You are on page 1of 192

‫ن�ساء الريح‬

‫ن�ساء الريح‬
‫روايـــة‬

‫رزان نعيم املغربي‬

‬ب‪ 13-5574 :‬شوران ‪ -‬بيروت ‪ – 1102-2050‬لبنان‬ ‫فاكس‪ – (+961-1) 786230 :‬البريد اإللكتروني‪bachar@asp. ‫الطبعة الأوىل‬ ‫‪ 1431‬هـ – ‪ 2010‬م‬ ‫ردمك ‪978-9953-87-895-9‬‬ ‫جميع احلقوق حمفوظة للنا�رش‬ ‫عين التينة‪ ،‬شارع المفتي توفيق خالد‪ ،‬بناية الريم‬ ‫هاتف‪(+961-1) 785107 – 785108 – 786233 :‬‬ ‫ص‪.com.com.‬‬ ‫�إن الآراء الواردة يف هذا الكتاب ال تعرب بال�ضرورة عن ر�أي النا�شرين‬ ‫التنضي�د وف�رز األل�وان‪� :‬أبـج���د غرافيك����س‪ ،‬بيروت – هات�ف ‪(+961-1) 785107‬‬ ‫الطباع�ة‪ :‬مطاب���ع ال���دار العربي���ة للعل���وم‪ ،‬بيروت – هات�ف ‪(+961-1) 786233‬‬ .asp.lb :‬‬ ‫مينع ن�سخ �أو ا�ستعمال �أي جزء من هذا الكتاب ب�أية و�سيلة ت�صويرية �أو الكرتونية �أو‬ ‫ميكانيكية مبا فيه الت�سجيل الفوتوغرايف والت�سجيل على �أ�شرطة �أو �أقرا�ص مقروءة �أو �أية‬ ‫و�سيلة ن�شر �أخرى مبا فيها حفظ املعلومات‪ ،‬وا�سرتجاعها من دون �إذن خطي من النا�شر‪.lb :‬‬ ‫الموقع على شبكة اإلنترنت‪http://www.

‫ �إىل ربيعة حيثما كانت تقف الآن‬ ‫ �إذ لوال غيابها ملا متكنت من الكذب‬ ‫وكتابة الرواية‬ ‫ ‬ ‫‪5‬‬ .

6 .

‬‬ ‫في طرابلس تغيرت عادات وطقوس األعراس‪ ،‬استحدثت صاالت‬ ‫األفراح في كل مكان‪ ،‬وصارت من ضمن التقاليد الجديدة‪..‬‬ ‫إذن طرابلس التميل إلى اللهو فقط‪ ،‬بل تهوى المنافسة‪ ،‬إذ يكفي‬ ‫أن ينجح أحدهم في تسويق سلعة ما في شارع ما حتى يسمى الشارع‬ ‫باسمه من «فرصة» إلى «مفاجأة» إلى «المميز» وهكذا‪..‬‬ ‫تل�ك المنعطف�ات تتكاث�ر‪ ،‬مقه�ى يستنس�خ مقه�ى آخ�ر‪ ،‬ه�ذا‬ ‫االستنس�اخ اليخص المقاهي والمطاعم بل حتى محال بيع األحذية‪،‬‬ ‫فترى شارع ًا بدأ بمحل لبيع األحذية‪ ،‬بعد شهر تنبت عشرة محال تبيع‬ ‫نفس البضاعة وبنفس األس�عار‪ ،‬يحدث ذلك مع محالت تخصصت‬ ‫ببيع المالبس بأسعار مخفضة‪ ،‬أطلق مبدعها األول عليها اسم (فرصة)‬ ‫فأصبحت عالمة مسجلة وتم استنساخ مئات المحالت منها‪.‬‬ ‫م�ع طرابل�س التوج�د ضمان�ات دائم�ة الس�تمرار ذاك�رة دائم�ة‬ ‫ممنوعة من االنتهاك‪،‬‬ ‫فهي دائمة الحركة‪ ،‬ال يمكن أن تقف األمكنة مشلولة بل تحرك‬ ‫‪7‬‬ . ‫طرابل�س مزاج متجدد‬ ‫طرابلس مدينة متقلبة المزاج ال يمكن التنبؤ بأهوائها‪ ،‬تهوى اللهو‬ ‫والترف‪ ،‬فتسمح لمزيد من المنعطفات وتقاطعات الشوارع أن تكون‬ ‫ركن� ًا صغي�ر ًا لتقدي�م القه�وة س�ريعة التحضير‪ ،‬فتق�دم كل صباح نوع ًا‬ ‫جديد ًا من طرائق تحضيرها‪ ،‬تطلق عليها تسميات تخصها‪ ،‬وتوقعك في‬ ‫حيرة‪ ،‬فإذا تعودت على تناول نوع منها فلن تجد إذا ما سافرت خارجها‬ ‫ما يرضي متعة تذوقك لتلك القهوة السريعة المعدة في مقاهيها‪.

‫الس�اكن والراك�د بضلال مفاج�يء يأت�ي على غفل�ة‪ ،‬وأي صباح قادم‬ ‫بجديد ينهي كل العادات القديمة‪ ،‬ويقدم بدائل أكثر حداثة وجدة‪.‬‬ ‫‪8‬‬ .

‫عودة الذاكرة‬ ‫ل�م أك�ن أتوق�ع العث�ور عل�ى حكاي�ة‪ ،‬كن�ت أبح�ث عنه�ا داخل‬ ‫تجربت�ي‪ ،‬أح�ث ذاكرت�ي عل�ي المض�ي نحو الماض�ي أو حتى القريب‬ ‫من الحاضر‪ ،‬معتقدة أن ذاكرتي سوف تعتقل نص ًا ما يفجر تلك الرواية‪،‬‬ ‫ولكن المفاجأة كانت مختبئة داخل شريط مسجل‪ ،‬وها أنذا أفرغ هذه‬ ‫الذاكرة المعدنية اللعينة‪ ،‬وأضيف إليها ما لم تدركه بهيجة وهي تسجل‬ ‫تلك اللحظات األولى التي جمعتني بها في مصادفة غريبة‪.‬‬ ‫بهيج�ة‪ ،‬الت�ي التق�ى به�ا زوج�ي قب�ل أكث�ر من ش�هرين في أحد‬ ‫الفنادق في مدينة فرنسية‪ ،‬حيث تعمل في تنظيف الغرف‪ ،‬كانت سعيدة‬ ‫جد ًا بخبر حملي‪ ،‬واحتالت على زوجي حتى يحمل معه هدية لي‪.‬‬ ‫‪9‬‬ .‬‬ ‫في صباح اليوم الثاني جاءته تحمل كيس ًا مألته بألبسة األطفال‪،‬‬ ‫وبين ثناياها خبأت المسجل الصغيرملفوف ًا بورق مقاوم للماء‪.‬‬ ‫آل�ة التس�جيل تل�ك‪ ،‬أو الذاك�رة الت�ي حملته�ا بهيجة في رحلتها‬ ‫كان يمكن أال تعود‪ ،‬كان يمكن أن تغرق في مياه البحر المالحة أثناء‬ ‫إلي جاء من محبتها أن‬ ‫سباحتها‪ ،‬لكن حرصها كما تقول في رسالتها ّ‬ ‫تكون داخل الرواية التي س�أكتبها‪ ،‬وهاأنذا أش�رف على وضع جنيني‬ ‫ولم أنجح بعد في ملء الفراغات‪.‬‬ ‫أنظ�ر إل�ى آل�ة التس�جيل الت�ي ع�ادت بعد ش�هور طويل�ة قاربت‬ ‫خيل إلي فيها أنني قادرة على‬ ‫التسعة‪ ،‬وأبتسم من تلك اللحظة التي ّ‬ ‫كتاب�ة رواي�ة‪ ،‬وأن�ا الت�ي لم أكت�ب أكثر من خواطر نثرية وبضع قصائد‬ ‫يسمونها نثر ًا أيض ًا‪.

‫م�ع كل تل�ك المس�اعدة ل�م أتمك�ن م�ن إنج�از الرواية‪ ،‬حملت‬ ‫األق�راص المدمج�ة الت�ي أفرغ�ت عليها حديث بهيجة‪ ،‬وبعض أوراق‬ ‫كتبتها يسرى‪ ،‬ومذكرة صغيرة فيها بعض مما كتبت‪ ،‬وضعتها في مغلف‬ ‫كبي�ر قدمت�ه إل�ى كاتب�ة س�بق أن أص�درت رواية‪ ،‬عس�ى أن تنجح فيما‬ ‫لم أقدر عليه‪.‬‬ ‫‪10‬‬ .

‫بهيجة!‬ ‫حدث هذا في إحدى ليالي الصيف من العام الماضي‪.‬‬ ‫بعد تردد سألها باختصار شديد وبلهجته المصرية‬ ‫‪ -‬أمال بنتك فين؟‬ ‫أجابت بسرعة وكأنها تتوقع السؤال‪.‬‬ ‫في الغالب اليتجاوز مساحة المدخل إذا كان من طلب الخدمة‬ ‫رجل البيت‪ ،‬أما النساء فكن يسمحن بفرصة أكبر إذا لم يكن الزوج‬ ‫‪11‬‬ .‬‬ ‫بع�د ت�ردد كبي�ر واض�ح قرأت�ه ف�ي مالمحه‪ ،‬من�ذ أن رآها تجلس‬ ‫منتظ�رة مث�ل غيره�ا اكتم�ال هذا الرهط‪ ،‬الذي ال يمكن أن يتوقع أحد‬ ‫منهم من سيكون التالي‪ ،‬ومن يرافقه في رحلة مجهولة‪ ،‬كانت دهشته‬ ‫بوجودها أكبر من اهتمامها بأن يكون معها حيث لم تتوقع‪...‬‬ ‫‪« -‬ماكنتش بنتي»‪،‬‬ ‫ف�ك رموزها؛ ألن رضا‪،‬‬‫ردت بلهج�ة مغربي�ة‪ ،‬ل�م يصع�ب عليه ُّ‬ ‫ب�واب العم�ارة الق�ادم م�ن منطق�ة الفيوم بمص�ر عمل في أغلب أحياء‬ ‫العمارات وصادق معظم المصريين الذين عملوا حراس مبان سكنية‬ ‫وتعرف على الكثير من العرب الذين يقطنون طرابلس ويعملون فيها‪،‬‬ ‫ولطالما نشبت بينهم معارك حول الوجود والسيطرة على حيازة أكبر‬ ‫عدد من الزبائن‪ ،‬كان على كل واحد منهم أن يمتلك حساسية عالية‬ ‫لتمكنه من التمييز واستقطاب الشخص المقتدر‪ ،‬تبدأ من نوع السيارة‬ ‫التي يقودها‪ ،‬إلى التلصص على مدخل البيت حالما يفتح صاحبه الباب‬ ‫ويقوم بإدخال األكياس‪ ،‬إلى أبعد مايمكن وصوله‪.

.‬‬ ‫كلم�ا انزاح�ت الش�مس وراء األف�ق درج�ة كان عدد المهاجرين‬ ‫ي�زداد واح�د ًا إث�ر آخ�ر‪ ،‬وعندما اس�تمعت إلى أذان المغرب ازدحمت‬ ‫الغرفة المستطيلة التي حشروا فيها‪ ،‬وأخذت تتصاعد روائح أجسادهم‬ ‫مختلطة باألنفاس الثقيلة‪ ،‬نظر إليها رضا الجالس قبالتها‪ ،‬أشار بيده‪،‬‬ ‫فهمت أن عليها الخروج‪ ،‬انسحبت إلى خارج الدار التي لم تكن سوى‬ ‫(شاليه) متواضع بني على عجل‪ ،‬في الداخل كانت الحجرة المستطيلة‬ ‫بأثاثها البسيط ولم يكن سوى سرير مهتريء وثالجة تسكب المياه من‬ ‫أنبوبة في أعالها‪ ،‬وإلى جانبها عدة كؤوس بالستيكية عددها ال يكفي‬ ‫كل الموجودين؛ لهذا لم يكن من يشرب منها يتجرأ على رميها‪ ،‬داخل‬ ‫‪12‬‬ ..‫موجود ًا؛ بحجة أنه يمكن السطوانة الغاز أن تكسر ظهرها إذا حملتها‪،‬‬ ‫أو تتسخ سجادة الممر لو سحبتها عليها‪.‬‬ ‫يق�وم رض�ا‪ ،‬ب�كل ه�ذه المهمات برض�ا بالغ؛ ألن اإلكرامية التي‬ ‫تدفع دائما خارج نطاق راتبه الشهري!‬ ‫رضا‪ ،‬يحاول اس�تعادة صور ذاكرته الحزينة‪ ،‬التي أدت لوجوده‬ ‫هنا‪ .‬كانت (بهيجة) المغربية تتأمل بسكون وادع بعض ًا من المنتظرين‬ ‫والحالمين بعالم جديد‪ ،‬وطن آخر يلتصقون بطينه وشواطئه‪ ،‬يعملون‬ ‫حمالين على ظهر الس�فن والمراكب على مرافئه‪ ،‬والحلم الش�كل له‬ ‫سوى أن العملة هي اليورو‪ ،‬حتى هذه اللحظة لم تكن تعرف شكل‬ ‫المركب الذي س�ينقلهم إلى وطنهم المفترض‪ ،‬كبير أم صغير؟ قوي‬ ‫متين‪ ،‬أم ضعيف متهالك؟‬ ‫ال لتجمع المبلغ‪ ،‬وأن تبحث عن تاجر‬ ‫كان عليها أن تسعى طوي ً‬ ‫تبيع�ه روحه�ا مقاب�ل أربع�ة آالف ي�ورو ليقبل بس�فرها على مركبه مع‬ ‫مجموع�ة م�ن األفارق�ة والع�رب المهاجرين‪ ،‬أما العراقية أم فرح‪ ،‬التي‬ ‫خاضت التجربة من قبل فقد فشلت زرعت في داخلها بذرة الخوف‬ ‫والشك من النصابين السماسرة في هذا المجال‪.

