You are on page 1of 337

‫سفتنا‬

‫فل‬

‫‪1‬‬

‫ممد باقر الصدر‬

‫‪2‬‬

‫فلسَفتنا‬
‫دراسة موضوعية ف معترك الصراع الفكري القائم بي متلف‬
‫التيارات الفلسفية وخاصة الفلسفة السلمية والادية الديالكتيكية‬
‫(الاركسية)‬
‫طبعة جديدة‬
‫مصححة ومنقحة‬

‫•اسم الكتاب‪ :‬فلسفتنا‬

‫‪3‬‬

‫•الؤلف‪ :‬الشهيد آية ال العظمى السيد ممد باقر‬
‫الصدر‬
‫•الناشر‪ :‬الجمع العلمي للشهيد الصدر (قده)‬

‫‪4‬‬

5

‫غزا العال السلمي‪ ,‬منذ سقطت الدولة السلمية صريعة بأيدي‬

‫الستعمرين‪ ,‬سيل جارف من الثقافات الغربية‪ ,‬القائمة على أسسهم‬

‫الضارية‪ ,‬ومفاهيمهم عن الكون‪ ,‬والياة والجتمع‪ .‬فكانت تد الستعمار‬

‫إمدادا فكريا متواصلً‪ ,‬ف معركته الت خاضها للجهاز على كيان المة‪,‬‬
‫وسر أصالتها‪ ,‬التمثل ف السلم‪.‬‬

‫وفدت بعد ذلك إل أراضي السلم السلبية‪ ,‬أمواج أخرى من تيارات‬

‫الفكر الغرب‪ ,‬ومفاهيمه الضارية‪ ,‬لتنافس الفاهيم الت سبقتها إل اليدان‪,‬‬

‫وقام الصراع بي تلك الفاهيم الواردة‪ ,‬على حساب المة‪ ,‬وكيانا الفكري‬
‫والسياسي الاص‪.‬‬

‫وكان ل بد للسلم أن يقول كلمته‪ ,‬ف معترك هذا الصراع الرير‪,‬‬

‫وكان ل بد أن تكون الكلمة قوية عميقة‪ ,‬صرية واضحة‪ ,‬كاملة شاملة‪,‬‬
‫للكون‪ ,‬والياة‪ ,‬والنسان‪ ,‬والجتمع‪ ,‬والدولة والنظام‪ ,‬ليتاح للمة أن‬

‫تعلن كلمة (ال) ف العترك‪ ,‬وتنادي با‪ ,‬وتدعو العال إليها‪ ,‬كما فعلت ف‬
‫فجر تاريها العظيم‪.‬‬

‫وليس هذا الكتاب‪ ,‬إل جزء من تلك الكلمة‪ ,‬عولت فيه مشكلة‬

‫الكون‪ ,‬كما يب أن تعال ف ضوء السلم‪ ,‬وتتلوه الجزاء الخرى‪ ,‬الت‬
‫يستكمل فيها السلم علجه الرائع‪ ,‬لختلف مشاكل الكون والياة‪.‬‬

‫○فلسفتنا‬
‫فلسفتنا هو‪ :‬مموعة مفاهيمنا الساسية عن العال‪ ,‬وطريقة التفكي فيه‪ .‬ولذا‬

‫كان الكتاب ـ باستثناء التمهيد ـ ينقسم إل بثي‪ :‬أحدها نظرية‬
‫العرفة‪ ,‬والخر الفهوم الفلسفي للعال‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫ومسؤولية البحث الول ف الكتاب تتلخص فيما يلي‪:‬‬

‫أولً‪ :‬الستدلل على النطق العقلي‪ ,‬القائل‪ ,‬بصحة الطريقة العقلية ف‬
‫التفكي وان العقل‪ ,‬با يلك من معارف ضرورية فوق التجربة‪ ,‬هو القياس‬

‫الول ف التفكي البشري‪ ,‬ول يكن أن توجد فكرة فلسفية‪ .‬أو علمية دون‬
‫إخضاعها لذا القياس العام‪ ,‬وحت التجربة الت يزعم التجريبيون أنا‬

‫القياس الول‪ ,‬ليست ف القيقة إل أداة لتطبيق القياس العقلي‪ ,‬ول غن‬

‫للنظرية التجريبية عن النطق العقلي‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬درس قيمة العرفة البشرية بالتدليل على أن العرفة‪ ,‬إنا يكن‬

‫التسليم لا بقيمة على أساس النطق العقلي ل النطق الديالكتيكي الذي يعجز‬
‫عن إياد قيمة صحيحة للمعرفة‪.‬‬

‫وهدفنا الساسي من هذا البحث‪ ,‬هو تديد منهج الكتاب ف السالة‬

‫الثانية‪ ,‬لن وضع مفهوم عام للعال‪ ,‬يتوقف قبل كل شيء على تديد الطريقة‬
‫الرئيسية ف التفكي‪ ,‬والقياس العام للمعرفة الصحيحة‪ ,‬ومدى قيمتها‪ .‬ولذا‬

‫كانت السألة الول ف القيقة بثا تهيديا للمسألة الثانية‪ .‬والسألة الثانية هي‬

‫السألة الساسية ف الكتاب الت نلفت القارئ إل الهتمام با بصورة‬

‫خاصة‪.‬‬

‫والبحث ف السألة الثانية‪ ,‬يتسلسل ف حلقات خس‪ .‬ففي اللقة الول‬

‫نعرض الفاهيم الفلسفية التصارعة ف اليدان‪ ,‬وحدودها‪ .‬ونقدم بعض‬
‫اليضاحات عنها‪.‬‬

‫وف اللقة الثانية نتناول الديالكتيك‪ ,‬بصفته اشهر منطق ترتكز عليه‬

‫الادية الديثة اليوم‪ ,‬فندرسه دراسة موضوعية مفصلة بكل خطوطه العريضة‪,‬‬

‫الت رسها هيجل وكارل وماركس‪ ,‬الفيلسوفان الديالكتيكان‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫وف اللقة الثالثة ندرس مبدأ العلية وقوانينها الت تسيطر على العال‪ ,‬وما‬

‫تقدمه لنا من تفسي فلسفي شامل له‪ ,‬ونعال عدة شكوك فلسفية‪ ,‬نشأت ف‬
‫ضوء التطورات العلمية الديثة‪.‬‬

‫وننتقل بعد ذلك إل اللقة الرابعة الادة أو ال‪ ,‬وهو البحث ف الرحلة‬

‫النهائية من مراحل الصراع بي الادية واللية‪ ,‬لنصوغ مفهومنا اللي للعال‪,‬‬

‫ف ضوء القواني الفلسفية‪ ,‬وف ضوء متلف العلوم الطبيعية والنسانية‪.‬‬

‫وأما اللقة الخية‪ ,‬فندرس فيها مشكلة من أهم الشاكل الفلسفية‪,‬‬

‫وهي الدراك‪ ,‬الذي يثل ميدانا مهما من ميادين الصراع بي الادية‬

‫واليتافيزيقية‪ .‬وقد عول البحث على أساس فلسفي‪ ,‬وف ضوء متلف العلوم‬
‫ذات الصلة بالوضوع‪ ,‬من طبيعة وفسيولوجية وسيكولوجية‪.‬‬

‫هذا هو الكتاب ف مطط إجال عام‪ ,‬تده الن بي يديك‪ ,‬نتيجة جهود‬

‫متظافرة طيلة عشرة اشهر‪ ,‬أدت إل إخراجه كما ترى وكل أملي أن يكون قد‬
‫أدى شيئا من الرسالة القدسة بأمان وإخلص‪.‬‬

‫وارجوا من القارئ العزيز‪ ,‬أن يدرس بوث الكتاب دراسة موضوعية‪,‬‬

‫بكل إمعان وتدبر‪ ,‬تاركا الكم له أو عليه‪ ,‬إل ما يلك من القاييس‬

‫الفلسفية والعلمية الدقيقة‪ ,‬ل إل الرغبة والعاطفة‪ .‬ول أحب له أن يطالع‬

‫الكتاب‪ ,‬كما يطالع كتابا روائيا‪ ,‬أو لونا من ألوان الترف العقلي والدب‪.‬‬

‫فليس الكتاب رواية ول أدبا أو ترفا عقليا‪ ,‬وإنا هو ف الصميم من مشاكل‬
‫النسانية الفكرة‪.‬‬

‫وما توفيقي إل بال عليه توكلت واليه وأنيب‪.‬‬

‫النجف الشرف ‪.‬‬

‫‪ 29‬ربيع الثان ‪ 1379‬هـ‬
‫ممد باقر الصدر‬

‫‪8‬‬

9

‫○ تهيد ○‬
‫ڤ‪....................................................‬السألة الجتماعية‬
‫مشكلة العال الت تل فكر النسانية اليوم‪ ,‬وتس واقعها بالصميم هي‬

‫مشكلة النظام الجتماعي الت تتلخص ف ماولة إعطاء أصدق إجابة عن‬
‫السؤال الت‪:‬‬

‫ما هو النظام الذي يصلح للنسانية وتسعد به ف حياتا الجتماعية؟‬

‫ومن الطبيعي أن تتل هذه الشكلة مقامها الطي‪ ,‬وان تكون ف تعقيدها‬

‫وتنوع ألوان الجتهاد ف حلها مصدرا للخطر على النسانية ذاتا‪ ,‬لن النظام‬
‫داخل ف حساب الياة النسانية ومؤثر ف كيانا الجتماعي ف الصميم‪.‬‬

‫وهذه الشكلة عميقة الذور ف الغوار البعيدة من تاريخ البشرية‪ ,‬وقد‬

‫واجهها النسان منذ نشأت ف واقعه الياة الجتماعية‪ ,‬وانبثقت النسانية الماعية‬
‫تتمثل ف عدة أفراد تمعهم علقات وروابط مشتركة‪ .‬فإن هذه‬

‫العلقات الت تكونت تقيقا لتطلبات الفطرة والطبيعة ف حاجة بطبيعة الال‬

‫إل توجيه وتنظيم‪ ,‬وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع النسان ومصاله‬
‫يتوقف استقرار الجتمع وسعادته‪.‬‬

‫وقد دفعت هذه الشكلة بالنسانية ف ميادينها الفكرية والسياسية ال‬

‫خوض جهاد طويل‪ ,‬وكفاح حافل بختلف ألوان الصراع‪ ,‬وبشت مذاهب‬

‫العقل البشري الت ترمي إل إقامة البناء الجتماعي وهندسته‪ ,‬ورسم خططه‬

‫ووضع ركائزه‪ ,‬وكان جهادا مرهقا يضج بالآسي والظال‪ ,‬ويزخر بالضحكات‬

‫‪10‬‬

‫والدموع‪ ،‬وتقترن فيه السعادة مع الشقاء‪ ,‬كل ذلك لا كان يتمثل ف تلك‬

‫اللوان الجتماعية من مظاهر الشذوذ والنراف عن الوضع الجتماعي‬

‫الصحيح‪ .‬ولول ومضات شعت ف لظات من تاريخ هذا الكوكب‪ ,‬لكان‬

‫الجتمع النسان يعيش ف مأساة مستمرة‪ ,‬وسبح دائم ف المواج الزاخرة‪.‬‬
‫ول نريد أن نستعرض الن أشواط الهاد النسان ف اليدان الجتماعي‬

‫لننا ل نقصد بذه الدراسة أن نؤرخ للنسانية العذبة‪ .‬وأجوائها الت تقلبت‬
‫فيها منذ الماد البعيدة‪ .‬وإنا نريد أن نواكب النسانية ف واقعها الاضر‪,‬‬
‫وف أشواطها الت انتهت إليها‪ ,‬لنعرف الغاية الت يب أن ينتهي إليها‬

‫الشوط‪ ,‬والساحل الطبيعي الذي ل بد للسفينة أن تشق طريقها إليه‪ ,‬وترسو‬

‫عنده لتصل إل السلم والي‪ ،‬وتؤوب إل الياة مستقرة‪ ,‬يعمرها العدل‬
‫والسعادة‪ ,‬بعد جهد وعناء طويلي وبعد تطواف عريض ف شت النواحي‬

‫ومتلف التاهات‪.‬‬

‫ڤ ‪.....................................................‬الذاهب الجتماعية‬
‫إن أهم الذاهب الجتماعية الت تسود الذهنية النسانية العامة اليوم‪,‬‬

‫ويقوم بينها الصراع الفكري أو السياسي على اختلف مدى وجودها‬

‫الجتماعي ف حياة النسان هي مذاهب أربعة‪:‬‬
‫‪1‬ـ النظام الديقراطي الرأسال‪.‬‬
‫‪2‬ـ النظام الشتراكي‪.‬‬
‫‪3‬ـ النظام الشيوعي‪.‬‬

‫‪4‬ـ النظام السلمي‪.‬‬
‫ويتقاسم العال اليوم إثنان من هذه النظمة الربعة‪ .‬فالنظام الديقراطي‬

‫الرأسال هو أساس الكم ف بقعة كبية من الرض‪ ,‬والنظام الشتراكي هو‬
‫السائد ف بقعة كبية أخرى‪ .‬وكل من النظامي يلك كيانا سياسيا عظيما‪,‬‬

‫يميه ف صراعه مع الخر‪ ،‬ويسلحه ف معركته البارة الت يوضها أبطاله ف‬
‫سبيل الصول على قيادة العال‪ ,‬وتوحيد النظام الجتماعي فيه‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وأما النظام الشيوعي والسلمي فوجودها بالفعل فكري خالص‪ ,‬غي أن‬

‫النظام السلمي مر بتجربة من أروع النظم الجتماعية وانحها‪ ,‬ث‬

‫عصفت به العواصف بعد إن خل اليدان من القادة البدئيي أو كاد‪ ,‬وبقيت‬

‫التجربة ف رحة أناس ل ينضج السلم ف نفوسهم‪ ,‬ول يل أرواحهم بروحه‬
‫وجوهرة فعجزت عن الصمود والبقاء‪ ,‬فتقوض الكيان السلمي‪ ,‬وبقي نظام‬

‫السلم فكرة ف ذهن المة السلمية‪ ،‬وعقيدة ف قلوب السلمي‪ ,‬وأملً‬

‫يسعى إل تقيقه أبناؤه الجاهدون‪ .‬وأما النظام الشيوعي فهو فكرة غي مربة‬

‫حت الن تربة كاملة‪ ,‬وإنا تتجه قيادة العسكر الشتراكي اليوم إل تيئة جو‬

‫اجتماعي له بعد أن عجزت عن تطبيقه حي ملكت زمام الكم فأعلنت‬
‫النظام الشتراكي وطبقته كخطوة إل الشيوعية القيقة‪.‬‬
‫فما هو موضعنا من هذه النظمة؟‬

‫وما هي قضيتنا الت يب أن ننذر حياتنا لا‪ ,‬ونقود السفينة إل‬

‫شاطئها؟‬

‫أولً ـ الديقراطية الرأسالية‬
‫ولنبدأ بالنظام الديقراطي الرأسال‪ .‬هذا النظام الذي أطاح بلون من‬

‫الظلم ف الياة القتصادية‪ ,‬وبالكم الدكتاتوري ف الياة السياسية‪ .‬وبمود‬
‫الكنيسة وما إليها ف الياة الفكرية‪ ,‬وهيأ مقاليد الكم والنفوذ لفئة حاكمة‬

‫جديدة حلت مل السابقي‪ ,‬وقامت بنفس دورهم الجتماعي ف أسلوب‬
‫جديد‪.‬‬

‫وقد قامت الديقراطية الرأسالية على اليان بالفرد إيانا ل حد له‪ .‬وبان‬

‫مصاله الاصة بنفسها تكفل ـ بصورة طبيعية ـ مصلحة الجتمع ف متلف‬
‫اليادين ‪ ...‬وان فكرة الدولة إنا تستهدف حاية الفراد ومصالهم الاصة‪,‬‬

‫فل يوز أن تتعدى حدود هذا الدف ف نشاطها ومالت عملها‪.‬‬

‫ويتلخص النظام الديقراطي الرأسال ف إعلن الريات الربع‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫السياسية‪ ,‬والقتصادية‪ ,‬والفكرية‪ ,‬والشخصية‪.‬‬

‫فالرية السياسية تعل لكل فرد كلما مسموعا ورأيا مترما ف تقرير‬

‫الياة العامة للمة‪ :‬وضع خططها‪ ,‬ورسم قوانينها‪ ,‬وتعيي السلطات القائمة‬

‫لمايتها‪ .‬وذلك لن النظام الجتماعي للمة‪ ,‬والهاز الاكم فيها‪ ,‬مسألة‬

‫تتصل اتصالً مباشرا بياة كل فرد من أفرادها‪ ,‬وتؤثر تأثيا حاسا ف سعادته‬

‫أو شقائه‪ ,‬فمن الطبيعي حينئذ أن يكون لكل فرد حق الشاركة ف بناء النظام‬
‫والكم‪.‬‬

‫وإذا كانت السألة الجتماعية ـ كما قلنا مسألة حياة أو موت‪ ,‬ومسألة‬

‫سعادة أو شقاء للمواطني‪ ,‬الذين تسري عليهم القواني والنظمة العامة‪...‬‬

‫فمن الطبيعي‪ ,‬أيضا أن ل يباح الضطلع بسؤوليتها لفرد‪ ,‬أو لجموعة‬

‫خاصة من الفراد ـ مهما كانت الظروف ـ ما دام ل يوجد الفرد الذي يرتفع ف‬

‫نزاهة قصده ورجاحة عقله‪ ,‬على الهواء والخطاء‪.‬‬

‫فل بد إذن من إعلن الساواة التامة ف القوق السياسية بي الواطني‬

‫كافة‪ ,‬لنم يتساوون ف تمل نتائج السألة الجتماعية‪ ,‬والضوع لقتضيات‬
‫السلطات التشريعية والتنفيذية‪ .‬وعلى هذا الساس قام حق التصويت ومبدأ‬

‫النتخاب العام‪ ,‬الذي يضمن انبثاق الهاز الاكم ـ بكل سلطاته وشعبه ـ عن‬
‫أكثرية الواطني‪.‬‬

‫والرية القتصادية ترتكز على اليان بالقتصاد الر‪ ,‬وتقرر فتح جيع‬

‫البواب‪ ,‬وتيئة كل اليادين ‪ ...‬أمام الواطن ف الجال القتصادي‪ .‬فيباح‬

‫التملك للستهلك وللنتاج معا‪ ,‬وتباح هذه اللكية النتاجية الت يتكون منها‬
‫رأس الال من غي حد وتقييد‪ ,‬وللجميع على حد سواء‪ .‬فلكل فرد مطلق‬

‫الرية ف إنتاج أي أسلوب وسلوك أي طريق‪ ,‬لكسب الثروة وتضخيمها‪,‬‬
‫ومضاعفاتا‪ ,‬على ضوء مصاله ومنافعه الشخصية‪.‬‬

‫وف زعم بعض الدافعي عن هذه الرية القتصادية أن قواني القتصاد‬

‫السياسي‪ ,‬الت تري على أصول عامة بصورة طبيعية‪ ,‬كفيلة بسعادة الجتمع‬
‫وحفظ التوازن القتصادي فيه‪ ...‬وإن الصلحة الشخصية‪ ,‬الت هي الافز‬

‫القوي والدف القيقي للفرد ف عمله ونشاطه‪ ,‬هي خي ضمان للمصلحة‬

‫الجتماعية العامة وإن التنافس الذي يقوم ف السوق الرة‪ ,‬نتيجة لتساوي‬
‫‪13‬‬

‫النتجي والتجرين ف حقهم من الرية القتصادية‪ ,‬يكفي وحده لتحقيق روح‬

‫العدل والنصاف‪ ,‬ف شت التفاقات والعاملت‪ .‬فالقواني الطبيعية للقتصاد‬

‫تتدخل ـ مثلً ـ ف حفظ الستوى الطبيعي للثمن‪ ,‬بصورة تكاد أن تكون آلية‪,‬‬
‫وذلك أن الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعية العادلة‪ ,‬انفض الطلب‬

‫بكم القانون الطبيعي الذي يكم بأن ارتفاع الثمن يؤثر ف انفاض‬

‫الطلب‪ ,‬وانفاض الطب بدوره يقوم بتخفيض الثمن‪ ,‬تقيقا لقانون طبيعي‬

‫آخر‪ ,‬ول يتركه حت ينخفض به إل مستواه السابق ويزول الشذوذ بذلك‪.‬‬

‫والصلحة الشخصية تفرض على الفرد دائما التفكي ف كيفية ازادة النتاج‬

‫وتسينه‪ ,‬مع تقليل مصاريفه ونفقاته‪ .‬وذلك يقق مصلحة الجتمع‪ ,‬ف نفس‬

‫الوقت الذي يعتب مسالة خاصة بالفرد أيضا‪.‬‬

‫والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تديد أثان البضائع وأجور العمال‬

‫والستخدمي بشكل عادل‪ ,‬ل ظلم فيه ول إجحاف‪ .‬لن كل بائع أو منتج‬
‫يشى من رفع أثان بضائعه‪ ,‬أو تفيض أجور عماله‪ ,‬بسبب منافسة‬

‫الخرين له من البائعي والنتجي‪.‬‬

‫والرية الفكرية تعن أن يعيش الناس أحرارا ف عقائدهم وأفكارهم‪.‬‬

‫يفكرون حسب ما يتراءى لم ويلو لعقولم‪ ,‬ويعتقدون ما يصل إليه‬

‫اجتهادهم أو ما توحيه إليهم مشتهياتم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة‪.‬‬

‫والعلن عن أفكاره ومعتقداته‪ ,‬والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده‪.‬‬

‫والرية الشخصية تعب عن ترر النسان ف سلوكه الاص من متلف‬

‫ألوان الضغط والتحديد‪ .‬فهو يلك إرادته وتطويرها وفقا لرغباته الاصة‪ ,‬مهما‬
‫نم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الاص من مضاعفات ونتائج‪,‬‬

‫ما ل تصطدم بسيطرة الخرين على سلوكهم‪ .‬فالد النهائي الذي تقف عنده‬
‫الرية الشخصية لكل فرد‪ :‬حرية الخرين‪ .‬فما ل يسها الفرد بسوء فل جناح‬

‫عليه أن يكيف حياته باللون الذي يلو له ويتبع متلف العادات والتقاليد‬

‫والشعائر والطقوس الت يستذوقها‪ ,‬لن ذلك مسالة خاصة تتصل بكيانه‬

‫وحاضره ومستقبله‪ ,‬وما دام يلك هذا الكيان فهو قادر على التصرف فيه كما‬
‫يشاء‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وليست الرية الدينية ـ ف رأي الرأسالية الت تنادي با ـ إل تعبيا عن‬

‫الرية الفكرية ف جانبها العقائدي‪ ,‬وعن الرية الشخصية ف الانب‬
‫العملي‪ ,‬الذي يتصل بالشعائر والسلوك‪.‬‬

‫ويتلخص من هذا العرض أن الط الفكري العريض لذا النظام ـ كما‬

‫الحنا إليه ـ هو‪ :‬أن مصال الجتمع بصال الفراد‪ .‬فالفرد هو القاعدة الت‬
‫يب أن يرتكز عليها النظام الجتماعي‪ ,‬والدولة الصالة هي الهاز الذي‬
‫يسخر لدمة الفرد وحسابه‪ ,‬والدارة القوية لفظ مصاله وحايتها‪.‬‬

‫هذه هي الديقراطية الرأسالية ف ركائزها الساسية‪ ,‬الت قامت من‬

‫اجلها جلة من الثورات‪ ,‬وجاهد ف سبيلها كثي من الشعوب والمم‪ .‬ف ظل‬
‫قادة كانوا حي يعبون عن هذا النظام الديد ويعدونم بحاسنه‪ ,‬يصفون‬

‫النة ف نعيمها وسعادتا‪ ,‬وما تفل به من انطلق وهناء وكرامة وثراء‪ .‬وقد‬

‫أجريت عليها بعد ذلك عدة من التعديلت‪ ,‬غي أنا ل تس جوهرها‬
‫بالصميم‪ ,‬بل بقيت متفظة بأهم ركائزها وأسسها‪.‬‬

‫ڤ‪..........................................‬التاه الادي ف الرأسالية‬

‫ومن الواضح أن هذا النظام الجتماعي نظام مادي خالص‪ ,‬أخذ فيه‬
‫النسان منفصلً عن مبدئه‪ ,‬وآخرته‪ ,‬مدودا بالانب النفعي من حياته‬

‫الادية‪ ,‬وافترض على هذا الشكل‪ .‬ولكن هذا النظام ف نفس الوقت الذي‬
‫كان مشبعا بالروح الادية الطاغية‪ ...‬ل يب على فلسفة مادية للحياة وعلى‬
‫دراسة مفصلة لا‪ .‬فالياة ف الو الجتماعي لذا النظام‪ ,‬فصلت عن كل‬

‫علقة خارجة عن حدود الادة والنفعة‪ ,‬ولكن ل يهيأ لقامة هذا النظام فهم‬
‫فلسفي كامل لعملية الفصل هذه‪ .‬ول أعن بذلك أن العال ل يكن فيه‬

‫مدارس للفلسفة الادية وأنصار لا‪ ,‬بل كان فيه إقبال على النعة الادية‪ :‬تأثرا‬

‫‪15‬‬

‫بالعقلية التجريبية الت شاعت منذ بداية النقلب الصناعي(‪ )1‬وبروح الشك‬

‫والتبلبل الفكري الذي أحدثه انقلب الرأي‪ ,‬ف طائفة من الفكار كانت تعد‬
‫من أوضح القائق وأكثرها صحة(‪ )2‬وبروح التمرد والسخط على الدين‬

‫الزعوم‪ ,‬الذي كان يمد الفكار والعقول‪ ,‬ويتملق للظلم والبوت‪ ,‬وينتصر‬
‫للفساد الجتماعي ف كل معركة يوضها مع الضعفاء والضطهدين(‪.)3‬‬

‫فهذه العوامل الثلثة ساعدت على بعث الادية‪ ,‬ف كثي من العقليات‬

‫الغربية‪...‬‬
‫كل هذا صحيح‪ ,‬ولكن النظام الرأسال ل يركز على فهم فلسفي مادي‬
‫للحياة‪ ,‬وهذا هو التناقض والعجز‪ ,‬فان السألة الجتماعية للحياة تتصل‬
‫‪1‬‬

‫ـ فإن التجر بة اكت سبت أه ية كبى ف اليدان العل مي‪ ,‬ووف قت توفي قا ل‬

‫يكن ف السبان ال الكشف عن حقائق كثية‪ ,‬وإزاحة الستار عن أسرار مدهشة‪,‬‬

‫أتاحت للنسانية أن تستثمر تلك السرار والقائق ف حياتا العملية‪ .‬وهذا التوفيق‬

‫الذي حصـلت عليـه التجربـة‪ .‬اشاد لاـ قدسـية فـ العقليـة العامـة‪ ,‬وجعـل الناس‬

‫ين صرفون عن الفكار العقل ية‪ ,‬و عن كل القائق ال ت ل تظ هر ف ميدان ال س‬
‫والتجربة‪ ,‬حت صار الس التجريب ف عقيدة كثي من التجريبيي الساس الوحيد‬

‫لم يع العارف والعلوم‪ .‬و سوف نو ضح ف هذا الكتاب أن التجر بة بنف سها تعت مد‬
‫على الفكـر العقلي‪ ,‬وأن السـاس الول للعلوم والعارف هـو العقـل‪ ,‬الذي يدرك‬
‫حقائق ل يقع عليها الس كما يدرك القائق الحسوسة‪.‬‬

‫‪2‬ـ فإن جلة من العقائد العامة كانت ف درجة عالية من الوضوح والبداهة ف‬

‫الن ظر العام‪ ,‬مع أن ا ل ت كن قائ مة على أ ساس من من طق عقلي أو دل يل فل سفي‪,‬‬

‫كاليان بأن الرض مركـز العال‪ ,‬فلمـا انارت هذه العقائد فـ ظـل التجارب‬

‫الصحيحة‪ ,‬تزعزع اليان العام‪ ,‬وسيطرت موجة من الشك على كثي من الذهان‪,‬‬
‫فبع ثث ال سفسطة اليونان ية من جد يد متأثرة بروح ال شك‪ ,‬ك ما تأثرت ف الع هد‬
‫اليونان بروح الشك الذي تولد من تناقض الذاهب الفلسفية وشدة الدل با‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ـ فإن الكنيسة لعبت دورا هاما ف استغلل الدين استغللً شنيعا‪ ,‬وجعل‬

‫ا سه اداة مارب ا واغراض ها وخ نق النفاس العلم ية والجتماع ية‪ ,‬وأقا مت ما كم‬

‫التفت يش‪ ,‬وأع طت ل ا ال صلحيات الوا سعة للت صرف ف القدرات‪ ,‬ح ت تولد عن‬
‫ذلك كله التبم بالدين والسخط عليه‪ ,‬لن الرية ارتكبت باسه‪ ,‬مع أنه ف واقعة‬

‫الصـفى وجوهره الصـحيح ل يقـل عـن أولئك السـاخطي والتـبمي ضيقا بتلك‬
‫الرية‪ ,‬واستفظاعا لدوافعها ونتائجها‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫بواقع الياة‪ ,‬ول تتبلور ف شكل صحيح إل إذا أقيمت على قاعدة مركزية‪,‬‬
‫تشرح الياة وواقعها وحدودها‪ ,‬والنظام الرأسال يفقد هذه القاعدة‪ ,‬فهو‬

‫ينطوي على خداع وتضليل أو على عجلة وقلة أناة‪ ,‬حي تمد السألة الواقعية‬
‫للحياة وتدرس السألة الجتماعية منفصلة عنها‪ ,‬مع أن قوام اليزان الفكري‬
‫للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إل واقع الياة‪ ,‬الت تون الجتمع بالادة‬

‫الجتماعية ـ وهي العلقات التبادلة بي الناس ـ وطريقة فهمه لا‪ ,‬واكتشاف‬
‫اسراها وقيمها‪ .‬فالنسان ف هذا الكوكب إن كان من صنع قوة مدبرة‬
‫مهيمنة‪ ,‬عالة بأسراره وخفاياه‪ ,‬بظواهره ودقائقه‪ ,‬قائمة على تنظيمه‬

‫وتوجيهه‪ ...‬فمن الطبيعي أن يضع ف توجيهه وتكييف حياته لتلك القوة‬

‫الالقة‪ ,‬لنا أبصر بأمره وأعلم بواقعه‪ ,‬وأنزه قصدا وأشد اعتدالً منه‪.‬‬

‫وأيضا‪ ,‬فإن هذه الياة الحدودة إن كانت بداية الشوط لياة خالدة تنبثق‬

‫عنها‪ ,‬وتتلون بطابعها‪ ,‬وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الياة الول‬

‫ونزاهتها فمن الطبيعي أن تنظم الياة الاضرة با هي بداية الشوط لياة‬

‫ل فناء فيها‪ ,‬وتقام على أسس القيم العنوية والادية معا‪.‬‬

‫وإذن فمسالة اليان بال وانبثاق الياة عنه‪ ,‬ليست مسألة فكرية خالصة‬

‫ل علقة لا بالياة‪ ,‬لتفصل عن مالت الياة ويشرع لا طرائقها ودساتيها‪,‬‬
‫مع اغفال تلك السالة وفصلها‪ ,‬بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والياة‬
‫جيعا‪.‬‬

‫والدليل على مدى اتصالا بالياة من الديقراطية الرأسالية نفسها أن‬

‫الفكرة فيها تقدم على أساس اليان بعدم وجود شخصية أو مموعة من‬
‫الفراد‪ ,‬بلغت من العصمة ف قصدها وميلها وف رأيها واجتهادها‪ ,‬إل‬

‫الدرجة الت تبيح إيكال السألة الجتماعية اليها‪ ,‬والتعويل ف إقامة حياة‬
‫صالة للمة عليها‪ .‬وهذا الساس بنفسه ل موضع ول معن له‪ ,‬ال إذا أقيم‬

‫على فلسفة مادية خالصة‪ ,‬ل تعترف بإمكان انبثاق النظام إل عن عقل بشري‬
‫مدود‪.‬‬

‫فالنظام الرأسال مادي بكل ما للفظ من معن‪ ,‬فهو إما أن يكون قد‬
‫استبطن الادية‪ ,‬ول يرأ على العلن عن ربطه با وارتكازه عليها‪ .‬وإما أن‬
‫يكون جاهلً بدى الربط الطبيعي‪ ,‬بي السألة الواقعية للحياة ومسألتها‬

‫الجتماعية‪ .‬وعلى هذا فهو يفقد الفلسفة‪ ,‬الت ل بد لكل نظام اجتماعي أن‬

‫‪17‬‬

‫يرتكز عليها‪ .‬وهو ـ بكلمة ـ نظام مادي‪ .‬وإن ل يكن مقاما على فلسفة مادية‬

‫واضحة الطوط ‪.‬‬

‫ڤ‪.........................................‬موضع الخلق من الرأسالية‬

‫وكان من جراء هذه الادية الت زخر النظام بروحها أن أقصيت الخلق‬
‫من الساب‪ ,‬ول يلحظ لا وجود ف ذلك النظام‪ ,‬أو بالحرى تبدلت‬

‫مفاهيمها ومقاييسها‪ ,‬وأعلنت الصلحة الشخصية كهدف أعلى‪ ,‬والريات‬
‫جيعا كوسيلة لتحقيق تلك الصلحة‪ .‬فنشأ عن ذلك أكثر ما ضج به العال‬

‫الديث من من وكوارث‪ ,‬ومآسي ومصائب‪.‬‬

‫وقد يدافع أنصار الديقراطية الرأسالية‪ ,‬عن وجهة نظرها ف الفرد‬

‫ومصاله الشخصية قائلي أن الدف الشخصي بنفسه يقق الصلحة‬

‫الجتماعية‪ ,‬وأن النتائج الت تققها الخلق بقيمها الروحية تقق ف الجتمع‬

‫الديقراطي الرأسال‪ ,‬لكن ل عن طريق الخلق بل عن طريق الدوافع‬
‫الاصة وخدمتها‪ .‬فإن النسان حي يقوم بدمة اجتماعية يقق بذلك‬

‫مصلحة شخصية أيضا‪ ,‬باعتباره جزءا للمجتمع الذي سعى ف سبيله‪ ,‬وحي‬
‫ينقذ حياة شخص تعرضت للخطر فقد أفاد نفسه أيضا‪ ,‬لن حياة الشخص‬
‫سوف تقوم بدمة للهيئة الجتماعية فيعود عليه نصيب منها‪ ,‬وإذن فالدافع‬
‫الشخصي والس النفعي يكفيان لتأمي الصال الجتماعية وضمانا‪ ,‬ما‬

‫دامت ترجع بالتحليل إل مصال خاصة ومنافع فردية‪.‬‬

‫وهذا الدفاع أقرب ال اليال الواسع منه إل الستدلل‪ .‬فتصور بنفسك‬

‫أن القياس العملي ف الياة لكل فرد ف المة‪ ,‬إذا كان هو تقيق منافعه‬

‫ومصاله الاصة‪ ,‬على أوسع نطاق وأبعد مدى‪ ,‬وكانت الدولة توفر للفرد‬

‫حرياته وتقدسه بغي تفظ ول تديد‪ .‬فما هو وضع العمل الجتماعي من‬
‫قاموس هؤلء الفراد؟‍! وكيف يكن ان يكون اتصال الصلحة الجتماعية‬

‫بالفرد كافيا لتوجيه الفراد نو العمال الت تدعو إليها القيم اللقية؟! ‪ .‬مع‬
‫أن كثيا من تلك العمال ل تعود على الفرد بشيء من النفع‪ ,‬وإذا اتفق أن‬

‫كان فيها شيء من النفع باعتباره فردا من الجتمع فكثيا ما يزاحم هذا النفع‬
‫الضئيل‪ ,‬الذي ل يدركه النسان إل ف نظره تليلة‪ ,‬بفوات منافع عاجلة أو‬

‫‪18‬‬

‫مصال فردية‪ ,‬تد ف الريات ضمانا لتحقيقها‪ ,‬فيطيح الفرد ف سبيلها بكل‬

‫برنامج اللق والضمي الروحي‪.‬‬

‫ڤ ‪...................................................‬مآسي النظام الرأسال‬
‫وإذا أردنا أن نستعرض اللقات التسلسلة من الآسي الجتماعية‪ ,‬الت‬

‫انبثقت عن هذا النظام الرتل ل على أساس فلسفي مدروس‪ ...‬فسوف‬
‫يضيق الجال الحدود لذا البحث‪ ,‬ولذا نلمح إليها‪:‬‬

‫فأول تلك اللقات‪ :‬تكم الكثرية ف القلية ومصالها ومسائلها‬

‫اليوية‪ .‬فإن الرية السياسية كانت تعن أن وضع النظام والقواني وتشيتها‬
‫من حق الكثرية‪ ,‬ولنتصور أن الفئة الت تثل الكثرية ف المة ملكت زمام‬

‫الكم والتشريع‪ ,‬وهي تمل العقلية الديقراطية الرأسالية‪ ,‬وهي عقلية‬

‫مادية خالصة ف اتاهها‪ ,‬ونزعاتا وأهدافها وأهوائها فماذا يكون مصي الفئة‬

‫الخرى؟ أو ماذا ترتقب للقلية من حياة ف ظل قواني تشرع لساب‬

‫الكثرية ولفظ مصالها؟!‪ ,‬وهل يكون من الغريب حينئذ إذا شرعت‬

‫الكثرية القواني على ضوء مصالها خاصة‪ ,‬وأهلت مصال القلية واتهت‬
‫ال تقيق رغباتا اتاها محفا بقوق الخرين؟ فمن الذي يفظ لذه القلية‬

‫كيانا اليوي ويذب عن وجهها الظلم‪ ,‬ما دامت الصلحة الشخصية هي‬

‫مسألة كل فرد وما دامت الكثرية ل تعرف للقيم الروحية والعنوية مفهوما ف‬
‫عقليتها الجتماعية ؟؟ وبطبيعة الال‪ ,‬إن التحكم سوف يبقى ف ظل النظام‬

‫كما كان ف السابق وأن مظاهر الستغلل والستهتار بقوق الخرين‬

‫ومصالهم‪ ...‬ستحفظ ف الو الجتماعي لذا النظام كحالا ف الجواء‬
‫الجتماعية القدية‪ .‬وغاية ما ف الوضوع من فرق‪ :‬ان الستهتار بالكرامة‬

‫النسانية كان من قبل أفراد بأمة‪ ,‬وأصبح ف هذا النظام من الفئات الت‬

‫تثل الكثريات بالنسبة إل القليات‪ ,‬الت تشكل بجموعها عددا هائلً من‬
‫البشر‪.‬‬

‫وليت المر وقف عند هذا الد‪ ,‬إذا لكانت الأساة هينة‪ ,‬ولكان السرح‬

‫يتفل بالضحكات أكثر ما يعرض من دموع‪ ,‬بل أن المر تفاقم واشتد حي‬

‫برزت السألة القتصادية من هذا النظام بعد ذلك‪ ,‬فقررت الرية القتصادية‬
‫‪19‬‬

‫على هذا النحو الذي عرضناه سابقا‪ ,‬وأجازت متلف أساليب الثراء وألوانه‬
‫مهما كان فاحشا‪ ,‬ومهما كان شاذا ف طريقته وأسبابه‪ ,‬وضمنت تقيق ما‬

‫أعلنت عنه‪ .‬ف الوقت الذي كان العال يتفل بانقلب صناعي كبي‪ ,‬والعلم‬

‫يتمحض عن ولدة اللة الت قلبت وجه الصناعة وكسحت الصناعات اليدوية‬
‫ونوها‪ ,‬فانكشف اليدان عن ثراء فاحش من جانب القلية من أفراد المة‪,‬‬

‫من أتاحت لم الفرص وسائل النتاج الديث وزودتم الريات الرأسالية‬

‫غي الحدودة بضمانات كافية لستثمارها واستغللا إل أبعد حد‪ ,‬والقضاء با‬

‫على كثي من فئات المة الت اكتسحت اللة البخارية صناعتها‪ ,‬وزعزعت‬
‫ل للصمود ف وجه التيار‪ ,‬ما دام أرباب الصناعات‬
‫حياتا‪ ,‬ول تد سبي ً‬

‫الديثة مسلحي بالرية القتصادية وبقوق الريات القدسة كلها‪ ,‬وهكذا‬
‫خل اليدان إل من تلك الصفوة من أرباب الصناعة والنتاج‪ ,‬وتضاءلت الفئة‬

‫الوسطى واقتربت إل الستوى العام النخفض‪ ,‬وصارت هذه الكثرية الحطمة‬
‫تت رحة تلك الصفوة‪ ,‬الت ل تفكر ول تسب إل على الطريقة الديقراطية‬

‫الرأسالية‪ .‬ومن الطبيعي حينئذ ان ل تد يد العطف والعونة إل هؤلء‪,‬‬

‫لتنشلهم من الوة وتشركهم ف مغانها الضخمة‪ .‬ولاذا تفعل ذلك؟! ما دام‬
‫القياس اللقي هو النفعة واللذة‪ ,‬وما دامت الدولة تضمن لا مطلق الرية‬

‫فيما تعمل‪ ,‬وما دام النظام الديقراطي الرأسال يضيق بالفلسفة العنوية‬
‫للحياة ومفاهيمها الاصة؟!‪.‬‬

‫فالسألة إذا يب أن تدرس بالطريقة الت يوحي با هذا النظام‪ ,‬وهي أن‬

‫يستغل هؤلء الكباء حاجة الكثرية إليهم ومقوماتم العيشية‪ ,‬فيفرض على‬
‫القادرين العمل ف ميادينهم ومصانعهم‪ ,‬ف مدة ل يكن الزيادة عليها‪,‬‬

‫وبأثان ل تفي إل بالياة الضرورية لم‪ .‬هذا هو منطق النفعة الالص‬

‫الذي كان من الطبيعي أن يسلكوه‪ ,‬وتنقسم المة بسبب ذلك إل فئة ف قمة‬

‫الثراء‪ ,‬وأكثرية ف الهوى السحيق‪.‬‬

‫وهنا يتبلور الق السياسي للمة من جديد بشكل آخر‪ .‬فالساواة ف‬

‫القوق السياسية بي أفراد الواطني‪ ,‬وإن ل تح من سجل النظام‪ ,‬غي أنا‬
‫ل تعد بعد هذه الزعازع إل خيالً وتفكيا خالصا‪ .‬فإن الرية القتصادية‬
‫حي تسجل ما عرضناه من نتائج‪ ,‬تنتهي إل النقسام الفظيع الذي مر ف‬

‫العرض‪ ,‬وتكون هي السيطرة على الواقف والاسكة بالزمام‪ ,‬وتقهر الرية‬

‫‪20‬‬

‫السياسية أمامها‪ .‬فإن الفئة الرأسالية بكم مركزها القتصادي من الجتمع‪,‬‬

‫وقدرتا على استعمال جيع وسائل الدعاية‪ ,‬وتكنها من شراء النصار‬

‫والعوان ‪ ...‬تيمن على تقاليد الكم ف المة‪ ,‬وتتسلم السلطة لتسخيها ف‬

‫مصالها والسهر على مآربا‪ ,‬ويصبح التشريع والنظام الجتماعي خاضعا‬

‫لسيطرة رأس الال‪ ,‬بعد أن كان الفروض ف الفاهيم الديقراطية أنه من حق‬

‫المة جعاء‪ .‬وهكذا تعود الديقراطية الرأسالية ف ناية الطاف حكما تستاثر‬
‫به القلية‪ ,‬وسلطانا يمي به عدة من الفراد كيانم على حساب الخرين‪,‬‬

‫بالعقلية النفعية الت يستوحونا من الثقافة الديقراطية الرأسالية‪.‬‬

‫ونصل هنا إل أفظع حلقات الأساة الت يثلها هذا النظام‪ ,‬فإن هؤلء‬

‫السادة الذين وضع النظام الديقراطي الرأسال ف أيديهم كل نفوذ‪ ,‬وزودهم‬
‫بكل قوة وطاقة‪ ...‬سوف يدون أنظارهم ـ بوحي من عقلية هذا النظام ـ إل‬
‫الفاق ويشعرون بوحي من مصالهم وأغراضهم أنم ف حاجة إل مناطق‬

‫نفوذ جديدة وذلك‪ ,‬لسببي‪:‬‬

‫الول‪ :‬إن وفرة النتاج تتوقف على مدى توفر الواد الولية وكثرتا‪ ,‬فكل‬

‫من يكون حظه من تلك الواد اعظم تكون طاقاته النتاجية أقوى وأكثر‪.‬‬

‫وهذه الواد منتشرة ف بلد ال العريضة‪ .‬وإذا كان من الواجب الصول‬

‫عليها‪ ,‬فالزم السيطرة على البلد الت تلك الواد لمتصاصها واستغللا‪.‬‬

‫الثان‪ :‬إن شدة حركة النتاج وقوتا‪ ,‬بدافع من الرص على كثرة الربح‬
‫من ناحية‪ ,‬ومن ناحية أخرى انفاض الستوى العيشي لكثي من الواطني‪,‬‬

‫بدافع من الشره الادي للفئة الرأسالية‪ ,‬ومغالبتها للعامة على حقوقها‬
‫بأساليبها النفعية‪ ,‬الت تعل الواطني عاجزين عن شراء النتجات‬

‫واستهلكها ـ كل ذلك يعل كبار النتجي ف حاجة ماسة إل أسواق جديدة‬
‫لبيع النتجات الفائضة فيها‪ ,‬وإياد تلك السواق يعن التفكي ف بلد‬

‫جديدة‪.‬‬

‫وهكذا تدرس السألة بذهنية مادية خالصة‪ .‬ومن الطبيعي لثل هذه‬

‫الذهنية الت ل يرتكز نظامها على القيم الروحية واللقية‪ ,‬ول يتعرف مذهبها‬
‫الجتماعي بغاية إل إسعاد هذه الياة الحدودة بختلف التع والشهوات‪...‬‬

‫ان ترى ف هذين السببي مبرا ومسوغا منطقيا للعتداء على البلد المنة‪,‬‬

‫وانتهاك كرامتها والسيطرة على مقدراتا ومواردها الطبيعية الكبى واستغلل‬

‫‪21‬‬

‫ثرواتا لترويج البضائع الفائضة‪ .‬فكل ذلك أمر معقول وجائز ف عرف‬

‫الصال الفردية الت يقوم على أساسها النظام الرأسال والقتصاد الر‪.‬‬

‫وينطلق من هنا عملق الادة يغزو ويارب‪ ,‬ويقيد ويكبل‪ ,‬ويستعمر‬

‫ويستثمر‪ ,‬إرضاء للشهوات وإشباعا للرغبات‪.‬‬

‫فانظر ماذا قاست النسانية من ويلت هذا النظام‪ ,‬باعتباره ماديا ف‬

‫روحه وصياغته وأساليبه وأهدافه‪ ,‬وإن ل يكن مركزا على فلسفة مددة تتفق‬
‫مع تلك الروح والصياغة‪ ,‬وتنسجم مع هذه الساليب والهداف كما العنا‬
‫إليه؟!!‪.‬‬

‫وقدر بنفسك نصيب الجتمع الذي يقوم على ركائز هذا النظام ومفاهيمه‬

‫من السعادة والستقرار‪ ,‬هذا الجتمع الذي ينعدم فيه اليثار والثقة التبادلة‪,‬‬

‫والتراحم والتعاطف القيقي‪ ,‬وجيع التاهات الروحية الية‪ ,‬فيعيش الفرد‬
‫فيه وهو يشعر بأنه السؤول عن نفسه وحده‪ ,‬وأنه ف خطر من قبل كل‬

‫مصلحة من مصال الخرين الت قد تصطدم به‪ .‬فكأنه ييا ف صراع دائم‬

‫ومغالبة مستمرة‪ ,‬ل سلح له فيها إل قواه الاصة‪ ,‬ول هدف له منها إل‬
‫مصاله الاصة‪.‬‬

‫ثانيا ـ الشتراكية والشيوعية‬
‫ف الشتراكية مذاهب متعددة‪ ,‬وأشهرها الذهب الشتراكي القائم على‬

‫النظرية الاركسية والادية الدلية‪ ,‬الت هي عبارة عن فلسفة خاصة للحياة‬

‫وفهم مادي لا على طريقة ديالكتيكية‪ .‬وقد طبق الاديون الديالكتيكيون هذه‬

‫الادية الديالكتيكية على التاريخ والجتماع والقتصاد‪ ,‬فصارت عقيدة فلسفية‬

‫ف شان العال‪ ,‬وطريقة لدرس التاريخ والجتماع‪ ,‬ومذهبا ف القتصاد وخطة‬
‫ف السياسة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬انا تصوغ النسان كله ف قالب خاص‪ ,‬من‬

‫حيث لون تفكيه ووجهة نظره إل الياة وطريقته العملية فيها‪ .‬ول ريب ف‬

‫أن الفلسفة الادية‪ ,‬وكذلك الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬ليستا من بدع الذهب‬

‫الاركسي وابتكاراته فقد كانت النعة الادية تعيش منذ الف السني ف اليدان‬

‫الفلسفي‪ ,‬سافرة تارة ومتوارية اخرى وراء السفسطة والنكار والطلق‪ ,‬كما أن‬
‫الطريقة الديالكتيكية ف التفكي عميقة الذور ببعض خطوطها ف التفكي‬
‫النسان‪ ,‬وقد استكملت كل خطواتا على يد (هيجل) الفيلسوف الثال‬

‫‪22‬‬

‫العروف‪ .‬وإنا جاء (كارل ماركس) إل هذا النطق وتلك الفلسفة فتبناها‪,‬‬

‫وحاول تطبيقهما على جع ميادين الياة‪ ,‬فقام بتحقيقي‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬ان فسر التاريخ تفسيا ماديا خالصا بطريقة ديالكتيكية‪.‬‬

‫والخر‪ :‬زعم فيه أنه اكتشف تناقضات رأس الال والقيمة الفائضة‪ ,‬الت‬

‫يسرقها صاحب الال ف عقيدته من العامل (‪ .)1‬واشاد على أساس هذين‬

‫التحقيقي إيانه بضرورة فناء الجتمع الرأسال‪ ,‬وإقامة الجتمع الشيوعي‬

‫والجتمع الشتراكي‪ ,‬الذي اعتبه خطوة للنسانية ال تطبيق الشيوعية تطبيقا‬

‫كاملً‪.‬‬

‫فاليدان الجتماعي ف هذه الفلسفة ميدان صراع بي التناقضات‪ ,‬وكل‬

‫وضع اجتماعي يسود ذلك اليدان فهو ظاهرة مادية خالصة‪ ,‬منسجمة مع‬

‫سائر الظواهر والحوال الادية ومتاثرة با‪ ,‬غي أنه ف نفس الوقت يمل‬

‫نقيضه ف صميمه‪ ,‬وينشب حينئذ الصراع بي النقائض ف متواه‪ ,‬حت‬

‫تتجمع التناقضات وتدث تبدل ف ذلك الوضع وانشاءا لوضع جديد‪...‬‬

‫وهكذا يبقى العراك قائما حت تكون النسانية كلها طبقة واحدة‪ ,‬وتتمثل‬

‫مصال كل فرد ف مصال تلك الطبقة الوحدة‪ ...‬ف تلك اللحظة يسود‬

‫الوئام‪ ,‬ويتحقق السلم‪ ,‬وتزول نائيا جيع الثار السيئة للنظام الديقراطي‬
‫الراسال لنا إنا كانت تتولد من تعدد الطبقة ف الجتمع‪ ,‬وهذا التعدد إنا‬

‫نشأ من انقسام الجتمع إل منتج وأجي‪ .‬وإذا فل بد من وضع حد فاصل‬

‫لذا النقسام‪ ,‬وذلك بإلغاء اللكية‪ ,‬وتتلف هنا الشيوعية عن الشتراكية ف‬

‫بعض الطوط القتصادية الرئيسية‪ ,‬وذلك لن القتصاد الشيوعي يرتكز‪:‬‬
‫أولً‪ :‬على الغاء اللكية الاصة وموها موا تاما من الجتمع‪ ,‬وتليك‬

‫الثروة كلها للمجموع وتسليمها إل الدولة‪ ,‬باعتبارها الوكيل الشرعي عن‬
‫الجتمع ف إدارتا واستثمارها لي الجموع‪ .‬واعتقاد الذهب الشيوعي‬

‫بضرورة هذا التأميم الطلق‪ ,‬وإنا كان رد الفعل الطبيعي لضاعفات اللكية‬

‫الاصة ف النظام الديقراطي الراسال‪ .‬وقد برر هذا التاميم بأن القصود منه‬

‫إلغاء الطبقة الرأسالية وتوحيد الشعب ف طبقة واحدة ليختم بذلك الصراع‪,‬‬

‫‪ 1‬ـ شرحنا هذه النظريات مع دراسة علمية مفصلة ف كتاب (اقتصادنا)‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫ويسد على الفرد الطريق ال استغلل شت الوسائل والساليب لتضخيم‬

‫ثروته‪ ,‬إشباعا لشعه واندفاعا بدافع الثرة وراء الصلحة الشخصية‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬على توزيع السلع النتجة على حسب الاجات الستهلكية‬

‫للفراد‪ ,‬ويتلخص ف النص الت‪( :‬من كل حسب قدرته ولكل حسب‬

‫حاجته)‪ ,‬وذلك أن كل فرد له حاجات طبيعية ل يكنه الياة بدون توفيها‪,‬‬
‫فهو يدفع للمجتمع كل جهده فيدفع له الجتمع متطلبات حياته ويقوم‬

‫بعيشته‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬على منهاج اقتصادي ترسه الدولة‪ ,‬وتوفق فيه بي حاجة الجموع‬

‫والنتاج ف كميته وتنويعه وتديده‪ ,‬لئل ين الجتمع بنفس الدواء والزمات‬
‫الت حصلت ف الجتمع الرأسال‪ ,‬حينما اطلق الريات بغي تديد‪.‬‬

‫ڤ‪.....................................‬النراف عن العملية الشيوعية‬
‫ولكن أقطاب الشيوعية الذين نادوا بذا النظام‪ ,‬ل يستطيعوا أن يطبقوه‬
‫بطوطه كلها حي قبضوا على مقاليد الكم‪ ,‬واعتقدوا أنه ل بد لتطبيقه من‬

‫تطوير النسانية ف أفكارها ودافعها ونزعاتا‪ ,‬زاعمي أن النسان سوف ييء‬
‫عليه اليوم الذي توت ف نفسه الدوافع الشخصية والعقلية الفردية‪ ,‬وتيا فيه‬

‫العقلية الماعية والنوازع الماعية‪ ,‬فل يفكر إل ف الصلحة الجتماعية ول‬
‫يندفع إل ف سبيلها‪.‬‬

‫ولجل ذلك كان من الضروري ـ ف عرف هذا الذهب الجتماعي ـ‬

‫إقامة نظام اشتراكي قبل ذلك‪ ,‬ليتخلص فيه النسان من طبيعته الاضرة‪,‬‬

‫ويكتسب الطبيعة الستعدة للنظام الشيوعي‪ .‬وهذا النظام الشتراكي أجريت‬

‫فيه تعديلت مهمة على الانب القتصادي من الشيوعية‪ .‬فالط الول من‬

‫خطوط القتصاد الشيوعي‪ ,‬وهو الغاء اللكية الفردية‪ ,‬قد بدل ال حل وسط‬

‫وهو تأميم الصناعات الثقيلة والتجارة الارجية والتجارات الداخلية الكبية‪,‬‬
‫ووضعها جيعا تت النصار الكومي‪ .‬وبكلمة أخرى‪ ,‬الغاء رأس الال‬

‫الكبي مع إطلق الصناعات والتجارات البسيطة وتركها للفراد‪ ,‬وذلك لن‬
‫الط العريض ف القتصاد الشيوعي اصطدم بواقع الطبيعة النسانية الذي‬
‫‪24‬‬

‫أشرنا إليه‪ ,‬حيث أخذ الفراد يتقاعسون عن القيام بوظائفهم والنشاط ف‬

‫عملهم‪ ,‬وتربون من واجباتم الجتماعية‪ ,‬لن الفروض تأمي النظام‬

‫لعيشتهم وسد حاجاتم كما أن الفروض فيه عدم تقيق العمل والهد مهما‬

‫كان شديدا لكثر من ذلك‪ .‬فعلم إذن يهد الفرد ويكدح ويهد‪ ,‬ما دامت‬
‫النتيجة ف حسابه‪ ,‬هي النتيجة ف حال المول والنشاط ؟!‪ ,‬ولاذا يندفع إل‬

‫توفي السعادة لغيه وشراء راحة الخرين بعرقه ودموعه وعصارة حياته‬

‫وطاقاته‪ ,‬ما دام ل يؤمن بقيمة من قيم الياة إل القيمة الادية الالصة؟!!‬

‫فاضطر زعماء هذا الذهب إل تميد التاميم الطلق‪.‬‬

‫كما اضطروا أيضا إل تعديل الط الثان من خطوط القتصاد الشيوعي‬

‫أيضا‪ :‬وذلك بعل فوارق بي الجور‪ ,‬لدفع العمال إل النشاط والتكامل ف‬

‫العمل‪ ,‬معتذرين بأنا فوارق موقتة سوف تزول حينما يقضي على العقلية‬

‫الرأسالية‪ ,‬وينشأ النسان إنشاءا جديدا‪ .‬وهم لجل ذلك يرون التغييات‬

‫الستمرة على طرائقهم القتصادية وأساليبهم الشتراكية‪ ,‬لتدارك فشل كل‬
‫طريقة بطريقة جديدة‪ .‬ول يوفقوا حت الن للتخلص من جيع الركائز‬

‫الساسية ف القتصاد الرأسال‪ .‬فلم تلغ مثلً القروض الربوية نائيا‪ ,‬مع‬

‫أنا ف الواقع أساس الفساد الجتماعي ف القتصاد الرأسال‪.‬‬

‫ول يعن هذا كله أن أولئك الزعماء مقصرون‪ ,‬أو انم غي جادين ف‬

‫مذهبهم وغي ملصي لعقيدتم‪ ...‬وإنا يعن أنم اصطدموا بالواقع حي‬

‫أرادوا التطبيق‪ ,‬فوجدوا الطريق مليئا بالعاكسات والناقضات‪ ,‬الت تضعها‬

‫الطبيعة النسانية أمام الطريقة النقلبية للصلح الجتماعي الذي كانوا‬

‫يبشرون به‪ ,‬ففرض عليهم الواقع التراجع آملي أن تتحقق العجزة ف وقت‬
‫قريب أو بعيد‪.‬‬

‫وأما من الناحية السياسية‪ ,‬فالشيوعية تستهدف ف ناية شوطها الطويل‬

‫إل مو الدولة من الجتمع‪ ,‬حي تتحقق العجزة وتعم العقلية الماعية كل‬

‫البشر‪ ,‬فل يفكر الميع إل ف الصلحة الادية للمجموع وأما قبل ذلك‪ ,‬ما‬

‫دامت العجزة غي مققة‪ ,‬وما دام البشر غي موحدين ف طبقة‪ ,‬والجتمع‬
‫ينقسم إل قوى رأسالية وعمالية‪ ...‬فاللزم أن يكون الكم عماليا‬

‫خالصا‪ ,‬فهو حكم ديقراطي ف حدود دائرة العمال‪ ,‬وديكتاتوري بالنسبة إل‬

‫‪25‬‬

‫العموم‪ .‬وقد عللوا ذلك بأن الديكتاتورية العمالية ف الكم ضرورية ف كل‬

‫الراحل‪ ,‬الت تطويها النسانية بالعقلية الفردية‪ ,‬وذلك حاية لصال الطبقة‬
‫العاملة‪ ,‬وخنقا لنفاس الرأسالية‪ ,‬ومنعا لا عن البوز إل اليدان من‬

‫جديد‪.‬‬

‫والواقع أن هذا الذهب‪ ,‬الذي يتمثل ف الشتراكية الاركسية‪ ,‬ث ف‬

‫الشيوعية الاركسية‪ ...‬يتاز على النظام الديقراطي الرأسال بأنه يرتكز على‬
‫فلسفة مادية معينة‪ ,‬تتبن فهما خاصا للحياة‪ ,‬ل يعترف لا بميع الثل والقيم‬

‫ل ل موضع فيه لالق فوق حدود الطبيعة‪ ,‬ول لزاء‬
‫العنوية‪ ,‬ويعللها تعلي ً‬

‫مرتقب وراء حدود الياة الادية الحدودة‪ .‬وهذا على عكس الديقراطية‬

‫الرأسالية‪ ,‬فانا وإن كانت نظاما ماديا‪ ,‬ولكنها ل تب على أساس فلسفي‬

‫مدود فالربط الصحيح بي السألة الواقعية للحياة والسألة الجتماعية‪ ,‬آمنت‬
‫به الشيوعية الادية‪ ,‬ول تؤمن به الديقراطية الرأسالية‪ ,‬أو ل تاول إيضاحه‪.‬‬
‫وبذا كان الذهب الشيوعي حقيقا بالدرس الفلسفي‪ ,‬وامتحانه عن‬

‫طريق اختبار الفلسفة الت ركز عليها وانبثق عنها‪ ,‬فإن الكم على كل نظام‬
‫يتوقف على مدى ناح مفاهيمه الفلسفية‪ ,‬ف تصوير الياة وادراكها‪.‬‬

‫ومن السهل أن ندرك ف أول نظرة نلقيها على النظام الشيوعي الخفف أو‬

‫الكامل‪ ,‬ان طابعه العام هو إفناء الفرد ف الجتمع‪ ,‬وجعله آلة مسخرة‬

‫لتحقيق الوازين العامة الت يفترضها‪ .‬فهو على النقيض تاما من النظام‬
‫الرأسال الر الذي يعل الجتمع للفرد ويسخره لصاله‪ .‬فكأنه قد قدر‬

‫للشخصية الفردية والشخصية الجتماعية ـ ف عرف هذين النظامي ـ أن‬

‫تتصادما وتتصارعا‪ .‬فكانت الشخصية الفردية هي الفائزة ف أحد النظامي‬

‫الذي أقام تشريعه على أساس الفرد ومنافعه الذاتية‪ ,‬فمن الجتمع بالآسي‬

‫القتصادية الت تزعزع كيانه وتشوه الياة ف جيع شعبها‪ .‬وكانت الشخصية‬
‫الجتماعية هي الفائزة ف النظام الخر‪ ,‬الذي جاء يتدارك أخطاء النظام‬

‫السابق‪ ,‬فساند الجتمع وحكم على الشخصية الفردية بالضمحلل والفناء‬

‫فأصيب الفراد بحن قاسية قضت على حريتهم ووجودهم الاص‪ ,‬وحقوقهم‬

‫الطبيعية ف الختيار والتفكي‪.‬‬

‫ڤ‪............................................‬الؤاخذات على الشيوعية‬

‫‪26‬‬

‫والواقع أن النظام الشيوعي وإن عال جلة من أدوات الرأسالية الرة‪,‬‬

‫بحوه للملكية الفردية‪ ,‬غي أن هذا العلج له مضاعفات طبيعية تعل ثن‬

‫العلج باهظا‪ ,‬وطريقة تنفيذه شاقة على النفس ل يكن سلوكها إل إذا فشلت‬

‫سائر الطرق والساليب‪ .‬هذا من ناحية‪ ,‬ومن ناحية أخرى هو علج ناقص‬
‫ل يضمن القضاء على الفساد الجتماعي كله‪ ,‬لنه ل يالفه الصواب ف‬

‫تشخيص الداء‪ ,‬وتعيي النقطة الت انطلق منها الشر حت اكتسح العال ف ظل‬
‫النظمة الرأسالية‪ ,‬فبقيت تلك النقطة مافظة على موضعها من الياة‬

‫الجتماعية ف الذهب الشيوعي‪ .‬وبذا ل تظفر النسانية بالل الاسم‬

‫لشكلتها الكبى‪ ,‬ول تصل على الدواء الذي يطيب أدواءها ويستأصل‬
‫أعراضها البيثة‪.‬‬

‫أما مضاعفات هذا العلج فهي جسيمة جدا‪ :‬فإن من شأنه القضاء على‬

‫حريات الفراد‪ ,‬لقامة اللكية الشيوعية مقام اللكيات الاصة‪ .‬وذلك لن هذا‬
‫التحويل الجتماعي الائل على خلف الطبيعة النسانية العامة‪ ,‬إل حد الن‬

‫على القل ـ كما يعترف بذلك زعماؤه ـ باعتبارأن النسان الادي ل يزال يفكر‬
‫تفكيا ذاتيا‪ ,‬ويسب مصاله من منظاره الفردي الحدود‪ .‬ووضع تصميم‬

‫جديد للمجتمع يذوب فيه الفراد نائيا‪ ,‬ويقضي على الدوافع الذاتية قضاء‬

‫تاما‪ ...‬موضع التنفيذ‪ ,‬يتطلب قوة حازمة تسك زمام الجتمع بيد حديدية‪,‬‬

‫وتبس كل صوت يعلو فيه‪ ,‬وتنق كل نفس يتردد ف أوساطه‪ ,‬وتتكر جيع‬
‫وسائل الدعاية والنشر‪ ,‬وتضرب على المة نطاقا ل يوز أن تتعداه بال‪,‬‬

‫وتعاقب على التهمة والظنة‪ ,‬لئل يفلت الزمام من يدها فجأة‪.‬‬

‫وهذا أمر طبيعي ف كل نظام يراد فرضه على المة‪ ,‬قبل ان تنضج فيها‬

‫عقلية ذلك النظام وتعم روحيته‪.‬‬

‫نعم لو أخذ النسان الادي يفكر تفكيا اجتماعيا‪ ,‬ويعقل مصاله بعقلية‬

‫جاعية‪ ,‬وذابت من نفسه جيع العواطف الاصة والهواء الذاتية والنبعاثات‬
‫النفسية‪ ,‬لمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الفراد‪ ,‬ول يبقى ف اليدان إل‬

‫العملق الجتماعي الكبي‪ .‬ولكن تقيق ذلك ف النسان الادي‪ ,‬الذي ل‬
‫يؤمن إل بياة مدودة ول يعرف معن لا إل اللذة الادية يتاج إل معجزة‬
‫‪27‬‬

‫تلق النة ف الدنيا‪ ,‬وتنل با من السماء إل الرض‪ .‬والشيوعيون يعدوننا‬

‫بذه النة‪ ,‬وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه العمل على طبيعة‬

‫النسان‪ ,‬ويلقه من جديد انسانا مثاليا ف أفكاره وأعماله‪ ,‬وإن ل يكن يؤمن‬

‫بذرة من القيم الثالية والخلقية‪ .‬ولو تققت هذه العجزة فلنا معهم حينئذ‬
‫كلم‪.‬‬

‫وأما الن‪ ,‬فوضع التصميم الجتماعي الذي يرومونه‪ ,‬يستدعي حبس‬
‫الفراد ف حدود فكرة هذا التصميم‪ ,‬وتأمي تنفيذه بقيام الفئة الؤمنة به على‬
‫حايته‪ ,‬والحتياط له بكبت الطبيعة النسانية والعواطف النفسية‪ .‬ومنعها من‬

‫النطلق بكل أسلوب من الساليب‪ .‬والفرد ف ظل هذا النظام وإن كسب‬

‫تأمينا كاملً‪ ,‬وضمانا اجتماعيا لياته وحاجاته‪ ,‬لن الثروة الماعية تده بكل‬

‫ذلك ف وقت الاجة‪ ...‬ولكن أليس من الحسن بال هذا الفرد أن يظفر‬

‫بذا التامي دون أن يسر استنشاق نسيم الرية الهذبة‪ ,‬ويضطر إل إذابة‬
‫شخصه ف النار‪ ,‬وإغراق نفسه ف البحر الجتماعي التلطم؟!‬

‫وكيف يكن أن يطمح بالرية ـ ف ميدان من اليادين ـ انسان حرم من‬

‫الرية ف معيشته‪ ,‬وربطت حياته الغذائية ربطا كامل بيئة معينة‪ ,‬مع أن‬
‫الرية القتصادية والعيشية هي أساس الريات جيعا‪.‬‬

‫ويعتذر عن ذلك العتذرون فيتساءلون‪ :‬ماذا يصنع النسان بالرية‬

‫والستمتاع بق النقد والعلن عن آرائه‪ ,‬وهو يرزح تت عبء اجتماعي‬
‫فظيع؟! وماذا يديه أن يناقش ويعترض‪ ,‬وهو أحوج إل التغذية الصحيحة‬
‫والياة الكفولة منه إل الحتجاج والضجيج الذي تنتجه له الرية؟!‬

‫وهؤلء التسائلون ل يكونوا ينظرون إل إل الديقراطية الرأسالية‪ ,‬كأنا‬

‫القضية الجتماعية الوحيدة الت تنافس قضيتهم ف اليدان‪ ,‬فانتقصوا من قيمة‬
‫الكرامة الفردية وحقوقها‪ ,‬لنم رأوا فيها خطرا على التيار الجتماعي‬

‫العام‪ ...‬ولكن من حق النسانية أن ل تضحي بشيء من مقوماتا وحقوقها‬

‫ما دامت غي مضطرة ال ذلك‪ ,‬وأنا إنا وقفت موقف التخيي بي كرامة هي‬
‫من الق العنوي للنسانية‪ ,‬وبي حاجة هي من الق الادي لا‪ .‬إذا اعوزها‬

‫النظام الذي يمع بي الناحيتي ويوفق ال حل الشكلتي‪.‬‬

‫إن انسانا يعتصر الخرون طاقاته‪ ,‬ول يطمئن إل حياة طيبة وأجر عادل‬

‫وتأمي ف أوقات الاجة‪ ...‬لو إنسان قد حرم من التمتع بالياة‪ ,‬وحيل بينه‬

‫‪28‬‬

‫وبي الياة الادئة الستقرة‪ .‬كما أن انسانا يعيش مهددا ف كل لظة‪ ,‬ماسبا‬

‫على كل حركة‪ ,‬معرضا للعتقال بدون ماكمة‪ ,‬وللسجن والنفي والقتل لدنـى‬

‫بادرة‪ ...‬لو انسان مروع مرعوب‪ ,‬يسلبه الوف حلوة العيش‪ ,‬وينغص‬

‫الرعب ملذ الياة‪.‬‬

‫والنسان الثالث الطمئن إل معيشته‪ ,‬الواثق بكرامته وسلمته‪ ,‬هو حلم‬

‫النسانية العذب‪ .‬فكيف يتحقق هذا اللم؟ ومت يصبح حقيقة واقعة؟‬

‫وقد قلنا أن العلج الشيوعي للمشكلة الجتماعية ناقص مضافا إل ما‬

‫أشرنا إليه من مضاعفات‪ .‬فهو وإن كان تتمثل فيه عواطف ومشاعر انسانية‪.‬‬
‫أثارها الطغيان الجتماعي العام‪ ,‬فأهاب بملة من الفكرين إل الل‬

‫الديد‪ ,‬غي أنم ل يضعوا أيديهم على سبب الفساد ليقضوا عليه‪ ,‬وإنا قضوا‬
‫على شيء آخر‪ ,‬فلم يوفقوا ف العلج ول ينجحوا ف التطبيب‪.‬‬

‫إن مبدأ اللكية الاصة ليس هو الذي نشأت عنه آثام الرأسالية الطلقة‪,‬‬

‫الت زعزعت سعادة العال وهناءه‪ ,‬فل هو الذي يفرض تعطيل الليي من‬

‫العمال ف سبيل استثمار آلة جديدة تقضي على صناعاتم‪ .‬كما حدث ف فجر‬

‫النقلب الصناعي‪ ,‬ول هو الذي يفرض التحكم ف أجور الجي وجهوده بل‬

‫حساب‪ ,‬ول هو الذي يفرض على الرأسال أن يتلف كميات كبية من‬

‫منتوجاته‪ ,‬تفظا على ثن السلعة وتفضيل للتبذير على توفي حاجات الفقراء‬

‫با‪ ,‬ول هو الذي يدعوه إل جعل ثروته رأس مال كاسب يضاعفه بالربا‪,‬‬

‫وامتصاص جهود الديني بل إنتاج ول عمل‪ ,‬ول هو الذي يدفعه إل شراء‬
‫جيع البضائع الستهلكية من السواق ليحتكرها ويرفع بذلك من أثانا‪,‬‬

‫ول هو الذي يفرض عليه فتح أسواق جديدة‪ .‬وإن انتهكت بذلك حريات‬

‫المم وحقوقها وضاعت كرامتها وحريتها‪...‬‬

‫كل هذه الآسي الروعة ل تنشأ من اللكية الاصة‪ ,‬وإنا هي وليدة‬

‫الصلحة الادية الشخصية الت جعلت مقياسا للحياة ف النظام الرأسال‪,‬‬
‫والبر الطلق لميع التصرفات والعاملت‪ .‬فالجتمع حي تقام أسسه على‬

‫هذا القياس الفردي والبر الذات ل يكن أن ينتظر منه غي ما وقع‪ .‬فإن من‬

‫طبيعة هذا القياس تنبثق تلك اللعنات والويلت على النسانية كلها‪ ,‬ل من‬

‫‪29‬‬

‫مبدأ اللكية الاصة‪ ,‬فلو أبدل القياس ووضعت للحياة غاية جديدة مهذبة‪,‬‬

‫تنسجم مع طبيعة النسان ‪ ...‬لتحقق بذلك العلج القيقي للمشكلة‬
‫النسانية الكبى‪.‬‬

‫ڤ‪...........................................‬التعليل الصحيح للمشكلة‬

‫ولجل أن نصل إل اللقة الول ف تعليل الشكلة الجتماعية‪ ,‬علينا ان‬

‫نتساءل عن تلك الصلحة الادية الاصة الت أقامها النظام الرأسال‪ ,‬مقياسا‬
‫ومبرا وهدفا وغاية‪ ,‬نتساءل‪ :‬ما هي الفكرة الت صححت هذا القياس ف‬
‫الذهنية الديقراطية الرأسالية وأوحت به؟ فان تلك الفكرة هي الساس‬

‫القيقي للبلء الجتماعي‪ .‬وفشل الديقراطية الرأسالية ف تقيق سعادة‬

‫النسان وتوفي كرامته؟ واذا استطعنا أن نقضي على تلك الفكرة‪ ,‬فقد وضعنا‬

‫حدا فاصلً لكل الؤامرات على الرفاه الجتماعي‪ ,‬واللتواءات على حقوق‬
‫الجتمع وحريته الصحيحة‪ ,‬ووفقنا إل استثمار اللكية الاصة لي النسانية‬

‫ورقيها‪ ,‬وتقدمها ف الجالت الصناعية وميادين النتاج‪.‬‬
‫فما هي تلك الفكرة؟‬

‫إن تلك الفكرة تتلخص ف التفسي الحدود للحياة‪ ,‬الذي أشاد‬

‫عليه الغرب صرح الرأسالية البار‪ .‬فإن كل فرد ف الجتمع إذا آمن بأن‬
‫ميدانه الوحيد ف هذا الوجود العظيم هو حياته الادية الاصة‪ ,‬وآمن أيضا‬

‫بريته ف التصرف بذه الياة واستثمارها‪ ,‬وأنه ل يكن أن يكسب من هذه‬
‫الياة غاية إل اللذة الت توفرها له الادة‪ ...‬وأضاف هذه العقائد الادية إل‬

‫حب الذات‪ ,‬الذي هو من صميم طبيعته‪ ,‬فسوف يسلك السبيل الذي سلكه‬
‫الرأساليون وينفذ أساليبهم كاملة‪ ,‬ما ل ترمه قوة قاهرة من حريته وتسد‬

‫عليه السبيل‪ .‬وحب الذات هو الغريزة الت ل نعرف غريزة أعم منها وأقدم‪ ,‬فكل‬
‫الغرائز فروع هذه الغريزة وشعبها‪ ,‬با فيها غريزة العيشة‪ .‬فإن حب النسان‬

‫ذاته ـ الذي يعن حبه للذة والسعادة لنفسه‪ ,‬وبغضه للل والشقاء لذاته ـ هو‬
‫الذي يدفع النسان إل كسب معيشته‪ ,‬وتوفي حاجياته الغذائية والادية‪ .‬ولذا‬

‫‪30‬‬

‫قد يضع حدا لياته بالنتحار‪ ,‬إذا وجد أن تمل أل الوت أسهل عليه من‬

‫تمل اللم الت تزخر با حياته‪.‬‬

‫فالواقع الطبيعي القيقي إذن‪ ,‬الذي يكمن وراء الياة النسانية كلها‬

‫ويوجهها بأصابعه هو حب الذات‪ ,‬الذي نعب عنه بب اللذة وبغض الل‪.‬‬

‫ول يكن تكليف النسان أن يتحمل متارا مرارة الل دون شيء من اللذة‪ ,‬ف‬

‫سبيل أن يلتذ الخرون ويتنعموا‪ ,‬إل إذا سلبت منه انسانيته‪ ,‬وأعطي طبيعة‬
‫جديدة ل تتعشق اللذة ول تكره الل‪.‬‬

‫وحت اللوان الرائعة من اليثار‪ ,‬الت نشاهدها ف النسان ونسمع با‬

‫عن تاريه ‪ ...‬تضع ف القيقة أيضا لتلك القوة الحركة الرئيسية‪( :‬غريزة‬

‫حب الذات)‪ .‬فالنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه‪ ,‬وقد يضحي ف‬
‫سبيل بعض الثل والقيم ‪ ...‬ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولت ما‬

‫ل يس فيها بلذة خاصة‪ ,‬ومنفعة تفوق السارة الت تنجم عن إيثاره لولده‬
‫وصديقه‪ ,‬أو تضحيته ف سبيل مثل من الثل الت يؤمن با‪.‬‬

‫وهكذا يكننا أن نفسر سلوك النسان بصورة عامة‪ ,‬ف مالت النانية‬

‫واليثار على حد سواء‪ .‬ففي النسان استعدادات كثية لللتذاذ بأشياء‬

‫متنوعة‪ :‬مادية كاللتذاذ بالطعام والشراب وألوان التعة النسية وما إليها من‬
‫اللذائذ الادية‪ .‬أو معنوية‪ ,‬كاللتذاذ اللقي والعاطفي‪ ,‬بقيم خلقية أو أليف‬

‫روحي أو عقيدة معينة‪ ,‬حي يد النسان أن تلك القيم أو ذلك الليف أو‬
‫هذه العقيدة جزء من كيانه الاص‪ .‬وهذه الستعدادات الت تيء النسان‬

‫لللتذاذ بتلك التع التنوعة‪ ,‬تتلف ف درجاتا عند الشخاص‪ ,‬وتتفاوت ف‬

‫مدى فعليتها‪ ...‬باختلف ظروف النسان وعوامل الطبيعة والتربية الت تؤثر‬
‫فيه‪ .‬فبينما ند أن بعض تلك الستعدادات تنضج عند النسان بصورة‬

‫طبيعية‪ ,‬كاستعداده لللتذاذ النسي مثلً‪ ,‬ند أن ألوانا أخرى منها قد ل‬

‫تظهر ف حياة النسان‪ ,‬وتظل تنتظر عوامل التربية الت تساعد على نضجها‬
‫وتفتحها‪ .‬وغريزة حب الذات من وراء هذه الستعدادات جيعا تدد سلوك‬
‫النسان وفقا لدى نضج تلك الستعدادات‪ .‬فهي تدفع انسانا إل الستئثار‬

‫‪31‬‬

‫بطعام على آخر وهو جائع‪ ,‬وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر ليثار الغي بالطعام‬

‫على نفسه‪ .‬لن استعداد النسان الول لللتذاذ بالقيم اللقية والعاطفية الذي‬
‫يدفعه إل اليثار كان كامنا‪ .‬ول تنج له عوامل التربية الساعدة على تركيزة‬

‫وتنميته‪ .‬بينما ظفر الخر بذا اللون من التربية‪ ,‬فأصبح يلتذ بالقيم اللقية‬
‫والعاطفية‪ ,‬ويضحي بسائر لذاته ف سبيلها‪.‬‬

‫فمت أردنا أن نغي من سلوك النسان شيئا‪ ,‬يب أن نغي من مفهوم‬

‫اللذة والنفعة عنده‪ ,‬وندخل السلوك القترح ضمن الطار العام لغريزة حب‬

‫الذات‪.‬‬

‫فإذا كانت غريزة حب الذات بذه الكانة من دنيا النسان‪ ,‬وكانت‬

‫الذات ف نظر النسان عبارة عن طاقة مادية مددة‪ ,‬وكانت اللذة عبارة عما‬
‫تيئة الادة من متع ومسرات‪ ...‬فمن الطبيعي أن يشعر النسان بأن مال‬

‫كسبه مدود‪ ,‬وان شوطه قصي وان غايته ف هذا الشوط أن يصل على مقدار‬
‫من اللذة الادية‪ .‬وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الال ف عصب الياة الادية‬

‫وهو الال‪ ,‬الذي يفتح أمام النسان السبيل إل تقيق كل أغراضه وشهواته‪.‬‬
‫هذا هو التسلسل الطبيعي ف الفاهيم الادية‪ ,‬الذي يؤدي إل عقلية‬

‫رأسالية كاملة‪.‬‬

‫ل حاسا إذا رفضنا مبدأ اللكية الاصة‪ ,‬وأبقينا‬
‫أفترى أن الشكلة تل ح ً‬

‫تلك الفاهيم الادية عن الياة‪ ,‬كما حاول أولئك الفكرون ؟! وهل يكن أن‬
‫ينجو الجتمع من مأساة تلك الفاهيم‪ ,‬بالقضاء على اللكية الاصة فقط‪,‬‬

‫ويصل على ضمان لسعادته واسقراره؟!‪ ,‬مع أن ضمان سعادته واستقراره‪,‬‬
‫يتوقف إل حد بعيد على ضمان عدم انراف السؤولي عن مناهجهم‬
‫وأهدافهم الصلحية‪ ,‬ف ميدان العمل والتنفيذ‪.‬‬

‫والفروض ف هؤلء السؤولي أنم يعتنقون نفس الفاهيم الادية‬

‫الاصة‪ ,‬عن الياة الت قامت عليها الرأسالية‪ ,‬وإنا الفرق أن هذه الفاهيم‬
‫أفرغوها ف قوالب فلسفية جديدة‪ ,‬ومن الفرض العقول الذي يتفق ف كثي‬

‫من الحايي‪ ,‬أن تقف الصلحة الاصة ف وجه مصلحة الجموع‪ ,‬وأن يكون‬

‫الفرد بي خسارة وأل يتحملها لساب الخرين‪ ,‬وبي ربح ولذة يتمتع بما‬

‫على حسابم‪ ,‬فماذا تقدر للمة وحقوقها‪ ,‬وللمذهب وأهدافه‪ ,‬من ضمان ف‬

‫‪32‬‬

‫مثل هذه اللحظات الطية‪ ,‬الت تر على الاكمي؟! والصلحة الذاتية ل‬

‫تتمثل فقط ف اللكية الفردية‪ ,‬ليقضي على هذا الفرض الذي افترضناه‪,‬‬

‫بالغاء مبدأ اللكية الاصة بل هي تتمثل ف أساليب‪ ,‬وتتلون بألوان شت‪.‬‬

‫ودليل ذلك ما أخذ يكشف عنه زعماء الشيوعية اليوم من خيانات الاكمي‬
‫السابقي‪ ,‬والتوائهم على ما يتبنون من أهداف‪.‬‬

‫إن الثروة تسيطر عليها الفئة الرأسالية ف ظل القتصاد الطلق‪,‬‬

‫والريات الفردية‪ ,‬وتتصرف فيها بعقليتها الادية ‪ ...‬تسلم ـ عند تأميم الدولة‬
‫لميع الثروات‪ ,‬والغاء اللكية الاصة ـ إل نفس جهاز الدولة‪ ,‬الكون من‬

‫جاعة تسيطر عليهم نفس الفاهيم الادية عن الياة‪ ,‬والت تفرض عليهم‬
‫تقدي الصال الشخصية بكم غريزة حب الذات‪ ,‬وهي تأب أن يتنازل‬

‫النسان عن لذة ومصلحة بل عوض‪ .‬وما دامت الصلحة الادية هي القوة‬

‫السيطرة‪ ,‬بكم مفاهيم الياة الادية‪ ,‬فسوف تستانف من جديد ميادين‬

‫للصراع والتنافس‪ ,‬وسوف يعرض الجتمع لشكال من الطر والسغلل‪.‬‬

‫فالطر على النسانية يكمن كله ف تلك الفاهيم الادية‪ ,‬وما ينبثق عنها‬

‫من مقاييس للهداف والعمال‪ .‬وتوحيد الثروات الرأسالية ـ الصغية أو‬

‫الكبية ـ ف ثروة كبى يسلم أمرها للدولة‪ ,‬من دون تطوير جديد للذهنية‬
‫النسانية ‪ ...‬ل يدفع ذلك الطر‪ ,‬بل يعل من المة جيعا عمال شركة‬

‫واحدة‪ ,‬ويربط حياتم وكرامتهم باقطاب تلك الشركة وأصحابا‪.‬‬

‫نعم إن هذه الشركة تتلف عن الشركة الرأسالية ف أن أصحاب تلك‬

‫الشركة الرأسالية هم الذين يلكون أرباحها‪ ,‬ويصرفونا ف أهوائهم‬

‫الاصة‪ .‬وأما أصحاب هذه الشركة فهم ل يلكون شيئا من ذلك‪ ,‬ف‬

‫مفروض النظام‪ ,‬غي أن ميادين الصلحة الشخصية ل تزال مفتوحة‪ ,‬والفهم‬
‫الادي للحياة ـ الذي يعل من تلك الصلحة هدفا ومبرا ـ ل يزال قائما‪.‬‬

‫ڤ‪.................................................‬كيف تعال الشكلة؟‬
‫والعال أمامه سبيلن إل دفع الطر‪ .‬وإقامة دعائم الجتمع الستقر‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫أحدها‪ :‬أن يبدل النسان غي النسان‪ ,‬أو تلق فيه طبيعة جديدة تعله‬

‫يضحي بصاله الاصة‪ ,‬ومكاسب حياته الادية الحدودة ‪ ...‬ف سبيل‬
‫الجتمع ومصاله‪ ,‬مع إيانه بأنه ل قيم إل قيم تلك الصال الادية ول‬

‫سبيل إل مكاسب هذه الياة الحدودة‪ .‬وهذا إنا يتم إذا انتزع من صميم‬
‫طبيعته حب الذات‪ ,‬وأبدل بب الماعة‪ ,‬فيولد النسان وهو ل يب ذاته‪,‬‬
‫إل باعتبار كونه جزءً من الجتمع‪ ,‬ول يلتذ لسعادته ومصاله‪ ,‬إل با أنا‬

‫تثل جانبا من السعادة العامة ومصلحة الجموع‪ .‬فإن غريزة حب الماعة‬

‫تكون ضامنة حينئذ للسعي وراء مصالها وتقيق متطلباتا‪ ,‬بطريقة ميكانيكية‬
‫وأسلوب آل‪.‬‬

‫والسبيل الخر‪ ,‬الذي يكن للعال سلوكه لدرء الطر حاضر‬

‫النسانية ومستقبلها هو أن يطور الفهوم الادي للنسان عن الياة‪ ,‬وبتطويره‬

‫تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها‪ ,‬وتتحقق العجزة حينئذ من أيسر طريق‪.‬‬

‫والسبيل الول هو الذي يلم أقطاب الشيوعيي بتحقيقه للنسانية ف‬

‫مستقبلها‪ ,‬ويعدون العال بأنم سوف ينشؤونا إنشا ًء جديدا‪ .‬يعلها تتحرك‬
‫ميكانيكيا إل خدمة الماعة ومصالها‪ .‬ولجل أن يتم هذا العمل البار‪,‬‬

‫يب أن نوكل قيادة العال اليهم‪ ,‬كما يوكل أمر الريض إل الراح‪ ,‬ويفوض‬

‫إليه تطبيبه وقطع الجزاء الفاسدة منه‪ ,‬وتعديل العوج منها‪ .‬ول يعلم أحد‬

‫كم تطول هذه العملية الراحية الت تعل النسانية تت مبضع جراح‪ .‬وإن‬
‫استسلم النسانية لذلك لو أكب دليل على مدى الظلم الذي قاسته ف النظام‬

‫الديقراطي الرأسال‪ ,‬الذي خدعها بالريات الزعومة‪ ,‬وسلب منها أخيا‬

‫كرامتها‪ ,‬وامتص دماءها‪ ,‬ليقدمها شرابا سائغا للفئة الت يثلها الاكمون‪.‬‬

‫والفكرة ف هذا الرأي‪ ,‬القائل بعالة الشكلة عن طريق تطوير النسانية‬

‫وانشائها من جديد‪ ...‬ترتكز على مفهوم الاركسية عن حب الذات‪ .‬فإن‬

‫الاركسية تعتقد أن حب الذات ليس ميلً طبيعيا وظاهرة غريزية ف كيان‬

‫النسان‪ ,‬وإنا هو نتيجة للوضع الجتماعي القائم على أساس اللكية‬

‫الفردية‪ ,‬فأن الالة الجتماعية للملكية الاصة هي الت تكون الحتوى‬

‫الروحي والداخلي للنسان‪ ,‬وتلق ف الفرد حبه لصاله الاصة ومنافعه‬

‫الفردية‪ .‬فإذا حدثت ثورة ف السس الت يقوم عليها الكيان الجتماعي‪,‬‬

‫‪34‬‬

‫وحلت اللكية الماعية والشتراكية مل اللكية الاصة‪ ...‬فسوف تنعكس‬

‫الثورة ف كل أرجاء الجتمع وف الحتوى الداخلي للنسان‪ ,‬فتنقلب مشاعره‬
‫الفردية إل مشاعر جاعية‪ ,‬ويتحول حبه لصاله ومنافعه الاصة إل حب‬
‫لنافع الماعة ومصالها‪ ,‬وفقا لقانون التوافق بي حالة اللكية الساسية‬

‫ومموع الظواهر الفوقية الت تتكيف بوجبها‪.‬‬

‫والواقع أن هذا الفهوم الاركسي لب الذات‪ ,‬يقدر العلقة بي الواقع‬

‫الذات (غريزة حب الذات)‪ ,‬وبي الوضاع الجتماعية بشكل مقلوب‪ .‬وإل‬

‫فيكف نستطيع أن نؤمن بأن الدافع الذات وليد اللكية الاصة‪ ,‬والتناقضات‬

‫الطبقية الت تنجم عنها؟! فإن النسان لو ل يكن يلك سلفا الدافع الذات‪ ,‬لا‬

‫أوجد هذه التناقضات‪ ,‬ول فكر ف اللكية الاصة والستئثار الفردي‪ .‬ولاذا يستاثر‬
‫النسان بكاسب النظام‪ ,‬ويضعه بالشكل الذي يفظ مصاله على‬

‫حساب الخرين‪ ,‬ما دام ل يس بالدافع الذات ف أعماق نفسه؟! فالقيقة‬

‫بأن الظاهر الجتماعية للنانية ف القل القتصادي والسياسي‪ ...‬ل تكن‬

‫إل نتيجة للدافع الذات‪ ,‬لغريزة حب الذات‪ .‬فهذا الدافع أعمق منها ف كيان‬
‫النسان‪ ,‬فل يكن أن يزول وتقتلع جذوره بإزالة تلك الثار‪ ,‬فان عملية‬

‫كهذه ل تعدو أن تكون استبدا ًل لثار بأخرى قد تتلف ف الشكل والصورة‪,‬‬
‫لكنها تتفق معها ف الوهر والقيقة‪.‬‬

‫أضف إل ذلك‪ ,‬أننا لو فسرنا الدافع الذات‪( :‬غريزة حب الذات)‬

‫تفسيا موضوعيا‪ ,‬ـ بوصفه انعكاسا لظواهر الفردية ف النظام الجتماعي‪,‬‬

‫كظاهرة اللكية الاصة ـ كما صنعت الاركسية‪ ,‬فل يعن هذا أن الدافع الذات‬
‫سوف يفقد رصيده الوضوعي وسببه من النظام الجتماعي‪ ,‬بإزالة اللكية‬

‫الاصة لنا وإن كانت ظاهرة ذات طابع فردي‪ ,‬ولكنها ليست هي الوحيدة‬
‫من نوعها‪ ,‬فهناك ـ مثلً ـ ظاهرة الدراة الاصة‪ ,‬الت يتفظ با حت النظام‬

‫الشتراكي‪ .‬فان النظام الشتراكي وإن كان يلغي اللكية الاصة لوسائل النتاج‪,‬‬
‫غي أنه ل يلغي إدارتا الاصة من قبل هيئات الهاز الاكم‪ ,‬الذي‬

‫يارس ديكتاتورية البوليتاريا‪ ,‬ويتكر الشراف على جيع وسائل النتاج‬
‫وإدارتا‪ .‬إذ ليس من العقول أن تدار وسائل النتاج ف لظة تأميمها إدارة‬

‫جاعية اشتراكية‪ .‬من قبل أفراد الجتمع كافة‪ .‬فالنظام الشتراكي يتفظ أذن‬

‫‪35‬‬

‫بظواهر فردية بارزة‪ ,‬ومن الطبيعي لذه الظواهر الفردية ان تافظ على الدافع‬
‫الذات‪ ,‬وتعكسه ف الحتوى الداخلي للنسان باستمرار‪ ,‬كما كانت تصنع‬

‫ظاهرة اللكية الاصة‪.‬‬

‫وهكذا نعرف قيمة السبيل الول لل الشكلة‪ :‬السبيل الشيوعي الذي‬

‫ل وحده‬
‫يعتب إلغاء تشريع اللكية الاصة وموها من سجل القانون ‪ ...‬كفي ً‬

‫بل الشكلة وتطوير النسان‪.‬‬

‫وأما السبيل الثان ـ الذي مر بنا ـ فهو الذي سلكه السلم‪ ,‬إيانا منه بأن‬

‫الل الوحيد للمشكلة تطوير الفهوم الادي للنسان عن الياة‪ .‬فلم يبتدر إل‬
‫مبدأ اللكية الاصة ليبطله‪ ,‬وإنا غزا الفهوم الادي عن الياة ووضع للحياة‬
‫مفهوما جديدا‪ ,‬وأقام على أساس ذلك الفهوم نظاما ل يعل فيه الفرد آلة‬

‫ميكانيكية ف الهاز الجتماعي‪ ,‬ول الجتمع هيئة قائمة لساب الفرد‪ ,‬بل‬

‫وضع لكل منهما حقوقه‪ ,‬وكفل للفرد كرامته العنوية والادية معا‪ .‬فالسلم‬
‫وضع يده على نقطة الداء القيقية ف النظام الجتماعي للديقراطية‪ ,‬وما إليه‬
‫من أنظمة ‪ ...‬فمحاها موا ينسجم مع الطبيعة النسانية‪ .‬فان نقطة الرتكاز‬

‫الساسية لا ضجت به الياة البشرية من أنواع الشقاء وألوان الآسي‪ ...‬هي‬

‫النظرة الادية إل الياة الت نتصرها بعبارة مقتضبة ف افتراض حياة النسان‬
‫ف الدنيا هي كل ما ف الساب من شيء‪ ,‬وإقامة الصلحة الشخصية مقياسا‬
‫لكل فعالية ونشاط‪.‬‬

‫إن الديقراطية الرأسالية نظام مكوم عليه بالنيار والفشل الحقق ف‬

‫نظر السلم‪ ,‬ولكن ل باعتبار ما يزعمه القتصاد الشيوعي من تناقضات‬
‫رأس الال بطبيعته‪ ,‬وعوامل الفناء الت تملها اللكية الاصة ف ذاتا‪...‬‬

‫لن السلم يتلف ف طريقته النطقية‪ ,‬واقتصاده السياسي‪ ,‬وفلسفته‬
‫الجتماعية ‪ ...‬عن مفاهيم هذا الزعم وطريقته الدلية ـ كما أوضحنا ذلك ف‬

‫كتاب (اقتصادنا) ـ ويضمن وضع اللكية الفردية ف تصميم اجتماعي‪ .‬خال من‬
‫تلك التناقضات الزعومة‪.‬‬

‫بل أن مرد الفشل والوضع الفاجع‪ ,‬الذي منيت به الديقراطية الرأسالية ف‬

‫عقيدة السلم إل مفاهيمها الادية الالصة‪ ,‬الت ل يكن أن يسعد البشر‬

‫بنظام يستوحي جوهره منها‪ ,‬ويستمد خطوطه العامة من روحها وتوجيهها‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫فل بد إذن من معي آخر ـ غي الفاهيم الادية عن الكون ـ يستقي منه‬

‫النظام الجتماعي‪ .‬ول بد من وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقية‬
‫للحياة‪ ,‬ويتبن القضية النسانية الكبى‪ ,‬ويسعى إل تقيقها على قاعدة تلك‬

‫الفاهيم‪ ,‬ويدرس مسائل العال من هذه الزاوية‪ .‬وعند اكتمال هذا الوعي‬

‫السياسي ف العال‪ ,‬واكتساحه لكل وعي سياسي آخر‪ ,‬وغزوه لكل مفهوم‬

‫للحياة ل يندمج بقاعدته الرئيسية ‪ ...‬يكن أن يدخل العال ف حياة جديدة‪,‬‬

‫مشرقة بالنور عامرة بالسعادة‪.‬‬

‫إن هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة السلم القيقي ف العال وأن‬

‫هذه الرسالة النقذة لي رسالة السلم الالدة‪ ,‬الت استمدت نظامها‬

‫الجتماعي ـ الختلف عن كل ما عرضناه من أنظمة ـ من قاعدة فكرية جديدة‬
‫للحياة والكون‪.‬‬

‫وقد أوجد السلم بتلك القاعدة الفكرية النظرة الصحيحة للنسان إل‬

‫حياته‪ ,‬فجعله يؤمن بأن حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال‪ ,‬وانا اعداد‬

‫للنسان ال عال ل عناء فيه ول شقاء‪ ,‬ونصب له مقياسا خلقيا جديدا ف كل‬
‫خطواته وأدواره‪ ,‬وهو‪ :‬رضا ال تعال‪ .‬فليس كل ما تفرضه الصلحة‬

‫الشخصية فهو جائز‪ ,‬وكل ما يؤدي ال خسارة شخصية فهو مرم وغي‬
‫مستساغ ‪ ...‬بل الدف الذي رسه السلم للنسان ف حياته هو الرضا‬

‫اللي‪ ,‬والقياس اللقي الذي توزن به جيع العمال إنا هو مقدار ما يصل‬
‫با من هذا الدف القدس‪ ,‬والنسان الستقيم هو النسان الذي يقق هذا‬

‫الدف‪ ,‬والشخصية السلمية الكاملة هي الشخصية الت سارت ف شت‬
‫أشواطها على هدي هذا الدف‪ ,‬وضوء هذا القياس‪ ,‬وضمن اطاره العام‪.‬‬

‫وليس هذا التحويل ف مفاهيم النسان اللقية وموازينه وأغراضه يعن‬

‫تغيي الطبيعة النسانية‪ ,‬وإنشائها إنشاءا جديدا‪ ,‬كما كانت تعن الفكرة‬
‫الشيوعية‪ .‬فحب الذات ـ أي حب النسان لذاته وتقيق مشتيهاتا‬

‫الاصة ـ طبيعي ف النسان‪ ,‬ول نعرف استقراء ف ميدان تريب‪ .‬أوضح من‬

‫استقراء النسانية ف تاريها الطويل‪ ,‬الذي يبهن على ذاتية حب الذات‪ .‬بل‬

‫لو ل يكن حب الذات طبيعيا وذاتيا للنسان لا اندفع النسان الول ـ قبل كل‬
‫تكوينة اجتماعية ـ إل تقيق حاجاته‪ ,‬ودفع الخطار عن ذاته‪ ,‬والسعي وراء‬

‫‪37‬‬

‫مشتهياته ‪ ...‬بالساليب البدائية الت حفظ با حياته وأبقى وجوده‪ ,‬وبالتال‬
‫خوض الياة الجتماعية والندماج ف علقات مع الخرين‪ ,‬تقيقا لتلك‬

‫الاجات ودفعا لتلك الخطار‪ .‬ولا كان حب الذات يتل هذا الوضع من‬

‫طبيعة النسان‪ ,‬فأي علج حاسم للمشكلة النسانية الكبى يب أن يقوم‬

‫على أساس اليان بذه القيقة‪ .‬وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلب‬
‫عليها‪ ,‬فهو علج مثال ل ميدان له ف واقع الياة العملية الت يعيشها‬
‫النسان‪.‬‬

‫ڤ‪.............................................................‬رسالة الدين‬

‫ويقوم الدين هنا برسالته الكبى الت ل يكن أن يضطلع باعبائها غيه‪,‬‬

‫ول أن تقق أهدافها البناءة وأغراضها الرشيدة إل على اسسه وقواعده‪ ,‬فيبط‬
‫بي القياس اللقي الذي يضعه للنسان وحب الذات التركز ف فطرته‪.‬‬
‫وف تعبي آخر‪ :‬إن الدين يوحد بي القياس الفطري للعمل والياة‪,‬‬

‫وهو حب الذات‪ ,‬والقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والياة‪ ,‬ليضمن‬
‫السعادة والرفاه والعدالة‪.‬‬

‫إن القياس الفطري يتطلب من النسان أن يقدم مصاله الذاتية على‬

‫مصال الجتمع ومقومات التماسك فيه‪ ,‬والقياس الذي ينبغي أن يكم‬

‫ويسود هو القياس الذي تتعادل ف حسابه الصال كلها‪ ,‬وتتوازن ف مفاهيمه‬

‫القيم الفردية والجتماعية‪.‬‬

‫فكيف يتم التوفيق بي القياسي وتوحيد اليزاني‪ ,‬لتعود الطبيعة النسانية‬

‫ف الفرد عامل من عوامل الي والسعادة للمجموع‪ .‬بعد أن كانت مثار الأساة‬
‫والنعة الت تتفنن ف النانية وأشكالا؟‪.‬‬

‫إن التوفيق والتوحيد يصل بعملية يضمنها الدين للبشرية التائهة‪ ,‬وتتخذ‬

‫العملية أسلوبي‪:‬‬

‫السلوب الول‪ :‬هو تركيز التفسي الواقعي للحياة‪ ,‬وإشاعة فهمها ف‬

‫لونا الصحيح‪ ,‬كمقدمة تهيدية إل حياة أخروية‪ ,‬يكسب النسان فيها من‬

‫السعادة على مقدار ما يسعى ف حياته الحدودة هذه‪ .‬ف سبيل تصيل رضا‬
‫ال‪ .‬فالقياس اللقي ـ أو رضا ال تعال ـ يضمن الصلحة الشخصية‪ ,‬ف‬

‫نفس الوقت الذي يقق فيه أهدافه الجتماعية الكبى‪ .‬فالدين يأخذ بيد‬
‫‪38‬‬

‫النسان إل الشاركة ف إقامة الجتمع السعيد والحافظة على قضايا العدالة‬

‫فيه‪ ,‬الت تقق رضا ال تعال‪ ,‬لن ذلك يدخل ف حساب ربه الشخصي‪,‬‬
‫ما دام كل عمل ونشاط ف هذا اليدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجله‪.‬‬
‫فمسألة الجتمع هي مسالة الفرد أيضا‪ ,‬ف مفاهيم الدين عن الياة‬

‫وتفسيها‪ .‬ول يكن أن يصل هذا السلوب من التوفيق ف ظل فهم مادي‬

‫للحياة‪ ,‬فان الفهم الادي للحياة يعل النسان بطبيعته ل ينظر إل إل ميدانه‬
‫الاضر وحياته الحدودة‪ ,‬على عكس التفسي الواقعي للحياة الذي يقدمه‬

‫السلم‪ ,‬فانه يوسع من ميدان النسان‪ ,‬ويفرض عليه نظرة أعمق إل‬

‫مصاله ومنافعه‪ ,‬ويعل من السارة العاجلة ربا حقيقيا ف هذه النظرة‬

‫العميقة‪ ,‬ومن الرباح العاجلة خسارة حقيقية ف ناية الطاف‪:‬‬
‫(مَ ْن َع ِملَ صَاِلحًا َفلِنَ ْفسِهِ َومَ ْن َأسَاء فَ َعلَ ْيهَا)‪.‬‬

‫ك يَ ْد ُخلُونَ اْلجَنّ َة‬
‫( َومَ ْن َعمِ َل صَاِلحًا مّن َذ َك ٍر أَ ْو أُنثَى َوهُوَ ُمؤْمِ ٌن فَأُوْلَِئ َ‬
‫ُيرْ َزقُونَ فِيهَا ِبغَ ْيرِ حِسَابٍ)‪.‬‬

‫س َأشْتَاتًا لُّيرَوْا َأ ْعمَاَلهُمْ‪َ ،‬فمَن َي ْع َملْ مِثْقَا َل ذَرّ ٍة خَ ْيرًا‬
‫(يَ ْومَئِ ٍذ يَصْدُ ُر النّا ُ‬
‫َيرَهُ‪َ ،‬ومَن يَ ْع َملْ مِ ْثقَالَ َذرّةٍ َشرّا َيرَهُ)‪.‬‬

‫خمَصَةٌ فِي سَبِي ِل اللّهِ َولَ‬
‫(ذَِلكَ بِأَّنهُ ْم لَ يُصِيُبهُمْ َظمَأٌ َولَ َنصَبٌ َولَ َم ْ‬

‫ب َلهُم ِبهِ‬
‫ل ِإ ّل كُتِ َ‬
‫َيطَؤُونَ مَ ْوطِئًا يَغِيظُ اْلكُفّارَ َو َل يَنَالُونَ مِ ْن عَدُ ّو نّ ْي ً‬

‫َع َملٌ صَاِلحٌ ِإ ّن ال ّل َه لَ يُضِي ُع َأ ْجرَ اْل ُمحْسِِنيَ َولَ يُن ِفقُو َن نَ َفقَ ًة صَ ِغيَةً َو َل‬

‫جزَِيهُمُ اللّ ُه َأحْسَ َن مَا كَانُواْ‬
‫ب َلهُمْ ِلَي ْ‬
‫كَِبيَةً َو َل يَ ْق َطعُونَ وَادِيًا ِإ ّل كُتِ َ‬
‫َي ْع َملُونَ)‪.‬‬

‫هذه بعض الصور الرائعة الت يقدمها الدين مثال على السلوب الول‪,‬‬

‫الذي يتبعه للتوفيق بي القياسي وتوحيد اليزاني فيبط بي الدوافع الذاتية‬
‫وسبل الي ف الياة‪ ,‬ويطور من مصلحة الفرد تطويرا يعله يؤمن بأن‬

‫مصاله الاصة والصال القيقية العامة للنسانية ـ الت يددها‬
‫السلم ـ مترابطتان (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ انظر اقتصادنا‪ :‬ص ‪. 308‬‬
‫‪39‬‬

‫وأما السلوب الثان الذي يتخذه الدين‪ ,‬للتوفيق بي الدافع الذات‬

‫والقيم أو الصال الجتماعية فهو التعهد بتربية اخلقية خاصة‪ ,‬تعن بتغذية‬
‫النسان روحيا‪ ,‬وتنمية العواطف النسانية والشاعر اللقية فيه‪ .‬فان ف طبيعة‬

‫النسان ـ كما العنا سابقا ـ طاقات واستعدادات ليول متنوعة‪ ,‬بعضها ميول‬
‫مادية تتفتح شهواتا بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والنس‪,‬‬

‫وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد‪ ,‬ولجل ذلك كان من‬

‫الطبيعي للنسان ـ إذا ترك لنفسه ـ أن تسيطر عليه اليول الادية لنا تتفتح‬

‫بصورة طبيعية‪ ,‬وتظل اليول العنوية واستعداداتا الكامنة ف النفس مستترة‪.‬‬

‫والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من ال‪ ,‬فهو يوكل أمر تربية‬

‫النسانية وتنمية اليول العنوية فيها إل هذه القيادة وفروعها‪ ,‬فتنشا بسبب‬
‫ذلك مموعة من العواطف والشاعر النبيلة‪ .‬ويصبح النسان يب القيم‬

‫اللقية والثل الت يربيه الدين على احترامها ويستبسل ف سبيلها‪ ,‬ويزيح عن‬

‫طريقها ما يقف أمامها من مصاله ومنافعه‪ .‬وليس معن ذلك أن حب الذات‬

‫يحى من الطبيعة النسانية بل أن العمل ف سبيل تلك القيم والثل تنفيذ‬
‫كامل لرادة حب الذات‪ .‬فان القيم بسبب التربية الدينية تصبح مبوبة‬

‫للنسان ويكون تقيق الحبوب بنفسه معبا عن لذة شخصية خاصة فتفرض‬

‫طبيعة حب الذات بذاتا السعي لجل القيم اللقية الحبوبة تقيقا للذة‬
‫خاصة بذلك‪.‬‬

‫فهذان ها الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط السألة اللقية بالسألة‬

‫الفردية‪ ,‬ويتلخص أحدها ف إعطاء التفسي الواقعي لياة أبدية ل لجل أن‬
‫يزهد النسان ف هذه الياة‪ ,‬ول لجل ان ينع للظلم ويقر على غي‬

‫العدل ‪ ...‬بل لجل ضبط النسان بالقياس اللقي الصحيح‪ ,‬الذي يده‬
‫ذلك التفسي بالضمان الكاف‪.‬‬

‫ويتلخص الخر ف التربية اللقية الت ينشأ عنها ف نفس النسان متلف‬

‫الشاعر والعواطف‪ ,‬الت تضمن إجراء القياس اللقي بوحي من الذات‪.‬‬

‫فالفهم العنوي للحياة والتربية اللقية للنفس ف رسالة السلم ‪ ...‬ها‬

‫السببان الجتمعان على معالة السبب العمق للمأساة النسانية‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫ولنعب دائما عن فهم الياة على أنا تهيد لياة أبدية بالفهم العنوي‬

‫للحياة‪ .‬ولنعب أيضا عن الشاعر والحاسيس‪ ,‬الت تغذيها التربية اللقية‬
‫بالحساس اللقي بالياة‪.‬‬

‫فالفهم العنوي للحياة والحساس اللقي با‪ ,‬ها الركيزتان اللتان يقوم‬

‫على أساسهما القياس اللقي الديد‪ ,‬الذي يضعه السلم للنسانية وهو‪:‬‬
‫رضا ال تعال‪ .‬ورضا ال ـ هذا الذي يقيمه السلم مقياسا عاما ف‬

‫الياة ـ هو الذي يقود السفينة البشرية إل ساحل الق والي والعدالة‪.‬‬

‫فاليزة الساسية للنظام السلمي تتمثل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي‬

‫للحياة وإحساس خلقي با‪ ,‬والط العريض ف هذا النظام هو‪ :‬اعتبار الفرد‬

‫والجتمع معا‪ ,‬وتأمي الياة الفردية والجتماعية بشكل متوازن‪ .‬فليس الفرد‬

‫هو القاعدة الركزية ف التشريع والكم‪ ,‬وليس الكائن الجتماعي الكبي هو‬

‫الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لسابه‪.‬‬

‫وكل نظام اجتماعي ل ينبثق عن ذلك الفهم والحساس فهو إما نظام‬

‫يري مع الفرد ف نزعته الذاتية‪ ,‬فتتعرض الياة الجتماعية لقسى‬

‫الضاعفات وأشد الخطار‪ ,‬وأما نظام يبس ف الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته‬
‫لوقاية الجتمع ومصاله‪ .‬فينشأ الكفاح الرير الدائم بي النظام وتشريعاته‬

‫والفراد ونزعاتم‪ ,‬بل يتعرض الوجود الجتماعي للنظام دائما للنتكاس على‬

‫يد منشئه ما دام هؤلء ذوي نزعات فردية أيضا‪ ,‬وما دامت هذه النعات تد‬

‫لا ـ بكبت النعات الفردية الخرى وتسلم القيادة الاسة ـ مالً واسعا‬

‫وميدانا ل نظي له للنطلق والستغلل‪.‬‬

‫وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي با ل ينبثق عنهما نظام كامل‬

‫للحياة يسب فيه لكل جزء من الجتمع حسابه‪ ,‬وتعطى لكل فرد حريته الت‬
‫هذبا ذلك الفهم والحساس‪ ,‬والت تقوم الدولة بتحديدها ف ظروف الشذوذ‬

‫عنهما ‪ ...‬أقول أن كل عقيدة ل تلد للنسانية هذا النظام فهي ل ترج عن‬

‫كونا تلطيفا للجو وتفيفا من الويلت وليست علجا مدودا وقضا ًء حاسا‬

‫على أمراض الجتمع ومساوئه‪ .‬وإنا يشاد البناء الجتماعي التماسك على فهم‬
‫معنوي للحياة وإحساس خلقي با ينبثق عنهما‪ ,‬يل الياة بروح هذا‬
‫الحساس وجوهر ذلك الفهم‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫وهذا هو السلم ف أخصر عبارة وأروعها‪ .‬فهو عقيدة معنوية وخلقية‪,‬‬

‫ينبثق عنها نظام كامل للنسانية‪ ,‬يرسم لا شوطها الواضح الحدد‪ ,‬ويضع لا‬
‫هدفا أعلى ف ذلك الشوط‪ ,‬ويعرفها على مكاسبها منه‪.‬‬

‫وأما أن يقضي على الفهم العنوي للحياة‪ ,‬ويرد النسان عن إحساسه‬

‫اللقي با‪ ,‬وتعتب الفاهيم اللقية أوهاما خالصة خلقتها الصال الادية‪,‬‬

‫والعامل القتصادي هو اللق لكل القيم والعنويات وترجى بعد ذلك سعادة‬
‫للنسانية‪ ,‬واسقرار اجتماعي لا‪ ,‬فهذا هو الرجاء الذي ل يتحقق إل إذا‬

‫تبدل البشر ال أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدة من الهندسي الفنيي‪.‬‬

‫وليست اقامة النسان على قاعدة ذلك الفهم العنوي للحياة والحساس‬

‫اللقي با عملً شاقا وعسيا‪ ,‬فإن الديان ف تاريخ البشرية قد قمت بأداء‬
‫رسالتها الكبية ف هذا الضمار‪ ,‬وليس لميع ما يفل به العال اليوم من‬

‫مفاهيم معنوية‪ ,‬وأحاسيس خلقية‪ ,‬ومشاعر وعواطف نبيلة ‪ ...‬تعليل أوضح‬
‫وأكثر منطقية من تعليل ركائزها وأسسها بالهود البارة الت قامت با الديان‬

‫لتهذيب النسانية والدافع الطبيعي ف النسان‪ ,‬وما ينبغي له من حياة وعمل‪.‬‬
‫وقد حل السلم الشعل التفجر بالنور‪ ,‬بعد أن بلغ البشر درجة خاصة‬

‫من الوعي‪ ,‬فبشر بالقاعدة العنوية واللقية على أوسع نطاق وأبعد مدى‪,‬‬

‫ورفع على أساسها راية إنسانية‪ ,‬وأقام دولة فكرية‪ ,‬أخذت بزمام العال ربع‬

‫قرن‪ ,‬واستهدفت إل توحيد البشر كله‪ ,‬وجعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم‬

‫أسلوب الياة ونظامها‪ .‬فالدولة السلمية لا وظيفتان‪ :‬إحداها تربية النسان‬
‫على القاعدة الفكرية‪ ,‬وطبعه ف اتاهه وأحاسيسه بطابعها‪ ,‬والخرى مراقبته‬

‫من خارج‪ ,‬وإرجاعه إل القاعدة إذا انرف عنها عمليا‪.‬‬

‫ولذلك فليس الوعي السياسي للسلم وعيا للناحية الشكلية من الياة‬

‫الجتماعية فحسب‪ ,‬بل هو وعي سياسي عميق‪ ,‬مرده إل نظرة كلية كاملة نو‬
‫الياة والكون والجتماع والسياسة والقتصاد والخلق فهذه‬

‫النظرة الشاملة هي الوعي السلمي الكامل‪.‬‬

‫وكل وعي سياسي آخر فهو إما أن يكون وعيا سياسيا سطحيا ل ينظر‬

‫إل العال من زاوية معينة‪ ,‬ول يقيم مفاهيمه على نقطة ارتكاز خاصة أو يكون‬

‫‪42‬‬

‫وعيا سياسيا يدرس العال من زاوية الادة البحتة‪ ,‬الت تون البشرية بالصراع‬

‫والشقاء ف متلف أشكالة وألوانه‪.‬‬

‫ڤ ‪.................................................................‬وأخيا‬
‫ً‬
‫واخيا‪ ,‬وف ناية مطافنا ف الذاهب الجتماعية الربعة‪ ,‬نرج بنتيجة‬

‫هي أن الشكلة الساسية الت تتولد عنها كل الشرور الجتماعية وتنبعث منها‬

‫متلف ألوان الثام ل تعال العالة الصحيحة الت تسم الداء وتستاصله من جسم‬

‫الجتمع البشري ف غي الذهب الجتماعي للسلم من مذاهب‪.‬‬

‫فل بد أن نقف عند البدأ السلمي ف فلسفته عن الياة والكون‪ ,‬وف‬

‫فلسفته عن الجتماع والقتصاد‪ ,‬وف تشريعاته ومناهجه لنحصل على الفاهيم‬
‫الكاملة للوعي السلمي‪ ,‬والفكر السلمي الشامل مقارني بينه وبي‬
‫البادئ الخرى فيما يقرر من مناهج ويتبن من عقيدة‪.‬‬

‫وبطبيعة الال أن دراستنا لكل مبدأ تبدأ بدراسة ما يقوم عليه من عقيدة‬

‫عامة من الياة والكون وطريقة فهمهما‪ ,‬فمفاهيم كل مبدأ عن الياة والكون‬
‫تشكل البنية الساسية لكيان ذلك البدأ‪ ,‬واليزان الول لمتحان البادئ هو‬

‫اختبار قواعدها الفكرية الساسية الت يتوقف على مدى أحكامها وصحتها‬
‫أحكام البنيات الفوقية وناحها‪.‬‬

‫ولجل ذلك فسوف نصص هذه اللقة الول من (كتابنا) لدراسة البنية‬

‫الول الت هي نقطة النطلق للمبدأ وندرس البنيات الفوقية ف اللقات‬
‫الخرى إن شاء ال تعال‪.‬‬

‫والنظام الرأسال الديقراطي ليس منبثقا من عقيدة معينة عن الياة‬

‫والكون ول مرتكزا على فهم كامل لقيمها الت تتصل بالياة الجتماعية وتؤثر‬
‫فيها‪ .‬وهو لذا ليس مبدأ بالعن الدقيق للفظ البدأ‪ ,‬لن البدأ عقيدة ف‬
‫الياة ينبثق عنها نظام للحياة‪.‬‬

