You are on page 1of 7

‫كتابات أبو الحق‬

‫ثامن وعشرون من ثامن‬

‫‪2018‬‬

‫ما ينبغي قوله والتفكر به‬

‫كنا نسمي واحدهم ب "المسموم" في الثمانينات والتسعينات المنقرضة تلك‪..‬‬


‫أحكي عن ضباط عاشوا معنا في الوحدات العسكرية وتبادلنا معهم أشكال الجداالت‪ .‬كانوا‬
‫منخرطين بالحزب مثلنا وكانوا يوازوننا بمستوى الشهادة األكاديمية لكن ليس بالعقلية مطلقا‬
‫فهناك شئ أشبه بالحيد المرجاني يفصل بيننا وال سبيل إلقناعهم مهما إصطفت من آيات‬
‫وأحاديث ومنطقيات وعقالنيات لتنقض آراءهم وتدحضها ! كانت نقاشاتهم وتصريحاتهم‬
‫تكشف كم من السم اإليراني الطائفي قد تم حقنه في دواخلهم منذ مرحلة الرضاعة فهم‬
‫يملكون حقدا عجيبا بحق العرب والعروبة وبحق رموز اإلسالم العظيمة التي شكلت تاريخ‬
‫ي نفسه يقبل لهم‬ ‫أمتنا العربية رغم أنهم لم يعايشوا عمرا وأبا بكر وال سعدا وخالدا‪ ،‬وال عل ّ‬
‫أن يصدقوا كليا بما لم تره أعينهم ( مقولته المشهورة عن المسافة بين الحق والباطل‬
‫والعين واألذن) مع هذا فواحدهم مستعد ألن يخوض في عرض أية شخصية منهن وإن كانت‬
‫لزوجة الرسول نفسه ورغم نزول براءة سماوية متفردة ال تغيب عن بال أي مسلم‪ ،‬والمثير‬
‫لإلستغراب هو لو أنّك كشفت ما في تجاويف قلب الواحد منهم وتالفيف دماغه فأنا أجزم لك‬
‫بكل اليقين أنك لن تجد واحدا بالمليون من ذلك الحقد موجها صوب أية شخصية سلبية‬
‫أخرى‪ /‬حاضرا أو ماضيا‪ ،‬وابتداءا بقابيل القاتل األول ومن ثم فرعون موسى‪ ،‬وال حتى‬
‫جورج بوش نفسه‪ ،‬وال جنكيز خان‪ ،‬ال بل وال حتى حسنه ملص‪ ،‬فاطمه بالش و‪/‬أو سعدي‬
‫الحلي‪ ،‬هاته األخيرات هن شخصيات تثير اإلبتسام لدى هؤالء وتبعث على اإلنتعاش وإنفراج‬
‫األسارير لمجرد سماع خبر أو طرفة عن أي منهم‪ ،‬ال اللعن وال السب والشتم وال التكفير‬
‫حتى‪ ،‬وهنا تكمن المفارقة المنطقية وهنا يكمن البرهان في تكفير هؤالء الغلمان‪.‬‬
‫وأنا لكثرة تمعني بكيفية تخليق هذه الشخصية السايكوباثية العمومية فقد توصلت لتفسير‬
‫يستند على تجربة من تجارب العالم سيكَموند فرويد مع مريض نفسي كانت لديه عقدة خوف‬
‫غامضة من الذئب رغم انه لم يعش بغابة مثال كي يصادف ذئبا من الذئاب‪ .‬تبين من معالجات‬
‫الطبيب النفسي للمريض ذاك ومن خالل التنويم المغناطيسي أنّه قد شاهد عملية ( تواصل‬
‫جنسي) بين أبيه وأمه وهو ( بعمر اللفة) كما يقول المصريون‪ ،‬كان الوضع المستخدم هو‬
‫المصطلح عليه بوضع الكالب الخلفي والطفل المبتلى يحدق بتفاصيل العملية رغما عنه‪،‬‬