‬لهذا لم تمانع أبد ًا في تقديم‬ ‫الع�ون والخدم�ة له�ا ف�ي بيته�ا‪ ،‬بع�د أن أصبح�ت أقرب إلى يس�رى‪،‬‬ ‫مستجيبة لطلبها‪.‫الغرفة باب مفتوح على مطبخ صغير فيه عدد من الكراس�ي جلس�ت‬ ‫عليها بضع نساء مع أطفالهن يقابله باب الحمام وبدا االزدحام كبير ًا‪،‬‬ ‫م�ن أج�ل الدخ�ول إلي�ه كان عل�ى بهيجة‪ ،‬أن تتعلم الكثير من تجاربها‬ ‫في الحياة من خالل خدمتها في بيوت راقية وأخرى متوسطة أو حتى‬ ‫أقل من عادية‪ ،‬مهمتها األولى تنحصر في المحافظة على النظافة‪ ،‬بل‬ ‫تنظي�ف ق�ذارة اآلخري�ن‪ ،‬له�ذا حملت في كيس�ها الصغير زجاجة مياه‬ ‫تخصها وعمدت إلى عدم اإلكثار من شرب المياه حتى ال تضطر إلى‬ ‫دخول «حمام عمومي» في مكان مجهول‪.‬‬ ‫في الخارج كانت الشرفة منخفضة السور قريبة جد ًا من شاطيء‬ ‫البحر‪ ،‬وضعت فيها بضع كراس فارغة‪...‬‬ ‫ف�ي الواق�ع كأن رأس�ها فارغ�ا تمام� ًا‪ ،‬ل�م تع�د ذاكرته�ا تحتم�ل‬ ‫أكث�ر م�ن ذل�ك‪ ،‬مات�راه تكاد تنس�اه ف�ي ذات اللحظة لكنها على األقل‬ ‫تذكرت الكاتبة‪ ،‬فتحسس�ت جيب جالبيتها‪ ،‬لمس�ت أس�طوانة معدنية‬ ‫صغي�رة س�حبتها بس�رعة وتأملته�ا‪ ،‬كان�ت تحت�وي زر ًا ينس�حب نح�و‬ ‫األعلى واألس�فل‪ ،‬قالت عنه الكاتبة‪ :‬إنه مس�جل صغير‪ ،‬لكنه يتحمل‬ ‫الكثير‪..‬طلب�ت منه�ا أن تتح�دث في�ه‪ ،‬ترص�د كل ماتراه‪ ،‬بل حتى ما‬ ‫تشعر به مهما بدا لها عادي ًا تافه ًا وسخيف ًا‪.‬‬ ‫صحي�ح أن أمله�ا خ�اب إذ رأت ه�ذا البي�ت الفوض�وي الصغير‬ ‫‪13‬‬ .‬‬ ‫حدثت نفس�ها قائلة‪« :‬هؤالء الكتاب مجانين فعالً‪ ،‬على الرغم‬ ‫مما كان يبدو عليها من عقل ورزانة‪ ،‬عندما التقتها أول مرة في بيت‬ ‫هدى‪ ،‬حس�بتها امرأة بس�يطة التجيد الحديث‪ ،‬وحين س�معتها تتحدث‬ ‫إل�ى صاحب�ة البي�ت ل�م تفه�م ما يدور بينهما من كالم‪ ،‬إال أنها تمتلك‬ ‫قدرة كبيرة على المجاملة والمالطفة‪ ...

‬قالت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬كل األوراق المبعث�رة عل�ى الطاول�ة والمكتبة ال تقتربي منها‪،‬‬ ‫أما الكتب المتناثرة بين سقف المكتبة ومحاذاتها وعلى األرض أيض ًا‬ ‫فال تلمسيها وال تحاولي تنظيفها‪.‬حاولت أن تنهرها‪.‬‬ ‫‪14‬‬ .‬‬ ‫‪ -‬ماذا أفعل سيدتي إذ ًا؟‬ ‫‪ -‬نظفي المطبخ وغرفة النوم‪.‬‬ ‫التريدها أن تتدفق هنا‪ .‬أمامها ليل طويل ستكون فيه على متن المركب‪،‬‬ ‫وسوف تتحدث إلى نفسها بصوت عال نسبي ًا‪،‬‬ ‫ستتجرأ وتسجل كل ما تفكر به؛ هذه األنبوبة المستطيلة؛ الذاكرة‬ ‫المعدنية التي حملتها معها‪ ،‬هدية الكاتبة التي أكدت كثير ًا أنها ستلتقي‬ ‫بها هناك على الشاطيء الثاني يوم ًا ما‪ ،‬بعد أن تستقر أمورها‪ ،‬ووضعت‬ ‫ف�ي يده�ا مبلغ� ًا الب�أس به عون ًا على الس�فر عل�ى الرغم من تواضعه‪،‬‬ ‫وكان أقل مساعدة مالية تلقتها‪ ،‬وبسبب تكتمها على الهجرة كان من‬ ‫الصعب أن تصارح يسرا‪ ،‬أو غيرها وتطلب مساعدة‪ ،‬أما الشقرا‪ ،‬المرأة‬ ‫التي اعتقدت طويال أنها مشغولة بنفسها فقط‪ ،‬فقدمت لها الكثير حتى‬ ‫مكنتها من غايتها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أقراط ثمينة ضائعة تحت الوسائد‬ ‫ش�عرت أن ذاكرته�ا البعي�دة تع�ود تدريجي� ًا‪ ..‫ال�ذي ال يمك�ن له�ا أن تب�دأ بترتي�ب أغراض�ه من مكان محدد‪ ،‬إال أن‬ ‫الكاتبة سهلت األمر عليها‪ .‬‬ ‫وفجأة وكأنها تذكرت شيئ ًا مهم ًا أردفت قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬في غرفة النوم ستجدين كراسات وكتب ًا بجانب السرير‪ ،‬نظفي‬ ‫الغبار حولها فقط!‬ ‫لم تكن بهيجة تخش�ى على نفس�ها عدم الدقة‪ ،‬فقد عملت في‬ ‫قصور وبيوت كبيرة تخص أثرياء‪ ،‬وكان س�كانها يطلبون منها توخي‬ ‫الحذر عندما تلمع كؤوس الكريستال أو النجف‪ ،‬والحرص على جمع‬ ‫واألسرة‪.

‬‬ ‫***‬ ‫الش�مس تنس�حب رويد ًا رويد ًا إلى ماوراء خط األفق؛ ارتفعت‬ ‫األص�وات وب�كاء األطف�ال الذي�ن مل�وا االنتظ�ار‪ ،‬أص�وات ولهجات‬ ‫غريبة متداخلة في الغرفة المس�تطيلة‪ ،‬الكراس�ي الفارغة على الش�رفة‬ ‫شغلت وازداد عددها‪ ،‬كان صاحب المركب يدور بينهم‪ ،‬يشرف على‬ ‫ماحملوه من أغراض معهم‪ ،‬وضع ميزان ًا صغير ًا وطلب من كل واحد‬ ‫الوق�وف علي�ه م�ع كيس�ه ال�ذي يحمله‪ ،‬بينما يحم�ل هو في يده ورقة‬ ‫وقلم� ًا ويس�جل األس�ماء واألوزان‪ .‬ه�ذا م�ا اعتقدت�ه بهيج�ة‬ ‫دائم ًا‪.‬التخجلى‪ ،‬وال تجامليني‪ ..‫جميع من عرفتهم وعملت في بيوتهم كان بإمكان كل واحد منهم‬ ‫أن يعطيها األربعة آالف دفعة واحدة‪ ،‬أما «الكاتبة» فقد ضحت بمبلغ‬ ‫متواضع‪ ،‬وشجعتها وهي تمسك بهذا « المسجل الصغير»‪:‬‬ ‫‪ -‬التبال�ي باآلخري�ن‪ ،‬أمس�كيه هك�ذا‪ ،‬قربي�ه من فمك وتحدثي‬ ‫بصوت هامس‪ ،‬اليهم ماذا تقولين وال الطريقة التي تتكلمين بها ألنني‬ ‫سأعيد ترتيب الكلمات‪ ،‬فأنا أفهم لهجتك المغربية جيد ًا‪..‬‬ ‫‪« -‬بالتأكيد تحدثي عني‪ .‬‬ ‫قاطعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬ربما أتكلم عنك و‪...‬غالبي�ة ال�ركاب م�ن الرجال؛ في‬ ‫‪15‬‬ ..‬ماذا تظنين‬ ‫بي»؟‬ ‫‪ « -‬حتى أنى بنولي كاتبة»!‬ ‫ضحكت�ا مع� ًا‪ ،‬وكان�ت إش�ارة إل�ى ماس�معته من الش�قرا‪ ،‬عندما‬ ‫أصبح�ت يس�را صديق�ة مقرب�ة م�ن الكاتبة‪ ،‬وش�عرت بالغي�رة فقالت‪:‬‬ ‫يسرا تريد أن تصبح كااااتبة‪..‬‬ ‫قالتها بلهجة ملحنة طرية‪ ،‬لقد أحبت كل واحدة منهن أن تكون‬ ‫كاتب�ة‪ ،‬إال أن أي� ًا منه�ن ل�م تح�ب الكاتب�ة‪ ..

‬من هنا وعلى امتداد‬ ‫مئات األمتار تتسلل أغلب القوارب والمراكب حاملة معها المهاجرين‬ ‫إلى أقرب جزيرة إيطالية‪.‬نطق اسمها بالكاف مشير ًا إلى الشابة‪.‫أقصى الشرفة جلست شابة ترتدي جالبية مغربية‪ ،‬تضع مساحيق وألوان ًا‬ ‫مختلفة على وجهها‪ ،‬تدخن السجائر بشراهة شديدة‪ ،‬وترتشف القهوة‬ ‫من فنجان ورقي أحضرته معها لم تنتبه بهيجة‪ ،‬إلى حضورها إال بعد‬ ‫أن لفت رضا انتباهها واقترب منها هامس ًا‪:‬‬ ‫‪« -‬بهيكة»‪ ..‬هزت‬ ‫برأس�ها موافقة‪ ،‬فهمت إلى مايرمي رضا‪ ،‬ورمقته بنظرة تحمل مغزى‬ ‫لم يلحظها أو يدركها أحد‪.‬‬ ‫(ممن ش�اركهم الجلوس بالش�رفة‪ -‬بعدما ش�غلهم وزن انفسهم‪،‬‬ ‫وع�د نقوده�م وتس�ليمها‪ ،‬كان�ت الدفعة الثاني�ة واألخيرة قبل الصعود‬ ‫إلى المركب‪.‬‬ ‫‪ -‬أليست هذه؟‬ ‫كان الضوء شحيح ًا لكنها ميزت قسمات وجهها الجميلة‪ .‬‬ ‫تعرف بهيجة أن ليبيا تمتد ش�واطئها ش�ماالً بما يقارب « ألفي‬ ‫كيلومتر»‪ ،‬وألنه بهذا االتس�اع والتوجد به منش�آت س�ياحية كثيرة أو‬ ‫ازدحام سكاني _مما جعل مهمة حمايته شبه مستحيلة_ كان الهروب‬ ‫من ش�واطيء تونس أو المغرب أصعب وأقل بكثير مما يحدث هنا‪،‬‬ ‫عل�ى الرغ�م م�ن قربهم�ا م�ن الش�واطيء األوربي�ة‪ ،‬وس�معت أن بحر‬ ‫(زوارة) يتم اصطياد أفضل أنواع الس�مك منه‪ ،‬في ليبيا يقال إن لكل‬ ‫مدين�ة تق�ع عل�ى الس�احل بحره�ا‪ ،‬بحر صبراته غرب طرابلس يش�تهر‬ ‫بكث�رة المصطافي�ن ووج�ود الق�رى والفن�ادق الس�ياحية في�ه‪ ،‬آخ�رون‬ ‫‪16‬‬ .‬؟؟)‬ ‫***‬ ‫ها هو شاطيء مدينة زوارة‪ ،‬يمتد واسع ًا أمامهم‪ ،‬تبدو السماء التي‬ ‫اس�ودت خالية من الغيوم والبحر س�اكن ًا تمام ًا‪ .

