You are on page 1of 337

‫سفتنا‬

‫فل‬

‫‪1‬‬
‫ممد باقر الصدر‬

‫‪2‬‬
‫فلسَفتنا‬
‫دراسة موضوعية ف معترك الصراع الفكري القائم بي متلف‬
‫التيارات الفلسفية وخاصة الفلسفة السلمية والادية الديالكتيكية‬
‫(الاركسية)‬

‫طبعة جديدة‬
‫مصححة ومنقحة‬

‫•اسم الكتاب‪ :‬فلسفتنا‬

‫‪3‬‬
‫•الؤلف‪ :‬الشهيد آية ال العظمى السيد ممد باقر‬
‫الصدر‬
‫•الناشر‪ :‬الجمع العلمي للشهيد الصدر (قده)‬

‫‪4‬‬
5
‫غزا العال السلمي‪ ,‬منذ سقطت الدولة السلمية صريعة بأيدي‬
‫الستعمرين‪ ,‬سيل جارف من الثقافات الغربية‪ ,‬القائمة على أسسهم‬
‫الضارية‪ ,‬ومفاهيمهم عن الكون‪ ,‬والياة والجتمع‪ .‬فكانت تد الستعمار‬
‫إمدادا فكريا متواصلً‪ ,‬ف معركته الت خاضها للجهاز على كيان المة‪,‬‬
‫وسر أصالتها‪ ,‬التمثل ف السلم‪.‬‬
‫وفدت بعد ذلك إل أراضي السلم السلبية‪ ,‬أمواج أخرى من تيارات‬
‫الفكر الغرب‪ ,‬ومفاهيمه الضارية‪ ,‬لتنافس الفاهيم الت سبقتها إل اليدان‪,‬‬
‫وقام الصراع بي تلك الفاهيم الواردة‪ ,‬على حساب المة‪ ,‬وكيانا الفكري‬
‫والسياسي الاص‪.‬‬
‫وكان ل بد للسلم أن يقول كلمته‪ ,‬ف معترك هذا الصراع الرير‪,‬‬
‫وكان ل بد أن تكون الكلمة قوية عميقة‪ ,‬صرية واضحة‪ ,‬كاملة شاملة‪,‬‬
‫للكون‪ ,‬والياة‪ ,‬والنسان‪ ,‬والجتمع‪ ,‬والدولة والنظام‪ ,‬ليتاح للمة أن‬
‫تعلن كلمة (ال) ف العترك‪ ,‬وتنادي با‪ ,‬وتدعو العال إليها‪ ,‬كما فعلت ف‬
‫فجر تاريها العظيم‪.‬‬
‫وليس هذا الكتاب‪ ,‬إل جزء من تلك الكلمة‪ ,‬عولت فيه مشكلة‬
‫الكون‪ ,‬كما يب أن تعال ف ضوء السلم‪ ,‬وتتلوه الجزاء الخرى‪ ,‬الت‬
‫يستكمل فيها السلم علجه الرائع‪ ,‬لختلف مشاكل الكون والياة‪.‬‬

‫○فلسفتنا‬
‫فلسفتنا هو‪ :‬مموعة مفاهيمنا الساسية عن العال‪ ,‬وطريقة التفكي فيه‪ .‬ولذا‬
‫كان الكتاب ـ باستثناء التمهيد ـ ينقسم إل بثي‪ :‬أحدها نظرية‬
‫العرفة‪ ,‬والخر الفهوم الفلسفي للعال‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫ومسؤولية البحث الول ف الكتاب تتلخص فيما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬الستدلل على النطق العقلي‪ ,‬القائل‪ ,‬بصحة الطريقة العقلية ف‬
‫التفكي وان العقل‪ ,‬با يلك من معارف ضرورية فوق التجربة‪ ,‬هو القياس‬
‫الول ف التفكي البشري‪ ,‬ول يكن أن توجد فكرة فلسفية‪ .‬أو علمية دون‬
‫إخضاعها لذا القياس العام‪ ,‬وحت التجربة الت يزعم التجريبيون أنا‬
‫القياس الول‪ ,‬ليست ف القيقة إل أداة لتطبيق القياس العقلي‪ ,‬ول غن‬
‫للنظرية التجريبية عن النطق العقلي‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬درس قيمة العرفة البشرية بالتدليل على أن العرفة‪ ,‬إنا يكن‬
‫التسليم لا بقيمة على أساس النطق العقلي ل النطق الديالكتيكي الذي يعجز‬
‫عن إياد قيمة صحيحة للمعرفة‪.‬‬
‫وهدفنا الساسي من هذا البحث‪ ,‬هو تديد منهج الكتاب ف السالة‬
‫الثانية‪ ,‬لن وضع مفهوم عام للعال‪ ,‬يتوقف قبل كل شيء على تديد الطريقة‬
‫الرئيسية ف التفكي‪ ,‬والقياس العام للمعرفة الصحيحة‪ ,‬ومدى قيمتها‪ .‬ولذا‬
‫كانت السألة الول ف القيقة بثا تهيديا للمسألة الثانية‪ .‬والسألة الثانية هي‬

‫السألة الساسية ف الكتاب الت نلفت القارئ إل الهتمام با بصورة‬


‫خاصة‪.‬‬
‫والبحث ف السألة الثانية‪ ,‬يتسلسل ف حلقات خس‪ .‬ففي اللقة الول‬
‫نعرض الفاهيم الفلسفية التصارعة ف اليدان‪ ,‬وحدودها‪ .‬ونقدم بعض‬
‫اليضاحات عنها‪.‬‬
‫وف اللقة الثانية نتناول الديالكتيك‪ ,‬بصفته اشهر منطق ترتكز عليه‬
‫الادية الديثة اليوم‪ ,‬فندرسه دراسة موضوعية مفصلة بكل خطوطه العريضة‪,‬‬
‫الت رسها هيجل وكارل وماركس‪ ,‬الفيلسوفان الديالكتيكان‪.‬‬

‫‪7‬‬
‫وف اللقة الثالثة ندرس مبدأ العلية وقوانينها الت تسيطر على العال‪ ,‬وما‬
‫تقدمه لنا من تفسي فلسفي شامل له‪ ,‬ونعال عدة شكوك فلسفية‪ ,‬نشأت ف‬
‫ضوء التطورات العلمية الديثة‪.‬‬
‫وننتقل بعد ذلك إل اللقة الرابعة الادة أو ال‪ ,‬وهو البحث ف الرحلة‬
‫النهائية من مراحل الصراع بي الادية واللية‪ ,‬لنصوغ مفهومنا اللي للعال‪,‬‬
‫ف ضوء القواني الفلسفية‪ ,‬وف ضوء متلف العلوم الطبيعية والنسانية‪.‬‬
‫وأما اللقة الخية‪ ,‬فندرس فيها مشكلة من أهم الشاكل الفلسفية‪,‬‬
‫وهي الدراك‪ ,‬الذي يثل ميدانا مهما من ميادين الصراع بي الادية‬
‫واليتافيزيقية‪ .‬وقد عول البحث على أساس فلسفي‪ ,‬وف ضوء متلف العلوم‬
‫ذات الصلة بالوضوع‪ ,‬من طبيعة وفسيولوجية وسيكولوجية‪.‬‬
‫هذا هو الكتاب ف مطط إجال عام‪ ,‬تده الن بي يديك‪ ,‬نتيجة جهود‬
‫متظافرة طيلة عشرة اشهر‪ ,‬أدت إل إخراجه كما ترى وكل أملي أن يكون قد‬
‫أدى شيئا من الرسالة القدسة بأمان وإخلص‪.‬‬
‫وارجوا من القارئ العزيز‪ ,‬أن يدرس بوث الكتاب دراسة موضوعية‪,‬‬
‫بكل إمعان وتدبر‪ ,‬تاركا الكم له أو عليه‪ ,‬إل ما يلك من القاييس‬
‫الفلسفية والعلمية الدقيقة‪ ,‬ل إل الرغبة والعاطفة‪ .‬ول أحب له أن يطالع‬
‫الكتاب‪ ,‬كما يطالع كتابا روائيا‪ ,‬أو لونا من ألوان الترف العقلي والدب‪.‬‬

‫فليس الكتاب رواية ول أدبا أو ترفا عقليا‪ ,‬وإنا هو ف الصميم من مشاكل‬


‫النسانية الفكرة‪.‬‬
‫وما توفيقي إل بال عليه توكلت واليه وأنيب‪.‬‬
‫النجف الشرف ‪.‬‬
‫‪ 29‬ربيع الثان ‪ 1379‬هـ‬
‫ممد باقر الصدر‬

‫‪8‬‬
9
‫○ تهيد ○‬
‫ڤ‪....................................................‬السألة الجتماعية‬
‫مشكلة العال الت تل فكر النسانية اليوم‪ ,‬وتس واقعها بالصميم هي‬
‫مشكلة النظام الجتماعي الت تتلخص ف ماولة إعطاء أصدق إجابة عن‬
‫السؤال الت‪:‬‬
‫ما هو النظام الذي يصلح للنسانية وتسعد به ف حياتا الجتماعية؟‬
‫ومن الطبيعي أن تتل هذه الشكلة مقامها الطي‪ ,‬وان تكون ف تعقيدها‬
‫وتنوع ألوان الجتهاد ف حلها مصدرا للخطر على النسانية ذاتا‪ ,‬لن النظام‬
‫داخل ف حساب الياة النسانية ومؤثر ف كيانا الجتماعي ف الصميم‪.‬‬
‫وهذه الشكلة عميقة الذور ف الغوار البعيدة من تاريخ البشرية‪ ,‬وقد‬
‫واجهها النسان منذ نشأت ف واقعه الياة الجتماعية‪ ,‬وانبثقت النسانية الماعية‬
‫تتمثل ف عدة أفراد تمعهم علقات وروابط مشتركة‪ .‬فإن هذه‬
‫العلقات الت تكونت تقيقا لتطلبات الفطرة والطبيعة ف حاجة بطبيعة الال‬
‫إل توجيه وتنظيم‪ ,‬وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع النسان ومصاله‬
‫يتوقف استقرار الجتمع وسعادته‪.‬‬
‫وقد دفعت هذه الشكلة بالنسانية ف ميادينها الفكرية والسياسية ال‬
‫خوض جهاد طويل‪ ,‬وكفاح حافل بختلف ألوان الصراع‪ ,‬وبشت مذاهب‬
‫العقل البشري الت ترمي إل إقامة البناء الجتماعي وهندسته‪ ,‬ورسم خططه‬
‫ووضع ركائزه‪ ,‬وكان جهادا مرهقا يضج بالآسي والظال‪ ,‬ويزخر بالضحكات‬

‫‪10‬‬
‫والدموع‪ ،‬وتقترن فيه السعادة مع الشقاء‪ ,‬كل ذلك لا كان يتمثل ف تلك‬
‫اللوان الجتماعية من مظاهر الشذوذ والنراف عن الوضع الجتماعي‬
‫الصحيح‪ .‬ولول ومضات شعت ف لظات من تاريخ هذا الكوكب‪ ,‬لكان‬
‫الجتمع النسان يعيش ف مأساة مستمرة‪ ,‬وسبح دائم ف المواج الزاخرة‪.‬‬
‫ول نريد أن نستعرض الن أشواط الهاد النسان ف اليدان الجتماعي‬
‫لننا ل نقصد بذه الدراسة أن نؤرخ للنسانية العذبة‪ .‬وأجوائها الت تقلبت‬
‫فيها منذ الماد البعيدة‪ .‬وإنا نريد أن نواكب النسانية ف واقعها الاضر‪,‬‬
‫وف أشواطها الت انتهت إليها‪ ,‬لنعرف الغاية الت يب أن ينتهي إليها‬
‫الشوط‪ ,‬والساحل الطبيعي الذي ل بد للسفينة أن تشق طريقها إليه‪ ,‬وترسو‬
‫عنده لتصل إل السلم والي‪ ،‬وتؤوب إل الياة مستقرة‪ ,‬يعمرها العدل‬
‫والسعادة‪ ,‬بعد جهد وعناء طويلي وبعد تطواف عريض ف شت النواحي‬
‫ومتلف التاهات‪.‬‬
‫ڤ ‪.....................................................‬الذاهب الجتماعية‬
‫إن أهم الذاهب الجتماعية الت تسود الذهنية النسانية العامة اليوم‪,‬‬
‫ويقوم بينها الصراع الفكري أو السياسي على اختلف مدى وجودها‬
‫الجتماعي ف حياة النسان هي مذاهب أربعة‪:‬‬
‫‪1‬ـ النظام الديقراطي الرأسال‪.‬‬
‫‪2‬ـ النظام الشتراكي‪.‬‬
‫‪3‬ـ النظام الشيوعي‪.‬‬
‫‪4‬ـ النظام السلمي‪.‬‬
‫ويتقاسم العال اليوم إثنان من هذه النظمة الربعة‪ .‬فالنظام الديقراطي‬
‫الرأسال هو أساس الكم ف بقعة كبية من الرض‪ ,‬والنظام الشتراكي هو‬
‫السائد ف بقعة كبية أخرى‪ .‬وكل من النظامي يلك كيانا سياسيا عظيما‪,‬‬
‫يميه ف صراعه مع الخر‪ ،‬ويسلحه ف معركته البارة الت يوضها أبطاله ف‬
‫سبيل الصول على قيادة العال‪ ,‬وتوحيد النظام الجتماعي فيه‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫وأما النظام الشيوعي والسلمي فوجودها بالفعل فكري خالص‪ ,‬غي أن‬
‫النظام السلمي مر بتجربة من أروع النظم الجتماعية وانحها‪ ,‬ث‬
‫عصفت به العواصف بعد إن خل اليدان من القادة البدئيي أو كاد‪ ,‬وبقيت‬
‫التجربة ف رحة أناس ل ينضج السلم ف نفوسهم‪ ,‬ول يل أرواحهم بروحه‬
‫وجوهرة فعجزت عن الصمود والبقاء‪ ,‬فتقوض الكيان السلمي‪ ,‬وبقي نظام‬
‫السلم فكرة ف ذهن المة السلمية‪ ،‬وعقيدة ف قلوب السلمي‪ ,‬وأملً‬
‫يسعى إل تقيقه أبناؤه الجاهدون‪ .‬وأما النظام الشيوعي فهو فكرة غي مربة‬
‫حت الن تربة كاملة‪ ,‬وإنا تتجه قيادة العسكر الشتراكي اليوم إل تيئة جو‬
‫اجتماعي له بعد أن عجزت عن تطبيقه حي ملكت زمام الكم فأعلنت‬
‫النظام الشتراكي وطبقته كخطوة إل الشيوعية القيقة‪.‬‬
‫فما هو موضعنا من هذه النظمة؟‬
‫وما هي قضيتنا الت يب أن ننذر حياتنا لا‪ ,‬ونقود السفينة إل‬
‫شاطئها؟‬
‫أولً ـ الديقراطية الرأسالية‬
‫ولنبدأ بالنظام الديقراطي الرأسال‪ .‬هذا النظام الذي أطاح بلون من‬
‫الظلم ف الياة القتصادية‪ ,‬وبالكم الدكتاتوري ف الياة السياسية‪ .‬وبمود‬
‫الكنيسة وما إليها ف الياة الفكرية‪ ,‬وهيأ مقاليد الكم والنفوذ لفئة حاكمة‬
‫جديدة حلت مل السابقي‪ ,‬وقامت بنفس دورهم الجتماعي ف أسلوب‬
‫جديد‪.‬‬
‫وقد قامت الديقراطية الرأسالية على اليان بالفرد إيانا ل حد له‪ .‬وبان‬
‫مصاله الاصة بنفسها تكفل ـ بصورة طبيعية ـ مصلحة الجتمع ف متلف‬
‫اليادين ‪ ...‬وان فكرة الدولة إنا تستهدف حاية الفراد ومصالهم الاصة‪,‬‬
‫فل يوز أن تتعدى حدود هذا الدف ف نشاطها ومالت عملها‪.‬‬
‫ويتلخص النظام الديقراطي الرأسال ف إعلن الريات الربع‪:‬‬

‫‪12‬‬
‫السياسية‪ ,‬والقتصادية‪ ,‬والفكرية‪ ,‬والشخصية‪.‬‬
‫فالرية السياسية تعل لكل فرد كلما مسموعا ورأيا مترما ف تقرير‬
‫الياة العامة للمة‪ :‬وضع خططها‪ ,‬ورسم قوانينها‪ ,‬وتعيي السلطات القائمة‬
‫لمايتها‪ .‬وذلك لن النظام الجتماعي للمة‪ ,‬والهاز الاكم فيها‪ ,‬مسألة‬
‫تتصل اتصالً مباشرا بياة كل فرد من أفرادها‪ ,‬وتؤثر تأثيا حاسا ف سعادته‬
‫أو شقائه‪ ,‬فمن الطبيعي حينئذ أن يكون لكل فرد حق الشاركة ف بناء النظام‬
‫والكم‪.‬‬
‫وإذا كانت السألة الجتماعية ـ كما قلنا مسألة حياة أو موت‪ ,‬ومسألة‬
‫سعادة أو شقاء للمواطني‪ ,‬الذين تسري عليهم القواني والنظمة العامة‪...‬‬
‫فمن الطبيعي‪ ,‬أيضا أن ل يباح الضطلع بسؤوليتها لفرد‪ ,‬أو لجموعة‬
‫خاصة من الفراد ـ مهما كانت الظروف ـ ما دام ل يوجد الفرد الذي يرتفع ف‬
‫نزاهة قصده ورجاحة عقله‪ ,‬على الهواء والخطاء‪.‬‬
‫فل بد إذن من إعلن الساواة التامة ف القوق السياسية بي الواطني‬
‫كافة‪ ,‬لنم يتساوون ف تمل نتائج السألة الجتماعية‪ ,‬والضوع لقتضيات‬
‫السلطات التشريعية والتنفيذية‪ .‬وعلى هذا الساس قام حق التصويت ومبدأ‬
‫النتخاب العام‪ ,‬الذي يضمن انبثاق الهاز الاكم ـ بكل سلطاته وشعبه ـ عن‬
‫أكثرية الواطني‪.‬‬
‫والرية القتصادية ترتكز على اليان بالقتصاد الر‪ ,‬وتقرر فتح جيع‬
‫البواب‪ ,‬وتيئة كل اليادين ‪ ...‬أمام الواطن ف الجال القتصادي‪ .‬فيباح‬
‫التملك للستهلك وللنتاج معا‪ ,‬وتباح هذه اللكية النتاجية الت يتكون منها‬
‫رأس الال من غي حد وتقييد‪ ,‬وللجميع على حد سواء‪ .‬فلكل فرد مطلق‬
‫الرية ف إنتاج أي أسلوب وسلوك أي طريق‪ ,‬لكسب الثروة وتضخيمها‪,‬‬
‫ومضاعفاتا‪ ,‬على ضوء مصاله ومنافعه الشخصية‪.‬‬
‫وف زعم بعض الدافعي عن هذه الرية القتصادية أن قواني القتصاد‬
‫السياسي‪ ,‬الت تري على أصول عامة بصورة طبيعية‪ ,‬كفيلة بسعادة الجتمع‬
‫وحفظ التوازن القتصادي فيه‪ ...‬وإن الصلحة الشخصية‪ ,‬الت هي الافز‬

‫القوي والدف القيقي للفرد ف عمله ونشاطه‪ ,‬هي خي ضمان للمصلحة‬


‫الجتماعية العامة وإن التنافس الذي يقوم ف السوق الرة‪ ,‬نتيجة لتساوي‬

‫‪13‬‬
‫النتجي والتجرين ف حقهم من الرية القتصادية‪ ,‬يكفي وحده لتحقيق روح‬
‫العدل والنصاف‪ ,‬ف شت التفاقات والعاملت‪ .‬فالقواني الطبيعية للقتصاد‬
‫تتدخل ـ مثلً ـ ف حفظ الستوى الطبيعي للثمن‪ ,‬بصورة تكاد أن تكون آلية‪,‬‬
‫وذلك أن الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعية العادلة‪ ,‬انفض الطلب‬
‫بكم القانون الطبيعي الذي يكم بأن ارتفاع الثمن يؤثر ف انفاض‬
‫الطلب‪ ,‬وانفاض الطب بدوره يقوم بتخفيض الثمن‪ ,‬تقيقا لقانون طبيعي‬
‫آخر‪ ,‬ول يتركه حت ينخفض به إل مستواه السابق ويزول الشذوذ بذلك‪.‬‬
‫والصلحة الشخصية تفرض على الفرد دائما التفكي ف كيفية ازادة النتاج‬
‫وتسينه‪ ,‬مع تقليل مصاريفه ونفقاته‪ .‬وذلك يقق مصلحة الجتمع‪ ,‬ف نفس‬
‫الوقت الذي يعتب مسالة خاصة بالفرد أيضا‪.‬‬
‫والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تديد أثان البضائع وأجور العمال‬
‫والستخدمي بشكل عادل‪ ,‬ل ظلم فيه ول إجحاف‪ .‬لن كل بائع أو منتج‬
‫يشى من رفع أثان بضائعه‪ ,‬أو تفيض أجور عماله‪ ,‬بسبب منافسة‬
‫الخرين له من البائعي والنتجي‪.‬‬
‫والرية الفكرية تعن أن يعيش الناس أحرارا ف عقائدهم وأفكارهم‪.‬‬
‫يفكرون حسب ما يتراءى لم ويلو لعقولم‪ ,‬ويعتقدون ما يصل إليه‬
‫اجتهادهم أو ما توحيه إليهم مشتهياتم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة‪.‬‬
‫والعلن عن أفكاره ومعتقداته‪ ,‬والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده‪.‬‬
‫والرية الشخصية تعب عن ترر النسان ف سلوكه الاص من متلف‬
‫ألوان الضغط والتحديد‪ .‬فهو يلك إرادته وتطويرها وفقا لرغباته الاصة‪ ,‬مهما‬
‫نم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الاص من مضاعفات ونتائج‪,‬‬
‫ما ل تصطدم بسيطرة الخرين على سلوكهم‪ .‬فالد النهائي الذي تقف عنده‬
‫الرية الشخصية لكل فرد‪ :‬حرية الخرين‪ .‬فما ل يسها الفرد بسوء فل جناح‬
‫عليه أن يكيف حياته باللون الذي يلو له ويتبع متلف العادات والتقاليد‬

‫والشعائر والطقوس الت يستذوقها‪ ,‬لن ذلك مسالة خاصة تتصل بكيانه‬
‫وحاضره ومستقبله‪ ,‬وما دام يلك هذا الكيان فهو قادر على التصرف فيه كما‬
‫يشاء‪.‬‬

‫‪14‬‬
‫وليست الرية الدينية ـ ف رأي الرأسالية الت تنادي با ـ إل تعبيا عن‬
‫الرية الفكرية ف جانبها العقائدي‪ ,‬وعن الرية الشخصية ف الانب‬
‫العملي‪ ,‬الذي يتصل بالشعائر والسلوك‪.‬‬
‫ويتلخص من هذا العرض أن الط الفكري العريض لذا النظام ـ كما‬
‫الحنا إليه ـ هو‪ :‬أن مصال الجتمع بصال الفراد‪ .‬فالفرد هو القاعدة الت‬
‫يب أن يرتكز عليها النظام الجتماعي‪ ,‬والدولة الصالة هي الهاز الذي‬
‫يسخر لدمة الفرد وحسابه‪ ,‬والدارة القوية لفظ مصاله وحايتها‪.‬‬
‫هذه هي الديقراطية الرأسالية ف ركائزها الساسية‪ ,‬الت قامت من‬
‫اجلها جلة من الثورات‪ ,‬وجاهد ف سبيلها كثي من الشعوب والمم‪ .‬ف ظل‬
‫قادة كانوا حي يعبون عن هذا النظام الديد ويعدونم بحاسنه‪ ,‬يصفون‬
‫النة ف نعيمها وسعادتا‪ ,‬وما تفل به من انطلق وهناء وكرامة وثراء‪ .‬وقد‬
‫أجريت عليها بعد ذلك عدة من التعديلت‪ ,‬غي أنا ل تس جوهرها‬
‫بالصميم‪ ,‬بل بقيت متفظة بأهم ركائزها وأسسها‪.‬‬
‫ڤ‪..........................................‬التاه الادي ف الرأسالية‬
‫ومن الواضح أن هذا النظام الجتماعي نظام مادي خالص‪ ,‬أخذ فيه‬
‫النسان منفصلً عن مبدئه‪ ,‬وآخرته‪ ,‬مدودا بالانب النفعي من حياته‬
‫الادية‪ ,‬وافترض على هذا الشكل‪ .‬ولكن هذا النظام ف نفس الوقت الذي‬
‫كان مشبعا بالروح الادية الطاغية‪ ...‬ل يب على فلسفة مادية للحياة وعلى‬
‫دراسة مفصلة لا‪ .‬فالياة ف الو الجتماعي لذا النظام‪ ,‬فصلت عن كل‬
‫علقة خارجة عن حدود الادة والنفعة‪ ,‬ولكن ل يهيأ لقامة هذا النظام فهم‬
‫فلسفي كامل لعملية الفصل هذه‪ .‬ول أعن بذلك أن العال ل يكن فيه‬
‫مدارس للفلسفة الادية وأنصار لا‪ ,‬بل كان فيه إقبال على النعة الادية‪ :‬تأثرا‬

‫‪15‬‬
‫بالعقلية التجريبية الت شاعت منذ بداية النقلب الصناعي(‪ )1‬وبروح الشك‬
‫والتبلبل الفكري الذي أحدثه انقلب الرأي‪ ,‬ف طائفة من الفكار كانت تعد‬
‫من أوضح القائق وأكثرها صحة(‪ )2‬وبروح التمرد والسخط على الدين‬
‫الزعوم‪ ,‬الذي كان يمد الفكار والعقول‪ ,‬ويتملق للظلم والبوت‪ ,‬وينتصر‬
‫للفساد الجتماعي ف كل معركة يوضها مع الضعفاء والضطهدين(‪.)3‬‬
‫فهذه العوامل الثلثة ساعدت على بعث الادية‪ ,‬ف كثي من العقليات‬
‫الغربية‪...‬‬

‫كل هذا صحيح‪ ,‬ولكن النظام الرأسال ل يركز على فهم فلسفي مادي‬
‫للحياة‪ ,‬وهذا هو التناقض والعجز‪ ,‬فان السألة الجتماعية للحياة تتصل‬

‫ـ فإن التجر بة اكت سبت أه ية كبى ف اليدان العل مي‪ ,‬ووف قت توفي قا ل‬ ‫‪1‬‬

‫يكن ف السبان ال الكشف عن حقائق كثية‪ ,‬وإزاحة الستار عن أسرار مدهشة‪,‬‬


‫أتاحت للنسانية أن تستثمر تلك السرار والقائق ف حياتا العملية‪ .‬وهذا التوفيق‬
‫الذي حصـلت عليـه التجربـة‪ .‬اشاد لاـ قدسـية فـ العقليـة العامـة‪ ,‬وجعـل الناس‬
‫ين صرفون عن الفكار العقل ية‪ ,‬و عن كل القائق ال ت ل تظ هر ف ميدان ال س‬
‫والتجربة‪ ,‬حت صار الس التجريب ف عقيدة كثي من التجريبيي الساس الوحيد‬
‫لم يع العارف والعلوم‪ .‬و سوف نو ضح ف هذا الكتاب أن التجر بة بنف سها تعت مد‬
‫على الفكـر العقلي‪ ,‬وأن السـاس الول للعلوم والعارف هـو العقـل‪ ,‬الذي يدرك‬
‫حقائق ل يقع عليها الس كما يدرك القائق الحسوسة‪.‬‬
‫‪2‬ـ فإن جلة من العقائد العامة كانت ف درجة عالية من الوضوح والبداهة ف‬
‫الن ظر العام‪ ,‬مع أن ا ل ت كن قائ مة على أ ساس من من طق عقلي أو دل يل فل سفي‪,‬‬
‫كاليان بأن الرض مركـز العال‪ ,‬فلمـا انارت هذه العقائد فـ ظـل التجارب‬
‫الصحيحة‪ ,‬تزعزع اليان العام‪ ,‬وسيطرت موجة من الشك على كثي من الذهان‪,‬‬
‫فبع ثث ال سفسطة اليونان ية من جد يد متأثرة بروح ال شك‪ ,‬ك ما تأثرت ف الع هد‬
‫اليونان بروح الشك الذي تولد من تناقض الذاهب الفلسفية وشدة الدل با‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫ـ فإن الكنيسة لعبت دورا هاما ف استغلل الدين استغللً شنيعا‪ ,‬وجعل‬ ‫‪3‬‬

‫ا سه اداة مارب ا واغراض ها وخ نق النفاس العلم ية والجتماع ية‪ ,‬وأقا مت ما كم‬


‫التفت يش‪ ,‬وأع طت ل ا ال صلحيات الوا سعة للت صرف ف القدرات‪ ,‬ح ت تولد عن‬
‫ذلك كله التبم بالدين والسخط عليه‪ ,‬لن الرية ارتكبت باسه‪ ,‬مع أنه ف واقعة‬
‫الصـفى وجوهره الصـحيح ل يقـل عـن أولئك السـاخطي والتـبمي ضيقا بتلك‬
‫الرية‪ ,‬واستفظاعا لدوافعها ونتائجها‪.‬‬

‫‪16‬‬
‫بواقع الياة‪ ,‬ول تتبلور ف شكل صحيح إل إذا أقيمت على قاعدة مركزية‪,‬‬
‫تشرح الياة وواقعها وحدودها‪ ,‬والنظام الرأسال يفقد هذه القاعدة‪ ,‬فهو‬
‫ينطوي على خداع وتضليل أو على عجلة وقلة أناة‪ ,‬حي تمد السألة الواقعية‬
‫للحياة وتدرس السألة الجتماعية منفصلة عنها‪ ,‬مع أن قوام اليزان الفكري‬
‫للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إل واقع الياة‪ ,‬الت تون الجتمع بالادة‬
‫الجتماعية ـ وهي العلقات التبادلة بي الناس ـ وطريقة فهمه لا‪ ,‬واكتشاف‬
‫اسراها وقيمها‪ .‬فالنسان ف هذا الكوكب إن كان من صنع قوة مدبرة‬
‫مهيمنة‪ ,‬عالة بأسراره وخفاياه‪ ,‬بظواهره ودقائقه‪ ,‬قائمة على تنظيمه‬
‫وتوجيهه‪ ...‬فمن الطبيعي أن يضع ف توجيهه وتكييف حياته لتلك القوة‬
‫الالقة‪ ,‬لنا أبصر بأمره وأعلم بواقعه‪ ,‬وأنزه قصدا وأشد اعتدالً منه‪.‬‬
‫وأيضا‪ ,‬فإن هذه الياة الحدودة إن كانت بداية الشوط لياة خالدة تنبثق‬
‫عنها‪ ,‬وتتلون بطابعها‪ ,‬وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الياة الول‬
‫ونزاهتها فمن الطبيعي أن تنظم الياة الاضرة با هي بداية الشوط لياة‬
‫ل فناء فيها‪ ,‬وتقام على أسس القيم العنوية والادية معا‪.‬‬
‫وإذن فمسالة اليان بال وانبثاق الياة عنه‪ ,‬ليست مسألة فكرية خالصة‬
‫ل علقة لا بالياة‪ ,‬لتفصل عن مالت الياة ويشرع لا طرائقها ودساتيها‪,‬‬
‫مع اغفال تلك السالة وفصلها‪ ,‬بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والياة‬
‫جيعا‪.‬‬
‫والدليل على مدى اتصالا بالياة من الديقراطية الرأسالية نفسها أن‬
‫الفكرة فيها تقدم على أساس اليان بعدم وجود شخصية أو مموعة من‬
‫الفراد‪ ,‬بلغت من العصمة ف قصدها وميلها وف رأيها واجتهادها‪ ,‬إل‬
‫الدرجة الت تبيح إيكال السألة الجتماعية اليها‪ ,‬والتعويل ف إقامة حياة‬
‫صالة للمة عليها‪ .‬وهذا الساس بنفسه ل موضع ول معن له‪ ,‬ال إذا أقيم‬
‫على فلسفة مادية خالصة‪ ,‬ل تعترف بإمكان انبثاق النظام إل عن عقل بشري‬
‫مدود‪.‬‬

‫فالنظام الرأسال مادي بكل ما للفظ من معن‪ ,‬فهو إما أن يكون قد‬
‫استبطن الادية‪ ,‬ول يرأ على العلن عن ربطه با وارتكازه عليها‪ .‬وإما أن‬
‫يكون جاهلً بدى الربط الطبيعي‪ ,‬بي السألة الواقعية للحياة ومسألتها‬
‫الجتماعية‪ .‬وعلى هذا فهو يفقد الفلسفة‪ ,‬الت ل بد لكل نظام اجتماعي أن‬

‫‪17‬‬
‫يرتكز عليها‪ .‬وهو ـ بكلمة ـ نظام مادي‪ .‬وإن ل يكن مقاما على فلسفة مادية‬
‫واضحة الطوط ‪.‬‬
‫ڤ‪.........................................‬موضع الخلق من الرأسالية‬
‫وكان من جراء هذه الادية الت زخر النظام بروحها أن أقصيت الخلق‬
‫من الساب‪ ,‬ول يلحظ لا وجود ف ذلك النظام‪ ,‬أو بالحرى تبدلت‬
‫مفاهيمها ومقاييسها‪ ,‬وأعلنت الصلحة الشخصية كهدف أعلى‪ ,‬والريات‬
‫جيعا كوسيلة لتحقيق تلك الصلحة‪ .‬فنشأ عن ذلك أكثر ما ضج به العال‬
‫الديث من من وكوارث‪ ,‬ومآسي ومصائب‪.‬‬
‫وقد يدافع أنصار الديقراطية الرأسالية‪ ,‬عن وجهة نظرها ف الفرد‬
‫ومصاله الشخصية قائلي أن الدف الشخصي بنفسه يقق الصلحة‬
‫الجتماعية‪ ,‬وأن النتائج الت تققها الخلق بقيمها الروحية تقق ف الجتمع‬
‫الديقراطي الرأسال‪ ,‬لكن ل عن طريق الخلق بل عن طريق الدوافع‬
‫الاصة وخدمتها‪ .‬فإن النسان حي يقوم بدمة اجتماعية يقق بذلك‬
‫مصلحة شخصية أيضا‪ ,‬باعتباره جزءا للمجتمع الذي سعى ف سبيله‪ ,‬وحي‬
‫ينقذ حياة شخص تعرضت للخطر فقد أفاد نفسه أيضا‪ ,‬لن حياة الشخص‬
‫سوف تقوم بدمة للهيئة الجتماعية فيعود عليه نصيب منها‪ ,‬وإذن فالدافع‬
‫الشخصي والس النفعي يكفيان لتأمي الصال الجتماعية وضمانا‪ ,‬ما‬
‫دامت ترجع بالتحليل إل مصال خاصة ومنافع فردية‪.‬‬
‫وهذا الدفاع أقرب ال اليال الواسع منه إل الستدلل‪ .‬فتصور بنفسك‬
‫أن القياس العملي ف الياة لكل فرد ف المة‪ ,‬إذا كان هو تقيق منافعه‬
‫ومصاله الاصة‪ ,‬على أوسع نطاق وأبعد مدى‪ ,‬وكانت الدولة توفر للفرد‬

‫حرياته وتقدسه بغي تفظ ول تديد‪ .‬فما هو وضع العمل الجتماعي من‬
‫قاموس هؤلء الفراد؟‍! وكيف يكن ان يكون اتصال الصلحة الجتماعية‬
‫بالفرد كافيا لتوجيه الفراد نو العمال الت تدعو إليها القيم اللقية؟! ‪ .‬مع‬
‫أن كثيا من تلك العمال ل تعود على الفرد بشيء من النفع‪ ,‬وإذا اتفق أن‬
‫كان فيها شيء من النفع باعتباره فردا من الجتمع فكثيا ما يزاحم هذا النفع‬
‫الضئيل‪ ,‬الذي ل يدركه النسان إل ف نظره تليلة‪ ,‬بفوات منافع عاجلة أو‬

‫‪18‬‬
‫مصال فردية‪ ,‬تد ف الريات ضمانا لتحقيقها‪ ,‬فيطيح الفرد ف سبيلها بكل‬
‫برنامج اللق والضمي الروحي‪.‬‬
‫ڤ ‪...................................................‬مآسي النظام الرأسال‬
‫وإذا أردنا أن نستعرض اللقات التسلسلة من الآسي الجتماعية‪ ,‬الت‬
‫انبثقت عن هذا النظام الرتل ل على أساس فلسفي مدروس‪ ...‬فسوف‬
‫يضيق الجال الحدود لذا البحث‪ ,‬ولذا نلمح إليها‪:‬‬
‫فأول تلك اللقات‪ :‬تكم الكثرية ف القلية ومصالها ومسائلها‬
‫اليوية‪ .‬فإن الرية السياسية كانت تعن أن وضع النظام والقواني وتشيتها‬
‫من حق الكثرية‪ ,‬ولنتصور أن الفئة الت تثل الكثرية ف المة ملكت زمام‬
‫الكم والتشريع‪ ,‬وهي تمل العقلية الديقراطية الرأسالية‪ ,‬وهي عقلية‬
‫مادية خالصة ف اتاهها‪ ,‬ونزعاتا وأهدافها وأهوائها فماذا يكون مصي الفئة‬
‫الخرى؟ أو ماذا ترتقب للقلية من حياة ف ظل قواني تشرع لساب‬
‫الكثرية ولفظ مصالها؟!‪ ,‬وهل يكون من الغريب حينئذ إذا شرعت‬
‫الكثرية القواني على ضوء مصالها خاصة‪ ,‬وأهلت مصال القلية واتهت‬
‫ال تقيق رغباتا اتاها محفا بقوق الخرين؟ فمن الذي يفظ لذه القلية‬
‫كيانا اليوي ويذب عن وجهها الظلم‪ ,‬ما دامت الصلحة الشخصية هي‬
‫مسألة كل فرد وما دامت الكثرية ل تعرف للقيم الروحية والعنوية مفهوما ف‬
‫عقليتها الجتماعية ؟؟ وبطبيعة الال‪ ,‬إن التحكم سوف يبقى ف ظل النظام‬
‫كما كان ف السابق وأن مظاهر الستغلل والستهتار بقوق الخرين‬

‫ومصالهم‪ ...‬ستحفظ ف الو الجتماعي لذا النظام كحالا ف الجواء‬


‫الجتماعية القدية‪ .‬وغاية ما ف الوضوع من فرق‪ :‬ان الستهتار بالكرامة‬
‫النسانية كان من قبل أفراد بأمة‪ ,‬وأصبح ف هذا النظام من الفئات الت‬
‫تثل الكثريات بالنسبة إل القليات‪ ,‬الت تشكل بجموعها عددا هائلً من‬
‫البشر‪.‬‬
‫وليت المر وقف عند هذا الد‪ ,‬إذا لكانت الأساة هينة‪ ,‬ولكان السرح‬
‫يتفل بالضحكات أكثر ما يعرض من دموع‪ ,‬بل أن المر تفاقم واشتد حي‬
‫برزت السألة القتصادية من هذا النظام بعد ذلك‪ ,‬فقررت الرية القتصادية‬

‫‪19‬‬
‫على هذا النحو الذي عرضناه سابقا‪ ,‬وأجازت متلف أساليب الثراء وألوانه‬
‫مهما كان فاحشا‪ ,‬ومهما كان شاذا ف طريقته وأسبابه‪ ,‬وضمنت تقيق ما‬
‫أعلنت عنه‪ .‬ف الوقت الذي كان العال يتفل بانقلب صناعي كبي‪ ,‬والعلم‬
‫يتمحض عن ولدة اللة الت قلبت وجه الصناعة وكسحت الصناعات اليدوية‬
‫ونوها‪ ,‬فانكشف اليدان عن ثراء فاحش من جانب القلية من أفراد المة‪,‬‬
‫من أتاحت لم الفرص وسائل النتاج الديث وزودتم الريات الرأسالية‬
‫غي الحدودة بضمانات كافية لستثمارها واستغللا إل أبعد حد‪ ,‬والقضاء با‬
‫على كثي من فئات المة الت اكتسحت اللة البخارية صناعتها‪ ,‬وزعزعت‬
‫ل للصمود ف وجه التيار‪ ,‬ما دام أرباب الصناعات‬
‫حياتا‪ ,‬ول تد سبي ً‬
‫الديثة مسلحي بالرية القتصادية وبقوق الريات القدسة كلها‪ ,‬وهكذا‬
‫خل اليدان إل من تلك الصفوة من أرباب الصناعة والنتاج‪ ,‬وتضاءلت الفئة‬
‫الوسطى واقتربت إل الستوى العام النخفض‪ ,‬وصارت هذه الكثرية الحطمة‬
‫تت رحة تلك الصفوة‪ ,‬الت ل تفكر ول تسب إل على الطريقة الديقراطية‬
‫الرأسالية‪ .‬ومن الطبيعي حينئذ ان ل تد يد العطف والعونة إل هؤلء‪,‬‬
‫لتنشلهم من الوة وتشركهم ف مغانها الضخمة‪ .‬ولاذا تفعل ذلك؟! ما دام‬
‫القياس اللقي هو النفعة واللذة‪ ,‬وما دامت الدولة تضمن لا مطلق الرية‬
‫فيما تعمل‪ ,‬وما دام النظام الديقراطي الرأسال يضيق بالفلسفة العنوية‬
‫للحياة ومفاهيمها الاصة؟!‪.‬‬
‫فالسألة إذا يب أن تدرس بالطريقة الت يوحي با هذا النظام‪ ,‬وهي أن‬

‫يستغل هؤلء الكباء حاجة الكثرية إليهم ومقوماتم العيشية‪ ,‬فيفرض على‬
‫القادرين العمل ف ميادينهم ومصانعهم‪ ,‬ف مدة ل يكن الزيادة عليها‪,‬‬
‫وبأثان ل تفي إل بالياة الضرورية لم‪ .‬هذا هو منطق النفعة الالص‬
‫الذي كان من الطبيعي أن يسلكوه‪ ,‬وتنقسم المة بسبب ذلك إل فئة ف قمة‬
‫الثراء‪ ,‬وأكثرية ف الهوى السحيق‪.‬‬
‫وهنا يتبلور الق السياسي للمة من جديد بشكل آخر‪ .‬فالساواة ف‬
‫القوق السياسية بي أفراد الواطني‪ ,‬وإن ل تح من سجل النظام‪ ,‬غي أنا‬
‫ل تعد بعد هذه الزعازع إل خيالً وتفكيا خالصا‪ .‬فإن الرية القتصادية‬
‫حي تسجل ما عرضناه من نتائج‪ ,‬تنتهي إل النقسام الفظيع الذي مر ف‬
‫العرض‪ ,‬وتكون هي السيطرة على الواقف والاسكة بالزمام‪ ,‬وتقهر الرية‬

‫‪20‬‬
‫السياسية أمامها‪ .‬فإن الفئة الرأسالية بكم مركزها القتصادي من الجتمع‪,‬‬
‫وقدرتا على استعمال جيع وسائل الدعاية‪ ,‬وتكنها من شراء النصار‬
‫والعوان ‪ ...‬تيمن على تقاليد الكم ف المة‪ ,‬وتتسلم السلطة لتسخيها ف‬
‫مصالها والسهر على مآربا‪ ,‬ويصبح التشريع والنظام الجتماعي خاضعا‬
‫لسيطرة رأس الال‪ ,‬بعد أن كان الفروض ف الفاهيم الديقراطية أنه من حق‬
‫المة جعاء‪ .‬وهكذا تعود الديقراطية الرأسالية ف ناية الطاف حكما تستاثر‬
‫به القلية‪ ,‬وسلطانا يمي به عدة من الفراد كيانم على حساب الخرين‪,‬‬
‫بالعقلية النفعية الت يستوحونا من الثقافة الديقراطية الرأسالية‪.‬‬
‫ونصل هنا إل أفظع حلقات الأساة الت يثلها هذا النظام‪ ,‬فإن هؤلء‬
‫السادة الذين وضع النظام الديقراطي الرأسال ف أيديهم كل نفوذ‪ ,‬وزودهم‬
‫بكل قوة وطاقة‪ ...‬سوف يدون أنظارهم ـ بوحي من عقلية هذا النظام ـ إل‬
‫الفاق ويشعرون بوحي من مصالهم وأغراضهم أنم ف حاجة إل مناطق‬
‫نفوذ جديدة وذلك‪ ,‬لسببي‪:‬‬
‫الول‪ :‬إن وفرة النتاج تتوقف على مدى توفر الواد الولية وكثرتا‪ ,‬فكل‬
‫من يكون حظه من تلك الواد اعظم تكون طاقاته النتاجية أقوى وأكثر‪.‬‬
‫وهذه الواد منتشرة ف بلد ال العريضة‪ .‬وإذا كان من الواجب الصول‬
‫عليها‪ ,‬فالزم السيطرة على البلد الت تلك الواد لمتصاصها واستغللا‪.‬‬

‫الثان‪ :‬إن شدة حركة النتاج وقوتا‪ ,‬بدافع من الرص على كثرة الربح‬
‫من ناحية‪ ,‬ومن ناحية أخرى انفاض الستوى العيشي لكثي من الواطني‪,‬‬
‫بدافع من الشره الادي للفئة الرأسالية‪ ,‬ومغالبتها للعامة على حقوقها‬
‫بأساليبها النفعية‪ ,‬الت تعل الواطني عاجزين عن شراء النتجات‬
‫واستهلكها ـ كل ذلك يعل كبار النتجي ف حاجة ماسة إل أسواق جديدة‬
‫لبيع النتجات الفائضة فيها‪ ,‬وإياد تلك السواق يعن التفكي ف بلد‬
‫جديدة‪.‬‬
‫وهكذا تدرس السألة بذهنية مادية خالصة‪ .‬ومن الطبيعي لثل هذه‬
‫الذهنية الت ل يرتكز نظامها على القيم الروحية واللقية‪ ,‬ول يتعرف مذهبها‬
‫الجتماعي بغاية إل إسعاد هذه الياة الحدودة بختلف التع والشهوات‪...‬‬
‫ان ترى ف هذين السببي مبرا ومسوغا منطقيا للعتداء على البلد المنة‪,‬‬
‫وانتهاك كرامتها والسيطرة على مقدراتا ومواردها الطبيعية الكبى واستغلل‬

‫‪21‬‬
‫ثرواتا لترويج البضائع الفائضة‪ .‬فكل ذلك أمر معقول وجائز ف عرف‬
‫الصال الفردية الت يقوم على أساسها النظام الرأسال والقتصاد الر‪.‬‬
‫وينطلق من هنا عملق الادة يغزو ويارب‪ ,‬ويقيد ويكبل‪ ,‬ويستعمر‬
‫ويستثمر‪ ,‬إرضاء للشهوات وإشباعا للرغبات‪.‬‬
‫فانظر ماذا قاست النسانية من ويلت هذا النظام‪ ,‬باعتباره ماديا ف‬
‫روحه وصياغته وأساليبه وأهدافه‪ ,‬وإن ل يكن مركزا على فلسفة مددة تتفق‬
‫مع تلك الروح والصياغة‪ ,‬وتنسجم مع هذه الساليب والهداف كما العنا‬
‫إليه؟!!‪.‬‬
‫وقدر بنفسك نصيب الجتمع الذي يقوم على ركائز هذا النظام ومفاهيمه‬
‫من السعادة والستقرار‪ ,‬هذا الجتمع الذي ينعدم فيه اليثار والثقة التبادلة‪,‬‬
‫والتراحم والتعاطف القيقي‪ ,‬وجيع التاهات الروحية الية‪ ,‬فيعيش الفرد‬
‫فيه وهو يشعر بأنه السؤول عن نفسه وحده‪ ,‬وأنه ف خطر من قبل كل‬
‫مصلحة من مصال الخرين الت قد تصطدم به‪ .‬فكأنه ييا ف صراع دائم‬
‫ومغالبة مستمرة‪ ,‬ل سلح له فيها إل قواه الاصة‪ ,‬ول هدف له منها إل‬
‫مصاله الاصة‪.‬‬

‫ثانيا ـ الشتراكية والشيوعية‬


‫ف الشتراكية مذاهب متعددة‪ ,‬وأشهرها الذهب الشتراكي القائم على‬
‫النظرية الاركسية والادية الدلية‪ ,‬الت هي عبارة عن فلسفة خاصة للحياة‬
‫وفهم مادي لا على طريقة ديالكتيكية‪ .‬وقد طبق الاديون الديالكتيكيون هذه‬
‫الادية الديالكتيكية على التاريخ والجتماع والقتصاد‪ ,‬فصارت عقيدة فلسفية‬
‫ف شان العال‪ ,‬وطريقة لدرس التاريخ والجتماع‪ ,‬ومذهبا ف القتصاد وخطة‬
‫ف السياسة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬انا تصوغ النسان كله ف قالب خاص‪ ,‬من‬
‫حيث لون تفكيه ووجهة نظره إل الياة وطريقته العملية فيها‪ .‬ول ريب ف‬
‫أن الفلسفة الادية‪ ,‬وكذلك الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬ليستا من بدع الذهب‬
‫الاركسي وابتكاراته فقد كانت النعة الادية تعيش منذ الف السني ف اليدان‬
‫الفلسفي‪ ,‬سافرة تارة ومتوارية اخرى وراء السفسطة والنكار والطلق‪ ,‬كما أن‬
‫الطريقة الديالكتيكية ف التفكي عميقة الذور ببعض خطوطها ف التفكي‬
‫النسان‪ ,‬وقد استكملت كل خطواتا على يد (هيجل) الفيلسوف الثال‬

‫‪22‬‬
‫العروف‪ .‬وإنا جاء (كارل ماركس) إل هذا النطق وتلك الفلسفة فتبناها‪,‬‬
‫وحاول تطبيقهما على جع ميادين الياة‪ ,‬فقام بتحقيقي‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬ان فسر التاريخ تفسيا ماديا خالصا بطريقة ديالكتيكية‪.‬‬
‫والخر‪ :‬زعم فيه أنه اكتشف تناقضات رأس الال والقيمة الفائضة‪ ,‬الت‬
‫يسرقها صاحب الال ف عقيدته من العامل (‪ .)1‬واشاد على أساس هذين‬
‫التحقيقي إيانه بضرورة فناء الجتمع الرأسال‪ ,‬وإقامة الجتمع الشيوعي‬
‫والجتمع الشتراكي‪ ,‬الذي اعتبه خطوة للنسانية ال تطبيق الشيوعية تطبيقا‬
‫كاملً‪.‬‬
‫فاليدان الجتماعي ف هذه الفلسفة ميدان صراع بي التناقضات‪ ,‬وكل‬
‫وضع اجتماعي يسود ذلك اليدان فهو ظاهرة مادية خالصة‪ ,‬منسجمة مع‬

‫سائر الظواهر والحوال الادية ومتاثرة با‪ ,‬غي أنه ف نفس الوقت يمل‬
‫نقيضه ف صميمه‪ ,‬وينشب حينئذ الصراع بي النقائض ف متواه‪ ,‬حت‬
‫تتجمع التناقضات وتدث تبدل ف ذلك الوضع وانشاءا لوضع جديد‪...‬‬
‫وهكذا يبقى العراك قائما حت تكون النسانية كلها طبقة واحدة‪ ,‬وتتمثل‬
‫مصال كل فرد ف مصال تلك الطبقة الوحدة‪ ...‬ف تلك اللحظة يسود‬
‫الوئام‪ ,‬ويتحقق السلم‪ ,‬وتزول نائيا جيع الثار السيئة للنظام الديقراطي‬
‫الراسال لنا إنا كانت تتولد من تعدد الطبقة ف الجتمع‪ ,‬وهذا التعدد إنا‬
‫نشأ من انقسام الجتمع إل منتج وأجي‪ .‬وإذا فل بد من وضع حد فاصل‬
‫لذا النقسام‪ ,‬وذلك بإلغاء اللكية‪ ,‬وتتلف هنا الشيوعية عن الشتراكية ف‬
‫بعض الطوط القتصادية الرئيسية‪ ,‬وذلك لن القتصاد الشيوعي يرتكز‪:‬‬
‫أولً‪ :‬على الغاء اللكية الاصة وموها موا تاما من الجتمع‪ ,‬وتليك‬
‫الثروة كلها للمجموع وتسليمها إل الدولة‪ ,‬باعتبارها الوكيل الشرعي عن‬
‫الجتمع ف إدارتا واستثمارها لي الجموع‪ .‬واعتقاد الذهب الشيوعي‬
‫بضرورة هذا التأميم الطلق‪ ,‬وإنا كان رد الفعل الطبيعي لضاعفات اللكية‬
‫الاصة ف النظام الديقراطي الراسال‪ .‬وقد برر هذا التاميم بأن القصود منه‬
‫إلغاء الطبقة الرأسالية وتوحيد الشعب ف طبقة واحدة ليختم بذلك الصراع‪,‬‬

‫‪ 1‬ـ شرحنا هذه النظريات مع دراسة علمية مفصلة ف كتاب (اقتصادنا)‪.‬‬

‫‪23‬‬
‫ويسد على الفرد الطريق ال استغلل شت الوسائل والساليب لتضخيم‬
‫ثروته‪ ,‬إشباعا لشعه واندفاعا بدافع الثرة وراء الصلحة الشخصية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬على توزيع السلع النتجة على حسب الاجات الستهلكية‬
‫للفراد‪ ,‬ويتلخص ف النص الت‪( :‬من كل حسب قدرته ولكل حسب‬
‫حاجته)‪ ,‬وذلك أن كل فرد له حاجات طبيعية ل يكنه الياة بدون توفيها‪,‬‬
‫فهو يدفع للمجتمع كل جهده فيدفع له الجتمع متطلبات حياته ويقوم‬
‫بعيشته‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬على منهاج اقتصادي ترسه الدولة‪ ,‬وتوفق فيه بي حاجة الجموع‬
‫والنتاج ف كميته وتنويعه وتديده‪ ,‬لئل ين الجتمع بنفس الدواء والزمات‬
‫الت حصلت ف الجتمع الرأسال‪ ,‬حينما اطلق الريات بغي تديد‪.‬‬

‫ڤ‪.....................................‬النراف عن العملية الشيوعية‬


‫ولكن أقطاب الشيوعية الذين نادوا بذا النظام‪ ,‬ل يستطيعوا أن يطبقوه‬
‫بطوطه كلها حي قبضوا على مقاليد الكم‪ ,‬واعتقدوا أنه ل بد لتطبيقه من‬
‫تطوير النسانية ف أفكارها ودافعها ونزعاتا‪ ,‬زاعمي أن النسان سوف ييء‬
‫عليه اليوم الذي توت ف نفسه الدوافع الشخصية والعقلية الفردية‪ ,‬وتيا فيه‬
‫العقلية الماعية والنوازع الماعية‪ ,‬فل يفكر إل ف الصلحة الجتماعية ول‬
‫يندفع إل ف سبيلها‪.‬‬
‫ولجل ذلك كان من الضروري ـ ف عرف هذا الذهب الجتماعي ـ‬
‫إقامة نظام اشتراكي قبل ذلك‪ ,‬ليتخلص فيه النسان من طبيعته الاضرة‪,‬‬
‫ويكتسب الطبيعة الستعدة للنظام الشيوعي‪ .‬وهذا النظام الشتراكي أجريت‬
‫فيه تعديلت مهمة على الانب القتصادي من الشيوعية‪ .‬فالط الول من‬
‫خطوط القتصاد الشيوعي‪ ,‬وهو الغاء اللكية الفردية‪ ,‬قد بدل ال حل وسط‬
‫وهو تأميم الصناعات الثقيلة والتجارة الارجية والتجارات الداخلية الكبية‪,‬‬
‫ووضعها جيعا تت النصار الكومي‪ .‬وبكلمة أخرى‪ ,‬الغاء رأس الال‬
‫الكبي مع إطلق الصناعات والتجارات البسيطة وتركها للفراد‪ ,‬وذلك لن‬
‫الط العريض ف القتصاد الشيوعي اصطدم بواقع الطبيعة النسانية الذي‬

‫‪24‬‬
‫أشرنا إليه‪ ,‬حيث أخذ الفراد يتقاعسون عن القيام بوظائفهم والنشاط ف‬
‫عملهم‪ ,‬وتربون من واجباتم الجتماعية‪ ,‬لن الفروض تأمي النظام‬
‫لعيشتهم وسد حاجاتم كما أن الفروض فيه عدم تقيق العمل والهد مهما‬
‫كان شديدا لكثر من ذلك‪ .‬فعلم إذن يهد الفرد ويكدح ويهد‪ ,‬ما دامت‬
‫النتيجة ف حسابه‪ ,‬هي النتيجة ف حال المول والنشاط ؟!‪ ,‬ولاذا يندفع إل‬
‫توفي السعادة لغيه وشراء راحة الخرين بعرقه ودموعه وعصارة حياته‬
‫وطاقاته‪ ,‬ما دام ل يؤمن بقيمة من قيم الياة إل القيمة الادية الالصة؟!!‬
‫فاضطر زعماء هذا الذهب إل تميد التاميم الطلق‪.‬‬
‫كما اضطروا أيضا إل تعديل الط الثان من خطوط القتصاد الشيوعي‬
‫أيضا‪ :‬وذلك بعل فوارق بي الجور‪ ,‬لدفع العمال إل النشاط والتكامل ف‬

‫العمل‪ ,‬معتذرين بأنا فوارق موقتة سوف تزول حينما يقضي على العقلية‬
‫الرأسالية‪ ,‬وينشأ النسان إنشاءا جديدا‪ .‬وهم لجل ذلك يرون التغييات‬
‫الستمرة على طرائقهم القتصادية وأساليبهم الشتراكية‪ ,‬لتدارك فشل كل‬
‫طريقة بطريقة جديدة‪ .‬ول يوفقوا حت الن للتخلص من جيع الركائز‬
‫الساسية ف القتصاد الرأسال‪ .‬فلم تلغ مثلً القروض الربوية نائيا‪ ,‬مع‬
‫أنا ف الواقع أساس الفساد الجتماعي ف القتصاد الرأسال‪.‬‬
‫ول يعن هذا كله أن أولئك الزعماء مقصرون‪ ,‬أو انم غي جادين ف‬
‫مذهبهم وغي ملصي لعقيدتم‪ ...‬وإنا يعن أنم اصطدموا بالواقع حي‬
‫أرادوا التطبيق‪ ,‬فوجدوا الطريق مليئا بالعاكسات والناقضات‪ ,‬الت تضعها‬
‫الطبيعة النسانية أمام الطريقة النقلبية للصلح الجتماعي الذي كانوا‬
‫يبشرون به‪ ,‬ففرض عليهم الواقع التراجع آملي أن تتحقق العجزة ف وقت‬
‫قريب أو بعيد‪.‬‬
‫وأما من الناحية السياسية‪ ,‬فالشيوعية تستهدف ف ناية شوطها الطويل‬
‫إل مو الدولة من الجتمع‪ ,‬حي تتحقق العجزة وتعم العقلية الماعية كل‬
‫البشر‪ ,‬فل يفكر الميع إل ف الصلحة الادية للمجموع وأما قبل ذلك‪ ,‬ما‬
‫دامت العجزة غي مققة‪ ,‬وما دام البشر غي موحدين ف طبقة‪ ,‬والجتمع‬
‫ينقسم إل قوى رأسالية وعمالية‪ ...‬فاللزم أن يكون الكم عماليا‬
‫خالصا‪ ,‬فهو حكم ديقراطي ف حدود دائرة العمال‪ ,‬وديكتاتوري بالنسبة إل‬

‫‪25‬‬
‫العموم‪ .‬وقد عللوا ذلك بأن الديكتاتورية العمالية ف الكم ضرورية ف كل‬
‫الراحل‪ ,‬الت تطويها النسانية بالعقلية الفردية‪ ,‬وذلك حاية لصال الطبقة‬
‫العاملة‪ ,‬وخنقا لنفاس الرأسالية‪ ,‬ومنعا لا عن البوز إل اليدان من‬
‫جديد‪.‬‬
‫والواقع أن هذا الذهب‪ ,‬الذي يتمثل ف الشتراكية الاركسية‪ ,‬ث ف‬
‫الشيوعية الاركسية‪ ...‬يتاز على النظام الديقراطي الرأسال بأنه يرتكز على‬
‫فلسفة مادية معينة‪ ,‬تتبن فهما خاصا للحياة‪ ,‬ل يعترف لا بميع الثل والقيم‬
‫ل ل موضع فيه لالق فوق حدود الطبيعة‪ ,‬ول لزاء‬
‫العنوية‪ ,‬ويعللها تعلي ً‬

‫مرتقب وراء حدود الياة الادية الحدودة‪ .‬وهذا على عكس الديقراطية‬
‫الرأسالية‪ ,‬فانا وإن كانت نظاما ماديا‪ ,‬ولكنها ل تب على أساس فلسفي‬
‫مدود فالربط الصحيح بي السألة الواقعية للحياة والسألة الجتماعية‪ ,‬آمنت‬
‫به الشيوعية الادية‪ ,‬ول تؤمن به الديقراطية الرأسالية‪ ,‬أو ل تاول إيضاحه‪.‬‬
‫وبذا كان الذهب الشيوعي حقيقا بالدرس الفلسفي‪ ,‬وامتحانه عن‬
‫طريق اختبار الفلسفة الت ركز عليها وانبثق عنها‪ ,‬فإن الكم على كل نظام‬
‫يتوقف على مدى ناح مفاهيمه الفلسفية‪ ,‬ف تصوير الياة وادراكها‪.‬‬
‫ومن السهل أن ندرك ف أول نظرة نلقيها على النظام الشيوعي الخفف أو‬
‫الكامل‪ ,‬ان طابعه العام هو إفناء الفرد ف الجتمع‪ ,‬وجعله آلة مسخرة‬
‫لتحقيق الوازين العامة الت يفترضها‪ .‬فهو على النقيض تاما من النظام‬
‫الرأسال الر الذي يعل الجتمع للفرد ويسخره لصاله‪ .‬فكأنه قد قدر‬
‫للشخصية الفردية والشخصية الجتماعية ـ ف عرف هذين النظامي ـ أن‬
‫تتصادما وتتصارعا‪ .‬فكانت الشخصية الفردية هي الفائزة ف أحد النظامي‬
‫الذي أقام تشريعه على أساس الفرد ومنافعه الذاتية‪ ,‬فمن الجتمع بالآسي‬
‫القتصادية الت تزعزع كيانه وتشوه الياة ف جيع شعبها‪ .‬وكانت الشخصية‬
‫الجتماعية هي الفائزة ف النظام الخر‪ ,‬الذي جاء يتدارك أخطاء النظام‬
‫السابق‪ ,‬فساند الجتمع وحكم على الشخصية الفردية بالضمحلل والفناء‬
‫فأصيب الفراد بحن قاسية قضت على حريتهم ووجودهم الاص‪ ,‬وحقوقهم‬
‫الطبيعية ف الختيار والتفكي‪.‬‬
‫ڤ‪............................................‬الؤاخذات على الشيوعية‬

‫‪26‬‬
‫والواقع أن النظام الشيوعي وإن عال جلة من أدوات الرأسالية الرة‪,‬‬
‫بحوه للملكية الفردية‪ ,‬غي أن هذا العلج له مضاعفات طبيعية تعل ثن‬
‫العلج باهظا‪ ,‬وطريقة تنفيذه شاقة على النفس ل يكن سلوكها إل إذا فشلت‬
‫سائر الطرق والساليب‪ .‬هذا من ناحية‪ ,‬ومن ناحية أخرى هو علج ناقص‬
‫ل يضمن القضاء على الفساد الجتماعي كله‪ ,‬لنه ل يالفه الصواب ف‬

‫تشخيص الداء‪ ,‬وتعيي النقطة الت انطلق منها الشر حت اكتسح العال ف ظل‬
‫النظمة الرأسالية‪ ,‬فبقيت تلك النقطة مافظة على موضعها من الياة‬
‫الجتماعية ف الذهب الشيوعي‪ .‬وبذا ل تظفر النسانية بالل الاسم‬
‫لشكلتها الكبى‪ ,‬ول تصل على الدواء الذي يطيب أدواءها ويستأصل‬
‫أعراضها البيثة‪.‬‬
‫أما مضاعفات هذا العلج فهي جسيمة جدا‪ :‬فإن من شأنه القضاء على‬
‫حريات الفراد‪ ,‬لقامة اللكية الشيوعية مقام اللكيات الاصة‪ .‬وذلك لن هذا‬
‫التحويل الجتماعي الائل على خلف الطبيعة النسانية العامة‪ ,‬إل حد الن‬
‫على القل ـ كما يعترف بذلك زعماؤه ـ باعتبارأن النسان الادي ل يزال يفكر‬
‫تفكيا ذاتيا‪ ,‬ويسب مصاله من منظاره الفردي الحدود‪ .‬ووضع تصميم‬
‫جديد للمجتمع يذوب فيه الفراد نائيا‪ ,‬ويقضي على الدوافع الذاتية قضاء‬
‫تاما‪ ...‬موضع التنفيذ‪ ,‬يتطلب قوة حازمة تسك زمام الجتمع بيد حديدية‪,‬‬
‫وتبس كل صوت يعلو فيه‪ ,‬وتنق كل نفس يتردد ف أوساطه‪ ,‬وتتكر جيع‬
‫وسائل الدعاية والنشر‪ ,‬وتضرب على المة نطاقا ل يوز أن تتعداه بال‪,‬‬
‫وتعاقب على التهمة والظنة‪ ,‬لئل يفلت الزمام من يدها فجأة‪.‬‬
‫وهذا أمر طبيعي ف كل نظام يراد فرضه على المة‪ ,‬قبل ان تنضج فيها‬
‫عقلية ذلك النظام وتعم روحيته‪.‬‬
‫نعم لو أخذ النسان الادي يفكر تفكيا اجتماعيا‪ ,‬ويعقل مصاله بعقلية‬
‫جاعية‪ ,‬وذابت من نفسه جيع العواطف الاصة والهواء الذاتية والنبعاثات‬
‫النفسية‪ ,‬لمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الفراد‪ ,‬ول يبقى ف اليدان إل‬
‫العملق الجتماعي الكبي‪ .‬ولكن تقيق ذلك ف النسان الادي‪ ,‬الذي ل‬
‫يؤمن إل بياة مدودة ول يعرف معن لا إل اللذة الادية يتاج إل معجزة‬

‫‪27‬‬
‫تلق النة ف الدنيا‪ ,‬وتنل با من السماء إل الرض‪ .‬والشيوعيون يعدوننا‬
‫بذه النة‪ ,‬وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه العمل على طبيعة‬
‫النسان‪ ,‬ويلقه من جديد انسانا مثاليا ف أفكاره وأعماله‪ ,‬وإن ل يكن يؤمن‬
‫بذرة من القيم الثالية والخلقية‪ .‬ولو تققت هذه العجزة فلنا معهم حينئذ‬
‫كلم‪.‬‬

‫وأما الن‪ ,‬فوضع التصميم الجتماعي الذي يرومونه‪ ,‬يستدعي حبس‬


‫الفراد ف حدود فكرة هذا التصميم‪ ,‬وتأمي تنفيذه بقيام الفئة الؤمنة به على‬
‫حايته‪ ,‬والحتياط له بكبت الطبيعة النسانية والعواطف النفسية‪ .‬ومنعها من‬
‫النطلق بكل أسلوب من الساليب‪ .‬والفرد ف ظل هذا النظام وإن كسب‬
‫تأمينا كاملً‪ ,‬وضمانا اجتماعيا لياته وحاجاته‪ ,‬لن الثروة الماعية تده بكل‬
‫ذلك ف وقت الاجة‪ ...‬ولكن أليس من الحسن بال هذا الفرد أن يظفر‬
‫بذا التامي دون أن يسر استنشاق نسيم الرية الهذبة‪ ,‬ويضطر إل إذابة‬
‫شخصه ف النار‪ ,‬وإغراق نفسه ف البحر الجتماعي التلطم؟!‬
‫وكيف يكن أن يطمح بالرية ـ ف ميدان من اليادين ـ انسان حرم من‬
‫الرية ف معيشته‪ ,‬وربطت حياته الغذائية ربطا كامل بيئة معينة‪ ,‬مع أن‬
‫الرية القتصادية والعيشية هي أساس الريات جيعا‪.‬‬
‫ويعتذر عن ذلك العتذرون فيتساءلون‪ :‬ماذا يصنع النسان بالرية‬
‫والستمتاع بق النقد والعلن عن آرائه‪ ,‬وهو يرزح تت عبء اجتماعي‬
‫فظيع؟! وماذا يديه أن يناقش ويعترض‪ ,‬وهو أحوج إل التغذية الصحيحة‬
‫والياة الكفولة منه إل الحتجاج والضجيج الذي تنتجه له الرية؟!‬
‫وهؤلء التسائلون ل يكونوا ينظرون إل إل الديقراطية الرأسالية‪ ,‬كأنا‬
‫القضية الجتماعية الوحيدة الت تنافس قضيتهم ف اليدان‪ ,‬فانتقصوا من قيمة‬
‫الكرامة الفردية وحقوقها‪ ,‬لنم رأوا فيها خطرا على التيار الجتماعي‬
‫العام‪ ...‬ولكن من حق النسانية أن ل تضحي بشيء من مقوماتا وحقوقها‬
‫ما دامت غي مضطرة ال ذلك‪ ,‬وأنا إنا وقفت موقف التخيي بي كرامة هي‬
‫من الق العنوي للنسانية‪ ,‬وبي حاجة هي من الق الادي لا‪ .‬إذا اعوزها‬
‫النظام الذي يمع بي الناحيتي ويوفق ال حل الشكلتي‪.‬‬
‫إن انسانا يعتصر الخرون طاقاته‪ ,‬ول يطمئن إل حياة طيبة وأجر عادل‬
‫وتأمي ف أوقات الاجة‪ ...‬لو إنسان قد حرم من التمتع بالياة‪ ,‬وحيل بينه‬

‫‪28‬‬
‫وبي الياة الادئة الستقرة‪ .‬كما أن انسانا يعيش مهددا ف كل لظة‪ ,‬ماسبا‬
‫على كل حركة‪ ,‬معرضا للعتقال بدون ماكمة‪ ,‬وللسجن والنفي والقتل لدنـى‬

‫بادرة‪ ...‬لو انسان مروع مرعوب‪ ,‬يسلبه الوف حلوة العيش‪ ,‬وينغص‬
‫الرعب ملذ الياة‪.‬‬
‫والنسان الثالث الطمئن إل معيشته‪ ,‬الواثق بكرامته وسلمته‪ ,‬هو حلم‬
‫النسانية العذب‪ .‬فكيف يتحقق هذا اللم؟ ومت يصبح حقيقة واقعة؟‬
‫وقد قلنا أن العلج الشيوعي للمشكلة الجتماعية ناقص مضافا إل ما‬
‫أشرنا إليه من مضاعفات‪ .‬فهو وإن كان تتمثل فيه عواطف ومشاعر انسانية‪.‬‬
‫أثارها الطغيان الجتماعي العام‪ ,‬فأهاب بملة من الفكرين إل الل‬
‫الديد‪ ,‬غي أنم ل يضعوا أيديهم على سبب الفساد ليقضوا عليه‪ ,‬وإنا قضوا‬
‫على شيء آخر‪ ,‬فلم يوفقوا ف العلج ول ينجحوا ف التطبيب‪.‬‬
‫إن مبدأ اللكية الاصة ليس هو الذي نشأت عنه آثام الرأسالية الطلقة‪,‬‬
‫الت زعزعت سعادة العال وهناءه‪ ,‬فل هو الذي يفرض تعطيل الليي من‬
‫العمال ف سبيل استثمار آلة جديدة تقضي على صناعاتم‪ .‬كما حدث ف فجر‬
‫النقلب الصناعي‪ ,‬ول هو الذي يفرض التحكم ف أجور الجي وجهوده بل‬
‫حساب‪ ,‬ول هو الذي يفرض على الرأسال أن يتلف كميات كبية من‬
‫منتوجاته‪ ,‬تفظا على ثن السلعة وتفضيل للتبذير على توفي حاجات الفقراء‬
‫با‪ ,‬ول هو الذي يدعوه إل جعل ثروته رأس مال كاسب يضاعفه بالربا‪,‬‬
‫وامتصاص جهود الديني بل إنتاج ول عمل‪ ,‬ول هو الذي يدفعه إل شراء‬
‫جيع البضائع الستهلكية من السواق ليحتكرها ويرفع بذلك من أثانا‪,‬‬
‫ول هو الذي يفرض عليه فتح أسواق جديدة‪ .‬وإن انتهكت بذلك حريات‬
‫المم وحقوقها وضاعت كرامتها وحريتها‪...‬‬
‫كل هذه الآسي الروعة ل تنشأ من اللكية الاصة‪ ,‬وإنا هي وليدة‬
‫الصلحة الادية الشخصية الت جعلت مقياسا للحياة ف النظام الرأسال‪,‬‬
‫والبر الطلق لميع التصرفات والعاملت‪ .‬فالجتمع حي تقام أسسه على‬
‫هذا القياس الفردي والبر الذات ل يكن أن ينتظر منه غي ما وقع‪ .‬فإن من‬
‫طبيعة هذا القياس تنبثق تلك اللعنات والويلت على النسانية كلها‪ ,‬ل من‬

‫‪29‬‬
‫مبدأ اللكية الاصة‪ ,‬فلو أبدل القياس ووضعت للحياة غاية جديدة مهذبة‪,‬‬

‫تنسجم مع طبيعة النسان ‪ ...‬لتحقق بذلك العلج القيقي للمشكلة‬


‫النسانية الكبى‪.‬‬
‫ڤ‪...........................................‬التعليل الصحيح للمشكلة‬
‫ولجل أن نصل إل اللقة الول ف تعليل الشكلة الجتماعية‪ ,‬علينا ان‬
‫نتساءل عن تلك الصلحة الادية الاصة الت أقامها النظام الرأسال‪ ,‬مقياسا‬
‫ومبرا وهدفا وغاية‪ ,‬نتساءل‪ :‬ما هي الفكرة الت صححت هذا القياس ف‬
‫الذهنية الديقراطية الرأسالية وأوحت به؟ فان تلك الفكرة هي الساس‬
‫القيقي للبلء الجتماعي‪ .‬وفشل الديقراطية الرأسالية ف تقيق سعادة‬
‫النسان وتوفي كرامته؟ واذا استطعنا أن نقضي على تلك الفكرة‪ ,‬فقد وضعنا‬
‫حدا فاصلً لكل الؤامرات على الرفاه الجتماعي‪ ,‬واللتواءات على حقوق‬
‫الجتمع وحريته الصحيحة‪ ,‬ووفقنا إل استثمار اللكية الاصة لي النسانية‬
‫ورقيها‪ ,‬وتقدمها ف الجالت الصناعية وميادين النتاج‪.‬‬
‫فما هي تلك الفكرة؟‬
‫إن تلك الفكرة تتلخص ف التفسي الحدود للحياة‪ ,‬الذي أشاد‬
‫عليه الغرب صرح الرأسالية البار‪ .‬فإن كل فرد ف الجتمع إذا آمن بأن‬
‫ميدانه الوحيد ف هذا الوجود العظيم هو حياته الادية الاصة‪ ,‬وآمن أيضا‬
‫بريته ف التصرف بذه الياة واستثمارها‪ ,‬وأنه ل يكن أن يكسب من هذه‬
‫الياة غاية إل اللذة الت توفرها له الادة‪ ...‬وأضاف هذه العقائد الادية إل‬
‫حب الذات‪ ,‬الذي هو من صميم طبيعته‪ ,‬فسوف يسلك السبيل الذي سلكه‬
‫الرأساليون وينفذ أساليبهم كاملة‪ ,‬ما ل ترمه قوة قاهرة من حريته وتسد‬
‫عليه السبيل‪ .‬وحب الذات هو الغريزة الت ل نعرف غريزة أعم منها وأقدم‪ ,‬فكل‬
‫الغرائز فروع هذه الغريزة وشعبها‪ ,‬با فيها غريزة العيشة‪ .‬فإن حب النسان‬
‫ذاته ـ الذي يعن حبه للذة والسعادة لنفسه‪ ,‬وبغضه للل والشقاء لذاته ـ هو‬
‫الذي يدفع النسان إل كسب معيشته‪ ,‬وتوفي حاجياته الغذائية والادية‪ .‬ولذا‬

‫‪30‬‬
‫قد يضع حدا لياته بالنتحار‪ ,‬إذا وجد أن تمل أل الوت أسهل عليه من‬
‫تمل اللم الت تزخر با حياته‪.‬‬
‫فالواقع الطبيعي القيقي إذن‪ ,‬الذي يكمن وراء الياة النسانية كلها‬
‫ويوجهها بأصابعه هو حب الذات‪ ,‬الذي نعب عنه بب اللذة وبغض الل‪.‬‬
‫ول يكن تكليف النسان أن يتحمل متارا مرارة الل دون شيء من اللذة‪ ,‬ف‬
‫سبيل أن يلتذ الخرون ويتنعموا‪ ,‬إل إذا سلبت منه انسانيته‪ ,‬وأعطي طبيعة‬
‫جديدة ل تتعشق اللذة ول تكره الل‪.‬‬
‫وحت اللوان الرائعة من اليثار‪ ,‬الت نشاهدها ف النسان ونسمع با‬
‫عن تاريه ‪ ...‬تضع ف القيقة أيضا لتلك القوة الحركة الرئيسية‪( :‬غريزة‬
‫حب الذات)‪ .‬فالنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه‪ ,‬وقد يضحي ف‬
‫سبيل بعض الثل والقيم ‪ ...‬ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولت ما‬
‫ل يس فيها بلذة خاصة‪ ,‬ومنفعة تفوق السارة الت تنجم عن إيثاره لولده‬
‫وصديقه‪ ,‬أو تضحيته ف سبيل مثل من الثل الت يؤمن با‪.‬‬
‫وهكذا يكننا أن نفسر سلوك النسان بصورة عامة‪ ,‬ف مالت النانية‬
‫واليثار على حد سواء‪ .‬ففي النسان استعدادات كثية لللتذاذ بأشياء‬
‫متنوعة‪ :‬مادية كاللتذاذ بالطعام والشراب وألوان التعة النسية وما إليها من‬
‫اللذائذ الادية‪ .‬أو معنوية‪ ,‬كاللتذاذ اللقي والعاطفي‪ ,‬بقيم خلقية أو أليف‬
‫روحي أو عقيدة معينة‪ ,‬حي يد النسان أن تلك القيم أو ذلك الليف أو‬
‫هذه العقيدة جزء من كيانه الاص‪ .‬وهذه الستعدادات الت تيء النسان‬
‫لللتذاذ بتلك التع التنوعة‪ ,‬تتلف ف درجاتا عند الشخاص‪ ,‬وتتفاوت ف‬
‫مدى فعليتها‪ ...‬باختلف ظروف النسان وعوامل الطبيعة والتربية الت تؤثر‬
‫فيه‪ .‬فبينما ند أن بعض تلك الستعدادات تنضج عند النسان بصورة‬
‫طبيعية‪ ,‬كاستعداده لللتذاذ النسي مثلً‪ ,‬ند أن ألوانا أخرى منها قد ل‬
‫تظهر ف حياة النسان‪ ,‬وتظل تنتظر عوامل التربية الت تساعد على نضجها‬
‫وتفتحها‪ .‬وغريزة حب الذات من وراء هذه الستعدادات جيعا تدد سلوك‬
‫النسان وفقا لدى نضج تلك الستعدادات‪ .‬فهي تدفع انسانا إل الستئثار‬

‫‪31‬‬
‫بطعام على آخر وهو جائع‪ ,‬وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر ليثار الغي بالطعام‬
‫على نفسه‪ .‬لن استعداد النسان الول لللتذاذ بالقيم اللقية والعاطفية الذي‬
‫يدفعه إل اليثار كان كامنا‪ .‬ول تنج له عوامل التربية الساعدة على تركيزة‬
‫وتنميته‪ .‬بينما ظفر الخر بذا اللون من التربية‪ ,‬فأصبح يلتذ بالقيم اللقية‬
‫والعاطفية‪ ,‬ويضحي بسائر لذاته ف سبيلها‪.‬‬
‫فمت أردنا أن نغي من سلوك النسان شيئا‪ ,‬يب أن نغي من مفهوم‬
‫اللذة والنفعة عنده‪ ,‬وندخل السلوك القترح ضمن الطار العام لغريزة حب‬
‫الذات‪.‬‬
‫فإذا كانت غريزة حب الذات بذه الكانة من دنيا النسان‪ ,‬وكانت‬
‫الذات ف نظر النسان عبارة عن طاقة مادية مددة‪ ,‬وكانت اللذة عبارة عما‬
‫تيئة الادة من متع ومسرات‪ ...‬فمن الطبيعي أن يشعر النسان بأن مال‬
‫كسبه مدود‪ ,‬وان شوطه قصي وان غايته ف هذا الشوط أن يصل على مقدار‬
‫من اللذة الادية‪ .‬وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الال ف عصب الياة الادية‬
‫وهو الال‪ ,‬الذي يفتح أمام النسان السبيل إل تقيق كل أغراضه وشهواته‪.‬‬
‫هذا هو التسلسل الطبيعي ف الفاهيم الادية‪ ,‬الذي يؤدي إل عقلية‬
‫رأسالية كاملة‪.‬‬
‫ل حاسا إذا رفضنا مبدأ اللكية الاصة‪ ,‬وأبقينا‬
‫أفترى أن الشكلة تل ح ً‬
‫تلك الفاهيم الادية عن الياة‪ ,‬كما حاول أولئك الفكرون ؟! وهل يكن أن‬
‫ينجو الجتمع من مأساة تلك الفاهيم‪ ,‬بالقضاء على اللكية الاصة فقط‪,‬‬
‫ويصل على ضمان لسعادته واسقراره؟!‪ ,‬مع أن ضمان سعادته واستقراره‪,‬‬
‫يتوقف إل حد بعيد على ضمان عدم انراف السؤولي عن مناهجهم‬
‫وأهدافهم الصلحية‪ ,‬ف ميدان العمل والتنفيذ‪.‬‬
‫والفروض ف هؤلء السؤولي أنم يعتنقون نفس الفاهيم الادية‬
‫الاصة‪ ,‬عن الياة الت قامت عليها الرأسالية‪ ,‬وإنا الفرق أن هذه الفاهيم‬
‫أفرغوها ف قوالب فلسفية جديدة‪ ,‬ومن الفرض العقول الذي يتفق ف كثي‬
‫من الحايي‪ ,‬أن تقف الصلحة الاصة ف وجه مصلحة الجموع‪ ,‬وأن يكون‬

‫الفرد بي خسارة وأل يتحملها لساب الخرين‪ ,‬وبي ربح ولذة يتمتع بما‬
‫على حسابم‪ ,‬فماذا تقدر للمة وحقوقها‪ ,‬وللمذهب وأهدافه‪ ,‬من ضمان ف‬

‫‪32‬‬
‫مثل هذه اللحظات الطية‪ ,‬الت تر على الاكمي؟! والصلحة الذاتية ل‬
‫تتمثل فقط ف اللكية الفردية‪ ,‬ليقضي على هذا الفرض الذي افترضناه‪,‬‬
‫بالغاء مبدأ اللكية الاصة بل هي تتمثل ف أساليب‪ ,‬وتتلون بألوان شت‪.‬‬
‫ودليل ذلك ما أخذ يكشف عنه زعماء الشيوعية اليوم من خيانات الاكمي‬
‫السابقي‪ ,‬والتوائهم على ما يتبنون من أهداف‪.‬‬
‫إن الثروة تسيطر عليها الفئة الرأسالية ف ظل القتصاد الطلق‪,‬‬
‫والريات الفردية‪ ,‬وتتصرف فيها بعقليتها الادية ‪ ...‬تسلم ـ عند تأميم الدولة‬
‫لميع الثروات‪ ,‬والغاء اللكية الاصة ـ إل نفس جهاز الدولة‪ ,‬الكون من‬
‫جاعة تسيطر عليهم نفس الفاهيم الادية عن الياة‪ ,‬والت تفرض عليهم‬
‫تقدي الصال الشخصية بكم غريزة حب الذات‪ ,‬وهي تأب أن يتنازل‬
‫النسان عن لذة ومصلحة بل عوض‪ .‬وما دامت الصلحة الادية هي القوة‬
‫السيطرة‪ ,‬بكم مفاهيم الياة الادية‪ ,‬فسوف تستانف من جديد ميادين‬
‫للصراع والتنافس‪ ,‬وسوف يعرض الجتمع لشكال من الطر والسغلل‪.‬‬
‫فالطر على النسانية يكمن كله ف تلك الفاهيم الادية‪ ,‬وما ينبثق عنها‬
‫من مقاييس للهداف والعمال‪ .‬وتوحيد الثروات الرأسالية ـ الصغية أو‬
‫الكبية ـ ف ثروة كبى يسلم أمرها للدولة‪ ,‬من دون تطوير جديد للذهنية‬
‫النسانية ‪ ...‬ل يدفع ذلك الطر‪ ,‬بل يعل من المة جيعا عمال شركة‬
‫واحدة‪ ,‬ويربط حياتم وكرامتهم باقطاب تلك الشركة وأصحابا‪.‬‬
‫نعم إن هذه الشركة تتلف عن الشركة الرأسالية ف أن أصحاب تلك‬
‫الشركة الرأسالية هم الذين يلكون أرباحها‪ ,‬ويصرفونا ف أهوائهم‬
‫الاصة‪ .‬وأما أصحاب هذه الشركة فهم ل يلكون شيئا من ذلك‪ ,‬ف‬
‫مفروض النظام‪ ,‬غي أن ميادين الصلحة الشخصية ل تزال مفتوحة‪ ,‬والفهم‬
‫الادي للحياة ـ الذي يعل من تلك الصلحة هدفا ومبرا ـ ل يزال قائما‪.‬‬

‫ڤ‪.................................................‬كيف تعال الشكلة؟‬


‫والعال أمامه سبيلن إل دفع الطر‪ .‬وإقامة دعائم الجتمع الستقر‪:‬‬

‫‪33‬‬
‫أحدها‪ :‬أن يبدل النسان غي النسان‪ ,‬أو تلق فيه طبيعة جديدة تعله‬
‫يضحي بصاله الاصة‪ ,‬ومكاسب حياته الادية الحدودة ‪ ...‬ف سبيل‬
‫الجتمع ومصاله‪ ,‬مع إيانه بأنه ل قيم إل قيم تلك الصال الادية ول‬
‫سبيل إل مكاسب هذه الياة الحدودة‪ .‬وهذا إنا يتم إذا انتزع من صميم‬
‫طبيعته حب الذات‪ ,‬وأبدل بب الماعة‪ ,‬فيولد النسان وهو ل يب ذاته‪,‬‬
‫إل باعتبار كونه جزءً من الجتمع‪ ,‬ول يلتذ لسعادته ومصاله‪ ,‬إل با أنا‬
‫تثل جانبا من السعادة العامة ومصلحة الجموع‪ .‬فإن غريزة حب الماعة‬
‫تكون ضامنة حينئذ للسعي وراء مصالها وتقيق متطلباتا‪ ,‬بطريقة ميكانيكية‬
‫وأسلوب آل‪.‬‬
‫والسبيل الخر‪ ,‬الذي يكن للعال سلوكه لدرء الطر حاضر‬
‫النسانية ومستقبلها هو أن يطور الفهوم الادي للنسان عن الياة‪ ,‬وبتطويره‬
‫تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها‪ ,‬وتتحقق العجزة حينئذ من أيسر طريق‪.‬‬
‫والسبيل الول هو الذي يلم أقطاب الشيوعيي بتحقيقه للنسانية ف‬
‫مستقبلها‪ ,‬ويعدون العال بأنم سوف ينشؤونا إنشا ًء جديدا‪ .‬يعلها تتحرك‬
‫ميكانيكيا إل خدمة الماعة ومصالها‪ .‬ولجل أن يتم هذا العمل البار‪,‬‬
‫يب أن نوكل قيادة العال اليهم‪ ,‬كما يوكل أمر الريض إل الراح‪ ,‬ويفوض‬
‫إليه تطبيبه وقطع الجزاء الفاسدة منه‪ ,‬وتعديل العوج منها‪ .‬ول يعلم أحد‬
‫كم تطول هذه العملية الراحية الت تعل النسانية تت مبضع جراح‪ .‬وإن‬
‫استسلم النسانية لذلك لو أكب دليل على مدى الظلم الذي قاسته ف النظام‬
‫الديقراطي الرأسال‪ ,‬الذي خدعها بالريات الزعومة‪ ,‬وسلب منها أخيا‬
‫كرامتها‪ ,‬وامتص دماءها‪ ,‬ليقدمها شرابا سائغا للفئة الت يثلها الاكمون‪.‬‬
‫والفكرة ف هذا الرأي‪ ,‬القائل بعالة الشكلة عن طريق تطوير النسانية‬
‫وانشائها من جديد‪ ...‬ترتكز على مفهوم الاركسية عن حب الذات‪ .‬فإن‬
‫الاركسية تعتقد أن حب الذات ليس ميلً طبيعيا وظاهرة غريزية ف كيان‬

‫النسان‪ ,‬وإنا هو نتيجة للوضع الجتماعي القائم على أساس اللكية‬


‫الفردية‪ ,‬فأن الالة الجتماعية للملكية الاصة هي الت تكون الحتوى‬
‫الروحي والداخلي للنسان‪ ,‬وتلق ف الفرد حبه لصاله الاصة ومنافعه‬
‫الفردية‪ .‬فإذا حدثت ثورة ف السس الت يقوم عليها الكيان الجتماعي‪,‬‬

‫‪34‬‬
‫وحلت اللكية الماعية والشتراكية مل اللكية الاصة‪ ...‬فسوف تنعكس‬
‫الثورة ف كل أرجاء الجتمع وف الحتوى الداخلي للنسان‪ ,‬فتنقلب مشاعره‬
‫الفردية إل مشاعر جاعية‪ ,‬ويتحول حبه لصاله ومنافعه الاصة إل حب‬
‫لنافع الماعة ومصالها‪ ,‬وفقا لقانون التوافق بي حالة اللكية الساسية‬
‫ومموع الظواهر الفوقية الت تتكيف بوجبها‪.‬‬
‫والواقع أن هذا الفهوم الاركسي لب الذات‪ ,‬يقدر العلقة بي الواقع‬
‫الذات (غريزة حب الذات)‪ ,‬وبي الوضاع الجتماعية بشكل مقلوب‪ .‬وإل‬
‫فيكف نستطيع أن نؤمن بأن الدافع الذات وليد اللكية الاصة‪ ,‬والتناقضات‬
‫الطبقية الت تنجم عنها؟! فإن النسان لو ل يكن يلك سلفا الدافع الذات‪ ,‬لا‬
‫أوجد هذه التناقضات‪ ,‬ول فكر ف اللكية الاصة والستئثار الفردي‪ .‬ولاذا يستاثر‬
‫النسان بكاسب النظام‪ ,‬ويضعه بالشكل الذي يفظ مصاله على‬
‫حساب الخرين‪ ,‬ما دام ل يس بالدافع الذات ف أعماق نفسه؟! فالقيقة‬
‫بأن الظاهر الجتماعية للنانية ف القل القتصادي والسياسي‪ ...‬ل تكن‬
‫إل نتيجة للدافع الذات‪ ,‬لغريزة حب الذات‪ .‬فهذا الدافع أعمق منها ف كيان‬
‫النسان‪ ,‬فل يكن أن يزول وتقتلع جذوره بإزالة تلك الثار‪ ,‬فان عملية‬
‫كهذه ل تعدو أن تكون استبدا ًل لثار بأخرى قد تتلف ف الشكل والصورة‪,‬‬
‫لكنها تتفق معها ف الوهر والقيقة‪.‬‬
‫أضف إل ذلك‪ ,‬أننا لو فسرنا الدافع الذات‪( :‬غريزة حب الذات)‬
‫تفسيا موضوعيا‪ ,‬ـ بوصفه انعكاسا لظواهر الفردية ف النظام الجتماعي‪,‬‬
‫كظاهرة اللكية الاصة ـ كما صنعت الاركسية‪ ,‬فل يعن هذا أن الدافع الذات‬
‫سوف يفقد رصيده الوضوعي وسببه من النظام الجتماعي‪ ,‬بإزالة اللكية‬
‫الاصة لنا وإن كانت ظاهرة ذات طابع فردي‪ ,‬ولكنها ليست هي الوحيدة‬
‫من نوعها‪ ,‬فهناك ـ مثلً ـ ظاهرة الدراة الاصة‪ ,‬الت يتفظ با حت النظام‬

‫الشتراكي‪ .‬فان النظام الشتراكي وإن كان يلغي اللكية الاصة لوسائل النتاج‪,‬‬
‫غي أنه ل يلغي إدارتا الاصة من قبل هيئات الهاز الاكم‪ ,‬الذي‬
‫يارس ديكتاتورية البوليتاريا‪ ,‬ويتكر الشراف على جيع وسائل النتاج‬
‫وإدارتا‪ .‬إذ ليس من العقول أن تدار وسائل النتاج ف لظة تأميمها إدارة‬
‫جاعية اشتراكية‪ .‬من قبل أفراد الجتمع كافة‪ .‬فالنظام الشتراكي يتفظ أذن‬

‫‪35‬‬
‫بظواهر فردية بارزة‪ ,‬ومن الطبيعي لذه الظواهر الفردية ان تافظ على الدافع‬
‫الذات‪ ,‬وتعكسه ف الحتوى الداخلي للنسان باستمرار‪ ,‬كما كانت تصنع‬
‫ظاهرة اللكية الاصة‪.‬‬
‫وهكذا نعرف قيمة السبيل الول لل الشكلة‪ :‬السبيل الشيوعي الذي‬
‫ل وحده‬
‫يعتب إلغاء تشريع اللكية الاصة وموها من سجل القانون ‪ ...‬كفي ً‬
‫بل الشكلة وتطوير النسان‪.‬‬
‫وأما السبيل الثان ـ الذي مر بنا ـ فهو الذي سلكه السلم‪ ,‬إيانا منه بأن‬
‫الل الوحيد للمشكلة تطوير الفهوم الادي للنسان عن الياة‪ .‬فلم يبتدر إل‬
‫مبدأ اللكية الاصة ليبطله‪ ,‬وإنا غزا الفهوم الادي عن الياة ووضع للحياة‬
‫مفهوما جديدا‪ ,‬وأقام على أساس ذلك الفهوم نظاما ل يعل فيه الفرد آلة‬
‫ميكانيكية ف الهاز الجتماعي‪ ,‬ول الجتمع هيئة قائمة لساب الفرد‪ ,‬بل‬
‫وضع لكل منهما حقوقه‪ ,‬وكفل للفرد كرامته العنوية والادية معا‪ .‬فالسلم‬
‫وضع يده على نقطة الداء القيقية ف النظام الجتماعي للديقراطية‪ ,‬وما إليه‬
‫من أنظمة ‪ ...‬فمحاها موا ينسجم مع الطبيعة النسانية‪ .‬فان نقطة الرتكاز‬
‫الساسية لا ضجت به الياة البشرية من أنواع الشقاء وألوان الآسي‪ ...‬هي‬
‫النظرة الادية إل الياة الت نتصرها بعبارة مقتضبة ف افتراض حياة النسان‬
‫ف الدنيا هي كل ما ف الساب من شيء‪ ,‬وإقامة الصلحة الشخصية مقياسا‬
‫لكل فعالية ونشاط‪.‬‬
‫إن الديقراطية الرأسالية نظام مكوم عليه بالنيار والفشل الحقق ف‬
‫نظر السلم‪ ,‬ولكن ل باعتبار ما يزعمه القتصاد الشيوعي من تناقضات‬
‫رأس الال بطبيعته‪ ,‬وعوامل الفناء الت تملها اللكية الاصة ف ذاتا‪...‬‬

‫لن السلم يتلف ف طريقته النطقية‪ ,‬واقتصاده السياسي‪ ,‬وفلسفته‬


‫الجتماعية ‪ ...‬عن مفاهيم هذا الزعم وطريقته الدلية ـ كما أوضحنا ذلك ف‬
‫كتاب (اقتصادنا) ـ ويضمن وضع اللكية الفردية ف تصميم اجتماعي‪ .‬خال من‬
‫تلك التناقضات الزعومة‪.‬‬
‫بل أن مرد الفشل والوضع الفاجع‪ ,‬الذي منيت به الديقراطية الرأسالية ف‬
‫عقيدة السلم إل مفاهيمها الادية الالصة‪ ,‬الت ل يكن أن يسعد البشر‬
‫بنظام يستوحي جوهره منها‪ ,‬ويستمد خطوطه العامة من روحها وتوجيهها‪.‬‬

‫‪36‬‬
‫فل بد إذن من معي آخر ـ غي الفاهيم الادية عن الكون ـ يستقي منه‬
‫النظام الجتماعي‪ .‬ول بد من وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقية‬
‫للحياة‪ ,‬ويتبن القضية النسانية الكبى‪ ,‬ويسعى إل تقيقها على قاعدة تلك‬
‫الفاهيم‪ ,‬ويدرس مسائل العال من هذه الزاوية‪ .‬وعند اكتمال هذا الوعي‬
‫السياسي ف العال‪ ,‬واكتساحه لكل وعي سياسي آخر‪ ,‬وغزوه لكل مفهوم‬
‫للحياة ل يندمج بقاعدته الرئيسية ‪ ...‬يكن أن يدخل العال ف حياة جديدة‪,‬‬
‫مشرقة بالنور عامرة بالسعادة‪.‬‬
‫إن هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة السلم القيقي ف العال وأن‬
‫هذه الرسالة النقذة لي رسالة السلم الالدة‪ ,‬الت استمدت نظامها‬
‫الجتماعي ـ الختلف عن كل ما عرضناه من أنظمة ـ من قاعدة فكرية جديدة‬
‫للحياة والكون‪.‬‬
‫وقد أوجد السلم بتلك القاعدة الفكرية النظرة الصحيحة للنسان إل‬
‫حياته‪ ,‬فجعله يؤمن بأن حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال‪ ,‬وانا اعداد‬
‫للنسان ال عال ل عناء فيه ول شقاء‪ ,‬ونصب له مقياسا خلقيا جديدا ف كل‬
‫خطواته وأدواره‪ ,‬وهو‪ :‬رضا ال تعال‪ .‬فليس كل ما تفرضه الصلحة‬
‫الشخصية فهو جائز‪ ,‬وكل ما يؤدي ال خسارة شخصية فهو مرم وغي‬
‫مستساغ ‪ ...‬بل الدف الذي رسه السلم للنسان ف حياته هو الرضا‬
‫اللي‪ ,‬والقياس اللقي الذي توزن به جيع العمال إنا هو مقدار ما يصل‬
‫با من هذا الدف القدس‪ ,‬والنسان الستقيم هو النسان الذي يقق هذا‬

‫الدف‪ ,‬والشخصية السلمية الكاملة هي الشخصية الت سارت ف شت‬


‫أشواطها على هدي هذا الدف‪ ,‬وضوء هذا القياس‪ ,‬وضمن اطاره العام‪.‬‬
‫وليس هذا التحويل ف مفاهيم النسان اللقية وموازينه وأغراضه يعن‬
‫تغيي الطبيعة النسانية‪ ,‬وإنشائها إنشاءا جديدا‪ ,‬كما كانت تعن الفكرة‬
‫الشيوعية‪ .‬فحب الذات ـ أي حب النسان لذاته وتقيق مشتيهاتا‬
‫الاصة ـ طبيعي ف النسان‪ ,‬ول نعرف استقراء ف ميدان تريب‪ .‬أوضح من‬
‫استقراء النسانية ف تاريها الطويل‪ ,‬الذي يبهن على ذاتية حب الذات‪ .‬بل‬
‫لو ل يكن حب الذات طبيعيا وذاتيا للنسان لا اندفع النسان الول ـ قبل كل‬
‫تكوينة اجتماعية ـ إل تقيق حاجاته‪ ,‬ودفع الخطار عن ذاته‪ ,‬والسعي وراء‬

‫‪37‬‬
‫مشتهياته ‪ ...‬بالساليب البدائية الت حفظ با حياته وأبقى وجوده‪ ,‬وبالتال‬
‫خوض الياة الجتماعية والندماج ف علقات مع الخرين‪ ,‬تقيقا لتلك‬
‫الاجات ودفعا لتلك الخطار‪ .‬ولا كان حب الذات يتل هذا الوضع من‬
‫طبيعة النسان‪ ,‬فأي علج حاسم للمشكلة النسانية الكبى يب أن يقوم‬
‫على أساس اليان بذه القيقة‪ .‬وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلب‬
‫عليها‪ ,‬فهو علج مثال ل ميدان له ف واقع الياة العملية الت يعيشها‬
‫النسان‪.‬‬
‫ڤ‪.............................................................‬رسالة الدين‬
‫ويقوم الدين هنا برسالته الكبى الت ل يكن أن يضطلع باعبائها غيه‪,‬‬
‫ول أن تقق أهدافها البناءة وأغراضها الرشيدة إل على اسسه وقواعده‪ ,‬فيبط‬
‫بي القياس اللقي الذي يضعه للنسان وحب الذات التركز ف فطرته‪.‬‬
‫وف تعبي آخر‪ :‬إن الدين يوحد بي القياس الفطري للعمل والياة‪,‬‬
‫وهو حب الذات‪ ,‬والقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والياة‪ ,‬ليضمن‬
‫السعادة والرفاه والعدالة‪.‬‬
‫إن القياس الفطري يتطلب من النسان أن يقدم مصاله الذاتية على‬
‫مصال الجتمع ومقومات التماسك فيه‪ ,‬والقياس الذي ينبغي أن يكم‬