‫وعندما شب وتعرف لطبيعة الحيوانات أصبح الذئب غريم عقله المنهك ومصدر رعبه لتشابه‬
‫الحال والوضعيات ! وجدت صدى هذه النظرية في تسجيل وصلني لطفل شيعي يبكي بحرقة‬
‫ووالدته تستفسر منه فيخبرها كيف أنهم قتلوا الحسين " بسيف طويل " لم يحسن الطفل‬
‫المسكين حتى نطق حروف العبارة هذه بشكل سليم دون لثغ وذلك لحداثة سنه فيما شرعت‬
‫األم تهدئ من روعه وتخبره أنها مجرد " مسرحية " فهل إنتبهت للتأثير العميق الذي تركته‬
‫مشاهدة (مسرحية اآلالم والعذابات) تلك على عقل الطفل وهو يصف رعبه من طول السيف‬
‫ومن جريمة القتل؟ كذا صورت األم التسجيل له ولصوتها وهي تقهقه لكنها من جهة أخرى‬
‫حتما كانت متعمدة لزرع هذا الرعب الممزوج بالحقد في عقل طفلها‪ ،‬العملية متوارثة من‬
‫جيل لجيل في ترسيخ قصة واقعة تاريخية هي وحشية دون شك‪ ،‬لكن اإلشكال هو في عبثية‬
‫توريث المشاعر والثأريات التي ال تنتهي فقد قتل المختار الثقفي كل من ساهم بقتل الحسين‬
‫ولم يبق منهم أحد‪ ،‬حتى سارق نعل الحسين تم تحريقه الحقا‪ ،‬تصوروا‪ :‬بدل قطع اليد عوقب‬
‫بالموت تحريقا‪ ،‬فماذا بقي من أجندة اإلنتقام بعد‪ ،‬وعالم هذه المسرحيات واللطميات‬
‫المعترضة على حادثة إستشهاد كما يسمونها هم أنفسهم ويسميها جمهور السنة؟ القرآن‬
‫ي المقتول بالثأر ظلما ويوصي بعدم اإلسراف في القتل‪ ،‬هذه لمن‬ ‫الكريم يعطي سلطانا لول ّ‬
‫متردم ؟! على مثل هذه‬
‫ِ‬ ‫يقرأ القرآن‪ ،‬لمن يؤمن به ويلتزم بما فيه ‪ ،‬فعل غادر الربع من‬
‫األفالم وأشكال الحكايا المبالغ بها تغذت كل تلك الكراهيات منذ قرون وكذا تخلقت‪ .‬بالمقابل‪،‬‬
‫أي شئ يوازي هذا بخصوص قصة أبو لؤلؤة‬ ‫ومن باب المقارنة‪ ،‬فليس لدى جمهور السنة ّ‬
‫المجوسي و إغتياله لعمر بن الخطاب (والذي هو مشابه تماما إلغتيال علي بن أبي طالب‬
‫على يد عبد الرحمن بن ملجم!) أو إغتيال مالك بن األشتر وعصابته لعثمان بن عفان فهي‬
‫حاالت إستشهاد هي األخرى بتصور السنة‪ ،‬ومهما كان تصنيف اإلغتيال ( إستشهادا أم‬
‫إغتياال فحسب) فهي ال تعدو أحد إحتمالين‪ :‬إن كان إستشهادا فعالم يحزنون أو يحقدون‬
‫طالما الشهادة هي أقصى شرف للمقاتل وهي تعني الخلود في عالم آخر معزول‪ ،‬وإن كان‬
‫مجرد إغتيال فهو من أمور الماضي التي ال رجعة فيها وال ندامة أو أحقاد مفرطة تنفع معها؟‬
‫إذن‪ ،‬لماذا هذا الفارق الكبير بين الملتين بهذه الموضوعة ‪ :‬موضوعة الحقد على أعداء‬
‫الملة بشكل ال يعرف التناقص مع مرور الزمن؟ إنها إمبراطورية فارس دون شك !‬