‬‬ ‫قال لهم‪:‬‬ ‫‪ -‬إذا كنت�م تري�دون الس�فر بسلام عليك�م بالت�زام الهدوء؛ ألن‬ ‫التفتيش عن المهاجرين يكثر هنا في هذه المنطقة‪.‬‬ ‫مع (نس�اء العمارة) أقامت جس�ر ًا من المودة‪ ،‬فيما فش�لت مع‬ ‫زوجة السيد عبد المجيد‪ ،‬في االستمرار بتلك الصداقة التي انقطعت‬ ‫فجأة‪..‫يفضل�ون (بح�ر مصرات�ه) الواقعة ش�رق طرابلس‪ ،‬أحيان ًا يحتد النقاش‬ ‫حولهم�ا عندم�ا تجتم�ع النس�اء ف�ي بي�ت ه�دى‪ ،‬ويتكلم�ن عن البحر‬ ‫األجم�ل وكأن ل�كل واح�دة منه�ن بحره�ا المختل�ف‪ ،‬والحقيق�ة أن‬ ‫معظم النس�اء تس�تعرض فقط تجربتها الخاصة ولم يكن بحر مصراته‬ ‫أو صبرات�ه األه�م‪ ،‬ب�ل المصي�ف ال�ذي حجزت فيه وعائلتها‪ ،‬والمبلغ‬ ‫الذي رصدته لتقيم فترة الصيف هناك‪.‬‬ ‫ثم استدار وعم الصمت إلى وقت قصير‪ ،‬فسألت بهيجة نفسها‪:‬‬ ‫‪17‬‬ .‬‬ ‫***‬ ‫علت من جديد أصوات الجالسين وضجيجهم داخل (الشاليه)‪،‬‬ ‫سقط قرص الشمس الملتهب وراء خط األفق األزرق‪ ،‬أتى المسؤول‬ ‫عن سفرهم‪ ،‬أمرهم بالصمت حتى اليكتشف تجمعهم من قبل دورية‬ ‫شرطة خفر السواحل‪ ،‬أو يخبر عنهم أحد المارين قريبا من المكان‪.‬‬ ‫بالنس�بة إليها كانت تس�تمتع كثير ًا‪ ،‬عندما تذهب إلى (المصيف‬ ‫العائلي) في قلب العاصمة طرابلس والذي اليبعد إال بضع خطوات‬ ‫عن محطة الحافالت والعمارة وحتى مكان سكنها في المدينة القديمة‪،‬‬ ‫وآخر مرة ذهبت إليه كانت مع أم فرح‪ ،‬تذكر كم من مرة قضت فيه‬ ‫أوقات ًا جميلة‪ ،‬ورافقت يسرا والشقرا‪ ،‬لم تكن أية واحدة منهن تعاملها‬ ‫على أنها خادمة؛ ألنها تمكنت من اختراق عالمهن ببساطة وأصبحت‬ ‫جزء ًا منه‪ ،‬وقدمت لهن أكثر من تنظيف المنزل والمحافظة عليه‪.

.‬‬ ‫تذكرت كيف التقت أم فرح‪ ،‬عندما كانت في شقة الكاتبة تصبغ‬ ‫لها شعرها‪ ،‬واستغلت بهيجة دخول صاحبة البيت إلى الحمام فأخذت‬ ‫تس�ألها ع�ن هج�رة ل�م تكتمل وتتجن�ب الحديث عنها لآلخرين‪ ،‬لكن‬ ‫بهيجة القادرة على سحب لسان أي امرأة فاجأتها‪:‬‬ ‫‪ -‬نبغي نهاجر من األخير؟‬ ‫صعقت أم فرح وبدا الذعر واضحا على مالمح وجهها‪:‬‬ ‫‪ -‬ال يمكن‪ ،‬هذه مقامرة‪ ،‬أنت تبيعين روحك الثنتين من النساء‬ ‫اللوات�ي يعمل�ن بالنص�ب‪ ،‬ه�ل دفعت لهما المال؟ هل قابلت الرئيس�ة‬ ‫أم الوسيطة؟‬ ‫قاطعتها بهيجة قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬أب�د ًا ل�م أقاب�ل أح�د ًا‪ ،‬فقط طلبت من رجل مغربي هنا يعرف‬ ‫أحد المهربين‪ ،‬وسأتفق معه قريب ًا عندما أجمع المبلغ‪.‬‬ ‫تنهدت (أم فرح) واقتربت منها قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬عندما تنتهين من عملك سنتقابل في المصيف العائلي المقابل‬ ‫للعمارة؛ في تلك اللحظة خرجت (الكاتبة) من باب الحمام وهي تلف‬ ‫‪18‬‬ .‫وم�اذا عليه�م أن يفعل�وا إذا ل�م يمض�وا الوقت في الكالم ليخففوا من‬ ‫وطأة االنتظار؟ هي أيض ًا عليها أن تأخذ في حسبانها من جديد تحذيرأم‬ ‫ف�رح له�ا‪ ،‬فتل�ك التجرب�ة التي جعلتها تنجو مع زوجها وابنتها علمتها‬ ‫درس� ًا ف�ي الحي�اة ل�ن تنس�اه‪ ،‬وبالرغ�م م�ن محاوالتها ثنيه�ا عن هذه‬ ‫المقامرة كما أسمتها إال أنها رأت أم فرح مجرد امرأة عبيطة تصدق‬ ‫كل مايقال لها‪ .‬فبهيجة لم ترتكب خطأ االتفاق مع «عصابة النساء»‬ ‫ال وأال يكون هناك وسطاء‬ ‫السماسرة‪ ،‬بل فضلت أن يكون المهرب رج ً‬ ‫بينهما‪.‬‬ ‫(ل�م تك�ن تري�د أن تفص�ح ع�ن هوي�ة م�ن يس�اعدها؛ ألن ه�ذه‬ ‫االتفاقات تجري بسرية تامة)‪.

‬‬ ‫كان الوقت عصر ًا حين انتهت من تنظيف البيت‪ ،‬وشمس الصيف‬ ‫قد خفت حدتها‪ ،‬والمكان المالئم قريب واليبعد إال مسافة خطوات‬ ‫قصيرة تقطعها مشي ًا على األقدام‪.‫رأسها بالمنشفة‪ ،‬وذهبت أم فرح لتجفف لها شعرها وتستكمل بهيجة‬ ‫عملها‪.‬‬ ‫‪19‬‬ .

‬‬ ‫«أغل�ب م�ن عرفته�ن ك�ن قماش� ًا رديئ� ًا ج�د ًا س�رعان مايتم�زق‬ ‫عن�د أول مالمس�ة حقيقي�ة‪ ،‬اعت�دت أن أحتف�ظ لنفس�ي بم�ا أعرفه‪ ،‬لم‬ ‫أكن ش�ريرة‪ ،‬إنما أحاول دفع الش�ر قبل وقوعه‪ ،‬لهذا ال أس�مح كثير ًا‬ ‫باالقتراب من قماشي حتى ال يتمزق‪.‬‬ ‫واكتش�فت أنها تتحدث معي فقط‪ ،‬عرفت ذلك بعد أن أهديت‬ ‫تجربت�ي لع�دد م�ن الصديق�ات‪ ،‬ه�ن في الغالب لس�ن صديقات؛ ألن‬ ‫الغيرة تدفع بعض النس�اء لاللتصاق ببعضهن‪ ،‬تس�ألني إحداهن (من‬ ‫نسق لك حواجبك؟ وفي أي محل تجميل صبغت شعرك؟ أين قمت‬ ‫بقص شعرك؟)‬ ‫ظلي‪ ،‬معتقدة أن الصداقة‬ ‫أين؟ متى؟ كيف؟ فضول يدفعها لتكون َ‬ ‫مثل صبغة قماش رديئة‪ ،‬إذا وضعت مع باقي األقمشة في آلة الغسيل‬ ‫سيحل لونها على القماش اآلخر‪.‬كنت أش�د حب ً‬ ‫اللحظة المناسبة أرخيه‪. ‫�أحالم مذبوحة‬ ‫أم ف�رح‪ ،‬ام�رأة عراقي�ة تج�اوزت س�ن الخمس�ين بع�ام أو اثنين‪،‬‬ ‫التقيته�ا ف�ي مح�ل التجمي�ل‪ ،‬كنت أدخ�ل إليه فتأتي مرحبة بي‪ ،‬أرتاح‬ ‫ليده�ا الخفيف�ة وه�ي تمس�ك بفمه�ا خيط� ًا رقيق� ًا تمرره فوق بش�رتي‬ ‫الناعمة‪ ،‬وذاك الملقط الذي يتنقل أسفل وفوق حاجبي دون أن يترك‬ ‫احمرار ًا ودون أن أتألم‪ ،‬كانت لدينا دائم ًا فرصة للكالم‪.‬‬ ‫كانت لدي صراحة تصل حدّ القسوة منحتني فرصة االبتعاد إلى‬ ‫ال رقيق ًا مغناطيس�ي ًا نحوهن‪ ،‬وفي‬ ‫المس�افة التي أريد‪ .‬‬ ‫‪20‬‬ .

‬‬ ‫كنت أبيعهن وهم تقاسم الشبه حتى يحسبن أن نجاحي نجاحهن‪.‬‬ ‫ذهبن إلى كل مكان ذهبت إليه وأحببته‪ ،‬نفس المطعم‪ ،‬ذات المقهى‪،‬‬ ‫صالون التجميل‪ ،‬لكنهن لم يحصلن على ما امتلكت أبد ًا‪« .‬‬ ‫ه�ذه المبالغ�ة يلج�أ إليه�ا الكثي�ر مم�ن يبحثون ع�ن فرصة عمل‬ ‫خ�ارج أوطانه�م إذا س�نحت له�م الفرصة‪ ،‬وغالب ًا مايش�عرون بالحرج‬ ‫الشديد لو أنهم أخبروا أصدقاءهم بحقيقة معيشتهم في الغربة؛ ألنها‬ ‫دليل على الفش�ل‪ ،‬يحدث هذا دائم ًا لكل المهاجرين عرب ًا وغيرهم‪،‬‬ ‫أخبرتن�ي أن الغرب�ة تعل�م الك�ذب والمبالغة‪ ،‬تصبح الهجرة أكثر إغراء‬ ‫لمن ينتظر في بلده أن تتغير ظروفه االقتصادية أو السياس�ية‪ ،‬الهجرة‬ ‫هي هروب من مواجهة القدر في مكان واحد‪.‬‬ ‫كان سعيد ًا بحصوله على عقد عمل في مدينة بعيدة عن طرابلس هي‬ ‫رقدالين‪ ،‬حيث يسكن أحد معارفه من العراقيين‪ ،‬استقبله وأسرته الصغيرة‬ ‫لكن زوجة صديقه رحبت بهم لفترة مؤقتة‪ ،‬ثم بدأت تشعر بالضيق‪:‬‬ ‫‪21‬‬ . ‫بالتأكيد لم أسلم من ألسنتهن‪ ،‬ولم أهتم لهذا األمر‪.‬‬ ‫كان ذلك مادفع زوجها ليتحمل مع أسرته عناء السفر إلى ليبيا‬ ‫عبر األردن‪ ،‬مرورا بسوريا‪ ،‬ومن هناك طاروا إلى ليبيا‪ ،‬بلد كل العرب‪،‬‬ ‫المفتوحة الذراعين‪ ،‬الحاضنة لشقائهم‪ ،‬وكل حلمهم أن يودعوا بؤسهم‬ ‫على شواطئها‪ ،‬وينسوا آالمهم‪.‬‬ ‫وقالوا إن كل من ذهب إليها عاد ومعه ثروة كبيرة‪.‬‬ ‫ثق�ة أم ف�رح ب�ي كبي�رة‪ ،‬تب�وح ل�ي بأس�رارها وهمومها‪ ،‬في أحد‬ ‫األي�ام قال�ت ل�ي « إن له�ا ولدي�ن ف�ي بغ�داد‪ ،‬يعملان هن�اك دون أن‬ ‫يتما مرحلة الدراسة الجامعية لصعوبة الحياة‪ ،‬وعدم توفر األمن‪ ،‬بينما‬ ‫زوجه�ا خري�ج كلي�ة الهندس�ة من جامعات إنكلت�را حمل خبرته وأتى‬ ‫ومعهم�ا ف�رح الش�ابة المراهق�ة‪ ،‬أخبرهم بع�ض األصدقاء أن ليبيا بلد‬ ‫واسع كثير الخيرات‪ ،‬وأهلها كرماء وإدارتها متساهلة مع الغرباء‪.

