You are on page 1of 5

‫عبد الرحمن أبو ذكري‬

‫سب واالرتزاق‪ ،‬وقد‬ ‫جردة تُمتهن للتك ُّ‬ ‫تحول إبداعه إلى مهن ٍة ُم َّ‬ ‫مما يُبتلى به ال ُح ُّر ّ‬
‫لتتحول المهنة إلى صناع ٍة‬
‫ّ‬ ‫تتفاقم المأساة بإنكار الهبة الربّانية ذات الطبيعة الفردانيّة‬
‫التحوالت الرأسمالية وهيمنة نموذج اإلنتاج الكبير؛‬ ‫ّ‬ ‫شي‬‫كميّة‪ ،‬وذلك تحت وطأة تف ّ‬
‫ي ينزع ربّانيّة العمل اإلبداعي‬ ‫لتبدو تلك المسيرة‪ ،‬في نهاية األمر؛ كأنها جحي ٌم إلحاد ّ‬
‫بتحوله لعم ٍل آلي تضطلع به‬ ‫ّ‬ ‫ويُلقي به حرفيًا في مصرف الصيرورة الماديّة‪ ،‬سواء‬
‫عنصر آلي اإلدراك‬
‫ٌ‬ ‫عنصر شبه بشري بإنجازه؛‬ ‫ٍ‬ ‫آلة توصف بالذكاء‪ ،‬أو اضطالع‬
‫التفرد‬
‫ُّ‬ ‫أُحادي الرؤية‪ .‬وهي بليةٌ نزلت بحقل الترجمة كما نزلت بغيره من حقول‬
‫اإلنساني‪ .‬وبعد أن كان المترجمون العرب صفوة من المفكرين والكتاب واألدباء‬
‫(أمثال العقاد والمازني وطه حسين وحافظ إبراهيم ويحيي حقي وأحمد حسن الزيات‬
‫وعادل زعيتر وسامي الدروبي وعمر فروخ وثروت عكاشة وصالح عبد الصبور‬
‫تحولت‬ ‫ومحمود شاكر وزكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي ولويس عوض) ّ‬
‫الترجمة لمهنة العاطلين عن المواهب‪ ،‬أصحاب العقول الفارغة معدومي الثقافة؛ وما‬
‫ت جامعيّة تُفيد ُ "إجادتهم" لرطانات أجنبية ما‪،‬‬ ‫نالوا ذلك إال بحصولهم على إجازا ٍ‬
‫تحولت‬‫وحاجة الشركات األجنبيّة الغازية لبالدنا لمن يُترجم لها وثائقها ودعاياتها‪ .‬ثم ّ‬
‫تلك العملية اإلبداعية المنكودة إلى صناع ٍة تضطلع بها شركاتٌ تُجاريّة؛ تُترجم أي‬
‫لوث بإفرازاتها ذائقة كل غيور‪.‬‬ ‫غثاءٍ بغير تمييز‪ ،‬وت ُ ّ ِّ‬‫ُ‬

‫ي حقيقي في تلك الشركات الشيطانية‪،‬‬ ‫تحولت الترجمة إلى "خط إنتاج" صناع ّ‬ ‫بل َّ‬
‫وظف أمثال تلك الدور حفنة من‬ ‫وقلَّدتها في ذلك بعض دور النشر ال ُكبرى‪ .‬إذ ت ُ ِّ ّ‬
‫التخرج من أقسام اللغات‪ ،‬برواتب زهيدة؛ وتدفع لكل‬ ‫ُّ‬ ‫الشباب محدودي األفق حديثي‬
‫ت ترجمة‬ ‫أيام معدودا ٍ‬ ‫ب ليقتسموا فصوله بينهم‪ ،‬فيُترجموه في ٍ‬ ‫مجموعة منهم بكتا ٍ‬
‫ونادرا ما تُحرر الكتب‬ ‫ً‬ ‫حرفيّة هزليّة‪ ،‬إن أحسنوا العمل وكانوا من أهل اإلجادة؛‬
