‫تدعيم المنطق‬

‫(القسم الول)‬

‫جولة نقدية مع المعارضين‬
‫لعلم المنطق من‬
‫المتقدمين‬
‫تأليف‬

‫َ‬
‫الستاذ العالم المتكل ِّم النظ ّار‬
‫أبي الفداء سعيد فودة‬
‫حفظه الله تعالى‬

‫‪4‬‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫مقدمة‬

‫ال مد ل رب العال ي والصصلة وال سلم على سيدنا م مد أف ضل اللق‬
‫أجعي‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫لقد كثر الكلم على علم النطق بصورته القدية‪ ،‬وهي الت تسمى بالنطق‬
‫الصوري التقليدي‪ ،‬وتزايدت النتقادات الوجهة عليه‪ ،‬سواء من القدماء أو من‬
‫العاصرين‪ ،‬واعتبه البعض من القدماء مقدمة للكفر وما كان كذلك فهو حرام‪،‬‬
‫والبعصض قالوا إنصه ل فائدة فص تعلمصه‪ ،‬فهصو ل يفيصد الذكصي ول ينفصع البليصد‪،‬‬
‫وبعضهم عكس الكلم وقال بل إنه يفيد الذكي وينفع البليد‪ ،‬والبعض اعتبه‬
‫واج با على الكفا ية‪ ،‬بل اع تبه شر طا لعر فة صحيح الف كر من فا سده‪ ،‬وكان‬
‫الرأي الخي هو التيار الذي سار عليه أكثر علمائنا السابقي‪.‬‬
‫وأما ف الزمان العاصر‪ ،‬فقد واجه النطق هجوما عنيفا من متلف الفلسفة‬
‫والفكرين سواءا ف الغرب أو الشرق‪ ،‬وصار بعضهم يعتب النطق علما ل فائدة‬
‫فيه‪ ،‬بل هو مرد تكرار للفكار الت يعرفها النسان‪ ،‬وصار ينظر إليه على أنه‬
‫مرد مضيعة وقت‪ ،‬وإجهاد ذهن من غي فائدة‪ .‬وف مقابل هذا نظر إليه آخرون‬
‫على أنه مهم جدا ف العرفة وسائر العلوم‪ ،‬والبعض قالوا بفائدة النطق الصوري‬
‫ولكصن نادوا بلزوم تكميله حيصث اعتقدوا بنقصصانه‪ ،‬والبعصض مصن الفكريصن‬
‫والناطقصة‪ ،‬حاولوا تطويصر علم النطصق سصواءا مصن حيصث الوضوع أو السصائل‬
‫الطروحة‪ ،‬أو من حيث السلوب الذي يعرض به النطق‪ ،‬أو من حيث الليات‬

‫‪5‬‬

‫التخذة ف دراسته‪ ،‬ولذلك فقد برزت اتاهات منطقية معاصرة‪ ،‬بعضها عارض‬
‫النطصق الصصوري‪ ،‬وبعضهصا حاول إقامصة النطصق على الرياضيات فقال برجوع‬
‫النطصق إل الرياضيات‪ ،‬وبعضهصم عكصس المصر فقال بصل الرياضيات ترجصع إل‬
‫الن طق‪ ،‬وب ن بو ثه على ذلك‪ ،‬فظ هر الن طق الريا ضي‪ .‬و من ج هة أخرى ف قد‬
‫حاول بعصض الفلسصفة والناطقصة إقامصة علم النطصق على نظرة كليصة غيص تلك‬
‫النظرة التص أقيصم عليهصا النطصق الصصوري‪ ،‬معتقدا عدم شول النطصق الصصوري‬
‫لهات النظر والستدلل‪.‬‬
‫ولو ذهب نا نتتناول هذه التاهات لتضا عف ح جم القد مة‪ ،‬والال أن نا ف‬
‫صدد عمل دراسة خاصة لختلف هذه التاهات التعلقة بالنطق‪ ،‬فلنرجئ ذلك‬
‫إليها‪.‬‬
‫وما نريد قوله هنا‪ :‬هو أن ما حرصنا على إبرازه ف هذا الكتاب‪ ،‬هو بيان‬
‫بعض اتاهات علماء السلمي التقدمي وخاصة الخالفي للمنطق‪ ،‬فحاولنا بيان‬
‫أ هم الفاه يم ال ت اعتمدوا علي ها لر ّد علم الن طق‪ ،‬وحلل نا كلمات م‪ ،‬ب شب ما‬
‫رأيناه لئقا بكل منهم‪ .‬وكان قصدنا ف ذلك بيان أن أهم النقود الت وجهت‬
‫إل علم النطصق ل تكصن كافيصة لثبات عدم جدواه‪ ،‬ولذلك فقصد ظصل التاه‬
‫الاضر ف الثقافة السلمية وبي العلماء السلمي هو التاه الهتم بعلم النطق‬
‫على أ نه آلة للعلوم‪ ،‬وعلى أ نه علم م هم‪ ،‬يتر تب عل يه بيان صحيح الف كر من‬
‫فاسده‪ ،‬ويترتب عليه أيضا الكشف عن مواضع الغلط ف الفكر سواء للشخص‬
‫نفسه أو لغيه‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فإننا ل نعتقد أن جيع ما ذكره العلماء ف كتب النطق صحيح‬
‫ول يتاج إل نقصد‪ ،‬بصل إننصا نقول بوجوب إعادة النظصر فص ذلك‪ ،‬ولكصن على‬

‫‪6‬‬

‫أسس قوية متينة ل على مرد نظرات متسرعة متأثرة بذاهب شرقية أو غربية أو‬
‫مكومة بقاصد أيديولوجية عقائدية‪ ،‬لن النطق يلزم استخدامه كمعيار لكافة‬
‫الراء والعتقدات‪ ،‬فلو كان مكوما ببعضها كان هذا نقضا لصل غايته‪.‬‬
‫والناس اعتمدوا ف هجوم هم القد ي والعا صر على أمور متعددة‪ ،‬بعض ها‬
‫عقائدي أو أيديولوجي مض‪ ،‬أي تابع للفكر الذي ينتمي إليه الكاتب‪ ،‬وبعضها‬
‫اعت مد أنظارا مرّرة وانتقادات موج هة‪ ،‬وإن كا نت أغلب هذه النتقادات ‪ -‬ف‬
‫نظري‪ -‬ل تؤثر على حقيقة النطق كعلم‪.‬‬
‫ولو نظر نا إل علمائ نا التقدم ي‪ ،‬لرأي نا –ك ما قل نا‪ -‬أنّ معظم هم اعت مد‬
‫الن طق كعلم صحيح‪ ،‬ن عم ل قد ا ستدركوا على التقدم ي من الفل سفة وزادوا‬
‫علي هم أفكارا حقيق ية وناف عة‪ ،‬وانتقدوا ب عض أفكار هم‪ ،‬ولكن هم ل يقدحوا ف‬
‫النطق كعلم ومنهج‪ ،‬بل كانت غاية انتقاداتم الت يوجهونا إل ما ذكره من‬
‫تقدم عليهم‪ ،‬بدف تكميل هذا العلم‪ ،‬واستتمام بنائه‪ ،‬ل إزالته ونفيه‪.‬‬
‫وبعض العلماء قدحوا ف النطق إما من حيث ما هو علم حقيقي‪ ،‬أو آل‪،‬‬
‫أو كفائدة مترتبة عليه ف الواقع‪ ،‬وبعضهم نظر إل النطق نظرة عقائدية واعتب‬
‫الن طق جزءا من الك فر فحر مه وم نع التعا مل به‪ ،‬وبعض هم قدح ف علم الن طق‬
‫ال صوري أو ف قواعده العلو مة‪ ،‬لن ل ا مدخل ية ف مناق ضة عقيد ته ال ت يقول‬
‫با‪.‬‬
‫ومن هنا‪ ،‬فقد رأيت الاجة ماسة إل إعادة النظر مع هؤلء‪ ،‬وذلك عن‬
‫طر يق عرض أ هم أفكار هم وانتقادات م الواردة على هذا العلم‪ ،‬و ما يت صل به‬
‫كعلم الكلم والفلسصفة وسصائر العلوم العقليصة‪ .‬ولكصن جعلت مورد الكلم علم‬

‫‪7‬‬

‫النطصق‪ ،‬وجعلت ذكري لبعصض مصا يتعلق بباقصي العلوم العقليصة تابعصا لصصل‬
‫الوضوع‪.‬‬
‫ولاص كانصت اتاهات النتقديصن لعلم النطصق متغايرة ومتعددة‪ ،‬وأهدافهصم‬
‫متنو عة‪ ،‬ف قد ارتأ يت أن أخ صص ل كل ق سم من هم كتا با أو ب ثا‪ ،‬وذلك على‬
‫النحو التال‪.‬‬
‫الرحلة الول‪ :‬جعلت الكلم في ها مع القدماء‪ ،‬أو من ي ثل من هم أش هر‬
‫التاهات التص انتقدت علم النطصق‪ .‬وذلك كبعصض الفرق السصلمية والعلماء‬
‫المثليص لاص‪ ،‬كابصن تيميصة‪ ،‬الذي كان له باع طويصل ف نقصد علم النطصق‪ ،‬وإن‬
‫كا نت أغلب انتقادا ته ك ما رأيت ها قا صرة‪ ،‬ومرد تشكيكات غ ي مقعدة على‬
‫أسس قو ية‪ .‬وجاءت معبة عن أهدا فه الخرى ال ت أن فق في ها جزءا كبيا من‬
‫حياته‪ ،‬وهي ن شر الذهب الذ يي دعو إليه ف علم التوح يد‪ ،‬و هو الذي اشت هر‬
‫بالذ هب ال سلفي ف الو قت العا صر‪ ،‬والذي أ حب أن أ سيه بذ هب التج سيم‬
‫أحيانا ومذهب الشوية أحيانا أخرى‪ ،‬ول أسلم مطلقا أنه الذهب الذي يثل‬
‫السلف ول أهل السنة‪.‬‬
‫ويندرج ف هذه الرحلة أيضا مناقشة من رد علم النطق من غي أن ينتمي‬
‫إل الدرسة السابقة‪ ،‬وهي الت يثلها ابن تيمية‪ .‬ولكنهم اعترضوا عليه لفكار‬
‫اعتقدوها ككون النطق مقدمة للفلسفة أو ككونه مثل للغة اليونانية‪ ،‬أو ككونه‬
‫جزءا من علم الكلم الذموم عند بعضهم ومقدمة له‪ ،‬وغي ذلك من مبرات‪.‬‬
‫الرحلة الثانية‪ :‬تش مل الن ظر ف كلم العا صرين من الباحث ي والفكر ين‪،‬‬
‫سصواءا كانوا مثليص لذاهصب فلسصفية معينصة كالفلسصفة الوضعيصة أو الاركسصية‬

‫‪8‬‬

‫وغيه ا من الفل سفات‪ ،‬أو متبع ي لنظرات ومبادئ معا صرة‪ ،‬أو كانوا باحث ي‬
‫بل أي انتماء لفكر أو مذهب‪ .‬هذا كله ألزمت نفسي بأن أعيد النظر فيه لنقده‬
‫وتح يص ال صواب ف يه من البا طل‪ ،‬ول بد أن الن ظر ف أفكار الخالف ي يف يد‬
‫الناظر والباحث‪ ،‬ف تقوي فكره وآرائه‪.‬‬
‫وهذه الرحلة هي ال هم ف نظر نا ل ا تتوي عل يه من تنوع ف وجهات‬
‫الن ظر والبادئ‪ ،‬وأفكار قد تبدو غري بة أو قري بة‪ .‬وعلى كل حال فإن ن أعت قد‬
‫يقينا أن الباحث والفكر ل بد له من الطلع على أفكار الخالفي كما يطلع‬
‫على أفكار الوافقي‪ ،‬بل ربا يكون مسايرة الخالفي ونقد أفكارهم والستفادة‬
‫منهم أكثر نفعا للباحث الر‪.‬‬
‫وبناءا على ذلك‪ ،‬فقد أكملت بثي هذا الذي يشكل نظرات مملة تنتمي‬
‫إل الرحلة الول الذكورة‪ ،‬لعل ما أكتبه يفيد ف تقدم البحث ف هذا الانب‪،‬‬
‫با يشتمل عليه من أفكار‪.‬‬
‫ول أدّعي أنن قد أحطت بوانب هذا الوضوع‪ ،‬فهو كثي التداخل‪ ،‬بل‬
‫غاية ما أدعيه هو إعادة النظر بواقف لبعض العلماء السابقي‪ ،‬ومناقشتهم كما‬
‫يليق بأفكارهم‪ ،‬وأرجو من يرى ف كلمي مال للنقد والتصويب أن ينبهن إل‬
‫ذلك‪ ،‬فبهذا المر نستكمل نن البشر علومنا ومعارفنا‪ .‬وغاية ما يلكه الرء إنا‬
‫هو عرض أفكاره إل الخرين با تتويه سواءا وافقهم ذلك أو خالفهم‪ ،‬بشرط‬
‫اللتزام بناهج النظر والبحث الصحيح‪.‬‬
‫وال الوفق‬

‫‪9‬‬

‫سعيد فودة‬

‫‪10‬‬

‫الباب الول‬
‫علقة المنطق بغيره من العلوم‬
‫سصنبي بإجال علقصة علم النطصق بعلوم الشريعصة مثصل الفقصه والصصول‬
‫والكلم‪ .‬ونذكر بعض اختلفات العلماء ف هذا القام‪ ،‬أخذا وردا‪.‬‬
‫وهذا الباب يكن أن نقسمه إل فصلي‪ ،‬الول نوضح فيه علقة النطق مع‬
‫علم أ صول الف قه‪ ،‬وذلك لن أ صول الف قه من أ هم علوم الشري عة ال سلمية‪،‬‬
‫ونقت صر ف ذلك على أ هم الهات إجال‪ ،‬وأ ما الف صل الثا ن فإن نا نو ضح ف يه‬
‫علقة النطق بعلم شرعي آخر هو علم الكلم أو علم أصول الدين‪ ،‬الذي نص‬
‫علماء الدين على أنه أهم العلوم الشرعية على الطلق‪ ،‬ونقت صر هنا على بيان‬
‫إجال للعلقة بي علم النطق وبي علم الكلم‪.‬‬

‫الفصل الول‬
‫علم أصول الفقه‬

‫‪11‬‬

‫سنبي هنا إجال حقيقة وجود علقة كبية بي علم النطق وعلم أصول‬
‫الفقه بعدة طرق‪ ،.‬وذلك لن هذه العلقة الاصلة بي العلمي لا عدة أوجه‪.‬‬
‫فإن هناك تداخل ف موضوعي هذين العلمي‪ ،‬والال أن هذا الزعم يؤدي إل‬
‫كون موضوع علم الصول هو عي علم النطق‪.‬وهذا ل يؤدي إل أن يكون‬
‫موضوعا العلمي متماثلي من جيع الهات‪ ،‬وإنا يؤدي بالفعل إل أن موضوع‬
‫كل منهما‪ ،‬مع تغايرها‪ ،‬له عوارض مشتركة وهذه العوارض داخلة ف مباحث‬
‫كل من العلمي‪ .‬وسنبي لك ذلك‪:‬‬
‫تعريف علم النطق هو العلم بجموعة القواني الت تؤدي مراعاتا إل‬
‫العصمة ف الفكر‪ .‬ونن نلحظ أن مسائل علم النطق هي عبارة عن قواني‬
‫فكرية يؤدي اللتزام با إل البتعاد عن الطأ ف التفكي‪ ،‬فالدف ف علم النطق‬
‫هو الوصول إل القواعد العامة للفكر النسان ومراعاة هذه القواعد ينتج عنها‬
‫العصمة ف الفكر مطلقا‪.‬‬
‫وأما علم الصول فهو العلم بالقواعد الجالية الت تنبن عليها الفروع‬
‫الفقهية العملية‪ ،‬ومعلوم لدى القارئ أن القواعد الت يُبْحث عنها ف علم‬
‫الصول‪ ،‬هي قواعد فكرية‪ ،‬ولكن موضوعها خاص وهو الوصول إل العصمة‬
‫ف عملية طلب الكم الشرعي‪ .‬ومعلوم أن الكم الشرعي من جلة المور الت‬
‫يتوصل إليها بالفكر‪ ،‬نعم هذا الفكر مصوص ومقيد بكونه فكرا ف مواد‬
‫شرعية‪ ،‬وبضوابط شرعية‪ ،‬ولكنه ف النهاية يبقى فكرا‪ ،‬فهو إذن فكر خاص‪،‬‬
‫وقد سبق أن النطق يبحث ف الفكر العام‪ ،‬فيتضح الن أن العلقة بي النطق‬
‫وعلم الصول هي علقة الصوص والعموم‪ ،‬فالصول أخص مطلقا من علم‬

‫‪12‬‬

‫النطق‪ ،‬وعلم النطق أعم مطلقا‪ .‬ومعلوم أن ما ثبت من الحكام على العم‬
‫يب ثبوته ف حكم الخص‪ ،‬وهذا من المور التقررة لدى العقلء أجعي ل‬
‫يكن أن يالف فيه أحد‪ .‬إذن ينتج من هذا أن أحكام وقواعد علم النطق يب‬
‫العتبار با ف علم الصول‪ ،‬لن علم الصول أخص من النطق كما ت بيانه‪.‬‬
‫ومعلوم أن الخص يتاج ف ثبوته إل العم‪ ،‬لن العم يكون ف حقيقة‬
‫المر عبارة عن أمر ذات من ذاتيات الخص‪ ،‬ولكن التمايز حصل بعد ذلك ف‬
‫أمور زائدة عن هذا العم‪ ،‬ومعلوم أن المور الزائدة ل تنفي الصلية وإنا‬
‫تتركب فوقها وتنبن عليها‪.‬‬
‫إذن فعلم الصول ف القيقة مبن على علم النطق‪ ،‬سواء أدرك هذه‬
‫القيقة الناس أم ل يدركوها‪ ،‬فإدراكهم لا أو عدم إدراكهم لا إنا هو أمر‬
‫عرضي غريب منفك عن نفس القيقة‪ ،‬وكذلك نفي من ينفيها وإثبات من‬
‫يثبتها ليس هو ‪ -‬أي هذا النفي والثبات الفترض ‪ -‬ما ينفي أو يثبت هذه‬
‫القيقة‪ ،‬بل هي ثابتة بنفسها‪ ،‬ولكن العلم با يكشف عن وجودها لن تعلق با‬
‫علمه‪ ،‬وأما من تعلق اعتقاده با فيلزمه اليان والعمل با‪.‬‬
‫هذه هي الطريقة الول الت نبي فيها مدخلية علم النطق ف علم الصول‪،‬‬
‫وهي كافية ف القيقة عند التأمل‪.‬‬
‫ومن وجه آخر‪ ،‬فإن بعض الصوليي‪ ،‬أدرك هذه العلقة الوثيقة بي علم‬
‫النطق وعلم الصول‪ ،‬فنصّ على وجوب أن يعلم الصول قواعد النطق‪ ،‬وتبعه‬
‫كثي من الصوليي ف ذلك‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫ف قد نص المام ح جة ال سلم الغزال بقوة على ضرورة أن يعل َم ال صول‬
‫القواعد النطقية‪ ،‬وسوف ننقل طرفا من كلمه فيما يأت‪ ،‬أما الن فسنبي مدى‬
‫التقارب بي العلمي ‪ -‬أي علم أصول الفقه وبي علم النطق ‪ -‬عن طريق النظر‬
‫فص السصائل والباحصث التص يبحصث فيهصا كصل مصن العلميص‪ ،‬وذلك على سصبيل‬
‫الختصار ل التفصيل‪ .‬وهذه الطريقة ف القيقة تابعة لدليل الستقراء البحوث‬
‫ف يه ف كل من العلم ي‪ ،‬ف هو دل يل مع تب ع ند كل من النطقي ي وال صوليي‪.‬‬
‫وطريقتنصا فص ذلك أن ننظصر فص مباحصث علم الصصول ومباحصث علم النطصق‪،‬‬
‫ونتأمل بعد ذلك ف كل منهما لنتوصل إل نفي أو إثبات ما نريد‪ ،‬وهي عي‬
‫طريقة السب والتقسيم العتبة عند الصوليي‪ .‬ولنشرع فيها الن‪:‬‬
‫إن مباحث علم الصول بينها المام الحقق العلمة ف جيع العلوم الشرعية‬
‫والعقلية البيضاوي صاحب الختصر الشهور ف هذا العلم‪ ،‬ف كتابه النهاج ف‬
‫علم الصول(‪ )1‬فقال‪:‬‬
‫"أ صول الف قه‪ :‬معر فة دلئل الف قه إجال‪ ،‬وكيف ية ال ستفادة من ها وحال‬
‫الستفيد"‪ .‬ث قال(‪ ":)2‬ودليله التفق عليه بي الئمة‪:‬الكتاب‪ ،‬والسنة‪ ،‬والجاع‪،‬‬
‫والقياس"‪ .‬اه ص‪ .‬هذه هي إذن الدلة الت فق علي ها ب ي ال صوليي‪ ،‬وأ ما الدلة‬
‫الختلف في ها فكثية مبي نة ف ك تب ال صول‪ .‬وقال العل مة الح قق ال صفهان‬
‫تعليقا على كلم المام البيضاوي السابق(‪ ":)3‬ولكل واحد منها مباحث متصة‬
‫به‪".‬اهص‪ .‬أي لكل دليل من الدلة الربعة السابقة مباحث‪،‬فمن مباحث الكتاب‬
‫والسنة مثل مباحث دللت اللفاظ‪ ،‬بتقسيماتا من حيثيات متلفة‪ ،‬والقياس له‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪)(3‬‬

‫‪14‬‬

‫راجع شرح النهاج للصفهان[‪ .]1/33‬مكتبة الرشد‪ ،‬بتحقيق الدكتور عبد الكري النملة‪.‬‬
‫شرح النهاج [‪ ،]1/43‬نفس الرجع السابق‪.‬‬
‫شرح النهاج للصفهان‪.]1/44[،‬‬

‫ص وهكذا كصل دليصل مصن أدلة الصصول الجاليصة‬
‫مباحصث ومسصائل خاصصة أيض ا‬
‫السابقة‪ .‬ويبحثون مثل ف الستقراء هل يفيد العلم بالعلة أو ل يفيد‪ ،‬ويبحثون‬
‫فص دللة العادة على الكصم الشرعصي‪ ،‬يبحثون فص الحاديصث والخبار التواترة‬
‫وأخبار الحاد‪ ،‬والقياس الذي يهتمون به هو القياس التمثيلي أ ساسا‪ ،‬ويبحثون‬
‫أيضا ف القياس العمومي‪ ،‬وغي ذلك‪.‬‬
‫وأما النطق فقد بي النطقيون أن مباحثهم تدور حول التصور والتصديق‪،‬‬
‫فكل قاعدة كلية من شأنا أن توصل النسان إل تصور أو تصديق‪ ،‬فهي داخلة‬
‫بل شك ف مبا حث الن طق‪ .‬و من ه نا ف قد لزم النطقي ي أن يبحثوا ف دللت‬
‫اللفاظ وفص القياس العمومصي والقياس التمثيلي وفص السصتقراء‪ ،‬وفص مآخصذ‬
‫التصصورات والتصصديقات‪ ،‬وهصي الدلة النقليصة والعقليصة‪ ،‬التص منهصا التواتصر‬
‫والشاهدة‪ ،‬والعادة والعرف‪ ،‬والبدهيات العقليصة‪ ،‬والدلة الطابيصة‪ ،‬والدليصة‬
‫القائمة على السلمات‪ ،‬وغي ذلك‪.‬‬
‫و من مقار نة البا حث الداخلة ب ي العلم ي‪ ،‬ن ستطيع أن ن د أن كثيا من ها‬
‫مشترك بينهمصا‪ .‬كالقياس التمثيلي والعمومصي والسصتقراء‪ ،‬ودللت اللفاظ‪،‬‬
‫ومباحث الخبار وهي التواتر والحاد‪ ،‬ويدخل فيهما أيضا البحث عن العرف‬
‫والعادة‪ ،‬ويشتركان ف الهتمام بالبديهيات العقلية أيضا الت ل ينفك علم عنها‪،‬‬
‫إل غي ذلك‪ .‬وما سوى هذا فإن كل علم يتميز عن صاحبه‪ ،‬ل تيز تضاد بل‬
‫تايز تصص‪ ،‬فالعلقة بينهما تبقى على الدوام علقة الاص بالعام كما ذكرناه‬
‫في ما سبق‪ .‬وأ نت تعلم أن العل قة ب ي الاص والعام ل ي كن أن تكون عل قة‬
‫تضاد ومنافاة‪ ،‬بصل إن الاص ل يتقوم إل بالعام‪ ،‬أي بدون وجود العام ل يكصن‬

‫‪15‬‬

‫وجود الاص‪ ،‬والخص ف حالتنا هذه هو علم أصول الفقه‪ ،‬والعم هو علم‬
‫النطق‪ ،‬فل يكن أن يوجد علم الصول بل وجود علم النطق إذن‪.‬‬
‫فالاصل إذن بعد الشارة إل طريقة الستقراء‪ ،‬أنا نعلم أن هناك تشاركا‬
‫كبيا بي علم الصول وبي علم النطق ف الباحث وف الهداف كما مضى‪.‬‬
‫إذن فل يوز أن يقول قائل‪ :‬إن الصوليي يكن لم الستغناء عن علم النطق‪.‬‬
‫فظهر من هذا مدى احتياج علم الصول إل علم النطق‪.‬‬
‫والن وبعصد ذكصر الطرق السصابقة فص السصتدلل على أهيصة علم النطصق‬
‫بالنسبة إل علم الصول بل وف كافة العلوم‪ .‬سنذكر الن الطريقة الت اتبعها‬
‫المام الغزال ف إثبات ذلك‪ .‬و هي ف حا صلها تعت مد على أن العلوم تترتصب‬
‫ترت با ت صاعديا أو تنازل يا‪ ،‬وأن العلم الد ن يعت مد على العلم العلى‪ ،‬والق صود‬
‫بالعلم العلى هنصا العلم الكثصر كليصة‪ ،‬وبالعلم الدنص العلم الكثصر تصصيصا‬
‫وتفصيل‪ ،‬فالعلوم تترتب تنازليا وتصاعديا‪ ،‬وكل ما هو أخص يعتمد على ما‬
‫هو أ عم‪ ،‬و قد أشر نا إل طرف من هذا الع ن سابقا‪ ،‬ول كن نذ كر ه نا كلم‬
‫المام حجة السلم الغزال كما أورده ف كتابه الكبي الهية ف علم الصول‬
‫(الستصفى ف علم الصول)‪ ،‬فقد قال ف مقدمته‪:‬‬

‫"بيان مرتببة هذا‬

‫العلم ونسبته إل العلوم‬
‫اعلم أن العلوم تنق سم إل عقل ية كال طب وال ساب والند سة ول يس ذلك‬
‫من غرض نا‪ ،‬وإل دين ية كالكلم والف قه وأ صوله وعلم الد يث وعلم التف سي‬
‫وعلم الباطن‪ ،‬أعن علم القلب وتطهيه من الخلق الذميمة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫و كل وا حد من العلوم العقل ية والدين ية ينق سم إل كل ية وجزئ ية‪ ،‬فالعلم‬
‫الكلي من العلوم الدين ية هو الكلم و سائر العلوم من الف قه وأ صوله والد يث‬
‫والتفسي علوم جزئية‪ ،‬لن الفسر ل ينظر إل ف معن الكتاب خاصة‪ ،‬والحدث‬
‫ل ينظر إل ف طريق ثبوت الديث خاصة‪ ،‬والفقيه ل ينظر إل ف أحكام أفعال‬
‫الكلفيص خاصصة‪ ،‬والصصول ل ينظصر إل فص أدلة الحكام الشرعيصة خاصصة‪،‬‬
‫والتكلم هو الذي ين ظر ف أ عم الشياء و هو الوجود‪ ،‬فيق سم الوجود أول إل‬
‫قد ي وحادث‪ ،‬ث يق سم الحدث إل جو هر وعرض‪ ،‬ث يق سم العرض إل ما‬
‫تشترط ف يه الياة من العلم والرادة والقدرة والكلم وال سمع والب صر وإل ما‬
‫يسصتغن عنهصا كاللون والريصح والطعصم‪ .‬ويقسصم الوهصر إل اليوان والنبات‬
‫والماد ويبي أن اختلفها بالنواع أو بالعراض‪ .‬ث ينظر ف القدي فيبي أنه ل‬
‫يتكثر ول ينقسم انقسام الوادث‪ ،‬بل ل بد أن يكون واحدا وأن يكون متميزا‬
‫عن الوادث بأوصاف تب له وبأمور تستحيل عليه وأحكام توز ف حقه ول‬
‫تب ول تستحيل‪ ،‬ويفرق بي الائز والواجب والحال ف حقه‪.‬‬
‫ث يبي أن أصل الفعل جائز عليه وأن العال فعله الائز‪ ،‬وأنه لوازه افتقر‬
‫إل مدث‪ ،‬وأن بعثصة الرسصل مصن أفعاله الائزة‪ ،‬وأنصه قادر عليصه وعلى تعريصف‬
‫صدقهم بالعجزات‪ ،‬أن هذا الائز واقع‪.‬‬
‫ع ند هذا ينق طع كلم التكلم‪ ،‬وينت هي ت صرف الع قل‪ ،‬بل الع قل يدل على‬
‫صدق النب‪ ،‬ث يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النب بالقبول ما يقوله ف ال‬
‫واليوم الخر ما ل يستقل العقل بدركه ول يقضي باستحالته‪ ،‬فقد يرد الشرع‬
‫با يقصر العقل عن الستقلل بإدراكه إذ ل يستقل العقل بإدراك كون الطاعة‬
‫سصببا للسصعادة فص الخرة‪ ،‬وكون العاصصي سصببا للشقاوة‪ ،‬لكنصه ل يقضصي‬

‫‪17‬‬

‫باسصتحالته أيضصا‪ ،‬ويقضصي بوجوب صصدق مصن دلت العجزة على صصدقه‪ ،‬فإذا‬
‫أخب عنه صدق العقل به بذه الطريق فهذا ما يويه علم الكلم‪.‬‬
‫فقد عرفت من هذا أنه يبتدئ نظره ف أعم الشياء أول وهو الوجود‪ ،‬ث‬
‫ينصزل بالتدريج إل التفصيل الذي ذكرناه فيثبت فيه مبادئ سائر العلوم الدينية‬
‫من الكتاب والسنة وصدق الرسول‪ ،‬فيأخذ الفسر من جلة ما نظر فيه التكلم‬
‫واحدا خا صا و هو الكتاب‪ ،‬فين ظر ف تف سيه‪ ،‬ويأ خذ الحدث واحدا خا صا‬
‫وهو السنة فينظر ف طرق ثبوتا‪ ،‬والفقيه يأخذ واحدا خاصا وهو فعل الكلف‬
‫فينظر ف نسبته إل خطاب الشرع من حيث الوجوب والظر والباحة‪ ،‬ويأخذ‬
‫الصول واحدا خاصا وهو قول الرسول الذي د ّل التكلم على صدقه‪ ،‬فينظر ف‬
‫و جه دلل ته على الحكام إ ما بلفو ظه أو بفهو مه أو بعقول معناه وم ستنبطه‪،‬‬
‫ول ياوز نظر الصول قول الرسول عليه السلم وفعله‪ ،‬فإن الكتاب إنا يسمعه‬
‫من قوله والجاع يثبت بقوله والدلة هي الكتاب والسنة والجاع فقط‪ ،‬وقول‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم إنا يثبت كونه حجة ف علم الكلم‪.‬‬
‫فإذن‪ ،‬الكل مُ هو التك فل بإثبات مبادئ العلوم الدين ية كل ها‪ ،‬ف هي جزئ ية‬
‫بالضافة إل الكلم‪ ،‬فالكلم هو العلم العلى ف الرتبة إذ منه النصزول إل هذه‬
‫الزئيات‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فليكن من شرط الصول والفقيه والفسر والحدث أن يكون قد‬
‫حصل علم الكلم لنه قبل الفراغ من الكلي العلى كيف يكنه النصزول إل‬
‫الزئي السفل؟‬

‫‪18‬‬

‫قل نا‪ :‬ل يس ذلك شر طا ف كو نه أ صوليا وفقي ها ومف سرا ومد ثا وإن كان‬
‫ذلك شرطا ف كونه عالا مطلقا مليئا بالعلوم الدينية‪ ،‬وذلك أنه ما من علم من‬
‫العلوم الزئ ية إل وله مبا ٍد تؤ خذ م سلمة بالتقل يد ف ذلك العلم‪ ،‬ويطلب برهان‬
‫ثبوت ا ف علم آ خر‪ .‬فالفق يه ين ظر ف ن سبة ف عل الكلف إل خطاب الشرع ف‬
‫أمره ونيه وليس عليه إقامة البهان على إثبات الفعال الختياريات للمكلفي‪،‬‬
‫فقد أنكرت البية فعل النسان وأنكرت طائفة وجود العراض والفعل عرض‪.‬‬
‫ول على الفقيصه إقامصة البهان على ثبوت خطاب الشرع وأن ل تعال كلمصا‬
‫قائ ما بنف سه هو أ مر ون ي‪ ،‬ول كن يأ خذ ثبوت الطاب من ال تعال وثبوت‬
‫الفعل من الكلف على سبيل التقليد وينظر ف نسبة الفعل إل الطاب‪ ،‬فيكون‬
‫قد قام بنتهى علمه‪ .‬وكذلك الصول يأخذ بالتقليد من التكلم أن قول الرسول‬
‫ح جة ودل يل وا جب ال صدق‪ ،‬ث ين ظر ف وجوه دلل ته وشروط صحته‪ .‬ف كل‬
‫عال بعلم من العلوم الزئية فإنه مقلد ل مالة ف مبادئ علمه إل أن يترقى إل‬
‫العلم العلى فيكون قد جاوز علمه إل علم آخر‪".‬اهص‬
‫إل هنصا ينتهصي كلم هذا المام العلمصة حجصة السصلم بالفعصل فص هذا‬
‫الوضوع الط ي‪ ،‬و قد أحبب نا أن نذ كر لك هذا الكلم ه نا وإن ح سبه ب عض‬
‫القراء بعيدا عن أصل موضوعنا‪ ،‬لنه قريب منه بقدر ما يتوهم أولئك بُعْدَه‪ .‬فإنه‬
‫ير يك بالف عل كيف ية تر تب العلوم بعض ها على ب عض‪ ،‬وكيف ية احتياج كل علم‬
‫إل غيه‪ .‬وهذا هو أساس من السس الت ناول هنا بيانا‪ ،‬وهو كيف يكون‬
‫علم الن طق لكو نه آلة لبق ية العلوم‪ ،‬لحتوائه على و سائل العر فة‪ ،‬أو قدر كبي‬
‫منها‪ ،‬مهما ف سائر العلوم؟‬

‫‪19‬‬

‫وقد وضح المام الغزال حجة السلم هذه النقطة أيضا ف كلم له لحق‬
‫با مضى‪ ،‬وذلك عندما شرع ف ذكر القدمة النطقية الت ابتدأ با كتابه العظيم‬
‫الذي يعد من أهم كتب علم الصول‪ ،‬فقال رحه ال تعال‪:‬‬
‫"نذكبر فب هذه القدمبة مدارك العقول وانصبارها فب الدب والبهان‪،‬‬
‫ونذ كر شرط ال د القي قي وشرط البهان وأق سامهما على منهاج أو جز م ا‬
‫ذكرناه ف كتاب "م ك الن ظر" وكتاب "معيار العلم"‪ .‬ولي ست هذه القد مة‬
‫من جلة علم ال صول ول من مقدما ته الا صة به‪ ،‬بل هي مقد مة العلوم‬
‫كلها‪ ،‬ومن ل ييط با فل ثقة له بعلومه أصل‪".‬اهب‬
‫هذه هي مكا نة علم الن طق ف ن ظر المام الغزال رح ه ال تعال ونفع نا‬
‫بعلومه‪ .‬وهو بذه العبارة يلخص غاية ما نريد أن نقوله ف رسالتنا هذه‪.‬‬
‫وقبل أن ننهي كلمنا ف هذا القسم‪ ،‬نذكر هنا بعض التعليقات على كلمة‬
‫المام الغزال الذكورة سابقا‪:‬‬
‫أول‪ :‬المام حجصة السصلم يعتصب النطصق مدخل لكافصة العلوم‪ ،‬ل لعلم‬
‫ال صول ف قط‪ ،‬وهذا صحيح مطل قا‪ ،‬أي إ نه يع تبه آلة للف كر ف أي علم من‬
‫العلوم‪ ،‬ول بد لن يوض ف العارف من أن يعرف جل كافية من علم النطق‪،‬‬
‫وسبب هذا أن النطق عبارة عن آلة تكن من استعملها من أن يعرف الطأ ف‬
‫كلمه‪ ،‬وتفكيه‪ ،‬وتكنه كذلك من أن ييز ما بي الصحيح والغلط من كلم‬
‫غيه‪ .‬ومن هنا فهو مفيد لكافة العلوم‪.‬‬
‫ثان يا‪ :‬إن من ل يعرف هذه القوا عد العا مة ال ت يشت مل علي ها علم الن طق‪،‬‬
‫فإنه ربا ل يتمكن من أن يزن كلمه ول كلم غيه بيزان صحيح مطلقا‪ ،‬فإن‬

‫‪20‬‬

‫كثيا مصن الناس يبنون معارفهصم على مرد أمور متوهةص ومصن دون قيام البهان‬
‫الكا ف علي ها‪ ،‬ث إن هؤلء ب عد ذلك يطلبون من غي هم أن يتابعو هم ف هذه‬
‫المور‪ ،‬فكيصف يكصن لؤلء أن يقيموا البهان على لزوم تسصليم الغيص لمص باص‬
‫يقولون إن ل يتمكنوا مصن إقامصة الدليصل اللزم للغيص على صصحة مصا يدعون؟!‬
‫وكيصف يكنهصم ذلك مصن دون اتباع قواعصد مشتركصة يسصلمها لمص غيهصم‪،‬‬
‫فيتوسلون هم بذا التسليم إل إلزامهم بصحة مدعاهم‪ .‬فأنت تعرف أيها القارئ‬
‫أنصه ل يكنصك أن تقيصم الجصة على غيك إل إذا كان يوجصد بينصك وبينصه قدر‬
‫مشترك من العارف والعلوم‪ ،‬فهذه العارف والعلوم هي ال سر الذي يو صلك‬
‫إليه ويوصله إليك‪ .‬وهذا القدر الشترك هو الذي يبينه علم النطق‪ .‬فلذلك من ل‬
‫ي سلم بعلم الن طق أي بالقوا عد ال ت يشت مل علي ها علم الن طق‪ ،‬ل بجرد ك تب‬
‫علم النطق‪ ،‬فإنه ل يكنه إقامة روابط بينه وبي غيه على أساس صحيح مطلقا‪.‬‬
‫ولذلك فمهمصا ادعصى مصن أمور فل يكنصه أن يقيصم الدللة الصصحيحة عليهصا ل‬
‫لنف سه ول لغيه‪ ،‬و من هذا حاله فل يوز له ل عقل ول شر عا أن ي ثق ب صحة‬
‫علو مه‪ ،‬ول يوز لغيه أيضا أن يثق ب صحة علو مه‪ .‬بل ل بد من إعادة ف حص‬
‫هذه العارف الدعاة على ميزان النظر الصحيح‪.‬‬
‫فالنظور إليه ف القيقة إنا هي القواعد الت تذكر ف علم النطق ل مرد‬
‫الترتيبات ال صطلحية ول ال صطلحات الفن ية ال ت أودع ها علماء هذا الفنّ ف‬
‫كتبهم النطقية‪ .‬فربا يوجد كثي من الناس يعرفون هذه القواعد من دون دراسة‬
‫مباشرة لكتب علم النطق‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫الفصل الثان‬
‫علم الكلم‬
‫أ ما ارتباط علم الن طق بعلم الكلم‪ ،‬ف هو أب ي من أن يادَل ف يه‪ ،‬ول كن‬
‫سوف أذكر أمثلة تبي القصود‪.‬‬
‫فالعروف أن علم الكلم هصو علم الجاج عصن العقائد اليانيصة بالدلة‬
‫القطعية‪ .‬وأما علم النطق فهو العلم بجموعة القواني الت إذا راعاها النسان ف‬
‫فكره سلم من الغلط ف الوصول إل النتائج‪ .‬وما دام المر كذلك‪ ،‬فإن العلقة‬
‫تكون وثيقة ب ي العلم ي‪ .‬لن الكلم يب حث ف العقائد اليانية‪ ،‬وي تم ف يه الرد‬
‫على الخالفي لعقائد أهل الق من أهل السنة‪ .‬والنصزاع فيه مع قسمي من‬
‫الناس‬
‫القسم الول‪ :‬هم طوائف النتسبي إل السلم‪ ،‬فلهم حكم السلم على‬
‫سصبيل الجال‪ ،‬كالعتزلة والشيعصة والباضيصة والزيديصة وغيهصم مصن الفرق‬
‫السلمية‪.‬‬
‫والقسم الثان‪ :‬هم الطوائف الت تالف الدين السلمي وهؤلء نوعان‬
‫النوع الول‪ :‬هم أهل الديان من النصارى واليهود وغيهم‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫النوع الثا ن‪ :‬هم طوائف اللحدة والتشكك ي والعلماني ي وغي هم من‬
‫أصصحاب الفلسصفات الوضعيصة العديدة‪ .‬وهؤلء يمعهصم رابصط مشترك أنمص ل‬
‫يؤمنون بأيّ من الديان النصزلة‪.‬‬
‫ففصي علم الكلم يتصم التيان بالباهيص القطعيصة لسصائر أهصل هذه الفرق‬
‫والطوائف على سلمة العقائد الدين ية من الغلط و سلمتها من مال فة الوا قع أو‬
‫ال مر ف نف سه‪ .‬وإذا علم نا ن ن أن علم الن طق يه تم ف أ صل م سائله بتحر ير‬
‫طرق الفكر الصحيحة وبيان غي الصحيحة منها‪،‬فإننا نعلم بسهولة أن هذا العلم‬
‫له مدخليصة كصبية فص علم الكلم‪ .‬فالتكلم ينبغصي أن يكون له اطلع على هذا‬
‫العلم‪.‬‬
‫وذلك أن كل هذه الطوائف مال فة لل حق ف نف سه‪ ،‬ومال فة ف تقرير ها‬
‫ووصفها للواقع‪.‬‬
‫فالنصارى مثل يقولون‪ :‬إن ال تعال ثالث ثلثة‪.‬‬
‫واليهود يقولون إن النسخ مستحيل عقل‪ ،‬وكثي منهم يقول بالتشبيه وبغي‬
‫ذلك من المور الت ل تستند إل دليل‪.‬‬
‫وأمصا العلمانيون فلهصم مذاهصب وطرق عديدة‪ ،‬فمنهصم مصن يقول إن الله‬
‫أ صل غ ي موجود‪ ،‬إل كفكرة ف أذهان الناس‪ ،‬وأن هذه الفكرة ل يس ل ا أ مر‬
‫ت صدق عل يه ف ن فس الارج‪ .‬وأن الديان إن ا هي ممو عة من الفكار البن ية‬
‫على اليال البشري نتيجة لقصور معارفهم ونقصان حيلتهم أمام الطبيعة وأسرار‬
‫الوجود‪ .‬ومنهصم مصن يقول إن الله يكصن أن ن سلم بوجوده فص الذهصن ويكصن‬
‫كذلك أن ن سلم بفائدة لذا الوجود‪ ،‬ول كن ل يوز مطل قا أن نعت قد أن الله له‬

‫‪23‬‬

‫تقصق فص الارج عصن الذهصن‪ ،‬وهؤلء هصم الباغماتيون النفعيون‪ ،‬وفلسصفتهم‬
‫خادعة ويشي عليها غالب الثقفي ف هذه اليام‪ ،‬بل إن كثيا من الدول تتبن‬
‫هذه الفلسصفة كنظام أسصاسي تسصي عليصه‪ ،‬وينخدع الكثيص مصن السصلمي بذه‬
‫الفلسفة‪ ،‬بل إن منهم من ل يعرف مدى خطورتا فادعى أن السلم يكن أن‬
‫يتبناها ويسي عليها‪ ،‬غافل عن حقيقتها الت بينتها آنِفا‪.‬‬
‫وكث ي من الناس الذ ين ي سبون ف أنف سهم بع ضا من العلوم والعارف‬
‫يعتقدون بثل هذه الفكار‪ ،‬وعنها ينشأ تيار كبي سائد ف هذا الزمان هو التيار‬
‫صوَ ِرهِ وُفرُوعه الت ليس هذا الحل اللئم للتفصيل ف بيانا‪.‬‬
‫ن بشت ُ‬
‫العلما ّ‬
‫و من هذه الطوائف أي ضا من يقول إن العال قد ي باد ته‪ ،‬متغ ي ب صورته‪،‬‬
‫وأن التغيات التص تدث فص العال هصي تغيات ذاتيصة‪ ،‬فالحرك والوجصد لذه‬
‫الركات إن ا هي قوان ي داخل ية يت صف ب ا العال‪ ،‬و هي عبارة عن تناقضا ته‬
‫الداخليصة‪ ،‬فيدّعون أن الادة فيهصا تناقضات داخليصة هصي مصن صصُلب وجودهصا‪،‬‬
‫وأسصاس ثبوتاص‪ ،‬وأنصه عصن طريصق هذه التناقضات‪ ،‬تصصل الركصة التصصاعدية‬
‫والتطور الدائم لل صور ال ت يت صور ب ا العال و ما ف يه من الوجودات الزئ ية‪،‬‬
‫ويتكلمون ف أثناء ذلك عن أمور كثية ي سمونا بالقوان ي الاد ية للوجود‪ ،‬وأن‬
‫العال يتكامل تكامل ذاتيا‪ ،‬أي إن سعيه للتكامل إنا هو أمر ذات له‪ ،‬ول يتاج‬
‫فص ذلك إل مرك له مصن خارجصه‪ ،‬فل يتاج العال إل الله لكصي يركصه‪ ،‬لن‬
‫حركتصه ذاتيصة‪ ،‬ولن هذا الله ل يكصن وجوده‪ ،‬لنصه ل وجود إل للمادة‪ ،‬أي‬
‫للموجودات ف نطاق الزمان والكان‪ .‬إل غي ذلك ما يتفوهون به من مفاسد‪،‬‬
‫وهؤلء هم الاديون خصوصا الدليون‪ ،‬وهم الشيوعيون‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫ويوجد بعض الفلسفة والفكرين يقولون إن الله ليس أمرا ف القيقة إل‬
‫نفس العال‪ ،‬وهم القائلون بوحدة الوجود الادية أو الروحية‪ ،‬فيقولون إن العال‬
‫هو الله‪ ،‬أو الله هو العال‪.‬‬
‫وأنواع هذه الفرق أكثر من أن أحصيها هنا‪ ،‬وإنا أردت مرد التمثيل لا‪.‬‬
‫فهؤلء كل هم يزعمون أن م ينظرون ف العال نظرا مردا عن الهواء وين سبون‬
‫لنف سهم الن ظر الوضو عي الجرد عن الغراض والدوا فع‪ ،‬ويتَحَدّون غيَ هم أن‬
‫يثبتوا غلط هم في ما يدعون‪ .‬و هم ل يؤمنون إل بالفكار العقل ية الجردة‪ ،‬ك ما‬
‫يدعون‪.‬وهؤلء ل يرون فص الديان حجصة‪ ،‬ول أهيصة لاص عندهصم‪ ،‬إل كأهيصة‬
‫غيهصا مصن النظرات النسصانية التص قصد تؤثصر فص تريصك البشصر والتأثيص على‬
‫ت صرفاتم‪ ،‬ف هم إن ا يهتمون ب ا من هذه الناح ية العمل ية الطل قة‪ ،‬أ ما أن تكون‬
‫الديان مصدرا للمعرفة ولو ف أي مستوى من مستويات العرفة‪ ،‬فل‪.‬‬
‫ومن معرفتك لقيقة أقوالم‪ ،‬فإنك تعرف أن هؤلء ل يكن ماطبتهم إل‬
‫بالدلة العقلية الجردة‪ ،‬وهي عي الدلة الت يدّعون النتساب إليها‪ ،‬ونن‬
‫نعرف أن هذا الدعاء عارٍ عن الدليل البهان القيقي‪ ،‬فل نسلمه لم على‬
‫إطلقه‪ ،‬وإنا هذه الدلة الزعومة قائمة على مغالطات بعضها مقصود وبعضها‬
‫تلبسوا به بالعَ َرضِ‪.‬‬
‫ومن كان هذا شأنه‪ ،‬فالطريقة الصحيحة لناقشته وبيان غلطه فيما ادعاه‬
‫إنا تكون بالدلة وطرق النظر العامة الت يشترك فيها كافة البشر‪ ،‬ول يستطيع‬
‫أحد أن يغالط فيها‪ ،‬وهذه هي حقيقة القواني النطقية‪ ،‬أي القواني الت‬
‫يشرحها علماء النطق ف كتبهم‪ .‬ول يستطيع أحد من الغالطي أن يدعي أننا‬
‫إنا يب أن نناقشهم بالدلة والنصوص الأخوذة من الكتاب والسنة‪ ،‬بقيد‬

‫‪25‬‬

‫استنادها إل الكتاب والسنة‪ .‬فإن من يقول بذا الذهب يكون ضحكة الولي‬
‫والتأخرين من العقلء‪ ،‬ويكون أيضا قد خالف ما قرره الدين الق نفسه‪ ،‬فقد‬
‫قال ال تعال (وادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة وجادلم بالت‬
‫هي أحسن إن ربك هو أعلم بن ضل عن سبيله وهو أعلم بالهتدين)النحل(‬
‫‪ ،)125‬فالكمة يناسب تفسيها بالباهي والجج القوية‪ ،‬وأما الوعظة‬
‫السنة فيناسب أن تمل على الطرق الطابية اللئقة بعوام الناس‪ ،‬وقوله تعال‬
‫(وجادلم‪ )..‬صريح ف الطريقة الدلية اللئقة لبعض الناس‪.‬‬
‫وأنت ترى أن كل من هذه الطرق الثلثة هي إحدى الطرق الت ذكرها‬
‫أهل النطق ف كتبهم‪ ،‬فإنم يذكرون أن القياس الؤلف من القضايا اليقينية‬
‫يسمى برهانا‪ ،‬وذكروا أن القياس الؤلف من القضايا الشهورة والسلمات‬
‫يسمى جدل‪ ،‬وأن القياس الؤلف من القبولت والظنونات يسمى خطابة‪ ،‬وقد‬
‫يدخل فيه أيضا القياس الؤلف من قضايا ميلة والسماة قياسا شعريا‪ ،‬لخاطبته‬
‫العواطف لتحصيل انفعال النفس والتأثر‪ .‬فأنت ترى أن نفس الراتب الثلثة الت‬
‫نصت عليها الية الكرية قد ذكرها أهل النطق‪ ،‬ولذلك نقل العلمة‬
‫السبزواري(‪ )1‬ناقل عن العلمة الشيازي ف شرح حكمة الشراق قوله‪:‬‬
‫"ومن طلب العلوم الت ل ُيؤْمَنُ فيها الغلط ول َيعْلَم النطق‪ ،‬فهو كحاطب‬
‫ليل‪ ،‬وكرامد العي ل يقدر على النظر إل الضوء ل لبخل من الوجد‪ ،‬بل‬
‫لنقصان الستعداد‪ ،‬والصواب الذي يصدر من غي النطقي كرمية من غي رام‪،‬‬
‫وكمداواة عجوز"‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫ال‬

‫‪26‬‬

‫انظر شرح النظومة‪ ،‬قسم النطق السمى اللئالئ النتظمة وشرحها‪ ،)1/45( ،‬مع تعليق آية‬
‫الملي‪ .‬نشر ناب‪.‬‬

‫ث قال‪" :‬والنطق يصلح لبناء اللوك الذين يتوقع منهم أن يصيوا ملوكا‪،‬‬
‫ل ليعلموا القترانات الشرطية ولوازم التصلت والنفصلت‪ ،‬بل ليعرفوا‬
‫الصناعات المس‪ ،‬ويقدروا على ماطبة كل صنف من الناس با يليق بالم‪،‬‬
‫على ما قال(ادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة وجادلم بالت هي‬
‫أحسن) فالكمة لن يطيق البهان‪ ،‬والوعظة السنة لن ل يطيقه‪ ،‬والدل‬
‫للمقاومة لن ينتصب للمعاندة"اهص‪.‬‬
‫والقيقة أن الدلة على ذلك من القرآن أكثر من أن تصى‪ ،‬ول ينكر‬
‫ذلك إل معاند‪ ،‬أو متلبس ببدعة ياف أن يظهر بطلنا إذا عرضت على مك‬
‫النظر(‪.)1‬‬
‫والذي أريد أن أبينه الن‪ ،‬هو بعض المثلة الت تبي مدى الفائدة الت‬
‫ينيها العارف بعلم النطق ف ح ّل بعض الشكالت التعلقة بعلم التوحيد‬
‫وطرق الستدلل ف الفلسفة العامة‪.‬‬
‫وسوف نناقش بعض ما قرره اثني من الفكرين العروفي‪ ،‬الول غرب‬
‫وهو الفيلسوف الفرنسي الشهور ديكارت ف مقولتي من فلسفته‪ ،‬والثان‬
‫إسلمي وهو ابن تيمية ف مقولتي من مذهبه الاص‪ ،‬وهدفنا من هذه الناقشة‪،‬‬
‫للتوسع ف معرفة ذلك‪ ،‬راجع كتاب الغزال "القسطاس الستقيم"‪ ،‬وكتابه الخر السمى‬
‫‪) (1‬‬
‫"بعيار العلم"‪.‬‬
‫والقصود بالصناعات المس الطابة والشعر والبهان والدل والسفسطة‪ ،‬فيميزون بعرفتها حقيقة ما‬
‫ياطبون به‪ ،‬ويردّون با هو لئق بالقام‪.‬‬
‫وقد شرعت ف تأليف كتاب خاص أوضح فيه الطرق القرآنية للجدال ومناقشة الصوم والتيان‬
‫بالدلة القوية على الطالب العقائدية‪ ،‬أرجو أن أتكن من إنائه قريبا‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫إيضاح مثال عملي على قوة التحليل النطقي للراء العقلية التداولة ف الطلب‬
‫الفلسفية والعقائدية مطلقا‪ .‬وسنخوض مع واحد منهما جولةً‪.‬‬

‫الولة الول‪ :‬مع ديكارت‬
‫ونقتصر على توضيح مثالي من مقولته الفلسفية‪.‬‬
‫الثال الول‪ :‬أنا أفكر‪ ،‬إذن أنا موجود‪.‬‬
‫هذا القول الشهور‪ ،‬منسصوب إل الفيلسصوف الفرنسصي العروف ديكارت‪،‬‬
‫وهو يشكل على ما هو متعارف عليه اللبنة الساسية الت بن عليها فلسفته ف‬
‫بناء اليقي للتمهيد ف إثبات وجود الله عنده‪ ،‬فهو بعد أن أجاز لنفسه الشك‬
‫ف كل المور الت تعلمها عن طريق العلمي منذ صغره‪ ،‬والعلومات الت أخذها‬
‫بالتقل يد عن طر يق تأثره ف الجت مع الح يط به‪ ،‬ل ي د مل جأ يلت جئ إل يه لبناء‬

‫‪28‬‬

‫اليقيص العلمصي عليصه‪ ،‬إل هذا القول‪ ،‬فأطلق عبارتصه هذه "أنصا أفكصر‪ ،‬إذن أنصا‬
‫موجود"‪.‬‬
‫والفهوم من هذه العبارة كما هو واضح هو الستدلل على وجود ذاته‪،‬‬
‫وذلك لن الدافع الذي دفع ديكارت إل ماولة إعادة بناء الطرق العرفية‪ ،‬هو‬
‫أن كثيا من الفلسفة الشكاك أثاروا الشك ف أكثر العارف والعلوم الت كانت‬
‫سائدة آنذاك ف بلدهم‪ ،‬وشككوا ف إمكان الصول على العارف الراسخة‬
‫الثابتة الت ل تقبل التغي‪ ،‬وخاصة ف العارف اللية‪ ،‬فأراد هو ردا على هؤلء‬
‫أن يوجد طريقة يضعون لا هم وتؤدي إل بناء سلم العلوم والعارف مرة‬
‫أخرى‪ ،‬فاستند إل هذه العبارة‪.‬‬
‫وكما قلنا فقد أراد إثبات وجوده من هذه العبارة‪ ،‬والقدمة الت أوردها‬
‫لذلك هي قوله أنا أفكر‪ .‬والنتيجة كانت قوله‪":‬إذن أنا موجود"‪ .‬فجعل وجود‬
‫تفكيه هو علةً لثبات وجوده‪ .‬والقيقة أنه توجد مقدمة خفية ل تذكر ف‬
‫كلمه هذا‪ ،‬وهي "أن كل ما يفكر‪ ،‬ل بد أن يكون موجودا"‪ ،‬فإن البهان ل‬
‫يكون منتجا إل بذه القدمة الخفية‪.‬‬
‫ولكننا عند النظر الصحيح ف هذه العبارة وف طريقة الستدلل الت أحبها‬
‫متبعو هذا الفيلسوف‪ ،‬فإننا ند أن دليله هذا عبارة عن مصادرة على الطلوب‪.‬‬
‫ومعن هذا أنه اعتمد ف الوصول إل النتيجة‪ ،‬على نفس النتيجة‪ ،‬أو على أمر ل‬
‫يسلم بوجوده إل بالتسليم بوجود النتيجة‪ .‬وبيان ذلك‪:‬‬
‫أنه جعل ثبوت التفكي لذاته دليل على ثبوت ذاته‪ ،‬وأنت تعرف أن‬
‫التفكي عارض على الذات‪ ،‬ونسبة عارض إل الذات‪ ،‬ل يكن أن يصح إل بعد‬

‫‪29‬‬

‫التسليم بأن الذات نفسها موجودة‪ .‬فيصبح الاصل ف النهاية كأنه قال‪ :‬التفكي‬
‫ثابت لذات الوجودة‪ ،‬وثبوت التفكي لذات الوجودة‪ ،‬دليل على وجود ذات‪.‬‬
‫ومن الواضح أن هذا عبارة عن كلم ل مصل تته‪.‬‬
‫هذا هو التحليل السريع الذي أردنا أن نبينه‪ .‬وأما القواعد النطقية الت‬
‫اعتمدناها للوصول إل هذه النتائج ونقد كلم هذا الفيلسوف الشهور‪ ،‬فهي ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫قال المام السعد التفتازان ف كتابه التهذيب ف علم النطق "ول بد ف‬
‫الوجبة من وجود الوضوع‪ ،‬إما مققا وهي الارجية‪ ،‬أو مقدرا فالقيقية‪ ،‬أو‬
‫ذهنا فالذهن‪)1(".‬اهب‬
‫وشرَحَهُ العلمة الل عبدال اليزدي بقوله(‪:)2‬‬
‫"ول بد ف الوجبة أي ف صدقها‪ ،‬وذلك لن الكم ف الوجبة بثبوت‬
‫شيءٍ لشيءٍ‪ ،‬وثبوت شيء لشيء فرع لثبوت الثَبتِ له‪ ،‬أعن الوضوع‪ ،‬فإنا‬
‫يصدق هذا الكم إذا كان الوضوع مققا موجودا إما ف الارج إن كان‬
‫الكم بثبوت الحمول له هناك‪ ،‬أو ف الذهن كذلك‪.‬‬
‫ث القضايا الملية العتبة ف العلوم باعتبار وجود موضوعها لا ثلثة أقسام‬
‫لن الكم فيها‬

‫تذيب النطق‪ ،‬للمام العلمة سعد الدين التفتازان‪،‬ص‪ ،12‬طبعة مؤسسة أهل البيت‪.‬ط‪2‬‬
‫‪)(1‬‬
‫‪1408‬هص‪1988-‬م‪.‬‬
‫حاشية مل عبدال على التهذيب‪ ،‬ص‪ ،94‬طبعة أهل البيت‪،‬ط‪.2‬‬
‫‪)(2‬‬

‫‪30‬‬

‫إما على الوضوع الوجود ف الارج مققا نو كل إنسان حيوان‪ ،‬بعن أن‬
‫كل إنسان موجود ف الارج حيوان ف الارج‪.‬‬
‫وإما على الوضوع الوجود ف الارج مقدرا‪ ،‬نو كل إنسان حيوان‪ ،‬بعن‬
‫أن كل ما لو وجد ف الارج كان إنسانا فهو على تقدير وجوده ف الارج‬
‫حيوان‪ .‬وهذا الوجود القدر إنا اعتبوه ف الفراد المكنة ل المتنعة كأفراد‬
‫اللشيء وشريك الباري‪.‬‬
‫وإما على الوضوع الوجود ف الذهن كقولنا‪ :‬شريك الباري متنع‪ ،‬بعن‬
‫أن كل ما يوجد ف العقل ويفرضه العقل شريك الباري فهو موصوف ف الذهن‬
‫بالمتناع ف الارج‪ ،‬وهذا إنا اعتبوه ف الوضوعات الت ليست لا أفراد مكنة‬
‫التحقق ف الارج‪".‬اهص‬
‫ومن هذا يفهم أن مراد ديكارت كان إثبات وجود ذاته وجودا خارجيا‪،‬‬
‫فهو انتقل من إثبات التفكي لذاته‪ ،‬ومعلوم أن التفكي ع َرضٌ‪ ،‬والعرض ل يثبت‬
‫إل لوجود خارجي‪ ،‬فإثباته التفكي إذن لذاته‪ ،‬ف القدمة الت اعتمد عليها‪،‬‬
‫يتضمن إثبات وجود ذاته وجودا خارجيا‪ ،‬لا مرّ ذكره‪ .‬وهذا هو عي الصادرة‬
‫على الطلوب‪.‬‬
‫وقد أشار إل هذا التناقض الذي وقع فيه ديكارت أكثر من واحد من‬
‫الفكرين السلميي‪ ،‬منهم الفكر الكبي ممد باقر الصدر‪ ،‬فقد أشار إل ذلك‬
‫ف كتابه الفيد "فلسفتنا"‪ ،‬الذي يعتب مفتاحا جيدا ف هذا العصر لفهم مدى‬

‫‪31‬‬

‫عمق الفكار الفلسفية والكلمية الت وصل إليها السلمون على اختلف‬
‫(‪)1‬‬
‫مذاهبهم‪ .‬قال ف كتابه الذكور‬
‫"وتكون هذه القيقة ف فلسفة ديكارت حجر الزاوية ونقطة النطلق‬
‫لليقي الفلسفي الذي حاول أن يرج به من التصور إل الوجود‪ ،‬ومن الذاتية‬
‫إل الوضوعية‪ ،‬بل حاول أن يثبت عن طريق تلك القيقة الذات والوضوع‬
‫معا‪ ،‬فبدأ بذاته واستدل على وجودها بتلك القيقة قائل‪":‬أنا أفكر‪ ،‬إذن أنا‬
‫موجود"‪.‬‬
‫وقد يلحظ على ديكارت ف هذا الستدلل أنه يتوي ‪-‬لشعوريا‪ -‬على‬
‫اليان بقائق ل زالت حت الن ف موضع الشك عنده‪ ،‬فإن هذا الستدلل‬
‫تعبي غي فن عن الشكل الول من القياس ف النطق الرسطي‪ ،‬ويرجع فنيا إل‬
‫الصيغة التية‪" :‬أنا أفكر‪ ،‬وكل مفكر موجود‪ ،‬فأنا موجود"‪ .‬ولجل أن يصح‬
‫هذا الستدلل عند ديكارت يب أن يؤمن بالنطق‪ ،‬ويعتقد بأن الشكل الول‬
‫من القياس منتج وصحيح ف إنتاجه‪ ،‬مع أنه ل يزال ف بداية الشوط الول‪،‬‬
‫ول يزال الشك مهيمنا ف عقله على جيع العارف والقائق ومنها النطق‬
‫وقوانينه"اهص‬
‫ثص أشار الصصدر إل أنصه رباص كان ديكارت يؤمصن ببداهصة وجوده‪ ،‬وعدم‬
‫إمكان ال شك ف يه‪ ،‬خ صوصا بلح ظة فكره‪ ،‬ول كن هذا ال مر إذا كان بديه يا‪،‬‬
‫فل توجصد حاجصة إل وضعصه بصصورة السصتدلل الذي اقترحصه هصو‪ .‬ثص قال‬
‫(‪) 2‬‬
‫الصدر‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪32‬‬

‫راجع كتاب فلسفتنا‪ ،‬ص‪.99‬‬
‫فلسفتنا ص‪.101‬‬

‫"ويب أن نعرف قبل كل شيء أن القاعدة الساسية الت أقام عليها مذهبه‬
‫ويقينه الفلسفي وهي (أنا أفكر فأنا إذن موجود)‪ ،‬قد ُن ِقضَتْ ف الفلسفة‬
‫السلمية قبل ديكارت بعدة قرون‪ ،‬حي عرضها الشيخ الرئيس ابن سينا‬
‫ونقدها بأنا ل يكن أن تعتب أسلوبا من الستدلل العلمي على وجود النسان‬
‫الفكر ذاته‪ ،‬فليس للنسان أن يبهن على وجوده عن طريق فكره‪ ،‬لنه حي‬
‫يقول (أنا أفكر فأنا إذن موجود)‪ ،‬إذا كان يريد أن يبهن على وجوده‬
‫بص(فكره الاص) فقط‪ ،‬فقد أثبت وجوده الاص من أول المر واعترف‬
‫بوجوده ف نفس الملة الول‪ .‬وإن كان يريد أن يعل (الفكر الطلق) دليل‬
‫على وجوده فهو خطأ‪ ،‬لن الفكر الطلق يكم بوجود مفكر مطلق ل مفكر‬
‫خاص‪ ،‬وإذن فالوجود الاص لكل مفكر يب أن يكون معلوما له علما أوليا‬
‫بصرف النظر عن جيع العتبارات با فيها شكه وفكره"‪.‬اهص‬
‫هذا هو ما أردنا نقله هنا ما قاله المام الصدر الفكر الشيعي العروف‪،‬‬
‫وقد أشار إل بعض الغلط الخرى الت وقع فيها ديكارت ف كتابه الذكور‪،‬‬
‫وذلك اعتمادا على قواعد النطق‪ ،‬والتفكي الصحيح الذي كان سائر التكلمي‬
‫يتبعونا‪ .‬وهذا الكلم يبي مدى فائدة علم النطق لن تنبه إل قواعده القررة(‪.)1‬‬
‫وقد علق أكثر من واحد من الفكرين العاصرين على دليل ديكارت هذا السمى بالكوجيتو‪،‬‬
‫‪) (1‬‬
‫وسوف أنقل هنا بعض ما ذكره ثلثة معاصرون‪:‬‬
‫أول‪ :‬الشه يد مرت ضى الطهري‪ :‬قال ف كتا به (العدل الل ي) ص‪ " :94‬ف الاش ية ال ت سجلناها ف‬
‫الزء الثان من كتاب "أصول الفلسفة وطريقة معرفة القيقة" قلنا إن جلة ديكارت الشهية "أنا أفكر‬
‫إذن أنا موجود" الت ذاعت على أنا فكرة حديثة وذات متانة ف الفلسفة الوروبية‪ .‬هذه الملة ليست‬
‫ص ل مغزى له‪ ،‬وقصد ذكره ابصن سصينا فص النمصط الثالث مصن الشارات بصصراحة كاملة‬
‫ص فارغ ا‬
‫إل كلم ا‬
‫ووضوح تام ث أبطله ببهان مكم‪ ،‬فلو كانت فلسفة ابن سينا قد ترجت إل الوروبيي لا اعتبوا‬
‫فكرة ديكارت إبداعا جديدا ف الفلسفة"‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫الثال الثان‪ :‬الدليل النطولوجي‬
‫سوف نكتفي بجرد نقل كلم العلمة شيخ السلم ف الدولة العثمانية‬
‫مصطفى صبي رحه ال تعال رحة واسعة‪ ،‬ونتركه يتكلم عن نفسه‪ ،‬ويبي‬
‫وهذه الفقرة ال ت أشار إلي ها الطهري هي قول ا بن سينا (شرح الشارات [‪":)]2/296‬وه مٌ وت نبيه؛‬
‫ولعلك تقول إنا أُثب تُ ذات بوسط من فعلي‪ ،‬فيجب إذن أن يكون لك فعل تثبته ف الفرض الذكور‪،‬‬
‫أو حركة‪ ،‬أو غي ذلك‪ .‬ففي اعتبارنا الفرض الذكور جعلناك بعزل من ذلك‪ ،‬وأما بسب المر العمّ‬
‫فإن فعلك إن أثبتّه فعل مطلقا‪ ،‬فيجب أن تثبت به فاعل مطلقا‪ ،‬ل خاصا هو ذاتك بعينها‪ ،‬وإن أثبته‬
‫فعل لك فلم يثبت به ذاتك جزء‪ ،‬بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك‪ ،‬من حيث هو فعلك‪ ،‬فهو مثبت ف‬
‫الفهم قبله‪ ،‬ول أقل من أن يكون معه ل به‪ ،‬فذاتك مثبتة ل به‪".‬اهص‬
‫ثانيا‪ :‬أما الدكتور طه عبدالرحن ف كتابه فقه الفلسفة‪-‬الفلسفة والترجة‪ ،‬فقد اتذ من هذه العبارة –‬
‫أع ن الكوجي تو(أ نا أف كر إذن أ نا موجود)‪ -‬موضو عا لتحليله لت طبيق نظري ته ف موضوع الترج ة ال ت‬
‫ينب غي أن تت بع‪ ،‬و قد أل قى الضوء على نوا حي عديدة من معا ن هذه العبارة‪ ،‬وأشار إل العد يد من‬
‫جهات النقد ال ت وجهت إليها‪ ،‬ولك نه عزا تلك النوا حي غال با إل الترج ة القا صرة‪ ،‬وم ا قاله ف ص‬
‫‪ ،419‬إن القارئ العرب‪":‬ما دام قد ألقي إليه بعبارة عربية لا شروط تداولية معلومة‪ ،‬فمن حقه بل من‬
‫واج به أن ين ظر في ها‪ ،‬مستشكل لحتوا ها وم ستدل علي ها أو ب ا ب سب هذه الشرائط‪ ،‬ومت استعمل‬
‫التلقي سليقته اللغوية ف الشتغال الفلسفي بذه العبارة‪ ،‬فإنه يصي ل مالة إل وضع دعاوى فلسفية‬
‫وإيراد اعتراضات فكرية ل تتفرع بالضرورة أو ل تتفرع إطلقا على الصل الفرنسي ‪. je pense‬‬
‫وح ت يتو ضح ذلك‪ ،‬ن ستعي ببعض المثلة‪ ،‬فقائل "أ نا أف كر" قد يد عي أن ال ص"أ نا" هو ال صل وأن‬
‫"التفكي" فرع مُنْبَ نٍ عليه‪ ،‬والشاهد على ذلك أنه بإمكانه أن يكرر لفظ "أنا"‪ ،‬فيقول‪":‬أنا أفكر"‪ ،‬من‬
‫غي أن يلغو ف قوله أو يشتط‪ ،‬بينما الصل عند ديكارت هو التفكي‪ ،‬والفرع هو الوجود أي "أنا"‪،‬‬
‫كمصا أن هذا القائل يدعصي أن الصص"أنصا" يوز أن يدرك بغيص التفكيص‪ ،‬بصل يوز أن يدرك باللو عصن‬
‫التفك ي‪ ،‬بدل يل أ نه ي كن أن يقول "أ نا ل أف كر"‪ ،‬ك ما أمك نه أن يقول ‪":‬أ نا أف كر"‪ ،‬فيجت مع وجود‬
‫ال ص"أ نا" مع "عدم التفك ي"‪ ،‬وهذه حقي قة تعارض كل ية مدلول "الكوجي طو" وتأ ت على بنيا نه من‬
‫القواعد‪"..،‬ال ما قاله‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫مراده ف مناقشة الفيلسوف الشهور الذائع الصيت ديكارت‪ ،‬وإن كان هذا‬
‫الفيلسوف ف نظري ل يصل إل مرتبة كثي من علماء الكلم السلمي‪ ،‬ف‬
‫حذقه بالعقولت وتناوله للدلة وتليله لا‪ ،‬ولكن كان الشيخ مصطفى صبي‬
‫معجبا بذا الفيلسوف ل لا له من تفوق ف العلوم والعارف العقلية‪ ،‬وكما يظن‬
‫كثي من العامّة‪ ،‬بل لا كان له من تأثي كبي على عقول الغربيي ف نفي نصزعة‬
‫ثالثا‪ :‬اتبع الدكتور أبو يعرب الرزوقي وجهة أخرى ف انتقاد كلمة ديكارت‪ ،‬وقد وضح بعض ذلك‬
‫ف كتابه شروط نضة العرب والسلمي‪ ،‬وسوف أنقل هنا بعض ما قاله‪.‬‬
‫قال ف ها مش ص‪ 58‬تعلي قا على كل مة ديكارت‪":‬التخلص من الدور يقت ضي أن يتقدم الدل يل‬
‫الوجوديّ الكوجي تو‪ ،‬ل يس ف قط ف الوا جب‪ ،‬بل كذلك ف الوا قع الذي ل يكون واق عا ب ق ي ق‬
‫النطلق منه إل إذا كان مستندا إل الواجب‪ ،‬فيتقدم ا ُلسَْندُ إليه على السند‪".‬‬
‫وقال ف ص‪":59‬وبَيّنٌ أنّ الكوجيتو ليس حقيقة أولية‪ ،‬بل هو مستنتج بدليل قاصر صوريا‪ ،‬فما يكن‬
‫لديكارت أن يستنتجه (إذا ل يقل ضمنيا بشرط الوجود الطلق وراء الوجود الضاف‪:‬الوجود الخدوع‬
‫يفترض الوجود بجرده ع ند ديكارت ضمن يا) ل يس "أُو جد" بإطلق بل "أو جد مدو عا"‪،‬فإذا ل ت كن‬
‫هذه القضية تعن "أوجد وأوجد مدوعا"‪،‬ل يكن لقول ديكارت أدن معن‪ ".‬وقال ف ص‪":60‬لكن‬
‫ديكارت يكون عندئذ قد خدع نا إذ هو قد أب قى على مبدأ ين خارج ال شك(مبدأ العل ية أول‪ ،‬ومبدأ‬
‫كون العلول ل يتض من أك ثر من العلة ثان يا"‪ ،‬فمح صل قوله أي الكوجي تو هو أن الرء ل ي كن أن‬
‫يُخدَع إذا ل ي كن موجودا‪ ،‬وم صّل أ ساس دليله الوجودي هو أن الرء ل يكون علة ل ا هو أك ثر م نه‬
‫كثافة وجودية‪ ،‬خاصة إذا كانت النسبة بي العلة والعلول هي نسبة التناهي إل غي التناهي‪ .‬ولكن إذا‬
‫صح هذا وقبلناه‪ ،‬فإنا عندئذ ينبغي أن نقبل بأن وراء العال با هو خادع وجوده القيقي بكم هذين‬
‫البدأ ين نف سيهما‪ ،‬لذلك فإن الا جة إل الدل يل الوجودي خا صة لي ست تال ية عن الكوجي تو لتحق يق‬
‫النقلة م نه إل إثبات العال الار جي‪ ،‬بل هي متقدمة عليه لكو نه من دون هذا الدل يل يبقى مثلَ العال‬
‫مشكو كَ الوجود الطلق وراء الوجود الضا ف الذي أُث بت له‪ :‬الوجود الخدوع‪ .‬و هي لي ست حا جة‬
‫تابعصة‪ ،‬وإناص هصي عيص الوجدان الذي هصو وجدان العلقصة بيص النصا الشروط والطلق غيص الشروط‪.‬‬
‫وجوهر مضمونه هو الوعي بالوجود الشروط حاصل وج ٌه أول من الوجدان يلزمه ملزمة الشارط‬
‫للمشروط وج ٌه ثان هو الوعي بالوجود غي الشروط حاصل‪...‬ث قال‪":‬والوجود الشروط الاصل هو‬
‫المكن العارض‪ ،‬والوجود غي الشروط الاصل هو المكن الواجب‪ ،‬والصول ف الالة الول يستثن‬
‫المتناع ويث بت الوجوب أ ساسا له‪ :‬وهذا ال ستثناء تليلي صرف‪ .‬ذلك أن طبي عة وجود الكوجي تو‬

‫‪35‬‬

‫الشك واللأدرية الت طغت عليهم ف زمانه‪ ،‬وذلك خلفا لا هو متعارف عليه‬
‫من أنه هو مؤسس فلسفة الشك الطلق‪ ،‬والقيقة أنه ل يكن كذلك مطلقا‪.‬‬
‫قال الشيخ مصطفى صبي ف كتابه العظيم الفائدة‪ ،‬والذي يغفل عنه كثي‬
‫من السلمي ف هذه الزمان(‪:)1‬‬
‫"ومن أساليب ديكارت ف إثبات وجود ال أنه يقول‪":‬إذا قلت [ال] فإن‬
‫أفهم منه جوهرا أزليا غي متناه ول قابلً للتغي عليما قديرا أوجدن وسائر‬
‫الشياء على تقدير ثبوتا‪ .‬فمن أين يأتين هذا الفهوم؟ ومن حيث إنه معن من‬
‫العان يلزم أن يوضح منشأه‪ .‬وهب أن لكون جوهرا أتصور ف نفسي جوهرا‬
‫غيي‪ ،‬ولكن جوهر متناه‪ ،‬فكيف أتصور جوهرا غي متناه‪".‬اهص‬
‫وبعد كلم للشيخ مصطفى صبي قال(‪:)2‬‬
‫"ويدر ب أن ل أنتهي عن الكلم ف فلسفة ديكارت قبل أن أبدي رأيي‬
‫ف دليل هذا الفيلسوف على إثبات وجود ال السمى بالدليل الوجودي والذي‬
‫ذكره صديقي الدكتور عثمان أمي ف كتابه[ديكارت] باسم الدليل‬
‫النطولوجي وأطراه‪ ،‬كما أيده الستاذ الكبي العقاد ف كتابه [ال]‪ ،‬على الرغم‬
‫من أن هذا الدليل اخترعه (سنت آنسله) من فلسفة القرون الوسطى السيحيي‬
‫الديكار ت ل تتجاوز الوجود الضا ف ك ما ب ي ذلك كارل ي سبز‪ ".‬وي كن للقارئ الكر ي الطلع‬
‫على باقي كلمه ف مله‪.‬‬
‫ولكن ل يفى أن النقد العتمد صراحة على أسلوب النطق القدي واصطلحاته‪ ،‬أوضح من النقد الذي‬
‫يستعمل الناقد فيه الساليب العاصرة كالثالي الخيين‪ ،‬لنه أخصر وأوضح وأصرح وأقعد‬
‫كتاب موقف العقل والعلم والعال من رب العالي وعباده الرسلي(‪ )2/222‬لشيخ السلم‬
‫‪)( 1‬‬
‫للدولة العثمانية سابقا الشيخ مصطفى صبي عظم ال تعال ثوابه وأعلى درجته ف الياة الخرى‪.‬‬
‫كتاب موقف العقل والعلم والعال السابق الذكر (‪.)2/224‬‬
‫‪)( 2‬‬

‫‪36‬‬

‫قبل ديكارت‪ ،‬ث انُتقِ َد عليه ف ذلك العهد‪ ،‬وكان لناقده الق‪ .‬ومع هذا فقد‬
‫تسك به ف الرة الثانية كبي فلسفة الغربيي وزعيم التجديد ف الفلسفة أعن به‬
‫ديكارت‪ .‬ث تدد العجاب والفتتان بذاك الدليل ف زماننا على لسان الدكتور‬
‫عثمان أمي والستاذ العقاد‪.‬‬
‫وقد سبق من أن وعدت ف أوائل هذا الكتاب(ص‪ )69-68‬لقول قول‬