‫ويسود هو القياس الذي تتعادل ف حسابه الصال كلها‪ ,‬وتتوازن ف مفاهيمه‬


‫القيم الفردية والجتماعية‪.‬‬
‫فكيف يتم التوفيق بي القياسي وتوحيد اليزاني‪ ,‬لتعود الطبيعة النسانية‬
‫ف الفرد عامل من عوامل الي والسعادة للمجموع‪ .‬بعد أن كانت مثار الأساة‬
‫والنعة الت تتفنن ف النانية وأشكالا؟‪.‬‬
‫إن التوفيق والتوحيد يصل بعملية يضمنها الدين للبشرية التائهة‪ ,‬وتتخذ‬
‫العملية أسلوبي‪:‬‬
‫السلوب الول‪ :‬هو تركيز التفسي الواقعي للحياة‪ ,‬وإشاعة فهمها ف‬
‫لونا الصحيح‪ ,‬كمقدمة تهيدية إل حياة أخروية‪ ,‬يكسب النسان فيها من‬
‫السعادة على مقدار ما يسعى ف حياته الحدودة هذه‪ .‬ف سبيل تصيل رضا‬
‫ال‪ .‬فالقياس اللقي ـ أو رضا ال تعال ـ يضمن الصلحة الشخصية‪ ,‬ف‬
‫نفس الوقت الذي يقق فيه أهدافه الجتماعية الكبى‪ .‬فالدين يأخذ بيد‬

‫‪38‬‬
‫النسان إل الشاركة ف إقامة الجتمع السعيد والحافظة على قضايا العدالة‬
‫فيه‪ ,‬الت تقق رضا ال تعال‪ ,‬لن ذلك يدخل ف حساب ربه الشخصي‪,‬‬
‫ما دام كل عمل ونشاط ف هذا اليدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجله‪.‬‬
‫فمسألة الجتمع هي مسالة الفرد أيضا‪ ,‬ف مفاهيم الدين عن الياة‬
‫وتفسيها‪ .‬ول يكن أن يصل هذا السلوب من التوفيق ف ظل فهم مادي‬
‫للحياة‪ ,‬فان الفهم الادي للحياة يعل النسان بطبيعته ل ينظر إل إل ميدانه‬
‫الاضر وحياته الحدودة‪ ,‬على عكس التفسي الواقعي للحياة الذي يقدمه‬
‫السلم‪ ,‬فانه يوسع من ميدان النسان‪ ,‬ويفرض عليه نظرة أعمق إل‬
‫مصاله ومنافعه‪ ,‬ويعل من السارة العاجلة ربا حقيقيا ف هذه النظرة‬
‫العميقة‪ ,‬ومن الرباح العاجلة خسارة حقيقية ف ناية الطاف‪:‬‬
‫(مَ ْن َع ِملَ صَاِلحًا َفلِنَ ْفسِهِ َومَ ْن َأسَاء فَ َعلَ ْيهَا)‪.‬‬
‫ك يَ ْد ُخلُونَ اْلجَنّ َة‬
‫( َومَ ْن َعمِ َل صَاِلحًا مّن َذ َك ٍر أَ ْو أُنثَى َوهُوَ ُمؤْمِ ٌن فَأُوْلَِئ َ‬
‫ُيرْ َزقُونَ فِيهَا ِبغَ ْيرِ حِسَابٍ)‪.‬‬

‫س َأشْتَاتًا لُّيرَوْا َأ ْعمَاَلهُمْ‪َ ،‬فمَن َي ْع َملْ مِثْقَا َل ذَرّ ٍة خَ ْيرًا‬


‫(يَ ْومَئِ ٍذ يَصْدُ ُر النّا ُ‬
‫َيرَهُ‪َ ،‬ومَن يَ ْع َملْ مِ ْثقَالَ َذرّةٍ َشرّا َيرَهُ)‪.‬‬
‫خمَصَةٌ فِي سَبِي ِل اللّهِ َولَ‬
‫(ذَِلكَ بِأَّنهُ ْم لَ يُصِيُبهُمْ َظمَأٌ َولَ َنصَبٌ َولَ َم ْ‬
‫ب َلهُم ِبهِ‬
‫ل ِإ ّل كُتِ َ‬
‫َيطَؤُونَ مَ ْوطِئًا يَغِيظُ اْلكُفّارَ َو َل يَنَالُونَ مِ ْن عَدُ ّو نّ ْي ً‬
‫َع َملٌ صَاِلحٌ ِإ ّن ال ّل َه لَ يُضِي ُع َأ ْجرَ اْل ُمحْسِِنيَ َولَ يُن ِفقُو َن نَ َفقَ ًة صَ ِغيَةً َو َل‬
‫جزَِيهُمُ اللّ ُه َأحْسَ َن مَا كَانُواْ‬
‫ب َلهُمْ ِلَي ْ‬
‫كَِبيَةً َو َل يَ ْق َطعُونَ وَادِيًا ِإ ّل كُتِ َ‬
‫َي ْع َملُونَ)‪.‬‬
‫هذه بعض الصور الرائعة الت يقدمها الدين مثال على السلوب الول‪,‬‬
‫الذي يتبعه للتوفيق بي القياسي وتوحيد اليزاني فيبط بي الدوافع الذاتية‬
‫وسبل الي ف الياة‪ ,‬ويطور من مصلحة الفرد تطويرا يعله يؤمن بأن‬
‫مصاله الاصة والصال القيقية العامة للنسانية ـ الت يددها‬
‫السلم ـ مترابطتان (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ انظر اقتصادنا‪ :‬ص ‪. 308‬‬

‫‪39‬‬
‫وأما السلوب الثان الذي يتخذه الدين‪ ,‬للتوفيق بي الدافع الذات‬
‫والقيم أو الصال الجتماعية فهو التعهد بتربية اخلقية خاصة‪ ,‬تعن بتغذية‬
‫النسان روحيا‪ ,‬وتنمية العواطف النسانية والشاعر اللقية فيه‪ .‬فان ف طبيعة‬
‫النسان ـ كما العنا سابقا ـ طاقات واستعدادات ليول متنوعة‪ ,‬بعضها ميول‬
‫مادية تتفتح شهواتا بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والنس‪,‬‬
‫وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد‪ ,‬ولجل ذلك كان من‬
‫الطبيعي للنسان ـ إذا ترك لنفسه ـ أن تسيطر عليه اليول الادية لنا تتفتح‬
‫بصورة طبيعية‪ ,‬وتظل اليول العنوية واستعداداتا الكامنة ف النفس مستترة‪.‬‬
‫والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من ال‪ ,‬فهو يوكل أمر تربية‬
‫النسانية وتنمية اليول العنوية فيها إل هذه القيادة وفروعها‪ ,‬فتنشا بسبب‬
‫ذلك مموعة من العواطف والشاعر النبيلة‪ .‬ويصبح النسان يب القيم‬
‫اللقية والثل الت يربيه الدين على احترامها ويستبسل ف سبيلها‪ ,‬ويزيح عن‬

‫طريقها ما يقف أمامها من مصاله ومنافعه‪ .‬وليس معن ذلك أن حب الذات‬


‫يحى من الطبيعة النسانية بل أن العمل ف سبيل تلك القيم والثل تنفيذ‬
‫كامل لرادة حب الذات‪ .‬فان القيم بسبب التربية الدينية تصبح مبوبة‬
‫للنسان ويكون تقيق الحبوب بنفسه معبا عن لذة شخصية خاصة فتفرض‬
‫طبيعة حب الذات بذاتا السعي لجل القيم اللقية الحبوبة تقيقا للذة‬
‫خاصة بذلك‪.‬‬
‫فهذان ها الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط السألة اللقية بالسألة‬
‫الفردية‪ ,‬ويتلخص أحدها ف إعطاء التفسي الواقعي لياة أبدية ل لجل أن‬
‫يزهد النسان ف هذه الياة‪ ,‬ول لجل ان ينع للظلم ويقر على غي‬
‫العدل ‪ ...‬بل لجل ضبط النسان بالقياس اللقي الصحيح‪ ,‬الذي يده‬
‫ذلك التفسي بالضمان الكاف‪.‬‬
‫ويتلخص الخر ف التربية اللقية الت ينشأ عنها ف نفس النسان متلف‬
‫الشاعر والعواطف‪ ,‬الت تضمن إجراء القياس اللقي بوحي من الذات‪.‬‬
‫فالفهم العنوي للحياة والتربية اللقية للنفس ف رسالة السلم ‪ ...‬ها‬
‫السببان الجتمعان على معالة السبب العمق للمأساة النسانية‪.‬‬

‫‪40‬‬
‫ولنعب دائما عن فهم الياة على أنا تهيد لياة أبدية بالفهم العنوي‬
‫للحياة‪ .‬ولنعب أيضا عن الشاعر والحاسيس‪ ,‬الت تغذيها التربية اللقية‬
‫بالحساس اللقي بالياة‪.‬‬
‫فالفهم العنوي للحياة والحساس اللقي با‪ ,‬ها الركيزتان اللتان يقوم‬
‫على أساسهما القياس اللقي الديد‪ ,‬الذي يضعه السلم للنسانية وهو‪:‬‬
‫رضا ال تعال‪ .‬ورضا ال ـ هذا الذي يقيمه السلم مقياسا عاما ف‬
‫الياة ـ هو الذي يقود السفينة البشرية إل ساحل الق والي والعدالة‪.‬‬
‫فاليزة الساسية للنظام السلمي تتمثل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي‬
‫للحياة وإحساس خلقي با‪ ,‬والط العريض ف هذا النظام هو‪ :‬اعتبار الفرد‬
‫والجتمع معا‪ ,‬وتأمي الياة الفردية والجتماعية بشكل متوازن‪ .‬فليس الفرد‬

‫هو القاعدة الركزية ف التشريع والكم‪ ,‬وليس الكائن الجتماعي الكبي هو‬
‫الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لسابه‪.‬‬
‫وكل نظام اجتماعي ل ينبثق عن ذلك الفهم والحساس فهو إما نظام‬
‫يري مع الفرد ف نزعته الذاتية‪ ,‬فتتعرض الياة الجتماعية لقسى‬
‫الضاعفات وأشد الخطار‪ ,‬وأما نظام يبس ف الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته‬
‫لوقاية الجتمع ومصاله‪ .‬فينشأ الكفاح الرير الدائم بي النظام وتشريعاته‬
‫والفراد ونزعاتم‪ ,‬بل يتعرض الوجود الجتماعي للنظام دائما للنتكاس على‬
‫يد منشئه ما دام هؤلء ذوي نزعات فردية أيضا‪ ,‬وما دامت هذه النعات تد‬
‫لا ـ بكبت النعات الفردية الخرى وتسلم القيادة الاسة ـ مالً واسعا‬
‫وميدانا ل نظي له للنطلق والستغلل‪.‬‬
‫وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي با ل ينبثق عنهما نظام كامل‬
‫للحياة يسب فيه لكل جزء من الجتمع حسابه‪ ,‬وتعطى لكل فرد حريته الت‬
‫هذبا ذلك الفهم والحساس‪ ,‬والت تقوم الدولة بتحديدها ف ظروف الشذوذ‬
‫عنهما ‪ ...‬أقول أن كل عقيدة ل تلد للنسانية هذا النظام فهي ل ترج عن‬
‫كونا تلطيفا للجو وتفيفا من الويلت وليست علجا مدودا وقضا ًء حاسا‬
‫على أمراض الجتمع ومساوئه‪ .‬وإنا يشاد البناء الجتماعي التماسك على فهم‬
‫معنوي للحياة وإحساس خلقي با ينبثق عنهما‪ ,‬يل الياة بروح هذا‬
‫الحساس وجوهر ذلك الفهم‪.‬‬

‫‪41‬‬
‫وهذا هو السلم ف أخصر عبارة وأروعها‪ .‬فهو عقيدة معنوية وخلقية‪,‬‬
‫ينبثق عنها نظام كامل للنسانية‪ ,‬يرسم لا شوطها الواضح الحدد‪ ,‬ويضع لا‬
‫هدفا أعلى ف ذلك الشوط‪ ,‬ويعرفها على مكاسبها منه‪.‬‬
‫وأما أن يقضي على الفهم العنوي للحياة‪ ,‬ويرد النسان عن إحساسه‬
‫اللقي با‪ ,‬وتعتب الفاهيم اللقية أوهاما خالصة خلقتها الصال الادية‪,‬‬
‫والعامل القتصادي هو اللق لكل القيم والعنويات وترجى بعد ذلك سعادة‬
‫للنسانية‪ ,‬واسقرار اجتماعي لا‪ ,‬فهذا هو الرجاء الذي ل يتحقق إل إذا‬
‫تبدل البشر ال أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدة من الهندسي الفنيي‪.‬‬

‫وليست اقامة النسان على قاعدة ذلك الفهم العنوي للحياة والحساس‬
‫اللقي با عملً شاقا وعسيا‪ ,‬فإن الديان ف تاريخ البشرية قد قمت بأداء‬
‫رسالتها الكبية ف هذا الضمار‪ ,‬وليس لميع ما يفل به العال اليوم من‬
‫مفاهيم معنوية‪ ,‬وأحاسيس خلقية‪ ,‬ومشاعر وعواطف نبيلة ‪ ...‬تعليل أوضح‬
‫وأكثر منطقية من تعليل ركائزها وأسسها بالهود البارة الت قامت با الديان‬
‫لتهذيب النسانية والدافع الطبيعي ف النسان‪ ,‬وما ينبغي له من حياة وعمل‪.‬‬
‫وقد حل السلم الشعل التفجر بالنور‪ ,‬بعد أن بلغ البشر درجة خاصة‬
‫من الوعي‪ ,‬فبشر بالقاعدة العنوية واللقية على أوسع نطاق وأبعد مدى‪,‬‬
‫ورفع على أساسها راية إنسانية‪ ,‬وأقام دولة فكرية‪ ,‬أخذت بزمام العال ربع‬
‫قرن‪ ,‬واستهدفت إل توحيد البشر كله‪ ,‬وجعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم‬
‫أسلوب الياة ونظامها‪ .‬فالدولة السلمية لا وظيفتان‪ :‬إحداها تربية النسان‬
‫على القاعدة الفكرية‪ ,‬وطبعه ف اتاهه وأحاسيسه بطابعها‪ ,‬والخرى مراقبته‬
‫من خارج‪ ,‬وإرجاعه إل القاعدة إذا انرف عنها عمليا‪.‬‬
‫ولذلك فليس الوعي السياسي للسلم وعيا للناحية الشكلية من الياة‬
‫الجتماعية فحسب‪ ,‬بل هو وعي سياسي عميق‪ ,‬مرده إل نظرة كلية كاملة نو‬
‫الياة والكون والجتماع والسياسة والقتصاد والخلق فهذه‬
‫النظرة الشاملة هي الوعي السلمي الكامل‪.‬‬
‫وكل وعي سياسي آخر فهو إما أن يكون وعيا سياسيا سطحيا ل ينظر‬
‫إل العال من زاوية معينة‪ ,‬ول يقيم مفاهيمه على نقطة ارتكاز خاصة أو يكون‬

‫‪42‬‬
‫وعيا سياسيا يدرس العال من زاوية الادة البحتة‪ ,‬الت تون البشرية بالصراع‬
‫والشقاء ف متلف أشكالة وألوانه‪.‬‬
‫ڤ ‪.................................................................‬وأخيا‬
‫ً‬
‫واخيا‪ ,‬وف ناية مطافنا ف الذاهب الجتماعية الربعة‪ ,‬نرج بنتيجة‬
‫هي أن الشكلة الساسية الت تتولد عنها كل الشرور الجتماعية وتنبعث منها‬

‫متلف ألوان الثام ل تعال العالة الصحيحة الت تسم الداء وتستاصله من جسم‬
‫الجتمع البشري ف غي الذهب الجتماعي للسلم من مذاهب‪.‬‬
‫فل بد أن نقف عند البدأ السلمي ف فلسفته عن الياة والكون‪ ,‬وف‬
‫فلسفته عن الجتماع والقتصاد‪ ,‬وف تشريعاته ومناهجه لنحصل على الفاهيم‬
‫الكاملة للوعي السلمي‪ ,‬والفكر السلمي الشامل مقارني بينه وبي‬
‫البادئ الخرى فيما يقرر من مناهج ويتبن من عقيدة‪.‬‬
‫وبطبيعة الال أن دراستنا لكل مبدأ تبدأ بدراسة ما يقوم عليه من عقيدة‬
‫عامة من الياة والكون وطريقة فهمهما‪ ,‬فمفاهيم كل مبدأ عن الياة والكون‬
‫تشكل البنية الساسية لكيان ذلك البدأ‪ ,‬واليزان الول لمتحان البادئ هو‬
‫اختبار قواعدها الفكرية الساسية الت يتوقف على مدى أحكامها وصحتها‬
‫أحكام البنيات الفوقية وناحها‪.‬‬
‫ولجل ذلك فسوف نصص هذه اللقة الول من (كتابنا) لدراسة البنية‬
‫الول الت هي نقطة النطلق للمبدأ وندرس البنيات الفوقية ف اللقات‬
‫الخرى إن شاء ال تعال‪.‬‬
‫والنظام الرأسال الديقراطي ليس منبثقا من عقيدة معينة عن الياة‬
‫والكون ول مرتكزا على فهم كامل لقيمها الت تتصل بالياة الجتماعية وتؤثر‬
‫فيها‪ .‬وهو لذا ليس مبدأ بالعن الدقيق للفظ البدأ‪ ,‬لن البدأ عقيدة ف‬
‫الياة ينبثق عنها نظام للحياة‪.‬‬
‫وأما الشتراكية والشيوعية الاركسيتان فقد وضعتا على قاعدة فكرية وهي‬
‫(الفلسفة الادية الدلية)‪ ,‬ويتص السلم بقاعدة فكرية عن الياة لا طريقتها‬
‫الاصة ف فهم الياة وموازينها العينة لا‪.‬‬

‫‪43‬‬
‫فنحن اذن بي فلسفتي ل بد من دراستهما لنتبي القاعدة الفكرية‬
‫الصحيحة للحياة الت يب أن نشيد عليها وعينا الجتماعي السياسي لقضية‬
‫العال كله‪ ,‬ومقياسنا الجتماعي والسياسي الذي نقيس به قيم العمال ونزن‬
‫به أحداث النسانية ف مشاكلها الفردية والدولية‪.‬‬

‫والقاعدة الت يرتكز عليها البدا تتوي على الطريقة والفكرة‪ :‬أي على‬
‫تديد طريقة التفكي وتديد الفهوم للعال والياة‪ .‬ولا كنا ل نستهدف ف هذا‬
‫الكتاب إل الدراسات الفلسفية لذاتا وانا نريد دراسة القواعد الفكرية‬
‫للمبادئ‪ ,‬فسوف نقتصر على درس العنصرين الساسيي لكل قاعدة فكرية‬
‫ينبثق عنها نظام‪ ,‬وها‪ :‬طريقة التفكي‪ ,‬والفهوم الفلسفي للعال‪ .‬فهاتان‬
‫السألتان ها مدار البحث ف هذا الكتاب‪ .‬ولا كان من الضروري تديد‬
‫الطريقة قبل تكوين الفاهيم فنبدأ بنظرية العرفة الت تتوي على تديد معال‬
‫التفكي وطريقته وقيمته‪ ,‬ويتلو بعد ذلك درس الفهوم الفلسفي العام عن‬
‫العال بصورة عامة‪.‬‬
‫ويسن بالقارئ العزيز أن يعرف قبل البدء أن الستفاد من السلم‬
‫بالصميم إنا هو الطريقة والفهوم‪ ,‬أي الطريقة العقلية ف التفكي والفهوم‬
‫اللي للعال‪ .‬وأما أساليب الستدلل وألوان البهنة على هذا وذاك فلسنا‬
‫نضيفها جيمعا ال السلم‪ ,‬وإنا هي حصيلة دراسات فكرية لكبار الفكرين‬
‫من علماء السلمي وفلسفتهم‪.‬‬

‫‪44‬‬
‫‪1‬‬
‫نظريّة العرفة‬

‫‪45‬‬
46
‫○ ‪1‬ـ الصدر الساسي للمعرفة ○‬
‫تدور حول العرفة النسانية مناقشات فلسفية حادة تتل مركز رئيسيا ف‬
‫الفلسفة وخاصة الفلسفة الديثة‪ ,‬فهي نقطة النطلق الفلسفي لقامة فلسفة‬
‫متماسكة عن الكون والعال‪ ,‬فما ل تدد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه‬
‫ل يكن القيام بأية دراسة مهما كان لونا‪.‬‬

‫‪47‬‬
‫وإحدى تلك الناقشات الضخمة هي الناقشة الت تتناول مصادر العرفة‬
‫ومنابعها الساسية بالبحث والدرس‪ ,‬وتاول أن تستكشف الركائز الولية‬
‫للكيان الفكري البار الذي تلكه البشرية فتجيب بذلك على هذا السؤال‪:‬‬
‫كيف نشأت العرفة عند النسان‪ ,‬وكيف تكونت حياته العقلية بكل ما تزخر‬
‫به من أفكار ومفاهيم‪ ,‬وما هو الصدر الذي يد النسان بذلك السيل من‬
‫الفكر والدراك؟؟‬
‫إن النسان ـ كل إنسان ـ يعلم أشياء عديدة ف حياته وتتعدد ف نفسه‬
‫الوان من التفكي والدراك‪ ,‬ول شك ف أن كثيا من العارف النسانية ينشأ‬
‫بعضها عن بعض‪ ,‬فيستعي النسان بعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة‪.‬‬
‫والسألة هي أن نضع يدنا على اليوط الولية للتفكي‪ ,‬على الينبوع العام‬
‫للدراك بصورة عامة‪.‬‬
‫ويب أن نعرف قبل كل شيء أن الدراك ينقسم بصورة رئيسية إل‬
‫نوعي‪ ,‬احدها التصور وهو الدراك الساذج‪ .‬والخر التصديق وهو الدراك‬
‫النطوي على حكم‪ .‬فالتصور‪ ,‬كتصورنا لعن الرارة أو النور أو الصوت‪,‬‬
‫والتصديق‪ ,‬كتصديقنا بأن الرارة طاقة مستوردة من الشمس‪ ,‬وان الشمس‬

‫انور من القمر وان الذرة قابلة للنفجار(‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ــ ولبعـض الفلسـفة السـيي (كجون سـتورات ميـل) نظريـة خاصـة فـ‬
‫الت صديق حاولوا ب ا تف سيه بت صورين متداعي ي‪ .‬فمرد الت صديق إل قوان ي تدا عي‬
‫العان‪ ,‬وليس الحتوى النفسي ال تصور الوضوع وتصور الحمول‪ ,‬ولكن القيقة‬
‫أن تداعي العان يتلف عن طبيعة التصديق كل الختلف‪ ,‬فهو قد يتحقق ف كثي‬
‫من الجالت ول يو جد ت صديق‪ ,‬فالرجال التارييون الذ ين ت سبغ علي هم ال ساطي‬
‫ألوانا مـن البطولت يقترن تصـورهم فـ ذهننـا بتصـور تلك البطولت‪ ,‬وتتداعـى‬
‫الت صورات‪ ,‬و مع ذلك ف قد ل ن صدق بش يء من تلك ال ساطي‪ .‬فالت صديق اذن‬
‫عن صر جد يد يتاز على الت صور الالص‪ ,‬وعدم التمي يز ب ي الت صور والت صديق ف‬
‫عدة من الدرا سات الفل سفية الدي ثة أدى إل جلة من الخطاء‪ ,‬وج عل عدة من‬

‫‪48‬‬
‫ونبدأ الن بالتصورات البشرية لدرس أسبابا ومصادرها‪ ,‬ونتناول بعد‬
‫ذلك التصديقات والعارف‪.‬‬
‫ڤ‪...........................................‬التصور ومصدره الساسي‬
‫ونقصد بكلمة (الساسي) الصدر القيقي للتصورات والدراكات‬
‫البسيطة‪ .‬ذلك أن الذهن البشري ينطوي على قسمي من التصورات‪ :‬احدها‬
‫العان التصورية البسيطة‪ ,‬كمعان الوجود والوحدة والرارة والبياض وما إل‬
‫ذلك من مفردات للتصور البشري‪ ,‬والقسم الخر العان الركبة أي‬
‫ل‬
‫التصورات الناتة عن المع بي تلك التصورات البسيطة‪ .‬فقد نتصور (جب ً‬
‫من تراب) ونتصور (قطعة من الذهب) ث نركب بي هذين التصورين‬
‫فيحصل بالتركيب تصور ثالث وهو (تصور جبل من الذهب)‪ .‬فهذا التصور‬
‫مركب ف القيقة من التصورين الولي وهكذا ترجع جيع التصورات الركبة‬
‫إل مفردات تصورية بسيطة‪.‬‬
‫والسألة الت نعالها هي ماولة معرفة الصدر القيقي لذه الفردات‬

‫وسبب انبثاق هذه التصورات البسيطة ف الدراك النسان‪.‬‬


‫وهذه السالة لا تاريخ مهم ف جيع أدوار الفلسفة اليونانية والسلمية‬
‫والوروبية‪ ,‬وقد حصلت عب تاريها الفلسفي على مدة حلول تتلخص ف‬
‫النظريات التية‪:‬‬
‫‪1‬ـ نظريات الستذكار الفلطونية‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة بأن الدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة وقد‬
‫ابتدع هذه النظرية أفلطون وأقامها على فلسفته الاصة عن الثل‪ ,‬وقدم‬
‫النفس النسانية‪ ,‬فكان يعتقد أن النفس النسانية موجودة بصورة مستقلة عن‬
‫البدن قبل وجوده‪ ,‬ولا كان وجودها هذا متحررا من الادة وقيودها تررا كاملً‬
‫أتيح لا التصال بالثل ـ أي بالقائق الجردة عن الادة ـ وأمكنها العلم با‪,‬‬
‫وحي اضطرت إل البوط من عالها الجرد للتصال بالبدن والرتباط به ف‬
‫دنيا الادة‪ ,‬فقدت بسبب ذلك كل ما كانت تعلمه من تلك الثل والقائق‬

‫الفلسـفة يدرسـون مسـألة تعليـل العرفـة والدراك مـن دون ان يضعوا فارقا بيـ‬
‫التصور والتصديق‪ .‬وستعرف أن النظرية السلمية تفصل بينهما وتشرح السألة ف‬
‫كل منهما بأسلوب خاص‪.‬‬

‫‪49‬‬
‫الثابتة‪ ,‬وذهلت عنها ذهول تاما‪ ,‬ولكنها تبدأ باسترجاع ادراكاتا عن طريق‬
‫الحساس بالعان الاصة والشياء الزئية‪ ,‬لن هذه العان والشياء كلها‬
‫ظلل وانعكاسات لتلك الثل والقائق الزلية الالدة ف العال الذي كانت‬
‫تعيش النفس فيه‪ .‬فمت أحست بعن خاص انتقلت فورا إل القيقة الثالية‬
‫الت كانت تدركها قبل اتصالا بالبدن‪ ,‬وعلى هذا الساس يكون ادراكنا‬
‫للنسان العام أي لفهوم النسان بصورة كلية عبارة عن استذكار لقيقة مردة‬
‫كنا قد غفلنا عنها‪ ,‬وإنا استذكرناها بسبب الحساس بذا النسان الاص أو‬
‫ذاك من الفراد الت تعكس ف عال الادة تلك القيقة الجردة‪.‬‬
‫فالتصورات العامة سابقة على الحساس‪ ,‬ول يقوم الحساس إل بعملية‬
‫استرجاع واستذكار لا‪ ,‬والدراكات العقلية ل تتعلق بالمور الزئية الت‬
‫تدخل ف نطاق الس‪ ,‬وإنا تتعلق بتلك القائق الكلية الجردة‪.‬‬
‫وهذه النظرية ترتكز على قضيتي فلسفيتي‪ :‬أحداها أن النفس موجودة‬
‫قبل وجود البدن ف عال اسى من الادة‪ ,‬والخرى ان الدراك العقلي عبارة‬

‫عن إدراك القائق الجردة الثابتة ف ذلك العال السى والت يصطلح عليها‬
‫افلطون بكلمة (الثل)‪.‬‬
‫وكلتا القضيتي خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الفلطونية‬
‫فالنفس ف مفهومها الفلسفي العقول ليس شيئا موجودا بصورة مردة قبل‬
‫وجود البدن‪ ,‬بل هي نتاج حركة جوهرية ف الادة‪ ,‬تبدأ النفس با مادية‬
‫متصفة بصائص الادة وخاضعة لقوانينها‪ ,‬وتصبح بالركة والتكامل وجودا‬
‫مردا عن الادة ل يتصف بصفاتا ول يضع لقوانينها‪ ,‬وإن كان خاضعا‬
‫لقواني الوجود العامة‪ ,‬فإن هذا الفهوم الفلسفي عن النفس هو الفهوم الوحيد‬
‫الذي يستطيع أن يفسر الشكلة‪ ,‬ويعطي إيضاحا معقول عن العلقة القائمة‬
‫بي النفس والادة‪ ,‬بي النفس والبدن‪ .‬وأما الفهوم الفلطون الذي يفترض‬
‫للنفس وجودا سابقا على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسي هذه العلقة‪,‬‬
‫وتعليل الرتباط القائم بي البدن والنفس‪ ,‬وعن إيضاح الظروف الت جعلت‬
‫النفس تبط من مستواها إل الستوى الادي‪.‬‬
‫كما أن الدراك العقلي يكن إيضاحه مع إبعاد فكرة الثل عن مال البحث‬
‫با شرحه أرسطو ف فلسفته من أن العان الحسوسة هي نفسها العان العامة‬

‫‪50‬‬
‫الت يدركها العقل بعد تريدها عن الصائص الميزة للفراد واستبقاء العن‬
‫الشترك‪ ,‬فليس النسان العام الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها ف‬
‫عال أسى‪ ,‬بل هو صورة هذا النسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد‬
‫عليها واستخلص العن العام منها‪.‬‬
‫‪2‬ـ النظريات العقلية‪:‬‬
‫وهي لعدد من كبار فلسفة أوروبا كـ (ديكارت(‪ ))1‬و(كانت) وغيها‪.‬‬
‫وتتلخص هذه النظرية ف العتقاد بوجود منبعي للتصورات‪ :‬احدها‬
‫الحساس‪ ,‬فنحن نتصور الرارة والنور والطعم والصوت لجل احساسنا‬

‫‪ 1‬ـ راجع‪ :‬مدخل ال فلسفة ديكارت ـ سلسلة الكتبة الفلسفية رقم ‪5‬‬
‫منشورات عويدات‪.‬‬

‫‪51‬‬
‫بذلك كله‪ ,‬والآخر الفطرة بعن أن الذهن البشري يلك معان وتصورات ل‬
‫تنبثق عن الس وإنا هي ثابتة ف صميم الفطرة‪ ,‬فالنفس تستنبط من ذواتا‪.‬‬
‫وهذه التصورات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (ال والنفس والمتداد‬
‫والركة) وما إليها من أفكار تتميز بالوضوح الكامل ف العقل البشري‪ .‬وأما‬
‫عند (كانت) فالانب الصوري للدراكات والعلوم النسانية كله فطري با يشتمل‬
‫عليه من صورت الزمان والكان والقولت الثنت عشرة العروفة عنه‪.‬‬
‫فالس على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصورات والفكار‬
‫البسيطة‪ ,‬ولكنه ليس هو السبب الوحيد‪ ,‬بل هناك الفطرة الت تبعث ف‬
‫الذهن طائفة من التصورات‪.‬‬
‫والذي اضطر العقليي إل اتاذ هذه النظرية ف تعليل التصورات‬
‫البشرية‪ ,‬هو أنم ل يدوا لطائفة من العان والتصورات مبرا لنبثاقها عن‬
‫الس لنا معان غي مسوسة‪ ,‬فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطا ذاتيا‬
‫من صميمها‪ ,‬ويتضح من هذا أن الدافع الفلسفي إل وضع النظرية العقلية‬
‫يزول تاما إذا استطعنا أن نفسر التصورات الذهنية تفسيا متماسكا من دون‬
‫حاجة إل افتراض أفكار فطرية‪ .‬ولجل ذلك يكننا تفنيد النظرية العقلية عن‬
‫طريقي‪:‬‬
‫احدها‪ :‬تليل الدراك تليل يرجعه برمته إل الس وييسر فهم كيفية‬
‫تولد التصورات كافة عنه‪ .‬فان مثل هذا التحليل يعل نظرية الفكار الفطرية‬
‫بل مبر مطلقا لنا ترتكز على فصل بعض العان عن مال الس‬
‫فصل نائيا‪ ,‬فإذا أمكن تعميم الس لشت ميادين التصور ل تبق ضرورة‬
‫للتصورات الفطرية‪ ,‬وهذا الطريق هو الذي اتذه (جون لوك) للرد على‬
‫(ديكارت) ونوه من العقليي‪ ,‬وسار عليه رجال البدأ السي مثل (باركلي)‬
‫و (دافيد هيوم) بعد ذلك‪.‬‬
‫والطريق الخر‪ ,‬هو السلوب الفلسفي للرد على التصورات الفطرية‬
‫ويرتكز على قاعدة أن الثار الكثية ل يكن أن تصدر عن البسيط باعتباره‬
‫بسيطا‪ ,‬والنفس بسيطة فل يكن أن تكون سببا بصورة فطرية لعدة من‬

‫التصورات والفكار‪ ,‬بل يب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من‬


‫الداركات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثية‪ ,‬وهي آلت الس وما‬
‫يطرأ عليها من متلف الحاسيس(‪.)1‬‬

‫ـ وبكل مة أك ثر تف صيلً‪ ,‬إن كثرة الثار تك شف عن أ حد أمور‪ :‬ا ما كثرة‬ ‫‪1‬‬

‫الفاعـل‪ ,‬وأمـا كثرة القابـل‪ ,‬وأمـا الترتـب النطقـي بيـ الثار ذواتاـ‪ ,‬وأمـا كثرة‬

‫‪52‬‬
‫ونقد هذا البهان بصورة كاملة يتطلب منا أن نشرح القاعدة الت قام‬
‫على أساسها؛ ونعطي إيضاحا عن حقيقة النفس وبساطتها‪ ,‬وهذا ما ل يتسع‬
‫له مالنا الن‪ .‬ولكن يب أن نشي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬إل أن هذا البهان ـ إذا أمكن قبوله ـ فهو ل يقضي على نظرية‬
‫الفكار الفطرية تاما لنه إنا يدلل على عدم وجود كثرة من الدراكات‬
‫بالفطرة‪ ,‬ول يبهن على أن النفس ل تلك بفطرتا شيئا مدودا من‬
‫التصورات يتفق مع وحدتا وبساطتها‪ ,‬وتتولد عنه عدة أخرى من التصورات‬
‫بصورة مستقلة عن الس‪.‬‬
‫ونوضح ثانيا‪ :‬أن النظرية العقلية إذا كانت تعن وجود أفكار فطرية‬
‫ل‬
‫بالفعل لدى النفس النسانية أمكن للبهان الذي قدمناه أن يرد عليها قائ ً‬
‫أن النفس بسيطة بالذات فكيف ولدت ذلك العدد الضخم من الفكار‬
‫الفطرية‪ ,‬بل لو كان العقليون ينحون إل اليان بذلك حقا لكفي وجداننا‬
‫البشري ف الرد على نظريتهم‪ ,‬لننا جيعا نعلم أن النسان لظة وجوده على‬
‫وجه الرض ل توجد لديه أية فكرة مهما كانت واضحة وعامة ف الذهنية‬
‫البشرية‪.‬‬
‫سمْعَ‬
‫(وَال ّلهُ َأ ْخ َر َجكُم مّن ُبطُو ِن ُأ ّمهَاِتكُمْ لَ تَ ْع َلمُو َن شَيْئًا َوجَ َع َل َلكُمُ الْ ّ‬
‫ش ُكرُونَ )‪.‬‬
‫وَالَبْصَارَ وَالَ ْفئِدَةَ َل َع ّلكُمْ َت ْ‬

‫ولكن يوجد تفسي آخر للنظرية العقلية‪ ,‬ويتلخص ف اعتبار الفكار‬


‫الفطرية موجودة ف النفس بالقوة وتكتسب صفة الفعلية بتطور النفس وتكاملها‬
‫الذهن‪ .‬فليس التصور الفطري نابعا من الس وإنا يتويه وجود النفس ل‬
‫شعوريا وبتكامل النفس يصبح إدراكا شعوريا واضحا كما هو شان الدراكات‬
‫والعلومات الت نستذكرها فنثيها من جديد بعد أن كانت كامنة وموجودة‬
‫بالقوة‪.‬‬

‫الشرائط‪ .‬و ف م سألتنا ل شك ف أن الت صورات ال ت نب حث عن منشئ ها كثية‬


‫ومتنو عة مع أ نه ل كثرة ف الفا عل والقا بل‪ ,‬لن الفا عل والقا بل للت صورات هو‬
‫النفـس والنفـس بسـيطة‪ ,‬ول ترتـب أيضـا بيـ التصـورات فل يبقـى إل أن نأخـذ‬
‫بالتفسـي الخيـ وهـو أن تسـتند التصـورات الكثية إل شرائط خارجيـة وهـي‬
‫الحساسات الختلفة التنوعة‪.‬‬

‫‪53‬‬
‫والنظرية العقلية على ضوء هذا التفسي ل يكن أن ترد بالبهان بالفلسفي‬
‫أو الدليل العلمي السابق ذكرها‪.‬‬
‫‪3‬ـ النظرية السية‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة أن الحساس هو المون الوحيد للذهن البشري‬
‫بالتصورات والعان‪ ,‬والقوة الذهنية هي القوة العاكسة للحساسات الختلفة ف‬
‫الذهن‪ .‬فنحن حي نس بالشيء نستطيع أن نتصوره ـ أي ان نأخذ صورة‬
‫عنه ف ذهننا ـ وأما العان الت ل يتد إليها الس فل يكن للنفس ابتداعها‬
‫وابتكارها ذاتيا وبصورة مستقلة‪.‬‬
‫وليس للذهن بناء على هذه النظرية إل التصرف ف صور العان‬
‫الحسوسة‪ ,‬وذلك بالتركيب والتجزئة بأن يركب بي تلك الصور أو يزئ‬
‫الواحدة منها‪ ,‬فيتصور جبل من ذهب او يزئ الشجرة الت ادركها ال قطع‬
‫وأجزاء‪ .‬أو التجريد والتعميم‪ ,‬بأن يفرز خصائص الصورة ويردها عن‬
‫صفاتا الاصة ليصوغ منها معن كليا‪ ,‬كما إذا تصور زيدا وأسقط من‬
‫الساب كل ما يتاز به عن عمرو‪ ,‬فإن الذهن بعملية الطرح هذه يستبقي‬
‫معن مردا يصدق على زيد وعمرو معا‪.‬‬
‫ولعل البشر الول بذه النظرية السية هو (جون لوك) الفيلسوف‬
‫النكليزي الكبي الذي بزغ ف عصر فلسفي زاخر بفاهيم (ديكارت) عن‬
‫الفكار الفطرية‪ ,‬فبدأ ف تفنيد تلك الفاهيم‪ ,‬ووضع لجل ذلك دراسة‬
‫مفصلة للمعرفة النسانية ف كتابه (مقالة ف التفكي النسان)‪ ,‬وحاول ف هذا‬

‫الكتاب ارجاع جيع التصورات والفكار إل الس‪ ,‬وقد شاعت هذه النظرية‬
‫بعد ذلك بي فلسفة أوروبا وقضت إل حد ما على نظرية الفكار الفطرية‪,‬‬
‫وانساق معها جلة من الفلسفة إل أبعد حدودها حت انتهت إل فلسفات‬
‫خطرة جدا كفلسفة (باركلي) و (دافيد هيوم) كما سوف نتبي ذلك إن شاء ال‬
‫تعال‪.‬‬
‫والاركسية تبنت هذه النظرية ف تعليل الدراك البشري‪ ,‬تشيا مع رأيها‬
‫ف الشعور البشري وأنه انعكاس للواقع الوضوعي‪ ,‬فكل ادراك يرجع أل‬
‫انعكاس لواقع معي ويصل هذا النعكاس عن طريق الحساس‪ ,‬وما يرج‬
‫عن حدود النعكاسات السية ل يكن أن يتعلق به الدراك أو الفكر‪ ,‬فنحن‬

‫‪54‬‬
‫ل نتصور إل احساساتنا الت تشي إل القائق القائمة ف العال‬
‫الارجي‪.‬‬
‫قال جورج بوليتزير‪:‬‬
‫(ولكن ما هي نقطة البدء ف الشعور أو‬
‫الفكر‪ ,‬انا الحساس‪ ,‬ث أن مصدر‬
‫الحساسات الت يعالها النسان بدافع من‬
‫احتياجاته الطبيعية)(‪( .)1‬الرأي الاركسي يعن إذن‬
‫أن متوى شعورنا ليس له من مصدر سوى‬
‫الزئيات الوضوعية الت تقدمها لنا الظروف‬
‫الارجية الت نعيش فيها‪ .‬وتعطى لنا ف‬
‫الحساسات وهذا كل ما ف المر(‪.)2‬‬
‫وقال ماوتسي تونغ موضحا الراي الاركسي ف السالة‪:‬‬
‫(إن مصدر كل معرفة يكمن ف احساسات‬

‫أعضاء الس السمية ف النسان للعال الوضوعي‬


‫الذي ييطه)(‪.)3‬‬
‫(وإذن فالطوة الول ف عملية اكتساب‬
‫العرفة هي التصال الول بالحيط الارجي‬
‫مرحلة الحاسيس ‪ ...‬الطوة الثانية هي جع‬
‫العلومات الت نصل عليها من الدراكات‬
‫السية وتنسيقها وترتيبها)(‪.)4‬‬
‫وتركز النظرية السية على التجربة‪ ,‬فقد دللت التجارب العلمية على أن‬
‫الس هو الحساس الذي تنبثق عنه التصورات البشرية‪ .‬فمن حرم لونا من‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 75‬‬


‫‪ 2‬ـ الصدر السابق ص ‪ 71‬ـ ‪. 72‬‬
‫‪ 3‬ـ حول التطبيق ص ‪. 11‬‬
‫‪ 4‬ـ حول التطبيق ص ‪. 14‬‬

‫‪55‬‬
‫الوان الس فهو ل يستطيع أن يتصور العان ذات العلقة بذلك الس‬
‫الاص‪.‬‬
‫وهذه التجارب ـ إذا صحت ـ إنا تبهن علميا على أن الس هو الينبوع‬
‫الساسي للتصور‪ ,‬فلول الس لا وجد تصور ف الذهن البشري ولكنها ل‬
‫تسلب عن الذهن قدرة توليد معان جديدة ـ ل تدرك بالس ـ من العان‬
‫الحسوسة‪ ,‬فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جيعا‬
‫الحساس بعانيها كما تزعم النظرية السية‪.‬‬
‫فالس على ضوء التجارب النفة الذكر هو البنية الساسية الت يقوم على‬
‫قاعدتا التصور البشري‪ ,‬ول يعن ذلك تريد الذهن عن الفعالية وابتكار‬
‫تصورات جديدة على ضوء التصورات الستوردة من الس‪.‬‬
‫ويكننا أن نوضح فشل النظرية السية ف ماولة ارجاع جيع مفاهيم‬
‫التصور البشري إل الس ‪ ...‬على ضوء دراسة عدة من مفاهيم الذهن‬
‫البشري كالفاهيم التالية‪ :‬العلة والعلول‪ ,‬الوهر والعرض‪ ,‬المكان‬

‫والوجوب‪ ,‬الوحدة والكثرة‪ ,‬الوجود والعدم‪ ,‬وما إل ذلك من مفاهيم‬


‫وتصورات‪.‬‬
‫فنحن جيعا نعلم أن الس انا يقع على ذات العلة وذات العلول‪,‬‬
‫فندرك ببصرنا سقوط القلم على الرض اذا سحبت من تته النضدة الت‬
‫وضع عليها‪ ,‬وندرك باللمس حرارة الاء حي يوضع على النار‪ ,‬وكذلك ندرك‬
‫تدد الفلزات ف جو حار‪ .‬ففي هذه المثلة نس بظاهرتي متعاقبتي ول‬
‫نس بصلة خاصة بينهما‪ ,‬هذه الصلة الت نسميها بالعلية‪ ,‬ونعن با تاثي‬
‫احدى الظاهرتي ف الخرى‪ ,‬وحاجة الظاهرة الخرى إليها لجل أن توجد‪.‬‬
‫والحاولت الت ترمي إل تعميم الس لنفس العلية واعتبارها مبدأ حسيا‬
‫وتقوم على تنب العمق والدقة ف معرفة ميدان الس وما يتسع له من معان‬
‫وحدود‪ ,‬فمهما نادى السيون بأن التجارب البشرية والعلوم التجريبية القائمة‬
‫على الس هي الت توضح مبدأ العلية‪ ,‬وتعلنا نس بصدور ظواهر مادية‬
‫معينة من ظواهر أخرى ماثلة‪ ,‬أقول مهما نادوا بذلك فلن يالفهم التوفيق ما‬
‫دمنا نعلم أن التجربة العلمية ل يكن أن تكشف بالس إل الظواهر‬

‫‪56‬‬
‫التعاقبة‪ ,‬فنستطيع بوضع الاء على النار أن ندرك حرارة الاء وتضاعف هذه الرارة‬
‫وأخيا بغليان الاء‪ ,‬وأما أن هذا الغليان منبثق عن بلوغ الرارة‬
‫درجة معينة فهذا ما ل يوضحه الانب السي من التجربة‪ ,‬وإذا كانت‬
‫تاربنا السية قاصرة عن كشف مفهوم العلية فكيف نشأ هذا الفهوم ف‬
‫الذهن البشري وصرنا نتصوره ونفكر فيه‪.‬‬
‫وقد كان (دافيد هيوم) ـ أحد رجال البدأ السي ـ أدق من غيه ف تطبيق‬
‫النظرية السية‪ ,‬فقد عرف أن العلية بعناها الدقيق ل يكن أن تدرك‬
‫بالس‪ ,‬فأنكر مبدأ العلية‪ ,‬وأرجعها إل عادة تداعي العان قائل‪ :‬ان أرى‬
‫كرة البلياردو تتحرك فتصادف كرة أخرى فتتحرك هذه‪ ,‬وليس ف حركة الول‬
‫ما يظهرن على ضرورة ترك ثانية‪ ,‬والس الباطن يدلن على أن حركة‬
‫العضاء ف تعقب أمر الرادة‪ ,‬ولكن ل أدرك به إدراكا مباشرا علقة‬
‫ضرورية بي الركة والمر‪.‬‬

‫ولكن الواقع أن انكار مبدأ العلية ل يفف من الشكلة الت تواجه‬


‫النظرية السية شيئا‪ ,‬فان إنكار هذا البدأ كحقيقة موضوعية يعن أننا ل‬
‫نصدق بالعلية كقانون من قواني الواقع الوضوعي‪ ,‬ول نستطع أن نعرف ما‬
‫إذا كانت الظواهر ترتبط بعلقات ضرورية تعل بعضها ينبثق عن بعض‪,‬‬
‫ولكن مبدأ العلية كفكرة تصديقية شيء‪ ,‬ومبدأ العلية كفكرة تصويرية شيء‬
‫آخر‪ ,‬فهب أنا ل نصدق بعلية الشياء الحسوسة بعضها لبعض ول نكون عن‬
‫مبدأ العلية فكرة تصديقية‪ ,‬فهل معن ذلك أننا ل نتصور مبدأ العلية أيضا؟‬
‫وإذا كنا ل نتصوره فما الذي نفاه (دافيد هيوم) وهل ينفي النسان شيئا ل‬
‫يتصوره؟‪.‬‬
‫فالقيقة الت ل مال لنكارها هي أننا نتصور مفهوم العلية سواء أصدقنا‬
‫با أم ل‪ .‬وليس تصور العلية تصورا مركبا من تصور الشيئي التعاقبي‪,‬‬
‫فنحن حي نتصور علية درجة معينة من الرارة للغليان ل نعن بذه العلية‬
‫تركيبا اصطناعيا بي فكرت الرارة والغليان بل فكرة ثالثة تقوم بينهما‪ .‬فمن‬
‫أين جاءت هذه الفكرة الت ل تدرك بالس إذا ل يكن للذهن خلقية لعان‬
‫غي مسوسة؟!‪.‬‬

‫‪57‬‬
‫ونواجه نفس الشكلة ف الفاهيم الخرى الت عرضناها آنفا‪ ,‬فهي جيعا‬
‫ليست من العان الحسوسة‪ ,‬فيجب طرح التفسي السي الالص للتصور‬
‫البشري والخذ بنظرية النتزاع‪.‬‬
‫‪4‬ـ نظرية النتزاع‪:‬‬
‫وهي نظرية الفلسفة السلميي بصورة عامة‪ .‬وتتلخص هذه النظرية ف‬
‫تقسيم التصورات الذهنية إل قسمي‪ :‬تصورات أولية‪ ,‬وتصورات ثانوية‪.‬‬
‫فالتصورات الولية هي الساس التصوري للذهن البشري‪ ,‬وتتولد هذه‬
‫التصورات من الحساس بحتوياتا بصورة مباشرة‪ .‬فنحن نتصور الرارة لننا‬
‫أدركناها باللمس‪ ,‬ونتصور اللون لننا أدركناه بالبصر‪ ,‬ونتصور اللوة لننا‬
‫أدركناها بالذوق‪ ,‬ونتصور الرائحة لننا أدركناها بالشم‪ .‬وهكذا جيع العان‬

‫الت ندركها بواسنا فإن الحساس بكل واحد منها هو السبب ف تصوره‬
‫ووجود فكرة عنه ف الذهن البشري‪ .‬وتتشكل من هذه العان القاعدة الولية‬
‫للتصور وينشئ الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية‪ ,‬فيبدأ بذلك‬
‫دور البتكار والنشاء‪ ,‬وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (النتزاع)‬
‫فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك العان الولية‪ ,‬وهذه العان الديدة‬
‫خارجة عن طاقة الس وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من العان الت يقدمها‬
‫الس إل الذهن والفكر‪.‬‬
‫وهذه النظرية تتسق مع البهان والتجربة ويكنها أن تفسر جيع الفردات‬
‫التصورية تفسيا متماسكا‪.‬‬
‫فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلة‬
‫والعلول‪ ,‬والوهر والعرض‪ ,‬والوجود والوحدة‪ ,‬ف الذهن البشري‪ .‬أنا كلها‬
‫مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء العان الحسوسة‪ ,‬فنحن نس مثلً‬
‫بغليان الاء حي تبلغ درجة حرارته مائة‪ ,‬وقد يتكرر احساسنا باتي‬
‫الظاهرتي ـ ظاهرت الغليان والرارة ـ آلف الرات ول نس بعلية الرارة‬
‫للغليان مطلقا‪ ,‬وإنا الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتي اللتي‬
‫يقدمهما الس إل مال التصور‪.‬‬

‫‪58‬‬
‫ول نتسطيع ف مالنا الحدود أن نعرض لكيفية النتزاع الذهن وألوانه‬
‫وأقسامه لننا ل نتناول ف دراستنا الاطفة هذه إل الشارة ال خطوط‬
‫العريضة‪.‬‬
‫ڤ‪........................................‬التصديق ومصدره الساسي‪:‬‬
‫ننتقل الن من درس الدراك الساذج ـ التصور ـ إل درس الدراك‬
‫التصديقي الذي ينطوي على الكم ويصل به النسان على معرفة موضوعية‪.‬‬
‫فكل واحد منا يدرك عدة من القضايا ويصدق با تصديقا‪ ,‬ومن تلك‬
‫القضايا ما يرتكز الكم فيها على حقائق موضوعية جزئية‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬الو‬

‫حار‪ ,‬الشمس طالعة وتسمى القضية لجل ذلك جزئية‪ .‬ومن القضايا ما يقوم‬
‫الكم فيها بي معنيي عامي كما ف قولنا الكل أعظم من الزء‪ ,‬والواحد‬
‫نصف الثني‪ ,‬والزء الذي ل يتجزأ مستحيل‪ ,‬والرارة تولد الغليان‪,‬‬
‫والبودة سبب للتجمد‪ .‬وميط الدائرة اكب من قطرها‪ ,‬والكتلة حقيقة نسبية‪,‬‬
‫ال غي ذلك من القضايا الفلسفية والطبيعية والرياضية وتسمى هذه القضايا‬
‫بالقضايا الكلية والعامة‪ .‬والشكلة الت تواجهنا هي مشكلة أصل العرفة‬
‫التصديقية والركائز الساسية الت يقوم عليها صرح العلم النسان‪ ,‬فما هي‬
‫اليوط الولية الت نسجت منها تلك الجموعة الكبية من الحكام والعلوم‪,‬‬
‫وما هو البدا الذي تنتهي اليه العارف البشرية ف التعليل‪ ,‬ويعتب مقياسا أوليا‬
‫عاما لتمييز القيقة عن غيها؟‬
‫وف هذه السالة عدة مذاهب فلسفية تتناول بالدرس منها الذهب العقلي‬
‫والذهب التجريب‪ ,‬فالول هو الذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة السلمية‪,‬‬
‫وطريقة التفكي السلمي بصورة عامة‪ .‬والثان هو الرأي السائد ف عدة‬
‫مدارس للمادية ومنها الدرسة الاركسية‪.‬‬
‫‪1‬ـ الذهب العقلي‪:‬‬
‫تنقسم العارف البشرية ف رأي العقليي ال طائفتي‪ :‬احداها معارف‬
‫ضرورية أو بديهية‪ .‬ونقصد بالضرورة هنا أن النفس تضطر إل الذعان بقضية‬
‫معينة من دون أن تطالب بدليل أو تبهن على صحتها‪ ,‬بل تد من طبيعتها‬
‫ضرورة اليان با ايانا غنيا عن كل بينة واثبات‪ ,‬كايانا ومعرفتها بالقضايا‬

‫‪59‬‬
‫التية‪( :‬النفي والثبات ل يصدقان معا ف شيء واحد) (الادث ل يوجد من‬
‫دون سبب)‪( ,‬الصفات التضادة ل تنسجم ف موضوع واحد)‪( ,‬الكل أكب‬
‫من الزء)‪( ,‬الواحد نصف الثني)‪.‬‬
‫والطائفة الخرى معارف ومعلومات نظرية‪ .‬فان عدة من القضايا ل تؤمن‬
‫النفس بصحتها إل على ضوء معارف ومعلومات سابقة فيتوقف صدور الكم‬
‫منها ف تلك القضايا على عملية تفكي واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق‬

‫وأوضح منها كما ف القضايا التية‪( :‬الرض الكروية) (الركة سبب الرارة)‪,‬‬
‫(التسلسل متنع)‪( ,‬الفلزات تتمدد بالرارة)‪( ,‬زوايا الثلث تساوي قائمتي)‪,‬‬
‫(الادة تتحول إل طاقة) وما ال ذلك من قضايا الفلسفة والعلوم‪ .‬فإن هذه‬
‫القضايا حي تعرض على النفس ل تصل على حكم ف شأنا إل بعد مراجعة‬
‫للمعلومات الخرى‪ .‬ولجل ذلك فالعارف النظرية مستندة ال العارف الولية‬
‫الضرورية‪ ,‬فلو سلبت تلك العارف الولية من الذهن البشري ل يستطع‬
‫التوصل ال معرفة نظرية مطلقا ـ كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء ال‪.‬‬
‫فالذهب العقلي يوضح‪ .‬أن الجر الساسي للعلم هو العلومات‬
‫العقلية الولية‪ ,‬وعلى ذلك الساس تقوم البنيات الفوقية للفكر النسان الت‬
‫تسمى بالعلومات الثانوية‪.‬‬
‫والعملية الت تستنبط با معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية الت‬
‫نطلق عليه اسم الفكر والتفكي‪ .‬فالتفكي جهد يبذله العقل ف سبيل اكتساب‬
‫تصديق وعلم جديد من معارفه السابقة‪ .‬بعن أن النسان حي ياول أن‬
‫يعال قضية جديدة كقضية (حدوث الادة) ـ مثلًـ ليتأكد من أنا حادثة أو‬
‫قدية يكون بي يديه أمران‪ :‬أحدها الصفة الاصة وهي (الدوث)‪ ,‬والخر الشيء‬
‫الذي يريد أن يتحقق من اتصافه بتلك الصفة وهو (الادة)‪ .‬ولا ل‬
‫تكن القضية من الوليات العقلية فالنسان سوف يتردد بطبيعته ف إصدار‬
‫الكم والذعان بدوث الادة‪ ,‬ويلجأ حينئذ ال معارفه السابقة ليجد فيها ما‬
‫يكنه أن يركز عليه حكمه ويعله واسطة للتعرف على حدوث الادة‪ ,‬وتبدأ‬
‫بذلك عملية التفكي باستعراض العلومات السابقة‪ ,‬ولنفترض أن من جلة‬
‫تلك القائق الت كان يعرفها الفكر سلفا هي (الركة الوهرية) الت تقرر ان‬

‫‪60‬‬
‫الادة حركة مستمرة وتدد دائم‪ ,‬فإن الذهن سيضع يده على هذه القيقة‬
‫حينما تر أمامه ف الستعراض الفكري ويعلها هزة الوصل بي الادة‬
‫والدوث‪ ,‬لن الادة لا كانت متجددة فهي حادثة حتما لن التغي الستمر يعن‬
‫الدوث على طول الط وتتولد عندئذ معرفة جديدة للنسان وهي أن الادة حادثة‬
‫لنا متحركة ومتجددة وكل متجدد حادث‪.‬‬

‫وهكذا استطاع الذهن أن يربط بي الدوث والادة وهزة الربط هي‬


‫حركة الادة‪ ,‬فان حركتها هي الت جعلتنا نعتقد بأنا حادثة لننا نعلم أن كل‬
‫متحرك هو حادث‪.‬‬
‫ويؤمن الذهب العقلي لجل ذلك بقيام علقة السببية ف العرفة البشرية‬
‫بي بعض العلومات وبعض‪ ,‬فإن كل معرفة إنا تتولد عن معرفة سابقة‬
‫وهكذا تلك العرفة حت ينتهي التسلسل الصاعد إل العارف العقلية الولية‬
‫الت ل تنشأ عن معارف سابقة‪ ,‬وتعتب لذا السبب العلل الول للمعرفة‪.‬‬
‫وهذه العلل الول للمعرفة على نوين‪ :‬احدها ما كان شرطا أساسيا‬
‫لكل معرفة انسانية بصورة عامة‪ .‬والخر ما كان سببا لقسم من العلومات ‪.‬‬
‫والول هو مبدأ عدم التناقض‪ ,‬فإن هذه البدأ لزم لكل معرفة وبدونه ل‬
‫يكن بالتأكد من أن قضية ما ليست كاذبة مهما أقمنا من الدلة على صدقها‬
‫وصحتها‪ ,‬لن التناقض إذا كان جائزا فمن الحتمل أن تكون القضية كاذبة ف‬
‫نفس الوقت الذي نبهن فيه على صدقها‪ ,‬ومعن ذلك أن سقوط مبدأ عدم‬
‫التناقض يعصف بميع قضايا الفلسفة والعلوم على اختلف ألوانا‪ .‬والنحو‬
‫الثان من العارف الولية هو سائر العارف الضرورية الخرى الت تكون كل‬
‫واحدة منها سببا لطائفة من العلومات‪.‬‬
‫وبناء على الذهب العقلي يترتب ما يأت‪:‬‬
‫أول‪ :‬أن القياس الول للتفكي البشري بصورة عامة هو العارف العقلية‬
‫الضرورية‪ ,‬فهي الركيزة الساسية الت ل يستغن عنها ف كل مال‪ ,‬ويب أن‬
‫تقاس صحة كل فكرة وخطأها على ضوئها‪ .‬ويصبح بوجب ذلك ميدان العرفة‬
‫البشرية أوسع من حدود الس والتجربة‪ ,‬لنه يهز الفكر البشري بطاقات‬
‫تتناول ما وراء الادة من حقائق وقضايا ويقق للميتافيزيقا والفلسفة العالية‬
‫إمكان العرفة‪ .‬وعلى عكس ذلك الذهب التجريب فإنه يبعد مسائل اليتافيزيقا‬
‫عن مال البحث لنا مسائل ل تضع للتجربة ول يتد إليها الس العلمي‪,‬‬

‫‪61‬‬
‫فل يكن التأكد فيها من نفي أو إثبات ما دامت التجربة هي القياس‬
‫الساسي الوحيد‪ ,‬كما يزعم الذهب التجريب‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬إ السي الفكري ف رأي العقليي يتدرج من القضايا العامة إل‬
‫قضايا أخص منها‪ ,‬من الكليات ال الزئيات‪ ,‬وحت ف الجال التجريب‬
‫الذي يبدو لول وهلة ان الذهن ينتقل فيه من موضوعات تريبية جزئية ال‬
‫قواعد وقواني عامة يكون النتقال والسي فيه من العام ال الاص ـ كما‬
‫سنوضح ذلك عند الرد على الذهب التجريب‪.‬‬
‫ول بد أنك تتذكر ما ذكرنا مثالً لعملية التفكي وكيف انتقلنا فيه من‬
‫معرفة عامة ال معرفة خاصة‪ ,‬واكتسبنا العلم بأن (الادة حادثة) من العلم بأن‬
‫(كل متغي حادث)‪ ,‬فقد بدأ الفكر بذه القضية الكلية (كل تغي حادث)‬
‫وانطلق منها ال قضية أخص منها وهي (أن الادة حادثة)‪.‬‬
‫وأخيا يب أن ننبه على أن الذهب العقلي ل يتجاهل دور التجربة البار‬
‫ف العلوم والعارف البشرية وما قدمته من خدمات ضخمة للنسانية وما‬
‫كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعة‪ ,‬ولكنه يعتقد أن التجربة‬
‫بفردها ل تكن تستطيع أن تقوم بذا الدور البار‪ ,‬لنا تتاج ف استنتاج أية‬
‫حقيقة علمية منها ال تطبيق القواني العقلية الضرورية ـ أي أن يتم ذلك‬
‫الستنتاج على ضوء العارف الولية‪ ,‬ول يكن أن تكون التجربة بذاتا الصدر‬
‫الساسي والقياس الول للمعرفة‪ ,‬فشأنا شأن الفحص الذي يريه الطبيب‬
‫على الريض‪ ,‬فان هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة الرض‬
‫وملبساته ولكن هذا الفحص ل يكن ليكشف عن هذا لول ما يلكه الطبيب‬
‫قبل ذلك من معلومات ومعارف‪ ,‬فلو ل تكن تلك العلومات لديه لكان‬
‫فحصه لغوا ومردا عن كل فائدة‪ ,‬وهكذا التجربة البشرية بصورة عامة ل‬
‫تشق الطريق ال نتائج وحقائق إل على ضوء معلومات عقلية سابقة‪.‬‬
‫‪2‬ـ الذهب التجريب‪:‬‬
‫وهو الذهب القائل بأن التجربة هي الصدر الول لميع العارف‬
‫البشرية‪ ,‬ويستند ف ذلك ال أن النسان حي يكون مردا عن التجارب‬
‫بختلف ألوانا ل يعرف أية حقيقة من القائق مهما كانت واضحة‪ ,‬ولذا يولد‬

‫‪62‬‬
‫النسان خاليا من كل معرفة فطرية‪ ,‬ويبدأ وعيه وإدراكه بابتداء حياته‬
‫العملية‪ ,‬ويتسع علمه كلما اتسعت تاربه‪ ,‬وتتنوع معارفه كلما تنوعت تلك‬
‫التجارب‪.‬‬
‫فالتجريبيون ل يعترفون بعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة‬
‫ويعتبون التجربة الساس الوحيد للحكم الصحيح والقايس العام ف كل‬
‫مال من الجالت‪ ,‬وحت تلك الحكام الت ادعى الذهب العقلي أنا معارف‬
‫ضرورية ل بد من اخضاعها للمقياس التجريب والعتراف با بقدار ما‬
‫تدده التجربة‪ ,‬لن النسان ل يلك حكما يستغن عن التجربة ف إثباته‪,‬‬
‫وينشأ من ذلك‪:‬‬
‫أولً‪ :‬تديد طاقة الفكر البشري بدود اليدان التجريب ويصبح من‬
‫العبث كل بث ميتافيزيقي أو دراسة لسائل ما وراء الطبيعة‪ ,‬على عكس‬
‫الذهب العقلي تاما‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬انطلق السي الفكري للذهن البشري بصورة معاكسة لا يعتقده‬
‫الذهب العقلي‪ ,‬فبينما كان الذهب العقلي يؤمن بأن الفكر يسي دائما من العام‬
‫ال الاص يقرر التجريبيون أنه يسي من الاص ال العام‪ ,‬ومن حدود‬
‫التجربة الضيقة ال القواني والقواعد الكلية‪ ,‬ويترقى دائما من القيقة الزئية‬
‫التجريبية ال الطلق‪ ,‬وليس ما يلكه النسان من قواني عامة وقواعد كلية إل‬
‫حصيلة التجارب‪ ,‬ونتيجة هذا الرتقاء من استقراء الزئيات ال الكشف عن‬
‫حقائق موضوعية عامة‪.‬‬
‫ولجل ذلك يعتمد الذهب التجريب على الطريقة الستقرائية ف‬
‫الستدلل والتفكي لنا طريقة الصعود من الزئي إل الكلي‪ ,‬ويرفض مبدأ‬
‫الستدلل القياسي الذي يسي فيه الفكر من العام إل الاص كما ف الشكل‬
‫الت من القياس‪( :‬كل انسان فان وممد انسان) فـ (ممد فان)‪ .‬ويستند‬
‫هذا الرفض ال إن هذا الشكل من الستدلل ل يؤدي ال معرفة جديدة ف‬
‫النتيجة‪ ,‬مع أن أحد شروط الستدلل هو أن يؤدي ال نتيجة جديدة ليست‬
‫متواة ف القدمات‪ ,‬وإذن فالقياس بصورته الذكورة يقع ف مغالطة (الصادرة‬

‫‪63‬‬
‫على الطلوب)‪ ,‬لننا إذا ما قبلنا القدمة (كل انسان فان) فإنا ندخل ف‬
‫الوضوع ـ إنسان ـ كل أفراد الناس‪ ,‬وبعدئذ إذا ما عقبنا عليها بقدمة ثانية‬
‫(بأن ممدا انسان) فأما أن نكون على وعي بأن ممدا كان فردا من أفراد‬
‫الناس الذين قصدنا إليهم ف القدمة الول‪ ,‬وبذلك نكون على وعي كذلك‬
‫بأنه (فان) قبل أن ننص على هذه القيقة ف القدمة الثانية‪ ,‬وأما أن ل نكون‬
‫على وعي بذلك فنكون ف القدمة الول قد عممنا بغي حق لنا ل نكن نعلم‬
‫الفناء عن كل أفراد الناس كما زعمنا‪.‬‬
‫هذا عرض موجز للمذهب التجريب الذي ند أنفسنا مضطرين ال‬
‫رفضه للسباب التية‪:‬‬
‫الول‪ :‬إن نفس هذه القاعدة (التجربة هي القياس الساسي لتمييز‬
‫القيقة) هل هي معرفة أولية حصل عليها النسان من دون تربة سابقة؟ أو‬
‫أنا بدورها أيضا كسائر العارف البشرية ليست فطرية ول ضرورية؟ فإذا‬
‫كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل الذهب التجريب الذي ل يؤمن‬
‫بالعارف الولية‪ ,‬وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلة عن‬
‫التجربة‪ ,‬وإذا كانت هذه العرفة متاجة ال تربة سابقة فمعن ذلك أنّا ل‬
‫ندرك ف بداية المر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق‪ ,‬فكيف يكن‬
‫البهنة على صحته واعتباره مقياسا بتجربة ما دمت غي مضمونة الصدق‬
‫بعد؟!‪.‬‬
‫وبكلمة أخرى‪ ,‬إن القاعدة الذكورة الت هي ركيزة الذهب التجريب إن‬
‫كانت خطأ سقط الذهب التجريب بانيار قاعدته الرئيسية‪ ,‬وإن كانت صوابا‬
‫صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيي يؤمنون بصواب هذه‬
‫القاعدة‪ ,‬فان كانوا قد تأكدوا من صوابا بل تربة فهذا يعن أنا قضية بديهية‬
‫وأن النسان يلك حقائق وراء عال التجربة‪ ,‬وإن كانوا تاكدوا من صوابا‬
‫بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لن التجربة ل تؤكد قيمة نفسها‪.‬‬
‫الثان‪ :‬إن الفهوم الفلسفي الذي يرتكز على الذهب التجريب يعجز عن‬
‫إثبات الادة‪ ,‬لن الادة ل يكن الكشف عنها بالتجربة الالصة بل كل ما يبـدو‬

‫للحس ف الجالت التجريبية إنا هو ظواهر الادة وأعراضها وأما نفس الادة‬
‫بالذات ـ الوهر الادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات ـ فهي ل تدرك‬

‫‪64‬‬
‫بالس‪ ,‬فالوردة الت نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنا نس برائحتها‬
‫ولونا ونعومتها‪ .‬وحت إذا تذوقناها فاننا نس بطعمها ول نس ف جيع تلك‬
‫الحوال بالوهر الذي تلتقي جيع هذه الظواهر عنده‪ ,‬وإنا ندرك هذا الوهر‬
‫ببهان عقلي يرتكز على العارف العقلية الولية ـ كما سنشي إليه ف البحوث‬
‫القبلة ـ ولجل ذلك أنكر عدة من الفلسفة السيي التجريبيي وجود الادة‪.‬‬
‫فالسند الوحيد لثبات الادة هو معطيات العقل الولية‪ ,‬ولولها لا كان ف‬
‫طاقة الس أن يثبت لنا وجود الادة وراء الرائحة واللون الحر والطعم‬
‫الاص للوردة‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لنا أن القائق اليتافيزقية ليست هي وحدها الت يتاج‬
‫إثباتا ال اتاذ الطريقة العقلية ف التفكي بل الادة نفسها كذلك أيضا‪.‬‬
‫وهذا العتراض إنا نسجله بطبيعة الال على من يؤمن بوجود جوهر مادي ف‬
‫الطبيعة على أسس الذهب التجريب‪ ,‬وأما من يفسر الطبيعة بجرد ظواهر‬
‫تدث وتتغي دون أن يعترف لا بوضوع تلتقي عنده ‪ ...‬فل صلة له بذا‬
‫العتراض‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬إن الفكر لو كان مبوسا ف حدود التجربة ول يكن يلك معارف‬
‫مستقلة عنها لا اتيح له أن يكم باستحالة شيء من الشياء مطلقا‪ ,‬لن‬
‫الستحالة ـ بعن عدم إمكان وجود الشيء ـ ليس ما يدخل ف نطاق التجربة‬
‫ول يكن للتجربة أن تكشف عنه‪ ,‬وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلل عليه‬
‫هو عدم وجود أشياء معينة‪ ,‬ولكن عدم وجود شيء ل يعن استحالته‪ ,‬فهناك‬
‫عدة أشياء ل تكشف التجربة عن وجودها بل دلت على عدمها ف نطاقها‬
‫الاص‪ ,‬ومع ذلك فنحن ل نعتبها مستحيلة ول نسلب عنها إمكان الوجود‬
‫كما نسلبه عن الشياء الستحيلة فكم يبدو الفرق جليا بي اصطدام القمر‬
‫بالرض أو وجود بشر ف الريخ أو وجود انسان يتمكن من الطيان لرونة‬
‫خاصة ف عضلته من ناحية‪ ,‬وبي وجود مثلث له أربعة أضلع ووجود جزء‬

‫أكب من الكل ووجود القمر حال انعدامه من ناحية أخرى‪ .‬فإن هذه القضايا‬
‫جيعا ل تتحقق ول تقم عليها تربة‪ .‬فلو كانت التجربة هي الصدر الرئيسي‬
‫الوحيد للمعارف لا صح لنا أن نفرق بي الطائفتي لن كلمة التجربة فيهما معا‬
‫على حد سواء‪ ,‬وبالرغم من ذلك فنحن جيعا ند الفرق الواضح بي‬

‫‪65‬‬
‫الطائفتي‪ ,‬فالطائفة الول ل تقع ولكنها جائزة ذاتيا‪ ,‬وأما الطائفة الثانية فهي‬
‫ليست معدومة فحسب بل ل يكن أن توجد مطلقا‪ ,‬فالثلث ل يكن أن‬
‫يكون له أضلع أربعة سواء اصطدم القمر بالرض أم ل‪ .‬وهذا الكم‬
‫بالستحالة ل يكن تفسيه إل على ضوء الذهب العقلي بأن يكون من العارف‬
‫العقلية الستقلة عن التجربة‪.‬‬
‫وعلى هذا الضوء يكون التجريبيون بي سبيلي ل ثالث لما‪ :‬فاما أن‬
‫يعترفوا باستحالة أشياء معينة كالشياء الت عرضناها ف الطائفة الثانية وأما أن‬
‫ينكروا مفهوم الستحالة من الشياء جيعا‪.‬‬
‫فان آمنوا باستحالة أشياء كالت الحنا إليها كان هذا اليان مستندا ال‬
‫معرفة عقلية مستقلة ل إل التجربة‪ ,‬لن عدم ظهور شيء ف التجربة ل يعن‬
‫استحالته‪.‬‬
‫وإن انكروا مفهوم الستحالة ول يقروا باستحالة شيء مهما كان غريبا‬
‫لدى العقل فل يبقى على أساس هذا النكار فرق بي الطائفتي اللتي‬
‫عرضناها وادركنا ضرورة التفرقة بينهما‪ ,‬واذا سقط مفهوم الستحالة ل يكن‬
‫التناقض مستحيل ـ أي وجود الشيء وعدمه‪ ,‬وصدق القضية وكذبا ف لظة‬
‫واحدة ـ وجواز التناقض يؤدي ال انيار جيع العارف والعلوم وعدم تكن‬
‫التجربة من إزاحة الشك والتردد ف أي مال من الجالت العلمية‪ ,‬لن‬
‫التجارب والدلة مهما تضافرت على صدق قضية علمية معينة كقضية (الذهب‬
‫عنصر بسيط)‪ ,‬فل يكننا أن نزم بأنا ليست كاذبة ما دام من المكن أن‬
‫تتناقض الشياء وتصدق القضايا وتكذب ف وقت معا‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬إن مبدأ العلية ل يكن إثباته عن طريق الذهب التجريب فكما‬
‫أن النظرية السية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة‬

‫تصويرية كذلك الذهب التجريب يعجز عن البهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة‬
‫تصديقية‪ .‬فإن التجربة ل يكنها أن توضح لنا إل التعاقب بي ظواهر معينة‪,‬‬
‫فنعرف عن طريقها أن الاء يغلي إذا صار حارا بدرجة مائة‪ ,‬وأنه يتجمد حي‬
‫تنخفض درجة حرارته ال الصفر‪ ,‬واما سببية أحدى الظاهرتي للخرى‬
‫والضرورة القائمة بينهما فهي ما ل تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة‬

‫‪66‬‬
‫ومهما كررنا استعمالا‪ .‬وإذا انار مبدأ العلية انارت جيع العلوم الطبيعية كما‬
‫ستعرف‪.‬‬
‫وقد اعترف بعض التجريبيي كـ (دافيد هيوم) و (جون ستيورات ميل)‬
‫بذه القيقة‪ ,‬ولذلك فسر (هيوم) عنصر الضرورة ف قانون العلة والعلول‬
‫بأنه راجع ال طبيعة العملية العقلية الت تستخدم ف الوصول ال هذا القانون‬
‫قائل‪ :‬إن إحدى عمليات العقل اذا كانت تستدعي دائما عملية أخرى تتبعها‬
‫بدون تلف فانه ينمو بي العمليتي بضي الزمن رابطة قوية دائمة هي الت‬
‫نسميها رابطة تداعي العان‪ ,‬ويصحب هذا التداعي نوع من اللزام العقلي‬
‫بيث يصل ف الذهن العن التصل بإحدى العمليتي العقليتي كما حدث‬
‫العن التصل بالعملية الخرى‪ ,‬وهذا اللزام العقلي أساس ما نسميه‬
‫بالضرورة الت ندركها ف الرابطة بي العلة والعلول‪.‬‬
‫وليس من شك ف أن هذا التفسي للضرورة القائمة بي العلة والعلول‬
‫ليس صحيحا لا يات‪:‬‬
‫أول‪ :‬أنه يلزم على هذا التفسي أن ل نصل ال قانون العلية العام إل‬
‫بعد سلسلة من الوادث والتجارب التكررة الت تكم الرباط بي فكرت‬
‫العلة والعلول ف الذهن‪ ,‬مع أنه ليس من الضروري ذلك‪ ,‬فان العال الطبيعي‬
‫يستطيع أن يستنتج علقة علية وضرورة بي شيئي يقعان ف حادثة واحدة‪,‬‬
‫ول يزداد يقينه شيئا عما كان عليه عند مشاهدته الادثة للمرة الول‪ ,‬كما ل‬
‫تزداد علقة العلية قوة بتكرار حوادث أخرى يوجد فيها العلول والعلة نفسها‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لندع الظاهرتي التعاقبتي ف الارج ولنلحظ فكرتيهما ف‬
‫الذهن ـ أي فكرة العلة وفكرة العلول ـ فهل العلقة القائمة بينهما علقـة‬

‫ضرورية أو علقة مقارنة كما يقترن تصورنا للحديد بتصورنا للسوق الذي يباع‬
‫فيه؟ فان كانت علقة ضرورية فقد ثبت مبدأ العلية واعترف ضمنا بقيام‬
‫علقة غي تريبية بي فكرتي وهي علقة الضرورة‪ ,‬فإن الضرورة سواء‬
‫أكانت بي فكرتي أم بي واقعي موضوعيي ل يكن إثباتا بالتجربة السية‪.‬‬
‫وإن كانت العلقة مرد مقارنة فلم يتحقق لـ (دافيد) ما أراد من تفسي عنصر‬
‫الضرورة ف قانون العلة والعلول‪.‬‬

‫‪67‬‬
‫وثالثا‪ :‬إن الضرورة الت ندركها ف علقة العلية بي علة ومعلول ليس‬
‫فيها مطلقا أي أثر للزام العقل باستدعاء إحدى الفكرتي عند حصول الفكرة‬
‫الخرى فيه‪ ,‬ولذا ل تتلف هذه الضرورة الت ندركها بي العلة والعلول بي‬
‫ما إذا كانت لدينا فكرة معينة عن الصلة وما إذا ل تكن‪ ,‬فليست الضرورة ف‬
‫مبدأ العلية ضرورة سيكولوجية بل هي ضرورة موضوعية‪.‬‬
‫ورابعا‪ :‬إن العلة والعلول قد يكونان مقترني تاما ومع ذلك ندرك علية‬
‫أحدها للخر‪ ,‬كحركة اليد وحركة القلم حال الكتابة‪ ,‬فإن حركة اليد‬
‫وحركة القلم توجدان دائما ف وقت واحد‪ ,‬فلو كان مرد الضرورة والعلية ال‬
‫استتباع أحدى العمليتي العقليتي للخرى بالتداعي لا أمكن ف هذا الثال‬
‫أن تتل حركة اليد مركز العلة حركة القلم‪ ,‬لن العقل قد أدرك الركتي ف‬
‫وقت واحد فلماذا وضع إحداها موضع العلة والخرى موضع العلول؟!‪.‬‬
‫وبكلمة أخرى‪ :‬إن تفسي العلية بضرورة سيكولوجية يعن أن العلة إنا‬
‫اعتبت علة ل لنا ف الواقع الوضوعي سابقة على العلول ومولدة له‪ ,‬بل‬
‫لن ادراكها يتعقبه دائما ادراك العلول بتداعي العان فتكون لذلك علة له‪,‬‬
‫وهذا التفسي ل يكنه أن يشرح لنا كيف صارت حركة اليد علة لركة القلم‬
‫مع أن حركة القلم ل تيء عقب حركة اليد ف الدراك‪ ,‬وإنا تدرك الركتان‬
‫معا فلو ل يكن لركة اليد سبق واقعي وسببية موضوعية لركة القلم لا أمكن‬
‫اعتبارها علة‪.‬‬
‫وخامسا‪ :‬إن التداعي كثيا ما يصل بي شيئي دون العتقاد بعلية‬
‫احدها للخر‪ ,‬فلو صح لـ (دافيد هيوم) أن يفسر العلة والعلول بأنما حادثان‬

‫ندرك تعاقبهما كثيا حت تصل بينهما رابطة تداعي العان ف الذهن لكان‬
‫الليل والنهار من هذا القبيل‪ .‬فكما أن الرارة والغليان حادثان تعاقبا حت‬
‫نشأت بينهما رابطة التداعي كذلك الليل والنهار وتعاقبهما وتداعيهما‪ ,‬مع أن‬
‫عنصر العلية والضرورة الذي ندركه بي الرارة والغليان ليس موجودا بي‬
‫الليل والنهار‪ ,‬فليس الليل علة للنهار ول النهار علة الليل‪ ,‬فل يكن إذن‬
‫تفسي هذا العنصر بجرد التعاقب التكرر والؤدي ال تداعي العان كما حاوله‬
‫(هيوم)‪.‬‬

‫‪68‬‬
‫ونلص من ذلك ال أن الذهب التجريب يؤدي حتما ال إسقاط مبدأ‬
‫العلية‪ ,‬والعجز عن إثبات علقات ضرورية بي الشياء‪ ,‬وإذا سقط مبدأ‬
‫العلية انارت جيع العلوم الطبيعية باعتبار ارتكازها عليه كما ستعرف‪.‬‬
‫إن العلوم الطبيعية الت تريد التجريبيون إقامتها على أساس التجربة‬
‫الالصة هي بنفسها تتاج ال اصول عقلية اولية سابقة على التجارب‪ ,‬ذلك‬
‫أن التجربة انا يقوم العال با ف متبه على جزئيات موضوعية مددة‪ ,‬فيضع‬
‫نظرية لتفسي الظواهر الت كشفتها التجربة ف الختب وتعليلها بسبب واحد‬
‫مشترك‪ ,‬كالنظرية القائلة بأن سبب الرارة هو الركة استنادا ال عدة تارب‬
‫فسرت بذلك‪ ,‬ومن حقنا على العال الطبيعي أن نسأله عن كيفية إعطائه‬
‫للنظرية بصفة قانون كلي ينطبق على جيع الظروف الماثلة لظروف التجربة‪,‬‬
‫مع أن التجربة ل تقع إل على عدة أشياء خاصة‪ ,‬أفليس هذا التعميم يستند‬
‫ال قاعدة وهي أن الظروف التماثلة والشياء التشابة ف النوع والقيقة يب‬
‫أن تشترك ف القواني والنواميس؟ وهنا نتساءل مرة أخرى عن هذه القاعدة‪ ,‬كيف‬
‫توصل اليها العقل؟ ول يكن للتجريبي هنا أن يزعموا أنا قاعدة‬
‫تريبية بل يب أن تكون من العارف العقلية السابقة على التجربة‪ ,‬لنا لو‬
‫كانت مستندة ال تربة فهذه التجربة الت ترتكز عليها القاعدة هي أيضا ل‬
‫تتناول بدورها إل موارد خاصة‪ ,‬فكيف ركزت على أساسها قاعدة عامة؟!‬
‫فبناء قاعدة عامة وقانون كلي على ضوء تربة واحدة أو عدة تارب ل يكن‬
‫أن يتم إل بعد التسليم بعارف عقلية سابقة‪.‬‬

‫وبذا يتضح أن جيع النظريات التجريبية ف العلوم الطبيعية ترتكز على عدة‬
‫معارف عقلية ل تضع للتجربة‪ ,‬بل يؤمن العقل با إيانا مباشرا وهي‪:‬‬
‫أول‪ :‬مبدأ العلية بعن امتناع الصدفة‪ ,‬ذلك أن الصدفة لو كانت جائزة‬
‫لا أمكن للعال الطبيعي أن يصل ال تعليل مشترك للظواهر التعددة الت‬
‫ظهرت ف تاربه‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬مبدأ النسجام بي العلة والعلول الذي يقرر أن المور التماثلة ف‬
‫القيقة ل بد أن تكون مستندة ال علة مشتركة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬مبدأ عدم التناقض الاكم باستحالة صدق النفي والثبات معا‪.‬‬

‫‪69‬‬
‫فاذا آمن العال بذه العارف السابقة على التجربة ث أجرى تاربه‬
‫الختلفة على أنواع الرارة وأقسامها‪ ,‬استطاع أن يقرر ناية الطاف نظرية‬
‫ف تعليل الرارة بختلف أنواعها بعلة واحدة ـ مثل ـ وهذه النظرية‬
‫ل يكن ف الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعية‪ ,‬لنا إنا تكون‬
‫كذلك إذا أمكن التأكد من عدم إمكان وجود تفسي آخر لتلك الظواهر وعدم‬
‫صحة تعليلها بعلة أخرى‪ .‬وهذا ما ل تققه التجربة ف أغلب الحيان‪,‬‬
‫ولذا تكون نتائج العلوم الطبيعية ظنية ف أكثر الحايي‪ ,‬لجل نقص ف‬
‫التجربة وعدم استكمال الشرائط الت تعل منها تربة حاسة‪.‬‬
‫ويتضح لنا على ضوء ما سبق أن استنتاج نتيجة علمية من التجربة يتوقف‬
‫دائما على الستدلل القياسي‪ ,‬الذي يسي فيه الذهن البشري من العام ال‬
‫الاص‪ ,‬ومن الكلي ال الزئي كما يرى الذهب العقلي تاما فان العال ت له‬
‫استنتاج النتيجة ف الثال الذي ذكرناه بالسي من البادئ الولية الثلثة الت‬
‫عرضنا (مبدأ العلية) (مبدأ النسجام) (مبدأ عدم التناقض)‪ ,‬ال تلك النتيجة‬
‫الاصة على طريقة القياس‪.‬‬
‫وأما العتراض الذي يوجهه التجريبيون ال الطريقة القياسية ف‬
‫الستدلل بأن النتيجة فيها ليست إل صدى للكبى من القدمتي وتكريرا‬
‫لا‪ ,‬فهو اعتراض ساقط على أصول الذهب العقلي‪ ,‬لن الكبى لو كنا نريد‬

‫اثباتا بالتجربة ول يكن لنا مقياس غيها لكان علينا أن نفحص جيع القسام‬
‫والنواع لنتأكد من صحة الكم‪ ,‬وتكون النتيجة حينئذ قد درست ف الكبى‬
‫بذاتا أيضا‪ ,‬وأما إذا كانت الكبى من العارف العقلية الت ندركها بل حاجة‬
‫إل التجربة‪ :‬كالوليات البديهية والنظريات العقلية الستنبطة منها‪ ,‬فل يتاج‬
‫الستدل لثبات الكبى ال فحص الزئيات حت يلزم من ذلك أن تتخذ‬
‫النتيجة صفة التكرار والجترار(‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ــ ومـن الغريـب حقـا مـا حاوله الدكتور زكـي نيـب ممود‪ .‬مـن تركيـز‬
‫العتراض ال سابق الذ كر على ال ستدلل القيا سي ك ما ف قول نا‪ ( :‬كل ان سان فان‬
‫وممد انسان فمحمد فان) قائل‪( :‬قد تكون ولكن حي أعمم ف القدمة الول ل‬
‫أريـد الناس فردا فردا لن احصـاءهم على هذا النحـو مسـتحيل‪ ,‬إناـ أريـد النوع‬

‫‪70‬‬
‫ومرة أخرى نؤكد على أننا ل ننكر على التجربة فضلها العظيم على‬
‫النسانية ومدى خدمتها ف ميادين العلم‪ ,‬وإنا نريد أن يفهم هؤلء‬
‫التجريبيون أن التجربة ليست هي القياس الول والنبع الساسي للفكار‬
‫والعارف النسانية‪ ,‬بل القياس الول والنبع الساسي هو العلومات الولية‬
‫العقلية الت نكتسب على ضوئها جيع العلومات والقائق الخرى‪ ,‬حت أن‬
‫التجربة بذاتا متاجة ال ذلك القياس العقلي‪ ,‬فنحن والخرون على حد‬
‫سواء على ضرورة العتراف بذلك القياس الذي ترتكز عليه أسس فلسفتنا‬

‫اللية‪ ,‬وإذا حاول التجريبيون بعد ذلك أن ينكروا ذلك القياس ليبطلوا علينا‬
‫فلسفتنا‪ ,‬فهم ينسفون بذلك السس الت تقوم عليها العلوم الطبيعية ول تثمر‬
‫بدونا التجارب السية شيئا‪.‬‬
‫وف ضوء الذهب العقلي نستطيع أن نفسر صفة الضرورة واليقي الطلق‬
‫الت تتاز با الرياضيات على قضايا العلم الطبيعي‪ ,‬فان مرد هذا المتياز إل‬
‫أن القواني والقائق الرياضية الضرورية تستند ال مبادئ العقل الول ول‬
‫تتوقف على مستكشفات التجربة وعلى العكس من ذلك قضايا العلم فان تدد‬
‫الديد بالرارة ليس من العطيات الباشرة لتلك وإنا يرتكز على‬
‫معطيات التجربة‪ ,‬فالطابع العقلي الصارم هو سر الضرورة واليقي الطلق ف‬
‫تلك القائق الرياضية‪.‬‬

‫ب صفة عا مة‪ ,‬ول كن اذا كان أمرك كذلك فك يف ا ستطعت أن ت صص ال كم على‬


‫ممد‪ ,‬ان ممدا ليس هو النوع بصفة عامة إنا هو فرد متعي متخصص‪ ,‬فحكمك‬
‫عليه با حكمت به على النوع بصفة عامة هو ف حقيقة المر قياس باطل) النطق‬
‫الوضعي ص ‪. 250‬‬
‫وهذا خل يط عج يب ب ي العقول الول والعقول الثا ن ف م صطلح النطقي ي‪.‬‬
‫فان ال كم على النوع ب صفة عا مة يع ن أ حد أمر ين‪ :‬أول ما أن يكون ال كم على‬
‫النسان باعتبار صفة العموم والنوعية فيه‪ ,‬ومن الواضح أن هذا الكم ل يكن أن‬
‫ي صص على م مد لن ممدا ل يس ف يه صفة العموم والنوع ية‪ .‬وثانيه ما‪ :‬أن يكون‬
‫الكم على ذات النسان من دون إضافة أي تصيص إليه‪.‬‬
‫وهذا ال كم ي كن ان نطب قه على م مد لن ممدا ان سان‪ ,‬فال د الو سط له‬
‫معن واحد تكرر ف الصغرى والكبى معا فيكون القياس منتجا‪.‬‬

‫‪71‬‬
‫وأما إذا درسنا الفارق بي الرياضيات والطبيعيات ف ضوء الذهب‬
‫التجريب فسوف لن ند مبرا حاسا لذا الفرق ما دامت التجربة هي‬
‫الصدر الوحيد للمعرفة العلمية ف كل اليداني‪.‬‬
‫وقد حاول بعض أنصار الذهب التجريب تفسي الفرق على أساسه‬
‫الذهب عن طريق القول بأن قضايا الرياضيات تليلية ليس من شأنا أن تأت‬
‫بديد‪ ,‬فعندما نقول ‪ 4= 2+2‬ل نتحدث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا‬
‫به فان الربعة هي نفسها تعبي آخر عن ‪ 2+2‬فالعملية الرياضية النفة‬
‫الذكر ف تعبي صريح ليست إل أن أربعة تساوي أربعة وكل قضايا‬
‫الرياضيات امتداد لذا التحليل ولكنه امتداد يتفاوت ف درجة تعقيده‪ ,‬وأما‬
‫العلوم الطبيعية فليست كذلك لن قضاياها تركيبية أي أن الحمول فيها‬
‫يضيف ال الوضوع علما جديدا أي ينبئ بديد على أساس التجربة‪ ,‬فاذا‬
‫قلت أن الاء يغلي تت ضغط كذا عندما تصبح درجة حرارته مائة مثل فأن‬
‫أفيد علما لن كلمة ماء ل تتضمن كلمة حرارة وضغط وغليان ولجل ذلك كانت‬
‫القضية العلمية عرضة للخطأ والصواب‪.‬‬
‫ولكن من حقنا أن نلحظ على هذه الحاولة لتبير الفرق بي الرياضيات‬
‫والطبيعيات‪ ,‬أن اعتبار القضايا الرياضية تليلية ل يفسر الفرق على أساس‬

‫الذهب التجريب فهب أن ‪ 4 = 2+2‬تعبي آخر عن قولنا أربعة هي أربعة‬


‫فان هذا يعن أن هذه القضية الرياضية تتوقف على التسليم ببدأ عدم‬
‫التناقض وإل فقد ل تكون الربعة هي نفسها اذا كان التناقض مكنا‪ ,‬وهذا‬
‫البدأ ليس ف رأي الذهب التجريب عقليا ضروريا لنه ينكر كل معرفة قبلية‬
‫وإنا هو مستمد من التجربة كالبادئ الت تقوم على أساسها القضايا العلمية‬
‫ف الطبيعيات‪ ,‬وهكذا تبقى الشكلة دون حل اذا ما دامت الرياضيات‬
‫والعلوم الطبيعية تتوقف جيمعا على مبادئ تريبية فلماذا تتاز قضايا‬
‫الرياضيات على غيها باليقي الضروري الطلق؟‪.‬‬
‫وبعد‪ ,‬فلسنا نقر بأن قضايا الرياضيات كلها تليلية وامتداد لبدأ أن‬
‫أربعة هي أربعة‪ ,‬وكيف تكون القيقة القائلة أن القطر أقصر دائما من الحيط‬
‫قضية تليلية فهل كان القصر أو الحيط مندما ف معن القطر وهل هي تعبي‬
‫آخر عن القول بأن القطر هو قطر‪.‬‬

‫‪72‬‬
‫ونلص من هذه الدراسة ال أن الذهب العقلي هو وحده الذهب الذي‬
‫يستطيع أن يل مشكلة تعليل العرفة ويضع لا مقاييسها ومبادئها الولية‪.‬‬
‫ولكن بقي علينا أن ندرس من الذهب العقلي نقطة واحدة وهي‪ :‬أن‬
‫العلومات الولية اذا كانت عقلية وضرورية‪ ,‬فكيف يكن أن يفسر عدم‬
‫وجودها مع النسان منذ البداية وحصوله عليها ف مرحلة متأخرة عن ولدته؟!‬
‫وبكلمة أخرى أن تلك العلومات اذا كانت ذاتية للنسان فيجب أن توجد‬
‫بوجوده ويستحيل أن يلو منها لظة من حياته‪ ,‬واذا ل تكن ذاتية لزم أن‬
‫يوجد لا سبب خارجي لا وهو التجربة‪ ,‬وهذا ما ل يوافق عليه العقليون‪.‬‬
‫والواقع أن العقليي حي يقررون أن تلك البادئ ضرورية ف العقل‬
‫البشري يعنون بذلك أن الذهن اذا تصور العان الت ترتبط بينها تلك البادئ‬
‫فهو يستنبط البدأ الول دون حاجة ال سبب خارجي‪ .‬ولنأخذ مبدأ عدم‬
‫التناقض مثال‪ ,‬إن هذا البدأ ـ الذي يعن الكم التصديقي بأن وجود الشيء‬
‫وعدمه ل يتمعان ـ ليس موجودا عند النسان ف لظة وجوده الول‪ ,‬لنه‬
‫يتوقف على تصور الوجود‪ ,‬وتصور العدم‪ ,‬وتصور الجتماع‪ .‬وبدون تصور‬

‫هذه المور ل يكن التصديق بأن الوجود والعدم ل يتمعان‪ .‬فان التصديق‬
‫النسان بشيء ل يتصوره أمر غي معقول‪ ,‬وقد عرفنا عند ماولة تعليل‬
‫التصورات الذهنية أنا ترجع جيعا ال الس وتنبثق عنه بصورة مباشرة أو غي‬
‫مباشرة‪ ,‬فيجب أن يكتسب النسان مموعة التصورات الت يتوقف عليها مبدأ‬
‫عدم التناقض عن طريق الس ليتاح له أن يكم بذا البدأ ويصدق به‪,‬‬
‫فتأخر ظهور هذا البدأ ف الذهن البشري ل يعن أنه ليس ضروريا وليس‬
‫منبثقا عن صميم النفس النسانية بل حاجة ال سبب خارجي‪ ,‬بل هو‬
‫ضروري ونابع عن النفس بصورة مستقلة عن التجربة‪ ,‬ولكن التصورات‬
‫الاصة شرائط وجوده وصدوره عن النفس‪ ,‬واذا شئت فقس النفس والبادئ‬
‫الولية بالنار وإحراقها‪ ,‬فكما أن إحراق النار فعالية ذاتية للنار ومع ذلك ل‬
‫توجد هذه الفعالية إل ف ظل شروط‪ ,‬أي ف ظرف ملقاة النار لسم يابس‪,‬‬
‫كذلك الحكام الولية فانا فعاليات ضرورية وذاتية للنفس ف الظروف الت‬
‫تكتمل عندها التصورات اللزمة‪.‬‬

‫‪73‬‬
‫وإذا أردنا أن نتكلم على مستوى أرفع قلنا أن العارف الولية وإن كانت‬
‫تصل للنسان بالتدريج‪ ,‬إل أن هذا التدريج ليس معناه أنا حصلت بسبب‬
‫التجارب الارجية‪ ,‬لننا برهنا على أن التجارب الارجية ل يكن أن تكون‬
‫الصدر الساسي للمعرفة‪ ,‬بل التدرج إنا هو باعتبار الركة الوهرية والتطور‬
‫ف النفس النسانية‪ ,‬فهذا التطور والتكامل الوهري هو الذي يعلها تزداد‬
‫كمال ووعيا للمعلومات الولية والبادئ الساسية فيفتح ما كمن فيها من‬
‫طاقات وقوى‪.‬‬
‫وهكذا يتضح أن العتراض على الذهب العقلي بأنه‪ :‬لاذا ل توجد‬
‫العلومات الولية مع النسان حي ولدته ينبن على عدم العتراف بالوجود‬
‫بالقوة‪ ,‬وباللشعور الذي تدل عليه الذاكرة بكل وضوح‪ ,‬وإذن فالنفس‬
‫النسانية بذاتا تنطوي بالقوة على تلك العارف الولية‪ ,‬وبالركة الوهرية‬
‫يزداد وجودها شدة‪ ,‬حت تصبح تلك الدركات بالقوة مدركات بالفعل‪.‬‬

‫ڤ‪................................................‬الاركسية والتجربة‬
‫ان الذهب التجريب الذي عرضناه سابقا يطلق على رأيي ف مسألة‬
‫العرفة‪ ,‬أحدها الرأي القائل بأن العرفة كلها تتوفر ف الرحلة الول أي‬
‫مرحلة الحساس والتجارب البسيطة‪ .‬والخر الرأي القائل بأن للمعرفة‬
‫خطوتي‪ :‬الطوة السية والطوة العقلية‪ ,‬أو التطبيق والنظرية‪ ,‬أو مرحلة‬
‫التجربة ومرحلة الفهوم والستنتاج‪ .‬فنقطة النطلق للمعرفة هي الس‬
‫والتجربة‪ ,‬والدرجة العالية لا هي تكوين مفهوم علمي ونظرية تعكس الواقع‬
‫التجريب بعمق ودقة‪.‬‬
‫وهذا الرأي الثان هو الرأي الذي اتذته الاركسية ف مسالة العرفة‪,‬‬
‫ولكنها ل حظت أن هذا الرأي سوف ينتهي با بصورته الظاهرة ال الذهب‬
‫العقلي‪ ,‬لنه يفرض ميدانا ومال للمعرفة النسانية خارج حدود التجربة‬
‫البسيطة فوضعته على أساس وحدة النظرية والتطبيق‪ .‬وعدم إمكان فصل‬

‫‪74‬‬
‫أحدها عن الخر‪ ,‬وبذلك احتفظت للتجربة بقامها ف الذهب التجريب‪ ,‬واعتبارها‬
‫القياس العام للمعارف البشرية‪.‬‬
‫○ قال ما وتسي تونغ‪:‬‬
‫[ الطوة الول ف عملية اكتساب العرفة هي التصال‬
‫الول بالحيط الارجي ـ مرحلة الحاسيس ـ ‪ ,‬الطوة الثانية‬
‫هي جع العلومات الت نصل عليها من الدراكات السية‬
‫وتنسيقها وترتيبها ـ مرحلة الفاهيم والحكام والستنتاجات ـ ‪,‬‬
‫وبالصول على معلومات كافية كاملة من الدراكات السية‬
‫(ل جزئية أو ناقصة)‪ ,‬ومطابقة هذه العلومات للوضع‬
‫القيقي (ل مفاهيم خاطئة) عند هذا فقد يصبح ف الستطاع‬
‫أن نصوغ على أساس هذه العلومات مفهوما ومنطقا‬
‫صحيحي](‪.)1‬‬

‫○ وقال أيضا‪:‬‬
‫[إن استمرار التطبيق الجتماعي يؤدي إل أن تتكرر‬
‫مرات متضاعفة ف تطبيق الناس أشياء يسونا وتلق فيهم‬
‫انطباعا‪ ,‬وعندها يدث تغي مفاجئ (طفرة) ف العقل‬
‫البشري خلل عملية اكتساب العرفة فينتج عند ذلك‬
‫مفاهيم] (‪.)2‬‬
‫وإليكم هذا النص الذي تؤكد فيه الاركسية على أن النظرية ل يكن أن‬
‫تنفصل عن التطبيق أي وحدة النظرية والتطبيق‪:‬‬
‫[فمن الهم إذن أن نفهم معن وحدة النظرية‬
‫والتطبيق ‪ ...‬ومعن ذلك أن من يهمل النظرية يقع ف فلسفة‬
‫المارسة فيسلك كما يسلك العمى ويتخبط ف الظلم‪ ,‬أما‬
‫ذلك الذي يهمل التطبيق فيقع ف المود الذهب ويتحول ال صاحب مذهب ل‬