‫سط اكتشاف هذه‬ ‫ويُضبط أسلوبها وتراكيبها ومصطلحها‪ .‬ليستطيع القاريء المتو ِّ ّ‬
‫بمجرد انتهائه من أول فصول الكتاب؛ إذ يَلقى ُمصطل ًحا ُمختلفًا‬ ‫َّ‬ ‫الخدعة الخسيسة‬
‫ولغة ُمختلفة في الفصل الذي يليه‪ .‬وغالبًا ما ال تحمل الكتب‪ ،‬التي آلت لذلك المآل‬
‫مترجم بال ُكليّة‪ .‬وقد اشتُهر‬‫ٍ‬ ‫المزري؛ أسماء ُمترجميها األصليين‪ ،‬أو تصد ُر بغير اسم‬
‫بعض "كبار" األكاديمين بمثل هذه الخطوط اإلنتاجيّة اللعينة؛ حتى صار وجود‬
‫تحذير وتنبيه على تدنّي‬
‫ٍ‬ ‫أسماؤهم على الكتب ك ُمترجمين‪ ،‬أو ُمراجعي ترجمة؛ بمثابة‬
‫مستوى النصوص المترجمة‪ ،‬فهم لم يبذلوا فيها أدنى جهد‪ .‬إذ تتأبى الفطرة السليمة‬
‫وقيمة اإلجادة على إخراج الواحد منهم عدَّة ُمجلَّدات ضخمة الحجم كل عام‪ ،‬وهو‬
‫وأشهر هؤالء قاطبةً هو اللبناني‬ ‫ُ‬ ‫المتفرغين‪.‬‬
‫ِّ ّ‬ ‫ُعج ُز فصيال من العباقرة‬
‫حجم إنتاجٍ ي ِّ‬
‫ي مرموق؛ يتندَّر المثقفون‬ ‫شهرة مؤر ٌخ مصر ٌ‬ ‫المدعو رضوان السيّد‪ ،‬ويتلوه في ال ُ‬

‬لذا؛‬ ‫فنصيحتي لكل ُمقب ٍل بجديّ ٍة على الترجمة أال يفعل‪ ،‬حتى يستوي كاتبًا حقيقيًا قد تش َّكل‬ ‫ب مهما أتقن من اللغات حتى يُصبح‬ ‫ُمعجمه ونضج أسلوبه‪ .‬أما المترجم المرتزق‪ ،‬وهم القاسم‬ ‫عار على الترجمة وعلى الفكر‪ ،‬وال تزال النصوص التي يُترجمها‬ ‫األعظم؛ فإنه ٌ‬ ‫ركيكة اللغة ركيكة البنية الفكرية‪ ،‬هشة الوجود السوسيو معرفي‪ .‬‬ ‫مفكر ُمعيّن؛ هي ترجمة أستاذنا‬‫ٍ‬ ‫األمثلة المعاصرة لترجمة ارتبطت بمشروع‬ .‬وقد َّ‬ ‫وأصوا ٍ‬ ‫سب‪ ،‬وحصول أمثال‬ ‫ّ‬ ‫التفرد اإلنساني؛ وزاد الطين بلة صيرورته أداة ً للتك ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ينزع لقتل‬ ‫ي وأكاديمي بأنهم ُمترجمون!‬ ‫هؤالء المناكيد على اعترافٍ مهني واجتماع ّ‬ ‫إن اإلتقان الحقيقي للغات األجنبية‪ ،‬و ُحسن إحاطة المترجم الجيد بثقافاتها؛ سال ٌح ذو‬ ‫عجم فصيحٍ‪ . ‫بالضخامة الالمعقولة لحجم إنتاجه المتر َجم كل عام‪.‬ولذا؛ فإن أفضل صورها وأنضجها هو ما ارتبط‬ ‫ثم في مجا ٍل تداول ّ‬ ‫عنصرا من عناصره‪ ،‬فهو يؤول ويفسر ويوظف‬ ‫ً‬ ‫مفكر أو مثقفٍ ما‪ ،‬وكان‬ ‫ٍ‬ ‫بمشروع‬ ‫النصوص المترجمة لحساب فكرةٍ أو هدفٍ معين‪ .