‫ف ذلك الدليل بلسان علم النطق القدي(‪ )1‬وأبديت هناك ظن القوي بسحب‬

‫الستاذين الفاضلي اعتمادها على متانة الدليل الذكور بعدالطلع على قول‪،‬‬
‫فيكون ل الشرف ف تصحيح رأيهما بشأنه ف حي أنه ل يؤثر نقد الناقدين من‬
‫قبلي ف إصرارها على العجاب بذلك الدليل‪.‬‬
‫وأكثر من هذا ما يعود إلّ بذه الوسيلة من شرف الدفاع عن النطق‬
‫القدي رغم الستهيني به من الكتاب العاصرين معبين عنه بالنطق الصوري‬
‫أو التجريدي وهم ل يدرون أن قوة هذا العلم البدية تأتيه من فضل صوريته‬
‫كما أن قوة علم الندسة البدية ف صوريته‪ ،‬فلو ل يكن صوريا لكان علما‬
‫وقتيا كما نبه إليه الرياضي الشهي (هانري بوانكاريه) وقد سبق من نقله(‪.)2‬‬
‫ل يعجبن الدليل الوجودي من أدلة ديكارت على إثبات وجود ال‪ ،‬فأراه‬
‫مبنيا على مغالطة خفية استولت على عقول التمسكي به مع مبذيه‪ ،‬وإن كان‬
‫صديقنا الدكتور عثمان أمي اعتن ف كتابه ديكارت ص‪ 143‬بذا الدليل الذي‬
‫ساه دليل أنطولوجيا وعدّه أدقّ الدلة على وجود ال‪ .‬ول يديه ما نقل‬
‫الدكتور ف تكميله عن الفيلسوف ليبنتز ول ما قاله الستاذ الكبي العقاد ف‬
‫‪)( 1‬‬
‫‪)( 2‬‬

‫‪37‬‬

‫أرأيت ل أردنا الكتفاء بجرد نقل كلم هذا المام العلمة‪.‬‬
‫تفكر بدوء وتعن ف قوة هذه الفقرة‪.‬‬

‫كتابه النفيس [ال] عن هذا الدليل الوجودي‪-‬بعد حكاية استهدافه لنقد‬
‫الناقدين إل حد أنم سخروا منه‪:-‬‬
‫"والبهان ف الواقع أقوى وأمت من أن ينال بثل هذا النتقاد‪ ،‬لنا نستطيع‬
‫أن نتصور عشرة دناني دون أن يستلزم وجودَه ف القيقة‪ ،‬لكن ل نتصور‬
‫كمال ل مزيد عليه ث نتصوره ف الوقت نفسه نقصا ل مزيد عليه لنه معدوم‪.‬‬
‫وإذا قلنا أن الديشيليون ل يكن أن يكون أكب عدد‪ ،‬فالديشيليون موجود بغي‬
‫(‪) 1‬‬
‫كلم‪ ،‬وإن ل نستخدمه ف عد شيء من الشياء"‪.‬اهص‬
‫والستاذ العقاد الذي نعترف بدقة فهمه وقوة بيانه‪ ،‬يطئ ف العتماد على‬
‫هذا الدليل مع الفلسفة الخطئي‪ .‬والذي يغره وغيَه ويفرق بي مسألة وجود‬
‫ال ووجود عشرة دناني الذي اتذه الناقدون مثال ف نقض الدليل الذكور‪ ،‬أنه‬
‫يكفي ف إثبات وجود ال مرد تصور مفهومه الدال على غاية الكمال ول‬
‫يكفي لثبات وجود عشرة دناني مرد تصور مفهومها الال عن تلك الغاية‪.‬‬
‫وقد غرّهم أن تصور غاية الكمال لشيء مع الشك ف وجوده‪ ،‬يكون تناقضا‬
‫ونقصا ظاهرا ف حاله‪.‬‬
‫ونن نسلم بأن غاية الكمال ل ُتَتصَوّرُ مع عدم وجود الكمل‪ ،‬وإنا‬
‫يتصور الكمل ف الذهن مقترنا بوجوده حت وجوده الارجي أي مقترنا‬
‫بتصور وجوده ف الارج‪ ،‬لكون مل هذا القتران هو التصور الذي فيه متسع‬
‫للموجود والعدوم والوجودَين التلزمي والعدو َميْ ِن التل ِز َميْنِ‪ ،‬ولكن ل يلزم‬
‫من حضور الكمل ووجوده الارجي ف تصور الذهن متمعي غي منفكي‪،‬‬
‫ت ّققُهما ف الارج كذلك‪ .‬وقد قال علماؤنا النطقيون ل حجر ف‬
‫‪)( 1‬‬

‫‪38‬‬

‫هذه الفقرة من كلم الستاذ العقاد‪ ،‬ف كتابه [ال]‪.‬‬

‫التصورات! فقد يكون الذهن بسبب تصوره ال بعن الكمل‪ ،‬مضطرا إل‬
‫إضافة تصور إل تصوره قائل بوجود هذا الكمل ف الارج من غي أن يكون‬
‫لذين التصورين التولد بعضهما من بعض تأثي ف القيقة‪.‬‬
‫وخلصة ما أقوله‪ :‬إن استخراج البهان على وجود ال من تصور القائلي‬
‫به على أنه جامع لكل كمال‪-‬ومنه الوجود طبعا‪ -‬توهم مض‪ ،‬من نوع‬
‫الصادرة على الطلوب‪ ،‬لن إثبات وجود ال يتوقف على كونه جامعَ كل‬
‫كمال‪ ،‬ف حي أن الكم بكونه جامع كل كمال يتوقف على كونه موجوداً‪،‬‬
‫بناءا على القاعدة النطقية القائلة بأن صدق القضية الوجبة مشروط بوجود‬
‫موضوعها‪ ،‬فيتوقف إثبات وجود ال على كونه موجودا وهو الدور‬
‫والصادرة على الطلوب‪.‬‬
‫وإن أردت تقيق هذه السألة على وجه ل مل لا بعده أن تلتبس على‬
‫الستاذ عقاد والدكتور عثمان أمي اللذين ل يكفهما نقاش الفلسفة قدما ف‬
‫تقيقها‪ ،‬فأقول توضيحا لا قلته هنا‪:‬‬
‫لو كان قول القائل إن ال جامع كل كمال الذي يكون مقدمة من‬
‫مقدمات الدليل النطولوجي الُقام على إثبات وجود ال‪ ،‬مسلم الصدق لكان‬
‫من حق الستاذين أن يعتباه كافيا ف إثبات الطلوب ضرورة أن وجوده يدخل‬
‫ف الكمالت الت هو جامعها ف نفسه دخول أوليا‪ ،‬لكن صدق ذلك القول‬
‫ليس بسلم‪ .‬ول تقل كيف ل يسلم القول بأن ال جامع كل كمال‪ ،‬فأي‬
‫منون يشك فيه؟ لن أقول ل شك ف صدقه وصحته‪ ،‬إل أن كل من يعجبه‬

‫‪39‬‬

‫هذا الدليل قبل ديكارت وبعده يغفلون عن كونم بصدد إثبات وجود ال(‪،)1‬‬
‫فذلك أعن الكم بأن ال جامع كل كمال يب أن يكون مسلم الصدق إل‬
‫بالنسبة إل مله ف دليل إثبات وجود ال‪ ،‬ولذا يصح أن نقول إن ال تعال يلزم‬
‫أن يكون جامع الكمالت عند كل من يؤمن بوجوده‪ ،‬ول يلزم أن يكون المر‬
‫كذلك عند من ل يؤمن بال‪ ،‬فل وجود له عنده ول كونه جامع الكمالت‪،‬‬
‫ومن كان ف صدد إثبات وجود ال‪ ،‬يلزم أن يكون كذلك خال الذهن عن‬
‫وجوده واتصافه بكل كمال إل أن يتسن له الثبات‪.‬‬
‫ونن الذين ل نتردد ف إضافة جيع الكمالت إليه تعال لكوننا آمنا‬
‫حتْ بالنسبة إلينا القضية الوجبة القائلة‬
‫بوجوده أول بدليل غي دليل الكمال فص ّ‬
‫بأنه جامع كل كمال‪ ،‬لتحقق شرط صحتها الذي اشترطه النطق القدي وهو‬
‫وجود الوضوع‪ .‬أما الذي ل يعرف وجود ال ويريد أن يعرفه من كونه جامع‬
‫كل الكمالت أو الذي يعرف وجوده ويريد إثباته لن ل يعرفه بدليل الكمال‬
‫الامع‪ ،‬فيقال له إن سندك هذا ف إثبات وجود ال قضية موجبة تتوقف‬
‫صحتها منطقيا على وجود موضوعها الذي أنت بصدد إثبات هذا الدعى‬

‫إذ ل شك أن السعي لقامة الدليل على إثبات أي مطلب‪ ،‬ليست عبارة عن السعي ف‬
‫‪)( 1‬‬
‫تصيل الاصل الذي هو معدود من الحالت‪ ،‬فل بد أن يكون أصحاب الدليل يعرضه ف معرض‬
‫الاجة إليه‪ ،‬ويلزم على هذا أن يفرض عدم ثبوت وجود ال قبل إقامة الدليل النطولوجي لثبات‬
‫وجوده ف حي القامة‪ .‬نعم ل مانع من أن يكون الناظرون ف دليل ديكارت النطولوجي مقتنعي‬
‫بوجود ال من أدلته الخرى‪ ،‬لكن استقلل هذا الدليل واستغناءه عن الدلة الخرى اللذين بما يكون‬
‫دليل تاما‪ ،‬يقضي على من يدرسه ويتب سلمته من النقد أن يتسع لقطع النظر عن غيه حي إقامته‬
‫فيصحّ الفرض الذي ذكرنا أي فرض عدم ثبوت وجود ال قبل إقامة هذا الدليل‪( .‬هذه تعليقة الشيخ‬
‫مصطفى صبي على الكلم أعله)‬

‫‪40‬‬

‫فتحتاج ف تصحيح دليلك إل مراجعة دعواك‪ ،‬وهي الصادرة على الطلوب‬
‫العروف بطلنا عند العلماء‪.‬‬
‫وما أدق نظر النطق ف اشتراط وجود الوضوع لصحة القضايا الوجبة‬
‫دون اشتراطه ف السالبة(‪ ،)1‬فقولك مثل العنقاء تطي كاذب وقولك العنقاء‬
‫ل تطي صادق مع أن العنقاء اسم طائر‪ ،‬لكن لا كان هذا الطائر ل وجود له‬
‫فأنت تكون كاذبا ف إثبات أي شيء له‪ ،‬وصادقا ف سلب كل شيء عنه‪.‬‬
‫وهذا من دقائق علم النطق أعن النطق الصوري القدي على رغم الستخفي‬
‫به من أهل الثقافة العصرية بصر(‪.)2‬‬
‫نعم يصدق قول أهل العاجم "العنقاء طائر عظيم معروف ومهول السم"‬
‫ول يناف صدقَه ما ذكرنا من القاعدة النطقية‪ ،‬القائلة بأن القضية الوجبة ل‬
‫تصدق بدون وجود موضوعها‪ ،‬لن قول العاجم ذاك قضية لفظية من قبيل‬
‫تفسي اللفظ وشرح الساء الت ل مشاحة فيها‪ ،‬والنطقيون ل يعدون القول‬
‫الشارح من القضايا‪ .‬وإن أبيت إل أن تعده قضية تتضمن حكما إيابيا وتتمل‬
‫الصدق والكذب كما هو شأن القضية‪ ،‬ث قلت إنا صادقة رغم اشتراط النطق‬
‫ف صدقها وجود الوضوع‪ .‬فجوابه أن الراد من قول العاجم العنقاء اسم طائر‬
‫عظيم ال الكم على لفظ العنقاء بأنه اسم لطائر كذا‪ ،‬ول شك ف وجود لفظ‬

‫لقد مضى التنبيه على ذلك عندما نقلنا كلم السعد وشرح اللعبدال عليه‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫يقصد ف زمانه‪ ،‬أقول‪ :‬وقوله هذا صادق على الثقفي ف زماننا أيضا‪ ،‬لننا عبارة عن نتائج‬
‫‪)( 2‬‬
‫للثقافة الضطربة الت سادت ف البلد السلمية وخاصة مصر ف ذلك الزمان‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫العنقاء ف اللسنة وإن كان اسا من غي مسمى‪ ،‬فالكم صادق وشرط الصدق‬
‫(‪)3‬‬
‫موجود‪".‬اهص‬
‫إل هنا ينتهي كلم هذا المام المام‪ ،‬والقيقة أن حل الشكال الذي‬
‫أثاره ف آخر كلمه أسهل ما حاوله‪ ،‬فقد أشار النطقيون ف أثناء تقريرهم لذا‬
‫القضية أعن أنه ل بد ف صدق الوجبة من وجود الوضوع‪ ،‬أن الراد بوجوده‬
‫أعم من وجوده ف الارج‪ ،‬فيصدق على وجوده ف نفس المر‪ ،‬أي يشمل‬
‫وجوده ف الارج وف العقل وف اللغة‪ ،‬وقد سبقت الشارة منا إل هذا القيد‬
‫والتوضيح عند نقلنا لكلم المام العلمة السعد ف كتاب التهذيب ف النطق‪،‬‬
‫وتقريرات العلمة الل عبدال عليه‪.‬‬
‫والقيقية أن كتاب العلمة مصطفى صبي‪ ،‬مليء بالواضع الت تثبت أهية‬
‫وفائدة علم النطق ف مباحث علم الكلم والتوحيد والعقائد‪.‬‬

‫وقد أشار أيضا العلمة الصدر إل نقد ديكارت ف دليله النطولوجي هذا ف كتابه فلسفتنا‪،‬‬
‫‪)( 3‬‬
‫فقال ف ص ‪" :102‬وأخيا فلسنا ف حاجة لتوضيح خلط آخر صدر منه‪-‬أي من ديكارت‪ -‬بي‬
‫فكرة ال والقيقة الوضوعية الت تدل عليها حي آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة عن النسان لنا‬
‫أكب منه‪ .‬والال أنا ل تزيد على فكره‪ ،‬وإنا يستحيل على النسان أن يلق لذه الفكرة حقيقتها‬
‫الوضوعية‪".‬اهص‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫الولة الثانية‪ :‬مع ابن تيمية‬
‫القيقة أن المثلة الت يكن أن نوردها من كلم ابن تيمية على الغالطات‬
‫النطقية الت وقع فيها‪ ،‬كثية جدا‪ ،‬ونن سوف نصص كتابا مستقل لذا المر‬
‫لهيته‪ .‬وأما الن فسوف نقتصر على مثال واحد فقط‪ ،‬وليس قصدنا فيه هو‬
‫الرد على ابصن تيميصة فقصط‪ ،‬بصل قصصدنا أصصالةً هصو بيان أهيصة التفكيص النطقصي‬
‫ض الردّ على ابن تيمية ف ما قاله‪.‬‬
‫الصحيح‪ ،‬وبالعَ َر ِ‬
‫سنورد ه نا نَ صّيْنِ ل بن تيم ية يو ضح فيه ما طريق ته ف ال ستدلل على‬
‫المور العقائد ية‪ ،‬و سنعلق عليه ما با ستعمال قوا عد علم الن طق‪ ،‬ول كن بش كل‬
‫ميسّر وذلك تقريبا لفهمها لدى القراء غي التمكني من قواعد علم النطق‪.‬‬
‫ال نص الول‪ :‬ألف ا بن تيم ية ر سالة خا صة ب ي في ها القوا عد ال ت ي كن‬
‫ا ستعمالا ف الن ظر ف صفات ال تعال‪ ،‬أي الدلة ال ت ي كن اتباع ها ف هذا‬
‫الوضوع‪ ،‬وهذه الر سالة هي"تف صيل الجال في ما ي ب من صفات الكمال‪،‬‬
‫ص اتفصق عليصه ومصا اختلف فيصه أهصل اللل والنحصل والذاهصب منهصا‬
‫والفصصل فيم ا‬

‫‪43‬‬

‫باختلف الدلئل العقل ية والنقل ية في ها"(‪ .)1‬و قد عرض ا بن تيم ية ب عض طرق‬
‫الستدلل على صفات ال تعال‪ ،‬الت يرتضيها هو وطائفته الذين يسميهم بأهل‬
‫الثبات‪ ،‬وهؤلء الثبتة ف القيقة هم عي الجسمة‪ ،‬فل تتوهم أيها القارئ أن‬
‫الراد بم أهل السنة‪.‬‬
‫قال ف هذه الرسالة‪:‬‬
‫"فيقول لم أهل الثبات‪ :‬هذا باطل من وجوه‬
‫أحد ها‪ :‬أن يقال‪:‬الوجودات نوعان‪ ،‬نوع يق بل الت صاف بالكمال كال ي‬
‫ونوع ل يقبله كالماد‪ ،‬ومعلوم أن القابل للتصاف بصفات الكمال أكمل ما‬
‫ل يق بل ذلك‪ ،‬وحينئذ فالرب إن ل يق بل الت صاف ب صفات الكمال لزم انتفاء‬
‫اتصافه با‪".‬اهص‬
‫أقول‪ :‬هذا الكلم إل هذا الدص‪ ،‬يكصن أن يقبصل‪ ،‬لنصه يتكلم عصن مطلق‬
‫الوجود‪ ،‬ومعلوم بالبداهصة أن الوصصوف بالكمال أكمصل مصن غيص الوصصوف‬
‫بذلك‪ .‬هذا الكلم ل يكن أن يالفه أحد‪.‬‬
‫فحاصصل القضيصة أن تقول‪ :‬التصصاف بالكمال الحصض‪ ،‬أكمصل مصن عدم‬
‫ذلك‪ .‬يع ن‪" :‬أن كل كمال م ض فالو صوف به أك مل من غيه"‪ .‬هذا هو‬
‫حاصل القضية الت ل نالف اب َن تيمية فيها‪ .‬ولكن ينبغي أن ندقق بشكل أكب‬
‫ف مفهوم الكمال ال حض الذي ذكرناه‪ ،‬فمق صودنا بالكمال ال حض أي الذي‬
‫يعتب كمال بالنظر لصل الوجود‪ ،‬ل بالنظر لصل الوجود‪ .‬فمعلو مٌ أن الوجود‬
‫هو عبارة عن مفهوم ذهن‪ ،‬وهذا الفهوم ل يساوي الوجود‪ ،‬إل عند من يقول‬
‫‪)( 1‬‬

‫‪44‬‬

‫طبعة دار الكتب العلمية عام ‪1403‬هص ‪1983-‬م‪،‬ملد ‪ ،2‬ص‪.191‬‬

‫بأن الوجود هصو عيص الوجود‪ ،‬وحتص هذا‪ ،‬فإنصه ل ينصع أن يطلق الوجود على‬
‫الع ن الضا ف أو العتباري القول على كثي ين بالتوا طؤ‪ .‬وعلى ذلك فإن كل‬
‫ما ح كم الع قل بأ نه كمال ل صل الوجود‪ ،‬فيلزم أن كل ما ات صف به من‬
‫الوجودات أكمل ما ل يتصف به‪ .‬ولكن هذا ل يلزم إذا حكم العقل أن المر‬
‫العيص إناص هصو كمال لوجود بعينصه أو لنصس أو نوع مصن الوجودات‪ .‬الزواج‬
‫لنس النسان أكمل من عدم الزواج‪ .‬فالزواج هو كمال ل لصل الوجود‪ ،‬بل‬
‫هو كمال لوجود الن سان‪ .‬وحينذاك ل يوز أن يقال‪ ،‬إذا كان الزواج كمال‪،‬‬
‫فكل ما ليس بتزوج أنقص من التزوج! لن هذا القول هو عبارة عن مغالطة‪،‬‬
‫ل نك بذا تكون قد ا ستندت إل الاص لتح كم على العام‪ .‬والق صود بالاص‬
‫هنا ما يصدق على البعض‪ ،‬فما يصدق على البعض ول يصدق على كثيين‪ ،‬ل‬
‫يوز الكم به على الكثيين‪ .‬فتأمل‪.‬‬
‫هذا كان مقد مة للدخول ف الوضوع‪ .‬و هو ما يطلق عل يه ف علم الن طق‬
‫بالقضية الوجهة‪ ،‬أو العنونة‪ ،‬أي القضية الت ارتبط الكم فيها بعنوانا‪ .‬وهي‬
‫تقارب القضية الشروطة‪ ،‬فالقضية الشروطة ل يوز تعميم حكمها إل على ما‬
‫ت قق ف يه الشرط والعنوان‪ ،‬وأ ما ما ل يتح قق ف يه ذلك‪ ،‬فل يوز ال كم عل يه‬
‫بذلك‪ .‬وكثي من الناس يستعملون قضايا ويكمون على الواضيع بدون الشارة‬
‫إل كون ا مشرو طة‪ ،‬أي كون الوضوع مشرو طا بشرط‪ ،‬وهذا‪ ،‬أي عدم ذ كر‬
‫الشرط يسمى ف النطق بعدم توجيه القضية‪ ،‬فالقضية غي الوجهة‪ ،‬قد يدخل‬
‫فيهصا إشكالت عديدة‪ ،‬ولذلك فهصي تسصتعمل كثيا فص الغالطات والجادلت‬
‫الت ل يكون الدف فيها إل إفحام الصم ل الوصول إل الق‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫ول حظ أن ا بن تيم ية ف القض ية الذكورة أعله‪ ،‬تكلم على الوجود‪ ،‬فبدأ‬
‫كلمصه بقوله "الوجودات نوعان" فجعصل عنوان كلمصه هصو أصصل الوجود‪،‬‬
‫ومعلوم أن هذا السم يدخل فيه كل موجود‪ ،‬ول يرج عنه واحد‪ ،‬سواء كان‬
‫ذلك الوجود وا جب الوجود أو م كن الوجود‪ .‬ولذلك ف قد قال ا بن تيم ية ب عد‬
‫ذلك‪":‬فالرب إن ل يقبصل‪..‬ال" فهصو يفهصم أن كلمصه عام لسصتعماله كلمصة‬
‫الوجود‪ ،‬ال ت يد خل ف مفهوم ها الُ تعال‪ ،‬و هو وا جب الوجود‪ ،‬وغيه من‬
‫الوجودات المكنة‪.‬‬
‫ث قال ابن تيمية‪" :‬الوجه الثالث‪ :‬أن يقال‪ :‬نفي سلب هذه الصفات نقص‪،‬‬
‫وإن ل يقدر هناك ضد ثبوت فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا‬
‫متكل ما سيعا ب صيا أك مل م ن ل يكون كذلك‪ .‬وأن ذلك ل يقال سيع ول‬
‫أصصم كالماد‪ ،‬وإذا كان مرد إثبات هذه الصصفات مصن الكمال‪ ،‬ومرد سصلبها‬
‫من النقص وجب ثبوتا ل تعال لنه كمال مكن للوجود‪ ،‬ول نقص فيه بال‪،‬‬
‫بل النقص ف عدمه‪".‬اهص‬
‫هذا تطبيق من ابن تيمية للقاعدة السابقة على بعض الصفات الت يكن أن‬
‫نواف قه على م مل ما قاله في ها‪ ،‬وإن ك نا نال فه ف تف صيلت مراده بال سمع‬
‫والبصر والعلم والكلم وغي ذلك من الصفات‪ ،‬فإنه يفسر هذه الساء بعان ل‬
‫نوافقصه على جواز نسصبتها إل ال تعال‪ .‬وليصس هذا الحصل ملئمصا للكلم على‬
‫ذلك‪ ،‬فقد وضحناه ف كتابنا "الكاشف الصغي"‪ ،‬والن لنكمل كلم ابن تيمية‪،‬‬
‫فقد قال‪:‬‬
‫"وكذلك إذا قدر نا مو صوفي بذه ال صفات أحده ا يقدر على الت صرف‬
‫بذاته فيأت وييء وينبزل ويصعد ونو ذلك من أنواع الفعال القائمة به‪،‬‬

‫‪46‬‬

‫والخر يتنع ذلك منه‪ ،‬فل يكن أن يصدر منه شيء من هذه الفعال‪ ،‬كان هذا‬
‫القادر على الفعال الت تصدر عنه أكمل من يتنع صدورها عنه‪".‬اهص‬
‫ع الن وبعد تقرير القاعدة كما سبق أننا إذا قدرنا ف‬
‫إذن فابن تيمية ُيفَرّ ُ‬
‫أذهان نا مو صوفي بذه ال صفات و هي العلم والقدرة…ال‪ ،‬أحده ا يقدر على‬
‫ال صعود والن صزول وعلىالت صرف بنف سه وغ ي ذلك من أنواع الفعال القائ مة‬
‫به‪ ،‬والخر ل يقدر على ذلك‪ .‬فإننا نكم بأن القادر على ذلك أكمل من غي‬
‫القادر على ذلك‪ .‬يريصد مصن ذلك أن يقول النتيجصة التميصة وهصي أن ال تعال‬
‫يت صف بذه ال صفات (و هي الج يء والتيان وال صعود والن صزول ون و ذلك)‬
‫ك ما صرح به ف موا ضع أ خر‪ ،‬وذلك لن كون ال تعال كامل ل يس ناق صا‬
‫أم ٌر واجب‪ ،‬وبا أن هذه الصفات والفعال كمال‪ ،‬إذن فهي واجبة ل تعال!‬
‫هذه هي طري قة ا بن تيم ية ف ال ستدلل على ما ير يد‪ .‬فالو صف العنوا ن‬
‫عنده ف هذه القضية هو "الوصوف" أي با مضى من الصفات‪ .‬ومعن ذلك‪،‬‬
‫أن الت صاف بالج يء وال صعود والن صزول‪ ،‬لزم ل كل من ات صف بال صفات‬
‫الذكورة‪ ،‬وب ا أ نه كمال إذن هو وا جب ل تعال‪ .‬ومع ن ذلك أن ال سبب ف‬
‫التصاف بالجيء والنصزول والصعود والتصرف بالنفس وغي ذلك‪ ،‬على حد‬
‫تعبي ابن تيمية هو كون الواحد موصوفا بالقدرة والعلم والسمع والبصر‪..‬ال‪.‬‬
‫هذا هو تليل لعبارة ابن تيمية بناءا على القواعد النطقية‪ ،‬وبعبارة غي فنية‬
‫تاما ميل إل التسهيل(‪.)1‬‬

‫‪)( 1‬‬

‫‪47‬‬

‫أي من غي تقيد باستعمال الصطلحات النطقية التعارف عليها‪ ،‬وذلك تقريبا للذهان‪.‬‬

‫ولكن هل ما قاله ابن تيمية هنا صحيح‪ ،‬أي هل ما ادعاه من تلزم بي‬
‫التصاف بالجيء والصعود والنصزول وغي ذلك‪ ،‬وبي كون الواحد موصوفا‬
‫بالعلم والقدرة والسمع …ال‪ ،‬صحيح؟!‬
‫لو دققنا ف النظر لدركنا أنه ل توجد علقة مطلقا بي هذين المرين‪ .‬فإن‬
‫الصعود معناه النتقال من مل ومكان سافل إل مل ومكان عالٍ‪ .‬والجيء هو‬
‫النتقال من مل بعيد منك إل مل قريب منك‪ ،‬والنصزول هو النتقال من مل‬
‫عالٍ إل مل ومكان سافل‪ ،‬وهكذا التصرف بالنفس‪ ،‬فمعناه جواز حدوث أمر‬
‫حادث وزائد على ما هو حاصل بالفعل ف الذات‪ .‬هذه هي معان الصفات‬
‫الثانية اللزمة عن الصفات الول(‪.)1‬‬
‫فالسؤال هنا بعد هذا التوضيح‪ ،‬هو هل الصفات الثانية مترتبة فعل على‬
‫الصفات الول؟ أي هل يلزم كل كامل اتصف بالصفات الول أن يتصف‬
‫بالصفات الثانية؟‬
‫ابن تيمية يقول‪ :‬نعم‪ .‬ونن نقول‪ :‬ل‪.‬‬
‫وإذا دقق القارئ معنا نظره‪ ،‬لعرف ما يلي‪ :‬إن الركة لزمة ل للمتصف‬
‫بالصفات الول فقط‪ .‬بل للمتصف بالحدودية والكان‪ .‬أي إن الصل أن يقال‬
‫كما يلي‪:‬‬

‫للتسهيل والختصار سوف نسمي الصفات التالية‪ :‬وهي السمع والبصر والعلم والقدرة ال‬
‫‪)( 1‬‬
‫ما ذكر ابن تيمية ف النص السابق‪ ،‬بالصفات الول‪ ،‬أو اللزومة‪ ،‬ونسمي الصفات التالية وهي‪:‬‬
‫الجيء والتيان والنصزول والتصرف بالنفس وغي ذلك بالعن الذكور أعله بالصفات الثانية أو‬
‫الصفات اللزمة‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫إن كل من اتصف بالحدودية‪ ،‬أي بكونه مدودا‪ ،‬أي له نايات وأطراف‬
‫وحدود من جيع جوانبه وجهاته‪ ،‬يلزم جواز اتصافه بالصفات الثانية وهي‬
‫النتقال والجيء والصعود والنصزول‪ .‬ول يقال إن كل من كان سيعا قديرا‬
‫عليما جاز اتصافه بالنتقال والجيء والصعود والنصزول‪ .‬فالفرق كبي وواضح‬
‫بي العبارتي‪ .‬والعاقل النصف يعلم أن سبب جواز التصاف بالصفات الثانية‬
‫ليس هو التصاف بالصفات الول‪ ،‬بل هو التصاف بصفات ليست هي‬
‫الثانية ول الول‪ ،‬بل هي أمور أخرى‪ ،‬وهي كون الذات مدودة‪ ،‬فكون‬
‫الذات مدودة فعل هو السبب القيقي ف جواز اتصاف الذات بالنبزول‬
‫والنتقال والجيء والصعود‪ .‬وهذه الصفات (ولنسمها بالصفات الثالثة‪ ،‬أو‬
‫الصفات التوسطة) هي علة التصاف بالصفات الثانية بالفعل‪.‬‬
‫هذا هو التحليل الصحيح لعبارة ابن تيمية‪ ،‬وهكذا يب أن يكون‬
‫الستنتاج الطبيعي ل كما ذكره ابن تيمية‪.‬‬
‫فالواقع أن ابن تيمية قد أسقط السبب القيقي ف التصاف بالصفات‬
‫الثانية‪ ،‬وأوهم القارئ أن السبب الكاف للتصاف با إنا هو التصاف‬
‫بالصفات الول‪ ،‬وليس المر كذلك‪ .‬كما أوضحناه لك‪ .‬فل مدخلية لكون‬
‫الذات موصوفة بالقدرة ف كونا موصوفة بالنتقال والصعود والنصزول‪ .‬ولكن‬
‫السبب القيقي لتصافها بالنصزول والصعود‪ ،‬هو اتصافها بالقدرة أول‪،‬‬
‫واتصافها بكونا مدودة ثانيا‪ ،‬أما مرد التصاف بالقدرة والعلم والسمع‬
‫والبصر‪ ،‬فل مدخلية له ف ذلك‪.‬‬
‫وهذه القدمة الحذوفة من كلم ابن تيمية‪ ،‬هي ف القيقة أصل النصزاع‬
‫بينه وبي معارضيه‪ ،‬ولذلك فقد أخفاها هنا ف كلمه‪ ،‬وأوهم القراء أن لزوم‬

‫‪49‬‬

‫التصاف بالصفات الثانية يكفي فيه التصاف بالصفات الول‪ ،‬وذلك لن‬
‫الصفات الول قد يقول با العارض‪ ،‬بل إن كثيا من معارضي ابن تيمية‬
‫يقولون باتصاف ال تعال با‪ ،‬وأما الصفات الثانية‪ ،‬فل يقول با إل الجسمة‬
‫الذين يسميهم ابن تيمية بأهل الثبات‪ .‬وهذا هو السبب القيقي ف إهال ابن‬
‫تيمية ذكر العلة القيقية ف التصاف بالصفات الثانية‪.‬فتأمل‪ ،‬وهذا هو بعض ما‬
‫يطلق عليه أهل النطق اسم الغالطة‪ ،‬وكثيا ما يستعملها ابن تيمية ف‬
‫مناقشاته للخصوم‪.‬‬
‫وهذا الذي يفعله ابن تيمية من إهال قيد ف القضية‪ ،‬يعب عنه أهل النطق‬
‫بإهال توجيه القضية‪ .‬وهو ل يوز ف الباهي‪.‬بل يستعمله الناس ف السفسطة‬
‫والغالطات والدليات‪ ،‬ما ل ينفع ف الوصول إل القيقة‪ ،‬وهي القصودة‬
‫أصالة ف مال البحث ف العقائد‪ .‬فتأمل‪.‬‬
‫وأما اتصاف الذات بكونا متصرفة ف نفسها‪ ،‬فهذا ينبن كما أشرنا لك‬
‫على كون الذات مكنة قابلة للنفعال والتأثر(‪ ،)1‬ول ينبن على مرد كون‬
‫الذات قادرة عالة سيعة بصية ال‪ .‬وهذه مغالطة أخرى ف كلم ابن تيمية‬
‫السابق‪ .‬وتتم ماكمتها بنفس السلوب السابق‪ .‬فتنبه‪.‬‬
‫النص الثان‪ :‬ونورد هذا النص هنا أيضا لن له مدخلية ببيان حقيقة كلم‬
‫ابن تيمية السابق‪ ،‬كما وضحناه أعله‪ ،‬فقد قال ف الرد على أساس التقديس(‪،)2‬‬
‫ف معرض الرد على المام الرازي‪:‬‬
‫كون ذات ال تعال قابلة للتأثر والنفعال قال به ابن تيمية ف بعض كتبه كما أثبتناه ف‬
‫‪)( 1‬‬
‫كتابنا "الكاشف الصغي"‪.‬فراجعه‪.‬‬
‫[‪.]1/598‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪50‬‬

‫"ويقول له الصم(‪ :)3‬هب أنك تقول ل بد له إذا كان متحيزا من الركة‬
‫والسكون‪ ،‬فنحن نقول‪ :‬إن كل قائم بنفسه ل يلو عن الركة والسكون‪،‬‬
‫فإنه إما أن يكون منتقل أو ل يكون منتقل‪ ،‬فإن كان منتقل فهو متحرك‪ ،‬وإل‬
‫فهو ساكن‪ .‬والركة الختيارية للشيء كمال له كالياة ونوها‪ ،‬فإذا قدرنا‬
‫ذاتي إحداها تتحرك باختيارها والخرى ل تتحرك أصل‪ ،‬كانت الول‬
‫أكمل‪".‬اهص‬
‫لحظ أن ابن تيمية هنا قد أوضح ف كلمه‪ ،‬بأن السبب القيقي لكون‬
‫الذات متصفة بالتحرك والنتقال إنا هو كونا متحيزة‪ ،‬ل كونا قادرة عالة‬
‫ال‪ ،‬كما أوهم ف النص السابق‪ .‬فقد قال هنا‪ ":‬هب أنك تقول ل بد له إذا‬
‫كان متحيزا من الركة والسكون"اهص‪ ،‬فعلق الركة على كونه متحيزا ل‬
‫على كونه عالا‪..‬ال‪.‬‬
‫ث تأمل ف قوله أيضا‪":‬فنحن نقول‪ :‬إن كل قائم بنفسه ل يلو عن‬
‫الركة والسكون"اهب‪ ،‬فهو علق هنا كون الشيء متحركا أو ساكنا‪ ،‬على‬
‫كونه قائما بنفسه‪ ،‬ومعلوم أنه ليس كل قائم بنفسه فهو متحيز‪ ،‬بل هذا هو‬
‫أصل النصزاع أصل‪ ،‬وهو كل قائم بنفسه فهو متحيز؟ ابن تيمية يقول نعم‪،‬‬
‫ونن نقول ل‪ .‬وبالتال فابن تيمية يقول ما دام ال تعال قائما بنفسه فهو‬
‫متحيز‪ ،‬أي مدود‪ ،‬ونن نقول ال تعال قائم بنفسه وليس بحدود‪.‬‬
‫وعلى قول ابن تيمية فإذا كان ال تعال قائما بنفسه‪ ،‬فيلزم كونه مدودا‪،‬‬
‫ويلزم على كونه مدودا أن يكون قابل للتصاف بالركة والسكون‪،‬‬
‫وحينذاك‪ ،‬فإما أن يتحرك بإرادته أو يتحرك ل بإرادته‪ ،‬أي يكون مضطرا ف‬
‫‪)( 3‬‬

‫‪51‬‬

‫وهذا الصم ليس هو إل ابن تيمية بعينه‪.‬‬

‫حركته‪ ،‬ومعلوم أن التحرك بإرادته أكمل من التحرك باضطرار‪ .‬هذا هو‬
‫السلوب الصحيح ف التعبي عن مذهب وقول ابن تيمية‪ ،‬ل كما صوره هو!‬
‫ونن نقول مع ابن تيمية‪ :‬لو فرضنا أن ال تعال مدود فعل‪ ،‬لكان يلزم أن‬
‫يكون قابل للتصاف بالركة والسكون‪ .‬ولكن لن ال تعال ف القيقة ليس‬
‫مدودا‪ ،‬فإنه يستحيل اتصافه ل بالركة ول بالسكون‪.‬‬
‫وتأمل قوله بعد ذلك‪ ":‬والركة الختيارية للشيء كمال له كالياة‬
‫ونوها"اهص‪ ،‬فإنك تراه قد علق كون الركة الختيارية كمال على مرد كون‬
‫المر شيئا‪ ،‬أي موجودا‪ ،‬وليس المر كذلك‪ ،‬بل الركة الختيارية تكون‬
‫كمال‪ ،‬ل لذلك فقط بل لكون المر موجودا‪ ،‬وكونه جسما‪ ،‬أي متحيزا‪،‬‬
‫وفرق كبي بي كون الشيء جسما وبي كونه موجودا‪ .‬فالصحيح أن تكون‬
‫عبارة ابن تيمية السابقة كما يلي‪:‬‬
‫"والركة الختيارية للجسم كمال له كالياة"اهص ل كما قال‪ .‬وأنت‬
‫ت الن تعرف الفرق الكبي بي العبارتي‪ .‬فإنك ل يكن أن تقول بعبارة‬
‫صر َ‬
‫ابن تيمية إل إذا كنت مسما‪ ،‬أي إل إذا كنت تعتقد أن كل شيء موجود فهو‬
‫جسم‪ ،‬أي ل يكن أن يكون المر موجودا وشيئا إل إذا كان جسما‪ ،‬وعلى‬
‫ذلك فهو يقول بأن ال تعال جسم بالعن النفي عند التكلمي وسائر أهل‬
‫السنة‪ .‬فالوجود عنده مقيد بالجسام‪ .‬وأما إذا كنت تعتقد أنه يكن أن يوجد‬
‫موجود ليس بسم‪ ،‬فإنك تعرف أن عبارته تلك خاطئة‪ ،‬وأن التعبي الصحيح‬
‫عند ذاك‪ ،‬إنا هو ما اقترحناه عليك‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫ث تأمل بد ذلك ف قوله ف ناية كلمه‪ ":‬فإذا قدرنا ذاتي إحداها‬
‫تتحرك باختيارها والخرى ل تتحرك أصل‪ ،‬كانت الول أكمل"اهص‪ ،‬فأنت‬
‫تعرف الن أن التعبي الذي كان يب أن يقوله ابن تيمية هو كالتال‪:‬‬
‫"فإذا قدرنا جسمي أحدها يتحرك باختياره‪ ،‬والثان ل يتحرك أصل‪ ،‬كان‬
‫الوّلُ أكملَ‪".‬اهص‬
‫هذه العبارة صحيحة‪ ،‬منطقيا‪ ،‬وصادقة واقعيا‪ ،‬وعقليا‪ ،‬وأما عبارة ابن تيمية‬
‫فهي باطلة بالوجوه الثلثة الذكورة‪ .‬وذلك لمكان وجود موجود ليس بسم‪،‬‬
‫ولذلك ل يقبل الركة ولكنه ف غاية الكمال وهو ال تعال واجب الوجود‪.‬‬
‫هذان النصان كانا عبارة عن مرد تثيل لكثي من الغالطات الوجودة ف‬
‫كلم ابن تيمية‪ .‬وسوف نصص له كتابا نبي فيه تافت مذهبه وطرق‬
‫استدلله‪.‬‬
‫وبذه الناقشات السابقة‪ ،‬أرجو أن يكون قد اتضح مدى قوة استعمال‬
‫البادئ النطقية ف تليل القوال والذاهب ف مال الفلسفة وعلم التوحيد‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫الباب الثان‬
‫مناقشة الخالفي لعلم النطق‬

‫‪54‬‬

‫ما مضى نتبي مدى علقة علم النطق بغيه من العلوم خاصة علم الكلم‬
‫وعلم الصول‪ ،‬ومنه أيضا علم الفقه‪ ،‬وقد احتجنا إل بيان تلك العلقة‪ ،‬لمرين‬
‫الول‪ :‬إثبات ذلك العن ف نفسه‪.‬‬
‫الثا ن‪ :‬بيان غلط من تو هم عدم وجود عل قة ب ي الن طق والعلوم الشرع ية‬
‫الذكورة‪ ،‬وغيها‪.‬‬
‫وكمصا تبنص بعصض العلماء مهمصة إثبات العلقصة الذكورة‪ ،‬فإن بعضصا مصن‬
‫العلماء كتبوا ف سبيل بيان عدم الا جة إل علم الن طق ف أي علم من العلوم‬
‫الشرعية‪ ،‬وبرروا هدفهم ذلك‪ ،‬إما بالستغناء عن النطق بجرد الفطرة‪ ،‬أو بغلط‬
‫مباحث علم النطق ف نفس المر‪.‬‬
‫ولو اسصتعرضنا أسصاء الؤيديصن لعلم النطصق مصن حيصث العدد والكيصف أي‬
‫درجة العلم والتمكن ف سائر العلوم والعارف‪ ،‬بأساء العارضي له بغض النظر‬
‫عن أ سبابم ال ت دفعت هم إل اتاذ ذلك الو قف‪ ،‬لرأي نا رجحان ك فة الؤيد ين‬
‫للمنطق والقول بالاجة إليه‪ ،‬وفائدته على الفريق الخر‪ ،‬ولرأينا الفرق العارض‬
‫تتأر جح به العلل ال ت دف عت به إل العار ضة ما ب ي با حث من صف له نظرات‬
‫تتأمل السألة ف نفس المر‪ ،‬فإما أن يكون ما قاله مصيبا أو غلطا‪ ،‬وهذا ل بأس‬
‫به ول يبعثنا إل مالفته إل ما يقوله ما يظهر لنا بطلنه‪ ،‬ومن يثل هذا القسم‬
‫قليلون‪.‬‬
‫وطائ فة دفع ها عدم علم ها بقي قة الن طق إل معارض ته ككث ي من العلماء‬
‫الذين كانوا متخصصي أصل إما ف الديث أو ف اللغة‪ ،‬أو حت ف مرد الفقه‬
‫والفتاء‪ ،‬ول تقيق لم ف العلوم العقلية ومنها علم النطق‪ ،‬فبعض هؤلء دفعهم‬

‫‪55‬‬

‫عدم علمهصم واختلط عدة أمور عندهصم ككون أصصل النطصق مأخوذا مصن‬
‫الفلسصفة‪ ،‬واختلط كتصب النطصق أو أكثرهصا بالمثله الخالفصة للشريعصة‪ ،‬أو‬
‫اعتمادهم على كلمات من ال سلف الصال من العلماء حلها هؤلء على مطلق‬
‫علم النطق ول يفرقوا بي أمر وأمر‪ ،‬وغي ذلك من السباب‪.‬‬
‫وطائ فة ثال ثة م ن خالفوا أ صل أ صول ال ق ف علم التوح يد‪ ،‬كالج سمة‬
‫والتجريصبيي النافيص لوجود ال تعال‪ ،‬وكالادييص بختلف أصصنافهم ومنهصم‬
‫الاديون الدليون‪ ،‬هؤلء دفعهم إل ماولة نقض النطق كونه با يتوي عليه من‬
‫قواعد كلية‪ ،‬تقوم عليه أصول التوحيد الصحيحة الت يالفها جيع هؤلء‪ ،‬أي‬
‫إن هذه الطائفة لا رأت النطق هو السلح الذي يعتمد عليه أهل الق القائلون‬
‫بالعقائد ال صحيحة‪ ،‬حاولوا ن في ون قض هذه اللة الفكر ية بختلف ال ساليب‬
‫والطرق‪ ،‬لنصزع أهم سلح من بي أيدي القائلي بالعقائد الصحيحة‪.‬‬
‫ولا كان ابن تيمية من بي أهم الساء اللمعة ف هذا الزمان‪ ،‬وقد شاع‬
‫فكره الاص بي كثي من العامة والاصة‪ ،‬حت رأينا بعض العلمانيي يستندون‬
‫إل أفكاره‪ ،‬ورأينا كذلك بعض الخالفي لصول السلم يستندون إل ما قاله‬
‫لتصبير كلمهصم وتريره بيص الناس‪ .‬فصصار الحتجاج بكلم ا بن تيميصة ف هذا‬
‫الع صر يشا به –عند هم‪ -‬الحتجاج بالكتاب وال سنة‪ ،‬وكل ما زاد الكا تب من‬
‫ال ستشهاد بعبارات ا بن تيم ية ومقا طع من كل مه‪ ،‬ازداد ح ظه من هذه الياة‬
‫ارتفاعص اسصه بيص أقرانصه‪ .‬فالعلقصة حاليا‬
‫َ‬
‫الدنيصا الاديصة‪ ،‬وقرّب بذا السصلوب‬
‫أوش كت أن تكون طرد ية كل يا ب ي مواف قة ا بن تيم ية والدعوة إل آرائه وب ي‬
‫ازدياد الكسب الادي‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫ولكننصا ل نلتفصت إل مثصل هذه العوارض الزائلة‪ ،‬التص ل تدل على حقائق‬
‫المور‪ ،‬ول تسصتهوي إل نوعصا معينصا مصن الناس‪ ،‬فمهمبا كان السبم كببيا‬
‫وصاحبا معظما فإننا ل نرى هذا مانعا من الشارة بوضوح إل مالفته للحق‬
‫ف نفس المر‪ ،‬بختلف الدلة والشارات‪ .‬ول يثنينا عن هذا الطريق ما قد‬
‫نواجهه من َعنَتٍ‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬ولكون ابن تيمية من أشهر من كتب ف الرد على النطق‪ ،‬فله ف‬
‫ذلك الكتابات الختصرة والطولة‪ ،‬فإننا أحببنا أن نركز زيادة تركيز على نقض‬
‫أ هم الدلة والحتجاجات ال ت اعت مد علي ها ف الرد على الن طق‪ .‬ولن نقت صر‬
‫على ما قاله ابن تيمية‪ ،‬بل سنضيف إليه كلم بعض الخرين الذين اشتركوا مع‬
‫ابن تيمية ف ماولته نقض النطق‪ ،‬وإن اختلفوا معه ف أهدافهم ودوافعهم إل‬
‫ذلك‪ ،‬بسب ما أشرنا إليه سابقا‪.‬‬
‫و سوف ن صص الكلم ه نا على ذ كر الهات ال ت نا قض في ها ا بن تيم ية‬
‫وغيه عل مَ الن طق‪ ،‬ونذ كر الرد علي ها بش كل م مل وذلك لن للتف صيل مل‬
‫آخر‪.‬‬
‫ونذ كر أي ضا ال سباب القيق ية ال ت دف عت ا بن تيم ية إل الرد على علم‬
‫النطق‪ ،‬مستأنسي ف ذلك كله بأدلة كافيةٍ للمنصف‪.‬‬
‫ولذا فسوف نصص فصل خاصا لناقشة ابن تيمية‪ ،‬ونتبعه بفصول أخرى‬
‫لناقشة بعض من تكلم ف هذا المر من العلماء التقدمي‪.‬‬
‫وبعد أن ننتهي من معارضة ابن تيمية وبيان ضعف أدلته‪ ،‬وتقريراته‪ ،‬سوف‬
‫نتو جه إل مناق شة ب عض العلماء الخر ين الذ ين اشت هر عن هم معار ضة الن طق‪،‬‬

‫‪57‬‬

‫ورف ضه‪ ،‬لنتعرف إل أدلتهم ون صز َن أقوالم بالوازين ال صحيحة‪ ،‬ومنهم المام‬
‫ال سيوطي‪ ،‬ف سوف نناق شه ف كتا به " صون الن طق"‪ ،‬و من ثَمّ ف سوف نتناول‬
‫بالنقد أهم الراء الت نقلها عن التقدمي من العلماء‪ ،‬ونبي ما فيها من وجهة‬
‫نظرنا‪ ،‬وهذا الفصل يؤلف قسما مهما من كتابنا‪ .‬وأخيا نتم الكتاب بفصل‬
‫خاص نورد ف يه ب عض أ هم الفتاوى ال ت تكلم في ها العلماء التقدمون عن علم‬
‫النطق‪ ،‬ونبي ما فيها من مقبول ومردود‪.‬‬

‫الفصل الول‬
‫موقف ابن تيمية الجال من علم النطق‬

‫‪58‬‬

‫نستطيع أن نلخص موقف ابن تيمية من علم النطق بإيراد النص التال من‬
‫كلمه‪ ،‬فقد قال(‪:)1‬‬
‫"أما كتب النطق فتلك ل تشتمل على علم يؤمر به شرعا‪ ،‬وإن كان قد‬
‫أدى اجتهاد بعض الناس إل أنه فرض على الكفاية‪ ،‬وقال بعض الناس إن العلوم‬
‫ل تقوم إل به‪ ،‬كما ذكر ذلك أبو حامد‪ ،‬فهذا غلط عظيم عقل وشرعا‪.‬‬
‫أ ما عقل فإن ج يع عقلء ب ن آدم من ج يع أ صناف التكلم ي ف العلم‬
‫حرروا علومهم بدون النطق اليونان‪ ،‬وأما شرعا فإنه من العلوم بالضطرار من‬
‫دين السلم أن ال ل يوجب تعلم هذا النطق اليونان على أهل العلم واليان‪.‬‬
‫وأما هو ف نفسه فبعضه حق وبعضه باطل‪ ،‬والق الذي فيه كثي منه أو‬
‫أكثره ل يتاج إليه‪ ،‬والقدر الذي يتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به‪،‬‬
‫والبليد ل ينتفع به والذكي ل يتاج إليه‪ ،‬ومضرته على من ل يكن خبيا بعلوم‬
‫النبياء أكثر من نفعه‪ ،‬فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثي‬
‫من الفضلء وكانت سببا لنفاقهم وفساد علومهم‪ .‬وقول من قال إنه كله حق‬
‫كلم باطل‪ ،‬بل ف كلمهم ف الد والصفات الذاتية والعرضية وأقسام القياس‬
‫والبهان ومواده من الفساد ما قد بينّاه ف غي هذا الوضع‪ .‬وقد بي ذلك علماء‬
‫السلمي‪ ".‬اهص‬
‫تليل عبارته‬
‫هذا هو موقف ابن تيمية من علم النطق لصه لنا بعبارته‪ ،‬وسوف نلل‬
‫عباراته تليل نقديا ليتميز مدى ما فيها من مطابقة للصواب‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪59‬‬

‫مموعة الفتاوي [‪]9/169‬‬

‫أول‪ :‬ل تشتمل كتب النطق على علم يؤمر به شرعا‬
‫يدعي ابن تيمية أن كتب علم النطق ل تشتمل على علم يؤمر به شرعا‪،‬‬
‫وسياق كلمه يدل على العموم‪ ،‬ونن نعلم أن الشريعة تأمر بكل ما فيه فائدة‬
‫وم صلحة للن سان‪ ،‬إ ما ف عقيد ته أو ف أعماله‪ .‬وإذا فرض نا أن علم الن طق ل‬
‫يشتمل على علم من شأنه أن يكون مأمورا به ف الشريعة مطلقا‪ ،‬فمعن ذلك‬
‫أنه ل يوجد ف علم النطق أمر من المور الت يكن أن تكون مفيدة للناس ف‬
‫دنيا هم وآخرت م‪ .‬وهذه النتي جة هي الفهوم من عبار ته‪ ،‬ولكن ها باطلة للوجوه‬
‫التالية‪.‬‬
‫وجوه بطلن قوله‬
‫‪-1‬نصصه على صصورة القياس‪ :‬أن ابصن تيميصة نفسصه قال(‪" :)1‬أمصا‬
‫البهان فصورته صورة صحيحة‪ ،‬وإذا كانت موادّه صحيحة‪،‬‬
‫فل ريب أنه يفيد علما"اهص‪ ،‬فهو هنا ينص بصراحة على أن‬
‫صورة القياس الذكورة ف علم النطق صحيحة مطلقا‪ ،‬وأنا‬
‫إن صحت مواد ها فل ر يب أن القياس يف يد عل ما صحيحا‪،‬‬
‫ومعلوم فص العقصل والشريعصة أن مصا كان طريقصا إل العلم‬
‫ال صحيح ف هو مأمور به شر عا‪ ،‬أو أ نه مشروع‪ ،‬فل يوز أن‬
‫يقال إن بعض الطرق الصحيحة الؤدية للعلم غي مأمور با ف‬
‫الشريعة أو أنا غي مشروعة‪.‬‬

‫‪) (1‬‬

‫‪60‬‬

‫مموعة الفتاوي [‪]9/260‬‬

‫فالاصل أن ابن تيمية تناقَضَ هنا‪ .‬والقيقة أن كون صورة القياس‬
‫صحيحة مطلقا هو أمر اتفق عليه سائر العقلء ولذلك فقد اتفقوا على‬
‫القول ب ا وال ض على تعليم ها لل ستفادة من ها‪ ،‬وإن ا جئ نا بعبارة ا بن‬
‫تيمية هنا لن غرضنا هو بيان فساد مقدماته الت جاء با للعتراض على‬
‫علم النطق من نفس كلمه‪.‬‬
‫يبقى هنا شيء‪ ،‬وهو أن ابن تيمية اعترض على حصر الناطقة لواد‬
‫البهان بالواد الت نصوا عليها‪ ،‬وهذا المر سوف نناقشه لحقا‪،‬‬
‫ولكن من العلوم أنه إن اعترض على جهة من جهات النطق وأقر‬
‫ب صحة ج هة أخرى م نه‪ ،‬فإ نه ل يوز له القول بأن علم الن طق ل‬
‫يتوي على علم يؤمر به ف الشريعة‪.‬‬
‫‪-2‬اعترافه بصحة أغلب ما أثبته الناطقة‪ :‬إن ابن تيمية نفسه قد‬
‫قال(‪ )1‬أثناء بيانصه لفسصاد علم النطصق وكتصب الناطقصة‪ ":‬فهذا‬
‫موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه ويعلم أن هؤلء القوم وغيهم‬
‫إن ا ضلوا غالبا من جهة ما نفوه وكذبوا به‪ ،‬ل من جهة ما‬
‫أثبتوه وعلموه‪".‬اهص‬
‫إذن فإن ا بن تيم ية يق ّر بأن الذكور ف ك تب علم الن طق أمرا نِ‪،‬‬
‫الول ما أثبته الناطقة وقرروه‪ ،‬والثان ما نفوه‪ .‬وهو يعترف بصحة‬
‫أغلب ما أثبتوه‪ ،‬ولك نه يالف هم ويد عي غلط هم ف ما نفوه‪ ،‬إذن‬
‫ب عض الذكور ف ك تب الن طق صحيح وبعض ها غلط عنده‪ ،‬فإذا‬
‫كان المصر كذلك فكيصف تأتّىص له أن يقول‪ :‬إن كتصب النطصق ل‬
‫‪) (1‬‬

‫‪61‬‬

‫مموعة الفتاوي‪.]9/261[ ،‬‬

‫تشتمصل على علم يؤمصر بصه شرعصا‪ ،‬وننص نعلم أن طرق العلم‬
‫الصحيحة قد أمرنا با شرعا؟!‬
‫‪-3‬اعترافه بأن بعضه حق‪ :‬إن ابن تيمية قد عارض نفسه ف نفس‬
‫الفقرة النقولة عند قوله‪":‬وأما هو ف نفسه فبعضه حق وبعضه‬
‫باطل"‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬اعتراضه على المام الغزال بأن النطق أساس العلوم‬
‫اعترض ابصن تيميصة على المام الغزال فص قوله بأن علم النطصق هصو أسصاس‬
‫العلوم‪ ،‬وادعى بطلن ذلك بالعقل والشرع‪ ،‬ومع أننا قد تكلمنا على فائدة علم‬
‫الن طق ف الق سم الول من هذا الكتاب‪ ،‬إل أن نا سوف نبي في ما يلي كيف ية‬
‫ا ستدلله العقلي على ذلك‪ ،‬ونبطله‪ ،‬ث نبي ج هة ا ستدلله بالشري عة ونن قض‬
‫استدلله أيضا‪.‬‬
‫أ‪ -‬استدلل ابن تيمية بالعقل على بطلن كلم الغزال‪:‬‬
‫حا صل هذا ال ستدلل‪:‬الدعاء بأن جيع العقلء قد حرروا علوم هم بدون‬
‫النطق اليونان‪ ،‬ويترتب على ذلك –إن صحّ‪ -‬عدم الاجة بالفعل إل النطق‪.‬‬
‫بيان بطلن ادعائه‬
‫هذا الدعاء غلط‪ ،‬وبيان ذلك من وجوه‪:‬‬
‫الوجه الول‪ :‬أن أرسطو من العقلء‪ ،‬وهو قد حرر علومه بناءا على النطق‬
‫الذي أسّسه‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫الوجه الثان‪ :‬أن ابن تيمية قد اعترف ف نفس كتبه بأن كثيا من التكلمي‬
‫قصد تأثروا بالنطصق اليونانص وحرروا كتبهصم بناءا عليصه‪ ،‬مثصل البري والرازي‬
‫والكاتب والمدي وغيهم‪ ،‬وإل فلم اهتم ابن تيمية كثيا بالرد على علم النطق‬
‫ول اهتم أيضا ببيان الغلط الت قد يقع فيها من يعتمد عليه؟ فإن ل يكن ثَمّة‬
‫مَنْ حرر علومه بناءا على هذا النطق‪ ،‬فما الداعي لذا الردّ؟!‬
‫الوجه الثالث‪ :‬معلوم أن كثيا من الفلسفة كابن سينا والفاراب وابن مّلْكا‬
‫قد حرروا علومهم وفلسفاتم بناءا على النطق‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬إن ابن تيمية قد ادعى أن بعض الناس قال‪" :‬إن كل النطق‬
‫حق"‪ ،‬فإذا صح نقله‪ ،‬فإ نه يث بت أن هؤلء قد اعتمدوا على الن طق ف تر ير‬
‫كتبهم لستحالة العدول عن كل الق ف تأليف وترير العلوم عند من يعتقد‬
‫بذلك عادة‪.‬‬
‫وإذا ق صد ا بن تيم ية أن العقلء ل يدر سوا ن فس ك تب الن طق ال ت كتب ها‬
‫اليونان و مع ذلك فإن م قد حرروا علوم هم‪ ،‬فليعلم أن كلم نا ل يس على ن فس‬
‫ب على القوا عد‬
‫الك تب ك ما سبق الشارة إل ذلك‪ ،‬بل كلم نا إن ا هو من ص ّ‬
‫النطق ية سواء ذكرت ف الك تب أم ل تذ كر في ها‪ ،‬ومعلوم أنّ ال سلميي قد‬
‫أكثروا من كتابة الكتب النطقية أيضا‪ ،‬ومعلوم بالضرورة اعتماد كبي من الناس‬
‫على هذه الكتب ف ترير العلوم‪ ،‬وقد ل نتاج نن ف هذا العصر بل حت ف‬
‫زمان ابن تيمية نف سه إل قراءة نفس كتب اليونان للطلع على قوا عد الن طق‬
‫اكتفاءا م نا بقراءة الك تب ال ت حرر ها علماء ال سلمي ف ذلك‪ .‬ولذلك فإن نا‬
‫يكننا ترير ومناقشة علوم غينا بناءا على نفس قواعد النطق ومن دون الاجة‬
‫إل قراءة نفس كتب اليونان‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫وإذا قصصد أن جيصع العقلء قصد اسصتغنوا عصن جيصع القواعصد النطقيصة التص‬
‫يذكر ها العلماء ف كتب هم‪ ،‬و مع ذلك ف قد حرروا علوم هم‪ ،‬فإن كل مه با طل‬
‫بالضرورة‪ ،‬وذلك باللتفات إل إقراره السصابق بأن بعصض الذكور فص كتصب‬
‫النطق هو الصحيح تاما‪ ،‬وللعلم بأن صورة القياس من الشكل الول ل يستغن‬
‫ع نه وا حد من الناس مطل قا‪ ،‬وكذلك مواد القضا يا ال ت في ها الواس والخبار‬
‫والتجربة وغي ذلك‪ ،‬فإن ذلك كله وسائل للعلم استخدمها العقلء جيعا‪.‬‬
‫فالاصصل مصن ذلك كله أن ادعاء ابصن تيميصة بأن ج يع عقلء ب ن آدم قد‬
‫حرروا علومهم بدون النطق اليونان باطل تاما‪.‬‬
‫ب‪ -‬ا ستدلل ا بن تيم ية الشر عي على موق فه من علم الن طق بأن ال‬
‫تعال ل يوجب تعلم هذا النطق اليونان على أهل العلم واليان‪.‬‬
‫فهو عبارة عن مغالطة ل يكن ابن تيمية ليستطيع كتابتها لول اعتماده على‬
‫القواني الغالطية الت ذكرها الناطقة وحذروا منها‪ .‬وبيان ذلك من وجوه‬
‫الوجه الول‪ :‬إذا قصد ابن تيمية أنّ ال لا ل ين صّ ن صّا على وجوب تعلم‬
‫النطق اليونان‪ ،‬فهو إذن حرام وتعلمه باطل لعدم وجود هذا النصّ‪.‬‬
‫فكلم ا بن تيم ية على ذلك يكون باطل تا ما‪ ،‬ل نه من العلوم ك ما سبق‬
‫بيانه أن اللف ليس هو على قراءة نفس كتب اليونان أو كلمهم‪ ،‬بل هو ف‬
‫إفادة القواعصد الذكورة فص كتصب علم النطصق سصواءا وجدت هذه القواعصد فص‬
‫كلم اليونان أو ف كلم غيهم‪ .‬وذلك أنه ل يوز القول برمة الشيء أو بعدم‬
‫شرعي ته لجرد عدم وجود نص على وجو به با سه وشخ صه وعي نه‪ ،‬لن كو نه‬

‫‪64‬‬

‫مشروعا يكن أن يؤخذ من عموم الدلة أو من مطلقها أو بالقياس إل مثيلها‪،‬‬
‫ول يلزم وجود النص التفصيلي لذلك‪.‬‬
‫الوجه الثان‪ :‬إذا كان ابن تيمية ل يقول بوجوب أو شرعية تعلم أمر ما إل‬
‫صتِ الشريعة نصا على ذلك باسه ورسه فهو كلم باطل تاما‪ ،‬لن ذلك‬
‫إذا ن ّ‬
‫يلزم منه تعطيل أوامر الشريعة وعموماتا وإبطال القياس‪ .‬فحاصل استدلل ابن‬
‫تيمية على هذا الوجه أنه يقول‪ :‬ل أقول بشرعية تعلم النطق اليونان إل إذا ورد‬
‫نص ف الشري عة ال سلمية يقول‪":‬إن تعلم الن طق اليونا ن مشروع"‪ ،‬ول كن ما‬
‫دام ل يوجد نص كذلك ف الشريعة‪ ،‬إذن فإن تعلم النطق اليونان هو أمر غي‬
‫مشروع‪ .‬وهذا الكلم باطصل لاص علم مصن أن الكلم دائر ل على اسصم النطصق‬
‫وكونه منسوبا إل اليونان أو إل غيهم‪ ،‬بل يُنظَرُ ف السألة من حيث هل هذه‬
‫القواعد الذكورة ف كتب علم النطق مفيدة أو ل؟ وسواء بعد ذلك أكان العلم‬
‫مكتشفا كفنّ مرتب ومكتوب ف الكتب النسوبة إل اليونان أو إل غيهم‪.‬‬
‫الو جه الثالث‪ :‬كلم ا بن تيم ية مغال طة لقوله‪" :‬إن ال ل يو جب تعلم هذا‬
‫ّصص بقوله "هذا النطبق‬
‫النطبق اليونانب‪..‬ال"‪ ،‬فعلق كلمصه على أمصر مُشَخ ٍ‬
‫اليونا ن" أي إ نه اع تب أن الشري عة ل ا ل تأ مر بتعلم هذا العلم من ح يث كو نه‬
‫يونانيا‪ ،‬إذن فهي ل تأمر به مطلقا‪ ،‬وهذه مغالطة مكشوفة‪.‬‬
‫فإن أحدا من العلماء ل يدّ عِ أن الن طق قد أمرت الشري عة به ل نه من طق‬
‫يونانص أي منسصوب إل اليونان‪ ،‬بصل قائل هذا كاذب ومفترٍ على الشريعصة‪ ،‬ول‬
‫أعلم أحدا مصن الناس قصد ادعصى ذلك‪ .‬ولذلك فإن ادعاء ابصن تيميصة نفصي ذلك‬
‫يوهم بوجود من قال به‪ ،‬وهذا افتراء على الناس وغلط مض‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫ع أو‬
‫بل اللف كما سبق ذكره هو هل تعلم هذه القواعد النطقية مشرو ٌ‬
‫غي مشروع‪ .‬وحاصل الواب إنا يتم بالقول‪ :‬إذا كانت هذه القواعد صحيحة‬
‫فتعلم ها مشروع‪ ،‬وإل فغ ي مشروع‪ .‬هذا هو مل خص ال سألة وك يف ي ب أن‬
‫تب حث‪ ،‬أ ما إدخال حيثيات وجها تٍ في ها –ككو نه يونان يا‪ -‬و هي غ ي داخلة‬
‫فيها أصل فهو سفسطة مضة ومغالطة صرية‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬إذا كان ابن تيمية يوافقنا –على القل‪ -‬ف أن بعض القواعد‬
‫الذكورة ف النطق صحيحة وتؤدي إل العلم الصحيح فل يوز له أن يالفنا ف‬
‫أن تعلم هذه القواعصد على القصل أمصر مشروع‪ ،‬لن هذا يكون مالفصة لنفصس‬
‫الشري عة‪ .‬وظا هر كل مه أ نه ل يو جد ش يء صحيح تأ مر به الشري عة ف علم‬
‫النطق‪.‬‬
‫فمن ذلك يتبي أن كلم ابن تيمية غي صحيح على إطلقه‪.‬‬

‫ثالثا‪ -‬النطق بعضه صحيح وبعضه باطل‬
‫يقول ابن تيمية إن النطق ف نفسه بعضه صحيح وبعضه باطل‪ .‬ومعن المر‬
‫ف نفسه هو الاهية والقيقة الت با هو هو‪ ،‬وحقيقة النطق هي مموعة القواعد‬
‫والقوان ي ال ت إذا اتبع ها الن سان ف تفكيه فإ نه يت نب ال طأ‪ .‬هذا هو مع ن‬
‫النطق ف نفسه‪ .‬وإذا كان هذا هو معناه ف نفسه‪ ،‬فل يوز أن يقال مطلقا إن‬
‫بعضه صحيح وبعضه باطل ف نفسه‪ ،‬بل ما كان كذلك ف نفسه فهو صحيح‬
‫مطلقا‪ ،‬وهو مطابق للشريعة مطلقا‪ ،‬وهو مشروع مطلقا‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫هذا عن الن طق ف نف سه‪ ،‬أ ما الن طق باعتباره ممو عة قوا عد مدو نة ف‬
‫الكتب‪ ،‬أو إذا كان الكلم عن كتاب معي من كتب النطق‪ ،‬فل نستطيع القول‬
‫مطلقا إن كل ما فيه صحيح‪ ،‬بل يكن أن يوجد فيه بعض الغلط‪ .‬ولكن هذا‬
‫الستوى من العن ‪-‬أي كتب النطق‪ -‬ل يقال عليه "النطق ف نفسه"‪ ،‬كما لو‬
‫ت السلم ف نفسه فهو حقّ مطلقا‪ ،‬فكلمك صحيح مطلقا‪ ،‬أما إذا كتب‬
‫قل َ‬
‫العلماء عن ال سلم كت با فل ن ستطيع الزم بأن ج يع ما يكتبو نه ف هو صحيح‬
‫لنه ربا ل يعب عن السلم كما هو ف نفس المر‪.‬‬
‫إذن ل يوز إطلق القول بأن النطق ف نفسه بعضه باطل وبعضه حقّ‪.‬‬
‫رابعا‪ -‬الباطل ما ف كتب النطق‬
‫لقد حدد ابن تيمية الباطل ما ف كتب النطق من قواعد بأنه يكاد ينحصر‬
‫ف الن في‪ ،‬ف ما أثب ته الناط قة فأغل به صحيح ثا بت‪ ،‬ول كن ب عض ما نفوه ف هو‬
‫باطل‪ ،‬هذا هو حقيقة ما يقول به ابن تيمية‪ ،‬كما سبق الشارة إليه‪.‬‬
‫ولكنه هنا يقول إن "أكثر أو كثي من الق الذي ف النطق ل يُحتاج إليه"‪،‬‬
‫وهذا القول غيص مسصلّمٍ على إطلقصه هكذا‪ ،‬فإذا قصصد أن أكثصر الناس ومنهصم‬
‫العوام ف العلوم ل يتاجون إل أغلب تف صيلت الن طق‪ ،‬فرب ا ي سلم له‪ ،‬ول كن‬
‫إذا ق صد أن أك ثر الناس ل يتاجون إل أغلب كليات الن طق ف هو با طل‪ .‬وإذا‬
‫قصد أن أكثر الناس ل يتاجون النطق ف أكثر الوقات‪ ،‬فهذا القول يتاج إل‬
‫تفصيل كما سبق‪ .‬فالتخصصون ف العلوم العقلية يتاجونه دائما‪ ،‬ويتاجون إل‬
‫تفاصيله‪ ،‬وأما غيهم من العوام فربا ل يتاجون إل إل بعض كلياته‪ ،‬بل ربا لو‬

‫‪67‬‬

‫تفح صنا حقي قة الوا قع‪ ،‬فرب ا ين تج عند نا إن العوام أي ضا ي ستعملون القوا عد‬
‫النطقية ف أغلب الوقات‪ ،‬ومن دون دراستهم لا ف الكتب‪.‬‬
‫خامسا‪ -‬البليد ل ينتفع به والذكي ل يتاج إليه‬
‫قوله "والقدر الذي يتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به‪ ،‬والبليد‬
‫ل ينتفع به‪ ،‬والذكي ل يتاج إليه" فهو كلم يتوي على مغالطة‪ ،‬ث بعد ذلك‬
‫ل يسلّمُ له‪.‬‬
‫أما الغالطة فبيانا كما يلي‪:‬‬
‫القصود من النطق ف القيقة هو تلك القواعد الت يتبعها النسان العاقل‬
‫السليم اللقة والصائب ف التفكي إذا فكر وأثناء تفكيه‪ .‬فقد حاول العلماء أن‬
‫يستقرئوا هذه القواعد ويددوها‪ ،‬ويستنبطوا ما أمكن من الطرق ث يدونوها ف‬
‫كتب لكي يسهل على الناس تعلمها والنتباه إليها‪ ،‬فإذا كان هذا هو ما يقصده‬
‫ابن تيمية بقوله "فأكثر الفطر السليمة تستقل به"‪ ،‬فإن كان يقصد بذه العبارة‪:‬‬
‫إن هذه القواعد موجودة ف الفطرة السليمة‪ ،‬فإن قوله مغالطة‪ ،‬لن ما تستقل به‬
‫هذه الفطر السليمة هو حقيقة النطق مل الكلم‪ ،‬وليس أمرا آخر غي النطق‪،‬‬
‫فكيف يقول ابن تيمية بعد ذلك إن الفِطَ َر تستقل به‪ ،‬فهل يستقل بالشيء عن‬
‫عي الشيء؟!‬
‫فإذا قيل إنه يقصد إن الف طر السليمة تستقل عن تعلم النطق من الكتب‪،‬‬
‫يقال‪ :‬إن القوا عد الكتو بة ف الك تب ل يقال إن ا الن طق ف نف سه ك ما سبق‬
‫ذكره‪ ،‬ولكنها كتابة للمنطق وتعبي عن النطق‪ ،‬بل النطق ف نفسه هو عي تلك‬

‫‪68‬‬

‫القوا عد ال ت ي ستخدمها الن سان أثناء تفكيه ل بق يد وجود ها ف ك تب أو ف‬
‫حافظة النسان‪ ،‬فكيف يوز له أن يقول إن الفطر السليمة تستقل به؟!‬
‫فهذا هو بيان الغالطة‪.‬‬
‫وأ ما إن ق صد إن الفطرة ل تعت مد ف تفكي ها على أي من هذه القوا عد‬
‫الذكورة ف كتب علم النطق‪ ،‬فإن جاهي العقلء يناقضونه ف هذا القول‪.‬‬
‫وأ ما قوله‪":‬إن البل يد ل ينت فع به‪ ،‬والذ كي ل يتاج إل يه" ف هو غ ي م سلم‪،‬‬
‫فإن البليد إذا زاول المر وكرره على نفسه فإنه يترسخ فيه ويستحضره وينتفع‬
‫به‪ ،‬وهذا هو السمى بالعقل الكتسب عند العلماء أو الذكاء الكتسب‪ ،‬فإذا كنا‬
‫نقول بقية تلك القواعد ف نفس المر‪ ،‬فل يوز أن يقال إن البليد ل ينتفع با‬
‫إذا تعلمها‪.‬‬
‫وكذلك ل يوز أن يقال إن الذ كي ي ستغن عن ها‪ ،‬فإن هذا القول ي ستلزم‬
‫أن الذكي ل يطئ أبدا‪ ،‬ولكن ل يوجد ذكي واحد ل يقع ف خطأ فضل عن‬
‫أخطاء عديدة‪ ،‬بل ل يو جد إن سان مع صوم عن ال طأ غ ي ال نبياء وهؤلء إن ا‬
‫عصموا بعصمة ال تعال لم‪ ،‬فإذا سلمنا أنه ل ذكي إل ويطئ‪ ،‬فكيف يكن‬
‫دللة هذا الذكيّ على خطئه أو تعرفصه إليصه إل مصن خلل اتباع قواعصد عامصة‬
‫يفحص با الذكي معان ما يقوله ويفكر فيه وياكم با تفكيه بعي القواعد‬
‫الأخوذة من عقله السليم‪ .‬وهذه القواعد هي بعينها النطق‪.‬‬
‫فيلزم إذن احتياج الذ كي والبل يد إل علم الن طق‪ ،‬وبالول ما بينه ما من‬
‫طبقات من الناس‪ .‬ويبطل كلم ابن تيمية‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫بصل عدم احتياج الذكصي إل تلك القواعصد يسصتلزم عدم احتياجصه إل لوازم‬
‫فطرته على حدّ قول ابن تيمية أو إل ما هو جزء منها‪ ،‬بل القول بذلك يستلزم‬
‫القول بعدم احتياج الذكي إل قواعد مطلقا وهو غي صحيح‪.‬‬
‫سادسا– الفاسد ناتة عن النطق‬
‫أ ما ادعاء ا بن تيم ية بأن الفا سد نات ة عن الن طق ف هو غ ي صحيح‪ ،‬بل‬
‫الفا سد ي كن أن ي قع في ها الوا حد ل لجرد التزا مه بدرا سة علم الن طق بل إن‬
‫كثيا من الفا سد وق عت م ن هم أك ثر الناس قر با إل علم الد يث‪ ،‬ف قد ك ثر‬
‫فيهم التجسيم والعقائد الفاسدة‪ ،‬ول يقال إن سبب وقوعهم ف هذه الفاسد إنا‬
‫هو التزامهم بالديث‪ ،‬بل هو سوء تفكيهم وسذاجة تدبرهم لعانيه‪ .‬وكذلك‬
‫إذا وقعت مفسدة من هم متخصصون بعلم النطق فل يقال إن علمهم بالنطق‬
‫هو سبب هذه الفسدة‪ ،‬بل سببها هو سوء تدبرهم وتعقلهم أي مارستهم لنفس‬
‫هذه القواعد‪.‬‬
‫سابعا– ادعى البعض أنه كله كلم حق‬
‫وأما قوله إن البعض ادعى أنه كله كلم حقّ‪ ،‬فإذا قصد هذا القائل ما قلناه‬
‫عن الن طق ف نف سه ف هو صحيح‪ ،‬وحا صل قوله عندئذ‪ :‬إن كل ما هو قاعدة‬
‫صحيحة للتفك ي ف هو حق‪ ،‬أي إن كل ما هو قاعدة إذا التزم ب ا الن سان ف‬
‫تفكيه تعصمه عن الطأ فهذه القاعدة صحيحة وحقّ‪ ،‬فيكون كلمه صحيحا‪.‬‬
‫أما لو قصد أن كل ما كتبه الناطقة ف كتب النطق صحيحٌ‪ ،‬فهذا الكلم‬
‫با طل‪ ،‬وأ نا ل أعرف ح ت الن واحدا قال بذا الع ن‪ .‬وا بن تيم ية ف رده على‬

‫‪70‬‬

‫من يقول بذلك يفهم من كلمه أنه يوجد من قال بذلك‪ ،‬وعليه أن يبي لنا هو‬
‫أو أحد أتباعه من هو القائل‪ ،‬أو يصبح كلمه مرد ادعاء ل دليل عليه‪.‬‬
‫هذا كان تليل سريعا ومت صرا لكلم ا بن تيم ية الذي يُجْمِلُ ف يه رأيَه ف‬
‫علم النطق‪ ،‬بَصيّصنّصا نن أن كلمه غي منطقي مطلقا وغي صحيح‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫الفصل الثان‬
‫رد هجوم ابن تيمة على علم النطق‬
‫ب عد أن ا ستعرضنا مو قف ابن تيمية الجال من علم الن طق‪ ،‬وبينا ض عف‬
‫حجته بل بطلنا‪ ،‬سنورد الن أهم العتراضات التفصيلية الت ذكرها ابن تيمية‬
‫على علم النطق ونناقشها أيضا‪ ،‬لنرى ما فيها‪.‬‬
‫لقد تكلم ابن تيمية على علم النطق ف أكثر من موضع من كتبه‪ ،‬وكتب‬
‫أكثصر مصن كتاب فص بيان اعتراضاتصه على علم النطصق‪ ،‬بعضهصا مطوّل وبعضهصا‬
‫متصر‪ ،‬ولن نورد هنا تفاصيل ما اعترض به ابن تيمية على النطق‪ ،‬لعدم مناسبة‬
‫ذلك لذه الرسالة(‪ ،)1‬ولذلك فقد اخترنا أن نناقش هنا رسالة متصرة كتبها ابن‬
‫تيميصة فص نقصض علم النطصق‪ ،‬وهصي الوجودة فص مموع الفتاوي [‪-9/255‬‬
‫‪ ،]264‬فهي تتوي على خلصة ما يقوله ف هذا الباب‪.‬‬
‫يذكر عادة ف كتب النطق إجال أنه يتألف من ركني الول التصورات‪،‬‬
‫والثان التصديقات‪ ،‬وركن التصورات يتكلم الناطقة فيه على مبادئ التصورات‬
‫و هي الكليات وعلى مقا صد الت صورات و هي التعريفات‪ ،‬ور كن الت صديقات‬
‫‪) (1‬‬

‫‪72‬‬

‫قد يكون من الهم وجود كتاب مفصل ف مناقشة ما قاله ابن تيمية ف هذا القام‪.‬‬

‫يتكلم فيصه الناطقصة على مبادئ التصصديقات وهصي القضايصا‪ ،‬وعلى مقاصصد‬
‫الت صديقات و هي القي سة‪ ،‬مع ما يلحقو نه بذه البواب من مبا حث ملئ مة‬
‫للغرض‪.‬‬
‫ابصن تيميصة ركصز فص ردّه على علم النطصق على الكلم على التصصورات‬
‫والت صديقات‪ ،‬وأورد ف رده على ما ذكره النطقيون ف كل منه ما إيرادات‪،‬‬
‫سوف نبين ها ث ننقد ها تبا عا‪ .‬ول كن لن أك ثر الناس على اختلف طبقات م‬
‫العلم ية ل يعرفون الكث ي من مبا حث علم الن طق! فإن نا سوف ن هد لبيان رد نا‬
‫عليصه بشرح بعصض القواعصد والصصول التص ذكرهصا الناطقصة‪،‬ماص يكون ملئمصا‬
‫للموضوع الذي يتكلم عليه ابن تيمية‪ ،‬وفائدة ذلك هو أن يتضح عند القارئ ما‬
‫قرره الناط قة أول‪ ،‬ل كي يتم كن ب عد ذلك من متاب عة ما نذكره من اعتراضات‬
‫ابن تيمية ونقدنا لكلمه‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫تهيدُ‬
‫أصولٍ ف باب التصورات‬
‫أول‪ :‬أقسام الدللة‬
‫(‬
‫الفنص‪":)1‬اعلم أن أقسصام الدللة سصتة لن الدال لفصظ وغيه‪،‬‬
‫قال الشيصخ‬
‫ودللة كل منهما وضعية وعقلية وطبيعية‪ ،‬فدللة اللفظ وضعا كدللة النسان‬