‬‬ ‫هنا في بيتي كانت بهيجة‪ ،‬تنظف وتمسح زجاج النوافذ‪ ،‬ودخلت‬ ‫أم فرح لتعد خلطتها السرية من ألوان الصباغ‪ ،‬والتي ال يمكن أن تبوح‬ ‫بها لزبائنها‪ .‬‬ ‫ع�ادة ال أتواص�ل م�ع م�ن أتع�رف عليهم خارج إط�ار العائلة وعملي‪،‬‬ ‫لكنن�ي أحببته�ا وله�ذا عرض�ت عليها أن تأتي إلى بيتي لتهتم بش�عري‬ ‫وأظاف�ري متجنب�ة اس�تخدام أدوات ربم�ا اليت�م تعقيمها بش�كل جيد‪،‬‬ ‫وعرضت عليها أجر ًا مضاعف ًا‪.‬هذا الحرص مرده الحذق الذي تتمتع به من إظهار ألوان‬ ‫جميلة للصباغ ال يمكن للسيدات أن يخلطنها‪ ،‬وقد الحظت أنها تتكلم‬ ‫مع بهيجة؛ بصوت هامس‪ ،‬لم أهتم ألمرهما كثير ًا‪ ،‬وانش�غلت عنهما‬ ‫بمهاتفة زوجي الذي كان خارج البلد‪.‬‬ ‫‪22‬‬ .‬‬ ‫رحلة البحث عن عمل في ليبيا تخضع العتبارات مختلفة‪ ،‬هناك‬ ‫الكفاءة‪ ،‬وهناك الحاجة التي تدفع أصحاب الكفاءات إلى العمل في‬ ‫أي مجال حتى لو كان عمال متواضع ًا وبعيد ًا عن رغباتهم ومهاراتهم‪،‬‬ ‫أم�ا الواس�طة ف�ي الغال�ب فالتتوفر له�ؤالء الوافدين‪ ،‬ولكن ثمة فرص‬ ‫يوفرها القدر أحيان ًا هدية غير متوقعة‪.‬‬ ‫وحص�ل أب�و ف�رح عل�ى فرص�ة أخذته إل�ى طرابلس‪ ،‬هناك عمل‬ ‫مترجم ًا‪ ،‬وعملت بدورها في صالون التجميل حيث التقيت بها‪ ،‬كانت‬ ‫تدعونى أكثر من مرة إلى بيتها لتناول الطعام العراقي الذي تجيد طهيه‪. ‫‪ -‬البيت اليتسع لعائلتين‪.

‫الدر�س الأول في الهجرة‬ ‫على بهيجة من هذه اللحظة التأكد من أنها تعلمت الدرس األول‬ ‫في أخذ الحيطة والحذر من السماسرة العاملين في تهريب المهاجرين‪.‬‬ ‫«كان المنت�زه العائل�ي ج�زء ًا م�ن حديق�ة فن�دق ب�اب البح�ر‪،‬‬ ‫مالصق ًا ألبراج ذات العماد‪ ،‬تلك المباني المرتفعة التي تطل مباشرة‬ ‫على البحر‪ ،‬وقد س�ميت في أوائل الثمانينات ش�يش مقلوبة‪ ،‬لش�بهها‬ ‫بزجاجات الكحول‪ ،‬فتصميمها العمراني جاء ش�بيها بزجاجة ويس�كي‬ ‫مقلوبة‪ ،‬وتفكه البعض بأن ليبيا تمنع الكحول وتعوض عنه بهذه األبنية‪،‬‬ ‫التي كانت نتيجة الستثمارات جمعية الدعوة االسالمية‪ ،‬التي صممت‬ ‫‪23‬‬ .‬‬ ‫تلتفت حولها ناظرة إلى الوجوه القريبة منها وتسأل نفسها‪ :‬هل هناك‬ ‫من س�بق له الهجرة وفش�ل ثم عاد ليكرر تجربته؟ قبل ش�هر ضربت‬ ‫موع�د ًا ألم ف�رح ف�ي المصي�ف العائلي القريب من أبراج ذات العماد‪،‬‬ ‫والفنادق المنتشرة على الشاطيء المحاذي لها‪.‬‬ ‫عندم�ا وصل�ت إل�ى الب�اب وجدته�ا ف�ي انتظاره�ا‪ ،‬اقتربت منها‬ ‫وحيتها ثم همت بالدخول‪ ،‬لكن أم فرح‪ ،‬ترددت واقترحت أن يذهبا‬ ‫إلى الحديقة المالصقة لفندق باب البحر‪ ،‬فهمت بهيجة سبب خوفها‬ ‫وارتباكه�ا‪ ،‬لكنه�ا أص�رت عل�ى أن الجلوس على الش�اطيء المزدحم‬ ‫أفضل‪ ،‬ألنه حتى لو خطر ألي من الس�يدات اللواتي يس�كن العمارة‬ ‫المقابل�ة أن تأت�ي فل�ن تتمك�ن م�ن تمييزهما بس�بب ازدحام المظالت‬ ‫واألطفال والعائالت التي تمنع الرؤية‪ ،‬بينما يمكن في المنتزه المالصق‬ ‫للفندق يمكن ألي من المعارف أن يراهما مع ًا‪.

‬‬ ‫اعت�ادت بهيج�ة مرافق�ة يس�رى‪ ،‬إل�ى ه�ذا الم�كان ف�ي أغل�ب‬ ‫أي�ام الصي�ف‪ ،‬وتعرف�ت إلى الش�بان المس�ؤولين عن تأجير الكراس�ي‬ ‫والمظالت‪ .‬دفعت الرسوم بينما ينتاب أم فرح شعور بالتقصير‪ ،‬لكن‬ ‫بهيجة وحالما جلستا خففت عنها األمر قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬أنا من دعوتك إلى هنا‪ ،‬وأنت ضيفتي اليوم‪.‬‬ ‫***‬ ‫كانتا تس�يران مع ًا فيما بهيجة تحاول ش�بك ذراعها الثقيلة بذراع‬ ‫صديقتها‪ .‬‬ ‫الش�اطيء الرمل�ي يمت�د لمس�احات بعي�دة‪ ،‬تط�ل من�ه رؤوس‬ ‫‪24‬‬ .‬وصلتا إلى البوابة الصغيرة‪ ،‬دفعت بهيجة رس�وم الدخول‪،‬‬ ‫كان يوم� ًا عادي� ًا مختلط� ًا يس�مح بدخ�ول الرجال والنس�اء‪ ،‬س�ارتا بين‬ ‫صفين من البيوت المتآكلة جدرانها داخل المصيف‪ ،‬كل بيت منها ال‬ ‫يعدو أن يكون غرفة داخلها حمام وعلى بابها ستارة ملونة‪ ،‬األطفال‬ ‫يركضون هنا في الممرات الفاصلة بين البيوت بلباس البحر‪ ،‬والصبايا‬ ‫يتسكعن‪ ،‬وتبرز كل واحدة منهن ما استطاعت مفاتنها‪ ،‬والشبان يمشون‬ ‫خلفهن واثقين أن ال أحد سيردعهم لو تحرشوا بإحداهن‪ ،‬فكل شيء‬ ‫داخل المصيف مباح‪ ،‬أما خارجه‪ ،‬بعد البوابة مباشرة‪ ،‬فتحكم قوانين‬ ‫الشارع الليبي وأخالقياته المختلفة‪.‫لتك�ون مرك�ز ًا تجاري� ًا ضخم� ًا‪ ،‬بإطاللتها العالية على مجمع طويل من‬ ‫الفنادق السياحية‪ ،‬بعدها يأتي مباشرة المصيف العائلي الذي يخصص‬ ‫يومي األحد واألربعاء للنس�اء فقط‪ ،‬فتذهب النس�اء مع األطفال إلى‬ ‫المصي�ف مرتدي�ات لب�اس البحر المكش�وف‪ ،‬معتق�دات أن بإمكانهن‬ ‫الس�باحة بحري�ة دون أن تكش�فهن العي�ون المتلصص�ة‪ ،‬بينم�ا الجميع‬ ‫يعرف أن كل من يقطن في الفنادق أو داخل أبراج ذات العماد وحتى‬ ‫العمارات التي يفصلها شارع واحد عن المصيف يمكن لهم مشاهدة‬ ‫األجساد المثيرة في لباس البحر باستخدام العدسات المقربة‪».

‬‬ ‫كنت وزوجي في تلك الفترة‪ ،‬أقصد قبل سنة‪ ،‬نعاني من ظروف‬ ‫صعبة حتى غلبنا اليأس؛ ألن الوضع في ليبيا لم يعد كما في السابق‪،‬‬ ‫فهناك عراقيون سبقونا إلى طرابلس وأقاموا وعملوا لسنوات طويلة ثم‬ ‫‪25‬‬ . ‫المصطافين وكراتهم الملونة‪ ،‬وتشجعت أم فرح قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬أنا لم أر البحر في حياتي كلها؛ ألنني من مدينة في الجنوب‬ ‫العراق�ي‪ ،‬ل�م أغادره�ا‪ .‬‬ ‫كان�ت بهيج�ة تراق�ب مالم�ح رفيقتها‪ ،‬واحترمت صمتها وطلبت‬ ‫من نادل اقترب منهما مشروب ًا بارد ًا‪ ،‬شكرتها أم فرح‪ ،‬وأخذت تتكلم‬ ‫بصوت هامس مقربة رأسها أكثر من بهيجة‪:‬‬ ‫‪ -‬ش�جعتني ام�رأة عراقي�ة تعم�ل مع�ي ف�ي صال�ون الحالق�ة‬ ‫والتجميل‪ ،‬في أحد األيام همس�ت لي ونحن جالس�تان في اس�تراحة‬ ‫العمل بأن هناك عراقيين قد هاجروا في مركب ووصلوا جزر ًا إيطالية‪،‬‬ ‫وهناك تولت الحكومة االيطالية تأهيلهم ليكونوا خالل سنة فقط من‬ ‫مواطنيها‪.‬فجأة وجدت‬ ‫البحر كبير ًا واسع ًا مخيف ًا‪ ،‬في لحظة لن أنساها طوال عمري!‬ ‫شجعتها بهيجة لتواصل وسألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬كيف وصلت إلى المهربات؟ أقصد اللواتي يعملن في تهريب‬ ‫المهاجرين‪ ،‬هل يهربون النساء فقط دون الرجال أم العائالت؟‬ ‫كان�ت أم ف�رح ف�ي حال�ة صف�اء نادرة جعلتها تتخلى عن حذرها‬ ‫في الكالم عن تلك التجربة‪ ،‬بعد أن شعرت بأنها عادت إلى طرابلس‬ ‫أكثر ذالً من دخولها إياها للمرة األولى‪ ،‬اليوازي الذل واإلهانة التي‬ ‫ذاقتها في إقامتها مع أسرة عراقية في بلدة رقدالين عندما جاءت من‬ ‫العراق‪ ،‬كانت بعد أن فشلت في الهجرة‪ ،‬قد قبضت عليها الشرطة ثم‪،‬‬ ‫عادت من جديد إلى (صالون التجميل) بعد خروجها من السجن‪.‬ول�م أكن أخ�اف البحر أيض ًا لعدم معرفتي به‪،‬‬ ‫وال أمتلك ش�جاعة الس�باحة فيه‪ ،‬لم أحبه ولم أكرهه‪ .