‫‪ 1‬ـ حول التطبيق ص ‪.14‬‬


‫‪ 2‬ـ حول التطبيق ص ‪.6‬‬

‫‪75‬‬
‫أكثر‪ ,‬وصاحب تدليلت عقلية‬
‫(‪)1‬‬
‫جوفاء]‬
‫وبذا أكدت الاركسية موقفها التجريب‪ ,‬وان التجربة هي القياس الذي‬
‫يب أن يطبق على كل معرفة ونظرية‪ ,‬ول توجد معرفة بصورة منفصلة عنه كما‬
‫صرح بذلك ما وتسي تونغ فيما يلي‪:‬‬
‫[إن نظرية العرفة ف الادية الديالكتيكية تضع التطبيق ف‬
‫القام الول‪ ,‬فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يب أن‬
‫ل يفصل بأية درجة كانت عن التطبيق‪ ,‬وتشن نضال ضد‬
‫كل النظريات الاطئة الت تنكر أهية التطبيق أو تسمح‬
‫بانفصال العرفة عن التطبيق] (‪.)2‬‬
‫إن الاركسية كما يبدو تعترف بوجود مرحلتي للمعرفة البشرية‪ ,‬ومع ذلك‬

‫فإنا ل تريد أن تسلم بوجود معرفة عن التجربة‪ ,‬وهذا هو التناقض‬


‫الساسي الذي تقوم عليه نظرية العرفة الديالكتيكية‪ ,‬ذلك أن العقل‬
‫لو ل يكن لديه معارف ثابتة بصورة مستقلة عن التجربة ل يستطيع أن يضع‬
‫النظرية على ضوء الدراكات السية‪ ,‬وأن يكون مفهوما للمعطيات التجريبية‪,‬‬
‫فان استنتاج مفهوم خاص من الظواهر الحسوسة بالتجربة إنا يتاح للنسان‬
‫إذا كان يعرف على القل أن ظواهر كهذه تقتضي بطبيعتها مفهوما كذاك‪,‬‬
‫فيكز استنتاجه لنظريته الاصة على ذلك‪.‬‬
‫ولجل أن يتضح هذا يب أن نعرف أن التجربة‪ ,‬كما تعترف الاركسية‪,‬‬
‫تعكس ظواهر الشياء‪ ,‬ول تكشف عن وجودها وقوانينها الداخلية الت تيمن‬
‫على تلك الظواهر وتنسقها‪ ,‬ومهما كررنا التجربة وأعدنا التطبيق العملي فسوف‬
‫ل نصل ـ على أفضل تقدير ـ إل على اعداد جديدة من الظواهر السطحية‬
‫النفصلة‪ .‬ومن الواضح أن هذه الدراكات السية الت نستحصلها بالتجربة ل‬
‫تقتضي بذاتا تكوين مفهوم عقلي خاص عن الشيء الارجي‪ ,‬لن هذه‬
‫الدراكات السية الت هي الطوة الول من العرفة قد يشترك فيها أفراد‬
‫عديدون ول ينتهون جيعا ال نظرية موحدة ومفهوم واحد عن جوهر الشيء‬
‫وقوانينه الواقعية‪ ,‬فنعرف من ذلك أن الطوة الول من العرفة ليست كافية‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪.114‬‬


‫‪ 2‬ـ حول التطبيق ص ‪.4‬‬

‫‪76‬‬
‫بفردها لتكوين نظرية أي لنقل النسان بصورة طبيعية أو ديالكتيكية إل‬
‫الطوة الثانية للمعرفة القيقية‪ .‬فما هو الشيء الذي يعلنا ننتقل من الطوة‬
‫الول إل الطوة الثانية؟‪.‬‬
‫إن ذلك الشيء هو معارفنا العقلية الستقلة عن التجربة الت يرتكز على‬
‫أساسها الذهب العقلي‪ ,‬فان تلك العارف هي الت تتيح لنا أن نعرض عدة‬
‫من النظريات والفاهيم ونلحظ مدى انسجام الظواهر النعكسة ف تاربنا وحواسنا‬
‫معها‪ ,‬فنستبعد كل مفهوم ل يتفق مع تلك الظواهر حت نصل على الفهوم الذي‬
‫ينسجم مع الظواهر الحسوسة والتجريبية بكم العارف العقلية الولية‪ ,‬فنضعه‬
‫كنظرية تفسر جوهر الشيء وقوانينه الاكمة فيه‪.‬‬
‫وإذا استبعدنا من أول المر العارف العقلية الستقلة عن التجربة فسوف‬

‫يتعذر علينا نائيا أن نتخطى دور الحساس ال دور النظرية والستنتاج‪ ,‬أو‬
‫أن نتأكد من صحة النظرية والستنتاج بالرجوع ال التطبيق وتكرار التجربة‪.‬‬
‫ونلص من ذلك ال أن التفسي الوحيد للخطوة الثانية من‬
‫العرفة ـ الكم والستنتاج ـ هو ما ارتكز عليه الذهب العقلي من القول بأن‬
‫عدة من قواني العال العامة يعرفها النسان معرفة مستقلة عن التجربة‪ ,‬كمبدأ‬
‫عدم التناقض‪ ,‬ومبدأ العلية‪ ,‬ومبدأ التناسب بي العلة والعلول وما ال ذلك‬
‫من مبادئ عامة‪ ,‬وحي تقدم له التجربة العلمية ظواهر الطبيعة وتعكسها ف‬
‫إحساسه يطبق عليها البادئ العامة ويدد مفهومه العلمي عن واقع الشيء‬
‫وجوهره على ضوء تلك البادئ‪ ,‬بعن أنه يستكشف ما وراء الظواهر‬
‫التجريبية ويتخطى ال حقائق أعمق بالقدار الذي يتطلبه تطبيق البادئ‬
‫العامة ويكشف عنه‪ ,‬وتضاف هذه القائق العمق ال معلوماته السابقة‬
‫ويكون بذلك أكثر ثروة حينما ياول أن يل لغزا جديدا للطبيعة ف مال‬
‫تريب آخر‪ ,‬ولسنا نعن بذا أن التطبيق والتجربة العلمية ليس لما دور مهم‬
‫ف العرفة البشرية للطبيعة وقوانينها‪ .‬فان دورها ف ذلك ل شك فيه‪ .‬وإنا‬
‫نريد أن نؤكد على استبعاد كل معرفة منفصلة عن التجربة ورفض العارف‬
‫العقلية بصورة عامة‪ ...‬يكون سببا لستحالة تطي الرحلة الول من‬
‫الدراك‪ ,‬أي مرحلة الس والتجربة‪.‬‬
‫ڤ‪...........................................‬التجربة والكيان الفلسفي‬

‫‪77‬‬
‫ول يقف هذا التناقض الستقطب بي الذهب العقلي والذهب التجريب‬
‫عند حدود نظرية العرفة فحسب‪ ,‬بل يتد أثره الطي ال الكيان الفلسفي كله‬
‫لن مصي الفلسفة بوصفها كيانا أصيل مستقل عن العلوم الطبيعية والتجريبية‬
‫مرتبط ال حد كبي بطريقة حل هذا التناقض بي الذهبي العقلي والتجريب‪,‬‬
‫فالبحث ف القياس العام للمعرفة البشرية والبادئ الول لا هو الذي يقدم‬
‫للفلسفة مبرات وجودها‪ .‬أو يكم عليها بالنسحاب والتخلي عن وظيفتها للعلوم‬
‫الطبيعية‪.‬‬

‫وقد واجه الكيان الفلسفي هذه الحنة أو هذا المتحان منذ نشأت‬
‫الطريقة التجريبية وغزت القول العلمية بكفاءة ونشاط‪ ,‬وإليكم قصة ذلك‪:‬‬
‫كانت الفلسفة قبل أن يسود التاه التجريب وف مطلع فجرها تستوعب‬
‫تقريبا كل العارف البشرية النظمة بشكل عام‪ ,‬فالرياضيات والطبيعيات تطرح‬
‫على الصعيد الفلسفي كمسائل اليتافيزيقا تاما‪ ,‬وتتحمل الفلسفة بعناها العام‬
‫الشامل مسؤولية الكشف عن القائق العامة ف كل مالت الكون والوجود‪,‬‬
‫وكانت أداة العرفة الت تسخدمها الفلسفة ف تلك القول جيعا هي‬
‫القياس ـ الطريقة العقلية ف التفكي أو السي الفكري من القضايا العامة ال‬
‫قضايا أخص منها‪.‬‬
‫وظلت الفلسفة تسيطر على الوقف الفكري للنسانية حت بدأت التجربة‬
‫تشق طريقها وتقوم بدورها ف حقول كثية وهي تتدرج ف العرفة من‬
‫الزئيات ال الكليات‪ ,‬من موضوعات التجربة ال قواني أعم وأشل‪ ,‬فكان‬
‫على الفلسفة أن تنكمش وتقصر على مالا الصيل وتفسح الجال‬
‫لزاحها ـ العلم ـ لينشط ف سائر الجالت الخرى وبذلك انفصلت العلوم عن‬
‫الفلسفة وتددت لكل منهما أداته الاصة وماله الاص‪ ,‬فالفلسفة تصطنع‬
‫القياس أداة عقلية للتفكي‪ ,‬والعلم يستخدم الطريقة التجريبية ويتدرج من الزئيات‬
‫ال قواني أعلى‪ ,‬كما أن العلم ـ كل علم ـ يتناول شعبة من الوجود ونوعا‬
‫خاصا له يكن اخضاعه للتجربة فيبحث عن ظواهره وقوانينه ف ضوء التجارب‬
‫الت يارسها‪ ,‬وأما الفلسفة فتتناول الوجود بصورة عامة دون تديد‬
‫أو تقييد وتبحث عن ظواهره وأحكامه الت ل تضع للتجربة الباشرة‪ .‬فبينما يبحث‬
‫العال الطبيعي عن قانون تدد الفلزات بالرارة‪ ,‬والعال الرياضي عن‬

‫‪78‬‬
‫النسبة الرياضية بي قطر الدائرة وميطها‪ ,‬يدرس الفيلسوف ما إذا كان للوجود‬
‫مبدأ أول انبثق منه الكون كله‪ ,‬وما هو جوهر العلقة بي العلة والعلول‪,‬‬
‫وهل يكن أن يكون لكل سبب سبب ال غي ناية؟ وهل الحتوى النسان‬
‫مادي مض أو مزاج من الادية والروحية؟‪.‬‬
‫واضح من أول نظرة ان متوى السئلة الت يثيها العال يكن اخضاعها‬

‫للتجربة ففي إمكان التجربة أن تقدم الدليل على أن الفلزات تتمدد بالرارة‪,‬‬
‫‪14‬‬
‫‪ 3‬يساوي ميط الدائرة‪ .‬وعلى العكس من‬ ‫وأن القطر مضروبا بـ‬
‫‪100‬‬
‫ذلك الحتوى الباشر للسئلة الفلسفية فان البدأ الول وجوهر العلقة بي‬
‫العلة والعلول‪ ,‬والتصاعد اللنائي ف السباب‪ ,‬والعنصر الروحي ف‬
‫النسان أمور ميتافيزيقية ل يتد إليها الس التجريب ول يكن تسليط‬
‫الضواء ف العمل عليها‪.‬‬
‫وهكذا قامت الثنائية بي الفلسفة والعلم على أساس اختلفهما ف أداة‬
‫التفكي وموضوعه‪ ,‬وقد بدت هذه الثنائية أو هذا التوزيع للعمال الفكرية‬
‫بي الفلسفة والعلم أمرا مشروعا ومقبول عند كثي من العقليي الذين يؤمنون‬
‫بالطريقة العقلية ف التفكي ويعترفون بوجود مبادئ ضرورية أول للمعرفة‬
‫البشرية‪ .‬وأما أنصار الذهب التجريب الذين آمنوا بالتجربة وحدها وكفروا‬
‫بالطريقة العقلية ف التفكي فقد كان من الطبيعي لم أن يوجهوا هجوما عنيفا‬
‫على الفلسفة بوصفها كيانا مستقل عن العلم لنم ل يقرون كل معرفة ما ل‬
‫ترتكز على التجربة وما دامت الوضوعات الت تعالها الفلسفة خارجة عن‬
‫حدود البة والتجربة فل أمل ف الوصول إل معرفة صحيحة فيها‪ ,‬فيجب‬
‫على الفلسفة ف رأي الذهب التجريب أن تتخلى عن وظيفتها وتعترف بتواضع‬
‫أن الجال الوحيد الذي يكن للنسانية درسه إنا هو مال التجربة الذي‬
‫تقاسته العلوم ول تدع للفلسفة منه شيئا‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن شرعية الكيان الفلسفي ترتبط بنظرية العرفة وما تقرره‬
‫من اليان بالطريقة العقلية ف التفكي أو رفضها‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس شجبت عدة من مدارس الفلسفة الادية الحدثة كيان‬
‫الفلسفة الستقل القائم على أساس الطريقة العقلية ف التفكي‪ ,‬وسحت بقيام فلسفة‬

‫‪79‬‬
‫ترتكز على أساس الحصول الفكري لجموع العلوم والتجارب السية‬
‫ول تتميز عن العلم ف طريقها وموضوعها‪ ,‬وتستخدم هذه الفلسفة العلمية‬
‫للكشف عن العلقات والروابط بي العلوم ولوضع نظريات علمية عامة‬
‫تعتمد على حصيلة التجربة ف مموع القول العلمية كما أن لكل علم فلسفته‬

‫الت تقرر أساليب البحث العلمي ف ماله الاص‪.‬‬


‫وف طليعة تلك الدارس الادية الوضعية والاركسية‪.‬‬
‫ڤ‪..........................................‬الدرسة الوضعية والفلسفة‬
‫أما الدرسة الوضعية ف الفلسفة فقد اختمرت بذرتا خلل القرن التاسع‬
‫عشر الذي ساد فيه التاه التجريب فنشأت ف ظله‪ ,‬ولذلك شنت هجوما‬
‫عنيفا على الفلسفة بالتهم ومواضيعها اليتافيزيقية‪ ,‬ول تكتف برمي اليتافيزيقا‬
‫الفلسفية بالتهم الت يوجهها اليها أنصار الذهب التجريب عادة‪ ,‬فلم تقتصر‬
‫على القول بأن قضايا الفلسفة غي مدية ف الياة العلمية ول يكن إثباتا‬
‫بالسلوب العلمي بل أخذ الوضعيون يؤكدون أنا ليست قضايا ف العرف‬
‫النطقي بالرغم من اكتسابا شكل القضية ف تركيبها اللفظي لنا ل تمل‬
‫معن اطلقا وإنا هي كلم فارغ ولغو من القول وما دامت كذلك فل يكن‬
‫أن تكون موضوعا للبحث مهما كان لونه‪ ,‬لن الكلم الفهوم هو الدير‬
‫بالبحث دون اللغو الفارغ واللفاظ الاوية‪ .‬أما لاذا كانت القضايا الفلسفية‬
‫كلما فارغا ل معن له فهذا يتوقف على القياس الذي وضعته الدرسة‬
‫الوضعية للكلم الفهوم‪ ,‬فهي تقدر أن القضية ل تصبح كلما مفهوما وبالتال‬
‫قضية مكتملة ف العرف النطقي إل اذا كانت صورة العال تتلف ف حال‬
‫صدق القضية عنها ف حال كذبا‪ ,‬فاذا قلت مثل (البد يشتد ف الشتاء) تد‬
‫أن العال الواقعي له صورة معينة ومعطيات حسية خاصة ف حال صدق هذا‬
‫الكلم وصورة ومعطيات أخرى ف حال كذبه‪ ,‬ولجل هذا كنا نستطيع أن‬
‫نصف الظروف الواقعية الت نعرف فيها صدق الكلم أو كذبه ما دام هناك‬
‫فرق ف العال الواقعي بي أن تصدق القضية وبي أن تكذب‪ .‬ولكن خذ‬
‫إليك العبارة الفلسفية الت تقول‪( :‬إن لكل شيء جوهرا غي معطياته السية‪.‬‬

‫‪80‬‬
‫فللتفاحة مثل جوهر هو التفاحة ف ذاتا فوق ما نسه منها بالبصر واللمس‬
‫والذوق) فانك لن تد فرقا ف الواقع الارجي بي أن تصدق هذه العبارة أو‬
‫تكذب بدليل أنك إذا تصورت التفاحة ف حال وجود جوهر لا غي ما تدركه‬

‫منها بواسك ث تصورتا ف حال عدم وجود هذا الوهر ل تر فرقا ف‬


‫الصورتي لنك سوف لن تد ف كلتا الصورتي إل العطيات السية من اللون‬
‫والرائحة والنعومة‪ .‬وما دمنا ل ند ف الصورة الت رسناها لال الصدق‬
‫شيئا ييزها من الصورة الت رسناها لال الكذب‪ ,‬فالعبارة الفلسفية الذكورة‬
‫كلم بدون معن لنه ل يفيد خبا عن العال‪ .‬وكذلك المر ف كل القضايا‬
‫الفلسفية الت تعال موضوعات ميتافيزقية فانا ليست كلما مفهوما لعدم توفر‬
‫الشرط الساسي للكلم الفهوم فيها وهو إمكان وصف الظروف الت يعرف‬
‫فيها صدق القضية أو كذبا‪ ,‬ولذلك ل يصح أن توصف القضية الفلسفية‬
‫بصدق أو كذب لن الصدق والكذب من صفات الكلم الفهوم‪ ,‬والقضية‬
‫الفلسفية ل معن لا لكي تصدق أو تكذب‪.‬‬
‫ويكننا تلخيص النعوت الت تضفيها الدرسة الوضعية على القضايا‬
‫الفلسفية كما يلي‪:‬‬
‫‪1‬ـ ل يكن إثبات القضية الفلسفية لنا تعال موضوعات خارجة عن‬
‫حدود التجربة والبة النسانية‪.‬‬
‫‪2‬ـ ول يكن أن نصف الظروف الت إن صحت‪ ,‬كانت القضية صادقة‬
‫وإل فهي كاذبة‪ .‬إذ ل فرق ف صورة الواقع بي أن تكذب القضية الفلسفية‬
‫أو تصدق‪.‬‬
‫‪3‬ـ وهي لذلك قضية ل معن لا‪ .‬إذ ل تب عن العال شيئا‪.‬‬
‫‪4‬ـ وعلى هذا الساس ل يصح أن توصف بصدق أو كذب‪.‬‬
‫ولنأخذ الصفة الول‪ ,‬وهي أن القضية الفلسفية ل يكن إثباتا فإنا‬
‫تكرار لا يردده أنصار الذهب التجريب عموما‪ ,‬فانم يؤمنون بأن التجربة هي‬
‫الصدر الساسي والداة العليا للمعرفة وهي ل تستطيع أن تارس عملها على‬
‫السرح الفلسفي لن موضوعات الفلسفة ميتافيزيقية ل تضع لي لون علمي‬
‫من ألوان التجربة‪ ,‬ونن إذا رفضنا الذهب التجريب وأثبتنا وجود معارف‬

‫‪81‬‬
‫قبلية ف صميم العقل البشري يرتكز عليها الكيان العلمي ف متلف حقول‬

‫التجربة نستطيع ان نطمئن ال امكانات الفكر النسان وقدرته على درس‬


‫القضايا الفلسفية وبثها ف ضوء تلك العارف القبلية على طريقة الستقراء‬
‫والبوط من العام ال الاص‪.‬‬
‫وأما الصفة الثانية‪ ,‬وهي أنّا ل نستطيع أن نصف الظروف الت إن‬
‫صحت كانت القضية صادقة وإل فهي كاذبة‪ ,‬فل تزال باجة إل شيء من‬
‫التوضيح‪ .‬فما هي هذه الظروف الواقعية أو العطيات السية الت يرتبط صدق‬
‫القضية با‪ ,‬وهل تعتب الوضعية من شرط القضية أو يكون مدلولا بالذات‬
‫معطى حسيا كما ف قولنا (البد يشتد ف الشتاء والطر يهطل ف ذلك الفصل)‬
‫أو تكتفي بأن يكون للقضية معطيات حسية ولو بصورة غي مباشرة‪ ,‬فان‬
‫كانت الوضيعة تلغي كل قضية ما ل يكن مدلولا معطى حسيا وظرفا واقعيا‬
‫يضع للتجربة فهي بذلك ل تسقط القضايا الفلسفية فحسب‪ ,‬بل تشجب‬
‫أيضا أكثر القضايا العلمية الت ل تعب عن معطى حسي وإنا تعب عن قانون‬
‫مستنتج من العطيات السية كقانون الاذبية‪ ,‬فنحن نس بسقوط القلم عن‬
‫الطاولة ال الرض ول نس باذبية الرض‪ .‬فسقوط القلم معطى حسي‬
‫مرتبط بالضمون العلمي لقانون الاذبية وليس للقانون عطاء حسي مباشر‪.‬‬
‫وأما إذا اكتفت الوضعية بالعطى السي غي الباشر فالقضايا الفلسفية لا‬
‫معطيات حسية غي مباشرة كعدة من القضايا العلمية تاما أي توجد هناك‬
‫معطيات حسية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية فان صحت كانت‬
‫ل القضية الفلسفية القائلة بوجود‬
‫القضية صادقة وإل فهي كاذبة‪ .‬خذ إليك مث ً‬
‫علة أول للعال‪ ,‬فان متوى هذه القضية وإن ل يكن له عطاء حسي مباشر‪,‬‬
‫غي أن الفيلسوف يكنه أن يصل إليه عن طريق العطيات السية الت ل يكن‬
‫تفسيها عقليا إل عن طريق العلة الول‪ ,‬كما سنرى ف بوث مقبلة من هذا‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫وهناك شيء واحد يكن أن تقوله الوضعية ف هذا الجال‪ ,‬وهو أن‬
‫استنتاج الضمون الفكري للقضية الفلسفية من العطيات السية‪ ,‬ل يقوم على‬
‫أساس تريب وإنا يقوم على أسس عقلية‪ ,‬بعن أن العارف العقلية هي الت‬

‫‪82‬‬
‫تتم تفسي العطيات السية بافتراض علة أول‪ ,‬إل أن التجربة تبهن على‬

‫استحالة وجود هذه العطيات بدون العلة الول‪ ,‬وما ل تبهن التجربة على‬
‫ذلك ل يكن أن تعتب تلك العطيات عطاء للقضية الفلسفية ولو بصورة غي‬
‫مباشرة‪.‬‬
‫وهذا القول ليس إل تكرارا من جديد للمذهب التجريب‪ ,‬وما دمنا‬
‫قد عرفنا سابقا أن استنتاج الفاهيم العلمية العامة من العطيات السية مدين‬
‫لعارف عقلية قبلية‪ ,‬فل جناح على القضية الفلسفية إذا ارتبطت مع معطياتا‬
‫السية بروابط عقلية وف ضوء معارف قبلية‪.‬‬
‫وال هنا ل ند الوضعية شيئا جديدا غي معطيات الذهب التجريب‬
‫ومفاهيمه عن اليتافيزيقا الفلسفية‪ ,‬غي أن الصفة الثالثة تبدو لنا شيئا جديدا‬
‫لن الوضعية تقرر فيها أن القضية الفلسفية ل معن لا إطلقا ول تعتب قضية‬
‫بل هي شبه قضية‪.‬‬
‫ويكننا القول بأن هذا التام هو أشد ضربة وجهت ال الفلسفة من‬
‫الدارس الفلسفية للمذهب التجريب‪ ,‬فلنفحص متواه باهتمام‪.‬‬
‫ولكي يتاح لنا ذلك يب أن نعرف بالضبط ماذا تريد الوضعية بكلمة‬
‫العن ف قولنا أن القضية الفلسفية ل معن لا وإن أمكن تفسيها ف قواميس‬
‫اللغة؟‬
‫وييب على ذلك الستاذ آير ـ إمام الوضعية النطقية الديثة ف‬
‫انكلترا ـ بأن كلمة معن ف رأي الوضعية تدل على العن الذي يكن التثبت‬
‫من صوابه أو خطئه ف حدود البة السية‪ ,‬ونظرا ال أن القضية الفلسفية ل‬
‫يكن فيها ذلك فهي قضية بدون معن‪.‬‬
‫وف هذا الضوء تصبح العبارة القائلة (القضية الفلسفية ل معن لا)‬
‫معادلة تاما لقولنا (متوى القضية الفلسفية ل يضع للتجربة لنه يتصل با‬
‫وراء الطبيعة) وبذلك تكون الوضعية قد قررت حقيقة ل شك فيها ول‬
‫جدال‪ ,‬وهي أن مواضيع اليتافيزيقا الفلسفية ليست تريبية ول تأت بشيء‬
‫جديد إل تطوير كلمة العن ودمج التجربة فيها‪ ,‬وتريد القضية الفلسفية عن‬

‫‪83‬‬
‫العن ف ضوء هذا التطوير للكلمة ل يتناقض مع التسليم بأنا ذات معن ف‬
‫استعمال آخر للكلمة ل تدمج فيه التجربة ف العن‪.‬‬
‫ول أدري ماذا يقول الستاذ آير وأمثاله من الوضعيي عن القضايا الت‬
‫تتصل بعال الطبيعة‪ ,‬ول يلك النسان القدرة على التثبت من صوابا أو‬
‫خطئها بالتجربة‪ ,‬كما إذا قلنا (إن الوجه الخر للقمر الذي ل يقابل الرض‬
‫زاخر بالبال والوديان) فاننا ل نلك وقد ل يتاح لنا ف الستقبل أن نلك‬
‫المكانات التجريبية لستكشاف صدق هذه القضية أو كذبا بالرغم من أنا‬
‫تتحدث عن الطبيعة‪ ,‬فهل يكن أن نعتب هذه القضية خاوية ل معن لا مع‬
‫أننا نعلم جيعا أن العلم كثيا ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد‬
‫البحث قبل أن يلك التجربة الاسة بصددها ويظل يبحث عن ضوء ليسلطه‬
‫عليها حت يده ف ناية الطاف أو يعجز عن الظفر به‪ ,‬فلماذا كل هذا الهد‬
‫العلمي لو كانت كل قضية ل تمل بيدها دليل صدقها أو كذبا من التجربة‬
‫خواء ولغوا من القول؟‬
‫وتاول الوضعية ف هذا الجال أن تستدرك‪ ,‬فهي تقول أن الهم هو‬
‫المكان النطقي ل المكان الفعلي‪ ,‬فكل قضية كان مكنا من الوجهة النظرية‬
‫الصول على تربة هادية بشأنا‪ ,‬فهي ذات معن وجديرة بالبحث وإن ل‬
‫نلك هذه التجربة فعل‪.‬‬
‫ونن نرى ف هذه الحاولة‪ ,‬أن الوضعية قد استعارت مفهوما ميتافيزيقيا‬
‫لتكميل بنائها الذهب الذي شادته لنسف اليتافيزيقا‪ ,‬وذلك الفهوم هو‬
‫المكان النطقي الذي ميزته عن المكان الفعلي‪ ,‬وإل فما هو العطى السي‬
‫للمكان النطقي؟ تقول الوضعية أن التجربة ما دامت غي مكنة ف الواقع‪,‬‬
‫فماذا يبقى للمكان النظري من معن غي مفهومه اليتافيزيقي الذي ل أثر له‬
‫على صورة الواقع الارجي ول تتلف العطيات السية تبعا له‪ ,‬أفلم يصبح‬
‫مقياس الوضعية للكلم الفهوم ميتافيزيقيا ف ناية الشوط‪ ,‬وبالتال كلما غي‬
‫مفهوم ف رأيها؟‬
‫ولنترك الستاذ آير‪ ,‬ولنأخذ كلمة العن بدلولا التعارف دون أن ندمج‬

‫‪84‬‬
‫فيه التجربة‪ ,‬فهل نستطيع أن نكم على القضية الفلسفية بأنا غي ذات‬
‫معن؟ كل طبعا‪ ,‬فإن العن هو ما يعكسه اللفظ ف الذهن من صور‪,‬‬
‫والقضية الفلسفية تعكس ف أذهان أنصارها وخصومها على السواء صورا من‬
‫هذا القبيل‪ .‬وما دامت هناك صورة تقذفها القضية الفلسفية ال أفكارنا فهناك‬
‫مال للصدق والكذب وبالتال هناك قضية كاملة جديرة بذا السم ف العرف‬
‫النطقي‪ ,‬فان الصورة الت تقذفها القضية الفلسفية ال ذهننا إن كانت تطابق‬
‫شيئا موضوعيا خارج حدود الذهن واللفظ فالقضية صادقة وإل فهي كاذبة‪.‬‬
‫فالصدق والكذب ـ وبالتال الطابع النطقي للقضية ـ ليسا من معطيات التجربة‬
‫لنقول عن القضية الت ل تضع للتجربة أنا ل توصف بصدق أو كذب‪,‬‬
‫وإنا ها تعبيان بشكل إياب أو سلب عن التطابق بي صورة القضية ف‬
‫الذهن وبي أي شيء موضوعي ثابت خارج حدود الذهن واللفظ‪.‬‬
‫الاركسية والفلسفة‬
‫وموقف الاركسية من الفلسفة يشبه بصورة جوهرية الوقف الوضعي‪,‬‬
‫فهي ترفض كل الرفض فلسفة عليا تفرض على العلوم ول تنبثق منها‪ ,‬لن‬
‫الاركسية تريبية ف منطقها وأداة تفكيها‪ ,‬فمن الطبيعي أن ل تد‬
‫للميتافيزيقا مال ف بوثها‪ ,‬ولذا نادت بفلسفة علمية وهي الادية‬
‫الديالكتيكية وزعمت أن فلسفتها هذه ترتكز على العلوم الطبيعية وتستمد‬
‫رصيدها من التطور العلمي ف متلف القول‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫(فالادية الديالكتيكية ل تعد باجة ال فلسفة توضع‬
‫فوق العلوم الخرى وإن ما يبقى من الفلسفة القدية هو‬
‫نظرية الفكر وقوانينه ـ النطق الشكلي والديالكتيك)(‪.)1‬‬

‫وقال روجيه غارودي‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ ليني ماركس انلس والاركسية ص ‪.24‬‬

‫‪85‬‬
‫(سوف تكون مهمة النظرية الادية للمعرفة على وجه‬
‫التحديد أن ل تقطع أبدا الفكر الفلسفي عن الفكر العالي‬
‫ول عن النشاط العملي التاريي)(‪.)2‬‬
‫وبالرغم من إصرار الاركسية على الطابع العلمي لفلسفتها ورفض أي‬
‫لون من التفكي اليتافيزيقي‪ ,‬ند أن الاركسية ل تتقيد ف فلسفتها بالدود‬
‫العلمية للبحث‪ ,‬ذلك أن الفلسفة الت تنبع من البة العلمية يب أن تارس‬
‫مهمتها ف القل العلمي ول تتجاوزه ال غيه‪ ,‬فالجال الشروع لفلسفة‬
‫علمية كفلسفة الاركسية ف زعمها وإن كان أوسع من الجال النفرد لكل علم‬
‫لنا تستهدي بختلف العلوم‪ ,‬ولكن ل يوز بال من الحوال أن يكون‬
‫أوسع من الجالت العلمية متمعة أي الجال العلمي العام وهو الطبيعة الت‬
‫يكن اخضاعها للتجربة أو اللحظة السية النظمة‪ ,‬فليس من صلحية‬
‫الفلسفة العلمية أن تتناول ف البحث مسائل ما وراء الطبيعة وتكم فيها‬
‫بشيء إياب أو سلب لن رصيدها العلمي ل يدها ف تلك السائل بشيء‪,‬‬
‫فالقضية الفلسفية القائلة (للعال مبدأ أول وراء الطبيعة) ليس من حق الفلسفة‬
‫العلمية أن تتناولا بنفي أو إثبات لن متواها خارج عن مال التجربة‪.‬‬
‫وبالرغم من ذلك نرى أن الاركسية تتدخل ف هذا اللون من القضايا‬
‫وتيب عليها بالنفي المر الذي يعلها تتمرد على حدود الفلسفة العلمية‬
‫وتنساق ال بث ميتافيزيقي‪ ,‬لن النفي فيما يتصل با وراء عال الطبيعة‬
‫كالثبات وكلها من الفلسفة اليتافيزيقية وبذلك يبدو التناقض بي الدود‬
‫الت يب أن نقف عندها الاركسية ف بثها الفلسفي بوصفها صاحبة فلسفة‬
‫علمية وبي انطلقها ف البحث ال أوسع من ذلك‪.‬‬
‫وبعد أن ربطت الاركسية فلسفتها بالعلم وآمنت بضرورة تطور الحصول‬
‫الفلسفي وفقا للعلوم الطبيعة ومشاركة الفلسفة للعلم ف نوه وتكامله تبعا‬

‫لرتفاع مستوى البة التجريبية وتعميقها على مر الزمن‪ ,‬كان من الطبيعي لا‬
‫أن ترفض كل مطلق فلسفي فوق العلم‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ ما هي الادية ص ‪. 46‬‬

‫‪86‬‬
‫وقد نشأ هذا من خطأ الاركسية ف نظرية العرفة وإيانا بالتجربة‬
‫وحدها‪ ,‬وأما ف ضوء الذهب العقلي واليان بعارف قبلية فالفلسفة ترتكز‬
‫على قواعد أساسية ثابتة وهي تلك العارف العقلية القبلية الثابتة بصورة مطلقة‬
‫ومستقلة عن التجربة‪ ,‬ولجل ذلك ل يكون من التم أن يتغي الحتوى‬
‫الفلسفي باستمرار تبعا للكتشافات التجريبية‪.‬‬
‫ونن ل نعن بذلك انقطاع الصلة بي الفلسفة والعلم فان الترابط بينهما‬
‫وثيق لن العلم يقدم ف بعض الحايي القائق الاصة ال الفلسفة لتطبق‬
‫عليها مبادئها الطلقة فتخرج بنتائج فلسفية جديدة (‪ ,)1‬كما أن الفلسفة تنجد‬
‫السلوب التجريب ف العلوم ببادئ وقواعد عقلية يستخدمها العال ف سبيل‬
‫الرتقاء من التجارب الباشرة ال قانون علمي عام (‪ .)2‬فالعلقة بي الفلسفة‬
‫والعلم قوية (‪ ,)3‬غي أن الفلسفة بالرغم من ذلك قد ل تتاج ف بعض‬

‫‪ 1‬ـ ومثال ذلك أن العلوم الطبيعية تبهن على امكان تويل العناصر البسيطة‬
‫بعضها ال بعض‪ .‬فهذه حقيقة علمية تتناولا الفلسفة كمادة لبحثها وتطبق عليها‬
‫القانون العقلي القائل بأن الوصف الذات ل يتخلف عن الشيء فنستنتج أن صورة‬
‫العنصر البسيط كالصورة الذهبية ليست ذاتية لادة الذهب وإل لا زالت عنها وإنا‬
‫هي صفة عارضة‪.‬‬
‫ث تضي الفلسفة أكثر من ذلك فتطبق القانون القائل أن لكل صفة عارضة علة‬
‫خارجية فتصل ال هذه النتيجة أن الادة لكي تكون ذهبا أو ناسا أو شيئا آخر‬
‫باجة ال سبب خارجي فهذه نتيجة فلسفية مستندة ال ما أدت إليه الطريقة العقلية‬
‫من قواعد عامة لدى تطبيقها على الادة الام الت قدمتها العلوم للفلسفة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ كما ضربنا المثلة على ذلك آنفا فقد رأينا كيف أن النظرية العلمية القائلة أن‬
‫الركة هي سبب الرارة أو جوهرها تطلبت عدة من البادئ العقلية القبلية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ حت يكن القول ف ضوء ما قررناه ـ خلفا للتاه العام الذي واكبناه ف‬
‫الكتاب ـ بعدم وجود حدود فاصلة بي قواني الفلسفة وقواني العلم كالد‬
‫الفاصل القائل أن كل قانون قائم على أساس عقلي فهو فلسفي وكل قانون قائم‬
‫على أساس تريب فهو علمي‪ ,‬لننا عرفنا بوضوح أن الساس العقلي والتجربة‬
‫مزدوجان ف عدة من القضايا الفلسفية والعلمية فل القانون العلمي وليد التجربة‬
‫بفردها‪ ,‬وإنا هو نتيجة تطبيق السس العقلية على مضمون التجربة العلمية‪ ,‬ول‬
‫القانون الفلسفي ف غن عن التجربة دائما‪ ,‬بل قد تكون التجربة العلمية مادة‬
‫للبحث الفلسفي أو صغرى ف القياس على حد تعبي النطق الرسطي‪ ,‬وإنا الفارق‬
‫بي الفلسفة والعلم أن الفلسفة قد ل تتاج ال صغرى تريبية ول تفتتقر ال مادة‬
‫خام تستعيها من التجربة كما سنشي إليه بعد لظة‪ ,‬وأما العلم فهو ف كل قوانينه‬

‫‪87‬‬
‫الحيان إل تربة إطلقا بل تستخلص النظرية الفلسفية من العارف العقلية‬
‫القبلية (‪ )1‬ولجل هذا قلنا ليس من التم أن يتغي الحتوى الفلسفي باستمرار‬
‫تبعا للتجربة‪ ,‬ول من الضروري أن يواكب الكل الفلسفي قطار العلم ف‬
‫سية التدرج‪.‬‬

‫باجة ال البة السية النظمة‪.‬‬


‫‪ 1‬ـ ومثال ذلك قانون النهاية القائل أن السباب ل تتصاعد ال غي ناية‪ ,‬فان‬
‫الفلسفة حي تقرر هذا القانون ل تد نفسها باجة ال أي تربة علمية وإنا‬
‫تستخلصه من مبادئ عقلية أولية ولو بصورة غي مباشرة‪.‬‬

‫‪88‬‬
‫○ ‪2‬ـ قيمة العرفة ○‬
‫كنا ندرس ف السألة السابقة الصادر الساسية للمعرفة أو للدراك‬
‫البشري بصورة عامة‪ ,‬والن نتناول العرفة من ناحية اخرى لنحدد قيمتها‬
‫الوضوعية ومدى امكان كشفها عن القيقة‪ ,‬فان الطريق الوحيد الذي تلكه‬
‫النسانية لستكناه القائق والكشف عن أسرار العال هو مموعة العلوم والعارف‬
‫الت لديها‪ ,‬فيجب أن نتساءل قبل كل شيء عما اذا كان هذا‬

‫‪89‬‬
‫الطريق موصل حقا ال الدف‪ ,‬وعما إذا كانت النسانية قادرة على الوصول‬
‫ال واقع موضوعي با تلك من معارف وطاقات فكرية‪.‬‬
‫والفلسفة الاركسية تؤمن ف هذه السالة بإمكان معرفة العال‪ ,‬وبطاقة‬
‫الفكر البشري على الكشف عن القائق الوضوعية وترفض الشك والسفسطة‪:‬‬
‫[خلفا للمثالية الت تنكر إمكان معرفة العال وقوانينه‪,‬‬
‫ول تؤمن بقيمة معارفنا‪ ,‬ول تعترف بالقيقة الوضوعية‪,‬‬
‫وتعتب أن العال ملوء باشياء قائمة بذاتا‪ ,‬ولن يتوصل العلم‬
‫أبدا ال معرفتها‪ ,‬تقوم الادية الفلسفية الاركسية على البدأ‬
‫القائل‪ :‬أنه من المكن تاما معرفة العال وقوانينه‪ ,‬وان‬
‫معرفتنا لقواني الطبيعة تلك العرفة الت يققها العمل‬
‫والتجربة هي معرفة ذات قيمة ولا معن حقيقة موضوعية‪,‬‬
‫وأن ليس ف العال أشياء ل تكن معرفتها‪ ,‬وإنا فيه أشياء ل‬
‫تزال مهولة وستكشف وتصبح معروفة بوسائل العلم‬
‫والعمل] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ الادة الديالكتيكية ص ‪. 20‬‬

‫‪90‬‬
‫[إن أقوى تفنيد لذا الوهم الفلسفي ـ أي وهم (كانت)‬
‫وهيوم وغيه من الثاليي ـ ولكل وهم فلسفي آخر هو العمل‬
‫والتجربة والصناعة بوجه خاص‪ ,‬فإذا استطعنا أن نبهن على‬
‫صحة فهمنا لظاهرة طبيعية مابلقنا هذه الظاهرة بأنفسنا‬
‫وبأحداثنا لا بواسطة توفر شروطها نفسها‪ .‬وفوق ذلك اذا‬
‫استطعنا استخدامها ف تقيق أغراضنا كان ف ذلك القضاء‬
‫البم على مفهوم الشيء ف ذاته العصي على الدراك الذي‬
‫أتى به (كانت)] (‪.)1‬‬
‫هذه التصريات تقرر بوضوح أن الفلسفة الاركسية ل ترض بالوقوف ال‬
‫صف السفسطة ومدارس النكار أو الشك الت أعلنت إفلسها ف الضمار‬
‫الفلسفي‪ ,‬لن الصرح الذي تاول بناءه يب أن يرتفع على ركائز فلسفية‬
‫قاطعة وقواعد فكرية جازمة‪ ,‬وما ل تكن الركائز يقينية ل يكن أن يتماسك‬
‫ويتركز البناء الفكري القائم عليها‪.‬‬
‫وناول الن أن نعرف ما اذا كان من حق هذه الفلسفة أن تزعم لنفسها‬
‫اليقي الفلسفي وتدعي إمكان العرفة الازمة‪ ,‬بعن أن الفلسفة الاركسية الت‬
‫تفكر‪ ,‬على طريقة ديالكتيكية‪ ,‬هل تستطيع أن تؤمن بعرفة حقيقية للعال‬
‫وقوانينه وتتخلص من قبضة الشك أو السفسطة؟‪.‬‬
‫وف تعبي آخر هل العرفة الت يصح للفيلسوف الاركسي أن يتبجح با‬
‫على أعلى قيمة وأرفع شأنا من العرفة ف فلسفة (كانت)؟ أو لدى الثاليي أو‬
‫الاديي النسبيي من فلسفة مدارس الشك الذين نقدتم الاركسية‬
‫وهاجتهم؟‪.‬‬
‫ولجل أن نعرف الشكلة ونتبي مدى إمكان حلها على أساس الفلسفة‬
‫الاركسية ووجهة نظر الفلسفة السلمية فيها‪ ,‬يب أن نشي بصورة سريعة‬
‫ال أهم الذاهب الفلسفية الت عالت هذه الشكلة‪ ,‬حت يتحدد بلء‬

‫‪ 1‬ـ لودفيج فيورباخ ص ‪. 54‬‬

‫‪91‬‬
‫موقف الاركسية منها‪ ,‬وماذا يب أن تتخذ من رأي ف مسألة العرفة على ضوء‬
‫أصولا الرئيسية؟ وما هو حق الشكلة من التحليل والتحقيق؟‪.‬‬
‫‪1‬ـ آراء اليونان‪:‬‬
‫اجتاحت التفكي اليونان موجة من السفسطة ف القرن الامس قبل‬
‫اليلد‪ ,‬ف عصر راجت فيه طريقة الدل ف ميادين الطابة والحاماة‬
‫وتضاربت فيه الراء الفلسفية والفرضيات غي التجريبية تضاربا شديدا‪ ,‬ول‬
‫يكن الفكر الفلسفي قد تبلور ول تبلغ درجة عالية من الرشد العقلي‪ ,‬فكان‬
‫هذا الصراع والتضارب بي التناقضات الفلسفية سببا لبلبلة فكرية وارتياب‬
‫جذري‪.‬‬
‫وكانت ملكة الدل تغذي ذلك با تلهم أبطالا الدليي من شبهات‬
‫وأقيسة خاطئة‪ ,‬أنكروا على أساسها العال برفض جيع الركائز الفكرية‬
‫للنسان وإنكار الحسوسات والبديهيات‪.‬‬
‫وقد وضع (غورغياس) ـ أحد أبطال هذه الدرسة ـ كتابا ف (اللوجود)‬
‫وحاول أن يبهن فيه عدة قضايا‪ :‬الول‪ ,‬ل يوجد شيء‪ .‬الثانية‪ ,‬إذا‬
‫كان يوجد شيء فالنسان قاصر عن إدراكه‪ .‬الثالثة‪ ,‬إذا فرضنا أن إنسانا‬
‫أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيه‪.‬‬
‫وقد عاشت السفسطة ردحا من الزمن تتفنن ف عبثها بالفلسفة والعلم‬
‫حت بزغ سقراط‪ ,‬وأفلطون‪ ,‬وارسطو‪ ,‬فكانت لم مواقف جبارة ضدها‪.‬‬
‫ووضع أرسطو للكشف عن مغالطات السفسطة وتنظيم الفكر النسان‬
‫منطقه العروف‪ ,‬وخلصة مذهبه ف نظرية العرفة‪ .‬ان العلومات السية‬
‫والعلومات العقلية الولية أو الثانوية الت تكتسب براعاة الصول النطقية هي‬
‫حقائق ذات قيمة قاطعة‪ .‬ولذا أجاز ف البهان ـ الدليل القاطع ف مصطلحه‬
‫النطقي ـ استعمال الحسوسات والعقولت معا‪.‬‬
‫وقامت بعد ذلك ماولة للتوفيق بي التاهي التعارضي‪ ,‬بي التاه‬
‫الذي ينح ال النكار القاطع وهو السفسطة‪ ,‬والتاه الذي يؤكد على‬

‫‪92‬‬
‫الثبات وهو اتاه النطق الرسطي‪ .‬وكانت هذه الحاولة تتمثل ف مذهب الشك‬
‫الذي يعتب (بيون) من البشرين الساسيي به‪.‬‬
‫وتعرف عن (بيون) حججه العشر على ضرورة الشك الطلق‪ ,‬فكل‬
‫قضية ف نظره تتمل قولي‪ ,‬ويكن إيابا وسلبها بقوة متعادلة‪.‬‬
‫ولكن مذهب اليقي سيطر أخيا على الوقف الفلسفي‪ ,‬وتربع العقل على‬
‫عرشه الذي أقعده عليه (أرسطو) يكم ويقرر مقيدا بقاييس النطق‪ ,‬وخدت‬
‫جذوة الشك طيلة قرون‪ ,‬حت حوال القرن السادس عشر إذ نشطت العلوم‬
‫الطبيعية واكتشفت حقائق ل تكن بالسبان وخاصة ف اليئة ونظام الكون‬
‫العام‪ .‬وكانت هذه التطورات العلمية بثابة قوة الدل ف العصر اليونان‪,‬‬
‫فبعثت مذاهب الشك والنكار من جديد‪ ,‬واستانفت نشاطها باسأليب‬
‫متعددة‪ ,‬وقام الصراع بي اليقينيي أنفسهم ف حدود اليقي الذي يب أن‬
‫يعتمد عليه النسان‪.‬‬
‫وف هذا الو الشبع بروح الشك والتمرد على سلطان العقل نبغ‬
‫(ديكارت)‪ ,‬وطلع على العال بفلسفة يقينية كان لا تأثي كبي ف إرجاع التيار‬
‫الفلسفي حدا ما ال اليقي‪.‬‬
‫‪2‬ـ ديكارت‪:‬‬
‫وهو من أقطاب الفلسفة العقليي ومؤسسي النهضة الفلسفية ف أوروبا‪.‬‬
‫بدأ فلسفته بالشك‪ ,‬الشك الارف العاصف‪ ,‬لن الفكار متضاربة فهي إذن‬
‫ف معرض الطأ‪ ,‬والحساسات خداعة ف كثي من الحايي فهي أيضا‬
‫ساقطة من الساب‪ ,‬وبذا وذاك تثور عاصفة الشك فتقتلع العال الادي‬
‫والعنوي معا ما دام الطريق إليهما هو الفكر والحساس‪.‬‬
‫ويؤكد (ديكارت) على ضرورة هذا الشك الطلق‪ ,‬ويدلل على منطقيته‬
‫بأن من الائز أن يكون النسان واقعا ف رحة قوة تيمن على وجوده وعقله‬
‫وتاول خداعه وتضليله‪ ,‬فتوحي إليه بأفكار مقلوبة عن الواقع وادراكات‬

‫‪93‬‬
‫خاطئة‪ .‬ومهما كانت هذه الأفكار والدراكات واضحة فل نستطيع استبعاد هذا‬
‫الفرض الذي يضطرنا ال اتاذ الشك مذهبا مطردا‪.‬‬
‫ولكن (ديكارت) يستثن حقيقة واحدة تصمد ف وجه العاصفة ول تقوى‬
‫على زعزعتها تيارات الشك‪ ,‬وهي‪( :‬فكره)‪ .‬فانه حقيقة واقعة ل شك فيها‬
‫ول يزدها الشك إل ثباتا ووضوحا‪ ,‬لن الشك ليس إل لونا من ألوان‬
‫الفكر‪ ,‬وحت تلك القوة الداعة لو كان لا وجود فهي ل تستطيع أن تدعنا‬
‫ف إياننا بذا الفكر لنا إنا تدعنا عن طريق الياء بالتفكي الاطئ إلينا‪,‬‬
‫ومعن ذلك أن التفكي حقيقة ثابتة على كل حال‪ ,‬سواء أكانت مسألة الفكر‬
‫النسان مسألة خداع وتضليل أم مسألة فهم وتقيق‪.‬‬
‫وتكون هذه القيقة ف فلسفة (ديكارت) حجر الزاوية ونقطة النطلق‬
‫لليقي الفلسفي‪ ,‬الذي حاول أن يرج به من التصور ال الوجود‪ ,‬ومن‬
‫الذاتية ال الوضوعية‪ ,‬بل حاول أن يثبت عن طريق تلك القيقة الذات‬
‫والوضوع معا‪ ,‬فبدأ بذاته واستدل على وجودها بتلك القيقة قائل‪( :‬أنا‬
‫أفكر‪ ,‬فأنا إذن موجود)‪.‬‬
‫وقد يلحظ على ديكارت ف هذا الستدلل أنه يتوي ـ ل شعوريا ـ على‬
‫اليان بقائق ل زالت حت الن ف موضع الشك عنده‪ ,‬فان هذا الستدلل‬
‫تعبي غي فن عن الشكل الول من القياس ف النطق الرسطي‪ ,‬ويرجع فنيا‬
‫ال الصيغة التية‪( :‬أنا أفكر‪ ,‬وكل مفكر موجود فأنا موجود)‪ .‬ولجل أن‬
‫يصح هذا الستدلل عند ديكارت يب ان يؤمن بالنطق‪ ,‬ويعتقد بأن الشكل‬
‫الول من القياس منتج وصحيح ف انتاجه‪ ,‬مع أنه ل يزال ف بداية الشوط‬
‫الول‪ ,‬ول يزال الشك مهيمنا ف عقله على جيع العارف والقائق ومنها‬
‫النطق وقوانينه‪.‬‬
‫ولكن الواقع الذي يب أن ننبه عليه هو‪ :‬أن ديكارت ل يكن يس‬
‫باجة ال اليان بالشكال القياسية ف النطق حي بدأ الرحلة الستدللية‬
‫من تفكيه بـ (أنا أفكر‪ ,‬فأنا إذن موجود)‪ ,‬بل كان يرى ان معرفة وجوده عن‬
‫طريق فكره أمر بديهي ل يتاج ال تشكيل قياس والتصديق بصغراه وكباه‪.‬‬

‫‪94‬‬
‫ولا كانت هذه القضية صادقة لأنا بديهية بشكل ل يقبل الشك‪ ,‬فكل ما‬
‫هو على درجتها ف البداهة صادق أيضا‪ ,‬وبذا عطف قضية أخرى على‬
‫البديهية الول وسلم بأنا حقيقة وهي أن الشيء ل يرج من ل شيء‪.‬‬
‫وبعد أن آمن بالناحية الذاتية‪ ,‬أخذ ف إثبات الواقع الوضوعي فرتب‬
‫الفكار النسانية ف ثلث طوائف‪:‬‬
‫الول‪ :‬أفكار غريزية أو فطرية‪ ,‬وهي الفكار الطبيعية ف النسان الت‬
‫تبدو ف غاية الوضوح واللء كفكرة‪ :‬ال والركة والمتداد والنفس‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أفكار غامضة تدث ف الفكر بناسبة حركات واردة على الواس‬
‫من الارج‪ ,‬وليست لا أصالة ف الفكر النسان‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أفكار متلفة‪ ,‬وهي الفكار الت يصطنعها النسان ويركبها من‬
‫أفكاره الخرى‪ ,‬كصورة انسان له رأسان‪.‬‬
‫وأخذ ـ أول ما أخذ ـ فكرة (ال) من الطائفة الول‪ ,‬فقرر أنا فكرة ذات‬
‫حقيقة موضوعية إذ هي ف حقيقتها الوضوعية تفوق النسان الفكر وكل ما فيه‬
‫من أفكار‪ ,‬لنه ناقص مدود وفكرة (ال) هي فكرة الكامل الطلق الذي ل‬
‫ناية له‪ .‬ولا كان قد آمن سلفا‪ ,‬بأن الشيء ل يرج من ل شيء‪ ,‬فهو‬
‫يعرف أن لذه الصورة الفطرية ف فكره سببا‪ ,‬ول يكن أن يكون هو السبب‬
‫لا لنا أكب منه وأكمل والشيء ل ييء أكب من سببه وإل لكانت الزيادة ف‬
‫السبب قد نشأت من ل شيء‪ .‬فيجب أن تكون الفكرة منبثقة عن الكائن‬
‫اللنائي الذي يوازيها كمال وعظمة‪ ,‬وذلك الكائن هو أول حقيقة موضوعية‬
‫خارجية تعترف با فلسفة (ديكارت) وهي‪( :‬ال)‪.‬‬
‫وعن طريق هذا الكائن الكامل الطلق أثبت أن كل فكر فطري ف‬
‫الطبيعة النسانية‪ ,‬فهو فكر صادق يتوي على حقيقة موضوعية‪ ,‬لن الفكار‬
‫العقلية ـ الطائفة الول ـ صادرة عن ال‪ ,‬فاذا ل تكن صادقة كان تزويد ال‬
‫للنسان با خدعة وكذبا‪ ,‬وهو مستحيل على الكامل الطلق‪.‬‬
‫ولجل ذلك آمن ديكارت بالعرفة الفطرية (العقلية) للنسان وأنا معرفة‬

‫‪95‬‬
‫صحيحة وصادقة‪ ,‬ول يؤمن بغي تلك الأفكار الفطرية من الفكار الت تنشأ باسباب‬
‫خارجية‪ ,‬وكان من نتيجة هذا ان قسم الفكار عن الاديات ال‬
‫قسمي‪:‬‬
‫احدها الفكار الفطرية‪ ,‬كفكرة المتداد‪.‬‬
‫والخر افكار طارئة تعب عن انفعالت خاصة للنفس بالؤثرات الارجية‬
‫كفكرة الصوت‪ ,‬والرائحة‪ ,‬والضوء‪ ,‬والطعم‪ ,‬والرارة‪ ,‬واللون‪.‬‬
‫فتلك كيفيات اولية حقيقية‪ ,‬وهذه كيفيات ثانوية ل تعب عن حقائق‬
‫موضوعية وانا تتمثل ف انفعالت ذاتية‪ ,‬فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور ف‬
‫دنيا الذهن بتأثي الجسام الارجية‪ ,‬ول يشابها شيء من تلك الجسام‪.‬‬
‫هذا عرض خاطف جدا لنظرية العرفة عند ديكارت‪.‬‬
‫ويب ان نعرف قبل كل شيء ان القاعدة الساسية الت اقام عليها‬
‫مذهبه ويقينه الفلسفي وهي (انا افكر فانا اذن موجود)‪ ,‬قد نقضت ف‬
‫الفلسفة السلمية قبل ديكارت بعدة قرون؛ حي عرضها الشيخ الرئيس ابن‬
‫سينا ونقدها بانا ل يكن ان تعتب اسلوبا من الستدلل العلمي على وجود‬
‫النسان الفكر ذاته‪ ,‬فليس للنسان ان يبهن على وجوده عن طريق فكره‪,‬‬
‫لنه حي يقول (انا افكر فانا موجود)‪ ,‬ان كان يريد ان يبهن على وجوده‬
‫بـ (فكره الاص) فقط‪ ,‬فقد اثبت وجوده الاص من اول المر واعترف‬
‫بوجوده ف نفس الملة الول‪ .‬وان كان يريد ان يعل (الفكر الطلق) دليلً‬
‫على وجوده‪ ,‬فهو خطأ‪ ,‬لن الفكر الطلق يكم بوجود مفكر مطلق ل مفكر‬
‫خاص‪ ,‬واذن فالوجود الاص لكل مفكر يب ان يكون معلوما له علما أوليا‬
‫بصرف النظر عن جيع العتبارات با فيها شكه وفكره‪.‬‬
‫وبعد ذلك نرى ديكارت يقيم صرح الوجود كله على نقطة واحدة وهي‬
‫ان الفكار الت خلقها ال ف النسان تدل على حقائق موضوعية‪ ,‬فلو ل تكن‬
‫مصيبة ف ذلك لكان ال خادعا‪ ,‬والداع مستحيل عليه‪.‬‬
‫وبسهولة يكن ان نتبي اللط بي العرفة التأملية والعرفة العملية ف‬

‫‪96‬‬
‫برهانه‪ .‬فان قضية (الداع مستحيل) هي الترجة غي المنية لقضية (الداع قبيح)‬
‫وهذه القضية ليست قضية فلسفية وانا هي فكرة عملية فكيف شك (ديكارت) ف‬
‫كل شيء ول يشك ف هذه العرفة العملية‪ ,‬الت جعلها اساسا‬
‫للمعرفة التأملية الفلسفية؟!!‪.‬‬
‫اضف ال ذلك ان تسلسل العرفة ف مذهب ديكارت ينطوي على دور‬
‫واضح‪ ,‬فانه حي آمن بالسالة اللية اقام ايانه هذا على قضية يفترض‬
‫صدقها سلفا وهي ان الشيء ل يرج من ل شيء‪ .‬وهذه القضية تتاج‬
‫بدورها ال اثبات السالة اللية لتكون مضمونة الصدق‪ ,‬فما ل يثبت ان‬
‫النسان مكوم لقوة حكيمة غي خادعة‪ ,‬ل يوز لديكارت ان يثق بذه‬
‫القضية ويقضي على شكه ف سيطرة قوة خداعة للفكر النسان‪.‬‬
‫واخيا فلسنا باجة لتوضيح خلط آخر صدر منه بي (فكرة ال)‬
‫و (القيقة الوضوعية الت تدل عليها) حي آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة‬
‫عن النسان لنا اكب منه‪ .‬والال انا ل تزيد على فكرة‪ ,‬وانا يستحيل على‬
‫النسان ان يلق لذه الفكرة حقيقتها الوضوعية‪.‬‬
‫وليس هدفنا بالفعل التوسع ف مناقشة (ديكارت)‪ ,‬وانا نعن عرض‬
‫وجهة نظره ف قيمة العرفة النسانية الت تتلخص ف اليان بالقيمة القاطعة‬
‫للمعارف العقلية الفطرية خاصة‪.‬‬
‫‪3‬ـ جون لوك‪:‬‬
‫وهو المثل الساسي للنظرية السية والتجريبية كما عرفنا سابقا‪ .‬ورأيه ف‬
‫نظرية العرفة ان العارف تنقسم كما يات‪:‬‬
‫أ ـ العرفة الوجدانية‪ .‬وهي العرفة الت ل يتاج الفكر ف سبيل الصول عليها‬
‫ال ملحظة شيء آخر‪ .‬كمعرفتنا بان الواحد نصف الثني‪.‬‬
‫ب ـ العرفة التأملية‪ .‬وهي ل تصل من دون استعانة بعلومات سابقة‪,‬‬
‫كمعرفتنا بأن مموع زوايا الثلث يساوي قائمتي‪.‬‬
‫ج ـ العرفة الناشئة من وقوع الس على العن العلوم‪.‬‬

‫‪97‬‬
‫ويعتقد (لوك) ان العرفة الوجدانية معرفة حقيقية ذات قيمة كاملة من‬
‫الناحية الفلسفية‪ ,‬وكذلك العرفة التاملية الت يكن توضيحها باستدلل‬
‫صحيح‪ .‬واما العرفة السية فل قيمة لا فلسفيا وان كانت معتبة ف مقاييس‬
‫الياة العملية ونظرا لذلك ل يؤمن موضوعيا بميع خواص الادة الدركة‬
‫بالس‪ ,‬بل اعتب بعضها خواصا حقيقية موضوعية كالشكل والمتداد‪,‬‬
‫والركة‪ ,‬واعتب بعضها الخر انفعال ذاتيا كاللون والطعم والرائحة وما اليها‬
‫من صفات‪.‬‬
‫ونظرية (لوك) هذه ف العرفة ووزنا الفلسفي ل يتفق مع رأيه الاص ف‬
‫تليل العرفة‪ ,‬ذلك ان الدراك ف زعم (لوك) يرجع كله ال الس‬
‫والتجربة‪ ,‬وحت العارف البديهية ـ كمبدأ عدم التناقض ونوه من البادئ‬
‫الساسية ف الفكر البشري ـ ل توجد لدى النسان ال عن هذا الطريق‪ .‬وهذا‬
‫الس الذي هو الصدر الساسي لتلك الدراكات ليس ذا قيمة فلسفية قاطعة‬
‫ف نظرية العرفة عند (لوك)‪ ,‬والنتيجة الطبيعية لذلك هي الشك الطلق ف قيمة‬
‫كل معرفة انسانية لنا ليست ف حقيقتها ونواتا الساسية ال ادراكا حسيا‬
‫اكتسب بالتجربة الظاهرية او الباطنية‪.‬‬
‫وهكذا يبدو ان تنويعه للمعرفة ال اقسام ثلثة‪ ,‬والتفريق بينها من ناحية‬
‫العتبار الفلسفي يتناقض مع السس الت اقامها‪.‬‬
‫كما ان تقسيمه لواص الجسام الحسوسة ال طائفتي ـ كما فعل‬
‫ديكارت ـ ليس منطقيا على اسسه‪ ,‬وان كان منطقيا ال حد ما على أساس‬
‫(ديكارت)‪ ,‬ذلك ان (ديكارت) كان يقسم العرفة ال عقلية وحسية‪ ,‬ويؤمن‬
‫باعتبار الول من ناحية فلسفية دون الثانية‪ ,‬وقد زعم ان فكرة النسان عن‬
‫بعض خواص السم من الفكار العقلية الفطرية‪ ,‬وفكرته عن بعضها الخر‬
‫حسية‪ ,‬فصح له بسبب ذلك ان ينوع تلك الواص إل أولية وثانوية‪ ،‬ويؤمن بأن‬
‫الواص الولية حقيقية وموضوعية دون الواص الثانوية‪ .‬واما (جون‬
‫لوك) فقد بدأ بناءه الفلسفي بإبعاد الفكار الفطرية واليان بسيادة الس على‬
‫الدراك كله فخواص الجسام ل سبيل ال ادراكها ال الس‪ ,‬فما هو الفارق‬
‫الفلسفي بي بعضها والبعض الخر‪.‬‬

‫‪98‬‬
‫‪4‬ـ الثاليون‪:‬‬
‫والذهب الثال عميق الذور ف تاريخ الفكر النسان ومتعدد الساليب‪,‬‬
‫ولفظ الثالية هو أيضا من اللفاظ الت لعبت ادوارا مهمة عب التاريخ‬
‫الفلسفي‪ ,‬وتبلور ف عدة مفاهيم فلسفية تبادلت عليه‪ ,‬وأكسبته بسبب ذلك‬
‫لونا من الغموض واللتباس‪.‬‬
‫وقد ابتدأت الثالية دورها الول ف الصطلح الفلسفي على يد افلطون‪,‬‬
‫حي قال بنظرية خاصة ف العقل والعلم النسان‪ ,‬وسيت تلك النظرية‬
‫بنظرية (الثل الفلطونية)‪ ,‬فقد كان افلطون فيلسوفا مثاليا‪ ,‬ولكن مثاليته ل‬
‫تكن تعن انكار القائق الحسوسة وتريد الدراكات السية عن القائق‬
‫الوضوعية الستقلة عن مال التصور والدراك‪ ,‬بل كان يعتقد بوضوعية‬
‫الحساس‪ ,‬غي انه ذهب ال اكثر من ذلك فاعتقد بوضوعية الدراكات‬
‫العقلية الت هي اعلى درجة من الدراكات السية مقررا ان الدراك‬
‫العقليـوهو ادراك النواع العامة كادراك معان النسان والاء والنور_ ذو حقيقة‬
‫موضوعية مستقلة عن التعقل‪ ,‬كما سبق ايضاحه ف الزء الول من هذه‬
‫السالة‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ان الثالية القدية كانت لونا من الوان السراف ف اليان‬
‫بالواقع الوضوعي‪ ,‬لنا آمنت بالواقع الوضوعي للحساس ـ ادراك العان‬
‫الاصة بالس ـ ‪ ,‬وللتعقل ـ ادراك العان بصورة عامة ـ ‪ ,‬ول تكن انكارا‬
‫للواقع او شكا فيه‪.‬‬
‫واتذت الثالية ف التاريخ الديث مفهوما آخر يتلف كل الختلف عن‬
‫الفهوم السابق‪ ,‬فبينما كانت الثالية الفلطونية تؤكد على وجود القيقة‬
‫الوضوعية للدراكات العقلية والسية معا جاءت الثالية ف لونا الديث‬
‫لتزعزع أساس الواقع الوضوعي وتعلن عن مذهب جديد ف نظرية العرفة‬
‫النسانية تلغي به قيمتها الفلسفية‪ .‬والفهوم الثال الديد هو الذي يعنينا‬
‫درسه ومعالته ف بثنا هذا‪..‬‬
‫وقد اختلفت على هذا الفهوم الوان متعددة وصياغات كثية‪ ,‬وتوسع‬

‫‪99‬‬
‫بعض كتاب الفلسفات فيه حت اعتبوا الثالية وصفا لكل فلسفة ترتكز على‬
‫الشك‪ ,‬او تنطوي على ماولة لبعاد جانب من الشياء الوضوعية عن نطاق‬
‫العرفة النسانية او تؤمن ببدأ غيب للعال‪.‬‬
‫فالروحانية‪ ,‬واللأدرية‪ ,‬والتجريبية‪ ,‬والعقلئية‪ ,‬والنقدية‪ ,‬والظاهراتية‬
‫الوجودية‪ ,‬كلها فلسفات مثالية ف زعمهم (‪.)1‬‬
‫لجل ان يتضح دور الثالية ف نظرية العرفة النسانية نتناول بالدرس‬
‫التاهات الهمة للمثالية الديثة وهي‪ :‬التاه الفلسفي‪ ,‬والتاه الفيزيائي‪,‬‬
‫والتاه الفسيولوجي‪.‬‬
‫أ ـ الثالية الفلسفية‪:‬‬
‫والمثل الساسي لا (باركلي) الذي يعد إمام الثالية الديثة‪ ,‬وتعتب‬
‫فلسفته نقطة النطلق للتاه الثال او النعة التصورية ف قرون الفلسفة‬
‫الخية‪.‬‬
‫وجوهر الثالية ف مذهب (باركلي) يتلخص ف عبارته الشهورة‪( :‬ان يوجد‬
‫هو‪ :‬ان يُدرِك او ان يُدرَك)‪ ,‬فل يكن ان يقر بالوجود لشيء ما ل يكن ذلك‬
‫الشيء مدرِكاَ او مدرَكا‪ ,‬والشيء الدرِك هو النفس‪ ,‬والشياء الدركة هي‬
‫التصورات والعان القائمة ف مال الس والدراك‪ .‬فمن الضروري ان نؤمن‬
‫بوجود النفس ووجود هذه العان‪ ,‬واما الشياء الستقلة عن حيز‬
‫الدراك ـ الشياء الوضوعية ـ فليست موجودة لنا ليست مدركة‪.‬‬
‫ويتناول (باركلي) ف بثه بعد ذلك الجسام الت يسميها الفلسفة‬
‫بالواهر الادية ليخفيها عن مسرح الوجود قائل‪ :‬اننا ل ندرك من الادة الت‬
‫يفترضونا ال مموعة من التصورات الذهنية والظواهر السية‪ ,‬كاللون‬
‫والطعم والشكل والرائحة وما اليها من صفات‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪. 5‬‬

‫‪100‬‬
‫ويعقب (باركلي) على مفهومه الثال عن العال مؤكدا انه ليس سوفسطائياً‬
‫ول شاكا ف وجود العال وما فيه من حقائق وكائنات‪ ,‬بل هو يعترف بوجود‬
‫ذلك كله من ناحية فلسفية ول يتلف من هذه الناحية عن سائر الفلسفة‪,‬‬
‫وانا يتفاوت عنهم ف تديد مفهوم الوجود‪ .‬فالوجود عند (باركلي) ليس بعناه‬
‫عند الخرين‪ ,‬فما هو موجود ف رايهم يؤمن (باركلي) بوجوده أيضا ولكن على‬
‫طريقته الاصة ف تفسي الوجود‪ ,‬الت تعن ان وجود الشيء عبارة عن وجوده‬
‫ف ادراكنا ـ أي ادراكنا له‪.‬‬
‫ويعترض بعد ذلك سؤال بي يدي (باركلي) هو اذا كانت الادة غي‬
‫موجودة فمن اين يكن اذن ان نات بالحساسات الت تنبثق ف داخلنا كل‬
‫لظة‪ ,‬من دون ان يكون لرادتنا الذاتية تاثي ف انبثاقها وتتابعها؟‪.‬‬
‫والواب عند (باركلي) جاهز وهو ان ال نفسه يبعث تلك الحساسات‬
‫فينا‪.‬‬
‫وهكذا انتهى (باركلي) من مطافه الفلسفي وقد احتفظ لنفسه بقيقتي‬
‫ال جانب الدراك‪ :‬احداها العقل (الذات الدركة)‪ ,‬والخرى هي ال‬
‫(القيقة اللقة لحساساتنا)‪.‬‬
‫وهذه النظرية تلغي مسالة العرفة النسانية ودراسة قيمتها من ناحية‬
‫موضوعية إلغاء تاما‪ ,‬لنا ل تعترف بوضوعية الفكر والدراك ووجود شيء‬
‫خارج حدودها‪.‬‬
‫وينتاب الفهوم الثال عند باركلي شيء من الغموض قد يعل من المكن‬
‫ان يقدم له عدة تفسيات‪ ,‬تتفاوت مفاهيمها ف درجة مثاليتها وتعمقها ف‬
‫النعة التصورية‪ .‬ونن ناخذ اعمق تلك الفاهيم ف الثالية وهو الفهوم الثال‬
‫البحث‪ ,‬الذي ل يعترف بشيء عدا وجود النفس الدركة والحساسات‬
‫والدراكات الت تتتابع ف داخلها‪ ,‬وهذا الفهوم هو الذي يشع من اكثر بياناته‬
‫الفلسفية وينسجم مع الدلة الت حاول اثبات مفهومه الثال با‪ ,‬وتتلخص‬
‫الدلة على هذا الفهوم فيما يأت‪:‬‬

‫‪101‬‬
‫الدليل الول‪ :‬ان جيع الدراكات البشرية ترتكز على الس وترجع‬
‫اليه‪ ,‬فالس هو القاعدة الرئيسية لا‪ ,‬واذا حاولنا اختبار هذه القاعدة‬
‫وجدناها مشحونة بالتناقضات والخطاء‪ .‬فحاسة البصر تتناقض دائما ف رؤيتها‬
‫للجسام عند قربا وبعدها‪ ,‬فهي تدركها صغية الجم اذا كانت بعيدة‬
‫عنها‪ ,‬وتدركها بجم اكب اذا كانت قريبة منها‪ ,‬وحاسة اللمس هي ايضا‬
‫تتناقض‪ ,‬فقد ندرك با شيئا واحدا ادراكي متلفي‪ ,‬ويوضح باركلي بعد ذلك‬
‫فيقول‪ :‬اغمس يديك ف ماء دافئ بعد ان تغمس احداها ف ماء ساخن‬
‫والخرى ف ماء بارد‪ ,‬أفل يبدو الاء باردا لليد الساخنة وساخنا لليد الباردة؟‬
‫فهل يب اذن ان نقول عن الاء انه ساخن وبارد ف نفس الوقت؟! او ليس‬
‫هذا هو الكلم الفارغ بعينه؟! واذن فلتستنتج معي ان الاء ف ذاته ل يوجد‬
‫كمادة مستقل عن وجودنا‪ ,‬فهو ليس سوى اسم نطلقه نن على إحساسنا‪,‬‬
‫فالاء يوجد فينا نن‪ .‬وف كلمة واحدة‪ ,‬الادة هي الفكرة الت نضعها عن‬
‫الادة‪ .‬واذا كانت الحساسات فارغة عن كل حقيقة موضوعية للتناقضات‬
‫اللحوظة فيها ل تبق للمعرفة البشرية قيمة موضوعية مطلقا‪ ,‬لنا ترتكز‬
‫بصورة عامة على الس واذا انارت القاعدة انار الرم كله‪.‬‬
‫وهذا الدليل ل قيمة له للسباب التية‪:‬‬
‫اول‪ :‬ان العارف البشرية ل ترتكز كلها على الس والتجربة‪ ,‬لن‬
‫الذهب العقلي الذي درسناه ف الزء السابق من السالة ـ الصدر الساسي‬
‫للمعرفة ـ يقرر وجود معارف اولية ضرورية للعقل البشري‪ ,‬وهذه العارف‬
‫الضرورية ل تنشأ من الس ول يبدو فيها شيء من التناقضات مطلقا‪ ,‬فل‬
‫يكن اقتلع هذه العارف بالعاصفة الت تثار على الس والدراكات السية‪,‬‬
‫وما دمنا نلك معارف ف منجاة عن العاصفة فمن اليسور ان نقيم على‬
‫أساسها معرفة موضوعية صحيحة‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬ان هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لثالية‬
‫(باركلي) ـ أي مع النظرية السية والذهب التجريب‪ ,‬ذلك ان باركلي فيه يعتب‬
‫مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ويستبعد من بداية المر إمكان التناقض ف‬

‫‪102‬‬
‫الواقع الوضوعي‪ .‬وترتيبا على ذلك يستنتج من تناقض الدراكات والتجارب‬
‫السية خلوها من الواقع الوضوعي‪ ,‬وغاب عنه ان مبدأ عدم التناقض ليس‬
‫ف الذهب التجريب ال مبدأ تريبيا يدلل عليه بالتجربة السية‪ ,‬فاذا كانت‬
‫الدراكات والتجارب متناقضة كيف صح لباركلي ان يؤمن ببدا عدم‬
‫التناقض‪ ,‬ويبهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعي؟! ولاذا ل‬
‫يصح عنده وجود واقع موضوعي تتناقض فيه الظواهر والشياء؟! والقيقة ان‬
‫باركلي استند ـ ل شعوريا ـ ال فطرته الاكمة ببدا عدم التناقض بصورة‬
‫مستقلة عن الس والتجربة‪.‬‬
‫وثالثا‪ :‬من الضروري ان نيز بي مسألتي‪ :‬احداها مسالة وجود واقع‬
‫موضوعي للدراكات والحساسات‪ ,‬والخرى مسالة مطابقة هذا الواقع لا‬
‫يبدو لنا ف ادراكنا وحواسنا‪ .‬واذا ميزنا بينهما استطعنا ان نعرف ان تناقض‬
‫الحساسات ل يكن ان يتخذ برهانا على عدم وجود واقع موضوعي ـ كما‬
‫حاول باركلي ـ وانا يدل على عدم التكافؤ بي العن الدرك بالس‪ ,‬والواقع‬
‫الوضوعي ف الارج ـ أي ان الحساس ل يب ان يكون مطابقا كل الطابقة‬
‫للشياء الارجية‪ .‬وهذا شيء غي ما حاوله باركلي من انكار موضوعية‬
‫الحساس‪ ,‬فنحن حي نغمس يدينا بالاء فتحس احداها بالرارة وتس‬
‫الخرى بالبودة‪ ,‬ل نضطر لجل استبعاد التناقض ان ننكر موضوعية‬
‫الحساس بصورة مطلقة‪ ,‬بل يكننا ان نفسر التناقض على وجه آخر وهو ان‬
‫إحساساتنا عبارة عن انفعالت نفسية بالشياء الارجية‪ ,‬فل بد من شيء‬
‫خارجي حينما نس وننفعل‪ .‬ولكن ليس من الضروري تكافؤ الحساس مع‬
‫الواقع الوضوعي لن الحساس لا كان انفعال ذاتيا فهو ل يتجرد عن الناحية‬
‫الذاتية‪ .‬ويكننا على هذا الساس ان نكم فورا ف شأن الاء الذي افترضه‬
‫باركلي بانه ماء دافئ ليس ساخنا ول باردا‪ ,‬وان هذا الدفء هو الواقع‬
‫الوضوعي الذي اثار فينا الحساسي التناقضي‪ ,‬وقد تناقض الحساسان‬
‫بسبب الناحية الذاتية الت نضيفها على الشياء حي ندركها وننفعل با‪.‬‬
‫الدليل الثان‪ :‬ان العتقاد بوجود الشياء خارج روحنا وتصورنا انا يقوم‬
‫على أساس اننا نراها ونلمسها ـ أي اننا نعتقد بوجودها‪ ,‬لنا تعطينا‬

‫‪103‬‬
‫احساسات ما‪ ,‬إل ان احساساتنا ليست سوى افكار تتويها ارواحنا‪ ,‬واذن‬
‫فالشياء الت تدركها حواسنا ليست سوى افكار‪ ,‬والفكار ل يكن ان توجد‬
‫خارج روحنا‪.‬‬
‫وباركلي ف هذا الدليل ياول ان يعل مسالة اليان بالواقع الوضوعي‬
‫للشياء متوقفة على التصال بذلك الواقع بصورة مباشرة‪ ,‬وما دام ل يتاح لنا‬
‫ف حال من الحوال ان نتصل اتصال مباشرا بالشياء خارج روحنا‪ ,‬وما دمنا‬
‫مضطرين ال ادراكها ف تصوراتنا وافكارنا خاصة ‪ ...‬فل وجود ف القيقة‬
‫ال لذه التصورات والفكار‪ .‬ولو اطحنا با ل يبق شيء نستطيع ان ندركه‪,‬‬
‫او ان نعترف بوجوده‪.‬‬
‫ويب ان نلحظ قبل كل شيء ان هذه الجة الت حاول باركلي ان‬
‫يبهن با على مفهومه الثال ليست صحيحة‪ ,‬حت عند باركلي نفسه‪ ,‬فانه‬
‫يتفق معنا ـ بصورة غي شعورية ـ على دحضها وعدم كفايتها لتبير الفهوم‬
‫الثال‪ ,‬ذلك انا تؤدي ال مثالية ذاتية تنكر وجود الشخاص الخرين كما‬
‫تنكر وجود الطبيعة على السواء‪ .‬فان القيقة اذا كانت مقتصرة على نفس‬
‫الدراك والشعور باعتبار اننا ل نتصل بشيء وراء حدود الذهن ومتوياته‬
‫الشعورية‪ ,‬فهذا الدراك والشعور هو ادراكي وشعوري انا‪ ,‬وانا ل اتصل‬
‫بادراك الخرين وشعورهم كما ل اتصل بالطبيعة ذاتا‪ ,‬وهذا يفرض عليّ عزلة‬
‫عن كل شيء عدا وجودي وذهن فليس ل الق بالتسليم بوجود الناس‬
‫الخرين لنم ليسوا ال تصورات ذهن وفكري الذات‪ .‬وهكذا تنتهي السالة‬
‫ال مثالية فردانية فظيعة‪ ,‬فهل كان يكن لـ (باركلي) ان يندفع مع حجته ال‬
‫اقصى مداها ويرج منها بثالية كهذه؟ واذا كان قد حاول شيئا من هذا‬
‫فسوف يتناقض مع نفسه قبل غيه‪ ,‬وال فمع من كان يتحدث؟! ولن كان‬
‫يكتب ويؤلف؟! ولساب من كان يلقي ماضراته ودروسه؟! اليس ذلك‬
‫تاكيدا قاطعا من باركلي على الواقع الوضوعي للشخاص الخرين؟!‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان باركلي نفسه يشاركنا ف عدم قبول الجة الت يتبناها‬
‫والتصديق ـ ولو ل شعوريا ـ ببطلنا‪.‬‬

‫‪104‬‬
‫ويبقى علينا بعد هذا ان نوضح سر الغالطة ف هذا الدليل‪ ,‬لنفهم‬
‫السبب ف عدم حصول القناعة الواقعية به حت لـ (باركلي) نفسه‪.‬‬
‫وف هذا الصدد يلزمنا ان نستذكر ما عرفناه ف الزء الول من‬
‫السالة ـ الصدر الساسي للمعرفة ـ من انقسام الدراك البشري ال قسمي‬
‫رئيسي وها التصديق والتصور‪ .‬وان نعرف للتصديق ميزته الساسية على‬
‫التصور‪ ,‬هذه اليزة الت تعل من العرفة التصديقية هزة الوصل بيننا وبي‬
‫العال الارجي‪.‬‬
‫وإيضاح ذلك‪ ,‬ان التصور عبارة عن وجود صورة لعن من العان ف‬
‫مداركنا الاصة‪ ,‬فقد توجد الصورة ف حواسنا فيكون وجودها كذلك مكونا‬
‫للحساس با‪ ,‬وقد توجد الصورة ف ميلتنا فيحصل بذلك التخيل‪ ,‬وقد توجد‬
‫الصورة بعناها التجريدي العام ف الذهن ويسمى وجودها هذا تعقل‪.‬‬
‫فالحساس والتخيل والتعقل الوان من التصور واناء لوجود صور الشياء ف‬
‫الدارك البشرية‪ .‬فنحن نتصور التفاحة على الشجرة بالحساس با عن طريق‬
‫الرؤية‪ ,‬ومعن احساسنا با وجود صورتا ف حواسنا‪ ,‬ونتفظ بعد ذلك بذه‬
‫الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة ف ذهننا وهذا الوجود هو التخيل‪ ,‬ويكننا‬
‫بعد ذلك ان نسقط من الصورة الصائص الت تتاز با عن التفاحات‬
‫الخرى‪ ,‬ونستبقي العن العام منها ـ أي معن التفاحة بصفة كلية‪ ,‬وهذه‬
‫الصورة الكلية هي التعقل‪ .‬فهذه مراحل ثلث من التصور يتازها الدراك‪,‬‬
‫البشري وهو ل يعب ف كل مرحلة إل عن وجود صورة ف بعض مداركنا‪,‬‬
‫فالتصور بصفة عامة ل يعدو أن يكون وجودا لصورة شيء ما ف مداركنا‪,‬‬
‫سواء أكان تصورا واضحا جليا كالحساس‪ ,‬أم باهتا وضئيل كالتخيل‬
‫والتعقل‪ ,‬وهو لذلك ل يكن أن يشق لنا الطريق ال ما وراء هذه الصورة‬
‫الت نتصورها ف مداركنا‪ ,‬ول يكفي للنتقال من الجال الذات ال الجال‬
‫الوضوعي‪ ,‬لن وجود صورة للمعن ف مداركنا شيء‪ ,‬ووجود ذلك العن‬
‫بصورة موضوعية ومستقلة عنا ف الارج شيء آخر‪ ,‬ولذا قد يعلنا الحساس‬
‫نتصور أمورا عديدة ل نؤمن بان لا واقعا موضوعيا مستقل‪ ,‬فنحن نتصور‬
‫العصا الغموسة ف الاء وهي مكسورة‪ ,‬ولكننا نعلم بان العصا ل تنكسر ف‬

‫‪105‬‬
‫الاء حقاً‪ ,‬وانا نسها كذلك بسب انكسار الشعة الضوئية ف الاء‪ .‬ونتصور الاء‬
‫الدافئ حارا جدا حي نضع يدنا فيه وهي شديدة البودة‪ ,‬مع يقيننا بان‬
‫الرارة الت احسسنا با ليس لا واقع موضوعي‪.‬‬
‫واما التصديق ـ أي القسم الخر من الدراك البشري ـ فهو الذي يصح‬
‫ان يكون نقطة النطلق لنا من التصورية ال الوضوعية‪ ,‬فلنلحظ كيف يتم‬
‫ذلك؟‪.‬‬
‫ان العرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من القائق‬
‫وراء التصور‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬ان الط الستقيم اقصر مسافة بي نقطتي‪ .‬فان‬
‫معن هذا الكم هو جزمنا بقيقة وراء تصوراتنا للخطوط الستقيمة والنقاط‬
‫والسافات‪ ,‬ولذلك يتلف كل الختلف عن الوان التصور الساذج‪ ,‬فهو‪:‬‬
‫اولً‪ :‬ليس صورة لعن معي من العان الت يكن ان نسها ونتصورها‪,‬‬
‫بل فعل نفسيا يربط بي الصور‪ ,‬ولذا ل يكن ان يكون واردا ال الذهن‬
‫عن طريق الحساس‪ ,‬وانا هو من الفعاليات الباطنية للنفس الدركة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬يلك خاصة ذاتية ل تكن موجودة ف شيء من الوان التصور‬
‫واقسامه‪ ,‬وهي خاصة الكشف عن واقع وراء حدود الدراك‪ ,‬ولذلك كان من‬
‫المكن ان تتصور شيئا وان تس به ول تؤمن بوجوده ف واقع وراء الدراك‬
‫والشعور‪ ,‬ولكن ليس من العقول ان تكون لديك معرفة تصديقية ـ أي ان‬
‫تصدق بأن الط الستقيم هو اقرب مسافة بي نقطتي ـ وتشك مع ذلك ف‬
‫وجود حقيقة موضوعية يكي عنها ادراكك وشعورك‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان العرفة التصديقية هي وحدها الت يكن ان ترد على‬
‫حجة باركلي القائلة‪ :‬انا ل نتصل بالواقع مباشرة وانا نتصل بافكارنا فل‬
‫وجود ال لفكارنا‪ .‬فالنفس وان كانت ل تتصل مباشرة ال بادراكاتا ال ان‬
‫هناك لونا من الدراك يكشف بطبيعته كشفا ذاتيا عن شيء خارج حدود‬
‫الدراك وهو الكم ـ أي العرفة التصديقية‪ .‬فحجة باركلي كانت تقوم على‬
‫اللط بي التصور والتصديق‪ ,‬وعدم ادراك الفوارق الساسية بينهما‪.‬‬
‫وعلى هذا الضوء نتبي ان الذهب التجريب والنظرية السية يؤديان ال‬

‫‪106‬‬
‫النعة الثالية‪ ,‬فهما مضطران ال قبول الجة الت قدمها باركلي‪ ,‬لن النفس‬
‫البشرية بقتضى هذين البداين ل تلك ادراكا ضروريا او فطريا مطلقا‪ ,‬وانا‬
‫تنشأ ادراكاتا جيعا من الس وترتكز معارفها عليه‪ ,‬والس ليس ال لونا من‬
‫الوان التصور‪ ,‬فمهما كثر وتنوع ل يعدو حدوده التصورية‪ ,‬ول يكن ان يطو‬
‫به النسان ال الوضوعية خطوة واحدة‪.‬‬
‫الدليل الثالث‪ :‬ان الدراكات والعارف البشرية اذا كانت لا خاصة‬
‫الكشف الذات عن مال وراء حدودها وجب ان تكون جيع العلوم والعارف‬
‫صحيحة‪ ,‬لنا كاشفة بكم طبيعتها وذاتا‪ ,‬والشيء ل يتخلى عن وصفه‬
‫الذات‪ ,‬مع ان جيع مفكري البشرية يعترفون بأن كثيا من العلومات‬
‫والحكام الت لدى الناس هي ادراكات خاطئة ول تكشف شيئا من الواقع‪,‬‬
‫بل قد يمع العلماء على العتقاد بنظرية ما ويتجلى بعد ذلك بكل وضوح انا‬
‫ليست صحيحة‪ ,‬فكيف يفهم هذا على ضوء ما تزعمه الفلسفة‬
‫الواقعية ـ من ان العلم يتمتع بالكشف الذات؟! وهل لذه الفلسفة من مهرب‬
‫ال التنازل عن منح العلم هذه الصفة؟! واذا تنازلت عن ذلك كانت الثالية‬
‫امرا متما‪ ,‬لنا ل نستطيع ان نصل حينئذ ال الواقع الوضوعي عن طريق‬
‫افكارنا ما دمنا قد اعترفنا بانا ل تلك كشفا ذاتيا عن ذلك الواقع‪.‬‬
‫ولجل ان نيب على هذا الدليل يلزمنا ان نعرف ما هو معن الكشف‬
‫الذات للعلم؟ ان الكشف الذات للعلم معناه ان يرينا متعلقه ثابتا ف الواقع‬
‫الارج عن حدود ادراكنا وشعورنا‪ .‬فعلمنا بأن الشمس طالعة وان الثلث غي‬
‫الربع يعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة الثلث للمربع ثابتي ف واقع مستقل‬
‫عنا‪ ,‬فهو يقوم بدور الرآة‪ ,‬واراءته لنا ذلك هي كشفه الذات‪ ,‬وليس معن‬
‫هذه الراءة ان طلوع الشمس موجود ف الارج حقا‪ ,‬وان مغايرة الثلث‬
‫للمربع ثابتة ف الواقع‪ .‬فان كون الشيء ثابتا ف الواقع غي كونه مرئيا‬
‫كذلك‪ ,‬وبذلك نعرف ان الكشف الذات للعلم ل يتلف عنه حت ف موارد‬
‫الطا والشتباه‪ ,‬فان علم القدماء بان الشمس تدور حول الرض كان له من‬
‫الكشف الذات بقدار ما لعلمنا بدوران الرض حول الشمس من‬
‫كشف ـ بعن انم كانوا يرون دوران الشمس حول الرض امرا ثابتا ف‬

‫‪107‬‬
‫الواقع بصورة مستقلة عنهم‪ ,‬فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئيا‬
‫لم أي انم كانوا يصدقون بذلك وان ل يكن ثابتا ف الواقع(‪.)1‬‬
‫فالنسان بطبيعته اذن يرج من التصورية ال الوضوعية بالعلم التصديقي‬
‫لكان كشفه الذات‪ ,‬سواء اكان العلم مصيبا ف الواقع ام مطئا‪ ,‬فانه علم‬
‫وكشف على كل تقدير‪.‬‬
‫الدليل الرابع‪ :‬ان العارف التصديقية اذا كانت تطئ ول يكن‬
‫كشفها الذات يصونا عن ذلك فلماذا ل يوز ان تكون جيع معارفنا التصديقية‬
‫خطأ؟! وكيف يكننا ان نعتمد على الكشف الذات للعلم ما دام هذا الكشف‬
‫صفة لزمة للعلم ف موارد الطأ والصواب على حد سواء‪.‬‬
‫وهذه الحاولة تتلف ف هدفها عن الحاولة السابقة‪ ,‬ففي تلك الحاولة‬
‫كانت تستهدف الثالية ال اعتبار العارف البشرية اشياء ذاتية ل تشق لنا‬
‫الطريق ال الواقع الوضوعي‪ ,‬وقد احبطنا تلك الحاولة بايضاح ما للمعارف‬
‫التصديقية من كشف ذات تتاز به على التصور الالص‪ .‬واما هذه الحاولة‬
‫فهي تقصد ازالة العارف التصديقية نائيا من التفكي البشري‪ ,‬لنا ما دامت‬
‫قد تطئ‪ ,‬او ما دام كشفها الذات ل يعن صحتها دائما‪ ,‬فلماذا ل نشك‬
‫فيها ونتخلى عنها جيعا؟! ول يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العال‬
‫الوضوعي‪.‬‬
‫وبطبيعة الال‪ ,‬ان التفكي البشري لو ل يكن يلك عدة معارف مضمونة‬
‫الصحة بصورة ضرورية‪ ,‬لكان هذا الشك لزما ول مهرب عنه‪ ,‬ولا امكننا‬
‫ان نعلم بقيقة مهما كانت ما دام هذا العلم ل يستند ال ضمان ضروري‪,‬‬

‫ـ وبالتعبي الفلسفي الصطلح ان التضايف القائم بي الكاشف وهو العلم‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫والنكشـف بالعرض وهـو الشيـء الارج عـن حدود العلم‪ ,‬ليـس ثابتا بيـ وجود‬
‫الكاشف ووجود النكشف بالعرض‪ ,‬ليمتنع انفكاك احدها عن الخر‪ ,‬وانا هو بي‬
‫الكاشف ية الذات ية للعلم والنكشف ية بالعرض للش يء الارج عن حدود العلم‪ ,‬و من‬
‫الواضح ان المرين متلزمان ول يكن انفكاكهما مطلقا‪.‬‬

‫‪108‬‬
‫وكان الطأ متمل ف كل مال‪ .‬ولكن الذي يقضي على هذا الشك هو‬
‫الذهب العقلي ـ الذي درسناه ف الزء الول من نظرية العرفة (الصدر‬
‫الساسي للمعرفة) ـ فهو يقرر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحة ل يقع‬
‫فيها الطأ مطلقا‪ ,‬وانا يقع احيانا ف طريقة الستنتاج منها‪ .‬وعلى هذا التقسيم‬
‫العارف البشرية ـ كما سبق ف تلك الدراسة ـ ال معارف ضرورية مضمونة‬
‫تتشكل منها القاعدة الرئيسية للتفكي‪ ,‬ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة‬
‫وهي الت قد يقع فيها الطا‪.‬‬
‫فنحن اذن مهما شككنا‪ ,‬ل نستطيع ان نشك ف تلك القاعدة لنا‬
‫مضمونة الصدق بصورة ضرورية‪.‬‬
‫ونريد ان نتبي الن ما اذا كان ف وسع الفيلسوف الثال باركلي ان ينكر‬
‫تلك القاعدة الضمونة‪ ,‬ول يقر بوجود معارف ضرورية فوق الطا والشتباه‬
‫او ل؟‪.‬‬
‫ول شك ف ان الواب هو النفي‪ ,‬فانه مضطر ال العتراف بوجود‬
‫معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الستدلل على مثاليته بالدلة‬
‫السابقة‪ ,‬فان النسان ل يكنه ان يستدل على شيء ما ل يركز استدلله على‬
‫اصول وقواعد مضمونة الصدق عنده‪ ,‬ونن اذا لحظنا ادلة باركلي وجدناه‬
‫مضطرا ال العتراف‪:‬‬
‫أول‪ :‬ببدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الول‪ ,‬فان التناقض‬
‫اذا كان مكنا‪ ,‬فل يصح ان يستنتج من تناقض الحساسات عدم‬
‫موضوعيتها‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬ببدأ العلية والضرورة‪ ,‬فهو لو ل يكن يعترف بذا البدأ لكان‬
‫استدلله عبثا‪ ,‬لن النسان انا يقيم دليلً على رأيه ليانه بأن الدليل علة‬
‫ضرورية للعلم بصحة ذلك الراي‪ .‬فاذا ل يكن يعتقد ببدأ العلية والضرورة‬
‫جاز ان يكون الدليل صحيحا‪ ,‬ومع ذلك ل يثبت به الراي الطلوب‪.‬‬
‫واذا ثبت وجود معارف مضمونة الصدق ف التفكي البشري‪ ,‬فل شك ف‬

‫‪109‬‬
‫ان من تلك العارف معرفتنا بوجود العال الوضوعي الستقل عنا‪ ,‬فان العقل‬
‫يد نفسه مضطرا ال التصديق بوجود عال خارجي على سبيل الجال ورفض‬
‫كل شك ف ذلك‪ ,‬مهما وقعت من مفارقات بي حسه والواقع‪ ,‬او بي فكره‬
‫والقيقة‪ ,‬بل يعد التشكيك ف وجود العال الستقل ضربا من النون‪.‬‬
‫ونلص من مناقشاتنا للمثالية الفلسفية ال ان الواقعية ترتكز على اساسي‪:‬‬
‫الول‪ ,‬اليان بوجود كشف ذات للمعارف التصديقية‪ ,‬والثان‪ ,‬العتقاد‬
‫بقاعدة اساسية للمعرفة البشرية مضمونة الصدق بصورة ضرورية‪ .‬وكل هذين‬
‫الساسي قد وجدنا باركلي مضطرا ال العتراف بما‪ ,‬فانه لول الكشف‬
‫الذات للمعرفة التصديقية لا عرف الشخاص الخرين‪ ,‬ولا كيّف حياته على‬
‫اساس وجودهم‪ ,‬ولول وجود معارف مضمونة الصدق ف التفكي البشري لا‬
‫امكنه ان يستدل على مزاعمه الثالية‪.‬‬

‫ب ـ الثالية الفيزيائية‪:‬‬
‫كانت الفيزياء قبل قرن من الزمان تفسر الطبيعة تفسيا واقعيا ماديا‬
‫تكمه قواني اليكانيك العامة‪ .‬فالطبيعة واقعية عند الفيزيائيي بعن انا‬
‫موجودة بصورة مستقلة عن الذهن والشعور‪ ,‬وهي مادية أيضا لن مرد‬
‫الطبيعة ف تليلهم العلمي ال جزئيات صلبة صغية ل تقبل التغي ول‬
‫النقسام‪ ,‬وهي الواهر الفردة الت نادى با ديوقريطس ف الفلسفة اليونانية‪,‬‬
‫وهذه الزئيات او الكتل الولية للطبيعة ف حركة مستمرة‪ .‬فالادة هي مموع‬
‫تلك الزئيات‪ ,‬والظاهرات الطبيعية فيها ناتة عن انتقال تلك الكتل وحركتها‬
‫ف الكان‪.‬‬
‫ولا كانت هذه الركة باجة ال تفسي من العلم فقد فسرتا الفيزياء‬
‫تفسيا آليا كما تفسر الركة ف رقاص الساعة او المواج الصوتية‪ ,‬وافترض‬
‫وجود قوى ف الكتل او علقات خاصة بي تلك الكتل‪ ,‬لحاولة تكميل‬
‫التفسي الل لظواهر الطبيعة‪ .‬وهذه القوى والعلقات بدورها يب ان تضع‬
‫للتفسي الل ايضا فنشأ من ذلك ف الفيزياء الفهوم الفرضي لـ (الثي)‪,‬‬
‫واسندت اليه عدة مهام كانتشار الضوء الذي افترض الثي حاملً له عند‬

‫‪110‬‬
‫انتقاله من بعض الجسام ال بعض‪ ,‬كما يمل أيضا الرارة والكهرباء‬
‫ونوها من قوى الطبيعة‪.‬‬
‫ويتلخص هذا العرض ف ان الطبيعة واقع موضوعي مادي يكمه نظام‬
‫آل كامل‪.‬‬
‫ول يستطع‪ ,‬هذا الفهوم الفيزيائي ان يصمد للكشوف الديثة الت‬
‫فرضت على العلماء ان يقلبوا نظرياتم عن الطبيعة راسا على عقب‪ ,‬وبرهنت‬
‫لم على ان العقل العلمي ل يزال ف البداية‪ ,‬وكان من اهم تلك الكشوف‬
‫العلمية اكتشاف الكهارب الذي دل على وجود بنية مركبة للذرة واكتشاف‬
‫انللا الشعاعي‪.‬‬
‫فبينما كانت الذرة هي الوحدة الادية الساسية الت تتألف منها الطبيعة‬
‫عادت بدورها مركبة‪ ,‬ول تقف القصة عند هذا الد بل واصبح من المكن‬
‫ان تتبخر كهرباء‪ .‬وبينما كانت الركة مدودة ف حدود الركات اليكانيكية‬
‫الت تتسق مع التفسي الل للطبيعة‪ ,‬اكتشفت الوان اخرى من الركة‪ .‬وبينما‬
‫كان الراي السائد يزعم ان كتلة الادة ـ وهي التعبي الرياضي عن الوهر‬
‫الادي ـ دائمة وغي قابلة للتغيي‪ ,‬ثبت ف البهان العلمي انا ليست ثابتة بل‬
‫هي نسبية ول تعب ف مفهومها الواقعي ال عن طاقة مكتنة ولذا تتلف كتلة‬
‫السم باختلف حركته‪.‬‬
‫وهكذا بدا للفيزيائيي واضحا ان الادية قد ماتت وان الفهوم الادي‬
‫للعال اصبح يتعارض مع العلم والباهي التجريبية‪.‬‬
‫ولجل ذلك استطاع العلماء ان يكونوا عن العال مفهوما جوهريا اعمق‬
‫من الفهوم الادي‪ ,‬وليست الادية ال وجها من وجوه هذا الفهوم الديد‪ ,‬بل‬
‫ذهب بعض الفيزيائيي ال اكثر من ذلك فزعم ان مرد العال ال حركة‬
‫خالصة ماول الستغناء عن اضافة أي حقيقة جوهرية اليها‪.‬‬
‫فقد قال (أوزوالد)‪:‬‬
‫[ان العصا الت تضرب (سكابان) ل تنهض على وجود‬