‫حاشية الفن على شرح الشيخ زكريا النصاري على إيساغوجي‪ ،‬ص‪ ،14‬طبعة مصطفى‬
‫‪) (1‬‬
‫الباب اللب‪ ،‬بصر‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫على اليوان الناطصق وعقل كدللة اللفصظ على لفظصه‪ ،‬وطبعصا كدللة أح على‬
‫وجصع الصصدر‪ ،‬ودللة غيص اللفصظ وضعصا كدللة الشارة بالرأس أو العيص على‬
‫معنص نعصم أو ل‪ ،‬وعقل كدللة الثصر على الؤثصر‪ ،‬وطبعصا كدللة المرة على‬
‫الجل والصفرة على الوجل‪".‬اهص‬
‫فهذه القسام من الدللة يكن للنسان أن يستخدمها ليعرف معان معينة‪،‬‬
‫فهذه الدللت تبي للنسان معان معينة بسب ما تدل عليه‪ ،‬ودللة التعريف‬
‫هي دللة وضع ية‪ ،‬والق صود بذلك إن قول نا الن سان يدل وض عا على اليوان‬
‫الناطصق أو أن نقول إن قولنصا اليوان الناطصق يدل وضعصا على النسصان‪ ،‬فهمصا‬
‫متساويان‪ ،‬والدللة والضعية ليست دللة عقلية مضة‪ ،‬فقولنا "اليوان الناطق"‬
‫ل يدل دللة عقلية على معن النسان‪ ،‬معن ذلك أن واضع اللغة كان يكن أن‬
‫يضع ألفاظا أخرى تدل على معن النسان‪ ،‬لن الوضع تابع للرادة‪ ،‬وما يكون‬
‫تابعا للرادة‪ ،‬فإنه بالنظر لذاته يكن زواله‪.‬‬
‫فإذا كانصت دللة التعريصف على العرّف وضعيصة‪ ،‬والوضعيصة تابعصة للرادة‬
‫فكيف إذن عرفنا معن النسان هل بالوضع أيضا أو بغي الوضع؟‬
‫ي ستحيل أن يكون مع ن الن سان معرو فا بالو ضع‪ ،‬ل نه لو كان كذلك ل ا‬
‫كان عِلما‪ ،‬لن العلم ل يتصور نقيضه وهذا يتصور‪ ،‬إذن فمعن النسان عرفناه‬
‫بالعقل ل مالة‪ ،‬وجعلنا اللفظ الؤلف (حيوان ناطق) دال عليه بالوضع‪.‬‬
‫إذن هناك دالّ ومدلول عليصه ودللة‪ ،‬فالدال هصو لفصظ اليوان الناطصق‪،‬‬
‫والدلول هو مع ن اليوان النا طق‪ ،‬والدللة وضع ية‪ .‬فمع ن اليوان النا طق إذن‬
‫عُلِ َم بالعقل‪ ،‬والعرفة العقلية ل تلو إما أن تكون بديهية أو نظرية مكتسبة‪ ،‬فإن‬

‫‪75‬‬

‫كانت بديهية فل آلة غي العقل لزمة لدراكها بل العقل نفسه هو اللة الكافية‬
‫لذلك‪ ،‬وإذا كانت مكتسبة فل بد من آلة نظرية تساعد العقل لذلك‪.‬‬
‫فإذا كان المر كذلك‪ ،‬فإننا نعلم أن الشخص الذي يتلفظ بالتعريف ل بد‬
‫أن يكون قد عرف معن التعريف بوسائط نظرية عقلية أو بديهية أو ما يشابها‪،‬‬
‫ثّ د ّل غيه باللفظ على العن الذي تعقله‪ .‬وهذا أمر واضح ل يتاج لشرح عند‬
‫العقلء‪ ،‬ول كن إذا ك نا نتنا قش الخالف ي والعترض ي الذ ين ي سلكون أي سبيل‬
‫للدفاع عن قول م‪ ،‬فإن نا ع ند ذاك نكون مضطر ين إل توض يح ال مر الوا ضح‬
‫وشرح ما ل يتاج إل شرح‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الدللة العتبة ف كتب النطق هي الدللة اللفظية الوضعية‬
‫الناطقصة يعرفون تامصا أن دللة اللفصظ على العنص هصي دللة وضعيصة‪ ،‬وإن‬
‫تو سط الع قل للف هم ولكن ها تن سب إل الو ضع أ صالة‪ .‬و هم يعرفون أن العا ن‬
‫لي ست متولدة عن اللفاظ ول كن اللفاظ مشية إل العا ن‪ ،‬وأ ما العا ن ف هي‬
‫مدركة بالعقل إما بداهة وإما اكتسابا‪.‬‬
‫والدللت أقسامها متنوعة كما سبق ذكرها‪ ،‬وهم يعرفون أن واضع الد‬
‫و هو الاد ي ب أن يتصور الع ن ق بل و ضع الل فظ ليدلّ عل يه‪ ،‬ولذلك ف هم قد‬
‫أدركوا أن الد من حيث ما هو معن أي معن الد يتوصل إليه بطرق معينة‬
‫كما سيأت ذكره‪.‬‬
‫ولذلك قال ابن سينا(‪":)1‬كل علم فإنه إما تصور وإما تصديق‪ ،‬وربا كان‬
‫التصور بل تصديق‪ ،‬مثل من يتصور قول القائل‪ :‬إن اللء موجود ول يصدق‬
‫‪) (1‬‬

‫‪76‬‬

‫ابن سينا‪ ،‬كتاب النجاة‪ ،‬ص‪ ،97‬طبعة دار الفاق الديدة‪.‬‬

‫به‪ ،‬ومثل ما يتصور معن النسان وليس له فيه ول ف أي شيء من الفردات‬
‫ت صديق ول تكذ يب‪ ،‬و كل ت صديق وت صور فإ ما مكت سب بب حث وإ ما وا قع‬
‫ابتداء‪ ،‬والذي يكتسصب بصه التصصديق هصو القياس ومصا يشبهصه مصن المور التص‬
‫ذكرنا ها‪ ،‬والذي يكت سب به الت صور ف هو ال د و ما يشب هه من المور ال ت‬
‫سنذكرها‪.‬‬
‫وللقياس أجزاء مصدق با ومتصورة ولل حد أجزاء متصورة وليس يذهب‬
‫ذلك إل غي ناية‪ ،‬حت تكون تلك الجزاء إنا يصل العلم با بالكتساب من‬
‫أجزاء أخرى وهذا شأنا إل غي النهاية‪ ،‬ولكن المور تنتهي إل مصدقات با‪،‬‬
‫ومتصورات بل واسطة‪".‬اهص‬
‫ف ها هو ا بن سينا يو ضح الق سمة القيق ية للعلوم‪ ،‬وي نص صراحة على أن‬
‫التصديقات منها ما هو بديهي ومنها ما هو نظري‪ ،‬والنظري يكتسب بالباهي‬
‫وما يشبهه‪ ،‬وأن التصورات منها ما هو بديهي ومنها ما هو نظري‪ ،‬والنظري‬
‫يكتسب بالدود وما يشابها‪ ،‬وسوف نوضح قريبا ما القصود بالضبط بكلمة‬
‫و ما يشب هه‪ ،‬ول كن الذي نر يد إثبا ته ه نا هو أن الدود هي طري قة من طرق‬
‫معر فة الت صورات النظر ية ولي ست هي الطري قة الوحيدة‪ ،‬لن هناك ما يش به‬
‫الدود وهو طريق إل اكتساب التصورات النظرية‪.‬‬
‫ونقول هنا‪ :‬إذا أريد بالد اللفظ العبّرُ عن العن الطلوب تصوره فهو دال‬
‫على العن الكتسب والدال على الشيء ل يسبقه‪ ،‬فدللته على العن هي دللة‬
‫إشارة‪ ،‬وإذا أريد بالد العن الطلوب اكتسابه وتصوره فهو حال كونه نظريا‬
‫يستحيل أن يكون مكتسبا عند الاد من نفس الد اللفظي‪ ،‬بل يب أن يكون‬
‫مكت سبا من أمور أخرى تؤدي إليه‪ ،‬ول كن هذا الع ن الكت سب من غ ي طريق‬

‫‪77‬‬

‫ال د اللف ظي بالن سبة للحاد نف سه‪ ،‬ي كن أن يكون مكت سبا بع ي ال د اللف ظي‬
‫بالن سبة لغ ي الاد‪ ،‬أي إن نا عند ما ن سمع هذا ال د اللف ظي من فم الاد الذي‬
‫يكون قد توصل إليه بالنظر‪ ،‬فإننا نكتسب تصورا عن مفهوم الحدود ومعناه‪،‬‬
‫وهذا هو الذي يقصده من قال من الناطقة بأن الطريق إل اكتساب التصورات‬
‫النظرية هو الد‪ .‬ولذلك صرح ابن سينا هنا بأن التصورات النظرية تكتسب‬
‫عن طريق الد وما يشبهه‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الد اللفظي طريق إل التعريف بالاهية‬
‫ل ا اه تم الناط قة بالدللة اللفظ ية الوضع ية‪ ،‬صبوا تركيز هم على الطري قة‬
‫اللفظ ية الوضع ية ال ت تو ضح حقي قة الحدود أو تر سه‪ ،‬فعرفو ها بأن ا هي ع ي‬
‫ال د والر سم‪ ،‬ولذلك قالوا‪ :‬إن الطر يق إل اكت ساب الت صورات النظر ية هي‬
‫الدود يق صدون بأن ال د هو الطري قة اللفظ ية الوضع ية ال ت يتو صلون ب ا إل‬
‫تعريف الاهيات وتفهيم الناس حقائق الشياء ورسومها أي ميزاتا وخواصها‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬الد أصالة يطلق على العن‬
‫ال د عر فه البري بقوله(‪":)1‬ال د قول دا ّل على ماه ية الش يء"اه ص‪ ،‬و هو‬
‫سيَ به لشرحه‬
‫السمى بالقول الشارح‪ ،‬قال شيخ السلم زكريا النصاري(‪ّ ":)2‬‬
‫ّفص الشيصء مصا تسصتلزم معرفتُه معرَف َة الشيصء‬
‫الاهيصة‪ ،‬ويقال له التعريصف و ُمعَر ُ‬
‫العرّفِ‪".‬اهص‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪78‬‬

‫راجع مغن الطلب شرح سيف الغلب للفاضل ممد الفوزي‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫الطلع شرح إيساغوجي‪ ،‬ص‪ ،33‬مع حاشية الشيخ الفن‪.‬‬

‫قال الفاضصل ممصد الفوزي(‪":)1‬اعلم أن الديصة حال العنص وصصفته أول‬
‫وبالذات وحال اللفظ وبالعَ َرضِ‪".‬اهص‬
‫وقال ف شرح الراد بكل مة قول(‪":)2‬أ يْ‪ :‬قول معقول أو قول ملفوظ‪ ،‬قال‬
‫السيد الشريف إن القول حقيقة ف العن ماز ف اللفظ‪".‬اهص‬
‫وقال(‪" :)3‬فإن قلتَ‪ :‬لّا عبّر الصنّفُ عن الد بالقول ول يعب عنه بشيء أو‬
‫بؤلف خرج عصن تعريصف الدص بالكتابصة والشارة بأن على الكاغصد‪ :‬النسصان‬
‫حيوان ناطق‪ ،‬وبأن أشي بالشارة العهودة ف الارج‪.‬‬
‫قل تُ‪ :‬إن ال د بالكتابة والشارة داخلن ف تعريف ال د لن الكتابة دالة‬
‫على اللفاظ‪ ،‬واللفاظ على العانص العقولة‪ ،‬فيكون الدص بالكتابصة قول معقول‬
‫وكذا الشارة دالة على العان العقولة‪ ،‬فتكون قول معقول‪".‬اهص‬
‫إذن فالراد من الد أصالة عند الناطقة هو القول العقلي‪ ،‬وبالعرض كل ما‬

‫يدل عل يه من كتا بة وتل فظ وإشارة(‪ ،)4‬وهذا القول العقلي إ ما أن يكون بديه يا‬
‫أو مكت سبا‪ ،‬أ ما البدي هي فنح صل عل يه إ ما عن طر يق الواس أو التواترات أو‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬
‫‪)(4‬‬

‫مغن الطلب‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫مغن الطلب‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫مغن الطلب‪ ،‬ص‪.88‬‬
‫وهذا هو مراد العلمة الصفهان عندما قال ف شرح طوالع النظار للبيضاوي ص‬

‫‪":19‬والقول يطلق على السموع أي اللفوظ‪ ،‬وعلى العقول أي العن القائم بالنفس‪ ،‬والراد به ههنا‬
‫العقول‪ ،‬لنه هو الستلزم للمطلوب"‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫ببداهصة العقصل‪ ،‬وغيهصا(‪ ،)5‬وأمصا القول العقلي الكتسصب فسصوف نفرد له مل‬
‫خاصا فيما يلي‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬طريقة اكتساب الدود‬
‫الد من حيث ما هو قول عقلي فإما أن يكون بديهيا أو نظريا (كسبيا)‪،‬‬
‫فالنظري ل ب ّد أن يكون متو صّل إليه عن طريق معي‪ ،‬فالد النظري إذن ل بد‬
‫له من طر يق‪ ،‬و ف هذا الو ضع سوف نو ضح ب عض ما قاله الناط قة ف طري قة‬
‫اكتساب الدود‪.‬‬
‫قال المام الغزال(‪":)1‬الف صل الا مس ف أن ال د ل يقت نص بالبهان ول‬
‫يكن إثباته عند النصزاع‪ ،‬لنه إن أثبت بالبهان افتقرت إل حد أوسط مثل أن‬
‫يقال مثل حد العلم العرفصة‪ ،‬فيقال له لِ مَ؟ فنقول‪ :‬لن كل علم اعتقاد‪ ،‬وكصل‬
‫اعتقاد معرفة‪ ،‬والعرفة أكب‪.‬‬
‫وينبغصي أن يكون الوسصط مسصاويا للطرفيص‪ ،‬إذ الدص هكذا يكون‪ ،‬وهذا‬
‫مال لن الوسصط عنصد ذاك له حالتان وهاص أن يكون حدا للصصغر أو رسصا أو‬
‫خاصة‪.‬‬
‫الالة الول‪ :‬أن يكون حدا وهو باطل من وجهي‬

‫النجاة لبن سينا‪ ،‬ص‪ 97‬وما بعدها‪ ،‬واليات البينات للرازي ص‪ 116‬مع شرحه لبن أب‬

‫‪) (5‬‬
‫الديد‪.‬‬
‫معيار العلم‪ ،‬ص‪ ،263‬دار الكتب العلمية بتحقيق أحد شس الدين‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪80‬‬

‫أحدها‪ :‬أن الشيء ل يكون له حدا ِن تامان‪ ،‬لن الد ما يمع من النس‬
‫والفصل وذلك ل يقبل التبديل‪ .‬ويكون الوضوع حدا أوسط هو الكب بعينه ل‬
‫غيه وإن غايره ف اللفظ‪ ،‬وإن كان مغايرا له ف القيقة ل يكن حدا للصغر‪.‬‬
‫الثانب‪ :‬إن الوسصط ب ا عرف كو نه حدا للصصغر؟ فإن عرف بدص آ خر‪،‬‬
‫فال سؤال قائم ف ذلك ال خر‪ ،‬وذلك إ ما أن يت سلسل إل غ ي نا ية و هو مال‪،‬‬
‫وإ ما أن يعرف بل و سط فليعرف الول بل و سط‪ ،‬إذا أم كن معر فة ال د بغ ي‬
‫وسط‪.‬‬
‫الالة الثانية‪ :‬أن ل يكون الوسط حدا للصغر بل كان رسا أو خاصة‪،‬‬
‫وهو باطل من وجهي‬
‫أحدها‪ :‬أن ما ليس بد ول هو ذات مقوم كيف صار أعرف من الذات‬
‫القوم وكيف يتصور أن تعرف من الن سان أنه ضحاك أو ما شٍ ول يعرف أنه‬
‫جسم وحيوان؟‬
‫الثا ن‪ :‬أ نه ال كب بذا الو سط‪ ،‬إن كان ممول مطل قا ول يس ب د فل يس‬
‫يلزم منه إل كونه ممول للصغر ول يلزمه كونه حدا‪.‬‬
‫وإن كان حدا فهو مال‪ ،‬إذ حد الاصة والعرض ل يكون موضوع الاصة‬
‫والعرض‪ ،‬فليس حد الضاحك هو بعينه حد النسان‪.‬‬
‫وإن قيصل‪ :‬إنصه ممول على الوسصط‪ ،‬على معنص أنصه حصد موضوعصه فهذه‬
‫مصادرة على الطلوب‪.‬‬
‫فقد تبي أن الدّ ل يكتسب بالبهان‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫فإن قيل‪ :‬باذا يكتسب وما طريقه؟‬
‫قلنا‪ :‬طريقه التركيب وهو أن تأخذ شخصا من أشخاص الطلوب بيث ل‬
‫ينقسم وننظر من أي جنس من جلة القولت العشر‪ ،‬فنأخذ جيع الحمولت‬
‫القومة لا‪ ،‬الت ف ذلك النس‪ ،‬أو ف الشيء الذي يقوم لا كالنس ول يلتفت‬
‫إل العرض واللزم بل يقتصر على القومات ث يذف منها ما تكرر ويقتصر من‬
‫جلتها على الخي القريب‪ ،‬وتضيف إليه الفصل‪.‬‬
‫فإن وجدناه مساويا للمحدود من وجهي فهو الد‪ ،‬ونعن بأحد الوجهي‬
‫الطرد والعكس والتساوي مع السم ف المل‪ ،‬فمهما ثبت الد انطلق السم‪،‬‬
‫ومهما انطلق السم حصل الد‪.‬‬
‫ونعنص بالوجصه الثانص السصاواة فص العنص‪ ،‬وهصو أن يكون دال على كمال‬
‫حقيقة الذات ل يشذ منها شيء‪ ،‬ف كم من ذات متم يز ترك بعض فصوله‪ ،‬فل‬
‫يقوم ذكره فص النفصس صصورة معقوله للمحدود‪ ،‬مطابقصة لكمال ذاتصه‪ ،‬وهذا‬
‫مطلوب الدود‪ ،‬وقد ذكرنا وجه ذلك‪.‬‬
‫ومثال طلب الد‪:‬‬
‫أ نا إذا سئلنا عن حد ال مر‪ ،‬فنشي إل خر معينة ون مع صفاته الحمولة‬
‫عل يه‪ ،‬فنراه أح ر يقذف بالز بد وهذا عر ضي فنطر حه‪ .‬ونراه ج سما أو مائ عا‬
‫وسيال وشرابا مسكرا ومعتصرا من العنب‪ ،‬وهذه ذاتيات فل نقول (جسم مائع‬
‫سيال شراب) لن الائع يغن عن السم‪ ،‬فإنه جسم مصوص والائع أخص منه‪.‬‬
‫ول نقول مائع لن الشراب يغن عنه ويتضمنه‪ ،‬وهو أخص وأقرب فتأخذ‬
‫ال نس القرب التض من لم يع الذاتيات و هو (شراب) فنراه م ساويا لغيه من‬

‫‪82‬‬

‫الشربة‪ ،‬فنفصله عنه بفصل ذات ل عرضي‪ ،‬كقولنا (مسكر يفظ ف الدن أو‬
‫مثله) فيجتمع لنا(شراب مسكر)‪.‬‬
‫فننظر هل يساوي السم ف طرف المل فإن ساواه فتنظر هل تركنا فصل‬
‫آخر ذاتيا ل تتم ذاته إل به؟ فإن وجد معناه ضممناه إليه‪ ،‬كما إذا وجدنا ف‬
‫حد اليوان أنه جسم ذو نفس حساس‪ ،‬وهو يساوي السم ف المل‪ ،‬ولكن‬
‫ثَمّ فصل آخر ذات وهو التحرك بالرادة‪ ،‬فينبغي أن تضيفه إليه‪.‬‬
‫فهذا طريق الدود ل طريق سواه"اهص‬
‫هذا هصو كلم المام الغزال فص شرح كيصف تكتسصب الدود‪ ،‬وهصو وإن‬
‫كان طويل إل إ نه مف يد ف هذا الباب ووا ضح‪ ،‬خا صة بالن ظر إل الثال الذي‬
‫ذكره‪ .‬والقواعصد التص ذكرهصا المام الغزال فص هذا الكتاب قصد تعرض إليهصا‬
‫التقدمون والتأخرون مصن الناطقصة‪ ،‬وسصوف ننقصل فيمصا يلي بعصض النصصوص‬
‫الخرى لفحول الناطقة لنبي اشتهار هذا العن لديهم‪.‬‬
‫قال الواجصه نصصي الديصن الطوسصي(‪":)1‬ول يكتسصب الدص بالبهان لن‬
‫القومات ل يل حق بعلل غي أنف سها‪ ،‬ولذلك تكون واض حة بذوات ا‪ ،‬فل وسط‬
‫أو ضح من ها‪ ،‬بل بتر كب الذاتيات القو مة على ترتيب ها ال طبيعي وإيراد الف صول‬
‫الحصلة لوجود أجناسها أجع‪ .‬وينتفع ف ذلك بتحليل الشيء إل ذاتياته حت‬
‫ينت هي إل أعلى الجناس وف صولا الق سمة‪ ،‬وبق سمته إل جزئياته وأجزائه ح ت‬
‫يعرف ما من شأنه أن يلحقه‪".‬اهص‬

‫‪) (1‬‬

‫‪83‬‬

‫منطق التجريد مع شرحه الوهر النضيد‪ ،‬للحلي‪ ،‬ص‪.222‬‬

‫قال اللي ف شرحه(‪":)1‬لّا منع من اكتساب الد بالبهان ذكر الكاسب‬
‫له‪ ،‬و هو ترك يب الذاتيات القوّ مة على ترتيب ها ال طبيعي‪ ،‬بأن يقدم ال عم على‬
‫الخص كما هو متقدم عليه بالطبع كما تقول النسان حيوان ناطق‪ ،‬ويكتسب‬
‫الد أيضا بإيراد الفصول الحصلة لوجود الجناس أجع‪ ،‬القريب منها والبعيد‬
‫والتوسط"‪.‬اهص‬
‫وكذلك نص العلمة الساوي على ذلك فقرر أن الد ل يكتسب بالبهان‬
‫ول بالقسمة ول بالستقراء ول من جهة ح ّد الضدّ‪ ،‬ث قال(‪":)2‬فإذا تزيفت هذه‬
‫الطرق كل ها فل نبي طر يق اقتناص ال د و هو طر يق الترك يب‪ ،‬وذلك بأن نعمِدَ‬
‫إل الشخاص التص ل تنقسصم مصن جلة الحدود سصواء كان الحدود جنسصا أو‬
‫نوعا‪ ،‬ونتعرف القولة الت هي واقعة فيها من جلة القولت العشر‪ ،‬ول نكتفي‬
‫بشخص واحد بل إن كان الحدود جنسا التقطنا أشخاصا مع أنواع واقعة تته‪،‬‬
‫أو كان نوعا قصدنا إل عدة من أشخاصه ونأخذ جيع الحمولت القومة لا‬
‫التص فص تلك القولة مصن الجناس ومصا هصو كالجناس والفصصول أو فصصول‬
‫الجناس‪ ،‬وأعنص بقول مصا هصو كالجناس الوضوع الأخوذ فص ماهيصة أعراض‬
‫الذات الذي كالنف للفطوسة‪ ،‬ث نأخذ العم ونردفه بالاص القريب مقيدا به‬
‫على ما عرفت التقييد‪ ،‬ونتهد ف الحتراز من التكرير مثل أن نقول جسم ذو‬
‫ن فس ح ساس حيوان‪ ،‬فإن اليوان تكرر تارة مف صل وتارة ممل‪ ،‬فإذا ج عت‬
‫هذه الحمولت على هذا الو جه نازل من ال عم إل ال خص ووجدت ا م ساوية‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫عبده‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫الوهر النضيد شرح منطق التجريد‪ ،‬اللي‪ ،‬ص‪.223‬‬
‫البصائر النصيية‪ ،‬القاضي الساوي‪ ،‬ص‪ ،265‬طبعة دار الفكر اللبنان مع تعليقات ممد‬

‫للمحدود فص المصل والعنص كان القول الؤلف منهصا دال على كمال حقيقصة‬
‫الشيء‪ ،‬وهو الد"اهص‬
‫ث شرع ف شرح مكملت وشروط التعر يف وكيف ية الو صول إلي ها ف‬
‫طريقة التركيب ث قال(‪ ":)1‬والقسمة وإن عزلناها عن رتبة إفادة الد فلها معونة‬
‫ف طريق التركيب"اهص وشرح تفاصيل هذه العونة ما ل حاجة لنا إليه هنا‪.‬‬
‫فأنصت ترى إذن أن الناطقصة قصد شرحوا بالضبصط طريقصة الوصصول إل‬
‫التعر يف‪ ،‬وهذه الطري قة هي الشهورة على أل سنتهم وإن كان للب عض تقيقات‬
‫وتدقيقات ل داعي للخوض فيها ف هذا القام‪ ،‬فالغاية من إيراد كلمهم إنا هي‬
‫الدللة على أن م قد ن صوا بوضوح ف كتب هم على طر يق الو صول إل الدود‬
‫الكتسبة‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬فائدة التعريف إما تصور الكنه أو تييز العرّفِ‬
‫ف الشيء ما يقال عليه لفادة تصوره"اهص‪.‬‬
‫قال العلمة التفتازان(‪":)2‬معرّ ُ‬
‫قال الل عبدال(‪" :)3‬وقصد علمصت أن القصصود بالذات فص هذا الفصن هصو‬
‫الب حث ع نه و عن ال جة‪ ،‬وعر فه بأ نه ما ي مل على الش يء أي العرّف ليف يد‬
‫تصور هذا الشيء إما بكنهه أو بوجه يتاز عن ما عداه"اهص‬

‫البصائر النصيية‪ ،‬الساوي ص‪.266‬‬
‫‪) (1‬‬
‫التهذيب ف النطق للمام العلمة التفتازان‪ ،‬ص‪ ،11‬مع حاشية الل عبدال اليزدي‪ ،‬طباعة‬
‫‪) (2‬‬
‫مؤسسة أهل البيت‪ ،‬مع تعليق السيد مصطفى الدشت‪.‬‬
‫حاشية الل عبدال على التهذيب ف النطق‪ ،‬ص‪.85‬‬
‫‪) (3‬‬

‫‪85‬‬

‫إذن للحصد فائدتان الول هصي تصصوير العرّف‪ ،‬والثانيصة تييزه عمصا عداه‪.‬‬
‫فمعر فة العرّف تكون بالتعر يف بال د التام‪ ،‬وأ ما تييزه ف هي تكون بالتعر يف‬
‫بالد الناقص وبالرسم‪ ،‬كما تكون بالد التام‪.‬‬
‫وقد علّقَ ميزا ممد علي على عبارة الل عبدال ف حاشيته فقال(‪" :)1‬قوله‬
‫أو بو جه يتاز عن ج يع ما عداه‪ :‬هذا التعم يم ليشت مل التعري فُ على الدود‬
‫الناقصة والرسوم فإنا ل تفيد تصور الشيء بالكنه بل امتيازه عن جيع ما عداه‬
‫كما سيأت‪.‬‬
‫وفيه إشارة إل دفع ما ربا يتوهم من أن أحد المرين لزم هنا‪ ،‬إما عدم‬
‫كون هذا التعر يف جام عا أو اشتمال تعر يف القوم على م ستدرك ح يث قالوا‪:‬‬
‫هو ما يستلزم تصوره تصور الشيء أو امتيازه عن كل ما عداه كما هو ظاهر‪.‬‬
‫وحاصله‪ :‬أن التصور هنا أعم منه ف عبارة القوم‪ ،‬فإن مرادهم منه التصور‬
‫بالكنصه‪ ،‬فلذا احتاجوا إل زيادة قولمص أو امتيازه عصن كصل مصا عداه فل يلزم‬
‫مذور‪ ،‬هذا ول يقال إن ما يفيد تصوره تصور الشيء بالكنه يفيد تصوره بوجه‬
‫يتاز عن ج يع الغيار أي ضا فل ي صح الع طف بأو الفيدة للتقا بل وإل يلزم أن‬
‫يعل الشيء قسيما له‪.‬‬
‫لنا نقول‪ :‬الراد أو بوجه يتاز عن جيع ما عداه من غي أن يفيد الطلع‬
‫على الكنه‪ ،‬ف صار حا صل الع ن‪ :‬أن العرف ما يفيد تصوره تصور الشيء إما‬
‫بوجه يتاز عن جيع ما عداه مع الطلع على الكنه أو بوجه يتاز عن جيع ما‬
‫عداه من غي أن يطلع على الكنه‪ .‬أو نقول‪ :‬القصود بالذات ف الشق الول هو‬
‫‪) (1‬‬

‫‪86‬‬

‫حواشي الاشية‪ ،‬ص‪.254‬‬

‫الطلع على الك نه وإن ا ستلزم ذلك المتياز عن ج يع الغيار‪ ،‬لك نه غ ي مراد‬
‫بلفه ف الشق الثان‪ ،‬فإن القصود فيه هو نفس المتياز فقط‪ .‬فافهم‪".‬اهص‬
‫وهذا الكلم صريح ف إفادة التعر يف ل حد المر ين إ ما ت صور القي قة‬
‫والكنه أو بتمييز العرّف عن غيه‪.‬‬
‫وقصد صصرح المام الغزال بذلك فقال(‪" :)1‬والكلي يفهصم فهمصا جليصا‬
‫كالفهوم من مرد اسم الملية وسائر الساء واللقاب للنواع والجناس‪ .‬وقد‬
‫يفهم منهما ملخصا مفصل ميطا بميع الذاتيات الت با قوام الشيء متميزا عن‬
‫غيه ف الذهن تيزا تاما ينعكس على السم وينعكس عليه السم‪".‬اهص‬
‫ث قال(‪":)2‬وما يفهّ ُم الشيءَ هذا الضر بَ من الفهم يسمى حدا كما أن ما‬
‫ُيفَهّ مُ الضرب الول من التفهيم يسمى اسا ولقبا‪ .‬والفهم الاصل من التحديد‬
‫يسمى علما ملخصا مفصل‪ ،‬والعلم الاصل بجرد السم يسمى عل ما جليا‪.‬‬
‫وقد يفهم الشيء ما يتميز عن غيه بيث ينعكس على اسه‪ ،‬وينعكس السم‬
‫عليه‪ ،‬ويتميز بالصفات الذاتية القومة الت هي الجناس والنواع والفصول بل‬
‫بالعوارض والواص‪ ،‬فيسمى ذلك رسا‪".‬اهص‬
‫سابعا‪ :‬الصفات الذاتية والعارضة‬
‫النطقيون يقسمون اللفظ إل كلي وجزئي‪ ،‬فالكلي هو الذي معناه الواحد‬
‫ف الذ هن ي صلح لشتراك كثي ين ف يه كالن سان واليوان‪ ،‬والزئي هو الذي‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪87‬‬

‫معيار العلم‪ ،‬ص‪.253‬‬
‫معيار العلم‪ ،‬ص‪.254‬‬

‫معناه الواحد ل يصلح لشتراك كثيين فيه البتة مثل زيد إذا أريد به هذا الشار‬
‫(‪)1‬‬
‫إليه جلة ل صفة من صفاته‪.‬‬
‫ث يق سّ ُم الناطقة الكليّ إل ذات وعرضي‪ ،‬وننقل إليك ما قال الساوي ف‬
‫هذا الوضوع(‪":)2‬إذا عرفصت أن الكلي الحمول على الشيصء قصد يكون حقيقصة‬
‫الشيء وقد يكون أمرا آخر وراء حقيقته‪ ،‬فلنبي أقسامه على التفصيل‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫اللفصظ الحمول إمصا أن يكون دال على حقيقصة الشيصء أو على صصفة له‪،‬‬
‫وأعنص بالصصفة مصا هصو كالسصم والبيصض بالنسصبة إل النسصان ل كالبياض‬
‫والسصمية‪ ،‬فإن مثصل البياض ل يكون ممول على النسصان إل بالشتقاق‪ ،‬أي‬
‫يشتق منه له اسم كالبيض ويمل عليه كما سنبي بعد‪ .‬والصفة الحمولة إما‬
‫أن تكون داخلة ف ذاته يلتئم منها ومن غيها ذات الشيء وتسمى مقومة ذاتية‬
‫أو ل تكون داخلة ف ذاته بل توجد بعده وتسمى عرضية‪ ،‬فمنها ما يلزم الذات‬
‫ويص باسم العرضي اللزم وإن كان القوم أيضا لزما ومنها ما يفارق الذات‬
‫ويسمى العرضي الفارق‪.‬‬
‫َضيص اللزم‬
‫فالحمولت هصي هذه الدال على الاهيصة‪ ،‬والذاتص ال َقوّم والعَر ّ‬
‫والعرضي الفارق"‬
‫ث شرع العل مة ال ساوي ف شرح الذا ت فقال(‪" :)3‬الذا ت هو الذي يفت قر‬
‫إل يه الش يء ف ذا ته وماهي ته‪ ،‬م ثل اليوان للن سان‪ ،‬فإن الن سان ل يتح قق ف‬
‫ماهيته إل أن يكون حيوانا‪ ،‬وكذا البياض ل يتحقق ف نفسه إل أن يكون لونا‪،‬‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬

‫‪88‬‬

‫البصائر النصيية‪،‬ص‪.35-34‬‬
‫البصائر النصيية‪ ،‬ص‪.36‬‬
‫البصائر النصيية‪ ،‬ص‪.36‬‬

‫وأما ما يفتقر إليه الشيء ف وجوده ل ف ماهيته فليس بذات‪ ،‬مثل كون السم‬
‫متناه يا وكون الن سان مولودا‪ ،‬ولذلك ي كن أن ي سلب التنا هي والولدة عن‬
‫السم والنسان ف التصور‪ ،‬فيتصور جسم غي متناه وإنسان غي مولود‪ ،‬ول‬
‫يكن أن يتصور إنسان ليس بيوان‪.‬‬
‫وهذا وإن ل يكن فرقا عاما بي الذات وما ليس بذات فإن ما ليس بذات ما‬
‫يتنع سلبه عن الشيء‪ ،‬لكنه فرق بي هذه المثلة‪ .‬وقد قنع بعضهم بذا القدر‬
‫ف تعريف الذات فقال‪:‬‬
‫الذات هو الذي ل يكن رفعه عن الشيء وجودا وتوها‪ ،‬وهذا غي كا ٍ‬
‫ف‬
‫ف تييز الذات عن غيه‪ ،‬فإن من اللوازم ما ل واسطة بينه وبي الشيء بل يلزمه‬
‫لذاته كما تعرفه‪ ،‬ومثل هذا يتنع رفعه عن ملزومه مع استثبات اللزوم وجودا‬
‫ووهاص‪ ،‬فإذن الذاتص متصص بزيادة على هذا القدر وهصي أنصه مصع كونصه معقول‬
‫للشيء متنع الرفع عنه يسبق تصوره على تصور ما هو ذات له‪.‬‬
‫وبيان هذا أن كل شيء له ماهية ملتئمة من أجزاء فإنا توجد ف العيان إذا‬
‫كانصت أجزاؤهصا موجودة حاضرة معهصا‪ ،‬وحضور أجزائهصا هصو وجودهصا أول‬
‫وبقاؤها ما دام الشيء باقيا‪ ،‬وإذا ل توجد ف العيان إل على هذا الوجه‪ ،‬وهذا‬
‫هو تقدم الجزاء عل يه تقد ما بالذات ل بالزمان‪ ،‬فكذلك ل تو جد ف الذهان‬
‫إل على وفق وجودها ف العيان‪ ،‬إذ العلم صورة الذهن الطابقة للمر الوجود‪،‬‬
‫فتكون الجزاء سصابقة فص التصصور كمصا هصي فص الوجود‪ ،‬فإذا أخطرت الاهيصة‬
‫بالبال وأخطرت أجزاؤها معقولة أول‪ ،‬مثل اليوان والناطق اللذين ها داخلن‬
‫فص ماهيصة النسصان‪ ،‬فل يكصن أن يعقصل النسصان إل وقصد عقصل أول اليوان‬
‫والناطق‪ ،‬نعم ربا ل يكونا مفصلي ف الذهن وليس كل ما ل يكون مفصل ل‬

‫‪89‬‬

‫يكون معلوما‪ ،‬فكثي من العلومات ليس مفصل‪ ،‬وأما اللوازم فل يسبق تصورها‬
‫ص تابعصة إياه فص الوجود أو‬
‫على تصصور الشيصء بصل إذا تص الشيصء تصصور لزومه ا‬
‫الاهية‪.‬‬
‫فللذات أوصاف ثلثة يشاركه بعض اللوازم ف اثني منها‬
‫الول‪ :‬أن الذات إذا خطر بالبال وأخطر ما الذات ذات له بالبال علم وجود‬
‫الذات له ل مالة بيث يتنع سلبه عنه‪ ،‬وبعض اللوازم أيضا كذلك‪.‬‬
‫والثان‪ :‬أن الذات متقدم ف التصور على ما هو ذات له‪ ،‬وهذا هو الوصف‬
‫الذي ل يشاركه فيه شيء من اللوازم‪ ،‬وهي الاصة الت ل يشاركه فيها شيء‬
‫من اللوازم‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن ل يكون مستفادا للشيء من غيه‪ ،‬فليس النسان حيوانا لعلة‬
‫جعل ته حيوا نا‪ ،‬بل لذا ته هو حيوان‪ ،‬إذا لو كان لعلة لم كن فر ضه إن سانا غ ي‬
‫حيوان ع ند فرض عدم العلة‪ ،‬ول يس هذا م صيا إل أن اليوان و جد لذا ته من‬
‫غي علة أوجدته‪ ،‬كل بل الراد أن شيئا ما ل يعل النسان حيوانا‪ ،‬نعم الذي‬
‫جعل النسان فقد جعل اليوان بعله النسان‪ ،‬لن النسان حيوان ما‪ ،‬فإحداثه‬
‫إحداث حيوان ما‪.‬‬
‫أما أن يقال جعل النسان ث أفاده اليوانية فل‪ ،‬إذا تكون النسانية متقومة‬
‫دون اليوانية‪ ،‬ث تكون اليوانية واردة عليه من خارج وهو مال‪.‬‬
‫وهذا الو صف أي ضا م ا تشر كه ف يه اللوازم ال ت تلزم الش يء لاهي ته ل ف‬
‫وجوده‪ ،‬مثصل كون الثلثصة فردا‪ ،‬أو الثلث مسصاوي الزوايصا لقائمتيص‪ ،‬فليسصت‬
‫الفرد ية موجودة لعلة أفادت ا‪ ،‬بل الثل ثة ف نف سها وماهيت ها ل تكون إل فردا‪،‬‬

‫‪90‬‬

‫فإذا أوجدت عل ٌة ثلثةً ف قد أوجدت فردا ل أن ا أوجدت الفردية للثل ثة‪ ،‬ففرق‬
‫ب ي أن يو جد شيئا وب ي أن يوجده لش يء‪ ،‬فإن مقت ضى قول نا يوجده لش يء أن‬
‫يوجد ذلك الشيء دون ذلك المر ث يفيده بعد ذلك المر‪".‬اهص‬
‫وقال السصاوي فص شرح ماهيصة العرضصي(‪ ":)1‬العرضصي ينقسصم إل لزم‬
‫ومفارق‪ ،‬واللزم إما أن يلزم الشيء ف ماهيته أو لمر من خارج‪ ،‬وما يلزمه ف‬
‫ماهيته قد يكون بينه وبي الشيء وسط وقد ل يكون وسط‪ ،‬وأعن بالوسط ما‬
‫يلزمه اللزم أول ث بسببه يلحقه الشيء‪ ،‬فما ل وسط بينه وبي الشيء يكون‬
‫بي اللزوم له‪ ،‬فيمتنع رفعه عنه ف الوهم‪ ،‬وإن ل يكن ذاتيا فل تغتر بقولم إن‬
‫الذات هو الذي يتنع رفعه عن الشيء‪ ،‬وما ليس بذات فل يتنع رفعه‪ ،‬فإن مثل‬
‫هذا اللزم ل يس بذا ت مع امتناع رف عه عن الش يء وجودا ووه ا‪ ،‬ومثاله كون‬
‫الثل ثة فردا‪ ،‬وكون الن سان م ستعدا لقبول العلم‪ ،‬و ما له و سط فيمت نع رف عه‬
‫أي ضا إذا علم وجو به ولزو مه من ج هة ذلك الو سط الل هم إل إذا ل يعلم ب عد‬
‫لزومه بسبب ذلك الوسط‪ ،‬وهذا مثل كون الثلث مساوي الزوايا بالقائمتي‪.‬‬
‫وأمصا اللزم بسصبب أمصر خارجصي فمثصل السصود للزنيص والذ كر والنثصى‬
‫للحيوان والبيض للطائر السمى قِفدُسا‪ ،‬ومثل هذا قد يفارق الشيء وها مع‬
‫بقاء الشيء بعينه ف الذهن"اهص‬
‫فمصن ذلك يتضصح الفرق بيص اللزم والعرضصي وسصوف يزداد هذا المصر‬
‫وضوحا با ننقله لحقا عن بعض الحققي‪.‬‬

‫‪) (1‬‬

‫‪91‬‬

‫البصائر النصيية‪ ،‬الساوي‪.‬ص‪.38‬‬

‫نقض‬
‫إيرادات ابن تيمية على التصورات‬
‫بعد أن بينا بعض القدمات الهمة ف النطق‪ ،‬نشرع هنا ف ذكر اعتراضات‬
‫ابن تيمية على علم النطق‪ ،‬ومناقشته فيما قال‪.‬‬
‫العتراض الول‪ :‬العرفة التصورية مصورة بالد‬
‫قال ابن تيمية(‪" :)1‬وأما الد فالكلم عليه ف مواضع‬
‫أحدهصا‪ :‬دعواهصم أن التصصورات النظريصة ل تعلم إل بالدص الذي ذكروه‪،‬‬
‫فالقول فيصه كالقول فص أن التصصديقات النظريصة ل تصصل إل بالبهان الذي‬
‫صه أن الادّ إن عرف‬
‫صل على ذلك‪ ،‬ويدل على ضعفص‬
‫صروا مواده‪ ،‬ول دليص‬
‫حصص‬
‫الحدود ب ّد غيه فقد لزم الدور أو التسلسل‪ ،‬وإن عرفه بغي حدّ بطل الدعى‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬بل عرفه بالد الذي انعقد ف نفسه كما عرف التصديق بالبهان‬
‫الذي انع قد ف نف سه ق بل أن يتكلم به‪ ،‬ق يل‪ :‬البهان مبا ين للنتي جة‪ ،‬فإن العلم‬
‫‪) (1‬‬

‫‪92‬‬

‫مموع الفتاوي [‪]9/262‬‬

‫بالقدمتي ليس هو عي العلم بالنتيجة‪ ،‬وأما الد النعقد ف النفس فهو نفس‬
‫العلم بالحدود‪ ،‬وهو الطلوب‪ ،‬فأين الد الفيد للعلم بالحدود‪".‬اهص‬
‫هذا هو ما قاله ابن تيمية ف الوضع الول من نقضه لبحث التصورات‪،‬‬
‫والقيقة أن الذي ينظر ف كلمه من غي تعن ول تدبر‪ ،‬فإنه يغتر به ويسبه‬
‫الظمآن ماءا‪ ،‬وقد انر وراء هذا الشكال بعض الباحثي ف هذا العصر وحسبوا‬
‫أن هذا اليراد قوي ومبن على أسس متينة‪ ،‬فقلدوا ابن تيمية وأظهروا إعجابم‬
‫به‪ ،‬وهذا إن دلّ فإنه يدل على أمرين‬
‫الول‪ :‬انراف نفوس هؤلء الناس إل الغربيي‪.‬‬
‫والثان‪ :‬جهلهم بكثي من أصول علم النطق‪.‬‬
‫فالثا ن وا ضح‪ ،‬وأ ما الول ف قد ي ستغربه القارئ‪ ،‬ولكن نا توضي حا لذلك‬
‫نقول‪ :‬إن الوجة السائدة ف الغرب ف هذه العصور هي موجة نقد وإبطال كل‬
‫ما يت إل الصول العقلية الراسخة الت ل تنبن العقائد إل عليها‪ ،‬والغرب مائل‬
‫كذلك إل القواعد العملية أكثر من ميله إل العقليات حت بلغ بالبعض أن يضع‬
‫اللغصة موضصع التفكيص نفسصه(‪ ،)1‬وهذا مغالة فص إنكار العقليات التص ل تسص‬
‫بالواس المس بل تدرك إدراكا عقليا‪ .‬فلما رأى هؤلء القلدون التيار الغرب‬
‫ووجدوه قد وجه كل هه لدحض النطق اليونان بق أو بغي حق‪ ،‬بل ونفى‬
‫كل قاعدة منطقية سواء أكانت من اليونان أم من غي هم‪ ،‬بث ب ي ال سلمي‬
‫عمن حاول نقض القواعد النطقية فوجد ابن تيمية‪ ،‬فلهج لسانه بذكر عبقريته!‬
‫ياول بعضهم إثبات السبق وبعضهم إثبات موافقته لم‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪93‬‬

‫انظر النطق الوضعي‪ ،‬زكي نيب ممود‪ ،‬ج‪.1‬‬

‫ول يدرك هؤلء النبهرون بالتيار الغرب أن القاصد القيقية الت دفعت ابن‬
‫تيميصة إل نقصض علم النطصق وإيراد هذه الشبهات إناص هصي إيانصه بأن ال تعال‬
‫جسم وله خصائص الجسام‪ ،‬واعتقاده التام بذهب التجسيم كما وضحناه ف‬
‫كتاب الكاشف الصغي‪ .‬فإن القواعد النطقية آلة قوية لدحض القولة القائلة كل‬
‫موجود فهو ف جهة وغي ذلك من مبادئ مذاهب الجسمة‪.‬‬
‫وعلى كل حال وبغض النظر عن القاصد القيقية الكامنة وراء هجمة كل‬
‫فريق من هؤلء الثلثة (وهم ابن تيمية ومن تبعه‪ ،‬والغربيون‪ ،‬ومقلدو الغربيي‬
‫من العا صرين على اختلف هويات م الفكرية) على الن طق‪ ،‬فإننا سوف ننا قش‬
‫هذا الشكال الذي أورده ابن تيمية ونبي بطلنه ف نفسه بالدلة الواضحة‪ ،‬بل‬
‫نكشف كيف يبن ابن تيمية مغالطاته ف كلمه كله بتوفيق ال تعال‪.‬‬
‫نقد العتراض الول‪:‬‬
‫يدعي ابن تيمية أن حصر الناطقة لطرق تصيل التصورات النظرية ف الد‬
‫ضع يف‪ ،‬وذ كر دليل على ذلك‪ ،‬وق بل مناق شة الدل يل سوف نل خص ه نا مراد‬
‫الناطقة ف قولم إن الطريق إل اكتساب التصورات النظرية هو الد وإن كنا‬
‫قد ذكرنا ذلك فيما سبق‪.‬‬
‫الناطقصة بعصد أن قسصموا الدللة إل الدللة اللفظيصة والدللة غيص اللفظيصة‪،‬‬
‫وقسموا اللفظية إل العقلية والوضعية والطبيعية‪ ،‬نصوا على أن اهتمامهم ينصبّ‬
‫على الدللة اللفظية الوضعية‪ ،‬وبالتال عرّفوا الدللة فقالوا هي كون الشيء بالة‬
‫يلزم من العلم به العلم بش يء آ خر(‪ ،)1‬لزم عند هم ب عد ذلك أن تكون طر يق‬
‫‪) (1‬‬

‫‪94‬‬

‫شرح إيساغوجي للشيخ زكريا النصاري‪ .‬ص‪.14‬‬

‫اكتساب التصورات هي الدود وشبهها‪ .‬وهذا ل يعن أن الس والبداهة وغي‬
‫ذلك ليس طريقا للمعرفة‪ ،‬بل هو ليس من الطرق اللفظية الوضعية‪.‬‬
‫بناءا على ذلك فالتعريفات هصي الطريقصة بالفعصل إل إدراك التصصورات‬
‫النظرية‪ ،‬إذ ل طريق لفظيا وضعيا غيها ينفع ف ذلك‪ .‬وأيضا ما يشابه التعريف‬
‫فهو طريق إل اكتساب التصورات النظرية نو طريقة التركيب الت وضحناها‬
‫سابقا‪.‬‬
‫الدل يل الذي يورده ا بن تيم ية على ض عف قول الناط قة ال سابق هو مرد‬
‫مغالطة‪ ،‬وبيان ذلك ف النقاط التالية‬
‫قوله( ويدل على ضعفه أن الاد إن عرف الحدود بد غيه فقد لزم الدور‬
‫أو التسلسل)‬
‫لو سصلمنا أن الدص ل يعرف إل بدّ آخصر غيه‪ ،‬فإن التسصلسل لزم أو‬
‫الدور‪ ،‬فهذا الكلم صصحيح‪ .‬ولكصن ل أحصد يقول إن الدص ل يعرف إل بدص‬
‫غيه‪ ،‬كما عرفنا وسنعرف‪ .‬فكلم ابن تيمية هنا ل داعي له‪.‬‬
‫وقوله (وإن عرفه بغي حد بطل الدعى)‬
‫هذا الكلم غ ي م سلّمٍ‪ ،‬لن الناط قة ل ي صروا كل القوال العقل ية و هي‬
‫مع ن ال د بال د اللف ظي ح ت تكون هذه الق سمة حا صرة‪ ،‬ويكون كلم ا بن‬
‫تيمية موجها‪ ،‬ولكنهم نصوا على أن التصورات تكتسب بالد وبا يشبهه ما‬
‫هو طريق إل التصورات الكسبية وهي طريقة التركيب‪ ،‬فالواب إذن على ابن‬
‫تيم ية أن الحدود إ ما أن يعرف بال د وإ ما أن يعرف بطري قة الترك يب‪ ،‬طري قة‬

‫‪95‬‬

‫التركيصب تعود إل طرق عقليصة بديهيصة أو تعود إل الواس وغيهصا‪ ،‬فلذلك ل‬
‫يلزم الدور ول يلزم التسلسل‪ ،‬ول يلزم بطلن الدعى القيقي أيضا‪.‬‬
‫فابصن تيميصة إذن ل يصبي قول الناطقصة على حقيقتصه ولذلك فإن قارئ هذا‬
‫العتراض الغافل عن معرفة النطق يتوهم قوته‪ ،‬ولكن إذا التفت إل ما قلناه تبي‬
‫له تافته‪.‬‬
‫قوله(فإن قيل بل عرفه‪...‬ال)‬
‫هذا جواب فاسصد يقترحصه ابصن تيميصة للمناطقصة‪ ،‬وهصو ليصس جوابصا لمص‪.‬‬
‫والواب الصحيح للمناطقة هو أن معن الد وهو القول العقلي يعرفه النطقي‬
‫ف التصورات النظرية بالتركيب على قول المهور من الناطقة‪ ،‬وبطرق أخرى‬
‫على قول غيهصم‪ ،‬ول يقال إن النسصان يعرف الحدود بالدص الذي انعقصد فص‬
‫نفسه‪ ،‬بل إنه عندما يلحظ الحدود ف الارج يلله ويطبق عليه التقسيم كما‬
‫م ّر ويسبه حت يتوصل إل قول عقلي يساوي الحدود‪ .‬فالادّ هو الذي يارس‬
‫العمليات العقلية الت تفضي به إل معرفة الصفات العبة عن العّرّف‪ ،‬كعملية‬
‫التركيصب‪ ،‬فإذا توصصل هذا الادّ إل ذلك‪ ،‬عصب عنصه بكلمات معينصة مرتبصة‪،‬‬
‫ليوصصلها إل غيه‪ ،‬وهذا الغيص يسصمعها منصه فيسصتفيد معرفصة حدّ العرّفِص عصن‬
‫طريقها‪.‬‬
‫قوله(قيل البهان مباين للنتيجة‪..‬ال)‬
‫أقول‪ :‬سلمنا أن العلم بالقدمتي ليس هو عي العلم بالنتيجة‪ ،‬ولكن إذا قلنا‬
‫إن العلم بالدص إناص يتصم عصن طريصق التركيصب فالتركيصب ليصس هصو عيص العلم‬

‫‪96‬‬

‫بالنتيجصة‪ ،‬فكمصا تعلم النتيجصة فص التصصديقات بالبهان‪ ،‬فأنصت تعلم الدّ فص‬
‫التصورات بالتركيب وهو غي الد فل يلزم على ذلك دورٌ ول تسلسل‪.‬‬
‫فالاصل أن كلم ابن تيمية ف هذا اليراد مغالطة مكشوفة البطلن‪ ،‬وهذا‬
‫هو أشهر إيراداته على علم النطق!‬

‫العتراض الثان لبن تيمية‪ :‬الد ل تعرف به ماهية الحدود بال‬
‫قال ابن تيم ية(‪" :)1‬الو ضع الثا ن و هو أن يقال إن ال د ل تعرف به ماهية‬
‫الحدود بال‪ ،‬بلف البهان فإنه دليل إل الطلوب أما بالنسبة إل الا ّد فلنه‬
‫عرف الشيصء قبصل أن يده‪ ،‬وإل ل يصصل حده‪ ،‬لن الدص يبص أن يطابقصه‬
‫عموما وخصوصا‪ ،‬ولول معرفته به قبل أن يده ل تصح معرفته بالطابقة‪ ،‬وأما‬
‫بالن سبة إل ال ستمع فلن معرف ته بذلك إذا ل ت كن بديه ية ول ي قم الاد عل يه‬
‫دليل امتنع أن يصل له علم بجرد دعوى الاد التكلم بالد‪ ،‬ولذا تد السامع‬
‫يعارض الدص ويناقضصه فص طره وعكسصه‪ ،‬ولول تصصور الحدود بدون الدص‬
‫لمتنعت العارضة والناقضة‪.‬‬
‫وإن ا فائدة ال د التمي يز بي الحدود وغيه ل تصويره‪ ،‬وهو مطا بق لسم‬
‫الد ف اللغة‪ ،‬فإنه الفاصل بينه وبي غيه‪ ،‬وذلك أنه قد يتصور ماهية الشيء‬
‫مطلقا‪ .‬مثل من يتصور المر والب والعلم فيتصوره مطلقا ل عاما‪ ،‬فالد ييز‬
‫العال الذي يدخل فيه كل خب وعلم وأمر‪ ،‬ومن هنا يتبي لك أن الذي يتصور‬
‫‪) (1‬‬

‫‪97‬‬

‫مموعة الفتاوي [‪.]9/263‬‬

‫بالبديهة من مسميات هذه الساء وهو القيقة الطلقة غي الطلوب بالد‪ ،‬وهو‬
‫القيقة العامة‪ ،‬ث التمييز للساء تارة وللصفات أخرى‪ ،‬فالد إما بسب السم‬
‫و هو ال د اللف ظي الذي يتاج إل يه ف ال ستدلل بالكتاب وال سنة وكلم كل‬
‫عال‪ ،‬وإما بسب الوصف وهو تفهيم القيقة الت عرفت صفتها‪ ،‬وهذا يصل‬
‫بالرسم والواص وغي ذلك‪" .‬اهص‬
‫هذا هو العتراض الثان الذي أورده ابن تيمية على التصورات‪.‬‬
‫نقد العتراض الثان‪:‬‬
‫سوف نشرع ف نقضه جلة جلة فيما يلي‪:‬‬
‫قوله(إن الدّ ل تعرف به‪..‬ال)‬
‫أ ما بالن سبة للحاد‪ ،‬فإن نا قد بي نا أن الناط قة صرحوا أن الطر يق لكت ساب‬
‫الد هو التركيب‪ ،‬فهم يتوصلون إل معرفة ماهية الحدود من التركيب ل من‬
‫ذات الدص‪ ،‬ولكنهصم يعلون الدص علمصة وعبارة ملخصصة مفصصلة على ماهيصة‬
‫الحدود‪ ،‬ليعرف من يقرأها حقيقة الحدود وماهيته‪.‬‬
‫فال د هو طري قة لتعر يف القارئ والتعلم باه ية الحدود‪ ،‬ول يدّ عِ أ حد‬
‫منهصم إن الاد إناص يعرف حقيقصة الحدود بال ّد نفسصه‪ ،‬فإن الدّ قول مؤلّف‪،‬‬
‫فالتأل يف و هو ف عل إرادي ل بدّ له من فا عل‪ ،‬وهذا الفا عل هو الا ّد نف سه‪،‬‬
‫وغاية الاد ف تأليف هذا القول هو بيان وتعريف الحدود ل لنفسه أصالة بل‬
‫لغيه‪ ،‬ف هو قد عرف ال ّد أو التعريف بغ ي ع ي ال ّد والتعر يف‪ ،‬و ما دام ال مر‬
‫كذلك فاعتراض ابن تيمية هذا ل يتوجه عليهم مطلقا‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫وأمصا بالنسصبة إل السصامع للحصد‪ ،‬فقصد م ّر كلم المام الغزال أن السصامع‬
‫يكون عنده معرفة إجالية بالحدود عن طريق معرفته لسه اللغوي ولكنه عندما‬
‫يستمع إل الد فإنه تصبح عنده معرفة ملخصة مفصلة‪ ،‬وقد نص الناطقة كما‬
‫ذكرنصا أن الدّ ل يقام عليصه البهان‪ ،‬ولذلك فإن السصتمع إذا أراد أن يعرف‬
‫صحة هذا الد اللقى إليه‪ ،‬فعليه أن يسي ف طريقة التركيب الستدللية الت‬
‫سار فيها الادّ مِن َقبْلِ ِه ليتأكدَ ما يريد‪.‬‬
‫ولكن إذا أراد السامع أن يعارض الدّ الذي يسمعه‪ ،‬فمعن معارضته هذه‬
‫إن ا هو عدم موافق ته على أن حقي قة الحدود هي ك ما وضح ها بال د‪ ،‬وهذه‬
‫العارضة ل بد أن تنبن على معرفة أخرى‪ ،‬ويتم بيان عدم صلحية الد الول‬
‫بطرق ذكر ها العلماء ف ك تب الن طق وغي ها‪ ،‬فإنّ عل يه –مثل‪ -‬أن يأ ت بفرد‬
‫ين قض به هذا ال د إ ما فرد ي ب أن يد خل و هو غ ي دا خل‪ ،‬أو بفرد ي ب أن‬
‫يرج و هو دا خل‪ .‬فهذا هو ال سبيل الذي ي سلكه ال سامع للتأ كد أو لعار ضة‬
‫الدّ‪.‬‬
‫ول يوز أن يقال إن ال سامع ل ي كن أن ي ستفيد شيئا من ال د الل قى إليه‬
‫بجة أنه يكن أن يعارضه أو ينقضه‪ ،‬فإن نقضه إما أن يكون مبنيا على معرفة‬
‫صحيحة أو ل‪ ،‬والعر فة ال صحيحة إذا كا نت ق بل ال د فن سلم عدم ا ستفادته‬
‫ذلك من الد‪ ،‬ولكن ل بد أن يكون قد أجرى طريقة التركيب بنفسه لن مل‬
‫الكلم هو الت صورات الك سبية النظر ية‪ ،‬وإذا ح صل له الت سليم ف نف سه ب عد‬
‫معرف ته لل حد فهذا ي ستلزم ا ستفادته من ال د‪ ،‬فل يوز أن يعار ضه عندئذ‪ .‬ول‬
‫يصح أن يقال إن الستمع ل يستفيد مطلقا من الد‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫وإذا كا نت معرف ته غ ي صحيحة وبناءا علي ها عارض ال د الل قى إل يه فإن‬
‫معارضته ل يلتفت إليها حينذاك‪ .‬وإل لو قيل بأن كل من عارض حدا أُلقيَ إليه‬
‫فإ نه م صيب ف معارض ته‪ ،‬فإن ذلك ي ستلزم أن يكون للش يء الوا حد حدان‪،‬‬
‫وهذا باطل‪ ،‬خصوصا إذا كان واحدها ينقض الخر‪ .‬وبناءا على ذلك يتبي أن‬
‫الستمع يكن أن يستفيد من الد معرفة جديدة‪.‬‬
‫وأضعف أحوال الد حينذاك أن يكون كالتعريف اللفظي الفصل اللخص‪،‬‬
‫كأن يعلم العلم التلميذ ويقول له إن السمى باليوان هو السم النامي الساس‬
‫التحرك بالرادة‪ .‬فإنه يكون قد وضع لسم اليوان تعريفا جامعا مانعا ف ذهن‬
‫الطالب‪ ،‬والطالب يتل قى هذا التعر يف بناءا على ثق ته بالعلم‪ ،‬وهذا أ ساس من‬
‫أ سس التعلم والتعل يم ل ينكره من كر‪ .‬وهذه هي الطوة الول ال ت ي سي في ها‬
‫النسان ف تعلمه‪ .‬فهذا القدر من الفادة ل يكن لواحد أن ينفيه عن الد‪.‬‬
‫وهذه الفادة ل تساوي الفادة الستمدة من إدراك العان لللفاظ اللغوية‪،‬‬
‫لن هذه مملة وتلك مفصلة‪.‬‬
‫وأما قوله (وإنا فائدة الد التمييز)‬
‫أقول‪ :‬ح صر فائدة ال د(‪ )1‬ف التمي يز أ مر با طل ومب ن على ت كم م ض‪،‬‬
‫ولكن الد قد يفيد تييز العرّف‪ ،‬كما يفيد تصوّرَ عي الاهية‪.‬‬

‫لحظ أننا هنا نستعمل (الدّ) بعن شامل للحد على مصطلح الناطقة وللرسم معا‪ .‬وإنا‬
‫‪)(1‬‬
‫نفعل هذا تنصزل على حد اصطلح ابن تيمية‪ ،‬الذي هو أصل غي متوافق مع مصطلح الناطقة‪ .‬ولكن‬
‫ل ضرر كبيا ما دام المر ف مستوى الصطلح‪ .‬والد ف مصطلح الناطقة هو تعريف الشيء بذكر‬
‫ذاتياته‪ ،‬والرسم تعريف الشيء بذكر لوازمه‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫و ف آ خر كل مه ي صر ا بن تيم ية التمي يز بأ حد طريق ي‪ ،‬الول بال ساء‬
‫اللغوية وهو الد اللفظي‪ ،‬والثانية الرسم الذكور ف علم النطق‪ ،‬وهذا الصر‬
‫غ ي م سلم له خ صوصا ب عد معر فة ض عف الدل يل الذي اعت مد عل يه ف بيان أن‬
‫الد ل يستفيد منه السامع شيئا مطلقا كما مرّ‪.‬‬
‫وأيضا فهو قد سلم إمكان الصول على فائدة من الرسم‪ ،‬والرسم عبارة‬
‫عن ألفاظ وضع ية مرت بة للدللة على مع ن عقلي‪ ،‬وهذا هو ع ي طري قة إفادة‬
‫الد‪ ،‬ول فرق ف الثنتي ف الفادة‪َ ،‬فلِ َم يُسَلّ ُم با هنا وينعها هناك؟!‬
‫العتراض الثالث‪ :‬ل فرق بي الذات والعرضي‬
‫قال ابن تيمية(‪" :)1‬الفرق بي الذات والعرضي اللزم للماهية بيث يدعى‬
‫أن هذا ل تفهم الاهية بدونه بلف الخر‪ ،‬فإن العاقل إذا رجع إل ذهنه ل يد‬
‫أحده ا سابقا وال خر لح قا‪ ،‬ث إذا كان الر جع ف معر فة الذا ت إل ت صور‬
‫الذات‪ ،‬والر جع ف ت صورها إل معر فة الذا ت كان دورا‪ ،‬ل نا ل نعرف الاه ية‬
‫إل بال صفات الذات ية‪ ،‬ولنعرف ال صفات الذات ية ح ت تت صور الذات ب ا‪ ،‬فإن‬
‫الصفات الذاتية ما تقف معرفة الذات عليها‪ ،‬فل تعرف الذاتية إل بأن تعرف أن‬
‫فهم الذات موقوف عليها‪ ،‬فل تريد أن تفهم الذات حت تعرف الذاتية‪ ،‬وبسط‬
‫هذا كثي‪" .‬اهص‬
‫نقد العتراض الثالث‪:‬‬
‫يدعي ابن تيمية هنا أن تفريق الناطقة بي الذات وبي العارض مرد تكم‬
‫من هم‪ ،‬وأ نه ل يو جد ف الارج ون فس ال مر فارق بينه ما‪ .‬أي إن الع قل إذا‬
‫‪) (1‬‬

‫‪101‬‬

‫مموعة الفتاوي‪.]9/263[،‬‬

‫لحظ الذات الارجة فإنه ل يفرق بي صفة ويكم عليها بأنا ذاتية وبي صفة‬
‫أخرى وي كم علي ها بأ نه غ ي ذات ية‪ ،‬بل هذا التفر يق عبارة عن ا صطلح من‬
‫الناطقصة‪ ،‬ومعلوم أنصه إذا كان المصر مرد اصصطلح‪ ،‬فإنصه ل يكصن أن يكون‬
‫واسطة ف معرفة الارج على ما هو عليه‪ ،‬هذا هو ما يدعيه ابن تيمية‪ .‬ونن‬
‫سوف نبي بطلن هذا الزعم ف نفسه‪.‬‬
‫ت الش يء غ ي خارج عن ها(‪،)1‬‬
‫والناط قة قد عرّفوا الذاتّ بأ نه ما ُيقَوّم ذا َ‬
‫وقالوا(‪ )2‬الذات هو الكلي الذي يكون جزءا من ماهية أفراده‪ ،‬ويصدق بالنس‬
‫كاليوان للن سان‪ ،‬وبالف صل كالنا طق للن سان‪ .‬وأ ما العر ضي ف هو ما يل حق‬
‫الاهية بعد تقومها بالذاتيات وهو قد يكون لزما للماهية إما بينا أو غي بي‪،‬‬
‫و قد يكون لز ما لوجود الاه ية(‪ ،)3‬والعارض قد يكون منف كا و قد يكون غ ي‬
‫منفك‪.‬‬
‫والق صود ب سبق الذا ت للعارض سبقه ف الت صور‪ ،‬أي إ نك ل ي كن أن‬
‫تتصور النسان ضاحكا إل بعد تصورك له متعجبا ومفكرا‪ ،‬والسبق ف التصور‬
‫ل يوز ل حد إغفاله ول إنكاره‪ ،‬أي إن كون ب عض العا ن شرو طا لعا نٍ اُ َخرَ‬
‫أم ٌر بديهي‪ ،‬وإل لا بقي هناك ترتب بي الشياء مطلقا‪.‬‬
‫فقول ابن تيمية (فإن العاقل‪..‬ال) غي مسلّمٍ‪،‬لا مضى وللتفريق الضروري‬
‫ب ي الزء وب ي اللزم‪ ،‬ف كل ذات فجزؤ ها غ ي لزم ها‪ ،‬وهذا معلوم بالبدا هة‪،‬‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬

‫‪102‬‬

‫منطق التجريد‪ ،‬للطوسي‪ ،‬ص‪.15‬‬
‫شرح العلمة البنّان على مت السلم النورق ف علم النطق‪ ،‬ص‪.68‬‬
‫منطق التجريد‪ ،‬للطوسي مع شرحه للعلمة اللي‪ ،‬ص‪.16-15‬‬

‫فالناط قة ل ا لحظوا هذه التفر قة سوا الزء ذات يا واللزم عارضيا‪ ،‬و هي ق سمة‬
‫صحيحة تاما كما ترى‪.‬‬
‫بل نقول إن العا قل إذا عرض مفهوم صفة ذات ية و صفة عار ضة فإ نه يدرك‬
‫بالبدا هة التفر قة الكائ نة بينه ما ويدرك أن ال صفة الذات ية أقدم ف الت صور ع ند‬
‫الذ هن من العار ضة‪ ،‬وهذا خل فا ل ا يدع يه تا ما‪ ،‬فإن العقلء يدون ال صفات‬
‫الذاتية سابقة ف التعقل للصفات العارضة‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إننا إذا لحظنا إنسانا مشخصا وحللنا جيع صفاته الت يتصف با‬
‫سواءا أكانت ذاتية أم عارضة‪ ،‬فإننا قبل ملحظة العلقة الثابتة بي الذات منها‬
‫والعارض‪ ،‬نضع ها جيع ها ف رت بة واحدة‪ ،‬ول كن هذا الن ظر الذي أن تج ال كم‬
‫بالت ساوي ف الرت بة هو ن ظر ساذج غ ي عم يق‪ ،‬ون ن عند ما نعرض ال صفات‬
‫ونضبط ها بقياس الذا ت والعارض‪ ،‬ف ما انط بق عل يه أ نه ذا ت جعلناه ف ممو عة‬
‫وما انطبق عليه أنه عارض وضعناه ف مموعة أخرى‪ ،‬فإن العقل يكم حينذاك‬
‫على سبيل القطع بأسبقية الذاتية على العارضة‪.‬‬
‫وإذا قصصد ابصن تيميصة أن الناطقصة يريدون بالسصبقية الثابتصة بيص الذاتص‬
‫والعارض أسصبقية زمانيصة فهصو مغالط‪ ،‬لنمص يصصرحون أن قدم الذاتص بالنسصبة‬
‫للعرضي هو قدم ف التصور العقلي‪.‬‬
‫ثص إن قول ابصن تيميصة (ثص إذا كان الرجصع فص‪..‬ال) هذا مغالطصة أخرى‬
‫مكشوفة وبيانا كما يلي‬
‫إن الناطقصة فص طريصق وصصولم إل حدّ للذات يسصبون الذات ويتبوناص‬
‫بطريقة التركيب وبالعتماد على التقسيم والتحليل‪ ،‬ويللون الذات إل صفات‬

‫‪103‬‬

‫ويعدون هذه ال صفات‪ .‬وع ند هذه الرحلة يكون ما علموه هو أن (هذه الذات‬
‫تر كب من هذه ال صفات)‪ ،‬ومعلوم أن ب عض هذه ال صفات قد يكون ملزو ما‬
‫للصفات الخرى‪.‬‬
‫ث ب عد ذلك يشرعون ف دراسة نفس هذه الصفات صفة صفة واستكناه‬
‫علقة كل صفة مع الصفة الخرى ليعرفوا ما هي الصفة العم وما هي الصفة‬
‫الخص‪ ،‬فيتوصلون إل أن بعض الصفات ربا تكون سببا للتصاف بالصفات‬
‫الخرى‪ ،‬فيضعون الصصفات الول باعتبار أناص أقدم مصن الثانيصة‪ ،‬ثص يللون‬
‫ال صفات القدم‪ ،‬ويلحظون النوع الذي تنت مي إل يه الذات الشخ صة موضوع‬
‫التحل يل‪ ،‬وياولون معر فة ما هي ال صفات ال ت تكون مشتر كة ب ي هذا النوع‬
‫وغيه من النواع ول تكون لزمة عن صفات أخرى‪ ،‬فيصنفون هذه الصفات‬
‫أجناسصا‪ ،‬ويتبوناص بعصد ذلك ليجدوا النصس القرب ثص يضيفون إليصه بقيصة‬
‫الصفات كفصل أو فصول‪.‬‬
‫ويأخذون الصفات الخرى اللزمة ويتبونا على حسب تعريف العرضي‬
‫العام والاصة وبذا فهم يتعرفون إل الصفات الذاتية والصفات العارضة‪.‬‬
‫وهذا ال سلوب من التفك ي والتحل يل ل ينطوي على دور ك ما تراه‪ ،‬لن‬
‫معرفتهم للذات من الصفات يأت بالعتماد على مقاييس كلية لفهوم الذات وغي‬
‫الذات‪ ،‬وأما معرفة كون هذه الصفة منتسبة إل هذه الذات فإنا يكون بالس‪،‬‬
‫أو بالتجربة أو بغيها‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫وقد أشار كثي من الناطقة إل طرق التمييز بي الذات والعرضي كمفهوم‬
‫وم صداق‪ ،‬ومن هم القا ضي ال ساوي ك ما نقلناه ع نه‪ ،‬وكذلك ف قد بي نه العل مة‬
‫البنّان ف شرح السلم فقال(‪" :)1‬تنبيهان‪:‬‬
‫ت الفرق بي الذات والعرضي من حيث مفهومهما‪ ،‬وكثيا‬
‫الول‪ :‬قد علم َ‬
‫ما يلتبسان من حيث الصداق‪ ،‬ومن هنا يشكل الفرق بي الفصل والاصة حت‬
‫زعصم بعضهصم أن تفريقهصم بيص الناطصق والضاحصك حيصث جعلوا الول فصصل‬
‫والتعر يف به حدا‪ ،‬والثا ن خاصة والتعر يف به ر سا إن ا هو ا صطلحي ف قط‪،‬‬
‫وليس كما زعم‪ ،‬فإن كون الشيء جزءا من القيقة أو خارجا عنها أمر ثابت‬
‫ف الواقع ليس راجعا للصطلح‪ ،‬نعم التسمية بالفصل والاصة أمر اصطلحي‬
‫ولكن ليس الكلم فيها‪.‬‬
‫وقد فرق بينهما القدماء بثلثة فروق‬
‫الول‪ :‬أن الذات هو الذي ل يكن فهم الذات بدونه والعرضي بلفه‪.‬‬
‫الثان‪ :‬أن الذات هو الذي ل يعلل والعرضي يعلل‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن الذات هو الذي ل تبقى الذات مع توهم رفعه والعرضي بلفه‪.‬‬
‫مثاله النا طق فإ نه ل ي كن ف هم ماه ية الن سان بدو نه وي كن فهم ها بدون‬
‫ضا حك‪ ،‬ك ما أ نه ث بت ل ا بل علة والضا حك معلول بالتع جب العلول بإدراك‬
‫الغرائب السبوق بطلق الدراك السبوق بالقوة العاقلة ال ت هي الناطقية‪ ،‬وكما‬
‫أنه ل يكن توهم رفع الناطق مع بقاء حقيقة النسان‪ ،‬بلف الضاحك‪".‬اهص‬
‫شرح السلم النورق‪ ،‬للعلمة أب عبد ال مم بن السن البنان‪ ،‬ص‪ ،71‬الطبعة الكبى‬
‫‪) (1‬‬
‫الميية سنة‪1318‬هص‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وم ا يز يد هذا وضو حا ما نقله الح قق علي ق صارة ف حاشي ته على شرح‬
‫البنا ن على ال سلم(‪" :)1‬قال أ بو علي بن سينا‪ :‬الذا ت ما إذا ف هم معناه وأخ طر‬
‫بالبال وفهم ما هو ذات له وأخطر بالبال معه ل يكن أن تفهم ذات الوصوف‬
‫إل ب عد ف هم ذلك الع ن أوّلً‪ ،‬كالن سان واليوان‪ ،‬فإ نك إذا فهم تَ ما اليوان‬
‫وفهم تَ ما النسان‪ ،‬فل تفهم النسان إل وقد فهمت أول أنه حيوان‪ ،‬وأما ما‬
‫ليصس ذاتيصا‪ ،‬فقصد تفهصم ذات الوصصوف مردا دونصه ككونصه أبيصض أو موجودا‬
‫مثل‪".‬اهص‬
‫وي تبي لك من هذا الكلم كله‪ ،‬ف ساد قول ا بن تيم ية ح يث اد عى أ نه ل‬
‫توجصد فروق بيص الذاتص والعرضصي‪ ،‬وأن هذه التقسصيمات كلهصا تكمات مصن‬
‫الناس‪ ،‬وأنه ل مطابقة بينها وبي الواقع الارجي‪.‬‬
‫العتراض الرابع‪ :‬الاهيات مركبة ول تركيب ف الذهن‬
‫قال ابن تيمية(‪":)2‬دعواهم أن الاهيات مركبة ول تركيب ف الذهن‪".‬اهص‬
‫هكذا أورد ابن تيمية هذا العتراض متصرا من غي تفصيل‪ ،‬وقد فصّل فيه‬
‫ف ممو عة الفتاوى ف ص‪ ،56-55‬و سوف نورد كل مه ف ذلك الو قع ه نا‬
‫ونردّ عليه لكي يطمئنّ القارئ إل مغالطاته العديدة الت يقع فيها‪ ،‬ويعرف أنه‬
‫ليس يستدل بجرد كثرة الكلم على صحته‪ ،‬فما أكثر كلم ابن تيمية وما أكثر‬
‫مغالطاته فيه‪.‬‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪106‬‬

‫حاشية قصارة على شرح البنان‪ ،‬ص‪.71‬‬
‫مموعة الفتاوي‪.]9/264[،‬‬

‫قال ابن تيمية ف الحل الذكور‪" :‬قولم القيقة مركبة من النس والفصل‪،‬‬
‫والنس هو الزء الشترك والفصل هو الزء الميز‪ ،‬يقال لم‪ :‬هذا التركيب إما‬
‫أن يكون ف الارج أو ف الذ هن‪ ،‬فإن كان ف الارج فل يس ف الارج نوع‬
‫كلي لكي يكون مدودا بذا الد إل العيان الحسوسة‪ ،‬والعيان ف كل عي‬
‫صفة يكون نظيها لسائر اليوانات كالس والركة الرادية‪ ،‬وصفة ليس مثلها‬
‫ل سائر اليوان و هي الن طق‪ ،‬و ف كل ع ي يت مع هذان الو صفان‪ ،‬ك ما يت مع‬
‫سائر الصفات والواهر القائمة لمور مركبة من الصفات الجعولة فيها‪.‬‬
‫وإن أردت باليوانية والناطق ية جوهرا فليس ف الن سان جوهران‪ ،‬أحده ا‬
‫حي والخر ناطق‪ ،‬بل هو جوهر واحد له صفتان‪ ،‬فإن كان الوهر مركبا من‬
‫عرضي ل يصح‪ ،‬وإن كان من جوهر واحد عام وخاص فليس فيه ذلك فبطل‬
‫كون القيقة الارجة مركبة‪.‬‬
‫وإن جعلوها تارة جوهرا وتارة صفة‪ ،‬كان ذلك بنصزلة قول النصارى ف‬
‫القانيم وهو من أعظم القوال تناقضا باتفاق العلماء‪.‬‬
‫وإن قالوا‪ :‬الركصب القيقصة الذهنيصة العقولة‪ .‬قيصل أول تلك ليسصت هصي‬
‫القصصودة بالدود إل أن تكون مطابقصة للخارج فإن ل يكصن هناك تركيصب ل‬
‫يصح أن يكون ف هذه تركيب‪ ،‬وليس ف الذهن إل تصور الي الناطق‪ ،‬وهو‬
‫جوهر واحد له صفتان‪ ،‬كما قدمنا‪ ،‬فل تركيب فيه بال‪".‬اهص‬
‫هذا هو ناية كلم ابن تيمية الذي يوضح فيه اعتراضه السابق الرابع الذي‬
‫ذكرناه بلفظصه مصن مموعصة الفتاوى‪ ،‬وسصوف نشرع الن فص نقصد هذا اليراد‬
‫وردّه على صاحبه‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫نقد العتراض الرابع‬
‫‪-1‬ل يفى على واحد من الطلعي على علم النطق أنه يبحث ف‬
‫أحوال الت صورات والت صديقات‪ ،‬قال الفناري(‪":)1‬الن طق علم‬
‫يبحث فيه عن العراض الذاتية للتصورات والتصديقات من‬
‫حيث نفعها ف اليصال إل الجهولت"اهص‬
‫‪-2‬وعلق الح شي الح قق أح د على ذلك فقال(‪":)2‬إن الن طق ل‬
‫يبحث فيه عن جيع أحوال التصورات والتصديقات بل عن‬
‫أحوالا اللحقة لا باعتبار نفعها ف اليصال إل الجهولت‪،‬‬
‫وتلك الحوال هصي اليصصال كمصا فص الدود والرسصوم‬
‫والقي سة و ما يتو قف عل يه الي صال كون الت صورات كل ية‬
‫وذاتيصة وعرضيصة وجنسصا وفصصل وخاصصة‪ ،‬فإن الوصصل إل‬
‫التصصورات يتوقصف على هذه الحوال بل واسصطة‪ ،‬وككون‬
‫التصصديقات قضيصة وعكصس قضيصة ونقيصض قضيصة وحليصة‬
‫وشرطية إل غي ذلك‪ ،‬فموضوع النطق مقيد بصحة اليصال‬
‫ل بنفس اليصال‪ ،‬وما يتوقف عليه اليصال أعراض ذاتية له‬
‫فيبحث عنها ف هذا العلم‪".‬اهص‬
‫‪-3‬قال الفناري إن النطق علم يبحث فيه(‪":)3‬عن العراض الذاتية‬
‫للمعقولت الثانية الت ل ياذى با أمر ف الارج من حيث‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬

‫‪108‬‬

‫شرح إيساغوجي ص‪.4‬‬
‫قول أحد على شرح الفناري‪،‬ص‪.4‬‬
‫شرح إيساغوجي ص‪.5‬‬

‫تنطبصق على العقولت الول التص ياذى باص أمصر فص‬
‫الارج‪".‬اهص‬
‫وشرح الحشي الحقق أحد قوله (من حيث تنطبق) فقال(‪":)1‬أي تشتمل‬
‫تلك العقولت الثانيصة على العقولت الول اشتمال الكلي على جزئياتصه‪ ،‬أي‬
‫تري على العقولت الثانية أحكام كلية بيث تنتهي تلك الحكام وتتأدى إل‬
‫العقولت الول التص هصي طبائع تلك العقولت الثانيصة حتص إذا أريصد أن يعلم‬
‫حال كصل مصن تلك الطبائع يرجصع فص ذلك إل أحكام تلك العقولت الثانيصة‪،‬‬
‫فيعرف من ها مثل إذا أرد نا أن نعلم أن اليوان النا طق يو صل إل الك نه‪ ،‬نر جع‬
‫إل أن ال د يو صل إل الك نه‪ ،‬وإذا أرد نا أن نعلم اليوان يتو قف عل يه الي صال‬
‫نرجع إل أن النس يتوقف عليه اليصال وعلى هذا القياس‪".‬اهص‬
‫والق صود م ا نقلناه ه نا هو أن العلم بأن الن طق ل يب حث ف الوجودات‬
‫الارجية بل هو يبحث ف التصورات الذهنية ل من حيث أنفسها بل من حيث‬
‫عوراضها الوصلة إل الجهولت‪ ،‬فهو يبحث ف عوارض ثانية للتصورات من‬
‫هذه الهة‪.‬‬
‫وتوضيح ذلك كما يلي‪ :‬النسان إذا نظر ف الوجود الارجي فإنه يلحظ‬
‫موجودات تسصمى فص النطصق بالعقولت الول وهصي الوجودات الارجيصة‬
‫الشخصصة نوص زيصد وعمرو وهذا السصد وتلك الشجرة وذلك البيصت والبصل‬
‫والع صفور وأي أ مر وجودي آ خر‪..‬ال‪ ،‬هذا هو ما ي س به الن سان ويدرك‬
‫وجوده الار جي بال س وغيه‪ ،‬ف هو عن طر يق الواس مثل يتلك ت صورات‬
‫يفظها ف ذهنه‪ ،‬ث يشرع بعد ذلك بلحظة ما تشترك به هذه التصورات‪ ،‬فهو‬
‫‪) (1‬‬

‫‪109‬‬

‫حاشية أحد على شرح الفناري‪،‬ص‪.5‬‬

‫ونامص وناطصق‪ ،‬ويعرف أن‬
‫يعرف أن زيدا هصو جسصم متحرك بالرادة حسصاس ٍ‬
‫ونامص وغيص ناطصق‪ ،‬ويعرف كذلك أن‬
‫السصد جسصم متحرك بالرادة حسصاس ٍ‬
‫ونامص وغيص ناطصق‪ ،‬وكذلك الفرس‬
‫العصصفور جسصم متحرك بالرادة وحسصاس ٍ‬
‫مثل‪ ،‬فيأ خذ ال صفات ال ت تشترك في ها هذه الوجودات ف ذه نه و هي كون ا‬
‫جسما ناميا متحركا بالرادة حساس‪ ،‬ويمع كل هذه التصورات ويطلق عليها‬
‫مصطلحا واحدا وهو [اليوانية]‪ .‬فيقول زيد حيوان ناطق‪ ،‬والعصفور والفرس‬
‫والسد كل منها مرد حيوان‪ ،‬وكل منها يتاز عن زيد بعدم الناطقية وكل منها‬
‫يتاز بفصل ييزه عنه‪.‬‬
‫ويقول بعد ذلك إن زيدا مركب من وصفي ها اليوانية والناطقية‪ ،‬وهذا‬
‫التركيب يؤلف ف الذهن ماهية واحدة‪ ،‬وهاتان الصفتان ف الارج موجودتان‬
‫ف شخص هو زيد‪ ،‬وموجودتان ف شخص كل إنسان آخر‪ ،‬فكل إنسان فهو‬
‫مر كب من هات ي ال صفتي‪ ،‬وهاتان ال صفتان ت سميان حال تركبه ما بالاه ية‬
‫والنوع‪.‬‬
‫الن نقول‪ :‬إن النطصق يبحصث فص خصصائص هذه التصصورات الاصصلة فص‬
‫الع قل‪ ،‬أي يب حث ف خ صائص مفهوم اليوان ية‪ ،‬وخ صائص مفهوم الناطق ية‪،‬‬
‫والشي وغي ذلك‪ ،‬ويبحث ف خصائص الصورة الاصلة من ملحظة شخص‬
‫زيد الارجي‪.‬‬
‫ول يسصتطيع أحصد أن ينكصر أن العقصل يدرك صصفات متشابةص ثابتصة بيص‬
‫الوجودات الارج ية‪ ،‬ف صفة اليوان ية مثل ثاب تة و صادقة على الن سان وال سد‬
‫والرنب والفرس وغيها‪ ،‬فهو معن كليّ بعن صدق حله على جيع هؤلء‪،‬‬

‫‪110‬‬

‫فال صاديق متلفة ف وجودات ا لكنها مت ساوية ف مفاهيم ها‪ ،‬هذا القدر ل يوز‬
‫لحد إنكاره‪.‬‬
‫وكذلك فالعقل يدرك أن هناك فرقا بي النسان والسد مثل‪ ،‬وهو كون‬
‫الن سان ناط قا وال سد ل يس كذلك‪ ،‬فالناطق ية صفة ت يز الن سان عن ال سد‪،‬‬
‫ومعنص هذا أن النسصان هصو عبارة عصن حيوان ناطصق والسصد مرد حيوان غيص‬
‫ناطصق(يضاف إل هذا فصصل يليصق بالسصد)‪ .‬هذا هصو الصصل فص الدود‬
‫والتعريفات‪ ،‬فالترك يب الوا قع ف ال د صادق على الارج أي ضا بع ن أن ف‬
‫الارج صفتي للنسان الول اليوانية والثانية الناطقية هاتان الصفتان يتركب‬
‫منهما النسان‪ .‬والعقل يدرك تركبه منهما على ما هو عليه‪.‬‬
‫فل يوجصد كذب ف التصصور الصصل ف العقصل‪ ،‬بصل هصو مطابصق للوجود‬
‫الارجي قطعا‪ ،‬فإذا كان النسان مركبا خارجا فهو مركب ف عقل‪.‬‬
‫ومعن اشتراك اليوانية بي كثيين ف الارج هو أن وصف اليوان الذي‬
‫أدركه العقل صادق على كثيين ف الارج‪ ،‬فيوصف به النسان ويوصف به‬
‫ال سد والر نب وال صان‪ ،‬ول يس مع ن ذلك أن ع ي ال صفة ال ت هي اليوان ية‬
‫مشترك في ها ف ع ي الارج‪ ،‬بل ك ما قل نا الشتراك ف الفهوم وحدة‪ ،‬و ف‬
‫الصداق مساواة حل‪.‬‬
‫قال الحقصق أحدص فص حاشيتصه على شرح الفناري(‪":)1‬اعلم أن العقولت‬
‫الول هصي طبائع الفهومات التصصورة مصن حيصث هصي هصي‪ ،‬ومصا يعرض‬
‫للمعقولت الول ف الذهن ول يوجد ف الارج أمر يطابقه كالكلية والزئية‬
‫‪) (1‬‬

‫‪111‬‬

‫حاشية أحد على الفناري‪ ،‬ص‪.5‬‬

‫والذات ية والعرض ية ونظائر ها كمفهوم الكلي والزئي والذا ت والعر ضي وغي ها‬
‫يسمى معقولت ثانية‪ ،‬لوقوعها ف الدرجة الثانية من التعقل‪ ،‬إذ ل يكن تعقل‬
‫الكلية إل بعد تعقل أمر تعرض له الكلية ف الذهن وليس ف الارج أمر يطابق‬
‫الكليصة كمصا أن للسصواد العقول مصا يطابقصه فص الارج‪ .‬وبالملة العتصب فص‬
‫العقولت الثانية أمران‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن ل تكون معقولة ف الدرجة الول‪ ،‬بل يب أن تعقل عارضة‬
‫لعقول آخر ف الذهن‪.‬‬
‫وثانيه ما‪ :‬أن ل يكون ف الارج ما يطابق ها‪ ،‬ف كل ما يع قل ف الدر جة‬
‫الول ف هو معقول أول موجودا كان أو معدو ما مرك با أو ب سيطا‪ ،‬وكذا ما ل‬
‫يعقصل إل عارضصا لغيه إذا كان فص الارج مصا يطابقصه كالضافات إذا قيصل‬
‫بتحققها ف الارج‪".‬اهص‬
‫إذن يكون الناط قة قد ن صوا على أن الذ هن أثناء عمل ية الف كر والتفك ي‬
‫يستعي بأمور ومفاهيم ذهنية ل توجد ف الارج بعن أنه ل يوجد ما يقابلها‬
‫ف الارج‪ ،‬ولكن يتخذ من هذه الفاهيم آلت ووسائط يتوصل با إل إدراك‬
‫الوجودات الارجية‪.‬‬
‫ومثال قريصب على ذلك العدد‪ ،‬فالعدد ل يوجصد بذاتصه فص الارج بصل هصو‬
‫مفهوم ذه ن م ض مرد من ملح ظة ب عض صفات الارج‪ ،‬والع قل ي ستخدم‬
‫العدد لكتشاف القوانيص الارجيصة كمصا هصو معلوم فيقال عندئذ هذا العدد‬
‫صادق على ما هو ف الارج كالرآة له‪ ،‬ول يقال إن العدد موجود بذا ته ف‬
‫الارج‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫فقول ابن تيمية (هذا التركيب إما أن‪..‬ال)‬
‫كلم غي صحيح‪ ،‬لن أحدا من مناطقة السلم ل يقل إن الكلي موجود‬
‫ف الارج هكذا‪ ،‬بل إنم صرحوا بأن ما ف الارج جزئيات‪ ،‬والكلي هو من‬
‫عوارض التصورات العقلية‪ ،‬فافتراضه هذا مرد مغالطة‪ .‬وإن قصد أن هناك من‬
‫قال بوجود الكلي ف الارج على هذا النحو الساذج فكلم هذا غي معتب عند‬
‫سائر الناط قة ك ما هو معلوم‪ ،‬ول يوز أن يكون غلط وا حد من الناط قة أو‬
‫غلط من ل يع تبوه غل طا لميع هم‪ ،‬بل إن ن ل أعرف أحدا مع تبا من مناط قة‬
‫السصلم قال بذلك‪ ،‬ورباص كان هذا الرأي منسصوبا إل أفلطون أو غيه مصن‬
‫الفلسفة ولكن السلميي قد خالفوا أفلطون ف نظرية ا ُلثُلِ كما هو مشهور‬
‫معلوم‪ ،‬ومن وافقه منهم إن ُوجِدَ فالمهور ل يرتض قوله‪.‬‬
‫ونن قل ه نا ما ذكره العل مة ال صفهان ف رد ُمثُلِ أفلطون‪ ،‬ف قد قال ف‬

‫شرح الطوالع(‪" :)1‬وب ا ذ كر من أن الجرد ل يكون ف الارج‪ ،‬بل إن ا هو ف‬
‫الع قل‪ ،‬وأ نه مبا ين للمخلوط‪ ،‬ظ هر ض عف ما ز عم أفلطون من أن ل كل نوع‬
‫شخصا مردا خارجيا باقيا مستمرا أزل وأبدا‪ ".‬اهص‬

‫وأما قوله(والعيان ف كل عي صفة‪..‬ال) فهو اعتراف بفهوم الكلي كما‬
‫قرره الناطقة‪ ،‬وهو وجود مصاديق كثية لفهوم واحد ف الذهن‪.‬‬
‫وقوله(وإن أردت باليوانية والناطقية جوهرا‪..‬ال)‬

‫‪)(1‬‬
‫هجرية‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫راجع شرح الطوالع‪ ،‬للعلمة الصفهان‪،‬ص‪ .48‬الطبعة الول بالطبعة اليية‪ ،‬سنة ‪1323‬‬

‫أقول ل أحصد مصن الناطقصة يريصد باليوانيصة والناطقيصة معنص الوهريصة فص‬
‫الارج‪ ،‬ول ي قل أ حد من هم إن الن سان ف يه جوهران ف العال الار جي الول‬
‫اليوان والثا ن النا طق‪ ،‬و ما دام ل يو جد أ حد اد عى هذا القول فلِ َم يض عه ا بن‬
‫تيمية كاحتمال لكلمهم وهو ليس متمل مطلقا؟! إن هذا هو أسلوبه العروف‬
‫الذي وضحناه فص كتاب [الكاشصف الصصغي] وهصو إيراد الحتمالت البعيدة‬
‫وعدم ذ كر الع ن الق صود وذلك لين فر القارئ من القول الذي يناق شه‪ ،‬وهذه‬
‫طريقة غي سديدة ف نقد القوال‪ ،‬فإننا إذا أردنا أن ننقد قول‪ ،‬فإننا نكشف عن‬
‫حقي قة معناه ونبا شر بالرد عل يه‪ ،‬ولنت مل معا ن منف ية أو بعيدة مطل قا‪ ،‬بل إذا‬
‫كان هناك معان متملة قريبة فإننا نوردها إذا ل يوجد ف الكلم مل النقد ما‬
‫ين في إرادت ا‪ ،‬وهذا ف حالة كون الع ن القصود غ ي وا ضح تا ما‪ .‬وهذه الالة‬
‫ليست هي ما نن فيه هنا‪ .‬وهذا هو منشأ استغرابنا‪.‬‬
‫والناطقصة يريدون بالنصس كاليوان وبالفصصل كالناطصق‪ ،‬أنمصا مفهومان‬
‫كليان متغايران ف نطاق الذهن‪ ،‬وأما ف الوجود الارجي فل يتركب النسان‬
‫من جوهر ين الول اليوان والثا ن النا طق‪ ،‬ك ما يقول ا بن تيم ية‪ ،‬بل ه ا ف‬
‫الوجود الارجصي أمصر واحصد ل تعدد فيصه‪ ،‬وضرب صصدر الديصن الشيازي فص‬
‫ر سالة الت صور والت صديق مثال ال نس والف صل كمثال على الع ية الا صلة ف‬
‫الذهن‪ ،‬وأما ف الارج فل اثنينية بل الوجود الارجي واحد‪ ،‬فقال‪ ":‬وقد يعلم‬
‫ت صور م عه ت صديق‪ ،‬هي الع ية ال ت تكون ب ي ج نس الش يء وف صله ب سب‬
‫التحليل الذهن‪ ،‬كمعية اللون وقابضية البصر ف السواد‪ ،‬وها شيء واحد ف‬
‫الوجود‪ ،‬ل العية ف الوجود القتضية للثنينيّة كالعية بي الزء والكل والشرط‬
‫والشروط"‪ ،‬وقال ف موضع آخر من الرسالة‪ ":‬كما يقال الفصل من عوارض‬
‫اللجنصس ويراد بصه عارض الاهيصة ل عارض الوجود‪ ،‬أل ترى أن الوجود مصن‬

‫‪114‬‬

‫عوارض الاهيصة الوجودة بذلك الوجود‪ ،‬وكذا الناطصق عارض لاهيصة اليوان ل‬
‫لوجوده‪ ،‬وهذا النحو من العروض ل يناف العينية ف الوجود"‪.‬‬
‫وم ن نص على ذلك أي ضا العل مة ال صفهان ف شرح الطوالع فقال(‪:)1‬‬
‫"الفصل ف الارج بعينه النس"‪.‬‬
‫إذن فاليوان والنا طق لي سا جوهر ين متغاير ين ف الوجود الار جي‪ ،‬ك ما‬
‫يدعي ابن تيمية‪ .‬وما قلناه ل يناف أن اليوانية والناطقية صفات ذاتية ل أمور‬
‫عار ضة على الاه ية‪ ،‬ول كن هذا ل يقت ضي ك ما هو وا ضح أن ما جوهران ف‬
‫الارج‪.‬‬
‫والن لنكمل نقاشنا مع ابن تيمية فقد قال (بل هو جوهر واحد له صفتان)‬
‫وهو يشي بكلمه هذا إل قول بعض الناس بأن النسان مؤلف من جوهرين ف‬
‫الارج‪ ،‬الول اليوان والثانص الناطصق‪ ،‬وهذا مرد مغالطصة‪ ،‬فل أحصد ينكصر أن‬

‫اليوانية(‪ )2‬صفة للنسان وأن الناطقية(‪ )3‬صفة له أيضا‪ ،‬ولكن ل أحد يقول إن‬

‫اليوانية جوهر والناطقية جوهر والنسان يتركب من هذين الوهرين‪ ،‬هذا ل‬
‫يقول به أحد يعتد بكلمه ف هذا الفن‪ ،‬ولكن الكلم ف عي هاتي الصفتي ما‬
‫هي ال سابقة و ما هي القدم ف الت صور ع ند تع قل ماه ية الن سان‪ ،‬أي ما هي‬
‫الصفة الت يشترك فيها النسان مع غيه‪ ،‬فهي تكون العم وتسمى النس‪ ،‬وما‬
‫هي الصفة الت يتاز با النسان عن غيه ويتص با وتيزه عن غيه وتساويه‪،‬‬
‫وتسمى الفصل‪ ،‬هذا هو موضع الكلم‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫‪)(2‬‬
‫‪)(3‬‬

‫‪115‬‬

‫شرح الطوالع للعلمة الصفهان‪ ،‬ص‪.50‬‬
‫معن اليوان عند الناطقة‪ :‬جسم نامٍ متحرك بالرادة‪.‬‬
‫معن الناطق عند الناطقة‪ :‬الفكر ولو بالقوة‪ ،‬أي ما من شأنه أن يفكر‪ ،‬ولو ل يفكر بالفعل‪.‬‬

‫وقوله(فإن كان الوهر مركبا من عرضي ل يصح)‬
‫أقول‪ :‬لقصد اشتهصر عنصد التكلميص أن القول بتركصب الواهصر مصن أعراض‬
‫باطل‪ ،‬وهذا القول منسوب إل ضرار من العتزلة‪ ،‬وقد أبطله الشاعرة وغيهم‪،‬‬
‫وليس مرادا هنا قطعا‪ ،‬وإيراد ابن تيمية إياه هنا مرد مغالطة أخرى‪.‬‬
‫وقوله(وإن كان من جوهر عام وخاص فليس فيه ذلك)‬
‫أقول‪ :‬هذا الحتمال أيضا تافت آخر‪ ،‬فهو مبن على أن النسان مركب‬
‫مصن جوهريصن خارجييص‪ ،‬وإن الوهصر الول كلي وإن الكليات موجودة فص‬
‫الارج‪ ،‬وليس واحد من هذه يقول با الناطقة خاصة السلميي منهم‪ ،‬فكيف‬
‫أجاز ابن تيمية لنفسه إيراد هذا العن كاحتمال هنا‪ ،‬القيقة أن عجب واستغراب‬
‫ل يزال يزداد من ا بن تيم ية كل ما تعم قت ف معر فة أقواله وأ ساليبه ف مناق شة‬
‫الصصوم‪ ،‬فهصي تكشصف ل عصن مدى التناقصض الكصبي الذي كان كامنصا فيصه‪،‬‬
‫والقي قة ال ت أل سها بوجدا ن هي أ نه كان يعلم ض عف أقواله وعدم قوت ا ف‬
‫أغلب الحيان‪ ،‬ولذلك كان يلجأ إل هذه الساليب الغريبة ف الوار‪.‬‬
‫وقوله (وإن جعلوهصا تارة جوهرا‪..‬ال) هذا احتمال جديصد فاسصد‪ ،‬وقصد‬
‫عرف تَ العن القيقي الذي يريده الناطقة من مقولة الاهية وتركيبها ومن القول‬
‫بالكليات الذهنية‪ ،‬فل حاجة هنا إل تكثي الكلم مع ابن تيمية‪ ،‬فهو قد تعّلّ مَ‬
‫ا ستحالة كون الش يء الوا حد جوهرا وعر ضا من التكلم ي فجاء يارب م به‪،‬‬
‫ويتهمهم به مع نفيهم له لا يلزم عنه من انقلب الاهيات‪.‬‬
‫وقوله (فبطل كون القيقة الارجة مركبة)‬

‫‪116‬‬

‫أقول ‪:‬ل يبطل بذه الغالطات شيء كما ترى‪ .‬والتركيب النفي ف الارج‬
‫هو الترك يب من جوهر ين الول هو اليوان والثا ن هو النا طق‪ ،‬وأ ما تر كب‬
‫النسان ف الذهن من الناطقية واليوانية فلم يأت بأمر ينفيه هنا‪ .‬وأما الثابت ف‬
‫الارج ف هو أن الن سان مر كب من الجزاء كال يد والر جل والرأس‪ ،‬فالن سان‬
‫ك ّل وهذه أجزاؤه‪.‬‬
‫وقوله‪(:‬وإن قالوا الركب القيقة الذهنية العقولة)‬
‫أقول له‪ :‬أنت تعرف أن هذا هو مرادهم‪ ،‬وتعرف أيضا ما الذي يقصدونه‬
‫عندما يقولون إن هذا الركب (أي الاهية) صادقة على ما ف الارج‪ ،‬فل يلزم‬
‫على ذلك قطعا وجود الكليات ف الارج‪.‬‬
‫وقوله(تلك ليست هي القصودة بالدود‪..‬ال)‬
‫وحددتص العلم فأنصت تدد العلوم‪،‬‬
‫َ‬
‫أقول‪ :‬إذا كان العلم مطابقصا للمعلوم‪،‬‬
‫ت معن التركب الذهن وجهة صدقه على ما ف الارج‪ ،‬فإن الطابقة‬
‫وإذا عرف َ‬
‫بي ما ف الذهن وما ف الارج تكون حاصلة بالشروط الذكورة وبالوجه البي‬
‫ف كلم القوم‪ .‬فك يف يوز أن يقول (فإن ل ي كن هناك ترك يب ل ي صح أن‬
‫يكون ف هذه تركيب)‪ ،‬فكلمه غي صحيح بناءا على ما سبق أيضا‪.‬‬
‫والا صل أن ن قد ا بن تيم ية لبا حث الت صورات بناءً على هذا الو جه مرد‬
‫مغالطة ل تقوم على أساس‪.‬‬
‫وبذا نكون قد انتهي نا من الرد على انتقادات ا بن تيم ية ال ت وجه ها على‬
‫مبحصث التصصورات فص علم النطصق‪ ،‬ونكون بذلك قصد بّينّصصا ضعصف حججصه‬
‫وتافتها وابتناءها على الغالطات الحضة‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫وفيمصا يلي سصوف نشرع فص الرد على إيراداتصه التص وجههصا على قسصم‬
‫التصديقات‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫تهيد‬
‫ف قسم التصديقات‬
‫سوف نذ كر في ما يلي ب عض القوا عد الكل ية ال ت ذكرها الناطقة ف ق سم‬
‫التصديقات من كتب النطق أو ألقوها بالقياسات‪ ،‬والقواعد الت نريد ذكرها‬
‫هي فقط ما لا علقة بتوضيح ردّنا على اليرادات الت أوردها ابن تيمية‪ ،‬وليس‬
‫قصدنا استقصاء ذكر جيع القواعد الت نصوا عليها‪.‬‬
‫أول‪ :‬مواد القيسة إما يقينية أو غي يقينية‬
‫اليقينيات‪:‬‬
‫قال الكاتب(‪":)1‬مواد القيسة وهي يقينيات وغي يقينيات أما اليقينيات فستّ‬
‫‪1‬أوليات وهي قضايا تصوّر طرفيها كافٍ ف الزم بالنسبة بينهما‬‫كقولنا الكل أعظم من الزء‪.‬‬
‫‪2‬ومشاهدات وهي قضايا يكم با بقوى ظاهرة أو باطنة كالكم‬‫بأن الشمس مضيئة وأن لنا خوفا وغضبا‪.‬‬
‫‪3‬ومربات وهي قضايا يكم با لشاهدات متكررة مفيدة لليقي‬‫كالكم بأن شرب السقمونيا موجب للسهال‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪119‬‬

‫الشمسية مع شرح القطب الرازي‪ ،‬ص‪ ،166‬طبعة الباب اللب‪.‬‬

‫‪4‬وحدسيات وهي قضايا يكم با لدس قوي من النفس مفيد للعلم‬‫كالكم بأن نور القمر مستفاد من الشمس‪ .‬والدس هو سرعة‬
‫النتقال من البادئ إل الطالب‪.‬‬
‫‪5‬ومتواترات وهي قضايا يكم با لكثرة الشهادات بعد العلم بعدم‬‫امتناعها والمن من التواطؤ عليها كالكم بوجود مكة وبغداد‪ ،‬ول‬
‫ينحصر مبلغ الشهادات ف عدد بل اليقي هو القاضي بكفاية العدد‪.‬‬
‫‪6‬والعلم الاصل من التجربة والدس والتواتر ليس بجة على الغي‪.‬‬‫‪7‬وقضايا قياساتا معها وهي الت يكم با بواسطة ل تغيب عن الذهن‬‫عند تصور حدودها كالكم بأن الربعة زوج لنقسامها‬
‫بتساويي‪".‬اهص‬
‫غي اليقينيات‬
‫قال الكاتب(‪":)1‬وأما غي اليقينيات فستّ‬
‫‪8‬مشهورات وهي قضايا يكم با لعتراف جيع الناس با لصلحة‬‫عامة أو رأفة وحية أو انفعالت من عادات وشرائع وآداب‪ ،‬والفرق‬
‫بينها وبي الوليات أن النسان لو خل ونفسه مع قطع النظر عمّا‬
‫وراء عقله‪ ،‬ل يكم با بلف الوليات‪ ،‬كقولنا الظلم قبيح والعدل‬
‫حسن‪ ،‬وكشف العورة مذموم‪ ،‬ومراعاة الضعفاء ممودة‪ ،‬ومن هذه‬
‫ما يكون صادقا وما يكون كاذبا‪ ،‬ولكل قوم مشهورات‪ ،‬وأهل كل‬
‫صناعة بسبها‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪120‬‬

‫الشمسية مع شرحها للقطب‪ ،‬ص‪.168‬‬

‫‪9‬ومسلمات وهي قضايا تسلم من الصم فيبن عليها الكلم لدفعه‬‫كتسليم الفقهاء مسائل أصول الفقه‪.‬‬
‫‪10‬والقياس الؤلف من هذين يسمى جدل والغرض منه إقناع القاصر‬‫عن إدراك البهان وإلزام الصم‪.‬‬
‫‪11‬ومقبولت وهي قضايا تؤخذ من يعتقد فيه إما لمر ساوي أو‬‫لزيد عقل ودين كالأخوذات من أهل العلم والزهد‪.‬‬
‫‪12‬ومظنونات وهي قضايا يكم با اتباعا للظن كقولك فلن يطوف‬‫بالليل فهو سارق‪.‬‬
‫‪13‬والقياس الؤلف من هذين يسمى خطابة‪ ،‬والغرض منه ترغيب‬‫السامع فيما ينفعه من تذيب الخلق وأمر الدين‪.‬‬
‫‪14‬وميلت وهي قضايا إذا أوردت على النفس أثرت فيها تأثيا‬‫عجيبا من قبض وبسط كقولم المر ياقوتة سيالة‪ ،‬والعسل مرة‬
‫مهوعة‪.‬‬
‫‪15‬والقياس الؤلف منها يسمى شعرا‪ ،‬والغرض منه انفعال النفس‬‫بالترغيب والتنفي‪ ،‬ويروّجه الوزن والصوت الطيب‪.‬‬
‫‪16‬ووهيات وهي قضايا كاذبة يكم با الوهم ف أمور غي مسوسة‪،‬‬‫كقولنا كل موجود مشار إليه‪ ،‬ووراء العال فضاء ل ناية له‪ ،‬ولول‬
‫دفع العقل والشرائع لكانت من الوليات‪ ،‬وعرف كذب الوهم‬

‫‪121‬‬

‫لوافقته العقل ف مقدمات القياس الناتج لنقيض حكمه‪ ،‬وإنكاره‬
‫ونفيه عند الوصول إل النتيجة‪.‬‬
‫‪17‬والقياس الؤلف منها يسمى سفسطة‪ ،‬والغرض منه إفحام الصم‬‫وتغليطه‪" .‬اهص‬
‫‪18‬هذه هي مواد القضايا مذكورة مبينة باختصار ووضوح‪.‬‬‫ثانيا‪ :‬أنواع الجج‬
‫قال الشريف الرجان(‪ ":)1‬إن الوصل إل التصديق ينقسم إل قياس‬
‫واستقراء وتثيل‪ ،‬لكن العمدة منها والفيد للعلم اليقين هو القياس"‪.‬اهص‬
‫وقال المام التفتازان(‪":)2‬القياس قول مؤلف من قضايا يلزمه لذاته قول‬
‫آخر‪ ،‬فإن كان مذكورا فيه بادته وهيئته فاستثنائي وإل فاقتران إما حلي أو‬
‫شرطي"‪.‬اهص‬
‫ث قال(‪":)3‬الستقراء تصفح الزئيات لثبات حكم كلي‪ ،‬والتمثيل بيان‬
‫مشاركة جزئي لزئي آخر ف علة الكم ليثبت فيه‪ ،‬والعمدة ف طريقه الدوران‬
‫والترديد‪".‬اهص‬
‫وقال الل عبدال ف حاشيته على التهذيب(‪":)4‬اعلم أن الجة على ثلثة‬
‫أقسام‪ ،‬لن الستدلل إما من حال الكلي على حال جزئياته‪ ،‬وإما من حال‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬
‫‪) (3‬‬
‫‪) (4‬‬

‫‪122‬‬

‫حاشية الشريف على شرح الشمسية للقطب التحتان‪ ،‬ص‪ ،139‬طبعة مصطفى الباب‪.‬‬
‫التهذيب ف النطق‪،‬ص‪.14‬‬
‫التهذيب للمام السعد التفتازان‪،‬ص‪.15‬‬
‫حاشية الل عبدال اليزدي على تذيب النطق‪ ،‬للسعد التفتازان‪،‬ص‪.171‬‬

‫الزئيات على حال كليها‪ ،‬وإما من حال أحد الزئيي الندرجي تت كلي‬
‫على حال الزئي الخر‪ ،‬فالول هو القياس‪ ،‬وقد سبق مفصل‪ ،‬والثان هو‬
‫الستقراء والثالث هو التمثيل‪".‬اهص‬
‫إذن فالناطقة قد فصلوا ف ذكر الطرق الوصلة إل التصديق كما ترى‪ ،‬ول‬
‫يصروا الجة ف القياس الشمول ذي الشكال الربعة‪ ،‬بل أدرجوا ف طرق‬
‫الوصول الستقراء والتمثيل وغيها أيضا‪ ،‬وقسموا كل منها إل مراتب وأقسام‬
‫كما تده ف الكتب النطقية‪.‬‬
‫وقد لص الشيخ عبد الكري الدرس أقسام الدليل تلخيصا جيدا نذكر لك‬
‫حاصله فيما يلي(‪:)1‬‬
‫الدليل بسب الصورة‪ :‬قول يكتسب من التصديق به التصديق بقضية‬
‫أخرى وأقسامه أربعة‬
‫القسم الول‪ :‬القياس وهو قول مؤلف من قضيتي يلزم من التصديق بما‬
‫التصديق بقضية أخرى لزوما كليا بالذات‪ ،‬وهو على قسمي استثنائي واقتران‪،‬‬
‫فالستثنائي ما ذكرت فيه النتيجة بادتا وهيئتها‪ ،‬نو كلما كان العال متغيا‬
‫كان حادثا‪ ،‬لكنه متغي فكان حادثا‪ ،‬أو بيئة نقيضها نو كلما كان العال قديا‬
‫كان ثابتا على حال واحدة‪ ،‬لكنه ليس بثابت على حال واحدة‪ ،‬فلم يكن قديا‪.‬‬
‫والقياس القتران ما ذكرت فيه النتيجة بادتا فقط كقولنا سيدنا ممد‬
‫صلى ال عليه وسلم ادعى الرسالة وأظهر العجزة‪ ،‬وكل من ادعاها وأظهرها‬
‫صادق ف دعواه‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪123‬‬

‫ذكر ذلك ف كتاب الفتاح ف علم النطق‪ ،‬طباعة الدار العربية للطباعة‪ ،‬ص‪ 19‬وما بعدها‪.‬‬

‫القسم الثان‪ :‬دليل مستلزم للنتيجة كليا بواسطة مقدمة أجنبية عنه ويسمى‬
‫قياس الساواة‪ ،‬وهو قول مؤلف من قضيتي متحدتي ف الحمول متعلق أحد‬
‫جزئي الول جزء تام من الخرى نو البيت ظرف الكوز‪ ،‬والكوز ظرف الاء‬
‫النتج لقولنا البيت ظرف الاء بواسطة مقدمة أجنبية وهي ظرف ظرف الشيء‬
‫ظرفه‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬دليل يستلزم النتيجة كليا بواسطة مقدمة غريبة وهو الدليل‬
‫الستلزم لا بواسطة عكس نقيض إحدى مقدمتيه‪ ،‬كقولنا النسان حيوان وكل‬
‫ل جسم ل حيوان‪ ،‬النتج لقولنا كل إنسان جسم بواسطة عكس نقيض الكبى‬
‫وهو كل حيوان جسم‪.‬‬
‫القسم الرابع‪ :‬دليل يستلزم النتيجة جزئيا ومنه الستقراء الناقص وهو قول‬
‫مؤلف من قضايا يكم فيها على كثي من جزئيات كلي ليثبت ذلك الكم‬
‫للكلي كليا‪ ،‬كقولنا النسان والفرس وغيها ما رأيناه من أنواع اليوان يرك‬
‫فكه السفل عند الضغ‪ ،‬فكل حيوان يرك فكه السفل‪.‬‬
‫ومنه التمثيل وهو دليل يشبه فيه جزئي بآخر ف وصف مشترك بينهما‬
‫ليثبت ف الشبه الكم الثابت للمشبه به العّلّل بذلك الوصف‪ ،‬كقول الفقهاء‬
‫النبيذ كالمر ف السكار‪ ،‬والمر حرام فالنبيذ حرام"‪.‬اهص‬
‫ف هنا‪.‬‬
‫وكلم الشيخ الدرس مفيد وكا ٍ‬
‫ثالثا‪ :‬توضيحات متصرة ف القياس‬
‫وبا أن ابن تيميه يتكلم على من يصر طريق التصديق ف القيسة‪ ،‬فسوف‬
‫نو ضح ن ن ه نا تلخي صا مذهبَ هم لتعرف حقيق ته ك ما ينطقون هم ب ا ل ك ما‬

‫‪124‬‬

‫يعرضها ابن تيمية‪ ،‬وسنشرع بعد ذلك ف دراسة إشكال ابن تيميه لعرفة الق‬
‫فيصه مصن الصصواب‪ .‬وسصوق نعتمصد فص بيان هذا الذهصب على قول رئيسصهم‬
‫(‪)1‬‬
‫الفيلسوف الفاراب كما وضحه ف كتاب القياس‬
‫‪ -1‬مأخذ القضايا‪ :‬القضايا منها ما يصل معرفتها ل عن قياس ومنها ما‬
‫يصصل معرفتهصا بالقياس‪ ،‬والتص يصصل معرفتهصا لعصن قياس أربعصة أصصناف‬
‫مقبولت ومشهورات ومسوسات ومعقولت كلية ُأوَل(‪.)2‬‬
‫فليس كل القضايا تستفاد من القياس‪ .‬ومفهوم القضية هو الملة الت تفيد‬
‫نسصبة تصصديقية تامصة‪ ،‬يكصن أن يتعلق باص التصصديق والتكذيصب‪ .‬وتلحصظ أن‬
‫الوليات جزء من القضايا العروفة ل عن قياس‪ ،‬وبذلك فيمكن أن تكون باقي‬
‫الق سام تف يد قضا يا ت صديقية ولكن ها غ ي أول ية‪ ،‬أي غ ي بديه ية‪ ،‬ولكن ها ل‬
‫تتوقف على النظر العرّف بالبهان‪.‬‬
‫‪ -2‬صور ضروب القيسة الثلثة الشهورة‬
‫سوف ن ستعرض ه نا صور ضروب أشكال القي سة الثل ثة الول المل ية‬
‫الشهورة‪ ،‬لفائدتا ف حَ ّل بعض جهات الشكال‪.‬‬
‫أول‪ :‬الشكل الول وفية أربعة أضرب منتجة‬
‫الضرب الول‪ :‬موجبتان كليتان ينتج موجبة كلية‪.‬‬
‫كتاب القياس‪ ،‬للفيلسوف الفاراب‪ ،‬تقيق د‪ .‬رفيق العجم‪ .‬طبعة دار الشرق‪ ،‬بيوت‪ ،‬سنة‬
‫‪) (1‬‬
‫‪1986‬م‪.‬‬
‫القياس‪ ،‬ص‪.18‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪125‬‬

‫الضرب الثا ن‪ :‬كباه موج بة كل ية و صغراه موج بة جزئ ية‪ ،‬ين تج موج بة‬
‫جزئية‪.‬‬
‫الضرب الثالث‪ :‬كباه سالبة كلية وصغراه موجبة كلية‪ ،‬ينتج سالبة كلية‪.‬‬
‫الضرب الرابع‪ :‬كباه سالبة كلية وصغراه موجبة جزئية‪ ،‬ينتج سالبة جزئية‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الشكل الثان وفية أربعة أضرب منتجة‬
‫الضرب الول‪ :‬كباه سالبة كلية وصغراه موجبة كلية‪ ،‬ينتج سالبة كلية‪.‬‬
‫الضرب الثان‪ :‬كباه موجبة كلية وصغراه سالبة كلية‪ ،‬ينتج سالبة كلية‪.‬‬
‫الضرب الثالث‪ :‬كصباه سصالبة كليصة وصصغراه موجبصة جزئيصة‪ ،‬ينتصج سصالبة‬
‫جزئية‪.‬‬
‫الضرب الرابع‪ :‬كباه موجبة كلية وصغراه سالبة جزئية‪ ،‬ينتج سالبة جزئية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الشكل الثالث وفيه ستة أضرب منتجة‪.‬‬
‫الضرب الول‪ :‬موجبتان كليتان ينتج موجبة جزئية‬
‫الضرب الثان‪ :‬كباه سالبة كلية وصغراه موجبة كلية ينتج سالبة جزئية‪.‬‬
‫الضرب الثالث‪ :‬كباه موج بة كل ية و صغراه موج بة جزئ ية ين تج موج بة‬
‫جزئية‪.‬‬
‫الضرب الرا بع‪ :‬كباه موج بة جزئ ية و صغراه موج بة كل ية‪ ،‬ين تج موج بة‬
‫جزئية‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫الضرب الا مس‪ :‬كباه سالبة كل ية و صغراه موج بة جزئ ية ين تج سالبة‬
‫جزئية‪.‬‬
‫الضرب ال سادس‪ :‬كباه سالبة جزئ ية و صغراه موج بة كل ية‪ ،‬ين تج سالبة‬
‫جزئية‪.‬‬
‫‪ –3‬القضايا الشرطية‪ :‬وأما القاييس الشرطية فل نريد ذكر ما فيها من‬
‫صور لكفاية الملي عنها ف الرد على الشكال الذكور‪.‬‬
‫‪ -4‬السصتقراء‪ :‬هصو تصصفح شي ٍء شيءٍ مصن الزئيات الداخلة تتص أمصر‬
‫كلي لتصصحيح حكصم مصا حكصم بصه على ذلك المصر بإياب أو سصلب‪.‬‬
‫فت صفحنا الزئيات لتطلب ال كم ف وا حد وا حد من ها هو ال ستقراء‬
‫ونتيجة الستقراء هي إياب ذلك الكم لذلك المر الكلي أو سلبه عنه‪.‬‬
‫وال ستقراء قول قو ته قياس ف الش كل الول‪ ،‬وال د الو سط ف يه هو‬
‫الشياء الزئية الت تتصفح‪.‬‬
‫‪ -5‬التمث يل‪ -:‬إن ا يكون بأن يعلم أولً أن شيئا موجود ل مر ما جزئي‪،‬‬
‫فينتقل النسان من ذلك المر إل أمر ما آخر جزئي شبيه بالول فيحكم به‬
‫عليه إذا كان المران الزئيان يعُمّها العن الكلي الذي من جهته وجد الكم‬
‫فص ذلك الزئي الول‪ ،‬وكان وجود ذلك الكصم فص الول أظهصر و أعرف‬
‫والثان أخص‪.‬‬
‫فتأل يف القول الثال ب ا هو مثال هكذا‪ :‬الائط ُم َكوّن‪ ،‬والائط ج سم‪،‬‬
‫والسماء جسم فإذن السماء ُم َكوّنة‪ .‬وهذا القول بأسره قوته قوة قياس مركب‬
‫من قياسي ف الشكل الول‪ ،‬أحدها أن إدراكَنا الائ طَ مكوّنا ومشاهدتنا له‬

‫‪127‬‬

‫هو الذي صحح عند نا أن ال سم مكون لن الائط ل ا كان جزئيا للج سم‪،‬‬
‫صار كالشيء الذي استقرئ‪ ،‬فوجد فيه شيء نكم على كليته بالشيء الذي‬
‫وجصد فيصه‪ ،‬فيأتلف القول هكذا‪ :‬السصم هصو الائط‪ ،‬أو غيه مصن الزيئات‬
‫الشابةص له‪ ،‬والائط مكون فالسصم إذا مكون‪ .‬ثص يؤخصذ نتيجصة هذا القياس‬
‫ويضاف إليها أن السماء جسم‪ ،‬فيأتلف؛ السماء جسم‪ ،‬والسم مكون‪ ،‬فإذا‬
‫السماء مكونة‪.‬‬
‫فبهذا الوجصه ير جع القول الثال إل القياس‪ ،‬وباص فيصه مصن القوة القياسصية‬
‫صار مقنعا وهو قريب من القول الستقرائي‪ ،‬إل أن ال ستقراء إنا يكون بأن‬
‫يوجصد الكصم فص جيصع جزئيات الكلي أو فص أكثرهصا‪ ،‬والقول الثال يكون‬
‫بزئيّ واحد يقوم هذا الزئي الواحد ف الثال مقام جيع الزيئات أو أكثرها‬
‫ف الستقراء(‪.)1‬‬
‫وبعد هذا التمهيد نشرع ف مناقشة كلم ابن تيمية‪.‬‬

‫‪) (1‬‬

‫‪128‬‬

‫اعتمدنا ف الكلم السابق على ما كتبه الفاراب ف كتبه النطقية‪.‬‬

‫الرد على اعتراضات ابن تيمية‬
‫تهيد‬
‫بعد أن ذكرنا بعض القدمات الهمة ف علم النطق‪ ،‬سوف نشرع الن ف‬
‫الرد على اعتراضات ابن تيمية على علم النطق ف القسم الاص بالتصديقات‪.‬‬
‫وسوف نتم بنقض ما ذكره ف تلخيص رده على النطق الودع ف الجلد‬
‫التاسع من مموعة الفتاوي الكبى‪ ،‬ونتار بعض أهم العتراضات الت ذكرها‬
‫ف مواضع أخرى من كتبه‪ ،‬ونبي وجه فسادها وجهة العتراض عليها‪.‬‬
‫قال ابن تيمية(‪":)1‬الفساد ف النطق ف البهان وف الد‪ ،‬أما البهان‬
‫فصورته صورة صحيحة وإن كانت مواده صحيحة فل ريب أنه يفيد علما‬
‫صحيحا‪ ،‬لكن الطأ من وجهي‪".‬اهص‬
‫هكذا بدأ ابن تيمية كلمه ف هذا القام‪ ،‬وقد قدمنا نن الرد على ما ذكره‬
‫ف باب التصورات أي الدود‪ ،‬وبينا ما ف كلمه من اختلل كبي‪ ،‬وسوف‬
‫نباشر فيما يلي الرد على اعتراضاته ف مقام التصديقات‪.‬‬
‫العتراض الول لبن تيمية ونقده‪:‬‬
‫قال ابن تيمية(‪":)2‬أحدها‪ :‬إن حصر مواده فيما ذكروه من الجناس‬
‫الذكورة ل دليل عليه البتة‪ ،‬فأصابوا فيما أثبتوه دون ما نفوه‪ ،‬فمن أين يكم‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪129‬‬

‫مموعة الفتاوي الكبى‪.]9/260[،‬‬
‫الرجع السابق‪.‬‬

‫بأنه ل يقي إل من هذه الهات العينة‪ ،‬فإن رجع فيه النسان إل ما يده من‬
‫نفسه فمن أين له أن سائر النوع حت النبياء والولياء ل يصل لم يقي بغي‬
‫ذلك‪ .‬ث الواقع خلف ذلك‪".‬اهص‬
‫إن هذا العتراض مبن على عدم التسليم بصادر العرفة اليقينية الت ذكرها‬
‫الناطقة وهي الوليات والشاهدات والجربات والدسيات والتواترات‬
‫والقضايا الت قياساتا معها‪ ،‬وهو يستغرب كيف حصر الناطقة مصادر اليقي‬
‫ف هذه الذكورات‪ ،‬ومع ذلك ل يأت بدليل على إمكان وجود مصدر زائد‬
‫على ذلك إل مرد القول بأن "الواقع خلف ذلك"‪ ،‬وهذا مرد ادعاء ل قيمة له‬
‫ف الباهي‪.‬‬
‫فإننا نقول له‪ :‬ما هذا الواقع الذي تدعي أنه خلف ذلك وما هي الزئية‬
‫العينة بالضبط الت تدعي أنا ترج عن نطاق هذه البادئ الستة‪ ،‬فإذا قصد ابن‬
‫تيمية أن النبياء والولياء يرجون عن ذلك‪ ،‬فإذا سلمنا نن أن النبياء‬
‫والولياء يتلفون عنا ف مصدر العرفة‪ ،‬مع أن هذا يتاج إل برهان‪ ،‬فغاية ما‬
‫يقال إن علومهم خاصة بم ل يقاس عليها أي ل يوز تعدية هذه الصادر إل‬
‫غيهم من البشر‪ ،‬والكلم ف النطق ليس هو عن الصادر العرفية الاصة ببعض‬
‫الناس‪ ،‬بل هو عن الصادر العرفية الشائعة والت تعم سائر الناس حت النبياء‬
‫والولياء‪ .‬هذا مع أن معارف النبياء راجعة إما إل الواس أو إل الخبار‬
‫الصادقة الت يتلقونا عن اللئكة أو الوجدانيات وهي المور والعارف الت‬
‫يلقها ال تعال مباشرة ف نفوسهم أو إل غي ذلك من الصادر الذكورة‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫فالاصل أن ابن تيمية ف هذا العتراض ل يلك أيّ دليل بل يلقي كلمه‬
‫هذا كمجرد استبعاد منه ومعارضة بل برهان‪ ،‬ومعلوم أن مثل هذا الكلم‬
‫مردود عقل ل يلتفت إليه‪.‬‬
‫العتراض الثان ونقده‪:‬‬
‫القسم الول من كلمه‪:‬‬
‫قال ابن تيمية(‪":)1‬إن هذا البهان يفيد العلم‪ ،‬لكن من أين علم أنه ل يصل‬
‫لقلب بشر علم إل بذا البهان الوصوف‪ ،‬بل قد رأينا علوما كثية هي لقوم‬
‫ضرورية أو حسية ولخرين نظرية قياسية‪ ،‬فلهذا كذبوا با ل ييطوا بعلمه‪،‬‬
‫وهو ما حصل من العلوم بغي هذه الواد الحصورة‪ ،‬أو بغي قياس أصل بل زعم‬
‫أفضل التأخرين منهم أن علوم النبياء والولياء ل تصل إل بواسطة القياس‪،‬‬
‫وكلمهم يقتضي أن علم الرب كذلك ول دليل له على ذلك أصل سوى مض‬
‫قياس النبياء والولياء على نفسه‪ ،‬وقياس الرب واللئكة على البشر‪".‬اهص‬
‫هذا هو القسم الول من الوجه الثان لعتراض ابن تيمية على التصديقات‬
‫وأحكامها‪ ،‬وحاصل ما يقوله هو عدم التسليم بصر موارد العلوم با ذكره‬
‫الناطقة‪.‬‬
‫قول ابن تيمية (إن هذا البهان يفيد العلم)‬
‫هو اعتراف منه بوجود فائدة لعلم النطق وبالتال وجود ناحية يكن أن‬
‫ض للطلق الذي صدر منه بأنه ل‬
‫تكون مل طلبِ من الشارع‪ .‬وهذا معا ِر ٌ‬
‫يوجد ف كتب النطق علم يؤمر به ف الشريعة‪ .‬وقد سبق أن نبهنا إل هذا‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪131‬‬

‫مموعة الفتاوي [‪.]9/260‬‬

‫قوله(لكن من أين علم أنه‪...‬ال)‬
‫هذا الكلم عجيب‪ ،‬وهو مرد معارضة من غي دليل‪ ،‬ووجه العجب منه‬
‫هو أن ابن تيمية إذا قصد أن الناطقة حصروا أنواع العارف قاطبة بالبهان بعن‬
‫القياس الذي له أربعة أشكال مشهورة‪ ،‬وهو القياس الشمول‪ ،‬فل أعلم أحدا‬
‫ادعى أن مطلق العلم ل يستفاد إل من هذا القياس‪ ،‬وابن تيمية ُيصِرّ دائما على‬
‫هذه التهمة ويدعي أن الناطقة حصروا أنواع العلوم بذا القياس‪ ،‬والقيقة غي‬
‫ذلك مطلقا‪ ،‬لا سبق وأخبناك به أنم قسموا العارف والعلوم إل قسمي الول‬
‫بدهي والثان كسب نظري‪ ،‬فالبديهيات لا وسائل ذكرها الناطقة كما شرحناه‬
‫لك ومنها السيات والوليات العقلية‪ ،‬والوجدانيات وغي ذلك‪ ،‬والكسبيات‬
‫يتوصل إليها بالدلة وهذه الدلة على أنواع والقياس الشمول نوع واحد منها‬
‫ول يشملها ول يوز حصرها فيه وذلك كله قد بيناه سابقا من كلم بعض‬
‫الناطقة‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬من حاول من الناطقة إرجاع الصادر العرفية كلها إل القياس‬
‫الشمول‪ ،‬قد يرد عليه الكلم‪ ،‬ولكن التحقيق أنا إذا سلمنا له بإرجاع جيع‬
‫الصادر إل القياس الشمول‪ ،‬فل اعتراض عليه‪ ،‬وإن ل نسلم له ذلك‪ ،‬فغاية ما‬
‫نعارضه فيه هو ماولته إرجاع الصادر إل الشمول‪ ،‬ول يستلزم ذلك أنه ينكر‬
‫إفادة الصادر الخرى للعلم‪.‬‬
‫ث إنم قد تكلموا أيضا على وسائل معرفة العلوم النظرية غي اليقينية من‬
‫حيث الصورة ومن حيث الادة وفصلوا ف ذلك أيضا كما هو معلوم‪ ،‬فقالوا إن‬
‫القياس التمثيلي ل يفيد اليقي إل بشروط معينة‪ ،‬وكذا الستقراء الناقص فهو‬
‫ليفيد اليقي إل بقدار ما ت استقراؤه وأما الكلية الستنبطة من استقراء ناقص‬

‫‪132‬‬

‫فهي ظنية‪ ،‬وإذا أريد تعميم النتائج على غي الزئيات الستقراة فل بد من توفر‬
‫شروط معينة‪ .‬وذكروا تفاصيل أخرى مهمة ف هذا الباب‪.‬‬
‫ولذلك فنحن نتعجب من كلم ابن تيمية‪ ،‬إن كان قصده بالبهان ما‬
‫ذكرناه وأما إن كان قصده بالبهان مطلق الدليل فيصدق على جيع صور‬
‫الستدلل الت ذكرناها ويشمل الظنّ ّي منها واليقين فكلمه على هذا مغالطة‬
‫أول لنه ليس كل صورة من صور هذه الدلة يقال لا برهان‪ ،‬وثانيا لنه ل‬
‫يأت بطريق أخرى يكن التوصل منها إل العلم وهي خارجة عن الصور الت‬
‫ذكروها‪ .‬هذا مع أن الظاهر من كلمه هو الول كما ل يفى‪ ،‬وعليه فإن‬
‫التشنيع ينصبّ عليه لا يتضمنه كلمه من مغالطات مكشوفة‪.‬‬
‫قوله(بل قد رأينا علوما‪...‬ال)‬
‫أقول‪ :‬أين البعد ف أن تكون علوم معينة ضرورية أو حسية عند قوم‬
‫وتكون نظرية قياسية عند آخرين‪ ،‬وكيف يترتب على ذلك إبطال النطق‬
‫والكم عليه بالفناء‪ ،‬كيف يقال ذلك ول يوجد رابطة يتم النتقال با من هذه‬
‫القدمة إل القول ببطلن النطق وفساد العلوم النطقية؟ وهل هذا إل ادعاء‬
‫مكشوف البطلن؟!‬
‫فنحن نعلم مثل أن سيدنا ممدا صلى ال عليه وسلم رأى اللئكة وعلم‬
‫بالس مدوديتهم‪ ،‬فعلمه صلى ال عليه وسلم بحدوديتهم حسي وضروري‪،‬‬
‫وأما نن وإن ل نرهم مدودين بواسطة الس إل أننا يكننا العلم بذلك‬
‫بوسائل‪ ،‬كالب الصادر الصدار من حضرة النب الكري عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫وكالقياس العقلي بالكم على كل موجود حادث بضرورة الحدودية إما‬

‫‪133‬‬

‫بالصفة أو بالذات إذا كان جسما لستحالة وجود ما ل ناية له ف اليز‬
‫ستَدَ ّل عليه بالباهي القررة ف علم الكلم‪.‬‬
‫والبعاد‪ ،‬كما يُ ْ‬
‫والناطقة ل ييلون وقوع ذلك‪ ،‬أي ل يقولون بامتناع علم البعض بواسطة‬
‫الس بشيء ما‪ ،‬وعلم الخرين بنفس الشيء بواسطة النظر والقياس مثل"‪.‬‬
‫وأين يلزم من ذلك فساد النطق وتافت أركانه؟!‬
‫قوله(فلهذا كذبوا با ل ييطوا‪...‬ال)‬
‫أقول‪ :‬قد تبي أنم ل يكذبوا ف ذلك‪ ،‬وأن ابن تيمية يعارضهم بجرد‬
‫ادعاءٍ عارٍ عن برهان‪ ،‬وما كان كذلك فهو مردود‪ .‬بل ابن تيمية هو الذي‬
‫غالط عليهم عندما يتهمهم بالقول بأنه ل يكن الصول على علم إل بالقياس‪،‬‬
‫وهذا ل يقولونه‪ ،‬بل يصرحون بلفه‪.‬‬
‫وأما قوله(بل زعم أفضل التأخرين‪...‬ال)‬
‫أنا ل أعرف أحداَ قال بذلك مطلقا‪ ،‬ل سيما وأن علوم النبياء تكون‬
‫غالبا عن إلام وهذا يكون بأن يلق ال فيهم علما ضروريا مباشرة ف‬
‫نفوسهم‪ ،‬أو بالحساس بأمرٍ خارجي ل يس به غيهم كما عندما يرون‬
‫ملئكة وغيهم ل يرونا‪ .‬فكيف يتصور القول بأنه ليوجد علم لم إل بقياس‬
‫الشمول‪.‬‬
‫أما قوله ( وكلمهم يقتضي أن علم الربَ كذلك )‪.‬‬
‫أي ل يكون إل بقياس الشمول‪ ،‬وهذا القول غريب من ابن تيمية‪ ،‬فنحن‬
‫نعرف أن بعض الفلسفة يقولون بأن علم ال تعال إنا يتعلق بالكليات‪ ،‬ويتعلق‬

‫‪134‬‬

‫بالزئيات من خلل تعلقه بالكليات‪ ،‬و من قال بذلك هم بعض الفلسفة وقد‬
‫ردَ علي هم التكلمون من ال سلمي قول م ذلك‪ ،‬وبينوا بطل نه بال جج الذكورة‬
‫ف كتب علم الكلم‪.‬‬
‫وابن تيمية عندما ينقض النطق إنا يناقش الناطقة ونن نعلم أن النطق هو‬
‫آلة العلوم فقد يكون النطقي فيلسوفا وقد يكون متكلما وقد يكون فقيها وقد‬
‫يكون طصبيبا أو فلكيا أو رياضيا‪ .‬ومصن قال بعلم ال الكلي فلم يقصل بصه لنصه‬
‫منطقي بل لعتقاد أدّاه إليه نظره الفاسد كما حصل مع بعض الفلسفة‪ .‬وإذا‬
‫حصصل ذلك فل يوز ردَ النطصق لجرد أن بعصض مصن هصو عال بصه تلبصس برأي‬
‫فا سد‪ ،‬لن هذا الفيل سوف مع عل مه بالن طق رب ا غ فل عن ب عض شرو طه أو‬
‫انرف مع آرائه الفاسدة‪ ،‬فقوله بذا الرأي الفاسد ليس لزما لعلمه بالنطق‪ ،‬بل‬
‫هو عارض عليه ليس من جنسه‪ .‬فكيف يعزى القول بذا الفساد إل النطق وهو‬
‫غريب عنه ؟؟ أليس ذلك خلف النطق والعقل الصريح ؟‬
‫وإذا كان ابصن تيميصة ينسصب هذا القول‪ :‬أي "علم ال تعال عصن طريصق‬
‫القياس" إل مناطقصة السصلمي‪ ،‬فهصو غلط مضص عليهصم للعلم بأنّ الذي يعلم‬
‫بالزئيات عن طريق القياس‪ ،‬فإنه قبل إجراء القياس غي عال بالفعل بالزئيات‪،‬‬
‫بل هو عال با بالقوة هذا إذا افترضنا حصول مقدمات القياس الكلية له بالفعل‬
‫وعل مه بالزئيات متو قف على النتباه إل ج هة القياس‪ ،‬ول أ حد من ال سلمي‬
‫يقول أن علم ال بالزيئات إناص هصو بالقوة ل بالفعصل‪ ،‬ومصن قال بذلك فهصو‬
‫خارج عصن عقيدة السصلمي‪ ،‬ويبص الرد عليصه‪ ،‬ول أعلم أنصا أحدا مصن علماء‬
‫السصلم مصن قال بذلك‪ .‬خاصصة أن العلم الكتسصب بالقياس يسصبقه الهصل‬

‫‪135‬‬

‫بالتفاصصيل‪ ،‬ويكون القياس آلة للعلم‪ ،‬والسصلمون ينصصزهون ال تعال عصن أن‬
‫يكون علمه بآلت‪.‬‬
‫القسم الثان من كلمه‬
‫ولنك مل الن قراءة الق سم الثا ن من كلم ا بن تيم يه ف قد قال(‪" :)1‬فهذا‬
‫مو ضع ينب غي للمؤ من أن يتيق نه‪ ،‬ويعلم أن هؤلء القوم وغي هم إن ا ضلوا غالبا‬
‫من ج هة ما نفوه وكذبوا به ل من ج هة ما أثبتوه وعلموه‪ ،‬ولذا كان الن طق‬
‫مظ نة الزند قة ل ن ل ي قو اليان ف قل به ح يث اعت قد أ نه لعلم إل بذه الواد‬
‫العينة وهذه الصورة‪ ،‬وذلك مفقود عنده ف غالب ما أخبت به النبياء‪ ،‬فيشك‬
‫ف ذلك أو يكذب به أو يعرض عن اعتقاده والت صديق به‪ ،‬فيكون عدم إيا نه‬
‫وعل مه من اعتقاده الفا سد أ نه ل علم إل من هذه الواد العي نة ول دل يل عل يه‬
‫البتة‪ ،‬وإن كانت مفيدة للعلم‪ ،‬فالفرق ظاهر بي كونا تفيده وبي كونا تفيده‬
‫ول يصل بغيها‪".‬اهص‬
‫تلخيص كلم ابن تيمية‬
‫هذا الكلم وإن مضى الرد على معظم ما فيه إل أننا نعيده هنا ملخصا ف‬
‫نقاط‪- :‬‬
‫أولً‪ :‬إن ابن تيمية يعترف بأن ما أثبته الناطقة صحيح ل شك فيه‪ ،‬ولكنه‬
‫إنا يعترض على حصرهم للطرق العرفية با ف صّلوه‪ .‬وهنا مناقضة صرية للقول‬
‫بأن النطق ل يوجد فيه علم صحيح يأمر الشرع باكتسابه كما زعمه ابن تيمية‪.‬‬

‫‪)(1‬‬

‫‪136‬‬

‫مموعة الفتاوى لبن تيمية‪ ،‬مرجع سابق‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬إن الناطقصة عندمصا عددوا مبادئ العرفصة بالطرق التص ذكرناهصا‬
‫سابقا‪ ،‬إنا فعلوا ذلك على حسب الطاقة البشرية‪ ،‬وليس ف كلمهم مطلقا أنه‬
‫إن استطاع وا حد أن يأت بدليل على أنه توجد طري قة أخرى للمعرفة فكل مه‬
‫مردود بالرة‪ ،‬بل إن التأخر ين من الناط قة صاروا ي صرحون بأن التوترات من‬
‫وسائل العرفة وإن ل ينتشر ذلك عند من سبقهم‪ .‬ولذلك فإن على من اكتشف‬
‫طريقة معرفية تفيد البشر أن يضيفها إل ما ذكره الناطقة لتكتمل دائرة معرفة‬
‫الناس‪ ،‬ول يوز له مطلقا القدح ف علم النطق جيعه بسبب ذلك الستدراك‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الدعاء بأن النطق هو مظنة الزندقة‪ ،‬بناء على رأى ابن تيمية‪ ،‬ل يتم‬
‫إل إذا أتى بدليل يثبت لنا أن وسائل معرفة النبياء والرسل ل تندرج مطلقا ف‬
‫ما ذكره الناطقة‪ .‬وهذا غي صحيح كما بيناه سابقا‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬غالب ما أخبت به النبياء طريق معرفتنا به هو خب الصادق الؤيد‬
‫بالعجزة وهو يفيد العلم كما هو منصوص عليه‪،‬واما بالنسبة للنبياء فهو إما‬
‫علموه بالواس الظاهرة أو الباط نة أو بلق علم ضروري ف بواطن هم أو بال ب‬
‫ال صادق بوا سطة اللئ كة وغ ي ذلك‪ .‬و كل ذلك و سائل معرف ية يقبل ها علم‬
‫النطق ويقِ ّر با‪.‬‬
‫إذن يتح صل ل نا أن كلم ا بن تيم ية ف هذه الفقرة مرد ادعاءات ل دل يل‬
‫عليها‪ ،‬ومغالطات خالصة‪ ،‬وما كان كذلك فل يلتفت إليه‪.‬‬
‫القسم الثالث من كلمه‬

‫‪137‬‬

‫قال ابصن تيم يه ف القسبم الثالث من هذا الو جه(‪" :)1‬وماصيصبي ذلك أن‬
‫القياس ل يدل إل على علم كلي‪ ،‬وهم معترفون بذلك‪ ،‬لنه لبد فيه من مقدمة‬
‫كلية إيابية‪ ،‬والكليّ ل يدل إل على القدر الشترك وهو الكلي‪ ،‬فجميع القائق‬
‫العن ية ل يدل علي ها القياس بأعيان ا‪ ،‬وإن ا يعلم به – إن علم‪ -‬صفة مشتر كة‬
‫بين ها وب ي غي ها‪ ،‬فل يعلم به ش يء من خواص الربوب ية الب تة‪ ،‬ولش يء من‬
‫خواص ملك من اللئكة ول نب من النبياء ول ول من الولياء‪ ،‬بل ول ملك‬
‫من اللوك‪ ،‬ول أ حد من الوجودات العلو ية وال سفلية‪ ،‬فإذن العلم بذه الشياء‬
‫إ ما أن يكون منتف يا أو حا صل بغ ي القياس‪ ،‬وكل الق سمي وا قع فا نه من تف‬
‫عندهم‪ ،‬إذ ل طريق لم غي القياس‪ ،‬وحاصل ذلك النبياء وأتباعهم بل حاصل‬
‫ذلك ف الملة عند جيع أول العلم من اللئكة والنبيّي وسائر الدميي‪.‬‬
‫وأي ضا فإذا كان ل بد ف يه من مقد مة كل ية فان كا نت نظر ية افتقرت إل‬
‫أخرى وإن كا نت بديه ية‪ ،‬فإذا أجاز أن ي صل العلم بم يع أفراد ها بدي هة ف ما‬
‫الانع أن يصل ببعض الفراد وهو أسهل‪".‬اهص‬

‫حاصل هذا الشكال كما يلي‬
‫القياس ل يدل إل على علم كلي‪ ،‬ول كن تو جد علوم غ ي كل ية بل جزئ ية‬
‫شريفة عديدة ومهمة‪ ،‬إذن القياس ل يوصل إل هذه العلوم الزئية الشريفة‪.‬‬
‫الواب على الشكال‬
‫‪) (1‬‬

‫‪138‬‬

‫مموعة الفتاوي‪.)262-9/261( ،‬‬

‫وبادئ ذي بدء نقول‪ :‬إما أن نسلم عدم إيصال القياس إل علوم جزئية‪ ،‬أو‬
‫ن نع ذلك‪ ،‬فإن سلمنا بعدم إي صاله‪ ،‬وح صرنا العلوم كل ها به‪ ،‬يلزم نا الت سليم‬
‫أيص علوم جزئيصة‪ ،‬ولكصن نفصي العلوم الزئيصة سصفسطة‬
‫بامتناع الصصول على ّ‬
‫ظاهرة‪ :‬إذن ل يوز التسليم بعدم إيصاله إل ذلك مع الصر الذكور‪.‬‬
‫وان ل نسلم بعدم إيصاله وحصرنا العلوم به‪ ،‬ل يلزمنا شيء ما يدعيه ابن‬
‫تيمية‪ ،‬ولكن يلزمنا فقط بيان كيفية رجوع سائر وسائل العلوم الزئية والكلية‬
‫إليه‪.‬‬
‫وإن ل نصصر العلوم بصه فيجصب العتراف بوجود وسصائل للعلوم الزئيصة‪،‬‬
‫فتكون هذه الوسصائل إمصا بالقياس‪ ،‬ويتصم ذلك بإرجاع أشكال السصتدلل على‬
‫الزيئات إل يه‪ ،‬وإمّ ا بغ ي القياس وتكون هذه هي و سائل التو صل إل الزيئات‬
‫ولترجع إل القياس‪.‬‬
‫وابن تيمية ياطب ف هذا الشكال من يقول‪ :‬ل يُتو صل إل التصديقات‬
‫إل بالقياس‪ .‬والذ ين يقولون بذلك يرجعون سائر ال ستدللت ال صحيحة إل يه‬
‫وعلى ذلك ل يلزم هم ش يء م ا يقوله ا بن تيم ية‪ ،‬ول كن إذا و جد من ي صر‬
‫الوصول إل التصديقات بالقياس وليرجع سائر الستدللت على الزيئات إليه‬
‫فيلزمه ما يقول به ابن تيميه‪ ،‬ول اعلم أحدا يقول بذلك‪ .‬فالاصل أنّ الشكال‬
‫الذي يورده هذا الرجل واردٌ على ل أحد‪.‬‬
‫قوله ( القياس ل يدل إل على علم كلي ) با طل‪ ،‬ل ا مرّ ف صور القياس‬
‫وأشكاله‪ ،‬فالشكل الول ينتج الضرب الثان منه موجبة جزئية‪ ،‬والشكل الثان‬
‫ينتج الضرب الثالث والرابع منه سالبة جزئية‪ ،‬والشكل الثالث كل ضروبه تنتج‬

‫‪139‬‬

‫جزئية إما سالبة أو موجبة‪ ،‬كما م َر بيانه‪ .‬فكيف يقول ابن تيمية أن القياس ل‬
‫يدل إل على علم ٍ كلي؟ وهل هذا إل تافت؟‬
‫وكذلك نقول‪ :‬قياس التمثيصل الذي صصححه الناطقصة‪ ،‬واللف بينهصم‬
‫حاصل فيه من جهة أنه مت ينتج نتيجة قطعية ومت ل يكون كذلك‪ ،‬وليس‬
‫اللف ف أصل كونه منتجا‪ ،‬فهم متفقون على هذا القدر‪ .‬هذا القياس أيضا‬
‫ينتج جزئية‪.‬‬
‫فكلم ابن تيمية إذن هنا غي صحيح‪.‬‬
‫وأما قوله ( وهم معترفون بذلك ) فل يُ ْلَت َفتُ إليه بعدما مرَ‪.‬‬
‫ل لكمه السابق ( لنه ل بدَ فيه من مقدمة كلية إيابية) غي‬
‫وقوله تعلي ً‬
‫صصحيح فالضرب الرابصع مصن الشكصل الول ليصس فيصه كليصة إيابيصة‪ ،‬وكذلك‬
‫الضرب الثالث من الش كل الثا ن‪ ،‬والضرب الا مس من الش كل الثالث‪ ،‬كل‬
‫هذه الضرب ليس فيها كلية إيابية ومع ذلك فهي منتجة‪.‬‬
‫وكذلك قياس التمثيل ل يشترط فيه ذلك على القول به‪.‬‬
‫وأما قوله ( فجميع القائق العينة ل يدل … )‬
‫فظاه ُر كلمه أنه يطلب من القياس أن يدل على العي من جهة تعينه أي‬
‫تشخصه وتيزه عن غيه وهذا إبطال للقياس من أصله‪ ،‬فالقياس أصلً إنا يدل‬
‫من جهة الشتراك إ ما ف ال سلب أو ف الياب‪ ،‬والتعي ي قسيم الشتراك ف‬
‫الهتي‪ ،‬فكيف يطلب بالقياس ما ل يوضع هو له ؟‬

‫‪140‬‬

‫ول كن نقول‪ :‬ي كن أن يكون القياس مقد مة ف ذلك‪ ،‬ك ما ف نظر نا ف‬
‫الوجود‪ ،‬فنقسمه بالبداهة إل واجب أو مكن‪ ،‬ث نكم على المكن بالقياس‬
‫والسصتقراء والتمثيصل بالدوث‪ ،‬فيلزم بالضرورة احتياجصه إل الواجصب غيص‬
‫الادث‪ ،‬ونكصم على المكصن بالفتقار فيلزم الكصم على الواجصب بالقتدار‬
‫وهكذا‪.‬‬
‫وهذا حكم على الواجب من حيث حقيقته بالقدرة والغن‪ ،‬وليس حكما‬
‫عل يه من ح يث تعي نه‪ ،‬ول كن ل ا كان الوا جب واحدا فإن ال كم على ماهي ته‬
‫يكون حكما عليه من حيث هو هو‪.‬‬
‫وبذا يثبت خطأ كلم ابن تيمية مطلقا‪.‬‬
‫ويقال أيضا‪ -:‬لو سصلمنا أن القياس ل يفيصد العلم بالعيان مطلقا فكيصف‬
‫تثبت بذلك يا ابن تيمية بطلن النطق كاملً وقد ذكر العلماء ف النطق طرقا‬
‫أخرى تدل النسصان على العيان مصن حيصث هصي كذلك كالواس والخبار‬
‫والشاهدات‪ .‬بصل كيصف جاز لك أن تبطصل القياس وإن سصلم بذلك وهصو ل‬
‫يوضع لا تريده أن يدلك عليه؟ أليس هذا مض تابط ف النظر الفكري؟ ول‬
‫دليل على حصر ما يكن أن يعلم با هو عي من حيث هو كذلك‪.‬‬
‫وبذلك تبي بطلن قوله ( فل يعلم به ش يء من خواص الربوب ية الب تة)‪،‬‬
‫لن نا بي نا أن القياس ي كن الو صول به إل أحكام الربوب ية كو صف ال تعال‬
‫بالقدرة والعلم والقدم والبقاء وغيص ذلك ولكصن هذه التص تثبصت ل تعال عصن‬
‫طريق القياس مرد أحكام ل نعلم حقائقها‪ ،‬وهذا هو غاية ما يكن إدراكه ف‬
‫جا نب الربوب ية‪ ،‬أ ما أن يد عي الن سان أ نه يعلم حقائق هذه ال صفات والذات‬

‫‪141‬‬

‫ف هو كذب م نه‪ .‬فإن حقائق الوجودات المك نة راج عة ا ستقرا ًء إل القولت‬
‫العشصر‪ ،‬وال تعال ل يوصصف بواحدة مصن هذه القولت‪ ،‬ومصا سصوى هذه‬
‫القولت فل يكصن للنسصان أن يدرك حقيقتصه إن سصلم انصصار القولت فص‬
‫العشر‪ ،‬وإن ل يُ سَلَم فما يكن إثباته بعد ذلك يري عليه ما يري على العشر‬
‫الول‪ ،‬من أنه ل يوز أن يوصف ال بشيء منها لنه مقول على ىالوادث‬
‫الت يالفها ال سبحانه من كل وجه‪.‬‬
‫ولكن ابن تيمية يريد بذه العبارة أن يقول إن ال يكن للنسان الوصول‬
‫إل حقيقتصه التعينصة وهذا بنا ًء منصه على مذهبصه التجسصيمي‪ ،‬فهصو يقول بقياس‬
‫الغائب على الشاهصد‪ ،‬وهذا القياس يسصتعمله ابصن تيميصة ويعتمصد عليصه لنشاء‬
‫مذه به كاملً على الت شبيه‪ ،‬ولذا ف هو يقول إن ال ج سم ومتح يز وله مكان‬
‫وحدود ويتحرك وغيص ذلك مصن الحكام التص توصصل إليهصا عصن طريصق هذا‬
‫القياس‪.‬‬
‫ولكصن جاهيص العلماء‪ ،‬يبطلون تشابصه ال مصع الخلوقات‪ ،‬ولذلك ينعون‬
‫اسصتعمال هذا القياس فص حصق الذات القدس إل على سصبيل الشرط والعلة‪،‬‬
‫بلف ابن تيمية فهو يقيس من حيث الوجود والذاتيات‪ ،‬وفَ ْرقٌ بي المرين‪.‬‬
‫فالعلماء الحققون يقولون مثلً‪ :‬ث بت بال ق الشا هد أن الياة هي شرط‬
‫ل فيثبت ف الغائب كذلك أنه إذا كان عالا فيجب كونه حيا‪ ،‬فهذا‬
‫العلم عق ً‬
‫قياس للغائب على الشاهصد مصن حيصث الشرط وكذلك يقولون‪ :‬إذا كان كلّ‬
‫معلول متاجا‪ ،‬وال ليس متاجا‪ ،‬فهو غي معلول‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫وإذا كان كل علة لشيء فهو غي مريد له‪ ،‬وال مريد‪ ،‬فهو ليس بعلة‪ ،‬بل‬
‫فاعل متار‪ .‬ومعلوم أن هذه القيسة ل تؤدي إل التشبيه وتفيد ف إدراك المر‬
‫على ما هو عليه‪.‬‬
‫ول كن ا بن تيم ية يقول‪ :‬إذا ث بت أن كل موجود مشا هد ف هو ف ج هة‪،‬‬
‫فيجب أن يكون ال ف جهة‪.‬‬
‫وإذا ثبت أن كل موجود مسوس فهو متحيز ( مدود ) فيجب أن يكون‬
‫ال متحيزا (مدودا) ومعلوم أن هذا القياس للغائب على الشاهصد مصن حيصث‬
‫الذات وهو يستلزم التشبيه بلف استعمال أهل الق له‪.‬‬
‫(( إذن فالا صل من هذا أن القياس ي كن الو صول به إل ب عض أحكام‬
‫الربوبية‪ ،‬ول يكن الوصول به إل إدراك عي حقيقة الربَ جَل شأنه‪)).‬‬
‫وأ ما ما ذكره به ابن تيمية ب عد ذلك من كلم من أن القياس ل يعلم به‬
‫(ش يء من خواص ملك من اللئ كة ول نب من ال نبياء …ال ) ف هو من‬
‫جنس ما مضى‪ ،‬كلم ساقط عن مرتبة العتبار ل قيمة له ف هذا الحل‪ ،‬والرد‬
‫الجال عليه بالضافة إل ما م َر أن يقال لقد نص العلماء أن الواس والخبار‬
‫من طرق العلم‪ ،‬فهذه التعيينات الت تسميها تدرك عن طريق ذلك‪.‬‬
‫فضلً عن أن القياس يدَل على وجوب صدق ال نبياء عن طر يق العجزة‬
‫كما هو معلوم ف علم التوحيد والصدق يثبت لكل نب من حيث هو نب‪ ،‬ل‬
‫من حيث هو متعي‪ ،‬فتعينه يكون دليلً عليه مركبا من الس والعقل كما هو‬
‫مذكور ف علم الكلم وكذلك سائر ما ي ب ويوز وي ستحيل على ال نبياء‬
‫عليهم الصلة والسلم‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫وبذا يتبي ضعف كلم ابن تيمية ف هذا الوضع أيضا‪.‬‬
‫وأما قوله‪ ( :‬وأيضا فإذا كان ل ب َد منه من مقدمة كلية … ال )‪.‬‬
‫فهصو كلم ل قي مة له‪ ،‬فأي قياس يتألف على ال قل من مقدمتيص‪ ،‬وهصو‬
‫على قوله ل بدَ من القياس من مقدمة كلية‪ ،‬وهذا صحيح‪ ،‬ولكن ل يلزم من‬
‫ذلك أي مظور يفترضصه ابصن تيميصة فالقدمصة الكليصة إمصا أن تكون بديهيصة أو‬
‫نظر ية‪ ،‬والقد مة الخرى إ ما كل ية وإ ما جزئ ية‪ ،‬وك ّل منه ما إ ما بديه ية وإ ما‬
‫نظر ية‪ ،‬فالا صل أن القياس ي كن أن يتألف من مقدمت ي كلتيه ما بديه ية‪ ،‬أو‬
‫إحداها بديه ية والخرى نظرية‪ ،‬أو كلتيه ما نظرية‪ ،‬فما الشكال ف ذلك؟‬
‫ي إشكال مطلقا كما رأيناه ف أضرب القياس‪.‬‬
‫ل ينتُجُ أ ّ‬
‫ولكصن هذه القدمصة الكليصة إذا كانصت نظريصة‪ ،‬فإنصه ل بصد أن يقام عليهصا‬
‫برهان آخر متألف من قضيتي أخريي وهكذا‪ ،‬وينتهي القياس إل البداهة‪ ،‬وما‬
‫يتركب منها وما هو لزم عنها‪ .‬فأين الضرر ف ذلك‪ ،‬وأين يقع الشكال‪ ،‬ل‬
‫أثر لي إشكال حقيقي كما يعرف النصف الفاهم لا يقال هنا‪.‬‬
‫ولكن إذا كانت القدمة كلية أيضا بديهية‪ ،‬فهل ينتج إشكال بالقطع ل‬
‫ينتج أي إشكال بل الول أن ل يلز َم أي إشكال مطلقا‪.‬‬
‫ول كن ا بن تيم ية يق صد من كل مه‪ ،‬أن مو ضع الشكال أ نه إذا كا نت‬
‫القد مة نظر ية فل بد أن تكون لز مة عن مقد مة‪ ،‬وهذه القد مة إن كا نت‬
‫نظر ية أيضا‪ ،‬يلزم الت سلسل‪ ،‬ول كن ن ن قد وضح نا لك أ نه ل يلزم الت سلسل‬
‫مطلقا‪ ،‬لن أساس القياس يعتمد على مقدمات بديهية فينقطع التسلسل‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫وأيضا فابن تيمية يدعي وقوع الشكال ف موضع آخر‪ ،‬وهو قوله (وإن‬
‫كانت بديهية … ال)‪.‬‬
‫يعنص أن القضيصة البديهيصة الكليصة إذا كانصت صصادقة على جيصع أفرادهصا‬
‫بالبداهصة‪ ،‬ونتيجصة القياس هصي قطعا لنسصبة هذه الكليصة إل بعصض موضوعات‬
‫الزئ ية‪ ،‬ول كن إذا كا نت هذه الن سبة العلو مة بالقياس معلو مة بن فس القض ية‬
‫الكلية فما فائدة القياس هذا هو ما يريده ابن تيمية‪.‬‬
‫ومعلوم أنه ل يوجد هذا الشكال إل من ل تتضح ف نفسه فائدة القياس‬
‫أو أن ا كا نت واض حة معلو مة ولك نه يتجاهل ها … وعلى كل الحتمالت‬
‫فإننا هنا سنوضح ما هي فائدة القياس لينحل أصل هذا الشكال‪.‬‬
‫فالقياس عبارة عن ترت يب للقوال العقل ية على صورة معي نة‪ ،‬ب يث إذا‬
‫التفت الذهن إل هذه الصورة يلزم علمه بقضية أخرى غي مذكورة ف أيّ من‬
‫القضيتي الذكورتي صراحة‪ ،‬فهو يرج ما ف القوة إل الفعل‪ ،‬ويرج الشيء‬
‫من الجال إل التفصيل كما ذكره الشيخ عبد ال اليلن فقال(‪:)1‬‬
‫" تشكيك‪ ،‬قالوا‪ :‬إن الشكل الول إنتاجه بديهي‪ ،‬بلف باقي الشكال‬
‫فإن ا ردَت إل يه ل سن إنتاج‪ .‬اعترض علي هم إن الت صديق ف ال كبى ف هذا‬
‫الشكل بثبوت الكب لكل أفراد الوسط موقوف على التصديق بثبوت بعض‬
‫أفراده الذي هو الصغر‪ ،‬وليس هذا إل النتي جة‪ ،‬فالعلم بالكبى موقوف على‬
‫العلم بالنتي جة‪ ،‬فلو كان العلم بالنتي جة موقوفا على العلم بال كبى ك ما قالوا‪،‬‬