‫وأما الشتراكية والشيوعية الاركسيتان فقد وضعتا على قاعدة فكرية وهي‬

‫(الفلسفة الادية الدلية)‪ ,‬ويتص السلم بقاعدة فكرية عن الياة لا طريقتها‬
‫الاصة ف فهم الياة وموازينها العينة لا‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫فنحن اذن بي فلسفتي ل بد من دراستهما لنتبي القاعدة الفكرية‬

‫الصحيحة للحياة الت يب أن نشيد عليها وعينا الجتماعي السياسي لقضية‬
‫العال كله‪ ,‬ومقياسنا الجتماعي والسياسي الذي نقيس به قيم العمال ونزن‬

‫به أحداث النسانية ف مشاكلها الفردية والدولية‪.‬‬

‫والقاعدة الت يرتكز عليها البدا تتوي على الطريقة والفكرة‪ :‬أي على‬

‫تديد طريقة التفكي وتديد الفهوم للعال والياة‪ .‬ولا كنا ل نستهدف ف هذا‬
‫الكتاب إل الدراسات الفلسفية لذاتا وانا نريد دراسة القواعد الفكرية‬

‫للمبادئ‪ ,‬فسوف نقتصر على درس العنصرين الساسيي لكل قاعدة فكرية‬
‫ينبثق عنها نظام‪ ,‬وها‪ :‬طريقة التفكي‪ ,‬والفهوم الفلسفي للعال‪ .‬فهاتان‬

‫السألتان ها مدار البحث ف هذا الكتاب‪ .‬ولا كان من الضروري تديد‬
‫الطريقة قبل تكوين الفاهيم فنبدأ بنظرية العرفة الت تتوي على تديد معال‬
‫التفكي وطريقته وقيمته‪ ,‬ويتلو بعد ذلك درس الفهوم الفلسفي العام عن‬
‫العال بصورة عامة‪.‬‬

‫ويسن بالقارئ العزيز أن يعرف قبل البدء أن الستفاد من السلم‬

‫بالصميم إنا هو الطريقة والفهوم‪ ,‬أي الطريقة العقلية ف التفكي والفهوم‬

‫اللي للعال‪ .‬وأما أساليب الستدلل وألوان البهنة على هذا وذاك فلسنا‬
‫نضيفها جيمعا ال السلم‪ ,‬وإنا هي حصيلة دراسات فكرية لكبار الفكرين‬

‫من علماء السلمي وفلسفتهم‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫‪1‬‬
‫نظريّة العرفة‬
‫‪45‬‬

46

‫○ ‪1‬ـ الصدر الساسي للمعرفة ○‬
‫تدور حول العرفة النسانية مناقشات فلسفية حادة تتل مركز رئيسيا ف‬
‫الفلسفة وخاصة الفلسفة الديثة‪ ,‬فهي نقطة النطلق الفلسفي لقامة فلسفة‬

‫متماسكة عن الكون والعال‪ ,‬فما ل تدد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه‬
‫ل يكن القيام بأية دراسة مهما كان لونا‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫وإحدى تلك الناقشات الضخمة هي الناقشة الت تتناول مصادر العرفة‬

‫ومنابعها الساسية بالبحث والدرس‪ ,‬وتاول أن تستكشف الركائز الولية‬

‫للكيان الفكري البار الذي تلكه البشرية فتجيب بذلك على هذا السؤال‪:‬‬

‫كيف نشأت العرفة عند النسان‪ ,‬وكيف تكونت حياته العقلية بكل ما تزخر‬

‫به من أفكار ومفاهيم‪ ,‬وما هو الصدر الذي يد النسان بذلك السيل من‬
‫الفكر والدراك؟؟‬

‫إن النسان ـ كل إنسان ـ يعلم أشياء عديدة ف حياته وتتعدد ف نفسه‬

‫الوان من التفكي والدراك‪ ,‬ول شك ف أن كثيا من العارف النسانية ينشأ‬
‫بعضها عن بعض‪ ,‬فيستعي النسان بعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة‪.‬‬

‫والسألة هي أن نضع يدنا على اليوط الولية للتفكي‪ ,‬على الينبوع العام‬

‫للدراك بصورة عامة‪.‬‬

‫ويب أن نعرف قبل كل شيء أن الدراك ينقسم بصورة رئيسية إل‬

‫نوعي‪ ,‬احدها التصور وهو الدراك الساذج‪ .‬والخر التصديق وهو الدراك‬

‫النطوي على حكم‪ .‬فالتصور‪ ,‬كتصورنا لعن الرارة أو النور أو الصوت‪,‬‬

‫والتصديق‪ ,‬كتصديقنا بأن الرارة طاقة مستوردة من الشمس‪ ,‬وان الشمس‬

‫انور من القمر وان الذرة قابلة للنفجار(‪.)1‬‬
‫‪ 1‬ــ ولبعـض الفلسـفة السـيي (كجون سـتورات ميـل) نظريـة خاصـة فـ‬

‫الت صديق حاولوا ب ا تف سيه بت صورين متداعي ي‪ .‬فمرد الت صديق إل قوان ي تدا عي‬

‫العان‪ ,‬وليس الحتوى النفسي ال تصور الوضوع وتصور الحمول‪ ,‬ولكن القيقة‬
‫أن تداعي العان يتلف عن طبيعة التصديق كل الختلف‪ ,‬فهو قد يتحقق ف كثي‬
‫من الجالت ول يو جد ت صديق‪ ,‬فالرجال التارييون الذ ين ت سبغ علي هم ال ساطي‬

‫ألوانا مـن البطولت يقترن تصـورهم فـ ذهننـا بتصـور تلك البطولت‪ ,‬وتتداعـى‬
‫الت صورات‪ ,‬و مع ذلك ف قد ل ن صدق بش يء من تلك ال ساطي‪ .‬فالت صديق اذن‬
‫عن صر جد يد يتاز على الت صور الالص‪ ,‬وعدم التمي يز ب ي الت صور والت صديق ف‬

‫عدة من الدرا سات الفل سفية الدي ثة أدى إل جلة من الخطاء‪ ,‬وج عل عدة من‬
‫‪48‬‬

‫ونبدأ الن بالتصورات البشرية لدرس أسبابا ومصادرها‪ ,‬ونتناول بعد‬

‫ذلك التصديقات والعارف‪.‬‬

‫ڤ‪...........................................‬التصور ومصدره الساسي‬
‫ونقصد بكلمة (الساسي) الصدر القيقي للتصورات والدراكات‬
‫البسيطة‪ .‬ذلك أن الذهن البشري ينطوي على قسمي من التصورات‪ :‬احدها‬
‫العان التصورية البسيطة‪ ,‬كمعان الوجود والوحدة والرارة والبياض وما إل‬

‫ذلك من مفردات للتصور البشري‪ ,‬والقسم الخر العان الركبة أي‬

‫ل‬
‫التصورات الناتة عن المع بي تلك التصورات البسيطة‪ .‬فقد نتصور (جب ً‬
‫من تراب) ونتصور (قطعة من الذهب) ث نركب بي هذين التصورين‬

‫فيحصل بالتركيب تصور ثالث وهو (تصور جبل من الذهب)‪ .‬فهذا التصور‬
‫مركب ف القيقة من التصورين الولي وهكذا ترجع جيع التصورات الركبة‬

‫إل مفردات تصورية بسيطة‪.‬‬

‫والسألة الت نعالها هي ماولة معرفة الصدر القيقي لذه الفردات‬

‫وسبب انبثاق هذه التصورات البسيطة ف الدراك النسان‪.‬‬
‫وهذه السالة لا تاريخ مهم ف جيع أدوار الفلسفة اليونانية والسلمية‬

‫والوروبية‪ ,‬وقد حصلت عب تاريها الفلسفي على مدة حلول تتلخص ف‬
‫النظريات التية‪:‬‬

‫‪1‬ـ نظريات الستذكار الفلطونية‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة بأن الدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة وقد‬

‫ابتدع هذه النظرية أفلطون وأقامها على فلسفته الاصة عن الثل‪ ,‬وقدم‬

‫النفس النسانية‪ ,‬فكان يعتقد أن النفس النسانية موجودة بصورة مستقلة عن‬

‫البدن قبل وجوده‪ ,‬ولا كان وجودها هذا متحررا من الادة وقيودها تررا كاملً‬
‫أتيح لا التصال بالثل ـ أي بالقائق الجردة عن الادة ـ وأمكنها العلم با‪,‬‬

‫وحي اضطرت إل البوط من عالها الجرد للتصال بالبدن والرتباط به ف‬
‫دنيا الادة‪ ,‬فقدت بسبب ذلك كل ما كانت تعلمه من تلك الثل والقائق‬

‫الفلسـفة يدرسـون مسـألة تعليـل العرفـة والدراك مـن دون ان يضعوا فارقا بيـ‬

‫التصور والتصديق‪ .‬وستعرف أن النظرية السلمية تفصل بينهما وتشرح السألة ف‬
‫كل منهما بأسلوب خاص‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫الثابتة‪ ,‬وذهلت عنها ذهول تاما‪ ,‬ولكنها تبدأ باسترجاع ادراكاتا عن طريق‬

‫الحساس بالعان الاصة والشياء الزئية‪ ,‬لن هذه العان والشياء كلها‬

‫ظلل وانعكاسات لتلك الثل والقائق الزلية الالدة ف العال الذي كانت‬

‫تعيش النفس فيه‪ .‬فمت أحست بعن خاص انتقلت فورا إل القيقة الثالية‬

‫الت كانت تدركها قبل اتصالا بالبدن‪ ,‬وعلى هذا الساس يكون ادراكنا‬

‫للنسان العام أي لفهوم النسان بصورة كلية عبارة عن استذكار لقيقة مردة‬

‫كنا قد غفلنا عنها‪ ,‬وإنا استذكرناها بسبب الحساس بذا النسان الاص أو‬
‫ذاك من الفراد الت تعكس ف عال الادة تلك القيقة الجردة‪.‬‬

‫فالتصورات العامة سابقة على الحساس‪ ,‬ول يقوم الحساس إل بعملية‬

‫استرجاع واستذكار لا‪ ,‬والدراكات العقلية ل تتعلق بالمور الزئية الت‬
‫تدخل ف نطاق الس‪ ,‬وإنا تتعلق بتلك القائق الكلية الجردة‪.‬‬

‫وهذه النظرية ترتكز على قضيتي فلسفيتي‪ :‬أحداها أن النفس موجودة‬

‫قبل وجود البدن ف عال اسى من الادة‪ ,‬والخرى ان الدراك العقلي عبارة‬

‫عن إدراك القائق الجردة الثابتة ف ذلك العال السى والت يصطلح عليها‬
‫افلطون بكلمة (الثل)‪.‬‬

‫وكلتا القضيتي خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الفلطونية‬

‫فالنفس ف مفهومها الفلسفي العقول ليس شيئا موجودا بصورة مردة قبل‬

‫وجود البدن‪ ,‬بل هي نتاج حركة جوهرية ف الادة‪ ,‬تبدأ النفس با مادية‬

‫متصفة بصائص الادة وخاضعة لقوانينها‪ ,‬وتصبح بالركة والتكامل وجودا‬

‫مردا عن الادة ل يتصف بصفاتا ول يضع لقوانينها‪ ,‬وإن كان خاضعا‬

‫لقواني الوجود العامة‪ ,‬فإن هذا الفهوم الفلسفي عن النفس هو الفهوم الوحيد‬
‫الذي يستطيع أن يفسر الشكلة‪ ,‬ويعطي إيضاحا معقول عن العلقة القائمة‬

‫بي النفس والادة‪ ,‬بي النفس والبدن‪ .‬وأما الفهوم الفلطون الذي يفترض‬

‫للنفس وجودا سابقا على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسي هذه العلقة‪,‬‬
‫وتعليل الرتباط القائم بي البدن والنفس‪ ,‬وعن إيضاح الظروف الت جعلت‬

‫النفس تبط من مستواها إل الستوى الادي‪.‬‬

‫كما أن الدراك العقلي يكن إيضاحه مع إبعاد فكرة الثل عن مال البحث‬

‫با شرحه أرسطو ف فلسفته من أن العان الحسوسة هي نفسها العان العامة‬

‫‪50‬‬

‫الت يدركها العقل بعد تريدها عن الصائص الميزة للفراد واستبقاء العن‬

‫الشترك‪ ,‬فليس النسان العام الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها ف‬

‫عال أسى‪ ,‬بل هو صورة هذا النسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد‬
‫عليها واستخلص العن العام منها‪.‬‬

‫‪2‬ـ النظريات العقلية‪:‬‬
‫وهي لعدد من كبار فلسفة أوروبا كـ (ديكارت(‪ ))1‬و(كانت) وغيها‪.‬‬
‫وتتلخص هذه النظرية ف العتقاد بوجود منبعي للتصورات‪ :‬احدها‬

‫الحساس‪ ,‬فنحن نتصور الرارة والنور والطعم والصوت لجل احساسنا‬

‫‪ 1‬ـ راجع‪ :‬مدخل ال فلسفة ديكارت ـ سلسلة الكتبة الفلسفية رقم ‪5‬‬
‫منشورات عويدات‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫بذلك كله‪ ,‬والآخر الفطرة بعن أن الذهن البشري يلك معان وتصورات ل‬

‫تنبثق عن الس وإنا هي ثابتة ف صميم الفطرة‪ ,‬فالنفس تستنبط من ذواتا‪.‬‬

‫وهذه التصورات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (ال والنفس والمتداد‬

‫والركة) وما إليها من أفكار تتميز بالوضوح الكامل ف العقل البشري‪ .‬وأما‬

‫عند (كانت) فالانب الصوري للدراكات والعلوم النسانية كله فطري با يشتمل‬

‫عليه من صورت الزمان والكان والقولت الثنت عشرة العروفة عنه‪.‬‬
‫فالس على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصورات والفكار‬

‫البسيطة‪ ,‬ولكنه ليس هو السبب الوحيد‪ ,‬بل هناك الفطرة الت تبعث ف‬
‫الذهن طائفة من التصورات‪.‬‬

‫والذي اضطر العقليي إل اتاذ هذه النظرية ف تعليل التصورات‬

‫البشرية‪ ,‬هو أنم ل يدوا لطائفة من العان والتصورات مبرا لنبثاقها عن‬

‫الس لنا معان غي مسوسة‪ ,‬فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطا ذاتيا‬
‫من صميمها‪ ,‬ويتضح من هذا أن الدافع الفلسفي إل وضع النظرية العقلية‬

‫يزول تاما إذا استطعنا أن نفسر التصورات الذهنية تفسيا متماسكا من دون‬
‫حاجة إل افتراض أفكار فطرية‪ .‬ولجل ذلك يكننا تفنيد النظرية العقلية عن‬

‫طريقي‪:‬‬

‫احدها‪ :‬تليل الدراك تليل يرجعه برمته إل الس وييسر فهم كيفية‬

‫تولد التصورات كافة عنه‪ .‬فان مثل هذا التحليل يعل نظرية الفكار الفطرية‬
‫بل مبر مطلقا لنا ترتكز على فصل بعض العان عن مال الس‬

‫فصل نائيا‪ ,‬فإذا أمكن تعميم الس لشت ميادين التصور ل تبق ضرورة‬
‫للتصورات الفطرية‪ ,‬وهذا الطريق هو الذي اتذه (جون لوك) للرد على‬

‫(ديكارت) ونوه من العقليي‪ ,‬وسار عليه رجال البدأ السي مثل (باركلي)‬
‫و (دافيد هيوم) بعد ذلك‪.‬‬

‫والطريق الخر‪ ,‬هو السلوب الفلسفي للرد على التصورات الفطرية‬

‫ويرتكز على قاعدة أن الثار الكثية ل يكن أن تصدر عن البسيط باعتباره‬
‫بسيطا‪ ,‬والنفس بسيطة فل يكن أن تكون سببا بصورة فطرية لعدة من‬

‫التصورات والفكار‪ ,‬بل يب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من‬

‫الداركات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثية‪ ,‬وهي آلت الس وما‬
‫يطرأ عليها من متلف الحاسيس(‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫ـ وبكل مة أك ثر تف صيلً‪ ,‬إن كثرة الثار تك شف عن أ حد أمور‪ :‬ا ما كثرة‬

‫الفاعـل‪ ,‬وأمـا كثرة القابـل‪ ,‬وأمـا الترتـب النطقـي بيـ الثار ذواتاـ‪ ,‬وأمـا كثرة‬
‫‪52‬‬

‫ونقد هذا البهان بصورة كاملة يتطلب منا أن نشرح القاعدة الت قام‬

‫على أساسها؛ ونعطي إيضاحا عن حقيقة النفس وبساطتها‪ ,‬وهذا ما ل يتسع‬
‫له مالنا الن‪ .‬ولكن يب أن نشي‪:‬‬

‫أولً‪ :‬إل أن هذا البهان ـ إذا أمكن قبوله ـ فهو ل يقضي على نظرية‬

‫الفكار الفطرية تاما لنه إنا يدلل على عدم وجود كثرة من الدراكات‬

‫بالفطرة‪ ,‬ول يبهن على أن النفس ل تلك بفطرتا شيئا مدودا من‬

‫التصورات يتفق مع وحدتا وبساطتها‪ ,‬وتتولد عنه عدة أخرى من التصورات‬

‫بصورة مستقلة عن الس‪.‬‬

‫ونوضح ثانيا‪ :‬أن النظرية العقلية إذا كانت تعن وجود أفكار فطرية‬

‫ل‬
‫بالفعل لدى النفس النسانية أمكن للبهان الذي قدمناه أن يرد عليها قائ ً‬
‫أن النفس بسيطة بالذات فكيف ولدت ذلك العدد الضخم من الفكار‬

‫الفطرية‪ ,‬بل لو كان العقليون ينحون إل اليان بذلك حقا لكفي وجداننا‬

‫البشري ف الرد على نظريتهم‪ ,‬لننا جيعا نعلم أن النسان لظة وجوده على‬
‫وجه الرض ل توجد لديه أية فكرة مهما كانت واضحة وعامة ف الذهنية‬

‫البشرية‪.‬‬

‫سمْعَ‬
‫(وَال ّلهُ َأ ْخ َر َجكُم مّن ُبطُو ِن ُأ ّمهَاِتكُمْ لَ تَ ْع َلمُو َن شَيْئًا َوجَ َع َل َلكُمُ الْ ّ‬

‫ش ُكرُونَ )‪.‬‬
‫وَالَبْصَارَ وَالَ ْفئِدَةَ َل َع ّلكُمْ َت ْ‬

‫ولكن يوجد تفسي آخر للنظرية العقلية‪ ,‬ويتلخص ف اعتبار الفكار‬
‫الفطرية موجودة ف النفس بالقوة وتكتسب صفة الفعلية بتطور النفس وتكاملها‬
‫الذهن‪ .‬فليس التصور الفطري نابعا من الس وإنا يتويه وجود النفس ل‬

‫شعوريا وبتكامل النفس يصبح إدراكا شعوريا واضحا كما هو شان الدراكات‬
‫والعلومات الت نستذكرها فنثيها من جديد بعد أن كانت كامنة وموجودة‬

‫بالقوة‪.‬‬

‫الشرائط‪ .‬و ف م سألتنا ل شك ف أن الت صورات ال ت نب حث عن منشئ ها كثية‬

‫ومتنو عة مع أ نه ل كثرة ف الفا عل والقا بل‪ ,‬لن الفا عل والقا بل للت صورات هو‬

‫النفـس والنفـس بسـيطة‪ ,‬ول ترتـب أيضـا بيـ التصـورات فل يبقـى إل أن نأخـذ‬

‫بالتفسـي الخيـ وهـو أن تسـتند التصـورات الكثية إل شرائط خارجيـة وهـي‬

‫الحساسات الختلفة التنوعة‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫والنظرية العقلية على ضوء هذا التفسي ل يكن أن ترد بالبهان بالفلسفي‬

‫أو الدليل العلمي السابق ذكرها‪.‬‬

‫‪3‬ـ النظرية السية‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة أن الحساس هو المون الوحيد للذهن البشري‬
‫بالتصورات والعان‪ ,‬والقوة الذهنية هي القوة العاكسة للحساسات الختلفة ف‬

‫الذهن‪ .‬فنحن حي نس بالشيء نستطيع أن نتصوره ـ أي ان نأخذ صورة‬

‫عنه ف ذهننا ـ وأما العان الت ل يتد إليها الس فل يكن للنفس ابتداعها‬
‫وابتكارها ذاتيا وبصورة مستقلة‪.‬‬

‫وليس للذهن بناء على هذه النظرية إل التصرف ف صور العان‬

‫الحسوسة‪ ,‬وذلك بالتركيب والتجزئة بأن يركب بي تلك الصور أو يزئ‬
‫الواحدة منها‪ ,‬فيتصور جبل من ذهب او يزئ الشجرة الت ادركها ال قطع‬

‫وأجزاء‪ .‬أو التجريد والتعميم‪ ,‬بأن يفرز خصائص الصورة ويردها عن‬

‫صفاتا الاصة ليصوغ منها معن كليا‪ ,‬كما إذا تصور زيدا وأسقط من‬

‫الساب كل ما يتاز به عن عمرو‪ ,‬فإن الذهن بعملية الطرح هذه يستبقي‬
‫معن مردا يصدق على زيد وعمرو معا‪.‬‬

‫ولعل البشر الول بذه النظرية السية هو (جون لوك) الفيلسوف‬

‫النكليزي الكبي الذي بزغ ف عصر فلسفي زاخر بفاهيم (ديكارت) عن‬
‫الفكار الفطرية‪ ,‬فبدأ ف تفنيد تلك الفاهيم‪ ,‬ووضع لجل ذلك دراسة‬

‫مفصلة للمعرفة النسانية ف كتابه (مقالة ف التفكي النسان)‪ ,‬وحاول ف هذا‬

‫الكتاب ارجاع جيع التصورات والفكار إل الس‪ ,‬وقد شاعت هذه النظرية‬
‫بعد ذلك بي فلسفة أوروبا وقضت إل حد ما على نظرية الفكار الفطرية‪,‬‬
‫وانساق معها جلة من الفلسفة إل أبعد حدودها حت انتهت إل فلسفات‬

‫خطرة جدا كفلسفة (باركلي) و (دافيد هيوم) كما سوف نتبي ذلك إن شاء ال‬
‫تعال‪.‬‬

‫والاركسية تبنت هذه النظرية ف تعليل الدراك البشري‪ ,‬تشيا مع رأيها‬

‫ف الشعور البشري وأنه انعكاس للواقع الوضوعي‪ ,‬فكل ادراك يرجع أل‬

‫انعكاس لواقع معي ويصل هذا النعكاس عن طريق الحساس‪ ,‬وما يرج‬

‫عن حدود النعكاسات السية ل يكن أن يتعلق به الدراك أو الفكر‪ ,‬فنحن‬
‫‪54‬‬

‫ل نتصور إل احساساتنا الت تشي إل القائق القائمة ف العال‬

‫الارجي‪.‬‬

‫قال جورج بوليتزير‪:‬‬
‫(ولكن ما هي نقطة البدء ف الشعور أو‬
‫الفكر‪ ,‬انا الحساس‪ ,‬ث أن مصدر‬

‫الحساسات الت يعالها النسان بدافع من‬
‫احتياجاته الطبيعية)(‪( .)1‬الرأي الاركسي يعن إذن‬
‫أن متوى شعورنا ليس له من مصدر سوى‬

‫الزئيات الوضوعية الت تقدمها لنا الظروف‬
‫الارجية الت نعيش فيها‪ .‬وتعطى لنا ف‬

‫الحساسات وهذا كل ما ف المر(‪.)2‬‬

‫وقال ماوتسي تونغ موضحا الراي الاركسي ف السالة‪:‬‬
‫(إن مصدر كل معرفة يكمن ف احساسات‬

‫أعضاء الس السمية ف النسان للعال الوضوعي‬
‫الذي ييطه)(‪.)3‬‬

‫(وإذن فالطوة الول ف عملية اكتساب‬

‫العرفة هي التصال الول بالحيط الارجي‬

‫مرحلة الحاسيس ‪ ...‬الطوة الثانية هي جع‬

‫العلومات الت نصل عليها من الدراكات‬
‫السية وتنسيقها وترتيبها)(‪.)4‬‬

‫وتركز النظرية السية على التجربة‪ ,‬فقد دللت التجارب العلمية على أن‬

‫الس هو الحساس الذي تنبثق عنه التصورات البشرية‪ .‬فمن حرم لونا من‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 75‬‬
‫‪ 2‬ـ الصدر السابق ص ‪ 71‬ـ ‪. 72‬‬
‫‪ 3‬ـ حول التطبيق ص ‪. 11‬‬

‫‪ 4‬ـ حول التطبيق ص ‪. 14‬‬
‫‪55‬‬

‫الوان الس فهو ل يستطيع أن يتصور العان ذات العلقة بذلك الس‬

‫الاص‪.‬‬

‫وهذه التجارب ـ إذا صحت ـ إنا تبهن علميا على أن الس هو الينبوع‬

‫الساسي للتصور‪ ,‬فلول الس لا وجد تصور ف الذهن البشري ولكنها ل‬

‫تسلب عن الذهن قدرة توليد معان جديدة ـ ل تدرك بالس ـ من العان‬
‫الحسوسة‪ ,‬فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جيعا‬

‫الحساس بعانيها كما تزعم النظرية السية‪.‬‬

‫فالس على ضوء التجارب النفة الذكر هو البنية الساسية الت يقوم على‬

‫قاعدتا التصور البشري‪ ,‬ول يعن ذلك تريد الذهن عن الفعالية وابتكار‬
‫تصورات جديدة على ضوء التصورات الستوردة من الس‪.‬‬

‫ويكننا أن نوضح فشل النظرية السية ف ماولة ارجاع جيع مفاهيم‬

‫التصور البشري إل الس ‪ ...‬على ضوء دراسة عدة من مفاهيم الذهن‬
‫البشري كالفاهيم التالية‪ :‬العلة والعلول‪ ,‬الوهر والعرض‪ ,‬المكان‬

‫والوجوب‪ ,‬الوحدة والكثرة‪ ,‬الوجود والعدم‪ ,‬وما إل ذلك من مفاهيم‬
‫وتصورات‪.‬‬

‫فنحن جيعا نعلم أن الس انا يقع على ذات العلة وذات العلول‪,‬‬

‫فندرك ببصرنا سقوط القلم على الرض اذا سحبت من تته النضدة الت‬

‫وضع عليها‪ ,‬وندرك باللمس حرارة الاء حي يوضع على النار‪ ,‬وكذلك ندرك‬
‫تدد الفلزات ف جو حار‪ .‬ففي هذه المثلة نس بظاهرتي متعاقبتي ول‬

‫نس بصلة خاصة بينهما‪ ,‬هذه الصلة الت نسميها بالعلية‪ ,‬ونعن با تاثي‬
‫احدى الظاهرتي ف الخرى‪ ,‬وحاجة الظاهرة الخرى إليها لجل أن توجد‪.‬‬

‫والحاولت الت ترمي إل تعميم الس لنفس العلية واعتبارها مبدأ حسيا‬

‫وتقوم على تنب العمق والدقة ف معرفة ميدان الس وما يتسع له من معان‬

‫وحدود‪ ,‬فمهما نادى السيون بأن التجارب البشرية والعلوم التجريبية القائمة‬

‫على الس هي الت توضح مبدأ العلية‪ ,‬وتعلنا نس بصدور ظواهر مادية‬

‫معينة من ظواهر أخرى ماثلة‪ ,‬أقول مهما نادوا بذلك فلن يالفهم التوفيق ما‬

‫دمنا نعلم أن التجربة العلمية ل يكن أن تكشف بالس إل الظواهر‬
‫‪56‬‬

‫التعاقبة‪ ,‬فنستطيع بوضع الاء على النار أن ندرك حرارة الاء وتضاعف هذه الرارة‬

‫وأخيا بغليان الاء‪ ,‬وأما أن هذا الغليان منبثق عن بلوغ الرارة‬

‫درجة معينة فهذا ما ل يوضحه الانب السي من التجربة‪ ,‬وإذا كانت‬

‫تاربنا السية قاصرة عن كشف مفهوم العلية فكيف نشأ هذا الفهوم ف‬
‫الذهن البشري وصرنا نتصوره ونفكر فيه‪.‬‬

‫وقد كان (دافيد هيوم) ـ أحد رجال البدأ السي ـ أدق من غيه ف تطبيق‬

‫النظرية السية‪ ,‬فقد عرف أن العلية بعناها الدقيق ل يكن أن تدرك‬

‫بالس‪ ,‬فأنكر مبدأ العلية‪ ,‬وأرجعها إل عادة تداعي العان قائل‪ :‬ان أرى‬
‫كرة البلياردو تتحرك فتصادف كرة أخرى فتتحرك هذه‪ ,‬وليس ف حركة الول‬

‫ما يظهرن على ضرورة ترك ثانية‪ ,‬والس الباطن يدلن على أن حركة‬
‫العضاء ف تعقب أمر الرادة‪ ,‬ولكن ل أدرك به إدراكا مباشرا علقة‬
‫ضرورية بي الركة والمر‪.‬‬

‫ولكن الواقع أن انكار مبدأ العلية ل يفف من الشكلة الت تواجه‬

‫النظرية السية شيئا‪ ,‬فان إنكار هذا البدأ كحقيقة موضوعية يعن أننا ل‬
‫نصدق بالعلية كقانون من قواني الواقع الوضوعي‪ ,‬ول نستطع أن نعرف ما‬
‫إذا كانت الظواهر ترتبط بعلقات ضرورية تعل بعضها ينبثق عن بعض‪,‬‬

‫ولكن مبدأ العلية كفكرة تصديقية شيء‪ ,‬ومبدأ العلية كفكرة تصويرية شيء‬

‫آخر‪ ,‬فهب أنا ل نصدق بعلية الشياء الحسوسة بعضها لبعض ول نكون عن‬
‫مبدأ العلية فكرة تصديقية‪ ,‬فهل معن ذلك أننا ل نتصور مبدأ العلية أيضا؟‬

‫وإذا كنا ل نتصوره فما الذي نفاه (دافيد هيوم) وهل ينفي النسان شيئا ل‬
‫يتصوره؟‪.‬‬

‫فالقيقة الت ل مال لنكارها هي أننا نتصور مفهوم العلية سواء أصدقنا‬

‫با أم ل‪ .‬وليس تصور العلية تصورا مركبا من تصور الشيئي التعاقبي‪,‬‬

‫فنحن حي نتصور علية درجة معينة من الرارة للغليان ل نعن بذه العلية‬
‫تركيبا اصطناعيا بي فكرت الرارة والغليان بل فكرة ثالثة تقوم بينهما‪ .‬فمن‬

‫أين جاءت هذه الفكرة الت ل تدرك بالس إذا ل يكن للذهن خلقية لعان‬
‫غي مسوسة؟!‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫ونواجه نفس الشكلة ف الفاهيم الخرى الت عرضناها آنفا‪ ,‬فهي جيعا‬

‫ليست من العان الحسوسة‪ ,‬فيجب طرح التفسي السي الالص للتصور‬
‫البشري والخذ بنظرية النتزاع‪.‬‬

‫‪4‬ـ نظرية النتزاع‪:‬‬

‫وهي نظرية الفلسفة السلميي بصورة عامة‪ .‬وتتلخص هذه النظرية ف‬

‫تقسيم التصورات الذهنية إل قسمي‪ :‬تصورات أولية‪ ,‬وتصورات ثانوية‪.‬‬

‫فالتصورات الولية هي الساس التصوري للذهن البشري‪ ,‬وتتولد هذه‬

‫التصورات من الحساس بحتوياتا بصورة مباشرة‪ .‬فنحن نتصور الرارة لننا‬
‫أدركناها باللمس‪ ,‬ونتصور اللون لننا أدركناه بالبصر‪ ,‬ونتصور اللوة لننا‬
‫أدركناها بالذوق‪ ,‬ونتصور الرائحة لننا أدركناها بالشم‪ .‬وهكذا جيع العان‬

‫الت ندركها بواسنا فإن الحساس بكل واحد منها هو السبب ف تصوره‬

‫ووجود فكرة عنه ف الذهن البشري‪ .‬وتتشكل من هذه العان القاعدة الولية‬
‫للتصور وينشئ الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية‪ ,‬فيبدأ بذلك‬

‫دور البتكار والنشاء‪ ,‬وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (النتزاع)‬
‫فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك العان الولية‪ ,‬وهذه العان الديدة‬

‫خارجة عن طاقة الس وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من العان الت يقدمها‬

‫الس إل الذهن والفكر‪.‬‬

‫وهذه النظرية تتسق مع البهان والتجربة ويكنها أن تفسر جيع الفردات‬

‫التصورية تفسيا متماسكا‪.‬‬

‫فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلة‬

‫والعلول‪ ,‬والوهر والعرض‪ ,‬والوجود والوحدة‪ ,‬ف الذهن البشري‪ .‬أنا كلها‬

‫مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء العان الحسوسة‪ ,‬فنحن نس مثلً‬
‫بغليان الاء حي تبلغ درجة حرارته مائة‪ ,‬وقد يتكرر احساسنا باتي‬

‫الظاهرتي ـ ظاهرت الغليان والرارة ـ آلف الرات ول نس بعلية الرارة‬

‫للغليان مطلقا‪ ,‬وإنا الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتي اللتي‬
‫يقدمهما الس إل مال التصور‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫ول نتسطيع ف مالنا الحدود أن نعرض لكيفية النتزاع الذهن وألوانه‬

‫وأقسامه لننا ل نتناول ف دراستنا الاطفة هذه إل الشارة ال خطوط‬
‫العريضة‪.‬‬

‫ڤ‪........................................‬التصديق ومصدره الساسي‪:‬‬
‫ننتقل الن من درس الدراك الساذج ـ التصور ـ إل درس الدراك‬

‫التصديقي الذي ينطوي على الكم ويصل به النسان على معرفة موضوعية‪.‬‬
‫فكل واحد منا يدرك عدة من القضايا ويصدق با تصديقا‪ ,‬ومن تلك‬

‫القضايا ما يرتكز الكم فيها على حقائق موضوعية جزئية‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬الو‬

‫حار‪ ,‬الشمس طالعة وتسمى القضية لجل ذلك جزئية‪ .‬ومن القضايا ما يقوم‬

‫الكم فيها بي معنيي عامي كما ف قولنا الكل أعظم من الزء‪ ,‬والواحد‬
‫نصف الثني‪ ,‬والزء الذي ل يتجزأ مستحيل‪ ,‬والرارة تولد الغليان‪,‬‬

‫والبودة سبب للتجمد‪ .‬وميط الدائرة اكب من قطرها‪ ,‬والكتلة حقيقة نسبية‪,‬‬
‫ال غي ذلك من القضايا الفلسفية والطبيعية والرياضية وتسمى هذه القضايا‬
‫بالقضايا الكلية والعامة‪ .‬والشكلة الت تواجهنا هي مشكلة أصل العرفة‬

‫التصديقية والركائز الساسية الت يقوم عليها صرح العلم النسان‪ ,‬فما هي‬

‫اليوط الولية الت نسجت منها تلك الجموعة الكبية من الحكام والعلوم‪,‬‬
‫وما هو البدا الذي تنتهي اليه العارف البشرية ف التعليل‪ ,‬ويعتب مقياسا أوليا‬
‫عاما لتمييز القيقة عن غيها؟‬

‫وف هذه السالة عدة مذاهب فلسفية تتناول بالدرس منها الذهب العقلي‬

‫والذهب التجريب‪ ,‬فالول هو الذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة السلمية‪,‬‬
‫وطريقة التفكي السلمي بصورة عامة‪ .‬والثان هو الرأي السائد ف عدة‬

‫مدارس للمادية ومنها الدرسة الاركسية‪.‬‬

‫‪1‬ـ الذهب العقلي‪:‬‬
‫تنقسم العارف البشرية ف رأي العقليي ال طائفتي‪ :‬احداها معارف‬
‫ضرورية أو بديهية‪ .‬ونقصد بالضرورة هنا أن النفس تضطر إل الذعان بقضية‬

‫معينة من دون أن تطالب بدليل أو تبهن على صحتها‪ ,‬بل تد من طبيعتها‬

‫ضرورة اليان با ايانا غنيا عن كل بينة واثبات‪ ,‬كايانا ومعرفتها بالقضايا‬
‫‪59‬‬

‫التية‪( :‬النفي والثبات ل يصدقان معا ف شيء واحد) (الادث ل يوجد من‬
‫دون سبب)‪( ,‬الصفات التضادة ل تنسجم ف موضوع واحد)‪( ,‬الكل أكب‬
‫من الزء)‪( ,‬الواحد نصف الثني)‪.‬‬

‫والطائفة الخرى معارف ومعلومات نظرية‪ .‬فان عدة من القضايا ل تؤمن‬

‫النفس بصحتها إل على ضوء معارف ومعلومات سابقة فيتوقف صدور الكم‬

‫منها ف تلك القضايا على عملية تفكي واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق‬

‫وأوضح منها كما ف القضايا التية‪( :‬الرض الكروية) (الركة سبب الرارة)‪,‬‬

‫(التسلسل متنع)‪( ,‬الفلزات تتمدد بالرارة)‪( ,‬زوايا الثلث تساوي قائمتي)‪,‬‬
‫(الادة تتحول إل طاقة) وما ال ذلك من قضايا الفلسفة والعلوم‪ .‬فإن هذه‬

‫القضايا حي تعرض على النفس ل تصل على حكم ف شأنا إل بعد مراجعة‬
‫للمعلومات الخرى‪ .‬ولجل ذلك فالعارف النظرية مستندة ال العارف الولية‬

‫الضرورية‪ ,‬فلو سلبت تلك العارف الولية من الذهن البشري ل يستطع‬

‫التوصل ال معرفة نظرية مطلقا ـ كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء ال‪.‬‬
‫فالذهب العقلي يوضح‪ .‬أن الجر الساسي للعلم هو العلومات‬

‫العقلية الولية‪ ,‬وعلى ذلك الساس تقوم البنيات الفوقية للفكر النسان الت‬
‫تسمى بالعلومات الثانوية‪.‬‬

‫والعملية الت تستنبط با معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية الت‬

‫نطلق عليه اسم الفكر والتفكي‪ .‬فالتفكي جهد يبذله العقل ف سبيل اكتساب‬
‫تصديق وعلم جديد من معارفه السابقة‪ .‬بعن أن النسان حي ياول أن‬

‫يعال قضية جديدة كقضية (حدوث الادة) ـ مثلًـ ليتأكد من أنا حادثة أو‬
‫قدية يكون بي يديه أمران‪ :‬أحدها الصفة الاصة وهي (الدوث)‪ ,‬والخر الشيء‬

‫الذي يريد أن يتحقق من اتصافه بتلك الصفة وهو (الادة)‪ .‬ولا ل‬

‫تكن القضية من الوليات العقلية فالنسان سوف يتردد بطبيعته ف إصدار‬

‫الكم والذعان بدوث الادة‪ ,‬ويلجأ حينئذ ال معارفه السابقة ليجد فيها ما‬
‫يكنه أن يركز عليه حكمه ويعله واسطة للتعرف على حدوث الادة‪ ,‬وتبدأ‬
‫بذلك عملية التفكي باستعراض العلومات السابقة‪ ,‬ولنفترض أن من جلة‬

‫تلك القائق الت كان يعرفها الفكر سلفا هي (الركة الوهرية) الت تقرر ان‬
‫‪60‬‬

‫الادة حركة مستمرة وتدد دائم‪ ,‬فإن الذهن سيضع يده على هذه القيقة‬
‫حينما تر أمامه ف الستعراض الفكري ويعلها هزة الوصل بي الادة‬

‫والدوث‪ ,‬لن الادة لا كانت متجددة فهي حادثة حتما لن التغي الستمر يعن‬

‫الدوث على طول الط وتتولد عندئذ معرفة جديدة للنسان وهي أن الادة حادثة‬
‫لنا متحركة ومتجددة وكل متجدد حادث‪.‬‬

‫وهكذا استطاع الذهن أن يربط بي الدوث والادة وهزة الربط هي‬
‫حركة الادة‪ ,‬فان حركتها هي الت جعلتنا نعتقد بأنا حادثة لننا نعلم أن كل‬

‫متحرك هو حادث‪.‬‬

‫ويؤمن الذهب العقلي لجل ذلك بقيام علقة السببية ف العرفة البشرية‬

‫بي بعض العلومات وبعض‪ ,‬فإن كل معرفة إنا تتولد عن معرفة سابقة‬

‫وهكذا تلك العرفة حت ينتهي التسلسل الصاعد إل العارف العقلية الولية‬
‫الت ل تنشأ عن معارف سابقة‪ ,‬وتعتب لذا السبب العلل الول للمعرفة‪.‬‬

‫وهذه العلل الول للمعرفة على نوين‪ :‬احدها ما كان شرطا أساسيا‬

‫لكل معرفة انسانية بصورة عامة‪ .‬والخر ما كان سببا لقسم من العلومات ‪.‬‬
‫والول هو مبدأ عدم التناقض‪ ,‬فإن هذه البدأ لزم لكل معرفة وبدونه ل‬

‫يكن بالتأكد من أن قضية ما ليست كاذبة مهما أقمنا من الدلة على صدقها‬

‫وصحتها‪ ,‬لن التناقض إذا كان جائزا فمن الحتمل أن تكون القضية كاذبة ف‬
‫نفس الوقت الذي نبهن فيه على صدقها‪ ,‬ومعن ذلك أن سقوط مبدأ عدم‬
‫التناقض يعصف بميع قضايا الفلسفة والعلوم على اختلف ألوانا‪ .‬والنحو‬

‫الثان من العارف الولية هو سائر العارف الضرورية الخرى الت تكون كل‬

‫واحدة منها سببا لطائفة من العلومات‪.‬‬

‫وبناء على الذهب العقلي يترتب ما يأت‪:‬‬
‫أول‪ :‬أن القياس الول للتفكي البشري بصورة عامة هو العارف العقلية‬

‫الضرورية‪ ,‬فهي الركيزة الساسية الت ل يستغن عنها ف كل مال‪ ,‬ويب أن‬
‫تقاس صحة كل فكرة وخطأها على ضوئها‪ .‬ويصبح بوجب ذلك ميدان العرفة‬
‫البشرية أوسع من حدود الس والتجربة‪ ,‬لنه يهز الفكر البشري بطاقات‬
‫تتناول ما وراء الادة من حقائق وقضايا ويقق للميتافيزيقا والفلسفة العالية‬

‫إمكان العرفة‪ .‬وعلى عكس ذلك الذهب التجريب فإنه يبعد مسائل اليتافيزيقا‬
‫عن مال البحث لنا مسائل ل تضع للتجربة ول يتد إليها الس العلمي‪,‬‬

‫‪61‬‬

‫فل يكن التأكد فيها من نفي أو إثبات ما دامت التجربة هي القياس‬

‫الساسي الوحيد‪ ,‬كما يزعم الذهب التجريب‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬إ السي الفكري ف رأي العقليي يتدرج من القضايا العامة إل‬

‫قضايا أخص منها‪ ,‬من الكليات ال الزئيات‪ ,‬وحت ف الجال التجريب‬

‫الذي يبدو لول وهلة ان الذهن ينتقل فيه من موضوعات تريبية جزئية ال‬

‫قواعد وقواني عامة يكون النتقال والسي فيه من العام ال الاص ـ كما‬
‫سنوضح ذلك عند الرد على الذهب التجريب‪.‬‬

‫ول بد أنك تتذكر ما ذكرنا مثالً لعملية التفكي وكيف انتقلنا فيه من‬

‫معرفة عامة ال معرفة خاصة‪ ,‬واكتسبنا العلم بأن (الادة حادثة) من العلم بأن‬
‫(كل متغي حادث)‪ ,‬فقد بدأ الفكر بذه القضية الكلية (كل تغي حادث)‬

‫وانطلق منها ال قضية أخص منها وهي (أن الادة حادثة)‪.‬‬

‫وأخيا يب أن ننبه على أن الذهب العقلي ل يتجاهل دور التجربة البار‬

‫ف العلوم والعارف البشرية وما قدمته من خدمات ضخمة للنسانية وما‬

‫كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعة‪ ,‬ولكنه يعتقد أن التجربة‬

‫بفردها ل تكن تستطيع أن تقوم بذا الدور البار‪ ,‬لنا تتاج ف استنتاج أية‬

‫حقيقة علمية منها ال تطبيق القواني العقلية الضرورية ـ أي أن يتم ذلك‬

‫الستنتاج على ضوء العارف الولية‪ ,‬ول يكن أن تكون التجربة بذاتا الصدر‬

‫الساسي والقياس الول للمعرفة‪ ,‬فشأنا شأن الفحص الذي يريه الطبيب‬

‫على الريض‪ ,‬فان هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة الرض‬

‫وملبساته ولكن هذا الفحص ل يكن ليكشف عن هذا لول ما يلكه الطبيب‬
‫قبل ذلك من معلومات ومعارف‪ ,‬فلو ل تكن تلك العلومات لديه لكان‬

‫فحصه لغوا ومردا عن كل فائدة‪ ,‬وهكذا التجربة البشرية بصورة عامة ل‬
‫تشق الطريق ال نتائج وحقائق إل على ضوء معلومات عقلية سابقة‪.‬‬

‫‪2‬ـ الذهب التجريب‪:‬‬

‫وهو الذهب القائل بأن التجربة هي الصدر الول لميع العارف‬

‫البشرية‪ ,‬ويستند ف ذلك ال أن النسان حي يكون مردا عن التجارب‬
‫بختلف ألوانا ل يعرف أية حقيقة من القائق مهما كانت واضحة‪ ,‬ولذا يولد‬

‫‪62‬‬

‫النسان خاليا من كل معرفة فطرية‪ ,‬ويبدأ وعيه وإدراكه بابتداء حياته‬

‫العملية‪ ,‬ويتسع علمه كلما اتسعت تاربه‪ ,‬وتتنوع معارفه كلما تنوعت تلك‬
‫التجارب‪.‬‬

‫فالتجريبيون ل يعترفون بعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة‬

‫ويعتبون التجربة الساس الوحيد للحكم الصحيح والقايس العام ف كل‬

‫مال من الجالت‪ ,‬وحت تلك الحكام الت ادعى الذهب العقلي أنا معارف‬

‫ضرورية ل بد من اخضاعها للمقياس التجريب والعتراف با بقدار ما‬

‫تدده التجربة‪ ,‬لن النسان ل يلك حكما يستغن عن التجربة ف إثباته‪,‬‬
‫وينشأ من ذلك‪:‬‬

‫أولً‪ :‬تديد طاقة الفكر البشري بدود اليدان التجريب ويصبح من‬

‫العبث كل بث ميتافيزيقي أو دراسة لسائل ما وراء الطبيعة‪ ,‬على عكس‬
‫الذهب العقلي تاما‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬انطلق السي الفكري للذهن البشري بصورة معاكسة لا يعتقده‬

‫الذهب العقلي‪ ,‬فبينما كان الذهب العقلي يؤمن بأن الفكر يسي دائما من العام‬
‫ال الاص يقرر التجريبيون أنه يسي من الاص ال العام‪ ,‬ومن حدود‬

‫التجربة الضيقة ال القواني والقواعد الكلية‪ ,‬ويترقى دائما من القيقة الزئية‬
‫التجريبية ال الطلق‪ ,‬وليس ما يلكه النسان من قواني عامة وقواعد كلية إل‬
‫حصيلة التجارب‪ ,‬ونتيجة هذا الرتقاء من استقراء الزئيات ال الكشف عن‬
‫حقائق موضوعية عامة‪.‬‬

‫ولجل ذلك يعتمد الذهب التجريب على الطريقة الستقرائية ف‬

‫الستدلل والتفكي لنا طريقة الصعود من الزئي إل الكلي‪ ,‬ويرفض مبدأ‬

‫الستدلل القياسي الذي يسي فيه الفكر من العام إل الاص كما ف الشكل‬
‫الت من القياس‪( :‬كل انسان فان وممد انسان) فـ (ممد فان)‪ .‬ويستند‬

‫هذا الرفض ال إن هذا الشكل من الستدلل ل يؤدي ال معرفة جديدة ف‬
‫النتيجة‪ ,‬مع أن أحد شروط الستدلل هو أن يؤدي ال نتيجة جديدة ليست‬

‫متواة ف القدمات‪ ,‬وإذن فالقياس بصورته الذكورة يقع ف مغالطة (الصادرة‬

‫‪63‬‬

‫على الطلوب)‪ ,‬لننا إذا ما قبلنا القدمة (كل انسان فان) فإنا ندخل ف‬

‫الوضوع ـ إنسان ـ كل أفراد الناس‪ ,‬وبعدئذ إذا ما عقبنا عليها بقدمة ثانية‬
‫(بأن ممدا انسان) فأما أن نكون على وعي بأن ممدا كان فردا من أفراد‬

‫الناس الذين قصدنا إليهم ف القدمة الول‪ ,‬وبذلك نكون على وعي كذلك‬
‫بأنه (فان) قبل أن ننص على هذه القيقة ف القدمة الثانية‪ ,‬وأما أن ل نكون‬

‫على وعي بذلك فنكون ف القدمة الول قد عممنا بغي حق لنا ل نكن نعلم‬
‫الفناء عن كل أفراد الناس كما زعمنا‪.‬‬

‫هذا عرض موجز للمذهب التجريب الذي ند أنفسنا مضطرين ال‬

‫رفضه للسباب التية‪:‬‬

‫الول‪ :‬إن نفس هذه القاعدة (التجربة هي القياس الساسي لتمييز‬

‫القيقة) هل هي معرفة أولية حصل عليها النسان من دون تربة سابقة؟ أو‬

‫أنا بدورها أيضا كسائر العارف البشرية ليست فطرية ول ضرورية؟ فإذا‬

‫كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل الذهب التجريب الذي ل يؤمن‬

‫بالعارف الولية‪ ,‬وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلة عن‬
‫التجربة‪ ,‬وإذا كانت هذه العرفة متاجة ال تربة سابقة فمعن ذلك أنّا ل‬

‫ندرك ف بداية المر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق‪ ,‬فكيف يكن‬

‫البهنة على صحته واعتباره مقياسا بتجربة ما دمت غي مضمونة الصدق‬

‫بعد؟!‪.‬‬

‫وبكلمة أخرى‪ ,‬إن القاعدة الذكورة الت هي ركيزة الذهب التجريب إن‬

‫كانت خطأ سقط الذهب التجريب بانيار قاعدته الرئيسية‪ ,‬وإن كانت صوابا‬
‫صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيي يؤمنون بصواب هذه‬

‫القاعدة‪ ,‬فان كانوا قد تأكدوا من صوابا بل تربة فهذا يعن أنا قضية بديهية‬

‫وأن النسان يلك حقائق وراء عال التجربة‪ ,‬وإن كانوا تاكدوا من صوابا‬
‫بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لن التجربة ل تؤكد قيمة نفسها‪.‬‬

‫الثان‪ :‬إن الفهوم الفلسفي الذي يرتكز على الذهب التجريب يعجز عن‬

‫إثبات الادة‪ ,‬لن الادة ل يكن الكشف عنها بالتجربة الالصة بل كل ما يبـدو‬

‫للحس ف الجالت التجريبية إنا هو ظواهر الادة وأعراضها وأما نفس الادة‬

‫بالذات ـ الوهر الادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات ـ فهي ل تدرك‬
‫‪64‬‬

‫بالس‪ ,‬فالوردة الت نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنا نس برائحتها‬

‫ولونا ونعومتها‪ .‬وحت إذا تذوقناها فاننا نس بطعمها ول نس ف جيع تلك‬
‫الحوال بالوهر الذي تلتقي جيع هذه الظواهر عنده‪ ,‬وإنا ندرك هذا الوهر‬

‫ببهان عقلي يرتكز على العارف العقلية الولية ـ كما سنشي إليه ف البحوث‬
‫القبلة ـ ولجل ذلك أنكر عدة من الفلسفة السيي التجريبيي وجود الادة‪.‬‬

‫فالسند الوحيد لثبات الادة هو معطيات العقل الولية‪ ,‬ولولها لا كان ف‬

‫طاقة الس أن يثبت لنا وجود الادة وراء الرائحة واللون الحر والطعم‬
‫الاص للوردة‪.‬‬

‫وهكذا يتضح لنا أن القائق اليتافيزقية ليست هي وحدها الت يتاج‬

‫إثباتا ال اتاذ الطريقة العقلية ف التفكي بل الادة نفسها كذلك أيضا‪.‬‬

‫وهذا العتراض إنا نسجله بطبيعة الال على من يؤمن بوجود جوهر مادي ف‬

‫الطبيعة على أسس الذهب التجريب‪ ,‬وأما من يفسر الطبيعة بجرد ظواهر‬

‫تدث وتتغي دون أن يعترف لا بوضوع تلتقي عنده ‪ ...‬فل صلة له بذا‬

‫العتراض‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬إن الفكر لو كان مبوسا ف حدود التجربة ول يكن يلك معارف‬

‫مستقلة عنها لا اتيح له أن يكم باستحالة شيء من الشياء مطلقا‪ ,‬لن‬

‫الستحالة ـ بعن عدم إمكان وجود الشيء ـ ليس ما يدخل ف نطاق التجربة‬

‫ول يكن للتجربة أن تكشف عنه‪ ,‬وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلل عليه‬

‫هو عدم وجود أشياء معينة‪ ,‬ولكن عدم وجود شيء ل يعن استحالته‪ ,‬فهناك‬
‫عدة أشياء ل تكشف التجربة عن وجودها بل دلت على عدمها ف نطاقها‬

‫الاص‪ ,‬ومع ذلك فنحن ل نعتبها مستحيلة ول نسلب عنها إمكان الوجود‬
‫كما نسلبه عن الشياء الستحيلة فكم يبدو الفرق جليا بي اصطدام القمر‬

‫بالرض أو وجود بشر ف الريخ أو وجود انسان يتمكن من الطيان لرونة‬

‫خاصة ف عضلته من ناحية‪ ,‬وبي وجود مثلث له أربعة أضلع ووجود جزء‬

‫أكب من الكل ووجود القمر حال انعدامه من ناحية أخرى‪ .‬فإن هذه القضايا‬

‫جيعا ل تتحقق ول تقم عليها تربة‪ .‬فلو كانت التجربة هي الصدر الرئيسي‬

‫الوحيد للمعارف لا صح لنا أن نفرق بي الطائفتي لن كلمة التجربة فيهما معا‬

‫على حد سواء‪ ,‬وبالرغم من ذلك فنحن جيعا ند الفرق الواضح بي‬
‫‪65‬‬

‫الطائفتي‪ ,‬فالطائفة الول ل تقع ولكنها جائزة ذاتيا‪ ,‬وأما الطائفة الثانية فهي‬

‫ليست معدومة فحسب بل ل يكن أن توجد مطلقا‪ ,‬فالثلث ل يكن أن‬
‫يكون له أضلع أربعة سواء اصطدم القمر بالرض أم ل‪ .‬وهذا الكم‬

‫بالستحالة ل يكن تفسيه إل على ضوء الذهب العقلي بأن يكون من العارف‬
‫العقلية الستقلة عن التجربة‪.‬‬

‫وعلى هذا الضوء يكون التجريبيون بي سبيلي ل ثالث لما‪ :‬فاما أن‬

‫يعترفوا باستحالة أشياء معينة كالشياء الت عرضناها ف الطائفة الثانية وأما أن‬

‫ينكروا مفهوم الستحالة من الشياء جيعا‪.‬‬

‫فان آمنوا باستحالة أشياء كالت الحنا إليها كان هذا اليان مستندا ال‬

‫معرفة عقلية مستقلة ل إل التجربة‪ ,‬لن عدم ظهور شيء ف التجربة ل يعن‬
‫استحالته‪.‬‬

‫وإن انكروا مفهوم الستحالة ول يقروا باستحالة شيء مهما كان غريبا‬

‫لدى العقل فل يبقى على أساس هذا النكار فرق بي الطائفتي اللتي‬

‫عرضناها وادركنا ضرورة التفرقة بينهما‪ ,‬واذا سقط مفهوم الستحالة ل يكن‬
‫التناقض مستحيل ـ أي وجود الشيء وعدمه‪ ,‬وصدق القضية وكذبا ف لظة‬

‫واحدة ـ وجواز التناقض يؤدي ال انيار جيع العارف والعلوم وعدم تكن‬
‫التجربة من إزاحة الشك والتردد ف أي مال من الجالت العلمية‪ ,‬لن‬

‫التجارب والدلة مهما تضافرت على صدق قضية علمية معينة كقضية (الذهب‬
‫عنصر بسيط)‪ ,‬فل يكننا أن نزم بأنا ليست كاذبة ما دام من المكن أن‬
‫تتناقض الشياء وتصدق القضايا وتكذب ف وقت معا‪.‬‬

‫الرابع‪ :‬إن مبدأ العلية ل يكن إثباته عن طريق الذهب التجريب فكما‬

‫أن النظرية السية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة‬

‫تصويرية كذلك الذهب التجريب يعجز عن البهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة‬

‫تصديقية‪ .‬فإن التجربة ل يكنها أن توضح لنا إل التعاقب بي ظواهر معينة‪,‬‬

‫فنعرف عن طريقها أن الاء يغلي إذا صار حارا بدرجة مائة‪ ,‬وأنه يتجمد حي‬
‫تنخفض درجة حرارته ال الصفر‪ ,‬واما سببية أحدى الظاهرتي للخرى‬

‫والضرورة القائمة بينهما فهي ما ل تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة‬

‫‪66‬‬

‫ومهما كررنا استعمالا‪ .‬وإذا انار مبدأ العلية انارت جيع العلوم الطبيعية كما‬
‫ستعرف‪.‬‬

‫وقد اعترف بعض التجريبيي كـ (دافيد هيوم) و (جون ستيورات ميل)‬

‫بذه القيقة‪ ,‬ولذلك فسر (هيوم) عنصر الضرورة ف قانون العلة والعلول‬

‫بأنه راجع ال طبيعة العملية العقلية الت تستخدم ف الوصول ال هذا القانون‬

‫قائل‪ :‬إن إحدى عمليات العقل اذا كانت تستدعي دائما عملية أخرى تتبعها‬
‫بدون تلف فانه ينمو بي العمليتي بضي الزمن رابطة قوية دائمة هي الت‬

‫نسميها رابطة تداعي العان‪ ,‬ويصحب هذا التداعي نوع من اللزام العقلي‬
‫بيث يصل ف الذهن العن التصل بإحدى العمليتي العقليتي كما حدث‬

‫العن التصل بالعملية الخرى‪ ,‬وهذا اللزام العقلي أساس ما نسميه‬
‫بالضرورة الت ندركها ف الرابطة بي العلة والعلول‪.‬‬

‫وليس من شك ف أن هذا التفسي للضرورة القائمة بي العلة والعلول‬

‫ليس صحيحا لا يات‪:‬‬

‫أول‪ :‬أنه يلزم على هذا التفسي أن ل نصل ال قانون العلية العام إل‬

‫بعد سلسلة من الوادث والتجارب التكررة الت تكم الرباط بي فكرت‬

‫العلة والعلول ف الذهن‪ ,‬مع أنه ليس من الضروري ذلك‪ ,‬فان العال الطبيعي‬
‫يستطيع أن يستنتج علقة علية وضرورة بي شيئي يقعان ف حادثة واحدة‪,‬‬

‫ول يزداد يقينه شيئا عما كان عليه عند مشاهدته الادثة للمرة الول‪ ,‬كما ل‬

‫تزداد علقة العلية قوة بتكرار حوادث أخرى يوجد فيها العلول والعلة نفسها‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لندع الظاهرتي التعاقبتي ف الارج ولنلحظ فكرتيهما ف‬

‫الذهن ـ أي فكرة العلة وفكرة العلول ـ فهل العلقة القائمة بينهما علقـة‬

‫ضرورية أو علقة مقارنة كما يقترن تصورنا للحديد بتصورنا للسوق الذي يباع‬
‫فيه؟ فان كانت علقة ضرورية فقد ثبت مبدأ العلية واعترف ضمنا بقيام‬

‫علقة غي تريبية بي فكرتي وهي علقة الضرورة‪ ,‬فإن الضرورة سواء‬

‫أكانت بي فكرتي أم بي واقعي موضوعيي ل يكن إثباتا بالتجربة السية‪.‬‬

‫وإن كانت العلقة مرد مقارنة فلم يتحقق لـ (دافيد) ما أراد من تفسي عنصر‬

‫الضرورة ف قانون العلة والعلول‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫وثالثا‪ :‬إن الضرورة الت ندركها ف علقة العلية بي علة ومعلول ليس‬

‫فيها مطلقا أي أثر للزام العقل باستدعاء إحدى الفكرتي عند حصول الفكرة‬
‫الخرى فيه‪ ,‬ولذا ل تتلف هذه الضرورة الت ندركها بي العلة والعلول بي‬

‫ما إذا كانت لدينا فكرة معينة عن الصلة وما إذا ل تكن‪ ,‬فليست الضرورة ف‬
‫مبدأ العلية ضرورة سيكولوجية بل هي ضرورة موضوعية‪.‬‬

‫ورابعا‪ :‬إن العلة والعلول قد يكونان مقترني تاما ومع ذلك ندرك علية‬

‫أحدها للخر‪ ,‬كحركة اليد وحركة القلم حال الكتابة‪ ,‬فإن حركة اليد‬

‫وحركة القلم توجدان دائما ف وقت واحد‪ ,‬فلو كان مرد الضرورة والعلية ال‬

‫استتباع أحدى العمليتي العقليتي للخرى بالتداعي لا أمكن ف هذا الثال‬

‫أن تتل حركة اليد مركز العلة حركة القلم‪ ,‬لن العقل قد أدرك الركتي ف‬

‫وقت واحد فلماذا وضع إحداها موضع العلة والخرى موضع العلول؟!‪.‬‬

‫وبكلمة أخرى‪ :‬إن تفسي العلية بضرورة سيكولوجية يعن أن العلة إنا‬

‫اعتبت علة ل لنا ف الواقع الوضوعي سابقة على العلول ومولدة له‪ ,‬بل‬

‫لن ادراكها يتعقبه دائما ادراك العلول بتداعي العان فتكون لذلك علة له‪,‬‬

‫وهذا التفسي ل يكنه أن يشرح لنا كيف صارت حركة اليد علة لركة القلم‬

‫مع أن حركة القلم ل تيء عقب حركة اليد ف الدراك‪ ,‬وإنا تدرك الركتان‬
‫معا فلو ل يكن لركة اليد سبق واقعي وسببية موضوعية لركة القلم لا أمكن‬

‫اعتبارها علة‪.‬‬

‫وخامسا‪ :‬إن التداعي كثيا ما يصل بي شيئي دون العتقاد بعلية‬

‫احدها للخر‪ ,‬فلو صح لـ (دافيد هيوم) أن يفسر العلة والعلول بأنما حادثان‬

‫ندرك تعاقبهما كثيا حت تصل بينهما رابطة تداعي العان ف الذهن لكان‬

‫الليل والنهار من هذا القبيل‪ .‬فكما أن الرارة والغليان حادثان تعاقبا حت‬

‫نشأت بينهما رابطة التداعي كذلك الليل والنهار وتعاقبهما وتداعيهما‪ ,‬مع أن‬

‫عنصر العلية والضرورة الذي ندركه بي الرارة والغليان ليس موجودا بي‬
‫الليل والنهار‪ ,‬فليس الليل علة للنهار ول النهار علة الليل‪ ,‬فل يكن إذن‬

‫تفسي هذا العنصر بجرد التعاقب التكرر والؤدي ال تداعي العان كما حاوله‬
‫(هيوم)‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫ونلص من ذلك ال أن الذهب التجريب يؤدي حتما ال إسقاط مبدأ‬

‫العلية‪ ,‬والعجز عن إثبات علقات ضرورية بي الشياء‪ ,‬وإذا سقط مبدأ‬
‫العلية انارت جيع العلوم الطبيعية باعتبار ارتكازها عليه كما ستعرف‪.‬‬

‫إن العلوم الطبيعية الت تريد التجريبيون إقامتها على أساس التجربة‬

‫الالصة هي بنفسها تتاج ال اصول عقلية اولية سابقة على التجارب‪ ,‬ذلك‬

‫أن التجربة انا يقوم العال با ف متبه على جزئيات موضوعية مددة‪ ,‬فيضع‬
‫نظرية لتفسي الظواهر الت كشفتها التجربة ف الختب وتعليلها بسبب واحد‬

‫مشترك‪ ,‬كالنظرية القائلة بأن سبب الرارة هو الركة استنادا ال عدة تارب‬

‫فسرت بذلك‪ ,‬ومن حقنا على العال الطبيعي أن نسأله عن كيفية إعطائه‬

‫للنظرية بصفة قانون كلي ينطبق على جيع الظروف الماثلة لظروف التجربة‪,‬‬
‫مع أن التجربة ل تقع إل على عدة أشياء خاصة‪ ,‬أفليس هذا التعميم يستند‬

‫ال قاعدة وهي أن الظروف التماثلة والشياء التشابة ف النوع والقيقة يب‬
‫أن تشترك ف القواني والنواميس؟ وهنا نتساءل مرة أخرى عن هذه القاعدة‪ ,‬كيف‬

‫توصل اليها العقل؟ ول يكن للتجريبي هنا أن يزعموا أنا قاعدة‬

‫تريبية بل يب أن تكون من العارف العقلية السابقة على التجربة‪ ,‬لنا لو‬

‫كانت مستندة ال تربة فهذه التجربة الت ترتكز عليها القاعدة هي أيضا ل‬
‫تتناول بدورها إل موارد خاصة‪ ,‬فكيف ركزت على أساسها قاعدة عامة؟!‬

‫فبناء قاعدة عامة وقانون كلي على ضوء تربة واحدة أو عدة تارب ل يكن‬

‫أن يتم إل بعد التسليم بعارف عقلية سابقة‪.‬‬

‫وبذا يتضح أن جيع النظريات التجريبية ف العلوم الطبيعية ترتكز على عدة‬
‫معارف عقلية ل تضع للتجربة‪ ,‬بل يؤمن العقل با إيانا مباشرا وهي‪:‬‬

‫أول‪ :‬مبدأ العلية بعن امتناع الصدفة‪ ,‬ذلك أن الصدفة لو كانت جائزة‬

‫لا أمكن للعال الطبيعي أن يصل ال تعليل مشترك للظواهر التعددة الت‬
‫ظهرت ف تاربه‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬مبدأ النسجام بي العلة والعلول الذي يقرر أن المور التماثلة ف‬

‫القيقة ل بد أن تكون مستندة ال علة مشتركة‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬مبدأ عدم التناقض الاكم باستحالة صدق النفي والثبات معا‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫فاذا آمن العال بذه العارف السابقة على التجربة ث أجرى تاربه‬

‫الختلفة على أنواع الرارة وأقسامها‪ ,‬استطاع أن يقرر ناية الطاف نظرية‬
‫ف تعليل الرارة بختلف أنواعها بعلة واحدة ـ مثل ـ وهذه النظرية‬

‫ل يكن ف الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعية‪ ,‬لنا إنا تكون‬

‫كذلك إذا أمكن التأكد من عدم إمكان وجود تفسي آخر لتلك الظواهر وعدم‬
‫صحة تعليلها بعلة أخرى‪ .‬وهذا ما ل تققه التجربة ف أغلب الحيان‪,‬‬

‫ولذا تكون نتائج العلوم الطبيعية ظنية ف أكثر الحايي‪ ,‬لجل نقص ف‬

‫التجربة وعدم استكمال الشرائط الت تعل منها تربة حاسة‪.‬‬

‫ويتضح لنا على ضوء ما سبق أن استنتاج نتيجة علمية من التجربة يتوقف‬

‫دائما على الستدلل القياسي‪ ,‬الذي يسي فيه الذهن البشري من العام ال‬

‫الاص‪ ,‬ومن الكلي ال الزئي كما يرى الذهب العقلي تاما فان العال ت له‬

‫استنتاج النتيجة ف الثال الذي ذكرناه بالسي من البادئ الولية الثلثة الت‬

‫عرضنا (مبدأ العلية) (مبدأ النسجام) (مبدأ عدم التناقض)‪ ,‬ال تلك النتيجة‬

‫الاصة على طريقة القياس‪.‬‬

‫وأما العتراض الذي يوجهه التجريبيون ال الطريقة القياسية ف‬

‫الستدلل بأن النتيجة فيها ليست إل صدى للكبى من القدمتي وتكريرا‬
‫لا‪ ,‬فهو اعتراض ساقط على أصول الذهب العقلي‪ ,‬لن الكبى لو كنا نريد‬

‫اثباتا بالتجربة ول يكن لنا مقياس غيها لكان علينا أن نفحص جيع القسام‬
‫والنواع لنتأكد من صحة الكم‪ ,‬وتكون النتيجة حينئذ قد درست ف الكبى‬

‫بذاتا أيضا‪ ,‬وأما إذا كانت الكبى من العارف العقلية الت ندركها بل حاجة‬
‫إل التجربة‪ :‬كالوليات البديهية والنظريات العقلية الستنبطة منها‪ ,‬فل يتاج‬

‫الستدل لثبات الكبى ال فحص الزئيات حت يلزم من ذلك أن تتخذ‬
‫النتيجة صفة التكرار والجترار(‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ــ ومـن الغريـب حقـا مـا حاوله الدكتور زكـي نيـب ممود‪ .‬مـن تركيـز‬
‫العتراض ال سابق الذ كر على ال ستدلل القيا سي ك ما ف قول نا‪ ( :‬كل ان سان فان‬

‫وممد انسان فمحمد فان) قائل‪( :‬قد تكون ولكن حي أعمم ف القدمة الول ل‬

‫أريـد الناس فردا فردا لن احصـاءهم على هذا النحـو مسـتحيل‪ ,‬إناـ أريـد النوع‬
‫‪70‬‬

‫ومرة أخرى نؤكد على أننا ل ننكر على التجربة فضلها العظيم على‬

‫النسانية ومدى خدمتها ف ميادين العلم‪ ,‬وإنا نريد أن يفهم هؤلء‬

‫التجريبيون أن التجربة ليست هي القياس الول والنبع الساسي للفكار‬

‫والعارف النسانية‪ ,‬بل القياس الول والنبع الساسي هو العلومات الولية‬

‫العقلية الت نكتسب على ضوئها جيع العلومات والقائق الخرى‪ ,‬حت أن‬
‫التجربة بذاتا متاجة ال ذلك القياس العقلي‪ ,‬فنحن والخرون على حد‬

‫سواء على ضرورة العتراف بذلك القياس الذي ترتكز عليه أسس فلسفتنا‬
‫اللية‪ ,‬وإذا حاول التجريبيون بعد ذلك أن ينكروا ذلك القياس ليبطلوا علينا‬
‫فلسفتنا‪ ,‬فهم ينسفون بذلك السس الت تقوم عليها العلوم الطبيعية ول تثمر‬
‫بدونا التجارب السية شيئا‪.‬‬

‫وف ضوء الذهب العقلي نستطيع أن نفسر صفة الضرورة واليقي الطلق‬

‫الت تتاز با الرياضيات على قضايا العلم الطبيعي‪ ,‬فان مرد هذا المتياز إل‬
‫أن القواني والقائق الرياضية الضرورية تستند ال مبادئ العقل الول ول‬

‫تتوقف على مستكشفات التجربة وعلى العكس من ذلك قضايا العلم فان تدد‬
‫الديد بالرارة ليس من العطيات الباشرة لتلك وإنا يرتكز على‬

‫معطيات التجربة‪ ,‬فالطابع العقلي الصارم هو سر الضرورة واليقي الطلق ف‬

‫تلك القائق الرياضية‪.‬‬

‫ب صفة عا مة‪ ,‬ول كن اذا كان أمرك كذلك فك يف ا ستطعت أن ت صص ال كم على‬

‫ممد‪ ,‬ان ممدا ليس هو النوع بصفة عامة إنا هو فرد متعي متخصص‪ ,‬فحكمك‬

‫عليه با حكمت به على النوع بصفة عامة هو ف حقيقة المر قياس باطل) النطق‬
‫الوضعي ص ‪. 250‬‬

‫وهذا خل يط عج يب ب ي العقول الول والعقول الثا ن ف م صطلح النطقي ي‪.‬‬

‫فان ال كم على النوع ب صفة عا مة يع ن أ حد أمر ين‪ :‬أول ما أن يكون ال كم على‬
‫النسان باعتبار صفة العموم والنوعية فيه‪ ,‬ومن الواضح أن هذا الكم ل يكن أن‬

‫ي صص على م مد لن ممدا ل يس ف يه صفة العموم والنوع ية‪ .‬وثانيه ما‪ :‬أن يكون‬
‫الكم على ذات النسان من دون إضافة أي تصيص إليه‪.‬‬

‫وهذا ال كم ي كن ان نطب قه على م مد لن ممدا ان سان‪ ,‬فال د الو سط له‬

‫معن واحد تكرر ف الصغرى والكبى معا فيكون القياس منتجا‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫وأما إذا درسنا الفارق بي الرياضيات والطبيعيات ف ضوء الذهب‬

‫التجريب فسوف لن ند مبرا حاسا لذا الفرق ما دامت التجربة هي‬
‫الصدر الوحيد للمعرفة العلمية ف كل اليداني‪.‬‬

‫وقد حاول بعض أنصار الذهب التجريب تفسي الفرق على أساسه‬

‫الذهب عن طريق القول بأن قضايا الرياضيات تليلية ليس من شأنا أن تأت‬

‫بديد‪ ,‬فعندما نقول ‪ 4= 2+2‬ل نتحدث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا‬
‫به فان الربعة هي نفسها تعبي آخر عن ‪ 2+2‬فالعملية الرياضية النفة‬

‫الذكر ف تعبي صريح ليست إل أن أربعة تساوي أربعة وكل قضايا‬

‫الرياضيات امتداد لذا التحليل ولكنه امتداد يتفاوت ف درجة تعقيده‪ ,‬وأما‬
‫العلوم الطبيعية فليست كذلك لن قضاياها تركيبية أي أن الحمول فيها‬

‫يضيف ال الوضوع علما جديدا أي ينبئ بديد على أساس التجربة‪ ,‬فاذا‬

‫قلت أن الاء يغلي تت ضغط كذا عندما تصبح درجة حرارته مائة مثل فأن‬
‫أفيد علما لن كلمة ماء ل تتضمن كلمة حرارة وضغط وغليان ولجل ذلك كانت‬
‫القضية العلمية عرضة للخطأ والصواب‪.‬‬

‫ولكن من حقنا أن نلحظ على هذه الحاولة لتبير الفرق بي الرياضيات‬

‫والطبيعيات‪ ,‬أن اعتبار القضايا الرياضية تليلية ل يفسر الفرق على أساس‬

‫الذهب التجريب فهب أن ‪ 4 = 2+2‬تعبي آخر عن قولنا أربعة هي أربعة‬

‫فان هذا يعن أن هذه القضية الرياضية تتوقف على التسليم ببدأ عدم‬

‫التناقض وإل فقد ل تكون الربعة هي نفسها اذا كان التناقض مكنا‪ ,‬وهذا‬

‫البدأ ليس ف رأي الذهب التجريب عقليا ضروريا لنه ينكر كل معرفة قبلية‬

‫وإنا هو مستمد من التجربة كالبادئ الت تقوم على أساسها القضايا العلمية‬

‫ف الطبيعيات‪ ,‬وهكذا تبقى الشكلة دون حل اذا ما دامت الرياضيات‬
‫والعلوم الطبيعية تتوقف جيمعا على مبادئ تريبية فلماذا تتاز قضايا‬

‫الرياضيات على غيها باليقي الضروري الطلق؟‪.‬‬

‫وبعد‪ ,‬فلسنا نقر بأن قضايا الرياضيات كلها تليلية وامتداد لبدأ أن‬

‫أربعة هي أربعة‪ ,‬وكيف تكون القيقة القائلة أن القطر أقصر دائما من الحيط‬
‫قضية تليلية فهل كان القصر أو الحيط مندما ف معن القطر وهل هي تعبي‬

‫آخر عن القول بأن القطر هو قطر‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫ونلص من هذه الدراسة ال أن الذهب العقلي هو وحده الذهب الذي‬

‫يستطيع أن يل مشكلة تعليل العرفة ويضع لا مقاييسها ومبادئها الولية‪.‬‬
‫ولكن بقي علينا أن ندرس من الذهب العقلي نقطة واحدة وهي‪ :‬أن‬

‫العلومات الولية اذا كانت عقلية وضرورية‪ ,‬فكيف يكن أن يفسر عدم‬

‫وجودها مع النسان منذ البداية وحصوله عليها ف مرحلة متأخرة عن ولدته؟!‬

‫وبكلمة أخرى أن تلك العلومات اذا كانت ذاتية للنسان فيجب أن توجد‬

‫بوجوده ويستحيل أن يلو منها لظة من حياته‪ ,‬واذا ل تكن ذاتية لزم أن‬

‫يوجد لا سبب خارجي لا وهو التجربة‪ ,‬وهذا ما ل يوافق عليه العقليون‪.‬‬
‫والواقع أن العقليي حي يقررون أن تلك البادئ ضرورية ف العقل‬

‫البشري يعنون بذلك أن الذهن اذا تصور العان الت ترتبط بينها تلك البادئ‬
‫فهو يستنبط البدأ الول دون حاجة ال سبب خارجي‪ .‬ولنأخذ مبدأ عدم‬

‫التناقض مثال‪ ,‬إن هذا البدأ ـ الذي يعن الكم التصديقي بأن وجود الشيء‬
‫وعدمه ل يتمعان ـ ليس موجودا عند النسان ف لظة وجوده الول‪ ,‬لنه‬

‫يتوقف على تصور الوجود‪ ,‬وتصور العدم‪ ,‬وتصور الجتماع‪ .‬وبدون تصور‬

‫هذه المور ل يكن التصديق بأن الوجود والعدم ل يتمعان‪ .‬فان التصديق‬

‫النسان بشيء ل يتصوره أمر غي معقول‪ ,‬وقد عرفنا عند ماولة تعليل‬

‫التصورات الذهنية أنا ترجع جيعا ال الس وتنبثق عنه بصورة مباشرة أو غي‬

‫مباشرة‪ ,‬فيجب أن يكتسب النسان مموعة التصورات الت يتوقف عليها مبدأ‬
‫عدم التناقض عن طريق الس ليتاح له أن يكم بذا البدأ ويصدق به‪,‬‬

‫فتأخر ظهور هذا البدأ ف الذهن البشري ل يعن أنه ليس ضروريا وليس‬
‫منبثقا عن صميم النفس النسانية بل حاجة ال سبب خارجي‪ ,‬بل هو‬

‫ضروري ونابع عن النفس بصورة مستقلة عن التجربة‪ ,‬ولكن التصورات‬

‫الاصة شرائط وجوده وصدوره عن النفس‪ ,‬واذا شئت فقس النفس والبادئ‬
‫الولية بالنار وإحراقها‪ ,‬فكما أن إحراق النار فعالية ذاتية للنار ومع ذلك ل‬

‫توجد هذه الفعالية إل ف ظل شروط‪ ,‬أي ف ظرف ملقاة النار لسم يابس‪,‬‬

‫كذلك الحكام الولية فانا فعاليات ضرورية وذاتية للنفس ف الظروف الت‬
‫تكتمل عندها التصورات اللزمة‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫وإذا أردنا أن نتكلم على مستوى أرفع قلنا أن العارف الولية وإن كانت‬

‫تصل للنسان بالتدريج‪ ,‬إل أن هذا التدريج ليس معناه أنا حصلت بسبب‬

‫التجارب الارجية‪ ,‬لننا برهنا على أن التجارب الارجية ل يكن أن تكون‬

‫الصدر الساسي للمعرفة‪ ,‬بل التدرج إنا هو باعتبار الركة الوهرية والتطور‬
‫ف النفس النسانية‪ ,‬فهذا التطور والتكامل الوهري هو الذي يعلها تزداد‬

‫كمال ووعيا للمعلومات الولية والبادئ الساسية فيفتح ما كمن فيها من‬
‫طاقات وقوى‪.‬‬

‫وهكذا يتضح أن العتراض على الذهب العقلي بأنه‪ :‬لاذا ل توجد‬

‫العلومات الولية مع النسان حي ولدته ينبن على عدم العتراف بالوجود‬
‫بالقوة‪ ,‬وباللشعور الذي تدل عليه الذاكرة بكل وضوح‪ ,‬وإذن فالنفس‬

‫النسانية بذاتا تنطوي بالقوة على تلك العارف الولية‪ ,‬وبالركة الوهرية‬

‫يزداد وجودها شدة‪ ,‬حت تصبح تلك الدركات بالقوة مدركات بالفعل‪.‬‬

‫ڤ‪................................................‬الاركسية والتجربة‬
‫ان الذهب التجريب الذي عرضناه سابقا يطلق على رأيي ف مسألة‬
‫العرفة‪ ,‬أحدها الرأي القائل بأن العرفة كلها تتوفر ف الرحلة الول أي‬
‫مرحلة الحساس والتجارب البسيطة‪ .‬والخر الرأي القائل بأن للمعرفة‬

‫خطوتي‪ :‬الطوة السية والطوة العقلية‪ ,‬أو التطبيق والنظرية‪ ,‬أو مرحلة‬

‫التجربة ومرحلة الفهوم والستنتاج‪ .‬فنقطة النطلق للمعرفة هي الس‬

‫والتجربة‪ ,‬والدرجة العالية لا هي تكوين مفهوم علمي ونظرية تعكس الواقع‬

‫التجريب بعمق ودقة‪.‬‬

‫وهذا الرأي الثان هو الرأي الذي اتذته الاركسية ف مسالة العرفة‪,‬‬

‫ولكنها ل حظت أن هذا الرأي سوف ينتهي با بصورته الظاهرة ال الذهب‬
‫العقلي‪ ,‬لنه يفرض ميدانا ومال للمعرفة النسانية خارج حدود التجربة‬

‫البسيطة فوضعته على أساس وحدة النظرية والتطبيق‪ .‬وعدم إمكان فصل‬

‫‪74‬‬

‫أحدها عن الخر‪ ,‬وبذلك احتفظت للتجربة بقامها ف الذهب التجريب‪ ,‬واعتبارها‬
‫القياس العام للمعارف البشرية‪.‬‬

‫○ قال ما وتسي تونغ‪:‬‬
‫[ الطوة الول ف عملية اكتساب العرفة هي التصال‬
‫الول بالحيط الارجي ـ مرحلة الحاسيس ـ ‪ ,‬الطوة الثانية‬
‫هي جع العلومات الت نصل عليها من الدراكات السية‬

‫وتنسيقها وترتيبها ـ مرحلة الفاهيم والحكام والستنتاجات ـ ‪,‬‬

‫وبالصول على معلومات كافية كاملة من الدراكات السية‬
‫(ل جزئية أو ناقصة)‪ ,‬ومطابقة هذه العلومات للوضع‬

‫القيقي (ل مفاهيم خاطئة) عند هذا فقد يصبح ف الستطاع‬
‫أن نصوغ على أساس هذه العلومات مفهوما ومنطقا‬
‫صحيحي](‪.)1‬‬

‫○ وقال أيضا‪:‬‬
‫[إن استمرار التطبيق الجتماعي يؤدي إل أن تتكرر‬
‫مرات متضاعفة ف تطبيق الناس أشياء يسونا وتلق فيهم‬

‫انطباعا‪ ,‬وعندها يدث تغي مفاجئ (طفرة) ف العقل‬

‫البشري خلل عملية اكتساب العرفة فينتج عند ذلك‬
‫مفاهيم] (‪.)2‬‬

‫وإليكم هذا النص الذي تؤكد فيه الاركسية على أن النظرية ل يكن أن‬

‫تنفصل عن التطبيق أي وحدة النظرية والتطبيق‪:‬‬

‫[فمن الهم إذن أن نفهم معن وحدة النظرية‬

‫والتطبيق ‪ ...‬ومعن ذلك أن من يهمل النظرية يقع ف فلسفة‬
‫المارسة فيسلك كما يسلك العمى ويتخبط ف الظلم‪ ,‬أما‬

‫ذلك الذي يهمل التطبيق فيقع ف المود الذهب ويتحول ال صاحب مذهب ل‬
‫‪ 1‬ـ حول التطبيق ص ‪.14‬‬
‫‪ 2‬ـ حول التطبيق ص ‪.6‬‬
‫‪75‬‬

‫أكثر‪ ,‬وصاحب تدليلت عقلية‬

‫جوفاء]‬

‫(‪)1‬‬

‫وبذا أكدت الاركسية موقفها التجريب‪ ,‬وان التجربة هي القياس الذي‬

‫يب أن يطبق على كل معرفة ونظرية‪ ,‬ول توجد معرفة بصورة منفصلة عنه كما‬
‫صرح بذلك ما وتسي تونغ فيما يلي‪:‬‬

‫[إن نظرية العرفة ف الادية الديالكتيكية تضع التطبيق ف‬

‫القام الول‪ ,‬فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يب أن‬

‫ل يفصل بأية درجة كانت عن التطبيق‪ ,‬وتشن نضال ضد‬
‫كل النظريات الاطئة الت تنكر أهية التطبيق أو تسمح‬
‫بانفصال العرفة عن التطبيق] (‪.)2‬‬

‫إن الاركسية كما يبدو تعترف بوجود مرحلتي للمعرفة البشرية‪ ,‬ومع ذلك‬

‫فإنا ل تريد أن تسلم بوجود معرفة عن التجربة‪ ,‬وهذا هو التناقض‬
‫الساسي الذي تقوم عليه نظرية العرفة الديالكتيكية‪ ,‬ذلك أن العقل‬

‫لو ل يكن لديه معارف ثابتة بصورة مستقلة عن التجربة ل يستطيع أن يضع‬
‫النظرية على ضوء الدراكات السية‪ ,‬وأن يكون مفهوما للمعطيات التجريبية‪,‬‬
‫فان استنتاج مفهوم خاص من الظواهر الحسوسة بالتجربة إنا يتاح للنسان‬

‫إذا كان يعرف على القل أن ظواهر كهذه تقتضي بطبيعتها مفهوما كذاك‪,‬‬
‫فيكز استنتاجه لنظريته الاصة على ذلك‪.‬‬

‫ولجل أن يتضح هذا يب أن نعرف أن التجربة‪ ,‬كما تعترف الاركسية‪,‬‬

‫تعكس ظواهر الشياء‪ ,‬ول تكشف عن وجودها وقوانينها الداخلية الت تيمن‬

‫على تلك الظواهر وتنسقها‪ ,‬ومهما كررنا التجربة وأعدنا التطبيق العملي فسوف‬
‫ل نصل ـ على أفضل تقدير ـ إل على اعداد جديدة من الظواهر السطحية‬

‫النفصلة‪ .‬ومن الواضح أن هذه الدراكات السية الت نستحصلها بالتجربة ل‬
‫تقتضي بذاتا تكوين مفهوم عقلي خاص عن الشيء الارجي‪ ,‬لن هذه‬

‫الدراكات السية الت هي الطوة الول من العرفة قد يشترك فيها أفراد‬

‫عديدون ول ينتهون جيعا ال نظرية موحدة ومفهوم واحد عن جوهر الشيء‬
‫وقوانينه الواقعية‪ ,‬فنعرف من ذلك أن الطوة الول من العرفة ليست كافية‬
‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪.114‬‬
‫‪ 2‬ـ حول التطبيق ص ‪.4‬‬
‫‪76‬‬

‫بفردها لتكوين نظرية أي لنقل النسان بصورة طبيعية أو ديالكتيكية إل‬

‫الطوة الثانية للمعرفة القيقية‪ .‬فما هو الشيء الذي يعلنا ننتقل من الطوة‬
‫الول إل الطوة الثانية؟‪.‬‬

‫إن ذلك الشيء هو معارفنا العقلية الستقلة عن التجربة الت يرتكز على‬

‫أساسها الذهب العقلي‪ ,‬فان تلك العارف هي الت تتيح لنا أن نعرض عدة‬

‫من النظريات والفاهيم ونلحظ مدى انسجام الظواهر النعكسة ف تاربنا وحواسنا‬
‫معها‪ ,‬فنستبعد كل مفهوم ل يتفق مع تلك الظواهر حت نصل على الفهوم الذي‬

‫ينسجم مع الظواهر الحسوسة والتجريبية بكم العارف العقلية الولية‪ ,‬فنضعه‬
‫كنظرية تفسر جوهر الشيء وقوانينه الاكمة فيه‪.‬‬

‫وإذا استبعدنا من أول المر العارف العقلية الستقلة عن التجربة فسوف‬

‫يتعذر علينا نائيا أن نتخطى دور الحساس ال دور النظرية والستنتاج‪ ,‬أو‬

‫أن نتأكد من صحة النظرية والستنتاج بالرجوع ال التطبيق وتكرار التجربة‪.‬‬
‫ونلص من ذلك ال أن التفسي الوحيد للخطوة الثانية من‬

‫العرفة ـ الكم والستنتاج ـ هو ما ارتكز عليه الذهب العقلي من القول بأن‬
‫عدة من قواني العال العامة يعرفها النسان معرفة مستقلة عن التجربة‪ ,‬كمبدأ‬
‫عدم التناقض‪ ,‬ومبدأ العلية‪ ,‬ومبدأ التناسب بي العلة والعلول وما ال ذلك‬

‫من مبادئ عامة‪ ,‬وحي تقدم له التجربة العلمية ظواهر الطبيعة وتعكسها ف‬
‫إحساسه يطبق عليها البادئ العامة ويدد مفهومه العلمي عن واقع الشيء‬

‫وجوهره على ضوء تلك البادئ‪ ,‬بعن أنه يستكشف ما وراء الظواهر‬

‫التجريبية ويتخطى ال حقائق أعمق بالقدار الذي يتطلبه تطبيق البادئ‬

‫العامة ويكشف عنه‪ ,‬وتضاف هذه القائق العمق ال معلوماته السابقة‬

‫ويكون بذلك أكثر ثروة حينما ياول أن يل لغزا جديدا للطبيعة ف مال‬
‫تريب آخر‪ ,‬ولسنا نعن بذا أن التطبيق والتجربة العلمية ليس لما دور مهم‬
‫ف العرفة البشرية للطبيعة وقوانينها‪ .‬فان دورها ف ذلك ل شك فيه‪ .‬وإنا‬

‫نريد أن نؤكد على استبعاد كل معرفة منفصلة عن التجربة ورفض العارف‬
‫العقلية بصورة عامة‪ ...‬يكون سببا لستحالة تطي الرحلة الول من‬
‫الدراك‪ ,‬أي مرحلة الس والتجربة‪.‬‬

‫ڤ‪...........................................‬التجربة والكيان الفلسفي‬
‫‪77‬‬

‫ول يقف هذا التناقض الستقطب بي الذهب العقلي والذهب التجريب‬

‫عند حدود نظرية العرفة فحسب‪ ,‬بل يتد أثره الطي ال الكيان الفلسفي كله‬
‫لن مصي الفلسفة بوصفها كيانا أصيل مستقل عن العلوم الطبيعية والتجريبية‬
‫مرتبط ال حد كبي بطريقة حل هذا التناقض بي الذهبي العقلي والتجريب‪,‬‬

‫فالبحث ف القياس العام للمعرفة البشرية والبادئ الول لا هو الذي يقدم‬

‫للفلسفة مبرات وجودها‪ .‬أو يكم عليها بالنسحاب والتخلي عن وظيفتها للعلوم‬
‫الطبيعية‪.‬‬

‫وقد واجه الكيان الفلسفي هذه الحنة أو هذا المتحان منذ نشأت‬
‫الطريقة التجريبية وغزت القول العلمية بكفاءة ونشاط‪ ,‬وإليكم قصة ذلك‪:‬‬

‫كانت الفلسفة قبل أن يسود التاه التجريب وف مطلع فجرها تستوعب‬

‫تقريبا كل العارف البشرية النظمة بشكل عام‪ ,‬فالرياضيات والطبيعيات تطرح‬

‫على الصعيد الفلسفي كمسائل اليتافيزيقا تاما‪ ,‬وتتحمل الفلسفة بعناها العام‬
‫الشامل مسؤولية الكشف عن القائق العامة ف كل مالت الكون والوجود‪,‬‬

‫وكانت أداة العرفة الت تسخدمها الفلسفة ف تلك القول جيعا هي‬

‫القياس ـ الطريقة العقلية ف التفكي أو السي الفكري من القضايا العامة ال‬

‫قضايا أخص منها‪.‬‬

‫وظلت الفلسفة تسيطر على الوقف الفكري للنسانية حت بدأت التجربة‬

‫تشق طريقها وتقوم بدورها ف حقول كثية وهي تتدرج ف العرفة من‬

‫الزئيات ال الكليات‪ ,‬من موضوعات التجربة ال قواني أعم وأشل‪ ,‬فكان‬

‫على الفلسفة أن تنكمش وتقصر على مالا الصيل وتفسح الجال‬

‫لزاحها ـ العلم ـ لينشط ف سائر الجالت الخرى وبذلك انفصلت العلوم عن‬
‫الفلسفة وتددت لكل منهما أداته الاصة وماله الاص‪ ,‬فالفلسفة تصطنع‬

‫القياس أداة عقلية للتفكي‪ ,‬والعلم يستخدم الطريقة التجريبية ويتدرج من الزئيات‬
‫ال قواني أعلى‪ ,‬كما أن العلم ـ كل علم ـ يتناول شعبة من الوجود ونوعا‬

‫خاصا له يكن اخضاعه للتجربة فيبحث عن ظواهره وقوانينه ف ضوء التجارب‬
‫الت يارسها‪ ,‬وأما الفلسفة فتتناول الوجود بصورة عامة دون تديد‬

‫أو تقييد وتبحث عن ظواهره وأحكامه الت ل تضع للتجربة الباشرة‪ .‬فبينما يبحث‬
‫العال الطبيعي عن قانون تدد الفلزات بالرارة‪ ,‬والعال الرياضي عن‬
‫‪78‬‬

‫النسبة الرياضية بي قطر الدائرة وميطها‪ ,‬يدرس الفيلسوف ما إذا كان للوجود‬

‫مبدأ أول انبثق منه الكون كله‪ ,‬وما هو جوهر العلقة بي العلة والعلول‪,‬‬

‫وهل يكن أن يكون لكل سبب سبب ال غي ناية؟ وهل الحتوى النسان‬
‫مادي مض أو مزاج من الادية والروحية؟‪.‬‬

‫واضح من أول نظرة ان متوى السئلة الت يثيها العال يكن اخضاعها‬

‫للتجربة ففي إمكان التجربة أن تقدم الدليل على أن الفلزات تتمدد بالرارة‪,‬‬
‫‪14‬‬
‫وأن القطر مضروبا بـ‬
‫‪100‬‬

‫‪ 3‬يساوي ميط الدائرة‪ .‬وعلى العكس من‬

‫ذلك الحتوى الباشر للسئلة الفلسفية فان البدأ الول وجوهر العلقة بي‬
‫العلة والعلول‪ ,‬والتصاعد اللنائي ف السباب‪ ,‬والعنصر الروحي ف‬

‫النسان أمور ميتافيزيقية ل يتد إليها الس التجريب ول يكن تسليط‬

‫الضواء ف العمل عليها‪.‬‬

‫وهكذا قامت الثنائية بي الفلسفة والعلم على أساس اختلفهما ف أداة‬

‫التفكي وموضوعه‪ ,‬وقد بدت هذه الثنائية أو هذا التوزيع للعمال الفكرية‬

‫بي الفلسفة والعلم أمرا مشروعا ومقبول عند كثي من العقليي الذين يؤمنون‬

‫بالطريقة العقلية ف التفكي ويعترفون بوجود مبادئ ضرورية أول للمعرفة‬

‫البشرية‪ .‬وأما أنصار الذهب التجريب الذين آمنوا بالتجربة وحدها وكفروا‬

‫بالطريقة العقلية ف التفكي فقد كان من الطبيعي لم أن يوجهوا هجوما عنيفا‬
‫على الفلسفة بوصفها كيانا مستقل عن العلم لنم ل يقرون كل معرفة ما ل‬
‫ترتكز على التجربة وما دامت الوضوعات الت تعالها الفلسفة خارجة عن‬
‫حدود البة والتجربة فل أمل ف الوصول إل معرفة صحيحة فيها‪ ,‬فيجب‬

‫على الفلسفة ف رأي الذهب التجريب أن تتخلى عن وظيفتها وتعترف بتواضع‬

‫أن الجال الوحيد الذي يكن للنسانية درسه إنا هو مال التجربة الذي‬

‫تقاسته العلوم ول تدع للفلسفة منه شيئا‪.‬‬

‫وهكذا نعرف أن شرعية الكيان الفلسفي ترتبط بنظرية العرفة وما تقرره‬

‫من اليان بالطريقة العقلية ف التفكي أو رفضها‪.‬‬

‫وعلى هذا الساس شجبت عدة من مدارس الفلسفة الادية الحدثة كيان‬

‫الفلسفة الستقل القائم على أساس الطريقة العقلية ف التفكي‪ ,‬وسحت بقيام فلسفة‬

‫‪79‬‬

‫ترتكز على أساس الحصول الفكري لجموع العلوم والتجارب السية‬

‫ول تتميز عن العلم ف طريقها وموضوعها‪ ,‬وتستخدم هذه الفلسفة العلمية‬

‫للكشف عن العلقات والروابط بي العلوم ولوضع نظريات علمية عامة‬

‫تعتمد على حصيلة التجربة ف مموع القول العلمية كما أن لكل علم فلسفته‬

‫الت تقرر أساليب البحث العلمي ف ماله الاص‪.‬‬

‫وف طليعة تلك الدارس الادية الوضعية والاركسية‪.‬‬

‫ڤ‪..........................................‬الدرسة الوضعية والفلسفة‬
‫أما الدرسة الوضعية ف الفلسفة فقد اختمرت بذرتا خلل القرن التاسع‬
‫عشر الذي ساد فيه التاه التجريب فنشأت ف ظله‪ ,‬ولذلك شنت هجوما‬

‫عنيفا على الفلسفة بالتهم ومواضيعها اليتافيزيقية‪ ,‬ول تكتف برمي اليتافيزيقا‬

‫الفلسفية بالتهم الت يوجهها اليها أنصار الذهب التجريب عادة‪ ,‬فلم تقتصر‬

‫على القول بأن قضايا الفلسفة غي مدية ف الياة العلمية ول يكن إثباتا‬

‫بالسلوب العلمي بل أخذ الوضعيون يؤكدون أنا ليست قضايا ف العرف‬

‫النطقي بالرغم من اكتسابا شكل القضية ف تركيبها اللفظي لنا ل تمل‬

‫معن اطلقا وإنا هي كلم فارغ ولغو من القول وما دامت كذلك فل يكن‬
‫أن تكون موضوعا للبحث مهما كان لونه‪ ,‬لن الكلم الفهوم هو الدير‬

‫بالبحث دون اللغو الفارغ واللفاظ الاوية‪ .‬أما لاذا كانت القضايا الفلسفية‬

‫كلما فارغا ل معن له فهذا يتوقف على القياس الذي وضعته الدرسة‬

‫الوضعية للكلم الفهوم‪ ,‬فهي تقدر أن القضية ل تصبح كلما مفهوما وبالتال‬
‫قضية مكتملة ف العرف النطقي إل اذا كانت صورة العال تتلف ف حال‬

‫صدق القضية عنها ف حال كذبا‪ ,‬فاذا قلت مثل (البد يشتد ف الشتاء) تد‬
‫أن العال الواقعي له صورة معينة ومعطيات حسية خاصة ف حال صدق هذا‬

‫الكلم وصورة ومعطيات أخرى ف حال كذبه‪ ,‬ولجل هذا كنا نستطيع أن‬
‫نصف الظروف الواقعية الت نعرف فيها صدق الكلم أو كذبه ما دام هناك‬
‫فرق ف العال الواقعي بي أن تصدق القضية وبي أن تكذب‪ .‬ولكن خذ‬

‫إليك العبارة الفلسفية الت تقول‪( :‬إن لكل شيء جوهرا غي معطياته السية‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫فللتفاحة مثل جوهر هو التفاحة ف ذاتا فوق ما نسه منها بالبصر واللمس‬

‫والذوق) فانك لن تد فرقا ف الواقع الارجي بي أن تصدق هذه العبارة أو‬

‫تكذب بدليل أنك إذا تصورت التفاحة ف حال وجود جوهر لا غي ما تدركه‬

‫منها بواسك ث تصورتا ف حال عدم وجود هذا الوهر ل تر فرقا ف‬
‫الصورتي لنك سوف لن تد ف كلتا الصورتي إل العطيات السية من اللون‬
‫والرائحة والنعومة‪ .‬وما دمنا ل ند ف الصورة الت رسناها لال الصدق‬

‫شيئا ييزها من الصورة الت رسناها لال الكذب‪ ,‬فالعبارة الفلسفية الذكورة‬
‫كلم بدون معن لنه ل يفيد خبا عن العال‪ .‬وكذلك المر ف كل القضايا‬

‫الفلسفية الت تعال موضوعات ميتافيزقية فانا ليست كلما مفهوما لعدم توفر‬

‫الشرط الساسي للكلم الفهوم فيها وهو إمكان وصف الظروف الت يعرف‬
‫فيها صدق القضية أو كذبا‪ ,‬ولذلك ل يصح أن توصف القضية الفلسفية‬

‫بصدق أو كذب لن الصدق والكذب من صفات الكلم الفهوم‪ ,‬والقضية‬
‫الفلسفية ل معن لا لكي تصدق أو تكذب‪.‬‬

‫ويكننا تلخيص النعوت الت تضفيها الدرسة الوضعية على القضايا‬

‫الفلسفية كما يلي‪:‬‬

‫‪1‬ـ ل يكن إثبات القضية الفلسفية لنا تعال موضوعات خارجة عن‬

‫حدود التجربة والبة النسانية‪.‬‬

‫‪2‬ـ ول يكن أن نصف الظروف الت إن صحت‪ ,‬كانت القضية صادقة‬

‫وإل فهي كاذبة‪ .‬إذ ل فرق ف صورة الواقع بي أن تكذب القضية الفلسفية‬

‫أو تصدق‪.‬‬

‫‪3‬ـ وهي لذلك قضية ل معن لا‪ .‬إذ ل تب عن العال شيئا‪.‬‬

‫‪4‬ـ وعلى هذا الساس ل يصح أن توصف بصدق أو كذب‪.‬‬
‫ولنأخذ الصفة الول‪ ,‬وهي أن القضية الفلسفية ل يكن إثباتا فإنا‬

‫تكرار لا يردده أنصار الذهب التجريب عموما‪ ,‬فانم يؤمنون بأن التجربة هي‬
‫الصدر الساسي والداة العليا للمعرفة وهي ل تستطيع أن تارس عملها على‬

‫السرح الفلسفي لن موضوعات الفلسفة ميتافيزيقية ل تضع لي لون علمي‬

‫من ألوان التجربة‪ ,‬ونن إذا رفضنا الذهب التجريب وأثبتنا وجود معارف‬
‫‪81‬‬

‫قبلية ف صميم العقل البشري يرتكز عليها الكيان العلمي ف متلف حقول‬

‫التجربة نستطيع ان نطمئن ال امكانات الفكر النسان وقدرته على درس‬
‫القضايا الفلسفية وبثها ف ضوء تلك العارف القبلية على طريقة الستقراء‬
‫والبوط من العام ال الاص‪.‬‬

‫وأما الصفة الثانية‪ ,‬وهي أنّا ل نستطيع أن نصف الظروف الت إن‬

‫صحت كانت القضية صادقة وإل فهي كاذبة‪ ,‬فل تزال باجة إل شيء من‬
‫التوضيح‪ .‬فما هي هذه الظروف الواقعية أو العطيات السية الت يرتبط صدق‬

‫القضية با‪ ,‬وهل تعتب الوضعية من شرط القضية أو يكون مدلولا بالذات‬

‫معطى حسيا كما ف قولنا (البد يشتد ف الشتاء والطر يهطل ف ذلك الفصل)‬

‫أو تكتفي بأن يكون للقضية معطيات حسية ولو بصورة غي مباشرة‪ ,‬فان‬

‫كانت الوضيعة تلغي كل قضية ما ل يكن مدلولا معطى حسيا وظرفا واقعيا‬

‫يضع للتجربة فهي بذلك ل تسقط القضايا الفلسفية فحسب‪ ,‬بل تشجب‬
‫أيضا أكثر القضايا العلمية الت ل تعب عن معطى حسي وإنا تعب عن قانون‬

‫مستنتج من العطيات السية كقانون الاذبية‪ ,‬فنحن نس بسقوط القلم عن‬
‫الطاولة ال الرض ول نس باذبية الرض‪ .‬فسقوط القلم معطى حسي‬

‫مرتبط بالضمون العلمي لقانون الاذبية وليس للقانون عطاء حسي مباشر‪.‬‬
‫وأما إذا اكتفت الوضعية بالعطى السي غي الباشر فالقضايا الفلسفية لا‬

‫معطيات حسية غي مباشرة كعدة من القضايا العلمية تاما أي توجد هناك‬

‫معطيات حسية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية فان صحت كانت‬

‫ل القضية الفلسفية القائلة بوجود‬
‫القضية صادقة وإل فهي كاذبة‪ .‬خذ إليك مث ً‬
‫علة أول للعال‪ ,‬فان متوى هذه القضية وإن ل يكن له عطاء حسي مباشر‪,‬‬

‫غي أن الفيلسوف يكنه أن يصل إليه عن طريق العطيات السية الت ل يكن‬
‫تفسيها عقليا إل عن طريق العلة الول‪ ,‬كما سنرى ف بوث مقبلة من هذا‬
‫الكتاب‪.‬‬

‫وهناك شيء واحد يكن أن تقوله الوضعية ف هذا الجال‪ ,‬وهو أن‬

‫استنتاج الضمون الفكري للقضية الفلسفية من العطيات السية‪ ,‬ل يقوم على‬
‫أساس تريب وإنا يقوم على أسس عقلية‪ ,‬بعن أن العارف العقلية هي الت‬
‫‪82‬‬

‫تتم تفسي العطيات السية بافتراض علة أول‪ ,‬إل أن التجربة تبهن على‬

‫استحالة وجود هذه العطيات بدون العلة الول‪ ,‬وما ل تبهن التجربة على‬
‫ذلك ل يكن أن تعتب تلك العطيات عطاء للقضية الفلسفية ولو بصورة غي‬
‫مباشرة‪.‬‬

‫وهذا القول ليس إل تكرارا من جديد للمذهب التجريب‪ ,‬وما دمنا‬

‫قد عرفنا سابقا أن استنتاج الفاهيم العلمية العامة من العطيات السية مدين‬
‫لعارف عقلية قبلية‪ ,‬فل جناح على القضية الفلسفية إذا ارتبطت مع معطياتا‬

‫السية بروابط عقلية وف ضوء معارف قبلية‪.‬‬

‫وال هنا ل ند الوضعية شيئا جديدا غي معطيات الذهب التجريب‬

‫ومفاهيمه عن اليتافيزيقا الفلسفية‪ ,‬غي أن الصفة الثالثة تبدو لنا شيئا جديدا‬
‫لن الوضعية تقرر فيها أن القضية الفلسفية ل معن لا إطلقا ول تعتب قضية‬
‫بل هي شبه قضية‪.‬‬

‫ويكننا القول بأن هذا التام هو أشد ضربة وجهت ال الفلسفة من‬

‫الدارس الفلسفية للمذهب التجريب‪ ,‬فلنفحص متواه باهتمام‪.‬‬

‫ولكي يتاح لنا ذلك يب أن نعرف بالضبط ماذا تريد الوضعية بكلمة‬

‫العن ف قولنا أن القضية الفلسفية ل معن لا وإن أمكن تفسيها ف قواميس‬
‫اللغة؟‬

‫وييب على ذلك الستاذ آير ـ إمام الوضعية النطقية الديثة ف‬

‫انكلترا ـ بأن كلمة معن ف رأي الوضعية تدل على العن الذي يكن التثبت‬

‫من صوابه أو خطئه ف حدود البة السية‪ ,‬ونظرا ال أن القضية الفلسفية ل‬

‫يكن فيها ذلك فهي قضية بدون معن‪.‬‬

‫وف هذا الضوء تصبح العبارة القائلة (القضية الفلسفية ل معن لا)‬

‫معادلة تاما لقولنا (متوى القضية الفلسفية ل يضع للتجربة لنه يتصل با‬

‫وراء الطبيعة) وبذلك تكون الوضعية قد قررت حقيقة ل شك فيها ول‬

‫جدال‪ ,‬وهي أن مواضيع اليتافيزيقا الفلسفية ليست تريبية ول تأت بشيء‬

‫جديد إل تطوير كلمة العن ودمج التجربة فيها‪ ,‬وتريد القضية الفلسفية عن‬

‫‪83‬‬

‫العن ف ضوء هذا التطوير للكلمة ل يتناقض مع التسليم بأنا ذات معن ف‬

‫استعمال آخر للكلمة ل تدمج فيه التجربة ف العن‪.‬‬

‫ول أدري ماذا يقول الستاذ آير وأمثاله من الوضعيي عن القضايا الت‬

‫تتصل بعال الطبيعة‪ ,‬ول يلك النسان القدرة على التثبت من صوابا أو‬

‫خطئها بالتجربة‪ ,‬كما إذا قلنا (إن الوجه الخر للقمر الذي ل يقابل الرض‬
‫زاخر بالبال والوديان) فاننا ل نلك وقد ل يتاح لنا ف الستقبل أن نلك‬

‫المكانات التجريبية لستكشاف صدق هذه القضية أو كذبا بالرغم من أنا‬

‫تتحدث عن الطبيعة‪ ,‬فهل يكن أن نعتب هذه القضية خاوية ل معن لا مع‬
‫أننا نعلم جيعا أن العلم كثيا ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد‬

‫البحث قبل أن يلك التجربة الاسة بصددها ويظل يبحث عن ضوء ليسلطه‬

‫عليها حت يده ف ناية الطاف أو يعجز عن الظفر به‪ ,‬فلماذا كل هذا الهد‬
‫العلمي لو كانت كل قضية ل تمل بيدها دليل صدقها أو كذبا من التجربة‬
‫خواء ولغوا من القول؟‬

‫وتاول الوضعية ف هذا الجال أن تستدرك‪ ,‬فهي تقول أن الهم هو‬

‫المكان النطقي ل المكان الفعلي‪ ,‬فكل قضية كان مكنا من الوجهة النظرية‬

‫الصول على تربة هادية بشأنا‪ ,‬فهي ذات معن وجديرة بالبحث وإن ل‬
‫نلك هذه التجربة فعل‪.‬‬

‫ونن نرى ف هذه الحاولة‪ ,‬أن الوضعية قد استعارت مفهوما ميتافيزيقيا‬

‫لتكميل بنائها الذهب الذي شادته لنسف اليتافيزيقا‪ ,‬وذلك الفهوم هو‬

‫المكان النطقي الذي ميزته عن المكان الفعلي‪ ,‬وإل فما هو العطى السي‬
‫للمكان النطقي؟ تقول الوضعية أن التجربة ما دامت غي مكنة ف الواقع‪,‬‬

‫فماذا يبقى للمكان النظري من معن غي مفهومه اليتافيزيقي الذي ل أثر له‬

‫على صورة الواقع الارجي ول تتلف العطيات السية تبعا له‪ ,‬أفلم يصبح‬

‫مقياس الوضعية للكلم الفهوم ميتافيزيقيا ف ناية الشوط‪ ,‬وبالتال كلما غي‬

‫مفهوم ف رأيها؟‬

‫ولنترك الستاذ آير‪ ,‬ولنأخذ كلمة العن بدلولا التعارف دون أن ندمج‬

‫‪84‬‬

‫فيه التجربة‪ ,‬فهل نستطيع أن نكم على القضية الفلسفية بأنا غي ذات‬

‫معن؟ كل طبعا‪ ,‬فإن العن هو ما يعكسه اللفظ ف الذهن من صور‪,‬‬

‫والقضية الفلسفية تعكس ف أذهان أنصارها وخصومها على السواء صورا من‬

‫هذا القبيل‪ .‬وما دامت هناك صورة تقذفها القضية الفلسفية ال أفكارنا فهناك‬

‫مال للصدق والكذب وبالتال هناك قضية كاملة جديرة بذا السم ف العرف‬
‫النطقي‪ ,‬فان الصورة الت تقذفها القضية الفلسفية ال ذهننا إن كانت تطابق‬

‫شيئا موضوعيا خارج حدود الذهن واللفظ فالقضية صادقة وإل فهي كاذبة‪.‬‬

‫فالصدق والكذب ـ وبالتال الطابع النطقي للقضية ـ ليسا من معطيات التجربة‬

‫لنقول عن القضية الت ل تضع للتجربة أنا ل توصف بصدق أو كذب‪,‬‬
‫وإنا ها تعبيان بشكل إياب أو سلب عن التطابق بي صورة القضية ف‬

‫الذهن وبي أي شيء موضوعي ثابت خارج حدود الذهن واللفظ‪.‬‬

‫الاركسية والفلسفة‬

‫وموقف الاركسية من الفلسفة يشبه بصورة جوهرية الوقف الوضعي‪,‬‬

‫فهي ترفض كل الرفض فلسفة عليا تفرض على العلوم ول تنبثق منها‪ ,‬لن‬
‫الاركسية تريبية ف منطقها وأداة تفكيها‪ ,‬فمن الطبيعي أن ل تد‬

‫للميتافيزيقا مال ف بوثها‪ ,‬ولذا نادت بفلسفة علمية وهي الادية‬

‫الديالكتيكية وزعمت أن فلسفتها هذه ترتكز على العلوم الطبيعية وتستمد‬

‫رصيدها من التطور العلمي ف متلف القول‪.‬‬

‫قال ليني‪:‬‬
‫(فالادية الديالكتيكية ل تعد باجة ال فلسفة توضع‬
‫فوق العلوم الخرى وإن ما يبقى من الفلسفة القدية هو‬

‫نظرية الفكر وقوانينه ـ النطق الشكلي والديالكتيك)(‪.)1‬‬

‫وقال روجيه غارودي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ ليني ماركس انلس والاركسية ص ‪.24‬‬
‫‪85‬‬

‫(سوف تكون مهمة النظرية الادية للمعرفة على وجه‬

‫التحديد أن ل تقطع أبدا الفكر الفلسفي عن الفكر العالي‬
‫ول عن النشاط العملي التاريي)(‪.)2‬‬

‫وبالرغم من إصرار الاركسية على الطابع العلمي لفلسفتها ورفض أي‬

‫لون من التفكي اليتافيزيقي‪ ,‬ند أن الاركسية ل تتقيد ف فلسفتها بالدود‬

‫العلمية للبحث‪ ,‬ذلك أن الفلسفة الت تنبع من البة العلمية يب أن تارس‬

‫مهمتها ف القل العلمي ول تتجاوزه ال غيه‪ ,‬فالجال الشروع لفلسفة‬

‫علمية كفلسفة الاركسية ف زعمها وإن كان أوسع من الجال النفرد لكل علم‬

‫لنا تستهدي بختلف العلوم‪ ,‬ولكن ل يوز بال من الحوال أن يكون‬

‫أوسع من الجالت العلمية متمعة أي الجال العلمي العام وهو الطبيعة الت‬
‫يكن اخضاعها للتجربة أو اللحظة السية النظمة‪ ,‬فليس من صلحية‬

‫الفلسفة العلمية أن تتناول ف البحث مسائل ما وراء الطبيعة وتكم فيها‬
‫بشيء إياب أو سلب لن رصيدها العلمي ل يدها ف تلك السائل بشيء‪,‬‬

‫فالقضية الفلسفية القائلة (للعال مبدأ أول وراء الطبيعة) ليس من حق الفلسفة‬

‫العلمية أن تتناولا بنفي أو إثبات لن متواها خارج عن مال التجربة‪.‬‬

‫وبالرغم من ذلك نرى أن الاركسية تتدخل ف هذا اللون من القضايا‬

‫وتيب عليها بالنفي المر الذي يعلها تتمرد على حدود الفلسفة العلمية‬
‫وتنساق ال بث ميتافيزيقي‪ ,‬لن النفي فيما يتصل با وراء عال الطبيعة‬

‫كالثبات وكلها من الفلسفة اليتافيزيقية وبذلك يبدو التناقض بي الدود‬

‫الت يب أن نقف عندها الاركسية ف بثها الفلسفي بوصفها صاحبة فلسفة‬
‫علمية وبي انطلقها ف البحث ال أوسع من ذلك‪.‬‬

‫وبعد أن ربطت الاركسية فلسفتها بالعلم وآمنت بضرورة تطور الحصول‬

‫الفلسفي وفقا للعلوم الطبيعة ومشاركة الفلسفة للعلم ف نوه وتكامله تبعا‬

‫لرتفاع مستوى البة التجريبية وتعميقها على مر الزمن‪ ,‬كان من الطبيعي لا‬
‫أن ترفض كل مطلق فلسفي فوق العلم‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ ما هي الادية ص ‪. 46‬‬
‫‪86‬‬

‫وقد نشأ هذا من خطأ الاركسية ف نظرية العرفة وإيانا بالتجربة‬

‫وحدها‪ ,‬وأما ف ضوء الذهب العقلي واليان بعارف قبلية فالفلسفة ترتكز‬
‫على قواعد أساسية ثابتة وهي تلك العارف العقلية القبلية الثابتة بصورة مطلقة‬

‫ومستقلة عن التجربة‪ ,‬ولجل ذلك ل يكون من التم أن يتغي الحتوى‬
‫الفلسفي باستمرار تبعا للكتشافات التجريبية‪.‬‬

‫ونن ل نعن بذلك انقطاع الصلة بي الفلسفة والعلم فان الترابط بينهما‬

‫وثيق لن العلم يقدم ف بعض الحايي القائق الاصة ال الفلسفة لتطبق‬

‫عليها مبادئها الطلقة فتخرج بنتائج فلسفية جديدة (‪ ,)1‬كما أن الفلسفة تنجد‬
‫السلوب التجريب ف العلوم ببادئ وقواعد عقلية يستخدمها العال ف سبيل‬
‫الرتقاء من التجارب الباشرة ال قانون علمي عام (‪ .)2‬فالعلقة بي الفلسفة‬
‫والعلم قوية (‪ ,)3‬غي أن الفلسفة بالرغم من ذلك قد ل تتاج ف بعض‬
‫‪ 1‬ـ ومثال ذلك أن العلوم الطبيعية تبهن على امكان تويل العناصر البسيطة‬

