You are on page 1of 2

‫)‪(8‬‬

‫مريم عبد الشهيد‬
‫‪1992‬‬
‫ما أن رأيته حتى تذكرته على الفور‪ ..‬حليم صادق‪ ،‬الطالب الوحيد الذي لم يتأثر يوما بموجاتي الجاذبة الطاردة‬
‫التي تحيطني بهالة مكهربة من الرهبة والرغبة‪ ،‬تصعق كل من يجرؤ على القتراب‪ .‬ما من طالب تحاورت معه إل وقرأت‬
‫في عينيه اهت از از في ثقته بنفسه أمامي بصورة أو بأخرى‪ .‬كان بعضهم يتصور أو يريدني أن أتصور أنه يعاملني‬
‫معاملة الملئاكة‪ ،‬وهو يعلم أنه غير صادق مع نفسه أو معي‪ ،‬لكنه ل يعرف البديل‪ ..‬وكان البعض الخر يتحاشاني‬
‫إيثا ار للسلمة من خطر غامض ليس له وجود إل في ذهنه الضعيف‪.‬‬
‫أما الساتذة فكانوا – بل استثناء – يضمرون نحوي نفو ار داخليا تستره ابتسامات المجاملة وتحيات الصباح‪.‬‬
‫والحق أنني لم أكن أبادلهم في قرارتي نفس الشعور إوانما كنت محايدة تماما‪ ،‬بل إنني لم أكن أشعر في بعض الحيان‬
‫بوجودهم في القسم‪ ،‬فيما عدا الدكتور ميخائايل الذي كان لي بمثابة الب الروحي‪ ،‬والذي كان يذكرني على الدوام بأبي‬
‫الراحل حتى لحق به فجأة هو الخر فلم يبق لي صديق‪.‬‬
‫ل أستطيع أن أنكر أن شيئاا ما قد اهتز بداخلي حين رأيت حليم صادق للوهلة الولى‪ .‬وفي لمح البصر عبرت‬
‫سنواتي الثلثا والخمسون أمام عيني‪ ..‬البنة الوحيدة المدللة التي تطلب فتجاب وتبتسم فيقهقه القمر‪ ،‬وتبكي فيخسف‪،‬‬
‫وتنام فيسكن الليل‪ ،‬وتصحو فتشرق الشمس‪ .‬الطالبة الوحيدة في قسم الثار وقد أنشئ لول مرة بكلية الداب‪ .‬أجمل‬
‫جميلت الجامعة بغير اشتراك في مسابقة أو دخول في مناقشة معلنة أو خفية‪ ،‬ثم كانت مواصفاتي لشريك العمر محددة‬
‫تحديدا قاطعا‪ :‬أن يكون شكله مقبول ومركزه الجتماعي مرموقا وحالته المادية ميسرة تماما‪ ،‬ول بد أن يكبرني في السن‬
‫بعدة سنوات‪ ..‬ذلك أننى أحب أن أبقى مدللة حتى نهاية العمر‪.‬‬
‫حين بلغت الثالثة والعشرين – أي عقب تخرجي مباشرة – انطبقت المواصفات على الدكتور وفيق جرجس‬
‫الستاذ المساعد بكلية الطب وكان عمره اثنين وثلثين عاما ولديه عيادة خاصة‪.‬‬
‫يعيش معي منذ ثلثا قرن من الزمان كزوج وأب‪ ،‬لكني لم أستطع كما لم أرغب في اكتساب صداقته‪ ،‬كما كان‬
‫من المستحيل أن أحبه بعد ليلة الزفاف‪ ،‬فضل عن انه كثير الكلم فيما ل يجدي ول يفيد‪.‬‬
‫الحب حالة لم أعرفها في حياتي حتى اليوم ل مع رجل ول مع امرأة‪ ،‬ومن الطبيعي أنه لم يتبق لي من العمر‬
‫وقت لعرفها وأتذوق ما يقال عن حلوتها ومرارتها وعذوبتها‪.‬‬
‫وبقدر كراهيتي للسئالة التي تحوم حول ذاتي كنت أترقب السئالة من حليم‪ ،‬وأضغط على نفسي فأجيب‪..‬‬
‫أحاول للمرة الولى وربما الخيرة في حياتي أن أغير من نفسي قبل فوات الوقت‪.‬‬
‫لماذا تركت الجامعة؟‬ ‫‪-‬‬