‫‪) (1‬‬

‫‪145‬‬

‫الرسالة الحيطة بالتشكيكات ف القواعد النطقية‪ .‬ص‪.392‬‬

‫لزم الدور فالشكل الول مشتمل على الدور‪ ،‬فهو باطل والباطل كيف يكون‬
‫بديهي النتاج‪.‬‬
‫الواب‪ :‬إن التصديق ف الكبى ثبوت الكب لكل أفراد الوسط يتوقف‬
‫على الت صديق به لب عض أفراده مملً‪ ،‬وبدون ملح ظة كون الب عض أ صغر أو‬
‫غيه‪ ،‬كمصا يده مصن له الوجدان‪ ،‬والعلم الطلوب الوقوف على الكصبى هصو‬
‫التصديق بثبوت الكب للصغر بصوصه فل دور‪.‬‬
‫والشهور أن الشيصخ أبصا سصعيد كتصب إل الشيصخ الرئيصس ابصن سصينا هذا‬
‫السؤال بقوله ؟‬
‫إياك أن تعت مد على البا حث العقولة‪ ،‬فإن أوّل البديهيات الش كل الول‪،‬‬
‫والال أنصه دور‪ ،‬إذ ثبوت الكصب للصصغر يتوقصف على كليصة الكصبى‪ ،‬كمصا‬
‫قالوا‪ ،‬ول يصي كباه كليه حت يكون الكب صادقا على الصغر‪،‬لن الصغر‬
‫من أفراد الوسط‪.‬‬
‫فأجاب الشيصخ الرئيصس بأن كليصة الكصبى موقوفصة على اندماج الصصغر‬
‫إجالً‪ ،‬والق صود من النتي جة بثبو ته تف صيليا‪ ،‬فل دور‪ ،‬ول يت شعري إن هذا‬
‫الكامل كيف تفطن بذه الشبهة‪ ،‬ول يتفطن بوابا‪ ،‬مع كونه ظاهرا‪ ،‬والمل‬
‫على المتحان على الش يخ الرئ يس بأمثال هذه البديهيات‪ ،‬يف يد خ صوصا‪ ،‬مع‬
‫تقق الكمال‪ .‬اللهم إل أن يقال إنه من الغلط الشهورة‪".‬اهص‬
‫وهذا كلم كافٍ ف توضيح الواب على جهة الشكال الذي ذكره ابن‬
‫تيمية‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫وبذا نكون قد انتهي نا من ن قد تشكيكات ا بن تيم ية ال ت أورد ها على‬
‫الن طق ف هذه الرسالة ال صغية‪ .‬وأ ما الرد التف صيلي على جيع إشكال تة ال ت‬
‫أودع ها ف كتا بة الرد على النطقي ي فل عل الو قت يتاح ل نا للرد عل يه تف صيل‬
‫وبيان ما فيه من غث وسي‪.‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫نظرات نقدية ف كتاب‬
‫صون النطق والكلم عن فنّ النطق والكلم‬
‫للمام جلل الدين السيوطي‬
‫رحه ال تعال‬
‫المام جلل الدين السيوطي علم كبي من أعلم العلوم النقلية‪ ،‬فقد كتب‬
‫كتبا مشهورة فص علم التفسصي والديصث والفقصه وجيصع فنون اللغصة العربيصة‬
‫وال سية وأ صول الف قه وغ ي ذلك من العلوم والفنون‪ ،‬ومعرف ته وعلو مه قائ مة‬
‫على ال مع الو سوعي ف العلوم جيع ها‪ ،‬ول يتم يز بالتحق يق والتدل يل ك ما‬

‫‪147‬‬

‫اشتهر به بعض العلماء كابن دقيق العيد والعز بن عبد السلم والمام النووي‪،‬‬
‫بل ول كابن حجر العسقلن ول يكن ف النحو كابن عقيل وكابن الاجب‬
‫ول كابصن مالك‪ ،‬ول يكصن فص التفسصي كالمام الرازي ول كابصن عطيصة ول‬
‫كالزمشري‪ ،‬ول ي كن ف ال صول كالحلي أو الش يخ زكر يا الن صاري ول‬
‫كالبنان فضلً عن أن يكون كابن الاجب والبيضاوي أو المام والمدي ول‬
‫كغيهم من الفحول‪.‬‬
‫هكذا كان المام السيوطي حافظا كبيا وجَمّاعة عظيما ف سائر العلوم‬
‫والفنون ل ينكر فضله فيما أدّاه ول علمه ف ما علمه‪.‬‬
‫وقد كتب رحه ال ف بداية حياته(‪ )1‬كتابا ف تري الشتغال بفنّ النطق‬
‫ساه "القول الشرق" وضمّنه ُنقُولَ أئمة السلم ف ذمه وتريه‪ ،‬ث شرع ف‬
‫سنة ثانائة وثانية وثاني للهجرة أي بعد تأليفه للكتاب الول بعشرين سنة ف‬
‫تأليف كتاب آخر ف هذا العن هو "صون النطق والكلم" مل كلمنا ومدار‬
‫بث نا‪ .‬وكان موق فه ف هذا الكتاب من علم الن طق الذم والتشن يع والرد‪ ،‬ول‬
‫يترك مصن جهده جهدا فص إبلغ هذا الطلب إل القارئ‪ .‬وقصد لصص أيضا‬
‫كتاب ا بن تيم ية ف نقصض الن طق‪ ،‬وهذا الكتاب الذي سوف نفرد له كتابا‬
‫خاصا ف نقده وردّ ما فيه من أغلط‪ ،‬وقد نبه ب عض العلماء إل ما وقع فيه‬
‫السيوطي من غلط ف هذا الكتاب ومن ذلك ما قاله حاجي خليفة أثناء كلمه‬
‫على شرح العقائد النسفية(‪":)2‬وف برهان التمانع رسالة لبعض الراسانيي وهو‬

‫كان سنه عندذاك تسع عشرة سنة‪.‬‬
‫‪) (1‬‬
‫كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون‪ ،‬للعلمة مصطفى بن عبدال القسطنطين الرومي‬
‫‪)(2‬‬
‫النفي الشهي بالل كاتب اللب والعروف باجي خليفة‪ ،)2/155(.‬طبعة دار الفكر‪1414‬هص ‪-‬‬
‫‪1994‬م‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫عبداللط يف بن م مد بن أ ب الف تح الكرما ن ث الرا سان‪ ،‬ل يفرق في ها ب ي‬
‫اللزمة العادية وب ي اللز مة العقلية‪ ،‬فب ن جيع كلمه على عدم هذا الفرق‪،‬‬
‫فضلّ وأضلّ‪ ،‬ولعل هذا الرجل من أنكر النطق ونادى بهله كالسيوطي وهو‬
‫يز عم أ نه م صيب ف تطئة م ثل سعد الد ين‪ ،‬هيهات هيهات شتان ب ي الن يل‬
‫والفرات‪".‬‬
‫وسوف نتعقب المام السيوطي في ما كتبه ف هذا الكتاب‪ ،‬أعن "صون‬
‫النطق والكلم" وناكم كلمه بناء على الصول والدلة القررة عند العلماء‪.‬‬
‫ونكشف ما ف هذا الكتاب من انراف عن جادة الصواب واختلل ف النقد‪.‬‬
‫ول ي ستلزم فعل نا هذا تشو يه من صزلة ال سيوطي بل مكان ته مفو ظة وإقرار نا‬
‫بفضله ثابت ف العلوم الت نبغ فيها‪ ،‬ل سيما أنه أق ّر بعد تكنه من علم النطق‪،‬‬
‫وكتبه شاهدة على ذلك‪.‬‬
‫خ ُذ مثل هذا‬
‫ولكن النظر النقدي ف كلم الغي واجبٌ‪ ،‬خصوصا عندما ُيتّ َ‬
‫الكتاب وسيلة إل القدح ف علم من أه ّم علوم السلم وهو علم الكلم‪.‬‬
‫ولن نتتبع المام السيوطي ف كل ما قاله ف كل هذا الكتاب بل سوف‬
‫نر كز نقد نا التف صيلي على أ هم الوا ضع ف يه‪ ،‬مع عدم إغفال الن قد الجال‬
‫التوجه على باقي أجزائه‪.‬‬
‫تهيد عام‬
‫قال السيوطي(‪" :)1‬ذِكْرُ من صرح بذم النطق أو تريه من أئمة السلم‪.‬‬
‫ل شك أن الجت هد يرم عل يه إحداث قول ل ي قل به أ حد‪ ،‬واختراع رأي ل‬
‫‪) (1‬‬

‫‪149‬‬

‫صون النطق والكلم‪ ،‬ص‪ ،14‬تقيق د‪ .‬علي سامي النشار‪ ،‬طبعة دار الكتب العلمية‪.‬‬

‫ي سبق إل يه ولذا كان من شروط الجتهاد معر فة أقوال العلماء من ال صحابة‬
‫فمن بعدهم إجاعا واختلفا لئل يرق الجاع فيما يتاره"اهص‪.‬‬
‫سبَقْ إليه‪،‬‬
‫الجتهد إنا يرم عليه مالفة الجاع‪ ،‬ل مرد اختراع قولٍ ل يُ ْ‬
‫فربا يتاج الجتهد إل النظر ف وضع من الوضاع أو حالٍ من الحوال ل ترَ‬
‫على الذين من قبله ول يعاصروها‪ ،‬فينشأ عنده رأي ل يسبقه إليه أحد‪ ،‬ولكن‬
‫هذا الو ضع شرط أساسي للجتهاد‪ ،‬بل هو أهم ما ف مفهوم الجتهاد‪ ،‬وإل‬
‫فإن منعنا ذلك‪ ،‬فإنّ الجتهاد يكون باطلً من أصله لعدم كبي فائدته‪.‬‬
‫ومن هذا ترى أن تعليل السيوطي هنا غي صحيح على إطلقه‪ ،‬بل يب‬
‫أن يقول‪ :‬إن الجت هد ل يوز له أن يالف ما أج ع عل يه العلماء‪ ،‬أ ما مال فة‬
‫وا حد من هم أو ممو عة من هم دون الخر ين فل يتر تب عل يه أي حرج على‬
‫الجتهصد مطلقا‪ ،‬إل إذا خالفهصم تعنتصا منصه وبل دليصل‪ .‬بصل يكصن أن يقول إن‬
‫الرج يكصن أن يتوجصه على الجتهصد أيضا إذا نظصر ف مسصألة سصبقت زمانصه‬
‫وللعلماء في ها أقوال وتو صل هو إل قول يالف هم جيعا ف يه‪ ،‬ل مرد قولٍ هو‬
‫غي قولم‪ ،‬وهذا معلوم ف مباحث الصول‪.‬‬
‫وهكذا هي الال ف علم الن طق‪ ،‬فالن طق إذا تكلم نا عل يه كعلم ُم َقنّ نٍ‬
‫يتألف من مسائل ومباحث‪ ،‬فل شك أنه طارئ بذا الشكل‪ ،‬ليس على المة‬
‫السلمية‪ ،‬بل على النس البشري أيضا‪ ،‬ولكن هذا الطروء والدث الوسوم‬
‫به بصورته هذه يتشارك فيه مع سائر العلوم والفنون الخرى‪ ،‬فكل العلوم إذا‬
‫تكلم نا علي ها من هذه ال هة طارئة‪ .‬فل يتر تب على حدوث علم الن طق بذا‬
‫الشكل ولجرد الدوث ذمّ‪ ،‬كما ل يترتب عليه لجرد ذلك مدح‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫وأما إذا تكلمنا عليه باعتبار مفاهيمه العقولة كمفهوم الستقراء والقياس‬
‫اللت ي ه ا آلتان أ ساسيتان للف هم البشري‪ ،‬وه ا من م سائل علم الن طق‪ ،‬ف هو‬
‫قدي قدم النس البشري‪.‬‬
‫وإنا يب أن يمل اختلف النظار فيه على هذه الهة‪ ،‬فيقال إن القياس‬
‫ل غي مفيد للعلم خلفا لا يدعيه النطقي‪ ،‬وكذلك الستقراء‪ ،‬أو يقال أنما‬
‫مث ً‬
‫مفيدان للعلم وفاقا له‪ ،‬وعليه يكون النطق حسنا أو قبيحا‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالسألة تتاج إل مثل هذا التفصيل‪ ،‬وهذا العن أشرنا إليه ف‬
‫ما سبق ف عدة مواضع وسوف نصزيده وضوحا هنا‪.‬‬
‫مناقشة العلة الول الت اعتمد عليها السيوطي ف تري النطق‪.‬‬
‫قال ال سيوطي(‪" :)1‬أ ما ال صحابة ر ضي ال عن هم والتابعون وأتباع هم فلم‬
‫يَرِ ْد عنهم فيه التصريح بشيء لكونه ل يكن موجودا ف زمنهم‪ ،‬وإنا حدث ف‬
‫أوا خر القرن الثا ن ك ما تقدم وكان المام الشاف عي ر ضي ال ع نه حيا آنذاك‬
‫فتكلم فيه‪ ،‬وهو أقدم من رأيته حطَ عليه‪".‬اهص‪.‬‬
‫وبالشارة إل ما م ضى‪ ،‬فإن نا نعلم أن كلم ال سيوطي إذا كان صحيحا‬
‫فيجب أن يكون متوجها على شكل علم النطق كما ظهر ف الكتب والتآليف‬
‫وكمصا رتبصه عليصه الؤلفون فيصه‪ ،‬ول يوز أن يكون متوجها على حقيقصة علم‬
‫النطق‪ ،‬ولن هذه القيقة موجودة ف زمان الصحابة وقبلهم ول تزال موجودة‬
‫بعدهم حت الن‪ ،‬ولن تزال‪.‬‬

‫‪) (1‬‬

‫‪151‬‬

‫صون النطق والكلم‪ ،‬ص‪.14‬‬

‫فأ ما الك تب ال ت احتوت علم الن طق فلم ت كن موجودة ف زمان م ر ضي‬
‫ال عنهم‪ ،‬بل وجدت بعد ذلك وكانت ملوطة بسائل من الفلسفة اليونانية‬
‫ك ما هو معلوم‪ ،‬وكان ال سلمون حدي ثي ع هد بالترجات‪ ،‬بل كان الترجون‬
‫حديثصي عهصد بذلك‪ ،‬فكانصت تراجهصم لكتصب المصم السصابقة غالبا ملوطصة‬
‫بأسلوب الكتاب الصليي من يونان وهنود وغيهم‪ ،‬فكانت الكتب الترجة‬
‫ل تظهر فيها الفصاحة كما تظهر ف الكتب العربية الصيلة‪.‬‬
‫وسصوف نورد فيمصا يلي نصص المام الشافعصي كمصا أورده السصيوطي قال‬
‫رحه ال تعال(‪" :)1‬ذكر النص الذي ورد عن المام الشافعي ف ذلك‪ ،‬قال أبو‬
‫ال سن بن مهدي حدث نا م مد بن هارون ث نا ه يم ا بن هام ث نا حرملة قال‪:‬‬
‫سعت الشاف عي يقول‪ :‬ما ج هل الناس ول اختلفوا إل ِلتَرْكِ هم ل سانَ العرب‬
‫وميلهم إل لسان أرسطاليس ث قال السيوطي(‪" :)2‬وأشار الشافعي بذلك إل ما‬
‫حدث فص زمصن الأمون مصن القول بلق القرآن ونفصي الرؤيصة وغيص ذلك مصن‬
‫البدع‪".‬اهص‬
‫و سوف ننا قش ه نا كل مة المام الشاف عي على فرض صحة ال سند إل يه‪،‬‬
‫رضي ال عنه‪ ،‬نناقشها من ناحية معناها‪ ،‬لنرى هل هي صحيحة أوْ ل‪ ،‬وإن‬
‫كانت صحيحة فما مدى دائرة صحتها؟‬
‫أولً نقول‪ :‬إن المام الشافعي كغيه من الناس من حيث الصل ف جواز‬
‫إ صابته ف كل مه‪ ،‬والنتقاد عل يه‪ ،‬ح يث ل تث بت الع صمة إل للر سول عل يه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬نعم المام الشافعي مشهود له ف علم الفقه والصول وغي‬
‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪152‬‬

‫صون النطق‪،‬ص‪.15‬‬
‫صون النطق‪،‬ص‪.15‬‬

‫ذلك من العلوم على أ نه إمام مت بع‪ ،‬ون ن نتب عه أ صلً ف ذلك كله‪ ،‬ول كن‬
‫اتباعنصا له ل يسصتلزم التسصليم له بكصل مصا يقوله‪ .‬وهذه بديهيصة مصن بديهيات‬
‫السلم‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ الصل الُسَلّم عند أهل العلم أنه إذا بََلغَنا قولٌ عن إمام مشهود‬
‫له‪ ،‬وظاهصر هذا القول فيصه فسصاد بيّنص‪ ،‬فعلينصا أن نمصل هذا القول على معنص‬
‫لئق‪ ،‬بأن نبحصث عصن القرائن الخرى التص تصصحح ذلك‪ ،‬وإل فان ل ندص‪،‬‬
‫َحكَمْنَا عل يه ب ا هو ظا هر ف يه‪ .‬قال المام العل مة ال سعد التفتازا ن(‪ ":)1‬لك نه‬

‫ينب غي للعا قل أن يتأ مل ف أمثال هذه البا حث ول ين سب إل الرا سخي من‬
‫علماء ال صول ما يكون ا ستحالته بديه ية ظاهرة على من له أد ن تي يز‪ ،‬بل‬
‫يطلب لكلمهم مملً صحيحا يصلح ملً لنصزاع العلماء واختلف العقلء"‬
‫وبناء على ذلك نبدأ نقدنا لذه الكلمة‪ ،‬فقوله (الناس) عامّ‪ ،‬وقد يقال إنه‬
‫ظا هر ف العموم‪ ،‬ف هو على ذلك شا مل للناس الذ ين كانوا قبله والعا صرين له‬
‫وإذا احتج به على ما بعده‪ ،‬فإن هذا الحتجاج ل يتم إل إذا ادعي عمومه لا‬
‫بعده‪ ،‬فهو يكم على مَ نْ َجهِ َل مِ ْن هؤلء الناس بأنّ سبب جهلهم هو تركهم‬
‫لل سان العرب وميل هم إل ل سان أر سطاطاليس‪ .‬وال هل هو عدم إدراك ال ق‬
‫مطلقا‪ ،‬سواء ل يعرفه أصلً أو اعتقد غيه‪ .‬وعندما ننظر ف هذه العبارة بعد ما‬
‫قلناه‪ ،‬وناكمها إل الواقع الوجود نرى مايلي‪.‬‬
‫إن ال هل وا قع ف ب عض الناس ق بل الشاف عي و ف ع صره وب عد ع صره‪.‬‬
‫وأي ضا ف هو وا قع ق بل معر فة ال سلمي لل سان أر سطو وبعده‪ ،‬و هو وا قع أي ضا‬
‫فيمن يتبعون هذا اللسان ومن ل يتبعونه‪ ،‬ويستحيل أن يكون الهل الواقع قبل‬
‫‪)(1‬‬

‫‪153‬‬

‫شرح العقائد النسفية‪ ،‬للمام سعد الدين التفتازان‪ ،‬ذكر هذا الكلم أثناء مبحث التكوين‪.‬‬

‫معرفتهم للسان أرسطو نتيجة للسان أرسطو وال لزم أن تكون النتيجة سابقة‬
‫للسصبب والعلة وهذا منوع‪ .‬ويسصتحيل أن يكون سصبب جهصل الناس الذيصن‬
‫ينكرون ل سان أر سطو هو ع ي ل سان أر سطو لعدم وجود العلة ف حق هم‪،‬‬
‫والعدم ل يؤثر هنا‪.‬‬
‫وهكذا فالاصل أن الناس الذين جهلوا‪ ،‬بعضهم يستحيل أن يكون سبب‬
‫جهله ل سان أر سطو‪ ،‬ولذلك في ستحيل أن يكون مراد المام الشاف عي تعم يم‬
‫قوله بتعليل جهل عموم الناس بيلهم إل لسان ارسطو‪.‬‬
‫إذن يب أن يمل كلمه على بعض الناس ومادام الكلم ف البعض‪ ،‬ول‬
‫يوز تعميم كلمه‪ .‬فنحن نقول أيضا إذا كان قصده أن كل من مال إل لسان‬
‫أر سطو و قع ف الغلط فهذا أي ضا غ ي م سلم لخالف ته الوا قع‪ .‬لن كثيا من‬
‫العلماء عرفوا النطصق‪ ،‬ول يقعوا فص الغلط التص تسصتنكر‪ .‬فيجصب إذن حلص‬
‫كلم الشافعي على العن التال وهو‪ :‬أن بعض من مال إل لسان أرسطو وقع‬
‫ف الهل‪ ،‬وهذه قضية مُ سَلّ َمةٌ‪ ،‬ولكن إذا ت صّل لدينا أن كلم المام الشافعي‬
‫ل ي صح إل ب عد حله على هذا الع ن‪ ،‬فالا صل هو القول بأن ال يل إل ل سان‬
‫أرسطو ليس هو نفس علة الوقوع ف الغلط‪ ،‬وذلك لنه ليس كل من مال إليه‬
‫وقع ف الغلط‪ ،‬فيلزم أن من وقع ف الهل والغلط من مال إل لسان ارسطو‬
‫قد تلبس أيضا بصفات أخرى غريبة عن هذا اللسان الرسطى‪ ،‬فلزم وقوعُه ف‬
‫الهل‪.‬‬
‫وإذا كان ال مر كذلك في ستحيل تعل يل ال هل والغلط بع ي ال يل واتباع‬
‫لسان أرسطو‪ .‬هكذا يب أن نفهم عبارة المام الشافعي‪ .‬وعليه فهناك علئق‬
‫أخرى تلبس با هؤلء الهلة تسببت ف جهلهم‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫وإذا عرفنصا أن النطصق حتص زمان المام الشافعصي كان ملوطصا بالقولت‬
‫الفل سفية على سبيل التمث يل على ال صور الفكر ية النطق ية‪ ،‬فيم كن أن يكون‬
‫الغلط ناتا من تأثر الناس بذه الواد التمثيلية الختلطة بالصور الفكرية النطقية‪.‬‬
‫حتَمَلٌ‬
‫وكذلك ربا يكون مثال من المثلة ل تتم سياقته سياقة منطقية وهذا مُ ْ‬
‫جدا فتأثّرَ الناس بصه فجهلوا‪ .‬وكذلك فيمكصن أن يكون جهصل هؤلء مصن‬
‫ت سليطهم ال صورة الفكر ية النطق ية على مادة فا سدة‪ ،‬م ا أن تج عند هم جهل‬
‫وغل طا‪ .‬ك ما ي كن ل ن عرف الن طق أن يطب قه تطبي قا خاطئا فيح صل ال هل‪.‬‬
‫وكل هذه الحتمالت وغيها احتمالت واقعة وليس مرد فرضيات عقلية ل‬
‫وقوع لا‪.‬‬
‫ويلزم على ذلك تصيص لفظ الناس الوارد ف عبارة الشافعي ببعض من‬
‫جهلوا‪ ،‬واخراج نفس اليل عن كونه علة للجهل‪.‬‬
‫وربا لذلك قال السيوطي إن المام الشافعي أشار بذلك إل ما حدث ف‬
‫زمن الأمون من القول بلق القرآن ونفي الرؤية وغي ذلك من البدع‪.‬‬
‫وهذا ماولة من السيوطي لتخصيص عموم كلم المام الشافعي‪ ،‬وإن كنا‬
‫ل نواف قه ف التخ صيص ب ا ذ كر‪ ،‬بل التخ صيص حا صل باللتفات إل ما‬
‫أوردناه من الحتمالت الذكورة سابقا‪.‬‬
‫فإنّ الشاكل الت أوردها كأمثلة نتيجة ليل الناس إل لسان أرسطو كنفي‬
‫الرؤ ية ح صل في ها خلف ف ز من ال صحابة الوائل ك ما هو معلوم‪ ،‬وق بل‬
‫معرفصة لسصان أرسصطو ولذلك فهصي ل تصصلح كمثال على مصا يقول‪ ،‬وأيضصا‬

‫‪155‬‬

‫فمشكلة خلق القرآن كانت أقدم من زمان معرفتهم للسان أرسطو كما ذكره‬
‫السيوطي نفسه ف نص هذا الكتاب فقال(‪:)1‬‬
‫"وأخرج نصر أيضا عن أب هريرة قال كنا عند عمر بن خطاب إذ جاءه‬
‫رجصل يسصأله عصن القرآن‪ ،‬أملوق هصو أو غيص ملوق؟ فقال علي‪ :‬هذه كلمصة‬
‫وسيكون لا ثرة ولو وُّلْيتُ من المر ما وليت ضربت عنقه"‬
‫وكذلك ما أورده السيوطي من قصة صبيع فقال (‪:)2‬‬
‫" وأخرج الدرامي ف سنده عن سليمان بن يسار أن رجل يقال له صبيغ‬
‫قدم الدي نة فج عل ي سأل عن متشا به القرآن‪ ،‬فأر سل إل يه ع مر و قد أعدّ له‬
‫عراجي النخل‪ ،‬فقال‪ :‬من أنت‪ .‬قال‪ :‬أنا عبد ال صبيغ‪ ،‬فأخذ عمر عرجونا‬
‫من تلك العراجي فضربه حت دمي رأسه"اهص‪.‬‬
‫فالكلم ف متشابه القرآن وف الرؤية وكذلك ف القدر وف غي ذلك من‬
‫م سائل العتقاد واللف ف يه كان ف الزمان التقدم‪ ،‬وإن ل ينت شر ك ما ف‬
‫الزمنة التأخرة‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬رب ا أراد الشاف عي ب ا قاله أن معرفت هم لل سان أر سطو قد‬
‫شجع ف زيادة اللف‪ ،‬فيقال له هذا مكن ولكن ل يُنسَبُ إل النطق مفسدة‬
‫خال صة‪ ،‬فإن ب عض من ل يكونوا يعرفون من ل سان أر سطو شيئا كالكرام ية‬
‫ومسمة النابلة قد اشتدوا ف الغلط والفساد ف علم التوحيد‪ .‬فل يوز نسبة‬

‫‪) (1‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪156‬‬

‫صون النطق‪ ،‬ص‪.18‬‬
‫صون النطق‪ ،‬ص‪.18‬‬

‫مطلق الهل ول زيادته وانتشاره مطلقا إل ميل الناس إل لسان أرسطو‪ .‬وغاية‬
‫ما يكون منه‪ ،‬هو تأثيه ف البعض‪.‬‬
‫وبناءا على مصا مضصى‪ ،‬يلزم تصصيص كلم المام الشافعصي ومصن ثص‬
‫ال ستدلل به على هؤلء الب عض ف قط‪ .‬ث يشرع ب عد ذلك ف تل يل سبب‬
‫نصزولم ف هذه الهالت هل هو عي النطق أم ما خالطه؟‬
‫هذه هي الطريقة الصحيحة لفهم مثل هذه النصوص لن أراد تقيق الق‬
‫فيها وحلها على معناها الصحيح واللئم لكانة قائلها ف العلوم‪.‬‬
‫ثص قال السصيوطي(‪" :)1‬أخرج الروي فص كتاب ذم الكلم بسصنده عصن‬
‫الشافعي قال‪ :‬حكمي ف أهل الكلم حكم عمر ف صبيغ‪ .‬دلّ ذلك منه على‬
‫أن العلة ف تري النظر ف علم الكلم ما يشى منه من إثارة الفتنة والنرار‬
‫ف البدع‪ ،‬فحر مه قيا سا على تر ي الن ظر ف التشا به‪ ،‬وهذا قياس صحيح‪،‬‬
‫وهذه العلة بعين ها موجودة ف النطق ك ما ذكره الشافعي‪ ،‬فيكون الدليل على‬
‫تري النظر فيه على القياس على الصل القيس عليه علم الكلم‪ ،‬وهو التشابه‬
‫النصوص على تري النظر فيه‪ ،‬وهذا قياس صحيح ل يتطرق إليه قدح بنقض‬
‫ول معارضة‪.‬اهص"‪.‬‬
‫هذا الرويّ الذي ينقل عنه السيوطي من متعصب الجسمية‪ ،‬وكتابه هذا‬
‫يتخلله مغالطات عديدة‪ ،‬فص هذا الجال لنبنائة على روايات تالفصة أو عصن‬
‫رجال ل قيمة لرائهم‪ ،‬وأما ما نقله عن الشهورين بالعلم منهم فل تدل على‬
‫مراده‪ .‬ولسنا بصدد التأكد من نسبة هذا النص‪ ،‬للمام الشافعي‪ ،‬ولكننا نتوجه‬
‫‪) (1‬‬

‫‪157‬‬

‫صون النطق‪ ،‬ص‪.18‬‬

‫بالنظر ف نفس الت وننقده بالدلة والقواعد العامة‪ ،‬ول يهمنا بعد ذلك صحّ‬
‫السند إليه أو ل يصحّ‪.‬‬
‫الُدّ عى ه نا أن الن طق يتو صل إل الن هي ع نه وال كم بتحري ه قيا سا على‬
‫علم الكلم‪ .‬وهذا الستدلل بالقياس ل يتم إل با يلي‬
‫‪ -1‬التأكد من أن علم الكلم مذموم مطلقا‪.‬‬
‫‪ -2‬تقيق علة النهي الت من أجلها ني عن علم الكلم‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات أن علة تري علم الكلم موجودة ف علم النطق‪.‬‬
‫‪ -4‬إذا ثبت ذلك ثبت أن النطق علم مذموم‪.‬‬
‫وكما هو معلوم ف علم الصول فإن العلة يب أن تكون مناسبة للحكم‪،‬‬
‫ويب اطرادها‪ ،‬وإن وجدت ف جزئية أخرى ول يوجد حكمها انقدح كونا‬
‫علة لذا الكم‪ .‬ويب التحقق من كون الكم متعلقا بالعلة الدعاة نفسها ل‬
‫بغيها‪.‬‬
‫وبنا ًء على هذه القدمة نقول‪:‬‬
‫إن المام ال سيوطي قال أولً أن علم الكلم مذموم ومن هي ع نه قيا سا له‬
‫على التشابات‪ ،‬فهو إذن يعتب علم الكلم من التشابات أو يشاركها ف علة‬
‫النهصي‪ .‬فإذا سصلمنا له أن الوصصف بالتشابصه الوجود فص التشابات هصو بعينصه‬
‫موجود ف علم الكلم سلمنا له النهي عنه بعد التسليم بالنهي عن التشابات‪.‬‬
‫فيجب أولً تقيق معن التشابات لنعرف حقيقة هذه العلة الت أنيط با‬
‫الكم الذكور‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫الن صوص ال ت وردت عن الشارع إ ما أن تت مل مع ن واحدا ل غ ي‪ ،‬أو‬
‫تتمل أكثر من معن لول الن ظر‪ ،‬القسم الول هو الحكم‪ ،‬وأما الثان فهو‬
‫التعريصف العصم للمتشابصه‪ ،‬وهذا القسصم إمصا أن يكون جاريا على الوضاع‬
‫العربية ف السياق كقوله تعال (يد ال فوق أيديهم)‪ ،‬أو ل يكون كقوله تعال‬
‫(أل)‪ ،‬والقسم الثان ل كلم لنا فيه‪ ،‬وأما القسم الول‪ ،‬فل يلو إما أن يكون‬
‫موجها إلينصا للفهام والفادة أو ل يكون‪ ،‬الحتمال الثانص باطصل لن مصا فص‬
‫القرآن يبص كونصه للفهام والتعليصم‪ ،‬وعلى الول فإمصا أن يكون بقدرة أيّ‬
‫وا حد فه مه أو ل‪ ،‬الول با طل وإل لكان مكما أو ارت فع اللف ف يه‪ ،‬إذن‬
‫كلم نا ف الق سم الثا ن‪ ،‬فالذ ين يفهمون م ثل هذه الن صوص هم الواص أي‬
‫العلماء‪ .‬وعلى هذا فإ ما أن يكونوا مكلف ي بالف هم أو ل يكونوا‪ ،‬والفرض أن‬
‫كل القرآن إنا أنصزل للفادة والتعليم‪ ،‬إذن فهم مكلفون بالفهم‪ .‬وعليه‪ ،‬فإما‬
‫أن يتفقوا على فهصم واحصد لليات‪ ،‬أو ل‪ ،‬فإن اتفقوا لزم اتباعهصم عليصه‪ ،‬وإل‬
‫فيجصع المصر إل الدلة والباهيص للزوم وجود مصصيب واحصد‪ ،‬فص مثصل هذه‬
‫السائل العتقادية وإن فرض مل الكلم نصا فقهيا‪ ،‬فكذلك عند غي الصوبة‬
‫أو يقال بت صويب الم يع على رأي هم‪ ،‬وعلى كلّ فاللف ف الفقهيات ي سي‬
‫والمر فيه سهل‪.‬‬
‫والا صل من هذه القد مة أن التشابات هي ن صوص شرع ية أ مر العلماء‬
‫بالتدبر فيها وماولة اكتشاف معانيها وعلى العوام اتباع أهل الق والبهان‪.‬‬
‫هذا هو الكم الشرعي الصحيح ف التشابات‪.‬‬
‫صلً أو‬
‫وهذه النصصوص إمصا أن يتوصصل الجتهصد فيهصا إل درك القص تفص ي‬
‫إجالً‪ ،‬فهمصا مرتبتان مصن العلم ل تعارض الواحدة الخرى‪ ،‬ول إشكال فص‬

‫‪159‬‬

‫اتباع أي منهمصا‪ ،‬بصل رباص يقال أن الواحصد قصد يكون مكلفا بالجال أحيانا‬
‫وبالتفصيل أحيانا أخرى على حسب الحوال‪.‬‬
‫وإذا كان المصر كذلك فص التشابات‪ .‬فمصا هصو علم الكلم‪ ،‬هصل علم‬
‫الكلم يبحث فقط ف النصوص التشابة؟ أم يبحث فيها وف غيها؟ وهل هذه‬
‫النصوص التشابة فقط هي أساس هذا العلم أم ل؟‬
‫الصصحيح أنّ علم الكلم هصو العلم بالعقائد الدينيصة عصن أدلتهصا اليقينيصة‪،‬‬
‫والعقائد الدينية أعم من أن تكون مبنية على النصوص التشابة‪ ،‬بل ربا تكون‬
‫هذه خارجصة مصن العقائد لكوناص متشابةص والعقيدة ل تكون مبنيصة على نصص‬
‫متشابه‪ .‬نعم الصحيح أن التشابات مبحث من مباحث علم الكلم‪ ،‬ولكن ل‬
‫على سبيل أنا متشابة‪ ،‬بل لتبيي العن الصحيح أو الصح فيها قطعا للفات‬
‫الناس‪ ،‬ونفيا لتحريفات النحرف ي ف العتقادات‪ .‬أ ما أن يقال إن علم الكلم‬
‫يتألف من الب حث في ها فهذا كلم غ ي صحيح مطلقا‪ .‬ن عم إذا أقام الوا حد‬
‫عقيدتصه على مثصل هذه النصصوص فرباص يوصصله ذلك إل النراف والغلط فص‬
‫أصول الدين‪ .‬ولكن مَ نْ ت سّك بالصول الحكمة وعال هذه التشابات بناء‬
‫على ضوء الحكمات‪ ،‬فك يف يكون من الزائغ ي؟ الل هم إل إن كا نت كيف ية‬
‫ماكمته غي صحيحة أما أصل الطريقة فصحيح بل ريب‪.‬‬
‫علم الكلم إذا كانت أصول مباحثه هي الدلة اليقينية القائمة على العقائد‬
‫ّنص‬
‫الدينيصة فهصل يكصن أن يكون مذموما مطلقا؟! الصصحيح أن القول بذلك َبي ُ‬
‫البطلن والقائل به مغالط صريح‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫نلص ما مضى إل أن الشاركة بي علم الكلم وبي التشابات هي ف‬
‫جزء ل ف ال كل‪ ،‬وأيضا فل يوز أن يقال بناءا على ما به الشتراك أ نه يرم‬
‫الوض ف علم الكلم مطلقا‪ ،‬بل ال صحيح أ نه ي نع للب عض ويوز أو ي ب‬
‫للعلماء‪.‬‬
‫والنتيجة من ذلك أن علة النهي عن التشابات هي التشابه‪ ،‬وهي غي‬
‫موجودة ف ج يع مبا حث علم الكلم‪ .‬فل يوز إذن تعم يم الن هي على كل‬
‫مباحثه‪.‬‬
‫هذا إذا سلمنا حرمة الوض ف التشابات على الطلق‪ ،‬وهو غي مسلم‬
‫سبّب للضلل‬
‫إذ يوز النظر فيها لهل العلم لن نظر أهل العلم يزيل التشابه الُ َ‬
‫عند العامّة والنحرفي‪.‬‬
‫ولو نظرنا ف هذا التحليل للنص الذكور‪ ،‬لرأينا أنه يتوافق مع ما قلناه من‬
‫استحالة التعميم للعبارة الرويّة عن المام الشافعي‪ ،‬فكل من الوضعي ينتهي‬
‫إل تركيز النهي عن البعض وللبعض ل على الميع‪ .‬وعلى هذا يب أن تمل‬
‫عبارته‪ ،‬وإل وجب علينا ردَها لخالفتها ما انتهى إليه النظر الصحيح‪.‬‬
‫فالقياس الول الذي أجراه السيوطي بي النظر ف التشابه والنظر ف علم‬
‫الكلم غي تام العلة وغي مسلم‪.‬‬
‫وأمصا القياس بيص علم الكلم وبيص علم النطصق الذي اعتمصد عليصه المام‬
‫ال سيوطي ثانيا‪ ،‬ف هو أب عد من القياس الول الشار إل يه‪ ،‬وذلك أن علم الن طق‬
‫يبحصث فص آلت التفكيص‪ ،‬وهذه اللت يسصتحيل أن تكون لذاتاص مؤديصة إل‬
‫الغلط وإل بطصل كوناص آلت للتفكيص‪ .‬والنطصق يتوي على أمور سصلّم جيصع‬

‫‪161‬‬

‫الناس بصصحتها مثصل القياس مصن الشكصل الول والسصتقراء والتمثيصل وقياس‬
‫اللف والكلم ف مواد القضايا وغي ذلك‪ ،‬وهذه الباحث يستحيل أن تكون‬
‫علة للغلط‪ ،‬لنا لو كانت كذلك لكم الناس ببطلنا بداهة‪ ،‬وهو غي الواقع‬
‫الاصل بالفعل‪.‬‬
‫فإذا كان علم الكلم يب حث ف مادة الدلة على العقائد الدين ية‪ ،‬وتنق يح‬
‫العقائد ما ينسب إليها ما هو ليس منها‪ ،‬فالتشابات كذلك هي مواد قضايا‬
‫عقائدية أو يدعى كونا كذلك‪ ،‬فمن هذا الوجه يوجد تشارك بينهما‪.‬‬
‫وأما علم النطق فل يلتفت أصلً إل مواد قضايا معينة بل ف أصول ذلك‪.‬‬
‫وهذا ل اشتراك بينه وبي مباحثهما‪.‬‬
‫ولو سصلم الشتراك بيص علم الكلم وبيص علم النطصق‪ ،‬فمصا وقصع فيصه‬
‫الشتراك بينهما ليس هو عي ما وقع عليه النهي ف التشابات‪.‬‬
‫ومصع ذلك فل يوز سصحب الكصم الذي اسصتنبطه السصيوطي مصن القياس‬
‫الول الذي أجراه بي النظر ف علم الكلم والنظر ف التشابات‪ ،‬وهو حرمة‬
‫الثنيص‪ .‬هذا الكصم ل يوز تعديتصه إل علم النطصق لعدم وجود رابطصة بيص‬
‫الطرفي‪ ،‬أي إن العلة الت من أجلها عدّى المام السيوطي الكم من القياس‬
‫الول إليه غي موجودة فيه‪.‬‬
‫وبناءً على ذلك فل نسلم للمام السيوطي‬
‫ تعميمَه للفهم الذي استنبطه من كلم الشافعي‪ ،‬وهو ذمّ علم الكلم‬‫مطلقا‪ ،‬ل نه قد تبي ل نا أن ذمّ ه إن ا ي ب كو نه متعلقا بلون مع ي م نه‪ ،‬أو‬
‫بأناس معيني من ينتسبون إل علماء الكلم‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫ إدعاءه أن العلة التب مبن أجلهبا نيب عبن علم الكلم والنظبر فب‬‫التشابات موجودة ف علم النطق‪.‬‬
‫وهاتان ها القدمتان اللتان اعتمد عليها ف تري النطق‪ ،‬وقد تبي لنا‬
‫أنما غي صحيحتي ول ُتسَلّمانِ له رحه ال تعال‪.‬‬
‫والنتي جة من هذا كله أ نه ل يو جد دل يل قا طع ول ُمغَلّ بٌ للظنّ على أن‬
‫علم الكلم حرام مطلقا‪ .‬بل غاية ما يسلم أنه يرم ف حق بعض الناس بسب‬
‫علل عارضة عليهم‪ ،‬أما أن تكون العلة الرجحة للتحري فيه فهذا الكلم باطل‬
‫مطلقا‪ .‬وبناءً على ذلك فإن القول بر مة الن طق قيا سا على حر مة علم الكلم‬
‫باطل؛ لعدم اتصاف علم الكلم أصلً بالرمة من جيع الوجوه‪ ،‬ولعدم وجود‬
‫وجه الشبه التام بي علم النطق وعلم الكلم ثانيا‪.‬‬

‫مناقشة العلة الثانية الت اعتمد عليها السيوطي ف تري النطق‬
‫قال السيوطي أيضا مستدلً على تري علم النطق(‪" :)1‬وقد يُدّعى دخول‬
‫هذه الصورة بصوصها‪ ،‬أعن تري النظر ف علم النطق تت عموم النصوص‬
‫الدالة على تر ي كل ما جرّ إل ف ساد‪ ،‬أو خ شي م نه فت نة‪ ،‬فيكون التحر ي‬
‫مستفادا من عموم النصوص ل من خصوص القياس"اهص‪.‬‬
‫‪) (1‬‬

‫‪163‬‬

‫صون النطق‪ ،‬ص‪.20-19‬‬

‫وحاصل استدلل المام السيوطي نوضحه كما يلي‪-:‬‬
‫كل ما يؤدي إل الفتنة فهو حرام‪ ،‬ودليل هذا النص‪.‬‬
‫النطق يؤدي إل الفتنة‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬النطق حرام‪.‬‬
‫فإذا سلمنا القدمتي نسلم النتيجة بل شك‪ ،‬ولكن القدمة الثانية مل نظر‬
‫لا مرّ ف البحث سابقا‪ ،‬وحاصله أننا ل نسلم أن النطق يؤدي إل الفتنة بذاته‬
‫ولذاته‪ ،‬بعن أن كل من درس واتبع قواعد النطق أداه ذلك إل الفتنة‪ ،‬بل هذا‬
‫القول باطصل‪ ،‬والصصحيح أن تقول أن بعصض مصن يدرسصون النطصق يغلطون‬
‫فيفتنون‪ ،‬والبعض ل‪.‬‬
‫إذ نْ‪ ،‬التأدي إل الغلط والضلل ليس معلولً للمنطق ول النطق علة فيه‪،‬‬
‫فيجب أن يكون هناك سبب آخر رجح وقوع بعض من درس النطق ف الغلط‬
‫والفت نة‪ .‬وهذا ال مر ل يس ذاتيا من ذاتيات الن طق‪ ،‬وعلى كل الحوال فهذا‬
‫ال مر الثالث الغريب عن علم الن طق والارج عنه ‪-‬وعن ماه ية علم الكلم‪-‬‬
‫هو العلة ف الوقوع ف الضلل والغلط ل النطق‪.‬‬
‫ول يوز الستدلل على كون النطق علة للفتنة بوقوع بعض الناطقة ف‬
‫الغلط والنراف‪ ،‬وذلك لن البعصض الخصر ل يقعوا فص ذلك قطعا‪ ،‬وهذا‬
‫معلوم بالشاهدة‪ .‬إذن من وقع ف ذلك إنا وقع لسباب أخرى غي النطق‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫وكذلك نقول بعض الحدّثي قائلون بالتجسيم‪ ،‬والجسمة مبتدعة‪ ،‬ولكن‬
‫علم الديث ليس علة للوقوع ف التجسيم بدليل وجود مدّثي آخرين كثيين‬
‫ليسوا ُبجَسّم ٍة ول مبتدعة‪ .‬إذن علة التجسيم ليس هو كون الواحد مدّثا‪.‬‬
‫ولو ثبت عندنا أن النطق يؤدي إل الضلل لذاته‪ ،‬لرمناه‪ ،‬ولكن هذا ل‬
‫يث بت إل ببيان أن ن فس القوا عد الوضو عة ف يه وال ت تش كل م سائل م نه هي‬
‫عينهصا غلط وضلل‪ ،‬وهذا ل يثبصت‪ .‬ولو ثبصت أن بعصض هذه السصائل غلط‬
‫فالائز أن يقال عندئذ هو أن هذه السائل الشار إليها تؤدي إل الغلط والفتنة‪،‬‬
‫ول يوز مطلقا تعم يم التحر ي أو تعم يم ال كم بالغلط والتأدي إل الفت نة إل‬
‫غيها من السائل‪.‬‬
‫وإذا فرضنا ذلك‪ ،‬فالواجب عندئذ أن يقال إن بعض مسائل النطق تؤدي‬
‫إل الفتنة وما يؤدي إل الفتنة حرام‪ ،‬إذن هذه السائل الؤدية إل الغلط والفتنة‬
‫هي الرام فقط‪.‬‬
‫مناقشة العلة الثالثة الت اعتمد عليها السيوطي ف تري النطق‬
‫قال المام السيوطي(‪":)1‬و قد أشار الشاف عي إل علة أخرى ف علم الكلم‪،‬‬
‫تأتص فص النطصق‪ ،‬فأخرج الروي فص ذم الكلم عصن طريصق الكرابيسصي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫شهدت الشافعي ودخل عليه بشر الريسيّ‪ ،‬فقال لبشر أخبن عما تدعو إليه‪،‬‬
‫أكتاب ناطصق وفرض مفترض وسصنة قائمصة ووجدت عصن السصلف البحصث فيصه‬
‫والسؤال‪ .‬فقال بشر‪ :‬ل‪ ،‬إل أنه ل يسعنا خلفه‪ .‬فقال الشافعي أقررت بنفسك‬

‫‪) (1‬‬

‫‪165‬‬

‫صون النطق ص‪.30‬‬

‫على الطصأ‪ ،‬فأيصن أنصت مصن الكلم فص الفقصه والخبار‪ .‬فلمصا أخرج(‪ )1‬قال‬
‫الشافعي‪ :‬ل يفلح‪ .‬دلّ هذا النص على أن من العلة ف تري النظر ف علم الكلم‬
‫كو نه ل يرد ال مر به ف كتاب ول سنة‪ ،‬ول و جد عن ال سلف الب حث ف يه‪،‬‬
‫وهذا بعينه موجود ف النطق‪ ،‬فإنه ل يرد المر به ف كتاب ول سنة‪ ،‬ول يوجد‬
‫عن السلف البحث فيه‪ ،‬بلف العربية فإنه ورد المر با ف الديث ووجد عن‬
‫السلف البحث فيها"‪.‬‬
‫كمال عبارة الشافعي رحه ال كما ف كتاب ذم الكلم أنه قال البشر(‪:)2‬‬
‫"أقررت بنفسك على الطأ‪ ،‬فأين أنت من الكلم ف الفقه والخبار‪ ،‬يواليك‬
‫الناس عليه وتترك هذا"اهص‪.‬‬
‫ا ستنبط المام ال سيوطي من كلم المام الشاف عي أن من أ سباب تر ي‬
‫النظر ف علم الكلم كونه ل يرد المر به ول وجد عن السلف البحث فيه‪.‬‬
‫وهذان معنيان اثنان‪ ،‬فالول عدم ورود المر به والثان عدم بث السلف فيه‪.‬‬
‫والحتمالت هنصا كمصا يلي‪ :‬إمصا أن تكون العلة هصي مموع هذيصن العنييص‬
‫فتكون العلة مرك بة‪ ،‬أو كل وا حد منه ما على حدة علة فتكون العلة ب سيطة‪.‬‬
‫وعلى القول بأنا بسيطة فيكفي تقق واحد من العنيي لتحري الشيء‪ ،‬وعلى‬
‫القول بأناص مركبصة فل بصد مصن تقصق إجتماع العنييص فص الشيصء لكصي يقال‬
‫بتحريه‪.‬‬

‫كذا بالطبوع‪ ،‬والصحيح أنا "خرج"‪ ،‬وقد راجعتها ف ذم الكلم للهروي ف ص ‪،250‬‬
‫‪) (1‬‬
‫طبعة دار الفكر اللبنان‪ ،‬فوجدتا "خرج"‪.‬‬
‫كتاب ذم الكلم للهروي‪ ،‬ص‪.250‬‬
‫‪) (2‬‬

‫‪166‬‬

‫وكذلك فنحصن نلل القام مصن جهصة أخرى وهصي مصا تعلق بصه النهصي‬
‫والتحري‪ ،‬هل هو كل مسألة من مسائل الكلم أم إنه بعض السائل منه‪.‬‬
‫والذي ير يد المام ال سيوطي ال ستدلل عل يه هو تر ي الن ظر ف علم‬
‫الكلم مصن حيصث هصو علم ل بالنظصر إل بعصض السصائل‪ ،‬وتريهص كعلم يعود‬
‫بالتحر ي على ج يع ال سائل‪ ،‬ول كن تر ي الن ظر ف ب عض ال سائل ل ي ستلزم‬
‫تري ه كعلم‪ .‬ول ي تم مطلو به ‪-‬رح ه ال‪ -‬إل إذا أث بت أن ج يع م سائل علم‬
‫الكلم مر مة‪ ،‬و سبب تري ها هو عدم ال مر ب ا وعدم خوض ال سلف في ها‪.‬‬
‫ولكن إذا ثبت أن السلف خاضوا ولو ف بعض السائل منه‪ ،‬فيمتنع القول بأن‬
‫علم الكلم مرم كله‪ .‬وكذلك إذا ثبت أنه قد ورد النص ولو ف بعض مسائل‬
‫علم الكلم (علم التوحيد‪ ،‬علم العقائد) فيمتنع أيضا القول بأنه مرّم كله‪ ،‬هذا‬
‫كله إذا سلمنا أن مرد عدم ورود المر وعدم بث السلف فيه يستلزم التحري‬
‫ولكن إذا ل يسلم ذلك على إطلقه‪ ،‬بل قلنا يلزم لتحري الشيء ورود النص‬
‫بتحريه‪ ،‬أو قيام الدليل استنباطا على تريه ل مرد عدم حصوله ف زمان ما‪،‬‬
‫إذا قلنا بذلك؛ فإن القول بالتحري مطلقا ينهدم بل ريب‪.‬‬
‫لكَمُ ف هذا الباب هو معرفة مسائل علم الكلم‪ ،‬فإذا‬
‫وبنا ًء على هذا فا َ‬
‫كانت كل مسألة منه مرمة فهو مرم وإل فل‪.‬‬
‫فمن مسائله معرفة أن ال موجود والدلة عليها‪ ،‬وهذه غي مرمة بل‬
‫واجبة‪ ،‬ومعرفة اتصافه بالقدرة والعلم والياة وغيها من الصفات الحكمة‪،‬‬
‫وهذا واجب معرفته وكذلك معرفة أنه جل شأنه خالق كل ما ف العال من‬
‫جواهر وأعراض‪ ،‬وهذا واجب معرفته‪ ،‬وكذلك أنه ل يظلم أحدا وتقيق ذلك‬
‫والعلم بالدلة على نبوة النبياء والعلم بصفات النبياء وغي ذلك من مسائل‬

‫‪167‬‬

‫علم التوحيد‪ ،‬وكل هذه السائل واجبة ول يوز تري العلم با‪ .‬وهذه تشكل‬
‫غالب مموع مسائل علم التوحيد‪ ،‬وعلم الكلم‪ .‬وأما بقية السائل فمنها مسألة‬
‫النصوص التشابة‪ ،‬وهذه يب الكلم فيها لدفع الناس عن جهة التشابه منها‪،‬‬
‫وحثهم على لزوم تسكهم بهة الحكام فيها‪ ،‬وهذا القدر هو الذي يتكلم فيه‬
‫التكلمون من أهل السنة‪ ،‬وهو واجب ل ريب فيه ول شك‪ .‬وأما الكلم ف‬
‫نفس جهة التشابه فيها على سبيل العتقاد‪ ،‬فهو الباطل الذي ل دليل عليه‪.‬‬
‫وكذلك الكلم ف حقيقة ذات ال فهو متنع لعدم إمكان العلم با وبصفاته جلّ‬
‫شأنه‪ ،‬وغاية ما يتعلق به علم النّاس هو إثبات الصفة أما حقيقتها فل مال لم‬
‫فيه‪.‬‬
‫هذا هو إجال مسائل علم الكلم‪ ،‬ونن نرى أن الكلم فيها واجب لن الكلم‬
‫فيها هو الكلم ف أصول التوحيد والدين وهذا واجب ل شك فيه‪.‬‬
‫فالاصل من ذلك كلّه أن علم التوحيد والكلم إذا كانت هذه مسائلة‬
‫فيستحيل أن يكون حراما‪.‬‬
‫إذن فما يرم منه هو الكلم ف بعض السائل على جهة الغلط‪،‬‬
‫كالكلم ف التشابات على جهة تشبيه ال تعال بلقه‪ ،‬فهذا كلم باطل‪،‬‬
‫وأما الكلم عليها لتقييد الحكم منها وعزل الناس عن جهة التشابه فهو‬
‫واجب ل ريب‪.‬‬
‫وبناءً على ذلك نقول‪:‬‬
‫إنّ القرآن الكري والسّنة النبوية الطّهرة قد وردا بأغلب مسائل‬
‫الكلم نصا وبكثي من الباقي إشارة‪ ،‬واستدل العلماء بالدلة العقلية القوية‬

‫‪168‬‬

‫على كثي من مطالبه‪ ،‬مدعمي للقرآن والسنة غي معارضي لما‪ .‬وهذا معناه‬
‫أن النظر ف علم الكلم واجب على حسب التفصيل الذي ذكره العلماء‬
‫عينا أو كفايةً‪.‬‬
‫وأما الصحابة ومن تبعهم فإنه وردت عنهم كلمات ف أغلب مسائل‬
‫التوحيد كوجود ال واتصافه بالقدرة والعلم والياة والكمة‪ ،‬وكونه خالقا‬
‫لكل ما ف الوجود‪ ،‬وغي ذلك من مطالب علم الكلم‪.‬‬
‫وأما العلماء مّن بعدهم‪ ،‬فقد أكثروا من التفصيل ف علم التوحيد‬
‫والصفات لزدياد الاجة إليه ول يزل العلماء القتدى بم ف المة السلمية‬
‫يعتبون هذا العلم أشرف العلوم على الطلق حت أيامنا هذه‪ ،‬ومن أطلق منهم‬
‫ذمّه فيجب صرف كلمه إل بعض التكلمي أو بعض السائل الت يتنع الكلم‬
‫فيها لستحالة دركها أو لجانبة كلمهم الق فيها‪.‬‬
‫إن عدم إياب الشريعة لتعلم علم الكلم‪ ،‬مرد ادعاء‪ ،‬فإنه إذا كان‬
‫علم الكلم ما هو إل مموعة مسائل التوحيد والستدلل عليها‪ ،‬فإن ثلث‬
‫القرآن على القل كلم‪ ،‬وكثي من السنة كلم‪ .‬ول يكمل إسلم الرء إل‬
‫بالكلم‪.‬‬
‫وكذلك فقد أمرنا ال تعال بالنظر ف أنفسنا وف الفاق للستدلل‬
‫وعلى ذاته وعلى صفاته‪ ،‬وضرب المثلة للستدلل على نبوة النبياء والبعث‬
‫وإمكان العذاب واللق والفناء والعدام والثواب والعقاب‪ ،‬وهذه هي أصول‬
‫مسائل علم الكلم‪ ،‬فالاصل أن القرآن والسنة فيهما أمرٌ بعلم الكلم‪،‬‬
‫فالحكام معلقة بالعان ل باللفاظ‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫ولو تأملنا ف بقية كلم الشّافعي الذي وجهه إل بشر الريسي‪" :‬فأين‬
‫أنت من الكلم ف الفقه والخبار يواليك الناس عليه وتترك هذا" اهص‪ ،‬لدركنا‬
‫أن السبب ف حطّ الشّافعي بشر الريسي إنا هو تأدية علمه إل عدم موالة‬
‫الناس له أي مقاتلتهم ومعاداتم له ومعاداة الناس ل تأت إل إذا خالفهم الواحد‬
‫ف أمر أصلي عظيم‪ ،‬وأعظم المور هي أصول علم التوحيد‪ .‬ولكن عي‬
‫معاداتم ل توز أن تكون هي العلة للتحري‪ ،‬لن النب عليه السّلم عاداه قومه‬
‫لخالفته إياهم ف أصول الدين والتوحيد‪ ،‬ولكن معاداتم له ل تثنه عن‬
‫الستمرار ف الدعوة لذا الدين‪.‬‬
‫إذن ل يوز أن تكون معاداة الناس علّه للتحري إل إذا كان الناس على‬
‫حق وعادوا من خالفهم فهذا دليل على التحري ل بجرد العاداة بل لكونا من‬
‫غي وجه حق‪ .‬ولذلك فإننا يب علينا أن ننكر على ابن تيمية ما يقول به من‬
‫عقائد الجسّمة هو وأتباعه ف هذا الزّمان وإن أدى ذلك إل معاداة الناس لنا‪،‬‬
‫فمعاداتم لنا إن حصلت فما هي إل لنداعهم بالبيق العلمي الذي ألبسه‬
‫كثي من النّاس لبن تيمية ولِما أسبغوا به عليه من صفات التقديس والتبجيل‬
‫ل عند غالبهم على الغلط والضّلل‪ ،‬بينما القيقة‬
‫حت أضحت مرد مالفته دلي ً‬
‫هي أنّه هو الغارق ف الطأ وأن أكثر أتباعه يتلبّسون بالهل العظيم والتعصب‬
‫القيت‪ .‬وال الستعان‪.‬‬
‫فاشتغالنا بالسائل الت تستلزم معاداة مثل هؤلء النّاس لنا ل يوز أن‬
‫ل ول حراما‪ ،‬بل خوفنا من معاداة الناس لنا وتركنا للدّعوة إل‬
‫تكون باط ً‬
‫الصحيح من العقائد والرد على الغرقي ف الغلط هو الرام والباطل‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫مناقشة العلة الخية الت اعتمد عليها السيوطي ف تري النطق‬
‫قال المام السّيوطي رحه ال تعال(‪" :)1‬وقد أشار الشّافعي إل علّة‬
‫ثالثة(‪ )2‬ف علم الكلم تأت ف النطق‪ ،‬فأخرج الروي أيضا من طريق أب ثور‬
‫قال سعت الشّافعي يقول‪ :‬حكمي ف أهل الكلم أن يضربوا بالريد ويملوا‬
‫إل البل ويطاف بم ف العشائر والقبائل ويُنادى عليهم هذا جزاء من ترك‬
‫الكتاب والسّنة وأقبل على الكلم‪ .‬وأخرج من طريق آخر عن الشّافعي قال‪:‬‬
‫مذهب ف أهل الكلم تقنيع رؤوسهم بالسّياط وتشريدهم من البلد‪.‬‬
‫دلّ نصّه على أ ّن ما يُعلل به تري النّظر ف علم الكلم كونه مالفا‬
‫لسلوب الكتاب والسّنة‪ ،‬أو كونه سببا لترك الكتاب والسّنة ونسيانما‪ .‬وذلك‬
‫جارٍ ف النطق أيضا"اهص‪.‬‬
‫إذا كان السلوب الذي يتبعه التكلمون مغايرا للسلوب القرآن فهل‬
‫مرد هذا يكفي للحكم على الكلم بالرمة‪.‬‬
‫إنّنا نعرف أنّ القرآن معجز‪ ،‬وأنّ مور إعجازه هو البلغة‪ ،‬والبلغة ف‬
‫النّهاية تتركز ف السلوب القرآن ف سرد الوقائع والحكام‪ .‬فالسلوب القرآن‬
‫هو سبب العجاز وهو بعينه دليل على صدق النّب عليه الصّلة والسّلم‪.‬‬
‫إذا قلنا إنه يب على جيع من يوض ف العلوم أن يتبع السلوب‬
‫القرآن ف البيان‪ ،‬فيلزم إياب أن يكون كلم كل من يوض ف العلوم معجِزا‪.‬‬
‫وهذا مستحيل‪ ،‬لن إلزامه بالتيان بأسلوب القرآن هو إلزام له بعل كلمه‬
‫‪ )(1‬صون النطق والكلم‪ ،‬ص‪31‬‬
‫‪ )(2‬هذه هي العلة الثالثة حسب ترتيب المام السيوطي وهي الرابعة حسب ترتيبنا وعدّنا‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫معجزا‪ ،‬وهذا غي متيسر لبن البشر‪ ،‬وإل لزم كون القرآن غي معجز‪ ،‬أو تري‬
‫الوض ف العلوم مطلقا والكتفاء بتكرار اللفاظ القرآنية‪ ،‬وهذا ل قائل به‬
‫على الطلق‪.‬‬
‫إذن ل يوز مرد كون التكلمي اتبعوا أسلوبا غي أسلوب القرآن‬
‫البلغي سببا ف تري علم الكلم‪ ،‬فالرمة ف هذا الباب دائرة على الحكام‬
‫وطرق الستدلل ومعلوم أنّ الكم وطريقة الستدلل يكن التعبي عنها بعدة‬
‫أشكال‪ ،‬ولكن ل يكن أن يكون شك ٌل منها معجزا كإعجاز القرآن‪ ،‬نعم‬
‫الساليب تتفاوت بسب تفاوت مراتب النّاس ف نظم اللفاظ‪ ،‬ولكن مستوى‬
‫العجاز خاصٌ بالقرآن وحده‪ ،‬ول دليل مطلقا على إياب اتباع أسلوب معي‬
‫دون غيه‪ .‬بل الدليل قائم على لزوم اتباع الدلة الصحيحة واجتناب الباطل‬
‫منها‪ ،‬والدليل قائم على لزوم اتباع الحكام الصّحيحة واجتناب الباطل منها‪،‬‬
‫أما السلوب فل‪.‬‬
‫إذن السلوب من حيث هو أسلوب ل إياب متعلقا به ول حرمة‪ ،‬ما‬
‫دام يعطي النّتيجة الصّحيحة‪ ،‬ويوصل الطلوب إل الغي‪ ،‬وحصر الكلم ف‬
‫أسلوب دون آخر أمرٌ ل دليل عليه مطلقا‪.‬‬
‫إ ّن السلم قد خاطب العرب وغي العرب‪ ،‬وطلب من العرب وغي‬
‫العرب أن يتعلموا السلم‪ ،‬فلو أوجبنا على الميع من عرب وغي عرب أن ل‬
‫يتعلموا العلوم ول يعلّموها ول يفكروا فيها ول يؤلّفوا فيها إل بأسلوب القرآن‬
‫لكان ف ذلك عنت كبي‪ ،‬إ ّن العرب أنفسهم ل يستطيع أحد منهم إل التأثر‬
‫بأسلوب القرآن ل القتراب منه‪ ،‬فكيف بغيهم‪ ،‬كيف نوجب عليهم تعلّم لغة‬
‫أجنبية عليهم أوّلً ث البلوغ ف هذه اللّغة أقصى مراتب العجاز أو ما يداينها‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫إن العقل السّليم ل يوجب شيئا من ذلك‪ ،‬وإنّ الشّريعة ليس فيها إياب ذلك‬
‫مطلقا‪ ،‬ول ينص على ذلك واحدٌ من الئمة‪ .‬غاية ما نصوا عليه هو نوع الدلة‬
‫الت ينبغي استعمالا ل السلوب الذي تصاغ فيه‪.‬‬
‫ص على‬
‫فإذا كان المر كذلك فهل يكن لمام كبي مثل الشّافعي أن ين ّ‬
‫شيء يالفه؟‬
‫أقول‪ :‬إنّ كلمة المام الشّافعي رحه ال ليس فيها شيء يشي إل لزوم‬
‫اتباع السلوب الاص بالكتاب والسّنة‪ ،‬بل فيها النّهي عن ترك الكتاب والسّنة‬
‫أنفسهما‪ ،‬وتركهما يكون بعدم اللتفات إليهما وعدم العتماد على ما جاء‬
‫فيهما من أحكام وإرشاد‪ ،‬ول يكون بعدم القتداء بما ف السلوب‪.‬‬
‫فالشّافعي علّق الذم على ترك التكلمي للكتاب والسنة ل على مالفتهم‬
‫لسلوب الكتاب والسنة وفرق عظيم بي العنيي‪.‬‬
‫ونن نزم بأن من ترك الكتاب والسنة بأن أتى بأمور تالف أحكامهما‬
‫وتعارض إرشادها فإن هذا متعرض للوعيد بل ريب ونسلّم بذلك‪ .‬ولكن يبقى‬
‫الكلم ف أن علم الكلم نفسه هل يترتب عليه مثل هذه الال‪ ،‬فإذا لزم لجرد‬
‫علم الكلم ذلك لزمت حرمته‪ ،‬وإل فل‪.‬‬
‫ولكننا نعلم علم اليقي أن التكلم ل يشترط فيه لكي يصي متكلما أن‬
‫يهجر الكتاب والسنة‪ ،‬بل إنّ التكلم القيقي الراسخ ف العلم هو من ازداد‬
‫رسوخه ف الكتاب والسّنة واستقى أدلّته على العقائد منهما‪ ،‬ولذا فكم نرى‬
‫من متكلمي مفسرين للقرآن وشارحي للسّنة ومقّقي ف أحاديث التوحيد منها‬

‫‪173‬‬

‫بل إن بعض أعظم الفسرين كانوا من التكلمي ف علم الكلم‪ ،‬وربا يكونون‬
‫أغلبهم‪.‬‬
‫إنه ل يوجد مطلقا تلزم بي علم الكلم وبي ترك القرآن والسّنة‪ ،‬بل‬
‫إنّنا نرى العكس هو الصّحيح‪ ،‬إنّ التكلم يصبح نظره أقوى وفهمه أدق للكتاب‬
‫والسّنة بل ريب‪ ،‬وذلك لا يستفيده من تقيق قواعد كلية عقلية ونقلية ف علم‬
‫الكلم ومقدماته وما يستلزمه الطلع عليه من علوم أخرى كالصول والعربية‬
‫والنطق والطلع العميق ف أصول الشريعة وغي ذلك من الطبيعيات والديان‬
‫والذاهب والنّحل واللل الخرى‪.‬‬
‫إذن فإن ما استنبطه المام السّيوطي من كلمة الشافعي غي صحيح ول‬
‫يسلم له‪ ،‬ولذا ل يوز أن تُعتب كلمة الشّافعي هذه عامة‪ ،‬بل تصص بتكلمي‬
‫معيّني هم الذين ضلوا وأخطؤوا‪ ،‬وهم الذين كان المام الشّافعي يناقشهم‬
‫وناظرهم كحفص الفرد‪ ،‬وبشر الريسي وغيها‪ ،‬وأما تعميم كلمه على كل‬
‫من تكلم ف التوحيد فل يوز على الطلق ومادام هذا غلطا ف علم الكلم‬
‫فل يوز العتماد عليه ف تري علم النطق‪ .‬وسيأت زيادة تفصيل لذلك عند‬
‫مناقشتنا لناظرة السّياف مع النطقي‪.‬‬
‫وبذا نكون قد انتهينا من مناقشة العلل الربعة الت اعتمد عليها المام‬
‫السّيوطي ف تري النطق والكلم‪ .‬وسوف نعلق الن على كتابه بإجال ونلّل‬
‫طريقته ف الوصول إل تري النطق والكلم هل هي صحيحة أو غي صحيحة‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫وقد لص المام السيوطي ف أثناء كتابه هذا مطالب من عدة كتب اختارها‪،‬‬
‫وسوف ننظر ف النصوص الت أوردها للستدلل على مراده‪ ،‬وننظر كما نظر‬
‫لنعلم هل يؤدي بنا النظر إل تري علم النطق كما حرمه المام السيوطي أم ل‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫أمور أخرى اعتمد السيوطي عليها‬
‫وفيما يلي سوف نتناول بعض أهم الكتب الت اعتمد عليها السيوطي‬
‫ونللها‪.‬‬
‫‪ -1‬كتاب ذم الكلم وأهله‬
‫هذا الكتاب للشيخ عبد ال النصاري الروي(‪481-396‬هص)‪ ،‬وهذا‬

‫الشيخ هو صاحب كتاب منازل السّائرين(‪ ،)1‬وقد ذكر الشيخ المام تاج الدين‬
‫السّبكي إنّ هذا الرجل مسّم‪ ،‬ويظهر هذا المر من خلل كتابه ذم الكلم‬
‫وأهله‪ ،‬ومن كتاب الربعي(‪ .)2‬وهو مشهور بذلك‪ ،‬واتمه البعض بالقول‬

‫بالتاد‪ ،‬وهذه التّهمة ل أتقق منها‪ ،‬ولكن الرجل على كل حال يكفيه تمة‬
‫التشبيه الثابتة عليه‪ ،‬وعدم معرفته لقيقة علم الكلم ليخرج بذلك عن دائرة‬
‫العتدال ف أحكامه الصّادرة عنه‪.‬‬
‫قال المام العلمة تاج الدين السبكي(‪ )3‬ف ترجة شيخ السلم أب عثمان‬
‫الصابون‪":‬إساعيل بن عبد الرحن بن أحد بن إساعيل بن إبراهيم بن عامر بن‬
‫على هذا الكتاب شرحان اثنان مطبوعان‪ ،‬الول للكاشان أستاذ القيصري صاحب شرح‬
‫‪)(1‬‬
‫فصوص الكم‪ ،‬والثان لبن قيم الوزية‪.‬‬
‫هذا الكتاب طبعه د‪ .‬علي بن ناصر الفقيهي أستاذ مشارك بالامعة السلمية‪.‬‬
‫‪)(2‬‬
‫طبقات الشافعية الكبى‪ ،)4/271( ،‬طبعة دار إحياء الكتب العربية‪ ،‬فيصل عيسى الباب‬
‫‪)(3‬‬
‫اللب‪ .‬تقيق ممود ممد الطناحي‪ ،‬عبدالفتاح ممد اللو‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫عائذ‪ ،‬شيخ السلم أبو عثمان الصابون‪ ،‬الفقيه الحدّث الفسر الطيب الواعظ‬
‫الشهور السم اللقب بشيخ السلم‪ ،‬لقّبه أهل السنّة ف بلد خراسان‪ ،‬فل‬
‫يعنون عند إطلقهم هذه اللفظة غيه‪ ،‬وأما الجسمة بدينة هراة‪ ،‬فلما ثارت‬
‫نفوسهم من هذا اللقب‪ ،‬عمدوا إل أب إساعيل عبدال بن ممد النصاري‬
‫صاحب كتاب (ذم الكلم) فلقّبوه بشيخ السلم‪ ،‬وكان النصاري الشار إليه‬
‫رجل كثي العبادة‪ ،‬مدثا‪ ،‬إل أنه يتظاهر بالتجسيم والتشبيه‪ ،‬وينال من أهل‬
‫السنة‪ ،‬وقد بالغ ف كتابه ذم الكلم حت ذكر أن ذبائح الشعرية ل تِلّ‪،‬‬
‫وكنت أرى الشيخَ المام(‪ )1‬يضرب على مواضع من كتاب ذم الكلم‪ ،‬وينهى‬

‫عن النظر فيه‪.‬‬
‫وللنصاري أيضا كتاب الربعي ستها أهل البدعة الربعون ف السنة‪ ،‬يقول‬

‫فيها‪ :‬باب إثبات القدم ل‪ ،‬باب إثبات كذا وكذا(‪.)2‬‬

‫ب به تعصبا‪ ،‬وتشبيها له بأب‬
‫وبالملة كان ل يستحق هذا اللقب‪ ،‬وإنا ُلقّ َ‬
‫عثمان‪ ،‬وليس هو هناك‪ .‬وكان أهل هراة ف عصره فئتي‪ ،‬فئة تعتقده وتبالغ فيه‬
‫لا عنده من التقشف والتعبد‪ ،‬وفئة تكفّره لا يظهره من التشبيه‪.‬‬
‫يقصد والده شيخ السلم تقي الدين السبكي‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫وفيه أيضا باب بيان إثبات النفس ل‪ ،‬باب الدليل على أنه تعال ف السماء‪ ،‬باب الدليل على‬
‫‪)(2‬‬
‫أنه عز وجل على العرش‪ ،‬باب ذكر حجاب ال عز وجل‪ ،‬باب وضع ال عز وجل قدمه على‬
‫الكرسي‪ ،‬باب إثبات الد ل عز وجل‪ ،‬باب إثبات الهات ل عز وجل‪ ،‬باب إثبات الوجه ل عز‬
‫وجل‪ ،‬باب إثبات الصورة له عز وجل‪ ،‬باب إثبات العيني له تعال وتقدس‪ ،‬باب إثبات القدم ل عزل‬
‫وجل‪ ،‬باب الدليل على أن القدم هو الرّجل‪ ،‬باب الرولة ل عز وجل‪ ،‬إل آخر ما فيه من أبواب‪.‬‬
‫وقد نشر السيد حسن السقاف كتابا ف الرد على كتاب الربعي للمام الحدث عبدال بن الصديق‬
‫الغماري‪ ،‬وكتب عليه تعليقات مفيدة‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ومن مصنفاته الت فوّقت نوه سهام أهل السلم‪ ،‬كتاب ذم الكلم وكتاب‬
‫الفاروق ف الصفات‪ ،‬وكتاب الربعي‪ ،‬وهذه الكتب الثلثة أبان فيها عن‬
‫اعتقاد التشبيه‪ ،‬وأفصح‪ .‬وله قصيدة ف العتقاد تنبئ عن العظائم ف هذا العن‪،‬‬
‫وله أيضا كتاب منازل السائرين ف التصوف‪ .‬كان الشيخ تقي الدين أبو العباس‬
‫ابن تيمية مع ميله إليه يضع من هذا الكتاب‪ ،‬أعن منازل السائرين‪ .‬قال شيخنا‬
‫الذهب‪ :‬وكان –أي ابن تيمية‪ -‬يَ ْرمِي أبا إساعيل بالعظائم‪ ،‬بسبب هذا الكتاب‪،‬‬
‫ويقول إنه مشتمل على التاد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والشاعرة يرمونه بالتشبيه‪ ،‬ويقولون إنه كان يلعن شيخ السنة أبا السن‬

‫الشعري‪ ،‬وأنا ل أعتقد فيه أنه يعتقد التاد‪ ،‬وإنا أعتقد أنه يعتقد التشبيه(‪،)1‬‬

‫أما اعتقاده التشبيه فالدليل عليه واضح ما مرّ من مرد أبواب الربعي‪ .‬وأما تمة التاد‪،‬‬
‫‪)(1‬‬
‫فالمام التاج السبكي أنكر أن يكون قائل به‪ ،‬ولكن رأيت تعليقات له نقلها أبو البكات عبدالرحن‬
‫الامي(‪898-817‬هص) ف كتاب نفحات النس من حضرات القدس‪ ،‬وما نقله من كلماته تفوح‬
‫رائحة وحدة الوجود‪ ،‬ومن ذلك ما ذكره ف ص‪" ، 299‬قال أبو عبدال النّباجي قال موسى عليه‬
‫السلم‪ :‬يا إلي أين أجدك فقال له إذا صححت قصدّك وجدتن‪ .‬وقال الكتان‪:‬لا صح قصدك وجدته‬
‫تعال‪ ،‬وقال اللج‪:‬ل تعرّج‪ ،‬هو ق َدمٌ واحد‪ .‬قال الروي‪ :‬ذلك القدم هو وجودك‪ ،‬فإذا فنيت عن‬
‫وجودك وصلتَ إليه"‪.‬‬
‫وكلمته هذه إشارة إل وحدة الوجود‪ .‬وهذا يفهم منه أن ما كان يطلق عليه العلماء اسم التاد‪ ،‬قد‬
‫يكون مطابقا لعن وحدة الوجود‪ ،‬لن معناه أن العبد إذا زال عن ملحظة تقيداته وحيثياته العتبارية‪،‬‬
‫وصل إل أن وجوده عي وجود ال‪ ،‬وهو معن وحدة الوجود‪.‬‬
‫وف ترجة أب طاهر القدسي ص‪ ،433‬أورد الصنف شرح الروي قوله‪(:‬والشارة من الشي شرك)‪،‬‬
‫قال‪ :‬يعن الشرك الفي‪ ،‬لن ف الشارة ينتفي الشي والشار إليه‪ ،‬وحقيقته أل تثبت الثنينية وف‬