‫بعضها ال بعض‪ .‬فهذه حقيقة علمية تتناولا الفلسفة كمادة لبحثها وتطبق عليها‬
‫القانون العقلي القائل بأن الوصف الذات ل يتخلف عن الشيء فنستنتج أن صورة‬

‫العنصر البسيط كالصورة الذهبية ليست ذاتية لادة الذهب وإل لا زالت عنها وإنا‬
‫هي صفة عارضة‪.‬‬

‫ث تضي الفلسفة أكثر من ذلك فتطبق القانون القائل أن لكل صفة عارضة علة‬

‫خارجية فتصل ال هذه النتيجة أن الادة لكي تكون ذهبا أو ناسا أو شيئا آخر‬

‫باجة ال سبب خارجي فهذه نتيجة فلسفية مستندة ال ما أدت إليه الطريقة العقلية‬

‫من قواعد عامة لدى تطبيقها على الادة الام الت قدمتها العلوم للفلسفة‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ كما ضربنا المثلة على ذلك آنفا فقد رأينا كيف أن النظرية العلمية القائلة أن‬
‫الركة هي سبب الرارة أو جوهرها تطلبت عدة من البادئ العقلية القبلية‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ حت يكن القول ف ضوء ما قررناه ـ خلفا للتاه العام الذي واكبناه ف‬
‫الكتاب ـ بعدم وجود حدود فاصلة بي قواني الفلسفة وقواني العلم كالد‬

‫الفاصل القائل أن كل قانون قائم على أساس عقلي فهو فلسفي وكل قانون قائم‬
‫على أساس تريب فهو علمي‪ ,‬لننا عرفنا بوضوح أن الساس العقلي والتجربة‬

‫مزدوجان ف عدة من القضايا الفلسفية والعلمية فل القانون العلمي وليد التجربة‬

‫بفردها‪ ,‬وإنا هو نتيجة تطبيق السس العقلية على مضمون التجربة العلمية‪ ,‬ول‬

‫القانون الفلسفي ف غن عن التجربة دائما‪ ,‬بل قد تكون التجربة العلمية مادة‬

‫للبحث الفلسفي أو صغرى ف القياس على حد تعبي النطق الرسطي‪ ,‬وإنا الفارق‬

‫بي الفلسفة والعلم أن الفلسفة قد ل تتاج ال صغرى تريبية ول تفتتقر ال مادة‬

‫خام تستعيها من التجربة كما سنشي إليه بعد لظة‪ ,‬وأما العلم فهو ف كل قوانينه‬
‫‪87‬‬

‫الحيان إل تربة إطلقا بل تستخلص النظرية الفلسفية من العارف العقلية‬

‫القبلية (‪ )1‬ولجل هذا قلنا ليس من التم أن يتغي الحتوى الفلسفي باستمرار‬

‫تبعا للتجربة‪ ,‬ول من الضروري أن يواكب الكل الفلسفي قطار العلم ف‬

‫سية التدرج‪.‬‬

‫باجة ال البة السية النظمة‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ ومثال ذلك قانون النهاية القائل أن السباب ل تتصاعد ال غي ناية‪ ,‬فان‬
‫الفلسفة حي تقرر هذا القانون ل تد نفسها باجة ال أي تربة علمية وإنا‬
‫تستخلصه من مبادئ عقلية أولية ولو بصورة غي مباشرة‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫○ ‪2‬ـ قيمة العرفة ○‬
‫كنا ندرس ف السألة السابقة الصادر الساسية للمعرفة أو للدراك‬
‫البشري بصورة عامة‪ ,‬والن نتناول العرفة من ناحية اخرى لنحدد قيمتها‬

‫الوضوعية ومدى امكان كشفها عن القيقة‪ ,‬فان الطريق الوحيد الذي تلكه‬

‫النسانية لستكناه القائق والكشف عن أسرار العال هو مموعة العلوم والعارف‬

‫الت لديها‪ ,‬فيجب أن نتساءل قبل كل شيء عما اذا كان هذا‬
‫‪89‬‬

‫الطريق موصل حقا ال الدف‪ ,‬وعما إذا كانت النسانية قادرة على الوصول‬

‫ال واقع موضوعي با تلك من معارف وطاقات فكرية‪.‬‬

‫والفلسفة الاركسية تؤمن ف هذه السالة بإمكان معرفة العال‪ ,‬وبطاقة‬

‫الفكر البشري على الكشف عن القائق الوضوعية وترفض الشك والسفسطة‪:‬‬
‫[خلفا للمثالية الت تنكر إمكان معرفة العال وقوانينه‪,‬‬

‫ول تؤمن بقيمة معارفنا‪ ,‬ول تعترف بالقيقة الوضوعية‪,‬‬

‫وتعتب أن العال ملوء باشياء قائمة بذاتا‪ ,‬ولن يتوصل العلم‬

‫أبدا ال معرفتها‪ ,‬تقوم الادية الفلسفية الاركسية على البدأ‬

‫القائل‪ :‬أنه من المكن تاما معرفة العال وقوانينه‪ ,‬وان‬

‫معرفتنا لقواني الطبيعة تلك العرفة الت يققها العمل‬

‫والتجربة هي معرفة ذات قيمة ولا معن حقيقة موضوعية‪,‬‬

‫وأن ليس ف العال أشياء ل تكن معرفتها‪ ,‬وإنا فيه أشياء ل‬
‫تزال مهولة وستكشف وتصبح معروفة بوسائل العلم‬

‫والعمل] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ الادة الديالكتيكية ص ‪. 20‬‬
‫‪90‬‬

‫[إن أقوى تفنيد لذا الوهم الفلسفي ـ أي وهم (كانت)‬

‫وهيوم وغيه من الثاليي ـ ولكل وهم فلسفي آخر هو العمل‬
‫والتجربة والصناعة بوجه خاص‪ ,‬فإذا استطعنا أن نبهن على‬
‫صحة فهمنا لظاهرة طبيعية مابلقنا هذه الظاهرة بأنفسنا‬

‫وبأحداثنا لا بواسطة توفر شروطها نفسها‪ .‬وفوق ذلك اذا‬

‫استطعنا استخدامها ف تقيق أغراضنا كان ف ذلك القضاء‬

‫البم على مفهوم الشيء ف ذاته العصي على الدراك الذي‬
‫أتى به (كانت)] (‪.)1‬‬

‫هذه التصريات تقرر بوضوح أن الفلسفة الاركسية ل ترض بالوقوف ال‬

‫صف السفسطة ومدارس النكار أو الشك الت أعلنت إفلسها ف الضمار‬
‫الفلسفي‪ ,‬لن الصرح الذي تاول بناءه يب أن يرتفع على ركائز فلسفية‬

‫قاطعة وقواعد فكرية جازمة‪ ,‬وما ل تكن الركائز يقينية ل يكن أن يتماسك‬

‫ويتركز البناء الفكري القائم عليها‪.‬‬

‫وناول الن أن نعرف ما اذا كان من حق هذه الفلسفة أن تزعم لنفسها‬

‫اليقي الفلسفي وتدعي إمكان العرفة الازمة‪ ,‬بعن أن الفلسفة الاركسية الت‬

‫تفكر‪ ,‬على طريقة ديالكتيكية‪ ,‬هل تستطيع أن تؤمن بعرفة حقيقية للعال‬
‫وقوانينه وتتخلص من قبضة الشك أو السفسطة؟‪.‬‬

‫وف تعبي آخر هل العرفة الت يصح للفيلسوف الاركسي أن يتبجح با‬

‫على أعلى قيمة وأرفع شأنا من العرفة ف فلسفة (كانت)؟ أو لدى الثاليي أو‬

‫الاديي النسبيي من فلسفة مدارس الشك الذين نقدتم الاركسية‬
‫وهاجتهم؟‪.‬‬

‫ولجل أن نعرف الشكلة ونتبي مدى إمكان حلها على أساس الفلسفة‬

‫الاركسية ووجهة نظر الفلسفة السلمية فيها‪ ,‬يب أن نشي بصورة سريعة‬
‫ال أهم الذاهب الفلسفية الت عالت هذه الشكلة‪ ,‬حت يتحدد بلء‬

‫‪ 1‬ـ لودفيج فيورباخ ص ‪. 54‬‬
‫‪91‬‬

‫موقف الاركسية منها‪ ,‬وماذا يب أن تتخذ من رأي ف مسألة العرفة على ضوء‬

‫أصولا الرئيسية؟ وما هو حق الشكلة من التحليل والتحقيق؟‪.‬‬
‫‪1‬ـ آراء اليونان‪:‬‬

‫اجتاحت التفكي اليونان موجة من السفسطة ف القرن الامس قبل‬

‫اليلد‪ ,‬ف عصر راجت فيه طريقة الدل ف ميادين الطابة والحاماة‬

‫وتضاربت فيه الراء الفلسفية والفرضيات غي التجريبية تضاربا شديدا‪ ,‬ول‬
‫يكن الفكر الفلسفي قد تبلور ول تبلغ درجة عالية من الرشد العقلي‪ ,‬فكان‬

‫هذا الصراع والتضارب بي التناقضات الفلسفية سببا لبلبلة فكرية وارتياب‬

‫جذري‪.‬‬

‫وكانت ملكة الدل تغذي ذلك با تلهم أبطالا الدليي من شبهات‬

‫وأقيسة خاطئة‪ ,‬أنكروا على أساسها العال برفض جيع الركائز الفكرية‬
‫للنسان وإنكار الحسوسات والبديهيات‪.‬‬

‫وقد وضع (غورغياس) ـ أحد أبطال هذه الدرسة ـ كتابا ف (اللوجود)‬

‫وحاول أن يبهن فيه عدة قضايا‪ :‬الول‪ ,‬ل يوجد شيء‪ .‬الثانية‪ ,‬إذا‬

‫كان يوجد شيء فالنسان قاصر عن إدراكه‪ .‬الثالثة‪ ,‬إذا فرضنا أن إنسانا‬
‫أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيه‪.‬‬

‫وقد عاشت السفسطة ردحا من الزمن تتفنن ف عبثها بالفلسفة والعلم‬

‫حت بزغ سقراط‪ ,‬وأفلطون‪ ,‬وارسطو‪ ,‬فكانت لم مواقف جبارة ضدها‪.‬‬

‫ووضع أرسطو للكشف عن مغالطات السفسطة وتنظيم الفكر النسان‬

‫منطقه العروف‪ ,‬وخلصة مذهبه ف نظرية العرفة‪ .‬ان العلومات السية‬

‫والعلومات العقلية الولية أو الثانوية الت تكتسب براعاة الصول النطقية هي‬

‫حقائق ذات قيمة قاطعة‪ .‬ولذا أجاز ف البهان ـ الدليل القاطع ف مصطلحه‬
‫النطقي ـ استعمال الحسوسات والعقولت معا‪.‬‬

‫وقامت بعد ذلك ماولة للتوفيق بي التاهي التعارضي‪ ,‬بي التاه‬

‫الذي ينح ال النكار القاطع وهو السفسطة‪ ,‬والتاه الذي يؤكد على‬

‫‪92‬‬

‫الثبات وهو اتاه النطق الرسطي‪ .‬وكانت هذه الحاولة تتمثل ف مذهب الشك‬

‫الذي يعتب (بيون) من البشرين الساسيي به‪.‬‬

‫وتعرف عن (بيون) حججه العشر على ضرورة الشك الطلق‪ ,‬فكل‬

‫قضية ف نظره تتمل قولي‪ ,‬ويكن إيابا وسلبها بقوة متعادلة‪.‬‬

‫ولكن مذهب اليقي سيطر أخيا على الوقف الفلسفي‪ ,‬وتربع العقل على‬

‫عرشه الذي أقعده عليه (أرسطو) يكم ويقرر مقيدا بقاييس النطق‪ ,‬وخدت‬

‫جذوة الشك طيلة قرون‪ ,‬حت حوال القرن السادس عشر إذ نشطت العلوم‬

‫الطبيعية واكتشفت حقائق ل تكن بالسبان وخاصة ف اليئة ونظام الكون‬
‫العام‪ .‬وكانت هذه التطورات العلمية بثابة قوة الدل ف العصر اليونان‪,‬‬
‫فبعثت مذاهب الشك والنكار من جديد‪ ,‬واستانفت نشاطها باسأليب‬

‫متعددة‪ ,‬وقام الصراع بي اليقينيي أنفسهم ف حدود اليقي الذي يب أن‬

‫يعتمد عليه النسان‪.‬‬

‫وف هذا الو الشبع بروح الشك والتمرد على سلطان العقل نبغ‬

‫(ديكارت)‪ ,‬وطلع على العال بفلسفة يقينية كان لا تأثي كبي ف إرجاع التيار‬
‫الفلسفي حدا ما ال اليقي‪.‬‬

‫‪2‬ـ ديكارت‪:‬‬

‫وهو من أقطاب الفلسفة العقليي ومؤسسي النهضة الفلسفية ف أوروبا‪.‬‬

‫بدأ فلسفته بالشك‪ ,‬الشك الارف العاصف‪ ,‬لن الفكار متضاربة فهي إذن‬
‫ف معرض الطأ‪ ,‬والحساسات خداعة ف كثي من الحايي فهي أيضا‬

‫ساقطة من الساب‪ ,‬وبذا وذاك تثور عاصفة الشك فتقتلع العال الادي‬
‫والعنوي معا ما دام الطريق إليهما هو الفكر والحساس‪.‬‬

‫ويؤكد (ديكارت) على ضرورة هذا الشك الطلق‪ ,‬ويدلل على منطقيته‬

‫بأن من الائز أن يكون النسان واقعا ف رحة قوة تيمن على وجوده وعقله‬

‫وتاول خداعه وتضليله‪ ,‬فتوحي إليه بأفكار مقلوبة عن الواقع وادراكات‬

‫‪93‬‬

‫خاطئة‪ .‬ومهما كانت هذه الأفكار والدراكات واضحة فل نستطيع استبعاد هذا‬

‫الفرض الذي يضطرنا ال اتاذ الشك مذهبا مطردا‪.‬‬

‫ولكن (ديكارت) يستثن حقيقة واحدة تصمد ف وجه العاصفة ول تقوى‬

‫على زعزعتها تيارات الشك‪ ,‬وهي‪( :‬فكره)‪ .‬فانه حقيقة واقعة ل شك فيها‬
‫ول يزدها الشك إل ثباتا ووضوحا‪ ,‬لن الشك ليس إل لونا من ألوان‬

‫الفكر‪ ,‬وحت تلك القوة الداعة لو كان لا وجود فهي ل تستطيع أن تدعنا‬
‫ف إياننا بذا الفكر لنا إنا تدعنا عن طريق الياء بالتفكي الاطئ إلينا‪,‬‬

‫ومعن ذلك أن التفكي حقيقة ثابتة على كل حال‪ ,‬سواء أكانت مسألة الفكر‬
‫النسان مسألة خداع وتضليل أم مسألة فهم وتقيق‪.‬‬

‫وتكون هذه القيقة ف فلسفة (ديكارت) حجر الزاوية ونقطة النطلق‬

‫لليقي الفلسفي‪ ,‬الذي حاول أن يرج به من التصور ال الوجود‪ ,‬ومن‬

‫الذاتية ال الوضوعية‪ ,‬بل حاول أن يثبت عن طريق تلك القيقة الذات‬

‫والوضوع معا‪ ,‬فبدأ بذاته واستدل على وجودها بتلك القيقة قائل‪( :‬أنا‬

‫أفكر‪ ,‬فأنا إذن موجود)‪.‬‬

‫وقد يلحظ على ديكارت ف هذا الستدلل أنه يتوي ـ ل شعوريا ـ على‬

‫اليان بقائق ل زالت حت الن ف موضع الشك عنده‪ ,‬فان هذا الستدلل‬
‫تعبي غي فن عن الشكل الول من القياس ف النطق الرسطي‪ ,‬ويرجع فنيا‬
‫ال الصيغة التية‪( :‬أنا أفكر‪ ,‬وكل مفكر موجود فأنا موجود)‪ .‬ولجل أن‬

‫يصح هذا الستدلل عند ديكارت يب ان يؤمن بالنطق‪ ,‬ويعتقد بأن الشكل‬

‫الول من القياس منتج وصحيح ف انتاجه‪ ,‬مع أنه ل يزال ف بداية الشوط‬
‫الول‪ ,‬ول يزال الشك مهيمنا ف عقله على جيع العارف والقائق ومنها‬
‫النطق وقوانينه‪.‬‬

‫ولكن الواقع الذي يب أن ننبه عليه هو‪ :‬أن ديكارت ل يكن يس‬

‫باجة ال اليان بالشكال القياسية ف النطق حي بدأ الرحلة الستدللية‬
‫من تفكيه بـ (أنا أفكر‪ ,‬فأنا إذن موجود)‪ ,‬بل كان يرى ان معرفة وجوده عن‬

‫طريق فكره أمر بديهي ل يتاج ال تشكيل قياس والتصديق بصغراه وكباه‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫ولا كانت هذه القضية صادقة لأنا بديهية بشكل ل يقبل الشك‪ ,‬فكل ما‬

‫هو على درجتها ف البداهة صادق أيضا‪ ,‬وبذا عطف قضية أخرى على‬
‫البديهية الول وسلم بأنا حقيقة وهي أن الشيء ل يرج من ل شيء‪.‬‬

‫وبعد أن آمن بالناحية الذاتية‪ ,‬أخذ ف إثبات الواقع الوضوعي فرتب‬

‫الفكار النسانية ف ثلث طوائف‪:‬‬

‫الول‪ :‬أفكار غريزية أو فطرية‪ ,‬وهي الفكار الطبيعية ف النسان الت‬

‫تبدو ف غاية الوضوح واللء كفكرة‪ :‬ال والركة والمتداد والنفس‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬أفكار غامضة تدث ف الفكر بناسبة حركات واردة على الواس‬

‫من الارج‪ ,‬وليست لا أصالة ف الفكر النسان‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬أفكار متلفة‪ ,‬وهي الفكار الت يصطنعها النسان ويركبها من‬

‫أفكاره الخرى‪ ,‬كصورة انسان له رأسان‪.‬‬

‫وأخذ ـ أول ما أخذ ـ فكرة (ال) من الطائفة الول‪ ,‬فقرر أنا فكرة ذات‬

‫حقيقة موضوعية إذ هي ف حقيقتها الوضوعية تفوق النسان الفكر وكل ما فيه‬
‫من أفكار‪ ,‬لنه ناقص مدود وفكرة (ال) هي فكرة الكامل الطلق الذي ل‬

‫ناية له‪ .‬ولا كان قد آمن سلفا‪ ,‬بأن الشيء ل يرج من ل شيء‪ ,‬فهو‬

‫يعرف أن لذه الصورة الفطرية ف فكره سببا‪ ,‬ول يكن أن يكون هو السبب‬
‫لا لنا أكب منه وأكمل والشيء ل ييء أكب من سببه وإل لكانت الزيادة ف‬

‫السبب قد نشأت من ل شيء‪ .‬فيجب أن تكون الفكرة منبثقة عن الكائن‬

‫اللنائي الذي يوازيها كمال وعظمة‪ ,‬وذلك الكائن هو أول حقيقة موضوعية‬

‫خارجية تعترف با فلسفة (ديكارت) وهي‪( :‬ال)‪.‬‬

‫وعن طريق هذا الكائن الكامل الطلق أثبت أن كل فكر فطري ف‬

‫الطبيعة النسانية‪ ,‬فهو فكر صادق يتوي على حقيقة موضوعية‪ ,‬لن الفكار‬
‫العقلية ـ الطائفة الول ـ صادرة عن ال‪ ,‬فاذا ل تكن صادقة كان تزويد ال‬
‫للنسان با خدعة وكذبا‪ ,‬وهو مستحيل على الكامل الطلق‪.‬‬

‫ولجل ذلك آمن ديكارت بالعرفة الفطرية (العقلية) للنسان وأنا معرفة‬

‫‪95‬‬

‫صحيحة وصادقة‪ ,‬ول يؤمن بغي تلك الأفكار الفطرية من الفكار الت تنشأ باسباب‬

‫خارجية‪ ,‬وكان من نتيجة هذا ان قسم الفكار عن الاديات ال‬
‫قسمي‪:‬‬

‫احدها الفكار الفطرية‪ ,‬كفكرة المتداد‪.‬‬
‫والخر افكار طارئة تعب عن انفعالت خاصة للنفس بالؤثرات الارجية‬

‫كفكرة الصوت‪ ,‬والرائحة‪ ,‬والضوء‪ ,‬والطعم‪ ,‬والرارة‪ ,‬واللون‪.‬‬

‫فتلك كيفيات اولية حقيقية‪ ,‬وهذه كيفيات ثانوية ل تعب عن حقائق‬

‫موضوعية وانا تتمثل ف انفعالت ذاتية‪ ,‬فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور ف‬
‫دنيا الذهن بتأثي الجسام الارجية‪ ,‬ول يشابها شيء من تلك الجسام‪.‬‬
‫هذا عرض خاطف جدا لنظرية العرفة عند ديكارت‪.‬‬

‫ويب ان نعرف قبل كل شيء ان القاعدة الساسية الت اقام عليها‬

‫مذهبه ويقينه الفلسفي وهي (انا افكر فانا اذن موجود)‪ ,‬قد نقضت ف‬

‫الفلسفة السلمية قبل ديكارت بعدة قرون؛ حي عرضها الشيخ الرئيس ابن‬
‫سينا ونقدها بانا ل يكن ان تعتب اسلوبا من الستدلل العلمي على وجود‬

‫النسان الفكر ذاته‪ ,‬فليس للنسان ان يبهن على وجوده عن طريق فكره‪,‬‬
‫لنه حي يقول (انا افكر فانا موجود)‪ ,‬ان كان يريد ان يبهن على وجوده‬
‫بـ (فكره الاص) فقط‪ ,‬فقد اثبت وجوده الاص من اول المر واعترف‬

‫بوجوده ف نفس الملة الول‪ .‬وان كان يريد ان يعل (الفكر الطلق) دليلً‬
‫على وجوده‪ ,‬فهو خطأ‪ ,‬لن الفكر الطلق يكم بوجود مفكر مطلق ل مفكر‬

‫خاص‪ ,‬واذن فالوجود الاص لكل مفكر يب ان يكون معلوما له علما أوليا‬
‫بصرف النظر عن جيع العتبارات با فيها شكه وفكره‪.‬‬

‫وبعد ذلك نرى ديكارت يقيم صرح الوجود كله على نقطة واحدة وهي‬

‫ان الفكار الت خلقها ال ف النسان تدل على حقائق موضوعية‪ ,‬فلو ل تكن‬

‫مصيبة ف ذلك لكان ال خادعا‪ ,‬والداع مستحيل عليه‪.‬‬

‫وبسهولة يكن ان نتبي اللط بي العرفة التأملية والعرفة العملية ف‬

‫‪96‬‬

‫برهانه‪ .‬فان قضية (الداع مستحيل) هي الترجة غي المنية لقضية (الداع قبيح)‬

‫وهذه القضية ليست قضية فلسفية وانا هي فكرة عملية فكيف شك (ديكارت) ف‬
‫كل شيء ول يشك ف هذه العرفة العملية‪ ,‬الت جعلها اساسا‬
‫للمعرفة التأملية الفلسفية؟!!‪.‬‬

‫اضف ال ذلك ان تسلسل العرفة ف مذهب ديكارت ينطوي على دور‬

‫واضح‪ ,‬فانه حي آمن بالسالة اللية اقام ايانه هذا على قضية يفترض‬

‫صدقها سلفا وهي ان الشيء ل يرج من ل شيء‪ .‬وهذه القضية تتاج‬

‫بدورها ال اثبات السالة اللية لتكون مضمونة الصدق‪ ,‬فما ل يثبت ان‬
‫النسان مكوم لقوة حكيمة غي خادعة‪ ,‬ل يوز لديكارت ان يثق بذه‬

‫القضية ويقضي على شكه ف سيطرة قوة خداعة للفكر النسان‪.‬‬

‫واخيا فلسنا باجة لتوضيح خلط آخر صدر منه بي (فكرة ال)‬

‫و (القيقة الوضوعية الت تدل عليها) حي آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة‬
‫عن النسان لنا اكب منه‪ .‬والال انا ل تزيد على فكرة‪ ,‬وانا يستحيل على‬

‫النسان ان يلق لذه الفكرة حقيقتها الوضوعية‪.‬‬

‫وليس هدفنا بالفعل التوسع ف مناقشة (ديكارت)‪ ,‬وانا نعن عرض‬

‫وجهة نظره ف قيمة العرفة النسانية الت تتلخص ف اليان بالقيمة القاطعة‬
‫للمعارف العقلية الفطرية خاصة‪.‬‬

‫‪3‬ـ جون لوك‪:‬‬

‫وهو المثل الساسي للنظرية السية والتجريبية كما عرفنا سابقا‪ .‬ورأيه ف‬

‫نظرية العرفة ان العارف تنقسم كما يات‪:‬‬

‫أ ـ العرفة الوجدانية‪ .‬وهي العرفة الت ل يتاج الفكر ف سبيل الصول عليها‬

‫ال ملحظة شيء آخر‪ .‬كمعرفتنا بان الواحد نصف الثني‪.‬‬

‫ب ـ العرفة التأملية‪ .‬وهي ل تصل من دون استعانة بعلومات سابقة‪,‬‬

‫كمعرفتنا بأن مموع زوايا الثلث يساوي قائمتي‪.‬‬

‫ج ـ العرفة الناشئة من وقوع الس على العن العلوم‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫ويعتقد (لوك) ان العرفة الوجدانية معرفة حقيقية ذات قيمة كاملة من‬

‫الناحية الفلسفية‪ ,‬وكذلك العرفة التاملية الت يكن توضيحها باستدلل‬

‫صحيح‪ .‬واما العرفة السية فل قيمة لا فلسفيا وان كانت معتبة ف مقاييس‬
‫الياة العملية ونظرا لذلك ل يؤمن موضوعيا بميع خواص الادة الدركة‬
‫بالس‪ ,‬بل اعتب بعضها خواصا حقيقية موضوعية كالشكل والمتداد‪,‬‬

‫والركة‪ ,‬واعتب بعضها الخر انفعال ذاتيا كاللون والطعم والرائحة وما اليها‬
‫من صفات‪.‬‬

‫ونظرية (لوك) هذه ف العرفة ووزنا الفلسفي ل يتفق مع رأيه الاص ف‬

‫تليل العرفة‪ ,‬ذلك ان الدراك ف زعم (لوك) يرجع كله ال الس‬

‫والتجربة‪ ,‬وحت العارف البديهية ـ كمبدأ عدم التناقض ونوه من البادئ‬
‫الساسية ف الفكر البشري ـ ل توجد لدى النسان ال عن هذا الطريق‪ .‬وهذا‬

‫الس الذي هو الصدر الساسي لتلك الدراكات ليس ذا قيمة فلسفية قاطعة‬

‫ف نظرية العرفة عند (لوك)‪ ,‬والنتيجة الطبيعية لذلك هي الشك الطلق ف قيمة‬

‫كل معرفة انسانية لنا ليست ف حقيقتها ونواتا الساسية ال ادراكا حسيا‬
‫اكتسب بالتجربة الظاهرية او الباطنية‪.‬‬

‫وهكذا يبدو ان تنويعه للمعرفة ال اقسام ثلثة‪ ,‬والتفريق بينها من ناحية‬

‫العتبار الفلسفي يتناقض مع السس الت اقامها‪.‬‬

‫كما ان تقسيمه لواص الجسام الحسوسة ال طائفتي ـ كما فعل‬

‫ديكارت ـ ليس منطقيا على اسسه‪ ,‬وان كان منطقيا ال حد ما على أساس‬

‫(ديكارت)‪ ,‬ذلك ان (ديكارت) كان يقسم العرفة ال عقلية وحسية‪ ,‬ويؤمن‬
‫باعتبار الول من ناحية فلسفية دون الثانية‪ ,‬وقد زعم ان فكرة النسان عن‬
‫بعض خواص السم من الفكار العقلية الفطرية‪ ,‬وفكرته عن بعضها الخر‬

‫حسية‪ ,‬فصح له بسبب ذلك ان ينوع تلك الواص إل أولية وثانوية‪ ،‬ويؤمن بأن‬
‫الواص الولية حقيقية وموضوعية دون الواص الثانوية‪ .‬واما (جون‬

‫لوك) فقد بدأ بناءه الفلسفي بإبعاد الفكار الفطرية واليان بسيادة الس على‬

‫الدراك كله فخواص الجسام ل سبيل ال ادراكها ال الس‪ ,‬فما هو الفارق‬
‫الفلسفي بي بعضها والبعض الخر‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫‪4‬ـ الثاليون‪:‬‬
‫والذهب الثال عميق الذور ف تاريخ الفكر النسان ومتعدد الساليب‪,‬‬
‫ولفظ الثالية هو أيضا من اللفاظ الت لعبت ادوارا مهمة عب التاريخ‬

‫الفلسفي‪ ,‬وتبلور ف عدة مفاهيم فلسفية تبادلت عليه‪ ,‬وأكسبته بسبب ذلك‬
‫لونا من الغموض واللتباس‪.‬‬

‫وقد ابتدأت الثالية دورها الول ف الصطلح الفلسفي على يد افلطون‪,‬‬

‫حي قال بنظرية خاصة ف العقل والعلم النسان‪ ,‬وسيت تلك النظرية‬

‫بنظرية (الثل الفلطونية)‪ ,‬فقد كان افلطون فيلسوفا مثاليا‪ ,‬ولكن مثاليته ل‬
‫تكن تعن انكار القائق الحسوسة وتريد الدراكات السية عن القائق‬
‫الوضوعية الستقلة عن مال التصور والدراك‪ ,‬بل كان يعتقد بوضوعية‬

‫الحساس‪ ,‬غي انه ذهب ال اكثر من ذلك فاعتقد بوضوعية الدراكات‬
‫العقلية الت هي اعلى درجة من الدراكات السية مقررا ان الدراك‬

‫العقليـوهو ادراك النواع العامة كادراك معان النسان والاء والنور_ ذو حقيقة‬

‫موضوعية مستقلة عن التعقل‪ ,‬كما سبق ايضاحه ف الزء الول من هذه‬
‫السالة‪.‬‬

‫وهكذا نعرف ان الثالية القدية كانت لونا من الوان السراف ف اليان‬

‫بالواقع الوضوعي‪ ,‬لنا آمنت بالواقع الوضوعي للحساس ـ ادراك العان‬

‫الاصة بالس ـ ‪ ,‬وللتعقل ـ ادراك العان بصورة عامة ـ ‪ ,‬ول تكن انكارا‬

‫للواقع او شكا فيه‪.‬‬

‫واتذت الثالية ف التاريخ الديث مفهوما آخر يتلف كل الختلف عن‬

‫الفهوم السابق‪ ,‬فبينما كانت الثالية الفلطونية تؤكد على وجود القيقة‬

‫الوضوعية للدراكات العقلية والسية معا جاءت الثالية ف لونا الديث‬

‫لتزعزع أساس الواقع الوضوعي وتعلن عن مذهب جديد ف نظرية العرفة‬
‫النسانية تلغي به قيمتها الفلسفية‪ .‬والفهوم الثال الديد هو الذي يعنينا‬
‫درسه ومعالته ف بثنا هذا‪..‬‬

‫وقد اختلفت على هذا الفهوم الوان متعددة وصياغات كثية‪ ,‬وتوسع‬

‫‪99‬‬

‫بعض كتاب الفلسفات فيه حت اعتبوا الثالية وصفا لكل فلسفة ترتكز على‬

‫الشك‪ ,‬او تنطوي على ماولة لبعاد جانب من الشياء الوضوعية عن نطاق‬
‫العرفة النسانية او تؤمن ببدأ غيب للعال‪.‬‬

‫فالروحانية‪ ,‬واللأدرية‪ ,‬والتجريبية‪ ,‬والعقلئية‪ ,‬والنقدية‪ ,‬والظاهراتية‬

‫الوجودية‪ ,‬كلها فلسفات مثالية ف زعمهم (‪.)1‬‬

‫لجل ان يتضح دور الثالية ف نظرية العرفة النسانية نتناول بالدرس‬

‫التاهات الهمة للمثالية الديثة وهي‪ :‬التاه الفلسفي‪ ,‬والتاه الفيزيائي‪,‬‬

‫والتاه الفسيولوجي‪.‬‬

‫أ ـ الثالية الفلسفية‪:‬‬
‫والمثل الساسي لا (باركلي) الذي يعد إمام الثالية الديثة‪ ,‬وتعتب‬
‫فلسفته نقطة النطلق للتاه الثال او النعة التصورية ف قرون الفلسفة‬

‫الخية‪.‬‬

‫وجوهر الثالية ف مذهب (باركلي) يتلخص ف عبارته الشهورة‪( :‬ان يوجد‬

‫هو‪ :‬ان يُدرِك او ان يُدرَك)‪ ,‬فل يكن ان يقر بالوجود لشيء ما ل يكن ذلك‬
‫الشيء مدرِكاَ او مدرَكا‪ ,‬والشيء الدرِك هو النفس‪ ,‬والشياء الدركة هي‬

‫التصورات والعان القائمة ف مال الس والدراك‪ .‬فمن الضروري ان نؤمن‬

‫بوجود النفس ووجود هذه العان‪ ,‬واما الشياء الستقلة عن حيز‬

‫الدراك ـ الشياء الوضوعية ـ فليست موجودة لنا ليست مدركة‪.‬‬
‫ويتناول (باركلي) ف بثه بعد ذلك الجسام الت يسميها الفلسفة‬

‫بالواهر الادية ليخفيها عن مسرح الوجود قائل‪ :‬اننا ل ندرك من الادة الت‬
‫يفترضونا ال مموعة من التصورات الذهنية والظواهر السية‪ ,‬كاللون‬

‫والطعم والشكل والرائحة وما اليها من صفات‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪. 5‬‬
‫‪100‬‬

‫ويعقب (باركلي) على مفهومه الثال عن العال مؤكدا انه ليس سوفسطائياً‬

‫ول شاكا ف وجود العال وما فيه من حقائق وكائنات‪ ,‬بل هو يعترف بوجود‬
‫ذلك كله من ناحية فلسفية ول يتلف من هذه الناحية عن سائر الفلسفة‪,‬‬

‫وانا يتفاوت عنهم ف تديد مفهوم الوجود‪ .‬فالوجود عند (باركلي) ليس بعناه‬
‫عند الخرين‪ ,‬فما هو موجود ف رايهم يؤمن (باركلي) بوجوده أيضا ولكن على‬

‫طريقته الاصة ف تفسي الوجود‪ ,‬الت تعن ان وجود الشيء عبارة عن وجوده‬
‫ف ادراكنا ـ أي ادراكنا له‪.‬‬

‫ويعترض بعد ذلك سؤال بي يدي (باركلي) هو اذا كانت الادة غي‬

‫موجودة فمن اين يكن اذن ان نات بالحساسات الت تنبثق ف داخلنا كل‬

‫لظة‪ ,‬من دون ان يكون لرادتنا الذاتية تاثي ف انبثاقها وتتابعها؟‪.‬‬
‫فينا‪.‬‬

‫والواب عند (باركلي) جاهز وهو ان ال نفسه يبعث تلك الحساسات‬
‫وهكذا انتهى (باركلي) من مطافه الفلسفي وقد احتفظ لنفسه بقيقتي‬

‫ال جانب الدراك‪ :‬احداها العقل (الذات الدركة)‪ ,‬والخرى هي ال‬
‫(القيقة اللقة لحساساتنا)‪.‬‬

‫وهذه النظرية تلغي مسالة العرفة النسانية ودراسة قيمتها من ناحية‬

‫موضوعية إلغاء تاما‪ ,‬لنا ل تعترف بوضوعية الفكر والدراك ووجود شيء‬
‫خارج حدودها‪.‬‬

‫وينتاب الفهوم الثال عند باركلي شيء من الغموض قد يعل من المكن‬

‫ان يقدم له عدة تفسيات‪ ,‬تتفاوت مفاهيمها ف درجة مثاليتها وتعمقها ف‬

‫النعة التصورية‪ .‬ونن ناخذ اعمق تلك الفاهيم ف الثالية وهو الفهوم الثال‬

‫البحث‪ ,‬الذي ل يعترف بشيء عدا وجود النفس الدركة والحساسات‬

‫والدراكات الت تتتابع ف داخلها‪ ,‬وهذا الفهوم هو الذي يشع من اكثر بياناته‬
‫الفلسفية وينسجم مع الدلة الت حاول اثبات مفهومه الثال با‪ ,‬وتتلخص‬
‫الدلة على هذا الفهوم فيما يأت‪:‬‬

‫‪101‬‬

‫الدليل الول‪ :‬ان جيع الدراكات البشرية ترتكز على الس وترجع‬
‫اليه‪ ,‬فالس هو القاعدة الرئيسية لا‪ ,‬واذا حاولنا اختبار هذه القاعدة‬

‫وجدناها مشحونة بالتناقضات والخطاء‪ .‬فحاسة البصر تتناقض دائما ف رؤيتها‬

‫للجسام عند قربا وبعدها‪ ,‬فهي تدركها صغية الجم اذا كانت بعيدة‬

‫عنها‪ ,‬وتدركها بجم اكب اذا كانت قريبة منها‪ ,‬وحاسة اللمس هي ايضا‬
‫تتناقض‪ ,‬فقد ندرك با شيئا واحدا ادراكي متلفي‪ ,‬ويوضح باركلي بعد ذلك‬

‫فيقول‪ :‬اغمس يديك ف ماء دافئ بعد ان تغمس احداها ف ماء ساخن‬

‫والخرى ف ماء بارد‪ ,‬أفل يبدو الاء باردا لليد الساخنة وساخنا لليد الباردة؟‬

‫فهل يب اذن ان نقول عن الاء انه ساخن وبارد ف نفس الوقت؟! او ليس‬

‫هذا هو الكلم الفارغ بعينه؟! واذن فلتستنتج معي ان الاء ف ذاته ل يوجد‬

‫كمادة مستقل عن وجودنا‪ ,‬فهو ليس سوى اسم نطلقه نن على إحساسنا‪,‬‬
‫فالاء يوجد فينا نن‪ .‬وف كلمة واحدة‪ ,‬الادة هي الفكرة الت نضعها عن‬

‫الادة‪ .‬واذا كانت الحساسات فارغة عن كل حقيقة موضوعية للتناقضات‬
‫اللحوظة فيها ل تبق للمعرفة البشرية قيمة موضوعية مطلقا‪ ,‬لنا ترتكز‬
‫بصورة عامة على الس واذا انارت القاعدة انار الرم كله‪.‬‬
‫وهذا الدليل ل قيمة له للسباب التية‪:‬‬

‫اول‪ :‬ان العارف البشرية ل ترتكز كلها على الس والتجربة‪ ,‬لن‬
‫الذهب العقلي الذي درسناه ف الزء السابق من السالة ـ الصدر الساسي‬
‫للمعرفة ـ يقرر وجود معارف اولية ضرورية للعقل البشري‪ ,‬وهذه العارف‬

‫الضرورية ل تنشأ من الس ول يبدو فيها شيء من التناقضات مطلقا‪ ,‬فل‬

‫يكن اقتلع هذه العارف بالعاصفة الت تثار على الس والدراكات السية‪,‬‬

‫وما دمنا نلك معارف ف منجاة عن العاصفة فمن اليسور ان نقيم على‬
‫أساسها معرفة موضوعية صحيحة‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬ان هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لثالية‬

‫(باركلي) ـ أي مع النظرية السية والذهب التجريب‪ ,‬ذلك ان باركلي فيه يعتب‬
‫مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ويستبعد من بداية المر إمكان التناقض ف‬

‫‪102‬‬

‫الواقع الوضوعي‪ .‬وترتيبا على ذلك يستنتج من تناقض الدراكات والتجارب‬

‫السية خلوها من الواقع الوضوعي‪ ,‬وغاب عنه ان مبدأ عدم التناقض ليس‬
‫ف الذهب التجريب ال مبدأ تريبيا يدلل عليه بالتجربة السية‪ ,‬فاذا كانت‬
‫الدراكات والتجارب متناقضة كيف صح لباركلي ان يؤمن ببدا عدم‬

‫التناقض‪ ,‬ويبهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعي؟! ولاذا ل‬

‫يصح عنده وجود واقع موضوعي تتناقض فيه الظواهر والشياء؟! والقيقة ان‬

‫باركلي استند ـ ل شعوريا ـ ال فطرته الاكمة ببدا عدم التناقض بصورة‬

‫مستقلة عن الس والتجربة‪.‬‬

‫وثالثا‪ :‬من الضروري ان نيز بي مسألتي‪ :‬احداها مسالة وجود واقع‬
‫موضوعي للدراكات والحساسات‪ ,‬والخرى مسالة مطابقة هذا الواقع لا‬

‫يبدو لنا ف ادراكنا وحواسنا‪ .‬واذا ميزنا بينهما استطعنا ان نعرف ان تناقض‬

‫الحساسات ل يكن ان يتخذ برهانا على عدم وجود واقع موضوعي ـ كما‬

‫حاول باركلي ـ وانا يدل على عدم التكافؤ بي العن الدرك بالس‪ ,‬والواقع‬

‫الوضوعي ف الارج ـ أي ان الحساس ل يب ان يكون مطابقا كل الطابقة‬
‫للشياء الارجية‪ .‬وهذا شيء غي ما حاوله باركلي من انكار موضوعية‬
‫الحساس‪ ,‬فنحن حي نغمس يدينا بالاء فتحس احداها بالرارة وتس‬

‫الخرى بالبودة‪ ,‬ل نضطر لجل استبعاد التناقض ان ننكر موضوعية‬

‫الحساس بصورة مطلقة‪ ,‬بل يكننا ان نفسر التناقض على وجه آخر وهو ان‬
‫إحساساتنا عبارة عن انفعالت نفسية بالشياء الارجية‪ ,‬فل بد من شيء‬

‫خارجي حينما نس وننفعل‪ .‬ولكن ليس من الضروري تكافؤ الحساس مع‬

‫الواقع الوضوعي لن الحساس لا كان انفعال ذاتيا فهو ل يتجرد عن الناحية‬

‫الذاتية‪ .‬ويكننا على هذا الساس ان نكم فورا ف شأن الاء الذي افترضه‬

‫باركلي بانه ماء دافئ ليس ساخنا ول باردا‪ ,‬وان هذا الدفء هو الواقع‬

‫الوضوعي الذي اثار فينا الحساسي التناقضي‪ ,‬وقد تناقض الحساسان‬

‫بسبب الناحية الذاتية الت نضيفها على الشياء حي ندركها وننفعل با‪.‬‬
‫الدليل الثان‪ :‬ان العتقاد بوجود الشياء خارج روحنا وتصورنا انا يقوم‬

‫على أساس اننا نراها ونلمسها ـ أي اننا نعتقد بوجودها‪ ,‬لنا تعطينا‬

‫‪103‬‬

‫احساسات ما‪ ,‬إل ان احساساتنا ليست سوى افكار تتويها ارواحنا‪ ,‬واذن‬

‫فالشياء الت تدركها حواسنا ليست سوى افكار‪ ,‬والفكار ل يكن ان توجد‬
‫خارج روحنا‪.‬‬

‫وباركلي ف هذا الدليل ياول ان يعل مسالة اليان بالواقع الوضوعي‬

‫للشياء متوقفة على التصال بذلك الواقع بصورة مباشرة‪ ,‬وما دام ل يتاح لنا‬

‫ف حال من الحوال ان نتصل اتصال مباشرا بالشياء خارج روحنا‪ ,‬وما دمنا‬
‫مضطرين ال ادراكها ف تصوراتنا وافكارنا خاصة ‪ ...‬فل وجود ف القيقة‬

‫ال لذه التصورات والفكار‪ .‬ولو اطحنا با ل يبق شيء نستطيع ان ندركه‪,‬‬
‫او ان نعترف بوجوده‪.‬‬

‫ويب ان نلحظ قبل كل شيء ان هذه الجة الت حاول باركلي ان‬

‫يبهن با على مفهومه الثال ليست صحيحة‪ ,‬حت عند باركلي نفسه‪ ,‬فانه‬

‫يتفق معنا ـ بصورة غي شعورية ـ على دحضها وعدم كفايتها لتبير الفهوم‬

‫الثال‪ ,‬ذلك انا تؤدي ال مثالية ذاتية تنكر وجود الشخاص الخرين كما‬

‫تنكر وجود الطبيعة على السواء‪ .‬فان القيقة اذا كانت مقتصرة على نفس‬
‫الدراك والشعور باعتبار اننا ل نتصل بشيء وراء حدود الذهن ومتوياته‬

‫الشعورية‪ ,‬فهذا الدراك والشعور هو ادراكي وشعوري انا‪ ,‬وانا ل اتصل‬
‫بادراك الخرين وشعورهم كما ل اتصل بالطبيعة ذاتا‪ ,‬وهذا يفرض عليّ عزلة‬

‫عن كل شيء عدا وجودي وذهن فليس ل الق بالتسليم بوجود الناس‬

‫الخرين لنم ليسوا ال تصورات ذهن وفكري الذات‪ .‬وهكذا تنتهي السالة‬

‫ال مثالية فردانية فظيعة‪ ,‬فهل كان يكن لـ (باركلي) ان يندفع مع حجته ال‬
‫اقصى مداها ويرج منها بثالية كهذه؟ واذا كان قد حاول شيئا من هذا‬

‫فسوف يتناقض مع نفسه قبل غيه‪ ,‬وال فمع من كان يتحدث؟! ولن كان‬
‫يكتب ويؤلف؟! ولساب من كان يلقي ماضراته ودروسه؟! اليس ذلك‬

‫تاكيدا قاطعا من باركلي على الواقع الوضوعي للشخاص الخرين؟!‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان باركلي نفسه يشاركنا ف عدم قبول الجة الت يتبناها‬

‫والتصديق ـ ولو ل شعوريا ـ ببطلنا‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫ويبقى علينا بعد هذا ان نوضح سر الغالطة ف هذا الدليل‪ ,‬لنفهم‬

‫السبب ف عدم حصول القناعة الواقعية به حت لـ (باركلي) نفسه‪.‬‬

‫وف هذا الصدد يلزمنا ان نستذكر ما عرفناه ف الزء الول من‬

‫السالة ـ الصدر الساسي للمعرفة ـ من انقسام الدراك البشري ال قسمي‬
‫رئيسي وها التصديق والتصور‪ .‬وان نعرف للتصديق ميزته الساسية على‬

‫التصور‪ ,‬هذه اليزة الت تعل من العرفة التصديقية هزة الوصل بيننا وبي‬

‫العال الارجي‪.‬‬

‫وإيضاح ذلك‪ ,‬ان التصور عبارة عن وجود صورة لعن من العان ف‬

‫مداركنا الاصة‪ ,‬فقد توجد الصورة ف حواسنا فيكون وجودها كذلك مكونا‬

‫للحساس با‪ ,‬وقد توجد الصورة ف ميلتنا فيحصل بذلك التخيل‪ ,‬وقد توجد‬
‫الصورة بعناها التجريدي العام ف الذهن ويسمى وجودها هذا تعقل‪.‬‬

‫فالحساس والتخيل والتعقل الوان من التصور واناء لوجود صور الشياء ف‬

‫الدارك البشرية‪ .‬فنحن نتصور التفاحة على الشجرة بالحساس با عن طريق‬

‫الرؤية‪ ,‬ومعن احساسنا با وجود صورتا ف حواسنا‪ ,‬ونتفظ بعد ذلك بذه‬

‫الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة ف ذهننا وهذا الوجود هو التخيل‪ ,‬ويكننا‬

‫بعد ذلك ان نسقط من الصورة الصائص الت تتاز با عن التفاحات‬

‫الخرى‪ ,‬ونستبقي العن العام منها ـ أي معن التفاحة بصفة كلية‪ ,‬وهذه‬

‫الصورة الكلية هي التعقل‪ .‬فهذه مراحل ثلث من التصور يتازها الدراك‪,‬‬

‫البشري وهو ل يعب ف كل مرحلة إل عن وجود صورة ف بعض مداركنا‪,‬‬
‫فالتصور بصفة عامة ل يعدو أن يكون وجودا لصورة شيء ما ف مداركنا‪,‬‬

‫سواء أكان تصورا واضحا جليا كالحساس‪ ,‬أم باهتا وضئيل كالتخيل‬

‫والتعقل‪ ,‬وهو لذلك ل يكن أن يشق لنا الطريق ال ما وراء هذه الصورة‬
‫الت نتصورها ف مداركنا‪ ,‬ول يكفي للنتقال من الجال الذات ال الجال‬

‫الوضوعي‪ ,‬لن وجود صورة للمعن ف مداركنا شيء‪ ,‬ووجود ذلك العن‬
‫بصورة موضوعية ومستقلة عنا ف الارج شيء آخر‪ ,‬ولذا قد يعلنا الحساس‬

‫نتصور أمورا عديدة ل نؤمن بان لا واقعا موضوعيا مستقل‪ ,‬فنحن نتصور‬

‫العصا الغموسة ف الاء وهي مكسورة‪ ,‬ولكننا نعلم بان العصا ل تنكسر ف‬

‫‪105‬‬

‫الاء حقاً‪ ,‬وانا نسها كذلك بسب انكسار الشعة الضوئية ف الاء‪ .‬ونتصور الاء‬

‫الدافئ حارا جدا حي نضع يدنا فيه وهي شديدة البودة‪ ,‬مع يقيننا بان‬
‫الرارة الت احسسنا با ليس لا واقع موضوعي‪.‬‬

‫واما التصديق ـ أي القسم الخر من الدراك البشري ـ فهو الذي يصح‬

‫ان يكون نقطة النطلق لنا من التصورية ال الوضوعية‪ ,‬فلنلحظ كيف يتم‬

‫ذلك؟‪.‬‬

‫ان العرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من القائق‬

‫وراء التصور‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬ان الط الستقيم اقصر مسافة بي نقطتي‪ .‬فان‬
‫معن هذا الكم هو جزمنا بقيقة وراء تصوراتنا للخطوط الستقيمة والنقاط‬
‫والسافات‪ ,‬ولذلك يتلف كل الختلف عن الوان التصور الساذج‪ ,‬فهو‪:‬‬

‫اولً‪ :‬ليس صورة لعن معي من العان الت يكن ان نسها ونتصورها‪,‬‬
‫بل فعل نفسيا يربط بي الصور‪ ,‬ولذا ل يكن ان يكون واردا ال الذهن‬
‫عن طريق الحساس‪ ,‬وانا هو من الفعاليات الباطنية للنفس الدركة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬يلك خاصة ذاتية ل تكن موجودة ف شيء من الوان التصور‬
‫واقسامه‪ ,‬وهي خاصة الكشف عن واقع وراء حدود الدراك‪ ,‬ولذلك كان من‬

‫المكن ان تتصور شيئا وان تس به ول تؤمن بوجوده ف واقع وراء الدراك‬
‫والشعور‪ ,‬ولكن ليس من العقول ان تكون لديك معرفة تصديقية ـ أي ان‬

‫تصدق بأن الط الستقيم هو اقرب مسافة بي نقطتي ـ وتشك مع ذلك ف‬

‫وجود حقيقة موضوعية يكي عنها ادراكك وشعورك‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان العرفة التصديقية هي وحدها الت يكن ان ترد على‬

‫حجة باركلي القائلة‪ :‬انا ل نتصل بالواقع مباشرة وانا نتصل بافكارنا فل‬

‫وجود ال لفكارنا‪ .‬فالنفس وان كانت ل تتصل مباشرة ال بادراكاتا ال ان‬
‫هناك لونا من الدراك يكشف بطبيعته كشفا ذاتيا عن شيء خارج حدود‬

‫الدراك وهو الكم ـ أي العرفة التصديقية‪ .‬فحجة باركلي كانت تقوم على‬

‫اللط بي التصور والتصديق‪ ,‬وعدم ادراك الفوارق الساسية بينهما‪.‬‬

‫وعلى هذا الضوء نتبي ان الذهب التجريب والنظرية السية يؤديان ال‬

‫‪106‬‬

‫النعة الثالية‪ ,‬فهما مضطران ال قبول الجة الت قدمها باركلي‪ ,‬لن النفس‬

‫البشرية بقتضى هذين البداين ل تلك ادراكا ضروريا او فطريا مطلقا‪ ,‬وانا‬

‫تنشأ ادراكاتا جيعا من الس وترتكز معارفها عليه‪ ,‬والس ليس ال لونا من‬

‫الوان التصور‪ ,‬فمهما كثر وتنوع ل يعدو حدوده التصورية‪ ,‬ول يكن ان يطو‬
‫به النسان ال الوضوعية خطوة واحدة‪.‬‬

‫الدليل الثالث‪ :‬ان الدراكات والعارف البشرية اذا كانت لا خاصة‬

‫الكشف الذات عن مال وراء حدودها وجب ان تكون جيع العلوم والعارف‬
‫صحيحة‪ ,‬لنا كاشفة بكم طبيعتها وذاتا‪ ,‬والشيء ل يتخلى عن وصفه‬

‫الذات‪ ,‬مع ان جيع مفكري البشرية يعترفون بأن كثيا من العلومات‬

‫والحكام الت لدى الناس هي ادراكات خاطئة ول تكشف شيئا من الواقع‪,‬‬

‫بل قد يمع العلماء على العتقاد بنظرية ما ويتجلى بعد ذلك بكل وضوح انا‬
‫ليست صحيحة‪ ,‬فكيف يفهم هذا على ضوء ما تزعمه الفلسفة‬

‫الواقعية ـ من ان العلم يتمتع بالكشف الذات؟! وهل لذه الفلسفة من مهرب‬
‫ال التنازل عن منح العلم هذه الصفة؟! واذا تنازلت عن ذلك كانت الثالية‬

‫امرا متما‪ ,‬لنا ل نستطيع ان نصل حينئذ ال الواقع الوضوعي عن طريق‬
‫افكارنا ما دمنا قد اعترفنا بانا ل تلك كشفا ذاتيا عن ذلك الواقع‪.‬‬

‫ولجل ان نيب على هذا الدليل يلزمنا ان نعرف ما هو معن الكشف‬

‫الذات للعلم؟ ان الكشف الذات للعلم معناه ان يرينا متعلقه ثابتا ف الواقع‬

‫الارج عن حدود ادراكنا وشعورنا‪ .‬فعلمنا بأن الشمس طالعة وان الثلث غي‬

‫الربع يعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة الثلث للمربع ثابتي ف واقع مستقل‬
‫عنا‪ ,‬فهو يقوم بدور الرآة‪ ,‬واراءته لنا ذلك هي كشفه الذات‪ ,‬وليس معن‬

‫هذه الراءة ان طلوع الشمس موجود ف الارج حقا‪ ,‬وان مغايرة الثلث‬
‫للمربع ثابتة ف الواقع‪ .‬فان كون الشيء ثابتا ف الواقع غي كونه مرئيا‬

‫كذلك‪ ,‬وبذلك نعرف ان الكشف الذات للعلم ل يتلف عنه حت ف موارد‬

‫الطا والشتباه‪ ,‬فان علم القدماء بان الشمس تدور حول الرض كان له من‬

‫الكشف الذات بقدار ما لعلمنا بدوران الرض حول الشمس من‬

‫كشف ـ بعن انم كانوا يرون دوران الشمس حول الرض امرا ثابتا ف‬

‫‪107‬‬

‫الواقع بصورة مستقلة عنهم‪ ,‬فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئيا‬

‫لم أي انم كانوا يصدقون بذلك وان ل يكن ثابتا ف الواقع(‪.)1‬‬

‫فالنسان بطبيعته اذن يرج من التصورية ال الوضوعية بالعلم التصديقي‬

‫لكان كشفه الذات‪ ,‬سواء اكان العلم مصيبا ف الواقع ام مطئا‪ ,‬فانه علم‬
‫وكشف على كل تقدير‪.‬‬

‫الدليل الرابع‪ :‬ان العارف التصديقية اذا كانت تطئ ول يكن‬

‫كشفها الذات يصونا عن ذلك فلماذا ل يوز ان تكون جيع معارفنا التصديقية‬
‫خطأ؟! وكيف يكننا ان نعتمد على الكشف الذات للعلم ما دام هذا الكشف‬

‫صفة لزمة للعلم ف موارد الطأ والصواب على حد سواء‪.‬‬

‫وهذه الحاولة تتلف ف هدفها عن الحاولة السابقة‪ ,‬ففي تلك الحاولة‬

‫كانت تستهدف الثالية ال اعتبار العارف البشرية اشياء ذاتية ل تشق لنا‬

‫الطريق ال الواقع الوضوعي‪ ,‬وقد احبطنا تلك الحاولة بايضاح ما للمعارف‬

‫التصديقية من كشف ذات تتاز به على التصور الالص‪ .‬واما هذه الحاولة‬

‫فهي تقصد ازالة العارف التصديقية نائيا من التفكي البشري‪ ,‬لنا ما دامت‬

‫قد تطئ‪ ,‬او ما دام كشفها الذات ل يعن صحتها دائما‪ ,‬فلماذا ل نشك‬

‫فيها ونتخلى عنها جيعا؟! ول يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العال‬

‫الوضوعي‪.‬‬

‫وبطبيعة الال‪ ,‬ان التفكي البشري لو ل يكن يلك عدة معارف مضمونة‬

‫الصحة بصورة ضرورية‪ ,‬لكان هذا الشك لزما ول مهرب عنه‪ ,‬ولا امكننا‬
‫ان نعلم بقيقة مهما كانت ما دام هذا العلم ل يستند ال ضمان ضروري‪,‬‬

‫‪1‬‬

‫ـ وبالتعبي الفلسفي الصطلح ان التضايف القائم بي الكاشف وهو العلم‪,‬‬

‫والنكشـف بالعرض وهـو الشيـء الارج عـن حدود العلم‪ ,‬ليـس ثابتا بيـ وجود‬
‫الكاشف ووجود النكشف بالعرض‪ ,‬ليمتنع انفكاك احدها عن الخر‪ ,‬وانا هو بي‬

‫الكاشف ية الذات ية للعلم والنكشف ية بالعرض للش يء الارج عن حدود العلم‪ ,‬و من‬
‫الواضح ان المرين متلزمان ول يكن انفكاكهما مطلقا‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫وكان الطأ متمل ف كل مال‪ .‬ولكن الذي يقضي على هذا الشك هو‬

‫الذهب العقلي ـ الذي درسناه ف الزء الول من نظرية العرفة (الصدر‬
‫الساسي للمعرفة) ـ فهو يقرر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحة ل يقع‬

‫فيها الطأ مطلقا‪ ,‬وانا يقع احيانا ف طريقة الستنتاج منها‪ .‬وعلى هذا التقسيم‬

‫العارف البشرية ـ كما سبق ف تلك الدراسة ـ ال معارف ضرورية مضمونة‬

‫تتشكل منها القاعدة الرئيسية للتفكي‪ ,‬ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة‬
‫وهي الت قد يقع فيها الطا‪.‬‬

‫فنحن اذن مهما شككنا‪ ,‬ل نستطيع ان نشك ف تلك القاعدة لنا‬

‫مضمونة الصدق بصورة ضرورية‪.‬‬

‫ونريد ان نتبي الن ما اذا كان ف وسع الفيلسوف الثال باركلي ان ينكر‬

‫تلك القاعدة الضمونة‪ ,‬ول يقر بوجود معارف ضرورية فوق الطا والشتباه‬

‫او ل؟‪.‬‬

‫ول شك ف ان الواب هو النفي‪ ,‬فانه مضطر ال العتراف بوجود‬

‫معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الستدلل على مثاليته بالدلة‬

‫السابقة‪ ,‬فان النسان ل يكنه ان يستدل على شيء ما ل يركز استدلله على‬

‫اصول وقواعد مضمونة الصدق عنده‪ ,‬ونن اذا لحظنا ادلة باركلي وجدناه‬
‫مضطرا ال العتراف‪:‬‬

‫أول‪ :‬ببدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الول‪ ,‬فان التناقض‬

‫اذا كان مكنا‪ ,‬فل يصح ان يستنتج من تناقض الحساسات عدم‬
‫موضوعيتها‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬ببدأ العلية والضرورة‪ ,‬فهو لو ل يكن يعترف بذا البدأ لكان‬

‫استدلله عبثا‪ ,‬لن النسان انا يقيم دليلً على رأيه ليانه بأن الدليل علة‬
‫ضرورية للعلم بصحة ذلك الراي‪ .‬فاذا ل يكن يعتقد ببدأ العلية والضرورة‬

‫جاز ان يكون الدليل صحيحا‪ ,‬ومع ذلك ل يثبت به الراي الطلوب‪.‬‬

‫واذا ثبت وجود معارف مضمونة الصدق ف التفكي البشري‪ ,‬فل شك ف‬

‫‪109‬‬

‫ان من تلك العارف معرفتنا بوجود العال الوضوعي الستقل عنا‪ ,‬فان العقل‬

‫يد نفسه مضطرا ال التصديق بوجود عال خارجي على سبيل الجال ورفض‬
‫كل شك ف ذلك‪ ,‬مهما وقعت من مفارقات بي حسه والواقع‪ ,‬او بي فكره‬
‫والقيقة‪ ,‬بل يعد التشكيك ف وجود العال الستقل ضربا من النون‪.‬‬

‫ونلص من مناقشاتنا للمثالية الفلسفية ال ان الواقعية ترتكز على اساسي‪:‬‬

‫الول‪ ,‬اليان بوجود كشف ذات للمعارف التصديقية‪ ,‬والثان‪ ,‬العتقاد‬

‫بقاعدة اساسية للمعرفة البشرية مضمونة الصدق بصورة ضرورية‪ .‬وكل هذين‬
‫الساسي قد وجدنا باركلي مضطرا ال العتراف بما‪ ,‬فانه لول الكشف‬

‫الذات للمعرفة التصديقية لا عرف الشخاص الخرين‪ ,‬ولا كيّف حياته على‬

‫اساس وجودهم‪ ,‬ولول وجود معارف مضمونة الصدق ف التفكي البشري لا‬

‫امكنه ان يستدل على مزاعمه الثالية‪.‬‬

‫ب ـ الثالية الفيزيائية‪:‬‬
‫كانت الفيزياء قبل قرن من الزمان تفسر الطبيعة تفسيا واقعيا ماديا‬

‫تكمه قواني اليكانيك العامة‪ .‬فالطبيعة واقعية عند الفيزيائيي بعن انا‬

‫موجودة بصورة مستقلة عن الذهن والشعور‪ ,‬وهي مادية أيضا لن مرد‬
‫الطبيعة ف تليلهم العلمي ال جزئيات صلبة صغية ل تقبل التغي ول‬

‫النقسام‪ ,‬وهي الواهر الفردة الت نادى با ديوقريطس ف الفلسفة اليونانية‪,‬‬

‫وهذه الزئيات او الكتل الولية للطبيعة ف حركة مستمرة‪ .‬فالادة هي مموع‬
‫تلك الزئيات‪ ,‬والظاهرات الطبيعية فيها ناتة عن انتقال تلك الكتل وحركتها‬
‫ف الكان‪.‬‬

‫ولا كانت هذه الركة باجة ال تفسي من العلم فقد فسرتا الفيزياء‬

‫تفسيا آليا كما تفسر الركة ف رقاص الساعة او المواج الصوتية‪ ,‬وافترض‬
‫وجود قوى ف الكتل او علقات خاصة بي تلك الكتل‪ ,‬لحاولة تكميل‬

‫التفسي الل لظواهر الطبيعة‪ .‬وهذه القوى والعلقات بدورها يب ان تضع‬
‫للتفسي الل ايضا فنشأ من ذلك ف الفيزياء الفهوم الفرضي لـ (الثي)‪,‬‬

‫واسندت اليه عدة مهام كانتشار الضوء الذي افترض الثي حاملً له عند‬

‫‪110‬‬

‫انتقاله من بعض الجسام ال بعض‪ ,‬كما يمل أيضا الرارة والكهرباء‬

‫ونوها من قوى الطبيعة‪.‬‬

‫ويتلخص هذا العرض ف ان الطبيعة واقع موضوعي مادي يكمه نظام‬

‫آل كامل‪.‬‬

‫ول يستطع‪ ,‬هذا الفهوم الفيزيائي ان يصمد للكشوف الديثة الت‬

‫فرضت على العلماء ان يقلبوا نظرياتم عن الطبيعة راسا على عقب‪ ,‬وبرهنت‬
‫لم على ان العقل العلمي ل يزال ف البداية‪ ,‬وكان من اهم تلك الكشوف‬

‫العلمية اكتشاف الكهارب الذي دل على وجود بنية مركبة للذرة واكتشاف‬

‫انللا الشعاعي‪.‬‬

‫فبينما كانت الذرة هي الوحدة الادية الساسية الت تتألف منها الطبيعة‬

‫عادت بدورها مركبة‪ ,‬ول تقف القصة عند هذا الد بل واصبح من المكن‬

‫ان تتبخر كهرباء‪ .‬وبينما كانت الركة مدودة ف حدود الركات اليكانيكية‬
‫الت تتسق مع التفسي الل للطبيعة‪ ,‬اكتشفت الوان اخرى من الركة‪ .‬وبينما‬

‫كان الراي السائد يزعم ان كتلة الادة ـ وهي التعبي الرياضي عن الوهر‬

‫الادي ـ دائمة وغي قابلة للتغيي‪ ,‬ثبت ف البهان العلمي انا ليست ثابتة بل‬

‫هي نسبية ول تعب ف مفهومها الواقعي ال عن طاقة مكتنة ولذا تتلف كتلة‬

‫السم باختلف حركته‪.‬‬

‫وهكذا بدا للفيزيائيي واضحا ان الادية قد ماتت وان الفهوم الادي‬

‫للعال اصبح يتعارض مع العلم والباهي التجريبية‪.‬‬

‫ولجل ذلك استطاع العلماء ان يكونوا عن العال مفهوما جوهريا اعمق‬

‫من الفهوم الادي‪ ,‬وليست الادية ال وجها من وجوه هذا الفهوم الديد‪ ,‬بل‬
‫ذهب بعض الفيزيائيي ال اكثر من ذلك فزعم ان مرد العال ال حركة‬

‫خالصة ماول الستغناء عن اضافة أي حقيقة جوهرية اليها‪.‬‬
‫فقد قال (أوزوالد)‪:‬‬

‫[ان العصا الت تضرب (سكابان) ل تنهض على وجود‬

‫‪111‬‬

‫العال الارجي‪ ,‬هذه العصا ليست موجودة وليس موجودا ال‬

‫طاقتها الركية]‪.‬‬

‫وقال (كارل بيسون)‪:‬‬

‫[الادة هي اللمادي الذي هو ف حركة] ‪.‬‬
‫وف غمرة هذه الكشوف الديدة الت زعزعت الكيان الادي واظهرت ان‬

‫الادة هي الوهم البشري العام عن العال ل الفهوم العلمي الطابق للعال‪,‬‬

‫ظهر التاه الثال ف الفيزياء واستهوى كثيا من الفيزيائيي‪ ,‬فقالوا‪ :‬ما دام‬

‫العلم يقدم ف كل يوم براهي جديدة ضد القيمة الوضوعية للمعرفة البشرية‪,‬‬
‫وضد الصفة الادية للعال‪ ,‬فليست الذرات او البنيات الساسية للمادة‪ ,‬بعد‬

‫ان تبخرت على ضوء العلم‪ ,‬ال طرقا مناسبة للتعبي عن الفكر‪ ,‬واستعارات‬
‫واشارات ل تتضمن من القيقة الواقعية شيئا‪.‬‬
‫قال أدينغتون‪:‬‬

‫[ليس ثة ف منظومة قواني علم الطبيعة كلها شيء‬

‫واحد ل يكن استنتاجه بوضوح من اعتبارات نظرية العرفة‬
‫الشاملة الطلقة وتأملتا‪ ,‬والدماغ الذي يكون غي عال‬

‫بكوننا ولكنه يعرف نظام التفكي الذي يفسر بوساطته العقل‬

‫البشري تربته السية‪ ,‬يكون بقدوره ان يبلغ جيع معارف‬

‫علم الطبيعة الحصلة من طريق التجربة‪ ,‬وف النهاية اقول‪:‬‬
‫ان ما ادركه عن الكون هو تاما وبصورة صحيحة دقيقة‬

‫الشيء نفسه الذي نضيفه ال الكون ليصبح مفهوما] ‪.‬‬
‫وأعرب بعد ذلك عن امله ف‪:‬‬

‫[ان يعرف ف السنوات القريبة القادمة ما كان خبيئا ف‬
‫النواة الذرية رغم ما ينشأ ف اذهاننا من ظن بان هذا قد‬
‫خبئ من قبلنا] ‪.‬‬

‫والواقع ان التاه الثال عند هؤلء الفيزيائيي ناتج عن خطا ف التفكي‬

‫الفلسفي ل عن برهان فيزيائي ف الجال العلمي‪ ,‬ذلك ان السالة الساسية ف‬

‫‪112‬‬

‫الفلسفة الت انقسم الفلسفة ف الواب عنها ال مثاليي وواقعيي بدت لم‬

‫مغلوطة‪.‬‬

‫فالسالة الساسية هي مسالة ما اذا كان للعال واقع موضوعي مستقل عن‬

‫ذهننا وشعورنا‪ ,‬وقد فهمها اولئك الفيزيائيون على انا ل تقبل سوى اجابتي‬
‫على الوجه الت فقط‪:‬‬

‫اما ان مرد العال ال الذهن والشعور فل وجود له بصورة موضوعية‪ ,‬واما‬

‫ان العال واقع مادي موجود خارج الذهن والشعور‪.‬‬

‫فاذا استبعدنا الجابة الثانية بالباهي والتجارب العلمية الت دلت على‬

‫ان الادية ليست ال قناعا للحقيقة الت ينطوي عليها العال‪ ,‬لزمنا الخذ‬

‫بالجابة الول والعتقاد بالفهوم الثال البحث للعال‪.‬‬

‫ولكن القيقة ان الجابتي ل توضعا وضعا صحيحا فيما سبق‪ ,‬ذلك ان‬

‫تقدي اجابة تناقض الجابة الثالية ل تتم علينا اليان بلزوم الصفة الادية‬

‫للواقع الوضوعي‪ ,‬فان الواقعية الت تالف الثالية بصورة متقابلة ل تعن اكثر‬

‫من العتراف بوجود واقع موضوعي مستقل عن الذهن والشعور‪ ,‬واما ان هذا‬
‫الواقع الوضوعي الستقل هل هو الادة او القوة او الركة او الوج‬

‫الكهربائي ‪ ...‬فذلك سؤال آخر يب على الواقعية الت امنت بالعال‬
‫الوضوعي ان تيب عنه على ضوء العلم والكتشافات التجريبية‪.‬‬

‫ومت فرقنا بي السألتي تفريقا تاما استطعنا ان نرد التاه الثال السابق‬

‫الذكر ال الطأ الذي يرتكز عليه‪.‬‬

‫فقد عرفنا ان السؤال الول هو‪ :‬هل للعال واقع مستقل عن الذهن‬

‫البشري؟‪.‬‬

‫والجابتان عن هذا السؤال ها للمثالية والواقعية‪ .‬فالثالية تيب بالنفي‬

‫والواقعية تيب بالثبات‪ .‬وكلتا الجابتي يب ارتكازها على أساس فلسفي‬
‫بت ول كلمة للعلم والتجربة ف هذا الوضوع‪.‬‬

‫والسؤال الخر‪ ,‬ما هو الواقع الوضوعي الستقل؟ وهل تلزمه خصائص‬

‫‪113‬‬

‫الادة وصفاتا او ل؟ وهذا السؤال انا يتجه ال الواقعية ول مال له على‬

‫أساس الفهوم الثال‪ .‬وييب بعض الواقعيي عن هذا السؤال باعطاء الفهوم‬
‫الادي للواقع الوضوعي الستقل‪ ,‬وييب الخرون باعطاء مفاهيم اخرى‪,‬‬

‫وللعلم ف هذه الجابات كلمته‪ ,‬فالتجارب والكشوف العلمية هي الت تكون‬
‫الفهوم العلمي للواقعيي عن العال الوضوعي‪.‬‬

‫فاذا ابطل العلم الفهوم الادي للعال فهو ل يعن ان العلم رفض الواقعية‬

‫وصار مثاليا‪ ,‬لن الكشف العلمي ل يبهن على عدم وجود الواقع الوضوعي‬
‫الستقل‪ ,‬وانا دلل على عدم لزوم الصفة الادية له‪ ,‬فليكن مرد العال ال‬

‫القوة او ال الركة او ال أي شيء آخر غي الادة‪ ,‬فان ذلك ل يضر بالواقعية‬

‫ول يبهن على الثالية ما دام لذلك الشيء واقع موضوعي موجود بصورة‬
‫مستقلة عن الذهن والشعور‪ ,‬فالادة اذا تبخرت كهرباء على ضوء العلم‪,‬‬

‫والكتلة اذا تولت ال طاقة‪ ,‬والطاقة اذا تولت ال كتلة‪ ,‬والطبيعة اذا كانت‬

‫تعب عن حركة خالية من الادة‪ ,‬اذا صح ذلك كله فلن يغي ذلك من موقفنا‬

‫تاه السؤال الول شيئا‪ ,‬لننا نؤمن على كل تقدير بان القيقة ليست نتاج الشعور‬
‫فحسب‪ ,‬بل هي وليدة الواقع الستقل‪.‬‬

‫وانا يكون لذه النظريات العلمية تأثي اذا فرغنا عن الجابة على السؤال‬

‫الول‪ ,‬وتناولنا السؤال الثان لنعرف كيف هو العال؟‪.‬‬

‫وبذا نعرف ان كشوف العلم الديث ل ترد على الواقعية بشيء‪ ,‬وانا‬

‫ترد على الادية الت تزعم ان الادية هي الوصف اللزم لذلك الواقع بصورة‬
‫عامة‪.‬‬

‫ومن الغريب ماولة بعض الاديي الحتفاظ للمادية بقامها‪ ,‬والرد على‬

‫الباهي العلمية والتجريبية بأنا ل تبهن على سلب الصفة الادية عن العال‪,‬‬
‫وانا تكون سببا ف تعمق فهمنا للمادة وخصائصها‪.‬‬

‫قال ليني‪:‬‬

‫[إن تلشي الادة يعن ان الد الذي وصلت اليه معرفتنا‬
‫بالادة يتلشى‪ ,‬وان وعينا يتعمق‪ ,‬فثمة خصائص للمادة‬

‫‪114‬‬

‫كعدم قابليتها للختراق وعدم الركة والكتلة ‪ ..‬كانت تبدو‬

‫لنا من قبل مطلقة ثابتة أولية وهي تتلشى الن‪ ,‬وقد عرفت‬
‫بأنا نسبية ملزمة فقط لبعض حالت الادة‪ ,‬ذلك ان‬

‫الاصة الوحيدة للمادة‪ ,‬الت يدد التسليم با الادية الفلسفية‬
‫انا هي كونا ـ أي الادة ـ حقيقة موضوعية‪ ,‬وانا موجودة‬
‫خارج وعينا](‪.)1‬‬

‫[إن دعائم الفهوم الادي عن العال ل يكن ان يزعزعها‬

‫أي تغيي للمفهوم العلمي لصائص الادة‪ ,‬وليس ذلك لن‬
‫الدرك الفلسفي عن الادة يكون دون علقة لدرك علمي‬
‫مزعوم‪ ,‬وانا لن الادة ل يكن ان تفقد هذه الاصة‬

‫الساسية من خصائصها وهي كونا ـ أي الادة ـ حقيقة واقعية‬

‫موضوعية] (‪.)2‬‬

‫بذا اراد ليني ان يزيف الثالية الفيزيائية ويدعم مفهومه الادي‪.‬‬

‫ويبدو واضحا من كلمه تاهله لكل فلسفة واقعية عدا الواقعية القائمة‬

‫على أساس مادي‪ ,‬ولجل ان يل التناقض بي الفهوم الادي وحقائق العلم‬

‫والفيزياء شرح مفهوم الادة شرحا غريبا‪ ,‬وأعطاه من السعة والشمول ما جعله يعب‬
‫عن الواقع الوضوعي الستقل بالادة‪ ,‬ماول بذلك ان يقدم الادية كحل فلسفي‬
‫وحيد لسألة وجود العال ف مقابل الثالية‪ .‬ومن الواضح ان الادة اذا‬

‫كانت تعبيا مساويا للواقع الوضوعي الستقل‪ .‬وكانت خصيصتها الوحيدة اللزمة‬

‫لا هي موضوعيتها ووجودها بصورة مستقلة عن وعينا‪ ,‬فالفلسفة التيافيزيقية اللية‬

‫تكون فلسفة مادية تاما باعتبار هذا الفهوم الديد للمادة‪ ,‬ويرتفع التعارض نائيا‬
‫بي الفلسفة اليتافيزيقية والفلسفة الادية ومفهومها عن‬
‫العال‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬
‫‪ 2‬ـ الصدر نفسه ص ‪. 23‬‬
‫‪115‬‬

‫فالفيلسوف الالي الذي يؤمن با وراء الطبيعة يقول نفس الكلمة تاما‬

‫عن العال‪ .‬فالعال عنده واقع موضوعي مستقل عن وعينا‪ ,‬وليس البدأ اللي‬
‫ل عن وعينا‪.‬‬
‫الذي تعتقد به الفلسفة اليتافيزقية ال واقعا موضوعيا مستق ً‬

‫والقيقة ان التلعب باللفاظ ل يدي شيئا‪ ,‬فتوسعة الفهوم الادي ال‬

‫حد ينطبق على الفهوم العارض له وينسجم معه ل يعن ال تليه عن واقعه‬

‫الفلسفي الاص‪ ,‬وعجزه عن الرد على ما يعارضه من مفاهيم‪.‬‬

‫اضف ال ذلك ان الادية الدلية ل تسمح لليني ان يعترف بقيقة‬

‫مطلقة‪ ,‬لن ذلك يتناف مع الدل القائل بتطور جيع القائق طبقا للتناقضات‬
‫الحتواة فيها‪ ,‬فهل الاصة الساسية للمادة ف مفهومها اللينين الديد خاصة‬

‫مطلقة ل تتطور ول تضع لقانون الدل وتناقضاته‪ ,‬فان كانت كذلك فقد‬

‫وجدت اذن القيقة الطلقة الت يرفضها الديالكتيك ول يقرها اصول الدل‬

‫الاركسي‪ .‬وان كانت هذه الاصة جدلية ومتوية على التناقضات‬

‫الدافعة لا ال التطور والتغي كسائر حقائق العال‪ ,‬فمعن ذلك ان الادية تشكو‬

‫هي أيضا من التناقض وتضطر لجل ذلك ال التغي والتبدل ونزع الصفة‬
‫الساسية للمادة عنها‪.‬‬

‫والنتيجة الت نرج با هي ان النعة الثالية عند الفيزيائيي نشأت عن‬

‫عدم التمييز بي السألتي الفلسفيتي اللتي شرحناها‪ ,‬وليست وليدة الدلة‬

‫العلمية بصورة مباشرة‪.‬‬

‫ومع هذا فيجب ان نشي ال عامل آخر لعب دورا مهما ف زعزعة يقي‬

‫العلماء بالواقع الوضوعي‪ ,‬وهو انيار السلمات العلمية ف اليدان العلمي‬
‫الديث‪ ,‬فبينما كانت تعتب تلك السلمات حقائق قاطعة ل تقبل الشك‬

‫استطاع العلم ان يزيفها ويبهن على خطئها فذابت‪ ,‬ف لظة ذرات (جون‬

‫دالتون) وتزعزع قانون عدم فناء الادة‪ ,‬ودللت التجارب على ان الادة وهم‬

‫عاش فيه البشر آلف السني‪ ,‬فكان رد الفعل لذلك ان ثار الشك من جديد‬
‫وطغى على افكار عدة من العلماء‪ ,‬فاذا كانت مسلمات العلم بالمس اخطاء‬

‫اليوم فلماذا ل يوز لنا ان نرتاب ف كل حقيقة مهما بدت لنا واضحة‪ ,‬ولاذا‬

‫‪116‬‬

‫نفترض السألة الساسية ـ مسالة وجود الواقع الوضوعي للعال ـ فوق‬

‫الريب والشك؟‪.‬‬

‫وهكذا انبثقت النعة الثالية او اللأدرية ل باعتبار برهنة العلم على‬

‫صحتها وصوابا‪ ,‬بل باعتبار تزعزع عقيدة العلماء بالعلم وزوال ايانم‬

‫بسلماته القاطعة‪ ,‬ولكن هذا العامل ل يعدو ان يكون باعثا نفسيا او ازمة‬

‫نفسية اوحت بالتمايل نو الثالية‪ ,‬وتزول هذه الزمة النفسية بادن ملحظة‬
‫حي تدرس السألة دراسة فلسفية‪ ,‬ذلك ان العتقاد بوجود الواقع الوضوعي‬
‫للعال ليس ناشئا من براهي التجربة والعلم‪ ,‬فقد عرفنا سابقا ان التجارب ل‬

‫يكن ان تبعث على هذا العتقاد وترج النسان من التصورية ال الوضوعية‪,‬‬

‫بل هو اعتقاد فطري ضروري ف الطبيعة النسانية ولجل ذلك فهو عام‬

‫يشترك فيه الميع حت الثاليون التمردون عليه بلسانم‪ ,‬فانم أيضا يعتقدون‬
‫هذا العتقاد تاما كما تدل عليه حياتم العملية‪ .‬واما السلمات الت ظهر‬

‫خطأها فهي تدور كلها حول بنية العال الوضوعي وتديد واقعه وعناصره‬

‫الساسية‪ ,‬ومن الواضح ان مسلمات كهذه انا تثبت بالتجربة العلمية‪,‬‬

‫فانيارها ووضوح خطئها ـ بسبب نقصان التجارب الت ارتكزت عليها عدم‬

‫دقتها‪ ,‬او عدم صحة الستنتاج العقلي للنظرية من التجربة ـ ل يعن بال من‬
‫الحوال ان يوز الطا على السلمات العقلية الضرورية‪.‬‬

‫ج ـ الثالية الفيزيولوجية‪:‬‬

‫وهذا لون آخر من الثالية يبدو عند بعض علماء الفيزيولوجيا‪ ,‬ويعتمد ف‬
‫زعمهم على القائق الفيزيولوجية الت يكشفها العلم‪ .‬وينطلق هذا التاه‬
‫الثال من نقطة ل نقاش فيها‪ ,‬وهي ان الشكل الذات للحساس البشري‬

‫يتوقف تديده على تركيب حواسنا وعلى الهاز العضوي بصورة عامة‪ .‬فليست‬

‫طبيعة الحساس الت من العال الارجي هي الت تدد بفردها شكل الشيء‬
‫ف احساسنا‪ ,‬بل هو رهي بطبيعة الهاز العصب قبل كل شيء‪ ,‬وقد زعموا‬
‫بناء على ذلك ان الاسة ل تعطينا انباء عن العال الارجي‪ ,‬وانا هي تنبئنا‬

‫عن جهازنا العضوي الاص‪ ,‬وليس معن ذلك ان الحساس ل صلة له‬

‫‪117‬‬

‫بالشيء الارجي‪ ,‬بل الشياء الارجية هي ان السباب الولية لثارة‬

‫العمليات السية ف اعضائنا‪ ,‬ولكن طبيعة الهاز الاص هي الت تبلور‬

‫عملية الحساس ف الكيفية الت يعب با عن نفسه‪ ,‬ولجل هذا فالحساس‬

‫يكن ان يعتب بثابة رمز وليس بثابة صورة‪ ,‬ذلك لن الصورة يتطلب منها‬
‫بعض الشبه مع الشيء الذي تثله‪ ,‬واما الرمز فل يلزم ان يكون له أي شبه‬
‫مع الشيء الذي يعنيه‪.‬‬

‫وهذا التاه الثال من الضاعفات اللزمة للمفهوم الادي للدراك الذي‬

‫نرفضه كل الرفض‪ ,‬فان الدراك اذا كان عبارة عن عملية فيزيولوجية‬

‫خالصة‪ .‬وتفاعل مادي خاص بي الهاز العصب والشياء الوضوعية ف‬

‫الارج‪ ,‬فيجب ان تكون كيفية هذا العمل الفيزيولوجي هنا مرتبطة بطبيعة‬
‫الهاز العصب‪ ,‬او بطبيعة الهاز وطبيعة الشيء الوضوعي معا‪ .‬وهذا وان‬

‫يكن مؤديا ال مثالية صرية ونفي لواقع العال الوضوعي ما دمنا قد احتفظنا‬
‫للشياء الارجية بصفة السببية لعمليات الهاز العصب‪ ,‬ال انه قد يسمح‬

‫بالتشكيك ف مدى مطابقة الحساس للواقع الوضوعي‪ ,‬والريب ف ان ل‬

‫يكون الدراك مرد انفعال خاص يدل على سببه بصورة رمزية من دون تشابه‬
‫ف القيقة والحتوى‪ .‬وسوف نعود ال هذا الفهوم الثال الفيزيولوجي عن‬

‫قريب‪.‬‬

‫‪5‬ـ انصار الشك الديث‪:‬‬
‫ومرد هذا الشك الديث ف القيقة ال مذهب الشك القدي‪ ,‬الذي‬

‫اتذته الدرسة الشكية الغريقية وبشر له (بيون) زاعما عجز النسان عن‬

‫اعطاء أي حكم على الشياء‪ .‬وقد نشأت الشكية الديثة ف ظروف مشابة‬
‫للظروف الت اكتنفت تلك الدرسة القدية وساعدت على انشائها‪ ,‬فالشكية‬

‫الغريقية جاءت كحل وسط للصراع الذي قام على أشده بي السفسطة‬

‫والفلسفة‪ .‬فقد كانت السفسطة قد ولدت قبل الشكية بقرون‪ .‬وتردت على‬

‫جيع القائق وانكرت القضايا العلمية والسية كافة‪ .‬وقام الفلسفة ف وجهها‬
‫يظهرون تناقضاتا ويكشفون عن انيارها بي يدي النقد حت تضاءلت موجة‬

‫‪118‬‬

‫النكار‪ ,‬فانبثقت عند ذلك فكرة الشك الت اعلنت عن (ل أدرية) مطلقة‪,‬‬

‫وحاولت تبير ذلك باظهار تناقضات الواس وتضارب الفكار الذي يسلب‬

‫عنها صفة الوقوف العلمي‪ ,‬فكانت تفيفا للسفسطة‪ .‬وكذلك المر ف الشكية‬

‫الديثة‪ ,‬فان اصحابا حاولوا تقديها كحل للتناقض القائم بي الثالية‬

‫والواقعية‪ ,‬ان صح ان يعتب الستسلم ال الشك حل لذا التناقض وكانت‬
‫بسبب ذلك صورة مففة عن الثالية‪.‬‬

‫ول تعتمد الشكية الديثة على اظهار تناقضات الحساس والدراك‬

‫فحسب‪ ,‬بل على تليل العرفة الذي يؤدي ال الشك ف زعمها‪ .‬فقد كان‬
‫(دافيد هيوم) الذي بشر بفلسفة الشك على اثر فلسفة (باركلي) يرى ان التأكد‬

‫من القيم الوضوعية للمعرفة البشرية امر غي ميسور‪ ,‬لن اداة العرفة هي‬

‫الذهن او الفكر‪ ,‬ول يكن ان يضر ف الذهن سوى ادراكات‪ ,‬ومن المتنع‬

‫ان نتصور ان نكوّن معن شيء يتلف عن التصورات والنفعالت‪ ,‬فلنوجه‬

‫انتباهنا ال الارج ما استطعنا ولتثب ميلتنا ال السماوات او ال اقاصي‬
‫الكون فلن نطو ابدا خطوة ال ما بعد انفسنا‪ .‬ولذا فل يكن ان نيب‬

‫على السالة الساسية ف الفلسفة الت يتصارع عندها الثاليون والواقعيون‪.‬‬

‫فالثالية تزعم ان الواقع قائم ف الشعور والدراك‪ ,‬والواقعية تؤكد على انه‬

‫موجود بصورة موضوعية مستقلة‪ .‬والشكية ترفض ان تيب على السالة لن‬
‫الرد عليها مستحيل فلترجا السالة ال البد‪.‬‬

‫والواقع ان (دافيد هيوم) ل يزد على حجج (باركلي) شيئا‪ ,‬وان زاد عليه‬

‫ف الشك والعبث بالقائق‪ ,‬فلم يقف ف شكيته عند الادة الارجية‪ ,‬بل‬
‫اطاح بالقيقتي اللتي احتفظ بما (باركلي) ف فلسفته ـ وها النفس‬

‫وال ـ تشيا مع البدأ السي ال النهاية‪ ,‬فقد اتذ لذلك نفس اسلوب باركلي‬
‫وطريقته‪ .‬فكما ان الوهر الادي ل يكن ف رأي باركلي ال مموعة من‬

‫الظواهر الركبة تركيبا صناعيا ف الذهن‪ ,‬كذلك النفس ما هي ال جلة من‬

‫الظواهر الباطنية وعلقاتا‪ ,‬ول يكن اثبات (النا) ـ النفس ـ بالشعور‪ ,‬لنن‬

‫حي انفذ ال صميم ما اسيه (أنا) اقع على ظاهرة جزئية‪ ,‬فلو ذابت‬
‫الدراكات جيعا ل يبق شيء استطيع ان اسيه (أنا)‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫وفكرة (ال) تقوم على مبدأ العلية‪ ,‬ولكن هذا البدا ل يكن التسليم‬

‫بصحته بزعم (دافيد)‪ ,‬لن الس ل يطلعنا على ضرورة بي الظواهر‬

‫والوادث‪ ,‬وانا ترجع فكرة العلية ال مرد عادة‪ ,‬او ال لون من الوان‬

‫تداعي العان‪.‬‬

‫وهكذا بلغ (دافيد) بالنظرية السية والذهب التجريب ال ذروتما الت‬

‫يؤديان اليها طبيعيا‪ ,‬وبدل من ان يبهن عن هذا الطريق على رفض البدا‬

‫السي والتجريب ف الفكر انساق معه حت انطلق به ال النهاية الحتومة‪.‬‬

‫ول نريد ان نناقش (دافيد هيوم) من جديد ما دامت حججه اجترارا من‬

‫ادلة باركلي وآرائه‪ ,‬وانا نتناول نقطة واحدة وهي العادة الت ارجع اليها مبدأ‬

‫العلية وكثيا من العلقات القائمة بي الشياء ف الفكر‪ ,‬لنتساءل‪ :‬ما هي‬

‫العادة؟ فان كانت عبارة عن ضرورة قائمة بي فكرة العلة والعلول‪ ,‬فهي‬

‫تعبي آخر عن مبدأ العلية‪ ,‬وان كانت شيئا آخر فهي ل تتلف عن العلية ف‬
‫كونا معن غيبيا ليس لدينا احساس او انفعال يقابله‪ ,‬فكان يب عليه رفضه‬
‫كما رفض جيع القائق الت ل يتد اليها الس‪ ,‬وقد سبق ف نقد الذهب‬
‫التجريب الرد على هذا التفسي الفاشل للعلية الذي حاوله (هيوم)‪,‬‬

‫فليلحظ ‪.‬‬

‫‪6‬ـ النسبيون‪:‬‬
‫تعتب النسبية من الذاهب الفلسفية القائلة بوجود القيقة وامكان العرفة‬
‫البشرية‪ ,‬ولكن هذه العرفة او القيقة الت يكن للفكر النسان ان يظفر با‬

‫هي معرفة او حقيقة نسبية‪ ,‬بعن انا ليست حقيقة خالصة من الشوائب‬

‫الذاتية ومطلقة‪ ,‬بل هي مزيج من الناحية الوضوعية للشيء‪ ,‬والناحية الذاتية‬

‫للفكر الدرك‪ ,‬فل يكن ان تفصل القيقة الوضوعية ف التفكي عن الناحية‬
‫الذاتية وتبدو عارية عن كل اضافة اجنبية‪.‬‬

‫وف النسبية اتاهان رئيسيان يتلفان ف معن النسبية وحدودها ف العلوم‬

‫البشرية‪ ,‬احدها التاة النسب ف فلسفة (عما نؤيل كانت) والخر التاه‬

‫‪120‬‬

‫النسب لعدة من الفلسفة الاديي الحدثي الذي مهد للنسبية التطورية الت‬

‫نادت با الادية الديالكتيكية‪.‬‬

‫أ ـ نسبية كانت‪:‬‬
‫يب ان تعرف قبل كل شيء ان الكم العقلي عند (كانت) على‬
‫قسمي‪:‬‬

‫احدها‪ :‬الكم التحليلي‪ ,‬وهو الكم الذي يستعمله العقل لجل‬

‫التوضيح فحسب‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬السم متد‪ ,‬والثلث ذو اضلع ثلثة‪ .‬فان‬

‫مرد الكم هنا ال تليل مفهوم الوضوع (السم او الثلث)‪ ,‬واستخراج‬

‫العناصر التضمنة فيه ـ كالمتداد التضمن ف مفهوم السم‪ ,‬والضلع الثلثة‬

‫التضمنة ف مفهوم الثلث ـ وردها ال الوضوع‪ .‬والحكام التحليلية ل تتحفنا‬
‫بعرفة جديدة للموضوع‪ ,‬ول تقوم ال بدور التفسي والتوضيح‪.‬‬

‫والخر‪ :‬الكم التركيب‪ ,‬وهو الذي يزيد مموله شيئا جديدا على‬

‫الوضوع‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬السم ثقيل‪ ,‬والرارة تدد الفلزات‪ ,‬و ‪4=2+2‬‬

‫فان الصفة الت نسبغها على الوضوع ف هذه القضايا ليست مستخرجة منه‬
‫بالتحليل‪ ,‬وانا تضاف فتنشأ بسبب ذلك معرفة جديدة ل تكن قبل ذلك‪.‬‬

‫والحكام التركيبية‪ ,‬تارة تكون أحكاما اولية‪ ,‬واخرى تكون أحكاما ثانوية‪.‬‬

‫فالحكام الولية هي الحكام الثابتة لدى العقل قبل التجربة‪ ,‬كالحكام‬

‫الرياضية نظي قولنا‪ :‬الط الستقيم اقرب مسافة بي نقطتي‪ .‬وسوف يأت ما‬
‫هو السبب ف كونا كذلك‪ .‬والحكام التركيبية الثانوية هي الحكام الثابتة ف‬

‫العقل بعد التجربة‪ ,‬نظي الكم بان ضوء الشمس يسخن الجر وان كل‬
‫جسم له وزن‪.‬‬

‫وتتلخص نظرية (كانت) عن العرفة‪ ,‬ف تقسيم العارف او الحكام‬

‫العقلية ال ثلث طوائف(‪.)1‬‬
‫‪ 1‬ـ ينبغي للقارئ ان يعرف شيئا عن تليل العرفة ف راي (كانت) لتتضح له‬
‫نظريته ف قيمة العرفة وامكانا‪ ,‬فهو يرى ان الس التجريب يستورد الوضوعات‬
‫التجريبية بصورة مشوشة فتنشأ بذلك احساسات متفرقة‪ .‬فالطعم الذي جاء على‬
‫اللسان‪ ,‬ل يرتبط بالرائحة الت سلكت عن طريق النف‪ ,‬ول باللمعة الاطفة من‬
‫الضوء الت اثرت على شبكية العي‪ ,‬ول بالصوت الذي طرق الذن‪ .‬وهذه الشتات‬
‫السية تتوحد ف قالبي موجودين ف الس بالفطرة‪ ,‬وها قالبا الزمان والكان‪ ,‬فينتج‬
‫عن ذلك ادراك حسي او معرفة حسية لشيء معي‪ ,‬فهذه العرفة ف مادتا مستوردة من‬
‫التجربة وف صورتا فطرية ترجع ال الزمان والكان‪ .‬والدراكات السية بدورها هي‬
‫مواد خام تقدم بي يدي العقل لتتكون منها معرفة عقلية‪ .‬والعقل يلك عدة قوالب‬
‫‪121‬‬

‫الول‪ :‬الرياضيات‪ .‬والحكام العقلية فيها كلها احكام تركيبية اولية‬

‫سابقة على التجربة‪ ,‬لنا تعال موضوعات فطرية ف النفس البشرية‪.‬‬

‫فالندسة تتص بالكان‪ ,‬والساب موضوعه هو العدد‪ ,‬والعدد عبارة عن‬

‫تكرار الوحدة‪ ,‬والتكرار معناه التعاقب والتتابع‪ ,‬وهذا هو الزمن ف مفهومه‬

‫الفلسفي عند (كانت)‪ .‬وإذن فالقطبان الرئيسيان اللذان تدور حولما البادئ‬

‫الرياضية ها الكان والزمان‪ .‬والكان والزمان ف رأي (كانت) صورتان‬

‫فطريتان ف الساسية الصورية للنسان‪ ,‬أي ان صورتيهما موجودتان ف الس‬

‫الصوري بصورة مستقلة عن التجربة‪ ,‬وينتج من ذلك ان كل ما نعزوه‬

‫للشياء من احكام متعلقة بكانا او زمانا فهو مستمد من فطرتنا‪ ,‬ول نعتمد‬

‫فيه على ما اتانا من الارج بواسطة الس‪ .‬وعلى ذلك فكل القضايا الرياضية‬
‫مشتقة من طبائع عقولنا‪ ,‬بعن اننا نن خلقناها بانفسنا ول نستوردها من‬

‫الارج‪ ,‬اذ هي تدور حول الزمان والكان الفطريي‪ .‬وبذا تصبح الرياضية‬
‫والبادئ الرياضية مكنة العرفة‪ ,‬وتصبح القائق الرياضية حقائق يقينية مطلقة‬

‫فطرية نظي القوالب الت يلكها الس‪ ,‬فيصب تلك الواد الام ف هذه القوالب‪,‬‬
‫ويبلورها ف تلك الطارات فتحصل العرفة العقلية‪.‬‬
‫وهكذا تكون الشياء الحسوسة مركبة من مادة ادركت بالس‪ ,‬وصورة زمانية‬
‫ومكانية انشاتا الساسية الصورية‪ ,‬أي الساسية الت تلق الصورة الوحدة‬
‫للحساسات الختلفة‪ .‬وتتالف الشياء العقولة أيضا من مادة وهي الظواهر الت‬
‫تصوغها الساسية الصورية ف اطار الزمان والكان‪ ,‬وصورة وهي القوالب الت ينشئها‬
‫الفهم الصوري ويوحد با تلك الظواهر‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫فل تتسع ف اليدان الرياضي للخطأ او التناقض‪ ,‬ما دام اليدان الرياضي هو‬

‫اليدان الفطري للنفس‪ ,‬وما دامت قضاياه منشأة من قبلنا وليست مقتسبة من‬
‫واقع موضوعي منفصل عنا لنشك ف مدى امكان معرفته واستكناه سره‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬الطبيعيات‪ ,‬أي العارف البشرية عن العال الوضوعي الذي‬

‫يدخل ف نطاق التجربة‪.‬‬

‫ويبدأ (كانت) هنا باستبعاد الادة عن هذا النطاق لن الذهن ل يدرك من‬

‫الطبيعة ال ظواهرها‪ .‬فهو يتفق مع (باركلي) على ان الادة ليست موضوعا‬
‫للدراك والتجربة‪ ,‬ولكنه يتلف عنه من ناحية اخرى‪ .‬فهو ل يعتب ذلك‬

‫دليل على عدم وجود الادة ومبرا لنفيها فلسفيا كما زعم باركلي‪.‬‬

‫واذا سقطت الادة من الساب فل يبقى للعلوم الطبيعية ال الظواهر الت‬

‫تدخل ف حدود التجربة‪ ,‬فهذه الظواهر هي موضوع هذه العلوم ولذلك‬

‫كانت الحكام فيها تركيبية ثانوية لنا ترتكز على درس الظواهر الوضوعية‬
‫للطبيعة‪ ,‬وهذه الظواهر انا تدرك بالتجربة‪.‬‬

‫واذا اردنا ان نلل هذه الحكام التركيبية الثانوية من قبل العقل‪,‬‬

‫وجدناها مركبة ف القيقة من عنصرين‪ :‬احدها تريب‪ ,‬والخر عقلي‪ .‬اما‬

‫الانب التجريب من تلك الحكام العقلية فهو الحساسات الستوردة‬

‫بالتجربة من الارج‪ ,‬بعد صب الس الصوري لا ف قالب الزمان والكان‪.‬‬

‫واما الانب العقلي فهو الرابطة الفطرية الت يسبغها العقل على الدركات‬

‫السية‪ ,‬ليتكون من ذلك علم ومعرفة عقلية‪ .‬فالعرفة اذن مزيج من الذاتية‬

‫والوضوعية‪ ,‬فهي ذاتية ف صورتا‪ ,‬وموضوعية ف مادتا‪ ,‬لنا نتيجة التوحيد‬
‫بي الادة التجريبية الستوردة من الارج‪ ,‬واحدى الصور العقلية الاهزة‬

‫فطريا ف العقل‪ .‬فنحن نعرف ـ مثل ـ ان الفلزات تتمدد بالرارة‪ ,‬واذا اخذنا‬
‫هذه العرفة بشيء من التحليل نتبي ان موادها الام‪ ,‬وهي ظاهرة التمدد ف‬

‫الفلزات وظاهرة الرارة‪ ,‬جاءت عن طريق التجربة‪ ,‬ولولها لا استطعنا ان‬
‫ندرك هذه الظواهر‪ .‬واما الناحية الصورية ف العرفة أي سببية احدى‬

‫الظاهرتي للخرى فليست تريبية‪ ,‬بل مردها ال مقولة العلية الت هي من‬

‫‪123‬‬

‫مقولت العقل الفطرية‪ ,‬فلو ل نكن نلك هذه الصورة القبلية لا تكونت‬

‫معرفة‪ .‬كما أنّا لو ل نصل على الواد بالتجربة لا تققت لنا معرفة ايضا‪.‬‬

‫فالعرفة توجد بتكييف العقل للموضوعات التجريبية باطاراته وقوالبه الاصة‪,‬‬

‫أي مقولته الفطرية‪ ,‬ال ان العقل هو الذي يتكيف وان اطاراته وقوالبه هي‬

‫الت تتبلور تبعا للموضوعات الدركة‪ .‬فالعقل ف ذلك نظي شخص ياول ان‬

‫يضع كمية من الاء ف اناء ضيق ل يسعها‪ ,‬فيعمد ال الاء فيقلل من كميته‬
‫ليمكن وضعه فيه بدل عن ان يوسع الناء ليستوعب الاء كله‪.‬‬

‫وهكذا يتضح النقلب الفكري الذي احدثه (كانت) ف مسالة الفكر‬

‫النسان‪ ,‬اذ جعل الشياء تدور حول الفكر وتتبلور طبقا لطاراته الاصة‪ ,‬بدل‬

‫عما كان يعتقده الناس من ان الفكر يدور حول الشياء ويتكيف تبعا لا‪.‬‬
‫وعلى هذا الضوء وضع (كانت) حدا فاصل بي (الشيء ف ذاته)‬

‫و (الشيء لذاتنا)‪ .‬فالشيء ف ذاته هو الواقع الارجي دون أي اضافة من ذاتنا‬
‫اليه‪ .‬وهذا الواقع الجرد عن الضافة الذاتية ل يقبل العرفة‪ ,‬لن العرفة‬

‫ذاتية وعقلية ف صورتا‪ .‬والشيء لذاتنا هو الزيج الركب من الوضوع‬

‫التجريب‪ ,‬والصورة الفطرية القبلية الت تتحد معه ف الذهن‪ .‬ولذا تكون‬

‫النسبية مفروضة على كل حقيقة تثل ف ادراكاتنا للشياء الارجية‪ ,‬بعن ان‬
‫ادراكنا يدلنا على حقيقة الشيء لذاتنا‪ ,‬ل على حقيقة الشيء ف ذاته‪.‬‬

‫وبذلك تتلف العلوم الطبيعية عن العلوم الرياضية‪ ,‬فان العلوم الرياضية‬

‫لا كان موضوعها موجودا ف النفس بصورة فطرية ل تقم فيها اثنينية بي‬

‫الشيء ف ذاته والشيء لذاتنا‪ ,‬وعلى عكس ذلك العلوم الطبيعية‪ ,‬فانا تتناول‬

‫الظواهر الارجية الت تقع عليها التجربة‪ ,‬وهي ظواهر موجودة بصورة مستقلة‬
‫عنا ونن نعلمها ف قوالبنا الفطرية‪ ,‬فل غرو ان يفصل بي الشيء ف ذاته‬

‫والشيء لذاتنا‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬اليتافيزيقا‪ .‬ويرى (كانت) استحالة التوصل فيها ال معرفة عن‬

‫طريق العقل النظري‪ ,‬وان أي ماولة لقامة معرفة ميتافيزيقية على أساس‬

‫فلسفي هي ماولة فاشلة ليست لا قيمة‪ ,‬وذلك انه ل يصح ف القضايا‬

‫‪124‬‬

‫اليتافيزيقية شيء من الحكام التركيبية الولية والحكام التركيبية الثانوية‪ .‬اما‬

‫الحكام التركيبية الولية فهي لا كانت احكاما مستقلة عن التجربة‪ ,‬فل يصح‬
‫ال على موضوعات ملوقة للنفس بصورة فطرية وجاهزة ف الذهن بل تربة‪,‬‬

‫كموضوعي العلوم الرياضية من الزمان والكان‪ ,‬وليست الشياء الت تتناولا‬

‫اليتافيزيقا ـ وهي ال والنفس والعال ـ كذلك‪ ,‬فان اليتافيزيقا ل تعال امورا‬

‫ذهنية‪ ,‬وانا تاول البحث عن اشياء موضوعية قائمة ف نفسها‪.‬‬

‫واما الحكام التركيبية الثانوية فهي الحكام الت تعال موضوعات‬

‫تريبية‪ ,‬كموضوعات العلوم الطبيعية الت تدخل ف اليدان التجريب‪ ,‬ولذلك‬
‫صارت ثانوية باعتبار احتياجها ال التجربة‪ ,‬ومن الواضح ان مواضيع‬

‫اليتافيزيقا ليست تريبية فل يكن ان يتكون فيها حكم تركيب ثانوي‪ ,‬ول‬

‫يبقى للميتافيزيقا بعد ذلك متسع ال للحكام التحليلية‪ ,‬أي الشروح‬

‫والتفاسي للمفاهيم اليتافيزيقية‪ ,‬وهذه الحكام ليست من العرفة القيقية‬

‫بشيء‪ ,‬كما عرفنا سابقا‪.‬‬

‫والنتيجة الت يلص اليها (كانت) من ذلك‪:‬‬

‫اولً‪ :‬ان احكام العلوم الرياضية تركيبية اولية وهي ذات قيمة مطلقة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان الحكام الت تقوم على أساس التجربة ف العلوم الطبيعية‬
‫احكام تركيبية ثانوية‪ ,‬والقيقة فيها ل يكن ان تكون اكثر من حقيقة نسبية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان موضوعات اليتافيزيقا ل يكن ان توجد فيها معرفة عقلية‬

‫صحيحة‪ ,‬ل على أساس الحكام التركيبية الولية ول على أساس الحكام‬
‫التركيبية الثانوية‪.‬‬

‫والنقطة الرئيسية ف نظرية (كانت) هي ان الدراكات العقلية الولية‬

‫ليست علوما قائمة بنفسها ذات وجود مستقل عن التجربة‪ ,‬بل هي روابط‬

‫تساعد على تنظيم الشياء ووصلها بعضها ببعض‪ .‬فدورها الوحيد هو انا‬
‫تعلنا ندرك الشياء التجريبية ف اطاراتا الاصة‪.‬‬

‫ويترتب على ذلك طبيعيا الغاء اليتافيزيقا‪ ,‬لن تلك الدراكات الولية‬

‫‪125‬‬

‫ليست علوماً بل هي روابط‪ ,‬ولجل ان تكون علما تتاج ال موضوع ينشئه‬

‫الذهن او يدركه بالتجربة‪ ,‬والوضوعات اليتافيزيقية ليست من منشآت الذهن‬

‫ول من مدركات التجربة‪ ,‬كما يترتب عليه أيضا ان القيقة ف العلوم الطبيعية‬
‫نسبية دائما‪ ,‬لن تلك الروابط داخلة ف صميم معارفنا عن الظواهر الارجية‪,‬‬

‫وهي روابط ذاتية‪ .‬فيختلف الشيء ف ذاته عن الشيء لذاتنا‪.‬‬
‫وتنطوي نظرية (كانت) هذه على خطأين اساسيي‪:‬‬

‫الول‪ :‬انا تعتب العلوم الرياضية منشئة للحقائق الرياضية ومبادئها‪,‬‬
‫وبذا العتبار ارتفع (كانت) ببادئ الرياضة وحقائقها عن امكان الطأ‬

‫والتناقض‪ ,‬ما دامت ملوقة للنفس ومستنبطة منها وليست مستوردة من الارج‬
‫ليشك ف خطئها او تناقضها‪.‬‬

‫ولكن القيقة الت يب ان تقوم عليها كل فلسفة واقعية هي ان العلم‬

‫ليس خلقا ومنشئا‪ ,‬وانا هو كاشف عما هو خارج حدوده الذهنية الاصة‪,‬‬
‫ولول هذا الكشف الذات لا أمكن الرد على الفهوم الثال مطلقا‪ ,‬كما سبق‪.‬‬

‫فعلمنا بأن ‪ 4=2+2‬هو علم بقيقة رياضية معنية‪ ,‬وليس معن علمنا با‬

‫اننا ننشؤها ونلقها ف داخل نفوسنا ـ كما تاول الثالية ان تفسر العلم‬

‫بذلك ـ بل العلم ف طبيعته كالرآة‪ ,‬فكما ان الرآة تدلل على وجود واقع‬
‫للصورة النعكسة فيها خارج حدودها‪ ,‬كذلك العلم يكشف عن حقيقة‬

‫مستقلة‪ ,‬ولجل ذلك كان ‪ ,4=2+2‬سواء اكان يوجد مفكر رياضي على‬
‫وجه الرض ام ل‪ ,‬وسواء ادرك هذه القيقة انسان ام ل‪ .‬ومعن ذلك ان‬

‫البادئ والقائق الرياضية لا واقع موضوعي‪ ,‬فهي قواني تعمل وتريء‪,‬‬

‫وليست العلوم الرياضية ال انعكاسات لا ف الذهن البشري‪ .‬وعلى هذا‬

‫تكون كالبادئ والقواني الطبيعية تاما من حيث كونا واقعا مستقل ينعكس‬
‫ف العقل‪ ,‬فنواجه السؤال عن انعكاسها الذهن ومدى صحته ودقته‪ ,‬كما‬

‫نواجه ذلك السؤال ف سائر العلوم‪ .‬وليس لذا السؤال ال جواب واحد وهو‬
‫الواب الذي يقدمه الذهب العقلي القائل بان تلك النعكاسات للمبادئ‬

‫الرياضية ف الذهن البشري لا كانت فطرية وضرورية فهي مضمونة الصحة‬

‫‪126‬‬

‫بصورة ذاتية‪ ,‬فالقائق الرياضية مكنة العرفة ل لننا نن نلقها‪ ,‬بل لننا‬

‫نعكسها ف علوم فطرية ضرورية‪.‬‬

‫الثان‪ :‬ان (كانت) يعتب القواني التأصلة ف العقل البشري قواني‬
‫للفكر‪ ,‬وليست انعكاسات علمية للقواني الوضوعية الت تتحكم ف العال‬

‫وتسيطر عليه بصورة عامة‪ ,‬بل ل تعدو ان تكون مرد روابط موجودة ف‬

‫العقل بالفطرة ينظم با ادراكاته السية‪ .‬وقد سبق ان هذا الطأ هو الذي‬

‫نتج عنه القول بنسبية القائق الدركة عن عال الطبيعة‪ ,‬والقول بتعذر درس‬
‫اليتافيزيقا دراسة عقلية‪ ,‬وعدم إمكان اقامتها على أساس تلك الدراكات‬

‫العقلية الفطرية‪ ,‬لنا مرد روابط ينظم العقل با ادراكاته السية‪ ,‬وليست‬
‫لدينا ادراكات فيما يص موضوعات اليتافيزيقا لتنظم بتلك الروابط‪.‬‬

‫والنسياق مع الذهب النقدي هذا يؤدي ال الثالية حتما‪ ,‬لن الدراكات‬

‫الولية ف العقل اذا كانت عبارة عن روابط معلقة تنتظر موضوعا لتظهر فيه‪,‬‬
‫فكيف يتاح لنا ان نرج من التصورية ال الوضوعية؟! وكيف نستطيع ان‬

‫نثبت الواقع الوضوعي لحاسيسنا الختلفة ـ أي ظواهر الطبيعة الت يعترف‬

‫بوضوعيتها (كانت)؟! فنحن نعلم ان طريق اثبات الواقع الوضوعي‬

‫للحساس هو مبدأ العلية‪ ,‬الذي يكم بان كل انفعال حسي ل بد ان ينبثق‬

‫عن سبب أثار ذلك النفعال الاص‪ ,‬فاذا رجعت العلية ف مفهوم (كانت)‬

‫ال رابطة بي الظواهر الحسوسة‪ ,‬فهي عاجزة بطبيعة الال عن القيام باي‬

‫وظيفة اكثر من الربط بي احساساتنا وما يبدو فيها من ظاهرات‪ ,‬ومن حقنا‬

‫حينئذ ان نسأل (كانت) عن البرات الفلسفية ف نظرة للعتقاد بواقع‬

‫موضوعي للعال الحسوس‪ ,‬ما دمنا ل نلك معرفة فطرية كاملة كمبدأ العلية‬
‫لنبهن با على ذلك الواقع‪ ,‬وانا نلك عدة روابط وقواني لتنظيم الفكر‬
‫والدراك‪.‬‬

‫وعلى هذا‪ ,‬فالواقعية ل بد لا ان تعترف بان الدراكات الفطرية ف‬

‫العقل عبارة عن انعكاسات علمية لقواني موضوعية مستقلة‪ ,‬وتزول بذلك‬
‫نسبية (كانت) الت زعمها ف معارفنا عن الطبيعة‪ ,‬ذلك ان كل معرفة ف‬

‫‪127‬‬

‫العلوم الطبيعية‪ ,‬وان كانت باجة ال ادراك فطري يقوم على اساسه‬

‫الستنتاج العلمي من التجربة‪ ,‬ولكن هذا الدراك الفطري ليس ذاتيا خالصا‬
‫بل هو انعكاس فطري موضوعي مستقل عن حدود الشعور والدراك‪.‬‬

‫فمعرفتنا بان الرارة سبب لتمدد الفلزات تستند ال ادراك حسي تريب‬

‫للحرارة والتمدد‪ ,‬وادراك عقلي ضروري لبدا العلية‪ ,‬وكل من الدراكي‬

‫يعكس واقعا موضوعيا‪ ,‬وقد نتجت معرفتنا بتمديد الرارة للفلزات عن‬

‫معرفتنا بالواقعي الوضوعيي لذينك الدراكي‪ ,‬فليس ما يطلق عليه (كانت)‬
‫اسم الصورة‪ ,‬صورة عقلية خالصة للعلم‪ ,‬بل هو علم يتمتع بصائص‬

‫العلم الكشف الذات وانعكاس واقع مستقل فيه‪.‬‬

‫واذا عرفنا ان العقل يلك بصورة فطرية علوما ضرورية بعدة قواني‬

‫وحقائق موضوعية‪ ,‬صار باستطاعتنا ان نبن قضايا اليتافيزيقا على أساس‬

‫فلسفي بدراستها على ضوء تلك العلوم الضرورية‪ ,‬لنا ليست مرد روابط‬
‫خالصة بل هي معارف اولية وف امكانا ان تنتج للفكر البشري علوما‬
‫جديدة‪.‬‬

‫ب ـ النسبية الذاتية‪:‬‬
‫ييء بعد (كانت) دور النسبيي الذاتيي‪ ,‬وهم الذين يؤكدون على‬
‫الطابع النسب ف جيع القائق الت تبدو للنسان‪ ,‬باعتبار الدور الذي يلعبه‬
‫عقل كل فرد ف عملية اكتسابه لتلك القائق‪ .‬فليست القيقة ـ ف هذا‬

‫الفهوم الديد ـ ال المر الذي تقتضيه ظروف الدراك وشرائطه‪ .‬ولا كانت‬

‫هذه الظروف والشرائط تتلف ف الفراد والالت التنوعة‪ .‬كانت القيقة ف‬

‫كل مال حقيقة بالنسبة ال ذلك الجال الاص با ينطوي عليه من ظروف‬

‫وشرائط‪ .‬وليست القيقة هي مطابقة الفكرة للواقع لتكون مطلقة بالنسبة ال‬

‫جيع الحوال والشخاص‪.‬‬

‫وهذه النسبة وان كانت تمل شعار القيقة‪ ,‬ولكنه شعار مزيف‪,‬‬

‫فليست هي كما يبدو بكل وضوح ال مذهبا من مذاهب الشك والريب ف كل‬

‫واقع موضوعي‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫ويساند النسبية الذاتية هذه التاه الفيزيولوجي للمثالية القائل ان‬

‫الحساس ل يعدو ان يكون رمزا‪ ,‬وان الذي يدد كيفيته ونوعيته ليس هو‬
‫الشيء الارجي بل طبيعة الهاز العصب‪.‬‬

‫والواقع ان السبب الصيل الذي اتاح الظهور لذه النسبية الذاتية هو‬

‫التفسي الادي للدراك‪ ,‬واعتباره متوى عملية مادية يتفاعل فيها الهاز‬

‫العصب الدرك والشيء الوضوعي‪ ,‬كالضم الذي تققه عملية تفاعل خاص‬
‫بي الهاز الاضم والواد الغذائية‪ .‬فكما ان الغذاء ل يتفاعل ول يهضم ال‬

‫باجراء عدة تصرفات وتطويرات عليه‪ ,‬كذلك الشيء الذي ندركه ل يتاح لنا‬
‫ادراكه ال بالتصرف فيه والتفاعل معه‪.‬‬

‫وتتلف هذه النسبية عن نسبية (كانت) ف نقطتي‪:‬‬
‫الول‪ :‬انا تضع جيع القائق للطابع النسب الذات من دون استثناء‪,‬‬