‬‬ ‫وافقتها أم فرح وتابعت كالمها‪:‬‬ ‫‪ -‬ص�رت ش�غل زميلت�ي الش�اغل ليلا ونهارا‪ . ‫عادوا بثروة أو رحلوا إلى بلدان أخرى بطريقة منظمة وشرعية‪.‬‬ ‫كنت في تلك الليلة أفكر في زميلتي التي ودعتها أكثر من مرة‬ ‫في المحل بعد أن قالت إنها ستس�افر هذه الليلة ثم تعود في صباح‬ ‫اليوم التالي‪ .‬‬ ‫قاطعتها بهيجة‪:‬‬ ‫‪ -‬نعم أصبح عدد العراقيين في ليبيا كبير ًا‪ ،‬بل كافة الجنسيات‪،‬‬ ‫وسمعت أن الدولة أخذت تنظم معها عمالتها وجودهم وتطلب منهم‬ ‫أوراق ًا لإلقامة بش�كل ش�رعي؛ ألن الش�ركات األجنبية كثيرة في البلد‪،‬‬ ‫وق�د اس�تقدمت معه�م عمالته�م‪ ،‬ولي�س من مصلحته�م وجود عمالة‬ ‫أجورها منخفضة ومنافسة‪.‬زين�ت لي طريق‬ ‫الهج�رة وأخبرتن�ي أنه�م حزم�وا أمرهم ودفع�وا عربونا وينتظرون الرد‬ ‫مع عائلة أخرى‪.‬‬ ‫بعد أيام قررت وزوجي أن نلتقي نحن العائالت العراقية الثالث‪،‬‬ ‫وفوجئن�ا ب�أن زوج زميلت�ي ف�ي صال�ون التجميل لن يهاجر معها‪ ،‬ألنه‬ ‫م�ازال مرتبط� ًا بعق�د عم�ل وحالم�ا ينتهي س�يلتحق بزوجته‪ ،‬لهذا قدم‬ ‫لنا عرض ًا مغري ًا‪:‬‬ ‫‪ -‬أن تبق�ى المبال�غ المالي�ة ف�ي حوزت�ه وهذا ضمان كبير يقدمه‬ ‫لنا‪ ،‬وبدوره يعطيه للمهربات بعد أن نصل إلى الشاطيء اإليطالي‪.‬‬ ‫بهيجة فهمت هذا مما تتداوله السيدات في جلساتهن‪ ،‬لكنها غير‬ ‫قادرة على ترتيب كل ماذكرته في رأسها‪ ،‬وبقدر ماتريد أن تستوعب‬ ‫لمصلحتها فلم تعد خادمات البيوت كما في السابق بل أصبحت هناك‬ ‫مكات�ب تنظ�م عمله�ن وتضمنه�ن من حيث اللياقة الصحية واألوضاع‬ ‫المادية‪.‬فكرت بما قالته لي وهي قلقة‪:‬‬ ‫‪26‬‬ .

‫‪ -‬السفر برفقة ابنتين فيه مخاطرة‪ .‬لهذا كان عليها االنتظار لتسافر‬ ‫مع مجموعة عائالت‪.‬يومان فقط‪ ،‬فهناك مركب جاهز‪.‬في‬ ‫الموعد المحدد صباح ًا وقفنا ننتظر‪ ،‬كانت س�يارات كثيرة تقف قبالة‬ ‫المبنى الذي لم يعد فندق ًا منذ سنوات‪ ،‬إذ تحول إلى مكاتب تجارية‬ ‫ٍ‬ ‫ومقاه‪.‬‬ ‫سقطت تلك اللحظة كتلة حمراء متوهجة عند خط األفق البعيد‬ ‫‪27‬‬ .‬سألتها عن الضمانات‪ ،‬ردت باقتضاب‪:‬‬ ‫‪ -‬فكري وخذي وقتك‪ .‬‬ ‫حينما ذكرت المبلغ المتوجب دفعه أحسس�ت أن الكالم الذي‬ ‫سمعته من زميلتي مختلف‪ .‬‬ ‫أعطتني رقم هاتفها‪ ،‬وعدنا‪.‬‬ ‫كانت بهيجة في حالة انصات تام‪ ،‬لكنها شعرت بأن هناك شيئ ًا‬ ‫البد من االنتباه إليه‪ ،‬لهذا سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬زميلتك كانت تخطط الستدراجك إذ ًا مع العائلة اآلخرى؟‬ ‫لم تجب أم فرح على سؤالها وكأنها تريد أن تضع كل الحقائق‬ ‫دفع�ة واح�دة‪ ،‬أو تعي�د ترتي�ب ماج�رى لتتبي�ن أي�ن حدث�ت الخديع�ة‬ ‫وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬ف�ي تل�ك الس�هرة ف�ي منزله�ا اتفقن�ا أن نتص�ل بهاتف المرأة‬ ‫الت�ي تتول�ى المهاجري�ن ف�ي عملي�ة التهري�ب‪ ،‬حددنا موع�د ًا مع تلك‬ ‫السيدة‪ ،‬وطلبت أن تقابلنا قريب ًا من فندق الشاطيء في قرقارش‪ .‬‬ ‫اتصلت بنا بالهاتف‪ ،‬ثم لوحت لنا بيدها من بعيد بعد أن تعرفت‬ ‫علين�ا‪ ،‬كان�ت جالس�ة وراء المق�ود ف�ي س�يارتها البيض�اء‪ ،‬ذهبنا إليها‪،‬‬ ‫فتحت األبواب وجلسنا معها‪ ،‬وقبل أن نسألها قالت‪:‬‬ ‫‪ -‬لست أنا المسؤولة‪ ،‬الرئيسة هي التي تنظم الرحالت‪ ،‬أما أنا‬ ‫فمهمت�ي تنحص�ر ف�ي االتفاق م�ع الزبائن وقبض النقود‪ ،‬وفي الموعد‬ ‫المحدد نبلغكم بمكان اللقاء‪.

‬في اليوم الثاني‬ ‫قبيل الغروب على طريق الشط‪ ،‬قريب ًا من فندق شاطيء النخيل ذهبت‬ ‫إلى مالقاتها‪ ،‬هناك انتظرتها سيدة تجلس وراء مقود سيارة فارهة وتضع‬ ‫حجاب ًا أنيق ًا على رأسها‪ .‫م�ن البح�ر‪ ،‬وب�دأت أن�وار المصيف ترس�ل خيوط ًا من الضوء الخافت‬ ‫إلى الجالس�ين على الش�اطيء‪ ،‬نهضت بهيجة وس�حبت عمود المظلة‬ ‫م�ن فتح�ة ف�ي وس�ط الطاولة البيض�اء المصنوعة من اللدائن‪ ،‬وضعتها‬ ‫على الرمل لتتيح لتلك األنوار التسلل أكثر نحو عتمة المكان‪.‬لم تخفف‬ ‫(الرئيسة) من سرعتها واستمرت تفاوض‪ ،‬ثم طلبت منها أن ال تخبر‬ ‫زميلتها العراقية بهذا اللقاء‪ ،‬وأن ذلك في مصلحتها‪ ،‬فبعد أيام‪ ،‬عندما‬ ‫‪28‬‬ .‬‬ ‫أخبرتها أنه الداعي لحمل األطعمة واأللبس�ة فكل ش�يء متوفر‪،‬‬ ‫طلب�ت منه�ا أم ف�رح أن تحم�ل ابنته�ا المراهق�ة حقيبة صغيرة جمعت‬ ‫فيه�ا بع�ض األش�ياء الت�ي تعت�ز به�ا‪ ،‬وافقت الرئيس�ة ث�م طالبتها بدفع‬ ‫نصف المبلغ (‪ 1800‬دوالر) على كل رأس‪ ،‬رفضت أم فرح وأخبرتها‬ ‫أن صديقتها قالت‪ :‬يوجد تخفيض على األوالد الصغار‪ .‬نظ�رت إلى س�اعة يده�ا وأخبرتها بأن الوقت‬ ‫تأخ�ر‪ ،‬ش�عرت بهيج�ة بالخيب�ة فألح�ت عليه�ا أن تتاب�ع قصته�ا أثن�اء‬ ‫خروجهم�ا أو تذه�ب معه�ا إل�ى بيته�ا ليكون لديهما وقت أطول‪ ،‬فقد‬ ‫كانت متلهفة لتعرف الكثير‪.‬‬ ‫في طريق العودة تابعت أم فرح حديثها بشكل متقطع‪ ،‬وفهمت‬ ‫بهيج�ة م�ن حديثه�ا كي�ف أنه�ا أصرت في الي�وم الثاني على االتصال‬ ‫ومقابلة الرئيسة لتشعر باالطمئنان‪ ،‬وكانت الوسيطة تطلب منها التمهل‬ ‫بعض الوقت ثم تعيد االتصال بها وتحدد لها موعد ًا‪ .‬وكما فعلت عندما التقت الوسيطة‪ ،‬دخلت إلى‬ ‫سيارتها‪ ،‬ولكن السيدة أسرعت بإدارة محرك السيارة وانطلقت بسرعة‬ ‫جنونية على الطريق السريع الموازي للشاطيء‪ ،‬وأخذت تتحدث إليها‬ ‫بثقة وتزرع األمان في قلبها‪..‬‬ ‫تململ�ت أم ف�رح‪ .

‬‬ ‫توقفت أم فرح لتلتقط أنفاسها‪ ،‬ثم عادت تسرد وكأن ما مر بها‬ ‫تجلى بكل تفاصيله هذه اللحظة‪:‬‬ ‫‪ -‬بعد أسبوع طلبت منا الوسيطة أن نتهيأ‪ ،‬وأخبرتنا أنه سيكون‬ ‫هناك مكان سري للتجمع‪ ،‬وأن علينا عدم إبالغ أحد باألمر‪.‬سألها زوجي هل‬ ‫يوجد حمام في المركب؟ قالت بينما كانت تغادر‪ :‬سوف تنساه!‬ ‫وحضرت‬ ‫ّ‬ ‫وانطلقت‪ .‬‬ ‫وأخير ًا وصلنا إلى مكان خارج طرابلس‪ ،‬ربما في تاجوراء‪ ،‬دخلنا‬ ‫إلى فيال وجلس�نا جميع ًا في صالة واس�عة مفروش�ة بأثاث متواضع‪،‬‬ ‫كانت قد سبقتنا عائلة عراقية‪ ،‬الساعة لم تتجاوز الثامنة مساء‪ ،‬ذهبت‬ ‫الرئيس�ة والوس�يطة إلى غرفة قريبة من الصالة بعد أن طلبتا منا دفع‬ ‫المبالغ المتبقية‪ ،‬وأخبرتنا الوسيطة أنهم يقومون بتجهيز المركب الكبير‬ ‫‪29‬‬ .‬‬ ‫ل�م أخب�ر زميلت�ي العراقي�ة‪ ،‬التقينا بالوس�يطة وكان زوجي معي‪،‬‬ ‫ش�عرت ب�أن خوف�ه ف�ي ه�ذه الم�رة أش�د من رغبته بالس�فر‪ ،‬وأخبرت‬ ‫المرأة أن اليوم يصادف عيد ميالد ابنتي‪ ،‬ضحكت وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬سيكون لديك الوقت لتحتفلي به في إيطاليا‪ .‬كانت هذه الكلمة إشارة‪ .‬ذهبت إلى البيت‬ ‫بعض األكالت (كباب‪ ،‬وكعك‪ ،‬وفواكه)‪ ،‬وحزمت ابنتي حقيبة صغيرة‬ ‫حملتها معها‪ ،‬ذهبنا إلى المكان الذي حددته المرأة‪ ،‬كان على طريق‬ ‫الشط بجانب فندق شاطيءالنخيل مكان لقائي األول بالرئيسة‪ ،‬وجدنا‬ ‫حافلة تنتظرنا وس�يارة الرئيس�ة متوقفة أمامها‪ ،‬صعدنا الحافلة وس�ررنا‬ ‫بوجود أكثر من أسرة وكلهم من العراق‪ ،‬ولكن لم يسبق لنا أن التقينا‬ ‫بهم‪ ،‬مشت بنا الحافلة أكثر من ساعة‪ ،‬كان السائق قد دخل من أحد‬ ‫الشوارع ثم خرج إلى الطريق الدائري‪ ،‬وفجأة عاد فدخل أحد الشوارع‬ ‫الفرعية‪ ،‬وهكذا‪ ،‬كأنهم يتقصدون أن ال نعرف مكان التجمع‪.‫يكون الطقس مناسب ًا ويكون القارب المجهز بأحدث الوسائل في مكان‬ ‫انطالق آمن سيصلهم الخبر‪ ،‬عليهم االستعداد يومي ًا‪.