‫القيقة هو موجود ل غي‪.‬‬
‫قلت وهذا واضح ف وحدة الوجود أيضا‪ ،‬وما قاله أيضا تعليقا على موقف العلماء من كلم اللج‬
‫الذي قتل لجله ص‪":529‬وأنا أقول أقوى منه عند العوام ول ينكرون عليّ‪ ،‬ويبقى السرّ على‬
‫حاله‪ ،‬لنه إن ل أحدهم أعلّه فل يفهمه"‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫وأنه ينال من الشاعرة‪ ،‬وأن ذلك بهله بعلم الكلم‪ ،‬وبعقيدة الشعرية‪ ،‬فقد‬
‫رأيت أقواما أُتوا من ذلك‪.‬‬
‫وكان شديد التعصب للفرق النبلية‪ ،‬بيث كان ينشد على النب على ما حكى‬
‫عنه تلميذه ممد بن طاهر‪:‬‬
‫أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيت للناس أن يتحنبلوا‬
‫وترك الرواية عن شيخه القاضي أب بكر الِييّ‪ ،‬لكونه أشعريا‪ ،‬وكل هذا‬
‫تعصب زائد‪َ ،‬برّأنا ال من الهواء‪".‬‬
‫وعلى كل الحوال ومهما كانت حقيقة هذا الرجل فسوف نذكر هنا بعض‬
‫اللحظات على ما لّصه السّيوطي من كتابه الذكور‪ .‬والعجب إنا هو ف‬
‫الرتبة الول من مثل المام السّيوطي كيف يتخذ مثل الروي سندا له ف موقفه‬
‫من علم النطق والكلم‪ ،‬والعجب منه أشد عند استناده إل ابن تيمية وغيه‬
‫ولكن هذا هو ما يؤول إليه حال من يوض فيما ل يعلم‪ ،‬ولو بقي رحه ال ف‬
‫مدار العلوم النقلية والعربية لا وقع ف مثل هذه الغلط‪.‬‬
‫‪-2‬من أحدث ف أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ‬
‫نقلَ الروي عن سُنن أب داود حديثا عن عبد ال بن عمر قال قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬العلم ثلثة فما سوى ذلك فهو فضل آية مكمة أو سنة‬
‫قائمة أو فريضة عادلة‪".‬ونقل عن عبد ال بن عروة"الفريضة القائمة ما اتفق عليه‬
‫وهو إقرار منه بأنه يقول بنفس كلم اللج‪ ،‬ولعل هذه العبارة هي الت لجلها اتمه الناس بالتاد‪،‬‬
‫لن هذه هي تمة اللج‪ ،‬وهو وافقه على قوله‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫السلمون"‪ .‬وذكر حديث عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال رسول ال عليه‬
‫وسلم "مَنْ أحدث ف أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ"‪.‬‬
‫ص الديث الول يستفاد منه أنّ الذي يب على النّاس العمل به فقط‬
‫أقول‪ :‬ن ّ‬
‫هو ما كان آية مكمة أو سنّة قائمة أو فريضة عادلة‪ ،‬بعن أن من أخذ بذلك‬
‫فقط فقد اهتدى وأسقط الواجب العلّق ف رقبته‪ ،‬وهذا العن صحيح تاما بل‬
‫تدل عليه أحاديث وآيات أخرى‪ ،‬وهو قريب من معن مصطلح العلم الضّروري‬
‫من الدين‪ ،‬بل هذا هو الذي مشى عليه سائر العلماء من أهل القّ ف جيع‬
‫العلوم‪ ،‬فلم يوجبوا على النّاس إل ما كان من هذا القبيل‪ .‬أما ما سواه بأن كان‬
‫من المور الحتمل فيها اللف فلم يوجبوا على أحد اتباع أحد إل على سبيل‬
‫التباع والتقليد‪ ،‬وهذه مرتبة أخرى غي ما نن فيه‪.‬‬
‫ولكن القول بلزوم تعلم ومعرفة والعمل بالقدر الضّروري التفق عليه‪ ،‬ل‬
‫يستلزم بوجه من الوجوه تري العلم با زاد على ذلك‪ .‬فالفقه مثلً ل يكن أنّ‬
‫يقول قائل إن السائل الولّدة فيه يرم القول با‪ ،‬وكذلك علم أصول الفقه‪،‬‬
‫فمعظم مسائلة ل تكن مطروقة على الوجه الذي قررها فيه العلماء‪ ،‬ول يوز‬
‫القول برمة علم الصول كذلك‪ ،‬وأيضا على نفس القياس يقال ف علم‬
‫التوحيد‪ ،‬فمسائله من حيث الصل مذكورة ف الكتاب والسّنة كما وضحناه‬
‫سابقا‪ ،‬ولكن التفاصيل والطريقة ربا تكون غي مطروقة هناك‪ ،‬وهذا ل يستلزم‬
‫القول برمتها أو بطلنا‪ ،‬لن الصل أ ّن الكتاب والسّنة إنا جاءا ليخرجا النّاس‬
‫من الظّلمات إل النّور‪ ،‬وتّ القتصار فيهما على القدر الكاف للهداية على‬
‫العموم‪ ،‬ولكن ل يتم اللتزام بذكر التفاصيل لميع السائل العلمية فيهما‪ ،‬بل‬

‫‪180‬‬

‫اكتفي ف كثي من الحوال بالرشادات والعلوم الكلية والقواعد العامة‪ ،‬لكي‬
‫يتمكن النّاس بعد ذلك من تريج الفروع على الصول ف أنواع العلوم‪.‬‬
‫ونضرب مثا ًل هنا على مسألة عقائدية‪ ،‬وهي وجوب الصّلح على ال‬
‫تعال‪ ،‬ونعن بالصّلح ما فيه خي النّاس من ناحية الدين‪ ،‬هل يب على ال‬
‫تعال فعل ما يقربم إل ذلك أم ل يب ذلك‪ ،‬والراد بالوجوب هنا هو عدم‬
‫جواز التّرك وتلف الفعل‪ .‬فهذه السألة مثلً طرقها السلمون وتنازعوا فيها‪،‬‬
‫فالبعض قال الصلح واجب على ال‪ ،‬والبعض قال ل بل كل ما فعله ال‬
‫ويفعله فإنا هو بحض فضله ل بوجوب عليه‪ ،‬بل بإرادته الرة عن كل إياب‬
‫ووجوب‪ ،‬بعن يكن إذا شاء أن ل يفعل الصّلح ويكن أن يفعله من حيث‬
‫الصل‪ .‬فهذه السألة مهما كان الصواب فيها‪ ،‬فلبُدّ أن يكون واحد من‬
‫الطّرفي هو الصّواب والخر هو الباطل ف نفس المر‪ ،‬وهي على هذه الصورة‬
‫غي مطروحة ول مبحوثة عند السّلف الوائل‪ ،‬ولكنّ عدم بثها بذا الوضوح‬
‫ل يستلزم عدم علمهم الجال با بل والتفصيلي أيضا‪ ،‬ولكن ل يلزم التقدمي‬
‫أن يبحثوها بنفس السلوب الذي اتبعه التأخرون‪ ،‬ول حت أن يكون تعبيهم‬
‫عن معناها مطابقا لتعبيات التأخرين‪ ،‬لنّها من أصول التوحيد‪ ،‬أي إنّ عقيدة‬
‫الرء ل تتم إل با مهما كان جانب الصّواب فيها‪ ،‬فلبُدّ إذن من وجود موقف‬
‫لم حيالا‪.‬‬
‫ولكن التأخرين من السلمي لا اضطروا للبحث فيها على سبيل‬
‫التفصيل خيّل للبعض أنا مسألة باطلة من الصل ومبتدعة ويرم الكلم فيها‬
‫لبطلنا ف نفسها‪ ،‬والمر ليس كذلك‪ ،‬فهي ف نفسها مسألة تتمل الصّحة‬
‫والطأ‪ ،‬ويصح السؤال عنها‪ ،‬ويب الواب عليها بالنفي أو الثبات‪ .‬وأحد‬

‫‪181‬‬

‫الوجهي صحيح والخر باطل‪ ،‬فالواب الغلط هو الواب بالوجه الباطل‪ ،‬أي‬
‫إذا افترضنا أنّ ال ل يب عليه شيء جواب صحيح‪ ،‬فإذا قلنا عنه يب عليه‬
‫الصّلح فهذا الواب هو الباطل ويرم العتماد عليه والعتقاد به‪ .‬ول يوز ف‬
‫هذه الالة القول إنّ البحث ف أصل هذه السألة حرام‪ ،‬ل يقال ذلك لنّه توجد‬
‫إشارات ودلئل ف القرآن والسّنة ترجح أحد طرف هذه السألة‪ ،‬أي إنّ الظواهر‬
‫الشرعية تدل على حسب نظر أهل السّنة على أنّه تعال ل يب عليه شيء‪،‬‬
‫فالبحث ف هذه السألة والواب عليها بذا الواب صحيح وشرعي وواجب‬
‫عند الحتياج‪.‬‬
‫هذا هو النّظر الصحيح ف هذه السألة‪ ،‬ولول أنّ ال تعال فصّل ف‬
‫بعض المور وأجل ف بعضها وأشار إشارات إل بعضها‪ ،‬لشترك الميع ف‬
‫العلم بميع السائل‪ ،‬ولّا صار هناك حاجة إل سؤال الناس لهل العلم‪ ،‬لنم‬
‫جيعا يصبحون أهل علم عند ذاك‪ .‬ولكن لّا كان الال على غي ذلك أوجب‬
‫ال تعال على عامّة النّاس أن يسألوا أهل العلم الذين يتدبرون القرآن فيفهمون‬
‫إشاراته وألفاظه وترتيباته‪ ،‬ويعبّرون عنها بيسر للنّاس فيتم البلغ والداية‬
‫للجميع‪.‬‬
‫وأما تفسي الفريضة العادلة با اتفق عليه السلمون‪ ،‬فهو على التّسليم به‬
‫إشارة إل الجاع‪ ،‬وحينذاك فينظر فيه‪ ،‬هل القصود من الجاع إجاع جيع‬
‫أهل العلم حت إذا شذّ عنهم واحد انقطع الجاع‪ ،‬وهل يشترط فيه جيع‬
‫العصور أم يكفي إجاع أهل عصر معي على مسألة فيصبح إجاعهم حجة‬
‫فيها‪ ،‬وحينذاك فإن كانت السألة تتغي أحوالا بتغي أحوال النّاس والزمان‪ ،‬فهل‬

‫‪182‬‬

‫يوز أن يمع أهل العصر الثان أو الثالث على خلف ما أجع عليه أهل العصر‬
‫الول مثلً‪ .‬هذه مسائل وأحوال لبحث الجاع معلومة ف علم أصول الفقه‪.‬‬
‫ونن هاهنا نتساءل‪ ،‬هل وقع إجاع جيع العلماء على تري علم الكلم‬
‫مطلقا ف الزمن الول أو الثان أو الثالث‪ ،‬إ ّن الصحيح أنّ هذا الجاع إذا ادعاه‬
‫البعض غي واقع‪ ،‬فإنّنا يكن أن نأت بأمثلة على كلم علماء من متلف العصور‬
‫الول ف مسائل عقائدية واختلفهم مع غيهم‪ ،‬ومرد وجود خوض بعضهم ف‬
‫ذلك وحت لو ل يتلف مع غيه فهو دليل على عدم حرمة البحث ف علم‬
‫الكلم كما هو واضح‪..‬‬
‫وأيضا لو سلمنا أن معظم العلماء‪ .‬ف العصور الول نوا عن الوض ف‬
‫علم الكلم‪ ،‬وهذا غي صحيح كما بيناه ف ما مضى‪ ،‬لو سلمنا ذلك‪ ،‬فإنّنا‬
‫نقول‪ :‬إنّ معظم العلماء ف العصور من الرّابع إل هذا العصر الذي نن فيه‬
‫استحسنوا البحث ف علم الكلم‪ ،‬وحينذاك إمّا أن تكون هذه السألة متغية‬
‫بتغي الحوال أو ل تكون كذلك‪ ،‬فإن ل تكن فإنّه يلزمنا وقوع جاهي العلماء‬
‫الشهود لم بخالفة قطعي معلوم من الدين بالضّرورة‪ ،‬وهذا باطل لنّ الرّسول‬
‫صلى ال عليه وسلم شدّد على البقاء مع الماعة‪ ،‬وهو مفهوم الغلبية فيستحيل‬
‫أن تكون الماعة واقعة ف الغلط وهذا أصل مفهوم وحجية الجاع‪.‬‬
‫إذن هذا الفَرَض الذكور مع الواقع الشاهد يستلزم نقض كلم العصوم‪،‬‬
‫فيجب الكم ببطلنه‪ .‬إذن يب القول بأنّ حكم البحث ف علم الكلم من‬
‫المور الت تتغي بتغي الحوال والزمان‪ ،‬وهذا هو ال ّق بل وبتغي الشخاص‬
‫أيضا‪ ،‬وحينذاك فل يبعد أن يكون البحث ف هذا العلم مذموما على العموم ل‬

‫‪183‬‬

‫للخصوص ف العصور الول ث صار ممودا بعد ذلك لشيوع الفتنة والغلط بي‬
‫الناس‪.‬‬
‫ونن مع ذلك كلّه ل نسلم أنّ علم الكلم أصلً يتلبس بكم الرمة‬
‫مطلقا ف أي زمان من الزمنة‪ ،‬بل هذا باطل مطلقا وبل قيد‪ ،‬ولك ّن غاية ما‬
‫نسلمه ونعتقد به أنّه الق والصّواب أنّ البحث ف علم الكلم قد ل يلئم‬
‫أشخاصا معيني لحوال عارضة عليهم أو ملبسة لم‪ ،‬ولكن يب القول‬
‫بوجوبه على الكفاية بعن حرمة خلو العصر من قائم بالجّة ف علم الكلم‪.‬‬
‫وال الوفق‪.‬‬
‫وأما قول الرّسول صلى ال عليه سلم‪ ":‬من أحدث ف أمرنا هذا ما ليس‬
‫منه فهو ردّ"‪ ،‬فقد تكلم عليه كبار علماء أهل السّنة‪ ،‬وبيّنوا أنّه بذاته دليل على‬
‫جواز استحداث ما ل يكن حادثا ف الدين بشرط أن ل يكون مالفا لقواعد‬
‫الدين‪ ،‬وأخذوا ذلك من مفهوم الخالفة وحاصله أن المر الستحدث إذا كان‬
‫ل يالف القواعد السلمية القررة والنّصوص الشّرعية‪ ،‬فل مانع منه‪ .‬وبنفس‬
‫الديث يكن أن يستدل على جواز البحث ف علم الكلم والصول وغيها من‬
‫العلوم والعارف الدينية‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫لا تكلفوا وخاصموا اختلفوا وهلكوا‬

‫ونقل الروي عن أب عبيد(‪" : )1‬جع النّب صلى ال عليه وسلم جيع أمر الخرة‬
‫ف كلمة من أحدث ف أمرنا ما ليس منه فهو رد‪ ،‬وجيع أمر الدنيا ف كلمة‬
‫إنّما العمال بالنّيات يدخلن ف كل باب‪ .‬ث قال باب البيان‪ :‬إنّ المم السّابقة‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص‪34‬‬

‫‪184‬‬

‫إنّما استقاموا على الطّريقة ما اعتصموا بالتّسليم والتباع‪ ،‬وإنم لا تكلّفوا‬
‫وخاصموا اختلفوا وهلكوا"اهص‪.‬‬
‫أقول‪ :‬أمّا الديث فقد سبق الكلم عليه‪ ،‬وأمّا كلم أب عبيد فإن‬
‫التّسليم والتباع ل يعارضان ول ينافيان البحث والنّظر‪ ،‬بل بالبحث والنّظر يتم‬
‫نفس التّسليم والتباع‪ ،‬لنّ الشّريعة أمرت بالبحث والنظر‪ ،‬وتكون مسلّما لا‬
‫ومتّبعةً به‪ .‬نعم قد يتم التسليم للشريعة بجرد الرادة الرة‪ ،‬ولكن ليس هذا هو‬
‫معيار كثي من الناس‪ ،‬والرادة ل تتحفز ف النسان إل بأسباب‪ ،‬ومن أسباب‬
‫إثارة الرادة النظر‪ ،‬كما أن منها التقليد التابع لحبة القلّد لل ُمقَلّد‪ ،‬أو اشتهار‬
‫صيته بي الناس‪ ،‬أو غي ذلك من السباب‪ .‬فالنظر سبب للتباع كما أن غيه‬
‫سبب كذلك‪.‬‬
‫نعم نن نقول‪ :‬إنّ من يتكلف ما ل يسنه فسوف يتوصل إل غلط‬
‫وخبط‪ ،‬ولذلك فل بُدّ أن يصل اللف والختلف‪ ،‬ولكن الرمة تتسلط‬
‫على الوض فيما ل يسنه الرء‪ ،‬وعليه فل يصح منع الميع من البحث والنّظر‬
‫بجّة خوض بعض من ل يسنه فيه‪ .‬بل الل يكون بنع هؤلء الذين ل‬
‫يسنونه من الوض فيه ونيهم عنه‪ .‬ولذلك فقد قلنا إن علم الكلم قد يص‬
‫البحث فيه بأحوال وأزمان وأشخاص‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫‪185‬‬

‫ل يسكتون عما سكت عنه الصحابة‬

‫قال المام السّيوطي(‪" :)1‬وأخرج عن مالك قال إيّاكم والبدع‪ ،‬قيل يا أبا عبد‬
‫ال وما البدع‪ .‬قال أهل البدع الذين يتكلمون ف أساء ال وصفاته وكلمه‬
‫وعلمه وقدرته‪ ،‬ل يسكتون عمّا سكت عنه الصّحابة والتابعون لم بإحسان"‬
‫ف هذه الرّواية يدّث المام مالك رحه ال النّاس عن أهل البدع‪،‬‬
‫ويعرّف أهل البدع لصحابه بأنم الذين يتكلمون ف أساء ال… ال‪ ،‬ول‬
‫يسكتون عما سكت عنه الصّحابة والتابعون‪ .‬فهاتان علتان أو وصفان لهل‬
‫ي نصّ أو رواية فإنّنا أوّلً ننظر‬
‫البدع‪ ،‬عند المام مالك‪ ،‬ونن عندما ننظر ف أ ّ‬
‫هل الذي قالا معصوم أم ل‪ ،‬فإن كان معصوما فهي صحيحة العن وعلينا‬
‫تقيقه‪ ،‬فإن ل يكن معصوما‪ ،‬فإننا ننظر ف العن الراد‪ ،‬فإذا كان الظاهر منه‬
‫غي صحيح‪ ،‬فيجب علينا أن ند لا وجها مناسبا خاصة إذا كان قائلها إماما‬
‫كبيا‪ ،‬لن هؤلء يبعد منهم أن ينطقوا با يظهر بطلنه‪ ،‬فإن ل يكننا إياد‬
‫معن صحيح لا َحكَمنا ببطلنا‪.‬‬
‫وهكذا فإن الظّاهر من هذه العبارة الروية عن المام مالك‪ ،‬هو ذمّ من‬
‫يتكلم ف صفات ال تعال وأسائه‪ ،‬واعتبار من يتكلم فيها مبتدعا‪ .‬والتعبي‬
‫بطلق الكلم وترتيب البدعة على مطلق الكلم ف الصفات والساء‪ ،‬أمرٌ ل‬
‫يكننا قبوله‪ ،‬لستلزامه العموم‪ ،‬فإنّ الواحد قد يتكلم بكلم حسن وصحيح ف‬
‫أساء ال تعال وصفاته‪ ،‬وقد يكون كلمه باطلً‪ ،‬ويستحيل أن نقول ببدعية من‬
‫تكلم بكلم ح ّق وصحيح‪ .‬وهكذا‪ ،‬فالعبارة مطلقة وصادقة على كلتا الالتي‪،‬‬
‫ول يكننا إبقاءها على إطلقها لبطلن ذم من كان كلمه صحيحا‪ .‬إذن يب‬
‫‪ )(1‬صون النطق‪ ،‬ص‪.57-56‬‬

‫‪186‬‬

‫الزم بتقييدها فيمن تكلم ف ذلك بكلم باطل‪ ،‬وإل فإن ل نوّز تقييدها‬
‫بذلك‪ ،‬وجب علينا الكم ببطلنا‪.‬‬
‫فمن تكلم ف علم ال وقال إنّ ال عال بالكليات والزئيات وعال با‬
‫كان وبا سيكون‪ ،‬فكلمه صحيح‪ ،‬ومعناه حق‪ ،‬ول يوز تسمية من يتكلم‬
‫بذلك مبتدعا‪ .‬وأما من تكلم ف علم ال مثلً وقال بأنّ ال ل يعلم المر إل بعد‬
‫حدوثه أو إنّه ج ّل شأنه ل يعلم إل الكليات دون الزئيات‪ ،‬فكلمه باطل غي‬
‫صحيح‪ ،‬ويصدق عليه اسم البتدع وهكذا فإن تليل معن عبارة المام مالك‬
‫يعلنا نوجب تقييدها با ذكرناه وإل اضطررنا لردها جلة‪ ،‬ومعلوم أنّ حل‬
‫العبارة على معن صحيح أول من إبطالا بالملة لعلو مقام قائلها‪.‬‬
‫وأمّا العلة الخرى والوصف الثان الذي نسبه المام مالك إل أهل‬
‫البدعة‪ ،‬فهو أنّهم ل يسكتون عما سكت عنه الصّحابة والتابعون‪ ،‬وحاصل هذه‬
‫العبارة أ ّن الصّحابة تكلموا ف أمور وسكتوا عن أمور‪ ،‬وم ّل وكلمنا ف المور‬
‫الت سكتوا عنها‪ ،‬المام مالك يقول –بسب العبارة الذكورة‪ -‬إنّ ما سكت‬
‫عنه الصّحابة يب علينا السكوت عنه‪ ،‬وكذلك فإن الذي ل يسكت عما‬
‫سكتوا عنه فإنه يكون مبتدعا‪ .‬ولكنّ هذا العن قد ل يسلم على إطلقه هكذا‪،‬‬
‫لنه يقال على الصحابة أنم سكتوا ف حالتي‬
‫الول‪ :‬إذا عرض للصحابة أمر وأل عليهم وكان يلزم الكلم فيه فلم‬
‫يتكلموا فيه‪ ،‬نعلم منه لوجود الدّواعي إل الكلم فيه وعدم كلمهم أن هناك‬
‫علّة ف نفس ومرد الكلم‪ ،‬فهذا ل نتكلم نن فيه أيضا‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫الثانية‪ :‬أمر ل تطرأ الاجة ف زمان الصّحابة للتكلم فيه‪ ،‬ول توجد‬
‫الدّواعي لذلك‪ ،‬فسكتوا عنه فهذا العن ل نسلّم لزوم سكوتنا فيه كما سكتوا‪،‬‬
‫لنّ الدواعي للكلم فيه قد تكون موجودة ف زماننا فعلم الصول ل يتكلم فيه‬
‫الصّحابة‪ ،‬وكذلك علم الفقه على طريقة الفقهاء التأخرين‪ ،‬وكذلك علم النّحو‬
‫والعروض والداب الخرى‪ ،‬وهذا ل يستلزم بطلن هذه العلوم ول بدعية‬
‫التكلم فيها‪.‬‬
‫وهذا التخريج لذه العبارة مبن على معن الجاع السّكوت‪ ،‬الذي ل‬
‫يكون حجة إل عند وجود دواعي الكلم مع ترك الكلم‪ ،‬هذا عند من قال‬
‫بجيّته‪ ،‬وأما عند من نفي حجيّته فل اعتبار لذه العلّة عنده أصلً‪.‬‬
‫من هذا التحليل ندرك أنّ عبارة المام مالك ل تؤخذ على إطلقها ف شقّيها‬
‫فل يوز الحتجاج با على نفي وذم علم الكلم مطلقا‪.‬‬
‫‪-5‬إن قوما تكلموا ف ذات ال فتاهوا‬
‫قال السّيوطي(‪" :)1‬وأخرج عن جعفر بن ممد قال‪ :‬إذا بلغ الكلم إل ال‬
‫فأمسكوا‪ ،‬وأخرج عنه قال تكلموا فيما دون العرش ول تكلموا فيما فوق‬
‫العرش‪ ،‬فإن قوما تكلموا ف ال فتاهوا" اهص‪.‬‬
‫إ ّن الكلم ف ال نوعان‪ ،‬كلم ف الصّفات والساء الواجبة له ج ّل شأنه‬
‫من حيث ما هي ثابتة له عز وجل‪ ،‬فنقول هذه الصفة واجبة وهذه منفية عنه‪،‬‬
‫وليس القصود الكلم ف حقيقة الصفة‪ ،‬والثان كلم ف حقيقة ال تعال‪ ،‬فأمّا‬
‫‪ )(1‬صون النطق‪ ،‬ص‪.57‬‬

‫‪188‬‬

‫الكلم الذي من النّوع الول فهو مدوح بل وواجب ف الشّريعة والعقول‪،‬‬
‫فيجب على الواحد معرفة ال تعال‪ ،‬ومعرفة أنّه تعال عال وقادر وأنّ علمه‬
‫واجب له وأنّ قدرته عامّة التّعلق‪ ،‬ويب معرفة أنّه منصزه عن مشابة الوادث‬
‫والخلوقات وأنّه قدي وأنّه واحد ال‪ ،‬فهذا النّوع هو أساس التوحيد وصلب‬
‫اليان‪.‬‬
‫أمّا الكلم ف ذات ال تعال من حيث حقيقته فقد اتفق الحققون من‬
‫التكلمي من أهل السّنة على استحالة إدراك ذلك‪ ،‬ولذلك فهم قالوا إنّ ذلك‬
‫من مواقف العقول‪ ،‬أي إنّه من الواضيع الت تقف العقول دونا ول يكنها أن‬
‫تكشف عنها‪ ،‬ولذلك فإنّنا ل ند ف علم الكلم على طريقة أهل السّنة خوضا‬
‫ف حقيقة ذات ال‪ ،‬بل هم يبحثون ف صفاته ج ّل شانه من حيث ثبوتا له‬
‫وعدم ثبوتا‪ ،‬ويبحثون ف الحكام الواجبة للذات‪ ،‬أمّا حقيقتها فل يوضون‬
‫فيها لمتناع ذلك ف حقهم‪ .‬بل ند ف كلم أهل السنة أدلة على استحالة‬
‫التفكي ف معرفة حقيقة ال تعال‪ ،‬وهذا النوع أيضا ل يكن أن يكون مذموما‪.‬‬
‫ولذلك فإن التقدمي والتأخرين من أهل السلم اتفقوا على الكلم ف‬
‫ال تعال وإن كان منهم من خاض فيها وأخطأ‪ ،‬ولك ّن الميع ألزموا أنفسهم‬
‫بذلك‪ ،‬فنرى أهل السّنة قد نظروا ف صفات ال ونصزهوا ل عن مشابة خلقه‪،‬‬
‫وتوقفوا عند ذلك‪ ،‬ونرى الشبهة والجسمة قد خاضوا ف ذات ال فشبّهوها‬
‫وحاولوا أن يتصوّروها ويتخيّلوها بل قاسوا ذات ال تعال على ذواتم‪ ،‬فقالوا‬
‫هو جسم‪ ،‬ومدود إمّا من سائر الهات أو من جهة واحدة على اختلفهم ف‬
‫ذلك‪ ،‬وقالوا إنّه يتحرك وتل فيه الوادث وغي ذلك من المور الت بنوها على‬
‫الوهم واليال ل على العقل والشّريعة‪.‬‬

‫‪189‬‬

‫فكل الفريقي وما بينهما وما سواها بثوا ف ال‪ ،‬ولكن منهم من‬
‫أصاب ومنهم من ضلّ وغلط‪ .‬فالتفاق قد حصل منهم على صحّة البحث ف‬
‫ذلك‪ ،‬ولكن ما تيز به كل واحد عن الخر هو طريقته الت مشى عليها ف ذلك‬
‫والقواعد الت قال با والت نفاها‪ ،‬وبناءً على ذلك اختلفت الذاهب والفرق‪ ،‬أمّا‬
‫أصل البحث والكلم فهو مل اتفاق مطلقا بي التقدّمي والتأخرين‪.‬‬
‫ولذلك ترى المام مالكا قد علل نيه ف النّص الثان عن الكلم ف ال‪:‬‬
‫بأ ّن قوما تكلموا ف ال فتاهوا‪ ،‬فالوف من الضّلل والغلط هو سبب النع من‬
‫الكلم‪ ،‬وليس أصل الوضوع –أعن الكلم ف ذات ال‪ -‬هو علة النّهي‪ ،‬بل‬
‫الوضوع ف ذاته يب البحث فيه ولكن لن هو متأهل لذلك‪ ،‬ولول ذلك لا‬
‫صحّ تعليله للمنع بضلل البعض‪ ،‬وعلى هذا مشى متكلموا أهل السّنة‪ ،‬فإنّهم‬
‫منعوا العامّة من الوض ف ال وصفاته إل على هدي العلماء منهم وإل اتباعا لا‬
‫قاله الحققون من أهل العلم‪ .‬ومعن هذا التعليل الذكور أنّه لو أُمن على الناس‬
‫من الغلط لا منعهم المام مالك من الكلم ف ذات ال تعال‪ ،‬وهذا هو‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫ملحظة‪:‬‬
‫قول المام مالك‪" :‬ول تكلموا فيما فوق العرش"‪ ،‬ل يستلزم أنّ ال‬
‫جالس على العرش كما يتخيله الجسّمة والشبّهة بل هو كلم من باب‬
‫الشاكلة‪ ،‬فالعرش أعلى الخلوقات وهو ميط بالعال‪ ،‬فما تته ملوق وما سواه‬
‫خالق‪ ،‬وذِك ُر الفوق هنا من باب الشاكلة لكلمة التّحت الصادقة ف حق‬
‫الخلوقي‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫‪-6‬لو كان الكلم علما لتكلم فيه الصحابة‬
‫قال السّيوطي نقلً عن المام مالك(‪" : )1‬ولو كان الكلم علما لتكلم فيه‬
‫الصّحابة والتابعون كما تكلموا ف الحكام والشّرائع‪ ،‬ولكنه باطل يدل على‬
‫باطل" اهص‪.‬‬
‫الصّحابة والتّابعون وردت عنهم كلمات عديدة ف التوحيد والفقه‪،‬‬
‫صحيح أن ما ورد عنهم ف الفقه أكثر‪ ،‬ولكن هذا ليس ل ّن التوحيد ل يوز‬
‫الكلم فيه‪ ،‬ول لنّ الفقه أهم‪ ،‬بل لنّ الشكلت العملية الت كانت تدث ف‬
‫زمانم أكثر فذلك استدعى كثرة كلمهم ف الفقه وزيادته على كلمهم ف‬
‫التّوحيد والعقائد‪ ،‬وهذا لنّهم كانوا ل يزالون متثبّتي على أصول العقائد فلم‬
‫يكن الزّمان الذي يفصلهم عن النّب عليه الصّلة والسّلم كبيا‪.‬‬
‫فإن كان القصود من العبارة أنّهم ل يتكلموا ف العقيدة مطلقا فهي‬
‫عبارة باطلة‪ ،‬وإن كان القصود أنّهم ل يصنّفوا ف التّوحيد كتبا ول يضعوا له‬
‫أبوابا فكذلك الفقه‪ ،‬وإن كان القصود زيادة كلمهم ف الفقه على كلمهم ف‬
‫التوحيد فهو مسلّم ول يعارِض القصود‪ ،‬فل يستلزم كون الكلم ف التوحيد‬
‫باطلً ول منهيا عنه‪ ،‬بل الكلم فيه إنّما يكون بسب الاجة‪ ،‬وهذا الذي نقول‬
‫به نن أيضا‪.‬‬
‫ويكن أن تمل هذه العبارة على ممل قريب‪ ،‬وهو أ ّن القصود من‬
‫الكلم هو الكلم الفاسد الذي يقوم على أصول باطلة‪ ،‬ل ّن المام مالكا‬
‫‪ )(1‬صون النطق‪ ،‬ص‪,85-84‬‬

‫‪191‬‬

‫أوردها ف حال ذم أصحاب عمرو بن عبيد العتزل وإن كان لفظها عامّا‪،‬‬
‫وعلى كل الحوال لو تعذّرت جيع هذه الوجوه لكمنا ببطلنا قطعا‪.‬‬
‫‪-7‬النب عليه السلم ل يادل الناس إل بالتنبزيل ل بالقاييس‬
‫وقد نقل المام السّيوطي كلما للحارث الحاسب من كتابه الرعاية(‪ )1‬يقول‬
‫فيه‪:‬‬
‫"ث هو ف نفسه صلى ال عليه وسلم قد بعث إل جيع أهل الديان‪،‬‬
‫فما جاد لم إل با تلى عليهم من التّنصزيل‪ ،‬ولو شاء كلّمهم بالقاييس ودقيق‬
‫الكلم‪ ،‬ولو كان ذلك هدى كان أول به وعليه أقوى‪ ،‬فلم تقم عليهم الجة‬
‫إل بالتنصزيل وضرب عن جدلم بالدقائق" اهص‪.‬‬
‫هذا الكلم ف القيقة من جنس ما سبق بيانه وتفصيله‪ ،‬ولكنّنا نتكلم عليه هنا‬
‫مرة أخرى زيادة ف البيان‪.‬‬
‫إنّ من القواعد القرّرة ف علم الصول أنّ البيان يب عند الاجة ل‬
‫مطلقا‪ ،‬وهذا يعن أنّ الشّارع يقتصر على قدر كاف من البيان للصلح‬
‫وصلح النّاس‪ ،‬وما زاد على ذلك من البيان والتّفصيل وإن كان حقا إل إنّه ل‬
‫يب ف حق الشّارع مطلقا إل عن الاجة لذلك‪ .‬فإذا كنّا نقول إ ّن النّب ل‬
‫يستخدم القاييس الكلمية بالشّكل العهود عند التأخرين من العلماء فإنّ ذلك‬
‫ل يستلزم مطلقا حرمة التفصيل والقتصار على ما اقتصر عليه النّب عليه السلم‬
‫لنّه إنّما اقتصر عليه لّا ل تَ ْدعُ الاجة إل الزّيادة‪ ،‬ولّا فوّض إصلح حال‬
‫‪ )(1‬صون النطق‪ ،‬ص‪.85-84‬‬

‫‪192‬‬

‫النّاس وبيان الدين إل العلماء‪ ،‬فيكون التّفصيل الزائد بالسلوب والعن راجعا‬
‫لكم العال التخصص ف هذا العلم‪ ،‬فهو الذي يعلم هل يتاج النّاس التفصيل‬
‫أم ل‪ ،‬ويكون حكمه ف ذلك هو ما فوّضه فيه النّب عليه السّلم‪.‬‬
‫فالقرآن وأساليب البهان العامّة كانت كافية ف الزّمان الول‪ ،‬وذلك‬
‫لنّ النّاس ل يكونوا يدققون ويفصّلون ف أساليب مالفة الدين‪ ،‬بل كانت‬
‫أدلتهم إجالية وشبهاتم ساذجة‪ ،‬فكانت الدلة الجالية غالبا كافية ف ردّ‬
‫مزاعمهم وإبطال أهوائهم‪ ،‬وإن كان أحيانا يلجأ القرآن إل التفصيل ف بعض‬
‫الستدللت عند الاجة إل ذلك‪ .‬ولكن التأخرين من الناس صاروا يتفنّنون ف‬
‫التيان بالشّبه القائمة على إبطال الديان وعقائد الدين‪ ،‬فلزم علماء الدين‬
‫الغوص ف تفاصيل الردود عليهم لنّ إفحام هؤلء ل يتم إل بذلك‪.‬‬
‫فالاصل أنّه لّا كان يكفي ف الردّ على الصوم ف العصور الول الدل ُة‬
‫الجالية وبعض التفصيل‪ ،‬اكتفي بذلك‪ ،‬ولكن هذا عينه يستلزم وجوب اللجوء‬
‫إل التفاصيل من الستدللت عند الحتياج إل ذلك‪ .‬وبذلك يتبي لنا وجه‬
‫الصّواب والطأ ف كلم الحاسب الذكور‪.‬‬
‫‪-8‬أبو سليمان الطاب وموقفه من علم الكلم‬
‫نقل المام السّيوطي كلما للمام الطّاب‪ ،‬والمام أبو سليمان الطّاب من‬
‫الئمة الكبار ومن العلماء التّبعي وقد مدحه كبار علماء أهل السّنة‪ ،‬وهو كعال‬
‫متّبع ل يقدح فيه أن ندقق ف كلمه أو ف بعض جهاته فإن أحدا ل يقول‬
‫بعصمة نفسه ول بل ّو كلمه عن الغلط‪ .‬وسوف ننقل بعض ما ذكره السّيوطي‬
‫من كلم هذا المام الكبي ونعلق عليه با يوضحه ويبي مرادنا وجهة قولنا‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫إن المام الطّاب من متكلمي أهل السّنة الذين يتمسكون بطريقة معينة‬
‫من النّظر العقلي ف سبيل إثبات النّبوات والتّوحيد وأصول الدين‪ ،‬ول شك أنّه‬
‫توجد طرق عديدة لذلك‪ ،‬وإن اختار بعض النّاس بعضها فل عليه من ذلك‪،‬‬
‫ولكن ليس له أن ينع غيه من اختيار غيها‪ .‬أمّا أن يزم بصحّة طريقته‬
‫ويرجّحها على غيها فل ريب ف جواز ذلك وصحته‪ ،‬وإل لا لزمه اختيارها‬
‫وهذا هو حال المام الطّاب رحه ال‪.‬‬
‫والطّاب يعترض ف أول رسالته السمّاة "بالغُنية على بعض أهل الكلم‬
‫الخالفي للسّنة"‪ ،‬ول أعتقده ينتقد متكلمي أهل السّنة‪ ،‬بل ل ريب ف توجه‬
‫انتقاده على متكلمي العتزلة وغيهم الذين اشتطوا ف تكماتم وتصرفاتم ف‬
‫معان الكتاب والسّنة وكان أكثر الذين يواجهونم ف عصر الطّاب من أهل‬
‫السّنة غي متمكني بعد من أصول الدل والبهان‪ ،‬ولذلك كان أولئك‬
‫يستعلون عليهم‪ ،‬وكان هؤلء ل يدون أمامهم إل التّمسك بظواهر العقل‬
‫والشّريعة‪ ،‬وما ينقدح ف نفوسهم مّا كان تواتر إليهم عمّن سلفهم‪ ،‬ولك ّن هذه‬
‫الطريق إن نفعت وصلحت للعامّة‪ ،‬فإنّها بجردها ل تصلح للخاصة‪ ،‬فإن هؤلء‬
‫ل تنحن رؤوسهم إل للبحث الدقق والكلم الرتب البن على أصول العقل‬
‫القعّد والنطق السليم‪ ،‬ل مرد الطابيات والشعريات‪ .‬وهذا ما أدركه متكلموا‬
‫أهل السّنة على اختلف طبقاتم‪ ،‬أدركوا أ ّن النّاس ل يليق بم جيعا مستوى‬
‫واحد من مستويات الطاب‪ ،‬بل لبُدّ من اختلف الستويات باختلف‬
‫مراتبهم العلمية‪ ،‬فالطاب الوجّه إل الاصّة ل يوز أن يكون نفس الطاب‬
‫الوجّه إل العوام وهكذا‪ .‬وربا يكون أكب أغلط العتزلة الوائل أنم أرادوا‬
‫إلزام العامّة من الحدّثي بل وعوام النّاس أجعي‪ ،‬با استنبطوه من قواعد‬

‫‪194‬‬

‫وعقليات وكليات‪ ،‬ول يفرقوا ف إلقائهم للحكام العقائدية بي مستويات‬
‫الناس واختلف مداركهم العقلية وهذا ما لحظه المام أبو السن الشعري‬
‫وتبعه عليه أصحابه وأتباعه بعد ذلك‪ ،‬ولذلك فقد قَبِل مذهبهم – أي‬
‫مذهب الشاعرة – الاصة والعامّة‪.‬‬
‫وهكذا فإن المام الطّاب يعترض على أولئك التكلمي الذين يبون‬
‫العامّة والاصّة على لزوم اتباع دليل معي من دلئل التوحيد وأصول الدين‪،‬‬
‫ويدّعون حصر طريق الوصول إل ذلك بدليلهم الذي استنبطوه وطرقهم الت‬
‫رتّبوها‪ .‬وهذه طريقة باطلة كما أشرنا سابقا‪ ،‬وهذه هي الفكرة الساسية الت‬
‫ردّ عليها المام الطّاب ف هذه الرّسالة‪.‬‬
‫إذن رسالة الغنية ليست موضوعة لبطال أصل علم الكلم من جذوره‬
‫والكم عليه بالبطلن‪ ،‬بل القصود منها إنّما هو الرّد على طرق بعض‬
‫التكلمي‪ ،‬وهؤلء التكلمون أرادوا حصر طرق النّظر للعامّة والاصّة بطريقتهم‬
‫الت ابتكروها‪ ،‬والطاب يرد عليهم ف ذلك ويذكر طرقا أخرى يكن للعامّة أن‬
‫يسيوا عليها تغنيهم عن اتباع طرق هؤلء‪ ،‬ومن هنا جاء اسم الرّسالة "الغنية‬
‫عن الكلم وأهله" وقد ظ ّن كثي من النّاس أنّ المام الطّاب يريد من هذه‬
‫الرسالة إبطال أصل البحث ف علم الكلم‪ ،‬وهذا الظنّ باطل كما قلنا‪ ،‬وسوف‬
‫ترى تفصيل ذلك بعد قليل من كلم الطّاب‪ ،‬وهذا مازعمه ابن تيمية ف أكثر‬
‫من موضع ف كتبه‪ ،‬زعم أنّ الطّاب يردّ على أصل طريقة التكلمي ف هذه‬
‫الرّسالة‪ ،‬والقيقة أنّ الطّاب يردّ على من حصر دلئل التّوحيد من التكلّمي ف‬
‫دليل واحد‪ ،‬وفرق عظيم بي ما ادعاه ابن تيمية وبي ما أراده الطّاب كما‬
‫ترى‪ .‬ومّن ظنّ هذا المر أيضا المام السّيوطي‪ ،‬فلذلك أورد رسالة الطّاب‬

‫‪195‬‬

‫كشاهد نفي لصحّة علم الكلم مطلقا وهو مطئ ف ذلك أيضا‪ ،‬وأغلب الظ ّن‬
‫أ ّن هذا الفهم قد تسرّب إليه من قراءته لكتب أبن تيمية وتأثّره به ف موقفه من‬
‫النطق والكلم‪ ،‬ولو عرف السّيوطي حقيقة ما يدعو إليه ابن تيمية لتوقف كثيا‬
‫قبل أن يندفع ف هذا التاه‪.‬‬
‫والشاهد على ما فهمناه من كلم الطّاب ما قاله(‪" :)1‬قلنا إنّنا ل ننكر‬
‫أدلّة العقول والتوصل با إل العارف‪ ،‬ولكنا ل نذهب ف استعمالا إل الطّريقة‬
‫الت سلكتموها ف الستدلل بالعراض وتعلقها بالواهر‪ ،‬وانقلبا فيها على‬
‫حدوث العال وإثبات الصّانع‪ ،‬ونرغب عنها إل ما هو أوضح بيانا وأصح‬
‫برهانا"اهص‪ .‬إذن السألة عند الطّاب تتركز ف الطريق الذي يتاره للستدلل‬
‫على مطلوبه‪ ،‬هو ل يقول ببطلن هذه الطريقة وهي طريقة الستدلل على‬
‫حدوث العال بشاهدة العراض القائمة ف الواهر‪ ،‬نعم هو ل يقول ببطلنا‬
‫كما سنلحظ‪ ،‬ولكن يرغب عنها إل ما هو أوضح منها عنده‪ ،‬وف حكم‬
‫العامّة‪ ،‬وهذا السلك ل غبار عليه ول يترتب عليه شيء مطلقا بل ربا نقول به‬
‫نن أيضا ف حق العوام‪ .‬ولكنّ السألة عنده هي ف إياب معرفة هذا الدليل‬
‫على التّعيي على جيع النّاس‪ ،‬وادعاء أنّ صحة اليان ل يُتوصل إليها إل به‪،‬‬
‫هذا هو الباطل عنده ول ريب ف عدم صحته عندنا أيضا‪.‬‬
‫والطريق الت يتارها الطّاب للوصول إل أصول التوحيد أشار إليها ف‬
‫قوله(‪" : )2‬فأمّا مثبتو النّبوات‪ ،‬فقد أغناهم ال تعال عن ذلك وكفاهم الؤونة ف‬
‫ركوب هذه الطّريقة النعرجة الت ل يؤمن العنت على راكبها والنقطاع على‬
‫‪ )(1‬صون النطق‪ ،‬ص‪. 94‬‬
‫‪ )(2‬صون النطق‪ ،‬ص‪. 95‬‬

‫‪196‬‬

‫سالكها"اهص‪ .‬فهذه الطريقة صعبة بالقارنة مع ما يتاره من اتباع طريقة النّقل‬
‫والنّظر ف النّبوات‪ ،‬وهذا صحيح بل ريب‪ ،‬فإن من ثبت عنده نبوة النب‬
‫بالعجرة‪ ،‬سهل عليه بعد ذلك أخذ سائر قواعد التّنصزيه وأحكام التّوحيد من‬
‫النبياء مباشرة‪ ،‬ول يضطر إل النّظر العقلي ف الدلة والباهي‪.‬‬
‫وسائر كلم الطّاب بعد ذلك متوجه على من اشترط ف التّوحيد سلوك‬
‫طريقة الواهر والعراض فجعلها شرطا هو الباطل‪ ،‬بل يكن الوصول من غي‬
‫طريقها ولذلك قال‪:‬‬
‫"إذ ل خلف بي فرق المّة أنّ تأخي البيان عن وقت الاجة ل يوز بال‪،‬‬
‫ومعلوم أنّ أمر التّوحيد وإثبات الصّانع ل تزال الاجة ماسة إليه أبدا ف كل‬
‫وقت وزمان‪ ،‬ولو أخّر عنه البيان لكان التكليف واقعا با ل سبيل للنّاس إليه‪،‬‬
‫وذلك فاسد غي جائز‪ ،‬وإذا كان المر على ما قلناه وقد علمنا يقينا أنّ النّب‬
‫صلى ال عليه وسلم ل يدعهم ف أمر التوحيد إل الستدلل بالعراض وتعلقها‬
‫بالواهر وانقلبا فيها إذ ليكن أحد من الناس أن يروى عنه ول عن أحد‬
‫أصحابه من هذا النّمط حرفا واحدا فما فوقه‪ ،‬ل من طريق تواتر ول آحاد‪،‬‬
‫عُلم أنّهم قد ذهبوا خلف مذهب هؤلء وسلكوا غي طريقتهم‪".‬اهص‪.‬‬
‫وهذا الكلم صحيح ل ريب فيه‪ ،‬وأما الطريقة الت يتارها الطّاب ف السلوك‬
‫إل هذا القصد فهي "ثبوت النبوة بالعجزات الت أوردها نبيهم من كتاب قد‬
‫أعياهم أمره وأعجزهم شأنه وقد تداهم به‪ ،‬وبسورة من مثله وهم العرب‬
‫الفصحاء والطباء والبلغاء‪ ،‬فكل عج َز عنه ول يقدر على شيء منه بوجه‪ ،‬إما‬
‫بأن ل يكون من قواهم ول من طباعهم أن يتكلموا بكلم يضارع القرآن ف‬
‫جزالة لفظه وبديع نظمه وحسن معانيه‪ ،‬وإمّا أن يكون ذلك ف وسعهم وتت‬

‫‪197‬‬

‫قدرتم طبعا وتركيبا ولكن مُنعوه وصُرفوا عنه ليكون آية لنبوّته‪ ،‬وحجّة عليهم‬
‫ف وجوب تصديقه‪ ،‬وإمّا أن يكون إنّما عجزوا عن علم ما جُمع ف القرآن من‬
‫أنباء ما كان والخبار عن الوادث الت تدث وتكون‪ ،‬وعلى الوجوه فالعجز‬
‫موجود‪ ،‬والنقطاع حاصل "‬
‫وأشار بعدد ذلك إل سائر العجزات الت ظهرت على يد النّب عليه السّلم‪.‬‬
‫وأمّا التوحيد فيتوصلون إليه عن طريق النّظر ف النفس وف الفاق "وما أشبه‬
‫ذلك من جلل الدلة‪ ،‬وظواهر الجج الت يدركها كافة ذوي العقول وعامّة‬
‫من يلزمه حكم الطاب مّا يطول تتبّعه واستقراؤه‪ ،‬فعند هذه الوجوه ثبت‬
‫عندهم أمر الصّانع وكونه‪ ،‬ث تبينوا وحدانيته وعلمه وقدرته با شاهدوه من‬
‫اتساق أفعاله على الكمة واطّرادها ف سبلها وجريها على إدللا‪ ،‬ث علموا‬
‫سائر صفاته توقيفا عن الكتاب النصزل الذي بان حقه‪ ،‬وعن قول النّب صلى‬
‫ال عليه وسلّم الرسل الذي قد ظهر صدقه"(‪ )1‬اهص‪.‬‬
‫هذه هي الطّرق الت يقترحها الطّاب‪،‬وهي كما ترى طرق صحيحة‬
‫تتميز بسهولتها ومباشرتا وإمكانية إدراكها من قبل جيع مستويات النّاس‪ .‬ول‬
‫ريب أنّ من كفت عنده هذه الطرق فل يلزمه غيها‪ ،‬ولكن نقول نن إنّ‬
‫حصر الطرق ف هذه الت ذكرها الطّاب ل يوز أصلً إذ ل دليل على الصر‪،‬‬
‫بل على الكفاية‪ ،‬وكما منعنا أن تنحصر الطرق بطريقة الواهر والعراض‬
‫فكذلك ننع حصرها با ذكره الطّاب‪ .‬ونقول كل الطريقتي صواب واتباعهما‬
‫صحيح‪.‬‬

‫‪ )(1‬الرجع السابق‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫وقد ذكر الطّاب وجوه اعتراضه على طريقة الواهر والعراض بأ ّن‬
‫التعلق با "إمّا أن يكون عسرا‪ ،‬وإما أن يكون تصحيح الدللة من جهتها عسرا‬
‫متعذّرا"(‪ )1‬وعلل ذلك بكثرة اختلف الناس ف العراض ث قال "والطريقة الت‬
‫سلكناها سليمة من هذه الفات بريئة من هذه العيوب"(‪ )2‬إذن فالمام الطّاب‬
‫يريد طريقة سهلة بسيطة موصلة إل الطلوب‪ ،‬وينع حصر الطّرق إل معرفة ال‬
‫تعال بطريقة الواهر والعراض‪ ،‬وهذا كله حسن ل اعتراض عليه‪.‬‬
‫ونن نعلم أن علماء السّنة ل يوجبوا على عامّة النّاس أكثر من مثل‬
‫الطريقة الت اقترحها الطّاب رحه ال‪ ،‬وقالوا بكفايتها ف اليصال‪ ،‬وهو‬
‫ماعبوا عنه بالدّليل الجال وقالوا بكفايته ف الدّللة إل الطلوب ف حق‬
‫العامّي‪ .‬وقالوا أيضا أنّ طريقة العراض ليست سهلة‪ ،‬وذكروا العتراضات الت‬
‫وجهها الخالفون لا وردوا على هذه اليرادات وصحّحوا طريقة الواهر‬
‫والعراض معترفي بالصّعوبات الت تعترضها‪ ،‬وصرحوا بأن هذه الطريقة‬
‫صحيحة ولكنّها غي واجبة التباع‪ ،‬بل أي طريق آخر موصل إل حدوث العال‬
‫فهو كافٍ شافٍ‪ .‬ولكنّهم اهتموا بذه الطّريقة لعموم اللّوازم الت تلزم عنها‪،‬‬
‫فإنّه يلزم عنها إثبات جيع الصّفات السّلبية والقدرة والعلم والرادة والياة‪،‬‬
‫فمعظم مطالب التّوحيد لزمة عنها‪ ،‬ولذا فقد حاولوا جهدهم الهتمام با‬
‫وتصحيحها ونقد ما يعترضها من شكوك‪.‬‬
‫والاصل أنّه ل يوجد خلف مطلقا بي ما يقول به الطّاب وما التزم‬
‫به أهل السّنة من التكلمي بل طريقتهما واحدة‪ ،‬واللل إنّما هو ف اعتقاد أنّ‬
‫‪ )(1‬الرجع السابق ص‪. 98‬‬
‫‪ )(2‬الرجع السابق ص‪. 98‬‬

‫‪199‬‬

‫ما قاله الطّاب يلزم عنه نفي علم الكلم مطلقا‪ ،‬والقيقة أنّ ما يلزم عنه إنّما‬
‫هو نفي طريقة فاسدة من طرق بعض التكلمي‪ ،‬وهذا يوافقه عليه علماء السنة‪.‬‬
‫وباقي كلم الطّاب رحه ال ل نالف فيه ول نعقب عليه هنا‪.‬‬
‫‪-9‬دع الراء والدل‬
‫ونقل(‪ )1‬المام السّيوطي عن الجري ف كتاب الشّريعة عن وهب بن منبّه قال‪:‬‬
‫دع الِراء والِدال فإنّك بي رجلي‪ ،‬رجل هو أعلم منك فيكف تاري وتادل‬
‫من هو أعلم منك‪ ،‬ورجل أنت أعلم منه فيكف تاري وتادل من أنت أعلم‬
‫منه ول يطيعك‪ .‬ث قال الجري‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬فإن جاء رجل قد علّمه ال‬
‫علما‪ ،‬فجاءه رجل يسأله مسألة ف الدّين ينازعه فيها وياصمه‪ ،‬ترى له أن‬
‫يناظره حت يُثبت عليه الجّة ويردّ عليه قوله‪ ،‬قيل له‪ :‬هذا الذي نينا عنه وهذا‬
‫الذي حَذّ َرنَاه مَنْ تقدم من أئمة السلمي‪ ،‬فإن قال فماذا يصنع؟ قيل له‪ :‬إن‬
‫كان الذي يسألك مسألة مسترشدا إل طريق ال ّق ل مناظرا فأرشده بألطف ما‬
‫يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسّنة وقول الصّحابة وقول أئمّة السلمي‪،‬‬
‫وإن كان يريد مناظرتك ومادلتك فهذا الذي كره لك العلماء فل تناظره‬
‫واحذره على دينك كما قال من تقدم من أئمة السلمي إن كنت لم متبعا‪،‬‬
‫فإن قال‪ :‬فندعهم يتكلمون بالباطل ونسكت عنهم‪ ،‬قيل له‪ :‬سكوتك عنهم‬
‫وهجرتك لا تكلموا به أشدّ عليهم من مناظرتك لم‪ .‬كذا قال من تقدّم من‬
‫السّلف الصّال من علماء السلمي"اهص‪.‬‬

‫‪ )(1‬صون النطق والكلم‪ ،‬ص‪. 121‬‬

‫‪200‬‬

‫وهذا الكلم ف الملة ل تعليق عليه ول زيادة إل ف نقطتي الول‪:‬‬
‫منعه الناظرة مطلقا وهذا مالف لمر ال تعال (وجادلم بالت هي أحسن) وما‬
‫كانت عليه سية النبياء والرسل من ماججة أقوامهم ومن يالفهم‪ ،‬فمن الذي‬
‫يستطيع بعد ذلك أن يرّم الناقشة والناظرة مطلقا‪.‬‬
‫وأما النقطة الثانية‪ :‬فإن هجرة الواحد للمبتدع ربا تكون مؤثرة فيه‬
‫تأثيا حسنا وربا ل تكون كذلك‪ ،‬فإن كان أهل السنة أكثر عددا والق‬
‫منتشر فربا تكون الجرة والسكوت عن الناظرة أول‪ ،‬وهذا ليس على‬
‫الطلق‪ ،‬بل إننا نتمله مرد احتمال‪ ،‬وربا تكون هجرته والسكوت عن‬
‫مناظرته سببا ف تقويته ونشر بدعته بي العامة الذين ربا يغترون بثرثرته‬
‫ومباهاته‪ ،‬وهذا ما حصل عندنا ف هذا الزمان عندما نرفّع كثي من مشايخ أهل‬
‫السنة عن مناقشة الصوم ظاني أن تسليم عامة الناس لم كاف ف ر ّد بدعة‬
‫البتدع‪ ،‬ول يعرفوا أن العوام إنا هم تَبع لن يؤثر فيهم‪ ،‬وربا غفلوا عن أن‬
‫تسليم العامة لهل السنة ل يكن إل عن جهود عظيمة قام با علماء السنة‬
‫الحققي‪ ،‬وما كان مرد السكوت يوما مؤثرا ف الناس كالكلم إل إذا كان‬
‫دال ومؤثرا كالكلم‪ ،‬وغالبا ما يتوهم الناس ف التكلم الذي يتحدى غيه أنه‬
‫على الق يلك الدليل القوى‪ ،‬وربا يؤدي اغترارهم به بعد زمان إل انرافهم‬
‫معه وتركهم لهل الق الساكتي‪ ،‬فالساكت عن الق شيطان أخرس‪ ،‬وما‬
‫كان السكوت يوما والصمت مقصودا لذاته وإل اندمت أساس دعوة النبياء‬
‫من التبليغ للخلق ودعوة اللق إل الق‪ .‬ولا سكت كثي من مشايخ السنة ف‬
‫هذا الزمان عن مناقشة البتدعة من الجسمة التستّرين بالسلف والكتاب‬

‫‪201‬‬

‫والسنة‪ ،‬انتشر هؤلء بي العوام والواص مستغلي سكوت أولئك وترفعهم عن‬
‫النصزول إل ماطبتهم‪.‬‬
‫وما كان أحكم المام أبا السن الشعري عندما سأله بعض الناس عن‬
‫سبب ذهابه إل مواضع العتزلة لناقشتهم فقال‪" :‬إن هؤلء هم أهل السلطان‪،‬‬
‫فل ينصزلون إلينا لناقشتنا فإن ل نذهب إليهم لنبطل كلمهم ف حصونم‪،‬‬
‫فكيف يعرف الناس الق؟‬
‫صّف‬
‫وهاك مصا ذكره القاضصي عياض فص ترجتصه للشعري قال (‪": )1‬وص ن‬
‫لهل السنة التصانيف‪ ،‬وأقام الجج على إثبات السنة‪ ،‬وما نفاه أهل البدع من‬
‫صفات ال تعال ورؤيته وقِدَ ِم كلمه وقدرته وأمور السمع الواردة من الصراط‬
‫واليزان والشفاعة والوض وفتنة القب الت نفت العتزلة وغي ذلك من مذاهب‬
‫أهل السنة والديث‪ ،‬فأقام الجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلئل‬
‫الواضحة العقلية‪ ،‬ودفع شبه البتدعة ومن بعدهم من اللحدة والرافضة‪ ،‬وصنف‬
‫فص ذلك التصصانيف البسصوطة التص نفصع ال باص المصة‪ ،‬وناظصر العتزلة‪ ،‬وكان‬
‫يقصدهم بنفسه للمناظرة‪ ،‬وكلم ف ذلك‪ ،‬فقيل له‪ :‬كيف تالط أهل البدع وقد‬
‫أُمرتَ بجرهم ‪-‬وكان أمرهم ف ذلك الوقت شائعا وكلمتهم غالبة‪ -‬فقال‪ُ :‬همْ‬
‫أهل الرياسة‪ ،‬وفيهم الوال والقاضي‪ ،‬فهم لرياستهم ل ينبزلون إلّ‪ ،‬فإن ل‬
‫َنسِ ْر إليهم فكيف يظهر ال ّق ويعلم أن لهله ناصرا بالجة(‪)2‬؟‬
‫ترتيب الدارك‪.)5/24( ،‬‬
‫‪) (1‬‬
‫انظر إل هذه الكلمة عظيمة العن الصادرة عن هذا المام‪ ،‬فمع أن العتزلة كانوا ف تلك‬
‫‪) (2‬‬
‫اليام هم الغالبي على غيهم‪ ،‬وهم أصحاب الاه والسلطة‪ ،‬إل أن هذا مع ما يلزمه عادة من قدرتم‬
‫على مقاومة خصومهم‪ ،‬ل يُثْنِ هذا المام عن أن يتوجه إليهم بنفسه ويطلب مناظرتم‪ ،‬لن شخصيته‬
‫القوية وإخلصه ف نصرة هذه العقيدة ل يوزا له التقاعس والتعلل بسلطانم للقعود عن ماطبتهم‬

‫‪202‬‬

‫بثل هذا النهج انتشر مذهب أهل السنة‪ ،‬ل بالسكوت عن مناقشتهم‪ ،‬ول ريب‬
‫أن هذا السلك أقرب إل هدى القرآن وأحكامه‪.‬‬
‫وقد علل الجري موقف السكوت با نقله عن ابن عباس قال‪ :‬ل‬
‫تالس أهل الهواء فإن مالستهم مرضة للقلوب(‪ .)1‬ث قال بعد ذلك‪ :‬فإن قال‬
‫قائل فلم ل أناظره وأجادله وأرد عليه قوله‪ ،‬قيل له‪ :‬ل يؤمن عليك أن تناظره‬
‫وتسمع منه كلما يفسد عليك قلبك ويدعك بباطله الذي زين له الشيطان‬
‫فتهلك أنت(‪ )2‬اهص‪ .‬فالوف من الناظرة وترجح موقف السكوت هو تأثر‬
‫الناظر بكلم من يناظره‪ ،‬ولكن واضح عند من يعقل أن الناظر إذا كان أهلً‬
‫لذلك متمكنا من أصول النظر ذكي الفؤاد فإنه ل ينصزلق إل هذه الزالق‪ ،‬وإل‬
‫فإن أدّاهُ نظره وعقله وإدارته للدلة إل ترجيح قول خصمه فعليه الخذ به‬
‫مطلقا‪ ،‬لنّ هذا هو الواجب الذي أوجبه عليه ال تعال‪.‬‬
‫ثّ نقول بعد ذلك كله‪ :‬إن الوف من تأثر الناظر بصمه ل يوز أن يكون علة‬
‫وسببا لنع أصل الناظرة وترجيح موقف الجر والسكوت‪ ،‬بل الواجب حينئذ‬
‫أن توضع قيود للنظر والناظر‪ ،‬للحد من ذلك وهذا هو بالضبط ما فعله علماؤنا‬
‫التقدمون من متكلمي أهل السنة‪ ،‬إذ ل يسمحوا لحد من ل يتمكن من العلوم‬
‫وإفحامهم‪ ،‬وبيان أغلطهم‪ ،‬وهذا المر هو الذي وقع فيه كثي من مشايخ أهل السنة ف هذا الزمان‬
‫مع الجسمة الذين انن الناس لسلطانم ف هذا الزمان‪ ،‬وصار هؤلء الشايخ يتعللون بأن هؤلء‬
‫الجسمة لم الغلبة والسلطان وربا يؤذوننا‪ ،‬هذا الكلم كان مبرا لم للكف عن بيان أغلط هؤلء‪،‬‬
‫بينما نرى المام الذي ينتسبون إليه رآه موجبا للقيام عليهم والبالغة ف البانة عن أغلطهم‪( .‬نقل عن‬
‫بث ل غي منشور)‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص ‪.122‬‬
‫‪ )(2‬صون النطق ص‪124‬‬

‫‪203‬‬

‫ومن آلت النظر والجتهاد والستدلل النظر والناظرة فل يوز للعامي أن‬
‫ف عليه الوقوع ف التأثر برأي خصمه أما‬
‫يناظر‪ ،‬بل العامي هو الذي يُخا ُ‬
‫الجتهد التمكن فإنا يصدع للدليل القوى سواءُ أكان قوله ودليله أم دليل‬
‫خصمه‪ ،‬وهذا هو الصواب‪.‬‬
‫وهذا العن الحذور من موقف السكوت والجر قد تت الشارة إليه ف‬
‫ل عن المام ابن عبد الب‬
‫خب آخر ذكره السيوطي أيضا عن مالك بن أنس نق ً‬
‫وهانن نوردها هنا ونعلق على بعض مواضع منها‪.‬‬
‫"قال مصعب بن عبد ال الزبيي‪ :‬كان مالك بن أنس يقول الكلم ف‬
‫الدين أكرهه‪ ،‬ول يزل أهل بلدنا يكرهونه‪ ،‬وينهون عنه نو الكلم ف رأي‬
‫جهم والقدر وما أشبه ذلك‪ ،‬ول أحب الكلم إل فيما تته عمل‪ ،‬فأما الكلم‬
‫ل لن رأيت أهل بلدنا ينهون عن‬
‫ف الدين وف ال عز وجل فالسكوت أحب إ ّ‬
‫الكلم ف الدين إل فيما تته عمل(‪".)1‬اهص‪.‬‬
‫أقول‪ :‬إن قصد المام مالك أن الكلم ف الدين مطلقا مذموم فهو كلم‬
‫غي صحيح ول يسلم له‪ ،‬لن ثلث القرآن ف الكلم ف ال تعال وف توحيده‬
‫وف نفي ما نسبه اليهود والنصارى والشركون إليه عز شأنه‪ ،‬وف بيان العقائد‬
‫الصحيحة التعلّقة به‪ .‬فل يكن حل كلم مالك على هذا العن وإل لزم مالفته‬
‫لصريح القرآن‪ ،‬فيلزم أن يمل على التدقيقات والغوص فيما ل أمل ببلوغه من‬
‫حقيقة الذات ونو ذلك‪ ،‬وإذا كان المر كذلك فهو صحيح مطلقا‪ ،‬وهذا‬
‫يوضح تعليله لوقف السكوت بأنه ل يب الكلم إل فيما تته عمل‪ ،‬فعلل‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 135‬‬

‫‪204‬‬

‫ذلك بترتب العمل وعدم ترتبه عليه‪ ،‬ومعلوم أن مرد الكلم ف إثبات أصول‬
‫الدين والتوحيد يترتب عليه أعظم العمل كالكلم ف إثبات وجوده تعال خلفا‬
‫لن ينكره‪ ،‬والكلم ف إثبات صفاته العلية لن يلحد ف أسائه وصفاته‪ ،‬والكلم‬
‫ف القضاء والقدر وعدم وجوب شيء عليه جلّ شأنه‪ ،‬والكلم ف جواز النّبوات‬
‫من حيث ذاتا وعدم وجوب إرسال الرسل على ال تعال والكلم ف الثواب‬
‫والعقاب واليوم الخر‪ ،‬فهذا كله كلم ف أصول الدين‪ ،‬ول يوز أن يقال إنه‬
‫ل يترتب عليه العمل‪ ،‬بل إن العمل ل يترتب إل عليه‪ ،‬ولذلك وجب أن نمل‬
‫كلم مالك وغيه على ما مضى‪.‬‬
‫وعلق ابن عبد الب على كلم المام مالك فقال(‪ :)1‬قد بي مالك رحه‬
‫ال أن الكلم فيما تته عمل هو الباح عنده وعند أهل بلده‪ ،‬يعن العلماء منهم‬
‫رضي ال عنهم‪ ،‬وأخب أن الكلم ف الدين نو القول ف صفات ال وأسائه‪،‬‬
‫وضرب مثلً فقال‪ :‬نو رأي جهم والقدر والذي قاله مالك رحه ال وعليه‬
‫جاعة الفقهاء والعلماء قديا وحديثا من أهل الديث والفتوى وإنا خالف‬
‫ذلك أهل البدع العتزلة وسائر الفرق‪ ،‬وأما الماعة فعلى ما قال مالك رحه‬
‫ال‪ :‬إل إن اضطر أحد إل الكلم‪ ،‬فل يسعه السكوت إذا طمع برد الباطل‬
‫وصرف صاحبه عن مذهبه أو خشي ضلل عامةٍ أو نو هذا‪".‬اهص‪.‬‬
‫ولنا تعليقتان على كلم ابن عبد الب‬
‫الول‪ :‬أن الكلم ف التوحيد غي منوع مطلقا‪ ،‬بل إن كبار أهل السنة تكلموا‬
‫ف ذلك بل الكلم فيه واجب شرعي لنه أصل الدين‪ ،‬وتكلّ ُم الفرق البتدعة فيه‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 135‬‬

‫‪205‬‬

‫ل يستلزم سكوت أهل القّ بل تعليل وجوب وأولوية سكوت أهل الق عن‬
‫الكلم فيه بكلم أهل البدعة تعليل غالط وباطل‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬تأمل ف القيد الخي الذي ذكره ابن عبد الب‪ ،‬فإنه علل السكوت بعدم‬
‫الضطرار إل الكلم‪ ،‬ووضح كيف يكون الضطرار‪ ،‬أي إنه قال إن السكوت‬
‫هو الول إل إذا اضطر الواحد إل الكلم‪ ،‬ويضطر الواحد إل ذلك لسباب‬
‫منها‪ :‬إذا ترجح عنده أنه يستطيع الرد على الباطل وصرف صاحبه عنه‪ ،‬فإذا‬
‫كان الواحد عالا قادرا على رد البدعة والنراف فعليه أن يتكلم وهو بالضبط‬
‫ما عليه أهل السنة من علمائنا وهو موقف حكيم ومعقول‪ .‬ومعن ذلك أن‬
‫المنوع من الكلم ف التوحيد والدال فيه إنا هم العوام والهلة ل العلماء‬
‫التمكنون‪ .‬والسبب الثان الشية على العامة من الضلل وهذا ل يكون إل إذا‬
‫سادت البدعة أو انتشرت انتشارا يشى معه من انراف الناس عن الق إذا‬
‫استمر العلماء على موقف الصمت والسكوت فعند ذلك لبُدّ من الكلم‪ ،‬وهو‬
‫ما قام به أهل الق‪.‬‬
‫واللصة من ذلك إن موقف الصمت والسكوت ليس مقصودا لذاته‪ ،‬ول يلّ‬
‫البقاء عليه عند شيوع البدعة‪ .‬وأن الكلم ف التوحيد إذا كان على أصل‬
‫صحيح فهو ممود لذاته ل مذموم‪ ،‬وأن الذمّ إنا يتوجه على التكلم ل على‬
‫نفس الكلم كما إذا تكلم من ليس بأهل أو لغي أهله أو فيما ل قدرة على‬
‫بلوغه‪.‬‬
‫‪ -10‬تليل كلم أب الظفر ابن السمعان‬

‫‪206‬‬

‫وقد لص(‪ )1‬المام السيوطي أهم مقاصد كتاب "النتصار لهل الديث"‬
‫للمام أب الظفر ابن السمعان‪ ،‬وقد ذكر فيه أهم معانيه‪ ،‬وسوف نعلق نن هنا‬
‫على أهم العان الت ذكرها المام أبو الظفر ما ل نتكلم عليه سابقا أو يناسب‬
‫الكلم عليه مرة أخرى‪.‬‬
‫نقل ابن السمعان عن المام الشافعي(‪ )2‬عن طريق حرملة قال سعت‬‫الشافعي يقول‪" :‬إياكم والنظر ف الكلم فإن رجلً لو سئل عن مسألة ف‬
‫الفقه فأخطأ فيها أو سئل عن رجل قتل رجلً فقال ديّت ُه بيضه كان أكثر‬
‫شيء أن يضحك منه ولو سئل عن مسألة ف الكلم فأخطأ فيها نسب إل‬
‫البدعة"‪.‬اهص‪.‬‬
‫ث علق عليه قائلً‪" :‬فل ينبغي لحد أن ينصر مذهبه ف الفروع ث يرغب‬
‫عن طريقته ف الصول"‪.‬‬
‫إن المام الشافعي يذر من النظر ف علم الكلم لعلة ذكرها‪ ،‬وهي أن‬
‫الخطئ ف هذا العلم يسمى مبتدعا وهو ف ذلك يقارن بي الطأ ف الفقه‬
‫والطأ ف علم الكلم فيقول إن الطأ ف الفقه أسهل بكثي من الطأ ف‬
‫الكلم‪ ،‬ولذلك يترتب عنده أن التكلم ف الفقه أول من التكلم ف الكلم‪،‬‬
‫فيحذر من الكلم لذلك‪.‬‬
‫ولكن نن نعلم أن التحذير هو عبارة عن كلم موجه إل الخاطبي‪ ،‬ل‬
‫إل غيهم‪ ،‬والخاطبون إما أن يكونوا مؤهلي للخوض ف العلم العي أو غي‬
‫مؤهلي‪ ،‬فإن كانوا مؤهلي فإن التحذير من الوض ف العلم ل يكون ف مله‪،‬‬
‫‪ )(1‬ف كتاب صون النطق من ص‪ 147‬ولغاية ص‪. 183‬‬
‫‪ )(2‬ص‪ 150‬صون النطق والكلم‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫ولكن إذا وجه إليهم تذير فيجب أن يمل على َحضّهم على النتباه والهتمام‬
‫والخلص ف النظر والبحث‪ ،‬وأما غي الؤهلي فإن التحذير ممول على ظاهره‬
‫وهو النهي عن الوض ف هذا العلم وسبب النهي هو عي الخاطب أي لنه‬
‫غي مؤهل‪.‬‬
‫إننا إذا عرفنا أن علم الكلم عبارة عن العلم الذي يُبحثُ فيه عن أصول‬
‫الدين والتوحيد‪ ،‬فإن هذا العلم يستحيل أن يكون مذموما لذاته‪ ،‬فإذا توجه‬
‫تذير من الشافعي‪ ،‬فل يوز أن يمل هذا التحذير على النهي عن نفس العلم‬
‫لميع الناس لن هذا المل نفسه يبطل عبارة الشافعي للعلم أن النظر ف الكلم‬
‫بذا العن واجب وغي مرم‪ .‬إذن يب حل هذا التحذير على معن آخر وهو‬
‫التنبيه إل خطورة العلم وحض الباحث فيه على الحتياط والخلص‪ ،‬وهذا‬
‫مُسَلّم‪.‬‬
‫الن لنفرض هذه العبارة التالية‪" :‬إياك والنظر ف أصول الدين" هذه‬
‫العبارة هي نفس عبارة الشافعي ولكن نن أبدلنا "أصول الدين" مل "الكلم" ‪،‬‬
‫فلو أخذنا هذه العبارة ووجهناها إل إنسان عامي ليس مؤهلً للخوض ف هذا‬
‫العلم الليل ول يلك أدوات النظر وقلنا له‪" :‬أيها العامي إياك والنظر ف أصول‬
‫الدين" فإن هذه الملة تكون صحيحة‪ ،‬ل ّن النظر غي مقدور لذا الرجل‪ ،‬فلو‬
‫أجزنا له الوض فيه لعرّضناه ل مالة إل الزلل‪ ،‬ولذلك حذرناه فكان تذيرنا له‬
‫صحيحا‪.‬‬
‫والن لو وجهنا نفس العبارة إل عال متمكن كالمام علي بن أب‬
‫طالب أو المام أب حنيفة أو المام الرازي أو غيهم من شهد لم بالعلم ف‬
‫هذا الجال وقلنا لؤلء‪" :‬إياكم والنظر ف أصول الدين" فل شك أن الستمعي‬

‫‪208‬‬

‫لذه العبارة سوف يستغربون من هذا التحذير‪ ،‬ويقولون بل هؤلء الذكورون‬
‫يب عليهم النظر ف أصول الدين ول يوز منعهم منه لنم متمكنون من ذلك‬
‫ومؤهلون له وإذا ل ينظروا هم فمن يقوم بذا الواجب غيهم‪.‬‬
‫اتضح بذا التقريب أن تذير المام الشافعي موجّهٌ إل غي الؤهلي ول يوز‬
‫حله على إطلقه لا يلزم عنه من بطلن‪.‬‬
‫وما دام المر كذلك‪ ،‬فل يوز القول بأن مذهب الشافعي هو ذم علم‬
‫الكلم وأهله على الطلق‪ ،‬بل مذهبه هو ذم التكلم فيما ل حاجة به‪ ،‬أو الذي‬
‫يتكلم وهو غي مؤهل للخوض ف هذا العلم‪ ،‬أو الذي يريد بالكلم إضلل‬
‫اللق‪ .‬وهذا هو مذهب أهل السنة‪ .‬وجيع النصوص الت وردت عن المام‬
‫الشافعي ف ذم الكلم والتكلمي تمل كما أشرنا من قبل على أناس مصوصي‬
‫أو حالت مصوصة‪.‬‬
‫وقد فهم ابن السمعان أن مذهب الشافعي هو النع مطلقا من علم‬
‫الكلم وذم من يبحث فيه وهذا الفهم غي صحيح‪ ،‬فطريقة الشافعي ف الصول‬
‫هي ما ذكرناه‪ ،‬ولذلك فإن أكثر علماء الشافعية ساروا على هذا النهج‪ ،‬ول‬
‫يفهموا من الشافعي أنه حرم عِلْ َم الكلم فلذلك كان أكثر الشافعية متكلمي‬
‫وعلماء ف الصول الدينية كما هم علماء ف الفروع الفقهية وقد أورد ابن‬
‫السمعان سؤالً على لسان الؤيدين لعلم الكلم وأجاب عليه‪ ،‬وسوف نسوق‬
‫إليك كلمه ف هذا كله ونعلق عليه با تيسّر‪ .‬قال رحه ال(‪:)1‬‬
‫"سؤال من أهل الكلم‪:‬‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 157‬‬

‫‪209‬‬

‫قالوا‪ :‬إن قولكم إن السلف من الصحابة والتابعي ل يشتغلوا بإيراد‬
‫دلئل العقل والرجوع إليه ف علم الدين‪ ،‬وعدوا هذا النمط من الكلم بدعة‬
‫فكما أنم ل يشتغلوا بذا‪ ،‬كذلك ل يشتغلوا بالجتهاد ف الفروع‪ ،‬وطلب‬
‫أحكام الوادث‪ ،‬ول ير َو عنهم شيء من هذه الُقايسات والراء والعلل الت‬
‫وضعها الفقهاء فيما بينهم‪ ،‬وإنا ظهر هذا بعد زمان أتباع التابعي‪ ،‬وقد‬
‫استحسنه جيع المة‪ ،‬ودونوه ف كتبهم فل ينكر أن يكون علم الكلم على‬
‫هذا الوجه‪ ،‬وقد قال النب صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما رآه السلمون حسنا فهو‬
‫عند ال حسن‪ ،‬وما رآه السلمون قبيحا فهو عند ال قبيح‪ .‬وهذا ما رآه‬
‫السلمون حسنا فهو مستحسن عند ال‪ .‬والبدعة على وجهي بدعة قبيحة‬
‫وبدعة حسنة‪ ،‬قال السن البصري‪ :‬القصص بدعة‪ ،‬ونعمت البدعة‪ .‬كم من أخ‬
‫يستفاد ودعوة مابة وسؤال معطى‪ .‬وعن بعضهم أنه سئل عن الدعاء عند ختم‬
‫القرآن كما يفعله الناس اليوم‪ .‬قال‪ :‬بدعة حسنة‪ .‬وكيف ل يكون هذا النوع‬
‫من العلم حسنا وهو يتضمن الرد على اللحدين والزنادقة القائلي بقدم العال‪،‬‬
‫وكذلك أهل سائر الهواء من هذه المة‪ ،‬ولول النظر والعتبار ما عرف الق‬
‫من الباطل والسن من القبيح‪.‬‬
‫وبذا العلم انصزاحت الشبهة عن قلوب أهل الزيغ وثبت قَ َد ُم اليقي‬
‫للموحدين‪ .‬وإذا منعتم أدلة العقول فما الذي تعتقدون ف صحّة أصول دينكم‪.‬‬
‫ومن أي طريق تتوصلون إل معرفة حقائقها‪ ،‬وقد علم الكل أن الكتاب ل يُعلم‬
‫حقه والنب صلى ال عليه وسلم ل يثبت صدقه إل بأدلة العقول‪ ،‬وقد نفيتم‬
‫ذلك‪ ،‬وإذا ذهب الدليل ل يبق الدلول أيضا‪ ،‬وف هذا الكلم هدم الدين ورفعه‬
‫ونقضه‪ ،‬فل يوز الشتغال بسائله‪".‬اهص‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫هذا هو السؤال الذي أورده ابن السمعان على لسان الؤيدين لعلم‬
‫سنٌ كما ترى‪ ،‬وسوف نورد الن جواب ابن‬
‫الكلم‪ ،‬وهو كلم قوي حَ َ‬
‫السمعان على هذا الكلم ونعلق عليه‪.‬‬
‫قال رحه ال(‪" :)1‬الواب وال الوفق‪ ،‬أنا قد دللنا فيما سبق بالكتاب‬
‫الناطق من ال عز وجل ومن قول النب صلى ال عليه وسلم ومن أقوال الصحابة‬
‫رضي ال عنهم أنا أُمرنا بالتباع ونُدبنا إليه ونُهينا عن البتداع وزُجرنا عنه‪،‬‬
‫وشعار أهل السنة اتباعهم للسلف الصال وتركهم كل ما هو مبتدع‬
‫مدث"اهص‪.‬‬
‫أقول‪-:‬‬
‫التباع الذي ُأمِرْنا به هو التباع الق‪ ،‬والق الجاج عن الق بالق‪،‬‬
‫فعلم الكلم إذا كان كذلك أو أمكن أن يكون كذلك فهو اتباع‪ ،‬وكيف ل‬
‫يكون ذلك اتباعا والرسول عليه السلم كان ياجج الشركي والنصارى اليهود‬
‫وغيهم ف ال تعال وف أصول الدين‪ ،‬وكان يرد عليهم‪ ،‬بل القرآن نفسه ملوء‬
‫بناقشة الخالفي من سائر اللل والنحل‪ ،‬وكبار الصحابة كانوا ل يتركون‬
‫الخالفي لصول الدين وشأنم بل كانوا يناقشونم ويابونم بالجة والبهان‬
‫إن أمكن كما روي ف الخبار عن المام علي وابن عباس وغيهم‪ .‬وأما‬
‫البتداع الذي نينا عنه فهو اختراع شيء يناقض الدين ويبطله أو يعارض‬
‫حكما من أحكامه‪ ،‬أما ابتداع الطرق السديدة الت تؤيد الدين وتقويه ف نفوس‬
‫الناس فهو ليس ابتداعا منهيا عنه بل نن مأمورون به‪ ،‬وإن ل يكن المر بالنظر‬
‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 158‬‬