.‬كان لعابه يسيل على وجهي وأنفاسه الكريهة اللهثة تتلحق في تتابع محموم‪ .‬دلني أيها الرب ماذا أفعل حتى ل أهزم أمام هؤلء الظالمين‪ ،‬أو دعني أتصرف حسبما أشاء‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪1988‬‬ ‫لن أنسى ما حييت ولن تنتزع قوة على الرض غصته من قلبي‪ :‬دانيال‪ .‬كيف أذهب إلى جامعة تنتمي إلى هؤلء القوم فأحاضرهم فيها‬ ‫وأبذل لهم العلم والمعرفة؟‪ .‬‬ ‫***‬ ‫أيها الرجل الغريب‪ .‬أخي الوحيد‪ ..‬‬ ‫لم تغلق جفوني طوال الليل‪ .‬ابتعد عني ودعني أعيش بقية أيام عمري في سلم‪.‬كانت أشواك صدره العريض المشعر تشك صدري كإبر حادة ساخنة لدرجة الحمرار‬ ‫وكان جسده المربع كجسد خنزير نتن الرائاحة يقبع فوق جسدي ويمزقه بشراسة من لم يضاجع امرأة متحضرة في‬ ‫حياته‪ .‬‬ ‫في صباح اليوم التالي حصلت على الستاذية مصحوبة بقرار بالموافقة على سفري في بعثة جديدة إلى أمريكا‬ ‫للمرة الرابعة‪.‬‬ ‫قرأت الفرحة العارمة والشماتة الطاغية في عيون زملئاي الساتذة‪ ،‬وتساءلت أي وطن هذا الذي ل أستطيع‬ ‫الحصول فيه علي حقي دون أن أريق ماء وجهي أو أبذل آدميتي أو أترك الذئااب الجائاعة تمرغ رءوسها القذرة في‬ ‫صدري؟‪ .‬قتله المجرمون‬ ‫الملتحون داخل صيدليته ونهبوا خزانته تحت راية السلم‪ .‫سألتني وأجبتك من قبل‪..‬لكن ما آلمني حقا وسوف يظل‬ ‫يؤلمني مدى الحياة هو أنني في اللحظات الخيرة انصهرت في نيرانه بعنف تجاوز عنفه وأنا أنعته بأبشع السباب‬ ‫تنفسيا ضعيفا عن شعوري بالذلل والمهانة والظلم والقهر‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫……!!‬ ‫‪-‬‬ ‫هل لي أن أعرفه؟‬ ‫‪-‬‬ ‫قد أصارحك به يوما‪.‬‬ ‫***‬ .‬بعد ذلك مباشرة كانت المكافأة أن تخطوني في ترقيتي للستاذية ووضعوا بيني وبينها سدا‬ ‫قانونيا منيعا لسنوات عديدة‪ ،‬وكان هذا التخطي للمرة الثالثة‪..‬‬ ‫حطمت السد وخرقت القانون الذي وضعوه في نصف ساعة على فراش " حسن شحته" الكلب الذي كان القرار‬ ‫بيده‪ .‬تحملت ضغط كرشه الثقيل يسحق كياني ويفتته في الظلم‪ ،‬ثم جريت إلى الحمام كي أتقيأ ولكن دون أن تسقط‬ ‫من عيني دمعة واحدة‪.‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لم أقنع بالجابة‪ .‬ل بد أن هناك سببا آخر‪..