‫‪111‬‬
‫العال الارجي‪ ,‬هذه العصا ليست موجودة وليس موجودا ال‬
‫طاقتها الركية]‪.‬‬
‫وقال (كارل بيسون)‪:‬‬
‫[الادة هي اللمادي الذي هو ف حركة] ‪.‬‬
‫وف غمرة هذه الكشوف الديدة الت زعزعت الكيان الادي واظهرت ان‬
‫الادة هي الوهم البشري العام عن العال ل الفهوم العلمي الطابق للعال‪,‬‬
‫ظهر التاه الثال ف الفيزياء واستهوى كثيا من الفيزيائيي‪ ,‬فقالوا‪ :‬ما دام‬
‫العلم يقدم ف كل يوم براهي جديدة ضد القيمة الوضوعية للمعرفة البشرية‪,‬‬
‫وضد الصفة الادية للعال‪ ,‬فليست الذرات او البنيات الساسية للمادة‪ ,‬بعد‬
‫ان تبخرت على ضوء العلم‪ ,‬ال طرقا مناسبة للتعبي عن الفكر‪ ,‬واستعارات‬
‫واشارات ل تتضمن من القيقة الواقعية شيئا‪.‬‬
‫قال أدينغتون‪:‬‬
‫[ليس ثة ف منظومة قواني علم الطبيعة كلها شيء‬
‫واحد ل يكن استنتاجه بوضوح من اعتبارات نظرية العرفة‬
‫الشاملة الطلقة وتأملتا‪ ,‬والدماغ الذي يكون غي عال‬
‫بكوننا ولكنه يعرف نظام التفكي الذي يفسر بوساطته العقل‬
‫البشري تربته السية‪ ,‬يكون بقدوره ان يبلغ جيع معارف‬
‫علم الطبيعة الحصلة من طريق التجربة‪ ,‬وف النهاية اقول‪:‬‬
‫ان ما ادركه عن الكون هو تاما وبصورة صحيحة دقيقة‬
‫الشيء نفسه الذي نضيفه ال الكون ليصبح مفهوما] ‪.‬‬
‫وأعرب بعد ذلك عن امله ف‪:‬‬
‫[ان يعرف ف السنوات القريبة القادمة ما كان خبيئا ف‬
‫النواة الذرية رغم ما ينشأ ف اذهاننا من ظن بان هذا قد‬
‫خبئ من قبلنا] ‪.‬‬
‫والواقع ان التاه الثال عند هؤلء الفيزيائيي ناتج عن خطا ف التفكي‬
‫الفلسفي ل عن برهان فيزيائي ف الجال العلمي‪ ,‬ذلك ان السالة الساسية ف‬

‫‪112‬‬
‫الفلسفة الت انقسم الفلسفة ف الواب عنها ال مثاليي وواقعيي بدت لم‬
‫مغلوطة‪.‬‬
‫فالسالة الساسية هي مسالة ما اذا كان للعال واقع موضوعي مستقل عن‬
‫ذهننا وشعورنا‪ ,‬وقد فهمها اولئك الفيزيائيون على انا ل تقبل سوى اجابتي‬
‫على الوجه الت فقط‪:‬‬
‫اما ان مرد العال ال الذهن والشعور فل وجود له بصورة موضوعية‪ ,‬واما‬
‫ان العال واقع مادي موجود خارج الذهن والشعور‪.‬‬
‫فاذا استبعدنا الجابة الثانية بالباهي والتجارب العلمية الت دلت على‬
‫ان الادية ليست ال قناعا للحقيقة الت ينطوي عليها العال‪ ,‬لزمنا الخذ‬
‫بالجابة الول والعتقاد بالفهوم الثال البحث للعال‪.‬‬
‫ولكن القيقة ان الجابتي ل توضعا وضعا صحيحا فيما سبق‪ ,‬ذلك ان‬
‫تقدي اجابة تناقض الجابة الثالية ل تتم علينا اليان بلزوم الصفة الادية‬
‫للواقع الوضوعي‪ ,‬فان الواقعية الت تالف الثالية بصورة متقابلة ل تعن اكثر‬
‫من العتراف بوجود واقع موضوعي مستقل عن الذهن والشعور‪ ,‬واما ان هذا‬
‫الواقع الوضوعي الستقل هل هو الادة او القوة او الركة او الوج‬
‫الكهربائي ‪ ...‬فذلك سؤال آخر يب على الواقعية الت امنت بالعال‬
‫الوضوعي ان تيب عنه على ضوء العلم والكتشافات التجريبية‪.‬‬
‫ومت فرقنا بي السألتي تفريقا تاما استطعنا ان نرد التاه الثال السابق‬
‫الذكر ال الطأ الذي يرتكز عليه‪.‬‬
‫فقد عرفنا ان السؤال الول هو‪ :‬هل للعال واقع مستقل عن الذهن‬
‫البشري؟‪.‬‬
‫والجابتان عن هذا السؤال ها للمثالية والواقعية‪ .‬فالثالية تيب بالنفي‬
‫والواقعية تيب بالثبات‪ .‬وكلتا الجابتي يب ارتكازها على أساس فلسفي‬
‫بت ول كلمة للعلم والتجربة ف هذا الوضوع‪.‬‬
‫والسؤال الخر‪ ,‬ما هو الواقع الوضوعي الستقل؟ وهل تلزمه خصائص‬

‫‪113‬‬
‫الادة وصفاتا او ل؟ وهذا السؤال انا يتجه ال الواقعية ول مال له على‬
‫أساس الفهوم الثال‪ .‬وييب بعض الواقعيي عن هذا السؤال باعطاء الفهوم‬
‫الادي للواقع الوضوعي الستقل‪ ,‬وييب الخرون باعطاء مفاهيم اخرى‪,‬‬
‫وللعلم ف هذه الجابات كلمته‪ ,‬فالتجارب والكشوف العلمية هي الت تكون‬
‫الفهوم العلمي للواقعيي عن العال الوضوعي‪.‬‬
‫فاذا ابطل العلم الفهوم الادي للعال فهو ل يعن ان العلم رفض الواقعية‬
‫وصار مثاليا‪ ,‬لن الكشف العلمي ل يبهن على عدم وجود الواقع الوضوعي‬
‫الستقل‪ ,‬وانا دلل على عدم لزوم الصفة الادية له‪ ,‬فليكن مرد العال ال‬
‫القوة او ال الركة او ال أي شيء آخر غي الادة‪ ,‬فان ذلك ل يضر بالواقعية‬
‫ول يبهن على الثالية ما دام لذلك الشيء واقع موضوعي موجود بصورة‬
‫مستقلة عن الذهن والشعور‪ ,‬فالادة اذا تبخرت كهرباء على ضوء العلم‪,‬‬
‫والكتلة اذا تولت ال طاقة‪ ,‬والطاقة اذا تولت ال كتلة‪ ,‬والطبيعة اذا كانت‬
‫تعب عن حركة خالية من الادة‪ ,‬اذا صح ذلك كله فلن يغي ذلك من موقفنا‬
‫تاه السؤال الول شيئا‪ ,‬لننا نؤمن على كل تقدير بان القيقة ليست نتاج الشعور‬
‫فحسب‪ ,‬بل هي وليدة الواقع الستقل‪.‬‬
‫وانا يكون لذه النظريات العلمية تأثي اذا فرغنا عن الجابة على السؤال‬
‫الول‪ ,‬وتناولنا السؤال الثان لنعرف كيف هو العال؟‪.‬‬
‫وبذا نعرف ان كشوف العلم الديث ل ترد على الواقعية بشيء‪ ,‬وانا‬
‫ترد على الادية الت تزعم ان الادية هي الوصف اللزم لذلك الواقع بصورة‬
‫عامة‪.‬‬
‫ومن الغريب ماولة بعض الاديي الحتفاظ للمادية بقامها‪ ,‬والرد على‬
‫الباهي العلمية والتجريبية بأنا ل تبهن على سلب الصفة الادية عن العال‪,‬‬
‫وانا تكون سببا ف تعمق فهمنا للمادة وخصائصها‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[إن تلشي الادة يعن ان الد الذي وصلت اليه معرفتنا‬
‫بالادة يتلشى‪ ,‬وان وعينا يتعمق‪ ,‬فثمة خصائص للمادة‬

‫‪114‬‬
‫كعدم قابليتها للختراق وعدم الركة والكتلة ‪ ..‬كانت تبدو‬
‫لنا من قبل مطلقة ثابتة أولية وهي تتلشى الن‪ ,‬وقد عرفت‬
‫بأنا نسبية ملزمة فقط لبعض حالت الادة‪ ,‬ذلك ان‬
‫الاصة الوحيدة للمادة‪ ,‬الت يدد التسليم با الادية الفلسفية‬
‫انا هي كونا ـ أي الادة ـ حقيقة موضوعية‪ ,‬وانا موجودة‬
‫خارج وعينا](‪.)1‬‬
‫[إن دعائم الفهوم الادي عن العال ل يكن ان يزعزعها‬
‫أي تغيي للمفهوم العلمي لصائص الادة‪ ,‬وليس ذلك لن‬
‫الدرك الفلسفي عن الادة يكون دون علقة لدرك علمي‬
‫مزعوم‪ ,‬وانا لن الادة ل يكن ان تفقد هذه الاصة‬
‫الساسية من خصائصها وهي كونا ـ أي الادة ـ حقيقة واقعية‬
‫موضوعية] (‪.)2‬‬
‫بذا اراد ليني ان يزيف الثالية الفيزيائية ويدعم مفهومه الادي‪.‬‬
‫ويبدو واضحا من كلمه تاهله لكل فلسفة واقعية عدا الواقعية القائمة‬
‫على أساس مادي‪ ,‬ولجل ان يل التناقض بي الفهوم الادي وحقائق العلم‬
‫والفيزياء شرح مفهوم الادة شرحا غريبا‪ ,‬وأعطاه من السعة والشمول ما جعله يعب‬
‫عن الواقع الوضوعي الستقل بالادة‪ ,‬ماول بذلك ان يقدم الادية كحل فلسفي‬
‫وحيد لسألة وجود العال ف مقابل الثالية‪ .‬ومن الواضح ان الادة اذا‬
‫كانت تعبيا مساويا للواقع الوضوعي الستقل‪ .‬وكانت خصيصتها الوحيدة اللزمة‬
‫لا هي موضوعيتها ووجودها بصورة مستقلة عن وعينا‪ ,‬فالفلسفة التيافيزيقية اللية‬
‫تكون فلسفة مادية تاما باعتبار هذا الفهوم الديد للمادة‪ ,‬ويرتفع التعارض نائيا‬
‫بي الفلسفة اليتافيزيقية والفلسفة الادية ومفهومها عن‬
‫العال‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬


‫‪ 2‬ـ الصدر نفسه ص ‪. 23‬‬

‫‪115‬‬
‫فالفيلسوف الالي الذي يؤمن با وراء الطبيعة يقول نفس الكلمة تاما‬
‫عن العال‪ .‬فالعال عنده واقع موضوعي مستقل عن وعينا‪ ,‬وليس البدأ اللي‬
‫ل عن وعينا‪.‬‬
‫الذي تعتقد به الفلسفة اليتافيزقية ال واقعا موضوعيا مستق ً‬
‫والقيقة ان التلعب باللفاظ ل يدي شيئا‪ ,‬فتوسعة الفهوم الادي ال‬
‫حد ينطبق على الفهوم العارض له وينسجم معه ل يعن ال تليه عن واقعه‬
‫الفلسفي الاص‪ ,‬وعجزه عن الرد على ما يعارضه من مفاهيم‪.‬‬
‫اضف ال ذلك ان الادية الدلية ل تسمح لليني ان يعترف بقيقة‬
‫مطلقة‪ ,‬لن ذلك يتناف مع الدل القائل بتطور جيع القائق طبقا للتناقضات‬
‫الحتواة فيها‪ ,‬فهل الاصة الساسية للمادة ف مفهومها اللينين الديد خاصة‬
‫مطلقة ل تتطور ول تضع لقانون الدل وتناقضاته‪ ,‬فان كانت كذلك فقد‬
‫وجدت اذن القيقة الطلقة الت يرفضها الديالكتيك ول يقرها اصول الدل‬
‫الاركسي‪ .‬وان كانت هذه الاصة جدلية ومتوية على التناقضات‬
‫الدافعة لا ال التطور والتغي كسائر حقائق العال‪ ,‬فمعن ذلك ان الادية تشكو‬
‫هي أيضا من التناقض وتضطر لجل ذلك ال التغي والتبدل ونزع الصفة‬
‫الساسية للمادة عنها‪.‬‬
‫والنتيجة الت نرج با هي ان النعة الثالية عند الفيزيائيي نشأت عن‬
‫عدم التمييز بي السألتي الفلسفيتي اللتي شرحناها‪ ,‬وليست وليدة الدلة‬
‫العلمية بصورة مباشرة‪.‬‬
‫ومع هذا فيجب ان نشي ال عامل آخر لعب دورا مهما ف زعزعة يقي‬
‫العلماء بالواقع الوضوعي‪ ,‬وهو انيار السلمات العلمية ف اليدان العلمي‬
‫الديث‪ ,‬فبينما كانت تعتب تلك السلمات حقائق قاطعة ل تقبل الشك‬
‫استطاع العلم ان يزيفها ويبهن على خطئها فذابت‪ ,‬ف لظة ذرات (جون‬
‫دالتون) وتزعزع قانون عدم فناء الادة‪ ,‬ودللت التجارب على ان الادة وهم‬
‫عاش فيه البشر آلف السني‪ ,‬فكان رد الفعل لذلك ان ثار الشك من جديد‬
‫وطغى على افكار عدة من العلماء‪ ,‬فاذا كانت مسلمات العلم بالمس اخطاء‬
‫اليوم فلماذا ل يوز لنا ان نرتاب ف كل حقيقة مهما بدت لنا واضحة‪ ,‬ولاذا‬

‫‪116‬‬
‫نفترض السألة الساسية ـ مسالة وجود الواقع الوضوعي للعال ـ فوق‬
‫الريب والشك؟‪.‬‬
‫وهكذا انبثقت النعة الثالية او اللأدرية ل باعتبار برهنة العلم على‬
‫صحتها وصوابا‪ ,‬بل باعتبار تزعزع عقيدة العلماء بالعلم وزوال ايانم‬
‫بسلماته القاطعة‪ ,‬ولكن هذا العامل ل يعدو ان يكون باعثا نفسيا او ازمة‬
‫نفسية اوحت بالتمايل نو الثالية‪ ,‬وتزول هذه الزمة النفسية بادن ملحظة‬
‫حي تدرس السألة دراسة فلسفية‪ ,‬ذلك ان العتقاد بوجود الواقع الوضوعي‬
‫للعال ليس ناشئا من براهي التجربة والعلم‪ ,‬فقد عرفنا سابقا ان التجارب ل‬
‫يكن ان تبعث على هذا العتقاد وترج النسان من التصورية ال الوضوعية‪,‬‬
‫بل هو اعتقاد فطري ضروري ف الطبيعة النسانية ولجل ذلك فهو عام‬
‫يشترك فيه الميع حت الثاليون التمردون عليه بلسانم‪ ,‬فانم أيضا يعتقدون‬
‫هذا العتقاد تاما كما تدل عليه حياتم العملية‪ .‬واما السلمات الت ظهر‬
‫خطأها فهي تدور كلها حول بنية العال الوضوعي وتديد واقعه وعناصره‬
‫الساسية‪ ,‬ومن الواضح ان مسلمات كهذه انا تثبت بالتجربة العلمية‪,‬‬
‫فانيارها ووضوح خطئها ـ بسبب نقصان التجارب الت ارتكزت عليها عدم‬
‫دقتها‪ ,‬او عدم صحة الستنتاج العقلي للنظرية من التجربة ـ ل يعن بال من‬
‫الحوال ان يوز الطا على السلمات العقلية الضرورية‪.‬‬
‫ج ـ الثالية الفيزيولوجية‪:‬‬
‫وهذا لون آخر من الثالية يبدو عند بعض علماء الفيزيولوجيا‪ ,‬ويعتمد ف‬
‫زعمهم على القائق الفيزيولوجية الت يكشفها العلم‪ .‬وينطلق هذا التاه‬
‫الثال من نقطة ل نقاش فيها‪ ,‬وهي ان الشكل الذات للحساس البشري‬
‫يتوقف تديده على تركيب حواسنا وعلى الهاز العضوي بصورة عامة‪ .‬فليست‬
‫طبيعة الحساس الت من العال الارجي هي الت تدد بفردها شكل الشيء‬
‫ف احساسنا‪ ,‬بل هو رهي بطبيعة الهاز العصب قبل كل شيء‪ ,‬وقد زعموا‬
‫بناء على ذلك ان الاسة ل تعطينا انباء عن العال الارجي‪ ,‬وانا هي تنبئنا‬
‫عن جهازنا العضوي الاص‪ ,‬وليس معن ذلك ان الحساس ل صلة له‬

‫‪117‬‬
‫بالشيء الارجي‪ ,‬بل الشياء الارجية هي ان السباب الولية لثارة‬
‫العمليات السية ف اعضائنا‪ ,‬ولكن طبيعة الهاز الاص هي الت تبلور‬
‫عملية الحساس ف الكيفية الت يعب با عن نفسه‪ ,‬ولجل هذا فالحساس‬
‫يكن ان يعتب بثابة رمز وليس بثابة صورة‪ ,‬ذلك لن الصورة يتطلب منها‬
‫بعض الشبه مع الشيء الذي تثله‪ ,‬واما الرمز فل يلزم ان يكون له أي شبه‬
‫مع الشيء الذي يعنيه‪.‬‬
‫وهذا التاه الثال من الضاعفات اللزمة للمفهوم الادي للدراك الذي‬
‫نرفضه كل الرفض‪ ,‬فان الدراك اذا كان عبارة عن عملية فيزيولوجية‬
‫خالصة‪ .‬وتفاعل مادي خاص بي الهاز العصب والشياء الوضوعية ف‬
‫الارج‪ ,‬فيجب ان تكون كيفية هذا العمل الفيزيولوجي هنا مرتبطة بطبيعة‬
‫الهاز العصب‪ ,‬او بطبيعة الهاز وطبيعة الشيء الوضوعي معا‪ .‬وهذا وان‬
‫يكن مؤديا ال مثالية صرية ونفي لواقع العال الوضوعي ما دمنا قد احتفظنا‬
‫للشياء الارجية بصفة السببية لعمليات الهاز العصب‪ ,‬ال انه قد يسمح‬
‫بالتشكيك ف مدى مطابقة الحساس للواقع الوضوعي‪ ,‬والريب ف ان ل‬
‫يكون الدراك مرد انفعال خاص يدل على سببه بصورة رمزية من دون تشابه‬
‫ف القيقة والحتوى‪ .‬وسوف نعود ال هذا الفهوم الثال الفيزيولوجي عن‬
‫قريب‪.‬‬
‫‪5‬ـ انصار الشك الديث‪:‬‬
‫ومرد هذا الشك الديث ف القيقة ال مذهب الشك القدي‪ ,‬الذي‬
‫اتذته الدرسة الشكية الغريقية وبشر له (بيون) زاعما عجز النسان عن‬
‫اعطاء أي حكم على الشياء‪ .‬وقد نشأت الشكية الديثة ف ظروف مشابة‬
‫للظروف الت اكتنفت تلك الدرسة القدية وساعدت على انشائها‪ ,‬فالشكية‬
‫الغريقية جاءت كحل وسط للصراع الذي قام على أشده بي السفسطة‬
‫والفلسفة‪ .‬فقد كانت السفسطة قد ولدت قبل الشكية بقرون‪ .‬وتردت على‬
‫جيع القائق وانكرت القضايا العلمية والسية كافة‪ .‬وقام الفلسفة ف وجهها‬
‫يظهرون تناقضاتا ويكشفون عن انيارها بي يدي النقد حت تضاءلت موجة‬

‫‪118‬‬
‫النكار‪ ,‬فانبثقت عند ذلك فكرة الشك الت اعلنت عن (ل أدرية) مطلقة‪,‬‬
‫وحاولت تبير ذلك باظهار تناقضات الواس وتضارب الفكار الذي يسلب‬
‫عنها صفة الوقوف العلمي‪ ,‬فكانت تفيفا للسفسطة‪ .‬وكذلك المر ف الشكية‬
‫الديثة‪ ,‬فان اصحابا حاولوا تقديها كحل للتناقض القائم بي الثالية‬
‫والواقعية‪ ,‬ان صح ان يعتب الستسلم ال الشك حل لذا التناقض وكانت‬
‫بسبب ذلك صورة مففة عن الثالية‪.‬‬
‫ول تعتمد الشكية الديثة على اظهار تناقضات الحساس والدراك‬
‫فحسب‪ ,‬بل على تليل العرفة الذي يؤدي ال الشك ف زعمها‪ .‬فقد كان‬
‫(دافيد هيوم) الذي بشر بفلسفة الشك على اثر فلسفة (باركلي) يرى ان التأكد‬
‫من القيم الوضوعية للمعرفة البشرية امر غي ميسور‪ ,‬لن اداة العرفة هي‬
‫الذهن او الفكر‪ ,‬ول يكن ان يضر ف الذهن سوى ادراكات‪ ,‬ومن المتنع‬
‫ان نتصور ان نكوّن معن شيء يتلف عن التصورات والنفعالت‪ ,‬فلنوجه‬
‫انتباهنا ال الارج ما استطعنا ولتثب ميلتنا ال السماوات او ال اقاصي‬
‫الكون فلن نطو ابدا خطوة ال ما بعد انفسنا‪ .‬ولذا فل يكن ان نيب‬
‫على السالة الساسية ف الفلسفة الت يتصارع عندها الثاليون والواقعيون‪.‬‬
‫فالثالية تزعم ان الواقع قائم ف الشعور والدراك‪ ,‬والواقعية تؤكد على انه‬
‫موجود بصورة موضوعية مستقلة‪ .‬والشكية ترفض ان تيب على السالة لن‬
‫الرد عليها مستحيل فلترجا السالة ال البد‪.‬‬
‫والواقع ان (دافيد هيوم) ل يزد على حجج (باركلي) شيئا‪ ,‬وان زاد عليه‬
‫ف الشك والعبث بالقائق‪ ,‬فلم يقف ف شكيته عند الادة الارجية‪ ,‬بل‬
‫اطاح بالقيقتي اللتي احتفظ بما (باركلي) ف فلسفته ـ وها النفس‬
‫وال ـ تشيا مع البدأ السي ال النهاية‪ ,‬فقد اتذ لذلك نفس اسلوب باركلي‬
‫وطريقته‪ .‬فكما ان الوهر الادي ل يكن ف رأي باركلي ال مموعة من‬
‫الظواهر الركبة تركيبا صناعيا ف الذهن‪ ,‬كذلك النفس ما هي ال جلة من‬
‫الظواهر الباطنية وعلقاتا‪ ,‬ول يكن اثبات (النا) ـ النفس ـ بالشعور‪ ,‬لنن‬
‫حي انفذ ال صميم ما اسيه (أنا) اقع على ظاهرة جزئية‪ ,‬فلو ذابت‬
‫الدراكات جيعا ل يبق شيء استطيع ان اسيه (أنا)‪.‬‬

‫‪119‬‬
‫وفكرة (ال) تقوم على مبدأ العلية‪ ,‬ولكن هذا البدا ل يكن التسليم‬
‫بصحته بزعم (دافيد)‪ ,‬لن الس ل يطلعنا على ضرورة بي الظواهر‬
‫والوادث‪ ,‬وانا ترجع فكرة العلية ال مرد عادة‪ ,‬او ال لون من الوان‬
‫تداعي العان‪.‬‬
‫وهكذا بلغ (دافيد) بالنظرية السية والذهب التجريب ال ذروتما الت‬
‫يؤديان اليها طبيعيا‪ ,‬وبدل من ان يبهن عن هذا الطريق على رفض البدا‬
‫السي والتجريب ف الفكر انساق معه حت انطلق به ال النهاية الحتومة‪.‬‬
‫ول نريد ان نناقش (دافيد هيوم) من جديد ما دامت حججه اجترارا من‬
‫ادلة باركلي وآرائه‪ ,‬وانا نتناول نقطة واحدة وهي العادة الت ارجع اليها مبدأ‬
‫العلية وكثيا من العلقات القائمة بي الشياء ف الفكر‪ ,‬لنتساءل‪ :‬ما هي‬
‫العادة؟ فان كانت عبارة عن ضرورة قائمة بي فكرة العلة والعلول‪ ,‬فهي‬
‫تعبي آخر عن مبدأ العلية‪ ,‬وان كانت شيئا آخر فهي ل تتلف عن العلية ف‬
‫كونا معن غيبيا ليس لدينا احساس او انفعال يقابله‪ ,‬فكان يب عليه رفضه‬
‫كما رفض جيع القائق الت ل يتد اليها الس‪ ,‬وقد سبق ف نقد الذهب‬
‫التجريب الرد على هذا التفسي الفاشل للعلية الذي حاوله (هيوم)‪,‬‬
‫فليلحظ ‪.‬‬
‫‪6‬ـ النسبيون‪:‬‬
‫تعتب النسبية من الذاهب الفلسفية القائلة بوجود القيقة وامكان العرفة‬
‫البشرية‪ ,‬ولكن هذه العرفة او القيقة الت يكن للفكر النسان ان يظفر با‬
‫هي معرفة او حقيقة نسبية‪ ,‬بعن انا ليست حقيقة خالصة من الشوائب‬
‫الذاتية ومطلقة‪ ,‬بل هي مزيج من الناحية الوضوعية للشيء‪ ,‬والناحية الذاتية‬
‫للفكر الدرك‪ ,‬فل يكن ان تفصل القيقة الوضوعية ف التفكي عن الناحية‬
‫الذاتية وتبدو عارية عن كل اضافة اجنبية‪.‬‬
‫وف النسبية اتاهان رئيسيان يتلفان ف معن النسبية وحدودها ف العلوم‬
‫البشرية‪ ,‬احدها التاة النسب ف فلسفة (عما نؤيل كانت) والخر التاه‬

‫‪120‬‬
‫النسب لعدة من الفلسفة الاديي الحدثي الذي مهد للنسبية التطورية الت‬
‫نادت با الادية الديالكتيكية‪.‬‬
‫أ ـ نسبية كانت‪:‬‬
‫يب ان تعرف قبل كل شيء ان الكم العقلي عند (كانت) على‬
‫قسمي‪:‬‬
‫احدها‪ :‬الكم التحليلي‪ ,‬وهو الكم الذي يستعمله العقل لجل‬
‫التوضيح فحسب‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬السم متد‪ ,‬والثلث ذو اضلع ثلثة‪ .‬فان‬
‫مرد الكم هنا ال تليل مفهوم الوضوع (السم او الثلث)‪ ,‬واستخراج‬
‫العناصر التضمنة فيه ـ كالمتداد التضمن ف مفهوم السم‪ ,‬والضلع الثلثة‬
‫التضمنة ف مفهوم الثلث ـ وردها ال الوضوع‪ .‬والحكام التحليلية ل تتحفنا‬
‫بعرفة جديدة للموضوع‪ ,‬ول تقوم ال بدور التفسي والتوضيح‪.‬‬
‫والخر‪ :‬الكم التركيب‪ ,‬وهو الذي يزيد مموله شيئا جديدا على‬
‫الوضوع‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬السم ثقيل‪ ,‬والرارة تدد الفلزات‪ ,‬و ‪4=2+2‬‬
‫فان الصفة الت نسبغها على الوضوع ف هذه القضايا ليست مستخرجة منه‬
‫بالتحليل‪ ,‬وانا تضاف فتنشأ بسبب ذلك معرفة جديدة ل تكن قبل ذلك‪.‬‬
‫والحكام التركيبية‪ ,‬تارة تكون أحكاما اولية‪ ,‬واخرى تكون أحكاما ثانوية‪.‬‬
‫فالحكام الولية هي الحكام الثابتة لدى العقل قبل التجربة‪ ,‬كالحكام‬
‫الرياضية نظي قولنا‪ :‬الط الستقيم اقرب مسافة بي نقطتي‪ .‬وسوف يأت ما‬
‫هو السبب ف كونا كذلك‪ .‬والحكام التركيبية الثانوية هي الحكام الثابتة ف‬
‫العقل بعد التجربة‪ ,‬نظي الكم بان ضوء الشمس يسخن الجر وان كل‬
‫جسم له وزن‪.‬‬
‫وتتلخص نظرية (كانت) عن العرفة‪ ,‬ف تقسيم العارف او الحكام‬
‫العقلية ال ثلث طوائف(‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ينبغي للقارئ ان يعرف شيئا عن تليل العرفة ف راي (كانت) لتتضح له‬
‫نظريته ف قيمة العرفة وامكانا‪ ,‬فهو يرى ان الس التجريب يستورد الوضوعات‬
‫التجريبية بصورة مشوشة فتنشأ بذلك احساسات متفرقة‪ .‬فالطعم الذي جاء على‬
‫اللسان‪ ,‬ل يرتبط بالرائحة الت سلكت عن طريق النف‪ ,‬ول باللمعة الاطفة من‬
‫الضوء الت اثرت على شبكية العي‪ ,‬ول بالصوت الذي طرق الذن‪ .‬وهذه الشتات‬
‫السية تتوحد ف قالبي موجودين ف الس بالفطرة‪ ,‬وها قالبا الزمان والكان‪ ,‬فينتج‬
‫عن ذلك ادراك حسي او معرفة حسية لشيء معي‪ ,‬فهذه العرفة ف مادتا مستوردة من‬
‫التجربة وف صورتا فطرية ترجع ال الزمان والكان‪ .‬والدراكات السية بدورها هي‬
‫مواد خام تقدم بي يدي العقل لتتكون منها معرفة عقلية‪ .‬والعقل يلك عدة قوالب‬

‫‪121‬‬
‫الول‪ :‬الرياضيات‪ .‬والحكام العقلية فيها كلها احكام تركيبية اولية‬
‫سابقة على التجربة‪ ,‬لنا تعال موضوعات فطرية ف النفس البشرية‪.‬‬
‫فالندسة تتص بالكان‪ ,‬والساب موضوعه هو العدد‪ ,‬والعدد عبارة عن‬
‫تكرار الوحدة‪ ,‬والتكرار معناه التعاقب والتتابع‪ ,‬وهذا هو الزمن ف مفهومه‬
‫الفلسفي عند (كانت)‪ .‬وإذن فالقطبان الرئيسيان اللذان تدور حولما البادئ‬
‫الرياضية ها الكان والزمان‪ .‬والكان والزمان ف رأي (كانت) صورتان‬
‫فطريتان ف الساسية الصورية للنسان‪ ,‬أي ان صورتيهما موجودتان ف الس‬
‫الصوري بصورة مستقلة عن التجربة‪ ,‬وينتج من ذلك ان كل ما نعزوه‬
‫للشياء من احكام متعلقة بكانا او زمانا فهو مستمد من فطرتنا‪ ,‬ول نعتمد‬
‫فيه على ما اتانا من الارج بواسطة الس‪ .‬وعلى ذلك فكل القضايا الرياضية‬
‫مشتقة من طبائع عقولنا‪ ,‬بعن اننا نن خلقناها بانفسنا ول نستوردها من‬
‫الارج‪ ,‬اذ هي تدور حول الزمان والكان الفطريي‪ .‬وبذا تصبح الرياضية‬
‫والبادئ الرياضية مكنة العرفة‪ ,‬وتصبح القائق الرياضية حقائق يقينية مطلقة‬

‫فطرية نظي القوالب الت يلكها الس‪ ,‬فيصب تلك الواد الام ف هذه القوالب‪,‬‬
‫ويبلورها ف تلك الطارات فتحصل العرفة العقلية‪.‬‬
‫وهكذا تكون الشياء الحسوسة مركبة من مادة ادركت بالس‪ ,‬وصورة زمانية‬
‫ومكانية انشاتا الساسية الصورية‪ ,‬أي الساسية الت تلق الصورة الوحدة‬
‫للحساسات الختلفة‪ .‬وتتالف الشياء العقولة أيضا من مادة وهي الظواهر الت‬
‫تصوغها الساسية الصورية ف اطار الزمان والكان‪ ,‬وصورة وهي القوالب الت ينشئها‬
‫الفهم الصوري ويوحد با تلك الظواهر‪.‬‬

‫‪122‬‬
‫فل تتسع ف اليدان الرياضي للخطأ او التناقض‪ ,‬ما دام اليدان الرياضي هو‬
‫اليدان الفطري للنفس‪ ,‬وما دامت قضاياه منشأة من قبلنا وليست مقتسبة من‬
‫واقع موضوعي منفصل عنا لنشك ف مدى امكان معرفته واستكناه سره‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬الطبيعيات‪ ,‬أي العارف البشرية عن العال الوضوعي الذي‬
‫يدخل ف نطاق التجربة‪.‬‬
‫ويبدأ (كانت) هنا باستبعاد الادة عن هذا النطاق لن الذهن ل يدرك من‬
‫الطبيعة ال ظواهرها‪ .‬فهو يتفق مع (باركلي) على ان الادة ليست موضوعا‬
‫للدراك والتجربة‪ ,‬ولكنه يتلف عنه من ناحية اخرى‪ .‬فهو ل يعتب ذلك‬
‫دليل على عدم وجود الادة ومبرا لنفيها فلسفيا كما زعم باركلي‪.‬‬
‫واذا سقطت الادة من الساب فل يبقى للعلوم الطبيعية ال الظواهر الت‬
‫تدخل ف حدود التجربة‪ ,‬فهذه الظواهر هي موضوع هذه العلوم ولذلك‬
‫كانت الحكام فيها تركيبية ثانوية لنا ترتكز على درس الظواهر الوضوعية‬
‫للطبيعة‪ ,‬وهذه الظواهر انا تدرك بالتجربة‪.‬‬
‫واذا اردنا ان نلل هذه الحكام التركيبية الثانوية من قبل العقل‪,‬‬
‫وجدناها مركبة ف القيقة من عنصرين‪ :‬احدها تريب‪ ,‬والخر عقلي‪ .‬اما‬
‫الانب التجريب من تلك الحكام العقلية فهو الحساسات الستوردة‬
‫بالتجربة من الارج‪ ,‬بعد صب الس الصوري لا ف قالب الزمان والكان‪.‬‬
‫واما الانب العقلي فهو الرابطة الفطرية الت يسبغها العقل على الدركات‬
‫السية‪ ,‬ليتكون من ذلك علم ومعرفة عقلية‪ .‬فالعرفة اذن مزيج من الذاتية‬
‫والوضوعية‪ ,‬فهي ذاتية ف صورتا‪ ,‬وموضوعية ف مادتا‪ ,‬لنا نتيجة التوحيد‬
‫بي الادة التجريبية الستوردة من الارج‪ ,‬واحدى الصور العقلية الاهزة‬
‫فطريا ف العقل‪ .‬فنحن نعرف ـ مثل ـ ان الفلزات تتمدد بالرارة‪ ,‬واذا اخذنا‬
‫هذه العرفة بشيء من التحليل نتبي ان موادها الام‪ ,‬وهي ظاهرة التمدد ف‬
‫الفلزات وظاهرة الرارة‪ ,‬جاءت عن طريق التجربة‪ ,‬ولولها لا استطعنا ان‬
‫ندرك هذه الظواهر‪ .‬واما الناحية الصورية ف العرفة أي سببية احدى‬
‫الظاهرتي للخرى فليست تريبية‪ ,‬بل مردها ال مقولة العلية الت هي من‬

‫‪123‬‬
‫مقولت العقل الفطرية‪ ,‬فلو ل نكن نلك هذه الصورة القبلية لا تكونت‬
‫معرفة‪ .‬كما أنّا لو ل نصل على الواد بالتجربة لا تققت لنا معرفة ايضا‪.‬‬
‫فالعرفة توجد بتكييف العقل للموضوعات التجريبية باطاراته وقوالبه الاصة‪,‬‬
‫أي مقولته الفطرية‪ ,‬ال ان العقل هو الذي يتكيف وان اطاراته وقوالبه هي‬
‫الت تتبلور تبعا للموضوعات الدركة‪ .‬فالعقل ف ذلك نظي شخص ياول ان‬
‫يضع كمية من الاء ف اناء ضيق ل يسعها‪ ,‬فيعمد ال الاء فيقلل من كميته‬
‫ليمكن وضعه فيه بدل عن ان يوسع الناء ليستوعب الاء كله‪.‬‬
‫وهكذا يتضح النقلب الفكري الذي احدثه (كانت) ف مسالة الفكر‬
‫النسان‪ ,‬اذ جعل الشياء تدور حول الفكر وتتبلور طبقا لطاراته الاصة‪ ,‬بدل‬
‫عما كان يعتقده الناس من ان الفكر يدور حول الشياء ويتكيف تبعا لا‪.‬‬
‫وعلى هذا الضوء وضع (كانت) حدا فاصل بي (الشيء ف ذاته)‬
‫و (الشيء لذاتنا)‪ .‬فالشيء ف ذاته هو الواقع الارجي دون أي اضافة من ذاتنا‬
‫اليه‪ .‬وهذا الواقع الجرد عن الضافة الذاتية ل يقبل العرفة‪ ,‬لن العرفة‬
‫ذاتية وعقلية ف صورتا‪ .‬والشيء لذاتنا هو الزيج الركب من الوضوع‬
‫التجريب‪ ,‬والصورة الفطرية القبلية الت تتحد معه ف الذهن‪ .‬ولذا تكون‬
‫النسبية مفروضة على كل حقيقة تثل ف ادراكاتنا للشياء الارجية‪ ,‬بعن ان‬
‫ادراكنا يدلنا على حقيقة الشيء لذاتنا‪ ,‬ل على حقيقة الشيء ف ذاته‪.‬‬
‫وبذلك تتلف العلوم الطبيعية عن العلوم الرياضية‪ ,‬فان العلوم الرياضية‬
‫لا كان موضوعها موجودا ف النفس بصورة فطرية ل تقم فيها اثنينية بي‬
‫الشيء ف ذاته والشيء لذاتنا‪ ,‬وعلى عكس ذلك العلوم الطبيعية‪ ,‬فانا تتناول‬
‫الظواهر الارجية الت تقع عليها التجربة‪ ,‬وهي ظواهر موجودة بصورة مستقلة‬
‫عنا ونن نعلمها ف قوالبنا الفطرية‪ ,‬فل غرو ان يفصل بي الشيء ف ذاته‬
‫والشيء لذاتنا‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬اليتافيزيقا‪ .‬ويرى (كانت) استحالة التوصل فيها ال معرفة عن‬
‫طريق العقل النظري‪ ,‬وان أي ماولة لقامة معرفة ميتافيزيقية على أساس‬
‫فلسفي هي ماولة فاشلة ليست لا قيمة‪ ,‬وذلك انه ل يصح ف القضايا‬

‫‪124‬‬
‫اليتافيزيقية شيء من الحكام التركيبية الولية والحكام التركيبية الثانوية‪ .‬اما‬
‫الحكام التركيبية الولية فهي لا كانت احكاما مستقلة عن التجربة‪ ,‬فل يصح‬
‫ال على موضوعات ملوقة للنفس بصورة فطرية وجاهزة ف الذهن بل تربة‪,‬‬
‫كموضوعي العلوم الرياضية من الزمان والكان‪ ,‬وليست الشياء الت تتناولا‬
‫اليتافيزيقا ـ وهي ال والنفس والعال ـ كذلك‪ ,‬فان اليتافيزيقا ل تعال امورا‬
‫ذهنية‪ ,‬وانا تاول البحث عن اشياء موضوعية قائمة ف نفسها‪.‬‬
‫واما الحكام التركيبية الثانوية فهي الحكام الت تعال موضوعات‬
‫تريبية‪ ,‬كموضوعات العلوم الطبيعية الت تدخل ف اليدان التجريب‪ ,‬ولذلك‬
‫صارت ثانوية باعتبار احتياجها ال التجربة‪ ,‬ومن الواضح ان مواضيع‬
‫اليتافيزيقا ليست تريبية فل يكن ان يتكون فيها حكم تركيب ثانوي‪ ,‬ول‬
‫يبقى للميتافيزيقا بعد ذلك متسع ال للحكام التحليلية‪ ,‬أي الشروح‬
‫والتفاسي للمفاهيم اليتافيزيقية‪ ,‬وهذه الحكام ليست من العرفة القيقية‬
‫بشيء‪ ,‬كما عرفنا سابقا‪.‬‬
‫والنتيجة الت يلص اليها (كانت) من ذلك‪:‬‬
‫اولً‪ :‬ان احكام العلوم الرياضية تركيبية اولية وهي ذات قيمة مطلقة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان الحكام الت تقوم على أساس التجربة ف العلوم الطبيعية‬
‫احكام تركيبية ثانوية‪ ,‬والقيقة فيها ل يكن ان تكون اكثر من حقيقة نسبية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان موضوعات اليتافيزيقا ل يكن ان توجد فيها معرفة عقلية‬
‫صحيحة‪ ,‬ل على أساس الحكام التركيبية الولية ول على أساس الحكام‬
‫التركيبية الثانوية‪.‬‬
‫والنقطة الرئيسية ف نظرية (كانت) هي ان الدراكات العقلية الولية‬
‫ليست علوما قائمة بنفسها ذات وجود مستقل عن التجربة‪ ,‬بل هي روابط‬
‫تساعد على تنظيم الشياء ووصلها بعضها ببعض‪ .‬فدورها الوحيد هو انا‬
‫تعلنا ندرك الشياء التجريبية ف اطاراتا الاصة‪.‬‬
‫ويترتب على ذلك طبيعيا الغاء اليتافيزيقا‪ ,‬لن تلك الدراكات الولية‬

‫‪125‬‬
‫ليست علوماً بل هي روابط‪ ,‬ولجل ان تكون علما تتاج ال موضوع ينشئه‬
‫الذهن او يدركه بالتجربة‪ ,‬والوضوعات اليتافيزيقية ليست من منشآت الذهن‬
‫ول من مدركات التجربة‪ ,‬كما يترتب عليه أيضا ان القيقة ف العلوم الطبيعية‬
‫نسبية دائما‪ ,‬لن تلك الروابط داخلة ف صميم معارفنا عن الظواهر الارجية‪,‬‬
‫وهي روابط ذاتية‪ .‬فيختلف الشيء ف ذاته عن الشيء لذاتنا‪.‬‬
‫وتنطوي نظرية (كانت) هذه على خطأين اساسيي‪:‬‬
‫الول‪ :‬انا تعتب العلوم الرياضية منشئة للحقائق الرياضية ومبادئها‪,‬‬
‫وبذا العتبار ارتفع (كانت) ببادئ الرياضة وحقائقها عن امكان الطأ‬
‫والتناقض‪ ,‬ما دامت ملوقة للنفس ومستنبطة منها وليست مستوردة من الارج‬
‫ليشك ف خطئها او تناقضها‪.‬‬
‫ولكن القيقة الت يب ان تقوم عليها كل فلسفة واقعية هي ان العلم‬
‫ليس خلقا ومنشئا‪ ,‬وانا هو كاشف عما هو خارج حدوده الذهنية الاصة‪,‬‬
‫ولول هذا الكشف الذات لا أمكن الرد على الفهوم الثال مطلقا‪ ,‬كما سبق‪.‬‬
‫فعلمنا بأن ‪ 4=2+2‬هو علم بقيقة رياضية معنية‪ ,‬وليس معن علمنا با‬
‫اننا ننشؤها ونلقها ف داخل نفوسنا ـ كما تاول الثالية ان تفسر العلم‬
‫بذلك ـ بل العلم ف طبيعته كالرآة‪ ,‬فكما ان الرآة تدلل على وجود واقع‬
‫للصورة النعكسة فيها خارج حدودها‪ ,‬كذلك العلم يكشف عن حقيقة‬
‫مستقلة‪ ,‬ولجل ذلك كان ‪ ,4=2+2‬سواء اكان يوجد مفكر رياضي على‬
‫وجه الرض ام ل‪ ,‬وسواء ادرك هذه القيقة انسان ام ل‪ .‬ومعن ذلك ان‬
‫البادئ والقائق الرياضية لا واقع موضوعي‪ ,‬فهي قواني تعمل وتريء‪,‬‬
‫وليست العلوم الرياضية ال انعكاسات لا ف الذهن البشري‪ .‬وعلى هذا‬
‫تكون كالبادئ والقواني الطبيعية تاما من حيث كونا واقعا مستقل ينعكس‬
‫ف العقل‪ ,‬فنواجه السؤال عن انعكاسها الذهن ومدى صحته ودقته‪ ,‬كما‬
‫نواجه ذلك السؤال ف سائر العلوم‪ .‬وليس لذا السؤال ال جواب واحد وهو‬
‫الواب الذي يقدمه الذهب العقلي القائل بان تلك النعكاسات للمبادئ‬
‫الرياضية ف الذهن البشري لا كانت فطرية وضرورية فهي مضمونة الصحة‬

‫‪126‬‬
‫بصورة ذاتية‪ ,‬فالقائق الرياضية مكنة العرفة ل لننا نن نلقها‪ ,‬بل لننا‬
‫نعكسها ف علوم فطرية ضرورية‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ان (كانت) يعتب القواني التأصلة ف العقل البشري قواني‬
‫للفكر‪ ,‬وليست انعكاسات علمية للقواني الوضوعية الت تتحكم ف العال‬
‫وتسيطر عليه بصورة عامة‪ ,‬بل ل تعدو ان تكون مرد روابط موجودة ف‬
‫العقل بالفطرة ينظم با ادراكاته السية‪ .‬وقد سبق ان هذا الطأ هو الذي‬
‫نتج عنه القول بنسبية القائق الدركة عن عال الطبيعة‪ ,‬والقول بتعذر درس‬
‫اليتافيزيقا دراسة عقلية‪ ,‬وعدم إمكان اقامتها على أساس تلك الدراكات‬
‫العقلية الفطرية‪ ,‬لنا مرد روابط ينظم العقل با ادراكاته السية‪ ,‬وليست‬
‫لدينا ادراكات فيما يص موضوعات اليتافيزيقا لتنظم بتلك الروابط‪.‬‬
‫والنسياق مع الذهب النقدي هذا يؤدي ال الثالية حتما‪ ,‬لن الدراكات‬
‫الولية ف العقل اذا كانت عبارة عن روابط معلقة تنتظر موضوعا لتظهر فيه‪,‬‬
‫فكيف يتاح لنا ان نرج من التصورية ال الوضوعية؟! وكيف نستطيع ان‬
‫نثبت الواقع الوضوعي لحاسيسنا الختلفة ـ أي ظواهر الطبيعة الت يعترف‬
‫بوضوعيتها (كانت)؟! فنحن نعلم ان طريق اثبات الواقع الوضوعي‬
‫للحساس هو مبدأ العلية‪ ,‬الذي يكم بان كل انفعال حسي ل بد ان ينبثق‬
‫عن سبب أثار ذلك النفعال الاص‪ ,‬فاذا رجعت العلية ف مفهوم (كانت)‬
‫ال رابطة بي الظواهر الحسوسة‪ ,‬فهي عاجزة بطبيعة الال عن القيام باي‬
‫وظيفة اكثر من الربط بي احساساتنا وما يبدو فيها من ظاهرات‪ ,‬ومن حقنا‬
‫حينئذ ان نسأل (كانت) عن البرات الفلسفية ف نظرة للعتقاد بواقع‬
‫موضوعي للعال الحسوس‪ ,‬ما دمنا ل نلك معرفة فطرية كاملة كمبدأ العلية‬
‫لنبهن با على ذلك الواقع‪ ,‬وانا نلك عدة روابط وقواني لتنظيم الفكر‬
‫والدراك‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ,‬فالواقعية ل بد لا ان تعترف بان الدراكات الفطرية ف‬
‫العقل عبارة عن انعكاسات علمية لقواني موضوعية مستقلة‪ ,‬وتزول بذلك‬
‫نسبية (كانت) الت زعمها ف معارفنا عن الطبيعة‪ ,‬ذلك ان كل معرفة ف‬

‫‪127‬‬
‫العلوم الطبيعية‪ ,‬وان كانت باجة ال ادراك فطري يقوم على اساسه‬
‫الستنتاج العلمي من التجربة‪ ,‬ولكن هذا الدراك الفطري ليس ذاتيا خالصا‬
‫بل هو انعكاس فطري موضوعي مستقل عن حدود الشعور والدراك‪.‬‬
‫فمعرفتنا بان الرارة سبب لتمدد الفلزات تستند ال ادراك حسي تريب‬
‫للحرارة والتمدد‪ ,‬وادراك عقلي ضروري لبدا العلية‪ ,‬وكل من الدراكي‬
‫يعكس واقعا موضوعيا‪ ,‬وقد نتجت معرفتنا بتمديد الرارة للفلزات عن‬
‫معرفتنا بالواقعي الوضوعيي لذينك الدراكي‪ ,‬فليس ما يطلق عليه (كانت)‬
‫اسم الصورة‪ ,‬صورة عقلية خالصة للعلم‪ ,‬بل هو علم يتمتع بصائص‬
‫العلم الكشف الذات وانعكاس واقع مستقل فيه‪.‬‬
‫واذا عرفنا ان العقل يلك بصورة فطرية علوما ضرورية بعدة قواني‬
‫وحقائق موضوعية‪ ,‬صار باستطاعتنا ان نبن قضايا اليتافيزيقا على أساس‬
‫فلسفي بدراستها على ضوء تلك العلوم الضرورية‪ ,‬لنا ليست مرد روابط‬
‫خالصة بل هي معارف اولية وف امكانا ان تنتج للفكر البشري علوما‬
‫جديدة‪.‬‬
‫ب ـ النسبية الذاتية‪:‬‬
‫ييء بعد (كانت) دور النسبيي الذاتيي‪ ,‬وهم الذين يؤكدون على‬
‫الطابع النسب ف جيع القائق الت تبدو للنسان‪ ,‬باعتبار الدور الذي يلعبه‬
‫عقل كل فرد ف عملية اكتسابه لتلك القائق‪ .‬فليست القيقة ـ ف هذا‬
‫الفهوم الديد ـ ال المر الذي تقتضيه ظروف الدراك وشرائطه‪ .‬ولا كانت‬
‫هذه الظروف والشرائط تتلف ف الفراد والالت التنوعة‪ .‬كانت القيقة ف‬
‫كل مال حقيقة بالنسبة ال ذلك الجال الاص با ينطوي عليه من ظروف‬
‫وشرائط‪ .‬وليست القيقة هي مطابقة الفكرة للواقع لتكون مطلقة بالنسبة ال‬
‫جيع الحوال والشخاص‪.‬‬
‫وهذه النسبة وان كانت تمل شعار القيقة‪ ,‬ولكنه شعار مزيف‪,‬‬
‫فليست هي كما يبدو بكل وضوح ال مذهبا من مذاهب الشك والريب ف كل‬
‫واقع موضوعي‪.‬‬

‫‪128‬‬
‫ويساند النسبية الذاتية هذه التاه الفيزيولوجي للمثالية القائل ان‬
‫الحساس ل يعدو ان يكون رمزا‪ ,‬وان الذي يدد كيفيته ونوعيته ليس هو‬
‫الشيء الارجي بل طبيعة الهاز العصب‪.‬‬
‫والواقع ان السبب الصيل الذي اتاح الظهور لذه النسبية الذاتية هو‬
‫التفسي الادي للدراك‪ ,‬واعتباره متوى عملية مادية يتفاعل فيها الهاز‬
‫العصب الدرك والشيء الوضوعي‪ ,‬كالضم الذي تققه عملية تفاعل خاص‬
‫بي الهاز الاضم والواد الغذائية‪ .‬فكما ان الغذاء ل يتفاعل ول يهضم ال‬
‫باجراء عدة تصرفات وتطويرات عليه‪ ,‬كذلك الشيء الذي ندركه ل يتاح لنا‬
‫ادراكه ال بالتصرف فيه والتفاعل معه‪.‬‬
‫وتتلف هذه النسبية عن نسبية (كانت) ف نقطتي‪:‬‬
‫الول‪ :‬انا تضع جيع القائق للطابع النسب الذات من دون استثناء‪,‬‬
‫خلفا لـ (كانت) اذ كان يعتب البادئ والعارف الرياضية حقائق مطلقة‪.‬‬
‫فـ ‪ 4=2+2‬حقيقة مطلقة ل تقبل الشك ف راي (كانت)‪ ,‬واما ف راي‬
‫النسبيي الذاتيي فهي حقيقة نسبية‪ ,‬بعن انا الشيء الذي تقتضيه طبيعة‬
‫ادراكنا وجهازنا الاص فحسب‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬ان القيقة النسبية ف رأي النسبيي الذاتيي تتلف ف الفراد‪,‬‬
‫وليس من الضروري ان يشترك جيع الناس ف حقائق معينة‪ ,‬لن لكل فرد‬
‫دورا ونشاطا خاصا‪ ,‬فل يكن الكم بان ما يدركه فرد هو نفس ما يدركه‬
‫الفرد الخر ما دام من المكن اختلفهما ف وسائل الدراك او طبيعته‪ .‬واما‬
‫(كانت) فالقوالب الصورية عنده قوالب فطرية تشترك فيها العقول البشرية‬
‫جيعا‪ ,‬ولذا كانت القائق النسبية مشتركة بي الميع‪ .‬وسوف يات ف‬
‫مستقبل دراستنا الديث عن التفسي الادي للدراك‪ ,‬الذي ارتكزت عليه‬
‫النسبية الذاتية وتفنيده‪.‬‬
‫ڤ‪................................................‬الشك العلمي‬
‫رأينا قبل ساعة ان الشك الذي تسرب ال صفوف العلماء الطبيعيي حي‬

‫‪129‬‬
‫قاموا بفتوحاتم الكبى ف حقل الفيزياء ل يكن شكا علميا ول مرتكزا على‬
‫برهان علمي‪ ,‬وانا هو شك قائم على خطا فلسفي او ازمة نفسية‪.‬‬
‫ولكننا ند ف حقول اخرى نظريات علمية تؤدي حتما ال الشك والقول‬
‫بانكار قيمة العرفة البشرية‪ ,‬بالرغم من ان بعض اصحابا ل يفكروا ف‬
‫الوصول ال هذه النتيجة بل ظلوا مؤمني بقيمة العرفة وموضوعيتها‪ ,‬ولجل‬
‫ذلك اطلقنا اسم الشك العلمي على الشك الناتج عن تلك النظريات لنا‬
‫علمية او ذات مظهر علمي على اقل تقدير‪.‬‬
‫ومن اهم تلك النظريات‪:‬‬
‫‪1‬ـ السلوكية الت تفسر علم النفس على أساس علم الفزلة‪.‬‬
‫‪2‬ـ مذهب التحليل النفسي عند فرويد‪.‬‬
‫‪3‬ـ الادية التاريية الت تدد آراء الاركسية ف علم التاريخ‪.‬‬
‫اما السلوكية فهي احدى الدارس الشهية ف علم النفس الت تعب عن‬
‫التاه الادي فيه‪ ,‬واطلق عليها اسم السلوكية لنا اتذت من سلوك الكائن‬
‫الي وحركاته السمية الت يكن اخضاعها للحس العلمي والتجربة موضوعا‬
‫لعلم النفس‪ ,‬ورفضت العتراف با وراء ذلك من موضوعات غي تريبية‬
‫كالعقل والشعور‪ ,‬وحاولت ان تفسر سيكولوجية النسان وحياته النفسية‬
‫والشعورية كلها بدون ان تفترض له عقل وما اليه من العان الغيبية لن‬
‫الباحث النفسي ل يد ول يس علميا حي اجراء تاربه على الخرين‬
‫بعقولم وانا يس بسلوكهم وحركاتم ونشاطهم الفيزيولوجي‪ ,‬فيجب لكي‬
‫يكون البحث علميا‪ ,‬ان تفسر كل الظواهر السيكولوجية ضمن النطاق‬
‫الحسوس وذلك بالنظر ال النسان بوصفه آلة يكن تفسي كل ظواهرها‬
‫وحركاتا على الطريقة اليكانيكية وف ضوء مبدأ العلية بالنبهات الارجية الت‬
‫ترد على اللة فتؤثر فيها‪ ,‬فل يوجد لدينا ونن ندرس الظواهر النفسية من‬
‫وجهة راي السلوكية عقل او شعور او ادراك‪ ,‬وانا نن امام حركات‬
‫ونشاطات مادية فيزيولوجية توجد باسباب مادية باطنية او خارجية‪ .‬فحي‬
‫نقول‪ ,‬مثل‪ ,‬ان استاذ التاريخ يفكر ف اعداد ماضرة عن تاريخ اللكية‬

‫‪130‬‬
‫الفردية عند الرومان‪ ,‬نكون قد عبنا ف القيقة عن نشاطات وحركات مادية‬
‫ف جهازه العصب نشأت ميكانيكيا عن اسباب خارجية او باطنية كحرارة‬
‫الوقد الذي جلس امامه استاذ التاريخ او عمليات الضم الت اعقبت تناوله‬
‫وجبة الغذاء‪.‬‬
‫وقد وجدت السلوكية ف النبهات الشرطية القائمة على تارب بافلوف‬
‫مسندا كبيا يتيح لا التأكيد على كثرة النبهات الت يتلقاها النسان (بسبب‬
‫نوها وزيادتا عن طريق الشراط) حت اصبح بالمكان القول بان مموع‬
‫النبهات (الطبيعية والشرطية) يتكافأ مع مموع الفكار ف حياة النسان‪ ,‬واما‬
‫كيف استفادت السلوكية من تارب بافلوف‪ ,‬وما هي النبهات الشرطية الت‬
‫كشفت عنها هذه التجارب فضاعفت من عدد النبهات الت تفسر السلوكية ف‬
‫ضوئها افكار النسان وال أي مدى يكن لتجارب بافلوف ان تبهن على‬
‫وجهة النظر السلوكية‪ ,‬فهذا ما سنجيب عنه ف البحث الخصص للدراك من‬
‫بوث هذا الكتاب ـ وهو الزء الامس من القسم الثان ف هذا‬
‫الكتاب ـ وانا يهمنا الن ابراز وجهة النظر السلوكية الت تضع الياة الفكرية‬
‫عند النسان للتفسي اليكانيكي وتفهم الفكر والشعور بوصفه نشاطا‬
‫فيزيولوجيا تثيه اسباب مادية متنوعة‪.‬‬
‫ومن الواضح ان أي ماولة لوضع نظرية للمعرفة ف ضوء السلوكية هذه‬
‫يؤدي حتما ال موضوع سلب تاه قيمة العرفة وال عدم العتراف بقيمتها‬
‫الوضوعية‪ ,‬وبالتال يصبح كل بث عن صحة هذه الفكرة العلمية او هذا‬
‫الذهب الفلسفي او ذاك الراي الجتماعي عبثا ل مبر له لن كل فكرة‪,‬‬
‫مهما كان طابعها او مالا العلمي او الفلسفي او الجتماعي‪ ,‬ل تعب عن‬
‫شيء سوى حالت خاصة تدث ف اجسام اصحاب الفكرة انفسهم ‪ .‬فل‬
‫نستطيع ان نتساءل على الصعيد الفلسفي أي الفلسفتي على صواب‪ :‬مادية‬
‫ابيقور او الية ارسطو‪ ,‬ول ان نتساءل على الصعيد العلمي ايهما على صواب‪:‬‬
‫نيوتن ف فكرته القائلة بتفسي الكون على أساس الاذبية‪ ,‬او آنشتي ف نسبيته‬
‫العامة‪ ,‬ماركس ف تفكيه القتصادي‪ ,‬او ريكاردو مثل‪ .‬وهكذا ف كل‬
‫الجالت‪ ,‬لن تساؤلنا هذا يبدو ف ضوء السلوكية شبيها تامـا بالتساؤل عـن‬

‫‪131‬‬
‫عمليات الضم عند الباحثي الختلفي وأيهما هو الصحيح‪ ,‬فكما ل يصح ان‬
‫نساءل ايهما هو القيقة‪ ,‬عمليات الضم عند أبيقور ونيوتن وماركس او عند‬
‫ارسطوا وانشتي وريكاردو‪ .‬كذلك ل يصح ان نتساءل أي مذاهبهم وافكارهم‬
‫هو القيقة لن افكار هؤلء الفكرين‪ ,‬كعمليات الضم الختلفة ف معدهم‪,‬‬
‫ليست ال وظائف جسمية ونشاطات عضوية‪ ,‬فمت أمكن لنشاط العدة ف‬
‫عمليات الضم ان يكشف لنا عن نوعية الغذاء ويصف لنا طبيعته يتاح‬
‫للنشاط العصب ف الدماغ ان يعكس شيئا من القائق الارجية‪ ,‬وما دام ل‬
‫يوز لنا ان نتساءل عن نشاط العدة أهو صادق او كاذب فكذلك بالنسبة ال‬
‫النشاط الفكري‪.‬‬
‫وند ايضا بوضوح ان الفكرة ف راي الدرسة السلوكية مرتبطة بنبهاتا‬
‫ل بدليلها‪ ,‬وبذلك تفقد الثقة بكل معرفة بشرية لن من الائز ان تتبدل‬
‫وتعقبها فكرة مناقضة اذا اختلفت النبهات والشروط الارجية ويعود من عبث‬
‫القول مناقشة الفكر ف فكرته وأدلتها وانا يب الفحص عن النبهات الادية‬
‫لتلك الفكرة وازالتها‪ .‬فاذا كانت الفكرة قد نشأت مثل من حرارة الوقد ف‬
‫الغرفة الت يفكر وعملية الضم كان السبيل الوحيد للقضاء على الفكرة‬
‫تغيي جو الغرفة وايقاف عمليات الضم مثل‪ ,‬وهكذا تصبح العرفة البشرية‬
‫خواء وخلوا من القيمة الوضوعية‪.‬‬
‫ومذهب التحليل النفسي عند فرويد يسجل نفس النتائج الت انتهت‬
‫اليها السلوكية فيما يتصل بنظرية العرفة‪ ,‬فهو وان كان ل ينكر العقل ولكنه‬
‫يقسمه لفئتي احداها العناصر الشعورية وهي مموعة الفكار والعواطف‬
‫والرغبات الت نس با ف نفوسنا‪ ,‬والخر العناصر اللشعورية ف العقل أي‬
‫شهواتنا وغرائزنا الختزنة وراء شعورنا وهي قوى عقلية عميقة الغور ف‬
‫اعماقنا ول يكن لنا السيطرة على نشاطها او التحكم ف تكوينها وتطورها‪,‬‬
‫وكل العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الفية الت ل نشعر با‪,‬‬
‫وليست اعمال الشخص الشعورية ال انعكاسا مرفا لتلك الشهوات والدوافع‬
‫الختزنة ف اللشعور‪ ,‬فالشعور اذن اتى عن طريق اللشعور حت يكن القول‬

‫‪132‬‬
‫لدى اصحاب التحليل النفسي بان اللشعور هو الذي يدد متويات الشعور‬
‫وبالتال يتحكم ف كل افكار النسان وسلوكه‪ .‬وعلى هذا الساس تصبح‬
‫شهواتنا الغريزية هي الساس القيقي لا نعتقد بصحته‪ ,‬وليست عمليات‬
‫الستدلل الت تدينا ال النتائج الفروضة علينا سلفا من قبل شهواتنا‬
‫وغرائزنا ال اعلء لتلك الغرائز وتساميا با ال منطقة الشعور الت تشكل‬
‫القسم العلى من العقل‪ ,‬بينما تشكل العناصر اللشعورية والغرائز والشهوات‬
‫الختزنة الطابق الرضي او القسم السفل الساسي‪.‬‬
‫وبسهولة نستطيع ان ندرك اثر هذا الذهب التحليلي على نظرية العرفة‪.‬‬
‫فان الفكر ف ضوئه ليس اداة لتصوير الواقع والدس بالقيقة وانا وظيفته‬
‫التعبي عن متطلبات اللشعور‪ ,‬والنتهاء حتما ال النتائج الت تفرضها شهواتنا‬
‫وغرائزنا الختزنة ف اعماقنا‪ ,‬وما دام العقل آلة طيعة ف خدمة غرائزنا والتعبي‬
‫عنها ل عن القيقة والواقع فليس هناك ما يدعو ال العتقاد بانه يعكس‬
‫القيقة لن من الائز ان تكون القيقة على خلف رغباتنا اللشعورية الت‬
‫تتحكم ف عقلنا‪ .‬ومن الستحيل ان نفكر ف تقدي أي ضمان للتوافق بي‬
‫قوانا العقلية اللشعورية وبي القيقة لن هذا التفكي ذاته ينبثق ايضا عن‬
‫رغباتنا اللشعورية ويعب عنها ل عن الواقع والقيقة‪.‬‬
‫وييء بعد هذا دور الادية التاريية لتنتهي ال نفس النتيجة الت اسفرت‬
‫عنها مذاهب السلوكية والتحليل النفسي بالرغم من ان اصحابا يرفضون كل‬
‫لون للشك ويؤمنون على الصعيد الفلسفي بقيمة العرفة وقدرتا على كشف‬
‫القيقة‪.‬‬
‫والادية التاريية تعب عن الفهوم الكامل للماركسية عن التاريخ والجتمع‬
‫وقواني تركبه وتطوره وهي لذلك تعال الفكار والعارف النسانية عامة‬
‫بوصفها جزءا من تركيب الجتمع النسان فتعطي رأيها ف كيفية نشوء سائر‬
‫الوضاع السياسية والجتماعية‪.‬‬
‫والفكرة الساسية ف الادية التاريية هي ان الوضع القتصادي الذي‬
‫تدده وسائل النتاج هو الساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه فجميع‬

‫‪133‬‬
‫الظواهر الجتماعية تنشأ عن الوضع القتصادي وتتطور تبعا لتطوره‪ .‬ففي‬
‫بريطانيا مثل حينما توّل وضعها القتصادي من القطاع ال الرأسالية وحلت‬
‫الطاحونة البخارية مل الطاحونة الوائية تبدلت جيع اوضاعها الجتماعية‬
‫وتكيفت وفقا للحالة القتصادية الديدة‪.‬‬
‫ومن الطبيعي للمادية التاريية‪ ,‬بعد ان آمنت بذا‪ ,‬ان تربط العرفة‬
‫النسانية عموما بالوضع القتصادي أيضا بوصفها جزءا من الكيان الجتماعي‬
‫الذي يرتكز كله على العامل القتصادي‪ ,‬ولذلك ند انا تؤكد على ان‬
‫العرفة النسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب‪ ,‬وانا يكمن‬
‫سببها الصيل ف الوضع القتصادي‪ ,‬ففكر النسان انعكاس عقلي للوضاع‬
‫القتصادية وما ينشأ عنها من علقات وهو ينمو ويتطور طبقا لتلك الوضاع‬
‫والعلقات‪.‬‬
‫و من الي سي ان نل حظ ه نا ان القوى القت صادية احتلت ف الاد ية التاري ية‬
‫مو ضع العنا صر اللشعور ية من الغرائز والشهوات ف نظر ية فرو يد‪ ,‬فبين ما كان‬
‫الف كر ع ند فرو يد ت عبيا حتم يا عن متطلبات الغرائز والشهوات الكتنة ي صبح‬
‫فـ رأي الاديـة التارييـة تعـبيا حتميا عـن متطلبات القوى القتصـادية والوضـع‬
‫القتصـادي العام‪ .‬والنتيجـة واحدة فـ الاليـ وهـي انعدام الثقـة بالعرفـة‬
‫وفقدان ا لقيمت ها لن ا اداة لتنف يذ متطلبات قوة صارمة م سيطرة على التفك ي هي‬
‫قوة اللشعور او قوة الوضـع القتصـادي‪ ,‬ول يكننـا ان نعرف مـا اذا كان‬
‫الوضـع القتصـادي يلي فـ عقولنـا القيقـة او ضدهـا‪ ,‬وحتـ اذا وجدت هذه‬
‫العر فة ف هي بدور ها ايضا ت عبي جد يد عن متطلبات الو ضع القت صادي ال ت ل‬
‫نعرف بعد كيف نثق بتطابقها مع الواقع‪.‬‬
‫وبذا نعرف ان مذهـب الاركسـية فـ التاريـخ كان يفرض عليهـا الشـك‪,‬‬
‫غي انا ل تضع للشك واعلنت ف فلسفتها عن ايانا بالعرفة وقيمتها‪.‬‬
‫وسوف نعرض فيما بعد لنظرية العرفة عند الاركسية على الصعيد الفلسفي‪,‬‬
‫وانا نريد ان نشي هنا ال ان النتائج الحتومة للمذهب الاركسي ف‬
‫التاريخ ـ أي الادية التاريية ـ تناقض نظرية الاركسية الفلسفية عن العرفة لن‬

‫‪134‬‬
‫الربط الحتوم بي الفكر والعامل القتصادي ف الذهب التاريي للماركسية‬
‫يزيل الثقة بكل معرفة بشرية خلفا لنظرية العرفة الاركسية الت تؤكد على‬
‫هذه الثقة كما سنرى‪.‬‬
‫وسوف لن ندخل ف نقاش الن مع هذه النظريات الثلث (السلوكية‬
‫واللشعورية والادية التاريية) فاننا ناقشنا السلوكية ورصيدها العلمي الزعوم من‬
‫تارب بافلوف ف دراستنا للدراك ـ الزء الامس من القسم الثان لذا‬
‫الكتاب ـ واستطعنا ان نبهن على ان السلوكية ل تكفي تفسيا مقبولً للفكر‪,‬‬
‫كما تناولنا ف كتاب (اقتصادنا) الادية التاريية بالدرس والنقد الوسع بوصفها‬
‫الساس العلمي للقتصاد الاركسي‪ ,‬وانتهينا ال نتائج تدين الادية التاريية ف‬
‫ارصدتا الفلسفية والعلمية وتبز الوان التناقض بينها وبي اتاه الركة‬
‫التاريية ف واقع الياة‪ .‬واما نظرية فرويد ف التحليل النفسي فلها موضعها‬
‫من البحث ف كتاب متمعنا‪.‬‬
‫فنحن هنا اذن لسنا بصدد نقاش تلك النظريات ف مالتا الاصة‪ .‬وانا‬
‫سوف نقتصر على الديث عنها بالقدر الذي يتصل بنظرية العرفة‪.‬‬
‫ففي حدود العلقة بي تلك النظريات ونظرية العرفة نستطيع القول بأن‬
‫البهنة ضد العرفة البشرية وقيمتها الوضوعية بنظرية علمية تنطوي على‬
‫تناقض وبالتال على استحالة فاضحة لن النظرية العلمية الت تقدم ضد‬
‫العرفة البشرية ولزالة الثقة با سوف تكم على لذاتا أيضا وتنسف اساسها‬
‫وتسقط عن العتبار لنا ليست ال احدى تلك العارف الت تاربا وتشك او‬
‫تنكر قيمتها‪ ,‬ولذلك كان من الستحيل ان تتخذ النظرية العلمية دليل على‬
‫الشك الفلسفي ومبرا لتجريد العرفة من قميتها‪.‬‬
‫فالنظرية السلوكية تصور الفكر باعتباره حالة مادية تدث ف جسم الفكر‬
‫بأسباب مادية كما تدث حالة ضغط الدم فيه‪ .‬ولجل ذلك تنتهي بتجريده‬
‫من قيمته الوضوعية‪ ,‬غي ان هذه النظرية ليست هي من وجهة نظر السلوكية‬
‫نفسها ال حالة خاصة حدثت ف اجسام اصحاب النظرية انفسهم ول تعب‬
‫عن شيء سوى ذلك‪.‬‬

‫‪135‬‬
‫كما ان نظرية فرويد جزئ من حياته العقلية الشعورية‪ ,‬فاذا صح ان‬
‫الشعور تعبي مرّف عن القوى اللشعورية ونتيجة متومة لتحكم تلك القوى ف‬
‫سيكولوجية النسان فسوف تفقد نظرية فرويد قيمتها لنا ف هذا الضوء‬
‫ليست أداة للتعبي عن القيقة وانا هي تعبي عن شهواته وغرائزه الخبوءة ف‬
‫اللشعور‪.‬‬
‫وقل الشيء نفسه عن الادية التاريية الت تربط الفكر بالوضع‬
‫القتصادي‪ ,‬وبالتال تعل من نفسها نتيجة لوضع اقتصادي معي عاشه‬
‫ماركس وانعكس ف ذهنه معبا عن متطلباته ف مفاهيم الادية التاريية ويصبح‬
‫من الحتوم على الادية التاريية ان تتغي وفقا لتغي الوضع القتصادي‪.‬‬
‫ڤ‪............................................‬نظرية العرفة ف فلسفتنا‬
‫والن نستطيع ان نستخلص من دراسة الذاهب السابقة ونقدها الطوط‬
‫العريضة لذهبنا ف الوضوع‪ ,‬وتتلخص فيما يأت‪:‬‬
‫الط الول‪ :‬ان الدراك البشري على قسمي‪ :‬احدها التصور‪ ,‬والخر‬
‫التصديق‪ .‬وليس للتصور بختلف ألوانه قيمة موضوعية‪ ,‬لنه عبارة عن وجود‬
‫الشيء ف مداركنا‪ ,‬وهو ل يبهن ـ اذا جرد عن كل اضافة ـ على وجود‬
‫الشيء موضوعيا خارج الدراك‪ ,‬وانا الذي يلك خاصة الكشف الذات عن‬
‫الواقع الوضوعي هو التصديق او العرفة التصديقية‪ .‬فالتصديق هو الذي‬
‫يكشف عن وجود واقع موضوعي للتصور‪.‬‬
‫الط الثان‪ :‬ان مرد العارف التصديقية جيعا ال معارف اساسية‬
‫ضرورية‪ ,‬ل يكن إثبات ضرورتا بدليل او البهنة على صحتها‪ ,‬وانا يشعر‬
‫العقل بضرورة التسليم والعتقاد بصحتها‪ ,‬كمبدا عدم التناقض ومبدأ العلية‬
‫والبادئ الرياضية الولية‪ ,‬فهي الضواء العقلية الول‪ ,‬وعلى هدي تلك‬
‫الضواء يب ان تقام سائر العارف والتصديقات‪ ,‬وكلما كان الفكر ادق ف‬
‫تطبيق تلك الضواء وتسليطها كان ابعد عن الطأ‪ .‬فقيمة العرفة تتبع مقـدار‬

‫‪136‬‬
‫ارتكازها على تلك السس ومدى استنباطها منها‪ ,‬ولذلك كان من المكن‬
‫استحصال معارف صحيحة ف كل من اليتافيزيقا والرياضيات والطبيعيات على‬
‫ضوء تلك السس‪ ,‬وان اختلفت الطبيعيات ف شيء‪ ,‬وهو ان الصول على‬
‫معارف طبيعية بتطبيق السس الولية يتوقف على التجربة الت تيء للنسان‬
‫شروط التطبيق‪ ,‬واما اليتافيزيقا والرياضيات فالتطبيق فيها قد ل يتاج ال‬
‫تربة خارجية‪.‬‬
‫وهذا هو السبب ف ان نتائج اليتافيزيقا والرياضيات نتائج قطعية ف‬
‫الغالب‪ ,‬دون النتائج العلمية ف الطبيعيات‪ .‬فان تطبيق السس الولية ف‬
‫الطبيعيات لا كان متاجا ال تربة تييء شروط التطبيق‪ ,‬وكانت التجربة ف‬
‫الغالب ناقصة وقاصرة عن كشف جيع الشروط‪ ,‬فل تكون النتيجة القائمة‬
‫على اساسها قطعية‪.‬‬
‫ولنأخذ لذلك مثال من الرارة‪ .‬فلو اردنا ان نستكشف السبب الطبيعي‬
‫للحرارة‪ ,‬وقمنا بدراسة عدة تارب علمية‪ ,‬ووضعنا ف ناية الطاف النظرية‬
‫القائلة ان (الركة سبب الرارة)‪ ,‬فهذه النظرية الطبيعية ف القيقة نتيجة‬
‫تطبيق لعدة مبادئ ومعارف ضرورية على التجارب الت جعناها ودرسناها‪,‬‬
‫ولذا فهي صحيحة ومضمونة الصحة بقدار ما ترتكز على تلك البادئ‬
‫الضرورية‪.‬فالعال الطبيعي يمع اول المر كل مظاهر الرارة الت هي‬
‫موضوع البحث‪ ,‬كدم بعض اليوانات والديد الحمى والجسام الحترقة‬
‫وغي ذلك من آلف الشياء الارة‪ ,‬ويبدأ بتطبيق مبدأ عقلي ضروري عليها‬
‫وهو مبدأ العلية القائل (ان لكل حادثة سببا)‪ .‬فيعرف بذلك ان لذه الظاهر‬
‫من الرارة سببا معينا‪ ,‬ولكن هذا السبب حت الن مهول ومردد بي طائفة‬
‫من الشياء‪ ,‬فكيف يتاح تعيينه من بينها؟‪.‬‬
‫ويستعي العال الطبيعي ف هذه الرحلة ببدأ من البادئ الضرورية‬
‫العقلية‪ ,‬وهو البدأ القائل (باستحالة انفصال الشيء عن سببه)‪ ,‬ويدرس على‬
‫ضوء هذا البدا تلك الطائفة من الشياء الت يوجد بينها السبب القيقي‬
‫للحرارة‪ ,‬فيستبعد عدة من الشياء ويسقطها من الساب‪ ,‬كدم‬

‫‪137‬‬
‫اليوان ـ مثلً ـ فهو ل يكن ان يكون سببا للحرارة لن هناك من‬
‫اليوانات ما دماؤها باردة‪ ,‬فلو كان هو السبب للحرارة لا أمكن ان تنفصل عنه‬
‫ويكون باردا ف بعض اليوانات‪ .‬ومن الواضح ان استبعاد دم اليوان عن السببية‬
‫ل‬
‫يكن ال تطبيقا للمبدأ النف الذكر الاكم بان الشيء ل ينفصل عن سببه‪,‬‬
‫وهكذا يدرس كل شيء ما كان يظنه من اسباب الرارة فيبهن على عدم‬
‫كونه سببا بكم مبدأ عقلي ضروري‪ .‬فان امكنه ان يستوعب بتجاربه العلمية‬
‫جيع ما يتمل ان يكون سببا للحرارة‪ ,‬ويدلل على عدم كونه سببا ـ كما فعل‬
‫ف دم اليوان ـ ‪ ,‬فسوف يصل ف ناية التحليل العلمي ال السبب‬
‫القيقي ـ حتما ـ بعد اسقاط الشياء الخرى من الساب‪ ,‬وتصبح النتيجة‬
‫العلمية حينئذ حقيقة قاطعة‪ ,‬لرتكازها بصورة كاملة على البادئ العقلية‬
‫الضرورية‪ ,‬واما اذا بقي ف ناية الساب شيئان او اكثر ول يستطع ان يعي‬
‫السبب على ضوء البادئ الضرورية‪ ,‬فسوف تكون النظرية العلمية ف هذا‬
‫الجال ظنية‪.‬‬
‫وعلى هذا نعرف‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان البادئ العقلية الضرورية هي الساس العام لميع القائق‬
‫العلمية‪ ,‬كما سبق ف الزء الول من السألة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان قيمة النظريات والنتائج العلمية ف الجالت التجريبية موقوفة‬
‫على مدى دقتها ف تطبيق تلك البادئ الضرورية على مموعة التجارب الت‬
‫امكن الصول عليها‪ .‬ولذا فل يكن اعطاء نظرية علمية بشكل قاطع ال اذا‬
‫استوعبت التجربة كل امكانيات السالة‪ ,‬وبلغت ال درجة من السعة والدقة‬
‫بيث أمكن تطبيق البادئ الضرورية عليها‪ ,‬واقامة استنتاج علمي موحد‬
‫على أساس ذلك التطبيق‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ف الجالت غي التجريبية ـ كما ف مسائل اليتافيزيقا ـ ترتكز‬
‫النظرية الفلسفية على تطبيق البادئ الضرورية على تلك الجالت‪ ,‬ولكن هذا‬
‫التطبيق‬
‫قد يتم فيها بصورة مستقلة عن التجربة‪ .‬ففي مسألة اثبات العلة الول‬
‫للعال ـ مثل ـ يب على العقل ان يقوم بحاولة تطبيق مبادئه الضرورية على‬

‫‪138‬‬
‫هذه السألة‪ ,‬حت يضع بوجبها نظريته اليابية او السلبية‪ ,‬وما دامت السألة‬
‫ليست تريبية فالتطبيق يصل بعملية تفكي واستنباط عقلي بت بصورة‬
‫مستقلة عن التجربة‪.‬‬
‫وبذا تتلف مسائل اليتافيزيقا عن العلم الطبيعي ف كثي من مالتا‪.‬‬
‫ونقول (ف كثي من مالتا) لن استنتاج النظرية الفلسفية او اليتافيزيقية من‬
‫البادئ الضرورية ف بعض الحايي يتوقف على التجربة أيضا‪ ,‬فيكون‬
‫للنظرية الفلسفية حينئذ نفس ما للنظريات العلمية من قيمة ودرجة‪.‬‬
‫الط الثالث‪ :‬عرفنا ان العرفة التصديقية هي الت تكشف لنا عن‬
‫موضوعية التصور‪ ,‬ووجود واقع موضوعي للصورة الت توجد ف ذهننا‪.‬‬
‫وعرفنا أيضا ان هذه العرفة التصديقية مضمونة بقدار ارتكازها على البادئ‬
‫الضرورية‪ .‬والسالة الديدة هي مدى التطابق بي الصورة الذهنية ـ فيما اذا‬
‫كانت دقيقة وصحيحة ـ والواقع الوضوعي الذي صدقنا بوجوده من ورائها‪.‬‬
‫والواب على هذه السألة‪ ,‬هو ان الصورة الذهنية الت نكونا عن واقع‬
‫موضوعي معي فيها ناحيتان‪ :‬فهي من ناحية صورة الشيء ووجوده الاص‬
‫ف ذهننا‪ .‬ول بد لجل ذلك ان يكون فيها الشيء متمثل فيها‪ ,‬وال ل تكن‬
‫صورة له (ولكنها من ناحية اخرى تتلف عن الواقع الوضوعي اختلفا‬
‫أساسيا‪ .‬لنا ل تلك الصائص الت يتمتع با الواقع الوضوعي لذلك‬
‫الشيء‪ ,‬ول تتوفر فيها ما يوجد ف ذلك الواقع من الوان الفعالية والنشاط‪.‬‬
‫فالصورة الذهنية الت نكونا عن الادة او الشمس او الرارة مهما كانت دقيقة‬
‫ومفصلة ل يكن ان تقوم بنفس الدوار الفعالة الت يقوم با الواقع الوضوعي‬
‫لتلك الصورة الذهنية ف الارج‪.‬‬
‫وبذلك نستطيع ان ندد الناحية الوضوعية للفكرة‪ ,‬والناحية الذاتية‪.‬‬
‫أي الناحية الاخوذة عن الواقع الوضوعي‪ ,‬والناحية الت ترجع ال التبلور‬
‫الذهن الاص‪ .‬فالفكرة موضوعية باعتبار تثل الشيء فيها لدى الذهن‪,‬‬
‫ولكن الشيء الذي يثل لدى الذهن ف تلك الصورة يفقد كل فعالية ونشاط‬
‫ما كان يتمتع به ف الجال الارجي‪ ,‬بسبب التصرف الذات‪ ,‬وهذا الفارق‬

‫‪139‬‬
‫بي الفكرة والواقع هو ف اللغة الفلسفية الفارق بي الاهية والوجود‪ ,‬كما‬
‫سندرس ذلك ف السألة الثانية من هذا الكتاب (‪.)1‬‬
‫ڤ‪................................................‬النسبية التطورية‪:‬‬
‫والن‪ ,‬وقد طفنا على شت الذاهب الفلسفية ف نظرية العرفة‪ ,‬نصل ال‬
‫دور الديالكتيك فيها‪ .‬فقد حاول الاديون الديالكتيكيون إبعاد فلسفتهم عن‬
‫الشك والسفسطة‪ ,‬فرفضوا الثالية والنسبية الذاتية‪ ,‬وما انتهت اليه عدة‬
‫مذاهب من ألوان الشك والرتياب‪ ,‬وأكدوا على امكان العرفة القيقية للعال‪.‬‬
‫وبذلك ظهرت نظرية العرفة على أيديهم ف إطار من اليقي الفلسفي‪ ,‬الرتكز‬
‫على اسس النظرية السية والذهب التجريب‪.‬‬
‫فماذا رصدوا لذا الشروع البار والتصميم الفلسفي الضخم؟‪.‬‬
‫كان رصيدهم هو التجربة لتفنيد الثالية‪.‬‬
‫وكان رصيدهم هو الركة لرفض النسبية‪.‬‬
‫ڤ‪................................................‬التجربة والثالية‪:‬‬
‫قال انلز عن الثالية‪:‬‬
‫[إن أقوى تفنيد لذا الوهم الفلسفي‪ ,‬ولكل وهم‬

‫‪ 1‬ـ وهذه الناحية الذاتية الت تنطوي عليها الصور الذهنية ف رأينا‪ ,‬تتلف‬
‫عن الناحية الذاتية الت يقول با (كانت)‪ .‬والت ينادي با النسبيون الذاتيون‪.‬‬
‫فليست الذاتية ف رأينا باعتبار الانب الصوري من العلم كما يزعم (كانت) ول‬
‫باعتبار كون الدراك حصيلة تفاعل مادي‪ ,‬والتفاعل يستدعي التصرف من‬
‫الانبي‪ ,‬بل هي على اساس التفرقة بي لون الوجود‪ :‬الذهن والارجي‪ .‬فالشيء‬
‫الوجود ف الصورة الذهنية هو الشيء الوجود ف الارج خلفا للنسبيي‪ ,‬ولكن‬
‫لون وجوده ف الصورة يتلف عن لون وجوده الارجي‪.‬‬

‫‪140‬‬
‫فلسفي آخر هو العمل والتجربة والصناعة بوجه خاص‪ .‬فاذا‬
‫استطعنا ان نبهن على صحة فهمنا لظاهرة طبيعية ما‪,‬‬
‫بلقنا هذه الظاهرة بانفسنا‪ ,‬واحداثنا لا بواسطة توفر‬
‫شروطها نفسها‪ ,‬وفوق ذلك اذا استطعنا استخدامها ف تقيق‬
‫أغراضنا كان ف ذلك القضاء البم على مفهوم الشيء ف ذاته‬
‫العصي على الدراك الذي اتى به (كانت)](‪.)1‬‬
‫وقال ماركس‪:‬‬
‫[إن مسألة معرفة ما اذا كان بوسع الفكر النسان ان‬
‫ينتهي ال حقيقة موضوعية ليس بسألة نظرية‪ ,‬بل انا مسالة‬
‫عملية‪ ,‬ذلك انه ينبغي للنسان ان يقيم الدليل ف مال‬
‫المارسة على حقيقة فكره](‪.)2‬‬
‫وواضح من هذه النصوص ان الاركسية تاول ان تبهن على الواقع‬
‫الوضوعي بالتجربة‪ ,‬وتل الشكلة الساسية الكبى ف الفلسفة ـ مشكلة‬
‫الثالية والواقعية ـ بالساليب العلمية‪.‬‬
‫وهذا مظهر واحد من مظاهر عديدة وقع فيها اللط بي الفلسفة‬
‫والعلوم‪ ,‬فإن كثيا من القضايا الفلسفية حاول بعض دراستها بالساليب‬
‫العلمية‪ ,‬كما ان عدة من قضايا العلم درسها بعض الفكرين دراسة فلسفية‪.‬‬
‫فوقع الطأ ف هذه وتلك‪.‬‬
‫والشكلة التـ يتصـارع حولاـ الثاليون والواقعيون هـي مـن تلك الشاكـل‬
‫التـ ل يكـن اعتبار التجربـة الرجـع العلى فيهـا‪ ,‬ول إعطاؤهـا الصـفة العلميـة‪,‬‬
‫لن السـألة التـ يرتكـز عليهـا البحـث فيهـا هـي مسـالة وجود واقـع موضوعـي‬
‫لل حس التجر يب‪ .‬فالثال يز عم ان الشياء ل تو جد ال ف ح سنا وإدراكات ــنا‬

‫‪ 1‬ـ لودفيغ فيورباخ ص ‪. 54‬‬


‫‪ 2‬ـ لودفيغ فيورباخ ص ‪. 112‬‬

‫‪141‬‬
‫التجريبية‪ ,‬والواقع يعتقد بوجود واقع خارجي مستقل للحس والتجربة‪.‬‬
‫ومن البديهي ان هذه السألة تضع الس التجريب بالذات موضع المتحان‬
‫والختبار‪ ,‬فل يكن ان يبهن على موضوعية التجربة والس بالتجربة والس‬
‫نفسهما‪ ,‬ول الرد على الثالية با‪ ,‬مع انا هي موضع النقاش والبحث بي‬
‫الفريقي الثاليي والواقعيي‪.‬‬
‫فكل مشكلة موضوعية انا يكن اعتبارها علمية‪ ,‬وحلها بأساليب العلم‬
‫التجريبية‪ ,‬فيما اذا كان من العترف به سلفا صدق التجربة العلمية‬
‫وموضوعيتها‪ .‬فمشكلة حجم القمر‪ ,‬او بعد الشمس عن الرض‪ ,‬او بنية‬
‫الذرة‪ ,‬او تركيب النبات‪ ,‬او عدد العناصر البسيطة‪ ,‬يكن انتهاج الطرق‬
‫العلمية ف دراستها وحلها‪ .‬واما اذا طرحت نفس التجربة على بساط البحث‪,‬‬
‫وثار النقاش حول قيمتها الوضوعية‪ ,‬فل موضع للستدلل العلمي ف هذا‬
‫الجال على صدق التجربة وقيمتها الوضوعية بالتجربة نفسها‪.‬‬
‫فواقعية الس والتجربة اذن هي الساس الذي يتوقف عليه كيان العلوم‬
‫جيعا‪ ,‬ول تتم دراسة او معالة علمية ال بناء عليه‪ ,‬فيجب ان يعال هذا‬
‫الساس معالة فلسفية خالصة قبل الخذ بأي حقيقة علمية‪.‬‬
‫واذا درسنا السألة دراسة فلسفية ند ان الحساس التجريب ل يعدو‬
‫ان يكون لونا من ألوان التصور‪ ,‬فمجموعة التجارب مهما تنوعت انا تون‬
‫النسان بادراكات حسية متنوعة‪ .‬وقد مر بنا التحدث عن الحساسات ف‬
‫دراستنا للمثالية‪ ,‬وقلنا انا ما دامت مرد تصورات فل يبهن على الواقع‬
‫الوضوعي ودحض الفهوم الثال‪.‬‬
‫وانا يب علينا ان ننطلق من الذهب العقلي لنشيد على أسسه الفهوم‬
‫الواقعي للحس والتجربة‪ ,‬فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية ف العقل‪,‬‬
‫وعلى ضوء تلك البادئ نثبت موضوعية أحاسيسنا وتاربنا‪.‬‬
‫ولنأخذ لذلك مثالً مبدأ العلية‪ ,‬الذي هو من تلك البادئ الضرورية‪.‬‬
‫فان هذا البدأ يكم بان لكل حادثة سببا خارجا عنه‪ ,‬وعلى أساسه نتأكد من‬
‫وجود واقع موضوعي للحساسات والشاعر الت تدث ف نفوسنا‪ ,‬لنا باجة‬

‫‪142‬‬
‫ال سبب تنبثق عنه‪ ,‬وهذا السبب هو الواقع الوضوعي‪.‬‬
‫وهكذا نستطيع ان نبهن على موضوعية الس والتجربة ببدأ العلية‪.‬‬
‫فهل يكن للماركسية ان تتخذ هذا السلوب؟ طبعا ل‪ ,‬وذلك‪:‬‬
‫أولً‪ :‬لنا ل تؤمن ببادئ ضرورية عقلية‪ ,‬فليس مبدأ العلية ف عرفها‬
‫ال مبدأ تريبيا تدلل به التجربة‪ ,‬فل يصح ان يعتب أساسا لصد التجربة‬
‫وموضوعيتها‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬ان الديالكتيك يفسر تطورات الادة وحوادثها بالتناقضات الحتواة‬
‫ف داخلها‪ .‬وليست الوادث الطبيعية ف تفسيه متاجة ال سبب خارجي‪,‬‬
‫كما سندرس ذلك بكل تفصيل ف السألة الثانية‪ .‬فاذا كان هذا التفسي‬
‫الديالكتيكي كافيا لتبير وجود الوادث الطبيعية‪ ,‬فلماذا نذهب بعيدا؟!‬
‫ولاذا نضطر ال افتراض سبب خارجي وواقع موضوعي لكل ما يثور ف‬
‫نفوسنا من إدراك؟! بل يصبح من الائز ان تقول الثالية ف ظواهر الدراك‬
‫والس ما قاله الديالكتيك عن الطبيعة تاما‪ ,‬وتزعم ان هذه الظواهر ف‬
‫حدوثها وتعاقبها مكومة لقانون نقض النقض‪ ,‬الذي يضع رصيد التغي‬
‫والتطور ف الحتوى الداخلي‪.‬‬
‫وبذا نعرف ان الديالكتيك ل يجبنا عن سبب خارج الطبيعة فحسب‪,‬‬
‫بل يجبنا بالتال عن هذه الطبيعة بالذات‪ ,‬وعن كل شيء خارج دنيا‬
‫الشعور والدراك (‪.)1‬‬

‫ـ و قد جاء ف كلم انلز ال سابق التأك يد على ناح ية القي مة الوضوع ية‬ ‫‪1‬‬

‫للق ظاهرة وانشائها‪ ,‬وان ف ذلك الرد الاسم على النعات الثالية‪ .‬ول اظن هذا‬
‫التاك يد ح ي ي صدر من الدر سة الارك سية ينطوي على مع ن فل سفي خاص‪ ,‬وان‬
‫أمكـن للباحـث الفلسـفي ان يصـوغ مـن ذلك دليل خاصـا على إثبات ان الواقـع‬
‫الوضو عي يرت كز على العلم الضوري‪ ,‬نظرا ال ان الفا عل يعلم بآثاره‪ ,‬و ما يلق‬
‫علما حضوريا‪ ,‬والعلم الضوري بشيء هو نفس وجوده الوضوعي‪ .‬فالنسان اذن‬
‫يتصل بالواقع الوضوعي لا يعلمه علما حضوريا‪ .‬فالثالية اذا اسقطت من حساب‬
‫العر فة الوضوع ية العلم ال صول الذي ل نت صل ف يه ال بافكار نا‪ ,‬ك فى للواقع ية‬
‫العلم الضوري ولكـن هذا الدليـل يقوم على فهـم مغلوط للعلم الضوري‪ ,‬فان‬
‫ا ساس معرفت نا للشياء ان ا هو العلم ال صول‪ .‬وا ما العلم الضوري ف هو ل يع ن‬
‫اك ثر من حضور العلوم الواق عي لدى العال‪ ,‬ولذلك كان كل ان سان يعلم بنف سه‬
‫علمـا حضوريـا‪ ,‬مـع ان كثيا مـن الناس انكـر وجود النفـس‪ .‬ول تتسـع حدودنـا‬
‫الاصة ف هذه الدراسة للفاضة ف هذه الناحية‪.‬‬

‫‪143‬‬
‫ولنعرض شيئا من النصوص الاركسية الت حاولت معالة الشكلة با ل يتفق‬
‫مع طبيعتها وطابعها الفلسفي‪:‬‬
‫أ ـ قال (روجيه غارودي)‪:‬‬
‫[ تعلمنا العلوم ان النسان ظهر على وجه الرض ف‬
‫زمن متأخر جدا‪ ,‬وكذلك الفكر معه‪ .‬ولكي نؤكد ان الفكر‬
‫كان موجودا‪ ,‬متقدما على الرض‪ ,‬على الادة‪ ,‬يب اذن التأكد‬
‫بأن هذا الفكر ل يكن فكر النسان‪ .‬ان الثالية ف جيع‬
‫أشكالا ل تستطيع ان تنجو من اللهوت](‪.)1‬‬
‫[لقد وجدت الرض حت قبل كل كائن ذي حساسية‪,‬‬
‫قبل كل كائن حي‪ .‬وما كان لية مادة عضوية ان توجد على‬
‫الكرة الرضية ف اول مراحل وجودها‪ .‬فالادة غي العضوية‬
‫سبقت الياة اذن وكان على الياة ان تنمو وتتطور خلل‬
‫آلف آلف السني قبل ان يظهر النسان ومعه العرفة‪.‬‬
‫العلوم تقودنا اذن ال التأكد بأن العال قد وجد ف حالت ل‬
‫(‪.)2‬‬
‫يكن فيها أي شكل من اشكال الياة او الساسية مكنا]‬
‫هكذا يعتب (روجيه) القيقة العلمية ـ القائلة بضرورة تقدم نشأة الادة‬
‫غي العضوية على الادة العضوية ـ دليل على وجود العال الوضوعي لن الادة‬
‫العضوية ما دامت نتاجا لتطور طويل ومرحلة متأخرة من مراحل نو الادة‪ ,‬فل‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 32‬‬


‫‪ 2‬ـ ما هي الادة ص ‪. 4‬‬

‫‪144‬‬
‫يكن ان تكون الادة ملوقة للوعي البشري‪ ,‬الذي هو متأخر بدوره عن وجود‬
‫كائنات عضوية حية ذات جهاز عصب مركز‪ ,‬فكانه افترض مقدما ان الثالية‬
‫تسلم بوجود الادة العضوية‪ ,‬فشاد على ذلك استدلله‪ ,‬ولكن هذا الفتراض‬
‫ل مبر له‪ ,‬لن الادة بختلف الوانا واقسامها ـ من العضوية وغيها ـ ليست ف‬
‫الفهوم الثال ال صورا ذهنية‪ ,‬نلقها ف ادراكاتنا وتصوراتنا‪ .‬فالستدلل‬
‫الذي يقدمه لنا (روجيه) ينطوي على مصادرة‪ ,‬وينطلق من نقطة ل تعترف با‬
‫الثالية‪.‬‬
‫ب ـ قال ليني‪:‬‬
‫[اذا اردنا طرح السالة من وجهة النظر الت هي وحدها‬
‫صحيحة ـ يعن من وجهة النظر الديالكتيكية الادية ـ ينبغي ان‬
‫نتساءل هل الكهارب والثي ‪ ...‬ال موجودة خارج الذهن‬
‫البشري‪ ,‬وهل لا حقيقة موضوعية ام ل؟ عن هذا السؤال‬
‫ينبغي ان ييب علماء التاريخ الطبيعي‪ .‬وهم ييبون دائما‬
‫ودون تردد بالياب‪ ,‬نظرا لنم ل يترددون بالتسليم بوجود‬
‫الطبيعة وجودا اسبق من وجود النسان‪ ,‬وجود الادة‬
‫العضوية] (‪.)1‬‬
‫ونلحظ ف هذا النص نفس الصادر الت استعملها (روجيه)‪ ,‬مع‬
‫التشدق بالعلم واعتباره الفاصل النهائي ف السالة‪ .‬فما دام علم التاريخ‬
‫الطبيعي قد أثبت وجود العال قبل ظهور الشعور والدراك‪ ,‬فما على الثاليي‬
‫ال ان يركعوا امام القائق العلمية وياخذوا با‪ .‬ولكن علم التاريخ الطبيعي‬
‫ما هو ال لون من الوان الدراك البشري‪ .‬والثالية تنفي الواقع الوضوعي‬
‫لكل ادراك مهما كان لونه‪ ,‬فليس العلم ف مفهومها ال فكرا ذاتيا خالصا‪,‬‬
‫افليس العلم حصيلة التجارب التنوعة؟! او ليست هذه التجارب‬
‫والحساسات التجريبية هي موضع النقاش‪ ,‬الدائرة حول ما اذا كانت تلك‬
‫واقعا موضوعيا أو ل؟! فكيف يكون للعلم كلمته الفاصلة ف الوضوع؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 21‬‬

‫‪145‬‬
‫ج ـ قال جورج بوليتزير‪:‬‬
‫[ليس هناك من يشك ف ان الياة الادية للمجتمع توجد‬
‫مستقلة عن وعي الناس‪ ,‬اذ ليس ثة من يتمن الزمة‬
‫القتصادية‪ ,‬سواء كان رأساليا او بروليتاريا‪ ,‬رغم ان هذه‬
‫الزمة تدث حتما](‪.)1‬‬
‫وهذا لون جديد يتخذه الاركسيون للرد على الثالية‪ ,‬فـ (جورج) ل يستند‬
‫ف هذا النص ال حقائق علمية‪ ,‬وانا يركز استدلله على حقائق وجدانية‪,‬‬
‫نظرا ال ان كل واحد منا يشعر بوجدانه انه ل يتمن كثيا من الوادث الت‬
‫تدث‪ ,‬ول يرغب ف وجودها‪ ,‬ومع ذلك هي تدث وتوجد خلفا لرغبته‪,‬‬
‫فل بد اذن ان يكون للحوادث وتسلسلها الطرد واقع موضوعي مستقل‪.‬‬
‫وليست هذه الحاولة الديدة بادن ال التوفيق من الحاولت السابقة‪ ,‬لن‬
‫الفهوم الثال ـ الذي ترجع فيه الشياء جيعا ال مشاعر وادراكات ـ ل يزعم‬
‫ان هذه الشاعر والدراكات تنبثق عن اختيار الناس وإراداتم الطلقة‪ ,‬ول‬
‫تتحكم فيها قواني ومبادئ عامة‪ ,‬بل الثالية والواقعية متفقتان على ان العال‬
‫يسي طبقا لقواني ومبادئ تري عليه وتتحكم فيه‪ ,‬وانا يتلفان ف تفسي‬
‫هذا العال واعتباره ذاتيا موضوعيا‪.‬‬
‫والنتيجة الت نؤكد عليها مرة اخرى هي ان من غي المكن اعطاء مفهوم‬
‫صحيح للفلسفة الواقعية‪ ,‬والعتقاد بواقعية الس والتجربة ال على اساس‬
‫الذهب العقلي‪ ,‬القائل بوجود مبادئ عقلية ضرورية مستقلة عن التجربة‪.‬‬
‫واما اذا بدأنا البحث ف مسالة الثالية والواقعية من التجربة او الس ـ اللذين‬
‫ها مورد الناع الفلسفي بي الثاليي والواقعيي ـ فسوف ندور ف حلقة‬
‫مفرغة‪ ,‬ول يكن ان نرج منها بنتيجة ف صال الواقعية الفلسفية‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 68‬‬

