You are on page 1of 316

‫أعدها‬

‫مركز تدبر لالستشارات الرتبوية والتعليمية‬
‫قواعد قرآنية‬
‫الطبعة الثانية‬
‫‪ 1432‬هـ ‪ 2011 -‬م‬
‫اململكة العربية السعودية‬
‫الرياض ‪ -‬الدائري الرشقي ‪ -‬خمرج ‪15‬‬
‫هاتف ‪ - 2549993‬ناسوخ ‪2549996‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 93404‬الرمز‪11684 :‬‬
‫الربيد احلاسويب‪tadabbor@tadabbor.com :‬‬

‫ح عمر بن عبد اهلل بن حممد املقبل‪ 1432 ،‬هـ‪.‬‬
‫فهرسة مكتبة امللك فهد الوطنية أثناء النرش‬
‫املقبل‪ ،‬عمر عبد اهلل حممد‬
‫قواعد قرآنية ‪ 50‬قاعدة يف النفس واحلياة‪ / .‬عمر عبداهلل حممد املقبل ‪ -‬ط‪.. 2‬‬
‫‪ -‬الرياض‪ 1432 ،‬هـ‬
‫‪ 316‬ص؛ ‪ 24 × 17‬سم‬
‫ردمك‪978 - 603 - 00 - 7947 - 6 :‬‬
‫‪ -1‬القرآن ‪ -‬إعجاز ‪ -2‬القرآن ‪ -‬مباحث عامة ‪ -3‬القرآن ‪ -‬أحكام أ‪ .‬العنوان‬
‫ديوي ‪1432 / 7070 225‬‬
‫رقم اإليداع‪1432 / 7070 :‬‬
‫ردمك‪978 - 603 - 00 - 7947 - 6 :‬‬

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬
‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬
‫يف النفس واحلياة‬

‫بأسا شديدً ا‬
‫قيم لينذر ً‬
‫عوجا‪ ،‬اً‬
‫احلمد هلل الذي أنزل عىل عبده الكتاب ومل جيعل له ً‬
‫أجرا حسنًا‪ ،‬وأشهد أن‬
‫من لدنه‪ ،‬ويبرش املؤمنني الذين يعملون الصاحلات أن هلم ً‬
‫هدى‬
‫ً‬ ‫ال إله إال اهلل وحده ال رشيك‪ ،‬ما رحم عباده بمثل إنزال القرآن‪ ،‬الذي جعله‬
‫وأجرا‪ ،‬وأشهد أن حممدً ا‬
‫ً‬ ‫وموعظ ًة وذكرى‪ ،‬وجعل لتاليه والعاملني به من لدنه ً‬
‫خريا‬
‫ورشحا‪ ،‬صىل اهلل عليه وعىل آله‬
‫ً‬ ‫تفسريا‬
‫ً‬ ‫عبده ورسوله‪ ،‬كانت حياته وأخالقه للقرآن‬
‫كثريا‪ ،‬أما‬
‫تسليم ً‬
‫اً‬ ‫وصحبه‪ ،‬ومن اهتدى هبدهيم‪ ،‬واستن بسنتهم إىل يوم الدين‪ ،‬وسلم‬
‫بعد‪:‬‬
‫!‬ ‫فإن وجوه اإلعجاز يف كتاب اهلل ال تنتهي‪ ،‬وال غرو! فهو كالم اهلل‬
‫ولقد تفنن علامء هذه األمة يف إبراز ما استطاعوا من تلك األوجه ‪-‬الترشيعية‪،‬‬
‫والبيانية‪ ،‬والبالغية‪ -‬التي تزيد املؤمن يقينًا أن هذا القرآن كالم اهلل تعاىل‪ ،‬وجتعله‬
‫يتلذذ بتالوته‪ ،‬وتنفتح له آفاق رحبة عند تدبره‪.‬‬
‫ج ٍل قليلة‬
‫وإن من أوجه اإلعجاز الذي تضمنه كتاب اهلل جل وعال‪ :‬ماحواه من مُ َ‬
‫املباين‪ ،‬عظيمة املعاين‪ ،‬يقرأ فيها املسلم اجلملة املكونة من كلمتني أو ثالث كلامت‬

‫‬

‫كنوزا من اهلدايات العلمية‪ ،‬واإليامنية‪ ،‬والرتبوية‪ ،‬والتي‬
‫أو أربع‪ ،‬فإذا به جيد حتتها ً‬
‫جاءت عىل صورة‪( :‬قواعد قرآنية)‪.‬‬
‫ولئن كان نبينا حممد × قد أخذ بناصية البيان‪ ،‬وأويت جوامع الكلم‪ ،‬فام الظن‬
‫بكالم واهب تلك املواهب لعبده وخليله؟!‬
‫إن من أعظم مزايا هذه القواعد‪ :‬شموهلا‪ ،‬وسعة معانيها‪ ،‬فليست هي خاصة‬
‫بموضوع حمدد كالتوحيد‪ ،‬أو العبادات مثلاً ‪ ،‬بل هي شاملة هلذا ولغريه من األحوال‬
‫التي يتقلب فيها العباد‪ ،‬فثمة قواعدُ تعالج عالقة العبد بربه تعاىل‪ ،‬وقواعدُ تصحح‬
‫مقام العبودية‪ ،‬وسري املؤمن إىل اهلل والدار اآلخرة‪ ،‬وقواعدُ لرتشيد السلوك بني‬
‫الناس‪ ،‬وأخرى لتقويم وتصحيح ما يقع من أخطاء يف العالقة الزوجية‪ ،‬إىل غري ذلك‬
‫تتبعت أكثر من مائة قاعدة يف كتاب اهلل‪:-‬‬
‫ُ‬ ‫قلت ‪-‬وقد‬
‫من املجاالت‪ ،‬بل ال أبالغ إذا ُ‬
‫إن القواعد القرآنية مل تدع جمالاً إال طرقته‪.‬‬
‫إنه لريوق للكثريين استعامل واستخدام ما يعرف بالتوقيعات‪ ،‬وتكون هذه‬
‫التوقيعات بيتًا من الشعر حينًا‪ ،‬وتكون حينًا آخر كلمة ألحد احلكامء‪ ،‬ويف أحيان‬
‫أخرى‪ :‬قطع ًة من حديث رشيف‪ ،‬وهذا كله ال إشكال فيه‪ ،‬لكن ليتنا نف ّعل معاين‬
‫كتاب اهلل تعاىل؛ فإن ذلك له‬
‫ُ‬ ‫القرآن من خالل تكرار القواعد القرآنية التي حفل هبا‬
‫فوائد كثرية‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬ربط الناس بكتاب رهبم تعاىل يف مجيع شؤوهنم وأحواهلم‪.‬‬
‫‪ -2‬لريسخ يف قلوب الناس أن القرآن فيه عالج جلميع مشاكلهم مهام تنوعت‪،‬‬
‫تار ًة بالتنصيص عليها‪ ،‬وتارة باإلشارة إليها من خالل هذه القواعد‪.‬‬
‫‪ -3‬أن تفعيل هذه القواعد القرآنية‪ ،‬وكثرة تردادها عىل األلسنة؛ جيعل منها‬
‫بديلاً عن كثري من الغث الذي ملئت هبا توقيعات بعض الناس سواء يف كلامهتم‪ ،‬أو‬

‫‬

‬‬ ‫سائلاً اهلل تعاىل أن جيعلها ً‬ ‫ذخرا عنده‪ِّ ،‬‬ ‫د‪.com‬‬ ‫‬ .‬عمر بن عبداهلل املقبل‬ ‫‪1432/5/1‬هـ‬ ‫‪omar@tadabbor.‬‬ ‫وأصل هذه األوراق حلقات ألقيتها يف إذاعة القرآن الكريم السعودية (عام‪:‬‬ ‫‪1430‬هـ)‪ ،‬فوقعت ‪-‬بحمد اهلل‪ -‬من بعض الفضالء وقعها احلسن ‪-‬من داخل‬ ‫اململكة وخارجها‪ -‬وكان االقرتاح أن تنرش؛ لعل اهلل ينفع هبا‪ ،‬فأعدت النظر فيها‪،‬‬ ‫وأعدت صياغتها بام يتناسب والنرش الورقي‪. ‫مقاالهتم‪ ،‬أو معرفاهتم عىل الشبكة العاملية‪.‬‬ ‫مقربة لديه‪ ،‬واحلمد هلل رب العاملني‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

)172/1( :‬‬ ‫ تيسري التحرير (‪ ،)14 / 1‬وينظر‪ :‬التعريفات (‪ ،)171‬إجابة السائل رشح بغية اآلمل‪ ،‬ص‪:‬‬ ‫(‪ ،)25‬حاشية العطار عىل رشح اجلالل املحيل عىل مجع اجلوامع‪ ،‬ص‪.‬‬ ‫الزجاج‪ :‬ا ْل َقو ِ‬ ‫ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) َق َال ّ‬ ‫َ‬ ‫وعىل هذا فقاعدة الباب‪ :‬األصل الذي تنبني عليه مسائ ُله‪ ،‬وفرو ُعه‪...‬‬ ‫َوفيِ ال َّتن ِْزيل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ)‪َ ،‬وفِيه‪( :‬ﯲ‬ ‫اعد‪ :‬أساطني ا ْلبناء ا َّلتِي ت ِ‬ ‫َعمده»()‪.)108/5( :‬‬ ‫ املحكم واملحيط األعظم‪ ،‬البن سيده‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أما تعريف القاعدة‬ ‫ مقاييس اللغة‪. ،‬و َق َواعدُ ا ْل َب ْيت‪َ :‬أ َس ُ‬ ‫ُ ُ ََ‬ ‫ِ‬ ‫البيت يف سفوهلا ختالف عواليه‪ ،‬وهلذا يقال‪« :‬والقاعدُ َوا ْل َقاعدَ ة‪ :‬أصل ِّ‬ ‫األس‪. ‫متهـيـد‬ ‫حيسن قبل الدخول إىل ما تيرس إعداده من قواعد‪ ،‬أن أبينّ حدّ هذه القواعد‪،‬‬ ‫ومرادي هبا؛ فأقول‪ :‬تضمن العنوان كلمتني‪ :‬قواعد‪ ،‬وقرآنية‪:‬‬ ‫فأما «القواعد»‪ :‬فهي مجع قاعدة‪ ،‬وأصلها اللغوي يعود إىل مادة (قعد)‪ ،‬وهي‬ ‫وس َوإِ ْن ك َ‬ ‫ف‪ ،‬وهو ي َض ِ‬ ‫‪-‬كام يقول ابن فارس‪َ :-‬‬ ‫َان‬ ‫اهي جُْ‬ ‫ال ُل َ‬ ‫ي َل ُ َ ُ َ ُ‬ ‫«أ ْص ٌل ُم َّط ِر ٌد ُمنْ َق ٌ‬ ‫اس اَل خُْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اض َع لاَ ُي َت َك َّل ُم فِ َيها بِالجُْ ُل ِ‬ ‫ي َت َك َّلم فيِ مو ِ‬ ‫اس ُه»() فكأن قواعد‬ ‫وس‪َ .‬‬ ‫اصطالحا‪ :‬فهو‪َ « :‬ق ِض َّية كُلية منطبقة عىل جزئياهتا»()‪.)31/1( :‬‬ ‫‬ .

‬‬ ‫‪10‬‬ .‬‬ ‫‪ -‬وقوهلم‪« :‬منطبقة عىل جزئياهتا»؛ ألن هذه هي حقيقة القاعدة‪ ،‬فهي األساس‬ ‫واألصل ملا فوقها‪ ،‬وهي جتمع فرو ًعا من أبواب َشتَّى()‪. ‫‪ -‬فقوهلم‪« :‬قضية كلية» أي يدخل حتتها مجيع أجزائها‪ ،‬ال يشذ من ذلك يشء‪.)728( :‬‬ ‫ مقاييس اللغة‪ )78/5( :‬بترصف‪ ،‬ويف «اإلتقان» للسيوطي‪( 339/2 :‬النوع السابع عرش)‬ ‫بسط وتوسع يف اشتقاقه‪ ،‬ليس هذا موضع بسطه‪.‬‬ ‫بِ َذلِ َك لجِ َ ْم ِع ِه َما فِ ِيه ِم َن الأْ َ ْحكَا ِم َوا ْل ِق َص ِ‬ ‫اصطالحا‪« :‬كالم اهلل تعاىل حقيقة‪ ،‬املنزل عىل حممد ×‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وأقرب ما قيل يف تعريفه‬ ‫كالم نفيس يف تقرير صحة االعتامد عىل القواعد وإن‬ ‫ الكليات‪ ،)122( :‬وللشاطبي‬ ‫وجد هلا استثناءات‪ ،‬أو ختلفت بعض جزئياهتا‪ ،‬ينظر‪ :‬املوافقات‪ ،)83/2( :‬قواعد التفسري‬ ‫للسبت‪.‬‬ ‫‪ -‬وأما «القرآنية»‪ :‬فنسبة إىل القرآن‪ ،‬وهو لغ ًة‪ :‬مأخوذ من قرأ‪ ،‬وأصلها من َق ِر َي‬ ‫اجتِ اَمعٍ‪َ ،..)23/1( :‬‬ ‫ الكليات‪.]42 :‬‬ ‫أما بالنسبة للقواعد التي يصوغها علامء األصول‪ ،‬أو علامء التفسري‪ ،‬فهذه الكلية‬ ‫قد تنتقض يف بعض صورها‪ ،‬فهي ‪-‬إذن‪ -‬نسبية‪ ،‬وليست مطردة‪.‬‬ ‫وال يلزم ‪-‬يف هذه القواعد‪ -‬من ذلك تعديل الصياغة ليقال بأن القواعد‬ ‫«حكم أغلبي»؛ لوجود استثناءات يف بعض القواعد‪ ،‬كال؛ ألن هذه االستثناءات ال‬ ‫خترق القاعدة؛ فالعربة باألغلب‪ ،‬كام يقول الكفوي‪« :‬وختلف األَصل فيِ م ِ‬ ‫وضع َأو‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫موضعني لاَ ُينَافيِ أصالته»()‪.‬‬ ‫وهذا الوصف دقيق‪ ،‬ومطرد يف حق القواعد القرآنية التي تعتمد اآلية الكريمة‪،‬‬ ‫أو جز ًء منها يف إثباهتا؛ ألهنا تعتمد عىل النص القرآين‪ ،‬فهو كالم اهلل تعاىل الذي‪( :‬ﮓ‬ ‫ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [فصلت‪.‬و ِمنْ ُه‪ :‬ا ْل ُق ْر ُ‬ ‫آن‪ ،‬ك ََأ َّن ُه ُس ِّم َي‬ ‫‪-‬كام يقول ابن فارس‪ -‬الذي‪َ « :‬يدُ ُّل َعلىَ مَ ْ‬ ‫ج ٍع َو ْ‬ ‫ص َو َغيرْ ِ َذلِ َك»()‪.

)74/6( :‬‬ ‫‪11‬‬ . ‫متهيد‬ ‫املتعبد بتالوته»()‪.)17‬‬ ‫حيث قال ‪ -‬بعد حتدث عن‬ ‫ومما حيسن ذكره ههنا‪ ،‬ما علقه الشيخ حممد بن عبداهلل دراز‬ ‫ ‬ ‫جزئيا‬ ‫ًّ‬ ‫فضل القرآن عىل ما سبقه من الكتب الساموية ‪« :-‬ملا كان القرآن هبذا املعنى األسمى‬ ‫حقيقيا كان من املتعذر حتديده بالتعاريف املنطقية ذات األجناس والفصول واخلواص‪،.‬‬ ‫وأما وروده يف كالم غري املفرسين من املتأخرين‪ ،‬فكثري جدًّ ا‪ ،‬وليس هذا مما‬ ‫يعنينا ههنا‪..)269/17 ،162/10 ،110/ 7( :-‬‬ ‫ ينظر عىل سبيل املثال‪ :‬البحر املحيط يف التفسري‪.‬‬ ‫وأما استعامل هذا اللفظ (قرآنية)؛ فإنني مل أقف عىل استعامل هذه النسبة (قرآنية)‬ ‫يف كتب املتقدمني من أئمة اللغة‪ ،‬وإنام وجدهتا عند بعض املتأخرين‪ ،‬كام يف تاج العروس‬ ‫للزبيدي (ت‪ ،)()1205 :‬ويف «كليات» أيب البقاء الكفوي (ت‪.‬‬ ‫ ينظر‪« :‬اإلتقان» للسيوطي‪( 339/2 :‬النوع السابع عرش)‪ ،‬مباحث يف علوم القرآن ملناع‬ ‫القطان (‪.)43‬‬ ‫ ينظر ‪-‬عىل سبيل املثال‪ :-‬تاج العروس‪.،‬‬ ‫ًّ‬ ‫وأما ما ذكره العلامء من تعريفه باألجناس والفصول ‪-‬كام تعرف احلقائق الكلية‪ -‬فإنام‬ ‫أرادوا به تقريب معناه‪ ،‬ومتييزه عن بعض ما عداه‪ ،‬مما قد يشاركه يف االسم ولو تو ً‬ ‫مها؛ ذلك‬ ‫أن سائر كتب اهلل تعاىل‪ ،‬واألحاديث القدسية‪ ،‬وبعض األحاديث النبوية‪ ،‬تشارك القرآن يف‬ ‫أيضا‪ ،‬فأرادوا بيان اختصاص‬ ‫إهليا‪ ،‬فربام ظن ٌّ‬ ‫ظان أهنا تشاركه يف اسم القرآن ً‬ ‫كوهنا وح ًيا ًّ‬ ‫االسم به ببيان صفاته التي امتاز هبا عن تلك األنواع» ا‪.‬هـ‪ .‬ينظر‪« :‬النبأ العظيم» (‪..)()1094 :‬‬ ‫وأما ورود هذه النسبة يف كتب املفرسين من القرن السادس والسابع فكثري‪ ،‬ومن‬ ‫أقدم من وقفت عىل استعامله هلا‪ :‬الرازي (ت‪ )606 :‬يف تفسريه «مفاتيح الغيب»()‪،‬‬ ‫وأيب حيان (ت‪ )745 :‬يف «البحر املحيط»()‪.)421 /1( :‬‬ ‫ ينظر ‪-‬عىل سبيل املثال‪.)190/18 ،163/11( :‬‬ ‫ الكليات‪.

‫وبنا ًء عىل ما تقدم‪ ،‬فيمكن اخللوص إىل تعريف القواعد القرآنية()‪ ،‬باعتباره لق ًبا‬ ‫عىل ما اصطلح عليه حدي ًثا هبذه اجلملة‪ ،‬فيقال يف تعريفها‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫«أحكام كلية قطعية‪ ،‬مستخرجة من نصوص القرآن»‪.‬‬ ‫‪12‬‬ .‬‬ ‫عرفها باعتبار جمموع هاتني الكلمتني؛ ألن هذا‬ ‫بكر؛ فلم أقف عىل من ّ‬ ‫نظرا ألن هذا امليدان ٌ‬ ‫ً‬ ‫ ‬ ‫العنوان ال أعلمه ُط َ‬ ‫رق من قبل‪ ،‬وهلذا‪ ،‬فيمكن اختيار تعريف هلذه اجلملة‪.‬‬ ‫كام أن للظن جمالاً فيام يتعلق بتصنيف القواعد إىل كربى وصغرى‪.‬‬ ‫ولتوضيح هذا التعريف يقال‪:‬‬ ‫‪ -‬قولنا‪« :‬أحكام كلية» فقد سبق البحث فيها قري ًبا‪.‬‬ ‫‪ -‬وقولنا‪« :‬قطعية» أي‪ :‬أن حكمها مقطوع به‪ ،‬فال يتطرق إليه الظن يف أصل‬ ‫بنيتها؛ ألهنا مأخوذة من كالم اهلل تعاىل‪ ،‬فهو حق متيقن؛ وإنام يتطرق الظن فيام ُيدْ ِخ ُل ُه‬ ‫املتأمل من أفراد تلك القاعدة‪.‬‬ ‫‪ -‬قولنا‪« :‬مستخرجة من نصوص القرآن» ويف هذا إشارة إىل مادة هذه القواعد‪،‬‬ ‫فهي مأخوذة من اآليات القرآنية‪ ،‬وليست كقواعد املفرسين أو األصوليني التي جيتهد‬ ‫العلامء يف صياغتها وحترير ألفاظها‪.

]53 :‬‬ ‫وقريب من ذلك‪ :‬أمره سبحانه بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن‪ ،‬فقال‬ ‫سبحانه‪( :‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ)‬ ‫[العنكبوت‪.‬‬ ‫إذن‪ :‬تأمل يف قوله تعاىل‪( :‬ﯦ ﯧ ﯨ) جاءت يف سياق أمر بني‬ ‫إرسائيل بجملة من األوامر‪ ،‬وهي يف سورة مدنية ‪-‬وهي سورة البقرة‪ -‬وقال قبل‬ ‫أمرا عا ًما‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫ذلك يف سورة مكية ‪-‬وهي سورة اإلرساء‪ً -‬‬ ‫‪13‬‬ .‬‬ ‫إهنا قاعدة تكرر ذكرها يف القرآن يف أكثر من موضع‪ ،‬إما رصاحة أو ضمنًا‪:‬‬ ‫فمن املواضع التي توافق هذا اللفظ تقري ًبا‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬ ‫ﮄ ﮅ) [اإلرساء‪.]46:‬‬ ‫أما التي توافقها من جهة املعنى فكثرية كام سنشري إىل بعضها بعد قليل‪. ‫القاعدة‬ ‫الأوىل‬ ‫(ﯦ ﯧ ﯨ)‬ ‫اإلنسان مدين بطبعه كام يقال‪ ،‬وكثرة تعامالته اليومية حتتم عليه االحتكاك‬ ‫بطوائف من الناس‪ ،‬خمتلفي األفهام واألخالق‪ ،‬يسمع احلسن وغريه‪ ،‬ويرى ما‬ ‫يستثريه؛ فتأيت هذه القاعدة لتضبط عالقته اللفظية‪.

‬‬ ‫قال أهل العلم‪« :‬والقول احلسن يشمل‪ :‬احلسن يف هيئته‪ ،‬ويف معناه‪ ،‬ففي هيئته‪:‬‬ ‫خريا؛ ألن‬ ‫أن يكون باللطف‪ ،‬واللني‪ ،‬وعدم الغلظة والشدة‪ ،‬ويف معناه‪ :‬بأن يكون ً‬ ‫ٍ‬ ‫حسن فهو خري‪ ،‬وكل قول خري فهو حسن»()‪.‫ﮅ) إ ًذا فنحن أمام أوامر حمكمة‪ ،‬وال يستثنى منها يشء إال يف حال جمادلة أهل‬ ‫الكتاب كام سبق‪.)196/3‬‬ ‫‪14‬‬ .‬‬ ‫ومن اللطائف مع هذه اآلية (ﯦ ﯧ ﯨ)‪ :‬أن هناك قراءة أخرى‪:‬‬ ‫﴿وقولوا للناس َح َسنًا﴾ بفتح احلاء والسني‪.‬‬ ‫كل ٍ‬ ‫قول‬ ‫إننا نحتاج إىل هذه القاعدة بكثرة‪ ،‬خاص ًة وأننا يف حياتنا نتعامل مع أصناف‬ ‫خمتلفة من البرش‪ ،‬فيهم املسلم وفيهم الكافر‪ ،‬وفيهم الصالح والطالح‪ ،‬وفيهم الصغري‬ ‫والكبري‪ ،‬بل ونحتاجها للتعامل مع أخص الناس بنا‪ :‬الوالدان‪ ،‬والزوج والزوجة‬ ‫واألوالد‪ ،‬بل ونحتاجها للتعامل هبا مع من حتت أيدينا من اخلدم ومن يف حكمهم‪.‬‬ ‫أيضا فيام خيص خماطبة السائل املحتاج‪( :‬ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ) بل‬ ‫‪ -2‬وكذلك ً‬ ‫بعض العلامء يرى عمومها يف كل سائل! سواء كان سائلاً للامل أو للعلم‪ ،‬قال بعض‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري العثيمني (‪.‬‬ ‫* من صور تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫وجدت أحوالاً نص عليها القرآن كتطبيق‬ ‫َ‬ ‫وأنت ‪-‬أهيا املؤمن‪ -‬إذا ق َّلبت القرآن؛‬ ‫عميل هلذه القاعدة‪ ،‬فمثلاً ‪:‬‬ ‫‪ -1‬تأمل قول اهلل تعاىل ‪-‬عن الوالدين‪( :-‬ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ‬ ‫ﮰ) إنه ٌ‬ ‫أمر بعدم النهر‪ ،‬وهو متضمن لألمر بضده‪ :‬وهو األمر بالقول‬ ‫الكريم‪ ،‬الذي ال تعنيف فيه‪.

‬‬ ‫إن مما ُيؤسف عليه أن يرى اإلنسان كثرة اخلرق هلذه القاعدة يف واقع أمة القرآن‪،‬‬ ‫وذلك يف أحوال كثرية منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬أنك ترى من يبرشون بالنرصانية حيرصون عىل تطبيق هذه القاعدة؛ من‬ ‫أجل كسب الناس إىل دينهم املنسوخ باإلسالم‪ ،‬أفليس ُ‬ ‫أهل اإلسالم أحق بتطبيق‬ ‫هذه القاعدة‪ ،‬من أجل كسب اخللق إىل هذا الدين العظيم الذي ارتضاه اهلل لعباده؟!‬ ‫‪ -2‬يف التعامل مع الوالدين‪.)295/19( :‬‬ ‫  ينظر‪ :‬الظالل‪. ‫القاعدة‬ ‫الأوىل‬ ‫العلامء‪« :‬أي‪ :‬فال تزجره ولكن تفضل عليه بيشء‪ ،‬أورده بقول مجيل»()‪.)330/5( :‬‬ ‫‪15‬‬ .‬‬ ‫وقد نبهت آية اإلرساء إىل خطورة ترك تطبيق هذه القاعدة‪ ،‬فقال سبحانه‪( :‬ﮇ‬ ‫  تفسري األلويس‪.‬‬ ‫‪ -5‬مع العاملة واخلدم‪.‬‬ ‫وهم يقولون ذلك «ال عن ضعف ولكن عن ترفع‪ ،‬وال عن عجز إنام عن‬ ‫استعالء‪ ،‬وعن صيانة للوقت واجلهد أن ينفقا فيام ال يليق بالرجل الكريم املشغول‬ ‫عن املهاترة بام هو أهم وأكرم وأرفع»()‪.‬‬ ‫‪ -4‬مع األوالد‪.‬‬ ‫‪ -3‬يف التعامل مع أحد طريف احلياة الزوجية‪.)15/23( :‬‬ ‫  تفسري الطربي‪.‬‬ ‫‪ -3‬ومن التطبيقات العملية هلذه القاعدة القرآنية‪ ،‬ما أثنى اهلل به عىل عباد الرمحن‪،‬‬ ‫يف بيان معنى‬ ‫بقوله‪( :‬ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) يقول ابن جرير‬ ‫هذه اآلية‪« :‬وإذا خاطبهم اجلاهلون باهلل بام يكرهونه من القول‪ ،‬أجابوهم باملعروف‬ ‫من القول‪ ،‬والسداد من اخلطاب»()‪.

)59/1‬‬ ‫‪16‬‬ .‫ﮈ ﮉ ﮊ)‪ ،‬وعىل من ابتيل بسامع ما يكره أن حياول أن حيتمل أذى من سمع‬ ‫َ‬ ‫والقول البذيء باحلسن‪ ،‬وإال فإن‬ ‫خريا‪ ،‬وأن يقابل السفه باحللم‪،‬‬ ‫منه‪ ،‬وأن يقول ً‬ ‫السفه والرد بالقول الرديء يحُ ِسنه كل أحد‪.‬‬ ‫لبعض الشعراء بام ال يوافقه‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا عبد اهلل‪ ،‬أتظن‬ ‫أفتى اإلمام مالك‬ ‫األمري مل يكن يعرف هذا القضاء الذي قضيته؟!‬ ‫قال‪ :‬بىل‪.‬‬ ‫قال‪ :‬إنام أرسلنا إليك لتصلح بيننا فلم تفعل‪ ،‬باهلل ألقطعن جلدك هجا ًءا!‬ ‫فقال له اإلمام مالك‪:‬‬ ‫وصفت نفسك بالسفه والدناءة! ومها اللذان ال يعجز عنهام أي أحد‪ ،‬فإن‬ ‫َ‬ ‫إنام‬ ‫استطعت أن تأيت الذي تنقطع دونه الرقاب فافعل‪ :‬الكرم واملروءة() !‬ ‫َ‬ ‫ انظر‪ :‬ترتيب املدارك (‪.

‬‬ ‫ البن القيم كالم نفيس يف الفوائد حيسن االستفادة منه (‪.)(]216 :‬‬ ‫وهذا اخلري ا ُمل َ‬ ‫جمل‪ ،‬فسرَّ ه قوله تعاىل يف سورة النساء ‪-‬يف سياق احلديث‬ ‫عن مفارقة النساء‪( :-‬ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ‬ ‫ﯯ) [النساء‪.]19 :‬‬ ‫وموضح للخري الذي ُذكر يف آية البقرة‪ ،‬وهي‬ ‫ِّ‬ ‫فقوله‪( :‬ﯮ ﯯ) مفسرِّ‬ ‫اآلية األوىل التي استفتحنا هبا هذا احلديث‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫(ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬ ‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ)‬ ‫أثر بالغ يف حياة الذين وعوها‪ ،‬واهتدوا هبداها‪ ،‬قاعدة‬ ‫هذه قاعدة عظيمة هلا ٌ‬ ‫هلا صلة بأحد أصول اإليامن العظيمة‪ :‬أال وهو(اإليامن بالقضاء والقدر)‪ ،‬وتلكم‬ ‫القاعدة هي قوله سبحانه وتعاىل ‪-‬يف سورة البقرة يف سياق الكالم عىل فرض اجلهاد‬ ‫يف سبيل اهلل تعاىل‪( :-‬ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬ ‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [البقرة‪.)246‬‬ ‫‪17‬‬ .

‬‬ ‫املقدور يصبح ً‬ ‫ٍ‬ ‫خري‪ ،‬واستامت يف سبيل‬‫والعكس صحيح‪ :‬كم من إنسان سعى يف يشء ظاهره ٌ‬ ‫احلصول عليه‪ ،‬وبذل الغايل والنفيس من أجل الوصول إليه‪ ،‬فإذا باألمر يأيت عىل‬ ‫عكس ما يريد‪.‬‬ ‫إ ًذا‪ :‬فنحن أمام قاعدة تناولت أحوالاً شتى‪ :‬دينية ودنيوية‪ ،‬وبدنية ونفسية‪،‬‬ ‫وهي أحوال ال يكاد ينفك عنها أحد يف هذه احلياة التي‪:‬‬ ‫صفوا من األقذاء واألقذار‬ ‫ً‬ ‫جبلت عىل كدر وأنت تريدها‬ ‫وقول اهلل أبلغ‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ) [البلد‪.]4:‬‬ ‫إذا تبني هذا فاعلم أن إعامل هذه القاعدة القرآنية يف احلياة من أعظم ما يمأل‬ ‫القلب طمأنينة وراح ًة‪ ،‬ومن أهم أسباب دفع القلق الذي عصف بحياة كثري من‬ ‫الناس؛ بسبب موقف من املواقف‪ ،‬أو بسبب قدر من األقدار املؤملة جرى عليه يف‬ ‫يوم من األيام!‬ ‫‪18‬‬ . ‫ومعنى القاعدة باختصار‪:‬‬ ‫أن اإلنسان قد يقع له يشء من األقدار املؤملة‪ ،‬التي تكرهها نفسه‪ ،‬فربام جزع‪ ،‬أو‬ ‫أصابه احلزن‪ ،‬وظن أن ذلك املقدور هو الرضبة القاضية عىل آماله وحياته‪ ،‬فإذا بذلك‬ ‫خريا عىل اإلنسان من حيث ال يدري‪.‬‬ ‫إنك إذا تأملت اآليتني الكريمتني األوىل والثانية‪ ،‬وجدت أن اآلية األوىل ‪-‬‬ ‫وجسمي قد يلحق املجاهدين‬ ‫ٍّ‬ ‫التي حتدثت عن فرض اجلهاد‪ -‬تتحدث عن أمل بدين‬ ‫يف سبيل اهلل ‪-‬كام هو الغالب‪ ،-‬وإذا تأملت اآلية الثانية ‪-‬وهي آية مفارقة النساء‪-‬‬ ‫وجدهتا تتحدث عن أمل نفيس يلحق أحد الزوجني بسب فراقه لزوجه!‬ ‫وإذا تأملت يف آية اجلهاد؛ وجدهتا تتحدث عن عبادة من العبادات‪ ،‬وإذا تأملت‬ ‫آية النساء؛ وجدهتا تتحدث عن عالقات دنيوية‪.

‬‬ ‫‪ -3‬وتأمل يف قصة الغالم الذي قتله اخلرض بأمر اهلل تعاىل؛ فإنه علل قتله‬ ‫بقوله‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ‬ ‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ) [الكهف‪ ،]81 . ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫ولو قلبنا قصص القرآن‪ ،‬وصفحات التاريخ‪ ،‬أو نظرنا يف الواقع؛ لوجدنا من‬ ‫ربا وشواهدَ كثرية‪ ،‬لعلنا ن َُذكِّر ببعض منها‪ ،‬عسى أن يكون يف ذلك سلو ًة لكل‬ ‫ذلك ع ً‬ ‫حمزون‪ ،‬وعرب ًة لكل مهموم‪:‬‬ ‫‪ -1‬قصة إلقاء أم موسى لولدها يف البحر!‬ ‫وجدت أنه ال َأك َْره أل ِّم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تأملت‬ ‫َ‬ ‫فأنت إذا‬ ‫ومع ذلك ظهرت عواقبه احلميدة‪ ،‬وآثاره الطيبة يف مستقبل األيام‪ ،‬وهذا ما تعرب عنه‬ ‫خامتة هذه القاعدة‪( :‬ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)‪.‬‬ ‫‪ -2‬وتأمل يف قصة يوسف عليه الصالة والسالم جتد أن هذه اآلية منطبقة متام‬ ‫االنطباق عىل ما جرى له وألبيه يعقوب عليهام الصالة والسالم‪.‬‬ ‫‪19‬‬ .80:‬لنقف هنا قليلاً‬ ‫ونتساءل‪:‬‬ ‫كم من إنسان مل يقدِّ ر اهلل تعاىل أن يرزقه بالولد‪ ،‬فضاق لذلك صدره؟! ‪-‬وهذا‬ ‫يشء طبعي‪ -‬لكن الذي ال ينبغي أن يستمر‪ :‬هو احلزن الدائم‪ ،‬والشعور باحلرمان‬ ‫الذي يقيض عىل بقية مشاريعه يف احلياة!‬ ‫وليت من ُح ِرم نعمة الولد يتأمل هذه اآلية‪ ،‬ليس ليذهب حزنه فقط‪ ،‬بل ليطمئن‬ ‫قلبه وينرشح صدره‪ ،‬وليته ينظر إىل هذا ال َقدَ ر بمنظار النعمة والرمحة‪ ،‬وأن اهلل تعاىل‬ ‫قد يكون رصف هذه النعمة رمح ًة به! وما يدريه؟ لعله إذا ُرزق بولد أن يكون هذا‬ ‫الولد سب ًبا يف شقاء والديه وتعاستهام‪ ،‬وتنغيص عيشهام! أو تشويه سمعتهام‪.

)918‬‬ ‫‪20‬‬ .‬‬ ‫منها‪ ،‬إال أخلف اهلل له ً‬ ‫قالت‪ :‬فلام مات أبو سلمة‪ ،‬قلت‪ :‬أي املسلمني خري من أيب سلمة؟ أول بيت‬ ‫()‬ ‫هاجر إىل رسول اهلل ×؟ ثم إين قلتها‪ ،‬فأخلف اهلل يل رسول اهلل ×!‬ ‫فتأمل هذا الشعور الذي انتاب أم سلمة ‪ -‬وهو شعور ينتاب بعض النساء الاليت‬ ‫ُيبتلني بفقد أقوى من تربطهن به عالقة يف هذه احلياة ولسان حاهلن‪ :‬ومن خري من‬ ‫فعلت أم سلمة ما أمرها الرشع به من الصرب واالسرتجاع وقول‬ ‫ْ‬ ‫أيب فالن؟! ‪ -‬فلام‬ ‫خريا مل تكن حتلم به‪. ‫‪ -4‬ويف مقدمات غزوة ٍ‬ ‫بدر‪ ،‬يريب القرآن يف أتباعه هذا املعنى‪ ،‬فيقول‪( :‬ﮍ‬ ‫ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ‬ ‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) [األنفال‪ ،]6 .5 :‬فكم كتب اهلل‬ ‫للمؤمنني من اخلري والعزة واهليبة للمسلمني بعد هذه الغزوة‪ ،‬التي كره أصحاب‬ ‫النبي × فيها خيار القتال!‬ ‫زوج أ ِّم سلمة‪ :‬أبو سلمة‬ ‫‪ -5‬ويف ُ‬ ‫السنة النبوية أمثلة كثرية‪ ،‬منها‪ :‬ملا مات ُ‬ ‫‪ :‬سمعت رسول اهلل × يقول‪« :‬ما من مسلم تصيبه مصيبة‬ ‫تقول أم سلمة‬ ‫خريا‬ ‫فيقول ما أمره اهلل‪ :‬إنا هلل وإنا إليه راجعون اللهم أجرين يف مصيبتي وأخلف يل ً‬ ‫خريا منها»‪.‬‬ ‫املأثور؛ أعقبها اهلل ً‬ ‫وهكذا املؤمنة جيب عليها أن ال ختترص سعادهتا‪ ،‬أو حترصها يف باب واحد من‬ ‫أبواب احلياة‪ ،‬نعم‪ :‬احلزن العارض هذا يشء مل يسلم منه وال األنبياء واملرسلون! إنام‬ ‫موقف واحد‪ ،‬أو ربطها برجل أو‬ ‫ٍ‬ ‫الذي ال ينبغي‪ :‬هو اختصار احلياة أو السعادة يف‬ ‫امرأة‪ ،‬أو ٍ‬ ‫شيخ!‬ ‫ مسلم ح (‪.

‬‬ ‫‪21‬‬ .‬‬ ‫ومن ألطاف اهلل العظيمة‪ :‬أنه مل جيعل حياة الناس وسعادهتم مرتبطة ارتبا ًطا تا ًما‬ ‫إال به سبحانه وتعاىل‪ ،‬وبقية األشياء يمكن تعويضها‪ ،‬أو تعويض بعضها‪:‬‬ ‫وما من اهلل إن ضيعت ُه ُ‬ ‫عوض‬ ‫من كل يشء إذا ضيعته ٌ‬ ‫عوض‬ ‫ تفسري أسامء اهلل احلسنى (‪ )74‬للسعدي‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫‪ -6‬ويف الواقع قصص كثرية جدًّ ا‪ ،‬أذكر منها‪ :‬أن رجلاً قدم إىل املطار‪ ،‬وكان‬ ‫جمهدً ا بعض اليشء‪ ،‬فأخذته نوم ٌة ترتب عليها أن أقلعت الطائرة‪ ،‬وفيها ركاب‬ ‫كثريون يزيدون عىل ثالثامئة راكب‪ ،‬فلام أفاق‪ ،‬وإذا بالطائرة قد أقلعت قبل قليل‪،‬‬ ‫وفاتته الرحلة‪ ،‬فضاق صدره‪ ،‬وندم ند ًما شديدً ا‪ ،‬ومل متض دقائق عىل هذه احلال التي‬ ‫هو عليها حتى ُأعلن عن سقوط تلك الطائرة‪ ،‬واحرتاق من فيها بالكامل!‬ ‫خريا هلذا الرجل؟! ولكن أين املعتربون‬ ‫والسؤال‪ :‬أمل يكن فوات الرحلة ً‬ ‫واملتعظون؟ واخلالصة‪:‬‬ ‫وليس عليه أن تتم املقاصد‬ ‫عىل املرء أن يسعى إىل اخلري جهده‬ ‫وأن يتوكل عىل اهلل‪ ،‬ويبذل ما يستطيع من األسباب املرشوعة‪ ،‬فإذا وقع يش ٌء‬ ‫عىل خالف ما حيب‪ ،‬فليتذكر هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪( :‬ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬ ‫ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)‪.‬‬ ‫وليتذكر أن من لطف اهلل بعباده‪« :‬أنه ُيقدِّ ر عليهم أنواع املصائب‪ ،‬ورضوب‬ ‫املحن واالبتالء باألمر والنهي الشاق رمح ًة هبم ولط ًفا‪ ،‬وسو ًقا إىل كامهلم‪ ،‬وكامل‬ ‫نعيمهم»()‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫(ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ)‬ ‫تعترب هذه اآلية قاعدة من القواعد السلوكية التي تدل عىل عظمة هذا الدين‬ ‫وشموله وعظمة مبادئه‪ ،‬وهذه اآلية الكريمة جاءت يف سياق آيات الطالق يف سورة‬ ‫البقرة‪ ،‬يقول ربنا تبارك وتعاىل‪( :‬ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ‬ ‫ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ‬ ‫ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ) [البقرة‪.‬‬ ‫أمر ِجبِليّ ‪ ،‬ليس بوسع اإلنسان دفعه؛ إال أن اآلية الكريمة‬ ‫ومع أن النسيان ٌ‬ ‫جاءت بالتأكيد عىل عدم النسيان‪ ،‬واملراد به هنا‪ :‬اإلمهال وقلة االعتناء‪.]237 :‬‬ ‫ومعنى القاعدة باختصار‪ :‬أن اهلل تعاىل يأمر من مجعتهم عالقة من أقدس‬ ‫العالقات اإلنسانية ‪ -‬وهي عالقة الزواج ‪-‬أن ال ينسوا‪ -‬يف غمرة التأثر هبذا الفراق‬ ‫واالنفصال ‪ -‬ما بينهم من سابق العرشة‪ ،‬واملعاملة‪.‬‬ ‫ويف قوله‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ) تعليل للرتغيب يف عدم إمهال الفضل‪،‬‬ ‫‪23‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة جاءت بعد ذلك التوجيه بالعفو‪( :‬ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ‬ ‫ﯱ ﯲ ﯳ) ُّ‬ ‫كل ذلك لزيادة الرتغيب يف العفو والتفضل الدنيوي‪.

‫وتعريض بأن يف العفو مرضاة اهلل تعاىل‪ ،‬فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه()‪.‬‬ ‫وما أعظم أثر العفو! فإنه يقرب إليك البعيد‪ ،‬و ُيصيرِّ العدو صدي ًقا‪.‬‬ ‫سهل عىل املذنب االعرتاف بالذنب‪ ،‬وسهل‬ ‫إذا تعارف الناس الفضل بينهم ُ‬ ‫عىل من له احلق أن يعفو‪ ،‬بخالف ما إذا أصبحوا ال يتنازلون عن حقوق ذواهتم‪.‬‬ ‫إن العالقة الزوجية ‪-‬يف األعم األغلب‪ -‬ال ختلو من جوانب مرشقة‪ ،‬ومن‬ ‫وقفات وفاء من الزوجني لبعضهام‪ ،‬فإذا ُقدّ ر وآل هذا العقد إىل حل عقدته بالطالق؛‬ ‫فإن هذا ال يعني نسيان ما كان بني الزوجني من مواقف الفضل والوفاء‪ ،‬ولئن تفارقت‬ ‫األبدان‪ ،‬فإن اجلانب اخللقي يبقى وال يذهبه مثل هذه األحوال العارضة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير (‪ )443/2‬بترصف‪.‬‬ ‫‪24‬‬ .‬‬ ‫وهلل ما أعظم هذه القاعدة لو تم تطبيقها بني األزواج! وبني كل من جتمعنا هبم‬ ‫رابطة أو عالقة من العالقات!‬ ‫لقد رضب بعض األزواج ‪-‬من اجلنسني‪ -‬أروع األمثلة يف الوفاء‪ ،‬وحفظ‬ ‫العرشة‪ ،‬سواء ملن حصل بينهم وبني أزواجهم فراق بالطالق‪ ،‬أو بالوفاة‪.‬‬ ‫نادرا‪ ،‬وهو لرجل أعرفه شخص ًيا‪ ،‬طلق‬ ‫وقفت عليه‪ ،‬ربام يكون ً‬ ‫ُ‬ ‫نموذجا‬ ‫ً‬ ‫أذكر‬ ‫ُ‬ ‫زوجته ‪ -‬التي له منها أوالد ‪ -‬فام كان منه إال أسكنها يف الدور العلوي مع أوالده الذين‬ ‫بقوا عندها‪ ،‬وسكن هو يف الدور األريض‪ ،‬وصار هو الذي يسدد فواتري االتصاالت‬ ‫والكهرباء ويقوم ‪-‬تفضلاً ‪ -‬بالنفقة عىل مطلقته‪ ،‬حتى إن ً‬ ‫كثريا ممن حوله من سكان‬ ‫احلي ال يدرون أنه مطلق! وإين ألحسبه ممن بلغ الغاية يف امتثال هذا التوجيه الرباين‪:‬‬ ‫(ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ)‪ ،‬نعم هذا مثال عزيز‪ ،‬لكني أذكره ألبني أن يف الناس‬ ‫خريا‪.

‬للشيخ عبد العزيز العويد (ص‪.)90‬‬ ‫‪25‬‬ .‬‬ ‫ولنقف قليلاً عند موقف عميل يف سرية من كان القرآن ُخ ُلقه × لنرى كيف‬ ‫ ينظر‪ :‬صناع التأريخ خالل ثالثة قرون‪ .)(».. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫وهذا نموذج آخر‪ ،‬لكن حيكيه قايض القضية‪ :‬الشيخ عيل الطنطاوي‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫«قضية خالف بني زوجني‪ ،‬طال أمده‪ ،‬واستفحل رشه‪ ،‬وانتهى أمره إ ّيل‪ ،‬وعرض‬ ‫متهم إياه بسوء العرشة‪ ،‬ومطال ًبا بحقوق عليه!‬ ‫كل منهام دعواه عىل صاحبه؛ اً‬ ‫وأحلت املرأة بطلب الطالق‪ ،‬وبضم األوالد إليها دون نفقة‪ ،‬وبعد دراسة دقيقة‬ ‫للقضية؛ تبني يل أن ال سبيل للتوفيق بينهام عىل حالتهام الراهنة؛ فقررت إجراء جتربة‬ ‫ضت الفكرة عليهام؛ فلم يرتددا يف قبوهلا‪ ،‬وأوقع الزوج‬ ‫وعر ُ‬ ‫الطالق ملرة واحدة‪َ ،‬‬ ‫الطلقة!‬ ‫جعلت أذكرمها بحق املودة والرمحة واألوالد‪ ،‬وختمت بقوله تعاىل‪( :‬ﯺ‬ ‫ُ‬ ‫وهنا‬ ‫ﯻ ﯼ ﯽ)‪ ،‬وكان لكالمي أثره العاجل؛ فإذا الزوج يقول‪ :‬إذا كان األمر‬ ‫للمودة والرمحة واألوالد؛ فإين متنازل عن كل حق يل عليها‪ ،‬ومستعد لإلنفاق عىل‬ ‫أبنائي ما داموا يف كفالتها!‬ ‫أيضا متنازلة له عن مؤخر صداقها!‬ ‫وأجابت املرأة عىل ذلك بأهنا هي ً‬ ‫وكان من أسباب اخلالف بني هذين الزوجني‪ :‬أن املرأة كلام استاءت من زوجها‬ ‫حاولت الذهاب إىل بيت أهلها؛ فيمنعها أن تصحب متاعها سوى ما تلبسه!‬ ‫ولكن ما إن صارا إىل هذه النتيجة حتى تغري احلال‪ ،‬وقال الرجل لزوجه‪ :‬هذا‬ ‫مفتاح البيت؛ فخذي منه ما حتبني‪ ،‬ودعي ما تكرهني!‬ ‫ولقد كان هلذا املوقف أثره البالغ يف نفيس‪ ،‬وأكثر ما راعني منه‪ :‬تلك الدموع‬ ‫التي ذرفها كل منهام‪.

)2970‬‬ ‫‪26‬‬ .‬‬ ‫واملعنى‪ :‬لو طلب مني تركهم وإطالقهم من األرس بغري فداء لفعلت؛ ذلك‬ ‫مكافأة له عىل فضله السابق يف قبول اجلوار‪ ،‬فصلوات اهلل وسالمه عىل معلم الناس‬ ‫اخلري‪.‬‬ ‫ومن العالقات التي ال يكاد ينفك عنها أحدنا‪ :‬عالقة العمل ‪ -‬سواء كان‬ ‫خاصا‪ ،‬أو جتار ًة ‪ ،-‬فقد جتمعنا بأحد من الناس عالقة عمل‪ ،‬وقد تقتيض‬ ‫حكوم ًيا أو ً‬ ‫الظروف أن حيصل االستغناء عن أحد املوظفني‪ ،‬أو انتقال أحد األطراف إىل مكان‬ ‫ البخاري ح (‪.‫كان يرتجم القرآن عمل ًيا يف حياته‪ :‬وذلك أن أنه × ملا رجع من الطائف‪ ،‬بعد أن بقي‬ ‫شهرا يدعو أهلها‪ ،‬ومل جيد منهم إال األذى‪ ،‬رجع إىل مكة‪ ،‬فدخل يف جوار املطعم‬ ‫ً‬ ‫بن عدي‪ ،‬فأمر أوالده األربعة فلبسوا السالح‪ ،‬وقام كل واحد منهم عند الركن من‬ ‫قريشا فقالوا له‪ :‬أنت الرجل الذي ال تخُ فر ذمتك!‬ ‫الكعبة‪ ،‬فبلغ ذلك ً‬ ‫ومات املطعم بن عدي مرشكًا‪ ،‬لكن النبي × مل ينس له ذلك الفضل‪ ،‬فأراد أن‬ ‫ُيعبرِّ عن امتنانه لقبول املطعم بن عدي أن يكون يف جواره‪ ،‬يف وقت كانت مكة كلها‬ ‫يسريا ‪ -‬ضد النبي ×‪ ،‬فلام انتهت غزوة بدر قال ×‪« :‬لو كان املطعم بن‬ ‫نفرا ً‬ ‫‪ -‬إال ً‬ ‫عدي ح ًيا ثم كلمني يف هؤالء النَّتْنى لرتكتهم له»()‪.‬‬ ‫* من صور تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫يف حياتنا جمموعة من العالقات ‪-‬سوى عالقة الزواج‪ :-‬إما عالقة قرابة‪ ،‬أو‬ ‫مصاهرة‪ ،‬أو عالقة عمل‪ ،‬فام أحرانا أن نطبق هذه القاعدة يف حياتنا؛ ليبقى الود‪،‬‬ ‫ولتحفظ احلقوق‪ ،‬وتتصاىف القلوب؛ وإال فإن جمانبة تطبيق هذه القاعدة األخالقية‬ ‫العظيمة‪ ،‬يعني مزيدً ا من التفكك‪ ،‬ووأ ًدا لبعض األخالق الرشيفة‪.

‬‬ ‫‪27‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫عمل آخر برغبته واختياره‪ ،‬وهذا موضع من مواضع هذه القاعدة؛ فال ينبغي أن‬ ‫ُينسى الفضل بني الطرفني‪ ،‬فكم هو مجيل أن يبادر أحد الطرفني إىل إشعار الطرف‬ ‫اآلخر‪ :‬أنه وإن تفرقنا ‪ -‬بعد مدة من التعاون ‪ -‬فإن ظرف االنتقال ال يمكن أن‬ ‫ٍ‬ ‫وتعاون عىل مصالح مشرتكة؛ ولذا فإنك ُتكْرب‬ ‫ينسينا ما كان بيننا من ُو ٍد واحرتام‪،‬‬ ‫أولئك األفراد‪ ،‬وتلك املؤسسات التي ُتعبرِّ عن هذه القاعدة عمل ًيا بحفل تكريمي أو‬ ‫توديعي لذلك الطرف؛ فإن هذا من الذكريات اجلميلة التي ال ينساها املح َت َفى به‪ ،‬وإذا‬ ‫أردت أن تعرف موقع وأثر مثل هذه املواقف اجلميلة؛ فانظر إىل األثر النفيس السلبي‬ ‫َ‬ ‫الذي يرتكه عدم املباالة بمن بذلوا وخدموا يف مؤسساهتم احلكومية أو اخلاصة لعدة‬ ‫سنوات‪ ،‬فال يصلهم وال خطاب شكر!‬ ‫ومن ميادين تطبيق هذه القاعدة‪ :‬الوفاء للمعلمني‪ ،‬وحفظ أثرهم احلسن يف‬ ‫رضب مثالاً‬ ‫معلم من رواد التعليم يف إحدى مناطق بالدنا ‪َ ،‬‬ ‫()‬ ‫نفس املتعلم‪ ،‬وأعرف اً‬ ‫قيم للوفاء؛ إذ مل يقترص وفاؤه ألساتذته الذين درسوه‪ ،‬بل امتد ألبنائهم حينام مات‬ ‫اً‬ ‫أساتذته ‪-‬رمحهم اهلل‪ ،-‬ويزداد عجبك حني تعلم أنه يتواصل معهم وهم خارج‬ ‫وأكثر يف األمة من أمثاله‪.‬‬ ‫َ‬ ‫اململكة‪ ،‬سواء يف مرص أو الشام‪ ،‬فلله در هذا الرجل‪،‬‬ ‫ورحم اهلل اإلمام الشافعي يوم قال‪« :‬احلر من حفظ وداد حلظة‪ ،‬ومن أفاده‬ ‫لفظة»‪.‬‬ ‫ويف واقعنا مواضع كثرية لتفعيل هذه القاعدة القرآنية الكريمة‪:‬‬ ‫فللجريان الذين افرتقوا منها نصيب‪ ،‬وجلامعة املسجد منها حظ‪ ،‬بل حتى العامل‬ ‫واخلادم الذي أحسن اخلدمة‪ ،‬وهلذه القاعدة حضورها القوي يف املعاملة‪ ،‬حتى قال‬ ‫بعض أهل العلم‪« :‬من بركة الرزق‪ :‬أن ال ينسى العبد الفضل يف املعاملة‪ ،‬كام قال تعاىل‪:‬‬ ‫ هو األستاذ‪ :‬عبد العزيز بن إبراهيم اخلريف‪ ،‬من وجهاء حريمالء‪.

)37‬‬ ‫‪28‬‬ .‬‬ ‫ هبجة قلوب األبرار (‪.‫(ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) بالتيسري عىل املورسين‪ ،‬وإنظار املعرسين‪ ،‬واملحاباة عند‬ ‫كثريا»()‪.‬‬ ‫خريا ً‬ ‫البيع والرشاء‪ ،‬بام تيرس من قليل أو كثري‪ ،‬فبذلك ينال العبد ً‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن هيدينا ألحسن األخالق واألعامل؛ ال هيدي ألحسنها إال هو‪،‬‬ ‫وأن يعيذنا من سيئها؛ ال يعيذ منها إال هو سبحانه‪.

‬‬ ‫‪29‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ)‬ ‫هذه قاعدة من قواعد التعامل مع النفس()‪ ،‬ووسيلة من وسائل عالجها من‬ ‫أدوائها‪ ،‬وهي يف الوقت نفسه س ّل ٌم لترتقى يف مراقي التزكية‪ ،‬فإن اهلل تعاىل قد أقسم‬ ‫قسم يف سورة الشمس عىل هذا املعنى العظيم‪ ،‬ثم قال‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ)‬ ‫أحد عرش اً‬ ‫[األعىل‪.‬‬ ‫وتأمل كيف جاء التعبري بقوله‪« :‬بصرية» دون غريها من األلفاظ؛ ألن البصرية‬ ‫متضمنة معنى الوضوح واحلجة‪ ،‬كام يقال لإلنسان‪ :‬أنت حجة عىل نفسك!‬ ‫از َها َو َو ْف َر ِة‬ ‫«و َقدْ َج َر ْت َه ِذ ِه الجُْ ْم َل ُة ْمجَ َرى المَْ َث ِل ِلإِ َجي ِ‬ ‫ التحرير والتنوير (‪َ :)348 /29‬‬ ‫َم َعانِ َيها»‪.]14 :‬‬ ‫ومعنى القاعدة باختصار‪ :‬أن اإلنسان وإن حاول أن جيادل عن أفعاله أو أقواله‬ ‫التي يعلم من نفسه بطالهنا أو خطأها‪ ،‬واعتذر عن نفسه باعتذارات‪ ،‬فهو يعرف متا ًما‬ ‫ما قاله وفعله‪ ،‬ولو حاول أن يسرت نفسه أمام الناس‪ ،‬أو يلقي االعتذارات‪ ،‬فال أحد‬ ‫أبرص وال أعرف بام يف نفسه من نفسه‪.

‫* من صور تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫إن هلذه القاعدة القرآنية جماالت كثرية يف واقعنا العام واخلاص‪ ،‬أذكر بعضها؛‬ ‫لعلنا أن نفيد منها يف تقويم أخطائنا‪ ،‬وتصحيح ما ندّ من سلوكنا‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬يف طريقة تعامل بعض الناس مع النصوص الرشعية‪:‬‬ ‫حمكم‪ ،‬مل خيتلف العلامء يف داللته عىل إجياب أو‬ ‫ٌ‬ ‫نص واضح‬ ‫البعض ٌ‬ ‫َ‬ ‫فلربام بلغ‬ ‫حتريم‪ ،‬أو تكون نفسه اطمأنت إىل حك ٍم ما‪ ،‬ومع هذا جتد البعض يقع يف نفسه ٌ‬ ‫حرج!‬ ‫وحياول أن جيد مدف ًعا هلذا النص أو ذاك؛ ألنه مل يوافق هواه!‬ ‫ورحم اهلل ابن القيم حيث قال‪« :‬فسبحان اهلل! كم من حزازة يف نفوس كثري‬ ‫من الناس من كثري من النصوص‪ ،‬وبودهم أن لو مل ت َِر ْد؟ وكم من حرارة يف أكبادهم‬ ‫شجى يف حلوقهم منها ومن موردها؟»()‪.‬‬ ‫‪30‬‬ .]65 :‬‬ ‫يقول ابن اجلوزي‪ ،‬يف كتابه املاتع (صيد اخلاطر) ‪-‬وهو حيكي مشاعر إنسان‬ ‫قدرت مرة عىل لذة‬ ‫ُ‬ ‫يعيش هذه احلال مع النصوص الرشعية‪« :-‬قال بعض املعتربين‪:‬‬ ‫ظاهرها التحريم‪ ،‬وحتتمل اإلباحة؛ إذ األمر فيها مرتدد‪ ،‬فجاهدت النفس فقالت‪:‬‬ ‫فرتكت؛ كنت تاركًا‬ ‫َ‬ ‫متكنت‬ ‫َ‬ ‫املقدور عليه‪ ،‬فإذا‬ ‫َ‬ ‫أنت ما تقدر فلهذا ترتك! ف َق ِ‬ ‫ارب‬ ‫َ‬ ‫وتركت‪ ،‬ثم عاودت مرة أخرى يف تأويل أرتني فيه نفيس اجلواز‬ ‫ُ‬ ‫ففعلت‬ ‫ُ‬ ‫حقيقة!‬ ‫ الرسالة التبوكية‪ ،‬وتسمى ً‬ ‫أيضا‪ :‬زاد املهاجر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫منها‪ ،‬وكم من‬ ‫وال ينفع اإلنسان أن حياول دفع النصوص بالصدر؛ فاإلنسان عىل نفسه بصرية‪،‬‬ ‫وشأن املؤمن أن يكون كام قال ربنا تعاىل‪( :‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ‬ ‫ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ)‬ ‫[النساء‪.

)63/24( :‬‬ ‫ حلية األولياء‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومن جماالت تفعيل هذه القاعدة ‪-‬يف جمال التعامل مع النفس‪:-‬‬ ‫‪ -‬أن من الناس من ُشغف ‪-‬عيا ًذا باهلل‪ -‬بتتبع أخطاء الناس وعيوهبم‪ ،‬مع غفلة‬ ‫يف تفسريه هلذه اآلية‪( :‬ﯮﯯﯰﯱﯲ)‪:‬‬ ‫عن عيوب نفسه‪ ،‬كام قال قتادة‬ ‫بصريا بعيوب الناس وذنوهبم‪ ،‬غافلاً عن ذنوبه()‪ ،‬وهذا ‪-‬بال‬ ‫ً‬ ‫إذا شئت واهلل رأيته‬ ‫ريب‪ -‬من عالمات اخلذالن‪ ،‬كام قال بكر بن عبد اهلل املزين‪ :‬إذا رأيتم الرجل موكلاً‬ ‫بعيوب الناس‪ ،‬ناس ًيا لعيبه؛ فاعلموا أنه قد ُم ِك َر بِ ِه‪.‬إىل أن قال‪« :‬فأجود األشياء‬ ‫قطع أسباب الفتن‪ ،‬وترك الرتخص فيام جيوز إذا كان حاملاً ومؤد ًيا إىل ما ال جيوز»‬ ‫()‬ ‫انتهى كالمه‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫‪-‬وإن كان األمر حيتمل‪-‬؛ فلام وافقتها أ ّثر ذلك ظلمة يف قلبي؛ خلويف أن يكون األمر‬ ‫عيل بالرتخص والتأويل‪ ،‬وتارةً أقوى عليها باملجاهدة‬ ‫حمر ًما‪ ،‬فرأيت أهنا تار ًة تقوى ّ‬ ‫حمظورا‪ ،‬ثم أرى عاجلاً تأثري‬ ‫ً‬ ‫ترخصت مل آمن أن يكون ذلك األمر‬ ‫ُ‬ ‫واالمتناع‪ ،‬فإذا‬ ‫ذلك الفعل يف القلب‪ ،‬فلام مل آمن عليها بالتأويل‪ »..‬‬ ‫‪ -‬ومن مواضع تطبيق هذه القاعدة‪ :‬أن ترى بعض الناس جيادل عن نفسه يف‬ ‫بعض املواضع ‪ -‬التي َت َبني فيها خطؤه ‪ -‬بام يعلم يف قرارة نفسه أنه غري مصيب‪ ،‬كام‬ ‫ صيد اخلاطر‪.)282/9( :‬‬ ‫‪31‬‬ .‬‬ ‫ويقول الشافعي‪ :‬بلغني أن عبد امللك بن مروان قال للحجاج بن يوسف‪ :‬ما من‬ ‫أحد إال وهو عارف بعيوب نفسه‪ ،‬فعب نفسك وال ختبىء منها شي ًئا()‪ ،‬وهلذا يقول‬ ‫أحد السلف‪ :‬أنفع الصدق أن تُقر هلل بعيوب نفسك()‪..)146/9( :‬‬ ‫ حلية األولياء‪.)204-203( :‬‬ ‫ تفسري الطربي‪.

‬‬ ‫ثم ساق اإلمام ابن حزم مجلة من العيوب التي كانت فيه‪ ،‬وكيف حاول التغلب‬ ‫نجاحا نسب ًيا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نجاحا تا ًما‪ ،‬وما نجح فيه‬ ‫ً‬ ‫عليها‪ ،‬ومقدار ما نجح فيه‬ ‫‪ -‬ومن مواطن استفادة املؤمن من هذه القاعدة‪:‬‬ ‫أن اإلنسان ما دام يعلم أنه أعلم بنفسه من غريه؛ وجب عليه أن يتفطن أن‬ ‫الناس قد يمدحونه يف يو ٍم من األيام‪ ،‬بل قد ُيفرطون يف ذلك‪ ،‬ويف املقابل قد يسمع‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.)445/14( :‬‬ ‫ رسائل ابن حزم‪.‫يف تعليقه عىل هذه اآلية‪( :‬ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ‬ ‫يقول ابن تيمية‬ ‫ﯶ)‪ :‬فإنه يعتذر عن نفسه بأعذار وجيادل عنها‪ ،‬وهو يبرصها بخالف ذلك()‪.‬‬ ‫‪ ،‬حيث يقول ‪-‬يف‬ ‫وإليك هذا النموذج املرشق من حياة اإلمام ابن حزم‬ ‫تقرير هذا املعنى‪:-‬‬ ‫«كانت َّيف عيوب‪ ،‬فلم أزل بالرياضة وا ّطالعي عىل ما قالت األنبياء صلوات‬ ‫اهلل عليهم‪ ،‬واألفاضل من احلكامء املتأخرين واملتقدمني ‪ -‬يف األخالق ويف آداب‬ ‫عىل أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه‪ ،‬ومتام العدل‬ ‫النفس ‪ -‬أعاين مداواهتا‪ ،‬حتى أعان اهلل‬ ‫ورياضة النفس والترصف بأزمة احلقائق هو اإلقرار هبا؛ ليتعظ بذلك متعظ يو ًما إن‬ ‫شاء اهلل»()‪.‬‬ ‫‪ -‬ومن دالالت هذه القاعدة الرشيفة‪:‬‬ ‫أن يسعى املرء إىل التفتيش عن عيوبه‪ ،‬وأن يسعى يف التخلص منها قدر الطاقة‪،‬‬ ‫فإن هذا نوع من جهاد النفس املحمود‪ ،‬وأن ال يركن إىل ما فيه من عيوب أو أخطاء‪،‬‬ ‫بحجة أنه نشأ عىل هذا اخللق أو ذاك‪ ،‬أو اعتاد عليه‪ ،‬فإنه ال أحد من الناس أعلم منك‬ ‫بنفسك وعيوهبا وأخطائها وذنوهبا‪ ،‬وما ترسه من أخالق‪.)354/1( :‬‬ ‫‪32‬‬ .

‬‬ ‫ الصارم املسلول‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫يو ًما من األيام من يضع من قدره‪ ،‬أو خيفض من شأنه بنوع من الظلم والبغي‪ ،‬فمن‬ ‫عرف نفسه مل يغرت بمدحه بام ليس فيه‪ ،‬ومل يترضر بذمه بام ليس فيه‪ ،‬بل يستفيد من‬ ‫ذلك بتصحيح ما فيه من أخطاء‪ ،‬ويسعى لتكميل نفسه بأنواع الكامالت البرشية قدر‬ ‫املستطاع‪.]47 :‬‬ ‫ِ‬ ‫وقول موسى عليه السالم ‪-‬ند ًما عىل قتله القبطي‪( :-‬ﮈﮉﮊﮋﮌﮍ‬ ‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [القصص‪ ،]16 :‬يف سلسلة متتابعة كان من آخرها‪:‬‬ ‫ما أثبته القرآن عن أولئك املنافقني الذين اعرتفوا بذنوهبم؛ فسلموا وتيب عليهم‪ ،‬قال‬ ‫تعاىل‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬ ‫ﮖ ﮗ ﮘ) [التوبة‪« ]102 :‬فعلم أن من مل يعرتف بذنبه كان من املنافقني»()‪.‬‬ ‫أسأل اهلل تعاىل أن يبرصنا بعيوبنا‪ ،‬وأن يقينا رشها‪.)362/1( :‬‬ ‫‪33‬‬ .]23 :‬‬ ‫ِ‬ ‫وقول نوح عليه السالم ‪-‬عندما هناه اهلل أن يسأله ما ليس به علم‪( :-‬ﭬ ﭭ‬ ‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ)‬ ‫[هود‪.‬‬ ‫ومن أرشف جماالت تطبيق هذه القاعدة‪:‬‬ ‫أن من أكرب ثمرات البصرية بالنفس‪ :‬أن يو َّفق اإلنسان إىل االعرتاف بالذنب‬ ‫واخلطأ‪ ،‬وهذا مقام األنبياء والصديقني والصاحلني‪:‬‬ ‫فتأمل يف قول أبوينا ‪-‬حني أكال من الشجرة‪( :-‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‬ ‫ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ) [األعراف‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

]62 –56 :‬‬ ‫ٍ‬ ‫معان منها‪ :‬الكذب‪ ،‬والرشك‪ ،‬والظلم‪ ،‬وقد جاء القرآن‬ ‫واالفرتاء يطلق عىل‬ ‫هبذه املعاين الثالث‪ ،‬وكلها تدور عىل الفساد واإلفساد()‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫(ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ)‬ ‫جاءت هذه القاعدة يف سياق قصة موسى مع فرعون وسحرته‪ ،‬كام قال تعاىل‬ ‫عن فرعون‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ‬ ‫ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ‬ ‫ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ) [طه‪.‬‬ ‫* ومن صور تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫وجدت يف الواقع ‪-‬ولألسف‪ -‬من له منها نصيب وافر‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تأملت هذه القاعدة‬ ‫َ‬ ‫إذا‬ ‫ومن ذلك‪:‬‬ ‫  مفردات الراغب‪.‬‬ ‫مؤكدً ا اطراد هذه القاعدة‪« :‬وقد ضمن سبحانه أنه ال‬ ‫قال ابن قيم اجلوزية‬ ‫بد أن يخُ ِّيب أهل االفرتاء وال هيدهيم‪ ،‬وأنه ُيسحتهم بعذابه‪ ،‬أي يستأصلهم»()‪.)634( :‬‬ ‫  الصواعق املرسلة‪.)1212 /4( :‬‬ ‫‪35‬‬ .

)39 /1( :‬‬ ‫‪36‬‬ .‬‬ ‫ويدخل فيها الذين يفتون بغري علم‪ ،‬فهم من مجلة املفرتين عىل اهلل سبحانه‬ ‫‪( :‬ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬ ‫وتعاىل‪ ،‬كام قال‬ ‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) [النحل‪.]93 :‬‬ ‫وقد ّ‬ ‫دل القرآن عىل أن القول عىل اهلل بغري علم أعظم املحرمات عىل اإلطالق!‬ ‫قال تعاىل‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬ ‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [األعراف‪ ،]33 :‬وأنت إذا‬ ‫تأملت يف هذا األمر؛ وجدت أن املرشك إنام أرشك ألنه قال عىل اهلل بغري علم!‬ ‫ومثله الذي حيلل احلرام أو حيرم احلالل‪ ،‬كام حكاه اهلل تعاىل عن بعض أحبار‬ ‫بني إرسائيل‪.‫‪ -1‬الكذب واالفرتاء عىل اهلل‪ ،‬بالقول عليه بغري علم بأي صورة من الصور‪،‬‬ ‫‪( :‬ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬ ‫يقول اهلل‬ ‫ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ) [األنعام‪.]116 :‬‬ ‫ُّ‬ ‫وكل من تكلم يف الرشع بغري علم فهو من املفرتين عىل اهلل‪ :‬سواء يف باب األسامء‬ ‫والصفات‪ ،‬أو يف أبواب احلالل واحلرام‪ ،‬أو يف غريها من أبواب الدين‪.‬‬ ‫حكم حكَم‬ ‫اً‬ ‫وهلذا ملا كتب الكاتب بني يدي أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب‬ ‫أمري املؤمنني عمر»! فقال‪ :‬ال تقل هكذا‪ ،‬ولكن قل‪« :‬هذا‬ ‫به‪ ،‬فقال‪« :‬هذا ما أرى اهللُ َ‬ ‫ إعالم املوقعني عن رب العاملني‪.‬‬ ‫وألجل هذا كان كثري من السلف يتورع أن جيزم بأن ما يفتي به هو حكم اهلل ‪-‬‬ ‫إذا كانت املسألة ال نص فيها‪ ،‬وال إمجاع‪ -‬قال بعض السلف‪« :‬ليتق أحدكم أن يقول‪:‬‬ ‫أحل اهلل كذا وحرم كذا فيقول اهلل له‪ :‬كذبت! مل أحل كذا ومل أحرم كذا!»()‪.

‬‬ ‫فعىل من مل يكن عنده علم فيام يتكلم به أن ُيمسك لسانه‪ ،‬وعىل من تصدر إلفتاء‬ ‫الناس أن يراعي هدي السلف يف هذا الباب؛ فإنه خري وأحسن تأويلاً ‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫ما رأى عمر‪ ،‬فإن كان صوا ًبا فمن اهلل‪ ،‬وإن كان خطأ فمن عمر»()‪.‬‬ ‫يقول‪« :‬مل يكن من أمر الناس‪ ،‬وال من‬ ‫وقال ابن وهب‪ :‬سمعت مالكًا‬ ‫مىض من سلفنا‪ ،‬وال أدركت أحدً ا أقتدي به يقول يف يشء‪ :‬هذا حالل وهذا حرام‪،‬‬ ‫وما كانوا جيرتئون عىل ذلك‪ ،‬وإنام كانوا يقولون‪ :‬نكره كذا‪ ،‬ونرى هذا حسنًا فينبغي‬ ‫هذا وال نرى هذا»()‪.)39/1( :‬‬ ‫‪37‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬ومن صور تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫ما يفعله بعض الوضاعني للحديث ‪-‬يف قديم الزمان وحديثه‪ -‬الذين‬ ‫يكذبون عىل النبي × ويفرتون عليه‪ :‬إما لغرض ‪-‬هو بزعمهم‪ -‬حس ٌن كالرتغيب‬ ‫والرتهيب‪ ،‬أو ألغراض سياسية‪ ،‬أو مذهبية‪ ،‬أو جتارية‪ ،‬كام وقع ذلك ولألسف منذ‬ ‫أزمنة متطاولة!‬ ‫ولو استشعر كل من يضع احلديث عىل النبي × أنه من مجلة املفرتين ‪-‬وأنه‬ ‫لن يفلح سعيه‪ ،‬بل هو خائب‪ ،‬كام قال ربنا‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ)‪ -‬الرعوى كثري‬ ‫من هؤالء عن غيهم‪ ،‬وال ينفعه ما يظنه قصدً ا حسنًا ‪ -‬كام زعم بعض الوضاعني‬ ‫‪ -‬فإن مقام الرشيعة عظيم‪ ،‬وجناهبا مصان وحمرتم‪ ،‬وقد أكمل اهلل الدين‪ ،‬فال حيتاج‬ ‫إىل حديث موضوع وخمتلق‪ ،‬وليست رشيع ٌة تلك التي تبنى عىل الكذب‪ ،‬وعىل م ْن؟‬ ‫عىل رسوهلا ×؟‬ ‫رواج يف هذا العرص‬ ‫ومن املؤسف أن يرى لسوق األحاديث الضعيفة واملكذوبة ٌ‬ ‫ أخرجه البيهقي يف السنن الكربى برقم (‪.)20135‬‬ ‫ إعالم املوقعني‪.

‫بواسطة اإلنرتنت‪ ،‬أو رسائل اجلوال؛ فليتق العبد ربه‪ ،‬وال ينرشن شي ًئا ينسب إىل‬ ‫النبي × حتى يتثبت من صحته عنه‪.‬‬ ‫‪ -3‬ومن صور تطبيقات هذه القاعدة القرآنية الكريمة املشاهدة يف الواقع‪:‬‬ ‫ما يقع من بعضهم ‪-‬ولألسف الشديد‪ِ -‬من ظلم وبغي عىل إخواهنم املسلمني‪،‬‬ ‫وهذا له أسبابه الكثرية‪ ،‬لعل من أبرزها‪ :‬احلسد ‪-‬عيا ًذا باهلل منه‪ ،-‬والطمع يف يشء‬ ‫من لعاعة الدنيا‪ ،‬أو لغري ذلك من األسباب‪ ،‬و َي ْع ُظ ُم اخلطب حينام ُيلبِ ُس ُ‬ ‫بعض الناس‬ ‫لبوس الدين؛ ليربر بذلك فعلته يف الوشاية بفالن‪ ،‬والتحذير من فالن بغ ًيا‬ ‫َ‬ ‫صنيعه‬ ‫وعدوانًا‪.‬‬ ‫وقفت عىل كثري من القصص يف هذا الباب‪ ،‬منها القديم ومنها املعارص‬ ‫ُ‬ ‫ولقد‬ ‫اعرتف أصحاهبا هبا‪ ،‬وهي قصص تدمي القلب‪ ،‬وتفتت الكبد؛ بسبب ما ذاقوه من‬ ‫َ‬ ‫عاقبة افرتائهم وظلمهم لغريهم‪ ،‬أكتفي من ذلك بثالثة مواقف؛ لعل يف ذكرها عظ ٌة‬ ‫وعربة‪:‬‬ ‫‪ -1‬ملا جلس املتوكل ‪-‬اخلليفة العبايس‪ -‬دخل عليه عبد العزيز بن حييى الكناين‬ ‫فقال‪ :‬يا أمري املؤمنني! ما ُرؤي أعجب من أمر الواثق! قتل أمحد بن نرص وكان لسانه‬ ‫يقرأ القرآن إىل أن دفن! قال‪ :‬فوجد املتوكل من ذلك‪ ،‬وساءه ما سمعه يف أخيه‪ ،‬إذ‬ ‫دخل عليه حممد بن عبد امللك الزيات‪ ،‬فقال له‪ :‬يا ابن عبد امللك‪ ،‬يف قلبي من قتل‬ ‫أمحد بن نرص! فقال‪ :‬يا أمري املؤمنني! أحرقني اهلل بالنار إن قتله أمري املؤمنني الواثق‬ ‫كافرا!!‬ ‫إال ً‬ ‫قال‪ :‬ودخل عليه هرثمة‪ ،‬فقال‪ :‬يا هرثمة‪ ،‬يف قلبي من قتل أمحد بن نرص! فقال‪:‬‬ ‫يا أمري املؤمنني! ق ّطعني اهلل ْإر ًبا ْإر ًبا إن قتله أمري املؤمنني الواثق إال ً‬ ‫كافرا!!‬ ‫‪38‬‬ .

‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫قال‪ :‬ودخل عليه أمحد بن أيب دؤاد‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمحد‪ ،‬يف قلبي من قتل أمحد بن نرص!‬ ‫كافرا!!‬ ‫فقال‪ :‬يا أمري املؤمنني! رضبني اهلل بالفالج إن قتله أمري املؤمنني الواثق إال ً‬ ‫قال املتوكل‪ :‬فأما الزيات فأنا أحرقته بالنار‪ ،‬وأما هرثمة فإنه هرب وتبدى‬ ‫واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من احلي فقال‪ :‬يا معرش خزاعة‪ ،‬هذا الذي قتل‬ ‫أمحد بن نرص؛ فقطعوه ْإر ًبا ْإربا!‬ ‫وأما أمحد بن أيب دؤاد‪ ،‬فقد سجنه اهلل يف جلده()!!‬ ‫حتدثت إحداهن ‪-‬وهي أستاذة جامعية ومطلقة مرتني‪ -‬فقالت‪ :‬حدَ َثت‬ ‫ْ‬ ‫‪-2‬‬ ‫قررت الزواج بأحد أقاريب‬ ‫ُ‬ ‫قصتي مع الظلم قبل سبع سنوات‪ ،‬فبعد طالقي الثاين‬ ‫الذي كان ينعم بحياة هادئة مع زوجته وأوالده اخلمسة‪ ،‬حيث اتفقت مع ابن خالتي‬ ‫‪ -‬الذي كان حيب زوجة هذا الرجل ‪ -‬اتفقنا عىل اهتامها بخيانة زوجها! وبدأنا يف‬ ‫إطالق الشائعات بني األقارب‪ ،‬ومع مرور الوقت نجحنا‪ ،‬حيث تدهورت حياة‬ ‫الزوجني وانتهت بالطالق!‬ ‫وبعد ميض سنة تزوجت املرأ ُة ‪ -‬التي ُطلقت بسبب الشائعات ‪ -‬برجل آخر ذي‬ ‫منصب‪ ،‬أما الرجل فتزوج امرأة غريي!‪ ،‬وبالتايل مل أحصل مع ابن خالتي عىل هدفنا‬ ‫املنشود‪ ،‬ولكنا حصلنا عىل نتيجة ظلمنا؛ حيث ُأ ِصبت برسطان الدم!‬ ‫أما ابن خالتي فقد مات َحر ًقا مع الشاهد الثاين؛ بسبب التامس كهربائي يف الشقة‬ ‫التي كان يقيم فيها‪ ،‬وذلك بعد ثالث سنوات من القضية‪.‬‬ ‫‪ -3‬أما ثالث هذه املواقف فريويه شخص اسمه(حمَ َد) يقول‪ :‬عندما ُ‬ ‫كنت طال ًبا‬ ‫يف املرحلة الثانوية حدثت مشاجرة بيني وبني أحد الطالب املتفوقني‪ ،‬فقررت ‪-‬بعد‬ ‫مبكرا إىل املدرسة‪ ،‬ومعي‬ ‫ً‬ ‫تلك املشاجرة‪ -‬أن أدمر مستقبله‪ ،‬فحرضت ذات يوم‬ ‫ هتذيب الكامل‪ ،)511/1( :‬طبقات الشافعية الكربى‪.)53 :2( :‬‬ ‫‪39‬‬ .

‬‬ ‫‪40‬‬ .‬‬ ‫يقول حمَ َد هذا‪ :‬ومنذ ذلك اليوم وأنا أعاين نتيجة الظلم الذي صنعته بيدي‪،‬‬ ‫اليمنى‪ ،‬وقد ذهبت للطالب يف‬ ‫فقدت بسببه يدي ُ‬ ‫ُ‬ ‫فقبل سنتني تعرضت حلادث سيارة‬ ‫منزله أطلب منه السامح‪ ،‬ولكنه رفض ألنني تسببت يف تشويه سمعته بني أقاربه حتى‬ ‫شخصا منبو ًذا من اجلميع‪ ،‬وأخربين بأنه يدعو ّ‬ ‫عيل كل ليلة؛ ألنه خرس كل يشء‬ ‫ً‬ ‫صار‬ ‫بسبب تلك الفضيحة‪ ،‬وألن دعوة املظلوم ليس بينها وبني اهلل حجاب فقد استجاب‬ ‫اهلل دعوته‪ ،‬فها أنا باإلضافة إىل يدي املفقودة أصبحت مقعدً ا عىل كريس متحرك‬ ‫نتيجة حادث آخر! ومع أين أعيش حياة تعيسة‪ ،‬فإين أخاف من املوت؛ ألين أخشى‬ ‫عقوبة رب العباد()‪.‫جمموعة من سجائر احلشيش ‪ -‬التي كنا نتعاطاها ‪ -‬ووضعتها يف حقيبة ذلك الطالب‪،‬‬ ‫ثم طلبت من أحد أصدقائي إبالغ الرشطة بأن يف املدرسة مروج خمدرات‪ ،‬وبالفعل‬ ‫متت اخلطة بنجاح‪ ،‬وكنا نحن الشهود الذين نستخدم املخدرات‪.‬‬ ‫ نرشت هذه القصص يف مقال للكاتب حممد بن عبد اهلل املنصور‪ ،‬بعنوان‪( :‬رسالة بال‬ ‫عنوان!) يف جريدة اليوم اإللكرتونية‪ ،‬عدد (‪ ،)11854‬االثنني‪1426/10/26‬هـ‪،‬‬ ‫املوافق‪2005/11/28 :‬م‪.

‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫(ﭡ ﭢ)‬ ‫هذه قاعدة من قواعد بناء املجتمع‪ ،‬وإصالحه‪ ،‬وتدارك أي سبب لتفككه‪ ،‬وقد‬ ‫وردت هذه القاعدة يف سياق احلديث عام قد يقع بني األزواج من أحوال قد تؤدي إىل‬ ‫االختالف والتفرق‪ ،‬وأن الصلح بينهام عىل أي يشء يرضيانه خري من تفرقهام‪ ،‬يقول‬ ‫سبحانه‪( :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ‬ ‫ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ‬ ‫ﭯ ﭰ) [النساء‪.]128 :‬‬ ‫ويمكننا القول‪ :‬إن مجيع اآليات التي ورد فيها ذكر اإلصالح بني الناس هي من‬ ‫التفسري العميل هلذه القاعدة القرآنية املتينة‪.‬‬ ‫ومن املناسبات اللطيفة أن ترد هذه اآلية يف سورة النساء‪ ،‬وهي نفس السورة‬ ‫التي ورد فيها قوله تعاىل‪( :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬ ‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [النساء‪.]35 :‬‬ ‫يقول ابن عطية ‪-‬مؤكدً ا ا ّطراد هذه القاعدة‪« :-‬وقوله تعاىل‪( :‬ﭡ ﭢ)‬ ‫ٌ‬ ‫لفظ عام مطلق‪ ،‬يقتيض أن الصلح احلقيقي ‪-‬الذي تسكن إليه النفوس ويزول به‬ ‫‪41‬‬ .

‬‬ ‫ املحرر الوجيز‪.‬‬ ‫جائز يف مجيع األشياء إال إذا أحل حرا ًما أو حرم حاللاً ‪،‬‬ ‫وهو ‪-‬أي الصلح‪ٌ -‬‬ ‫جورا‪.‬‬ ‫ومعنى اآلية باختصار‪:‬‬ ‫أنه «إذا خافت املرأة نشوز زوجها‪ ،‬أي‪ :‬تَر ُّفعه عنها‪ ،‬وعد َم رغبتِه فيها وإعراضه‬ ‫صلحا؛ بأن تسمح املرأة عن بعض‬ ‫ً‬ ‫عنها‪ ،‬فاألحسن ‪-‬يف هذه احلالة‪ -‬أن يصلحا بينهام‬ ‫حقوقها الالزمة لزوجها عىل وجه تبقى مع زوجها‪ :‬إما أن ترىض بأقل من الواجب‬ ‫هلا من النفقة أو الكسوة أو املسكن‪ ،‬أو القسم بأن تُسقط حقها منه‪ ،‬أو هتب يومها‬ ‫وليلتها لزوجها أو لرضهتا‪.)141/2( :‬‬ ‫‪42‬‬ .‬‬ ‫فإذا اتفقا عىل هذه احلالة فال جناح وال بأس عليهام فيها‪ ،‬ال عليها وال عىل‬ ‫الزوج‪ ،‬فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها عىل هذه احلال‪ ،‬وهي خري من الفرقة‪ ،‬وهلذا‬ ‫قال‪( :‬ﭡ ﭢ)‪.‬‬ ‫حق أو منازعة‬ ‫ويؤخذ من عموم هذا اللفظ واملعنى‪ :‬أن الصلح بني من بينهام ٌ‬ ‫خري من استقصاء كل منهام عىل كل حقه؛ ملا فيها من اإلصالح‬ ‫‪-‬يف مجيع األشياء‪ -‬أنه ٌ‬ ‫وبقاء األلفة واالتصاف بصفة السامح‪.‬‬ ‫صلحا‪ ،‬وإنام يكون ً‬ ‫ً‬ ‫فإنه ال يكون‬ ‫واعلم أن كل حكم من األحكام ال يتم وال يكمل إال بوجود مقتضيه وانتفاء‬ ‫موانعه‪ ،‬فمن ذلك هذا احلكم الكبري الذي هو الصلح‪ ،‬فذكر تعاىل املقتيض لذلك‬ ‫ٍ‬ ‫عاقل يطلبه ويرغب فيه‪ ،‬فإن كان ‪-‬مع ذلك‪ -‬قد أمر‬ ‫واخلري ُّ‬ ‫كل‬ ‫ُ‬ ‫ونبه عىل أنه خري‪،‬‬ ‫اهلل به وحث عليه ازداد املؤمن طلبا له ورغبة فيه‪.‫خري عىل اإلطالق‪ ،‬ويندرج حتت هذا العموم أن صلح الزوجني عىل ما‬ ‫اخلالف‪ٌ -‬‬ ‫ذكرنا خري من الفرقة»()‪.

‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫وذكر املانع بقوله‪( :‬ﭤ ﭥ ﭦ) [النساء‪ ]128 :‬أي‪ :‬جبلت‬ ‫النفوس عىل الشح‪ :‬وهو عدم الرغبة يف بذل ما عىل اإلنسان‪ ،‬واحلرص عىل احلق‬ ‫الذي له؛ فالنفوس جمبولة عىل ذلك طب ًعا‪ ،‬أي‪ :‬فينبغي لكم أن حترصوا عىل قلع هذا‬ ‫اخلُلق الدينء من نفوسكم‪ ،‬وتستبدلوا به ضده وهو السامحة‪ :‬بذل احلق الذي عليك‪،‬‬ ‫واالقتناع ببعض احلق الذي لك‪.‬‬ ‫فمتى وفق اإلنسان هلذا اخللق احلسن‪ ،‬سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبني‬ ‫خصمه و ُمعامله‪ ،‬وتسهلت الطريق للوصول إىل املطلوب‪ ،‬بخالف من مل جيتهد يف‬ ‫إزالة الشح من نفسه؛ فإنه يعرس عليه الصلح واملوافقة؛ ألنه ال يرضيه إال مجيع ماله‪،‬‬ ‫وال يرىض أن يؤدي ما عليه‪ ،‬فإن كان خصمه مثله اشتد األمر»()‪.‬‬ ‫ومن تأمل القرآن‪ ،‬وجد سعة هذه القاعدة من جهة التطبيق‪ ،‬فباإلضافة إىل ما‬ ‫سبق ِذكره ‪-‬من اإلصالح بني األزواج‪ -‬فإننا نجد يف القرآن ح ًثا عىل اإلصالح بني‬ ‫ِ‬ ‫الساعني يف اإلصالح بني الناس‪( :‬ﭒ‬ ‫ظاهرا عىل‬ ‫الفئتني املقتتلتني‪ ،‬ونجده يثني ثناء‬ ‫ً‬ ‫ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ‬ ‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [النساء‪.)207 :‬‬ ‫‪43‬‬ .]114 :‬‬ ‫بل تأمل يف افتتاح سورة األنفال؛ فإنك واجدٌ عج ًبا‪ ،‬فإن اهلل تعاىل افتتح هذه‬ ‫السورة بقوله‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬ ‫اجلواب عن‬ ‫ُ‬ ‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) [األنفال‪ ،]1:‬فلم يأت‬ ‫ِ‬ ‫وطاعة اهلل ورسوله؛‬ ‫وإصالح ِ‬ ‫ذات البني‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫األنفال مبارشة‪ ،‬بل جاء األمر بالتقوى‬ ‫سبب عظيم يف رش عريض‪ ،‬ولعل من أرسار إرجاء‬ ‫ألن إغفال هذه األصول الكبار ٌ‬ ‫اجلواب عن هذا التساؤل‪ :‬لبيان أن التقاتل عىل الدنيا ‪-‬ومنها األنفال (وهي الغنائم)‪-‬‬ ‫ تفسري السعدي (ص‪.

‬‬ ‫فانظر كيف حاول × أن يكون واسطة خري بني زوجني انفصال‪ ،‬وشفع ألحد‬ ‫الطرفني لعله يقبل‪ ،‬فلم يشأ أن جيرب؛ ألن من أركان احلياة الزوجية احلب‪ ،‬والرغبة!‬ ‫ الرتمذي ح (‪.‬‬ ‫‪ -‬طبق النبي × هذه القاعدة يف قصة بريرة ‪-‬وهي َأ َم ٌة قد أعتقتها عائشة‬ ‫فكرهت أن تبقى مع زوجها‪ ،‬الذي كان شديد التعلق هبا‪ ،‬حتى قال ابن عباس‬ ‫ْ‬ ‫‪-‬‬ ‫‪-‬وهو يصف حب مغيث لربيرة‪ :-‬لكأين به يف طرق املدينة ونواحيها‪ ،‬وإن دموعه‬ ‫لتسيل عىل حليته؛ يرتضاها لتختاره فلم تفعل!()‪ ،‬فقال النبي ×‪« :‬لو راجعتِه»!‬ ‫قالت‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬تأمرين؟ قال‪« :‬إنام أنا أشفع» قالت‪ :‬ال حاجة يل فيه()‪.‬‬ ‫وألمهية هذا املوضوع ‪-‬أعني اإلصالح‪ :-‬أجازت الرشيعة أخذ الزكاة ملن غرم‬ ‫بسبب اإلصالح بني الناس‪.)5283‬‬ ‫‪44‬‬ . ‫ِ‬ ‫فساد ذات البني؛ وهلذا جاء اجلواب عن سؤال األنفال بعد أربعني آية من‬ ‫سبب يف‬ ‫ٌ‬ ‫هذا السؤال‪.‬‬ ‫إذا تقرر هذا املعنى املتني والشامل هلذه اآلية الكريمة‪( :‬ﭡ ﭢ)؛ فمن‬ ‫املهم ‪-‬لنستفيد من هذه القاعدة القرآنية‪ -‬أن نسعى لتوسيع مفهومها يف حياتنا‬ ‫العملية‪ ،‬وأصدق شاهد عىل ذلك سرية نبينا ×‪ ،‬الذي طبق هذه القاعدة يف حياته‪،‬‬ ‫صالحا وإصالحا!‬ ‫ً‬ ‫وهل كانت حياته إال‬ ‫البيضاء‬ ‫ُ‬ ‫أنت‪ ،‬بل أنت اليدُ‬ ‫هي َ‬ ‫أصابع مُجِعت يدً ا‬ ‫ٌ‬ ‫املصلحون‬ ‫‪ -‬ومن أمثلة ذلك‪ :‬أنه × حينام كربت زوجه أم املؤمنني سودة بنت زمعة‬ ‫‪ ،‬ووقع يف نفسه أن يفارقها‪ ،‬فكانت تلك املرأة عاقلة رشيدة؛ فصاحلته عىل أن‬ ‫يمسكها وترتك يومها لعائشة‪ ،‬فقبِل ذلك منها‪ ،‬وأبقاها عىل ذلك‪.)1156‬‬ ‫ البخاري ح (‪.

‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫‪ -‬خرج مرة × إىل أهل قباء‪ ،‬ملا ُأ ْخبرِ َ أهنم اقتتلوا حتى تراموا باحلجارة‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫«اذهبوا بنا نصلح بينهم»()‪.‬‬ ‫ البخاري ح (‪.‬‬ ‫وعىل هذه اجلادة النبوية سار تالميذه النجباء‪ ،‬من أصحابه الكرام وغريهم ممن‬ ‫سار عىل هنجهم‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫ملناظرة اخلوارج ‪ -‬الذين خرجوا عىل أمري املؤمنني‬ ‫‪ -‬خروج ابن عباس‬ ‫‪ -‬فرجع منهم عدد كبري‪.‬‬ ‫فهني ًئا ملن جعله اهلل من خيار الناس‪ ،‬الساعني يف اإلصالح بينهم‪ ،‬وذلك فضل‬ ‫اهلل يؤتيه من يشاء‪ ،‬واهلل ذو الفضل العظيم‪.‬‬ ‫عيل‬ ‫ومن ق ّلب كتب ِّ‬ ‫السيرَ ؛ وجد نامذج مرشقة جلهود فردية يف اإلصالح بني الناس‬ ‫عىل مستويات شتى‪ ،‬ولعل مما يبرش ٍ‬ ‫بخري‪ :‬ما نراه من جلان إصالح ذات البني‪ ،‬والتي‬ ‫هي يف احلقيقة ترمجة عملية هلذه القاعدة القرآنية العظيمة‪( :‬ﭡ ﭢ)‪.)2547‬‬ ‫‪45‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫يقول سبحانه وتعاىل‪( :‬ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ‬ ‫ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ‬ ‫ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ‬ ‫ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ‬ ‫ﯣﯤﯥ ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ‬ ‫ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [التوبة‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)‬ ‫هذه قاعدة من قواعد التعامل اإلنساين‪ ،‬والتي جاءت يف سياق احلديث‬ ‫سجله القرآن لبيان أصناف املعتذرين عن غزوة تبوك ‪-‬التي وقعت‬ ‫ٍ‬ ‫عن موقف َّ‬ ‫يف شهر رجب من السنة التاسعة من اهلجرة‪ -‬ومن هم الذين ُي َ‬ ‫عذرون والذين ال‬ ‫ُي َ‬ ‫عذرون‪.]93-90:‬‬ ‫ومعنى القاعدة باختصار‪« :‬ليس عىل أهل األعذار الصحيحة ‪-‬من ضعف أبدان‪،‬‬ ‫‪47‬‬ .

‬‬ ‫وبام أن (العربة بعموم اللفظ ال بخصوص السبب) – كام هو مقرر يف علم أصول‬ ‫التفسري ‪ -‬فهذا يعني توسيع داللة هذه القاعدة القرآنية التي دل عليها قوله سبحانه‪:‬‬ ‫(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)‪.‬‬ ‫اه ُة‪ُ ،‬ي َقال‪َ :‬ز ِم َن َز َمنًا َو َز ِمنَ ًة َو َز َما َن ًة‪َ :‬م ِر َض َم َر ًضا َيدُ و ُم َز َمانًا َط ِويلاً‪،‬‬ ‫«الز َما َن ُة ُل َغ ًة‪ :‬ا ْل َب َال ُء َوا ْل َع َ‬ ‫ َّ‬ ‫ِ‬ ‫لهِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ف بِكبرَ ِ س ٍّن َأ ْو ُم َط َاو َلة ع َّلة‪َ .)464 /2( :‬‬ ‫ تفسري السعدي (ص‪.‫إثم‪ ،‬برشط ال بد منه‪ ،‬وهو‪( :‬ﮞ ﮟ) أي‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫أو مرض أو َز َمانة ‪ ،‬أو عدم نفقة‪ٌ -‬‬ ‫()‬ ‫بِنِ َّياهتم وأقواهلم‪ ،‬رسا وجهرا‪ ،‬بحيث مل ُي ِ‬ ‫رجفوا بالناس‪ ،‬ومل يثبطوهم‪ ،‬وهم حمسنون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يف حاهلم هذا‪ ،.‬‬ ‫أهيا املتأمل كالم ربه‪:‬‬ ‫لقد كانت هذه اآلية ‪-‬وال زالت‪ -‬دليلاً يفزع إليه العلامء يف االستدالل هبا يف‬ ‫أبواب كثرية يف الفقه‪ ،‬خالصته يعود إىل أنه « َمن أحسن عىل غريه‪ ،‬يف نفسه أو يف‬ ‫ماله‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬ثم ترتب عىل إحسانه نقص أو تلف‪ ،‬أنه غري ضامن؛ ألنه حمسن‪،‬‬ ‫كاملفرط‪ ،‬أن‬ ‫ِّ‬ ‫وال سبيل عىل املحسنني‪ ،‬كام أنه يدل عىل أن غري املحسن ‪-‬وهو امليسء‪-‬‬ ‫عليه الضامن»()‪.‬ثم أكّد الرجاء بقوله‪( :‬ﮩ ﮪ ﮫ)»()‪..‬‬ ‫وهذا يدل عىل أن األصل هو سالمة املسلم من أن ُي َلزم بأي تكليف سوى‬ ‫تكليف الرشع كام أن اآلية تدل بعمومها أن األصل براءة الذمة من إلزام اإلنسان‬ ‫بأي يشء فيام بينه وبني الناس حتى يثبت ذلك بأي وسيلة من وسائل اإلثبات املعتربة‬ ‫رش ًعا‪.)347‬‬ ‫‪48‬‬ .‬ف ُه َو َزم ٌن َو َزم ٌ‬ ‫ني‪َ ،‬والَ يخَ ُْر ُج ْاست ْع اَمل ا ْل ُف َق َهاء َ َذا ال َّل ْفظ َع ِن‬ ‫َو َض ُع َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫الزم ُن ُه َو المُْ ْب َتلىَ بِآ َفة تمَ ْنَ ُع ُه م َن ا ْل َع َمل» املوسوعة الفقهية‬ ‫ِ‬ ‫المَْ ْعنَى ال ُّل َغ ِو ِّي‪َ ،‬قال َزك َِر َّيا األَْن َْص ِار ُّي‪َّ :‬‬ ‫الكويتية‪..)10 /24( :‬‬ ‫ ينظر‪ :‬املحرر الوجيز (‪ ،)78 /3‬تفسري ابن كثري‪.

)137/2‬‬ ‫‪49‬‬ .‬‬ ‫تأمل هذه الصورة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫عمل دعوي‪ ،‬أو اجتامعي‪ ،‬أو عائيل‪ ،‬ويبذل‬ ‫جيتهد أحد الناس يف حماولة إتقان‬ ‫جهده‪ ،‬وربام ماله‪ ،‬وهو يف هذه األثناء يطلب من غريه أن يساعده ويعينه عىل العمل‬ ‫املرشف‪،‬‬ ‫فال جيد أحدً ا‪ ،‬فيبدأ وحده‪ ،‬وجيتهد ويثابر ل ُينجح العمل‪ ،‬و ُيظهره باملظهر ِّ‬ ‫وبعض‬ ‫ُ‬ ‫بعض الثغرات‪،‬‬ ‫فإذا جاءت ساعة االستفادة من هذا العمل‪ ،‬وظهرت ُ‬ ‫النقص الذي ال يسلم منه عمل البرش‪ ،‬فإذا به ‪ -‬بدلاً من أن ُيقا َبل بالشكر والتقدير‪،‬‬ ‫مع التنبيه عىل األخطاء بأسلوب لطيف‪ُ -‬يقا َبل بعاصفة من اللوم والعتاب!‪ ،‬مع أن‬ ‫نجد‪ ،‬فواصل العمل وحده‪،‬‬ ‫هذا الشخص قد يكون استنجد بغريه للمساعدة فلم ُي َ‬ ‫فلام حانت ساعة قطاف الثمرة‪ ،‬مل جيد إال اللوم والعتاب!‪ ،‬بسبب قلة حيلته‪ ،‬وضعف‬ ‫قدرته‪ ،‬أليس هذا من أحق الناس بقوله تعاىل‪( :‬ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)؟!‬ ‫ثم أليس أولئك خليقون أن يقال هلم‪:‬‬ ‫من اللوم‪ ،‬أو سدوا املكان الذي سدوا‬ ‫()‬ ‫ألبيكم‬ ‫ُ‬ ‫أقلـوا عليهم ال أبـا‬ ‫ هذا من شعر احلطيئة‪ ،‬انظر‪ :‬الكامل يف اللغة واألدب (‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫أرشت إليه بإمجال‪ ،‬فلنتلفت قليلاً إىل ميدان‬ ‫ُ‬ ‫وإذا جتاوزنا اجلانب الفقهي الذي‬ ‫من امليادين التي نحتاج فيها إىل هذه القاعدة‪ ،‬ذلك أن حياتنا ُ‬ ‫حتفل بمواقف كثرية‬ ‫ُي ْفت َُح فيها باب اإلحسان‪ ،‬وتتاح َ‬ ‫آلخرين أن حيسنوا إىل غريهم فيبادروا بتقديم خدمة‬ ‫ما‪ ،‬وأول هؤالء هم أهل بيت اإلنسان‪ :‬من زوجة أو زوج أو ولد! فمن املؤسف أن‬ ‫يتجانف البعض هداية هذه القاعدة القرآنية‪ ،‬ف ُيلحقوا غريهم اللوم والعتاب الشديد‪،‬‬ ‫مع أهنم حمسنون متربعون‪ ،‬فيسامهون بذلك ‪ -‬شعروا أم مل يشعروا – يف إغالق باب‬ ‫اإلحسان‪ ،‬أو تضييق دائرته بني العباد‪.

‬وهكذا ما نحن بصدده‪ ،‬وإنام نبهت عىل‬ ‫هذا ألن من الناس من أساء فهم هذه القاعدة‪ ،‬وطردها يف غري موضعها‪ ،‬فصار ذلك‬ ‫سب ًبا يف وجود النفرة بني بعض الناس؛ ألن أحد الطرفني اعتقد التزام الطرف اآلخر‪،‬‬ ‫فاعتمد عليه ‪-‬بعد اهلل‪ -‬ثم ختىل ذلك الطرف عام التزم؛ بحجة أنه حمسن! فوقع خالف‬ ‫املقصود من باب اإلحسان‪.‬‬ .‬‬ ‫أيضا ‪ -‬ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية ‪ -‬أن ال نخلط بني‬ ‫ومن املهم ً‬ ‫ٍ‬ ‫بيشء ما‪ ،‬ثم يتخىل عنه بحجة أنه حمسن! فإن هذا من‬ ‫ما تقدم وبني التزام اإلنسان‬ ‫الفهم املغلوط هلذه القاعدة‪ ،‬ذلك أن اإلنسان قبل أن يلتزم بوعد لطرف آخر؛ فهو يف‬ ‫دائرة الفضل واإلحسان‪ ،‬لكن إن التزم بتنفيذ ٍ‬ ‫يشء‪ ،‬والقيام به‪ ،‬فقد انتقل إىل دائرة‬ ‫قرب تصور هذا املعنى‪:‬‬ ‫الوجوب الذي يستحق صاحبه احلساب والعتاب‪ ،‬ولعل مما ُي ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫بيشء مل يكن واج ًبا عليه بأصل الرشع‪ ،‬كمن‬ ‫النذر؛ فإن النذر‪ :‬إلزام املكلف نفسه‬ ‫ينذر أن يتصدق بألف ريال‪ ،‬فهذا قبل نذره ال يلزمه أن يتصدق ولو بريال واحد‪،‬‬ ‫لكنه ملا نذر فقد التزم؛ فوجب عليه الوفاء‪ .‫وأمثال هذه الصورة تتكرر يف مواقف أخرى؛ يف البيت‪ ،‬يف املدرسة‪ ،‬يف املؤسسة‪،‬‬ ‫ويف الرشكة‪ ،‬ويف الدائرة احلكومية‪ ،‬ويف العمل اإلعالمي‪ ،‬مع العلامء والدعاة‬ ‫واملحتسبني‪ ،‬ومع غريهم‪ ،‬فام أحوجنا إىل استشعار هذه القاعدة‪ ،‬وطريقة التعامل‬ ‫مع أوهام أو أخطاء املحسنني؛ لكي ال ينقطع باب اإلحسان‪ ،‬فإنه إذا كثر اللوم عىل‬ ‫املحسنني واملتربعني‪ ،‬وتقاعس من ُيفرتض منهم العمل‪ ،‬فمن يبقى لألمة؟!‬ ‫وهذا ك ّله ‪-‬بال ريب‪ -‬ال يعني التنبيه عىل األخطاء‪ ،‬أو التذكري بمواضع الصواب‬ ‫التي كان يفرتض أن ُينبه عليها‪ ،‬لكن املهم أن يكون ذلك بأسلوب حيفظ جهد‬ ‫املحسن‪ ،‬وال يفوت فرصة التنبيه عىل اخلطأ؛ لريتقي العمل‪ ،‬ويزداد جودة ومجالاً ‪.

‬‬ ‫وهذا املعنى الذي دلت عليه القاعدة ليس من خصائص هذه األمة املحمدية‪،‬‬ ‫بل هو عام يف مجيع الرشائع‪ ،‬تأمل قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬ ‫اإلمام حممد بن عبد الوهاب يف تفسريه (‪.)(]7 :‬‬ ‫ومعنى هذه القاعدة باختصار‪ :‬أن املكلفني إنام جيازون بأعامهلم إن ً‬ ‫خريا فخري‪،‬‬ ‫رشا فرش‪ ،‬وأنه ال حيمل أحدٌ خطيئة أحد‪ ،‬ما مل يكن سب ًبا فيها‪ ،‬وهذا من كامل‬ ‫وإن ً‬ ‫عدل اهلل تبارك وتعاىل وحكمته‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية ‪-‬هبذا النص‪ -‬تكرر تقريرها يف كتاب اهلل تعاىل مخس‬ ‫مرات‪ ،‬وهذا ‪ -‬بال شك ‪ -‬له داللته ومغزاه‪.‬‬ ‫ولعل احلكمة من التعبري عن اإلثم بالوزر؛ ألن الوزر هو احلمل ‪-‬وهو ما حيمله‬ ‫املرء عىل ظهره ‪ -‬فعرب عن اإلثم بالوزر ألنه ُيتَخ َّي ُل ثقيلاً عىل نفس املؤمن()‪.)293/5‬‬ ‫‪51‬‬ .)57‬‬ ‫ُ‬ ‫ وقد نص عىل كوهنا قاعدة‪:‬‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير (‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫(ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة‪ ،‬تؤسس ملبدأ من أرشف املبادئ‪ ،‬وهو مبدأ العدل‪،‬‬ ‫وهي قاعدة طاملا استشهد هبا العلامء واحلكامء؛ لعظيم أثرها يف باب العدل واإلنصاف‪،‬‬ ‫تلكم هي ما دل عليها قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) [الزمر‪.

‬‬ ‫وإذا أردنا أن نبحث عن أمثلة تطبيقية هلذه القاعدة يف كتاب اهلل‪ ،‬فإن من أشهر‬ ‫األمثلة وأظهرها‪ :‬تطبيق نبي اهلل يوسف عليه الصالة والسالم هلا‪ ،‬وذلك أنه حينام‬ ‫‪52‬‬ .‬‬ ‫وهلذا ملا اجتهد مجاعة من صناديد الكفر يف إبقاء بعض الناس عىل ما هم عليه‬ ‫من الكفر‪ ،‬أو حث من كان مؤمنًا لينتقل من اإليامن إىل الكفر‪ ،‬أغروهم بخالف‬ ‫هذه القاعدة متا ًما‪ ،‬فقالوا ‪ -‬كام حكى اهلل عنهم‪( :-‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬ ‫ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ‬ ‫ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ‬ ‫ﯦ) [العنكبوت‪.]41 – 33 :‬‬ ‫وهذا املعنى الذي قررتْه القاعدة ال ُي ِ‬ ‫عارض ما ّ‬ ‫دل عليه قوله تعاىل‪( :‬ﯛ‬ ‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ) [العنكبوت‪ ،]13 :‬وقو ُله‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬ ‫ﯥ ﯦ) [النحل‪]25 :‬؛ ألن هذه النصوص تدل عىل أن اإلنسان يتحمل إثم ما‬ ‫ارتكب من ذنوب‪ ،‬وإثم الذين أضلهم بقوله وفعله‪ ،‬كام أن الدعاة إىل اهلدى يثيبهم‬ ‫اهلل عىل عملهم وعمل من اهتدى هبدهيم‪ ،‬واستفاد من علمهم‪.]13 .‫ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ‬ ‫ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ‬ ‫ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ) [النجم‪.12 :‬‬ ‫ولو تأملت كالم العلامء يف كتب التفسري واحلديث والعقائد والفقه وغريها؛‬ ‫لرأيت عج ًبا من كثرة االستدالل هبذه القاعدة يف مواطن كثرية‪:‬‬ ‫فكم من رأي ن َق َضه فقي ٌه هبذه اآلية! بل كم مسألة عقدية صار الصواب فيها‬ ‫مع املستدل هبذه اآلية! واملقام ليس مقام عرض هلذه املسائل‪ ،‬بل املقصود التنبيه عىل‬ ‫عظيم موقعها‪.

‬‬ ‫ويف املقابل‪ :‬ففي واقع الناس من يأخذ املحسنني أو الربءاء بذنب املسيئني‪.]79 :‬‬ ‫قارن هذا ‪-‬بارك اهلل فيك‪ -‬بقول فرعون حينام قال له كهنته‪ :‬إنه سيولد من بني‬ ‫إرسائيل غال ٌم ستكون هناية ملكك عىل يده! فأصدر مرسومه الظامل بقتل مجيع من‬ ‫يولد من بني إرسائيل ‪-‬وهم باآلالف‪ ،‬وربام بعرشاهتا‪ -‬من أجل ٍ‬ ‫طفل واحد فقط!!‬ ‫ولكن من كان يقول للناس‪ :‬أنا ربكم األعىل فال يستغرب منه هذا األمر!‬ ‫ويف واقع من الناس َمن سار عىل هدي يوسف‪ ،‬فرتاه ال يؤاخذ إال من أخطأ أو‬ ‫وسع دائرة اللوم عىل من ليس له صلة باخلطأ؛ بحجة القرابة أو‬ ‫تسبب يف اخلطأ‪ ،‬وال ُي ِّ‬ ‫الصداقة أو الزمالة ما مل يتبني خالف ذلك‪.‬‬ ‫كثريا يف واقع بيوتنا‪:‬‬ ‫وإليك هذه الصورة التي قد تتكرر ً‬ ‫يعود الرجل من عمله متع ًبا‪ ،‬فيدخل البيت فيجد ما ال يعجبه من بعض أطفاله‬ ‫‪ -‬إما من إتالف حتفة‪ ،‬أو حتطيم زجاجة ‪ -‬أو يرى ما ال يعجبه من ِق َب ِل زوجته ‪-‬‬ ‫كتأخرها يف إعداد الطعام‪ ،‬أو زيادة ملوحة أو نقصها‪ ،‬أو غري ذلك من األمور التي‬ ‫قد تستثري بعض الناس ‪ -‬فإذا افرتضنا أن هذه املواقف مما تستثري الغضب‪ ،‬أو أن‬ ‫هناك ً‬ ‫خطأ يستحق التنبيه‪ ،‬أو التوبيخ‪ ،‬فام ذنب بقية األوالد الذين مل يشاركوا يف كرس‬ ‫تلك التحفة – مثلاً ‪-‬؟! وما ذنب األوالد أن َي ُص َ‬ ‫ب عليهم جام غضبه إذا قرصت‬ ‫الزوجة يف يشء من أمر الطعام؟! وما ذنب الزوجة ‪-‬مثلاً ‪ -‬حينام يكون املخطئ هم‬ ‫األوالد؟! ومثله يقال يف عالقة املعلم واملعلمة مع طالهبم‪ ،‬أو املسئول يف عمله‪،‬‬ ‫‪53‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫احتال عىل أخذ أخيه بنيامني‪ ،‬بوضع السقاية يف رحل أخيه؛ جاء إخوته يقولون‪:‬‬ ‫(ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ)‬ ‫[يوسف‪ ،]78 :‬فأجاهبم يوسف قائلاً ‪( :‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) [يوسف‪.

‬‬ ‫ تفسري السعدي‪( :‬ص‪.]25 :‬‬ ‫() يف تفسري هذه اآلية‪( :‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ‬ ‫يقول العالمة السعدي‬ ‫ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ) بل تصيب فاعل الظلم وغريه‪ ،‬وذلك إذا ظهر الظلم فلم‬ ‫يغري‪ ،‬فإن عقوبته تعم الفاعل وغريه‪ ،‬وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن املنكر‪ ،‬وقمع أهل‬ ‫الرش والفساد‪ ،‬وأن ال يمكنوا من املعايص والظلم مهام أمكن‪.)318‬‬ ‫‪54‬‬ .‬‬ ‫فهم خاطئ هلذه القاعدة القرآنية‪ :‬وهي أن البعض يظن أن هذه القاعدة‬ ‫وثمة ٌ‬ ‫خمالفة ملا يراه من بعض العقوبات اإلهلية التي تعم جمتم ًعا من املجتمعات‪ ،‬أو بلدً ا من‬ ‫البلدان‪ ،‬حينام تفشو املنكرات والفواحش واملعايص‪ ،‬وسبب خطأ هذا الفهم‪ ،‬أن‬ ‫عظيم اشرتك فيه ُّ‬ ‫كل‬ ‫ٌ‬ ‫املنكر إذا استعلن به الناس‪ ،‬ومل يوجد من ينكره‪ ،‬فإن هذا ذنب‬ ‫قادرا عىل اإلنكار ومل ينكر‪ ،‬سوا ٌء كان اإلنكار باليد أو باللسان أو بالقلب‬ ‫من كان ً‬ ‫وذلك أضعف اإليامن‪ ،‬وال عذر ألحد برتك إنكار القلب‪ ،‬فإذا خال املجتمع من هذه‬ ‫األصناف الثالثة ‪-‬عيا ًذا باهلل‪ -‬مع قدرة أهلها عليها استحقوا العقوبة‪ ،‬وإن وجد‬ ‫فيهم بعض الصاحلني‪.‬‬ ‫تأمل معي قول اهلل تعاىل‪( :‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ‬ ‫ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ) [األنفال‪.‫بحيث ال ينقلوا مشاكلهم إىل أماكن عملهم‪ ،‬فيكون من حتت أيدهيم من الطالب‬ ‫والطالبات أو املوظفني ضحية ملشاكل ليس هلم عالقة هبا!!‬ ‫أمورا‪ ،‬من أمهها‪ :‬أن يتذكر هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪:‬‬ ‫هنا يستحرض املؤمن ً‬ ‫خري وأحسن تأويلاً ‪ ،‬وأقرب إىل العدل والقسط‬ ‫(ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ)؛ فإن هذا ٌ‬ ‫الذي قامت عليه الساموات واألرض‪.

‬‬ ‫أنه خطب‬ ‫وروى اإلمام أمحد‪ :‬يف مسنده() بسند جيد‪ ،‬عن أيب بكر الصديق‬ ‫فقال‪ :‬يا أهيا الناس إنكم تقرؤون هذه اآلية وتضعوهنا عىل غري ما وضعها اهلل (ﭫ‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ) [املائدة‪ ،]105 :‬سمعت‬ ‫رسول اهلل × يقول‪« :‬إن الناس إذا رأوا املنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أن يعمهم‬ ‫اهلل بعقابه»‪.‬‬ ‫واألحاديث يف هذا املعنى كثرية‪ ،‬يضيق املقام بذكرها‪ ،‬واملقصود إزالة هذا‬ ‫اإلشكال الذي قد يعرض للبعض يف فهم هذه القاعدة القرآنية‪ ،‬واهلل سبحانه وتعاىل‬ ‫أعلم‪.)2880‬‬ ‫‪55‬‬ .)178/1( :‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)3346‬ومسلم ح (‪.‬‬ ‫أهنا سألت رسول اهلل ×‬ ‫ويف صحيح مسلم عن زينب بنت جحش‬ ‫فقالت له‪ :‬يا رسول اهلل! أهنلك وفينا الصاحلون؟ قال‪« :‬نعم إذا كثر اخلبث»()‪.)4/13( :‬‬ ‫ املسند‪.‬‬ ‫ فتح الباري‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫ويوضح معنى هذه اآلية الكريمة ما رواه اإلمام أمحد‪ :‬بسند حسن ‪ -‬كام يقول‬ ‫سمعت رسول اهلل × يقول‪:‬‬ ‫احلافظ ابن حجر() ‪ -‬من حديث عدي بن عمرية‬ ‫ال يعذب العامة بعمل اخلاصة‪ ،‬حتى يروا املنكر بني ظهرانيهم ‪-‬وهم‬ ‫«إن اهلل‬ ‫قادرون عىل أن ينكروه‪ -‬فإذا فعلوا ذلك عذب اهلل اخلاصة والعامة»‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

]36 :‬‬ ‫وهذه اآلية جاءت يف سياق قصة امرأة عمران‪ ،‬والدة مريم ‪-‬عليهام السالم‪-‬‬ ‫يقول تعاىل‪( :‬ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬ ‫ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ‬ ‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) [آل عمران‪:‬‬ ‫‪.35‬‬ ‫وخالصة القصة‪ :‬أن امرأة عمران قد نذرت أن يكون مولودها القادم خاد ًما‬ ‫لبيت املقدس‪ ،‬فلام وضعت مولودها‪ ،‬قالت معتذرة‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ)؛ ألن‬ ‫قدرة الذكر عىل خدمة بيت املقدس‪ ،‬والقيام بأعباء ذلك أكثر من األنثى التي جبلها‬ ‫اهلل تعاىل عىل الضعف البدين‪ ،‬وما يلحقها من العوارض الطبيعية التي تزيدها ضع ًفا‪:‬‬ ‫‪57‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫(ﯡ ﯢ ﯣ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية العظيمة‪ ،‬التي هي أثر من آثار كامل علم اهلل‬ ‫‪ ،‬تلكم هي ما دل عليها قوله تعاىل‪( :‬ﯡ ﯢ‬ ‫وحكمته وقدرته يف خلقه‬ ‫ﯣ) [آل عمران‪.]36 .

‬‬ ‫ أضواء البيان‪.‬الراجحي‪.‬ينظر‪ :‬التحرير والتنوير‪:‬‬ ‫(‪.)501/3( :‬‬ ‫‪58‬‬ . ‫كاحليض والنفاس()‪.‬‬ ‫ولقد بني القرآن هذا التفاوت بني اجلنسني يف مواضع كثرية‪ ،‬منها‪ :‬قوله تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ)‪ :‬وهم الرجال (ﭙ ﭚ)‪:‬‬ ‫وهن النساء‪ ،‬ومنها‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮞ ﮟ ﮠ) [البقرة‪ ،]228 :‬وذلك ألن‬ ‫الذكورة كامل خلقي‪ ،‬وقوة طبيعية‪ ،‬ورشف ومجال‪ ،‬واألنوثة نقص َخ ْلقي‪ ،‬وضعف‬ ‫طبيعي‪ ،‬كام هو حمسوس مشاهد جلميع العقالء‪ ،‬ال يكاد ينكره إال مكابر يف املحسوس‪،‬‬ ‫وقد أشار جل وعال إىل ذلك بقوله‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬ ‫ﮭ) [الزخرف‪]18:‬؛ فاألنثى تنشأ يف احللية‪ ،‬أي‪ :‬الزينة ‪-‬من أنواع احليل واحللل‪-‬‬ ‫لتجرب بذلك نقصها اخلَ ْلقي()‪.)87/3‬‬ ‫ ينظر‪ :‬أضواء البيان (‪ )498/3‬ط‪.‬‬ ‫هذا هو حكم اهلل القدري‪ :‬أن الذكر ليس كاألنثى‪ ،‬وهذا حكم األعلم ِ‬ ‫باحل َك ِم‬ ‫واملصالح ـ‪ ،‬هذا كالم الذي خلق اخللق‪ ،‬و َع ِل َم ما بينهم من التفاوت واالختالف‪:‬‬ ‫(ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [امللك‪ ،]14:‬وقد تفرع عىل ذلك‪ :‬اختالف بني‬ ‫ ومن اللطائف يف تركيب هذه القاعدة‪ :‬أن اهلل تعاىل قال‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ) مع أنه لو‬ ‫قيل‪« :‬وليست األنثى كالذكر» حلصل املقصود‪ ،‬ولكن ملا كان الذكر هو املقصود ُقدّ م يف‬ ‫الذكر هنا‪ ،‬وألنه هو املرجو املأمول؛ فهو أسبق إىل لفظ املتكلم‪ .‬‬ ‫بل يقال‪ :‬إن بعض ما جبل اهلل عليه األنثى هو نوع من الكامل يف حقها‪ ،‬وإن‬ ‫نقصا يف حق الرجال‪« ،‬أال ترى أن الضعف اخلَ ْلقي والعجز عن اإلبانة يف‬ ‫كان ً‬ ‫اخلصام عيب ناقص يف الرجال‪ ،‬مع أنه يعد من مجلة حماسن النساء التي جتذب إليها‬ ‫القلوب»()‪.

‬‬ ‫ولنتأمل شي ًئا من ِح َك ِم اهلل تعاىل يف التفريق بني الذكر واألنثى يف بعض األحكام‬ ‫الرشعية‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬التفريق يف املرياث‪:‬‬ ‫اقتضت سنة اهلل أن يكون الرجل هو الذي يكدح ويتعب يف حتصيل الرزق‪،‬‬ ‫وهو الذي يطلب منه دفع املرياث‪ ،‬واملشاركة يف دفع الدية ‪ -‬عند قيام املقتيض لذلك‬ ‫‪ -‬فالذكر مرتقب دو ًما للنقص من ماله‪ ،‬بعكس األنثى فهي دو ًما ترتقب الزيادة يف‬ ‫ماهلا‪ :‬حينام يدفع هلا املهر‪ ،‬وحينام ينفق عليها من قبل وليها‪.‬‬ ‫دائم‬ ‫دائم عىل مرتقب الزيادة اً‬ ‫«وإيثار مرتقب النقص اً‬ ‫ُ‬ ‫يقول العالمة الشنقيطي‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ومن توهم أهنام سواء فقد أبطل داللة القرآن والسنة عىل ذلك‪:‬‬ ‫أما القرآن فإن القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها دليل واضح عىل هذا‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫الذكر واألنثى يف مجلة من األحكام الرشعية ‪-‬وإن كانا يف األصل سواء‪.-‬‬ ‫وهذا االختالف يف األحكام الرشعية بني الذكر واألنثى راجع إىل مراعاة طبيعة‬ ‫املرأة من حيث خلقتها‪ ،‬وتركيبها العقيل‪ ،‬والنفيس‪ ،‬وغري ذلك من صور االختالف‬ ‫التي ال ينكرها العقالء واملنصفون من أي دين‪ ،‬وليعلم املؤمن ههنا قاعدة تنفعه يف‬ ‫هذا املوضع ويف مواضع كثرية‪ ،‬وهي‪ :‬أن الرشع ال يمكن أن يفرق بني متامثلني‪ ،‬وال‬ ‫جيمع بني متناقضني‪ ،‬وشأن املؤمن احلق أن ال يعارض الرشع بعقله القارص‪ ،‬بل شأنه‬ ‫أن يتلمس احلكم من وراء ذلك التفريق‪ ،‬أو هذا اجلمع‪.‬‬ ‫وأما السنة‪ :‬فإن النبي × لعن املتشبهني من الرجال بالنساء‪ ،‬واملتشبهات من‬ ‫النساء بالرجال()‪ ،‬فلو كانا متساويني لكان اللع ُن باطلاً ‪.‬‬ ‫  البخاري ح (‪ )5885‬من حديث ابن عباس‬ ‫‪59‬‬ .

)104/3( :‬‬ ‫‪60‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬التفريق يف الشهادة‪:‬‬ ‫وهذا نصت عليه آية الدين‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬ ‫ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ‬ ‫ﮝ) [البقرة‪ ،]282 :‬كام دلت عليه السنة الصحيحة عن النبي ×‪ ،‬وبني أن‬ ‫نقص يف عقلها‪.‬‬ ‫سبب هذا هو ٌ‬ ‫وهذا التفريق ‪-‬ملن تأمله‪ -‬عني العدل‪ ،‬يقول الشيخ السيد رشيد رضا ‪-‬مبينًا‬ ‫هذا املعنى‪« :-‬إن املرأة ليس من شأهنا االشتغال باملعامالت املالية ونحوها من‬ ‫املعاوضات‪ ،‬فلذلك تكون ذاكرهتا فيها ضعيفة‪ ،‬وال تكون كذلك يف األمور املنزلية‬ ‫‪-‬التي هي شغلها‪ -‬فإهنا فيها أقوى ذاكرة من الرجل‪ ،‬يعني أن طبع البرش ذكرانًا‬ ‫وإنا ًثا أن يقوى تذكرهم لألمور التي هتمهم ويكثر اشتغاهلم هبا‪ ،‬وال ينايف ذلك‬ ‫اشتغال بعض نساء األجانب يف هذا العرص باألعامل املالية فإنه قليل ال يعول عليه‪،‬‬ ‫واألحكام العامة إنام تناط باألكثر يف األشياء وباألصل فيها»() انتهى‪.‬‬ ‫ أضواء البيان‪.‫‪ -‬جلرب بعض نقصه املرتقب ‪ -‬حكمتُه ظاهرة واضحة‪ ،‬ال ينكرها إال من أعمى اهلل‬ ‫بصريته بالكفر واملعايص»()‪.‬‬ ‫انتقاصا لقدرها‪ ،‬بل هو تنزي ٌه هلا عن ترك مهمتها‬ ‫ً‬ ‫وال يظنن أحدٌ أن يف ذلك‬ ‫وسموا‪ ،‬وهي ممارسة‬ ‫ً‬ ‫األساسية يف الرتبية والقرار يف البيت‪ ،‬إىل مهمة أقل شأنًا‬ ‫التجارة واملعامالت املالية!‬ ‫وقد أشار فريق من الباحثني إىل أن املرأة احلامل ينكمش عندها حجم الدماغ‪،‬‬ ‫وال يعود حلجمه الطبيعي إال بعد أشهر من وضعها‪.)500/3( :‬‬ ‫ تفسري املنار‪.

‬‬ ‫إذا تبني هذا؛ فعىل املؤمن أن حيذر من كلمة راجت عىل كثري من الكتاب واملثقفني‪،‬‬ ‫وهي كلمة «املساواة» يف مقام احلديث عن موضوع املرأة‪ ،‬وهي كلم ٌة مل ترد يف القرآن‬ ‫هبذا املعنى الذي يورده أولئك الكتاب‪ ،‬كقوله تعاىل‪( :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ‬ ‫ﯺ ﯻ)‪ ،‬وكقوله تعاىل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ)‪ ،‬وكقوله تعاىل‪( :‬ﮐ‬ ‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ) والصواب أن يعرب عن ذلك‬ ‫بالعدل؛ ألن اهلل تعاىل يقول‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ) [النحل‪ ،]90 :‬ومل‬ ‫ولبسا بخالف العدل‪ ،‬فإهنا كلمة‬ ‫ً‬ ‫يقل‪ :‬يأمر باملساواة! ألن يف كلمة املساواة إمجالاً‬ ‫واضحة بينه رصحية يف أن املراد أن يعطى كل ذي حق حقه‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫ول ُيعلم أن هذا احلكم ‪-‬أعني كون شهادة املرأة عىل النصف من شهادة الرجل‪-‬‬ ‫ليس مطر ًدا يف مجيع األبواب‪ ،‬بل إهنا مثل الرجل يف بعض األحكام‪ ،‬كشهادهتا يف‬ ‫دخول شهر رمضان‪ ،‬ويف باب الرضاع‪ ،‬واحليض‪ ،‬والوالدة‪ ،‬واللعان وغري ذلك من‬ ‫األحكام‪.‬‬ ‫وليس هذا التفريق بني الذكر واألنثى كله يف صالح الرجل‪ ،‬بل جاءت أحكام‬ ‫تفرق بينهام تفري ًقا لصالح املرأة ‪ -‬إن ّ‬ ‫صحت العبارة ‪ ،-‬ومن ذلك‪ :‬أن اجلهاد ال جيب‬ ‫عىل النساء لطبيعة أجسادهن‪ ،‬فسبحان العليم احلكيم اخلبري‪.‬‬ ‫إن داللة العدل تقتيض أن يتوىل الرجل ما يناسبه من أعامل‪ ،‬وأن تتوىل املرأة ما‬ ‫يناسبها من أعامل‪ ،‬بينام كلمة مساواة‪ :‬تعني أن يعمل ٌ‬ ‫كل من اجلنسني يف أعامل اآلخر!‬ ‫‪61‬‬ .‬‬ ‫ونحن بحمد اهلل مؤمنون بحكم اهلل وقدره‪ ،‬وال تزيدنا البحوث احلديثة إال‬ ‫يقينًا‪ ،‬ونقطع بأن أي بحث خيالف رصيح القرآن فنتيجته غلط‪ ،‬وإنام أيت صاحبها من‬ ‫سوء فهمه‪.

‬فؤاد العبد الكريم‪( :‬ص‪.‬‬ ‫‪ -2‬وهذه هيلني أندلني ‪ -‬وهي خبرية يف شؤون األرسة األمريكية ‪ -‬تقول‪:‬‬ ‫«إن فكرة املساواة ‪ -‬التامثل‪ -‬بني الرجل واملرأة غري عملية أو منطقية‪ ،‬وإهنا أحلقت‬ ‫()‬ ‫أرضارا جسمية باملرأة واألرسة واملجتمع» ا‪.‬هـ()‪ ،‬ولو رجعنا إىل لغة األرقام التي أجريت يف بالد‬ ‫الغرب لطال بنا املقام‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪ -3‬أما رئيسة اجلمعية النسائية الفرنسية ‪-‬رينيه ماري‪ -‬فتقول‪« :‬إن املطالبة‬ ‫باملساواة الكاملة بني الرجل واملرأة تصل هبام إىل مرحلة الضياع‪ ،‬حيث ال حيصل‬ ‫أحد من الطرفني عىل حقوقه»ا‪.)269‬‬ ‫‪62‬‬ .)278‬‬ ‫ السابق (ص‪.‫ومدلول كلمة العدل‪ :‬أن تعمل املرأة عد ًدا من الساعات يناسب بدهنا وتكوينها‬ ‫اجلسمي والنفيس‪ ،‬بينام مقتىض املساواة‪ :‬أن تعمل املرأة نفس ساعات الرجل‪ ،‬مهام‬ ‫اختلفت طبيعتهام!‬ ‫وهذا ك ّله عني املضادة للفطرة التي فطر اهلل عليها كلاً من الرجل واملرأة!‬ ‫وهلذا ملا أرصت بعض املجتمعات الغربية عىل هذه املصادمة للفطرة‪ ،‬وبدأت‬ ‫تساوي املرأة بالرجل يف كل يشء ذاقت ويالهتا ونتائجها املرة‪ ،‬حتى رصخ العقالء‬ ‫منهم ‪-‬رجالاً ونساء‪ -‬وكت َبوا الكتب والرسائل التي حتذر جمتمعاهتم من االستمرار‬ ‫وراء هذه املصادمة‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬ما قالته دافيسون ‪-‬زعيمة حركة كل نساء العامل‪« :-‬هناك بعض النساء‬ ‫حطمن حياهتن الزوجية عن طريق إرصارهن عىل املساواة بالرجل‪ ،‬إن الرجل هو‬ ‫السيد املطاع‪ ،‬وجيب عىل املرأة أن تعيش يف بيت الزوجية‪ ،‬وأن تنسى كل أفكارها‬ ‫حول املساواة»()‪.‬هـ‪.)102‬فؤاد العبد الكريم‪.‬‬ ‫ قضايا املرأة يف املؤمترات الدولية‪ .‬‬ ‫ العدوان عىل املرأة (ص‪ .

‬‬ ‫ رسائل إىل حواء‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫‪ -4‬وهذه كلامت قالتها امرأة من أشهر دعاة احلرية واملساواة بني الرجل واملرأة‬ ‫يف منطقة اخلليج()‪:‬‬ ‫«سأعرتف اليوم بأنني أقف يف كثري من األشياء ضد ما يسمى بـ (حرية املرأة)‪،‬‬ ‫تلك احلرية التي تكون عىل حساب أنوثتها‪ ،‬عىل حساب كرامتها‪ ،‬وعىل حساب بيتها‬ ‫محل نفيس ‪-‬كام تفعل كثريات‪ -‬مشقة رفع شعار املساواة‬ ‫وأوالدها‪ ،‬سأقول‪ :‬إنني لن أ ّ‬ ‫بينها وبني الرجل‪ ،‬نعم أنا امرأة!‬ ‫ثم تقول‪ :‬هل يعني هذا أن أنظر إىل البيت ‪-‬الذي هو جنة املرأة‪ -‬عىل أنه‬ ‫السجن املؤبد‪ ،‬وأن األوالد ما هم إال حبل من مسد يشد عىل عنقي؟ وأن الزوج ما‬ ‫هو إال السجان القاهر الذي يك ّبل قدمي خشية أن تسبقه خطويت؟ ال‪ ،‬أنا أنثى وأعتز‬ ‫بأنوثتي‪ ،‬وأنا امرأة أعتز بام وهبني اهلل‪ ،‬وأنا ربة بيت‪ ،‬وال بأس بعد ذلك أن أكون‬ ‫عاملة أخدم خارج البيت نطاق األرسة‪ ،‬ولكن ‪-‬ويا رب اشهد‪ !-‬بيتي أولاً ‪ ،‬ثم‬ ‫بيتي‪ ،‬ثم بيتي‪ ،‬ثم العامل اآلخر»() انتهى‪.‬‬ ‫سوى بني الذكر واألنثى‪ ،‬والذي خ َلقهام يقول‪:‬‬ ‫وبعد هذا كله‪ :‬فامذا يقال عمن ّ‬ ‫(ﯡ ﯢ ﯣ)؟‬ ‫إنك ال تتعجب أن يقع الرد هلذا احلكم القدري من كفار أو مالحدة‪ ،‬وإنام‬ ‫تستغرب أن يقع هذا من بعض املنتسبني هلذا الدين‪ ،‬والذين يرصحون يف مقاالهتم‬ ‫وكتاباهتم بأن هذا احلكم كان يف فرتة نزول الوحي يوم كانت املرأة جاهلة مل تتعلم!‬ ‫أما اليوم فقد تعلمت املرأة‪ ،‬وحصلت عىل أعىل الشهادات!‬ ‫وهذا الكالم خطري جدً ا‪ ،‬وقد يكون ِر ّد ًة عن الدين؛ ألنه ر ٌّد عىل اهلل تعاىل‪ ،‬فإنه‬ ‫ هي الكاتبة ليىل العثامن‪.)85/3( :‬‬ ‫‪63‬‬ .

‫هو الذي قدَّ ر هذا احلكم‪ ،‬وهو الذي يعلم ما ستؤول إليه املرأة إىل يوم القيامة‪.‬‬ .‬‬ ‫ولعيل أختم هذه القاعدة هبذه القصة الطريفة ‪ -‬التي سمعتها من أحد الباحثني‪،‬‬ ‫وهو يتكلم عن زيف الدعوى التي تطالب بفتح الباب للنساء؛ لكي يامرسن الرياضة‬ ‫كام يامرسها الرجال ‪ -‬يقول هذا الباحث وفقه اهلل‪:‬‬ ‫تعرف إىل امرأة متارس نفس رياضة العدو‪،‬‬ ‫إن أحد العدَّ ائني الغربيني املشهورين ّ‬ ‫وتم له ما أراد‪ ،‬لكن مل يمض سوى شهرين عىل زواجهام حتى‬ ‫فرغب أن يتزوجها‪ّ ،‬‬ ‫انتهى الزواج إىل طالق! فسئل هذا العدّ اء‪ :‬ملاذا طلقتها هبذه الرسعة؟! فقال‪ :‬لقد‬ ‫تزوجت رجلاً ومل أتزوج امرأة!! يف إشارة منه إىل القسوة يف التامرين ‪ -‬التي تتطلبها‬ ‫رياضة العدو ‪ -‬أفقدهتا أنوثتها‪ ،‬فأصبحت يف جسم يضاهي أجسام الرجال‪ ،‬وصدق‬ ‫اهلل العظيم‪ ،‬العليم اخلبري‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ)‪ ،‬فهل من ُمدَّ كر؟‪.‬‬ ‫واجلهة الثانية لبيان خطأ هذه املقولة‪:‬‬ ‫أن هذا احلكم يدخل فيه أمهات املؤمنني ‪-‬رضوان اهلل عليهن‪ ،-‬وهن ‪-‬بال‬ ‫ريب‪ -‬أعلم نساء هذه األمة‪ ،‬وأتقاهن‪ ،‬ومن هي التي تبلغ عرش علمهن؟! ومع ذلك‬ ‫مل تتعرض واحدة منهن عىل هذه األحكام الرشعية التي سمعنها مبارشة من زوجهن‬ ‫ِ‬ ‫رسول اهلل ×‪ ،‬بل قابلن ذلك باالنقياد والتسليم‪ ،‬والرىض والقبول‪ ،‬وجرى عىل هذا‬ ‫اهلدي من سار عىل هنجهن من نساء املؤمنني إىل يومنا هذا‪.‬‬ ‫ثم إن التاريخ والواقع ُي ِّ‬ ‫كذب هذه املقولة من جهتني‪:‬‬ ‫األوىل‪ :‬أن تكوين املرأة النفيس والبدين (الفسيولوجي) مل يتغري منذ خلقها اهلل‬ ‫تعاىل‪ ،‬فأ ُّمنا حواء من ِضلع أبينا آدم‪ ،‬وإىل أن يرث اهلل ومن عليها! ومل يربط اهلل تعاىل‬ ‫ذلك بعل ٍم تتعلمه‪ ،‬أو بشهادة حتصل عليها‪.

‬‬ ‫تأيت هذه القاعدة لتقول ألهل القرآن‪ :‬إن حقيقة النرص إنام هي «بامتثال أوامره‪،‬‬ ‫واجتناب نواهيه ونرصة رسله وأتباعهم‪ ،‬ونرصة دينه وجهاد أعدائه‪ ،‬وقهرهم حتى‬ ‫تكون كلمته جل وعال هي العليا‪ ،‬وكلمة أعدائه هي السفىل»()‪. ‫القاعدة‬ ‫العا�شرة‬ ‫(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‬ ‫هذه قاعدة جليلة من القواعد القرآنية العظيمة‪ ،‬تشع منها القدرة اإلهلية؛ لتساند‬ ‫جند اإليامن يف كل زمان ومكان‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة جاءت ضمن آيتني كريمتني‪ ،‬أبرزتا أسباب النرص‪ ،‬يقول تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬ ‫ أضواء البيان‪.‬‬ ‫إن النرص كلمة تعشقها النفوس‪ ،‬وتسعى هلا مجيع األمم‪ ،‬وتتطلع هلا كل الدول‪،‬‬ ‫وهي غاية ختتلف األمم يف الوسائل التي تتحقق هبا‪ ،‬وإن اتفقت يف ٍ‬ ‫مجلة منها‪ ،‬لكن‬ ‫ثمة معنى رشيف‪ ،‬يلفت إليه القرآن أتباعه؛ لرتسيخ سبب من أعظم األسباب التي‬ ‫ال جيوز أن تغيب عن أذهان املؤمنني وهم يقاتلون أعداءهم‪ ،‬أو ربام استعجلوا بقطف‬ ‫ثمرة النرص‪ ،‬ونسيان أسباب تثبيته‪.)265 /5( :‬‬ ‫‪65‬‬ .

40 :‬‬ ‫ينرصه وعدً ا مؤكدً ا بمؤكدات‬ ‫«ففي هاتني اآليتني الكريمتني وعدَ اهللُ بالنرص من ُ‬ ‫لفظية و َمعنوية‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫لينرصن اهللُ َم ْن‬ ‫التقدير‪ :‬واهللِ‬ ‫َ‬ ‫القسم املقدَّ ُر؛ َّ‬ ‫ألن‬ ‫ُ‬ ‫أما املؤكدات اللفظية‪ :‬فهي‬ ‫والنون يف (ﭺ) مُ‬ ‫كالها يفيدُ التوكيدَ ‪.‬وقيل‪ :‬لقرهبا من اهلدم وقرب املساجد من الذكر‪ ،‬كام أخر السابق يف قوله‪( :‬ﭫ‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) [فاطر‪ .‫ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ‬ ‫ﮕ) [احلج‪.)389 /5‬‬ ‫ «فإن قيل‪ :‬مل قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياهتم عىل مساجد املسلمني؟ قيل‪ :‬ألهنا أقدم‬ ‫بناء‪ .»]32 :‬ينظر‪ :‬تفسري‬ ‫القرطبي (‪.)72 / 12‬‬ ‫‪66‬‬ .‬‬ ‫َ‬ ‫َت ْقت َِضيه‬ ‫وهذه اجلملة التي تضمنتها هذه القاعدة جاءت عط ًفا عىل مجلة‪( :‬ﭩ ﭪ‬ ‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) باجلهاد وإقامة احلدود‪( ،‬ﭯ() ﭰ ﭱ ﭲ‬ ‫ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)() وهذه هي معابد أهل امللل الكربى‪ ،‬ثم‬ ‫قال سبحانه بعد ذلك ‪-‬مؤكدً ا هذه القاعدة والسنة اإلهلية املطردة‪( :-‬ﭺ‬ ‫ جمالس شهر رمضان (‪ )95‬للعثيمني‪.]41 .‬‬ ‫ُ‬ ‫ينرص ُه‪ ،‬وكذلك الال ُم‬ ‫ُ‬ ‫املعنوي‪ :‬ففي قوله‪( :‬ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) فهو سبحانه َق ٌّ‬ ‫وي‬ ‫ُّ‬ ‫وأما التوكيدُ‬ ‫َّ‬ ‫ستكون ذُلاً وضع ًفا‪.‬‬ ‫(ه ِد َم ْت) وبالتشديد عىل التكثري‪ ،‬فالتخفيف يكون‬ ‫ ويف اآلية قراءتان‪ :‬بتخفيف الدال‪ُ :‬‬ ‫للقليل والتكثري‪ ،‬والتشديد خيتص بالتكثري‪ ،‬ينظر‪ :‬تفسري البغوي (‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫وعزة ت َُضا ُّد ُه‬ ‫وكل ٍ‬ ‫قوة‬ ‫وعزيز ال ُي َذ ُّل‪ُّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ف‪،‬‬ ‫يض ُع ُ‬ ‫ال ْ‬ ‫َبعدُ النرص يف َن َظره‬ ‫للمؤم ِن عندما يست ِ‬ ‫ِ‬ ‫تثبيت‬ ‫ٌ‬ ‫ويف قولِه‪( :‬ﮓ ﮔ ﮕ)‬ ‫ْ‬ ‫ب ما‬ ‫وحدَ ُه‪ ،‬ي َغيرِّ سبحانَه ما شا َء َح ْس َ‬ ‫ِ‬ ‫األمور هلل ْ‬ ‫عواقب‬ ‫َ‬ ‫لِ ُبعد أسبابِه عندَ ه‪َّ ،‬‬ ‫فإن‬ ‫حكمتُه»()‪.

‬‬ ‫فمتى ما علم اهلل من أي أمة من األمم أو دولة من الدول أهنا ستقيم هذه األصول‬ ‫األربعة من أصول التمكني؛ أمدّ ها اهلل بتوفيقه‪ ،‬وعونه وإن تكالبت عليها األمم‪ ،‬ويف‬ ‫ يف ظالل القرآن (‪.]41 :‬‬ ‫ولذا‪ ،‬ما نُصرِ َ دين اهللُ بأعظم من إظهار هذه الشعائر العظيمة‪:‬‬ ‫الصالة‪ :‬التي هي صل ٌة بني العباد ورهبم‪ ،‬وهبا يستمدون قوهتم احلسية واملعنوية‪،‬‬ ‫وراحتهم النفسية‪.‬‬ ‫إصالح لغريهم‪ ،‬فالناس ما بني جاهل‬ ‫ٌ‬ ‫واألمر باملعروف والنهي عن املنكر‪ :‬وفيه‬ ‫ٍ‬ ‫ومعاند‪ ،‬فهؤالء ينهون عن‬ ‫ٍ‬ ‫عاص‬ ‫أو غافل‪ ،‬فهؤالء يؤمرون باخلري و ُيذكرون به‪ ،‬أو‬ ‫املنكر‪. ‫القاعدة‬ ‫العا�رشة‬ ‫ﭻ ﭼ ﭽ)‪.)2427 / 4‬‬ ‫‪67‬‬ .‬‬ ‫والسؤال‪ :‬كيف يكون نرص اهلل؟ وهل اهلل حمتاج إىل نرصه وهو الغني القوي‬ ‫العزيز؟‬ ‫واجلواب عىل ذلك‪ :‬أن نرصه يكون بنرصة دينه‪ ،‬ونرصة نبيه × يف حياته‪،‬‬ ‫تكشف حقيقة النرص الذي حيبه اهلل‬ ‫ُ‬ ‫ونرصة سنته بعد مماته‪ ،‬وتتم ُة ِ‬ ‫اآلية التي بعدها‬ ‫ُ‬ ‫الكفيل باستمرار التمكني يف األرض‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮄ‬ ‫ويريده‪ ،‬بل هو النرص‬ ‫ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ‬ ‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [احلج‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫الزكاة‪« :‬فأدوا حق املال‪ ،‬وانترصوا عىل شح النفس‪ ،‬وتطهروا من‬ ‫وإيتا ُء‬ ‫احلرص‪ ،‬وغلبوا وسوسة الشيطان‪ ،‬وسدوا َخلة اجلامعة‪ ،‬وكفلوا الضعاف فيها‬ ‫واملحاويج‪ ،‬وحققوا هلا صفة اجلسم احلي»()‪.

‬‬ ‫أما إذا علم اهلل من أحواهلم أهنم إذا عادوا إىل األرض و ُمكِّنوا فيها ما أقاموا‬ ‫صالةً‪ ،‬وال آتوا زكاةً‪ ،‬وال رجحوا معرو ًفا‪ ،‬وال قبحوا ً‬ ‫منكرا‪ ،‬فإن اهلل تعاىل يكلهم إىل‬ ‫أنفسهم‪ ،‬ويسلط عليهم عدوهم‪ ،‬أو يلبسهم شي ًعا ويذيق بعضهم بأس بعض‪ ،‬ويف‬ ‫التاريخ عربة!‬ ‫وإنك لتعجب ‪-‬بعد هذا اإليضاح الرباين ألصول النرص والتمكني‪ -‬من أناس‬ ‫ينتسبون إىل اإلسالم‪ ،‬كيف تنكبوا عنه؟ أم كيف استبدلوا به مذاهب ال دينية أصلاً ؟‬ ‫وال ينسى الناس قول أحد القياديني يف منظمة التحرير الفلسطينية ‪ّ -‬ملا أرادوا إعالن‬ ‫الدولة الفلسطينية‪ :-‬نريدها دول ًة علامنية!‬ ‫إن انتصار اليهود عىل هؤالء أقرب؛ فهم أهل كتاب ودين وإن كانوا قتل ًة‬ ‫جمرمني‪.‬‬ ‫لقد تساءل أصحاب النبي × يف ُأحد عن سبب اهلزيمة؟ فجاء اجلواب من‬ ‫السامء‪( :‬ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ) [آل عمران‪.‬‬ ‫ظاهرا وب ِّينًا عن أسباب‬ ‫إن من يقرأ القرآن الكريم بأدنى تأمل‪ ،‬سيجد احلديث فيه ً‬ ‫وقعت ألرشف جيش‬ ‫ْ‬ ‫النرص وأسباب اهلزيمة يف مواطن متفرقة‪ ،‬وهي حتكي مواقف‬ ‫عرفته الدنيا‪ ،‬قائده حممد رسول اهلل ×‪ ،‬وجنوده الصحابة الكرام رضوان اهلل عليهم‬ ‫أمجعني‪.]165 :‬‬ ‫ويف حنني‪ ،‬وقع إعجاب من بعض ُمسلمة الفتح بكثرهتم‪ ،‬فكاد اجليش أن‬ ‫تذكريا بمنن اهلل عليهم يف مواطن كثرية‪( :‬ﮞ‬ ‫ً‬ ‫ينهزم‪ ،‬فجاء التعقيب الذي تضمن‬ ‫ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ‬ ‫‪68‬‬ . ‫سرية النبي × وخلفائه الراشدين‪ ،‬ومن سار سريهتم أصدق الشواهد وأنصعها‪.

]47-46 :‬‬ ‫‪:‬‬ ‫حيا بسبب آخر من أسباب النرص أال وهو اإليامن‪ ،‬إذ يقول اهلل‬ ‫ونجد ترص ً‬ ‫(ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ) [الروم‪. ‫القاعدة‬ ‫العا�رشة‬ ‫ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‬ ‫[التوبة‪.]47 :‬‬ ‫والسؤال‪ :‬أين النرص اليوم عن املسلمني؟ املسلمون يف بلدان كثرية مضطهدون‬ ‫مهزومون‪ ،‬يعيشون ضع ًفا ويذوقون ً‬ ‫عجزا!‬ ‫أين النسخ املكررة من يوم الفرقان يف بدر الكربى؟ ويوم األحزاب؟ والريموك؟‬ ‫وهناوند؟ أو يوم كُسرِ َ التتار حني غزوا بالد اإلسالم يف أوائل القرن الثامن؟!‬ ‫حرصت أن أنقل إجابات أربعة من علامء اإلسالم يف القديم واحلديث‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫إنني‬ ‫ومن ٍ‬ ‫نواح متفرقة‪ ،‬من املغرب واملرشق؛ لنرى كيف ينظر هؤالء العلامء إىل الداء‬ ‫والدواء‪:‬‬ ‫(ت‪671 :‬هـ) ‪-‬جمي ًبا عىل هذا السؤال القديم يف ضوء هذه‬ ‫يقول القرطبي‬ ‫القاعدة‪( :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‪:-‬‬ ‫«هكذا جيب علينا نحن أن نفعل()! لكن األعامل القبيحة والنيات الفاسدة‬ ‫منعت من ذلك حتى ينكرس العدد الكبري منا ُقدَّ ام اليسري من العدو كام شاهدناه غري‬ ‫ أي‪ :‬أن ننرص دين اهلل‪.]25 :‬‬ ‫ويف حديث القرآن عن غزوة بدر ‪-‬يف سورة األنفال‪ -‬ترصيح بأهم أسباب‬ ‫النرص وأخطر أسباب اهلزيمة‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬ ‫ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ‬ ‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [األنفال‪.‬‬ ‫‪69‬‬ .

89/6 :‬‬ ‫  تفسري القرطبي‪.]45 :‬‬ ‫فهذه أسباب النرص ورشوطه‪ ،‬وهي معدومة عندنا غري موجودة فينا! فإنا هلل وإنا‬ ‫إليه راجعون عىل ما أصابنا وحل بنا! بل مل يبق من اإلسالم إال ذكره‪ ،‬وال من الدين‬ ‫إال رسمه! لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد‪ ،‬حتى استوىل العدو رش ًقا‬ ‫وبحرا‪ ،‬وعمت الفتن وعظمت املحن! وال عاصم إال من رحم»()‪.‬‬ ‫ صحيح البخاري ح (‪ ،)2896‬ويف رواية النسائي‪« :‬إنام نرص اهلل هذه األمة بضعفتهم‬ ‫بدعواهتم وصالهتم وإخالصهم»‪ ،‬وله شاهد من حديث أيب الدرداء عند أمحد والنسائي‬ ‫بلفظ‪« :‬إنام تنرصون وترزقون بضعفائكم»‪ ،‬قال ابن بطال‪ :‬تأويل احلديث أن الضعفاء أشد‬ ‫خشوعا يف العبادة؛ خلالء قلوهبم عن التعلق بزخرف الدنيا»‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫وغر ًبا‪ً ،‬برا‬ ‫مشخصا الداء ومبينًا الدواء‪:‬‬ ‫ً‬ ‫(ت‪728 :‬هـ)‬ ‫ويقول اإلمام ابن تيمية‬ ‫مستظهرا عليهم؛ كان ذلك بسبب‬ ‫ً‬ ‫«إذا كان يف املسلمني ضعف‪ ،‬وكان العدو‬ ‫وظاهرا‪ ،‬وإما بعدواهنم‬ ‫ً‬ ‫ذنوهبم وخطاياهم ‪ -‬إما لتفريطهم يف أداء الواجبات باطنًا‬ ‫وظاهرا‪ ،-‬قال اهلل تعاىل‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬ ‫ً‬ ‫بتعدي احلدود باطنًا‬ ‫ أي‪ :‬يف صحيح البخاري حديث مسند‪.)255 /3( :‬‬ ‫‪70‬‬ .‫مرة! وذلك بام كسبت أيدينا ويف البخاري‪ :‬قال أبو الدرداء‪ :‬إنام تقاتلون بأعاملكم‪،‬‬ ‫وفيه مسند() أن النبي × قال‪« :‬هل ترزقون وتنرصون إال بضعفائكم»()‪ ،‬فاألعامل‬ ‫فاسدة والضعفاء مهملون والصرب قليل واالعتامد ضعيف والتقوى زائلة‪ ،‬قال اهلل‬ ‫تعاىل‪( :‬ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [آل عمران‪ ،]200 :‬وقال‪( :‬ﯽ ﯾ‬ ‫ﯿ) [املائدة‪ ،]23 :‬وقال‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ)‬ ‫[النحل‪ ،]128 :‬وقال‪( :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) [احلج‪ ،]40 :‬وقال‪( :‬ﯬ‬ ‫ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [األنفال‪.‬فتح‬ ‫ً‬ ‫إخالصا يف الدعاء‪ ،‬وأكثر‬ ‫ً‬ ‫الباري البن حجر‪.

)58 /1( :-‬‬ ‫‪71‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫العا�رشة‬ ‫ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ)‪ ،‬وقال تعاىل‪( :‬ﯽ ﯾ‬ ‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ)‪ ،‬وقد قال تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬ ‫ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ‬ ‫ﮕ)()‪.‬‬ ‫(ت‪1354 :‬هـ) جواب عن هذا‬ ‫وللعالمة الشيخ حممد رشيد رضا‬ ‫ٍ‬ ‫وهوان شديدين مرت هبا‬ ‫السؤال‪ ،‬حيسن إيراده‪ ،‬وهو العامل الذي عاش فرتة ضعف‬ ‫أمة اإلسالم‪:‬‬ ‫كثريا من الذين يدعون اإليامن يف هذه القرون األخرية غري‬‫«ولكننا نرى ً‬ ‫منصورين‪ ،‬فال بد أن يكونوا يف دعوى اإليامن غري صادقني‪ ،‬أو يكونوا ظاملني غري‬ ‫مظلومني‪ ،‬وألهوائهم ال هلل نارصين‪ ،‬ولسننه يف أسباب النرص غري متبعني‪ ،‬وإن‬ ‫اهلل ال خيلف وعده وال يبطل سننه‪ ،‬وإنام ينرص املؤمن الصادق وهو من يقصد نرص‬ ‫اهلل وإعالء كلمته‪ ،‬ويتحرى احلق والعدل يف حربه ال الظامل الباغي عىل ذي احلق‬ ‫والعدل من خلقه‪ ،‬يدل عىل ذلك أول ما نزل يف رشع القتال قوله تعاىل ‪-‬من سورة‬ ‫احلج‪( :-‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ) [احلج‪ ]39 :‬إىل قوله‪( :‬ﭺ‬ ‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [احلج‪ ،]40 :‬فأما الرسل الذين نرصهم اهلل‬ ‫ومن معهم فقد كانوا كلهم مظلومني‪ ،‬وباحلق والعدل معتصمني‪ ،‬وهلل نارصين‪.‬‬ ‫وقد اشرتط مثل ذلك يف نرص سائر املؤمنني‪ ،‬فقال يف ‪-‬سورة القتال‪( :-‬ﯕ ﯖ‬ ‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) [حممد‪ ،]7:‬واإليامن سبب حقيقي من أسباب‬ ‫النرص املعنوية‪ ،‬يكون مرجحا بني من تساوت أسباهبم األخرى‪ ،‬فليس النرص به من‬ ‫  جمموعة الرسائل واملسائل البن تيمية ‪-‬رشيد رضا‪.

)230‬‬ .)317 /7‬‬ ‫ هبجة قلوب األبرار‪( :‬ص‪..‬‬ ‫ تفسري املنار (‪.‬‬ ‫(ت‪1376 :‬هـ) فيضمن بيانه عن الداء‬ ‫أما العالمة عبدالرمحن السعدي‬ ‫والدواء حدي ًثا اً‬ ‫مهم عن الفأل‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫«إيامن ضعيف‪ ،‬وقلوب متفرقة‪ ،‬وحكومات متشتتة‪ ،‬وعداوات وبغضاء باعدت‬ ‫رسا وعلنًا للقضاء عىل الدين‪،‬‬ ‫بني املسلمني‪ ،‬وأعداء ظاهرون وباطنون‪ ،‬يعملون ًّ‬ ‫َ‬ ‫الشيوخ والشبان‪،‬‬ ‫وإحلاد وماديات‪ ،‬جرفت بتيارها اخلبيث‪ ،‬وأمواجها املتالطمة‬ ‫ودعايات إىل فساد األخالق‪ ،‬والقضاء عىل بقية الرمق!!‬ ‫ثم إقبال الناس عىل زخارف الدنيا‪ ،‬وبحيث كانت هي مبلغ علمهم‪ ،‬وأكرب‬ ‫مههم‪ ،‬وهلا يرضون ويغضبون‪ ،‬ودعاية خبيثة للتزهيد يف اآلخرة‪ ،‬واإلقبال بالكلية‬ ‫عىل تعمري الدنيا وتدمري الدين‪ ،‬واحتقار واستهزاء بالدين وما ينسب إليه‪ ،‬وفخر‬ ‫وفخفخة‪ ،‬واستكبار باملدنيات املبنية عىل اإلحلاد التي آثارها ورشها ورشرها قد‬ ‫شاهده العباد‪. ‫خوارق العادات»()‪..‬‬ ‫ولكن مع ذلك‪ :‬فإن املؤمن ال يقنط من رمحة اهلل‪ ،‬وال ييأس من روح اهلل‪ ،‬وال‬ ‫مقصورا عىل األسباب الظاهرة‪ ،‬بل يكون ملتفتًا يف قلبه كل وقت إىل‬ ‫ً‬ ‫يكون نظره‬ ‫مسبب األسباب‪ ،‬الكريم الوهاب‪ ،‬ويكون الفرج بني عينيه‪ ،‬ووعده الذي ال خيلفه‪،‬‬ ‫يرسا‪ ،‬وأن الفرج مع الكرب‪ ،‬وأن تفريج الكربات مع شدة‬ ‫بأنه سيجعل اهلل بعد عرس ً‬ ‫الكربات وحلول املفظعات»()‪.‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يعز دينه وأن جيعلنا من أنصاره‪ ،‬وأن ُيظهر أولياءه‪ ،‬و ُيذل‬ ‫أعداءه‪.

]77 :‬‬ ‫وهذه القاعدة جاءت ضمن قصة موسى مع سحرة فرعون يف سورة طه‪ ،‬بعد‬ ‫أن واعدهم موسى‪ ،‬هو يف خندق‪ ،‬وفرعون ومن معه من السحرة يف خندق آخر‪،‬‬ ‫فلام اجتمعوا‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬ ‫ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ‬ ‫ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ‬ ‫ﮇ ﮈ ﮉ) [طه‪. ‫القاعدة‬ ‫احلادية‬ ‫ع�شرة‬ ‫(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية املحكمة‪ ،‬والتي يتعني إبرازها للناس‪،‬‬ ‫وخصوصا يف هذا الزمن الذي راجت فيه سوق السحرة واملشعوذين‪ ،‬إهنا القاعدة‬ ‫ً‬ ‫التي دل عليها قوله تعاىل‪( :‬ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) [طه‪ ،)(]69 :‬ويف معنى هذه‬ ‫القاعدة قوله تعاىل‪( :‬ﯶ ﯷ ﯸ) [يونس‪.]69 – 65 :‬‬ ‫ووجه اطراد هذه القاعدة‪ :‬أن املتقرر يف علم النحو‪ :‬أن الفعل إذا كان يف سياق‬ ‫ وممن نص عىل أن هذه قاعدة كلية من قواعد القرآن‪ :‬اإلمام حممد بن عبد الوهاب يف تفسريه‬ ‫(‪.)301‬‬ ‫‪73‬‬ .

‫النفي فإن ذلك يكسبه صفة العموم‪ ،‬وهكذا الفعل (ال يفلح) فإنه جاء يف سياق‬ ‫النفي‪ ،‬فدل ذلك عىل عمومه‪ ،‬فلن يفلح ساحر أبدً ا‪ ،‬مهام احتال‪ ،‬وتأمل كيف عمم‬ ‫ذلك باألمكنة فقال‪( :‬ﮈ ﮉ)()‪.‬‬ ‫ويف اختيار الفعل (ﮉ) دون قوله ‪-‬مثلاً ‪ :-‬حيث كان‪ ،‬أو حيث حل ٌ‬ ‫رس‪،‬‬ ‫ولعل الرس يف ذلك‪ :‬من أجل مراعاة كون معظم أولئك السحرة جملوبون من جهات‬ ‫مرص املختلفة‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [الشعراء‪.‬‬ ‫األمر الثاين‪ :‬أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة (ال يفلح) يراد‬ ‫هبا الكافر‪ ،‬كقوله تعاىل يف سورة يونس‪( :‬ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬ ‫ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ‬ ‫ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ)‬ ‫[يونس‪ ،]69 .)(]38 :‬‬ ‫يقول العالمة الشنقيطي ‪-‬ملع ًقا عىل نفي الفالح عن الساحر مطل ًقا‪:-‬‬ ‫«وذلك دليل عىل كفره؛ ألن الفالح ال ينفى بالكلية نف ًيا عا ًما إال عمن ال خري‬ ‫فيه‪ ،‬وهو الكافر‪ ،‬ويدل عىل ما ذكرنا أمران‪:‬‬ ‫األول‪ :‬هو ما جاء من اآليات الدالة عىل أن الساحر كافر‪ ،‬كقوله تعاىل‪( :‬ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) [البقرة‪،]102 :‬‬ ‫ساحرا ‪-‬وحاشاه من ذلك‪-‬‬ ‫ً‬ ‫فقوله‪( :‬ﭙ ﭚ ﭛ) يدل عىل أنه لو كان‬ ‫كافرا‪ ،‬وقوله‪( :‬ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) رصيح‬ ‫لكان ً‬ ‫يف كفر معلم السحر‪.)551/4‬‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير (‪.)144/9‬‬ ‫‪74‬‬ .68 :‬وقولِه يف سورة يونس ً‬ ‫أيضا‪( :‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬ ‫ ينظر‪ :‬أضواء البيان (‪.