‬وقد عرفت قلة من المترجمين ال ُمجيدين لغتهم "األم" هي‬ ‫العربية‪ ،‬لكنهم أكثر عيًّا من العجم‪ ،‬وأعجز عن التعبير بها من الطفل األصم‪ .‬إنها عم ٌل لالرتزاق‬ ‫شِّطة‪ ،‬إنه‬ ‫ال حياة له‪ ،‬ناهيك عن انعدام قدرته على تغذية الثقافة الجديدة بعناصر ُمن ّ‬ ‫وربّما كان واحدًا من‬ ‫عم ٌل يفتقد للروح حتى إن حظي بإجاد ٍة صارت نادرة التحقُّق‪ُ .‬أال يشرع بترجمة أي كتا ٍ‬ ‫كاتبًا ُمتمكنًا من لغته األم وأدواتها‪ ،‬دائم النظر في النصوص الفصيحة من د ُرر‬ ‫األدب القديم وعيون األدب الحديث‪.‬فقد‬ ‫حدّين‪ ،‬إذا لم يكن المترجم كاتبًا ذا باعٍ وصاحب أسلو ٍ‬ ‫ب ُمتمي ٍّز و ُم ٍ‬ ‫يصل به التماهي مع الثقاف ِّة األجنبيّة حدًا يعجز فيه عن التعبير بعربيّته التي صدأت‬ ‫من قلة االستعمال والمران‪ .‬‬ ‫نقال تقنيًا ُمجردًا لتراكيب نحويّة من لغ ٍة إلى أخرى‪ ،‬كما‬‫ذلك أن الترجمة ليست ً‬ ‫ً‬ ‫أصال عمليّة تغذي ٍة ثقافي ٍة هدفها‬ ‫تهرف بعض السفسطات األكاديمية المدرسيّة؛ بل هي‬ ‫ق ثقافي وحضاري إلى آخر مغاير‪ ،‬ودمجه من‬ ‫نص من سيا ٍ‬ ‫النقل الثقافي والمعرفي ل ٍ‬ ‫ي ٍ جديد بال ُكليّة‪ .‬ذلك أن‬ ‫بالموضوعات التي يُترجمون فيها؛ بل تمتد لجهلهم ال ُم ِّ‬ ‫إعداد المترجم في الجامعات المتردّية صار أسطورة ً ُمستحيلةُ التحقُّق‪ ،‬كما انعدمت‬ ‫ي الكاسحة‪ ،‬والتي‬ ‫االنهيار الثقاف ّ‬ ‫ٍ‬ ‫فرص إصالح هذا الخراب خارجها بسبب موجة‬ ‫تدهور يعجز معه أكثر هؤالء الشباب‪ ،‬بل أكثر‬ ‫ٌ‬ ‫تدهور لغوي شبه كامل؛‬ ‫ٌ‬ ‫صحبها‬ ‫جرد التعبير عن أنفسهم شفاهة في بضع كلمات صحيحة‪ ،‬ليرتدّ‬ ‫أفراد المجتمع؛ عن ُم َّ‬ ‫ي ال يستطيع فيه التعبير عن نفسه سوى بصرخات‬ ‫اإلنسان الحديث إلى دركٍ بدائ ّ‬ ‫ي‪ ،‬الذي‬‫كرست ثقافة االستهالك الجماهيرية هذا الع ّ‬ ‫ت ُمزعج ٍة ال تُبين‪ .‬‬ ‫وتصد ُر هذه المباءة اإلبداعيّة ليس عن جهل شباب المترجمين باللغات األجنبية التي‬ ‫ينقلون عنها فحسب‪ ،‬وال تقتصر أسبابها على ضحالة ثقافتهم وانعدام معرفتهم‬ ‫فجع باللسان العربي‪ .