‫‪146‬‬
‫ڤ‪..........................................‬التجربة والشيء ف ذاته‪:‬‬
‫تارب الاركسية فكرة الشيء لذاته الت عرضها (كانت)‪ ,‬ف بعض‬
‫أشكالا‪ ,‬كما تارب الفكار التصويرية الثالية‪ ,‬فلننظر ال أسلوبا ف ذلك‪.‬‬
‫قال جورج بوليتزير‪:‬‬
‫[والواقع ان الدل ـ وحت الدل الثال عند‬
‫هيجل ـ يقول ان التمييز بي صفات الشيء والشيء ذاته‬
‫تييز اجوف‪ ,‬فاذا عرفنا كل صفات شيء ما عرفنا الشيء‬
‫ذاته‪ ,‬ث يبقى ان تكون هذه الصفات مستقلة عنا‪ ,‬وف هذا‬
‫بالذات يتحدد معن الادية العال ولكن ما دمنا نعرف‬
‫صفات هذا الواقع الوضوعي‪ ,‬فل يكن ان يقال عنه انه‬
‫غي قابل للمعرفة‪ .‬فمن السخف ان نقول ـ مثل ـ شخصيتك‬
‫شيء وصفاتك وعيوبك شيء آخر‪ ,‬وانا اعرف صفاتك‬
‫وعيوبك ولكن ل اعرف شخصيتك‪ ,‬ذلك لن الشخصية‬
‫هي بالضبط مموع العيوبب والصفات‪ ,‬وكذلك فن التصوير‬
‫هو جاع اعمال الصور‪ ,‬فمن السخف ان نقول هناك‬
‫اللوحات والرسامون واللوان والساليب والدارس‪ ,‬ث هناك‬
‫(التصوير) ف ذاته معلقا فوق الواقع وغي قابل للمعرفة‪.‬‬
‫فليس هناك قسمان للواقع‪ ,‬بل الواقع كل واحد نكشف‬
‫بالتطبيق وجوهه الختلفة على التوال‪ .‬وقد علمنا الدل ان‬
‫الصفات الختلفة للشياء تكشف عن نفسها بواسطة الصراع‬
‫الباطن للضداد‪ ,‬وهو الذي يصنع التغيي‪ ,‬فحالة السيولة ف‬
‫ذاتا هي بالضبط حالة التزان النسب‪ ,‬الذي ينكشف‬
‫تناقضه الباطن ف لظة التجمد او الغليان‪ .‬ومن هنا قال‬
‫ليني‪( :‬ل يوجد ول يكن ان يوجد أي فارق مبدئي بي‬
‫الظاهرة والشيء ف ذاته‪ ,‬وليس ثة فرق بي ما هو معروف‬

‫‪147‬‬
‫وبي ما يعرف بعد) فكلما ازداد عمق معرفتنا للواقع اصبح‬
‫الشيء ف ذاته تدرييا شيئا لذاتنا](‪.)1‬‬
‫ولجل ان ندرس الاركسية ف هذا النص‪ ,‬يب ان نيز بي معنيي‬
‫لفكرة فصل الشيء ف ذاته عن الشيء لذاتنا‪:‬‬
‫الول‪ :‬ان العلم البشري لا كان يرتكز ـ ف نظر البدأ السي‬
‫التجريب ـ على الس‪ ,‬والس ل يتناول ال ظواهر الطبيعة‪ ,‬ول ينفذ ال‬
‫الصميم والوهر‪ ,‬فهو مقصور على هذه الظواهر الت يتد اليها الس‬
‫التجريب‪ ,‬وتقوم بذلك هوة فاصلة بي الظواهر والوهر‪ .‬فالظواهر هي‬
‫الشياء لذاتنا‪ ,‬لنا الانب السطحي القابل للدراك من الطبيعة‪ ,‬والوهر‬
‫هو الشيء ف ذاته ول تنفذ اليه العرفة البشرية‪.‬‬
‫وياول جورج بوليتزير القضاء على هذه الثنائية بذف الادة او الوهر‬
‫من الواقع الوضوعي‪ ,‬فهو يؤكد على ان الدل ل ييز بي صفات الشيء‬
‫والشيء ف ذاته‪ ,‬بل يعتب الشيء عبارة عن مموعة الصفات والظواهر‪ .‬ومن‬
‫الواضح ان هذا لون من الوان الثالية الت نادى با (باركلي) حي احتج على‬
‫اعتقاد الفلسفة بوجود مادة وجوهر وراء الصفات والظواهر الت تبدو لنا ف‬
‫تاربنا‪ ,‬وهو لون من الثالية يتمه البدأ السي والتجريب‪ .‬فما دام الس هو‬
‫القاعدة الساسية للمعرفة‪ ,‬وهو ل يدرك سوى الظواهر‪ ,‬فل بد من اسقاط‬
‫الوهر من الساب‪ .‬واذا سقط فل يبقى ف اليدان ال الظواهر والصفات‬
‫القابلة للدراك‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ان الظواهر ـ الت يكن ادراكها ومعرفتها ـ ليست هي ف مداركنا‬
‫وحواسنا كما هي ف واقعها الوضوعي‪ .‬فالثنائية ليست هنا بي الظاهرة‬
‫والوهر‪ ,‬بل بي الظاهرة كما تبدو لنا والظاهرة كما هي موجودة بصورة‬
‫موضوعية مستقلة‪.‬‬
‫فهل تستطيع الاركسية ان تقضي على هذه الثنائية؟ وتبهن على ان الواقع‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪ 108‬ـ ‪.109‬‬

‫‪148‬‬
‫الوضوعي يبدو لنا ف أفكارنا وحواسنا كما هو ف ماله الارجي الستقل؟‪.‬‬
‫ونيب بالنفي مادام الدراك ف الفهوم الادي عمل فيزيولوجيا خالصا‪.‬‬
‫ويلزمنا ف هذا الصدد ان نعرف لون العلقة القائمة بي الدراك او‬
‫الفكرة او الحساس‪ ,‬والشيء الوضوعي ف الفهوم الادي‪ .‬على أساس الادية‬
‫اللية‪ ,‬وعلى أساس الادية الديالكتيكية معا‪.‬‬
‫اما على أساس الادية اللية‪ ,‬فالصورة او الدراك السي انعكاس للواقع‬
‫الوضوعي ف الهاز العصب انعكاسا آليا‪ ,‬كما تنعكس الصورة ف الرآة او‬
‫العدسة‪ .‬فان الادية اللية ل تعترف للمادة بركة ونشاط ذات‪ ,‬وتفسر جيع‬
‫الظواهر تفسيا آليا‪ ,‬ولذلك ل يكنها ان تفهم علقات الادة الارجية بالنشاط‬
‫الذهن للجهاز العصب‪ ,‬ال ف ذلك الشكل الامد من النعكاس‪.‬‬
‫وتواجه حينئذ السؤالي التاليي‪:‬‬
‫هل يوجد ف الحساس شيء موضوعي‪ ,‬أي شيء ليس متعلقا بالنسان‬
‫وانا انتقل ال الس من الواقع الارجي للمادة؟‪.‬‬
‫واذا كان يوجد شيء من هذا القبيل ف الحساس‪ ,‬فكيف انتقل هذا‬
‫الشيء من الواقع الوضوعي ال الحساس؟‪.‬‬
‫والادية اللية ل تستطيع ان تيب على السؤال الول بالثبات‪ ,‬لنا اذا‬
‫اثبتت وجود شيء موضوعي ف الحساس لزمها ان تبر كيفية انتقال الواقع‬
‫الوضوعي ال الحساس الذات‪ ,‬أي ان تيب على السؤال الثان وتفسر عملية‬
‫النتقال‪ ,‬وهذا ما تعجز عنه‪ ,‬ولذا فهي مضطرة ال ان تضع نظرية‬
‫النعكاس‪ ,‬وتفسر العلقة بي الفكرة والشيء الوضوعي‪ ,‬كما تفسر العلقة‬
‫بي صورة الرآة او العدسة‪ ,‬والواقع الوضوعي الذي ينعكس فيهما‪.‬‬
‫واما الادية الديالكتيكية ـ الت ل تيز الفصل بي الادة والركة‪ ,‬وتعتب‬
‫كيفية وجود الادة هي الركة ـ فقد حاولت ان تعطي تفسيا جديدا لعلقة‬
‫الفكرة بالواقع الوضوعي على هذا الساس‪ ,‬فزعمت ان الفكرة ليست صورة‬
‫آلية مضا لذلك الواقع‪ ,‬بل الواقع يتحول ال فكرة‪ ,‬لن كل منهما شكل‬

‫‪149‬‬
‫خاص من اشكال الركة‪ ,‬والفرق الكيفي بي اشكال الركة وألوانا ل ينع‬
‫من تليل النتقال من شكل ال آخر فالادة الوضوعية لا كانت ف كيفية‬
‫ل خاصا من الركة‪ ,‬فتتحول هذه الركة الفيزيائية للشيء ال‬
‫وجودها شك ً‬
‫حركة نفسية فيزيولوجية ف حواسنا‪ ,‬وتتحول الركة الفيزيولوجية ال حركة‬
‫نفسية للفكرة (‪ ,)1‬فليس موقف الفكر موقفا سلبيا‪ ,‬وليس النعكاس انعكاسا‬
‫آليا كما هو مفهوم الفكر لدى الادية اللية‪.‬‬
‫وهذه الحاولة من الادية الديالكتيكية ل يكن ان تنجح ف كشف علقة‬
‫بي الشيء والفكرة‪ ,‬عدا علقة سبب بنتيجة‪ ,‬وعلقة واقع بصورة منعكسة‬
‫عنه‪ ,‬نظرا ال ان تول الركة الفيزيائية للشيء ال حركة‬
‫فيزيولوجية ـ وبالتال ال حركة نفسية ـ ليس هو الفهوم الصحيح او التفسي‬
‫العقول للحس او الفكر‪ .‬فان التحول يعن فناء الشكل الول من الركة‬
‫والنتقال ال شكل جديد‪ ,‬كما نقول ف حركة الطرقة على السندان‪ :‬انا‬
‫تتحول ال حرارة‪ .‬والرارة والركة اللية شكلن من اشكال الركة‪ .‬فالقوة الت‬
‫كانت تعب عن وجودها ف شكل خاص من الركة ـ وهو الركة‬
‫اللية ـ تولت من ذلك الشكل ال تعبي جديد لا ف شكل جديد‪ ,‬وهو‬
‫الرارة‪ .‬فالرارة‪ ,‬تفظ بنفس مقدار القوة الت كانت تعب عن وجودها‬
‫بالركة اللية‪ .‬هذا هو التحول بعناه الدقيق للحركة من لون ال آخر‪,‬‬
‫ولنفترض انه امر معقول‪ ,‬ولكن ليس من العقول تفسي الس او الفكر بعملية‬
‫تول كهذه‪ ,‬وذلك لن الركة الفيزيائية للواقع الوضوعي الحسوس ل‬
‫تتحول بالحساس ال حركة نفسية‪ ,‬لن التحول يعن تبدل الركة من شكل‬
‫ال شكل‪ ,‬ومن الواضح ان الركة الطبيعية او الفيزيائية للمادة الحسوسة ل‬
‫تتبدل هكذا ال حركة فيزيولوجية او فكرية‪ ,‬اذ ان معن تبدلا كذلك زوال‬
‫الشكل الول من الركة‪ ,‬وبالتال زوال الادة الت تعب عن وجودها ف ذلك‬
‫الشكل الاص‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ لحظ (ما هي الادية) ص ‪. 48‬‬

‫‪150‬‬
‫فليست الركة الوضوعية للشيء الحسوس كحركة الطرقة‪ ,‬وليس‬
‫الحساس تويل لتلك الركة الوضوعية ـ الت هي كيفية وجود الادة ـ ال‬
‫حركة نفسية‪ ,‬كما تتحول حركة الطرقة ال حرارة‪ ,‬وال لكان الحساس‬
‫عملية تبديل للمادة ال فكرة كما تتبدل الركة اللية ال حرارة‪.‬‬
‫وعلى هذا فليست مسالة الدراك مسألة تول الركة الفيزيائية ال حركة‬
‫نفسية‪ ,‬الذي هو بعينه عبارة عن تول الواقع الوضوعي ال فكرة‪ ,‬بل يوجد‬
‫للشيء الحسوس والدرك واقع موضوعي وللحساس وجود آخر ف نفوسنا‪,‬‬
‫ما دام هناك وجودان وجود ذات للحساس او الفكر ووجود موضوعي للشيء‬
‫الحسوس‪ ,‬فل نستطيع ان نفهم الصلة بي هذين الوجودين ال كما نفهم‬
‫الصلة بي سبب ونتيجة‪ ,‬وكما نفهم العلقة بي واقع وصورة منعكسة عنه‪,‬‬
‫ونواجه عند هذا بكل وضوح السألة الساسية الت نن بصددها‪ ,‬وهي‪ :‬ان‬
‫الفكرة ما دامت نتيجة للشيء الوضوعي‪ ,‬وما دامت العلقة الفهومة بينهما‬
‫هي علقة السببية‪ ,‬فلماذا يب ان نفترض ان هذه النتيجة وسببها يتلفان‬
‫عن سائر النتائج وأسبابا ويتازان عليها باصة وهي ان النتيجة تصور لنا‬
‫سببها وتعكسه انعكاسا تاما؟‪.‬‬
‫فهناك كثي من الوظائف الفيزيولوجية هي نتائج أسباب خارجية معينة‪,‬‬
‫ول ند ف واحدة من النتائج القدرة على تصوير سببها‪ ,‬وانا تدل دللة‬
‫غامضة على وجود اسباب لا خارج نطاقها‪ ,‬فكيف نستطيع ان نعترف للفكرة‬
‫بأكثر من هذه الدللة الغامضة؟!‪.‬‬
‫وهب ان الاركسية نحت ف تفسي الفكر والدراك‪ ,‬بعملية تول‬
‫للحركة الفيزيائية ال حركة نفسية‪ ,‬فهل يعن هذا ان الفكرة تستطيع ان‬
‫تطابق الواقع الوضوعي بصورة كاملة؟! ان هذا التفسي يعلنا ننظر ال الفكرة‬
‫وواقعها الارجي كما ننظر ال الرارة والركة اللية الت تتحول اليها‪ .‬ومن‬
‫الواضح ان الختلف الكيفي بي شكلي الركة فيهما يعلهما غي متطابقي‪.‬‬
‫فكيف نفترض التطابق بي الفكرة وواقعها الوضوعي؟!‪.‬‬
‫ويبدو على الدرسة الاركسية لون من الضطراب والتشويش عند مواجهة‬

‫‪151‬‬
‫هذه الشكلة‪ .‬ويكننا ان نستخلص دليلي لا على هذه النقطة من عدة‬
‫نصوص متفرقة ومشوشة احدها‪ ,‬دليل فلسفي‪ ,‬والخر دليل بيولوجي‬
‫علمي‪.‬‬
‫اما الدليل الفلسفي فيلخصه النص التال‪:‬‬
‫[ان الفكر يستطيع ان يعرف الطبيعة معرفة تامة‪ ,‬ذلك‬
‫لنه يؤلف جزءا منها‪ ,‬ذلك لنه نتاجها والتعبي العلى عنها‪.‬‬
‫ان الفكر هو الطبيعة تعي ذاتا ف ضمي النسان‪ .‬يقول‬
‫ليني‪( :‬ان الكون هو حركة للمادة تضع لقواني ولا ل تكن‬
‫معرفتنا ال نتاجا أعلى للطبيعة ل يسعها ال ان تعكس هذه‬
‫القواني)‪ .‬ولقد كان أنلز يبي ف كتابه (آنت دوهرنغ)‪ :‬ان‬
‫الادية الفلسفية هي وحدها الت تستطيع تأسيس قيمة العرفة‬
‫على دعائم متينة‪ .‬حي يؤخذ الوعي والفكر على انما شيئان‬
‫معطيان‪ ,‬كانا ف زمان يتعارضان مع الطبيعة ومع الكائن‬
‫عندئذ يؤدي ذلك بنا حتما ال ان ند ـ رائعا ـ جدا ـ كون‬
‫وعينا للطبيعة وتفكي الكائن وقواني الفكر متطابقة ال أبعد‬
‫حد‪ .‬ولكن اذا تساءلنا ما هو الفكر؟ وما هو الوعي؟ ومن‬
‫أين يأتيان؟ وجدنا ان النسان هو نفسه نتاج للطبيعة‪ ,‬نا ف‬
‫بيئة ومع نو هذه البيئة‪ ,‬وعندئذ يصبح ف غن عن البيان‪:‬‬
‫كيف ان منتوجات الذهن البشري الت هي أيضا عند آخر‬
‫تليل منتوجات الطبيعة ليست ف تناقض وانا ف توافق مع‬
‫سائر الطبيعة التراصة] (‪.)1‬‬
‫ان الفكرة ف الفهوم الاركسي جزء من الطبيعة او نتاج أعلى لا‪.‬‬
‫ولنفترض ان هذا صحيح ـ وليس هو بصحيح ـ فهل يكفي ذلك لجل ان‬
‫نبهن على امكان معرفة الطبيعة بصورة كاملة؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ‪ 46‬ـ ‪. 47‬‬

‫‪152‬‬
‫صحيح ان الفكر اذا كان جزءا من الطبيعة ونتاجا لا فهو يثل بطبيعة‬
‫الال قوانينها‪ ,‬ولكن ليس معن هذا ان الفكر بذا العتبار يصبح معرفة‬
‫صحيحة للطبيعة وقوانينها‪.‬‬
‫او ليس الفكر اليتافيزيقي او الثال فكرا‪ ,‬وبالتال جزءا من الطبيعة‬
‫ونتاجا لا ـ ف الزعم الادي؟! او ليست جيع متويات العمليات الفيزيولوجية‬
‫ظواهر طبيعة ونتاجا للطبيعة؟!‪..‬‬
‫فقواني الطبيعة تتمثل اذن ف تفكي الادي الدل وتري عليه‪ ,‬وف‬
‫التفكي الثال واليتافيزيقي على السواء‪ ,‬كما تتمثل ف جيع العمليات والظواهر‬
‫الطبيعة‪ ,‬فلماذا يكون الفكر الاركسي معرفة صحيحة للطبيعة دون غيه من‬
‫هذه المور؟ مع انا جيعا نتاجات طبيعية تعكس قواني الطبيعة‪ .‬وبذا نعرف‬
‫ان مرد اعتبار الفكر ظاهرة للطبيعة ونتاجا منها‪ ,‬ل يكفي لن يكون معرفة‬
‫حقيقيقة للطبيعة‪ ,‬بل ل يضع بي الفكرة وموضوعها ال علقة السببية الثابتة‬
‫بي كل نتيجة وسببها الطبيعي وانا تكون الفكرة معرفة حقيقية اذا آمنا فيها‬
‫باصة الكشف والتصوير‪ ,‬الت تتاز با على كل شيء آخر‪.‬‬
‫واما الدليل البيولوجي على مطابقة الدراك او الحساس للواقع‬
‫الوضوعي‪ ,‬فهو ما يعرضه لنا النص التال‪:‬‬
‫[ل تستطيع ان تكون وهي ف مستوى الحساس نافعة‬
‫بيولوجيا ف حفظ الياة‪ ,‬ال اذا كانت تعكس الواقع‬
‫الوضوعي] (‪[ .)1‬واذا كان صحيحا ان الحساس ليس ال‬
‫رمزا دون ايا شبه بالشيء واذا كان يكن بالتال تطابق اشياء‬
‫عديدة متغايرة‪ ,‬او اشياء وهية ومثلها تاما اشياء واقعية‪,‬‬
‫عندئذ يكون التعود البيولوجي على البيئة مستحيل‪ ,‬اذا‬
‫افترضنا ان الواس ل تتيح لنا تعيي اتاهنا بيقي وسط‬
‫الشياء‪ ,‬والرد عليها بفعالية‪ ,‬بيد ان كل النشاط العملي‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادة ص ‪. 62‬‬

‫‪153‬‬
‫البيولوجي للنسان واليوان يدلنا على درجات اكتمال هذا‬
‫الشعور](‪.)1‬‬
‫واضح ان النسبة ف الس ل تعن ان اشياء عديدة ومتغايرة تشترك ف‬
‫رمز حسي واحد‪ ,‬ليسقط هذا الرمز عن القيمة نائيا‪ ,‬ويعجز عن تعيي‬
‫التاه الذي يفظ لنا حياتنا ويدد موقفنا من الشياء الارجية‪ ,‬بل النظرية‬
‫النسبية الفيزيولوجية تقوم على أساس ان كل لون من الحساس فهو رمز‬
‫يتص بواقع موضوعي معي‪ ,‬ل يكن ان يرمز اليه بلون آخر من الوان‬
‫الس‪ ,‬ويتاح حينئذ لنا ان ندد موقفنا من الشياء على ضوء تلك الرموز‪,‬‬
‫ونرد عليها بالفعالية الت تنسجم مع الرمز وتتطلبها طبيعة الياة تاهه‪.‬‬
‫ڤ‪.......................................‬الركة الديالكتيكية ف الفكر‪:‬‬
‫وتناولت الاركسية بعد ذلك الذهب النسب ف القيقة‪ ,‬فاعتبته نوعا من‬
‫السفسطة‪ ,‬لن النسبة فيه تعن تغي القائق من ناحية ذاتية‪ ,‬وقررت النسبية‬
‫بشكل جديد‪ ,‬اوضحت فيه تغي القائق طبقا لقواني التطور والتغي ف الادة‬
‫الارجية‪.‬‬
‫فليست ف الفكر النسان حقائق مطلقة‪ ,‬وانا القائق الت ندركها نسبية‬
‫دائما‪ .‬وما يكون حقيقة ف وقت يكون بنفسه خطأ ف وقت آخر‪ .‬وهذا ما‬
‫تتفق عليه النسبية والاركسية معا‪ .‬وتزيد الاركسية بالقول ان هذه النسبية‬
‫وهذه التغيات والتطورات‪ ,‬ف القيقة ليست ال انعكاسا لتغيات الواقع‪,‬‬
‫وتطورات الادة الت نتمثلها ف حقائقنا الفكرية‪ .‬فالنسبية ف القيقة بنفسها‬
‫نسبية موضوعية‪ ,‬وليست نسبية ذاتية ناشئة من جانب الذات الفكرة‪ ,‬ولذلك‬
‫فهي ل تعن عدم وجود معرفة حقيقة للنسان‪ ,‬بل القيقة النسبية التطورة‬
‫الت تعكس الطبيعة ف تطورها‪ ,‬هي العرفة القيقية ف النطق الديالكتيكي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ نفس الصدر ص ‪. 36‬‬

‫‪154‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[ان الرونة التامة الشاملة للمفاهيم‪ ,‬وهي الرونة الت‬
‫تذهب ال حد تاثل الضداد‪ ,‬ذلك جوهر القضية‪ .‬ان هذه‬
‫الرونة اذا استخدمت على نو ذات تفضي ال النتقائية‬
‫والسفسطة‪ .‬والرونة الستخدمة موضوعيا يعن بكونا تعكس‬
‫جيع جوانب حركة التطور الادية ووحدتا‪ ,‬انا هي‬
‫الديالكتيك‪ ,‬وهي النعكاس الصحيح للتطور البدي للعال‪.‬‬
‫الدفاتر الفلسفية ص ‪.)1(]84‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬
‫[نستطيع بانطلقنا من الذهب النسب البحت تبير كل‬
‫نوع من انواع السفسطة‪ .‬الدفاتر الفلسفية ص ‪.)2( ]328‬‬
‫وقال كيدروف‪:‬‬
‫[ولكن قد توجد ثة نزعة ذاتية‪ ,‬ليس فقط حينما نعمل‬
‫على أساس النطق الشكلي بقولته الساكنة الامدة‪ ,‬وانا‬
‫أيضا حينما نعمل بواسطة مقولت مرنة متحولة‪ .‬ففي الالة‬
‫الول نصل ال الغيبة‪ ,‬وف الثانية نصل ال الذهب النسب‬
‫والسفسطائية والنتقائية](‪. )3‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬
‫[ يقتضي النطق الديالكتيكي الاركسي‪ ,‬ان يطابق انعكاس‬
‫العال الوضوعي ف ضمي النسان الشيء النعكس‪ .‬وان ل‬
‫يتضمن شيئا غريبا عنه‪ ,‬شيئا جيء به على نو ذات‪ .‬ان‬
‫التفسي الذات وفقا لوجهة النظر النسبية ولرونة الفاهيم‪ ,‬هو‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪ 50‬ـ ‪. 51‬‬


‫‪ 2‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 51‬‬
‫‪ 3‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 50‬‬

‫‪155‬‬
‫إضافة غريبة تاما‪ ,‬كمبالغة الغيبة الذاتية ف تريدات النطق‬
‫الشكلي] (‪.)1‬‬
‫هذه النصوص تدل على الحاولة الت اتذتا الاركسية لترفع على اساسها‬
‫يقينها الفلسفي‪ .‬وهي ماولة تطبيق قانون الديالكتيك على القيقة‪.‬‬
‫فالنسان وان ل تكن لديه حقيقة مطلقة ف مموع افكاره‪ ,‬غي ان سلبية‬
‫امكان القيقة الطلقة عن افكاره ليس لجل انا كومة من اخطاء مطلقة تعل‬
‫العرفة الصحيحة مستحيلة على النسان نائيا‪ ,‬بل لن القائق الت يلكها‬
‫الفكر النسان حقائق تطويرية‪ ,‬تنمو وتتكامل على طبق قواني الديالكتيك‪,‬‬
‫فهي لذلك حقائق نسبية وف حركة مستمرة‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[يب ان ل يتصور الفكر (يعن النسان) القيقة ف‬
‫شكل مرد مشهد (صورة) شاحبة (باهتة)‪ ,‬بدون حركة‪.‬‬
‫ان العرفة هي القتراب اللمتناهي البدي للفكر نو‬
‫الشيء‪ .‬يب فهم انعكاس الطبيعة ف فكر النسان ليس‬
‫كشيء جامد مرد‪ ,‬بدون حركة‪ ,‬بدون تناقضات‪ ,‬وانا‬
‫كعملية تطور أبدية للحركة لولدة التناقضات وحل هذه‬
‫التناقضات‪ .‬الدفاتر الفلسفية ص ‪ 167‬ـ ‪.)2( ] 168‬‬
‫وقال أيضا‪:‬‬
‫[من الهم ف نظرية العرفة ـ كما ف جيع حقول العلم‬
‫الخرى ـ ان يكون التفكي دائما ديالكتيكيا‪ ,‬أي ان ل يفرض‬
‫مطلقا كون وعينا ثابتا ل يتطور] (‪.)3‬‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪. 51‬‬


‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكت ص ‪. 10‬‬
‫‪ 3‬ـ الرجع ذاته ص ‪. 11‬‬

‫‪156‬‬
‫وقال كيدروف‪:‬‬
‫[اما النطق الديالكت فهو ل يواجه هذا الكم كأنه‬
‫شيء مكتمل‪ ,‬بل بوصفه تعبيا عن فكرة قادرة على ان تنمو‬
‫وان تتحرك‪ .‬وأيا ما كانت بساطة حكم ما‪ ,‬ومهما بدا عاديا‬
‫هذا الكم‪ ,‬فهو يتوي على بذور او عناصر تناقضات‬
‫ديالكتيكية‪ ,‬تتحرك وتنمو ـ داخل نطاقها ـ العرفة البشرية‬
‫كلها] (‪.)1‬‬
‫وأشار كيدروف ال كلمـة يدد فيهـا لينيـ اسـلوب النطـق الديالكتـ فـ‬
‫التفكي اذ يقول‪:‬‬
‫[يقتضي النطق الديالكت ان يؤخذ الشيء ف تطوره‪ ,‬ف‬
‫نائه‪ ,‬ف تغيه] وعقب على ذلك بقوله‪[ :‬وخلفا للمنطق‬
‫الديالكت‪ ,‬يعمد النطق الشكلي ال حل مسألة القيقة حل‬
‫أوليا ال ابعد حد‪ ,‬بواسطة صيغة (نعم ـ ل)‪ .‬انه يعلم‬
‫الجابة بكلمة واحدة وبصورة قاطعة‪ ,‬على السؤال‪ :‬هل‬
‫الظاهرة تلك موجودة ام ل؟ والجابة مثل بـ (نعم) على‬
‫السؤال‪ :‬هل الشمس موجودة؟ وبـ (ل) على السؤال‪ :‬هل‬
‫الدائرة الربعة موجودة؟ ف النطق الشكلي يقف النسان عند‬
‫حد اجابات بسيطة جدا‪ ,‬نعم أو ل‪ ,‬أي عند حد تييز‬
‫نائي بي القيقة والطا‪ .‬لذا السبب تواجه القيقة‬
‫باعتبارها شيئا معطى ساكنا ثابتا نائيا‪ ,‬ومتعارضا تعارضا‬
‫مطلقا مع الطا] (‪.)2‬‬
‫تلص معنـا مـن هذه النصـوص الاركسـية آراء ثلثـة‪ ,‬يرتبـط بعضهـا ببعـض‬
‫كل الرتباط ‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الرجع ذاته ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬


‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيي ص ‪.14‬‬

‫‪157‬‬
‫الول‪ :‬ان القيقة ف نو وتطور‪ ,‬يعكس نو الواقع وتطوره‪.‬‬
‫الثانـ‪ :‬ان القيقـة والطـأ يكـن ان يتمعـا‪ ,‬فتكون الفكرة الواحدة خطـأ‬
‫وحقيقـة‪ ,‬وليـس هناك تعارض مطلق بيـ الطـأ والقيقـة‪ ,‬كمـا يؤمـن بـه النطـق‬
‫الشكلي‪ ,‬على حد تعبي كيدروف‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ان أي حكـم مهمـا بدت القيقـة فيـه واضحـة فهـو يتوي على‬
‫تناقـض خاص‪ ,‬وبالتال على جانـب مـن الطـأ‪ .‬وهذا التناقـض هـو الذي يعـل‬
‫العرفة والقيقة تنمو وتتكامل‪.‬‬
‫فهل القيقة القائمة ف فكر النسان تتطور وتتكامل حقيقة؟‪.‬‬
‫وهل يكن للحقيقة ان تتمع مع الطأ؟‪.‬‬
‫وهل تتوي كل حقيقة على نقيضها وتنمو بذا التناقض الداخلي؟‪.‬‬
‫هذا ما نريد ان نتبينه فعلً‪.‬‬
‫أ ـ تطور القيقة وحركتها‪:‬‬
‫يبـ قبـل كـل شيـء ان نعرف ماذا يراد بالقيقـة القائمـة فـ الفكـر‬
‫الن سان‪ ,‬ال ت آم نت الارك سية بنمو ها وتكامل ها؟‪ .‬ان الفل سفة الواقع ية تؤ من‬
‫بواقـع خارج حدود الشعور والذهـن وتعتـب التفكيـ أي تفكيـ كان‪ ,‬ماولة‬
‫لعكـس ذلك الواقـع وادراكـه‪ .‬وعلى هذا‪ ,‬فالقيقـة هـي الفكرة الطابقـة لذلك‬
‫الواقـع والماثلة له‪ .‬والطـأ يتمثـل فـ الفكرة او الرأي او العقيدة التـ ل يتطابـق‬
‫الواقـع ول تاثله‪ .‬فالقياس الفاصـل بيـ القـ والباطـل‪ ,‬بيـ القيقـة والطـا‪,‬‬
‫هو مطابقة الفكرة للواقع‪.‬‬
‫والقيقة بذا الفهوم الواقعي‪ ,‬هي موضوع العراك الفلسفي العنيف بي‬
‫الواقعيي من ناحية‪ ,‬والتصوريي والسفسطائي من ناحية اخرى‪ .‬فالواقعيون‬
‫يؤكدون على امكانا‪ ,‬والتصوريون او السفسطائيون ينفونا او يترددون ف‬
‫القدرة البشرية على الظفر با‪.‬‬
‫غيـ ان لفـظ القيقـة قـد اسـتخدمت له عدة معان اخرى‪ ,‬تتلف كـل‬

‫‪158‬‬
‫الختلف عـن مفهومهـا الواقعـي الآنـف الذكـر‪ ,‬وابتعـد بذلك عـن اليدان‬
‫الساسي للصراع بي فلسفة اليقي‪ ,‬وفلسفات الشك والنكار‪.‬‬
‫فمـن تلك التطويرات الديثـة التـ طرأت على القيقـة‪ ,‬تطويـر النسـبية‬
‫الذاتيـة الذي شاء ان يضـع للفـظ القيقـة مفهوما جديدا‪ .‬فاعتـب القيقـة عبارة‬
‫عـن الدراك الذي يتفـق مـع طبيعـة الهاز العصـب وشروط الدراك فيـه‪ .‬وقـد‬
‫مـر حديثنـا عـن النسـبية الذاتيـة‪ ,‬وقلنـا ان اعطاء القيقـة هذا الفهوم‪,‬يعنـ اناـ‬
‫لي ست اك ثر من ت عبي عن ش يء ذا ت‪ ,‬فل ت صبح القي قة حقي قة ال من ناح ية‬
‫اسـية فقـط‪ .‬وبذلك تفقـد القيقـة فـ الفهوم النسـب الذاتـ صـفتها كموضوع‬
‫للناع والصـراع الفلسـفي‪ ,‬بيـ اتاهات اليقيـ والشـك والنكار فـ الفلسـفة‪.‬‬
‫فالنسبية الذاتية مذهب من مذاهب الشك يتبقع بستار من القيقة‪.‬‬
‫وهناك تفسي فلسفي آخر للحقيقة‪ ,‬وهو الذي قدمه لنا (وليم جيمس) ف‬
‫مذهبه الديد ف العرفة النسانية (الباجاتزم او مذهب الذرائع)‪ .‬وليس هذا‬
‫التفسي بادن ال الواقعية او ابعد عن فلسفات الشك والنكار من التفسي‬
‫السابق‪ ,‬الذي حاولته النسبية الذاتية‪ .‬ويتلخص مذهب (الباجاتزم) ف‬
‫تقدي مقياس جديد‪ ,‬لوزن الفكار والفصل فيها بي الق والباطل وهو‬
‫مقدرة الفكرة العينة على اناز اغراض النسان ف حياته العملية‪ .‬فان‬
‫تضاربت الراء وتعارضت‪ ,‬كان احقها واصدقها هو انفعها واجداها‪ ,‬أي‬
‫ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلً على فائدته‪ .‬والفكار الت ل تقق‬
‫قيمة عملية ول يوجد لا آثار نافعة فيما تصادف من تارب الياة‪ ,‬فليست من‬
‫القيقة بشيء‪ ,‬بل يب اعتبارها ألفاظا جوفاء ل تمل من العن شيئا‪ .‬فمرد‬
‫القائق جيعا ف هذا الذهب ال حقيقة عليا ف الوجود‪ ,‬وهي الحتفاظ‬
‫بالبقاء أولً‪ ,‬ث الرتفاع بالياة نو الكمال ثانيا‪ .‬فكل فكرة يكن استعمالا‬
‫كأداة للوصول ال تلك القيقة العليا فهي حق صريح وحقيقة يب‬
‫تصديقها‪ ,‬وكل فكرة ل تصنع شيئا ف هذا الضمار فل يصح الخذ با‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس عرف (برغسون)(‪ )1‬القيقة بأنا اختراع شيء جديد‪,‬‬

‫‪ 1‬ـ برغسون‪ :‬حياته‪ ,‬فلسفته‪ ,‬سلسلة‪ :‬زدن علما رقم ‪ 25‬ـ منشورات عويدات‪.‬‬

‫‪159‬‬
‫وليست اكتشافا لشيء سبق وجوده‪ .‬وعرفها (شلر) بأنا ما تدم النسان‬
‫وحده‪ .‬وحدد (ديوي) وظيفة الفكرة قائل ان الفكرة اداة لترقية الياة‪ ,‬وليست‬
‫وسيلة ال معرفة الشياء ف ذاتا‪.‬‬
‫وف هذا الذهب خلط واضح بي القيقة نفسها‪ ,‬والدف الساسي من‬
‫ماولة الظفر با‪ .‬فقد ينبغي ان يكون الغرض من اكتساب القائق‪ ,‬هو‬
‫استثمارها ف الجال العملي والستنارة با ف تارب الياة‪ ,‬ولكن ليس هذا‬
‫هو معن القيقة بالذات‪ .‬ونلخص الرد عليه فيما يات‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان اعطاء العن العملي البحت للحقيقة‪ ,‬وتريدها من خاصة‬
‫الكشف عما هو موجود وسابق‪ ,‬استسلم مطلق للشك الفلسفي‪ ,‬الذي‬
‫تارب التصويرية والسفسطة لجله‪ .‬وليس مرد الحتفاظ بلفظة القيقة ف‬
‫مفهوم آخر كافيا للرد عليه او التخلص منه‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان من حقنا التساؤل عن هذه النفعة العملية‪ ,‬الت اعتبت‬
‫مقياسا للحق والباطل ف (الباجاتزم)‪ ,‬أهي منفعة الفرد الاص الذي‬
‫يفكر؟! او منفعة الماعة؟! ومن هي الماعة؟ وما هي حدودها؟ وهل‬
‫يقصد با النوع النسان بصورة عامة؟ او جزء خاص منه؟ وكل من هذه‬
‫الفتراضات ل تعطي تفسيا معقول لذا الذهب الديد‪ .‬فالنفعة الشخصية‬
‫اذا كانت هي العيار الصحيح للحقيقة‪ ,‬وجب ان تتلف القائق باختلف‬
‫مصال الفراد‪ ,‬فتحدث بسبب ذلك فوضى اجتماعية مريعة‪ ,‬حي يتار كل‬
‫فرد حقائقه الاصة‪ ,‬دون أي اعتناء بقائق الخرين النبثقة عن مصالهم‪.‬‬
‫وف هذه الفوضى ضرر خطي عليهم جيعا‪ .‬واما اذا كانت النفعة النسانية‬
‫العامة هي القياس‪ ,‬فسوف يبقى هذا القياس معلقا ف عدة من البحوث‬
‫والجالت‪ ,‬لتضارب الصال البشرية واختلفها ف كثي من الحايي‪ .‬بل ل‬
‫يكن البت حينئذ بقيقة مهما كانت‪ ,‬ما ل تر بتجربة اجتماعية طويلة المد‪ .‬ومعن‬
‫ذلك ان (جيمس) نفسه‪ ,‬ل يكنه ان يعتب مذهبه (الباجاتزم) صحيحا‬
‫ما ل ير بذه التجربة‪ ,‬ويثبت جدارته ف الياة العملية‪ .‬وهكذا يوقف‬
‫الذهب نفسه‪.‬‬

‫‪160‬‬
‫ثالثاً‪ :‬ان وجود مصلحة للنسان ف صدق فكرة ما‪ ,‬ل يكفي لمكان‬
‫التصديق با فاللحد ل يكنه ان يصدق بالدين‪ ,‬ولو آمن بدوره الفعال ف‬
‫تسلية النسان‪ ,‬وانعاش آماله ومؤاساته ف حياته العملية‪ .‬فهذا (جورج‬
‫سنتيانا) يصف اليان بانه غلطة جيلة‪ ,‬اكثر ملءمة لنوازع النفس من الياة‬
‫نفسها‪ .‬فليس التصديق بفكرة نظي اللوان الخرى من النشاط العملي‪ ,‬الت‬
‫يكن للنسان ان يقوم با اذا تقق من فائدتا‪ .‬وهكذا يقوم (الباجاتزم) على‬
‫عدم التفرقة بي التصديق ـ النشاط الذهن الاص ـ ومتلف النشاطات‬
‫العملية‪ ,‬الت يباشرها النسان على ضوء مصاله وفوائده‪.‬‬
‫ونلص مـن هذه الدراسـة ال ان الفهوم الوحيـد للحقيقـة‪ ,‬الذي يكـن‬
‫للفلسفة الواقعية اتاذه‪ ,‬هو (الفكرة الطابقة للواقع)‪.‬‬
‫والاركسية الت تنادي بامكان العرفة القيقية‪ ,‬وترفض لجل ذلك‬
‫النعات التصويرية والشكية والسفسطائية‪ ,‬ان كانت تعن بالقيقة مفهوما آخر‬
‫غي مفهومها الواقعي‪ ,‬فهي ل تتعارض مع تلك الذاهب مطلقا‪ ,‬لن مذاهب الشك‬
‫والسفسطة انا ترفض القيقة بعن الفكرة الطابقة للواقع‪ ,‬ول ترفض‬
‫لفظ القيقة بأي مفهوم كان‪ .‬فل يكن للماركسية ان تبأ من نزعات الشك‬
‫والسفسطة‪ ,‬لجرد اتاذ لفظ القيقة وبلورته ف مفهوم جديد‪.‬‬
‫فيجـب اذن لجـل رفـض تلك النعات حقـا‪ ,‬ان تاخـذ الاركسـية القيقـة‬
‫بفهومهـا الواقعـي الذي ترتكـز عليـه الفلسـفة الواقعيـة‪ ,‬حتـ يكـن اعتبارهـا‬
‫فلسفة واقعية مؤمنة بالقيم الوضوعية للفكر حقا‪.‬‬
‫واذا عرف نا الفهوم الواق عي ال صحيح للحقي قة حان ل نا ان ن تبي ما اذا كان‬
‫مـن المكـن للحقيقـة بذا الفهوم الذي تقوم على اسـبابه الواقعيـة ان تتطور‬
‫وتتغي بركة صاعدة كما تعتقد الاركسية أولً؟‪.‬‬
‫ان القيقة ل يكن ان نتطور وتنمو‪ ,‬وان تكون مدودة ف كل مرحلة من‬
‫مراحل تطورها بدود تلك الرحلة الاصة‪ ,‬بل ل ترج الفكرة ـ كل‬
‫فكرة ـ عن احد امرين‪ :‬فهي اما حقيقة مطلقة واما خطأ‪.‬‬

‫‪161‬‬
‫ـم يقذفون‬
‫ـي‪ ,‬وتعلهـ‬
‫ـا اعلم ان هذه الكلمات تثيـ اشئزاز الاركسـ‬
‫وانـ‬
‫الف كر اليتافيزي قي ب ا تعودوا ال صاقه به من ت م‪ ,‬فيقولون ان الف كر اليتافيزي قي‬
‫ي مد الطبي عة ويعتب ها حالة اثبات و سكون‪ ,‬ل نه يعت قد بالقائق الطل قة‪ ,‬ويأ ب‬
‫عـن قبول مبدأ التطور والركـة فيهـا‪ ,‬وقـد انار مبدأ القائق الطلقـة تامـا‪,‬‬
‫باستكشاف تطور الطبيعة وحركتها‪.‬‬
‫ولكن الواقع الذي يب ان يفهمه قارئنا العزيز ان اليان بالقائق‬
‫الطلقة ورفض التغي والركة فيها‪ .‬ل يعن مطلقا تميد الطبيعة‪ .‬ول ينفي‬
‫تطور الواقع الوضوعي وتغيه‪ .‬ونن ف مفاهيمنا الفلسفية نعتقد بان التطور‬
‫قانون عام ف عال الطبيعة‪ ,‬وان كينونته ف صيورة مستمرة‪ ,‬ونرفض‬
‫ف نفس الوقت كل توقيت للحقيقة وكل تغي فيها‪.‬‬
‫ولنفرض ـ ليضاح ذلك ـ ان سببا معينا جعل الرارة تشتد ف ماء‬
‫خاص‪ .‬فحرارة هذا الاء بالفعل ف حركة مستمرة‪ ,‬وتطور تدريي‪ .‬ومعن‬
‫ذلك ان كل درجة من الرارة يبلغها الاء فهي درجة مؤقتة‪ ,‬وسوف يعبها‬
‫الاء بصعود حرارته ال درجة اكب‪ .‬فليس للماء ف هذا الال درجة حرارة‬
‫مطلقة‪ .‬هذا هو حال الواقع الوضوعي القائم ف الارج‪ ,‬فاذا قسنا حرارته ف‬
‫لظة معينة‪ ,‬فكانت الرارة فيه حال تأثر القياس با قد بلغت‬
‫(‪ )90‬ـ مثل ـ ‪ ,‬فقد حصلنا على حقيقة عن طريق التجربة‪ ,‬وهذه القيقة‬
‫هي ان درجة حرارة الاء ف تلك اللحظة العينة كانت (‪ )90‬وانا تقول عنها‬
‫انا حقيقة لنا فكرة تأكدنا من مطابقتها للواقع‪ ,‬أي لواقع الرارة ف لظة‬
‫خاصة‪ .‬ومن الطبيعي ان حرارة الاء سوف ل تقف عند هذه الدرجة‪ ,‬بل أنا‬
‫سوف تتصاعد حت تبلغ درجة الغليان‪.‬‬
‫ولكن القيقة الت اكتسبناها هي القيقة ل تتغي‪ ,‬بعن انا مت ل حظنا‬
‫تلك اللحظة الاصة الت قسنا حرارة الاء فيها‪ ,‬نكم ـ بكل تأكيد ـ بأن‬
‫حرارة الاء كانت بدرجة (‪ )90‬فدرجة (‪ )90‬من الرارة الت بلغها الاء وان كانت‬
‫درجة مؤقتة بلحظة خاصة من الزمان وسرعان ما اجتازتا الرارة ال‬
‫درجة اكب منها‪ ,‬ال ان الفكرة الت حصلت لنا بالتجربة ـ وهي ان الرارة ف‬

‫‪162‬‬
‫لظة معينة كانت ف درجة (‪ )90‬ـ فكرة صحيحة وحقيقة مطلقة‪ ,‬ولذا‬
‫نستطيع ان نؤكد صدقها دائما‪ .‬ول نعن بالتأكيد على صدقها بصورة دائمة ان‬
‫درجة (‪ )90‬كانت هي الدرجة الثانية لرارة الاء على طول الط‪ ,‬فإن القيقة الت‬
‫اكتسبناها بالتجربة ل تتناول حرارة الاء ال ف لظة معينة‪ ,‬فحي نصفها‬
‫بأنا حقيقة مطلقة‪ .‬وليست مؤقتة‪ ,‬نريد بذلك ان الرارة ف تلك اللحظة‬
‫العينة قد تعينت ف درجة (‪ )90‬بشكل نائي‪ ,‬فالاء وان جاز ان تبلغ حرارته درجة‬
‫(‪ )100‬مثل عقيب تلك اللحظة‪ ,‬ولكن من غي الائز ان يعود ما‬
‫عرفناه من درجة الرارة عن تلك اللحظة الاصة خطا بعد ان كان حقيقة‪.‬‬
‫واذا عرفنا ان القيقة هي الفكرة الطابقة للواقع‪ ,‬وتبينا ان الفكرة اذا‬
‫كانت مطابقة للواقع ف ظرف معي‪ ,‬فل يكن ان تعود بعد ذلك فتخالف‬
‫الواقع ف ذلك الظرف بالذات‪ ,‬اقول‪ :‬اذا علمنا ذلك كله يتجلى بوضوح‬
‫الطا ف تطبيق قانون الركة على القيقة‪ ,‬لن الركة تثبت التغي ف‬
‫القيقة‪ ,‬وتعلها دائما حقيقة نسبية ومؤقتة برحلتها الاصة من التطور‪ ,‬وقد‬
‫عرفنا انه ل تغي ول توقيت ف القائق‪ ,‬كما ان التطور والتكامل ف القيقة‬
‫يعن ان الفكرة تصبح بالركة حقيقية بشكل اقوى‪ ,‬كما ان الرارة ترتقي بالركة‬
‫ال درجة اكب مع ان القيقة تتلف عن الرارة‪ .‬فالرارة يكن ان‬
‫تشتد وتقوى‪ ,‬واما القيقة فهي ـ كما عرفنا تعب عن الفكرة الطابقة للواقع ول‬
‫يكن ان تقوى مطابقة الفكرة للواقع وتشتد‪ ,‬كما هو شان الرارة‪ ,‬وانا يوز‬
‫ان ينكشف للفكر النسان جانب جديد من ذلك الواقع ل يكن يعلم به قبل‬
‫ذلك‪ ,‬غي ان هذا ليس تطورا للحقيقة العلومة سلفا‪ ,‬وانا هو حقيقة جديدة‬
‫يضيفها العقل ال القيقة السابقة‪ .‬فاذا كنا نعرف ـ مثل ـ ان ماركس تأثر‬
‫بنطق هيجل‪ .‬فهذه العرفة هي القيقة الول الت عرفناها عن علقة ماركس‬
‫بفكر هيجل‪ .‬وحي نطالع بعد ذلك تاريه وفلسفته نعرف انه كان على‬
‫النقيض من مثالية هيجل‪ .‬كما نعرف انه اتذ جدله فطبقه تطبيقا ماديا على‬
‫التاريخ والجتماع ال غي ذلك من العلقات الفكرية بي الشخصي‪ .‬فكل‬
‫هذه معارف جديدة تكشف عن جوانب متلفة من الواقع‪ ,‬وليست نوا وتطورا‬
‫للحقيقة الول الت حصلنا عليها منذ البدء‪.‬‬

‫‪163‬‬
‫ول يس ت مس الدر سة الارك سية لخضاع القي قة لقانون الر كة والتطور‪,‬‬
‫ال لجل القضاء على القائق الطلقة الت تؤمن با الفلسفة اليتافيزيقية‪.‬‬
‫وقد فاتا أنا تقضي على مذهبها بالماس لذا القانون‪ ,‬لن الركة اذا‬
‫كانت قانونا عاما للحقائق فسوف يتعذر اثبات أية حقيقة مطلقة‪ ,‬وبالتال‬
‫يسقط قانون الركة بالذات عن كونه حقيقة مطلقة‪.‬‬
‫فمن الطريف ان الاركسية تؤكد على حركة القيقة وتغيها طبقا لقانون‬
‫الديالكتيك‪ ,‬وتعتب ان هذا الكشف هو النقطة الركزية لنظريتهم ف العرفة‪,‬‬
‫وتتغافل عن ان هذا الكشف بنفسه حقيقة من تلك القائق الت آمنوا بركتها‬
‫وتغيها‪ ,‬فاذا كانت هذه القيقة تتحرك وتتغي كما تتحرك سائر القائق‬
‫بالطريقة الديالكتيكية‪ ,‬فهي تتوي على تناقض سوف ينحل بتطورها وتغيها‬
‫كما يتم ذلك الديالكتيك‪ ,‬واذا كانت هذه القيقة مطلقة ل تتحرك ول تتغي‪,‬‬
‫كفى ذلك ردا على تعميم قواني الديالكتيك والركة للحقائق والعارف‬
‫وبرهانا على ان القيقة ل تضع لصول الركة الديالكتيكية‪ ,‬فالديالكتيك‬
‫الذي يراد اجراؤه على القائق والعارف البشرية‪ ,‬ينطوى على تناقض فاضح‬
‫وحكم صريح باعدام نفسه على كل الالي‪ .‬فهو اذا اعتب حقيقة مطلقة‬
‫انتقضت قواعده‪ ,‬وتلى ان الركة الديالكتيكية ل تسيطر على دنيا القائق‬
‫لنا لو كانت تسيطر عليها لا وجدت حقيقة مطلقة‪ ,‬ولو كانت هذه القيقة‬
‫هي الديالكتيك نفسه‪ .‬واذا اعتب حقيقة نسبية خاضعة للتطور والركة‬
‫بقتضى تناقضاتا الداخلية‪ ,‬فسوف تتغي هذه القيقة ويزول النطق‬
‫الديالكتيكي ويصبح نقيضه حقيقة قائمة‪.‬‬
‫ب ـ اجتماع القيقة والطأ‪:‬‬
‫سبق فيما عرضنا من نصوص الاركسية أنا تعيب على النطق الشكلي‪,‬‬
‫على حد تعبيها‪ ,‬ايانه بالتعارض الطلق بي الطأ والقيقة‪ ,‬مع أنما‬
‫يتمعان ما دام الطأ والقيقة امرين نسبيي‪ ,‬وما دمنا ل نلك حقيقة مطلقة‪.‬‬
‫والفكرة الاركسية القائلة باجتماع القيقة والطأ ترتكز على فكرتي‪:‬‬

‫‪164‬‬
‫احداها‪ :‬الفكرة الاركسية عن تطور القيقة وحركتها‪ .‬القائلة‪ :‬ان كل‬
‫حقيقة تتحرك وتتغي بصورة مستمرة‪ .‬والخرى‪ ,‬الفكرة الاركسية على‬
‫تناقضات الركة‪ ,‬القائلة ان الركة عبارة عن سلسلة من التناقضات‪.‬‬
‫فالشيء التحرك ف كل لظة هو ف نقطة معينة وليس هو ف تلك النقطة‪,‬‬
‫ولذلك تعتب الاركسية الركة نقضا لبدأ الوية‪.‬‬
‫فكان مـن نتيجـة هاتيـ الفكرتيـ ان القيقـة والطـأ يتمعان وليـس بينهمـا‬
‫تعارض مطلق‪ ,‬ذلك ان القيقـة لاـ كانـت فـ حركـة‪ ,‬وكانـت الركـة تعنـ‬
‫التناقض الستمر فالقيقة اذن حقيقة وليست بقيقة بكم تناقضاتا الركية‪.‬‬
‫وقد تبينا فيما قدمناه‪ ,‬مدى خطأ الفكرة الول عن حركة القيقة‬
‫وتطورها‪ .‬وسوف نعرض بكل تفصيل للفكرة الثانية عند تناول الديالكتيك‬
‫بالدرس الستوعب ف السالة الثانية (الفهوم الفلسفي للعال)‪ ,‬وسوف يزداد‬
‫وضوحا عند ذاك الطا والشتباه ف قواني الديالكتيك بصورة عامة‪ ,‬وف‬
‫تطبيقه على الفكرة بصورة خاصة‪.‬‬
‫ومـن الواضـح ان تطـبيق قوانيـ الديالكتيـك مـن التناقـض والتطور على‬
‫الفكار والقائق بالشكــل الزعوم‪ ,‬يؤدي ال انيار القيمــة الؤكدة لميــع‬
‫العارف والحكام العقليـة مهمـا كانـت واضحـة وبديهـة‪ .‬وحتـ الحكام النطقيـة‬
‫او الرياضيـة البسـيطة تفقـد قيمتهـا‪ ,‬لناـ تضـع ــ بوجـب التناقضات الحتواة‬
‫فيها على الراي الديالكتيكي ـ لقواني التطور والتغي الستمر‪ ,‬فل يؤمن على ما‬
‫ندر كه الن من القائق ـ نظ ي ‪ 4=2+2‬والزء ا صغر من ال كل ـ ان يتغ ي‬
‫‪.‬‬
‫(‪)1‬‬
‫بكم التناقضات الديالكتيكية فندركه على شكل اخر‬

‫‪ 1‬ــ ومـن الطريـف حقـا تلك الحاولت التـ تتخـذ باسـم العلم‪ ,‬لتفنيـد‬
‫البدهيات العقليـة‪ ,‬مـن رياضـة ومنطقيـة‪ ,‬مـع ان العلم ل يكـن ان يقوم ال على‬
‫أساسها‪ .‬وفيما يلي امثلة من تلك الحاولت للدكتور نوري جعفر‪ ,‬ذكرها ف كتابه‬
‫فل سفة الترب ية ص ‪( :66‬و ف ضوء ما ذكر نا ن ستطيع ان نقول‪ :‬ان ج يع القوان ي‬
‫العلم ية قوان ي ن سبية‪ ,‬تع مل ف مالت معي نة ل تتعدا ها‪ ,‬وي صدق ما ذكرناه على‬
‫قواني الرياضيات وبعض مظاهرها الت تبدو لول وهلة‪ ,‬كأنا من المور البديهية‪,‬‬
‫الت ل تتغي بتغي الزمان والكان‪ .‬فحاصل جع ‪ 2‬زائد ‪ 2‬مثل ل يساوي ‪ 4‬دائما‪.‬‬
‫ـ حجميـ من الكحول مع حجميـ من الاء‪,‬‬
‫من ذلك ــ مثل ــ ان نا اذا جعن ا‬
‫فالنتيجة تكون اقل من ‪ 4‬حجوم مزوجة‪ ,‬وسبب ذلك راجع ال ان السائلي تتلف‬
‫جزئيات احدهاـ فـ شدة تاسـكها عـن الخـر فتنفـذ عنـد الزج جزئيات السـائل‬
‫الكثـر تاسـكا (الاء) مـن بيـ الفراغات النسـبية الوجودة بيـ جزئيات الكحول‪,‬‬
‫وتكون النتي جة مشاب ة للط مقدار من البتقال مع مقدار من الر قي ح يث ين فذ‬

‫‪165‬‬
‫ڤ‪................................‬التعديلت العلمية والقائق الطلقة‪:‬‬
‫وقـد كتـب انلز ينقـد مبدأ القيقـة الطلقـة القائل بسـلبية امكان اجتماعهـا‬
‫مـع الطـا‪ ,‬عـن طريـق التعديـل الذي يطرأ على النظريات والقوانيـ العلميـة‪,‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫(ولنسـتشهد على ذلك بقانون (بويـل) الشهيـ‪ ,‬الذي ينـص على ان حجوم‬
‫الغازات تتناسـب عكسـيا مـع الضغـط الواقـع عليهـا اذا بقيـت درجـة حرارتاـ‬
‫ثابتة‪.‬‬

‫قسم من البتقال من بي الفراغات الوجودة ف الرقي‪ .‬وحاصل جع كالون من الاء‬


‫مع كالون من حا مض الكبي تك انفجار مر عب‪ ,‬على ان ذلك ال مع اذا ت بد قة‬
‫علميـة وبشكـل يتفادى حدوث النفجار‪ ,‬فان النتيجـة مـع هذا تكون اقـل مـن‬
‫كالوني من الزيج‪ .‬ويكون حاصل جع ‪ 2=2+2‬احيانا اخرى‪ ,‬فاذا خلطنا غازين‬
‫درجة حرارة كل منهما درجتان مئويتان‪ ,‬فان درجة حرارة الليط تبقى درجتي)‪.‬‬
‫وهذا النص يعرض لنا ثلث عمليات رياضية‪:‬‬
‫(أ) ان حجم ي من الكحول اذا جعناه ا مع حجم ي من الاء فالنتي جة تكون‬
‫اقل من (‪ )4‬حجوم‪ .‬وهذه العملية تنطوي على مغالطة‪ .‬وهي اننا ف القيقة ل نمع‬
‫ب ي حجم ي وحجم ي‪ .‬وان ا خ سرنا شيئا ف ال مع فظهرت ال سارة ف النتي جة‪.‬‬
‫ذلك ان ح جم الكحول ل ي كن متقو ما بالزئيات فح سب‪ .‬وان ا يتقوم بالزئيات‬
‫والفراغ النسب القائم بينها‪ .‬فاذا احضرنا حجمي من الكحول كان هذان الجمان‬
‫يعـبان عـن جزئيات وفراغ بينهمـا ل عـن الزئيات فحسـب‪ .‬وحيـ يلقـى على‬
‫الكحول حجميـ مـن الاء وتتسـلل جزئيات الاء ال الفراغ النسـب القائم بيـ‬
‫جزئيات الكحول فتشغله نكون قد فقد نا هذا الفراغ الن سب الذي كان له ن صيب‬
‫من حجم الكحول‪ .‬فلم نمع اذن بي حجمي من الكحول وحجمي من الاء‪ .‬وانا‬
‫جعنا بي حجمي من الاء وجزئيات حجمي من الكحول‪ .‬واما الفراغ النسب فيها‬
‫ف قط سقط من ال ساب‪ .‬وهكذا يت ضح ا نا اذا ارد نا ان ند قق ف صوغ العمل ية‬
‫الرياضية نقول ان جع حجمي كاملي من الاء مع حجمي من الكحول‪ .‬باستثناء‬
‫الفراغ التخلل بيـ جزئياتـه‪ ,‬يسـاوي اربعـة حجوم باسـتثناء ذلك الفراغ نفسـه‪.‬‬
‫ولي ست ق صة هذه الجوم ال كالف النظائر والمثلة الطبيع ية ال ت يشاهد ها كل‬
‫الناس ف حياتم العتيادية‪ .‬فماذا نقول ف جسم قطن ارتفاعه متر وقطعة من حديد‬
‫ارتفاعها متر ايضا‪ .‬لو وضعنا احد السمي على الخر فهل ينتج من ذلك ارتفاع‬
‫متر ين؟‪ ,‬و ف تراب ارتفا عه م تر وماء ارتفا عه م تر‪ .‬ث الفي نا الاء على التراب ف هل‬
‫ن ن من ذلك ارتفا عا مضاع فا ؟‍ طب عا ل‪ .‬فهل من الائز ان نعتب ذلك دليل على‬
‫تفنيد البدهيات الرياضية؟‍ ‪.‬‬

‫‪166‬‬
‫وجـد (رينـو) بأن هذا القانون ل يصـح فـ حالت معينـة‪ ,‬ولو كان (رينـو)‬
‫احـد فلسـفة الواقعيـة ل نتهـى مـن ذلك ال السـتخلص التال‪ :‬باـ ان قانون‬
‫(بويـل) قابـل للتغيـ فهـو ليـس بقيقـة مضـة‪ ,‬أي انـه ليـس بقيقـة البتـة‪ ,‬فهـو‬
‫إذن قانون باطـل ولو نجـ (رينـو) هذا النهـج لرتكـب خطـأ افضـع ماـ تضمنـه‬

‫(ب) ان جع كالون من الاء مع كالون من حامض الكبيتك ل ينتج كالوني‬


‫وانا يصل من ذلك انفجار مرعب‪ .‬وهذا ايضا ل يتعارض مع البدهية الرياضية ف‬
‫جع العداد‪ ,‬ذلك ان (‪ )1+1‬انا يساوي اثني اذا ل يعدم احدها او كلها حال‬
‫المع والزج‪ ,‬وال ل يصل جع بي واحد وواحد بعناه القيقي ‪ .‬ففي هذا الثال ل‬
‫تكن الوحدتان ـ الكالونان ـ موجودتي حي اتام عملية المع لينتج اثني‪.‬‬
‫(ج) ان جعـ غازيـن درجـة حرارة كـل منهمـا درجتان مئويتان‪ ,‬ينتـج حرارة‬
‫الليط بنفس تلك الدرجة ايضا من دون مضاعف‪.‬‬
‫وهذا لون اخر من التموية لن العملية انا جعت بي غازين وخلطت بينهما‪,‬‬
‫ل انا جعت بي درجت الرارة‪ .‬وانا يمع بي الدرجتي لو ضوعفت الدرجة ف‬
‫موضوعهـا‪ .‬فنحـن ل نضـف حرارة على حرارة لنترقـب حدوث درجـة اضخـم‬
‫للحرارة‪ ,‬وانا اضفنا حارا ال حار وخلطنا بينهما‪.‬‬
‫وهكذا يتضـح ان كـل تشكيـك او نقـض يدور حول البدهيات العقليـة‬
‫الضرورية‪ ,‬مرده ف القي قة ال لون من الغالطة او عدم اجادة فهم تلك البدهيات‬
‫و سوف يبدو هذا ب كل وضوح ع ند عرض نا لنقوض الارك سية ال ت حاولت ان ترد‬
‫على مبدأ عدم التناقض‪‍ ‍.‬‬

‫‪167‬‬
‫قانون (بويل) ولتاهت ذرة القيقة النطوي عليها نقده لذا القانون‪ ,‬واندفعت‬
‫بيـ رمال صـحراء الباطـل‪ ,‬ولفضـى به المـر أخيا ال تشويـه النتي جة الصـائبة‬
‫التـ ادركهـا‪ ,‬وال احالتهـا ال نتيجـة واضحـة الخطاء اذا مـا قورنـت مـع‬
‫النتيجـة التـ ادركهـا قانون (بويـل)‪ ,‬الذي يبدو صـحيحا رغـم مـا هـو عالق بـه‬
‫من اخطاء جزئية) (‪.)1‬‬
‫ويتلخص هذا النقد ف ان الفكر اليتافيزيقي لو كان على صواب فيما‬
‫يؤمن به للحقائق من اطلق وتعارض مطلق مع الطأ‪ ,‬لوجب رفض كل‬
‫قانون علمي لجرد وضوح عدم صحته جزئيا‪ ,‬وف حالت معينة‪ .‬فقانون‬
‫(بويل) بكم الطريقة اليتافيزيقية ف التفكي اما ان يكون حقيقة مطلقة‪ ,‬واما‬
‫ان يكون خطأ مضا‪ ,‬فاذا تبي ف اليدان التجريب عدم صحته احيانا فيجب‬
‫ان يكون لجل ذلك خطأ مطلقا‪ ,‬وان ل يكون فيه شيء من القيقة‪ ,‬لن‬
‫القيقة ل تتمع مع الطا‪ .‬ويسر العلم بذلك جانب القيقة من ذلك‬
‫القانون‪ .‬واما ف الطريقة الديالكتيكية فل يعتب ذلك الطا النسب دليل على‬
‫سقوط القانون مطلقا‪ ,‬بل هو حقيقة نسبية ف نفس الوقت‪ ,‬فان القيقة‬
‫تتمع مع الطأ‪.‬‬
‫ولو كان (انلز) قد عرف النظرية اليتافيزيقية ف العرفة معرفة دقيقة‪,‬‬
‫وفهم ما تعن من القيقة الطلقة لا حاول ان يوجه مثل هذا النقد اليها‪ .‬ان‬
‫الصحة والطأ ل يتمعا ف حقيقة واحدة ل ف قانون بويل ول ف غيه من‬
‫القواني العلمية‪ .‬فالقيقة من ذلك القانون هي حقيقة مطلقة ل خطأ فيها وما‬
‫هو خطأ منه فهو خطا مض‪ ,‬والتجارب العلمية الت قام با (رينو) ـ والت‬
‫اوضحت له ـ مثل ـ ان قانون (بويل) ل يصح فيما اذا بلغ الضغط الد الذي‬
‫تتحول فيه الغازات ال سوائل ـ ل تقلب القيقة ال خطأ وانا شطرت القانون‬
‫ال شطرين‪ ,‬واوضحت ان احد هذين الشطرين خطا مض‪ .‬فاجتماع الطأ‬
‫والقيقة اجتماع اسي وليس اجتماعا بعناه الصحيح‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك الفلسفة ص ‪. 153‬‬

‫‪168‬‬
‫وف تعبي واضح ان كل قانون علمي صحيح فهو يتوي على حقائق‬
‫بعدد الالت الت يتناولا وينطبق عليها‪ ,‬فاذا اظهرت التجربة خطأه ف بعض‬
‫تلك الالت‪ ,‬وصوابه ف البعض الخر‪ ,‬فليس معن ذلك ان القيقة نسبية‬
‫وانا اجتمعت مع الطا‪ ,‬بل معن ذلك ان متوى القانون يطابق الواقع ف‬
‫بعض الالت دون بعض‪ .‬فالطأ له موضع وهو ف ذلك الوضع خطأ‬
‫مض‪ ,‬والقيقة لا موضع آخر وهي ف ذلك الوضع حقيقة مطلقة‪.‬‬
‫والفكر اليتافيزيقي ل يتم على العال الطبيعي ان يرفض القانون نائيا اذا‬
‫ما تبي عدم ناحه ف بعض الالت‪ ,‬لنه يعتب كل حالة تثل قضية خاصة‬
‫با‪ ,‬ول يب ان تكون القضية الاصة بالة ما خطأ‪ ,‬اذا ما كانت القضية‬
‫الاصة بالالة الخرى كذلك‪.‬‬
‫وكان يب على (انلز) ـ عوضا عن تلك الحاولت الصبيانية لتبير‬
‫القيقة النسبية واجتماعها مع الطأ ـ ان يتعلم الفرق بي القضايا البسيطة‬
‫والقضايا الركبة ويعرف ان القضية البسيطة هي الت ل يكن ان تنقسم ال‬
‫قضيتي‪ ,‬كما ف قولنا‪ :‬مات افلطون قبل ارسطو‪ .‬وان القضية الركبة هي‬
‫القضية الت تتالف من قضايا متعددة‪ ,‬نظي قولنا‪ :‬الفلزات تتمدد بالرارة‪.‬‬
‫فان هذا القول مموعة من قضايا‪ ,‬ويكننا ان نعب عنه ف قضايا متعددة‬
‫فنقول‪ :‬الديد يتمدد بالرارة‪ ,‬والذهب يتمدد بالرارة‪ ,‬والرصاص يتمدد‬
‫بالرارة‪...‬‬
‫والقضية البسيطة ـ باعتبارها قضية مفردة ـ ل يكن ان تكون حقيقة من‬
‫ناحية وخطأ من ناحية اخرى‪ ,‬فموت افلطون قبل ارسطو اما ان يكون‬
‫حقيقة واما ان يكون خطأ‪ .‬واما القضية الركبة فلما كانت ف القيقة ملتقى‬
‫قضايا متعددة‪ ,‬فمن الائز ان توجد القيقة ف جانب منها والطأ ف جانب‬
‫آخر؛ كما اذا افترضنا ان الديد يتمدد بالرارة دون الذهب‪ ,‬فان القانون‬
‫الطبيعي العام وهو الفلزات تتمدد بالرارة يعتب صحيحا على ناحية وخطأ من‬
‫ناحية اخرى‪ .‬ولكن ليس معن ذلك ان القيقة والطأ اجتمعا فكانت‬
‫القضية الواحدة خطا وحقيقة‪ ,‬بل الطا انا يوجد ف قضية الديد يتمدد‬

‫‪169‬‬
‫بالرارة ـ مثل ـ فلم يكن الطأ حقيقة ول القيقة خطأ‪.‬‬
‫وف عودتنا على الركة التطورية ف القيقة والعرفة‪ ,‬بصفتها جزءا من‬
‫الديالكتيك ـ الذي خصصنا لدراسته الزء الثان من السألة التية (الفهوم‬
‫الفلسفي للعال) ـ سنستعرض مدارك الاركسية والوان استدللا‪ ,‬على تطور‬
‫القيقة والعرفة‪ ,‬ومدى ضعفها ومغالطتها‪ .‬وعلى الخص ما حاولته الاركسية‬
‫من اعتبار العلوم الطبيعية‪ ,‬ف تطورها الرائع على مر الزمن‪ ,‬ونشاطها‬
‫التضاعف‪ ,‬وقفزاتا البارة‪ ,‬مصداقا للحركة التطويرية ف القائق والعارف‪,‬‬
‫مع ان تطور العلوم ف تاريها الطويل ل صلة له بتطور القيقة والعرفة‪,‬‬
‫بعناه الفلسفي الذي تاوله الاركسية‪ .‬فالعلوم تتطور ل بعن ان حقائقها تنمو‬
‫وتتكامل‪ ,‬بل بعن ان حقائقها تزداد وتتكاثر‪ ,‬واخطاءها تقل وتتقلص‪.‬‬
‫ونوكل ايضاح ذلك ال البحث القبل ف السالة الثانية‪.‬‬
‫ويلص معنا من هذه الدراسة‪:‬‬
‫ـي‬
‫ـع الوضوعـ‬
‫ـة وغي ـ متطورة‪ ,‬وان كان الواقـ‬
‫ـة مطلقـ‬
‫أولً‪ :‬ان القيقـ‬
‫للطبيعة متطورا ومتحركا على الدوام‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان القيقة تتعارض تعارضا مطلقا مع الطأ‪ ,‬فالقضية البسيطة‬
‫الواحدة ل يكن ان تكون حقيقة وخطأ‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان اجراء الديالكيتـك على القيقـة والعرفـة يتـم علينـا الشـك الطلق‬
‫ف كل حقي قة‪ ,‬ما دا مت ف تغ ي وترك م ستمرين‪ ,‬بل ي كم على نف سه بالعدام‬
‫والتغيـ ايضـا‪ ,‬لنـه بذاتـه مـن تلك القائق التـ يبـ ان تتغيـ بكـم منطقـه‬
‫التطوري الاص‪.‬‬
‫ڤ‪.......................................‬انتكاس الاركسية ف الذاتية‪:‬‬
‫وف النهاية يب ان نشي ال ان الاركسية بالرغم من اصرارها على رفض‬
‫النسبية الذاتية بترفع وتاكيدها على الطابع الوضوعي لنسبيتها وانا نسبية‬
‫تواكب الواقع التطور وتعكس نسبيته بالرغم من ذلك كله ارتدت الاركسية‬

‫‪170‬‬
‫مرة أخرى فانتكست ف أحضان النسبية الذاتية حي ربطت العرفة بالعامل‬
‫الطبقي وقررت ان من الستحيل للفلسفة مثل ان تتخلص من الطابع الطبقي‬
‫والزب حت قال موريس كونفورت (كانت الفلسفة دوما تعب ول تستطيع ال‬
‫ان تعب عن وجهة نظر طبقية)(‪.)1‬‬
‫وقال تشاغي‪( :‬لقد ناضل ليني بثبات واصرار ضد النعة الوضوعية ف‬
‫النظرية) (‪.)2‬‬
‫وواضح ان هذا التاه الاركسي يطبع كل معرفة بالعنصر الذات ولكنها‬
‫ذاتية طبقية ل ذاتية فردية كما كان يقرر النسبيون الذاتيون وبالتال تصبح‬
‫القيقة هي مطابقة الفكرة للمصال الطبقية للمفكر لن كل مفكر ل يستطيع‬
‫ان يدرك الواقع ال ف حدود هذه الصال ول يكن لحد ف هذا الضوء ان‬
‫يضمن وجود القيقة ف أي فكرة فلسفية او علمية بعن مطابقتها للواقع‬
‫الوضوعي وحت الاركسية نفسها ل تستطيع ما دامت تؤمن بتمية الطابع‬
‫الطبقي ان تقدم لنا مفهومها عن الكون والجتمع بوصفه تعبيا مطابقا للواقع‬
‫وانا كل ما تستطيع ان تقرره هو انه يعكس ما يتفق مع مصال الطبقة‬
‫العاملة من جوانب الواقع (‪.)3‬‬

‫‪2‬‬
‫الفهوم الفلسَفي للعَال‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية ص ‪. 32‬‬


‫‪ 2‬ـ الروح الزبية ف الفلسفة والعلوم ص ‪. 70‬‬
‫‪ 3‬ـ لجل التوضيح راجع كتاب (اقتصادنا) للمؤلف ص ‪ 93‬ـ ‪. 100‬‬

‫‪171‬‬
172
‫ـ ‪1‬ـ‬
‫○ الفهوم الفلسفي ○‬
‫ان لسـألة تكويـن مفهوم فلسـفي عام عـن العال‪ ,‬مركزا رئيسـيا فـ العقـل‬
‫البشري‪ ,‬منذ حاولت النسانية تديد علقاتا بالعال الوضوعي وارتباطها به‪.‬‬
‫ولسنا ناول ف دراستنا هذه ان نؤرخ للمسالة ف سيها الفلسفي والدين‬
‫والعلمي‪ ,‬وتطورها على مر الزمن منذ آمادها البعيدة‪ ,‬وانا نستهدف ان‬
‫نعرض الفاهيم الساسية ف القل الفلسفي الديث‪ ,‬لنحدد موقفنا منها‪ ,‬وما‬
‫هو الفهوم الذي يب ان تتبلور نظرتنا العامة على ضوئه ويرتكز مبدأنا ف‬
‫الياة على اساسه؟‪.‬‬
‫ومرد مسألتنا هذه ال مسألتي‪ :‬احدها‪ ,‬مسالة الثالية والواقعية‪.‬‬
‫والخرى‪ ,‬مسألة الادية واللية‪.‬‬
‫ففـي السـألة الول يعرض السـؤال على الوجـه التال‪ :‬ان هذه الكائنات‬
‫التـ يتشكـل منهـا العال‪ ,‬هـل هـي حقائق موجودة بصـورة مسـتقلة عـن الشعور‬
‫والدراك؟ او اناـ ليسـت ال الوانـا مـن تفكينـا وتصـورنا‪ ,‬بعنـ ان الفكـر او‬
‫الدراك هو القي قة‪ ,‬و كل ش يء ير جع ف نا ية الطاف ال الت صورات الذهن ية؟‬
‫فاذا اســقطنا الشعور او الـــ (انــا) فان الواقــع كله يزول‪ .‬فهذان تقديران‬
‫للمسـألة‪ ,‬والجابـة بالتقديـر الول تلخـص الفلسـفة الواقعيـة او الفهوم الواقعـي‬
‫للعال‪ ,‬والجابة بالتقدير الثان هي الت تقدم الفهوم الثال للعال‪.‬‬
‫و ف ال سألة الثان ية يو ضع ال سؤال على ضوء الفل سفة الواقع ية هكذا‪ :‬اذا ك نا‬
‫نؤ من بوا قع موضو عي للعال ف هل ن قف ف الواقع ية على حدود الادة الح سوسة‪,‬‬
‫فتكون هـي السـبب العام لميـع ظواهـر الوجود والكون باـ فيهـا مـن ظواهـر‬

‫‪173‬‬
‫الشعور والدراك؟ او نتخطاهـا ال سـبب اعمـق‪ ,‬ال سـبب ابدي ول نائي‬
‫بصفة البدأ الساسي لا ندركه من العال بكل ماليه الروحي والادي معا؟‪.‬‬
‫وبذلك يوجد ف القل الفلسفي للواقعية مفهومان‪ :‬يعتب احدها‪ ,‬ان‬
‫الادة هي القاعدة الساسية للوجود‪ ,‬وهو الفهوم الواقعي الادي‪ .‬ويتخطى‬
‫الخر الادة ال سبب فوق الروح والطبيعة معا‪ ,‬وهو الفهوم الواقعي اللي‪.‬‬
‫ـي‬
‫ـة للعال‪ :‬الفهوم الثال‪ ,‬والفهوم الواقعـ‬
‫ـم ثلثـ‬
‫ـا اذن مفاهيـ‬
‫ـبي يدينـ‬
‫فـ‬
‫الادي‪ ,‬والفهوم الواقعـي الليـ‪ .‬وقـد يعـب عـن الثاليـة بالروحيـة نظرا ال اعتبار‬
‫الروح‪ ,‬او الشعور‪ ,‬الساس الول للوجود‪.‬‬

‫ڤ‪.....................................................‬تصحيح أخطاء‪:‬‬
‫وعلى هذا الضوء يبـ ان نصـحح عدة أخطاء وقـع فيهـا بعـض الكتاب‬
‫الحدثي‪:‬‬
‫الول‪ :‬ماولة اعتبار الصـراع بيـ الليـة والاديـة مظهـر مـن مظاهـر‬
‫التعارض بيـ الثاليـة والواقعيـة‪ ,‬فلم يفصـلوا بيـ السـألتي اللتيـ قدمناهاـ‪,‬‬
‫وزعموا ان الفهوم الفلسـفي للعال احـد امريـن‪ :‬امـا الفهوم الثال‪ ,‬وامـا الفهوم‬
‫الادي‪ .‬فتفسـي العال ل يكـن ان يقبـل سـوى وجهيـ اثنيـ‪ ,‬فاذا فسـرت العال‬
‫تفسـيا تصـويريا خالصـا‪ ,‬وآمنـت بان التصـور او النـا هـو الينبوع السـاسي‪,‬‬
‫فأنـت مثال واذا اردت ان ترفـض الثاليـة والذاتيـة‪ ,‬وتؤمـن بواقـع موضوعـي‬
‫مسـتقل عـن الــ (أنـا)‪ ,‬فليـس عليـك ال ان تأخـذ بالفهوم الادي للعال‪ ,‬وتعتقـد‬
‫ان الادة هـي البدأ الول وان الفكـر والشعور ليـس ال انعكاسـا لاـ ودرجـة‬
‫خاصة من تطورها‪.‬‬
‫وهذا ل يت فق مع الوا قع مطل قا ك ما عرف نا‪ ,‬فان الواقع ية لي ست وق فا على‬
‫الفهوم الادي‪ ,‬كمـا ان الثاليـة‪ ,‬او الذاتيـة‪ ,‬ليسـت هـي الشيـء الوحيـد الذي‬
‫يعارض الفهوم الادي‪ ,‬ويقـف امامـه على الصـعيد الفلسـفي‪ ,‬بـل يوجـد مفهوم‬
‫آخـر للواقعيـة هـو الفهوم الواقعـي الليـ‪ ,‬الذي يعتقـد بواقـع خارجـي للعال‬

‫‪174‬‬
‫والطبيعة‪ ,‬ويرجع الروح والادة معا ال سبب اعمق فوقهما جيعا‪.‬‬
‫الثانـ‪ :‬مـا اتمـ بـه بعـض الكتاب الفهوم الليـ‪ ,‬مـن انـه يمـد مبدأ‬
‫العلميـة فـ دنيـا الطبيعـة‪ ,‬ويلغـي قوانينهـا ونواميسـها التـ يكشفهـا العلم وتزداد‬
‫وضوحا يوما بعد يوم‪ ,‬فهو ف زعمهم يربط كل ظاهرة وكل وجود بالبدأ اللي‪.‬‬
‫ول قد ل عب هذا التام دورا فعالً ف الفل سفة الاد ية‪ ,‬ح يث اع تبت فكرة‬
‫ال هـي فكرة وضـع سـبب العقول لاـ يشاهده النسـان مـن ظواهـر الطبيعـة‬
‫وحوادثهـا‪ .‬وماولة لتـبير وجودهـا‪ ,‬فتزول الاجـة اليهـا تامـا حيـ نسـتطيع ان‬
‫نسـتكشف بالعلم والتجارب العلميـة حقيقـة السـباب‪ ,‬والقوانيـ الكونيـة التـ‬
‫تتحكـم فـ العال‪ ,‬وتتولد باعتبارهـا الظواهـر والوادث‪ .‬وسـاعد على تركيـز هذا‬
‫التام ما كا نت تلع به الكني سة ف بدا ية النه ضة العلم ية ف أورو با‪ ,‬من أدوار‬
‫خبيثـة فـ ماربـة التطور العلمـي‪ ,‬ومعارضـة مـا يكشفـه العلم مـن اسـرار الطبيعـة‬
‫ونواميسها‪.‬‬
‫ـباب‬
‫ـن السـ‬
‫ـتغناء عـ‬
‫والقيقـة‪ ,‬ان الفهوم الليـ للعال ل يعنـ السـ‬
‫الطبيعيـة‪ ,‬او التمرد على شيـء مـن حقائق العلم الصـحيح واناـ هـو الفهوم‬
‫الذي يعتـب ال سـببا اعمـق‪ ,‬ويتـم على تسـلسل العلل والسـباب ان يتصـاعد‬
‫ال قوة فوق الطبيعـة والادة‪ .‬وبذا يزول التعارض بينـه وبيـ كـل حقيقـة علميـة‬
‫تاما‪ ,‬لنـه يطلق للعلم اوسـع مال لسـتكشاف اسـرار الطبيعـة ونظامهـا‪,‬‬
‫ويت فظ لنف سه بالتف سي الل ي ف نا ية الطاف‪ ,‬و هو مو ضع ال سبب الع مق ف‬
‫مبدأ أعلى مـن الطبيعـة والادة‪ .‬فليسـت السـالة الليـة كمـا يشاء ان يصـورها‬
‫خصـومها‪ ,‬مسـألة أصـابع تتـد مـن وراء الغيـب‪ ,‬فتقطـر الاء فـ الفضاء تقطيا‪,‬‬
‫او تجـب الشمـس عنـا‪ ,‬او تول بيننـا وبيـ القمـر‪ ,‬فيوجـد بذلك الطـر‬
‫والكسـوف والسـوف‪ ,‬فاذا كشـف العلم عـن اسـباب الطـر وعوامـل التبخيـ‬
‫فيـه‪ ,‬واذا كشـف عـن سـبب الكسـوف وعرفنـا ان الجرام السـماوية ليسـت‬
‫متسـاوية البعاد عـن الرض‪ ,‬وان القمـر اقرب اليهـا مـن الشمـس‪ ,‬فيتفـق ان‬
‫يرـ القمـر بيـ الرض والشمـس فيحجـب نورهـا عنـا‪ ,‬واذا كشـف العلم عـن‬
‫سبب السوف وهو وقـوع القمر ف ظـل الرض‪ ,‬الذي يتد وراءها ال مسافة‬

‫‪175‬‬
‫(‪ )900‬الف ميل تقريباً‪ ,‬اقول اذا كملت هذه العلومات لدى النسان‪ ,‬ييل‬
‫لولئك الادييـ ان السـألة الليـة ل يبـق لاـ موضوع‪ ,‬وان الصـابع الغيبيـة التـ‬
‫تجـب الشمـس او القمـر عنـا‪ ,‬عوض عنهـا العلم بالتعليلت الطبيعيـة وليـس‬
‫هذا ال لسـوء فهـم للمسـالة الليـة‪ ,‬وعدم تييـز لوضـع السـبب الليـ مـن‬
‫سلسلة السباب‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ان الطابـع الروحـي غلب على الثاليـة والليـة معا‪ ,‬حتـ اخـذ‬
‫يبدو ان الروحيـة فـ الفهوم الليـ هـي بعناه فـ الفهوم الثال‪ ,‬ونشأت عـن‬
‫ذلك عدة اشتباهات‪ ,‬ذلك ان الروحيـة قـد تعتـب وصـفا لكـل مـن الفهوميـ‪.‬‬
‫ولكننـا ل نيـز مطلقـا ان يهمـل التمييـز بيـ الروحيتيـ‪ ,‬بـل يبـ ان نعرف ان‬
‫الروحيـة فـ العرف الثال‪ ,‬يقصـد باـ الجال القابـل للمجال الادي الحسـوس‪,‬‬
‫أي مال الشعور والدراك والنـا‪ .‬فالفهوم الثال روحـي على أسـاس انـه يفسـر‬
‫كـل كائن وكـل موجود فـ نطاق هذا الجال‪ ,‬ويرجـع كـل حقيقـة وكـل واقـع‬
‫اليـه‪ .‬فالجال الادي مرده فـ الزعـم الثال ال مال روحـي‪ ,‬وامـا الروحيـة فـ‬
‫الفهوم الليـ او العقيدة الليـة‪ ,‬فهـي طريقـة للنظـر ال الواقـع بصـورة عامـة‪,‬‬
‫ـبب الجرد‬
‫ـن بالسـ‬
‫ـة التـ تؤمـ‬
‫ـا مقابل للمجال الادي‪ .‬فالليـ‬
‫ل مال خاصـ‬
‫الع مق‪ ,‬تعت قد ب صلة كل ما هو موجود ف الجال العام ـ سواء أكان روح يا ام‬
‫ماديـا ــ بذلك السـبب العمـق‪ ,‬وترى ان هذه الصـلة هـي التـ يبـ ان يدد‬
‫ـان‪ ,‬تاه الشياء جيعــا‪.‬‬
‫ـي للنسـ‬
‫ـف العملي والجتماعـ‬
‫ـا‪ ,‬الوقـ‬
‫على ضوئهـ‬
‫فالروحيـة فـ العرف الليـ اسـلوب فـ فهـم الواقـع‪ ,‬ينطبـق على الجال الادي‬
‫والجال الروحي ـ بعناه الثال ـ على السواء‪.‬‬
‫ويتلخص من العرض السابق ان الفاهيم الفلسفية عن العال ثلثة‪.‬‬
‫وقـد درسـنا فـ نظريـة العرفـة الفهوم الثال باعتباره مرتبطـا باـ كـل‬
‫الرتباط‪ ,‬واسـتعرضنا اخطاءه‪ ,‬فلنتناول فـ هذه السـألة دراسـة الفهوميـ‬
‫الخرين‪ :‬الادي واللي‪.‬‬
‫وف الفهوم الادي اتاهان‪ :‬التاه الل او اليكانيكي‪ ,‬والتاه‬
‫الديالكتيكي والتناقض‪ ,‬او الادية الديناميكية‪.‬‬

‫‪176‬‬
‫ڤ‪....................................‬ايضاح عدة نقاط عن الفهومي‪:‬‬
‫وقبـل ان نعرض للمفهوم الادي بكل اتاهيـه يبـ ان نسـتوضح عدة نقاط‬
‫حول الفهوم اللي والادي‪ ,‬وذلك ف السئلة التية‪:‬‬
‫‪1‬ـ السؤال الول‪ :‬ما هي اليزة الساسية لكل من التاه الادي‬
‫(الدرسة الادية للفلسفة)‪ ,‬والتاه اللي (الدرسة اللية) على الخر؟ وما‬
‫هو الفارق الرئيسي الذي جعل منهما اتاهي متعارضي‪ ,‬ومدرستي‬
‫متقابلتي؟‪.‬‬
‫ونظرة واحدة نلقيهـا على الدرسـتي تدد لنـا جوابـا واضحـا على هذا‬
‫السـؤال‪ ,‬وهـو ان الائز السـاسي للمدرسـة الاديـة فـ الفلسـفة‪ ,‬هـو النفـي او‬
‫الناحيـة السـلبية‪ ,‬لاـ يتراءى انـه فوق طاقـة العلوم التجريبيـة‪ .‬فل يوجـد فـ‬
‫القـل العلمـي اذن ــ أي فـ النواحـي اليابيـة للعلم التـ تـبهن عليهـا‬
‫التجربـة ــ اليـ ومادي‪ .‬فالفيلسـوف سـواء أكان إليا ام ماديـا‪ ,‬يؤمـن بالانـب‬
‫اليا ب من العلم‪ ,‬فه ما من الناح ية العلم ية ي سلمان ـ مثل ـ بأن (الراديوم)‬
‫يولد طاقـة مـن الشعاع نتيجـة لنقسـام داخلي‪ ,‬وبان الاء يأتلف مـن أوكسـجي‬
‫وهيدروجيـ‪ ,‬وبان عنصـر اليدروجيـ هـو اخـف العناصـر فـ وزنـه الذري‪.‬‬
‫ويؤمنان معـا بسـائر القائق اليابيـة التـ تظهـر على الصـعيد العلمـي‪ .‬فليـس فـ‬
‫السـألة العلميـة فيلسـوف اليـ واخـر مادي‪ ,‬واناـ توجـد هاتان الفلسـفتان‬
‫وتتعارض الاديـة مـع الليـة‪ ,‬حينمـا تعرض مسـألة الوجود فيمـا وراء الطبيعـة‪.‬‬
‫فالليـ يعتقـد بلون مـن الوجود مرد عـن الادة‪ ,‬أي موجود خارج القـل‬
‫التجريـب‪ ,‬وظواهره وقواه‪ .‬والادي ينكـر ذلك ويقصـر الوجود على ذلك القـل‬
‫الاص‪ ,‬ويع تب ال سباب الطبيع ية‪ ,‬ال ت كش فت عن ها التجر بة وامتدت الي ها يد‬
‫العلم‪ ,‬هـي السـباب الوليـة للوجود‪ ,‬وان الطبيعـة هـي الظهـر الوحيـد له‪.‬‬
‫فبينمـا يقرر التاه الليـ ان الروح النسـانية او الــ (أنـا)‪ ,‬ذات مردة عـن‬
‫الادة‪ ,‬وان الدراك والفكـر ظواهـر مسـتقلة عـن الطبيعـة والادة‪ ,‬ينكـر الادي‬
‫ذلك زاعما انـه حلل جسـم النسـان‪ ,‬وراقـب عمليات الهاز العصـب‪ ,‬فلم‬
‫يدـ شيئا خارج الدود الطبيعيـة والاديـة‪ ,‬كمـا يدعـي الليون‪ .‬وكذلك يؤمـن‬

‫‪177‬‬
‫التاه الليـ بان التطورات والركات‪ ,‬التـ يكشـف عنهـا العلم ــ سـواءكانت‬
‫حركات ميكانيكيـة تضـع لسـبب مادي خارجـي‪ ,‬أم حركات طبيعيـة غيـ ناشئة‬
‫من مؤثرات ماد ية معي نة بالتجر بة ـ تر جع ف النها ية ال سبب خار جي‪ ,‬وراء‬
‫سـياج الطبيعـة والادة‪ .‬ويعارض فـ ذلك الادي زاعمـا ان الركـة اليكانيكيـة‬
‫والركـة الطبيعيـة‪ ,‬ل تتصـلن بسـبب مرد‪ ,‬وان الركـة الطبيعيـة ديناميكيـة‪,‬‬
‫فهـي تكتفـي بنفسـها‪ ,‬لن القـل التجريـب ل يبـد فيـه مـا اعتقده الليون مـن‬
‫سبب مرد‪.‬‬
‫وهكذا يتضح بكل جلء ان التعارض بي اللية والادية‪ ,‬ليس ف‬
‫القائق العلمية‪ .‬فان اللي كالادي يعترف بميع القائق العلمية‪ ,‬الت‬
‫توضحها التجارب الصحيحة عن جسم النسان وفزلة اعضائه‪ ,‬وعن التطور‬
‫والركة ف الطبيعة‪ ,‬وانا يزيد بوضع حقائق أخرى‪ ,‬والعتراف با‪ .‬فهو‬
‫يبهن على وجود جانب روحي مرد للنسان‪ ,‬غي ما ظهر منه ف اليدان‬
‫التجريب‪ ,‬وعلى سبب مرد اعلى للحركات الطبيعة واليكانيكية فوق الجال‬
‫الحسوس‪.‬‬
‫ومـا دمنـا قـد عرفنـا ان اليدان العلمـي ليـس فيـه اليـ ومادي‪ ,‬نعرف ان‬
‫الكيان الفلسفي للمادية ـ باعتبارها مدرسة مقابلة لللية ـ انا يرتكز على نفي‬
‫ـــة والادة ل على حقائق‬
‫القائق الجردة‪ ,‬وانكار الوجود خارج حدود الطبيعـ‬
‫علمية ايابية‪.‬‬
‫‪2‬ــ السـؤال الثانـ‪ :‬اذا كان التعارض بيـ الليـة والاديـة‪ ,‬هـو تعارض‬
‫الثبات والنفـي‪ ,‬فأي الدرسـتي يقـع على مسـؤوليتها السـتدلل والبهنـة‪ ,‬على‬
‫اتاهها الاص الياب او السلب؟‪.‬‬
‫ـؤولية‬
‫ـن مسـ‬
‫ـض الادييـ ف ـ هذا الجال ان يتخلص مـ‬
‫ـد يلو لبعـ‬
‫وقـ‬
‫ال ستدلل‪ ,‬ويع تب الل ي هو ال سؤول عن التدل يل على مدعاه‪ ,‬لن الل ي هو‬
‫صـاحب الوقـف اليابـ‪ ,‬أي مدعـي الثبوت‪ ,‬فيجـب عليـه ان يـبر موقفـه‬
‫ويبهن على وجود ما يدعيه‪.‬‬
‫ولكـن الواقـع ان كل منهمـا مكلف بتقديـ الدلة والدارك لتاهـه الاص‪,‬‬

‫‪178‬‬
‫فكما ان اللي يب عليه ان يبهن على الثبات‪ ,‬كذلك الادي هو مسؤول‬
‫أيضا عـن الدليـل على النفـي‪ ,‬لنـه ل يعـل القضيـة اليتافيزيقيـة موضـع شـك‪,‬‬
‫واناـ نفاهـا نفيـا قاطعـا‪ ,‬والنفـي القاطـع كالثبات القاطـع‪ ,‬يفتقـر ال الدليـل‪.‬‬
‫فالادي حيـ زعـم ان السـبب الجرد ل وجود له‪ ,‬ادعـى فـ هذا الزعـم ضمنا‬
‫انـه احاط بالوجود كله‪ ,‬ول يدـ فيـه موضعـا للسـبب الجرد‪ ,‬فل بـد ان يقدم‬
‫دليل على هذه الحاطة العامة‪ ,‬وتبيرا للنفي الطلق‪.‬‬
‫ونتسـاءل هنـا مـن جديـد‪ ,‬مـا هـي طبيعـة الدليـل الذي يكـن للليـ او‬
‫للمادي ان يقدمـه فـ هذا الجال؟ ونيـب ان دليـل الثبات او النفـي‪ ,‬يبـ‬
‫ان يكون هـو العقـل‪ ,‬ل التجربـة الباشرة خلفـا للماديـة‪ ,‬التـ درجـت على‬
‫اعتبار التجربـة دليل على مفهومهـا الاص‪ ,‬زاعمـة ان الفهوم الليـ او القضايـا‬
‫اليتافيزيقيـة بصـورة عامـة ل يكـن اثباتاـ بالتجربـة‪ ,‬وان التجربـة هـي التـ ترد‬
‫على تلك الزاعـم‪ ,‬لناـ تلل النسـان والطبيعـة‪ ,‬وتدلل على عدم وجود اشياء‬
‫مردة فيه ما ذلك ان التجارب والقائق العلم ية اذا صح للماد ية ما تزع مه‪ ,‬من‬
‫اناــ ل تقوم دليل على التاه الليــ‪ ,‬فهــي ايضا ل تصــلح دليل للنفــي‬
‫الطلق‪ ,‬الذي يدد التاه الادي‪ ,‬فقـد عرفنـا ان القائق العلميـة على اختلف‬
‫الواناـ ليسـت موضعـا للنقاش بيـ الليـة والاديـة‪ ,‬واناـ النقاش فـ التفسـي‬
‫الفلسـفي لتلك القائق‪ ,‬أي فـ وجود سـبب اعلى وراء حدود التجربـة‪ ,‬ومـن‬
‫الواضـح ان التجربـة ل يكـن ان تعتـب برهانـا على نفـي حقيقـة خارج حدودهـا‪.‬‬
‫فالعال الطـبيعي اذا ل يدـ السـبب الجرد فـ متـبه‪ ,‬ل يكـن هذا دليل ال على‬
‫ـي وجوده ف ـ مال فوق مالت‬
‫ـا نفـ‬
‫ـة‪ ,‬وامـ‬
‫عدم وجوده ف ـ ميدان التجربـ‬
‫التجربة‪ ,‬فل يكن ان يستنتج من التجربة ذاتا‪.‬‬
‫ونؤكد بذا البيان على امرين‪:‬‬
‫(احدهاـ)‪ ,‬ان الاديـة باجـة ال دليـل على الانـب السـلب‪ ,‬الذي ييزهـا‬
‫عـن الليـة‪ ,‬كحاجـة اليتافيزيقـا ال برهان على الياب والثبات‪ .‬و (الخـر)‪,‬‬
‫ان الاديـة اتاه فلسـفي كالليـة‪ ,‬ول توجـد لدينـا ماديـة علميـة‪ ,‬أي تريبيـة‪ ,‬لن‬
‫العلم ك ما عرف نا ل يث بت الفهوم الادي للعال‪ ,‬لتكون الاد ية علم ية‪ ,‬بل كل ما‬

‫‪179‬‬
‫يكشـف عنـه العلم مـن حقائق وأسـرار فـ عال الطبيعـة‪ ,‬يترك مال لفتراض‬
‫سـبب اعلى فوق الادة‪ ,‬فالتجربـة العلميـة ــ مثل ــ ل يكـن ان تدل على ان‬
‫الادة ليسـت ملوقـة لسـبب مرد او على ان اشكال الركـة والوان التطور‪ ,‬التـ‬
‫اسـتكشفها العلم فـ شتـ جوانـب الطبيعـة‪ ,‬هـي حركات وتطورات مكتفيـة‬
‫ذاتيـا‪ ,‬وليسـت منبثقـة عـن سـبب فوق حدود التجربـة ومالتاـ‪ .‬وهكذا كـل‬
‫حقيقـة علميـة‪ .‬فالدليـل على الاديـة اذن ل يكـن ان يرتكـز على القائق‬
‫العلميـة‪ ,‬او التجارب بصـورة مباشرة‪ ,‬واناـ يصـاغ فـ تفسـي فلسـفي لتلك‬
‫ـل على الليــة تامــا‪ .‬ولنأخــذ التطور لذلك مثل‪,‬‬
‫القائق والتجارب‪,‬كالدليـ‬
‫فالعلم يثبـت وجود التطور الطـبيعي فـ عدة مـن الجالت‪ ,‬ويكـن ان يوضـع‬
‫لذا التطور تف سيان فل سفيان احده ا ا نه منب ثق عن صميم الش يء‪ ,‬ونا تج عن‬
‫صـراع يفترض فيـه بيـ التناقضات‪ ,‬وهذا هـو تفسـي الاديـة الديالكتيكيـة‪.‬‬
‫والخـر انـه ناتـج عـن سـبب اعلى مرد‪ ,‬فالطبيعـة التطورة ل توي فـ ذاتاـ‬
‫التناقضات‪ ,‬واناـ تنطوي على امكان التطور‪ ,‬وذلك السـبب هـو الذي يقـق‬
‫للمكان الوجود الفعلي‪ ,‬وهذا هـو التفسـي الفلسـفة الليـة‪ .‬فنحـن نلحـظ‬
‫بوضوح ان الفهوم العلمــي اناــ هــو وجود التطور الطــبيعي‪ ,‬وامــا هذان‬
‫الفهومان عـن الركـة فهمـا مفهومان فلسـفيان‪ ,‬ول يكـن ان يتأكـد مـن صـحة‬
‫احدها‪ ,‬وخطأ الخر بالتجربة الباشرة‪.‬‬
‫‪3‬ــ السـؤال الثالث‪ :‬اذا ل تكـف التجربـة العلميـة بذاتاـ للبهنـة على‬
‫الفهوم الليـ والادي على السـواء‪ ,‬فهـل يكـن للفكـر البشري ان يسـتدل على‬
‫ا حد الفهوم ي ما دا ما م عا خارج ي عن النطاق التجر يب او ا نه ي صبح مضطرا‬
‫ال السـتسلم للشـك‪ ,‬وتميـد مسـالة الليـة والاديـة‪ ,‬والنصـراف ال الجال‬
‫العلمي الثمر؟‪.‬‬
‫والواب‪ :‬ان القدرة الفكريـة للبشـر كافيـة لدرس هذه السـألة‪ ,‬والنطلق‬
‫في ها من التجر بة ذات ا‪ ,‬ول كن ل على ان تكون التجر بة هي الدل يل البا شر على‬
‫الفهوم‪ ,‬الذي نكونـه عـن العال‪ ,‬بـل تكون التجربـة نقطـة البتداء ويوضـع‬
‫الفهوم الفلسفي الصحيح للعال ـ وهو الفهوم اللي ـ على ضوء تفسي التجربة‬
‫والظواهر التجريبية‪ ,‬بالعلومات العقلية الستقلة‪.‬‬