‫القاعدة‬ ‫احلادية ع�رشة‬ ‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [يونس‪.)552/4‬‬ ‫‪75‬‬ .)(»]17 :‬‬ ‫كم هي اآليات التي حتدثت عن السحر والسحرة يف كتاب اهلل تعاىل‪ ،‬وأخربت‬ ‫كثريا؛ من‬ ‫عن ضالهلم‪ ،‬وخسارهتم يف الدنيا واآلخرة! ومع هذا فيتعجب املؤمن ً‬ ‫رواج سوق السحر والسحرة يف بالد اإلسالم!‬ ‫وليس العجب من وجود ساحر أو ساحرة؛ فهذا مل خيل منه أفضل األزمان‪،‬‬ ‫وهو الزمن الذي عاش فيه النبي × فضلاً عن غريه!‬ ‫‪-‬أيضا‪ -‬من ساحر يسعى لكسب األموال بأي طريق!‬ ‫العجب ً‬ ‫ُ‬ ‫وليس‬ ‫لكن العجب من أمة تقرأ هذا الكتاب العظيم‪ ،‬وتقرأ ما فيه من آيات رصحية‬ ‫واضحة يف التحذير من السحر وأهله‪ ،‬وبيان سوء عاقبتهم ومآهلم يف الدنيا واآلخرة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫زرافات ووحدانًا أمام عتبات أولئك السحرة املجرمني!! سواء أمام‬ ‫ومع ذلك يقفون‬ ‫بيوهتم‪ ،‬أم أمام شاشات قنوات السحر والشعوذة‪ ،‬والتي راجت سوقها منذ فرتة من‬ ‫الزمن! يلتمسون منهم التسبب يف إيقاع الرض بأحد أو إزالته عن آخر‪ ،‬وكأن هؤالء‬ ‫مل يقرؤوا قول اهلل تعاىل‪( :‬ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬ ‫ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ‬ ‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ) [البقرة‪!]102 :‬‬ ‫واملقطوع به أنه لوال تكاثر الناس عىل هؤالء السحرة ملا راجت سوقهم‪ ،‬وانترش‬ ‫باطلهم!‬ ‫إن مرور اإلنسان بحالة مرضية صعبة‪ ،‬أو حالة نفسية شديدة‪ ،‬ال يبيح له‬ ‫بحال أن يرد هذه السوق الكاسدة ‪-‬سوق السحرة‪ -‬وكيف يرجى الربح من أناس‬ ‫  ينظر‪ :‬أضواء البيان (‪.

.‬‬ ‫* ليعلم كل من يامرس السحر أو تسبب يف فعله ذلك أنه عىل خطر عظيم‪،‬‬ ‫وأنه قد باع دينه بثمن بخس‪ ،‬وأن الشياطني هم شيوخه وأساتذته يف عمله هذا‪ ،‬كام‬ ‫قال تعاىل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬ ‫ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‪ ).‬‬ ‫ولعظيم رضر السحر‪ ،‬فقد حرمته مجيع الرشائع‪.‬إىل قوله سبحانه‪( :‬ﮏ ﮐ‬ ‫‪.‫حكم عليهم رهبم باخلرسان؟! وإن اهلل تعاىل أرحم وأحكم من أن حيرم عليهم إتيان‬ ‫السحرة‪ ،‬وال ينزل هلم دواء ملا ابتلوا به! كام قال النبي ×‪« :‬لكل داء دواء فإذا أصيب‬ ‫دواء الداء برأ بإذن اهلل عز و جل»()‪.‬‬ ‫ويف البخاري عن أيب هريرة أن النبي × قال‪« :‬ما أنزل اهلل دا ًء إال أنزل له‬ ‫شفاء»()‪.‬‬ ‫ مسلم ح (‪ )2204‬عن جابر‬ ‫ البخاري ح (‪..)5678‬‬ ‫‪76‬‬ .‬‬ ‫ُ‬ ‫حيث أتى‪ ،‬وأيقن بأنه ال يفلح الساحرون‪،‬‬ ‫إن من أيقن بأن الساحر ال يفلح‬ ‫دفعه هذا إىل ٍ‬ ‫أمور‪ ،‬من أمهها‪:‬‬ ‫* البعد عن إتيان هذا الصنف من الناس الذين نفى اهلل فالحهم يف الدنيا‬ ‫واآلخرة ‪-‬بغية عالج أو نحوه‪ -‬وكيف يرجتى النفع ممن حكم عليه رب العاملني بأنه‬ ‫خارس يف الدنيا واآلخرة!!‬ ‫* احلذر من التفكري يف ممارسة يشء من أنواع السحر‪ ،‬مهام كان املربر‪ ،‬سواء‬ ‫ِ‬ ‫الزوج‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫استاملة‬ ‫بقصد العطف‪ ،‬أو الرصف ‪-‬كام تفعله بعض النساء‪ -‬وتظن أن قصدَ‬ ‫أو ِ‬ ‫منعه من الزواج عليها‪ ،‬ونحو ذلك من الشبه‪ ،‬أن ذلك يبيح هلا ما تصنع‪ ،‬فإن هذا‬ ‫كله من تزيني الشيطان وتلبيسه‪.

‫القاعدة‬ ‫احلادية ع�رشة‬ ‫ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ‬ ‫ﮢ) [البقرة‪.]102 :‬‬ ‫* إن ضعفت النفس حلظة‪ ،‬وزين الشيطان هلا شي ًئا من هذه األفعال املنكرة‪،‬‬ ‫فليبادر بالتوبة اآلن‪ ،‬وليقلع عن هذا العمل الباطل‪ ،‬وليتحلل ممن حلقه األذى من‬ ‫جراء هذا الفعل‪ ،‬قبل أن ال يكون دينار وال درهم‪ ،‬وقبل أن يوقف للحساب بني‬ ‫يدي من ال ختفى عليه خافية‪ ،‬الذي يعلم من هو الساحر؟ ومن هو املسحور؟ ومن‬ ‫هو املتسبب يف ذلك كله! فيقتص للمظلوم من ظامله‪ ،‬حني تكون احلسنة أغىل من‬ ‫الدنيا وما عليها!‬ ‫إن يقني املؤمن هبذه القاعدة‪( :‬ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) مما يقوي عبادة التوكل‬ ‫عنده‪ ،‬وعدم اخلوف من إرهاب هذا الصنف احلقري من الناس‪ ،‬وهم السحرة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بكاف‬ ‫ويتذكر عندها قول اهلل ‪( :‬ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ) ويف قراءة‪﴿ :‬أليس اهلل‬ ‫عباده﴾؟ واجلواب‪ :‬بىل واهلل‪.‬‬ ‫والتفكر فيه‪ :‬أن هؤالء السحرة رغم ما يملكون من األموال‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ومما حيسن تأمله‬ ‫وما يعيشونه من سكرة التفات الناس إليهم‪ ،‬إال أهنم من أتعس الناس حياةً‪ ،‬وأخبثهم‬ ‫نفوسا‪ ،‬وال عجب! فمن س ّلم قياده للشياطني‪ ،‬وكفر برب العاملني‪ ،‬كيف يسعد أم‬ ‫ً‬ ‫كيف يفلح؟!‬ ‫‪77‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫ِّ‬ ‫إن هذه اآلية العظيمة جاءت يف سورة احلجرات‪ ،‬وإن شئت فسمها‪ :‬جامعة‬ ‫اآلداب‪ ،‬فبعد أن ذكر اهلل تعاىل مجل ًة من اآلداب العظيمة‪ ،‬واخلالل الكريمة‪ ،‬وهنى‬ ‫‪-‬مقررا األصل اجلامع‬ ‫ً‬ ‫عن مجلة من األخالق الرذيلة‪ ،‬والطباع السيئة‪ ،‬قال اهلل بعدها‬ ‫الذي تنطلق منه األخالق احلسنة‪ ،‬وتضعف معه أو تتالشى األخالق السيئة‪ ،‬وأنه‬ ‫معيار التفاضل والكرامة عند اهلل‪( :-‬ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‬ ‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [احلجرات‪ ،]13 :‬إهنا‬ ‫آلية عظيمة‪ ،‬تربز ميزان العدل الذي مل تظهر تفاصيله كام ظهرت يف هذا الدين‪.‬‬ ‫استعرضت يف ذهنك شي ًئا من‬ ‫َ‬ ‫لن يتبني لك موقع هذه اآلية الكريمة إال إذا‬ ‫املوازين التي كان يتعامل هبا عرب اجلاهلية يف نظرهتم لغريهم من غري قبائلهم‪،‬‬ ‫سوا ٌء كانوا من قبائل أخرى أقل منها درجة يف النسب‪ ،‬أو يف نظرهتم لألعاجم‪ ،‬أو يف‬ ‫تعاملهم مع العبيد واملوايل!‬ ‫‪79‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫ع�شرة‬ ‫(ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية املحكمة‪ ،‬التي تدل عىل عظمة هذا الدين‪،‬‬ ‫وسموه‪ ،‬وعلو مبادئه‪.

‫وإليك هذا املوقف الذي وقع يف حياة النبي × وحدّ ث به الصحايب صادق‬ ‫‪ :‬روى الشيخان من حديث املعرور بن سويد قال‪ :‬مررنا بأيب‬ ‫اللهجة‪ :‬أبو ذر‬ ‫مجعت بينهام كانت حلة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ذر بالربذة‪ ،‬وعليه ُبر ٌد وعىل غالمه مثله‪ ،‬فقلنا يا أبا ذر‪ :‬لو‬ ‫فقال‪ :‬إنه كان بيني وبني رجل من إخواين كالم‪ ،‬وكانت أمه أعجمية فعيرَّ تُه بأ ِّمه‪،‬‬ ‫فشكاين إىل النبي ×‪ ،‬فلقيت النبي × فقال‪« :‬يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية»!‬ ‫َ‬ ‫الرجال سبوا أباه وأمه‪ ،‬قال‪« :‬يا أبا ذر إنك امرؤ فيك‬ ‫قلت‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬من سب‬ ‫جاهلية‪ ،‬هم إخوانكم جعلهم اهلل حتت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون‪ ،‬وألبسوهم‬ ‫مما تلبسون‪ ،‬وال تكلفوهم ما يغلبهم‪ ،‬فإن كلفتموهم فأعينوهم»!() فهذا أبو ذر مع‬ ‫صدق إيامنه‪ ،‬وسابقته يف اإلسالم‪ ،‬ال َمه النبي ×‪ ،‬وعاتبه ملا خالف هذه القاعدة‬ ‫القرآنية العظيمة‪ ،‬وعيرّ الرجل بمنطق أهل اجلاهلية!‬ ‫وليس هذا املوقف الوحيد الذي ر ّبى فيه النبي × عىل االهتداء هبدي هذه‬ ‫القاعدة‪ ،‬بل كررها بعدة أساليب بيانية وعملية‪ ،‬ولعيل أكتفي هبذين املوقفني َ‬ ‫الذين‬ ‫ال يمكن أن تنسامها العرب وال قريش أبد الدهر‪:‬‬ ‫أما املوقف األول‪:‬‬ ‫فهو يوم فتح مكة‪ ،‬حني أمر النبي × باللاً أن يصعد فوق الكعبة لريفع األذان‪،‬‬ ‫مة الفتح أن يعيش لريى هذا العبد احلبيش يقف كهذا‬ ‫يف مشهد ما ظن بعض مس ِل ِ‬ ‫ُ ْ‬ ‫ّ‬ ‫املوقف! ولكنه اإلسالم‪ ،‬واهلدي النبوي الذي يريب بالفعل والقول‪.‬‬ ‫‪-‬فتح مكة‪ -‬يدخل النبي × الكعب َة ويصيل فيها‪ ،‬ولك أن تتفكر‬ ‫ِ‬ ‫ويف ذات اليوم‬ ‫من هي الشخصيات املتوقعة التي حظيت برشف مرافقته يف دخوله هذا‪ ،‬والذي أغلق‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)5703‬ومسلم ح (‪ )1661‬واللفظ له‪.‬‬ ‫‪80‬‬ .

‬‬ ‫هذان املوقفان قطرة من بحر سريته العطرة ×!‬ ‫والتابعون هلم بإحسان فاملواقف فيها كثرية وعظيمة‪،‬‬ ‫أما سرية أصحابه‬ ‫أكتفي منها هبذا املوقف الذي يدل عىل نبلهم وفضلهم‪ ،‬ورشف أخالقهم ح ًقا‪ ،‬الذي‬ ‫جعلهم أهلاً ألن يكونوا خري من يمثل عاملية اإلسالم وعاملية الرسالة‪:‬‬ ‫ واحلديث يف الصحيحني من حديث ابن عمر‪ :‬البخاري ح (‪ ،)2826‬ومسلم ح‬ ‫(‪..‬إنه مشهد حجة‬ ‫الوداع‪ ،‬ففي بعض مشاهد تلك احلجة‪ ،‬وبينام الناس مستعدون للنفري من عرفة‪ ،‬وإذا‬ ‫باألبصار ترمق الدابة التي كان النبي × يركبها‪ ،‬ويتساءلون‪ :‬من الذي سيحظى‬ ‫برشف االرتداف مع النبي ×؟ فلم يرعهم إال وأسامة ‪-‬ذلك الغالم األسود‪ :‬مواله‬ ‫وابن مواله‪ -‬يركب خلف النبي × والناس ينظرون!‬ ‫فعل هذا النبي × وهو الذي خطب يف ذلك اليوم خطبته العظيمة التي قرر‬ ‫فيها أصول التوحيد واإلسالم‪ ،‬وهدم فيها أصول الرشك واجلاهلية‪ ،‬وقال كلمته‬ ‫املشهورة‪« :‬إن كل يشء من أمر اجلاهلية حتت قدمي هاتني موضوع»‪.. ‫القاعدة‬ ‫الثانية ع�رشة‬ ‫؟ كال‪ ،‬إذن‪ :‬لعله‬ ‫عليه الباب بعد دخوله‪ ،‬ومن معه؟! لعله أبو بكر وعمر‬ ‫؟ كال‪ ،‬إذن‪ :‬لعله دخل‬ ‫صهره وزوج ابنتيه ذي النورين‪ :‬عثامن‪ ،‬وابن عمه عيل‬ ‫بعض ُمسلمة الفتح من أكابر قريش؟ كال‪ ،‬بل مل يدخل معه سوى‪ :‬أسامة بن زيد‬ ‫‪-‬مواله ابن مواله‪ -‬وبالل احلبيش‪ ،‬وعثامن بن طلحة املسئول عن مفتاح الكعبة!()‪.)1329‬‬ ‫‪81‬‬ .‬‬ ‫اهلل أكرب! أي برهان عميل عىل إذابة املعايري اجلاهلية أكرب من هذا؟ مع أن يف‬ ‫احلضور من هو أفضل من بالل وأسامة ‪-‬كاخللفاء األربعة‪ ،‬وبقية العرشة املبرشين‪!-‬‬ ‫وأما املوقف الثاين‪:‬‬ ‫فإنه وقع يف أعظم مشهد عرفته الدنيا يف ذلك الوقت‪ .

‬انظر‪ :‬املصباح املنري (‪ ،)105/1‬أساس البالغة‪.‬‬ ‫ومما يشهد ملا قاله شيخ اإلسالم‪ :‬أن اهلل تعاىل أنزل سورة كاملة يف ذم أيب ٍ‬ ‫هلب‬ ‫لكفره وعداوته للنبي ×‪ ،‬وهنى اهللُ نب ّيه × أن يطرد املؤمنني من َض َعفة أصحابه‪،‬‬ ‫وإن كان القصدُ من ذلك‪ :‬الرغبة يف كسب قلوب أكابر قريش‪ ،‬فقال سبحانه‪( :‬ﯲ‬ ‫  ينظر‪ :‬حلية األولياء (‪.)274 /1( :‬‬ ‫ دقائق التفسري‪.)138/3‬‬ ‫اخللقة‪ :‬دميم (بالدال)‪ ،‬وهو‪ :‬من قبح منظره وصغر وجهه؛ وكأنه مأخوذ من‬ ‫ يقال لقبيح ِ‬ ‫«الدِّ َّم ِة» بالكرس وهي القملة أو النملة الصغرية‪ ،‬وأما الذميم بالذال فهو قبيح األخالق‪ ،‬هلذا‬ ‫يقال‪ :‬دميم اخللق ذميم ُ‬ ‫اخل ُلق‪ .)23/2( :‬‬ ‫‪82‬‬ .‬‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪« :‬وليس يف كتاب اهلل آية واحد ٌة َيمدح فيها أحدً ا‬ ‫َ‬ ‫والفسوق‬ ‫الكفر‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫اإليامن والتقوى‪ ،‬ويذ َم‬ ‫يمدح‬ ‫ُ‬ ‫بنسبه‪ ،‬وال َي ُذ ُّم أحدً ا بنسبه‪ ،‬وإنام‬ ‫والعصيان»()‪.‬‬ ‫إن من عظمة هذا الدين أنه مل يربط مكانة اإلنسان ومنزلته عند اهلل بيشء ال‬ ‫قدرة عليه به‪ ،‬فاإلنسان ال خيتار أن يكون رشيف النسب‪ ،‬وإال لتمنى الكل أن يتصل‬ ‫بالساللة النبوية! ومل يربطه بطول وال ِقصرَ ‪ ،‬وال وسامة وال دمامة()‪ ،‬وال غري ذلك‬ ‫من املعايري التي ليست يف مقدور البرش‪ ،‬بل ربطه بمعيار هو يف مقدور اإلنسان‪.‫كان عيل بن احلسني بن عيل بن أيب طالب ‪-‬املعروف بـ‪ :‬زين العابدين‪ ،‬وهو‬ ‫من سكان مدينة النبي ×‪ -‬إذا دخل املسجد‪ ،‬يتخطى ِح َلق قومه من قريش‪ ،‬حتى‬ ‫يأيت حلقة زيد بن أسلم ‪-‬وهو موىل لكنه من علامء املدينة الكبار يف زمانه‪ -‬فيجلس‬ ‫عنده‪ ،‬فكأن بعض الناس المه‪ :‬كيف جتلس ‪-‬وأنت الرجل القريش وحفيد النبي‬ ‫×‪ -‬عند رجل من املوايل؟ فقال كلمة ملؤها العقل‪ :‬إنام جيلس الرجل إىل من ينفعه‬ ‫يف دينه()‪.

‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يعيذنا من أخالق أهل اجلاهلية‪ ،‬وأن يرزقنا التأيس برسوله‬ ‫× يف مجيع أمورنا‪.]28 :‬‬ ‫إن مما يؤسف عليه ‪-‬يف واقعنا املعارص‪ -‬وجود أمثلة كثرية خمالفة هلذه القاعدة‬ ‫الرشيفة‪( :‬ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ) متثلت بصور من عودة العصبية اجلاهلية‬ ‫للقبيلة‪ ،‬والتي مل تتوقف عند حد التعارف بني أفراد القبيلة الواحدة فحسب‪ ،‬ومل‬ ‫تتوقف عند التامدح املباح‪ ،‬بل جتاوز ذلك إىل الغلو يف املدح‪ ،‬واملواالة املفرطة للقبيلة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ذوبان املعايري الرشعية عند البعض‬ ‫بل والتلويح تارة بنبز القبائل األخرى‪ ،‬والتي‬ ‫بسبب هذه األساليب التي كرسها وعزز من حضورها املسابقات الشعرية التي تبنتها‬ ‫بعض القنوات الفضائية‪ ،‬والتي ترتب عليها حماذير رشعية أخرى ليس هذا موضع‬ ‫ذكرها‪ ،‬وإنام الغرض اإلشارة إىل خمالفتها إىل ما دلت عليه هذه القاعدة القرآنية‬ ‫الكريمة‪ ،‬فليتق اهلل من يسمع ويقرأ قول ربه‪( :‬ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ) من‬ ‫التفاخر املذموم‪ ،‬وليعلم املؤمن أن من ب ّطأ به عمله مل يرسع به نسبه‪.‬‬ ‫‪83‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثانية ع�رشة‬ ‫ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ) [األنعام‪ ،]52 :‬وقال‬ ‫له يف اآلية األخرى‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [الكهف‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫«ولو رد تقدير اإلرث إىل عقولكم واختياركم حلصل من الرضر ما اهلل به عليم؛‬ ‫لنقص العقول وعدم معرفتها بام هو الالئق األحسن‪ ،‬يف كل زمان ومكان»()‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫ع�شر‬ ‫(ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ)‬ ‫ف العبدَ عىل ٍ‬ ‫يشء من عظمة اهلل تعاىل يف‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية‪ ،‬ت ِ‬ ‫ُوق ُ‬ ‫وحكمته يف رشعه‪ ،‬وتُوقف العبد عىل قصوره يف علمه‪.‬‬ ‫خلقه ِ‬ ‫وهذه القاعدة جاءت يف سياق آيات الفرائض يف صدر سورة النساء‪ ،‬واملعنى‪:‬‬ ‫«(ﯳ ﯴ) يعني‪ :‬الذين يرثونكم من اآلباء واألبناء (ﯵ ﯶ ﯷ‬ ‫ﯸ ﯹ ﯺ) أي‪ :‬ال تعلمون أهنم أنفع لكم يف الدين والدنيا‪ ،‬فمنكم من يظن أن‬ ‫األب أنفع له‪ ،‬فيكون االبن أنفع له‪ ،‬ومنكم من يظن أن االبن أنفع له فيكون األب أنفع‬ ‫له‪ ،‬وأنا العامل بمن هو أنفع لكم‪ ،‬وقد د َّبرت أمركم عىل ما فيه املصلحة فاتبعوه»()‪.)178 /2( :‬‬ ‫ تفسري السعدي‪( :‬ص‪.)166‬‬ ‫‪85‬‬ .‬‬ ‫لقد كان أهل اجلاهلية يقسمون املرياث بموازين غري منضبطة‪ ،‬فتارة يراعون‬ ‫حاجة األبوين‪ ،‬وتارة حاجة األبناء‪ ،‬وتارة يتوسطون‪ ،‬فجاء الرشع املطهر ليلغي تلك‬ ‫قسمة املواريث بنفسه‪ ،‬ثم بينّ سبحانه يف خامتة هذه اآلية‬ ‫االجتهادات‪ ،‬فتوىل اهلل‬ ‫ تفسري البغوي‪.

‬‬ ‫وخ َل ُف‬ ‫أبيه‪َ ،‬‬ ‫‪86‬‬ .‫يف خامتتها‪:‬‬ ‫الكريمة معنيني عظيمني يعزب عنهام علم البرش مهام بلغ يف سعته‪ ،‬فقال‬ ‫‪( -1‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [النساء‪ ،]11 :‬وهي‬ ‫القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها‪.‬‬ ‫من ٍ‬ ‫أعرف رجلاً ملا كربت ِسنه‪ ،‬كان أوالده بعيدون عنه يف طلب الرزق‪ ،‬فلم جيد‬ ‫حنوا ورعاية من ابنته الوحيدة‬ ‫هذا الوالد ‪ -‬الذي خارت قواه‪ ،‬وضعفت ُبنيته ‪ -‬أكثر ً‬ ‫التي قامت بحقه خري قيام من جهة النفقة‪ ،‬والرعاية الصحية‪ ،‬وصدق اهلل‪( :‬ﯳ‬ ‫ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [النساء‪.‬يقال‪ :‬هو َخ ْل ُف َس ٍ‬ ‫وء من‬ ‫«اخل ْل ُف َ‬ ‫ الصحاح يف اللغة (‪َ :)183 /1‬‬ ‫ٍ‬ ‫صدق من أبيه»‪.‬‬ ‫من تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫ولنحاول أن نطبق هذه القاعدة عىل واقعنا؛ لعلنا نستفيد منها يف تصحيح بعض‬ ‫ما يقع منا من أخطاء يف بعض تصوراتنا ومواقفنا االجتامعية‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬أن بعض اآلباء قد تكون َخ ْلفته() من الذرية بنات فقط؛ فيضيق لذلك‬ ‫صدره‪ ،‬ويغتم هلذا االبتالء‪ ،‬فتأيت هذه القاعدة لتسكب يف قلبه اليقني والرضا‪ ،‬وكم‬ ‫بنت كانت أنفع لوالدهيا من ٍ‬ ‫عدد من األبناء! والواقع شاهدٌ بذلك‪.‬‬ ‫‪( -2‬ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [النساء‪ ]11 :‬فهذه فرائض‬ ‫جيب تنفيذها‪ ،‬وعدم االفتيات عليها بتحريف أو تقصري‪ ،‬وعلل هذا بقوله‪( :‬ﰀ ﰁ‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ)؛ ليزداد يقني املؤمن أن هذه القسمة صادرة عن علم تام‪ ،‬وحكمة‬ ‫بالغة‪ ،‬ال يمكن أن يلحقها نقص أو جور‪.]11 :‬‬ ‫‪ :‬أطوعكم هلل‬ ‫هذا يف الدنيا‪ ،‬أما يف اآلخرة فاألمر أعظم‪ ،‬قال ابن عباس‬ ‫من اآلباء واألبناء أرفعكم درجة يوم القيامة‪ ،‬واهلل تعاىل ُي َش ِّفع املؤمنني بعضهم‬ ‫واخل َل ُف‪ :‬ما جاء من َب ْعدُ ‪ .

‫القاعدة‬ ‫الثالثة ع�رش‬ ‫يف بعض()‪ ،‬فإن كان الوالد أرفع درجة يف اجلنة ُرفع إليه ولده‪ ،‬وإن كان الولد أرفع‬ ‫درجة ُرفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم‪.‬‬ ‫‪87‬‬ .]11 :‬‬ ‫‪ )2‬قوله تعاىل‪( :‬ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬ ‫ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ‬ ‫ﯵ ﯶ) [الشورى‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫أناس رزقوا عد ًدا من البنات‪ ،‬يتذمرون بل قد‬ ‫ومن املؤسف أن نسمع ونقرأ عن‬ ‫ولدن هلم إنا ًثا! وكأن األمر بأيدهين‪ ،‬وهذا من اجلهل ‪-‬يف‬ ‫َ‬ ‫هيددون زوجاهتم إن ُه ّن‬ ‫احلقيقة‪ -‬إذ كيف يالم إنسان عىل أمر ال طاقة له به؟‬ ‫ويا ليت من يقعون يف هذا األسلوب يتأملون يف أمور منها‪:‬‬ ‫‪ )1‬هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ)‬ ‫[النساء‪.]50 .‬‬ ‫ حتفة املودود بأحكام املولود‪ :‬ص (‪ ،)32‬ولكالمه تتمة حيسن ذكرها‪ ،‬وهي قوله‪« :‬وبدأ‬ ‫سبحانه بذكر اإلناث‪ :‬فقيل جربا هلن؛ ألجل استثقال الوالدين ملكاهنن‪ ،‬وقيل ‪ -‬وهو‬ ‫أحسن ‪ :-‬إنام قدمهن ألن سياق الكالم أنه فاعل ما يشاء ال ما يشاء األبوان‪ ،‬فإن األبوين ال‬ ‫يريدان إال الذكور غال ًبا‪ ،‬وهو سبحانه قد أخرب أنه خيلق ما يشاء؛ فبدأ بذكر الصنف الذي‬ ‫يشاء وال يريده األبوان‪ ،‬وعندي وجه آخر‪ :‬وهو أنه سبحانه قدَّ م ما كانت تؤخره اجلاهلية‬ ‫من أمر البنات؛ حتى كانوا يئدوهن‪ ،‬أي‪ :‬هذا النوع املؤخر عندكم ُم َقدّ ٌم عندي يف الذكر‪،‬‬ ‫وعرف الذكور‪ ،‬فجرب نقص األنوثة بالتقديم‪ ،‬وجرب‬ ‫نكر سبحانه اإلناث‪ّ ،‬‬ ‫وتأمل كيف ّ‬ ‫تنويه كأنه قال‪ :‬وهيب ملن يشاء الفرسان األعالم‬ ‫ٌ‬ ‫نقص التأخري بالتعريف‪ ،‬فإن التعريف‬ ‫معا قدم الذكور إعطاء لكل من‬ ‫املذكورين‪ ،‬الذين ال خيفون عليكم‪ ،‬ثم ملا ذكر الصنفني ً‬ ‫اجلنسني حقه من التقديم والتأخري‪ ،‬واهلل أعلم بام أراد من ذلك» انتهى‪.‬‬ ‫  تفسري الطربي‪ )49/7( :‬ط‪ :‬الرسالة‪.49:‬‬ ‫‪-‬تعرضا ملقته‪ -‬أن يتسخط‬ ‫ً‬ ‫قال ابن القيم ‪-‬معل ًقا عىل هذه اآلية‪« :-‬وكفى بالعبد‬ ‫ما وهبه»()‪.

‬‬ ‫ومما ُيذكر به املتضجر من االبتالء بالبنات‪ ،‬أن يقال له‪:‬‬ ‫ذكورا؟ صحيح أن‬ ‫ً‬ ‫‪ )4‬هب أنك ضجرت‪ ،‬وتذمرت‪ ،‬فهل هذا سينجب لك‬ ‫أغلب الناس ُجبِ َل عىل حب الذكور‪ ،‬لكن املؤمن ينظر إىل هذا االبتالء بمنظار آخر‪،‬‬ ‫وهو‪ :‬عبودية الصرب‪ ،‬وعبودية الرضا عن اهلل‪ ،‬بل قد ينتقل بعض املوفقني إىل مرتبة‬ ‫رشا‬ ‫الشكر؛ لعلمه بأن خرية اهلل خري من خريته لنفسه‪ ،‬وأن اهلل قد يكون رصف عنه ً‬ ‫كثريا حني حرمه من الذكور أليس اهلل تعاىل قد س ّلط اخلرض عىل ذلك الغالم فقتله‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ثم علل ذلك بقوله‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ‬ ‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ)؟! [الكهف‪.]81 .‫‪ )3‬ومما حيسن بمن ابتيل بالبنات أن يتذكره‪ :‬األحاديث الواردة يف فضل من عال‬ ‫البنات ورباهن حتى يبلغن‪.80 :‬‬ ‫‪-‬وهو ممن ابتيل‬ ‫ومما حيسن ذكره يف هذا املقام‪ :‬أن الشيخ عيل الطنطاوي‬ ‫بالبنات ومل يرزق الذكور‪ -‬كتب مقالاً ‪ ،‬أكاد أجزم لو قرأه الذين ابتلوا بالبنات مل‬ ‫يتمنوا إال ما هم فيه!‬ ‫وكام أن اآلية فيها سلوة ملن ابتلوا بالبنات؛ ففيها سلوة ألولئك الذين ابتلوا‬ ‫بأوالد معاقني‪ ،‬سواء كانت إعاقتهم سمعي ًة أو برصي ًة أو عقلي ًة أو بدنية‪ ،‬فيقال هلم‪:‬‬ ‫(ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ) [البقرة‪ ،]216 :‬ويقال هلم ً‬ ‫أيضا‪ :‬واهلل إنكم‬ ‫ال تدرون أي أوالدكم أقرب لكم نف ًعا! فقد يكون هذا املعاق أقرب لكم نف ًعا يف‬ ‫الدنيا قبل اآلخرة!‬ ‫أما يف الدنيا‪ :‬فكم فتحت هذه االبتالءات لوالِدَ ي هؤالء املعاقني من لذة التعلق‬ ‫باهلل‪ ،‬ومناجاته‪ ،‬ورجائه الفرج!‬ ‫وكم ر ّبت هذه االبتالءات يف نفوس والِدَ ي املعاقني من معاين الصرب واالحتامل‬ ‫‪88‬‬ .

.‬‬ ‫تأمل كيف أنه مل يذكر ٌ‬ ‫بالل جهاده مع الرسول‪ ،‬وال التزامه باألذان!‬ ‫وهذا كله يدعو العبد ألن يكثر من أبواب اخلري؛ فاإلنسان ال يدري أي أعامله‬ ‫داخ َله‬ ‫داخ َله ما َ‬ ‫ولرب ٍ‬ ‫عمل كبري لكن َ‬ ‫التي قد تكون سب ًبا يف نيل رضوان اهلل واجلنة‪ُ ،‬‬ ‫ولرب عمل قليل َع ُظمت فيه النية‪ ،‬وصدق‬ ‫من حظوظ النفس؛ فلم ينتفع به صاحبه‪ُ ،‬‬ ‫صاحبها مع اهلل فأثابه ثوا ًبا ال خيطر عىل باله‪ ،‬ويف قصة املرأة البغي التي سقت كل ًبا‬ ‫أكرب شاهد عىل ذلك‪.‬‬ ‫ ‬ ‫اخل ِف ُّي‪.‬‬ ‫‪-‬حينام سمع × ْ‬ ‫خشف() نعليه يف اجلنة‬ ‫تأمل يف سؤال النبي × لبالل‬ ‫‪« :-‬أخربين بأرجى عمل عملته يف اإلسالم»؟ فقال بالل‪ :‬إين مل أتوضأ ساعة من ليل‬ ‫أو هنار إال صليت بذلك الوضوء ركعتني!()‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة ع�رش‬ ‫ما مل تكن حتصل هلم لوال هذه االبتالءات! وكم‪ .‬‬ ‫وأما يف اآلخرة‪ :‬فلعل أمثال هذه االبتالءات هبؤالء املعاقني تكون سب ًبا يف رفعة‬ ‫درجاهتم عند اهلل تعاىل‪ ،‬رفع ًة قد ال تبلغها أعامهلم!‬ ‫ولئن كانت اآلية واضحة املعنى يف موضوع االبتالء بالبنات‪ ،‬أو بأبناء فيهم‬ ‫عاهات أو إعاقات‪ ،‬فإنه يمكن أن يقاس عليها أمور أخرى‪ ،‬مثل‪ :‬األعامل الصاحلة‪،‬‬ ‫واملؤلفات‪ ،‬واملقاالت‪ ،‬والكلامت‪ ،‬بل والعبادات‪ ،‬فال يدري اإلنسان أي تلك‬ ‫األعامل‪ ،‬واملؤلفات‪ ،‬والعبادات أكثر نف ًعا له يف اآلخرة‪.)2458‬‬ ‫‪89‬‬ ..‬وكم‪!!..‬‬ ‫ركة أو ِ‬ ‫احل ُّس َ‬ ‫الصوت َ‬ ‫واحل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ َ‬ ‫اخلشْ فة‪:‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)3476‬ومسلم ح (‪..

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫‪91‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫ع�شر‬ ‫(ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ)‬ ‫ومهم يف باب‬ ‫اً‬ ‫عظيم‬ ‫اً‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية املحكمة‪ ،‬التي جتيل معنى‬ ‫التسليم واالنقياد ألوامر اهلل ورسوله‪ ،‬واالنقياد حلكم الرشيعة‪.]50 – 48 :‬‬ ‫والشاهد الذي نحن بصدد احلديث عنه‪ ،‬هو قوله تعاىل‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ)‪.‬‬ ‫وهذه اآلية الكريمة جاءت يف سورة القصص‪ ،‬يف سياق احلجاج مع املرشكني‪،‬‬ ‫وبيان تنوع أساليبهم يف العناد لرد الرشيعة‪ ،‬ورميهم للنبي × بالعظائم‪ ،‬يقول تعاىل‪:‬‬ ‫(ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬ ‫ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ‬ ‫ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ‬ ‫ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ‬ ‫ﯾ ﯿ) [القصص‪.‬‬ ‫‪( :‬ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ‬ ‫وقد بني اهلل تعاىل هذه القاعدة يف موضع آخر‪ ،‬فقال‬ ‫ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ)()‪.‬‬ ‫ ينظر‪ :‬التبيان يف أقسام القرآن (‪ )129‬البن القيم‪.

)1052 /3( :‬‬ ‫ إعالم املوقعني‪.‬‬ ‫«فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سنة‪ ،‬وعَدَ َل عنها إىل خالفها؛ فقد اتبع‬ ‫هواه»()‪.3 :‬فجعل النطق‬ ‫نوعني‪ :‬نط ًقا عن الوحي‪ ،‬ونط ًقا عن اهلوى»()‪« ،‬فام مل يقله سبحانه وال هدى إليه‬ ‫فليس من احلق‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ)‪،‬‬ ‫فقسم األمور إىل قسمني ال ثالث هلام‪ :‬اتباع ملا دعا إليه الرسول واتباع اهلوى»()‪.)1526 /4( :‬‬ ‫‪92‬‬ .‬‬ ‫إن احلاجة إىل التذكري هبذه القاعدة القرآنية العظيمة من األمهية بمكان‪،‬‬ ‫خصوصا يف هذا العرص الذي كثرت فيه األهواء‪ ،‬وتنوعت فيه املشارب يف التعامل‬ ‫ً‬ ‫مع النصوص الرشعية بدعاوى كثرية‪ :‬فهذا ينرص بدعته‪ ،‬وهذا يروج ملنهجه يف تناول‬ ‫النصوص‪ ،‬وثالث يتتبع الرخص التي توافق مراد نفسه‪ ،‬ال مراد اهلل ورسوله!‬ ‫ٌ‬ ‫زمان ال حيتاج الشخص ليمتثل األمر أو يرتك النهي إال‬ ‫لقد أتى عىل الناس‬ ‫أن يقال له‪ :‬قال اهلل‪ ،‬قال رسوله‪ ،‬قال الصحابة‪ ،‬فيتمثل وينصاع‪ ،‬ويندر أن جتد من‬ ‫يناقش مناقشة املتملص من احلكم الرشعي‪ ،‬أما اليوم ‪ -‬وقد انفتحت عىل الناس‬ ‫أبواب كثرية يتلقون منها املعلومات ‪ -‬فقد سمعوا أقوالاً متنوعة يف املسائل الفقهية‪،‬‬ ‫قديم جدً ا‪ ،‬وال يمكن إلغاء أمر قدره اهلل‬ ‫ٌ‬ ‫وليست هذه هي املشكلة ‪ -‬فاخلالف‬ ‫‪ -‬إال أن املشكلة‪ ،‬بل املصيبة‪ :‬أن بعض الناس وجد يف بعض تلك األقوال ‪-‬التي قد‬ ‫تكون شاذ ًة يف املقياس الفقهي‪ -‬فرص ًة لألخذ هبا؛ بحجة أنه قد وجد يف هذه املسألة‬ ‫ الصواعق املرسلة‪.)298 /1( :‬‬ ‫ الصواعق املرسلة‪.‫موضحا هذه القاعدة‪« :‬فام هو إال اهلوى أو الوحي‪ ،‬كام‬ ‫ً‬ ‫يقول ابن القيم‬ ‫قال تعاىل‪( :‬ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [النجم‪ ،]4 .

‬‬ ‫كام ينبغي أن ُي َذكّروا بالقاعدة التي جاءت يف احلديث املشهور ‪-‬والذي قواه‬ ‫بعض أهل العلم()‪« :-‬الرب ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب واإلثم ما حاك‬ ‫يف النفس‪ ،‬وتردد يف الصدر»()‪.‬‬ ‫ قال ابن رجب‪« :‬وقد روي هذا احلديث عن النبي × من وجوه متعددة‪ ،‬بعض طرقه‬ ‫جيدة»‪ ،‬ينظر‪( :‬جامع العلوم واحلكم ‪ -‬رشح احلديث ‪.‬‬ ‫‪93‬‬ .)27‬‬ ‫ وقد أرشت ليشء من معناه يف آخر حديثي عن القاعدة النبوية الرابعة عرش (الرب حسن‬ ‫اخللق)‪ ،‬أعان اهلل عىل إمتام تلك القواعد وطبعها‪.‬‬ ‫حرج ّ‬ ‫أليس هؤالء هلم نصيب من هذه القاعدة‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ‬ ‫ﯭ ﯮ)؟!‬ ‫وهنا يحَ ْ ُس ُن أن ُي َذك ُّر هذا الصنف من الناس بقول اهلل تعاىل‪( :‬ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ‬ ‫ﯲ) [القيامة‪ ،]14 :‬وهي قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬سبق رشحها‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة ع�رش‬ ‫قولاً يقول باإلباحة! ضار ًبا ُعرض احلائط بالقول اآلخر الذي يكاد يكون إمجا ًعا أو‬ ‫شبه إمجاع من السلف الصالح عىل حتريم هذا الفعل أو ذاك القول!‬ ‫هذا فضلاً عن تلك املسائل التي تبني فيها خطأ قائلها من أهل العلم؛ بسبب‬ ‫خفاء النص عليه‪ ،‬أو لغري ذلك من األسباب املعروفة التي ألجلها خيتلف العلامء()‪،‬‬ ‫مأجورا ‪ -‬خلفاء النص عليه أو لغري ذلك من األسباب‬ ‫ً‬ ‫معذورا‬ ‫ً‬ ‫ولئن كان ذلك اإلمام‬ ‫‪ -‬فام ُع ْذ ُر من بلغه النص عن اهلل أو عن رسوله؟! ثم بعد ذلك يدّ عي أنه يسوغ له‬ ‫األخذ بذلك القول ألجل أنه قد قيل به! مرد ًدا مقول ًة كثر تكرارها عىل ألسنة هذا‬ ‫حيا‪ ،‬فال‬ ‫صحيحا رص ً‬ ‫ً‬ ‫نصا‬ ‫الصنف من الناس‪ :‬ما دام أنني مل أخالف إمجا ًعا قطع ًيا‪ ،‬وال ً‬ ‫عيل!! ناس ًيا أو متناس ًيا قواعد االستدالل التي قررها األئمة رمحهم اهلل‪.‬‬ ‫وهذا املعنى ‪ -‬الذي ّ‬ ‫دل عليه احلديث ‪ -‬كام ن ّبه عىل ذلك العلامء‪ :‬إنام جيده من‬ ‫ والتي حررها شيخ اإلسالم ابن تيمية يف رسالته القيمة‪« :‬رفع املالم عن األئمة األعالم»‪.

‫بقي يف قلبه بقية من نورمل تطمسها ظلمة الشهوات والشبهات! أما من هام يف أودية‬
‫الفسق والفجور؛ فإن قلبه ال يفتيه إال بام هتواه نفسه!‬

‫وما أمجل ما حكاه ابن اجلوزي عن نفسه‪ ،‬وهو يصف حالاً ّ‬
‫مرت به‪ ،‬تُشبه ما‬
‫نحن بصدد احلديث عنه ‪-‬من أحوال بعض املرتخصني اتبا ًعا ألهوائهم‪ -‬يقول‪:‬‬
‫«ترخصت يف يشء جيوز يف بعض املذاهب‪ ،‬فوجدت يف قلبي قسوة عظيمة‪ ،‬وختايل يل‬
‫خرجت‬
‫َ‬ ‫نوع طرد عن الباب و ُب ْعدٌ ‪ ،‬وظلمة تكاثفت! فقالت نفيس‪ :‬ما هذا؟ أليس ما‬
‫عن إمجاع الفقهاء؟!‬
‫ت مل ِ‬
‫تفت بام‬ ‫إنك تأولت ما ال تعتقدين‪ ،‬فلو اس ُت ْفتِي ِ‬
‫فقلت هلا‪ :‬يا نفس السوء! ِ‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫ِ‬ ‫ِ‬
‫نفس الفرح بام وجدت من الظلمة عقيب ذلك؛ ألنه‬ ‫فعلت‪ ،‬والثاين‪ :‬أنه ينبغي لك يا ُ‬
‫نور يف قلبك ما أثر هذا عندك!»()‪.‬‬
‫لوال ٌ‬
‫لقد جرى يل مر ًة حوار عارض مع بعض هذه الفئة‪ ،‬التي أخذت ختوض عمل ًيا‬
‫فقلت له‪ :‬يا هذا! دعنا من البحث‬
‫ُ‬ ‫يف ٍ‬
‫مجلة من املسائل املخالفة ملا عليه مجاهري العلامء‪،‬‬
‫الفقهي املحض‪ ،‬وأخربين عن قلبك‪ :‬كيف جتده وأنت تفعل ما تفعل؟!‬
‫فأقسم يل باهلل‪ :‬أنه غري مرتاح! وإنام خيادع نفسه بأن الشيخ الفالين يفتي هبذا‪،‬‬
‫فقلت له‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن العالمِ الذي قال‬
‫ُ‬ ‫وهو يف قرارة نفسه غري مطمئن لتلك الفتوى!‬
‫هبذه املسألة معذور؛ ألن هذا هو مبلغ علمه‪ ،‬ولكن انج بنفسك‪ ،‬فإن صنيعك هذا‬
‫هو الذي قال العلامء‪ :‬إنه تتبع الرخص‪ ،‬وذموا فاعله‪ ،‬بل جعلوا هذا الفعل نو ًعا من‬
‫النفاق واتباع اهلوى‪ ،‬ولذا قال مجع من السلف‪ :‬من تتبع الرخص فقد تزندق!‬
‫ومن تأمل كلمة اهلوى يف القرآن الكريم‪ ،‬مل جيدها ُذ ِكرت إال يف موطن الذم!‬
‫وهلذا حذر اهلل نب ًيا من خرية أنبيائه من هذا الداء القلبي اخلطري فقال‪( :‬ﯷ ﯸ‬

‫ صيد اخلاطر‪ )162( :‬بترصف‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫القاعدة‬
‫الرابعة ع�رش‬

‫ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ‬
‫ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ) [ص‪ !]26 :‬فمن يأمن عىل‬
‫نفسه من اهلوى بعد ذلك؟‬
‫ولو أن رجلاً أخذ برخص الفقهاء من عدة مذاهب يف مسائل متنوعة‪ ،‬الجتمع‬
‫رش عظيم‪ ،‬وألصبح دينه مرق ًعا ورقي ًقا!‬
‫فيه ٌّ‬
‫وليتذكر املؤمن جيدً ا ‪-‬وهو يسلك مسلك تتبع الرخص‪ -‬أنه إنام يفعل ما‬
‫يفعل‪ ،‬ويرتك ما يرتك ديان ًة هلل‪ ،‬وقيا ًما بواجب العبودية هلذا الرب العظيم‪ ،‬فكيف‬
‫يرىض العبد أن يتعامل مع ربه بدين شعاره اهلوى؟!‬
‫وقبل أن نختم احلديث عن هذه القاعدة العظيمة‪ ،‬جيب أن نتنبه ألمرين‪:‬‬
‫األول‪ :‬احلذر من تنزيل هذه القاعدة عىل املسائل الرشعية التي اخلالف فيها‬
‫معترب ومعروف عند أهل العلم‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬أن املقصود بالذم هنا‪ ،‬هو من اتبع هواه يف االستفتاء‪ ،‬بحيث يتنقل بني‬
‫املفتني‪ ،‬فإن وافقت الفتيا ما يف نفسه طبقها‪ ،‬وإال بحث عن آخر حتى جيد من يفتيه‪،‬‬
‫أن جيعل اتباع احلق‬ ‫وهذا هو اتباع اهلوى بعينه‪ ،‬نعوذ باهلل من اتباع اهلوى‪ ،‬ونسأله‬
‫رائدنا وغايتنا‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬
‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬
‫يف النفس واحلياة‬

‫القاعدة‬
‫اخلام�سة‬
‫ع�شر‬
‫(ﯙ ﯚ)‬

‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية املحكمة‪ ،‬التي تبعث األمل يف نفوس أهل‬
‫اإليامن‪ ،‬ومتأل قلوهبم ثق ًة ويقينًا‪.‬‬
‫وهذه القاعدة القرآنية جاءت مر ًة عىل لسان موسى عليه الصالة والسالم وهو‬
‫يبرش قومه الذين آمنوا به؛ بحسن العاقبة هلم يف الدنيا قبل اآلخرة‪ ،‬والتمكني يف‬
‫األرض إن هم الزموا التقوى‪.‬‬
‫وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب‪ ،‬يف خطاب اهلل تعاىل لنبيه حممد × يف‬
‫خواتيم سورة طه‪( :‬ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ‬
‫ﯟ) [طه‪.]132 :‬‬
‫‪-‬أيضا‪ -‬بعد انتهاء قصة قارون‪ ،‬يف خواتيم سورة‬
‫ً‬ ‫وجاءت هذه القاعدة‬
‫القصص‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ‬
‫ﯴ ﯵ) [القصص‪.]83:‬‬
‫ومن املعلوم أن العاقبة هنا ال تنحرص يف اآلخرة التي ضمن اهلل النجاة فيها‬
‫‪( :‬ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ)‪ ،‬بل هي عامة يف الدنيا‬ ‫للمتقني‪ ،‬كام يف قوله‬

‫‪97‬‬

‫واآلخرة‪ ،‬ولكن قبل أن نسأل‪ :‬أين هذه القاعدة من واقعنا؟ فلنسأل‪ :‬أين حتقيق‬
‫التقوى عىل الوجه الصحيح؟! وإال فوعد اهلل ال يتخلف!‬
‫إن أدنى تأمل ملجيء هذه اآليات ‪-‬مع تنوع سياقاهتا‪ -‬ليوضح بجالء اطراد هذه‬
‫القاعدة‪ ،‬فقد أخرب هبا ربنا جل وعال يف قوله‪( :‬ﯞ ﯟ)‪ ،‬وبعد قصة قارون‬
‫قوله‪( :‬ﯙ ﯚ)‪ ،‬وبرش هبا موسى ونبينا عليهام الصالة والسالم‪.‬‬
‫أمرا‪ ،‬ويقع يف آخره من خري ورش‪ ،‬إال أهنا‬
‫«وحقيقة العاقبة‪ :‬أهنا كل ما يعقب ً‬
‫غلب استعامهلا يف أمور اخلري‪ ،‬فاملعنى‪ :‬أن التقوى جتيء يف هنايتها عواقب خري‪.‬‬
‫والالم ‪ -‬يف قوله‪( :‬ﯟ)‪ ،‬و(ﯚ) ِ‬
‫للملك‪ ،‬حتقي ًقا إلرادة اخلري‬
‫من العاقبة؛ ألن شأن الم امللك أن تدل عىل نوال األمر املرغوب‪ ،‬وإنام يطرد ذلك يف‬
‫أيضا للتقوى‪.‬‬
‫عاقبة خري اآلخرة‪ ،‬وقد تكون العاقبة يف خري الدنيا ً‬
‫وجاءت هذه اجلملة هبذا األسلوب لتؤكد معنى العموم‪ ،‬أي‪ :‬ال تكون العاقبة‬
‫إال للتقوى‪ ،‬فهذه اجلملة أرسلت جمرى املثل»()‪.‬‬
‫ما أحوجنا ونحن نشاهد ما نشاهد ْ‬
‫‪-‬إن عىل املستوى الفردي أو اجلامعي‪ -‬أن‬
‫نتأمل هذه القاعدة!‬
‫ولنبدأ باإلشارة إىل املستوى اجلامعي‪:‬‬
‫فإن أمة اإلسالم متر منذ قرون بحالة من الضعف والتفرق وتسلط األعداء عىل‬
‫كثري من أبنائها‪ ،‬وهذه ٌ‬
‫حال جتعل بعض الناس من املنتسبني لإلسالم قد يبحث عن‬
‫موطئ قدم خارج دائرة اإلسالم؛ فيذهب غر ًبا أو رش ًقا؛ بح ًثا عن مبادئ أخرى‪،‬‬
‫ومذاهب خمتلفة‪ ،‬ال تمَُت إىل اإلسالم بصلة‪ ،‬بسبب شعوره البائس هبزيمة داخلية!‬

‫ التحرير والتنوير‪ )193 /9( :‬بترصف يسري‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫القاعدة‬
‫اخلام�سة ع�رش‬

‫وملا تعانيه األمة اإلسالمية من تفرق وترشذم! ويف الوقت ذاته‪ :‬انبهاره بالتقدم املادي‪،‬‬
‫وما يوجد يف تلك البالد من حماسن تتعلق بحقوق اإلنسان‪ ،‬وغريها من املجاالت‪.‬‬
‫واملؤمل يف أمثال هؤالء‪ :‬أهنم مل يروا من حضارة الرشق أو الغرب إال اجلانب‬
‫اإلجيايب واحلسن‪ ،‬وعميت أبصارهم‪ ،‬أو تعاموا عن اجلوانب املظلمة ‪-‬وما أكثرها‪!-‬‬
‫هذه احلضارة التي اعتنت باجلسد‪ ،‬وأمهلت الروح‪ ،‬وعمرت الدنيا وخربت اآلخرة‪،‬‬
‫ّ‬
‫وسخرت ما متلكه من أسباب مادية يف التسلط عىل الشعوب املستضعفة‪ ،‬وفرض‬
‫ثقافتها‪ ،‬وأجندهتا عىل من تشاء!‬
‫وعىل سبيل املثال‪ :‬فإن نظام الثورة الفرنسية الذي قرر مبادئ حقوق اإلنسان‬
‫واملساواة بني البرش ‪-‬كام يزعم واضعوه‪ -‬مل يمنعه من إبادة ثلث سكان جزيرة‬
‫هاييتي؛ ألهنم متردوا عىل العبودية! كام أن القائد الفرنيس املشهور نابليون ‪-‬الذي‬
‫أنجبته الثورة الفرنسية‪ -‬جاء إىل بالد مرص‪ ،‬ليحتلها ويقيم نظا ًما استعامر ًيا فيها‪.‬‬
‫واألمثلة كثرية ال يتسع املقام لرسدها‪ ،‬فضلاً عن التفصيل فيها‪ ،‬ولكن لعل من‬
‫املناسب أن نُذكّر بقضية اهنيار النظام االقتصادي الرأساميل! الذي قام عىل مصادمة‬
‫منهج اهلل العادل يف شأن املال‪ ،‬فرأى أربابه صدق ما توعد اهلل به أكلة الربا من املحق‪،‬‬
‫ويف كل يوم نسمع عن مليارات ضائعة‪ ،‬ورشكات عاملية أفلست‪ ،‬ومئات من البنوك‬
‫ُأغلقت عىل مستوى العامل! حينها قال من قال‪ :‬ال بد من العودة إىل املنهج اإلسالمي‬
‫يف االقتصاد! وصدق اهلل‪( :‬ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ)‪ ،‬وصدق اهلل‪:‬‬
‫(ﯞ ﯟ)‪.‬‬
‫أال ما أحوج الدول اإلسالمية‪ ،‬واجلامعات اإلسالمية ‪-‬يف بقاع األرض‪ -‬إىل‬
‫أن يتدبروا هذه القاعدة جيدً ا‪ ،‬وأن يتأملوا يف العواقب التي جناها خمالفوا التقوى يف‬
‫األنظمة واحلكم والسلوك‪.‬‬

‫‪99‬‬

‬‬ ‫وكذلك الداعية إىل اهلل‪ ،‬من أحوج ما يكون إليها وهو يسري يف طريق الدعوة‬ ‫نارصا‪،‬‬ ‫وخصوصا إذا كان ال جيد معينًا وال ً‬ ‫ً‬ ‫الطويل‪ ،‬وامليلء باالبتالء باخلري أو بالرش‪،‬‬ ‫مناهضا ومعاد ًيا!‬ ‫ً‬ ‫بل قد جيد‬ ‫‪100‬‬ .‫ومن تدبر جميء قوله تعاىل ‪-‬عىل لسان موسى وهو خياطب قومه املضطهدين‬ ‫عدة قرون‪( :-‬ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬ ‫ﯗﯘﯙﯚ) [األعراف‪ ]128 :‬عرف حاجة الدول واملجتمعات لتدبر‬ ‫هذه اآلية جيدً ا‪ ،‬وأن وعد اهلل ال يتخلف ملن اتقاه دولاً كانوا أو شعو ًبا‪ ،‬وتأمل قول‬ ‫‪( :‬ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬ ‫َم ْن عواقب األمور كلها إليه‬ ‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [احلج‪.]41:‬‬ ‫ومن أراد أن يعرف اآلثار السيئة التي لقيها العامل حني َب ُعد املسلمون عن دينهم‪،‬‬ ‫‪:‬‬ ‫وخسارة العامل لعظيم مبادئ اإلسالم؛ فليقرأ كتاب الشيخ أيب احلسن الندوي‬ ‫(ماذا خرس العامل بانحطاط املسلمني)؟!‬ ‫أما عىل املستوى الفردي‪ ،‬فإن احلديث فيها حيتاج إىل بسط أكثر‪ ،‬ولكن حسبنا يف‬ ‫مقامنا هذا أن نشري إشارة ُمذكّرة بأمهية هذه القاعدة يف حياتنا اليومية‪:‬‬ ‫فإن آية القصص‪( :‬ﯙ ﯚ) جاءت بعد قصة قارون الذي مل يصرب‬ ‫عىل شهوة املال!‬ ‫ويف هذا إشارة إىل حاجة العبد ‪-‬رجلاً كان أو امرأة‪ -‬لتدبر هذه القاعدة‪،‬‬ ‫لتهون‬ ‫؛ ّ‬ ‫خصوصا وهو يعيش يف جو من املغريات والفتن والصوارف عن دين اهلل‬ ‫ً‬ ‫رب عن الشهوات وامللذات املحرمة‪ ،‬فكلام دعته نفسه إىل ما خيالف التقوى‪،‬‬ ‫عليه الص َ‬ ‫فليذكرها بحسن العاقبة للمتقني يف الدنيا واآلخرة‪.

)289 /2( :‬‬ ‫‪101‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة ع�رش‬ ‫بعد أن ذكر شي ًئا مما تعرض له إمام الدعاة‬ ‫يقول شيخنا العالمة ابن باز‬ ‫حممد × من أذى وابتالء‪:‬‬ ‫«فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم؟ أو يقول‪ :‬متى كنت متق ًيا أو مؤمنًا فال‬ ‫يصيبني يشء؟! ليس األمر كذلك بل البد من االمتحان‪ ،‬ومن صرب حمَ ِدَ العاقبة‪ ،‬كام قال‬ ‫اهلل جل وعال‪( :‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)‪( ،‬ﯞ ﯟ) فالعاقبة احلميدة‬ ‫ألهل التقوى‪ ،‬متى صربوا واحتسبوا وأخلصوا هلل وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه‬ ‫‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫النفوس‪ ،‬فالعاقبة هلم يف الدنيا واآلخرة‪ ،‬كام قال‬ ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ)‪.‬‬ ‫فأنت ‪-‬يا عبد اهلل‪ -‬يف أشد احلاجة إىل تقوى ربك ولزومها‪ ،‬واالستقامة عليها‪،‬‬ ‫ولو جرى ما جرى من االمتحان‪ ،‬ولو أصابك ما أصابك من األذى أو االستهزاء‬ ‫من أعداء اهلل‪ ،‬أو من الفسقة واملجرمني فال ِ‬ ‫تبال‪ ،‬واذكر الرسل ‪-‬عليهم الصالة‬ ‫والسالم‪ ،-‬واذكر أتباعهم بإحسان؛ فقد أوذوا‪ ،‬واستهزئ هبم‪ ،‬وسخر هبم‪ ،‬ولكنهم‬ ‫صربوا؛ فكانت هلم العاقبة احلميدة يف الدنيا واآلخرة‪ ،‬فأنت يا أخي كذلك اصرب‬ ‫وصابر»()‪.‬‬ ‫ومفهوم هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪ :‬أن كل من مل يكن تق ًيا يف أحواله‪ ،‬أو‬ ‫دهرا‪ ،‬وهذه سنة اهلل يف خلقه‪ ،‬وقد‬ ‫أفعاله‪ ،‬فال عاقبة له حسنة‪ ،‬وإن ُأمهل زمانًا‪ ،‬أو ت َ‬ ‫ُرك ً‬ ‫كان شيخ اإلسالم ابن تيمية يستدل هبذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯙ ﯚ)‬ ‫وبأمثاهلا ‪-‬إبان هجوم التتار عىل بالد اإلسالم‪ -‬وكان يقسم باهلل أن التتار لن ُينرصوا‪،‬‬ ‫بل سيخذلون وينكرسون‪ ،‬وكان مما قاله حينها‪« :‬واعلموا ‪-‬أصلحكم اهلل‪ -‬أن النرصة‬ ‫للمؤمنني‪ ،‬والعاقبة للمتقني‪ ،‬وأن اهلل مع الذين اتقوا والذين هم حمسنون‪ ،‬وهؤالء‬ ‫ جمموع فتاوى ابن باز‪.

)419 / 28‬‬ ‫‪102‬‬ .‬‬ ‫ ينظر‪ :‬جمموع الفتاوى (‪ ،)125 /3‬و (‪.‬‬ ‫اللهم ارزقنا تقواك‪ ،‬واجعلنا من عبادك املخلصني‪.‫القوم مقهورون مقموعون‪ ،‬واهلل سبحانه وتعاىل نارصنا عليهم‪ ،‬ومنتقم لنا منهم‪،‬‬ ‫وال حول وال قوة إال باهلل العيل العظيم؛ فأبرشوا بنرص اهلل تعاىل وبحسن عاقبته‪،‬‬ ‫وهذا أمر قد تيقناه وحتققناه واحلمد هلل رب العاملني»‬ ‫()‪.

‫القاعدة‬
‫ال�ساد�سة‬
‫ع�شر‬
‫(ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ)‬

‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة‪ ،‬حيتاجها اإلنسان يف مقام التمييز بني األقوال واألفعال‪،‬‬
‫والسلوكيات واملقاالت‪.‬‬
‫حمسوسا‪ ،‬أو شي ًئا‬
‫ً‬ ‫واخلبيث‪ :‬ما ُيكره بسبب رداءته وخساسته‪ ،‬سواء كان شي ًئا‬
‫ٍ‬
‫باطل ورديء يف االعتقاد‪ ،‬والكذب يف املقال‪،‬‬ ‫معنو ًيا‪ ،‬فاخلبيث إ ًذا يتناول‪ :‬كل قول‬
‫والقبيح من الفعال‪ ،‬فكل خبيث‪ :‬ال حيبه اهلل وال يرضاه‪ ،‬بل مآله إىل جهنم‪ ،‬كام‬
‫‪( :‬ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ)‬ ‫قال‬
‫[األنفال‪.]37 :‬‬
‫وإذا تبني معنى اخلبيث ههنا؛ فإن الطيب بعكسه فيدخل فيه الواجب واملستحب‬
‫واملباح ‪-‬من األقوال واألفعال والصحيح من املعتقدات‪ -‬فدخل يف هذه القاعدة كل‬
‫ما حيبه اهلل تعاىل ويرضاه من الواجبات واملستحبات واملباحات‪.‬‬
‫فال يستوي اإليامن والكفر‪ ،‬وال الطاعة واملعصية‪ ،‬وال أهل اجلنة وأهل النار‪،‬‬
‫وال األعامل اخلبيثة واألعامل الطيبة‪ ،‬وال املال احلرام باملال احلالل()‪.‬‬

‫  ينظر‪ :‬مفردات الراغب (‪ ،)272‬وتفسري ابن جزي والسعدي هلذه اآلية‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫وهذه القاعدة القرآنية هي صدر اآلية الكريمة‪( :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [املائدة‪:‬‬

‫‪ ،]100‬والتي سيقت يف معرض احلديث عن أنواع من املطاعم واملشارب والصيد‪،‬‬
‫وتفصيل احلرام واحلالل فيها‪.‬‬
‫وال ريب أن الغرض من اآلية ليس جمرد اإلخبار بأن اخلبيث ال يستوي هو‬
‫والطيب‪ ،‬فذلك أمر مركوز يف ِ‬
‫الف َطر‪ ،‬بل الغرض‪ :‬احلث والرتغيب يف تتبع كل طيب‬ ‫ٌ‬
‫من القول والعمل واالعتقاد واملكسب‪ ،‬والتنفري من كل خبيث من القول والعمل‬
‫واالعتقاد واملكسب‪.‬‬
‫وملا كان يف بعض النفوس ٌ‬
‫ميل إىل بعض األقوال أو األفعال أو املكاسب اخلبيثة‪،‬‬
‫كثري من الناس يؤثر العاجل عىل اآلجل‪ ،‬والفاين عىل الباقي؛ جاء التحذير‬
‫وكان ٌ‬
‫من اخلبيث بأسلوب عجيب يقطع الطريق عىل من قد حيتج بكثرة من يتناول هذا‬
‫اخلبيث‪ ،‬فقال ‪( :‬ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) وذلك أن يف بعض اخلبائث يش ٌء‬
‫من اللذة احلسية أو املعنوية‪ ،‬كاحلصول عىل ٍ‬
‫مال كثري لكن من طريق حرام‪ ،‬أو‬
‫الوصول إىل اللذة اجلسدية عن طريق الزنا‪ ،‬أو اخلمر أو غريمها من امللذات املحرمة‪،‬‬
‫فهذه قد تغري اإلنسان‪ ،‬وتعجبه‪ ،‬إال أنه مع كثرة مقداره‪ ،‬ولذاذة متناوله‪ ،‬وقرب‬
‫وجدانه‪ ،‬سبب للحرمان من السعادات الباقية األبدية الرسمدية التي إليها اإلشارة‬
‫بقوله‪( :‬ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ) [الكهف‪ ،]46 :‬وإذا كان األمر كذلك‬
‫فاخلبيث ‪-‬ولو أعجبك كثرته‪ -‬يمتنع أن يكون مساو ًيا للطيب الذي أعظمه‪ :‬معرفة‬
‫من استقام عىل‬ ‫اهلل وحمبته‪ ،‬وطاعته‪ ،‬فتلك هي ‪-‬واهلل‪ -‬احلياة الطيبة التي وعد هبا‬
‫أمره‪ ،‬بأن يطيب عيشه يف الدنيا والربزخ واآلخرة‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ‬

‫‪104‬‬

‫القاعدة‬
‫ال�ساد�سة ع�رش‬

‫ﮛ) [النحل‪ ]97 :‬هؤالء هم الذين طابت أقواهلم وأفعاهلم وحياهتم‪ ،‬فطاب‬
‫‪( :‬ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [النحل‪]32 :‬‬ ‫مماهتم ورجوعهم إىل اهلل‪ ،‬كام قال‬
‫نسأل اهلل الكريم املنان من فضله الواسع العظيم‪.‬‬
‫ولعظيم موقع هذه القاعدة وما د ّلت عليه‪ ،‬فإن املتأمل للقرآن جيد عج ًبا من‬
‫كثرة التأكيد عىل العمل بام د ّلت عليه هذه القاعدة! ومن ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬التأكيد عىل رضورة العناية باملكاسب الطيبة‪ ،‬ومل يستثن اهلل أحدً ا من عباده‬
‫املؤمنني يف احلث عىل هذا األمر‪ ،‬باإلضافة إىل العمومات اآلمرة بطيب املكسب‪،‬‬
‫كقوله تعاىل‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ‬
‫ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) [البقرة‪ ]168 :‬إال أن اهلل تعاىل خص الرسل عليهم الصالة‬
‫حسا ومعنى‪ -‬بخطاب خاص يف هذه املسألة‬
‫والسالم ‪-‬الذين كانوا أطيب الناس ً‬
‫بالذات‪ ،‬فقال تعاىل‪( :‬ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬
‫ﮬ) [املؤمنون‪.]51 :‬‬
‫ُّ‬
‫وكل هذا يؤكد رضورة العناية هبذا الباب العظيم الذي هو طيب املكسب‪ ،‬ولقد‬
‫كان سلفنا الصالح شديدي العناية هبذه املسألة‪ ،‬ولربام سافر أحدهم مئات األميال‪،‬‬
‫وتغرب عن وطنه‪ ،‬كل ذلك بح ًثا عن لقمة طيبة حالل‪ ،‬حتى قال سفيان الثوري‪ :‬إن‬
‫طلب احلالل هو عمل األبطال‪.‬‬
‫ولقد كان من أعظم أسباب العناية بطيب املكسب عند أسالفنا أمور‪ ،‬من‬
‫أمهها‪:‬‬
‫أ‪ -‬أن اهلل طيب ال يقبل إال طي ًبا كام قال النبي ×‪.‬‬
‫ب‪ -‬ومنها‪ :‬أن هذه املكاسب مما تنبت عليها األجساد‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وص به‪ :‬كثرة الصدقة كلام كثر املال‪ ،‬أو قويت فيه الشبهة؛ كام‬
‫وهلذا فإن مما ُي ىَ‬
‫أوىص بذلك النبي × من يتعاطون التجارة‪ ،‬حيث يقول × ‪ -‬فيام رواه أهل السنن‬
‫قال‪ :‬خرج علينا رسول اهلل × ‪-‬ونحن نسمى‬ ‫‪ :-‬من حديث قيس بن أيب غرزة‬
‫السامرسة‪ -‬فقال‪« :‬يا معرش الت َُّّجار! إن الشيطان واإلثم حيرضان البيع فشوبوا بيعكم‬
‫بالصدقة» قال الرتمذي‪ :‬حديث حسن صحيح()‪.‬‬
‫وإذا كان هذا شأن املكسب الطيب ‪ -‬فعىل الناصح لنفسه أن جيتهد يف حتقيقه‪،‬‬
‫خصوصا وقد اتسعت عىل الناس اليوم أنواع من املكاسب‬
‫ً‬ ‫واحلذر من أي يشء يكدره‪،‬‬
‫املحرمة فضلاً عن املختلطة واملشتبهة‪ ،‬كبعض الرشكات املوجودة يف أسواق األسهم‬
‫املحلية والعاملية‪.‬‬
‫‪ -2‬ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪ :‬أنه ال يصح ‪ -‬أبدً ا ‪ -‬أن نجعل‬
‫أمر‬ ‫ٍ‬
‫مقياسا لطيب يشء ما‪ ،‬وصحته وسالمته من املحاذير الرشعية‪ ،‬وهذا ٌ‬ ‫ً‬ ‫الكثرة‬
‫يصدق عىل األقوال واألفعال واملعتقدات‪ ،‬بل جيب أن نحكم عىل األشياء بكيفيتها‬
‫وصفتها وبمدى موافقتها للرشع املطهر‪.‬‬
‫تأمل ‪-‬مثلاً ‪ -‬يف قلة أتباع الرسل وكثرة أعدائهم‪( :‬ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) [األنعام‪ ،]116 :‬وهذا مما يؤكد عىل الداعية أمهية‬
‫موضع‬
‫ٌ‬ ‫العناية باملنهج وسالمته‪ ،‬وأن ال يكون ذلك عىل حساب كثرة األتباع! وهذا‬
‫ال يفقهه إال من وفقه اهلل تعاىل‪ ،‬وال يصرب عليه إال من أعانه اهلل وسدده؛ ألن يف الكثرة‬
‫فتنة‪ ،‬ويف القلة ابتالء‪.‬‬
‫وإليك مثالاً ثال ًثا جييل لك معنى هذه القاعدة بوضوح‪ ،‬وهو أن تتأمل يف كثرة‬
‫‪:‬‬ ‫املقاالت والعقائد الباطلة وكيف أن املعتقد احلق هو يشء واحدٌ فقط‪ ،‬قال‬

‫ الرتمذي ح (‪ )1208‬وقال‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫القاعدة‬
‫ال�ساد�سة ع�رش‬

‫(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ)‬
‫[األنعام‪.]153 :‬‬
‫وواهلل ما يف اخلبيث من لذة إال ويف الط ّيب مثلها وأحسن‪ ،‬مع أ ْم ٍن من سوء‬
‫العاقبة يف الدنيا واآلخرة‪ ،‬والعاقل حني يتحرر من هواه‪ ،‬ويمتلئ قلبه من التقوى‬
‫ومراقبة اهلل تعاىل؛ فإنه ال خيتار إال الطيب‪ ،‬بل إن نفسه ستعاف اخلبيث‪ ،‬ولو كان‬
‫ذلك عىل حساب فوات لذات‪ ،‬وحلوق مشقات؛ فينتهي األمر إىل الفالح يف الدنيا‬
‫واآلخرة‪ ،‬مسل ًّيا نفسه بقوله تعاىل‪( :‬ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯚ) [النساء‪.]77 :‬‬
‫اللهم جعلنا من الذين طابت أقواهلم وأفعاهلم‪ ،‬فطاب منقلبهم ومآهلم‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬
‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬
‫يف النفس واحلياة‬

‬‬ ‫وهذا التنصيص عىل هذين الوصفني هو من وفور عقل هذه املرأة التي رأت‬ ‫اكتامل هاتني الصفتني يف موسى‪ ،‬فإهنام من املطالب التي يتفق عليها عقالء البرش يف‬ ‫‪109‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫ع�شر‬ ‫(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد القرآنية املحكمة يف أبواب املعامالت‪ ،‬والعالقات بني‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية جاءت يف سياق قصة موسى مع صاحب مدين ‪-‬يف‬ ‫عاجزا عن طلب املاء فخرجت ابنتاه للسقيا‪ ،‬بيد أهنام‬ ‫ً‬ ‫سورة القصص‪ ،-‬والذي كان‬ ‫انتظارا لصدور الناس عن البئر‪ ،‬إال أن مروءة موسى وشهامته محلته عىل أن‬ ‫ً‬ ‫تأخرتا‬ ‫ُ‬ ‫الفعل‬ ‫فأعجب هذا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫والسقي هلام‪،‬‬ ‫يبادر ‪-‬من غري أن ينتظر سؤاهلام‪ -‬بقضاء حاجتهام‪،‬‬ ‫الفتاتني‪ ،‬فذكرتاه لوالدمها املقعد عن العمل‪ ،‬فأرسل يف طلبه‪ ،‬فلام جاء وحدثه بخربه‪،‬‬ ‫قالت له إحدامها ‪-‬وهي العاملة بعجز والدها عن القيام بمهام الرجال‪( :-‬ﮫ‬ ‫ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) [القصص‪ ]26 :‬فقوهلا‪( :‬ﮮ ﮯ‬ ‫ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) تعليل لطلبها‪ ،‬فالقوة‪ :‬يف العمل‪ ،‬واألمانة‪ :‬يف أدائه عىل‬ ‫الوجه املطلوب‪.

‬‬ ‫أمرا من األمور‪،‬‬ ‫وقد أخذ العلامء ‪-‬رمحهم اهلل‪ -‬هذه اآلية مأخذ القاعدة فيمن ييل ً‬ ‫وأن األحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان‪ ،‬وكلام كانت املهمة واملسؤولية‬ ‫أعظم‪ ،‬كان التشدد يف حتقق هاتني الصفتني أكثر وأكرب‪.)400( :‬‬ ‫‪110‬‬ .‬‬ ‫* املوضع الثاين هو قول يوسف ‪-‬عليه الصالة والسالم‪ِ -‬‬ ‫للملك‪( :‬ﭵ ﭶ‬ ‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ) [يوسف‪.]55 :‬‬ ‫«أي‪ :‬حفيظ للذي أتواله‪ ،‬فال يضيع منه يشء يف غري حمله‪ ،‬وضابط للداخل‬ ‫واخلارج‪ ،‬عليم بكيفية التدبري واإلعطاء واملنع‪ ،‬والترصف يف مجيع أنواع الترصفات‪،‬‬ ‫حرصا من يوسف عىل الوالية‪ ،‬وإنام هو رغبة منه يف النفع العام‪ ،‬وقد‬ ‫ً‬ ‫وليس ذلك‬ ‫عرف من نفسه من الكفاءة واألمانة واحلفظ ما مل يكونوا يعرفونه»()‪. ‫مجيع األمم والرشائع‪.‬‬ ‫ظاهرا وب ّينًا بني هاتني الصفتني (القوة‬ ‫ً‬ ‫إن من تأمل القرآن الكريم وجد تالز ًما‬ ‫واألمانة) يف عدة مواضع‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫* ما وصف اهلل به مب ِّلغ الوحي والرساالت إىل األنبياء والرسل عليهم الصالة‬ ‫‪( :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ‬ ‫والسالم‪ :‬جربيل‪ ،‬يف قوله‬ ‫ﮥ ﮦ ﮧ) [التكوير‪ ]21 -19 :‬فانظر كم وص ًفا وصف اهلل به هذا الرسول امللكي‬ ‫الكريم! ومن ذلك وصفه بالقوة واألمانة‪ ،‬ومها من أعظم عنارص النجاح والكامل‬ ‫فيمن يؤدي عملاً من األعامل‪.‬‬ ‫وال خيفى أن إدارة أموال جمموعة من األيتام حتتاج إىل هاتني الصفتني‪ ،‬فكيف‬ ‫يوسف‬ ‫ُ‬ ‫أبرز‬ ‫بإدارة أموال تتعلق بجامعة؟! أم كيف بإدارة أموال دولة بأكملها؟! وهلذا َ‬ ‫ تفسري السعدي‪.

‬والقوة يف احلكم بني الناس ترجع إىل العلم بالعدل‬ ‫الذي دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وإىل القدرة عىل تنفيذ األحكام‪...‬‬ ‫* أما املوضع الثالث فهو‪:‬‬ ‫ما جاء يف قصة سليامن ‪-‬عليه الصالة والسالم‪ ،-‬وهو يعرض عىل من كان‬ ‫أمر إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ‪( :‬ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬ ‫عنده َ‬ ‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ)‬ ‫[النمل‪.‬والقوة يف كل‬ ‫والية بحسبها‪ :‬فالقوة يف إمارة احلرب ترجع إىل شجاعة القلب وإىل اخلربة باحلروب‬ ‫واملخادعة فيها‪ ،‬فإن احلرب َخدْ َع ٌة‪ ،‬وإىل القدرة عىل أنواع القتال‪ :‬من رمي وطعن‬ ‫ورضب وركوب وكر وفر‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫وترك خشية الناس‪،‬‬ ‫واألمانة ترجع إىل خشية اهلل‪ ،‬وأال يشرتي بآياته ثمنًا قليلاً ‪،‬‬ ‫وهذه اخلصال الثالث التي اختذها اهلل عىل كل من َحكم عىل الناس يف قوله تعاىل‪:‬‬ ‫(ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬ ‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [املائدة‪ »]44 :‬إىل أن قال‪:‬‬ ‫‪111‬‬ .. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة ع�رش‬ ‫‪-‬عليه الصالة والسالم‪ -‬هاتني الصفتني‪ ،‬ومدح نفسه هبام‪ ،‬ال لذات املدح‪ ،‬بل ألن‬ ‫خصوصا‬ ‫ً‬ ‫الوضع االقتصادي يف مرص آنذاك يقتيض مبادرة يف ضبط إدارة أمواهلا‪،‬‬ ‫وقد كانت مقبلة ‪-‬بحسب الرؤيا‪ -‬عىل سنني عجاف جمدبات‪ ،‬حتتاج إىل حكمة‬ ‫وتعقل يف الرصف‪.]39 -38 :‬‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية معل ًقا عىل هذه املواضع الثالثة بكالم نفيس‪ ،‬أنقل‬ ‫منه ما يناسب املقام‪:‬‬ ‫«وينبغي أن يعرف األصلح يف كل منصب؛ فإن الوالية هلا ركنان‪ :‬القوة‬ ‫واألمانة كام قال تعاىل‪( :‬ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ)‪ ..

‬‬ ‫‪112‬‬ ..‬‬ ‫ثم خلص كالمه الطويل يف تعليقه عىل هذه اآلية بقوله‪« :‬واملهم ‪-‬يف هذا الباب‪-‬‬ ‫معرف ُة األصلح‪ ،‬وذلك إنام يتم بمعرفة مقصود الوالية‪ ،‬ومعرفة طريق املقصود‪ ،‬فإذا‬ ‫ُع ِر َف ْت املقاصد والوسائل ت ََّم األمر»()‪..‫يقول‪:‬‬ ‫«اجتامع القوة واألمانة يف الناس قليل‪ ،‬وهلذا كان عمر بن اخلطاب‬ ‫اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة‪ ،‬فالواجب يف كل والية األصلح بحسبها‪،‬‬ ‫فإذا تعني رجالن أحدمها أعظم أمانة‪ ،‬واآلخر أعظم قوةً‪ ،‬قدم أنفعهام لتلك الوالية‪،‬‬ ‫رضرا فيها‪ ،‬فتقدم يف إمارة احلروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه‬ ‫ً‬ ‫وأقلهام‬ ‫فجور‪ ،‬عىل الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا‪ ،‬كام سئل اإلمام أمحد‪ :‬عن الرجلني‬ ‫يكونان أمريين يف الغزو‪ ،‬وأحدمها قوي فاجر‪ ،‬واآلخر صالح ضعيف مع أهيام ُيغزى؟‬ ‫فقال‪ :‬أما الفاجر القوي فقوته للمسلمني‪ ،‬وفجوره عىل نفسه‪ ،‬وأما الصالح الضعيف‬ ‫فصالحه لنفسه وضعفه عىل املسلمني‪ ،‬فيغزى مع القوي الفاجر‪.».‬‬ ‫ثم قال‪ :‬مبينًا منهج النبي × ومنهج يف هذا الباب‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ملصلحة مع أنه قد كان يكون مع األمري‬ ‫«ولذلك كان النبي × يستعمل الرجل‬ ‫من هو أفضل منه يف العلم واإليامن»‪.‬‬ ‫وكان‪ :‬قد قال كلمة تكتب بامء الذهب‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫«أن املؤدي لألمانة ‪-‬مع خمالفة هواه‪ -‬يثبته اهلل‪ ،‬فيحفظه يف أهله وماله بعده‪،‬‬ ‫واملطيع هلواه يعاقبه اهلل بنقيض قصده‪ ،‬فيذل أهله‪ ،‬ويذهب ماله‪ ،‬ويف ذلك احلكاية‬ ‫املشهورة‪ ،‬أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلامء أن حيدثه عام أدرك؟ فقال‪:‬‬ ‫أقفرت أفواه بنيك من هذا املال‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫أدركت عمر بن عبد العزيز‪ ،‬فقيل له‪ :‬يا أمري املؤمنني‬ ‫ ينظر‪ :‬السياسة الرشعية ‪ -‬مع تعليق شيخنا العثيمني عليها ص (‪ )63-42‬باختصار‬ ‫وترصف‪.