‫خلفا لـ (كانت) اذ كان يعتب البادئ والعارف الرياضية حقائق مطلقة‪.‬‬

‫فـ ‪ 4=2+2‬حقيقة مطلقة ل تقبل الشك ف راي (كانت)‪ ,‬واما ف راي‬

‫النسبيي الذاتيي فهي حقيقة نسبية‪ ,‬بعن انا الشيء الذي تقتضيه طبيعة‬
‫ادراكنا وجهازنا الاص فحسب‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬ان القيقة النسبية ف رأي النسبيي الذاتيي تتلف ف الفراد‪,‬‬

‫وليس من الضروري ان يشترك جيع الناس ف حقائق معينة‪ ,‬لن لكل فرد‬

‫دورا ونشاطا خاصا‪ ,‬فل يكن الكم بان ما يدركه فرد هو نفس ما يدركه‬
‫الفرد الخر ما دام من المكن اختلفهما ف وسائل الدراك او طبيعته‪ .‬واما‬

‫(كانت) فالقوالب الصورية عنده قوالب فطرية تشترك فيها العقول البشرية‬
‫جيعا‪ ,‬ولذا كانت القائق النسبية مشتركة بي الميع‪ .‬وسوف يات ف‬

‫مستقبل دراستنا الديث عن التفسي الادي للدراك‪ ,‬الذي ارتكزت عليه‬
‫النسبية الذاتية وتفنيده‪.‬‬

‫ڤ‪................................................‬الشك العلمي‬
‫رأينا قبل ساعة ان الشك الذي تسرب ال صفوف العلماء الطبيعيي حي‬

‫‪129‬‬

‫قاموا بفتوحاتم الكبى ف حقل الفيزياء ل يكن شكا علميا ول مرتكزا على‬

‫برهان علمي‪ ,‬وانا هو شك قائم على خطا فلسفي او ازمة نفسية‪.‬‬

‫ولكننا ند ف حقول اخرى نظريات علمية تؤدي حتما ال الشك والقول‬

‫بانكار قيمة العرفة البشرية‪ ,‬بالرغم من ان بعض اصحابا ل يفكروا ف‬

‫الوصول ال هذه النتيجة بل ظلوا مؤمني بقيمة العرفة وموضوعيتها‪ ,‬ولجل‬

‫ذلك اطلقنا اسم الشك العلمي على الشك الناتج عن تلك النظريات لنا‬
‫علمية او ذات مظهر علمي على اقل تقدير‪.‬‬
‫ومن اهم تلك النظريات‪:‬‬

‫‪1‬ـ السلوكية الت تفسر علم النفس على أساس علم الفزلة‪.‬‬
‫‪2‬ـ مذهب التحليل النفسي عند فرويد‪.‬‬

‫‪3‬ـ الادية التاريية الت تدد آراء الاركسية ف علم التاريخ‪.‬‬

‫اما السلوكية فهي احدى الدارس الشهية ف علم النفس الت تعب عن‬

‫التاه الادي فيه‪ ,‬واطلق عليها اسم السلوكية لنا اتذت من سلوك الكائن‬

‫الي وحركاته السمية الت يكن اخضاعها للحس العلمي والتجربة موضوعا‬
‫لعلم النفس‪ ,‬ورفضت العتراف با وراء ذلك من موضوعات غي تريبية‬

‫كالعقل والشعور‪ ,‬وحاولت ان تفسر سيكولوجية النسان وحياته النفسية‬

‫والشعورية كلها بدون ان تفترض له عقل وما اليه من العان الغيبية لن‬
‫الباحث النفسي ل يد ول يس علميا حي اجراء تاربه على الخرين‬

‫بعقولم وانا يس بسلوكهم وحركاتم ونشاطهم الفيزيولوجي‪ ,‬فيجب لكي‬
‫يكون البحث علميا‪ ,‬ان تفسر كل الظواهر السيكولوجية ضمن النطاق‬

‫الحسوس وذلك بالنظر ال النسان بوصفه آلة يكن تفسي كل ظواهرها‬

‫وحركاتا على الطريقة اليكانيكية وف ضوء مبدأ العلية بالنبهات الارجية الت‬
‫ترد على اللة فتؤثر فيها‪ ,‬فل يوجد لدينا ونن ندرس الظواهر النفسية من‬
‫وجهة راي السلوكية عقل او شعور او ادراك‪ ,‬وانا نن امام حركات‬

‫ونشاطات مادية فيزيولوجية توجد باسباب مادية باطنية او خارجية‪ .‬فحي‬
‫نقول‪ ,‬مثل‪ ,‬ان استاذ التاريخ يفكر ف اعداد ماضرة عن تاريخ اللكية‬

‫‪130‬‬

‫الفردية عند الرومان‪ ,‬نكون قد عبنا ف القيقة عن نشاطات وحركات مادية‬

‫ف جهازه العصب نشأت ميكانيكيا عن اسباب خارجية او باطنية كحرارة‬

‫الوقد الذي جلس امامه استاذ التاريخ او عمليات الضم الت اعقبت تناوله‬
‫وجبة الغذاء‪.‬‬

‫وقد وجدت السلوكية ف النبهات الشرطية القائمة على تارب بافلوف‬

‫مسندا كبيا يتيح لا التأكيد على كثرة النبهات الت يتلقاها النسان (بسبب‬
‫نوها وزيادتا عن طريق الشراط) حت اصبح بالمكان القول بان مموع‬

‫النبهات (الطبيعية والشرطية) يتكافأ مع مموع الفكار ف حياة النسان‪ ,‬واما‬
‫كيف استفادت السلوكية من تارب بافلوف‪ ,‬وما هي النبهات الشرطية الت‬

‫كشفت عنها هذه التجارب فضاعفت من عدد النبهات الت تفسر السلوكية ف‬
‫ضوئها افكار النسان وال أي مدى يكن لتجارب بافلوف ان تبهن على‬

‫وجهة النظر السلوكية‪ ,‬فهذا ما سنجيب عنه ف البحث الخصص للدراك من‬

‫بوث هذا الكتاب ـ وهو الزء الامس من القسم الثان ف هذا‬

‫الكتاب ـ وانا يهمنا الن ابراز وجهة النظر السلوكية الت تضع الياة الفكرية‬
‫عند النسان للتفسي اليكانيكي وتفهم الفكر والشعور بوصفه نشاطا‬

‫فيزيولوجيا تثيه اسباب مادية متنوعة‪.‬‬

‫ومن الواضح ان أي ماولة لوضع نظرية للمعرفة ف ضوء السلوكية هذه‬

‫يؤدي حتما ال موضوع سلب تاه قيمة العرفة وال عدم العتراف بقيمتها‬
‫الوضوعية‪ ,‬وبالتال يصبح كل بث عن صحة هذه الفكرة العلمية او هذا‬

‫الذهب الفلسفي او ذاك الراي الجتماعي عبثا ل مبر له لن كل فكرة‪,‬‬
‫مهما كان طابعها او مالا العلمي او الفلسفي او الجتماعي‪ ,‬ل تعب عن‬

‫شيء سوى حالت خاصة تدث ف اجسام اصحاب الفكرة انفسهم ‪ .‬فل‬
‫نستطيع ان نتساءل على الصعيد الفلسفي أي الفلسفتي على صواب‪ :‬مادية‬

‫ابيقور او الية ارسطو‪ ,‬ول ان نتساءل على الصعيد العلمي ايهما على صواب‪:‬‬
‫نيوتن ف فكرته القائلة بتفسي الكون على أساس الاذبية‪ ,‬او آنشتي ف نسبيته‬

‫العامة‪ ,‬ماركس ف تفكيه القتصادي‪ ,‬او ريكاردو مثل‪ .‬وهكذا ف كل‬

‫الجالت‪ ,‬لن تساؤلنا هذا يبدو ف ضوء السلوكية شبيها تامـا بالتساؤل عـن‬

‫‪131‬‬

‫عمليات الضم عند الباحثي الختلفي وأيهما هو الصحيح‪ ,‬فكما ل يصح ان‬

‫نساءل ايهما هو القيقة‪ ,‬عمليات الضم عند أبيقور ونيوتن وماركس او عند‬

‫ارسطوا وانشتي وريكاردو‪ .‬كذلك ل يصح ان نتساءل أي مذاهبهم وافكارهم‬
‫هو القيقة لن افكار هؤلء الفكرين‪ ,‬كعمليات الضم الختلفة ف معدهم‪,‬‬

‫ليست ال وظائف جسمية ونشاطات عضوية‪ ,‬فمت أمكن لنشاط العدة ف‬
‫عمليات الضم ان يكشف لنا عن نوعية الغذاء ويصف لنا طبيعته يتاح‬

‫للنشاط العصب ف الدماغ ان يعكس شيئا من القائق الارجية‪ ,‬وما دام ل‬

‫يوز لنا ان نتساءل عن نشاط العدة أهو صادق او كاذب فكذلك بالنسبة ال‬
‫النشاط الفكري‪.‬‬

‫وند ايضا بوضوح ان الفكرة ف راي الدرسة السلوكية مرتبطة بنبهاتا‬

‫ل بدليلها‪ ,‬وبذلك تفقد الثقة بكل معرفة بشرية لن من الائز ان تتبدل‬

‫وتعقبها فكرة مناقضة اذا اختلفت النبهات والشروط الارجية ويعود من عبث‬
‫القول مناقشة الفكر ف فكرته وأدلتها وانا يب الفحص عن النبهات الادية‬

‫لتلك الفكرة وازالتها‪ .‬فاذا كانت الفكرة قد نشأت مثل من حرارة الوقد ف‬

‫الغرفة الت يفكر وعملية الضم كان السبيل الوحيد للقضاء على الفكرة‬

‫تغيي جو الغرفة وايقاف عمليات الضم مثل‪ ,‬وهكذا تصبح العرفة البشرية‬
‫خواء وخلوا من القيمة الوضوعية‪.‬‬

‫ومذهب التحليل النفسي عند فرويد يسجل نفس النتائج الت انتهت‬

‫اليها السلوكية فيما يتصل بنظرية العرفة‪ ,‬فهو وان كان ل ينكر العقل ولكنه‬

‫يقسمه لفئتي احداها العناصر الشعورية وهي مموعة الفكار والعواطف‬

‫والرغبات الت نس با ف نفوسنا‪ ,‬والخر العناصر اللشعورية ف العقل أي‬

‫شهواتنا وغرائزنا الختزنة وراء شعورنا وهي قوى عقلية عميقة الغور ف‬

‫اعماقنا ول يكن لنا السيطرة على نشاطها او التحكم ف تكوينها وتطورها‪,‬‬

‫وكل العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الفية الت ل نشعر با‪,‬‬

‫وليست اعمال الشخص الشعورية ال انعكاسا مرفا لتلك الشهوات والدوافع‬
‫الختزنة ف اللشعور‪ ,‬فالشعور اذن اتى عن طريق اللشعور حت يكن القول‬

‫‪132‬‬

‫لدى اصحاب التحليل النفسي بان اللشعور هو الذي يدد متويات الشعور‬

‫وبالتال يتحكم ف كل افكار النسان وسلوكه‪ .‬وعلى هذا الساس تصبح‬
‫شهواتنا الغريزية هي الساس القيقي لا نعتقد بصحته‪ ,‬وليست عمليات‬

‫الستدلل الت تدينا ال النتائج الفروضة علينا سلفا من قبل شهواتنا‬

‫وغرائزنا ال اعلء لتلك الغرائز وتساميا با ال منطقة الشعور الت تشكل‬

‫القسم العلى من العقل‪ ,‬بينما تشكل العناصر اللشعورية والغرائز والشهوات‬
‫الختزنة الطابق الرضي او القسم السفل الساسي‪.‬‬

‫وبسهولة نستطيع ان ندرك اثر هذا الذهب التحليلي على نظرية العرفة‪.‬‬

‫فان الفكر ف ضوئه ليس اداة لتصوير الواقع والدس بالقيقة وانا وظيفته‬

‫التعبي عن متطلبات اللشعور‪ ,‬والنتهاء حتما ال النتائج الت تفرضها شهواتنا‬
‫وغرائزنا الختزنة ف اعماقنا‪ ,‬وما دام العقل آلة طيعة ف خدمة غرائزنا والتعبي‬

‫عنها ل عن القيقة والواقع فليس هناك ما يدعو ال العتقاد بانه يعكس‬

‫القيقة لن من الائز ان تكون القيقة على خلف رغباتنا اللشعورية الت‬

‫تتحكم ف عقلنا‪ .‬ومن الستحيل ان نفكر ف تقدي أي ضمان للتوافق بي‬

‫قوانا العقلية اللشعورية وبي القيقة لن هذا التفكي ذاته ينبثق ايضا عن‬
‫رغباتنا اللشعورية ويعب عنها ل عن الواقع والقيقة‪.‬‬

‫وييء بعد هذا دور الادية التاريية لتنتهي ال نفس النتيجة الت اسفرت‬

‫عنها مذاهب السلوكية والتحليل النفسي بالرغم من ان اصحابا يرفضون كل‬
‫لون للشك ويؤمنون على الصعيد الفلسفي بقيمة العرفة وقدرتا على كشف‬
‫القيقة‪.‬‬

‫والادية التاريية تعب عن الفهوم الكامل للماركسية عن التاريخ والجتمع‬

‫وقواني تركبه وتطوره وهي لذلك تعال الفكار والعارف النسانية عامة‬

‫بوصفها جزءا من تركيب الجتمع النسان فتعطي رأيها ف كيفية نشوء سائر‬
‫الوضاع السياسية والجتماعية‪.‬‬

‫والفكرة الساسية ف الادية التاريية هي ان الوضع القتصادي الذي‬

‫تدده وسائل النتاج هو الساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه فجميع‬

‫‪133‬‬

‫الظواهر الجتماعية تنشأ عن الوضع القتصادي وتتطور تبعا لتطوره‪ .‬ففي‬

‫بريطانيا مثل حينما توّل وضعها القتصادي من القطاع ال الرأسالية وحلت‬
‫الطاحونة البخارية مل الطاحونة الوائية تبدلت جيع اوضاعها الجتماعية‬

‫وتكيفت وفقا للحالة القتصادية الديدة‪.‬‬

‫ومن الطبيعي للمادية التاريية‪ ,‬بعد ان آمنت بذا‪ ,‬ان تربط العرفة‬

‫النسانية عموما بالوضع القتصادي أيضا بوصفها جزءا من الكيان الجتماعي‬
‫الذي يرتكز كله على العامل القتصادي‪ ,‬ولذلك ند انا تؤكد على ان‬

‫العرفة النسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب‪ ,‬وانا يكمن‬
‫سببها الصيل ف الوضع القتصادي‪ ,‬ففكر النسان انعكاس عقلي للوضاع‬

‫القتصادية وما ينشأ عنها من علقات وهو ينمو ويتطور طبقا لتلك الوضاع‬
‫والعلقات‪.‬‬

‫و من الي سي ان نل حظ ه نا ان القوى القت صادية احتلت ف الاد ية التاري ية‬

‫مو ضع العنا صر اللشعور ية من الغرائز والشهوات ف نظر ية فرو يد‪ ,‬فبين ما كان‬
‫الف كر ع ند فرو يد ت عبيا حتم يا عن متطلبات الغرائز والشهوات الكتنة ي صبح‬

‫فـ رأي الاديـة التارييـة تعـبيا حتميا عـن متطلبات القوى القتصـادية والوضـع‬

‫القتصـادي العام‪ .‬والنتيجـة واحدة فـ الاليـ وهـي انعدام الثقـة بالعرفـة‬

‫وفقدان ا لقيمت ها لن ا اداة لتنف يذ متطلبات قوة صارمة م سيطرة على التفك ي هي‬
‫قوة اللشعور او قوة الوضـع القتصـادي‪ ,‬ول يكننـا ان نعرف مـا اذا كان‬

‫الوضـع القتصـادي يلي فـ عقولنـا القيقـة او ضدهـا‪ ,‬وحتـ اذا وجدت هذه‬

‫العر فة ف هي بدور ها ايضا ت عبي جد يد عن متطلبات الو ضع القت صادي ال ت ل‬
‫نعرف بعد كيف نثق بتطابقها مع الواقع‪.‬‬

‫وبذا نعرف ان مذهـب الاركسـية فـ التاريـخ كان يفرض عليهـا الشـك‪,‬‬

‫غي انا ل تضع للشك واعلنت ف فلسفتها عن ايانا بالعرفة وقيمتها‪.‬‬

‫وسوف نعرض فيما بعد لنظرية العرفة عند الاركسية على الصعيد الفلسفي‪,‬‬

‫وانا نريد ان نشي هنا ال ان النتائج الحتومة للمذهب الاركسي ف‬

‫التاريخ ـ أي الادية التاريية ـ تناقض نظرية الاركسية الفلسفية عن العرفة لن‬

‫‪134‬‬

‫الربط الحتوم بي الفكر والعامل القتصادي ف الذهب التاريي للماركسية‬

‫يزيل الثقة بكل معرفة بشرية خلفا لنظرية العرفة الاركسية الت تؤكد على‬
‫هذه الثقة كما سنرى‪.‬‬

‫وسوف لن ندخل ف نقاش الن مع هذه النظريات الثلث (السلوكية‬

‫واللشعورية والادية التاريية) فاننا ناقشنا السلوكية ورصيدها العلمي الزعوم من‬
‫تارب بافلوف ف دراستنا للدراك ـ الزء الامس من القسم الثان لذا‬

‫الكتاب ـ واستطعنا ان نبهن على ان السلوكية ل تكفي تفسيا مقبولً للفكر‪,‬‬

‫كما تناولنا ف كتاب (اقتصادنا) الادية التاريية بالدرس والنقد الوسع بوصفها‬
‫الساس العلمي للقتصاد الاركسي‪ ,‬وانتهينا ال نتائج تدين الادية التاريية ف‬

‫ارصدتا الفلسفية والعلمية وتبز الوان التناقض بينها وبي اتاه الركة‬

‫التاريية ف واقع الياة‪ .‬واما نظرية فرويد ف التحليل النفسي فلها موضعها‬
‫من البحث ف كتاب متمعنا‪.‬‬

‫فنحن هنا اذن لسنا بصدد نقاش تلك النظريات ف مالتا الاصة‪ .‬وانا‬

‫سوف نقتصر على الديث عنها بالقدر الذي يتصل بنظرية العرفة‪.‬‬

‫ففي حدود العلقة بي تلك النظريات ونظرية العرفة نستطيع القول بأن‬

‫البهنة ضد العرفة البشرية وقيمتها الوضوعية بنظرية علمية تنطوي على‬
‫تناقض وبالتال على استحالة فاضحة لن النظرية العلمية الت تقدم ضد‬

‫العرفة البشرية ولزالة الثقة با سوف تكم على لذاتا أيضا وتنسف اساسها‬
‫وتسقط عن العتبار لنا ليست ال احدى تلك العارف الت تاربا وتشك او‬

‫تنكر قيمتها‪ ,‬ولذلك كان من الستحيل ان تتخذ النظرية العلمية دليل على‬
‫الشك الفلسفي ومبرا لتجريد العرفة من قميتها‪.‬‬

‫فالنظرية السلوكية تصور الفكر باعتباره حالة مادية تدث ف جسم الفكر‬

‫بأسباب مادية كما تدث حالة ضغط الدم فيه‪ .‬ولجل ذلك تنتهي بتجريده‬

‫من قيمته الوضوعية‪ ,‬غي ان هذه النظرية ليست هي من وجهة نظر السلوكية‬
‫نفسها ال حالة خاصة حدثت ف اجسام اصحاب النظرية انفسهم ول تعب‬

‫عن شيء سوى ذلك‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫كما ان نظرية فرويد جزئ من حياته العقلية الشعورية‪ ,‬فاذا صح ان‬

‫الشعور تعبي مرّف عن القوى اللشعورية ونتيجة متومة لتحكم تلك القوى ف‬
‫سيكولوجية النسان فسوف تفقد نظرية فرويد قيمتها لنا ف هذا الضوء‬

‫ليست أداة للتعبي عن القيقة وانا هي تعبي عن شهواته وغرائزه الخبوءة ف‬
‫اللشعور‪.‬‬

‫وقل الشيء نفسه عن الادية التاريية الت تربط الفكر بالوضع‬

‫القتصادي‪ ,‬وبالتال تعل من نفسها نتيجة لوضع اقتصادي معي عاشه‬

‫ماركس وانعكس ف ذهنه معبا عن متطلباته ف مفاهيم الادية التاريية ويصبح‬

‫من الحتوم على الادية التاريية ان تتغي وفقا لتغي الوضع القتصادي‪.‬‬

‫ڤ‪............................................‬نظرية العرفة ف فلسفتنا‬
‫والن نستطيع ان نستخلص من دراسة الذاهب السابقة ونقدها الطوط‬

‫العريضة لذهبنا ف الوضوع‪ ,‬وتتلخص فيما يأت‪:‬‬

‫الط الول‪ :‬ان الدراك البشري على قسمي‪ :‬احدها التصور‪ ,‬والخر‬

‫التصديق‪ .‬وليس للتصور بختلف ألوانه قيمة موضوعية‪ ,‬لنه عبارة عن وجود‬
‫الشيء ف مداركنا‪ ,‬وهو ل يبهن ـ اذا جرد عن كل اضافة ـ على وجود‬

‫الشيء موضوعيا خارج الدراك‪ ,‬وانا الذي يلك خاصة الكشف الذات عن‬

‫الواقع الوضوعي هو التصديق او العرفة التصديقية‪ .‬فالتصديق هو الذي‬

‫يكشف عن وجود واقع موضوعي للتصور‪.‬‬

‫الط الثان‪ :‬ان مرد العارف التصديقية جيعا ال معارف اساسية‬

‫ضرورية‪ ,‬ل يكن إثبات ضرورتا بدليل او البهنة على صحتها‪ ,‬وانا يشعر‬
‫العقل بضرورة التسليم والعتقاد بصحتها‪ ,‬كمبدا عدم التناقض ومبدأ العلية‬
‫والبادئ الرياضية الولية‪ ,‬فهي الضواء العقلية الول‪ ,‬وعلى هدي تلك‬

‫الضواء يب ان تقام سائر العارف والتصديقات‪ ,‬وكلما كان الفكر ادق ف‬

‫تطبيق تلك الضواء وتسليطها كان ابعد عن الطأ‪ .‬فقيمة العرفة تتبع مقـدار‬

‫‪136‬‬

‫ارتكازها على تلك السس ومدى استنباطها منها‪ ,‬ولذلك كان من المكن‬

‫استحصال معارف صحيحة ف كل من اليتافيزيقا والرياضيات والطبيعيات على‬
‫ضوء تلك السس‪ ,‬وان اختلفت الطبيعيات ف شيء‪ ,‬وهو ان الصول على‬

‫معارف طبيعية بتطبيق السس الولية يتوقف على التجربة الت تيء للنسان‬
‫شروط التطبيق‪ ,‬واما اليتافيزيقا والرياضيات فالتطبيق فيها قد ل يتاج ال‬
‫تربة خارجية‪.‬‬

‫وهذا هو السبب ف ان نتائج اليتافيزيقا والرياضيات نتائج قطعية ف‬

‫الغالب‪ ,‬دون النتائج العلمية ف الطبيعيات‪ .‬فان تطبيق السس الولية ف‬
‫الطبيعيات لا كان متاجا ال تربة تييء شروط التطبيق‪ ,‬وكانت التجربة ف‬

‫الغالب ناقصة وقاصرة عن كشف جيع الشروط‪ ,‬فل تكون النتيجة القائمة‬
‫على اساسها قطعية‪.‬‬

‫ولنأخذ لذلك مثال من الرارة‪ .‬فلو اردنا ان نستكشف السبب الطبيعي‬

‫للحرارة‪ ,‬وقمنا بدراسة عدة تارب علمية‪ ,‬ووضعنا ف ناية الطاف النظرية‬

‫القائلة ان (الركة سبب الرارة)‪ ,‬فهذه النظرية الطبيعية ف القيقة نتيجة‬

‫تطبيق لعدة مبادئ ومعارف ضرورية على التجارب الت جعناها ودرسناها‪,‬‬

‫ولذا فهي صحيحة ومضمونة الصحة بقدار ما ترتكز على تلك البادئ‬
‫الضرورية‪.‬فالعال الطبيعي يمع اول المر كل مظاهر الرارة الت هي‬

‫موضوع البحث‪ ,‬كدم بعض اليوانات والديد الحمى والجسام الحترقة‬

‫وغي ذلك من آلف الشياء الارة‪ ,‬ويبدأ بتطبيق مبدأ عقلي ضروري عليها‬
‫وهو مبدأ العلية القائل (ان لكل حادثة سببا)‪ .‬فيعرف بذلك ان لذه الظاهر‬

‫من الرارة سببا معينا‪ ,‬ولكن هذا السبب حت الن مهول ومردد بي طائفة‬

‫من الشياء‪ ,‬فكيف يتاح تعيينه من بينها؟‪.‬‬

‫ويستعي العال الطبيعي ف هذه الرحلة ببدأ من البادئ الضرورية‬

‫العقلية‪ ,‬وهو البدأ القائل (باستحالة انفصال الشيء عن سببه)‪ ,‬ويدرس على‬
‫ضوء هذا البدا تلك الطائفة من الشياء الت يوجد بينها السبب القيقي‬
‫للحرارة‪ ,‬فيستبعد عدة من الشياء ويسقطها من الساب‪ ,‬كدم‬

‫‪137‬‬

‫اليوان ـ مثلً ـ فهو ل يكن ان يكون سببا للحرارة لن هناك من‬

‫اليوانات ما دماؤها باردة‪ ,‬فلو كان هو السبب للحرارة لا أمكن ان تنفصل عنه‬
‫ويكون باردا ف بعض اليوانات‪ .‬ومن الواضح ان استبعاد دم اليوان عن السببية‬
‫ل‬

‫يكن ال تطبيقا للمبدأ النف الذكر الاكم بان الشيء ل ينفصل عن سببه‪,‬‬

‫وهكذا يدرس كل شيء ما كان يظنه من اسباب الرارة فيبهن على عدم‬

‫كونه سببا بكم مبدأ عقلي ضروري‪ .‬فان امكنه ان يستوعب بتجاربه العلمية‬

‫جيع ما يتمل ان يكون سببا للحرارة‪ ,‬ويدلل على عدم كونه سببا ـ كما فعل‬

‫ف دم اليوان ـ ‪ ,‬فسوف يصل ف ناية التحليل العلمي ال السبب‬

‫القيقي ـ حتما ـ بعد اسقاط الشياء الخرى من الساب‪ ,‬وتصبح النتيجة‬

‫العلمية حينئذ حقيقة قاطعة‪ ,‬لرتكازها بصورة كاملة على البادئ العقلية‬

‫الضرورية‪ ,‬واما اذا بقي ف ناية الساب شيئان او اكثر ول يستطع ان يعي‬
‫السبب على ضوء البادئ الضرورية‪ ,‬فسوف تكون النظرية العلمية ف هذا‬

‫الجال ظنية‪.‬‬

‫وعلى هذا نعرف‪:‬‬

‫أولً‪ :‬ان البادئ العقلية الضرورية هي الساس العام لميع القائق‬

‫العلمية‪ ,‬كما سبق ف الزء الول من السألة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان قيمة النظريات والنتائج العلمية ف الجالت التجريبية موقوفة‬

‫على مدى دقتها ف تطبيق تلك البادئ الضرورية على مموعة التجارب الت‬

‫امكن الصول عليها‪ .‬ولذا فل يكن اعطاء نظرية علمية بشكل قاطع ال اذا‬
‫استوعبت التجربة كل امكانيات السالة‪ ,‬وبلغت ال درجة من السعة والدقة‬
‫بيث أمكن تطبيق البادئ الضرورية عليها‪ ,‬واقامة استنتاج علمي موحد‬

‫على أساس ذلك التطبيق‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬ف الجالت غي التجريبية ـ كما ف مسائل اليتافيزيقا ـ ترتكز‬

‫النظرية الفلسفية على تطبيق البادئ الضرورية على تلك الجالت‪ ,‬ولكن هذا‬
‫التطبيق‬

‫قد يتم فيها بصورة مستقلة عن التجربة‪ .‬ففي مسألة اثبات العلة الول‬

‫للعال ـ مثل ـ يب على العقل ان يقوم بحاولة تطبيق مبادئه الضرورية على‬

‫‪138‬‬

‫هذه السألة‪ ,‬حت يضع بوجبها نظريته اليابية او السلبية‪ ,‬وما دامت السألة‬

‫ليست تريبية فالتطبيق يصل بعملية تفكي واستنباط عقلي بت بصورة‬
‫مستقلة عن التجربة‪.‬‬

‫وبذا تتلف مسائل اليتافيزيقا عن العلم الطبيعي ف كثي من مالتا‪.‬‬

‫ونقول (ف كثي من مالتا) لن استنتاج النظرية الفلسفية او اليتافيزيقية من‬

‫البادئ الضرورية ف بعض الحايي يتوقف على التجربة أيضا‪ ,‬فيكون‬
‫للنظرية الفلسفية حينئذ نفس ما للنظريات العلمية من قيمة ودرجة‪.‬‬

‫الط الثالث‪ :‬عرفنا ان العرفة التصديقية هي الت تكشف لنا عن‬

‫موضوعية التصور‪ ,‬ووجود واقع موضوعي للصورة الت توجد ف ذهننا‪.‬‬

‫وعرفنا أيضا ان هذه العرفة التصديقية مضمونة بقدار ارتكازها على البادئ‬

‫الضرورية‪ .‬والسالة الديدة هي مدى التطابق بي الصورة الذهنية ـ فيما اذا‬

‫كانت دقيقة وصحيحة ـ والواقع الوضوعي الذي صدقنا بوجوده من ورائها‪.‬‬
‫والواب على هذه السألة‪ ,‬هو ان الصورة الذهنية الت نكونا عن واقع‬

‫موضوعي معي فيها ناحيتان‪ :‬فهي من ناحية صورة الشيء ووجوده الاص‬

‫ف ذهننا‪ .‬ول بد لجل ذلك ان يكون فيها الشيء متمثل فيها‪ ,‬وال ل تكن‬

‫صورة له (ولكنها من ناحية اخرى تتلف عن الواقع الوضوعي اختلفا‬
‫أساسيا‪ .‬لنا ل تلك الصائص الت يتمتع با الواقع الوضوعي لذلك‬

‫الشيء‪ ,‬ول تتوفر فيها ما يوجد ف ذلك الواقع من الوان الفعالية والنشاط‪.‬‬
‫فالصورة الذهنية الت نكونا عن الادة او الشمس او الرارة مهما كانت دقيقة‬

‫ومفصلة ل يكن ان تقوم بنفس الدوار الفعالة الت يقوم با الواقع الوضوعي‬
‫لتلك الصورة الذهنية ف الارج‪.‬‬

‫وبذلك نستطيع ان ندد الناحية الوضوعية للفكرة‪ ,‬والناحية الذاتية‪.‬‬

‫أي الناحية الاخوذة عن الواقع الوضوعي‪ ,‬والناحية الت ترجع ال التبلور‬

‫الذهن الاص‪ .‬فالفكرة موضوعية باعتبار تثل الشيء فيها لدى الذهن‪,‬‬

‫ولكن الشيء الذي يثل لدى الذهن ف تلك الصورة يفقد كل فعالية ونشاط‬

‫ما كان يتمتع به ف الجال الارجي‪ ,‬بسبب التصرف الذات‪ ,‬وهذا الفارق‬

‫‪139‬‬

‫بي الفكرة والواقع هو ف اللغة الفلسفية الفارق بي الاهية والوجود‪ ,‬كما‬

‫سندرس ذلك ف السألة الثانية من هذا الكتاب (‪.)1‬‬

‫ڤ‪................................................‬النسبية التطورية‪:‬‬
‫والن‪ ,‬وقد طفنا على شت الذاهب الفلسفية ف نظرية العرفة‪ ,‬نصل ال‬
‫دور الديالكتيك فيها‪ .‬فقد حاول الاديون الديالكتيكيون إبعاد فلسفتهم عن‬
‫الشك والسفسطة‪ ,‬فرفضوا الثالية والنسبية الذاتية‪ ,‬وما انتهت اليه عدة‬

‫مذاهب من ألوان الشك والرتياب‪ ,‬وأكدوا على امكان العرفة القيقية للعال‪.‬‬

‫وبذلك ظهرت نظرية العرفة على أيديهم ف إطار من اليقي الفلسفي‪ ,‬الرتكز‬
‫على اسس النظرية السية والذهب التجريب‪.‬‬

‫فماذا رصدوا لذا الشروع البار والتصميم الفلسفي الضخم؟‪.‬‬

‫كان رصيدهم هو التجربة لتفنيد الثالية‪.‬‬

‫وكان رصيدهم هو الركة لرفض النسبية‪.‬‬

‫ڤ‪................................................‬التجربة والثالية‪:‬‬
‫قال انلز عن الثالية‪:‬‬
‫[إن أقوى تفنيد لذا الوهم الفلسفي‪ ,‬ولكل وهم‬

‫‪ 1‬ـ وهذه الناحية الذاتية الت تنطوي عليها الصور الذهنية ف رأينا‪ ,‬تتلف‬

‫عن الناحية الذاتية الت يقول با (كانت)‪ .‬والت ينادي با النسبيون الذاتيون‪.‬‬

‫فليست الذاتية ف رأينا باعتبار الانب الصوري من العلم كما يزعم (كانت) ول‬
‫باعتبار كون الدراك حصيلة تفاعل مادي‪ ,‬والتفاعل يستدعي التصرف من‬

‫الانبي‪ ,‬بل هي على اساس التفرقة بي لون الوجود‪ :‬الذهن والارجي‪ .‬فالشيء‬

‫الوجود ف الصورة الذهنية هو الشيء الوجود ف الارج خلفا للنسبيي‪ ,‬ولكن‬
‫لون وجوده ف الصورة يتلف عن لون وجوده الارجي‪.‬‬
‫‪140‬‬

‫فلسفي آخر هو العمل والتجربة والصناعة بوجه خاص‪ .‬فاذا‬

‫استطعنا ان نبهن على صحة فهمنا لظاهرة طبيعية ما‪,‬‬
‫بلقنا هذه الظاهرة بانفسنا‪ ,‬واحداثنا لا بواسطة توفر‬

‫شروطها نفسها‪ ,‬وفوق ذلك اذا استطعنا استخدامها ف تقيق‬

‫أغراضنا كان ف ذلك القضاء البم على مفهوم الشيء ف ذاته‬
‫العصي على الدراك الذي اتى به (كانت)](‪.)1‬‬
‫وقال ماركس‪:‬‬

‫[إن مسألة معرفة ما اذا كان بوسع الفكر النسان ان‬
‫ينتهي ال حقيقة موضوعية ليس بسألة نظرية‪ ,‬بل انا مسالة‬
‫عملية‪ ,‬ذلك انه ينبغي للنسان ان يقيم الدليل ف مال‬

‫المارسة على حقيقة فكره](‪.)2‬‬

‫وواضح من هذه النصوص ان الاركسية تاول ان تبهن على الواقع‬

‫الوضوعي بالتجربة‪ ,‬وتل الشكلة الساسية الكبى ف الفلسفة ـ مشكلة‬
‫الثالية والواقعية ـ بالساليب العلمية‪.‬‬

‫وهذا مظهر واحد من مظاهر عديدة وقع فيها اللط بي الفلسفة‬

‫والعلوم‪ ,‬فإن كثيا من القضايا الفلسفية حاول بعض دراستها بالساليب‬
‫العلمية‪ ,‬كما ان عدة من قضايا العلم درسها بعض الفكرين دراسة فلسفية‪.‬‬
‫فوقع الطأ ف هذه وتلك‪.‬‬

‫والشكلة التـ يتصـارع حولاـ الثاليون والواقعيون هـي مـن تلك الشاكـل‬

‫التـ ل يكـن اعتبار التجربـة الرجـع العلى فيهـا‪ ,‬ول إعطاؤهـا الصـفة العلميـة‪,‬‬

‫لن السـألة التـ يرتكـز عليهـا البحـث فيهـا هـي مسـالة وجود واقـع موضوعـي‬

‫لل حس التجر يب‪ .‬فالثال يز عم ان الشياء ل تو جد ال ف ح سنا وإدراكات ــنا‬

‫‪ 1‬ـ لودفيغ فيورباخ ص ‪. 54‬‬
‫‪ 2‬ـ لودفيغ فيورباخ ص ‪. 112‬‬
‫‪141‬‬

‫التجريبية‪ ,‬والواقع يعتقد بوجود واقع خارجي مستقل للحس والتجربة‪.‬‬

‫ومن البديهي ان هذه السألة تضع الس التجريب بالذات موضع المتحان‬
‫والختبار‪ ,‬فل يكن ان يبهن على موضوعية التجربة والس بالتجربة والس‬

‫نفسهما‪ ,‬ول الرد على الثالية با‪ ,‬مع انا هي موضع النقاش والبحث بي‬
‫الفريقي الثاليي والواقعيي‪.‬‬

‫فكل مشكلة موضوعية انا يكن اعتبارها علمية‪ ,‬وحلها بأساليب العلم‬

‫التجريبية‪ ,‬فيما اذا كان من العترف به سلفا صدق التجربة العلمية‬

‫وموضوعيتها‪ .‬فمشكلة حجم القمر‪ ,‬او بعد الشمس عن الرض‪ ,‬او بنية‬

‫الذرة‪ ,‬او تركيب النبات‪ ,‬او عدد العناصر البسيطة‪ ,‬يكن انتهاج الطرق‬

‫العلمية ف دراستها وحلها‪ .‬واما اذا طرحت نفس التجربة على بساط البحث‪,‬‬
‫وثار النقاش حول قيمتها الوضوعية‪ ,‬فل موضع للستدلل العلمي ف هذا‬

‫الجال على صدق التجربة وقيمتها الوضوعية بالتجربة نفسها‪.‬‬

‫فواقعية الس والتجربة اذن هي الساس الذي يتوقف عليه كيان العلوم‬

‫جيعا‪ ,‬ول تتم دراسة او معالة علمية ال بناء عليه‪ ,‬فيجب ان يعال هذا‬
‫الساس معالة فلسفية خالصة قبل الخذ بأي حقيقة علمية‪.‬‬

‫واذا درسنا السألة دراسة فلسفية ند ان الحساس التجريب ل يعدو‬

‫ان يكون لونا من ألوان التصور‪ ,‬فمجموعة التجارب مهما تنوعت انا تون‬

‫النسان بادراكات حسية متنوعة‪ .‬وقد مر بنا التحدث عن الحساسات ف‬
‫دراستنا للمثالية‪ ,‬وقلنا انا ما دامت مرد تصورات فل يبهن على الواقع‬

‫الوضوعي ودحض الفهوم الثال‪.‬‬

‫وانا يب علينا ان ننطلق من الذهب العقلي لنشيد على أسسه الفهوم‬

‫الواقعي للحس والتجربة‪ ,‬فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية ف العقل‪,‬‬
‫وعلى ضوء تلك البادئ نثبت موضوعية أحاسيسنا وتاربنا‪.‬‬

‫ولنأخذ لذلك مثالً مبدأ العلية‪ ,‬الذي هو من تلك البادئ الضرورية‪.‬‬
‫فان هذا البدأ يكم بان لكل حادثة سببا خارجا عنه‪ ,‬وعلى أساسه نتأكد من‬

‫وجود واقع موضوعي للحساسات والشاعر الت تدث ف نفوسنا‪ ,‬لنا باجة‬

‫‪142‬‬

‫ال سبب تنبثق عنه‪ ,‬وهذا السبب هو الواقع الوضوعي‪.‬‬

‫وهكذا نستطيع ان نبهن على موضوعية الس والتجربة ببدأ العلية‪.‬‬

‫فهل يكن للماركسية ان تتخذ هذا السلوب؟ طبعا ل‪ ,‬وذلك‪:‬‬

‫أولً‪ :‬لنا ل تؤمن ببادئ ضرورية عقلية‪ ,‬فليس مبدأ العلية ف عرفها‬
‫ال مبدأ تريبيا تدلل به التجربة‪ ,‬فل يصح ان يعتب أساسا لصد التجربة‬
‫وموضوعيتها‪.‬‬

‫وثانيا‪ :‬ان الديالكتيك يفسر تطورات الادة وحوادثها بالتناقضات الحتواة‬

‫ف داخلها‪ .‬وليست الوادث الطبيعية ف تفسيه متاجة ال سبب خارجي‪,‬‬
‫كما سندرس ذلك بكل تفصيل ف السألة الثانية‪ .‬فاذا كان هذا التفسي‬

‫الديالكتيكي كافيا لتبير وجود الوادث الطبيعية‪ ,‬فلماذا نذهب بعيدا؟!‬
‫ولاذا نضطر ال افتراض سبب خارجي وواقع موضوعي لكل ما يثور ف‬

‫نفوسنا من إدراك؟! بل يصبح من الائز ان تقول الثالية ف ظواهر الدراك‬
‫والس ما قاله الديالكتيك عن الطبيعة تاما‪ ,‬وتزعم ان هذه الظواهر ف‬

‫حدوثها وتعاقبها مكومة لقانون نقض النقض‪ ,‬الذي يضع رصيد التغي‬
‫والتطور ف الحتوى الداخلي‪.‬‬

‫وبذا نعرف ان الديالكتيك ل يجبنا عن سبب خارج الطبيعة فحسب‪,‬‬

‫بل يجبنا بالتال عن هذه الطبيعة بالذات‪ ,‬وعن كل شيء خارج دنيا‬

‫الشعور والدراك (‪.)1‬‬

‫‪1‬‬

‫ـ و قد جاء ف كلم انلز ال سابق التأك يد على ناح ية القي مة الوضوع ية‬

‫للق ظاهرة وانشائها‪ ,‬وان ف ذلك الرد الاسم على النعات الثالية‪ .‬ول اظن هذا‬
‫التاك يد ح ي ي صدر من الدر سة الارك سية ينطوي على مع ن فل سفي خاص‪ ,‬وان‬

‫أمكـن للباحـث الفلسـفي ان يصـوغ مـن ذلك دليل خاصـا على إثبات ان الواقـع‬

‫الوضو عي يرت كز على العلم الضوري‪ ,‬نظرا ال ان الفا عل يعلم بآثاره‪ ,‬و ما يلق‬

‫علما حضوريا‪ ,‬والعلم الضوري بشيء هو نفس وجوده الوضوعي‪ .‬فالنسان اذن‬
‫يتصل بالواقع الوضوعي لا يعلمه علما حضوريا‪ .‬فالثالية اذا اسقطت من حساب‬
‫العر فة الوضوع ية العلم ال صول الذي ل نت صل ف يه ال بافكار نا‪ ,‬ك فى للواقع ية‬

‫العلم الضوري ولكـن هذا الدليـل يقوم على فهـم مغلوط للعلم الضوري‪ ,‬فان‬
‫ا ساس معرفت نا للشياء ان ا هو العلم ال صول‪ .‬وا ما العلم الضوري ف هو ل يع ن‬

‫اك ثر من حضور العلوم الواق عي لدى العال‪ ,‬ولذلك كان كل ان سان يعلم بنف سه‬

‫علمـا حضوريـا‪ ,‬مـع ان كثيا مـن الناس انكـر وجود النفـس‪ .‬ول تتسـع حدودنـا‬
‫الاصة ف هذه الدراسة للفاضة ف هذه الناحية‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫ولنعرض شيئا من النصوص الاركسية الت حاولت معالة الشكلة با ل يتفق‬

‫مع طبيعتها وطابعها الفلسفي‪:‬‬

‫أ ـ قال (روجيه غارودي)‪:‬‬

‫[ تعلمنا العلوم ان النسان ظهر على وجه الرض ف‬
‫زمن متأخر جدا‪ ,‬وكذلك الفكر معه‪ .‬ولكي نؤكد ان الفكر‬

‫كان موجودا‪ ,‬متقدما على الرض‪ ,‬على الادة‪ ,‬يب اذن التأكد‬

‫بأن هذا الفكر ل يكن فكر النسان‪ .‬ان الثالية ف جيع‬

‫أشكالا ل تستطيع ان تنجو من اللهوت](‪.)1‬‬

‫[لقد وجدت الرض حت قبل كل كائن ذي حساسية‪,‬‬

‫قبل كل كائن حي‪ .‬وما كان لية مادة عضوية ان توجد على‬
‫الكرة الرضية ف اول مراحل وجودها‪ .‬فالادة غي العضوية‬

‫سبقت الياة اذن وكان على الياة ان تنمو وتتطور خلل‬
‫آلف آلف السني قبل ان يظهر النسان ومعه العرفة‪.‬‬

‫العلوم تقودنا اذن ال التأكد بأن العال قد وجد ف حالت ل‬

‫يكن فيها أي شكل من اشكال الياة او الساسية مكنا]‬

‫(‪.)2‬‬

‫هكذا يعتب (روجيه) القيقة العلمية ـ القائلة بضرورة تقدم نشأة الادة‬

‫غي العضوية على الادة العضوية ـ دليل على وجود العال الوضوعي لن الادة‬
‫العضوية ما دامت نتاجا لتطور طويل ومرحلة متأخرة من مراحل نو الادة‪ ,‬فل‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 32‬‬
‫‪ 2‬ـ ما هي الادة ص ‪. 4‬‬
‫‪144‬‬

‫يكن ان تكون الادة ملوقة للوعي البشري‪ ,‬الذي هو متأخر بدوره عن وجود‬

‫كائنات عضوية حية ذات جهاز عصب مركز‪ ,‬فكانه افترض مقدما ان الثالية‬

‫تسلم بوجود الادة العضوية‪ ,‬فشاد على ذلك استدلله‪ ,‬ولكن هذا الفتراض‬

‫ل مبر له‪ ,‬لن الادة بختلف الوانا واقسامها ـ من العضوية وغيها ـ ليست ف‬

‫الفهوم الثال ال صورا ذهنية‪ ,‬نلقها ف ادراكاتنا وتصوراتنا‪ .‬فالستدلل‬

‫الذي يقدمه لنا (روجيه) ينطوي على مصادرة‪ ,‬وينطلق من نقطة ل تعترف با‬

‫الثالية‪.‬‬

‫ب ـ قال ليني‪:‬‬

‫[اذا اردنا طرح السالة من وجهة النظر الت هي وحدها‬
‫صحيحة ـ يعن من وجهة النظر الديالكتيكية الادية ـ ينبغي ان‬

‫نتساءل هل الكهارب والثي ‪ ...‬ال موجودة خارج الذهن‬
‫البشري‪ ,‬وهل لا حقيقة موضوعية ام ل؟ عن هذا السؤال‬

‫ينبغي ان ييب علماء التاريخ الطبيعي‪ .‬وهم ييبون دائما‬

‫ودون تردد بالياب‪ ,‬نظرا لنم ل يترددون بالتسليم بوجود‬
‫الطبيعة وجودا اسبق من وجود النسان‪ ,‬وجود الادة‬

‫العضوية] (‪.)1‬‬

‫ونلحظ ف هذا النص نفس الصادر الت استعملها (روجيه)‪ ,‬مع‬

‫التشدق بالعلم واعتباره الفاصل النهائي ف السالة‪ .‬فما دام علم التاريخ‬

‫الطبيعي قد أثبت وجود العال قبل ظهور الشعور والدراك‪ ,‬فما على الثاليي‬
‫ال ان يركعوا امام القائق العلمية وياخذوا با‪ .‬ولكن علم التاريخ الطبيعي‬

‫ما هو ال لون من الوان الدراك البشري‪ .‬والثالية تنفي الواقع الوضوعي‬

‫لكل ادراك مهما كان لونه‪ ,‬فليس العلم ف مفهومها ال فكرا ذاتيا خالصا‪,‬‬
‫افليس العلم حصيلة التجارب التنوعة؟! او ليست هذه التجارب‬

‫والحساسات التجريبية هي موضع النقاش‪ ,‬الدائرة حول ما اذا كانت تلك‬
‫واقعا موضوعيا أو ل؟! فكيف يكون للعلم كلمته الفاصلة ف الوضوع؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 21‬‬
‫‪145‬‬

‫ج ـ قال جورج بوليتزير‪:‬‬
‫[ليس هناك من يشك ف ان الياة الادية للمجتمع توجد‬

‫مستقلة عن وعي الناس‪ ,‬اذ ليس ثة من يتمن الزمة‬

‫القتصادية‪ ,‬سواء كان رأساليا او بروليتاريا‪ ,‬رغم ان هذه‬
‫الزمة تدث حتما](‪.)1‬‬

‫وهذا لون جديد يتخذه الاركسيون للرد على الثالية‪ ,‬فـ (جورج) ل يستند‬

‫ف هذا النص ال حقائق علمية‪ ,‬وانا يركز استدلله على حقائق وجدانية‪,‬‬

‫نظرا ال ان كل واحد منا يشعر بوجدانه انه ل يتمن كثيا من الوادث الت‬

‫تدث‪ ,‬ول يرغب ف وجودها‪ ,‬ومع ذلك هي تدث وتوجد خلفا لرغبته‪,‬‬
‫فل بد اذن ان يكون للحوادث وتسلسلها الطرد واقع موضوعي مستقل‪.‬‬

‫وليست هذه الحاولة الديدة بادن ال التوفيق من الحاولت السابقة‪ ,‬لن‬

‫الفهوم الثال ـ الذي ترجع فيه الشياء جيعا ال مشاعر وادراكات ـ ل يزعم‬
‫ان هذه الشاعر والدراكات تنبثق عن اختيار الناس وإراداتم الطلقة‪ ,‬ول‬

‫تتحكم فيها قواني ومبادئ عامة‪ ,‬بل الثالية والواقعية متفقتان على ان العال‬
‫يسي طبقا لقواني ومبادئ تري عليه وتتحكم فيه‪ ,‬وانا يتلفان ف تفسي‬
‫هذا العال واعتباره ذاتيا موضوعيا‪.‬‬

‫والنتيجة الت نؤكد عليها مرة اخرى هي ان من غي المكن اعطاء مفهوم‬

‫صحيح للفلسفة الواقعية‪ ,‬والعتقاد بواقعية الس والتجربة ال على اساس‬
‫الذهب العقلي‪ ,‬القائل بوجود مبادئ عقلية ضرورية مستقلة عن التجربة‪.‬‬

‫واما اذا بدأنا البحث ف مسالة الثالية والواقعية من التجربة او الس ـ اللذين‬

‫ها مورد الناع الفلسفي بي الثاليي والواقعيي ـ فسوف ندور ف حلقة‬
‫مفرغة‪ ,‬ول يكن ان نرج منها بنتيجة ف صال الواقعية الفلسفية‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 68‬‬
‫‪146‬‬

‫ڤ‪..........................................‬التجربة والشيء ف ذاته‪:‬‬
‫تارب الاركسية فكرة الشيء لذاته الت عرضها (كانت)‪ ,‬ف بعض‬
‫أشكالا‪ ,‬كما تارب الفكار التصويرية الثالية‪ ,‬فلننظر ال أسلوبا ف ذلك‪.‬‬
‫قال جورج بوليتزير‪:‬‬

‫[والواقع ان الدل ـ وحت الدل الثال عند‬

‫هيجل ـ يقول ان التمييز بي صفات الشيء والشيء ذاته‬
‫تييز اجوف‪ ,‬فاذا عرفنا كل صفات شيء ما عرفنا الشيء‬

‫ذاته‪ ,‬ث يبقى ان تكون هذه الصفات مستقلة عنا‪ ,‬وف هذا‬
‫بالذات يتحدد معن الادية العال ولكن ما دمنا نعرف‬

‫صفات هذا الواقع الوضوعي‪ ,‬فل يكن ان يقال عنه انه‬
‫غي قابل للمعرفة‪ .‬فمن السخف ان نقول ـ مثل ـ شخصيتك‬
‫شيء وصفاتك وعيوبك شيء آخر‪ ,‬وانا اعرف صفاتك‬

‫وعيوبك ولكن ل اعرف شخصيتك‪ ,‬ذلك لن الشخصية‬

‫هي بالضبط مموع العيوبب والصفات‪ ,‬وكذلك فن التصوير‬
‫هو جاع اعمال الصور‪ ,‬فمن السخف ان نقول هناك‬

‫اللوحات والرسامون واللوان والساليب والدارس‪ ,‬ث هناك‬

‫(التصوير) ف ذاته معلقا فوق الواقع وغي قابل للمعرفة‪.‬‬

‫فليس هناك قسمان للواقع‪ ,‬بل الواقع كل واحد نكشف‬

‫بالتطبيق وجوهه الختلفة على التوال‪ .‬وقد علمنا الدل ان‬

‫الصفات الختلفة للشياء تكشف عن نفسها بواسطة الصراع‬
‫الباطن للضداد‪ ,‬وهو الذي يصنع التغيي‪ ,‬فحالة السيولة ف‬
‫ذاتا هي بالضبط حالة التزان النسب‪ ,‬الذي ينكشف‬

‫تناقضه الباطن ف لظة التجمد او الغليان‪ .‬ومن هنا قال‬
‫ليني‪( :‬ل يوجد ول يكن ان يوجد أي فارق مبدئي بي‬

‫الظاهرة والشيء ف ذاته‪ ,‬وليس ثة فرق بي ما هو معروف‬

‫‪147‬‬

‫وبي ما يعرف بعد) فكلما ازداد عمق معرفتنا للواقع اصبح‬

‫الشيء ف ذاته تدرييا شيئا لذاتنا](‪.)1‬‬

‫ولجل ان ندرس الاركسية ف هذا النص‪ ,‬يب ان نيز بي معنيي‬

‫لفكرة فصل الشيء ف ذاته عن الشيء لذاتنا‪:‬‬

‫الول‪ :‬ان العلم البشري لا كان يرتكز ـ ف نظر البدأ السي‬

‫التجريب ـ على الس‪ ,‬والس ل يتناول ال ظواهر الطبيعة‪ ,‬ول ينفذ ال‬
‫الصميم والوهر‪ ,‬فهو مقصور على هذه الظواهر الت يتد اليها الس‬

‫التجريب‪ ,‬وتقوم بذلك هوة فاصلة بي الظواهر والوهر‪ .‬فالظواهر هي‬

‫الشياء لذاتنا‪ ,‬لنا الانب السطحي القابل للدراك من الطبيعة‪ ,‬والوهر‬

‫هو الشيء ف ذاته ول تنفذ اليه العرفة البشرية‪.‬‬

‫وياول جورج بوليتزير القضاء على هذه الثنائية بذف الادة او الوهر‬

‫من الواقع الوضوعي‪ ,‬فهو يؤكد على ان الدل ل ييز بي صفات الشيء‬

‫والشيء ف ذاته‪ ,‬بل يعتب الشيء عبارة عن مموعة الصفات والظواهر‪ .‬ومن‬
‫الواضح ان هذا لون من الوان الثالية الت نادى با (باركلي) حي احتج على‬

‫اعتقاد الفلسفة بوجود مادة وجوهر وراء الصفات والظواهر الت تبدو لنا ف‬
‫تاربنا‪ ,‬وهو لون من الثالية يتمه البدأ السي والتجريب‪ .‬فما دام الس هو‬
‫القاعدة الساسية للمعرفة‪ ,‬وهو ل يدرك سوى الظواهر‪ ,‬فل بد من اسقاط‬
‫الوهر من الساب‪ .‬واذا سقط فل يبقى ف اليدان ال الظواهر والصفات‬
‫القابلة للدراك‪.‬‬

‫الثان‪ :‬ان الظواهر ـ الت يكن ادراكها ومعرفتها ـ ليست هي ف مداركنا‬

‫وحواسنا كما هي ف واقعها الوضوعي‪ .‬فالثنائية ليست هنا بي الظاهرة‬

‫والوهر‪ ,‬بل بي الظاهرة كما تبدو لنا والظاهرة كما هي موجودة بصورة‬
‫موضوعية مستقلة‪.‬‬

‫فهل تستطيع الاركسية ان تقضي على هذه الثنائية؟ وتبهن على ان الواقع‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪ 108‬ـ ‪.109‬‬
‫‪148‬‬

‫الوضوعي يبدو لنا ف أفكارنا وحواسنا كما هو ف ماله الارجي الستقل؟‪.‬‬

‫ونيب بالنفي مادام الدراك ف الفهوم الادي عمل فيزيولوجيا خالصا‪.‬‬
‫ويلزمنا ف هذا الصدد ان نعرف لون العلقة القائمة بي الدراك او‬

‫الفكرة او الحساس‪ ,‬والشيء الوضوعي ف الفهوم الادي‪ .‬على أساس الادية‬
‫اللية‪ ,‬وعلى أساس الادية الديالكتيكية معا‪.‬‬

‫اما على أساس الادية اللية‪ ,‬فالصورة او الدراك السي انعكاس للواقع‬

‫الوضوعي ف الهاز العصب انعكاسا آليا‪ ,‬كما تنعكس الصورة ف الرآة او‬

‫العدسة‪ .‬فان الادية اللية ل تعترف للمادة بركة ونشاط ذات‪ ,‬وتفسر جيع‬
‫الظواهر تفسيا آليا‪ ,‬ولذلك ل يكنها ان تفهم علقات الادة الارجية بالنشاط‬
‫الذهن للجهاز العصب‪ ,‬ال ف ذلك الشكل الامد من النعكاس‪.‬‬
‫وتواجه حينئذ السؤالي التاليي‪:‬‬

‫هل يوجد ف الحساس شيء موضوعي‪ ,‬أي شيء ليس متعلقا بالنسان‬
‫وانا انتقل ال الس من الواقع الارجي للمادة؟‪.‬‬

‫واذا كان يوجد شيء من هذا القبيل ف الحساس‪ ,‬فكيف انتقل هذا‬

‫الشيء من الواقع الوضوعي ال الحساس؟‪.‬‬

‫والادية اللية ل تستطيع ان تيب على السؤال الول بالثبات‪ ,‬لنا اذا‬

‫اثبتت وجود شيء موضوعي ف الحساس لزمها ان تبر كيفية انتقال الواقع‬

‫الوضوعي ال الحساس الذات‪ ,‬أي ان تيب على السؤال الثان وتفسر عملية‬
‫النتقال‪ ,‬وهذا ما تعجز عنه‪ ,‬ولذا فهي مضطرة ال ان تضع نظرية‬

‫النعكاس‪ ,‬وتفسر العلقة بي الفكرة والشيء الوضوعي‪ ,‬كما تفسر العلقة‬
‫بي صورة الرآة او العدسة‪ ,‬والواقع الوضوعي الذي ينعكس فيهما‪.‬‬

‫واما الادية الديالكتيكية ـ الت ل تيز الفصل بي الادة والركة‪ ,‬وتعتب‬

‫كيفية وجود الادة هي الركة ـ فقد حاولت ان تعطي تفسيا جديدا لعلقة‬

‫الفكرة بالواقع الوضوعي على هذا الساس‪ ,‬فزعمت ان الفكرة ليست صورة‬

‫آلية مضا لذلك الواقع‪ ,‬بل الواقع يتحول ال فكرة‪ ,‬لن كل منهما شكل‬

‫‪149‬‬

‫خاص من اشكال الركة‪ ,‬والفرق الكيفي بي اشكال الركة وألوانا ل ينع‬

‫من تليل النتقال من شكل ال آخر فالادة الوضوعية لا كانت ف كيفية‬

‫ل خاصا من الركة‪ ,‬فتتحول هذه الركة الفيزيائية للشيء ال‬
‫وجودها شك ً‬

‫حركة نفسية فيزيولوجية ف حواسنا‪ ,‬وتتحول الركة الفيزيولوجية ال حركة‬

‫نفسية للفكرة (‪ ,)1‬فليس موقف الفكر موقفا سلبيا‪ ,‬وليس النعكاس انعكاسا‬

‫آليا كما هو مفهوم الفكر لدى الادية اللية‪.‬‬

‫وهذه الحاولة من الادية الديالكتيكية ل يكن ان تنجح ف كشف علقة‬

‫بي الشيء والفكرة‪ ,‬عدا علقة سبب بنتيجة‪ ,‬وعلقة واقع بصورة منعكسة‬
‫عنه‪ ,‬نظرا ال ان تول الركة الفيزيائية للشيء ال حركة‬

‫فيزيولوجية ـ وبالتال ال حركة نفسية ـ ليس هو الفهوم الصحيح او التفسي‬

‫العقول للحس او الفكر‪ .‬فان التحول يعن فناء الشكل الول من الركة‬

‫والنتقال ال شكل جديد‪ ,‬كما نقول ف حركة الطرقة على السندان‪ :‬انا‬
‫تتحول ال حرارة‪ .‬والرارة والركة اللية شكلن من اشكال الركة‪ .‬فالقوة الت‬

‫كانت تعب عن وجودها ف شكل خاص من الركة ـ وهو الركة‬

‫اللية ـ تولت من ذلك الشكل ال تعبي جديد لا ف شكل جديد‪ ,‬وهو‬
‫الرارة‪ .‬فالرارة‪ ,‬تفظ بنفس مقدار القوة الت كانت تعب عن وجودها‬

‫بالركة اللية‪ .‬هذا هو التحول بعناه الدقيق للحركة من لون ال آخر‪,‬‬

‫ولنفترض انه امر معقول‪ ,‬ولكن ليس من العقول تفسي الس او الفكر بعملية‬
‫تول كهذه‪ ,‬وذلك لن الركة الفيزيائية للواقع الوضوعي الحسوس ل‬

‫تتحول بالحساس ال حركة نفسية‪ ,‬لن التحول يعن تبدل الركة من شكل‬
‫ال شكل‪ ,‬ومن الواضح ان الركة الطبيعية او الفيزيائية للمادة الحسوسة ل‬
‫تتبدل هكذا ال حركة فيزيولوجية او فكرية‪ ,‬اذ ان معن تبدلا كذلك زوال‬

‫الشكل الول من الركة‪ ,‬وبالتال زوال الادة الت تعب عن وجودها ف ذلك‬
‫الشكل الاص‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ لحظ (ما هي الادية) ص ‪. 48‬‬
‫‪150‬‬

‫فليست الركة الوضوعية للشيء الحسوس كحركة الطرقة‪ ,‬وليس‬

‫الحساس تويل لتلك الركة الوضوعية ـ الت هي كيفية وجود الادة ـ ال‬
‫حركة نفسية‪ ,‬كما تتحول حركة الطرقة ال حرارة‪ ,‬وال لكان الحساس‬
‫عملية تبديل للمادة ال فكرة كما تتبدل الركة اللية ال حرارة‪.‬‬

‫وعلى هذا فليست مسالة الدراك مسألة تول الركة الفيزيائية ال حركة‬

‫نفسية‪ ,‬الذي هو بعينه عبارة عن تول الواقع الوضوعي ال فكرة‪ ,‬بل يوجد‬

‫للشيء الحسوس والدرك واقع موضوعي وللحساس وجود آخر ف نفوسنا‪,‬‬

‫ما دام هناك وجودان وجود ذات للحساس او الفكر ووجود موضوعي للشيء‬
‫الحسوس‪ ,‬فل نستطيع ان نفهم الصلة بي هذين الوجودين ال كما نفهم‬

‫الصلة بي سبب ونتيجة‪ ,‬وكما نفهم العلقة بي واقع وصورة منعكسة عنه‪,‬‬
‫ونواجه عند هذا بكل وضوح السألة الساسية الت نن بصددها‪ ,‬وهي‪ :‬ان‬

‫الفكرة ما دامت نتيجة للشيء الوضوعي‪ ,‬وما دامت العلقة الفهومة بينهما‬
‫هي علقة السببية‪ ,‬فلماذا يب ان نفترض ان هذه النتيجة وسببها يتلفان‬
‫عن سائر النتائج وأسبابا ويتازان عليها باصة وهي ان النتيجة تصور لنا‬
‫سببها وتعكسه انعكاسا تاما؟‪.‬‬

‫فهناك كثي من الوظائف الفيزيولوجية هي نتائج أسباب خارجية معينة‪,‬‬

‫ول ند ف واحدة من النتائج القدرة على تصوير سببها‪ ,‬وانا تدل دللة‬

‫غامضة على وجود اسباب لا خارج نطاقها‪ ,‬فكيف نستطيع ان نعترف للفكرة‬
‫بأكثر من هذه الدللة الغامضة؟!‪.‬‬

‫وهب ان الاركسية نحت ف تفسي الفكر والدراك‪ ,‬بعملية تول‬

‫للحركة الفيزيائية ال حركة نفسية‪ ,‬فهل يعن هذا ان الفكرة تستطيع ان‬

‫تطابق الواقع الوضوعي بصورة كاملة؟! ان هذا التفسي يعلنا ننظر ال الفكرة‬
‫وواقعها الارجي كما ننظر ال الرارة والركة اللية الت تتحول اليها‪ .‬ومن‬

‫الواضح ان الختلف الكيفي بي شكلي الركة فيهما يعلهما غي متطابقي‪.‬‬
‫فكيف نفترض التطابق بي الفكرة وواقعها الوضوعي؟!‪.‬‬

‫ويبدو على الدرسة الاركسية لون من الضطراب والتشويش عند مواجهة‬

‫‪151‬‬

‫هذه الشكلة‪ .‬ويكننا ان نستخلص دليلي لا على هذه النقطة من عدة‬

‫نصوص متفرقة ومشوشة احدها‪ ,‬دليل فلسفي‪ ,‬والخر دليل بيولوجي‬
‫علمي‪.‬‬

‫اما الدليل الفلسفي فيلخصه النص التال‪:‬‬

‫[ان الفكر يستطيع ان يعرف الطبيعة معرفة تامة‪ ,‬ذلك‬

‫لنه يؤلف جزءا منها‪ ,‬ذلك لنه نتاجها والتعبي العلى عنها‪.‬‬
‫ان الفكر هو الطبيعة تعي ذاتا ف ضمي النسان‪ .‬يقول‬

‫ليني‪( :‬ان الكون هو حركة للمادة تضع لقواني ولا ل تكن‬

‫معرفتنا ال نتاجا أعلى للطبيعة ل يسعها ال ان تعكس هذه‬

‫القواني)‪ .‬ولقد كان أنلز يبي ف كتابه (آنت دوهرنغ)‪ :‬ان‬
‫الادية الفلسفية هي وحدها الت تستطيع تأسيس قيمة العرفة‬

‫على دعائم متينة‪ .‬حي يؤخذ الوعي والفكر على انما شيئان‬
‫معطيان‪ ,‬كانا ف زمان يتعارضان مع الطبيعة ومع الكائن‬

‫عندئذ يؤدي ذلك بنا حتما ال ان ند ـ رائعا ـ جدا ـ كون‬

‫وعينا للطبيعة وتفكي الكائن وقواني الفكر متطابقة ال أبعد‬
‫حد‪ .‬ولكن اذا تساءلنا ما هو الفكر؟ وما هو الوعي؟ ومن‬

‫أين يأتيان؟ وجدنا ان النسان هو نفسه نتاج للطبيعة‪ ,‬نا ف‬

‫بيئة ومع نو هذه البيئة‪ ,‬وعندئذ يصبح ف غن عن البيان‪:‬‬

‫كيف ان منتوجات الذهن البشري الت هي أيضا عند آخر‬
‫تليل منتوجات الطبيعة ليست ف تناقض وانا ف توافق مع‬

‫سائر الطبيعة التراصة] (‪.)1‬‬

‫ان الفكرة ف الفهوم الاركسي جزء من الطبيعة او نتاج أعلى لا‪.‬‬
‫ولنفترض ان هذا صحيح ـ وليس هو بصحيح ـ فهل يكفي ذلك لجل ان‬

‫نبهن على امكان معرفة الطبيعة بصورة كاملة؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ‪ 46‬ـ ‪. 47‬‬
‫‪152‬‬

‫صحيح ان الفكر اذا كان جزءا من الطبيعة ونتاجا لا فهو يثل بطبيعة‬

‫الال قوانينها‪ ,‬ولكن ليس معن هذا ان الفكر بذا العتبار يصبح معرفة‬
‫صحيحة للطبيعة وقوانينها‪.‬‬

‫او ليس الفكر اليتافيزيقي او الثال فكرا‪ ,‬وبالتال جزءا من الطبيعة‬

‫ونتاجا لا ـ ف الزعم الادي؟! او ليست جيع متويات العمليات الفيزيولوجية‬
‫ظواهر طبيعة ونتاجا للطبيعة؟!‪..‬‬

‫فقواني الطبيعة تتمثل اذن ف تفكي الادي الدل وتري عليه‪ ,‬وف‬

‫التفكي الثال واليتافيزيقي على السواء‪ ,‬كما تتمثل ف جيع العمليات والظواهر‬
‫الطبيعة‪ ,‬فلماذا يكون الفكر الاركسي معرفة صحيحة للطبيعة دون غيه من‬

‫هذه المور؟ مع انا جيعا نتاجات طبيعية تعكس قواني الطبيعة‪ .‬وبذا نعرف‬
‫ان مرد اعتبار الفكر ظاهرة للطبيعة ونتاجا منها‪ ,‬ل يكفي لن يكون معرفة‬

‫حقيقيقة للطبيعة‪ ,‬بل ل يضع بي الفكرة وموضوعها ال علقة السببية الثابتة‬
‫بي كل نتيجة وسببها الطبيعي وانا تكون الفكرة معرفة حقيقية اذا آمنا فيها‬

‫باصة الكشف والتصوير‪ ,‬الت تتاز با على كل شيء آخر‪.‬‬

‫واما الدليل البيولوجي على مطابقة الدراك او الحساس للواقع‬

‫الوضوعي‪ ,‬فهو ما يعرضه لنا النص التال‪:‬‬

‫[ل تستطيع ان تكون وهي ف مستوى الحساس نافعة‬

‫بيولوجيا ف حفظ الياة‪ ,‬ال اذا كانت تعكس الواقع‬

‫الوضوعي] (‪[ .)1‬واذا كان صحيحا ان الحساس ليس ال‬

‫رمزا دون ايا شبه بالشيء واذا كان يكن بالتال تطابق اشياء‬
‫عديدة متغايرة‪ ,‬او اشياء وهية ومثلها تاما اشياء واقعية‪,‬‬

‫عندئذ يكون التعود البيولوجي على البيئة مستحيل‪ ,‬اذا‬
‫افترضنا ان الواس ل تتيح لنا تعيي اتاهنا بيقي وسط‬

‫الشياء‪ ,‬والرد عليها بفعالية‪ ,‬بيد ان كل النشاط العملي‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 62‬‬
‫‪153‬‬

‫البيولوجي للنسان واليوان يدلنا على درجات اكتمال هذا‬

‫الشعور](‪.)1‬‬

‫واضح ان النسبة ف الس ل تعن ان اشياء عديدة ومتغايرة تشترك ف‬

‫رمز حسي واحد‪ ,‬ليسقط هذا الرمز عن القيمة نائيا‪ ,‬ويعجز عن تعيي‬

‫التاه الذي يفظ لنا حياتنا ويدد موقفنا من الشياء الارجية‪ ,‬بل النظرية‬

‫النسبية الفيزيولوجية تقوم على أساس ان كل لون من الحساس فهو رمز‬
‫يتص بواقع موضوعي معي‪ ,‬ل يكن ان يرمز اليه بلون آخر من الوان‬

‫الس‪ ,‬ويتاح حينئذ لنا ان ندد موقفنا من الشياء على ضوء تلك الرموز‪,‬‬

‫ونرد عليها بالفعالية الت تنسجم مع الرمز وتتطلبها طبيعة الياة تاهه‪.‬‬

‫ڤ‪.......................................‬الركة الديالكتيكية ف الفكر‪:‬‬
‫وتناولت الاركسية بعد ذلك الذهب النسب ف القيقة‪ ,‬فاعتبته نوعا من‬

‫السفسطة‪ ,‬لن النسبة فيه تعن تغي القائق من ناحية ذاتية‪ ,‬وقررت النسبية‬

‫بشكل جديد‪ ,‬اوضحت فيه تغي القائق طبقا لقواني التطور والتغي ف الادة‬
‫الارجية‪.‬‬

‫فليست ف الفكر النسان حقائق مطلقة‪ ,‬وانا القائق الت ندركها نسبية‬

‫دائما‪ .‬وما يكون حقيقة ف وقت يكون بنفسه خطأ ف وقت آخر‪ .‬وهذا ما‬
‫تتفق عليه النسبية والاركسية معا‪ .‬وتزيد الاركسية بالقول ان هذه النسبية‬

‫وهذه التغيات والتطورات‪ ,‬ف القيقة ليست ال انعكاسا لتغيات الواقع‪,‬‬
‫وتطورات الادة الت نتمثلها ف حقائقنا الفكرية‪ .‬فالنسبية ف القيقة بنفسها‬

‫نسبية موضوعية‪ ,‬وليست نسبية ذاتية ناشئة من جانب الذات الفكرة‪ ,‬ولذلك‬

‫فهي ل تعن عدم وجود معرفة حقيقة للنسان‪ ,‬بل القيقة النسبية التطورة‬
‫الت تعكس الطبيعة ف تطورها‪ ,‬هي العرفة القيقية ف النطق الديالكتيكي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ نفس الصدر ص ‪. 36‬‬
‫‪154‬‬

‫قال ليني‪:‬‬
‫[ان الرونة التامة الشاملة للمفاهيم‪ ,‬وهي الرونة الت‬

‫تذهب ال حد تاثل الضداد‪ ,‬ذلك جوهر القضية‪ .‬ان هذه‬
‫الرونة اذا استخدمت على نو ذات تفضي ال النتقائية‬

‫والسفسطة‪ .‬والرونة الستخدمة موضوعيا يعن بكونا تعكس‬
‫جيع جوانب حركة التطور الادية ووحدتا‪ ,‬انا هي‬

‫الديالكتيك‪ ,‬وهي النعكاس الصحيح للتطور البدي للعال‪.‬‬
‫الدفاتر الفلسفية ص ‪.)1(]84‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬

‫[نستطيع بانطلقنا من الذهب النسب البحت تبير كل‬

‫نوع من انواع السفسطة‪ .‬الدفاتر الفلسفية ص ‪.)2( ]328‬‬
‫وقال كيدروف‪:‬‬

‫[ولكن قد توجد ثة نزعة ذاتية‪ ,‬ليس فقط حينما نعمل‬

‫على أساس النطق الشكلي بقولته الساكنة الامدة‪ ,‬وانا‬

‫أيضا حينما نعمل بواسطة مقولت مرنة متحولة‪ .‬ففي الالة‬

‫الول نصل ال الغيبة‪ ,‬وف الثانية نصل ال الذهب النسب‬
‫والسفسطائية والنتقائية](‪. )3‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬

‫[ يقتضي النطق الديالكتيكي الاركسي‪ ,‬ان يطابق انعكاس‬
‫العال الوضوعي ف ضمي النسان الشيء النعكس‪ .‬وان ل‬

‫يتضمن شيئا غريبا عنه‪ ,‬شيئا جيء به على نو ذات‪ .‬ان‬

‫التفسي الذات وفقا لوجهة النظر النسبية ولرونة الفاهيم‪ ,‬هو‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪ 50‬ـ ‪. 51‬‬
‫‪ 2‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 51‬‬
‫‪ 3‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 50‬‬
‫‪155‬‬

‫إضافة غريبة تاما‪ ,‬كمبالغة الغيبة الذاتية ف تريدات النطق‬

‫الشكلي] (‪.)1‬‬

‫هذه النصوص تدل على الحاولة الت اتذتا الاركسية لترفع على اساسها‬

‫يقينها الفلسفي‪ .‬وهي ماولة تطبيق قانون الديالكتيك على القيقة‪.‬‬

‫فالنسان وان ل تكن لديه حقيقة مطلقة ف مموع افكاره‪ ,‬غي ان سلبية‬

‫امكان القيقة الطلقة عن افكاره ليس لجل انا كومة من اخطاء مطلقة تعل‬
‫العرفة الصحيحة مستحيلة على النسان نائيا‪ ,‬بل لن القائق الت يلكها‬

‫الفكر النسان حقائق تطويرية‪ ,‬تنمو وتتكامل على طبق قواني الديالكتيك‪,‬‬
‫فهي لذلك حقائق نسبية وف حركة مستمرة‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬

‫[يب ان ل يتصور الفكر (يعن النسان) القيقة ف‬

‫شكل مرد مشهد (صورة) شاحبة (باهتة)‪ ,‬بدون حركة‪.‬‬
‫ان العرفة هي القتراب اللمتناهي البدي للفكر نو‬

‫الشيء‪ .‬يب فهم انعكاس الطبيعة ف فكر النسان ليس‬
‫كشيء جامد مرد‪ ,‬بدون حركة‪ ,‬بدون تناقضات‪ ,‬وانا‬

‫كعملية تطور أبدية للحركة لولدة التناقضات وحل هذه‬
‫التناقضات‪ .‬الدفاتر الفلسفية ص ‪ 167‬ـ ‪.)2( ] 168‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬

‫[من الهم ف نظرية العرفة ـ كما ف جيع حقول العلم‬

‫الخرى ـ ان يكون التفكي دائما ديالكتيكيا‪ ,‬أي ان ل يفرض‬
‫مطلقا كون وعينا ثابتا ل يتطور] (‪.)3‬‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪. 51‬‬
‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪. 10‬‬
‫‪ 3‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 11‬‬
‫‪156‬‬

‫وقال كيدروف‪:‬‬
‫[اما النطق الديالكت فهو ل يواجه هذا الكم كأنه‬

‫شيء مكتمل‪ ,‬بل بوصفه تعبيا عن فكرة قادرة على ان تنمو‬
‫وان تتحرك‪ .‬وأيا ما كانت بساطة حكم ما‪ ,‬ومهما بدا عاديا‬
‫هذا الكم‪ ,‬فهو يتوي على بذور او عناصر تناقضات‬

‫ديالكتيكية‪ ,‬تتحرك وتنمو ـ داخل نطاقها ـ العرفة البشرية‬

‫كلها] (‪.)1‬‬

‫وأشار كيدروف ال كلمـة يدد فيهـا لينيـ اسـلوب النطـق الديالكتـ فـ‬

‫التفكي اذ يقول‪:‬‬

‫[يقتضي النطق الديالكت ان يؤخذ الشيء ف تطوره‪ ,‬ف‬

‫نائه‪ ,‬ف تغيه] وعقب على ذلك بقوله‪[ :‬وخلفا للمنطق‬

‫الديالكت‪ ,‬يعمد النطق الشكلي ال حل مسألة القيقة حل‬

‫أوليا ال ابعد حد‪ ,‬بواسطة صيغة (نعم ـ ل)‪ .‬انه يعلم‬

‫الجابة بكلمة واحدة وبصورة قاطعة‪ ,‬على السؤال‪ :‬هل‬

‫الظاهرة تلك موجودة ام ل؟ والجابة مثل بـ (نعم) على‬
‫السؤال‪ :‬هل الشمس موجودة؟ وبـ (ل) على السؤال‪ :‬هل‬

‫الدائرة الربعة موجودة؟ ف النطق الشكلي يقف النسان عند‬
‫حد اجابات بسيطة جدا‪ ,‬نعم أو ل‪ ,‬أي عند حد تييز‬

‫نائي بي القيقة والطا‪ .‬لذا السبب تواجه القيقة‬

‫باعتبارها شيئا معطى ساكنا ثابتا نائيا‪ ,‬ومتعارضا تعارضا‬

‫مطلقا مع الطا] (‪.)2‬‬

‫تلص معنـا مـن هذه النصـوص الاركسـية آراء ثلثـة‪ ,‬يرتبـط بعضهـا ببعـض‬

‫كل الرتباط ‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الرجع ذاته ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬
‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيي ص ‪.14‬‬
‫‪157‬‬

‫الول‪ :‬ان القيقة ف نو وتطور‪ ,‬يعكس نو الواقع وتطوره‪.‬‬

‫الثانـ‪ :‬ان القيقـة والطـأ يكـن ان يتمعـا‪ ,‬فتكون الفكرة الواحدة خطـأ‬

‫وحقيقـة‪ ,‬وليـس هناك تعارض مطلق بيـ الطـأ والقيقـة‪ ,‬كمـا يؤمـن بـه النطـق‬

‫الشكلي‪ ,‬على حد تعبي كيدروف‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬ان أي حكـم مهمـا بدت القيقـة فيـه واضحـة فهـو يتوي على‬

‫تناقـض خاص‪ ,‬وبالتال على جانـب مـن الطـأ‪ .‬وهذا التناقـض هـو الذي يعـل‬
‫العرفة والقيقة تنمو وتتكامل‪.‬‬

‫فهل القيقة القائمة ف فكر النسان تتطور وتتكامل حقيقة؟‪.‬‬
‫وهل يكن للحقيقة ان تتمع مع الطأ؟‪.‬‬

‫وهل تتوي كل حقيقة على نقيضها وتنمو بذا التناقض الداخلي؟‪.‬‬
‫هذا ما نريد ان نتبينه فعلً‪.‬‬

‫أ ـ تطور القيقة وحركتها‪:‬‬
‫يبـ قبـل كـل شيـء ان نعرف ماذا يراد بالقيقـة القائمـة فـ الفكـر‬
‫الن سان‪ ,‬ال ت آم نت الارك سية بنمو ها وتكامل ها؟‪ .‬ان الفل سفة الواقع ية تؤ من‬

‫بواقـع خارج حدود الشعور والذهـن وتعتـب التفكيـ أي تفكيـ كان‪ ,‬ماولة‬
‫لعكـس ذلك الواقـع وادراكـه‪ .‬وعلى هذا‪ ,‬فالقيقـة هـي الفكرة الطابقـة لذلك‬

‫الواقـع والماثلة له‪ .‬والطـأ يتمثـل فـ الفكرة او الرأي او العقيدة التـ ل يتطابـق‬
‫الواقـع ول تاثله‪ .‬فالقياس الفاصـل بيـ القـ والباطـل‪ ,‬بيـ القيقـة والطـا‪,‬‬

‫هو مطابقة الفكرة للواقع‪.‬‬

‫والقيقة بذا الفهوم الواقعي‪ ,‬هي موضوع العراك الفلسفي العنيف بي‬

‫الواقعيي من ناحية‪ ,‬والتصوريي والسفسطائي من ناحية اخرى‪ .‬فالواقعيون‬
‫يؤكدون على امكانا‪ ,‬والتصوريون او السفسطائيون ينفونا او يترددون ف‬
‫القدرة البشرية على الظفر با‪.‬‬

‫غيـ ان لفـظ القيقـة قـد اسـتخدمت له عدة معان اخرى‪ ,‬تتلف كـل‬

‫‪158‬‬

‫الختلف عـن مفهومهـا الواقعـي الآنـف الذكـر‪ ,‬وابتعـد بذلك عـن اليدان‬

‫الساسي للصراع بي فلسفة اليقي‪ ,‬وفلسفات الشك والنكار‪.‬‬

‫فمـن تلك التطويرات الديثـة التـ طرأت على القيقـة‪ ,‬تطويـر النسـبية‬

‫الذاتيـة الذي شاء ان يضـع للفـظ القيقـة مفهوما جديدا‪ .‬فاعتـب القيقـة عبارة‬

‫عـن الدراك الذي يتفـق مـع طبيعـة الهاز العصـب وشروط الدراك فيـه‪ .‬وقـد‬

‫مـر حديثنـا عـن النسـبية الذاتيـة‪ ,‬وقلنـا ان اعطاء القيقـة هذا الفهوم‪,‬يعنـ اناـ‬

‫لي ست اك ثر من ت عبي عن ش يء ذا ت‪ ,‬فل ت صبح القي قة حقي قة ال من ناح ية‬

‫اسـية فقـط‪ .‬وبذلك تفقـد القيقـة فـ الفهوم النسـب الذاتـ صـفتها كموضوع‬
‫للناع والصـراع الفلسـفي‪ ,‬بيـ اتاهات اليقيـ والشـك والنكار فـ الفلسـفة‪.‬‬
‫فالنسبية الذاتية مذهب من مذاهب الشك يتبقع بستار من القيقة‪.‬‬

‫وهناك تفسي فلسفي آخر للحقيقة‪ ,‬وهو الذي قدمه لنا (وليم جيمس) ف‬

‫مذهبه الديد ف العرفة النسانية (الباجاتزم او مذهب الذرائع)‪ .‬وليس هذا‬
‫التفسي بادن ال الواقعية او ابعد عن فلسفات الشك والنكار من التفسي‬
‫السابق‪ ,‬الذي حاولته النسبية الذاتية‪ .‬ويتلخص مذهب (الباجاتزم) ف‬

‫تقدي مقياس جديد‪ ,‬لوزن الفكار والفصل فيها بي الق والباطل وهو‬
‫مقدرة الفكرة العينة على اناز اغراض النسان ف حياته العملية‪ .‬فان‬

‫تضاربت الراء وتعارضت‪ ,‬كان احقها واصدقها هو انفعها واجداها‪ ,‬أي‬

‫ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلً على فائدته‪ .‬والفكار الت ل تقق‬
‫قيمة عملية ول يوجد لا آثار نافعة فيما تصادف من تارب الياة‪ ,‬فليست من‬
‫القيقة بشيء‪ ,‬بل يب اعتبارها ألفاظا جوفاء ل تمل من العن شيئا‪ .‬فمرد‬
‫القائق جيعا ف هذا الذهب ال حقيقة عليا ف الوجود‪ ,‬وهي الحتفاظ‬

‫بالبقاء أولً‪ ,‬ث الرتفاع بالياة نو الكمال ثانيا‪ .‬فكل فكرة يكن استعمالا‬
‫كأداة للوصول ال تلك القيقة العليا فهي حق صريح وحقيقة يب‬

‫تصديقها‪ ,‬وكل فكرة ل تصنع شيئا ف هذا الضمار فل يصح الخذ با‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس عرف (برغسون)(‪ )1‬القيقة بأنا اختراع شيء جديد‪,‬‬

‫‪ 1‬ـ برغسون‪ :‬حياته‪ ,‬فلسفته‪ ,‬سلسلة‪ :‬زدن علما رقم ‪ 25‬ـ منشورات عويدات‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫وليست اكتشافا لشيء سبق وجوده‪ .‬وعرفها (شلر) بأنا ما تدم النسان‬

‫وحده‪ .‬وحدد (ديوي) وظيفة الفكرة قائل ان الفكرة اداة لترقية الياة‪ ,‬وليست‬
‫وسيلة ال معرفة الشياء ف ذاتا‪.‬‬

‫وف هذا الذهب خلط واضح بي القيقة نفسها‪ ,‬والدف الساسي من‬

‫ماولة الظفر با‪ .‬فقد ينبغي ان يكون الغرض من اكتساب القائق‪ ,‬هو‬

‫استثمارها ف الجال العملي والستنارة با ف تارب الياة‪ ,‬ولكن ليس هذا‬
‫هو معن القيقة بالذات‪ .‬ونلخص الرد عليه فيما يات‪:‬‬

‫أولً‪ :‬ان اعطاء العن العملي البحت للحقيقة‪ ,‬وتريدها من خاصة‬

‫الكشف عما هو موجود وسابق‪ ,‬استسلم مطلق للشك الفلسفي‪ ,‬الذي‬
‫تارب التصويرية والسفسطة لجله‪ .‬وليس مرد الحتفاظ بلفظة القيقة ف‬

‫مفهوم آخر كافيا للرد عليه او التخلص منه‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان من حقنا التساؤل عن هذه النفعة العملية‪ ,‬الت اعتبت‬
‫مقياسا للحق والباطل ف (الباجاتزم)‪ ,‬أهي منفعة الفرد الاص الذي‬

‫يفكر؟! او منفعة الماعة؟! ومن هي الماعة؟ وما هي حدودها؟ وهل‬
‫يقصد با النوع النسان بصورة عامة؟ او جزء خاص منه؟ وكل من هذه‬

‫الفتراضات ل تعطي تفسيا معقول لذا الذهب الديد‪ .‬فالنفعة الشخصية‬
‫اذا كانت هي العيار الصحيح للحقيقة‪ ,‬وجب ان تتلف القائق باختلف‬

‫مصال الفراد‪ ,‬فتحدث بسبب ذلك فوضى اجتماعية مريعة‪ ,‬حي يتار كل‬
‫فرد حقائقه الاصة‪ ,‬دون أي اعتناء بقائق الخرين النبثقة عن مصالهم‪.‬‬

‫وف هذه الفوضى ضرر خطي عليهم جيعا‪ .‬واما اذا كانت النفعة النسانية‬
‫العامة هي القياس‪ ,‬فسوف يبقى هذا القياس معلقا ف عدة من البحوث‬

‫والجالت‪ ,‬لتضارب الصال البشرية واختلفها ف كثي من الحايي‪ .‬بل ل‬
‫يكن البت حينئذ بقيقة مهما كانت‪ ,‬ما ل تر بتجربة اجتماعية طويلة المد‪ .‬ومعن‬

‫ذلك ان (جيمس) نفسه‪ ,‬ل يكنه ان يعتب مذهبه (الباجاتزم) صحيحا‬
‫ما ل ير بذه التجربة‪ ,‬ويثبت جدارته ف الياة العملية‪ .‬وهكذا يوقف‬
‫الذهب نفسه‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫ثالثاً‪ :‬ان وجود مصلحة للنسان ف صدق فكرة ما‪ ,‬ل يكفي لمكان‬
‫التصديق با فاللحد ل يكنه ان يصدق بالدين‪ ,‬ولو آمن بدوره الفعال ف‬
‫تسلية النسان‪ ,‬وانعاش آماله ومؤاساته ف حياته العملية‪ .‬فهذا (جورج‬

‫سنتيانا) يصف اليان بانه غلطة جيلة‪ ,‬اكثر ملءمة لنوازع النفس من الياة‬

‫نفسها‪ .‬فليس التصديق بفكرة نظي اللوان الخرى من النشاط العملي‪ ,‬الت‬
‫يكن للنسان ان يقوم با اذا تقق من فائدتا‪ .‬وهكذا يقوم (الباجاتزم) على‬
‫عدم التفرقة بي التصديق ـ النشاط الذهن الاص ـ ومتلف النشاطات‬
‫العملية‪ ,‬الت يباشرها النسان على ضوء مصاله وفوائده‪.‬‬

‫ونلص مـن هذه الدراسـة ال ان الفهوم الوحيـد للحقيقـة‪ ,‬الذي يكـن‬

‫للفلسفة الواقعية اتاذه‪ ,‬هو (الفكرة الطابقة للواقع)‪.‬‬

‫والاركسية الت تنادي بامكان العرفة القيقية‪ ,‬وترفض لجل ذلك‬

‫النعات التصويرية والشكية والسفسطائية‪ ,‬ان كانت تعن بالقيقة مفهوما آخر‬

‫غي مفهومها الواقعي‪ ,‬فهي ل تتعارض مع تلك الذاهب مطلقا‪ ,‬لن مذاهب الشك‬
‫والسفسطة انا ترفض القيقة بعن الفكرة الطابقة للواقع‪ ,‬ول ترفض‬

‫لفظ القيقة بأي مفهوم كان‪ .‬فل يكن للماركسية ان تبأ من نزعات الشك‬
‫والسفسطة‪ ,‬لجرد اتاذ لفظ القيقة وبلورته ف مفهوم جديد‪.‬‬

‫فيجـب اذن لجـل رفـض تلك النعات حقـا‪ ,‬ان تاخـذ الاركسـية القيقـة‬

‫بفهومهـا الواقعـي الذي ترتكـز عليـه الفلسـفة الواقعيـة‪ ,‬حتـ يكـن اعتبارهـا‬
‫فلسفة واقعية مؤمنة بالقيم الوضوعية للفكر حقا‪.‬‬

‫واذا عرف نا الفهوم الواق عي ال صحيح للحقي قة حان ل نا ان ن تبي ما اذا كان‬

‫مـن المكـن للحقيقـة بذا الفهوم الذي تقوم على اسـبابه الواقعيـة ان تتطور‬
‫وتتغي بركة صاعدة كما تعتقد الاركسية أولً؟‪.‬‬

‫ان القيقة ل يكن ان نتطور وتنمو‪ ,‬وان تكون مدودة ف كل مرحلة من‬

‫مراحل تطورها بدود تلك الرحلة الاصة‪ ,‬بل ل ترج الفكرة ـ كل‬

‫فكرة ـ عن احد امرين‪ :‬فهي اما حقيقة مطلقة واما خطأ‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫ـم يقذفون‬
‫ـي‪ ,‬وتعلهـ‬
‫ـا اعلم ان هذه الكلمات تثيـ اشئزاز الاركسـ‬
‫وانـ‬

‫الف كر اليتافيزي قي ب ا تعودوا ال صاقه به من ت م‪ ,‬فيقولون ان الف كر اليتافيزي قي‬

‫ي مد الطبي عة ويعتب ها حالة اثبات و سكون‪ ,‬ل نه يعت قد بالقائق الطل قة‪ ,‬ويأ ب‬

‫عـن قبول مبدأ التطور والركـة فيهـا‪ ,‬وقـد انار مبدأ القائق الطلقـة تامـا‪,‬‬
‫باستكشاف تطور الطبيعة وحركتها‪.‬‬

‫ولكن الواقع الذي يب ان يفهمه قارئنا العزيز ان اليان بالقائق‬

‫الطلقة ورفض التغي والركة فيها‪ .‬ل يعن مطلقا تميد الطبيعة‪ .‬ول ينفي‬

‫تطور الواقع الوضوعي وتغيه‪ .‬ونن ف مفاهيمنا الفلسفية نعتقد بان التطور‬
‫قانون عام ف عال الطبيعة‪ ,‬وان كينونته ف صيورة مستمرة‪ ,‬ونرفض‬
‫ف نفس الوقت كل توقيت للحقيقة وكل تغي فيها‪.‬‬

‫ولنفرض ـ ليضاح ذلك ـ ان سببا معينا جعل الرارة تشتد ف ماء‬

‫خاص‪ .‬فحرارة هذا الاء بالفعل ف حركة مستمرة‪ ,‬وتطور تدريي‪ .‬ومعن‬

‫ذلك ان كل درجة من الرارة يبلغها الاء فهي درجة مؤقتة‪ ,‬وسوف يعبها‬

‫الاء بصعود حرارته ال درجة اكب‪ .‬فليس للماء ف هذا الال درجة حرارة‬

‫مطلقة‪ .‬هذا هو حال الواقع الوضوعي القائم ف الارج‪ ,‬فاذا قسنا حرارته ف‬
‫لظة معينة‪ ,‬فكانت الرارة فيه حال تأثر القياس با قد بلغت‬

‫(‪ )90‬ـ مثل ـ ‪ ,‬فقد حصلنا على حقيقة عن طريق التجربة‪ ,‬وهذه القيقة‬
‫هي ان درجة حرارة الاء ف تلك اللحظة العينة كانت (‪ )90‬وانا تقول عنها‬

‫انا حقيقة لنا فكرة تأكدنا من مطابقتها للواقع‪ ,‬أي لواقع الرارة ف لظة‬

‫خاصة‪ .‬ومن الطبيعي ان حرارة الاء سوف ل تقف عند هذه الدرجة‪ ,‬بل أنا‬

‫سوف تتصاعد حت تبلغ درجة الغليان‪.‬‬

‫ولكن القيقة الت اكتسبناها هي القيقة ل تتغي‪ ,‬بعن انا مت ل حظنا‬

‫تلك اللحظة الاصة الت قسنا حرارة الاء فيها‪ ,‬نكم ـ بكل تأكيد ـ بأن‬

‫حرارة الاء كانت بدرجة (‪ )90‬فدرجة (‪ )90‬من الرارة الت بلغها الاء وان كانت‬
‫درجة مؤقتة بلحظة خاصة من الزمان وسرعان ما اجتازتا الرارة ال‬

‫درجة اكب منها‪ ,‬ال ان الفكرة الت حصلت لنا بالتجربة ـ وهي ان الرارة ف‬

‫‪162‬‬

‫لظة معينة كانت ف درجة (‪ )90‬ـ فكرة صحيحة وحقيقة مطلقة‪ ,‬ولذا‬

‫نستطيع ان نؤكد صدقها دائما‪ .‬ول نعن بالتأكيد على صدقها بصورة دائمة ان‬
‫درجة (‪ )90‬كانت هي الدرجة الثانية لرارة الاء على طول الط‪ ,‬فإن القيقة الت‬

‫اكتسبناها بالتجربة ل تتناول حرارة الاء ال ف لظة معينة‪ ,‬فحي نصفها‬

‫بأنا حقيقة مطلقة‪ .‬وليست مؤقتة‪ ,‬نريد بذلك ان الرارة ف تلك اللحظة‬

‫العينة قد تعينت ف درجة (‪ )90‬بشكل نائي‪ ,‬فالاء وان جاز ان تبلغ حرارته درجة‬
‫(‪ )100‬مثل عقيب تلك اللحظة‪ ,‬ولكن من غي الائز ان يعود ما‬

‫عرفناه من درجة الرارة عن تلك اللحظة الاصة خطا بعد ان كان حقيقة‪.‬‬
‫واذا عرفنا ان القيقة هي الفكرة الطابقة للواقع‪ ,‬وتبينا ان الفكرة اذا‬

‫كانت مطابقة للواقع ف ظرف معي‪ ,‬فل يكن ان تعود بعد ذلك فتخالف‬

‫الواقع ف ذلك الظرف بالذات‪ ,‬اقول‪ :‬اذا علمنا ذلك كله يتجلى بوضوح‬

‫الطا ف تطبيق قانون الركة على القيقة‪ ,‬لن الركة تثبت التغي ف‬

‫القيقة‪ ,‬وتعلها دائما حقيقة نسبية ومؤقتة برحلتها الاصة من التطور‪ ,‬وقد‬
‫عرفنا انه ل تغي ول توقيت ف القائق‪ ,‬كما ان التطور والتكامل ف القيقة‬

‫يعن ان الفكرة تصبح بالركة حقيقية بشكل اقوى‪ ,‬كما ان الرارة ترتقي بالركة‬

‫ال درجة اكب مع ان القيقة تتلف عن الرارة‪ .‬فالرارة يكن ان‬

‫تشتد وتقوى‪ ,‬واما القيقة فهي ـ كما عرفنا تعب عن الفكرة الطابقة للواقع ول‬

‫يكن ان تقوى مطابقة الفكرة للواقع وتشتد‪ ,‬كما هو شان الرارة‪ ,‬وانا يوز‬
‫ان ينكشف للفكر النسان جانب جديد من ذلك الواقع ل يكن يعلم به قبل‬

‫ذلك‪ ,‬غي ان هذا ليس تطورا للحقيقة العلومة سلفا‪ ,‬وانا هو حقيقة جديدة‬
‫يضيفها العقل ال القيقة السابقة‪ .‬فاذا كنا نعرف ـ مثل ـ ان ماركس تأثر‬
‫بنطق هيجل‪ .‬فهذه العرفة هي القيقة الول الت عرفناها عن علقة ماركس‬

‫بفكر هيجل‪ .‬وحي نطالع بعد ذلك تاريه وفلسفته نعرف انه كان على‬

‫النقيض من مثالية هيجل‪ .‬كما نعرف انه اتذ جدله فطبقه تطبيقا ماديا على‬
‫التاريخ والجتماع ال غي ذلك من العلقات الفكرية بي الشخصي‪ .‬فكل‬

‫هذه معارف جديدة تكشف عن جوانب متلفة من الواقع‪ ,‬وليست نوا وتطورا‬

‫للحقيقة الول الت حصلنا عليها منذ البدء‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫ول يس ت مس الدر سة الارك سية لخضاع القي قة لقانون الر كة والتطور‪,‬‬

‫ال لجل القضاء على القائق الطلقة الت تؤمن با الفلسفة اليتافيزيقية‪.‬‬

‫وقد فاتا أنا تقضي على مذهبها بالماس لذا القانون‪ ,‬لن الركة اذا‬

‫كانت قانونا عاما للحقائق فسوف يتعذر اثبات أية حقيقة مطلقة‪ ,‬وبالتال‬
‫يسقط قانون الركة بالذات عن كونه حقيقة مطلقة‪.‬‬

‫فمن الطريف ان الاركسية تؤكد على حركة القيقة وتغيها طبقا لقانون‬

‫الديالكتيك‪ ,‬وتعتب ان هذا الكشف هو النقطة الركزية لنظريتهم ف العرفة‪,‬‬

‫وتتغافل عن ان هذا الكشف بنفسه حقيقة من تلك القائق الت آمنوا بركتها‬
‫وتغيها‪ ,‬فاذا كانت هذه القيقة تتحرك وتتغي كما تتحرك سائر القائق‬

‫بالطريقة الديالكتيكية‪ ,‬فهي تتوي على تناقض سوف ينحل بتطورها وتغيها‬
‫كما يتم ذلك الديالكتيك‪ ,‬واذا كانت هذه القيقة مطلقة ل تتحرك ول تتغي‪,‬‬

‫كفى ذلك ردا على تعميم قواني الديالكتيك والركة للحقائق والعارف‬

‫وبرهانا على ان القيقة ل تضع لصول الركة الديالكتيكية‪ ,‬فالديالكتيك‬

‫الذي يراد اجراؤه على القائق والعارف البشرية‪ ,‬ينطوى على تناقض فاضح‬

‫وحكم صريح باعدام نفسه على كل الالي‪ .‬فهو اذا اعتب حقيقة مطلقة‬

‫انتقضت قواعده‪ ,‬وتلى ان الركة الديالكتيكية ل تسيطر على دنيا القائق‬
‫لنا لو كانت تسيطر عليها لا وجدت حقيقة مطلقة‪ ,‬ولو كانت هذه القيقة‬

‫هي الديالكتيك نفسه‪ .‬واذا اعتب حقيقة نسبية خاضعة للتطور والركة‬
‫بقتضى تناقضاتا الداخلية‪ ,‬فسوف تتغي هذه القيقة ويزول النطق‬

‫الديالكتيكي ويصبح نقيضه حقيقة قائمة‪.‬‬

‫ب ـ اجتماع القيقة والطأ‪:‬‬
‫سبق فيما عرضنا من نصوص الاركسية أنا تعيب على النطق الشكلي‪,‬‬

‫على حد تعبيها‪ ,‬ايانه بالتعارض الطلق بي الطأ والقيقة‪ ,‬مع أنما‬

‫يتمعان ما دام الطأ والقيقة امرين نسبيي‪ ,‬وما دمنا ل نلك حقيقة مطلقة‪.‬‬
‫والفكرة الاركسية القائلة باجتماع القيقة والطأ ترتكز على فكرتي‪:‬‬

‫‪164‬‬

‫احداها‪ :‬الفكرة الاركسية عن تطور القيقة وحركتها‪ .‬القائلة‪ :‬ان كل‬

‫حقيقة تتحرك وتتغي بصورة مستمرة‪ .‬والخرى‪ ,‬الفكرة الاركسية على‬
‫تناقضات الركة‪ ,‬القائلة ان الركة عبارة عن سلسلة من التناقضات‪.‬‬

‫فالشيء التحرك ف كل لظة هو ف نقطة معينة وليس هو ف تلك النقطة‪,‬‬

‫ولذلك تعتب الاركسية الركة نقضا لبدأ الوية‪.‬‬

‫فكان مـن نتيجـة هاتيـ الفكرتيـ ان القيقـة والطـأ يتمعان وليـس بينهمـا‬

‫تعارض مطلق‪ ,‬ذلك ان القيقـة لاـ كانـت فـ حركـة‪ ,‬وكانـت الركـة تعنـ‬
‫التناقض الستمر فالقيقة اذن حقيقة وليست بقيقة بكم تناقضاتا الركية‪.‬‬
‫وقد تبينا فيما قدمناه‪ ,‬مدى خطأ الفكرة الول عن حركة القيقة‬

‫وتطورها‪ .‬وسوف نعرض بكل تفصيل للفكرة الثانية عند تناول الديالكتيك‬
‫بالدرس الستوعب ف السالة الثانية (الفهوم الفلسفي للعال)‪ ,‬وسوف يزداد‬
‫وضوحا عند ذاك الطا والشتباه ف قواني الديالكتيك بصورة عامة‪ ,‬وف‬

‫تطبيقه على الفكرة بصورة خاصة‪.‬‬

‫ومـن الواضـح ان تطـبيق قوانيـ الديالكتيـك مـن التناقـض والتطور على‬

‫الفكار والقائق بالشكــل الزعوم‪ ,‬يؤدي ال انيار القيمــة الؤكدة لميــع‬

‫العارف والحكام العقليـة مهمـا كانـت واضحـة وبديهـة‪ .‬وحتـ الحكام النطقيـة‬
‫او الرياضيـة البسـيطة تفقـد قيمتهـا‪ ,‬لناـ تضـع ــ بوجـب التناقضات الحتواة‬

‫فيها على الراي الديالكتيكي ـ لقواني التطور والتغي الستمر‪ ,‬فل يؤمن على ما‬
‫ندر كه الن من القائق ـ نظ ي ‪ 4=2+2‬والزء ا صغر من ال كل ـ ان يتغ ي‬
‫بكم التناقضات الديالكتيكية فندركه على شكل اخر‬

‫(‪)1‬‬
‫‪.‬‬

‫‪ 1‬ــ ومـن الطريـف حقـا تلك الحاولت التـ تتخـذ باسـم العلم‪ ,‬لتفنيـد‬
‫البدهيات العقليـة‪ ,‬مـن رياضـة ومنطقيـة‪ ,‬مـع ان العلم ل يكـن ان يقوم ال على‬

‫أساسها‪ .‬وفيما يلي امثلة من تلك الحاولت للدكتور نوري جعفر‪ ,‬ذكرها ف كتابه‬

‫فل سفة الترب ية ص ‪( :66‬و ف ضوء ما ذكر نا ن ستطيع ان نقول‪ :‬ان ج يع القوان ي‬

‫العلم ية قوان ي ن سبية‪ ,‬تع مل ف مالت معي نة ل تتعدا ها‪ ,‬وي صدق ما ذكرناه على‬
‫قواني الرياضيات وبعض مظاهرها الت تبدو لول وهلة‪ ,‬كأنا من المور البديهية‪,‬‬

‫الت ل تتغي بتغي الزمان والكان‪ .‬فحاصل جع ‪ 2‬زائد ‪ 2‬مثل ل يساوي ‪ 4‬دائما‪.‬‬
‫ـ حجميـ من الكحول مع حجميـ من الاء‪,‬‬
‫من ذلك ــ مثل ــ ان نا اذا جعن ا‬

‫فالنتيجة تكون اقل من ‪ 4‬حجوم مزوجة‪ ,‬وسبب ذلك راجع ال ان السائلي تتلف‬
‫جزئيات احدهاـ فـ شدة تاسـكها عـن الخـر فتنفـذ عنـد الزج جزئيات السـائل‬
‫الكثـر تاسـكا (الاء) مـن بيـ الفراغات النسـبية الوجودة بيـ جزئيات الكحول‪,‬‬

‫وتكون النتي جة مشاب ة للط مقدار من البتقال مع مقدار من الر قي ح يث ين فذ‬
‫‪165‬‬

‫ڤ‪................................‬التعديلت العلمية والقائق الطلقة‪:‬‬
‫وقـد كتـب انلز ينقـد مبدأ القيقـة الطلقـة القائل بسـلبية امكان اجتماعهـا‬
‫مـع الطـا‪ ,‬عـن طريـق التعديـل الذي يطرأ على النظريات والقوانيـ العلميـة‪,‬‬

‫فقال‪:‬‬

‫(ولنسـتشهد على ذلك بقانون (بويـل) الشهيـ‪ ,‬الذي ينـص على ان حجوم‬

‫الغازات تتناسـب عكسـيا مـع الضغـط الواقـع عليهـا اذا بقيـت درجـة حرارتاـ‬
‫ثابتة‪.‬‬

‫قسم من البتقال من بي الفراغات الوجودة ف الرقي‪ .‬وحاصل جع كالون من الاء‬
‫مع كالون من حا مض الكبي تك انفجار مر عب‪ ,‬على ان ذلك ال مع اذا ت بد قة‬

‫علميـة وبشكـل يتفادى حدوث النفجار‪ ,‬فان النتيجـة مـع هذا تكون اقـل مـن‬

‫كالوني من الزيج‪ .‬ويكون حاصل جع ‪ 2=2+2‬احيانا اخرى‪ ,‬فاذا خلطنا غازين‬
‫درجة حرارة كل منهما درجتان مئويتان‪ ,‬فان درجة حرارة الليط تبقى درجتي)‪.‬‬

‫وهذا النص يعرض لنا ثلث عمليات رياضية‪:‬‬

‫(أ) ان حجم ي من الكحول اذا جعناه ا مع حجم ي من الاء فالنتي جة تكون‬

‫اقل من (‪ )4‬حجوم‪ .‬وهذه العملية تنطوي على مغالطة‪ .‬وهي اننا ف القيقة ل نمع‬
‫ب ي حجم ي وحجم ي‪ .‬وان ا خ سرنا شيئا ف ال مع فظهرت ال سارة ف النتي جة‪.‬‬

‫ذلك ان ح جم الكحول ل ي كن متقو ما بالزئيات فح سب‪ .‬وان ا يتقوم بالزئيات‬
‫والفراغ النسب القائم بينها‪ .‬فاذا احضرنا حجمي من الكحول كان هذان الجمان‬

‫يعـبان عـن جزئيات وفراغ بينهمـا ل عـن الزئيات فحسـب‪ .‬وحيـ يلقـى على‬
‫الكحول حجميـ مـن الاء وتتسـلل جزئيات الاء ال الفراغ النسـب القائم بيـ‬
‫جزئيات الكحول فتشغله نكون قد فقد نا هذا الفراغ الن سب الذي كان له ن صيب‬
‫من حجم الكحول‪ .‬فلم نمع اذن بي حجمي من الكحول وحجمي من الاء‪ .‬وانا‬

‫جعنا بي حجمي من الاء وجزئيات حجمي من الكحول‪ .‬واما الفراغ النسب فيها‬
‫ف قط سقط من ال ساب‪ .‬وهكذا يت ضح ا نا اذا ارد نا ان ند قق ف صوغ العمل ية‬
‫الرياضية نقول ان جع حجمي كاملي من الاء مع حجمي من الكحول‪ .‬باستثناء‬
‫الفراغ التخلل بيـ جزئياتـه‪ ,‬يسـاوي اربعـة حجوم باسـتثناء ذلك الفراغ نفسـه‪.‬‬

‫ولي ست ق صة هذه الجوم ال كالف النظائر والمثلة الطبيع ية ال ت يشاهد ها كل‬
‫الناس ف حياتم العتيادية‪ .‬فماذا نقول ف جسم قطن ارتفاعه متر وقطعة من حديد‬

‫ارتفاعها متر ايضا‪ .‬لو وضعنا احد السمي على الخر فهل ينتج من ذلك ارتفاع‬

‫متر ين؟‪ ,‬و ف تراب ارتفا عه م تر وماء ارتفا عه م تر‪ .‬ث الفي نا الاء على التراب ف هل‬

‫ن ن من ذلك ارتفا عا مضاع فا ؟‍ طب عا ل‪ .‬فهل من الائز ان نعتب ذلك دليل على‬
‫تفنيد البدهيات الرياضية؟‍ ‪.‬‬
‫‪166‬‬

‫وجـد (رينـو) بأن هذا القانون ل يصـح فـ حالت معينـة‪ ,‬ولو كان (رينـو)‬

‫احـد فلسـفة الواقعيـة ل نتهـى مـن ذلك ال السـتخلص التال‪ :‬باـ ان قانون‬
‫(بويـل) قابـل للتغيـ فهـو ليـس بقيقـة مضـة‪ ,‬أي انـه ليـس بقيقـة البتـة‪ ,‬فهـو‬
‫إذن قانون باطـل ولو نجـ (رينـو) هذا النهـج لرتكـب خطـأ افضـع ماـ تضمنـه‬

‫(ب) ان جع كالون من الاء مع كالون من حامض الكبيتك ل ينتج كالوني‬

‫وانا يصل من ذلك انفجار مرعب‪ .‬وهذا ايضا ل يتعارض مع البدهية الرياضية ف‬
‫جع العداد‪ ,‬ذلك ان (‪ )1+1‬انا يساوي اثني اذا ل يعدم احدها او كلها حال‬
‫المع والزج‪ ,‬وال ل يصل جع بي واحد وواحد بعناه القيقي ‪ .‬ففي هذا الثال ل‬
‫تكن الوحدتان ـ الكالونان ـ موجودتي حي اتام عملية المع لينتج اثني‪.‬‬

‫(ج) ان جعـ غازيـن درجـة حرارة كـل منهمـا درجتان مئويتان‪ ,‬ينتـج حرارة‬

‫الليط بنفس تلك الدرجة ايضا من دون مضاعف‪.‬‬

‫وهذا لون اخر من التموية لن العملية انا جعت بي غازين وخلطت بينهما‪,‬‬

‫ل انا جعت بي درجت الرارة‪ .‬وانا يمع بي الدرجتي لو ضوعفت الدرجة ف‬

‫موضوعهـا‪ .‬فنحـن ل نضـف حرارة على حرارة لنترقـب حدوث درجـة اضخـم‬
‫للحرارة‪ ,‬وانا اضفنا حارا ال حار وخلطنا بينهما‪.‬‬

‫وهكذا يتضـح ان كـل تشكيـك او نقـض يدور حول البدهيات العقليـة‬

‫الضرورية‪ ,‬مرده ف القي قة ال لون من الغالطة او عدم اجادة فهم تلك البدهيات‬
‫و سوف يبدو هذا ب كل وضوح ع ند عرض نا لنقوض الارك سية ال ت حاولت ان ترد‬

‫على مبدأ عدم التناقض‪‍ ‍.‬‬
‫‪167‬‬

‫قانون (بويل) ولتاهت ذرة القيقة النطوي عليها نقده لذا القانون‪ ,‬واندفعت‬

‫بيـ رمال صـحراء الباطـل‪ ,‬ولفضـى به المـر أخيا ال تشويـه النتي جة الصـائبة‬

‫التـ ادركهـا‪ ,‬وال احالتهـا ال نتيجـة واضحـة الخطاء اذا مـا قورنـت مـع‬

‫النتيجـة التـ ادركهـا قانون (بويـل)‪ ,‬الذي يبدو صـحيحا رغـم مـا هـو عالق بـه‬
‫من اخطاء جزئية) (‪.)1‬‬

‫ويتلخص هذا النقد ف ان الفكر اليتافيزيقي لو كان على صواب فيما‬

‫يؤمن به للحقائق من اطلق وتعارض مطلق مع الطأ‪ ,‬لوجب رفض كل‬

‫قانون علمي لجرد وضوح عدم صحته جزئيا‪ ,‬وف حالت معينة‪ .‬فقانون‬

‫(بويل) بكم الطريقة اليتافيزيقية ف التفكي اما ان يكون حقيقة مطلقة‪ ,‬واما‬

‫ان يكون خطأ مضا‪ ,‬فاذا تبي ف اليدان التجريب عدم صحته احيانا فيجب‬
‫ان يكون لجل ذلك خطأ مطلقا‪ ,‬وان ل يكون فيه شيء من القيقة‪ ,‬لن‬

‫القيقة ل تتمع مع الطا‪ .‬ويسر العلم بذلك جانب القيقة من ذلك‬

‫القانون‪ .‬واما ف الطريقة الديالكتيكية فل يعتب ذلك الطا النسب دليل على‬

‫سقوط القانون مطلقا‪ ,‬بل هو حقيقة نسبية ف نفس الوقت‪ ,‬فان القيقة‬
‫تتمع مع الطأ‪.‬‬

‫ولو كان (انلز) قد عرف النظرية اليتافيزيقية ف العرفة معرفة دقيقة‪,‬‬

‫وفهم ما تعن من القيقة الطلقة لا حاول ان يوجه مثل هذا النقد اليها‪ .‬ان‬
‫الصحة والطأ ل يتمعا ف حقيقة واحدة ل ف قانون بويل ول ف غيه من‬

‫القواني العلمية‪ .‬فالقيقة من ذلك القانون هي حقيقة مطلقة ل خطأ فيها وما‬

‫هو خطأ منه فهو خطا مض‪ ,‬والتجارب العلمية الت قام با (رينو) ـ والت‬

‫اوضحت له ـ مثل ـ ان قانون (بويل) ل يصح فيما اذا بلغ الضغط الد الذي‬
‫تتحول فيه الغازات ال سوائل ـ ل تقلب القيقة ال خطأ وانا شطرت القانون‬

‫ال شطرين‪ ,‬واوضحت ان احد هذين الشطرين خطا مض‪ .‬فاجتماع الطأ‬
‫والقيقة اجتماع اسي وليس اجتماعا بعناه الصحيح‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك الفلسفة ص ‪. 153‬‬
‫‪168‬‬

‫وف تعبي واضح ان كل قانون علمي صحيح فهو يتوي على حقائق‬

‫بعدد الالت الت يتناولا وينطبق عليها‪ ,‬فاذا اظهرت التجربة خطأه ف بعض‬
‫تلك الالت‪ ,‬وصوابه ف البعض الخر‪ ,‬فليس معن ذلك ان القيقة نسبية‬
‫وانا اجتمعت مع الطا‪ ,‬بل معن ذلك ان متوى القانون يطابق الواقع ف‬

‫بعض الالت دون بعض‪ .‬فالطأ له موضع وهو ف ذلك الوضع خطأ‬
‫مض‪ ,‬والقيقة لا موضع آخر وهي ف ذلك الوضع حقيقة مطلقة‪.‬‬

‫والفكر اليتافيزيقي ل يتم على العال الطبيعي ان يرفض القانون نائيا اذا‬

‫ما تبي عدم ناحه ف بعض الالت‪ ,‬لنه يعتب كل حالة تثل قضية خاصة‬
‫با‪ ,‬ول يب ان تكون القضية الاصة بالة ما خطأ‪ ,‬اذا ما كانت القضية‬
‫الاصة بالالة الخرى كذلك‪.‬‬

‫وكان يب على (انلز) ـ عوضا عن تلك الحاولت الصبيانية لتبير‬

‫القيقة النسبية واجتماعها مع الطأ ـ ان يتعلم الفرق بي القضايا البسيطة‬
‫والقضايا الركبة ويعرف ان القضية البسيطة هي الت ل يكن ان تنقسم ال‬

‫قضيتي‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬مات افلطون قبل ارسطو‪ .‬وان القضية الركبة هي‬

‫القضية الت تتالف من قضايا متعددة‪ ,‬نظي قولنا‪ :‬الفلزات تتمدد بالرارة‪.‬‬

‫فان هذا القول مموعة من قضايا‪ ,‬ويكننا ان نعب عنه ف قضايا متعددة‬

‫فنقول‪ :‬الديد يتمدد بالرارة‪ ,‬والذهب يتمدد بالرارة‪ ,‬والرصاص يتمدد‬
‫بالرارة‪...‬‬