‫‪211‬‬

‫والتفكر ف السموات والرض وف الفاق وف النفس كذلك فما له من معن‬
‫إذن‪.‬‬
‫فالاصل من هذا الكلم‪ ،‬إننا بعلم الكلم ل نكون مالفي للكتاب ول‬
‫للرسول عليه السلم ول لسية السلف‪ ،‬ول نكون مبتدعي أمرا جديدا يعارض‬
‫الدين ويناقضه‪ ،‬بل أصول علم الكلم مستقاة ومستنبطة من الكتاب وأقوال‬
‫السلف‪ ،‬والنظار العقلية السديدة وما كان كذلك فل يكون بدعة سيئة‪.‬‬
‫ث قال ابن السمعان‪" :‬وقد روينا عن سلفهم أنم نوا عن هذا النوع من‬
‫العلم‪ ،‬وهو علم الكلم وزجروا عنه وعدوا ذلك ذريعة للبدع والهواء‪ ،‬وحل‬
‫بعضهم قوله صلى ال عليه وسلم ‪" :‬اللهم إن أعوذ بك من علم ل ينفع على‬
‫هذا وقوله صلى ال عليه وسلم إن من العلم لهلً‪".‬اهص‬
‫أقول‪ :‬لقد نقلنا من قبل كلمات بعض السلف ف هذا الوضوع‪ ،‬ول‬
‫تلو هذه الروايات عنهم من أحد الحتمالت التالية بعد التسليم بصحة‬
‫سندها‪:‬‬
‫‪.1‬إما أن يكون معناها ذم الكلم ف أصول الدين مطلقا لميع الناس‪ ،‬وهذا‬
‫العن باطل ل يوز اللتفات لقائله كائنا من كان لناقضته القطوعات‬
‫العقلية والنقلية‪.‬‬
‫‪.2‬أو أن يكون معناها ذم بعض التكلمي بسبب ابتداعهم معن باطلً‪ ،‬أو‬
‫إرادتم تريف الدين ولو عن غي قصد منهم‪ ،‬أو لعدم استحقاقهم الوض‬
‫ف هذا العلم‪ ،‬وغي ذلك من الحتمالت‪ ،‬وهذا مسلم‪ ،‬ولكنه ل يستلزم ذم‬

‫‪212‬‬

‫علم الكلم بعينه بل الذم متوجه على بعض ما يعرض عليه من خارج ل‬
‫للوازمه الذاتية‪.‬‬
‫‪.3‬أو أن يكون النهي الوارد متوجها على التكلم بسبب إشاعته الكلم بي‬
‫العوام الذين قد يكون هذا سببا ف ضللم‪ ،‬وهذا السبب صحيح‪ ،‬والنهي‬
‫حقّ‪.‬‬
‫‪.4‬أو أن يكون الذم والنهي متوجها على الشتغال بعلم الكلم ف زمن من‬
‫الزمان دون غيه لصوصيّة ف ذلك الزمان‪ ،‬كأن ل يكون الناس باجة‬
‫إليه لعدم شيوع الفتنة وسلمة العقائد‪ ،‬أو أن يكون النهي متوجها لن‬
‫خاض ف علم الكلم ف بقعة من البقاع لنفس السبب الاضي‪ ،‬وهذا النهي‬
‫والذم صحح‪ ،‬ولكن ل يستلزم تري عي علم الكلم مطلقا‪ ،‬بل غاية ما‬
‫يلزمه هو النع منه ف زمان معي ومكان معي ف حالة معينة‪ ،‬وأما ف ما‬
‫عدا ذلك‪ ،‬فل ضي منه‪ ،‬ومع ذلك فل يوز أن يعمم النع من علم الكلم‬
‫على جيع الناس‪ ،‬لن وجود العلماء به ضروري لقيامهم بواجب نصرة‬
‫الدين والذب عنه ف وجوه النكرين والخالفي‪ ،‬ول يكفي وجود عال أو‬
‫عالي‪ ،‬بل ل بد من وجود من تصل بم الكفاية من تصيل غاية علم‬
‫الكلم‪.‬‬
‫والتحقيق أن الكلمات الواردة عن السلف ف الذم لعلم الكلم تتنوع‬
‫أسبابا بسب ما مضى وعلى الناظر الحقق حل كل رواية على معناها‪ ،‬واتاذ‬
‫الوقف الناسب منها‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫وبعد ذلك ل نسلم أن القصود من قول الرسول عليه السلم اللهم أن‬
‫أعوذ بك من علم ل ينفع‪ ،‬وقوله إن من العلم لهلً‪ ،‬هو علم الكلم‪ ،‬للقطع‬
‫بفائدة هذا العلم‪ .‬ث نقول‪ :‬إن معن الديثي هو إن العلم إذا ل يعمل به صاحبه‬
‫فكأنه ل ينتفع به‪ ،‬وليس القصود إن هناك علما حقيقيا غي نافع بالرة‪ ،‬فل‬
‫يوجد علم غي نافع بالرة‪ ،‬بل يوجد عال ل يعمل بعلمه وهذا هو الذي يستعاذ‬
‫به‪.‬‬
‫ث قال ابن السمعان‪" :‬فأما قولم إن السلف من الصحابة والتابعي ل ينقل‬
‫عنهم أنم اشتغلوا بالجتهاد ف الفروع‪ ،‬فالواب من وجهي أحدها أنه ل‬
‫ينقل عنهم النهي عن ذلك والزجر عنه‪ ،‬بل من تدبر اختلف الصحابة رضي‬
‫ال عنهم ف السائل واحتجاجهم ف ذلك‪ ،‬عرف أنم كانوا يرون القياس‬
‫والجتهاد ف الفروع‪ ،‬وقد روى أهل الديث والنقل عنهم ذلك‪ ،‬واحتجاج‬
‫بعضهم على بعض وطلبت الشباه‪ ،‬ورد الفروع إل الصول‪ ،‬وأما من كره‬
‫ذلك فيحتمل أنه إنا كره ذلك إذا كان مع وجود النص من الكتاب والسنة‬
‫على ما سبق بيانه‪ .‬وأما الكلم ف أمور الدين وما يرجع إل العتقاد من طريق‬
‫العقول‪ ،‬فلم ينقل عن أحد منهم‪ ،‬بل عدوه من البدع والحدثات‪ ،‬وزجروا عنه‬
‫غاية الزجر ونوا عنه" اهص‪.‬‬
‫أقول هاهنا أمور‪:‬‬
‫أولً‪ :‬قد ورد عن بعض السلف ذم علم الكلم‪ ،‬وهذا مسلم‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬وقد ورد عن بعض السلف الوض ف مسائل من علم الكلم وهذا مسلم‬
‫أيضا‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫ثالثا‪ :‬إن السلف خاضوا ف علم الفقه أكثر ما خاضوا ف علم الكلم‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬إن ما ورد عن السلف من ذم القياس الفقهي والوض ف الفقه أقل بكثي‬
‫ما ورد عنهم من ذم للكلم ف أصول التوحيد والدين‪.‬‬
‫هذه المور الربعة كلها مسلمة ل نادل ف ذلك‪ ،‬ولكن لكل شيء علة‬
‫وسبب‪ ،‬وهذا موضع كلمنا‪.‬‬
‫فأما ذم بعض السلف لعلم الكلم ولبعض التكلمي‪ ،‬فقد أكثرنا البحث‬
‫فيه ف ماسبق وتبي أنه ليس بجة على إطلق تري هذا العلم‪ .‬خاصة أنه قد‬
‫ورد عن بعضهم أيضا الوض ف هذا العلم والكلم ف مسائلة‪ .‬فنعارض الول‬
‫بالثانية لنخلص إل أن الذم ليس واردا على ذات علم الكلم ونفسه‪ ،‬بل على‬
‫ما يعرض له وهو خارج عن ماهيته ما ذكرناه فيما مضى‪.‬‬
‫وأما كون السلف خاضوا ف الفقه أكثر من خوضهم ف علم الكلم‬
‫فهذا ل يضر ف القصود‪ ،‬بل نقول إن اللف قد خاضوا أيضا ف علم الفقه‬
‫أكثر من خوضهم ف علم الكلم وهذا ل يلزم عنه القول بأن اللف قد حرّموا‬
‫علم الكلم‪ .‬بل السبب ف تفاوت بثهم ف هذين العلمي إنا هو تفاوت حاجة‬
‫عامّة الناس إليهما‪ ،‬فالناس أحوج إل الفقه منهم إل علم الكلم‪ ،‬وذلك أن‬
‫الفقه يعال السائل السية والعملية وهذه أقرب إل الفهم والحتياج والداولة‬
‫من مسائل العتقاد الت تكون غالبا غي حسية ول يترتب عليها عمل لذاتا بل‬
‫يكون القصود منها مرد العتقاد‪ ،‬ومعلوم أن أكثر الناس ييلون إل ما يترتب‬
‫عليه عمل مباشرة أكثر من ميلهم إل غيه‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫ومعلوم أيضا أن العلماء وظيفتهم هي ح ّل الشكالت الت ترد على‬
‫حياة الناس‪ ،‬وأكثر الشكالت عملية فقهية ل عقلية عقائدية‪ .‬فلهذا أكثر بثهم‬
‫ف الفقه وزاد عن بثهم ف العتقادات وهذا كله ل يستلزم عند العقلء كون‬
‫علم الكلم مرما ول مذموما‪ ،‬بل إن حاجة عامة الناس إليه أقل‪ ،‬أقصد إن‬
‫عامة الناس أبعد عن الوض ف مسائلة من الوض ف مسائل علم الفقه‪ ،‬بينما‬
‫لو دققنا النظر لربا يظهر لنا أن أثر علم الكلم على عامة الناس أكب بكثي من‬
‫آثار الفقه عليهم‪ ،‬وإن كان خوضهم ف الخي ألزم وأكثر‪ .‬وهذا العن قد‬
‫حققناه ف موضع آخر‪.‬‬
‫وأخيا‪ ،‬فإن بعض قد السلف نوا عن القيسة الفقهية بل بعضهم قد‬
‫رفض البحث ف الفقه على طريقة الفقهاء واكتفى بجرد النقل عمّن سبقه‪،‬‬
‫وند بعض السلف أيضا قد عمل بالقياس وبث ف العلل الفقهية ول يعتب هذا‬
‫كله خروجا عن روح الدين ول ابتداعا‪ .‬ومادام ذلك كله واقعا فالصحيح أن‬
‫يقال إن هذه الواقف كلها تعب عن اتاهات فكرية موجودة عند الناس ف كل‬
‫زمان وف كل عصر من العصور‪ ،‬ول أعرف أنا عصرا أو جيلً من الناس خل‬
‫مطلقا عن بعض هذه التاهات الفكرية والطرق النظرية‪ ،‬فإننا ل ند مطلقا‬
‫زمانا كان الناس كلهم فيه منحرفي عن طريقة النظر العقلي ومتمسكي بجرد‬
‫النقل‪ ،‬ول ند كذلك عصرا واحدا كانوا فيه منحرفي عن النقل والتمسك‬
‫بآراء من سبقهم إل التمسك بجرد النظر العقلي‪.‬‬
‫بل إننا ل نصزال ند ف كل زمان جيع هذه الطوائف موجودة فيه‪ ،‬من‬
‫أول العصور إل هذا الزمان الذي نعيش فيه‪ .‬وغاية ما يكن ملحظته هو تيز‬
‫بعض العصور بغلبة أحد التاهي على الخر‪ ،‬وقد تكون هذه الغلبة ف مكانٍ‬

‫‪216‬‬

‫دون مكان‪ ،‬ل يشترط أن تكون ف جيع بقاع السلمي‪ .‬والناظر بعقله يعرف‬
‫أن هذه الحوال طبيعية ف الناس‪ ،‬وهذا راجع إل تفاوت انفعالتم‬
‫واحساساتم وتأثراتم با ف الارج ولذلك تتلف الناهج الت ييل إليها كل‬
‫طائفة منهم‪ .‬ولذلك ل يوز أن نتخذ ميل طائفة دليلً على الطائفة الخرى‪،‬‬
‫ول يوز أن نعتب ترجيح بعض الناس لرأي من الراء دليلً على رجحانه ف‬
‫نفسه‪.‬‬
‫وهذا هو مقصود كلمنا ف أكثر مواضع هذا البحث‪ .‬إن الدليل الفعلي‬
‫ل يكون منبعه كونه مأخوذا من موقف طائفة من الطوائف أو رجلٍ من الرجال‬
‫أو عالٍ من العلماء‪ ،‬بل حقيّة الدليل وصدق النهج إنا يبهن عليه با هو المر‬
‫ف نفسه وبالنظر العقلي الالص وبالبهان القطعي‪ ،‬ل بجرد اختيار الناس‪.‬‬
‫ولكن إذا تعاضد البهان مع الختيار واليل تكون طمأنينة النفس أكثر وأقوى‬
‫من اللتزام بالرأي‪ ،‬ولو نظرنا ف تاريخ السلمي الفكري لوجدنا أ ّن العصور‬
‫الت مرّت عليهم وكانوا يرجحون النظر العقلي ويسنون البحث ف علم‬
‫الكلم‪ ،‬أطول بكثي من الزمنة والحوال الت كانوا فيها ياربون ذلك‪ .‬ولكنا‬
‫ل نتخذ من مرد ذلك دليلً على حقيّه الشيء ف نفس المر‪ ،‬بل ننطر فيه ف‬
‫نفسه ث إذا وجدنا الراجح ف المر قد ت العمل به زمانا أطول وارتاحت إليه‬
‫النفوس عصورا أكثر حدنا ال على التوفيق والهتداء‪..‬‬
‫وأيضا هاهنا معن آخر‪ ،‬إن كل علم فهو آلة من اللت‪ ،‬فالعلوم كلها‬
‫آلت ولا أغراض وأهداف‪ ،‬وهذا من مقاصد الفنون‪ ،‬ولذلك حرص العلماء‬
‫على ذكر غايات العلوم والفنون ف مقدمة كتبهم الت يدونونا فيها ترغيبا‬

‫‪217‬‬

‫لنفس الناظر فيها‪ .‬ولذا‪ ،‬فإن التجاء الناس إل الفنون والعلوم إنا يكون بسب‬
‫شدة الشعور بالاجة إليها‪.‬‬
‫وعلم الكلم ل يفترق عن غيه ف هذا الكم العام‪ ،‬والغرض من علم الكلم‬
‫إنّما هو تثبيت العقائد والرّد على الخالفي والفصل بي التخاصمي‪ .‬إذا حفظنا‬
‫ذلك‪ ،‬وذهبنا ننظر ف زمان السلف‪ ،‬هل كانت الالة الغالبة عليهم هي الدل‬
‫ف الدين والختلف ف العقائد أم كان الغلب استقرار الال وسيها على‬
‫الطريق القوي‪ ،‬لوجدنا أن الثانية هي الاصلة‪ ،‬فلم يكونوا يتلفون كثيا ف‬
‫مسائل التوحيد‪ ،‬وذلك بسبب كونم أقرب زمانا إل عصر الرسول الكري‪،‬‬
‫وعصر من أخذ عنه وفهم ما بلّغه‪ ،‬فالعلم كان منتشرا والهل كان مصورا‬
‫فاللفات ف هذا الباب كانت ضئيلة نسبيا‪ ،‬لذلك كانت حاجتهم إل التداول‬
‫ف هذا العلم وهتهم ف البحث فيه قليلة‪ .‬ولذلك ل يرد عنهم روايات ف ذلك‬
‫كما ورد ف موضوع الفقه‪ .‬فواقعهم الجتماعي هو الذي نتج عنه قلة الاجة‬
‫التباحث ف هذا العلم‪.‬‬
‫ولكن لو نظرنا ف العصور الت تلت عصورهم لرأينا أن الختلفات ف أصول‬
‫الدين ازدادت وكثرت‪ ،‬ولذلك رأينا الناس يوضون ف علم الكلم أكثر من‬
‫خوض من سبقهم‪ .‬ولو دققنا النظر لوجدنا أن أغلب الروايات الت وردت ف‬
‫ذم علم الكلم كانت من أناس عاشوا ف الرحلة النتقالية بي الزماني‪ ،‬أقصد‬
‫زمان الستقرار العقائدي‪ ،‬وزمان كثرة النرافات‪ .‬فهؤلء كانوا ينظرون إل‬
‫من سبقهم فل يدون عندهم خوضا ف هذا العلم‪ ،‬وينظرون ف عصرهم فيون‬
‫الناس متلفي فينهونم عن الختلف والبحث ويعللون ذلك بعدم خوض‬
‫السلف ف ذلك العلم‪ .‬هذا هو موقف من ذم علم الكلم‪ ،‬ولو أنم نظروا ف‬

‫‪218‬‬

‫العلل وتوقفوا عندها‪ ،‬لتبي لم أن عدم كثرة بث السابقي إنا كان لعدم‬
‫حاجتهم لقلة الوقائع والختلفات‪ ،‬فكان الليق ف زمانم عدم الوض لئل‬
‫تثار الفهام النحرفة‪ .‬وأمّا ف زمان من تلهم‪ ،‬فلما كثرت الختلفات‬
‫وحصلت بالفعل بي الناس مناوشات فقد كان الوقف الليق هو حسم هذا‬
‫النصزاع‪ ،‬وحسمه ل يكون بوقف الصمت والسكوت عنه‪ ،‬بل بالبحث فيه‬
‫وإحقاق الق وإبطال الباطل‪.‬‬
‫ولذلك فإننا نرى غالب العلماء الذين تواجدوا بعد تلك الرحلة‬
‫النتقالية الت أشرنا إليهما قد رجحوا وجوب النظر ف هذا العلم وجعلوه‬
‫أوجب الواجبات‪ .‬وسبب ذلك أن هؤلء التأخرين من العلماء استطاعوا‬
‫النفكاك عن التأثر النفسي بجرد تقليد واتباع ظاهر حال من سبقهم من أهل‬
‫العصور الول‪ ،‬لنم كانوا قد خرجوا منها‪ ،‬والناظر ف الشيء بعد تعقله يدرك‬
‫علله‪ ،‬وينفك عن مرد النفعال النفسي‪ ،‬ويبن على العلل القيقية‪.‬‬
‫وإذا مشينا ف هذا التعليل فإننا ند نتائجه مستقيمة ف العصور التأخرة‬
‫أيضا‪ ،‬فإن الرحلة الت مرت فيها المة السلمية والت كثرت فيها اللفات‬
‫العقائدية‪ ،‬قد اضمحلت وانتهت أو فلنقل انصرت تيارات اللفات الفكرية‬
‫مباشرة بعد توجه علماء المة إل موقف النظر الفكري‪ ،‬أي بعد خروجهم عن‬
‫موقف الصمت والسكوت إل موقف البحث والنظر‪ .‬فأول زمان النظر لبُدّ أن‬
‫تلّله اضطرابات‪ ،‬ولكن بعد تبي الواقف وانتهاء فترة الناظرات تستقر نفوس‬
‫الناس ويسود الدوء‪ ،‬بسبب الوصول إل الترجيح الفكري‪ .‬وهذا هو بالضبط‬
‫ما حصل عند التأخرين فإن زمانم كان زمان استقرار عقائدي أكثر بكثي من‬

‫‪219‬‬

‫زمان اختلفات السلف‪ ،‬ول يكن هذا ناشئا إل عن ترجيحهم لوجوب النظر‬
‫ف علم الكلم‪.‬‬
‫أنا أعرف أن تليل هذه المور يتاج إل تفصيل أكثر من ذلك‪ ،‬ولكن‬
‫أقتصر على هذا الجال الذي أرجو أن يكون كافيا هنا‪ ،‬وأرجو أن أتكن أو‬
‫غيي ف لحق اليام من التفصيل ف ذلك‪ .‬وحسب الن هذه الشارة إل‬
‫الفاتيح الكلية الت ينبغي أن يبن عليها الناظر ف هذه الحوال‪.‬‬
‫هذا هو تعليقنا على الواب الول لبن السمعان‪ ،‬وتليلنا لكلمه‬
‫ومعانيه‪ ،‬أوردناه على قدر ما استطعنا من الوضوح والختصار‪ .‬وسوف نشرعُ‬
‫الن ف الكلم على جوابه الثان‪.‬‬
‫قال ابن السمعان(‪" :)1‬جواب آخر‪ :‬إن الوادث للناس والفتاوى ف العلومات‬
‫ليست لا حصر ول ناية‪ ،‬وبالناس إليها حاجة عامة‪ ،‬فلو ل يز الجتهاد ف‬
‫الفروع‪ ،‬وطلب الشبه بالنظر والعتبار ورد السكوت عنه إل النصوص عليه‬
‫بالقيسة‪ ،‬لتعطلت الحكام وفسدت على الناس أمورهم والتبس أمر العاملت‬
‫على الناس‪ ،‬ولبد للعامي من ُم ْفتٍ‪ ،‬فإذا ل ند حكم الادث ف الكتاب‬
‫والسنة فلبد من الرجوع إل الستنبطات منها‪ ،‬فوسع ال هذا المر على هذه‬
‫المة وجوز الجتهاد ورد الفروع إل الصول لذا النوع من الضرورة" اهص‪.‬‬
‫أقول‪ :‬كلم ابن السمعان هنا ف حق تصحيح النظر والجتهاد ف الفقه لطيف‬
‫ودقيق ول يرد عليه شيء‪ ،‬فهو ينظر ف ظاهر المور بل ف عللها ويعلق‬
‫الحكام على العلل وإجراء النظر هكذا سداد ف الرأي‪ .‬وظاهرٌ للقارئ أن ابن‬
‫‪ )(1‬صون النطق والكلم ص‪. 159‬‬

‫‪220‬‬

‫السمعان يريد الجابة عن اللزام الذي ألزمه به السائل‪ ،‬وهو أن النظر ف‬
‫الفقهيات بذا الشكل ل يرد عن السلف ول يروا فيه هكذا‪ ،‬ومع ذلك فقد‬
‫صححتموه ومشيتم عليه‪ ،‬فلم تنعون من النظر ف التوحيد‪ .‬وحاصل جوابه أن‬
‫علة تصحيح النظر والجتهاد ف الفقه ليست موجودة ف العقائد والتوحيد‪،‬‬
‫ولذا قال مباشرة بعد كلمه الاضي‪:‬‬
‫"ومثل هذا ل يوجد ف العتقدات لنا مصورة مدودة قد وردت‬
‫النصوص فيها من الكتاب والسنة‪ ،‬فإن ال تعال أمر ف كتابه وعلى لسان‬
‫رسوله باعتقاد أشياء معلومة ل مزيد عليها ول نقصان عنها‪ .‬وقد أكملها بقوله‬
‫(اليوم أكملت لكم دينكم)‪ ،‬فإذا كان قد أكمله وأته وهذا السلم قد اعتقده‬
‫وسكن إليه ووجد قرار القلب عليه‪ ،‬فبماذا يتاج إل الرجوع إل دلئل العقل‬
‫وقضاياها وال أغناه عنه بفضله وجعل له الندوحة عنه‪ ،‬ول يدخل ف أمر‬
‫يدخل عليه منه الشبه الشكالت ويوقعه ف الهالك والورطات وهل زاغ من‬
‫زاغ وهلك من هلك وألد مَنْ ألد إل بالرجوع إل الواطر والعقولت‬
‫واتباع الراء ف قدي الدهر وحديثه‪ ،‬وهل نا مَنْ نا إل باتباع سنن الرسلي‬
‫والئمة الادية من السلف التقدمي‪ ،‬وإذا كان هذا النوع من العلم لطلب‬
‫زيادة ف الدين فهل تكون الزيادة بعد الكمال إل نقصانا عائدا على الكمال‬
‫مثل زيادة العضاء والصابع ف اليدين والرجلي‪ ،‬فليتق امرؤ ربه عز وج ّل ول‬
‫يدخلن ف دينه ما ليس منه وليتمسك بآثار السلف والئمة الرضية وليكونن‬
‫على هديهم وطريقهم وليحضّ عليها بنواجذه ول يوقعن نفسه ف مهلكة يضل‬
‫فيها الدين ويشتبه عليه الق وال حسيب أئمة الضلل الداعي إل النار ويوم‬
‫القيامة ل ينصرون‪".‬اهص‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫ن على العان التالية‪:‬‬
‫أقول‪ :‬هذا الواب مب ّ‬
‫الوادث العملية ل حصر لا‪ ،‬وأما العتقدات فهي مصورة فمن هنا جاز‬‫الجتهاد بل وجب ف العمليات‪ ،‬وامتنع ف العتقدات‪.‬‬
‫ف حالة استقرار القلب على العتقاد ل مبر للخوض ف علم الكلم‪.‬‬‫مطلق الزيادة على الوارد ف النقولت بدعة سيئة‪.‬‬‫هذه هي العان الت يعتمد عليها ليتوصل بعد ذلك إل القول بامتناع الوض ف‬
‫علم الكلم وحرمته‪ ،‬وسوف نلل وننقد ف ما يلي ما اعتمد عليه‪.‬‬
‫فأما كون الوادث ل ناية لا وكون العتقدات مصورة‪ ،‬فهو صحيح إل حد‬
‫كبي‪ ،‬ولكن ل ينتج عنه حرمة النظر ف علم الكلم على تسليمنا باستلزامه‬
‫وجوب الجتهاد ف الفقه والعمليات‪.‬‬
‫وذلك لنّه مع التسليم بحصورية العتقادات إل أنّ وجوه الدللة عليها‬
‫غي مصورة ف أشياء معدودات ومن هنا جاء ف الكتاب العزيز المر بالنظر‬
‫والتفكر والتدبر‪ ،‬فالفكر والنظر ف العتقادات ل يشترط أن يكون من أجل‬
‫استنباط عقائد جديدة أو اكتشاف أمور غي معلومة بالنص‪ ،‬ولكن القصد‬
‫الساس من علم الكلم هو البحث ف الدلة الت تدل على العقائد الت نص‬
‫عليها الكتاب وأشارت إليها آياته ومعلوم أن الكلم بناءً على هذا الوجه تتلف‬
‫نتيجته مطلقا فل ينتج عند ذاك حرمة النظر بجة مصورية العتقادات بل ينتج‬
‫وجوب النظر والبحث عن الدلة الديدة وتثبيت الدلة العلومة ونقدها لترسيخ‬
‫العقائد العلومة‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫وهذا هو بالضبط ما نص عليه علماؤنا التكلمون‪ .‬نعم ل يبعد أن‬
‫يبحثوا ف أشياء ل من قبيل الدللت ولكن بثهم فيها إنا يكون من أجل‬
‫كونا مقدمات للدلة على العقائد ل من أجل ذاتا‪.‬‬
‫إن علم الكلم علم يبحث ف النهج كما يبحث ف العتقد‪ .‬ومن هنا‬
‫ظهر لزوم العتماد عليه‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى فإن التكلم له وظيفة أخرى‪ ،‬وهي أنه عندما ينظر ف واقع‬
‫الناس أي ف أحوالم الاصلة بالفعل‪ ،‬فإنه يرى الختلف بينهم حاصلً‬
‫ومنتشرا‪ ،‬ول سبيل إل السكوت عن الختلفات للزوم كون واحد من‬
‫الهات هو الصواب خاصة ف العتقدات‪ ،‬ولذا فإن التكلم كما يبحث ف‬
‫الدلة الصحيحة وياول إظهارها‪ ،‬فإن من وظيفته أيضا البحث ودراسة‬
‫استدللت الصوم والخالفي بل والختلفي لينقدها ويكشف عن الصحيح‬
‫منها ويبطل الباطل‪ .‬ولذلك ظهر الانب الدل عند التكلمي‪ ،‬بل هذا الانب‬
‫كان أبرز الوانب ظهورا ف العصور التقدمة‪ ،‬لنه هو الذي يترتب عليه بيان‬
‫رجحان الراجح وكسر البطلي‪.‬‬
‫ولكن بعد ذلك‪ ،‬وف العصور التأخرة لا استقرت العقائد عند الناس وترجح‬
‫للعلماء كثي من الراء بالستدللت القوية‪ ،‬اتهوا إل جانب البحث القيقي‬
‫أو البحث ف القائق ف نفسها‪ ،‬فهذا أيضا من وظائفهم لكونه مقدمات لتثبيت‬
‫العتقادات‪ ،‬فالعقائد هي أحكام كلية يب علينا اليان با‪ ،‬ونن ندعي أنا‬
‫مطابقة للمر ف نفسه‪ ،‬فعندما نقول ال موجود‪ ،‬فيجب علينا اليان با‪،‬‬
‫والعتقاد بأنا مطابقة للخارج أي يب علينا العتقاد بوجود ال تعال ف نفسه‬
‫أيضا‪ ،‬وعندما نقول العال با فيه ملوق حادث‪ ،‬فإننا نعتقد با ونعتقد بطابقتها‬

‫‪223‬‬

‫للمر ف نفسه أي بكون العال ف نفس المر حادثا‪ .‬وهكذا عندما نقول إن‬
‫الشريعة ترج الناس من الظلمات إل النور‪ ،‬فلبد من وجود ظلمات ووجود‬
‫نور‪ ،‬ويستحيل كون ذلك كله افتراضيا مضا‪.‬‬
‫إذن إذا توجه التكلم ف بوثه إل الكشف عن حقيقة الوجود وطبائع الناس‬
‫الثابتة ف نفس المر وغي ذلك‪ ،‬وكشف عنها كما هي‪ ،‬فإنه يب أن يدها‬
‫مطابقة لا جاءت به الشرائع‪ ،‬ومرد إثبات هذه الطابقة هو دليل على صحة‬
‫وحقية هذه العقائد وسلمة الدين‪.‬‬
‫فهذا النوع من البحث هو من صلب وظيفة التكلم أيضا ومعلوم أن هذا كله ل‬
‫يوجد فيه نصوص شرعية يكفي قراءتا لعرفة الراد والوصول إل هذه التفاصيل‬
‫ولذا فانصار العقائد من حيث العدد‪ ،‬ل يستلزم إبطال البحث فيها من هذه‬
‫الهات والبحث ف العقائد من هذه الهات هو موضوع علم الكلم‪.‬‬
‫فيظهر من ذلك كله بطلن العن الول الذي اعتمد عليه ابن‬
‫السمعان ف تري علم الكلم والنع من النظر فيه‪.‬‬
‫وأما العن الثان وهو أننا إذا فرضنا استقرار القلب على العتقاد يبطل‬
‫ا ُلصَحّحُ للنظر ف علم الكلم‪ ،‬فهو باطل أيضا‪ ،‬وذلك إذا فهمنا وتذكرنا ما‬
‫أوردناه ف الوجه السابق من معان‪ ،‬ندرك على سبيل القطع أن النظر ف علم‬
‫الكلم ليس مشروطا بوجود الشك ف العتقادات‪ ،‬بل هو صحيح ف كلتا‬
‫الالتي ففي حالة الشك يب النظر للوصول إل اليقي‪ ،‬وف حال عدم وجوده‪،‬‬
‫لبُدّ من النظر أيضا للرتقاء باليقي إل أعلى مراتبه وهذا الطلوب وهو الصعود‬
‫والرقي ف مراتب اليقينيات أمر صحيح ل يوز إبطاله وإدعاء عدم جوازه وهو‬

‫‪224‬‬

‫من باب (بلى ولكن ليطمئن قلب) فسيدنا إبراهيم عليه السلم ل يستطيع واحد‬
‫أن يدعي وقوع الشك ف قلبه من كون ال خالقا‪ ،‬ولكن مع ثبات اليقي عنده‬
‫إل إنه طلب من ربه أن يظهر له مزيدا من الدلئل على هذا الطلوب لتزيده‬
‫يقينا وثباتا‪ ،‬فاليقي كيفية نفسانية تقبل الشدة والضعف‪ ،‬فتزاد بتزايد الدلة‬
‫وتضعف بتوارد الشكوك والحتمالت‪ ،‬وهذا مقصد من مقاصد التكلمي‪ ،‬أي‬
‫زيادة الدلة القائمة على عقائد الدين لزيادة اليقي وتثبيته ف قلوب الناس‬
‫والؤمني‪.‬‬
‫وأيضا فإننا إذا اعتبنا مموع الناس‪ ،‬من حيث كونم مطمئني أوْ ل‪ ،‬هل كل‬
‫واحد منهم يكون دائما مطمئنا إل العقائد دائما ومتمسكا با دائما‪ ،‬وهل‬
‫يكن أن يتأثر بعضهم بالشكوك الت ترده من طريق نفسه أو من غيه من‬
‫يالطهم‪ ،‬إذا فكرنا ف الناس من هذه الهة فإننا نزم بأن الواقع أنم يستحيل‬
‫أن يكونوا عادة على قلب رجل واحد ف اليان أو الكفر‪ ،‬فإن هذه سنة من‬
‫سنن ال تعال ف خلقه‪ ،‬وهذا هو الاصل بالفعل‪ ،‬فإن منهم دائما من هو‬
‫مطمئن باليان ومنهم مَنْ هو كاف ٌر ومنهم من هو بي هذا وهذا على درجات‬
‫متلفة ف البعد والقرب من اليان والكفر‪ ،‬ومادام هذا هو الواقع ف الناس‬
‫كلهم‪ ،‬وهذا هو الاصل حت بي السلمي أنفسهم‪ ،‬فإن درجات تسكهم‬
‫واطمئنانم إل هذا الدين تتلف فمنهم مَنْ إذا أوردت عليه الشبه الائلة ف عينه‬
‫من ل يتزحزح عن عقيدته‪ ،‬ومنهم من تكفيه هزة من عقلٍ تافه حت يبادر‬
‫بالبتعاد عن هذا الدين وتركه‪ ،‬ومنهم ومن هو مضطرب تائه هائمٌ‪ .‬هذا هو‬
‫حال الناس الواقع بالفعل ل الفروض فرضا ول التوهم بالوهم‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫ومادام المر كذلك‪ ،‬يستحيل إذن أن نعل من كون سكون الناس إل‬
‫العقيدة وتسكهم با قاعدة عامة نكم على أساسها على علم فكري نظري هو‬
‫علم أصول الدين‪ ،‬بل هذا الوقف يكون قلبا للموازين والقواعد الفكرية‪ ،‬فإن‬
‫حقيقته هو الكم با هو واقع الن أو ف زمان ما على ما يب أن يكون بالنع‬
‫والتحري‪ .‬وهذا الطريق ف التفكي والكم والتأجيل باط ٌل بالرة كما ل يفى‬
‫على عاقل‪ .‬فل بُ ّد أنْ يظلّ بي الناس من يلقي شبهه إل غيه ولبُدّ أن يظل‬
‫فيهم من إذا أعمل فكره ف النصوص والعان العقائدية أخطأ وغلط وأبدل‬
‫الباطل بالق والق بالباطل‪ ،‬ولبٌدّ من أن يبقى فيهم من هو ضعيف الفكرة‬
‫خائر القوى الذي ل يليق به النظر ف هذه الضايق والباحث‪.‬‬
‫فالاصل أننا إذا التفتنا إل هذه الظروف والحوال‪ ،‬فإننا نزم بوجوب‬
‫دوام وجود طائفة من الناس ومموعة من اللق قائمي على هذا العلم يرشدون‬
‫الناس عند الضلل و الشكال ويعلمونم فما وراء ذلك‪ ،‬ويقومون على ترقيتهم‬
‫ف درجات التوحيد والعلم‪.‬‬
‫إن من يكم برمة النظر ف هذا العلم‪ ،‬ويكم بنع الناس من تعلمه هو‬
‫قطعا غي مدرك لذه الظروف والعوامل‪ .‬ومَنْ أدركها فل يليق به الختلف ف‬
‫مثل هذا المر اللي عند العقلء‪ ،‬بل إذا أراد النظر فإن جهة النظر المكنة هي‪،‬‬
‫إل مَ ْن يُ ْلقَى هذا العلم ومت‪ ،‬وبأي صورة من الصور وهل يب على الميع‬
‫من البشر تعلم هذا العلم على نفس الدرجة من التفصيل أم يكفي بعضهم‬
‫الجال ويلزم الباقي التفصيل‪ ،‬وهل هذا يكون دائما أم بسب الظروف‬
‫والحوال وما هي هذه الحوال الؤثرة‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫هذه هي الهات الت نصحح لن ينظر ف علم الكلم أن ينكر فيها على‬
‫سبيل العارضة‪ ،‬فيقول مثلً ل يوز أن نترك الناس العوام ومن هو غي متأهل أن‬
‫يطالع ف دقائق هذا العلم‪ ،‬بل يكفيه الجال دون التفصيل‪ ،‬وأما التفصيل ف‬
‫مسائله فهو إنا يب ف حق العلماء وطلبة العلم بسب مستوياتم وقدراتم‪.‬‬
‫وأنه إذا انتشرت البدع أو كادت أن تنتشر أفكار مالفة لقيقة الديان فعلى‬
‫العلماء العاملي أن يزيدوا من نشاطهم ف توجيه الناس وتعليمهم صيانة‬
‫لعقائدهم وإرشادا لم‪ .‬وهكذا‪.‬‬
‫وأنت ترى أن هذه الناحية من التفكي ل تقوم على إنكار صحة تعلم‬
‫هذا العلم والنظر فيه لكافة الناس ول تنكر فائدته‪ ،‬بل هي تبحث بعد التسليم‬
‫بصحته وفائدته ف النظر ف الطريقة الت يتم با النتفاع من هذا العلم الدقيق‪.‬‬
‫هذا هو تليل العن الثان من العان الت أوردها ابن السمعان‪ .‬وأما ما‬
‫قاله أخيا من أن مطلق الزيادة على النقولت بدعة سيئة وهو يؤدي إل الكم‬
‫ع مطلقا أنا استوفيت‬
‫بنقصها فهو كلم باطل وغي صحيح‪ ،‬لن الشريعة ل ت ّد ِ‬
‫ذكر جيع الستدللت المكنة على العقائد الدينية‪ ،‬بل إنا ذكرت بعض‬
‫الدلئل‪ ،‬ث حضت الناس على البحث للوصول إل غيها ووجهتهم من حيث‬
‫طريقة النظر‪ ،‬وهذا الوقف للشريعة بذاته دليل على تصحيح علم الكلم‬
‫ووجوب البحث فيه ل دليل على فساده وإبطاله‪ .‬إن الزيادة تكون إنقاصا‬
‫وحكما بالنقصان وعدم التمام إذا كانت قائمة على إفساد بعض ما نصت عليه‬
‫الشريعة كما لو حصرت الشريعة شيئا ف أمور فجاء واحد وأنقص من هذه‬
‫المور شيئا‪ ،‬أو زاد عليها‪ .‬هذا التصرف حكم منه على الشريعة بالنقص‪.‬‬
‫ولكن إذا قررت الشريعة بعض المور ول تنص ول تدلّ على تري ما سواه‬

‫‪227‬‬

‫فضلً عن ما هو على منواله فكيف يقال عند ذلك برمة الزيادة وبدعيتها‪ ،‬إن‬
‫الزيادة البتدعة هي الت تكون من قبيل إدخال كيفية جديدة وماهية حقيقية على‬
‫الدين أما ما يكون ف القيقة من نفس حقيقة ما قرره الدين ولكن يتلف معه‬
‫ف الشدة والنقصان أو ف الصورة ل ف القيقة فهذا ل يسوغ لحد تسميته‬
‫بدعة أو زيادة منوعة أو نقضا لا قرره الدين أو مالفة للحق والصواب‪.‬‬
‫ويزداد هذا العن وضوحا إذا تذكرت أيها القارئ الذكيّ ما أوردناه سابقا من‬
‫معا ٍن ومفاهيم وأحكام‪.‬‬
‫وبذا نكون قد ناقشنا ‪ -‬بصورة نرجو أن تكون كافية – ما أورده المام أبو‬
‫الظفر بن السمعان لبيان موقفه من علم الكلم‪ ،‬وأظهرنا ما فيه من خلل‬
‫وتاوزات فكرية‪.‬‬
‫قال المام ابن السمعان(‪ )1‬بعد أن ذكر اختلف الناس ف العقائد وتعصب‬‫كل فرقة لا هم عليه‪" :‬إن ال تعال أب أن يكون الق والعقيدة الصحيحة‬
‫إل مع أهل الديث والثار لنم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف‬
‫وقرنا عن قرن إل أن انتهوا إل التابعي وأخذه التابعون عن أصحاب رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم وأخذه أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول طريق إل معرفة ما دعا إليه رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم الناس من الدين الستقيم والصراط القوي ال هذا‬
‫الطريق الذي سلكه أصحاب الديث"اهص‪.‬‬

‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 166‬‬

‫‪228‬‬

‫ث قال(‪" :)1‬وما يدل على أن أهل الديث هم على الق أنك لو طالعت جيع‬
‫كتبهم الصنفة من أولم إل أخرهم قديهم وحديثهم مع اختلف بلدانم‬
‫وزمانم وتباعد ما بينهم ف الديار وسكون كل واحد منهم قطرا من القطار‬
‫وجدتم ف بيان العتقاد على وتية واحدة ونط واحد يرون فيه على طريقة‬
‫ل ييدون عنها ول ييلون فيها‪ ..‬ال"اهص‪.‬‬
‫ث قال(‪" :)2‬وكان السبب ف اتفاق أهل الديث أنم أخذوا الدين من الكتاب‬
‫والسنة وطريق النقل فأورثهم التفاق واليتلف‪ ،‬وأهل البدعة أخذوا الدين من‬
‫العقولت والراء فأورثهم الفتراق والختلف‪ ،‬فإن النقل والرواية من الثقات‬
‫والتقي قلما يتلف وإن اختلف ف لفظ أو كلمة فذلك اختلف ل يضر الدين‬
‫ول يقدح فيه‪ ،‬وأما دلئل العقل فقلما يتفق بل عقل كل واحد يرى صاحبه غي‬
‫ما يرى الخر‪ ،‬وهذا َبيّنٌ والمد ل‪ ".‬اهص‪.‬‬
‫أقول‪:‬‬
‫يبي ابن السمعان هنا عدة معانٍ نلخصها فيما يلي‪:‬‬
‫‪.1‬إن أهل الديث هي الفرقة ذات العقيدة الصحيحة لنم أخذوا العقائد عن‬
‫طريق النقل ول يعملوا عقولم ف معرفتها بل سلموا با‪ ،‬ومن الدلة على‬
‫ذلك وحدة منهاجهم ف متلف الزمان ووحدة قولم ف أمور التوحيد‪.‬‬

‫‪ )(1‬صون النطق ص‪. 167‬‬
‫‪ )(2‬صون النطق ص‪. 168‬‬

‫‪229‬‬

‫‪.2‬السبب ف اتفاق أهل الديث على عقيدة واحدة هو أخذهم الدين عن‬
‫طريق النقل‪ ،‬وإنم لو أخذوه عن طريق العقل لختلفوا لختلف دلئل‬
‫العقول‪.‬‬
‫هذا هو خلصة ما يدعيه المام ابن السمعان‪.‬‬
‫وسوف نناقش هذه العان فيما يلي لنرى مدى قربا من الق والصواب كما‬
‫اعتدنا ف مباحثنا السابقة‪.‬‬
‫إن "أهل الديث" كمصطلح ل يطلق ف الصل على مموعة اتدت‬
‫أراؤهم الفقهية والعقائدية ول ينظر ف تسميتهم بذا السم وحدتم ف أصول‬
‫الدين مطلقا‪ .‬بل إن أهل الديث هم أولئك الناس الذين فرغوا حياتم للنظر ف‬
‫أحاديث الرسول عليه الصلة والسلم وحفظها وبيان الصحيح من الباطل منها‬
‫من حيث السند‪ ،‬فهم عبارة عن َنقََل ٍة لديث النب عليه السلم ل يشرطوا على‬
‫أنفسهم التزام عقيدة معينة أو مذهب فقهي معي‪ .‬ولذلك نرى أهل الديث من‬
‫حيث الفقه ينتسب بعضهم إل الذهب الشافعي وبعضهم إل النبلي وبعضهم‬
‫إل الالكي وبعضهم إل النفي‪ ،‬وبعضهم إل غي هذه الذاهب‪ ،‬وكذلك ف‬
‫العتقاد وأصول الدين فبعضهم أشاعرة وبعضهم أحناف (ماتريدية) وبعضهم‬
‫حنابلة (بغض النظر عن حقيقة اعتقاد النابلة‪ ،‬سواء كان التجسيم أو التنصزيه‬
‫أو غي ذلك) وبعضهم ل ينتسبون إل أيّ من هذه الذاهب‪.‬‬
‫ولو أردنا التفصيل أكثر ف الكلم من جهة العقيدة‪ ،‬فإننا نعرف أن‬
‫بعض الحدثي كانوا مسمة وبعضهم منصزهة‪ ،‬وبعضهم من الشيعة وبعضهم‬
‫من العتزلة وبعضهم ل ينتسب إل أي طائفة من هذه الطوائف بل وافق بعضها‬

‫‪230‬‬

‫وخالف بعضها‪ ،‬وهذا المر معروف من الواقع بالفعل عن طريق الستقراء‪ ،‬ول‬
‫أظن أحدا يالف فيه‪.‬‬
‫إن الواقع تارييا يدلل على أن بعض أهل الديث كانوا من الجسمة أو‬
‫من التأثرين بنهجهم بشكل عام‪ .‬بل يكننا الدعاء بسهولة أن كثيا من الذين‬
‫تسكوا بذا الصطلح كانوا من النتمي إل عقائد الجسمة أو من التأثرين بم‬
‫خاصة ف القرن الثالث الجري والرابع‪.‬‬
‫وخاصة من الذين انتسبوا إل مذهب المام أحد بن حنبل رضي ال‬
‫عنه‪ .‬وهذه مشكلة تاريية تكلم عنها كثي من العلماء حت إن بعض كبار‬
‫علماء النابلة انتبه إل هذا مبكرا وهو المام ابن الوزي وقال إن مذهب أحد‬
‫بن حنبل قد وسخه بعض من انتسب إليه بأوساخ التجسيم والتشبيه ولذا أفرد‬
‫كتابا خاصا هو (دفع شبه التشبيه) ف الرد على هؤلء الذين تغلغلوا ف مذهب‬
‫أحد وهم مسمة صرحاء‪ .‬وهؤلء غالبا كانوا يتمسكون بعبارات فضفاضة‬
‫مثل أنم يقولون بقول السلف ويتمسكون با ورد ف الكتاب والسنة من‬
‫نصوص وغي ذلك‪ ،‬والقيقة أنه ل يرد ف الكتاب والسنة أن ال مدود ل من‬
‫جهة التحت ول من غيها من الهات ول يرد أن ال يتحرك‪ ،‬ول يرد أن ال‬
‫تلّ فيه الوادث ول يرد أن ال ف جهة ول يرد أن ال متحيز ول يرد أن يد‬
‫ال عضو منه وجزء ول يرد شيء ما جعله هؤلء الجسمة أصولً للعقيدة‬
‫السلمية ونسبوها إل الكتاب والسنة‪.‬‬
‫إن طائفة الجسمة كانوا على مر العصور من أقل الطوائف السلمية‪،‬‬
‫ول يزالوا منبوذين حت هذا الزمان الذي نن فيه‪ ،‬حي انتشرت بدعتهم وعمت‬
‫فكرتم‪ ،‬بعد أن ألبسوها عباراتم الادعة وأوهوا العامة والاصة بأنم هو‬

‫‪231‬‬

‫القائلون بقيقة معان الكتاب والسنة وعقائد السلف‪ ،‬وحرسوا ذلك كله‬
‫بتعصبهم المقوت لذه الفكار الباطلة‪ .‬ول يزل هؤلء منذ أقدم العصور‬
‫يتسترون ببعض الحاديث ويبنون مذهبهم عليها مع ضعفها من حيث السند‪،‬‬
‫وعدم إفادتا لا يقولون به من حيث الت‪ ،‬ولكنهم ييطون ذلك كله بأساليب‬
‫هائلة من الشاعات والوهام الكاذبة‪.‬‬
‫إنّ تسلل بعض الجسمة إل صفوف أهل الديث(‪ )1‬ل يعن بالرّة أن كل‬
‫الحدثي كانوا مسمة أو أنم كانوا على طريقة الجسمة‪ .‬بل القيقة أن أغلب‬
‫الحدثي وشراح الديث كانوا على طريقة أهل السنة‪ ،‬وكانوا ينفون التشبيه‬
‫والتجسيم وينصرون التنصزيه‪ ،‬والمثلة على ذلك كثية جدا‪ .‬بل إن العصر‬
‫الذي ظهر فيه الجسمة وهو أواخر القرن الثالث والرابع ل يظهروا بعد ذلك ف‬
‫الجتمعات السلمية إل كطائفة منبوذة ذات أفكار باطلة‪ ،‬وساد مذهب‬
‫التنصزيه أطراف العال السلمي مطلقا طوال هذه الفترة كما كان ف أيام‬
‫السلف الوائل حت ظهور الدعوة إل مذهب ابن تيمية ف هذا العصر الذي‬
‫نعيش فيه‪ ،‬حي وجدت لا أنصارا أقوياء ماديّا دعموا الفكرة بالادة فانتشرت‬
‫وعمت‪ ،‬مع بقائها ضعيفة فكريا ومن حيث الجة والدليل‪.‬‬
‫إن الصول الكبى من العتقاد قد يدعي بعض الناس أن السلمي‬
‫جيعا قد اتفقوا عليها ول يالف فيها أحد‪ .‬وهذه العبارة صحيحة من جهة‬
‫وتتاج إل قراءة أخرى من جهة ثانية‪ .‬وبيان ذلك أن الشيعة مثلً قد اعتبوا‬
‫اليان بكون المام منصوصا عليه أصلً كبيا من أصول الدين وذلك بعد‬
‫اتفاقهم مع الفرق السلمية الكبى على أصل التوحيد والتنصزيه والنبوة واليوم‬
‫‪)(1‬‬

‫‪232‬‬

‫وهي ظاهرة ينبغي أن تدرس بعناية‪.‬‬

‫الخر‪ ،‬فاشتراكهم مع غيهم ف هذه الصول ل يعن مطلقا اعتقادهم بعدم‬
‫تقصي الفرق الخرى ف بعض أصول الدين‪ ،‬فالشيعة يعتقدون أن المامة الت‬
‫هي أصل من أصول الدين عندهم‪ ،‬قد نفاها أو ل يؤمن با سائر الفرق‬
‫الخرى‪ ،‬ولذلك فإن موقفهم من سائر الفرق الخرى هو موقف يترتب عندهم‬
‫على خلف أصلي‪ .‬وكذلك العتزلة مثلً‪ ،‬فمسألة خلق الفعال أصل أصيل‬
‫عندهم يتم بناءً عليها اتاذ موقف أصلي وخلف كبي مع سائر الفرق‬
‫الخرى‪.‬‬
‫وهكذا بقية الفرق السلمية خل الشاعرة مع قولم بأصول الدين الشتركة‬
‫الت ذكرناها سابقا‪ ،‬إل مسألة الكسب الت قالوا با ول يلزموا با سائر الفرق‬
‫السلمية‪ ،‬فلم يوالوا غيهم ويتبؤوا منهم بناءً على هذا العن‪ ،‬بل العن الذي‬
‫اعتقدوه أصلً إنا هو كون فعل الخلوق ليس مثل فعل ال تعال‪ ،‬وكون‬
‫النسان فاعلً‪ ،‬فهذا القدر عندهم ضروري أما تديد حقيقة وماهية فعل‬
‫النسان العب عنه بالكسب‪ ،‬فلم يدع واح ٌد منهم أنه أصل دين‪ ،‬فالصل‬
‫عندهم هو عدم كون النسان خالقا‪.‬‬
‫من ذلك نرى أن معظم الفرق السلمية اتفقت على أصول معينة‬
‫ومعلومة‪ ،‬ث تيزت بعض الفرق عن بعض بالقول ببعض الفاهيم العقائدية‬
‫ل أصيلً‪ ،‬واعتبت الخالف لا مالفا لصول الدين‪،‬‬
‫واعتبت القول با أص ً‬
‫فكل فرقة إذن تعتب نفسها فقط هي الحققة لميع أصول الدين‪ ،‬وبناءا على‬
‫ذلك فقد عدوا الصول الت يؤمنون با عدّا‪ ،‬ونستثن من ذلك الشاعرة‪،‬‬
‫وبناءً على ذلك فإن كل فرقة قد تقف موقفا صلبا وقويا وربا يصل ف أكثر‬

‫‪233‬‬

‫الالت إل التكفي للفرق الخرى – إل الشاعرة أو جهورهم فإنم ل‬
‫يكفرون سائر الفرق‪.-‬‬
‫وعند ذلك نقول‪ :‬إن كانت الصول الت اتفقوا عليها هي فقط أصول‬
‫الدين وقواعده الكلية‪ ،‬فكل الفرق السلمية قد حققت ذلك مطلقا ويترتب‬
‫على ذلك أنه ل توجد فرقة واحدة نقضت القواعد القررة ف السلم‪ ،‬وإن‬
‫كان اللف بعد ذلك ينحصر ف الزيادة على هذه القواعد الصلية‪ ،‬حيث إن‬
‫كل فرقة تيزت عن غيها با أثبتته زيادة على تلك الصول‪ ،‬ومن هنا حصل‬
‫التميز لكل فرقة عن غيها‪ ،‬فالتميز حاصل بالزيادة ف الصول ل ف النقاص‬
‫منها‪.‬‬
‫إذا كان ذلك‪ ،‬فهل يوز القول إن الفرق الناجية هي فقط الفرقة الت‬
‫اقتصرت على الصول الكلية ول تزد شيئا عليها‪ ،‬وأن كل فرقة زادت على‬
‫ذلك فهي مبتدعة ف اعتبارها ما ليس أصلً‪ .‬إذا كان هذا الكلم صحيحا فإننا‬
‫نعتقد أن الشاعرة هم القرب مطلقا إل الفرق الناجية الذكورة‪ ،‬لن خلفاتم‬
‫مع غيهم معظمها ف النفي دون الثبات‪ ،‬فقد خالفوا العتزلة ونفوا اللق‬
‫للفعال‪ ،‬وخالفوا البية ونفوا الب‪ ،‬وخالفوا الجسمة ونفوا السمية ولوازمها‬
‫عن ال تعال‪ ،‬وخالفوا الشيعة ونفوا عصمة المام والنص عليه بالصورة الت‬
‫يقولا هؤلء‪ .‬ث ل يكفروا فرقة من هذه الفرق لجرد ما خالفوهم به‪ .‬ول‬
‫يكفّروا من واحد لجرد أنه خالفهم ف بعض ما أثبتوه‪.‬‬
‫والبحث ف هذا الفهوم كما ترى صعب ودقيق ويتاج إل دراسة‬
‫خاصة‪ ،‬ولكن لنرجع إل مناقشة ما ادعه ابن السمعان من كون الفرقة الناجية‬
‫هم أصحاب الديث‪ ،‬فنحن قد قلنا إن أصحاب الديث ليسوا أصحاب منهج‬

‫‪234‬‬

‫عقائدي واحد بل هم متنوعو النتساب‪ ،‬كما يعلمه كل مطلع ولذلك فإن‬
‫ادعاء أن أصحاب الديث هم الفرقة الناجية غي مسلم بالرة‪.‬‬
‫وإذا فكرنا بعد ذلك ف قول ابن السمعان الثان وهو أن السبب ف‬
‫وحدة أهل الديث هو أخذهم الدين عند طريق النقل‪ ،‬فإننا نراه غي صحيح‬
‫أيضا‪ ،‬لننا ل نسلم أن أهل الديث متحدون ف العتقاد لننا بيننا أنم قد‬
‫اختلفوا فيه‪.‬‬
‫وأما ادعاؤه أن اختلف الفرق الخرى إنا حصل لعتمادهم على أدلة‬
‫العقول‪ ،‬وأدلة العقول تتلف‪ ،‬فهو قول غي صحيح أيضا‪ ،‬فإن أدلة العقل ل‬
‫يكن أن تتلف ما دامت متوافقة مع القواعد العقلية القررة‪ ،‬وأما الختلف‬
‫الواقع بالفعل‪ ،‬فسببه هو عدم اللتزام بشروط العقل ف التفكي‪ ،‬والتجاوزات‬
‫الت تصل من الناظر ف نظره‪ ،‬فإن النظر هو فعل إنسان تابع للرادة‪ ،‬والرادة‬
‫تابعة للعلم‪ ،‬وتتأثر باليولت النفسانية والشهوات العاجلة والباقية‪ .‬فإذا كان‬
‫النظر فعلً يعتمد على ذلك‪ ،‬فإننا ل نستبعد مطلقا أن يتلف نظر الناظرين ل‬
‫لختلف أدلة العقول ف نفسها‪ ،‬بل لختلف ميولت هؤلء واتاهاتم‬
‫وعلمهم الذي هو شرط لتعقلهم‪ ،‬بل نن نقول إنه ل يوجد واحد يلتزم بطرق‬
‫النظر الصحيحة ويكن أن يتوصل ف النهاية إل نتيجة باطلة للتلزم القطعي‬
‫يبي النظر الصحيح والنتيجة الطابقة للحق بل التلزم بي النظر الصحيح‬
‫والنتيجة الصحيحة حاصل وثابت ل ريب ف ذلك‪.‬‬
‫وعليه فإن القول باختلف أدلة العقول ف نفسها هي مقولة فاسدة باطلة‪ ،‬بل‬
‫الصحيح أن يقال إن الفعل الذي يفعله الناظر ونسميه تعقلً‪ ،‬هذا الفعل هو‬
‫الذي يتلف من واحد إل آخر‪ ،‬وليشترط ف كل فعل تعقلي صدر من‬

‫‪235‬‬

‫شخص أن يكون عقلً بالفعل‪ ،‬بل العقل بالفعل هو الطابق للعقل ف نفسه‬
‫العلوم بالعلم اليقين أنه كذلك‪ .‬فصورة التفكي الصحيحة با تشتمل عليه من‬
‫صوَرٍ ترتيبية هي العقل الطلق‪ ،‬فإذا تطابق الفعل التعقلي‬
‫أسباب وشروط و ُ‬
‫الزئي مع هذا العقل الصوري‪ ،‬فإن هذا الفعل يكون عندها عقلً بالفعل‪.‬‬
‫ل بالفعل‪.‬‬
‫فليس كل فعل تعقلي عق ً‬
‫والقول بأن أدلة العقول تتفاوت ف نفسها‪ ،‬ث القول بعد ذلك بأنه ل‬
‫يوز العتماد عليها‪ ،‬هي مقولة غريبة على الفكر السلمي‪ ،‬وربا لذا اعتمد‬
‫عليها أكثر الجسمة‪ ،‬لنم ل يدوا دعما قويا لذهبهم الفاسد ف نفسه أكثر‬
‫من نقض أدلة العقول ف نفسها والتشكيك ف موصلية النظر العقلي الصحيح‬
‫إل الق‪ ،‬فمذهبهم بالفعل ل يقوم على العقل‪ ،‬بل على رحابة اليال‪ ،‬فأول ما‬
‫يفعله الجسم هو التشكيك ف أدلة العقول‪ ،‬ول يكون بإمكانه حينذاك إل‬
‫العتماد على السيات لقامة عقائده عليها وهذا هو الاصل بالفعل فيهم‪ .‬وأما‬
‫النقل فإن هؤلء إذا اقتصروا على الحسوسات كمنهاج للفكر والعرفة سهل‬
‫عليهم بعد ذلك جدا أن يرفوا نصوص الكتاب والسنة بملها على السيات‬
‫الحضة لينتج عندهم عقائد التجسيم‪ .‬ولذا فهم ل يترددون مطلقا بالنتساب‬
‫إل الكتاب والسنة‪ ،‬لنم يدركون أنم بعد التشكيك ف صلحية العقل وأدلة‬
‫العقول ف الوصول إل الق‪ ،‬وبعد اقتصارهم على السيات‪ ،‬فإنه مهما‬
‫واجهتهم نصوص شرعية تناف التجسيم فإنم يكنهم حلها مطلقا على مذهبهم‬
‫أو الدعاء أن هذه النصوص التنصزيهية إذا أبقيناها على ظاهرها فإننا ل يكن‬
‫أن نفهمها‪ ،‬ل ّن الفهم عندهم مدود بالسّ‪ ،‬وهذه النصوص التنصزيهية هي‬
‫فوق الس‪ ،‬فيقولون عندئذ يستحيل أن يرد ف الكتاب والسنة نص غي مفهوم‪،‬‬
‫وكونه غي مفهوم عندهم مب ٌر بأنم ل يفهمون إل السيات ويكملون‬

‫‪236‬‬

‫تفكيهم بعد ذلك بناءٌ على نفس البن ويملون النص على السيات أو‬
‫يعلونه متشابا كما ادعوا ف قوله تعال (ليس كمثله شيء)‪.‬‬
‫وأما أهل السنة فطريق العرفة عندهم غي مصور بالواس ول بالوهم‬
‫ول بالتجربة‪ ،‬ول بجرد النقل‪ ،‬فطريق العرفة عندهم تشمل ذلك كله وتزيد‬
‫عليه بالعقل الذي هو ف القيقية الشرط والداة ف نفس الوقت للتجربة والنقل‪،‬‬
‫فدائرة العرفة عندهم أوسع من أن تكون مصورة بالواس كأهل التجسيم‪ ،‬بل‬
‫هم يعتبون العقل طورا آخر ومنصزلة ثانية بعد الواس‪ ،‬خلفا للمجسمة‬
‫الذي يعتبونه جزءا من الواس بل ل يعترفون به منفصلً عن الس بعن أنه‬
‫طور آخر بل هو عندهم ف نفس مرتبة الس‪ ،‬ولذلك يكتفون عن النتساب‬
‫إليه واللتجاء إليه بالعتماد على الواس والحسوسات وطور الوهم الذي‬
‫يتألف فقط من الصور الحسوسة الت انتقلت إل ذهن النسان عن طريق‬
‫الواس‪ ،‬بل الجسمة يعتبون اللتجاء إل العقل فسادا وضللً‪ ،‬لنم ل‬
‫يعترفون أصلً بوجوده حقيقة كآلة للمعرفة‪ ،‬بل يعتبونه طريقا من طرق‬
‫الشهوات والرغبات‪ .‬ولذلك فإن النتيجة الطبيعية عندهم أن تكون العقول‬
‫متعارضة ل متوافقة‪ ،‬ولذلك فهم ينفون كونا مفيدة ف طريق العارف والعلوم‪.‬‬
‫هذه هي حقيقة نظرة الجسمة نو العقل وحقيقة نظرة أهل السنة إليه‪.‬‬
‫وبذا الكلم الختصر الذي نرجو أن يكون كافيا لبيان النقد والعتراض‬
‫التوجه على كلم ابن السمعان نكتفي‪ ،‬لعلنا ننتهز فرصة أخرى للتفصيل ف‬
‫هذا الوضوع الهم بسب ما يليق به‪.‬‬
‫وبذلك نكون قصد انتهينصا مصن التعليصق على بعصض مصا ورد فص كتاب‬
‫السيوطي رحه ال تعال‪ ،‬تعليقا نقديّا معتمدا على التحليل الوضوعي النصف‬

‫‪237‬‬

‫وعدم البالغة الت ل تليق ف بث مثل هذه الواضيع‪ .‬وسوف نتابع ف القسم‬
‫اللحق نقد بعض القالت الت اشتهرت ف نفس الباب‪.‬‬

‫‪238‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫تعليقات على مناظرة‬
‫أب سعيد السياف ومت بن يونس‬
‫هذه الناظرة جرت ب ي الثن ي ف ملس الوز ير ا بن الفرات ف سنة ست‬

‫وعشرين وثلثائة كما ذكره أبو حيان التوحيدي ف كتابه المتاع والؤانسة(‪،)1‬‬
‫وتدور هذه الناظرة حول النطق وفائدته كما سنرى خلل تعليقنا عليها‪.‬‬
‫وقصد اهتصم كثيص مصن الباحثيص بذه الناظرة التقدميص منهصم والتأخريصن‪،‬‬
‫فبعضهم اعتبها جوابا قاصما على الشكالية التعلقة بفائدة النطق‪ ،‬وقد أوردها‬
‫المام السيوطي ف أواخر كتابه صون النطق والكلم الذي علقنا على بعض ما‬
‫فيه سابقا‪ ،‬وأشار إليها كثي من الباحث ي العا صرين بل كتبوا عنها وحللوها‪،‬‬
‫فمنهم من أعجب با جدا واعتبها فتحا مبينا ومنهم من ناقش فقبل بعض ما‬
‫فيها ور ّد البعض الخر‪.‬‬
‫وأما نن فكما جرينا ف هذا الكتاب‪ ،‬فسوف نورد منها مقاطع مهمة‬
‫مناسبة لوضوعنا على حسب َسيْرِها وترتيبها ونُعَلّقُ على ذلك بسب ما نراه‬
‫سديدا‪.‬‬
‫المتاع والؤانسة‪ ،)1/108( ،‬منشورات دار مكتبة الباة‪ .‬تصحيح أحد أمي وأحد الزين‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫القابسات لب حيان التوحيدي‪ ،‬ص‪ ،68‬نشرة دار الكتاب السلمي القاهرة‪ ،‬تقيق حسن السندوب‬
‫سنة ‪1992‬م‪ .‬وقد أوردها المام السيوطي أيضا ف كتاب صون النطق‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫بدأت الناظرة بدعوة الوزير ابن الفرات للحضور وفيهم السياف‬
‫قائلً(‪" :)1‬ل ينتدب منكم إنسان لناظرة مت ف حديث النطق‪ ،‬فإنه يقول‪ :‬ل‬
‫سبيل إل معرفة الق من الباطل والصدق من الكذب والي من الشر والجة‬
‫من الشبهة والشك من اليقي إل با حويناه من النطق وملكناه من القيام به‪،‬‬
‫واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده‪ ،‬فاطلعنا عليه من جهة اسه على‬
‫حقائقه" اهص‪.‬‬
‫بذه العبارات لص الوزير ابن الفرات الدعوة الت يدعيها مت بن‬
‫يونس‪ ،‬ونلحظ نن أن هذا التلخيص ل يصدر على لسان مت‪ ،‬بل على لسان‬
‫الوزير‪ ،‬لكن لا ل يستدرك عليه مت شيئا أمكننا أن نعتبه صحيحا من حيث‬
‫الصورة‪ ،‬أي إن ما تده ف النطق هو ضوابط وقواعد كلية تدلك على الصورة‬
‫الصحيحة للفكر لكي تنتج نتيجة صحيحة‪ ،‬وتدلك على الضوابط الكلية للمواد‬
‫الفكرية أي من أين تأخذ القدمات وكيف تأخذها لكي ترتب منها بعد ذلك‬
‫القياس والستدلل النطقي الصحيح‪.‬‬
‫وأما قوله‪( :‬واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده)‪ ،‬إن قصد به أننا‬
‫يب علينا اللتزام فقط با صدر على لسان أرسطو‪ ،‬فهذا ل يقول به منطقي‬
‫قط ول يقل به أرسطو‪ ،‬وينقضه العقل السليم‪ ،‬وإن قصد أننا إنا نلتزم بضوابط‬
‫النطق ف نفس المر سواءً دلنا عليها أرسطو أو غيه من العلماء والناطقة فهذا‬
‫هو الق ل ينقضه ناقض‪ .‬وهذا صحيح مطلقا ف الصورة الفكرية والادة‬
‫الفكرية‪.‬‬

‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة‪ )1/108( ،‬طبعة منشورات دار الياة بتصحيح أحد أمي وأحد الزين‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫إذن هذه كانت الدعوى الت تقوم عليها الناظرة‪ ،‬وقد تقدم السياف إل‬
‫مت بالسؤال التال بعد موافقته على التصدي له(‪" :)1‬حدّثن عن النطق ما تعن‬
‫به فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلمنا معك ف قبول صوابه ورد خطئه على‬
‫سنن َمرْضيّ وطريقة معروفة" اهص‪ .‬وهذه بداية حسنة من السياف فإن أساس‬
‫الناظرة هو بيان الدعوى‪.‬‬
‫وأجابه مت قائلً(‪" :)2‬أعن به أنه آلة من آلت الكلم يعرف با صحيح‬
‫الكلم من سقيمه وفاسد العن من صاله كاليزان" اهص‪.‬‬
‫هذا هو جواب مت‪ ،‬والعارف بالنطق يدرك أن هذا الواب غي معب عن‬
‫حقيقة النطق‪ ،‬فإن النطق ل علقة له بالكلم لن الكلم القصود هنا هو‬
‫الكلم اللفظي فإنه التبادر عند الطلق‪ ،‬والنطق ليس من وظيفته بيان صحيح‬
‫الكلم من سقيمه‪ ،‬لن هذه هي وظيفة علوم أخرى كما سيشي السياف‪ ،‬وأما‬
‫قوله (وفاسد العن من صاله) فهو صحيح ولكن العبارة قاصرة وغي واضحة‬
‫كما ينبغي أن تصدر من منطقي‪.‬‬
‫والوصف الوحيد اليد الذي ذكره مت هنا هو قوله إن النطق آلة‪ ،‬فكون‬
‫النطق آلة صحيح مطلقا ل استدراك عليه‪ ،‬ولكن هل هو آلة للكلم أو آلة‬
‫للفكر‪ ،‬إنه آلة للفكر قطعا‪ ،‬ولذا قال ابن سينا ف منطق الشرقي(‪:)3‬‬
‫"وتنقسم العلوم الصلية إل قسمي أيضا فإن العلم ل يلو إما أن ينتفع‬
‫به ف أمور العال الوجودة ما هو قبل العال‪ ،‬ول يكون قصارى طالبه أن يتعلمه‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪)1/109‬‬
‫‪ )(2‬المتاع والؤانسة (‪)1/109‬‬
‫‪ )(3‬منطق الشرقيي ص ‪ ،9‬طبعة مكتبة العفري التبيزي‪.‬‬

‫‪241‬‬

‫حت يصي آلة لعقله يتوصل با إل علوم هي علوم أمور العال وما قبله‪ ،‬وإما أن‬
‫ينتفع به من حيث يصي آلة لطالبه فيما يروم تصيله من العلم بالمور الوجودة‬
‫ف العال وقبله‪.‬‬
‫والعلم الذي يطلب ليكون آلة قد جرت العادة ف هذا الزمان وف هذه‬
‫البلدان أن يسمى علم النطق ولعل له عند قوم آخرين اسا آخر‪ ،‬لكننا نؤثر أن‬
‫نسميه الن بذا السم الشهور‪.‬‬
‫وإنا يكون هذا العلم آلة ف سائر العلوم لنه يكون علما منبها على‬
‫الصول الت يتاج إليها كل من يقتنص الجهول من العلوم باستعمال للمعلوم‬
‫على نو وجهة يكون ذلك النحو وتلك الهة مؤديا بالباحث إل الحاطة‬
‫بالجهول‪ ،‬فيكون هذا العلم مشيا إل جيع الناء والهات الت تنقل الذهن‬
‫من العلوم إل الجهول‪ ،‬وكذلك يكون مشيا إل جيع الناء والهات الت‬
‫تضل الذهن وتوهه استقامة مأخذ نو الطلوب من الجهول ول يكون‬
‫كذلك"‪ .‬اهص‪.‬‬
‫هذا هو معن كون النطق آلة علمية‪ ،‬وقد نص سائر الناطقة على ذلك‬
‫التقدمون منهم والتأخرون‪ ،‬ومن ذلك ما قاله العلمة البنان(‪ )1‬ف شرح السلم‬
‫النورق عند قول الناظم‪:‬‬
‫وبعد فالنطق للجنان‬
‫فيعصم الفكار عن غَ ّي الَطا‬

‫‪)(1‬‬

‫‪242‬‬

‫شرح السلم النورق للبنان ص ‪.17-16‬‬

‫نسبته كالنحو للسان‬
‫وعن دقيق الفهم يكشف الغِطا‬

‫"أما حدّه فهو العلم الباحث عن أحوال العلومات التصويرية والتصديقية‬
‫من حيث التأدي با إل مهول تصوري أو تصديقي‪ ،‬ورسه باعتبار غايته هو أن‬
‫تقول‪ :‬علمٌ يعرف به كيفية التوصل بالعلوم إل الجهول" اهص‪.‬‬
‫وقال العلمة سعيد قدّورة ف شرحه(‪" :)1‬أما حدّه‪ ،‬فقد عرّفوا النطق‬
‫بأنه‪ :‬آلة قانونية تعصم مراعاتا الذهن عن الطأ ف الفكر‪ ،‬وهذا التعريف رسم‬
‫لن ال ّد يكون بالذاتيات‪ ،‬وكون النطق آلة لغيه من العلوم ليس من ذاتياته بل‬
‫هو عرض ومن العرضيات يكون الرسم‪ ،‬فاللة هي الواسطة بي الفاعل ومنفعله‬
‫ف حصوله كالنشار للنجار‪ ،‬فإنه واسطة بينه وبي الشب ف وصول أثره‬
‫إليها"‪ .‬اهص‪.‬‬
‫ف النطق بذا المر مشهور معروف بي العلماء‪ .‬فهو ليس ميزانا‬
‫َفوَصْ ُ‬
‫للكلم كما قال مت بل هو ميزان للفكر فقط ول علقة له بالكلم فإن ميزانه‬
‫هو النحو وعلوم اللغة‪.‬‬
‫ولذلك فقد انتهز السياف هذا الواب وشنع على مت قائلً(‪" :)2‬أخطأت‪،‬‬
‫لن صحيح الكلم من سقيمه‪ ،‬يعرف بالنظم الألوف والعراب العروف إذا‬
‫كنا نتكلم بالعربية"‪.‬‬
‫وبنا ًء على هذا أيضا قال ف جوابه‪" :‬إذا كان النطق وضعه رجل من يونان‬
‫على لغة أهلها واصطلحهم عليها وما يتعارفونه با من رسومها وصفاتا فمن‬
‫أين يلم الترك والند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما‬
‫لم‪ ،‬ما شهد لم به قبلوه‪ ،‬وما أنكر رفضوه"‪.‬‬
‫‪)(1‬‬
‫‪)(2‬‬

‫‪243‬‬

‫شرح العلمة سعيد قدورة‪ ،‬مع شرح البنان ص‪.17-16‬‬
‫المتاع والؤانسة (‪.)109-1‬‬

‫فهذا الكلم كله بناه السياف على طرفٍ من جواب مت‪ ،‬وهو غالط ف‬
‫ي شيء ما قاله السياف هنا لعدم‬
‫هذا الواب‪ ،‬ولذا فل يلزمنا أن نسلم بأ ّ‬
‫تسليمنا أصل أن النطق هو آلة للكلم ف نفس المر‪ .‬ولو كان النطق كذلك‬
‫لصح جواب السياف قطعا‪.‬‬
‫وأجاب مت على ذلك‪" :‬إنا لزم ذلك لن النطق بث عن الغراض‬
‫العقولة والعان الدركة‪ ،‬وتصفح للخواطر السانة والسوانح الاجسة‪ ،‬والناس‬
‫ف العقولت سواء‪ ،‬أل ترى أن أربعة وأربعة ثانية سواء عند جيع المم‪،‬‬
‫وكذلك ما أشبهه"‪ .‬اهص‪.‬‬
‫هذا جواب مت على اللزام الذي وجهه إليه السياف بناءً على ظاهر‬
‫كلمه السابق الذي ذكرنا جهة ضعفه‪ ،‬ومت ف هذا الواب ياول التركيز‬
‫على الانب الصحيح من هدف وموضوع علم النطق‪ ،‬فعلم النطق يركز على‬
‫البحث عن العان‪ ،‬والعان مشتركة بي بن البشر‪ ،‬ل يتص طائفة منهم بعرفة‬
‫ما ل يعرفه الخرون‪ ،‬وهذا تراجع من مت عن القسم الول من كلمه السابق‬
‫الذي ادعى فيه أن النطق يبحث ف الكلم‪.‬‬
‫وقد نقض السياف هذا الانب بكلم قوي‪ ،‬وها هو الن مت يصحح‬
‫جوابه وينص على الوضوع الصحيح لعلم النطق‪ ،‬فلنر الن باذا ييبه السياف‪.‬‬
‫فقد قال(‪" : )1‬لو كانت الطلوبات بالعقل والذكورات باللفظ ترجع مع‬
‫شعبها الختلفة وطرائقها التباينة إل هذه الرتبة البينة ف أربعة وأربعة وأنما‬

‫‪)(1‬‬

‫‪244‬‬

‫المتاع والؤانسة (‪.)1/111‬‬

‫ثانية زال الختلف وحضر التفاق ولكن المر ليس هكذا ولقد موّهت بذا‬
‫الثال" اهص‪.‬‬
‫الن نقول‪ :‬كلم السياف هنا منحرف عن الصواب‪ ،‬وهو إلزام لت با‬
‫ل يلزمه‪ ،‬لن مت إنا ضرب الثال تقريبا للشتراك ف جنس العان‪ ،‬ول يضربه‬
‫للقول بأن العان العقولة واضحة عند جيع البشر كوضوح قولنا أربعة زائد‬
‫أربعة يساوي ثانية‪ ،‬ل هو ل يرد ذلك‪ .‬بل إن أصل ضرورة الحتياج لعلم‬
‫النطق مبن على نفي ذلك العن الذي يريد السياف إلزام مت به‪ ،‬لن علم‬
‫النطق إنا صح النظر فيه ووجب لن بعض العلومات بديهية وبعضها نظرية‪،‬‬
‫والنظرية تتاج إل طريق صحيح للنظر‪ ،‬والناس ف النظار ليسوا معصومي‬
‫فاحتاجوا إل قانون ييزون به مسلكهم ف النظر ويسيون عليه‪ .‬وهذا قد نص‬
‫عليه سائر الناطقة‪.‬‬
‫قال الل عبد ال اليزدي(‪" :)1‬ثبت احتياج الناس إل النطق ف العصمة‬
‫عن الطأ ف الفكر بثلث مقدمات‪:‬‬
‫القدمة الول‪ :‬أن العلم إما تصور أو تصديق‪.‬‬
‫القدمة الثانية‪ :‬أن كلً منهما إما أن يصل بل نظر أو يصل بالنظر‪.‬‬
‫القدمة الثالثة‪ :‬أن النظر قد يقع فيه الطأ‪.‬‬
‫فهذه القدمات الثلث تفيد احتياج الناس ف التحرز عن الطأ ف‬
‫الفكر إل قانون وذلك هو النطق" اهص‪.‬‬
‫‪ )(1‬حاشية الل عبد ال على التهذيب (ص ‪.)43‬‬