‫‪180‬‬
‫ول بـد ان القارئ يتذكـر دراسـتنا ــ فـ نظريـة العرفـة (السـألة‬
‫الول) ــ للمذهـب العقلي‪ ,‬وكيـف اوضحنـا بالبهان وجود معارف عقليـة‬
‫مسـتقلة‪ ,‬على شكـل تـبي ان اضافـة معارف عقليـة ال التجربـة امـر ضروري‪,‬‬
‫ل ف م سألتنا الفل سفية فح سب‪ ,‬بل ف ج يع ال سائل العلم ية‪ .‬ف ما من نظر ية‬
‫علميـة ترتكـز على أسـاس تريـب بتـ‪ ,‬واناـ تقوم على أسـاس التجربـة‪ ,‬وعلى‬
‫ضوء العلومات العقليـة السـتقلة‪ .‬فل تتلف قضيتنـا الفلسـفية التـ تتناول‬
‫الب حث ع ما وراء عال الطبي عة‪ ,‬عن كل قض ية علم ية تب حث عن ا حد قوان ي‬
‫الطبيعـة‪ ,‬او تكشـف شيئا مـن قواهـا وأسـرارها‪ .‬فالتجربـة فـ جيـع ذلك نقطـة‬
‫النطلق‪ ,‬وهـي مـع ذلك باجـة ال تفسـي عقلي‪ ,‬لتسـتنتج منهـا القيقـة‬
‫الفلسفية او العلمية‪.‬‬
‫ونرج من هذه النقاط بالنتائج التالية‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان الدرسـة الاديـة تفترق عـن الدرسـة الليـة فـ ناحيـة سـلبية‪ ,‬أي‬
‫النكار لا هو خارج القل التجريب‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان الاد ية م سؤولة عن ال ستدلل على الن في‪ ,‬ك ما ي ب على الل ية‬
‫الستدلل على الثبات‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان التجربـة ل يكـن ان تعتـب برهانـا على النفـي‪ ,‬لن عدم وجدان‬
‫السـبب العلى فـ ميدان التجربـة ل يـبهن على عدم وجوده فـ مال اعلى‪ ,‬ل‬
‫تتد اليه يد التجربة الباشرة‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬ان السـلوب الذي تتخذه الدرسـة الليـة للسـتدلل على مفهومهـا‬
‫الليـ هـو نفـس السـلوب الذي نثبـت بـه علميـا جيـع القائق والقوانيـ‬
‫العلمية‪.‬‬
‫ڤ‪.................................‬التاه الديالكتيكي للمفهوم الادي‬
‫قلنـا ان للماديـة اتاهيـ احدهاـ‪ :‬اتاه الليـة اليكانيكيـة‪ ,‬والخـر‪ ,‬اتاه‬
‫الادية الديالكتيكية‪.‬‬

‫‪181‬‬
‫وقد استعرضنا التاه الول استعراضا سريعا ف الزء الثان من نظرية‬
‫العرفة‪ ,‬حي تناولنا بالدرس والتمحيص الثالية الفيزيائية الت قامت على‬
‫حطام الادية اليكانيكية‪.‬‬
‫وامـا التاه الادي الخـر‪ ,‬الذي يفسـر العال تفسـيا ماديـا بقوانيـ‬
‫الديالكتيـك‪ ,‬فهـو التاه الذي اتذتـه الدرسـة الاركسـية‪ ,‬فوضعـت مفهومهـا‬
‫الادي عن العال على أساس هذا التاه‪.‬‬
‫قال ستالي‪:‬‬
‫[تسي مادية ماركس من البدأ القائل‪ :‬ان العال بطبيعته‬
‫مادي‪ ,‬وان حوادث العال التعددة هي مظافر متلفة للمادة‬
‫التحركة‪ ,‬وان العلقات التبادلة بي الوادث وتكييف بعضها‬
‫بعضا بصورة متبادلة‪ ,‬كما تقررها الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬هي‬
‫قواني ضرورية لتطور الادة التحركة‪ ,‬وان العال يتطور تبعا‬
‫لقواني حركة الادة‪ ,‬وهو ليس باجة لي عقل كلي] (‪.)1‬‬
‫ويعتـب الفهوم الادي الادة ــ الوجود ــ هـو النقطـة الركزيـة فـ الفلسـفة‬
‫الاركسـية‪ ,‬لناـ التـ تدد نظرة الاركسـية ال الياة‪ ,‬وتنشىء لاـ فهمـا خاصـا‬
‫للواقـع وقيمـه‪ ,‬ومـن دوناـ ل يكـن ان تقام السـس الاديـة الالصـة للمجتمـع‬
‫والياة‪.‬‬
‫وقـد فرضـت هذه النقطـة على الذهـب الاركسـي تسـلسل فكريـا خاصـا‪,‬‬
‫واقتضت منه ان يقيم شت جوانبه الفلسفية لصالها‪.‬‬
‫فلجـل ان تلك الاركسـية القـ فـ تقريـر النقطـة الركزيـة تقريرا نائيا‪,‬‬
‫اختارت ان تكون يقينيـة‪ ,‬كمـا عرفنـا فـ نظريـة العرفـة‪ ,‬واعلنـت ان لدى‬
‫النسـان مـن الطاقات العلميـة مـا يتيـح له الزم بفلسـفة معينـة عـن الياة‪,‬‬
‫واسـتكناه أسـرار الوجود والعال‪ ,‬ورف ضت مذهـب الشـك الطلق‪ ,‬وحتـ النسـبية‬
‫الامدة‪ ,‬وحاولت بذلك ان تعطـي صـفة قطعيـة للمحور الرئيسـي‪ ,‬أي الفهوم‬
‫الادي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ الادي الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 17‬‬

‫‪182‬‬
‫ـة‪,‬‬
‫ـة ف ـ التجربـ‬
‫ـة والقيقـ‬
‫ـد ذلك القياس العام للمعرفـ‬
‫ـت بعـ‬
‫ووضعـ‬
‫واسـتبعدت العارف العقليـة الضروريـة‪ ,‬وانكرت وجود منطـق عقلي مسـتقل عـن‬
‫التجربـة‪ ,‬كـل ذلك حذرا مـن إمكان موـ النقطـة الركزيـة بالنطـق العقلي‪ ,‬وحدا‬
‫للطاقة البشرية باليدان التجريب خاصة‪.‬‬
‫وواجهت الاركسية ف هذه الرحلة مشكلة جديدة‪ ,‬وهي ان اليزان‬
‫الفكري للنسان اذا كان هو الس والتجربة‪ ,‬فل بد ان تكون العلومات الت‬
‫يكونا عن طريق الس والتجربة صحيحة دائما‪ ,‬ليمكن اعتبارها ميزانا اوليا‬
‫توزن به الفكار والعارف‪ .‬فهل نتائج الس العلمي كذلك حقا؟ وهل‬
‫النظريات القائمة على التجربة مضمونة الصدق ابدا؟‪.‬‬
‫وهكذا وقعت الاركسية بي خطرين‪ :‬فان اعترفت بان العلومات القائمة‬
‫على أساس التجربة ليست معصومة من الطأ‪ ,‬فقد سقطت التجربة عن كونا‬
‫ميزانا أوليا للحقائق والعارف‪ .‬وان ادعى الاركسيون ان النظرية الستمدة من‬
‫التجربة والتطبيق فوق الطا والشتباه‪ ,‬اصطدموا بالواقع الذي ل يسع لحد‬
‫انكاره‪ ,‬وهو ان كثيا من النظريات العلمية‪ ,‬بل القواني الت توصل اليها‬
‫النسان عن طريق درس الظواهر الحسوسة‪ ,‬قد ظهر خطأها وعدم مطابقتها‬
‫للواقع‪ ,‬فسقطت عن عرشها العلمي بعد ان تربعت عليه مئات السني‪.‬‬
‫واذا كانت الفاهيم العلمية التجريبية قد تطئ‪ .‬وكان النطق العقلي‬
‫ساقطا من الساب‪ ,‬فكيف يعلن عن فلسفة يقينية؟! او تشاد مدرسة ذات‬
‫صفة جزمية ف افكارها؟!‪.‬‬
‫و قد ا صرت الارك سية على و ضع التجر بة مقيا سا اعلى‪ ,‬وتل صت من هذا‬
‫الازق بوضـع قانون الركـة والتطور فـ العلوم والفكار‪ ,‬نظرا ال ان الفكـر‬
‫جزء مـن الطبيعـة‪ ,‬وهـو بذا العتبار يقـق قوانيـ الطبيعـة كاملة‪ .‬فيتطور وينمـو‬
‫كما تتطور الطبيعة‪ .‬وليس التطور العلمي يعن سقوط الفهوم العلمي السابق‪ ,‬وانا‬
‫يعب عن حركة تكاملية ف القيقة والعرفة‪ .‬فالقيقة والعرفة هي القيقة والعرفة‪,‬‬
‫غي انا تنمو وتتحرك وتتصاعد بصورة مستمرة‪.‬‬
‫وهكذا قضـى بذلك على جيـع البدهيات والقائق لن كـل فكـر سـائر فـ‬

‫‪183‬‬
‫سراط التطور والتغ ي‪ ,‬فلي ست تو جد حقي قة ثاب تة ف دن يا الف كر مطل قا‪ ,‬ول‬
‫يؤمـن على مـا ندركـه الن مـن البديهيات (نظيـ ادراكنـا‪ :‬ان الكـل اكـب مـن‬
‫الزء‪ ,‬وان ‪ )4=2+2‬ان يكتسـب شكلً آخـر فـ حركتـه التطوريـة‪ ,‬فندرك‬
‫القيقة عند ذاك على وجه آخر‪.‬‬
‫ولا كانت الركة الت وضعتها الاركسية كقانون للفكر‪ ,‬وللطبيعة بصورة‬
‫عامة‪ ,‬ل تنبثق ال عن قوة وسبب‪ ,‬ول تكن ف العال حقيقة ال الادة ف‬
‫زعمها‪ ,‬فقد قالت‪ :‬ان الركة حصيلة تناقضات ف الحتوى الداخلي للمادة‪,‬‬
‫وان هذه التناقضات تتصارع فتدفع بالادة وتطورها‪ .‬ولذا ألغت الاركسية‬
‫مبدأ عدم التناقض‪ ,‬واتذت من الديالكتيك طريقة لفهم العال‪ ,‬ووضعت‬
‫مفهومها الادي ف اطاره‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان جيع الوانب الفلسفية الادية الديالكتيكية‪ ,‬مرتبطة‬
‫بالنقطة الركزية (الفهوم الادي)‪ ,‬وقد صيغت لجل تركيزها والفاظ عليها‪.‬‬
‫وليس اسقاط البديهيات وجعلها عرضة للتغي‪ ,‬او اليان بالتناقض واعتباره‬
‫قانونا عاما للطبيعة‪ ,‬وما اليها من النتائج الغربية الت انتهت اليها الاركسية‪,‬‬
‫ال تسلسل حتميا للنطلق الذي بدأ من الفهوم الادي الاركسي‪ ,‬وتبيرا له‬
‫ف الجال الفلسفي‪.‬‬

‫‪184‬‬
‫ـ ‪2‬ـ‬
‫○ الديالكتيك أو الدل ○‬
‫ان الدل كان يعنـ فـ النطـق الكلسـيكي طريقـة خاصـة فـ البحـث‪,‬‬
‫وأسـلوبا مـن اسـاليب الناظرة‪ ,‬التـ تطرح فيهـا التناقضات الفكريـة‪ ,‬ووجهات‬
‫الن ظر التعار ضة‪ ,‬بق صد ان تاول كل واحدة من ها ان تظ هر ما ف نقيض ها من‬
‫نقاط الضعـف ومواطـن الطـأ‪ ,‬على ضوء العارف السـلمة والقضايـا العترف باـ‬
‫سـلفا‪ .‬وهكذا يقوم الصـراع بيـ النفـي والثبات فـ ميدان البحـث والدل‪,‬‬
‫ح ت ينت هي ال نتي جة تتقرر في ها احدى وجهات الن ظر الت صارعة‪ ,‬او تن شق عن‬
‫ـة رأي جديدة‪ ,‬توفـق بيـ الوجهات‬
‫ـراع الفكري بيـ التناقضات وجهـ‬
‫الصـ‬
‫كلها‪ ,‬بعد اسقاط تناقضاتا‪ ,‬وافراز نقاط الضعف من كل واحدة منها‪.‬‬
‫ولكـن الدل فـ الديالكتيـك الديـد‪ ,‬او الدل الديـد‪ ,‬ل يعـد منهجـا فـ‬
‫الب حث وا سلوبا لتبادل الراء‪ ,‬بل ا صبح طري قة لتف سي الوا قع‪ ,‬وقانو نا كون يا‬
‫عامـا‪ ,‬ينطبـق على متلف القائق والوان الوجود‪ .‬فالتناقـض ليـس بيـ الراء‬
‫ووجهات الن ظر فح سب‪ ,‬بل هو ثا بت ف صميم كل وا قع وحقي قة‪ ,‬ف ما من‬
‫قضية ال وهي تنطوي ف ذاتا على نقيضها ونفيها‪.‬‬
‫وكان هيجـل اول مـن اشاد منطقـا كامل على هذا السـاس‪ ,‬فكان التناقـض‬
‫الديالكتي كي هو النق طة الركز ية ف ذلك الن طق‪ ,‬والقاعدة ال ساسية ال ت يقوم‬
‫عليهـا فهـم جديـد للعال‪ ,‬وتنشـأ بـه نظريـة جديدة نوه‪ ,‬تتلف كـل الختلف‬
‫عن النظرة الكلسيكية‪ ,‬الت اعتادها البشر منذ قدر له ان يدرك ويفكر‪.‬‬
‫وليـس هيجـل هـو الذي ابتدع اصـول الديالكتيـك ابتداعـا‪ ,‬فان لتلك‬
‫ال صول جذورا واعما قا ف عدة من الفكار‪ ,‬ال ت كا نت تظ هر ب ي ح ي وآ خر‬

‫‪185‬‬
‫على مسـرح العقـل البشري‪ ,‬غيـ اناـ ل تتبلور على اسـلوب منطـق كامـل‪,‬‬
‫وا ضح ف تف سيه ونظر ته‪ ,‬مدد ف خط طه وقواعده‪ ,‬ال على يد هي جل‪ .‬ف قد‬
‫أنشـأ هيجـل فلسـفته الثاليـة كلهـا على أسـاس هذا الديالكتيـك‪ ,‬وجعله تفسـيا‬
‫كافيـا للمجتمـع‪ ,‬والتاريـخ‪ ,‬والدولة‪ ,‬وكـل مظاهـر الياة‪ .‬وتبناه بعده ماركـس‬
‫فوضع فلسفته الادية ف تصميم ديالكتيكي خالص‪.‬‬
‫فالدل الديـد فـ زعـم الديالكتيكيـ قانون للفكـر والواقـع على السـواء‪.‬‬
‫ولذلك فهو طريقة للتفكي‪ ,‬ومبدأ يرتكز عليه الواقع ف وجوده وتطوره‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[فاذا كان ثة تناقضات ف افكار الناس‪ ,‬فذلك لن‬
‫الواقع الذي يعكسه فكرنا يوي تناقضات‪ .‬فجدل الشياء‬
‫ينتج جدل الفكار‪ ,‬وليس العكس] (‪.)1‬‬
‫وقال ماركس‪:‬‬
‫[ليست حركة الفكر ال انعكاسا لركة الواقع‪ ,‬منقولة‬
‫(‪.)2‬‬
‫ومولة ف مخ النسان]‬
‫والنطـق اليجلي باـ قام عليـه مـن أسـاس الديالكتيـك والتناقـض‪ ,‬يعتـب فـ‬
‫النق طة القابلة ـ للمن طق الكل سيكي‪ ,‬او الن طق البشري العام ـ تاما‪ ,‬ذلك ان‬
‫النطـق العام يؤمـن ببدأ عدم التناقـض‪ ,‬ويعتـبه البدأ الول الذي يبـ ان‬
‫تقوم كل معر فة على ا ساسه‪ ,‬والبدأ الضروري الذي ل ي شذ ع نه ش يء ف دن يا‬
‫الوجود‪ ,‬ول يكن ان يبهن على حقيقة مهما كانت لوله‪.‬‬
‫ويرفـض النطـق اليجلي هذا البدا كـل الرفـض‪ ,‬ول يكتفـي بالتأكيـد على‬
‫امكان التنا قض‪ ,‬بل ي عل التنا قض ـ بدل عن سلبه ـ البدأ الول ل كل معر فة‬
‫ـن‬
‫ـة مـ‬
‫ـر الكون كله بجموعـ‬
‫ـن العال‪ ,‬والقانون العام الذي يفسـ‬
‫ـحيحة عـ‬
‫صـ‬
‫التناقضات‪ ,‬فكـل قضيـة فـ الكون تعتـب اثباتـا‪ ,‬وتثيـ نفيهـا فـ نفـس الوقـت‪,‬‬
‫ويأتلف الثبات والنفـي فـ اثبات جديـد‪ .‬فالنهـج التناقـض للديالكتيـك‪ ,‬او‬

‫‪ 1‬ـ الادية والثالية ف الفلسفة ص ‪. 83‬‬


‫‪ 2‬ـ نفس الصدر‪.‬‬

‫‪186‬‬
‫ـة‬
‫ـى‪ :‬الطروحـ‬
‫ـل تدعـ‬
‫ـن ثلث مراحـ‬
‫ـم العال‪ ,‬يتضمـ‬
‫الدل‪ ,‬الذي يكـ‬
‫والطباق‪ ,‬والتركيـب‪ .‬وفـ تعـبي آخـر‪ :‬الثبات‪ ,‬والنفـي ونفـي النفـي وبكـم‬
‫هذا النهـج الدل يكون كـل شيـء متمعـا مـع نقيضـه‪ ,‬فهـو ثابـت ومنفـي‪,‬‬
‫وموجود ومعدوم‪ ,‬ف وقت واحد‪.‬‬
‫و قد اد عى الن طق اليجلي ا نه ق ضى ـ ب ا زع مه للوجود من جدل ـ على‬
‫الطوط الرئيسية للمنطق الكلسيكي‪ ,‬وهي ـ ف زعمه ـ كما يأت‪:‬‬
‫أولً‪ :‬مبدأ عدم التناقض‪ .‬وهو يعن ان الشيء الواحد ل يكن ان‬
‫يتصف بصفة‪ ,‬وبنقيض تلك الصفة ف وقت واحد‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬مبدأ الوية‪ .‬وهو البدأ القائل ان كل ماهية فهي ما هي‬
‫بالضرورة‪ ,‬ول يكن سلب الشيء عن ذاته‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬مبدأ السكون والمود ف الطبيعة الذي يرى سلبية الطبيعة وثباتا‪,‬‬
‫وينفي الديناميكية عن دنيا الادة‪.‬‬
‫فالبدأ الول ل موضع له ف النطق الديد‪ ,‬ما دام كل شيء قائما ف‬
‫حقيقته على التناقض‪ .‬واذا ساد التناقض كقانون عام‪ ,‬فمن الطبيعي ان‬
‫يسقط البدأ الثان للمنطق الكلسيكي ايضا‪ ,‬فان كل شيء تسلب عنه هويته‬
‫ف لظة الثبات بالذات‪ ,‬لنه ف صيورة مستمرة‪ ,‬وما دام التناقض هو‬
‫الذر الساسي لكل حقيقة‪ ,‬فل غرو فيما اذا كانت القيقة تعن شيئي‬
‫متناقضي على طول الط‪ .‬ولا كان هذا التناقض الركز ف صميم كل حقيقة‬
‫مثيا لصراع دائم ف جيع الشياء‪ ,‬والصراع يعن الركة والندفاع‪ ,‬فالطبيعة‬
‫ف نشاط وتطور دائم‪ ,‬وف اندفاعة وصيورة مستمرة‪.‬‬
‫هذه هي الضربات الت زعم النطق الديالكتيكي انه سددها ال النطق‬
‫النسان العام‪ ,‬والفهوم الالوف للعال‪ ,‬الذي ارتكزت عليه اليتافيزيقية الف‬
‫السني‪.‬‬
‫وتتلخص الطريقة الديدة لفهم الوجود ف افتراض قضية اول‪ ,‬وجعلها‬
‫أصل‪ ,‬ث ينقلب هذا الصل ال نقيضه‪ ,‬بكم الصراع ف الحتوى الداخلي‬

‫‪187‬‬
‫بي التناقضات‪ ,‬ث يأتلف النقيضان ف وحدة‪ ,‬وتصبح هذه الوحدة بدورها‬
‫أصلً ونقطة انطلق جديد‪ ,‬وهكذا يتكرر هذا التطور الثلثي تطورا ل ناية‬
‫له ول حد‪ ,‬يتسلسل مع الوجود‪ ,‬ويتد ما امتدت ظواهره وحوادثه‪.‬‬
‫وقد بدأ هيجل بالفاهيم والقولت العامة‪ ,‬فطبق عليها الديالكتيك‪,‬‬
‫واستنبطها بطريقة جدلية قائمة على التناقض‪ ,‬التمثل ف الطروحة‪ ,‬والطباق‪,‬‬
‫والتركيب‪ .‬وأشهر ثواليثه ف هذا الجال وأولا هو‪ :‬الثالوث الذي يبدأ من‬
‫ابسط تلك الفاهيم واعمقها‪ ,‬وهو مفهوم الوجود‪ .‬فالوجود موجود‪ ,‬وهذا هو‬
‫الثبات او الطروحة‪ ,‬بيد انه ليس شيئا‪ ,‬لنه قابل لن يكون كل شيء‪.‬‬
‫فالدائرة وجود‪ ,‬والربع‪ ,‬والبيض‪ ,‬والسود‪ ,‬والنبات‪ ,‬والجر‪ ,‬كل هذا هو‬
‫موجود‪ .‬فليس اذن شيئا مددا‪ ,‬وهو بالتال ليس موجودا‪ ,‬وهذا هو الطباق‬
‫الذي أثارته الطروحة‪ ,‬وهكذا حصل التناقض ف مفهوم الوجود‪ ,‬ويل هذا‬
‫التناقض ف التركيب بي الوجود واللوجود‪ .‬الذي ينتج موجودا ل يوجد على‬
‫التمام‪ ,‬أي صيورة وحركة‪ ,‬وهكذا ينتج ان الوجود الق هو الصيورة‪.‬‬
‫هذا مثال سقناه لنوضح كيف يتسلسل ابو الدل الديث ف استنباط‬
‫الفاهيم العامة‪ ,‬من العم ال الخص‪ ,‬ومن الكثر خواء وضعفا‪ ,‬ال الكثر‬
‫ثراء والقرب ال الواقع الارجي‪.‬‬
‫وليس هذا الدل ف استنباط الفاهيم عنده ال انعكاسا لدل الشياء‬
‫بذاتا ف الواقع‪ ,‬فاذا استثارت فكرة من الفكار فكرة مقابلة لا‪ ,‬فلن الواقع‬
‫الذي تثله هذه الفكرة يتطلب الواقع الضاد‪.‬‬
‫ونظرة بسيطة على الطروحة‪ ,‬والطباق‪ ,‬والتركيب‪ ,‬ف قضية الوجود‪,‬‬
‫الت هي اشهر ثواليثه‪ ,‬تدلنا بوضوح على ان هيجل ل يفهم مبدأ عدم‬
‫التناقض حق الفهم حي الغاه ووضع موضعه مبدأ التناقض‪ .‬ول ادري كيف‬
‫يستطيع هيجل ان يشرح لنا التناقض‪ ,‬او النفي والثبات‪ ,‬الجتمعي ف‬
‫مفهوم الوجود؟! ان مفهوم الوجود مفهوم عام دون شك‪ ,‬وهو لذلك قابل‬
‫لن يكون كل شيء‪ ,‬قابل لن يكون نباتا او جادا‪ ,‬ابيض او اسود‪ ,‬دائرة او‬

‫‪188‬‬
‫مربعاً‪ .‬ولكن هل معن هذا ان هذه الضداد والشياء التقابلة متمعة كلها ف‬
‫هذا الفهوم‪ ,‬ليكون ملتقى للنقائض والضداد؟ طبعا ل‪ ,‬فان اجتماع المور‬
‫التقابلة ف موضوع واحد شيء‪ ,‬وامكان صدق مفهوم واحد عليها شيء‬
‫آخر‪ .‬فالوجود مفهوم ليس فيه من نقاط السواد والبياض‪ ,‬او النبات والماد‬
‫شيء‪ ,‬وانا يصح ان يكون هذا او ذاك‪ ,‬ل انه هو هذا وذاك معا ف وقت‬
‫واحد (‪.)1‬‬
‫ولندع مقولت هيجل‪ ,‬لندرس الدل الاركسي‪ ,‬ف خطوطه العريضة‬
‫الت وضع تصميمها الساسي هيجل نفسه‪.‬‬
‫والطوط الساسية اربعة‪ ,‬وهي حركة التطور‪ ,‬وتناقضات التطور‪,‬‬
‫وقفزات التطور‪ ,‬والقرار بالرتباط العام‪.‬‬

‫ـ اضف ال ذلك ان هذا التناقض الزعوم ف ثالوث الوجود‪ ,‬يرتكز على خلط‬ ‫‪1‬‬

‫آخر بي فكرة الشيء‪ ,‬والواقع الوضوعي لذلك الشيء‪ .‬فان مفهوم الوجود ليس‬
‫ال عبارة عن فكرة الوجود ف اذهاننا‪ ,‬وهي غي الواقع الوضوعي للوجود‪ .‬واذا‬
‫ميزنا بي فكرة الوجود وواقع الوجود زال التناقض‪ ,‬فان واقع الوجود معي‬
‫ومدد ل يكن سلب صفة الوجود عنه مطلقا‪ ,‬واما فكرتنا عن الوجود فهي‬
‫ليست وجودا واقعيا‪ ,‬وانا هي الفهوم الذهن الأخوذ عنه‪.‬‬

‫‪189‬‬
190
‫‪1‬ـ حركة التطور‬
‫قال ستالي‪:‬‬
‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزية‪ ,‬ل يعتب الطبيعة حالة‬
‫سكون وجود‪ ,‬حالة ركود واستقرار‪ ,‬بل يعتبها حالة حركة‬
‫وتغي دائمي‪ ,‬حالة تدد وتطور ل ينقطعان‪ .‬ففيها دائما‬
‫شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحل‪ .‬ولذا تريد‬
‫الطريقة الديالكتيكية ان ل يكتفي بالنظر ال الوادث من‬
‫حيث علقات بعضها لبعض‪ ,‬بصورة متقابلة‪ ,‬بل ان ينظر‬
‫اليها أيضا من حيث حركتها‪ ,‬من حيث تغيها وتطورها‪ ,‬من‬
‫حيث ظهورها واختفائها] (‪.)1‬‬
‫وقال انلز‪:‬‬
‫[ينبغي لنا ال ننظر ال العال وكأنه مركب من اشياء‬
‫ناجزة‪ ,‬بل ينبغي ان ننظر اليه وكأنه مركب ف ادمغتنا‪ .‬ان‬
‫هذا الرور ينم عن تغي ل ينقطع من الصيورة والنلل‪,‬‬
‫حيث يشرق نار النمو التقدم ف النهاية‪ ,‬رغم جيع الصدف‬
‫الظاهرة والعودات الوقتة ال الوراء] (‪.)2‬‬
‫فكل شيء خاضع لقواني التطور والصيورة‪ ,‬وليس لذا التطور او‬
‫الصيورة حد يتوقف عنده‪ ,‬لن الركة هي السالة اللمتناهية للوجود كله‪.‬‬

‫ويزعم الديالكتيكيون انم وحدهم الذين يعتبون الطبيعة حالة حركة‬


‫وتغي دائمي‪ .‬وينعون على النطق اليتافيزيقي والسلوب التقليدي للتفكي‬
‫طريقة دراسته للشياء وفهمها‪ ,‬اذ يفترض الطبيعة ف حالة سكون وجود‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 7‬‬


‫‪ 2‬ـ هذه هي الديالكتيكية ص ‪ 97‬ـ ‪. 98‬‬

‫‪191‬‬
‫مطلقي‪ ,‬فهو ل يعكس الطبيعة على واقعها التطور التحرك‪ .‬فالفرق بي‬
‫النطق الدل الذي يعتقد ف الطبيعة حركة دائمة وصاعدة أبدا‪ ,‬والنطق‬
‫الشكلي ـ ف زعمهم ـ كالفرق بي شخصي‪ ,‬ارادا ان يسبا اغوار كائن حي ف‬
‫شت ادواره‪ ,‬فأجرى كل منهما تاربه عليه‪ ,‬ث وقف احدها يراقب تطوره وحركته‬
‫الستمرة‪ ,‬ويدرسه على ضوء تطوراته كلها‪ ,‬واكتفى الخر بالتجربة الول‪ ,‬معتقدا‬
‫ان ذلك الكائن جامد ف كيانه‪ ,‬ثابت ف هويته وواقعه‪.‬‬
‫برمتها شانا شان هذا الكائن الي‪ ,‬من النبات او اليوان‪ ,‬ف‬
‫تطوره ونوه‪ ,‬فل يواكبها الفكر ال اذا جاراها ف حركتها وتطورها‪.‬‬
‫والواقع ان قانون التطور الديالكتيكي‪ ,‬الذي يعتبه الدل الديث من‬
‫ميزاته الساسية‪ ,‬ليس شيئا جديدا ف الفكر النسان‪ ,‬وانا الديد طابعه‬
‫الديالكتيكي الذي يب نزعه عنه‪ ,‬كما سنعرف‪ .‬فهو ف حدوده الصحيحة‬
‫ينسجم مع النطق العام‪ ,‬ول صلة له بالديالكتيك‪ ,‬ول فضل للديالكتيك ف‬
‫اكتشافه‪ ,‬فليس علينا لجل ان نقبل هذا القانون‪ ,‬ونعرف سبق اليتافيزيقا‬
‫اليه‪ ,‬ال ان نرده عن قالب التناقض‪ ,‬واساس الدل القائم عليه ف عرف‬
‫الديالكتيك‪.‬‬
‫ان اليتافيزيقي ف زعم الديالكتيكي يعتقد ان الطبيعة جامدة ييم عليها‬
‫السكون‪ ,‬وان كل شيء فيها ثابت ل يتغي ول يتبدل‪ ,‬كأن اليتافيزيقي‬
‫السكي قد حرم من كل الوان الدراك‪ ,‬وسلب منه الشعور والس معا‪,‬‬
‫فاصبح ل يس ول يشعر با يشعر به جيع الناس‪ ,‬وحت الطفال‪ ,‬من‬
‫ضروب التغي والتبدل ف دنيا الطبيعة‪.‬‬
‫ومن الواضح لدى كل احد‪ ,‬ان اليان بوجود التغي ف عال الطبيعة‬
‫مسألة ل تتاج ال دراسات علمية سابقة‪ ,‬وليست موضعا للف او نقاش‪,‬‬
‫وانا الدير بالدرس هو ماهية هذا التغي‪ ,‬ومدى عمقه وعمومه‪ .‬فان التغي‬
‫نوان‪ :‬احدها التعاقب البحت‪ ,‬والخر الركة‪ .‬والتاريخ الفلسفي يروي‬

‫‪192‬‬
‫صراعاً حادا‪ ,‬ل ف مسألة التغي بصورة عامة‪ ,‬بل ف كنهه وتفسيه الفلسفي‬
‫الدقيق‪ .‬ويدور الصراع حول الواب عن السئلة التالية‪:‬‬
‫هل التغي الذي يطرا على السم حي يطوي مسافة ما‪ ,‬عبارة عن‬
‫وقفات متعددة ف اماكن متعددة‪ ,‬تعاقبت بسرعة‪ ,‬فتكونت ف الذهن فكرة‬
‫الركة؟ او ان مرد هذا التغي ال سي واحد متدرج‪ ,‬ل وقوف فيه ول‬
‫سكون؟ وهل التغي الذي يطرأ على الاء حي تتضاعف حرارته وتشتد‪ ,‬يعن‬
‫مموعة من الرارات التعاقبة‪ ,‬يتلو بعضها بعضا؟ او انه يعب عن حرارة‬
‫واحدة تتكامل وتتحرك وتترقى درجتها؟‪.‬‬
‫وهكذا نواجه هذا السؤال ف كل لون من الوان التغي‪ ,‬الت تتاج ال‬
‫شرح فلسفي باحد الوجهي اللذين يقدمهما السؤال‪.‬‬
‫والتاريخ الغريقي يدث عن بعض الدارس الفلسفية‪ ,‬أنا أنكرت‬
‫الركة‪ ,‬واخذت بالتفسي الخر للتغي‪ ,‬الذي يرد التغي ال تعاقب امور‬
‫ساكنة‪ ,‬من رجالت تلك الدرسة (زينون)‪ ,‬الذي أكد على ان حركة السافر‬
‫من اقصى الرض ال اقصاها‪ ,‬ليست ال سلسلة من سكنات متعاقبة‪ .‬فهو‬
‫ل يتصور التدرج ف الوجود والتكامل فيه‪ ,‬بل يرى كل ظاهرة ثابتة‪ ,‬وان‬
‫التغي يصل بتعاقب المور الثابتة‪ ,‬ل بتطور المر الواحد وتدرجه‪ .‬وعلى هذا‬
‫تكون حركة النسان ف مسافة ما‪ ,‬عبارة عن وقوفه ف النقطة الول من تلك‬
‫السافة‪ ,‬فوقوفه ف النقطة الثانية‪ ,‬ففي الثالثة‪ ,‬وهكذا ‪ ...‬فاذا راينا شخصي‬
‫احدها واقف ف نقطة معينة‪ ,‬والخر يشي ساكن نو اتاه خاص‪ ,‬فكلها ف‬
‫رأي (زينون) واقف ساكن‪ ,‬غي ان الول ساكن ف نقطة معينة على طول‬
‫الط‪ ,‬واما الخر فله سكنات متعددة‪ ,‬لتعدد النقاط الت يطويها‪ ,‬وله ف كل‬
‫لظة مكانية خاصة‪ ,‬وهو ف كل تلك اللحظات ل يتلف مطلقا عن‬
‫الشخص الول الواقف ف نقطة معينة‪ .‬فهما معا ساكنان‪ ,‬وان كان سكون‬
‫الول مستمرا وسكون الثان يتبدل بسرعة ال سكون آخر‪ ,‬ف نقطة اخرى‬
‫من السافة‪ .‬فالختلف بينهما هو الختلف بي سكون قصي المد وسكون‬
‫طويل المد‪.‬‬
‫هذا ما كان ياوله (زينون) وبعض فلسفة الغريق‪ .‬وقد برهن على وجه‬

‫‪193‬‬
‫نظره بالدلة الربعة الشهورة عنه‪ ,‬الت ل يقدر لا النجاح والتوفيق ف اليدان‬
‫الفلسفي‪ ,‬لن مدرسة ارسطو ـ وهي الدرسة الفلسفية الكبى ف العهد‬
‫الغريقي ـ امنت بالركة‪ ,‬وردت على تلك الدلة وزيفتها‪ ,‬وبرهنت على‬
‫وجود الركة والتطور ف ظواهر الطبيعة وصفاتا‪ ,‬بعن ان الظاهرة الطبيعية‬
‫قد ل توجد على التمام ف لظة‪ ,‬بل توجد على التدريج وتستنفذ امكاناتا‬
‫شيئا فشيئا‪ ,‬وبذلك يصل التطور ويوجد التكامل‪ .‬فالاء حي تتضاعف‬
‫حرارته‪ ,‬ل يعن ذلك انه ف كل لظة يستقبل حرارة بدرجة معينة‪ ,‬توجد‬
‫على التمام ث تفن وتلق من جديد حرارة اخرى بدرجة جديدة‪ ,‬بل متوى‬
‫تلك الضاعفة ان حرارة واحدة وجدت ف الاء‪ .‬ولكنها ل توجد على التمام‪,‬‬
‫بعن انا ل تستنفذ ف لظتها الول كل طاقاتا وامكاناتا‪ ,‬ولذلك اخذت‬
‫تستنفذ امكاناتا بالتدريج‪ ,‬وتترقى بعد ذلك وتتطور‪ .‬وبالتعبي الفلسفي انا‬
‫حركة مستمرة متصاعدة‪ .‬ومن الواضح ان التكامل ـ او الركة التطويرية ـ ل‬
‫يكن ان يفهم ال على هذا الساس‪ ,‬واما تتابع ظواهر متعددة يوجد كل‬
‫واحدة منها بعد الظاهرة السابقة‪ ,‬وتفسح الجال بفنائها لظاهرة جديدة‪ ,‬فليس‬
‫هذا نوا وتكامل‪ ,‬وبالتال ليس حركة وانا هو لون من التغي العام‪.‬‬
‫فالركة سي تدريي للوجود‪ ,‬وتطور للشيء ف الدرجات الت تتسع لا‬
‫امكاناته‪ .‬ولذلك حدد الفهوم الفلسفي للحركة بانا خروج الشيء من القوة‬
‫ال الفعل تدرييا (‪.)1‬‬
‫ويرتكز هذا التحديد على الفكرة الت قدمناها عن الركة‪ ,‬فان‬
‫الركة ـكما عرفنا ـ ليست عبارة عن فناء الشيء فناء مطلقا ووجود شيء آخر‬
‫جديد‪ ,‬وانا هي تطور الشيء ف درجات الوجود‪ .‬فيجب اذن ان تتوي كل‬
‫حركة على وجود واحد مستمر‪ .‬منذ تنطلق ال ان تتوقف‪ .‬وهذا الوجود هو‬
‫الذي يتحرك‪ ,‬بعن انه يتدرج ويثرى بصورة مستمرة‪ ,‬وكل درجة تعب عن‬
‫مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد‪ ,‬وهذه الراحل انا توجد بالركة فالشيء‬
‫التحرك او الوجود التطور ل يكلها قبل الركة وال لا وجدت حركة‪ .‬بل هو‬

‫‪ 1‬ـ القوة عبارة عن امكان الشيء‪ ,‬والفعل عبارة عن وجوده حقيقة‪.‬‬

‫‪194‬‬
‫ف لظة النطلق يتمثل لنا ف قوى وامكانات‪ ,‬وبالركة تستنفذ تلك‬
‫المكانات‪ ,‬ويستبدل ف كل درجة من درجات الركة المكان بالواقع والقوة‬
‫بالفعلية‪ .‬فالاء قبل وضعه على النار ل يلك من الرارة الحسوسة ال‬
‫امكانا‪ ,‬وهذا المكان الذي يلكه ليس إمكانا لدرجة معينة من الرارة بل‬
‫هي بميع درجاتا ـ الت تؤدي ال الالة الغازية ف النهائية ـ مكنة للماء وحي‬
‫يبدأ بالنفعال والتأثر برارة النار تبدأ حرارته بالركة والتطور‪ ,‬بعن ان‬
‫القوى والمكانات الت كانت تلكها تتبدل ال حقيقة‪ ,‬والاء ف كل مرحلة‬
‫من مراحل الركة يرج من امكان ال فعلية‪ ,‬ولذلك تكون القوة والفعلية‬
‫متشابكتي ف جيع ادوار الركة‪ ,‬وف اللحظة الت تستنفذ جيع المكانات‬
‫تقف الركة‪ .‬فالركة اذن ف كل مرحلة ذات لوني‪ :‬فهي من ناحية فعلية‬
‫وواقعية‪ ,‬لن الدرجة الت تسجلها الرحلة موجودة بصورة واقعية وفعلية ومن‬
‫ناحية اخرى هي امكان وقوة للدرجات الخرى الصاعدة‪ ,‬الت ينتظر من‬
‫الركة‪ ,‬ان تسجلها ف مراحلها الديدة‪ .‬فالاء ف مثالنا اذا ل حظناه ف لظة معينة‬
‫من الركة‪ ,‬ند انه ساخن بالفعل بدرجة ثاني مثل‪ ,‬ولكنه ف نفس‬
‫الوقت ينطوي على امكان تطي هذه الدرجة‪ ,‬وقوة تطور للحرارة ال اعلى‪.‬‬
‫ففعلية كل درجة ف مرحلتها الاصة مقارنة لقوة فنائها‪ .‬ولنأخذ مثال اعمق‬
‫للحركة‪ ,‬وهو الكائن الي الذي يتطور بركة تدريية‪ ,‬فهو بويضة‪ ,‬فنطفة‪,‬‬
‫فجني‪ ,‬فطفل‪ ,‬فمراهق‪ ,‬فراشد‪ .‬ان هذا الكائن ف مرحلة مدودة من‬
‫حركته هو نطفة بالفعل‪ ,‬ولكنه ف نفس الوقت شيء آخر مقابل للنطفة‪,‬‬
‫وارقى منها جني بالقوة‪ ,‬ومعن هذا ان الركة ف هذا الكائن قد‬
‫ازدوجت فيها الفعلية والقوة معا‪ .‬فلو ل يكن ف الكائن الي قوة درجة‬
‫جديدة وامكاناتا لا وجدت حركة‪ ,‬ولو ل يكن شيئا من الشياء بالفعل لكان‬
‫عدما مضا‪ ,‬فل توجد حركة ايضا‪ .‬فالتطور يأتلف دائما من شيء بالفعل‬
‫وشيء بالقوة‪ .‬وهكذا تستمر الركة ما دام الشيء يتوي على الفعلية والقوة‬
‫معا‪ ,‬على الوجود والمكان معا‪ ,‬فاذا نفذ المكان‪ ,‬ول تبق ف الشيء طاقة‬
‫على درجة جديدة‪ ,‬انتهى عمر الركة‪.‬‬
‫هذا هو معن خروج الشيء من القوة ال الفعل تدرييا‪ ,‬او تشابك القوة‬

‫‪195‬‬
‫والفعل او اتادها ف الركة‪.‬‬
‫وهذا هو الفهوم الفلسفي الدقيق الذي تعطيه الفلسفة اليتافيزيقية‬
‫للحركة‪ .‬وقد اخذته الادية الديالكتيكية فلم تفهمه ول تتبينه على وجهه‬
‫الصحيح‪ .‬فزعمت ان الركة ل تتم ال بالتناقض‪ ,‬التناقض الستمر ف‬
‫صميم الشياء‪ .‬كما سوف نعرف عن قريب‪.‬‬
‫وجاء بعد ذلك دور الفلسفة السلمية‪ .‬على يد الفيلسوف السلمي‬
‫الكبي صدر الدين الشيازي فوضع نظرية الركة العامة‪ ,‬وبرهن فلسفيا على‬
‫ان الركة بفهومها الدقيق الذي عرضناه‪ ,‬ل تس ظواهر الطبيعة وسطحها‬
‫العرضي فحسب‪ ,‬بل الركة ف تلك الظواهر ليست ال جانبا من التطور‬
‫يكشف عن جانب اعمق‪ ,‬وهو التطور ف صميم الطبيعة وحركتها الوهرية‪.‬‬
‫ذلك ان الركة السطحية ف الظواهر‪ ,‬لا كان معناها التجدد والنقضاء‪,‬‬
‫فيجب لذا ان تكون علتها الباشرة أمرا متجددا‪ ,‬غي ثابت الذات ايضا‪ ,‬لن‬
‫علة الثابت ثابتة‪ ,‬وعلة التغي التجدد متجددة‪ ,‬فل يكن ان يكون‬
‫السبب الباشر للحركة امرا ثابتا وال ل تنعدم اجزاء الركة‪ ,‬بل تصبح قرارا‬
‫وسكونا (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ويتلخص الستدلل الرئيسي على الركة الوهرية بالمرين التاليي‪:‬‬


‫الول‪ :‬ان العلة الباشرة للحركات العرض ية وال سطحية ف الج سام ـ من‬
‫اليكانيك ية والطبيع ية ـ قوة خا صة قائ مة بال سم‪ .‬وهذا الع ن صادق ح ت على‬
‫الركات اللية‪ .‬الت يبدو لول وهلة انا منبثقة عن قوة منفصلة‪ .‬كما اذا دفعت‬
‫ب سم ف خط اف قي‪ ,‬او عمودي‪ ,‬فان الفهوم البدائي من هذه الر كة ان ا معلولة‬
‫للدفعة الارجية‪ .‬والعامل النفصل‪ ,‬ولكن الواقع غي هذا‪ ,‬فان العامل الارجي ل‬
‫يكن ال شرطا من شروط الركة‪ ,‬واما الحرك القيقي فهو القوة القائمة بالسم‪.‬‬
‫ولجـل ذلك كانـت الركـة تسـتمر بعـد انفصـال السـم التحرك عـن الدفعـة‬
‫الارج ية‪ ,‬والعا مل النف صل‪ .‬وكان الهاز اليكاني كي التحرك ي سي مقدارا ما ب عد‬
‫بطلن العامـل الل الحرك‪ .‬وعلى هذا السـاس وضـع اليكانيـك الديـث قانون‬
‫الق صور الذا ت‪ ,‬القائل‪ :‬ان ال سم اذا ُحرّك ا ستمر ف حرك ته‪ .‬ما ل ين عه ش يء‬
‫خارجي عن مواصلة نشاطه الركي‪ .‬غي ان هذا القانون أسيء استخدامه‪ ,‬اذ اعتب‬
‫دليل على ان الر كة ح ي تنطلق ل تتاج ب عد ذلك ال سبب خاص وعلة معي نة‪,‬‬
‫واتذ اداة للرد على مبدأ العلية وقوانينها‪ .‬ولكن الصحيح ان التجارب العلمية ف‬
‫اليكانيك الديث‪ ,‬انا تدل على ان العامل الارجي النفصل ليس هو العلة القيقية‬
‫للحر كة‪ .‬وال ل ا ا ستمرت حر كة ال سم ب عد انف صال ال سم التحرك عن العا مل‬
‫الارجي الستقل ويب لذا ان تكون العلة الباشرة للحركة قوة قائمة بالسم‪ ,‬وان‬

‫‪196‬‬
‫ول يبهن الفيلسوف الشيازي على الركة الوهرية فحسب‪ ,‬بل اوضح ان‬
‫مبدأ الركة ف الطبيعة من الضرورات الفلسفية للميتافيزيقية‪ .‬وفسر على‬
‫ضوئه صلة الادث بالقدي (‪ )1‬وعدة من الشاكل الفلسفية الخرى‪ ,‬كمشكلة‬

‫تكون العوامل الارجية شرائط ومثيات لتلك القوة‪.‬‬


‫الثان‪ :‬ان العلول يب ان يكون مناسبا للعلة ف الثبات والتجدد‪ ,‬فاذا كانت‬
‫ـت العلة‬
‫ـا‪ ,‬واذا كان العلول متجددا ومتطورا كانـ‬
‫ـة كان العلول ثابتـ‬
‫العلة ثابتـ‬
‫متجددة‪ ,‬طبقـا لتجدد الركـة وتطورهـا نفسـها‪ ,‬اذ لو كانـت علة الركـة ثابتـة‬
‫ومستقرة‪ ,‬لكان كل ما يصدر منها ثابتا ومستقرا‪ ,‬فتعود الركة سكونا واستقرارا‪,‬‬
‫وهو يناقض معن الركة والتطور‪.‬‬
‫وعلى اساس هذين المرين نستنتج‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ان القوة القائمة بالسم والحركة له قوة متحركة ومتطورة‪ ,‬فهذه القوة‬
‫بسبب تطورها تكون علة للحركات العرض ية والسطحية جيعا‪ ,‬وهي قوة جوهرية‬
‫ـ اذ ل بد ان تنت هي ال قوة جوهر ية لن العرض يتقوم بالو هر ـ وهكذا ثب تت‬
‫الركة الوهرية ف الطبيعة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان السـم يأتلف دائما مـن مادة تعرضهـا الركات‪ ,‬وقوة جوهريـة‬
‫متطورة‪ ,‬وبسببها تصل الركة السطحية ف ظواهر السم واعراضه‪.‬‬
‫وليس ف الستطاع الن ان نعرض الركة الوهرية وبراهينها بأكثر من هذه‬
‫اللمحة‪.‬‬
‫ـ والشكلة ف صلة الادث بالقد ي هي‪ :‬ان العلة باعتبار ها قدي ة وازل ية‬ ‫‪1‬‬

‫ي ب ان تكون علة ل ا ينا سبها‪ ,‬ويت فق مع ها ف القدم والزل ية‪ .‬وعلى هذا ال ساس‬
‫خيل لعدة من اليتافيزيقيي‪ ,‬ان اليان بالالق الزل يتم من ناحية فلسفية العتقاد‬
‫بقدم العال وازليته‪ ,‬لئل ينفصل العلول عن علته‪ .‬وقد حل الشيازي هذه الشكلة‬
‫على ضوء الركـة الوهريـة‪ ,‬القائلة‪ :‬ان عال الادة فـ تطور وتدد مسـتمر‪ ,‬فان‬
‫حدوث العال على هذا الساس كان نتيجة حتمية لطبيعته التجددية‪ ,‬ول يكن لجل‬
‫حدوث العلة وتدد الالق الول‪.‬‬

‫‪197‬‬
‫الزمان (‪ )1‬ومسالة ترد الادة وعلقة النفس بالسم (‪.)2‬‬
‫فهل يصح بعد هذا كله اتام اللية او اليتافيزيقية‪ ,‬بانا تؤمن بمود‬
‫الطبيعة وسكونا؟‪.‬‬
‫والقيقة ان هذا التام ل مبر له ال سوء فهم الادية الديالكتيكية‬
‫للحركة‪ ,‬بعناها الفلسفي الصحيح‪.‬‬
‫فما هو الفارق بي الركة وقانونا العام ف فلسفتنا‪ ,‬ونظرية الركة‬
‫الديالكتيكية ف الادية الدلية؟‪.‬‬
‫ان الختلف بي الركتي يتلخص ف نقطتي اساسيتي‪:‬‬
‫النقطة الول‪ :‬ان الركة ف مفهومها الديالكتيكي‪ ,‬تقوم على أساس‬
‫التناقض والصراع بي التناقضات‪ .‬فهذا التناقض والصراع هو القوة‬
‫الداخلية‪ ,‬الدافعة للحركة والالقة للتطور‪ .‬وعلى عكس ذلك ف مفهومنا‬
‫الفلسفي عن الركة فانه يعتب الركة سيا من درجة مقابلة‪ ,‬من‬
‫دون ان تتمع تلك الدرجات التقابلة ف مرحلة واحدة من مراحل الركة‪.‬‬
‫ولجل ان يتضح ذلك يب ان نيز بي القوة والفعل‪ ,‬ونلل الغالطة‬
‫الاركسية الت ترتكز على اعتبار القوة والفعل وحدة متناقضة‪ .‬ان الركة مركبة‬
‫من قوة وفعل‪ .‬فالقوة والفعل متشابكان ف جيع ادوار الركة‪ ,‬ول يكن ان‬
‫توجد ماهية الركة دون احد هذين العنصرين‪ ,‬فالوجود ف كل دور من ادوار‬
‫سيه التكاملي‪ ,‬يتوي على درجة معينة بالفعل‪ ,‬وعلى درجة ارقى منها بالقوة‪,‬‬
‫فهو ف اللحظة الت يتكيف فيها بتلك الدرجة يسي ف اتاه متصاعد ويتخطى‬
‫درجته الاضرة‪.‬‬
‫وقد خيل للماركسية ان هذا لون من التناقض‪ ,‬وان الوجود التطور‬

‫ـ فقد قدم الشيازي تفسيا جديدا للزمان‪ ,‬يرده فيه ال الركة الوهرية‬ ‫‪1‬‬

‫للطبيعة‪ ,‬وبذا اصبح الزمان ف مفهومه الفلسفي هذا مقوما للجسم‪ ,‬ول يعد‬
‫شيئا مردا مستقل عنه‪.‬‬
‫ـ سوف نعرض لتجرد الادة‪ ,‬وعلقة النفس بالسم‪ ,‬ف الفصل الخي من هذه‬ ‫‪2‬‬

‫السألة‪.‬‬

‫‪198‬‬
‫يتوي على الشيء ونقيضه‪ ,‬وان هذا الصراع بي النقيضي هو الذي يولد‬
‫الركة‪.‬‬
‫قال أنلز‪:‬‬
‫[ان الوضع يتلف كل الختلف‪ ,‬اذ ننظر ال الكائنات‬
‫وهي ف حالة حركتها‪ ,‬ف حالة تغيها‪ ,‬ف حالة تأثياتا‬
‫التبادلة على بعضها البعض‪ ,‬حيث ند أنفسنا بدء هذه‬
‫النظرة بأننا مغمورون ف التناقضات‪ ,‬فالركة نفسها هي‬
‫تناقض ان ابسط تغي ميكانيكي ف الكان ل يكن ان يدث‬
‫ال بواسطة كينونة جسم ما‪ ,‬ف مكان ما‪ ,‬ف لظة ما‪ ,‬وف‬
‫نفس تلك اللحظة كذلك‪ ,‬ف غي ذلك الكان‪ ,‬أي كينونته‬
‫وعدم كينونته معا ف مكان واحد‪ ,‬ف نفس اللحظة الواحدة‪,‬‬
‫فتتابع هذا التناقض تتابعا مستمرا‪ ,‬وحل هذا التناقض حل‬
‫متواقتا مع هذا التتابع‪ ,‬هو ما يسمى بالركة] (‪.)1‬‬
‫انظروا ما اسخف مفهوم الركة ف الادية الدلية‪ ,‬هذا الفهوم الذي‬
‫يشرحه انلز على أساس التناقض‪ ,‬وهو ل يعلم ان درجتي من الركة لو‬
‫كانتا موجودتي بالفعل‪ ,‬ف مرحلة معينة منها‪ ,‬لا أمكن التطور‪ ,‬وبالتال‬
‫لمدت الركة‪ ,‬لن الركة انتقال للموجود من درجة ال درجة‪ ,‬ومن حد‬
‫ال حد‪ ,‬فلو كانت الدود والنقاط كلها متمعة بالفعل‪ ,‬لا وجدت حركة‪,‬‬
‫فمن الضروري ان ل تفسر الركة ال على ضوء مبدأ عدم التناقض‪,‬‬
‫وال ـ لو جاز التناقض ـ فمن حقنا ان نتساءل هل ان الركة تنطوي على‬
‫التغي ف درجات الشيء التطور‪ ,‬والتبدل ف حدوده ونوعيته او ل؟ فان ل‬
‫يكن فيها شيء من التغي والتجدد فليست هي حركة‪ ,‬بل هي جود وثبات‪.‬‬
‫وان اعترفت الاركسية بالتجدد والتغي ف الركة‪ ,‬فلماذا هذا التجدد‪ ,‬اذا‬
‫كانت التناقضات كلها موجودة بالفعل‪ ,‬ول يكن بينها تعارض؟ ان أبسط‬
‫تليل للحركة يطلعنا على انا مظهر من مظاهر التمانع‪ ,‬وعدم امكان‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك الفلسفة ص ‪. 202‬‬

‫‪199‬‬
‫الجتماع بي النقائض والتقابلت‪ ,‬الذي يفرض على الوجود التطور‪ ,‬التغي‬
‫الستمر لدرجته وحدّه‪ .‬وليس التناقض او الديالكتيك الزعوم ف الركة‪ ,‬ال‬
‫باعتبار اللط بي القوة والفعل‪.‬‬
‫فالركة ف كل مرحلة ل تتوي على درجتي‪ ,‬او فعلتي متناقضتي‪ ,‬وانا‬
‫تتوي على درجة خاصة بالفعل‪ ,‬وعلى درجة اخرى بالقوة‪ ,‬ولذلك كانت‬
‫الركة خروجا تدرييا من القوة ال الفعل‪.‬‬
‫ولكن عدم الوعي الفلسفي الكامل‪ ,‬هو الذي صار سببا ف تزوير مفهوم‬
‫الركة‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان قانون نقض النقض‪ ,‬وتفسي الركة به‪ ,‬وكل ما أحيط‬
‫به ذلك‪ ,‬من ضوضاء وضجيج وصخب وسخرية بالفكار اليتافيزيقية‪ ,‬الت‬
‫تؤمن ببدأ عدم التناقض‪ ,‬ان كل ذلك مرده ال الفهوم الفلسفي الذي‬
‫عرضناه للحركة‪ ,‬والذي اساءت الاركسية فهمه‪ ,‬فاعتبت تشابك القوة‬
‫والفعل او اتادها‪ ,‬ف جيع مراحل الركة‪ ,‬عبارة عن اجتماع فعليات‬
‫متقابلة‪ ,‬وتناقض مستمر‪ ,‬وصراع بي التناقضات فرفضت لجل ذلك مبدأ‬
‫عدم التناقض‪ ,‬واطاحت بالنطق العام كله‪ .‬وليست هذه الحاولة الاركسية‬
‫هي الول ف بابا‪ ,‬فان بعض الفكرين اليتافيزيقيي حاولوا شيئا من ذلك‪,‬‬
‫ف التاريخ الفلسفي القدي مع فارق واحد‪ ,‬وهو ان الاركسية ارادت ان تبر‬
‫التناقض بذه الحاولة‪ ,‬واما اولئك فحاولوا ان يبهنوا على سلبية امكان‬
‫الركة‪ ,‬باعتبار انطوائها على التناقض‪ .‬وللفخر الرازي ماولة من هذا القبيل أيضا‪,‬‬
‫ذكر فيها ان الركة عبارة عن التدرج‪ ,‬أي وجود الشيء على سبيل التدريج‪,‬‬
‫وزعم ان التدرج ف الوجود غي معقول‪ ,‬لنه يؤدي ال لون من‬
‫التناقض‪ .‬وقد اوضح الحققون من الفلسفة انا نشأت من عدم الوعي‬
‫الصحيح لعن التدرج والوجود التدريي‪.‬‬
‫ولا كنا نعرف الن بكل وضوح‪ ,‬ان الركة ليست صراعا بي فعليات‬
‫متناقضة دائما‪ ,‬بل هي تشابك بي القوة والفعل‪ ,‬وخروج تدريي للشيء من‬
‫أحدها ال الخر‪ ,‬نستطيع ان نـدرك ان الركة ل يـكن ان تكتفي ذاتيا عن‬

‫‪200‬‬
‫السبب‪ ,‬وان الوجود التطور ل يرج من الفعل ال لسبب خارجي‪ ,‬وليس‬
‫الصراع بي التناقضات هو العلة الداخلية لذلك اذ ليست ف الركة وحدة‬
‫للتناقضات والضداد لتنجم الركة عن الصراع بينها‪ .‬فما دام الوجود التطور‬
‫ف لظة انطلق الركة خاليا من الدرجات او النوعيات‪ ,‬الت سوف يصل‬
‫عليها ف مراحل الركة‪ ,‬ول يكن ف متواه الداخلي ال امكان تلك الدرجات‬
‫والستعداد لا‪ ,‬فيجب ان يوجد سبب لخراجه من القوة ال الفعل‪ ,‬لتبديل‬
‫المكان الثابت ف متواه الداخلي ال حقيقة‪.‬‬
‫وبذا نعرف ان قانون الركة العامة ف الطبيعة يبهن بنفسه على ضرورة‬
‫وجود مبدأ خارج حدودها الادية‪ ,‬ذلك ان الركة بوجب هذا القانون هي‬
‫كيفية وجود الطبيعة‪ .‬فوجود الطبيعة عبارة اخرى عن حركتها وتدرجها‪,‬‬
‫وخروجها الستمر من المكان ال الفعلية‪ .‬وقد انارت لدينا نظرية الستغناء‬
‫الذات للحركة بتناقضاتا الداخلية‪ ,‬الت تنبثق الركة عن الصراع بينها ـ ف‬
‫زعم الاركسيي ـ اذ ل تناقض ول صراع‪ ,‬فيجب ان يوجد التعليل‪ ,‬وان‬
‫يكون التعليل بشيء خارج حدود الطبيعة‪ ,‬لن أي شيء موجود ف الطبيعة‬
‫فوجوده حركة وتدرج‪ ,‬اذ ل ثبات ف عال الطبيعة بوجب قانون الركة‬
‫العامة‪ ,‬فل يكن ان نقف بالتعليل عند شيء طبيعي‪.‬‬
‫النقطة الثانية‪ :‬ان الركة ف الراي الاركسي ل تقف عند حدود الواقع‬
‫الوضوعي للطبيعة‪ ,‬بل تعم القائق والفكار البشرية أيضا‪ .‬فكما يتطور‬
‫الواقع الارجي للمادة وينمو‪ ,‬كذلك تضع القيقة والدراكات الذهنية‬
‫لنفس قواني التطور والنمو‪ ,‬الت تري على دنيا الطبيعة‪ ,‬وعلى هذا الساس‬
‫ل توجد ف الفهوم الاركسي للفكرة حقائق مطلقة‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[فالديالكتيك هو اذن ـ ف نظر ماركس ـ علم القواني‬
‫العامة للحركة‪ ,‬سواء ف العال الارجي ام الفكر‬
‫البشري] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ماركس انلس والاركسية ص ‪.24‬‬

‫‪201‬‬
‫وعلى العكس من ذلك قانون الركة العامة‪ ,‬ف رأينا‪ ,‬فانه قانون طبيعي‬
‫يسود عال الادة‪ ,‬ول يشمل دنيا الفكر والعرفة‪ .‬فالقيقة او العرفة ل توجد‬
‫فيها‪ ,‬ول يكن ان يوجد فيها‪ ,‬تطور بعناه الفلسفي الدقيق‪ ,‬كما أوضحنا‬
‫ذلك بكل جلء‪ ,‬ف السألة الول (نظرية العرفة)‪.‬‬
‫وما نرمي اليه الن من درس الركة الديالكتيكية الزعومة ف العرفة او‬
‫القيقة‪ ,‬هو استعراض الحاولت الرئيسية الت اتذتا الاركسية‪ ,‬للستدلل‬
‫على ديالكتيك الفكر وحركته‪ .‬وتتلخص ف ثلث ماولت‪:‬‬
‫الحاولة الول‪ :‬ان الفكر او الدراك انعكاس للواقع الوضوعي ولجل‬
‫ان يكون مطابقا له يب ان يعكس قوانينه وتطوره وحركته‪ .‬فالطبيعة تتطور‬
‫وتتغي باستمرار‪ ,‬طبقا لقانون الركة‪ ,‬ول يكن للحقيقة ان تصورها ف‬
‫الذهن البشري اذا كانت ممدة ساكنة‪ ,‬وانا توجد القيقة ف افكارنا‪ ,‬اذا‬
‫اخذت هذه الفكار على اعتبار انا تنمو وتتطور ديالكتيكيا‪ ,‬لتكون مفاهيمنا‬
‫عن الشياء مواكبة للشياء ذاتا‪.‬‬
‫ويسن بنا ان نلحظ ف هذا الجال النصوص التية‪:‬‬
‫(ان الواقع ينمو‪ ,‬والعرفة الت تنشأ من هذا الواقع‬
‫تعكسه وتنمو مثله‪ ,‬وتصبح عنصرا فعالً من عناصر نوه‪ .‬ان‬
‫الفكر ل يدث موضوعه‪ ,‬وانا الفكر يعكس الواقع‬
‫الوضوعي ويصوره‪ ,‬باكتشاف قواني نوه) (‪.)1‬‬
‫(ان الفرق بي النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي‪ ,‬ينحصر‬
‫ف واقع انما يواجهان بصورة متلفة‪ ,‬السالة الساسية‬
‫للمنطق‪ ,‬وهي مسألة القيقة‪ .‬فمن وجهة نظر النطق‬
‫الديالكتيكي ليست القيقة شيئا معطى مرة واحدة ل غي‪,‬‬
‫ليست شيئا مكتمل مددا ممدا ساكنا‪ ,‬بل المر خلف‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية ص ‪. 56‬‬

‫‪202‬‬
‫ذلك‪ .‬فالقيقة هي عملية نو معرفة النسان للعال‬
‫الوضوعي)(‪.)1‬‬
‫(يتناول النطق الديالكت الاركسي‪ ,‬الشيء الذي يدرسه‬
‫من وجهة نظر تاريية‪ ,‬من حيث هو عملية نو تطويرية‪ ,‬انه‬
‫يطابق التاريخ العام للمعرفة‪ ,‬يطابق تاريخ العلوم)(‪.)2‬‬
‫ول ريب ان الفكر والدراك يصور الواقع الوضوعي لونا من الوان‬
‫التصوير‪ ,‬ولكن هذا ل يعن ان تنعكس فيه حركة الواقع الوضوعي‪ ,‬فينمو‬
‫ويتحرك تبعا له‪ ,‬وذلك‪:‬‬
‫اول‪ :‬ان عال الطبيعة ـ عال التغي‪ ,‬والتجدد‪ ,‬والركة ـ يتوي حتما على‬
‫قواني عامة ثابتة‪ .‬وهذا ما ل يكن لي منطق انكاره‪ ,‬ال اذا انكر نفسه‪,‬‬
‫لن النطق ل يكن ان يكون منطقا‪ ,‬ال اذا اقام طريقته ف التفكي وفهم‬
‫العال على قواني معينة ثابتة‪ .‬وحت الديالكتيك نفسه‪ ,‬يعتب عدة قواني‬
‫تسيطر على الطبيعة وتتحكم فيها بصورة دائمة‪ ,‬ومنها قانون الركة‪ .‬فعال‬
‫الطبيعة اذن سواء صح عليه النطق البشري العام‪ ,‬ام منطق الديالكتيك‬
‫والدل‪ ,‬توجد فيه قواني ثابتة تعكس حقائق ثابتة‪ ,‬ف دنيا الفكر وحقل‬
‫العرفة البشرية‪.‬‬
‫والديالكتيكيون ازاء هذا العتراض بي أمرين‪ :‬اما ان يعتبوا قانون‬
‫الركة ثابتا ودائما‪ ,‬فقد وجدت القيقة الدائمة اذن‪ .‬واما ان يكون نفس هذا‬
‫القانون متغيا‪ ,‬فمعن هذا ان الركة ليست دائمة‪ ,‬وانا قد تتبدل ال‬
‫ثبات‪ ,‬وتعود القائق ثابتة بعد ان كانت متحركة‪ .‬ومن كل الالي يكون‬
‫الديالكتيك مرغما على العتراف بوجود حقيقة ثابتة‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان الفكر او الدراك او القائق ل تعكس الصائص الواقعية‬
‫للطبيعة‪ ,‬فقد سبق ان اوضحنا ف (نظرية العرفة)‪ ,‬ان الذهن البشري يدرك‬

‫‪1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 9‬‬


‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 12‬‬

‫‪203‬‬
‫من الشياء الوضوعية‪ ,‬مفاهيمها وما هياتا‪ ,‬والفهوم الذي ينعكس فيه عن‬
‫تلك الشياء يتلف عن الواقع الارجي‪ ,‬ف الوجود والصائص‪ .‬فالعال‬
‫يكنه ان يكون فكرة علمية دقيقة عن اليكروب وتركيبه‪,‬ونشاطه الاص‬
‫وتفاعلته مع جسم النسان‪ ,‬ولكن الفكرة مهما كانت دقيقة ومفصلة‪ ,‬ل‬
‫توجد فيها خواص اليكروب الارجي‪ ,‬ول يكنها ان تؤدي نفس الدور‬
‫الذي يؤديه واقعها الوضوعي‪ .‬والفيزيائي قد يكتسب مفهوما علميا دقيقا عن‬
‫ذرة الراديوم‪ ,‬وكمية وزنا الذري‪ ,‬وعدد ما تويه من كهارب‪ ,‬وشحنات‬
‫سالبة وموجبة‪ ,‬وكمية الشعاع الذي ينبثق عنها‪ ,‬ونسبته العلمية الدقيقة ال‬
‫الشعاع الذي ترسله ذرات الورانيوم‪ ,‬ال غي ذلك من العلومات‬
‫والتفاصيل ‪ ...‬غي ان هذا الفهوم مهما تعمقنا فيه‪ ,‬او تعمق ف الكشف عن‬
‫اسرار عنصر الراديوم‪ ,‬لن يكتسب خواص الواقع الوضوعي‪ ,‬أي خواص‬
‫الراديوم‪ ,‬ولن يشع الشعاع الذي تولده ذرات هذا العناصر‪ ,‬وبالتال لن‬
‫يتطور مفهومنا عن الذرة ال اشعاع‪ ,‬كما تتطور بعض الذرات ف الجال‬
‫الارجي‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان قواني الواقع الوضوعي وخواصه‪ ,‬ل توجد ف الفكرة‬
‫ذاتا‪ .‬ومن تلك القواني والواص الركة‪ ,‬فهي وان كانت من الواص‬
‫العامة للمادة‪ ,‬ومن قوانينها الثابتة‪ ,‬ولكن القيقة ف ذهننا‪ ,‬او الفكرة الت‬
‫تعكس الطبيعة‪ ,‬ل توجد فيها تلك الاصية‪ ,‬فل يب ف الفكرة الصحيحة ان‬
‫تعكس الواقع الوضوعي‪ ,‬بصائصه والوان نشاطه الختلفة‪ ,‬وال ل نكن‬
‫نلك فكرة حقيقية ف جيع افكارنا‪.‬‬
‫فاليتافيزيقية‪ ,‬مع ايانا بان الطبيعة هي عال الركة والتطور الدائم‪,‬‬
‫تتلف عن الديالكتيك‪ ,‬وترفض عموم قانون الركة للمفاهيم الذهنية‪ ,‬لنا‬
‫ل يكن ان تتوفر فيها جيع خصائص الواقع الوضوعي‪ .‬وليس معن هذا ان‬
‫اليتافيزيقيي اذا كونوا مفهوما عن الطبيعة ف مرحلة من مراحلها جدوا‬
‫افكارهم‪ ,‬واوقفوا بوثهم‪ ,‬واعتبوا ذلك الفهوم كافيا لستكناه اسرار‬
‫الطبيعة‪ ,‬ف شت مراحلها‪ ,‬فل نعرف عاقل يكتفي مثل بالفهوم العلمي‪,‬‬
‫الذي يكونه عن البويض‪ ,‬فل يتابع سي الكائن الي ف الرحلة الثانية‪,‬‬

‫‪204‬‬
‫ويكتفي با كونه من الفهوم العلمي عنه ف تلك الرحلة العينة‪.‬‬
‫فنحن اذن نؤمن بتطور الطبيعة‪ ,‬ونرى من الضروري دراستها ف كل‬
‫دور من ادوار نوها وحركتها‪ ,‬وتكوين مفهوم عنه‪ .‬وليس هذا من متصات‬
‫الديالكتيك‪ .‬وانا الذي يرفضه التفكي اليتافيزيقي‪ .‬هو وجود حركة ديناميكية‬
‫طبيعية ف كل مفهوم ذهن‪ .‬فاليتافيزيقية تطالب بالتمييز بي البويض‪,‬‬
‫ومفهومنا العلمي عنه‪ .‬فالبويض يتطور وينمو طبيعيا‪ ,‬فيغدو نطفة ث جنينا‬
‫واما مفهومنا الذهن عنه‪ ,‬فهو مفهوم ثابت‪ ,‬ل يكن ان ينمو ويصي نطفة ف‬
‫حال من الحوال وانا يب لجل معرفة ما هي النطفة‪ ,‬ان نكون مفهوما‬
‫آخر على ضوء مراقبة البويض ف مرحلة جديدة‪ .‬فمثل التفكي ف ذلك كمثل‬
‫الشريط السينمائي‪ ,‬الذي يلتقط عددا من الصور التلحقة‪ .‬فليست الصورة‬
‫الول ف الشريط هي الت تتطور وتتحرك‪ ,‬وانا التتابع بي الصور هو الذي‬
‫يشكل الشريط السينمائي‪.‬‬
‫وعلى هذا فالدراك البشري ل يعكس الواقع‪ ,‬ال كما يعكس الشريط‬
‫الوان الركة والنشاط‪ ,‬الت يفل با الفيلم السينمائي‪ .‬فالدراك ل يتطور‬
‫ول ينمو ديالكتيكيا تبعا للواقع النعكس‪ ,‬وانا يب تكون ادراك ثابت ف كل‬
‫مرحلة من مراحل الواقع‪.‬‬
‫ولنأخذ مثالً آخر من عنصر (اليورانيوم)‪ ,‬الذي يشع بأشعة (ألفا)‬
‫و (بيتا) و(جاما)‪ ,‬ويتحول بالتدريج ال عنصر اخر‪ ,‬اخف منه ف وزنه‬
‫الذري‪ ,‬وهو عنصر (الراديوم)‪ ,‬الذي يتحول بدوره وبالتدريج ال عنصر‬
‫اخف منه‪ ,‬وير ف ادوار حت ينتهي ال الرصاص‪ .‬فهذا واقع موضوعي‬
‫يشرحه العلم‪ ,‬ونكون على ضوئه مفهومنا الاص عنه‪ ,‬فماذا تعن الاركسية‬
‫بتطور الفهوم الذهن او القيقة ديالكتيكيا طبقا لتطور الواقع؟ فان كانت تعن‬
‫بذلك ان نفس مفهومنا العلمي عن (اليورانيوم)‪ ,‬يتطور تطورا ديالكتيكيا‬
‫وطبيعيا‪ ,‬تبعا لتطور اليورانيوم نفسه‪ ,‬فيشع اشعته الاصة‪ ,‬ويتحول ف ناية‬
‫الطاف ال رصاص‪ .‬فهذا اقرب ال حديث الظرف والفكاهة‪ ,‬منه ال‬
‫الديث الفلسفي العقول‪ .‬وان ارادت الاركسية‪ ,‬ان النسان يب ان ل‬

‫‪205‬‬
‫ينظر ال اليورانيوم‪ ,‬كعنصر جامد ل يتحرك‪ ,‬بل يتابع سيه وحركته‪ ,‬ويكون‬
‫مفهوما عنه ف كل مرحلة من مراحله‪ ,‬فليس ف ذلك موضع للنقاش‪ ,‬ول‬
‫يعن حركة ديالكتيكية ف القائق والفاهيم‪ ,‬فان كل مفهوم نكونه عن مرحلة‬
‫معينة من مراحل تطور اليورانيوم‪ ,‬ثابت ول يتطور ديالكتيكيا ال مفهوم آخر‪,‬‬
‫وانا يضاف اليه مفهوم جديد‪ .‬وف ناية الطاف نلك عدة من الفاهيم‬
‫والقائق الثابتة‪ ,‬يصور كل منها درجة خاصة‪ ,‬من الواقع الوضوعي‪ ,‬فاين‬
‫الدل والديالكتيك ف الفكر؟ واين ذلك الفهوم الذي يتطور طبيعيا‪ .‬تبعا‬
‫لتطور الواقع الارجي؟!‪.‬‬
‫هذا كل ما يتصل بالحاولة الاركسية الول وتفنيدها‪.‬‬
‫الحاولة الثانية‪ :‬الت اتذتا الاركسية للتدليل على ديالكتيك الفكر‬
‫وتطوره هي ان الفكر او الدراك ظاهرة من ظواهر الطبيعة‪ ,‬ونتاج عال‬
‫للمادة‪ ,‬وبالتال جزء من الطبيعة‪ ,‬فتحكمه نفس القواني الت تسيطر على‬
‫الطبيعة‪ ,‬ويتحرك وينمو ديالكتيكيا‪ ,‬كما تتحرك وتنمو جيع ظواهر الطبيعة‪.‬‬
‫ويلزمنا ان ننبه على ان هذا الدليل يتلف عن الدليل السابق‪ .‬فهي‬
‫الحاولة السابقة كانت الاركسية تبهن على وجود الركة ف الفكر‪ ,‬عن طريق‬
‫كونه انعكاسا للواقع التحرك‪ ,‬والنعكاس ل يصل بصورة تامة‪ ,‬اذا ل‬
‫ينعكس الواقع التحرك ف الفكر على حركته ونوه‪ .‬واما ف هذه الحاولة‬
‫فتستدل الاركسية على الركة الديالكتيكية ف الفكر‪ ,‬باعتباره جزءا من‬
‫الطبيعة‪ ,‬فقواني الديالكتيك تري على الادة والدراك معا‪ ,‬وتشمل الواقع‬
‫والفكر على السواء لن كل منهما جانب من الطبيعة‪ .‬فالفكرة او القيقة متطورة‬
‫ونامية‪ ,‬ل لنا تعكس واقعا متطورا وناميا فحسب‪ ,‬بل لنا هي بذاتا جزء‬
‫من العال التطور طبقا لقواني الديالكتيك‪ .‬فالديالكتيك كما ينص على وجود‬
‫الركة الديناميكية القائمة على أساس التناقض الداخلي‪ ,‬ف متوى كل ظاهرة‬
‫موضوعية من ظواهر الطبيعة‪ ,‬كذلك ينص عليها ف ظواهر الفكر والدراك‬
‫جيعا‪.‬‬
‫ولنقرأ فيما يتصل بالوضوع ف هذا النص‪:‬‬

‫‪206‬‬
‫(ان الكون هو حركة للمادة‪ ,‬تضع لقواني‪ .‬ولا ل‬
‫تكن معرفتنا ال نتاجا أعلى للطبيعة‪ ,‬ل يسعها ال ان تعكس‬
‫هذه القواني)(‪.)1‬‬
‫(اذا تساءلنا ما هو الفكر؟ وما هو الوعي؟ ومن اين‬
‫يأتيان؟‪ ,‬وجدنا ان النسان هو نفسه نتاج للطبيعة‪ ,‬نا ف‬
‫بيئة‪ ,‬ومع نو هذه البيئة‪ .‬وعندئذ يصبح ف غن عن البيان‪,‬‬
‫كيف ان منتوجات الذهن البشري‪ ,‬الت هي أيضا عند آخر‬
‫تليل منتوجات للطبيعة ليست ف تناقض وأنا ف توافق مع‬
‫سائر الطبيعة الترابطة؟)(‪.)2‬‬
‫والنقطة الساسية الت يرتكز عليها هذا الستدلل‪ ,‬هي الخذ بالتفسي‬
‫الادي البحت للدراك‪ ,‬الذي يفرض اشتراكه مع الطبيعة ف جيع قوانينها‬
‫ونواميسها‪ ,‬با فيها قانون الركة‪ .‬وسوف نقوم بتحليل تلك النقطة الساسية‬
‫ف جزء مستقل من هذه السألة‪ .‬ولكنا ناول ان نتساءل هنا من الاركسيي‪:‬‬
‫هل التفسي الادي للفكر او الدراك‪ ,‬يتص بافكار الديالكتيكيي خاصة؟ او‬
‫يعم افكار غيهم من ل يؤمن بالديالكتيك ايضا؟ فان كان يعم الفكار‬
‫كافة ـ كما تتمه الفلسفة الادية ـ وجب ان تضع جيعا لقواني التطور العام ف‬
‫الادة‪ .‬ويبدو لجل ذلك من التناقض الطريف‪ ,‬ان تتهم الاركسية الفكار‬
‫الخرى بالمود والقرار‪ ,‬وتعتب فكرها وحده هو الفكر التطور النامي‪,‬‬
‫باعتباره جزءا من الطبيعة التطورة‪ .‬مع ان الفكار البشرية جيعا ف الفهوم‬
‫الادي ليست ال نتاجا طبيعيا‪ .‬وقصارى ما ف الوضوع ان اصحاب النطق‬
‫العام او الشكلي ـكما يزعمون ـ ل يؤمنون بتطور الفكار ديالكتيكيا‪ ,‬كما يؤمن‬
‫الاركسيون‪ .‬ولكن مت كان اليان بقانون من قواني الطبيعة‪ ,‬شرطا من‬
‫شرائط وجوده؟! أليس جسم (باستور) الكتشف للميكروب‪ ,‬وجسم (ابن‬
‫سينا)‪ ,‬الذي ل يكن يعرف عنه شيئا يشتركان معا ف التفاعل مع تلك‬

‫‪(1‬أو ‪ )2‬راجع صفحة ‪ 149‬ـ ‪. 150‬‬


‫‪2‬‬

‫‪207‬‬
‫الراثيم‪ ,‬طبقا لقوانينها الطبيعية الاصة؟! وهكذا الشأن ف كل قانون‬
‫طبيعي‪ .‬فاذا كان الديالكتيك قانونا طبيعيا‪ ,‬يعم الفكر والادة معا‪ ,‬فهو يسري‬
‫على الفكار البشرية على السواء‪ ,‬وان كان ف اكتشافه شيء فهو السراع‬
‫بركة التطور فحسب‪.‬‬
‫الحاولة الثالثة‪ :‬استغلل التطور والتكامل العلمي ف شت اليادين‪,‬‬
‫واعتباره دليل تريبيا على ديالكتيكية الفكر وتطوره‪ .‬فتاريخ العلوم ـ ف الزعم‬
‫الاركسي ـ هو بنفسه تاريخ الركة الديالكتيكية ف التفكي البشري‪ ,‬التكامل‬
‫على مر الزمن‪.‬‬
‫قال كيدروف‪:‬‬
‫[والقيقة الطلقة‪ ,‬الناتة من حقائق نسبيه هي حركة‬
‫تطور تاريية‪ ,‬هي حركة العرفة‪ .‬ولذا السبب بالضبط‬
‫يتناول النطق الديالكت الاركسي‪ .‬الشيء الذي يدرسه من‬
‫وجهة نظر تاريية‪ ,‬من حيث هو عملية نو تطويرية‪ .‬انه‬
‫يطابق التاريخ العام للمعرفة‪ ,‬يطابق تاريخ العلوم‪ ,‬وليني اذ‬
‫يبي ف الوقت نفسه‪ ,‬باستخدامه مثل العلوم الطبيعية‬
‫والقتصاد السياسي والتاريخ‪ .‬ان الديالكتيك يستمد‬
‫استنتاجاته من تاريخ الفكر‪ ,‬يؤكد ان على تاريخ الفكر ف‬
‫النطق ان يطابق جزئيا وكليا قواني الفكر] (‪.)1‬‬
‫اما ان تاريخ العارف والعلوم النسانية زاخر بتقدم العلم وتكامله ف‬
‫شت اليادين‪ ,‬ومتلف ابواب الياة والتجربة‪ ,‬فهذا ما ل يتلف فيه اثنان‪,‬‬
‫ونظرة واحدة نلقيها على العلم ف يومه وأمسه‪ ,‬تعلنا نؤمن كل اليان بدى‬
‫التطور السريع والتكامل الرائع‪ ,‬الذي حصل عليه ف اشواطه الخية‪ .‬ولكن‬
‫هذا التطور العلمي ليس من ألوان الركة بفهومها الفلسفي‪ ,‬الذي تاوله‬
‫الاركسية بل ل يعدو ان يكون تقلصا كميا ف الخطاء‪ ,‬وزيادة كمية ف‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 12‬ـ ‪. 13‬‬

‫‪208‬‬
‫القائق‪ .‬فالعلم يتطور ل بعن ان القيقة العلمية تنمو وتتكامل‪ ,‬بل بعن‬
‫ان حقائقه تزيد وتتكاثر‪ ,‬واخطاءه تقل وتتناقص‪ ,‬تبعاً لتوسع النطاق‬
‫التجريب‪ ,‬والتعمق ف التجربة وتدقيق وسائلها‪ .‬ومن الضروري ليضاح‬
‫ذلك ان نعطي فكرة عن سي التطور العلمي‪ ,‬واسلوب التدرج والتكامل ف‬
‫النظريات والقائق العلمية‪ ,‬لنتبي مدى الفرق بي ديالكتيك الفكر الزعوم‬
‫من ناحية‪ ,‬والتطور التاريي للعلوم البشرية من ناحية اخرى‪.‬‬
‫ان القائق العلمية تبدأ بأسلوب نظري‪ ,‬كافتراض بت‪ ,‬يطر على‬
‫ذهن العال الطبيعي‪ ,‬بسبب عدة من العلومات السابقة‪ ,‬والشاهدات العلمية‬
‫او البسيطة‪ .‬فالفرضية هي الرحلة الول‪ ,‬الت تر با النظرية العلمية ف‬
‫سيها التطوري‪ ,‬ث يشرع العال ف بث علمي‪ ,‬ودراسة تريبية لتلك‬
‫الفرضية‪ ,‬فيقوم بختلف الوان الفحص‪ ,‬عن طريق الشاهدات العلمية‬
‫الدقيقة والتجارب التنوعة‪ ,‬ف القل الذي يص الفرضية‪ ,‬فاذا جاءت نتائج‬
‫الشاهدات او التجربة‪ ,‬مؤيدة للفرضية‪ .‬ومنسجمة مع طبيعتها وطبيعة‬
‫آثارها‪ ,‬اكتسبت الفرضية طابعا جديدا‪ ,‬وهو طابع القانون العلمي‪ ,‬وتدخل‬
‫النظرية الرحلة الثانية من سيها العلمي‪ .‬ولكن هذا التطور الذي ينقل‬
‫النظرية من درجة الفرضية‪ ,‬ال درجة القانون‪ ,‬ليس معناه ان القيقة العلمية‬
‫اخذت بالنمو والركة‪ .‬وانا معناه ان فكرة معينة كان مشكوكا فيها‪ ,‬فبلغت‬
‫درجة الوثوق او اليقي العلمي‪ .‬فنظرية (باستور) عن الكائنات الية‬
‫اليكروبية‪ ,‬الت وضعها على أساس حدسي‪ ,‬ث أيدتا الشاهدات الدقيقة‬
‫بالوسائل العلمية الديثة‪ ,‬ونظرية الاذبية العامة الت أثار افتراضها ف ذهن‬
‫(نيوتن) مشهد بسيط‪ ,‬مشهد سقوط تفاحة على الرض‪ ,‬جعله يتساءل‪ :‬لاذا‬
‫ل تكون القوة الت جعلت التفاحة تسقط على الرض‪ ,‬هي بعينها الت تفظ‬
‫للقمر توازنه‪ ,‬وترسم له حركته؟ ث ايدت التجارب او الشاهدات العلمية‬
‫بعد ذلك‪ ,‬تعميم الاذبية للجرام السماوية‪ ,‬واعتبارها قانونا عاما قائما على‬
‫نسبة معينة‪ .‬والنظرية القائلة بأن مرد اختلف الجسام ف سرعة سقوطها‪ ,‬ال‬
‫مقارنة الواء‪ ,‬ل ال اختلف كتلتها ‪ ...‬الت ولدت كحدس علمي‪ ,‬ث‬
‫استطاع العلم ان يوضح صدقها بالتجارب‪ ,‬الت اجريت على الجسام‬

‫‪209‬‬
‫التنوعة‪ ,‬ف مكان خال من الواء‪ ,‬فدلت على انا تشترك جيعاً ف درجة معينة‬
‫من السرعة‪ ,‬اقول‪ :‬ان هذه النظريات وآلف النظريات الخرى‪ ,‬الت مرت‬
‫كلها بالرحلة الت اشرنا اليها من التطور‪ ,‬باجتيازها درجة الفرضية ال درجة‬
‫القانون‪ ,‬ل تعب ف اجتيازها وتطورها هذا‪ ,‬عن نو ف نفس القيقة‪ ,‬بل عن‬
‫الختلف ف درجة التصديق العلمي با‪ .‬فالفكرة هي الفكرة‪ ,‬غي انا‬
‫نحت ف المتحان العلمي‪ ,‬وانكشفت لذلك انا حقيقة‪ ,‬بعد ان كان‬
‫مشكوكا فيها‪.‬‬
‫ث ان هذه النظرية بعد ان تتل موضعها من القواني العلمية‪ ,‬تأخذ‬
‫مالا ف التطبيق‪ ,‬وتكسب صفتها كمرجع علمي لتفسي ظواهر الطبيعة‪ ,‬الت‬
‫تبدو لدى الشاهدة او التجربة‪ ,‬واستكشاف حقائق واسرار جديدة‪ .‬ومهما‬
‫استطاعت ان تستكشف مزيدا من القائق الجهولة‪ ,‬ث تؤكد التجربة بعد ذلك‬
‫صحة استكشافها‪ ,‬ازدادت رسوخا ووضوحا ف الذهنية العلمية‪ .‬ولذلك عد‬
‫من النتصارات الكبى لقانون الاذبية العامة‪ ,‬ان استكشف العلماء كوكب‬
‫(نبتون)‪ ,‬على ضوء قانون الاذبية‪ ,‬ومعادلته الرياضية‪ ,‬ث ايدت وجوده‬
‫الشاهدات العلمية بعدئذ‪ .‬وهذا أيضا ليس ال لونا من الوان شدة الوثوق‬
‫العلمي‪ ,‬بصحة النظرية وصوابا‪.‬‬
‫ث ان حالف التوفيق النظرية ف الجال العلمي على طول الط‪ ,‬ثبتت‬
‫نائيا‪ .‬واما اذا بدأت تضيق عن النطباق على الواقع الدروس علميا‪ ,‬بعد‬
‫تدقيق الجهزة والوسائل‪ ,‬وتعميق اللحظة والفحص؛ فتبدأ النظرية عند ذاك‬
‫مرحلة التعديل والتجديد‪ ,‬وف هذه الرحلة قد تضطر الشاهدات والتجارب‬
‫الديدة‪ ,‬ال تكميل النظرية العلمية السابقة‪ ,‬بفاهيم جديدة‪ ,‬تضاف ال‬
‫النظرية السالفة‪ ,‬ليتم بذلك تفسي موحد للواقع التجريب كله‪ .‬وقد تكشف‬
‫الدلئل العلمية عن خطا النظرية السابقة‪ ,‬فتنهار ويعوض عنها بنظرية اخرى‪,‬‬
‫على ضوء التجارب والشاهدات‪.‬‬
‫وف كل ذلك ل يكن ان نفهم التطور العلمي فهما ديالكتيكيا‪ ,‬او ان‬
‫نتصور القيقة كما يفترضها الدل‪ ,‬تنمو وتتحرك بوجب التناقضات الحتواة‬

‫‪210‬‬
‫ف داخلها‪ ,‬فتتخذ ف كل دور شكلً جديدا‪ ,‬وهي ف تلك الشكال جيعا‬
‫حقيقة علمية متكاملة‪ .‬فان هذا بعيد كل البعد عن الواقع العلمي للتفكي‬
‫البشري‪ .‬بل الشيء الذي يدث ف مال التعديل العلمي‪ ,‬هو الظفر بقائق‬
‫جديدة تضاف ال القيقة العلمية الثابتة‪ ,‬او انكشاف خطأ النظرية السابقة‪,‬‬
‫وصحة فكرة اخرى لتفسي الواقع‪.‬‬
‫فمن قبيل الول‪( :‬الظفر بقائق جديدة تضاف ال القيقة العلمية‬
‫الثابتة) ما وقع للنظرية الذرية (نظرية اتيسم) فانا كانت فرضية‪ ,‬ث صارت‬
‫قانونا علميا بوجب التجارب‪ ,‬وبعد ذلك استطاعت الفيزياء‪ ,‬ان نتوصل على‬
‫ضوء التجارب‪ ,‬ال ان الذرة ليست هي الوحدة الولية ف الادة‪ ,‬بل هي‬
‫تأتلف أيضا من اجزاء‪ .‬وهكذا كملت النظرية الذرية بفهوم علمي جديد‪,‬‬
‫عن النواة والكهارب الت تتركب منها الذرة‪ ,‬فلم تنم القيقة وانا زادت‬
‫القائق العلمية‪ ,‬والزيادة الكمية غي النمو الديالكتيكي والركة الفلسفية ف‬
‫القيقة‪.‬‬
‫ومن قبيل الثان‪( :‬انكشاف خطأ النظرية السابقة وصحة فكرة اخرى) ما‬
‫حصل ف قانون الاذبية العامة‪ ,‬أي التفسي اليكانيكي الاص للعال ف‬
‫نظريات (نيوتن)‪ .‬فان هذا التفسي قد لوحظ عدم اتفاقه مع عدة من الظواهر‬
‫الكهربائية والغناطيسية‪ ,‬وعدم صلحيته لتفسي كيفية صدور النور وانتشاره‪,‬‬
‫ال غي ذلك ما قام دليل عند جلة من الفيزيائيي التأخرين‪ ,‬على خطأ الفهوم‬
‫(النيوتن) للعال‪ .‬وعلى هذا الساس وضع (آنشتي) نظريته النسبية‪ ,‬الت‬
‫صبها ف تفسي رياضي للعال‪ ,‬يتلف كل الختلف عن تفسي (نيوتن)‪ ,‬فهل‬
‫يكننا ان نقول ان نظرية (نيوتن)‪ ,‬ونظرية (آنشتي) ف تفسي العال‪ ,‬نظريتان‬
‫حقيقيتان معا‪ ,‬وان القيقة تطورت ونت‪ ,‬فأصبحت ف قالب النظرية‬
‫النسبية‪ ,‬بعد ان كانت ف قالب الاذبية العامة؟! وهل الزمان والكان والثقل‪,‬‬
‫هذا الثالوث الثابت الطلق ف تفسي (نيوتن)‪ ,‬هو القيقة العلمية الت نت‬
‫وتركت‪ ,‬طبقا لقانون التطور الديالكتيكي فتبدلت ال نسبية ف الزمان والكان‬
‫والثقل؟! او هل القوة الاذبية ف نظرية (نيوتن) تطورت ال انناء ف‬
‫الفضاء‪ ,‬فأصبحت القوة اليكانيكية بالركة خاصة هندسة للعال‪ ,‬تفسر با‬

‫‪211‬‬
‫حركة الرض حول الشمس‪ ,‬وسائر الركات الخرى‪ ,‬كما يفسر با انراف‬
‫الشعة النووية؟!‪.‬‬
‫ان الشيء الوحيد العقول‪ ,‬هو ان دقة التجارب او تضافرها‪ ,‬ادى ال‬
‫ظهور خطا النظرية السابقة‪ ,‬وعدم تثل القيقة فيها‪ .‬والتدليل على تثل‬
‫القيقة ف تفسي اخر جديد(‪.)1‬‬
‫وهكذا يتضح ف النهاية ما أكدنا عليه‪ ,‬من ان التطور العلمي ل يعن ان‬
‫القيقة تنمو وتندرج‪ ,‬وانا معناه تكامل العلم‪ ,‬باعتباره كلً‪ ,‬أي باعتباره‬
‫مموعة نظريات وقواني‪ ,‬ومعن تكامله كذلك زيادة حقائقه وقلة اخطائه‬
‫كميا‪.‬‬
‫وأخيا نريد ان نعرف ماذا تستهدف الاركسية من تطور القيقة؟ ان‬
‫الاركسية ترمي من وراء القول بتطور القيقة‪ ,‬وتطبيق الديالكتيك عليها ال‬
‫امرين‪:‬‬
‫أولً‪ :‬نفي القيقة الطلقة‪ .‬لن القيقة اذا كانت ف حركة ونو دائمي‪,‬‬
‫فل توجد حقائق ثابتة باشكال مطلقة‪ ,‬وبالتال تتهدم القائق الثابتة‬
‫اليتافيزيقية‪ ,‬الت تدين با اللية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬نفي الطأ الطلق ف سي التطور العلمي‪ .‬فالتطور العلمي ف‬
‫عرف الديالكتيك ل يعن ان النظرية السابقة خطأ بصورة مطلقة‪ ,‬بل هي‬
‫حقيقة نسبية‪ .‬أي انا حقيقة ف مرحلة خاصة من التطور والنمو‪ .‬وبذا‬
‫وضعت الاركسية ضمانات القيقة ف متلف ادوار التكامل العلمي‪.‬‬
‫وينهار كل هذين المرين‪ ,‬على ضوء التفسي الصحيح العقول للتطور‬
‫العلمي‪ ,‬بالعن الذي شرحناه‪ ,‬فهو بوجب هذا التفسي ليس نوا لقيقة‬

‫ـ قارن ما ذكرناه‪ ,‬بالتف سي الارك سي للتحول ف علم اليكان يك‪ ,‬الذي قد مه الدكتور‬ ‫‪1‬‬

‫(تقي آرن)‪ ,‬ف كتابه (ماتر يالسيم ديالكتيك) ص ‪ . 23‬اذ اقامه على اساس وجود القيقة ف‬
‫ميكانيك (نيوتن)‪ ,‬واليكانيك النسب معا‪ ,‬وتطورها فيهما طبقا للديالكتيك‪.‬‬

‫‪212‬‬
‫معينة‪ ,‬بل انكشافات جديدة لقائق ل تكن معلومة‪ ,‬وتصحيحات لخطاء‬
‫سابقة‪ ,‬وكل خطا يصحح هو خطأ مطلق‪ ,‬وكل حقيقة تستكشف هي حقيقة‬
‫مطلقة‪.‬‬
‫اضف ال ذلك ان الاركسية وقعت ف خلط اساسي‪ ,‬بي القيقة بعن‬
‫الفكرة‪ ,‬والقيقة بعن الواقع الوضوعي الستقل‪ .‬فاليتافيزيقا تعتقد بوجود‬
‫حقيقة مطلقة بالعن الثان‪ ,‬فهي تؤمن بواقع موضوعي ثابت وراء حدود‬
‫الطبيعة‪ ,‬ول يتناف هذا مع عدم ثبات القيقة بالعن الول‪ ,‬وتطورها‬
‫الستمر‪ ,‬فهب ان القيقة ف ذهن النسان‪ ,‬متطورة ومتحركة أبدا ودائما‪,‬‬
‫فأي ضرر يلحق من ذلك بالواقع اليتافيزيقي الطلق‪ ,‬الذي تعتقد به اللية‪,‬‬
‫ما دمنا نقبل امكان وجود واقع موضوعي مستقل عن الشعور والدراك؟‪ .‬وانا‬
‫يتم للماركسية ما تريد اذا اخذنا بالفلسفة الثالية‪ ,‬وقلنا‪ :‬ان الواقع هو‬
‫القيقة الوجودة ف ذهننا فحسب‪ ,‬فاذا كانت القيقة ف فكرنا متطورة‬
‫ومتغية‪ ,‬فل متسع لليان بواقع مطلق‪ ,‬واما اذا فرقنا بي الفكرة والواقع‪,‬‬
‫وآمنا بإمكان وجود واقع بصورة مستقلة عن الوعي والتفكي‪ ,‬فل ضي ف ان‬
‫يوجد واقع مطلق خارج حدود الدراك‪ ,‬وان ل توجد حقيقة مطلقة ف‬
‫افكارنا‪.‬‬
‫○ ‪2‬ـ تناقضات التطور ○‬
‫قال ستالي‪:‬‬
‫[ان نقطة البتداء ف الديالكتيك‪ ,‬خلفا للميتافيزية‪,‬‬
‫هي وجهة النظر القائمة‪ ,‬على ان كل اشياء الطبيعة‬
‫وحوادثها‪ ,‬توي تناقضات داخلية‪ ,‬لن لا جيعها‪ ,‬جانبا]‬
‫سلبيا‪ ,‬وجانبا ايابيا‪ ,‬ماضيا وحاضرا‪ .‬وفيها جيعا عناصر‬
‫تضمحل او تتطور‪ .‬فنضال هذه التضادات هو الحتوى‬

‫‪213‬‬
‫الداخلي‪ ,‬لتحول التغيات الكمية ال تغيات كيفية](‪.)1‬‬
‫وقال ما وتسي تونغ‪:‬‬
‫[ان قانون التناقض ف الشياء‪ ,‬أي قانون وحده‬
‫الضداد‪ ,‬وهو القانون الساسي الهم ف الديالكتيك‬
‫الادي]‪.‬‬
‫قال ليني‪:‬‬
‫[الديالكتيك بعناه الدقيق‪ ,‬هو دراسة التناقض ف‬
‫صميم جوهر الشياء]‪.‬‬
‫(وكثيا ما كان ليني يدعو هذا القانون‪ ,‬بوهر الديالكتيك‪ ,‬كما كان‬
‫يدعوه بلب الديالكتيك)(‪.)2‬‬
‫هذا هو القانون الساسي؛ الذي يزعمه الديالكتيك صالا لتفسي‬
‫الطبيعة والعال‪ ,‬وتبير الركة الصاعدة‪ ,‬وما تزخر به من تطورات وقفزات‪.‬‬
‫فهو حي اقصى من فلسفته مفهوم البدأ الول‪ ,‬واستبعد بصورة نائية‬
‫افتراض السبب الارجي العمق‪ ,‬وجد نفسه مضطرا ال اعطاء تبير‬
‫وتفسي‪ ,‬للجريان الستمر‪ ,‬والتغي الدائم ف عال الادة‪ ,‬ليشرح كيف تتطور‬
‫الادة وتتلف عليها اللوان؟ أي ليحدد رصيد الركة‪ ,‬والسبب العمق‬
‫لظواهر الوجود‪ ,‬فافترض ان هذا الرصيد يوجد ف الحتوى الداخلي للمادة‪.‬‬
‫فالادة تنطوي على التموين الستمر للحركة‪ .‬ولكن كيف تلك الادة هذا‬
‫التموين؟ وهذا هو السؤال الرئيسي ف الشكلة‪ ,‬الت تيب عنه الادية‬
‫الديالكتيكية‪ ,‬بان الادة وحدة اضداد‪ ,‬ومتمع نقائض‪ .‬واذا كانت الضداد‬
‫والنقائض كلها تنصهر ف وحدة معينة‪ ,‬فمن الطبيعي ان يقوم بينها الصراع‬
‫لكسب العرفة‪ ,‬وينبثق التطور والتغي عن هذا الصراع‪ ,‬وبالتال تقق الطبيعة‬
‫مراحل تكاملها عن هذا الطريق‪ .‬وعلى هذا الساس تلت الاركسية عن مبدأ‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية ص ‪. 12‬‬