‫والقضية البسيطة ـ باعتبارها قضية مفردة ـ ل يكن ان تكون حقيقة من‬

‫ناحية وخطأ من ناحية اخرى‪ ,‬فموت افلطون قبل ارسطو اما ان يكون‬

‫حقيقة واما ان يكون خطأ‪ .‬واما القضية الركبة فلما كانت ف القيقة ملتقى‬

‫قضايا متعددة‪ ,‬فمن الائز ان توجد القيقة ف جانب منها والطأ ف جانب‬
‫آخر؛ كما اذا افترضنا ان الديد يتمدد بالرارة دون الذهب‪ ,‬فان القانون‬

‫الطبيعي العام وهو الفلزات تتمدد بالرارة يعتب صحيحا على ناحية وخطأ من‬

‫ناحية اخرى‪ .‬ولكن ليس معن ذلك ان القيقة والطأ اجتمعا فكانت‬

‫القضية الواحدة خطا وحقيقة‪ ,‬بل الطا انا يوجد ف قضية الديد يتمدد‬

‫‪169‬‬

‫بالرارة ـ مثل ـ فلم يكن الطأ حقيقة ول القيقة خطأ‪.‬‬

‫وف عودتنا على الركة التطورية ف القيقة والعرفة‪ ,‬بصفتها جزءا من‬
‫الديالكتيك ـ الذي خصصنا لدراسته الزء الثان من السألة التية (الفهوم‬

‫الفلسفي للعال) ـ سنستعرض مدارك الاركسية والوان استدللا‪ ,‬على تطور‬
‫القيقة والعرفة‪ ,‬ومدى ضعفها ومغالطتها‪ .‬وعلى الخص ما حاولته الاركسية‬
‫من اعتبار العلوم الطبيعية‪ ,‬ف تطورها الرائع على مر الزمن‪ ,‬ونشاطها‬

‫التضاعف‪ ,‬وقفزاتا البارة‪ ,‬مصداقا للحركة التطويرية ف القائق والعارف‪,‬‬
‫مع ان تطور العلوم ف تاريها الطويل ل صلة له بتطور القيقة والعرفة‪,‬‬

‫بعناه الفلسفي الذي تاوله الاركسية‪ .‬فالعلوم تتطور ل بعن ان حقائقها تنمو‬

‫وتتكامل‪ ,‬بل بعن ان حقائقها تزداد وتتكاثر‪ ,‬واخطاءها تقل وتتقلص‪.‬‬
‫ونوكل ايضاح ذلك ال البحث القبل ف السالة الثانية‪.‬‬
‫ويلص معنا من هذه الدراسة‪:‬‬

‫ـي‬
‫ـع الوضوعـ‬
‫ـة وغي ـ متطورة‪ ,‬وان كان الواقـ‬
‫ـة مطلقـ‬
‫أولً‪ :‬ان القيقـ‬

‫للطبيعة متطورا ومتحركا على الدوام‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان القيقة تتعارض تعارضا مطلقا مع الطأ‪ ,‬فالقضية البسيطة‬

‫الواحدة ل يكن ان تكون حقيقة وخطأ‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬ان اجراء الديالكيتـك على القيقـة والعرفـة يتـم علينـا الشـك الطلق‬

‫ف كل حقي قة‪ ,‬ما دا مت ف تغ ي وترك م ستمرين‪ ,‬بل ي كم على نف سه بالعدام‬
‫والتغيـ ايضـا‪ ,‬لنـه بذاتـه مـن تلك القائق التـ يبـ ان تتغيـ بكـم منطقـه‬

‫التطوري الاص‪.‬‬

‫ڤ‪.......................................‬انتكاس الاركسية ف الذاتية‪:‬‬
‫وف النهاية يب ان نشي ال ان الاركسية بالرغم من اصرارها على رفض‬
‫النسبية الذاتية بترفع وتاكيدها على الطابع الوضوعي لنسبيتها وانا نسبية‬

‫تواكب الواقع التطور وتعكس نسبيته بالرغم من ذلك كله ارتدت الاركسية‬

‫‪170‬‬

‫مرة أخرى فانتكست ف أحضان النسبية الذاتية حي ربطت العرفة بالعامل‬

‫الطبقي وقررت ان من الستحيل للفلسفة مثل ان تتخلص من الطابع الطبقي‬

‫والزب حت قال موريس كونفورت (كانت الفلسفة دوما تعب ول تستطيع ال‬

‫ان تعب عن وجهة نظر طبقية)(‪.)1‬‬

‫وقال تشاغي‪( :‬لقد ناضل ليني بثبات واصرار ضد النعة الوضوعية ف‬

‫النظرية) (‪.)2‬‬

‫وواضح ان هذا التاه الاركسي يطبع كل معرفة بالعنصر الذات ولكنها‬

‫ذاتية طبقية ل ذاتية فردية كما كان يقرر النسبيون الذاتيون وبالتال تصبح‬

‫القيقة هي مطابقة الفكرة للمصال الطبقية للمفكر لن كل مفكر ل يستطيع‬

‫ان يدرك الواقع ال ف حدود هذه الصال ول يكن لحد ف هذا الضوء ان‬
‫يضمن وجود القيقة ف أي فكرة فلسفية او علمية بعن مطابقتها للواقع‬

‫الوضوعي وحت الاركسية نفسها ل تستطيع ما دامت تؤمن بتمية الطابع‬
‫الطبقي ان تقدم لنا مفهومها عن الكون والجتمع بوصفه تعبيا مطابقا للواقع‬

‫وانا كل ما تستطيع ان تقرره هو انه يعكس ما يتفق مع مصال الطبقة‬
‫العاملة من جوانب الواقع (‪.)3‬‬

‫‪2‬‬
‫الفهوم الفلسَفي للعَال‬
‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية ص ‪. 32‬‬

‫‪ 2‬ـ الروح الزبية ف الفلسفة والعلوم ص ‪. 70‬‬
‫‪ 3‬ـ لجل التوضيح راجع كتاب (اقتصادنا) للمؤلف ص ‪ 93‬ـ ‪. 100‬‬
‫‪171‬‬

172

‫ـ ‪1‬ـ‬

‫○ الفهوم الفلسفي ○‬
‫ان لسـألة تكويـن مفهوم فلسـفي عام عـن العال‪ ,‬مركزا رئيسـيا فـ العقـل‬
‫البشري‪ ,‬منذ حاولت النسانية تديد علقاتا بالعال الوضوعي وارتباطها به‪.‬‬

‫ولسنا ناول ف دراستنا هذه ان نؤرخ للمسالة ف سيها الفلسفي والدين‬

‫والعلمي‪ ,‬وتطورها على مر الزمن منذ آمادها البعيدة‪ ,‬وانا نستهدف ان‬

‫نعرض الفاهيم الساسية ف القل الفلسفي الديث‪ ,‬لنحدد موقفنا منها‪ ,‬وما‬
‫هو الفهوم الذي يب ان تتبلور نظرتنا العامة على ضوئه ويرتكز مبدأنا ف‬

‫الياة على اساسه؟‪.‬‬

‫ومرد مسألتنا هذه ال مسألتي‪ :‬احدها‪ ,‬مسالة الثالية والواقعية‪.‬‬

‫والخرى‪ ,‬مسألة الادية واللية‪.‬‬

‫ففـي السـألة الول يعرض السـؤال على الوجـه التال‪ :‬ان هذه الكائنات‬

‫التـ يتشكـل منهـا العال‪ ,‬هـل هـي حقائق موجودة بصـورة مسـتقلة عـن الشعور‬
‫والدراك؟ او اناـ ليسـت ال الوانـا مـن تفكينـا وتصـورنا‪ ,‬بعنـ ان الفكـر او‬

‫الدراك هو القي قة‪ ,‬و كل ش يء ير جع ف نا ية الطاف ال الت صورات الذهن ية؟‬
‫فاذا اســقطنا الشعور او الـــ (انــا) فان الواقــع كله يزول‪ .‬فهذان تقديران‬

‫للمسـألة‪ ,‬والجابـة بالتقديـر الول تلخـص الفلسـفة الواقعيـة او الفهوم الواقعـي‬
‫للعال‪ ,‬والجابة بالتقدير الثان هي الت تقدم الفهوم الثال للعال‪.‬‬

‫و ف ال سألة الثان ية يو ضع ال سؤال على ضوء الفل سفة الواقع ية هكذا‪ :‬اذا ك نا‬

‫نؤ من بوا قع موضو عي للعال ف هل ن قف ف الواقع ية على حدود الادة الح سوسة‪,‬‬
‫فتكون هـي السـبب العام لميـع ظواهـر الوجود والكون باـ فيهـا مـن ظواهـر‬

‫‪173‬‬

‫الشعور والدراك؟ او نتخطاهـا ال سـبب اعمـق‪ ,‬ال سـبب ابدي ول نائي‬

‫بصفة البدأ الساسي لا ندركه من العال بكل ماليه الروحي والادي معا؟‪.‬‬
‫وبذلك يوجد ف القل الفلسفي للواقعية مفهومان‪ :‬يعتب احدها‪ ,‬ان‬

‫الادة هي القاعدة الساسية للوجود‪ ,‬وهو الفهوم الواقعي الادي‪ .‬ويتخطى‬
‫الخر الادة ال سبب فوق الروح والطبيعة معا‪ ,‬وهو الفهوم الواقعي اللي‪.‬‬

‫ـي‬
‫ـة للعال‪ :‬الفهوم الثال‪ ,‬والفهوم الواقعـ‬
‫ـم ثلثـ‬
‫ـا اذن مفاهيـ‬
‫ـبي يدينـ‬
‫فـ‬

‫الادي‪ ,‬والفهوم الواقعـي الليـ‪ .‬وقـد يعـب عـن الثاليـة بالروحيـة نظرا ال اعتبار‬
‫الروح‪ ,‬او الشعور‪ ,‬الساس الول للوجود‪.‬‬

‫ڤ‪.....................................................‬تصحيح أخطاء‪:‬‬
‫وعلى هذا الضوء يبـ ان نصـحح عدة أخطاء وقـع فيهـا بعـض الكتاب‬
‫الحدثي‪:‬‬

‫الول‪ :‬ماولة اعتبار الصـراع بيـ الليـة والاديـة مظهـر مـن مظاهـر‬

‫التعارض بيـ الثاليـة والواقعيـة‪ ,‬فلم يفصـلوا بيـ السـألتي اللتيـ قدمناهاـ‪,‬‬

‫وزعموا ان الفهوم الفلسـفي للعال احـد امريـن‪ :‬امـا الفهوم الثال‪ ,‬وامـا الفهوم‬

‫الادي‪ .‬فتفسـي العال ل يكـن ان يقبـل سـوى وجهيـ اثنيـ‪ ,‬فاذا فسـرت العال‬

‫تفسـيا تصـويريا خالصـا‪ ,‬وآمنـت بان التصـور او النـا هـو الينبوع السـاسي‪,‬‬
‫فأنـت مثال واذا اردت ان ترفـض الثاليـة والذاتيـة‪ ,‬وتؤمـن بواقـع موضوعـي‬

‫مسـتقل عـن الــ (أنـا)‪ ,‬فليـس عليـك ال ان تأخـذ بالفهوم الادي للعال‪ ,‬وتعتقـد‬
‫ان الادة هـي البدأ الول وان الفكـر والشعور ليـس ال انعكاسـا لاـ ودرجـة‬

‫خاصة من تطورها‪.‬‬

‫وهذا ل يت فق مع الوا قع مطل قا ك ما عرف نا‪ ,‬فان الواقع ية لي ست وق فا على‬

‫الفهوم الادي‪ ,‬كمـا ان الثاليـة‪ ,‬او الذاتيـة‪ ,‬ليسـت هـي الشيـء الوحيـد الذي‬
‫يعارض الفهوم الادي‪ ,‬ويقـف امامـه على الصـعيد الفلسـفي‪ ,‬بـل يوجـد مفهوم‬

‫آخـر للواقعيـة هـو الفهوم الواقعـي الليـ‪ ,‬الذي يعتقـد بواقـع خارجـي للعال‬

‫‪174‬‬

‫والطبيعة‪ ,‬ويرجع الروح والادة معا ال سبب اعمق فوقهما جيعا‪.‬‬

‫الثانـ‪ :‬مـا اتمـ بـه بعـض الكتاب الفهوم الليـ‪ ,‬مـن انـه يمـد مبدأ‬

‫العلميـة فـ دنيـا الطبيعـة‪ ,‬ويلغـي قوانينهـا ونواميسـها التـ يكشفهـا العلم وتزداد‬
‫وضوحا يوما بعد يوم‪ ,‬فهو ف زعمهم يربط كل ظاهرة وكل وجود بالبدأ اللي‪.‬‬

‫ول قد ل عب هذا التام دورا فعالً ف الفل سفة الاد ية‪ ,‬ح يث اع تبت فكرة‬

‫ال هـي فكرة وضـع سـبب العقول لاـ يشاهده النسـان مـن ظواهـر الطبيعـة‬

‫وحوادثهـا‪ .‬وماولة لتـبير وجودهـا‪ ,‬فتزول الاجـة اليهـا تامـا حيـ نسـتطيع ان‬

‫نسـتكشف بالعلم والتجارب العلميـة حقيقـة السـباب‪ ,‬والقوانيـ الكونيـة التـ‬

‫تتحكـم فـ العال‪ ,‬وتتولد باعتبارهـا الظواهـر والوادث‪ .‬وسـاعد على تركيـز هذا‬
‫التام ما كا نت تلع به الكني سة ف بدا ية النه ضة العلم ية ف أورو با‪ ,‬من أدوار‬

‫خبيثـة فـ ماربـة التطور العلمـي‪ ,‬ومعارضـة مـا يكشفـه العلم مـن اسـرار الطبيعـة‬

‫ونواميسها‪.‬‬

‫ـباب‬
‫ـن السـ‬
‫ـتغناء عـ‬
‫والقيقـة‪ ,‬ان الفهوم الليـ للعال ل يعنـ السـ‬

‫الطبيعيـة‪ ,‬او التمرد على شيـء مـن حقائق العلم الصـحيح واناـ هـو الفهوم‬

‫الذي يعتـب ال سـببا اعمـق‪ ,‬ويتـم على تسـلسل العلل والسـباب ان يتصـاعد‬
‫ال قوة فوق الطبيعـة والادة‪ .‬وبذا يزول التعارض بينـه وبيـ كـل حقيقـة علميـة‬

‫تاما‪ ,‬لنـه يطلق للعلم اوسـع مال لسـتكشاف اسـرار الطبيعـة ونظامهـا‪,‬‬

‫ويت فظ لنف سه بالتف سي الل ي ف نا ية الطاف‪ ,‬و هو مو ضع ال سبب الع مق ف‬

‫مبدأ أعلى مـن الطبيعـة والادة‪ .‬فليسـت السـالة الليـة كمـا يشاء ان يصـورها‬
‫خصـومها‪ ,‬مسـألة أصـابع تتـد مـن وراء الغيـب‪ ,‬فتقطـر الاء فـ الفضاء تقطيا‪,‬‬

‫او تجـب الشمـس عنـا‪ ,‬او تول بيننـا وبيـ القمـر‪ ,‬فيوجـد بذلك الطـر‬

‫والكسـوف والسـوف‪ ,‬فاذا كشـف العلم عـن اسـباب الطـر وعوامـل التبخيـ‬
‫فيـه‪ ,‬واذا كشـف عـن سـبب الكسـوف وعرفنـا ان الجرام السـماوية ليسـت‬

‫متسـاوية البعاد عـن الرض‪ ,‬وان القمـر اقرب اليهـا مـن الشمـس‪ ,‬فيتفـق ان‬

‫يرـ القمـر بيـ الرض والشمـس فيحجـب نورهـا عنـا‪ ,‬واذا كشـف العلم عـن‬

‫سبب السوف وهو وقـوع القمر ف ظـل الرض‪ ,‬الذي يتد وراءها ال مسافة‬

‫‪175‬‬

‫(‪ )900‬الف ميل تقريباً‪ ,‬اقول اذا كملت هذه العلومات لدى النسان‪ ,‬ييل‬

‫لولئك الادييـ ان السـألة الليـة ل يبـق لاـ موضوع‪ ,‬وان الصـابع الغيبيـة التـ‬
‫تجـب الشمـس او القمـر عنـا‪ ,‬عوض عنهـا العلم بالتعليلت الطبيعيـة وليـس‬

‫هذا ال لسـوء فهـم للمسـالة الليـة‪ ,‬وعدم تييـز لوضـع السـبب الليـ مـن‬
‫سلسلة السباب‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬ان الطابـع الروحـي غلب على الثاليـة والليـة معا‪ ,‬حتـ اخـذ‬

‫يبدو ان الروحيـة فـ الفهوم الليـ هـي بعناه فـ الفهوم الثال‪ ,‬ونشأت عـن‬

‫ذلك عدة اشتباهات‪ ,‬ذلك ان الروحيـة قـد تعتـب وصـفا لكـل مـن الفهوميـ‪.‬‬

‫ولكننـا ل نيـز مطلقـا ان يهمـل التمييـز بيـ الروحيتيـ‪ ,‬بـل يبـ ان نعرف ان‬

‫الروحيـة فـ العرف الثال‪ ,‬يقصـد باـ الجال القابـل للمجال الادي الحسـوس‪,‬‬

‫أي مال الشعور والدراك والنـا‪ .‬فالفهوم الثال روحـي على أسـاس انـه يفسـر‬

‫كـل كائن وكـل موجود فـ نطاق هذا الجال‪ ,‬ويرجـع كـل حقيقـة وكـل واقـع‬

‫اليـه‪ .‬فالجال الادي مرده فـ الزعـم الثال ال مال روحـي‪ ,‬وامـا الروحيـة فـ‬

‫الفهوم الليـ او العقيدة الليـة‪ ,‬فهـي طريقـة للنظـر ال الواقـع بصـورة عامـة‪,‬‬
‫ـبب الجرد‬
‫ـن بالسـ‬
‫ـة التـ تؤمـ‬
‫ـا مقابل للمجال الادي‪ .‬فالليـ‬
‫ل مال خاصـ‬

‫الع مق‪ ,‬تعت قد ب صلة كل ما هو موجود ف الجال العام ـ سواء أكان روح يا ام‬

‫ماديـا ــ بذلك السـبب العمـق‪ ,‬وترى ان هذه الصـلة هـي التـ يبـ ان يدد‬

‫ـان‪ ,‬تاه الشياء جيعــا‪.‬‬
‫ـي للنسـ‬
‫ـف العملي والجتماعـ‬
‫ـا‪ ,‬الوقـ‬
‫على ضوئهـ‬
‫فالروحيـة فـ العرف الليـ اسـلوب فـ فهـم الواقـع‪ ,‬ينطبـق على الجال الادي‬

‫والجال الروحي ـ بعناه الثال ـ على السواء‪.‬‬

‫ويتلخص من العرض السابق ان الفاهيم الفلسفية عن العال ثلثة‪.‬‬

‫وقـد درسـنا فـ نظريـة العرفـة الفهوم الثال باعتباره مرتبطـا باـ كـل‬
‫الرتباط‪ ,‬واسـتعرضنا اخطاءه‪ ,‬فلنتناول فـ هذه السـألة دراسـة الفهوميـ‬
‫الخرين‪ :‬الادي واللي‪.‬‬

‫وف الفهوم الادي اتاهان‪ :‬التاه الل او اليكانيكي‪ ,‬والتاه‬

‫الديالكتيكي والتناقض‪ ,‬او الادية الديناميكية‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫ڤ‪....................................‬ايضاح عدة نقاط عن الفهومي‪:‬‬
‫وقبـل ان نعرض للمفهوم الادي بكل اتاهيـه يبـ ان نسـتوضح عدة نقاط‬
‫حول الفهوم اللي والادي‪ ,‬وذلك ف السئلة التية‪:‬‬

‫‪1‬ـ السؤال الول‪ :‬ما هي اليزة الساسية لكل من التاه الادي‬

‫(الدرسة الادية للفلسفة)‪ ,‬والتاه اللي (الدرسة اللية) على الخر؟ وما‬
‫هو الفارق الرئيسي الذي جعل منهما اتاهي متعارضي‪ ,‬ومدرستي‬
‫متقابلتي؟‪.‬‬

‫ونظرة واحدة نلقيهـا على الدرسـتي تدد لنـا جوابـا واضحـا على هذا‬

‫السـؤال‪ ,‬وهـو ان الائز السـاسي للمدرسـة الاديـة فـ الفلسـفة‪ ,‬هـو النفـي او‬

‫الناحيـة السـلبية‪ ,‬لاـ يتراءى انـه فوق طاقـة العلوم التجريبيـة‪ .‬فل يوجـد فـ‬
‫القـل العلمـي اذن ــ أي فـ النواحـي اليابيـة للعلم التـ تـبهن عليهـا‬

‫التجربـة ــ اليـ ومادي‪ .‬فالفيلسـوف سـواء أكان إليا ام ماديـا‪ ,‬يؤمـن بالانـب‬
‫اليا ب من العلم‪ ,‬فه ما من الناح ية العلم ية ي سلمان ـ مثل ـ بأن (الراديوم)‬
‫يولد طاقـة مـن الشعاع نتيجـة لنقسـام داخلي‪ ,‬وبان الاء يأتلف مـن أوكسـجي‬

‫وهيدروجيـ‪ ,‬وبان عنصـر اليدروجيـ هـو اخـف العناصـر فـ وزنـه الذري‪.‬‬

‫ويؤمنان معـا بسـائر القائق اليابيـة التـ تظهـر على الصـعيد العلمـي‪ .‬فليـس فـ‬
‫السـألة العلميـة فيلسـوف اليـ واخـر مادي‪ ,‬واناـ توجـد هاتان الفلسـفتان‬
‫وتتعارض الاديـة مـع الليـة‪ ,‬حينمـا تعرض مسـألة الوجود فيمـا وراء الطبيعـة‪.‬‬

‫فالليـ يعتقـد بلون مـن الوجود مرد عـن الادة‪ ,‬أي موجود خارج القـل‬

‫التجريـب‪ ,‬وظواهره وقواه‪ .‬والادي ينكـر ذلك ويقصـر الوجود على ذلك القـل‬
‫الاص‪ ,‬ويع تب ال سباب الطبيع ية‪ ,‬ال ت كش فت عن ها التجر بة وامتدت الي ها يد‬

‫العلم‪ ,‬هـي السـباب الوليـة للوجود‪ ,‬وان الطبيعـة هـي الظهـر الوحيـد له‪.‬‬
‫فبينمـا يقرر التاه الليـ ان الروح النسـانية او الــ (أنـا)‪ ,‬ذات مردة عـن‬

‫الادة‪ ,‬وان الدراك والفكـر ظواهـر مسـتقلة عـن الطبيعـة والادة‪ ,‬ينكـر الادي‬

‫ذلك زاعما انـه حلل جسـم النسـان‪ ,‬وراقـب عمليات الهاز العصـب‪ ,‬فلم‬

‫يدـ شيئا خارج الدود الطبيعيـة والاديـة‪ ,‬كمـا يدعـي الليون‪ .‬وكذلك يؤمـن‬

‫‪177‬‬

‫التاه الليـ بان التطورات والركات‪ ,‬التـ يكشـف عنهـا العلم ــ سـواءكانت‬

‫حركات ميكانيكيـة تضـع لسـبب مادي خارجـي‪ ,‬أم حركات طبيعيـة غيـ ناشئة‬
‫من مؤثرات ماد ية معي نة بالتجر بة ـ تر جع ف النها ية ال سبب خار جي‪ ,‬وراء‬

‫سـياج الطبيعـة والادة‪ .‬ويعارض فـ ذلك الادي زاعمـا ان الركـة اليكانيكيـة‬
‫والركـة الطبيعيـة‪ ,‬ل تتصـلن بسـبب مرد‪ ,‬وان الركـة الطبيعيـة ديناميكيـة‪,‬‬

‫فهـي تكتفـي بنفسـها‪ ,‬لن القـل التجريـب ل يبـد فيـه مـا اعتقده الليون مـن‬
‫سبب مرد‪.‬‬

‫وهكذا يتضح بكل جلء ان التعارض بي اللية والادية‪ ,‬ليس ف‬

‫القائق العلمية‪ .‬فان اللي كالادي يعترف بميع القائق العلمية‪ ,‬الت‬

‫توضحها التجارب الصحيحة عن جسم النسان وفزلة اعضائه‪ ,‬وعن التطور‬
‫والركة ف الطبيعة‪ ,‬وانا يزيد بوضع حقائق أخرى‪ ,‬والعتراف با‪ .‬فهو‬

‫يبهن على وجود جانب روحي مرد للنسان‪ ,‬غي ما ظهر منه ف اليدان‬
‫التجريب‪ ,‬وعلى سبب مرد اعلى للحركات الطبيعة واليكانيكية فوق الجال‬
‫الحسوس‪.‬‬

‫ومـا دمنـا قـد عرفنـا ان اليدان العلمـي ليـس فيـه اليـ ومادي‪ ,‬نعرف ان‬

‫الكيان الفلسفي للمادية ـ باعتبارها مدرسة مقابلة لللية ـ انا يرتكز على نفي‬
‫ـــة والادة ل على حقائق‬
‫القائق الجردة‪ ,‬وانكار الوجود خارج حدود الطبيعـ‬

‫علمية ايابية‪.‬‬

‫‪2‬ــ السـؤال الثانـ‪ :‬اذا كان التعارض بيـ الليـة والاديـة‪ ,‬هـو تعارض‬

‫الثبات والنفـي‪ ,‬فأي الدرسـتي يقـع على مسـؤوليتها السـتدلل والبهنـة‪ ,‬على‬
‫اتاهها الاص الياب او السلب؟‪.‬‬

‫ـؤولية‬
‫ـن مسـ‬
‫ـض الادييـ ف ـ هذا الجال ان يتخلص مـ‬
‫ـد يلو لبعـ‬
‫وقـ‬

‫ال ستدلل‪ ,‬ويع تب الل ي هو ال سؤول عن التدل يل على مدعاه‪ ,‬لن الل ي هو‬

‫صـاحب الوقـف اليابـ‪ ,‬أي مدعـي الثبوت‪ ,‬فيجـب عليـه ان يـبر موقفـه‬
‫ويبهن على وجود ما يدعيه‪.‬‬

‫ولكـن الواقـع ان كل منهمـا مكلف بتقديـ الدلة والدارك لتاهـه الاص‪,‬‬

‫‪178‬‬

‫فكما ان اللي يب عليه ان يبهن على الثبات‪ ,‬كذلك الادي هو مسؤول‬

‫أيضا عـن الدليـل على النفـي‪ ,‬لنـه ل يعـل القضيـة اليتافيزيقيـة موضـع شـك‪,‬‬

‫واناـ نفاهـا نفيـا قاطعـا‪ ,‬والنفـي القاطـع كالثبات القاطـع‪ ,‬يفتقـر ال الدليـل‪.‬‬
‫فالادي حيـ زعـم ان السـبب الجرد ل وجود له‪ ,‬ادعـى فـ هذا الزعـم ضمنا‬

‫انـه احاط بالوجود كله‪ ,‬ول يدـ فيـه موضعـا للسـبب الجرد‪ ,‬فل بـد ان يقدم‬

‫دليل على هذه الحاطة العامة‪ ,‬وتبيرا للنفي الطلق‪.‬‬

‫ونتسـاءل هنـا مـن جديـد‪ ,‬مـا هـي طبيعـة الدليـل الذي يكـن للليـ او‬

‫للمادي ان يقدمـه فـ هذا الجال؟ ونيـب ان دليـل الثبات او النفـي‪ ,‬يبـ‬
‫ان يكون هـو العقـل‪ ,‬ل التجربـة الباشرة خلفـا للماديـة‪ ,‬التـ درجـت على‬

‫اعتبار التجربـة دليل على مفهومهـا الاص‪ ,‬زاعمـة ان الفهوم الليـ او القضايـا‬
‫اليتافيزيقيـة بصـورة عامـة ل يكـن اثباتاـ بالتجربـة‪ ,‬وان التجربـة هـي التـ ترد‬

‫على تلك الزاعـم‪ ,‬لناـ تلل النسـان والطبيعـة‪ ,‬وتدلل على عدم وجود اشياء‬
‫مردة فيه ما ذلك ان التجارب والقائق العلم ية اذا صح للماد ية ما تزع مه‪ ,‬من‬

‫اناــ ل تقوم دليل على التاه الليــ‪ ,‬فهــي ايضا ل تصــلح دليل للنفــي‬

‫الطلق‪ ,‬الذي يدد التاه الادي‪ ,‬فقـد عرفنـا ان القائق العلميـة على اختلف‬
‫الواناـ ليسـت موضعـا للنقاش بيـ الليـة والاديـة‪ ,‬واناـ النقاش فـ التفسـي‬

‫الفلسـفي لتلك القائق‪ ,‬أي فـ وجود سـبب اعلى وراء حدود التجربـة‪ ,‬ومـن‬

‫الواضـح ان التجربـة ل يكـن ان تعتـب برهانـا على نفـي حقيقـة خارج حدودهـا‪.‬‬
‫فالعال الطـبيعي اذا ل يدـ السـبب الجرد فـ متـبه‪ ,‬ل يكـن هذا دليل ال على‬

‫ـي وجوده ف ـ مال فوق مالت‬
‫ـا نفـ‬
‫ـة‪ ,‬وامـ‬
‫عدم وجوده ف ـ ميدان التجربـ‬
‫التجربة‪ ,‬فل يكن ان يستنتج من التجربة ذاتا‪.‬‬
‫ونؤكد بذا البيان على امرين‪:‬‬

‫(احدهاـ)‪ ,‬ان الاديـة باجـة ال دليـل على الانـب السـلب‪ ,‬الذي ييزهـا‬

‫عـن الليـة‪ ,‬كحاجـة اليتافيزيقـا ال برهان على الياب والثبات‪ .‬و (الخـر)‪,‬‬
‫ان الاديـة اتاه فلسـفي كالليـة‪ ,‬ول توجـد لدينـا ماديـة علميـة‪ ,‬أي تريبيـة‪ ,‬لن‬

‫العلم ك ما عرف نا ل يث بت الفهوم الادي للعال‪ ,‬لتكون الاد ية علم ية‪ ,‬بل كل ما‬

‫‪179‬‬

‫يكشـف عنـه العلم مـن حقائق وأسـرار فـ عال الطبيعـة‪ ,‬يترك مال لفتراض‬

‫سـبب اعلى فوق الادة‪ ,‬فالتجربـة العلميـة ــ مثل ــ ل يكـن ان تدل على ان‬

‫الادة ليسـت ملوقـة لسـبب مرد او على ان اشكال الركـة والوان التطور‪ ,‬التـ‬
‫اسـتكشفها العلم فـ شتـ جوانـب الطبيعـة‪ ,‬هـي حركات وتطورات مكتفيـة‬

‫ذاتيـا‪ ,‬وليسـت منبثقـة عـن سـبب فوق حدود التجربـة ومالتاـ‪ .‬وهكذا كـل‬

‫حقيقـة علميـة‪ .‬فالدليـل على الاديـة اذن ل يكـن ان يرتكـز على القائق‬
‫العلميـة‪ ,‬او التجارب بصـورة مباشرة‪ ,‬واناـ يصـاغ فـ تفسـي فلسـفي لتلك‬

‫ـل على الليــة تامــا‪ .‬ولنأخــذ التطور لذلك مثل‪,‬‬
‫القائق والتجارب‪,‬كالدليـ‬

‫فالعلم يثبـت وجود التطور الطـبيعي فـ عدة مـن الجالت‪ ,‬ويكـن ان يوضـع‬

‫لذا التطور تف سيان فل سفيان احده ا ا نه منب ثق عن صميم الش يء‪ ,‬ونا تج عن‬
‫صـراع يفترض فيـه بيـ التناقضات‪ ,‬وهذا هـو تفسـي الاديـة الديالكتيكيـة‪.‬‬

‫والخـر انـه ناتـج عـن سـبب اعلى مرد‪ ,‬فالطبيعـة التطورة ل توي فـ ذاتاـ‬
‫التناقضات‪ ,‬واناـ تنطوي على امكان التطور‪ ,‬وذلك السـبب هـو الذي يقـق‬

‫للمكان الوجود الفعلي‪ ,‬وهذا هـو التفسـي الفلسـفة الليـة‪ .‬فنحـن نلحـظ‬
‫بوضوح ان الفهوم العلمــي اناــ هــو وجود التطور الطــبيعي‪ ,‬وامــا هذان‬

‫الفهومان عـن الركـة فهمـا مفهومان فلسـفيان‪ ,‬ول يكـن ان يتأكـد مـن صـحة‬
‫احدها‪ ,‬وخطأ الخر بالتجربة الباشرة‪.‬‬

‫‪3‬ــ السـؤال الثالث‪ :‬اذا ل تكـف التجربـة العلميـة بذاتاـ للبهنـة على‬

‫الفهوم الليـ والادي على السـواء‪ ,‬فهـل يكـن للفكـر البشري ان يسـتدل على‬

‫ا حد الفهوم ي ما دا ما م عا خارج ي عن النطاق التجر يب او ا نه ي صبح مضطرا‬

‫ال السـتسلم للشـك‪ ,‬وتميـد مسـالة الليـة والاديـة‪ ,‬والنصـراف ال الجال‬
‫العلمي الثمر؟‪.‬‬

‫والواب‪ :‬ان القدرة الفكريـة للبشـر كافيـة لدرس هذه السـألة‪ ,‬والنطلق‬

‫في ها من التجر بة ذات ا‪ ,‬ول كن ل على ان تكون التجر بة هي الدل يل البا شر على‬
‫الفهوم‪ ,‬الذي نكونـه عـن العال‪ ,‬بـل تكون التجربـة نقطـة البتداء ويوضـع‬

‫الفهوم الفلسفي الصحيح للعال ـ وهو الفهوم اللي ـ على ضوء تفسي التجربة‬
‫والظواهر التجريبية‪ ,‬بالعلومات العقلية الستقلة‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫ول بـد ان القارئ يتذكـر دراسـتنا ــ فـ نظريـة العرفـة (السـألة‬

‫الول) ــ للمذهـب العقلي‪ ,‬وكيـف اوضحنـا بالبهان وجود معارف عقليـة‬
‫مسـتقلة‪ ,‬على شكـل تـبي ان اضافـة معارف عقليـة ال التجربـة امـر ضروري‪,‬‬

‫ل ف م سألتنا الفل سفية فح سب‪ ,‬بل ف ج يع ال سائل العلم ية‪ .‬ف ما من نظر ية‬
‫علميـة ترتكـز على أسـاس تريـب بتـ‪ ,‬واناـ تقوم على أسـاس التجربـة‪ ,‬وعلى‬
‫ضوء العلومات العقليـة السـتقلة‪ .‬فل تتلف قضيتنـا الفلسـفية التـ تتناول‬

‫الب حث ع ما وراء عال الطبي عة‪ ,‬عن كل قض ية علم ية تب حث عن ا حد قوان ي‬

‫الطبيعـة‪ ,‬او تكشـف شيئا مـن قواهـا وأسـرارها‪ .‬فالتجربـة فـ جيـع ذلك نقطـة‬
‫النطلق‪ ,‬وهـي مـع ذلك باجـة ال تفسـي عقلي‪ ,‬لتسـتنتج منهـا القيقـة‬

‫الفلسفية او العلمية‪.‬‬

‫ونرج من هذه النقاط بالنتائج التالية‪:‬‬

‫أولً‪ :‬ان الدرسـة الاديـة تفترق عـن الدرسـة الليـة فـ ناحيـة سـلبية‪ ,‬أي‬
‫النكار لا هو خارج القل التجريب‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان الاد ية م سؤولة عن ال ستدلل على الن في‪ ,‬ك ما ي ب على الل ية‬

‫الستدلل على الثبات‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬ان التجربـة ل يكـن ان تعتـب برهانـا على النفـي‪ ,‬لن عدم وجدان‬

‫السـبب العلى فـ ميدان التجربـة ل يـبهن على عدم وجوده فـ مال اعلى‪ ,‬ل‬

‫تتد اليه يد التجربة الباشرة‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬ان السـلوب الذي تتخذه الدرسـة الليـة للسـتدلل على مفهومهـا‬

‫الليـ هـو نفـس السـلوب الذي نثبـت بـه علميـا جيـع القائق والقوانيـ‬
‫العلمية‪.‬‬

‫ڤ‪.................................‬التاه الديالكتيكي للمفهوم الادي‬
‫قلنـا ان للماديـة اتاهيـ احدهاـ‪ :‬اتاه الليـة اليكانيكيـة‪ ,‬والخـر‪ ,‬اتاه‬

‫الادية الديالكتيكية‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫وقد استعرضنا التاه الول استعراضا سريعا ف الزء الثان من نظرية‬

‫العرفة‪ ,‬حي تناولنا بالدرس والتمحيص الثالية الفيزيائية الت قامت على‬
‫حطام الادية اليكانيكية‪.‬‬

‫وامـا التاه الادي الخـر‪ ,‬الذي يفسـر العال تفسـيا ماديـا بقوانيـ‬

‫الديالكتيـك‪ ,‬فهـو التاه الذي اتذتـه الدرسـة الاركسـية‪ ,‬فوضعـت مفهومهـا‬

‫الادي عن العال على أساس هذا التاه‪.‬‬
‫قال ستالي‪:‬‬

‫[تسي مادية ماركس من البدأ القائل‪ :‬ان العال بطبيعته‬
‫مادي‪ ,‬وان حوادث العال التعددة هي مظافر متلفة للمادة‬

‫التحركة‪ ,‬وان العلقات التبادلة بي الوادث وتكييف بعضها‬

‫بعضا بصورة متبادلة‪ ,‬كما تقررها الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬هي‬
‫قواني ضرورية لتطور الادة التحركة‪ ,‬وان العال يتطور تبعا‬
‫لقواني حركة الادة‪ ,‬وهو ليس باجة لي عقل كلي] (‪.)1‬‬

‫ويعتـب الفهوم الادي الادة ــ الوجود ــ هـو النقطـة الركزيـة فـ الفلسـفة‬

‫الاركسـية‪ ,‬لناـ التـ تدد نظرة الاركسـية ال الياة‪ ,‬وتنشىء لاـ فهمـا خاصـا‬
‫للواقـع وقيمـه‪ ,‬ومـن دوناـ ل يكـن ان تقام السـس الاديـة الالصـة للمجتمـع‬

‫والياة‪.‬‬

‫وقـد فرضـت هذه النقطـة على الذهـب الاركسـي تسـلسل فكريـا خاصـا‪,‬‬

‫واقتضت منه ان يقيم شت جوانبه الفلسفية لصالها‪.‬‬

‫فلجـل ان تلك الاركسـية القـ فـ تقريـر النقطـة الركزيـة تقريرا نائيا‪,‬‬

‫اختارت ان تكون يقينيـة‪ ,‬كمـا عرفنـا فـ نظريـة العرفـة‪ ,‬واعلنـت ان لدى‬

‫النسـان مـن الطاقات العلميـة مـا يتيـح له الزم بفلسـفة معينـة عـن الياة‪,‬‬

‫واسـتكناه أسـرار الوجود والعال‪ ,‬ورف ضت مذهـب الشـك الطلق‪ ,‬وحتـ النسـبية‬
‫الامدة‪ ,‬وحاولت بذلك ان تعطـي صـفة قطعيـة للمحور الرئيسـي‪ ,‬أي الفهوم‬

‫الادي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الادي الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 17‬‬
‫‪182‬‬

‫ـة‪,‬‬
‫ـة ف ـ التجربـ‬
‫ـة والقيقـ‬
‫ـد ذلك القياس العام للمعرفـ‬
‫ـت بعـ‬
‫ووضعـ‬

‫واسـتبعدت العارف العقليـة الضروريـة‪ ,‬وانكرت وجود منطـق عقلي مسـتقل عـن‬
‫التجربـة‪ ,‬كـل ذلك حذرا مـن إمكان موـ النقطـة الركزيـة بالنطـق العقلي‪ ,‬وحدا‬

‫للطاقة البشرية باليدان التجريب خاصة‪.‬‬

‫وواجهت الاركسية ف هذه الرحلة مشكلة جديدة‪ ,‬وهي ان اليزان‬

‫الفكري للنسان اذا كان هو الس والتجربة‪ ,‬فل بد ان تكون العلومات الت‬
‫يكونا عن طريق الس والتجربة صحيحة دائما‪ ,‬ليمكن اعتبارها ميزانا اوليا‬
‫توزن به الفكار والعارف‪ .‬فهل نتائج الس العلمي كذلك حقا؟ وهل‬

‫النظريات القائمة على التجربة مضمونة الصدق ابدا؟‪.‬‬

‫وهكذا وقعت الاركسية بي خطرين‪ :‬فان اعترفت بان العلومات القائمة‬
‫على أساس التجربة ليست معصومة من الطأ‪ ,‬فقد سقطت التجربة عن كونا‬

‫ميزانا أوليا للحقائق والعارف‪ .‬وان ادعى الاركسيون ان النظرية الستمدة من‬

‫التجربة والتطبيق فوق الطا والشتباه‪ ,‬اصطدموا بالواقع الذي ل يسع لحد‬
‫انكاره‪ ,‬وهو ان كثيا من النظريات العلمية‪ ,‬بل القواني الت توصل اليها‬

‫النسان عن طريق درس الظواهر الحسوسة‪ ,‬قد ظهر خطأها وعدم مطابقتها‬

‫للواقع‪ ,‬فسقطت عن عرشها العلمي بعد ان تربعت عليه مئات السني‪.‬‬

‫واذا كانت الفاهيم العلمية التجريبية قد تطئ‪ .‬وكان النطق العقلي‬

‫ساقطا من الساب‪ ,‬فكيف يعلن عن فلسفة يقينية؟! او تشاد مدرسة ذات‬
‫صفة جزمية ف افكارها؟!‪.‬‬

‫و قد ا صرت الارك سية على و ضع التجر بة مقيا سا اعلى‪ ,‬وتل صت من هذا‬

‫الازق بوضـع قانون الركـة والتطور فـ العلوم والفكار‪ ,‬نظرا ال ان الفكـر‬
‫جزء مـن الطبيعـة‪ ,‬وهـو بذا العتبار يقـق قوانيـ الطبيعـة كاملة‪ .‬فيتطور وينمـو‬

‫كما تتطور الطبيعة‪ .‬وليس التطور العلمي يعن سقوط الفهوم العلمي السابق‪ ,‬وانا‬

‫يعب عن حركة تكاملية ف القيقة والعرفة‪ .‬فالقيقة والعرفة هي القيقة والعرفة‪,‬‬
‫غي انا تنمو وتتحرك وتتصاعد بصورة مستمرة‪.‬‬

‫وهكذا قضـى بذلك على جيـع البدهيات والقائق لن كـل فكـر سـائر فـ‬

‫‪183‬‬

‫سراط التطور والتغ ي‪ ,‬فلي ست تو جد حقي قة ثاب تة ف دن يا الف كر مطل قا‪ ,‬ول‬

‫يؤمـن على مـا ندركـه الن مـن البديهيات (نظيـ ادراكنـا‪ :‬ان الكـل اكـب مـن‬
‫الزء‪ ,‬وان ‪ )4=2+2‬ان يكتسـب شكلً آخـر فـ حركتـه التطوريـة‪ ,‬فندرك‬

‫القيقة عند ذاك على وجه آخر‪.‬‬

‫ولا كانت الركة الت وضعتها الاركسية كقانون للفكر‪ ,‬وللطبيعة بصورة‬

‫عامة‪ ,‬ل تنبثق ال عن قوة وسبب‪ ,‬ول تكن ف العال حقيقة ال الادة ف‬

‫زعمها‪ ,‬فقد قالت‪ :‬ان الركة حصيلة تناقضات ف الحتوى الداخلي للمادة‪,‬‬

‫وان هذه التناقضات تتصارع فتدفع بالادة وتطورها‪ .‬ولذا ألغت الاركسية‬
‫مبدأ عدم التناقض‪ ,‬واتذت من الديالكتيك طريقة لفهم العال‪ ,‬ووضعت‬
‫مفهومها الادي ف اطاره‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان جيع الوانب الفلسفية الادية الديالكتيكية‪ ,‬مرتبطة‬

‫بالنقطة الركزية (الفهوم الادي)‪ ,‬وقد صيغت لجل تركيزها والفاظ عليها‪.‬‬
‫وليس اسقاط البديهيات وجعلها عرضة للتغي‪ ,‬او اليان بالتناقض واعتباره‬

‫قانونا عاما للطبيعة‪ ,‬وما اليها من النتائج الغربية الت انتهت اليها الاركسية‪,‬‬

‫ال تسلسل حتميا للنطلق الذي بدأ من الفهوم الادي الاركسي‪ ,‬وتبيرا له‬
‫ف الجال الفلسفي‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫ـ ‪2‬ـ‬
‫○ الديالكتيك أو الدل ○‬
‫ان الدل كان يعنـ فـ النطـق الكلسـيكي طريقـة خاصـة فـ البحـث‪,‬‬

‫وأسـلوبا مـن اسـاليب الناظرة‪ ,‬التـ تطرح فيهـا التناقضات الفكريـة‪ ,‬ووجهات‬
‫الن ظر التعار ضة‪ ,‬بق صد ان تاول كل واحدة من ها ان تظ هر ما ف نقيض ها من‬

‫نقاط الضعـف ومواطـن الطـأ‪ ,‬على ضوء العارف السـلمة والقضايـا العترف باـ‬
‫سـلفا‪ .‬وهكذا يقوم الصـراع بيـ النفـي والثبات فـ ميدان البحـث والدل‪,‬‬

‫ح ت ينت هي ال نتي جة تتقرر في ها احدى وجهات الن ظر الت صارعة‪ ,‬او تن شق عن‬
‫ـة رأي جديدة‪ ,‬توفـق بيـ الوجهات‬
‫ـراع الفكري بيـ التناقضات وجهـ‬
‫الصـ‬

‫كلها‪ ,‬بعد اسقاط تناقضاتا‪ ,‬وافراز نقاط الضعف من كل واحدة منها‪.‬‬

‫ولكـن الدل فـ الديالكتيـك الديـد‪ ,‬او الدل الديـد‪ ,‬ل يعـد منهجـا فـ‬

‫الب حث وا سلوبا لتبادل الراء‪ ,‬بل ا صبح طري قة لتف سي الوا قع‪ ,‬وقانو نا كون يا‬

‫عامـا‪ ,‬ينطبـق على متلف القائق والوان الوجود‪ .‬فالتناقـض ليـس بيـ الراء‬

‫ووجهات الن ظر فح سب‪ ,‬بل هو ثا بت ف صميم كل وا قع وحقي قة‪ ,‬ف ما من‬
‫قضية ال وهي تنطوي ف ذاتا على نقيضها ونفيها‪.‬‬

‫وكان هيجـل اول مـن اشاد منطقـا كامل على هذا السـاس‪ ,‬فكان التناقـض‬

‫الديالكتي كي هو النق طة الركز ية ف ذلك الن طق‪ ,‬والقاعدة ال ساسية ال ت يقوم‬

‫عليهـا فهـم جديـد للعال‪ ,‬وتنشـأ بـه نظريـة جديدة نوه‪ ,‬تتلف كـل الختلف‬
‫عن النظرة الكلسيكية‪ ,‬الت اعتادها البشر منذ قدر له ان يدرك ويفكر‪.‬‬

‫وليـس هيجـل هـو الذي ابتدع اصـول الديالكتيـك ابتداعـا‪ ,‬فان لتلك‬

‫ال صول جذورا واعما قا ف عدة من الفكار‪ ,‬ال ت كا نت تظ هر ب ي ح ي وآ خر‬

‫‪185‬‬

‫على مسـرح العقـل البشري‪ ,‬غيـ اناـ ل تتبلور على اسـلوب منطـق كامـل‪,‬‬

‫وا ضح ف تف سيه ونظر ته‪ ,‬مدد ف خط طه وقواعده‪ ,‬ال على يد هي جل‪ .‬ف قد‬

‫أنشـأ هيجـل فلسـفته الثاليـة كلهـا على أسـاس هذا الديالكتيـك‪ ,‬وجعله تفسـيا‬

‫كافيـا للمجتمـع‪ ,‬والتاريـخ‪ ,‬والدولة‪ ,‬وكـل مظاهـر الياة‪ .‬وتبناه بعده ماركـس‬

‫فوضع فلسفته الادية ف تصميم ديالكتيكي خالص‪.‬‬

‫فالدل الديـد فـ زعـم الديالكتيكيـ قانون للفكـر والواقـع على السـواء‪.‬‬

‫ولذلك فهو طريقة للتفكي‪ ,‬ومبدأ يرتكز عليه الواقع ف وجوده وتطوره‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬

‫[فاذا كان ثة تناقضات ف افكار الناس‪ ,‬فذلك لن‬

‫الواقع الذي يعكسه فكرنا يوي تناقضات‪ .‬فجدل الشياء‬
‫ينتج جدل الفكار‪ ,‬وليس العكس] (‪.)1‬‬
‫وقال ماركس‪:‬‬

‫[ليست حركة الفكر ال انعكاسا لركة الواقع‪ ,‬منقولة‬

‫ومولة ف مخ النسان]‬

‫(‪.)2‬‬

‫والنطـق اليجلي باـ قام عليـه مـن أسـاس الديالكتيـك والتناقـض‪ ,‬يعتـب فـ‬

‫النق طة القابلة ـ للمن طق الكل سيكي‪ ,‬او الن طق البشري العام ـ تاما‪ ,‬ذلك ان‬
‫النطـق العام يؤمـن ببدأ عدم التناقـض‪ ,‬ويعتـبه البدأ الول الذي يبـ ان‬

‫تقوم كل معر فة على ا ساسه‪ ,‬والبدأ الضروري الذي ل ي شذ ع نه ش يء ف دن يا‬
‫الوجود‪ ,‬ول يكن ان يبهن على حقيقة مهما كانت لوله‪.‬‬

‫ويرفـض النطـق اليجلي هذا البدا كـل الرفـض‪ ,‬ول يكتفـي بالتأكيـد على‬

‫امكان التنا قض‪ ,‬بل ي عل التنا قض ـ بدل عن سلبه ـ البدأ الول ل كل معر فة‬
‫ـن‬
‫ـة مـ‬
‫ـر الكون كله بجموعـ‬
‫ـن العال‪ ,‬والقانون العام الذي يفسـ‬
‫ـحيحة عـ‬
‫صـ‬
‫التناقضات‪ ,‬فكـل قضيـة فـ الكون تعتـب اثباتـا‪ ,‬وتثيـ نفيهـا فـ نفـس الوقـت‪,‬‬

‫ويأتلف الثبات والنفـي فـ اثبات جديـد‪ .‬فالنهـج التناقـض للديالكتيـك‪ ,‬او‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 83‬‬
‫‪ 2‬ـ نفس الصدر‪.‬‬
‫‪186‬‬

‫ـة‬
‫ـى‪ :‬الطروحـ‬
‫ـل تدعـ‬
‫ـن ثلث مراحـ‬
‫ـم العال‪ ,‬يتضمـ‬
‫الدل‪ ,‬الذي يكـ‬

‫والطباق‪ ,‬والتركيـب‪ .‬وفـ تعـبي آخـر‪ :‬الثبات‪ ,‬والنفـي ونفـي النفـي وبكـم‬
‫هذا النهـج الدل يكون كـل شيـء متمعـا مـع نقيضـه‪ ,‬فهـو ثابـت ومنفـي‪,‬‬
‫وموجود ومعدوم‪ ,‬ف وقت واحد‪.‬‬

‫و قد اد عى الن طق اليجلي ا نه ق ضى ـ ب ا زع مه للوجود من جدل ـ على‬

‫الطوط الرئيسية للمنطق الكلسيكي‪ ,‬وهي ـ ف زعمه ـ كما يأت‪:‬‬

‫أولً‪ :‬مبدأ عدم التناقض‪ .‬وهو يعن ان الشيء الواحد ل يكن ان‬

‫يتصف بصفة‪ ,‬وبنقيض تلك الصفة ف وقت واحد‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬مبدأ الوية‪ .‬وهو البدأ القائل ان كل ماهية فهي ما هي‬

‫بالضرورة‪ ,‬ول يكن سلب الشيء عن ذاته‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬مبدأ السكون والمود ف الطبيعة الذي يرى سلبية الطبيعة وثباتا‪,‬‬

‫وينفي الديناميكية عن دنيا الادة‪.‬‬

‫فالبدأ الول ل موضع له ف النطق الديد‪ ,‬ما دام كل شيء قائما ف‬

‫حقيقته على التناقض‪ .‬واذا ساد التناقض كقانون عام‪ ,‬فمن الطبيعي ان‬

‫يسقط البدأ الثان للمنطق الكلسيكي ايضا‪ ,‬فان كل شيء تسلب عنه هويته‬
‫ف لظة الثبات بالذات‪ ,‬لنه ف صيورة مستمرة‪ ,‬وما دام التناقض هو‬

‫الذر الساسي لكل حقيقة‪ ,‬فل غرو فيما اذا كانت القيقة تعن شيئي‬

‫متناقضي على طول الط‪ .‬ولا كان هذا التناقض الركز ف صميم كل حقيقة‬

‫مثيا لصراع دائم ف جيع الشياء‪ ,‬والصراع يعن الركة والندفاع‪ ,‬فالطبيعة‬
‫ف نشاط وتطور دائم‪ ,‬وف اندفاعة وصيورة مستمرة‪.‬‬

‫هذه هي الضربات الت زعم النطق الديالكتيكي انه سددها ال النطق‬

‫النسان العام‪ ,‬والفهوم الالوف للعال‪ ,‬الذي ارتكزت عليه اليتافيزيقية الف‬
‫السني‪.‬‬

‫وتتلخص الطريقة الديدة لفهم الوجود ف افتراض قضية اول‪ ,‬وجعلها‬

‫أصل‪ ,‬ث ينقلب هذا الصل ال نقيضه‪ ,‬بكم الصراع ف الحتوى الداخلي‬

‫‪187‬‬

‫بي التناقضات‪ ,‬ث يأتلف النقيضان ف وحدة‪ ,‬وتصبح هذه الوحدة بدورها‬

‫أصلً ونقطة انطلق جديد‪ ,‬وهكذا يتكرر هذا التطور الثلثي تطورا ل ناية‬
‫له ول حد‪ ,‬يتسلسل مع الوجود‪ ,‬ويتد ما امتدت ظواهره وحوادثه‪.‬‬

‫وقد بدأ هيجل بالفاهيم والقولت العامة‪ ,‬فطبق عليها الديالكتيك‪,‬‬

‫واستنبطها بطريقة جدلية قائمة على التناقض‪ ,‬التمثل ف الطروحة‪ ,‬والطباق‪,‬‬

‫والتركيب‪ .‬وأشهر ثواليثه ف هذا الجال وأولا هو‪ :‬الثالوث الذي يبدأ من‬

‫ابسط تلك الفاهيم واعمقها‪ ,‬وهو مفهوم الوجود‪ .‬فالوجود موجود‪ ,‬وهذا هو‬
‫الثبات او الطروحة‪ ,‬بيد انه ليس شيئا‪ ,‬لنه قابل لن يكون كل شيء‪.‬‬

‫فالدائرة وجود‪ ,‬والربع‪ ,‬والبيض‪ ,‬والسود‪ ,‬والنبات‪ ,‬والجر‪ ,‬كل هذا هو‬
‫موجود‪ .‬فليس اذن شيئا مددا‪ ,‬وهو بالتال ليس موجودا‪ ,‬وهذا هو الطباق‬

‫الذي أثارته الطروحة‪ ,‬وهكذا حصل التناقض ف مفهوم الوجود‪ ,‬ويل هذا‬

‫التناقض ف التركيب بي الوجود واللوجود‪ .‬الذي ينتج موجودا ل يوجد على‬
‫التمام‪ ,‬أي صيورة وحركة‪ ,‬وهكذا ينتج ان الوجود الق هو الصيورة‪.‬‬

‫هذا مثال سقناه لنوضح كيف يتسلسل ابو الدل الديث ف استنباط‬

‫الفاهيم العامة‪ ,‬من العم ال الخص‪ ,‬ومن الكثر خواء وضعفا‪ ,‬ال الكثر‬
‫ثراء والقرب ال الواقع الارجي‪.‬‬

‫وليس هذا الدل ف استنباط الفاهيم عنده ال انعكاسا لدل الشياء‬

‫بذاتا ف الواقع‪ ,‬فاذا استثارت فكرة من الفكار فكرة مقابلة لا‪ ,‬فلن الواقع‬
‫الذي تثله هذه الفكرة يتطلب الواقع الضاد‪.‬‬

‫ونظرة بسيطة على الطروحة‪ ,‬والطباق‪ ,‬والتركيب‪ ,‬ف قضية الوجود‪,‬‬

‫الت هي اشهر ثواليثه‪ ,‬تدلنا بوضوح على ان هيجل ل يفهم مبدأ عدم‬

‫التناقض حق الفهم حي الغاه ووضع موضعه مبدأ التناقض‪ .‬ول ادري كيف‬
‫يستطيع هيجل ان يشرح لنا التناقض‪ ,‬او النفي والثبات‪ ,‬الجتمعي ف‬

‫مفهوم الوجود؟! ان مفهوم الوجود مفهوم عام دون شك‪ ,‬وهو لذلك قابل‬

‫لن يكون كل شيء‪ ,‬قابل لن يكون نباتا او جادا‪ ,‬ابيض او اسود‪ ,‬دائرة او‬

‫‪188‬‬

‫مربعاً‪ .‬ولكن هل معن هذا ان هذه الضداد والشياء التقابلة متمعة كلها ف‬

‫هذا الفهوم‪ ,‬ليكون ملتقى للنقائض والضداد؟ طبعا ل‪ ,‬فان اجتماع المور‬
‫التقابلة ف موضوع واحد شيء‪ ,‬وامكان صدق مفهوم واحد عليها شيء‬

‫آخر‪ .‬فالوجود مفهوم ليس فيه من نقاط السواد والبياض‪ ,‬او النبات والماد‬
‫شيء‪ ,‬وانا يصح ان يكون هذا او ذاك‪ ,‬ل انه هو هذا وذاك معا ف وقت‬

‫واحد (‪.)1‬‬

‫ولندع مقولت هيجل‪ ,‬لندرس الدل الاركسي‪ ,‬ف خطوطه العريضة‬

‫الت وضع تصميمها الساسي هيجل نفسه‪.‬‬

‫والطوط الساسية اربعة‪ ,‬وهي حركة التطور‪ ,‬وتناقضات التطور‪,‬‬

‫وقفزات التطور‪ ,‬والقرار بالرتباط العام‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ـ اضف ال ذلك ان هذا التناقض الزعوم ف ثالوث الوجود‪ ,‬يرتكز على خلط‬
‫آخر بي فكرة الشيء‪ ,‬والواقع الوضوعي لذلك الشيء‪ .‬فان مفهوم الوجود ليس‬
‫ال عبارة عن فكرة الوجود ف اذهاننا‪ ,‬وهي غي الواقع الوضوعي للوجود‪ .‬واذا‬

‫ميزنا بي فكرة الوجود وواقع الوجود زال التناقض‪ ,‬فان واقع الوجود معي‬

‫ومدد ل يكن سلب صفة الوجود عنه مطلقا‪ ,‬واما فكرتنا عن الوجود فهي‬
‫ليست وجودا واقعيا‪ ,‬وانا هي الفهوم الذهن الأخوذ عنه‪.‬‬
‫‪189‬‬

190

‫‪1‬ـ حركة التطور‬
‫قال ستالي‪:‬‬

‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزية‪ ,‬ل يعتب الطبيعة حالة‬
‫سكون وجود‪ ,‬حالة ركود واستقرار‪ ,‬بل يعتبها حالة حركة‬

‫وتغي دائمي‪ ,‬حالة تدد وتطور ل ينقطعان‪ .‬ففيها دائما‬
‫شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحل‪ .‬ولذا تريد‬

‫الطريقة الديالكتيكية ان ل يكتفي بالنظر ال الوادث من‬
‫حيث علقات بعضها لبعض‪ ,‬بصورة متقابلة‪ ,‬بل ان ينظر‬

‫اليها أيضا من حيث حركتها‪ ,‬من حيث تغيها وتطورها‪ ,‬من‬
‫حيث ظهورها واختفائها] (‪.)1‬‬
‫وقال انلز‪:‬‬

‫[ينبغي لنا ال ننظر ال العال وكأنه مركب من اشياء‬

‫ناجزة‪ ,‬بل ينبغي ان ننظر اليه وكأنه مركب ف ادمغتنا‪ .‬ان‬
‫هذا الرور ينم عن تغي ل ينقطع من الصيورة والنلل‪,‬‬

‫حيث يشرق نار النمو التقدم ف النهاية‪ ,‬رغم جيع الصدف‬

‫الظاهرة والعودات الوقتة ال الوراء] (‪.)2‬‬

‫فكل شيء خاضع لقواني التطور والصيورة‪ ,‬وليس لذا التطور او‬

‫الصيورة حد يتوقف عنده‪ ,‬لن الركة هي السالة اللمتناهية للوجود كله‪.‬‬

‫ويزعم الديالكتيكيون انم وحدهم الذين يعتبون الطبيعة حالة حركة‬
‫وتغي دائمي‪ .‬وينعون على النطق اليتافيزيقي والسلوب التقليدي للتفكي‬
‫طريقة دراسته للشياء وفهمها‪ ,‬اذ يفترض الطبيعة ف حالة سكون وجود‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 7‬‬
‫‪ 2‬ـ هذه هي الديالكتيكية ص ‪ 97‬ـ ‪. 98‬‬
‫‪191‬‬

‫مطلقي‪ ,‬فهو ل يعكس الطبيعة على واقعها التطور التحرك‪ .‬فالفرق بي‬

‫النطق الدل الذي يعتقد ف الطبيعة حركة دائمة وصاعدة أبدا‪ ,‬والنطق‬
‫الشكلي ـ ف زعمهم ـ كالفرق بي شخصي‪ ,‬ارادا ان يسبا اغوار كائن حي ف‬

‫شت ادواره‪ ,‬فأجرى كل منهما تاربه عليه‪ ,‬ث وقف احدها يراقب تطوره وحركته‬

‫الستمرة‪ ,‬ويدرسه على ضوء تطوراته كلها‪ ,‬واكتفى الخر بالتجربة الول‪ ,‬معتقدا‬

‫ان ذلك الكائن جامد ف كيانه‪ ,‬ثابت ف هويته وواقعه‪.‬‬

‫برمتها شانا شان هذا الكائن الي‪ ,‬من النبات او اليوان‪ ,‬ف‬

‫تطوره ونوه‪ ,‬فل يواكبها الفكر ال اذا جاراها ف حركتها وتطورها‪.‬‬
‫والواقع ان قانون التطور الديالكتيكي‪ ,‬الذي يعتبه الدل الديث من‬

‫ميزاته الساسية‪ ,‬ليس شيئا جديدا ف الفكر النسان‪ ,‬وانا الديد طابعه‬

‫الديالكتيكي الذي يب نزعه عنه‪ ,‬كما سنعرف‪ .‬فهو ف حدوده الصحيحة‬

‫ينسجم مع النطق العام‪ ,‬ول صلة له بالديالكتيك‪ ,‬ول فضل للديالكتيك ف‬
‫اكتشافه‪ ,‬فليس علينا لجل ان نقبل هذا القانون‪ ,‬ونعرف سبق اليتافيزيقا‬
‫اليه‪ ,‬ال ان نرده عن قالب التناقض‪ ,‬واساس الدل القائم عليه ف عرف‬
‫الديالكتيك‪.‬‬

‫ان اليتافيزيقي ف زعم الديالكتيكي يعتقد ان الطبيعة جامدة ييم عليها‬

‫السكون‪ ,‬وان كل شيء فيها ثابت ل يتغي ول يتبدل‪ ,‬كأن اليتافيزيقي‬

‫السكي قد حرم من كل الوان الدراك‪ ,‬وسلب منه الشعور والس معا‪,‬‬
‫فاصبح ل يس ول يشعر با يشعر به جيع الناس‪ ,‬وحت الطفال‪ ,‬من‬

‫ضروب التغي والتبدل ف دنيا الطبيعة‪.‬‬

‫ومن الواضح لدى كل احد‪ ,‬ان اليان بوجود التغي ف عال الطبيعة‬

‫مسألة ل تتاج ال دراسات علمية سابقة‪ ,‬وليست موضعا للف او نقاش‪,‬‬
‫وانا الدير بالدرس هو ماهية هذا التغي‪ ,‬ومدى عمقه وعمومه‪ .‬فان التغي‬

‫نوان‪ :‬احدها التعاقب البحت‪ ,‬والخر الركة‪ .‬والتاريخ الفلسفي يروي‬

‫‪192‬‬

‫صراعاً حادا‪ ,‬ل ف مسألة التغي بصورة عامة‪ ,‬بل ف كنهه وتفسيه الفلسفي‬

‫الدقيق‪ .‬ويدور الصراع حول الواب عن السئلة التالية‪:‬‬

‫هل التغي الذي يطرا على السم حي يطوي مسافة ما‪ ,‬عبارة عن‬

‫وقفات متعددة ف اماكن متعددة‪ ,‬تعاقبت بسرعة‪ ,‬فتكونت ف الذهن فكرة‬
‫الركة؟ او ان مرد هذا التغي ال سي واحد متدرج‪ ,‬ل وقوف فيه ول‬

‫سكون؟ وهل التغي الذي يطرأ على الاء حي تتضاعف حرارته وتشتد‪ ,‬يعن‬
‫مموعة من الرارات التعاقبة‪ ,‬يتلو بعضها بعضا؟ او انه يعب عن حرارة‬

‫واحدة تتكامل وتتحرك وتترقى درجتها؟‪.‬‬

‫وهكذا نواجه هذا السؤال ف كل لون من الوان التغي‪ ,‬الت تتاج ال‬

‫شرح فلسفي باحد الوجهي اللذين يقدمهما السؤال‪.‬‬

‫والتاريخ الغريقي يدث عن بعض الدارس الفلسفية‪ ,‬أنا أنكرت‬

‫الركة‪ ,‬واخذت بالتفسي الخر للتغي‪ ,‬الذي يرد التغي ال تعاقب امور‬
‫ساكنة‪ ,‬من رجالت تلك الدرسة (زينون)‪ ,‬الذي أكد على ان حركة السافر‬
‫من اقصى الرض ال اقصاها‪ ,‬ليست ال سلسلة من سكنات متعاقبة‪ .‬فهو‬

‫ل يتصور التدرج ف الوجود والتكامل فيه‪ ,‬بل يرى كل ظاهرة ثابتة‪ ,‬وان‬

‫التغي يصل بتعاقب المور الثابتة‪ ,‬ل بتطور المر الواحد وتدرجه‪ .‬وعلى هذا‬

‫تكون حركة النسان ف مسافة ما‪ ,‬عبارة عن وقوفه ف النقطة الول من تلك‬
‫السافة‪ ,‬فوقوفه ف النقطة الثانية‪ ,‬ففي الثالثة‪ ,‬وهكذا ‪ ...‬فاذا راينا شخصي‬

‫احدها واقف ف نقطة معينة‪ ,‬والخر يشي ساكن نو اتاه خاص‪ ,‬فكلها ف‬

‫رأي (زينون) واقف ساكن‪ ,‬غي ان الول ساكن ف نقطة معينة على طول‬

‫الط‪ ,‬واما الخر فله سكنات متعددة‪ ,‬لتعدد النقاط الت يطويها‪ ,‬وله ف كل‬
‫لظة مكانية خاصة‪ ,‬وهو ف كل تلك اللحظات ل يتلف مطلقا عن‬

‫الشخص الول الواقف ف نقطة معينة‪ .‬فهما معا ساكنان‪ ,‬وان كان سكون‬

‫الول مستمرا وسكون الثان يتبدل بسرعة ال سكون آخر‪ ,‬ف نقطة اخرى‬

‫من السافة‪ .‬فالختلف بينهما هو الختلف بي سكون قصي المد وسكون‬

‫طويل المد‪.‬‬

‫هذا ما كان ياوله (زينون) وبعض فلسفة الغريق‪ .‬وقد برهن على وجه‬

‫‪193‬‬

‫نظره بالدلة الربعة الشهورة عنه‪ ,‬الت ل يقدر لا النجاح والتوفيق ف اليدان‬

‫الفلسفي‪ ,‬لن مدرسة ارسطو ـ وهي الدرسة الفلسفية الكبى ف العهد‬

‫الغريقي ـ امنت بالركة‪ ,‬وردت على تلك الدلة وزيفتها‪ ,‬وبرهنت على‬

‫وجود الركة والتطور ف ظواهر الطبيعة وصفاتا‪ ,‬بعن ان الظاهرة الطبيعية‬
‫قد ل توجد على التمام ف لظة‪ ,‬بل توجد على التدريج وتستنفذ امكاناتا‬
‫شيئا فشيئا‪ ,‬وبذلك يصل التطور ويوجد التكامل‪ .‬فالاء حي تتضاعف‬

‫حرارته‪ ,‬ل يعن ذلك انه ف كل لظة يستقبل حرارة بدرجة معينة‪ ,‬توجد‬

‫على التمام ث تفن وتلق من جديد حرارة اخرى بدرجة جديدة‪ ,‬بل متوى‬
‫تلك الضاعفة ان حرارة واحدة وجدت ف الاء‪ .‬ولكنها ل توجد على التمام‪,‬‬

‫بعن انا ل تستنفذ ف لظتها الول كل طاقاتا وامكاناتا‪ ,‬ولذلك اخذت‬

‫تستنفذ امكاناتا بالتدريج‪ ,‬وتترقى بعد ذلك وتتطور‪ .‬وبالتعبي الفلسفي انا‬

‫حركة مستمرة متصاعدة‪ .‬ومن الواضح ان التكامل ـ او الركة التطويرية ـ ل‬

‫يكن ان يفهم ال على هذا الساس‪ ,‬واما تتابع ظواهر متعددة يوجد كل‬

‫واحدة منها بعد الظاهرة السابقة‪ ,‬وتفسح الجال بفنائها لظاهرة جديدة‪ ,‬فليس‬
‫هذا نوا وتكامل‪ ,‬وبالتال ليس حركة وانا هو لون من التغي العام‪.‬‬

‫فالركة سي تدريي للوجود‪ ,‬وتطور للشيء ف الدرجات الت تتسع لا‬

‫امكاناته‪ .‬ولذلك حدد الفهوم الفلسفي للحركة بانا خروج الشيء من القوة‬

‫ال الفعل تدرييا (‪.)1‬‬

‫ويرتكز هذا التحديد على الفكرة الت قدمناها عن الركة‪ ,‬فان‬

‫الركة ـكما عرفنا ـ ليست عبارة عن فناء الشيء فناء مطلقا ووجود شيء آخر‬
‫جديد‪ ,‬وانا هي تطور الشيء ف درجات الوجود‪ .‬فيجب اذن ان تتوي كل‬

‫حركة على وجود واحد مستمر‪ .‬منذ تنطلق ال ان تتوقف‪ .‬وهذا الوجود هو‬
‫الذي يتحرك‪ ,‬بعن انه يتدرج ويثرى بصورة مستمرة‪ ,‬وكل درجة تعب عن‬

‫مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد‪ ,‬وهذه الراحل انا توجد بالركة فالشيء‬
‫التحرك او الوجود التطور ل يكلها قبل الركة وال لا وجدت حركة‪ .‬بل هو‬

‫‪ 1‬ـ القوة عبارة عن امكان الشيء‪ ,‬والفعل عبارة عن وجوده حقيقة‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫ف لظة النطلق يتمثل لنا ف قوى وامكانات‪ ,‬وبالركة تستنفذ تلك‬

‫المكانات‪ ,‬ويستبدل ف كل درجة من درجات الركة المكان بالواقع والقوة‬
‫بالفعلية‪ .‬فالاء قبل وضعه على النار ل يلك من الرارة الحسوسة ال‬

‫امكانا‪ ,‬وهذا المكان الذي يلكه ليس إمكانا لدرجة معينة من الرارة بل‬

‫هي بميع درجاتا ـ الت تؤدي ال الالة الغازية ف النهائية ـ مكنة للماء وحي‬

‫يبدأ بالنفعال والتأثر برارة النار تبدأ حرارته بالركة والتطور‪ ,‬بعن ان‬

‫القوى والمكانات الت كانت تلكها تتبدل ال حقيقة‪ ,‬والاء ف كل مرحلة‬

‫من مراحل الركة يرج من امكان ال فعلية‪ ,‬ولذلك تكون القوة والفعلية‬

‫متشابكتي ف جيع ادوار الركة‪ ,‬وف اللحظة الت تستنفذ جيع المكانات‬

‫تقف الركة‪ .‬فالركة اذن ف كل مرحلة ذات لوني‪ :‬فهي من ناحية فعلية‬

‫وواقعية‪ ,‬لن الدرجة الت تسجلها الرحلة موجودة بصورة واقعية وفعلية ومن‬
‫ناحية اخرى هي امكان وقوة للدرجات الخرى الصاعدة‪ ,‬الت ينتظر من‬

‫الركة‪ ,‬ان تسجلها ف مراحلها الديدة‪ .‬فالاء ف مثالنا اذا ل حظناه ف لظة معينة‬
‫من الركة‪ ,‬ند انه ساخن بالفعل بدرجة ثاني مثل‪ ,‬ولكنه ف نفس‬

‫الوقت ينطوي على امكان تطي هذه الدرجة‪ ,‬وقوة تطور للحرارة ال اعلى‪.‬‬
‫ففعلية كل درجة ف مرحلتها الاصة مقارنة لقوة فنائها‪ .‬ولنأخذ مثال اعمق‬
‫للحركة‪ ,‬وهو الكائن الي الذي يتطور بركة تدريية‪ ,‬فهو بويضة‪ ,‬فنطفة‪,‬‬

‫فجني‪ ,‬فطفل‪ ,‬فمراهق‪ ,‬فراشد‪ .‬ان هذا الكائن ف مرحلة مدودة من‬

‫حركته هو نطفة بالفعل‪ ,‬ولكنه ف نفس الوقت شيء آخر مقابل للنطفة‪,‬‬
‫وارقى منها جني بالقوة‪ ,‬ومعن هذا ان الركة ف هذا الكائن قد‬

‫ازدوجت فيها الفعلية والقوة معا‪ .‬فلو ل يكن ف الكائن الي قوة درجة‬

‫جديدة وامكاناتا لا وجدت حركة‪ ,‬ولو ل يكن شيئا من الشياء بالفعل لكان‬
‫عدما مضا‪ ,‬فل توجد حركة ايضا‪ .‬فالتطور يأتلف دائما من شيء بالفعل‬

‫وشيء بالقوة‪ .‬وهكذا تستمر الركة ما دام الشيء يتوي على الفعلية والقوة‬
‫معا‪ ,‬على الوجود والمكان معا‪ ,‬فاذا نفذ المكان‪ ,‬ول تبق ف الشيء طاقة‬

‫على درجة جديدة‪ ,‬انتهى عمر الركة‪.‬‬

‫هذا هو معن خروج الشيء من القوة ال الفعل تدرييا‪ ,‬او تشابك القوة‬

‫‪195‬‬

‫والفعل او اتادها ف الركة‪.‬‬

‫وهذا هو الفهوم الفلسفي الدقيق الذي تعطيه الفلسفة اليتافيزيقية‬

‫للحركة‪ .‬وقد اخذته الادية الديالكتيكية فلم تفهمه ول تتبينه على وجهه‬

‫الصحيح‪ .‬فزعمت ان الركة ل تتم ال بالتناقض‪ ,‬التناقض الستمر ف‬
‫صميم الشياء‪ .‬كما سوف نعرف عن قريب‪.‬‬

‫وجاء بعد ذلك دور الفلسفة السلمية‪ .‬على يد الفيلسوف السلمي‬

‫الكبي صدر الدين الشيازي فوضع نظرية الركة العامة‪ ,‬وبرهن فلسفيا على‬

‫ان الركة بفهومها الدقيق الذي عرضناه‪ ,‬ل تس ظواهر الطبيعة وسطحها‬
‫العرضي فحسب‪ ,‬بل الركة ف تلك الظواهر ليست ال جانبا من التطور‬

‫يكشف عن جانب اعمق‪ ,‬وهو التطور ف صميم الطبيعة وحركتها الوهرية‪.‬‬
‫ذلك ان الركة السطحية ف الظواهر‪ ,‬لا كان معناها التجدد والنقضاء‪,‬‬

‫فيجب لذا ان تكون علتها الباشرة أمرا متجددا‪ ,‬غي ثابت الذات ايضا‪ ,‬لن‬
‫علة الثابت ثابتة‪ ,‬وعلة التغي التجدد متجددة‪ ,‬فل يكن ان يكون‬

‫السبب الباشر للحركة امرا ثابتا وال ل تنعدم اجزاء الركة‪ ,‬بل تصبح قرارا‬

‫وسكونا (‪.)1‬‬
‫‪ 1‬ـ ويتلخص الستدلل الرئيسي على الركة الوهرية بالمرين التاليي‪:‬‬

‫الول‪ :‬ان العلة الباشرة للحركات العرض ية وال سطحية ف الج سام ـ من‬

‫اليكانيك ية والطبيع ية ـ قوة خا صة قائ مة بال سم‪ .‬وهذا الع ن صادق ح ت على‬

‫الركات اللية‪ .‬الت يبدو لول وهلة انا منبثقة عن قوة منفصلة‪ .‬كما اذا دفعت‬
‫ب سم ف خط اف قي‪ ,‬او عمودي‪ ,‬فان الفهوم البدائي من هذه الر كة ان ا معلولة‬

‫للدفعة الارجية‪ .‬والعامل النفصل‪ ,‬ولكن الواقع غي هذا‪ ,‬فان العامل الارجي ل‬
‫يكن ال شرطا من شروط الركة‪ ,‬واما الحرك القيقي فهو القوة القائمة بالسم‪.‬‬

‫ولجـل ذلك كانـت الركـة تسـتمر بعـد انفصـال السـم التحرك عـن الدفعـة‬
‫الارج ية‪ ,‬والعا مل النف صل‪ .‬وكان الهاز اليكاني كي التحرك ي سي مقدارا ما ب عد‬
‫بطلن العامـل الل الحرك‪ .‬وعلى هذا السـاس وضـع اليكانيـك الديـث قانون‬

‫الق صور الذا ت‪ ,‬القائل‪ :‬ان ال سم اذا ُحرّك ا ستمر ف حرك ته‪ .‬ما ل ين عه ش يء‬

‫خارجي عن مواصلة نشاطه الركي‪ .‬غي ان هذا القانون أسيء استخدامه‪ ,‬اذ اعتب‬

‫دليل على ان الر كة ح ي تنطلق ل تتاج ب عد ذلك ال سبب خاص وعلة معي نة‪,‬‬

‫واتذ اداة للرد على مبدأ العلية وقوانينها‪ .‬ولكن الصحيح ان التجارب العلمية ف‬

‫اليكانيك الديث‪ ,‬انا تدل على ان العامل الارجي النفصل ليس هو العلة القيقية‬
‫للحر كة‪ .‬وال ل ا ا ستمرت حر كة ال سم ب عد انف صال ال سم التحرك عن العا مل‬

‫الارجي الستقل ويب لذا ان تكون العلة الباشرة للحركة قوة قائمة بالسم‪ ,‬وان‬
‫‪196‬‬

‫ول يبهن الفيلسوف الشيازي على الركة الوهرية فحسب‪ ,‬بل اوضح ان‬

‫مبدأ الركة ف الطبيعة من الضرورات الفلسفية للميتافيزيقية‪ .‬وفسر على‬

‫ضوئه صلة الادث بالقدي (‪ )1‬وعدة من الشاكل الفلسفية الخرى‪ ,‬كمشكلة‬

‫تكون العوامل الارجية شرائط ومثيات لتلك القوة‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ان العلول يب ان يكون مناسبا للعلة ف الثبات والتجدد‪ ,‬فاذا كانت‬

‫ـت العلة‬
‫ـا‪ ,‬واذا كان العلول متجددا ومتطورا كانـ‬
‫ـة كان العلول ثابتـ‬
‫العلة ثابتـ‬
‫متجددة‪ ,‬طبقـا لتجدد الركـة وتطورهـا نفسـها‪ ,‬اذ لو كانـت علة الركـة ثابتـة‬
‫ومستقرة‪ ,‬لكان كل ما يصدر منها ثابتا ومستقرا‪ ,‬فتعود الركة سكونا واستقرارا‪,‬‬
‫وهو يناقض معن الركة والتطور‪.‬‬

‫وعلى اساس هذين المرين نستنتج‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان القوة القائمة بالسم والحركة له قوة متحركة ومتطورة‪ ,‬فهذه القوة‬

‫بسبب تطورها تكون علة للحركات العرض ية والسطحية جيعا‪ ,‬وهي قوة جوهرية‬
‫ـ اذ ل بد ان تنت هي ال قوة جوهر ية لن العرض يتقوم بالو هر ـ وهكذا ثب تت‬

‫الركة الوهرية ف الطبيعة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان السـم يأتلف دائما مـن مادة تعرضهـا الركات‪ ,‬وقوة جوهريـة‬

‫متطورة‪ ,‬وبسببها تصل الركة السطحية ف ظواهر السم واعراضه‪.‬‬

‫وليس ف الستطاع الن ان نعرض الركة الوهرية وبراهينها بأكثر من هذه‬

‫اللمحة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ـ والشكلة ف صلة الادث بالقد ي هي‪ :‬ان العلة باعتبار ها قدي ة وازل ية‬

‫ي ب ان تكون علة ل ا ينا سبها‪ ,‬ويت فق مع ها ف القدم والزل ية‪ .‬وعلى هذا ال ساس‬
‫خيل لعدة من اليتافيزيقيي‪ ,‬ان اليان بالالق الزل يتم من ناحية فلسفية العتقاد‬
‫بقدم العال وازليته‪ ,‬لئل ينفصل العلول عن علته‪ .‬وقد حل الشيازي هذه الشكلة‬

‫على ضوء الركـة الوهريـة‪ ,‬القائلة‪ :‬ان عال الادة فـ تطور وتدد مسـتمر‪ ,‬فان‬
‫حدوث العال على هذا الساس كان نتيجة حتمية لطبيعته التجددية‪ ,‬ول يكن لجل‬
‫حدوث العلة وتدد الالق الول‪.‬‬
‫‪197‬‬

‫الزمان (‪ )1‬ومسالة ترد الادة وعلقة النفس بالسم (‪.)2‬‬

‫فهل يصح بعد هذا كله اتام اللية او اليتافيزيقية‪ ,‬بانا تؤمن بمود‬
‫الطبيعة وسكونا؟‪.‬‬

‫والقيقة ان هذا التام ل مبر له ال سوء فهم الادية الديالكتيكية‬

‫للحركة‪ ,‬بعناها الفلسفي الصحيح‪.‬‬

‫فما هو الفارق بي الركة وقانونا العام ف فلسفتنا‪ ,‬ونظرية الركة‬

‫الديالكتيكية ف الادية الدلية؟‪.‬‬

‫ان الختلف بي الركتي يتلخص ف نقطتي اساسيتي‪:‬‬
‫النقطة الول‪ :‬ان الركة ف مفهومها الديالكتيكي‪ ,‬تقوم على أساس‬

‫التناقض والصراع بي التناقضات‪ .‬فهذا التناقض والصراع هو القوة‬

‫الداخلية‪ ,‬الدافعة للحركة والالقة للتطور‪ .‬وعلى عكس ذلك ف مفهومنا‬
‫الفلسفي عن الركة فانه يعتب الركة سيا من درجة مقابلة‪ ,‬من‬

‫دون ان تتمع تلك الدرجات التقابلة ف مرحلة واحدة من مراحل الركة‪.‬‬
‫ولجل ان يتضح ذلك يب ان نيز بي القوة والفعل‪ ,‬ونلل الغالطة‬

‫الاركسية الت ترتكز على اعتبار القوة والفعل وحدة متناقضة‪ .‬ان الركة مركبة‬
‫من قوة وفعل‪ .‬فالقوة والفعل متشابكان ف جيع ادوار الركة‪ ,‬ول يكن ان‬

‫توجد ماهية الركة دون احد هذين العنصرين‪ ,‬فالوجود ف كل دور من ادوار‬

‫سيه التكاملي‪ ,‬يتوي على درجة معينة بالفعل‪ ,‬وعلى درجة ارقى منها بالقوة‪,‬‬
‫فهو ف اللحظة الت يتكيف فيها بتلك الدرجة يسي ف اتاه متصاعد ويتخطى‬

‫درجته الاضرة‪.‬‬

‫وقد خيل للماركسية ان هذا لون من التناقض‪ ,‬وان الوجود التطور‬

‫‪1‬‬

‫ـ فقد قدم الشيازي تفسيا جديدا للزمان‪ ,‬يرده فيه ال الركة الوهرية‬

‫للطبيعة‪ ,‬وبذا اصبح الزمان ف مفهومه الفلسفي هذا مقوما للجسم‪ ,‬ول يعد‬
‫شيئا مردا مستقل عنه‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ـ سوف نعرض لتجرد الادة‪ ,‬وعلقة النفس بالسم‪ ,‬ف الفصل الخي من هذه‬
‫السألة‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫يتوي على الشيء ونقيضه‪ ,‬وان هذا الصراع بي النقيضي هو الذي يولد‬

‫الركة‪.‬‬

‫قال أنلز‪:‬‬

‫[ان الوضع يتلف كل الختلف‪ ,‬اذ ننظر ال الكائنات‬

‫وهي ف حالة حركتها‪ ,‬ف حالة تغيها‪ ,‬ف حالة تأثياتا‬
‫التبادلة على بعضها البعض‪ ,‬حيث ند أنفسنا بدء هذه‬

‫النظرة بأننا مغمورون ف التناقضات‪ ,‬فالركة نفسها هي‬

‫تناقض ان ابسط تغي ميكانيكي ف الكان ل يكن ان يدث‬

‫ال بواسطة كينونة جسم ما‪ ,‬ف مكان ما‪ ,‬ف لظة ما‪ ,‬وف‬

‫نفس تلك اللحظة كذلك‪ ,‬ف غي ذلك الكان‪ ,‬أي كينونته‬
‫وعدم كينونته معا ف مكان واحد‪ ,‬ف نفس اللحظة الواحدة‪,‬‬
‫فتتابع هذا التناقض تتابعا مستمرا‪ ,‬وحل هذا التناقض حل‬

‫متواقتا مع هذا التتابع‪ ,‬هو ما يسمى بالركة] (‪.)1‬‬

‫انظروا ما اسخف مفهوم الركة ف الادية الدلية‪ ,‬هذا الفهوم الذي‬

‫يشرحه انلز على أساس التناقض‪ ,‬وهو ل يعلم ان درجتي من الركة لو‬
‫كانتا موجودتي بالفعل‪ ,‬ف مرحلة معينة منها‪ ,‬لا أمكن التطور‪ ,‬وبالتال‬

‫لمدت الركة‪ ,‬لن الركة انتقال للموجود من درجة ال درجة‪ ,‬ومن حد‬

‫ال حد‪ ,‬فلو كانت الدود والنقاط كلها متمعة بالفعل‪ ,‬لا وجدت حركة‪,‬‬
‫فمن الضروري ان ل تفسر الركة ال على ضوء مبدأ عدم التناقض‪,‬‬

‫وال ـ لو جاز التناقض ـ فمن حقنا ان نتساءل هل ان الركة تنطوي على‬
‫التغي ف درجات الشيء التطور‪ ,‬والتبدل ف حدوده ونوعيته او ل؟ فان ل‬

‫يكن فيها شيء من التغي والتجدد فليست هي حركة‪ ,‬بل هي جود وثبات‪.‬‬
‫وان اعترفت الاركسية بالتجدد والتغي ف الركة‪ ,‬فلماذا هذا التجدد‪ ,‬اذا‬
‫كانت التناقضات كلها موجودة بالفعل‪ ,‬ول يكن بينها تعارض؟ ان أبسط‬

‫تليل للحركة يطلعنا على انا مظهر من مظاهر التمانع‪ ,‬وعدم امكان‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك الفلسفة ص ‪. 202‬‬
‫‪199‬‬

‫الجتماع بي النقائض والتقابلت‪ ,‬الذي يفرض على الوجود التطور‪ ,‬التغي‬

‫الستمر لدرجته وحدّه‪ .‬وليس التناقض او الديالكتيك الزعوم ف الركة‪ ,‬ال‬
‫باعتبار اللط بي القوة والفعل‪.‬‬

‫فالركة ف كل مرحلة ل تتوي على درجتي‪ ,‬او فعلتي متناقضتي‪ ,‬وانا‬

‫تتوي على درجة خاصة بالفعل‪ ,‬وعلى درجة اخرى بالقوة‪ ,‬ولذلك كانت‬
‫الركة خروجا تدرييا من القوة ال الفعل‪.‬‬

‫ولكن عدم الوعي الفلسفي الكامل‪ ,‬هو الذي صار سببا ف تزوير مفهوم‬

‫الركة‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان قانون نقض النقض‪ ,‬وتفسي الركة به‪ ,‬وكل ما أحيط‬

‫به ذلك‪ ,‬من ضوضاء وضجيج وصخب وسخرية بالفكار اليتافيزيقية‪ ,‬الت‬
‫تؤمن ببدأ عدم التناقض‪ ,‬ان كل ذلك مرده ال الفهوم الفلسفي الذي‬

‫عرضناه للحركة‪ ,‬والذي اساءت الاركسية فهمه‪ ,‬فاعتبت تشابك القوة‬
‫والفعل او اتادها‪ ,‬ف جيع مراحل الركة‪ ,‬عبارة عن اجتماع فعليات‬

‫متقابلة‪ ,‬وتناقض مستمر‪ ,‬وصراع بي التناقضات فرفضت لجل ذلك مبدأ‬

‫عدم التناقض‪ ,‬واطاحت بالنطق العام كله‪ .‬وليست هذه الحاولة الاركسية‬

‫هي الول ف بابا‪ ,‬فان بعض الفكرين اليتافيزيقيي حاولوا شيئا من ذلك‪,‬‬

‫ف التاريخ الفلسفي القدي مع فارق واحد‪ ,‬وهو ان الاركسية ارادت ان تبر‬

‫التناقض بذه الحاولة‪ ,‬واما اولئك فحاولوا ان يبهنوا على سلبية امكان‬

‫الركة‪ ,‬باعتبار انطوائها على التناقض‪ .‬وللفخر الرازي ماولة من هذا القبيل أيضا‪,‬‬

‫ذكر فيها ان الركة عبارة عن التدرج‪ ,‬أي وجود الشيء على سبيل التدريج‪,‬‬
‫وزعم ان التدرج ف الوجود غي معقول‪ ,‬لنه يؤدي ال لون من‬

‫التناقض‪ .‬وقد اوضح الحققون من الفلسفة انا نشأت من عدم الوعي‬
‫الصحيح لعن التدرج والوجود التدريي‪.‬‬

‫ولا كنا نعرف الن بكل وضوح‪ ,‬ان الركة ليست صراعا بي فعليات‬

‫متناقضة دائما‪ ,‬بل هي تشابك بي القوة والفعل‪ ,‬وخروج تدريي للشيء من‬

‫أحدها ال الخر‪ ,‬نستطيع ان نـدرك ان الركة ل يـكن ان تكتفي ذاتيا عن‬

‫‪200‬‬

‫السبب‪ ,‬وان الوجود التطور ل يرج من الفعل ال لسبب خارجي‪ ,‬وليس‬

‫الصراع بي التناقضات هو العلة الداخلية لذلك اذ ليست ف الركة وحدة‬

‫للتناقضات والضداد لتنجم الركة عن الصراع بينها‪ .‬فما دام الوجود التطور‬
‫ف لظة انطلق الركة خاليا من الدرجات او النوعيات‪ ,‬الت سوف يصل‬

‫عليها ف مراحل الركة‪ ,‬ول يكن ف متواه الداخلي ال امكان تلك الدرجات‬

‫والستعداد لا‪ ,‬فيجب ان يوجد سبب لخراجه من القوة ال الفعل‪ ,‬لتبديل‬
‫المكان الثابت ف متواه الداخلي ال حقيقة‪.‬‬

‫وبذا نعرف ان قانون الركة العامة ف الطبيعة يبهن بنفسه على ضرورة‬

‫وجود مبدأ خارج حدودها الادية‪ ,‬ذلك ان الركة بوجب هذا القانون هي‬

‫كيفية وجود الطبيعة‪ .‬فوجود الطبيعة عبارة اخرى عن حركتها وتدرجها‪,‬‬

‫وخروجها الستمر من المكان ال الفعلية‪ .‬وقد انارت لدينا نظرية الستغناء‬

‫الذات للحركة بتناقضاتا الداخلية‪ ,‬الت تنبثق الركة عن الصراع بينها ـ ف‬
‫زعم الاركسيي ـ اذ ل تناقض ول صراع‪ ,‬فيجب ان يوجد التعليل‪ ,‬وان‬

‫يكون التعليل بشيء خارج حدود الطبيعة‪ ,‬لن أي شيء موجود ف الطبيعة‬
‫فوجوده حركة وتدرج‪ ,‬اذ ل ثبات ف عال الطبيعة بوجب قانون الركة‬
‫العامة‪ ,‬فل يكن ان نقف بالتعليل عند شيء طبيعي‪.‬‬

‫النقطة الثانية‪ :‬ان الركة ف الراي الاركسي ل تقف عند حدود الواقع‬

‫الوضوعي للطبيعة‪ ,‬بل تعم القائق والفكار البشرية أيضا‪ .‬فكما يتطور‬

‫الواقع الارجي للمادة وينمو‪ ,‬كذلك تضع القيقة والدراكات الذهنية‬

‫لنفس قواني التطور والنمو‪ ,‬الت تري على دنيا الطبيعة‪ ,‬وعلى هذا الساس‬

‫ل توجد ف الفهوم الاركسي للفكرة حقائق مطلقة‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬

‫[فالديالكتيك هو اذن ـ ف نظر ماركس ـ علم القواني‬

‫العامة للحركة‪ ,‬سواء ف العال الارجي ام الفكر‬
‫البشري] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ماركس انلس والاركسية ص ‪.24‬‬
‫‪201‬‬

‫وعلى العكس من ذلك قانون الركة العامة‪ ,‬ف رأينا‪ ,‬فانه قانون طبيعي‬

‫يسود عال الادة‪ ,‬ول يشمل دنيا الفكر والعرفة‪ .‬فالقيقة او العرفة ل توجد‬
‫فيها‪ ,‬ول يكن ان يوجد فيها‪ ,‬تطور بعناه الفلسفي الدقيق‪ ,‬كما أوضحنا‬

‫ذلك بكل جلء‪ ,‬ف السألة الول (نظرية العرفة)‪.‬‬

‫وما نرمي اليه الن من درس الركة الديالكتيكية الزعومة ف العرفة او‬

‫القيقة‪ ,‬هو استعراض الحاولت الرئيسية الت اتذتا الاركسية‪ ,‬للستدلل‬
‫على ديالكتيك الفكر وحركته‪ .‬وتتلخص ف ثلث ماولت‪:‬‬

‫الحاولة الول‪ :‬ان الفكر او الدراك انعكاس للواقع الوضوعي ولجل‬

‫ان يكون مطابقا له يب ان يعكس قوانينه وتطوره وحركته‪ .‬فالطبيعة تتطور‬
‫وتتغي باستمرار‪ ,‬طبقا لقانون الركة‪ ,‬ول يكن للحقيقة ان تصورها ف‬

‫الذهن البشري اذا كانت ممدة ساكنة‪ ,‬وانا توجد القيقة ف افكارنا‪ ,‬اذا‬

‫اخذت هذه الفكار على اعتبار انا تنمو وتتطور ديالكتيكيا‪ ,‬لتكون مفاهيمنا‬
‫عن الشياء مواكبة للشياء ذاتا‪.‬‬

‫ويسن بنا ان نلحظ ف هذا الجال النصوص التية‪:‬‬

‫(ان الواقع ينمو‪ ,‬والعرفة الت تنشأ من هذا الواقع‬

‫تعكسه وتنمو مثله‪ ,‬وتصبح عنصرا فعالً من عناصر نوه‪ .‬ان‬
‫الفكر ل يدث موضوعه‪ ,‬وانا الفكر يعكس الواقع‬

‫الوضوعي ويصوره‪ ,‬باكتشاف قواني نوه) (‪.)1‬‬

‫(ان الفرق بي النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي‪ ,‬ينحصر‬

‫ف واقع انما يواجهان بصورة متلفة‪ ,‬السالة الساسية‬
‫للمنطق‪ ,‬وهي مسألة القيقة‪ .‬فمن وجهة نظر النطق‬

‫الديالكتيكي ليست القيقة شيئا معطى مرة واحدة ل غي‪,‬‬
‫ليست شيئا مكتمل مددا ممدا ساكنا‪ ,‬بل المر خلف‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪. 56‬‬
‫‪202‬‬

‫ذلك‪ .‬فالقيقة هي عملية نو معرفة النسان للعال‬

‫الوضوعي)(‪.)1‬‬

‫(يتناول النطق الديالكت الاركسي‪ ,‬الشيء الذي يدرسه‬

‫من وجهة نظر تاريية‪ ,‬من حيث هو عملية نو تطويرية‪ ,‬انه‬
‫يطابق التاريخ العام للمعرفة‪ ,‬يطابق تاريخ العلوم)(‪.)2‬‬

‫ول ريب ان الفكر والدراك يصور الواقع الوضوعي لونا من الوان‬

‫التصوير‪ ,‬ولكن هذا ل يعن ان تنعكس فيه حركة الواقع الوضوعي‪ ,‬فينمو‬

‫ويتحرك تبعا له‪ ,‬وذلك‪:‬‬

‫اول‪ :‬ان عال الطبيعة ـ عال التغي‪ ,‬والتجدد‪ ,‬والركة ـ يتوي حتما على‬

‫قواني عامة ثابتة‪ .‬وهذا ما ل يكن لي منطق انكاره‪ ,‬ال اذا انكر نفسه‪,‬‬
‫لن النطق ل يكن ان يكون منطقا‪ ,‬ال اذا اقام طريقته ف التفكي وفهم‬

‫العال على قواني معينة ثابتة‪ .‬وحت الديالكتيك نفسه‪ ,‬يعتب عدة قواني‬

‫تسيطر على الطبيعة وتتحكم فيها بصورة دائمة‪ ,‬ومنها قانون الركة‪ .‬فعال‬
‫الطبيعة اذن سواء صح عليه النطق البشري العام‪ ,‬ام منطق الديالكتيك‬

‫والدل‪ ,‬توجد فيه قواني ثابتة تعكس حقائق ثابتة‪ ,‬ف دنيا الفكر وحقل‬

‫العرفة البشرية‪.‬‬

‫والديالكتيكيون ازاء هذا العتراض بي أمرين‪ :‬اما ان يعتبوا قانون‬

‫الركة ثابتا ودائما‪ ,‬فقد وجدت القيقة الدائمة اذن‪ .‬واما ان يكون نفس هذا‬
‫القانون متغيا‪ ,‬فمعن هذا ان الركة ليست دائمة‪ ,‬وانا قد تتبدل ال‬

‫ثبات‪ ,‬وتعود القائق ثابتة بعد ان كانت متحركة‪ .‬ومن كل الالي يكون‬
‫الديالكتيك مرغما على العتراف بوجود حقيقة ثابتة‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان الفكر او الدراك او القائق ل تعكس الصائص الواقعية‬

‫للطبيعة‪ ,‬فقد سبق ان اوضحنا ف (نظرية العرفة)‪ ,‬ان الذهن البشري يدرك‬

‫‪1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 9‬‬
‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 12‬‬
‫‪203‬‬

‫من الشياء الوضوعية‪ ,‬مفاهيمها وما هياتا‪ ,‬والفهوم الذي ينعكس فيه عن‬

‫تلك الشياء يتلف عن الواقع الارجي‪ ,‬ف الوجود والصائص‪ .‬فالعال‬

‫يكنه ان يكون فكرة علمية دقيقة عن اليكروب وتركيبه‪,‬ونشاطه الاص‬

‫وتفاعلته مع جسم النسان‪ ,‬ولكن الفكرة مهما كانت دقيقة ومفصلة‪ ,‬ل‬

‫توجد فيها خواص اليكروب الارجي‪ ,‬ول يكنها ان تؤدي نفس الدور‬

‫الذي يؤديه واقعها الوضوعي‪ .‬والفيزيائي قد يكتسب مفهوما علميا دقيقا عن‬
‫ذرة الراديوم‪ ,‬وكمية وزنا الذري‪ ,‬وعدد ما تويه من كهارب‪ ,‬وشحنات‬

‫سالبة وموجبة‪ ,‬وكمية الشعاع الذي ينبثق عنها‪ ,‬ونسبته العلمية الدقيقة ال‬

‫الشعاع الذي ترسله ذرات الورانيوم‪ ,‬ال غي ذلك من العلومات‬

‫والتفاصيل ‪ ...‬غي ان هذا الفهوم مهما تعمقنا فيه‪ ,‬او تعمق ف الكشف عن‬
‫اسرار عنصر الراديوم‪ ,‬لن يكتسب خواص الواقع الوضوعي‪ ,‬أي خواص‬

‫الراديوم‪ ,‬ولن يشع الشعاع الذي تولده ذرات هذا العناصر‪ ,‬وبالتال لن‬
‫يتطور مفهومنا عن الذرة ال اشعاع‪ ,‬كما تتطور بعض الذرات ف الجال‬

‫الارجي‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان قواني الواقع الوضوعي وخواصه‪ ,‬ل توجد ف الفكرة‬

‫ذاتا‪ .‬ومن تلك القواني والواص الركة‪ ,‬فهي وان كانت من الواص‬

‫العامة للمادة‪ ,‬ومن قوانينها الثابتة‪ ,‬ولكن القيقة ف ذهننا‪ ,‬او الفكرة الت‬

‫تعكس الطبيعة‪ ,‬ل توجد فيها تلك الاصية‪ ,‬فل يب ف الفكرة الصحيحة ان‬

‫تعكس الواقع الوضوعي‪ ,‬بصائصه والوان نشاطه الختلفة‪ ,‬وال ل نكن‬
‫نلك فكرة حقيقية ف جيع افكارنا‪.‬‬

‫فاليتافيزيقية‪ ,‬مع ايانا بان الطبيعة هي عال الركة والتطور الدائم‪,‬‬

‫تتلف عن الديالكتيك‪ ,‬وترفض عموم قانون الركة للمفاهيم الذهنية‪ ,‬لنا‬
‫ل يكن ان تتوفر فيها جيع خصائص الواقع الوضوعي‪ .‬وليس معن هذا ان‬

‫اليتافيزيقيي اذا كونوا مفهوما عن الطبيعة ف مرحلة من مراحلها جدوا‬
‫افكارهم‪ ,‬واوقفوا بوثهم‪ ,‬واعتبوا ذلك الفهوم كافيا لستكناه اسرار‬

‫الطبيعة‪ ,‬ف شت مراحلها‪ ,‬فل نعرف عاقل يكتفي مثل بالفهوم العلمي‪,‬‬
‫الذي يكونه عن البويض‪ ,‬فل يتابع سي الكائن الي ف الرحلة الثانية‪,‬‬

‫‪204‬‬

‫ويكتفي با كونه من الفهوم العلمي عنه ف تلك الرحلة العينة‪.‬‬

‫فنحن اذن نؤمن بتطور الطبيعة‪ ,‬ونرى من الضروري دراستها ف كل‬

‫دور من ادوار نوها وحركتها‪ ,‬وتكوين مفهوم عنه‪ .‬وليس هذا من متصات‬

‫الديالكتيك‪ .‬وانا الذي يرفضه التفكي اليتافيزيقي‪ .‬هو وجود حركة ديناميكية‬
‫طبيعية ف كل مفهوم ذهن‪ .‬فاليتافيزيقية تطالب بالتمييز بي البويض‪,‬‬

‫ومفهومنا العلمي عنه‪ .‬فالبويض يتطور وينمو طبيعيا‪ ,‬فيغدو نطفة ث جنينا‬

‫واما مفهومنا الذهن عنه‪ ,‬فهو مفهوم ثابت‪ ,‬ل يكن ان ينمو ويصي نطفة ف‬

‫حال من الحوال وانا يب لجل معرفة ما هي النطفة‪ ,‬ان نكون مفهوما‬

‫آخر على ضوء مراقبة البويض ف مرحلة جديدة‪ .‬فمثل التفكي ف ذلك كمثل‬
‫الشريط السينمائي‪ ,‬الذي يلتقط عددا من الصور التلحقة‪ .‬فليست الصورة‬

‫الول ف الشريط هي الت تتطور وتتحرك‪ ,‬وانا التتابع بي الصور هو الذي‬
‫يشكل الشريط السينمائي‪.‬‬

‫وعلى هذا فالدراك البشري ل يعكس الواقع‪ ,‬ال كما يعكس الشريط‬

‫الوان الركة والنشاط‪ ,‬الت يفل با الفيلم السينمائي‪ .‬فالدراك ل يتطور‬

‫ول ينمو ديالكتيكيا تبعا للواقع النعكس‪ ,‬وانا يب تكون ادراك ثابت ف كل‬

‫مرحلة من مراحل الواقع‪.‬‬

‫ولنأخذ مثالً آخر من عنصر (اليورانيوم)‪ ,‬الذي يشع بأشعة (ألفا)‬

‫و (بيتا) و(جاما)‪ ,‬ويتحول بالتدريج ال عنصر اخر‪ ,‬اخف منه ف وزنه‬

‫الذري‪ ,‬وهو عنصر (الراديوم)‪ ,‬الذي يتحول بدوره وبالتدريج ال عنصر‬

‫اخف منه‪ ,‬وير ف ادوار حت ينتهي ال الرصاص‪ .‬فهذا واقع موضوعي‬

‫يشرحه العلم‪ ,‬ونكون على ضوئه مفهومنا الاص عنه‪ ,‬فماذا تعن الاركسية‬

‫بتطور الفهوم الذهن او القيقة ديالكتيكيا طبقا لتطور الواقع؟ فان كانت تعن‬

‫بذلك ان نفس مفهومنا العلمي عن (اليورانيوم)‪ ,‬يتطور تطورا ديالكتيكيا‬

‫وطبيعيا‪ ,‬تبعا لتطور اليورانيوم نفسه‪ ,‬فيشع اشعته الاصة‪ ,‬ويتحول ف ناية‬
‫الطاف ال رصاص‪ .‬فهذا اقرب ال حديث الظرف والفكاهة‪ ,‬منه ال‬

‫الديث الفلسفي العقول‪ .‬وان ارادت الاركسية‪ ,‬ان النسان يب ان ل‬

‫‪205‬‬

‫ينظر ال اليورانيوم‪ ,‬كعنصر جامد ل يتحرك‪ ,‬بل يتابع سيه وحركته‪ ,‬ويكون‬

‫مفهوما عنه ف كل مرحلة من مراحله‪ ,‬فليس ف ذلك موضع للنقاش‪ ,‬ول‬

‫يعن حركة ديالكتيكية ف القائق والفاهيم‪ ,‬فان كل مفهوم نكونه عن مرحلة‬

‫معينة من مراحل تطور اليورانيوم‪ ,‬ثابت ول يتطور ديالكتيكيا ال مفهوم آخر‪,‬‬
‫وانا يضاف اليه مفهوم جديد‪ .‬وف ناية الطاف نلك عدة من الفاهيم‬

‫والقائق الثابتة‪ ,‬يصور كل منها درجة خاصة‪ ,‬من الواقع الوضوعي‪ ,‬فاين‬
‫الدل والديالكتيك ف الفكر؟ واين ذلك الفهوم الذي يتطور طبيعيا‪ .‬تبعا‬

‫لتطور الواقع الارجي؟!‪.‬‬

‫هذا كل ما يتصل بالحاولة الاركسية الول وتفنيدها‪.‬‬

‫الحاولة الثانية‪ :‬الت اتذتا الاركسية للتدليل على ديالكتيك الفكر‬

‫وتطوره هي ان الفكر او الدراك ظاهرة من ظواهر الطبيعة‪ ,‬ونتاج عال‬

‫للمادة‪ ,‬وبالتال جزء من الطبيعة‪ ,‬فتحكمه نفس القواني الت تسيطر على‬
‫الطبيعة‪ ,‬ويتحرك وينمو ديالكتيكيا‪ ,‬كما تتحرك وتنمو جيع ظواهر الطبيعة‪.‬‬
‫ويلزمنا ان ننبه على ان هذا الدليل يتلف عن الدليل السابق‪ .‬فهي‬

‫الحاولة السابقة كانت الاركسية تبهن على وجود الركة ف الفكر‪ ,‬عن طريق‬

‫كونه انعكاسا للواقع التحرك‪ ,‬والنعكاس ل يصل بصورة تامة‪ ,‬اذا ل‬

‫ينعكس الواقع التحرك ف الفكر على حركته ونوه‪ .‬واما ف هذه الحاولة‬
‫فتستدل الاركسية على الركة الديالكتيكية ف الفكر‪ ,‬باعتباره جزءا من‬

‫الطبيعة‪ ,‬فقواني الديالكتيك تري على الادة والدراك معا‪ ,‬وتشمل الواقع‬

‫والفكر على السواء لن كل منهما جانب من الطبيعة‪ .‬فالفكرة او القيقة متطورة‬
‫ونامية‪ ,‬ل لنا تعكس واقعا متطورا وناميا فحسب‪ ,‬بل لنا هي بذاتا جزء‬

‫من العال التطور طبقا لقواني الديالكتيك‪ .‬فالديالكتيك كما ينص على وجود‬
‫الركة الديناميكية القائمة على أساس التناقض الداخلي‪ ,‬ف متوى كل ظاهرة‬

‫موضوعية من ظواهر الطبيعة‪ ,‬كذلك ينص عليها ف ظواهر الفكر والدراك‬
‫جيعا‪.‬‬

‫ولنقرأ فيما يتصل بالوضوع ف هذا النص‪:‬‬

‫‪206‬‬

‫(ان الكون هو حركة للمادة‪ ,‬تضع لقواني‪ .‬ولا ل‬

‫تكن معرفتنا ال نتاجا أعلى للطبيعة‪ ,‬ل يسعها ال ان تعكس‬
‫هذه القواني)(‪.)1‬‬

‫(اذا تساءلنا ما هو الفكر؟ وما هو الوعي؟ ومن اين‬

‫يأتيان؟‪ ,‬وجدنا ان النسان هو نفسه نتاج للطبيعة‪ ,‬نا ف‬

‫بيئة‪ ,‬ومع نو هذه البيئة‪ .‬وعندئذ يصبح ف غن عن البيان‪,‬‬
‫كيف ان منتوجات الذهن البشري‪ ,‬الت هي أيضا عند آخر‬
‫تليل منتوجات للطبيعة ليست ف تناقض وأنا ف توافق مع‬

‫سائر الطبيعة الترابطة؟)(‪.)2‬‬

‫والنقطة الساسية الت يرتكز عليها هذا الستدلل‪ ,‬هي الخذ بالتفسي‬

‫الادي البحت للدراك‪ ,‬الذي يفرض اشتراكه مع الطبيعة ف جيع قوانينها‬

‫ونواميسها‪ ,‬با فيها قانون الركة‪ .‬وسوف نقوم بتحليل تلك النقطة الساسية‬

‫ف جزء مستقل من هذه السألة‪ .‬ولكنا ناول ان نتساءل هنا من الاركسيي‪:‬‬
‫هل التفسي الادي للفكر او الدراك‪ ,‬يتص بافكار الديالكتيكيي خاصة؟ او‬
‫يعم افكار غيهم من ل يؤمن بالديالكتيك ايضا؟ فان كان يعم الفكار‬

‫كافة ـ كما تتمه الفلسفة الادية ـ وجب ان تضع جيعا لقواني التطور العام ف‬
‫الادة‪ .‬ويبدو لجل ذلك من التناقض الطريف‪ ,‬ان تتهم الاركسية الفكار‬
‫الخرى بالمود والقرار‪ ,‬وتعتب فكرها وحده هو الفكر التطور النامي‪,‬‬

‫باعتباره جزءا من الطبيعة التطورة‪ .‬مع ان الفكار البشرية جيعا ف الفهوم‬

‫الادي ليست ال نتاجا طبيعيا‪ .‬وقصارى ما ف الوضوع ان اصحاب النطق‬
‫العام او الشكلي ـكما يزعمون ـ ل يؤمنون بتطور الفكار ديالكتيكيا‪ ,‬كما يؤمن‬
‫الاركسيون‪ .‬ولكن مت كان اليان بقانون من قواني الطبيعة‪ ,‬شرطا من‬

‫شرائط وجوده؟! أليس جسم (باستور) الكتشف للميكروب‪ ,‬وجسم (ابن‬

‫سينا)‪ ,‬الذي ل يكن يعرف عنه شيئا يشتركان معا ف التفاعل مع تلك‬

‫‪(1‬أو ‪ )2‬راجع صفحة ‪ 149‬ـ ‪. 150‬‬
‫‪2‬‬

‫‪207‬‬

‫الراثيم‪ ,‬طبقا لقوانينها الطبيعية الاصة؟! وهكذا الشأن ف كل قانون‬

‫طبيعي‪ .‬فاذا كان الديالكتيك قانونا طبيعيا‪ ,‬يعم الفكر والادة معا‪ ,‬فهو يسري‬
‫على الفكار البشرية على السواء‪ ,‬وان كان ف اكتشافه شيء فهو السراع‬
‫بركة التطور فحسب‪.‬‬

‫الحاولة الثالثة‪ :‬استغلل التطور والتكامل العلمي ف شت اليادين‪,‬‬

‫واعتباره دليل تريبيا على ديالكتيكية الفكر وتطوره‪ .‬فتاريخ العلوم ـ ف الزعم‬
‫الاركسي ـ هو بنفسه تاريخ الركة الديالكتيكية ف التفكي البشري‪ ,‬التكامل‬

‫على مر الزمن‪.‬‬

‫قال كيدروف‪:‬‬

‫[والقيقة الطلقة‪ ,‬الناتة من حقائق نسبيه هي حركة‬
‫تطور تاريية‪ ,‬هي حركة العرفة‪ .‬ولذا السبب بالضبط‬

‫يتناول النطق الديالكت الاركسي‪ .‬الشيء الذي يدرسه من‬
‫وجهة نظر تاريية‪ ,‬من حيث هو عملية نو تطويرية‪ .‬انه‬

‫يطابق التاريخ العام للمعرفة‪ ,‬يطابق تاريخ العلوم‪ ,‬وليني اذ‬

‫يبي ف الوقت نفسه‪ ,‬باستخدامه مثل العلوم الطبيعية‬

‫والقتصاد السياسي والتاريخ‪ .‬ان الديالكتيك يستمد‬

‫استنتاجاته من تاريخ الفكر‪ ,‬يؤكد ان على تاريخ الفكر ف‬
‫النطق ان يطابق جزئيا وكليا قواني الفكر] (‪.)1‬‬

‫اما ان تاريخ العارف والعلوم النسانية زاخر بتقدم العلم وتكامله ف‬

‫شت اليادين‪ ,‬ومتلف ابواب الياة والتجربة‪ ,‬فهذا ما ل يتلف فيه اثنان‪,‬‬
‫ونظرة واحدة نلقيها على العلم ف يومه وأمسه‪ ,‬تعلنا نؤمن كل اليان بدى‬

‫التطور السريع والتكامل الرائع‪ ,‬الذي حصل عليه ف اشواطه الخية‪ .‬ولكن‬

‫هذا التطور العلمي ليس من ألوان الركة بفهومها الفلسفي‪ ,‬الذي تاوله‬
‫الاركسية بل ل يعدو ان يكون تقلصا كميا ف الخطاء‪ ,‬وزيادة كمية ف‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 12‬ـ ‪. 13‬‬

‫‪208‬‬

‫القائق‪ .‬فالعلم يتطور ل بعن ان القيقة العلمية تنمو وتتكامل‪ ,‬بل بعن‬

‫ان حقائقه تزيد وتتكاثر‪ ,‬واخطاءه تقل وتتناقص‪ ,‬تبعاً لتوسع النطاق‬

‫التجريب‪ ,‬والتعمق ف التجربة وتدقيق وسائلها‪ .‬ومن الضروري ليضاح‬

‫ذلك ان نعطي فكرة عن سي التطور العلمي‪ ,‬واسلوب التدرج والتكامل ف‬
‫النظريات والقائق العلمية‪ ,‬لنتبي مدى الفرق بي ديالكتيك الفكر الزعوم‬
‫من ناحية‪ ,‬والتطور التاريي للعلوم البشرية من ناحية اخرى‪.‬‬

‫ان القائق العلمية تبدأ بأسلوب نظري‪ ,‬كافتراض بت‪ ,‬يطر على‬

‫ذهن العال الطبيعي‪ ,‬بسبب عدة من العلومات السابقة‪ ,‬والشاهدات العلمية‬
‫او البسيطة‪ .‬فالفرضية هي الرحلة الول‪ ,‬الت تر با النظرية العلمية ف‬
‫سيها التطوري‪ ,‬ث يشرع العال ف بث علمي‪ ,‬ودراسة تريبية لتلك‬

‫الفرضية‪ ,‬فيقوم بختلف الوان الفحص‪ ,‬عن طريق الشاهدات العلمية‬

‫الدقيقة والتجارب التنوعة‪ ,‬ف القل الذي يص الفرضية‪ ,‬فاذا جاءت نتائج‬
‫الشاهدات او التجربة‪ ,‬مؤيدة للفرضية‪ .‬ومنسجمة مع طبيعتها وطبيعة‬

‫آثارها‪ ,‬اكتسبت الفرضية طابعا جديدا‪ ,‬وهو طابع القانون العلمي‪ ,‬وتدخل‬
‫النظرية الرحلة الثانية من سيها العلمي‪ .‬ولكن هذا التطور الذي ينقل‬

‫النظرية من درجة الفرضية‪ ,‬ال درجة القانون‪ ,‬ليس معناه ان القيقة العلمية‬
‫اخذت بالنمو والركة‪ .‬وانا معناه ان فكرة معينة كان مشكوكا فيها‪ ,‬فبلغت‬
‫درجة الوثوق او اليقي العلمي‪ .‬فنظرية (باستور) عن الكائنات الية‬