)338( :‬‬ ‫‪113‬‬ .‬هـ()‪.‬‬ ‫اللهم ارزقنا َ‬ ‫ يتكفف الناس‪ :‬أي يسأهلم بكفه‪.‬‬ ‫ومن أراد أن يتوسع يف فهم معاين هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪ ،‬فلرياجع ما كتبه‬ ‫شيخ اإلسالم ابن تيمية يف كتابه «السياسية الرشعية يف إصالح الراعي والرعية»‪.‬‬ ‫قلت (والكالم البن تيمية)‪ :‬هذا وقد كان خليفة املسلمني‪ ،‬من أقىص املرشق‬ ‫بالد الرتك‪ ،‬إىل أقىص املغرب‪ ،‬بالد األندلس وغريها‪ ،‬ومن جزيرة قربص‪ ،‬وثغور‬ ‫ٍ‬ ‫واحد من أوالده‪ ،‬من تركته شي ًئا‬ ‫الشام والعواصم‪ ،‬إىل أقىص اليمن‪ ،‬وإنام أخذ كل‬ ‫مها ‪ !-‬قال ‪ -‬أي هذا العامل الذي حيدث هبذه القصة‬ ‫يسريا‪ ،‬يقال‪ :‬أقل من عرشين در ً‬ ‫ً‬ ‫وحرضت بعض اخللفاء‪ ،‬وقد اقتسم تركتَه بنوه‪ ،‬فأخذ‬ ‫ُ‬ ‫ويعظ ذلك اخلليفة العبايس‪:-‬‬ ‫رأيت بعضهم‪ ،‬يتكفف الناس!!»()‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة ع�رش‬ ‫وتركتهم فقراء ال يشء هلم ‪ -‬وكان يف مرض موته‪ -‬فقال‪ :‬أدخلوهم عيل‪ ،‬فأدخلوهم‪،‬‬ ‫وهم بضع َة عرش ً‬ ‫ذكرا‪ ،‬ليس فيهم بالغ‪ ،‬فلام رآهم ذرفت عيناه‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا َبن َّي! واهلل‬ ‫ما منعتكم ح ًقا هو لكم‪ ،‬ومل أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم‪ ،‬وإنام أنتم‬ ‫أحد رجلني‪ :‬إما صالح‪ ،‬فاهلل يتوىل الصاحلني‪ ،‬وإما غري صالح‪ ،‬فال أترك له ما يستعني‬ ‫به عىل معصية اهلل‪ ،‬قوموا عني!‬ ‫قال هذا العامل ‪-‬الذي حيكي هذه القصة‪ :-‬فلقد رأيت بعض بنيه‪ ،‬محل عىل مائة‬ ‫فرس يف سبيل اهلل‪ ،‬يعني أعطاها ملن يغزو عليها‪.‬‬ ‫فهم كتابك والعمل به‪ ،‬واجعلنا ممن يقوم بحق ما واله اهلل عليه‪.‬‬ ‫ ينظر‪ :‬السياسة الرشعية ‪ -‬مع تعليق شيخنا العثيمني عليها ‪ -‬ص‪ ،)31-29( :‬وسرية عمر‬ ‫ابن عبد العزيز‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫واحد منهم ستّامئة ألف دينار‪ ،‬ولقد ُ‬ ‫ُّ‬ ‫كل‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪« :‬ويف هذا الباب من احلكايات والوقائع املشاهدة‬ ‫يف الزمان واملسموعة عام قبله‪ ،‬ما فيه عربة لكل ذي لب!» ا‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

]43 . ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫ع�شر‬ ‫(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‬ ‫تأيت هذه القاعدة القرآنية املحكمة لتبني سنة من سنن اهلل تعاىل يف تعامل اخللق‬ ‫مع بعضهم‪ ،‬وقد جاءت هذه القاعدة القرآنية يف سياق آيات يف سورة فاطر‪ ،‬حيسن‬ ‫ذكرها ليتضح معناها‪ ،‬يقول تعاىل عن طائفة من املعاندين()‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ‬ ‫ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ‬ ‫ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ‬ ‫ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [فاطر‪.)73/12‬‬ ‫‪115‬‬ .42 :‬‬ ‫ومعنى هذه القاعدة باختصار‪:‬‬ ‫أن هؤالء الكفار املعاندين أقسموا «باهلل أشد األَ ْيامن‪ :‬لئن جاءهم رسول من‬ ‫خيوفهم عقاب اهلل ليكو ُن َّن أكثر استقامة واتبا ًعا للحق من اليهود والنصارى‬ ‫عند اهلل ِّ‬ ‫ونفورا منه‪ ،‬وليس‬ ‫ً‬ ‫وغريهم‪ ،‬فلام جاءهم حممد × ما زادهم ذلك إال ُب ْعدً ا عن احلق‬ ‫استكبار يف األرض عىل اخللق‪ ،‬يريدون‬ ‫ٌ‬ ‫إقسامهم ل َق ْصد حسن وطل ًبا للحق‪ ،‬وإنام هو‬ ‫به املكر الس ِّيئ‪ ،‬واخلداع والباطل‪ ،‬وال حييق املكر السيئ إال بأهله‪ ،‬فهل ينتظر‬ ‫ ينظر يف بيان صفاهتم‪ :‬التحرير والتنوير (‪.

‬‬ ‫‪116‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬قوله اهلل تعاىل عمن أرادوا كيدً ا بنبي اهلل عيسى عليه الصالة والسالم‪:‬‬ ‫(ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) [آل عمران‪!]54 :‬‬ ‫‪ -3‬وملا حتايل املرشكون بأنواع احليل ألذية نبينا × قال اهلل عنهم‪( :‬ﮐ‬ ‫ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ‬ ‫ التفسري امليرس (تفسري املجمع)‪.]46 :‬‬ ‫وأما األمثلة الفردية التي تبني معاين هذه القاعدة‪ ،‬فكثرية يف كتاب اهلل تعاىل‪،‬‬ ‫لكن حسبنا أن نشري إىل بعضها‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬ما قصه اهلل تعاىل عن مكر إخوة يوسف بأخيهم‪ ،‬فامذا كانت العاقبة؟ يقول‬ ‫تعاىل‪( :‬ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [يوسف‪ ]102 :‬صحيح أن إخوته‬ ‫تابوا‪ ،‬لكن بعد أن آذوا أباهم وأخاهم بأنواع من األذى‪ ،‬فعاد مكرهم عىل غري‬ ‫مرادهم‪ ،‬وفاز بالعاقبة احلسنة‪ ،‬واملآل احلميد من صرب وعفا وح َلم‪.‬‬ ‫وهذا املعنى الذي قررته هذه القاعدة‪ ،‬جاء معناه يف آيات أخر من كتاب اهلل‬ ‫تعاىل‪ ،‬كقوله ‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ)‪ ،‬وقولِه تعاىل‪( :‬ﭜ‬ ‫ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) بل قد قرر اهلل تعاىل أن هذا األسلوب ‪-‬وهو املكر‪-‬‬ ‫‪( :‬ﰀ ﰁ‬ ‫منهج من مناهج أعداء الرسل مع األنبياء والرسل‪ ،‬فقال‬ ‫ٌ‬ ‫إنام هو‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ)‬ ‫‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬ ‫[الرعد‪ ،]42 :‬وقال‬ ‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [إبراهيم‪.‫املستكربون املاكرون إال العذاب الذي نزل بأمثاهلم الذين سبقوهم‪ ،‬فلن جتد لطريقة‬ ‫اهلل تبديلاً وال حتويلاً فال يستطيع أحد أن ُي َبدِّ ل‪ ،‬وال أن يحُ َ ِّول العذاب عن نفسه أو‬ ‫غريه»()‪.

‬‬ ‫ولعلك تالحظ يف هذه القاعدة القرآنية‪ :‬أن املكر أضيف إىل السوء (ﯣ ﯤ‬ ‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‪ ،‬وهذا يوضح أن املكر من حيث هو ال ُيذم وال ُيمدح إال‬ ‫املكر لغاية صحيحة فهو ممدوح‪ ،‬وإال فال‪.‬‬ ‫بالنظر يف عاقبته‪ ،‬فإن كان ُ‬ ‫ومن بالغة البيان القرآين‪ :‬التعبري با َ‬ ‫حليق مع كلمة املكر‪ ،‬يف قوله‪( :‬ﯣ ﯤ‬ ‫ﯥ) فالعرب تقول‪ :‬حاق به املكروه حييق به حي ًقا‪ ،‬إذا نزل به وأحاط به‪ ،‬وال‬ ‫ يف ظالل القرآن‪.127 :‬‬ ‫«فاهلل حافظه من املكر والكيد‪ ،‬ال يدعه للامكرين الكائدين وهو خملص يف دعوته‪،‬‬ ‫ال يبتغي من ورائها شي ًئا لنفسه‪ ،‬ولقد يقع به األذى المتحان صربه‪ ،‬ويبطئ عليه‬ ‫النرص البتالء ثقته بربه‪ ،‬ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ‬ ‫ﰄ ﰅ ﰆ) ومن كان اهلل معه فال عليه ممن يكيدون وممن يمكرون»()‪،‬‬ ‫واملهم أن حيفظ سياج التقوى‪ ،‬وال يقطع إحسانه إىل اخللق‪ ،‬ثم ليبرش بعد ذلك ببطالن‬ ‫كيد املاكرين‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة ع�رش‬ ‫ﮡ) [األنفال‪ ،]30 :‬فكانت العاقبة له عليه الصالة والسالم‪.]128 .)499/4( :‬‬ ‫‪117‬‬ .‬‬ ‫عظيم؛ ساله اهلل بآية عظيمة‪،‬‬ ‫كثريا‪ ،‬والكيدُ له اً‬ ‫وهلذا ملا كان املكر برسول اهلل × ً‬ ‫تبعث عىل الثقة والطمأنينة‪ ،‬واألمل والراحة‪ ،‬ليس له × وحده‪ ،‬بل لكل داعية‬ ‫‪( :‬ﯯ ﯰ‬ ‫يسري عىل هنجه ممن قد يشعر بكيد الكائدين ومكر املاكرين‪ ،‬فقال‬ ‫ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ‬ ‫ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ) [النحل‪.‬‬ ‫فكثري جدًّ ا‪ ،‬ومن قرأ التاريخ قراءة املتدبر املتأمل؛‬ ‫ٌ‬ ‫السنة‪ ،‬ويف التاريخ‬ ‫وأما يف ُ‬ ‫ربا‪ ،‬وأدرك معنى هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ‬ ‫ِ‬ ‫وجد من ذلك ع ً‬ ‫ﯦ ﯧ ﯨ)‪.

‬‬ ‫وكم يف هذا العامل من نواميس مغفول عنها‪ ،‬وقد قال اهلل تعاىل‪( :‬ﮌ ﮍ ﮎ‬ ‫ﮏ)‪ ،‬ويف كتاب ابن املبارك يف «الزهد» بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول اهلل ×‬ ‫ماكرا؛ فإن اهلل يقول‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)»‪.)153/4‬‬ ‫ التحرير والتنوير‪. ‫يطلق إال عىل إحاطة املكروه خاصة‪ ،‬فال تقول‪ :‬حاق به اخلري‪ ،‬بمعنى‪ :‬أحاط به()‪.‬‬ ‫‪( :‬ﯪ‬ ‫ولعلك تتأمل يف احلكمة من اتباع هذه القاعدة القرآنية بقوله‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) ليتبني أن‬ ‫هذه القاعدة القرآنية مطردة‪ ،‬ويف ذلك من التحذير من مكر السوء ما فيه‪.)336-335/22( :‬‬ ‫‪118‬‬ .‬‬ ‫ِ‬ ‫قال‪« :‬ال متكر‪ ،‬وال تُعن ً‬ ‫ومن كالم العرب‪ :‬من حفر ألخيه ج ًبا‪ ،‬وقع فيه منك ًبا!‬ ‫فكم اهنالت من خالل هذه اآلية من آداب عمرانية‪ ،‬ومعجزات قرآنية‪،‬‬ ‫ومعجزات نبوية خفية»()‪.‬‬ ‫وإذا أردنا أن ننظر يف آثار هذه القاعدة القرآنية عىل أهلها يف الدنيا واآلخرة‪،‬‬ ‫ ينظر‪ :‬أضواء البيان (‪.‬‬ ‫وإذا تقرر أن العربة بعموم اللفظ ال بخصوص السبب؛ فإنه يدخل يف هذه اآلية‬ ‫كل ٍ‬ ‫مكر يسء‪ ،‬يقول العالمة ابن عاشور مبينًا علة اطراد وثبات هذه القاعدة (ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‪« :‬ألن أمثال هذه املعامالت الضارة تؤول إىل ارتفاع ثقة‬ ‫الناس بعضهم ببعض‪ ،‬واهلل بنى نظام هذا العامل عىل تعاون الناس بعضهم مع بعض؛‬ ‫بعضا تنكر بعضهم‬ ‫ألن اإلنسان مدين بالطبع‪ ،‬فإذا مل يأمن أفراد اإلنسان بعضهم ً‬ ‫لبعض‪ ،‬وتبادروا اإلرضار واإلهالك؛ ليفوز كل واحد بكيد اآلخر قبل أن يقع فيه؛‬ ‫فيفيض ذلك إىل فساد كبري يف العامل‪ ،‬واهلل ال حيب الفساد‪ ،‬وال رض عبيده إال حيث‬ ‫تأذن رشائعه بيشء‪.

‬‬ ‫أمثل ًة تطبيقية وعملية من واقع الناس هلذه القاعدة يف‬ ‫‪ -‬وقد ذكر ابن القيم‬ ‫سياق حديثه عن املتحايلني عىل األحكام الرشعية‪ ،‬كاملتحايلني عىل أكل الربا ببعض‬ ‫املعامالت‪ ،‬أو حيتالون عىل بعض األنكحة‪ ،‬وأمثال هؤالء‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)3581‬ومسلم ح (‪..‬‬ ‫ سري أعالم النبالء‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة ع�رش‬ ‫فلنتأمل هذه القصص التي ذكرها ربنا يف كتابه عن أهل املكر بأوليائه والدعاة إىل‬ ‫سبيله‪ ،‬فباإلضافة إىل ما سبق ذكره عن مجلة من األنبياء‪ ،‬نجد أمثلة أخرى ألتباعهم‪،‬‬ ‫نجاهم اهلل فيها من مكر األعداء‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -‬فرعون! كم كاد لبني إرسائيل ّملا آمنوا به! ومن مجلتهم ذلك الرجل الذي‬ ‫قص اهلل خربه يف سورة غافر! تأمل قوله تعاىل‪:‬‬ ‫عرف بـ «مؤمن آل فرعون» الذي ّ‬ ‫(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬ ‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ) [غافر‪.‬قال الرتمذي‪ :‬هذا حديث غريب‪.)1061‬‬ ‫ الرتمذي (‪ ،)554/5‬ولفظه‪« :‬من دعا عىل من ظلمه‪ ،».)455 /23( :‬‬ ‫‪119‬‬ .45 :‬‬ ‫‪ ]46‬فنجى اهلل املؤمن‪ ،‬وأما فرعون وجنوده فهم اآلن ‪ -‬بل منذ ماتوا ‪ -‬وهم يعذبون‪،‬‬ ‫وإىل يوم القيامة‪..‬‬ ‫‪-‬صاحب «الصحيح»‪ ،-‬كان كثري من أصحابه‬ ‫‪ -‬وهذا اإلمام البخاري‬ ‫يقولون له‪ :‬إن بعض الناس يقع فيك! فيقول‪( :‬ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ) [النساء‬ ‫أيضا‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [فاطر‪ ،]43 :‬فقال له أحد‬ ‫‪ ،]76‬ويتلو ً‬ ‫أصحابه‪ :‬كيف ال تدعو اهلل عىل هؤالء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟!‬ ‫فقال‪« :‬قال النبي ×‪« :‬اصربوا حتى تلقوين عىل احلوض»()‪ ،‬وقال ×‪« :‬من‬ ‫دعا عىل ظامله‪ ،‬فقد انترص»()»()‪.

.)358 /1( :‬‬ .‬‬ ‫ يشري بذلك إىل قصة أصحاب اجلنة يف سورة القلم‪.،‬وهذا ٌ‬ ‫جيده متضمنًا ملعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته؛ بأن يعكس عليه مقصوده‬ ‫وقدرا‪ ،‬دن ًيا وأخرى‪ ،‬وقد اطردت سنته الكونية سبحانه يف عباده بأن‪ :‬من‬ ‫ً‬ ‫رش ًعا‬ ‫مكر بالباطل ُمكر به‪ ،‬ومن احتال احتيل عليه‪ ،‬ومن خادع غريه ُخ ِد َع‪ ،‬قال اهلل تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ)‪ ،‬وقال تعاىل‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬ ‫ممكور به‪ ،‬وال خماد ًعا إال وهو خمدوع وال حمتاال إال‬ ‫ٌ‬ ‫ﯨ)‪ ،‬فال جتد ً‬ ‫ماكرا إال وهو‬ ‫وهو حمتال عليه»()‪..‬‬ ‫ إغاثة اللهفان‪. ‫«فاملحتال بالباطل ُم َع ٌ‬ ‫امل بنقيض قصده رش ًعا و َقدَ ًَرا‪ ،‬وقد شاهد الناس عيانا‬ ‫من احتال عىل إسقاط نصيب‬ ‫أنه من عاش باملكر مات بالفقر؛ وهلذا عاقب اهلل‬ ‫املساكني وقت اجلداد بحرماهنم الثمرة كلها()‪ ،‬وعاقب من احتال عىل الصيد املحرم‬ ‫بأن مسخهم قردة وخنازير‪ ،‬وعاقب من احتال عىل أكل أموال الناس بالربا بأن‬ ‫يمحق ماله‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) فال بد أن ُيمحق مال‬ ‫املرايب ولو بلغ ما بلغ‪ ،‬وأصل هذا‪ :‬أن اهلل سبحانه جعل عقوبات أصحاب اجلرائم‬ ‫عظيم النفع‪ ،‬فمن تدبره‬ ‫ُ‬ ‫واسع جدً ا‬ ‫ٌ‬ ‫باب‬ ‫بضد ما قصدوا له بتلك اجلرائم‪ .

‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية العظيمة جاءت بعد قوله تعاىل‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬ ‫ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ‬ ‫ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ‬ ‫ﮯ ﮰ ﮱ) ثم قال تعاىل ‪-‬مبينًا هذه القاعدة العظيمة يف باب اجلنايات‪:-‬‬ ‫(ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [البقرة‪ ،]179 :‬ولنا‬ ‫مع هذه القاعدة القرآنية املحكمة وقفات‪:‬‬ ‫الوقفة األوىل‪:‬‬ ‫إن من تأمل يف واقع بالد الدنيا عمو ًما ‪-‬مسلمها وكافرها‪ -‬فسيجد قلة القتل‬ ‫يف البالد التي ُي ُ‬ ‫قتل فيها القاتل ‪-‬كام أشار إىل ذلك العالمة الشنقيطي‪ ،‬وعلل ذلك‬ ‫بقوله‪« :-‬ألن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كام ذكره اهلل يف اآلية املذكورة آن ًفا‪،‬‬ ‫وما يزعمه أعداء اإلسالم من أن القصاص غري مطابق للحكمة؛ ألن فيه إقالل عدد‬ ‫‪121‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫ع�شر‬ ‫(ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد املحكمة يف أبواب التعامل بني اخللق‪ ،‬الذين ال ختلو‬ ‫حياة كثري منهم من بغي وعدوان‪ ،‬سواء عىل النفس أو عىل ما دوهنا‪.

)192 /2( :‬‬ ‫‪122‬‬ .)32 /3( :‬‬ ‫ التحرير والتنوير‪.‬‬ ‫الوقفة الثانية‪:‬‬ ‫‪-‬يف هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( -‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‪:‬‬ ‫مع قوله‬ ‫ذلك أن «احلياة أعز يشء عىل اإلنسان يف اجلبلة‪ ،‬فال تعادل عقوبة القتل يف الردع‬ ‫واالنزجار‪ ،‬ومن حكمة ذلك‪ :‬تطمني أولياء القتىل بأن القضاء ينتقم هلم ممن اعتدى‬ ‫عىل قتيلهم‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬ ‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ) [اإلرساء‪ ]33:‬أي‪ :‬لئال يتصدى أولياء القتيل لالنتقام من‬ ‫قاتل موالهم بأنفسهم؛ ألن ذلك يفيض إىل صورة احلرب بني رهطني فيكثر فيه‬ ‫إتالف األنفس»()‪.‬‬ ‫الوقفة الثالثة‪:‬‬ ‫مع تنكري كلمة (حياة) يف هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‪:‬‬ ‫ارتداع الناس‬ ‫ُ‬ ‫فهذا التنكري «للتعظيم‪ ،‬أي‪ :‬يف القصاص حياة لنفوسكم؛ فإن فيه‬ ‫عن قتل النفوس‪ ،‬فلو أمهل حكم القصاص ملا ارتدع الناس؛ ألن أشد ما تتوقاه‬ ‫نفوس البرش من احلوادث هو املوت‪ ،‬فلو علم القاتل أنه يسلم من املوت ألقدم عىل‬ ‫وهرب فعاقبه أمري‬ ‫َ‬ ‫القتل مستخ ًفا بالعقوبات كام قال سعد بن ناشب ملا أصاب د ًما‬ ‫البرصة هبدم داره هبا‪:‬‬ ‫ أضواء البيان‪.‫املجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات األول‪ ،‬وأنه ينبغي أن يعاقب بغري القتل فيحبس‪،‬‬ ‫وقد يولد له يف احلبس فيزيد املجتمع كله كال ٌم ساقط‪ٍ ،‬‬ ‫عار من احلكمة؛ ألن احلبس‬ ‫ال يردع الناس عن القتل‪ ،‬فإذا مل تكن العقوبة رادع ًة فإن السفهاء يكثر منهم القتل‪،‬‬ ‫فيتضاعف نقص املجتمع بكثرة القتل»()‪.

)410‬‬ ‫‪123‬‬ .‬‬ ‫ثم قال‪( :‬ﯚ ﯛ) إكامال للعلة‪ ،‬أي ألجل أن تتقوا‪ ،‬فال تتجاوزوا يف‬ ‫أخذ الثأر حد العدل واإلنصاف»()‪.‬‬ ‫وقد اشتغل مجع من البالغ ّيني يف حتليل هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯔ ﯕ‬ ‫ التحرير والتنوير‪.‬‬ ‫الوقفة اخلامسة‪:‬‬ ‫سائرا مرسى املثل عند بعض املتأخرين()‪،‬‬ ‫أن هذه القاعدة العظيمة فاقت ما كان ً‬ ‫وهو قوهلم‪( :‬القتل أنفى للقتل)‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة ع�رش‬ ‫عيل قـضـاء اهلل مـا كـان جالبا‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫سأغسل عني العار بالسيف جال ًبا ‬ ‫ ‬ ‫ريض من باقي املذمة حاجبا‬ ‫ِ‬ ‫لع َ‬ ‫ وأذهل عن داري‪ ،‬وأجعل هدمها ‬ ‫كنت طالبا‬ ‫يميني بإدراك الذي ُ‬ ‫ ويصغر يف عيني تالدي إذا انثنـت ‬ ‫ولو ترك األمر لألخذ بالثأر ‪-‬كام كان عليه يف اجلاهلية‪ -‬ألفرطوا يف القتل‬ ‫وتسلسل األمر كام تقدم‪ ،‬فكان يف مرشوعية القصاص حياة عظيمة من اجلانبني»()‪.‬‬ ‫ ينظر يف بيان كون هذا املثل منقولاً ومرت ً‬ ‫مجا وليس عرب ًيا أصالة‪ :‬وحي القلم (‪.)200/2( :‬‬ ‫  التحرير والتنوير‪ )200/2( :‬بترصف واختصار‪.‬‬ ‫الوقفة الرابعة‪:‬‬ ‫هي مع ختم هذه القاعدة بقوله تعاىل‪( :‬ﯘ ﯙ) ففي ذلك «تنبيه‬ ‫عىل التأمل يف حكمة القصاص؛ ففي توجيه النداء إىل أصحاب العقول إشارة إىل أن‬ ‫حكمة القصاص ال يدركها إال أهل النظر الصحيح؛ إذ هو يف بادئ الرأي كأنه عقوبة‬ ‫بمثل اجلناية؛ ألن يف القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة ال رزية؛ للوجهني‬ ‫املتقدمني‪.407/3‬‬ ‫‪.

‬‬ ‫أ ّما عبارة العرب فقد ذكرت القتل فقط‪ ،‬ومل تق ّيده بأن يكون عقوبة‪ ،‬ومل تُشرِ ْ إىل‬ ‫مبدأ العدل‪ ،‬فهي قارصة وناقصة‪.‬‬ ‫كل ما ُت َقا َب ُل‬ ‫اص» ومل تقل القتل‪ ،‬فشملت َّ‬ ‫ِ‬ ‫(‪ )2‬القاعدة القرآنية ذكرت «الق َص َ‬ ‫بأن يكون‬ ‫به اجلناية عىل األنفس فام دون األنفس من عقوبة مُماثلة‪ ،‬وحدّ د ِ‬ ‫ت األمر ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عقوبة وجزاء خلطأ سابق‪ ،‬ال جمرد عدوان‪ ،‬وهذا عني العدل‪.‫ﯖ ﯗ) للبحث عن مواطن إجيازها املت َقن‪ ،‬ومقارنتِها باملثل املشهور الذي‬ ‫تكرر وتردد عىل ألسنة كثري من األدباء‪ ،‬وال ُكتَّاب والصحفيني‪ ،‬ذلكم هو قول‬ ‫ُ‬ ‫(القتل أنفى للقتل) فزعم بعضهم أنه أفصح من هذه القاعدة التي نحن‬ ‫العرب‪:‬‬ ‫بصدد احلديث عنها (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‪ ،‬وقبل بيان املقارنة حيسن إيراد كلمة‬ ‫حمررة ومتينة أليب ٍ‬ ‫بكر الباقالين؛ حيث يقول كال ًما‪ ،‬هو كالقاعدة بني حال من يريد‬ ‫أن يقارن بني كالم اهلل وكالم خلقه‪ ،‬يقول‪« :‬فإن اشتبه عىل متأدب أو متشاعر أو‬ ‫ناشئ أو ُم ْر َم ٍد() فصاحة القرآن‪ ،‬وموقع بالغته وعجيب براعته فام عليك منه! إنام‬ ‫خيرب عن نفسه‪ ،‬ويدل عىل عجزه‪ ،‬ويبني عن جهله‪ ،‬ويرصح بسخافة فهمه وركاكة‬ ‫عقله»!()‪.)100‬‬ ‫‪124‬‬ .‬‬ ‫ نقلها الرافعي يف‪ :‬وحي القلم (‪ ،)399/3‬وينظر‪ :‬أعالم النبوة للاموردي (‪.‬‬ ‫(‪ )3‬القاعدة القرآنية (ﯕ ﯖ ﯗ) َّ‬ ‫نص ْت عىل ثبوت احلياة بتقرير حكم‬ ‫ أي من يف عينيه رمدٌ ‪ ،‬إشارة إىل عامه عن إبصار احلقيقة‪.‬‬ ‫وباملقارنة بني ما نحن بصدده من هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ‬ ‫ﯗ) وبني ذلك املثل‪« :‬ا ْل َقت ُْل أ ْن َفى لِ ْل َقتل» ظهر ما ييل‪:‬‬ ‫إن حروف القاعدة القرآنية‪( :‬ﯕ ﯖ ﯗ) أقل عد ًدا من عبارة‬ ‫(‪ّ )1‬‬ ‫العرب‪« :‬ا ْل َقت ُْل أ ْن َفى للقتل»‪.

‬‬ ‫(‪ )5‬القاعدة القرآنية رصحية يف داللتها عىل معانيها‪ ،‬مستغنية بكلامهتا عن‬ ‫ٍ‬ ‫تقديرات حتى َيستقيم‬ ‫تقدير حمذوفات‪ ،‬بخالف عبارة «العرب» فهي حتتاج إىل عدّ ة‬ ‫اصا «أ ْن َفى» من‬ ‫قص ً‬ ‫ُ‬ ‫«القتل» َ‬ ‫معناها‪ ،‬إ ْذ ال ُبدَّ فيها من ثالثة تقديرات‪ ،‬وهي كام ييل‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫تركه «لل َقت ِْل» ْ‬ ‫عمدً ا وعدوانًا‪.‬‬ ‫(‪ )6‬يف القاعدة القرآنية َسالَسة؛ الشتامهلا عىل حروف متالئمة سهلة التتابع يف‬ ‫املتحرك بني ساكنني‪ ،‬ويف هذا‬ ‫ِّ‬ ‫النطق‪ ،‬أ ّما العبارة «العربية» ففيها تكرير حرف القاف‬ ‫ثقل عىل الناطق()‪.‬‬ ‫‪125‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة ع�رش‬ ‫القصاص‪ ،‬أما املثل العريب فذكر َن ْفي القتل‪ ،‬وهو ال َيدُ ُّل عىل املعنى الذي َيدُ ُّل عليه‬ ‫لفظ «حياة»‪.‬‬ ‫وبعد‪ :‬فإن هلذه املقارنة البالغية املوجزة قص ًة أختم هبا حديثي يف هذه القاعدة‬ ‫قرأ مقال ًة ألحد الصحفيني يقرر فيها‬ ‫القرآنية‪ ،‬وهي أن العالمة حممود شاكر‬ ‫أن عبارة «القتل أنفى للقتل» أبلغ من هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﯔ ﯕ‬ ‫ﯖ ﯗ)‪ ،‬فضاق صدر الشيخ حممود شاكر جدًّ ا‪ ،‬ووصف هذه الكلمة بأهنا‬ ‫يستحثه‬ ‫كافرة‪ ،‬فكتب ‪-‬وقتها‪ -‬إىل األديب الكبري مصطفى صادق الرافعي‬ ‫‪« :‬غىل الدم‬ ‫عىل اجلواب عن هذه الدعوى املزيفة‪ ،‬يقول الشيخ حممود شاكر‬ ‫يف رأيس حني رأيت الكاتب يلج يف تفضيل قول العرب‪« :‬القتل أنفى للقتل» عىل‬ ‫قول اهلل تعاىل يف كتابه احلكيم‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [البقرة‪ ،]179 :‬فذكرت‬ ‫ ينظر يف بيان أوجه إعجاز هذه اآلية الكريمة‪ :‬وحي القلم (‪ )409 – 402/3‬للرافعي‪،‬‬ ‫والبالغة العربية أسسها وعلومها وفنوهنا (‪ )492‬للميداين‪.‬‬ ‫(‪ )4‬القاعدة القرآنية خالية من عيب التكرار‪ ،‬بخالف املثل العريب الذي تكررت‬ ‫فيه كلمة القتل مرتني يف مجلة قصرية‪.

.‬إلخ كالمه‪.‫هذه اآلية القائلة‪( :‬ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ) [األنعام‪ .‬‬ ‫‪126‬‬ ....‬‬ ‫األديب الرافعي غضب غضبة مُضرَ ية‪ ،‬وانربى للرد عىل‬ ‫َ‬ ‫فلام بلغ هذا الكال ُم‬ ‫هذه الكلمة اآلثمة يف بضع صفحات من كتابه الرائع «وحي القلم»‪ ،‬خلصنا شي ًئا منها‬ ‫أردت بيانه حول هذه‬ ‫ُ‬ ‫فيام ذكرته آن ًفا‪ ،‬فجزاه اهلل ً‬ ‫خريا‪ ،‬وغفر له‪ ،‬وإىل هنا ينتهي ما‬ ‫القاعدة القرآنية الكريمة‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)‪.]121 :‬ففي‬ ‫عنقك أمانة املسلمني مجي ًعا لتكتبن يف الرد عىل هذه الكلمة الكافرة؛ إلظهار وجه‬ ‫اإلعجاز يف اآلية الكريمة‪ ،‬وأين يكون موقع الكلمة اجلاهلية منها؛ فإن هذه زندقة إن‬ ‫فجورا‪ ،‬هم ذئاب‬ ‫ً‬ ‫وزادت الفاجر‬ ‫ْ‬ ‫فاجرا‪،‬‬ ‫جعلت الرب ً‬ ‫ْ‬ ‫تركت تأخذ مأخذها يف الناس؛‬ ‫الزندقة األدبية التي جعلت مهها أن تلغ ولوغها يف البيان القرآين‪ ».

‫القاعدة‬ ‫الع�شرون‬ ‫(ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ)‬ ‫أثر يف فهم‬ ‫هذه قاعدة من القواعد املحكمة يف أبواب العدل واجلزاء‪ ،‬ولتدبرها ٌ‬ ‫املؤمن ملا يراه أو يقرأه يف كتب التاريخ‪ ،‬أو الواقع من تقلبات الزمن والدهر بأهله‪،‬‬ ‫سواء عىل مستوى األفراد أو اجلامعات‪ ،‬إهنا القاعدة القرآنية التي دل عليها قوله‬ ‫تعاىل‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [احلج‪.]18 :‬‬ ‫أدركت معي ‪-‬وأنت تتلو هذه اآلية الكريمة‪ -‬أن أعىل وأهبى وأجىل صور‬ ‫َ‬ ‫فهل‬ ‫يوحد ربه‪ ،‬وأن يفرده بالعبادة‪ ،‬وأن يرتجم ذلك بالسجود لربه‪،‬‬ ‫كرامة العبد أن ّ‬ ‫ِ‬ ‫وفالحه بيده ‪،‬‬ ‫أمر سعادتِه ونجاته‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫والتذلل بني يدي مواله‪ ،‬وخالقه ورازقه‪ ،‬و َم ْن ُ‬ ‫ُ‬ ‫يفعل ذلك اعرتا ًفا بحق اهلل‪ ،‬ورجا ًء لفضله‪ ،‬وخو ًفا من عقابه؟!‬ ‫ّ‬ ‫والذل‪ ،‬والسفول والضعة أن يستنكف العبد‬ ‫أيضا أن غاية اهلوان‬ ‫أدركت ً‬ ‫َ‬ ‫وهل‬ ‫‪127‬‬ .]18 :‬‬ ‫ولعل إيراد اآلية الكاملة التي ذكرت فيها هذه القاعدة مما جييل لنا أبرز صور‬ ‫‪( :‬ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫اإلهانة التي تنزل اإلنسان من عليائه‪ ،‬يقول‬ ‫ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ‬ ‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ)‬ ‫[احلج‪.

‬‬ ‫ٌ‬ ‫ثم تأمل كيف جاء التعبري عن ضد ذلك بقوله‪( :‬ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ)؛ فإن‬ ‫«الكرم‪ :‬لفظ جامع للمحاسن واملحامد‪ ،‬ال يراد به جمرد اإلعطاء‪ ،‬بل اإلعطاء من متام‬ ‫معناه؛ فإن اإلحسان إىل الغري متام املحاسن‪ ،‬والكرم كثرة اخلري ويرسته‪ ..‫عن السجود لربه‪ ،‬أو يرشك مع خالقه إهلًا آخر؟! وتكون اجلبال الصم‪ ،‬والشجر‪،‬‬ ‫سجدت خلالقها ومعبودها احلق؟!‬ ‫ْ‬ ‫خريا منه حني‬ ‫هم‪ً ،‬‬ ‫والدواب ال ُب ُ‬ ‫إذا تبينّ هذا فإن هذه القاعدة القرآنية الكريمة‪( :‬ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ)‬ ‫جاءت يف سياق بيان من هم الذين يستحقون العذاب؟ إهنم الذين أذلوا أنفسهم‬ ‫‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) فال‬ ‫باإلرشاك برهبم‪ ،‬فأذهلم اهلل بالعذاب‪ ،‬كام قال‬ ‫جيدون حينها من يكرمهم بالنرص‪ ،‬أو بالشفاعة!‬ ‫وتأمل كيف جاء التعبري عن هذا العذاب بقوله‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ) ومل يأت‬ ‫وخزي‪ ،‬وذلك‬ ‫ٌ‬ ‫وحتقري‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫إذالل‬ ‫بـ(ومن يعذب اهلل) وذلك ‪-‬واهلل أعلم‪« -‬ألن اإلهانة‬ ‫قدر زائدٌ عىل أمل العذاب‪ ،‬فقد يعذب الرجل الكريم وال هيان»()‪.)(»]18:‬‬ ‫ٍ‬ ‫صورة يذل هبا العبد نفسه‪ ،‬ويدسها يف دركات‬ ‫وإذا كان الرشك باهلل هو أعظم‬ ‫صورا أخرى ‪-‬وإن كانت دون الرشك‪ -‬إال أن أثرها يف هوان العبد‬ ‫ً‬ ‫اهلوان‪ ،‬فإن ثم َة‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.)367/15( :‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪..)295/16( :‬‬ ‫‪128‬‬ .،‬واليشء‬ ‫احلسن املحمود يوصف بالكرم‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬ ‫ﮊ) [الشعراء‪ ،]7 :‬قال ابن قتيبة‪ :‬من كل جنس حسن‪ ،‬والقرآن قد دل عىل أن‬ ‫الناس فيهم كريم عىل اهلل يكرمه‪ ،‬وفيهم من هيينه‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫ﮅ) [احلجرات‪ ،]13:‬وقال تعاىل‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬ ‫ﮚ) [احلج‪.

‬إىل أن قال ‪-‬وهو يتحدث عن بعض عقوبات‬ ‫املعايص‪:-‬‬ ‫مهابته من قلوب اخللق‪ ،‬وهيون عليهم‪ ،‬ويستخفون به‪ ،‬كام هان‬ ‫«أن يرفع اهلل‬ ‫عليه أمر اهلل‪ ،‬واستخف به‪ ،‬فعىل قدر حمبة العبد هلل حيبه الناس‪ ،‬وعىل قدر خوفه من‬ ‫اهلل خيافه الناس‪ ،‬وعىل قدر تعظيمه اهلل وحرماته يعظم الناس حرماته! وكيف ينتهك‬ ‫عبدٌ حرمات اهلل ويطمع أن ال ينهك الناس حرماته؟! أم كيف هيون عليه حق اهلل وال‬ ‫هيونه اهلل عىل الناس؟! أم كيف يستخف بمعايص اهلل وال يستخف به اخللق؟!‬ ‫وقد أشار سبحانه إىل هذا يف كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب‪ ،‬وأنه أركس أرباهبا‬ ‫بام كسبوا‪ ،‬وغطي عىل قلوهبم‪ ،‬وطبع عليها بذنوهبم‪ ،‬وأنه نسيهم كام نسوه‪ ،‬وأهاهنم‬ ‫كام أهانوا دينه‪ ،‬وضيعهم كام ضيعوا أمره‪.‬ومن‬ ‫عقوباهتا‪ :‬أهنا تسلب صاحبها أسامء املدح والرشف‪ ،‬وتكسوه أسامء الذم والصغار‪،‬‬ ‫‪129‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الع�رشون‬ ‫وذله ظاهر بينّ ‪ :‬إنه ذل املعصية‪ ،‬وهوان العبد بسببها‪..‬‬ ‫موضحا شي ًئا من معاين هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪ ،‬وهو‬ ‫ً‬ ‫يقول ابن القيم‬ ‫يتحدث عن يشء من شؤم املعايص‪ ،‬وآثارها السيئة‪:‬‬ ‫سبب هلوان العبد عىل ربه وسقوطه من عينه‪ ،‬قال احلسن‬ ‫ٌ‬ ‫«ومنها‪ :‬أن املعصية‬ ‫البرصي‪ :‬هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم!‬ ‫وإذا هان العبد عىل اهلل مل يكرمه أحد‪ ،‬كام قال اهلل تعاىل‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬ ‫ﮓ ﮔ)! ْ‬ ‫وإن َع ّظمهم الناس يف الظاهر حلاجتهم إليهم‪ ،‬أو خو ًفا من رشهم‪،‬‬ ‫فهم يف قلوهبم أحقر يشء وأهونه‪ ».‬‬ ‫وهلذا قال تعاىل ‪-‬يف آية سجود املخلوقات له‪( :-‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ‬ ‫ﮔ) فإهنم ملا هان عليهم السجود له‪ ،‬واستخفوا به ومل يفعلوه؛ أهاهنم فلم يكن‬ ‫هلم من مكرم بعد أن أهاهنم‪ ،‬ومن ذا يكرم من أهانه اهلل أو هين من أكرم‪....

.‬وأمثاهلا‪.‬‬ ‫‪130‬‬ ...‬ال يعلمون من هم أهل العزة ح ًقا!‬ ‫أمل يقل اهلل‪( :‬ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) [آل عمران‪:‬‬ ‫‪]139‬؟!‬ ‫وكيف يشعر املؤمن باهلوان وسنده أعىل؟! ومنهجه أعىل؟! ودوره أعىل؟‬ ‫وقدوته × أعىل وأسمى؟!‬ ‫ اجلواب الكايف‪ )52 – 38( :‬باختصار‪.‬‬ ‫ويف كلمة ابن القيم اآلنفة‪« :‬ومن ذا ُيكرم من أهانه اهلل‪ ،‬أو يهُ ْن من أكرم» إشارة‬ ‫إىل معنى يفهم من هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ)‬ ‫ظاهرا وباطنًا؛ فهو األعز األكرم‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫واالنقياد لرشعه‬ ‫وهو‪ :‬أن من أكرمه ربه بطاعته‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وإن خاله املنافقون أو الكفار عىل خالف ذلك‪ ،‬كام قال من طمس اهلل عىل بصائرهم‬ ‫من املنافقني وأشباههم‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ‬ ‫ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) [املنافقون‪ ]8 :‬إي‬ ‫واهلل‪ ..‫فتسلبه اسم املؤمن والرب واملحسن واملتقي واملطيع‪ .‬ونحوها‪ ،‬وتكسوه اسم الفاجر‬ ‫والعايص واملخالف وامليسء‪ ،..‬‬ ‫فهذه أسامء الفسوق وبئس االسم الفسوق بعد اإليامن التي توجب غضب‬ ‫الديان‪ ،‬ودخول النريان‪ ،‬وعيش اخلزي واهلوان‪ ،‬وتلك أسامء توجب رىض الرمحان‪،‬‬ ‫ودخول اجلنان‪ ،‬وتوجب رشف املتسمي هبا عىل سائر أنواع اإلنسان‪ ،‬فلو مل يكن يف‬ ‫عقوبة املعصية إال استحقاق تلك األسامء وموجباهتا لكان يف العقل ٍ‬ ‫ناه عنها‪ ،‬ولو مل‬ ‫أمر هبا ولكن‬ ‫يكن يف ثواب الطاعة إال الفوز بتلك األسامء وموجباهتا؛ لكان يف العقل ٌ‬ ‫ال مانع ملا أعطى اهلل‪ ،‬وال معطي ملا منع‪ ،‬وال مقرب ملن باعد‪ ،‬وال مبعد ملن قرب‪،‬‬ ‫ومن هين اهلل فامله من مكرم‪ ،‬إن اهلل يفعل ما يشاء»()‪.

‫القاعدة‬ ‫الع�رشون‬ ‫فهل يعي ويدرك أهل اإليامن أهنم األعزة ح ًقا؛ متى ما قاموا بام أوجب اهلل‬ ‫عليهم؟‬ ‫وأختم كالمي ‪-‬عن هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪ -‬بكلمة رائعة لشيخ اإلسالم‬ ‫ابن تيمية‪ :‬حيث يقول‪:‬‬ ‫«الكرامة يف لزوم االستقامة‪ ،‬واهللُ تعاىل مل يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته‬ ‫فيام حيبه ويرضاه‪ ،‬وهو طاعته وطاعة رسوله ومواالة أوليائه ومعاداة أعدائه‪ ،‬وهؤالء‬ ‫هم أولياء اهلل الذين قال اهلل فيهم‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚ)»()‪.‬‬ ‫ التحفة العراقية يف األعامل القلبية (‪.)12‬‬ ‫‪131‬‬ .‬‬ ‫أسأل اهلل تعاىل أن جيعلني وإياكم منهم‪ ،‬وأن يكرمنا وإياكم بطاعته‪ ،‬وال يذلنا‬ ‫وهييننا بمعصيته‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫احلادية‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ)‬ ‫والتعامل‬ ‫هذه قاعدة من القواعد املحكمة يف أبواب التعامل مع اخلالق‬ ‫خلقه‪ ،‬هي قاعدة متثل سفين ًة من سفن النجاة‪ ،‬وركنًا من أركان احلياة االجتامعية‪،‬‬ ‫وهي ‪-‬ملن اهتدى هبدهيا‪ -‬عالمة خري‪ ،‬وبرهان عىل سمو اهلمة‪ ،‬ودليل عىل كامل‬ ‫العقل‪.]119 .‬‬ ‫هذه القاعدة املحكمة جاءت تعقي ًبا عىل قصة جهاد طويل‪ ،‬وبالء كبري يف خدمة‬ ‫النبي × وأصحا ُبه رضوان اهلل عليهم‪ ،‬وذلك يف‬ ‫الدين‪ ،‬والذب عن حياضه‪ ،‬قام به ُّ‬ ‫خامتة سورة التوبة ‪-‬التي هي من آخر ما نزل عليه ×‪ -‬قال تعاىل‪( :‬ﯙ ﯚ‬ ‫ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ‬ ‫ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﭑ‬ ‫ﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ‬ ‫ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ‬ ‫ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) [التوبة‪.‬‬ ‫‪133‬‬ .117 :‬‬ ‫والرسالة التي حتملها هذه القاعدة التالية‪ :‬أن هؤالء الذين تاب اهلل عليهم ‪-‬‬ ‫النبي × ومن معه‪ ،‬والثالثة الذين خلفوا‪ -‬هم أئمة الصادقني؛ فاقتدوا هبم‪.

‬‬ ‫آثارا محيدة‪ ،‬وعوائد جليلة؛ وهو دليل عىل رجحان العقل‪ ،‬وحسن‬ ‫إن للصدق ً‬ ‫السرية‪ ،‬ونقاء الرسيرة‪.‬‬ ‫وملا كان النبي × صادق اللهجة‪ ،‬عف اللسان‪ ،‬أمينًا وف ًّيا حاف ًظا للعهود قبل‬ ‫بعثته؛ عرف بالصادق األمني‪ ،‬وكان ذلك سب ًبا يف إسالم بعض عقالء املرشكني‪،‬‬ ‫الذين كان قائلهم يقول‪ :‬مل يكن هذا الرجل يكذب عىل الناس ثم يكذب عىل اهلل!!‬ ‫كثري من الناس حينام يسمع هذه القاعدة القرآنية (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬ ‫ٌ‬ ‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) ال ينرصف ذهنه إال للصدق يف األقوال‪ ،‬وهذا يف‬ ‫احلقيقة تقصري يف فهم هذه القاعدة‪ ،‬وإال لو تأمل اإلنسان سياقها لعلم أهنا تشمل‬ ‫مجيع األقوال واألفعال واألحوال! كام تقدم‪.‫تأملت جميء هذه القاعدة القرآنية (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬ ‫َ‬ ‫وأنت إذا‬ ‫أعم من أن خيترص يف‬ ‫أدركت أن الصدق ّ‬ ‫َ‬ ‫ﭷ ﭸ ﭹ) بعد هذه اآليات‪،‬‬ ‫الصدق يف األقوال! بل هو الصدق يف األقوال واألفعال واألحوال‪ ،‬التي كان يتمثلها‬ ‫نبينا × يف حياته كلها‪ ،‬قبل البعثة وبعدها‪.‬‬ ‫ومن تأمل يف اآليات الواردة يف مدح الصدق والثناء عىل أهله وجدَ عجبا‬ ‫عجا ًبا!‬ ‫وحسبنا هنا أن نشري إىل مجلة من اآلثار التي ّ‬ ‫دل عليها القرآن للصدق وأهله يف‬ ‫الدنيا واآلخرة‪:‬‬ ‫‪134‬‬ .‬‬ ‫ولو مل يكن للصدق من آثار إال سالمته من رجس الكذب‪ ،‬وخمالفة املروءة‪،‬‬ ‫والتشبه باملنافقني! فضلاً عام يكسبه الصدق من عزة‪ ،‬وشجاعة‪ ،‬تورثه كرامة‪ ،‬وعزة‬ ‫نفس‪ ،‬وهيب َة جناب‪ ،‬ومن تأمل يف قصة الثالثة الذين خلفوا أدرك حالوة الصدق‬ ‫ومرارة الكذب ولو بعد حني‪.

‬إىل قوله‪( :‬ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ) [األحزاب‪.‬‬ ‫ومنصور‪ ،‬ويسخر اهلل له من يدافع عنه من حيث ال يتوقع‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫معان‬ ‫‪ -2‬والصادق‬ ‫خصم من خصومه‪ ،‬تأمل يف قول امرأة العزيز‪( :‬ﯵ ﯶ‬ ‫اً‬ ‫بل قد يكون املدافع‬ ‫ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [يوسف‪...]51 :‬‬ ‫والصادق يسري يف طريق هيدي إىل اجلنة‪ ،‬أمل يقل النبي ×‪« :‬عليكم بالصدق‬ ‫فإن الصدق هيدي إىل الرب‪ ،‬وإن الرب هيدي إىل اجلنة‪ ،‬وما يزال الرجل يصدق ويتحرى‬ ‫‪-‬مبينًا صفات أهل اجلنة‪-‬‬ ‫الصدق حتى يكتب عند اهلل صديقا»؟()‪ ،‬وقد قال اهلل‬ ‫‪( :‬ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [آل‬ ‫عمران‪.]35 :‬‬ ‫وبعد هذا؛ فإن من املحزن واملؤمل أن يرى املسلم اخلرق الصارخ ‪-‬يف واقع‬ ‫املسلمني‪ -‬ملا د ّلت عليه هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬ ‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ)!‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)5743‬ومسلم ح (‪ )2607‬واللفظ له‪.‬‬ ‫‪135‬‬ .]119 :‬‬ ‫والصادقون هم ٌ‬ ‫أهل ملغفرة اهلل وما أعده هلم من األجر والثواب العظيم‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫(ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬ ‫ﮪ‪ ،).]17 :‬‬ ‫وأهل الصدق هم الناجون يوم العرض األكرب عىل رهبم‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﯼ‬ ‫ﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ‬ ‫ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ) [املائدة‪. ‫القاعدة‬ ‫احلادية والع�رشون‬ ‫‪ -1‬فالصادق سائر عىل درب األنبياء والرسل ‪-‬عليهم الصالة والسالم‪ -‬الذين‬ ‫أثنى اهلل عليهم يف غري ما آية بالصدق يف الوعد واحلديث‪.

)74‬‬ ‫‪136‬‬ .‬‬ ‫فتأمل ‪-‬أهيا املؤمن‪ -‬كيف حاذر هذا الرجل الذي كان مرشكًا يومئذ من الكذب؛‬ ‫وسب ًة ال تليق بالرجل الذي يعرف جاللة الصدق‪ ،‬وقبح الكذب؟! إهنا‬ ‫عارا ُ‬ ‫ألنه يراه ً‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)7‬ومسلم ح (‪.‫فكم هم الذين يكذبون يف حديثهم؟ وكم هم الذين خيلفون مواعيدهم؟ وكم‬ ‫هم أولئك الذين ينقضون عهودهم؟‬ ‫أليس يف املسلمني من يتعاطى الرشوة‪ ،‬وخيون بذلك ما اؤمتن عليه من أداء‬ ‫وظيفته؟ أليس يف املسلمني من ال يبايل بتزوير العقود‪ ،‬واألوراق الرسمية؟ وغري‬ ‫ذلك من صور التزوير؟‬ ‫شوه هؤالء ‪-‬ولألسف‪ -‬بأفعاهلم وج َه اإلسالم املرشق‪ ،‬الذي ما قام إال‬ ‫لقد ّ‬ ‫عىل الصدق!‬ ‫وإنك لتعجب من مسلم يقرأ هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭲ ﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹ)! ومع ذلك يامرس كثري من املسلمني الكذب‬ ‫مع وفرة النصوص الرشعية التي تأمر بالصدق وتنهى عن الكذب!‬ ‫قبل أن يسلم‪،‬‬ ‫ليت هؤالء يتأملون هذا املوقف‪ ،‬الذي حدّ ث به أبو سفيان‬ ‫حينام كان يف أرض الشام‪ ،‬إذ جيء بكتاب من رسول اهلل × إىل هرقل‪ ،‬فقال هرقل‪:‬‬ ‫هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فدعيت‬ ‫يف نفر من قريش‪ ،‬فدخلنا عىل هرقل‪ ،‬فأجلسنا بني يديه‪ ،‬فقال‪ :‬أيكم أقرب نس ًبا من‬ ‫هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت‪ :‬أنا‪ ،‬فأجلسوين بني يديه‪ ،‬وأجلسوا أصحايب‬ ‫خلفي‪ ،‬ثم دعا برتمجانه‪ ،‬فقال له‪ :‬قل هلم‪ :‬إين سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه‬ ‫نبي‪ ،‬فإن كذبني فكذبوه‪ ،‬فقال أبو سفيان‪ :‬وأيم اهلل لوال خمافة أن يؤثر عيل الكذب‬ ‫لكذبت()‪.

)382/6( :‬‬ ‫ تاريخ بغداد‪ )22/14( :‬ويف النص خلل ُصحح من تذكرة احلفاظ‪.‬‬ ‫وجاء يف ترمجة احلافظ إسحاق بن احلسن احلريب (ت‪ )284 :‬أن اإلمام إبراهيم‬ ‫احلريب سئل عنه‪ ،‬فقال‪ :‬ثقة‪ ،‬ولو أن الكذب حالل ما كذب إسحاق!()‪.)416/5( :‬‬ ‫ تاريخ بغداد‪. ‫القاعدة‬ ‫احلادية والع�رشون‬ ‫مروءة العريب‪ ،‬الذي كان يعد الكذب من أقبح األخالق!‬ ‫عن اإلمام الشافعي قال‪ :‬دعنا‪ ،‬واهلل لو كان الكذب‬ ‫وهلذا ملا سئل ابن معني‬ ‫حاللاً ملنعته مروءته أن يكذب!()‪.‬‬ ‫الكذب حالل لرتكه هارون ً‬ ‫وهلل در اإلما ِم األوزاعي حيث قال‪ :‬واهلل لو نادى ٍ‬ ‫مناد من السامء أن الكذب‬ ‫ُّ‬ ‫حالل ما كذبت!‬ ‫فأين من هذا أولئك الذين استمرؤوا الكذب؟! بل وامتهنوه‪ ،‬ومل يكتفوا هبذا‬ ‫روجوا شي ًئا من عادات الكفار يف الكذب‪ ،‬كام هو احلال فيام يسمى بكذبة إبريل!‬ ‫بل ّ‬ ‫ويزعم بعضهم أن تلك كذبة بيضاء! وما علموا أن الكذب كله أسود! إال ما استثناه‬ ‫الرشع املطهر‪.‬‬ ‫ما أحرانا معرش اآلباء واملربني‪ ،‬أن نريب أجيالنا عىل هذا اخللق العظيم‪ ،‬وعىل‬ ‫كراهة الكذب‪ ،‬وأن نكون هلم قدوات حية يروهنا بأعينهم‪.‬‬ ‫ لسان امليزان‪.‬‬ ‫ويقال‪ :‬لو مل يكن من خسارة جينيها هؤالء الذين يكذبون إال أهنم يتخلفون‬ ‫بكذهبم هذا عن ركب املؤمنني الصادقني‪ ،‬الذين عناهم اهلل هبذه القاعدة القرآنية‬ ‫املحكمة‪( :‬ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) لكفتهم راد ًعا‪.)478/2( :‬‬ ‫‪137‬‬ .‬‬ ‫وكان إبراهيم احلريب (ت‪ )285 :‬يقول يف اإلمام املحدث هارون احلامل‪ :‬لو أن‬ ‫تنزها()‪.

‬‬ ‫انتهى‪ ،‬واحلمد هلل رب العاملني‪.‬‬ ‫ أقوالنا وأفعالنا (قولنا يف الصدق)‪.‬‬ ‫‪138‬‬ . ‫يقول األستاذ األديب الكبري حممد كرد عيل‪:‬‬ ‫«لو َع َمدنا إىل الصدق نجعله شعارنا الباط َن والظاهر يف عامة أحوالنا؛ لوفرنا‬ ‫ولغوا وباطلاً ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫عىل أنفسنا وعىل من حيتفون بنا وعىل القائمني باألمر فينا أوقاتًا وأموالاً‬ ‫ولعشنا وأبناءنا سعداء ال نقلق ون ََر ّوع‪ ،‬ممتعني بام نجني‪ ،‬مباركًا لنا فيام نأخذ ونعطي‪،‬‬ ‫ولعشنا يف ظل الرشف‪ ،‬وتذوقنا معنى اإلنسانية‪ ،‬ون َِع ْمنا بالقناعة‪ ،‬و َع ّمنا الرىض»()‪.

‬‬ ‫ولست أعني بذلك العصمة من الذنب‪ ،‬فذلك غري مراد قط ًعا‪ ،‬وإنام أقصد‬ ‫ُ‬ ‫‪139‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة جاءت يف قصة يوسف عليه الصالة والسالم‪ ،‬وذلك حني دخل‬ ‫عليه إخوته فقالوا‪( :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬ ‫ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ‬ ‫ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ‬ ‫ﮒ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)‬ ‫[يوسف‪ ،]90-88 :‬ما هي التقوى؟! وما هو الصرب؟‬ ‫ما أكثر ما نحفظ تعريف التقوى‪ ،‬بل قد حيفظ بعضنا عدة تعاريف هلا وللصرب‪،‬‬ ‫وحيفظ تقسيامت الصرب‪ ،‬ثم يفشل أحدنا يف أول اختبار الصرب‪ ،‬أو يقع منه تقصري‬ ‫ظاهر يف تطبيق هذه املعاين الرشعية كام ينبغي عند وجود املتقيض هلا‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬ ‫ﮡ ﮢ)‬ ‫والتعامل مع‬ ‫هذه قاعدة من القواعد املحكمة يف أبواب التعامل مع اخلالق‬ ‫خلقه‪ ،‬هي قاعدة ومال ٌذ ملن ت َ‬ ‫ُواجه أعامهلم بعدم التقدير‪.

‬‬ ‫كلنا حيفظ أن التقوى هي فعل أوامر اهلل‪ ،‬واجتناب نواهيه‪...‬‬ ‫ولنا أن نتساءل هنا عن رس اجلمع بني التقوى والصرب يف هذه القاعدة القرآنية‬ ‫املحكمة‪( :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)؟‬ ‫واجلواب‪ :‬أن ذلك ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬ألن أثر التقوى يف فعل املأمور‪ ،‬وأما الصرب‬ ‫فأثره يف األغلب يف ترك املنهي()‪.‬ثم تكلم عىل حمنته مع إخوته‪ ،‬وكيف أنه تعرض لنوعني من األذى‬ ‫فقابلهام بالتقوى والصرب‪:‬‬ ‫ جامع الرسائل البن تيمية‪.)38/1( :‬‬ ‫‪140‬‬ .‫أننا نخفق أحيانًا ‪-‬إال من رحم اهلل‪ -‬يف حتقيق التقوى أو الصرب إذا جد اجلد‪ ،‬وجاء‬ ‫موجبهام‪.‬‬ ‫وكلنا يدرك أن ذلك حيتاج إىل صرب ومصابرة‪ ،‬وحبس للنفس عىل مراد اهلل‬ ‫ورسوله‪ ،‬ولكن الشأن يف النجاح يف تطبيق هذين املعنيني العظيمني يف أواهنام‪.‬‬ ‫* من تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫تطبيقات كثرية يف حياة املؤمن‪ ،‬بل وفيام يقرأه‬ ‫إن هلذه القاعدة القرآنية اجلليلة‬ ‫املسلم يف كتاب ربه‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ ما ذكره شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬تعلي ًقا عىل هذه القاعدة يف سورة يوسف‬ ‫عليه الصالة والسالم‪:-‬‬ ‫«ثم إن يوسف ابتيل بعد أن ُظ ِل َم بمن يدعوه إىل الفاحشة‪ ،‬ويراوده عليها‪،‬‬ ‫ويستعني عليه بمن يعينه عىل ذلك‪ ،‬فاستعصم واختار السجن عىل الفاحشة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫وغرضه‬ ‫وآثر عذاب الدنيا عىل سخط اهلل‪ ،‬فكان مظلو ًما من جهة من أحبه هلواه‪،‬‬ ‫الفاسد‪ ،».

‬‬ ‫وأما األذى الثاين‪ :‬فهو ما تعرض له من ظلم امرأة العزيز‪ ،‬التي أجلأته إىل أن‬ ‫حمبوسا مسجونًا باختياره‪.‬‬ ‫ً‬ ‫اختار أن يكون‬ ‫ثم فرق الشيخ‪ :‬بني صربه عىل أذى إخوته‪ ،‬وصربه عىل أذى امرأة العزيز‪ ،‬وقرر‬ ‫أن صربه عىل األذى الذي حلقه من امرأة العزيز أعظم من صربه عىل أذى إخوته؛‬ ‫ألن صربه عىل أذى إخوته كان من باب الصرب عىل املصائب التي ال يكاد يسلم منها‬ ‫أحد‪ ،‬وأما صربه عىل أذى امرأة العزيز فكان اختيار ًيا‪ ،‬واقرتن به التقوى؛ وهلذا قال‬ ‫يوسف‪( :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)‪.‬‬ ‫ربا اختيار ًيا‪ ،‬فإنه إنام‬ ‫وقد أوذي النبي × بأنواع من األذى فكان يصرب عليها ص ً‬ ‫ُيؤذى لئال يفعل ما يفعله باختياره‪ ،‬وكان هذا أعظم من صرب يوسف؛ ألن يوسف‬ ‫إنام طلب منه الفاحشة‪ ،‬وإنام عوقب ‪-‬إذ مل يفعل‪ -‬باحلبس‪ ،‬والنبي × وأصحابه‬ ‫طلب منهم الكفر‪ ،‬وإذا مل يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فام دونه‪ ،‬وأهون ما عوقب‬ ‫به احلبس‪ ».‬إىل أن قال‪:‬‬ ‫«فكان ما حصل للمؤمنني من األذى واملصائب هو باختيارهم طاعة هلل ورسوله‬ ‫مل يكن من املصائب الساموية التي جتري بدون اختيار العبد‪ ،‬من جنس حبس يوسف‪،‬‬ ‫‪141‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثانية والع�رشون‬ ‫أما األذى األول‪ :‬فهو ظلم إخوته له‪ ،‬الذين أخرجوه من انطالق احلرية إىل رق‬ ‫العبودية الباطلة بغري اختياره‪.‬‬ ‫ثم قال شيخ اإلسالم ‪-‬مبينًا اطراد هذه القاعدة القرآنية‪:-‬‬ ‫«وهكذا إذا أوذي املؤمن عىل إيامنه‪ ،‬وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان‬ ‫‪-‬وإن مل يفعل أوذي وعوقب‪ -‬اختار األذى والعقوبة عىل فراق دينه‪ :‬إما احلبس وإما‬ ‫اخلروج من بلده‪ ،‬كام جرى للمهاجرين حني اختاروا فراق األوطان عىل فراق الدين‪،‬‬ ‫وكانوا يعذبون ويؤذون‪...

‬‬ ‫‪142‬‬ .‬‬ ‫نظرا وقولاً وعملاً ‪ ،‬وكتم‬ ‫وليتذكر املبتىل بالعشق «أنه إذا عف عن املحرمات ً‬ ‫ذلك‪ ،‬فلم يتكلم به حتى ال يكون يف ذلك كال ٌم حمرم‪ :‬إما شكوى إىل املخلوق‪ ،‬وإما‬ ‫وصبرَ َ عىل طاعة اهلل‪ ،‬وعن معصيته‪ ،‬وعىل‬ ‫نوع ٍ‬ ‫طلب للمعشوق‪َ ،‬‬ ‫إظهار فاحشة‪ ،‬وإما ُ‬ ‫ما يف قلبه من أمل العشق‪ ،‬كام يصرب املصاب عن أمل املصيبة؛ فإن هذا يكون ممن اتقى اهلل‬ ‫وصرب‪ ،‬و(ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)»()‪.‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪ )133 /10( :‬بترصف واختصار‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية‪ :‬تربي ُة النفس عىل التقوى والصرب عىل‬ ‫ما يسمى بعشق الصور‪ ،‬الذي أفسد قلوب فئام من الناس‪ ،‬بسبب تعلق قلوهبم بتلك‬ ‫صورا حية‪ ،‬أم ثابتة‪.‬‬ ‫فعىل املؤمن الناصح لنفسه أن يتقي ربه‪ ،‬وأن جياهد نفسه يف البعد عن هذا املرتع‬ ‫الوخيم ‪-‬أعني تقليب النظر يف الصور املحرمة‪ -‬وأن يوقن أن ما يقذفه اهلل يف قلبه‬ ‫من اإليامن والنور والراحة والطمأنينة سيكون أضعاف ما جيده من لذة عابرة بتلك‬ ‫الصور‪ ،‬ومن أراد أن يعرف مفاسد هذا الباب ‪-‬أعني عشق الصور‪ -‬فليقرأ أواخر‬ ‫كتاب العالمة ابن القيم‪« :‬اجلواب الكايف» فقد أجاد وأفاد‪.‫ال من جنس التفريق بينه وبني أبيه‪ ،‬وهذا أرشف النوعني‪ ،‬وأهلها أعظم بدرجة‪ ،‬وإن‬ ‫كان صاحب املصائب يثاب عىل صربه ورضاه‪ ،‬وتكفر عنه الذنوب بمصائبه»()‪.‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪ )123 -121/10( :‬بترصف واختصار‪.‬‬ ‫ً‬ ‫الصور‪ ،‬سواء كانت‬ ‫عرصا‬ ‫ً‬ ‫ولقد عظمت الفتنة هبذه الصور يف عرصنا هذا‪ ،‬الذي مل تعرف الدنيا‬ ‫أعظم منه يف انتشار الصورة‪ ،‬واالحرتاف يف تصويرها‪ ،‬والتفنن يف تغيري مالحمها‪،‬‬ ‫و َت ّيرس الوصول إىل الصور املحرمة منها وغري املحرمة‪ ،‬عن طريق اإلنرتنت‪ ،‬واجلوال‪،‬‬ ‫وغريها من الوسائل‪.

]125 .‬‬ ‫‪( :‬ﯩ ﯪ‬ ‫األول والثاين منهام‪ :‬يف ثنايا احلديث عن غزوة ُأحد‪ ،‬يقول‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ) [آل عمران‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية والع�رشون‬ ‫بحساد‬ ‫‪ -3‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪ :‬أن اإلنسان قد يبتىل ُ‬ ‫حيسدونه عىل ما آتاه اهلل من فضله‪ ،‬وقد جيد من آثار هذا احلسد ألوانًا من األذى‬ ‫القويل أو الفعيل‪ ،‬كام وقع ألحد ابني آدم حني حسد أخاه؛ ألن اهلل تقبل قربانه ومل‬ ‫يتقبل قربان أخيه‪ ،‬وكام وقع ليوسف مع إخوته‪ ،‬وقد يقع هذا من املرأة مع رضهتا‪ ،‬أو‬ ‫من الزميل مع زميله يف العمل‪.‬‬ ‫فعىل من ابتيل بذلك أن يتذكر هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ‬ ‫أيضا قوله تعاىل‪( :‬ﯩ ﯪ‬ ‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)‪ ،‬وليتذكر ً‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ)‪.124 :‬‬ ‫واملوضع الثالث‪ :‬يف أواخر آل عمران ‪-‬يف سياق احلديث عن يشء من‬ ‫‪:‬‬ ‫املنهج القرآين يف التعامل مع أذى األعداء من املرشكني وأهل الكتاب‪ -‬فقال‬ ‫ ينظر‪ :‬جمموع الفتاوى (‪.‬‬ ‫‪ -4‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة‪ :‬ما تكرر احلديث عنه يف سورة‬ ‫آل عمران يف ثالثة مواضع‪ ،‬كلها جاءت بلفظ‪( :‬ﯩ ﯪ ﯫ)‪.‬‬ ‫وهذا النوع من احلسد‪ ،‬يقع غال ًبا بني املتشاركني يف رئاسة أو مال أو عمل إذا‬ ‫أخذ بعضهم قس ًطا من ذلك وفات اآلخر؛ ويكون بني النظراء؛ لكراهة أحدمها أن‬ ‫يفضل اآلخر عليه()‪.)126-125 /10‬‬ ‫‪143‬‬ .]120 :‬‬ ‫‪( :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫والثاين‪ :‬يف قوله‬ ‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ‬ ‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) [آل عمران‪.

‫(ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬ ‫ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ‬ ‫ﯲ ﯳ) [آل عمران‪.]186 :‬‬ ‫‪144‬‬ .

‬‬ ‫الصحيحني من حديث الرباء‬ ‫قال تعاىل‪( :‬ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬ ‫ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ) [البقرة‪.]189 :‬‬ ‫* من تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫ولئن كان سبب النزول الذي عالج ذلك اخلطأ من أجىل وأظهر الصور التي‬ ‫عاجلتها هذه القاعدة‪ ،‬فإن ثمة تطبيقات أخرى واسعة هلذه القاعدة القرآنية اجلليلة‬ ‫(ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‪ ،‬تظهر ملن تتبع كالم العلامء عنها‪ ،‬أو يف تطبيقاهتم‬ ‫العملية هلا‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ ،‬ومن أراد أن يصل إىل اهلل‪،‬‬ ‫‪ -1‬عبادة اهلل تعاىل‪ ،‬فإهنا الطريق املوصل إىل اهلل‬ ‫‪145‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق احلديث عن عادة من عادات أهل‬ ‫اجلاهلية‪ ،‬الذين إذا أحرموا‪ ،‬مل يدخلوا البيوت من أبواهبا‪ ،‬تعبدا بذلك‪ ،‬وظنا أنه بر‪،‬‬ ‫فأخرب اهلل أنه ليس برب؛ ألن اهلل تعاىل‪ ،‬مل يرشعه هلم‪ ،‬كام ثبت سبب هذا النزول يف‬ ‫‪.

‫‪ ،‬وال يكون ذلك إال بواسطة الطريق الذي‬ ‫فعليه أن يسلك الطريق املوصل إليه‬ ‫سنه رسول اهلل ×‪.‬‬ ‫ مقدمة كتابه «هتذيب السنن»‪.‬‬ ‫هداه وسعادته مصدود‪ ،‬بل كلام ازداد ً‬ ‫‪-‬يف تعليقه عىل هذه القاعدة التي نحن‬ ‫ويؤكد ذلك العالمة السعدي‬ ‫بصدد احلديث عنها‪ -‬فيقول‪« :‬وكل من تعبد بعبادة مل يرشعها اهلل وال رسوله‪ ،‬فهو‬ ‫متعبد ببدعة‪ ،‬وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبواهبا ملا فيه من السهولة عليهم‪ ،‬التي هي‬ ‫قاعدة من قواعد الرشع»()‪.)45‬‬ ‫‪146‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬ومن تطبيقات هذه القاعدة‪ ،‬أنه‪:‬‬ ‫«يؤخذ من عمومها اللفظي واملعنوي أن كل مطلوب من املطالب املهمة ينبغي‬ ‫أن يؤتى من بابه‪ ،‬وهو أقرب طريق ووسيلة يتوصل هبا إليه‪ ،‬وذلك يقتيض معرفة‬ ‫األسباب والوسائل معرفة تامة؛ ليسلك األحسن منها واألقرب واألسهل‪ ،‬واألقرب‬ ‫نجاحا‪ ،‬ال فرق بني األمور العلمية والعملية‪ ،‬وال بني األمور الدينية والدنيوية‪ ،‬وال‬ ‫ً‬ ‫بني األمور املتعدية والقارصة‪ ،‬وهذا من احلكمة»()‪.)3/1( :‬‬ ‫يف رشحه‬ ‫ تفسري السعدي (‪ ،)88‬وقد نبه عىل اطراد هذه القاعدة‪ :‬شيخنا حممد العثيمني‬ ‫عىل البخاري‪.‬‬ ‫ تيسري اللطيف املنان‪( :‬ص‪.‬‬ ‫‪« :‬فالوصول إىل اهلل وإىل رضوانه بدونه حمال‪ ،‬وطلب‬ ‫يقول العالمة ابن القيم‬ ‫اهلدى من غريه هو عني الضالل‪ ،‬وكيف يوصل إىل اهلل ِمن غري الطريق التي جعلها هو‬ ‫سبحانه موصلة إليه‪ ،‬ودالة ملن سلك فيها عليه! بعث رسوله هبا مناديا‪ ،‬وأقامه عىل‬ ‫أعالمها داعيا‪ ،‬وإليها هاديا‪ ،‬فالباب عن السالك يف غريها مسدود‪ ،‬وهو عن طريق‬ ‫كدحا واجتها ًدا‪ :‬ازداد من اهلل طر ًدا وإبعا ًدا»()‪.

‬‬ ‫‪ -4‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية‪:‬‬ ‫يف باب طلب العلم رشع ًيا كان أم غري رشعي‪ ،‬وكذلك يف طلب الرزق‪ ،‬فإن‬ ‫«كل من سلك طري ًقا وعمل عملاً ‪ ،‬وأتاه من أبوابه وطرقه املوصلة إليه‪ ،‬فال بد أن‬ ‫يفلح وينجح ويصل به إىل غايته‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‬ ‫[البقرة‪ ،]189 :‬وكلام عظم املطلوب تأكد هذا األمر‪ ،‬وتعني البحث التام عن أمثل‬ ‫ إعالم املوقعني‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة والع�رشون‬ ‫‪ -3‬ومن تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫إغالقها لباب احليل عىل األحكام الرشعية‪ ،‬إال فيام أذن فيه الرشع؛ ذلك أن‬ ‫املتحايل عىل الرشيعة مل يأت األمر من بابه‪ ،‬فخالف بذلك ما دلت عليه هذه القاعدة‬ ‫املحكمة‪.‬‬ ‫‪-‬مبينًا شناعة فعل هؤالء املتحايلني‪ ،‬الذين تفننوا يف هذا‬ ‫يقول ابن القيم‬ ‫الباب‪:-‬‬ ‫«فاستبيحت بحيلهم الفروج‪ ،‬وأخذت هبا األموال من أرباهبا فأعطيت لغري‬ ‫وعجت الفروج واألموال‬ ‫ّ‬ ‫أهلها‪ ،‬وعطلت هبا الواجبات‪ ،‬وضيعت هبا احلقوق‪،‬‬ ‫ضجيجا‪ ،‬وال خيتلف املسلمون‬ ‫ً‬ ‫عجيجا‪ ،‬وضجت مما حل هبا إليه‬ ‫ً‬ ‫واحلقوق إىل رهبا‬ ‫أن تعليم هذه احليل حرام‪ ،‬واإلفتاء هبا حرام‪ ،‬والشهادة عىل مضموهنا حرام‪ ،‬واحلكم‬ ‫هبا مع العلم بحاهلا حرام»()‪.)372 / 3( :‬‬ ‫‪147‬‬ .‬‬ ‫فإذا تبني ذلك؛ فقارن‪ :‬كم هم الذين وقعوا يف هذا املرتع الوخيم ممن نصبوا‬ ‫أنفسهم لإلفتاء يف بعض املنابر اإلعالمية‪ ،‬أو يف بعض املواقع‪ ،‬وساعدهم عىل ذلك‬ ‫تراكض كثري من الناس يف هذا الباب؟! وأدنى نظرة يف الواقع‪ ،‬تبني أن األمر جلل‪،‬‬ ‫واهلل املستعان‪.

‬‬ ‫خريا ً‬ ‫احلكمة فقد أويت ً‬ ‫‪ -6‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية‪:‬‬ ‫ما أشار إليه ابن اجلوزي يف كتابه املاتع «صيد اخلاطر» حيث يقول‪:‬‬ ‫«شكا يل رجل من بغضه لزوجته ثم قال‪ :‬ما أقدر عىل فراقها ألمور‪ :‬منها كثرة‬ ‫دينها عيل‪ ،‬وصربي قليل‪ ،‬وال أكاد أسلم من فلتات لساين يف الشكوى‪ ،‬ويف كلامت‬ ‫تعلم بغيض هلا‪.‬‬ ‫فإن اآلية ترشد إىل أن املؤمن عليه أن يسلك الطريقة املناسبة يف احلديث‪ ،‬فيعرف‬ ‫املوضوع املناسب الذي حيسن طر ُقه‪ ،‬والوقت املالئم‪ ،‬ويعرف طبيعة الشخص أو‬ ‫الناس الذين يتحدث إليهم‪ ،‬فإن لكل مقام مقالاً ‪ ،‬ولكل جمال جدالاً ‪ ،‬ولكل حادثة‬ ‫مقا ًما‪.‬‬ ‫ القواعد احلسان لتفسري القرآن (ص‪ )9 :‬للعالمة‪ :‬السعدي‬ ‫ مجهرة األمثال للعسكري‪.)89( :‬‬ ‫‪148‬‬ .‬‬ ‫شخصا كبري املنزلة يف العلم أو الرشف‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وعىل هذا فإذا أراد اإلنسان أن خياطب‬ ‫فال يليق أن خياطبه بام خياطب سائر الناس؛ واحلكمة يف هذا هي املدار‪ ،‬ومن يؤت‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫فقلت له‪ :‬هذا ال ينفع وإنام تؤتى البيوت من أبواهبا‪ ،‬فينبغي أن ختلو بنفسك‪،‬‬ ‫فتعلم أهنا إنام سلطت عليك بذنوبك‪ ،‬فتبالغ يف االعتذار والتوبة‪ ،‬فأما الضجر واألذى‬ ‫هلا فام ينفع‪ ،‬كام قال احلسن البرصي عن احلجاج بن يوسف‪ :‬عقوبة من اهلل لكم‪ ،‬فال‬ ‫‪. ‫وأقوم الطرق املوصلة إليه»()‪.‬‬ ‫وما أمجل ما قاله قيس بن اخلطيم‪:‬‬ ‫()‬ ‫ضللت‪ ،‬وإن تقصد من الباب هتتد‬ ‫َ‬ ‫إذا ما أتيت الع ّز من غري بابه‬ ‫ ‬ ‫‪ -5‬ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية‪ :‬هو احلديث مع الناس‪.

.‬وأما أذاك للمرأة فال وجه له؛ ألهنا مسلطة فليكن‬ ‫شغلك بغري هذا‪..‬‬ ‫واعلم أنك يف مقام مبتىل‪ ،‬ولك أجر بالصرب وعسى أن تكرهوا شي ًئا‪ ،‬وهو‬ ‫خري لكم‪ ،‬فعامل اهلل سبحانه بالصرب عىل ما قىض‪ ،‬واسأله الفرج‪ ،‬فإذا مجعت بني‬ ‫االستغفار وبني التوبة من الذنوب‪ ،‬والصرب عىل القضاء‪ ،‬وسؤال الفرج‪ ،‬حصلت‬ ‫ثالثة فنون من العبادة تثاب عىل كل منها‪ ،‬وال ت َُض ّيع الزمان بيشء ال ينفع‪ ،‬وال حتتل‬ ‫ظانًا منك أنك تدفع ما قدر‪ .‬‬ ‫ صيد اخلاطر (‪ )400-399‬ط‪ :‬دار الكتب العلمية‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة والع�رشون‬ ‫تقابلوا عقوبته بالسيف‪ ،‬وقابلوها باالستغفار‪.‬‬ ‫وقد روي عن بعض السلف أن رجلاً شتمه فوضع خده عىل األرض وقال‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪149‬‬ .‬‬ ‫اللهم اغفر يل الذنب الذي َس ّل َط َت هذا به عيل»() انتهى كالم ابن اجلوزي‬ ‫أردت منه ذكر هذه القصة‪ :‬أن هذا اإلمام الواعظ استخدم‬ ‫ُ‬ ‫والغرض الذي‬ ‫هذه القاعدة القرآنية (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) يف عالج مشكلة هذا الرجل‬ ‫االجتامعية‪ ،‬وما أكثر هذا النوع من املشاكل‪ ،‬لكن ما أقل من يستعمل قواعد القرآن‪،‬‬ ‫قصورا‬ ‫ً‬ ‫تقصريا يف فهم هداياته‪ ،‬أو‬ ‫ً‬ ‫وهداياته يف عالج مشاكل الناس االجتامعية‪ ،‬إما‬ ‫يف ذلك‪ ،‬والواجب علينا أن ننطلق يف إصالح مشاكلنا كلها مهام تنوعت من كتاب‬ ‫ربنا‪ ،‬وسنة نبينا ×‪ ،‬وأن نعتقد ذلك يقينًا؛ ألن اهلل تعاىل يقول‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ‬ ‫ﭢﭣ ﭤ ﭥ) يف كل يشء‪ :‬يف أمر العقائد‪ ،‬وأحكام احلالل واحلرام‪ ،‬والقضايا‬ ‫االجتامعية‪ ،‬واالقتصادية والسياسية‪ ،‬ولكن الشأن فينا نحن‪ ،‬ويف تقصرينا يف تطلب‬ ‫حل مشاكلنا من كتاب ربنا تعاىل‪ ،‬نسأل اهلل تعاىل أن يعيننا عىل فهم كتابه‪ ،‬واالهتداء‬ ‫هبديه‪ ،‬واالستنارة بنوره‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

1 :‬‬ ‫وكأن ختام سورة العنكبوت هبذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ‬ ‫ﮣ ﮤ) هو جواب عن التساؤل الذي قد يطرحه املؤمن ‪-‬وهو يقرأ صدر‬ ‫سورة العنكبوت‪ ،‬والتي تقرر حقيقة رشعية وسنة إهلية‪ -‬يف طريق الدعوة إىل اهلل‬ ‫تعاىل‪ ،‬وذلك السؤال هو‪ :‬ما املخرج من تلك الفتن التي حدثتنا عنها أول سورة‬ ‫العنكبوت؟! فيأيت اجلواب يف آخر السورة‪ ،‬يف هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪:‬‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) فال بد من اجلهاد ‪-‬بمعناه العام‪ -‬وال بد من‬ ‫اإلخالص‪ ،‬عندها تأيت اهلداية‪ ،‬ويتحقق التوفيق بإذن اهلل‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ)‬ ‫هذه القاعدة جاءت يف ختام سورة العنكبوت‪ ،‬والتي افتتحت بقوله تعاىل‪:‬‬ ‫(ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [العنكبوت‪.]3 .‬‬ ‫وال بد لكل من أراد أن يسلك طري ًقا أن يتصور صعوباته؛ ليكون عىل بينة من‬ ‫ً‬ ‫مفروشا بالورود والرياحني‪،‬‬ ‫أمره‪ ،‬وهكذا هو طريق الدعوة إىل اهلل‪ ،‬فلم ولن يكون‬ ‫بل هو طريق «تعب فيه آدم‪ ،‬وناح ألجله نوح‪ ،‬ورمى يف النار اخلليل‪ ،‬وأضجع للذبح‬ ‫‪151‬‬ .

)42‬‬ ‫  يف ظالل القرآن‪ )2720/5( :‬ط‪ :‬الرشوق‪.‬‬ ‫ألن «اإليامن ليس كلمة تقال إنام هو حقيقة ذات تكاليف‪ ،‬وأمانة ذات أعباء‪،‬‬ ‫وجهاد حيتاج إىل صرب‪ ،‬وجهد حيتاج إىل احتامل‪ ،‬فال يكفي أن يقول الناس‪ :‬آمنا! وهم‬ ‫ال يرتكون هلذه الدعوى‪ ،‬حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها وخيرجوا منها صافية‬ ‫عنارصهم خالصة قلوهبم‪ ،‬كام تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبني العنارص الرخيصة‬ ‫العالقة به‪ ،‬وهذا هو أصل الكلمة اللغوي‪ ،‬وله داللته وظله وإحياؤه‪ ،‬وكذلك تصنع‬ ‫الفتنة بالقلوب»()‪.‬‬ ‫حتمل‬ ‫«فيا من نصبت نفسك للدعوة‪ ،‬وأقمت نفسك مقام الرسل الدعاة اهلداة َّ‬ ‫َّ‬ ‫كل ما يالقيك من املحن بقلب ثابت‪ ،‬وجأش رابط‪ ،‬وال تزعزعنَّك الكروب؛ فإهنا‬ ‫ومكونة النفوس‪.‬‬ ‫ الكلمة للمنفلوطي‪ ،‬نقلاً عن «مقاالت لكبار كتاب العربية» د‪ . ‫إسامعيل‪ ،‬وبيع يوسف بثمن بخس‪ ،‬ولبث يف السجن بضع سنني»()‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ومهذبة األخالق‪،‬‬ ‫مر ِّبية الرجال‪،‬‬ ‫وإن رجلاً مل تعركه احلوادث‪ ،‬ومل ِّ‬ ‫جتربه الباليا ال يكون رجل إصالح وال داعي‬ ‫َخ ْل ٍق إىل ٍّ‬ ‫حق؛ فو ِّطن النفس عىل ُّ‬ ‫حتمل املكروه‪ ،‬وابذل كل ما تستطيع من قوة ومال‬ ‫هيدك اهلل طري ًقا رشدً ا‪ ،‬ويصلح بك مجاعات بل أممًا (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ)»()‪.‬حممد احلمد وفقه اهلل (‪/1‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وإذا تبينت صلة هذه القاعدة القرآنية املذكورة يف آخر سورة العنكبوت‪:‬‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) ‪ -‬بأول السورة‪ ،‬فإن دالالت هذه القاعدة يف‬ ‫ميدان الدعوة كبرية ومتسعة جدً ا‪ ،‬وهي تدل بوضوح عىل أن من رام اهلداية والتوفيق‬ ‫ الفوائد‪( :‬ص‪.)213‬‬ ‫‪152‬‬ .