‫‪ 2‬ـ حول التناقض ص ‪. 4‬‬

‫‪214‬‬
‫عدم التناقض‪ ,‬واعتبته من خصائص التفكي اليتافيزيقي‪ ,‬ومن أسس النطق‬
‫الشكلي‪ ,‬التداعية بعول الدل القوي‪ ,‬كما يقرر كيدروف قائل‪:‬‬
‫[نفهم بكلمة النطق الشكلي النطق الذي يرتكز فقط على‬
‫قواني الفكر الربعة‪ :‬الوية‪ ,‬والتناقض‪ ,‬والعكس‪,‬‬
‫والبهان‪ .‬والذي يقف عند هذا الد‪ .‬اما النطق الديالكت‪,‬‬
‫فنحن نعتب انه علم الفكر‪ ,‬الذي يرتكز على الطريقة‬
‫الاركسية‪ ,‬الميزة بذه الطوط الساسية الربعة‪ :‬القرار‬
‫بالترابط العام‪ ,‬وبركة التطور‪ ,‬وبقفزات التطور‪,‬‬
‫وبتناقضات التطور] (‪.)1‬‬
‫هكذا نرى ان الديالكتيك‪ ,‬اقصى عن ميدانه اكثر الفكار البشرية‬
‫بدهية‪ .‬فأنكر مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وافترض التناقض ـ عوضا عنه ـ قانونا عاما‬
‫للطبيعة والوجود‪ .‬وهو ف النكار والفتراض‪ ,‬يطبق مبدأ عدم التناقض‬
‫بصورة ل شعورية‪ ,‬فان الدل حي يؤمن بالتناقضات الدلية‪ ,‬وبالتفسي‬
‫الديالكت للطبيعة‪ ,‬يد نفسه مضطرا ال رفض مبدأ عدم التناقض‪ ,‬والتفسي‬
‫اليتافيزيقي لا‪ .‬ومن الواضح ان هذا ليس ال لجل ان الطبيعة البشرية ل‬
‫يكن ان توفق بي السلب والياب معا‪ ,‬بل تشعر ذاتيا بالتعارض الطلق‬
‫بينهما‪ ,‬وال فلماذا رفضت الاركسية مبدأ عدم التناقض‪ ,‬واعتقدت ببطلنه؟!‬
‫أليس ذلك لنا آمنت بالتناقض‪ ,‬ول يسعها ان تؤمن بعدمه‪ ,‬ما دامت آمنت‬
‫بوجوده؟!‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ان مبدأ عدم التناقض‪ ,‬هو البدأ الساسي العام‪ ,‬الذي ل‬
‫يتجرد عنه التفكي البشري‪ .‬حت ف لظة التحمس للجدل والديالكتيك‪.‬‬
‫وقد كان من نتاج التناقض الديالكتيكي‪ ,‬ان اسقط مبدأ الوية (أ هي أ)‬
‫من قاموس الدل أيضا‪ ,‬واجيز ان يكون الشيء غي نفسه‪ ,‬بل التناقض‬
‫الديالكتيكي العام يتم ذلك‪ ,‬لن كل شيء متضمن لنقيضه‪ ,‬ومعب عن نفيه‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪. 9‬‬

‫‪215‬‬
‫ف لظة اثباته‪ ,‬فليست (أ هي أ) بصورة مطلقة‪ ,‬بل كان كائن هو نقيض ذاته‬
‫ونفيها‪ ,‬كما يكون إثباتا لا‪ ,‬لن كيانه متناقض بالصميم‪ ,‬ويتوي على النفي‬
‫والثبات التصارعي دائما‪ ,‬والفجرين للحركة بذا الصراع‪ .‬ول ياول‬
‫الاركسيون ان يبهنوا على تناقضات الشياء‪ ,‬أي على قانون الديالكتيك‬
‫وأساسه الدل‪ ,‬ال بشد من المثلة والظواهر‪ ,‬الت حاولوا ان يبزوا با‬
‫تناقضات الطبيعة وجدلا‪ .‬فالتناقض انا كان من قواني النطق الديالكتيكي‪,‬‬
‫لن الطبيعة بنفسها متناقضة وديالكتيكية‪ .‬بدليل ما يقدم لنا الس‪ ,‬او‬
‫يكشف عنه العلم‪ ,‬من ضروب التناقض‪ ,‬الت تطيح ببدا عدم التناقض‪,‬‬
‫وتعله غي منسجم مع واقع الطبيعة وقوانينها الاكمة ف متلف ميادنيها‬
‫ومالتا‪.‬‬
‫وقد ألعنا سابقا ال ان الاركسية ل تد سبيل لديناميكية الطبيعة‪ ,‬وجعل‬
‫القوى الفعالة للحركة‪ ,‬متوى داخليا لنفس الادة التطورة‪ ,‬ال بان تنطلق من‬
‫التناقض‪ ,‬وتؤمن باجتماع النقائض ف وحدة متطورة‪ ,‬تبعا لنضال تلك‬
‫النقائض وصراعها‪.‬‬
‫فالسألة ف نظر الاركسية ذات حدين ل ثالث لما‪ :‬فاما ان نصوغ فكرتنا‬
‫عن العال‪ ,‬على البدأ القائل بعدم التناقض‪ ,‬فل يوجد النفي والثبات‪ ,‬ف‬
‫صميم الشياء‪ ,‬ول يقوم فيها صراع التناقضات‪ ,‬وبالتال يتعي ان نفحص‬
‫عن رصيد الركة والتطور‪ ,‬ف سبب اعلى من الطبيعة وتطوراتا‪ .‬واما ان‬
‫نشيد منطقنا على العتقاد بنفوذ التناقض‪ ,‬ال صميم الشياء‪ ,‬وتوحد الضداد‬
‫او النفي والثبات(‪ ,)1‬ف كل كائن‪ .‬فنكون بذلك قد وجدنا سر التطور ف‬
‫التناقض الداخلي‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ يلحظ ف جيع النصوص الاركسية‪ ,‬أنا تسيء استعمال كلمت التناقض‬
‫والتضاد‪ ,‬فتعتبها بعن واحد‪ ,‬مع ان الكلمتي ليستا مترادفتي ف الصطلحات‬
‫الفلسفية‪ .‬فان التناقض هي حالة النفي والثبات‪ .‬والتضاد يعن اثباتي متعاكسي‪.‬‬
‫فاستقامة الط وعدم استقامته نقيضان‪ ,‬لنما من النفي والثبات‪ .‬واما استقامة‬
‫الط وانناؤه فهما ضدان‪ ,‬ول يصدق عليهما التناقض بفهومه الفلسفي‪ ,‬لن كل‬
‫من الستقامة والنناء‪ ,‬ليس نفيا للخر‪ ,‬وانا هو اثبات يقابل اثبات الخر‪.‬‬
‫وكذلك اساءت الاركسية فهم التضاد‪ ,‬او استعمال كلمة التضاد‪ ,‬فاعتبت الشيء‬
‫الختلف عن الخر ضدا له‪ .‬فالفرخ ضد البيضة‪ ,‬والدجاجة ضد الفرخ‪ .‬مع ان‬
‫التضاد ف الصطلحات الفلسفية‪ ,‬ليس مرد اختلف بي الشياء فحسب‪ ,‬بل الضد‬
‫هو الوصف الذي ل يكن ان يتمع مع الوصف الخر ف شيء واحد‪ ,‬ونن نري‬
‫ف الكتاب طبقا للستعمالت الاركسية‪ ,‬لجل التسهيل والتوضيح‪.‬‬

‫‪216‬‬
‫ولا كانت الطبيعة ف زعم الاركسية‪ ,‬تقدم الشواهد والدلئل ف كل مال‬
‫وميدان‪ ,‬على ثبوت التناقض واجتماع النقائض والضداد‪ ,‬فيجب الخذ‬
‫بوجهة النظر الثانية‪.‬‬
‫والواقع ان مبدأ عدم التناقض هو اعم القواني‪ ,‬وأكثرها شول لميع‬
‫مالت التطبيق‪ ,‬ول تشذ عنه ظاهرة من ظواهر الوجود والكون مطلقا‪ .‬وكل‬
‫ماولة ديالكتيكية تستهدف الرد عليه‪ ,‬او اظهار الطبيعة بظهر تناقض‪ ,‬فهي‬
‫ماولة بدائية‪ ,‬قائمة على سوء فهم لبدأ عدم التناقض‪ ,‬او على شيء من‬
‫التضليل‪ .‬فلنشرح قبل كل شيء مبدأ التناقض بفهومه الضروري‪,‬‬
‫الذي اعتبه النطق العام قاعدة رئيسية للفكر البشري‪ ,‬ونتناول بعد ذلك‬
‫مظاهر التناقض الزعوم ف الطبيعة والوجود‪ ,‬الت تستند اليها الاركسية ف‬
‫تركيز منطقها الديالكت والطاحة ببدأي عدم التناقض والوية‪ .‬فنوضح‬
‫انسجام تلك الظواهر معهما‪ ,‬وخلوها عن التناقضات الديالكتيكية‪ ,‬وبذلك‬
‫يفقد الديالكتيك سنده من الطبيعة‪ ,‬ودليله الادي‪ ,‬وبالتال نقرر مدى عجزه‬
‫عن تفسي العال‪ ,‬وتبير وجوده‪.‬‬
‫ڤ‪............................................‬ما هو مبدأ عدم التناقض؟‬
‫اما مبدأ عدم التناقض‪ ,‬هو البدأ القائل بأن التناقض مستحيل‪ ,‬فل‬
‫يكن ان يتفق النفي والثبات‪ ,‬ف حال من الحوال‪ .‬وهذا واضح‪ .‬ولكن ما‬
‫هو هذا التناقض الذي يرفضه هذا البدأ‪ ,‬ول يكن للعقل قبوله؟ فهل هو كل‬

‫‪217‬‬
‫نفي واثبات؟ كل‪ .‬فان كل نفي ل يناقض أي اثبات‪ ,‬وكل اثبات ل‬
‫يتعارض مع كل نفي‪ ,‬وانا يتناقض الثبات مع نفيه بالذات ل مع نفي‬
‫اثبات آخر‪ ,‬ووجود الشيء يتعارض بصورة اساسية مع عدم ذلك الشيء‪ ,‬ل‬
‫مع عدم شيء آخر‪ .‬ومعن تعارضهما انما ل يكن ان يتوحدا او يتمعا‪.‬‬
‫فالربع ذو اربعة اضلع‪ .‬وهذه حقيقة هندسية ثابتة‪ ,‬والثلث ليس له اربعة‬
‫اضلع‪ ,‬وهذا نفي صحيح ثابت أيضا‪ ,‬ول تناقض مطلقا بي هذا النفي‬
‫وذاك الثبات‪ ,‬لن كل منهما يتناول موضوعا خاصا‪ ,‬يتلف عن الوضوع‬
‫الذي يتناوله الخر‪ .‬فالضلع الربعة ثابتة ف الربع‪ ,‬ومنفية ف الثلث فلم‬
‫ننف ما أثبتنا او نثبت ما نفينا‪ .‬وانا يوجد التناقض اذا كنا نثبت للمربع‬
‫اضلعا اربعة‪ ,‬ونفيها عنه أيضا‪ ,‬او نثبتها للمثلث وننفيها عنه ف نفس‬
‫الوقت‪.‬‬
‫وبذا العتبار نص النطق اليتافيزيقي‪ ,‬على ان التناقض انا يكون بي‬
‫النفي والثبات الوحدين ف ظروفهما‪ .‬فاذا اختلفت ظروف النفي مع ظروف‬
‫الثبات‪ .‬ل يكن الثبات والنفي متناقضي‪ .‬ولنأخذ عدة امثلة للنفي والثبات‬
‫الختلفي ف ظروفهما‪:‬‬
‫أ ـ الربعة زوج‪ .‬الثلثة ليست زوجا‪ .‬فالنفي والثبات ف هاتي‬
‫القضيتي‪ ,‬ل تناقض بينهما‪ ,‬لختلف كل منهما عن الخر بالوضوع الذي‬
‫يعاله‪ .‬فالثبات تعلق بالربعة‪ ,‬والنفي تعلق بالثلثة‪.‬‬
‫ب ـ النسان سريع التصديق حال الطفولة‪ .‬النسان ليس سريع‬
‫التصديق ف دور الشباب والنضوج‪ .‬فقد تعلق النفي والثبات ف هاتي‬
‫القضيتي بالنسان‪ .‬ولكن كل منهما له زمانه الاص‪ ,‬الذي يتلف عن زمان‬
‫الخر‪ ,‬فل يوجد تناقض بي النفي والثبات‪.‬‬
‫جـ ـ الطفل ليس عالا بالفعل‪ .‬الطفل عال بالقوة‪ .‬أي يكن ان يكون‬
‫عالا‪ .‬وهنا أيضا نواجه نفيا واثباتا غي متناقضي‪ ,‬لننا ف القضية الول ل‬
‫ننف نفس الثبات‪ ,‬الذي تتويه القضية الثانية‪ ,‬فالقضية الول تنفي وجود‬
‫صفة العلم لدى الطفل‪ ,‬والقضية الخرى ل تثبت وجود الصفة‪ .‬وانا تثبت‬

‫‪218‬‬
‫امكانا‪ ,‬أي قابلية الطفل واستعداده الاص لكتسابا‪ .‬فقوة العلم هي الت‬
‫تثبتها هذه القضية للطفل‪ .‬ل وجود العلم له فعل‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ان التناقض بي النفي والثبات‪ ,‬انا يتحقق فيما اذا اشتركا‬
‫ف الوضوع الذي يتناولنه‪ ,‬واتفقا ف الشروط والظروف الكانية والزمانية‬
‫وغيها‪ .‬واما اذا ل يتحدد النفي والثبات ف كل هذه الشروط والظروف‪,‬‬
‫فليس بينهما تناقض‪ .‬ول يوجد الشخص او النطق الذي يكم باستحالة‬
‫صدقهما ف هذا الال‪.‬‬
‫ڤ‪.................................‬كيف فهمت الاركسية التناقض؟‬
‫بعد ان درسنا مفهوم التناقض‪ ,‬ومتوى البدأ الساسي للمنطق العام‬
‫(مبدأ عدم التناقض)‪ ,‬يب ان نلقي ضوءا على فهم الاركسية لذا البدأ‪,‬‬
‫والبرات الت استندت اليها ف الرد عليه‪.‬‬
‫وليس من الصعب ان يدرك النسان ان الاركسية ل تستطع‪ ,‬او ل تشأ‬
‫ان تعي هذا البدا بفهومه الصحيح‪ .‬فأنكرته تقيقا لاديتها‪ .‬وحشدت عددا‬
‫من المثلة الت ل تنسجم معه‪ ,‬ف زعمها‪ ,‬وبالتال وضعت التناقض‬
‫والصراع بي النقائض والضداد قاعدة لنطقها الديد‪ .‬وملت الدنيا ضجيجا‬
‫بذه القاعدة وتبجحا على النطق البشري العام بابتكارها او اكتشافهما‪.‬‬
‫ولجل ان نتبي مدى الطأ الذي وقعت فيه الاركسية‪ ,‬والذي دفعها ال‬
‫رفض مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وما يقوم عليه من مبادئ عامة للمنطق‬
‫اليتافيزيقي‪ ,‬يب ان نفرق بوضوح بي امرين‪ :‬احدها الصراع بي اضداد‬
‫ونقائض خارجية‪ ,‬والخر الصراع بي اضداد ونقائض متمعة ف وحدة‬
‫معينة‪ .‬فالثان هو الذي يتناف مع مبدأ عدم التناقض‪ .‬واما الول فل علقة‬
‫له بالتناقض مطلقا‪ ,‬لنه ل يعن اجتماع النقيضي او الضدين‪ .‬بل مرده ال‬
‫وجود كل منهما بصورة مستقلة‪ ,‬وقيام كفاح بينهما يؤدي ال نتيجة معينة‪.‬‬
‫فشكل الشاطئ ـ مثل ـ نتج عن فعل متبادل بي امواج الاء وتياراته‪ ,‬الت‬

‫‪219‬‬
‫تصطدم بالرض فتقرض الضفة من ناحية‪ .‬وصمود الرض ف وجه التيار‪,‬‬
‫ودفعها لتلك المواج ال درجة معينة من ناحية اخرى‪ .‬وشكل الناء من‬
‫الزف نتج عن عملية قامت بي كتلة من الطي‪ ,‬ويد الزاف‪.‬‬
‫فاذا كانت الادية الديالكتيكية‪ ,‬تعن هذا اللون من الصراع بي الضداد‬
‫الارجية‪ ,‬فهذا ل يتعارض مطلقا مع مبدأ عدم التناقض‪ ,‬ول يدعو ال‬
‫اليان بالتناقض‪ ,‬الذي قام الفكر البشري منذ نشأ على رفضه‪ ,‬لن الضداد‬
‫ل تتمع ف وحدة‪ ,‬وانا وجد كل منهما بوجود مستقل ف ماله الاص‪,‬‬
‫واشتركا ف عمل متبادل‪ ,‬حصل به على نتيجة معينة‪ ,‬وأيضا فهو ل يبر‬
‫الكتفاء الذات‪ ,‬والستغناء عن سبب خارجي‪ .‬فشكل الشاطئ او شكل‬
‫الناء‪ ,‬ل يتحدد ول يوجد بتطور‪ ,‬قائم على أساس التناقضات الداخلية‪ ,‬وانا‬
‫حصل بعملية خارجية حققها ضدان مستقلن‪ .‬وهذا النحو من الصراع بي‬
‫الضداد الارجية‪ ,‬وعملياتا الشتركة‪ ,‬ليس من مستكشفات الادية او‬
‫الديالكتيك‪ ,‬بل هو أمر واضح يقره كل منطق وكل فيلسوف ـ سواء كان ماديا‬
‫أم كان اليا ـ منذ أبعد عصور الفلسفة الادية واللية‪ ,‬وال اليوم‪ .‬ولناخذ‬
‫مثل على ذلك أرسطو‪ ,‬إمام الدرسة اليتافيزيقية ف فلسفة اليونان‪ ,‬وانا نأخذه‬
‫بالصوص ل لنه فيلسوف الي فحسب‪ ,‬بل لنه واضح قواعد النطق‬
‫العام ـ الذي يسميه الاركسيون بالنطق الشكلي ـ ومبادئه وأسسه‪ .‬فهو يؤمن‬
‫بالصراع بي الضداد الارجية‪ ,‬مع إقامته للمنطق على مبدأ عدم التناقض‪,‬‬
‫ول يطر على فكره ان شخصا سينبغ بعد مئات السني‪ ,‬فيعتب ذلك الصراع‬
‫دليل على سقوط هذا البدأ الضروري‪ .‬وفيما يلي شيء من نصوص أرسطو‪,‬‬
‫ف شأن الصراع بي الضداد الارجية‪:‬‬
‫[وعلى جلة من القول‪ ,‬ان شيئا مانسا يكن ان يقبل‬
‫فعل من قبل الشيء الجانس‪ .‬والسبب فيه ان جيع الضداد‬
‫هي ف جنس واحد‪ ,‬وان الضداد تفعل بعضها ف بعض‪,‬‬
‫وتقبل بعضها من قبل البعض الخر](‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ الكون والفساد‪ :‬ص ‪ 168‬ـ ‪. 169‬‬

‫‪220‬‬
‫[فبحسب الصورة قد انضم شيء ما لكل جزء كيف ما‬
‫اتفق‪ ,‬ولكن ل بسب الادة‪ ,‬ومع ذلك فان الكل صار‬
‫أعظم‪ ,‬لن شيئا جاء وانضم اليه‪ .‬وهذا الشيء يسمى‬
‫الغذاء‪ ,‬ويسمى أيضا الضد‪ ,‬ولكن هذا الشيء ل يزيد من‬
‫ان يتغي ف النوع بعينه‪ ,‬كمثل ما يأت الرطب ينضم ال‬
‫اليابس‪ ,‬وبانضمامه اليه يتغي‪ ,‬بان يصي هو نفسه يابسا‪,‬‬
‫وف الواقع يكن معا ان الشبيه ينمو بالشبيه‪ ,‬وبهة اخرى‬
‫ان يكون ذلك باللشبيه] (‪.)1‬‬
‫وهكذا يتضح ان العمليات الشتركة للضداد الارجية‪ ,‬ليست كشفا‬
‫للديالكتيك‪ ,‬ول نقضا للمنطق اليتافيزيقي‪ ,‬ول شيئا جديدا ف اليدان‬
‫الفلسفي وانا هي حقيقة مقررة بكل وضوح ف متلف الفلسفات‪ ,‬منذ فجر‬
‫التاريخ الفلسفي‪ ,‬وليس فيها ما يقق أغراض الاركسية الفلسفية‪ ,‬الت‬
‫تستهدف تقيقها على ضوء الديالكتيك‪.‬‬
‫واما اذا كانت الاركسية تعن بالتناقض‪ ,‬مفهومه القيقي‪ ,‬الذي يعل‬
‫للحركة رصيدا داخليا‪ ,‬ويرفضه البدأ الساسي ف منطقنا‪ .‬فهذا ما ل يكن‬
‫لفكر سليم قبوله‪ ,‬ول تلك الاركسية شاهدا عليه من الطبيعة‪ ,‬وظواهر الوجود‬
‫مطلقا‪ .‬وكل ما تعرض لنا الاركسية من تناقضات الطبيعة الزعومة‪ ,‬فهو ل‬
‫يت ال الديالكتيك بصلة‪.‬‬
‫ولنعرض عدة من تلك الشواهد‪ ,‬الت حاولت ان تبهن با على منطقها‬
‫الديالكتيكي‪ ,‬لنتبي مدى عجز الاركسية وفشلها‪ ,‬ف الستدلل على منطقها‬
‫الاص‪:‬‬
‫‪1‬ـ تناقضات الركة‪ ,‬قال هنري لوفافر‪:‬‬
‫[حي ل يري شيء‪ ,‬فليست ثة مناقضة‪ .‬ومن ناحية‬
‫مقابلة‪ ,‬حي ل يكون ثة مناقضة ل يدث شيء‪ ,‬ول‬

‫‪ 1‬ـ الكون والفساد ص ‪. 154‬‬

‫‪221‬‬
‫يوجد أي شيء ول يلحظ ظهور أي نشاط‪ ,‬ول يظهر شيء‬
‫جديد‪ .‬وسواء أكان المر يتعلق بال من الركود‪ ,‬ام التوازن‬
‫الؤقت‪ ,‬ام بلحظة من الزدهار‪ ,‬فان الكائن او الشيء غي‬
‫التناقض ف ذاته‪ ,‬يكون ف مرحلة ساكنة موقتا](‪.)1‬‬
‫وهذه النصوص توضح ان الاركسية تؤمن بوجود تعارض بي قانون‬
‫التطور والتكامل‪ ,‬وقانون عدم التناقض‪ .‬وتعتقد ان التطور والتكامل ل‬
‫يتحقق‪ ,‬ال على أساس تناقض مستمر‪ .‬وما دام التطور او الركة مققي ف‬
‫دنيا الطبيعة‪ ,‬فيجب طرح فكرة عدم التناقض‪ .‬والخذ بالديالكتيك‪ ,‬ليفسر‬
‫لنا الركة بختلف أشكالا وألوانا‪.‬‬
‫وقد ألعنا سابقا ـ عند درس حركة التطور ـ ال ان التطور والتكامل ل‬
‫يتناف مطلقا مع مبدأ عدم التناقض‪ ,‬وان الفكرة القائلة بوجود التناف بينهما‪,‬‬
‫تقوم على أساس اللط بي القوة والفعل‪ .‬فالركة هي ف كل درجة اثبات‬
‫بالفعل ونفي بالقوة‪ .‬فالكائن الي حينما تتطور جرثومته ف البيض‪ ,‬حت‬
‫تصبح فرخا‪ ,‬ويصبح الفرخ دجاجة‪ ,‬ل يعن هذا التطور ان البيضة ل تكن‬
‫ف دورها الول بيضة بالفعل‪ ,‬بل هي بيضة ف الواقع‪ ,‬ودجاجة بالقوة‪ ,‬أي‬
‫يكن ان تصبح دجاجة‪ .‬فقد اجتمع ف صميم البيضة‪ ,‬إمكان الدجاجة‬
‫وصفة البيضة‪ .‬ل صفة البيضة وصفة الدجاجة معا‪ .‬بل قد عرفنا اكثر من‬
‫ذلك‪ ,‬عرفنا ان الركة التطورية ل يكن فهمها‪ ,‬ال على ضوء مبدأ عدم‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس‪ :‬ص ‪. 58‬‬

‫‪222‬‬
‫التناقض‪ .‬فان التناقضات لو كان من المكن ان تتمع حقاً ف صميم‬
‫الشيء‪ ,‬لا حصل تغي‪ ,‬ولا تبدل الشيء من حالة ال حالة‪ ,‬ولا وجد بالتال‬
‫تغي وتطور‪.‬‬
‫واذا كانت الاركسية تريد ان تدلنا على تناقض ف عملية الركة‪ ,‬يتناف‬
‫مع مبدأ عدم التناقض حقا‪ ,‬فلتقدم مثال للتطور توجد فيه حركة ول توجد‪,‬‬
‫أي يصح فيه النفي والثبات على التطور معا‪ .‬فهل يوز ف مفهومها بعد ان‬
‫أسقطت مبدأ عدم التناقض‪ ,‬ان يتطور الشيء ول يتطور ف وقت معا؟! فإن‬
‫كان هذا جائزا فلتدلنا على شاهد له ف الطبيعة والوجود‪ ,‬وان ل يز فليس‬
‫ذلك ال اعترافا ببدأ عدم التناقض‪ ,‬وقواعد النطق اليتافيزيقي‪.‬‬
‫‪2‬ـ تناقضات الياة‪ ,‬او السم الي‪ .‬قال هنري لوفافر‪:‬‬
‫[ورغم ذلك أفليس من الواضح ان الياة هي الولدة‬
‫والنمو والتطور؟ غي ان الكائن الي ل يكن ان ينمو‪ ,‬دون‬
‫ان يتغي ويتطور‪ ,‬يعن دون ان يكف عن كونه ما كان‪ .‬وكي‬
‫يصي رجل عليه ان يترك الصبا ويفقده‪ ,‬وكل شيء يلزم‬
‫السكون ينحط ويتأخر ‪ ...‬ال ان يقول‪ :‬فكل كائن حي‬
‫اذن يناضل الوت‪ ,‬لنه يمل موته ف طوية ذاته](‪.)1‬‬
‫وقال انلز‪:‬‬
‫[رأينا فيما سبق بأن قوام الياة‪ ,‬هو ان السم الي ف‬
‫كل لظة هو هو نفسه‪ ,‬وف عي تلك اللحظة هو ليس إياه‪,‬‬
‫هو شيء آخر سواه‪ .‬فالياة اذن هي تناقض مستحكم‪ ,‬ف‬
‫الكائنات والعمليات ذاتا](‪.)2‬‬
‫ل شك ف ان الكائن الي يتوي على عمليتي ـ حياة‬
‫وموت ـ متجددتي‪ ,‬وما دامت هاتان العمليتان تعملن عملهما فالياة قائمة‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس‪ :‬ص ‪. 60‬‬


‫‪ 2‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪. 203‬‬

‫‪223‬‬
‫ولكن ليس ف ذلك شيء من التناقض‪ ,‬لأننا اذا حللنا هاتي العمليتي‪,‬‬
‫اللتي نضيفهما بادئ المر ال كائن حي واحد‪ ,‬ونعرف ان عملية الوت‬
‫وعملية الياة ل تتفقان ف موضوع واحد‪ .‬فالكائن الي يستقبل ف كل دور‬
‫خليا جديدة‪ ,‬ويودع خليا بالية‪ .‬فالوت والياة يتقاسان الليا‪,‬‬
‫واللية الت تفن ف لظة‪ ,‬غي اللية الت توجد وتيا ف تلك اللحظة‪ .‬وهكذا‬
‫يبقى الكائن الي الكبي متماسكا‪ ,‬لن عملية الياة تعوضه عن الليا‪ ,‬الت‬
‫ينسفها الوت بليا جديدة‪ ,‬فتستمر عملية الياة تعوضه عن الليا‪ ,‬الت‬
‫ينسفها الوت بليا جديدة‪ ,‬فتستمر الياة حت تنتهي امكاناته‪ .‬وتنطفئ‬
‫شعلة الياة منه‪ .‬وانا يوجد التناقض لو ان الوت والياة استوعبا ف لظة‬
‫خاصة‪ ,‬جيع خليا الكائن الي‪ .‬وهذا ما ل نعرفه من طبيعة الياة‪,‬‬
‫والحياء‪ .‬فان الكائن الي ل يمل ف طياته ال امكان الوت‪ ,‬وامكان الوت‬
‫ل يناقض الياة‪ ,‬وانا يناقضها الوت بالفعل‪.‬‬
‫‪3‬ـ التناقض ف مقدرة النسان على العرفة‪ ,‬قال أنلز يعرض مبدأ‬
‫التناقض ف الديالكتيك‪:‬‬
‫[كما رأينا بأن التناقض مثل‪ ,‬بي مقدرة النسان على‬
‫العرفة مقدرة متاصلة ول مدودة‪ .‬وبي تقيق هذه القدرة‬
‫تققا فعليا ف البشر‪ ,‬الذين هم مقيدون بظروفهم الارجية‪,‬‬
‫وبقابلياتم الذهنية‪ ,‬يد حلوله ف تعاقب الجيال تعاقبا ل‬
‫مدودا‪ ,‬ف التقدم اللمتناهي‪ ,‬بالنسبة لنا على القل‪,‬‬
‫وبسب وجهة النظر العملية](‪.)1‬‬
‫ند ف هذا مثالً جديدا‪ ,‬ل على مبدأ التناقض‪ ,‬بل على عدم اجادة‬
‫الاركسية فهم مبدأ عدم التناقض‪ .‬فانه اذا كان من الصحيح ان البشرية قادرة‬
‫على العرفة الكاملة‪ ,‬وان كل بشر غي قادر على اكتساب تلك العرفة بفرده‪,‬‬
‫فليس هذا مصداقا للديالكتيك‪ ,‬ول ظاهرة شاذة عن النطق اليتافيزيقي‪,‬‬
‫ومبدئه الساسي‪ ,‬بل هو نظي تأكيدنا على ان اليش قادر على الدفاع عن‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪ 203‬ـ ‪. 204‬‬

‫‪224‬‬
‫البلد‪ ,‬وان كل فرد منهم ل يلك هذه القدرة‪ .‬فهل هذا هو التناقض؟! وهل‬
‫هذا هو الذي ارتكز النطق اليتافيزيقي على رفضه؟! كل‪ .‬فان التناقض انا‬
‫يقوم بي النفي والثبات‪ ,‬فيما اذا تناول موضوعاً واحدا‪ .‬واما اذا تناول‬
‫الثبات البشرية بجموعها‪ ,‬وتناول النفي كل فرد بصورة مستقلة ـ كما ف‬
‫الثال الذي عرضه أنلز ـ فل يوجد عندئذ تعارض بي النفي والثبات‪.‬‬
‫‪4‬ـ التناقض ف الفيزياء‪ ,‬بي الكهربائية الوجبة والسالبة (‪.)1‬‬
‫وهذا التناقض الزعوم‪ ,‬ينطوي على خطاين‪:‬‬
‫الول‪ :‬اعتبار الشحنة الوجبة والسالبة‪ ,‬من قبيل النفي والثبات‪,‬‬
‫والسلب والياب‪ ,‬نظرا ال التعبي العلمي عن إحداها بالوجبة‪ ,‬وعن‬
‫الخرى بالسالبة‪ ,‬مع انا جيعا نعلم ان هذا التعبي‪ ,‬مرد اصطلح فيزيائي‪,‬‬
‫ول يعن انما نقيضان حقيقة‪ ,‬كما يتناقض النفي والثبات‪ ,‬او السلب‬
‫والياب‪ .‬فالكهربائية الوجبة هي المالثة للكهربائية التولدة ف القضيب‬
‫الزجاجي‪ ,‬الدلوك بقطعة من الرير‪ .‬والكهربائية السالبة هي الماثلة‬
‫للكهربائية التولدة على اليوني‪ ,‬الدلوك بلد الر‪ .‬فكل من الكهربائيتي‬
‫نوع خاص من الشحنات الكهربائية‪ ,‬وليست احداها وجود الشيء‪,‬‬
‫والخرى عدما لذلك الشيء‪.‬‬
‫الثان‪ :‬اعتبار التجاذب لونا من الجاع‪ .‬وعلى هذا الساس فسرت‬
‫علقة التجاذب القائمة بي الشحنة الوجبة‪ ,‬والشحنة السالبة بالتناقض‪,‬‬
‫واعتب هذا التناقض‪ ,‬مظهرا من مظاهر الديالكتيك‪ ,‬مع ان الواقع ان السلبية‬
‫واليابية الكهربائيتي‪ ,‬ل تتمعا ف شحنة واحدة‪ ,‬وانا ها شحنتان‬
‫مستقلتان تتجاذبان‪ ,‬كما يتجاذب القطبان الغناطيسيان الختلفان‪ ,‬من دون ان‬
‫يعن ذلك وجود شحنة واحدة موجبة وسالبة ف وقت واحد‪ ,‬او وجود قطب‬
‫مغناطيسي شال وجنوب معا‪ .‬فالتجاذب بي الشحنات التخالفة‪ ,‬لون من‬
‫ألوان التفاعل بي الضداد الارجية‪ ,‬الستقل بعضها ف الوجود عن بعض‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪. 14‬‬

‫‪225‬‬
‫وقد عرفنا فيما سبق‪ ,‬ان التفاعل بي الضداد الارجية ليس من الديالكتيك‬
‫بشيء‪ ,‬ول يت ال التناقض الذي يرفضه النطق اليتافيزيقي بصلة‪ ,‬فالسألة‬
‫مسألة قوتي‪ ,‬تؤثر احداها ف الخرى‪ ,‬ل مسألة قوة تتناقض ف متواها‬
‫الداخلي‪ ,‬كما يزعم الديالكتيك‪.‬‬
‫‪5‬ـ تناقض الفعل‪ ,‬ورد الفعل ف اليكانيك (‪ .)1‬فالقانون‬
‫اليكانيكي ـ القائل ان لكل فعل رد فعل‪ ,‬يساويه ف القدار ويعاكسه ف‬
‫التاه ـ مظهر من مظاهر التناقض الديالكت‪ ,‬ف زعم الاركسية‪ .‬ومرة اخرى‬
‫ند انفسنا‪ ,‬مضطرين ال التاكيد‪ ,‬على ان قانون نيوتن هذا‪ ,‬ل يبر‬
‫التناقضات الديالكتيكية‪ ,‬بلون من اللوان‪ ,‬لن الفعل ورد الفعل‪ ,‬قوتان‬
‫قائمتان بسمي‪ ,‬ل نقيضان متمعان ف جسم واحد‪ .‬فعجلتا السيارة‬
‫اللفيتان‪ ,‬تدفعان الرض بقوة‪ ,‬وهذا هو الفعل‪ .‬والرض تدفع عجلت‬
‫السيارة بقوة اخرى‪ ,‬مساوية ف القدار ومعاكسة ف التاه للول‪ ,‬وهذا هو‬
‫رد الفعل‪ ,‬وبسببه تتحرك السيارة‪ .‬فلم يتو السم الواحد على دفعي‬
‫متناقضي‪ ,‬ول يقم ف متواه الداخلي‪ ,‬صراع بي النفي والثبات‪ ,‬بي‬
‫النقيض والنقيض‪ ,‬بل السيارة تدفع الرض من ناحية‪ ,‬والرض تدفع السيارة‬
‫من ناحية اخرى‪ ,‬والديالكتيك انا ياول ان يشرح كيفية نو الشياء‬
‫وحركتها‪ ,‬باحتوائها داخليا على قوتي متدافعتي‪ ,‬ونقيضي متخاصمي‪,‬‬
‫يصارع كل منهما الخر لينتصر عليه‪ ,‬ويبلور الشيء تبعا له‪ .‬واين هذا من‬
‫قوتي خارجيتي‪ ,‬يتولد من احداها فعل خاص‪ ,‬ومن الخرى رد الفعل‪.‬‬
‫ونن نعرف جيعا ان الزخي التعاكسي‪ ,‬اللذين يولدها الفعل ورد الفعل‪,‬‬
‫يقومان ف جسمي‪ ,‬ول يكن ان يكونا ف جسم واحد‪ ,‬لنما متعاكسان‬
‫ومتنافيان‪ ,‬وليس هذا ال لجل مبدأ عدم التناقض‪.‬‬
‫‪6‬ـ تناقضات الرب‪ ,‬الت يعرضها ماوتسي تونغ ف قوله‪:‬‬
‫[والواقع ان الجوم والدفاع ف الرب‪ ,‬والتقدم‬
‫والتراجع‪ ,‬والنصر والزية‪ .‬كلها ظواهر متناقضة‪ ,‬ول وجود‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪ 14‬ـ ‪. 15‬‬

‫‪226‬‬
‫للواحدة من دون الثانية‪ .‬وهذان الطرفان يتصارعان‪ ,‬كما أنما‬
‫يتحدان بعضهما فيؤلفان مموع الرب ويفرضان تطورها‪,‬‬
‫ويلن مشكلتا](‪.)1‬‬
‫وف الواقع ان هذا النص اكثر النصوص السابقة غرابة‪ ,‬اذ يعتب فيها‬
‫ماوتسي تونغ الرب‪ ,‬كائنا حقيقيا ينطوي على النقيضي‪ ,‬على النصر‬
‫والزية‪ ,‬مع ان هذا الفهوم عن الرب‪ ,‬ل يصح ال ف ذهنية بدائية‪,‬‬
‫تعودت على اخذ الشياء‪ ,‬ف اطارها العام‪ .‬فالرب ف التحليل الفلسفي؛‬
‫عبارة عن كثرة من الوادث‪ ,‬ل تتوحد ال ف اسلوب التعبي‪ .‬فالنصر غي‬
‫الزية‪ ,‬واليش النتصر غي اليش النهزم‪ ،‬والوسائل او نقاط القوة‪ ,‬الت‬
‫مهدت للنتصار‪ ,‬غي الوسائل او نقاط الضعف‪ ,‬الت أدت ال الزية‪.‬‬
‫والنتائج الاسة‪ ,‬الت أدت إليها الرب‪ ,‬ل تكن بسبب صراع ديالكتيكي‪,‬‬
‫وتناقضات موحدة‪ ,‬بل بسبب الصراع بي قوتي خارجيتي‪ ,‬وغلبة احداها‬
‫على الخرى‪.‬‬
‫‪7‬ـ تناقضات الكم‪ ,‬كما يتحدث عنها كيدروف قائل‪:‬‬
‫[ايام كانت بساطة حكم‪ ,‬ومهما بدا عاديا هذا الكم‪,‬‬
‫فهو يتوي على بذور‪ ,‬او عناصر تناقضات ديالكتية‪ ,‬تتحرك‬
‫وتنمو‪ ,‬داخل نطاق العرفة البشرية كلها](‪.)2‬‬
‫ويؤكد على ذلك ليني ف قوله‪:‬‬
‫[البدء بأية قضية كانت‪ ,‬بأبسط القضايا‪ ,‬واكثرها عادية‬
‫وشيوعا ‪ ...‬ال ‪ ...‬اوراق الشجر خضراء‪ ,‬إيفان هو‬
‫رجل‪( ,‬جوتشكا) هي كلبة ال ‪ ...‬فحت هنا ايضا‪...‬‬
‫ديالكتيك‪ .‬فالاص هو عام ‪ ...‬يعن ان الضداد ـ والاص‬
‫هو ضد العام ـ هي متماثلة ‪ ...‬وحت هنا أيضا ثة مبادئ‬
‫اولية‪ ,‬ثة مفاهيم ضرورية ثة صلة موضوعية للطبيعة‬

‫‪ 1‬ـ حول التناقض‪ :‬ص ‪ 14‬ـ ‪. 15‬‬


‫‪ 2‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬

‫‪227‬‬
‫ال ‪ ...‬فالعرضي والضروري‪ ,‬والظاهر‪ ,‬والوهر موجودة‬
‫هنا فأنا اذ اقول‪ :‬ايفان هو رجل‪ ,‬وجوتشكا هي كلبة‪,‬‬
‫وهذه ورقة شجر ال ‪ ...‬انا أنبذ سلسلة من الرواميز‪,‬‬
‫باعتبارها عرضية وافصل الوهري عن السطحي‪ ,‬واثبت‬
‫التعارض بينهما‪ .‬وهكذا ف كل قضية ـ كما ف كل‬
‫خلية ـ نستطيع ان نكشف بذور جيع عناصر الديالكتيك] (‪.)1‬‬
‫ولكن من حقنا ان نسأل ليني‪ ,‬عن صفة العموم‪ ,‬الت اسبغها على‬
‫مدلول كلمة رجل‪ ,‬فهل هي صفة للفكرة‪ ,‬الت نكونا ف ذهننا عن كلمة‬
‫رجل‪ ,‬او للواقع الوضوعي لذه الكلمة؟ ول يتاج هذا السؤال ال مزيد من‬
‫التامل‪ ,‬ليحصل على الجابة الصحيحة‪ .‬وهي ان العموم صفة الفكر ل صفة‬
‫الواقع‪ .‬ففكرتنا عن كلمة رجل تكون مفهوما عاما‪ ,‬يعب عن مسميات جزئية‬
‫كثية‪ ,‬فايفان رجل‪ ,‬وكيدروف رجل‪ ,‬وليني رجل‪ ,‬بعن ان الفكرة الت‬
‫نلكها عن لفظ الرجل‪ ,‬هي الصيلة الذهنية الشتركة لتلك الفراد‪ ,‬واما‬
‫الواقع الوضوعي للرجل فهو شيء معي مدود دائما‪ .‬واذا اخذنا هذه‬
‫اللحظة بعي العتبار‪ ,‬استطعنا ان نعرف‪ ,‬ان التناقض ف قولنا إيفان رجل‪,‬‬
‫انا يوجد اذا اردنا ان نكم على فكرتنا الاصة عن إيفان‪ ,‬بأنا نفس الفكرة‬
‫العامة‪ ,‬الت نلكها عن الرجل‪ ,‬فان هذا تناقض واضح‪ ,‬وهو ل يصح‬
‫مطلقا‪ ,‬لن الفكرة الاصة عن ايفان‪ ,‬ل يكن ان تكون هي نفس الفكرة‬
‫العامة عن الرجل‪ ,‬وال لكان العام والاص شيئا واحدا‪ ,‬كما حاوله ليني‪.‬‬
‫فنحن اذن اذا اخذنا إيفان كفكرة خاصة‪ ,‬ورجل كفكرة عامة‪ ,‬فسوف‬
‫ند انفسنا ف تناقض‪ ,‬حي ناول ان نوحد بي الفكرتي‪ ,‬ولكن قولنا‬
‫إيفان رجل‪ ,‬ل يعن ف الواقع التوحيد بي الفكرتي‪ ,‬بل التوحيد بي الواقع‬
‫الوضوعي‪ ,‬لكلمة ايفان‪ ,‬والواقع الوضوعي‪ ,‬لكلمة رجل‪ ,‬بعن ان اللفظي‬
‫واقعا موضوعيا واحدا‪ ,‬ومن الواضح ان واقع رجل ل يناقض الواقع الارجي‬
‫ليفان‪ ,‬بل هو نفسه بالذات‪ .‬فل ينطوي التوحيد بينهما على تناقض‪ ,‬وهكذا‬

‫‪ 1‬ـ النطق الشكلي والنطق الديالكتيكي ص ‪ 20‬ـ ‪. 21‬‬

‫‪228‬‬
‫يتضح ان التناقض ـ الذي زعمته الاركسية ف قضية (إيفان رجل) ـ يقوم على‬
‫أساس تفسي خاطئ للقضية‪ ,‬يعتبها توحيدا بي فكرتي احداها عامة‬
‫والخرى خاصة‪ ,‬ل بي واقعي موضوعيي‪.‬‬
‫ومرة اخرى نسـال عـن هذا التناقـض الزعوم‪ ,‬فـ قضيـة (إيفان رجـل)‪ ,‬مـا‬
‫هـي حصـيلته؟ ومـا هـو الصـراع الذي ينتـج عـن هذا التناقـض؟ ومـا هـو التطور‬
‫النب ثق ع نه؟ فان التناقضات الداخل ية تش عل ـ ف رأي الارك سية ـ ال صراع‪,‬‬
‫وتعتـب وقودا للتطور‪ ,‬فكيـف تسـتطيع الاركسـية ان تشرح لنـا‪ ,‬كيـف تتطور‬
‫قضية (إيفان رجل)‪ ,‬وهل تعود بسبب تناقضاتا على شكل آخر؟!‪.‬‬
‫ونلص من دراستنا للتناقضات الديالكتيكية الزعومة‪ ,‬ال نتيجة وهي ان كل ما‬
‫عرضته الاركسية من تناقضات‪ ,‬ف القل الفلسفي او العلمي‪ ,‬أوالجالت‬
‫العتيادية العامة‪ ,‬ليست من التناقض‪ ,‬الذي يرفضه البدأ الساسي للمنطق‬
‫اليتافيزيقي‪.‬ول‬
‫يكن ان تعتب دليل على تفنيد هذا البدأ‪ ,‬بل لتعدوأن تكون كمعارضات (أوبوليدس)‬
‫اللطي قبل ألفي سنة‪ ,‬لبدأ عدم تناقض‪ .‬فقد كان يرد على هذا البدأ قائل‪ :‬إذا تقدم‬
‫ابوك اليك‪ ,‬وكان مقنعا فانك ل تعرفه‪ .‬اذن انت تعرف اباك‪ ,‬ول تعرفه ف آن واحد‪.‬‬
‫ومن البديهي ان هذه اللوان من العارضة الساذجة‪ ,‬ل يكن ان تطم البدأ الضروري‬
‫العام‪ ,‬ف التفكي البشري‪ ,‬مبدأ عدم التناقض‪.‬‬
‫والقيقة الت تبيناها ف عدة من امثلة التناقض الديالكتيكي‪ ,‬هي الصراع‬
‫والتفاعل بي الضداد الارجية‪ .‬وقد عرفنا فيما سبق ان هذا اللون من‬
‫التفاعل بي الضداد‪ ,‬ليس من ميزات الديالكتيك‪ ,‬بل هو من مقررات‬
‫اليتافيزيقية‪ ,‬كما عرفناها ف نصوص أرسطو‪.‬‬
‫ولو اردنا ان نقطع النظر‪ ,‬عن اخطاء الاركسية ف فهم التناقض‪ ,‬وفشلها‬
‫ف ماولت الستدلل‪ ,‬على قانون الديالكتيك‪ ,‬فسوف ند مع ذلك ان‬
‫التناقض الدياكت ل يقدم لنا تفسيا مقبولً للعال‪ ,‬ول يكن فيه التعليل‬
‫الصحيح‪ ,‬كما سوف نتبي ذلك ف الزء الرابع من هذه السالة (الادة وال)‪.‬‬
‫(‪)1‬‬
‫ومن الطريف ان نشي ال مثل للتناقض قدمه احد الكتاب الحدثي‬

‫‪ 1‬ـ ممد عبد الرحن مرحبا‪ ,‬السالة الفلسفية ص ‪. 103‬‬

‫‪229‬‬
‫ل ان مبدأ عدم التناقض يقرر ان كل كمية اما‬
‫لتزييف مبدأ عدم التناقض قائ ً‬
‫ان تكون متناهية او غي متناهية ول يكن ان تكون متناهية وغي متناهية ف‬
‫وقت واحد لستحالة التناقض‪ ,‬فاذا كان المر كذلك فان نصف كمية متناهية‬
‫يب ان تكون متناهية دائما‪ ,‬أنا ل يكن ان تكون ل متناهية‪ ,‬وال كان‬
‫مموع كميتي ل متناهيتي متناهيا وهذا خلف‪ ,‬ففي السلسلة الحتوية على‬
‫الكميات‪.‬‬
‫‪1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪1 1 1‬‬
‫ـ ‪ ،‬ـ ‪ ،‬ـ ‪ ،‬ــ ‪ ،‬ــ‬

‫الت لكل واحدة منها نصف الكمية السابقة يب ان يكون كل جزء منها‬
‫متناهيا مهما امتدت السلسلة‪ ,‬فاذا استمرت ال غي ناية كان لدينا تتابع‬
‫لمتناه من كميات كل واحدة منها متناهية فمجموع اجزاء السلسلة هو الن‬
‫مموع عدد ل متناه لكميات متناهية‪ ,‬وهكذا فل بد ان يكون ل متناهيا‪,‬‬
‫ولكن قليل من علم الساب يظهر لنا انه متناه اذ هو (‪.)2‬‬
‫وهكذا يريد الكاتب ان يستنتج ان التناقض بي التناهي وغي التناهي‬
‫سح للقطبي التناقضي ان يتمعا ف كمية واحدة‪ ,‬ولكن فاته ان الكمية‬
‫الت ليست متناهية ف مثاله هي غي الكمية التناهية فل تناقض ال ان الكمية‬
‫واحدة هي متناهية وغي متناهية بالرغم من مبدأ عدم التناقض‪ ,‬كما ياول ان‬
‫يستنتج‪.‬‬
‫وذلك ان هذه الكميات الت افترضها ف السلسلة وكان لكل واحدة منها‬
‫نصف الكمية السابقة‪ ,‬يكننا ان ناخذها با هي وحدات لنعدها كما نعد‬
‫وحدات الوز او كما نعد حلقات سلسلة حديدية طويلة‪ .‬وف هذه الالة‬
‫سوف نواجه عددا ل يتناهى من الوحدات‪ ,‬فالعدد الصحيح (‪ )1‬هو الوحدة‬
‫‪1‬‬ ‫الوحدة الثالثة‪ .‬وهكذا‬
‫الول والكسر هو الوحدة الثانية والكسر هو ‪1‬‬
‫ـ‬ ‫ـ‬

‫‪230‬‬
‫يزيد الجموع واحدا بعد واحد ال غي ناية فليس أمامنا ونن نمع تلك‬
‫العداد كوحدات (‪ )2‬وانا نواجه عددا هائل ل ينتهي‪ ,‬واما اذا اردنا ان‬
‫نمع الكميات الت ترمز اليها تلك العداد فسوف نصل على (‪ )2‬فقط لن‬
‫الجموع الرياضي لتلك الكميات التناقصة هو ذلك‪ ,‬فغي التناهي اذن هو‬
‫كمية نفس العداد التعاطفة با هي وحدات نمع بعضها ال بعض كما‬
‫نمع قلما ال قلم او جوزة ال جوزة‪ ,‬والتناهي ليس هو كمية العداد‬
‫التعاطفة بوصفها وحدات واشياء يكن جعها بل الكميات الت ترمز اليها تلك‬
‫العداد‪ ,‬وبكلمة اخرى هناك كميتان احداها كمية نفس العداد با هي‬
‫وحدات‪ ,‬والخرى كمية مدلولتا الرياضية باعتبار ان كل عدد ف السلسلة‬
‫يرمز ال كمية معينة‪ ,‬والول غي متناهية ومن الستحيل ان تتناهى والثانية‬
‫متناهية ومن الستحيل ان تكون غي متناهية‪.‬‬
‫ڤ‪...............................‬الدف السياسي من الركة التناقضية‬
‫الركة والتناقض ـ وها الطان الدليان‪ ,‬اللذان نقدناها بكل‬
‫تفصيل ـ يشكلن معا قانون الركة الديالكتيكية‪ ,‬او قانون التناقض الركي‪,‬‬
‫التطور على اسس الديالكتيك‪ ,‬ابدا ودائما‪.‬‬
‫وقد تبنت الاركسية هذا القانون‪ ,‬بصفته الناموس البدي للعال‪.‬‬
‫واستهدفت من ورائه ان تستثمره ف القل السياسي لصالها الاص‪ .‬فكان‬
‫العمل السياسي هو الدف الول‪ ,‬الذي فرض على الاركسية ان تصبه ف‬
‫قالب فلسفي‪ ,‬يساعدها على انشاء سياسي جديد للعال كله‪ .‬وقد قالا‬
‫ماركس ف شيء من التلطيف‪:‬‬
‫[ان الفلسفة ل يفعلوا شيئا‪ ,‬غي تأويل العال‪ ,‬بطرق‬
‫متلفة‪ ,‬بيد ان المر هو امر تطويره](‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ كارل ماركس ص ‪ ,21‬وهذه هي الديالكتيكية ص ‪. 78‬‬

‫‪231‬‬
‫فالسألة اذن هي مسألة التطوير السياسي القترح‪ ,‬الذي ل بد ان يد‬
‫منطقا مبرا له‪ ,‬وفلسفة يرتكز على قوائمها‪ .‬ولذلك كانت الاركسية تضع‬
‫القانون‪ ,‬الذي يتفق مع مططاتا السياسية‪ ,‬ث تفتش ف اليادين العلمية عن‬
‫دليله‪ ,‬مؤمنة سلفا ـ وقبل كل دليل ـ بضرورة تبن ذلك القانون‪ ,‬ما دام يلقي‬
‫شيئا من الضوء على طريق العمل والكفاح‪ .‬ويسن بنا ان نستمع بذه الناسبة‬
‫لنلز‪ ,‬وهو يدث عن بوثه الت قام با ف كتابه ضد دوهرنك‪:‬‬
‫[وغن عن البيان‪ ,‬بانن كنت قد عمدت ال سرد‬
‫الواضيع‪ ,‬ف الرياضيات والعلوم الطبيعية‪( ,‬سردا عاجلً)‬
‫وملخصا‪ ,‬بغية ان اطمئن تفصيل ـ ال ما ل اكن ف شك منه‬
‫بصورة عامة ـ ال ان نفس القواني الديالكتيكية للحركة‪,‬‬
‫الت تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث ف التاريخ‪ ,‬تشق‬
‫طريقها ف الطبيعة](‪.)1‬‬
‫ففي هذا النص تلخص الاركسية لنا اسلوبا‪ ,‬ف ماولتا الفلسفية‪,‬‬
‫وكيف وثقت كل الوثوق‪ ,‬باستكشاف قواني العال‪ ,‬وآمنت بصحتها‪ .‬قبل ان‬
‫تتبي مدى واقعيتها‪ ,‬ف الجالت العلمية والرياضية‪ ,‬ث حرصت بعد ذلك‬
‫على ان تطبقها على تلك الجالت‪ ,‬وتضع الطبيعة للديالكتيك ف (سرد‬
‫عاجل) ـ على حد تعبي أنلز ـ مهما كلفها المر‪ ,‬ولو اثار ذلك احتجاج علماء‬
‫الرياضيات او الطبيعيات انفسهم‪ ,‬كما يعترف بذلك أنلز ف عبارة قريبة من‬
‫النص الذي نقلناه‪.‬‬
‫ولا كان الغرض الساسي من انشاء هذا النطق الديد‪ ,‬اياد سلح‬
‫فكري للماركسية ف معركتها السياسية‪ ,‬فمن الطبيعي اذن ان تبدأ ـ اول وقبل‬
‫كل شيء ـ بتطبيق القانون الديالكتيكي‪ ,‬على القل السياسي والجتماعي‪.‬‬
‫فقد فسرت الجتمع بكل اجزائه‪ ,‬طبقا لقانون الركة التناقضية‪ ,‬او التناقض‬
‫الركي واخضعته للديالكتيك‪ ,‬الذي هو ف زعمها قانون الفكر والعال‬

‫الارجي معا‪ .‬فافترضت ان الجتمع يتطور ويتحرك‪ ,‬طبقا للتناقضات الطبقية‬


‫الحتواة ف داخله‪ ,‬ويتخذ ف كل دور من ادوار التطور شكلً اجتماعيا‬

‫‪ 1‬ـ ضد دونرنك‪ :‬القتصاد السياسي ص ‪. 193‬‬

‫‪232‬‬
‫جديدا‪ ,‬ينسجم مع الوجود الطبقي الغالب ف الجتمع‪ ,‬ويبدأ الصراع بعد‬
‫ذلك من جديد‪ ,‬على أساس التناقضات الحتواة ف ذلك الشكل‪ .‬وترتيبا على‬
‫ذلك استنتجت الاركسية ان الحتوى التحليلي للمجتمع الراسال‪ ,‬هو‬
‫الصراع بي التناقضات‪ ,‬الت ينطوي عليها‪ ,‬بي الطبقة العاملة من ناحية‪,‬‬
‫والطبقة الرأسالية من ناحية اخرى‪ .‬وان هذا الصراع يد الجتمع بالركة‬
‫التطورية‪ ,‬الت سوف تل التناقض الراسال‪ ,‬حي تسلم القيادة ال الطبقة‬
‫العاملة‪ ,‬التمثلة ف الزب القائم على أساس الادية الديالكتيكية‪ ,‬والذي‬
‫يستطيع ان يتبن مصالها باسلوب علمي رصي‪.‬‬
‫ونن ل نريد ـ الن ـ ان نناقش الاركسية ف تفسيها الديالكتيكي‬
‫للمجتمع وتطوراته‪ ,‬هذا التفسي الذي ينهار طبيعيا‪ ,‬بنقد الديالكتيك كمنطق‬
‫عام وتزييفه‪ ,‬كما حققناه ف دراستنا هذه‪ ,‬فان الادية التاريية‪ ,‬سوف نصها‬
‫بدراسة نقدية مفصلة ف كتاب متمعنا او اقتصادنا (‪ .)1‬وانا نرمي الن ال‬
‫توضيح نقطة مهمة‪ ,‬ف هذا التطبيق الجتماعي للديالكتيك‪ ,‬يس النطق‬
‫الديالكت نفسه بصورة عامة‪ ,‬وهذه النقطة هي ان التطبيق الجتماعي‬
‫والسياسي للديالكتيك‪ ,‬على النحو الذي تقوم به الاركسية‪ ,‬يؤدي ال نفض‬
‫الديالكتيك راسا‪ .‬فان الركة التطويرية للمجتمع‪ ,‬اذا كانت تستمد وقودها‬
‫الضروري من الصراع الطبقي بي التناقضات‪ ,‬الت يضمها اليكل‬
‫الجتماعي العام‪ .‬واذا كان هذا التعليل التناقضي للحركة‪ ,‬هو التفسي‬
‫الوحيد للتاريخ والجتمع‪ ,‬فسوف تسكن الركة ف ناية الطاف حتما‪ ,‬وتصبح‬
‫فوارق التناقضات‪ ,‬وحياتا الركية سكونا وجودا‪ .‬ذلك ان الاركسية تعتب‬
‫الرحلة الت تتوفر على انشائها‪ ,‬وتاول ايصال الركب البشري اليها‪ ,‬هي‬
‫الرحلة الت تنعدم فيها الطبقية‪ ,‬ويعود الجتمع فيها متمع الطبقة الواحدة‪.‬‬

‫واذا قضي على التنوع الطبقي ف الجتمع الشتراكي القترح‪ ,‬انطفأت شعلة‬
‫الصراع‪ ,‬وتلشت الركات التناقضية نائيا‪ ,‬وجد الجتمع على شكل ثابت ل‬
‫ييد عنه‪ ,‬لن الوقود الوحيد للتطور الجتماعي ـ ف رأي الاركسية ـ هو‬
‫اسطورة التناقض الطبقي‪ ,‬الت اخترعها‪ ,‬فاذا زال هذا التناقض‪ ,‬كان معن‬

‫‪ 1‬ـ وقد صدر كتاب (اقتصادنا) وهو يستوعب اوسع دراسة للمادية التاريية ف‬
‫ضوء السس الفلسفية وف ضوء الجرى العام لتاريخ النسانية ف واقع الياة‪.‬‬

‫‪233‬‬
‫ذلك ترر الجتمع من اسر الديالكتيك‪ ,‬فيتنحى الدل عن مقام السيطرة‬
‫والتحكم ف العال‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ان تفسي الاركسية للتطور الجتماعي‪ ,‬على اساس‬
‫التناقض الطبقي‪ ,‬والصول الديالكتيكية‪ ,‬يؤدي ال فرض حد نائي لذا‬
‫التطور‪ ,‬وعلى العكس من ذلك ما اذا وضعنا جذوة التطور‪ ,‬او وقود الركة‬
‫ف الوعي او الفكر‪ ,‬او أي شيء غي التناقض الطبقي‪ ,‬الذي تتخذه الاركسية‬
‫رصيدا عاما‪ ,‬لميع التطورات والركات‪.‬‬
‫افليس من الدير بعد هذا‪ ,‬ان ننعت التفسي الديالكت للتاريخ‬
‫والجتمع‪ ,‬بانه هو وحده التفسي الذي يتم على البشرية المود والثبات‪,‬‬
‫دون التفسي الذي يضع رصيد التطور ف معي ل ينضب‪ .‬وهو الوعيي‬
‫بختلف الوانه؟!‪.‬‬
‫ودع عنك بعد هذا ما من به التطور الديالكت للفكر البشري الذي‬
‫تتشدق به الاركسية‪ ,‬من تميد على يد الاركسية نفسها حي اتذ الديالكتيك‬
‫حقيقة مطلقة‪ ,‬ول نائية للعال‪ ,‬وتبنته الدولة مذهبا رسيا‪ ,‬فوق كل بث‬
‫وجدال ومرجعا اعلى يب اخضاع كل علم ومعرفة له‪ ,‬وتجي كل فكر او‬
‫جهد ذهن‪ ,‬ل ينسجم معه ول ينطلق من عنده فعادت الفكار البشرية ف‬
‫متلف مالت الياة اسية منطق خاص‪ ,‬واصبحت الواهب والمكانات‬
‫الفكرية‪ ,‬مضغوطة كلها ف الدائرة الت رسها للبشرية فلسفة الدولة‬
‫الرسيون ‪...‬‬
‫اما كيف ندحض اسطورة التناقض الطبقي وكيف نكشف الستار عن‬
‫مغالطات الدل الاركسي‪ ,‬ف تعيي تناقضات اللكية‪ ,‬وكيف نقدم التفسي‬

‫الصحيح للمجتمع والتاريخ؟ فهذا ما نقوم به ف حلقات قادمة ان شاء ال‬


‫تعال (‪.)1‬‬
‫○ ‪3‬ـ قفزات التطور ○‬
‫قال ستالي‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ ل حظ كتاب (اقتصادنا) للمؤلف‪.‬‬

‫‪234‬‬
‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزيقية‪ ,‬ل يعتب حركة‬
‫التطور حركة نو بسيطة‪ ,‬ل تؤدي التغيات الكمية فيها ال‬
‫تغيات كيفية‪ ,‬بل يعتبها تطورا ينتقل من تغيات كمية‬
‫ضئيلة‪ ,‬وخفية‪ ,‬ال تغيات الكيفية ليست تدريية‪ ,‬بل هي‬
‫كيفية‪ .‬وهذه التغيات الكيفية ليست تدريية‪ ,‬بل هي‬
‫سريعة فجائية‪ ,‬وتدث بقفزات‪ ,‬من حالة ال اخرى‪,‬‬
‫وليست هذه التغيات جائزة الوقوع‪ ,‬بل هي ضرورية‪ ,‬وهي‬
‫نتيجة تراكم تغيات كمية غي مسوسة‪ ,‬وتدريية‪ .‬ولذلك‬
‫تعتب الطريقة الديالكتيكية‪ ,‬ان من الواجب فهم حركة‬
‫التطور ل من حيث هي حركة دائرية‪ ,‬او تكرار بسيط‬
‫للطريق ذاته‪ ,‬بل من حيث هي حركة تقدمية صاعدة‪,‬‬
‫وانتقال من الالة الكيفية القدية ال حالة كيفية جديدة] (‪.)1‬‬
‫يقرر الديالكتيك ف هذا الط‪ ,‬ان التطور الديالكتيكي للمادة لونان‪:‬‬
‫احدها تغي كمي تدريي‪ ,‬يصل ببطء‪ ,‬والخر تغي نوعي فجائي‪ ,‬يصل‬
‫بصورة دفعية‪ ,‬نتيجة للتغيات الكمية التدرجة‪ ,‬بعن ان التغيات‬
‫الكمية ـ حي تبلغ نقطة النتقال ـ تتحول من كمية ال كيفية جديدة‪.‬‬

‫وليس هذا التطور الديالكت حركة دائرية للمادة‪ ,‬ترجع فيها ال نفس‬
‫مبدئها‪ ,‬بل هي حركة تكاملية صاعدة ابدا ودائما‪.‬‬
‫وحي يعترض على الاركسية هنا‪ ,‬بان الطبيعة قد تتحرك حركات دائرية‪,‬‬
‫كما ف الثمرة الت تتطور ال شجرة‪ ,‬ث تعود بالتال ال ثرة كما كانت‪ ,‬تيب‬
‫بأن هذه الركة هي ايضا تكاملية‪ ,‬وليست دائرية‪ ,‬كالركات الت يرسها‬
‫الفرجال‪ ,‬غي ان مرد التكامل فيها ال الناحية الكمية ل الكيفية‪ ,‬فالثمرة وان‬
‫عادت ف ناية شوطها الصاعد ثرة ايضا‪ ,‬غي انا تكاملت تكامل كميا‪ ,‬لن‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪ 8‬ـ ‪. 9‬‬

‫‪235‬‬
‫الشجرة ـ الت انبثقت عن ثرة واحدة ـ افرغت من مئات الثمرات‪ ,‬فلم‬
‫يتحقق رجوع للحركة أبدا‪.‬‬
‫وقبل كل شيء يب ان نلحظ الدف الكامن وراء هذا الط الديالكت‬
‫الديد‪ ,‬فقد عرفنا ان الاركسية تضع الطة العملية‪ ,‬للتطوير السياسي‬
‫الطلوب‪ ,‬ث تفتش عن البرات النطقية والفلسفية لتلك الطة‪ ,‬فما هو‬
‫التصميم الذي انشىء هذا القانون الديالكت لسابه؟‪.‬‬
‫ومن اليسور جدا الواب على هذا السؤال‪ ,‬فان الاركسية رأت ان‬
‫الشيء الوحيد الذي يشق الطريق ال سيطرتا السياسية‪ ,‬او ال السيطرة‬
‫السياسية للمصال الت تتبناها‪ ,‬هو النقلب‪ .‬فذهبت تفحص عن مستمسك‬
‫فلسفي لذا النقلب فلم تده ف قانون الركة والتناقض‪ ,‬لن هذين‬
‫القانوني انا يتمان على الجتمع ان يتطور‪ ,‬تبعا للتناقضات التوحدة فيه‪.‬‬
‫واما طريقة التطور ودفعيته‪ ,‬فل يكفي مبدأ الركة التناقضية ليضاحها‪.‬‬
‫ولذلك صار من الضروري ان يوضع قانون آخر‪ ,‬ترتكز عليه فكرة‬
‫النقلب‪ .‬وكان هذا القانون هو قانون قفزات التطور‪ ,‬القائل بتحولت‬
‫دفعية للكمية ال كيفية‪ .‬وعلى أساس هذا القانون ل يعد النقلب جائزا‬
‫فحسب‪ ,‬بل يكون ضروريا وحتميا‪ ,‬بوجب القواني الكونية العامة‪.‬‬
‫فالتغيات الكمية التدريية ف الجتمع تتحول‪ ,‬بصورة انقلبية ف منعطفات‬
‫تاريية كبى ال تغي نوعي‪ .‬فيتهدم الشكل الكيفي القدي للهيكل‬
‫الجتماعي العام‪ ,‬ويتحول ال شكل جديد‪.‬‬

‫هكذا يصبح من الضروري ـ ل من الستحسن فقط ـ ان تنفجر تناقضات‬


‫البناء الجتماعي العام‪ ,‬عن مبدأ انقلب جارف‪ ,‬تقصى فيه الطبقة السيطرة‬
‫سابقا‪ ,‬الت اصبحت ثانوية ف عملية التناقض‪ ,‬ويكم بابادتا‪ ,‬ليفسح مال‬
‫السيطرة للنقيض الديد‪ ,‬الذي رشحته التناقضات الداخلية‪ ,‬ليكون الطرف‬
‫الرئيسي ف عملية التناقض‪ .‬قال ماركس وانلز‪:‬‬
‫[ول يتدن الشيوعيون ال إخفاء آرائهم‪ ,‬ومقاصدهم‪,‬‬
‫ومشاريعهم‪ ,‬يعلنون صراحة ان اهدافهم ل يكن بلوغها‬

‫‪236‬‬
‫وتقيقها‪ ,‬ال بدم كل النظام الجتماعي التقليدي‪ ,‬بالعنف‬
‫والقوة](‪.)1‬‬
‫وقال ليني‪:‬‬
‫[ان الثورة البوليتارية غي مكنة بدون تطيم جهاز‬
‫الدولة البورجوازي بالعنف](‪.)2‬‬
‫وما على الاركسية بعد ان وضعت قانون القفزات التطويرية‪ ,‬ال ان‬
‫تفحص عن عدة أمثلة (فتسردها سردا عاجلً‪ ,‬على حد تعبي أنلز) للتدليل‬
‫با على القانون الزعوم‪ ,‬بعمومه وشوله‪ .‬وهذا ما قامت به الاركسية تاما‪,‬‬
‫فقدمت لنا عددا من المثلة‪ ,‬واقامت على اساسها قانونا العام‪.‬‬
‫ومن هاتيك المثلة الت ضربتها عليه‪ ,‬هو مثال الاء‪ ,‬حي يوضع على‬
‫النار‪ ,‬فترتفع درجة حرارته بالتدريج‪ ,‬وتدث بسبب هذا الرتفاع التدريي‪,‬‬
‫تغيات كمية بطيئة‪ ,‬ول يكون لذه التغيات ف بادئ المر‪ ,‬تاثي ف حالة‬
‫الاء‪ ,‬من حيث هو سائل‪ ,‬ولكن اذا زيدت حرارته ال درجة (‪ )100‬فسوف‬
‫ينقلب ف تلك اللحظة‪ ,‬عن حالة السيلن ال الغازية‪ ,‬وتتحول الكمية ال‬
‫كيفية‪ ,‬وهكذا المر اذا هبطت درجة حرارة الاء ال الصفر‪ ,‬فان الاء سوف‬
‫يتحول ف آن واحد ويصبح جليدا (‪.)3‬‬

‫ويستعرض انلز امثلة اخرى على قفزات الديالكتيك‪ ,‬من الوامض‬


‫العضوية ف الكيمياء‪ ,‬الت تتص كل واحدة منها بدرجة معينة‪ ,‬لنصهارها او‬
‫غليانا‪ ,‬وبجرد بلوغ السائل تلك الدرجة‪ ,‬يقفز ال حالة كيفية جديدة‪.‬‬
‫فحامض النمليك ـ مثل ـ درجة غليانه (‪ ,)100‬ودرجة انصهاره (‪.)15‬‬
‫(‪)4‬‬
‫وحامض الليك نقطة غليانه (‪ ,)118‬ونقطة انصهاره (‪ .)17‬وهكذا ‪..‬‬
‫فالركبات (اليدروكاربونية)‪ ,‬تري طبقا لقانون القفزات والتحولت الدفعية‪,‬‬
‫ف غليانا وانصهارها‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ البيان الشيوعي‪ :‬ص ‪. 8‬‬


‫‪ 2‬ـ اسس اللينينية‪ :‬ص ‪. 66‬‬
‫‪ 3‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪ 211‬ـ ‪ 212‬الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪.10‬‬
‫‪ 4‬ـ ضد دوهرنك‪ :‬ص ‪. 214‬‬

‫‪237‬‬
‫ونن ل نشك ف ان التطور الكيفي‪ ,‬ف جلة من الظواهر الطبيعية‪ ,‬يتم‬
‫بقفزات ودفعات آنية‪ ,‬كتطور الاء ف الثال الدرسي السابق الذكر‪ ,‬وتطور‬
‫الوامض العضوية (الكربونية) ف حالت الغليان والنصهار وكما ف جيع‬
‫الركبات‪ ,‬الت تكون طبيعتها وخواصها متعلقة بالنسبة الت يتألف بسبها كل‬
‫منها‪ .‬ولكن ليس معن ذلك‪ ,‬ان من الضروري دائما‪ ,‬وف جيع الجالت‪,‬‬
‫ان يقفز التطور ف مراحل معينة‪ ,‬ليكون تطورا كيفيا‪ .‬ول تكفي عدة امثلة‬
‫للتدليل العلمي او الفلسفي‪ ,‬على حتمية هذه القفزات ف تاريخ التطور‪,‬‬
‫وخصوصا حي تنتقيها الاركسية انتقاء‪ ,‬وتمل المثلة الت كانت تستعملها‬
‫ليضاح قانون آخر من قواني الديالكتيك‪ ,‬ل لشيء ال لنا ل تتفق مع هذا‬
‫القانون الديد‪ .‬فقد كانت الاركسية تثل لتناقضات التطور‪ ,‬بالرثومة الية ف‬
‫داخل البيضة‪ ,‬الت تنح ال ان تكون فرخا (‪ )1‬وبالبذرة الت تنطوي على‬
‫نقيضها‪ ,‬فتتطور بسبب الصراع ف متواها الداخلي‪ ,‬فتكون شجرة‪ .‬أفليس‬
‫من حقنا ان نطالب الاركسية باعادة النظر ف هذه المثلة‪ ,‬لكي نعرف كيف‬
‫تستطيع ان تشرح لنا قفزات التطور فيها؟ فهل صيورة البذرة شجرة‪ ,‬او‬
‫الرثومة فرخا (تطور تزال آنت تز)‪ ,‬او صيورة الفرخ دجاجة (تطور آنت تز‬
‫ال سنتز)‪ ,‬تتأتى بقفزة من قفزات التطور الديالكتيكية‪ ,‬فتتحول الرثومة ف‬
‫آن واحد ال فرخ‪ ,‬والفرخ ال دجاجة‪ ,‬والبذرة ال شجرة‪ ,‬وان هذه‬

‫الصيورات تصل بركة تدريية متصاعدة‪ .‬وحت ف الواد الكيماوية القابلة‬


‫للنصهار‪ ,‬ند اللوني من التطور معا‪ .‬فكما يصل فيها التطور بقفزة‪,‬‬
‫كذلك قد يصل بصورة تدريية‪ .‬فنحن نعلم ـ مثل ـ ان الواد التبلورة تتحول‬
‫من حال الصلبة‪ ,‬ال حالة السيولة بصورة فجائية‪ ,‬كالليد الذي تساوي‬
‫حرارة انصهاره (‪ )80‬سعرة‪ ,‬فتتحول عند ذاك دفعة واحدة ال سائل‪ .‬وعلى‬
‫عكس ذلك الواد غي التبلورة‪ ,‬كالزجاج وشع العسل‪ ,‬فانا ل تنصهر ول‬
‫تتحول كيفيا‪ ,‬بصورة دفعية‪ ,‬وانا يتم انصهارها تدرييا‪ .‬فالشمع ـ مثل ـ‬
‫ترتفع حرارته اثناء عملية النصهار‪ ,‬حت اذا بلغت درجة معينة خفت فيه‬
‫صلبة الشمع‪ ,‬وبدا يلي ويسترخي بصورة تدريية مستقلة عن سائر الشياء‬

‫‪ 1‬ـ هذه هي الديالكتيكية‪ :‬مبادئ الفلسفة الولية‪ ,‬لورج بوليتزر ص ‪. 10‬‬

‫‪238‬‬
‫الخرى‪ .‬ويتدرج ف حالة الليونة فل هو بالصلب ول هو بالسائل‪ ,‬حت‬
‫يستحيل مادة سائلة‪.‬‬
‫ولناخذ مثل آخر من الظواهر الجتماعية وهو اللغة بوصفها ظاهرة تتطور‬
‫وتتحول ول تضع لقانون الديالكتيك فان تاريخ اللغة ل يدثنا عن تولت‬
‫كيفية آنية ف سيها التاريي وانا يعب عن تولت تدريية ف اللغة من‬
‫الناحية الكمية التدريية ال تغي دفعي حاسم لكنا نستطيع ان نضع اصابعنا‬
‫على نقاط فاصلة ف حياة اللغة‪ ,‬تتحول فيها من شكل ال شكل نتيجة‬
‫للتغيات الكمية البطيئة‪ ,‬وهذا ما ل نده ف كل اللغات الت عاشها‬
‫النسان واستخدمها ف حياته الجتماعية‪.‬‬
‫فنستطيع ان نعرف اذن‪ ,‬على ضوء مموعة ظواهر الطبيعة‪ ,‬ان القفزة‬
‫والدفعة ليستا ضروريتي للتطور الكيفي‪ ,‬وان التطور كما يكون دفعيا‪ ,‬يكون‬
‫تدرييا ايضا‪.‬‬
‫ولنأخذ بعد ذلك الثال الدرسي السابق‪ ,‬مثال الاء‪ ,‬ف انماده وغليانه‪,‬‬
‫فنلحظ عليه‪:‬‬
‫اولً‪ :‬ان الركة التطويرية الت يتويها الثال‪ ,‬ليست حركة ديالكتيكية لن‬
‫التجربة ل تبهن على انبثاقها‪ ,‬عن تناقضات الحتوى الداخلي للماء‪ ,‬كما‬

‫تفرضه تناقضات التطور ف الديالكتيك‪ .‬فنحن جيعا نعلم ان الاء لول الرارة‬
‫الارجية‪ ,‬لبقي الاء‪ ,‬ولا تطور ال غاز‪ ,‬فلم يتم التطور النقلب للماء اذن‬
‫بصورة ديالكتيكية‪ .‬فاذا اردنا ان نعتب القانون‪ ,‬الذي يتحكم ف النقلبات‬
‫الجتماعية هو نفس القانون الذي يتم بوجبه النقلب الدفعي ف الاء‪ ,‬او ف‬
‫سائر الركبات الكيمياوية ـ كما تاول الاركسية ـ لدى ذلك ال نتيجة مغايرة‬
‫لا‬
‫رمت اليه‪ ,‬اذ تصبح القفزات التطورية ف النظام الجتماعي‪ ,‬انقلبات‬
‫منبثقة عن عوامل خارجية‪ ,‬ل عن مرد التناقضات الحتواة ف نفس النظام‪,‬‬
‫وتزول صفة التمية عن تلك القفزات‪ ,‬وتكون غي ضرورية اذا ل تكتمل‬
‫العوامل الارجية‪.‬‬

‫‪239‬‬
‫ومن الواضح اننا كما يكننا ان نتحفظ على حالة السيلن للماء‪ ,‬ونبعده‬
‫عن العوامل الت تعله يقفز ال حالة الغازية‪ ,‬كذلك يصبح بالمكان الفاظ‬
‫على النظام الجتماعي‪ ,‬والبتعاد به عن السباب الارجية‪ ,‬الت تكتب عليه‬
‫الفناء‪ .‬وهكذا يتضح ان تطبيق قانون ديالكت واحد‪ ,‬على التطورات الدفعية‬
‫للماء‪ ,‬ف غليانه وتمده‪ ,‬وعلى الجتمع ف انقلباته‪ ,‬يسجل نتائج معكوسة لا‬
‫يترقب الديالكتيك‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان الركة التطورية ف الاء ليست حركة صاعدة‪ ,‬بل هي حركة‬
‫دائرية‪ ,‬يتطور فيها الاء ال بار‪ ,‬ويعود البخار كما كان‪ .‬دون ان ينتج عن‬
‫ذلك تكامل كمي او كيفي‪ .‬فاذا اعتبت هذه الركة ديالكتيكية‪ ,‬كان معناه‬
‫انه ليس من الضروري‪ ,‬ان تكون الركة صاعدة وتقدمية دائما‪ ,‬ول من‬
‫الحتوم ان يكون التطور الديالكت‪ ,‬ف ميادين الطبيعة‪ ,‬او الجتماع تكامليا‬
‫وارتقائيا‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان نفس القفزة التطورية للماء ال غاز‪ ,‬الت حققها بلوغ الرارة‬
‫درجة معينة‪ ,‬ل يب ان تستوعب الاء كله ف وقت واحد‪ .‬فان كل انسان‬
‫يعلم ان البحار والحيطات‪ ,‬تتبخر كميات متلفة من مياهها تبخرا تدرييا‪,‬‬
‫ول تقفز بجوعها مرة واحدة ال الالة الغازية‪ .‬وهذا ينتج ان التطور‬
‫الكيفي ـ ف الجالت الت يكون فيها دفعيا ـ ل يتحتم ان يتناول الكائن‬

‫التطور ككل‪ ,‬بل قد يبدأ باجزائه فيقفز با ال حالة الغازية‪ ,‬وتتعاقب‬


‫القفزات وتتكرر الدفعات‪ ,‬حت يتحول الجموع‪ .‬وقد ل يستطيع التحول‬
‫الكيفي ان يشمل الجموع‪ ,‬فيبقى مقصورا على الجزاء‪ ,‬الت توفرت فيها‬
‫الشروط الارجية للنقلب‪ .‬واذا كان هذا هو كل ما يعينه القانون الديالكت‬
‫بالنسبة ال الطبيعة‪ ,‬فلماذا يب ان تفرض القفزة ف اليدان الجتماعي على‬
‫النظام ككل؟! ولاذا يلزم ف الناموس الطبيعي للمجتمعات‪ ,‬ان يهدم الكيان‬
‫الجتماعي ف كل مرحلة بانقلب دفعي شامل؟! ولاذا ل يكن ان تتخذ‬
‫القفزة الديالكتيكية الزعومة ف القل الجتماعي‪ ,‬نفس اسلوبا ف القل‬
‫الطبيعي‪ ,‬فل تس ال الوانب الت توفرت فيها شروط النقلب‪ ,‬ث تتدرج‬
‫حت يتحقق التحول العام ف ناية المر؟!‪.‬‬

‫‪240‬‬
‫واخيا فان تول الكمية ال كيفية ل يكن ان نطبقه بأمانة على مثال‬
‫الاء‪ ,‬الذي يتحول ال غاز او جليد وفقا لصعود درجة الرارة فيه‪ .‬وهبوطها‬
‫كما صنعت الاركسية‪ ,‬لن الاركسية اعتبت الرارة كمية والغاز او الليد‬
‫كيفية‪ ,‬فقررت ان الكمية ف الثال تولت ال كيفية وهذا الفهوم الاركسي‬
‫للحرارة او للغاز والليد ل يقوم على اساس‪ ,‬لن التعبي الكمي عن الرارة‬
‫الذي يستعمله العلم حي يقول ان درجة حرارة الاء مئة او خسة ليس هو‬
‫جوهر الرارة وانا هو مظهر للسلوب العلمي ف رد الظواهر الطبيعية ال‬
‫كميات ليسهل ضبطها وتديدها‪ .‬فعلى أساس الطريقة العلمية ل تعتب الرارة‬
‫الشياء‪ ,‬يكن ان تعتب الرارة كمية‪ ,‬غي ان الطريقة العلمية ل تعتب الرارة‬
‫ظاهرة كمية فحسب بل ان تول الاء ال بار مثل‪ ,‬يتخذ تعبيا كميا ايضا‪,‬‬
‫فهو ظاهرة كمية ف اللغة العلمية كالرارة تاما‪ ,‬لن العلم يدد النتقال من‬
‫الالة السائلة ال الغازية بضغط يكن قياسه كميا‪ ,‬او بعلقات وفواصل بي‬
‫الذرات تقاس كميا كما تقاس الرارة‪ ,‬ففي النظار العلمي اذن ل توجد ف‬
‫الثال ال كميات تتحول بعضها ال بعض‪ ,‬واما ف النظار السي أي ف‬
‫مفهومنا الذي يوحي به احساسنا بالرارة حي نغمس يدنا ف الاء‪ ,‬او‬
‫احساسنا بالغاز حي نرى الاء يتحول بارا‪ ,‬فالرارة كالغاز حالة كيفية وهي‬

‫الالة الت تبعث ف نفوسنا شيئا من النزعاج حي تكون الرارة شديدة‬


‫فالكيفية تتحول ال كيفية‪.‬‬
‫وهكذا ند ان الاء ف حرارته وتبخره ل يكن ان يعطي مثال لتحول‬
‫الكمية ال كيفية‪ ,‬ال اذا تناقضنا فنظرنا ال الرارة بالنظار العلمي وال‬
‫الالة الغازية بنظار حسي‪.‬‬
‫ويسن بنا أخيا ان نتم الديث عن قفزات التطور‪ ,‬با اتفنا به‬
‫ماركس ـ مثال له ـ ف كتابه رأس الال‪ .‬فقد ذكر انه ليس كل مقدار من‬
‫النقود قابل للتحويل ال راسال اعتباطا‪ ,‬بل ل بد لدوث هذا التحويل‪,‬‬
‫من ان يكون الالك الفردي للنقد‪ ,‬حائزا قبل ذلك على حد ادن من النقود‪,‬‬
‫يفسح له معيشة مضاعفة عن مستوى معيشة العامل العتيادي‪ .‬ويتوقف ذلك‬
‫على ان يكون ف امكانه تسخي ثانية عمال‪ .‬واخذ ف توضيح ذلك على‬
‫اساس مفاهيمه القتصادية الرئيسية من القيمة الفائضة‪ ,‬والرأسال التحول‪,‬‬

‫‪241‬‬
‫والرأسال الثابت‪ .‬فاستشهد بقضية العامل‪ ,‬الذي يشتغل ثان ساعات‪,‬‬
‫لنفسه‪ ,‬أي ف انتاج قيمة اجوره ويشتغل الساعات الربع التالية للراسال‪,‬‬
‫ف انتاج القيمة الزائدة‪ ,‬الت يربها صاحب الال‪ .‬ومن الحتم على‬
‫الراسال ف هذه الالة‪ ,‬ان يكون تت تصرفه مقدار من القيم‪ ,‬يكفي‬
‫لتمكينه من تزويد عاملي بالواد الام‪ ,‬وادوات العمل‪ ,‬والجور‪ ,‬بغية ان‬
‫يتلك يوميا قيمة زائدة‪ ,‬تكفي لتمكينه من ان يقتات با‪ ,‬كما يقتات احد‬
‫عامليه‪ .‬ولكن با ان هدف الرأسال ليس هو مرد القتيات‪ ,‬بل زيادة‬
‫الثروة‪ ,‬فان منتجنا هذا سيظل ـ بعامليه هذين ليس براسال‪ .‬ولكيما يتسن‬
‫له ان يعيش عيشة‪ ,‬تكون ف مستواها ضعف عيشة العامل العتيادي‪ ,‬مع‬
‫تويل نصف القيمة الزائدة النتجة ال راسال‪ ,‬يتحتم عليه ان يكون متمكنا‬
‫من تشغيل ثانية عمال‪.‬‬
‫واخيا علق ماركس على ذلك قائل‪ :‬وف هذا كما ف العلم الطبيعي تتأيد‬
‫صحة القانون‪ ,‬الذي اكتشفه هيجل‪ ,‬قانون تول التغيات الكمية اذ تبلغ‬

‫حدا معينا‪ ,‬ال تغيات نوعية (‪.)1‬‬


‫وهذا الثال الاركسي يدلنا بوضوح‪ ,‬على مدى التسامح الذي تبديه‬
‫الاركسية ف (سرد المثلة سردا عاجل)‪ ,‬على قوانينها الزعومة‪ .‬ولئن كان‬
‫التسامح ف كل مال خيا وفضيلة‪ ,‬فهو ف الجال العلمي ـ وخاصة عندما‬
‫يراد استكشاف اسرار الكون‪ ,‬لنشاء عال جديد‪ ,‬على ضوء تلك السرار‬
‫والقواني ـ تقصي ل يغتفر‪.‬‬
‫ول نريد الن بطبيعة الال‪ ,‬ان نتناول فعل السائل القتصادية‪ ,‬الت‬
‫يرتكز عليها الثال‪ ,‬ما يتصل بالقيمة الزائدة‪ ,‬ومفهوم الربح الرأسال لدى‬
‫ماركس وانا يهمنا التطبيق الفلسفي‪ ,‬لقانون القفزة‪ ,‬على رأس الال‪ .‬فلنقطع‬
‫النظر عن سائر النواحي‪ ,‬ونتجه ال درس هذه الناحية‪ .‬فان ماركس يذهب‬
‫ال ان النقد ير بتغيات كمية بسيطة‪ ,‬تصل بالتدريج حت اذا بلغ ربه‬
‫حدا معينا‪ ,‬حصل النقلب النوعي‪ ,‬والتحول الكيفي‪ ,‬بصورة دفعية‪,‬‬
‫واصبح النقد رأسال‪ .‬وهذا الد هو ضعف معيشة العامل العتيادي‪ ,‬بعد‬

‫‪ 1‬ـ ضد دوهرنك ص ‪. 210‬‬

‫‪242‬‬
‫تويل النصف ال رأسال من جديد‪ .‬وما ل يبلغ هذه الدرجة‪ ,‬ل يوجد فيه‬
‫التغي الكيفي الساسي‪ ,‬ول يكون رأسال‪ .‬فرأس الال اذن‪ ,‬لفظ يطلقه‬
‫ماركس على مقدار معي من النقود‪ .‬ولكل انسان مطلق الرية ف اطلقه‬
‫ومصطلحاته‪ ,‬فلتكن هذه التسمية صحيحة‪ ,‬ولكن ليس من الصحيح‪ ,‬ول‬
‫من الفهوم فلسفيا‪ ,‬ان يعتب بلوغ النقد هذا الد الاص‪ ,‬تول كيفيا له‪,‬‬
‫وقفزة من نوع ال نوع‪ .‬فان بلوغ النقد ال هذا الد‪ ,‬ل يعن ال زيادة‬
‫كمية‪ ,‬ول ينتج عنها تول كيفي ف النقد‪ ,‬غي ما كان ينتج عن الزيادات‬
‫الكمية التدريية‪ ,‬على طول الط‪ .‬واذا شئنا فلنرجع ال الراحل السابقة‪,‬‬
‫من تطور النقد‪ ,‬لعناصره‪ ,‬ف تغياته الكمية التتالية‪ .‬فلو ان الالك الفردي‬
‫كان يلك النقد‪ ,‬الذي يتيح له ان يهز سبعة عمال‪ ,‬بادواتم واجورهم‪,‬‬
‫فماذا كان يربح على زعم ماركس؟ انه كان يربح قيمة فائضة‪ ,‬تعادل أجور‬

‫ثلثة عمال ونصف‪ ,‬أي ما يعادل (‪ )28‬ساعة من العمل ف السابات‬


‫الاركسية‪ ,‬ولجل هذا فهو ليس رأساليا‪ ,‬لن القيمة الفائضة اذا حول‬
‫نصفها ال راس مال‪ ,‬ل يبقى منها ما يضمن له معيشة عامل مضاعفة‪ .‬فلو‬
‫افترضنا زيادة كمية بسيطة ف النقد‪ ,‬الذي يلكه بيث اصبح ف امكان‬
‫الالك ان يشتري ـ مضافا ال ما كان يلك ـ جهود نصف يوم لعامل‪ ,‬اخذ‬
‫يعمل له ست ساعات‪ ,‬ولغيه ست ساعات اخرى فهو سوف يربح من هذا‬
‫العامل‪ ,‬نصف ما يربه من عمل كل واحد من العمال السبعة الخرين‪,‬‬
‫ومعن هذا ان ربه سوف يعادل (‪ )30‬ساعة من العمل‪ ,‬وانه سيمكنه من‬
‫معيشة افضل ما سبق‪ .‬وهنا نكرر الفتراض‪ ,‬فان ف امكاننا ان نتصور‬
‫الالك‪ ,‬وهو يستطيع على اثر زيادة كمية جديدة‪ ,‬ف نقده‪ ,‬ان يشتري من‬
‫العامل الثامن‪ ,‬ثلثة ارباع‪ ,‬ول يبقى للعامل صلة بحل آخر‪ ,‬ال بقدار‬
‫ثلث ساعات فهل نواجه‪ ,‬عند هذا‪ ,‬غي ما واجهناه عند حدوث التغي‬
‫الكمي السابق‪ ,‬من زيادة كمية ف الربح وف مستوى معيشة الالك؟! فهب‬
‫ان الالك استطاع تضخيم نقده‪ ,‬بزيادة كمية جديدة‪ ,‬اتاحت له ان يشتري‬
‫من العامل الثامن‪ ,‬كل جهده اليومي‪ .‬فماذا سوف يدث‪ ,‬غيما كان يدث‬
‫على اثر الزيادات الكمية السابقة‪ ,‬من زيادة ف القيمة الفائضة‪ ,‬وف مستوى‬
‫العيشة؟! نعم يدث للنقد شيء واحد‪ ,‬ل يكن قد حدث ف الرات السابقة‪,‬‬

‫‪243‬‬
‫شيء يتصل بالناحية اللفظية فقط‪ ,‬وهو ان هذا النقد ل يكن يتفضل عليه‬
‫ماركس‪ ,‬باطلق لفظ رأس الال‪ ,‬واما الن فيصح ان يسمى بذا اللفظ‪.‬‬
‫افهذا هو التغي النوعي والتحول الكيفي الذي يطرأ على النقد؟!‪ ..‬وهل كل‬
‫امتياز هذه الرحلة من النقد‪ ,‬عن الراحل السابقة‪ ,‬ناحية لفظية خالصة‬
‫بيث لو كنا نطلق لفظ رأس الال‪ ,‬على مرحلة سابقة لدث التغي الكيفي‬
‫ف زمان أسبق؟!‪.‬‬

‫○ ‪4‬ـ الرتباط العام ○‬


‫قال ستالي‪:‬‬
‫[ان الديالكتيك خلفا للميتافيزية‪ ,‬ل يعتب الطبيعة‬
‫تراكما عرضيا للشياء‪ ,‬او حوادث بعضها منفصل عن‬
‫بعض‪ ,‬او احدها منعزل مستقل عن الخر‪ .‬بل يعتب‬
‫الطبيعة كلً واحدا متماسكا‪ ,‬ترتبط فيه الشياء والوادث فيما‬
‫بينها‪ ,‬ارتباطا عضويا‪ ,‬ويتعلق احدها بالخر‪ .‬ويكون‬
‫بعضها شرطا لبعض بصورة متقابلة](‪.)1‬‬
‫فالطبيعة باجزائها التنوعة‪ ,‬ل يكن ان تدرس على الطريقة الديالكتيكية‬
‫حال فصل بعضها عن الخر‪ .‬وتريده عن ظروفه وشروطه‪ .‬وعما يرتبط‬
‫بواقعه من ماض وحاضر‪ ,‬كما هو شان اليتافيزيقية‪ ,‬الت ل تنظر ال الطبيعة‬
‫باعتبارها شبكة ارتباط واتصال‪ ,‬بل نظرة تريدية خالصة‪ .‬فكل حادثة ل‬
‫يكون لا معن ف الفهوم الديالكت‪ ,‬اذا عزلت عن الوادث الخرى الحيطة‬
‫با‪ ,‬ودرست بصورة ميتافيزيقية تريدية‪.‬‬
‫والواقع انه لو كان يكفي لسقاط فلسفة ما‪ ,‬الصاق التهم با دون‬
‫مبر‪ ,‬لكانت التامات الت تكيلها الاركسية ـ ف خطها الديد‬

‫‪ 1‬ـ الادية الديالكتيكية والادية التاريية‪ :‬ص ‪. 6‬‬

‫‪244‬‬
‫هذا ـ للميتافيزيقية‪ ,‬كافية لدحضها‪ ,‬وتفنيد نظرتا النعزالية ال الطبيعة‬
‫الناقضة لروح الرتباط الكي‪ ,‬بي اجزاء الكون‪ .‬ولكن لتقل لنا الاركسية‬
‫من كان يشك ف هذا الرتباط؟! وأي ميتافيزيقية هذه الت ل تقره‪ ,‬اذا‬
‫افرزت منه نقاط الضعف‪ ,‬الت تثل الطابع الدياكت له‪ ,‬واقيم على اساس‬
‫فلسفي متي من مبدأ العلية وقوانينها (الت خصصنا الزء الثالث من هذه‬
‫السالة لدراستها)؟! فان الوادث ف النظرة العامة للكون‪ ,‬ل تعدو احد‬

‫اشكال ثلثة‪ :‬فاما ان تكون مموعة من الصدف التراكمة‪ ,‬بعن ان كل‬


‫حادثة توجد باتفاق بت‪ ,‬دون ان تكون هناك أي ضرورة تدعو ال‬
‫وجودها‪ .‬وهذه هي النظرة الول‪ .‬واما ان تكون اجزاء الطبيعة ضرورية‪,‬‬
‫ضرورة ذاتية‪ ,‬فكل واحد منها يوجد بسبب من ضرورته الذاتية‪ ,‬دون احتياج‬
‫ال شيء خارجي‪ ,‬او تأثر به‪ .‬وهذه هي النظرة الثانية‪ .‬وكلتا هاتي النظرتي‬
‫ل تنسجمان مع مبدأ العلية القائل‪ :‬ان كل حادثة ترتبط ف وجودها باسبابا‪,‬‬
‫وشروطها الاصة‪ .‬لن هذا البدأ يرفض الصدفة والتفاق‪ ,‬كما يرفض‬
‫الضرورة الذاتية للحوادث‪ .‬وبالتال يعي نظرة اخرى نو العال‪ ,‬وهي النظرة‬
‫الت يعتب فيها العال مرتبطا كامل‪ ,‬طبقا لبدا العلية وقوانينها‪ ,‬ويتل‬
‫كل جزء منه موضعه الاص من الكون‪ ,‬الذي تتمه شرائط وجوده وقافلة‬
‫اسبابه‪ .‬وهذه هي النظرة الثالثة‪ ,‬الت تقيم اليتافيزيقية على اساسها فهمها‬
‫للعال‪ .‬ولجل ذلك كان سؤال‪ :‬لاذا وجد؟ احد السئلة الربعة (‪ ,)1‬الت‬
‫يعتب النطق اليتافيزيقي الحاطة العلمية بشيء‪ ,‬مرهونة بدى الواب عليها‪.‬‬

‫ـ والسئلة الربعة هي كما يلي‪ :‬ما هو؟ وهل هو موجود؟ وكيف هو؟ ولاذا وجد؟‬ ‫‪1‬‬

‫ـذ الرارة‪,‬‬
‫ـة‪ .‬فلنأخـ‬
‫ـر الطبيعيـ‬
‫ـئلة على احدى الظواهـ‬
‫ـق هذه السـ‬
‫ـل اليضاح نطبـ‬
‫ولجـ‬
‫لواجهـة هذه السـئلة فيهـا‪ :‬مـا هـي الرارة؟ ونعنـ بذا السـؤال ماولة شرح مفهومهـا‬
‫الاص‪ ,‬فنجيـب على ذلك ــ مثل ــ ‪ :‬ان الرارة نوع مـن انواع الطاقـة‪ .‬وهـل الرارة‬
‫ـا‬
‫ـي ظواهرهـ‬
‫ـا هـ‬
‫ـي‪ ,‬أي مـ‬
‫ـف هـ‬
‫ـا‪ .‬وكيـ‬
‫ـب بالياب طبعـ‬
‫ـة؟ ونيـ‬
‫موجودة فـ الطبيعـ‬
‫وخواصـها؟ وهذا مـا تيـب عنـه الفيزياء‪ ,‬فيقال ــ مثل ــ بأن مـن خواصـها التسـخي‪,‬‬
‫والتمديــد‪ ,‬والتقليــص‪ ,‬وتغييــ بعــض الصــفات الطبيعيــة للمادة ال ‪...‬واخيا فلماذا‬
‫وجدت الرارة؟ ومرد هذا السـؤال ال السـتفهام عـن عوامـل الرارة وعللهـا‪ ,‬والشروط‬
‫الارج ية ال ت ترت بط ب ا‪ ,‬فيجاب ع نه ــ مثل ــ ان الطا قة الراريـة ت ستوردها الرض مـن‬
‫الشمس‪ ,‬وتنبثق عنها ال‪.‬‬

‫‪245‬‬
‫فهذا يعن بكل وضوح ان اليتافيزيقية ل تقر مطلقا امكان عزل الادثة عن‬
‫ميطها وشروطها‪ ,‬وتميد السؤال عن علقاتا بالوادث الخرى‪.‬‬

‫فليس العتقاد بالرتباط العام اذن‪ ,‬وقفا على الديالكتيك‪ ,‬بل هو ما‬
‫تؤدي اليه حتما السس الفلسفية‪ ,‬الت شيدتا اليتافيزية‪ ,‬ف بوث العلية‬
‫وقوانينها‪.‬‬
‫واما مططات هذا الرتباط‪ ,‬القائم بي اجزاء الطبيعة‪ ,‬والكشف عن‬
‫تفاصيله وأسراره‪ ,‬فذلك ما توكله اليتافيزية ال العلوم‪ ,‬على اختلف الوانا‪.‬‬
‫فان النطق الفلسفي العام للعال‪ ,‬انا يضع الط العريض‪ .‬ويقيم نظريته‬
‫الرتباطية على ضوء العلية قوانينها الفلسفية‪ .‬ويبقى على العلم بعد ذلك‪ ,‬ان‬
‫يشرح التفاصيل ف اليادين‪ ,‬الت تتسع لا الوسائل العلمية‪ ,‬ويوضح اللوان‬
‫الواقعية للرتباط‪ ,‬واسرارها‪ ,‬ويضع فيها النقاط على الروف‪.‬‬
‫واذا اردنا ان ننصف الديالكتيك واليتافيزية حقهما معا‪ ,‬كان علينا ان‬
‫نسجل ان الشيء الديد‪ ,‬الذي جاء به الديالكتيك الاركسي‪ .‬ليس هو نفس‬
‫قانون الرتباط العام‪ ,‬الذي سبقت اليه اليتافيزية‪ ,‬بطريقتها الاصة‪ ,‬والذي‬
‫هو ف نفس الوقت واضح لدى الميع‪ ,‬وليس موضع النقاش ‪ ..‬وانا سبقت‬
‫الاركسية ال الغراض السياسية‪ ,‬او بالحرى ال التطبيقات السياسية‬
‫الاصة‪ ,‬لذلك القانون‪ ,‬الت توفر لا امكان تنفيذ خططها وخرائطها‪ .‬فنقطة‬
‫البتكار تتصل بالتطبيق‪ ,‬ل بالقانون‪ ,‬من حيث وجهته النطقية والفلسفية‪.‬‬
‫ولنقرا بذه الناسبة ما سجله الكاتب الاركسي (اميل برنز)‪ ,‬عن الرتباط ف‬
‫الفهوم الاركسي‪ ,‬اذ كتب يقول‪:‬‬
‫[ان الطبيعة او العال‪ ,‬وبضمنه الجتمع النسان‪ ,‬ل‬
‫تتكون من اشياء متمايزة مستقلة‪ ,‬تام الستقلل عن بعضها‬
‫البعض‪ .‬وكل عال يعرف ذلك‪ ,‬ويد صعوبة قصوى ف‬
‫تديد التقديرات‪ ,‬حت لهم العوامل الت قد تؤثر ف الشياء‬
‫الاصة‪ ,‬الت يدرسها‪ .‬ان الاء ماء‪ ,‬ولكن اذا زيدت حرارته‬
‫ال درجة معينة‪ ,‬تول ال بار‪ ,‬واذا انفضت حرارته‪,‬‬