‫اليكروبية‪ ,‬الت وضعها على أساس حدسي‪ ,‬ث أيدتا الشاهدات الدقيقة‬

‫بالوسائل العلمية الديثة‪ ,‬ونظرية الاذبية العامة الت أثار افتراضها ف ذهن‬

‫(نيوتن) مشهد بسيط‪ ,‬مشهد سقوط تفاحة على الرض‪ ,‬جعله يتساءل‪ :‬لاذا‬

‫ل تكون القوة الت جعلت التفاحة تسقط على الرض‪ ,‬هي بعينها الت تفظ‬
‫للقمر توازنه‪ ,‬وترسم له حركته؟ ث ايدت التجارب او الشاهدات العلمية‬

‫بعد ذلك‪ ,‬تعميم الاذبية للجرام السماوية‪ ,‬واعتبارها قانونا عاما قائما على‬
‫نسبة معينة‪ .‬والنظرية القائلة بأن مرد اختلف الجسام ف سرعة سقوطها‪ ,‬ال‬
‫مقارنة الواء‪ ,‬ل ال اختلف كتلتها ‪ ...‬الت ولدت كحدس علمي‪ ,‬ث‬

‫استطاع العلم ان يوضح صدقها بالتجارب‪ ,‬الت اجريت على الجسام‬

‫‪209‬‬

‫التنوعة‪ ,‬ف مكان خال من الواء‪ ,‬فدلت على انا تشترك جيعاً ف درجة معينة‬

‫من السرعة‪ ,‬اقول‪ :‬ان هذه النظريات وآلف النظريات الخرى‪ ,‬الت مرت‬

‫كلها بالرحلة الت اشرنا اليها من التطور‪ ,‬باجتيازها درجة الفرضية ال درجة‬
‫القانون‪ ,‬ل تعب ف اجتيازها وتطورها هذا‪ ,‬عن نو ف نفس القيقة‪ ,‬بل عن‬

‫الختلف ف درجة التصديق العلمي با‪ .‬فالفكرة هي الفكرة‪ ,‬غي انا‬

‫نحت ف المتحان العلمي‪ ,‬وانكشفت لذلك انا حقيقة‪ ,‬بعد ان كان‬

‫مشكوكا فيها‪.‬‬

‫ث ان هذه النظرية بعد ان تتل موضعها من القواني العلمية‪ ,‬تأخذ‬

‫مالا ف التطبيق‪ ,‬وتكسب صفتها كمرجع علمي لتفسي ظواهر الطبيعة‪ ,‬الت‬

‫تبدو لدى الشاهدة او التجربة‪ ,‬واستكشاف حقائق واسرار جديدة‪ .‬ومهما‬

‫استطاعت ان تستكشف مزيدا من القائق الجهولة‪ ,‬ث تؤكد التجربة بعد ذلك‬
‫صحة استكشافها‪ ,‬ازدادت رسوخا ووضوحا ف الذهنية العلمية‪ .‬ولذلك عد‬

‫من النتصارات الكبى لقانون الاذبية العامة‪ ,‬ان استكشف العلماء كوكب‬

‫(نبتون)‪ ,‬على ضوء قانون الاذبية‪ ,‬ومعادلته الرياضية‪ ,‬ث ايدت وجوده‬

‫الشاهدات العلمية بعدئذ‪ .‬وهذا أيضا ليس ال لونا من الوان شدة الوثوق‬

‫العلمي‪ ,‬بصحة النظرية وصوابا‪.‬‬

‫ث ان حالف التوفيق النظرية ف الجال العلمي على طول الط‪ ,‬ثبتت‬

‫نائيا‪ .‬واما اذا بدأت تضيق عن النطباق على الواقع الدروس علميا‪ ,‬بعد‬
‫تدقيق الجهزة والوسائل‪ ,‬وتعميق اللحظة والفحص؛ فتبدأ النظرية عند ذاك‬
‫مرحلة التعديل والتجديد‪ ,‬وف هذه الرحلة قد تضطر الشاهدات والتجارب‬

‫الديدة‪ ,‬ال تكميل النظرية العلمية السابقة‪ ,‬بفاهيم جديدة‪ ,‬تضاف ال‬

‫النظرية السالفة‪ ,‬ليتم بذلك تفسي موحد للواقع التجريب كله‪ .‬وقد تكشف‬
‫الدلئل العلمية عن خطا النظرية السابقة‪ ,‬فتنهار ويعوض عنها بنظرية اخرى‪,‬‬

‫على ضوء التجارب والشاهدات‪.‬‬

‫وف كل ذلك ل يكن ان نفهم التطور العلمي فهما ديالكتيكيا‪ ,‬او ان‬

‫نتصور القيقة كما يفترضها الدل‪ ,‬تنمو وتتحرك بوجب التناقضات الحتواة‬

‫‪210‬‬

‫ف داخلها‪ ,‬فتتخذ ف كل دور شكلً جديدا‪ ,‬وهي ف تلك الشكال جيعا‬

‫حقيقة علمية متكاملة‪ .‬فان هذا بعيد كل البعد عن الواقع العلمي للتفكي‬

‫البشري‪ .‬بل الشيء الذي يدث ف مال التعديل العلمي‪ ,‬هو الظفر بقائق‬

‫جديدة تضاف ال القيقة العلمية الثابتة‪ ,‬او انكشاف خطأ النظرية السابقة‪,‬‬
‫وصحة فكرة اخرى لتفسي الواقع‪.‬‬

‫فمن قبيل الول‪( :‬الظفر بقائق جديدة تضاف ال القيقة العلمية‬

‫الثابتة) ما وقع للنظرية الذرية (نظرية اتيسم) فانا كانت فرضية‪ ,‬ث صارت‬

‫قانونا علميا بوجب التجارب‪ ,‬وبعد ذلك استطاعت الفيزياء‪ ,‬ان نتوصل على‬
‫ضوء التجارب‪ ,‬ال ان الذرة ليست هي الوحدة الولية ف الادة‪ ,‬بل هي‬

‫تأتلف أيضا من اجزاء‪ .‬وهكذا كملت النظرية الذرية بفهوم علمي جديد‪,‬‬

‫عن النواة والكهارب الت تتركب منها الذرة‪ ,‬فلم تنم القيقة وانا زادت‬

‫القائق العلمية‪ ,‬والزيادة الكمية غي النمو الديالكتيكي والركة الفلسفية ف‬

‫القيقة‪.‬‬

‫ومن قبيل الثان‪( :‬انكشاف خطأ النظرية السابقة وصحة فكرة اخرى) ما‬

‫حصل ف قانون الاذبية العامة‪ ,‬أي التفسي اليكانيكي الاص للعال ف‬

‫نظريات (نيوتن)‪ .‬فان هذا التفسي قد لوحظ عدم اتفاقه مع عدة من الظواهر‬
‫الكهربائية والغناطيسية‪ ,‬وعدم صلحيته لتفسي كيفية صدور النور وانتشاره‪,‬‬

‫ال غي ذلك ما قام دليل عند جلة من الفيزيائيي التأخرين‪ ,‬على خطأ الفهوم‬
‫(النيوتن) للعال‪ .‬وعلى هذا الساس وضع (آنشتي) نظريته النسبية‪ ,‬الت‬

‫صبها ف تفسي رياضي للعال‪ ,‬يتلف كل الختلف عن تفسي (نيوتن)‪ ,‬فهل‬
‫يكننا ان نقول ان نظرية (نيوتن)‪ ,‬ونظرية (آنشتي) ف تفسي العال‪ ,‬نظريتان‬

‫حقيقيتان معا‪ ,‬وان القيقة تطورت ونت‪ ,‬فأصبحت ف قالب النظرية‬

‫النسبية‪ ,‬بعد ان كانت ف قالب الاذبية العامة؟! وهل الزمان والكان والثقل‪,‬‬

‫هذا الثالوث الثابت الطلق ف تفسي (نيوتن)‪ ,‬هو القيقة العلمية الت نت‬

‫وتركت‪ ,‬طبقا لقانون التطور الديالكتيكي فتبدلت ال نسبية ف الزمان والكان‬
‫والثقل؟! او هل القوة الاذبية ف نظرية (نيوتن) تطورت ال انناء ف‬

‫الفضاء‪ ,‬فأصبحت القوة اليكانيكية بالركة خاصة هندسة للعال‪ ,‬تفسر با‬

‫‪211‬‬

‫حركة الرض حول الشمس‪ ,‬وسائر الركات الخرى‪ ,‬كما يفسر با انراف‬

‫الشعة النووية؟!‪.‬‬

‫ان الشيء الوحيد العقول‪ ,‬هو ان دقة التجارب او تضافرها‪ ,‬ادى ال‬

‫ظهور خطا النظرية السابقة‪ ,‬وعدم تثل القيقة فيها‪ .‬والتدليل على تثل‬
‫القيقة ف تفسي اخر جديد(‪.)1‬‬

‫وهكذا يتضح ف النهاية ما أكدنا عليه‪ ,‬من ان التطور العلمي ل يعن ان‬

‫القيقة تنمو وتندرج‪ ,‬وانا معناه تكامل العلم‪ ,‬باعتباره كلً‪ ,‬أي باعتباره‬

‫مموعة نظريات وقواني‪ ,‬ومعن تكامله كذلك زيادة حقائقه وقلة اخطائه‬

‫كميا‪.‬‬

‫وأخيا نريد ان نعرف ماذا تستهدف الاركسية من تطور القيقة؟ ان‬

‫الاركسية ترمي من وراء القول بتطور القيقة‪ ,‬وتطبيق الديالكتيك عليها ال‬

‫امرين‪:‬‬

‫أولً‪ :‬نفي القيقة الطلقة‪ .‬لن القيقة اذا كانت ف حركة ونو دائمي‪,‬‬

‫فل توجد حقائق ثابتة باشكال مطلقة‪ ,‬وبالتال تتهدم القائق الثابتة‬
‫اليتافيزيقية‪ ,‬الت تدين با اللية‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬نفي الطأ الطلق ف سي التطور العلمي‪ .‬فالتطور العلمي ف‬

‫عرف الديالكتيك ل يعن ان النظرية السابقة خطأ بصورة مطلقة‪ ,‬بل هي‬

‫حقيقة نسبية‪ .‬أي انا حقيقة ف مرحلة خاصة من التطور والنمو‪ .‬وبذا‬
‫وضعت الاركسية ضمانات القيقة ف متلف ادوار التكامل العلمي‪.‬‬

‫وينهار كل هذين المرين‪ ,‬على ضوء التفسي الصحيح العقول للتطور‬

‫العلمي‪ ,‬بالعن الذي شرحناه‪ ,‬فهو بوجب هذا التفسي ليس نوا لقيقة‬

‫‪1‬‬

‫ـ قارن ما ذكرناه‪ ,‬بالتف سي الارك سي للتحول ف علم اليكان يك‪ ,‬الذي قد مه الدكتور‬

‫(تقي آرن)‪ ,‬ف كتابه (ماتر يالسيم ديالكتيك) ص ‪ . 23‬اذ اقامه على اساس وجود القيقة ف‬
‫ميكانيك (نيوتن)‪ ,‬واليكانيك النسب معا‪ ,‬وتطورها فيهما طبقا للديالكتيك‪.‬‬

‫‪212‬‬

‫معينة‪ ,‬بل انكشافات جديدة لقائق ل تكن معلومة‪ ,‬وتصحيحات لخطاء‬

‫سابقة‪ ,‬وكل خطا يصحح هو خطأ مطلق‪ ,‬وكل حقيقة تستكشف هي حقيقة‬
‫مطلقة‪.‬‬

‫اضف ال ذلك ان الاركسية وقعت ف خلط اساسي‪ ,‬بي القيقة بعن‬

‫الفكرة‪ ,‬والقيقة بعن الواقع الوضوعي الستقل‪ .‬فاليتافيزيقا تعتقد بوجود‬

‫حقيقة مطلقة بالعن الثان‪ ,‬فهي تؤمن بواقع موضوعي ثابت وراء حدود‬
‫الطبيعة‪ ,‬ول يتناف هذا مع عدم ثبات القيقة بالعن الول‪ ,‬وتطورها‬

‫الستمر‪ ,‬فهب ان القيقة ف ذهن النسان‪ ,‬متطورة ومتحركة أبدا ودائما‪,‬‬
‫فأي ضرر يلحق من ذلك بالواقع اليتافيزيقي الطلق‪ ,‬الذي تعتقد به اللية‪,‬‬

‫ما دمنا نقبل امكان وجود واقع موضوعي مستقل عن الشعور والدراك؟‪ .‬وانا‬
‫يتم للماركسية ما تريد اذا اخذنا بالفلسفة الثالية‪ ,‬وقلنا‪ :‬ان الواقع هو‬

‫القيقة الوجودة ف ذهننا فحسب‪ ,‬فاذا كانت القيقة ف فكرنا متطورة‬

‫ومتغية‪ ,‬فل متسع لليان بواقع مطلق‪ ,‬واما اذا فرقنا بي الفكرة والواقع‪,‬‬

‫وآمنا بإمكان وجود واقع بصورة مستقلة عن الوعي والتفكي‪ ,‬فل ضي ف ان‬

‫يوجد واقع مطلق خارج حدود الدراك‪ ,‬وان ل توجد حقيقة مطلقة ف‬
‫افكارنا‪.‬‬

‫○ ‪2‬ـ تناقضات التطور ○‬

‫قال ستالي‪:‬‬

‫[ان نقطة البتداء ف الديالكتيك‪ ,‬خلفا للميتافيزية‪,‬‬
‫هي وجهة النظر القائمة‪ ,‬على ان كل اشياء الطبيعة‬

‫وحوادثها‪ ,‬توي تناقضات داخلية‪ ,‬لن لا جيعها‪ ,‬جانبا]‬
‫سلبيا‪ ,‬وجانبا ايابيا‪ ,‬ماضيا وحاضرا‪ .‬وفيها جيعا عناصر‬

‫تضمحل او تتطور‪ .‬فنضال هذه التضادات هو الحتوى‬

‫‪213‬‬

‫الداخلي‪ ,‬لتحول التغيات الكمية ال تغيات كيفية](‪.)1‬‬

‫وقال ما وتسي تونغ‪:‬‬

‫[ان قانون التناقض ف الشياء‪ ,‬أي قانون وحده‬

‫الضداد‪ ,‬وهو القانون الساسي الهم ف الديالكتيك‬
‫الادي]‪.‬‬

‫قال ليني‪:‬‬

‫[الديالكتيك بعناه الدقيق‪ ,‬هو دراسة التناقض ف‬

‫صميم جوهر الشياء]‪.‬‬

‫(وكثيا ما كان ليني يدعو هذا القانون‪ ,‬بوهر الديالكتيك‪ ,‬كما كان‬

‫يدعوه بلب الديالكتيك)(‪.)2‬‬

‫هذا هو القانون الساسي؛ الذي يزعمه الديالكتيك صالا لتفسي‬

‫الطبيعة والعال‪ ,‬وتبير الركة الصاعدة‪ ,‬وما تزخر به من تطورات وقفزات‪.‬‬
‫فهو حي اقصى من فلسفته مفهوم البدأ الول‪ ,‬واستبعد بصورة نائية‬

‫افتراض السبب الارجي العمق‪ ,‬وجد نفسه مضطرا ال اعطاء تبير‬

‫وتفسي‪ ,‬للجريان الستمر‪ ,‬والتغي الدائم ف عال الادة‪ ,‬ليشرح كيف تتطور‬

‫الادة وتتلف عليها اللوان؟ أي ليحدد رصيد الركة‪ ,‬والسبب العمق‬

‫لظواهر الوجود‪ ,‬فافترض ان هذا الرصيد يوجد ف الحتوى الداخلي للمادة‪.‬‬
‫فالادة تنطوي على التموين الستمر للحركة‪ .‬ولكن كيف تلك الادة هذا‬

‫التموين؟ وهذا هو السؤال الرئيسي ف الشكلة‪ ,‬الت تيب عنه الادية‬

‫الديالكتيكية‪ ,‬بان الادة وحدة اضداد‪ ,‬ومتمع نقائض‪ .‬واذا كانت الضداد‬
‫والنقائض كلها تنصهر ف وحدة معينة‪ ,‬فمن الطبيعي ان يقوم بينها الصراع‬

‫لكسب العرفة‪ ,‬وينبثق التطور والتغي عن هذا الصراع‪ ,‬وبالتال تقق الطبيعة‬

‫مراحل تكاملها عن هذا الطريق‪ .‬وعلى هذا الساس تلت الاركسية عن مبدأ‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 12‬‬
‫‪ 2‬ـ حول التناقض ص ‪. 4‬‬
‫‪214‬‬

‫عدم التناقض‪ ,‬واعتبته من خصائص التفكي اليتافيزيقي‪ ,‬ومن أسس النطق‬

‫الشكلي‪ ,‬التداعية بعول الدل القوي‪ ,‬كما يقرر كيدروف قائل‪:‬‬
‫[نفهم بكلمة النطق الشكلي النطق الذي يرتكز فقط على‬

‫قواني الفكر الربعة‪ :‬الوية‪ ,‬والتناقض‪ ,‬والعكس‪,‬‬

‫والبهان‪ .‬والذي يقف عند هذا الد‪ .‬اما النطق الديالكت‪,‬‬
‫فنحن نعتب انه علم الفكر‪ ,‬الذي يرتكز على الطريقة‬

‫الاركسية‪ ,‬الميزة بذه الطوط الساسية الربعة‪ :‬القرار‬

‫بالترابط العام‪ ,‬وبركة التطور‪ ,‬وبقفزات التطور‪,‬‬
‫وبتناقضات التطور] (‪.)1‬‬

‫هكذا نرى ان الديالكتيك‪ ,‬اقصى عن ميدانه اكثر الفكار البشرية‬

‫بدهية‪ .‬فأنكر مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وافترض التناقض ـ عوضا عنه ـ قانونا عاما‬

‫للطبيعة والوجود‪ .‬وهو ف النكار والفتراض‪ ,‬يطبق مبدأ عدم التناقض‬

‫بصورة ل شعورية‪ ,‬فان الدل حي يؤمن بالتناقضات الدلية‪ ,‬وبالتفسي‬

‫الديالكت للطبيعة‪ ,‬يد نفسه مضطرا ال رفض مبدأ عدم التناقض‪ ,‬والتفسي‬
‫اليتافيزيقي لا‪ .‬ومن الواضح ان هذا ليس ال لجل ان الطبيعة البشرية ل‬

‫يكن ان توفق بي السلب والياب معا‪ ,‬بل تشعر ذاتيا بالتعارض الطلق‬

‫بينهما‪ ,‬وال فلماذا رفضت الاركسية مبدأ عدم التناقض‪ ,‬واعتقدت ببطلنه؟!‬
‫أليس ذلك لنا آمنت بالتناقض‪ ,‬ول يسعها ان تؤمن بعدمه‪ ,‬ما دامت آمنت‬

‫بوجوده؟!‪.‬‬

‫وهكذا نعرف ان مبدأ عدم التناقض‪ ,‬هو البدأ الساسي العام‪ ,‬الذي ل‬

‫يتجرد عنه التفكي البشري‪ .‬حت ف لظة التحمس للجدل والديالكتيك‪.‬‬
‫وقد كان من نتاج التناقض الديالكتيكي‪ ,‬ان اسقط مبدأ الوية (أ هي أ)‬

‫من قاموس الدل أيضا‪ ,‬واجيز ان يكون الشيء غي نفسه‪ ,‬بل التناقض‬

‫الديالكتيكي العام يتم ذلك‪ ,‬لن كل شيء متضمن لنقيضه‪ ,‬ومعب عن نفيه‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 9‬‬

‫‪215‬‬

‫ف لظة اثباته‪ ,‬فليست (أ هي أ) بصورة مطلقة‪ ,‬بل كان كائن هو نقيض ذاته‬

‫ونفيها‪ ,‬كما يكون إثباتا لا‪ ,‬لن كيانه متناقض بالصميم‪ ,‬ويتوي على النفي‬
‫والثبات التصارعي دائما‪ ,‬والفجرين للحركة بذا الصراع‪ .‬ول ياول‬

‫الاركسيون ان يبهنوا على تناقضات الشياء‪ ,‬أي على قانون الديالكتيك‬

‫وأساسه الدل‪ ,‬ال بشد من المثلة والظواهر‪ ,‬الت حاولوا ان يبزوا با‬

‫تناقضات الطبيعة وجدلا‪ .‬فالتناقض انا كان من قواني النطق الديالكتيكي‪,‬‬
‫لن الطبيعة بنفسها متناقضة وديالكتيكية‪ .‬بدليل ما يقدم لنا الس‪ ,‬او‬

‫يكشف عنه العلم‪ ,‬من ضروب التناقض‪ ,‬الت تطيح ببدا عدم التناقض‪,‬‬
‫وتعله غي منسجم مع واقع الطبيعة وقوانينها الاكمة ف متلف ميادنيها‬

‫ومالتا‪.‬‬

‫وقد ألعنا سابقا ال ان الاركسية ل تد سبيل لديناميكية الطبيعة‪ ,‬وجعل‬

‫القوى الفعالة للحركة‪ ,‬متوى داخليا لنفس الادة التطورة‪ ,‬ال بان تنطلق من‬
‫التناقض‪ ,‬وتؤمن باجتماع النقائض ف وحدة متطورة‪ ,‬تبعا لنضال تلك‬
‫النقائض وصراعها‪.‬‬

‫فالسألة ف نظر الاركسية ذات حدين ل ثالث لما‪ :‬فاما ان نصوغ فكرتنا‬

‫عن العال‪ ,‬على البدأ القائل بعدم التناقض‪ ,‬فل يوجد النفي والثبات‪ ,‬ف‬

‫صميم الشياء‪ ,‬ول يقوم فيها صراع التناقضات‪ ,‬وبالتال يتعي ان نفحص‬
‫عن رصيد الركة والتطور‪ ,‬ف سبب اعلى من الطبيعة وتطوراتا‪ .‬واما ان‬

‫نشيد منطقنا على العتقاد بنفوذ التناقض‪ ,‬ال صميم الشياء‪ ,‬وتوحد الضداد‬

‫او النفي والثبات(‪ ,)1‬ف كل كائن‪ .‬فنكون بذلك قد وجدنا سر التطور ف‬
‫التناقض الداخلي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ يلحظ ف جيع النصوص الاركسية‪ ,‬أنا تسيء استعمال كلمت التناقض‬

‫والتضاد‪ ,‬فتعتبها بعن واحد‪ ,‬مع ان الكلمتي ليستا مترادفتي ف الصطلحات‬

‫الفلسفية‪ .‬فان التناقض هي حالة النفي والثبات‪ .‬والتضاد يعن اثباتي متعاكسي‪.‬‬
‫فاستقامة الط وعدم استقامته نقيضان‪ ,‬لنما من النفي والثبات‪ .‬واما استقامة‬

‫الط وانناؤه فهما ضدان‪ ,‬ول يصدق عليهما التناقض بفهومه الفلسفي‪ ,‬لن كل‬

‫من الستقامة والنناء‪ ,‬ليس نفيا للخر‪ ,‬وانا هو اثبات يقابل اثبات الخر‪.‬‬

‫وكذلك اساءت الاركسية فهم التضاد‪ ,‬او استعمال كلمة التضاد‪ ,‬فاعتبت الشيء‬

‫الختلف عن الخر ضدا له‪ .‬فالفرخ ضد البيضة‪ ,‬والدجاجة ضد الفرخ‪ .‬مع ان‬

‫التضاد ف الصطلحات الفلسفية‪ ,‬ليس مرد اختلف بي الشياء فحسب‪ ,‬بل الضد‬

‫هو الوصف الذي ل يكن ان يتمع مع الوصف الخر ف شيء واحد‪ ,‬ونن نري‬
‫ف الكتاب طبقا للستعمالت الاركسية‪ ,‬لجل التسهيل والتوضيح‪.‬‬
‫‪216‬‬

‫ولا كانت الطبيعة ف زعم الاركسية‪ ,‬تقدم الشواهد والدلئل ف كل مال‬

‫وميدان‪ ,‬على ثبوت التناقض واجتماع النقائض والضداد‪ ,‬فيجب الخذ‬
‫بوجهة النظر الثانية‪.‬‬

‫والواقع ان مبدأ عدم التناقض هو اعم القواني‪ ,‬وأكثرها شول لميع‬

‫مالت التطبيق‪ ,‬ول تشذ عنه ظاهرة من ظواهر الوجود والكون مطلقا‪ .‬وكل‬

‫ماولة ديالكتيكية تستهدف الرد عليه‪ ,‬او اظهار الطبيعة بظهر تناقض‪ ,‬فهي‬
‫ماولة بدائية‪ ,‬قائمة على سوء فهم لبدأ عدم التناقض‪ ,‬او على شيء من‬

‫التضليل‪ .‬فلنشرح قبل كل شيء مبدأ التناقض بفهومه الضروري‪,‬‬

‫الذي اعتبه النطق العام قاعدة رئيسية للفكر البشري‪ ,‬ونتناول بعد ذلك‬

‫مظاهر التناقض الزعوم ف الطبيعة والوجود‪ ,‬الت تستند اليها الاركسية ف‬
‫تركيز منطقها الديالكت والطاحة ببدأي عدم التناقض والوية‪ .‬فنوضح‬

‫انسجام تلك الظواهر معهما‪ ,‬وخلوها عن التناقضات الديالكتيكية‪ ,‬وبذلك‬
‫يفقد الديالكتيك سنده من الطبيعة‪ ,‬ودليله الادي‪ ,‬وبالتال نقرر مدى عجزه‬

‫عن تفسي العال‪ ,‬وتبير وجوده‪.‬‬

‫ڤ‪............................................‬ما هو مبدأ عدم التناقض؟‬
‫اما مبدأ عدم التناقض‪ ,‬هو البدأ القائل بأن التناقض مستحيل‪ ,‬فل‬
‫يكن ان يتفق النفي والثبات‪ ,‬ف حال من الحوال‪ .‬وهذا واضح‪ .‬ولكن ما‬

‫هو هذا التناقض الذي يرفضه هذا البدأ‪ ,‬ول يكن للعقل قبوله؟ فهل هو كل‬

‫‪217‬‬

‫نفي واثبات؟ كل‪ .‬فان كل نفي ل يناقض أي اثبات‪ ,‬وكل اثبات ل‬

‫يتعارض مع كل نفي‪ ,‬وانا يتناقض الثبات مع نفيه بالذات ل مع نفي‬
‫اثبات آخر‪ ,‬ووجود الشيء يتعارض بصورة اساسية مع عدم ذلك الشيء‪ ,‬ل‬

‫مع عدم شيء آخر‪ .‬ومعن تعارضهما انما ل يكن ان يتوحدا او يتمعا‪.‬‬

‫فالربع ذو اربعة اضلع‪ .‬وهذه حقيقة هندسية ثابتة‪ ,‬والثلث ليس له اربعة‬

‫اضلع‪ ,‬وهذا نفي صحيح ثابت أيضا‪ ,‬ول تناقض مطلقا بي هذا النفي‬

‫وذاك الثبات‪ ,‬لن كل منهما يتناول موضوعا خاصا‪ ,‬يتلف عن الوضوع‬

‫الذي يتناوله الخر‪ .‬فالضلع الربعة ثابتة ف الربع‪ ,‬ومنفية ف الثلث فلم‬
‫ننف ما أثبتنا او نثبت ما نفينا‪ .‬وانا يوجد التناقض اذا كنا نثبت للمربع‬
‫اضلعا اربعة‪ ,‬ونفيها عنه أيضا‪ ,‬او نثبتها للمثلث وننفيها عنه ف نفس‬
‫الوقت‪.‬‬

‫وبذا العتبار نص النطق اليتافيزيقي‪ ,‬على ان التناقض انا يكون بي‬

‫النفي والثبات الوحدين ف ظروفهما‪ .‬فاذا اختلفت ظروف النفي مع ظروف‬
‫الثبات‪ .‬ل يكن الثبات والنفي متناقضي‪ .‬ولنأخذ عدة امثلة للنفي والثبات‬
‫الختلفي ف ظروفهما‪:‬‬

‫أ ـ الربعة زوج‪ .‬الثلثة ليست زوجا‪ .‬فالنفي والثبات ف هاتي‬

‫القضيتي‪ ,‬ل تناقض بينهما‪ ,‬لختلف كل منهما عن الخر بالوضوع الذي‬
‫يعاله‪ .‬فالثبات تعلق بالربعة‪ ,‬والنفي تعلق بالثلثة‪.‬‬

‫ب ـ النسان سريع التصديق حال الطفولة‪ .‬النسان ليس سريع‬

‫التصديق ف دور الشباب والنضوج‪ .‬فقد تعلق النفي والثبات ف هاتي‬
‫القضيتي بالنسان‪ .‬ولكن كل منهما له زمانه الاص‪ ,‬الذي يتلف عن زمان‬

‫الخر‪ ,‬فل يوجد تناقض بي النفي والثبات‪.‬‬

‫جـ ـ الطفل ليس عالا بالفعل‪ .‬الطفل عال بالقوة‪ .‬أي يكن ان يكون‬

‫عالا‪ .‬وهنا أيضا نواجه نفيا واثباتا غي متناقضي‪ ,‬لننا ف القضية الول ل‬
‫ننف نفس الثبات‪ ,‬الذي تتويه القضية الثانية‪ ,‬فالقضية الول تنفي وجود‬

‫صفة العلم لدى الطفل‪ ,‬والقضية الخرى ل تثبت وجود الصفة‪ .‬وانا تثبت‬

‫‪218‬‬

‫امكانا‪ ,‬أي قابلية الطفل واستعداده الاص لكتسابا‪ .‬فقوة العلم هي الت‬

‫تثبتها هذه القضية للطفل‪ .‬ل وجود العلم له فعل‪.‬‬

‫وهكذا نعرف ان التناقض بي النفي والثبات‪ ,‬انا يتحقق فيما اذا اشتركا‬

‫ف الوضوع الذي يتناولنه‪ ,‬واتفقا ف الشروط والظروف الكانية والزمانية‬

‫وغيها‪ .‬واما اذا ل يتحدد النفي والثبات ف كل هذه الشروط والظروف‪,‬‬

‫فليس بينهما تناقض‪ .‬ول يوجد الشخص او النطق الذي يكم باستحالة‬
‫صدقهما ف هذا الال‪.‬‬

‫ڤ‪.................................‬كيف فهمت الاركسية التناقض؟‬

‫بعد ان درسنا مفهوم التناقض‪ ,‬ومتوى البدأ الساسي للمنطق العام‬

‫(مبدأ عدم التناقض)‪ ,‬يب ان نلقي ضوءا على فهم الاركسية لذا البدأ‪,‬‬
‫والبرات الت استندت اليها ف الرد عليه‪.‬‬

‫وليس من الصعب ان يدرك النسان ان الاركسية ل تستطع‪ ,‬او ل تشأ‬

‫ان تعي هذا البدا بفهومه الصحيح‪ .‬فأنكرته تقيقا لاديتها‪ .‬وحشدت عددا‬
‫من المثلة الت ل تنسجم معه‪ ,‬ف زعمها‪ ,‬وبالتال وضعت التناقض‬

‫والصراع بي النقائض والضداد قاعدة لنطقها الديد‪ .‬وملت الدنيا ضجيجا‬

‫بذه القاعدة وتبجحا على النطق البشري العام بابتكارها او اكتشافهما‪.‬‬

‫ولجل ان نتبي مدى الطأ الذي وقعت فيه الاركسية‪ ,‬والذي دفعها ال‬

‫رفض مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وما يقوم عليه من مبادئ عامة للمنطق‬

‫اليتافيزيقي‪ ,‬يب ان نفرق بوضوح بي امرين‪ :‬احدها الصراع بي اضداد‬
‫ونقائض خارجية‪ ,‬والخر الصراع بي اضداد ونقائض متمعة ف وحدة‬

‫معينة‪ .‬فالثان هو الذي يتناف مع مبدأ عدم التناقض‪ .‬واما الول فل علقة‬

‫له بالتناقض مطلقا‪ ,‬لنه ل يعن اجتماع النقيضي او الضدين‪ .‬بل مرده ال‬

‫وجود كل منهما بصورة مستقلة‪ ,‬وقيام كفاح بينهما يؤدي ال نتيجة معينة‪.‬‬

‫فشكل الشاطئ ـ مثل ـ نتج عن فعل متبادل بي امواج الاء وتياراته‪ ,‬الت‬

‫‪219‬‬

‫تصطدم بالرض فتقرض الضفة من ناحية‪ .‬وصمود الرض ف وجه التيار‪,‬‬

‫ودفعها لتلك المواج ال درجة معينة من ناحية اخرى‪ .‬وشكل الناء من‬
‫الزف نتج عن عملية قامت بي كتلة من الطي‪ ,‬ويد الزاف‪.‬‬

‫فاذا كانت الادية الديالكتيكية‪ ,‬تعن هذا اللون من الصراع بي الضداد‬

‫الارجية‪ ,‬فهذا ل يتعارض مطلقا مع مبدأ عدم التناقض‪ ,‬ول يدعو ال‬

‫اليان بالتناقض‪ ,‬الذي قام الفكر البشري منذ نشأ على رفضه‪ ,‬لن الضداد‬
‫ل تتمع ف وحدة‪ ,‬وانا وجد كل منهما بوجود مستقل ف ماله الاص‪,‬‬

‫واشتركا ف عمل متبادل‪ ,‬حصل به على نتيجة معينة‪ ,‬وأيضا فهو ل يبر‬
‫الكتفاء الذات‪ ,‬والستغناء عن سبب خارجي‪ .‬فشكل الشاطئ او شكل‬

‫الناء‪ ,‬ل يتحدد ول يوجد بتطور‪ ,‬قائم على أساس التناقضات الداخلية‪ ,‬وانا‬

‫حصل بعملية خارجية حققها ضدان مستقلن‪ .‬وهذا النحو من الصراع بي‬

‫الضداد الارجية‪ ,‬وعملياتا الشتركة‪ ,‬ليس من مستكشفات الادية او‬

‫الديالكتيك‪ ,‬بل هو أمر واضح يقره كل منطق وكل فيلسوف ـ سواء كان ماديا‬
‫أم كان اليا ـ منذ أبعد عصور الفلسفة الادية واللية‪ ,‬وال اليوم‪ .‬ولناخذ‬

‫مثل على ذلك أرسطو‪ ,‬إمام الدرسة اليتافيزيقية ف فلسفة اليونان‪ ,‬وانا نأخذه‬
‫بالصوص ل لنه فيلسوف الي فحسب‪ ,‬بل لنه واضح قواعد النطق‬

‫العام ـ الذي يسميه الاركسيون بالنطق الشكلي ـ ومبادئه وأسسه‪ .‬فهو يؤمن‬
‫بالصراع بي الضداد الارجية‪ ,‬مع إقامته للمنطق على مبدأ عدم التناقض‪,‬‬

‫ول يطر على فكره ان شخصا سينبغ بعد مئات السني‪ ,‬فيعتب ذلك الصراع‬
‫دليل على سقوط هذا البدأ الضروري‪ .‬وفيما يلي شيء من نصوص أرسطو‪,‬‬

‫ف شأن الصراع بي الضداد الارجية‪:‬‬

‫[وعلى جلة من القول‪ ,‬ان شيئا مانسا يكن ان يقبل‬

‫فعل من قبل الشيء الجانس‪ .‬والسبب فيه ان جيع الضداد‬

‫هي ف جنس واحد‪ ,‬وان الضداد تفعل بعضها ف بعض‪,‬‬
‫وتقبل بعضها من قبل البعض الخر](‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ الكون والفساد‪ :‬ص ‪ 168‬ـ ‪. 169‬‬
‫‪220‬‬

‫[فبحسب الصورة قد انضم شيء ما لكل جزء كيف ما‬

‫اتفق‪ ,‬ولكن ل بسب الادة‪ ,‬ومع ذلك فان الكل صار‬
‫أعظم‪ ,‬لن شيئا جاء وانضم اليه‪ .‬وهذا الشيء يسمى‬

‫الغذاء‪ ,‬ويسمى أيضا الضد‪ ,‬ولكن هذا الشيء ل يزيد من‬

‫ان يتغي ف النوع بعينه‪ ,‬كمثل ما يأت الرطب ينضم ال‬

‫اليابس‪ ,‬وبانضمامه اليه يتغي‪ ,‬بان يصي هو نفسه يابسا‪,‬‬
‫وف الواقع يكن معا ان الشبيه ينمو بالشبيه‪ ,‬وبهة اخرى‬

‫ان يكون ذلك باللشبيه] (‪.)1‬‬

‫وهكذا يتضح ان العمليات الشتركة للضداد الارجية‪ ,‬ليست كشفا‬

‫للديالكتيك‪ ,‬ول نقضا للمنطق اليتافيزيقي‪ ,‬ول شيئا جديدا ف اليدان‬

‫الفلسفي وانا هي حقيقة مقررة بكل وضوح ف متلف الفلسفات‪ ,‬منذ فجر‬
‫التاريخ الفلسفي‪ ,‬وليس فيها ما يقق أغراض الاركسية الفلسفية‪ ,‬الت‬

‫تستهدف تقيقها على ضوء الديالكتيك‪.‬‬

‫واما اذا كانت الاركسية تعن بالتناقض‪ ,‬مفهومه القيقي‪ ,‬الذي يعل‬

‫للحركة رصيدا داخليا‪ ,‬ويرفضه البدأ الساسي ف منطقنا‪ .‬فهذا ما ل يكن‬

‫لفكر سليم قبوله‪ ,‬ول تلك الاركسية شاهدا عليه من الطبيعة‪ ,‬وظواهر الوجود‬
‫مطلقا‪ .‬وكل ما تعرض لنا الاركسية من تناقضات الطبيعة الزعومة‪ ,‬فهو ل‬
‫يت ال الديالكتيك بصلة‪.‬‬

‫ولنعرض عدة من تلك الشواهد‪ ,‬الت حاولت ان تبهن با على منطقها‬

‫الديالكتيكي‪ ,‬لنتبي مدى عجز الاركسية وفشلها‪ ,‬ف الستدلل على منطقها‬
‫الاص‪:‬‬

‫‪1‬ـ تناقضات الركة‪ ,‬قال هنري لوفافر‪:‬‬

‫[حي ل يري شيء‪ ,‬فليست ثة مناقضة‪ .‬ومن ناحية‬

‫مقابلة‪ ,‬حي ل يكون ثة مناقضة ل يدث شيء‪ ,‬ول‬

‫‪ 1‬ـ الكون والفساد ص ‪. 154‬‬
‫‪221‬‬

‫يوجد أي شيء ول يلحظ ظهور أي نشاط‪ ,‬ول يظهر شيء‬

‫جديد‪ .‬وسواء أكان المر يتعلق بال من الركود‪ ,‬ام التوازن‬
‫الؤقت‪ ,‬ام بلحظة من الزدهار‪ ,‬فان الكائن او الشيء غي‬
‫التناقض ف ذاته‪ ,‬يكون ف مرحلة ساكنة موقتا](‪.)1‬‬

‫وهذه النصوص توضح ان الاركسية تؤمن بوجود تعارض بي قانون‬

‫التطور والتكامل‪ ,‬وقانون عدم التناقض‪ .‬وتعتقد ان التطور والتكامل ل‬
‫يتحقق‪ ,‬ال على أساس تناقض مستمر‪ .‬وما دام التطور او الركة مققي ف‬

‫دنيا الطبيعة‪ ,‬فيجب طرح فكرة عدم التناقض‪ .‬والخذ بالديالكتيك‪ ,‬ليفسر‬

‫لنا الركة بختلف أشكالا وألوانا‪.‬‬

‫وقد ألعنا سابقا ـ عند درس حركة التطور ـ ال ان التطور والتكامل ل‬

‫يتناف مطلقا مع مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وان الفكرة القائلة بوجود التناف بينهما‪,‬‬

‫تقوم على أساس اللط بي القوة والفعل‪ .‬فالركة هي ف كل درجة اثبات‬
‫بالفعل ونفي بالقوة‪ .‬فالكائن الي حينما تتطور جرثومته ف البيض‪ ,‬حت‬

‫تصبح فرخا‪ ,‬ويصبح الفرخ دجاجة‪ ,‬ل يعن هذا التطور ان البيضة ل تكن‬
‫ف دورها الول بيضة بالفعل‪ ,‬بل هي بيضة ف الواقع‪ ,‬ودجاجة بالقوة‪ ,‬أي‬

‫يكن ان تصبح دجاجة‪ .‬فقد اجتمع ف صميم البيضة‪ ,‬إمكان الدجاجة‬

‫وصفة البيضة‪ .‬ل صفة البيضة وصفة الدجاجة معا‪ .‬بل قد عرفنا اكثر من‬

‫ذلك‪ ,‬عرفنا ان الركة التطورية ل يكن فهمها‪ ,‬ال على ضوء مبدأ عدم‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس‪ :‬ص ‪. 58‬‬
‫‪222‬‬

‫التناقض‪ .‬فان التناقضات لو كان من المكن ان تتمع حقاً ف صميم‬

‫الشيء‪ ,‬لا حصل تغي‪ ,‬ولا تبدل الشيء من حالة ال حالة‪ ,‬ولا وجد بالتال‬
‫تغي وتطور‪.‬‬

‫واذا كانت الاركسية تريد ان تدلنا على تناقض ف عملية الركة‪ ,‬يتناف‬

‫مع مبدأ عدم التناقض حقا‪ ,‬فلتقدم مثال للتطور توجد فيه حركة ول توجد‪,‬‬

‫أي يصح فيه النفي والثبات على التطور معا‪ .‬فهل يوز ف مفهومها بعد ان‬
‫أسقطت مبدأ عدم التناقض‪ ,‬ان يتطور الشيء ول يتطور ف وقت معا؟! فإن‬

‫كان هذا جائزا فلتدلنا على شاهد له ف الطبيعة والوجود‪ ,‬وان ل يز فليس‬
‫ذلك ال اعترافا ببدأ عدم التناقض‪ ,‬وقواعد النطق اليتافيزيقي‪.‬‬
‫‪2‬ـ تناقضات الياة‪ ,‬او السم الي‪ .‬قال هنري لوفافر‪:‬‬

‫[ورغم ذلك أفليس من الواضح ان الياة هي الولدة‬

‫والنمو والتطور؟ غي ان الكائن الي ل يكن ان ينمو‪ ,‬دون‬
‫ان يتغي ويتطور‪ ,‬يعن دون ان يكف عن كونه ما كان‪ .‬وكي‬
‫يصي رجل عليه ان يترك الصبا ويفقده‪ ,‬وكل شيء يلزم‬

‫السكون ينحط ويتأخر ‪ ...‬ال ان يقول‪ :‬فكل كائن حي‬

‫اذن يناضل الوت‪ ,‬لنه يمل موته ف طوية ذاته](‪.)1‬‬
‫وقال انلز‪:‬‬

‫[رأينا فيما سبق بأن قوام الياة‪ ,‬هو ان السم الي ف‬

‫كل لظة هو هو نفسه‪ ,‬وف عي تلك اللحظة هو ليس إياه‪,‬‬

‫هو شيء آخر سواه‪ .‬فالياة اذن هي تناقض مستحكم‪ ,‬ف‬
‫الكائنات والعمليات ذاتا](‪.)2‬‬

‫ل شك ف ان الكائن الي يتوي على عمليتي ـ حياة‬

‫وموت ـ متجددتي‪ ,‬وما دامت هاتان العمليتان تعملن عملهما فالياة قائمة‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس‪ :‬ص ‪. 60‬‬
‫‪ 2‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪. 203‬‬
‫‪223‬‬

‫ولكن ليس ف ذلك شيء من التناقض‪ ,‬لأننا اذا حللنا هاتي العمليتي‪,‬‬

‫اللتي نضيفهما بادئ المر ال كائن حي واحد‪ ,‬ونعرف ان عملية الوت‬
‫وعملية الياة ل تتفقان ف موضوع واحد‪ .‬فالكائن الي يستقبل ف كل دور‬

‫خليا جديدة‪ ,‬ويودع خليا بالية‪ .‬فالوت والياة يتقاسان الليا‪,‬‬

‫واللية الت تفن ف لظة‪ ,‬غي اللية الت توجد وتيا ف تلك اللحظة‪ .‬وهكذا‬
‫يبقى الكائن الي الكبي متماسكا‪ ,‬لن عملية الياة تعوضه عن الليا‪ ,‬الت‬
‫ينسفها الوت بليا جديدة‪ ,‬فتستمر عملية الياة تعوضه عن الليا‪ ,‬الت‬
‫ينسفها الوت بليا جديدة‪ ,‬فتستمر الياة حت تنتهي امكاناته‪ .‬وتنطفئ‬

‫شعلة الياة منه‪ .‬وانا يوجد التناقض لو ان الوت والياة استوعبا ف لظة‬
‫خاصة‪ ,‬جيع خليا الكائن الي‪ .‬وهذا ما ل نعرفه من طبيعة الياة‪,‬‬

‫والحياء‪ .‬فان الكائن الي ل يمل ف طياته ال امكان الوت‪ ,‬وامكان الوت‬
‫ل يناقض الياة‪ ,‬وانا يناقضها الوت بالفعل‪.‬‬

‫‪3‬ـ التناقض ف مقدرة النسان على العرفة‪ ,‬قال أنلز يعرض مبدأ‬

‫التناقض ف الديالكتيك‪:‬‬

‫[كما رأينا بأن التناقض مثل‪ ,‬بي مقدرة النسان على‬

‫العرفة مقدرة متاصلة ول مدودة‪ .‬وبي تقيق هذه القدرة‬
‫تققا فعليا ف البشر‪ ,‬الذين هم مقيدون بظروفهم الارجية‪,‬‬
‫وبقابلياتم الذهنية‪ ,‬يد حلوله ف تعاقب الجيال تعاقبا ل‬

‫مدودا‪ ,‬ف التقدم اللمتناهي‪ ,‬بالنسبة لنا على القل‪,‬‬
‫وبسب وجهة النظر العملية](‪.)1‬‬

‫ند ف هذا مثالً جديدا‪ ,‬ل على مبدأ التناقض‪ ,‬بل على عدم اجادة‬

‫الاركسية فهم مبدأ عدم التناقض‪ .‬فانه اذا كان من الصحيح ان البشرية قادرة‬
‫على العرفة الكاملة‪ ,‬وان كل بشر غي قادر على اكتساب تلك العرفة بفرده‪,‬‬
‫فليس هذا مصداقا للديالكتيك‪ ,‬ول ظاهرة شاذة عن النطق اليتافيزيقي‪,‬‬

‫ومبدئه الساسي‪ ,‬بل هو نظي تأكيدنا على ان اليش قادر على الدفاع عن‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪ 203‬ـ ‪. 204‬‬
‫‪224‬‬

‫البلد‪ ,‬وان كل فرد منهم ل يلك هذه القدرة‪ .‬فهل هذا هو التناقض؟! وهل‬

‫هذا هو الذي ارتكز النطق اليتافيزيقي على رفضه؟! كل‪ .‬فان التناقض انا‬
‫يقوم بي النفي والثبات‪ ,‬فيما اذا تناول موضوعاً واحدا‪ .‬واما اذا تناول‬

‫الثبات البشرية بجموعها‪ ,‬وتناول النفي كل فرد بصورة مستقلة ـ كما ف‬

‫الثال الذي عرضه أنلز ـ فل يوجد عندئذ تعارض بي النفي والثبات‪.‬‬
‫‪4‬ـ التناقض ف الفيزياء‪ ,‬بي الكهربائية الوجبة والسالبة (‪.)1‬‬
‫وهذا التناقض الزعوم‪ ,‬ينطوي على خطاين‪:‬‬

‫الول‪ :‬اعتبار الشحنة الوجبة والسالبة‪ ,‬من قبيل النفي والثبات‪,‬‬
‫والسلب والياب‪ ,‬نظرا ال التعبي العلمي عن إحداها بالوجبة‪ ,‬وعن‬

‫الخرى بالسالبة‪ ,‬مع انا جيعا نعلم ان هذا التعبي‪ ,‬مرد اصطلح فيزيائي‪,‬‬
‫ول يعن انما نقيضان حقيقة‪ ,‬كما يتناقض النفي والثبات‪ ,‬او السلب‬

‫والياب‪ .‬فالكهربائية الوجبة هي المالثة للكهربائية التولدة ف القضيب‬
‫الزجاجي‪ ,‬الدلوك بقطعة من الرير‪ .‬والكهربائية السالبة هي الماثلة‬

‫للكهربائية التولدة على اليوني‪ ,‬الدلوك بلد الر‪ .‬فكل من الكهربائيتي‬

‫نوع خاص من الشحنات الكهربائية‪ ,‬وليست احداها وجود الشيء‪,‬‬

‫والخرى عدما لذلك الشيء‪.‬‬

‫الثان‪ :‬اعتبار التجاذب لونا من الجاع‪ .‬وعلى هذا الساس فسرت‬

‫علقة التجاذب القائمة بي الشحنة الوجبة‪ ,‬والشحنة السالبة بالتناقض‪,‬‬

‫واعتب هذا التناقض‪ ,‬مظهرا من مظاهر الديالكتيك‪ ,‬مع ان الواقع ان السلبية‬
‫واليابية الكهربائيتي‪ ,‬ل تتمعا ف شحنة واحدة‪ ,‬وانا ها شحنتان‬

‫مستقلتان تتجاذبان‪ ,‬كما يتجاذب القطبان الغناطيسيان الختلفان‪ ,‬من دون ان‬
‫يعن ذلك وجود شحنة واحدة موجبة وسالبة ف وقت واحد‪ ,‬او وجود قطب‬
‫مغناطيسي شال وجنوب معا‪ .‬فالتجاذب بي الشحنات التخالفة‪ ,‬لون من‬

‫ألوان التفاعل بي الضداد الارجية‪ ,‬الستقل بعضها ف الوجود عن بعض‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪. 14‬‬
‫‪225‬‬

‫وقد عرفنا فيما سبق‪ ,‬ان التفاعل بي الضداد الارجية ليس من الديالكتيك‬

‫بشيء‪ ,‬ول يت ال التناقض الذي يرفضه النطق اليتافيزيقي بصلة‪ ,‬فالسألة‬
‫مسألة قوتي‪ ,‬تؤثر احداها ف الخرى‪ ,‬ل مسألة قوة تتناقض ف متواها‬

‫الداخلي‪ ,‬كما يزعم الديالكتيك‪.‬‬

‫‪5‬ـ تناقض الفعل‪ ,‬ورد الفعل ف اليكانيك (‪ .)1‬فالقانون‬

‫اليكانيكي ـ القائل ان لكل فعل رد فعل‪ ,‬يساويه ف القدار ويعاكسه ف‬
‫التاه ـ مظهر من مظاهر التناقض الديالكت‪ ,‬ف زعم الاركسية‪ .‬ومرة اخرى‬

‫ند انفسنا‪ ,‬مضطرين ال التاكيد‪ ,‬على ان قانون نيوتن هذا‪ ,‬ل يبر‬

‫التناقضات الديالكتيكية‪ ,‬بلون من اللوان‪ ,‬لن الفعل ورد الفعل‪ ,‬قوتان‬
‫قائمتان بسمي‪ ,‬ل نقيضان متمعان ف جسم واحد‪ .‬فعجلتا السيارة‬

‫اللفيتان‪ ,‬تدفعان الرض بقوة‪ ,‬وهذا هو الفعل‪ .‬والرض تدفع عجلت‬

‫السيارة بقوة اخرى‪ ,‬مساوية ف القدار ومعاكسة ف التاه للول‪ ,‬وهذا هو‬
‫رد الفعل‪ ,‬وبسببه تتحرك السيارة‪ .‬فلم يتو السم الواحد على دفعي‬

‫متناقضي‪ ,‬ول يقم ف متواه الداخلي‪ ,‬صراع بي النفي والثبات‪ ,‬بي‬

‫النقيض والنقيض‪ ,‬بل السيارة تدفع الرض من ناحية‪ ,‬والرض تدفع السيارة‬

‫من ناحية اخرى‪ ,‬والديالكتيك انا ياول ان يشرح كيفية نو الشياء‬

‫وحركتها‪ ,‬باحتوائها داخليا على قوتي متدافعتي‪ ,‬ونقيضي متخاصمي‪,‬‬

‫يصارع كل منهما الخر لينتصر عليه‪ ,‬ويبلور الشيء تبعا له‪ .‬واين هذا من‬
‫قوتي خارجيتي‪ ,‬يتولد من احداها فعل خاص‪ ,‬ومن الخرى رد الفعل‪.‬‬

‫ونن نعرف جيعا ان الزخي التعاكسي‪ ,‬اللذين يولدها الفعل ورد الفعل‪,‬‬
‫يقومان ف جسمي‪ ,‬ول يكن ان يكونا ف جسم واحد‪ ,‬لنما متعاكسان‬
‫ومتنافيان‪ ,‬وليس هذا ال لجل مبدأ عدم التناقض‪.‬‬

‫‪6‬ـ تناقضات الرب‪ ,‬الت يعرضها ماوتسي تونغ ف قوله‪:‬‬
‫[والواقع ان الجوم والدفاع ف الرب‪ ,‬والتقدم‬

‫والتراجع‪ ,‬والنصر والزية‪ .‬كلها ظواهر متناقضة‪ ,‬ول وجود‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪ 14‬ـ ‪. 15‬‬
‫‪226‬‬

‫للواحدة من دون الثانية‪ .‬وهذان الطرفان يتصارعان‪ ,‬كما أنما‬

‫يتحدان بعضهما فيؤلفان مموع الرب ويفرضان تطورها‪,‬‬
‫ويلن مشكلتا](‪.)1‬‬

‫وف الواقع ان هذا النص اكثر النصوص السابقة غرابة‪ ,‬اذ يعتب فيها‬

‫ماوتسي تونغ الرب‪ ,‬كائنا حقيقيا ينطوي على النقيضي‪ ,‬على النصر‬
‫والزية‪ ,‬مع ان هذا الفهوم عن الرب‪ ,‬ل يصح ال ف ذهنية بدائية‪,‬‬

‫تعودت على اخذ الشياء‪ ,‬ف اطارها العام‪ .‬فالرب ف التحليل الفلسفي؛‬

‫عبارة عن كثرة من الوادث‪ ,‬ل تتوحد ال ف اسلوب التعبي‪ .‬فالنصر غي‬

‫الزية‪ ,‬واليش النتصر غي اليش النهزم‪ ،‬والوسائل او نقاط القوة‪ ,‬الت‬
‫مهدت للنتصار‪ ,‬غي الوسائل او نقاط الضعف‪ ,‬الت أدت ال الزية‪.‬‬

‫والنتائج الاسة‪ ,‬الت أدت إليها الرب‪ ,‬ل تكن بسبب صراع ديالكتيكي‪,‬‬

‫وتناقضات موحدة‪ ,‬بل بسبب الصراع بي قوتي خارجيتي‪ ,‬وغلبة احداها‬

‫على الخرى‪.‬‬

‫‪7‬ـ تناقضات الكم‪ ,‬كما يتحدث عنها كيدروف قائل‪:‬‬
‫[ايام كانت بساطة حكم‪ ,‬ومهما بدا عاديا هذا الكم‪,‬‬

‫فهو يتوي على بذور‪ ,‬او عناصر تناقضات ديالكتية‪ ,‬تتحرك‬
‫وتنمو‪ ,‬داخل نطاق العرفة البشرية كلها](‪.)2‬‬
‫ويؤكد على ذلك ليني ف قوله‪:‬‬

‫[البدء بأية قضية كانت‪ ,‬بأبسط القضايا‪ ,‬واكثرها عادية‬

‫وشيوعا ‪ ...‬ال ‪ ...‬اوراق الشجر خضراء‪ ,‬إيفان هو‬

‫رجل‪( ,‬جوتشكا) هي كلبة ال ‪ ...‬فحت هنا ايضا‪...‬‬

‫ديالكتيك‪ .‬فالاص هو عام ‪ ...‬يعن ان الضداد ـ والاص‬

‫هو ضد العام ـ هي متماثلة ‪ ...‬وحت هنا أيضا ثة مبادئ‬
‫اولية‪ ,‬ثة مفاهيم ضرورية ثة صلة موضوعية للطبيعة‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪ 14‬ـ ‪. 15‬‬
‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬
‫‪227‬‬

‫ال ‪ ...‬فالعرضي والضروري‪ ,‬والظاهر‪ ,‬والوهر موجودة‬

‫هنا فأنا اذ اقول‪ :‬ايفان هو رجل‪ ,‬وجوتشكا هي كلبة‪,‬‬

‫وهذه ورقة شجر ال ‪ ...‬انا أنبذ سلسلة من الرواميز‪,‬‬

‫باعتبارها عرضية وافصل الوهري عن السطحي‪ ,‬واثبت‬

‫التعارض بينهما‪ .‬وهكذا ف كل قضية ـ كما ف كل‬

‫خلية ـ نستطيع ان نكشف بذور جيع عناصر الديالكتيك] (‪.)1‬‬
‫ولكن من حقنا ان نسأل ليني‪ ,‬عن صفة العموم‪ ,‬الت اسبغها على‬

‫مدلول كلمة رجل‪ ,‬فهل هي صفة للفكرة‪ ,‬الت نكونا ف ذهننا عن كلمة‬
‫رجل‪ ,‬او للواقع الوضوعي لذه الكلمة؟ ول يتاج هذا السؤال ال مزيد من‬

‫التامل‪ ,‬ليحصل على الجابة الصحيحة‪ .‬وهي ان العموم صفة الفكر ل صفة‬

‫الواقع‪ .‬ففكرتنا عن كلمة رجل تكون مفهوما عاما‪ ,‬يعب عن مسميات جزئية‬
‫كثية‪ ,‬فايفان رجل‪ ,‬وكيدروف رجل‪ ,‬وليني رجل‪ ,‬بعن ان الفكرة الت‬

‫نلكها عن لفظ الرجل‪ ,‬هي الصيلة الذهنية الشتركة لتلك الفراد‪ ,‬واما‬
‫الواقع الوضوعي للرجل فهو شيء معي مدود دائما‪ .‬واذا اخذنا هذه‬

‫اللحظة بعي العتبار‪ ,‬استطعنا ان نعرف‪ ,‬ان التناقض ف قولنا إيفان رجل‪,‬‬

‫انا يوجد اذا اردنا ان نكم على فكرتنا الاصة عن إيفان‪ ,‬بأنا نفس الفكرة‬
‫العامة‪ ,‬الت نلكها عن الرجل‪ ,‬فان هذا تناقض واضح‪ ,‬وهو ل يصح‬

‫مطلقا‪ ,‬لن الفكرة الاصة عن ايفان‪ ,‬ل يكن ان تكون هي نفس الفكرة‬
‫العامة عن الرجل‪ ,‬وال لكان العام والاص شيئا واحدا‪ ,‬كما حاوله ليني‪.‬‬

‫فنحن اذن اذا اخذنا إيفان كفكرة خاصة‪ ,‬ورجل كفكرة عامة‪ ,‬فسوف‬

‫ند انفسنا ف تناقض‪ ,‬حي ناول ان نوحد بي الفكرتي‪ ,‬ولكن قولنا‬

‫إيفان رجل‪ ,‬ل يعن ف الواقع التوحيد بي الفكرتي‪ ,‬بل التوحيد بي الواقع‬

‫الوضوعي‪ ,‬لكلمة ايفان‪ ,‬والواقع الوضوعي‪ ,‬لكلمة رجل‪ ,‬بعن ان اللفظي‬

‫واقعا موضوعيا واحدا‪ ,‬ومن الواضح ان واقع رجل ل يناقض الواقع الارجي‬

‫ليفان‪ ,‬بل هو نفسه بالذات‪ .‬فل ينطوي التوحيد بينهما على تناقض‪ ,‬وهكذا‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬
‫‪228‬‬

‫يتضح ان التناقض ـ الذي زعمته الاركسية ف قضية (إيفان رجل) ـ يقوم على‬

‫أساس تفسي خاطئ للقضية‪ ,‬يعتبها توحيدا بي فكرتي احداها عامة‬
‫والخرى خاصة‪ ,‬ل بي واقعي موضوعيي‪.‬‬

‫ومرة اخرى نسـال عـن هذا التناقـض الزعوم‪ ,‬فـ قضيـة (إيفان رجـل)‪ ,‬مـا‬

‫هـي حصـيلته؟ ومـا هـو الصـراع الذي ينتـج عـن هذا التناقـض؟ ومـا هـو التطور‬

‫النب ثق ع نه؟ فان التناقضات الداخل ية تش عل ـ ف رأي الارك سية ـ ال صراع‪,‬‬
‫وتعتـب وقودا للتطور‪ ,‬فكيـف تسـتطيع الاركسـية ان تشرح لنـا‪ ,‬كيـف تتطور‬
‫قضية (إيفان رجل)‪ ,‬وهل تعود بسبب تناقضاتا على شكل آخر؟!‪.‬‬

‫ونلص من دراستنا للتناقضات الديالكتيكية الزعومة‪ ,‬ال نتيجة وهي ان كل ما‬

‫عرضته الاركسية من تناقضات‪ ,‬ف القل الفلسفي او العلمي‪ ,‬أوالجالت‬

‫العتيادية العامة‪ ,‬ليست من التناقض‪ ,‬الذي يرفضه البدأ الساسي للمنطق‬

‫اليتافيزيقي‪.‬ول‬

‫يكن ان تعتب دليل على تفنيد هذا البدأ‪ ,‬بل لتعدوأن تكون كمعارضات (أوبوليدس)‬

‫اللطي قبل ألفي سنة‪ ,‬لبدأ عدم تناقض‪ .‬فقد كان يرد على هذا البدأ قائل‪ :‬إذا تقدم‬
‫ابوك اليك‪ ,‬وكان مقنعا فانك ل تعرفه‪ .‬اذن انت تعرف اباك‪ ,‬ول تعرفه ف آن واحد‪.‬‬
‫ومن البديهي ان هذه اللوان من العارضة الساذجة‪ ,‬ل يكن ان تطم البدأ الضروري‬

‫العام‪ ,‬ف التفكي البشري‪ ,‬مبدأ عدم التناقض‪.‬‬

‫والقيقة الت تبيناها ف عدة من امثلة التناقض الديالكتيكي‪ ,‬هي الصراع‬

‫والتفاعل بي الضداد الارجية‪ .‬وقد عرفنا فيما سبق ان هذا اللون من‬

‫التفاعل بي الضداد‪ ,‬ليس من ميزات الديالكتيك‪ ,‬بل هو من مقررات‬
‫اليتافيزيقية‪ ,‬كما عرفناها ف نصوص أرسطو‪.‬‬

‫ولو اردنا ان نقطع النظر‪ ,‬عن اخطاء الاركسية ف فهم التناقض‪ ,‬وفشلها‬

‫ف ماولت الستدلل‪ ,‬على قانون الديالكتيك‪ ,‬فسوف ند مع ذلك ان‬
‫التناقض الدياكت ل يقدم لنا تفسيا مقبولً للعال‪ ,‬ول يكن فيه التعليل‬

‫الصحيح‪ ,‬كما سوف نتبي ذلك ف الزء الرابع من هذه السالة (الادة وال)‪.‬‬

‫ومن الطريف ان نشي ال مثل للتناقض قدمه احد الكتاب الحدثي‬

‫‪ 1‬ـ ممد عبد الرحن مرحبا‪ ,‬السالة الفلسفية ص ‪. 103‬‬
‫‪229‬‬

‫(‪)1‬‬

‫ل ان مبدأ عدم التناقض يقرر ان كل كمية اما‬
‫لتزييف مبدأ عدم التناقض قائ ً‬

‫ان تكون متناهية او غي متناهية ول يكن ان تكون متناهية وغي متناهية ف‬

‫وقت واحد لستحالة التناقض‪ ,‬فاذا كان المر كذلك فان نصف كمية متناهية‬

‫يب ان تكون متناهية دائما‪ ,‬أنا ل يكن ان تكون ل متناهية‪ ,‬وال كان‬

‫مموع كميتي ل متناهيتي متناهيا وهذا خلف‪ ,‬ففي السلسلة الحتوية على‬

‫الكميات‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫‪1‬‬
‫‪1 1 1‬‬
‫ـ ‪ ،‬ـ ‪ ،‬ـ ‪ ،‬ــ ‪ ،‬ــ‬
‫الت لكل واحدة منها نصف الكمية السابقة يب ان يكون كل جزء منها‬

‫متناهيا مهما امتدت السلسلة‪ ,‬فاذا استمرت ال غي ناية كان لدينا تتابع‬

‫لمتناه من كميات كل واحدة منها متناهية فمجموع اجزاء السلسلة هو الن‬
‫مموع عدد ل متناه لكميات متناهية‪ ,‬وهكذا فل بد ان يكون ل متناهيا‪,‬‬

‫ولكن قليل من علم الساب يظهر لنا انه متناه اذ هو (‪.)2‬‬

‫وهكذا يريد الكاتب ان يستنتج ان التناقض بي التناهي وغي التناهي‬
‫سح للقطبي التناقضي ان يتمعا ف كمية واحدة‪ ,‬ولكن فاته ان الكمية‬

‫الت ليست متناهية ف مثاله هي غي الكمية التناهية فل تناقض ال ان الكمية‬
‫واحدة هي متناهية وغي متناهية بالرغم من مبدأ عدم التناقض‪ ,‬كما ياول ان‬
‫يستنتج‪.‬‬

‫وذلك ان هذه الكميات الت افترضها ف السلسلة وكان لكل واحدة منها‬

‫نصف الكمية السابقة‪ ,‬يكننا ان ناخذها با هي وحدات لنعدها كما نعد‬

‫وحدات الوز او كما نعد حلقات سلسلة حديدية طويلة‪ .‬وف هذه الالة‬

‫سوف نواجه عددا ل يتناهى من الوحدات‪ ,‬فالعدد الصحيح (‪ )1‬هو الوحدة‬
‫الول والكسر هو الوحدة الثانية والكسر هو ‪1‬‬
‫الوحدة الثالثة‪ .‬وهكذا‬
‫ـ‬

‫‪230‬‬

‫‪1‬‬
‫ـ‬

‫يزيد الجموع واحدا بعد واحد ال غي ناية فليس أمامنا ونن نمع تلك‬

‫العداد كوحدات (‪ )2‬وانا نواجه عددا هائل ل ينتهي‪ ,‬واما اذا اردنا ان‬
‫نمع الكميات الت ترمز اليها تلك العداد فسوف نصل على (‪ )2‬فقط لن‬

‫الجموع الرياضي لتلك الكميات التناقصة هو ذلك‪ ,‬فغي التناهي اذن هو‬
‫كمية نفس العداد التعاطفة با هي وحدات نمع بعضها ال بعض كما‬
‫نمع قلما ال قلم او جوزة ال جوزة‪ ,‬والتناهي ليس هو كمية العداد‬

‫التعاطفة بوصفها وحدات واشياء يكن جعها بل الكميات الت ترمز اليها تلك‬

‫العداد‪ ,‬وبكلمة اخرى هناك كميتان احداها كمية نفس العداد با هي‬

‫وحدات‪ ,‬والخرى كمية مدلولتا الرياضية باعتبار ان كل عدد ف السلسلة‬
‫يرمز ال كمية معينة‪ ,‬والول غي متناهية ومن الستحيل ان تتناهى والثانية‬
‫متناهية ومن الستحيل ان تكون غي متناهية‪.‬‬

‫ڤ‪...............................‬الدف السياسي من الركة التناقضية‬
‫الركة والتناقض ـ وها الطان الدليان‪ ,‬اللذان نقدناها بكل‬

‫تفصيل ـ يشكلن معا قانون الركة الديالكتيكية‪ ,‬او قانون التناقض الركي‪,‬‬
‫التطور على اسس الديالكتيك‪ ,‬ابدا ودائما‪.‬‬

‫وقد تبنت الاركسية هذا القانون‪ ,‬بصفته الناموس البدي للعال‪.‬‬

‫واستهدفت من ورائه ان تستثمره ف القل السياسي لصالها الاص‪ .‬فكان‬

‫العمل السياسي هو الدف الول‪ ,‬الذي فرض على الاركسية ان تصبه ف‬
‫قالب فلسفي‪ ,‬يساعدها على انشاء سياسي جديد للعال كله‪ .‬وقد قالا‬

‫ماركس ف شيء من التلطيف‪:‬‬

‫[ان الفلسفة ل يفعلوا شيئا‪ ,‬غي تأويل العال‪ ,‬بطرق‬

‫متلفة‪ ,‬بيد ان المر هو امر تطويره](‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس ص ‪ ,21‬وهذه هي الديالكتيكية ص ‪. 78‬‬
‫‪231‬‬

‫فالسألة اذن هي مسألة التطوير السياسي القترح‪ ,‬الذي ل بد ان يد‬

‫منطقا مبرا له‪ ,‬وفلسفة يرتكز على قوائمها‪ .‬ولذلك كانت الاركسية تضع‬
‫القانون‪ ,‬الذي يتفق مع مططاتا السياسية‪ ,‬ث تفتش ف اليادين العلمية عن‬

‫دليله‪ ,‬مؤمنة سلفا ـ وقبل كل دليل ـ بضرورة تبن ذلك القانون‪ ,‬ما دام يلقي‬
‫شيئا من الضوء على طريق العمل والكفاح‪ .‬ويسن بنا ان نستمع بذه الناسبة‬

‫لنلز‪ ,‬وهو يدث عن بوثه الت قام با ف كتابه ضد دوهرنك‪:‬‬
‫[وغن عن البيان‪ ,‬بانن كنت قد عمدت ال سرد‬

‫الواضيع‪ ,‬ف الرياضيات والعلوم الطبيعية‪( ,‬سردا عاجلً)‬
‫وملخصا‪ ,‬بغية ان اطمئن تفصيل ـ ال ما ل اكن ف شك منه‬

‫بصورة عامة ـ ال ان نفس القواني الديالكتيكية للحركة‪,‬‬

‫الت تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث ف التاريخ‪ ,‬تشق‬
‫طريقها ف الطبيعة](‪.)1‬‬

‫ففي هذا النص تلخص الاركسية لنا اسلوبا‪ ,‬ف ماولتا الفلسفية‪,‬‬

‫وكيف وثقت كل الوثوق‪ ,‬باستكشاف قواني العال‪ ,‬وآمنت بصحتها‪ .‬قبل ان‬
‫تتبي مدى واقعيتها‪ ,‬ف الجالت العلمية والرياضية‪ ,‬ث حرصت بعد ذلك‬

‫على ان تطبقها على تلك الجالت‪ ,‬وتضع الطبيعة للديالكتيك ف (سرد‬

‫عاجل) ـ على حد تعبي أنلز ـ مهما كلفها المر‪ ,‬ولو اثار ذلك احتجاج علماء‬
‫الرياضيات او الطبيعيات انفسهم‪ ,‬كما يعترف بذلك أنلز ف عبارة قريبة من‬
‫النص الذي نقلناه‪.‬‬

‫ولا كان الغرض الساسي من انشاء هذا النطق الديد‪ ,‬اياد سلح‬

‫فكري للماركسية ف معركتها السياسية‪ ,‬فمن الطبيعي اذن ان تبدأ ـ اول وقبل‬

‫كل شيء ـ بتطبيق القانون الديالكتيكي‪ ,‬على القل السياسي والجتماعي‪.‬‬
‫فقد فسرت الجتمع بكل اجزائه‪ ,‬طبقا لقانون الركة التناقضية‪ ,‬او التناقض‬

‫الركي واخضعته للديالكتيك‪ ,‬الذي هو ف زعمها قانون الفكر والعال‬

‫الارجي معا‪ .‬فافترضت ان الجتمع يتطور ويتحرك‪ ,‬طبقا للتناقضات الطبقية‬

‫الحتواة ف داخله‪ ,‬ويتخذ ف كل دور من ادوار التطور شكلً اجتماعيا‬
‫‪ 1‬ـ ضد دونرنك‪ :‬القتصاد السياسي ص ‪. 193‬‬
‫‪232‬‬

‫جديدا‪ ,‬ينسجم مع الوجود الطبقي الغالب ف الجتمع‪ ,‬ويبدأ الصراع بعد‬

‫ذلك من جديد‪ ,‬على أساس التناقضات الحتواة ف ذلك الشكل‪ .‬وترتيبا على‬
‫ذلك استنتجت الاركسية ان الحتوى التحليلي للمجتمع الراسال‪ ,‬هو‬

‫الصراع بي التناقضات‪ ,‬الت ينطوي عليها‪ ,‬بي الطبقة العاملة من ناحية‪,‬‬
‫والطبقة الرأسالية من ناحية اخرى‪ .‬وان هذا الصراع يد الجتمع بالركة‬
‫التطورية‪ ,‬الت سوف تل التناقض الراسال‪ ,‬حي تسلم القيادة ال الطبقة‬
‫العاملة‪ ,‬التمثلة ف الزب القائم على أساس الادية الديالكتيكية‪ ,‬والذي‬

‫يستطيع ان يتبن مصالها باسلوب علمي رصي‪.‬‬

‫ونن ل نريد ـ الن ـ ان نناقش الاركسية ف تفسيها الديالكتيكي‬

‫للمجتمع وتطوراته‪ ,‬هذا التفسي الذي ينهار طبيعيا‪ ,‬بنقد الديالكتيك كمنطق‬
‫عام وتزييفه‪ ,‬كما حققناه ف دراستنا هذه‪ ,‬فان الادية التاريية‪ ,‬سوف نصها‬
‫بدراسة نقدية مفصلة ف كتاب متمعنا او اقتصادنا (‪ .)1‬وانا نرمي الن ال‬

‫توضيح نقطة مهمة‪ ,‬ف هذا التطبيق الجتماعي للديالكتيك‪ ,‬يس النطق‬
‫الديالكت نفسه بصورة عامة‪ ,‬وهذه النقطة هي ان التطبيق الجتماعي‬

‫والسياسي للديالكتيك‪ ,‬على النحو الذي تقوم به الاركسية‪ ,‬يؤدي ال نفض‬

‫الديالكتيك راسا‪ .‬فان الركة التطويرية للمجتمع‪ ,‬اذا كانت تستمد وقودها‬

‫الضروري من الصراع الطبقي بي التناقضات‪ ,‬الت يضمها اليكل‬

‫الجتماعي العام‪ .‬واذا كان هذا التعليل التناقضي للحركة‪ ,‬هو التفسي‬

‫الوحيد للتاريخ والجتمع‪ ,‬فسوف تسكن الركة ف ناية الطاف حتما‪ ,‬وتصبح‬
‫فوارق التناقضات‪ ,‬وحياتا الركية سكونا وجودا‪ .‬ذلك ان الاركسية تعتب‬

‫الرحلة الت تتوفر على انشائها‪ ,‬وتاول ايصال الركب البشري اليها‪ ,‬هي‬

‫الرحلة الت تنعدم فيها الطبقية‪ ,‬ويعود الجتمع فيها متمع الطبقة الواحدة‪.‬‬

‫واذا قضي على التنوع الطبقي ف الجتمع الشتراكي القترح‪ ,‬انطفأت شعلة‬

‫الصراع‪ ,‬وتلشت الركات التناقضية نائيا‪ ,‬وجد الجتمع على شكل ثابت ل‬
‫ييد عنه‪ ,‬لن الوقود الوحيد للتطور الجتماعي ـ ف رأي الاركسية ـ هو‬

‫اسطورة التناقض الطبقي‪ ,‬الت اخترعها‪ ,‬فاذا زال هذا التناقض‪ ,‬كان معن‬

‫‪ 1‬ـ وقد صدر كتاب (اقتصادنا) وهو يستوعب اوسع دراسة للمادية التاريية ف‬
‫ضوء السس الفلسفية وف ضوء الجرى العام لتاريخ النسانية ف واقع الياة‪.‬‬
‫‪233‬‬

‫ذلك ترر الجتمع من اسر الديالكتيك‪ ,‬فيتنحى الدل عن مقام السيطرة‬

‫والتحكم ف العال‪.‬‬

‫وهكذا نعرف ان تفسي الاركسية للتطور الجتماعي‪ ,‬على اساس‬

‫التناقض الطبقي‪ ,‬والصول الديالكتيكية‪ ,‬يؤدي ال فرض حد نائي لذا‬
‫التطور‪ ,‬وعلى العكس من ذلك ما اذا وضعنا جذوة التطور‪ ,‬او وقود الركة‬

‫ف الوعي او الفكر‪ ,‬او أي شيء غي التناقض الطبقي‪ ,‬الذي تتخذه الاركسية‬
‫رصيدا عاما‪ ,‬لميع التطورات والركات‪.‬‬

‫افليس من الدير بعد هذا‪ ,‬ان ننعت التفسي الديالكت للتاريخ‬

‫والجتمع‪ ,‬بانه هو وحده التفسي الذي يتم على البشرية المود والثبات‪,‬‬

‫دون التفسي الذي يضع رصيد التطور ف معي ل ينضب‪ .‬وهو الوعيي‬
‫بختلف الوانه؟!‪.‬‬

‫ودع عنك بعد هذا ما من به التطور الديالكت للفكر البشري الذي‬

‫تتشدق به الاركسية‪ ,‬من تميد على يد الاركسية نفسها حي اتذ الديالكتيك‬
‫حقيقة مطلقة‪ ,‬ول نائية للعال‪ ,‬وتبنته الدولة مذهبا رسيا‪ ,‬فوق كل بث‬

‫وجدال ومرجعا اعلى يب اخضاع كل علم ومعرفة له‪ ,‬وتجي كل فكر او‬

‫جهد ذهن‪ ,‬ل ينسجم معه ول ينطلق من عنده فعادت الفكار البشرية ف‬
‫متلف مالت الياة اسية منطق خاص‪ ,‬واصبحت الواهب والمكانات‬

‫الفكرية‪ ,‬مضغوطة كلها ف الدائرة الت رسها للبشرية فلسفة الدولة‬
‫الرسيون ‪...‬‬

‫اما كيف ندحض اسطورة التناقض الطبقي وكيف نكشف الستار عن‬

‫مغالطات الدل الاركسي‪ ,‬ف تعيي تناقضات اللكية‪ ,‬وكيف نقدم التفسي‬

‫الصحيح للمجتمع والتاريخ؟ فهذا ما نقوم به ف حلقات قادمة ان شاء ال‬
‫تعال (‪.)1‬‬

‫○ ‪3‬ـ قفزات التطور ○‬

‫قال ستالي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ ل حظ كتاب (اقتصادنا) للمؤلف‪.‬‬
‫‪234‬‬

‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزيقية‪ ,‬ل يعتب حركة‬

‫التطور حركة نو بسيطة‪ ,‬ل تؤدي التغيات الكمية فيها ال‬
‫تغيات كيفية‪ ,‬بل يعتبها تطورا ينتقل من تغيات كمية‬

‫ضئيلة‪ ,‬وخفية‪ ,‬ال تغيات الكيفية ليست تدريية‪ ,‬بل هي‬

‫كيفية‪ .‬وهذه التغيات الكيفية ليست تدريية‪ ,‬بل هي‬

‫سريعة فجائية‪ ,‬وتدث بقفزات‪ ,‬من حالة ال اخرى‪,‬‬

‫وليست هذه التغيات جائزة الوقوع‪ ,‬بل هي ضرورية‪ ,‬وهي‬

‫نتيجة تراكم تغيات كمية غي مسوسة‪ ,‬وتدريية‪ .‬ولذلك‬
‫تعتب الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬ان من الواجب فهم حركة‬

‫التطور ل من حيث هي حركة دائرية‪ ,‬او تكرار بسيط‬
‫للطريق ذاته‪ ,‬بل من حيث هي حركة تقدمية صاعدة‪,‬‬

‫وانتقال من الالة الكيفية القدية ال حالة كيفية جديدة] (‪.)1‬‬
‫يقرر الديالكتيك ف هذا الط‪ ,‬ان التطور الديالكتيكي للمادة لونان‪:‬‬

‫احدها تغي كمي تدريي‪ ,‬يصل ببطء‪ ,‬والخر تغي نوعي فجائي‪ ,‬يصل‬
‫بصورة دفعية‪ ,‬نتيجة للتغيات الكمية التدرجة‪ ,‬بعن ان التغيات‬

‫الكمية ـ حي تبلغ نقطة النتقال ـ تتحول من كمية ال كيفية جديدة‪.‬‬

‫وليس هذا التطور الديالكت حركة دائرية للمادة‪ ,‬ترجع فيها ال نفس‬

‫مبدئها‪ ,‬بل هي حركة تكاملية صاعدة ابدا ودائما‪.‬‬

‫وحي يعترض على الاركسية هنا‪ ,‬بان الطبيعة قد تتحرك حركات دائرية‪,‬‬

‫كما ف الثمرة الت تتطور ال شجرة‪ ,‬ث تعود بالتال ال ثرة كما كانت‪ ,‬تيب‬
‫بأن هذه الركة هي ايضا تكاملية‪ ,‬وليست دائرية‪ ,‬كالركات الت يرسها‬

‫الفرجال‪ ,‬غي ان مرد التكامل فيها ال الناحية الكمية ل الكيفية‪ ,‬فالثمرة وان‬
‫عادت ف ناية شوطها الصاعد ثرة ايضا‪ ,‬غي انا تكاملت تكامل كميا‪ ,‬لن‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪ 8‬ـ ‪. 9‬‬
‫‪235‬‬

‫الشجرة ـ الت انبثقت عن ثرة واحدة ـ افرغت من مئات الثمرات‪ ,‬فلم‬
‫يتحقق رجوع للحركة أبدا‪.‬‬

‫وقبل كل شيء يب ان نلحظ الدف الكامن وراء هذا الط الديالكت‬

‫الديد‪ ,‬فقد عرفنا ان الاركسية تضع الطة العملية‪ ,‬للتطوير السياسي‬

‫الطلوب‪ ,‬ث تفتش عن البرات النطقية والفلسفية لتلك الطة‪ ,‬فما هو‬
‫التصميم الذي انشىء هذا القانون الديالكت لسابه؟‪.‬‬

‫ومن اليسور جدا الواب على هذا السؤال‪ ,‬فان الاركسية رأت ان‬

‫الشيء الوحيد الذي يشق الطريق ال سيطرتا السياسية‪ ,‬او ال السيطرة‬

‫السياسية للمصال الت تتبناها‪ ,‬هو النقلب‪ .‬فذهبت تفحص عن مستمسك‬
‫فلسفي لذا النقلب فلم تده ف قانون الركة والتناقض‪ ,‬لن هذين‬

‫القانوني انا يتمان على الجتمع ان يتطور‪ ,‬تبعا للتناقضات التوحدة فيه‪.‬‬
‫واما طريقة التطور ودفعيته‪ ,‬فل يكفي مبدأ الركة التناقضية ليضاحها‪.‬‬

‫ولذلك صار من الضروري ان يوضع قانون آخر‪ ,‬ترتكز عليه فكرة‬

‫النقلب‪ .‬وكان هذا القانون هو قانون قفزات التطور‪ ,‬القائل بتحولت‬

‫دفعية للكمية ال كيفية‪ .‬وعلى أساس هذا القانون ل يعد النقلب جائزا‬

‫فحسب‪ ,‬بل يكون ضروريا وحتميا‪ ,‬بوجب القواني الكونية العامة‪.‬‬

‫فالتغيات الكمية التدريية ف الجتمع تتحول‪ ,‬بصورة انقلبية ف منعطفات‬

‫تاريية كبى ال تغي نوعي‪ .‬فيتهدم الشكل الكيفي القدي للهيكل‬
‫الجتماعي العام‪ ,‬ويتحول ال شكل جديد‪.‬‬

‫هكذا يصبح من الضروري ـ ل من الستحسن فقط ـ ان تنفجر تناقضات‬
‫البناء الجتماعي العام‪ ,‬عن مبدأ انقلب جارف‪ ,‬تقصى فيه الطبقة السيطرة‬
‫سابقا‪ ,‬الت اصبحت ثانوية ف عملية التناقض‪ ,‬ويكم بابادتا‪ ,‬ليفسح مال‬

‫السيطرة للنقيض الديد‪ ,‬الذي رشحته التناقضات الداخلية‪ ,‬ليكون الطرف‬

‫الرئيسي ف عملية التناقض‪ .‬قال ماركس وانلز‪:‬‬

‫[ول يتدن الشيوعيون ال إخفاء آرائهم‪ ,‬ومقاصدهم‪,‬‬

‫ومشاريعهم‪ ,‬يعلنون صراحة ان اهدافهم ل يكن بلوغها‬

‫‪236‬‬

‫وتقيقها‪ ,‬ال بدم كل النظام الجتماعي التقليدي‪ ,‬بالعنف‬

‫والقوة](‪.)1‬‬

‫وقال ليني‪:‬‬

‫[ان الثورة البوليتارية غي مكنة بدون تطيم جهاز‬
‫الدولة البورجوازي بالعنف](‪.)2‬‬

‫وما على الاركسية بعد ان وضعت قانون القفزات التطويرية‪ ,‬ال ان‬

‫تفحص عن عدة أمثلة (فتسردها سردا عاجلً‪ ,‬على حد تعبي أنلز) للتدليل‬

‫با على القانون الزعوم‪ ,‬بعمومه وشوله‪ .‬وهذا ما قامت به الاركسية تاما‪,‬‬
‫فقدمت لنا عددا من المثلة‪ ,‬واقامت على اساسها قانونا العام‪.‬‬

‫ومن هاتيك المثلة الت ضربتها عليه‪ ,‬هو مثال الاء‪ ,‬حي يوضع على‬

‫النار‪ ,‬فترتفع درجة حرارته بالتدريج‪ ,‬وتدث بسبب هذا الرتفاع التدريي‪,‬‬

‫تغيات كمية بطيئة‪ ,‬ول يكون لذه التغيات ف بادئ المر‪ ,‬تاثي ف حالة‬

‫الاء‪ ,‬من حيث هو سائل‪ ,‬ولكن اذا زيدت حرارته ال درجة (‪ )100‬فسوف‬
‫ينقلب ف تلك اللحظة‪ ,‬عن حالة السيلن ال الغازية‪ ,‬وتتحول الكمية ال‬

‫كيفية‪ ,‬وهكذا المر اذا هبطت درجة حرارة الاء ال الصفر‪ ,‬فان الاء سوف‬

‫يتحول ف آن واحد ويصبح جليدا (‪.)3‬‬

‫ويستعرض انلز امثلة اخرى على قفزات الديالكتيك‪ ,‬من الوامض‬

‫العضوية ف الكيمياء‪ ,‬الت تتص كل واحدة منها بدرجة معينة‪ ,‬لنصهارها او‬
‫غليانا‪ ,‬وبجرد بلوغ السائل تلك الدرجة‪ ,‬يقفز ال حالة كيفية جديدة‪.‬‬

‫فحامض النمليك ـ مثل ـ درجة غليانه (‪ ,)100‬ودرجة انصهاره (‪.)15‬‬

‫وحامض الليك نقطة غليانه (‪ ,)118‬ونقطة انصهاره (‪ .)17‬وهكذا ‪..‬‬

‫(‪)4‬‬

‫فالركبات (اليدروكاربونية)‪ ,‬تري طبقا لقانون القفزات والتحولت الدفعية‪,‬‬
‫ف غليانا وانصهارها‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ البيان الشيوعي‪ :‬ص ‪. 8‬‬
‫‪ 2‬ـ اسس اللينينية‪ :‬ص ‪. 66‬‬
‫‪ 3‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪ 211‬ـ ‪ 212‬الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪.10‬‬

‫‪ 4‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪. 214‬‬
‫‪237‬‬

‫ونن ل نشك ف ان التطور الكيفي‪ ,‬ف جلة من الظواهر الطبيعية‪ ,‬يتم‬

‫بقفزات ودفعات آنية‪ ,‬كتطور الاء ف الثال الدرسي السابق الذكر‪ ,‬وتطور‬
‫الوامض العضوية (الكربونية) ف حالت الغليان والنصهار وكما ف جيع‬

‫الركبات‪ ,‬الت تكون طبيعتها وخواصها متعلقة بالنسبة الت يتألف بسبها كل‬
‫منها‪ .‬ولكن ليس معن ذلك‪ ,‬ان من الضروري دائما‪ ,‬وف جيع الجالت‪,‬‬

‫ان يقفز التطور ف مراحل معينة‪ ,‬ليكون تطورا كيفيا‪ .‬ول تكفي عدة امثلة‬
‫للتدليل العلمي او الفلسفي‪ ,‬على حتمية هذه القفزات ف تاريخ التطور‪,‬‬

‫وخصوصا حي تنتقيها الاركسية انتقاء‪ ,‬وتمل المثلة الت كانت تستعملها‬
‫ليضاح قانون آخر من قواني الديالكتيك‪ ,‬ل لشيء ال لنا ل تتفق مع هذا‬

‫القانون الديد‪ .‬فقد كانت الاركسية تثل لتناقضات التطور‪ ,‬بالرثومة الية ف‬
‫داخل البيضة‪ ,‬الت تنح ال ان تكون فرخا (‪ )1‬وبالبذرة الت تنطوي على‬

‫نقيضها‪ ,‬فتتطور بسبب الصراع ف متواها الداخلي‪ ,‬فتكون شجرة‪ .‬أفليس‬
‫من حقنا ان نطالب الاركسية باعادة النظر ف هذه المثلة‪ ,‬لكي نعرف كيف‬

‫تستطيع ان تشرح لنا قفزات التطور فيها؟ فهل صيورة البذرة شجرة‪ ,‬او‬

‫الرثومة فرخا (تطور تزال آنت تز)‪ ,‬او صيورة الفرخ دجاجة (تطور آنت تز‬
‫ال سنتز)‪ ,‬تتأتى بقفزة من قفزات التطور الديالكتيكية‪ ,‬فتتحول الرثومة ف‬

‫آن واحد ال فرخ‪ ,‬والفرخ ال دجاجة‪ ,‬والبذرة ال شجرة‪ ,‬وان هذه‬

‫الصيورات تصل بركة تدريية متصاعدة‪ .‬وحت ف الواد الكيماوية القابلة‬
‫للنصهار‪ ,‬ند اللوني من التطور معا‪ .‬فكما يصل فيها التطور بقفزة‪,‬‬

‫كذلك قد يصل بصورة تدريية‪ .‬فنحن نعلم ـ مثل ـ ان الواد التبلورة تتحول‬
‫من حال الصلبة‪ ,‬ال حالة السيولة بصورة فجائية‪ ,‬كالليد الذي تساوي‬

‫حرارة انصهاره (‪ )80‬سعرة‪ ,‬فتتحول عند ذاك دفعة واحدة ال سائل‪ .‬وعلى‬

‫عكس ذلك الواد غي التبلورة‪ ,‬كالزجاج وشع العسل‪ ,‬فانا ل تنصهر ول‬

‫تتحول كيفيا‪ ,‬بصورة دفعية‪ ,‬وانا يتم انصهارها تدرييا‪ .‬فالشمع ـ مثل ـ‬
‫ترتفع حرارته اثناء عملية النصهار‪ ,‬حت اذا بلغت درجة معينة خفت فيه‬

‫صلبة الشمع‪ ,‬وبدا يلي ويسترخي بصورة تدريية مستقلة عن سائر الشياء‬

‫‪ 1‬ـ هذه هي الديالكتيكية‪ :‬مبادئ الفلسفة الولية‪ ,‬لورج بوليتزر ص ‪. 10‬‬
‫‪238‬‬

‫الخرى‪ .‬ويتدرج ف حالة الليونة فل هو بالصلب ول هو بالسائل‪ ,‬حت‬
‫يستحيل مادة سائلة‪.‬‬

‫ولناخذ مثل آخر من الظواهر الجتماعية وهو اللغة بوصفها ظاهرة تتطور‬

‫وتتحول ول تضع لقانون الديالكتيك فان تاريخ اللغة ل يدثنا عن تولت‬
‫كيفية آنية ف سيها التاريي وانا يعب عن تولت تدريية ف اللغة من‬

‫الناحية الكمية التدريية ال تغي دفعي حاسم لكنا نستطيع ان نضع اصابعنا‬

‫على نقاط فاصلة ف حياة اللغة‪ ,‬تتحول فيها من شكل ال شكل نتيجة‬
‫للتغيات الكمية البطيئة‪ ,‬وهذا ما ل نده ف كل اللغات الت عاشها‬
‫النسان واستخدمها ف حياته الجتماعية‪.‬‬

‫فنستطيع ان نعرف اذن‪ ,‬على ضوء مموعة ظواهر الطبيعة‪ ,‬ان القفزة‬

‫والدفعة ليستا ضروريتي للتطور الكيفي‪ ,‬وان التطور كما يكون دفعيا‪ ,‬يكون‬
‫تدرييا ايضا‪.‬‬

‫ولنأخذ بعد ذلك الثال الدرسي السابق‪ ,‬مثال الاء‪ ,‬ف انماده وغليانه‪,‬‬

‫فنلحظ عليه‪:‬‬

‫اولً‪ :‬ان الركة التطويرية الت يتويها الثال‪ ,‬ليست حركة ديالكتيكية لن‬

‫التجربة ل تبهن على انبثاقها‪ ,‬عن تناقضات الحتوى الداخلي للماء‪ ,‬كما‬

‫تفرضه تناقضات التطور ف الديالكتيك‪ .‬فنحن جيعا نعلم ان الاء لول الرارة‬

‫الارجية‪ ,‬لبقي الاء‪ ,‬ولا تطور ال غاز‪ ,‬فلم يتم التطور النقلب للماء اذن‬

‫بصورة ديالكتيكية‪ .‬فاذا اردنا ان نعتب القانون‪ ,‬الذي يتحكم ف النقلبات‬

‫الجتماعية هو نفس القانون الذي يتم بوجبه النقلب الدفعي ف الاء‪ ,‬او ف‬

‫سائر الركبات الكيمياوية ـ كما تاول الاركسية ـ لدى ذلك ال نتيجة مغايرة‬

‫لا‬

‫رمت اليه‪ ,‬اذ تصبح القفزات التطورية ف النظام الجتماعي‪ ,‬انقلبات‬

‫منبثقة عن عوامل خارجية‪ ,‬ل عن مرد التناقضات الحتواة ف نفس النظام‪,‬‬
‫وتزول صفة التمية عن تلك القفزات‪ ,‬وتكون غي ضرورية اذا ل تكتمل‬
‫العوامل الارجية‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫ومن الواضح اننا كما يكننا ان نتحفظ على حالة السيلن للماء‪ ,‬ونبعده‬

‫عن العوامل الت تعله يقفز ال حالة الغازية‪ ,‬كذلك يصبح بالمكان الفاظ‬
‫على النظام الجتماعي‪ ,‬والبتعاد به عن السباب الارجية‪ ,‬الت تكتب عليه‬

‫الفناء‪ .‬وهكذا يتضح ان تطبيق قانون ديالكت واحد‪ ,‬على التطورات الدفعية‬

‫للماء‪ ,‬ف غليانه وتمده‪ ,‬وعلى الجتمع ف انقلباته‪ ,‬يسجل نتائج معكوسة لا‬
‫يترقب الديالكتيك‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان الركة التطورية ف الاء ليست حركة صاعدة‪ ,‬بل هي حركة‬

‫دائرية‪ ,‬يتطور فيها الاء ال بار‪ ,‬ويعود البخار كما كان‪ .‬دون ان ينتج عن‬
‫ذلك تكامل كمي او كيفي‪ .‬فاذا اعتبت هذه الركة ديالكتيكية‪ ,‬كان معناه‬
‫انه ليس من الضروري‪ ,‬ان تكون الركة صاعدة وتقدمية دائما‪ ,‬ول من‬

‫الحتوم ان يكون التطور الديالكت‪ ,‬ف ميادين الطبيعة‪ ,‬او الجتماع تكامليا‬

‫وارتقائيا‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬ان نفس القفزة التطورية للماء ال غاز‪ ,‬الت حققها بلوغ الرارة‬

‫درجة معينة‪ ,‬ل يب ان تستوعب الاء كله ف وقت واحد‪ .‬فان كل انسان‬
‫يعلم ان البحار والحيطات‪ ,‬تتبخر كميات متلفة من مياهها تبخرا تدرييا‪,‬‬
‫ول تقفز بجوعها مرة واحدة ال الالة الغازية‪ .‬وهذا ينتج ان التطور‬

‫الكيفي ـ ف الجالت الت يكون فيها دفعيا ـ ل يتحتم ان يتناول الكائن‬

‫التطور ككل‪ ,‬بل قد يبدأ باجزائه فيقفز با ال حالة الغازية‪ ,‬وتتعاقب‬
‫القفزات وتتكرر الدفعات‪ ,‬حت يتحول الجموع‪ .‬وقد ل يستطيع التحول‬

‫الكيفي ان يشمل الجموع‪ ,‬فيبقى مقصورا على الجزاء‪ ,‬الت توفرت فيها‬
‫الشروط الارجية للنقلب‪ .‬واذا كان هذا هو كل ما يعينه القانون الديالكت‬

‫بالنسبة ال الطبيعة‪ ,‬فلماذا يب ان تفرض القفزة ف اليدان الجتماعي على‬
‫النظام ككل؟! ولاذا يلزم ف الناموس الطبيعي للمجتمعات‪ ,‬ان يهدم الكيان‬

‫الجتماعي ف كل مرحلة بانقلب دفعي شامل؟! ولاذا ل يكن ان تتخذ‬

‫القفزة الديالكتيكية الزعومة ف القل الجتماعي‪ ,‬نفس اسلوبا ف القل‬

‫الطبيعي‪ ,‬فل تس ال الوانب الت توفرت فيها شروط النقلب‪ ,‬ث تتدرج‬
‫حت يتحقق التحول العام ف ناية المر؟!‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫واخيا فان تول الكمية ال كيفية ل يكن ان نطبقه بأمانة على مثال‬

‫الاء‪ ,‬الذي يتحول ال غاز او جليد وفقا لصعود درجة الرارة فيه‪ .‬وهبوطها‬
‫كما صنعت الاركسية‪ ,‬لن الاركسية اعتبت الرارة كمية والغاز او الليد‬

‫كيفية‪ ,‬فقررت ان الكمية ف الثال تولت ال كيفية وهذا الفهوم الاركسي‬

‫للحرارة او للغاز والليد ل يقوم على اساس‪ ,‬لن التعبي الكمي عن الرارة‬

‫الذي يستعمله العلم حي يقول ان درجة حرارة الاء مئة او خسة ليس هو‬

‫جوهر الرارة وانا هو مظهر للسلوب العلمي ف رد الظواهر الطبيعية ال‬

‫كميات ليسهل ضبطها وتديدها‪ .‬فعلى أساس الطريقة العلمية ل تعتب الرارة‬
‫الشياء‪ ,‬يكن ان تعتب الرارة كمية‪ ,‬غي ان الطريقة العلمية ل تعتب الرارة‬

‫ظاهرة كمية فحسب بل ان تول الاء ال بار مثل‪ ,‬يتخذ تعبيا كميا ايضا‪,‬‬

‫فهو ظاهرة كمية ف اللغة العلمية كالرارة تاما‪ ,‬لن العلم يدد النتقال من‬
‫الالة السائلة ال الغازية بضغط يكن قياسه كميا‪ ,‬او بعلقات وفواصل بي‬
‫الذرات تقاس كميا كما تقاس الرارة‪ ,‬ففي النظار العلمي اذن ل توجد ف‬

‫الثال ال كميات تتحول بعضها ال بعض‪ ,‬واما ف النظار السي أي ف‬
‫مفهومنا الذي يوحي به احساسنا بالرارة حي نغمس يدنا ف الاء‪ ,‬او‬

‫احساسنا بالغاز حي نرى الاء يتحول بارا‪ ,‬فالرارة كالغاز حالة كيفية وهي‬

‫الالة الت تبعث ف نفوسنا شيئا من النزعاج حي تكون الرارة شديدة‬

‫فالكيفية تتحول ال كيفية‪.‬‬

‫وهكذا ند ان الاء ف حرارته وتبخره ل يكن ان يعطي مثال لتحول‬

‫الكمية ال كيفية‪ ,‬ال اذا تناقضنا فنظرنا ال الرارة بالنظار العلمي وال‬
‫الالة الغازية بنظار حسي‪.‬‬

‫ويسن بنا أخيا ان نتم الديث عن قفزات التطور‪ ,‬با اتفنا به‬

‫ماركس ـ مثال له ـ ف كتابه رأس الال‪ .‬فقد ذكر انه ليس كل مقدار من‬

‫النقود قابل للتحويل ال راسال اعتباطا‪ ,‬بل ل بد لدوث هذا التحويل‪,‬‬

‫من ان يكون الالك الفردي للنقد‪ ,‬حائزا قبل ذلك على حد ادن من النقود‪,‬‬

‫يفسح له معيشة مضاعفة عن مستوى معيشة العامل العتيادي‪ .‬ويتوقف ذلك‬

‫على ان يكون ف امكانه تسخي ثانية عمال‪ .‬واخذ ف توضيح ذلك على‬

‫اساس مفاهيمه القتصادية الرئيسية من القيمة الفائضة‪ ,‬والرأسال التحول‪,‬‬
‫‪241‬‬

‫والرأسال الثابت‪ .‬فاستشهد بقضية العامل‪ ,‬الذي يشتغل ثان ساعات‪,‬‬

‫لنفسه‪ ,‬أي ف انتاج قيمة اجوره ويشتغل الساعات الربع التالية للراسال‪,‬‬
‫ف انتاج القيمة الزائدة‪ ,‬الت يربها صاحب الال‪ .‬ومن الحتم على‬

‫الراسال ف هذه الالة‪ ,‬ان يكون تت تصرفه مقدار من القيم‪ ,‬يكفي‬
‫لتمكينه من تزويد عاملي بالواد الام‪ ,‬وادوات العمل‪ ,‬والجور‪ ,‬بغية ان‬

‫يتلك يوميا قيمة زائدة‪ ,‬تكفي لتمكينه من ان يقتات با‪ ,‬كما يقتات احد‬
‫عامليه‪ .‬ولكن با ان هدف الرأسال ليس هو مرد القتيات‪ ,‬بل زيادة‬

‫الثروة‪ ,‬فان منتجنا هذا سيظل ـ بعامليه هذين ليس براسال‪ .‬ولكيما يتسن‬
‫له ان يعيش عيشة‪ ,‬تكون ف مستواها ضعف عيشة العامل العتيادي‪ ,‬مع‬

‫تويل نصف القيمة الزائدة النتجة ال راسال‪ ,‬يتحتم عليه ان يكون متمكنا‬
‫من تشغيل ثانية عمال‪.‬‬

‫واخيا علق ماركس على ذلك قائل‪ :‬وف هذا كما ف العلم الطبيعي تتأيد‬

‫صحة القانون‪ ,‬الذي اكتشفه هيجل‪ ,‬قانون تول التغيات الكمية اذ تبلغ‬

‫حدا معينا‪ ,‬ال تغيات نوعية (‪.)1‬‬
‫وهذا الثال الاركسي يدلنا بوضوح‪ ,‬على مدى التسامح الذي تبديه‬

‫الاركسية ف (سرد المثلة سردا عاجل)‪ ,‬على قوانينها الزعومة‪ .‬ولئن كان‬
‫التسامح ف كل مال خيا وفضيلة‪ ,‬فهو ف الجال العلمي ـ وخاصة عندما‬
‫يراد استكشاف اسرار الكون‪ ,‬لنشاء عال جديد‪ ,‬على ضوء تلك السرار‬

‫والقواني ـ تقصي ل يغتفر‪.‬‬

‫ول نريد الن بطبيعة الال‪ ,‬ان نتناول فعل السائل القتصادية‪ ,‬الت‬

‫يرتكز عليها الثال‪ ,‬ما يتصل بالقيمة الزائدة‪ ,‬ومفهوم الربح الرأسال لدى‬

‫ماركس وانا يهمنا التطبيق الفلسفي‪ ,‬لقانون القفزة‪ ,‬على رأس الال‪ .‬فلنقطع‬

‫النظر عن سائر النواحي‪ ,‬ونتجه ال درس هذه الناحية‪ .‬فان ماركس يذهب‬

‫ال ان النقد ير بتغيات كمية بسيطة‪ ,‬تصل بالتدريج حت اذا بلغ ربه‬
‫حدا معينا‪ ,‬حصل النقلب النوعي‪ ,‬والتحول الكيفي‪ ,‬بصورة دفعية‪,‬‬

‫واصبح النقد رأسال‪ .‬وهذا الد هو ضعف معيشة العامل العتيادي‪ ,‬بعد‬
‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك ص ‪. 210‬‬
‫‪242‬‬

‫تويل النصف ال رأسال من جديد‪ .‬وما ل يبلغ هذه الدرجة‪ ,‬ل يوجد فيه‬
‫التغي الكيفي الساسي‪ ,‬ول يكون رأسال‪ .‬فرأس الال اذن‪ ,‬لفظ يطلقه‬

‫ماركس على مقدار معي من النقود‪ .‬ولكل انسان مطلق الرية ف اطلقه‬

‫ومصطلحاته‪ ,‬فلتكن هذه التسمية صحيحة‪ ,‬ولكن ليس من الصحيح‪ ,‬ول‬

‫من الفهوم فلسفيا‪ ,‬ان يعتب بلوغ النقد هذا الد الاص‪ ,‬تول كيفيا له‪,‬‬
‫وقفزة من نوع ال نوع‪ .‬فان بلوغ النقد ال هذا الد‪ ,‬ل يعن ال زيادة‬

‫كمية‪ ,‬ول ينتج عنها تول كيفي ف النقد‪ ,‬غي ما كان ينتج عن الزيادات‬

‫الكمية التدريية‪ ,‬على طول الط‪ .‬واذا شئنا فلنرجع ال الراحل السابقة‪,‬‬

‫من تطور النقد‪ ,‬لعناصره‪ ,‬ف تغياته الكمية التتالية‪ .‬فلو ان الالك الفردي‬
‫كان يلك النقد‪ ,‬الذي يتيح له ان يهز سبعة عمال‪ ,‬بادواتم واجورهم‪,‬‬

‫فماذا كان يربح على زعم ماركس؟ انه كان يربح قيمة فائضة‪ ,‬تعادل أجور‬

‫ثلثة عمال ونصف‪ ,‬أي ما يعادل (‪ )28‬ساعة من العمل ف السابات‬
‫الاركسية‪ ,‬ولجل هذا فهو ليس رأساليا‪ ,‬لن القيمة الفائضة اذا حول‬

‫نصفها ال راس مال‪ ,‬ل يبقى منها ما يضمن له معيشة عامل مضاعفة‪ .‬فلو‬
‫افترضنا زيادة كمية بسيطة ف النقد‪ ,‬الذي يلكه بيث اصبح ف امكان‬

‫الالك ان يشتري ـ مضافا ال ما كان يلك ـ جهود نصف يوم لعامل‪ ,‬اخذ‬
‫يعمل له ست ساعات‪ ,‬ولغيه ست ساعات اخرى فهو سوف يربح من هذا‬
‫العامل‪ ,‬نصف ما يربه من عمل كل واحد من العمال السبعة الخرين‪,‬‬

‫ومعن هذا ان ربه سوف يعادل (‪ )30‬ساعة من العمل‪ ,‬وانه سيمكنه من‬
‫معيشة افضل ما سبق‪ .‬وهنا نكرر الفتراض‪ ,‬فان ف امكاننا ان نتصور‬

‫الالك‪ ,‬وهو يستطيع على اثر زيادة كمية جديدة‪ ,‬ف نقده‪ ,‬ان يشتري من‬
‫العامل الثامن‪ ,‬ثلثة ارباع‪ ,‬ول يبقى للعامل صلة بحل آخر‪ ,‬ال بقدار‬

‫ثلث ساعات فهل نواجه‪ ,‬عند هذا‪ ,‬غي ما واجهناه عند حدوث التغي‬

‫الكمي السابق‪ ,‬من زيادة كمية ف الربح وف مستوى معيشة الالك؟! فهب‬
‫ان الالك استطاع تضخيم نقده‪ ,‬بزيادة كمية جديدة‪ ,‬اتاحت له ان يشتري‬

‫من العامل الثامن‪ ,‬كل جهده اليومي‪ .‬فماذا سوف يدث‪ ,‬غيما كان يدث‬
‫على اثر الزيادات الكمية السابقة‪ ,‬من زيادة ف القيمة الفائضة‪ ,‬وف مستوى‬
‫العيشة؟! نعم يدث للنقد شيء واحد‪ ,‬ل يكن قد حدث ف الرات السابقة‪,‬‬
‫‪243‬‬

‫شيء يتصل بالناحية اللفظية فقط‪ ,‬وهو ان هذا النقد ل يكن يتفضل عليه‬

‫ماركس‪ ,‬باطلق لفظ رأس الال‪ ,‬واما الن فيصح ان يسمى بذا اللفظ‪.‬‬

‫افهذا هو التغي النوعي والتحول الكيفي الذي يطرأ على النقد؟!‪ ..‬وهل كل‬
‫امتياز هذه الرحلة من النقد‪ ,‬عن الراحل السابقة‪ ,‬ناحية لفظية خالصة‬

‫بيث لو كنا نطلق لفظ رأس الال‪ ,‬على مرحلة سابقة لدث التغي الكيفي‬
‫ف زمان أسبق؟!‪.‬‬

‫○ ‪4‬ـ الرتباط العام ○‬
‫قال ستالي‪:‬‬

‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزية‪ ,‬ل يعتب الطبيعة‬
‫تراكما عرضيا للشياء‪ ,‬او حوادث بعضها منفصل عن‬
‫بعض‪ ,‬او احدها منعزل مستقل عن الخر‪ .‬بل يعتب‬

‫الطبيعة كلً واحدا متماسكا‪ ,‬ترتبط فيه الشياء والوادث فيما‬

‫بينها‪ ,‬ارتباطا عضويا‪ ,‬ويتعلق احدها بالخر‪ .‬ويكون‬
‫بعضها شرطا لبعض بصورة متقابلة](‪.)1‬‬

‫فالطبيعة باجزائها التنوعة‪ ,‬ل يكن ان تدرس على الطريقة الديالكتيكية‬

‫حال فصل بعضها عن الخر‪ .‬وتريده عن ظروفه وشروطه‪ .‬وعما يرتبط‬

‫بواقعه من ماض وحاضر‪ ,‬كما هو شان اليتافيزيقية‪ ,‬الت ل تنظر ال الطبيعة‬
‫باعتبارها شبكة ارتباط واتصال‪ ,‬بل نظرة تريدية خالصة‪ .‬فكل حادثة ل‬

‫يكون لا معن ف الفهوم الديالكت‪ ,‬اذا عزلت عن الوادث الخرى الحيطة‬
‫با‪ ,‬ودرست بصورة ميتافيزيقية تريدية‪.‬‬

‫والواقع انه لو كان يكفي لسقاط فلسفة ما‪ ,‬الصاق التهم با دون‬

‫مبر‪ ,‬لكانت التامات الت تكيلها الاركسية ـ ف خطها الديد‬
‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪. 6‬‬
‫‪244‬‬

‫هذا ـ للميتافيزيقية‪ ,‬كافية لدحضها‪ ,‬وتفنيد نظرتا النعزالية ال الطبيعة‬

‫الناقضة لروح الرتباط الكي‪ ,‬بي اجزاء الكون‪ .‬ولكن لتقل لنا الاركسية‬

‫من كان يشك ف هذا الرتباط؟! وأي ميتافيزيقية هذه الت ل تقره‪ ,‬اذا‬

‫افرزت منه نقاط الضعف‪ ,‬الت تثل الطابع الدياكت له‪ ,‬واقيم على اساس‬
‫فلسفي متي من مبدأ العلية وقوانينها (الت خصصنا الزء الثالث من هذه‬
‫السالة لدراستها)؟! فان الوادث ف النظرة العامة للكون‪ ,‬ل تعدو احد‬

‫اشكال ثلثة‪ :‬فاما ان تكون مموعة من الصدف التراكمة‪ ,‬بعن ان كل‬

‫حادثة توجد باتفاق بت‪ ,‬دون ان تكون هناك أي ضرورة تدعو ال‬

‫وجودها‪ .‬وهذه هي النظرة الول‪ .‬واما ان تكون اجزاء الطبيعة ضرورية‪,‬‬

‫ضرورة ذاتية‪ ,‬فكل واحد منها يوجد بسبب من ضرورته الذاتية‪ ,‬دون احتياج‬

‫ال شيء خارجي‪ ,‬او تأثر به‪ .‬وهذه هي النظرة الثانية‪ .‬وكلتا هاتي النظرتي‬

‫ل تنسجمان مع مبدأ العلية القائل‪ :‬ان كل حادثة ترتبط ف وجودها باسبابا‪,‬‬
‫وشروطها الاصة‪ .‬لن هذا البدأ يرفض الصدفة والتفاق‪ ,‬كما يرفض‬

‫الضرورة الذاتية للحوادث‪ .‬وبالتال يعي نظرة اخرى نو العال‪ ,‬وهي النظرة‬
‫الت يعتب فيها العال مرتبطا كامل‪ ,‬طبقا لبدا العلية وقوانينها‪ ,‬ويتل‬

‫كل جزء منه موضعه الاص من الكون‪ ,‬الذي تتمه شرائط وجوده وقافلة‬
‫اسبابه‪ .‬وهذه هي النظرة الثالثة‪ ,‬الت تقيم اليتافيزيقية على اساسها فهمها‬

‫للعال‪ .‬ولجل ذلك كان سؤال‪ :‬لاذا وجد؟ احد السئلة الربعة (‪ ,)1‬الت‬

‫يعتب النطق اليتافيزيقي الحاطة العلمية بشيء‪ ,‬مرهونة بدى الواب عليها‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ـ والسئلة الربعة هي كما يلي‪ :‬ما هو؟ وهل هو موجود؟ وكيف هو؟ ولاذا وجد؟‬

‫ـذ الرارة‪,‬‬
‫ـة‪ .‬فلنأخـ‬
‫ـر الطبيعيـ‬
‫ـئلة على احدى الظواهـ‬
‫ـق هذه السـ‬
‫ـل اليضاح نطبـ‬
‫ولجـ‬
‫لواجهـة هذه السـئلة فيهـا‪ :‬مـا هـي الرارة؟ ونعنـ بذا السـؤال ماولة شرح مفهومهـا‬
‫الاص‪ ,‬فنجيـب على ذلك ــ مثل ــ ‪ :‬ان الرارة نوع مـن انواع الطاقـة‪ .‬وهـل الرارة‬
‫ـا‬
‫ـي ظواهرهـ‬
‫ـا هـ‬
‫ـي‪ ,‬أي مـ‬
‫ـف هـ‬
‫ـا‪ .‬وكيـ‬
‫ـب بالياب طبعـ‬
‫ـة؟ ونيـ‬
‫موجودة فـ الطبيعـ‬
‫وخواصـها؟ وهذا مـا تيـب عنـه الفيزياء‪ ,‬فيقال ــ مثل ــ بأن مـن خواصـها التسـخي‪,‬‬
‫والتمديــد‪ ,‬والتقليــص‪ ,‬وتغييــ بعــض الصــفات الطبيعيــة للمادة ال ‪...‬واخيا فلماذا‬
‫وجدت الرارة؟ ومرد هذا السـؤال ال السـتفهام عـن عوامـل الرارة وعللهـا‪ ,‬والشروط‬
‫الارج ية ال ت ترت بط ب ا‪ ,‬فيجاب ع نه ــ مثل ــ ان الطا قة الراريـة ت ستوردها الرض مـن‬
‫الشمس‪ ,‬وتنبثق عنها ال‪.‬‬

‫‪245‬‬

‫فهذا يعن بكل وضوح ان اليتافيزيقية ل تقر مطلقا امكان عزل الادثة عن‬
‫ميطها وشروطها‪ ,‬وتميد السؤال عن علقاتا بالوادث الخرى‪.‬‬

‫فليس العتقاد بالرتباط العام اذن‪ ,‬وقفا على الديالكتيك‪ ,‬بل هو ما‬

‫تؤدي اليه حتما السس الفلسفية‪ ,‬الت شيدتا اليتافيزية‪ ,‬ف بوث العلية‬
‫وقوانينها‪.‬‬

‫واما مططات هذا الرتباط‪ ,‬القائم بي اجزاء الطبيعة‪ ,‬والكشف عن‬

‫تفاصيله وأسراره‪ ,‬فذلك ما توكله اليتافيزية ال العلوم‪ ,‬على اختلف الوانا‪.‬‬

‫فان النطق الفلسفي العام للعال‪ ,‬انا يضع الط العريض‪ .‬ويقيم نظريته‬

‫الرتباطية على ضوء العلية قوانينها الفلسفية‪ .‬ويبقى على العلم بعد ذلك‪ ,‬ان‬
‫يشرح التفاصيل ف اليادين‪ ,‬الت تتسع لا الوسائل العلمية‪ ,‬ويوضح اللوان‬

‫الواقعية للرتباط‪ ,‬واسرارها‪ ,‬ويضع فيها النقاط على الروف‪.‬‬

‫واذا اردنا ان ننصف الديالكتيك واليتافيزية حقهما معا‪ ,‬كان علينا ان‬

‫نسجل ان الشيء الديد‪ ,‬الذي جاء به الديالكتيك الاركسي‪ .‬ليس هو نفس‬
‫قانون الرتباط العام‪ ,‬الذي سبقت اليه اليتافيزية‪ ,‬بطريقتها الاصة‪ ,‬والذي‬

‫هو ف نفس الوقت واضح لدى الميع‪ ,‬وليس موضع النقاش ‪ ..‬وانا سبقت‬
‫الاركسية ال الغراض السياسية‪ ,‬او بالحرى ال التطبيقات السياسية‬

‫الاصة‪ ,‬لذلك القانون‪ ,‬الت توفر لا امكان تنفيذ خططها وخرائطها‪ .‬فنقطة‬
‫البتكار تتصل بالتطبيق‪ ,‬ل بالقانون‪ ,‬من حيث وجهته النطقية والفلسفية‪.‬‬

‫ولنقرا بذه الناسبة ما سجله الكاتب الاركسي (اميل برنز)‪ ,‬عن الرتباط ف‬
‫الفهوم الاركسي‪ ,‬اذ كتب يقول‪:‬‬

‫[ان الطبيعة او العال‪ ,‬وبضمنه الجتمع النسان‪ ,‬ل‬

‫تتكون من اشياء متمايزة مستقلة‪ ,‬تام الستقلل عن بعضها‬
‫البعض‪ .‬وكل عال يعرف ذلك‪ ,‬ويد صعوبة قصوى ف‬

‫تديد التقديرات‪ ,‬حت لهم العوامل الت قد تؤثر ف الشياء‬
‫الاصة‪ ,‬الت يدرسها‪ .‬ان الاء ماء‪ ,‬ولكن اذا زيدت حرارته‬
‫ال درجة معينة‪ ,‬تول ال بار‪ ,‬واذا انفضت حرارته‪,‬‬