‫القاعدة‬ ‫الرابعة والع�رشون‬ ‫‪-‬وهو يسري يف طريق الدعوة‪ -‬فليحقق ذينك األصلني الكبريين اللذين د ّلت عليهام‬ ‫هذه القاعدة‪:‬‬ ‫‪ -1‬أما األصل األول‪ :‬فهو بذل اجلهد واملجاهدة يف الوصول إىل الغرض الذي‬ ‫ينشده اإلنسان يف طريقه إىل اهلل تعاىل‪..)66‬‬ ‫‪153‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬واألصل الثاين هو‪ :‬اإلخالص هلل‪ ،‬لقوله تعاىل‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ)‬ ‫فليس جهادهم من أجل نرصة ذات‪ ،‬وال مجاعة عىل حساب أخرى‪ ،‬وليس من أجل‬ ‫لعاعة من الدنيا‪ ،‬أو ركض وراء كريس أو منصب‪ ،‬بل هو جها ٌد يف ذات اهلل تعاىل‪.‬‬ ‫وإذا تقرر أن السورة مكية ‪ -‬عىل القول الصحيح من أقوال املفرسين ‪ -‬وهو‬ ‫الذي مل جتب فيه بعدُ شعرية اجلهاد بمعناه اخلاص ‪-‬وهو قتال املرشكني إلعالء كلمة‬ ‫  خلق املسلم للغزايل‪( :‬ص‪.‬‬ ‫«والعلل الناشئة عن فقدان اإلخالص كثرية‪ ،‬وهي إذا استفحلت استأصلت‬ ‫اإليامن‪ ،‬وإذا ق ّلت تركت به ُث اًلم شتى‪ ،‬ينفذ منها الشيطان»()‪ ،‬لذا ليس غري ًبا أن يأيت‬ ‫التوكيد عىل هذا األصل األصيل يف هذا املقام العظيم‪ :‬مقام اجلهاد واملجاهدة‪.‬‬ ‫فجاء التنبيه عىل هذا األصل األصيل يف كل عمل صالح‪.‬‬ ‫رس آخر ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬يف التنبيه عىل هذا األصل‪ ،‬وهو‪ :‬أن اإلنسان قد‬ ‫وثمة ٌّ‬ ‫خملصا‪ ،‬ثم ال يلبث أن تنطفئ حرارة اإلخالص يف نفسه كلام الح أمام ناظريه‬ ‫يبدأ ً‬ ‫يشء من حظوظ النفس‪ ،‬واألثرة‪ ،‬أو التطلع إىل جاه‪ ،‬والرغبة يف العلو واالفتخار‪،‬‬ ‫أو االنتصار‪.‬‬ ‫وإنام ُن ّبه عىل هذا األصل ‪-‬وهو اإلخالص‪ -‬مع كونه رش ًطا يف كل عمل‪ ،‬فإن‬ ‫الرس ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬ألن من الدعاة من قد يدفعه القيام بالدعوة‪ ،‬أو بأي عمل نافع‪،‬‬ ‫الرغبة يف الشهرة التي ناهلا الداعية الفالين‪ ،‬أو يدفعه نيل ثراء ناله املتحدث الفالين‪.

.‬‬ ‫وألهل العلم نصيب من هذه القاعدة‪ ،‬يقول أمحد بن أيب احلواري‪ :‬حدثني‬ ‫عباس بن أمحد ‪-‬يف قوله تعاىل‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ)‪ :-‬الذين‬ ‫يعملون بام يعلمون‪ ،‬هندهيم إىل ما ال يعلمون‪.‬‬ ‫وهذا الذي ذكره هذا العامل اجلليل هو معنى ما روي يف األثر‪ :‬من علم بام عمل‪،‬‬ ‫ورثه اهلل علم ما مل يعمل‪ ،‬وشاهد هذا يف كتاب اهلل‪( :‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ‬ ‫ّ‬ ‫ الفوائد‪( :‬ص‪.‬‬ ‫ُصرِ‬ ‫نرصت عليه ن َ عليه ُ‬ ‫ْ‬ ‫عدوه‪ ،‬ومن‬ ‫ويف كلامت األعالم من سلف هذه األمة‪ ،‬والتابعني هلم بإحسان ما يوسع داللة‬ ‫هذه القاعدة‪:‬‬ ‫يقول ‪-‬يف تعليقه عىل هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮠ ﮡ‬ ‫فهذا اجلنيد‬ ‫ﮢ ﮣ ﮤ)‪ :-‬والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة؛ لنهدينهم سبل‬ ‫اإلخالص‪.)59‬‬ ‫‪154‬‬ ...‬إىل أن قال‬ ‫من جهاد عدوه يف الظاهر إال من جاهد هذه األعداء باطنًا‪ ،‬فمن نُصرِ َ عليها نُصرِ َ عىل‬ ‫عدوه»()‪.‫كبريا تشري إليه هذه القاعدة ‪(-‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫اهلل‪ -‬فإن ثمة معنى ً‬ ‫ﮤ)‪ -‬وهو أن من أبلغ صور اجلهاد‪ :‬الصرب عىل الفتن بنوعيها‪ :‬فتن الرساء وفتن‬ ‫الرضاء‪ ،‬والتي أشارت أوائل سورة العنكبوت إىل ٍ‬ ‫يشء منها‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) دلت‬ ‫‪« :‬وهو أن أكمل الناس هداي ًة أعظمهم‬ ‫ٍ‬ ‫يشء آخر‪ ،‬كام يقول ابن القيم‬ ‫عىل‬ ‫جها ًدا‪ ،‬وأفرض اجلهاد جهاد النفس‪ ،‬وجهاد اهلوى‪ ،‬وجهاد الشيطان‪ ،‬وجهاد الدنيا‪،‬‬ ‫فمن جاهد هذه األربعة يف اهلل‪ ،‬هداه اهلل سبل رضاه املوصلة إىل جنته‪ ،‬ومن ترك‬ ‫‪ :-‬وال يتمكن‬ ‫اجلهاد فاته من اهلدى بحسب ما عطل من اجلهاد‪.

)358/4( :‬‬ ‫‪155‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الرابعة والع�رشون‬ ‫ﯶ) [حممد‪.‬‬ ‫ درء تعارض العقل والنقل‪.‬‬ ‫ويف واقع املسلمني أحوال حتتاج إىل استشعار معنى هذه القاعدة القرآنية‪:‬‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ)‪:‬‬ ‫فمن له والدان كبريان مريضان‪ ،‬بحاجة أن يستشعر هذه القاعدة‪.‬‬ ‫ومن ّفرغ جز ًء من وقته لرتبية النشء والشباب‪ ،‬أو لتعليم أبناء وبنات املسلمني‬ ‫ماسة ليتدبر هذه القاعدة‪.‬‬ ‫دب إليه الفتور‪ -‬هو بحاجة ّ‬ ‫‪-‬وقد ّ‬ ‫كتاب اهلل‬ ‫َ‬ ‫قارصا أم متعد ًيا‪ ،‬فعليه‬ ‫ً‬ ‫فكل من نصب نفسه لعمل صالح‪ ،‬سواء كان‬‫وباجلملة‪ُّ :‬‬ ‫شاف يف طريق السائرين إىل رهبم‪ ،‬ويوشك‬ ‫أن يتدبر هذه القاعدة كثريا؛ فإهنا بلسم ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫كل ما واجهه من تعب ونصب‪ ،‬إذا وضع قدمه عىل أول عتبة من‬ ‫املؤمن أن ينسى َّ‬ ‫عتبات اجلنة‪ ،‬جعلني اهلل وإياكم ‪-‬ووالدينا وذرياتنا‪ -‬من أهلها‪ ،‬ومن الدعاة إىل‬ ‫دخوهلا‪.‬‬ ‫ومن سلك طريق طلب العلم‪ ،‬فطال عليه بعض اليشء بحاجة أن يتأمل معاين‬ ‫هذه القاعدة‪.]17 :‬‬ ‫يقول‪« :‬جهلنا بام علمنا تركنا العمل بام علمنا‬ ‫وكان عمر بن عبد العزيز‬ ‫ولو عملنا بام علمنا لفتح اهلل عىل قلوبنا غلق ما ال هتتدي إليه آمالنا»()‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ)‬ ‫هذه قاعدة من القواعد التي تتصل بفقه السنن اإلهلية يف األمم واملجتمعات‪.‬‬ ‫وكل هذه العبارات ‪-‬يف تنوعها‪ -‬تشري إىل أن اآليات ال يمكن حرصها يف يشء‬ ‫واحد‪ ،‬وما ذكره السلف ‪-‬رمحهم اهلل‪ -‬إنام هو عبارة عن أمثلة هلذه اآليات‪ ،‬وليس‬ ‫مرادهم بذلك حرص اآليات يف نوع واحد منها‪ ،‬وهذه هي عادة السلف يف أمثال هذه‬ ‫املواضع عندما يفرسوهنا‪.)309/2( :‬‬ ‫‪157‬‬ .‬‬ ‫وقد تنوعت عبارات املفرسين يف بيان املراد هبذه اآليات التي يرسلها ربنا‬ ‫تعاىل‪ ،‬فمن قائل‪ :‬هو املوت املتفيش الذي يكون بسب وباء أو مرض‪ ،‬ومن قائل‪:‬‬ ‫هي معجزات الرسل جعلها اهلل تعاىل ختوي ًفا للمكذبني‪ ،‬وثالث يقول‪ :‬آيات االنتقام‬ ‫ختوي ًفا من املعايص‪.‬‬ ‫ صحيح ابن خزيمة‪.‬‬ ‫يبوب عىل أحاديث الكسوف بقوله‪ :‬باب ذكر‬ ‫وهذا اإلمام ابن خزيمة‬ ‫‪( :‬ﭣ ﭤ ﭥ‬ ‫اخلرب الدال عىل أن كسوفهام ختويف من اهلل لعباده‪ ،‬قال اهلل‬ ‫ﭦ ﭧ)()‪.

‫كثريا يف احلكمة من إرسال هذه اآليات أال‬ ‫واملهم هنا أن يتأمل املؤمن واملؤمنة ً‬ ‫وهي التخويف‪ ،‬أي‪ :‬حتى يكون اإلنسان خائ ًفا وجلاً من عقوبة قد تنزل به‪.‬‬ ‫يف بيان معنى هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ‬ ‫يقول قتادة‬ ‫ﭧ)‪« :-‬إن اهلل خيوف الناس بام شاء من آية لعلهم يعتربون‪ ،‬أو يذكرون‪ ،‬أو‬ ‫يرجعون‪ ،‬ذكر لنا أن الكوفة رجفت عىل عهد ابن مسعود‪ ،‬فقال‪ :‬يا أهيا الناس إن‬ ‫ربكم يستعتبكم فأعتبوه»()‪.42‬‬ ‫‪( :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)‬ ‫وكام قال ربنا‬ ‫[املؤمنون‪.‬‬ ‫يف مصنفه من طريق صفية بنت أيب عبيد قالت‪:‬‬ ‫وروى ابن أيب شيبة‬ ‫زلزلت األرض عىل عهد عمر حتى اصطفقت الرسر‪ ،‬فوافق ذلك عبد اهلل بن عمر‬ ‫وهو يصيل‪ ،‬فلم ِ‬ ‫يدر‪ ،‬قال‪ :‬فخطب عمر الناس وقال‪ :‬لئن عادت ألخرجن من بني‬ ‫ظهرانيكم‪.]44 .)478/17( :‬‬ ‫‪158‬‬ .‬‬ ‫وهذا التوارد يف كلامت السلف يف بيان معنى هذه اآلية يؤكد أن السبب األكرب‬ ‫ٍ‬ ‫ومعاص‪،‬‬ ‫يف إرسال اآليات‪ :‬هو ختويف العباد‪ ،‬وترهيبهم مما يقع منهم من ذنوب‬ ‫لعلهم يرجعون إىل رهبم الذي أرسل هلم هذه اآليات والنذر‪ ،‬وإن مل يرجعوا فإن هذه‬ ‫عالمة قسوة يف القلب ‪-‬عيا ًذا باهلل تعاىل‪ -‬كام قال تعاىل‪( :‬ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬ ‫ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ‬ ‫ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ‬ ‫ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ) [األنعام‪:‬‬ ‫‪.]76 :‬‬ ‫ تفسري الطربي‪.

)6/9‬‬ ‫‪159‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والع�رشون‬ ‫أنه قال ‪-‬ملا سمع بخسف‪:-‬‬ ‫قلت‪ :‬ما اجلواب عام روي عن ابن مسعود‬ ‫‪ -‬فإن َ‬ ‫كنا أصحاب حممد × نعد اآليات بركة‪ ،‬وأنتم تعدوهنا ختويفا؟!‬ ‫‪-‬كام بينه اإلمام الطحاوي‪« :-‬أنا كنا نعدها‬ ‫فاجلواب‪ :‬أن مراد ابن مسعود‬ ‫بركة؛ ألنا نخاف هبا فنزداد إيامنًا وعملاً ‪ ،‬فيكون ذلك لنا بركة‪ ،‬وأنتم تعدوهنا ختوي ًفا‬ ‫عندنا خمال ًفا‬ ‫وال تعملون معها عملاً يكون لكم به بركة‪ ،‬ومل يكن ما قال عبد اهلل‬ ‫‪( :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) أي‪ :‬ختوي ًفا‬ ‫من قول اهلل‬ ‫ملا جاء به كتاب اهلل‬ ‫لكم هبا لكي تزدادوا عملاً وإيامنًا؛ فيعود ذلك لكم بركة»()‪.‬‬ ‫ومع وضوح هذا املعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة القرآنية‪ ،‬ومع ظهوره‪ ،‬إال‬ ‫أن من املؤسف جدً ا أن يقرأ اإلنسان أو يسمع بعض ُكتَّاب الصحف‪ ،‬أو املتحدثني‬ ‫هيونون من هذه املعاين الرشعية الظاهرة!‬ ‫عىل بعض املنابر اإلعالمية ممن يسخرون أو ّ‬ ‫ويريدون أن خيترصوا األسباب يف وقوع الزالزل أو الفيضانات‪ ،‬أو األعاصري ‪-‬‬ ‫ونحوها من اآليات العظام‪ -‬يف أسباب مادية حمضة‪ ،‬وهذا غلط عظيم!‬ ‫ونحن ال ننكر أن لزلزلة األرض أسبا ًبا جيولوجية معروفة‪ ،‬وللفيضانات‬ ‫أسباهبا‪ ،‬ولألعاصري أسباهبا املادية‪ ،‬ولكن السؤال الذي يطرح نفسه‪ :‬من الذي أمر‬ ‫األرض أن تتحرك وتضطرب؟ ومن الذي أذن للامء أن يزيد عن قدره املعتاد يف بعض‬ ‫املناطق؟ ومن الذي أمر الرياح أن تتحرك بتلك الرسعة العظيمة؟ أليس هو اهلل؟!‬ ‫أليس الذي أرسلها يريد من عباده أن يترضعوا إليه‪ ،‬ويستكينوا له لعله يرصف عنهم‬ ‫هذه اآليات؟!‬ ‫وال أدري! أمل يتأمل هؤالء داللة هذه القاعدة من الناحية اللغوية؟ فإهنا جاءت‬ ‫  انظر‪ :‬رشح مشكل اآلثار (‪.

‬‬ ‫  تفسري ابن كثري‪ )238/8( :‬ط‪ :‬دار طيبة‪.‬‬ ‫وال أدري كيف جييب هؤالء عن قوله تعاىل يف حق قوم نوح‪( :‬ﯞ ﯟ‬ ‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ) [نوح‪]25 :‬؟!‬ ‫‪( :‬ﯞ ﯟ)‪ :‬أي من كثرة‬ ‫يف بيان معنى قوله‬ ‫يقول ابن كثري‬ ‫ذنوهبم وعتوهم وإرصارهم عىل كفرهم وخمالفتهم رسوهلم (ﯠ ﯡ ﯢ)‬ ‫أي نقلوا من تيار البحار إىل حرارة النار()‪.‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)4551‬مسلم ح (‪ )899‬واللفظ والدعاء ملسلم‪.‬‬ ‫‪160‬‬ . ‫بأسلوب احلرص‪( :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) فهي يف قوة احلرص الذي ّ‬ ‫دل عليه‬ ‫قوله تعاىل‪( :‬ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) [آل عمران‪ ،]62 :‬وهي يف قوة احلرص الذي ّ‬ ‫دل عليه‬ ‫قوله تعاىل‪ ( :‬ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬ ‫ﭡ ﭢ) [هود‪ ]6 :‬ونحوها من اآليات‪.‬‬ ‫هيونون من شأن هذه اآليات ‪ -‬شعروا أم مل يشعروا‪،‬‬ ‫ثم ماذا يصنع هؤالء الذين ّ‬ ‫قصدوا أم مل يقصدوا ‪ -‬بمثل تلك التفسريات املادية الباردة‪ ،‬ماذا يصنعون بام رواه‬ ‫زوج النبي × أهنا قالت‪ :‬كان النبي × إذا‬ ‫البخاري ومسلم عن عائشة‬ ‫عصفت الريح‪ ،‬قال‪« :‬اللهم إين أسألك خريها وخري ما فيها وخري ما أرسلت به‪،‬‬ ‫وأعوذ بك من رشها ورشما فيها ورش ما أرسلت به» قالت‪ :‬وإذا ختيلت السامء ‪-‬‬ ‫وهي سحابة فيها رعد وبرق خييل إليه أهنا ماطرة ‪ -‬تغري لونه‪ ،‬وخرج ودخل‪ ،‬وأقبل‬ ‫وأدبر‪ ،‬فإذا مطرت سرُ ّ ي عنه‪ ،‬فعرفت ذلك يف وجهه‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فسألته؟ فقال‪:‬‬ ‫لعله يا عائشة كام قال قوم عاد‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬ ‫ﮏ)()‪.

‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والع�رشون‬ ‫وأما ما يورده بعض الناس من قوهلم‪:‬‬ ‫هناك بالد أشد معصية من تلك البالد التي أصاهبا ذلك الزلزال‪ ،‬ويوجد دول‬ ‫فجورا من تلك التي رضهبا ذاك اإلعصار‪ ،‬فهذه اإليرادات ال ينبغي أن تورد‬ ‫ً‬ ‫أشد‬ ‫أصلاً ؛ ألهنا كاالعرتاض عىل حكمة اهلل تعاىل يف أفعاله وقضائه وقدره‪ ،‬فإن ربنا حيكم‬ ‫احلكمة‬ ‫ما يشاء ويفعل ما يريد‪ ،‬واهلل يقيض باحلق‪ ،‬وربنا ال ُيسأل عام يفعل‪ ،‬وله‬ ‫البالغة‪ ،‬والعلم التام‪ ،‬ومن وراء االبتالءات حكم وأرسار تعجز عقولنا عن اإلحاطة‬ ‫هبا‪ ،‬فضلاً عن إدراكها‪.‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يرزقنا االعتبار واالدكار‪ ،‬واالتعاظ بام نوعظ به‪ ،‬ونعوذ باهلل‬ ‫من قسوة القلب التي حتول دون الفهم عن اهلل وعن رسوله‪.‬‬ ‫‪161‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية الكريمة جاءت ضمن سياق اآلداب العظيمة التي أدب‬ ‫اهلل هبا عباده يف سورة احلجرات‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‬ ‫ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [احلجرات‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس‪ ،‬وازدادت احلاجة إىل التنويه هبا يف‬ ‫هذا العرص الذي اتسعت فيه وسائل نقل األخبار‪.]6 :‬‬ ‫وهلذه اآلية الكريمة سبب نزول توارد املفرسون عىل ذكره‪ ،‬وخالصته أن احلارث‬ ‫‪-‬سيد بني املصطلق‪ -‬ملا أسلم اتفق مع النبي × أن يبعث‬ ‫بن رضار اخلزاعي‬ ‫ِ‬ ‫رسول‬ ‫ُ‬ ‫رسول‬ ‫له ‪-‬يف وقت اتفقا عليه‪ -‬جاب ًيا يأخذ منه زكاة بني املصطلق‪ ،‬فخرج‬ ‫َ‬ ‫رسول‬ ‫× لكنه خاف فرجع يف منتصف الطريق‪ ،‬فاستغرب احلارث بن رضار تأخر‬ ‫ِ‬ ‫رسول اهلل ×‪ ،‬ويف الوقت ذاته ملا رجع الرسول إىل النبي × قال‪ :‬يا رسول اهلل!‬ ‫إن احلارث منعني الزكاة‪ ،‬وأراد قتيل‪ ،‬فغضب الرسول اهلل × وبعث إىل احلارث‪،‬‬ ‫فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول × مع احلارث بن رضار يف الطريق‪ ،‬فقال هلم‪:‬‬ ‫إىل من ُبعثتم؟ قالوا‪ :‬إليك! قال‪ :‬ومل؟ قالوا‪ :‬إن رسول اهلل × كان بعث إليك الوليد‬ ‫‪163‬‬ .

)2175‬‬ ‫‪164‬‬ .‬‬ ‫وضوحا؛ فهي تأمر‬ ‫ً‬ ‫وجاء يف قراءة َسبع ّية‪﴿ :‬فتثبتوا﴾ وهذه القراءة تزيد األمر‬ ‫ربا أن يتحققوا بأمرين‪:‬‬ ‫عموم املؤمنني حني يسمعون خ ً‬ ‫األول‪ :‬التثبت من صحة اخلرب‪.‫بن عقبة‪ ،‬فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال‪ :‬ال والذي بعث حممدً ا باحلق‪،‬‬ ‫ما رأيته بتة وال أتاين!! فلام دخل احلارث عىل رسول اهلل × قال‪« :‬منعت الزكاة‬ ‫وأردت قتل رسويل»؟! قال‪ :‬ال والذي بعثك باحلق‪ ،‬ما رأيته وال أتاين‪ ،‬وما أقبلت‬ ‫رسول اهلل ×‪ ،‬خشيت أن تكون كانت سخطة من اهلل‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫رسول‬ ‫إال حني احتبس عيل‬ ‫ورسوله‪ ،‬قال فنزلت احلجرات‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬ ‫خمترصا‪ ،‬وقد رواه‬ ‫ً‬ ‫ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) انتهى احلديث‬ ‫اإلمام أمحد بسند ال بأس به‪ ،‬ويعضده اإلمجاع الذي حكاه ابن عبد الرب عىل أهنا نزلت‬ ‫يف هذه القصة()‪.‬‬ ‫الثاين‪ :‬التبينّ من حقيقته‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬فهل بينهام ٌ‬ ‫فرق؟‬ ‫فإن َ‬ ‫فاجلواب‪ :‬نعم؛ ألنه قد يثبت اخلرب‪ ،‬ولكن ال ُيدْ رى ما وجهه!‬ ‫ولعلنا نوضح ذلك بقصة وقعت فصوهلا يف عهد النبي ×‪ ،‬وذلك حني خرج‬ ‫إىل بيتها‪ ،‬فرآه رجالن فأرسعا‬ ‫النبي × من مسجده ليوصل زوجته صفية‬ ‫املسري‪ ،‬فقال‪« :‬عىل رسلكام إهنا صفية»()‪.‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)3107‬ومسلم ح (‪.‬‬ ‫ قال ابن عبد الرب يف «االستيعاب» (‪ )1553/4‬عند ترمجة الوليد بن عقبة‪ :‬وال خالف بني أهل‬ ‫العلم بتأويل القرآن ‪ -‬فيام علمت ‪ -‬أن قوله ‪( :‬ﭢﭣﭤﭥ) نزلت يف الوليد بن عقبة‬ ‫وذلك أنه بعثه رسول اهلل‪.

،‬‬ ‫ً‬ ‫قول طائفة من أهل العلم يف إباحة ذلك ‪ -‬وقد يكون‬ ‫إىل آخر تلك األعذار‪.‬‬ ‫شخصا دخل بيته والناس متجهون‬ ‫ً‬ ‫وهذا مثال قد يواجهنا يوم ًيا‪ :‬فقد يرى أحدنا‬ ‫إىل املساجد ألداء صالهتم‪.‬‬ ‫‪« -2‬أنه سبحانه مل يأمر بر ِّد خرب الفاسق وتكذيبه ورد شهادته مجل ًة‪ ،‬وإنام أمر‬ ‫بالتبني‪ ،‬فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل عىل صدقه عمل بدليل الصدق‪ ،‬ولو‬ ‫أخرب به من أخرب»()‪...)360/1( :‬‬ ‫‪165‬‬ .‬‬ ‫ويف هذه القاعدة القرآنية دالالت أخرى‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬أن خرب العدل مقبول غري مردود‪ ،‬اللهم إال إن الحت قرائن تدل عىل ومهه‬ ‫وعدم ضبطه فإنه ُي َرد‪.‬‬ ‫فلو قيل‪ :‬إن فالنًا دخل بيته والصالة قد أقيمت‪ ،‬لكان ذلك القول صوا ًبا‪ ،‬لكن‬ ‫مجع‬ ‫مج َع ْ‬ ‫لتوه قدم من سفر‪ ،‬وقد َ‬ ‫هل تبني سبب ذلك؟ وما يدريه؟! فقد يكون الرجل ِّ‬ ‫تقديم فلم جتب عليه الصالة أصلاً ‪ ،‬أو لغري ذلك من األعذار!‬ ‫وهذا مثال آخر قد يواجهنا يف شهر رمضان مثلاً ‪:‬‬ ‫عصريا‪ ،‬أو يأكل طعا ًما يف‬ ‫ً‬ ‫شخصا يرشب يف هنار رمضان ما ًء أو‬ ‫ً‬ ‫قد يرى أحدنا‬ ‫النهار‪ ،‬فلو نقل ناقل أنه رأى فالنًا من الناس يأكل أو يرشب لكان صاد ًقا‪ ،‬ولكن هل‬ ‫مسافرا وأفطر أول النهار فاستمر يف فطره ‪ -‬عىل‬ ‫ً‬ ‫تبني حقيقة األمر؟ قد يكون الرجل‬ ‫مريضا‪ ،‬وقد يكون ناس ًيا‪.‬‬ ‫ مدارج السالكني‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والع�رشون‬ ‫فلو نقل ناقل أنه رأى النبي × يميش مع امرأة يف سواد الليل لكان صاد ًقا‪ ،‬لكنه‬ ‫مل يتبني حقيقة األمر‪ ،‬وهذا هو التبني‪.

‬‬ ‫ومثل ذلك يقال‪ :‬يف النقل عام يصدر عن والة أمور املسلمني‪ ،‬وعن خواص‬ ‫ ينظر‪ :‬القواعد احلسان يف تفسري القرآن (‪.)(]39 :‬‬ ‫‪ -4‬أن يف تعليل هذا األدب بقوله‪( :‬ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬ ‫خصوصا إذا‬ ‫ﭯ) ما يوحي بخطورة التعجل يف تلقي األخبار عن كل ٍ‬ ‫أحد‪،‬‬ ‫ً‬ ‫هبت له‪.‬‬ ‫ترتب عىل تصديق اخلرب طع ٌن يف أحد‪ ،‬أو ٌ‬ ‫واضحا من قبل كثري‬ ‫ً‬ ‫إذا تبني هذا املعنى‪ ،‬فإن من املؤسف أن جيد املسلم خر ًقا‬ ‫من املسلمني هلذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ)‪ ،‬وازداد‬ ‫األمر واتسع مع وسائل االتصال املعارصة كأجهزة اجلوال واإلنرتنت وغريها من‬ ‫الوسائل!‬ ‫وأعظم من ُيكذب عليه من الناس يف هذه الوسائل هو رسول اهلل ×‪ ،‬فكم‬ ‫نسبت إليه أحاديث وقصص ال تصح عنه! بل بعضها كذب عليه‪ ،‬ال يصح أن ينسب‬ ‫آلحاد الناس فضلاً عن شخصه الرشيف ×!‬ ‫خصوصا العلامء الذين‬ ‫ً‬ ‫وييل هذا األمر يف اخلطورة‪ :‬الترسع يف النقل عن العلامء‪،‬‬ ‫ينتظر الناس كلمتهم‪ ،‬ويتتبعون أقواهلم‪ُّ ،‬‬ ‫وكل هذا حمرم ال جيوز‪ ،‬وإذا كنا أمرنا يف‬ ‫هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ) أن نتحرى ونتثبت من األخبار‬ ‫عمو ًما؛ فإهنا يف حق النبي × وحق ورثته أشد وأشد‪.‫‪ -3‬ومنها‪ :‬أهنا تضمنت ذم الترسع يف إذاعة األخبار التي خيشى من إذاعتها‪،‬‬ ‫‪( :‬ﮊ ﮋ‬ ‫ولقد عاب ربنا تبارك وتعاىل هذا الصنف من الناس‪ ،‬كام يف قوله‬ ‫ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ‬ ‫ﮝ ﮞ ﮟ) [النساء‪ ،]83 :‬وقال تعاىل‪( :‬ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ)‬ ‫[يونس‪.)98‬‬ ‫‪166‬‬ .

‬‬ ‫انتقلت إىل ميدان الصحافة أو غريها من املنابر اإلعالمية؛ وجدت عج ًبا‬ ‫َ‬ ‫وإذا‬ ‫من خرق سياج هذا األدب‪ .‬‬ ‫وال يقترص تطبيق هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ) عىل ما‬ ‫سبق ذكره‪ ،‬بل هي قاعدة حيتاجها الزوجان‪ ،‬واآلباء مع أبنائهم‪ ،‬واألبناء مع آبائهم‪..‬‬ ‫جعلنا اهلل وإياكم من املتأدبني بأدب القرآن العاملني به‪.‬فكم من حتقيقات صحفية بنيت عىل خرب إما أصله‬ ‫كذب‪ ،‬أو ُض ّخم و ُف ّخم حتى ُصور للقراء عىل أن األمر بتلك الضخامة واهلول‪،‬‬ ‫وليس األمر كام قيل!‬ ‫والواجب عىل كل مؤمن معظم لكالم ربه أن يتقي ربه‪ ،‬وأن يتمثل هذا األدب‬ ‫القرآين الذي أرشدت إليه هذه القاعدة القرآنية الكريمة‪( :‬ﭦ)‪.‬‬ ‫‪167‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والع�رشون‬ ‫املسلمني ممن يكون لنقل الكالم عنهم له أثره‪ ،‬فالواجب التثبت والتبني‪ ،‬قبل أن يندم‬ ‫اإلنسان والت ساعة مندم‪.‬‬ ‫وهلل كم من بيت تقوضت أركانه بسبب اإلخالل هبذه القاعدة القرآنية!‬ ‫هذه رسالة قد تصل إىل جوال أحد الزوجني‪ ،‬فإن كانت من نصيب جوال‬ ‫الزوجة‪ ،‬واطلع الزوج عليها‪ ،‬سارع إىل الطالق قبل أن يتثبت من حقيقة هذه الرسالة‬ ‫التي قد تكون رسالة طائشة جادة أو هازلة جاءت من مغرض أو عىل سبيل اخلطأ!‬ ‫وقل مثل ذلك‪ :‬يف حق رسالة طائشة جادة أو هازلة تصل إىل جوال الزوج‪،‬‬ ‫فتكتشفها الزوجة‪ ،‬فتتهم زوجها بخيانة أو غريها‪ ،‬فتبادر إىل طلب الطالق قبل أن‬ ‫تتثبت من حقيقة احلال!‬ ‫ولو أن الزوجني أعمال هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭦ) ملا حصل هذا ك ّله‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫واملقصود بالتخلية‪ :‬أي تطهري القلب من أدران الذنوب واملعايص‪ ،‬واملقصود‬ ‫بالتحلية‪ :‬أي حتلية النفس بمكارم األخالق‪ ،‬وطيب الشامئل‪ ،‬ومها عمليتان تسريان‬ ‫‪169‬‬ .‬‬ ‫واملعنى الثاين‪ :‬هو الزيادة‪ ،‬يقال َزكَى املال يزكوا إذا نمى‪.‬‬ ‫وكال املعنيني اللغويني مقصودان يف الرشع؛ ألن تزكية النفس شاملة لألمرين‪:‬‬ ‫تطهريها وختليتها من األدران واألوساخ احلسية واملعنوية‪ ،‬وتنميتها وحتليتها‬ ‫باألوصاف احلميدة والفاضلة‪ ،‬فالزكاة ‪-‬باختصار‪ -‬تدور عىل أمرين‪ :‬التخلية‪،‬‬ ‫والتحلية‪.‬‬ ‫التزكية تطلق ويراد هبا معنيان‪:‬‬ ‫املعنى األول‪ :‬التطهري‪ ،‬ومنه قوله تعاىل عن حييى‪( :‬ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ) فإن‬ ‫اهلل زكاه وطهر قلبه وفؤاده‪ ،‬وهذا تطهري معنوي‪ ،‬ويطلق عىل التطهري احليس‪ ،‬يقال‪:‬‬ ‫زكيت الثوب إذا طهرته‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة القدر؛ لعظيم أثرها يف حياة العبد‪ ،‬وقوة صلتها بتلك‬ ‫املضغة التي بني النبي × أن صالحها صالح لبقية اجلسد‪ ،‬وفسادها فساد له‪.

‬‬ ‫ تفسري السعدي‪( :‬ص‪.‬‬ ‫وهذه اآلية جاءت يف سورة فاطر ضمن السياق التايل‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ‬ ‫ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ‬ ‫ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ‬ ‫ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ‬ ‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [فاطر‪.]18 -15 :‬‬ ‫قال العالمة ابن عاشور‪« :‬ومجلة (ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) ٌ‬ ‫تذييل جار‬ ‫جمرى املثل‪ ،‬وذكر التذييل عقب املذيل يؤذن بأن ما تضمنه املذ َّيل داخل يف التذييل‬ ‫بادئ ذي بدء مثل دخول سبب العام يف عمومه من أول وهلة دون أن يخُ ص العام‬ ‫به‪ ،‬فاملعنى‪ :‬أن الذين َخ ُشوا رهبم بالغيب وأقاموا الصالة هم ممّن تزكى فانتفعوا‬ ‫بتزكيتهم‪ ،‬فاملعنى‪ :‬إنام ينتفع بالنذارة الذين خيشون رهبم بالغيب فأولئك تزكوا هبا‬ ‫ومن تزكى فإنام يتزكى لنفسه‪.‬‬ ‫وعىل هذا املعنى جاءت اآليات القرآنية باألمر بتزكية النفس وهتذيبها‪ ،‬كقوله‬ ‫تعاىل‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ)‪ ،‬وقال سبحانه‪( :‬ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)‪ ،‬وكام يف هذه القاعدة القرآنية التي نحن بصددها‪( :‬ﯼ‬ ‫ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ)‪.‫جن ًبا إىل جنب‪ ،‬فاملؤمن مطالب «بالتن ِّقي من العيوب‪ :‬كالرياء والكرب‪ ،‬والكذب‬ ‫والغش‪ ،‬واملكر واخلداع والنفاق‪ ،‬ونحو ذلك من األخالق الرذيلة‪ ،‬ومطالب بالتحليِّ‬ ‫باألخالق اجلميلة‪ :‬من الصدق‪ ،‬واإلخالص‪ ،‬والتواضع‪ ،‬ولني اجلانب‪ ،‬والنصح‬ ‫للعباد‪ ،‬وسالمة الصدر من احلقد واحلسد وغريمها من مساوئ األخالق؛ فإن تزكيته‬ ‫يعود نفعها إليه‪ ،‬ويصل مقصودها إليه‪ ،‬ليس يضيع من عمله يشء»()‪.)687‬‬ ‫‪170‬‬ .

]2 :‬‬ ‫وملا دعا نبي اهلل موسى فرعون اخترص له دعوته يف مجلتني‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬ ‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ) [النازعات‪.)43 / 12( :‬‬ ‫‪171‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والع�رشون‬ ‫واملقصود من القرص يف قوله‪( :‬ﯾ ﯿ ﰀ) أن قبوهلم النذارة كان‬ ‫لفائدة أنفسهم‪ ،‬ففيه تعريض بأن الذين مل يعبؤا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم هبا‪ ،‬فكان‬ ‫رضا عىل أنفسهم»()‪.18 :‬‬ ‫ومن تأمل سورة الشمس‪ ،‬أدرك عظيم هذه الغاية‪ ،‬وخطورة هذه العبادة اجلليلة‪،‬‬ ‫قسم متتاب ًعا عىل أن فالح النفس ال يكون إال بتزكيتها!‬ ‫فإن اهلل تعاىل أقسم أحد عرش اً‬ ‫قسم عىل ُم ْق َس ٍم واحد ‪ -‬وهو‬ ‫وال يوجد يف القرآن نظري هلذا ‪ -‬أعني تتابع أحد عرش اً‬ ‫بال ريب دليل واضح‪ ،‬وبرهان ساطع عىل خطورة هذا املوضوع‪.]19 .]129 :‬‬ ‫وربنا تعاىل يذكر عباده بمنته عليهم‪ ،‬حني استجاب دعوة خليله إبراهيم‪ ،‬وأن من‬ ‫‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ‬ ‫أعظم وظائفه هي تزكية نفوسهم‪ ،‬فقال‬ ‫ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ‬ ‫‪( :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬ ‫ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ) [آل عمران‪ ،]164 :‬وقال‬ ‫ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ‬ ‫ﭰ ﭱ ﭲ) [اجلمعة‪.‬‬ ‫تركهم ً‬ ‫إن من تأمل نصوص القرآن وجد عناية عظيمة بمسألة تزكية النفوس‪:‬‬ ‫فهذا خليل الرمحن حينام دعا بأن يبعث من ذريته رسولاً ‪ ،‬ذكر من مجلة التعليالت‪:‬‬ ‫‪( :‬ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫تزكية الناس الذين سيدعوهم‪ ،‬فقال‬ ‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ) [البقرة‪.‬‬ ‫ التحرير والتنوير‪.

.)616،621 ،582/7( :‬‬ ‫‪172‬‬ ..‬‬ ‫ِ‬ ‫ويأمرون بمعايل األخالق وينهون عن سفاسفها»()‪.)159-158/3( :‬‬ ‫ ينظر‪ :‬جمموع الفتاوى‪.‬‬ ‫ولعظيم منزلة تزكية النفس يف الدين‪ ،‬كان األئمة والعلامء املصنفون يف العقائد‬ ‫يؤكدون عىل هذا األمر بعبارات خمتلفة‪ ،‬منها ما ذكره شيخ اإلسالم اب ُن تيميه‬ ‫مجل ًة من الصفات السلوكية واألخالقية ألهل السن ِّة‪ ،‬ومن ذلك قو ُله‪« :‬يأمرون‬ ‫والشكر عند الرخاء‪ ،‬ويدعون إىل مكار ِم األخالق وحماسن‬ ‫ِ‬ ‫بالصرب عند البالء‬ ‫األعامل‪ ،‬ويعتقدون معنى قولِه ×‪« :‬أكمل املؤمنني إيامنًا أحسن ُُهم خلق ُا»()‪.‬‬ ‫أن تُعدم‬ ‫«األعامل الظاهر ُة يف الرشع ٌ‬ ‫دليل عىل ما يف الباطن‪ ،‬فإذا‬ ‫ُ‬ ‫‪:‬‬ ‫الشاطبي‬ ‫ُّ‬ ‫ويقول‬ ‫ الرتمذي ح (‪ ،)1162‬وغريه‪ ،‬وقال الرتمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬ ‫وإنام نص أئمة الدين عىل ذلك؛ ألن هناك تالز ًما وثي ًقا بني السلوك واالعتقاد‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫األخالق إنام هو من نقص‬ ‫ٍِ‬ ‫انحراف يف‬ ‫فأي‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫مرتبط باالعتقاد الباطن‪ُّ ،‬‬ ‫الظاهر‬ ‫ُ‬ ‫فالسلوك‬ ‫كان ذلك‬ ‫ُ‬ ‫األعامل الظاهر ُة الواجب ُة‪َ ،‬‬ ‫‪« :‬إذا نقصت‬ ‫اإليامن الباطن‪ ،‬قال اب ُن تيميه‬ ‫لنقص ما يف القلب من اإليامن‪ ،‬فال ُيتصور مع كامل اإليامن الواجب الذي يف القلب‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫األعامل الظاهر ُة الواجب ُة»()‪.‫إن منطوق هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) يدل‬ ‫بوضوح أن أعظم أثر هلذه التزكية هو أثرها عىل نفس املتزكي‪ ،‬ومفهومها يتضمن‬ ‫هتديدً ا‪ :‬أنك إن مل َ‬ ‫تتزك يا عبد اهلل‪ ،‬فإن أعظم مترضر بإمهال التزكية هو أنت‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫وطالب‬ ‫ِ‬ ‫الداعية‬ ‫ولئن كانت هذه القاعدة تعني كل مسلم يسمعها‪ ،‬فإن حظ‬ ‫العلم منها أعظم وأوفر؛ ألن األنظار إليه أرسع‪ ،‬واخلطأ منه أوقع‪ ،‬والنقد عليه أشد‪،‬‬ ‫ودعوته جيب أن تكون بحاله قبل مقاله‪.‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.

‬‬ ‫‪ -5‬لزوم حماسبة النفس بني الفينة واألخرى‪.‬‬ ‫‪ -2‬مالزمة قراءة القرآن‪ ،‬وتدبره‪.‬‬ ‫ املوافقات‪.‬‬ ‫‪ -6‬حضور اآلخرة يف قلب العبد‪.‬‬ ‫اً‬ ‫الظاهر منخر ًما أو‬ ‫ُ‬ ‫كان‬ ‫ِ‬ ‫األخالق والسلوك ما هو من‬ ‫ُ‬ ‫فالسلوك واالعتقا ُد متالزمان‪ ،‬كذلك فإن من‬ ‫ُش َع ِ‬ ‫ب اإليامن‪.‬‬ ‫ويف مقابل هذا‪ :‬فإن العاقل من يتنبه لسد املنافذ التي قد تُفسد عليه أثر تلك‬ ‫الوسائل؛ ألن القلب الذي يتلقى الوسائل والعوائق موضع واحد ال يمكن‬ ‫انفصاله‪.)233/1( :‬‬ ‫‪173‬‬ .‬‬ ‫‪ -3‬كثرة الذكر عمو ًما‪.‬‬ ‫وهلذا‪ :‬ملا ظن بعض الناس ‪-‬ومنهم بعض طالب العلم‪ -‬أن أمر التزكية ٌ‬ ‫سهل‬ ‫أو يسري أو من شأن الوعاظ فحسب! يقال ذلك إما بلسان احلال أو بلسان املقال؛‬ ‫صور كثرية من التناقضات والفصام النكد بني العلم والعمل!‬ ‫ٌ‬ ‫ُو ِجدَ ت‬ ‫إن سؤالاً يتبادر إىل الذهن ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية‪ :‬كيف نزكي‬ ‫نفوسنا؟ واجلواب عن هذا يطول جدً ا‪ ،‬لكنني أشري باختصار إىل أهم وسائل تزكية‬ ‫النفس‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬توحيد اهلل تعاىل‪ ،‬وقوة التعلق به‪.‬‬ ‫‪ -7‬تذكر املوت‪ ،‬وزيارة القبور‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والع�رشون‬ ‫مستقيم ُحكم عىل الباطن بذلك»()‪.‬‬ ‫‪ -4‬املحافظة عىل الصالة املفروضة‪ ،‬وقيام الليل ولو قليلاً ‪.‬‬ ‫‪ -8‬قراءة سري الصاحلني‪.

)2722‬‬ ‫‪174‬‬ .‫إذن‪ :‬ال يكفي أن يأيت اإلنسان بالوسائل‪ ،‬بل ال بد من االنتباه إىل العوائق‪ ،‬مثل‪:‬‬ ‫النظر إىل املحرمات‪ ،‬أو سامع املحرمات‪ ،‬أو إطالق اللسان فيام ال يعني ‪-‬فضلاً عام‬ ‫حرم اهلل تعاىل‪.‬‬ ‫ صحيح مسلم ح (‪.-‬‬ ‫اللهم إنا نسألك وندعوك بام دعاك به نبيك حممد ×‪« :‬اللهم آت نفوسنا تقواها‪،‬‬ ‫وزكها أنت خري من زكاها أنت وليها وموالها اللهم إنا نعوذ بك من علم ال ينفع‪،‬‬ ‫ومن قلب ال خيشع‪ ،‬ومن نفس ال تشبع‪ ،‬ومن دعوة ال يستجاب هلا»()‪.

‬‬ ‫ً‬ ‫الكيل وامليزان‪ ،‬حيث كان هذا فاش ًيا فيهم‪،‬‬ ‫وهذا مثال ‪-‬من مجلة أمثلة كثرية‪ -‬تدل عىل شمول دعوات األنبياء عليهم‬ ‫الصالة والسالم جلميع مناحي احلياة‪ ،‬وأهنم كام يدعون إىل أصل األصول ‪-‬وهو‬ ‫التوحيد‪ -‬فهم يدعون إىل تصحيح مجيع املخالفات الرشعية‪ ،‬مهام ظ ّن بعض الناس‬ ‫أهنا خمالفات هينة؛ إذ ال يتحقق كامل العبودية هلل تعاىل إال بأن تكون أمور الدين‬ ‫والدنيا خاضع ًة لسلطان الرشع‪.‬‬ ‫شعيب قو َمه‪ :‬مسألة التطفيف يف‬ ‫ٌ‬ ‫ومن املعلوم أن من مجلة األمور التي وعظ هبا‬ ‫ومنترشا بينهم‪.‬‬ ‫‪ ،‬كلها يف‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية الكريمة تكررت ثالث مرات يف كتاب اهلل‬ ‫قصة شعيب عليه وعىل نبينا أفضل الصالة والسالم‪.‬‬ ‫وأنت إذا تأملت هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ)‬ ‫وجدهتا جاءت بعد عموم النهي عن نقص املكيال وامليزان‪ ،‬فهو عموم بعد خصوص؛‬ ‫‪175‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس‪ ،‬وازدادت احلاجة إىل التنويه هبا يف‬ ‫هذا العرص الذي اتسعت فيه وسائل نقل األخبار‪.

‬‬ ‫إذا تبني سعة مدلول هذه القاعدة‪ ،‬وأن من أخص ما يدخل فيها‪ :‬بخس احلقوق‬ ‫ٍ‬ ‫ألحد من الناس‪.‬‬ ‫والقرآن ميلء بتقرير قاعدة اإلنصاف‪ ،‬وعدم بخس الناس حقوقهم‪ ،‬تأمل‬ ‫ التحرير والتنوير‪.)451 /5( :‬‬ ‫ تفسري الكشاف‪. ‫ليشمل مجيع ما يمكن بخسه من القليل والكثري‪ ،‬واجلليل واحلقري‪.‬‬ ‫كل حق حيس أو معنوي ثبت‬‫املالية؛ فإن داللتها تتسع لتشمل ّ‬ ‫أما احلقوق احلسية فكثرية‪ ،‬منها‪ :‬ما سبقت اإلشارة إليه ‪ -‬كاحلق الثابت لإلنسان‬ ‫كالبيت واألرض والكتاب والشهادة الدراسية ‪ -‬ونحو ذلك‪.‬‬ ‫وقال بعض املفرسين ‪-‬مبينًا سعة مدلول هذه القاعدة‪:-‬‬ ‫«وهو عا ّم يف كل حق ثبت ألحد أن ال هيضم‪ ،‬ويف كل ملك أن ال يغصب عليه‬ ‫مالكه وال يتحيف منه‪ ،‬وال يترصف فيه إال بإذنه ترص ًفا رشع ًّيا»()‪.)337 /3( :‬‬ ‫‪176‬‬ .‬‬ ‫وأما احلقوق املعنوية‪ ،‬فأكثر من أن حترص‪ ،‬ولكن يمكن القول‪ :‬إن هذه القاعدة‬ ‫القرآنية كام هي قاعدة يف أبواب املعامالت‪ ،‬فهي بعمومها قاعدة من قواعد اإلنصاف‬ ‫مع الغري‪.‬‬ ‫‪« :‬وما جاء يف هذا التّرشيع هو أصل من‬ ‫قال العالمة الطاهر ابن عاشور‬ ‫ألن املعامالت تعتمد ال ّثقة املتبا َدلة بني األ ّمة‪ ،‬وإنَّام‬ ‫أصول رواج املعاملة بني األ ّمة؛ ّ‬ ‫حتصل بشيوع األمانة فيها‪ ،‬فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فا ُملنتج يزداد ً‬ ‫إنتاجا‬ ‫الب من تاجر أو ُمستهلك ُيقبِل عىل األسواق ِآمنًا ال خيشى‬ ‫و َع ْر ًضا يف األسواق‪ ،‬وال َّط ُ‬ ‫ِ‬ ‫السلع يف األ ّمة‪ ،‬وتستغني عن اجتالب أقواهتا‬ ‫غبنًا وال خديعة وال خالبة‪ ،‬فتتو ّفر ّ‬ ‫وحاجياهتا وحتسينياهتا؛ فيقوم نَامء املدينة واحلضارة عىل أساس متني و َيعيش النّاس‬ ‫يف رخاء وحتابب وتآخ‪ ،‬وبضد ذلك ّ‬ ‫خيتل حال األ ّمة بمقدار تفيش ضدّ ذلك»()‪.

‫القاعدة‬ ‫الثامنة والع�رشون‬ ‫‪-‬مثلاً ‪ -‬قول اهلل تعاىل‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬ ‫ﯜ ﯝ) [املائدة‪ ]8 :‬فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك‪ ،‬وأال حيملك‬ ‫بغضه عىل غمط حقه‪ ،‬أفتظن أن دينًا يأمرك باإلنصاف مع عدوك‪ ،‬ال يأمرك باإلنصاف‬ ‫مع أخيك املسلم؟!‬ ‫‪-‬معل ًقا عىل هذه اآلية‪« :-‬فنهى أن حيمل‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية‬ ‫بغضهم للكفار عىل أال يعدلوا عليهم‪ ،‬فكيف إذا كان البغض لفاسق أو‬ ‫املؤمنني ُ‬ ‫مبتدع متأول من أهل اإليامن؟! فهو أوىل أن جيب عليه أال حيمله ذلك عىل أال يعدل‬ ‫عىل مؤمن وإن كان ظا ًملا له»()‪.‬‬ ‫ويف واقع املسلمني ما يندى له اجلبني من بخس للحقوق‪ ،‬وإجحاف وقلة‬ ‫اإلنصاف‪ ،‬حتى أدى ذلك إىل قطيعة وتدابر‪ ،‬وصدق املتنبي يوم قال‪:‬‬ ‫بني الرجال وإن كانوا ذوي رحم‬ ‫ومل تزل قلة اإلنصاف قاطعة‬ ‫قديم من هذه اآلفة‪،‬‬ ‫‪ ،‬يعلن شكواه اً‬ ‫وهذا إمام دار اهلجرة مالك بن أنس‬ ‫فيقول‪« :‬ليس يف الناس يشء أقل من اإلنصاف»‪.‬‬ ‫ع ّلق ابن رشد عىل هذه الكلمة فقال‪« :‬قال مالك هذا ملا اختربه من أخالق‬ ‫الناس‪ ،‬وفائدة اإلخبار به التنبيه عىل الذم له؛ لينتهي الناس عنه فيعرف لكل ذي حق‬ ‫حقه»()‪.)38 /1( :‬‬ ‫ البيان والتحصيل‪.)306/18( :‬‬ ‫‪177‬‬ .‬‬ ‫وق ّلب صفحات التعامل يف واقعنا‪:‬‬ ‫خيتلف أحدنا مع شخص آخر من أصدقائه‪ ،‬أو مع أحد من هل الفضل واخلري‪،‬‬ ‫فإذا غضب عليه أطاح به‪ ،‬ونيس مجيع حسناته‪ ،‬ومجيع فضائله‪ ،‬وإذا تكلم عنه تكلم‬ ‫ االستقامة‪.

4 :‬أال خيشون أن ُي َس ّل َط عليهم ‪-‬بسبب ظلمهم ملن حتت أيدهيم‬ ‫‪178‬‬ . ‫عليه بام ال يتكلم به أشد الناس عداوة‪ ،‬والعياذ باهلل!‬ ‫و ُق ْل مثل ذلك‪ :‬يف تعاملنا مع زلة العامل‪ ،‬أو خطأ الداعية‪ ،‬الذين عرف عنهم‬ ‫مجي ًعا تلمس اخلري‪ ،‬والرغبة يف الوصول إىل احلق‪ ،‬ولكن مل يوفق يف هذه املرة أو تلك‪،‬‬ ‫فتجد بعض الناس ينسى أو ينسف تارخيه وبالءه وجهاده ونفعه لإلسالم وأهله‪،‬‬ ‫معذورا فيه!‬ ‫ً‬ ‫بسبب خطأ مل حيتمله ذلك املتكلم أو الناقد‪ ،‬مع أنه قد يكون‬ ‫ولنفرتض أنه غري معذور‪ ،‬فام هكذا تورد اإلبل‪ ،‬وما هكذا يربينا القرآن! بل إن‬ ‫هذه القاعدة القرآنية التي نحن بصدد احلديث عنها تؤكد رضورة اإلنصاف‪ ،‬وعدم‬ ‫بخس الناس حقوقهم‪.‬‬ ‫وتلوح ههنا صورة مؤملة يف جمتمعنا‪ ،‬تقع من بعض الكفالء الذين يبخسون‬ ‫حقوق خدمهم أو عامهلم‪ ،‬فيؤخرون رواتبهم‪ ،‬وربام حرموهم من إجازهتم املستحقة‬ ‫هلم‪ ،‬أو رضبوهم بغري حق‪ ،‬يف سلسلة مؤملة من أنواع الظلم والبخس! أفال يتقي اهلل‬ ‫هؤالء؟! (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)‬ ‫[املطففني‪ ]6 .‬‬ ‫وثمة صور ٌة أخرى ‪-‬تتكرر يوم ًيا تقري ًبا‪ -‬يغيب فيها اإلنصاف‪ ،‬وهي أن بعض‬ ‫جهازا حكوم ًيا‪ ،‬أو مسئولاً عن أحد الوزارات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الكتاب واملتحدثني حينام ينتقد‬ ‫حيصل منه إجحاف وبخس للجوانب املرشقة يف هذا اجلهاز أو ذاك‪ ،‬ويبدأ الكاتب‬ ‫أو املتحدث ‪ -‬بسبب النفسية التي دخل هبا ‪ -‬ال يتحدث إال من زاوية األخطاء‪،‬‬ ‫ناس ًيا أو متناس ًيا النظر من زاوية الصواب واحلسنات الكثرية التي ُوفق هلا ذاك املرفق‬ ‫احلكومي‪ ،‬أو ذلك الشخص املسئول!‬ ‫وما هكذا يريب القرآن أهله‪ ،‬بل القرآن يربيهم عىل هذا املعنى العظيم الذي د ّلت‬ ‫عليه هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ)‪.

‬‬ ‫‪179‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثامنة والع�رشون‬ ‫وبخسهم حقوق خدمهم وعامهلم‪ -‬من يظلمهم ويبخسهم حقوقهم؟! أال خيشون‬ ‫من عقوبات دنيوية ‪-‬قبل األخروية‪ -‬تصيبهم بام صنعوا؟!‬ ‫يقع البخس ‪-‬أحيانًا‪ -‬يف تقييم الكتب أو املقاالت عىل النحو الذي أرشنا إليه‬ ‫آن ًفا‪ ،‬ولعل من أسباب غلبة البخس عىل بعض النقاد يف هذه املقامات‪ ،‬أن الناقد يقرأ‬ ‫بنية تص ُّيد األخطاء والعيوب‪ ،‬ال بقصد التقييم املنصف‪ ،‬وإبراز الصواب من اخلطأ‪،‬‬ ‫عندها يتضخم اخلطأ‪ ،‬ويغيب الصواب‪ ،‬واهلل املستعان‪.‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يرزقنا اإلنصاف من أنفسنا‪ ،‬واإلنصاف لغرينا‪ ،‬وأن جيعلنا‬ ‫من املتأدبني بأدب القرآن العاملني به‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫والع�شرون‬ ‫(ﭑ ﭒ ﭓ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس‪ ،‬وازدادت احلاجة إىل التنويه هبا‬ ‫يف هذا العرص الذي اتسعت فيه وسائل نقل األخبار‪ ،‬وكثر فيها تكالب األعداء‬ ‫بصنفيهم‪ :‬املعلن واخلفي‪.44:‬‬ ‫وهذا ‪-‬كام هو ظاهر‪« :-‬ذم ملن (ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ)‪ ،‬ويف ضمنه حتذير‬ ‫عباده عن االغرتار هبم‪ ،‬والوقوع يف أرشاكهم‪ ،‬فأخرب أهنم يف أنفسهم (ﯿ‬ ‫ﰀ) أي‪ :‬حيبوهنا حمبة عظيمة‪ ،‬ويؤثروهنا إيثار من يبذل املال الكثري يف طلب‬ ‫ما حيبه؛ فيؤثرون الضالل عىل اهلدى‪ ،‬والكفر عىل اإليامن‪ ،‬والشقاء عىل السعادة‪،‬‬ ‫‪181‬‬ .]46 .‬‬ ‫ولكي تُفهم هذه القاعدة جيدً ا‪ ،‬فال بد من ذكر السياق الذي وردت فيه من‬ ‫سورة النساء‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ‬ ‫ﰁﰂﰃﰄﰅﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ‬ ‫ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ‬ ‫ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ‬ ‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [النساء‪.

‬‬ ‫هؤالء العلامء الضالل من أهل الكتاب صنف من أصناف األعداء الذين حذرنا‬ ‫خيربنا هذا اخلرب الصادق يف هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭑ‬ ‫اهلل منهم‪ ،‬وإذا كان اهلل‬ ‫ﭒ ﭓ) فحري بنا أن نتأمل جيدً ا فيمن وصفهم ربنا بأهنم أعداء لنا‪ ،‬فليس‬ ‫أصدق من اهلل قيلاً ‪ ،‬وال أصدق من اهلل حدي ًثا‪.‬فهم حريصون عىل إضاللكم غاية احلرص‪،‬‬ ‫باذلون جهدهم يف ذلك‪..‬إلخ تلك اجلرائم التي تلطخوا هبا‪.‫ومع هذا (ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ)‪ .)181-180‬‬ ‫‪182‬‬ ..‬‬ ‫ولكن ملا كان اهلل ويل عباده املؤمنني ونارصهم‪ ،‬بينَّ هلم ما اشتملوا عليه من‬ ‫الضالل واإلضالل‪ ،‬وهلذا قال‪( :‬ﭕ ﭖ ﭗ) أي‪ :‬يتوىل أحوال عباده ويلطف‬ ‫هبم يف مجيع أمورهم‪ ،‬وييرس هلم ما به سعادهتم وفالحهم‪( ،‬ﭘ ﭙ ﭚ)‬ ‫ينرصهم عىل أعدائهم‪ ،‬ويبني هلم ما حيذرون منهم ويعينهم عليهم‪ ،‬فواليته تعاىل‬ ‫فيها حصول اخلري‪ ،‬ونرصه فيه زوال الرش‪ ،‬ثم بني كيفية ضالهلم وعنادهم وإيثارهم‬ ‫الباطل عىل احلق فقال‪( :‬ﭜ ﭝ ﭞ) أي‪ :‬اليهود وهم علامء الضالل منهم‬ ‫(ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ)‪ )(»...‬‬ ‫وعىل رأس أولئك األعداء‪:‬‬ ‫‪ -1‬عدو اهلل إبليس‪ ،‬الذي مل يأت حتذير من عدو كام جاء من التحذير منه‪ ،‬فكم‬ ‫وضوحا يف بيان حقيقته‬ ‫ً‬ ‫يف القرآن من وصفه بأنه عدو مبني؟ بل إن من أبلغ اآليات‬ ‫‪( :‬ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬ ‫وما جيب أن يكون موقفنا منه‪ ،‬هو قوله‬ ‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ) [فاطر‪!]6 :‬‬ ‫وقد جاء التعجب الرصيح‪ ،‬والذم القبيح ملن قلب عداوة إبليس إىل والية‪ ،‬كام‬ ‫يف قوله سبحانه‪( :‬ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬ ‫ تفسري السعدي‪( :‬ص‪.

1 :‬‬ ‫فهذا النوع من الكفار حرم اهلل علينا مودهتم ومواالهتم‪ ،‬وعلل القرآن هذا بقوله‪:‬‬ ‫(ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) إلخ اآليات‪.‬‬ ‫‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓﭔ‬ ‫ويف سورة املمتحنة ما جييل هذا النوع من األعداء‪ ،‬يقول‬ ‫ﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ‬ ‫ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ‬ ‫ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ‬ ‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ) [املمتحنة‪.‬‬ ‫ومن كامل الرشيعة أهنا فرقت بني أنواع الكفار‪ ،‬فقال اهلل تعاىل يف نفس سورة‬ ‫املمتحنة ‪-‬التي حذرنا ربنا فيها من مواالة الصنف السابق‪( :-‬ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬ ‫ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري الرازي (‪.)19 /11‬‬ ‫‪183‬‬ .]101 :‬‬ ‫قال أهل العلم‪« :‬واملعنى أن العداوة احلاصلة بينكم وبني الكافرين قديمة واآلن‬ ‫قد أظهرتم خالفهم يف الدين وازدادت عداوهتم وبسبب شدة العداوة أقدموا عىل‬ ‫حماربتكم وقصد إتالفكم إن قدروا فإن طالت صالتكم فربام وجدوا الفرصة يف‬ ‫قتلكم»()‪.]2 . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والع�رشون‬ ‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ)‬ ‫[الكهف‪]50:‬؟!‬ ‫‪ -2‬الكفار املحاربون لنا‪ ،‬ومن كان يف حكمهم ممن يريد تبديل ديننا‪ ،‬أو طمس‬ ‫معامل رشيعتنا‪ ،‬قال تعاىل ‪-‬يف سياق آيات صالة اخلوف من سورة النساء‪( :-‬ﯽ‬ ‫ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ‬ ‫ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ) [النساء‪.

]9 .8 :‬‬ ‫‪ -3‬والصنف الثالث الذين نص القرآن عىل عداوهتم‪ ،‬بل وشدهتم‪ :‬هم‬ ‫املنافقون‪ ،‬الذين يظهرون اإليامن ويبطنون الكفر‪ ،‬وتتجىل شدة عداوة هذا الصنف‬ ‫يف أمور‪:‬‬ ‫اً‬ ‫أول‪ :‬أنه مل يوصف يف القرآن كله من فاحتته إىل خامتته شخص أو فئة بأنه‬ ‫«العدو» معر ًفا بـ (أل) إال املنافقون‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬ ‫ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ‬ ‫ﯹ ﯺ) [املنافقون‪.]4 :‬‬ ‫ٍ‬ ‫طائفة أو مذهب كام جاء يف حق‬ ‫ثان ًيا‪ :‬مل يأت تفصيل يف القرآن والسنة لصفات‬ ‫املنافقني‪ ،‬وتأمل أوائل سورة البقرة يكشف لك هذا املعنى بوضوح‪.‬‬ ‫خيرجون عداوته يف كل قالب‪ ،‬يظن اجلاهل أنه علم وإصالح‪ ،‬وهو غاية اجلهل‬ ‫واإلفساد!‬ ‫فلله كم من معقل لإلسالم قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه‬ ‫وخربوه! وكم من علم له قد طمسوه! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه! وكم‬ ‫‪184‬‬ .‬‬ ‫وذكر طوائف العامل الثالثة يف أول سورة البقرة‪ :‬املؤمنني والكفار واملنافقني‪،‬‬ ‫فذكر يف املؤمنني أربع آيات‪ ،‬ويف الكفار آيتني‪ ،‬ويف املنافقني ثالث عرشة آية؛ لكثرهتم‪،‬‬ ‫وعموم االبتالء هبم‪ ،‬وشدة فتنتهم عىل اإلسالم وأهله‪ ،‬فإن بلية اإلسالم هبم شديدة‬ ‫جدً ا؛ ألهنم منسوبون إليه وإىل نرصته ومواالته وهم أعداؤه يف احلقيقة‪.‫ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ‬ ‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [املمتحنة‪.‬‬ ‫‪« :‬وقد هتك اهلل سبحانه أستار املنافقني وكشف أرسارهم‬ ‫يقول ابن القيم‬ ‫يف القرآن وجلىّ لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها عىل حذر‪.

)347 /1( :‬‬ ‫‪185‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والع�رشون‬ ‫عموا عيون موارده بآرائهم‬ ‫رضبوا بمعاول الشبه يف أصول غراسه ليقلعوها! وكم ّ‬ ‫ليدفنوها ويقطعوها! فال يزال اإلسالم وأهله منهم يف حمنة وبلية وال يزال يطرقه من‬ ‫شبههم رسية بعد رسية‪ ،‬ويزعمون أهنم بذلك مصلحون! أال إهنم هم املفسدون‬ ‫ولكن ال يشعرون»()‪.‬‬ ‫إذا تبني هذا‪ ،‬اتضح لنا أمهية تأمل هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭑﭒﭓ)‪،‬‬ ‫وأن ال ختدعنا عن معرفة حقائق أعدائنا ظروف استثنائية‪ ،‬أو أحوال خاصة‪ ،‬فإن‬ ‫الذي أخربنا هبؤالء األعداء هو اهلل الذي خلقهم وخلقنا‪ ،‬ويعلم ما تكنه صدور‬ ‫العاملني أمجعني‪( ،‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ) [العنكبوت‪( ،]10:‬ﭜ ﭝ‬ ‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [امللك‪]14:‬؟!‬ ‫اللهم أرنا احلق ح ًقا وارزقنا اتباعه‪ ،‬وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه‪.‬‬ ‫ مدارج السالكني‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

]3 .‬‬ ‫إن هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) جاءت يف سياق‬ ‫احلديث عن آيات الطالق يف سورة الطالق‪ ،‬لبيان مجلة من املبرشات التي تنتظر من‬ ‫‪( :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬ ‫طبق رشع اهلل يف أمر الطالق‪ ،‬فقال‬ ‫ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ‬ ‫ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ‬ ‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ) [الطالق‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثون‬ ‫(ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية‪ ،‬وقاعدة إيامنية‪ ،‬متتد جذورها يف قلوب املوحدين‪ ،‬يف غابر‬ ‫الزمان وحارضه‪ ،‬وإىل أن يرث اهلل األرض ومن عليها‪.2 :‬‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري السعدي (‪.‬‬ ‫ومعنى هذه القاعدة ظاهر بينّ ‪ ،‬فإهنا تدل عىل أن من توكل عىل ربه ومواله يف‬ ‫أمر دينه ودنياه‪ ،‬بأن يعتمد عىل اهلل يف جلب ما ينفعه ودفع ما يرضه‪ ،‬وفعل ما أمر به‬ ‫من األسباب‪ ،‬مع كامل الثقة بتسهيل ذلك‪ ،‬وتيسريه (ﮫ ﮬ) أي‪ :‬كافيه األمر‬ ‫الذي توكل عليه به()‪.)869‬‬ ‫‪187‬‬ .

‫وأما مناسبة جميء هذا املعنى بعد ذكر هذه األحكام املتعلقة بالطالق‪ ،‬فلعل‬ ‫الرس ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬هو تضمنها للتحذير والتطمني!‬ ‫أما التحذير‪ :‬فهو متجه لكل واحد من الزوجني اللذين قد تسول له نفسه جماوزة‬ ‫حدود اهلل تعاىل يف أمر الطالق‪ ،‬سواء فيام يتعلق بالعدة‪ ،‬أو النفقة‪ ،‬أو غري ذلك‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫منضبطة يف ترصفاهتا‬ ‫خصوصا وأن النفوس حال الطالق قد تكون مشحون ًة‪ ،‬وغري‬ ‫ً‬ ‫غال ًبا‪ ،‬وقد تترصف بام متليه حالة الغضب‪ ،‬بال جترد وال إنصاف!‬ ‫وأما التطمني‪ :‬فهي ملن صدق مع اهلل يف تطبيق رشع ربه يف أمر الطالق‪ ،‬وأنه‬ ‫وإن كيد به أو له‪ ،‬فإن اهلل معه‪ ،‬ونارصه‪ ،‬وحافظ حقه‪ ،‬ودافع كيد من يريد به كيدً ا‪،‬‬ ‫واهلل أعلم بمراده‪.‬‬ ‫وقبل اإلشارة املجملة إىل ذلك‪ :‬حيسن التذكري بأن النصوص د ّلت عىل أن من‬ ‫ظاهر‪ ،‬لكن ين َّبه عليه؛ ألن بعض الناس قد‬ ‫ٌ‬ ‫فعل األسباب‪ ،‬وهذا بينِّ‬ ‫ِ‬ ‫التوكل َ‬ ‫كامل‬ ‫‪-‬خطأ‪ -‬أن التوكل يعني تعطيل األسباب! وهذا غلط بينّ ‪ ،‬ومن تأمل قصة‬ ‫ً‬ ‫يظن‬ ‫موسى عليه السالم ملا واجه البحر‪ ،‬وقصة مريم عليها السالم ملا ولدت‪ ،‬وغريهم‬ ‫من األولياء والصاحلني‪ ،‬جيد أهنم مجي ًعا ُأ ِمروا بفعل أدنى سبب‪ ،‬فموسى ُأ ِمر برضب‬ ‫احلجر‪ ،‬ومريم ُأ ِمرت هبز اجلذع‪ ،‬وما أحسن ما قيل‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫مناف للتوحيد‪ ،‬وإنكار أن تكون أسبا ًبا‬ ‫ٌ‬ ‫رشك‬ ‫«االلتفات إىل األسباب بالكلية‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫واإلعراض عنها ‪-‬مع العلم بكوهنا أسبا ًبا‪ -‬نقصان‬ ‫بالكلية قدح يف الرشع واحلكمة‪،‬‬ ‫يف العقل‪ ،‬وتنزيلها منازهلا ومدافعة بعضها ببعض‪ ،‬وتسليط بعضها عىل بعض‪ ،‬هو‬ ‫‪188‬‬ .‬‬ ‫أسلفت‪ -‬إال أن معناها‬ ‫ُ‬ ‫ومع أن هذه القاعدة وردت يف سياق آيات الطالق ‪-‬كام‬ ‫أعم وأشمل من أن يخُ ترص يف هذا املوضوع‪ ،‬وآيات القرآن الكريم طافحة باحلديث‬ ‫عن التوكل‪ ،‬وفضله‪ ،‬والثناء عىل أهله‪ ،‬وأثره عىل حياة العبد‪.

‬‬ ‫‪189‬‬ .]51 :‬‬ ‫‪ -6‬وإذا نصبت األعداء حباالت املكر فادخل أنت يف أرض التّوكّل‪( :‬ﭒ‬ ‫ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ‬ ‫ﭤ) [يونس‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثون‬ ‫حمض العبودية واملعرفة وإثبات التوحيد والرشع والقدر واحلكمة»()‪.]61 :‬‬ ‫‪ -5‬إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتّوكّل‪( :‬ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬ ‫ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [التوبة‪.‬‬ ‫أن هناك مواطن كثرية‬ ‫مطلوب يف ّ‬ ‫كل شئون احلياة‪ ،‬بيد ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن التّوكُّل عىل اللهّ‬ ‫احلض عىل التّوكّل واألمر به للمصطفى × واملؤمنني! ورسائل القرآن‬ ‫ورد فيها ّ‬ ‫تقول‪:‬‬ ‫«‪ -1‬إن طلبتم النّرص والفرج فتوكّلوا عليه‪( :‬ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬ ‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ) [آل عمران‪:‬‬ ‫‪.]160‬‬ ‫‪ -2‬إذا أعرضت عن أعدائك فليكن رفيقك التّوكُّل‪( :‬ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬ ‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) [النساء‪.]71 :‬‬ ‫الكل إىل اللهّ وتقدير ّ‬ ‫الكل فيها للهّ؛ فو ّطن نفسك عىل‬ ‫أن مرجع ّ‬ ‫‪ -7‬وإذا عرفت ّ‬ ‫ مدارج السالكني‪ )244/1( :‬بترصف‪.]81:‬‬ ‫‪ -3‬إذا أعرض عنك اخللق فتوكّل عىل ربك‪( :‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬ ‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) [التوبة‪.]129 :‬‬ ‫تتوسل إىل ذلك إلاّ بالتّوكّل‪( :‬ﯼ‬ ‫الصلح واإلصالح بني قوم ال ّ‬ ‫‪ -4‬إذا طلبت ّ‬ ‫ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ) [األنفال‪.

‬‬ ‫‪190‬‬ .]81:‬‬ ‫‪ -12‬وإذا أردت أن يكون الفردوس األعىل منزلك فانزل يف مقام التّوكّل‪:‬‬ ‫(ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ) [النحل‪.]99 :‬‬ ‫فتمسك بالتّوكّل يف ّ‬ ‫كل‬ ‫ّ‬ ‫‪ -11‬وإذا أردت أن يكون اللهّ وكيلك يف ّ‬ ‫كل حال‪،‬‬ ‫حال‪( :‬ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) [النساء‪.]42 :‬‬ ‫‪ -13‬وإن شئت أن تنال حم ّبة اللهّ فانزل ّأوال يف مقام التّوكّل‪( :‬ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ‬ ‫ﭸ ﭹ ﭺ) [آل عمران‪.]123 :‬‬ ‫أن اللهّ هو الواحد عىل احلقيقة‪ ،‬فال يكن اتّكالك إلاّ عليه‪( :‬ﭬ‬ ‫‪ -8‬وإذا علمت ّ‬ ‫ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ) [الرعد‪. ‫فرش التّوكّل‪( :‬ﮘ ﮙ ﮚ) [هود‪.]159 :‬‬ ‫‪ -14‬وإذا أردت أن يكون اللهّ لك‪ ،‬وتكون للهّ خالصا فعليك بالتّوكّل‪( :‬ﮧ‬ ‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)‪( ،‬ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [النمل‪.]30 :‬‬ ‫‪ -9‬وإذا كانت اهلداية من اللهّ‪ ،‬فاستقبلها ّ‬ ‫بالشكر والتّوكّل‪( :‬ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ‬ ‫ﮃ) [إبراهيم‪.]12 :‬‬ ‫يطان وال ُغدّ َار فال تلتجئ إلاّ إىل باب‬ ‫والش َ‬ ‫‪ -10‬وإذا خشيت بأس أعداء اللهّ‪ّ ،‬‬ ‫اللهّ‪( :‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ) [النحل‪.)(»]79 :‬‬ ‫وقبل أن نختم حديثنا عن هذه القاعدة القرآنية‪ :‬أود أن أنبه إىل ما ذكره العالمة‬ ‫كثريا من املتوكلني يكون مغبونًا يف توكله!‬ ‫ِ‬ ‫من أن ً‬ ‫ابن القيم‬ ‫يف كتابه‪:‬‬ ‫آبادي‬ ‫ّ‬ ‫ مجيع ما تقدم من ‪ 14 – 1‬من كالم اإلمام اللغوي املفرس الفريوز‬ ‫«بصائر ذوي التمييز»‪ )315-313/2( :‬باختصار يسري‪.

‬‬ ‫‪191‬‬ .‬‬ ‫  ينظر‪ :‬مدارج السالكني‪ )225/2( :‬بترصف‪.‬قال‪ :‬وقال‬ ‫ب أن َأ ْس َت َّن ُ‬ ‫ِ‬ ‫تصبح‪ ،‬وثال ًثا حني متيس‪ ،‬فتد ُعو هب َّن‪ُ ،‬فأح ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ثال ًثا حني‬ ‫وأصلح‬ ‫ْ‬ ‫َك ْلنِي إىل نفيس َط ْر َف َة ٍ‬ ‫عني‪،‬‬ ‫وب‪ :‬ال َّلهم رمحت ََك َأرجو‪ ،‬فال ت ِ‬ ‫ْ ُ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ات املك ُْر ِ‬ ‫اهلل ×‪َ « :‬د َع َو ُ‬ ‫يل شأين ك َّل ُه‪ ،‬ال إله إلاَّ َ‬ ‫أنت»؛ ألن إسناده ضعيف‪ ،‬وينظر يف خترجيه‪ :‬مسند أيب داود الطياليس‬ ‫(‪ )200/2‬ح (‪ )910 ،909‬واهلل أعلم‪.‬‬ ‫ أخرجه الشيخان‪ :‬البخاري ح (‪ )588‬ومسلم ح (‪ ،)385‬ومل أشأ أن أستشهد باحلديث‬ ‫الذي رواه أبو داود وابن حبان وغريمها‪ :‬من حديث عبد الرمحن بن أيب بكرة أنه قال ألَبِ ِيه‬ ‫كل َغدَ ٍاة‪« :‬ال َّل ُه َّم عافني يف بدين‪ ،‬ال َّل ُه َّم عافني يف سمعي‪ ،‬ال َّل ُه َّم‬ ‫‪ :‬يا ِ‬ ‫أبة إِنيِّ أسم ُع َك تد ُعو َّ‬ ‫ُصبح‪ ،‬وثال ًثا حني مُتيس؟ فقال‪ :‬إِنيِّ‬ ‫ِ‬ ‫عافني يف برصي‪ ،‬ال إِ َل َه إلاَّ أنت»‪ ،‬تُعيدُ ها ثال ًثا حني ت ُ‬ ‫ول‪« :‬ال َّل ُه َّم‬ ‫اس فِ ِيه‪َ :‬و َت ُق ُ‬ ‫بسنَّته‪ .‬‬ ‫‪ :‬وهو أن الواحد منا ‪-‬يف حال نشاطه‬ ‫وههنا ملحظ مهم يستفاد من كالمه‬ ‫وقوة إيامنه‪ -‬قد يقع منه نسيان وغفلة عن التوكل عىل اهلل؛ اعتام ًدا عىل ما يف القلب‬ ‫من قوة ونشاط‪ ،‬وهذا غلط ينبغي التنبه إليه‪ ،‬واحلذر منه‪ ،‬ومن تأمل يف أدعية النبي‬ ‫× وجده دائم االفتقار إىل ربه‪ ،‬ضار ًعا إىل ربه أن ال يكله إىل نفسه طرفة عني‪ ،‬حتى‬ ‫ربى أمتَه عىل هذا املعنى يف ٍ‬ ‫يشء قد يظنه البعض بسي ًطا أو سهلاً ‪ ،‬وهو أن يقولوا‪« :‬ال‬ ‫حول وال قوة إال باهلل» عند سامع املؤذن يف احليعلتني!()‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثون‬ ‫وبيان ذلك ‪-‬كام يقول‪ :-‬أنك ترى بعض الناس يرصف توكله إىل حاجة جزئية‬ ‫استفرغ فيها قوة توكله‪ ،‬مع أنه يمكنه نيلها بأيرس يشء‪ ،‬ويف املقابل ينسى أو يغفل عن‬ ‫خريا‪،‬‬ ‫تفريغ قلبه للتوكل يف زيادة اإليامن‪ ،‬والعلم‪ ،‬ونرصة الدين‪ ،‬والتأثري يف العامل ً‬ ‫فهذا توكل العاجز القارص اهلمة‪ ،‬كام يرصف بعضهم مهته وتوكله ودعاءه إىل وجع‬ ‫يمكن مداواته بأدنى يشء‪ ،‬أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف‪ ،‬أو نصف درهم‪،‬‬ ‫ويدع رصفه إىل نرصة الدين‪ ،‬وقمع املبتدعني‪ ،‬وزيادة اإليامن ومصالح املسلمني()‪.‬قال ع َّب ٌ‬ ‫أن أستن ِ‬ ‫َّ ُ‬ ‫ب ْ‬ ‫ِ‬ ‫رسول اهلل × يدعو هب َّن‪ ،‬فأنا ُأح ُّ‬ ‫َ‬ ‫سمعت‬ ‫ُ‬ ‫القرب‪ ،‬ال إله إلاَّ أنت»‪ ،‬تعيدها‬ ‫عذاب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫والفقر‪ ،‬ال َّل ُه َّم إنيِّ أعو ُذ بك من‬ ‫ِ‬ ‫الكفر‬ ‫إنيِّ أعو ُذ بك من‬ ‫رسول‬ ‫ُ‬ ‫بسنَّتِه‪ .

‬‬ ‫‪192‬‬ .‫وقد أمجع العلامء عىل أن التوفيق‪ :‬ألاّ يكل اللهُّ العبدَ إىل نفسه‪ ،‬وأن اخلذالن كل‬ ‫اخلذالن‪ :‬أن خييل بينه وبني نفسه!‬ ‫اللهم إنا نربأ من كل حول وقوة إال من حولك وقوتك‪ ،‬ونعوذ بك أن نوكل‬ ‫إىل أنفسنا طرفة‪.

]19 :‬‬ ‫ومما يعني عىل فهم هذه القاعدة‪ ،‬أن ن َُذك َِّر بسبب نزول هذه اآلية الكريمة‪ ،‬فقد‬ ‫قال‪ :‬كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه‬ ‫روى البخاري يف صحيحه عن ابن عباس‬ ‫بعضهم تزوجها‪ ،‬وإن شاءوا َز َّو ُجوها‪ ،‬وإن شاؤوا مل ُي َز ِّوجوها‪،‬‬ ‫أحق بامرأته‪ ،‬إن شاء ُ‬ ‫فهم أحق هبا من أهلها‪ ،‬فنزلت هذه اآلية يف ذلك()‪.‬‬ ‫يقول العالمة ابن العريب املالكي‪:‬‬ ‫«وحقيقة‪( :‬عرش) يف اللغة العربية الكامل والتامم‪ ،‬ومنه‪ :‬العشرية‪ ،‬فإنه بذلك‬ ‫  البخاري (‪. ‫القاعدة‬ ‫احلادية‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﯢ ﯣ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية وإيامنية‪ ،‬وثيقة الصلة بواقع الناس االجتامعي‪ ،‬بل وبأخص‬ ‫تلك العالقات االجتامعية‪ ،‬تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول اهلل تعاىل‪:‬‬ ‫(ﯢ ﯣ) [النساء‪.)4303‬‬ ‫‪193‬‬ .]19 :‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت ضمن سياق توجيه رباين عظيم‪ ،‬يقول‬ ‫اهلل تعاىل فيه‪( :‬ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬ ‫ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ‬ ‫ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ) [النساء‪.