‬‬ ‫إن الترجمة الحرفيّة تستحيل من هذا المنظور‪ ،‬وال تُثمر محاوالتها‪ ،‬الشائعة والغالبة‬ ‫على اإلنتاج المعاصر؛ إال عن فضائح ثقافيّة ومخازي معرفيّة ُمثيرة للسُخرية‪ .‬فقد‬ ‫ساهم الكتاب في تطوير فكر المسيري‪ ،‬الذي كان يُناقش رايلي في أطروحته حتى من‬ ‫ٌ‬ ‫لصيق باألسئلة‬ ‫قبل نشر الكتاب بلغته األصليّة في أمريكا‪ .‬وال يكتفي المترجم الجيّد‬ ‫كبيرا من المشترك اإلنساني‬ ‫قدرا ً‬ ‫النص يحمل ً‬ ‫ّ‬ ‫بترجمته دون تعليقات إال إن كان‬ ‫حصرا‬ ‫ً‬ ‫والمعرفي مع السياق المترجم إليه‪ ،‬ويُضاف إليه أن تكون ترجمته مو َّجهة‬ ‫للمتخصصين في مجال معيّن؛ فال تلزمهم من ثم اإلضافات وال الشروح‪.‬إذ التمكن من‬ ‫النص؛ ٌ‬ ‫تصورات المؤلف‬ ‫ّ‬ ‫قادرا على رسم‬‫الخطاب والسياق ال ُمتر َج َمين يجعل ال ُمترجم ً‬ ‫وخلفيّاتها بدقّة في المجال الثقافي‪/‬اللغوي المنقولة إليه‪ ،‬وسواء أدى ذلك لقبولها أو‬ ‫نبذها؛ فإن جودة نقلها‪ ،‬بالتعريب والترجمة والشرح والتعليق والتصدير‪ ،‬والتمييز‬ ‫ط لتُثمر الترجمة إضافةً حقيقية للقاريء وللثقافة بوج ٍه‬ ‫بين الخاص والعام فيها؛ شر ٌ‬ ‫عام‪ .‬إن الترجمة‪ ،‬بهذا المعنى؛ أشق من الكتابة‪ ،‬ذلك أنها تأوي ٌل ُم‬ ‫ألفكار مؤلفٍ أجنبي‪ ،‬تأويل يجتهد لالقتراب من المعنى األصلي قدر الطاقة؛ ليُحسن‬ ‫ي‬ ‫ق ثقاف ّ‬ ‫عرضه‪ ،‬بخصوصيته الحضارية‪-‬الثقافية وعموم اإلنساني فيه؛ في سيا ٍ‬ ‫وحضاري مخا ِّلف‪.‬وبما أن الترجمة هي إحدى صور التأويل؛ فال يُمكن من ثم التأويل دون تد ُّخل‬ ‫تصورات المؤلف‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫المترجم بالشرح والتعليق لفتح المجال الثقافي المتلقّي للتفا ُ‬ ‫عل مع‬ ‫والتي قد تُع ِّبّ ُر عن خلفيّة حضاريّة‪-‬ثقافية ُمغايرةٍ بالكليّة‪ .‬إن امتالك ناصية الخطاب الحضاري والثقافي‪ ،‬للسياق المت ُرجم داخل‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫أمر جد الزم لدمج النص الجديد في المجال التداولي العربي‪ .‬‬ ‫وإذا كانت العربية اليوم بحاج ٍة إلى حركة ترجمة واسعة‪ ،‬أكثر كثافةً وثرا ًء من حركة‬ ‫جرد مواكبة كل‬ ‫الترجمة التي شهدها منتصف القرن العشرين؛ فإن هذا ال يعني ُم َّ‬ ‫المستجدات األدبية والفكرية والعلمية في الشرق والغرب‪ ،‬بغير تمييز؛ بل يعني‬ ‫التسرع‪ ،‬والعناية ب ُحسن انتقاء ما يُمكنه‬ ‫ُّ‬ ‫بالضرورة ت ُّخففنا من العقليّة الكميّة‪ ،‬ونبذ‬ ‫بعناصر تنشيطٍ حقيقي‪ .‬وهو ما يلزمه بالضرورة أن‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫فعال تغذية الثقافة العربية‬ ‫يضطلع بقيادة الحركة المنشودة باحثون وكتاب جادون ومف ِّ ّكرون مت ّميزون وأدباء‬ ‫سن مستوى األعمال المختارة للترجمة‪،‬‬ ‫مطبوعون‪ ،‬فهذا هو الضمان الوحيد لتح ُّ‬ .‬كذا؛‬ ‫صا إذا‬ ‫فإن التعريب الحقيقي للنص يطوي ُمجازفة كبيرة محفوفة بالمخاطر‪ ،‬خصو ً‬ ‫كان المترجم ضعيف االستيعاب للسياق الثقافي الذي ينقل عنه‪ ،‬جاهال بإشكالياته‪،‬‬ ‫تصو ٍر عن عالقة السياقين الثقافيين‬ ‫ّ‬ ‫قادر على تشكيل‬ ‫ضحل اإللمام بخطابه‪ ،‬وغير ٍ‬ ‫ومن ثم الوقوف على الخاص والعام في النص؛ وهو ما وقع فيه بعض ُمترجمي جيل‬ ‫"الرواد"‪ . ‫المسيري لكتاب صديقه المف ِّ ّكر األمريكي كيفن رايلي‪ ،‬والمعنون‪ :‬الغرب والعالم‪ .‬لذا؛ فالترجمة هنا عم ٌل‬ ‫تطورت إجاباتها بالجدل مع المؤلف ومع األفكار التي طرحها في‬ ‫الشخصية التي َّ‬ ‫المترجم أكثر قدرة على النفاذ لمستويات أعمق من المعنى في‬ ‫ِّ‬ ‫الكتاب‪ ،‬وهو ما يجعل‬ ‫فترض‬ ‫ٌ‬ ‫النص األصلي‪ .