‫وبذا تعرف ان النطـق اليتافيزي‪ ,‬وضـع مسـألة ارتباط الشيـء بأسـبابه وظروفـه فـ‬
‫مصاف السائل الرئيسية الخرى‪ ,‬الت تتناول حقيقته ووجوده وخواصه‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫استحال ثلجا‪ .‬كما ان هناك عوامل اخرى تؤثر عليه‪ .‬ويدرك‬

‫كل شخص عامي ايضا‪ ,‬اذا ما خبز الشياء‪ ,‬انه ل يوجد‬

‫شيء مستقل بذاته كل الستقلل‪ ,‬وان كل شيء يتأثر‬

‫بالشياء الخرى]‪.‬‬

‫[وقد يبدو هذا الترابط بي الشياء بديهيا‪ ,‬ال درجة‬

‫يظهر معها أي سبب للفات النظر اليه‪ ,‬ولكن القيقة هي‪:‬‬
‫ان الناس ل يدركون الترابط بي الشياء دائما‪ ,‬ول يدركون‬

‫ان ما هو حقيقي ف ظروف معينة‪ ,‬قد ل يكون حقيقيا ف‬

‫ظروف اخرى‪ ,‬وهم دائما يطبقون افكارا تكونت ف ظروف‬

‫خاصة‪ ,‬على ظروف اخرى‪ ,‬تتلف عنها تام الختلف‪.‬‬

‫وخي مثل يكن ان يضرب ف هذا الصدد‪ ,‬هو وجهة النظر‬

‫حول حرية الكلم‪ .‬ان حرية الكلم بصورة عامة تدم‬

‫الديقراطية‪ ,‬وتفيد ارادة الشعب ف العراب عن نفسها ولذلك فهي‬
‫مفيدة لتطور الجتمع‪ ,‬ولكن حرية الكلم للفاشية (البدأ الول‬

‫الذي ياول قمع الديقراطية) امر يتلف كل الختلف‪ ,‬اذ انه‬

‫يوقف تطور الجتمع‪ .‬ومهما تكرر النداء برية الكلم‪ ,‬فان ما يصح‬
‫عنه ف الظروف العتيادية بالنسبة للحزاب الت تدف ال‬
‫الديوقراطية‪ ,‬ل يصح بالنسبة للحزاب الفاشية] (‪.)1‬‬

‫هذا النص الاركسي يعترف‪ ,‬بان الرتباط العام مفهوم لكل عال‪ ,‬بل‬

‫كل عامي خب الشياء ـ على حد تعبي (اميل برنز) ـ وليس شيئا جديدا ف‬
‫الفهم البشري العام‪ .‬وانا الديد الذي استهدفته الاركسية بذلك‪ ,‬نظرا ال‬

‫مدى الرتباط الوثيق‪ ,‬بي مسألة حرية الكلم والسائل الخرى‪ ,‬الت تدخل‬
‫ف حسابا‪ .‬ونظي ذلك عدة تطبيقات اخرى من هذا القبيل‪ ,‬يكننا ان ندها‬
‫ف جلة من النصوص الاركسية الخرى‪ ,‬فأين الكشف النطقي البار‬
‫للديالكتيك؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الاركسية ص ‪ 75‬ـ ‪. 76‬‬
‫‪247‬‬

‫ڤ‪.........................................‬نقطتان حول الرتباط العام‪:‬‬
‫ومن الضروري ان نشي ف سياق الديث‪ ,‬عن نظرية الرتباط العام ف‬
‫اليتافيزية‪ ,‬ال نقطتي مهمتي‪:‬‬

‫النقطة الول‪ :‬ان ارتباط كل جزء من اجزاء الطبيعة والكون‪ ,‬با يتصل‬

‫به من اسباب‪ ,‬وشرائط‪ ,‬وظروف ـ ف الفهوم اليتافيزيقي ـ ل يعن عدم‬

‫امكان ملحظته بصورة مستقلة‪ ,‬ووضع تعريف خاص به‪ .‬ولذلك كان‬

‫التعريف احد الواضيع الت يبحثها النطق اليتافيزيقي‪ .‬وأكب الظن ان ذلك‬

‫هو الذي بعث الاركسية‪ ,‬ال اتام اليتافيزيقيا بانا ل تؤمن بالرتباط العام‪,‬‬

‫ول تدرس الكون على ذلك الساس‪ .‬اذ وجدت اليتافيزيقي ياخذ الشيء‬

‫الواحد‪ ,‬فيحاول تديده وتعريفه‪ ,‬بصورة مستقلة عن سائر الشياء الخرى‪,‬‬

‫فيخيل لا بسبب ذلك‪ ,‬انه ل يقر بوجود الرتباط بي الشياء‪ ,‬ول يتناولا‬
‫بالدرس ال ف حال عزل بعضها عن الخر‪ .‬فكأنه حي عرف النسانية‬

‫بانا‪ :‬حياة وفكر‪ .‬وعرف اليوانية‪ ,‬بانا حياة وارادة‪ ,‬قد عزل النسانية او‬
‫اليوانية عن ظروفهما وملبستهما‪ ,‬ونظر اليهما نظرة مستقلة‪.‬‬

‫ولكن الواقع ان التعريفات‪ ,‬الت درج النطق اليتافيزي على اعطائها‬

‫لكل شيء‪ ,‬بصورة خاصة‪ ,‬ل تتناف مطلقا مع البدأ القائل بالرتباط العام‬
‫بي الشياء‪ ,‬ول يقصد منه التفكيك بي الشياء‪ ,‬والكتفاء من دراستها‬

‫باعطاء تلك التعريفات الاصة با‪ .‬فنحن حي نعرف النسانية بانا حياة‬
‫وفكر‪ ,‬ل نرمي من وراء ذلك ال انكار ارتباط النسانية‪ ,‬بالعوامل والسباب‬
‫الارجية‪ ,‬وانا نقصد بالتعريف ان نعطي فكرة للشيء‪ ,‬الذي يرتبط بتلك‬

‫العوامل والسباب‪ ,‬ليتاح لنا ان نبحث عما يتصل به من عوامل واسباب‪.‬‬

‫وحت الاركسية نفسها‪ ,‬تتخذ التعريف اسلوبا لتحقيق هذا الدف نفسه‪ ,‬فهي‬

‫تعرف الديالكتيك‪ ,‬وتعرف الادة ال ‪ ..‬فقد عرف ليني الديالكتيك بانه‪:‬‬
‫[علم القواني العامة للحركة] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ماركس وانلز والاركسية‪ :‬ص ‪. 24‬‬
‫‪248‬‬

‫وعرف الادة بانا‪:‬‬

‫[هي الواقع الوضوعي العطى لنا ف الحاسيس] (‪.)1‬‬
‫افيكون من مفهوم هذه التعاريف‪ ,‬ان ليني فصل الديالكتيك عن سائر‬

‫اجزاء العرفة البشرية من العلوم‪ ,‬ول يعتقد باتصالا به؟! وانه نظر ال الادة‬
‫بصورة تريدية‪ ,‬ودرسها متغاضيا عما فيها من ارتباطات وتفاعلت؟! كل‪.‬‬
‫فان التعريف ل يعن ف كثي او قليل‪ ,‬تطي الرتباط القائم بي الشياء‬

‫واهاله‪ ,‬وانا يدد لنا الفهوم‪ ,‬الذي ناول الكشف عن روابطه وعلقاته‬
‫التنوعة‪ ,‬ليسهل علينا التحدث عن تلك الروابط والعلقات ودرسها‪.‬‬
‫النقطة الثانية‪ :‬ان الرتباط بي أجزاء الطبيعة‪ ,‬ل يكن دوريا‪.‬‬

‫ونقصد بذلك ان الادثتي الرتبطتي ـ كالسخونة والرارة ـ ل يكن ان تكون‬
‫كل منهما شرطا لوجود الادثة الخرى‪ .‬فالرارة لا كانت شرطا لوجود‬

‫الغليان‪ ,‬فل يكن ان يكون الغليان شرطا لوجود الرارة أيضا (‪.)2‬‬

‫فلكل جزء من الطبيعة ـ ف سجل الرتباط العام ـ درجته الاصة الت‬

‫تدد له ما يتصل به من شرائط تؤثر ف وجوده‪ ,‬ومن ظواهر يؤثر هو ف‬

‫وجودها‪ .‬واما ان يكون كل من الزئي او الادثي سببا لوجود الخر‪ ,‬ومدينا‬

‫له بوجوده ف نفس الوقت‪ ,‬فذلك يعل الرتباط السبب دائريا يرجع من‬
‫حيث بدأ وهو غي معقول‪.‬‬

‫وأخيا‪ ,‬فلنقف لظة عند أنلز‪ ,‬وهو يتحدث عن الرتباط العام‪,‬‬

‫وتضافر الباهي العلمية عليه قائلً‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية‪ :‬ص ‪. 29‬‬
‫‪ 2‬ـ ول يكن ان يؤخذ التفاعل بي الضداد الارجية‪ ,‬دليل على امكان ذلك لن التفاعل بي‬
‫الضداد الارجية ‪ ,‬ل يعن ان كل واحد منها شرط لوجود الخر وسبب له‪ ,‬بل مرده ف‬
‫القيقة ال اكتساب كل ضد صفة من الخر‪ .‬ل تكن موجودة عنده‪ .‬فالشحنة السالبة والوجبة‬
‫تتفاعلن‪ ,‬ل بعن ان كل من الشحنتي وجدت بسبب الشحنة الخرى‪ ,‬بل معن ان الشحنة‬
‫السالبة ولدت حالة انذاب خاص ف الشحنة الوجبة‪ ,‬وكذلك العكس‪.‬‬

‫‪249‬‬

‫[على ان ثة اكتشافات ثلثة بوجه خاص‪ ,‬قد تقدمت‬

‫بطوات العمالقة بعرفتنا‪ ,‬لترابط العمليات التطورية‬

‫الطبيعة‪ .‬أول‪ :‬اكتشاف اللية‪ ,‬بصفتها الوحدة الت تنمو‬

‫منها العضوية النباتية واليوانية كلها‪ ,‬بطريق التكاثر والتمايز‪,‬‬
‫بيث ل نعرف بان تطور سائر العضويات العليا ونوها‪,‬‬

‫يتتابعان وفق قانون عام فحسب‪ ,‬بل ان قدرة اللية كذلك‬

‫على التحول‪ ,‬تبي الطريق الذي تستطيع العضويات‬

‫بقتضاه‪ ,‬ان تغي انواعها‪ ,‬فتجتاز بذلك تطورا اكثر من ان‬
‫يكون فرديا‪ .‬ثانيا‪ :‬اكتشاف تول الطاقة الذي يبي ان سائر‬

‫القوى بجموعها‪ ,‬هي ظواهر متلفة للحركة الكلية‪ ,‬تر كل‬
‫منها ال الخرى بنسب كمية معينة ‪ ...‬واخيا البهان‬
‫الشامل‪ ,‬الذي كان (داروين) اول من جاء به‪ ,‬والذي‬

‫ينص على ان جلة ما ييط بنا ف الوقت الاضر من منتجات‬

‫الطبيعة ـ با ف ذلك البشر ـ ان هي ال نتائج عملية طويلة‬

‫من التطور] (‪.)1‬‬

‫والواقع ان الكتشاف الول‪ ,‬هو من الكشوف العلمية الت انتصرت فيها‬

‫اليتافيزيقا‪ ,‬لنه برهن على ان مبدأ الياة هو اللية الية (البوتوبلسم)‪,‬‬

‫فأزاح بذلك الوهم القائل بامكان قيام الياة ف أي مادة عضوية‪ ,‬تتوفر فيها‬

‫عوامل مادية خاصة‪ ,‬ووضع حدا فاصلً بي الكائنات الية وغيها‪ ,‬نظرا ال‬

‫ان جرثومة الياة الاصة‪ ,‬وهي وحدها الت تمل سرها العظيم‪ .‬فاكتشاف‬

‫اللية الية‪ ,‬ف نفس الوقت الذي دلنا على اصل واحد للجسام الية‪ .‬دلنا‬

‫ايضا على مدى البون بي الكائن الي وغيه‪.‬‬

‫واما الكتشاف الثان‪ ,‬فهو الخر أيضا يعد ظفرا عظيما للميتافيزيقا‪ ,‬لنه‬

‫يثبت بطريقة علمية ان جيع الشكال ـ الت تتخذها الطاقة‪ ,‬با فيها الصفة‬
‫الادية ـ هي صفات وخصائص عرضية‪ .‬فتكون باجة ال سبب خارجي‪ ,‬كما‬

‫سنوضح ذلك ف الزء الرابع من هذه السالة‪ .‬اضف ال ذلك ان الكتشاف‬
‫‪ 1‬ـ لودفيج فيورباخ ص ‪. 88‬‬
‫‪250‬‬

‫الذكور‪ ,‬يتعارض مع قواني الديالتيك‪ .‬الت يزعم الدل الاركسي صدقها على‬

‫ثابتة‪ ,‬ل تضع للحركة الديالكتيكية‪ .‬الت يزعم الدل الاركسي صدقها على‬
‫جيع جوانب الطبيعة وظواهرها‪ .‬واذا اثبت العلم استثناء جانب ف الطبيعة‬

‫من قواني الديالكتيك‪ ,‬فقد زالت ضرورته وصفته القطعية‪.‬‬

‫واما نظرية داروين عن تطور النواع وخروج بعضها من بعض فهي ل‬

‫تتفق أيضا مع قواني الديالكتيك‪ ,‬ول يكن ان تتخذ سندا علميا للطريقة‬

‫الديالكتيكية ف تفسي الحداث‪ ,‬فان داروين وبقض الساهي معه ف بناء‬

‫النظرية وتعديلها يفسرون تطور نوع ال نوع آخر على أساس ما يظفر به‬

‫بعض أفراد النوع القدي من ميزات وخصائص عن طريق صدفة ميكانيكية او‬

‫اسباب خارجية مددة‪ ,‬كالبيئة والحيط وكل ميزة يصل عليها الفرد تظل ثابتة‬

‫فيه وتنتقل بالوراثة ال ابنائه‪ ,‬وبذلك ينشا جيل قوي بفضل هذه اليزات‬

‫الكتسبة وف خضم الصراع ف سبيل القوت والبقاء بي القوياء من هذا‬

‫اليل وبي الضعاف من أفراد النوع الذين ل يظفروا بثل تلك اليزات‪,‬‬

‫يعمل قانون تنازع البقاء عمله فيفن الضيعف ويبقى الفراد القوياء‪ .‬وتتجمع‬
‫الزايا عن طريق توريث كل جيل مزاياه الت حصل عليها بسبب ظروفه وبيئته‬
‫الت عاشها للجيل الذي يتلوه‪ ,‬وهكذا حت ينشا نوع جديد يتمتع بجموع‬

‫الزايا الت اكتسبها اسلفه على مر الزمن‪.‬‬

‫ونن نستطيع ان ندرك بوضوح مدى التناقض بي نظرية داروين هذه‬

‫وبي الطريقة الديالكتيكية العامة‪.‬‬

‫فهناك الطابع اليكانيكي للنظرية يبدو بوضوح من خلل تفسي داروين‬

‫لتطور اليوان باسباب خارجية‪ ,‬فاليزات والفروق الفردية الت يصل عليها‬

‫اليل القوي من أفراد النوع ليست نتيجة لعملية تطورية ول ثرة لتناقض‬

‫داخلي وانا هي وليدة مصادفة ميكانيكية او عوامل خارجية من البيئة والحيط‪,‬‬

‫فالظروف الوضوعية الت عاشها الفراد القوياء هي الت امدتم بعناصر‬
‫قوتم وميزتم عن الخرين ل الصراع الداخلي ف العماق كما يفترض‬
‫الديالكتيك‪.‬‬

‫كما ان اليزة الت يصل عليها الفرد بطريقة ميكانيكية ـ أي بأسباب‬

‫خارجية من الظروف الت يعيشها ـ ل تتطور بركة ديناميكية وتنمو بتناقض‬

‫‪251‬‬

‫داخلي حت تول اليوان ال نوع جديد‪ ,‬وانا تظل ثابتة وتنتقل بالوراثة دون‬
‫ان تتطور وتبقى بشكل تغي بسيط ساكن‪ ,‬ث تضاف ال اليزة السابقة ميزة‬

‫اخرى تتولد هي الخرى أيضا ميكانيكيا بسبب الظروف الوضوعية‪ ,‬فيحصل‬
‫تغي بسيط آخر‪ ,‬وهكذا تتولد اليزات بطريقة ميكانيكية وتواصل وجودها ف‬
‫البناء عن طريق الوراثة وهي ساكنة ثابتة‪ ,‬وحي تتجمع يتكون منها اخيا‬

‫الشكل الرقى للنوع الديد‪.‬‬

‫وهناك أيضا فرق كبي بي قانون تنازع البقاء ف نظرية داروين وفكرة‬

‫الصراع بي الضداد ف الديالكتيك‪ ,‬فان الفكرة الصراع بي الضداد عند‬
‫الديالكتيكيي تعب عن صراع بي ضدين يسفر ف النهاية عن توحدها ف‬

‫مركب اعلى وفقا لثالوث الطروحة والطباق والتركيب‪.‬‬

‫ففي صراع الطبقات مثل تشب العركة بي الضدين ف الحتوى الداخلي‬

‫للمجتمع‪ ,‬وها الطبقة الرأسالية والطبقة العاملة‪ ,‬وينتهي الصراع بامتصاص‬
‫الطبقة العاملة للطبقة الرأسالية وتوحد الطبقتي معا ف متمع ل طبقي‪ ,‬كل‬

‫افراده يلكون ويعملون‪ ,‬واما تنازع البقاء والصراع بي القوي والضعيف ف‬
‫نظرية داروين فهو ليس صراعا ديالكتيكيا لنه ل يسفر عن توحد الضداد ف‬
‫مركب ارقى وانا يؤدي ال افناء احد الضدين والحتفاظ بالخر‪ ,‬فهو يزيل‬

‫الضعاف من أفراد النوع ازالة نائية ويبقي القوياء ول ينتج مركبا جديدا‬

‫يتوحد فيه الضعفاء والقوياء‪ ,‬الضدان التصارعان كما يفترض الديالكتيك ف‬
‫ثالوث الطروحة والطباق والتركيب‪.‬‬

‫واذا طرحنا فكرة تنازع البقاء او قانون النتخاب الطبيعي بوصفها تفسيا‬

‫لتطور النواع واستبدلناها بفكرة الصراع بي اليوان والبيئة الذي يكيف‬

‫الهاز العضوي‪ ,‬وفقا لشروط البيئة‪ ,‬وقلنا ان الصراع بي اليوان والبيئة ـ‬
‫بدل عن الصراع بي القوي والضعيف ـ هو رصيد التطور كما قرره روجيه‬

‫غارودي (‪ ,)1‬اقول اذا طورنا النظرية وفسرنا تطور النواع ف ضوء الصراع بي‬
‫البيئة والحيط‪ ,‬فسوف لن نصل ال نتيجة ديالكتيكية ايضا‪ ,‬لن الصراع بي‬

‫البيئة والهاز العضوي ل يسفر عن التحامهما وتوحدها ف مركب ارقى وانا‬
‫‪ 1‬ـ الروح الزبية ف العلوم ص ‪. 43‬‬
‫‪252‬‬

‫تظل الطروحة والطباق دون تركيب‪ .‬فالضدان التصارعان هنا ـ البيئة‬

‫والحيط ـ وان كانا موجودين معا ف ناية العركة ول يضمحل احدها خلل‬

‫الصراع ولكنهما ل يتوحدان ف مركب جديد كما تتوحد الطبقة الرأسالية‬

‫والطبقة العاملة ف مركب اجتماعي جديد‪.‬‬

‫وأخيا فأين الدفعية وأين التكامل ف التطور البيولوجي عند داروين فان‬

‫الديالكتيك يؤمن بأن التحولت الكيفية تصل بصورة دفعية خلفا للتغيات‬
‫الكمية الت تنمو ببطء‪ ,‬كما انه يؤمن ان الركة ف اتاه متكامل وصاعد‬

‫دائما‪ ,‬ونظرية داروين او فكرة التطور البيولوجي تبهن على امكان العكس‬

‫تاما‪ ,‬فقد بي علماء البيولوجيا بان ف الطبيعة الية حالت انتقال تدريية‪,‬‬

‫كما ان فيها حالت انتقال بشكل قفزات مفاجئة (‪ )1‬كما ان التفاعل الذي يدده‬
‫داروين بي الكائن الي والطبيعة ليس من الضروري فيه ان يضمن تكامل‬
‫الكائن التطور‪ ,‬بل قد يفقد بسبب ذلك شيئا ما كان قد حصل عليه من‬

‫الكمال طبقا للقواني الت يددها ف نظريته للتفاعل بي الياة والطبيعة‬

‫كاليوانات الت اضطرت منذ ابعد الماد ال العيش ف الكهوف وترك حياة‬

‫النور ففقدت بصرها ف رأي داروين بسبب تفاعلها بحيطها الاص وعدم‬

‫استعمالا لعضو البصار ف مالتا العيشية‪ ,‬وبذلك ادى التطور ف التركيب‬
‫العضوي ال النطاط خلفا للماركسية الت تعتقد ان العمليات التطورية الترابطة ف‬
‫الطبيعة النبثقة عن تناقضات داخلية تستهدف التكامل دائما لنا عمليات تقدمية‬

‫صاعدة‪.‬‬

‫ـ‪3‬ـ‬
‫○ مبدأ العلية ○‬
‫ان من أوليات ما يدر كه الب شر ف حيا ته العتياد ية‪ ,‬مبدأ العل ية القائل ان‬
‫لكـل شيـء سـببا وهـو مـن البادئ العقليـة الضروريـة‪ ,‬لن النسـان يدـ فـ‬

‫صـميم طـبيعته‪ ,‬الباعـث الذي يبعثـه ال ماولة تعليـل مـا يدـ مـن اشياء‪ ,‬وتـبير‬

‫وجود ها‪ ,‬با ستكشاف ا سبابا‪ ,‬وهذا البا عث موجود ب صورة فطر ية‪ ,‬ف الطبي عة‬
‫‪ 1‬ـ الروح الزبية ف العلوم ص ‪. 44‬‬
‫‪253‬‬

‫النسـانية‪ ,‬بـل قـد يوجـد عنـد عدة انواع مـن اليوان ايضـا‪ .‬فهـو يلتفـت ال‬

‫مصـدر الركـة غريزيـا‪ ,‬ليعرف سـببها‪ ,‬ويفحـص عـن منشـأ الصـوت ليدرك‬
‫علتـه‪ .‬وهكذا يواجـه النسـان دائما سـؤال‪ :‬لاذا ‪...‬؟ مقابـل كـل وجود وظاهرة‬
‫يسـ بمـا‪ ,‬حتـ انـه اذا ل يدـ سـببا معينـا‪ ,‬اعتقـد بوجود سـبب مهول‪ ,‬انبثـق‬

‫عنه الادث‪.‬‬

‫وعلى أساس مبدأ العلية يتوقف‪:‬‬
‫أولً‪ :‬اثبات الواقع الوضوعي للحساس‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬كل النظريات‪ ,‬او القواني العلمية‪ ,‬الستندة ال التجربة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬جواز السـتدلل وانتاجـه‪ ,‬فـ أي ميدان مـن الياديـن الفلسـفية او‬

‫العلميـة‪ .‬فلول مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ ,‬لاـ أمكـن اثبات موضوعيـة الحسـاس‪ ,‬ول‬

‫شيـء مـن نظريات العلم وقوانينـه‪ ,‬ولاـ صـح السـتدلل بأي دليـل كان‪ ,‬فـ‬
‫متلف مالت العرفة البشرية‪ .‬وفيما يلي توضيح ذلك‪:‬‬

‫ڤ‪.........................................‬العلية وموضوعية الحساس‬
‫سـبق ان اوضحنـا فـ نظريـة العرفـة‪ ,‬ان السـ ل يعدو ان يكون لونـا مـن‬

‫ألوان الت صور‪ .‬ف هو وجود ل صورة الش يء الح سوس ف مدارك ال س‪ ,‬ول‬

‫يلك صـفة الكشـف التصـديقي عـن واقـع خارجـي‪ ,‬ولذلك قـد يسـ النسـان‬

‫بأشياء‪ ,‬فـ حالت مرضيـة‪ ,‬ول يصـدق بوجودهـا‪ .‬فالحسـاس اذن ليـس سـببا‬

‫كافيا للتصديق او الكم‪ ,‬او العلم‪ ,‬بالواقع الوضوعي‪.‬‬

‫ولكـن السـالة التـ تواجهنـا حينئذ‪ ,‬هـي ان الحسـاس اذا ل يكـن بذاتـه‬

‫دليل‪ ,‬على وجود الحسـوس‪ ,‬خارج حدود الشعور والدراك‪ .‬فكيـف نصـدق‬
‫اذن بالوا قع الوضو عي؟ والواب جا هز على ضوء درا ستنا لنظر ية العر فة‪ ,‬و هو‬

‫ان التصـديق بوجود واقـع موضوعـي للعال تصـديق ضروري اول‪ ,‬فهـو لجـل‬
‫ذلك ل يتاج ال دليـل‪ ,‬ولكـن هذا التصـديق الضروري اناـ يعنـ وجود واقـع‬
‫خارجـي للعال على سـبيل الجال‪ .‬وامـا الواقـع الوضوعـي لكـل احسـاس‪ ,‬فهـو‬

‫ليـس معلومـا علمـا ضروريـا‪ ,‬واذن فنحتاج ال دليـل لثبات موضوعيـة كـل‬

‫‪254‬‬

‫اح ساس ب صورة خا صة وهذا الدل يل هو مبدأ العل ية وقوانين ها‪ ,‬ذلك ان حدوث‬

‫صورة لش يء مع ي‪ ,‬ف ظروف وشروط معي نة‪ ,‬يك شف عن وجود على خارج ية‬

‫له‪ ,‬تطبيقـا لذلك البدا‪ .‬فلول هذا البدا لاـ كشـف الحسـاس‪ ,‬او وجود الشيـء‬

‫فـ السـ‪ ,‬عـن وجوده فـ مال آخـر‪ .‬ولجـل هذا السـبب قـد يسـ النسـان‬
‫باشياء‪ ,‬او ييـل له انـه يبصـرها‪ ,‬فـ حالت مرضيـة خاصـة‪ ,‬ول يسـتكشف مـن‬

‫ذلك واقعـا موضوعيـا لتلك الشياء‪ ,‬حيـث ان تطـبيق مبدأ العليـة‪ ,‬ول يدلل على‬
‫وجود هذا الواقـع‪ ,‬مـا دام يكـن تعليـل الحسـاس بالالة الرضيـة الاصـة‪ ,‬واناـ‬

‫يثبـت الواقـع الوضوعـي للحـس‪ ,‬فيمـا اذا ل يكـن له تفسـي على ضوء مبدا‬
‫العلية‪ ,‬ال بواقع موضوعي ينشأ الحساس منه‪.‬‬
‫ويستنتج من ذلك القضايا الثلث التية‪:‬‬

‫الول‪ :‬ان الحسـاس وحده‪ ,‬ل يكشـف عـن وجود واقـع موضوعـي‪ ,‬لنـه‬

‫تصور‪ ,‬وليس من وظائف التصور ـ بختلف الوانه ـ الكشف التصديقي‪.‬‬

‫الثانيـة‪ :‬ان العلم بوجود واقـع للعال‪ ,‬على سـبيل الجال‪ ,‬حكـم ضروري‬

‫اول‪ ,‬ل يتاج ال دليـل‪ ,‬أي ال علم سـابق‪ .‬وهـو النقطـة الفاصـلة بيـ الثاليـة‬
‫والواقعية‪.‬‬

‫الثالثــة‪ :‬ان العلم بوجود واقــع موضوعــي‪ ,‬لذا الســ او ذاك‪ ,‬اناــ‬
‫يكتسب على ضوء مبدأ العلية‪.‬‬

‫ڤ‪.............................................‬العلية والنظريات العلمية‬
‫ـف‬
‫ـة والشاهدة‪ ,‬تتوقـ‬
‫ـن التجربـ‬
‫ـة ف ـ متلف مياديـ‬
‫ان النظريات العلميـ‬

‫بصـورة عامـة على مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ ,‬توقفـا اسـاسيا‪ .‬واذا سـقطت العليـة‬

‫ونظامهـا الاص‪ ,‬مـن حسـاب الكون‪ ,‬يصـبح مـن التعذر تامـا تكويـن نظريـة‬

‫علميـة فـ أي حقـل مـن القول‪ .‬وليتضـح هذا ندـ مـن الضروري ان نشيـ ال‬
‫عدة قوانيـ مـن الجموعـة الفلسـفية للعليـة التـ يرتكـز عليهـا العلم‪ ,‬وهـي كمـا‬

‫يلي‪:‬‬

‫أ ـ مبدأ العلية القائل‪ :‬ان لكل حادثة سببا‪.‬‬

‫ب ــ قانون التميـة‪ ,‬القائل‪ :‬ان كـل سـبب يولد النتيجـة الطبيعيـة له‪,‬‬
‫بصورة ضرورية‪ ,‬ول يكن للنتائج ان تنفصل عن اسبابا‪.‬‬

‫‪255‬‬

‫ج ــ قانون التناسـب‪ ,‬بيـ السـباب والنتائج‪ ,‬القائل‪ :‬ان كـل مموعـة‬

‫متفقـة فـ حقيقتهـا‪ ,‬مـن ماميـع الطبيعـة‪ ,‬يلزم ان تتفـق أيضا‪ ,‬فـ السـباب‬
‫والنتائج‪.‬‬

‫فعلى ضوء مبدأ العل ية‪ ,‬نعرف ـ مثل ـ ان الشعاع‪ ,‬الذي ينب ثق عن ذرة‬

‫الراديوم‪ ,‬له سـبب‪ ,‬وهـو النقسـام الداخلي فـ متوى الذرة‪ .‬وعلى ضوء قانون‬

‫التميـة‪ ,‬نسـتكشف ان هذا النقسـام‪ ,‬عنـد اسـتكمال الشروط اللزمـة‪ ,‬يولد‬
‫الشعاع الاص‪ ,‬بصـورة حتميـة‪ ,‬وليـس مـن المكـن الفصـل بينهمـا‪ .‬وعلى‬

‫اسـاس قانون التناسـب‪ ,‬نسـتطيع ان نعمـم ظاهرة الشعاع‪ ,‬وتفسـيها الاص‪,‬‬
‫لميـع ذرات الراديوم‪ ,‬فنقول‪ :‬مـا دامـت جيـع ذرات هذا العنصـر‪ ,‬متفقـة فـ‬

‫القي قة في جب ان تت فق ف ا سبابا ونتائج ها‪ ,‬فاذا كش فت التجر بة العلم ية عن‬

‫اشعاع فـ بعـض ذرات الراديوم‪ ,‬أمكـن القول باعتباره ظاهرة عامـة‪ ,‬لسـائر‬
‫الذرات الماثلة‪ ,‬ف الظروف الشخصة الواحدة‪.‬‬

‫ومـن الواضـح ان القانونيـ الخييـن‪ :‬التميـة والتناسـب‪ ,‬منبثقان عـن مبدأ‬

‫العليـة‪ ,‬فلو ل تكـن فـ الكون عليـة بيـ بعـض الشياء وبعـض‪ ,‬وكانـت الشياء‬
‫تدث صـدفة واتفاقـا‪ ,‬ل يكـن مـن التمـي ان يوجـد الشعاع بدرجـة معينـة‪,‬‬

‫حيـ تكون هناك ذرة راديوم‪ ,‬ول يكـن مـن الضروري أيضا ان تشترك جيـع‬
‫ذرات العنصـر‪ ,‬فـ ظواهـر اشعاعيـة معينـة‪ ,‬بـل يصـبح مـن الائز ان يكون‬

‫ـا دام مبدأ‬
‫ـدفة والتفاق‪ ,‬مـ‬
‫ـء ال للصـ‬
‫الشعاع ف ـ ذرة دون اخرى‪ ,‬ل لشيـ‬

‫العليـة خارجـا عـن حسـاب الكون‪ .‬فمرد التميـة والتناسـب معـا ال مبدأ‬

‫العلية‪.‬‬

‫ولنعـد الن ــ بعـد ان عرفنـا الفقرات الرئيسـية الثلث‪ :‬العليـة‪ ,‬والتميـة‪,‬‬

‫والتناسـب ــ ال العلوم والنظريات العلميـة‪ ,‬فاننـا سـوف ندـ بكـل وضوح‪ ,‬ان‬
‫جيـع النظريات والقوانيـ‪ ,‬التـ تزخـر باـ العلوم‪ ,‬مرتكزة فـ القيقـة‪ ,‬على‬

‫اسـاس تلك الفقرات الرئيسـية‪ ,‬وقائمـة على مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ .‬فلو ل يؤخـذ‬

‫هذا البدأ كحقيقـة فلسـفية ثابتـة‪ ,‬لاـ أمكـن ان تقام نظريـة‪ ,‬ويشاد قانون‬

‫ـة‪ ,‬الت ـ يقوم با ـ العال‬
‫ـفة العموم والشمول‪ .‬ذلك ان التجربـ‬
‫ـي‪ ,‬له صـ‬
‫علمـ‬

‫‪256‬‬

‫الطـبيعي فـ متـبه‪ ,‬ل يكـن ان تسـتوعب جيـع جزئيات الطبيعـة‪ ,‬واناـ تتناول‬

‫عدة جزئيات مدودة متف قة ف حقيقت ها فتك شف عن اشتراك ها ف ظاهرة معي نة‪,‬‬
‫وح يث يتا كد العال من صحة التجر بة ودقت ها وموضوعيت ها‪ ,‬ي ضع فورا نظري ته‬

‫او قانونـه العام‪ ,‬الشامـل لميـع مـا ياثـل موضوع تربتـه مـن اجزاء الطبيعـة‪.‬‬
‫وهذا التعميـم‪ ,‬الذي هـو شرط اسـاسي لقامـة علم طـبيعي‪ ,‬ل مـبر له ال‬

‫قوانيـ العليـة بصـورة عامـة‪ ,‬وقانون التناسـب منهـا بصـورة خاصـة‪ ,‬القائل‪ :‬ان‬
‫كل ممو عة متف قة ف حقيقت ها‪ ,‬ي ب ان تت فق ـ أيضا ـ ف العلل والثار‪ .‬فلو‬

‫ل تكــن فــ الكون علل وآثار‪ ,‬وكانــت الشياء تري على حســب التفاق‬
‫البحـث‪ ,‬لاـ أمكـن للعال الطـبيعي القول‪ :‬ان مـا صـح فـ متـبه الاص‪ ,‬يصـح‬

‫على كـل جزء مـن الطبيعـة على الطلق‪ .‬ولنأخـذ لذلك مثال بسـيطا‪ ,‬مثال‬
‫العال الطـبيعي‪ ,‬الذي اثبـت بالتجربـة ان الجسـام تتمدد حال حرارتاـ‪ ,‬فانـه ل‬

‫يطـ بتجاربـه جيـع الجسـام‪ ,‬التـ يتويهـا الكون طبعا‪ ,‬واناـ اجرى تاربـه على‬

‫عدة اجسـام متنوعـة‪ ,‬كعجلت العربـة الشبيـة‪ ,‬التـ توضـع عليهـا اطارات‬

‫حديدية اصغر منها حال سخونتها‪ ,‬فتنكمش الطارات اذا بردت وتشتد على‬
‫الشب‪ ,‬ولنفرض انه كرر التجربة عدة مرات على اجسام اخرى‪ ,‬فلن ينجو‬

‫ف ناية الطاف التجريب‪ ,‬عن مواجهة هذا السؤال‪ :‬ما دمت ل تستقص‬

‫جيع الزئيات‪ ,‬فكيف يكنك ان تؤمن‪ ,‬بان اطارات جديدة اخرى غي الت‬

‫جربتها‪ ,‬تتمدد هي الخرى أيضا بالرارة؟ والواب الوحيد على هذا‬
‫السؤال‪ ,‬هو مبدأ العلية وقوانينها‪ .‬فالعقل حيث انه ل يقبل الصدفة‬

‫والتفاق‪ ,‬وانا يفسر الكون بالعلية وقوانينها‪ ,‬من التمية والتناسب‪ ,‬يد ف‬

‫التجارب الحدودة‪ ,‬الكفاية لليان‪ ,‬بالنظرية العامة‪ ,‬القائلة بتمدد الجسام‬
‫بالرارة‪ ,‬لن هذا التمدد‪ ,‬الذي كشفت عنه التجربة‪ ,‬ل يكن صدفة‪ ,‬وانا‬

‫كان حصيلة الرارة ومعلول لا‪ ,‬وحيث ان قانون التناسب ف العلية‪ ,‬ينص‬

‫على ان الجموعة الواحدة من الطبيعة‪ ,‬تتفق ف اسبابا ونتائجها وعللها‬

‫وآثارها‪ ,‬فل غرو ان تصل كل البرات حينئذ‪ ,‬للتاكيد على شول ظاهرة‬
‫التمدد لسائر الجسام‪.‬‬

‫‪257‬‬

‫وهكذا نعرف‪ ,‬ان وضع النظرية العامة‪ ,‬ل يكن ميسورا‪ ,‬دون النطلق‬

‫من مبدأ العلية‪ .‬فمبدأ العلية هو الساس الول‪ ,‬لميع العلوم والنظريات‬
‫التجريبية‪.‬‬

‫وبتخليص‪ :‬ان النظريات التجريبية‪ ,‬ل تكتسب صفة علمية‪ ,‬ما ل تعمم‬

‫لجالت اوسع من حدود التجربة الاصة‪ ,‬وتقدم كحقيقة عامة‪ .‬ول يكن‬
‫تقديها كذلك ال على ضوء مبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬فل بد للعلوم عامة ان تعتب‬

‫مبدأ العلية‪ ,‬وما اليها من قانون التمية والتناسب‪ ,‬مسلمات اساسية‪ ,‬وتسلم‬
‫با بصورة سابقة‪ ,‬على جيع نظرياتا وقوانينها التجريبية‪.‬‬

‫ڤ‪...................................................‬العلية والستدلل‬
‫مبدأ العلية هو الركيزة الت تتوقف عليها جيع ماولت الستدلل‪ ,‬ف‬

‫كل مالت التفكي النسان‪ ,‬لن الستدلل بدليل على شيء من الشياء‪,‬‬
‫يعن ان الدليل اذا كان صحيحا‪ ,‬فهو سبب للعلم بالشيء الستدل عليه‪.‬‬

‫فحي نبهن على حقيقة من القائق بتجربة علمية‪ ,‬او بقانون فلسفي‪ ,‬او‬
‫باحساس بسيط‪ ,‬انا ناول بذلك ان يكون البهان‪ ,‬علة للعلم بتلك‬

‫القيقة‪ .‬فلول مبدأ العلية والتمية‪ ,‬لا اتيح لنا ذلك‪ ,‬لننا اذا طرحنا قواني‬
‫العلية من الساب ول نؤمن بضرورة وجود اسباب معينة لكل حادث‪ ,‬ل تبق‬

‫صلة بعد ذلك بي الدليل الذي نستند اليه‪ ,‬والقيقة الت ناول اكتسابا‬
‫بسببه‪ ,‬بل يصبح من الائز ان يكون الدليل صحيحا‪ ,‬ول ينتج النتيجة‬
‫الطلوبة‪ ,‬ما دامت قد انفصمت علقة العلية‪ .‬بي الدلة والنتائج‪ ,‬بي‬

‫السباب والثار‪.‬‬

‫وهكذا يتضح ان كل ماولة للستدلل‪ ,‬تتوقف على اليان ببدأ العلية‪,‬‬

‫وال كانت عبثا غي مثمر‪ .‬وحت الستدلل على رد مبدأ العلية‪ ,‬الذي ياوله‬
‫بعض الفلسفة او العلماء‪ ,‬يرتكز على مبدأ العلية أيضا‪ ,‬لن هؤلء الذين‬

‫ياولون انكار هذا البدأ‪ ,‬والستناد ف ذلك ال دليل‪ ,‬ل يكونوا يقومون بذه‬
‫الحاولة‪ ,‬لو ل يؤمنوا بأن الدليل الذي يستندون اليه‪ ,‬سبب كاف للعلم‬

‫ببطلن مبدأ العلية‪ .‬وهذا بنفسه تطبيق حرف لذا البدأ‪.‬‬

‫ڤ‪............................................‬اليكانيكية والديناميكية‬
‫‪258‬‬

‫يترتب على ما سبق النتائج التالية‪:‬‬

‫أ ـ ان مبدأ العلية ل يكن اثباته‪ ,‬والتدليل عليه بالس‪ ,‬لن الس ل‬

‫يكتسب صفة موضوعية‪ ,‬ال على ضوء هذا البدا‪ .‬فنحن نثبت الواقع‬

‫الوضوعي لحاسيسنا‪ ,‬استنادا ال مبدأ العلية‪ ,‬فليس من العقول ان يكون‬
‫هذا البلد‪ ,‬مدينا للحس ف ثبوته‪ ,‬ومرتكزا عليه‪ ,‬بل هو مبدأ عقلي يصدق به‬
‫النسان‪ ,‬بصورة مستغنية عن الس الارجي‪.‬‬

‫ب ـ ان مبدأ العلية ليس نظرية علمية تريبية‪ ,‬وانا هو قانون فلسفي‬

‫عقلي فوق التجربة‪ ,‬لن جيع النظريات العلمية تتوقف عليه‪ .‬ويبدو هذا‬
‫واضحا كل الوضوح‪ ,‬بعد ان عرفنا ان كل استنتاج علمي‪ ,‬قائم على‬

‫التجربة‪ ,‬يواجه مشكلة العموم والشمول‪ ,‬وهي ان التجربة‪ ,‬الت يرتكز‬
‫عليها الستنتاج‪ ,‬مدودة‪ ,‬فكيف تكون بجردها دليل على نظرية عامة؟!‬

‫وعرفنا أيضا ان الل الوحيد لذه الشكلة‪ ,‬انا هو مبدأ العلية‪ ,‬باعتباره دليل‬
‫على تعميم الستنتاج وشوله‪ .‬فلو افترضنا ان مبدأ العلية نفسه مرتكز على‬

‫التجربة‪ ,‬فمن الضروري ان نواجه مشكلة العموم والشمول مرة اخرى‪ ,‬نظرا‬

‫ال ان التجربة ليست مستوعبة للكون‪ ,‬فكيف تعتب دليل على نظرية عامة؟!‬
‫وقد كنا نل هذه الشكلة حي نواجهها‪ ,‬ف متلف النظريات العلمية‪,‬‬

‫بالستناد ال مبدأ العلية‪ ,‬بصفته الدليل الكاف على عموم النتيجة وشولا‪.‬‬

‫واما اذا اعتب نفس هذا البدا تريبيا‪ ,‬وواجهنا السالة فيه‪ ,‬فسوف نعجز‬
‫نائيا عن الواب عليه‪ .‬فل بد اذن ان يكون مبدأ العلية فوق التجربة‪,‬‬

‫وقاعدة اساسية للستنتاجات التجريبية عامة‪.‬‬

‫ج ـ ان مبدأ العلية ل يكن الستدلل على رده‪ ,‬بأي لون من ألوان‬

‫الستدلل‪ ,‬لن كل ماولة من هذا القبيل‪ ,‬تنطوي ضمنا على العتراف به‪,‬‬
‫فهو اذن ثابت بصورة متقدمة‪ ,‬على جيع الستدللت‪ ,‬الت يقوم با‬

‫النسان‪.‬‬

‫وخلصة هذه النتائج‪ ,‬ان مبدأ العلية ليس مبدأ تريبيا‪ ,‬وانا هو مبدأ‬

‫عقلي ضروري‪.‬‬

‫‪259‬‬

‫وعلى هذا الضوء يكننا ان نضع الد الفاصل‪ ,‬بي اليكانيكية‬

‫والديناميكية‪ ,‬وبي مبدأ العلية‪ ,‬ومبدأ الرية‪ .‬فان التفسي اليكانيكي للعلية‬
‫كان يقوم‪ ,‬على أساس اعتبارها مبدأ تريبيا‪ ,‬فهي ليست ف رأي اليكانيكية‬

‫الادية ال رابطة مادية‪ ,‬تقوم بي ظواهر مادية ف القل التجريب‪ ,‬وتستكشف‬
‫بالوسائل العلمية‪ .‬ولجل ذلك كان من الطبيعي‪ ,‬ان تنهار العلمية اليكانيكية‪,‬‬

‫اذا عجزت التجربة ف بعض الجالت العلمية‪ ,‬عن الكشف عما وراء‬

‫الظاهرة من علل وأسباب‪ ,‬لنا ل تتم ال على أساس تريب‪ ,‬فاذا خانتها‬

‫التجربة‪ ,‬ول يبهن عليها التطبيق العملي سقطت عن درجة الوثوق العلمي‬
‫والعتبار‪.‬‬

‫واما على رأينا ف العلية‪ ,‬القائل انا مبدأ عقلي فوق التجربة‪.‬‬
‫فالوقف يتلف كل الختلف من جوانب عديدة‪.‬‬

‫أولً‪ :‬ان العلية ل تقصر على الظواهر الطبيعية الت تبدو ف التجربة بل‬
‫هي قانون عام للوجود ف ماله الوسع الذي يضم الظواهر الطبيعية ونفس‬

‫الادة وما وراء الادة من الوان الوجود‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬ان السبب‪ ,‬الذي يكم بوجوده مبدأ العلية‪ ,‬ليس من الضروري‬

‫ان يضع للتجربة‪ ,‬او ان يكون شيئا ماديا‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬ان عدم كشف التجربة‪ ,‬عن وجود سبب معي‪ ,‬لصيورة ما او‬

‫لظاهرة ما‪ ,‬ل يعن فشل مبدأ العلية‪ ,‬اذ ان هذا البدأ ل يرتكز على التجربة‪,‬‬
‫ليتزعزع بسبب عدم توفرها‪ .‬فبالرغم من عجز التجربة‪ ,‬عن استكشاف‬

‫السبب‪ ,‬يبقى الوثوق الفلسفي بوجوده ـ طبقا لبدأ العلية ـ قويا‪ ,‬ويرجع فشل‬

‫التجربة ف الكشف عن السبب ال امرين‪ :‬اما قصورها وعدم احاطتها‬

‫بالواقع الادي‪ ,‬واللبسات الاصة للحادثة‪ ,‬واما ان السبب الجهول خارج‬

‫عن القل التجريب‪ ,‬وموجود فوق عال الطبيعة والادة‪.‬‬

‫وبا سبق‪ ,‬يكننا ان نيز الفوارق الساسية‪ ,‬بي فكرتنا عن مبدأ العلية‪,‬‬

‫والفكرة اليكانيكية عنه‪ .‬ونتبي ان الشك الذي اثي حول مبدأ العلية‪ ,‬ل يكن‬

‫ال نتيجة لتفسيه على أساس الفهوم اليكانيكي الناقص‪.‬‬

‫ڤ‪..........................................‬مبدأ العلية واليكروفيزياء‬

‫‪260‬‬

‫نستطيع على ضوء النتائج‪ ,‬الت انتهينا اليها ف مبدأ العلية‪ ,‬ان ندحض‬

‫تلك الملت الشديدة‪ ,‬الت شنت ف اليكروفيزياء‪ ,‬ضد قانون التمية‪,‬‬

‫وبالتال ضد مبدأ العلية بالذات‪ .‬فقد وجد ف الفيزياء الذرية‪ ,‬التاه القائل‬

‫ان الضبط التمي‪ ,‬الذي تؤكد عليه العلية وقوانينها‪ ,‬ل يصح ف مستوى‬
‫اليكروفيزياء‪ .‬فقد يكون من الصحيح‪ ,‬ان السباب ذاتا تولد النتائج‬

‫نفسها‪ ,‬ف مستوى الفيزياء الدرسية‪ ,‬او فيزياء العي الجردة‪ .‬وان تأثي‬

‫السباب الفاعلة‪ ,‬ف ظروف شخصية واحدة‪ ,‬ل بد له من ان ينتهي ال‬

‫مصلة واحدة حتما‪ ,‬بيث نستطيع ان نتأكد من طبيعة النتائج وحتميتها‪,‬‬

‫بسبب دراسة السباب والشرائط الطبيعية ‪..‬ولكن كل شيء يبدو على غي‬

‫هذا اللون‪ ,‬اذا حاولنا ان نطبق مبادئ العلية على العال الذري‪ .‬ولذلك‬
‫اعلن (هايزنبغ) العال الفيزيائي ان من الستحيل علينا‬

‫ان نقيس‪ ,‬بصورة دقيقة‪ ,‬كمية الركة‪ ,‬الت يقوم با جسم بسيط‪ ,‬وان‬
‫تدد ـ ف الوقت عينه ـ موضعه ف الوجة الرتبطة به‪ ,‬بسب الكانيكا‬
‫الوجبة‪ ,‬الت نادى با (لويس دوبروغي)‪ .‬فكلما كان مقياس موضعه‬

‫دقيقا‪ ,‬كان هذا القياس عامل ف تعديل كمية الركة‪ ,‬ومن ثة ف تعديل‬

‫سرعة السيم‪ ,‬بصورة ل يكن التنبؤ با‪ .‬وكلما كان مقياس كمية الركة‬

‫دقيقا‪ ,‬اصبح موضع السيم غي مدد (‪ .)1‬فالوقائع الفيزيائية ف الجال‬
‫الذري‪ ,‬ل يستطاع قياسها‪ ,‬بدون ان يدخل فيها اضطرابا‪ ,‬غي قابل‬

‫للقياس‪ .‬ومهما تعمقنا ف تدقيق القاييس العلمية‪ .‬ابتعدنا اكثر عن الواقع‬

‫الوضوعي لتلك الوقائع‪ .‬ومعن ذلك انه ل يكن فصل الشيء اللحظ ف‬
‫اليكروفيزياء‪ .‬عن الداة العلمية‪ ,‬الت يستعملها العال لدرسه‪ .‬كما ل يكن‬

‫فصله عن اللحظ نفسه‪ .‬اذ ان ملحظي متلفي‪ ,‬يعملون باداة واحدة‪ ,‬على‬

‫موضع واحد‪ ,‬سوف يصلون ال مقاييس متلفة‪ .‬ومن هنا نشأت فكرة‬

‫اللحتمية‪ ,‬الت تناقض بصفة مطلقة مبدأ العلية‪ .‬والقواعد الساسية الت‬
‫سارت عليها الفيزياء قبل ذلك‪ .‬وجرت ماولت لستبدال العلية التمية‪ .‬با‬
‫‪ 1‬ـ هذه هي الدياكتيكية ص ‪. 132‬‬
‫‪261‬‬

‫يسمى (علقات الرتياب)‪ ,‬او (قواني الحتمال)‪ ,‬الت نادى با‬

‫(هايزنبغ)‪ ,‬مصرا على ان العلوم الطبيعية ـ كالعلوم النسانية ـ ل تستطيع‬
‫ان تتنبأ تنبؤا يقينيا‪ ,‬حينما تنظر ال العنصر البسيط‪ ,‬بل ان كل ما تستطيعه‪,‬‬

‫هو ان تصوغ احتمال من الحتمالت‪.‬‬

‫والواقع ان جيع هذه الشكوك والرتيابات العلمية‪ ,‬الت أثارها العلماء ف‬

‫اليكروفيزياء‪ ,‬ترتكز على فهم خاص لبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬ل يتفق مع فهمنا‬

‫وتليلنا الفلسفي له‪ .‬فنحن ل نريد ان نناقش هؤلء العلماء ف تاربم‪ ,‬او‬

‫ندعوهم ال التغاضي عن مستكشفاتا‪ ,‬والتخلي عنها‪ ,‬ول نرمي ال التقليل‬
‫من شأنا وخطرها‪ ,‬وانا نتلف عنهم ف مفهومنا العام عن مبدأ العلية‪,‬‬

‫وعلى أساس هذا الختلف‪ ,‬تصبح كل الحاولت السابقة لدحض مبدأ‬

‫العلية وقوانينها‪ ,‬غي ذات معن‪.‬‬

‫ومفصل الديث حول ذلك‪ ,‬ان (مبدأ العلية) لو كان مبدأ علميا‪ ,‬قائما‬

‫على أساس التجارب والشاهدات‪ ,‬ف حقل الفيزياء العتيادية‪ ,‬لكان رهن‬
‫التجربة ف ثبوته وعمومه‪ ,‬فاذا ل نظفر بتطبيقات واضحة‪ ,‬ف ميادين‬

‫الفيزياء الذرية‪ ,‬ول نستطع ان نستكشف لا نظاما حتميا قائما عل مبدأ العلية‬
‫وقوانينها‪ ,‬كان من حقنا ان نشك ف قيمة البدا بالذات‪ ,‬ومدى صحته او‬

‫عمومه‪ .‬غي انا اوضحنا فيما سبق‪ ,‬ان تطبيق مبدأ العلية على الجالت‬

‫العتيادية للفيزياء‪ ,‬والعتقاد بالعلية كنظام عام للكون فيها‪ ,‬ل يكن بدليل‬
‫تريب بت‪ .‬وان مبدأ العلية مبدأ ضروري فوق التجربة‪ .‬وال ل يستقم‬

‫علم طبيعي على الطلق‪ .‬واذا تبينا هذا‪ ,‬ووضعنا مبدأ العلية ف موضعه‬
‫الطبيعي‪ ,‬من تسلسل الفكر النسان‪ ,‬فسوف ل يزعزع به عدم تكننا من‬

‫تطبيقه تريبيا‪ ,‬ف بعض ميادين الطبيعة‪ .‬والعجز عن استكشاف النظام‬
‫التمي الكامل فيها بالساليب العلمية‪ .‬فان كل ما جعه العلماء من‬

‫ملحظات‪ ,‬على ضوء تاربم اليكروفيزيائية‪ ,‬ل يعن ان الدليل العلمي‪ ,‬قد‬
‫برهن على خطا مبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬ف هذا الجال الدقيق من مالت‬

‫الطبيعة التنوعة‪ .‬ومن الواضح ان عدم توفر المكانيات العلمية والتجريبية ل‬

‫يس مبدأ العلية ف كثي او قليل‪ .‬ما دام مبدأ ضروريا فوق التجربة‪ .‬ويوجد‬

‫‪262‬‬

‫عندئذ لفشل التجارب العلمية‪ .‬ف ماولة الظفر بأسرار النظام التمي للذرة‬

‫تفسيان‪:‬‬

‫الول‪ :‬نقصان الوسائل العلمية‪ ,‬وعدم توفر الدوات التجريبية‪ ,‬الت‬

‫تتيح للعال الطلع على جيع الشروط والظروف الادية‪ .‬فقد يعمل العال بأداة‬
‫واحدة‪ ,‬على موضوع واحد عدة مرات‪ ,‬فيصل ال نتائج متلفة‪ ,‬ل لن‬
‫الوضوع الذي عمل عليه‪ ,‬متحرر من كل نظام حتمي‪ ,‬بل لن الوسائل‬

‫التجريبية اليسورة ل تكن كاملة‪ ,‬ال حد تكشف له عن الشروط الادية‬

‫الدقيقة‪ ,‬الت اختلفت النتائج بسبب اختلفها‪ ,‬ومن الطبيعي ان تكون وسائل‬
‫التجربة‪ ,‬ف الجالت الذرية ووقائعها ابعد عن الكمال من الوسائل‬

‫التجريبية‪ ,‬الت تتخذ ف مالت فيزيائية اخرى‪ ,‬اقل خفاء واكثر وضوحا‪.‬‬
‫الثان‪ :‬تاثر الوضوع ـ نظرا ال دقته وضآلته ـ بالقاييس والدوات‬

‫العلمية‪ ,‬تاثرا دقيقا ل يقبل القياس والدروس العلمي‪ .‬فقد تبلغ الوسائل‬

‫العلمية الذروة ف الدقة والكمال والعمق‪ ,‬ولكن العال ـ مع ذلك ـ يواجه‬
‫الشكلة نفسها‪ ,‬لنه يد نفسه أزاء وقائع فيزيائية‪ ,‬ل يستطيع قياسها‪ ,‬بدون‬

‫ان يدخل فيها اضطرابا غي قابل للقياس‪ .‬وبذلك يتلف موقفه تاه هذه‬

‫الوقائع‪ ,‬عن موقفه ف تارب فيزياء العي الجردة‪ ,‬لنه ف تلك التجارب‬

‫يستطيع ان يقوم بقياساته‪ ,‬دون اجراء أي تعديل ف الشيء القاس‪ ,‬وحت‬

‫حينما يعدل فيه‪ ,‬يكون هذا التعديل نفسه قابل للقياس‪ .‬واما ف اليكروفيزياء‬
‫فقد تكون دقة الداة وقوتا بنفسها‪ ,‬سببا ف فشلها‪ ,‬اذا تدث تغييا ف‬

‫الوضوع اللحظ‪ ,‬فل يكن ان يدرس بصورة موضوعية مستقلة‪ .‬ولذلك‬

‫يقول (جان لويس ديتوش) ـ فيما يتعلق بسيم من السيمات ـ فبد ًل ان‬
‫تكون شدة النور‪ ,‬هي ذات الهية‪ ,‬اذ يصبح طول الوجة هو الهم‪ .‬فكلما‬

‫أضأنا السيم بوجة قصية ـ أي بوجة ذات تواتر كبي ـ اصبحت حركته‬

‫عرضة للضطراب‪.‬‬

‫ومرد السببي معا ال قصور وسائل التجربة والشاهدة العلميتي‪ :‬اما عن‬

‫ضبط الوضوع اللحظ‪ ,‬بميع شروطه وظروفه الادية‪ ,‬واما عن قياس‬

‫التأثي‪ ,‬الذي توجده التجربة نفسها فيه قياسا دقيقا‪ .‬وكل هذا انا يقرر عدم‬

‫إمكان الطلع على النظام التمي‪ ,‬الذي يتحكم ف السيمات‬

‫وحركتها ـ مثل ـ وعدم إمكان التنبؤ بسلك هذه السميات تنبؤا مضبوطا‪.‬‬

‫‪263‬‬

‫ول يبهن ذلك على حريتها‪ ,‬ول يبر إدخال اللحتمية ال مال الادة‪,‬‬
‫وإسقاط قواني العلية من حساب الكون‪.‬‬

‫لاذا تتاج الشياء ال علة؟‬

‫نتناول الن ناحية جديدة من مبدأ العلية‪ ,‬وهي الجابة عن السؤال‬
‫التال‪ :‬لاذا تتاج الشياء ال اسباب وعلل‪ ,‬فل توجد بدونا؟ وما هو السبب‬
‫القيقي الذي يعلها متوقفة على تلك السباب والعلل؟ وهذا سؤال نواجهه‬

‫بطبيعة الال بعد ان آمنا ببدأ العلية‪ ,‬فان الشياء الت نعاصرها ف هذا‬

‫الكون‪ ,‬ما دامت خاضعة بصورة عامة لبدأ العلية وموجودة طبقا لقوانينها‪,‬‬

‫فيجب ان نتساءل عن سر خضوعها لذا البدأ‪ ,‬فهل مرد هذا الوضوع ال‬
‫ناحية ذاتية ف تلك الشياء‪ ,‬ل يكنها ان تتحرر عنها مطلقا؟ او ال سبب‬

‫خارجي جعلها باجة ال علل وأسباب؟ وسواء اصح هذا أم ذاك‪ ,‬فما هي‬

‫حدود هذا السر الذي يرتكز عليه مبدأ العلية؟ وهل يعم الوان الوجود جيعا‬

‫او ل؟‪.‬‬

‫وقد حصلت هذه السئلة على اربع نظريات لحاولة الجابة عنها‪.‬‬

‫أ ـ نظرية الوجود‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة ان الوجود يتاج ال علة‪ ,‬لجل وجوده‪ .‬وهذه‬
‫الاجة ذاتية للوجود‪ ,‬فل يكن ان نتصور وجودا متحررا من هذه الاجة‪,‬‬

‫لن سبب الفتقار ال العلة سر كامن ف صميمه‪ .‬ويترتب على ذلك ان كل‬
‫وجود معلول‪ .‬وقد اخذ بذه النظرية بعض فلسفة الاركسية‪ ,‬مستندين ف‬

‫تبيرها علميا ال التجارب‪ ,‬الت دلت ف متلف ميادين الكون‪ ,‬على ان‬

‫الوجود بشت ألوانه واشكاله‪ ,‬الت كشفت عنها التجربة‪ ,‬ل يتجرد عن سببه‬

‫ول يستغن عن العلة‪ .‬فالعلية ناموس عام للوجود‪ ,‬بكم التجارب العلمية‪.‬‬

‫وافتراض وجود ليس له علة مناقض لذا الناموس‪ ,‬ولجل ذلك كان ضربا‬
‫من العتقاد بالصدفة‪ ,‬الت ل متسع لا ف نظام الكون العام (‪.)1‬‬

‫وقد حاولوا عن هذا الطريق ان يتهموا الفلسفة اللية‪ ,‬بانا تؤمن‬
‫‪1‬ـ جب واختيار ص ‪. 5‬‬
‫‪264‬‬

‫بالصدفة‪ ,‬نظرا ال اعتقادها بوجود مبدأ أول‪ ,‬ل ينشا من سبب ول تتقدمه‬

‫علة‪ .‬فهذا الوجود الزعوم لللية‪ ,‬لا كان شاذا عن مبدأ العلية‪ ,‬فهو صدفة‪,‬‬
‫وقد اثبت العلم ان ل صدقة ف الوجود‪ ,‬فل يكن التسليم بوجود البدأ‬

‫اللي‪ ,‬الذي تزعمه الفلسفية اليتافيزيقية‪.‬‬

‫وهكذا اخطا هؤلء مرة اخرى‪ ,‬حي أرادوا استكشاف سر الاجة ال‬

‫العلة‪ ,‬ومعرفة حدود العلية‪ ,‬ومدى اتساعها عن طريق التجارب العلمية‪ ,‬كما‬
‫أخطأوا سابقا ف ماولة استنباط مبدأ العلية بالذات‪ ,‬وبصورة رئيسية من‬
‫التجربة والستقراء العلمي للكون‪ .‬فان التجارب العلمية ل تعمل ال ف‬

‫حقلها الاص‪ ,‬وهو نطاق مادي مدود‪ ,‬وقصارى ما تكشف عنه هو خضوع‬

‫الشياء ف ذلك النطاق لبدأ العلية‪ ,‬فالنفجار‪ ,‬او الغليان‪ ,‬او الحتراق‪ ,‬او‬

‫الرارة‪ ,‬او الركة‪ ,‬وما ال ذلك من ظواهر الطبيعة‪ ,‬ل توجد دون اسباب‪,‬‬

‫وليس ف المكانات العلمية للتجربة‪ ,‬التدليل على ان سر الاجة ال العلة‬

‫كامن ف الوجود بصورة عامة‪ ,‬فمن الائز ان يكون السر ثابتا ف ألوان خاصة‬
‫من الوجود‪ ,‬وان تكون الشياء الت ظهرت ف الجال التجريب من تلك‬

‫اللوان الاصة‪.‬‬

‫فاعتبار التجربة دليل على ان الوجود بصورة عامة خاضع للعلل‬

‫والسباب‪ ,‬ليس صحيحا ـ اذن ـ ما دامت التجربة ل تباشر ال القل الادي‬
‫من الوجود‪ ,‬وما دام نشاطها ف هذا القل الذي تباشره ل يتخطى ايضاح‬

‫السباب والثار النبثقة عنها‪ ,‬ال الكشف عن السبب الذي جعل هذه الثار‬

‫باجة ال تلك السباب‪ .‬واذا كانت التجربة ووسائلها الحدودة‪ ,‬قاصرة عن‬
‫تكوين اجابة واضحة ف هذه السالة‪ ,‬فيجب درسها على السس العقلية‪,‬‬

‫وبصورة فلسفية مستقلة‪ .‬فكما ان مبدأ العلية نفسه من البادئ الفلسفية‬

‫الالصة ـ كما عرفت سابقا ـ كذلك أيضا البحوث التصلة به‪ ,‬والنظريات الت‬

‫تعال حدوده‪.‬‬

‫ويب ان نشي ال ان اتام فكرة البدأ الول‪ ,‬بأنا لون من اليان‬

‫بالصدفة‪ ,‬ينطوي على سوء فهم لذه الفكرة‪ ,‬وما ترتكز عليه من مفاهيم‪,‬‬

‫‪265‬‬

‫ذلك ان الصدفة عبارة عن الوجود‪ ,‬من دون سبب؛ لشيء يستوي بالنسبة‬

‫اليه الوجود والعدم‪ ,‬فكل شيء ينطوي على إمكان الوجود‪ ,‬وإمكان العدم‬
‫بصورة متعادلة‪ ,‬ث يوجد من دون علة فهو الصدفة‪ .‬وفكرة البدأ الول‬

‫تنطلق من القول بان البدا الول ل يتعادل فيه الوجود والعدم‪ ,‬فهو ليس‬
‫مكن الوجود والعدم معا‪ ,‬بل ضروري الوجود‪ ,‬ومتنع العدم‪ .‬ومن البدهي‬
‫ان العتقاد بوجب هذه صفته‪ ,‬ل ينطوي على التصديق بالصدفة مطلقا‪.‬‬

‫ب ـ نظرية الدوث‪:‬‬
‫وهي النظرية الت تعتب حاجة الشياء ال أسبابا‪ ,‬مستندة ال حدوثها‪.‬‬
‫فالنفجار‪ ,‬او الركة‪ ,‬او الرارة‪ ,‬انا تتطلب لا اسبابا‪ ,‬لنا أمور حدثت‬
‫بعد العدم‪ .‬فالدوث هو الذي يفتقر ال علة‪ ,‬وهو الباعث الرئيسي الذي‬

‫يثي فينا سؤال‪ :‬لاذا وجد؟ امام كل حقيقة من القائق‪ ,‬الت نعاصرها ف‬

‫هذا الكون‪ .‬وعلى ضوء هذه النظرية‪ ,‬يصبح مبدأ العلية مقتصرا على الوادث‬
‫خاصة‪ .‬فاذا كان الشيء موجودا بصورة مستمرة ودائمة ول يكن حادثا بعد‬

‫العدم‪ ,‬فل توجد فيه حاجة ال السبب‪ ,‬ول يدخل ف النطاق الاص لبدأ‬
‫العلية‪.‬‬

‫وهذه النظرية اسرفت ف تديد العلية‪ ,‬كما أسرفت النظرية السابقة ف‬

‫تعميمها‪ ,‬وليس لا ما يبرها من ناحية فلسفية‪ .‬فمرد الدوث ف القيقة ال‬
‫وجود الشيء بعد العدم‪ ,‬كوجود السخونة ف ماء ل يكن ساخنا‪ ,‬ول يفترق‬

‫لدى العقل‪ ,‬ان توجد هذه السخونة بعدم العدم‪ ,‬وان تكون موجودة بصورة‬
‫دائمة‪ ,‬فانه يتطلب على كل حال سببا خاصا لا‪ .‬فالصعود بعمر الشيء‬

‫وتاريه ال ابعد الماد ل يبر وجوده‪ ,‬ول يعله مستغنيا عن العلة‪ .‬وبكلمة‬

‫اخرى‪ :‬ان وجود السخونة الادثة‪ ,‬لا كان باجة ال سبب‪ ,‬فل يكفي‬

‫لتحريره من هذه الاجة ان ندده لن تديده سوف يعلنا نصعد بالسؤال عن‬
‫العلة مهما اتسعت عملية التمديد‪.‬‬

‫ج ـ د ـ نظرية المكان الذات‪ ,‬والمكان الوجودي‪:‬‬
‫وهاتان النظريتان تؤمنان‪ ,‬بأن الباعث على حاجة الشياء ال اسبابا‪ ,‬هو‬
‫المكان‪ .‬غي ان لكل من النظريتي مفهومها الاص عن المكان‪ ,‬الذي‬

‫‪266‬‬

‫تتلف به عن الخرى‪ ,‬وهذا الختلف بينهما‪ ,‬مظهر لختلف فلسفي‬

‫أعمق‪ ,‬حول الاهية والوجود‪ .‬وحيث ان حدود هذا الكتاب‪ ,‬ل تسمح‬

‫بالتحدث عن ذلك الختلف‪ ,‬وتحيصه‪ ,‬فسوف نقتصر على نظرية المكان‬

‫الوجودي ف مسالتنا‪ ,‬نظرا ال ارتكازها على الرأي القائل بأصالة الوجود (أي‬
‫الراي الصحيح ف الختلف الفلسفي العمق الذي اشرنا اليه)‪.‬‬

‫ونظرية المكان الوجودي‪ ,‬هي للفيلسوف السلمي الكبي (صدر‬

‫الدين الشيازي) وقد انطلق فيها من تليل مبدأ العلية نفسه‪ ,‬وخرج من‬

‫تليله ظافرا بالسر‪ ,‬فلم يكلفه الظفر بالسبب القيقي لاجة الشياء ال‬
‫عللها‪ ,‬اكثر من فهم مبدأ العلية‪ ,‬فهما فلسفيا عميقا‪.‬‬

‫والن نبدأ كما بدأ‪ ,‬فنتناول العلية بالدرس والتمحيص‪.‬‬

‫ل شك ف ان العلية علقة قائمة بي وجودين‪ :‬العلة‪ ,‬والعلول‪ .‬فهي‬

‫لون من الوان الرتباط بي شيئي‪ .‬وللرتباط ألوان وضروب شت‪ ,‬فالرسام‬
‫مرتبط باللوحة الت يرسم عليها‪ ,‬والكاتب مرتبط بالقلم الذي يكتب به‪,‬‬

‫والطالع مرتبط بالكتاب الذي يقرأ فيه‪ ,‬والسد مرتبط بسلسلة الديد الت‬

‫تطوق عنقه‪ ,‬وهكذا سائر العلقات والرتباطات بي الشياء‪ .‬ولكن شيئا‬

‫واضحا يبدو بلء‪ ,‬ف كل ما قدمناه من المثلة للرتباط‪ ,‬وهو ان لكل من‬
‫الشيئي الرتبطي وجودا خاصا‪ ,‬سابقا على ارتباطه بالخر‪ .‬فاللوحة والرسام‬
‫كلها موجودان‪ ,‬قبل ان توجد عملية الرسم‪ ,‬والكاتب والقلم موجودان‪,‬‬

‫قبل ان يرتبط أحدها بالخر‪ ,‬والطالع والكتاب كذلك وجدا بصورة مستقلة‪,‬‬

‫ث عرض لما الرتباط‪ .‬فالرتباط ف جيع هذه المثلة علقة تعرض للشيئي‬

‫بصورة متاخرة عن وجودها‪ ,‬ولذلك فهو شيء ووجودها شيء آخر‪ ,‬فليست‬
‫اللوحة ف حقيقتها ارتباطا بالرسام‪ ,‬ول الرسام ف حقيقته مرد ارتباط‬

‫باللوحة‪ ,‬بل الرتباط صفة توجد لما بعد وجود كل منهما بصورة مستقلة‪.‬‬
‫وهذه الفارقة بي حقيقة الرتباط‪ ,‬والكيان الستقل لكل من الشيئي‬

‫الرتبطي‪ ,‬تتجلى ف كل انواع الرتباط‪ ,‬باستثناء نوع واحد‪ ,‬وهو ارتباط‬

‫شيئي برباط العلية‪ .‬فلو ان (ب) ارتبط بـ (أ)‪ ,‬ارتباطا سببيا‪ ,‬وكان معلولً‬

‫‪267‬‬

‫له ومسببا عنه‪ ,‬لوجد لدينا شيئان‪ :‬احدها معلول وهو (ب) والخر علة وهو‬

‫(أ)‪ .‬واما العلية الت تقوم بينهما‪ ,‬فهي لون ارتباط احدها بالخر‪ .‬والسألة‬

‫هي ان (ب) هل يلك وجودا‪ ,‬بصورة مستقلة عن ارتباطه بـ (أ)‪ ,‬ث يعرض‬

‫له الرتباط‪ ,‬كما هو شأن اللوحة بالضافة ال الرسام؟ ول نتاج ال كثي من‬
‫الدرس‪ ,‬لنجيب بالنفي‪ ,‬فان (ب) لو كان يلك وجودا حقيقيا‪ ,‬وراء ارتباطه‬

‫بسببه‪ ,‬ل يكن معلولً لـ (أ)‪ ,‬لنه ما دام موجودا بصورة مستقلة عن ارتباطه‬
‫به‪ ,‬فل يكن ان يكون منبثقا عنه وناشئا منه‪ .‬فالعلية بطبيعتها تقتضي‪ ,‬ان ل‬

‫يكون للمعلول حقيقة وراء ارتباطه بعلته‪ ,‬وال ل يكن معلول‪ ,‬ويتضح بذلك‬
‫ان الوجود العلول ليس له حقيقة‪ ,‬ال نفس الرتباط بالعلة والتعلق با‪.‬‬

‫وهذا هو الفارق الرئيسي‪ ,‬بي ارتباط العلول بعلته‪ ,‬وارتباط اللوحة بالرسام‪,‬‬

‫او القلم بالكاتب‪ ,‬او الكتاب بالطالع‪ .‬فان اللوحة والقلم والكتاب‪ ,‬اشياء‬

‫تتصف بالرتباط مع الرسام والكاتب والطالع‪ .‬وأما (ب) فهو ليس شيئا له‬
‫ارتباط وتعلق بالعلة ـ لن افتراضه كذلك‪ ,‬يستدعي ان يكون له وجود‬

‫مستقل‪ ,‬يعرضه الرتباط كما يعرض اللوحة الوجودة بي يدي الرسام‪ ,‬ويرج‬
‫بذلك عن كونه معلول ـ بل هو نفس الرتباط بعن ان كيانه ووجوده‪ ,‬كيان‬
‫ارتباطي ووجود تعلقي‪ ,‬ولذلك كان قطع ارتباطه بالعلة إفناء له‪ ,‬وإعداما‬

‫لكيانه‪ ,‬لن كيانه يتمثل ف ذلك الرتباط‪ .‬على عكس اللوحة‪ ,‬فانا لو ل‬

‫ترتبط بالرسام ف عملية رسم معينة‪ ,‬لا فقدت كيانا ووجودها الاص‪.‬‬
‫واذا استطعنا ان نرج بذه النتيجة الهمة‪ ,‬من تليل مبدأ العلية‪,‬‬

‫أمكننا ان نضع فورا الواب على مسألتنا الساسية‪ ,‬ونعرف السر ف احتياج‬
‫الشياء ال أسبابا‪ .‬فان السر ف ذلك على ضوء ما سبق‪ ,‬هو ان القائق‬

‫الارجية‪ ,‬الت يري عليها مبدأ العلية‪ .‬ليست ف الواقع ال تعليقات‬

‫وارتباطات‪ .‬فالتعلق والرتباط مقوم لكيانا ووجودها‪ .‬ومن الواضح ان‬

‫القيقة اذا كانت حقيقة تعلقية‪ ,‬أي كانت عي التعلق والرتباط‪ ,‬فل يكن‬
‫ان تنفك عن شيء تتعلق به‪ ,‬وترتبط به ذاتيا‪ ,‬فذلك الشيء هو سببها‬

‫وعلتها‪ ,‬لنا ل يكن ان توجد مستقلة عنه‪.‬‬

‫وهكذا نعرف ان السر ف احتياج هذه القائق الارجية الت‬

‫‪268‬‬

‫نعاصرها ‪ ...‬ال سبب‪ ,‬ليس هو حدوثها‪ ,‬ول امكان ماهياتا‪ ,‬بل السر‬

‫كامن ف كنهها الوجودي‪ ,‬وصميم كيانا‪ .‬فان حقيقتها الارجية عي التعلق‬
‫والرتباط‪ ,‬والتعلق او الرتباط‪ ,‬ل يكن ان يستغن عن شيء يتعلق به‬

‫ويرتبط‪ .‬ونعرف ف نفس الوقت ـ أيضا ـ ان القيقة الارجية‪ ,‬اذا ل تكن‬
‫حقيقة ارتباطية وتعلقية‪ ,‬فل يشملها مبدأ العلية‪ .‬فليس الوجود الارجي‬

‫بصورة عامة مكوما ببدأ العلية‪ ,‬بل انا يكم مبدأ العلية على الوجودات‬
‫التعلقية‪ ,‬الت تعب ف حقيقتها عن الرتباط والتعلق‪.‬‬

‫ڤ‪........................................‬التأرجح بي التناقض والعلية‬

‫بالرغم من ان الاركسية اتذت من تناقضات الديالكتيك شعارا لا ف‬

‫بوثها التحليلية لكل مناحي الكون والياة والتاريخ ل تنج بصورة نائية من‬
‫التذبذب بي تناقضات الديالكتيك ومبدأ العلية‪ ,‬فهي بوصفها ديالكتيكية‪,‬‬

‫تؤكد ان النمو والتطور ينشأ عن التناقضات الداخلية كما مر مشروحا ف‬
‫البحوث السابقة‪ ,‬فالتناقض الداخلي هو الكفيل بان يفسر كل ظاهرة من‬

‫الكون دون حاجة ال سبب اعلى‪ ,‬ومن ناحية اخرى تعترف بعلقة العلة‬
‫والعلول وتفسر هذه الظاهرة او تلك بأسباب خارجية وليس بالتناقضات‬

‫الخزونة ف اعماقها‪.‬‬

‫ولنأخذ مثال لذا التذبذب من تليلها التاريي‪ ,‬فهي بينما تصر على‬

‫وجود تناقضات داخلية ف صميم الظواهر الجتماعية كفيلة بتطويرها ضمن‬
‫حركة ديناميكية‪ .‬تقرر من ناحية اخرى ان الصرح الجتماعي الائل يقوم كله‬

‫على قاعدة واحدة‪ ,‬وهي قوى النتاج‪ ,‬وان الوضاع الفكرية والسياسية وما‬
‫اليها‪ ,‬ليست ال بن فوقية ف ذلك الصرح وانعكاسات بشكل وآخر لطريقة‬
‫النتاج الت قام البناء عليها‪ ,‬ومعن هذا ان العلقة بي هذه البن الفوقية‬

‫وبي قوى النتاج هي علقة معلول بعلة‪ .‬فليس هناك تناقض داخلي وانا‬

‫توجد علية (‪.)1‬‬

‫وكأن الاركسية أدركت موقفها هذا التأرجح بي التناقضات الداخلية‬

‫ومبدأ العلية‪ .‬وحاولت ان توفق بي المرين‪ ,‬فاعطت العلة والعلول مفهوما‬
‫‪ 1‬ـ لجل التوضيح يراجع بث الادية التاريية من كتاب (اقتصادنا) للمؤلف‪.‬‬
‫‪269‬‬

‫ديالكتيكا ورفضت مفهومها اليكانيكي‪ ,‬وسحت لنفسها على هذا الساس‬

‫ان تستعمل ف تليلها طريقة العلة والعلول ف إطارها الديالكتيكي الاص‪.‬‬

‫فالاركسية ترفض السببية الت تسي على خط مستقيم والت تظل فيها العلة‬

‫خارجية بالنسبة ال معلولا‪ ,‬والعلول سلبيا بالنسبة ال علته لن هذه السببية‬
‫تتعارض مع الديالكتيك‪ ,‬مع عملية النمو والتكامل الذات ف الطبيعة‪ .‬اذ ان‬

‫العلول طبقا لذه السببية ل يكن ان ييء حينئذ اثرى من علته واكثر نوا‬

‫لن هذه الزيادة ف الثراء والنمو تبقى دون تعليل‪ ,‬واما العلول الذي يولد من‬

‫نقيضه فيتطور وينمو بركة داخلية‪ ,‬طبقا لا يتوي من تناقضات ليعود ال‬

‫النقيض الذي أولده فيتفاعل معه ويقق عن طريقه الندماج به مركبا جديدا‬
‫اكثر اغتناء وثراء من العلة والعلول منفردين‪ ,‬فهذا هو ما تعنيه الاركسية‬

‫بالعلة والعلول لنه يتفق مع الديالكتيك ويعب عن الثالوث الديالكتيكي‬

‫(الطروحة والطباق والتركيب)‪ .‬فالعلة هي الطروحة والعلول هو الطباق‬
‫والجموع الترابط منهما هو التركيب‪ ,‬والعلية هنا عملية نو وتكامل عن طريق‬

‫ولدة العلول من العلة أي الطباق من الطروحة‪ ,‬والعلول ف هذه العملية ل‬
‫يولد سلبيا بل يولد مزودا بتناقضاته الداخلية الت تنميه وتعله يتضن علته‬
‫اليه ف مركب ارقى واكمل‪.‬‬

‫وقد سبق ف حديثنا عن الديالكتيك رأينا ف هذه التناقضات الداخلية‬

‫الت ينمو الكائن وفقا لتوحدها وصراعها ف اعماقه‪ ,‬ونستطيع ان نعرف الن‬
‫ف ضوء مفهومها العمق عن العلقة بي العلة والعلول خطأ الاركسية ف‬

‫مفهومها عن العلية وما تؤدي اليه من نو العلول وتكامل العلة بالندماج مع‬
‫معلولا‪ ,‬فان العلول حيث كان لون من ألوان التعلق والرتباط بعلته‪ ,‬ول‬

‫يكن للعلة ان تتكامل به ف مركب ارقى‪ .‬وقد استعرضنا ف كتاب (اقتصادنا)‬
‫ص (‪ )23‬بعض تطبيقات ماركس لفهومه الديالكت عن العلية على الصعيد‬

‫التاريي حيث حاول ان يبهن على ان العلة تكاملت بعلولا وتوحدت معه ف‬
‫مركب أثري‪ ,‬واستطعنا ان نوضح ف دراستنا تلك ان هذه التطبيقات نشأت‬

‫من عدم الضبط الفلسفي والدقة ف تديد العلة والعلول‪ ,‬فقد توجد علتان‬
‫ومعلولن‪ .‬وكل من العلولي يكمل علة الخر‪ ,‬فحي ل ندقق ف التمييز بي‬

‫العلتي يبدو كأن العلول يكمل علته‪ ,‬كما قد يصبح العلول سببا ف تكامل‬

‫‪270‬‬

‫احد شروط وجوده‪ ,‬غي ان شروط الوجود غي العلة الت ينبثق منها ذلك‬
‫الوجود‪ ,‬وللتوضيح اكثر من ذلك يراجع البحث ف كتاب (اقتصادنا)‪.‬‬

‫التعاصر بي العلة والعلول‬
‫لا كنا نعرف الن‪ ,‬ان وجود العلول مرتبط ارتباطا ذاتيا بوجود العلة‪,‬‬
‫فنستطيع ان نفهم مدى ضرورة العلة للمعلول‪ ,‬وان العلول يب ان يكون‬

‫معاصرا للعلة‪ ,‬ليتبط با كيانه ووجوده‪ ,‬فل يكن له ان يوجد بعد زوال‬
‫العلة‪ ,‬او ان يبقى بعد ارتفاعها‪ .‬وهذا هو ما شئنا ان نعب عنه بقانون‬
‫(التعاصر بي العلة والعلول)‪.‬‬

‫وقد أثيت حول هذا القانون مناقشتان راميتان ال إثبات ان من المكن‬

‫بقاء العلول بعد زوال علته‪ .‬احداها للمتكلمي‪ ,‬والخرى لبعض علماء‬
‫اليكانيك الديث‪.‬‬

‫ڤ‪...................................................‬الناقشة الكلمية‪:‬‬
‫وهي تستند ال أمرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬ان الدوث هو سبب حاجة الشياء ال أسبابا‪ .‬فالشيء انا‬
‫يتاج ال سبب‪ ,‬لجل ان يدث‪ ,‬فاذا حدث‪ ,‬ل يكن وجوده بعد ذلك‬

‫مفتقرا ال علة‪ .‬وهذا يرتكز على نظرية الدوث‪ ,‬الت تبينا خطأها فيما سبق‪,‬‬
‫وعرفنا ان حاجة الشيء ال العلة‪ ,‬ليست لجل الدوث‪ ,‬بل لن وجوده‬
‫مرتبط بسببه الاص ارتباطا ذاتيا‪.‬‬

‫الثان‪ :‬ان قانون التعاصر بي العلة والعلول‪ ,‬ل يتفق مع طائفة من‬

‫ظواهر الكون‪ ,‬الت تكشف بوضوح عن استمرار وجود العلول‪ ,‬بعد زوال‬

‫العلة‪ .‬فالعمارة الشاهقة الت شادها البنّاؤُون‪ ,‬واشترك ف بنائها آلف‬

‫العمال‪ ,‬تبقى قائمة بعد انتهاء عملية البناء والتعمي‪ ,‬وان تركها العمال‪ ,‬ول‬
‫يبق منهم بعد ذلك شخص على قيد الياة‪ .‬والسيارة الت انتجها مصنع‬

‫خاص‪ ,‬بفضل عماله الفنيي‪ ,‬تارس نشاطها‪ ,‬وقد تبقى متفظة بهازها‬

‫اليكانيكي‪ ,‬وان تدم ذلك الصنع‪ ,‬ومات اولئك العمال‪ .‬والذكرات الت‬
‫‪271‬‬

‫سجلها شخص بطه‪ ,‬تبقى بعده مئات السني‪ ,‬تكشف للناس عن الياة‬

‫ذلك الشخص وتاريه‪ .‬فهذه الظواهر تبهن‪ ,‬على ان العلول يلك حريته‬

‫بعد حدوثه‪ ,‬وتزول حاجته ال علته‪ ,‬والواقع ان عرض هذه الظواهر‪ ,‬كأمثلة‬

‫لتحرر العلول بعد حدوثه من علته‪ ,‬نشأ من عدم التمييز بي العلة وغيها‪.‬‬

‫فنحن اذا ادركنا العلة القيقية لتلك المور ـ من بناء الدار‪ ,‬وجهاز السيارة‪,‬‬
‫وكتابة الذكرات ـ نتبي ان تلك المور ل تستغن عن العلة‪ ,‬ف لظة من‬

‫لظات وجودها‪ ,‬وان كل أثر طبيعي يعدم ف الن الذي يفقد فيه سببه‪ .‬فما‬
‫هو العلول للعمال الشتغلي ببناء العمارة‪ ,‬انا هو نفس عملية البناء‪ ,‬وهي‬

‫عبارة عن عدة من الركات والتحريكات‪ ,‬يقوم با العامل بقصد جع مواد‬

‫البناء الام من الجر والديد والشب وما اليها ‪ ...‬وهذه الركات ل يكن‬
‫ان تستغن عن العمال ف وجودها‪ ,‬بل تنقطع حتما ف الوقت الذي يكف فيه‬

‫العمال عن العمل‪ .‬واما الوضع الذي حصل لواد البناء على أثر عملية‬

‫التعمي‪ ,‬فهو ف وجوده واستمراره معلول لصائص تلك الواد‪ ,‬والقوى‬
‫الطبيعية العامة‪ ,‬الت تفرض على الادة الحافظة على وضعها وموضعها‪.‬‬

‫وكذلك المر ف سائر المثلة الخرى‪ .‬وهكذا يتبخر الوهم النف الذكر‪ ,‬اذا‬

‫اضفنا كل معلول ال علته‪ ,‬ول نطئ ف نسبة الثار ال أسبابا‪.‬‬

‫ڤ‪.................................................‬العاوضة اليكانيكية‬
‫وهي العارضة الت أثارها اليكانيك الديث‪ ,‬على ضوء القواني الت‬
‫وضعها (غاليلو) و(نيوتن) للحركة اليكانكية‪ ,‬مدعيا ـ على أساس تلك‬

‫القواني ـ ان الركة اذا حدثث بسبب فهي تبقى حتما‪ ,‬ول يتاج استمرارها‬
‫ال علة‪ ,‬خلفا للقانون الفلسفي الذي ذكرناه‪.‬‬

‫ونن اذا تعمقنا ف درس هذه العارضة‪ ,‬وجدنا انا تؤدي ف القيقة ال‬
‫الغاء مبدأ العلية رأسا‪ ,‬لن حقيقة الركة ـ كما سبق ف الدراسات‬

‫السابقة ـ عبارة عن التغي والتبدل‪ ,‬فهي حدوث مستمر‪ ,‬أي حدوث متصل‬
‫بدوث‪ ,‬وكل مرحلة من مراحلها حدوث جديد‪ ,‬وتغي عقيب تغي‪ .‬فاذا‬

‫امكن للحركة ان تستمر دون علة‪ ,‬كان ف المكان ان تدث الركة دون‬

‫‪272‬‬

‫علة‪ ,‬وان توجد الشياء ابتداء بل سبب‪ ,‬لن استمرار الركة يتوي على‬

‫حدوث جديد دائما‪ ,‬فتحرره من العلة يعن ترر الدوث من العلة أيضا‪.‬‬

‫ولجل ان يتضح عدم وجود مبر لذه العارضة‪ ,‬من ناحية علمية‪ ,‬يب‬

‫ان ندث القارئ عن قانون القصور الذات‪ ,‬ف اليكانيك الديث‪ ,‬الذي‬
‫ارتكزت عليه العارضة‪.‬‬

‫ان التفكي السائد عن الركة قبل (غاليلو)‪ ,‬هو انا تتبع القوة الحركة‪,‬‬

‫ف مدى استمرارها وبقائها‪ .‬فهي تستمر ما دامت القوة الحركة موجودة‪ ,‬فاذا‬

‫زالت سكن السم‪ .‬ولكن اليكانيك الديث‪ ,‬وضع قانونا جديدا للحركة‪,‬‬

‫وفحوى هذا القانون‪ ,‬ان الجسام الساكنة والتحركة‪ ,‬تبقى كذلك (ساكنة او‬
‫متحركة)‪ ,‬ال ان تتعرض لتاثي قوة اخرى كبى بالنسبة لا‪ ,‬تضطرها ال‬

‫تبديل حالتها‪.‬‬

‫والسند العلمي لذا القانون‪ ,‬هو التجربة‪ ,‬الت توضح ان جهازا‬

‫ميكانيكيا متحركا بقوة خاصة ف شارع مستقيم‪ ,‬اذا انفصلت عنه القوة‬

‫الحركة‪ ,‬فهو يتحرك بقدار ما بعد ذلك‪ ,‬قبل ان يسكن نائيا‪ .‬ومن المكن‬
‫ف هذه الركة‪ ,‬الت حصلت بعد انفصال الهاز عن القوة الارجية الحركة‪,‬‬

‫ان يزاد ف امدها‪ ,‬بتدهي آلت الهاز‪ ,‬وتسوية الطريق‪ ,‬وتفيف الضغط‬

‫الارجي‪ .‬غي ان هذه المور ل شأن لا‪ ,‬ال تفيف الوانع عن الركة من‬

‫الصطكاك ونوه‪ ,‬فاذا استطعنا ان نضاعف من هذه الخففات‪ ,‬نضمن‬

‫مضاعفة الركة‪ ,‬واذا افترضنا ارتفاع جيع الوانع‪ ,‬وزوال الضغط الارجي‬

‫نائيا‪ ,‬كان معن ذلك استمرار الركة ال غي حد بسرعة معينة‪ ,‬فيعرف من‬

‫ذلك ان الركة اذا أثيت ف جسم‪ ,‬ول تعترضها قوة خارجية مصادمة‪ ,‬تبقى‬

‫بسرعة معينة‪ .‬وان ابطلت القوة‪ .‬فالقوى الارجية انا تؤثر ف تغيي السرعة‬
‫عن حدها الطبيعي‪ ,‬تنل او ترتفع با‪ .‬ولذلك كان مدى السرعة ـ من حيث‬

‫الشدة والضعف والبطء ـ يتوقف على الضغط الارجي‪ ,‬الوافق او العاكس‪.‬‬
‫واما نفس الركة واستمرارها بسرعتها الطبيعية‪ ,‬فل يتوقف ذلك على عوامل‬

‫خارجية‪.‬‬

‫ومن الواضح ان هذه التجربة حي تكون صحيحة‪ ,‬ل تعن ان العلول‬

‫بقي من دون علة‪ ,‬ول تعاكس القانون الفلسفي الذي ذكرناه‪ ,‬لن التجربة ل‬
‫‪273‬‬

‫توضح ما هي العلة القيقية للحركة‪ ,‬لنعرف ما اذا كانت تلك العلة قد‬

‫زالت مع استمرار الركة‪ .‬وكأن هؤلء‪ ,‬الذين حاولوا ان يدللوا با على‬
‫بطلن القانون الفلسفي‪ ,‬زعموا ان العلة القيقية للحركة هي القوة الارجية‬

‫الحركة‪ ,‬ولا كانت هذه القوة قد انقطعت صلتها بالركة‪ ,‬واستمرت الركة‬
‫بالرغم من ذلك‪ ,‬فيكشف ذلك عن استمرار الركة بعد زوال علتها‪ .‬ولكن‬

‫الواقع ان التجربة ل تدل على ان القوة الدافعة من خارج هي العلة القيقية‪,‬‬
‫ليستقيم لم هذا الستنتاج‪ ,‬بل من الائز ان يكون السبب القيقي للحركة‪,‬‬

‫شيئا موجودا على طول الط‪ .‬والفلسفة السلميون‪ ,‬يعتقدون ان الركات‬

‫العرضية ـ با فيها الركة اليكانيكية للجسم ـ تتولد جيعا من قوة قائمة بنفس‬

‫السم‪ .‬فهذه القوة هي الحركة القيقية‪ ,‬والسباب الارجية؛ انا تعمل‬
‫لثارة هذه القوة واعدادها للتأثي‪ .‬وعلى هذا الساس قام مبدأ الركة‬

‫الوهرية‪ ,‬كما اوضحناه ف الزء السابق من هذه السألة‪ .‬ولسنا نستهدف‬
‫الن الفاضة ف هذا الديث‪ ,‬وانا نرمي من ورائه ال توضيح ان التجربة‬

‫العلمية‪ ,‬الت قام على اساسها قانون القصور الذات‪ ,‬ل تتعارض مع قواني‬
‫العلية‪ ,‬ول تبهن على ما يعاكسها مطلقا‪.‬‬

‫ڤ ‪..............................................................‬النتيجة‬
‫ول يبق علينا لجل ان نصل ال النتيجة‪ ,‬ال ان نعطف على ما سبق‬

‫قانون النهاية‪ ,‬وهو القانون القائل ان العلل التصاعدة ف الساب الفلسفي‪,‬‬

‫الت ينبثق بعضها عن بعض‪ ,‬يب ان يكون لا بداية‪ ,‬أي علة أول ل تنبثق‬

‫عن علة سابقة‪ .‬ول يكن ان يتصاعد تسلسل العلل تصاعدا ل نائيا‪ ,‬لن‬

‫كل معلول ـ كما سبق ـ ليس ال ضربا من التعلق والرتباط بعلته‪ ,‬فالوجودات‬

‫العلولة جيعا ارتباطات وتعلقات‪ ,‬والرتباطات تتاج ال حقيقة مستقلة‪,‬‬

‫تنتهي اليها‪ .‬فلو ل توجد لسلسلة العلل بداية‪ ,‬لكانت اللقات جيعا معلولة‪,‬‬

‫واذا كانت معلولة فهي مرتبطة بغيها‪ ,‬ويتوجه السؤال حينئذ‪ ,‬عن الشيء‬
‫الذي ترتبط به هذه اللقات جيعا‪ .‬وف عرض آخر‪ ,‬ان سلسلة السباب‪,‬‬

‫اذا كان يوجد فيها سبب غي خاضع لبدا العلية‪ ,‬ول يتاج ال علة‪ ,‬فهذا‬

‫هو السبب الول‪ ,‬الذي يضع للسلسلة بدايتها؛ ما دام غي منبثق عن سبب‬
‫‪274‬‬

‫آخر يسبقه‪ .‬واذا كان كل موجود ف السلسلة متاجا ال علة ـ طبقا لبدا‬

‫العلية ـ دون استثناء‪ ,‬فالوجودات جيعا تصبح باجة ال علة‪ ,‬ويبقى سؤال‬

‫لاذا؟ ـ هذا السؤال الضروري ـ منصبا على الوجود بصورة عامة‪ ,‬ول يكن ان‬

‫نتخلص من هذا السؤال‪ ,‬ال بافتراض سبب اول متحرر من مبدأ العلية‪,‬‬

‫فاننا حينئذ ننتهي ف تعليل الشياء اليه‪ ,‬ول نواجه فيه سؤال لاذا وجد؟ لن‬

‫هذا السؤال انا نواجهه ف الشياء الاضعة لبدأ العلية خاصة‪.‬‬

‫فنأخذ الغليان مثل‪ ,‬فهو ظاهرة طبيعية متاجة ال سبب‪ ,‬طبقا لبدا‬

‫العلية‪ ,‬ونعتب سخونة الاء سببا لا‪ ,‬وهذه السخونة هي كالغليان ف افتقارها‬
‫ال علة سابقة‪ .‬واذا اخذنا الغليان والسخونة كحلقتي ف سلسلة الوجود‪ ,‬او‬
‫ف تسلسل العلل والسباب‪ ,‬وجدنا من الضروري ان نضع للسلسلة حلقة‬

‫اخرى‪ ,‬لن كل من اللقتي باجة ال سبب‪ ,‬فل يكنهما الستغناء عن‬

‫حلقة ثالثة‪ ,‬واللقات الثلث تواجه بجموعها نفس السألة‪ ,‬وتفتقر ال مبر‬
‫لوجودها‪ ,‬ما دامت كل واحدة منها خاضعة لبدأ العلية‪ .‬وهذا هو شأن‬

‫السلسلة دائما وأبدا‪ ,‬ولو احتوت على حلقات غي متناهية‪ .‬فما دامت حلقاتا‬
‫جيعا متاجة ال علة‪ ,‬فالسلسلة بجموعها مفتقرة ال سبب‪ ,‬وسؤال (لاذا‬

‫وجد؟) يتد ما امتدت حلقاتا‪ ,‬ول يكن تقدي الواب الاسم عليه‪ ,‬ما ل‬
‫ينته التسلسل فيها ال حلقة غنية بذاتا‪ ,‬غي متاجة ال علة‪ ,‬فتقطع‬

‫التسلسل‪ ,‬وتضع للسلسلة بدايتها الزلية الول (‪.)1‬‬
‫وال هنا نكون قد جعنا ما يكفي للبهنة على انبثاق هذا العال‪ ,‬عن‬

‫واجب الذات‪ ,‬غن بنفسه‪ ,‬وغي متاج ال سبب‪ ,‬لن هذا هو ما يتمه‬

‫تطبيق مبدأ العلية على العال بوجب قوانينها السالفة الذكر‪ .‬فان العلية بعد ان‬
‫كانت مبدأ ضروريا للكون‪ ,‬وكان تسلسلها اللنائي مستحيل‪ ,‬فيجب ان‬

‫تطبق على الكون تطبيقا شامل متصاعدا‪ ,‬حت يقف عند علة اول واجبة‪.‬‬

‫ول بأس ان نشي‪ ,‬ف ختام هذا البحث‪ ,‬ال لون من التفكي الادي ف‬

‫هذا الجال‪ ,‬تقدم به بعض الكتاب العاصرين للرد على فكرة السبب الول‬
‫‪ 1‬ـ وبالتعبي الفلسفي الدقيق‪ ,‬ان الشيء ل يوجد ال اذا امتنع عليه جيع أناء العدم‪,‬‬
‫ومن جلة اناء العدم‪ ,‬عدمه بعدم جيع اسبابه وهذا ل يتنع ال اذا كان يوجد ف جلة اسبابه‬
‫واجب بالذات‪.‬‬

‫‪275‬‬

‫او العلة الول‪ ,‬فهو يقول ان السؤال عن العلة الول ل معن له‪ ,‬فالتفسي‬

‫العلي ـ او السبب ـ يستلزم دائما حدين اثني مرتبطا احدها بالخر‪ ,‬ها العلة‬
‫والعلول‪ ,‬او السبب والسبب‪ ,‬فعبارة (علة اول) فيها تناقض ف الدود اذ ان‬

‫كلمة علة تستلزم حدين كما راينا‪ ,‬لكن كلمة اول تستلزم حدا واحدا فالعلة‬
‫ل يكن ان تكون (اول) وتكون (علة) ف نفس الوقت‪ ,‬فاما ان تكون اول‬
‫دون ان تكون علة‪ ,‬او بالعكس‪.‬‬

‫ول ادري من قال له ان كلمة علة تستلزم علة قبلها‪ .‬صحيح ان التفسي‬

‫السبب يستلزم دائما حدين ها العلة والعلول‪ ,‬وصحيح ان من التناقض ان‬
‫نتصور علة بدون معلول ناتج عنها لنا ليست عندئذ علة وانا هي شيء‬

‫عقيم‪ ,‬وكذلك من الطأ ان نتصور معلول ل علة له‪ ,‬فكل منها يتطلب‬

‫الخر ال جانبه‪ ,‬ولكن العلة بوصفها علة‪ ,‬ل تتطلب علة قبلها وانا تتطلب‬
‫معلول‪ ,‬فالدان متوافران معا ف فرضية (العلة الول) لن العلة الول لا‬

‫معلولا الذي ينشأ منها‪ ,‬وللمعلول علته الول ل يتطلب العلول دائما معلول‬

‫ينشأ منه‪ ,‬اذا قد تتولد ظاهرة من سبب ول يتولد عن الظاهرة شيء جديد‬
‫كذلك العلة ل تتطلب علة فوقها وانا تتطلب معلول لا (‪.)1‬‬

‫ـ‪4‬ـ‬
‫○ الادة أو ال ○‬
‫انتهينا من الزء السابق ال نتيجة‪ ,‬هي ان الرد الساسي العمق‬
‫للكون والعال ـ بصورة عامة ـ هو العلة الواجبة بالذات‪ ,‬الت ينتهي اليها‬

‫تسلسل السباب‪ .‬والسألة الديدة هي ان هذه العلة الواجبة بالذات‪ ,‬الت‬
‫تعتب الينبوع الول للوجود‪ ,‬هل هي الادة نفسها او شيء آخر فوق‬

‫حدودها؟ وبالصيغة الفلسفية للسؤال نقول ان العلة الفاعلية للعال‪ ,‬هل هي‬
‫نفس العلة الادية او ل؟‬

‫لجل التوضيح نأخذ مثال‪ ,‬وليكن هو الكرسي‪ .‬فالكرسي عبارة عن‬

‫صفة او هيئة خاصة‪ .‬تصل من تنظيم عدة أجزاء مادية تنظيما خاص‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ الدكتور ممد عبد الرحن مرحبا‪ ,‬السالة الفلسفية ص ‪ ,80‬منشورات عويدات‪.‬‬

‫‪276‬‬

‫ولذلك فهو ل يكن ان يوجد‪ ,‬دون مادة من خشب او حديد‬

‫ونوها‪ .‬وبذا العتبار يسمى الشب علة مادية للكرسي الشب‪ ,‬لنه ل‬

‫يكن من المكن‪ ,‬ان يوجد الكرسي الشب من دون الشب‪ .‬ولكن من‬

‫الواضح جدا‪ ,‬ان هذه العلة الادية ليست هي العلة القيقية‪ ,‬الت صنعت‬

‫الكرسي‪ .‬فان الفاعل القيقي للكرسي شيء غي مادته‪ ,‬وهو النجار‪ .‬ولذا‬
‫تطلق الفلسفة على النجار اسم العلة الفاعلية‪ .‬فالعلية الفاعلية للكرسي‪,‬‬

‫ليست هي نفس علته الادية‪ ,‬من الشب او الديد‪ .‬فاذا سئلنا عن مادة‬

‫الكرسي‪ ,‬اجبنا ان مادته هي الشب‪ ,‬واذا سئلنا عن الصانع له (العلة‬

‫الفاعلية)‪ ,‬ل نب بانه الشب‪ ,‬وانا نقول ان النجار صنعه بآلته ووسائله‬
‫الاصة‪ .‬فالقارنة بي الادة والفاعل ف الكرسي‪( ,‬او ف التعبي الفلسفي‪:‬‬

‫بي العلة الادية‪ ,‬والعلة الفاعلية)‪ ,‬واضحة كل الوضوح‪ .‬وهدفنا الرئيسي‬
‫من السألة‪ ,‬ان نتبي نفس الفارقة ف نفس العال‪ ,‬بي مادته الساسية‬

‫(العلة الادية) والفاعل القيقي (العلة الفاعلية)‪ .‬فهل فاعل هذا العال‬

‫وصانعه شيء آخر‪ ,‬خارج عن حدود الادة ومغايرة لا‪ ,‬كما ان صانع الكرسي‬
‫مغاير لادته الشبية؟ او انه نفس الادة الت تتركب منها كائنات العال؟‬
‫وهذه هي السالة الت تقرر الرحلة الخية‪ ,‬من مراحل الناع‬

‫الفلسفي‪ ,‬بي اللية والادية‪ .‬وليس الديالكتيك ال احدى الحاولت‬

‫الفاشلة‪ ,‬الت قامت با الادية‪ ,‬للتوحيد بي العلة الفاعلية والعلة الادية‬
‫للعال‪ ,‬طبقا لقواني التناقض الديالكتيكية‪.‬‬

‫والتزاما بطريقة الكتاب‪ ,‬سوف نبحث السألة بدراسة الادة دراسة‬

‫فلسفية‪ ,‬على ضوء القررات العلمية‪ ,‬والقواعد الفلسفية‪ ,‬متحاشي العمق‬

‫الفلسفي ف البحث‪ ,‬والتفصيل ف العرض‪.‬‬
‫الادة على ضوء الفيزياء‬

‫ف الادة فكرتان علميتان‪ ,‬تناولما العلماء بالبحث والدرس منذ آلف‬
‫السني‪:‬‬

‫‪277‬‬

‫احداها‪ :‬ان جيع الواد العروفة ف دنيا الطبيعة‪ .‬انا تتركب من عدة‬

‫مواد بسيطة مدودة‪ ,‬تسمى بالعناصر‪ .‬والخرى‪ :‬ان الادة تتكون من‬
‫دقائق صغية جدا‪ ,‬تسمى الذرات‪.‬‬

‫اما الفكرة الول فقد اخذ با الغريق بصورة عامة‪ .‬وكان الرأي‬

‫السائد هو اعتبار الاء‪ ,‬والواء‪ ,‬والتراب‪ ,‬والنار‪ ,‬عناصر بسيطة‪ ,‬وارجاع‬

‫جيع الركبات اليها‪ ,‬بصفتها الواد الولية ف الطبيعة‪ .‬وحاول بعض علماء‬
‫العرب بعد ذلك‪ ,‬ان يضيفوا ال هذه العناصر الربعة ثلثة عناصر اخرى‬

‫هي الكبيت‪ ,‬والزئبق‪ ,‬واللح‪ .‬وقد كانت خصائص العناصر البسيطة ـ ف‬

‫رأي القدمي ـ حدودا فاصلة بينها‪ ,‬فل يكن ان يتحول عنصر بسيط ال‬
‫عنصر بسيط آخر‪.‬‬

‫واما الفكرة الثانية (فكرة ائتلف الجسام من ذرات صغية) فكانت‬

‫موضوع صراع بي نظريتي‪ :‬النظرية النفصالية‪ ,‬والنظرية التصالية‪,‬‬

‫فالنظرية النفصالية هي النظرية الذرية للفيلسوف الغريقي (ديقرايطس)‪,‬‬

‫القائلة ان السم مركب من أجزاء صغية‪ ,‬يتخلل بينها فراغ‪ ,‬واطلق على‬
‫تلك الجزاء اسم الذرة‪ ,‬او الزء الذي ل يتجزا‪ .‬والنظرية التصالية هي‬

‫النظرية الغالبة‪ ,‬الت اخذ با ارسطو ورجال مدرسته‪ .‬والسم ف زعم هذه‬

‫النظرية‪ ,‬ليس متويا على ذرات‪ ,‬ومركبا من وحدات صغية‪ ,‬بل هو شيء‬

‫واحد متماسك يكننا ان نقسمه فنخلق منه اجزاء منفصلة بالتقسيم‪ ,‬ل انه‬
‫يشتمل سلفا على أجزاء كهذه‪.‬‬

‫وقد جاء بعد ذلك دور الفيزياء الديثة‪ ,‬فدرست الفكرتي درسا‬

‫علميا‪ ,‬على ضوء اكتشافاتا ف عال الذرة‪ .‬فأقرت الفكرتي بصورة‬

‫اساسية‪ ,‬فكرة العناصر البسيطة‪ ,‬وفكرة الذرات‪ ,‬وكشفت ف مال كل منهما‬

‫عن حقائق جديدة‪ ,‬ل يكن من المكن التوصل اليها سابقا‪.‬‬

‫ففيهما يص الفكرة الول‪ ,‬استكشفت الفيزياء ما يقارب مائة من‬

‫العناصر البسيطة‪ ,‬الت تتكون منها الادة الساسية للكون والطبيعة‪ ,‬بصورة‬

‫‪278‬‬

‫عامة‪ .‬فالعال وان بدا لول نظرة‪ ,‬مموعة هائلة من القائق والنواع‬

‫الختلفة‪ ,‬ولكن هذا الشد الائل التنوع‪ ,‬يرجع ف التحليل العلمي ال‬
‫تلك العناصر الحدودة‪.‬‬

‫والجسام ـ بناء على هذا ـ قسمان احدها جسم بسيط‪ ,‬وهو الذي‬

‫يتكون من احد تلك العناصر‪ ,‬كالذهب‪ ,‬والنحاس‪ ,‬والديد‪,‬‬

‫والرصاص‪ ,‬والزئبق‪ .‬والخر هو السم الركب من عنصرين‪ ,‬او عدة‬
‫عناصر بسيطة‪ ,‬كالاء الركب من ذرة اوكسجي وذرتي من اليدروجي‪ ,‬او‬
‫الشب الركب ف الغالب من الوكسجي والكربون واليدروجي‪.‬‬

‫وفيما يص الفكرة الثانية‪ ,‬برهنت الفيزياء الديثة علميا‪ ,‬على النظرية‬

‫النفصالية‪ ,‬وان العناصر البسيطة مؤلفة من ذرات صغية ودقيقة ال حد ان‬
‫الليمتر الواحد من الادة‪ ,‬يتوي على مليي من تلك الذرات‪ .‬والذرة عبارة‬

‫عن الزء الدقيق من العنصر‪ ,‬الذي تزول بانقسامه خصائص ذلك العنصر‬
‫البسيط‪.‬‬

‫والذرات تتوي على نواة مركزية لا‪ ,‬وعلى كهارب تدور حول النواة‪,‬‬

‫بسرعة هائلة‪ ,‬وهذه الكهارب هي اللكترونات‪ .‬واللكترون هو وحدة‬

‫الشحنة السالبة‪ .‬كما ان النواة تتوي على بروتونات ونيوترونات‪ .‬فالبوتونات‬
‫هي الدقائق الصغية‪ .‬وكل وحدة من وحداتا تمل شحنة موجبة‪ ,‬تساوي‬

‫شحنة اللكترون السالبة‪ .‬والنيوترونات دقائق اخرى تتويها النواة‪ ,‬وليس‬
‫عليها أي شحنة كهربائية‪.‬‬

‫وقد لوحظ على ضوء الختلف الواضح‪ ,‬بي طول موجات الشعة‪,‬‬

‫الت تنتج عن قذف العناصر الكيماوية بقذائف من اللكترونات‪ ,‬ان هذا‬
‫الختلف بي العناصر‪ ,‬اناحصل بسبب اختلفها ف عدد اللكترونات‪,‬‬

‫الت تتويها ذرات هذه العناصر‪ .‬واختلفها ف عدد اللكترونات‪ ,‬يقتضي‬
‫تفاوتا ف مقدار الشحنة الوجبة ف بقدار السالبة‪ .‬ولا كانت زيادة عدد‬

‫شحناتا كهربائيا‪ ,‬فالشحنة الوجبة فيها بقدار السالبة‪ .‬ولا كانت زيادة عدد‬

‫اللكترونات‪ ,‬ف بعض العناصر على بعض‪ ,‬يعن زيادة وحدات الشحنة‬
‫السالبة فيها‪ ,‬فيجب ان تكون نواتا‪ ,‬متوية على شحنة موجبة معادلة‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫وعلى هذا الساس اعطيت الرقام التصاعدة للعناصر‪ .‬فاليدروجي = (‪,)1‬‬

‫بسب رقمه الذري‪ .‬فهو يتوي ف نواته على شحنة واحدة موجبة‪ ,‬يملها‬

‫بروتون واحد‪ ,‬وييط با الكترون واحد ذو شحنة سالبة‪ .‬والليوم أرقى منه‬

‫ف الدول الذري للعناصر‪ ,‬لنه = (‪ ,)2‬باعتباره يتوي ف نواته على ضعف‬

‫الشحنة الوجبة‪ ,‬الرتكزة ف نواة اليدروجي أي على بروتوني وييط بنواتا‬

‫الكترونات‪ .‬ويأخذ الليثيوم الرقم الثالث‪ .‬وهكذا تتصاعد الرقام الذرية ال‬

‫اليورانيوم ـ وهو اثقل العناصر الستكشفة لد الن ـ فرقمه الذري = (‪,)92‬‬
‫بعن ان نواته الركزية تشتمل على (‪ )92‬وحدة‪ ,‬من وحدات الشحنة‬

‫الوجبة‪ ,‬وييط با ما ياثل هذا العدد من اللكترونات‪ ,‬أي من وحدات‬

‫الشحنة السالبة‪.‬‬

‫وف هذا التسلسل للرقام الذرية‪ ,‬ل يبدو للنيوترونات الكامنة ف النواة‬

‫أدن تأثي‪ ,‬لنا ل تمل شحنة مطلقا‪ ,‬وانا تؤثر ف الوزن الذري‬

‫للعناصر‪ ,‬لنا ف وزنا مساوية للبوتونات‪ .‬ولجل ذلك كان الوزن الذري‬

‫للهليوم ـ مثل ـ يعادل وزن اربع ذرات من اليدروجي‪ ,‬باعتبار اشتمال نواته‬

‫على نيوتروني وبروتوني‪ ,‬ف حال ان النواة اليدروجينية‪ ,‬ل تتوي ال على‬
‫بروتون واحد‪.‬‬

‫ومن القائق الت اتيح للعلم اثباتا هو امكان تبدل العناصر بعضها‬

‫ببعض وعمليات التبدل ـ هذه ـ بعضها يتم بصورة طبيعية‪ ,‬وبعضها يصل‬
‫بالوسائل العلمية‪.‬‬

‫فقد لوحظ عن عنصر اليورانيوم‪ ,‬يولد أنواعا ثلثة من الشعة‪ ,‬هي‬

‫اشعة الفا‪ ,‬وبيتا‪ ,‬وجاما‪ .‬وقد وجد (رذرفورد) ـ حي فحص هذه النواع ـ ان‬
‫اشعة (الفا) مكونة من دقائق صغية‪ ,‬عليها شحنات كهربائية سالبة‪ ,‬وقد‬
‫ظهر نتيجة للفحص العلمي‪ ,‬ان دقائق (اللفا) هي عبارة عن ذرات‬

‫هليوم‪ ,‬بعن ان ذرات هليوم ترج من ذرات اليورانيوم‪ ,‬او بتعبي آخر ان‬

‫عنصر هليوم يتولد من عنصر اليورانيوم‪.‬‬

‫كما ان عنصر اليورانيوم‪ ,‬بعد ان شع الفا‪ ,‬وبيتا‪ ,‬وجاما‪ ,‬يتحول‬

‫تدرييا ال عنصر آخر‪ ,‬وهو عنصر الراديوم‪ .‬والراديوم اخف ف وزنه الذري‬

‫‪280‬‬

‫من اليوارنيوم‪ ,‬وهو بدوره ير بعدة تولت عنصرية‪ ,‬حت ينتهي ال عنصر‬
‫الرصاص‪.‬‬

‫وقام (رذرفورد) بعد ذلك باول ماولة لتحويل عنصر ال عنصر آخر‪,‬‬

‫وذلك انه جعل نوى ذرات اليلوم (دقائق اللفا)‪ ,‬تصطدم بنوى ذرات‪,‬‬

‫الزوت‪ ,‬فتولدت البوتونات‪ ,‬أي نتجت ذرة هيدروجي من ذرة الزوت‪,‬‬
‫وتولت ذرة الزوت ال اوكسجي‪ .‬واكثر من هذا‪ ,‬فقد ثبت ان من‬

‫المكن‪ ,‬ان تتحول بعض اجزاء الذرة ال جزء آخر‪ ,‬فيمكن لبوتون ـ اثناء‬
‫عملية انقسام الذرة ـ ان يتحول ال نيوترون‪ ,‬وكذلك العكس‪.‬‬

‫وهكذا اصبح تبديل العناصر من العمليات الساسية ف العلم‪.‬‬

‫ول يقف العلم عند هذا الد‪ ,‬بل بدأ بحاولة تبديل الادة ال طاقة‬
‫خالصة‪ ,‬أي نزع الصفة الادية للعنصر بصورة نائية‪ ,‬وذلك على ضوء جانب‬
‫من النظرية النسبية لـ (آينشتي)‪ ,‬اذ قرر ان كتلة السم نسبية‪ ,‬وليست‬

‫ثابتة‪ ,‬فهي تزيد بزيادة السرعة‪ ,‬كما تؤكد التجارب الت اجراها علماء‬

‫الفيزياء الذرية‪ ,‬على اللكترونات الت تتحرك ف مال كهربائي قوي‪,‬‬

‫ودقائق (بيتا) النطلقة من نويات الجسام الشعة‪ .‬ولا كانت كتلة السم‬

‫التحرك تزداد بزيادة حركته‪ ,‬وليست الركة ال مظهرا من مظاهر الطاقة‪,‬‬
‫فالكتلة التزايدة ف السم هي اذن طاقته التزايدة‪ ,‬فلم يعد ف الكون‬

‫عنصران متمايزان‪ ,‬احدها الادة الت يكن مسها وتتمثل لنا ف كتلة‪ .‬والخر‬

‫الطاقة‪ ,‬الت ل يكن ان ترى‪ ,‬وليس لا كتلة‪ ,‬كما كان يعتقد العلماء‬
‫سابقا‪ ,‬بل اصبح العلم يعرف ان الكتلة ليست ال طاقة مركزة‪.‬‬

‫ويقول آنشتي ف معادلته‪ :‬ان الطاقة = كتلة الادة * مربع سرعة الضوء‬

‫(وسرعة الضوء تساوي (‪ )186.000‬ميل ف الثانية) كما ان الكتلة‬
‫= الطاقة ÷ مربع سرعة الضوء‪.‬‬

‫وبذلك ثبت‪ ,‬ان الذرة با فيها من بروتونات والكترونات ليست ف‬

‫القيقة ال طاقة متكاثفة‪ ,‬يكن تليلها وارجاعها ال حالتها الول‪ .‬فهذه‬
‫الطاقة هي الصل العلمي للعال ف التحليل الديث‪ ,‬وهي الت تظهر ف‬