‬‬ ‫إن من تأمل وتدبر دالالت هذه القاعدة العظيمة‪( :‬ﯢ ﯣ)‬ ‫‪ ،‬وبيان ذلك من وجوه‪:‬‬ ‫أدرك أن هذا القرآن هو ح ًقا كالم اهلل‬ ‫الوجه األول‪ :‬أن هذه القاعدة رقم قرص كلامهتا ‪ -‬وهي كام ترى ‪ -‬كلمتان‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫معان عظيمة‪ ،‬يطول رشحها‪ ،‬وما حديثنا عنها هنا إال إضاءة وإشارة‬ ‫اشتملت عىل‬ ‫فحسب‪.‬‬ ‫معل ًقا عىل هذه القاعدة (ﯢ‬ ‫ويقول العالمة اجلصاص احلنفي‬ ‫ﯣ)‪:‬‬ ‫هو «أمر لألزواج بعرشة نسائهم باملعروف‪ ،‬ومن املعروف‪ :‬أن يوفيها حقها‬ ‫ِ‬ ‫واإلعراض عنها وامليل إىل‬ ‫من املهر‪ ،‬والنفقة‪ ،‬وال َق ْس ِم‪ ،‬وترك أذاها بالكالم الغليظ‪،‬‬ ‫غريها‪ ،‬وترك العبوس والقطوب يف وجهها بغري ذنب»()‪.‬‬ ‫ أحكام القرآن‪ )47/3( :‬للجصاص‪.‫كمل أمرهم‪ ،‬وصح استبدادهم عن غريهم‪ ،‬وعرش ٌة متام العقد يف العدد‪ ،‬فأمر اهلل‬ ‫سبحانه األزواج إذا عقدوا عىل النساء أن يكون َأ َد َم ُة ما بينهم وصحبتهم عىل التامم‬ ‫والكامل‪ ،‬فإنه أهدأ للنفس‪ ،‬وأقر للعني‪ ،‬وأهنأ للعيش‪ ،‬وهذا واجب عىل الزوج‪،‬‬ ‫ومن سقوط العرشة تنشأ املخالعة‪ ،‬وهبا يقع الشقاق‪ ،‬فيصري الزوج يف شق‪ ،‬وهو‬ ‫سبب اخللع»()‪.‬‬ ‫‪194‬‬ .‬‬ ‫الوجه الثاين‪ :‬أن اهلل تعاىل ر ّد أمر املعارشة إىل العرف‪ ،‬ومل حيدده بيشء معني؛‬ ‫الختالف األعراف والعادات بني البلدان كام هو معروف وظاهر‪ ،‬والختالف مكانة‬ ‫األزواج من الناحية املالية واالجتامعية‪ ،‬إىل غري ذلك من صور التفاوت التي هي من‬ ‫سنن اهلل يف خلقه‪.‬‬ ‫ أجكام القرآن‪ )363/2( :‬البن العريب‪ ،‬بترصف يسري‪.

‫القاعدة‬ ‫احلادية والثالثون‬ ‫الرشع فيها أمور التعامل إىل العرف‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وليست هذه هي القضية الوحيدة التي َي ُر ُّد‬ ‫بل جاء ذلك يف مواضع كثرية‪ ،‬من ألصقها بام نحن بصدد احلديث عنه‪ ،‬قوله تعاىل‪:‬‬ ‫(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [البقرة‪ ،]228 :‬فكام أن القاعدة التي نحن بصددها‪:‬‬ ‫(ﯢ ﯣ) تأمر األزواج بمعارشة أزواجهم باملعروف‪ ،‬فإن هذه‬ ‫اآلية‪( :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) [البقرة‪ ]228 :‬تأمر كال الطرفني بذلك‪.‬‬ ‫واملقصود التنبيه عىل عظيم موقع هذه القاعدة الرشعية‪ ،‬والتي يتأمل املؤمن من‬ ‫كثرة ما يرى من هتك حلرمتها‪ ،‬وعدم مراعاة حلدودها! فرتى بعض الرجال ال حيسن‬ ‫ مسلم (‪.)1218‬‬ ‫‪195‬‬ .]231 :‬‬ ‫‪( :‬ﮪﮫﮬ‬ ‫ويف شأن النفقة عىل املرضع واملرتضع يقول اهلل‬ ‫ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ) [البقرة‪:‬‬ ‫‪ ]233‬إذ ليست نفقة الغني كنفقة الفقري‪ ،‬وال نفقة املورس كاملعرس‪.‬‬ ‫ولعظيم موقع هذه املعاين التي دلت عليها هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯢ‬ ‫ﯣ) أكّد النبي × هذه احلقوق يف أعظم جممع عرفته الدنيا يف ذلك الوقت؛‬ ‫حني خطب الناس يف يوم عرفة فقال‪« :‬فاتقوا اهلل يف النساء‪ ،‬فإنكم أخذمتوهن‬ ‫بأمان اهلل‪ ،‬واستحللتم فروجهن بكلمة اهلل‪ ،‬ولكم عليهن أن ال يوطئن فرشكم‬ ‫أحدً ا تكرهونه‪ ،‬فإن فعلن ذلك فارضبوهن رض ًبا غري مربح‪ ،‬وهلن عليكم رزقهن‬ ‫وكسوهتن باملعروف»()‪.‬‬ ‫ويقول‪( :‬ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ) [البقرة‪.‬‬ ‫واآليات واألحاديث يف هذا الباب كثرية جدًّ ا‪.]229 :‬‬ ‫ويقول جل شأنه‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬ ‫ﭙ ﭚ) [البقرة‪.

.‬‬ ‫قصه اهلل تعاىل يف سورة الطالق من أحكام‬ ‫وليتدبر ٌ‬ ‫كل من الزوجني ما ّ‬ ‫وتوجيهات عظيمة‪ ،‬فإن اهلل تعاىل ـ ملا ذكر أحكا ًما متنوعة يف تلك السورة ـ ع ّق َ‬ ‫ب‬ ‫‪( :‬ﮚ ﮛ‬ ‫عىل كل حكم بذكر فوائد التقوى التي هي سبب كل خري‪ ،‬فقال‬ ‫ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ‬ ‫‪( :‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ‬ ‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ) [الطالق‪ ،]3 .8 :‬‬ ‫لقد كان سلف هذه األمة يفقهون ح ًقا معاين هذه النصوص العظيمة‪ ،‬ومن‬ ‫ذلك هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﯢ ﯣ)‪ ،‬فهذا حرب األمة‬ ‫‪196‬‬ .‬اآليات [الطالق‪..]10.‫إال حفظ وترديد اآليات واحلقوق التي ختصه‪ ،‬وال يتحدث عن النصوص التي تؤكد‬ ‫حقوق زوجته‪ ،‬فويل للمطففني‪.2 :‬وقال‬ ‫ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ) [الطالق‪ ،]4 :‬وقال تقدس اسمه‪( :‬ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ‬ ‫ﰆ ﰇ ﰈ) [الطالق‪]5 :‬؛ ولعل الرس يف تتابع هذه التعقيبات‪ :‬أن أحوال الطالق‬ ‫والفراق ‪ -‬مع وجود احلمل واإلرضاع أو بقاء العدة ‪ -‬قد حتمل أحد الطرفني عىل‬ ‫التقصري والبغي‪ ،‬ونحو ذلك من التجاوزات‪ ،‬فجاءت هذه التعقيبات اإلهلية لتبرش‬ ‫املتقني‪ ،‬ولتحذير املجانفني للتقوى‪ ،‬بأن أضداد هذه الوعود اإلهلية ستحصل إن‬ ‫أنتم فرطتم يف تطبيق رشع اهلل‪ ،‬ويوضح هذا املعنى ختم السورة هبذه اآلية املخوفة‪:‬‬ ‫(ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬ ‫ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ‬ ‫ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‪ ).‬‬ ‫يف زوجها‪ ،‬وأن تقوم بحقوقه قدر‬ ‫ويف املقابل فإن عىل الزوجة أن تتقي اهلل‬ ‫الطاقة‪ ،‬وأن ال حيملها تقصري زوجها يف حقها عىل مقابلة ذلك بالتقصري يف حقه‪،‬‬ ‫وعليها أن تصرب وحتتسب‪.

)19608‬‬ ‫ ذكرها القرطبي يف تفسريه‪.‬‬ ‫وبعد‪ :‬هذه هي نظرة اإلسالم العميقة للعالقة الزوجية‪ ،‬اخترصتهْ ا هذه القاعدة‬ ‫القرآنية املحكمة‪( :‬ﯢ ﯣ)‪ ،‬وكذلك‪( :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬ ‫ﮜ) فهي عالقة قائمة عىل املعارشة باملعروف‪ ،‬وعىل الصرب عىل ما قد يبدر من‬ ‫الطرفني من تقصري‪ ،‬فإن كانت العالقة غري قابلة لالستمرار فيأيت األمر بالترسيح‬ ‫‪-‬أيضا‪ -‬الذي حيفظ حق الكرامة لكال الطرفني؛ ُّ‬ ‫كل هذا جيعل املؤمن يفخر‬ ‫باملعروف ً‬ ‫وحيمد اهلل عىل هدايته وانتامئه هلذه الرشيعة العظيمة الكاملة من كل وجه‪ ،‬وينظر بعني‬ ‫املقت لتلك األقالم الدنسة‪ ،‬والدعوات اخلبيثة التي جترئ املرأة ‪-‬إذا رأت من زوجها‬ ‫ما تكره‪ -‬وتوحي للرجل ‪-‬إذا رأى من زوجته ما يكره‪ -‬أن ينحرف قلبه عن مساره‬ ‫الرشعي ليقيم عالق ًة حمرم ًة مع هذه أو ذاك!!‬ ‫اللهم كام هديتنا هلذه الرشيعة فارزقنا العمل هبا‪ ،‬والثبات عليها حتى نلقاك‪. ‫القاعدة‬ ‫احلادية والثالثون‬ ‫‪ ،‬يقول‪« :‬إين أحب أن أتزين للمرأة كام أحب أن تتزين‬ ‫وترمجان القرآن ابن عباس‬ ‫يل املرأة؛ ألن اهلل تعاىل يقول‪( :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ) وما أحب أن أستنطف‬ ‫‪-‬أستويف‪ -‬مجيع حقي عليها؛ ألن اهلل تعاىل يقول‪( :‬ﮞ ﮟ ﮠ)»()‪.‬‬ ‫وقال حييى بن عبد الرمحن احلنظيل‪ :‬أتيت حممد ابن احلنفية فخرج إيل يف ملحفة‬ ‫محراء وحليته تقطر من الغالية ‪-‬وهو نوع نفيس من الطيب‪ -‬فقلت‪ :‬ما هذا؟ قال‪:‬‬ ‫إن هذه امللحفة ألقتها عيل امرأيت ودهنتني بالطيب‪ ،‬وإهنن يشتهني منَّا ما نشتهيه‬ ‫منهن()‪.)160/6( :‬‬ ‫‪197‬‬ .‬‬ ‫ مصنف ابن أيب شيبة‪ )210/10( :‬ح (‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

..]48 .‬معطوف عىل‬ ‫فقوله‬ ‫قوله تعاىل‪( :‬ﮗ ﮘ) واملعنى‪ :‬أن هؤالء الكفار يقولون‪« :‬لو كان حممد‬ ‫صاد ًقا يف وعيده ل ُع ِّج َل لنا وعيدُ ه‪ ،‬فكانوا يسألونه التعجيل بنزول العذاب استهزاء‪،‬‬ ‫كام حكى اهلل عنهم يف قوله‪( :‬ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬ ‫‪199‬‬ .42 :‬‬ ‫‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‪ )... ‫القاعدة‬ ‫الثانية‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية إيامنية‪ ،‬وثيقة الصلة بالواقع الذي تعيشه األمة اليوم بالذات‪،‬‬ ‫وهي تعيش هذه التغريات املتسارعة‪ ،‬والتي خاهلا البعض خارج ًة عن سنن اهلل‬ ‫تعاىل!! وليس األمر كذلك‪.‬إىل قوله تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬ ‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ)‬ ‫[احلج‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة الكريمة جاءت يف سياق هتديد الكفار الذين قابلوا الدعوة إىل‬ ‫اإلسالم بالتكذيب واجلحود‪ ،‬واالستهزاء والسخرية‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﮗ ﮘ‬ ‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ‪ ).

‬‬ ‫كام أن هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) د ّلت عىل معنى ُي َق ّر ُر‬ ‫بعض اللغويني خالفه‪ ،‬وهو أنه اشتهر عند كثريين أن الوعد خاص باخلري‪ ،‬والوعيد‬ ‫متعلق بالرش‪ ،‬وينشدون يف هذا البيتني املشهورين‪:‬‬ ‫وال يرهب ابن العم واجلار سطويت وال أنثني عن سطـوة املـتـهـدد‬ ‫ملخلف إيعادي ومنجز موعدي‬ ‫فإين وإن أوعـدتـــه أو وعــدتــه ‬ ‫وهذه القاعدة التي نحن بصددها ختالف هذا اإلطالق‪ ،‬يقول العالمة الشنقيطي‬ ‫‪-‬بعد أن ذكر عدة شواهد تؤكد خطأ هذا اإلطالق‪« :-‬ومن اآليات املوضحة لذلك‬ ‫ التحرير والتنوير‪.)210/17( :‬‬ ‫‪200‬‬ .‬‬ ‫وإذا تقرر أن العربة بعموم اللفظ ال بخصوص السبب‪ ،‬فإن هذه القاعدة‬ ‫القرآنية‪( :‬ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) ال ختتص هبذا املعنى الذي وردت اآلية يف سياقه‬ ‫‪-‬وهو تعذيب الكفار‪ -‬بل هي عامة يف كل ما وعد اهلل به؛ إذ ال مكره لربنا جل وعال‪،‬‬ ‫وال راد ألمره ومشيئته‪ ،‬ولكن الشأن يف حتقق العباد بفعل األسباب املتعلقة بام وعد‬ ‫اهلل به‪.‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ)‪ ،‬ويف قوله‪( :‬ﯛ‬ ‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) فذكر ذلك يف هذه اآلية بمناسبة قوله‪:‬‬ ‫(ﮫ ﮬ) اآلية‪ ،‬وحكي‪( :‬ﭑ) بصيغة املضارع؛ لإلشارة‬ ‫إىل تكريرهم ذلك؛ جتديدً ا منهم لالستهزاء وتوركًا عىل املسلمني»()‪.‬‬ ‫ثم جاء التعقيب عىل هذه املقالة اآلثمة‪ ،‬هبذه القاعدة التي تسكب اليقني‬ ‫ِ‬ ‫ونفوس أتباعه من املؤمنني املضطهدين‪ ،‬الذين امتألت‬ ‫والطمأنينة يف نفس النبي ×‬ ‫آذاهنم من استهزاء هؤالء الكفار‪ ،‬فقال اهلل ‪-‬وهو أصدق من وعد وأصدق من وفىّ ‪-‬‬ ‫‪( :‬ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ)‪.

‬‬ ‫إذا تقرر عموم هذه القاعدة يف اخلري والرش‪ ،‬فإهنا ‪-‬بال ريب‪ -‬من أعظم ما جيدد‬ ‫الفأل يف نفوس أهل اإلسالم‪ ،‬يف الثبات عىل دينهم ومنهجهم احلق‪ ،‬بل وتزيدهم‬ ‫يقينًا بام عليه أهل الكفر وامللل الباطلة من ضالل وانحراف‪ ،‬وبيان هذا‪ :‬أن املؤمن ال‬ ‫يزال يرى ‪-‬إما بعني البرص أو البصرية‪ -‬صدق ما وعد به أولياءه يف الدنيا‪ ،‬كيف ال‬ ‫؟!‬ ‫وهو يقرأ نامذج مرشقة يف كتاب اهلل‬ ‫ألسنا نقرأ قول ربنا يف سورة آل عمران يف سياق احلديث عن غزوة أحد‪:‬‬ ‫(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [آل عمران‪]152 :‬؟‬ ‫أين نحن عن فواتح سورة الروم التي يقول اهلل تعاىل فيها‪( :‬ﮫ ﮬ ﮭ‬ ‫ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ‬ ‫ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ‬ ‫ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ‬ ‫ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الروم‪..‬ثم ذكر‬ ‫مجلة من الشواهد‪ ،‬ثم قال‪ :-‬وبالتحقيق الذي ذكرنا‪ :‬تع َلم أن الوعد يطلق يف اخلري‬ ‫والرش كام بينا»()‪.1 :‬‬ ‫وهذه اآليات من سورة الروم‪ ،‬تشري إىل سبب كبري يف ضعف اليقني جتاه الوعود‬ ‫تأملت لوجدت أن‬ ‫َ‬ ‫الربانية‪ ،‬أال وهو‪ :‬التعلق بالدنيا‪ ،‬والركون إليها‪ ،‬وهلذا فإنك لو‬ ‫ أضواء البيان‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية والثالثون‬ ‫قوله تعاىل‪( :‬ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ)‬ ‫[احلج‪ ]72:‬فإنه قال يف هذه اآلية يف النار‪( :‬ﰅ ﰆ) بصيغة الثالثي الذي مصدره‬ ‫الوعد‪ ،‬ومل يقل‪ :‬أوعدها‪ ،‬وما ذكر يف هذه اآلية‪ ،‬من أن ما وعد به الكفار من العذاب‬ ‫واقع ال حمالة‪ ،‬وأنه ال خيلف وعده بذلك‪ ،‬جاء مبينًا يف غري هذا املوضع‪...)276/5( :‬‬ ‫‪201‬‬ .]7 .

.‬‬ ‫وال يشكل عىل هذا ما يمر عىل القارئ من آيات قد يفهم منها أن فيها نو ًعا من‬ ‫الرتدد يف تصديق وعد اهلل‪ ،‬أو الشك يف ذلك‪ ،‬كقوله تعاىل‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬ ‫ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ‬ ‫ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [البقرة‪ ،]214 :‬وكقوله‬ ‫‪( :‬ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ) [يوسف‪ ،]110 :‬فإن هذه اآليات إنام حتكي حال ًة‬ ‫عارضة متر باإلنسان ‪-‬بسبب ضعفه حينًا‪ ،‬وبسبب استعجاله أحيانًا‪ -‬وليست حال ًة‬ ‫دائم ًة‪ ،‬وإذا كان الشك يف موعود اهلل ال يصح أن ينسب إىل آحاد املؤمنني‪ ،‬فهو من‬ ‫األنبياء واملرسلني أبعد وأبعد‪ ،‬ولكن ‪ -‬وحلكمة بالغة ‪ -‬جاءت هذه اآليات لتطمئن‬ ‫عرض بسبب‬ ‫املؤمنني من هذه األمة أن حاالت اليأس التي قد تعرض للعبد جمرد ْ‬ ‫شدة وطأة أهل الباطل‪ ،‬أو تسلط الكفار‪ ،‬فإهنا ال تؤثر عىل إيامنه‪ ،‬وال تقدح يف صدقه‬ ‫وتصديقه؛ وهلذا ‪-‬واهلل تعاىل أعلم‪ -‬يأيت مثل هذا التثبيت يف بعض األحوال التي‬ ‫تعرتض نفوس أهل اإليامن فرتة نزول الوحي‪ ،‬كقوله تعاىل‪( :‬ﯶ ﯷ‬ ‫ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ‪ ).‬إىل‬ ‫قوله تعاىل‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬ ‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ)‬ ‫[إبراهيم‪.‫أضعف الناس يقينًا بموعود اهلل هم أهل الدنيا‪ ،‬الراكنني إليها‪ ،‬وأقواهم يقينًا هم‬ ‫العلامء الربانيون‪ ،‬وأهل اآلخرة‪ ،‬جعلنا اهلل منهم بمنِّه وكرمه‪.]47 ..42 :‬‬ ‫واملؤمن ليس من شأنه أن يقرتح أجلاً إلهالك الكفار‪ ،‬أو موعدً ا لنرص اإلسالم‪،‬‬ ‫أو غري ذلك من الوعود التي يقرأها يف النصوص الرشعية‪ ،‬ولكن من شأنه أن يسعى‬ ‫‪202‬‬ .

‫القاعدة‬
‫الثانية والثالثون‬

‫يف نرصة دينه بام يستطيع‪ ،‬وأن ال يظل ينتظر ميض السنن؛ فإن اهلل مل يتعبدنا هبذا‪ ،‬وعليه‬
‫أن يفتش يف مقدار حتققه بالرشوط التي ربطت هبا تلك الوعود‪ ،‬فإذا قرأ ‪-‬مثلاً ‪ -‬قول‬
‫‪( :‬ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) [حممد‪ ]7 :‬فعليه هنا أن‬ ‫اهلل‬
‫يفتش عن أسباب النرص التي أمر اهلل هبا‪ :‬هل حتققت فيه فر ًدا أو يف األمة عىل سبيل‬
‫املجموع؛ ليدرك اجلواب عىل هذا السؤال‪ :‬ملاذا ال تنترص األمة عىل أعدائها؟!‬
‫ولو ذهب اإلنسان إىل تعداد اآليات املوضحة هلذه القاعدة القرآنية املحكمة‪:‬‬
‫(ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) لطال به املقام‪ ،‬ولكن حسبنا ما ذكر‪.‬‬
‫ولعلنا نختم هذه القاعدة هبذه اللطيفة املتصلة هبا‪ :‬ذلك أن هذه القاعدة‬
‫تضمنت متدّ ح اهلل هبذا‪ ،‬وثناءه عىل نفسه‪ ،‬ويتضح لك هذا املعنى إذا قرأت ما حكاه‬
‫اهلل تعاىل عن إبليس ‪-‬وهو خيطب يف حزبه وأوليائه يف جهنم‪ -‬حيث يقول‪( :‬ﮑ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ) فسبحان َم ْن متدح بالكامل وهو ٌ‬
‫أهل‬
‫له‪ ،‬وسبحان من وعد فأوىف‪( ،‬ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) [التوبة‪]111:‬؟‬

‫‪203‬‬

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬
‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬
‫يف النفس واحلياة‬

‫القاعدة‬
‫الثالثة‬
‫والثالثون‬
‫(ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ‬
‫ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)‬

‫هذه قاعدة قرآنية‪ ،‬وضوابط رشعية يف مسألة حدث وال زال حيدث فيها اخللل؛‬
‫بسبب القصور أو التقصري يف تلمس اهلدي القرآين يف تطبيق تلكم القاعدة القرآنية‪.‬‬
‫غره ماله‪،‬‬
‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت يف أثناء قصة قارون‪ ،‬الذي ّ‬
‫وغرته نفسه األمارة بالسوء‪ ،‬فقال ‪ -‬ملا قيل له‪( :‬ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ‬
‫ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ‬
‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [القصص‪ ]77 :‬فقال قولة املستكرب ‪( :-‬ﭒ ﭓ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖ) [القصص‪ ]78 :‬نعوذ باهلل من اخلذالن‪.‬‬
‫والشاهد‪ :‬أن هذه القاعدة هي ميزان عظيم يف التعامل مع املال‪ ،‬الذي هو مما‬
‫استخلف اهلل العباد عليه‪ ،‬وهلذا سيسأهلم يوم القيامة عنه سؤالني‪ :‬من أين اكتسبه؟‬
‫وفيم أنفقه؟ كام يف احلديث الذي رواه الرتمذي وغريه من حديث أيب برزة األسلمي‬
‫()‪.‬‬
‫إن من أعظم مزايا هذا الدين وحماسنه‪ ،‬أنه دين يدعو إىل التوازن يف كل يشء‪،‬‬

‫ويف سنده ضعف‪.‬‬ ‫  الرتمذي (‪ )2417‬وإسناده حسن‪ ،‬ويف الباب عن ابن مسعود‬

‫‪205‬‬

‫من غري إفراط وال تفريط‪ ،‬وال غلو وال جفاء ‪-‬يف أمر الدين أو الدنيا‪ -‬وهذا ما‬
‫تقرره هذه القاعدة بوضوح وجالء‪( :‬ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ‬
‫ﯱ ﯲ ﯳ)‪ ،‬ولو تأملنا هذه اآلية لوجدنا ترتيب الكالم فيها كأنه عقد‬
‫نُظِ َم كأحسن ما يكون النَّظم‪ ،‬فهي قد اشتملت عىل أربعة وصايا عظيمة‪ ،‬أحوج‬
‫الناس إليها ‪-‬يف هذا املقام‪ -‬هم أرباب األموال‪ ،‬فلنتأملها مجي ًعا‪:‬‬
‫األوىل‪( :‬ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) فإن اآلخرة هي املستقبل الذي‬
‫جيب عىل كل عاقل أن يسعى للنجاة فيها‪ ،‬وأن جيعل حارضه من الدنيا متهيدً ا هلا‪ ،‬وأن‬
‫غراسا ليوم احلصاد‪.‬‬
‫جيعل سعيه يف حياته ً‬
‫وقارون قد حصل عنده من وسائل الغرس يف اآلخرة ما ليس عند أكثر الناس‪،‬‬
‫فأمره اهلل أن يعمل فيها بأعامل يرجو فيها ما عند اللهّ‪ ،‬وأن يتصدق وال يقترص عىل‬
‫جمرد نيل الشهوات‪ ،‬وحتصيل اللذات‪.‬‬
‫وأما الوصية الثانية‪ :‬فهي (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)‪:‬‬
‫«والنهي يف (ﯯ ﯰ ﯱ) عىل سبيل اإلباحة‪ ،‬فالنسيان هنا كناية‬
‫عن الرتك‪ ،‬واملعنى‪ :‬ال نلومك عىل أن تأخذ نصيبك من الدنيا ‪ -‬أي الذي ال يأيت‬
‫عىل نصيب اآلخرة ‪ ،-‬وهذا احرتاس يف املوعظة خشية نفور املوعوظ من موعظة‬
‫الواعظ؛ ألهنم ملا قالوا لقارون‪( :‬ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) أومهوا أن‬
‫يرتك حظوظ الدنيا فال يستعمل ماله إال يف القربات‪ ،‬قال قتادة‪ :‬نصيب الدنيا هو‬
‫احلالل كله!‬
‫وبذلك تكون هذه اآلية مثالاً الستعامل صيغة النهي ملعنى اإلباحة‪ ،‬و(ﯲ)‬
‫للتبعيض‪ ،‬واملراد بالدنيا نعيمها‪ ،‬فاملعنى‪ :‬نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا»()‪.‬‬

‫ التحرير والتنوير‪ )108 /20( :‬بترصف واختصار‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫القاعدة‬
‫الثالثة والثالثون‬

‫وههنا سؤال قد يطرحه بعض الناس‪ :‬وهو أن اإلنسان ُجبِ َل فطر ًة عىل حب‬
‫املال‪ ،‬والتعلق بيشء مما ال بد له منه يف هذه الدنيا‪ ،‬فكيف أمر أن ال ينسى نصيبه‪ ،‬وهو‬
‫أمر شبه املستحيل‪ ،‬بل املتوقع أن يقال‪ :‬وال تنس نصيبك من اآلخرة؟!‬
‫ٌ‬
‫فاجلواب ‪-‬واهلل تعاىل أعلم بمراده‪ :-‬أن هذه اآلية جاءت لضبط التوازن‪ ،‬كام‬
‫أسلفنا يف التعامل مع زينة الدنيا‪ ،‬ومن ذلك‪ :‬املال‪ ،‬فقد يسمع أحدُ التجار أو األثرياء‬
‫مثل هذه املوعظة فيظن أن القصد أن يتخىل عن ّ‬
‫كل يشء من نعيم الدنيا ولو كان‬
‫مباحا‪ ،‬فيقال له‪ :‬وإن ُأ ِمرت بأن يكون جل مهك اآلخرة‪ ،‬فلسنا نطلب منك ترك ما‬
‫ً‬
‫حق حقه‪.‬‬
‫أباح اهلل تعاىل‪ ،‬بل املطلوب العدل‪ ،‬وإعطاء كل ذي ٍّ‬
‫وهلذا كان من بديع تفسري اإلمام مالك هلذه اآلية أن قال‪ :‬هو األكل والرشب‬
‫من غري إرساف‪ ،‬فهو يشري هبذا إىل ما ذكرناه آن ًفا‪ ،‬والعلم عند اهلل‪.‬‬
‫خلل يف فهم حقيقة الزهد‬ ‫ولقد وقع يف عهد النبي × من بعض الصحابة‬
‫والتعبد‪ ،‬حني سألوا عن عبادة النبي × فكأهنم تقالوها‪ ،‬فقالوا‪ :‬أين نحن من النبي‬
‫×؟ قد غفر اهلل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم‪ :‬أما أنا فإين أصيل الليل‬
‫أبدً ا‪ ،‬وقال آخر‪ :‬أنا أصوم الدهر وال أفطر! وقال آخر‪ :‬أنا أعتزل النساء فال أتزوج‬
‫أبدً ا‪ ،‬فجاء رسول اهلل × فقال‪« :‬أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واهلل إين ألخشاكم‬
‫هلل وأتقاكم له‪ ،‬لكني أصوم وأفطر‪ ،‬وأصيل وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن‬
‫سنتي فليس مني»()‪.‬‬
‫وهبذا املنهج املتوازن املبني عىل الكتاب والسنة كان أئمة اإلسالم‪ ،‬وعلامء امللة‬
‫يردون عىل ما أحدثه بعض الزهاد وال ُعباد من ألوان من التزهد التي جتايف هذا اهلدي‬

‫ البخاري (‪.)4776‬‬

‫‪207‬‬

‫النبوي العظيم()‪.‬‬
‫ملمحا لطي ًفا يف توجيه معنى قوله‪( :‬ﯯ ﯰ ﯱ‬
‫ً‬ ‫وذكر بعض أهل العلم‬
‫عر ًضا للنسيان‬
‫«أراد أن جيعل الدنيا شي ًئا ه ّينًا ُم َّ‬ ‫ﯲ ﯳ) وهو أن اهلل‬
‫واإلمهال‪ ،‬فهو ُيذكِّرنا هبا‪ ،‬وحي ُّثنا عىل أن نأخذ منها بنصيب‪ ،‬فأنا ال أقول لك‪ :‬ال‬
‫كنت أعلم أنه ُع ْر َضة للنسيان‪ ،‬وهذا جانب من جوانب‬
‫تنس اليشء الفالين إال إذا ُ‬
‫َ‬
‫الوسطية واالعتدال يف اإلسالم»‪ ،‬واهلل أعلم بمراده()‪.‬‬
‫أما الوصية الثالثة‪( :‬ﯵﯶﯷﯸﯹ)‪ ،‬وهذا يتفق متا ًما مع العقل‬
‫والرشع‪ ،‬قال اهلل تعاىل‪( :‬ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [الرمحن‪]60 :‬؟‬
‫«واإلحسان داخل يف عموم ابتغاء الدار اآلخرة ولكنه ذكر هنا ليبني عليه‬
‫االحتجاج بقوله (ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ)‪ ،‬والكاف للتشبيه‪ ،‬أي‪ :‬كإحسان‬
‫اهلل إليك»()‪.‬‬
‫وهذه اآلية فيها من التعليل واحلض ما هو ظاهر‪ ،‬وهي كقول اهلل تعاىل‪:‬‬
‫(ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) [النور‪ ]22 :‬فكام حتب‬
‫أن يعفو اهلل عنك‪ ،‬فاعف عن عباده‪ ،‬وهنا‪ :‬كام حتب أن حيسن إليك ربك‪ ،‬ويدوم‬
‫إحسانه‪ ،‬فال تقطع إحسانك عن خلقه‪ ،‬وإال فاهلل غني عن العاملني‪.‬‬
‫ورابع هذه الوصايا يف هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ‬
‫ﰄ ﰅ)‪.‬‬

‫ ومن أكثر من رأيتهم يردون عىل هؤالء‪ :‬ابن اجلوزي يف عدد من كتبه‪ ،‬وابن تيمية‪ ،‬وابن‬
‫القيم‪ ،‬وغريهم رمحة اهلل عىل اجلميع‪.‬‬
‫يف تفسريه‪.‬‬ ‫  أشار إليه الشيخ الشعراوي‬
‫  التحرير والتنوير‪.)108 /20( :‬‬

‫‪208‬‬

‫القاعدة‬ ‫الثالثة والثالثون‬ ‫«وعطف (ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ) للتحذير من خلط اإلحسان بالفساد فإن‬ ‫الفساد ضد اإلحسان‪ ،‬فاألمر باإلحسان يقتيض النهي عن الفساد‪ ،‬وإنام نص عليه؛‬ ‫ألنه ملا تعددت موارد اإلحسان واإلساءة فقد يغيب عن الذهن أن اإلساءة إىل يشء‬ ‫مع اإلحسان إىل أشياء يعترب غري إحسان!‬ ‫ومجلة‪( :‬ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) علة للنهي عن اإلفساد؛ ألن العمل الذي ال‬ ‫حيبه اهلل ال جيوز لعباده عمله»()‪.‬‬ ‫وبعد هذا التطواف الرسيع يف ظالل هذه القاعدة القرآنية اجلليلة‪ :‬يتبني لنا‬ ‫‪( :-‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) [اإلرساء‪،]9 :‬‬ ‫بوضوح أن هذا القرآن ‪-‬كام قال منزله‬ ‫وأنه ما من قضية حيتاجها الناس إال وحكمها يف كتاب اهلل‪ ،‬كام قال اإلمام الشافعي‪،‬‬ ‫ولكن أين املتدبرون‪ ،‬والناهلون من هذا املعني الذي ال ينضب؟!‬ ‫نعيم ال ينفد‪ ،‬وقرة عني ال‬ ‫اللهم إنا نسألك القصد يف الفقر والغنى‪ ،‬ونسألك اً‬ ‫تنقطع‪ ،‬ونسألك الرضاء بعد القضاء‪ ،‬وبرد العيش بعد املوت‪ ،‬ونسألك لذة النظر‬ ‫إىل وجهك والشوق إىل لقائك يف غري رضاء مرضة وال فتنة مضلة‪ ،‬اللهم زينا بزينة‬ ‫اإليامن واجعلنا هداة مهتدين‪.‬‬ ‫‪209‬‬ .‬‬ ‫ التحرير والتنوير‪ )109 /20( :‬بترصف واختصار‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وال خيفى أن هذه القاعدة املحكمة جاءت يف سورة البقرة‪ ،‬تلك السورة التي‬ ‫حتدثت بتفصيل عن حقيقة أهل الكتاب‪ ،‬واليهود بشكل أخص ‪-‬لكوهنم يسكون‬ ‫املدينة‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عقدية‪ ،‬نزلت قبل أربعة عرش قرنًا‪ ،‬وال تزال معانيها تتجدد‬ ‫ألهل اإلسالم يف كل زمان‪.‬‬ ‫يقول شيخ املفرسين ابن جرير الطربي‪:‬‬ ‫«وليست اليهود ‪-‬يا حممد‪ -‬وال النصارى براضية عنك أبدً ا‪ ،‬فدع طلب ما‬ ‫يرضيهم ويوافقهم‪ ،‬وأقبل عىل طلب رضا اهلل يف دعائهم إىل ما بعثك اهلل به من‬ ‫احلق؛ فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك هلو السبيل إىل االجتامع فيه معك عىل األلفة‬ ‫والدين القيم‪ ،‬وال سبيل لك إىل إرضائهم باتباع ملتهم؛ ألن اليهودية ضد النرصانية‪،‬‬ ‫‪211‬‬ .-‬‬ ‫ٍ‬ ‫مرحلة‬ ‫ونزول هذه اآلية الكريمة ‪-‬كام أشار إليه مجع من املفرسين‪ -‬جاء عقب‬ ‫من حماوالت النبي × لتأليف اليهود‪ ،‬لعلهم يستجيبون‪ ،‬وينقادون لدين اإلسالم‪،‬‬ ‫فجاء هذا اخلرب القاطع لكل حماوالت التأليف التي كان النبي × يامرسها معهم‪.

‬‬ ‫فتأمل ما تضمنته تتمة هذه القاعدة من وعيد عظيم ملن اتبع أهواءهم‪ ،‬وملن هذا‬ ‫الوعيد العظيم؟! ملحمد ×! مع أنه ال يمكن أن يقع منه يشء من ذلك بعصمة اهلل‬ ‫له‪ ،‬قال تعاىل يف تتمة هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬ ‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [البقرة‪.)484/2( :‬‬ ‫‪212‬‬ .]120 :‬‬ ‫هدى‬ ‫ً‬ ‫قسم اهلل تعاىل األمر ‪-‬يف هذا األصل العظيم‪ -‬إىل قسمني‪:‬‬ ‫وتأمل كيف ّ‬ ‫وهوى‪ ،‬فاهلدى هو هدى اهلل‪ ،‬وليس وراء ذلك إال اتباع اهلوى‪( :‬ﭢ ﭣ‬ ‫ً‬ ‫يف تتمة تعليقه عىل هذه اآلية‪:‬‬ ‫ﭤ)‪ ،‬يقول ابن جرير‬ ‫«يعني جل ثناؤه بقوله‪( :‬ﭢﭣ)‪ ،‬يا حممد‪ ،‬هوى هؤالء اليهود والنصارى‬ ‫‪ -‬فيام يرضيهم عنك ‪ -‬من هتود وتنرص‪ ،‬فرصت من ذلك إىل إرضائهم‪ ،‬ووافقت فيه‬ ‫حمبتهم ‪ -‬من بعد الذي جاءك من العلم بضاللتهم وكفرهم برهبم‪ ،‬ومن بعد الذي‬ ‫اقتصصت عليك من نبئهم يف هذه السورة (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) يعني بذلك‪ :‬ليس‬ ‫لك يا حممد من ويل ييل أمرك‪ ،‬وقيم يقوم به (ﭱ ﭲ) ينرصك من اهلل‪ ،‬فيدفع عنك‬ ‫ما ينزل بك من عقوبته‪ ،‬ويمنعك من ذلك‪ ،‬إن أحل بك ذلك ربك»()‪.‬‬ ‫ تفسري الطربي‪.)484/2( :‬‬ ‫ تفسري الطربي‪.‫والنرصانية ضد اليهودية‪ ،‬وال جتتمع النرصانية واليهودية يف شخص واحد يف حال‬ ‫واحدة‪ ،‬واليهود والنصارى ال جتتمع عىل الرضا بك‪ ،‬إال أن تكون هيود ًيا نرصان ًيا‪،‬‬ ‫وذلك مما ال يكون منك أبدً ا؛ ألنك شخص واحد‪ ،‬ولن جيتمع فيك دينان متضادان‬ ‫يف حال واحدة‪ ،‬وإذا مل يكن إىل اجتامعهام فيك يف وقت واحد سبيل‪ ،‬مل يكن لك إىل‬ ‫إرضاء الفريقني سبيل‪ ،‬وإذا مل يكن لك إىل ذلك سبيل‪ ،‬فالزم هدى اهلل الذي جلميع‬ ‫اخللق إىل األلفة عليه سبيل»()‪.

‬‬ ‫الفجة‪ -‬ليتساءل عن هؤالء ال ُكتّاب‬ ‫وإن املؤمن ‪-‬وهو يسمع أمثال هذه الكلامت ّ‬ ‫ تفسري املنار‪.‬‬ ‫ومع وضوح هذا النص القرآين املحكم‪ ،‬فإنك لتتأمل من تشكيك بعض املسلمني‬ ‫صورا شتى‪ ،‬تبدأ من التشكيك يف كون هؤالء‬ ‫ً‬ ‫هبذه احلقيقة‪ ،‬وهذا التشكيك يأخذ‬ ‫كفارا أصلاً ! وتنتهي عند املطالبة بالتامهي واالندماج التام معهم‪ ،‬يف مسخ واضح‬ ‫ً‬ ‫ألصل من األصول الكبار‪ ،‬أال وهو الوالء والرباء!‬ ‫ومل يفرق هؤالء بني ما يصلح أن يؤخذ منهم‪ ،‬ويستفاد منه يف أمور الدنيا‪ ،‬وبني‬ ‫اعتزاز املؤمن بدينه‪ ،‬ومتايزه بعقيدته! وليس احلديث عن هذه الطوام التي ال يقوهلا‬ ‫عاقل قرأ التاريخ‪ ،‬فضلاً عمن عقل عن اهلل ورسوله قوهلام‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة والثالثون‬ ‫فم ِن ُ‬ ‫الناس بعده؟!‬ ‫موجها للنبي ×‪َ ،‬‬ ‫ً‬ ‫فإذا كان هذا الكالم‬ ‫الرس وأخفى‪ ،‬والذي ال خيفى عليه يش ٌء‬ ‫وهذه القاعدة املحكمة قاهلا الذي يعلم ّ‬ ‫حارضا وال مستقبلاً ‪ ،‬فالذي قال هذا الكالم‪ ،‬هو الذي قال‪:‬‬ ‫ً‬ ‫من أحوال خلقه‪ ،‬ال‬ ‫(ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [امللك‪]14 :‬؟!‬ ‫وقد أحسن العالمة السيد حممد رشيد رضا؛ حني خلص القواعد التي اشتملت‬ ‫عليها سورة البقرة‪ ،‬فجعل من مجلة هذه القواعد‪ :‬هذه القاعدة التي نحن بصدد‬ ‫احلديث عنها فقال عن هذه اآلية‪ :‬إهنا «آية للنبي × كاشفة عن حال أهل امللتني يف‬ ‫عرصه‪ ،‬وال تزال مطردة يف أمته من بعده‪ ،‬وقد اغرت زعامء بعض الشعوب اإلسالمية؛‬ ‫فحاولوا إرضاء بعض الدول بام دون اتباع ملتهم من الكفر ‪ -‬فلم يرضوا عنهم‪ ،‬ولو‬ ‫اتبعوا ملتهم الشرتطوا أن يتبعوهم يف فهمها وصور العمل هبا‪ ،‬حتى ال يبقى هلم‬ ‫أدنى استقالل يف دينهم وال يف أنفسهم»()‪.)95/1( :‬‬ ‫‪213‬‬ .

149 :‬؟!‬ ‫هذه شهادة من اهلل عىل أعدائنا بام يريدون منا‪ ،‬وما حياولونه من صدنا عن ديننا‪،‬‬ ‫فهل بعد هذه الشهادة من شهادة؟ أومل يكف بربك أنه عىل كل ٍ‬ ‫يشء شهيد؟!‬ ‫إن هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ)‬ ‫ذكرت بعضها َخبرَ ٌ ‪ ،‬واخلرب ال ينسخ‪ ،‬ألن نسخه‬ ‫ُ‬ ‫وما جاء يف معناها من اآليات التي‬ ‫يستلزم أن يكون املخرب هبذا كاذ ًبا‪ ،‬وهذا لو كان يف حق آحاد فضالء الناس لكان من‬ ‫أعظم القدح فيه‪ ،‬فكيف إذا كان املتكلم به هو اهلل العليم اخلبري؟!‬ ‫ولو أردنا أن نقلب صفحات التاريخ؛ لوجدنا اجلواب الذي يزيد املؤمن يقينًا‬ ‫سم الشاة التي وجد النبي × أثرها حتى لقي‬ ‫هبذه القاعدة املحكمة!‪ ،‬فمن الذي ّ‬ ‫؟ ومن الذي َس َّم مجلة من اخللفاء املسلمني الذين‬ ‫ربه؟! ومن الذي قتل الفاروق‬ ‫كان هلم أثر يف ضعف شوكة اليهود أو النصارى؟!‬ ‫‪214‬‬ .‫‪( :‬ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫الذين حيملون أسامء إسالمية‪ :‬أمل قول اهلل‬ ‫ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ‬ ‫ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ‬ ‫ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ‬ ‫ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ) [البقرة‪]217 :‬؟‬ ‫وأين هم من ِ‬ ‫قول اهلل تعاىل‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬ ‫ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)‬ ‫[البقرة‪]109 :‬؟!‬ ‫عن سائر الكفار‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬ ‫أمل يتأملوا قوله‬ ‫ﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ‬ ‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [آل عمران‪]150 .

‬‬ ‫‪215‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الرابعة والثالثون‬ ‫غر بعض هؤالء املتحدثني ‪-‬بام ذكرناه آن ًفا‪ -‬كوهنم يتعاملون مع بعض‬ ‫لقد ّ‬ ‫األفراد من اليهود والنصارى فال جيدون منهم إال تعاملاً جيدً ا ‪-‬كام يقولون‪ -‬وهذا‬ ‫قد يقع‪ ،‬ولكنه ال يمكن أبدً ا أن يكون قاض ًيا عىل هذا اخلرب املحكم من كالم ربنا‪،‬‬ ‫ذلك أن العالقة الفردية قد يشوهبا من املصالح‪ ،‬أو تكون حاالت استثنائية‪ ،‬فإذا‬ ‫جدّ ِ‬ ‫اجلدّ ‪ ،‬ظهرت أخالقهم عىل احلقيقة‪ ،‬ومن له أدنى برص أو بصرية أدرك ما فعلته‬ ‫احلروب الصليبية التي غزت بالد الشام قبل وبعد صالح الدين! وما فعله إخواهنم‬ ‫وأبناؤهم يف فلسطني وأفغانستان والعراق‪ ،‬وما حرب غزة األخرية إال أكرب شاهد‪،‬‬ ‫وال ينكره إال من طمس اهلل بصريته عيا ًذا باهلل!‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يثبتنا عىل دينه الذي ارتضاه لنا‪ ،‬وأن يعيذنا من احلور بعد‬ ‫الكور‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫هذه قاعدة قرآنية إيامنية‪ ،‬هلا صلة عظيمة بعبادة من أعظم العبادات‪ ،‬أال وهي‬ ‫عبادة الدعاء‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ‪)...‬‬ ‫‪ -2‬تأمل يف قوله‪( :‬ﯫ) فكم يف هذا اللفظ من الرأفة بالعباد؛ حيث‬ ‫‪217‬‬ .‬‬ ‫فهلم‬ ‫وهذه القاعدة املتعلقة بالدعاء جاءت تعقيبا عىل ٍ‬ ‫مجلة من آيات الصيام‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لنقف عىل يشء من هدايات هذه القاعدة القرآنية‪:‬‬ ‫‪ -1‬القرآن اشتمل عىل أربعة عرش سؤالاً ‪ ،‬وكلها تبدأ بـ (يسألونك)‪ ،‬ثم يأيت‬ ‫اجلواب بـ (قل) إال يف آية واحدة (فقل) يف سورة طه‪ ،‬إال هذا املوضع الوحيد‪ ،‬فإنه‬ ‫بدأ هبذه اجلملة الرشطية‪( :‬ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ)‪ ،‬وجاء جواب الرشط من‬ ‫دون الفعل‪ :‬قل‪ ،‬بل قال‪( :‬ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ)‪ ،‬فكأن هذا‬ ‫الفاصل مع قرصه (قل) كأنه يطيل القرب بني الداعي وربه‪ ،‬فجاء اجلواب بدون‬ ‫واسطة‪( :‬ﯭ ﯮ) تنبيها عىل شدة قرب العبد من ربه يف مقام الدعاء! وهو من‬ ‫صح‪ -‬حينام سئل النبي ×‪« :‬أقريب‬ ‫أبلغ ما يكون يف اجلواب عن سبب النزول ‪-‬لو ّ‬ ‫ربنا فنناجيه‪ ،‬أم بعيد فنناديه؟»‪.

)345/1( :‬‬ ‫‪218‬‬ .)345/1( :‬‬ ‫ تفسري القرآن الكريم للعثيمني‪.‬‬ ‫َ‬ ‫املرض‬ ‫‪ -4‬مع قوله‪( :‬ﯳ ﯴ) ففيها إشارة إىل أن من رشط إجابة الدعاء أن يكون‬ ‫الداعي حارض القلب حينام يدعو ربه‪ ،‬وصاد ًقا يف دعوة مواله‪ ،‬بحيث يكون ً‬ ‫خملصا‬ ‫ومشعرا نفسه بكرم اهلل‪ ،‬وجوده()‪.‬‬ ‫‪ -4‬يف قوله‪( :‬ﯰ) ما يدل عىل قدرة اهلل وكامل سمعه سبحانه‪ ،‬وهذا ما ال‬ ‫يقدر عليه أي أحد إال هو سبحانه!‬ ‫إن أي ملك من ملوك الدنيا ‪-‬وهلل املثل األعىل‪ -‬مهام أويت من القوة والسلطان‬ ‫ال يمكنه أن ينفذ كل ما يطلب منه؛ ألنه خملوق عاجز‪ ،‬ال يستطيع أن يدفع عن نفسه‬ ‫واملوت‪ ،‬فضلاً عن غريه‪ ،‬فتبارك اهلل القوي العزيز‪ ،‬الرحيم الرمحن‪.‫أضافهم إىل نفسه العل ّية سبحانه وبحمده‪ ،‬فأين الداعون؟ وأين الطارقون ألبواب‬ ‫فضله؟!‬ ‫‪ -3‬فإين قريب‪ :‬ففيها إثبات قربه من عباده جل وعال‪ ،‬وهو قرب خاص بمن‬ ‫يعبده ويدعوه‪ ،‬وهو‪ -‬واهلل ‪ -‬من أعظم ما يدفع املؤمن للنشاط يف دعاء مواله‪.‬‬ ‫‪ -6‬وتاج هذه اللطائف املتصلة هبذه القاعدة من قواعد العبادة‪( :‬ﯩﯪ‬ ‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) أنك تلحظ فيها ً‬ ‫رسا من أرسار‬ ‫ ينظر فيام سبق‪ :‬مفاتيح الغيب‪ ،)84/5( :‬وتفسري القرآن الكريم للعثيمني‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مشعرا نفسه باالفتقار إىل ربه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫‪ -5‬ومن هدايات هذه القاعدة وداللتها‪ :‬أن اهلل تعاىل جييب دعوة الداع إذا دعاه؛‬ ‫وال يلزم من ذلك أن جييب مسألته؛ ألنه تعاىل قد يؤخر إجابة املسألة ليزداد الداعي‬ ‫وإحلاحا يف الدعاء؛ فيقوى بذلك إيامنه‪ ،‬ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له‬ ‫ً‬ ‫ترض ًعا إىل اهلل‪،‬‬ ‫يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو الرس ‪-‬واهلل‬ ‫أعلم‪ -‬يف قوله تعاىل‪( :‬ﯰ ﯱ ﯲ)()‪.

)288/7 ،241/3( :‬‬ ‫‪219‬‬ .)229/2( :‬‬ ‫  حلية األولياء‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والثالثون‬ ‫عظمة هذا الدين‪ ،‬وهو التوحيد‪ ،‬فهذا ربك ‪-‬أهيا املؤمن‪ -‬وهو ملك امللوك‪ ،‬القهار‬ ‫أردت دعاءه إىل‬ ‫َ‬ ‫اجلبار‪ ،‬الذي ال يشبه ُم ْلكَه ملك‪ ،‬وال ُس ْل َطانه سلطان ‪ -‬ال حتتاج إذا‬ ‫مواعيد‪ ،‬وال إىل أذونات‪ ،‬وال يشء من ذلك‪ ،‬إنام هو رفع اليدين‪ ،‬مع قلب صادق‪،‬‬ ‫وتسأل حاجتك‪ ،‬كام قال بكر بن عبد اهلل املزين ‪-‬أحد سادات التابعني‪« :-‬من مثلك‬ ‫يا ابن آدم! خيل بينك وبني املحراب تدخل منه إذا شئت عىل ربك‪ ،‬وليس بينك وبينه‬ ‫حجاب وال ترمجان»؟!()‪ ،‬فيا هلا من نعمة ال يعرف قدرها إال املوفق‪ ،‬وإال الذي‬ ‫يرى ما وقع فيه كثري من جهال املسلمني من التوسل باألولياء والصاحلني‪ ،‬أو ظنهم‬ ‫أن الدعاء ال يقبل إال من طريق الويل الفالين أو السيد الفالين!!‬ ‫وقع هذه القاعدة فإنك ستدرك أن احلرمان احلقيقي للعبد حينام حيرم‬ ‫وإذا تبني ُ‬ ‫طرق الباب‪ ،‬وأن تنسيه نفسه هذا السبيل العظيم! كام قال أبو حازم ألنا من أن أمنع‬ ‫الدعاء‪ ،‬أخوف مني من أن أمنع اإلجابة()‪.‬‬ ‫اإلجابة‪ ،‬ولكني أمحل ّ‬ ‫وعىل قدر نية العبد ومهته ومراده ورغبته يف ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته‪،‬‬ ‫فاملعونة من اهلل تنزل عىل العباد عىل قدر مهمهم وثباهتم ورغبتهم ورهبتهم‪ ،‬واخلذالن‬ ‫  حلية األولياء‪.‬‬ ‫‪« :‬وقد أمجع العارفون أن التوفيق أن ال يكلك اهلل إىل‬ ‫ويقول ابن القيم‬ ‫نفسك‪ ،‬وأن اخلذالن هو أن خييل بينك وبني نفسك‪ ،‬فإذا كان كل خري فأصله التوفيق‪،‬‬ ‫وهو بيد اهلل ال بيد العبد‪ ،‬فمفتاحه الدعاء واالفتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة‬ ‫إليه‪ ،‬فمتى أعطى العبد هذا املفتاح فقد أراد أن يفتح له‪ ،‬ومتى أض ّله عن املفتاح‬ ‫هم‬ ‫‪( :‬إين ال أمحل ّ‬ ‫بقي باب اخلري مرجتا دونه‪ ،‬قال أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب‬ ‫هم الدعاء‪ ،‬فإذا أهلمت الدعاء فإن اإلجابة معه)‪.

.)273 /1( :‬‬ ‫‪220‬‬ .‫ينزل عليهم عىل حسب ذلك‪ .‬‬ ‫فام أمجل العبد وهو يظهر فقره وعبوديته بدعاء مواله‪ ،‬واالنكسار بني يدي‬ ‫خالقه ورازقه‪ ،‬و َم ْن ناصيته بيده!‬ ‫وما أسعده حينام هيتبل أوقات اإلجابة ليناجي ربه‪ ،‬ويسأله من واسع فضله يف‬ ‫ الفوائد‪.)10-9( :‬‬ ‫ تفسري ابن كثري‪.‬‬ ‫ومن هدايات هذه القاعدة ‪-‬املتعلقة بسياقها‪ :-‬استحباب الدعاء عند الفطر يف‬ ‫رمضان وغريه‪ ،‬وهذا ما يدل عليه ظاهر القرآن‪ ،‬وفعل السلف‪ ،‬ويف السنة املرفوعة‬ ‫أحاديث ال ختلو من مقال‪ ،‬ولكن ها أنت ترى ظاهر القرآن يعضدها‪ ،‬ووجه الداللة‬ ‫من اآليات عىل هذا املعنى‪ :‬أن اهلل تعاىل ذكر هذه اآلية ‪-‬آية الدعاء‪ُ -‬ب َع ْيد آيات الصيام‬ ‫‪« :‬ويف ذكره تعاىل هذه اآلية‬ ‫وقبيل آية إباحة الرفث يف ليل الصيام‪ ،‬قال ابن كثري‬ ‫الباعثة عىل الدعاء متخللة بني أحكام الصيام‪ ،‬إرشاد إىل اجتهاد يف الدعاء عند إكامل‬ ‫العدة‪ ،‬بل وعند كل فطر»()‪..‬‬ ‫ومن املعاين املهمة التي ينبغي أن يستحرضها العبد ‪-‬وهو يف مقام الدعاء‪ -‬ما‬ ‫‪-‬وهو يتحدث عن احلكمة من مرشوعية‬ ‫أشار إليه اإلمام أبو سليامن اخلطايب‬ ‫الدعاء‪ -‬فيقول‪« :‬وقد قىض اهلل سبحانه أن يكون العبد ممتحنًا ومستعملاً ‪ ،‬ومعل ًقا‬ ‫بني الرجاء واخلوف ‪-‬اللذين مها مدرجتا العبودية‪ -‬ليستخرج منه بذلك الوظائف‬ ‫املرضوبة عليه‪ ،‬التي هي سمة كل عبد‪ ،‬ونِ ْصب ُة كل مربوب ُمدَ ّب ٍر»()‪.)181( :‬‬ ‫ شأن الدعاء‪.،‬وما أيت من أيت إال من قبل إضاعة الشكر‪ ،‬وإمهال‬ ‫االفتقار والدعاء‪ ،‬وال ظفر من ظفر ‪-‬بمشيئة اهلل وعونه‪ -‬إال بقيامه بالشكر‪ ،‬وصدق‬ ‫االفتقار والدعاء»()‪.

‬‬ ‫‪221‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والثالثون‬ ‫خريي الدنيا واآلخرة!‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يرزقنا صدق اللجأ إليه‪ ،‬واالنطراح بني يديه‪ ،‬وكامل الترضع‬ ‫له‪ ،‬وقوة التوكل عليه‪ ،‬وأن ال خييب رجاءنا فيه‪ ،‬وال يردنا خائبني بسبب ذنوبنا‬ ‫وتقصرينا‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

]16 :‬‬ ‫«أي‪ :‬إذا علمتم هذا‪ ،‬فاتقوا اهلل فيام جيب من التقوى يف معاملة األوالد واألزواج‬ ‫ومصارف يف األموال‪ ،‬فال يصدّ كم حب ذلك والشغل به عن الواجبات‪ ،‬وال خيرجكم‬ ‫ِ‬ ‫ب املال عن أداء حقوق األموال‬ ‫الغضب ونحوه عن حدّ العدل املأمور به‪ ،‬وال ُح ُّ‬ ‫‪223‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت يف سورة التغابن‪ ،‬ويف تدبر سياقها ما‬ ‫حيسن إيراده هنا‪ ،‬خاص ًة وأن هذه القاعدة بدأت بالفاء التي يسميها بعض العلامء‪:‬‬ ‫فرع عام قبلها‪ ،‬ذلك أن اهلل جل وعال قال‬ ‫الفاء الفصيحة‪ ،‬أو فاء التفريع‪ ،‬فام بعدها ٌ‬ ‫قبل هذه القاعدة‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬ ‫ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ‬ ‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [التغابن‪ ]15 . ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)‬ ‫هذه قاعدة رشعية من أعظم القواعد الرشعية التي يفزع إليها العلامء يف‬ ‫فتاواهم‪.14 :‬ثم جاء التعقيب بعد هذا‬ ‫‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬ ‫بقوله‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [التغابن‪.

)141‬‬ ‫‪224‬‬ ..‫وعن طلبها من وجوه احلالل‪ ،‬فاألمر بالتقوى شامل للتحذير املتقدم وللرتغيب يف‬ ‫العفو كام تقدم وملا عدا ذلك‪ .‬وملا كانت التقوى ‪ -‬يف شأن املذكورات وغريها ‪-‬‬ ‫حرصا عىل إرضاء شهوة النفس ‪-‬يف كثري‬ ‫ً‬ ‫قد يعرض لصاحبها التقصري يف إقامتها‬ ‫من أحوال تلك األشياء‪ -‬زيد تأكيد األمر بالتقوى بقوله‪( :‬ﮩ ﮪ)‪ ،‬و(ﮩ)‬ ‫مصدرية ظرفية‪ ،‬أي مدة استطاعتكم؛ ليعم األزمان كلها‪ ،‬ويعم األحوال تب ًعا لعموم‬ ‫األزمان ويعم االستطاعات‪ ،‬فال يتخلوا عن التقوى يف يشء من األزمان‪ ،‬وجعلت‬ ‫األزمان ظر ًفا لالستطاعة لئال يقرصوا بالتفريط يف يشء يستطيعونه فيام أمروا بالتقوى‬ ‫يف شأنه ما مل خيرج عن حدّ االستطاعة إىل حدّ املشقة‪ ،‬فليس يف قوله‪( :‬ﮩ ﮪ)‬ ‫وإنصاف‪ ،‬ففيه ما عليهم وفيه ما هلم»()‪.‬‬ ‫إن هذه القاعدة القرآنية املحكمة تدل بوضوح عىل أن كل واجب عجز عنه‬ ‫املكلف‪ ،‬فإنه يسقط عنه‪ ،‬وأنه إذا قدر عىل بعض املأمور‪ ،‬وعجز عن بعضه‪ ،‬فإنه يأيت‬ ‫بام يقدر عليه‪ ،‬ويسقط عنه ما يعجز عنه‪ ،‬كام ثبت يف الصحيحني من حديث أيب هريرة‬ ‫ التحرير والتنوير (‪ )258/28‬باختصار يسري‪..‬‬ ‫ٌ‬ ‫ختفيف وال تشديد‪ ،‬ولكنه َعدل‬ ‫وبعد هذا العرض املجمل ملعنى القاعدة‪ ،‬يتبني أن هذا القدر من التقوى هو‬ ‫الواجب عىل العبد فعله ‪-‬وهو تقوى اهلل ما استطاع‪ ،-‬أما التقوى التي يستحقها‬ ‫‪( :‬ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ‬ ‫اهلل تعاىل‪ ،‬فهي التي جاءت يف قوله‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [آل عمران‪ ،]102 :‬وهي التي فرسها مجع من السلف بقوله‪:‬‬ ‫أن يطاع فال يعىص‪ ،‬ويذكر فال ينسى‪ ،‬ويشكر فال يكفر()‪ ،‬وهبذا اجلمع يتبني أنه ال‬ ‫يصح قول من قال‪ :‬إن هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ‬ ‫ﮪ) ناسخة آلية آل عمران‪( :‬ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)‪.‬‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري السعدي (‪.

)141( :‬‬ ‫ قواعد األحكام يف مصالح األنام‪.)110/1( :‬‬ ‫‪225‬‬ .)1337‬‬ ‫ تفسري السعدي‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والثالثون‬ ‫‪« :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»()‪.‬‬ ‫ولعلنا نأخذ بعض األمثلة التي جتيل هذا القاعدة‪:‬‬ ‫‪ -1‬أول هذه األمثلة التي حيسن التمثيل هبا هو ذلك املوقف الذي جعل النبي‬ ‫× يقول كلمته اجلامعة اآلنفة الذكر‪« :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»‪ :‬فقد‬ ‫قال‪ :‬خطبنا رسول اهلل × فقال‪:‬‬ ‫روى مسلم يف صحيحه من حديث أيب هريرة‬ ‫«أهيا الناس! قد فرض اهلل عليكم احلج فحجوا‪ ،‬فقال رجل‪ :‬أكل عام يا رسول‬ ‫اهلل؟! فسكت‪ ،‬حتى قاهلا ثال ًثا‪ ،‬فقال رسول اهلل ×‪« :‬لو ُ‬ ‫قلت‪ :‬نعم لوجبت! وملا‬ ‫استطعتم»! ثم قال‪« :‬ذروين ما تركتكم! فإنام هلك من كان قبلكم بكثرة سؤاهلم‪،‬‬ ‫واختالفِهم عىل أنبيائهم‪ ،‬فإذا أمرتكم بيشء فأتوا منه ما استطعتم‪ ،‬وإذا هنيتكم عن‬ ‫يشء فدعوه»‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومن تطبيقات هذه القاعدة أنه‪« :‬إذا اجتمعت مصالح ومفاسد‪ ،‬فإن أمكن‬ ‫حتصيل املصالح ودرء املفاسد فعلنا ذلك امتثالاً ألمر اهلل تعاىل فيهام؛ لقوله سبحانه‬ ‫وتعاىل‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)‪ ،‬وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت املفسدة‬ ‫أعظم من املصلحة درأنا املفسدة وال نبايل بفوات املصلحة‪ ،‬قال اهلل تعاىل‪( :‬ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ)‬ ‫حرمهام ألن مفسدهتام أكرب من منفعتهام»()‪.‬‬ ‫فدخل حتت هذه القاعدة الرشعية من الفروع‪ ،‬ما ال يمكن حرصه كام يقول غري‬ ‫ٍ‬ ‫واحد من أهل العلم()‪.‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)6858‬ومسلم ح (‪.

‬‬ ‫ﯝ) [آل عمران‪ ،]97 :‬وكام سبق يف حديث أيب هريرة‬ ‫‪ -7‬ومن فروع هذه القاعدة يف مناسك احلج‪ :‬أن من مل جيد مكانًا يف منى أو‬ ‫مزدلفة سكن حيث تيرس له‪ ،‬ومثله فيمن عجز عن الرمي ألي سبب معترب رش ًعا‪،‬‬ ‫ولعل احلج من أكثر أركان اإلسالم فرو ًعا تطبيقي ًة هلذه القاعدة العظيمة‪.‬‬ ‫فبالقلب كام دل عىل ذلك حديث أيب سعيد اخلدري‬ ‫‪ -9‬ويف باب النفقات‪ :‬فإن من عليه نفق ٌة واجبة‪ ،‬وعجز عن مجيعها‪ ،‬بدأ بزوجته‬ ‫فرقيقه‪ ،‬فالولد‪ ،‬فالوالدين‪ ،‬فاألقرب ثم األقرب‪ ،‬وكذلك زكاة الفطر‪.‫‪ -3‬أن الواجب عند إرادة الصالة‪ :‬التطهر باملاء‪ ،‬فإن عدم أو تعذر استعامله‪،‬‬ ‫فإن اإلنسان ينتقل إىل التيمم كام هو معلوم‪.‬‬ ‫جالسا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫‪ -4‬أن صالة الفريضة األصل فيها أن يؤدهيا املصيل اً‬ ‫قائم‪ ،‬فإن عجز صىل‬ ‫‪ ،‬ويدخل يف ذلك مجيع‬ ‫وإال صىل قاعدً ا‪ ،‬كام ّ‬ ‫دل عىل ذلك عمران بن حصني‬ ‫رشوط الصالة وأركاهنا وواجباهتا‪.‬‬ ‫‪ -8‬ومن تطبيقات هذه القاعدة العظيمة يف باب األمر باملعروف والنهي عن‬ ‫املنكر‪ :‬أن املكلف جيب عليه أنه ينكر باليد إذا قدر عليه‪ ،‬فإن عجز فباللسان‪ ،‬وإال‬ ‫املخرج يف الصحيح()‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫الركن ك ّله عىل هذا األصل العظيم‪ :‬االستطاعة‪،‬‬ ‫‪ -6‬ويف احلج؛ فإن مبنى هذا‬ ‫‪( :‬ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬ ‫كام قال‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ -5‬ويف الصيام جيب عىل املسلم أن يمسك عن مجيع املفطرات من طلوع الفجر‬ ‫إىل غروب الشمس‪ ،‬فإن كان الصيام يشق عليه أفطر وانتقل إىل اإلطعام‪.)49‬‬ ‫‪226‬‬ .‬‬ ‫‪ -10‬ومن تطبيقات هذه القاعدة العظيمة‪ :‬مسائل الواليات والوظائف الدينية‬ ‫ صحيح مسلم (‪.

)(]26 :‬‬ ‫وبام سبق من أمثلة يتجىل لنا عظيم موقع هذه القاعدة من هذا الرشع املطهر‪،‬‬ ‫الذي مبناه عىل اليرس والسعة‪ ،‬فنسأل اهلل تعاىل الذي هدانا هلذا الدين القويم‪ ،‬أن يثبتنا‬ ‫عليه حتى نلقاه‪ ،‬وأن يرزقنا الفقه يف دينه‪ ،‬والبصرية فيه‪.‬‬ ‫‪227‬‬ .‬‬ ‫  وهي القاعدة السابعة عرشة‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والثالثون‬ ‫وكبارها – داخلة حتت هذه القاعدة العظيمة‪ ،‬فكل والية‬ ‫ُ‬ ‫صغارها‬ ‫ُ‬ ‫والدنيوية ك ُّلها ‪-‬‬ ‫جيب فيها تولية األصلح الذي حيصل بتوليته مقصود الوالية‪ ،‬فإن تعذرت كلها‪،‬‬ ‫مفصل عند الكالم عىل قاعدة‪:‬‬ ‫وجب فيها تولية األمثل فاألمثل‪ ،‬وقد سبق حديث ّ‬ ‫(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) [القصص‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

101 :‬‬ ‫وقد بقيت مع هذه السورة برهة من الزمن‪ ،‬أتأمل فيها‪ ،‬وأبحث عن مقصودها؛‬ ‫فبدا يل ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬أهنا كلها تدور عىل آية واحدة‪ ،‬يمكن أن نسميها‪ :‬العمود‬ ‫الفقري ‪-‬إن صح التعبري‪ -‬هلذه السورة العظيمة‪ ،‬وهي قوله تعاىل‪( :‬ﯤ ﯥ‬ ‫‪229‬‬ ..‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت يف سورة هود‪ ،‬تلك السورة العظيمة‬ ‫التي بني اهلل فيها سبيل احلق والباطل‪ ،‬ثم ذكر فيها مصري هؤالء وأولئك‪ ،‬ونامذج‬ ‫تارخيية من واقع الرسل مع أقوامهم‪ ،‬ثم ختمت تلك القصص كلها بقول اهلل تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬ ‫ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ‬ ‫‪( :‬ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮄ ﮅ‬ ‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‪ ).. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﮉ ﮊ ﮋ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية عظيمة تضم كلامت جامعة‪ ،‬ومتثل أصلاً من أصول الوصايا‬ ‫القرآنية‪.‬إىل قوله‬ ‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ)‬ ‫[هود‪.]112 .

‫ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ‬ ‫ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) [هود‪ ،]12 :‬وأن ما قبلها وبعدها إىل هناية‬ ‫فصلت ذلك يف موضع آخر‪.‬‬ ‫وأما عن رس هذا األمر الرصيح للنبي × ولصحابته باالستقامة‪ ،‬فإن اجلواب‬ ‫عن هذا يطول جدًّ ا‪ ،‬لكن من أجىل ما يوضح ذلك‪ :‬أن يعلم املؤمن أن أعظم غرض‬ ‫يريده الشيطان من بني آدم هو إضالهلم عن طريق االستقامة‪ ،‬أمل يقل عدو اهلل‪( :‬ﭾ‬ ‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ) [األعراف‪]16 :‬؟! وهلذا أمرنا أن نكرر يف اليوم‬ ‫والليلة ‪ 17‬مرة عىل أقل تقدير قوله تعاىل‪( :‬ﭧ ﭨ ﭩ) [الفاحتة‪،]6 :‬‬ ‫ جامع العلوم واحلكم‪ :‬رشح احلديث (‪ )21‬حديث سفيان بن عبد اهلل‪.‬‬ ‫هذه السورة إنام يعود إىل هذه اآلية‪ ،‬واهلل أعلم‪ ،‬وقد ّ‬ ‫واملتأمل يف هذه السورة العظيمة يلحظ فيها بجالء كثرة اخلطاب للنبي × سواء‬ ‫بضمري اخلطاب يف عرشات املواضع ‪ -‬وهو أكثرها ‪ -‬أو بغري ضمري اخلطاب‪ ،‬ومنها‪:‬‬ ‫هذا املوضع الذي نحن بصدد احلديث عنه يف هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﮉ ﮊ‬ ‫ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ)‪ ،‬ولنا مع هذه القاعدة عدة‬ ‫وقفات‪:‬‬ ‫الوقفة األوىل‪:‬‬ ‫ما حقيقة االستقامة؟ وما رس هذا األمر الرصيح له وألتباعه بلزوم االستقامة؟‬ ‫أما حقيقة االستقامة‪ ،‬فإن كلامت السلف من الصحابة ومن بعدهم تدور عىل‬ ‫ُ‬ ‫سلوك الصرِّ اط املستقيم‪ ،‬وهو‬ ‫معنى واحد يف اجلملة‪ ،‬أال وهو أن االستقامة‪« :‬هي‬ ‫فعل ال َّطاعات ك ّلها‪،‬‬ ‫الدِّ ي ُن الق ِّيم من غري تعريج عنه َيمن ًة وال َيرسةً‪ ،‬ويشمل ذلك َ‬ ‫َ‬ ‫وترك املنهيات ُك ِّلها كذلك‪ ،‬فصارت هذه الوصي ُة جامع ًة خلصال‬ ‫الظاهرة والباطنة‪،‬‬ ‫الدِّ ين ُك ِّلها»()‪.‬‬ ‫‪230‬‬ .

.13 :‬‬ ‫أيضا‪ :‬أن اهلل تعاىل أمر هبذا األصل غري واحد من األنبياء‬ ‫‪ -2‬ومن ذلك ً‬ ‫واملرسلني ‪-‬عليهم الصالة والسالم‪ -‬فقد قال ملوسى وهاورن‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬ ‫ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ) [يونس‪ ،]89 :‬بل لقد امت ّن‬ ‫كبريا من الرسل‬ ‫ملا ذكر عد ًدا ً‬ ‫اهلل هبذا األصل عىل مجيع األنبياء واملرسلني‪ ،‬فإنه‬ ‫يف سورة األنعام قال‪( :‬ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [األنعام‪.‬‬ ‫ويوضح هذا أن القرآن الكريم ميلء باألمر هبذا األصل العظيم أو الثناء عىل‬ ‫أهله يف مواضع متنوعة‪ ،‬وبأكثر من أسلوب‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬ما جاء يف سورة الشورى ‪-‬التي حتدثت عن الرشائع السابقة واتفاقها يف‬ ‫‪( :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬ ‫مجلة من األصول‪ -‬فقال‬ ‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‪ )...‬الشورى‪.)225 /3( :‬‬ ‫‪231‬‬ .]15 . ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والثالثون‬ ‫فاللهم اهدنا الرصاط املستقيم‪ ،‬وثبتنا عليه يا رب العاملني‪.]88 ،87 :‬‬ ‫ املحرر الوجيز‪.‬‬ ‫الوقفة الثانية مع هذه القاعدة‪:‬‬ ‫أمر بالثبات عىل االستقامة‪ ،‬ولغريه أمر هبا‬ ‫فهذا األمر للنبي × باالستقامة هو ٌ‬ ‫النبي × باالستقامة ‪-‬وهو عليها‪ -‬إنام‬ ‫‪َ :‬‬ ‫«أ ْم ُر ِّ‬ ‫وبالثبات عليها‪ ،‬يقول ابن عطية‬ ‫هو أمر بالدوام والثبوت‪ ،‬وهذا كام تأمر إنسانًا بامليش واألكل ونحوه‪ ،‬وهو ملتبس‬ ‫به»()‪ ،‬ويوضح كالم ابن عطية هذا ما سبقت اإلشارة من تكرار الدعاء يف الفاحتة بـ‪:‬‬ ‫(ﭧ ﭨ ﭩ)‪.‬إىل أن قال‪:‬‬ ‫(ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ‪[ )..

‬‬ ‫‪232‬‬ .]30 :‬‬ ‫واستعراض اآليات الواردة يف االستقامة ً‬ ‫نصا أو معنى ليس مقصو ًدا لنا هنا‪،‬‬ ‫وإنام الغرض التنبيه عىل ذلك‪..‫‪ -3‬ويف صدر سورة فصلت ملحظ مهم يف ترسيخ معنى هذه القاعدة‪ ،‬فإن اهلل‬ ‫تعاىل قال لنبيه ×‪( :‬ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ‬ ‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‪ ).)82/4( :‬‬ ‫ أخرجه الرتمذي وغريه ح (‪ ،)3297‬وينظر‪ :‬العلل البن أيب حاتم رقم (‪ ،)1826‬ولصديقنا‬ ‫د‪.‬‬ ‫وهذه الرؤيا ‪-‬كام ال خيفى‪ -‬هي كغريها ال يعتمد عليها يف األحكام الرشعية‪،‬‬ ‫وال يف تصحيح أو تضعيف األحاديث‪ ،‬ومنها‪ :‬احلديث املشهور‪« :‬شيبتني هود‬ ‫وأخواهتا»() فإنه حديث مضطرب اإلسناد‪ ،‬كام بينّ ذلك مجع من احلفاظ‪ :‬كالرتمذي‬ ‫  شعب اإليامن‪.‬‬ ‫الوقفة الثالثة‪ ،‬مع هذه القاعدة‪:‬‬ ‫إن من تأمل هذا األمر اإلهلي للنبي × تبني له عظم وخطورة هذا األمر ‪-‬أعني‬ ‫االستقامة والثبات عىل الدين‪ -‬كيف‪ ،‬ومها اللتان أقضتا مضاجع الصاحلني؟!‬ ‫روى البيهقي يف ُ‬ ‫«شعب اإليامن» عن أيب عبد الرمحن السلمي قال‪ :‬سمعت أبا‬ ‫عيل الرسي يقول‪ :‬رأيت النبي × يف املنام! فقلت‪ :‬يا رسول اهلل! روي عنك أنك‬ ‫قلت‪« :‬شيبتني هود»؟ فقال‪« :‬نعم» فقلت له‪ :‬ما الذي شيبك منها؟ قصص األنبياء‬ ‫وهالك األمم؟! فقال‪« :‬ال‪ ،‬ولكن قوله‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ)»()‪..‬اآليات [فصلت‪ ،]6 :‬ويف نفس السورة يبرش اهلل‬ ‫‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬ ‫عباده املستقيمني عىل دينه بأعظم بشارة تتمناها نفس‪ :‬فقال‬ ‫ﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ‬ ‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ) [فصلت‪.‬سعيد الرقيب الغامدي بحث مفصل يف بيان طرق وعلل هذا احلديث منشور عىل موقع‬ ‫ملتقى أهل احلديث‪.

‬‬ ‫الوقفة الرابعة مع هذه القاعدة‪:‬‬ ‫أن اإلنسان مهام بلغ من التقوى واإليامن‪ ،‬فهو بحاجة ماسة إىل التذكري بام ُي َث ِّبتُه‪،‬‬ ‫ويزيد استقامته‪ ،‬ولو كان مستغن ًيا عن ذلك؛ لكان نبينا × أوىل الناس هبذا‪ ،‬يقول‬ ‫‪« :‬وإنام غاية الكرامة لزوم االستقامة‪ ،‬فلم يكرم اهلل عبدً ا بمثل أن يعينه‬ ‫ابن تيمية‬ ‫عىل ما حيبه ويرضاه‪ ،‬ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته»()‪.‬‬ ‫الوقفة اخلامسة مع هذه القاعدة‪:‬‬ ‫أن يعلم املؤمن أن أعظم مدارج االستقامة هي استقامة القلب‪ ،‬فإن استقامته‬ ‫ِ‬ ‫االستقامة استقام ُة‬ ‫ُ‬ ‫«فأصل‬ ‫‪:‬‬ ‫ستؤثر عىل بقية اجلوارح ‪ -‬وال بد ‪ -‬قال ابن رجب‬ ‫وغريه قو َله ‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬ ‫الصديق ُ‬ ‫القلب عىل التوحيد‪ ،‬كام فرس أبو بكر ِّ‬ ‫ِ‬ ‫معرفة اهلل‪،‬‬ ‫القلب ‪-‬عىل‬ ‫ﭕ ﭖ ﭗ) بأنهَّ م مل يلتفتوا إىل غريه‪ ،‬فمتى استقام‬ ‫ُ‬ ‫وعىل خشيته‪ ،‬وإجالله‪ ،‬ومهابته‪ ،‬وحمبته‪ ،‬وإرادته‪ ،‬ورجائه ودعائه‪ ،‬والتوك ِ‬ ‫ُّل عليه‪،‬‬ ‫القلب هو ُ‬ ‫ملك‬ ‫َ‬ ‫اجلوارح ك ُّلها عىل طاعته‪َّ ،‬‬ ‫فإن‬ ‫ُ‬ ‫واإلعراض عام سواه‪ -‬استقامت‬ ‫األعضاء‪ ،‬وهي جنود ُه‪ ،‬فإذا استقا َم امللك‪ ،‬استقامت جنو ُده ورعاياه()‪ .. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والثالثون‬ ‫والدارقطني وابن حجر رمحهم اهلل مجي ًعا‪ ،‬وإنام الغرض هنا االستئناس هبذه الرؤيا‬ ‫عىل عظيم موقع هذا األمر اإلهلي من نفس النبي ×‪.)298 /11( :‬‬ ‫ كام يف احلديث املتفق عليه‪« :‬أال وإن يف اجلسد مضغة إذا صلحت صلح اجلسد كله‪ ،‬وإذا‬ ‫فسدت فسد اجلسد كله‪ ،‬أال وهي القلب»‪.،‬وأعظم‬ ‫ُ‬ ‫ترمجان القلب واملعبرُِّ‬ ‫ُ‬ ‫اللسان؛ فإنَّه‬ ‫القلب ِم َن اجلوارح ‪:-‬‬ ‫ِ‬ ‫ما ُيراعى استقامتُه ‪ -‬بعدَ‬ ‫عنه»()‪« ،‬ومن استقام عىل هذا الرصاط حصل له سعادة الدنيا واآلخرة‪ ،‬واستقام‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.‬‬ ‫ جامع العلوم واحلكم‪ :‬رشح احلديث (‪ )21‬حديث سفيان بن عبد اهلل‪..‬‬ ‫‪233‬‬ .

‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن هيدينا رصاطه املستقيم‪ ،‬وأن جيعلنا ممن استقام ظاهره وباطنه‬ ‫عىل ما حيبه ويرضاه‪ ،‬وأن يثبتنا عىل اإلسالم والسنة حتى نلقاه‪.‬‬ ‫ فتح الباري البن رجب‪.)500 /4( :‬‬ ‫‪234‬‬ .‫سريه عىل الرصاط يوم القيامة‪ ،‬ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه‪ ،‬وهو من يعرف‬ ‫طريق اهلدى وال يتبعه كاليهود‪ ،‬أو ضال عن طريق اهلدى كالنصارى ونحوهم من‬ ‫املرشكني»()‪.