‫مثلت الحقبتان المذكورتان أعاله ( الثمانينات والتسعينات) للعراق وللعراقيين الخريف األخير‬
‫السابق لإلظالم التام مع حلول حقبة اإلحتالل والخيانة التي توالها نفر كثير من العراقيين‬
‫باعوا أنفسهم وشرفهم ومستقبل األجيال المقبلة إليران‪ .‬بالحقيقة‪ ،‬التسمية تلك والخاصة‬
‫بأولئك الضباط كان ينبغي أن تكون ( المسموم السام) بدال من (المسموم)‪ ..‬إسم المفعول‬
‫الذي يوحي بأن هكذا ضابط (أو جندي أو مدني) هو ضحية عملية تسميم بينما في واقع‬
‫الحال فالشخص منهم هو غدة السم نفسها في حقيقته وهو ناب األفعى الذي ينقل السم‬
‫للضحية وقت يتكلم ووقت يناقش ووقت يضمر بداخله ما يضمر فهو فاعل وهو مفعول به‬
‫وألجله حتى ‪ ،‬ال تصح مع هكذا نفر حتى عبارة ( مغسول الدماغ) المترجمة عن اإلنكَليزية‬
‫ألن الغسل يعني النظافة وإزالة األقذار بينما هؤالء واحدهم ( مقذور الدماغ مزبول اللسان‬
‫أن المهدي الغائب قد‬ ‫والفكر) ! كان هذا قبال‪ ،‬وما ان أط ّل ربيع العام ‪ 2003‬حتى بدا كما لو ّ‬
‫أرسل تبليغا ( طيفيا) لكل هؤالء ‪ " :‬أسفروا‪ ،‬أسفروا ‪ ،‬ال داع اليوم لإلخفاء وللتقية ‪،‬‬
‫أعلنوها بكل صراحة‪ ،‬لم يعد هناك خوف أو تحرج "! لذا إتخذ هؤالء أدوارا جديدة‬
‫واحتضنوا قناعات أخرى ال عالقة لها بالماضي‪ ،‬تركوا ذلك التشيع واتجهوا صوب تشيع‬
‫إيران الصفوي المفرط بالتناوش اللفظي مع كل خصوم ومنافسي اإلمام علي وبنيه‪ ،‬سمعنا‬
‫مختلف أنواع الهرطقات والتجاوزات والشتائم التي كانوا يموهون عليها ويزعمون أنها من‬
‫أمر " قل ٍة قليلة" منهم ال عالقة لهم بها‪ ،‬نسبوها إلى "جهلة وأبناء سوق وشوارع" ال‬
‫يشابهونهم ‪ ،‬لكن هل كانوا صادقين بذلك؟ أبدا! وهذا معمم أعجمي إيراني صرف من (آيات‬
‫الشيطان) شبيه بالخميني يتوفر تسجيل له وهو يخوض في تناوش خالد بن الوليد‬
‫بمصطلحات وتفاصيل تخص مفردة (المخرج) ينأى بنفسه عنها حتى السرسرية المزمنون‬
‫ألنها ال تؤشر سوى السقوط التام المتفق مع طبيعة قوم لوط ‪ ،‬كيف يمكن لإلمام علي أن‬
‫ينطق هكذا مفردات ( مال المناويج‪ -‬خلي أتحرر شوية من القيود) في المسجد؟ بررها‬
‫المعمم السافل بأن الموقف يتطلب ذلك ! هل هي إال لكون خالدا أذاقهم الويالت وألجل دوره‬
‫في إسقاط إمبراطوريتهم وتعزيز دولة الخالفة الراشدة تلك؟ هي مفهومة لكل ذي لب لكن هل‬
‫يفهمها جمهور الشيعة في خضم كل الروايات الملفقة التي تم حشوها بأدمغة الواحد منهم؟‬
‫أشك بذلك لفرط ما أرى في صفحات أصدقائي الشيعة الذين يكتمون هذه القناعات ولكن‬
‫تكشفها منشوراتهم في كل مناسبة دينية فهو اللعن واللعن وال شئ غير اللعن !‬