‬‬ ‫لرواد قد أجاد‪ ،‬إلى ح ٍد كبير؛ التعا ُمل مع عيون التراث الغربي‪ ،‬وعلى‬‫وإذا كان جيل ا ّ‬ ‫رأسه النتاج االستشراقي؛ فإن الجيل الحالي أعجز ما يكون عن ذلك‪ .‬وسواء كان المستشرق أو الباحث في الدراسات‬ ‫العربية‪/‬اإلسالمية أو الفيلسوف والمفكر األجنبي؛ يتعامل مع نصوص وأفكار تنتمي‬ ‫لفضاءه الحضاري أو حتى لفضاءنا العربي‪-‬اإلسالمي؛ فإن قُدرة المترجم المعاصر‬ ‫على التعا ُمل معها هي في كل األحوال صفر‪ ،‬أو تكاد؛ إال قلّة قليلة من المثقّفين‪،‬‬ ‫الذين امتهنوا الترجمة لنُصرة أيديولوجياتهم بترجمة أدبياتها‪. ‫باإلضافة لترقّي مستوى النصوص المترجمة على الغثاء الذي يمأل ساحة الثقافة‬ ‫ب ومفكر‬ ‫العربية‪ .‬إذ لو كان لهؤالء مشروعات‬ ‫حقيقية؛ ألدركوا وحدهم أهمية الترجمة في سد بعض نقصهم اإلنساني‪ ،‬وتطوير كثير‬ ‫ضا من المرتزقة‪ ،‬فال‬ ‫من أدواتهم المعرفية‪/‬الفنيّة‪ .‬‬ ‫أعمالهم للعربية مهمة شبه مستحيلة على أبناء هذا الجيل‪ ،‬ناهيك عن فهمهم لها‬ ‫إن كتابات قامات أمثال ماسينيون وبالثيوس وغولدزيهر وبراون ونولدكه‬ ‫وبروكلمان وهونكه‪ ،‬أو غوته وتولستوي وديكنز وجويس وإيمرسون‪ ،‬أو فولتير‬ ‫ولوك وكانط ومونتسكيو واسبينوزا‪ ،‬وغيرهم كثيرون؛ يلزمها مثقَّف موسوعي‪،‬‬ ‫ترجم جيد‪ .‬ليس الفتقاده‬ ‫األدوات اللغوية والمعرفية األوليّة‪ ،‬التي تلزم كحد أدنى للمترجم المتواضع الموهبة؛‬ ‫بل ألن حجم المعارف والعلوم التي تتقاطع في كتابات هؤالء الكتاب يجعل نقل‬ ‫ً‬ ‫أصال‪.‬وهو ما ينطبق على كثير مما يصد ُر حاليًا من الكتابات‬‫جرد ُم ٍ‬‫وليس ُم َّ‬ ‫الجادة في الشرق والغرب‪ .‬والحال أن أكثر الكاتبين اليوم هم أي ً‬ ‫ضا على ما‬‫أسئلة حقيقية وال هموم حقيقية وال آمال حقيقية؛ ومن ثم اقتصر نتاجهم أي ً‬ ‫يكفُل لهم الرزق السهل من غث القول‪ ،‬وإن كانت أدواتهم ومواهبهم ال تسمح بأكثر‬ ‫من ذلك حتى لو أرادوا‪.‬والحال غير ذلك لألسف‪ .‬وقد ينقل الكاتب من هؤالء عن‬ ‫تُفيد الثقافة العربية من ترجمته للمصدر نفسه آالف أضعاف إفادتها من كتابته التافهة!‬ ‫وصيرورة الترجمة جز ًءا من المشروع الشخصي لكل كاتب وباحث ومفكر وأديب؛‬ ‫تعني بالضرورة أن يكون لهؤالء مشروعات معرفيّة‪/‬فنيّة واضحة‪ ،‬ورسائل ُمحددة‬ ‫يريدون نقلها للمجتمع‪ .