‬‬ ‫كان عددن�ا م�ع األوالد كبي�ر ًا‪ ،‬واس�تغربت وج�ود ام�رأة حامل‪،‬‬ ‫أش�فقنا عليها جميع ًا‪ ،‬أخذنا نتعارف على بعضنا‪ ،‬العائلة التي س�بقتنا‬ ‫قالت إنه منذ شهر أخذتهم الرئيسة إلى بيت في مدينة (زوارة) ثم عادوا‬ ‫من جديد‪ ،‬وهكذا طيلة الشهر الماضي كانوا يحزمون حقائبهم‪. ‫لحملنا فيه بسالم‪.‬‬ ‫ال ولم يأت أحد منهم‪ ،‬األوالد‪،‬‬ ‫صارت الساعة الحادية عشرة لي ً‬ ‫بل الكبار‪ ،‬ش�عروا بالتعب والجوع مما اضطرني ومعي بعض النس�اء‬ ‫إلى فتح أكياس الطعام وتوزيعه على الجميع‪ ،‬ما إن انتهوا من العشاء‬ ‫المتأخر حتى انتصف الليل‪ .‬دخلت الرئيسة وقالت كلمة واحدة‪:‬‬ ‫‪ -‬انطلقوا اآلن إلى الحافلة‪.‬‬ ‫‪30‬‬ .‬‬ ‫أس�قط ف�ي ي�د الجمي�ع‪ ،‬حت�ى الرج�ال معن�ا ب�دوا مرهقي�ن‪ ،‬لم‬ ‫يعترض�وا أو يجادل�وا ف�ي األم�ر‪ ،‬ول�م يوجهوا س�ؤاالً واح�د ًا لها‪ ،‬كنا‬ ‫نساق كما تساق الماشية إلى حظائرها أو حتفها ال ندري‪.‬‬ ‫وكانت هذه اإلشارة الثانية التي تجاهلناها‪ ،‬لم تشفع دموع ابنتي‬ ‫لها‪ ،‬صارت الرئيس�ة امرأة مختلفة ال تتحلى بالرحمة والحنان وتلك‬ ‫الرقة التي فاوضتنا بها‪ ،‬ثم أردفت قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬هن�اك مرك�ب صغي�ر س�يحملكم إلى مدين�ة زوارة ومن هناك‬ ‫تنطلقون في مركب كبير‪.‬‬ ‫في الطريق توقفت الحافلة‪ ،‬وصعد بعد قليل ثالثة شباب حاملين‬ ‫أسطوانة غاز كبيرة وضعت في الممر‪ ،‬ثم انطلقت الحافلة من جديد‬ ‫حتى وصلنا إلى منطقة مجهولة على الشاطيء‪ ،‬لم نتمكن من التعرف‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ركبنا جميع ًا قبل أن تصعد ابنتي‪ ،‬تقدمت الرئيس�ة منها ونزعت‬ ‫حقيبتها وخاطبتها بقسوة شديدة‪:‬‬ ‫‪ -‬سأرسلها إليك في إيطاليا‪.

‬‬ ‫كان على أم فرح أن تستقل حافلة إلى شارع (‪ ،)10‬هي التدري‬ ‫لما س�مي بش�ارع عش�رة فهو يقع في منطقة تدعى غوط الش�عال وقد‬ ‫أصبحت معروفة بكثرة الغرباء فيها من كافة الجنس�يات‪ ،‬ومن النادر‬ ‫أن تجد ليبيين يسكنونها‪ .‬أما بهيجة التي تود أن تصبح رشيقة فتابعت‬ ‫السير إلى المدينة القديمة مكان إقامتها مع صديقة مغربية تعمل نادلة‬ ‫في إحدى صاالت األفراح الكثيرة التي باتت تنتشر في طرابلس منذ‬ ‫س�نوات‪ ،‬بع�د أن ت�م االس�تغناء ع�ن نص�ب خي�م األف�راح التي كانت‬ ‫تعترض المرور في الشوارع الفرعية والرئيسية‪.‬‬ ‫***‬ ‫كان�ت أم ف�رح وبهيج�ة تس�يران مش�ي ًا على األق�دام على الطريق‬ ‫المؤدي إلى الحافالت‪ ،‬قريب ًا من المصيف‪ ،‬متجاوزتين سلسلة الفنادق‬ ‫الموازية له‪ ،‬ثم انعطفتا يمين ًا باتجاه أبراج ذات العماد هناك‪ ،‬في الجهة‬ ‫المقابلة‪ ،‬كانت محطة الحافالت الرئيسية‪.‬‬ ‫في الطريق تمنت بهيجة لوسمعت كل ماحدث في الرحلة‪ ،‬فهي‬ ‫‪31‬‬ .‫ال صخري ًا مرتفع ًا ومجموعة من الشبان‬ ‫في تلك المنطقة رأينا ت ً‬ ‫اس�تلمت قيادتنا من جديد‪ ،‬كان علينا أن نهبط هذا التل الذي أصبح‬ ‫من الجهة األخرى رملي ًا‪ ،‬وأخذ الرجال يساعدون النساء واألوالد على‬ ‫الهبوط إلى الشاطيء المعتم جد ًا‪ .‬‬ ‫الشبان الذين استلمونا كانوا يركضون ويتصرفون بسرعة شديدة‬ ‫وباحت�راف كبي�ر‪ ،‬حمل�وا أس�طوانة الغاز ونفخ�وا قارب ًا مطاطي ًا ودفعوا‬ ‫بنا جميع ًا وبسرعة إلى القارب‪ ،‬تذكرت قول الرئيسة (لن تبتل ثيابكم‬ ‫بالمياه!)‪ ،‬وهكذا وجدنا أنفسنا ندخل المياه مشي ًا على األقدام لنركب‬ ‫القارب المطاطي‪.‬رأيت مجموعة من الشبان األفارقة‬ ‫ال أع�رف عدده�م‪ ،‬لكنن�ا فوجئن�ا جميع� ًا بوجوده�م‪ ،‬إذ كنا نعتقد أننا‬ ‫نحن فقط المهاجرون‪ ،‬فإذا بهم ينوون الهجرة معنا‪.

‬‬ ‫حين فكرت أن تكون أمها باألوراق الرسمية ُطلب منها أن تكون‬ ‫متزوجة أوالً حتى يسمح لها بالتبني‪ ،‬سارة التعرف لها أم ًا إال بهيجة‬ ‫وحان موعد دخولها إلى المدرسة هذا الخريف‪ ،‬وفكرت بهيجة بأن‬ ‫الحل األسلم لهما أن تبقى في دار تعتني بمثل هذه الحاالت‪ ،‬وكان‬ ‫عليها أن تذهب في الغد ومنذ الصباح إلى تلك الدار لتقوم باإلجراءات‬ ‫الخاصة بإيداع الطفلة‪ .‬‬ ‫عندم�ا دخل�ت إل�ى المدين�ة القديم�ة م�ن باب ق�وس ماركوس‬ ‫أوريلي�وس‪ ،‬حي�ث تنتش�ر مجموع�ة من المقاه�ي والمطاعم والفنادق‬ ‫الس�ياحية‪ ،‬رأت مجموعة س�ياحية أوربية‪ ،‬وقفت تتأمل أقفيتهم‪ ،‬كان‬ ‫معظمه�م م�ن العجائ�ز‪ ،‬هزت رأس�ها وداخلها إحس�اس بالغبن وهي‬ ‫تسأل نفسها‪ :‬بماذا هم أفضل منا؟ نظرت إلى ساعتها وشعرت بتأنيب‬ ‫الضمي�ر لغيابه�ا ه�ذا الي�وم س�اعات طويلة على س�ارة ابنتها المتبناة‪،‬‬ ‫كانت البنت ش�قية‪ ،‬لكنها تس�تجيب لكالمها إذا مانهرتها أو صفعتها‬ ‫أحيان ًا‪ ،‬كانت بهيجة تعاملها بحنان أم وحزم والد‪ ،‬وقفز السؤال الذي‬ ‫تح�اول اله�روب من�ه دائم� ًا‪ .‬قالت لنفسها وهي تغص بدمعة‪:‬‬ ‫‪ -‬حان وقت فطامها وفصامها‪.‬‬ ‫***‬ ‫‪32‬‬ .:‬ولك�ن إل�ى متى س�تدوم هذه األمومة‬ ‫المستعارة؟‬ ‫لديه�ا أب غن�ي اليري�د االعت�راف بأبوت�ه له�ا‪ ،‬وأم س�افرت إلى‬ ‫المغ�رب ول�م تع�د‪ ،‬وانقطع�ت أخباره�ا تمام� ًا بع�د أن وعدت بهيجة‬ ‫بالعودة خالل ش�هر‪ ،‬وهاهي س�نوات س�ت تمضي بينما ماتزال س�ارة‬ ‫في كنفها ترعاها‪.‫تس�تعد منذ ش�هور‪ ،‬والمغربي الذي يعمل في مقهى يدعي أنه س�اعد‬ ‫كثير ًا من المغاربة على الهجرة‪ ،‬وكانت تلك الرحالت مضمونة‪ ،‬لكن‬ ‫المبلغ الذي طلبه كان أكبر بكثير مما أخبرتها به أم فرح‪.

‬‬ ‫هن�اك ف�ي القص�ر الكبي�ر تعلم�ت أن ال تعصي األوامر في النهار‬ ‫وبحض�ور الغرب�اء‪ ،‬وإن كان�وا قل�ة ونادري�ن ج�د ًا‪ ،‬وف�ي الليل‪ ،‬عندما‬ ‫تجل�س الس�يدة لتقل�ب المحط�ات الفضائية وهي مس�ترخية على كنبة‬ ‫وثي�رة‪ ،‬كان�ت تطل�ب منه�ا إعداد الش�اهي األخضر بالنعناع مع صحن‬ ‫كبير من المكسرات‪.‫بهيجة أصبحت أم ًا دون س�ابق معرفة باألمومة‪ ،‬وصارت الفتاة‬ ‫ترافقه�ا أينم�ا ذهب�ت‪ .‬‬ ‫الس�يد عبد المجيد كان يمتلك كثير ًا من الش�ركات‪ ،‬كل ما في‬ ‫حياة عائلته كثير وكبير‪ ،‬ضخم وفخم‪ ،‬سفرهم شبه دائم‪ ،‬قصرهم كبير‬ ‫وأثاثهم ثمين‪ ،‬حياتهم ال تش�به حياة اآلخرين‪ ،‬إال أن الس�يدة زوجته‬ ‫تفكر مثل باقي النساء اللواتي عرفتهن فيما بعد‪.‬‬ ‫تعلم�ت بهيج�ة كي�ف تضع مفرش الدانتيل الثمين على الصواني‬ ‫الفضية‪ ،‬والكؤوس في حوامل فضية مزخرفة تس�كب الش�اي بعد أن‬ ‫تضع ورقة نعناع أخضر فيها‪.‬ح�دث ذل�ك بع�د أن غادرت منزل الس�يد عبد‬ ‫المجيد على الرغم من أنها اعتقدت بأن عالقتها الطيبة بزوجته كانت‬ ‫مصدر حماية لها إال أنها هي من طردها‪.‬‬ ‫وقبل أن تمضي تس�تبقيها الس�يدة لتس�ألها عن معرفتها بأس�اليب‬ ‫‪33‬‬ .‬‬ ‫"ل�ن تنس�ى أنه�ا قدم�ت م�ن المغرب إلى بيتهم مباش�رة‪ ،‬عملت‬ ‫ألكثر من س�نتين ال تعرف معنى العطلة ولم تكتش�ف مدينة طرابلس‬ ‫تمام ًا؛ ألنها كانت إذا سمح لها بالخروج تركب سيارة العائلة الحديثة‪،‬‬ ‫وذات مرة قلدت الس�يدة وجلس�ت في المقعد الخلفي إال أن الس�ائق‬ ‫الجزائري صرخ محتد ًا‪:‬‬ ‫‪ -‬شكون تحسابي روحك؟‬ ‫ل�م تجادل�ه‪ ،‬الجزائري�ون يتحولون إلى أجالف دون س�ابق إنذار‬ ‫إذا كان عليهم أن يؤدوا خدمة ألحد‪.