‫اشكال متلفة‪ ,‬وصور متعددة‪ ,‬صوتية‪ ,‬ومغناطيسية‪ ,‬وكهربائية‪,‬‬
‫وكيمياوية‪ ,‬وميكانيكية‪.‬‬

‫‪281‬‬

‫وعلى هذا الضوء‪ ,‬ل يعد الزدواج بي الادة والشعاع‪ ,‬بي السميات‬

‫والوجات‪ ,‬او بي ظهور الكهرب على صورة مادة احيانا‪ ,‬وظهوره على‬
‫صورة كهرباء احيانا اخرى‪ .‬اقول‪ ,‬ل يعد هذا غريبا بل اصبح مفهوما‬
‫بقدار‪ ,‬ما دامت كل هذه الظاهر صورا لقيقة واحدة‪ ,‬وهي الطاقة‪.‬‬

‫وقد اثبتت التجارب عمليا صحة هذه النظريات‪ ,‬اذ أمكن للعلماء ان‬

‫يولوا الادة ال طاقة‪ ,‬والطاقة ال مادة‪ .‬فالادة تولت ال طاقة‪ ,‬عن طريق‬

‫التوحيد بي نواة ذرة اليدروجي ونواة ذرة ليثيوم‪ .‬فقد نتج عن ذلك نواتان‬

‫من ذرات الليوم‪ ,‬وطاقة هي ف القيقة‪ .‬الفارق بي الوزن الذري لنواتي‬
‫من الليوم‪ ,‬والوزن الذري لنواة هيدروجي ونواة ليثيوم‪ .‬والطاقة تولت ال‬

‫مادة‪ ,‬عن طريق تويل اشعة (جاما) ـ وهي اشعة لا طاقة وليس لا وزن ـ‬
‫ال دقائق مادية‪ ,‬من اللكترونات السالبة واللكترونات الوجبة الت تتحول‬

‫بدورها ال طاقة‪ ,‬اذا اصطدم الوجب منها بالسالب‪.‬‬

‫ويعتب اعظم تفجي للمادة توصل اليه العلم‪ ,‬هو التفجي الذي يكن‬

‫للقنبلة الذرية‪ ,‬واليدروجينية ان تققه‪ ,‬اذ يتحول بسببهما جزء من الادة‬
‫ال طاقة هائلة‪.‬‬

‫وتقوم الفكرة ف القنبلة الذرية‪ ,‬على امكان تطيم نواة ذرة ثقيلة‪,‬‬

‫بيث تنقسم ال نواتي او اكثر‪ ,‬من عناصر اخف‪ .‬وقد تقق ذلك‬

‫بتحطيم النواة‪ ,‬ف بعض اقسام عنصر اليورانيوم‪ ,‬الذي يطلق عليه اسم‬
‫اليورانيوم ‪ ,235‬نتيجة لصطدام النيوترون با‪.‬‬

‫وتقوم الفكرة ف القنبلة اليدروجينية‪ ,‬على ضم نوى ذرات خفيفة ال‬

‫بعضها‪ ,‬لتكون بعد اتادها نوى ذرات اثقل منها‪ ,‬بيث تكون كتلة النواة‬

‫الديدة‪ ,‬اقل من كتلة الكونات الصلية‪ .‬وهذا الفرق ف الكتلة‪ ,‬هو الذي‬

‫يظهر ف صورة طاقة‪ .‬ومن اساليب ذلك دمج اربع ذرات هيدروجي‪ ,‬بتأثي‬

‫الضغط والرارة الشديدين‪ ,‬وانتاج ذرة من عنصر الليوم‪ ,‬مع طاقة‪ ,‬هي‬

‫الفارق الوزن بي الذرة الناتة‪ ,‬والذرات الندمة‪ ,‬وهو كسر ضئيل جدا ف‬

‫حساب الوزن الذري‪.‬‬

‫ڤ‪...............................................‬نتائج الفيزياء الديثة‬
‫ويستنتج من القائق العلمية‪ ,‬الت عرضناها عدة أمور‪:‬‬
‫‪282‬‬

‫أ ـ ان الادة الصلية للعال‪ ,‬حقيقة واحدة مشتركة‪ ,‬بي جيع كائناته‬

‫وظواهره‪ ,‬وهذه القيقة الشتركة هي الت تظهر بختلف الشكال‪ ,‬وتتنوع‬
‫بشت التنوعات‪.‬‬

‫ب ـ ان خواص الركبات الادية كلها عرضية‪ ,‬بالضافة ال الادة‬
‫الصيلة‪ .‬فالاء با يلك من خاصة السيلن‪ ,‬ليس شيئا ذاتيا للمادة‪ ,‬الت‬

‫يتكون منها‪ ,‬وانا هو صفة عرضية‪ ,‬وذلك بدليل انه مركب ـ كما عرفنا‬
‫سابقا ـ من عنصرين بسيطي‪ ,‬وف المكان افراز هذين العنصرين عن‬

‫الخر‪ ,‬فيجعان ال حالتهما الغازية‪ ,‬وتزول صفة الاء تاما‪ .‬ومن الواضح‬
‫ان الصفات الت يكن ان تزول عن الشيء‪ ,‬ل يكن ان تكون ذاتية له‪.‬‬

‫ج ـ ان خواص العناصر البسيطة نفسها‪ ,‬ليست ذاتية للمادة ايضا‪,‬‬

‫فضل عن خصائص الركبات‪ .‬والبهان العلمي على ذلك ما مر بنا من‬

‫امكان تول بعض العناصر ال بعض‪ ,‬وبعض ذراتا ال ذرات اخرى‪,‬‬

‫طبيعيا او اصطناعيا‪ ,‬فان هذا امر يدل على ان خصائص العناصر‪ ,‬انا هي‬

‫صفات عرضية للمادة‪ ,‬الشتركة بي جيع العناصر البسيطة‪ .‬فليست صفات‬
‫الراديوم‪ ,‬والرصاص‪ ,‬والزوت‪ ,‬والوكسجي‪ ,‬ذاتية للمواد‪ ,‬الت تتمثل‬

‫ف تلك العناصر‪ ,‬ما دام ف المكان تبديلها البعض بالبعض‪.‬‬

‫د ـ وأخيا‪ ,‬فنفس صفة الادية اصبحت ـ على ضوء القائق السابقة ـ‬

‫صفة عرضية ايضا‪ ,‬فهي ل تعدو ان تكون لونا من ألوان الطاقة‪ ,‬وشكل‬

‫من اشكالا‪ ,‬وليس هذا الشكل ذاتيا لا‪ ,‬لا سبق من انا قد تستبدل هذا‬

‫الشكل بشكل اخر‪ ,‬فتتحول الادة ال طاقة ويتحول الكهرب ال كهرباء‪.‬‬

‫ڤ‪.........................................‬النتيجة الفلسفية من ذلك‬
‫واذا اخذنا تلك النتائج العلمية‪ ,‬بعي العتبار‪ ,‬وجب ان ندرسها‬
‫درسا فلسفيا‪ ,‬لنعرف ما اذا كان ف المكان‪ ,‬ان نفترض الادة هي السبب‬

‫العلى (العلة الفاعلية) للعال او ل؟ ول تردد ف ان الواب الفلسفي على‬
‫هذا السؤال‪ ,‬هو النفي بصورة قاطعة‪ ,‬ذلك لن الادة الصيلة للعال‪,‬‬

‫حقيقة واحدة عامة‪ ,‬ف جيع مظاهره وكائناته‪ ,‬ول يكن للحقيقة الواحدة ان‬
‫‪283‬‬

‫تتلف آثارها‪ ,‬وتتباين افعالا‪ .‬فالتحليل العلمي للماء‪ ,‬والشب‪,‬‬

‫والتراب‪ ,‬وللحديد‪ ,‬والزوت‪ ,‬والرصاص‪ ,‬والراديوم‪ ,‬ادى ف ناية‬

‫الطاف ال مادة واحدة‪ ,‬ندها ف كل هذه العناصر وتلك الركبات‪ .‬فل‬

‫تتلف مادة كل واحد من هذه الشياء‪ ,‬عن مادة غيه‪ ,‬ولذلك يكن تويل‬
‫مادة شيء ال شيء آخر‪ ,‬فكيف يكن ان نسند ال تلك الادة الساسية‪,‬‬

‫الت ندها ف الشياء جيمعا‪ ,‬تنوع تلك الشياء وحركاتا الختلفة ؟! ولو‬

‫أمكن هذا‪ ,‬لكان معناه ان القيقة الواحدة‪ ,‬قد تتناقض ظواهرها‪ ,‬وتتلف‬
‫احكامها‪ .‬وف ذلك القضاء الاسم على جيع العلوم الطبيعية‪ ,‬بصورة‬

‫عامة‪ ,‬لن هذه العلوم قائمة جيعا على أساس ان القيقة الواحدة لا‬

‫ظواهر‪ ,‬ونواميس معينة ل تتلف‪ ,‬كما درسنا ذلك بكل تفصيل ف الزء‬

‫السابق من هذه السألة‪ .‬فقد قلنا ان تارب العال الطبيعي‪ ,‬ل تقع ال على‬

‫موارد معينة‪ ,‬ومع ذلك فهو يشيد قانونه العلمي العام‪ ,‬الذي يتناول كل ما‬
‫تتفق حقيقته مع موضوع تربته‪ .‬وليس ذلك ال لن الواد‪ ,‬الت عمم عليها‬
‫القانون‪ ,‬يتمثل فيها نفس الواقع الذي درسه ف تاربه الاصة‪ .‬ومعن‬

‫هذا‪ ,‬ان الواقع الواحد الشترك ل يكن ان تتناقض ظواهره وان تتلف‬

‫آثاره‪ ,‬وال لو أمكن شيء من ذلك‪ ,‬لا أمكن للعال ان يضع قانونه العام‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس نعرف‪ ,‬ان الواقع الادي الشترك للعال‪ ,‬الذي دلل عليه‬

‫العلم‪ ,‬ل يكن ان يكون هو السبب والعلة الفاعلية له‪ ,‬لن العال مليء‬
‫بالظواهر الختلفة‪ ,‬والتطورات التنوعة‪.‬‬

‫هذا من ناحية‪ ,‬ومن ناحية اخرى‪ ,‬قد علمنا على ضوء النتائج العلمية‬

‫السابقة‪ ,‬ان الصائص والصفات‪ ,‬الت تبدو با الادة‪ ,‬ف متلف مالت‬

‫وجودها‪ ,‬خصائص عرضية للمادة الصلية‪ ,‬او للواقع الادي الشترك‪.‬‬

‫فخصائص الركبات‪ ,‬صفات عرضية للعناصر البسيطة‪ ,‬وخصائص العناصر‬

‫البسيطة‪ ,‬صفات عرضية للمادة الذرية‪ .‬وصفة الادية نفسها‪ ,‬هي ايضا‬

‫عرضية كما سبق‪ ,‬بدليل امكان سلب كل واحدة من هذه الصفات‪ ,‬وتريد‬
‫الواقع الشترك منها‪ ,‬فل يكن ان تكون الادة ديناميكية‪ .‬وسببا ذاتيا‬

‫لكتساب تلك الصائص والصفات‪.‬‬
‫‪284‬‬

‫ڤ‪..................................................‬مع التجريبيي‬
‫ولنقف قليل‪ ,‬عند أولئك الذين يقدسون التجربة والس العلمي‪,‬‬
‫ويعلنون بكل صلف‪ ,‬اننا ل نؤمن بأي فكرة‪ ,‬ما ل تثبت بالتجربة‪ ,‬ول‬

‫يبهن عليها عن طريق الس‪ .‬وما دامت السألة اللية مسألة غيبية‪ ,‬وراء‬
‫حدود الس والتجربة‪ ,‬فيجب ان نطرحها جانبا‪ ,‬وننصرف ال ما يكن‬

‫الظفر به ف اليدان التجريب‪ ,‬من حقائق ومعارف ‪ ..‬نقف عندهم‬

‫لنسألم‪ ,‬ماذا تريدون بالتجربة؟ وماذا تعنون برفض كل عقيدة ل برهان‬
‫عليها من الس؟‬

‫فان كان فحوى هذا الكلم‪ ,‬انم ليؤمنون بوجود شيء‪ ,‬ما ل يسوا‬

‫بوجوده احساسا مباشرا‪ ,‬ويرفضون كل فكرة ما ل يدركوا واقعها الوضوعي‪,‬‬
‫بأحد حواسهم‪ ,‬فقد نسفوا بذلك الكيان العلمي كله‪ ,‬وابطلوا جيع القائق‬
‫الكبى‪ ,‬البهن عليها بالتجربة الت يقدسونا‪ .‬فان اثبات حقيقة علمية‬

‫بالتجربة ليس معناه الحساس الباشر بتلك القيقة‪ ,‬ف اليدان التجريب‪.‬‬

‫فـ (نيوتن) ـ مثل ـ حي وضع قانون الاذبية العامة‪ ,‬على ضوء التجربة‪ ,‬ل‬

‫يكن قد احس بتلك القوة الاذبية‪ .‬بشيء من حواسه المس‪ ,‬وانا‬

‫استكشفها عن طريق ظاهرة أخرى مسوسة‪ ,‬ل يد لا تفسيا ال بافتراض‬
‫وجود القوة الاذبة‪ .‬فقد رأى ان السيارات ل تسي ف خط مستقيم‪ ,‬بل‬

‫تدور دورانا‪ ,‬وهذه الظاهرة ل يكن ان تتم ـ ف نظر نيوتن ـ لو ل تكن هناك‬
‫قوة جاذبة‪ ,‬لن مبدأ القصور الذات يقضي بسي السم التحرك‪ ,‬ف اتاه‬

‫مستقيم‪ ,‬ما ل يفرض عليه اسلوب آخر من قوة خارجية‪ .‬فانتهى من ذلك‬
‫ال قانون الاذبية‪ ,‬الذي يقرر ان السيارات تضع لقوة مركزية‪ ,‬هي‬

‫الاذبية‪.‬‬

‫وان كان يعن هؤلء‪ ,‬الذين ينادون بالتجربة ويقدسونا‪ ,‬نفس‬

‫السلوب الذي ت به علميا استكشاف قوى الكون وأسراره‪ ,‬وهو درس‬
‫ظاهرة مسوسة ثابتة بالتجربة‪ ,‬واستنتاج شيء آخر منها استنتاجا عقليا‪,‬‬

‫باعتبار التفسي الوحيد لوجودها‪ .‬فهذا هو اسلوب الستدلل على السألة‬

‫‪285‬‬

‫اللية تاما‪ .‬فان التجارب السية والعلمية‪ ,‬قد اثبتت ان جيع خصائص‬

‫الادة الصلية‪ ,‬وتطوراتا وتنوعاتا‪ ,‬ليست ذاتية‪ ,‬وانا هي عرضية‪,‬‬

‫كحركة السيارات الشمسية حول الركز‪ .‬فكما ان دورانا حوله ليس ذاتيا‬

‫لا‪ ,‬بل هي تقتضي بطبيعتها التاه الستقيم ف الركة طبقا لبدأ القصور‬

‫الذات ‪ ..‬كذلك خصائص العناصر والركبات‪ .‬وكما ان ذلك الدوران لا ل‬
‫يكن ذاتيا‪ ,‬اتاح لنا ان نبهن على وجود قوة خارجية جاذبة‪ ,‬كذلك هذا‬

‫التنوع والختلف ف خصائص الادة الشتركة‪ ,‬يكشف أيضا عن سبب وراء‬

‫الادة‪ .‬ونتيجة ذلك هي ان العلة الفاعلية للعال غي علته الادية‪ ,‬أي ان‬
‫سببه غي الادة الام‪ ,‬الت تشترك فيها الشياء جيعا‪.‬‬

‫ڤ‪......................................................‬مع الديالكتيك‬
‫قد مر بنا الديث عن الديالكتيك‪ ,‬ف الزء الثان من هذه السالة‪,‬‬

‫وكشفنا عن الخطاء الرئيسية الت ارتكز عليها‪ ,‬كالغاء مبدأ عدم التناقض‬
‫ونوه‪ .‬ونريد الن ان نبهن‪ .‬على عجزه من جديد عن حل مشكلة‬

‫العال‪ ,‬وتكوين فهم صحيح له‪ ,‬بقطع النظر عما ف ركائزه وأسسه‪ ,‬عن‬
‫اخطاء وتافت‪.‬‬

‫يزعم الديالكتيك ان الشياء تنتج عن حركة ف الادة‪ ,‬وان حركة الادة‬

‫ناشئة ذاتيا عن الادة نفسها‪ ,‬باعتبار احتوائها على النقائض‪ ,‬وقيام الصراع‬

‫الداخلي بي تلك النقائص‪.‬‬

‫فلنمتحن هذا التفسي الديالكيكي‪ ,‬بتطبيقه على القائق العلمية‪ ,‬الت‬

‫سبق ان عرفناها عن العال‪ ,‬لنرى ماذا تكون النتيجة؟ ان العناصر البسيطة‬

‫عدة انواع‪ ,‬ولكل عنصر بسيط رقم ذري خاص به‪ ,‬وكلما كان العنصر ارقى‬
‫كان رقمه اكثر‪ ,‬حت ينتهي التسلسل ال اليورانيوم‪ ,‬ارقى العناصر واعلها‬

‫درجة‪ .‬وقد اوضح العلم ايضا‪ ,‬ان مادة هذه العناصر البسيطة واحدة‬

‫ومشتركة ف الميع‪ ,‬ولذا يكن تبديلها البعض بالبعض‪ ,‬فكيف وجدت‬
‫انواع العناصر العديدة ف تلك الادة الشتركة؟ والواب على اسس التغي‬

‫‪286‬‬

‫الديالكتيكي‪ ,‬يتلخص ف ان الادة قد تطورت من مرحلة ال مرحلة ارقى‪,‬‬

‫حت بلغت درجة اليورانيوم‪ .‬وعلى هذا الضوء يب ان يكون عنصر‬
‫اليدروجي‪ ,‬نقطة البتداء ف هذا التطور‪ ,‬باعتباره اخف العناصر‬

‫البسيطة‪ .‬فاليدروجي يتطور ديالكتيكيا بسبب التناقض الحتوي ف داخله‪,‬‬
‫فيصبح بالتطور الديالكتيكي عنصرا ارقى‪ ,‬أي عنصر الليوم‪ ,‬وهذا العنصر‬

‫بدوره ينطوي على نقيضه‪ ,‬فيشتعل الصراع من جديد‪ ,‬بي النفي‬

‫والثبات‪ ,‬بي الوجه السالب والوجه الوجب‪ ,‬حت تدخل الادة ف مرحلة‬
‫جديدة‪ ,‬ويوجد العنصر الثالث‪ ,‬وهكذا تتصاعد الادة طبقا للجدول‬

‫الذري‪.‬‬

‫هذا هو التفسي الوحيد‪ ,‬الذي يكن للديالكتيك ان يقدمه ف هذا‬

‫الجال‪ ,‬تبيرا لديناميكية الادة‪ .‬ولكن من السهل جدا‪ ,‬ان نتبي عدم‬

‫امكان الخذ بذا التفسي‪ ,‬من ناحية علمية‪ ,‬لن اليدروجي لو كان مشتمل‬
‫بصورة ذاتية على نقيضه‪ ,‬ومتطورا بسبب ذلك طبقا لقواني الديالكتيك‬

‫الزعوم‪ ,‬فلماذا ل تتكامل جيع ذرات اليدروجي ؟! وكيف اختص هذا‬
‫التكامل الذات ببعض دون بعض؟! فان التكامل الذات ل يعرف‬

‫التخصيص‪ ,‬فلو كانت العوامل اللقة للتطور والترقي‪ ,‬موجودة ف صميم‬
‫الادة الزلية‪ ,‬لا اختلفت آثار تلك العوامل‪ ,‬ولا اختصت بجموعة معينة‬
‫من اليدروجي‪ ,‬تولا ال هليوم وتترك الباقي‪ .‬فنواة اليدروجي‬

‫(البوتون)‪ ,‬بدل من بروتون واحد‪ ,‬لنتج عن ذلك زوال الاء عن وجه‬

‫بروتوني‪ ,‬بدل من بروتون واحد‪ ,‬لنتج عن ذلك زوال الاء عن وجه‬

‫الرض تاما‪ ,‬لن الطبيعة اذا فقدت نوى ذرات اليدروجي‪ ,‬وتولت جيعا‬

‫ال نوى ذرات الليوم‪ ,‬ل يكن من المكن ان يوجد بعد ذلك ماء‪.‬‬

‫فما هو السبب الذي جعل تطور اليدروجي ال هليوم‪ ,‬مقتصرا على‬

‫كمية معينة‪ ,‬واطلق الباقي من اسر هذا التطور البي؟!‬

‫وليس التفسي الديالكت للمركبات‪ ,‬ادن ال التوفيق من تفسي الديالكتيك‬

‫للعناصر البسيطة‪ .‬فالاء اذا كان قد وجد طبقا لقواني الديالكتيك فمعن‬

‫ذلك ان اليدروجي يعتي اثباتا‪ ,‬وان هذا الثبات يثي نفي نفسه‪ ,‬بتوليده‬

‫‪287‬‬

‫للوكسجي‪ ,‬ث يتحد النفي والثبات معا‪ ,‬ف وحدة هي الاء‪ ,‬او ان‬

‫نعكس العتبار‪ ,‬فنفرض الوكسجي اثباتا‪ ,‬واليدروجي نفيا‪ ,‬والاء هو‬
‫الوحدة الت انطوت على النفي والثبات معا‪ ,‬وحصلت نتيجة تكاملية‬

‫للصراع الديالكت بينهما‪ ,‬فهل يكن للديالكتيك ان يوضح لنا ان هذا‬

‫التكامل الديالكتيكي‪ ,‬لو كان يتم بصورة ذاتية وديناميكية‪ ,‬فلماذا اختص‬

‫بكمية معينة من العنصرين‪ ,‬ول يصل ف كل هيدروجي واوكسجي؟؟‬

‫ول نريد بذا ان نقول ان اليد الغيبية هي الت تباشر كل عمليات‬

‫الطبيعة وتنوعاتا‪ ,‬وان السباب الطبيعية ل موضع لا من الساب‪ ,‬وانا‬
‫نعتقد ان تلك التنوعات والتطورات‪ ,‬ناشئة من عوامل طبيعية خارج الحتوى‬
‫الذات للمادة‪ ,‬وهذه العوامل تتسلسل‪ ,‬حيث تصل ف ناية التحليل‬

‫الفلسفي‪ ,‬ال مبدأ وراء الطبيعة‪ ,‬ل ال الادة ذاتيا‪.‬‬

‫والنتيجة‪ ,‬هي ان وحدة الادة الصلية للعال‪ ,‬الت برهن عليها العلم‬

‫من ناحية‪ ,‬وتنوعاتا واتاهاتا الختلفة‪ ,‬الت دل العلم على انا عرضية‬

‫وليست ذاتية من ناحية اخرى‪ ,‬تكشف عن السر ف السألة الفلسفية‪ ,‬وتوضح‬
‫ان السبب العلى لكل هذه التنوعات والتاهات‪ ,‬ل يكمن ف الادة ذاتا‪,‬‬

‫بل ف تعمل على تنويع الادة وتديد اتاهاتا‪.‬‬

‫ڤ‪......................................................‬الادة والفلسفة‬
‫كنا ننطلق ف برهاننا على السألة اللية‪ ,‬من الادة بفهومها العلمي‪,‬‬
‫الت برهن العلم على اشتراكها‪ ,‬وعرضية الصائص بالضافة اليها‪ .‬والن‬

‫نريد ان ندرس السالة اللية‪ ,‬على ضوء الفهوم الفلسفي للمادة‪.‬‬

‫ولجل ذلك يب ان نعرف ما هي الادة؟ وما هو مفهومها العلمي‬

‫والفلسفي؟‬

‫نعن بادة الشيء‪ ,‬الصل الذي يتكون منه الشيء‪ .‬فمادة السرير هي‬

‫الشب‪ ,‬ومادة الثوب هي الصوف‪ .‬ومادة الورق هي القطن‪ ,‬بعن ان‬

‫الشب والصوف والقطن‪ ,‬هي الشياء الت يتكون منها السرير والثوب‬

‫والورق‪ .‬ونن كثيا ما نعي مادة للشيء‪ ,‬ث نرجع ال تلك الادة لنحاول‬
‫‪288‬‬

‫معرفة مادتا‪ ,‬أي الصل الذي تتكون منه‪ ,‬ث نأخذ هذا الصل‪ ,‬فنتكلم‬

‫عن مادته واصله ايضا‪ .‬فالقرية اذا سئلنا مِم تتكون؟ اجبنا بأنا تتكون من‬

‫عدة عمارات‪ ,‬ودور‪ .‬فالعمارات والدور هي مادة القرية‪ ,‬ويتكرر السؤال‬

‫عن هذه العمارات والدور‪ ,‬ما هي مادتا؟ وياب عن السؤال بانا تتركب‬
‫من الشب والجر والديد‪ .‬وهكذا نضع لكل شيء مادة‪ ,‬ث نضع للمادة‬

‫بدورها اصل تتكون منه‪ ,‬ويب ان ننتهي ف هذا التسلسل ال مادة‬
‫اساسية‪ ,‬وهي الادة الت ل يكن ان يوضع لا مادة بدورها‪.‬‬

‫ومن جراء ذلك انبثق ف الجال الفلسفي والعلمي‪ ,‬السؤال عن الادة‬

‫الساسية والصلية للعال‪ ,‬الت ينتهي اليها تليل الشياء ف اصولا وموادها‪.‬‬

‫وهذا السؤال يعتب من اهم السئلة الرئيسية ف التفكي البشري‪ ,‬العلمي‬

‫والفلسفي‪ .‬ويقصد بالادة العلمية‪ ,‬اعمق ما تكشفه التجربة من مواد للعال‪,‬‬

‫فهي الصل الول ف التحليلت العلمية‪ .‬ويقصد بالادة الفلسفية‪ ,‬اعمق مادة‬
‫للعال‪ ,‬سواء اكان من المكن ظهورها ف الجال التجريب ام ل‪.‬‬

‫وقد مر بنا التحدث عن الادة العلمية‪ ,‬وعرفنا ان اعمق مادة توصل اليها‬

‫العلم هي الذرة‪ ,‬باجزائها من النوى والكهارب‪ ,‬الت هي تكاثف خاص‬

‫للطاقة‪ .‬ففي العرف العلمي‪ ,‬مادة الكرسي هي الشب‪ ,‬ومادة الشب هي‬
‫العناصر البسيطة الت يأتلف منها‪ ,‬وهي‪ :‬الوكسجي‪ ,‬والكربون‪,‬‬

‫واليدروجي‪ .‬ومادة هذه العناصر هي الذرات‪ ,‬ومادة الذرة هي اجزاؤها‬
‫الاصة من البوتونات واللكترونات وغيها‪ .‬وهذه الجموعة الذرية‪ ,‬او‬

‫الشحنات الكهربائية التكاثفة‪ ,‬هي الادة العلمية العميقة‪ ,‬الت اثبتها العلم‬
‫بالوسائل التجريبية‪.‬‬

‫وهنا ييء دور الادة الفلسفية‪ ,‬لنعرف ما اذا كانت الذرة ف القيقة هي‬

‫اعمق وابسط مادة للعال‪ ,‬او انا بدورها مركبة أيضا من مادة وصورة؟‬

‫فالكرسي كما عرفنا مركب من مادة وهي الشب‪ ,‬وصورة هي هيئته الاصة‪.‬‬

‫والاء مركب من مادة وهي ذرات الوكسجي‪ ,‬واليدروجي‪ ,‬وصورة وهي‬

‫خاصية السيلن‪ ,‬الت تصل عند التركيب الكيماوي بي الغازين‪ .‬فهل‬
‫الذرات الدقيقة هي الادة العلمية للعال كذلك ايضا؟‬

‫‪289‬‬

‫والراي الفلسفي السائد‪ ,‬هو ان الادة الفلسفية اعمق من الادة العلمية‬

‫بعن ان الادة الول ف التجارب العلمية‪ ,‬ليست هي الادة الساسية ف النظر‬
‫الفلسفي‪ ,‬بل هي مركبة من مادة ـ ابسط منها ـ وصورة‪ ,‬وتلك الادة البسط‪,‬‬
‫ل يكن اثباتا بالتجربة‪ ,‬وانا يبهن على وجودها بطريقة فلسفية‪.‬‬

‫ڤ‪....................................................‬تصحيح الخطاء‬
‫وعلى ضوء ما سبق‪ ,‬يكن ان نعرف ان النظرية الذرية لـ (ديقريطس)‪,‬‬
‫ـ القائلة‪ ,‬بأن اصل العال عبارة عن ذرات اصلية ل‬

‫تتجزأ ـ لا جانبان‪ :‬احدها علمي‪ ,‬والخر فلسفي‪ .‬فالانب العلمي هو ان‬
‫بنية الجسام مركبة من ذرات صغية‪ ,‬يتخلل بينها الفراغ‪ ,‬وليس السم كتلة‬

‫متصلة‪ ,‬وان بدا لواسنا كذلك‪ ,‬وتلك الوحدات الصغية هي مادة الجسام‬
‫جيعا‪ .‬والانب الفلسفي‪ ,‬هو ان ديقرايطس زعم ان تلك الوحدات‬

‫والذرات‪ ,‬ليست مركبة من مادة وصورة‪ ,‬اذ ليست لا مادة اعمق وابسط‬

‫منها‪ ,‬فهي الادة الفلسفية‪ ,‬أي اعمق وابسط مادة للعال‪.‬‬

‫وقد اختلط هذان الانبان من النظرية‪ ,‬على كثي من الفكرين‪ ,‬فبدا لم‬

‫ان عال الذرة‪ ,‬الذي كشفه العلم الديث بالساليب التجريبية‪ ,‬يبهن على‬

‫صحة النظرية الذرية‪ .‬فلم يعد من المكن تطئة (ديقريطس) ف تفسي‬

‫للجسام ـ كما خطأه الفلسفة السابقون ـ بعد ان تلى للعلم عال الذرة‬
‫الديد‪ ,‬وان اختلف التفكي العلمي الديث‪ ,‬عن تفكي ديقريطس‪ ,‬ف‬

‫تقدير حجم الذرة وتصوير بنيتها‪.‬‬

‫ولكن الواقع ان التجارب العلمية الديثة عن الذرة‪ ,‬انا تثبت صحة‬

‫الانب العلمي‪ ,‬من نظرية ديقريطس‪ ,‬فهي تدل على ان السم مركب من‬

‫وحدات ذرية‪ ,‬ويشتمل على فراغ يتخلل بي تلك الذرات‪ ,‬وليس متصل كما‬
‫يصوره الس لنا‪ .‬وهذه هي الناحية العلمية من النظرية‪ ,‬الت يكن للتجربة‬

‫ان تكشف عنها‪ .‬وليس للفلسفة كلمة ف هذا الوضوع‪ ,‬لن السم من ناحية‬
‫فلسفية‪ ,‬كما يكن ان يكون متصل‪ ,‬كذلك يكن ان يكون متويا‪ ,‬على فراغ‬

‫تتخلله اجزاء دقيقة‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫واما الانب الفلسفي ف نظرية ديقريطس‪ ,‬فل تسه الكشوف العلمية‬

‫بشيء‪ ,‬ول تبهن على صحته‪ ,‬بل تبقى مسالة وجود مادة ابسط من الادة‬
‫العلمية ف ذمة الفلسفة‪ ,‬بعن ان الفلسفة يكنها ان تاخذ اعمق مادة‪,‬‬

‫توصل اليها العلم ف اليدان التجريب‪ ,‬وهي الذرة ومموعتها الاصة‪ ,‬فتبهن‬
‫على انا مركبة من مادة ابسط وصورة‪ .‬ول يتناقض ذلك مع القائق العلمية‪,‬‬
‫لن هذا التحليل والتركيب الفلسفي‪ ,‬ليس ما يكن ان يظهر ف القل‬

‫التجريب‪.‬‬

‫وكما أخطأ هؤلء ف زعمهم‪ ,‬ان التجارب العلمية تدلل على صحة‬

‫النظرية بكاملها‪ ,‬مع انا متصلة بانبها العلمي فقط‪ ,‬كذلك أخطأ عدة من‬
‫الفلسفة القدمي‪ ,‬الذين رفضوا الانب الفلسفي من النظرية‪ ,‬فعمموا‬

‫الرفض للناحية العلمية ايضا‪ ,‬وادعوا ـ من دون سند علمي او فلسفي ـ ان‬
‫الجسام متصلة‪ ,‬وانكروا الذرة والفراغ ف متواها الداخلي‪.‬‬

‫والوقف الذي يب ان نقفه ف السألة‪ ,‬هو ان نقبل الانب العلمي من‬

‫النظرية‪ ,‬الذي يؤكد ان الجسام ليست متصلة‪ ,‬وانا مركبة من ذرات دقيقة‬
‫ال الغاية‪ .‬فان هذا الانب قد كشفت عنه الفيزياء الذرية‪ ,‬بصورة ل تدع‬

‫مال للشك‪ .‬واما الانب الفلسفي من النظرية‪ ,‬القائل ببساطة تلك‬

‫الوحدات‪ ,‬الت تكشف عنها الفيزياء الذرية‪ .‬فنرفضه‪ ,‬لن الفلسفة تبهن‬

‫على ان الوحدة‪ ,‬الت تكشف عنها الفيزياء ـ مهما كانت دقيقة ـ مركبة من‬
‫صورة ومادة‪ .‬ونطلق على هذه الادة اسم الادة الفلسفية‪ ,‬لنا الادة‬

‫البسط‪ ,‬الت يثبت وجودها بطريقة فلسفية ل علمية‪ .‬وقد حان لنا الن ان‬

‫ندرس هذه الطريقة الفلسفية‪.‬‬

‫ڤ‪..............................................‬الفهوم الفلسفي للمادة‬
‫لا كانت السألة الت نتناولا فلسفية‪ ,‬ودقيقة ال حد ما‪ ,‬يب ان نشي‬

‫بتؤدة وهدوء‪ ,‬ليتمكن القارئ من متابعة السي‪ .‬ولذا فلنبدأ ـ أولً ـ بالاء‬
‫والكرسي ونظائرها‪ ,‬لنعرف كيف صدقت الفلسفة‪ ,‬بانا مركبة من مادة‬
‫وصورة؟‬

‫‪291‬‬

‫ان الاء يتمثل ف مادة سائلة‪ ,‬وهو ف نفس الوقت قابل لن يكون‬

‫غازا‪ ,‬ومركز هذه القابلية ليس هو السيلن‪ ,‬لن صفة السيلن ل يكن ان‬
‫تكون غازا‪ ,‬بل مركزه الادة الحتواة ف الاء السائل‪ .‬فهو ـ اذن ـ مركب من‬

‫حالة السيلن‪ ,‬ومادة تتصف بتلك الالة‪ ,‬وهي قابلة للغازية ايضا‪.‬‬

‫والكرسي يتمثل ف خشب مصنوع على هيئة خاصة‪ ,‬وهو يقبل ان يكون‬
‫منضدة‪ ,‬وليست هيئة الكرسي هي الت تقبل ان تكون منضدة‪ ,‬بل الادة‪.‬‬

‫فعرفنا من ذلك ان الكرسي مركب من هيئة معينة‪ ,‬ومادة خشبية تصلح لن‬

‫تكون منضدة‪ ,‬كما صلحت لن تكون كرسيا‪ .‬وهكذا ف كل مال‪ ,‬اذا‬
‫لوحظ ان الكائن الاص قابل للتصاف‪ ,‬بنقيض صفته الاصة‪ ,‬فان‬

‫الفلسفة تبهن بذلك‪ ,‬على ان له مادة وهي الت تقبل للتصاف بنقيض تلك‬

‫الصفة الاصة‪.‬‬

‫ولنأخذ مسألتنا على هذا الضوء‪ .‬فقد عرفنا ان العلم يوضح ان السم‬

‫ليس شيئا واحدا‪ ,‬بل هو مركب من وحدات اساسية‪ ,‬تسبح ف فراغ‪.‬‬
‫وهذه الوحدات باعتبارها الوحدات الخية‪ ,‬ف التحليل العلمي‪ ,‬فهي‬

‫بدورها ليست مركبة من ذرات اصغر منها‪ ,‬وال ل تكن الوحدات النهائية‬

‫للمادة‪ .‬وهذا صحيح‪ ,‬فالفلسفة تعطي للعلم حريته الكاملة‪ ,‬ف تعيي‬

‫الوحدات النهائية‪ ,‬الت ل يتخللها فراغ ول تتوي على اجزاء‪ .‬وحينما يعي‬
‫العلم تلك الوحدات‪ ,‬ييء دور الفلسفة‪ ,‬فتبهن على انا مركبة من صورة‬
‫ومادة ابسط‪ .‬فنحن ل نتصور وحدة مادية من دون اتصال‪ ,‬لنا لو ل تكن‬

‫متصلة اتصال حقيقيا‪ ,‬لكانت متوية على فراغ تتخلله اجزاء‪ ,‬كالسم‪.‬‬

‫فمعن الوحدة هي ان تكون متصلة‪ ,‬فل تكون وحدة حقيقيقة بل اتصال‪,‬‬

‫ولكنها ف نفس الوقت قابلة للتجزئة والنفصال ايضا‪ .‬ومن الواضح ان ما‬
‫يقبل التجزئة والنفصال‪ ,‬ليس هو نفس التصالية القومة للوحدة الادية‪,‬‬

‫لن التصال ل يكن ان يتصف بالنفصال كما ان السيولة ل يكن من المكن‬
‫ان تتصف بالغازية‪ .‬فيجب ان تكون للوحدة مادة بسيطة‪ ,‬وهي الت تقبل‬
‫التجزئة والنفصال‪ .‬ويؤدي ذلك ال اعتبارها مركبة من مادة‪ ,‬وصورة‪.‬‬

‫فالادة هي القابلة للتجزئة والنفصال‪ ,‬الادم للوحدة‪ ,‬كما انا هي القابلة‬

‫الت ل يكن ان نتصور وحدة مادية من دونا‪.‬‬
‫‪292‬‬

‫ولكن السألة الت تواجهنا ف هذه الرحلة‪ ,‬هي ان الفلسفة كيف يكنها‬

‫معرفة‪ ,‬ان الوحدات الساسية ف الادة قابلة للتجزئة والنفصال؟ وهل يوجد‬
‫سبيل ال ذلك ال بالتجربة العلمية؟ والتجربة العلمية ل تثبت قابلية‬
‫الوحدات الساسية ف الادة‪ ,‬للتجزئة والنقسام‪.‬‬

‫ومرة اخرى نؤكد‪ ,‬على ضرورة عدم اللط بي الادة العلمية والادة‬

‫الفلسفية‪ .‬وذلك ان الفلسفة ل تدعي ان تزئة الوحدة امر ميسور‪ ,‬بالجهزة‬
‫والوسائل العلمية الت يلكها النسان‪ ,‬فان هذه الدعوى من حق العلم‬

‫وحده‪ ,‬وانا تبهن على ان كل وحدة فهي قابلة للنقسام والتجرئة‪ ,‬وان ل‬

‫يكن تقيق النقسام خارجا بالوسائل العلمية‪ ,‬ول يكن ان يتصور وحدة من‬
‫دون قابلية النقسام‪ ,‬أي ل يكن ان يتصور جزء ل يتجزأ‪.‬‬

‫ڤ‪...........................................‬الزء والفيزياء والكيمياء‬
‫فمسألة الزء الذي ل يتجزأ ليست مسألة علمية‪ ,‬وانا هي فلسفية‬
‫خالصة‪ .‬وبذلك نعرف ان الطرق او القائق العلمية الت اتذت للجابة عن‬

‫هذه السألة‪ ,‬والتدليل على وجود الزء الذي ل يتجزا‪ ,‬او على نفيه ‪..‬‬
‫ليست صحيحة مطلقا‪ .‬ونشي ال شيء منها‪:‬‬

‫أ ـ قانون النسب‪ ,‬الذي وضعه (والت) ف الكيمياء‪ ,‬ليضاح ان‬

‫التاد الكيمياوي بي العناصر‪ ,‬يري طبقا لنسب معينة وركزه على اساس‬

‫ان الادة تتألف من دقائق صغية‪ ,‬ل تقبل التجزئة‪.‬‬
‫ومن الواضح ان هذا القانون‪ ,‬انا يعمل ف ماله الاص كقانون‬

‫كيميائي‪ ,‬ول يكن ان تل به مشكلة فلسفية‪ ,‬لن قصارى ما يوضحه‪ ,‬هو‬
‫ان التفاعلت والتركيبيات الكيمياوية‪ ,‬ل يكن ان تتم ال بي مقادير معينة‬

‫من العناصر‪ ,‬ف ظروف وشروط خاصة‪ .‬واذا ل تصل القادير والنسب‬

‫العينة‪ ,‬فل يوجد تفاعل وتركيب‪ .‬ولكنه ل يوضح ما اذا كانت تلك القادير‬
‫قابلة للنقسام بد ذاتا أول؟ فيجب علينا اذن ان نفرق بي الناحية‬

‫الكيميائية من القانون‪ ,‬والناحية الفلسفية‪ .‬فهو من الناحية الكيميائية‪ ,‬يثبت‬

‫ان خاصية التفاعل الكيمياوي توجد ف مقادير معينة‪ ,‬ول يكن ان تتحقق ف‬
‫‪293‬‬

‫اقل من تلك القادير‪ ,‬واما من الناحية الفلسفية‪ ,‬فل يثبت ان تلك القادير‬

‫هل هي اجزاء ل تتجزا أول‪ ,‬ول صلة لذلك بالانب الكيميائي من القانون‬
‫مطلقا‪.‬‬

‫ب ـ الرحلة الول من الفيزياء الذرية‪ ,‬الت حصل فيها اكتشاف‬

‫الذرة‪ ,‬فقد بدا آنذاك لبعض‪ ,‬ان الفيزياء ف هذه الرحلة قد وضعت حدا‬

‫فاصل للناع ف مسألة الزء الذي ل يتجزأ‪ ,‬لنا كشفت عن هذا الزء‬
‫بالساليب العلمية‪ .‬ولكن من الواضح ـ على ضوء ما سبق ـ ان هذا‬

‫الكتشاف ل يثبت الزء الذي ل يتجزا بعناه الفلسفي‪ ,‬لن وصول التحليل‬

‫العلمي ال ذرة ل يستطيع ان يزئها‪ ,‬ل يعن انا غي قابلة للتجزئة بد‬
‫ذاتا‪.‬‬

‫ج ـ الرحلة الثانية من الفيزياء الذرية‪ ,‬الت اعتبت ـ على العكس من‬

‫الرحلة الول ـ دليل قاطعا على نفي الزء الذي ل يتجزا لن العلم استطاع‬
‫ف هذه الرحلة‪ ,‬ان يزئ الذرة ويفجرها‪ ,‬وتبخرت بذلك فكرة الزء‬

‫الذي ل يتجزأ‪.‬‬

‫وليست هذه الرحلة ال كالرحلة السابقة‪ ,‬ف عدم صلتها بسألة الزء‬

‫الذي ل يتجزأ‪ ,‬من ناحيتها الفلسفية‪ .‬ذلك ان انقسام الذرة او تطيم‬

‫نواتا‪ ,‬انا يغي فكرتنا عن الزء ول يقضي بصورة نائية على نظرية الزء‬

‫الذي ل يتجزأ‪ .‬فالذرة الت ل تنفسم بعناها الذي كان ل يتصوره‬
‫(ديقريطس)‪ ,‬او بعناها الذي وضع (والت) على اساسه قانون النسب ف‬
‫الكيمياء‪ ..‬قد تلشى بتفجي الذرة‪ ,‬ولكن هذا ل يعن ان الشكلة قد‬

‫انتهت‪ ,‬فان الوحدات الساسية ف عال الادة‪ ,‬وهي الشحنات الكهربائية‪,‬‬

‫سواء أكانت على شكل ذرات وأجرام مادية‪ ,‬ام على شكل امواج‪ ,‬تواجه‬
‫السؤال الفلسفي عما اذا كانت قابلة للتجزئة اول‪.‬‬

‫ڤ‪.......................................................‬الزء والفلسفة‬

‫وهكذا اتضح ف دراستنا‪ ,‬ان مشكلة الزء يب ان تل بطريقة‬

‫فلسفية‪.‬‬

‫وللفلسفة طرق كثية للبهنة فلسفيا‪ ,‬على ان كل وحدة تقبل النقسام‬

‫ول يوجد جزء ل يتجزأ‪ .‬ومن أوضح تلك الطرق ان نرسم دائرتي‬
‫‪294‬‬

‫كالرحى‪ :‬احداها ف داخل الخرى‪ ,‬ونقطة الوسط ف الرحى هي مركز كلتا‬
‫الدائرتي‪ ,‬ونضع نقطة على موضع معي من ميط الدائرة الكبية‪ ,‬ونقطة‬

‫موازية لا على ميط الدائرة الصغية‪ .‬ومن الواضح اننا‬

‫اذا حركنا الرحى تركت كلتا الدائرتي فلنحرك الرحى ونعل‬
‫النقطة الت وضعناها على الدائرة الكبية‪ ,‬تتحرك‬

‫طبقا لركتها‪ ,‬ولكن ل نسمح لا بالركة ال بقدار احدى الوحدات‬

‫الادية‪ ,‬ث نلحظ ف تلك اللحظة النقطة الوازية لا‪ ,‬ف الدائرة الصغية‪,‬‬

‫لنتساءل هل طوت من السافة نفس القدار‪ ,‬الذي طوته النقطة القابلة لا من‬
‫الدائرة الكبية وهو وحدة كاملة‪ ,‬او ل تطو ال بعضه؟ اما انا طوت نفس‬

‫القدار‪ ,‬فهو يعن ان النقطتي سارتا مسافة واحدة‪ ,‬وهذا مستحيل‪ ,‬لننا‬

‫نعلم ان النقطة مهما كانت ابعد عن الركز الرئيسي للدائرة‪ ,‬تكون حركتها‬

‫اسرع‪ ,‬ولذا تطوي ف كل دورة مسافة اطول ما تطويه النقطة القريبة ف تلك‬
‫الدورة‪ ,‬فل يكن ان تتساوى النقطتان فيما طوتما من السافة‪ .‬واما ان‬

‫النقطة القريبة طوت جزءا من السافة‪ ,‬الت طوتا النقطة البعيدة‪ ,‬فهذا يعن‬

‫ان الوحدة الت اجتازتا النقطة البعيدة‪ ,‬يكن تزئتها وتقسيمها‪ ,‬وليست‬

‫وحدة ل تتجزا‪ .‬وهكذا يتضح ان اصحاب الفكرة القائلة بالوحدة الت ل‬
‫تتجزأ‪ .‬يواجهون موقفا حرجا‪ ,‬لنم ل يكنهم ان يعتبوا النقطة البعيدة‬
‫والقريبة متساويتي‪ ,‬ف مقدار الركة‪ ,‬ول متلفتي‪ .‬ول يبق لم ال ان‬

‫يزعموا لنا ان النقطة الوازية ف الدائرة الصغية كانت ساكنة ول تتحرك‪,‬‬
‫وكلنا نعلم ان الدائرة القريبة من الركز‪ ,‬لو كانت ساكنة ف اللحظة الت‬
‫تركت فيها الدائرة الكبية‪ ,‬لترتب على ذلك تفكك اجزاء الرحى‬

‫وتصدعها‪.‬‬

‫وهذا البهان يوضح لنا ان أي وحدة مادية نفترضها‪ ,‬فهي قابلة‬

‫للتجزئة‪ ,‬لنا حينما تطويها النقطة البعيدة عن الركز ف حركتها‪ ,‬تكون‬
‫النقطة القريبة قد قطعت جزءا منها‪.‬‬

‫‪295‬‬

‫واذا كانت الوحدة الادية قابلة للتجزئة والنفصال‪ ,‬فهي مؤتلفة ـ اذن ـ‬

‫من مادة بسيطة‪ ,‬تركز فيها قابلية التجزئة‪ ,‬واتصالية مقومة لوحدتا‪ .‬وهكذا‬
‫يتضح ان وحدات العال الادي مركبة من مادة وصورة‪.‬‬

‫ڤ‪...........................................‬النتيجة الفلسفية من ذلك‬

‫وحي يتبلور الفهوم الفلسفي للمادة‪ ,‬القاضي بائتلفها من مادة‬

‫وصورة‪ ,‬نعرف ان الادة العلمية‪ ,‬ل يكن ان تكون هي البدأ الول‬
‫للعال‪ ,‬لنا بنفسها تنطوي على تركيب بي الادة والصورة‪ .‬ول يكن لكل‬
‫ل عن الخر‪ ,‬فيجب ان يوجد فاعل‬
‫من الصورة والادة‪ ,‬ان يوجد مستق ً‬

‫اسبق لعملية التركيب‪ ,‬تلك الت تقق للوحدات الادية وجودها‪.‬‬

‫وبكلمة اخرى‪ ,‬ان البدأ الول هو اللقة الول من سلسلة الوجود‪,‬‬

‫وتسلسل الوجود يبدأ حتما بالواجب بالذات‪ ,‬كما عرفنا ف الزء السابق ف‬

‫هذه السالة‪ .‬فالبدأ الول هو الواجب بالذات‪ ,‬وباعتباره كذلك يب ان‬

‫يكون غنيا ف كيانه ووجوده عن شيء آخر‪ .‬والوحدات الساسية ف الادة‬

‫ليست غنية ف كيانا الادي‪ ,‬عن فاعل خارجي‪ ,‬لن كيانا مؤتلف من مادة‬

‫وصورة‪ ,‬فهي باجة اليهما معا‪ ,‬وكل من الادة والصورة باجة ال الخر‬

‫ف وجوده‪ ,‬فينتج من ذلك كله ان نعرف ان البدأ الول‪ ,‬خارج عن حدود‬
‫الادة‪ ,‬وان الادة الفلسفية للعال ـ القابلة للتصال والنفصال ـ باجة ال‬
‫سبب خارجي‪ ,‬يدد وجودها التصال او النفصال‪.‬‬

‫الادة والركة‬
‫الادة ف حركة مستمرة وتطور دائم‪ ,‬وهذه حقيقة متفق عليها بيننا جيعا‬
‫والركة تتاج ال سبب مرك لا‪ .‬وهذه حقيقة اخرى مسلمة بل جدال‪.‬‬

‫والسألة الساسية ف فلسفة الركة‪ ,‬هي ان الادة التحركة‪ ,‬هل يكن ان‬
‫تكون هي علة للحركة وسببا لا؟ وف صيغة اخرى ان التحرك موضوع‬

‫الركة‪ ,‬والحرك سبب الركة‪ ,‬فهل يكن ان يكون الشيء الواحد‪ ,‬من‬
‫الناحية الواحدة‪ ,‬موضوعا للحركة وسببا لا ف وقت واحد؟‬

‫والفلسفة اليتافيزيقية تيب على ذلك‪ ,‬مؤكدة ان من الضروري تعدد‬

‫التحرك والحرك‪ ,‬لن الركة تطور وتكامل تدريي للشيء الناقص‪ ,‬ول‬
‫‪296‬‬

‫يكن للشيء الناقص ان يطور نفسه‪ ,‬ويكمل وجوده تدرييا بصورة ذاتية‪,‬‬

‫فان الناقص ل يكون سببا ف الكمال‪ .‬وعلى هذا الساس وضعت ف الفهوم‬

‫الفلسفي للحركة قاعدة ثنائية بي الحرك والتحرك‪ ,‬وف ضوء هذه القاعدة‬

‫نستطيع ان نعرف‪ ,‬ان سبب الركة التطورية للمادة ف صميمها وجوهرها‪,‬‬
‫ليس هو الادة ذاتا‪ ,‬بل مبدأ وراء الادة‪ ,‬يدها بالتطور الدائم‪ ,‬ويفيض‬
‫عليها الركة الصاعدة والتكامل التدرج‪.‬‬

‫وعلى العكس من ذلك الادية الديالكتيكية‪ ,‬فانا ل تعترف بالثنائية بي‬

‫الادة التحركة وسبب الركة‪ ,‬بل تعتب الادة نفسها سببا لركتها وتطورها‪.‬‬

‫ڤ‪......................................‬فللحركة ـ اذن ـ تفسيان‪:‬‬
‫أما التفسي الديالكتيكي‪ ,‬الذي يعتب الادة نفسها سببا للحركة‪ ,‬فالادة‬
‫فيه هي الرصيد العمق للتطور التكامل‪ .‬وقد فرض هذا على الديالكتيك‬

‫القول‪ ,‬بان الادة منطوية ذاتيا على الطوار والكمالت‪ ,‬الت تققها الركة‬

‫ف سيها التجدد‪ .‬والسر ف اضطرار الديالكتيك ال هذا القول‪ ,‬هو تبير‬

‫التفسي الادي للحركة لن سبب الركة ورصيدها‪ ,‬ل بد ان يكون متويا‬

‫ذاتيا على ما يكون الركة ويدها به‪ ,‬من اطوار وتكاملت‪ ,‬وحيث ان الادة‬
‫عند الديالكتيك‪ ,‬هي السبب المون لركتها‪ ,‬والدافع با ف مال‬

‫التطور ‪ ..‬كان لزاما على الديالكتيك ان يعترف للمادة بصائص السباب‬

‫والعلل‪ .‬ويعتبها متوية ذاتيا على جيع النقائض الت تتدرج الركة ف تقيقها‬
‫لتصلح ان تكون منبثقا للتكامل ومونا أساسيا للحركة‪ .‬وهكذا اعترف‬

‫بالتناقض كنتيجة حتمية لتسلسله الفلسفي‪ ,‬فنبذ مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وزعم‬
‫ان التناقضات متمعة دائما ف متوى الادة الداخلي‪ ,‬وان الادة بذه الثورة‬
‫الحتواة تكون سببا للحركة والتكامل‪.‬‬

‫واما التفسي اللي للحركة‪ ,‬فيبدأ مستفهما عن تلك التناقضات‪ ,‬الت‬

‫يزعم الديالكتيك احتواء الادة عليها‪ ,‬فهل هي موجودة ف الادة جيعا‬
‫‪297‬‬

‫بالفعل‪ ,‬او انا موجودة بالقوة؟ ث يستبعد الواب الول نائيا‪ ,‬لن‬

‫التناقضات ل يكن لا ـ بكم مبدأ عدم التناقض ـ ان تتمع بالفعل‪ ,‬ولو‬
‫اجتمعت بالفعل لمدت الادة وسكنت‪ .‬ويبقى بعد ذلك الواب الثان‪,‬‬

‫وهو ان تلك النقائض موجودة بالقوة‪ ,‬ومعن وجودها بالقوة أن الادة فيها‬
‫استعداد لتقبل التطورات التدرجة‪ ,‬وامكانية للتكامل الصاعد بالركة‪ .‬وهذا‬
‫يعن انا فارغة ف متواها الداخلي عن كل شيء‪ ,‬سوى القابلية‬

‫والستعداد‪ .‬والركة ف هذا الضوء خروج تدريي من القابلية ال الفعلية‪,‬‬

‫ف مال التطور الستمر‪ ,‬وليست الادة هي العلة الدافعة لا‪ ,‬لنا خالية من‬

‫درجات التكامل‪ ,‬الت تققها اشواط التطور والركة‪ ,‬ول تمل ال امكانا‬

‫واستعدادها‪ .‬فل بد ـ اذن ـ من التفتيش عن سبب الركة الوهرية للمادة‪,‬‬

‫ومونا الساسيي خارج حدودها‪ ,‬ول بد ان يكون هذا السبب هو ال‬

‫تعال‪ ,‬الاوي ذاتيا على جيع مراتب الكمال‪.‬‬

‫الادة والوجدان‬
‫ان موقفنا من الطبيعة‪ ,‬وهي زاخرة بدلئل القصد والغاية والتدبي‪,‬‬
‫كموقف عامل يكتشف ف حفرياته‪ ,‬أجهزة دقيقة مكتنة ف الرض‪ ,‬فان‬

‫هذا العامل سوف ل يشك ف ان هناك يدا فنانة‪ ,‬ركبت تلك الجهزة بكل‬
‫دقة وعناية‪ ,‬تقيقا لغراض معينة منها‪ ,‬وكلما عرف العامل حقائق‬

‫جديدة‪ ,‬عن دقة الصنع ف تلك الجهزة‪ ,‬وآيات الفن والبداع فيها‪ ,‬ازداد‬

‫اكبارا للفنان الذي أنشأ تلك الجهزة وتقديرا لنبوغه وعقله فكذلك نقف أيضا‬

‫نفس هذا الوقف‪ ,‬الذي توحي به طبيعة النسان ووجدانه‪ ,‬من الطبيعة‬

‫بصورة عامة‪ ,‬مستوحي من أسرارها وآياتا عظمة البدع الكيم الذي‬

‫ابدعها‪ ,‬وجلل العقل الذي انبثقت عنه‪.‬‬

‫فالطبيعة اذن‪ ,‬صورة فنية رائعة‪ ,‬والعلوم الطبييعية هي الدوات‬

‫البشرية‪ ,‬الت تكشف عن ألوان البداع ف هذه الصورة‪ ,‬وترفع الستار عن‬
‫اسرارها الفنية وتون الوجدان البشري العام‪ ,‬بالدليل تلو الدليل على وجود‬
‫الالق الدبر الكيم وعظمته وكماله‪ .‬وهي كلما ظفرت ف شت ميادينها‬

‫بنصر‪ .‬او كشفت عن سر‪ ,‬أمدت اليتافيزيقية بقوة جديدة‪ ,‬واتفت‬

‫النسانية بدليل جديد‪ ,‬على العظمة اللقة البدعة‪ ,‬الت أبدعت تلك‬

‫‪298‬‬

‫الصورة الالدة ونظمتها‪ ,‬با يدعو ال الدهشة والعجاب والتقديس‪.‬‬

‫وهكذا ل تدع القائق الت اعلنها العلم الديث‪ ,‬مال للريب ف مسألة‬
‫الله القادر الكيم‪ .‬فاذا كانت الباهي الفلسفية‪ ,‬تل العقل يقينا‬

‫واعتقادا‪ ,‬فان الكتشفات العلمية الديثة‪ ,‬تل النفس ثقة وإيانا بالعناية‬

‫اللية‪ ,‬والتفسي الغيب للصول الول للوجود‪.‬‬

‫ڤ‪................................................‬الادة والفيزيولوجيا‬
‫خذ اليك فيزيولوجيا النسان‪ ,‬ف حقائقها الدهشة‪ ,‬واقرأ فيها عظمة‬

‫الالق ودقته‪ ,‬ف كل ما تشرحه من تفاصيل‪ ,‬وتوضحه من اسرار‪ .‬فهذا‬
‫جهاز الضم‪ ,‬أعظم معمل كيميائي ف العال‪ ,‬با يتفنن به من اساليب تليل‬

‫الغذية‪ ,‬الختلفة تليل كيميائيا مدهشا‪ ,‬وتوزيع الواد الغذائية الصالة توزيعا‬

‫عادل‪ ,‬على بليي الليا الية‪ ,‬الت يأتلف منها جسم النسان‪ ,‬اذ تتلقى‬
‫كل خلية مقدار حاجتها‪ ,‬فيتحول ال عظام‪ ,‬وشعر‪ ,‬واسنان‪ ,‬وأظافر‪,‬‬

‫واعصاب‪ ,‬طبق خطة مرسومة للوظائف الفروضة عليها‪ ,‬ف نظام ل تعرف‬
‫النسانية أدق منه وأروع‪.‬‬

‫ونظرة واحدة ال تلك الليا الية‪ ,‬الت تنطوي على سر الياة‪ ,‬تل‬

‫النفس دهشة واعجابا باللية‪ ,‬حي تتكيف بقتضيات موضعها وظروفها‪.‬‬
‫فكأن كل خلية تعرف هندسة العضو‪ ,‬الذي تتوفر على اياده مع سائر الليا‬
‫الشتركة معها ف ذلك العضو‪ ,‬وتدرك وظيفته‪ ,‬وكيف يب ان يكون‪.‬‬

‫وجهاز الس البصري‪ ,‬الصغي التواضع ف حجمه‪ .‬ل يقل عن كل‬

‫ذلك روعة واتقانا‪ ,‬ودللة على الرادة الواعية‪ ,‬والعقل الالق‪ .‬فقد ركب‬

‫تركيبا دقيقا كامل‪ ,‬ل يكن يتم البصار بدون شيء من اجزائه‪ .‬فالشبكية‬

‫الت تعكس العدسة عليها النور‪ ,‬تتكون من تسع طبقات منفصلة‪ ,‬مع انا‬

‫ل تزيد ف سكها على ورقة رقيقة‪ ,‬والطبقة الخية منها تتكون من ثلثي‬

‫مليونا من العواد‪ ,‬وثلثة مليي من الخروطات‪ ,‬وقد نظمت هذه العواد‬

‫‪299‬‬

‫والخروطات‪ ,‬تنظيما مكما رائعا‪ ,‬غي ان الشعة الضوئية ترتسم عليها‪,‬‬

‫بصورة معكوسة‪ ,‬ولذا شاءت العناية الالقة‪ ,‬ان يزود جهاز البصار ـ وراء‬
‫تلك الشبكة ـ بليي من خريطات العصاب‪ ,‬وعندها تدث بعض‬

‫التغيات الكيميائية‪ ,‬ويصل أخيا ادراك الصورة بوضعها الصحيح‪.‬‬

‫فهل يكون هذا التصميم البار‪ ,‬الذي يضمن عملية البصار على افضل‬

‫وجه من فعل الادة على غي هدى وقصد‪ ,‬مع ان مرد كشفه يتاج ال جهود‬
‫فكرية جبارة؟!‬

‫ڤ‪................................................‬الادة والبيولوجيا‬
‫وخذ اليك بعد ذلك البيولوجيا‪ ,‬وعلم الياة‪ .‬فانك سوف تد سرا‬

‫آخر من السرار اللية الكبى‪ ,‬سر الياة الغامض‪ ,‬الذي يل الوجدان‬
‫البشري اطمئنانا بالفهوم اللي‪ ,‬ورسوخا فيه‪ .‬فقد انارت ف ضوء علم‬
‫الياة‪ ,‬نظرية التولد الذات‪ ,‬الت كانت تسود الذهنية الادية‪ ,‬ويعتقد با‬

‫السطحيون والعوام بصورة عامة‪ ,‬ويسوقون للستشهاد عليها أمثلة عديدة‪,‬‬
‫من الشرات الت تبدو ـ ف زعمهم ـ وكأنا تولدت ذاتيا‪ ,‬تت عوامل‬

‫طبيعية معينة‪ ,‬دون ان تتسلل من احياء اخرى‪ ,‬كالديدان الت تتكون ف‬
‫المعاء‪ ,‬او ف قطعة من اللحم اذا عرضت للهواء مدة من الزمان‪ ,‬ونو‬
‫ذلك من المثلة‪ ,‬الت كانت توحي با سذاجة التفكي الادي‪ .‬ولكن‬

‫التجارب العلمية القاطعة‪ ,‬برهنت على بطلن نظرية التولد الذات‪ ,‬وان‬
‫الديدان ل تكن لتتولد ال بسبب جراثيم الياة‪ ,‬الت كانت تشتمل عليها‬
‫قطعة اللحم ‪...‬‬

‫وقد استأنفت الادية حلتها من جديد‪ ,‬لتركيز نظرية التولد الذات‪ ,‬حي‬

‫صنع اول مهر مركب‪ ,‬على يد (انطون فان لوينهوك)‪ ,‬فاكتشف به عالا‬
‫جديدا من العضويات الصغية‪ ,‬واستطاع هذا الجهر‪ ,‬ان يبهن على ان‬
‫قطرة الاء من الطر‪ ,‬ل توجد فيها جراثيم‪ ,‬وانا تتولد هذه الراثيم بعد‬

‫نزولا ال الرض‪ .‬فرفع الاديون اصواتم وهللوا للنصر الديد‪ ,‬ف ميدان‬

‫اليوانات اليكروبية بعد ان عجزوا عن اقصاء النطفة‪ ,‬وتركيز نظرية التوالد الذات‬
‫ف اليوانات الرئية بالعي الجردة‪ .‬وهكذا تراجعوا ال اليدان‪ ,‬ولكن على مستوى‬

‫‪300‬‬

‫اخفض‪ ,‬واستمر الدال حول تكوين الياة بي الاديي وغيهم‪ ,‬ال القرن التاسع‬
‫عشر‪ ,‬حيث وضع (لويس باستور) حدا لذلك الصراع‪ ,‬واثبت بتجاربه‬

‫العلمية‪ ,‬ان الراثيم واليكروبات‪ ,‬الت تعيش ف الاء كائنات عضوية مستقلة‪,‬‬
‫ترد ال الاء من الارج ث تتوالد فيه‪.‬‬

‫ومرة اخرى‪ ,‬حاول الاديون ان يتعلقوا بيط من المل الوهوم‪ ,‬فتركوا‬

‫ميادين فشلهم ال ميدان جديد‪ ,‬هو ميدان التخمي‪ ,‬حيث حاول بعضهم‬

‫ان يطبق نظرية التوالد الذات‪ ,‬على الكائنات العضوية الجهرية‪ ,‬الت ينشأ‬

‫بسببها الختمار‪ .‬ولكن سرعان ما باءت هذه الحاولة بالفشل‪ ,‬كالحاولت‬
‫السابقة‪ ,‬وذلك على يد (باستور) أيضا‪ ,‬حي أظهر ان التخمي ل يصل‬

‫ف الادة لو حفظت بفردها‪ ,‬وقطعت علقتها بالارج‪ ,‬وانا يوجد بسبب‬

‫انتقال كائنات عضوية معينة اليها‪ ,‬وتوالدها فيها‪.‬‬

‫وهكذا ثبت ف ناية الطاف‪ ,‬على شت اقسام اليوان ـ وحت اليوانات‬

‫الدقيقة‪ ,‬الت اكتشفت حديثا ول يكن من المكن رؤيتها بالجهر العادي ـ ان‬

‫الياة ل تنشأ ال من الياة‪ ,‬وان النطفة ل التولد الذات هي القانون العام‬
‫السائد ف دنيا الحياء‪.‬‬

‫ويقف الاديون عند هذه النتيجة الاسة‪ ,‬موقفا حرجا‪ ,‬لن نظرية‬

‫التوالد الذات‪ ,‬اذا كانت قد سقطت من الساب‪ ,‬ف ضوء البحوث‬

‫العلمية‪ ,‬فكيف يكنهم ان يعللوا نشوء الياة على وجه الرض ؟! وهل يبقى‬
‫للوجدان البشري مستساغ ـ بعد ذلك ـ لغماض عينيه ف النور‪ ,‬وغض‬
‫بصره عن القيقة اللية الناصعة‪ ,‬الت اودعت سر الياة ف اللية‪ ,‬او‬

‫الليا الول؟! وال فلماذا كفت الطبيعة عن عملية التوالد الذات ال‬

‫البد‪ ,‬بعن ان التفسي الادي للية الياة الول‪ ,‬بالتوالد الذات‪ ,‬لوكان‬

‫صحيحا‪ ,‬فكيف يكن للمادية ان تعلل عدم حدوث التوالد الذات مرة اخرى‬

‫ف الطبيعة‪ ,‬على مر الزمن منذ الماد البعيدة؟! والواقع انه سؤال مي‬

‫للمادية‪ ,‬ومن الطريف ان ييب عليه العال السوفيات (اوبارين) قائل‪ :‬اذا‬

‫كان يبعث الياة عن طريق التفاعل الادي‪ ,‬الطويل المد‪ ,‬ل يزال مكنا ف‬
‫كواكب اخرى غي كوكبنا ـ يعن الرض ـ ففي هذا الكوكب ل يعد له‬
‫مكان‪ ,‬ما دام هذا البعث اصبح يدث عن طريق اسرع واقرب‪ ,‬وهو‬
‫‪301‬‬

‫طريق التوالد البشري الزواجي‪ ,‬ذلك لن التفاعل الديد حل مل التفاعل‬

‫البدائي البيولوجي والكيمي‪ ,‬وجعله غي ذي لزوم (‪.)1‬‬

‫هذا هو كل جواب (اوبارين) على الشكلة‪ ,‬وهو جواب غريب حقا‬

‫فانظر اليه كيف يعل استغناء الطبيعة عن عملية التولد الذات‪ ,‬بسبب انا‬
‫عملية ل لزوم لا‪ ,‬بعد ان وجدت الطريق السرع والقرب‪ ,‬ال انتاج‬

‫الياة‪ ,‬كأنه يتكلم عن قوة عاقلة واعية‪ ,‬تترك عملية شاقة‪ ,‬بعد ان تيأ لا‬

‫الوصول ال الدف من طريق أيسر‪ .‬فمت كانت الطبيعة تترك نواميسها‬

‫وقوانينها‪ ,‬لجل ذلك؟! واذا كان التولد الذات قد جرى اول المر‪ ,‬طبقا‬
‫لقواني ونواميس معينة‪ ،‬كما يتولد الاء من التركيب الكيميائي الاص‪ ،‬بي‬
‫الوكسجي واليدروجي‪ ,‬فمن الضروري ان يتكرر طبقا لتلك القواني‬

‫والنواميس‪ ,‬كما يتكرر وجود الاء مت وجدت العوامل الكيميائية الاصة‪,‬‬

‫سواء كان للماء لزوم ام ل‪ .‬اذ ليس اللزوم ف عرف الطبيعة‪ ,‬ال الضرورة‬
‫النبثقة عن قوانينها ونواميسها‪ ,‬فبأي سبب اختلفت تلك القواني‬
‫والنواميس ؟!‬

‫ڤ‪................................................‬الادة وعلم الوارثة‬
‫ولندع ذلك ال علم الوراثة‪ ,‬الذي أخذ بجامع الفكر البشري‬
‫ويطأطئ له النسان اعظاما واكبارا‪ .‬فكم ندهش اذا عرفنا ان الياث‬

‫العضوي للفرد‪ ,‬تضمه كله الادة النووية الية لليا التناسل‪ ,‬الت تسمى‬

‫(الر مبلزم)‪ ,‬وان مرد جيع الصفات الوراثية‪ ,‬ال اجزاء مهرية بالغة‬

‫الدقة وهي الينات‪ ,‬الت تتويها تلك الادة الية ف دقة وانتظام‪ .‬وقد اوضح‬

‫العلم ان هذه الادة ل تشتق من خليا جسمية‪ ,‬بل من (جرمبلزم)‬

‫الوالدين‪ ,‬فالجداد‪ ,‬وهكذا وف ضوء ذلك انار الوهم الداروين‪ ,‬الذي اقام‬
‫داروين على اساسه نظرية التطور والرتقاء‪ ,‬القائلة بأن التغيات والصفات‪,‬‬

‫الت يصل عليها اليوان أثناء الياة‪ ,‬بنيتجة البة والمارسة او بالتفاعل مع‬
‫الحيط‪ ,‬او نوع من الغذاء‪ ,‬يكن ان تنتقل بالوراثة ال ذريته‪ .‬اذ ثبت على‬

‫اساس التمييز بي الليا السمية‪ ,‬والليا التناسلية‪ ,‬ان الصفات الكتسبة‬

‫ل تورث‪ .‬وهكذا اضطر الناصرون لنظرية التطور والرتقاء‪ ,‬ال ان ينفضوا‬
‫‪ 1‬ـ قصة النسان ص ‪. 10‬‬
‫‪302‬‬

‫يدهم من جيع السس والتفصيلت الداروينية تقريبا‪ ,‬ويضعوا فرضية‬

‫جديدة ف ميدان التطور العضوي‪ ,‬وهي فرضية نشوء النواع بواسطة‬

‫الطفرات‪ .‬ول يلك العلماء اليوم رصيدا علميا لذه النظرية‪ ,‬ال ملحظة‬

‫بعض مظاهر التغي الفجائي‪ ,‬ف عدة من الالت‪ ,‬الت دعت ال افتراض‬

‫ان تنوع اليوان نشأ عن طفرات من هذا القبيل‪ ,‬بالرغم من ان الطفرات‬

‫الشاهدة ف اليوانات‪ ,‬ل تبلغ ال حد تكوين التغيات الساسية النوعة‪,‬‬
‫وان بعض التغيات الدفعية ل تورث‪.‬‬

‫ولسنا بصدد مناقشة نظرية من هذا القبيل‪ ,‬وانا نستهدف التلميح ال‬

‫نظام الوراثة الدقيق‪ ,‬والقوة الدهشة ف الينات الدقيقة‪ ,‬الت تواجه با جيع‬
‫خليا السم‪ ,‬وتنشئ للحيوان شخصيته وصفاته‪ .‬فهل يكن ف الوجدان‬

‫البشري ان يدث كل ذلك صدفة واتفاقا؟!‬

‫ڤ‪...................................................‬الادة وعلم النفس‬

‫وأخيا فلنقف لظة عند علم النفس‪ ,‬لنطل على ميدان جديد من‬

‫ميادين البداع اللي‪ ,‬ولنلحظ من قضايا النفس بصورة خاصة‪ ,‬قضية‬
‫الغرائز الت تني للحيوانات طريقها وتسددها ف خطواتا‪ ,‬فانا من آيات‬

‫الوجدان البينات‪ ,‬على ان تزويد اليوان بتلك الغرائز‪ ,‬صنع مدبر حكيم‪,‬‬
‫وليس صدفة عابرة‪ .‬وال فمن علم النحل بناء الليا السدسة الشكال‪,‬‬

‫وعلم كلب البحر بناء السدود على النار‪ ,‬وعلم النمل الدهشات ف اقامة‬
‫مساكنه‪ ,‬بل من علم ثعبان البحر ان ل يضع بيضه ال ف بقعة من قاع‬

‫البحر‪ ,‬تقرب نسبة اللح فيها ‪ ,% 35‬وتبعد عن سطح البحر با ل يقل عن‬
‫(‪ )1200‬قدما‪ ,‬ففي هذه البقعة يرص الثعبان على رمي بيضه حيث ل‬

‫ينضج ال مع توافر هذين الشرطي‪.‬‬

‫ومن الطريف ما يكى من ان عالا صنع جهازا خاصا‪ ,‬وزوده بالرارة‬

‫الناسبة‪ ,‬وببخار الاء وسائر الشروط الت تتوفر ف عملية طبيعية لتوليد‬

‫كتاكيت من البيض‪ ,‬ووضع فيه بيضا ليحصل منه على دجاج‪ ,‬فلم يصل‬

‫على النتيجة الطلوبة‪ ,‬فعرف من ذلك ان دراسته لشرائط التوليد الطبيعي‬

‫ليست كاملة‪ ,‬فاجرى تارب اخرى على الدجاجة‪ ,‬حال احتضانا البيض‪,‬‬

‫‪303‬‬

‫وبعد دقة فائقة ف اللحظة والفحص‪ ,‬اكتشف ان الدجاجة تقوم ف ساعات‬

‫معينة‪ ,‬بتبديل وضع البيضة وتقليبها‪ ,‬من جانب ال جانب‪ ,‬فاجرى‬

‫التجربة ف جهازه الاص مرة اخرى‪ ,‬مع اجراء تلك العملية الت تعلمها‬
‫من الدجاجة‪ ,‬فنجحت ناحا باهرا‪.‬‬

‫فقل ل بوجدانك‪ ,‬من علم الدجاجة هذا السر الذي خفي على ذلك‬

‫العال الكبي؟ او من ألمها هذه العملية الكيمة الت ل يتم التوليد ال با؟!‬
‫واذا اردنا ان ندرس الغرائز بصورة اعمق‪ ,‬كان علينا ان نعرض أهم‬
‫النظريات ف تعليلها وتفسيها‪ ,‬وهي عديدة‪:‬‬

‫النظرية الول‪ :‬ان اليوان اهتدى ال الفعال الغريزية‪ ,‬بعد ماولت‬

‫وتارب كثية‪ ,‬فأدمن عليها وصارت بسبب ذلك عادة موروثة‪ ,‬يتوارثها‬
‫البناء عن الباء‪ ,‬دون ان يكون ف تعلمها موضع للعناية الغيبية‪.‬‬

‫وتتوي هذه النظرية على جزءين‪ ,‬احدها ان اليوان توصل اول المر‬

‫ال العمل الغريزي‪ ,‬عن طريق الحاولة والتجربة‪ .‬والخر انه انتقل ال‬
‫الجيال التعاقبة‪ ,‬طبقا لقانون الوراثة‪ .‬ول يكن الخذ بكل الزأين‪.‬‬
‫اما الزء الول من النظرية‪ ,‬فهو غي صحيح‪ ,‬لن استعباد اليوان‬

‫للمحاولة الاطئة‪ ,‬والتزامه بالحاولة الناحجة وحرصه عليها‪ ,‬يعن انه ادرك‬
‫ناحها وخطأ غيها من الحاولت‪ ,‬وهذا ما ل يكن العتراف به‬

‫للحيوان‪ ,‬وخاصة فيما اذا كان ناح الحاولة ل يظهر ال بعد موت اليوان‪,‬‬

‫كما ف الفراش حي يصل ال الطور الثالث من حياته‪ ,‬اذ يضع بيضه على‬

‫هيئة دوائر على الوراق الضراء‪ ,‬فل يفقس ال ف الفصل التال‪ ,‬فيخرج‬

‫على هيئة ديدان صغية‪ ,‬ف الوقت الذي تكون فيه الم قد ماتت‪ ,‬فكيف‬
‫اتيح للفراش ان يعرف ناحه فيما قام به من عمل‪ ,‬ويدرك انه هيأ بذلك‬

‫للصغار رصيدا ضخما من الغذاء‪ ,‬مع انه ل يشهد ذلك؟! اضف ال ذلك‬

‫ان الغريزة لو صح انا وليدة التجربة‪ ,‬لوجب ذلك تطور الغريزة وتكاملها ف‬

‫اليوانات على مر الزمن‪ ,‬وتعزيزها على ضوء ماولت ومارسات اخرى‪ ,‬مع‬
‫ان شيئا من هذا ل يدث‪.‬‬

‫‪304‬‬

‫واما الزء الثان من النظرية‪ ,‬فهو يرتكز على الفكرة القائلة بانتقال‬

‫الصفات الكتسبة بالوراثة‪ .‬وقد انارت هذه الفكرة على ضوء النظريات‬
‫الديدة ف علم الوراثة‪ ,‬كما ألعنا اليه سابقا‪.‬‬

‫وهب ان قانون الوراثة يشمل العادات الكتسبة‪ ,‬فكيف تكون العمال‬

‫الغريزية عادات موروثة‪ ,‬مع ان بعض العمال الغريزية‪ ,‬قد ل يؤديها‬
‫اليوان ال مرة او مرات معدودة ف حياته؟!‬

‫النظرية الثانية‪ :‬تبدأ من حيث بدأت النظرية الول‪ ,‬فتفترض ان‬

‫اليوان اهتدى ال العمل الغريزي‪ ,‬عن طريق الحاولت التكررة‪ ,‬وانتقل‬
‫ال الجيال التعاقبة‪ ,‬ل عن طريق الوراثة‪ ,‬بل بلون من ألوان التفهيم‬
‫والتعليم‪ ,‬اليسورة للحيوانات‪.‬‬

‫وتشترك هذه النظرية مع النظرية السابقة‪ ,‬ف العتراض الذي وجهناه‬

‫ال الزء الول منها‪ .‬وتتص بالعتراض على ما زعمته‪ ,‬من تناقل العمل‬
‫الغريزي عن طريق التعليم والتفهيم‪ .‬فان هذا الزعم ل ينسجم مع الواقع‬
‫الحسوس‪ ,‬حت لو اعترفنا للحيوان بالقدرة على التفاهم‪ ,‬لن عدة من‬

‫الغرائز تظهر ف اليوان منذ أول تكونه‪ ,‬قبل ان توجد أي فرصة لتعليمه‪,‬‬
‫بل قد تولد صغار اليوان بعد موت امهاتا‪ ,‬ومع ذلك توجد فيها نفس‬

‫غرائز نوعها‪ .‬فهذه ثعابي الاء‪ ,‬تاجر من متلف البك والنار ال‬

‫العماق السحيقة‪ ,‬لتضع بيضها‪ ,‬وقد تقطع ف هجرتا آلف الميال‪,‬‬
‫لنتخاب البقعة الناسبة‪ ,‬ث تضع البيض وتوت‪ ,‬وتنشأ الصغار‪ ,‬فتعود‬

‫بعد ذلك ال الشاطئ الذي جاءت منه امهاتا‪ ,‬وكأنا قد اشبعت خريطة‬
‫العال تقيقا وتدقيقا‪ .‬فعلى يد من تلقت صغار الثعابي دروس الغرافيا؟!‬

‫النظرية الثالثة‪ :‬اعلنتها الدرسة السلوكية ف علم النفس‪ ,‬اذ حاولت ان‬

‫تلل السلوك اليوي بصورة عامة‪ ,‬ال وحدات من الفعل النعكس‪.‬‬

‫وفسرت الغرائز بأنا تركيبات معقدة من تلك الوحدات‪ ,‬أي سلسلة من‬
‫افعال منعكسة بسيطة‪ ,‬فل تعدو الغريزة ان تكون‪ ,‬كحركة جذب اليد عند‬
‫وخزها بالدبوس‪ ,‬وانكماشة العي عند تسليط ضوء شديد عليها‪ ,‬غي ان‬

‫‪305‬‬

‫هذين الفعلي منعكسان بسيطان‪ ,‬والغريزة منعكس مركب‪.‬‬

‫وهذا التفسي الل للغريزة ل يكن الخذ به‪ ,‬لدلئل متعددة يضيق‬

‫الجال عن الفاضة فيها‪ .‬فمنها ان الركة النعكسة آليا انا تثار بسبب‬
‫خارجي‪ ,‬كما ف انكماشة العي الت تثيها شدة الضوء‪ ,‬مع ان بعض‬

‫العمال الغريزية ليس لا مثي خارجي‪ .‬فأي مثي يعل اليوان منذ يوجد يفتش‬
‫عن غذائه‪ .‬ويهد ف سبيل الصول عليه؟! اضف ال ذلك ان العمال‬

‫النعكسة آليا‪ ,‬ليس فيها موضع لدراك وشعور‪ ,‬مع ان مراقبة العمال‬

‫الغريزية‪ ,‬تزودنا بالشواهد القاطعة على مدى الدراك والشعور فيها‪ .‬فمن‬
‫تلك الشواهد تربة اجريت على سلوك زنبار‪ ,‬يبن عشه من عدد من‬

‫الليا‪ ,‬اذ كان ينتظر القائم بالتجربة‪ ,‬ان يتم الزنبار علمه ف خلية ما‪,‬‬
‫فيخدشها بدبوس فاذا اتى الزنبار لعمل اللية التالية ووجد ان النسان قد‬
‫أفسد عليه عمله‪ ,‬عاد اليه فأصلحه‪ ,‬ث سار ف عمل اللية التالية‪ ,‬وكرر‬

‫الجرب تربته هذه عددا من الرات‪ ,‬أيقن بعدها ان تتابع اجراء السلوك‬

‫الغريزي‪ ,‬ليس تتابعا آليا‪ ,‬ول حظ الجرب ان الزنبار عندما يعود ويرى ان‬
‫اللية ـ الت تت ـ قد أصابا التلف‪ ,‬يقوم بركات‪ ,‬ويرج اصواتا تدل‬

‫على ما يشعر به من غضب وضيق‪.‬‬

‫وبعد سقوط هذه النظرية الادية‪ ,‬يبقى تفسيان للغريزة‪ ,‬احدها ان‬

‫العلم الغريزي يصدر عن قصد وشعور‪ ,‬غي ان غرض اليوان ليس ما ينتج‬
‫عنه من فوائد دقيقة‪ ,‬بل اللتذاذ الباشر به‪ ,‬بعن ان اليوان ركب تركيبا‬

‫يعله يلتذ من القيام بتلك العمال الغريزية‪ ,‬ف نفس الوقت الذي تؤدي له‬

‫أعظم الفوائد والنافع‪ ,‬والتفسي الخر‪ ,‬ان الغريزة الام غيب الي‪,‬‬

‫بطريقة غامضة‪ ,‬زود به اليوان‪ ,‬ليعوض عما فقده من ذكاء وعقل‪ .‬وسواء‬
‫أصح هذا أم ذاك‪ ,‬فدلئل القصد والتدبي واضحة وبدهية‪ ,‬ف الوجدان‬

‫البشري‪ ,‬وال فكيف حصل هذا التطابق الكامل‪ ,‬بي العمال الغريزية‬
‫وأدق الصال وأخفاها على اليوان؟!‬

‫ال هنا نقف‪ ,‬ل لن دلئل العلم على السألة اللية قد استنفدت‬

‫ـ وهي ل تستنفد ف ملدات ضخام ـ بل حفاظا على طريقتنا ف الكتاب‪.‬‬

‫‪306‬‬

‫ولنلتفت ـ بعد كل ما سقناه من دلئل الوجدان‪ ,‬على وجود القوة‬

‫الكيمة اللقة ـ ال الفرضية الادية‪ ,‬لنعرف ف ضوء ذلك مدى سخفها‬
‫وتفاهتها‪ .‬فان هذه الفرضية‪ ,‬حي تزعم ان الكون با زخر به من أسرار‬

‫النظام‪ ,‬وبدائع اللقة والتكوين‪ ,‬وقد اوجدته علة ل تلك ذرة من الكمة‬
‫والقصد‪ ,‬تفوق ف سخفها وغرابتها آلف الرات‪ ,‬من يد ديوانا ضخما من‬

‫أروع الشعر وأرقاه‪ ,‬او كتابا علميا زاخرا بالسرار والكتشافات‪ ,‬فيزعم ان‬

‫طفل كان يلعب بالقلم على الورقة‪ ,‬فاتفق ان ترتبت الروف‪ ,‬فتكون منها‬
‫ديوان شعر‪ ,‬او كتاب علم‪.‬‬

‫سهِ ْم حَتّى يَتَبَيّنَ َلهُ ْم أَنّهُ اْلحَ ّق أَوَلَمْ‬
‫(سَُنرِيهِ ْم آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُ ِ‬

‫ك أَنّ ُه َعلَى ُك ّل َشيْءٍ َشهِيد)‪.‬‬
‫َي ْكفِ ِبرَّب َ‬

‫‪307‬‬

‫ـ‪5‬ـ‬
‫○ الدراك ○‬
‫السـألة الفلسـفية الكـبى فـ الدراك‪ ,‬هـي ماولة صـياغة فـ مفهوم‬

‫فلسـفي‪ ,‬يكشـف عـن حقيقتـه وكنهـه‪ ,‬ويوضـح مـا اذا كان الدراك ظاهرة‬

‫ماديـة‪ ,‬توجـد فـ الادة حيـ بلوغهـا مرحلة خاصـة مـن التطور والتكامـل‪ ,‬كمـا‬
‫تزعـم الاديـة‪ ,‬او ظاهرة مردة عـن الادة‪ ,‬ولونـا مـن الوجود وراءهـا ووراء‬
‫ظواهرها‪ ,‬كما هو معن الدراك ف مفهومه الفلسفي‪ ,‬لدى اليتافيزيقية؟‬

‫والاركسـية بصـفتها مدرسـة ماديـة‪ ,‬تؤكـد بطبيعـة الال على الفهوم الادي‬

‫للفكر والدراك‪ ,‬كما يتضح من النصوص التالية‪:‬‬
‫قال ماركس‪:‬‬

‫[ل يكــن فصــل الفكــر عــن الادة الفكرة‪ .‬فان هذه الادة هــي‬

‫جوهر كل التغيات](‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 9‬‬
‫‪308‬‬

‫وقال أنلز‪:‬‬

‫[ان شعورنا وفكرنا ـ مهما ظهرا لنا متعاليي ـ ليسا سوى‬
‫نتاج عضوي مادي جسدي‪ .‬هو الدماغ] (‪[ .)1‬ان كل ما‬

‫يدفع الناس ال الركة‪ ,‬ير ف ادمغتهم بالضرورة‪ ,‬حت‬

‫الطعام والشراب‪ ,‬اللذان يبدءان باحساس الوع او العطش‬
‫وهو احساس يشعر به الخ أيضا‪ .‬ان ردود فعل العال‬

‫الارجي على النسان‪ ,‬تعب عن نفسها ف مه‪ ,‬وتنعكس‬

‫فيه على صورة احساسات‪ ,‬وافكار‪ ,‬ودوافع وارادات] (‪.)2‬‬
‫وقال جورج بوليتزير‪:‬‬

‫[تبي العلوم الطبيعية‪ ,‬ان نقص تطور مخ احد‬
‫الفراد‪ ,‬وهو اكب عائق امام تطور شعوره وفكره‪ ,‬وهذه‬
‫هي حالة البله‪ .‬فالفكر نتاج تاريي لتطور الطبيعة‪ ,‬ف‬

‫درجة عالية من الكمال‪ ,‬تتمثل لدى النواع الية ف اعضاء‬
‫الس والهاز العصب‪ ,‬وعلى الصوص ف الزء الرقى‬

‫الركزي‪ ,‬الذي يكم الكائن العضوي كله ال وهو‬
‫الخ] (‪.)3‬‬

‫وقال روجيه غارودي‪:‬‬

‫[ان التكون الادي للفكر‪ ,‬يعرض علينا ـ كما سوف‬
‫نرى ـ حججا هي أجدر بالتصديق والقتناع با] (‪.)4‬‬
‫‪ 1‬ـ لود فيج فيورباخ ص ‪. 57‬‬
‫‪ 2‬ـ نفس الصدر ص ‪. 64‬‬

‫‪ 3‬ـ الادية والثالية ف الفلسفية ص ‪ 74‬ـ ‪. 75‬‬
‫‪ 4‬ـ ما هي الادية ص ‪. 32‬‬
‫‪309‬‬

‫وليس الفهوم الفلسفي‪ ,‬هو الفهوم الوحيد للدراك‪ ,‬الذي يكن تقديه‬

‫على صعيد البحث والدروس‪ ,‬لن الدراك ملتقى لكثي من البحوث‬

‫والدراسات‪ .‬ولكل دراسة من تلك الدراسات العلمية مفهومها الاص‪,‬‬

‫الذي يعال احدى مشاكل الدراك التنوعة‪ ,‬وجانبا من أسرار الياة العقلية‬

‫الثية‪ ,‬بغموضها وتعقيدها‪ .‬ووراء تلك الفاهيم العلمية جيعا‪ ,‬الفهوم‬
‫الفلسفي‪ ,‬الذي يقوم فيه الصراع بي الادية واليتافيزية‪ ,‬كما سبق‪.‬‬
‫فموضوعنا اذن مثار للوان شت من البحوث الفلسفية والعلمية‪.‬‬

‫وقد وقع كثي من الكتاب والباحثي‪ ,‬ف الطأ وعدم التمييز بي النواحي‬

‫الت ينبغي للدراسات العلمية ان تتوافر على تحيصها وتليلها‪ ,‬وبي الناحية‬

‫الت من حق البحث الفلسفي‪ ,‬ان يعطي كلمة فيها‪ .‬وعلى أساس هذا‬
‫الطأ قام الزعم الادي القائل بان الدراك ف مفهومه الفلسفي لدى‬

‫اليتافيزية‪ ,‬يتعارض مع الدراك ف مفاهيمه العلمية‪ .‬فقد رأينا كيف ياول‬

‫جورج بوليتزير‪ ,‬ان يبهن على مادية الدراك من ناحية فلسفية‪ ,‬بدلئل‬
‫العلوم الطبيعية وقد قام غيه بنفس ماولته أيضا‪.‬‬

‫ولذلك ند لزاما علينا ان ندد الوقف الفلسفي ف السألة‪ ,‬لنقضي‬

‫على الحاولت الرامية ال اللط‪ ,‬بي الجال الفلسفي والجال العلمي‪,‬‬
‫وال اتام التفسي اليتافيزي للدراك‪ ,‬بجافاة العلم ومنافاته لقائقه‬
‫ومقرراته‪.‬‬

‫وعلى هذا سنقوم بتصفية للموقف العام‪ ,‬تاه الدراك‪ ,‬ونلتقي على‬

‫ألوان البحث العلمي شيئا من الضوء‪ ,‬يدد لنا نقاط اختلفنا مع الادية‬

‫عامة‪ ,‬ومع الاركسية على وجه الصوص‪ ,‬كما يدد لنا النواحي الت يكن‬
‫للدراسات العلمية ان تسها وتبحثها‪ ,‬حت يصبح من الواضح‪ ,‬ان هذه‬

‫الدراسات ل يكن اعتبارها مستمسكا للمادية‪ ,‬ف معتركها الفكري الذي‬
‫توضه مع اليتافيزية‪ ,‬ف سبيل وضع الفهوم الفلسفي الكمل للدراك‪.‬‬

‫وقد العنا فيما سبق‪ ,‬ال تعدد تلك النواحي‪ ,‬الت مستها تلك البحوث‬

‫العلمية او عالتها‪ ,‬من الدراك‪ ,‬لتعدد ما يتصل بوانبه الختلفة من‬

‫علوم‪ ,‬بل لتعدد الدارس العلمية من العلم الواحد‪ ,‬الت عالت كل واحدة‬

‫منها الدراك بنظارها الاص‪ ,‬فهناك بوث الفيزياء والكيمياء‪ ,‬تدرس جانبا‬
‫‪310‬‬

‫من جوانب الدراك‪ ,‬وهناك الفيزيولوجيا تأخذ بظها من الدراسة‪ ,‬وهناك‬

‫أيضا السيكولوجيا بختلف مدارسها‪ ,‬من الدرسة الستبطانية‪ ,‬والسلوكية‪,‬‬
‫والوظيفية‪ ,‬وغيها من مدارس علم النفس‪ ,‬تتوفر جيعا على درس جوانب‬
‫عديدة من الدرك‪ .‬وييء بعد ذلك كله دور علم النفس الفلسفي‪,‬‬

‫ليتناول الدراك من ناحيته الاصة‪ ,‬ويبحث عما اذا كان الدراك ف حقيقته‪,‬‬

‫حالة مادية قائمة بالهاز العصب‪ ,‬او حالة روحية مردة؟‬

‫وفيما يلي نضع النقاط على الروف ف تلك النواحي التشعبة‪ ,‬بالقدار‬

‫الذي يني لنا طريقنا ف البحث‪ ,‬ويوضح موقفنا من الادية والاركسية‪.‬‬

‫ڤ‪..............................‬الدراك ف مستوى الفيزياء والكيمياء‬
‫تعال بوث الفيزياء والكيمياء ف مستواها الاص‪ ,‬الحداث الفيزيائية‬
‫الكيميائية‪ ,‬الت تواكب عمليات الدراك‪ ,‬ف كثي من الحايي‪ ,‬كانعكاس‬

‫الشعة الضوئية من الرئيات‪ ,‬وتأثر العي السليمة بتلك الهتزازات‬

‫الكهربائية الغناطيسية‪ ,‬والتغيات الكيميائية الت تدث بسبب ذلك‪,‬‬

‫وانعكاس الوجات الصوتية من السموعات‪ ,‬والذرات الكيميائية الصادرة عن‬
‫الشياء‪ ,‬ذات الرائحة والشياء ذات الطعم‪ ,‬وما ال ذلك من منبهات‬

‫فيزيائية‪ ,‬وتغيات كيميائية‪ .‬فكل هذه الحداث تقع ف حدود اختصاص‬

‫الفيزياء والكيمياء‪ ,‬وف مستوى نشاطهما العلمي‪.‬‬

‫ڤ‪....................................‬الدراك ف مستوى الفيزيولوجيا‬

‫ف ضوء التجارب الفيزيولوجية‪ ,‬استكشفت عدة احداث وعمليات‪,‬‬

‫تقع ف اعضاء الس‪ ,‬وف الهاز العصب با فيه الدماغ‪ ,‬وهي وان كانت‬

‫ذات طبيعة فيزيائية كيميائية‪ ,‬كالعمليات السابقة‪ ,‬ولكنها ف نفس الوقت‬

‫تتاز على تلك العمليات‪ ,‬بكونا احداثا تري ف جسم حي‪ ,‬فهي ذات‬
‫صلة بطبيعة الجسام الية‪.‬‬

‫وقد استطاعت الفيزيولوجيا بكشوفها تلك‪ ,‬ان تدد الوظائف اليوية‬

‫للجهاز العصب‪ ,‬وما لجزائه التلفة من خطوط ف عمليات الدراك‪ .‬فالخ مثال‬
‫ينقسم بوجبها ال اربعة فصوص‪ ,‬هي الفص البهي‪ ,‬والفص الداري‬
‫والفص الصدغي‪ ,‬والفص الؤخري‪ ,‬ولكل فص وظائفه الفيزيولوجية‪.‬‬

‫‪311‬‬

‫فالراكز الركية تقع ف الفص البهي‪ ,‬والراكز السية الت تتلقى الرسائل‬
‫من السم‪ ,‬تقع ف الفص الداري‪ .‬وكذلك حواس اللمس والضغط‪ .‬أما‬

‫مراكز الذوق‪ ,‬والشم‪ ,‬والسمع الاصة‪ ,‬فتقوم ف الفص الصدغي‪ ,‬ف‬

‫حي تقوم الراكز البصرية ف الفص الؤخري‪ ,‬ال غي ذلك من التفاصيل‪.‬‬
‫ويستعمل عادة للتوصل ال القائق الفيزيولوجية ف الهاز العصب‪,‬‬

‫احد النهجي الرئيسيي ف الفيزيولوجيا‪ :‬الستئصال‪ ,‬والتنبيه ففي النهج‬

‫الول تستأصل اجزاء متلفة من الهاز العصب‪ ,‬ث تدرس تغييات السلوك‬
‫الناجة عن ذلك‪ .‬وف النهج الثان تنبه مراكز مدودة ف لاء الخ بوسائل‬
‫كهربائية‪ ,‬ث تسجل التغيات السية او الركية‪ ,‬الت تنجم عن ذلك‪.‬‬
‫ومن الواضح جدا ان الفيزياء والكيمياء والفيزيوجيا‪ ,‬ل تستطيع‬

‫بوسائلها العلمية‪ ,‬واساليبها التجريبية‪ ,‬ال ان تكشف عن احداث الهاز‬

‫العصب‪ ,‬ومتواه من عمليات وتغيات‪ .‬واما تفسي الدراك ف حقيقته وكنهه‬
‫فلسفيا‪ ,‬فليس من حق تلك العلوم‪ ,‬اذ ل يكن لا ان تثبت ان تلك‬

‫الحداث العينة‪ ,‬هي نفسها الدراكات الت نسها من تاربنا الاصة‪.‬‬
‫وانا القيقة الت ل يرقى اليها شك ول جدال‪ ,‬هي ان هذه الحداث‬

‫والعمليات الفيزيائية‪ ,‬والكيميائية‪ ,‬والفيزيولوجية‪ .‬ذات صلة بالدراك‪,‬‬

‫وبالياة السيكولوجية للنسان‪ ,‬فهي تلعب دورا فعال ف هذا الضمار ال ان‬

‫هذا ل يعن صحة الزعم الادي‪ ,‬القائل بادية الدراك‪ .‬فان فرقا واضحا‬

‫يبدو‪ ,‬بي كون الدراك شيئا تسبقه او تقارنه عمليات تهيدية ف مستويات‬
‫مادية‪ ,‬وبي كون الدراك بالذات ظاهرة مادية‪ ,‬ونتاجا للمادة ف درجة‬

‫خاصة من النمو والتطور‪ ,‬كما تزعم الفلسفة الادية‪.‬‬

‫فالعلوم الطبيعية ـ اذن ـ ل تتد ف دراستها ال الجال الفلسفي ـ مال‬

‫بث الدراك ف حقيقته وكنهه ـ بل هي سلبية من هذه الناحية‪ ,‬بالرغم من‬

‫قيام الدرسة السلوكية ف علم النفس‪ ,‬بحاولة تفسي حقيقة الدراك والفكر‪,‬‬
‫ف ضوء الكشوف الفيزيولوجية‪ ,‬وخاصة الفعل النعكس الشرطي‪ ,‬الذي‬
‫‪312‬‬

‫يؤدي تطبيقه على الياة السيكولوجية‪ ,‬ال نظرة آلية خالصة تاه النسان‪,‬‬
‫وسيأت الديث عن ذلك‪.‬‬

‫ڤ‪........................................‬الدراك ف البحوث النفسية‬
‫تنقسم البحوث السيكولوجية‪ ,‬الت تعال مشاكل النفس وقضاياها ال‬
‫قسمي‪ :‬احدها‪ ,‬البحوث العلمية‪ ,‬الت يتكون منها علم النفس‬

‫التجريب‪ .‬والخر‪ ,‬البحوث الفلسفية‪ ,‬الت يتحمل مسؤوليتها علم النفس‬
‫الفلسفي‪ ,‬او فلسفة علم النفس‪ .‬ولكل من علم النفس وفلسفته طرائقه‬
‫وأساليبه الاصة‪ ,‬ف الدرس والبحث‪.‬‬

‫اما علم النفس‪ ,‬فهو يبدأ من النقطة الت تنتهي عندها الفيزيولوجيا‪,‬‬

‫فيتناول الياة العقلية‪ ,‬وما تزخر به من عمليات نفسية‪ ,‬بالدرس‬

‫والتمحيص‪ ,‬وله ف دراساته العملية منهجان رئيسيان‪ :‬احدها‪ ,‬الستبطان‬

‫الذي يستعمله كثي من السيكولوجيي‪ ,‬وييز بصورة خاصة الدرسة‬

‫الستبطانية ف علم النفس‪ ,‬اذا اتذت التجربة الذاتية اداة لبحثها العلمي‪,‬‬

‫ونادت بالشعور موضوعا لعلم النفس‪ .‬والنهج الخر‪ ,‬التجربة الوضوعية‬
‫وهو النهج الذي احتل اخيا الركز الرئيسي ف علم النفس التجريب‪,‬‬

‫وأكدت على أهيته ـ بصورة خاصة ـ السلوكية‪ ,‬الت اعتبت التجربة‬
‫الوضوعية مقوما أساسيا للعلم‪ ,‬وزعمت لجل ذلك‪ ,‬ان موضوع علم‬

‫النفس هو السلوك الارجي‪ ,‬لنه وحده الذي يكن ان تقع عليه التجربة‬
‫الارجية‪ ,‬واللحظة الوضوعية ‪ ..‬والقائق الت يتناولا علم النفس‪ ,‬هي‬

‫القائق الت يتاح الكشف عنها بالستبطان او التجربة بالارجية‪ .‬واما ما يقع‬

‫خارج الدود التجريبية من القائق‪ ,‬فليس ف امكانات السيكولوجيا‬

‫التجريبية‪ ,‬ان تصدر حكمها ف شيء من ذلك‪ ,‬أي انا تتد ما امتد القل‬
‫التجريب‪ ,‬وتنتهي بنهايته‪ .‬وتبدأ حينئذ فلسفة علم النفس‪ ,‬من النقطة الت‬

‫انتهى اليها العلم التجريب‪ ,‬كما بدات السيكولوجيا شوطها العلمي‪ ,‬من‬

‫حيث انتهت الفيزيولوجيا‪ .‬والوظيفة الساسية للفلسفة النفسية‪ ,‬هي ماولة‬

‫الكشف عن تلك القائق‪ ,‬الت تقع خارج القل العلمي والتجريب‪,‬‬

‫وذلك بان تأخذ الفلسفة السلمات السيكولوجية‪ ,‬الت يونا با العلم‬
‫‪313‬‬

‫التجريب‪ ,‬وتدرسها ف ضوء القواني الفلسفية العامة‪ ,‬وعلى هدى تلك‬

‫القواني تعطى للنتائج العلمية مفهومها الفلسفي ويوضع للحياة العقلية‬
‫تفسيها العمق‪.‬‬

‫فالصلة بي علم النفس وفلسفته‪ ,‬كالصلة بي العلوم الطبيعية التجريبية‬

‫وفلسفتها‪ ,‬اذ تدرس علوم الطبيعة ظواهر الكهرباء التنوعة‪ ,‬من تيارات‬

‫ومالت‪ ,‬وجهد وحث كهربائيي‪ ,‬وما ال ذلك من قواني الكهرباء‬

‫الفيزيائية‪ .‬وتدرس على هذا النحو أيضا متلف ظواهر الادة والطاقة‪ .‬واما‬

‫حقيقة الكهرباء وحقيقة الادة او الطاقة‪ ,‬فهي من حق البحث الفلسفي‪,‬‬

‫وكذلك المر ف الياة العقلية‪ .‬فان البحث العلمي يتناول الظواهر النفسية‪,‬‬

‫الت تدخل ف نطاق التجربة الذاتية او الوضوعية‪ ,‬ويوكل الديث عن طبيعة‬
‫الدراك‪ ,‬وحقيقة الحتوى الداخلي للعمليات العقلية‪ ,‬ال فلسفة النفس‪ ,‬او‬

‫علم النفس الفلسفي‪.‬‬

‫وف ضوء هذا نستطيع ان نيز دائما بي الانب العلمي من السألة‪,‬‬

‫والانب الفلسفي‪ .‬وفيما يلي مثالن لذلك من مواضيع البحث السيكولوجي‪:‬‬
‫الول‪ :‬اللكات العقلية‪ ,‬الت يلتقي فيها الانبان معا‪ .‬فالانب‬

‫الفلسفي يتمثل ف نظرية اللكات القائلة بتقسيم العقل النسان ال قوى‬

‫وملكات عديدة للوان من النشاط‪ ,‬كالنتباه‪ ,‬واليال‪ ,‬والذاكرة‬

‫والتفكي‪ ,‬والرادة‪ ,‬وما اليها من سات‪ .‬فهذه الفكرة تدخل ف النطاق‬

‫الفلسفي لعلم النفس‪ ,‬وليست فكرة علمية بالعن التجريب للعلم‪ ,‬لن‬

‫التجربة سواء كانت ذاتية كالستبطان‪ ,‬ام موضوعية كاللحظة العلمية لسلوك‬
‫الغي الارجي‪ ,‬ليس ف امكاناتا علميا‪ ,‬ان تكشف عن تعدد اللكات او‬
‫وحدتا‪ .‬فان كثرة القوى العقلية او وحدتا‪ ,‬ل تقعان ف ضوء التجربة‪,‬‬
‫مهما كان لونا‪ .‬واما الانب العلمي من مسألة اللكات‪ ,‬فيعن نظرية‬

‫التدريب الشكلي ف التربية‪ ,‬الت تنص على ان اللكات العقلية يكن تنميتها‬
‫ككل‪ ,‬وبل استثناء بالتدريب ف مادة واحدة‪ ,‬وف نوع واحد من القائق‪.‬‬
‫وقد أقر هذه النظرية عدة من علماء النفس التربوي‪ ,‬الؤمني بنظرية‬

‫اللكات‪ ,‬الت كانت تسيطر على التفكي السيكولوجي‪ ,‬ال القرن التاسع‬

‫‪314‬‬

‫عشر‪ ,‬افتراضا منهم ان اللكة اذا كانت قوية او ضعيفة عند شخص‪ ,‬كانت‬

‫قوية او ضعيفة ف كل شيء‪ .‬ومن الواضح ان هذه النظرية داخلة ف النطاق‬
‫التجريب لعلم النفس‪ ,‬فهي نظرية علمية‪ ,‬لنا تضع للمقاييس‬

‫العلمية‪ ,‬فيمكن ان يرب مدى تاثر الذاكرة بصورة عامة‪ ,‬بالتدريب على‬
‫استذكار مادة معينة‪ ,‬ويتاح للعلم حينئذ ان يعطي كلمته ف ضوء تارب من‬

‫هذا القبيل‪ ,‬وتقدم حينذاك النتيجة العلمية للتجربة ال فلسفة العلم‬

‫السيكولوجي‪ ,‬ليدرس مدلولا الفلسفي‪ ,‬وما تعنيه من تعدد اللكات او‬

‫وحدتا‪ .‬ف ضوء القواني الفلسفية‪.‬‬

‫والثال الثان‪ :‬نأخذه من صلب الوضوع الذي نعاله‪ ,‬وهو عملية‬

‫الدراك البصري‪ ,‬فانا من مواضيع البحث الرئيسية ف القل العلمي‬
‫والفلسفي على السواء‪.‬‬

‫ففي البحث العلمي‪ ,‬يثور نقاش حاد حول تفسي عملية الدراك‪ ,‬بي‬

‫الرتباطيي من ناحية‪ ,‬وانصار مدرسة الشكل والصيغة (الشطالت) من‬

‫ناحية اخرى‪ .‬والرتباطيون هم الذين يعتبون التجربة السية هي الصل‬
‫الوحيد للمعرفة‪ .‬فكما يلل علماء الكيمياء الركبات الكيميائية‪ ,‬ال عناصرها‬

‫البدائية‪ ,‬يلل هؤلء متلف البات العقلية‪ ,‬ال احساسات أولية‪ ,‬ترتبط‬

‫وتتركب بعمليات آلية ميكانيكية‪ ,‬طبقا لقواني التداعي‪ .‬وف هذه النظرية‬
‫الرتباطية ناحيتان‪ :‬الول‪ ,‬ان مرد التركيب ف البات العقلية‪ .‬ال‬

‫احساسات اولية (معان بسيطة ادركت بالس)‪ .‬والثانية‪ ,‬ان هذا التركيب‬

‫يوجد بطريقة آلية‪ ,‬وطبقا لقواني التداعي‪ .‬اما الناحية الول فقد درسناها‬
‫ف نظرية العرفة عند الديث عن الصدر الساسي للتصور البشري‪,‬‬

‫والنظرية السية لون لوك‪ ,‬الذي يعتب الؤسس الول للمدرسة الرتباطية‪,‬‬
‫وانتهينا من دراستنا ال ان بعض مفردات التصور والعان العقلية ل ترجع ال‬

‫الس‪ ,‬بل هي من النشاط الفعال الياب للنفس‪ .‬واما الناحية الثانية‪,‬‬

‫فهي الت قامت بعالتها مدرسة (الشطالت) فرفضت الدراسة التحليلية‬

‫للحالت الشعورية‪ ,‬وردت على التفسي الرتباطي الل لعمليات الدراك‪,‬‬
‫مؤكدة على ضرورة دراسة كل واحدة من البات ككل‪ ,‬وان الكلية ليست‬

‫‪315‬‬

‫مرد صهر البات السية والتركيب بينها‪ ,‬بل لا طبيعة التنظيم العقلي‬

‫الدينامي السائر طبق قواني معينة‪.‬‬

‫ولنر الن‪ ,‬بعد ايضاح التاهي السابقي‪ ,‬تفسيها العلمي لعمليات‬

‫الدراك البصري‪ .‬ففي ضوء التاه الرتباطي يقال ان الصورة الت تنشأ على‬
‫شبكية العي للبيت مثل‪ ,‬تنتقل جزءا جزءا ال الدماغ حيث توجد ف جزء‬
‫مدد منه‪ ,‬صورة ماثلة للصورة الادثة على شبكية العي‪ .‬وينشط العقل‪,‬‬

‫فيضفي على هذه الصورة ف الدماغ‪ ,‬من خبته السابقة‪ ,‬العان الت ترتبط‬
‫ف اذهاننا بالبيت‪ ,‬طبقا لقواني التداعي اللية‪ ,‬وينتج‬

‫عن ذلك الدراك العقلي لصورة البيت‪ ,‬واما ف ضوء التاه‬

‫الشكلي او الكلي‪ ,‬فالدراك يتعلق بالشياء بملتها وهيئاتا العامة‪ ,‬منذ‬
‫الوهلة الول‪ ,‬لن هناك صيغا واشكال اولية ف العال الارجي‪ ,‬تناسب‬

‫صيغ العقل وأشكاله‪ ,‬فيمكننا ان نفسر تنظيم الياة العقلية‪ ,‬بتنظيم قواني‬
‫العال الارجي نفسها‪ ,‬ل بالتركيب والتداعي‪ .‬فالزء ف الصيغة او الكل‪,‬‬

‫انا يدرك تبعا للكل‪ ,‬ويتغي تبعا لتغي الصيغة‪.‬‬

‫وانا نطلق على تفسي الدراك البصري بذا‪ ,‬اسم التفسي العلمي‪,‬‬

‫لنه يدخل ف الجال التجريب‪ ,‬او اللحظة النظمة‪ .‬فان ادراك الصيغة‪,‬‬

‫وتغي الزء تبعا لتغيها تريب‪ ,‬ولذلك برهنت مدرسة (الشطالت) على‬
‫نظريتها بالتجربة‪ ,‬الت توضح ان النسان ل يدرك الجزاء فحسب‪ ,‬بل‬

‫يدرك شيئا آخر كالشكل او النغم‪ ,‬ولذلك قد تتمع الجزاء جيعا‪ ,‬ومع‬

‫ذلك ل يدرك ذلك الشكل او النغم‪ .‬فهناك اذن الصيغة‪ ,‬الت تكشف‬
‫الجزاء جيعا‪ .‬ول نريد الن ان نتوسع ف شرح التفسيات العلمية‪,‬‬

‫لعملية الدراك البصري ودراستها‪ ,‬وانا نرمي ـ من وراء ما قدمناه ـ ال‬

‫تديد موضع التفسي الفلسفي الذي ناوله منها‪ .‬فنقول بذا الصدد‪ :‬ان‬

‫الدراك العقلي للصورة البصرة‪ ,‬يثي ـ بعد تلك الدراسات العلمية كلها ـ‬
‫سؤال‪ ,‬يواجهه الشكليون والرتباطيون على السواء‪ ,‬وهو السؤال عن هذه‬

‫الصورة الت ادركها العقل‪ ,‬وتكونت طبقا لقواني التداعي الل‪ ,‬او طبقا‬
‫لقواني الصيغة والشكل‪ .‬فما هو كنهها؟ وهل هي صورة مادية او صورة‬

‫‪316‬‬

‫مردة عن الادة؟ وهذا السؤال الساسي هو الذي يصوغ الشكلة الفلسفية‪,‬‬

‫الت يب على علم النفس الفلسفي دراستها ومعالتها‪ ,‬وهو الذي ترد عليه‬
‫الادية واليتافيزيقية‪ ,‬بوابي متناقضي‪.‬‬

‫ويبدو الن من الواضح جدا‪ ,‬ان السيكولوجيا العلمية ـ أي علم النفس‬

‫التجريب ـ ل تستطيع ف هذا الجال‪ ,‬ان تؤكد على التفسي الادي للدراك‪,‬‬

‫وتنفي وجود شيء ف الياة العقلية خارج الادة‪ ,‬كما تزعم الفلسفة الادية‪.‬‬

‫لن التجارب السيكولوجية ـ سواء منها الذاتية والوضوعية ـ ل تتد ال ذلك‬

‫الجال‪.‬‬

‫ڤ‪........................................‬الدراك ف مفهومه الفلسفي‬
‫لنبدأ الن بدراستنا للدراك ـ بعد ان أوضحنا مغزاها وصلتا‬
‫بختلف الدراسات العملية ـ طبقا للمنهج الفلسفي ف الدراسات النفسية‪,‬‬

‫والذي يتلخص ـ كما ألعنا اليه سابقا ـ ف أخذ القائق العلمية‪ ,‬والسلمات‬
‫التجريبية وبثها على ضوء القواني والصول القررة ف الفلسفة‪ ,‬لستنتاج‬

‫حقيقة جديدة‪ ,‬وراء ما كشفت عنه التجارب من حقائق‪.‬‬

‫ولنأخذ الدراك العقلي للصورة البصرة‪ ,‬نوذجا حيا للحياة العقلية‬

‫العامة‪ ,‬الت تتصارع حول تفسيها الفلسفتان‪ ,‬اليتافيزية‪ ,‬والادية‪,‬‬
‫فمفهومنا الفلسفي للدراك يرتكز‪:‬‬

‫اول‪ ,‬على الصائص الندسية للصورة الدركة‪.‬‬
‫ثانيا‪ ,‬على ظاهر الثبات‪ ,‬ف عمليات الدراك البصري‪.‬‬

‫‪1‬ـ (اما الول) فنبدأ فيه من حقيقة بدهية‪ ,‬نأخذها من حياتنا‬
‫اليومية‪ ,‬ومتلف تاربنا العتيادية‪ ,‬وهي ان الصورة الت تتحفنا با العملية‬
‫العقلية للدراك البصري‪ ,‬تتوي على الصائص الندسية‪ ,‬من الطول‪,‬‬

‫والعرض‪ ,‬والعمق‪ ,‬وتبدو بختلف الشكال والجوم‪ .‬فلنفرض اننا زرنا‬

‫حديقة تتد آلف المتار والقينا عليها نظرة واحدة‪ ,‬استطعنا فيها ان ندرك‬

‫‪317‬‬

‫الديقة كل متماسكا‪ ,‬تبدو فيه النخيل‪ ,‬والشجار‪ ,‬وبركة الاء الكبية‪,‬‬

‫وألوان الياة التدفقة‪ ,‬ف الزهار والوراد‪ ,‬والكراسي الوضوعة بانتظام‬
‫حول بركة الاء‪ ,‬والبلبل‪ ,‬والطيور الت تشدو على الغصان‪ .‬والسؤال‬

‫الذي يعترضنا حول هذه الصورة الرائعة‪ ,‬الت ادركنا بنظرة مستوعبة هو‪:‬‬
‫ما هي هذه الصورة الت ندركها؟ وهل هي نفس الديقة وواقعها الوضوعي‬
‫بالذات‪ ,‬او صورة مادية تقوم بعضو مادي خاص ف جهازنا العصب‪ ,‬او ل‬

‫هذا ول ذاك بل صورة مردة عن الادة‪ ,‬تاثل الواقع الوضوعي وتكي‬
‫عنه ؟؟‬

‫اما ان الديقة بواقعها الارجي‪ ,‬هي الصورة التمثلة ف ادراكنا‬

‫العقلي‪ ,‬فقد كانت تنادي بذلك نظرية قدية ف الرؤية‪ ,‬تفترض ان النسان‬
‫يدرك الواقع الوضوعي للشياء نفسه‪ ,‬بسبب خروج شعاع خاص من‬

‫العي‪ ,‬ووقوعه على الرئي‪ ,‬ولكن هذه النظرية سقطت ـ اول ـ من الساب‬
‫الفلسفي‪ ,‬لن خداع الواس الذي يعلنا ندرك صورا معينة‪ ,‬على اشكال‬

‫خاصة ل واقع لا يبهن على ان الصورة الدركة‪ ,‬ليست هي الواقع‬

‫الوضوعي‪ ,‬وال فما هو الواقع الوضوعي الدرك ف الدركات السية الادعة؟!‬
‫ـ ثانيا ـ وسقطت من