‫أصل الحال هذا ( فرط البغضاء لرموز اإلسالم) هو تلقين دؤوب من قبل الوالدين واألخوة‬
‫األكبر سنا ومعمم الحي والحسينية ومعلم الصف منذ الصغر ‪ ،‬تلقين مفاده ّ‬
‫أن ( شيعتنا هي‬
‫الفرقة الناجية ال غيرها)‪ ،‬فالتشيع هكذا حل محل (اإليمان‪ /‬اإلسالم) لذا يرى الشيعي الصغير‬
‫السن من ضمن هؤالء أن كل ما ال يتفق معه بالعقيدة هذه هو خارج أقواس وال حظ له برضا‬
‫هللا مطلقا وعلى هذه القناعة يشب ويشيب( بالحقيقة ليس رضا هللا هو الرضا األكبر بنظرهم‬
‫فهناك رضا آل البيت الذي هو بمثابة " البدل النقدي" الذي يسقط فرض خدمة العلم عن‬
‫دافعه) لذا تجد مثل هؤالء ال يعرفون أي شئ عن آي القرآن وال يتقنون فصاحة اللغة العربية‬
‫وال يميزون بين آية قرآنية وحديث نبوي ومقولة لإلمام علي‪ ،‬مطلقا‪ ..‬إنه مزدوج (العجمة‬
‫واإلستعجام) المقصود‪ ،‬وهي متالزمة لم يفطن لها عالم نفس أو إجتماع من قبل كيف يكون‬
‫ي األلفاظ ينفر من الفصاحة نفورا ‪ :‬لماذا‬
‫واحدهم ضحل الدراية بالقرآن الكريم وكذلك أعجم ّ‬
‫تتواجد هذه الحاالت كلها ضمن هذا الجمهور بالذات؟ إنها إمبراطورية فارس مرة أخرى‪ .‬من‬
‫جهة أخرى‪ ،‬فلدى السنة تفكير مقابل فهم يعتقدون كذلك أنهم هم الفرقة الناجية ال غيرهم‪،‬‬
‫أن رضا هللا عنهم حاصل لهم وعليهم منذ هذه‬‫لذا يتصرفون بنفس يقين الشيعة تقريبا ّ‬
‫اللحظة في حياتهم الدنيا وهو مخالف لتوصيات الدين لنا أال نزكي أنفسنا وأال نتفرق كمذاهب‬
‫وشيع ‪ ،‬لكن الفرق الكبير هنا هو أنهم ال يشتمون رموز الشيعة وال يكترثون لوضع (‬
‫"ميزان إبن خروفه" المشهور لدى أهل الموصل) محل التطبيق‪" ،‬هذا أفضل من هذا وذاك‬
‫أسوأ من تلك‪ ،‬هذا يدخل الجنة وذاك يدخل جهنم"‪ ،‬هذا تخصص شيعي صرف‪ ،‬الشيعي‬
‫المتعصب يعرف من اآلن َمن سيدخل الجنة و َمن حاله هو نقيض ذلك‪ ،‬ال حاجة به إلنتظار‬
‫يوم الحساب وال تفسير لديه لعبارة ( ملك‪/‬مالك يوم الدين ) في الفاتحة فهي تعني شيئا آخر‬
‫أي شئ غير تجنب البت بمآالت ومصائر اآلخرين األخروية‪ ،‬ال بسطحية وال‬ ‫يمكن أن يكون ّ‬
‫بهكذا قطعية !‬
‫محرك هذه المقالة هو التظاهرات واإلحتجاجات الدائرة في عموم جنوب العراق منذ شهور‬ ‫ّ‬
‫والتي تنتهي بحدود العاصمة بغداد‪ .‬إنها تظاهرات شيعية ضد السلطة الشيعية بغالبيتها‪،‬هكذا‬
‫دون أدنى شك‪ .‬وهيوإن كانت محل اإلعجاب واإلستبشار من قبلنا لكنها بحقيقتها عبارة عن‬
‫ردة فعل مبعثها خيبة أمل ممن إنتخبوا اللصوص والقتلة بأنفسهم‪ ،‬فقد فعلوا ذلك في كل‬