‫الس�حر والش�عوذة‪ .‬‬ ‫حدث ذلك عندما التقتها في حفل شواء أقيم في مزرعة السيد‬ ‫عب�د المجي�د‪ ،‬واجتمع�ت أكث�ر م�ن عائلة هناك‪ .‬‬ ‫* * *‬ ‫استراحتها في الشرفة طالت كثير ًا والعتمة لفت المكان بأكمله‪،‬‬ ‫الضوء الش�حيح المنبعث من الغرفة فقط هو الوحيد القادرعلى إنارة‬ ‫مكان يبتعد عن زحمة المدينة‪ .‬لقد أتى اكتشافها لهذا السر من خالل امرأة مغربية‬ ‫تعمل لدى صديقة (السيدة)‪ ،‬همست لها قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬علي�ك تعل�م بع�ض الفن�ون والحي�ل‪ ،‬وأنصح�ك أوالً بتعل�م‬ ‫الكارطة‪.‬أنكرت بهيجة معرفتها باألمر‪ ،‬وبامتعاض س�ألت‬ ‫نفس�ها‪ -:‬لماذا يتهم جميع المغاربة بتعاطيهم أس�اليب الس�حر‪ ،‬هكذا‬ ‫تظن معظم النسوة هنا!‬ ‫ثم تجاوزت هذا الغضب واالمتعاض بعد أن اكتشفت أن عدم‬ ‫معرفتها جعل المسافة بعيدة بينها وبين السيدة التي صرفتها لتستكمل‬ ‫عملها في التنظيف‪.‬فجأة رأت ازدحام ًا كبير ًا ألناس أخذوا‬ ‫يخرجون من الباب‪ ،‬كان التاجر صاحب المركب ومعه بعض الرجال‬ ‫ق�د انته�وا م�ن ترتيب ش�أنهم‪ ،‬قبضوا المبال�غ المتبقية نقد ًا‪ ،‬اتفقوا مع‬ ‫رج�ل ادع�ى أن�ه ق�ادر عل�ى قي�ادة المرك�ب‪ ،‬وم�ن لهجت�ه عرفت أنه‬ ‫(تونس�ي)‪ ،‬كان ش�اب ًا يتميز بطول القامة‪ ،‬وجهه مس�تطيل‪ ،‬ذقنه حادة‬ ‫لا باتج�اه أعل�ى وجنتي�ه‪ ،‬أنفه‬ ‫وعين�اه واس�عتان‪ ،‬وترتف�ع نهايتهم�ا قلي ً‬ ‫مس�تقيم طويل‪ ،‬فمه يزينه ش�ارب خفيف متصل بلحية نابتة‪ ،‬تحدث‬ ‫بلكنة تشوبها مفردات فرنسية‪ ،‬مالبسه تدل على أنه لم يعمل أبد ًا في‬ ‫أعمال قاسية‪ ،‬كان يستمع إلى التاجر صاحب المركب باهتمام شديد‪،‬‬ ‫‪34‬‬ .‬في المزرعة الواس�عة‬ ‫جد ًا تخيلت بهيجة وكأنها داخل غابة من األشجار المختلفة والمتنوعة‬ ‫تحتوي على فيال جميلة‪ ،‬يطلقون عليها اسم استراحة‪.

‬‬ ‫ح�دث تداف�ع كبي�ر‪ ،‬كان�ت مجموع�ة م�ن ش�بان أفارق�ة تحاول‬ ‫الصع�ود أوالً‪ ،‬لك�ن صاح�ب المرك�ب وقف في وجههم يس�د الطريق‬ ‫ال في يده‬ ‫لا ومراجع�ة األس�ماء كان حام ً‬ ‫عليه�م‪ ،‬أمره�م بالتري�ث قلي ً‬ ‫مصباحا صغير ًا‪ ،‬ينظر إلى وجه كل واحد منهم ثم يأمره بالتوجه نحو‬ ‫المركب بعد أن يس�تلم منه بطاقته الش�خصية وكل األوراق التي تدل‬ ‫على هويته‪.‬‬ ‫استدارت تبحث حولها‪ ،‬كان الجميع يستعد وقد حملوا حاجياتهم‬ ‫على أكتافهم‪ ،‬عادت لتلتفت يمنة ويس�رة باحثة عن رضا فلم تجده‪،‬‬ ‫تقدمت نحو الشاطيء بعد أن ُطلب منهم السير بهدوء دون جلبة أو‬ ‫ضجيج حتى ال يثيروا الشبهات‪ ،‬كانت تعلم أن قارب ًا واحد ًا اليكفي‬ ‫واليتسع بعد أن اقتربت أكثر من الشاطيء الرملي‪ .‬‬ ‫‪ -‬بهيجة‪ :‬تعالي معي اساعدك في الوصول إلى المركب‪.‬اآلن تسجل فقط مايجري حولها وكأنها ولدت في هذه اللحظة‬ ‫دون م�اض ودون تاري�خ‪ ،‬ال ذاك�رة وال وط�ن وال أصدق�اء‪ ،‬دون أي‬ ‫تجربة‪ ،‬انتبهت إلى يد رضا تجذبها باتجاه قارب متوسط الحجم‪.‬كان المركب غير‬ ‫بعيد‪ ،‬وكان عليهم أن يمش�وا مس�افة البأس بها داخل المياه الضحلة‬ ‫للبح�ر‪ ،‬فج�أة ك�ف رأس�ها ع�ن التفكير وتراجعت الذاك�رة إلى منطقة‬ ‫بعيدة‪ .‬‬ ‫كانت الشابة تسير بمحاذاتهم وقد وضعت شاالً رقيق ًا فوق رأسها‬ ‫ولفته جيد ًا حول رقبتها‪.‫اس�تلم جه�از ًا أكب�ر م�ن أن يك�ون هاتف ًا نقاالً‪ ،‬تفحصه‪ ،‬حفظ فيه عدة‬ ‫أرقام كان يمليها عليه الرجل‪ ،‬ورغم أن بهيجة لم تكن بعيدة عنه‪ ،‬لم‬ ‫تتمكن من تميز كل ماتحدثوا به‪ ،‬فقد أصبح الضجيج أكثر ارتفاع ًا‪.‬مرت بتلك التجربة أثناء انتقالها في‬ ‫الطائرة من المغرب إلى طرابلس‪ ،‬كانت الشابة في المطار تقترب منها‬ ‫‪35‬‬ .‬‬ ‫في لحظات االنتظار تلك يحدث أن تتقارب المسافات بين رفاق‬ ‫السفر‪ ،‬تسقط األقنعة والحواجز‪ .

‬‬ ‫‪36‬‬ .‬‬ ‫تتابع تساقط الضوء المنبعث قوي ًا على الوجوه المرهقة انتظار ًا‪،‬‬ ‫الوج�وه المتعب�ة م�ن ضن�ك العيش‪ ،‬لكل وجه مالمحه المتفردة ولونه‬ ‫الخاص‪ ،‬لكل وجه روح تحمل وطن ًا كان لها قبل اآلن فإذا بها تنتقل‬ ‫إل�ى ه�ذا الب�رزخ ليبي�ا‪ ،‬كان�وا بين الحياة والموت‪ ،‬ينوون االنتقال إلى‬ ‫يمث�ل الجن�ة‪ ،‬كل وجه منهم يحمل حلم ًا يش�ترك‬ ‫ُ‬ ‫عال�م آخ�ر مجه�ول‬ ‫مع أحالم اآلخرين‪ ،‬وهاهم يتقاسمون مع ًا رحلة االنتقال بين البرزخ‬ ‫والجنة الموعودة‪.‬‬ ‫ج�اء دوره�ا‪ ،‬لم�ع ش�عاع قوي‪ ،‬أغمض�ت عينيها بعد أن بهرهما‬ ‫الض�وء‪ ،‬ف�ي تل�ك الثوان�ي ش�عرت أن عمر ًا جديد ًا س�يبدأ اآلن‪ ،‬طفلة‬ ‫تس�قط م�ن رح�م ه�ذه األرض‪ ،‬وه�ذا التاج�ر ه�و طبي�ب ال�والدة‪،‬‬ ‫يتفحصها ليرى إن كانت صالحة للحياة القادمة أم ال؟ أوراقها تثبت‬ ‫جواز مرورها‪ ،‬تمشي بقامتها الطويلة الممتلئة ومالمح وجهها الخمرية‬ ‫الخشنة‪ ،‬لم تكن بهيجة تمتلك كثير ًا مما يدعونه األنوثة‪ ،‬وكأنها ولدت‬ ‫لتعمل خادمة‪ ،‬تقاسيمها ظلمتها في البيت والمدرسة وفي الغربة‪.‬‬ ‫بهيجة‪ ،‬التي تحمل رقة مشاعر ال تتحلى بها يسرى الفائضة أنوثة‬ ‫ومشاعر إنسانية عالية‪ ،‬ال يمكن أن توصف بها السيدة التي استقدمتها‬ ‫من المغرب لتعمل عندها‪ ،‬تنظف المنزل ومن ثم تستعين بها لتسحر‬ ‫زوجها الخائن!‬ ‫بهيجة ترى أنها أفضل من الشقرا التافهة التي لم تكمل دراستها‪،‬‬ ‫ولم تنل الشهادة اإلعدادية‪ ،‬والتعرف أي لغة أجنبية‪. ‫وتلقي عليها التحية‪:‬‬ ‫‪ -‬مساء الخير‪ ،‬األخت من المغرب؟‬ ‫ردت بهيج�ة بص�وت خ�رج جاف ًا من حلقها‪ ،‬وكأنها اس�تجمعت‬ ‫كل الرطوبة في فمها دافعة لسانها ليتحرك‪:‬‬ ‫‪ -‬نعم مغربية‪ ،‬من مراكش‪.

‬‬ ‫كان�ت بهيج�ة تش�عر بتل�ك المضايق�ات الس�خيفة م�ن الش�بان‬ ‫المحرومين من احتضان جسد امرأة‪ ،‬إال أن األمر ال يتطور إلى أكثر‬ ‫م�ن مالمس�ة تب�دو غي�ر مقصودة في غال�ب األحيان‪ ،‬هذه المضايقات‬ ‫أس�عدتها كثي�ر ًا وجعلته�ا تتس�اوى م�ع الس�يدات اللوات�ي عمل�ت في‬ ‫بيوته�ن‪ ،‬حينم�ا تش�تكي إحداه�ن لصديقتها م�ن رجل يطاردها وتقفل‬ ‫في وجهه خط الهاتف‪ ،‬أو تغير اتجاه سيرها أثناء قيادة سيارتها هرب ًا‬ ‫من عبث الشباب المجانين الذين يعتقدون أن رؤية امرأة تقود سيارتها‬ ‫وحيدة فرصة سانحة لمغامرة سريعة‪.‫مستغرقة في تأمل حياتها ويد رضا تساعدها‪ ،‬بعد أن أسرع للحاق‬ ‫بها لتصعد إلى المركب‪ ،‬وقفت تتأمل وجوه ًا سمراء ووجوه ًا سوداء‬ ‫ووجوه ًا بيضاء‪ ،‬قامات مختلفة‪ ،‬وكان عدد النس�اء أقل مما توقعت‪،‬‬ ‫ومعظمهن أتين مع أزواجهن إال هي والشابة‪ ،‬فتوقعت معاملة مختلفة‬ ‫لهما‪ ،‬تمام ًا كما كان يحدث عندما تضطر إلى ركوب الحافلة (اإلفيكو)‬ ‫وهي تنتقل من مكان إلى آخر في طرابلس‪.‬‬ ‫م�ا توقعت�ه أن تك�ون موض�ع ترحي�ب ل�م يح�دث‪ ،‬فق�د أخ�ذوا‬ ‫يتزاحم�ون عل�ى احتلال االماك�ن األكث�ر أمان� ًا‪ ،‬س�بقها رض�ا‪ ،‬انحدر‬ ‫نحو أسفل القارب‪ ،‬أمسك يدها وشدها نحوه‪ ،‬كانت أكثر حذر ًا ألن‬ ‫له�ا جس�د ًا أضخ�م من�ه‪ ،‬بالرغ�م من أن�ه قضى وقته بواب ًا يحمل طوال‬ ‫النه�ار كل مايطل�ب من�ه عل�ى ظه�ره ويصعد سلالم العم�ارة إذا كان‬ ‫المصعد معطالً‪.‬‬ ‫لم يكن الظالم في بطن القارب يس�مح لها بالرؤية‪ ،‬ثم أخذت‬ ‫عيناه�ا تعت�ادان العتم�ة‪ ،‬رأت بع�ض النور يتس�رب من مكانين‪ ،‬ولكنه‬ ‫خافت خجول‪ ،‬وكان التماع رؤوس الس�جائر المش�تعلة يظهر بعض‬ ‫مالمح هياكل أجس�اد أنهكها الترحال‪ ،‬فجأة لمعت مصابيح جديدة‪،‬‬ ‫ازداد النور في القارب‪ ،‬انتبهت إلى شاب يقف قريب ًا من الفتحة المؤدية‬ ‫‪37‬‬ .