‬أن تكون الترجمة قس ًما أساسيًا وجز ًءا ال يتجزأ من مشروع كل كات ٍ‬ ‫صا في ظل سيادة عقلية االرتزاق والوجاهة األدبيّة‬ ‫أمر جد شاق‪ ،‬خصو ً‬‫وأديب‪ .‬وهو ٌ‬ ‫المكذوبة بين كتاب اليوم‪ ،‬وتفضيل حثاالتهم لنشر كتب مدموغ ٍة بأسماءهم‪ ،‬كمؤلفين‬ ‫ُمفترضين؛ برغم نقلهم‪/‬سرقتهم كل أفكارهم حرفيًا عن آخرين بغير تمييز‪ ،‬واعتبار‬ ‫ب متميّز في‬‫ذلك الز َبد قيمة أسمى وأرفع "اجتماعيًا" و"أكاديميًا" من ترجمة كتا ٍ‬ ‫مصدر أجنبي بال فهم وال وعي‪ ،‬وربّما‬ ‫ٍ‬ ‫موضوعه‪ .‬‬ ‫ترجم جيد‪ ،‬بل يعني تزايُد صعوبة إعداده‪،‬‬ ‫لكن كل ما سبق ال يعني استحالة وجود ُم ٍ‬ ‫لوجوب عناية الجاد منهم بإثراء ثقافته وصقل موهبته وشحذ أدواته وحده‪ُ ،‬معتمدًا‬ .

‬وثانيها أن يُترجم في مجال "تخصصه" أو اهتمامه‪،‬‬ ‫حيث يُلم إلما ًما جيدًا بالخطاب والمصطلح؛ وهو ما يعني إهدار جهود أصحاب‬ ‫الصنعة والمرتزقة الذين يترجمون في كل لون ويظنون ذلك من اإلتقان واالحتراف‪. ‫على نفسه وبغير مساعدة؛ بل ُربما يلقى العنت والسخرية واالستهزاء من أقرانه‬ ‫ونظرائه‪.‬‬ ‫وأظن المقام مناسبًا لحصر بعض شروط المترجم العربي الجيّد‪ ،‬من وجهة نظرنا؛‬ ‫لعلها تنفع الجادّين الراغبين في سلوك هذا الطريق‪ .‬والشرط الرابع أن ي ّ ِّ‬ ‫أوال بأول على‬ ‫باستمرار فهمه للسياق الثقافي والحضاري الذي يُترجم منه؛ َّ‬ ‫فيطلع ً‬ ‫كل جديد في آدابه وفنونه وعلومه ونظمه السياسية واالقتصادية واالجتماعية‪ ،‬وغير‬ ‫ذلك مما يُسهم في ُحسن إدراكه للواقع الذي ينقل عنه‪ .‬وهي شروط خمسة‪ :‬أولها أن‬ ‫ب واضحٍ مقروء ومعجم خاص يالئم وسطه الثقافي ويُع ِّبّر‬ ‫يكون كاتبًا موهوبًا ذا أسلو ٍ‬ ‫عن الموضوعات التي يتناولها‪ .‬وآخر هذه الشروط أن يجتهد‬ ‫صا ال يُمكنه تسكينه في منظومته الفكرية والعقدية واألخالقية‪،‬‬ ‫قدر طاقته أال يُترجم ن ً‬ ‫صا ال يُمكنه اتخاذ موقف‬ ‫سواء بالسلب أو اإليجاب‪ ،‬وبعبارةٍ أخرى؛ أال يُترجم ن ً‬ ‫ضا أو بين بين؛ وذلك حتى يُمكنه فتح مغاليق النص‪ ،‬بالتعريب‬ ‫ُمعيّن منه‪ً ،‬‬ ‫قبوال أو رف ً‬ ‫والترجمة والشرح والتعليق؛ من زاوي ٍة واضح ٍة يُدركها تمام اإلدراك‪.‬‬ ‫ُطو ُر‬‫أما ثالث هذه الشروط؛ فهو أن يُديم قراءة القرآن والنظر في نصوص فصيحة ي ّ ِّ‬ ‫ُطور‬ ‫بها أسلوبه ومعجمه في الكتابة‪ ،‬ومن ثم في الترجمة‪ .‬‬ .