‬‬ ‫‪235‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬ ‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية‪ ،‬وكلامت جامعة‪ ،‬تضمنتها هذه القاعدة التي متثل أصلاً من‬ ‫أصول العدل‪ ،‬واجلزاء واحلساب()‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت يف سورة الزلزلة التي تتحدث عن يشء‬ ‫من أهوال ذلك اليوم العظيم‪ ،‬الذين تشيب هلوله الولدان‪ ،‬فتختم السورة هبذه القاعدة‬ ‫‪-‬التي نحن بصدد احلديث عنها‪ -‬وتأيت مصدرة بفاء التفريع‪ ،‬فقال سبحانه‪( :‬ﮇ‬ ‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ) تفري ًعا‬ ‫عىل قوله‪( :‬ﮄ ﮅ) ليتيقن املحسنون بكامل رمحة اهلل‪ ،‬واملسيئون بكامل‬ ‫!‬ ‫عدله‬ ‫إن من أعظم ما جييل كون هذه اآلية من جوامع املعاين‪ ،‬ومن قواعد القرآن‬ ‫وفصل ذلك بتفصيل طويل‪،‬‬ ‫املحكمة‪ ،‬أن النبي × ملا ذكر أقسام اخليل وأهنا ثالثة‪ّ ،‬‬ ‫عيل يف احلُ ُمر يشء إال‬ ‫ثم سئل × عن احلُ ُمر ‪-‬وهي مجع محار‪ -‬فقال‪« :‬ما أنزل َّ‬ ‫ ينظر‪ :‬القواعد احلسان للسعدي (‪ ،)141‬والتحرير والتنوير (‪ )436/30‬حيث قال‪« :‬وهذه‬ ‫اآلية معدودة من جوامع الكلم»‪.

‬‬ ‫يف فهمهم الذي‬ ‫وعىل هذا الفهم العام هلذه اآلية الكريمة‪ ،‬سار الصحابة‬ ‫تعلموه من النبي ×‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫* أن عائشة جاءها سائل فسأل! فأمرت له بتمرة‪ ،‬فقال هلا قائل‪ :‬يا أم املؤمنني‬ ‫إنكم لتصدّ قون بالتمرة؟! قالت‪ :‬نعم واهلل! إن اخللق كثري وال يشبعه إال اهلل‪ ،‬أوليس‬ ‫فيها مثاقيل ذر كثرية؟!‬ ‫أن سائلاً جاءها‪ ،‬فقالت جلاريتها‪ :‬أطعميه! فوجدت مترة‪،‬‬ ‫* وعنها‬ ‫فقالت‪ :‬أعطيه إياها‪ ،‬فإن فيها مثاقيل ذر إن ُت ُق ِّبلت!‬ ‫أتاه مسكني ‪-‬ويف يده عنقود من عنب‪ -‬فناوله منه حبة‬ ‫عمر‬ ‫* وروي أن َ‬ ‫وقال‪ :‬فيه مثاقيل ذر كثرية!‬ ‫أمجعني()‪.)219/4‬‬ ‫ ينظر يف هذه اآلثار كلها‪ :‬الدر املنثور‪.‬‬ ‫ التمهيد (‪.)593/15( :‬‬ ‫‪236‬‬ .‬‬ ‫ومعنى جوابه ×‪« :‬أهنا آية منفردة يف عموم اخلري والرش وال أعلم آية أعم منها؛‬ ‫ألهنا تعم كل خري وكل رش»()‪.‬‬ ‫وقد روي نحو هذا عن أيب ذر‪ ،‬وأيب سعيد اخلدري‬ ‫وإذا كان هذا املعنى يف باب احتساب النفقة‪ ،‬فثمة معنى آخر يتفطن له أرباب‬ ‫القلوب احل ّية‪ ،‬وهو‪ :‬اخلوف من تبعة السيئات‪ ،‬فقد أخرج ابن أيب شيبة عن احلارث‬ ‫ابن سويد‪ :‬أنه قرأ (ﭩ ﭪ) حتى بلغ (ﮇﮈﮉ ﮊﮋ ﮌ)‬ ‫ البخاري (‪ ،)2242‬ومسلم (‪ )987‬عن أيب هريرة‪.‫هذه اآلية الفاذة اجلامعة‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬ ‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ)»()‪.

)2245‬‬ ‫  البخاري (‪ ،)3140‬ومسلم (‪ )2619‬واللفظ له‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة والثالثون‬ ‫قال‪ :‬إن هذا اإلحصاء شديد()‪.)72 /17‬‬ ‫‪237‬‬ .‬‬ ‫وأما احلديث اآلخر‪ :‬فهو احلديث املتفق عليه‪ ،‬الذي خيرب فيه النبي × عن امرأة‬ ‫دخلت النار يف هرة‪ ،‬ربطتها فال هي أطعمتها وال هي أرسلتها تأكل من خشاش‬ ‫األرض‪ ،‬حتى ماتت هزلاً ()‪.‬‬ ‫وقد ع ّقب اإلمام الكبري حممد بن شهاب الزهري ‪-‬بعد ما روى حديث اهلرة‪:-‬‬ ‫«ذلك لئال يتكل رجل‪ ،‬وال ييأس رجل»()‪ ،‬وهذا هو الشاهد الذي ينبغي أن نتأمله‬ ‫ههنا‪ :‬فتأمل ‪ -‬أهيا املؤمن ‪ -‬كيف جاء هذان احلديثان ليفرسا لنا عمل ًيا هذه القاعدة‪:‬‬ ‫(ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬ ‫ﮓ) فتلك املرأة التي مل يذكرها النبي × بأهنا عابدة! أو صائمة! بل مل يذكرها‬ ‫ٍ‬ ‫عمل هو؟ إنه سقي حيوان من‬ ‫إال بالبغاء! ومع هذا فقد نفعها هذا العمل! وأي‬ ‫  الدر املنثور‪.‬‬ ‫ويف السنة الصحيحة من األمثال والقصص ما يبني بجالء معنى هذه القاعدة‬ ‫العظيمة‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬ ‫ﮒ ﮓ) ولعيل أكتفي يف هذا املقام هبذين احلديثني اللذين لن تتضح الصورة إال‬ ‫هبام مجي ًعا‪:‬‬ ‫أما احلديث األول فهو قوله ×‪« :‬بينام كلب يطيف بركية ‪-‬بئر‪ -‬قد كاد يقتله‬ ‫العطش‪ ،‬إذ رأته بغي من بغايا بني إرسائيل‪ ،‬فنزعت ُمو َقها ‪-‬خفها‪ -‬فاستقت له به‪،‬‬ ‫فسقته إياه ف ُغفر هلا به»()‪.‬‬ ‫  رشح النووي عىل مسلم (‪.)591/15( :‬‬ ‫  مسلم (‪.

)384( :‬‬ ‫ التمهيد (‪.)84/2‬‬ ‫‪238‬‬ .‫أنجس احليوانات (الكلب)! ولكن الرب الرحيم الكريم ال تضيع عنده حسنة‪ ،‬بل‬ ‫‪( :‬ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫كام قال‬ ‫ﮅ) [النساء‪.‬‬ ‫إن من أعظم توفيق اهلل تعاىل لعبده أن يع ّظم اهلل‪ ،‬ومن أظهر صور تعظيم الرب‬ ‫وتوقريه‪ ،‬فال حيقرن صغري ًة من الذنوب‬ ‫جل وعال‪ :‬تعظيم أمره وهنيه‪ ،‬وإجالل اهلل‬ ‫‪:‬‬ ‫‪ ،‬كام قال بالل بن سعد‬ ‫مهام صغر الذنب يف عينه؛ ألن الذي عيص هو اهلل‬ ‫«ال تنظر إىل صغر اخلطيئة‪ ،‬ولكن انظر َم ْن عصيت»()‪.‬‬ ‫حينام قرأ قوله تعاىل‪( :‬ﭾ‬ ‫وتأمل مقولة اإلمام اجلليل عون بن عبد اهلل‬ ‫ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ‬ ‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ) [الكهف‪:‬‬ ‫‪« :]49‬ضج ‪-‬واهلل‪ -‬القوم من الصغار قبل الكبار»()‪ ،‬فمن كان قلبه ح ًيا تأثر بأي‬ ‫معصية‪ ،‬كالثوب األبيض الذي يؤثر فيه أي دنس‪ ،‬وإال فإن العبد إذا مل جيد للذنوب‬ ‫أثرا ‪-‬وإن كانت من الصغائر‪ -‬فليتفقد قلبه‪ ،‬فإنه عىل شفا خطر! والبن اجلوزي‬ ‫ً‬ ‫ الزهد لإلمام أمحد‪.]40:‬‬ ‫ويف احلديث الثاين‪ :‬مل يذكر النبي × سب ًبا أدخلها النار غري حبسها حليوان صغري‬ ‫ال يؤبه له!‬ ‫كل هذا ليتحقق املؤمن معنى هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ‬ ‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ)‪ ،‬وبه يتبني دقة كالم‬ ‫اإلمام الزهري‪ :‬حني علق عىل هذا احلديث بقوله اآلنف الذكر‪« :‬ذلك لئال يتكل‬ ‫رجل‪ ،‬وال ييأس رجل»‪.

‬‬ ‫ مسلم ح (‪ )2626‬من حديث أيب ذر‬ ‫ مسلم ح (‪.‬‬ ‫صغريا ‪ -‬فألنه ال يدري ما‬ ‫ً‬ ‫وأما عدم زهد املؤمن يف أي عمل صالح ‪ -‬وإن ظنّه‬ ‫العمل الذي يدخله اجلنة؟! قال ×‪« :‬ال حتقرن من املعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك‬ ‫بوجه طلق»()‪.)2618‬‬ ‫ مسلم ح (‪.‬‬ ‫فتأمل ‪-‬يا عبد اهلل‪ -‬كم حيتقر كثري من الناس أمثال هذه األعامل اليسرية!‬ ‫كم نمر يف يومنا بغصن؟ أو بحجر؟ أو زجاجة منكرسة؟ فربام تكاسلنا عن‬ ‫إزالتها كسلاً يف أمثال هذه األعامل التي هي من أسباب دخول اجلنة‪ ،‬وأرشد إليها‬ ‫بعض أصحابه!‬ ‫ أبو داود ح (‪ ،)4877‬الرتمذي ح (‪ )2502‬وصححه‪.‬‬ ‫‪. ‫القاعدة‬ ‫الثامنة والثالثون‬ ‫كلامت نفيسة يف هذا املوضوع يف كتابه‪« :‬صيد اخلاطر»‪.)1914‬‬ ‫‪239‬‬ .‬‬ ‫وهلذا ملا قالت عائشة للنبي ×‪ :‬حسبك من صفية كذا وكذا! ‪-‬تعنى قصرية‪-‬‬ ‫فقال‪« :‬لقد قلت كلمة لو مزجت بامء البحر ملزجته»‪ .‬‬ ‫قال‪ :‬قال رسول اهلل ×‪« :‬مر‬ ‫ويف صحيح مسلم من حديث أيب هريرة‬ ‫رجل بغصن شجرة عىل ظهر طريق فقال‪ :‬واهلل ألنحني هذا عن املسلمني ال يؤذهيم‪،‬‬ ‫فأدخل اجلنة»()‪.‬‬ ‫نبينا × فقال‪ :‬يا نبي اهلل! علمني شيئا أنتفع به! قال‪:‬‬ ‫وملا سأل أبو برزة‬ ‫«اعزل األذى عن طريق املسلمني»()‪.‬رواه أبو داود والرتمذي‬ ‫وصححه()‪.

‫أردت أن تفتش يف حياتنا اليومية لو جدت فيها عرشات األمثلة من األعامل‬ ‫َ‬ ‫ولو‬ ‫اليسرية‪ ،‬التي لو مجعت لشكلت سيلاً من احلسنات‪ ،‬دمعة يتم متسحها‪ ،‬أو جوعة‬ ‫فقري تسدها‪ ،‬أو مساعدة عاجز‪ ،‬أو ابتسامة يف وجه مسلم‪ ،‬يف عدد من األعامل ال‬ ‫يمكن حرصها‪ ،‬فام أحرانا أن نكون سباقني إىل كل خري‪ ،‬وإن دق يف أعيننا‪ ،‬متذكرين‬ ‫هذه القاعدة العظيمة‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬ ‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ)‪.‬‬ ‫‪240‬‬ .‬‬ ‫نسأل اهلل تعاىل أن يضاعف لنا احلسنات‪ ،‬وأن يتجاوز عن السيئات‪ ،‬وأن ييرس‬ ‫لنا اخلري‪ ،‬ويعيذنا من موارد الرش‪.

‬‬ ‫عالقتها مع اهلل‬ ‫وهذه القاعدة بدئت بالفاء ‪-‬التي تسمى بفاء التفريع‪ -‬املرتبطة باجلملة‬ ‫‪( :‬ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ‬ ‫الرشطية‪ ،‬يقول اهلل‬ ‫ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ‬ ‫ﯦ ﯧ) [الرشح‪.)368/30( :‬‬ ‫ التحرير والتنوير‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫والثالثون‬ ‫(ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ)‬ ‫ٍ‬ ‫وكلمة جامعة‪ ،‬هي قاعدة من قواعد تربية النفس‪ ،‬وتوجيه‬ ‫هذه قاعدة قرآنية‪،‬‬ ‫()‪.)359/30( :‬‬ ‫‪241‬‬ .]8 .1 :‬‬ ‫وغني عن التفصيل أن هذه السورة العظيمة ‪-‬سورة الرشح‪« -‬احتوت عىل ِ‬ ‫ذكر‬ ‫ِ‬ ‫واحلرج عنه‪ ،‬وتيسري ما عرس عليه‪،‬‬ ‫الغم‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫عناية اهلل تعاىل لرسوله بلطف اهلل له‪ ،‬وإزالة ّ‬ ‫وترشيف قدره؛ لِ ُينَ ِّف َس عنه؛ فمضمونهُ ا شبي ٌه بأنه حج ٌة عىل مضمون سورة الضحى؛‬ ‫ِ‬ ‫تثبيتًا له بتذكريه سالف عنايته به‪ ،‬وإنارة سبيل احلق‪ ،‬وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي‬ ‫ابتدأه بنعمته ما كان لِيقطع عنه فضله‪ ،‬وكان ذلك بطريقة التقرير بامض يعلمه النبي‬ ‫×»()‪.‬‬ ‫ قال العالمة النحرير الطاهر ابن عاشور‪« :‬وهذه اآلية من جوامع الكلم القرآنية ملا احتوت‬ ‫عليه من كثرة املعاين» التحرير والتنوير‪.

‫فإذا اتضح تبني موقع هذه القاعدة التي نتحدث عنها‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ‬ ‫ﯦ ﯧ) والتي يأمر اهلل فيها نبيه × إذا انتهى من طاعة أو ٍ‬ ‫عمل ما أن ينصب ويبدأ‬ ‫يف عمل أو طاعة أخرى‪ ،‬وأن يرغب إىل ربه يف الدعاء والعبادة‪ ،‬والترضع والتبتل‪،‬‬ ‫ألن حياة املسلم احلق كلها هلل‪ ،‬فليس فيها جمال لسفاسف األمور‪ ،‬بل إن اللهو الذي‬ ‫تبيحه الرشيعة ألصناف من الناس كالنساء والصبيان‪ ،‬أو يف بعض األوقات كاألعياد‬ ‫واألفراح؛ فإن من أعظم مقاصد ذلك أن يستجم اإلنسان ‪ -‬واالستجامم للجد مرة‬ ‫ثاني ًة من الشغل النافع ‪ -‬وأن يعيش العبودية هلل يف مجيع أحواله‪ ،‬فهو يعيشها يف‬ ‫الرساء والرضاء‪ ،‬ويف الشدة والرخاء‪ ،‬ويف احلرض والسفر‪ ،‬ويف الضحك والبكاء‪،‬‬ ‫ليتمثل ح ًقا قول اهلل تعاىل‪( :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ)‬ ‫[األنعام‪ ،]162 :‬متأس ًيا ‪-‬قدر الطاقة‪ -‬بالثلة املباركة من أنبياء اهلل ورسله الذين أثنى‬ ‫اهلل عليهم بقوله‪( :‬ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ‬ ‫ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ)‬ ‫[األنبياء‪.)(»]8 .]90 :‬‬ ‫ُ‬ ‫والشوق إىل لقائه‪ ،‬فهي‬ ‫‪« :‬وأما الرغبة يف اهلل‪ ،‬وإراد ُة وجهه‪،‬‬ ‫قال ابن القيم‬ ‫ُ‬ ‫وأصل سعادته وفالحه ونعيمه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ومالك أمره‪ ،‬وقوا ُم حياته الطيبة‪،‬‬ ‫رأس مال العبد‪،‬‬ ‫وقر ُة عينه‪ ،‬ولذلك خلق‪ ،‬وبه ُأ ِم َر‪ ،‬وبذلك أرسلت الرسل‪ ،‬وأنزلت الكتب‪ ،‬وال‬ ‫وحده‪ ،‬فيكون هو وحده‬ ‫صالح للقلب وال نعيم إال بأن تكون رغبته إىل اهلل‬ ‫مرغوبه ومطلوبه ومراده‪ ،‬كام قال اهلل تعاىل‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ)‬ ‫[الرشح‪.7 :‬‬ ‫وهذا املعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة‪( :‬ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ)‬ ‫ روضة املحبني‪.)405( :‬‬ ‫‪242‬‬ .

‬‬ ‫ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ‬ ‫ﯧ) أهنا تريب يف املؤمن رسعة إنجاز األمور ‪-‬ما استطاع إىل ذلك سبيلاً ‪ -‬وعد ِم‬ ‫إحالة إنجازها إىل وقت الفراغ‪ ،‬فإن ذلك من األساليب التي خيدع هبا بعض الناس‬ ‫ املعجم الكبري‪.)777/4( :‬‬ ‫ تفسري السعدي (ص‪.)102/9( :‬‬ ‫ الكشاف‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والثالثون‬ ‫معنى عظيم‪ ،‬وهو أصل من األصول التي تدل عىل أن اإلسالم يكره من أبنائه أن‬ ‫يكونوا فارغني من أي عمل ديني أو دنيوي! وهبذا نطقت اآلثار عن السلف الصالح‬ ‫رمحهم اهلل‪:‬‬ ‫‪ :‬إين ألمقت أن أرى الرجل فار ًغا ال يف عمل دنيا وال‬ ‫يقول ابن مسعود‬ ‫هلذا النوع من الناس؛ ألن «قعود الرجل‬ ‫آخرة()‪ ،‬وسبب مقت ابن مسعود‬ ‫فار ًغا من غري شغل‪ ،‬أو اشتغاله بام ال يعينه يف دينه أو دنياه من سفه الرأي‪ ،‬وسخافة‬ ‫العقل‪ ،‬واستيالء الغفلة»()‪.‬‬ ‫ولقد ّ‬ ‫دل القرآن عىل أن هذا النوع من الناس الفارغني ‪-‬وإن شئت فسمهم‬ ‫البطالني‪ -‬ليسوا أهلاً لطاعة أوامرهم‪ ،‬بل تنبغي جمانبتهم؛ لئال ُيعدوا بطبعهم الرديء‪،‬‬ ‫كام قال تعاىل‪( :‬ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [الكهف‪:‬‬ ‫‪« :‬ودلت اآلية‪ ،‬عىل أن الذي ينبغي أن يطاع‪ ،‬ويكون‬ ‫‪ ،]28‬يقول العالمة السعدي‬ ‫إما ًما للناس‪ ،‬من امتأل قلبه بمحبة اهلل‪ ،‬وفاض ذلك عىل لسانه‪ ،‬فلهج بذكر اهلل‪ ،‬واتبع‬ ‫مرايض ربه‪ ،‬فقدمها عىل هواه‪ ،‬فحفظ بذلك ما حفظ من وقته‪ ،‬وصلحت أحواله‪،‬‬ ‫واستقامت أفعاله‪ ،‬ودعا الناس إىل ما من اهلل به عليه‪ ،‬فحقيق بذلك‪ ،‬أن يتبع وجيعل‬ ‫إما ًما»()‪.)475‬‬ ‫‪243‬‬ .

‫نفسه‪ ،‬ويربر هبا عجزه‪ ،‬وإن من عجز عن امتالك يومه فهو عن امتالك غده أعجز!‬ ‫قال بعض الصاحلني‪« :‬كان الصديقون يستحيون من اهلل أن يكونوا اليوم عىل‬ ‫‪ :‬عىل هذا فقال‪« :‬يشري إىل أهنم كانوا ال‬ ‫مثل حاهلم باألمس» علق ابن رجب‬ ‫يرضون كل يوم إال بالزيادة من عمل اخلري‪ ،‬ويستحيون من فقد ذلك ويعدونه‬ ‫خرسانًا»()‪ ،‬ومن مجيل ما قيل يف هذا املعنى ذينك البيتني السائرين‪:‬‬ ‫وأنشدت بيتًا فهو ِمن أحسن الشعر‬ ‫ُ‬ ‫أسبلت َعربيت ‬ ‫ُ‬ ‫ إذا هجع الن ُّّوا ُم‬ ‫يشء وتحُ سـب ِمـن عـمـري‬ ‫متر بال ٍ‬ ‫أن ليـال ًيـا ‬ ‫ أليس من اخلرسان َّ‬ ‫ومن احلكم السائرة‪ :‬ال تؤجل عمل اليوم إىل الغد! وهي حكمة صحيحة يشهد‬ ‫القرآن بصحتها‪ ،‬وقد روي عن اإلمام أمحد أنه قال‪ :‬إن التأخري له آفات! وصدق‬ ‫‪ ،‬والشواهد عىل هذا كثرية‪:‬‬ ‫‪ -‬فمن الناس من يكون عليه التزامات رشعية بينه وبني اهلل‪ ،‬كقضاء الصيام‪ ،‬أو‬ ‫أداء فرض احلج ‪-‬مثلاً ‪ -‬فرتاه ّ‬ ‫يسوف ويامطل‪ ،‬حتى يتضايق عليه الوقت يف الصيام‪،‬‬ ‫قبيحا ومذمو ًما يف حقوق اهلل؛ فهو يف‬ ‫أو يفجأه املوت قبل أن حيج! ولئن كان هذا ً‬ ‫حقوق اخللق ‪-‬املبنية عىل املشاحة‪ -‬أشد وأعظم‪ ،‬وكم ندم من كانت عليهم ديون‬ ‫حني تساهلوا يف تسديدها وهي قليلة‪ ،‬فرتاكمت عليهم؛ فعجزوا عنها‪ ،‬وصاروا بني‬ ‫مالحقة الغرماء‪ ،‬والركض وراء الناس وإراقة ماء الوجه لالستدانة من جديد‪ ،‬أو‬ ‫لألخذ من الزكاة!! فهل من معترب؟!‬ ‫‪ -‬ومن آثار خمالفة هذه القاعدة (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ)‪ :‬أن بعض‬ ‫الناس ال هيتبل وال يستغل الفرص التي تسنح يف طلب العلم وحتصيله‪ ،‬فإذا انفرط‬ ‫ لطائف املعارف (ص‪.)321‬‬ ‫‪244‬‬ .

‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والثالثون‬ ‫عليه العمر‪ ،‬وتقىض الزمن؛ ندم عىل أنه مل يكن قد حصل شي ًئا من العلم ينفعه يف‬ ‫حياته وبعد مماته!‬ ‫‪-‬وخصوصا الشباب والفتيات‪ -‬يف‬ ‫ً‬ ‫وقل مثل ذلك‪ :‬يف تفريط كثري من الناس‬ ‫التوبة‪ ،‬واإلنابة‪ ،‬والرغبة إىل اهلل‪ ،‬بحجة أهنم إذا كربوا تابوا‪ ،‬وهذا لعمر اهلل من تلبيس‬ ‫إبليس!‬ ‫والقيت بعد املوت من قد تزودا‬ ‫َ‬ ‫ إذا أنت مل ترحل بزاد من التقى ‬ ‫وأنك مل ترصد بام كـان أرصـدا‬ ‫ندمت عىل أن ال تكون كمثلـه ‬ ‫َ‬ ‫ ‬ ‫وقوله تعاىل ‪-‬يف هذه القاعدة التي هي مدار حديثنا‪( :-‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ‬ ‫ﯦ ﯧ) أبلغ‪ ،‬وأعظم ٍ‬ ‫حاد إىل العمل‪ ،‬واجلد يف استثامر الزمن قبل الندم‪.‬‬ ‫‪245‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة من أعظم القواعد الرشعية‪ ،‬التي يدخل حتتها‬ ‫من الفروع ما ال حيصيه إال اهلل تعاىل‪ ،‬وتتفق عليها مجيع الرشائع الساموية؛ ذلك أن‬ ‫الرشائع كلها من لدن حكيم عليم‪( :‬ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬ ‫ﯕ ﯖ ﯗ) [األنعام‪ :]115 :‬صد ًقا يف األخبار‪ ،‬وعدلاً يف األحكام‪.‬‬ ‫يقول اإلمام أبو حممد ابن حزم‪« :‬العدل حصن يلجأ إليه كل خائف‪ ،‬وذلك‬ ‫أنك ترى الظامل وغري الظامل إذا رأى من يريد ظلمه‪ ،‬دعا إىل العدل وأنكر الظلم‬ ‫حينئذ وذمه‪ ،‬وال ترى أحدً ا يذم العدل‪ ،‬فمن كان العدل يف طبعه؛ فهو ساكن يف ذلك‬ ‫احلصن احلصني»()‪.‬‬ ‫وقال العالمة الشيخ حممد الطاهر بن عاشور‪« :‬والعدل مما تواطأت عىل حسنه‬ ‫ األخالق والسري (‪. ‫القاعدة‬ ‫الأربعون‬ ‫(ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية‪ ،‬وكلم ٌة جامعة‪ ،‬وهي من أعظم قواعد الرشائع الساموية كلها‪،‬‬ ‫والتي ال يشذ عنها يشء‪.)162‬‬ ‫‪247‬‬ .‬‬ ‫و َم َر ُّد معرفة العدل من اجلور إىل أدلة الرشيعة املطهرة‪ ،‬ونصوصها املفصلة‪.

)86/1( :‬‬ ‫ أدب الدنيا والدين للاموردي‪.‬‬ ‫وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها يف قضية خاصة‪ ،‬أو يف مبدأ خاص‬ ‫تنتفع فيه بام خيالف العدل بدافع إحدى القوتني‪ :‬الشاهية والغاضبة»()‪.‬‬ ‫ويقول ابن تيمية‪« :‬إن مجاع احلسنات‪ :‬العدل‪ ،‬ومجاع السيئات‪ :‬الظلم»()‪.‬‬ ‫الشامل‪ ،‬ا ّلذي يدعو‬ ‫املاوردي‪ّ :‬‬ ‫«إن ممّا تصلح به حال الدّ نيا قاعدة العدل ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقال‬ ‫إىل األلفة‪ ،‬ويبعث عىل ال ّطاعة‪ ،‬وتعمر به البالد‪ ،‬وتنمو به األموال‪ ،‬ويكرب معه النّسل‪،‬‬ ‫السلطان‪ ،‬وليس يشء أرسع يف خراب األرض‪ ،‬وال أفسد لضامئر اخللق من‬ ‫ويأمن به ّ‬ ‫ّ‬ ‫ولكل جزء منه قسط من الفساد‬ ‫اجلور؛ ألنّه ليس يقف عىل حدّ ‪ ،‬وال ينتهي إىل غاية‪،‬‬ ‫حتّى يستكمل»()‪.)141( :‬‬ ‫‪248‬‬ .)186‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.‫الرشائع اإلهلية‪ ،‬والعقول احلكيمة‪ ،‬ومتدَّ ح بادعاء القيام به عظام ُء األمم‪ ،‬وسجلوا‬ ‫متدُّ حهم عىل نقوش اهلياكل من كلدانية‪ ،‬ومرصية‪ ،‬وهندية‪.‬‬ ‫إن هذا املعنى الرشعي العظيم ‪-‬وهو العدل‪ -‬الذين نتفيأ ظالل احلديث عنه‬ ‫من وحي هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) هلو معنى تعشقه‬ ‫النفوس الكريمة‪ ،‬والفطر السوية‪ ،‬وهلل! كم كان حتقيقه سب ًبا يف خريات عظيمة‪ ،‬ومنح‬ ‫كثرية؟! والعكس صحيح‪ ،‬وكم كان حتقيق هذا العدل سب ًبا يف إسالم أناس ما حثهم‬ ‫عىل اإلسالم إال حتقيق هذا األصل الكبري‪ :‬العدل‪ ،‬وإليكم هذا املوقف الذي يبني‬ ‫شي ًئا من آثار العدل يف نفوس اخلصوم قبل األصدقاء‪:‬‬ ‫روى ابن عساكر يف «تاريخ دمشق» من طريق الشعبي قال‪:‬‬ ‫وجد عيل بن أيب طالب درعه عند رجل نرصاين‪ ،‬فأقبل به إىل رشيح‬ ‫ أصول النظام االجتامعي يف اإلسالم‪ :‬ص (‪.

‬‬ ‫فتأمل يا عبد اهلل! كيف أ ّثر هذا املوقف العجيب من الرجل األول يف الدولة‬ ‫آنذاك يف إسالمه‪ ،‬بل واالنضامم إىل جيوشه التي تقاتل اخلوارج املارقني‪ ،‬وليست‬ ‫هذه فضيلة إقامة العدل يف مثل هذه املواقف‪ ،‬بل إن اإلمام العادل أحدُ السبعة الذين‬ ‫يظلهم اهلل يف ظله يوم ال ظل إال ظ ّله‪. ‫القاعدة‬ ‫الأربعون‬ ‫خياصمه()قال‪ :‬فجاء عيل حتى جلس إىل جنب رشيح‪ ،‬فقال له عيل‪ :‬يا رشيح! لو‬ ‫مسلم ما جلست إال معه‪ ،‬ولكنه نرصاين! وقد قال رسول اهلل ×‪« :‬إذا‬ ‫اً‬ ‫كان خصمي‬ ‫كنتم وإياهم يف طريق فاضطروهم إىل مضايقه()‪ ،‬وصغروا هبم كام صغر اهلل تعاىل‬ ‫هبم‪ ،‬من غري أن تطغوا»‪ ،‬ثم قال عيل‪ :‬هذا الدرع درعي‪،‬مل أبع ومل أهب! فقال رشيح‬ ‫للنرصاين‪ :‬ما تقول فيام يقول أمري املؤمنني؟ فقال النرصاين‪ :‬ما الدرع إال درعي‪ ،‬وما‬ ‫أمري املؤمنني عندي بكاذب‪ ،‬فالتفت رشيح إىل عيل فقال‪ :‬يا أمري املؤمنني! هل من‬ ‫ب ّينة؟ قال‪ :‬فضحك عيل وقال‪ :‬أصاب رشيح! ما يل بينة‪ ،‬فقىض هبا للنرصاين!‬ ‫قال‪ :‬فمشى ُخ ً‬ ‫طى ثم رجع‪ ،‬فقال النرصاين‪ :‬أما أنا فأشهد أن هذه أحكام‬ ‫أمري املؤمنني قدمني إىل قاضيه‪ ،‬وقاضيه يقيض عليه؟ أشهد أن ال إله إال اهلل‬ ‫األنبياء! ُ‬ ‫أتبعت اجليش‬ ‫ُ‬ ‫وأشهد أن حممدً ا عبده ورسوله‪ ،‬الدرع واهلل درعك‪ ،‬يا أمري املؤمنني‪،‬‬ ‫األو َرق‪ ،‬فقال‪ :‬أما إذا أسلمت فهي‬ ‫فخرجت من بعريك ْ‬ ‫ْ‬ ‫‪ -‬وأنت منطلق إىل صفني ‪-‬‬ ‫لك‪ ،‬ومحله عىل فرس‪ ،‬فقال الشعبي‪ :‬فأخربين من رآه‪ :‬يقاتل اخلوارج مع عيل يوم‬ ‫النهروان()‪.‬‬ ‫ويف املوقف َم ْل ٌ‬ ‫حظ آخر‪ :‬أال وهو أن هذا القايض مل يكن ليجرؤ عىل مثل هذا‬ ‫‪.)501‬‬ ‫ تاريخ دمشق‪ ،)487 /42( :‬البداية والنهاية‪.)4 /8( :‬‬ ‫‪249‬‬ .‬‬ ‫ رشيح القايض‪ :‬أحد أشهر القضاة يف عهد أمري املؤمنني عيل‬ ‫قال الرتمذي‪ :‬هذا حديث حسن صحيح‪ ،‬وهو يف‬ ‫ هذا قطعة من حديث أيب هريرة‬ ‫صحيح ابن حبان (‪.

‫احلكم لوال أنه وجد ما يسنده ويقوي جانبه يف إصدار مثل هذا احلكم عىل خليفة‬ ‫املسلمني آنذاك‪ِ ،‬من اخلليفة نفسه‪ ،‬ومتى شعر القايض أنه ال يستطيع أن حيكم بالعدل‬ ‫الذي يراه‪ ،‬فعىل القضاء السالم‪.‬‬ ‫‪ -‬العدل واإلنصاف يف إصدار األقوال‪ ،‬وتقييم اآلخرين‪ :‬قال تعاىل‪( :‬ﭒ‬ ‫ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ‬ ‫‪250‬‬ .‬‬ ‫‪-‬أيضا‪ -‬يربز جان ًبا من جوانب عظمة هذا الدين يف العدل مع‬ ‫ً‬ ‫وهذا املوقف‬ ‫حيا كون اخلصم نرصان ًيا أن يقيض له‪ ،‬وهذا تطبيق‬ ‫اخلصوم واألعداء‪ ،‬فلم يمنع رش ً‬ ‫عميل لقوله تعاىل‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬ ‫ﯝ) [املائدة‪.]8 :‬‬ ‫ومتتد ظالل هذه القاعدة العظيمة (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) لتشمل مجيع شؤون‬ ‫احلياة‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬ ‫‪ -‬العدل مع الزوجات‪ :‬وهذا من األمور املحكامت يف باب العالقة الزوجية‪،‬‬ ‫وهو أظهر من أن يفصل فيه‪ ،‬إال أن الذي يؤكد عليه‪ :‬هو تذكري اإلخوة املعددين‪،‬‬ ‫بأن يتقوا اهلل يف العدل بني زوجاهتم‪ ،‬وأن حيذروا من آثار عدمه السيئة يف احلياة قبل‬ ‫املامت‪ :‬وذلك فيام يقع بني األوالد غري األشقاء من نزاعات وخالفات‪ ،‬حتى يكونوا‬ ‫شامتة لآلخرين‪ ،‬وأما يف اآلخرة فهو أعظم وأشد‪ ،‬وعليهم أن يتأملوا سرية النبي ×‬ ‫مع زوجاته التسع‪ ،‬ففيها ال َغنَاء والعربة‪.‬‬ ‫ومن صور تطبيقات هذه القاعدة‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‪:‬‬ ‫‪ -‬العدل مع األوالد‪ :‬فعىل الوالدين أن يعدلوا بينهم‪ ،‬وأن يتجنبوا تفضيل‬ ‫بعضهم عىل بعض‪ ،‬سواء يف األمور املعنوية كاحلب واحلنان والعطف ونحو ذلك‪،‬‬ ‫أو يف األمور املادية كاهلدايا واهلبات‪ ،‬ونحوها‪.

‬‬ ‫‪ -‬العدل يف النفقات‪ :‬قال تعاىل‪( :‬ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‬ ‫مثن ًيا عىل عباد الرمحن‪:‬‬ ‫ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [اإلرساء‪ ،]29:‬وقال‬ ‫(ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [الفرقان‪:‬‬ ‫‪ ،]67‬وكان من أدعية النبي × العظيمة‪« :‬وأسألك القصد يف الفقر والغنى»()‪.)1971‬‬ ‫‪251‬‬ .‬‬ ‫وما أمجل ما قاله ابن القيم يف نونيته‪:‬‬ ‫ِز ْين ْ‬ ‫َت هبا األعطاف والكتفان‬ ‫وتحَ َّل باإلنصاف أفخر حلــة ‬ ‫ ‬ ‫يلقى الردى بمذمــة وهـوان‬ ‫وتعر ِمن ثوبني َمن يلبسهمـا ‬ ‫ّ‬ ‫ ‬ ‫التعصب بئست الثوبان‬ ‫ُّ‬ ‫ثوب‬ ‫ثوب من اجلهل املركّب فو َقه ‬ ‫ ‬ ‫ومن صور العدل التي د ّلت عليها هذه القاعدة‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‪:‬‬ ‫‪ -‬العدل يف العبادة‪ :‬بحيث ال يتجاوز هبا صاحبها العدل‪ ،‬ويتعدى احلد‪ ،‬وال‬ ‫يقصرّ يف أدائها عىل الوجه الرشعي‪. ‫القاعدة‬ ‫الأربعون‬ ‫ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ‬ ‫‪( :‬ﭨ ﭩ ﭪ)‬ ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ) [النساء‪ ،]135 :‬وقال‬ ‫[األنعام‪.]152 :‬‬ ‫وهذا باب واسع جدً ا‪ ،‬يدخل فيه الكالم عىل األفراد‪ ،‬واجلامعات‪ ،‬والفرق‪،‬‬ ‫والكتب واملقاالت‪ ،‬وغري ذلك‪.‬‬ ‫ سنن النسائي (‪ )54/3‬ح (‪ ،)1305‬وصححه ابن حبان ح (‪.‬‬ ‫وباجلملة‪ :‬فمن تأمل أوامر اهلل تعاىل وجدها وس ًطا بني خلقني ذميمني‪ :‬تفريط‬ ‫وإفراط‪ ،‬وهذا هو معنى هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة تكررت بلفظ قريب يف عدد من املواضع‪ ،‬كام‬ ‫تكرر معناها يف مواضع أخرى‪..]47 :‬‬ ‫‪ ،]79‬ويقول‬ ‫وأما اآليات التي وردت يف تقرير هذا املعنى فكثرية جدا‪ ،‬ومن ذلك قوله سبحانه‪:‬‬ ‫(ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ‬ ‫‪( :‬ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ‬ ‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ) [القصص‪ ،]59:‬وكقوله‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ) [الروم‪،]41 :‬‬ ‫وقال جل وعال‪( :‬ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬ ‫‪253‬‬ .. ‫القاعدة‬ ‫احلادية‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ‬ ‫ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة هلا أثرها اإليامين والرتبوي ملن عقلها وتدبرها‪.‬‬ ‫‪( :‬ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ‬ ‫فمن نظائرها اللفظية املقاربة قول اهلل‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ) [آل عمران‪:‬‬ ‫‪ ،]165‬وقال سبحانه‪( :‬ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ) [النساء‪:‬‬ ‫‪( :‬ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‪[ ).‬القصص‪.

‬‬ ‫َّ‬ ‫قال‪ :‬قال رسول اهلل ×‪:‬‬ ‫ويف صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس‬ ‫«سيد االستغفار أن تقول اللهم أنت ريب ال إله إال أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا عىل‬ ‫عيل‬ ‫عهدك ووعدك ما استطعت‪ ،‬أعوذ بك من رش ما صنعت‪ ،‬أبوء لك بنعمتك ّ‬ ‫()‪.‫‪.‬‬ ‫وهذا املعنى الذي دلت عليه هذه اآليات الكريمة دلت عليه أيضا نصوص‬ ‫من الوحي اآلخر‪ ،‬أال وهو السنة النبوية عىل صاحبها أفضل الصالة والسالم‪ ،‬ومن‬ ‫قال‪ :‬قال رسول اهلل × ‪-‬يف‬ ‫ذلك ما رواه مسلم يف صحيحه من حديث أيب ذر‬ ‫‪« :‬إنام هي أعاملكم‬ ‫احلديث القديس العظيم‪ -‬الذي يرويه عن ربه تعاىل قال اهلل‬ ‫أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خريا فليحمد اهلل ومن وجد غري ذلك فال‬ ‫يلومن إال نفسه»()‪.‬‬ ‫ﭯ ﭰ ﭱ) [آل عمران‪ ]182 ..)6306‬‬ ‫‪254‬‬ .181 :‬يف ثالث مواضع من كتاب اهلل‬ ‫ويقول سبحانه‪( :‬ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬ ‫‪-‬ملخصا‬ ‫ً‬ ‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ) [الروم‪ ،]36 :‬يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية‬ ‫ما دلت عليه هذه اآليات الكريمة بتلخيص العامل املتتبع املستقرئ لنصوص‬ ‫القرآن الكريم‪« :-‬والقرآن يبني يف غري موضع‪ :‬أن اهلل مل هيلك أحدً ا ومل يعذبه إال‬ ‫بذنب»()‪..)2577‬‬ ‫ البخاري ح (‪.‬‬ ‫وأبوء لك بذنبي فاغفر يل فإنه ال يغفر الذنوب إال أنت‪».)424/14( :‬‬ ‫ صحيح مسلم ح (‪.‬احلديث‬ ‫النبي × أن يعلمه دعاء يدعو به يف‬ ‫َّ‬ ‫وىف الصحيحني‪ :‬ملا سأل أبو بكر‬ ‫كثريا وال يغفر‬ ‫صالته‪ ،‬قال له عليه الصالة والسالم‪« :‬قل‪ :‬اللهم إين ظلمت نفيس ظلام ً‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.

‫القاعدة‬
‫احلادية والأربعون‬

‫الذنوب إال أنت‪ ،‬فاغفر يل مغفرة من عندك وارمحني إنك أنت الغفور الرحيم»()‪.‬‬
‫فتأمل يف هذه األحاديث جيدً ا! َف َم ْن هو السائل؟ و َم ْن هو املجيب؟ أما السائل‬
‫فهو أبو بكر‪ ،‬الصديق األكرب الذي شهد له النبي × باجلنة يف مواضع متعددة‪ ،‬وأما‬
‫املجيب فهو الرسول الناصح املشفق صلوات اهلل وسالمه عليه! ومع هذا يطلب منه‬
‫عليه الصالة والسالم أن يعرتف بذنوبه‪ ،‬وظلمه الكبري والكثري‪ ،‬ويسأل ربه مغفرة‬
‫؟‬ ‫ذلك والعفو عنه‪ ،‬والسؤال هنا‪َ :‬م ْن الناس بعد أيب بكر‬
‫سبب للعقوبات العامة‬
‫ٌ‬ ‫إذا تقررت هذه احلقيقة الرشعية ‪-‬وهي أن الذنوب‬
‫واخلاصة‪ -‬فحري بالعاقل أن يبدأ بنفسه‪ ،‬فيفتش عن مناطق الزلل فيه‪ ،‬وأن يسأل ربه‬
‫أن هيديه ملعرفة ذلك‪ ،‬فإن من الناس من يستمرئ الذنب تلو الذنب‪ ،‬واملعصية تلو‬
‫املعصية‪ ،‬وال ينتبه لذلك! بل قد ال يباىل! ولربام استحسن ذلك ‪-‬عيا ًذا باهلل‪ -‬فتتابع‬
‫ٍ‬
‫حينئذ مضاعفه!‬ ‫العقوبات عليه وهو ال يشعر‪ ،‬فتكون مصيبته‬
‫يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪ -‬وهو يتحدث عن األمور التي تورث العبد‬
‫الصرب وتعينه عليه ليبلغ مرتبة اإلمامة يف الدين ‪ -‬قال‪« :‬أن يشهد ذنوبه‪ ،‬وأن اهلل‬
‫إنام سلط الناس عليه بسبب ذنبه‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ‬
‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ)‪ ،‬فإذا شهد العبد أن مجيع ما يناله من املكروه فسببه‬
‫ذنوبه؛ اشتعل بالتوبة واالستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذنبهم‬
‫ولومهم‪ ،‬والوقيعة فيهم‪ ،‬وإذا رأيت العبد يقع يف الناس إذا آذوه وال يرجع إىل نفسه‬
‫باللوم و االستغفار‪ ،‬فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية‪ ،‬وإذا تاب واستغفر‪ ،‬وقال‪ :‬هذا‬
‫ّ‬
‫يرجون عبدٌ‬ ‫كلمة من جواهر الكالم‪« :‬ال‬ ‫بذنويب‪ ،‬صارت يف حقه نعمة‪ ،‬قال عيل‬
‫إال ربه وال خيافن عبد إال ذنبه»‪ ،‬وروي عنه وعن غريه‪« :‬ما نزل بالء إال بذنب وال‬

‫ البخاري ح (‪ ،)834‬مسلم ح (‪.)2705‬‬

‫‪255‬‬

‫رفع إال بتوبة»()‪.‬‬
‫ويقول تلميذه ابن القيم ‪-‬رمحة اهلل عليه‪ -‬وهو يوضح شي ًئا من دالالت هذه‬
‫القاعدة القرآنية املحكمة‪:‬‬
‫«وهل ىف الدنيا واآلخرة رشور وداء إال سببه الذنوب واملعايص؟!‬
‫فام الذي أخرج األبوين من اجلنة دار اللذة والنعيم‪ ،‬والبهجة والرسور إىل دار‬
‫اآلالم واألحزان واملصائب؟‬
‫وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السامء؟ وطرده ولعنه‪ ،‬ومسخ ظاهره‬
‫وباطنه؟ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها‪ ،‬وباطنه أقبح من صورته وأشنع‪،‬‬
‫نارا تلظى‪ ،‬وباأليامن‬ ‫و ُبدِّ َل بالقرب بعدً ا‪ ،‬وبالرمحة لعن ًة‪ ،‬وباجلامل ً‬
‫قبحا‪ ،‬وباجلنة ً‬
‫كفرا‪ ،‬وبمواالت الويل احلميد أعظم عداوة ومشاقة‪ ،‬وبزجل التسبيح والتقديس‬
‫ً‬
‫والتهليل َ‬
‫زجل الكفر والرشك والكذب والزور والفحش‪ ،‬وبلباس اإليامن لباس‬
‫الكفر والفسوق والعصيان؟ فهان عىل اهلل غاية اهلوان‪ ،‬وسقط من عينه غاية السقوط‪،‬‬
‫ّ‬
‫وحل عليه غضب الرب تعاىل‪ ،‬فأهواه ومقته أكرب املقت‪...‬‬
‫وما الذي أغرق أهل األرض كلهم؟ حتى عال املاء فوق رأس اجلبال‪ ،‬وما الذي‬
‫سلط الريح العقيم عىل قوم عاد حتى ألقتهم موتى عىل وجه األرض‪ ،‬كأهنم أعجاز‬
‫مر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودواهبم؟ حتى‬
‫نخل خاوية؟ ودمرت ما َّ‬
‫صاروا عربة لألمم إىل يوم القيامة؟‬
‫وما الذي أرسل عىل قوم ثمود الصيحة‪ ،‬حتى قطعت قلوهبم يف أجوافهم‪،‬‬
‫وماتوا عن آخرهم؟‬

‫ قاعدة يف الصرب ‪-‬طبعت ضمن رسائله التي حققها عزيز شمس‪.)169/1( :-‬‬

‫‪256‬‬

‫القاعدة‬
‫احلادية والأربعون‬

‫وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت املالئكة نبيح كالهبم‪ ،‬ثم قلبها عليهم‬
‫فجعل عاليها سافلها؟ فأهلكم مجي ًعا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السامء‪ ،‬أمطرها‬
‫عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما مل جيمعه عىل أمة غريهم‪ ،‬وإلخواهنم أمثاهلا‪ ،‬وما‬
‫هي من الظاملني ببعيد‪.‬‬
‫وما الذي أرسل عىل قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل؟ فلام صار فوق‬
‫نارا تلظى؟‬
‫رؤوسهم أمطر عليهم ً‬
‫وما الذي أغرق فرعون وقومه يف البحر‪ ،‬ثم نقلت أرواحهم إىل جهنم‪ ،‬فاألجساد‬
‫للغرق واألرواح للحرق؟‬
‫وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟‬
‫تدمريا؟‪- ...‬إىل‬
‫ً‬ ‫وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات‪ ،‬ودمرها‬
‫‪ :‬حدثنا الوليد بن مسلم‪ ،‬ثنا صفوان بن عمر‪ ،‬حدثني‬ ‫أن قال‪ :-‬قال اإلمام أمحد‬
‫عبد الرمحن بن جبري بن نفري‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬ملا فتحت قربص‪ُ ،‬ف ِّر َق بني أهلها‪ ،‬فبكى‬
‫جالسا وحده يبكي! فقلت‪ :‬يا أبا الدرداء! ما‬
‫ً‬ ‫بعضهم إىل بعض‪ ،‬فرأيت أبا الدرداء‬
‫يبكيك يف يوم أعز اهلل فيه اإلسالم وأهله؟ فقال‪ :‬وحيك يا جبري! ما أهون اخللق‬
‫إذا أضاعوا أمره؟! بينام هي أمة قاهرة ظاهرة‪ ،‬هلم امللك‪ ،‬تركوا أمر اهلل؛‬ ‫عىل اهلل‬
‫فصاروا إىل ما ترى»!()‪.‬‬
‫والذي استطرد كثريا يف بيان آثار الذنوب واملعايص السيئة عىل الفرد واملجتمع‬
‫يف كتابه النافع اجلواب الكايف وذكر كالما نفيسا حيسن الرجوع إليه واالستفادة منه‪.‬‬
‫ول ُي ْع َلم أنه ينبغي أن ندرك أن العقوبات حينام تذكر‪ ،‬فال يصح حرصها يف‬
‫العقوبات احلسية أو العقوبات اجلامعية ‪-‬التي أشار ابن القيم إىل يشء منها‪ -‬كاهلدم‬

‫ اجلواب الكايف‪.)27-26( :‬‬

‫‪257‬‬

‫والغرق والصيحة‪ ،‬أو السجن والعذاب احليس‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فهذه ال شك أهنا أنواع‬
‫من العقوبات‪ ،‬ولكن ثمة أنواع من العقوبات قد تكون أشد وأعظم‪ ،‬وهي تلك‬
‫العقوبات التي تتسلط عىل القلب‪ ،‬فيرضب بالغفلة وقسوته‪ ،‬حتى إن جبال الدنيا‬
‫لو تناطحت أمامه ما اعترب وال اتعظ ‪-‬عيا ًذا باهلل‪ -‬بل يظن املسكني‪ ،‬أو تظن أمة من‬
‫األمم ‪-‬وهي ترى النعم تتابع وتزداد مع استمرارها يف البعد عن رشع اهلل‪ -‬تظن أن‬
‫عنها‪ ،‬وهذه لعمر اهلل من أعظم العقوبات التي يبتىل هبا‬ ‫ذلك عالم ًة عىل رىض اهلل‬
‫العبد وتبتىل هبا أمة من األمم‪.‬‬
‫‪( :‬ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ‬ ‫تدبر جيدً ا قول اهلل‬
‫ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ‬
‫ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ‬
‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ) [األنعام‪ ]44 - 42 :‬فنعوذ باهلل أن‬
‫نكون من أهل هذه اآلية‪ ،‬ونسأله بمنه وكرمه أن يتوب علينا وأن يبرصنا بمواطن‬
‫الزلل منا‪ ،‬وأن ال يرضبنا بقسوة القلب‪ ،‬وأن ال يؤاخذنا بام فعل السفهاء منا إن ريب‬
‫سميع جميب الدعاء‪.‬‬

‫القاعدة‬
‫الثانية‬
‫والأربعون‬
‫(ﯻ ﯼ)‬

‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬وثيقة الصلة بواقع الناس؛ إذ ال ينفك أحدٌ عنها لكثرة‬
‫مهم‪ ،‬إهنا القاعدة القرآنية التي دل‬ ‫تلبسهم هبا‪ ،‬فكان التذكري هبا وبام د ّلت عليه ً‬
‫أمرا اً‬
‫عليها قول اهلل تعاىل‪( :‬ﯻ ﯼ) [املائدة‪.]89 :‬‬
‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة جاءت ضمن سياق احلديث عن كفارة اليمني‬
‫يف سورة املائدة‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ‬
‫ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ‬
‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [املائدة‪.]89 :‬‬
‫ومعنى هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها (ﯻ ﯼ)‪ :‬هو‬
‫حفظها عن ثالثة أمور‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬حفظها عن احللف باهلل كاذ ًبا‪.‬‬
‫واألمر الثاين‪ :‬حفظها عن كثرة احللف واأليامن‪.‬‬
‫واألمر الثالث‪ :‬حفظها عن احلنث فيها إذا حلف اإلنسان‪ ،‬اللهم إال إذا كان‬

‫‪259‬‬

‫خريا‪ ،‬فتامم احلفظ‪ :‬أن يفعل اخلري‪ ،‬وال يكون يمينه سب ًبا يف ترك ذلك اخلري‬
‫احلنث ً‬
‫الذي حلف عىل تركه()‪ ،‬وبيان هذه األمور فيام ييل‪:‬‬
‫أما حفظ األيامن عن احللف الكاذب‪:‬‬
‫فإن احللف الكاذب من أكرب الكبائر‪ ،‬وتلك هي اليمني الغموس ‪-‬التي تغمس‬
‫قال‪:‬‬ ‫صاحبها يف اإلثم‪ -‬يقول النبي × من حديث عبد اهلل بن عمرو بن العاص‬
‫جاء أعرايب إىل النبي × فقال‪ :‬يا رسول اهلل ما الكبائر؟! قال‪« :‬اإلرشاك باهلل»‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ثم ماذا؟ قال‪« :‬ثم عقوق الوالدين»‪ ،‬قال ثم ماذا؟ قال‪« :‬اليمني الغموس» قلت‪ :‬وما‬
‫اليمني الغموس؟ قال‪« :‬الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب»()‪.‬‬
‫عىل هذا احلديث فقال‪ :‬باب اليمني الغموس‪( ،‬ﭑ‬ ‫وقد ّبوب البخاري‬
‫ﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) َد َخلاً ‪ً :‬‬
‫مكرا وخيانة‪.‬‬
‫‪« :‬ومناسبة ذكر هذه اآلية لليمني الغموس‪ :‬ورود‬ ‫قال احلافظ ابن حجر‬
‫الوعيد عىل من حلف كاذ ًبا متعمدً ا»()‪.‬‬
‫وإنك لتعجب ‪-‬مع وضوح هذا األمر بحفظ اليمني‪ ،‬والتحذير من اليمني‬
‫الكاذبة‪ -‬أن يتجرأ بعض الناس عىل األيامن الكاذبة‪ ،‬من أجل لعاعة من الدنيا‪ ،‬أو‬
‫من أجل دفع مرضة عن نفسه بسبب كذبه أو حتايله!‬
‫أمل يعلم هؤالء أن عذاب الدنيا أهون من عذاب اآلخرة؟!‬

‫ ينظر‪ :‬تفسري الطربي‪ ،)562/10( :‬وتفسري القرطبي‪ ،)285/6( :‬وتفسري السعدي‬
‫(‪.)242‬‬
‫ البخاري ح (‪.)6522‬‬
‫ فتح الباري‪.)556 /11( :‬‬

‫‪260‬‬

‬‬ ‫تعظيم هلل تعاىل كان أكمل يف العبودية‪ ،‬ومن كامل‬ ‫اً‬ ‫‪ -2‬كلام كان اإلنسان أكثر‬ ‫التعظيم أن يكون ذكر اهلل تعاىل أجل وأعىل عنده من أن يستشهد به يف غرض من‬ ‫األغراض الدنيوية()‪.‬‬ ‫وأما حفظها عن كثرة احللف واأليامن‪:‬‬ ‫يقول تعاىل‪( :‬ﯻ ﯼ)‪ :‬فهو اإلقالل من احللف‪ ،‬وقد ذم اهلل تعاىل‬ ‫من أكثر احللف بقوله‪( :‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ) [القلم‪ ،]10:‬وقال يف هذه القاعدة‬ ‫التي نحن بصدد احلديث عنها‪( :‬ﯻ ﯼ)‪.)160/2‬‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري الرازي (‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية والأربعون‬ ‫أمل يسمع هؤالء حديث النبي × الذي يرجتف له القلب‪« :‬من حلف عىل يمني‬ ‫()‬ ‫ٍ‬ ‫امرئ مسل ٍم ‪-‬هو فيها فاجر‪ -‬لقي اهلل وهو عليه غضبان»‬ ‫صبرْ يقتطع هبا مال‬ ‫ويمني الصرب ‪-‬كام قال العلامء‪ :-‬هي التي حيبس احلالف نفسه عليها‪ ،‬وتسمى هذه‬ ‫اليمني الغموس()‪.‬‬ ‫والعرب كانوا يمدحون اإلنسان باإلقالل من احللف‪ ،‬كام قال ُك َثيرّ ‪:‬‬ ‫وإن سبقت منه األلية ّبرت‬ ‫قليل األاليا حافظ ليمينه‬ ‫واحلكمة يف األمر بتقليل األيامن‪:‬‬ ‫‪ -1‬أن من حلف يف ِّ‬ ‫كل قليل وكثري باهلل‪ ،‬انطلق لسانه بذلك وال يبقى لليمني‬ ‫يف قلبه وقع‪ ،‬فال يؤمن إقدامه عىل اليمني الكاذبة‪ ،‬فيختل ما هو الغرض األصيل يف‬ ‫اليمني‪.‬‬ ‫‪ -3‬أنه يقلل ثقة اإلنسان بنفسه‪ ،‬وثقة الناس به‪ ،‬فهو يشعر بأنه ال يصدق‬ ‫ مسلم ح (‪.)65/6‬‬ ‫‪261‬‬ .)220‬‬ ‫ ينظر‪ :‬رشح النووي عىل مسلم (‪.

‬‬ ‫لوجدَ أنه من ِق َبل‬ ‫واملالحظ‪ :‬أنه لو ُفتّش يف أكرب أسباب فشو هذه الظاهرة ِ‬ ‫األبوين واملربني‪ ،‬وهذا يفيض إىل عدم تعظيم اسم اهلل واحرتامه وهيبته‪.-‬‬ ‫يتقي اهلل ويرب بيمينه؛ ألن هذا من تعظيم املحلوف به وتوقريه ‪-‬وهو اهلل‬ ‫خريا من االستمرار فيه‪ ،‬فتامم‬ ‫ويستثنى من ذلك‪ :‬إذا كان احلنث وخمالفة اليمني ً‬ ‫احلفظ‪ :‬أن يفعل اخلري‪ ،‬وأن ال تكون يمينه سب ًبا يف ترك ذلك اخلري الذي حلف عىل‬ ‫تركه‪.‬‬ ‫ومن اللطائف املتعلقة هبذا املعنى‪ :‬أن النبي × الذي امتدت دعوته ثالثة‬ ‫وعرشين عا ًما‪ ،‬مل حيفظ عنه أنه حلف إال يف بضع وثامنني موض ًعا!‬ ‫فامذا سيكون جواب بعض الناس الذين لو أحصيت أيامهنم يف سنة واحدة‬ ‫ملحة‪ ،‬فرحم اهلل عبدً ا حفظ يمينه‪ ،‬وو ّقر ربه‪،‬‬ ‫لوجدهتا بالعرشات‪ ،‬ولغري حاجة ّ‬ ‫وعظم اسمه‪ ،‬ومل حيلف إال عند احلاجة!‬ ‫وأما حفظها عن احلنث يف األيامن‪:‬‬ ‫فإن الواجب عىل املؤمن إذا حلف عىل يشء من أمور اخلري أو من املباحات أن‬ ‫‪.‬‬ ‫ومعنى احلنث هنا‪ :‬خمالفة املحلوف عليه‪. ‫فيحلف‪ ،‬وهلذا وصفه اهلل تعاىل باملهني()‪.‬‬ ‫ومثال ذلك‪ :‬أن حيلف عىل أن ال يأكل النوع الفالين من الطعام‪ ،‬أو ال يدخل‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري املنار (‪.)291 /2‬‬ ‫‪262‬‬ .‬‬ ‫لذا ينبغي لآلباء واألمهات واملربني أن ينتبهوا هلذا اخللل الذي يقع فيه بعض‬ ‫‪ ،‬ومن صور ذلك‪ :‬هنيهم عن‬ ‫الناس‪ ،‬وأن يربوا من حتت أيدهيم عىل تعظيم اهلل‬ ‫كثرة األيامن بال حاجة‪.

)1649‬‬ ‫‪263‬‬ .‬‬ ‫  مسلم ح (‪. ‫القاعدة‬ ‫الثانية والأربعون‬ ‫البيت الفالين‪ ،‬فإن األفضل هنا أن ال يستمر يف يمينه‪ ،‬خاصة إن ترجحت املصلحة‬ ‫قال‪ :‬أعتَم()رجل عند النبي × ثم‬ ‫يف احلنث‪ ،‬ويف صحيح مسلم عن أيب هريرة‬ ‫رجع إىل أهله‪ ،‬فوجد الصبية قد ناموا‪ ،‬فأتاه أهله بطعامه‪ ،‬فحلف ال يأكل من أجل‬ ‫صبيته‪ ،‬ثم بدا له فأكل‪ ،‬فأتى رسول اهلل × فذكر ذلك له‪ ،‬فقال رسول اهلل ×‪« :‬من‬ ‫حلف عىل يمني فرأى غريها خريا منها فليأهتا وليكفر عن يمينه»()‪.)1650‬‬ ‫  البخاري ح (‪ ،)6342‬ومسلم ح (‪.‬‬ ‫ أي‪ :‬تأخر عنده إىل عتمة الليل‪ ،‬وهي شدَّ ة ظلمته‪.‬‬ ‫واملقصود أن نتأمل هذه القاعدة القرآنية جيدً ا‪( :‬ﯻ ﯼ) بأن‬ ‫نحفظها عن احللف باهلل كاذ ًبا‪ ،‬وأن نحفظها عن كثرة احللف واأليامن من غري حاجة‪،‬‬ ‫خريا من امليض فيها‪.‬‬ ‫وأن نحفظها عن احلنث فيها إال إذا كان احلنث ً‬ ‫ُّ‬ ‫وكل ما مىض جيعلنا ندرك أن الرشع احلكيم أوىل موضوع األيامن أمهية بالغة‪،‬‬ ‫وبينّ أحكامها متام البيان‪ ،‬من أجل أن يعرف املسلم حدود هذه العبادة‪ ،‬وأحكامها‪،‬‬ ‫تعظيم هلل جل وعال‪،‬‬ ‫اً‬ ‫وما جيب وما حيرم وما يستحب‪ ،‬وأن ذلك ك ّله إنام رشع ووضح‬ ‫وليحفظ العبد يمينه من العبث هبا‪ ،‬أو التقليل من شأهنا‪ ،‬رزقنا اهلل وإياكم معرفة‬ ‫حدود ما أنزل اهلل عىل رسوله‪ ،‬وتعظيمها عىل الوجه الذي حيبه ويرضاه‪ ،‬وأن يمنحنا‬ ‫الفقه يف دينه‪ ،‬والبصرية فيه‪ ،‬إنه ويل ذلك والقادر عليه‪.‬‬ ‫‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول اهلل ×‪« :‬إين ‪-‬‬ ‫ويف الصحيحني من حديث أيب موسى‬ ‫خريا منها إال أتيت الذي هو خري‪،‬‬ ‫واهلل ‪ -‬إن شاء اهلل ال أحلف عىل يمني فأرى غريها ً‬ ‫وحتللتها»()‪ ،‬واألحاديث يف هذا املعنى كثرية‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫الثالثة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ)‬ ‫هذه القاعدة القرآنية املحكمة ‪-‬يف باب األخالق‪ -‬هلا صلة قوية برتبية القلب‬ ‫وتزكيته‪ ،‬كام أن هلا صل ًة بعالقة اإلنسان بغريه من الناس()‪.‬‬ ‫  وقد أشار إىل كوهنا قاعدة كلية شيخنا العثيمني‬ ‫‪265‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة وردت يف كتاب اهلل يف موضعني‪:‬‬ ‫األول‪ :‬يف سياق الثناء عىل األنصار رضوان اهلل عليهم يف سورة احلرش‪ ،‬قال‬ ‫تعاىل‪( :‬ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ‬ ‫ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [احلرش‪.]17 -14 :‬‬ ‫يف فتاوى نور عىل الدرب‪.]9 :‬‬ ‫الثاين‪ :‬يف سورة التغابن يف سياق احلديث عن فتنة األموال واألوالد واألزواج‪،‬‬ ‫قال تعاىل‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬ ‫ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ‬ ‫ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ‬ ‫ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ‬ ‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) [التغابن‪.

‬‬ ‫َ‬ ‫ما هو عليه؛‬ ‫ معجم مقاييس اللغة‪.‬‬ ‫خصوصا‪ -‬ملعاين كالم اهلل‬ ‫ً‬ ‫وهذا من عمق فهم السلف ‪-‬والصحابة منهم‬ ‫تعاىل‪. ‫ومعنى هذه القاعدة باختصار ال يتضح إال ببيان معنى الشح‪:‬‬ ‫فالشح ‪-‬يف مادته اللغوية‪« -‬األصل فيه‪ :‬املنع‪ ،‬ثم يكون من ًعا َم َع ِحرص‪ ،‬ومن‬ ‫ِ‬ ‫جالن عىل األمر‪ :‬إذا أراد ُّ‬ ‫ِ‬ ‫كل‬ ‫الر‬ ‫اح ّ‬‫الش ُّح‪ :‬وهو ال ُبخل مع حرص‪ ،‬ويقال‪ :‬ت ََش َّ‬ ‫ذلك ُّ‬ ‫الفوز به ومنْ َعه من صاحبه»()‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫واحد منهام‬ ‫الشح غريز ًة يف النفس أضافه اهلل إىل النفس (ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ)‬ ‫ُّ‬ ‫وملا كان‬ ‫وهذا ال يعني أنه ال يمكن اخلالص منه‪ ،‬بل اخلالص منه يسري عىل من يرسه اهلل عليه‪،‬‬ ‫ولكن اخلالص التام منه بأنواعه كلها احلسية واملعنوية‪ ،‬ال يوفق له إال املفلحون‪،‬‬ ‫وهو يطوف بالبيت ويقول‪« :‬رب قني شح‬ ‫وهلذا رؤي عبد الرمحن بن عوف‬ ‫نفيس! رب قني شح نفيس»! ال يزيد عىل ذلك‪ ،‬فقيل له يف هذا؟ فقال‪« :‬إذا وقيت‬ ‫شح نفيس مل أرسق‪ ،‬ومل ِ‬ ‫أزن‪ ،‬ومل أفعل»()‪.)294/35( :‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.‬‬ ‫وقد قال مجع من املفرسين يف قوله تعاىل‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ)‪ :‬هو أال‬ ‫يأخذ شي ًئا مما هناه اهلل عنه‪ ،‬وال يمنع شيئا أمره اهلل بأدائه‪ ،‬فالشح يأمر بخالف أمر اهلل‬ ‫ورسوله‪ ،‬فإن اهلل ينهى عن الظلم ويأمر باإلحسان‪ ،‬والشح يأمر بالظلم وينهى عن‬ ‫اإلحسان()‪.)144/28( :‬‬ ‫‪266‬‬ .‬‬ ‫ويقول ابن تيمية‪« :‬فالشح ‪-‬الذي هو شدة حرص النفس‪ -‬يوجب البخل بمنع‬ ‫والظلم بأخذ مال الغري‪ ،‬ويوجب قطيع َة الرحم‪ ،‬ويوجب احلسد»()‪.)589/10( :‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.)178/3( :‬‬ ‫ تاريخ دمشق‪.

‬هـ‪.]9 :‬‬ ‫فتأمل هذه األعامل القلبية التي كشفها ربنا عنهم‪ ،‬وهي كلها تدل عىل سالمتهم‬ ‫ هكذا! ولعل صواهبا‪ :‬فإن احلسد يأمر صاحبه‪.)590/10( :‬‬ ‫‪267‬‬ .‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.‬‬ ‫الحظت ارتباط هذه القاعدة ‪-‬يف سورة احلرش والتغابن‪ -‬بموضوع‬ ‫َ‬ ‫ولعلك‬ ‫املال! ألنه ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬هو أظهر ما يتضح فيه خلق الشح‪ ،‬وإن كان الشح ال ينحرص‬ ‫باملال‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة والأربعون‬ ‫وقال يف موضع آخر‪« :‬والشح يكون يف الرجل مع احلرص وقوة الرغبة يف املال‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫وبغض للغري وظل ٍم له‪ ،‬كام قال تعاىل‪( :‬ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬ ‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ) إىل قوله‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬ ‫ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ) [األحزاب‪ ]19 .‬‬ ‫ومن األمثلة التطبيقية التي توضح معنى هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث‬ ‫عنها‪:‬‬ ‫‪ -1‬ما وضحته آية احلرش‪ ،‬من املنقبة العظيمة التي مدح اهلل هبا األنصار الذين‬ ‫فتحوا بيوهتم وصدورهم إلخواهنم من املهاجرين ريض اهلل عنهم أمجعني‪ ،‬رغم قلة‬ ‫ذات يد كثري منهم‪ ،‬وحسبك هبذه املدحة اإلهلية‪ ،‬من العليم اخلبري ‪-‬الذي يعلم ما‬ ‫تكنه النفوس‪( :-‬ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ‬ ‫ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ‬ ‫ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [احلرش‪.18 :‬فشحهم عىل املؤمنني وعىل‬ ‫اخلري يتضمن كراهيته وبغضه‪ ،‬وبغض اخلري يأمر بالرش‪ ،‬وبغض اإلنسان يأمر بظلمه‬ ‫وقطيعته كاحلسد؛ فإن احلاسد يأمر حاسده() بظلم املحسود وقطيعته كابني آدم‬ ‫وإخوة يوسف»() ا‪.

‬‬ ‫نموذجا مل تسمع الدنيا بمثله؟!‬ ‫ً‬ ‫فهل تريد‬ ‫تدبر يف هذا املوقف الذي رواه لنا اإلمام البخاري يف صحيحه من حديث أنس‬ ‫قال‪ :‬قدم علينا عبد الرمحن بن عوف‪ ،‬وآخى رسول اهلل × بينه وبني سعد بن‬ ‫األنصار أين من أكثرها مالاً ‪ ،‬سأقسم‬ ‫ُ‬ ‫الربيع‪ ،‬وكان كثري املال‪ ،‬فقال سعد‪ :‬قد َع ِل َمت‬ ‫مايل بيني وبينك شطرين‪ ،‬ويل امرأتان‪ ،‬فانظر أعجبهام إليك فأطلقها‪ ،‬حتى إذا حلت‬ ‫تزوجتها‪ ،‬فقال عبد الرمحن‪ :‬بارك اهلل لك يف أهلك‪ ،‬دلني عىل السوق!()‪.‬‬ ‫ب‪ -‬وأما العمل الثاين‪ :‬ففي قوله‪( :‬ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ)‬ ‫ألهنا لو كانت موجودة ألدركوها يف نفوسهم‪. ‫من شح نفوسهم‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أما العمل األول (ﯬ) إذ من شأن القبائل أن يتحرجوا من الذين‬ ‫هياجرون إىل ديارهم ملضايقتهم‪.‬‬ ‫فتأمل هذا السخاء النادر‪ ،‬واإليثار العظيم!‬ ‫واهلل لو كان املوقف حيكي تنازله عن جزء يسري من ماله لكان شهام ًة و ُنبلاً ‪،‬‬ ‫فكيف وهو يتنازل عن شطر ماله! بل ويعرض عليه فراق إحدى زوجتيه!! أي‬ ‫نفوس هذه؟!‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير‪.)3570‬‬ ‫‪268‬‬ .)75-72/15( :‬‬ ‫ البخاري ح (‪.‬‬ ‫ج‪ -‬أما العمل الثالث‪ :‬فهو اإليثار‪ ،‬وهو‪ :‬ترجيح يشء عىل غريه بمكرمة‬ ‫اختيارا منهم‪ ،‬واخلصاصة‪ :‬شدة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ؤثرون عىل أنفسهم يف ذلك‬‫أو منفعة‪ ،‬واملعنى‪ُ :‬ي‬ ‫االحتياج()‪.

‬‬ ‫‪ -3‬ومن تطبيقات هذه القاعدة‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬ ‫ﰅ) ما أثنى اهلل به عىل أهل اإليثار‪ ،‬من األنصار ومن وافقهم يف هذا‬ ‫اخللق العظيم‪ ،‬الذي اعتربه ابن القيم‪ :‬أحد مدارج السالكني إىل عبودية رب العاملني‪،‬‬ ‫فجعل منزلة اإليثار من مجلة هذه املنازل‪. ‫القاعدة‬ ‫الثالثة والأربعون‬ ‫ِ‬ ‫مدرسة‬ ‫ِ‬ ‫تالميذ‬ ‫ِ‬ ‫الرجال‬ ‫أين املطلعون عىل أخبار األمم؛ ليأتونا بأمثال هؤالء‬ ‫حممد ×؟!‬ ‫‪ -2‬ومن تطبيقات هذه القاعدة‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬ ‫ﰅ) ما ذكره اهلل تعاىل يف حال خوف املرأة من نشوز زوجها وترفعه عنها‬ ‫صلحا‬ ‫ً‬ ‫وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها‪ ،‬فاألحسن ‪-‬واحلال هذه‪ -‬أن يصلحا بينهام‬ ‫بأن تسمح املرأة عن بعض حقوقها الالزمة لزوجها عىل وجه تبقى مع زوجها‪ ،‬فهي‬ ‫خري من الفرقة‪ ،‬وهلذا قال‪( :‬ﭡﭢ)‪ ،‬ثم ذكر املانع بقوله‪( :‬ﭤﭥ‬ ‫ﭦ) أي‪ :‬جبلت النفوس عىل الشح‪ ،‬وهو‪ :‬عدم الرغبة يف بذل ما عىل اإلنسان‪،‬‬ ‫واحلرص عىل احلق الذي له‪ ،‬فالنفوس جمبولة عىل ذلك بطبيعتها‪ ،‬واملعنى‪ :‬أنه ينبغي‬ ‫لكم أن حترصوا عىل قلع هذا اخللق الدينء من نفوسكم‪ ،‬وتستبدلوا به بالسامحة‪،‬‬ ‫وهو بذل احلق الذي عليك؛ واالقتناع ببعض احلق الذي لك‪ ،‬فمتى وفق اإلنسان‬ ‫هلذا اخللق احلسن َس ُه َل حينئذ عليه الصلح بينه وبني خصمه و ُم َع ِامله‪ ،‬بخالف من‬ ‫مل جيتهد يف إزالة الشح من نفسه‪ ،‬فإنه يعرس عليه الصلح واملوافقة؛ ألنه ال يرضيه إال‬ ‫مجيع ماله‪ ،‬وال يرىض أن يؤدي ما عليه‪ ،‬فإن كان خصمه مثله اشتد األمر()‪.‬‬ ‫فام اإليثار؟! اإليثار ضد الشح‪ ،‬فإن املؤثر عىل نفسه تارك ملا هو حمتاج إليه‪،‬‬ ‫والشحيح‪ :‬حريص عىل ما ليس بيده فإذا حصل بيده يشء شح عليه‪ ،‬وبخل بإخراجه‪،‬‬ ‫ تفسري السعدي‪.)206( :‬‬ ‫‪269‬‬ .

‫فالبخل ثمرة الشح‪ ،‬والشح يأمر بالبخل‪.)291/2( :‬‬ ‫‪270‬‬ .‬‬ ‫فلله تلك النفوس الكبرية‪ ،‬واألخالق العظيمة! وأكثر يف الناس من أمثاهلم‪.‬‬ ‫ولنختم حديثنا هبذا املوقف الذي يدل عىل عظمة نفوس الصحابة‪:‬‬ ‫‪ ،‬وقد كان من األجواد املعروفني‪ ،‬حتى إنه‬ ‫فهو لقيس بن سعد بن عبادة‬ ‫مرض مر ًة فاستبطأ إخوانه يف العيادة‪ ،‬فسأل عنهم؟ فقالوا‪ :‬إهنم كانوا يستحيون مما‬ ‫لك عليهم من الدين! فقال‪ :‬أخزى اهلل مالاً يمنع اإلخوان من الزيارة‪ ،‬ثم أمر مناد ًيا‬ ‫ينادي‪ :‬من كان لقيس عليه مال فهو منه يف ِح ٍّل‪ ،‬فام أمسى حتى كرست عتبة بابه‬ ‫لكثرة من عاده!()‪.‬‬ ‫ مدارج السالكني‪.

‬‬ ‫وهذه القاعدة تدل داللة واضحة ‪-‬كام يقول أبو نعيم‪ ،‬يف بيان يشء من خصائصه‬ ‫فرضا مطل ًقا ال رشط فيه‪ ،‬وال استثناء‪،‬‬ ‫×‪« :-‬أن اهلل تعاىل فرض طاعته عىل العامل ً‬ ‫فقال‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)‪ ،‬وقال‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬ ‫ﭔ ﭕ ﭖ) وإن اهلل تعاىل أوجب عىل الناس التأيس به قولاً وفعلاً مطل ًقا بال‬ ‫استثناء‪ ،‬فقال‪( :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) واستثنى يف التأيس بخليله‪،‬‬ ‫فقال‪( :‬ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ) إىل أن قال‪( :‬ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ)»()‪.‬‬ ‫ولقد دأب العلامء عىل االستدالل هبذه القاعدة يف مجيع أبواب العلم والدين‪:‬‬ ‫فاملصنفون يف العقائد جيعلوهنا أصلاً يف باب التسليم واالنقياد للنصوص‬ ‫الرشعية‪ ،‬وإن خفي معناها‪ ،‬أو عرس فهمها عىل املكلف‪ ،‬قال اإلمام أمحد‪ :‬إذا مل نقر‬ ‫‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬ ‫بام جاء عن النبي × رددنا عىل اهلل أمره‪ ،‬قال اهلل‬ ‫ نقله السيوطي يف اخلصائص الكربى‪.)297/2( :‬‬ ‫‪271‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫الرابعة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)‬ ‫هذه من أعظم القواعد التي تعني عىل تعبيد القلب لرب العاملني‪ ،‬وتربيته عىل‬ ‫التسليم واالنقياد‪.

‬‬ ‫ومن بعدهم إىل النزع‬ ‫ويف أبواب الفقه‪ :‬يعمد كثري من املفتني من الصحابة‬ ‫هبذه القاعدة يف إجياب يشء أو حتريمه‪ ،‬وإن شئت فقل‪ :‬يف األمر بيشء أو النهي عنه‪،‬‬ ‫‪ ،‬فإنه حينام حدّ ث‬ ‫وإليك هذه القصة التي رواها الشيخان من حديث ابن مسعود‬ ‫وقال‪ :‬لعن اهلل الواشامت واملستوشامت‪ ،‬والنامصات واملتنمصات‪ ،‬واملتفلجات‬ ‫للحسن املغريات خلق اهلل! قال‪ :‬فبلغ ذلك امرأ ًة من بني أسد يقال هلا‪ :‬أم يعقوب!‬ ‫‪ -‬وكانت تقرأ القرآن ‪ -‬فأتته فقالت‪ :‬ما حديث بلغني عنك؟ أنك لعنت الواشامت‬ ‫واملستوشامت واملتنمصات واملتفلجات للحسن املغريات خلق اهلل؟ فقال عبد اهلل‪:‬‬ ‫وما يل ال ألعن من لعن رسول اهلل ×‪ ،‬وهو يف كتاب اهلل؟! فقالت املرأة‪ :‬لقد قرأت‬ ‫ما بني لوحي املصحف فام وجدته! فقال‪ :‬لئن ِ‬ ‫كنت قرأتيه لقد وجدتيه! قال اهلل ‪:‬‬ ‫(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)!‬ ‫فقالت املرأة‪ :‬فإين أرى شي ًئا من هذا عىل امرأتك اآلن! قال‪ :‬اذهبي فانظري‪،‬‬ ‫قال‪ :‬فدخلت عىل امرأة عبد اهلل فلم تر شي ًئا! فجاءت إليه‪ ،‬فقالت‪ :‬ما رأيت شي ًئا!‬ ‫‪ :‬أما لو كان ذلك مل نجامعها()‪.)59/3( :‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)4604‬مسلم ح (‪. ‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)()‪.‬‬ ‫فقال ابن مسعود‬ ‫وهذا عبد الرمحن بن يزيد يرى حمر ًما عليه ثيابه‪ ،‬فنهر املحرم‪ ،‬فقال‪« :‬ائتني بآية‬ ‫بنزع ثيايب»! فقرأ عليه‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬ ‫من كتاب اهلل‬ ‫ﮧ)‪.‬‬ ‫وهذه قصة أخرى ‪-‬تؤكد وضوح هذا املعنى عند سلف األمة رمحهم اهلل‪:-‬‬ ‫يقول عبد اهلل بن حممد الفريايب‪ :‬سمعت الشافعي ببيت املقدس يقول‪ :‬سلوين عام‬ ‫ اإلبانة البن بطة‪.)2125‬‬ ‫‪272‬‬ .

‬‬ ‫ومن تالهم‬ ‫وأما احلفظ املعنوي‪ :‬فإن جهود أئمة احلديث من عهد الصحابة‬ ‫من التابعني واألئمة ال ختفى عىل أدنى مطلع‪ ،‬وليس هذا مقام احلديث عن هذا‬ ‫املوضوع‪ ،‬وإنام املقصود‪ :‬التنبيه عىل أن احلفظ الذي حتقق لسنة النبي × عىل أيدي‬ ‫هؤالء قد قام به أئمة اإلسالم خري قيام‪ ،‬فلم يبق عىل من بعدهم إال حفظ ألفاظها‪،‬‬ ‫  تاريخ دمشق‪.‬‬ ‫ويقول حممد بن يزيد بن حكيم املستميل‪ :‬رأيت الشافعي يف املسجد احلرام‪ ،‬وقد‬ ‫ُجعلت له طنافس()‪ ،‬فجلس عليها‪ ،‬فأتاه رجل من أهل خراسان‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا عبد‬ ‫اهلل‪ ،‬ما تقول يف أكل فرخ الزنبور؟ فقال‪ :‬حرام‪.‬ينظر‪:‬لسان العرب‪.)127/6( :‬‬ ‫  سري أعالم النبالء‪.‬‬ ‫فقال‪ :‬حرام؟! قال‪ :‬نعم من كتاب اهلل‪ ،‬وسنة رسول اهلل‪ ،‬واملعقول‪ ،‬أعوذ‬ ‫باهلل السميع العليم من الشيطان الرجيم (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬ ‫ﮧ)()‪.)436/8( :‬‬ ‫‪273‬‬ .)88/10( :‬‬ ‫  تاريخ دمشق‪.‬‬ ‫إن هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها‪ :‬لتدل بمفهومها عىل رضورة‬ ‫حفظ السنة‪ ،‬حفظها من الضياع‪ ،‬وحفظها يف الصدور‪ ،‬إذ ال يتأتى العمل بالسنة‬ ‫حسا ومعنى‪ ،‬قال إسامعيل بن عبيد اهلل‪ :‬ينبغي لنا أن نحفظ حديث‬ ‫إال بعد حفظها ًّ‬ ‫رسول اهلل × كام حيفظ القرآن ألن اهلل يقول‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ)()‪. ‫القاعدة‬ ‫الرابعة والأربعون‬ ‫شئتم أخربكم عن كتاب اهلل‪ ،‬وسنة رسوله! فقلت‪ :‬إن هذا جلرئ! ما تقول أصلحك‬ ‫‪( :‬ﮠ‬ ‫اهلل يف ا ُمل ِ‬ ‫حرم يقتل الزنبور؟ فقال‪ :‬نعم بسم اهلل الرمحن الرحيم‪ ،‬قال اهلل‬ ‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)()‪.)271/51( :‬‬ ‫س وقيل هي البِساط الذي له خمَ ْ ٌل‬ ‫والط ْن ُفسة‪ :‬ال ُّن ْم ُر َقة فوق الرحل ومجعها َط ِ‬ ‫ناف ُ‬ ‫الط ْن ِف َسة ُّ‬ ‫ ِّ‬ ‫رقيق‪ .