‫وبذا تعرف ان النطـق اليتافيزي‪ ,‬وضـع مسـألة ارتباط الشيـء بأسـبابه وظروفـه فـ‬
‫مصاف السائل الرئيسية الخرى‪ ,‬الت تتناول حقيقته ووجوده وخواصه‪.‬‬

‫‪246‬‬
‫استحال ثلجا‪ .‬كما ان هناك عوامل اخرى تؤثر عليه‪ .‬ويدرك‬
‫كل شخص عامي ايضا‪ ,‬اذا ما خبز الشياء‪ ,‬انه ل يوجد‬

‫شيء مستقل بذاته كل الستقلل‪ ,‬وان كل شيء يتأثر‬


‫بالشياء الخرى]‪.‬‬
‫[وقد يبدو هذا الترابط بي الشياء بديهيا‪ ,‬ال درجة‬
‫يظهر معها أي سبب للفات النظر اليه‪ ,‬ولكن القيقة هي‪:‬‬
‫ان الناس ل يدركون الترابط بي الشياء دائما‪ ,‬ول يدركون‬
‫ان ما هو حقيقي ف ظروف معينة‪ ,‬قد ل يكون حقيقيا ف‬
‫ظروف اخرى‪ ,‬وهم دائما يطبقون افكارا تكونت ف ظروف‬
‫خاصة‪ ,‬على ظروف اخرى‪ ,‬تتلف عنها تام الختلف‪.‬‬
‫وخي مثل يكن ان يضرب ف هذا الصدد‪ ,‬هو وجهة النظر‬
‫حول حرية الكلم‪ .‬ان حرية الكلم بصورة عامة تدم‬
‫الديقراطية‪ ,‬وتفيد ارادة الشعب ف العراب عن نفسها ولذلك فهي‬
‫مفيدة لتطور الجتمع‪ ,‬ولكن حرية الكلم للفاشية (البدأ الول‬
‫الذي ياول قمع الديقراطية) امر يتلف كل الختلف‪ ,‬اذ انه‬
‫يوقف تطور الجتمع‪ .‬ومهما تكرر النداء برية الكلم‪ ,‬فان ما يصح‬
‫عنه ف الظروف العتيادية بالنسبة للحزاب الت تدف ال‬
‫الديوقراطية‪ ,‬ل يصح بالنسبة للحزاب الفاشية] (‪.)1‬‬
‫هذا النص الاركسي يعترف‪ ,‬بان الرتباط العام مفهوم لكل عال‪ ,‬بل‬
‫كل عامي خب الشياء ـ على حد تعبي (اميل برنز) ـ وليس شيئا جديدا ف‬
‫الفهم البشري العام‪ .‬وانا الديد الذي استهدفته الاركسية بذلك‪ ,‬نظرا ال‬
‫مدى الرتباط الوثيق‪ ,‬بي مسألة حرية الكلم والسائل الخرى‪ ,‬الت تدخل‬
‫ف حسابا‪ .‬ونظي ذلك عدة تطبيقات اخرى من هذا القبيل‪ ,‬يكننا ان ندها‬
‫ف جلة من النصوص الاركسية الخرى‪ ,‬فأين الكشف النطقي البار‬
‫للديالكتيك؟!‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الاركسية ص ‪ 75‬ـ ‪. 76‬‬

‫‪247‬‬
‫ڤ‪.........................................‬نقطتان حول الرتباط العام‪:‬‬
‫ومن الضروري ان نشي ف سياق الديث‪ ,‬عن نظرية الرتباط العام ف‬
‫اليتافيزية‪ ,‬ال نقطتي مهمتي‪:‬‬
‫النقطة الول‪ :‬ان ارتباط كل جزء من اجزاء الطبيعة والكون‪ ,‬با يتصل‬
‫به من اسباب‪ ,‬وشرائط‪ ,‬وظروف ـ ف الفهوم اليتافيزيقي ـ ل يعن عدم‬
‫امكان ملحظته بصورة مستقلة‪ ,‬ووضع تعريف خاص به‪ .‬ولذلك كان‬
‫التعريف احد الواضيع الت يبحثها النطق اليتافيزيقي‪ .‬وأكب الظن ان ذلك‬
‫هو الذي بعث الاركسية‪ ,‬ال اتام اليتافيزيقيا بانا ل تؤمن بالرتباط العام‪,‬‬
‫ول تدرس الكون على ذلك الساس‪ .‬اذ وجدت اليتافيزيقي ياخذ الشيء‬
‫الواحد‪ ,‬فيحاول تديده وتعريفه‪ ,‬بصورة مستقلة عن سائر الشياء الخرى‪,‬‬
‫فيخيل لا بسبب ذلك‪ ,‬انه ل يقر بوجود الرتباط بي الشياء‪ ,‬ول يتناولا‬
‫بالدرس ال ف حال عزل بعضها عن الخر‪ .‬فكأنه حي عرف النسانية‬
‫بانا‪ :‬حياة وفكر‪ .‬وعرف اليوانية‪ ,‬بانا حياة وارادة‪ ,‬قد عزل النسانية او‬
‫اليوانية عن ظروفهما وملبستهما‪ ,‬ونظر اليهما نظرة مستقلة‪.‬‬
‫ولكن الواقع ان التعريفات‪ ,‬الت درج النطق اليتافيزي على اعطائها‬
‫لكل شيء‪ ,‬بصورة خاصة‪ ,‬ل تتناف مطلقا مع البدأ القائل بالرتباط العام‬
‫بي الشياء‪ ,‬ول يقصد منه التفكيك بي الشياء‪ ,‬والكتفاء من دراستها‬
‫باعطاء تلك التعريفات الاصة با‪ .‬فنحن حي نعرف النسانية بانا حياة‬
‫وفكر‪ ,‬ل نرمي من وراء ذلك ال انكار ارتباط النسانية‪ ,‬بالعوامل والسباب‬
‫الارجية‪ ,‬وانا نقصد بالتعريف ان نعطي فكرة للشيء‪ ,‬الذي يرتبط بتلك‬
‫العوامل والسباب‪ ,‬ليتاح لنا ان نبحث عما يتصل به من عوامل واسباب‪.‬‬
‫وحت الاركسية نفسها‪ ,‬تتخذ التعريف اسلوبا لتحقيق هذا الدف نفسه‪ ,‬فهي‬
‫تعرف الديالكتيك‪ ,‬وتعرف الادة ال ‪ ..‬فقد عرف ليني الديالكتيك بانه‪:‬‬
‫[علم القواني العامة للحركة] (‪.)1‬‬

‫‪ 1‬ـ ماركس وانلز والاركسية‪ :‬ص ‪. 24‬‬

‫‪248‬‬
‫وعرف الادة بانا‪:‬‬
‫[هي الواقع الوضوعي العطى لنا ف الحاسيس] (‪.)1‬‬
‫افيكون من مفهوم هذه التعاريف‪ ,‬ان ليني فصل الديالكتيك عن سائر‬
‫اجزاء العرفة البشرية من العلوم‪ ,‬ول يعتقد باتصالا به؟! وانه نظر ال الادة‬
‫بصورة تريدية‪ ,‬ودرسها متغاضيا عما فيها من ارتباطات وتفاعلت؟! كل‪.‬‬
‫فان التعريف ل يعن ف كثي او قليل‪ ,‬تطي الرتباط القائم بي الشياء‬
‫واهاله‪ ,‬وانا يدد لنا الفهوم‪ ,‬الذي ناول الكشف عن روابطه وعلقاته‬
‫التنوعة‪ ,‬ليسهل علينا التحدث عن تلك الروابط والعلقات ودرسها‪.‬‬
‫النقطة الثانية‪ :‬ان الرتباط بي أجزاء الطبيعة‪ ,‬ل يكن دوريا‪.‬‬
‫ونقصد بذلك ان الادثتي الرتبطتي ـ كالسخونة والرارة ـ ل يكن ان تكون‬
‫كل منهما شرطا لوجود الادثة الخرى‪ .‬فالرارة لا كانت شرطا لوجود‬
‫الغليان‪ ,‬فل يكن ان يكون الغليان شرطا لوجود الرارة أيضا (‪.)2‬‬
‫فلكل جزء من الطبيعة ـ ف سجل الرتباط العام ـ درجته الاصة الت‬
‫تدد له ما يتصل به من شرائط تؤثر ف وجوده‪ ,‬ومن ظواهر يؤثر هو ف‬
‫وجودها‪ .‬واما ان يكون كل من الزئي او الادثي سببا لوجود الخر‪ ,‬ومدينا‬
‫له بوجوده ف نفس الوقت‪ ,‬فذلك يعل الرتباط السبب دائريا يرجع من‬
‫حيث بدأ وهو غي معقول‪.‬‬
‫وأخيا‪ ,‬فلنقف لظة عند أنلز‪ ,‬وهو يتحدث عن الرتباط العام‪,‬‬
‫وتضافر الباهي العلمية عليه قائلً‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ ما هي الادية‪ :‬ص ‪. 29‬‬


‫‪ 2‬ـ ول يكن ان يؤخذ التفاعل بي الضداد الارجية‪ ,‬دليل على امكان ذلك لن التفاعل بي‬
‫الضداد الارجية ‪ ,‬ل يعن ان كل واحد منها شرط لوجود الخر وسبب له‪ ,‬بل مرده ف‬
‫القيقة ال اكتساب كل ضد صفة من الخر‪ .‬ل تكن موجودة عنده‪ .‬فالشحنة السالبة والوجبة‬
‫تتفاعلن‪ ,‬ل بعن ان كل من الشحنتي وجدت بسبب الشحنة الخرى‪ ,‬بل معن ان الشحنة‬
‫السالبة ولدت حالة انذاب خاص ف الشحنة الوجبة‪ ,‬وكذلك العكس‪.‬‬

‫‪249‬‬
‫[على ان ثة اكتشافات ثلثة بوجه خاص‪ ,‬قد تقدمت‬
‫بطوات العمالقة بعرفتنا‪ ,‬لترابط العمليات التطورية‬
‫الطبيعة‪ .‬أول‪ :‬اكتشاف اللية‪ ,‬بصفتها الوحدة الت تنمو‬
‫منها العضوية النباتية واليوانية كلها‪ ,‬بطريق التكاثر والتمايز‪,‬‬
‫بيث ل نعرف بان تطور سائر العضويات العليا ونوها‪,‬‬
‫يتتابعان وفق قانون عام فحسب‪ ,‬بل ان قدرة اللية كذلك‬
‫على التحول‪ ,‬تبي الطريق الذي تستطيع العضويات‬
‫بقتضاه‪ ,‬ان تغي انواعها‪ ,‬فتجتاز بذلك تطورا اكثر من ان‬
‫يكون فرديا‪ .‬ثانيا‪ :‬اكتشاف تول الطاقة الذي يبي ان سائر‬
‫القوى بجموعها‪ ,‬هي ظواهر متلفة للحركة الكلية‪ ,‬تر كل‬
‫منها ال الخرى بنسب كمية معينة ‪ ...‬واخيا البهان‬
‫الشامل‪ ,‬الذي كان (داروين) اول من جاء به‪ ,‬والذي‬
‫ينص على ان جلة ما ييط بنا ف الوقت الاضر من منتجات‬
‫الطبيعة ـ با ف ذلك البشر ـ ان هي ال نتائج عملية طويلة‬
‫من التطور] (‪.)1‬‬
‫والواقع ان الكتشاف الول‪ ,‬هو من الكشوف العلمية الت انتصرت فيها‬
‫اليتافيزيقا‪ ,‬لنه برهن على ان مبدأ الياة هو اللية الية (البوتوبلسم)‪,‬‬
‫فأزاح بذلك الوهم القائل بامكان قيام الياة ف أي مادة عضوية‪ ,‬تتوفر فيها‬
‫عوامل مادية خاصة‪ ,‬ووضع حدا فاصلً بي الكائنات الية وغيها‪ ,‬نظرا ال‬
‫ان جرثومة الياة الاصة‪ ,‬وهي وحدها الت تمل سرها العظيم‪ .‬فاكتشاف‬
‫اللية الية‪ ,‬ف نفس الوقت الذي دلنا على اصل واحد للجسام الية‪ .‬دلنا‬
‫ايضا على مدى البون بي الكائن الي وغيه‪.‬‬
‫واما الكتشاف الثان‪ ,‬فهو الخر أيضا يعد ظفرا عظيما للميتافيزيقا‪ ,‬لنه‬

‫يثبت بطريقة علمية ان جيع الشكال ـ الت تتخذها الطاقة‪ ,‬با فيها الصفة‬
‫الادية ـ هي صفات وخصائص عرضية‪ .‬فتكون باجة ال سبب خارجي‪ ,‬كما‬
‫سنوضح ذلك ف الزء الرابع من هذه السالة‪ .‬اضف ال ذلك ان الكتشاف‬

‫‪ 1‬ـ لودفيج فيورباخ ص ‪. 88‬‬

‫‪250‬‬
‫الذكور‪ ,‬يتعارض مع قواني الديالتيك‪ .‬الت يزعم الدل الاركسي صدقها على‬
‫ثابتة‪ ,‬ل تضع للحركة الديالكتيكية‪ .‬الت يزعم الدل الاركسي صدقها على‬
‫جيع جوانب الطبيعة وظواهرها‪ .‬واذا اثبت العلم استثناء جانب ف الطبيعة‬
‫من قواني الديالكتيك‪ ,‬فقد زالت ضرورته وصفته القطعية‪.‬‬
‫واما نظرية داروين عن تطور النواع وخروج بعضها من بعض فهي ل‬
‫تتفق أيضا مع قواني الديالكتيك‪ ,‬ول يكن ان تتخذ سندا علميا للطريقة‬
‫الديالكتيكية ف تفسي الحداث‪ ,‬فان داروين وبقض الساهي معه ف بناء‬
‫النظرية وتعديلها يفسرون تطور نوع ال نوع آخر على أساس ما يظفر به‬
‫بعض أفراد النوع القدي من ميزات وخصائص عن طريق صدفة ميكانيكية او‬
‫اسباب خارجية مددة‪ ,‬كالبيئة والحيط وكل ميزة يصل عليها الفرد تظل ثابتة‬
‫فيه وتنتقل بالوراثة ال ابنائه‪ ,‬وبذلك ينشا جيل قوي بفضل هذه اليزات‬
‫الكتسبة وف خضم الصراع ف سبيل القوت والبقاء بي القوياء من هذا‬
‫اليل وبي الضعاف من أفراد النوع الذين ل يظفروا بثل تلك اليزات‪,‬‬
‫يعمل قانون تنازع البقاء عمله فيفن الضيعف ويبقى الفراد القوياء‪ .‬وتتجمع‬
‫الزايا عن طريق توريث كل جيل مزاياه الت حصل عليها بسبب ظروفه وبيئته‬
‫الت عاشها للجيل الذي يتلوه‪ ,‬وهكذا حت ينشا نوع جديد يتمتع بجموع‬
‫الزايا الت اكتسبها اسلفه على مر الزمن‪.‬‬
‫ونن نستطيع ان ندرك بوضوح مدى التناقض بي نظرية داروين هذه‬
‫وبي الطريقة الديالكتيكية العامة‪.‬‬
‫فهناك الطابع اليكانيكي للنظرية يبدو بوضوح من خلل تفسي داروين‬
‫لتطور اليوان باسباب خارجية‪ ,‬فاليزات والفروق الفردية الت يصل عليها‬
‫اليل القوي من أفراد النوع ليست نتيجة لعملية تطورية ول ثرة لتناقض‬
‫داخلي وانا هي وليدة مصادفة ميكانيكية او عوامل خارجية من البيئة والحيط‪,‬‬

‫فالظروف الوضوعية الت عاشها الفراد القوياء هي الت امدتم بعناصر‬


‫قوتم وميزتم عن الخرين ل الصراع الداخلي ف العماق كما يفترض‬
‫الديالكتيك‪.‬‬
‫كما ان اليزة الت يصل عليها الفرد بطريقة ميكانيكية ـ أي بأسباب‬
‫خارجية من الظروف الت يعيشها ـ ل تتطور بركة ديناميكية وتنمو بتناقض‬

‫‪251‬‬
‫داخلي حت تول اليوان ال نوع جديد‪ ,‬وانا تظل ثابتة وتنتقل بالوراثة دون‬
‫ان تتطور وتبقى بشكل تغي بسيط ساكن‪ ,‬ث تضاف ال اليزة السابقة ميزة‬
‫اخرى تتولد هي الخرى أيضا ميكانيكيا بسبب الظروف الوضوعية‪ ,‬فيحصل‬
‫تغي بسيط آخر‪ ,‬وهكذا تتولد اليزات بطريقة ميكانيكية وتواصل وجودها ف‬
‫البناء عن طريق الوراثة وهي ساكنة ثابتة‪ ,‬وحي تتجمع يتكون منها اخيا‬
‫الشكل الرقى للنوع الديد‪.‬‬
‫وهناك أيضا فرق كبي بي قانون تنازع البقاء ف نظرية داروين وفكرة‬
‫الصراع بي الضداد ف الديالكتيك‪ ,‬فان الفكرة الصراع بي الضداد عند‬
‫الديالكتيكيي تعب عن صراع بي ضدين يسفر ف النهاية عن توحدها ف‬
‫مركب اعلى وفقا لثالوث الطروحة والطباق والتركيب‪.‬‬
‫ففي صراع الطبقات مثل تشب العركة بي الضدين ف الحتوى الداخلي‬
‫للمجتمع‪ ,‬وها الطبقة الرأسالية والطبقة العاملة‪ ,‬وينتهي الصراع بامتصاص‬
‫الطبقة العاملة للطبقة الرأسالية وتوحد الطبقتي معا ف متمع ل طبقي‪ ,‬كل‬
‫افراده يلكون ويعملون‪ ,‬واما تنازع البقاء والصراع بي القوي والضعيف ف‬
‫نظرية داروين فهو ليس صراعا ديالكتيكيا لنه ل يسفر عن توحد الضداد ف‬
‫مركب ارقى وانا يؤدي ال افناء احد الضدين والحتفاظ بالخر‪ ,‬فهو يزيل‬
‫الضعاف من أفراد النوع ازالة نائية ويبقي القوياء ول ينتج مركبا جديدا‬
‫يتوحد فيه الضعفاء والقوياء‪ ,‬الضدان التصارعان كما يفترض الديالكتيك ف‬
‫ثالوث الطروحة والطباق والتركيب‪.‬‬
‫واذا طرحنا فكرة تنازع البقاء او قانون النتخاب الطبيعي بوصفها تفسيا‬
‫لتطور النواع واستبدلناها بفكرة الصراع بي اليوان والبيئة الذي يكيف‬

‫الهاز العضوي‪ ,‬وفقا لشروط البيئة‪ ,‬وقلنا ان الصراع بي اليوان والبيئة ـ‬


‫بدل عن الصراع بي القوي والضعيف ـ هو رصيد التطور كما قرره روجيه‬
‫غارودي (‪ ,)1‬اقول اذا طورنا النظرية وفسرنا تطور النواع ف ضوء الصراع بي‬
‫البيئة والحيط‪ ,‬فسوف لن نصل ال نتيجة ديالكتيكية ايضا‪ ,‬لن الصراع بي‬
‫البيئة والهاز العضوي ل يسفر عن التحامهما وتوحدها ف مركب ارقى وانا‬

‫‪ 1‬ـ الروح الزبية ف العلوم ص ‪. 43‬‬

‫‪252‬‬
‫تظل الطروحة والطباق دون تركيب‪ .‬فالضدان التصارعان هنا ـ البيئة‬
‫والحيط ـ وان كانا موجودين معا ف ناية العركة ول يضمحل احدها خلل‬
‫الصراع ولكنهما ل يتوحدان ف مركب جديد كما تتوحد الطبقة الرأسالية‬
‫والطبقة العاملة ف مركب اجتماعي جديد‪.‬‬
‫وأخيا فأين الدفعية وأين التكامل ف التطور البيولوجي عند داروين فان‬
‫الديالكتيك يؤمن بأن التحولت الكيفية تصل بصورة دفعية خلفا للتغيات‬
‫الكمية الت تنمو ببطء‪ ,‬كما انه يؤمن ان الركة ف اتاه متكامل وصاعد‬
‫دائما‪ ,‬ونظرية داروين او فكرة التطور البيولوجي تبهن على امكان العكس‬
‫تاما‪ ,‬فقد بي علماء البيولوجيا بان ف الطبيعة الية حالت انتقال تدريية‪,‬‬
‫كما ان فيها حالت انتقال بشكل قفزات مفاجئة (‪ )1‬كما ان التفاعل الذي يدده‬
‫داروين بي الكائن الي والطبيعة ليس من الضروري فيه ان يضمن تكامل‬
‫الكائن التطور‪ ,‬بل قد يفقد بسبب ذلك شيئا ما كان قد حصل عليه من‬
‫الكمال طبقا للقواني الت يددها ف نظريته للتفاعل بي الياة والطبيعة‬
‫كاليوانات الت اضطرت منذ ابعد الماد ال العيش ف الكهوف وترك حياة‬
‫النور ففقدت بصرها ف رأي داروين بسبب تفاعلها بحيطها الاص وعدم‬
‫استعمالا لعضو البصار ف مالتا العيشية‪ ,‬وبذلك ادى التطور ف التركيب‬
‫العضوي ال النطاط خلفا للماركسية الت تعتقد ان العمليات التطورية الترابطة ف‬
‫الطبيعة النبثقة عن تناقضات داخلية تستهدف التكامل دائما لنا عمليات تقدمية‬
‫صاعدة‪.‬‬

‫ـ‪3‬ـ‬

‫○ مبدأ العلية ○‬
‫ان من أوليات ما يدر كه الب شر ف حيا ته العتياد ية‪ ,‬مبدأ العل ية القائل ان‬
‫لكـل شيـء سـببا وهـو مـن البادئ العقليـة الضروريـة‪ ,‬لن النسـان يدـ فـ‬
‫صـميم طـبيعته‪ ,‬الباعـث الذي يبعثـه ال ماولة تعليـل مـا يدـ مـن اشياء‪ ,‬وتـبير‬
‫وجود ها‪ ,‬با ستكشاف ا سبابا‪ ,‬وهذا البا عث موجود ب صورة فطر ية‪ ,‬ف الطبي عة‬
‫‪ 1‬ـ الروح الزبية ف العلوم ص ‪. 44‬‬

‫‪253‬‬
‫النسـانية‪ ,‬بـل قـد يوجـد عنـد عدة انواع مـن اليوان ايضـا‪ .‬فهـو يلتفـت ال‬
‫مصـدر الركـة غريزيـا‪ ,‬ليعرف سـببها‪ ,‬ويفحـص عـن منشـأ الصـوت ليدرك‬
‫علتـه‪ .‬وهكذا يواجـه النسـان دائما سـؤال‪ :‬لاذا ‪...‬؟ مقابـل كـل وجود وظاهرة‬
‫يسـ بمـا‪ ,‬حتـ انـه اذا ل يدـ سـببا معينـا‪ ,‬اعتقـد بوجود سـبب مهول‪ ,‬انبثـق‬
‫عنه الادث‪.‬‬
‫وعلى أساس مبدأ العلية يتوقف‪:‬‬
‫أولً‪ :‬اثبات الواقع الوضوعي للحساس‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬كل النظريات‪ ,‬او القواني العلمية‪ ,‬الستندة ال التجربة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬جواز السـتدلل وانتاجـه‪ ,‬فـ أي ميدان مـن الياديـن الفلسـفية او‬
‫العلميـة‪ .‬فلول مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ ,‬لاـ أمكـن اثبات موضوعيـة الحسـاس‪ ,‬ول‬
‫شيـء مـن نظريات العلم وقوانينـه‪ ,‬ولاـ صـح السـتدلل بأي دليـل كان‪ ,‬فـ‬
‫متلف مالت العرفة البشرية‪ .‬وفيما يلي توضيح ذلك‪:‬‬
‫ڤ‪.........................................‬العلية وموضوعية الحساس‬
‫سـبق ان اوضحنـا فـ نظريـة العرفـة‪ ,‬ان السـ ل يعدو ان يكون لونـا مـن‬

‫ألوان الت صور‪ .‬ف هو وجود ل صورة الش يء الح سوس ف مدارك ال س‪ ,‬ول‬
‫يلك صـفة الكشـف التصـديقي عـن واقـع خارجـي‪ ,‬ولذلك قـد يسـ النسـان‬
‫بأشياء‪ ,‬فـ حالت مرضيـة‪ ,‬ول يصـدق بوجودهـا‪ .‬فالحسـاس اذن ليـس سـببا‬
‫كافيا للتصديق او الكم‪ ,‬او العلم‪ ,‬بالواقع الوضوعي‪.‬‬
‫ولكـن السـالة التـ تواجهنـا حينئذ‪ ,‬هـي ان الحسـاس اذا ل يكـن بذاتـه‬
‫دليل‪ ,‬على وجود الحسـوس‪ ,‬خارج حدود الشعور والدراك‪ .‬فكيـف نصـدق‬
‫اذن بالوا قع الوضو عي؟ والواب جا هز على ضوء درا ستنا لنظر ية العر فة‪ ,‬و هو‬
‫ان التصـديق بوجود واقـع موضوعـي للعال تصـديق ضروري اول‪ ,‬فهـو لجـل‬
‫ذلك ل يتاج ال دليـل‪ ,‬ولكـن هذا التصـديق الضروري اناـ يعنـ وجود واقـع‬
‫خارجـي للعال على سـبيل الجال‪ .‬وامـا الواقـع الوضوعـي لكـل احسـاس‪ ,‬فهـو‬
‫ليـس معلومـا علمـا ضروريـا‪ ,‬واذن فنحتاج ال دليـل لثبات موضوعيـة كـل‬

‫‪254‬‬
‫اح ساس ب صورة خا صة وهذا الدل يل هو مبدأ العل ية وقوانين ها‪ ,‬ذلك ان حدوث‬
‫صورة لش يء مع ي‪ ,‬ف ظروف وشروط معي نة‪ ,‬يك شف عن وجود على خارج ية‬
‫له‪ ,‬تطبيقـا لذلك البدا‪ .‬فلول هذا البدا لاـ كشـف الحسـاس‪ ,‬او وجود الشيـء‬
‫فـ السـ‪ ,‬عـن وجوده فـ مال آخـر‪ .‬ولجـل هذا السـبب قـد يسـ النسـان‬
‫باشياء‪ ,‬او ييـل له انـه يبصـرها‪ ,‬فـ حالت مرضيـة خاصـة‪ ,‬ول يسـتكشف مـن‬
‫ذلك واقعـا موضوعيـا لتلك الشياء‪ ,‬حيـث ان تطـبيق مبدأ العليـة‪ ,‬ول يدلل على‬
‫وجود هذا الواقـع‪ ,‬مـا دام يكـن تعليـل الحسـاس بالالة الرضيـة الاصـة‪ ,‬واناـ‬
‫يثبـت الواقـع الوضوعـي للحـس‪ ,‬فيمـا اذا ل يكـن له تفسـي على ضوء مبدا‬
‫العلية‪ ,‬ال بواقع موضوعي ينشأ الحساس منه‪.‬‬
‫ويستنتج من ذلك القضايا الثلث التية‪:‬‬
‫الول‪ :‬ان الحسـاس وحده‪ ,‬ل يكشـف عـن وجود واقـع موضوعـي‪ ,‬لنـه‬
‫تصور‪ ,‬وليس من وظائف التصور ـ بختلف الوانه ـ الكشف التصديقي‪.‬‬
‫الثانيـة‪ :‬ان العلم بوجود واقـع للعال‪ ,‬على سـبيل الجال‪ ,‬حكـم ضروري‬
‫اول‪ ,‬ل يتاج ال دليـل‪ ,‬أي ال علم سـابق‪ .‬وهـو النقطـة الفاصـلة بيـ الثاليـة‬
‫والواقعية‪.‬‬

‫الثالثــة‪ :‬ان العلم بوجود واقــع موضوعــي‪ ,‬لذا الســ او ذاك‪ ,‬اناــ‬
‫يكتسب على ضوء مبدأ العلية‪.‬‬
‫ڤ‪.............................................‬العلية والنظريات العلمية‬
‫ـف‬
‫ـة والشاهدة‪ ,‬تتوقـ‬
‫ـن التجربـ‬
‫ـة ف ـ متلف مياديـ‬
‫ان النظريات العلميـ‬
‫بصـورة عامـة على مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ ,‬توقفـا اسـاسيا‪ .‬واذا سـقطت العليـة‬
‫ونظامهـا الاص‪ ,‬مـن حسـاب الكون‪ ,‬يصـبح مـن التعذر تامـا تكويـن نظريـة‬
‫علميـة فـ أي حقـل مـن القول‪ .‬وليتضـح هذا ندـ مـن الضروري ان نشيـ ال‬
‫عدة قوانيـ مـن الجموعـة الفلسـفية للعليـة التـ يرتكـز عليهـا العلم‪ ,‬وهـي كمـا‬
‫يلي‪:‬‬
‫أ ـ مبدأ العلية القائل‪ :‬ان لكل حادثة سببا‪.‬‬
‫ب ــ قانون التميـة‪ ,‬القائل‪ :‬ان كـل سـبب يولد النتيجـة الطبيعيـة له‪,‬‬
‫بصورة ضرورية‪ ,‬ول يكن للنتائج ان تنفصل عن اسبابا‪.‬‬

‫‪255‬‬
‫ج ــ قانون التناسـب‪ ,‬بيـ السـباب والنتائج‪ ,‬القائل‪ :‬ان كـل مموعـة‬
‫متفقـة فـ حقيقتهـا‪ ,‬مـن ماميـع الطبيعـة‪ ,‬يلزم ان تتفـق أيضا‪ ,‬فـ السـباب‬
‫والنتائج‪.‬‬
‫فعلى ضوء مبدأ العل ية‪ ,‬نعرف ـ مثل ـ ان الشعاع‪ ,‬الذي ينب ثق عن ذرة‬
‫الراديوم‪ ,‬له سـبب‪ ,‬وهـو النقسـام الداخلي فـ متوى الذرة‪ .‬وعلى ضوء قانون‬
‫التميـة‪ ,‬نسـتكشف ان هذا النقسـام‪ ,‬عنـد اسـتكمال الشروط اللزمـة‪ ,‬يولد‬
‫الشعاع الاص‪ ,‬بصـورة حتميـة‪ ,‬وليـس مـن المكـن الفصـل بينهمـا‪ .‬وعلى‬
‫اسـاس قانون التناسـب‪ ,‬نسـتطيع ان نعمـم ظاهرة الشعاع‪ ,‬وتفسـيها الاص‪,‬‬
‫لميـع ذرات الراديوم‪ ,‬فنقول‪ :‬مـا دامـت جيـع ذرات هذا العنصـر‪ ,‬متفقـة فـ‬
‫القي قة في جب ان تت فق ف ا سبابا ونتائج ها‪ ,‬فاذا كش فت التجر بة العلم ية عن‬
‫اشعاع فـ بعـض ذرات الراديوم‪ ,‬أمكـن القول باعتباره ظاهرة عامـة‪ ,‬لسـائر‬
‫الذرات الماثلة‪ ,‬ف الظروف الشخصة الواحدة‪.‬‬

‫ومـن الواضـح ان القانونيـ الخييـن‪ :‬التميـة والتناسـب‪ ,‬منبثقان عـن مبدأ‬


‫العليـة‪ ,‬فلو ل تكـن فـ الكون عليـة بيـ بعـض الشياء وبعـض‪ ,‬وكانـت الشياء‬
‫تدث صـدفة واتفاقـا‪ ,‬ل يكـن مـن التمـي ان يوجـد الشعاع بدرجـة معينـة‪,‬‬
‫حيـ تكون هناك ذرة راديوم‪ ,‬ول يكـن مـن الضروري أيضا ان تشترك جيـع‬
‫ذرات العنصـر‪ ,‬فـ ظواهـر اشعاعيـة معينـة‪ ,‬بـل يصـبح مـن الائز ان يكون‬
‫ـا دام مبدأ‬
‫ـدفة والتفاق‪ ,‬مـ‬
‫ـء ال للصـ‬
‫الشعاع ف ـ ذرة دون اخرى‪ ,‬ل لشيـ‬
‫العليـة خارجـا عـن حسـاب الكون‪ .‬فمرد التميـة والتناسـب معـا ال مبدأ‬
‫العلية‪.‬‬
‫ولنعـد الن ــ بعـد ان عرفنـا الفقرات الرئيسـية الثلث‪ :‬العليـة‪ ,‬والتميـة‪,‬‬
‫والتناسـب ــ ال العلوم والنظريات العلميـة‪ ,‬فاننـا سـوف ندـ بكـل وضوح‪ ,‬ان‬
‫جيـع النظريات والقوانيـ‪ ,‬التـ تزخـر باـ العلوم‪ ,‬مرتكزة فـ القيقـة‪ ,‬على‬
‫اسـاس تلك الفقرات الرئيسـية‪ ,‬وقائمـة على مبدأ العليـة وقوانينهـا‪ .‬فلو ل يؤخـذ‬
‫هذا البدأ كحقيقـة فلسـفية ثابتـة‪ ,‬لاـ أمكـن ان تقام نظريـة‪ ,‬ويشاد قانون‬
‫ـة‪ ,‬الت ـ يقوم با ـ العال‬
‫ـفة العموم والشمول‪ .‬ذلك ان التجربـ‬
‫ـي‪ ,‬له صـ‬
‫علمـ‬

‫‪256‬‬
‫الطـبيعي فـ متـبه‪ ,‬ل يكـن ان تسـتوعب جيـع جزئيات الطبيعـة‪ ,‬واناـ تتناول‬
‫عدة جزئيات مدودة متف قة ف حقيقت ها فتك شف عن اشتراك ها ف ظاهرة معي نة‪,‬‬
‫وح يث يتا كد العال من صحة التجر بة ودقت ها وموضوعيت ها‪ ,‬ي ضع فورا نظري ته‬
‫او قانونـه العام‪ ,‬الشامـل لميـع مـا ياثـل موضوع تربتـه مـن اجزاء الطبيعـة‪.‬‬
‫وهذا التعميـم‪ ,‬الذي هـو شرط اسـاسي لقامـة علم طـبيعي‪ ,‬ل مـبر له ال‬
‫قوانيـ العليـة بصـورة عامـة‪ ,‬وقانون التناسـب منهـا بصـورة خاصـة‪ ,‬القائل‪ :‬ان‬
‫كل ممو عة متف قة ف حقيقت ها‪ ,‬ي ب ان تت فق ـ أيضا ـ ف العلل والثار‪ .‬فلو‬
‫ل تكــن فــ الكون علل وآثار‪ ,‬وكانــت الشياء تري على حســب التفاق‬
‫البحـث‪ ,‬لاـ أمكـن للعال الطـبيعي القول‪ :‬ان مـا صـح فـ متـبه الاص‪ ,‬يصـح‬
‫على كـل جزء مـن الطبيعـة على الطلق‪ .‬ولنأخـذ لذلك مثال بسـيطا‪ ,‬مثال‬
‫العال الطـبيعي‪ ,‬الذي اثبـت بالتجربـة ان الجسـام تتمدد حال حرارتاـ‪ ,‬فانـه ل‬
‫يطـ بتجاربـه جيـع الجسـام‪ ,‬التـ يتويهـا الكون طبعا‪ ,‬واناـ اجرى تاربـه على‬
‫عدة اجسـام متنوعـة‪ ,‬كعجلت العربـة الشبيـة‪ ,‬التـ توضـع عليهـا اطارات‬

‫حديدية اصغر منها حال سخونتها‪ ,‬فتنكمش الطارات اذا بردت وتشتد على‬
‫الشب‪ ,‬ولنفرض انه كرر التجربة عدة مرات على اجسام اخرى‪ ,‬فلن ينجو‬
‫ف ناية الطاف التجريب‪ ,‬عن مواجهة هذا السؤال‪ :‬ما دمت ل تستقص‬
‫جيع الزئيات‪ ,‬فكيف يكنك ان تؤمن‪ ,‬بان اطارات جديدة اخرى غي الت‬
‫جربتها‪ ,‬تتمدد هي الخرى أيضا بالرارة؟ والواب الوحيد على هذا‬
‫السؤال‪ ,‬هو مبدأ العلية وقوانينها‪ .‬فالعقل حيث انه ل يقبل الصدفة‬
‫والتفاق‪ ,‬وانا يفسر الكون بالعلية وقوانينها‪ ,‬من التمية والتناسب‪ ,‬يد ف‬
‫التجارب الحدودة‪ ,‬الكفاية لليان‪ ,‬بالنظرية العامة‪ ,‬القائلة بتمدد الجسام‬
‫بالرارة‪ ,‬لن هذا التمدد‪ ,‬الذي كشفت عنه التجربة‪ ,‬ل يكن صدفة‪ ,‬وانا‬
‫كان حصيلة الرارة ومعلول لا‪ ,‬وحيث ان قانون التناسب ف العلية‪ ,‬ينص‬
‫على ان الجموعة الواحدة من الطبيعة‪ ,‬تتفق ف اسبابا ونتائجها وعللها‬
‫وآثارها‪ ,‬فل غرو ان تصل كل البرات حينئذ‪ ,‬للتاكيد على شول ظاهرة‬
‫التمدد لسائر الجسام‪.‬‬

‫‪257‬‬
‫وهكذا نعرف‪ ,‬ان وضع النظرية العامة‪ ,‬ل يكن ميسورا‪ ,‬دون النطلق‬
‫من مبدأ العلية‪ .‬فمبدأ العلية هو الساس الول‪ ,‬لميع العلوم والنظريات‬
‫التجريبية‪.‬‬
‫وبتخليص‪ :‬ان النظريات التجريبية‪ ,‬ل تكتسب صفة علمية‪ ,‬ما ل تعمم‬
‫لجالت اوسع من حدود التجربة الاصة‪ ,‬وتقدم كحقيقة عامة‪ .‬ول يكن‬
‫تقديها كذلك ال على ضوء مبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬فل بد للعلوم عامة ان تعتب‬
‫مبدأ العلية‪ ,‬وما اليها من قانون التمية والتناسب‪ ,‬مسلمات اساسية‪ ,‬وتسلم‬
‫با بصورة سابقة‪ ,‬على جيع نظرياتا وقوانينها التجريبية‪.‬‬
‫ڤ‪...................................................‬العلية والستدلل‬
‫مبدأ العلية هو الركيزة الت تتوقف عليها جيع ماولت الستدلل‪ ,‬ف‬
‫كل مالت التفكي النسان‪ ,‬لن الستدلل بدليل على شيء من الشياء‪,‬‬
‫يعن ان الدليل اذا كان صحيحا‪ ,‬فهو سبب للعلم بالشيء الستدل عليه‪.‬‬

‫فحي نبهن على حقيقة من القائق بتجربة علمية‪ ,‬او بقانون فلسفي‪ ,‬او‬
‫باحساس بسيط‪ ,‬انا ناول بذلك ان يكون البهان‪ ,‬علة للعلم بتلك‬
‫القيقة‪ .‬فلول مبدأ العلية والتمية‪ ,‬لا اتيح لنا ذلك‪ ,‬لننا اذا طرحنا قواني‬
‫العلية من الساب ول نؤمن بضرورة وجود اسباب معينة لكل حادث‪ ,‬ل تبق‬
‫صلة بعد ذلك بي الدليل الذي نستند اليه‪ ,‬والقيقة الت ناول اكتسابا‬
‫بسببه‪ ,‬بل يصبح من الائز ان يكون الدليل صحيحا‪ ,‬ول ينتج النتيجة‬
‫الطلوبة‪ ,‬ما دامت قد انفصمت علقة العلية‪ .‬بي الدلة والنتائج‪ ,‬بي‬
‫السباب والثار‪.‬‬
‫وهكذا يتضح ان كل ماولة للستدلل‪ ,‬تتوقف على اليان ببدأ العلية‪,‬‬
‫وال كانت عبثا غي مثمر‪ .‬وحت الستدلل على رد مبدأ العلية‪ ,‬الذي ياوله‬
‫بعض الفلسفة او العلماء‪ ,‬يرتكز على مبدأ العلية أيضا‪ ,‬لن هؤلء الذين‬
‫ياولون انكار هذا البدأ‪ ,‬والستناد ف ذلك ال دليل‪ ,‬ل يكونوا يقومون بذه‬
‫الحاولة‪ ,‬لو ل يؤمنوا بأن الدليل الذي يستندون اليه‪ ,‬سبب كاف للعلم‬
‫ببطلن مبدأ العلية‪ .‬وهذا بنفسه تطبيق حرف لذا البدأ‪.‬‬
‫ڤ‪............................................‬اليكانيكية والديناميكية‬

‫‪258‬‬
‫يترتب على ما سبق النتائج التالية‪:‬‬
‫أ ـ ان مبدأ العلية ل يكن اثباته‪ ,‬والتدليل عليه بالس‪ ,‬لن الس ل‬
‫يكتسب صفة موضوعية‪ ,‬ال على ضوء هذا البدا‪ .‬فنحن نثبت الواقع‬
‫الوضوعي لحاسيسنا‪ ,‬استنادا ال مبدأ العلية‪ ,‬فليس من العقول ان يكون‬
‫هذا البلد‪ ,‬مدينا للحس ف ثبوته‪ ,‬ومرتكزا عليه‪ ,‬بل هو مبدأ عقلي يصدق به‬
‫النسان‪ ,‬بصورة مستغنية عن الس الارجي‪.‬‬
‫ب ـ ان مبدأ العلية ليس نظرية علمية تريبية‪ ,‬وانا هو قانون فلسفي‬
‫عقلي فوق التجربة‪ ,‬لن جيع النظريات العلمية تتوقف عليه‪ .‬ويبدو هذا‬
‫واضحا كل الوضوح‪ ,‬بعد ان عرفنا ان كل استنتاج علمي‪ ,‬قائم على‬

‫التجربة‪ ,‬يواجه مشكلة العموم والشمول‪ ,‬وهي ان التجربة‪ ,‬الت يرتكز‬


‫عليها الستنتاج‪ ,‬مدودة‪ ,‬فكيف تكون بجردها دليل على نظرية عامة؟!‬
‫وعرفنا أيضا ان الل الوحيد لذه الشكلة‪ ,‬انا هو مبدأ العلية‪ ,‬باعتباره دليل‬
‫على تعميم الستنتاج وشوله‪ .‬فلو افترضنا ان مبدأ العلية نفسه مرتكز على‬
‫التجربة‪ ,‬فمن الضروري ان نواجه مشكلة العموم والشمول مرة اخرى‪ ,‬نظرا‬
‫ال ان التجربة ليست مستوعبة للكون‪ ,‬فكيف تعتب دليل على نظرية عامة؟!‬
‫وقد كنا نل هذه الشكلة حي نواجهها‪ ,‬ف متلف النظريات العلمية‪,‬‬
‫بالستناد ال مبدأ العلية‪ ,‬بصفته الدليل الكاف على عموم النتيجة وشولا‪.‬‬
‫واما اذا اعتب نفس هذا البدا تريبيا‪ ,‬وواجهنا السالة فيه‪ ,‬فسوف نعجز‬
‫نائيا عن الواب عليه‪ .‬فل بد اذن ان يكون مبدأ العلية فوق التجربة‪,‬‬
‫وقاعدة اساسية للستنتاجات التجريبية عامة‪.‬‬
‫ج ـ ان مبدأ العلية ل يكن الستدلل على رده‪ ,‬بأي لون من ألوان‬
‫الستدلل‪ ,‬لن كل ماولة من هذا القبيل‪ ,‬تنطوي ضمنا على العتراف به‪,‬‬
‫فهو اذن ثابت بصورة متقدمة‪ ,‬على جيع الستدللت‪ ,‬الت يقوم با‬
‫النسان‪.‬‬
‫وخلصة هذه النتائج‪ ,‬ان مبدأ العلية ليس مبدأ تريبيا‪ ,‬وانا هو مبدأ‬
‫عقلي ضروري‪.‬‬

‫‪259‬‬
‫وعلى هذا الضوء يكننا ان نضع الد الفاصل‪ ,‬بي اليكانيكية‬
‫والديناميكية‪ ,‬وبي مبدأ العلية‪ ,‬ومبدأ الرية‪ .‬فان التفسي اليكانيكي للعلية‬
‫كان يقوم‪ ,‬على أساس اعتبارها مبدأ تريبيا‪ ,‬فهي ليست ف رأي اليكانيكية‬
‫الادية ال رابطة مادية‪ ,‬تقوم بي ظواهر مادية ف القل التجريب‪ ,‬وتستكشف‬
‫بالوسائل العلمية‪ .‬ولجل ذلك كان من الطبيعي‪ ,‬ان تنهار العلمية اليكانيكية‪,‬‬
‫اذا عجزت التجربة ف بعض الجالت العلمية‪ ,‬عن الكشف عما وراء‬
‫الظاهرة من علل وأسباب‪ ,‬لنا ل تتم ال على أساس تريب‪ ,‬فاذا خانتها‬
‫التجربة‪ ,‬ول يبهن عليها التطبيق العملي سقطت عن درجة الوثوق العلمي‬
‫والعتبار‪.‬‬

‫واما على رأينا ف العلية‪ ,‬القائل انا مبدأ عقلي فوق التجربة‪.‬‬
‫فالوقف يتلف كل الختلف من جوانب عديدة‪.‬‬
‫أولً‪ :‬ان العلية ل تقصر على الظواهر الطبيعية الت تبدو ف التجربة بل‬
‫هي قانون عام للوجود ف ماله الوسع الذي يضم الظواهر الطبيعية ونفس‬
‫الادة وما وراء الادة من الوان الوجود‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ان السبب‪ ,‬الذي يكم بوجوده مبدأ العلية‪ ,‬ليس من الضروري‬
‫ان يضع للتجربة‪ ,‬او ان يكون شيئا ماديا‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ان عدم كشف التجربة‪ ,‬عن وجود سبب معي‪ ,‬لصيورة ما او‬
‫لظاهرة ما‪ ,‬ل يعن فشل مبدأ العلية‪ ,‬اذ ان هذا البدأ ل يرتكز على التجربة‪,‬‬
‫ليتزعزع بسبب عدم توفرها‪ .‬فبالرغم من عجز التجربة‪ ,‬عن استكشاف‬
‫السبب‪ ,‬يبقى الوثوق الفلسفي بوجوده ـ طبقا لبدأ العلية ـ قويا‪ ,‬ويرجع فشل‬
‫التجربة ف الكشف عن السبب ال امرين‪ :‬اما قصورها وعدم احاطتها‬
‫بالواقع الادي‪ ,‬واللبسات الاصة للحادثة‪ ,‬واما ان السبب الجهول خارج‬
‫عن القل التجريب‪ ,‬وموجود فوق عال الطبيعة والادة‪.‬‬
‫وبا سبق‪ ,‬يكننا ان نيز الفوارق الساسية‪ ,‬بي فكرتنا عن مبدأ العلية‪,‬‬
‫والفكرة اليكانيكية عنه‪ .‬ونتبي ان الشك الذي اثي حول مبدأ العلية‪ ,‬ل يكن‬
‫ال نتيجة لتفسيه على أساس الفهوم اليكانيكي الناقص‪.‬‬
‫ڤ‪..........................................‬مبدأ العلية واليكروفيزياء‬

‫‪260‬‬
‫نستطيع على ضوء النتائج‪ ,‬الت انتهينا اليها ف مبدأ العلية‪ ,‬ان ندحض‬
‫تلك الملت الشديدة‪ ,‬الت شنت ف اليكروفيزياء‪ ,‬ضد قانون التمية‪,‬‬
‫وبالتال ضد مبدأ العلية بالذات‪ .‬فقد وجد ف الفيزياء الذرية‪ ,‬التاه القائل‬
‫ان الضبط التمي‪ ,‬الذي تؤكد عليه العلية وقوانينها‪ ,‬ل يصح ف مستوى‬
‫اليكروفيزياء‪ .‬فقد يكون من الصحيح‪ ,‬ان السباب ذاتا تولد النتائج‬
‫نفسها‪ ,‬ف مستوى الفيزياء الدرسية‪ ,‬او فيزياء العي الجردة‪ .‬وان تأثي‬

‫السباب الفاعلة‪ ,‬ف ظروف شخصية واحدة‪ ,‬ل بد له من ان ينتهي ال‬


‫مصلة واحدة حتما‪ ,‬بيث نستطيع ان نتأكد من طبيعة النتائج وحتميتها‪,‬‬
‫بسبب دراسة السباب والشرائط الطبيعية ‪..‬ولكن كل شيء يبدو على غي‬
‫هذا اللون‪ ,‬اذا حاولنا ان نطبق مبادئ العلية على العال الذري‪ .‬ولذلك‬
‫اعلن (هايزنبغ) العال الفيزيائي ان من الستحيل علينا‬
‫ان نقيس‪ ,‬بصورة دقيقة‪ ,‬كمية الركة‪ ,‬الت يقوم با جسم بسيط‪ ,‬وان‬
‫تدد ـ ف الوقت عينه ـ موضعه ف الوجة الرتبطة به‪ ,‬بسب الكانيكا‬
‫الوجبة‪ ,‬الت نادى با (لويس دوبروغي)‪ .‬فكلما كان مقياس موضعه‬
‫دقيقا‪ ,‬كان هذا القياس عامل ف تعديل كمية الركة‪ ,‬ومن ثة ف تعديل‬
‫سرعة السيم‪ ,‬بصورة ل يكن التنبؤ با‪ .‬وكلما كان مقياس كمية الركة‬
‫دقيقا‪ ,‬اصبح موضع السيم غي مدد (‪ .)1‬فالوقائع الفيزيائية ف الجال‬
‫الذري‪ ,‬ل يستطاع قياسها‪ ,‬بدون ان يدخل فيها اضطرابا‪ ,‬غي قابل‬
‫للقياس‪ .‬ومهما تعمقنا ف تدقيق القاييس العلمية‪ .‬ابتعدنا اكثر عن الواقع‬
‫الوضوعي لتلك الوقائع‪ .‬ومعن ذلك انه ل يكن فصل الشيء اللحظ ف‬
‫اليكروفيزياء‪ .‬عن الداة العلمية‪ ,‬الت يستعملها العال لدرسه‪ .‬كما ل يكن‬
‫فصله عن اللحظ نفسه‪ .‬اذ ان ملحظي متلفي‪ ,‬يعملون باداة واحدة‪ ,‬على‬
‫موضع واحد‪ ,‬سوف يصلون ال مقاييس متلفة‪ .‬ومن هنا نشأت فكرة‬
‫اللحتمية‪ ,‬الت تناقض بصفة مطلقة مبدأ العلية‪ .‬والقواعد الساسية الت‬
‫سارت عليها الفيزياء قبل ذلك‪ .‬وجرت ماولت لستبدال العلية التمية‪ .‬با‬

‫‪ 1‬ـ هذه هي الدياكتيكية ص ‪. 132‬‬

‫‪261‬‬
‫يسمى (علقات الرتياب)‪ ,‬او (قواني الحتمال)‪ ,‬الت نادى با‬
‫(هايزنبغ)‪ ,‬مصرا على ان العلوم الطبيعية ـ كالعلوم النسانية ـ ل تستطيع‬
‫ان تتنبأ تنبؤا يقينيا‪ ,‬حينما تنظر ال العنصر البسيط‪ ,‬بل ان كل ما تستطيعه‪,‬‬
‫هو ان تصوغ احتمال من الحتمالت‪.‬‬
‫والواقع ان جيع هذه الشكوك والرتيابات العلمية‪ ,‬الت أثارها العلماء ف‬
‫اليكروفيزياء‪ ,‬ترتكز على فهم خاص لبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬ل يتفق مع فهمنا‬

‫وتليلنا الفلسفي له‪ .‬فنحن ل نريد ان نناقش هؤلء العلماء ف تاربم‪ ,‬او‬
‫ندعوهم ال التغاضي عن مستكشفاتا‪ ,‬والتخلي عنها‪ ,‬ول نرمي ال التقليل‬
‫من شأنا وخطرها‪ ,‬وانا نتلف عنهم ف مفهومنا العام عن مبدأ العلية‪,‬‬
‫وعلى أساس هذا الختلف‪ ,‬تصبح كل الحاولت السابقة لدحض مبدأ‬
‫العلية وقوانينها‪ ,‬غي ذات معن‪.‬‬
‫ومفصل الديث حول ذلك‪ ,‬ان (مبدأ العلية) لو كان مبدأ علميا‪ ,‬قائما‬
‫على أساس التجارب والشاهدات‪ ,‬ف حقل الفيزياء العتيادية‪ ,‬لكان رهن‬
‫التجربة ف ثبوته وعمومه‪ ,‬فاذا ل نظفر بتطبيقات واضحة‪ ,‬ف ميادين‬
‫الفيزياء الذرية‪ ,‬ول نستطع ان نستكشف لا نظاما حتميا قائما عل مبدأ العلية‬
‫وقوانينها‪ ,‬كان من حقنا ان نشك ف قيمة البدا بالذات‪ ,‬ومدى صحته او‬
‫عمومه‪ .‬غي انا اوضحنا فيما سبق‪ ,‬ان تطبيق مبدأ العلية على الجالت‬
‫العتيادية للفيزياء‪ ,‬والعتقاد بالعلية كنظام عام للكون فيها‪ ,‬ل يكن بدليل‬
‫تريب بت‪ .‬وان مبدأ العلية مبدأ ضروري فوق التجربة‪ .‬وال ل يستقم‬
‫علم طبيعي على الطلق‪ .‬واذا تبينا هذا‪ ,‬ووضعنا مبدأ العلية ف موضعه‬
‫الطبيعي‪ ,‬من تسلسل الفكر النسان‪ ,‬فسوف ل يزعزع به عدم تكننا من‬
‫تطبيقه تريبيا‪ ,‬ف بعض ميادين الطبيعة‪ .‬والعجز عن استكشاف النظام‬
‫التمي الكامل فيها بالساليب العلمية‪ .‬فان كل ما جعه العلماء من‬
‫ملحظات‪ ,‬على ضوء تاربم اليكروفيزيائية‪ ,‬ل يعن ان الدليل العلمي‪ ,‬قد‬
‫برهن على خطا مبدأ العلية وقوانينها‪ ,‬ف هذا الجال الدقيق من مالت‬
‫الطبيعة التنوعة‪ .‬ومن الواضح ان عدم توفر المكانيات العلمية والتجريبية ل‬
‫يس مبدأ العلية ف كثي او قليل‪ .‬ما دام مبدأ ضروريا فوق التجربة‪ .‬ويوجد‬

‫‪262‬‬
‫عندئذ لفشل التجارب العلمية‪ .‬ف ماولة الظفر بأسرار النظام التمي للذرة‬
‫تفسيان‪:‬‬
‫الول‪ :‬نقصان الوسائل العلمية‪ ,‬وعدم توفر الدوات التجريبية‪ ,‬الت‬
‫تتيح للعال الطلع على جيع الشروط والظروف الادية‪ .‬فقد يعمل العال بأداة‬
‫واحدة‪ ,‬على موضوع واحد عدة مرات‪ ,‬فيصل ال نتائج متلفة‪ ,‬ل لن‬
‫الوضوع الذي عمل عليه‪ ,‬متحرر من كل نظام حتمي‪ ,‬بل لن الوسائل‬

‫التجريبية اليسورة ل تكن كاملة‪ ,‬ال حد تكشف له عن الشروط الادية‬


‫الدقيقة‪ ,‬الت اختلفت النتائج بسبب اختلفها‪ ,‬ومن الطبيعي ان تكون وسائل‬
‫التجربة‪ ,‬ف الجالت الذرية ووقائعها ابعد عن الكمال من الوسائل‬
‫التجريبية‪ ,‬الت تتخذ ف مالت فيزيائية اخرى‪ ,‬اقل خفاء واكثر وضوحا‪.‬‬
‫الثان‪ :‬تاثر الوضوع ـ نظرا ال دقته وضآلته ـ بالقاييس والدوات‬
‫العلمية‪ ,‬تاثرا دقيقا ل يقبل القياس والدروس العلمي‪ .‬فقد تبلغ الوسائل‬
‫العلمية الذروة ف الدقة والكمال والعمق‪ ,‬ولكن العال ـ مع ذلك ـ يواجه‬
‫الشكلة نفسها‪ ,‬لنه يد نفسه أزاء وقائع فيزيائية‪ ,‬ل يستطيع قياسها‪ ,‬بدون‬
‫ان يدخل فيها اضطرابا غي قابل للقياس‪ .‬وبذلك يتلف موقفه تاه هذه‬
‫الوقائع‪ ,‬عن موقفه ف تارب فيزياء العي الجردة‪ ,‬لنه ف تلك التجارب‬
‫يستطيع ان يقوم بقياساته‪ ,‬دون اجراء أي تعديل ف الشيء القاس‪ ,‬وحت‬
‫حينما يعدل فيه‪ ,‬يكون هذا التعديل نفسه قابل للقياس‪ .‬واما ف اليكروفيزياء‬
‫فقد تكون دقة الداة وقوتا بنفسها‪ ,‬سببا ف فشلها‪ ,‬اذا تدث تغييا ف‬
‫الوضوع اللحظ‪ ,‬فل يكن ان يدرس بصورة موضوعية مستقلة‪ .‬ولذلك‬
‫يقول (جان لويس ديتوش) ـ فيما يتعلق بسيم من السيمات ـ فبد ًل ان‬
‫تكون شدة النور‪ ,‬هي ذات الهية‪ ,‬اذ يصبح طول الوجة هو الهم‪ .‬فكلما‬
‫أضأنا السيم بوجة قصية ـ أي بوجة ذات تواتر كبي ـ اصبحت حركته‬
‫عرضة للضطراب‪.‬‬
‫ومرد السببي معا ال قصور وسائل التجربة والشاهدة العلميتي‪ :‬اما عن‬
‫ضبط الوضوع اللحظ‪ ,‬بميع شروطه وظروفه الادية‪ ,‬واما عن قياس‬
‫التأثي‪ ,‬الذي توجده التجربة نفسها فيه قياسا دقيقا‪ .‬وكل هذا انا يقرر عدم‬
‫إمكان الطلع على النظام التمي‪ ,‬الذي يتحكم ف السيمات‬
‫وحركتها ـ مثل ـ وعدم إمكان التنبؤ بسلك هذه السميات تنبؤا مضبوطا‪.‬‬

‫‪263‬‬
‫ول يبهن ذلك على حريتها‪ ,‬ول يبر إدخال اللحتمية ال مال الادة‪,‬‬
‫وإسقاط قواني العلية من حساب الكون‪.‬‬

‫لاذا تتاج الشياء ال علة؟‬


‫نتناول الن ناحية جديدة من مبدأ العلية‪ ,‬وهي الجابة عن السؤال‬
‫التال‪ :‬لاذا تتاج الشياء ال اسباب وعلل‪ ,‬فل توجد بدونا؟ وما هو السبب‬
‫القيقي الذي يعلها متوقفة على تلك السباب والعلل؟ وهذا سؤال نواجهه‬
‫بطبيعة الال بعد ان آمنا ببدأ العلية‪ ,‬فان الشياء الت نعاصرها ف هذا‬
‫الكون‪ ,‬ما دامت خاضعة بصورة عامة لبدأ العلية وموجودة طبقا لقوانينها‪,‬‬
‫فيجب ان نتساءل عن سر خضوعها لذا البدأ‪ ,‬فهل مرد هذا الوضوع ال‬
‫ناحية ذاتية ف تلك الشياء‪ ,‬ل يكنها ان تتحرر عنها مطلقا؟ او ال سبب‬
‫خارجي جعلها باجة ال علل وأسباب؟ وسواء اصح هذا أم ذاك‪ ,‬فما هي‬
‫حدود هذا السر الذي يرتكز عليه مبدأ العلية؟ وهل يعم الوان الوجود جيعا‬
‫او ل؟‪.‬‬
‫وقد حصلت هذه السئلة على اربع نظريات لحاولة الجابة عنها‪.‬‬
‫أ ـ نظرية الوجود‪:‬‬
‫وهي النظرية القائلة ان الوجود يتاج ال علة‪ ,‬لجل وجوده‪ .‬وهذه‬
‫الاجة ذاتية للوجود‪ ,‬فل يكن ان نتصور وجودا متحررا من هذه الاجة‪,‬‬
‫لن سبب الفتقار ال العلة سر كامن ف صميمه‪ .‬ويترتب على ذلك ان كل‬
‫وجود معلول‪ .‬وقد اخذ بذه النظرية بعض فلسفة الاركسية‪ ,‬مستندين ف‬
‫تبيرها علميا ال التجارب‪ ,‬الت دلت ف متلف ميادين الكون‪ ,‬على ان‬
‫الوجود بشت ألوانه واشكاله‪ ,‬الت كشفت عنها التجربة‪ ,‬ل يتجرد عن سببه‬
‫ول يستغن عن العلة‪ .‬فالعلية ناموس عام للوجود‪ ,‬بكم التجارب العلمية‪.‬‬
‫وافتراض وجود ليس له علة مناقض لذا الناموس‪ ,‬ولجل ذلك كان ضربا‬
‫من العتقاد بالصدفة‪ ,‬الت ل متسع لا ف نظام الكون العام (‪.)1‬‬
‫وقد حاولوا عن هذا الطريق ان يتهموا الفلسفة اللية‪ ,‬بانا تؤمن‬

‫‪1‬ـ جب واختيار ص ‪. 5‬‬

‫‪264‬‬
‫بالصدفة‪ ,‬نظرا ال اعتقادها بوجود مبدأ أول‪ ,‬ل ينشا من سبب ول تتقدمه‬
‫علة‪ .‬فهذا الوجود الزعوم لللية‪ ,‬لا كان شاذا عن مبدأ العلية‪ ,‬فهو صدفة‪,‬‬
‫وقد اثبت العلم ان ل صدقة ف الوجود‪ ,‬فل يكن التسليم بوجود البدأ‬
‫اللي‪ ,‬الذي تزعمه الفلسفية اليتافيزيقية‪.‬‬
‫وهكذا اخطا هؤلء مرة اخرى‪ ,‬حي أرادوا استكشاف سر الاجة ال‬
‫العلة‪ ,‬ومعرفة حدود العلية‪ ,‬ومدى اتساعها عن طريق التجارب العلمية‪ ,‬كما‬
‫أخطأوا سابقا ف ماولة استنباط مبدأ العلية بالذات‪ ,‬وبصورة رئيسية من‬
‫التجربة والستقراء العلمي للكون‪ .‬فان التجارب العلمية ل تعمل ال ف‬
‫حقلها الاص‪ ,‬وهو نطاق مادي مدود‪ ,‬وقصارى ما تكشف عنه هو خضوع‬
‫الشياء ف ذلك النطاق لبدأ العلية‪ ,‬فالنفجار‪ ,‬او الغليان‪ ,‬او الحتراق‪ ,‬او‬
‫الرارة‪ ,‬او الركة‪ ,‬وما ال ذلك من ظواهر الطبيعة‪ ,‬ل توجد دون اسباب‪,‬‬
‫وليس ف المكانات العلمية للتجربة‪ ,‬التدليل على ان سر الاجة ال العلة‬
‫كامن ف الوجود بصورة عامة‪ ,‬فمن الائز ان يكون السر ثابتا ف ألوان خاصة‬
‫من الوجود‪ ,‬وان تكون الشياء الت ظهرت ف الجال التجريب من تلك‬
‫اللوان الاصة‪.‬‬
‫فاعتبار التجربة دليل على ان الوجود بصورة عامة خاضع للعلل‬
‫والسباب‪ ,‬ليس صحيحا ـ اذن ـ ما دامت التجربة ل تباشر ال القل الادي‬
‫من الوجود‪ ,‬وما دام نشاطها ف هذا القل الذي تباشره ل يتخطى ايضاح‬
‫السباب والثار النبثقة عنها‪ ,‬ال الكشف عن السبب الذي جعل هذه الثار‬
‫باجة ال تلك السباب‪ .‬واذا كانت التجربة ووسائلها الحدودة‪ ,‬قاصرة عن‬
‫تكوين اجابة واضحة ف هذه السالة‪ ,‬فيجب درسها على السس العقلية‪,‬‬
‫وبصورة فلسفية مستقلة‪ .‬فكما ان مبدأ العلية نفسه من البادئ الفلسفية‬
‫الالصة ـ كما عرفت سابقا ـ كذلك أيضا البحوث التصلة به‪ ,‬والنظريات الت‬
‫تعال حدوده‪.‬‬
‫ويب ان نشي ال ان اتام فكرة البدأ الول‪ ,‬بأنا لون من اليان‬
‫بالصدفة‪ ,‬ينطوي على سوء فهم لذه الفكرة‪ ,‬وما ترتكز عليه من مفاهيم‪,‬‬

‫‪265‬‬
‫ذلك ان الصدفة عبارة عن الوجود‪ ,‬من دون سبب؛ لشيء يستوي بالنسبة‬

‫اليه الوجود والعدم‪ ,‬فكل شيء ينطوي على إمكان الوجود‪ ,‬وإمكان العدم‬
‫بصورة متعادلة‪ ,‬ث يوجد من دون علة فهو الصدفة‪ .‬وفكرة البدأ الول‬
‫تنطلق من القول بان البدا الول ل يتعادل فيه الوجود والعدم‪ ,‬فهو ليس‬
‫مكن الوجود والعدم معا‪ ,‬بل ضروري الوجود‪ ,‬ومتنع العدم‪ .‬ومن البدهي‬
‫ان العتقاد بوجب هذه صفته‪ ,‬ل ينطوي على التصديق بالصدفة مطلقا‪.‬‬
‫ب ـ نظرية الدوث‪:‬‬
‫وهي النظرية الت تعتب حاجة الشياء ال أسبابا‪ ,‬مستندة ال حدوثها‪.‬‬
‫فالنفجار‪ ,‬او الركة‪ ,‬او الرارة‪ ,‬انا تتطلب لا اسبابا‪ ,‬لنا أمور حدثت‬
‫بعد العدم‪ .‬فالدوث هو الذي يفتقر ال علة‪ ,‬وهو الباعث الرئيسي الذي‬
‫يثي فينا سؤال‪ :‬لاذا وجد؟ امام كل حقيقة من القائق‪ ,‬الت نعاصرها ف‬
‫هذا الكون‪ .‬وعلى ضوء هذه النظرية‪ ,‬يصبح مبدأ العلية مقتصرا على الوادث‬
‫خاصة‪ .‬فاذا كان الشيء موجودا بصورة مستمرة ودائمة ول يكن حادثا بعد‬
‫العدم‪ ,‬فل توجد فيه حاجة ال السبب‪ ,‬ول يدخل ف النطاق الاص لبدأ‬
‫العلية‪.‬‬
‫وهذه النظرية اسرفت ف تديد العلية‪ ,‬كما أسرفت النظرية السابقة ف‬
‫تعميمها‪ ,‬وليس لا ما يبرها من ناحية فلسفية‪ .‬فمرد الدوث ف القيقة ال‬
‫وجود الشيء بعد العدم‪ ,‬كوجود السخونة ف ماء ل يكن ساخنا‪ ,‬ول يفترق‬
‫لدى العقل‪ ,‬ان توجد هذه السخونة بعدم العدم‪ ,‬وان تكون موجودة بصورة‬
‫دائمة‪ ,‬فانه يتطلب على كل حال سببا خاصا لا‪ .‬فالصعود بعمر الشيء‬
‫وتاريه ال ابعد الماد ل يبر وجوده‪ ,‬ول يعله مستغنيا عن العلة‪ .‬وبكلمة‬
‫اخرى‪ :‬ان وجود السخونة الادثة‪ ,‬لا كان باجة ال سبب‪ ,‬فل يكفي‬
‫لتحريره من هذه الاجة ان ندده لن تديده سوف يعلنا نصعد بالسؤال عن‬
‫العلة مهما اتسعت عملية التمديد‪.‬‬
‫ج ـ د ـ نظرية المكان الذات‪ ,‬والمكان الوجودي‪:‬‬
‫وهاتان النظريتان تؤمنان‪ ,‬بأن الباعث على حاجة الشياء ال اسبابا‪ ,‬هو‬
‫المكان‪ .‬غي ان لكل من النظريتي مفهومها الاص عن المكان‪ ,‬الذي‬

‫‪266‬‬
‫تتلف به عن الخرى‪ ,‬وهذا الختلف بينهما‪ ,‬مظهر لختلف فلسفي‬
‫أعمق‪ ,‬حول الاهية والوجود‪ .‬وحيث ان حدود هذا الكتاب‪ ,‬ل تسمح‬
‫بالتحدث عن ذلك الختلف‪ ,‬وتحيصه‪ ,‬فسوف نقتصر على نظرية المكان‬
‫الوجودي ف مسالتنا‪ ,‬نظرا ال ارتكازها على الرأي القائل بأصالة الوجود (أي‬
‫الراي الصحيح ف الختلف الفلسفي العمق الذي اشرنا اليه)‪.‬‬
‫ونظرية المكان الوجودي‪ ,‬هي للفيلسوف السلمي الكبي (صدر‬
‫الدين الشيازي) وقد انطلق فيها من تليل مبدأ العلية نفسه‪ ,‬وخرج من‬
‫تليله ظافرا بالسر‪ ,‬فلم يكلفه الظفر بالسبب القيقي لاجة الشياء ال‬
‫عللها‪ ,‬اكثر من فهم مبدأ العلية‪ ,‬فهما فلسفيا عميقا‪.‬‬
‫والن نبدأ كما بدأ‪ ,‬فنتناول العلية بالدرس والتمحيص‪.‬‬
‫ل شك ف ان العلية علقة قائمة بي وجودين‪ :‬العلة‪ ,‬والعلول‪ .‬فهي‬
‫لون من الوان الرتباط بي شيئي‪ .‬وللرتباط ألوان وضروب شت‪ ,‬فالرسام‬
‫مرتبط باللوحة الت يرسم عليها‪ ,‬والكاتب مرتبط بالقلم الذي يكتب به‪,‬‬
‫والطالع مرتبط بالكتاب الذي يقرأ فيه‪ ,‬والسد مرتبط بسلسلة الديد الت‬
‫تطوق عنقه‪ ,‬وهكذا سائر العلقات والرتباطات بي الشياء‪ .‬ولكن شيئا‬
‫واضحا يبدو بلء‪ ,‬ف كل ما قدمناه من المثلة للرتباط‪ ,‬وهو ان لكل من‬
‫الشيئي الرتبطي وجودا خاصا‪ ,‬سابقا على ارتباطه بالخر‪ .‬فاللوحة والرسام‬
‫كلها موجودان‪ ,‬قبل ان توجد عملية الرسم‪ ,‬والكاتب والقلم موجودان‪,‬‬
‫قبل ان يرتبط أحدها بالخر‪ ,‬والطالع والكتاب كذلك وجدا بصورة مستقلة‪,‬‬
‫ث عرض لما الرتباط‪ .‬فالرتباط ف جيع هذه المثلة علقة تعرض للشيئي‬
‫بصورة متاخرة عن وجودها‪ ,‬ولذلك فهو شيء ووجودها شيء آخر‪ ,‬فليست‬
‫اللوحة ف حقيقتها ارتباطا بالرسام‪ ,‬ول الرسام ف حقيقته مرد ارتباط‬
‫باللوحة‪ ,‬بل الرتباط صفة توجد لما بعد وجود كل منهما بصورة مستقلة‪.‬‬
‫وهذه الفارقة بي حقيقة الرتباط‪ ,‬والكيان الستقل لكل من الشيئي‬
‫الرتبطي‪ ,‬تتجلى ف كل انواع الرتباط‪ ,‬باستثناء نوع واحد‪ ,‬وهو ارتباط‬
‫شيئي برباط العلية‪ .‬فلو ان (ب) ارتبط بـ (أ)‪ ,‬ارتباطا سببيا‪ ,‬وكان معلولً‬

‫‪267‬‬
‫له ومسببا عنه‪ ,‬لوجد لدينا شيئان‪ :‬احدها معلول وهو (ب) والخر علة وهو‬
‫(أ)‪ .‬واما العلية الت تقوم بينهما‪ ,‬فهي لون ارتباط احدها بالخر‪ .‬والسألة‬
‫هي ان (ب) هل يلك وجودا‪ ,‬بصورة مستقلة عن ارتباطه بـ (أ)‪ ,‬ث يعرض‬
‫له الرتباط‪ ,‬كما هو شأن اللوحة بالضافة ال الرسام؟ ول نتاج ال كثي من‬
‫الدرس‪ ,‬لنجيب بالنفي‪ ,‬فان (ب) لو كان يلك وجودا حقيقيا‪ ,‬وراء ارتباطه‬
‫بسببه‪ ,‬ل يكن معلولً لـ (أ)‪ ,‬لنه ما دام موجودا بصورة مستقلة عن ارتباطه‬
‫به‪ ,‬فل يكن ان يكون منبثقا عنه وناشئا منه‪ .‬فالعلية بطبيعتها تقتضي‪ ,‬ان ل‬
‫يكون للمعلول حقيقة وراء ارتباطه بعلته‪ ,‬وال ل يكن معلول‪ ,‬ويتضح بذلك‬
‫ان الوجود العلول ليس له حقيقة‪ ,‬ال نفس الرتباط بالعلة والتعلق با‪.‬‬
‫وهذا هو الفارق الرئيسي‪ ,‬بي ارتباط العلول بعلته‪ ,‬وارتباط اللوحة بالرسام‪,‬‬
‫او القلم بالكاتب‪ ,‬او الكتاب بالطالع‪ .‬فان اللوحة والقلم والكتاب‪ ,‬اشياء‬
‫تتصف بالرتباط مع الرسام والكاتب والطالع‪ .‬وأما (ب) فهو ليس شيئا له‬
‫ارتباط وتعلق بالعلة ـ لن افتراضه كذلك‪ ,‬يستدعي ان يكون له وجود‬
‫مستقل‪ ,‬يعرضه الرتباط كما يعرض اللوحة الوجودة بي يدي الرسام‪ ,‬ويرج‬
‫بذلك عن كونه معلول ـ بل هو نفس الرتباط بعن ان كيانه ووجوده‪ ,‬كيان‬
‫ارتباطي ووجود تعلقي‪ ,‬ولذلك كان قطع ارتباطه بالعلة إفناء له‪ ,‬وإعداما‬
‫لكيانه‪ ,‬لن كيانه يتمثل ف ذلك الرتباط‪ .‬على عكس اللوحة‪ ,‬فانا لو ل‬
‫ترتبط بالرسام ف عملية رسم معينة‪ ,‬لا فقدت كيانا ووجودها الاص‪.‬‬
‫واذا استطعنا ان نرج بذه النتيجة الهمة‪ ,‬من تليل مبدأ العلية‪,‬‬
‫أمكننا ان نضع فورا الواب على مسألتنا الساسية‪ ,‬ونعرف السر ف احتياج‬
‫الشياء ال أسبابا‪ .‬فان السر ف ذلك على ضوء ما سبق‪ ,‬هو ان القائق‬
‫الارجية‪ ,‬الت يري عليها مبدأ العلية‪ .‬ليست ف الواقع ال تعليقات‬
‫وارتباطات‪ .‬فالتعلق والرتباط مقوم لكيانا ووجودها‪ .‬ومن الواضح ان‬
‫القيقة اذا كانت حقيقة تعلقية‪ ,‬أي كانت عي التعلق والرتباط‪ ,‬فل يكن‬
‫ان تنفك عن شيء تتعلق به‪ ,‬وترتبط به ذاتيا‪ ,‬فذلك الشيء هو سببها‬
‫وعلتها‪ ,‬لنا ل يكن ان توجد مستقلة عنه‪.‬‬
‫وهكذا نعرف ان السر ف احتياج هذه القائق الارجية الت‬

‫‪268‬‬
‫نعاصرها ‪ ...‬ال سبب‪ ,‬ليس هو حدوثها‪ ,‬ول امكان ماهياتا‪ ,‬بل السر‬
‫كامن ف كنهها الوجودي‪ ,‬وصميم كيانا‪ .‬فان حقيقتها الارجية عي التعلق‬
‫والرتباط‪ ,‬والتعلق او الرتباط‪ ,‬ل يكن ان يستغن عن شيء يتعلق به‬
‫ويرتبط‪ .‬ونعرف ف نفس الوقت ـ أيضا ـ ان القيقة الارجية‪ ,‬اذا ل تكن‬
‫حقيقة ارتباطية وتعلقية‪ ,‬فل يشملها مبدأ العلية‪ .‬فليس الوجود الارجي‬
‫بصورة عامة مكوما ببدأ العلية‪ ,‬بل انا يكم مبدأ العلية على الوجودات‬
‫التعلقية‪ ,‬الت تعب ف حقيقتها عن الرتباط والتعلق‪.‬‬
‫ڤ‪........................................‬التأرجح بي التناقض والعلية‬
‫بالرغم من ان الاركسية اتذت من تناقضات الديالكتيك شعارا لا ف‬
‫بوثها التحليلية لكل مناحي الكون والياة والتاريخ ل تنج بصورة نائية من‬
‫التذبذب بي تناقضات الديالكتيك ومبدأ العلية‪ ,‬فهي بوصفها ديالكتيكية‪,‬‬
‫تؤكد ان النمو والتطور ينشأ عن التناقضات الداخلية كما مر مشروحا ف‬
‫البحوث السابقة‪ ,‬فالتناقض الداخلي هو الكفيل بان يفسر كل ظاهرة من‬
‫الكون دون حاجة ال سبب اعلى‪ ,‬ومن ناحية اخرى تعترف بعلقة العلة‬
‫والعلول وتفسر هذه الظاهرة او تلك بأسباب خارجية وليس بالتناقضات‬
‫الخزونة ف اعماقها‪.‬‬
‫ولنأخذ مثال لذا التذبذب من تليلها التاريي‪ ,‬فهي بينما تصر على‬
‫وجود تناقضات داخلية ف صميم الظواهر الجتماعية كفيلة بتطويرها ضمن‬
‫حركة ديناميكية‪ .‬تقرر من ناحية اخرى ان الصرح الجتماعي الائل يقوم كله‬
‫على قاعدة واحدة‪ ,‬وهي قوى النتاج‪ ,‬وان الوضاع الفكرية والسياسية وما‬
‫اليها‪ ,‬ليست ال بن فوقية ف ذلك الصرح وانعكاسات بشكل وآخر لطريقة‬
‫النتاج الت قام البناء عليها‪ ,‬ومعن هذا ان العلقة بي هذه البن الفوقية‬
‫وبي قوى النتاج هي علقة معلول بعلة‪ .‬فليس هناك تناقض داخلي وانا‬
‫توجد علية (‪.)1‬‬

‫وكأن الاركسية أدركت موقفها هذا التأرجح بي التناقضات الداخلية‬


‫ومبدأ العلية‪ .‬وحاولت ان توفق بي المرين‪ ,‬فاعطت العلة والعلول مفهوما‬

‫‪ 1‬ـ لجل التوضيح يراجع بث الادية التاريية من كتاب (اقتصادنا) للمؤلف‪.‬‬

‫‪269‬‬
‫ديالكتيكا ورفضت مفهومها اليكانيكي‪ ,‬وسحت لنفسها على هذا الساس‬
‫ان تستعمل ف تليلها طريقة العلة والعلول ف إطارها الديالكتيكي الاص‪.‬‬
‫فالاركسية ترفض السببية الت تسي على خط مستقيم والت تظل فيها العلة‬
‫خارجية بالنسبة ال معلولا‪ ,‬والعلول سلبيا بالنسبة ال علته لن هذه السببية‬
‫تتعارض مع الديالكتيك‪ ,‬مع عملية النمو والتكامل الذات ف الطبيعة‪ .‬اذ ان‬
‫العلول طبقا لذه السببية ل يكن ان ييء حينئذ اثرى من علته واكثر نوا‬
‫لن هذه الزيادة ف الثراء والنمو تبقى دون تعليل‪ ,‬واما العلول الذي يولد من‬
‫نقيضه فيتطور وينمو بركة داخلية‪ ,‬طبقا لا يتوي من تناقضات ليعود ال‬
‫النقيض الذي أولده فيتفاعل معه ويقق عن طريقه الندماج به مركبا جديدا‬
‫اكثر اغتناء وثراء من العلة والعلول منفردين‪ ,‬فهذا هو ما تعنيه الاركسية‬
‫بالعلة والعلول لنه يتفق مع الديالكتيك ويعب عن الثالوث الديالكتيكي‬
‫(الطروحة والطباق والتركيب)‪ .‬فالعلة هي الطروحة والعلول هو الطباق‬
‫والجموع الترابط منهما هو التركيب‪ ,‬والعلية هنا عملية نو وتكامل عن طريق‬
‫ولدة العلول من العلة أي الطباق من الطروحة‪ ,‬والعلول ف هذه العملية ل‬
‫يولد سلبيا بل يولد مزودا بتناقضاته الداخلية الت تنميه وتعله يتضن علته‬
‫اليه ف مركب ارقى واكمل‪.‬‬
‫وقد سبق ف حديثنا عن الديالكتيك رأينا ف هذه التناقضات الداخلية‬
‫الت ينمو الكائن وفقا لتوحدها وصراعها ف اعماقه‪ ,‬ونستطيع ان نعرف الن‬
‫ف ضوء مفهومها العمق عن العلقة بي العلة والعلول خطأ الاركسية ف‬
‫مفهومها عن العلية وما تؤدي اليه من نو العلول وتكامل العلة بالندماج مع‬
‫معلولا‪ ,‬فان العلول حيث كان لون من ألوان التعلق والرتباط بعلته‪ ,‬ول‬
‫يكن للعلة ان تتكامل به ف مركب ارقى‪ .‬وقد استعرضنا ف كتاب (اقتصادنا)‬
‫ص (‪ )23‬بعض تطبيقات ماركس لفهومه الديالكت عن العلية على الصعيد‬
‫التاريي حيث حاول ان يبهن على ان العلة تكاملت بعلولا وتوحدت معه ف‬
‫مركب أثري‪ ,‬واستطعنا ان نوضح ف دراستنا تلك ان هذه التطبيقات نشأت‬

‫من عدم الضبط الفلسفي والدقة ف تديد العلة والعلول‪ ,‬فقد توجد علتان‬
‫ومعلولن‪ .‬وكل من العلولي يكمل علة الخر‪ ,‬فحي ل ندقق ف التمييز بي‬
‫العلتي يبدو كأن العلول يكمل علته‪ ,‬كما قد يصبح العلول سببا ف تكامل‬

‫‪270‬‬
‫احد شروط وجوده‪ ,‬غي ان شروط الوجود غي العلة الت ينبثق منها ذلك‬
‫الوجود‪ ,‬وللتوضيح اكثر من ذلك يراجع البحث ف كتاب (اقتصادنا)‪.‬‬
‫التعاصر بي العلة والعلول‬
‫لا كنا نعرف الن‪ ,‬ان وجود العلول مرتبط ارتباطا ذاتيا بوجود العلة‪,‬‬
‫فنستطيع ان نفهم مدى ضرورة العلة للمعلول‪ ,‬وان العلول يب ان يكون‬
‫معاصرا للعلة‪ ,‬ليتبط با كيانه ووجوده‪ ,‬فل يكن له ان يوجد بعد زوال‬
‫العلة‪ ,‬او ان يبقى بعد ارتفاعها‪ .‬وهذا هو ما شئنا ان نعب عنه بقانون‬
‫(التعاصر بي العلة والعلول)‪.‬‬
‫وقد أثيت حول هذا القانون مناقشتان راميتان ال إثبات ان من المكن‬
‫بقاء العلول بعد زوال علته‪ .‬احداها للمتكلمي‪ ,‬والخرى لبعض علماء‬
‫اليكانيك الديث‪.‬‬
‫ڤ‪...................................................‬الناقشة الكلمية‪:‬‬
‫وهي تستند ال أمرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬ان الدوث هو سبب حاجة الشياء ال أسبابا‪ .‬فالشيء انا‬
‫يتاج ال سبب‪ ,‬لجل ان يدث‪ ,‬فاذا حدث‪ ,‬ل يكن وجوده بعد ذلك‬
‫مفتقرا ال علة‪ .‬وهذا يرتكز على نظرية الدوث‪ ,‬الت تبينا خطأها فيما سبق‪,‬‬
‫وعرفنا ان حاجة الشيء ال العلة‪ ,‬ليست لجل الدوث‪ ,‬بل لن وجوده‬
‫مرتبط بسببه الاص ارتباطا ذاتيا‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ان قانون التعاصر بي العلة والعلول‪ ,‬ل يتفق مع طائفة من‬
‫ظواهر الكون‪ ,‬الت تكشف بوضوح عن استمرار وجود العلول‪ ,‬بعد زوال‬

‫العلة‪ .‬فالعمارة الشاهقة الت شادها البنّاؤُون‪ ,‬واشترك ف بنائها آلف‬


‫العمال‪ ,‬تبقى قائمة بعد انتهاء عملية البناء والتعمي‪ ,‬وان تركها العمال‪ ,‬ول‬
‫يبق منهم بعد ذلك شخص على قيد الياة‪ .‬والسيارة الت انتجها مصنع‬
‫خاص‪ ,‬بفضل عماله الفنيي‪ ,‬تارس نشاطها‪ ,‬وقد تبقى متفظة بهازها‬
‫اليكانيكي‪ ,‬وان تدم ذلك الصنع‪ ,‬ومات اولئك العمال‪ .‬والذكرات الت‬

‫‪271‬‬
‫سجلها شخص بطه‪ ,‬تبقى بعده مئات السني‪ ,‬تكشف للناس عن الياة‬
‫ذلك الشخص وتاريه‪ .‬فهذه الظواهر تبهن‪ ,‬على ان العلول يلك حريته‬
‫بعد حدوثه‪ ,‬وتزول حاجته ال علته‪ ,‬والواقع ان عرض هذه الظواهر‪ ,‬كأمثلة‬
‫لتحرر العلول بعد حدوثه من علته‪ ,‬نشأ من عدم التمييز بي العلة وغيها‪.‬‬
‫فنحن اذا ادركنا العلة القيقية لتلك المور ـ من بناء الدار‪ ,‬وجهاز السيارة‪,‬‬
‫وكتابة الذكرات ـ نتبي ان تلك المور ل تستغن عن العلة‪ ,‬ف لظة من‬
‫لظات وجودها‪ ,‬وان كل أثر طبيعي يعدم ف الن الذي يفقد فيه سببه‪ .‬فما‬
‫هو العلول للعمال الشتغلي ببناء العمارة‪ ,‬انا هو نفس عملية البناء‪ ,‬وهي‬
‫عبارة عن عدة من الركات والتحريكات‪ ,‬يقوم با العامل بقصد جع مواد‬
‫البناء الام من الجر والديد والشب وما اليها ‪ ...‬وهذه الركات ل يكن‬
‫ان تستغن عن العمال ف وجودها‪ ,‬بل تنقطع حتما ف الوقت الذي يكف فيه‬
‫العمال عن العمل‪ .‬واما الوضع الذي حصل لواد البناء على أثر عملية‬
‫التعمي‪ ,‬فهو ف وجوده واستمراره معلول لصائص تلك الواد‪ ,‬والقوى‬
‫الطبيعية العامة‪ ,‬الت تفرض على الادة الحافظة على وضعها وموضعها‪.‬‬
‫وكذلك المر ف سائر المثلة الخرى‪ .‬وهكذا يتبخر الوهم النف الذكر‪ ,‬اذا‬
‫اضفنا كل معلول ال علته‪ ,‬ول نطئ ف نسبة الثار ال أسبابا‪.‬‬
‫ڤ‪.................................................‬العاوضة اليكانيكية‬
‫وهي العارضة الت أثارها اليكانيك الديث‪ ,‬على ضوء القواني الت‬
‫وضعها (غاليلو) و(نيوتن) للحركة اليكانكية‪ ,‬مدعيا ـ على أساس تلك‬
‫القواني ـ ان الركة اذا حدثث بسبب فهي تبقى حتما‪ ,‬ول يتاج استمرارها‬
‫ال علة‪ ,‬خلفا للقانون الفلسفي الذي ذكرناه‪.‬‬

‫ونن اذا تعمقنا ف درس هذه العارضة‪ ,‬وجدنا انا تؤدي ف القيقة ال‬
‫الغاء مبدأ العلية رأسا‪ ,‬لن حقيقة الركة ـ كما سبق ف الدراسات‬
‫السابقة ـ عبارة عن التغي والتبدل‪ ,‬فهي حدوث مستمر‪ ,‬أي حدوث متصل‬
‫بدوث‪ ,‬وكل مرحلة من مراحلها حدوث جديد‪ ,‬وتغي عقيب تغي‪ .‬فاذا‬
‫امكن للحركة ان تستمر دون علة‪ ,‬كان ف المكان ان تدث الركة دون‬

‫‪272‬‬
‫علة‪ ,‬وان توجد الشياء ابتداء بل سبب‪ ,‬لن استمرار الركة يتوي على‬
‫حدوث جديد دائما‪ ,‬فتحرره من العلة يعن ترر الدوث من العلة أيضا‪.‬‬
‫ولجل ان يتضح عدم وجود مبر لذه العارضة‪ ,‬من ناحية علمية‪ ,‬يب‬
‫ان ندث القارئ عن قانون القصور الذات‪ ,‬ف اليكانيك الديث‪ ,‬الذي‬
‫ارتكزت عليه العارضة‪.‬‬
‫ان التفكي السائد عن الركة قبل (غاليلو)‪ ,‬هو انا تتبع القوة الحركة‪,‬‬
‫ف مدى استمرارها وبقائها‪ .‬فهي تستمر ما دامت القوة الحركة موجودة‪ ,‬فاذا‬
‫زالت سكن السم‪ .‬ولكن اليكانيك الديث‪ ,‬وضع قانونا جديدا للحركة‪,‬‬
‫وفحوى هذا القانون‪ ,‬ان الجسام الساكنة والتحركة‪ ,‬تبقى كذلك (ساكنة او‬
‫متحركة)‪ ,‬ال ان تتعرض لتاثي قوة اخرى كبى بالنسبة لا‪ ,‬تضطرها ال‬
‫تبديل حالتها‪.‬‬
‫والسند العلمي لذا القانون‪ ,‬هو التجربة‪ ,‬الت توضح ان جهازا‬
‫ميكانيكيا متحركا بقوة خاصة ف شارع مستقيم‪ ,‬اذا انفصلت عنه القوة‬
‫الحركة‪ ,‬فهو يتحرك بقدار ما بعد ذلك‪ ,‬قبل ان يسكن نائيا‪ .‬ومن المكن‬
‫ف هذه الركة‪ ,‬الت حصلت بعد انفصال الهاز عن القوة الارجية الحركة‪,‬‬
‫ان يزاد ف امدها‪ ,‬بتدهي آلت الهاز‪ ,‬وتسوية الطريق‪ ,‬وتفيف الضغط‬
‫الارجي‪ .‬غي ان هذه المور ل شأن لا‪ ,‬ال تفيف الوانع عن الركة من‬
‫الصطكاك ونوه‪ ,‬فاذا استطعنا ان نضاعف من هذه الخففات‪ ,‬نضمن‬
‫مضاعفة الركة‪ ,‬واذا افترضنا ارتفاع جيع الوانع‪ ,‬وزوال الضغط الارجي‬
‫نائيا‪ ,‬كان معن ذلك استمرار الركة ال غي حد بسرعة معينة‪ ,‬فيعرف من‬
‫ذلك ان الركة اذا أثيت ف جسم‪ ,‬ول تعترضها قوة خارجية مصادمة‪ ,‬تبقى‬

‫بسرعة معينة‪ .‬وان ابطلت القوة‪ .‬فالقوى الارجية انا تؤثر ف تغيي السرعة‬
‫عن حدها الطبيعي‪ ,‬تنل او ترتفع با‪ .‬ولذلك كان مدى السرعة ـ من حيث‬
‫الشدة والضعف والبطء ـ يتوقف على الضغط الارجي‪ ,‬الوافق او العاكس‪.‬‬
‫واما نفس الركة واستمرارها بسرعتها الطبيعية‪ ,‬فل يتوقف ذلك على عوامل‬
‫خارجية‪.‬‬
‫ومن الواضح ان هذه التجربة حي تكون صحيحة‪ ,‬ل تعن ان العلول‬
‫بقي من دون علة‪ ,‬ول تعاكس القانون الفلسفي الذي ذكرناه‪ ,‬لن التجربة ل‬

‫‪273‬‬
‫توضح ما هي العلة القيقية للحركة‪ ,‬لنعرف ما اذا كانت تلك العلة قد‬
‫زالت مع استمرار الركة‪ .‬وكأن هؤلء‪ ,‬الذين حاولوا ان يدللوا با على‬
‫بطلن القانون الفلسفي‪ ,‬زعموا ان العلة القيقية للحركة هي القوة الارجية‬
‫الحركة‪ ,‬ولا كانت هذه القوة قد انقطعت صلتها بالركة‪ ,‬واستمرت الركة‬
‫بالرغم من ذلك‪ ,‬فيكشف ذلك عن استمرار الركة بعد زوال علتها‪ .‬ولكن‬
‫الواقع ان التجربة ل تدل على ان القوة الدافعة من خارج هي العلة القيقية‪,‬‬
‫ليستقيم لم هذا الستنتاج‪ ,‬بل من الائز ان يكون السبب القيقي للحركة‪,‬‬
‫شيئا موجودا على طول الط‪ .‬والفلسفة السلميون‪ ,‬يعتقدون ان الركات‬
‫العرضية ـ با فيها الركة اليكانيكية للجسم ـ تتولد جيعا من قوة قائمة بنفس‬
‫السم‪ .‬فهذه القوة هي الحركة القيقية‪ ,‬والسباب الارجية؛ انا تعمل‬
‫لثارة هذه القوة واعدادها للتأثي‪ .‬وعلى هذا الساس قام مبدأ الركة‬
‫الوهرية‪ ,‬كما اوضحناه ف الزء السابق من هذه السألة‪ .‬ولسنا نستهدف‬
‫الن الفاضة ف هذا الديث‪ ,‬وانا نرمي من ورائه ال توضيح ان التجربة‬
‫العلمية‪ ,‬الت قام على اساسها قانون القصور الذات‪ ,‬ل تتعارض مع قواني‬
‫العلية‪ ,‬ول تبهن على ما يعاكسها مطلقا‪.‬‬
‫ڤ ‪..............................................................‬النتيجة‬
‫ول يبق علينا لجل ان نصل ال النتيجة‪ ,‬ال ان نعطف على ما سبق‬
‫قانون النهاية‪ ,‬وهو القانون القائل ان العلل التصاعدة ف الساب الفلسفي‪,‬‬

‫الت ينبثق بعضها عن بعض‪ ,‬يب ان يكون لا بداية‪ ,‬أي علة أول ل تنبثق‬
‫عن علة سابقة‪ .‬ول يكن ان يتصاعد تسلسل العلل تصاعدا ل نائيا‪ ,‬لن‬
‫كل معلول ـ كما سبق ـ ليس ال ضربا من التعلق والرتباط بعلته‪ ,‬فالوجودات‬
‫العلولة جيعا ارتباطات وتعلقات‪ ,‬والرتباطات تتاج ال حقيقة مستقلة‪,‬‬
‫تنتهي اليها‪ .‬فلو ل توجد لسلسلة العلل بداية‪ ,‬لكانت اللقات جيعا معلولة‪,‬‬
‫واذا كانت معلولة فهي مرتبطة بغيها‪ ,‬ويتوجه السؤال حينئذ‪ ,‬عن الشيء‬
‫الذي ترتبط به هذه اللقات جيعا‪ .‬وف عرض آخر‪ ,‬ان سلسلة السباب‪,‬‬
‫اذا كان يوجد فيها سبب غي خاضع لبدا العلية‪ ,‬ول يتاج ال علة‪ ,‬فهذا‬
‫هو السبب الول‪ ,‬الذي يضع للسلسلة بدايتها؛ ما دام غي منبثق عن سبب‬

‫‪274‬‬
‫آخر يسبقه‪ .‬واذا كان كل موجود ف السلسلة متاجا ال علة ـ طبقا لبدا‬
‫العلية ـ دون استثناء‪ ,‬فالوجودات جيعا تصبح باجة ال علة‪ ,‬ويبقى سؤال‬
‫لاذا؟ ـ هذا السؤال الضروري ـ منصبا على الوجود بصورة عامة‪ ,‬ول يكن ان‬
‫نتخلص من هذا السؤال‪ ,‬ال بافتراض سبب اول متحرر من مبدأ العلية‪,‬‬
‫فاننا حينئذ ننتهي ف تعليل الشياء اليه‪ ,‬ول نواجه فيه سؤال لاذا وجد؟ لن‬
‫هذا السؤال انا نواجهه ف الشياء الاضعة لبدأ العلية خاصة‪.‬‬
‫فنأخذ الغليان مثل‪ ,‬فهو ظاهرة طبيعية متاجة ال سبب‪ ,‬طبقا لبدا‬
‫العلية‪ ,‬ونعتب سخونة الاء سببا لا‪ ,‬وهذه السخونة هي كالغليان ف افتقارها‬
‫ال علة سابقة‪ .‬واذا اخذنا الغليان والسخونة كحلقتي ف سلسلة الوجود‪ ,‬او‬
‫ف تسلسل العلل والسباب‪ ,‬وجدنا من الضروري ان نضع للسلسلة حلقة‬
‫اخرى‪ ,‬لن كل من اللقتي باجة ال سبب‪ ,‬فل يكنهما الستغناء عن‬
‫حلقة ثالثة‪ ,‬واللقات الثلث تواجه بجموعها نفس السألة‪ ,‬وتفتقر ال مبر‬
‫لوجودها‪ ,‬ما دامت كل واحدة منها خاضعة لبدأ العلية‪ .‬وهذا هو شأن‬
‫السلسلة دائما وأبدا‪ ,‬ولو احتوت على حلقات غي متناهية‪ .‬فما دامت حلقاتا‬
‫جيعا متاجة ال علة‪ ,‬فالسلسلة بجموعها مفتقرة ال سبب‪ ,‬وسؤال (لاذا‬
‫وجد؟) يتد ما امتدت حلقاتا‪ ,‬ول يكن تقدي الواب الاسم عليه‪ ,‬ما ل‬
‫ينته التسلسل فيها ال حلقة غنية بذاتا‪ ,‬غي متاجة ال علة‪ ,‬فتقطع‬

‫التسلسل‪ ,‬وتضع للسلسلة بدايتها الزلية الول (‪.)1‬‬


‫وال هنا نكون قد جعنا ما يكفي للبهنة على انبثاق هذا العال‪ ,‬عن‬
‫واجب الذات‪ ,‬غن بنفسه‪ ,‬وغي متاج ال سبب‪ ,‬لن هذا هو ما يتمه‬
‫تطبيق مبدأ العلية على العال بوجب قوانينها السالفة الذكر‪ .‬فان العلية بعد ان‬
‫كانت مبدأ ضروريا للكون‪ ,‬وكان تسلسلها اللنائي مستحيل‪ ,‬فيجب ان‬
‫تطبق على الكون تطبيقا شامل متصاعدا‪ ,‬حت يقف عند علة اول واجبة‪.‬‬
‫ول بأس ان نشي‪ ,‬ف ختام هذا البحث‪ ,‬ال لون من التفكي الادي ف‬
‫هذا الجال‪ ,‬تقدم به بعض الكتاب العاصرين للرد على فكرة السبب الول‬

‫‪ 1‬ـ وبالتعبي الفلسفي الدقيق‪ ,‬ان الشيء ل يوجد ال اذا امتنع عليه جيع أناء العدم‪,‬‬
‫ومن جلة اناء العدم‪ ,‬عدمه بعدم جيع اسبابه وهذا ل يتنع ال اذا كان يوجد ف جلة اسبابه‬
‫واجب بالذات‪.‬‬

‫‪275‬‬
‫او العلة الول‪ ,‬فهو يقول ان السؤال عن العلة الول ل معن له‪ ,‬فالتفسي‬
‫العلي ـ او السبب ـ يستلزم دائما حدين اثني مرتبطا احدها بالخر‪ ,‬ها العلة‬
‫والعلول‪ ,‬او السبب والسبب‪ ,‬فعبارة (علة اول) فيها تناقض ف الدود اذ ان‬
‫كلمة علة تستلزم حدين كما راينا‪ ,‬لكن كلمة اول تستلزم حدا واحدا فالعلة‬
‫ل يكن ان تكون (اول) وتكون (علة) ف نفس الوقت‪ ,‬فاما ان تكون اول‬
‫دون ان تكون علة‪ ,‬او بالعكس‪.‬‬
‫ول ادري من قال له ان كلمة علة تستلزم علة قبلها‪ .‬صحيح ان التفسي‬
‫السبب يستلزم دائما حدين ها العلة والعلول‪ ,‬وصحيح ان من التناقض ان‬
‫نتصور علة بدون معلول ناتج عنها لنا ليست عندئذ علة وانا هي شيء‬
‫عقيم‪ ,‬وكذلك من الطأ ان نتصور معلول ل علة له‪ ,‬فكل منها يتطلب‬
‫الخر ال جانبه‪ ,‬ولكن العلة بوصفها علة‪ ,‬ل تتطلب علة قبلها وانا تتطلب‬
‫معلول‪ ,‬فالدان متوافران معا ف فرضية (العلة الول) لن العلة الول لا‬
‫معلولا الذي ينشأ منها‪ ,‬وللمعلول علته الول ل يتطلب العلول دائما معلول‬
‫ينشأ منه‪ ,‬اذا قد تتولد ظاهرة من سبب ول يتولد عن الظاهرة شيء جديد‬
‫كذلك العلة ل تتطلب علة فوقها وانا تتطلب معلول لا (‪.)1‬‬

‫ـ‪4‬ـ‬

‫○ الادة أو ال ○‬
‫انتهينا من الزء السابق ال نتيجة‪ ,‬هي ان الرد الساسي العمق‬
‫للكون والعال ـ بصورة عامة ـ هو العلة الواجبة بالذات‪ ,‬الت ينتهي اليها‬
‫تسلسل السباب‪ .‬والسألة الديدة هي ان هذه العلة الواجبة بالذات‪ ,‬الت‬
‫تعتب الينبوع الول للوجود‪ ,‬هل هي الادة نفسها او شيء آخر فوق‬