‫الدورات اإلنتخابية رغم التحذيرات ورغم الشروحات الكثيرة عن كم سيكون ذلك مدمرا‬
‫لغيرهم ولهم كذلك‪َ ،‬من منهم لم يتفاخر بالطبعة البنفسجية تلك ؟ لقد إنتخبوا القتلة‬
‫واللصوص بحكم اإلنتماء المذهبي الذي يملي عليهم ما يمليه نفس اإلنتماء المقابل لدى‬
‫جمهور السنة في األنبار والموصل وصالح الدين‪ ،‬وهو نفس اإلنتماء القومي المقيت الذي‬
‫يدفع األكراد إلعادة إنتخاب نفس الزبانية الجبلية كل مرة رغم معرفتهم بأن ذلك هو خطيئة ال‬
‫ساس‪ ،‬وهذه هي آفة العراق! الكل مدفوع بثقافة القطيع لنكح‬ ‫تقل عن زنا المحارم‪ ،‬العرق د ّ‬
‫نفسه بنفسه‪ ،‬بالنهاية ترى أهل األنبار يلعنون سياسييهم وأهل البصرة يلعنون سياسييهم‬
‫والكل على هذا المنوال‪ ،‬لكن ما تسمعه خارج حدود العراق ومن لسان من ال يعيش في‬
‫العراق ال يعدو أن يكون ( طيح هللا حظكم كلكم‪ ،‬موو إنتو اللي إنتخبتوهم؟ بالعافيه عليكم لعد‬
‫ي هي نفسها في كل محافظة‪ ،‬توقفت العوائل عن إحسان تربية تلك‬ ‫!)‪ .‬المشكلة تكاد تكون ه َ‬
‫األجيال منذ عشرات السنين وبعضها أساء التربية فلقّن أبناءه وبناته أسوأ التعاليم وأخزى‬
‫التوصيات فوصلت تلك المجاميع من الزعاطيط والزعطوطات بعد عقود لمناصب البرلمان‬
‫والوزارات وغالبية المناصب التي تسوم العراقيين الخسف منذ سنين طويلة (وخصوصا‬
‫األجهزة األمنية )‪ ،‬حتى قبل ‪ .2003‬مشكلة العراق هي مشكلة اخالقية قبل أن تكون طائفية‬
‫أو قومية‪ ،‬فهناك أخالقيات تحكم كل معيشة مختلطة في كل بلدان األرض ‪،‬أخالقيات تجنّب‬
‫المتخالفين باليقين مواقف اإلحتكاك والتعمق بهذه المواضيع وتمنع التفكير بالتساؤل المحرم‬
‫ذاك ‪" :‬لماذا أنت ال تؤمن بما أنا مؤمن به؟"‪ ،‬وعندما ينزل القائد العسكري أو مدير الشرطة‬
‫أو المدير العام لدرك السفالة في تصريحاته وتصرفاته بفعل كونه (أدبسز ساقط) فلن يراه‬
‫المقابل إال من خالل هويته المذهبية أو القومية‪ ،‬سيقول ( كل الشيعة كذا‪ ،‬كل السنة كذا‪ ،‬كل‬
‫األكراد كذا) !‬
‫ليس مهما أن أسمع بتظاهرات تطالب بإسقاط النظام أو إلغاء العملية السياسية واإلرتداد عن‬
‫إيران‪ ،‬فما لم يكن ذلك مشفوعا بتكفير هذه العمائم ( عراقية وإيرانية ‪ ،‬كويتية ولبنانية)‬
‫ونزع قدسيتها وإعادة األئمة لقبورهم واإلقرار بموتهم السريري واألبدي كي تنقطع إمدادات‬
‫القوة والتأثير والنفوذ عن هؤالء المعممين الذين صادروا حتى رهبة جهنم وعذاب القبر‬
‫أي نفع من أية ثورة‪ ،‬حتى لو‬ ‫وقدسية هللا تعالى ورسوله من عقول أتباعهم فليس هناك ّ‬
‫أسالت دماء الشرطة والمتظاهرين في الشوارع أنهارا‪ ،‬ستكون عبارة عن فصل منفرد من‬
‫مسرحية يعاد تمثيلها على مدى التاريخ مع تبديل أشكال ووجوه وعناوين الشخوص‪ ،‬لكن‬
‫الشخصيات هي البالء الحقيقي‪ ،‬أكثر من الشخوص ! والبالء ليس بالعملية السياسية بالذات‬
‫ولوحدها فقط ( مهما كانت مخطوءة وموبوءة)‪ ،‬البالء هو بعقلية تعبّد األصنام النبوية (حاشا‬
‫للنبي من أن تنسب إليه)! البالء األعظم هو في إتباع هذه المذاهب وعلى رأسها المذهب‬
‫يفرخ هكذا معتقدات ويصادر إرادة وعقل ووعي التابع‬ ‫الجعفري (كما هو متجسم اليوم) الذي ّ‬
‫ليضيفه لحساب المتبوع (المعمم وشريكه السياسي) فيزداد التابع غباءا وفقرا وعبودية بينما‬
‫يستقوي المتبوع بكل هذه النواحي بالضبط كما يستقوي مصاص الدماء بجرعة الدم في‬
‫أساطير الكنيسة وأفالم السينما‪ .‬هذا مذهب أصبح مغناطيسا هائال يسحب كل شئ صوب‬
‫إيران ويسحب أذرع إيران اإلخطبوطية صوب كل مواضع الثروة والسيادة في العراق‬
‫وسوريا واليمن وكل بلد موضوع في تقاطع مرقب نظام الماللي الجشع‪ ،‬الموضوع تجاوز‬
‫مرحلة الفقه والصراعات التاريخية وفكرة العصمة والوالية‪ ،‬لقد أصبح صراع المتخلفين مع‬
‫غير المتخلفين‪ ،‬الخونة مع الوطنيين‪ ،‬اإليرانيين مع العرب العراقيين‪ ،‬المنافقين مع‬
‫أن مذاهب السنة‬ ‫المسلمين ! وحديث المذاهب ليس بخصوص الشيعة فحسب‪ ،‬فمن المؤكد ّ‬
‫لها حصتها من النقد هذا ولها دورها المقيت بالحجر على العقل ومنع التفكير المنطقي‬
‫وإحتضان الموروث السني بكل تقديس دون تمحيص وكذلك مؤازرة السلطة الحاكمة‬
‫المتغطرسة ‪ ،‬بالضبط كما فعلت عمامات الشيعة في إيران وبغداد وتبادلت دور ( وعاظ‬
‫السالطين) مع نظرائهم السنة الباهتي األلوان أولئك‪ ،‬لكن حاليا تبدو المشكلة متركزة في‬
‫معسكر الشيعة أكثر منها في معسكر السنة‪ ،‬الكرة هي (اآلن ومنذ ‪ 15‬سنة) في ملعب‬
‫الشيعة‪ ،‬هؤالء وال أقصد الشرفاء منهم‪.‬‬
‫هذا بالحقيقة ما أخشاه‪ ،‬عدا عن تهمة الحكومة وأجهزتها األمنية للمتظاهرين بكونهم "‬
‫إنفصاليون" يريدون عزل أقاليم منتجة للنفط وذات موقع جغرافي حيوي لتكون لهم وحدهم‪،‬‬
‫وهي إن ص ّحت فلن تكون بصالح العراق ككل وال هي مقبولة‪ ،‬إنها ( محاولة إفالت) من‬
‫طوق تلبّس المتظاهرين بفعل إختياراتهم القديمة تلك ولكنه يزيدهم بعدا عن العراق ووحدة‬
‫يكرس فكرة التشرذم كما يريد كذا عدو من أعداء العراق( أعني‪ ،‬وبالتسلسل‪:‬‬ ‫العراق وهو ّ‬
‫األكراد‪ ،‬الصهاينة‪ ،‬اإليرانيين كخطة بعيدة األمد تضمن عودة العراق إليهم جاثيا على‬
‫ركبتيه‪،‬ومن ثم األمريكان الجمهوريين الذين راهنوا منذ ‪ 2003‬على تفتيت العراق)‪ .‬ينظر‬
‫أي عراقي وطني شريف نظرة الرفض لهكذا مشاريع إنفصالية‪ ،‬ليس بعدما أزهق أبناء‬
‫العراق من الشمال للجنوب ( عدا الكرد المالعين والمسيحيين اإلنتهازيين) أرواحهم في‬
‫حماية شرق البصرة وغربها وذابت عظام أمثالهم في سبخ فاوها ومياه شط العرب عندها‪.‬‬
‫ونحن قد نصدق هذه اإلتهامات الحكومية لوهلة‪ ،‬على األقل وفق قاعدة ( يفوتك من الجذاب‬
‫صدكَن جثير) وعندها سنضطر ألن نقف ضد التظاهرات وبذلك نعود للمربع الصفري دون‬
‫أي تقدم وهذا كما مفهوم هو عين ما تريده الحكومة‪ ،‬ومن يضمن ّ‬
‫أن اإلقليم الجديد لن يتحد‬ ‫ّ‬
‫مع إيران بشكل رسمي أو بشكل مبطن أقوى مما يجري منذ ‪ 2003‬عبر سرقة النفط‬
‫وتهريبه أو تحويل المدن ألسواق إستهالكية لمنتجات إيران وصبغ األرض والهواء والماء‬
‫بلون ثوم العجم؟ وهنا يوجد سؤال مطلوب بكل األحوال‪ :‬من يعرف حقيقة من يدعم هذه‬
‫التظاهرات ويغذيها؟ بعض الشيعة يتهمون أميركا وسفارتها ببغداد وذلك وفق " نظرية‬
‫المؤامرة" كما معتاد‪ ،‬والبعض اآلخر يتهم نوري المالكي وعصابته كونه ينافس حيدر‬
‫العبادي ويشتهي العودة لنفس دوره القذر ذاك‪ ،‬والبعض يراها فورة شعبية طبيعية أذكتها‬
‫إخفاقات اإلدارة المحلية وإهماالت الحكومة المركزية‪ ،‬وتبقى تهم البعثيين والسعودية تدور‬
‫في نفس الفلك المعتاد طبعا لكن الحالة تذكرني ببعض طروحات زمالء شيعة لي ‪ ،‬كان همهم‬
‫األكبر قبل ‪ 6‬سنوات هو فصل محافظاتهم ( الديوانية والبصرة ‪ ،‬نموذجا) عن العراق كله‪،‬‬
‫فليس كل نداء معاكس للسلطة الفاسدة هو مرتجى العراقيين الشرفاء ‪ .‬وفي مقابل ذلك ‪،‬‬
‫فمن يضمن أن هذه التهم الحكومية ليست كذبة حكومية تريد بها أن تخمد التظاهرات وتديم‬
‫الحال كما كان منذ ‪ 2003‬لتستقيم البصرة مع الموصل بالخراب والفقر والتهميش ويستمر‬
‫نهب النفط لصالح هذه األحزاب الشيعية ومن تحالف معها من عرب سنة وتركمان‬
‫ومسيحيين وكرد؟ هذه حيرة من نوع خاص !‬
‫خوف الذي أعنيه هو أن يكون المتظاهر نموذجا عن " السا ّمين‬ ‫في كل األحوال‪ّ ،‬‬
‫فإن الت ّ‬
‫صرحوا به من‬ ‫المسمومين" الذين عشنا معهم عقودا وعرفنا أيّة عقليات يمتلكون مهما ّ‬
‫تصريحات تبدو إيجابية ومهما صرخت وصدحت به حناجرهم من شعارات تهتف ضد إيران‬
‫وضد الوضع السقيم الذي يحكم المشهد العراقي منذ ‪ 15‬سنة عجفاء‪ ،‬بحيث لن يكون الناتج‬
‫سوى إستبدال السفلة الحاليين بسفلة أحدث‪.‬‬