‫والتفقه يف معانيها‪ ،‬والعمل بمقتضاها‪ ،‬إذ هذا هو املقصود األعظم من ذلك ك ّله‪.‬‬ ‫كثريا منها‪ ،‬لدالل ًة عىل شمول اآلية‬ ‫وتركت ً‬ ‫ُ‬ ‫إن يف اآلثار التي سقت بعضها‪،‬‬ ‫جلميع األوامر ‪-‬سواء كانت واجبة أم مستحبة‪ ،-‬وشاملة جلميع النواهي ‪-‬سواء‬ ‫كانت حمرمة أم مكروهة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫عظيم‬ ‫هذا الدين بقوة‪ ،‬فصار أثرهم يف الناس اً‬ ‫وملا طغى عىل الناس ‪-‬يف القرون املتأخرة‪ -‬كثرة السؤال والتنقيب‪ :‬هل هذا‬ ‫األمر واجب أم مستحب؟ وهل هذا مكروه أم حمرم؟ صار أخذ كثري منهم ألوامر اهلل‬ ‫عسريا‪.‬‬ ‫إنني موقن أن من ربى نفسه عىل ترك كل ما ُينهى عنه‪ ،‬وفعل كل ما يستطيعه‬ ‫من األوامر‪ ،‬من غري تنقيب عن حال هذا النهي أو ذاك األمر‪ ،‬بل يبادر تعبدً ا هلل‬ ‫تعاىل بتعظيم األمر والنهي؛ فإنه سيجد لذة عظيمة يف قلبه‪ ،‬إهنا لذة العيش يف كنف‬ ‫‪274‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ونواهيه ضعي ًفا‪ ،‬فصار أثر التعبد هلل هزيلاً ‪ ،‬واالنقياد‬ ‫إنني ال أنكر انقسام األوامر إىل واجب ومستحب‪ ،‬وال أنكر انقسام النواهي إىل‬ ‫حمرم ومكروه‪ ،‬وال ُينكر أن اإلنسان قد حيتاج إىل تفصيل احلال ‪-‬عند وقوع املخالفة‪-‬‬ ‫ليتبني حكم اهلل‪ ،‬وما جيب عليه من كفارة ونحو ذلك‪ ،‬لكن الذي يؤسف عليه‪ :‬أن‬ ‫أكثر الذين يسألون عن هذا التقسيم‪ ،‬ليس مرادهم طلب العلم وحترير املسائل‪ ،‬بل‬ ‫التملص‪ ،‬والتنصل من االمتثال‪ ،‬وإىل هؤالء يتوجه احلديث يف هذه القاعدة القرآنية‬ ‫املحكمة‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)‪.-‬‬ ‫ومن تأمل واقع الصحابة ‪-‬رضوان اهلل عليهم أمجعني‪ -‬وجدهم أصحاب ِ‬ ‫القدْ ح‬ ‫ٍ‬ ‫بنفوس ُمس ِّلمة‪ ،‬وقلوب خمبتة‪ ،‬ومستعدة للتنفيذ‪،‬‬ ‫ا ُمل َعلىَّ يف تلقي األوامر والنواهي‬ ‫وال جتد يف قاموسهم تفتيشا وال تنقي ًبا‪ :‬هل هذا النهي للتحريم أم للكراهة؟ وال‪ :‬هل‬ ‫هذا األمر للوجوب أم لالستحباب؟ بل ينفذون ويفعلون ما يقتضيه النص‪ ،‬فأخذوا‬ ‫وكبريا‪.

‫القاعدة‬ ‫الرابعة والأربعون‬ ‫العبودية‪ ،‬وظِ ِّل االستكانة واالستجابة واخلضوع هلل رب العاملني‪.‬‬ ‫ومن أعظم دالالت هذه القاعدة‪ :‬أهنا ترد عىل أولئك الذين يزعمون االكتفاء‬ ‫بالقرآن فقط يف تطبيق أحكام الرشيعة‪ ،‬فهاهو القرآن ذاته يأمر باتباع الرسول ×‪،‬‬ ‫ولن يكون ذلك إال باتباع سنته‪ ،‬بل كيف يتأتى لإلنسان أن يصيل‪ ،‬أو يزكي‪ ،‬أو‬ ‫يصوم‪ ،‬أو حيج بمجرد االقتصار عىل القرآن؟!‬ ‫‪275‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬حيتاجها كل مؤمن‪ ،‬وعىل وجه اخلصوص من عزم‬ ‫عىل اإلقبال عىل ربه‪ ،‬وقرع باب التوبة‪.112 :‬‬ ‫ومعنى اآلية ‪-‬التي تضمنت هذه القاعدة باختصار‪ :-‬أن اهلل تعاىل خياطب نبيه‬ ‫ٍ‬ ‫وساعات من الليل‪،‬‬ ‫× ‪ -‬وهو خطاب لألمة كلها ‪ -‬بأن يقيموا الصالة طريف النهار‪،‬‬ ‫ينصب فيها قدميه هلل تعاىل‪ ،‬ثم ع ّل َل هذا األمر فقال‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ)‬ ‫أي يمحوهنا ويكفرهنا حتى كأهنا مل تكن ‪-‬عىل تفصيل سيأيت بعد قليل إن شاء اهلل‪-‬‬ ‫واإلشارة بقوله‪( :‬ﯗ ﯘ ﯙ) إىل قوله‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ) وما بعده‪،‬‬ ‫‪277‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة هي جزء من آية كريمة يف سورة هود‪ ،‬يقول اهلل تعاىل‪( :‬ﮩ‬ ‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ)‬ ‫[هود‪ ،]114 :‬وهذه اآلية الكريمة سبقت بجملة من األوامر العظيمة للنبي ×‬ ‫وألمته‪ ،‬حيسن ذكرها ليتضح الربط بينها‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬ ‫ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ‬ ‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ) [هود‪.]113 .

)18‬‬ ‫ الرتمذي ح (‪ ،)1987‬وقد رجح الدارقطني إرساله‪ ،‬وانظر تعليق ابن رجب عليه يف‬ ‫«اجلامع» ح (‪.‬‬ ‫أيضا حمو إثمها إذا وقعت‪ ،‬ويكون هذا من خصائص احلسنات‬ ‫‪ -2‬ويشمل ً‬ ‫ك ّلها‪ ،‬فضلاً من اهلل عىل عباده الصاحلني»()‪.)678/2‬‬ ‫ ويف بعض النسخ‪ :‬صحيح‪ ،‬وقد استبعد هذا ابن رجب يف تعليقه عىل هذا احلديث يف «جامع‬ ‫العلوم واحلكم» ح (‪. ‫وقيل‪ :‬إىل القرآن‪ ،‬ذكرى للذاكرين‪ :‬أي موعظة للمتعظني()‪.‬‬ ‫ولقد بحث العلامء ههنا معنى السيئات التي تذهبها احلسنات‪ ،‬والذي يتحرر يف‬ ‫اجلمع بني أقواهلم أن يقال‪:‬‬ ‫إن كانت احلسنة هي التوبة الصادقة‪ ،‬سواء من الرشك‪ ،‬أو من املعايص‪ ،‬فإن‬ ‫حسنة التوحيد‪ ،‬والتوبة النصوح ال تبقي سيئة إال حمتها وأذهبتها‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﭑ‬ ‫ ينظر‪ :‬فتح القدير (‪.)18‬‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير (‪.‬‬ ‫إذا تبني معنى هذه القاعدة بإمجال‪ ،‬فليعلم أن إذهاب الس ّيئات يشمل أمرين‪:‬‬ ‫‪ -1‬إذهاب وقوعها‪ ،‬وحبها يف النفس‪ ،‬وكرهها‪ ،‬بحيث يصري انسياق النّفس‬ ‫إىل ترك الس ّيئات َس ْهلاً وه ّينًا كقوله تعاىل‪( :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [احلجرات‪ ،]7 :‬ويكون هذا من خصائص‬ ‫احلسنات ك ّلها‪.‬‬ ‫وكام أن هذه القاعدة رصحت هبذا املعنى‪ ،‬وهو إذهاب احلسنات للسيئات‪،‬‬ ‫فقد جاء يف السنة ما يوافق هذا اللفظ تقري ًبا‪ ،‬كام يف احلديث الذي رواه الرتمذي‬ ‫قال‪ :‬قال يل رسول اهلل ×‪« :‬اتق اهلل حيثام كنت‪،‬‬ ‫وحسنه() من حديث أيب ذر‬ ‫َّ‬ ‫وأتبع السيئة احلسنة متحها‪ ،‬وخالق الناس بخلق حسن»()‪.)284/7‬‬ ‫‪278‬‬ .

]71-68 :‬‬ ‫أن النبي × قال له ‪ -‬ملا‬ ‫ويف صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص‬ ‫جاءه يبايعه عىل اإلسالم واهلجرة ‪« :-‬أما علمت أن اإلسالم هيدم ما كان قبله؟ وأن‬ ‫اهلجرة هتدم ما كان قبلها؟ وأن احلج هيدم ما كان قبله؟»()‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والأربعون‬ ‫ﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ‬ ‫ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ‬ ‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ) [الفرقان‪.‬‬ ‫قال‪ :‬قال رسول اهلل ×‪:‬‬ ‫ويف صحيح مسلم من حديث أيب هريرة‬ ‫«الصلوات اخلمس واجلمعة إىل اجلمعة ورمضان إىل رمضان مكفرات ما بينهن إذا‬ ‫اجتنب الكبائر»()‪.‬‬ ‫وإن كان املراد باحلسنات عموم األعامل الصاحلة كالصالة والصيام‪ ،‬فإن القرآن‬ ‫والسنة دلاّ رصاح ًة عىل أن تكفري احلسنات للسيئات مرشوط باجتناب الكبائر‪ ،‬قال‬ ‫تعاىل‪( :‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬ ‫‪( :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ‬ ‫ﮜ ﮝ) [النساء‪ ،]31 :‬وقال‬ ‫ﮣ)‪.)233‬‬ ‫‪279‬‬ .]22‬‬ ‫ مسلم ح (‪.)121‬‬ ‫ مسلم ح (‪.‬‬ ‫لقد جاء معنى هذه القاعدة اجلليلة‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) يف القرآن‬ ‫الكريم عىل صور منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬يف سياق الثناء عىل أهل اجلنة قال تعاىل‪( :‬ﮅ ﮆ ﮇ) [الرعد‪:‬‬ ‫‪.

]71-68 :‬‬ ‫* من تطبيقات هذه القاعدة‪:‬‬ ‫إن األمثلة التطبيقية التي توضح وتؤكد معنى هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕ) لكثرية جدًّ ا‪ ،‬لكن لعلنا نذكر بعضها ً‬ ‫تنبيها عىل باقيها‪،‬‬ ‫وأول ما نبدأ به من األمثلة هو ما ذكره ربنا يف اآلية الكريمة التي تضمنتها هذه‬ ‫القاعدة‪ ،‬وهو‪:‬‬ ‫‪ -1‬إقامة الصالة طريف النهار ‪-‬وهو مبتدأه ومنتهاه‪ ،-‬وساعات من الليل‪،‬‬ ‫وال ريب أن أول ما يدخل يف هذه الصلوات اخلمس‪ ،‬كام يدخل فيها‪ :‬بقية النوافل‪،‬‬ ‫كالسنن الرواتب‪ ،‬وقيام الليل‪.‬‬ ‫وإذا كانت هذه اآلية الكريمة تدل عىل أن الصلوات املفروضات والنوافل من‬ ‫رصحت هبذا ‪-‬كام تقدم‪ -‬برشط اجتناب‬ ‫أعظم احلسنات املاحية للسيئات‪ ،‬فإن السنة ّ‬ ‫الكبائر‪..‬‬ ‫علق البغوي عىل كلمة ابن عباس‪ ،‬فقال‪ :‬وهو معنى قوله‪( :‬ﮱ ﯓ‬ ‫ﯔ ﯕ)»()‪..‬إىل قوله‪( :‬ﭹ ﭺ ﭻ‬ ‫ﭼ ﭽ‪ ).]65 :‬‬ ‫‪ -3‬إثباته يف سياق احلديث عن توبة العصاة‪ ،‬كام يف آية الفرقان التي تلوهتا‬ ‫قبل قليل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‪ )..‬‬ ‫ تفسري البغوي‪..)313/4( :‬‬ ‫‪280‬‬ .‫السيئ من‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫العمل‬ ‫ِ‬ ‫بالصالح من‬ ‫‪-‬يف بيان معناها‪ :-‬يدفعون‬ ‫قال ابن عباس‬ ‫العمل‪.‬‬ ‫‪ -2‬إثبات هذا املعنى يف األمم السابقة‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬ ‫ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ) [املائدة‪.‬اآليات [الفرقان‪.

‬‬ ‫فإىل كل من أرسف عىل نفسه‪ ،‬وقنّطه الشيطان من رمحة ربه‪ ،‬ال تيأس َّن وال‬ ‫صحت توبته‪ ،‬رمحه ربه ومواله‪،‬‬ ‫نفسا‪ ،‬فلام ّ‬ ‫تقنط َّن‪ ،‬فهذا رجل قتل تسعة وتسعني ً‬ ‫خريا قط من أعامل اجلوارح سوى هجرته من بلد السوء إىل بلد اخلري‪،‬‬ ‫مع أنه مل يعمل ً‬ ‫أفال حترك فيك هذه القصة الرغبة يف هجرة املعايص‪ ،‬واإلقبال عىل من ال سعادة وال‬ ‫أنس إال باإلقبال عليه؟!‬ ‫وتأمل يف هذه الكلمة املعربة‪ ،‬التي قال احلسن البرصي‪« :‬استعينوا عىل السيئات‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)503‬ومسلم ح (‪.‬‬ ‫‪ -3‬قصة توبة القاتل الذي قتل تسع ًة وتسعني ً‬ ‫نفسا ‪-‬وهي يف الصحيحني‪ -‬وهي‬ ‫قصة مشهورة جدًّ ا‪ ،‬والشاهد منها‪ ،‬أنه ملا انطلق من أرض السوء إىل أرض اخلري‪« :‬أتاه‬ ‫املوت فاختصمت فيه مالئكة الرمحة ومالئكة العذاب‪ ،‬فقالت مالئكة الرمحة‪ :‬جاء‬ ‫تائ ًبا مقبلاً بقلبه إىل اهلل‪ ،‬وقالت مالئكة العذاب‪ :‬إنه مل يعمل ً‬ ‫خريا قط‪ ،‬فأتاه ملك يف‬ ‫األر َضني فإىل أيتهام كان أدنى فهو‬ ‫صورة آدمي‪ ،‬فجعلوه بينهم‪ ،‬فقال‪ :‬قيسوا ما بني ْ‬ ‫له‪ ،‬فقاسوه فوجدوه أدنى إىل األرض التي أراد فقبضته مالئكة الرمحة»()‪.)2763‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)3283‬ومسلم ح (‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومن تطبيقات هذه القاعدة‪ ،‬ما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود‬ ‫قال‪ :‬أن رجال أصاب من امرأة ُقبل ًة‪ ،‬فأتى النبي × فأخربه؛ فأنزل اهلل (ﮩ‬ ‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) فقال الرجل‪ :‬يا‬ ‫رسول اهلل أيل هذا؟! قال‪« :‬بل جلميع أمتي كلهم»()‪.)2766‬‬ ‫‪281‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫اخلام�سة والأربعون‬ ‫فليبرش الذين حيافظون عىل صلواهتم فرضها ونفلها بأهنم من أعظم الناس ح ًّظا‬ ‫من هذه القاعدة القرآنية‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ)‪ ،‬ويا تعاسة وخسارة من‬ ‫فرطوا يف فريضة الصالة!!‪.

‫القديامت باحلسنات احلديثات‪ ،‬وإنكم لن جتدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة‬ ‫حديثة‪ ،‬وأنا أجد تصديق ذلك يف كتاب اهلل‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ)»()‪.)279/8( :‬‬ ‫‪282‬‬ .‬‬ ‫ تفسري ابن أيب حاتم‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫حسنات تذهب سيئاتنا‪ ،‬وتوبة جتلو أنوارها ظلمة اإلساءة‬ ‫اللهم ارزقنا‬ ‫والعصيان‪.

‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬وثيقة الصلة بقضية مهمة يف باب الصلة مع اهلل‪ ،‬ومع‬ ‫عباده‪.]197 :‬‬ ‫وحيسن قبل الرشوع يف بيان يشء من معاين هذه القاعدة‪ ،‬أن نوضح معنى اآلية‬ ‫التي تضمنتها هذه القاعدة بإجياز‪ ،‬فيقال‪:‬‬ ‫‪ -1‬ملا تقرر فرض احلج‪ ،‬وذكرت بعض أحكامه قبل هذه اآلية ‪-‬فيام خيص‬ ‫اإلمتام واإلحصار‪ -‬بدأ احلديث عن مجلة من اآلداب واألحكام‪ ،‬منها‪ :‬النهي عن‬ ‫الرفث «وهو اجلامع ومقدماته الفعلية والقولية‪ ،‬خصوصا عند النساء بحرضهتن‪،‬‬ ‫والفسوق وهو‪ :‬مجيع املعايص‪ ،‬ومنها حمظورات اإلحرام‪ ،‬واجلدال وهو‪ :‬املامراة‬ ‫‪283‬‬ .‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية املحكمة‪ ،‬جاء ذكرها ضمن سياق آيات احلج‪ ،‬قال تعاىل‪:‬‬ ‫(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ‬ ‫ﭠﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ‬ ‫ﭱ) [البقرة‪.

)197/1( :‬‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري القرآن للعثيمني (‪.‬‬ ‫‪( :‬ﭩ ﭪ ﭫ‬ ‫‪ -4‬ثم ختمت اآلية بأمرين مهمني‪ ،‬تضمنهام قوله‬ ‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ)‪ ،‬ففي قوله تعاىل‪( :‬ﭩ) أي اختذوا‬ ‫زا ًدا لغذاء أجسامكم‪ ،‬وغذاء قلوبكم ‪-‬وهذا أفضل النوعني‪ -‬لقوله تعاىل‪( :‬ﭪ‬ ‫ﭫ ﭬ ﭭ)‪ ،‬فلام رغب سبحانه وتعاىل يف التقوى‪ ،‬أمر هبا طل ًبا خلريها فقال‬ ‫تعاىل‪( :‬ﭯ ﭰ ﭱ)‪ ،‬وإنام خوطب أصحاب العقول هبذا اخلطاب ‪-‬‬ ‫وهم أولوا األلباب‪ -‬ألهنم هم الذين يدركون فائدة التقوى‪ ،‬وثمرهتا؛ أما السفهاء‬ ‫فال يدركوهنا»()‪.)91‬‬ ‫ تفسري ابن كثري‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫إيامنية وتربوية كثرية ‪-‬وهو يف‬ ‫إن هذه القاعدة اجلليلة‪ ،‬لرتيب يف املؤمن معاين‬ ‫سريه إىل اهلل والدار اآلخرة‪ ،-‬ولعلنا نلخص هذه املعاين فيام ييل‪:‬‬ ‫ تفسري السعدي (‪.)415/2‬‬ ‫‪284‬‬ .]270 :‬‬ ‫‪ -3‬ويف قوله تعاىل‪( :‬ﭤﭥ) يف سياق هذه اجلملة الرشطية‪( :‬ﭢﭣ)‬ ‫دليل عىل شمول اآلية لكل خري قليلاً كان أو ً‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫‪ -2‬ويف اإلخبار بأنه ما من خري نفعله إال وهو يعلمه سبحانه وتعاىل‪ ،‬داللة‬ ‫يعلم اخلري‬ ‫واضحة عىل أن هذا متضمن اإلثابة عىل هذا‪ ،‬واحلض عليه‪ ،‬وإال فإنه‬ ‫والرش‪ ،‬ونظري هذه القاعدة قوله‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ﭚ ﭛ) [البقرة‪.‫واملنازعة واملخاصمة‪ ،‬لكوهنا تثري الرش‪ ،‬وتوقع العداوة»() فـ «ملا هناهم عن إتيان‬ ‫القبيح قوال وفعال‪ ،‬حثهم عىل فعل اجلميل وأخربهم أنه عامل به‪ ،‬وسيجزهيم عليه‬ ‫أوفر اجلزاء يوم القيامة»()‪.

‬‬ ‫‪285‬‬ .‬‬ ‫ثان ًيا‪ :‬ومن املعاين التي تربيها هذه القاعدة‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ)‬ ‫يف نفوس أهلها‪:‬‬ ‫راحة النفس‪ ،‬واطمئنان القلب‪ ،‬ذلك أن املحسن إىل اخللق‪ ،‬املخلص يف ذلك‬ ‫ال ينتظر التقدير والثناء من اخللق‪ ،‬بل جيد سهول ًة يف الصرب عىل نكران بعض الناس‬ ‫ بدائع الفوائد‪ )847/3( :‬ط‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والأربعون‬ ‫اً‬ ‫أول‪ :‬يف هذه اآلية ترغيب وحض عىل إخالص العمل هلل ّ‬ ‫جل وعال‪ ،‬وإن مل يطلع‬ ‫عليه أحد‪ ،‬بل إن املوفق من عباد اهلل من حيرص كل احلرص عىل إخفاء العمل عن‬ ‫اخللق ما استطاع إىل ذلك سبيلاً ‪ ،‬ويف ذلك من الفوائد والعوائد عىل القلب والنفس‬ ‫اليشء الكثري‪ ،‬والبن القيم كلامت تكتب بامء الذهب يف هذا املعنى‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬ ‫مجعية وحال مع اهلل‪ ،‬قد حتدث هبا‪ ،‬وأخرب هبا‪ ،‬فسلبه‬ ‫«وكم من صاحب قلب و َ‬ ‫إياها األغيار‪ ،‬فأصبح يقلب كفيه‪ ،‬وهلذا يويص العارفون والشيوخ بحفظ الرس مع‬ ‫اهلل‪ ،‬وأن ال يطلعوا عليه أحدً ا‪ ،‬ويتكتمون به غاية التكتم‪ ،‬كام أنشد بعضهم يف ذلك‪:‬‬ ‫مل يأمنوه عىل األرسار ما عاشا‬ ‫ من سارروه فأبدى الرس جمتهدً ا ‬ ‫وأبدلوه مكان األنس إحيـاشـا‬ ‫ وأبعدوه فلـم يـظـفـر بقـرهبـم ‬ ‫داد ِه ُم من ذلكم حاشا‬ ‫حاشا ِو ِ‬ ‫ ال يأمنون مذي ًعا بعض سـرهـم ‬ ‫والقوم أعظم ٍ‬ ‫يشء كتامنًا ألحواهلم مع اهلل‪ ،‬وما وهب اهلل هلم من حمبته واألنس‬ ‫به‪ ،‬ومجعية القلب عليه‪ ،‬وال سيام للمبتدئ والسالك‪ ،‬فإذا متكن أحدهم وقوي‪،‬‬ ‫وثبتت أصول تلك الشجرة الطيبة ‪ -‬التي أصلها ثابت وفرعها يف السامء ‪-‬يف قلبه‪-‬‬ ‫بحيث ال خيشى عليه من العواصف ‪ -‬فإنه إذا أبدى حاله وشأنه مع اهلل ل ُيقتدى به‬ ‫ويؤتم به؛مل يبال‪ ،‬وهذا باب عظيم النفع وإنام يعرفه أهله»()‪.‬عامل الفوائد‪.

.‬فاملؤمن يرى‪ :‬أن عمله‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.]9 :‬‬ ‫أعرف رجلاً مفضالاً ‪ ،‬له شفاعات ووجاهات لنفع اخللق‪ ،‬وابتيل بأناس نسوا‬ ‫مجيله‪ ،‬وتنكروا ملعروفه‪ ،‬بل شعر أن بعضهم طعنه من اخللف‪ ،‬أو قلب له ظهر‬ ‫املجن!‬ ‫كثريا‪.)31/1( :‬‬ ‫‪286‬‬ ..‬‬ ‫فذكرت له هذا املعنى ‪-‬الذي ندندن حوله ههنا‪ -‬فاسرتاح ً‬ ‫ُ‬ ‫ومع ما تقدم ذكره‪ ،‬فإين أهدي إلخواين ‪-‬الذين م ّن اهلل عليهم باإلحسان إىل‬ ‫‪ ،‬حيث‬ ‫اخللق وابتلوا بجفائهم‪ -‬هذا النص النفيس لشيخ اإلسالم ابن تيمية‬ ‫يقول يف كالم طويل له حول هذا املعنى‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫«وال حيملنك هذا عىل جفوة الناس‪ ،‬وترك اإلحسان إليهم‪ ،‬واحتامل األذى‬ ‫منهم‪ ،‬بل أحسن إليهم هلل ال لرجائهم‪ ،‬وكام ال ختفهم فال ترجهم‪ ،‬وخف اهلل يف‬ ‫الناس وال ختف الناس يف اهلل وارج اهلل يف الناس وال ترج الناس يف اهلل‪ ،‬وكن ممن قال‬ ‫اهلل فيه‪( :‬ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ‬ ‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ) [الليل‪ ،]20 -17 :‬وقال فيه‪( :‬ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬ ‫ﭲ) [اإلنسان‪ ،)(»]9 :‬وقال يف موضع آخر ‪-‬موص ًيا من يتصدى لنفع اخللق‪:-‬‬ ‫«وإذا أحسن إىل الناس فإنام حيسن إليهم‪ :‬ابتغاء وجه ربه األعىل‪ ،‬ويعلم أن‬ ‫اهلل قد م َّن عليه بأن جعله حمسنًا‪ ،‬ومل جيعله مسي ًئا‪ ،‬فريى أن عمله هلل وأنه باهلل‪ ،‬وهذا‬ ‫مذكور يف فاحتة الكتاب (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‪ ،).‫للجميل الذي أسداه‪ ،‬أو املعروف الذي صنعه! فإنه إذا يفعل اخلري ويوقن بأن ر ّبه‬ ‫علم يثيب عليه؛ هان عليه ما جيده من جحود ونكران‪ ،‬فضلاً عن التقصري يف‬ ‫يعلمه اً‬ ‫حقه‪ ،‬ولسان حاله ‪ -‬كام أخرب اهلل عن أهل اجلنة ‪( :-‬ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬ ‫ﭱ ﭲ) [اإلنسان‪.

)329/14( :‬‬ ‫‪287‬‬ ..‬‬ ‫واملقصود‪ :‬أن من فهم ما ترشد إليه هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪( :‬ﭢ‬ ‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) أقدم عىل فعل اخلري‪ ،‬وسهل عليه الصرب عىل تقصري‬ ‫اخللق وجفائهم؛ ألنه ال يرجو سوى اهلل‪ ،‬نسأل اهلل تعاىل بمنّه وكرمه أن يرزقنا فعل‬ ‫اخلريات‪ ،‬واإلخالص هلل تعاىل يف كل ما نأيت ونذر‪.‬‬ ‫ جمموع الفتاوى‪.‬‬ ‫ومن الناس‪ :‬من حيسن إىل غريه ل َي ُم َّن عليه‪ ،‬أو يرد اإلحسان له بطاعته إليه‪،‬‬ ‫وتعظيمه أو نفع آخر‪ ،‬وقد يمن عليه فيقول‪ :‬أنا فعلت بك كذا‪ ،‬فهذا مل يعبد اهلل ومل‬ ‫يستعنه‪ ،‬وال عمل هلل وال عمل باهلل‪ ،‬فهو املرائي‪ ،‬وقد أبطل اهلل صدقة املنان وصدقة‬ ‫املرائي‪ ».‬إلخ()‪.. ‫القاعدة‬ ‫ال�ساد�سة والأربعون‬ ‫هلل ألنه إياه يعبد وأنه باهلل؛ ألنه إياه يستعني‪ ،‬فال يطلب ممن أحسن إليه جزاء وال‬ ‫شكورا؛ ألنه إنام عمل له ما عمل هلل كام قال األبرار‪( :‬ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬ ‫ً‬ ‫ﭱ ﭲ) [اإلنسان‪ ،]9 :‬وال يمن عليه بذلك وال يؤذيه‪ ،‬فإنه قد علم أن اهلل هو ّ‬ ‫املان‬ ‫عليه إذ استعمله يف اإلحسان‪ ،‬وأن املنة هلل عليه وعىل ذلك الشخص‪ ،‬فعليه هو‪ :‬أن‬ ‫يشكر اهلل إذ يرسه لليرسى‪ ،‬وعىل ذلك‪ :‬أن يشكر اهلل إذ يرس له من يقدم له ما ينفعه‬ ‫من ٍ‬ ‫رزق أو عل ٍم أو نرص أو غري ذلك‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وتأمل كيف علق اهلل تعاىل هداية القلب عىل اإليامن؛ ذلك أن األصل يف املؤمن‬ ‫أن يروضه اإليامن عىل تلقي املصائب‪ ،‬واتباع ما يأمره الرشع به من البعد عن اجلزع‬ ‫‪289‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬نحن بأ َم ِّس احلاجة إليها كل حني‪ ،‬وخاصة حني يبتىل‬ ‫اإلنسان بمصيبة من املصائب املزعجة‪ ،‬وما أكثرها يف هذا العرص‪.]11 :‬‬ ‫واآلية ‪-‬كام هو ظاهر وبينّ ‪ -‬تدل عىل أنه ما من مصيبة أ ًّيا كانت‪ ،‬سواء كانت‬ ‫يف النفس‪ ،‬أو يف املال‪ ،‬أو يف الولد‪ ،‬أو األقارب‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فكل ذلك بقضاء اهلل‬ ‫‪ ،‬وجرى به القلم‪ ،‬ونفذت به املشيئة‪،‬‬ ‫وقدره‪ ،‬وأن ذلك بعلمه وإذنه القدري‬ ‫واقتضته احلكمة‪ ،‬والشأن كل الشأن‪ ،‬هل يقوم العبد بام جيب عليه من عبودية الصرب‬ ‫والتسليم ‪-‬الواجبني‪ ،-‬ثم الرضا عن اهلل تعاىل؟! وإن كان الرضا ليس واجبا بل‬ ‫مستح ًبا‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة القرآنية جاء ذكرها ضمن آية كريمة يف سورة التغابن يقول اهلل‬ ‫فيها‪(:‬ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ)‬ ‫[التغابن‪.

)2999‬‬ ‫ حلية األولياء‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫كلامت نورانية‪ ،‬قاهلا سلف هذه األمة تعلي ًقا عىل معنى هذه القاعدة‪ ،‬ولنبدأ‬ ‫وثمة‬ ‫يف قوله تعاىل‪( :‬ﭦ ﭧ‬ ‫بحرب األمة وترمجان القرآن ‪-‬ابن عباس‪ -‬حيث يقول‬ ‫ ينظر‪ :‬التحرير والتنوير (‪.)251/28‬‬ ‫ مسلم ح (‪.)252/4( :‬‬ ‫‪290‬‬ . ‫متفكرا يف أن هذه احلياة ال ختلوا من منغصات ومكدرات‪:‬‬ ‫ً‬ ‫واهللع‪،‬‬ ‫صفوا من األقذاء واألقذار!‬ ‫جبلت عىل كدر وأنت تريدها‬ ‫وهذا كام هو مقتىض اإليامن‪ ،‬فإن يف هذه القاعدة‪( :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)‬ ‫إيام ًء إىل األمر بالثبات والصرب عند حلول املصائب؛ ألنه يلزم من َهدْ ِي اهلل َ‬ ‫قلب‬ ‫ترغيب املؤمنني يف الثبات والتصرب عند حلول املصائب‪ ،‬فلذلك‬ ‫َ‬ ‫املؤمن عند املصيبة‬ ‫جاء ختم هذه اآلية بجملة‪( :‬ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ)()‪.‬‬ ‫صرب فكان ً‬ ‫ويقول عون بن عبد اهلل بن عتبة‪« :‬إن اهلل ل ُيكره عبده عىل البالء كام ُيكره أهل‬ ‫املريض مريضهم‪ ،‬وأهل الصبي صبيهم عىل الدواء‪ ،‬ويقولون‪ :‬ارشب هذا‪ ،‬فإن لك‬ ‫خريا»()‪ ،‬ولنعد إىل هذه القاعدة‪( :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) التي هي‬ ‫يف عاقبته ً‬ ‫موضع حديثنا‪.‬‬ ‫وهذا اخلتم البديع هبذه اجلملة‪( :‬ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) يزيد املؤمن طمأنينة‬ ‫األعلم بام‬ ‫ال خيفى عليه يشء مما يقع‪ ،‬وأنه‬ ‫وراحة من بيان سعة علم اهلل‪ ،‬وأنه‬ ‫يصلح حال العبد وقلبه‪ ،‬وما هو خري له يف العاجل واآلجل‪ ،‬ويف الدنيا ويف اآلخرة‪،‬‬ ‫يقرأ املؤمن هذا وهو يستشعر قول النبي ×‪« :‬عج ًبا ألمر املؤمن! إن أمره كله خري‪،‬‬ ‫خريا له‪ ،‬وإن أصابته رضاء‬ ‫وليس ذاك ألحد إال للمؤمن‪ ،‬إن أصابته رساء شكر فكان ً‬ ‫خريا له»()‪.

)421/23( :‬‬ ‫  تفسري القرطبي‪.)421/23( :‬‬ ‫  تفسري الطربي‪.‬‬ ‫ومن لطيف ما ذكر من القراءات املأثورة ‪-‬وإن كانت ليست متواترة وال‬ ‫مشهورة‪ :-‬أن عكرمة قرأ‪« :‬ومن يؤمن باهلل هيدأ قلبه» أي‪ :‬يسكن ويطمئن()‪.)139/18( :‬‬ ‫ الرتمذي (‪ )2398‬وابن ماجه (‪ ،)4023‬وابن حبان (‪ ،)700 ،699‬وقد صححه الرتمذي‬ ‫وابن حبان وغريمها‪ ،‬ولعله لشواهده‪.)139/18( :‬‬ ‫  تفسري القرطبي‪.‬‬ ‫وجميء هذه القاعدة يف هذا السياق له دالالت مهمة‪ ،‬من أبرزها‪:‬‬ ‫‪ -1‬تربية القلب عىل التسليم عىل أقدار اهلل املؤملة كام سبق‪.‬‬ ‫‪ -2‬أن من أعظم ما يعني عىل تلقي هذه املصائب هبدوء وطمأنينة‪ :‬اإليامن‬ ‫القوي برب العاملني‪ ،‬والرضا عن اهلل تعاىل‪ ،‬بحيث ال يرتدد املؤمن ‪ -‬وهو يعيش‬ ‫املصيبة ‪ -‬بأن اختيار اهلل خري من اختياره لنفسه‪ ،‬وأن العاقبة الطيبة ستكون له ‪ -‬ما‬ ‫دام مؤمنًا ح ًقا ‪ -‬فإن اهلل تعاىل ليس له حاجة ال يف طاعة العباد‪ ،‬وال يف ابتالئهم!‬ ‫بل من وراء االبتالء حكمة بل ِحك ٌَم وأرسار بالغة ال حييط هبا اإلنسان‪ ،‬وإال فام‬ ‫الذي يفهمه املؤمن حني يسمع قول النبي ×‪« :‬أشد الناس بالء األنبياء‪ ،‬ثم األمثل‬ ‫فاألمثل»؟!()‪ ،‬وما الذي يوحيه لإلنسان ما يقرأه يف كتب السري والتواريخ من أنواع‬ ‫  تفسري الطربي‪.‬‬ ‫وقال أبو عثامن احلريي‪« :‬من صح إيامنه؛ هدى اهلل قلبه التباع السنة»()‪. ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والأربعون‬ ‫ﭨ ﭩ ﭪ)‪ :‬هيد قلبه لليقني فيعلم أن ما أصابه مل يكن ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه مل يكن‬ ‫ليصيبه()‪.‬‬ ‫‪291‬‬ .‬‬ ‫ويقول علقمة بن قيس ‪-‬يف هذه القاعدة (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)‪« :-‬هو‬ ‫الرجل تصيبه املصيبة‪ ،‬فيعلم أهنا من عند اهلل فيسلم هلا ويرضىَ »()‪.

155 :‬‬ ‫‪ -3‬كثرة القصص عن األنبياء وأتباعهم‪ ،‬الذين لقوا أنوا ًعا من املصائب‬ ‫واالبتالءات التي جتعل املؤمن يأخذ العربة‪ ،‬ويتأسى هبم‪ ،‬وهيون عليه ما يصيبه إذا‬ ‫تذكر ما أصاهبم‪ ،‬وعىل رأسهم نبينا وإمامنا وسيدنا حممد ×‪. ‫االبتالء التي تعرض هلا أئمة الدين؟!‬ ‫إن اجلواب باختصار شديد‪« :‬أن أثقال احلياة ال يطيقها املهازيل‪ ،‬واملرء إذا كان‬ ‫لديه متاع ثقيل يريد نقله‪ ،‬مل يستأجر له أطفالاً أو مرىض أو خوارين؛ إنام ينتقي له ذوي‬ ‫الكواهل الصلبة‪ ،‬واملناكب الشداد!! كذلك احلياة‪ ،‬ال ينهض برسالتها الكربى‪ ،‬وال‬ ‫ينقلها من طور إىل طور إال رجال عاملقة وأبطال صابرون!»()‪.‬‬ ‫ليس بوسع اإلنسان أن يرسد قائمة بأنواع املصائب التي تصيب الناس‪ ،‬وتكدر‬ ‫حياهتم‪ ،‬لكن بوسعه أن ينظر يف هدي القرآن يف هذا الباب‪ ،‬ذلك أن منهج القرآن‬ ‫الكريم يف احلديث عن أنواع املصائب حديث جممل‪ ،‬ومتثيل بأشهر أنواع املصائب‪،‬‬ ‫ظاهرا عىل طرق عالج هذه املصائب‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬ ‫ً‬ ‫تركيزا‬ ‫ً‬ ‫لكننا نجد‬ ‫‪ -1‬هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها‪( :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)‬ ‫فهي تنبه إىل ما سبق احلديث عنه من أمهية الصرب والتسليم‪ ،‬وتعزيز اإليامن الذي‬ ‫يصمد هلذه املصائب‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومن طرق معاجلة القرآن لشأن املصائب‪ :‬اإلرشاد إىل ذلك الدعاء العظيم‬ ‫الذي جاء ذكره يف سورة البقرة‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬ ‫ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ‬ ‫ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ) [البقرة‪.]156 .‬‬ ‫‪292‬‬ .‬‬ ‫ خلق املسلم‪ )134 -133( :‬باختصار‪.

‬‬ ‫ حلية األولياء‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫حادث حصل قبل سنوات؟! وملاذا‬ ‫وبعد‪ :‬ملاذا يتسخط بعضنا ويتوجع عىل‬ ‫ٍ‬ ‫صفقة جتارية خارسة‪ ،‬أو‬ ‫ٍ‬ ‫زواج فاشل قبل عقد من الزمن؟! أو‬ ‫يقلب أحدنا ملف‬ ‫أسهم بارت جتارهتا؟! وكأنه بذلك يريد أن جيدد أحزانه!!‬ ‫فيا كل مبتىل‪:‬‬ ‫القدر‬ ‫ُ‬ ‫وإن أتاك بام ال تشتهي‬ ‫ اصرب عىل القدر املجلوب وارض به ‬ ‫كـدر‬ ‫ُ‬ ‫صفـوه‬ ‫َ‬ ‫اَّإل سيتبع ً‬ ‫يوما‬ ‫رس بـــه ‬ ‫ٌ‬ ‫عـيـش ُي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫المرئ‬ ‫ فمـا صفـا‬ ‫وأويص يف ختام هذه القاعدة بقراءة رسالة قيمة جدً ا‪ ،‬قليلة الكلامت‪ ،‬عظيمة‬ ‫املعاين‪ ،‬لشيخ شيوخنا‪ :‬العالمة اجلليل‪ ،‬الشيخ عبد الرمحن بن نارص السعدي‪،‬‬ ‫وعنوان رسالته‪« :‬الوسائل املفيدة للحياة السعيدة»‪.)104/10( :‬‬ ‫‪293‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫ال�سابعة والأربعون‬ ‫ويتبع هذا العالج القرآين‪ :‬النظر يف سري الصاحلني من هذه األمة وغريهم‪ ،‬ممن‬ ‫ابتلوا فصربوا‪ ،‬ثم ظفروا‪ ،‬ووجدوا ‪-‬ح ًّقا‪ -‬أثر الرضا والتسليم هبداية يقذفها اهلل يف‬ ‫قلوهبم‪ ،‬وهم يتلقون أقدار اهلل املؤملة‪ ،‬واملوفق من تعامل مع البالء بام أرشد اهلل إليه‬ ‫ورسو ُله ×‪ ،‬وبام أرشد إليه العقالء واحلكامء‪ ،‬ففي كالم بعضهم عرب متينة‪ ،‬وجتارب‬ ‫ثرية‪ ،‬فتأمل ‪-‬مثلاً ‪ -‬إىل مقولة اإلمام اجلليل أيب حازم ‪-‬والتي تزيح جبال ّ‬ ‫اهلم التي‬ ‫جثمت عىل صدور الكثريين‪ -‬يقول‪« :‬الدنيا شيئان‪ :‬فيشء يل‪ ،‬ويشء لغريي‪ ،‬فام كان‬ ‫يل لو طلبته بحيلة من يف السموات واألرض مل يأتني قبل أجله‪ ،‬وما كان لغريي مل‬ ‫أرجه فيام مىض‪ ،‬وال أرجوه فيام بقي‪ ،‬يمنع رزقي من غريي كام يمنع رزق غريي مني‪،‬‬ ‫ففي أي هذين أفني عمري؟!»()‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‫القاعدة‬ ‫الثامنة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬سارت مسار األمثال‪ ،‬وهي أثر من آثار حكمة اهلل‬ ‫تعاىل يف خلقه‪ ،‬تعني من تدبرها عىل رؤية األمور بتوازن واعتدال‪.‬‬ ‫‪295‬‬ .]60:‬‬ ‫واملعنى اخلاص الذي يتعلق هبذه اآلية الكريمة‪ :‬أن اهلل تعاىل امتن عىل بني‬ ‫إرسائيل بأن جعل العيون التي انفجرت من ذلك احلجر اثنتي عرشة عينًا‪ ،‬بعدد‬ ‫وتيسريا عليهم؛ ليعرف كل سبط من أسباط بني‬ ‫ً‬ ‫قبائل بني إرسائيل‪ ،‬من ًعا للزحام‪،‬‬ ‫إرسائيل‪ ،‬فلام حتققت هذه املنة اكتملت عليهم النعمة؛ بتنوع املآكل واملشارب من غري‬ ‫جهد وال تعب‪ ،‬بل هو حمض فضل اهلل ورزقه‪ ،‬ومتت عليهم النعمة بتنظيم أمرهم يف‬ ‫الورود والصدور‪ ،‬فأصبحوا منظمني‪ ،‬ال يبغي أحد عىل أحد‪ ،‬وال ُي ِنقص أحدٌ ّ‬ ‫حق‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫وهذه القاعدة جزء من آية كريمة يف سورة البقرة وسورة األعراف‪ ،‬يف قصة‬ ‫استسقاء نبي اهلل موسى عليه الصالة والسالم لقومه‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﭻ ﭼ‬ ‫ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ‬ ‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ)‬ ‫[البقرة‪.

‬‬ ‫وكام أن هذا املعنى الذي د ّلت عليه هذه القاعدة فقد جاءت السنة بتقريره كام يف‬ ‫قوله ×‪« :‬اعملوا‪ ،‬فكل ميرس ملا خلق له»()‪.‬‬ ‫ البخاري ح (‪ ،)7112‬مسلم ح (‪.‬‬ ‫ومن نظر يف سري الصحابة رضوان اهلل عليهم أدرك شي ًئا من دقة تطبيقهم ملعاين‬ ‫هذه القاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ) فمنهم‬ ‫بالسنان ومقارعة الفرسان‪ ،‬وثالث يبدع يف ميادين‬ ‫العامل املتخصص‪ ،‬ومنهم املعروف ِّ‬ ‫الشعر والبيان‪.)2648‬‬ ‫‪296‬‬ .‫وهذا املعنى ‪-‬الذي د ّلت عليه هذه القاعدة‪ -‬جاء ذكره يف قاعدة أخرى‪ ،‬لكن‬ ‫بلفظ مغاير وذلك يف قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) [اإلرساء‪ ،]84 :‬أي‬ ‫عىل طريقته وسريته التي اعتادها صاحبها‪ ،‬ونشأ عليها‪.‬‬ ‫فمعرفة اإلنسان ملا حيسنه ويتميز به مهم جدً ا يف حتديد املجال الذي ينطلق فيه؛‬ ‫ليبدع ولينفع أمته؛ إذ ليس القصد هو العمل فحسب‪ ،‬بل اإلبداع واإلتقان‪.‬‬ ‫وج ٍل‬ ‫واحلاصل‪ :‬أن هذا املعنى جاءت الرشيعة بتقريره بعبارات متنوعة‪ ،‬مُ َ‬ ‫خمترصة وألفاظ خمتلفة‪ ،‬ولعلنا يف هذه القاعدة نشري إىل أهم هذه التطبيقات التي‬ ‫بعض املكاسب‬ ‫بعض اآلثار السيئة‪ ،‬وفات بسبب ذلك ُ‬ ‫حصل بسبب اإلخالل هبا ُ‬ ‫الطيبة‪ ،‬ذلكم هو‪:‬‬ ‫أمهية معرفة اإلنسان للمواهب والقدرات التي وهبه اهلل إياها‪ ،‬ليفيد يف املجال‬ ‫الذي يناسبه ويتفق مع قدراته ومواهبه؛ إذ من املتقرر أن الناس ليسوا عىل درجة‬ ‫واحدة يف املواهب والقدرات والطاقات‪ ،‬ومل جيتمع الكامل البرشي إال يف األنبياء‬ ‫عليهم الصالة والسالم‪.

‬يف سلسلة من املآخذ‬ ‫كثريا منهم ليس بعامل‪ ،‬وال يفقه ً‬ ‫ً‬ ‫التي كان يمكن هتذيبها وختفيف حدهتا لو تأمل اجلميع هذه القاعدة وما جاء يف‬ ‫معناها‪ ،‬كالقاعدة النبوية اآلنفة الذكر‪« :‬كل ميرس ملا ُخلق له»‪..‬‬ ‫ويف عرصنا هذا برز ِس ٌ‬ ‫جال يشبه هذا‪ ،‬ن َّبه اإلمام مالك عىل خطأ قصور النظر‬ ‫ولوما‬ ‫فيه‪ ،‬فإنك واجدٌ يف مقاالت بعض الناس الذين نفروا للجهاد يف سبيل اهلل عتا ًبا ً‬ ‫لبعض العلامء املتفرغني للتعليم ونرش العلم‪ ،‬طالبني منهم النفري واخلروج إىل اجلهاد؛‬ ‫ألن اجلهاد أفضل األعامل‪ ،‬وأنه فرض الوقت و‪ .‬يف سلسلة من التعليالت التي‬ ‫ُي َصدّ رون هبا هذا اللون من العتاب‪ ،‬ويقابل ذلك ‪ -‬أحيانًا ‪ -‬عتاب آخر من ِق َبل‬ ‫بعض املشتغلني بالعلم والدعوة‪ ،‬بلوم هؤالء املتفرغني للجهاد‪ ،‬ورميهم هلم بأن‬ ‫كثريا من مسائل الرشع و‪ .‬‬ ‫يوضح هذا ويبينه قول النبي ×‪« :‬من أنفق زوجني يف سبيل اهلل نودي يف اجلنة‪:‬‬ ‫ التمهيد‪.... ‫القاعدة‬ ‫الثامنة والأربعون‬ ‫ومن مجيل ما ُيذكر يف هذا املقام‪ :‬القصة التي رواها ابن عبد الرب يف «التمهيد»‬ ‫ذلك أن عبد اهلل بن عبد العزيز العمري العابد‪ ،‬كتب إىل اإلمام مالك حيضه إىل‬ ‫رغب به عن االجتامع إليه يف العلم‪ ،‬فكتب إليه مالك‪« :‬إن اهلل‬ ‫االنفراد والعمل‪ ،‬و َي ُ‬ ‫َق َسم األعامل كام َق َسم األرزاق‪ُ ،‬فرب رجل ُفتح له يف الصالة ومل ُيفتح له يف‬ ‫الصوم‪ ،‬وآخر ُفتح له يف الصدقة ومل ُيفتح له يف الصيام‪ ،‬وآخر ُفتح له يف اجلهاد ومل‬ ‫رضيت بام فتح‬ ‫ُ‬ ‫ونرش العلم وتعليمه من أفضل أعامل الرب‪ ،‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫ُيفتح له يف الصالة‪،‬‬ ‫اهلل يل فيه من ذلك‪ ،‬وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه‪ ،‬وأرجو أن يكون كالنا عىل‬ ‫خري‪ ،‬وجيب عىل كل واحد منا أن يرىض بام قسم له‪ ،‬والسالم»()‪.‬‬ ‫وهذا اجلواب من اإلمام مالك ال يدل عىل علمه فحسب‪ ،‬بل عىل وفور عقله‪،‬‬ ‫وسمو أدبه‪ ،‬وجودة بيانه عن هذه القضية التي تاه يف تقديرها فئام من الناس‪.)185/7( :‬‬ ‫‪297‬‬ .

‬‬ ‫وفيام أرشنا إليه يف تنوع اهتاممات الصحابة رضوان اهلل عليهم ما يؤكد أمهية‬ ‫بأمس احلاجة‬ ‫فهم هذه القاعدة عىل الوجه الصحيح؛ حتى ال نخرس طاقات نحن ِّ‬ ‫ البخاري يف مواضع‪ ،‬منها‪ :‬ح (‪ ،)3466‬مسلم ح (‪.)1027‬‬ ‫ التمهيد‪.‫يا عبد اهلل‪ ،‬هذا خري فمن كان من أهل الصالة دعي من باب الصالة‪ ،‬ومن كان من‬ ‫أهل اجلهاد دعي من باب اجلهاد‪ ،‬ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة‬ ‫ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» قال أبو بكر الصديق‪ :‬يا رسول اهلل‪،‬‬ ‫ما عىل أحد يدعى من تلك األبواب من رضورة فهل يدعى أحد من تلك األبواب‬ ‫كلها؟ قال رسول اهلل ×‪« :‬نعم وأرجو أن تكون منهم»()‪.)185/7( :‬‬ ‫‪298‬‬ .‬‬ ‫مجيعها للقليل من الناس‪ ،‬وأن أبا بكر الصديق‬ ‫ويف الساحة نامذج كثرية خرست األمة طاقاهتم؛ بسبب اإلخالل بام د ّلت عليه‬ ‫فهم وقدر ًة عىل احلفظ‪ ،‬وسلك‬ ‫هذه القاعدة‪ :‬فهذا شاب مبدع يف العلم‪ ،‬وآتاه اهلل اً‬ ‫طريقه يف العلم‪ ،‬فيأتيه من يأتيه ليقنعه باالنخراط يف العمل اخلريي‪ ،‬وكأنه ‪ -‬وهو يف‬ ‫طريق الطلب ‪ -‬يف طريق مفضول‪ ،‬أو عمل مرجوح!‬ ‫والعكس صحيح‪ ،‬فمن الشباب من جيتهد يف طلب العلم‪ ،‬لكنه ال ينجح وال‬ ‫يتقدم‪ ،‬ويعلم َم ْن حوله أنه ليس من أهل هذا الشأن‪ ،‬فليس من احلكمة يف يشء أن‬ ‫ُيطا َلب هذا الرجل وأمثاله بأكثر مما بذل‪ ،‬فقد د ّلت التجربة عىل أنه ليس من أحالس‬ ‫العلم‪ ،‬فينبغي توجيهه إىل ما حيسنه من األعامل؛ فاألمة بحاجة إىل طاقات يف العمل‬ ‫اخلريي‪ ،‬واإلغاثي‪ ،‬واالجتامعي والدعوي‪.‬‬ ‫قال ابن عبد الرب‪« :‬وفيه‪ :‬أن أعامل الرب ال ُيفتح ‪ -‬يف األغلب ‪ -‬لإلنسان الواحد‬ ‫يف مجيعها‪ ،‬وأن من ُفتح له يف يشء منها ُحرم غريها يف األغلب‪ ،‬وأنه قد تُفتح يف‬ ‫من ذلك القليل»()‪.

‫القاعدة‬ ‫الثامنة والأربعون‬ ‫خصوصا يف هذا الزمن الذي تنوعت فيه االهتاممات‪ ،‬وتعددت فيه طرائق‬ ‫ً‬ ‫إليها‪،‬‬ ‫خدمة اإلسالم‪ ،‬ونفع الناس‪ ،‬واملو َّفق من عرف ما يحُ ِسنه‪ ،‬فو َّظفه خلدمة دينه وأمته‪،‬‬ ‫ويف األثر‪« :‬إن اهلل حيب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»()‪ ،‬وكيف يتأتى اإلتقان من‬ ‫شخص ال حيسن ما يعانيه ويعاجله؟!‬ ‫هذه بعض هدايات الوحي‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ)‪( ،‬ﯢ ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ ﯦ)‪« ،‬اعملوا؛ فكل ميرس ملا خلق له»()‪ ،‬فهل نتدبرها ونستفيد منها؛‬ ‫من أجل فاعلية أكثر لطاقاتنا؟‪.‬‬ ‫ سبق خترجيه آن ًفا‪.‬‬ ‫‪299‬‬ .‬‬ ‫  أخرجه أبو يعىل‪ )349/7( :‬ح (‪ )4386‬ويف سنده ضعف‪ ،‬لكن معناه صحيح‪.

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وهذه القاعدة تكررت بنصها يف موضعني من كتاب اهلل تعاىل‪:‬‬ ‫املوضع األول‪ :‬يف سورة النحل‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬ ‫ﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ‬ ‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ) [النحل‪.‬‬ ‫وإذا تأملت يف هذه القاعدة مع سياقها يف املوضعني من سورة النحل واألنبياء‪،‬‬ ‫خرجت منها بأمور‪:‬‬ ‫‪301‬‬ .]44 . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة‬ ‫والأربعون‬ ‫(ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)‬ ‫هذه قاعدة قرآنية حمكمة‪ ،‬هلا أثرها البالغ يف تصحيح َسري اإلنسان إىل ربه‪،‬‬ ‫وضبط عباداته ومعامالته وسلوكياته‪ ،‬ومعرفة ما خيفى عليه أو ُيشكل من أمر دينه‪.]7 :‬‬ ‫وكال اآليتني جاء يف سياق إرشاد الكفار ‪-‬املعاندين واملكذبني‪ -‬إىل سؤال‬ ‫من سبقهم من أهل الكتاب‪ ،‬ويف هذا اإلرشاد إيامء واضح إىل أن أولئك املرشكني‬ ‫املعاندين ال يعلمون‪ ،‬وأهنم جهال؛ وإال ملا كان يف إرشادهم إىل السؤال فائدة‪.43 :‬‬ ‫واملوضع الثاين‪ :‬يف سورة األنبياء‪ ،‬يقول تعاىل‪( :‬ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬ ‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) [األنبياء‪.

‬‬ ‫‪ -4‬أن السائل واجلاهل خيرج من التبعة بمجرد السؤال‪ ،‬ويف ضمن هذا‪ :‬أن‬ ‫اهلل ائتمنهم عىل وحيه وتنزيله‪ ،‬وأهنم مأمورون بتزكية أنفسهم‪ ،‬واالتصاف بصفات‬ ‫الكامل‪.‬‬ ‫‪ -3‬أهنا تضمنت تعديل أهل العلم وتزكيتهم‪ ،‬حيث أمر بسؤاهلم‪.‬‬ ‫كثريا يف هذه القواعد‪ ،‬أن املقرر يف علم أصول التفسري‪ :‬أن العربة‬ ‫مر بنا ً‬ ‫لقد ّ‬ ‫بعموم اللفظ ال بخصوص السبب‪ ،‬وهذه القاعدة ‪-‬التي نحن بصدد احلديث‬ ‫ ينظر‪ :‬تفسري السعدي (‪.)519 ،441‬‬ ‫‪302‬‬ .‬‬ ‫‪ -5‬كام أشارت هذه القاعدة إىل أن أفضل أهل الذكر‪ُ :‬‬ ‫أهل هذا القرآن العظيم؛‬ ‫فإهنم أهل الذكر عىل احلقيقة‪ ،‬وأوىل من غريهم هبذا االسم()‪. ‫‪ -1‬عموم هذه القاعدة فيها مدح ألهل العلم‪.‬‬ ‫‪ -8‬ويف هذه القاعدة دليل واضح عىل أن االجتهاد ال جيب عىل مجيع الناس؛‬ ‫ألن األمر بسؤال العلامء دليل عىل أن هناك أقوا ًما فرضهم السؤال ال االجتهاد‪ ،‬وهذا‬ ‫‪-‬أيضا‪ -‬إذ ال يتصور أحدٌ أن يكون مجيع‬ ‫ً‬ ‫كام هو داللة الرشع‪ ،‬فهو منطق العقل‬ ‫الناس جمتهدين‪.‬‬ ‫‪ -7‬ويف ختصيص السؤال بأهل الذكر والعلم هني عن سؤال املعروف باجلهل‬ ‫وعدم العلم‪ ،‬وهني له أن يتصدى لذلك‪.‬‬ ‫‪ -6‬األم ُر بالتعلم‪ ،‬والسؤالُ ألهل العلم‪ ،‬ومل يؤمر بسؤاهلم إال ألنه جيب عليهم‬ ‫التعليم واإلجابة عام علموه‪.‬‬ ‫العلم بكتاب اهلل املنزل؛ فإن اهلل أمر من ال يعلم‬ ‫ُ‬ ‫‪ -2‬أن أعىل أنواع هذا العلم‪:‬‬ ‫معاين الوحي بالرجوع إليهم يف مجيع احلوادث‪.

‬‬ ‫قال مالك بن أنس‬ ‫ هتذيب الكامل يف أسامء الرجال‪.‬‬ ‫وهذا من الوضوح بمكان‪ ،‬بحيث ال حيتاج إىل استطراد‪ ،‬إال أن الذي حيتاج إىل‬ ‫ٍ‬ ‫وخرق لآلداب التي‬ ‫تنبيه وتوضيح هو ما يقع من خمالفة هذه القاعدة يف واقع الناس‪،‬‬ ‫تتعلق هبذا املوضوع املهم‪ ،‬ومن صور ذلك‪:‬‬ ‫‪ -1‬أنك ترى بعض الناس حينام تعرض له مشكلة أو نازلة‪ ،‬واحتاج إىل السؤال‬ ‫عنها سأل عنها أقرب شخص يمر به‪ ،‬ولو مل يعلم حاله‪ ،‬هل هو من أهل العلم أم ال!‬ ‫وبعض الناس يعتمد عىل املظاهر‪ ،‬فإذا رأى من سيامه اخلري ظ ّن أنه من طالب العلم‬ ‫أو العلامء الذين يستفتى مثلهم!‬ ‫وكل ذلك غلط بينّ ‪ ،‬وخمالف ملا دلت عليه هذه القاعدة املحكمة‪( :‬ﮤ ﮥ‬ ‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)!‬ ‫مار عليهم يف‬ ‫وال أدري‪ ،‬ماذا يصنع هؤالء إذا مرض أحدهم؟ أيستوقفون أول ٍّ‬ ‫الشارع فيسألونه! أم يذهبون إىل أمهر األطباء وأكثرهم حذ ًقا؟‬ ‫وال أدري ماذا يصنع هؤالء إذا أصاب سيارته عطل أو تلف؟ أيسلمها ألقرب‬ ‫من يمر به؟ أم يبحث عن أحسن مهندس يتقن تصليح ما أصاب سيارته من تلف؟‬ ‫إذا كان هذا يف إصالح دنياه‪ ،‬فإن توقيه يف إصالح دينه أعظم وأخطر!‬ ‫‪« :‬إن هذا العلم دين‪ ،‬فانظروا عمن تأخذون دينكم»()‪.)161 /1( :‬‬ ‫‪303‬‬ . ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والأربعون‬ ‫خاصا بأمر املعاندين أن يسألوا عن‬ ‫عنها‪ -‬مثال لذلك‪ ،‬فهذه اآلية وإن كان سببها ً‬ ‫حالة الرسل املتقدمني ألهل الذكر ‪ -‬وهم أهل العلم ‪-‬؛ فإهنا عامة يف كل مسألة من‬ ‫علم منها وهبا‪ ،‬فعليه أن يسأل‬ ‫مسائل الدين‪ :‬أصوله وفروعه‪ ،‬إذا مل يكن عند اإلنسان ٌ‬ ‫من يعلمها‪.

‫ومن صور خمالفة هذه القاعدة‪:‬‬ ‫‪ -2‬عدم التثبت يف األخذ عن أهل الذكر ح ًقا؛ ذلك أن املنتسبني للعلم ٌ‬ ‫كثر‪،‬‬ ‫واملتشبهني هبم أضعاف ذلك‪ ،‬ومن شاهد بعض من يظهرون يف الفضائيات أدرك‬ ‫شي ًئا من ذلك؛ فإن الناس ‪-‬بسبب ضعف إدراكهم‪ ،‬وقلة متييزهم‪ -‬يظنون أن ّ‬ ‫كل‬ ‫من يتحدث عن اإلسالم فهو عاملٌ‪ ،‬ويمكن استفتاؤه يف مسائل الرشع! وال يفرقون‬ ‫بني الداعية أو اخلطيب‪ ،‬وبني العامل الذي يعرف مآخذ األدلة‪ ،‬ومدارك النصوص‪،‬‬ ‫فظهر ‪-‬تب ًعا لذلك‪ -‬ألوان من الفتاوى الشاذة‪ ،‬بل والغلط الذي ال يحُ تمل وال ُي ْق َبل‪،‬‬ ‫وك ُثر اتباع اهلوى‪ ،‬وتتبع الرخص من عامة الناس‪ّ ،‬‬ ‫فرق تدينهم‪ ،‬وضعفت عبوديتهم‬ ‫بأسباب من أمهها‪ :‬فوىض الفتاوى التي تعج هبا كثري من الفضائيات‪.‬‬ ‫ع ّلق العالمة ابن محدان احلراين عىل هذه القصة فقال‪:‬‬ ‫«قلت‪ :‬فكيف لو رأى ربيعة زماننا‪ ،‬وإقدام من ال علم عنده عىل الفتيا‪ ،‬مع قلة‬ ‫خربته وسوء سريته وشؤم رسيرته؟! وإنام قصده السمعة والرياء‪ ،‬ومماثلة الفضالء‬ ‫والنبالء واملشهورين املستورين‪ ،‬والعلامء الراسخني‪ ،‬واملتبحرين السابقني‪ ،‬ومع هذا‬ ‫فهم ُين َْهون فال ينتهون‪ ،‬و ُينَ ّبهون فال ينتبهون‪ ،‬قد أميل هلم بانعكاف اجلهال عليهم‪،‬‬ ‫ جامع بيان العلم وفضله‪.‬‬ ‫وهذا ما جيعل اإلنسان يفهم ويدرك جيدً ا موقع املقاالت املأثورة عن السلف‬ ‫‪-‬رمحهم اهلل‪ -‬يف شأن الفتوى وخطورهتا‪ ،‬وهي نصوص ومواقف كثرية‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫ما رواه ابن عبد الرب‪ :‬أن رجلاً دخل عىل ربيعة بن عبد الرمحن ‪-‬شيخ اإلمام‬ ‫مالك‪ -‬فوجده يبكي! فقال له‪ :‬ما يبكيك؟ ‪-‬وارتاع لبكائه‪ ،-‬فقال له‪ :‬أمصيبة‬ ‫دخلت عليك؟ فقال‪ :‬ال‪ ،‬ولكن استُفتي من ال علم له! وظهر يف اإلسالم أمر عظيم!‬ ‫قال ربيعة‪ :‬و َل َبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السرُّ اق()‪.)201/2( :‬‬ ‫‪304‬‬ .

‬‬ ‫وختاما‪ :‬فإن احلديث السابق ال ُيفهم منه ‪-‬أبدً ا‪ -‬أن مجيع من يظهرون عىل‬ ‫ً‬ ‫الفضائيات كمن ُذ ِكروا آن ًفا‪ ،‬بل فيمن يظهر ‪-‬وهلل احلمد‪ -‬عدد طيب من العلامء‬ ‫الراسخني‪ ،‬والشيوخ املتقنني‪ ،‬لكن احلديث كان منص ًبا عىل طوائف من املفتني‪،‬‬ ‫ليسوا عىل جادة أهل العلم يف الفتوى‪ ،‬وليسوا أهلاً هلا‪( :‬ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ)‬ ‫[حممد‪.‬‬ ‫واملقصود من هذا البيان املوجز‪ :‬التنبيه عىل رضورة حتري اإلنسان يف سؤاله‪،‬‬ ‫وأن ال يسأل إال من تبرْ أ به الذمة‪ ،‬ومن هو أتقى وأعلم وأورع؛ فهؤالء هم أهل‬ ‫الذكر ح ًقا‪ ،‬الذين نصت هذه القاعدة عىل وصفهم هبذا‪( :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬ ‫ﮨ ﮩ ﮪ)‪. ‫القاعدة‬ ‫التا�سعة والأربعون‬ ‫وتركوا ما هلم يف ذلك وما عليهم»()‪.]30:‬‬ ‫واهلل املستعان‪ ،‬وعليه التكالن‪ ،‬ونعوذ به تعاىل أن نقول عليه‪ ،‬أو عىل رسوله ×‬ ‫ما ال نعلم‪.‬‬ ‫ صفة الفتوى (‪ )11‬ألمحد بن محدان النمري‪.‬‬ ‫‪305‬‬ .

‫قـواعــد قـر�آنـيـة‬ ‫(‪ )50‬قاعدة قرآنية‬ ‫يف النفس واحلياة‬ .

‬‬ ‫وهذا التفسري من هذا اإلمام اجلليل إشار ٌة واضحة إىل شموله إىل عالج مجيع‬ ‫األدواء‪ ،‬وأن فيه مجيع األدوية‪ ،‬لكن يبقى الشأن يف الباحثني عن تلك األدوية يف هذا‬ ‫القرآن العظيم‪.9 :‬‬ ‫‪-‬موضحا بكلامت موجزة معنى هذه القاعدة‪« :-‬إن القرآن يدلكم‬ ‫ً‬ ‫قال قتادة‬ ‫عىل دائكم ودوائكم‪ :‬فأما داؤكم فالذنوب واخلطايا‪ ،‬وأما دواؤكم فاالستغفار»()‪.]9 :‬‬ ‫وهذه القاعدة جاءت ضمن آية كريمة يف سورة اإلرساء‪ ،‬والتي يقول اهلل فيها‪:‬‬ ‫(ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬ ‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ) [اإلرساء‪.)245/5( :‬‬ ‫‪307‬‬ .‬‬ ‫ الدر املنثور‪.]10 . ‫القاعدة‬ ‫اخلم�سون‬ ‫(ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)‬ ‫لعل ختم هذا الكتاب هبذه القاعدة من املناسبة بوضوح‪ ،‬والتي جتعل املؤمن‬ ‫يزداد يقينًا بعظمة هذا القرآن‪ ،‬وأنه الكتاب الوحيد الذي يصلح لكل زمان ومكان‪،‬‬ ‫إهنا القاعدة التي دل عليها قوله تعاىل‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)‬ ‫[اإلرساء‪.

.‬‬ ‫دعنا نستعرض ‪-‬بإمجال شديد‪ -‬شي ًئا من أنواع هذه اهلدايات التي دل هدى‬ ‫القرآن للطريق األقوم فيها‪:‬‬ ‫«إنه هيدي للتي هي أقوم يف ضبط التوازن بني ظاهر اإلنسان وباطنه‪ ،‬وبني‬ ‫مشاعره وسلوكه‪ ،‬وبني عقيدته وعمله‪...‫ومن أراد أن يقف عىل يشء من حماوالت العلامء ‪-‬رمحهم اهلل‪ -‬يف استلهام‬ ‫يف تفسريه هلذه اآلية الكريمة‪،‬‬ ‫يشء من ذلك‪ ،‬فليقرأ ما كتبه العالمة الشنقيطي‬ ‫نحوا من ستني صفحة؛ وهو‬ ‫والقاعدة التي نحن بصدد احلديث عنها؛ فإنه قد كتب ً‬ ‫وهدَ ى ألقوم الطرق يف ح ِّلها‪ ،‬أنتقي من كالمه ما‬ ‫يتحدث عن نامذج عاجلها القرآن‪َ ،‬‬ ‫‪« :‬ذكر جل وعال يف هذه‬ ‫له صلة مبارشة بتوضيح كلية هذه القاعدة‪ ،‬حيث يقول‬ ‫اآلية الكريمة‪ :‬أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب الساموية‪ ،‬وأمجعها جلميع‬ ‫العلوم‪ ،‬وآخرها عهدً ا برب العاملني جل وعال هيدي للتي هي أقوم‪ ،‬أي الطريقة التي‬ ‫هي أسد وأعدل وأصوب‪.‬ثم‬ ‫رسد مجلة من املسائل العقدية واالجتامعية‪.‬‬ ‫وهيدي للتي هي أقوم يف عامل العبادة‪ :‬باملوازنة بني التكاليف والطاقة‪ ،‬فال تشق‬ ‫ أضواء البيان‪..)54 -17/3( :‬‬ ‫‪308‬‬ ..‬وهذه اآلية الكريمة أمجل اهلل جل وعال فيها مجيع ما يف‬ ‫القرآن من اهلدى إىل خري الطرق‪ ،‬وأعدهلا وأصوهبا‪ ،‬فلو تتبعنا تفصيلها عىل وجه‬ ‫الكامل ألتينا عىل مجيع القرآن العظيم؛ لشموهلا جلميع ما فيه من اهلدى إىل خريي‬ ‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬ولكننا ‪ -‬إن شاء اهلل تعاىل ‪ -‬سنذكر مجلاً وافرة يف جهات خمتلفة كثرية‬ ‫من هدي القرآن للطريق التي هي أقوم؛ بيانًا لبعض ما أشارت إليه اآلية الكريمة‪،‬‬ ‫تنبيها ببعضه عىل كله من املسائل العظام‪ ،‬واملسائل التي أنكرها امللحدون من الكفار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وطعنوا بسببها يف دين اإلسالم؛ لقصور إدراكهم عن معرفة ِحكَمها البالغة‪ )(»..

)2215/4‬‬ ‫‪309‬‬ .‬‬ ‫وهيدي للتي هي أقوم يف تبني الديانات الساموية مجيعها‪ ،‬والربط بينها كلها‪،‬‬ ‫وتعظيم مقدساهتا وصيانة حرماهتا؛ فإذا البرشية كلها بجميع عقائدها الساموية يف‬ ‫سالم ووئام‪....‬‬ ‫وأزواجا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وهيدي للتي هي أقوم يف عالقات الناس بعضهم ببعض‪ :‬أفرا ًدا‬ ‫وأجناسا‪ ،‬ويقيم هذه العالقات عىل األسس الوطيدة‬ ‫ً‬ ‫وحكومات وشعو ًبا‪ ،‬ودولاً‬ ‫الثابتة التي ال تتأثر بالرأي واهلوى‪ ،‬وال متيل مع املودة والشنآن‪ ،‬وال ترصفها املصالح‬ ‫واألغراض‪. ‫القاعدة‬ ‫اخلم�سون‬ ‫التكاليف عىل النفس حتى متل وتيأس من الوفاء‪ ،‬وال تسهل وترتخص حتى تشيع يف‬ ‫النفس الرخاوة واالستهتار‪ ،‬وال تتجاوز القصد واالعتدال وحدود االحتامل‪..)(».‬‬ ‫إذا تأملنا هذا اإلطالق يف هذه القاعدة‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)‬ ‫أدركت أهنا آية تتجاوز يف هدايتها حدود الزمان واملكان‪ ،‬وتتجاوز كل األنظمة‬ ‫والقوانني التي كانت قائمة أو التي ستقوم بعد ذلك!‬ ‫إهنا قاعدة تقطع الطريق عىل مجيع املنهزمني واملتخاذلني من أهل اإلسالم أو‬ ‫املنتسبني له‪ ،‬أو من الزنادقة‪ ،‬الذين يظنون ‪-‬جلهلهم‪ -‬أن هذا القرآن إنام هو كتاب‬ ‫رقائق ومواعظ‪ ،‬ويعالج قضايا حمدودة من األحكام! أما القضايا الكربى‪ ،‬كقضايا‬ ‫السياسة‪ ،‬والعالقات الدولية‪ ،‬ونحوها‪ ،‬فإن القرآن ليس فيه ما يشفي يف عالج هذه‬ ‫القضايا!!‬ ‫خطريا وقد يؤدي إىل الكفر ‪ -‬فإنه سوء أدب مع‬ ‫ً‬ ‫وهذا الكالم ‪ -‬فضلاً عن كونه‬ ‫اهلل! ذلك أن ربنا ‪ -‬وهو العليم اخلبري ‪ -‬يعلم حني أنزل القرآن أن العباد س ُيقبلون‬ ‫عىل متغريات كثرية‪ ،‬وانفتاح‪ ،‬وعالقات‪ ،‬ومستجدات‪ ،‬فلم يرتكهم مهلاً ‪ ،‬بل حفظ‬ ‫ ينظر‪ :‬يف ظالل القرآن (‪.

)454‬‬ ‫‪310‬‬ .‬‬ ‫فقررت أن أبدأ باحلديث عن هداية القرآن للتي هي أقوم يف أبواب العقائد‪،‬‬ ‫فانتهى وقت املحارضة ومل أنته من احلديث عن هذه اجلزئية فقط! فكيف بمن أراد‬ ‫احلديث عن هداية القرآن للتي هي أقوم يف أبواب العبادات؟ واملعامالت؟ واألحوال‬ ‫الشخصية؟ واحلدود؟ واألخالق والسلوك؟ فعلمت أن من يريد احلديث عن هذه‬ ‫القاعدة‪ ،‬فسيحتاج إىل عرشات املحارضات‪.‬‬ ‫ هذا البيت ضمن بردة البوصريي‪.‬‬ ‫هذا كتاب ربنا‪ ،‬خيربنا فيه أنه هيدي للتي هي أقوم‪ ،‬فأين الباحثون عن هداياته؟‬ ‫وأين الواردون حياضه؟ وأين الناهلون من معينه؟ وأين املهتدون بتوجيهاته؟‪.‫هلم هذا القرآن لريجعوا إىل هداياته‪ ،‬وحفظ هلم سنة نبيه × لتكون شارح ًة ملا أمجل‬ ‫من قواعد القرآن‪ ،‬بل وجعل يف السنة أحكا ًما مستقلة‪ ،‬فمن أراد اهلداية وجدها فيهام‪،‬‬ ‫ومن كان يف عينيه عشى‪ ،‬أو يف قلبه عمى‪ ،‬ف ْل َيتَّهم نفسه‪ ،‬وال يرمني نصوص الوحي‬ ‫بالنقص والقصور‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫الشمس من ٍ‬ ‫ِ‬ ‫()‬ ‫و ُينْك ُر ال َفم َط ْع َم املاء ْ‬ ‫من َس َقم‬ ‫رمد‬ ‫العني ضوء‬ ‫ُ‬ ‫تنكر‬ ‫قد ُ‬ ‫أردت اإلشارة إليه يف احلديث عن هذه القاعدة القرآنية املحكمة‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫وأختم ما‬ ‫وقفت عليها‪ ،‬وهي أنني‬ ‫ُ‬ ‫(ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) هبذه القصة التي‬ ‫ِ‬ ‫أذكر أن أحد العلامء ملا ُطل َ‬ ‫ب منه أن يلقي حمارضة حول هداية هذه القاعدة‪( :‬ﭟ‬ ‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) قال يف نفسه‪ :‬وماذا سأقول عن هذه اآلية يف ساعة‬ ‫أو أكثر؟! فقررت أن أراجع كالم بعض املفرسين حوهلا‪ ،‬فبدأت بتفسري السعدي‪،‬‬ ‫فوجدته يقول‪« :‬خيرب تعاىل عن رشف القرآن وجاللته وأنه (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ)‬ ‫أي‪ :‬أعدل وأعىل من العقائد‪ ،‬واألعامل‪ ،‬واألخالق»()‪.‬‬ ‫ تفسري السعدي (‪.

‫القاعدة‬ ‫اخلم�سون‬ ‫وبعد‪.:‬أهيا القارئ‪ -‬فهذه هي القاعدة املتممة للخمسني‪ ،‬وهبا ينتهي كالمنا عىل‬ ‫مجلة من القواعد التي تضمنها كتاب اهلل العظيم‪ ،‬وتسليط الضوء عىل تلك القواعد‪،‬‬ ‫وإبراز بعض ما تضمنته من هدايات وتوجيهات ربانية‪ ،‬وحماولة تنزيلها عىل واقع‬ ‫الناس؛ ألن من أجىل صور عظمة القرآن‪ :‬هو جتدد معانيه بتجدد أحوال الناس؛‬ ‫‪-‬أيضا‪ -‬ختمت بذكر‬ ‫ومقيم ملن أراد اهلل هدايته واستقامته‪ ،‬وهلذا السبب ً‬ ‫اً‬ ‫ليبقى هاد ًيا‬ ‫هذه القاعدة ليزداد يقني اإلنسان ‪-‬يف ضوء ما تقدم ذكره من قواعد قرآنية‪ -‬من أن‬ ‫هذا القرآن ح ًّقا ويقينًا هيدي للتي هي أقوم‪.‬‬ ‫واحلمد هلل رب العاملني‪.‬‬ ‫‪311‬‬ .

.

.....‬‬ ‫القاعدة األوىل‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯦﯧﯨ)‪13 ..................................................................................................................................‬‬ ‫القاعدة التاسعة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ) ‪57 ...‬‬ ‫القاعدة العارشة‪ :‬قوله تعاىل‪ :‬ﱹﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱸ ‪65 .....................................................................‬‬ ‫‪313‬‬ ..........................................................................‬‬ ‫القاعدة السابعة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ) ‪47 ............‬‬ ‫القاعدة السادسة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭡ ﭢ) ‪41 .........‬‬ ‫متهيد ‪9 .........................‬‬ ‫القاعدة الثامنة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) ‪51 ...................‬‬ ‫القاعدة الرابعة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) ‪29 .......................‬‬ ‫القاعدة الثانية‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ‬ ‫ﭦ) ‪17 ................... ‫الفهر�س‬ ‫الصفحة‬ ‫املوضوع ‬ ‫املقدمة ‪5 ...............‬‬ ‫القاعدة الثالثة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) ‪23 .......‬‬ ‫القاعدة اخلامسة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ) ‪35 .........................................................................

.‬‬ ‫القاعدة الثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) ‪187 ........................................................‬‬ ‫القاعدة الثالثة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ)‪145 .................‬‬ ‫القاعدة التاسعة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) ‪121 ......‬‬ ‫القاعدة الرابعة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) ‪151 ............................‬‬ ‫القاعدة السادسة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ) ‪163 ................................‬‬ ‫القاعدة التاسعة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭑ ﭒ ﭓ) ‪181 ..................‬‬ ‫القاعدة السابعة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ) ‪169 .......‬‬ ‫القاعدة الرابعة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) ‪91 ......................‬‬ ‫القاعدة الثانية عرشة‪ :‬قول اهلل تعاىل‪( :‬ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ) ‪79 ............‬‬ ‫القاعدة الثامنة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ) ‪175 ..............‬‬ ‫القاعدة السادسة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) ‪103 ............‬‬ ‫القاعدة اخلامسة والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) ‪157 .......‬‬ ‫القاعدة السابعة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) ‪109 .‬‬ ‫القاعدة العرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) ‪127 ...........‬‬ ‫القاعدة الثامنة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) ‪115 .‬‬ ‫القاعدة اخلامسة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯙ ﯚ) ‪97 ....‫القاعدة احلادية عرشة‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) ‪73 .............‬‬ ‫القاعدة الثالثة عرش‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) ‪85 ..........................................‬‬ ‫‪314‬‬ ...........‬‬ ‫القاعدة احلادية والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬ ‫ﭹ) ‪133 ............................................‬‬ ‫القاعدة الثانية والعرشون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬ ‫ﮢ) ‪139 ...

.‬‬ ‫القاعدة التاسعة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) ‪241 ....................................................................‬‬ ‫القاعدة السابعة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) ‪289 ..‬‬ ‫القاعدة الثالثة واألربعون‪ :‬قوله اهلل تعاىل‪( :‬ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬ ‫ﰅ)‪265 ..................................................................‬‬ ‫القاعدة اخلامسة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) ‪277 ...‬‬ ‫القاعدة الثامنة والثالثون‪ :‬قول اهلل تعاىل‪( :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬ ‫ﮎﮏﮐﮑﮒﮓ)‪235 ....‬‬ ‫القاعدة الثانية والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) ‪199 ....................‬‬ ‫القاعدة األربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) ‪247 ......................................................‬‬ ‫القاعدة احلادية واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ‬ ‫ﰄ ﰅ ﰆ) ‪253 ...........................‬‬ ‫القاعدة الرابعة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ)‪211 ...........‬‬ ‫‪315‬‬ ..‬‬ ‫القاعدة السادسة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) ‪283 ...‬‬ ‫القاعدة الثالثة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ‬ ‫ﯱ ﯲ ﯳ)‪205 .............‬‬ ‫القاعدة الثانية واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯻ ﯼ) ‪259 .............‬‬ ‫القاعدة الرابعة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬ ‫ﮧ) ‪271 ............................. ‫الفهر�س‬ ‫القاعدة احلادية والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯢ ﯣ)‪193 ....................................................................‬‬ ‫القاعدة السابعة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮉﮊﮋ)‪229 ..........‬‬ ‫القاعدة اخلامسة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ) ‪217 ...........................................................‬‬ ‫القاعدة السادسة والثالثون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ) ‪223 ...........................

..................‬‬ ‫القاعدة التاسعة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)‪301 .....................‬‬ ‫الفهرس ‪313 ..............................‬‬ ‫‪316‬‬ ....‬‬ ‫القاعدة اخلمسون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) ‪307 ..........‫القاعدة الثامنة واألربعون‪ :‬قوله تعاىل‪( :‬ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ) ‪295 ..............