‫‪245‬‬

‫وقال العلمة الكاتب(‪" :)1‬العلم إما تصور تصور فقط وهو حصول‬
‫صورة الشيء ف العقل وإما تصور معه حكم وهو إسناد أمر إل آخر إيابا أو‬
‫سلبا‪ ،‬ويقال للمجموع تصديق‪ ،‬وليس الكل من كل منهما بديهيا وإل لا‬
‫جهلنا شيئا ول نظريا وإل لدار أو تسلسل‪ ،‬بل البعض من كل منهما بديهي‪،‬‬
‫والبعض الخر نظري يصل بالفكر‪ ،‬وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إل‬
‫مهول‪ ،‬وذلك الترتيب ليس بصواب دائما لناقضة بعض العقلء بعضا ف‬
‫مقتضى أفكارهم‪ ،‬بل النسان الواحد يناقض نفسه ف وقتي‪ ،‬فمست الاجة‬
‫إل قانون يفيد معرفة طرق اكتساب النظريات من الضروريات والحاطة‬
‫بالصحيح والفاسد من الفكر الواقع فيها وهو النطق‪ ،‬ورسوه بأنه‪ :‬آلة قانونية‬
‫تعصم مراعاتا الذهن عن الطأ ف الفكر" اهص‪.‬‬
‫وكلم الناطقة ف هذا العن طويل وكثي‪ .‬فإلزام السياف لت با ألزمه‬
‫به غلط كما ترى‪.‬‬
‫ث قال السياف(‪" :)2‬ولكن مع هذا أيضا إذا كانت الغراض العقولة‬
‫والعان الدركة ل يوصل إليها إل باللغة الامعة للساء والروف أفليس قد‬
‫لزمت الاجة إل معرفة اللغة" ووافقه مت على هذا‪ ،‬فقال السياف‪" :‬أنت إذا‬
‫لست تدعونا إل علم النطق‪ ،‬إنا تدعو إل تعلم اللغة اليونانية وأنت ل تعرف‬
‫لغة يونان" اهص‪.‬‬
‫الكلم هنا يدور عن علقة النطق باللغة‪ ،‬وهل النطق من جنس اللغة‪،‬‬
‫وهل النطق عبارة عن قواعد اللغة اليونانية كما يفهم من إلزامات السياف لت‪.‬‬
‫‪ )(1‬الشمسية ص ‪ 7‬فما بعدها مع شرح القطب‪.‬‬
‫‪ )(2‬المتاع والؤانسة (‪.)1/111‬‬

‫‪246‬‬

‫أيّ علمٍ من العلوم يتوقف على اللغة‪ ،‬ل ف وجوده ف ذاته‪ ،‬بل ف‬
‫إيصاله وتوصيله إل الخرين‪ ،‬فأنت ل يكنك أن تستفيد علم الرياضيات من‬
‫غيك إل عن طريق اللغة‪ ،‬فاللغة تتوقف عليها العلوم ف النقل والتواصل‪ ،‬وهكذا‬
‫هو علم النطق فهو علم كسائر العلوم‪ ،‬هذه هي الهة الوحيدة لعلقة النطق‬
‫باللغة‪.‬‬
‫قال العلمة القطب الشيازي(‪" :)1‬ل شغل للمنطقي من حيث هو‬
‫منطقي باللفاظ‪ ،‬فإنه يبحث عن القول الشارح والجة وكيفية ترتيبها‪ ،‬وهو ل‬
‫يتوقف على اللفاظ‪ ،‬فإن ما يوصل إل التصور ليس لفظ النس والفصل‪ ،‬بل‬
‫معناها وكذلك ما يوصل إل التصديق مفهومات القضايا ل ألفاظها‪ ،‬ولكن لا‬
‫توقف إفادة العان واستفادتا على اللفاظ صار النظر فيها مقصودا بالعرض‬
‫وبالقصد الثان"‪ .‬اهص‪.‬‬
‫وقال الشريف الرجان ف حاشيته‪" :‬فالنطقي إذا أراد أن يعلم غيه‬
‫مهولً تصوريا أو تصديقا بالقول الشارح أو الجة فل بد له هناك من اللفاظ‬
‫ليمكنه ذلك‪ ،‬وأما إذا أراد أن يصل هو لنفسه أحد الجهولي بأحد الطريقي‬
‫فليس اللفاظ هناك أمرا ضروريا إذ يكنه تعقل العان مردة عن اللفاظ لكنه‬
‫عسي جدا وذلك لن النفس قد تعودت ملحظة العان من اللفاظ بيث إذا‬
‫أرادت أن تتعقل العان وتلحظها تتخيل اللفاظ وتنتقل منها إل العان‪ ،‬ولو‬
‫أرادت تعقل العان حزمة صعب عليها ذلك صعوبة تامة كما يشهد به الرجوع‬
‫إل الوجدان‪.‬‬

‫‪ )(1‬شرح الشمسية ص ‪.28‬‬

‫‪247‬‬

‫بل نقول من أراد استفادة النطق من غيه أو إفادته إياه احتاج إل‬
‫اللفاظ‪ ،‬وكذا الال ف سائر العلوم فلذلك عدت مباحث اللفاظ مقدمة‬
‫للشروع ف العلم كما أشرنا إليه‪.‬‬
‫ث إن النطقي يبحث عن اللفاظ على الوجه الكلي التناول لميع‬
‫اللغات لتكون هذه الباحث مناسبة للمباحث النطقية‪ ،‬فإنا أمور قانونية متناولة‬
‫لميع الفهومات‪ ،‬وربا يورد على الندرة أحوال مصوصة باللغة الت دون با‬
‫هذا الفن لزيادة العتناء با" اهص‪.‬‬
‫إذن هذا هو القدر الذي يتاج فيه النطق إل اللغة‪ ،‬ولكن من الذي‬
‫يقول إن النطق فقط هو الحتاج إل اللغة هذا النوع من الحتياج‪ ،‬إن العلوم‬
‫كلها تتاج إل اللغة كما ذكرناه ف الكلم السابق‪ .‬فالسياف عندما قال إن مت‬
‫يدعو إل تعلم اللغة اليونانية مطئ قطعا ول يلزمه مطلقا هذا اللزام‪.‬‬
‫النطق عبارة عن القواعد للفكر العقلي‪ ،‬وليس هذا هو عي اللغة‪ ،‬بل‬
‫اللغة مهمتها التعبي عن هذا الفكر العقلي للغي‪ ،‬فهي واسطة ف النقل‪ ،‬ل‬
‫واسطة ف الوجود‪.‬‬
‫وقد أشار السياف إل مشكلة الترجة ف علم النطق‪ ،‬وحاصلها أنه إذا‬
‫كان النطق مدونا باليونانية وأراد مت أن ينقله إل العربية‪ ،‬فإن كان ل يعرف‬
‫اليونانية فكيف ينقله‪ ،‬وإذا نقله عن لغة أخرى كالسريانية مثلً فما الذي يضمن‬
‫أنه ل تصل تشويهات لذا الفن عن طريق الترجة‪ ،‬هذا هو حاصل السؤال‪.‬‬
‫والواب‪ :‬أنه يكن البتعاد عن هذا التحريف بأن تتم عدة ترجات لكتب‬
‫النطق فل نعتمد فقط على ترجة مت‪ ،‬وأيضا فإن علم النطق هو علم عقلي‬

‫‪248‬‬

‫أساسا وليس أدبيا مضا لكي يقال إننا نعتمد اعتمادا مطلقا ف العلم به على‬
‫مرد نقله من اللغة اليونانية إل العربية‪ ،‬بل الذي يصل حقيقة هو أن العلماء‬
‫ينقدون ما يترجم من هذا العلم وياكمونه بعقولم فإن وجدوا ما يالف‬
‫العقول فإنم ينقدونه ويعترضون عليه‪ .‬فكيف نقول لو ت نقل قسم من علم‬
‫الرياضيات مثلً‪ ،‬أل نستدرك ما تراه مالفا للقواعد الصحيحة‪ ،‬أم إن كل ما‬
‫ينقل فإننا نلتزم به حت لو كان غلطا‪ ،‬إن الاصل بالفعل هو أن العلماء ل‬
‫يعتمدوا على مرد النقل بل حاكموا ما وصلهم عن طريق الترجة‪ ،‬ول يقتصروا‬
‫على ترجة واحدة بل تعرفوا على عدة ترجات‪ ،‬وهذا يكفي جدا للحتراز عن‬
‫الحظور الذي أشار إليه السياف‪.‬‬
‫وقد أشار السياف بذكاء بالغ إل أن مت إنا ينقل عن السريانية ل عن‬
‫اليونانية مباشرة(‪ )1‬وهذا يستدعي تراكب الغلط ف الترجة‪ ،‬ونن نقول إنه‬
‫كلما كثرت الوسائط تزداد احتمالية الوقوع ف الغلط‪ ،‬نعم هذا صحيح‪ ،‬ولكن‬
‫علم النطق ليس علما يعتمد على نقل الحاسيس والشاعر حت يصدق عليه‬
‫هذا‪ ،‬بل هو علم صناعي آل‪ ،‬فل يؤثر هذا العامل فيه كثيا‪ ،‬كما لو نقلنا‬
‫قواني الفيزياء عن اللغة الفرنسية‪ ،‬والفرنسيون نقلوها عن النليز‪ ،‬وهكذا‪ ،‬ث‬
‫مع تعدد الترجات تقل نسبة الوقوع ف الغلط‪ ،‬وأيضا إذا كان علم النطق‬
‫عقليا‪ ،‬فإن الترجات نفسها تسلط عليها العقول الناقدة آليات النقد والتحرير‪،‬‬
‫فإذا كان يوجد بعض الغلط أمكن تدراكها مع كثرة العقول الناظرة‪ ،‬وهذه‬
‫وسيلة أخرى لتحرير النطق من الغلط الواقع فيه من جهة الترجة‪ ،‬مع أنن‬
‫استبعد أن يقع غلط عظيم ف النطق من جهة الترجة‪ ،‬نعم يكن أن يقع ف‬
‫الفلسفة أو ف الدب أما ف النطق فالترجة يبعد أن تكون مصدرا لغلط‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪.)1/111‬‬

‫‪249‬‬

‫عظيمة فيه تعز على العقول الناظرة فيه بعد ذلك إدراكها وكشفها وذلك لا‬
‫ذكرناه آنفا من أن النطق علم آل مرد‪ ،‬أي يتم بيان صورة الفكر فيه‪ ،‬ل مرد‬
‫مشاعر عاطفية ووجدانية أو انفعالت نفسانية كالدب وغيها من الفنون‪.‬‬
‫فالبالغة إذن ف نقد النطق بالعتماد على هذا الوجه غي سائغة ول‬
‫دقيقة‪.‬‬
‫وبعد ذلك سلم السياف تنصزلً بلو الترجة عن مثل هذه الغلط‬
‫والتحريفات ث ألزم مت قائلً(‪" :)1‬فكأنك تقول‪ :‬ل حجة إل عقول يونان ول‬
‫برهان إل ما وضعوه ول حقيقة إل ما أبرزوه" اهص‪.‬‬
‫فأجابه مت قائلً‪" :‬ل ‪ ،‬ولكنهم من بي المم أصحاب عناية بالكمة‬
‫والبحث عن ظاهر هذا العال وباطنه‪ ..‬ال"‪.‬‬
‫ورد عليه السياف‪" :‬أخطأت وتعصبت وملت مع الوى‪ ،‬فإن علم العال‬
‫مبثوث ف العال بي جيع من ف العال‪ ..‬ال‪".‬‬
‫هذا القطع من الناظرة ل يهمنا كثيا ف موضوعنا وهو علم النطق‪ ،‬فل‬
‫أحد من مناطقة السلم ادعى أن اليونان تفردوا ف سائر العلوم وأن ل علم إل‬
‫من اليونان ولكن ف نفس الوقت‪ ،‬ل يكن إهال دور اليونان ف العلوم العقلية‬
‫والطبيعية ف متلف أنواعها وبالنسبة إل كثي من المم‪ ،‬نعم نن ل نقول بتفرد‬
‫اليونان ف العلوم والعارف‪ ،‬وهذا أمر معلوم ضرورة‪ ،‬فكل أمة من المم ف‬
‫العال لا مهوداتا ف العلوم والفنون‪ ،‬خاصة شعوب منطقة الشرق الوسط ف‬
‫العراق والضارات القدية لبلد الرافدين‪ ،‬والضارات الت قامت ف سوريا‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪.)1/112‬‬

‫‪250‬‬

‫ولبنان‪ ،‬ومصر وهي مهد الضارات والعلوم‪ ،‬وكذلك ف غيها من البلد‬
‫كالصي والند وكثي من بلد العال‪ .‬نن ل نقول بانصار العارف والعلوم ف‬
‫اليونان‪ ،‬ول بشر بن مت يقول بذلك‪ ،‬ول متكلموا السلم يقولون بذلك‪ ،‬بل‬
‫إن الجوم الكبي الذي حصل خاصة من طرف علماء الكلم على العارف‬
‫والفلسفات اليونانية‪ ،‬ربا ل يصل مثله ف أمة من المم الخرى الت وقعت‬
‫أسية بي أسنان العارف اليونانية‪.‬‬
‫ث قال السياف(‪" :)1‬وها هنا مسألة‪ ،‬تقول‪ :‬إن الناس عقولم متلفة‬
‫وأنصباؤهم منها متفاوتة‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬وهذا الختلف والتفاوت بالطبيعة أو‬
‫بالكتساب قال‪ :‬بالطبيعة‪ .‬قال‪ :‬فكيف يوز أن يكون ها هنا شيء يرتفع به‬
‫هذا الختلف الطبيعي والتفاوت الصلي‪ .‬قال مت‪ :‬هذا قد مر ف جلة‬
‫كلمك آنفا" اهص‪.‬‬
‫التفاوت بي البشر حاصل وواقع‪ ،‬كما أن التفاق بينهم حاصل وواقع‪،‬‬
‫وف كل جهة من الهات ند قدرا من التفاق الاصل بي البشر كما ند‬
‫قدرا من الختلف أيضا‪ .‬وف مال النظر والعلم وطرق الفكر‪ ،‬يوجد قدر من‬
‫التفاق وقدر من الختلف‪ ،‬فالبشر يستعينون ف حوارهم ومناقشاتم‬
‫وتواصلهم با اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه‪ ،‬ويتخذون مل الوفاق جسرا‬
‫للوصول إل اتفاق آخر ف مل الختلف‪ .‬هذا من جهة عامة‪.‬‬
‫وأما ف مال الفكر والنظر‪ ،‬وخاصة ف مال القواعد الكبى‪ ،‬فل يكن‬
‫أن نعزو اللف الاصل إل مرد الطبيعة‪ ،‬لن ذلك لو كان صحيحا لنعدمت‬
‫الاجة إل النظر والوار‪ ،‬لن ما بالطبيعة ل يتغي إل إذا انقلبت الاهيات‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪.)1/113‬‬

‫‪251‬‬

‫والقائق‪ ،‬وهذه ل تتغي بالنظر والدل والناقشات‪ .‬ولكن الاصل بالفعل أن‬
‫البشر حت ف حال ملحظتهم لواضع الختلف‪ ،‬فإنم يسعون إل الوار‬
‫والنقاش وماولة كل واحد من الطراف إقناع الخرين برأيه‪ ،‬وهذا دليل كافٍ‬
‫على وجود قناعة داخلية واعتقاد راسخ ف نفوس الميع بأن الختلف الاصل‬
‫ليس راجعا إل مرد الطبيعة‪ ،‬وإل لا حاولوا إزالته بالنظر والفكر والوار‪.‬‬
‫إذن ل بد من التسليم بوجود قدر مشترك بي سائر البشر ف آلية النظر‬
‫والفكر‪ ،‬وهذا القدر الشترك هو الوسيلة واللة الت بواسطتها يتوصل الناس إل‬
‫تصيل التواصل والتفاهم مع بعضهم البعض‪.‬‬
‫نعم الختلف حاصل وهذا ل ينكر أيضا‪ ،‬ولكن الختلف له أسباب‬
‫أيضا‪ ،‬وقد يقال‪ :‬ل بد من وجود سبب طبيعي للختلف‪ ،‬أي ل بد من وجود‬
‫سبب غي تابع للرادة ينتج عنه الختلف بي البشر‪ ،‬بل هو راجع إل نفس‬
‫الطبائع الت خلق عليها الناس‪ .‬ونقول‪ :‬نعم هذا صحيح‪ ،‬وأيا كان هذا الانب‬
‫من اللف الذي نتج من طبيعة البشر‪ ،‬فل يوز أن يتم السعي إل إزالته‬
‫ومدافعته إل بقدر ما يكون مؤشرا إل الروج عن النطق العام والقواعد الكلية‬
‫الت ت التفاق عليها‪ .‬فل يكن أن يقع التكليف من الشارع بإزالة اللفات‬
‫الطبيعية بي الناس‪ ،‬لن هذا ليس ما يقع تت قدرة البشر‪ ،‬فل يتم التكليف به‪.‬‬
‫ولكن غاية ما يقال هنا‪ ،‬هو أن بعض الناس إذا ركزوا أبصارهم وانرفوا ف‬
‫تصرفاتم مع ما يتصون هم به طبيعة ويتميزون به عن غيهم‪ ،‬ربا يدفعهم هذا‬
‫إل التجاوز على حقوق الخرين وأخذ ما لديهم والتسلط عليهم‪ .‬وهذا غالبا‬
‫يصل إذا كان ما يتميزون به من جنس الشهوات والغرائز كحب التملك‬
‫وحب السلطة والاه والثروة‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫فمثل هذه الصفات قد تكون ظاهرة بالطبيعة عند بعض الناس‪ ،‬وتكون‬
‫خفية عن الخرين‪ ،‬ولكن ل يوز لن ظهر با أن ينجرف وراءها لستعباد‬
‫الخرين واستملكهم‪ ،‬لن هذا يلزم عنه إفناء وجوداتم وهذا ل يق لواحد‬
‫من البشر مطلقا‪.‬‬
‫إذن ل بد أن يكون هناك ضابط موجود ف طبائع البشر ويشتركون فيه‬
‫جيعهم‪ ،‬يكون الرجع إليه عند الختلف‪ .‬نعم حت ف هذا الضابط قد يتفاوت‬
‫حصوله بالفعل بينهم‪ ،‬فيكون ظاهرا ف البعض بالطبيعة حصولً عند البعض‬
‫وقابلية عند الخرين ولكن هذا القدر من التفاوت ل يكون مطلقا سببا ف نفي‬
‫الحتكام إليه؛ لن من ل يظهر فيه هذا الضابط منذ نشأته‪ ،‬فهو متمكن وقادر‬
‫على اكتساب‪ ،‬ول نقصد باكتسابه أي اكتسابه أصله‪ ،‬فهذا ل بد أن يكون‬
‫ل بالفعل عند الميع‪ ،‬ولكن نقصد اكتساب بعض لوازمه أو استحصال‬
‫حاص ً‬
‫دوام الشعور به أو التمكن من استعماله استعما ًل طيّعا كآلة ميزانية‪ ،‬وهذا يتم‬
‫بالكسب والجتهاد‪.‬‬
‫ولذا قال العلماء أن العقل منه ما هو فطري ومنه ما هو كسب‪ ،‬ولكن‬
‫ل قيام للمكتسب إل بنا ًء على الفطري‪.‬‬
‫إذن ل يصح ما قاله السياف بصوص وقوع التفاوت الطبيعي بي‬
‫العقول البشرية وما استلزمه بعد ذلك‪ ،‬ول يسلم جواب مت له فهو غي دقيق‪،‬‬
‫فكل منهما قد تاوز الد‪ ،‬وتاون ف كلمه‪ ،‬والتحقيق عندنا هو ما ذكرناه‬
‫سابقا‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫ث بعد ذلك دار الكلم بينهما على العلقة بي النحو والنطق‪ ،‬وقد‬
‫أشرنا ف ما سبق إل هذا الوضوع ووضحنا أن النطق يتاج إل اللغة ومن‬
‫ضمنها النحو من باب اليصال والتوصيل‪ ،‬لن النطق هو قواعد العقل البشري‬
‫ف استنباط العان واستخراج الفكار‪ ،‬وأما النحو فهو آلة لغوية تُضبط با‬
‫اللفاظ بصورة معنية لكي يستطيع قارئ الكلم معرفة العان الت يريدها التكلم‬
‫بشكل صحيح‪ .‬فالنطق هو مموعة القواعد الضابطة للنسان أثناء النظر‬
‫والفكر‪ ،‬والنحو هو مموعة القواعد الضابطة للنسان أيضا أثناء توصيله العان‬
‫ل عنه‪،‬‬
‫والفكار إل غيه‪ .‬فل يستطيع النحو أن يل مل النطق وليس هو بدي ً‬
‫وكذلك ل يكن للمنطق أن يل مل النحو ول هو بديل عن النحو‪.‬‬
‫وبناء على ذلك‪ ،‬فلكل لغة نوها الاص‪ ،‬ولكن البشر عموما يب أن‬
‫يكون لم منطق واحد‪ ،‬وأما اختلفهم بعد ذلك فهو لسباب عارضة راجعة إل‬
‫ظروفهم العقائدية أو السياسية أو الفكرية أو النفسية وغي ذلك‪ .‬وهذا يتاج إل‬
‫بث خاص‪.‬‬
‫وأما قول السياف(‪" :)1‬والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية‪ ،‬والنطق‬
‫نو ولكنه مفهوم باللغة‪ ،‬وإنا اللف بي اللفظ والعن أن اللفظ طبيعي والعن‬
‫عقلي"‪.‬‬
‫فإذا قصد السياف أن النحو بديل النطق‪ ،‬فل شك ف وجود البالغة ف‬
‫كلمه ويدل على بطلنه ما سبق لنا بيانه‪ ،‬ولكنه يكن أن يقول‪" :‬والنحو منطق‬
‫اللغة‪ ،‬والنطق نو العقول" فتكون عبارته صحيحة ومفيدة ومطردة مع جيع‬
‫الكلم السابق‪ ،‬وأما اللفظ والعن فما ذكره صحيح‪.‬‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪.)1/115‬‬

‫‪254‬‬

‫ث جعل السياف بعد ذلك يسأل مت مسائل متعلقة بعلم النحو‪ ،‬فلما ل‬
‫يعرف هذا الواب عليها‪ ،‬شنع عليه وقلل من فائدة علم النطق‪ ،‬وهذا التصرف‬
‫ليس بصحيح من السياف‪ ،‬فل يشترط ف النطقي أن يكون عالا بالنحو‪ ،‬وعدم‬
‫معرفة النطقي لسائل النحو ل تستلزم التقليل من أهية النطق مطلقا‪ ،‬فماهية‬
‫النطق تتحقق من دون انضمام النحو إليها‪ .‬والنسان يكون منطقيا إذا تصلت‬
‫عنده العرفة بالقواعد الكلية الت تكون آلة لدراك العارف ووسيلة للنظر‪،‬‬
‫وسواء أعرف بعد ذلك علم النحو أو جهله فل يؤثر ذلك على كونه منطقيا‪.‬‬
‫وليس كل إنسان منطقيا‪ ،‬لنه ليس كل إنسان يعرف معرفة تفصيلية القواعد‬
‫الفكرية الكلية‪ ،‬ومرد تأهل الواحد للعلم با ل يستلزم أنه عال با‪.‬‬
‫ولا عرّض السياف مت لذا الوقف أراد مت أن يعكسه عليه فقال له(‪:)1‬‬
‫"لو نثرت أنا أيضا عليك من مسائل النطق أشياء لكان حالك كحال"‪ ،‬قال أبو‬
‫سعيد‪" :‬أخطأت‪ ،‬لنك إذا سألتن عن شيء انظر فيه‪ ،‬فإن كان له علقة بالعن‬
‫وصح لفظه على العادة الارية أجبت ث ل أبال أن يكون موافقا أو مالفا وإن‬
‫كان غي متعلق بالعن رددته عليك … ال"‪.‬‬
‫هذا القطع الذي ياول فيه مت أن يعكس السؤال على السياف‪ ،‬بأن‬
‫يسأله سؤالت ف علم النطق‪ .‬وحاصل جواب السياف نوضحه فيما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ل شك أن علم النطق له مصطلحات خاصة‪ ،‬والسياف قد ل‬
‫يعرف جيع هذه الصطلحات‪ ،‬وعدم معرفته بجرد الصطلح ل يعتب معيبا‬
‫عنده‪ ،‬وهو كذلك‪.‬‬
‫‪ )(1‬المتاع والؤانسة (‪.)1/122‬‬

‫‪255‬‬

‫ثانيا‪ :‬قرر السياف أن السؤال الذي سيورده عليه مت إن كان متعلقا‬
‫بجرد اللفظ والصطلح فل يضره عدم معرفته له‪ .‬وإن كان متعلقا بالعن‪ ،‬فإنه‬
‫ينظر ف نفس العن فإن كان صحيحا قبله وإن كان غي صحيح رده عليه ول‬
‫يلتفت إليه‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬هذه الطريقة الت اتبعها السياف تدل على مدى ذكائه وحدة‬
‫عقله‪ ،‬ولكن موضع اللف بالضبط هو ف الحتمال الثان‪ ،‬أعن أن السؤال إن‬
‫كان متعلقا بالعن فإن كان صحيحا قبله وإل رده‪ .‬هذا النهج صحيح‪ ،‬ولكن‬
‫ل يكن تقيقه من السياف إل بعد علمه بميع قواني النطق الكلية والتفصيلية‪،‬‬
‫مع طريقة الستدلل الواردة فيه على كلياته وجزئياته‪ .‬ولكن إذا كان يعرف‬
‫ذلك كله‪ ،‬فمعن ذلك أنه يعرف النطق ومعن هذا أنه يفكر ف مسائل النطق‬
‫سواء كان حاصل تفكيه الرفض أو القبول‪ ،‬وعلى كل من هذين الحتمالي‪،‬‬
‫فإن ذلك يعن وجود علم قائم بذاته اسه النطق‪ .‬ول يضر بعد ذلك إن كان‬
‫السياف يعلم جيع مسائل وقواعده أو يعلم بعضها ويهل البعض‪ .‬وأيضا حت‬
‫لو خالف ف بعض السائل النطقية‪ ،‬فإن كلمه يرد عليه مهما كان‪ .‬وهذا هو‬
‫عي الطلوب ف النطق كما هو ف سائر العلوم‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬موقف كل من مت والسياف متلف بالنسبة إل علم النحو‬
‫والنطق فمت يتكلم كمنطقي ل كنحوي‪ ،‬وليس من أجزائه كمنطقي أن يعلم‬
‫النحو ول أن يستطيع الواب على مسائله‪ .‬وإن غلط أو جهل بعضها‪ ،‬ل‬
‫يستلزم ذلك انتفاء كونه منطقيا أو انتفاء فائدة علم النطق‪ ،‬بل غاية ذلك أن‬
‫ل قواعد علم النطق‪ ،‬يب أن يصل‬
‫مت لكي يفكر تفكيا صحيحا مستعم ً‬
‫على مواد ينظر فيها‪ ،‬وهذه الواد بالنسبة للنحو إما أن تتلقى من أفواه العرب أو‬

‫‪256‬‬

‫من استقراء وتليل كلمهم‪ ،‬فإذا ل يعرف ذلك ل يستلزم ذلك عدم فائدة‬
‫النطق مطلقا‪.‬‬
‫وأما السياف‪ ،‬فإنه كنحوي يلزمه أن يكون عارفا ولو ضمنا بالقواعد‬
‫الكلية لعلم النطق‪ ،‬لن النطق أعم العلوم وهو آلة لميعها‪ ،‬وعدم علم السياف‬
‫با يقدح ف علمه كنحوي أيضا‪ ،‬فالصل أن يكون عالا بقواعد النطق‪ ،‬ولذا‬
‫فإنه إدراكا منه لذلك‪ ،‬ربا ركز على العن‪ ،‬فقال ف جوابه لت‪ :‬وإنّ معن‬
‫السؤال إن كان مقبو ًل أجبتك عليه وإل رددته‪ ،‬ولكن هذا الواب يكن‬
‫تصيله من السياف بالفعل إن كان قادرا على الجتهاد الباشر ف أي مسألة‬
‫منطقية تطرح عليه‪ ،‬وهذا أمر أستبعده أنا لدقة بعض السائل‪ ،‬الت أنفق العلماء‬
‫بعده زمانا طويلً ليحققوها‪ .‬نعم ل يضره إن كان واثقا بعقله وعلمه‪ ،‬ولكن‬
‫الثقة شيء والعرفة بالفعل شيء آخر‪.‬‬
‫والاصل أن جواب السياف يكن إعادة النظر فيه مرة أخرى‪ ،‬وكان‬
‫الصل ف مت الصرار على سؤال السياف بالفعل عدة أسئلة ف علم النطق‪،‬‬
‫وأخذ جوابه فإن كان مالفا عارضه بالدليل فإما أن يرضخ للدليل أو يسلم به‬
‫ول يضر ذلك مت مطلقا‪ .‬ولو كانت النتيجة أنه وافق على جيع مسائل النطق‬
‫فهذا إقرار منه بصحة النطق‪ ،‬ول يكن أن يثبت السياف خطأ النطق ف جيع‬
‫السائل الت بثها‪.‬‬
‫خاتة لتحليل مناظرة السياف وابن يونس‬
‫النطق علم نظري وليس ضروريا كله‪ ،‬والتعبي الدق إن بعضه نظري‬
‫وبعضه ضروري‪ ،‬ول يشترط ف علم كهذا أن يكون جيع الناس عالي به‬

‫‪257‬‬

‫بالفطرة أو بالضرورة‪ ،‬ول يشترط فيه أن يلو من اللف‪ ،‬ل بل قد يوجد فيه‬
‫خلف‪ ،‬ومع ذلك يبقى هو كعلم باحثا ف القواعد الكلية للنظر والتفكي‪.‬‬
‫وأيضا ل يشترط ف كل من برع ف علم النطق أن ل يغلط بالفعل ف أنظاره ف‬
‫باقي العلوم‪ ،‬لن عدم الوقوع ف الطأ ليس ناتا من مرد العلم بالقواعد‬
‫النطقية‪ ،‬بل من مراعاتا أثناء النظر كما نص عليه العلماء‪ ،‬وهكذا فل يوز أن‬
‫يوجه إل الناطقة –إذا غلطوا ف تفكيهم‪ -‬اعتراض يعود إل علم النطق ذاته‬
‫بالنفي والبطال‪ .‬وهذا السلوب كثيا ما يستخدمه بعض الناس أثناء ردهم‬
‫على النطق فيقولون إن كثيا من الناطقة يغلطون ف أنظارهم ف الليات‪ ،‬ومع‬
‫أن هذا قد يكون صحيحا‪ ،‬إل إنه ل يستلزم الكم بالنقض على علم النطق‬
‫لعدم وجود التلزم بي القضيتي‪.‬‬

‫‪258‬‬

‫الباب الثالث‬
‫فتاوى وأقوال تتعلق بعلم المنطق‬
‫لقد اهتممنا ف هذا الباب أن نذكر بعض الفتاوى الصادرة ف حق علم‬
‫النطق من بعض كبار العلماء‪ ،‬وذلك لا للفتوى من أهية كبية ف حياة‬
‫السلمي‪ ،‬وذلك باعتبار أنا صادرة عن عالٍ ف الدين َشهِدَ له الخرون‬
‫باستحقاقية الفتاء‪ ،‬مع العلم أنه ل يوجد عال واحد من العلماء وصل إل درجة‬
‫العصمة‪ ،‬لنه ل عصمة إل للنبياء‪ ،‬ول نب بعد ممد صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ونقصد بالعصمة الدرجة الت ل يوز فيها لواحد أن يعترض أو يعقب على ما‬
‫يقوله من فتاوى وآراء‪.‬‬
‫ولذا سوف نتناول بالبحث هنا بعضا من الفتاوى الصادرة ف علم‬
‫النطق‪.‬‬
‫أول‪:‬‬

‫فتوى ابن الصلح (‪ 577‬هب‪ 643 -‬هب)‬

‫لقد كان لذه الفتوى صدى كبي جدا بي العلماء والعامة‪ ،‬واستمر‬
‫الدل حولا منذ زمان صدورها حت هذا الزمان‪ ،‬وكان الناس حولا ما بي‬
‫مؤيد ومعارض‪.‬‬
‫سوف نورد الن صيغة السؤال والواب كاملة كما وردت ف فتاوى ابن‬
‫الصلح ث نشرع بتحليل بعض الواضع فيها‪.‬‬

‫‪259‬‬

‫وردت الفتوى مع السؤال ف فتاوى ابن الصلح ف التفسي والديث‬
‫(‪)1‬‬
‫والصول والفقه‬
‫"مسألة‪ :‬فيمن يشتغل بالنطق والفلسفة تعليما وتعلما وهل النطق جلة‬
‫وتفصيلً ما أباح الشارع تعليمه وتعلمه؟ وهل الصحابة والتابعون والئمة‬
‫والجتهدون والسلف الصالون ذكروا ذلك‪ ،‬أو أباحوا الشتغال به‪ ،‬أو سوغوا‬
‫الشتغال به أم ل ؟ وهل يوز أن يستعمل ف إثبات الحكام الشرعية‬
‫الصطلحات النطقية أم ل؟ وهل الحكام الشرعية مفتقرة إل ذلك ف إثباتا‬
‫أم ل؟ وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به وما الذي يب‬
‫على سلطان الوقت ف أمره؟ وإذا وجد ف بعض البلد شخص من أهل الفلسفة‬
‫معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها وهو مدرس ف مدرسة من مدارس‬
‫العلم‪ .‬فهل يب على سلطان تلك البلد عزله وكفاية الناس شره؟‬
‫أجاب – رضي ال عنه –‪ :‬الفلسفة رأس السفه والنلل‪ ،‬ومادة الية‬
‫والضلل ومثار الزيغ والزندقة‪ ،‬ومن تفلسف عميت بصيته عن ماسن الشريعة‬
‫الؤيدة بالجج الظاهرة‪ ،‬والباهي الباهرة‪ ،‬ومن تلبس با تعليما وتعلما قارنه‬
‫الذلن والرمان‪ ،‬واستحوذ عليه الشيطان‪ ،‬وأي فنّ أخزى من فنّ يعمي‬
‫صاحبه أظلم قلبه عن نبوة نبينا صلى ال عليه وسلم مع انتشار آياته الستبينة‪،‬‬
‫ومعجزاته الستنية‪ ،‬حت لقد انتدب بعض العلماء لستقصائها‪ ،‬فجمع منها‬
‫ألف معجزة وعددناه مقصّرا‪ ،‬إذ فوق ذلك بأضعاف ل تصى‪ ،‬فإنا ليست‬
‫مصورة على ما وجد منها ف عصره صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل ل تزل تتجدد‬
‫‪ )(1‬فتاوى ابن الصلح‪ ،‬تقيق د‪ .‬عبد العطي أمي قلعجي‪ ،‬الناشر دار الوعي – حلب الطبعة الول‬
‫سنة ‪.1983‬‬

‫‪260‬‬

‫بعده صلى ال عليه وسلم على تعاقب العصور‪ ،‬وذلك أن كرامات الولياء من‬
‫أمته وإجابات التوسلي به ف حوائجهم ومغوثاتم عقيب توسلهم به ف‬
‫شدائدهم براهي له قواطع‪ ،‬ومعجزات له سواطع‪ ،‬ول يعدها عد‪ ،‬ول يصرها‬
‫حد‪ ،‬أعاذنا ال من الزيغ عن ملته‪ ،‬وجعلنا من الهتدين الادين بديه وسنته‪.‬‬
‫وأما النطق فهو مدخل الفلسفة‪ ،‬ومدخل الشر شر‪ ،‬وليس الشتغال‬
‫بتعليمه وتعلمه ما أباحه الشارع‪ ،‬ول استباحه أحد من الصحابة والتابعي‬
‫والئمة الجتهدين والسلف الصالي‪ ،‬وسائر من يقتدي به من أعلم الئمة‬
‫وسادتا‪ ،‬وأركان المة وقادتا‪ ،‬قد برّأ ال الميع من معرّة ذلك وأدناسه‪،‬‬
‫وطهرهم من أوضاره‪.‬‬
‫وأما استعمال الصطلحات النطقية ف مباحث الحكام الشرعية فمن‬
‫النكرات الستبشعة والرقاعات الستحدثة‪ ،‬وليس بالحكام الشرعية والمد ل‬
‫افتقار إل النطق أصلً‪ ،‬وما يزعمه النطقي للمنطق من أمر الد والبهان فقاقيع‬
‫قد أغن ال عنها كل صحيح الذهن‪ ،‬ل سيما من خدم نظريات العلوم‬
‫الشرعية‪ ،‬ولقد تت الشريعة وعلومها وخاض ف بار القائق والدقائق‬
‫علماؤها‪ ،‬حيث ل منطق ول فلسفة ول فلسفة‪ ،‬ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه‬
‫بالنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به‪ ،‬فالواجب على‬
‫السلطان أعزه ال وأعز به السلم وأهله‪ ،‬أن يدفع عن السلمي شر هؤلء‬
‫الشائيم‪ ،‬ويرجهم من الدارس ويبعدهم‪ ،‬ويعاقب على الشتغال بفنهم‪،‬‬
‫ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلسفة على السيف والسلم لتخمد‬
‫نارهم‪ ،‬وتنمحي آثارها وآثارهم يسر ال ذلك وعجله‪ ،‬وقد أوجب هذا‬
‫الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والقراء‬

‫‪261‬‬

‫فإن حاله يكذبه والطريق ف قلع الشر قلع أصوله وانتصاب مثله مدرسا من‬
‫العظائم جلة وال تبارك وتعال ول التوفيق‪ ،‬والعصمة وهو أعلم‪".‬‬
‫التعليق على فتوى ابن الصلح‬
‫أولً‪ :‬ل كلم لنا على الفلسفة هنا‪ ،‬وإن كنا نقول بعدم ذمّ الفلسفة‬
‫على سبيل التعميم‪ ،‬فإنّ الفلسفة ف حاصلها فعل نظري يقوم به الفيلسوف‪،‬‬
‫ط فيه أو يصيبَ‪ ،‬نعم كثي من الفلسفة غلطوا وانرفوا عن الق ف‬
‫فإمّا أن يغل َ‬
‫نفس المر‪ ،‬ولكن بعضهم أيضا وافق الق‪ .‬فموقفنا من الفلسفة يقوم على‬
‫التفصيل‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ل استلزام بي النطق وبي الفلسفة‪ ،‬فالنطق آلة ذهنية مردّة‬
‫يستخدمها الفيلسوف وكل ناظر غيه كالتكلم والنحوي والفقيه والصول‬
‫وغيهم من أصحاب العلوم الطبيعية‪ .‬فإذا كانت الفلسفة باطلً‪ ،‬كما قال ابن‬
‫الصلح فل يستلزم ذلك بطلن النطق‪ .‬ول يصح ربط النطق بالفلسفة فقط‪،‬‬
‫بل هو آلة للعلوم جيعها الشرعية والنظرية والطبيعية التجريبية وغيها‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬إن النطق كغيه من العلوم ل يبز إل الوجود دفعة واحدة‪ ،‬فالفقه‬
‫ل تظهر معاله دفعة واحدة‪ ،‬ول الديث ول الصول ول النحو كعلم موضوع‬
‫ف كتب أو مفوظ ف الصدور‪ .‬والصحابة وجيع البشر ل بد أنم كانوا‬
‫يصدرون عن منطق‪ ،‬وإن ل يعدوا قواعده عدّا‪ ،‬نعم ل يكن علم النطق ف ذلك‬
‫العهد مدونا‪ ،‬ولكن هو كغيه من العلوم‪ ،‬ول يكون ذلك سببا للحكم على‬
‫النطق بالرمة‪ .‬وإل استلزم ذلك تري سائر العلوم الخرى‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫رابعا‪ :‬النطق آلة ذهنية مضة فهو نو العقول كما النحو للغة‪ .‬والعارف‬
‫بالنطق قد يستعمله للخي وقد يستعمله للشر فهو كالسكي وكغيه من سائر‬
‫العلوم‪ .‬فل يوجد علم شر بذاته كما هو معلوم‪ ،‬حت الفلسفة كفعل صادر من‬
‫الفيلسوف فهو كذلك‪ ،‬وأما نتائج التفلسف وهي حاصل الفلسفات الختلفة‬
‫كمذاهب فمنها السن ومنها القبيح‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬إذا كان استخدام الصطلحات النطقية معينا للفقيه‪ ،‬فل مانع‬
‫من استخدامها قطعا‪ ،‬ولكن التكلف بذلك قد يضيع الفائدة لن ل يضطلع‬
‫بقواعد الناطقة ول تلك لوم فقيه اتذ هذه الطريقة منهجا‪ ،‬فلكل أسلوب‬
‫يرتاح إليه ما دام ل يرفه عن الق‪ .‬وتنوع الساليب مطلوب ف النهاية‬
‫لختلف طبائع الناس وأساليبهم‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬أعتقد أنه ل داعي لتدخل السلطان ف ما يتعلق بعلم النطق‪،‬‬
‫وأما الفلسفات الباطلة فتعامل معاملة الذاهب الباطلة‪ ،‬يب على أهل العلم‬
‫إقامة البهان على غلطها ومالفتها للحق ث إقامة الجة على أصحابا‪ ،‬وإلزامهم‬
‫بالحكام الشرعية‪.‬‬
‫ولئل يطول الكلم والناقشة لذه الفتوى‪ ،‬فأنا أفضل هنا أن أنقل ما‬
‫ذكره العلمة المام تاج الدين السبكي ف شرح ابن الاجب حول النطق‪.‬‬

‫‪263‬‬

‫ثانيا‪ :‬تعليق ابن السبكي على فتوى ابن الصلح ويتضمن فتوى‬
‫والده المام تقي الدين السبكي أيضا وغيه‪:‬‬
‫قال تاج الدين السبكي رحه ال تعال وأعلى درجاته(‪: )1‬‬
‫"واعلم أن المام حجة السلم أبا حامد الغزال سقى ال عهده افتتح‬
‫كتاب الستصفى بقواعد منطقية‪ ،‬وقال‪" :‬هذه مقدمة العلوم كلها ومن ل ييط‬
‫با‪ ،‬فل ثقة له بعلومه أصلً"‪.‬‬
‫واختلف أهل العلم والدين بعهدهم‪ ،‬فذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلح‬
‫أنه سع الشيخ العماد بن يونس يكي عن المام يوسف الدمشقي‪ ،‬أنه كان‬
‫ينكر هذا القول ويقول‪ :‬فأبو بكر وعمر وفلن وفلن‪ ،‬يعن‪ :‬أن أولئك السادة‬
‫عظمت حظوظهم من العلم واليقي‪ ،‬ول ييطوا بذه القدمة وأشباهها‪ ،‬ث أفت‬
‫ابن الصلح بتحري الشتغال بالنطق‪ ،‬وقال‪ :‬هو مدخل الفلسفة‪ ،‬ومدخل الشر‬
‫شر‪ ،‬وليس الشتغال بتعليمه وتعلمه ما أباحه الشارع‪ ،‬ول استباحه أحد من‬
‫الصحابة والتابعي‪ ،‬والئمة الجتهدين‪ ،‬والسلف الصالي‪ ،‬وسائر من يقتدى‬
‫بم من أعلم المة وسادتا‪ ،‬وأركان المة وقادتا قد برّأ ال الميع من معرفة‬
‫ذلك وأدناسه‪ ،‬وطهرهم من أوضاره‪.‬‬
‫وأما استعمالت الصطلحات الشنعة النطقية ف مباحث الحكام‬
‫الشرعية فمن النكرات‪ ،‬وليس بالحكام الشرعية والمد ل افتقار إل النطق‬
‫أصلً‪ ،‬وما يزعمه النطقي للمنطق ف أمر الد والبهان‪ ،‬فقاقيع قد أغن ال‬
‫عنها كل صحيح الذهن‪ ،‬ل سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية‪ ،‬ولقد تت‬
‫‪ )(1‬رفع الاجب عن متصر ابن الاجب‪ ،‬تأليف تاج الدين السبكي (‪771-727‬هص)‪ ،‬نشر عال‬
‫الكتب ‪1999‬م‪ ،‬ط‪.)1/278( 1‬‬

‫‪264‬‬

‫الشريعة وخاض ف بر القائق والدقائق علماؤها‪ ،‬حيث ل منطق‪ .‬انتهى وتابعه‬
‫غي واحد من بعده‪.‬‬
‫ورأيت ف السائل الت سألا يوسف بن ممد بن مقلد الدمشقي‪ ،‬الشيخ‬
‫المام أبا منصور العطاردي العروف بص "حضرة"‪ :‬هل يوز الشتغال بالنطق‪،‬‬
‫أم هو دهليز الكفر؟‬
‫أجاب‪ :‬النطق ل يتعلق به كفر ول إيان‪ ،‬ث قال‪ :‬إن الول أل يشتغل‬
‫به‪ ،‬لنه ل يأمن الائض فيه‪ ،‬أن يرّه إل ما ل ينبغي‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫ونن نقول‪ :‬قول يوسف الدمشقي‪:" :‬أبو بكر وعمر وفلن وفلن"‪،‬‬
‫التقدم كلم ل حاصل له‪ ،‬فإن أبا بكر وعمر أحاطا بذه القدمة إحاطة ل يصل‬
‫الغزال وأمثاله إل عشر معشارها‪ ،‬ومن زعم أنما ل ييطا با‪ ،‬فهو السيء‬
‫عليهما‪ ،‬والذي نقطع به أنا كانت ساكنة ف طباع أولئك السادات‪ ،‬وسجيّة‬
‫ب نن اليوم ف تصيله‪.‬‬
‫لم‪ ،‬كما كان النحو الذي ن ْدأَ ُ‬
‫وما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلح ليس بالال عن الفراط‬
‫والبالغة‪ ،‬فإن أحدا ل يدع افتقار الشريعة إل النطق‪ ،‬بل قصارى النطق عصمة‬
‫الذهان الت ل يوثق با عند الغلط‪ ،‬وهو حاصل عند كل ذي ذهن لقدار ما‬
‫أوت من الفهم‪ ،‬وأما ترتيبه على الوجه الذي يذكره النطقي‪ ،‬فهو أمرٌ‬
‫استحدث‪ ،‬ليجع إليه ذو الذهن إذا اشتبهت المور‪ ،‬وهل النطق للذهان إل‬
‫كالنحو للسان‪ ،‬وإنا احتيج للنحو وصار عِلْما برأسه عند اختلط اللسنة‪،‬‬
‫وكذلك النطق‪ ،‬يدعي الغزال أن الاجة اشتدت إليه عند كلل الذهان‬
‫واعتوار الشبهات‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫وقوله‪" :‬لقد تت الشريعة حيث ل منطق"‪ ،‬إن أراد حيث ل منطق‬
‫مودعٌ ف الكتب على هذه الساليب فصحيح‪ ،‬ول يوجب تري هذا‪ ،‬ول‬
‫الغض منه‪ ،‬وإن أراد حيث ل منطق حاصلٌ لم‪ ،‬وإن ل يعبّر عنه بذا الوجه‬
‫فممنوعٌ كما ذكرناه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ماذا تفتون به ف النطق؟‬
‫قلت‪ :‬نن نذهب إل ما أفت به شيخ السلمي وإمام الئمة(‪ ،)1‬الذي‬
‫خضعت له الرّقاب‪ ،‬وهو أب – تغمده ال برحته – حيث قال‪ ،‬وقد سئل عن‬
‫ذلك‪ :‬ينبغي أن يقدم على الشتغال به الشتغال بالقرآن والسنة والفقه حت‬
‫يرسخ ف الذهن تعظيم الشريعة وعلمائها‪ ،‬فإذا تّ ذلك‪ ،‬وعلم الرء من نفسه‬
‫صحة الذهن‪ ،‬حت ل تروج عليها الشبهة‪ ،‬ولقي شيخا ناصحا حسن العقيدة‬
‫جاز له والالة هذه الشتغال بالنطق‪ ،‬وانتفع به وأعانه على العلوم السلمية‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهو من أحسن العلوم وأنفعها ف كل بث‪ ،‬قال‪ :‬وفصل القول فيه إنه‬
‫كالسيف ياهد به شخص ف سبيل ال‪ ،‬ويقطع به آخر الطريق" اهص‪.‬‬
‫وكلم المام تاج الدين السبكي هنا ليس باجة إل تعليق بل هو يتوي‬
‫خلصة العان‪.‬‬

‫‪ )(1‬هذه الفتوى سنوردها بعد قليل تامة‪.‬‬

‫‪266‬‬

‫ثالثا‪ :‬فتوى المام تقي الدين السبكي‪:‬‬
‫وردت هذه الفتوى ف فتاوى السبكي(‪ ، )1‬ونن وإن كنا أوردنا‬
‫خلصة ما ف هذه الفتوى سابقا‪ ،‬إل إننا أحببنا ذكرها هنا كاملة لزيادة البيان‪،‬‬
‫ونصها كما يلي‪:‬‬
‫"مسألة ف رجل أراد الشتغال بالعلوم السلمية فهل يكون اشتغاله‬
‫بالنطق نافعا له ويثاب على تعلمه وهل يكون النكر عليه جاهلً‪.‬‬
‫(أجاب) الشيخ المام رحه ال‪ :‬المد ل‪ .‬ينبغي أن يُقدّم على ذلك‬
‫الشتغال بالقرآن والسنة والفقه حت يتروى منها ويرسخ ف ذهنه العتقادات‬
‫الصحيحة وتعظيم الشريعة وعلمائها وتنقيص الفلسفة وعلمائها بالنسبة إل‬
‫العتقادات السلمية‪.‬‬
‫فإذا رسخ قدمه ف ذلك وعلم من نفسه صحة الذهن بيث ل تتروّج‬
‫عليه الشبهة على الدليل‪ ،‬ووجد شيخا دينا ناصحا حسن العقيدة‪ ،‬أو من ليس‬
‫كذلك لكنه ل يَرْكَنُ إل قوله ف العقائد‪ ،‬فحينئذٍ يوز له الشتغال بالنطق‪،‬‬
‫وينتفع به ويعينه على العلوم السلمية وغيها‪ ،‬وهو من أحسن العلوم وأنفعها‬
‫ف كل بث‪ ،‬وليس ف النطق بجرده أصلً‪.‬‬
‫ومن قال إنه كفرٌ أو حرام فهو حاله ل يعرف الكفر ول التحري ول‬
‫التحليل فإنه عل ٌم عقليٌ مض كالساب غي أن الساب ل ير إل فساد لنه‬
‫إنا يستعمل ف فريضة شرعية أو مساحة أو مالٍ ل يزدري صاحبه غيه وليس‬
‫مقدمة لعلم آخر فيه مفسدة والنطق وإن كان سالا ف نفسه يتعاظم صاحبه‬
‫‪ )(1‬فتاوى السبكي‪ )2/644( ،‬طبعة دار العرفة‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫ويزدري غيه ف عينه‪ ،‬ويبقى يعتقد ف نفسه سقاطة نظر مَنْ ل يسنه‪ ،‬وينفتح‬
‫له به النظر ف بقية علوم الكمة من الطبيعي الذي ليس فيه (…‪ )1().‬الطأ‪،‬‬
‫واللي الذي أكثر كلم الفلسفة فيه خطأ مناب ٌذ للسلم والشريعة‪.‬‬
‫فمن اقتصر عليه ول َتصُنْ ُه سابقة صحيحةٌ خش َي عليه التزندق أو‬
‫التغلغل باعتقادٍ فلسفي من حيث يشعر أو من حيث ل يشعر‪.‬‬
‫هذا فصل القول فيه‪ ،‬وهو كالسيف يأخذه شخص ياهد به ف سبيل‬
‫ال وآخر يقطع به الطريق انتهى"‪.‬‬
‫هذا هو نص فتوى شيخ السلمي على القيقة المام الكبي تقي الدين‬
‫السبكي‪ ،‬ولو اقتصر الواحد عليها لكانت كافية ف هذا الباب‪ ،‬وتتوي من‬
‫النفائس على اختصار لفظها ما يقل ف مقابلة كل هذا الكتاب‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬فتوى المام ابن حجر اليتمي‬
‫هذه الفتوى للمام العلمة الكبي ابن حجر اليتمي ل تتص بعلم النطق‬
‫فقط‪ ،‬ولكن فيها قسم جيد يدور حول عي موضوعنا ولذلك فسوف نوردها‬
‫(‪)2‬‬
‫هنا كلها‪ ،‬لن هذا أت للمعن وأكثر فائدة‬
‫"وسئل رضي ال عنه‪ :‬هل يوز الستنجاء بكتب النطق والفلسفة‬
‫والتوراة والنيل‪ ،‬وهل يرم مطالعة هذين والشتغال بالوّلي‪ ،‬أو ل‪ ،‬القصد‬
‫بسط ذلك وتريره فأجاب بقوله‪:‬‬
‫‪ )(1‬يوجد هنا فراغ قدر كلمة أو كلمتي ف الطبوع‪ ،‬وربا يكون التقدير (إل بعض)‪ ،‬فتصبح العبارة‬
‫… الطبيعي الذي ليس فيه إل بعض الطأ … ويكون هذا مناسبا للسياق والعن العلوم‪.‬‬
‫‪ )(2‬وردت هذه الفتوى ف الفتاوى الكبى الفقهية لبن حجر اليتمي (‪ )1/49‬طبعة دار صادر‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫صرّح بواز الستنجاء بالوَّليْن السنوي وغيه‪ ،‬وهو ف كتب‬
‫مِمّنْ َ‬
‫الفلسفة واضح‪ ،‬وأما ف كتب النطق مبنّ على ما يأت عن ابن الصلح وعلى‬
‫القول به فشرطه كالول أن يلو ذلك الطّرْسُ(‪ )1‬الستنجي به عَنْ أن يكون فيه‬
‫اسم معَظّمٌ كما شله قول الكفاية وغيها‪ :‬يَحْ ُر ُم الستنجاء با عليه اسم معظّمٌ‬
‫كاسم ال أو اسم رسوله صلى ال عليه وسلم أو غيه من النبياء أو اللئكة‪.‬‬
‫وقول بعض التأخرين‪ :‬التقييد بذلك بعيد لنه ل يقع ف كلم متقدم‬
‫ول متأخر بل كلهم أطلقوا القول بواز الستنجاء بذلك"‪َ ،‬وهْمٌ‪ ،‬فإنم ذكروا‬
‫ما قيدنا به قبل ذلك بسط ٍر ونوه‪ ،‬فأيّ حاجة إل التقييد حينئذ‪.‬‬
‫ومن صرح بواز الستنجاء بالتوراة القاضي حسي‪ ،‬وقيده مَ ْن َبعْدَه با‬
‫عُلِ َم تبديله منها‪ ،‬وإل فهو كلم ال يب تعظيمه‪ .‬وواضحٌ ما مرّ أنّه مقيّدٌ أيضا‬
‫با إذا خل عن اسم معظّم‪ ،‬وأدلته كثية‪ ،‬والول قيل‪ :‬مكابرةٌ‪ ،‬إذ الخبار‬
‫واليات كثية ف أنه بقي شيء منها ل ُيبَدّل‪ ،‬ثالثها‪ :‬بُدّل أقلّها‪ ،‬وقصرَه ابن‬
‫تيمية ‪ ..‬رابعها‪ :‬بُدّل معناها فقط دون لفظها واختاره البخاري ف آخر‬
‫صحيحه‪.‬‬
‫قال الزركشي‪ :‬واغتر بذا بعض التأخرين (ف حجة)(‪ )2‬و َجوّز‬
‫مطالعتها‪ ،‬وهو قو ٌل باطلٌ‪ .‬ول خلف أنم حرّفوا وبدّلوا‪.‬‬
‫والشتغال بالنظر فيها وبكتابتها ل يوز بالجاع‪ ،‬وقد غضب النب‬
‫صلى ال عليه وسلم حي رأى مع عمر صحيفة فيها شيء منها‪ ،‬وقال‪" :‬لو‬
‫كان موسى حيّا ما وسعهُ إل اتباعي"‪ .‬ولول أنه معصية ما غضب منه‪ .‬اهص‪.‬‬
‫‪ )(1‬الطّ ْرسُ‪ :‬الصحيفة‪ ،‬أو الت ميت ث كتبت‪ .‬راجع القاموس الحيط‪.‬‬
‫‪ )(2‬كذا ف الطبوع‪ ،‬وأظنّ أنا (فرجّحه)‪.‬‬

‫‪269‬‬

‫لكن تعقبه شيخ السلم ابن حجر فقال‪ :‬إن ثبت الجاع فل كلم‪،‬‬
‫وقد قيّده بالشتغال بكتابتها ونظرها‪ ،‬فإن أراد من يتشاغل بذلك فقط فل‬
‫يصل الطلوب لنه يفهم الواز إذا تشاغل بغيه معه‪ ،‬وإن أراد مطلق التشاغل‬
‫فهو مل النظر‪ ،‬وف وصفه القول الذكور بالبطلن نظرة أيضا‪ ،‬فإنه نسب‬
‫لوهب بن منبه وهو أعلم الناس بالتوراة‪ ،‬ولبن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬وكان‬
‫ينبغي له ترك الدفع بالصدر‪ .‬ول دللة ف قضية عمر إذ قد يغضب من فعل‬
‫الكروه وخلف الول من ل يليق كتطويل معاذ الصبح بالقراءة‪ .‬والذي يظهر‬
‫أن كراهة ذلك للتنصزيه والول التفرقة بي الراسخ ف اليان فله النظر بلف‬
‫غيه‪ ،‬ل سيما عند الردّ على الخالفي‪ ،‬ويدل على ذلك نقل الئمة قديا‬
‫وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بحمد صلى ال عليه وسلم با‬
‫يستخرجونه من كتابم‪ ،‬ولول اعتقادهم جواز النظر فيه لا فعلوه وتواردوا عليه‬
‫اهص‪.‬‬
‫وما ذكره واضح‪ ،‬فل ميد عنه‪ ،‬وإن اعتمد السبكي ما ذكره الزركشي‬
‫وأطال ف النتصار له‪ ،‬ونقله عن الستاذ أب اسحق السفرايين‪ ،‬ث قال‪ :‬وهذا‬
‫هو الذي اتفق عليه من يُعتمد عليه من أئمة السلم‪ ،‬والشافعي وأصحابه كلهم‬
‫متفقون على ذلك‪ .‬ث قال بعد كلم طويل‪ :‬وبعض الناس يعتقد أن نظره ف‬
‫ذلك فضيلة وهو عي النقصان‪ ،‬وقال قبل ذلك احتجاجا على وجوب إعدامها‬
‫إذا دخلت تت أيدينا‪ :‬إنا جعت شيئي‪ ،‬كلم باطل قطعا وقد اختلط با ل‬
‫يبدل من غي تييز‪ ،‬فوجب إعدام الميع‪ ،‬ول يتوقف ف هذا إل جاهلٌ‪ .‬اهص‪.‬‬

‫‪270‬‬

‫فليحمل ما ذكره هو والزركشي وغيها على غي ُمتَ َمكّنٍ أو ُمتَ َمكّنٍ ل‬
‫يقصد بالنظر فيها مصلحة دينية‪ ،‬أمّا مُتمكّن قصد ذلك فل وجه لنعه‪ ،‬ويأت ما‬
‫ذكر فيها ف النيل‪.‬‬
‫وأما الشتغال بالفلسفة والنطق‪:‬‬
‫فقد أفت بتحريه ابن الصلح وشنع على الشتغل بما وأطال ف ذلك‬
‫وف أنه يب على المام إخراج أهلهما من مدارس السلم وسجنهم وكفاية‬
‫شرهم‪ .‬قال‪ :‬وإن زعم أحدهم أنه غي معتقد لعقائدهم فإن حاله يكذبه‪ .‬وأما‬
‫استعمالت الصطلحات النطقية ف الحكام الشرعية فمن النكرات الستشنعة‬
‫وليس با افتقار إل النطق أصلً‪ .‬وما يزعمه النطقي للمنطق من الد والبهان‬
‫فقاقيع قد أغن ال عنها كل صحيح الذهن‪ ،‬ل سيما من خدم نظريات العلوم‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫هذا حاصل شيء من كلمه‪،‬‬
‫وما ذكره ف الفلسفة صحيح‬

‫(‪)1‬‬

‫ومِ ْن ث قال الذرعي‪ :‬وما ذكرته من تريها هو الصحيح أو الصواب‪،‬‬
‫وقد بي ذلك الشيخ ابن الصلح ف فتاويه ونصوص الشافعي رضي ال عنه‬
‫صةٌ على تقبيح تعاطيه‪ ،‬ونقل عنه التعزيز على ذلك‪ .‬اهص‪.‬‬
‫نا ّ‬
‫وأما ما ذكره ف النطق‬

‫‪)(1‬‬

‫‪271‬‬

‫إن التفصيل ف الوقف من الفلسفة هو الواجب ف نظري‪.‬‬

‫فمعارض بقول الغزال ف مقدمة النطق ف أول الستصفى‪ :‬هذه مقدمة‬
‫العلوم كلها‪ ،‬ومن ل ييط با فل ثقة له بعلومة أصلً‪ .‬وقوله ف النفذ من‬
‫الضلل‪ :‬وأما النطقيات فل يتعلق شيء منها ف الدين نفيا ول إثباتا بل هو نظر‬
‫ف طرق الدلة والقاييس وشروط مقدمة البهان وكيفية تركيبها‪ ،‬وشروط الد‬
‫الصحيح وكيفية ترتيبها‪ ،‬وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الد‪ ،‬وإمّا تصديق‬
‫وسبيل معرفته البهان‪ ،‬وليس ف هذا ما ينبغي أن ينكر‪ ،‬فإنه من قبيل ما‬
‫يتمسك به التكلمون وأهل النظر ف الدلة‪ ،‬وإنا يفارقونم ف العبارات‬
‫والصطلحات‪ ،‬وبزيادة الستقصاء ف التفريعات والتشعيبات‪ ،‬ومثال كلمهم‬
‫فيه‪ :‬إذا ثبت أن كل إنسان حيوان‪ ،‬لزم منه أن بعض اليوان إنسان‪ ،‬وأن كل‬
‫من ثبت له أنه إنسان ثبت أنه حيوان‪ .‬ويعبون عن هذا بأن الوجبة الكلية‬
‫تستلزم موجبة جزئية‪ ،‬وهذا حق ل شك فيه‪ ،‬فكيف ينبغي أن يحد وينكر‪،‬‬
‫على أنه ل تعلق له بهمات الدين ث مت أنكر مثل هذا‪ ،‬لزم منه عند أهل النطق‬
‫سوء العتقاد ف عقل النكر‪ ،‬بل ف دينه الذي يزعم أن فيه إبطال مثل هذا‪.‬‬
‫اهص‪.‬‬
‫فتأمله تأملً خاليا عن التعصب تده رحه ال قد أوضح الحجة‪ ،‬وأقام‬
‫الجة على أنه ليس فيه شيء ما ينكر‪ ،‬ول ما ير إل ما ينكر‪ ،‬وعلى أنه ينفع‬
‫ف العلوم الشرعية كأصول الدين والفقه‪ ،‬وقد أطلق الفقهاء أن ما ينفع ف العلوم‬
‫الشرعية مترمٌ‪ ،‬يرم الستنجاء به‪ ،‬ويب تعلمه وتعليمه على الكفاية‪ ،‬كالطب‬
‫والنحو والساب والعروض‪.‬‬
‫ث قال بعضهم كالسنوي بعد ذلك بسطرين‪ :‬إن النطق غي مترم‪،‬‬
‫فعلمنا أن مراده النطق الذي ل ينفع ف العلوم الشرعية أو الذي يعود منه ضرر‬

‫‪272‬‬

‫على الدين‪ ،‬وهذا نوع من منطق الفلسفة الول‪ ،‬يبحثون فيه عن نو ما ذكره‬
‫الغزال ث يدرجون فيه البحث عن حال الوجودات وكيفية تراكيبها ومفاهيمها‬
‫وأعراضها وغي ذلك ما يالفون فيه علماء السلم‪ ،‬حت انتصبوا لم وردوا‬
‫جيع مقالتم الفظيعة الشنيعة‪ .‬فمثل هذا الفن من النطق هو الذي يرم‬
‫الشتغال به‪ ،‬وعليه يمل كلم ابن الصلح‪ ،‬ويدل لذلك قوله فيما مر عنه‬
‫"كفاية شرهم"‪ ،‬وقوله "وإن زعم أحدهم أنه غي معتقد لعقائدهم فإن حاله‬
‫يكذبه"‪ ،‬فعلمنا أن كلمه ف منطق له ش ّر وله أهل يعتقدون خلف عقائد‬
‫السلمي‪ ،‬وهو النوع الذي ذكرته ل غي‪.‬‬
‫وأما النطق التعارف الن بي أيدي أكابر علماء أهل السنة‪ ،‬فليس فيه‬
‫شيء ما ينكر ول شيء من عقائد التفلسفي‪ ،‬بل هو علمٌ نظري يتاج لزيد‬
‫رياضة وتأمل‪ ،‬يستعان به على التحرر عن الطأ ف الفكر ما أمكن‪ .‬فمعاذ ال‬
‫أن ينكر ذلك ابن الصلح ول أدون منه‪.‬‬
‫وإنا وقع التشنيع عليه من جاعة من التأخرين لنم جهلوه فعادوه‪،‬‬
‫كما قيل‪" :‬من جهل شيئا عاداه"‪ ،‬وكفى به نافعا ف الدين أنه ل يكن أن ترد‬
‫شبهة من شبه الفلسفة وغيهم من الفرق إل براعاته ومراعاة قواعده‪ .‬وكفى‬
‫الاهل به أنه ل يقدر على التفوّه مع الفلسفي وغيه العارف ببنت شفة‪ ،‬بل‬
‫يصي نو الفلسفي يلحن بجته‪ ،‬وذلك الاهل به وإن كان من العلماء الكابر‬
‫ساكنا ل يي جوابا‪.‬‬
‫ولقد أحسن القراف من أئمة الالكية وأجاد حيث جعله شرطا من‬
‫شرائط الجتهاد‪ ،‬وأن الجتهد مت جهله سلب عنه اسم الجتهاد‪ ،‬فقال ف‬
‫بث شروط الجتهاد‪ :‬يشترط معرفة شرائط الد والبهان على الطلق‪ ،‬فمن‬

‫‪273‬‬

‫عرفهما استضاء بما لن الدود هي الت تضبط القائق التصورية‪ ،‬فمن علم‬
‫ضابط شيء استضاء به‪ ،‬فأي م ّل وجده ينطبق عليه علم أنه تلك القيقة‪ ،‬ومال‬
‫فل‪ ،‬وهو معن قول بعض الفضلء "إذا اختلفتم ف القائق‪ ،‬فحكّموا الدود"‪،‬‬
‫والجتهد يتاج ف كل حكم لذلك‪ ،‬لن الذي يتهد فيه إن كان حقيقة‬
‫بسيطة‪ ،‬فل يضبطها إل الد‪ ،‬وإن كان تصديقا ببعض المور الشرعية فكل‬
‫تصديق مفتقر لتصورين‪ ،‬فيحتاج ف معرفتهما لضابطهما‪ ،‬فهو متاج للحد‬
‫كيف اته ف اجتهاده‪.‬‬
‫وشرائطه معلومة ف علم النطق‪ ،‬وهو وجوب الطراد والنعكاس‪ ،‬وأن‬
‫ل يد بالخفى ول بالساوي ف الفاء‪ ،‬ول با ل يعرف الحدود إل بعد‬
‫معرفته‪ ،‬وأن ل يأت باللفظ الجمل‪ ،‬ول بالجاز البعيد‪ ،‬وأن يقدم العمّ على‬
‫الخص‪.‬‬
‫وأما شرائط البهان فيحتاج إليها لن الجتهد ل بُدّ له من دليل يدله‬
‫على الكم قطعي أو ظن‪ ،‬وكل دليل فله شروط مررة ف علم النطق‪ ،‬من‬
‫أخطأ شرطا منها فسد عليه الدليل‪ ،‬وهو يعتقده صحيحا‪ ،‬وتلك الشروط‬
‫تتلف بسب موارد الدلة وضروب الشكال القياسية‪ ،‬وبسط ذلك علم‬
‫النطق‪.‬‬
‫فيكون النطق شرطا ف منصب الجتهاد‪ ،‬فل يكن حينئذ أن يقال‬
‫الشتغال به منهي عنه‪ ،‬أو أن العلماء التقدمي كالشافعي ومالك ل يكونوا‬
‫عالي به‪ ،‬فإن ذلك يقدح ف حصول منصب الجتهاد لم‪ ،‬نعم هذه العبارات‬
‫الاصة والصطلحات العينة ف زماننا ل يشترط معرفتها بل معرفة معانيها‪.‬‬
‫اهص‪.‬‬

‫‪274‬‬

‫فتأمل هذا الكلم الليل من هذا المام الليل‪ ،‬تده قد أشفى العيّ‬
‫وأزال الغيّ‪.‬‬
‫وناهيك بالسبكي جللة حيث قال‪ :‬ينبغي أن يقدم على الشتغال به‬
‫الشتغال بالكتاب والسنة والفقه حت يتروى منهما ويرسخ ف ذهنه العتقادات‬
‫الصحيحة ويعلم من نفسه صحة الذهن بيث ل تروج عنده الشبهة على‬
‫الدليل‪ ،‬فإذا وجد شيخا ناصحا دينا حسن العقيدة جاز له الشتغال بالنطق‪،‬‬
‫وينتفع به ويعينه على العلوم السلمية‪ ،‬وهو من أحسن العلوم‪ ،‬وأنفعها ف كل‬
‫بث‪ ،‬ومن قال إنه كفر أو حرام فهو جاهل‪ ،‬فإنه علم عقلي مض كالساب‪،‬‬
‫غي أن الساب ل ير إل فساد وليس مقدمة لعلم آخر فيه مفسدة‪ .‬والنطق‬
‫من اقتصر عليه ول تصبه سابقة صحيحة خشي عليه التزندق أو التغلغل باعتقاد‬
‫فلسفي من حيث يشعر أو ل يشعر‪.‬‬
‫قال‪ :‬وفصل القول فيه أنه كالسيف ياهد به شخص ف سبيل ال‪،‬‬
‫ويقطع به آخر الطريق اهص‪.‬‬
‫بتأمله تده نصّا فيما قدمته من أن النطق قسمان‪ :‬قسم منه ل يُخشى‬
‫على الشتغل به شيء ما ذكره‪ ،‬والقسم الخر وهو الدرج به فيه كثي من‬
‫العقائد الفلسفية ل يوز الوض فيها إل لن أتقن ما ذكره‪ ،‬ووجد شيخا‬
‫بالصفة الت ذكرها فهذا يوز له الشتغال حت بذا القسم لنه يؤمن عليه إذا‬
‫وجدت فيه هذه الشروط اليل إل ما فيه من الشبه الفاسدة‪.‬‬
‫ولقد اشتغل بذا القسم كثي من فحول السلم‪ ،‬حت أحكموه وتكنوا‬
‫به من تام الرد على الفلسفة وتزييف مقالتم الباطلة‪.‬‬

‫‪275‬‬

‫وتأمّل تهيله لن قال‪" :‬إنه حرام"‪ ،‬يُع ّرضُ بذلك لبن الصلح‪ .‬لكن إذا‬
‫حُمل كلم ابن الصلح على ما قدمته‪ ،‬اته‪ ،‬على أنه بان لك من كلم السبكي‬
‫أنه يوز الشتغال بذا النوع أيضا بشرطه السابق‪ .‬اهص‪ .‬انتهت فتوى اليتمي‪.‬‬
‫وهذه الفتوى على طولا إل إنا احتوت على خلصة الكلم مع شيء‬
‫من التفصيل ف هذه القضية‪ .‬واللحظ أن غالب التأخرين مشوا على التفصيل‬
‫الذي ذكره العلمة ابن حجر اليتمي من التفريق بي كتب النطق الالية من‬
‫المثلة الفلسفية والواد الفاسدة‪ ،‬وكتب النطق الملوءة با‪ ،‬إل أن ما ذكره آخر‬
‫كلمه أيضا صحيح‪ ،‬ف جواز الشتغال بالقسمي لن تأهل‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬ابن خلدون‬
‫سنختم هذا الباب بكلم للعلمة ابن خلدون‪ ،‬وإن ل يكتبه ف صورة‬
‫فتوى‪ ،‬ولكن لا كان اسم ابن خلدون له موقع عظيم ف هذا الزمان‪ ،‬أحببنا أن‬
‫نورد رأيه‪ ،‬ليكون تأثيه على النفوس كتأثي الفتوى ف القوة‪.‬‬
‫قال العلمة ابن خلدون(‪: )1‬‬
‫"وأما العلوم العقلية الت هي طبيعية للنسان‪ ،‬من حيث إنه ذو فكر فهي‬
‫غي متصة بلة‪ ،‬بل يوجد النظر فيها لهل اللل كلهم ويستوون ف مداركها‬
‫ومباحثها‪ ،‬وهي موجودة ف النوع النسان‪ ،‬منذ كان عُمران الليقة‪ ،‬وتسمى‬
‫هذه العلوم علوم الفلسفة والكمة وهي مشتملة على أربعة علوم‬
‫الول‪ :‬علم النطق‪ ،‬وهو علم يعصم الذهن عن الطأ ف اقتناص الطالب‬
‫الجهولة من المور الاصلة العلومة‪ ،‬وفائدته تييز الطأ من الصواب‪ ،‬فيما‬
‫‪ )(1‬ابن خلدون‪ ،‬مقدمة ابن خلدون‪ ،‬طبعة الكتبة العصرية ص ‪.462‬‬

‫‪276‬‬

‫يلتمسه الناظر ف الوجودات وعوارضها‪ ،‬ليقف على تقيق الق ف الكائنات‬
‫نفيا وثبوتا بنتهى فكره‪ " .‬اهص‪.‬‬
‫ث أكمل الكلم على بقية العلوم الفلسفية‪ ،‬وما يهمنا هنا هو فائدة علم‬
‫النطق كما ذكرها ابن خلدون‪ ،‬وأيضا أن النطق من العلوم العقلية وفسّر ذلك‬
‫بقوله‪" :‬الت هي طبيعية للنسان"‪ ،‬وأن النطق مشترك فيه بي أفراد النوع‬
‫النسان غي متص بلة ول أمة‪.‬‬
‫وتكلم ابن خلدون أيضا على علم النطق ف الفصل الثالث والعشرون‬
‫فقال(‪:)1‬‬
‫"وهو قواني يُعرف با الصحيح من الفاسد ف الدود العروفة‬
‫للماهيات والجج الفيدة للتصديقات"‪.‬‬
‫ووضح العلمة ابن خلدون ف أت كلم فائدة النطق ووجه الاجة إليه ث‬
‫قال(‪: )2‬‬
‫"اعلم أن هذا قد اشتد النكي على انتحاله من متقدمي السلف‬
‫والتكلمي وبالغوا ف الطعن عليه والتحذير منه وحظروا تعلمه وتعليمه‪ .‬وجاء‬
‫التأخرون من بعدهم من َل ُدنْ الغزال والمام ابن الطيب‪ ،‬فساموا ف ذلك‬
‫بعض الشيء‪ ،‬وأكبّ الناس على انتحاله من يومئذ إل قليلً ينحون فيه إل رأي‬
‫التقدمي‪ ،‬فينفرون عنه ويبالغون ف إنكاره"‪.‬‬

‫‪ )(1‬مقدمة ابن خلدون‪ ،‬ص ‪.474‬‬
‫‪ )(2‬مقدمة ابن خلدون ص ‪.477‬‬

‫‪277‬‬

‫ونتم بذا الكلم هذا الفصل عن إجال موقف بعض العلماء من علم‬
‫النطق‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫خاتة‬
‫من جولتنا ف الواضيع السابقة‪ ،‬ومن خلل معالتنا لطرافها على النحو‬
‫السابق نصل إل ما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬علم النطق علم آل ل علقة له بكفر أو إيان‪ .‬ولو أدخل البعض‬
‫فيه بعض الباحث الباطلة إما عقيدة أو نظرا‪ ،‬فل يستلزم ذلك الكم عليه‬
‫بالتحري‪ ،‬بل اللزم على أهل الشريعة إخراج هذه الباحث منه وتييزه عنها‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬علم النطق علم ل ندّعي أنه وصل إل نايته وأنه ل يتوي على‬
‫أي شيء يكن انتقاده‪ ،‬بل ما هو موجود ف كتب النطق الت ألفها علماؤنا‬
‫السلمون الكابر تتوي على الباحث الت غلب على رأيهم صوابا‪ .‬وبالتال فل‬
‫إشكال إذا قيل باحتياج تلك الباحث إل ضم مباحث أخرى‪ ،‬ول إشكال إذا‬
‫ت نقدها على أسس سليمة‪ ،‬شريطة أن ل يكون هذا النقد مبنيا على غايات‬
‫باطلة وتلبيسات وتويلت كثيا ما ندها ف كلم الكتاّب‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬كتب النطق جهد بشري موجّه لحاولة ضبط الصور والطرق الت‬
‫يتبعها العقل البشري أثناء فكره ونظره‪ .‬ويهتم النطق بعد ذلك ببيان ما كان من‬
‫هذه الطرق صحيحا وما كان منها باطلً‪ .‬وبالنظر إليه كذلك‪ ،‬فهو قابل لعادة‬
‫النظر على أسس قوية ل مرد نظرات مقتطعة من هنا وهناك‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬علم النطق علم مهم جدا كما قرر ذلك كبار العلماء‪ ،‬واحتياجنا‬
‫إليه لن يتوقف كسائر العلوم اللية نو أصول الفقه والنحو والبيان وغيها‬
‫وكلما تعمق فهم الفكرين للمنطق ولسائر العلوم اللية تزداد إمكاناتم لنتاج‬
‫نظرات جدّية ونافعة‪ .‬ونن نرى الن خلو الساحة الفكرية من الهتمام بذا‬

‫‪279‬‬

‫العلم إل من مرد رسوم وإشارات‪ ،‬كما انتفى الهتمام بعلم الصول وهذا‬
‫سبب أكيد للو كتابات كثي من كتابنا من التساق والنظر الاد‪ ،‬والقيمة‬
‫العلمية الادة‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬أعتقد أن ضعف العرفة النطقية لدى كتابنا ف هذا الزمان هو‬
‫سبب مباشر لنرافهم عن طريق الباهي والترتيب العقلي اللتزم وميلهم إل‬
‫مرد التهويلت العاطفية البنية على مرد وصف لا يشعرون به ف ميلتم‪،‬‬
‫فيشرعون ف إفراغ ما ف خيالم على صفحات الكتب ويزداد الغلو عند‬
‫أكثرهم ف جانب الثبات والنفي‪ ،‬ولذلك تقل الفائدة اليابية با يكتبون‪،‬‬
‫ويبقى مستوى النتفاع مصورا غالبا ف درجات التهيج النفسي الاصل عند‬
‫القارئ والستمع وهو ما يستلزم التشنج الفكري‪ ،‬وميل النظرات الطروحة إل‬
‫مرد مواقف وجدانية خيالية‪ ،‬ل أفكار عقلية موضوعية ولذا فإن من يتأثر‬
‫بالكاتب هو من يشاركه ف العواطف الوجدانية مسبقا‪ ،‬ويندر أن يتذب‬
‫كاتب غيه كان يالفه ف أصل الفكار للو كتاباتم من العلل الكافية لثل هذا‬
‫الثر‪ ،‬أقصد البناء النطقي العتمد على مقدمات مقبولة أو مسلمة عند من‬
‫ياطبونم‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫سادسا‪ :‬من يتلك الثقافة النطقية‪ ،‬ل شك أنه يصبح أقوى لننا ل‬
‫نشك لظة أن القواعد النطقية تد صاحبها بذخية علمية آلية تكنه من نقد‬
‫الفكار واقتناص الصحيح منها على حسب وسعه‪ .‬ولذلك فإننا نرى ضرورة‬
‫أخذ التدين وطالب العلم الشرعي بعلم النطق‪ ،‬واعتباره كأساس إل جانب‬
‫غيه من العلوم اللية كأصول الفقه والنحو‪ ،‬لقامة الفكر الدين ف صدور‬
‫الناس على قواعد حقيقية وقوية‪.‬‬
‫انتهى ف يوم الثني‬
‫‪12/3/2000‬‬

‫‪281‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful