You are on page 1of 2

‫وضورة االستمساك بالوصل‬ ‫مستقبل المغرب ر‬

‫الحلقة الثامنة عش‬


‫ر‬
‫للمحاضة"‬ ‫"عندما ر‬
‫يشئب المتعلملن‬
‫بقلم‬
‫الدكتلر أحمد الطاهري‬
‫العال (المغرب واألندلس)‬
‫ي‬ ‫أستاذ التعليم‬
‫‪https://univh2m.academia.edu/AhmedTahiri‬‬
‫‪ahmedtahiri31@gmail.com‬‬

‫الت‬ ‫َّ‬
‫ُ أما وقد استفحل ظالم الجهل بداخل وخارج أسوار الجامعة‪ ،‬وتحجرت المعارف يف المؤسسات ي‬
‫َّ‬ ‫ُ‬
‫وتكرس النقل والتقليد‬ ‫نشئت لنشها‪ ،‬وابت ِذلت العلوم يف المعاهد العليا ومراكز البحث والدراسة‪،‬‬ ‫أ ِ‬
‫شامال أصناف المقروء والمسموع والمكتوب كافة‪ ،‬واستفحل االجتار بمختلف فضاءات الفكر عىل‬
‫ِّ‬
‫غتهم‪ ،‬وقد أضاعوا أعمارهم يف التمرين عىل‬ ‫مي يف دفاتر ر‬‫امتداد أوطاننا‪ ،‬فما عىس أن ننتظر من متعل ر‬
‫شحذ األلسنة بمراوغات الكالم والجرأة عىل الهذر بالخطاب يف أوساط العوام ودغدغة عقول الناشئة‬
‫والتالعب بعواطف الصبيان‪.‬‬
‫َّ‬ ‫ِّ‬
‫تم ِّزغ أن ُيرد بما يشاء عىل غريمه‬
‫الم َ‬ ‫مي من هذا الصنف ُ‬ ‫يحق للمتعل ر‬ ‫العراك ربي األهواء‪ِ ،‬‬
‫فف ساحة ِ‬ ‫ي‬
‫ُ َّ‬ ‫ُّ‬ ‫‪.‬‬
‫يصح لهذا وذاك أن يردا بما يشاءان عىل ذاك الصنف الثالث‬ ‫ِ‬ ‫كما‬ ‫م‬‫المتأسل‬
‫ِ‬ ‫اآلخر‬ ‫الصنف‬ ‫ذاك‬ ‫من‬
‫المتفرنس المغتب عن ذاته والمحتقر ألهله وثقافة بلده‪ .‬وما داموا جميعا قد عشعشوا يف الظالم‬
‫ُ‬ ‫َ ُ‬
‫مردوا عىل التقليد‪ ،‬وال يحتملون أنوار العلم والمعرفة‪ ،‬وال يحلمون إال بتطبيق الشيعة ودستة‬ ‫حيث‬
‫الطبيع أن يتنافسوا يف المستنقعات‬ ‫ي‬ ‫حروف تيفناغ وقطع أوصال تاري خ المغرب وحضارته‪ ،‬فمن‬
‫اس المحاضة‪ ،‬مستفيدين من الفراغ الفكري المخيف‪.‬‬ ‫ُ‬
‫المفتوحة للهراء عىل كر ي‬
‫حد َخ ْرق جدار الحشمة فراحوا َ‬
‫يعبثون ‪ -‬بخربشاتهم الردئية‬
‫َّ‬
‫بالمتعلمي‬
‫ر‬
‫أما وقد بلغت ُ‬
‫الجرأة‬
‫ِ‬
‫وخطاباتهم العقيمة وأهوائهم المتالطمة ‪ -‬يف حقول العلم والمعرفة‪ ،‬فذاك مما ال يليق الصمت عنه‪.‬‬
‫المؤرخي المغاربة الذين آثروا بجموعهم وهيئاتهم الصمت والمداراة‪،‬‬
‫ر‬ ‫ومما يدعو إل االستغراب‪ ،‬غياب‬
‫وهم المسؤولون عن صيانة ذاكرة البلد يف األوساط األكاديمية والمؤسسات التعليمية‪ .‬وها هو مدرس‬
‫غتها من‬‫الفلسفة السيد أحمد عصيد يف محاضته‪" :‬لماذا تخلف المسلمون" (يوتوب ج‪ )3‬من ضمن ر‬
‫كتيات المنجزات العلمية‬‫يمح بضبة لسان أربعة عش قرنا من تاري خ بلده ويطمس ر‬ ‫ي‬ ‫المحاضات‪،‬‬
‫الت ساهم بها مئات العلماء والفالسفة والحكماء المغاربة‬‫والفكرية والحضارية والمبتكرات التقنية ي‬
‫والمشارقة يف ظل دار اإلسالم الجامعة أيام عز عطائها‪ ،‬ممن – ما زالوا إل اليوم – مفخرة لإلنسانية‬
‫َ‬
‫انبنت أصول حضارتنا الحديثة‪.‬‬ ‫ِّ‬
‫جمعاء يف كل بقاع العالم المتحض‪ ،‬إذ عىل جهودهم‬

‫وف أي مدرسة تعلمه وأي منطق هذا الذي اعتمده‬ ‫وال أدري أي درس ذاك الذي تلقاه يف الفلسفة ي‬
‫يف ترتيب الزمن‪ ،‬حت ُي ِق ّر بأن وراءنا "‪ 1400‬سنة من التخلف"‪ .‬وإنه لمما يدعو إل اإلشفاق من حال‬
‫المتعلمي لدينا‪ ،‬وقد امتنعوا ‪ -‬بمحض إرادتهم ‪ -‬عن االطالع عىل تاري خ بلدهم فظلوا‬
‫ر‬ ‫هذا الصنف من‬
‫مبسطة ساذجة ربي‬‫التميت بي خفافيش الظالم ومنابع األنوار‪ ،‬فانزلقوا ب َعقد مقارنات َّ‬ ‫عاجزين عن‬
‫ِ‬ ‫ر ر‬
‫غتنا من األمم والشعوب‪ .‬ف "تاري خ دولة الخالفة منذ تأسيسها كله تاري خ‬ ‫تاري خ ديارنا وتواري خ ر‬
‫ر‬
‫المسلمي منذ القرن الهجري الو إىل اليلم‪ ،‬وكل هذا التاري خ من‬ ‫بي‬‫دملي‪ ،‬تاري خ حرب وضاع ر‬
‫تعبته‪.‬‬
‫التخلف"‪ ،‬حسب ر‬
‫َّ‬ ‫ِّ‬
‫المتحض فكله ٌ‬ ‫أما ماض ما ُيسميه ُم ِّ‬
‫تقرير مغفل‬ ‫ٍ‬ ‫أنوار وتقدم‪ ،‬يف‬ ‫درس الفلسفة بشعوب العالم‬ ‫ي‬
‫يحجب حقائق تاري ٍخ فاق يف فضاعته ودمويته كل تواري خ األمم‪ .‬ومن المعلوم أنه تاري خ شاهد عىل‬ ‫ُ‬
‫عالميتي ربي األمم "المتحضة"‪ ،‬وقبل‬
‫ر‬ ‫حربي‬
‫ر‬ ‫الماليي من القتىل يف‬
‫ر‬ ‫وديان من الدماء بعشات‬ ‫ٍ‬ ‫إسالة‬
‫األمريكتي‪ ،‬ناهيك عن إزهاق آالف األرواح يف مذابح جماعية للرجال‬‫ر‬ ‫ذلك يف حروب إبادة لشعوب‬
‫ً‬
‫والنساء واألطفال وحرقهم أحياء‪ ،‬ومنع الصالة والصوم‪ ،‬والقراءة والكتابة بالعربية‪ ،‬طوال ما ينوف عن‬
‫المسلمي باألندلس‪ ،‬وما إل ذلك‬
‫ر‬ ‫والتنصت اإلجباري والحروب الصليبية ضد‬
‫ر‬ ‫قرني من محاكم التفتيش‬ ‫ر‬
‫الت ما زالت إل اليوم تحصد أرواح األبرياء من مختلف شعوب العالم بآسيا وأفريقيا‬ ‫من الفضاعات‬
‫ُ ِّ‬ ‫َ ِّ‬ ‫َ‬ ‫يُ‬
‫وأمريكا الالتينية‪ ،‬تحركها من وراء حجاب خفافيش الظالم المتحكمة يف ثروات الشعوب‪ ،‬وينفذها‬
‫جبل ‪ -‬منذ األزل ‪ -‬عىل الظلم‬‫الجهلة المنساقون‪ .‬ال غرابة ف ذلك ما دام اإلنسان ف سعيه للهيمنة قد َ‬ ‫َ‬
‫ي‬ ‫ي‬
‫والتحكم يف رقاب الناس واستخدام العنف يف طلب السلطة والنفوذ‪.‬‬

‫فكر الخلط ربي الفعل الحضاري الذي يمارسه العلماء والمفكرون‪ ،‬والضاع‬ ‫يصح لصاحب ٍ‬ ‫وال ِ‬
‫آل ‪ -‬بالدين‪ .‬إن ما‬ ‫ُ‬
‫المتدافعون يف طلب الحكم‪ .‬كما ال يصح ربط التخلف ‪ -‬بشكل ي‬ ‫ِ‬ ‫السياس الذي يباشه‬
‫ي‬
‫والمتفرنسي‪ ،‬الجهل بأربعة عش قرنا من تاري خ بلدهم واالمتناع عن‬ ‫مي‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬
‫ر‬ ‫والمتأسل ر‬
‫ِ‬ ‫غي‬‫يجمع ربي المتمز ر‬
‫االغتاف من منابع العلم‪ ،‬واالقتصار عىل التقاط الجمل وترديد المفردات المقتلعة من دفاتر مهتئة‬
‫الظالم‪ :‬التحجر الفكري ضمن أنساق جاهزة‬ ‫ي‬ ‫هزيلة‪ .‬وواضح أيضا أن ما يجمع ربي هذا الثاللث‬
‫وغتها‬
‫والصي ر‬
‫ر‬ ‫واالنغالق وسط حلقات غافلة عن مدى ِحرص األمم المتقدمة بأروبا وأمريكا واليابان‬
‫عىل االعتاز بتواري خ بلدانها والحفاظ عىل أصول حضاراتها وصيانة ثقافات وأديان شعوب ها ورعاية‬
‫تقاليد وشعائر َّ‬
‫عامتها‪.‬‬
‫دوت بفرنسا منذ ر‬
‫أكت‬ ‫ألم يضجر المتعلمون لدينا بعد‪ ،‬من أسطوانة "فصل الدين عن الدولة" الت َّ‬
‫ي‬
‫قرني؟ أال يخجلون من إنشاد تعاليم مخطط سايكس بيكو يف مواجهة الخالفة العثمانية بثنائية‬ ‫من ر‬
‫"االستبداد والعلمانية" الهجينة‪ ،‬إل ما عدا ذلك من المفاهيم والدسائس المطبوخة يف ردهات‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫المخابرات العسكرية إبان الحرب العالمية األول؟ وما زالت إل اليوم تتىل دروسا عىل أسماع التالميذ‬
‫والطالب بالمدارس والجامعات المغربية‪ .‬إن السبب يف تخلفنا ال يكمن يف ماضينا بل يف هذا الجهل‬
‫ُ َّ‬
‫بالماض والحاض‪.‬‬
‫ي‬ ‫المركب‬
‫ُّ‬
‫ولعل من أبرز العناوين الكاشفة لعورتنا الفكرية وتخلف مجتمعاتنا تصدر هذه األصناف من‬
‫المدوية والفضائيات النافذة وما إل ذلك من وسائل‬ ‫المتعلمي واجهات المحاضة ف المهرجانات ُ‬ ‫ر‬
‫ِّ‬ ‫ي‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫التوي ج المعولم للتفاهات المخجلة والسموم القاتلة‪ .‬وما عىس أن يروكه المتعلمون سوى النفخ يف‬
‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬
‫المتح ِّزبون القتناص‬
‫َ‬ ‫ستعملة وقد تنكروا تحت يافطة الثقافة‪ ،‬فيوظفهم الفرقاء‬ ‫َ‬ ‫أنساق فكرية ُم‬
‫المتعلمي أمثالهم واستدراج العامة وجمهور الغوغاء إل شباكم االنتخابية‪ ،‬فيخدشون صورة العلم‬ ‫ر‬
‫وينحطون إل الدرك األسفل بقيمة المعرفة يف بلدهم‪.‬‬

‫وحرر بحاضة إشبيلية يوم فاتح غشت ‪2018‬‬