‫إل�ى الداخ�ل يعب�ث بأسلاك موصولة بالمحرك الس�اكن‪ .‬‬ ‫كلم�ا ط�ال أم�د االنتظ�ار ازدادت الجلب�ة ف�وق س�طح المركب‪،‬‬ ‫أخذت ترمق الخش�ب فوق رأس�ها‪َ ،‬و ْق ُع األقدام الثقيلة يهز الس�قف‬ ‫الخشبي‪ ،‬توقعت في تلك اللحظة انهياره فوق رؤوسهم‪ ،‬قبل اإلقالع‬ ‫كان في الداخل على األرض الخش�بية غير المس�توية فرش مهتريء‬ ‫ورطب‪ ،‬أخرج رضا غطاء سميك ًا افترش مساحة البأس بها‪ ،‬أشار لها‬ ‫بالجلوس‪ ،‬اس�تندت بظهرها على الجدار‪ ،‬اش�تمت رائحة غريبة تش�به‬ ‫رائح�ة وق�ود مختلط�ة برائح�ة قط�ران‪ ،‬على يس�ارها كانت رائحة بقايا‬ ‫األس�ماك قوية‪ ،‬تحسس�ت يدها الممتدة في عتمة المكان ش�بكة صيد‬ ‫مرمية وبضعة حبال‪ ،‬عادت إلى الجلوس بش�كل مس�تقيم ثم أخذت‬ ‫من حقيبتها معطف ًا ش�توي ًا وضعته خلف رأس�ها‪ ،‬أصبح الوضع أفضل‬ ‫قليالً‪ ،‬تزاحمت األجس�اد بجانبها وأمامها وقريبا منها‪ ،‬بعضهم جلس‬ ‫على طوافات بالستيكية‪ ،‬وقتها داهمها القلق وأحست بالخوف‪ ،‬التريد‬ ‫التفكي�ر بالغ�رق‪ ،‬تمام� ًا كم�ا انتابه�ا هذا األحس�اس في أول رحلة لها‬ ‫بالطائرة‪ ،‬حين بدأت باإلقالع من المغرب ووقفت المضيفة في مقدمة‬ ‫الطائرة تفتح ذراعيها مشيرة إلى مخارج النجاة‪ ،‬أغمضت عينيها حتى‬ ‫التراها قائلة لنفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬الم�وت حي�ن يأت�ي ل�ن ينتظرها كي تنف�ذ كل تلك الحركات‬ ‫الغامضة‪.‬‬ ‫هاه�ي اآلن ت�رى الوج�وه الجدي�دة ألس�رة كاملة بأطفالها تدخل‬ ‫عمق القارب‪ ،‬أعادت لها الذاكرة قصة أم فرح وتجربة الهجرة‪ ،‬تعلم‬ ‫ماينتظره�ا م�ن مخاط�ر‪ ،‬ولك�ن أم ف�رح وقع�ت ضحي�ة نص�ب‪ ،‬له�ذا‬ ‫تأك�دت من�ذ البداي�ة أنه�ا ل�ن تصع�د عل�ى مت�ن ق�ارب مطاطي‪ ،‬وإال‬ ‫‪38‬‬ .‬كانت تنتظر‬ ‫وصول الشابة‪ ،‬سألت رضا عنها‪ ،‬أجابها باختصار شديد‪:‬‬ ‫‪ -‬جاية بعدين شوية‪.

‫كان ق�رار التراج�ع حاض�ر ًا بق�وة ل�و ح�دث ذلك‪ ،‬أكثر ما تخش�اه هو‬ ‫أولئ�ك الرج�ال األفارق�ة‪ ،‬لكن رؤية األس�رة العراقية حملت الطمأنينة‬ ‫إل�ى قلبه�ا‪ ،‬باإلضاف�ة إل�ى مرافق�ة رض�ا الجال�س قريب�ا منها تضاعف‬ ‫شعورها باألمان‪.‬‬ ‫كان�ت صراح�ة أم ف�رح ق�د جعلت بهيجة أكثر حذر ًا‪ ً،‬ولكنها لم‬ ‫تستطع أن تثني عزمها عن الهجرة بقارب الموت كما أسمته‪ ،‬حاولت‬ ‫أن ت�زرع الخ�وف ف�ي قلبه�ا أكث�ر م�ن مرة عندما كانتا تلتقيان في بيت‬ ‫الكاتب�ة وه�ذا مافض�ح أم�ر بهيجة ل�دى هذه المرأة الفضولية‪ ،‬فضولها‬ ‫اليش�به النس�اء اللوات�ي عمل�ت ف�ي بيوته�ن‪ ،‬كانت الس�يدة تهتم كثير ًا‬ ‫فجل اهتمامها‬ ‫ألمور السحر والشعوذة وقراءة فنجان القهوة‪ ،‬أما يسرى ُ‬ ‫ينصب على تغطية غيابها عن المنزل بحث ًا عن مغامرة عاطفية‪ ،‬هدى‬ ‫كانت مش�غولة بنظافة بيتها وإقامة دعوات الغداء والعش�اء لمجموعة‬ ‫من النساء المسليات‪ ،‬وللسيدة (صفاء) ضرتها‪.‬‬ ‫فيما ترى الكاتبة أنهن نس�اء تافهات‪ ،‬باألخص الش�قرا‪ ،‬أما هي‬ ‫فال يمكنها إال أن تصفها بالمرأة المجنونة‪ ،‬حتى لو كانت أقلهن ثرثرة‬ ‫وادعاء للرصانة‪ ،‬لكن س�رعان ماتراجعت عن هذا الوصف وندمت؛‬ ‫ألنها الوحيدة التي منحتها الوقت لتسمع قصة ابنتها المتبناة‪ ،‬وحاولت‬ ‫مد يد المس�اعدة لها في إدخالها لمركز يعتني بها‪ ،‬ووعدتها بزيارتها‬ ‫وشراء الهدايا لها‪ ،‬ودمعت عيناها‪ ،‬التريد أن تتذكر كيف ودعت سارة‬ ‫في مكان يؤوي األوالد الذين الينتمون ألس�رة‪ ،‬ويطلقون عليه اس�م‬ ‫(بيت األمل)‪ ،‬وكيف أقنعت الكاتبة الطفلة سارة بأن صار لها مجموعة‬ ‫كبيرة من اإلخوة‪ ،‬لكن سارة تعلقت ببهيجة وبكت كثير ًا وهي تحتضنها‬ ‫مس�اء أم�س‪ ،‬وتعل�م أنه�ا كذب�ت عليها حين وعدته�ا بالعودة لتحملها‬ ‫مرة أخرى معها إلى بالد جميلة‪ .‬كانت بهيجة صادقة في مش�اعرها‪،‬‬ ‫تحل�م بتغي�ر مصيره�ا بع�د الهج�رة‪ ،‬س�تصبح أغنى وتنال الجنس�ية ثم‬ ‫‪39‬‬ .

‬‬ ‫كانت س�ارة تذهب إلى كل البيوت التي تردد عليها أمها طوال‬ ‫األس�بوع‪ ،‬وي�وم العطل�ة يصب�ح نه�ار ًا ممي�ز ًا؛ ألنه�ا تخ�رج إلى مدينة‬ ‫الماله�ي م�رة وإل�ى ش�اطيء البح�ر مرة أخرى‪ ،‬تحت الضوء الخافت‬ ‫الساقط فوق رأسها تبين رضا أن بهيجة تمسح بطرف كمها دموعها‪،‬‬ ‫سألها بجرأة هذه المرة‪:‬‬ ‫‪ -‬بهيج�ة‪ :‬ابن�ة م�ن تل�ك الفتاة؟ لطالما احترت في أمرها‪ .‬‬ ‫فتاته�ا الصغي�رة الت�ي تغط�ي نص�ف وجهها نظ�ارة طبية لم تكن‬ ‫طفلة جميلة‪ ،‬كانت بائسة جد ًا‪ ،‬ترضى بأي معاملة من أمها المستعارة‬ ‫(بهيجة)‪ ،‬كانت سارة قد بلغت السابعة تقريب ًا‪ ،‬وفهمت أن أمها سافرت‬ ‫إلى المغرب وأن والدها هنا لكنه اليريد أن يعترف بأبوته لها‪.‬ل�ن ته�رب من ذاكرتها ط�وال العمر‪ ،‬وال من تأنيب‬ ‫قلي ً‬ ‫ضميرها بعد أن رأت األطفال مع أسرهم بالمركب‪.‬هل‬ ‫هي من زواج سابق؟ أم قريبتك؟ أين هي اآلن؟‬ ‫تأوهت‪ ،‬وأحست لحظتها أنها لو حكت عنها‪ ،‬فقد يخفف ذلك‬ ‫لا م�ن ألمه�ا‪ ..‬خليكى مؤمنة بالله‪ُ ،‬أ ّمال‪.‬‬ ‫قاطعها رضا بصوت مبحوح‪:‬‬ ‫‪« -‬بع�د الش�ر»‪ ،‬الق�در مكت�وب علين�ا وعليها‪ ،‬لوأنها س�تحيا أو‬ ‫تموت ليس بيدك وال بيدي‪ ».‬‬ ‫خرجت من صدرها تنهيدة طويلة وكأنها جمعت أنفاس�ها كلها‬ ‫دفعة واحدة‪ ..‫تعود‪ ،‬مثل أي مواطنة أوروبية‪ ،‬تأتي في زيارة س�ياحية‪ ،‬تمش�ي برفقة‬ ‫دليل بين اآلثار‪.‬كان صوتها مرتعش ًا لكنه اليشي بالخوف‪ ،‬لم تعد تخاف‬ ‫من أحد‪ ،‬هاهي في مركب يتهيأ لإلقالع واالبتعاد عن كل من عرفتهم‪،‬‬ ‫‪40‬‬ .‬‬ ‫‪ -‬ال أعرف هل ارتكبت خطأ أم ال؟ هذه الطفلة التي كتبت لها‬ ‫الحياة رغم أنف الجميع‪ ،‬هل أسلبها إياها وأورطها معي بهذه الرحلة‬ ‫الخطيرة؟ يمكن أن نموت جميع ًا‪.

‬‬ ‫أجل‪ ،‬كانت ليلة حافلة‪ ،‬موعد يسرى وانتظار الكاتبة في المطبخ‬ ‫معها‪ ،‬ولقاء الشقراء مع عشيقها في بيت يسرى‪ ،‬واتفاق الكاتبة معها‬ ‫على تس�جيل هذه الرحلة وفضح أس�رار من تعرفهم كل ذلك جعلها‬ ‫ليلة مواعيد‪ ،‬أو كما قالت الكاتبة عنها‪ :‬ليلة نساء الريح‪.‬‬ ‫‪41‬‬ .‬‬ ‫وحت�ى حال�ة الغرق حس�بتها الكاتب�ة الليلة الماضية‪ ،‬وطلبت من‬ ‫بهيجة أن تضع هذه االس�طوانة الصغيرة مرفقة بورقة وتكتب عنوانها‬ ‫ثم تضعها في زجاجة بالستيكية وترميها في مياه البحر‪.‫عن كل ما يمكن أن يهدد حياتها لو فضحت سره‪ .‬وأسرار بهيجة جزء‬ ‫من أس�رارهم‪ ،‬لكن تلك الكاتبة تريد معرفة كل ش�يء‪ ،‬اليهمها أحد‬ ‫أكث�ر م�ن تحبي�ر أوراق وطباعته�ا‪ ،‬أخبرته�ا انها تنوي كتابة رواية ولم‬ ‫تعثرعلى حكاية بعد‪ ،‬وترى بهيجة نفسها اآلن غير ملزمة بتنفيذ وعدها‪،‬‬ ‫فهي ستصل شواطيء إيطاليا وهناك ستضيع تمام ًا‪ ،‬ولن تصلها الكاتبة‪،‬‬ ‫وفي أسوأ األحوال وهو ماال تتمنى حدوثه أن يغرق المركب‪.‬‬ ‫عادت بهيجة من جديد تحدث نفسها بأنها امرأة مجنونة‪ ،‬امرأة‬ ‫التهتم بحياة اآلخرين كما تدعي إال من أجل روايتها‪.

‬‬ ‫وم�ا ذن�ب المدين�ة حت�ى تحم�ل وزر قلقه�م إذ ًا؟ وماذنب كونها‬ ‫مدين�ة دافئ�ة بينم�ا مش�اعرهم نحوه�ا ب�اردة‪ ،‬يكيل�ون الته�م له�ا بأنها‬ ‫التمنحهم مايش�تهون‪ ،‬وش�هواتهم الحدود لها‪ ،‬وبأنها التلبي رغباتهم‬ ‫ونزواتهم ال يمكن أن تنتهي‪.‬‬ ‫طرابلس يبحث أهلها وس�اكنوها عن ش�فراتها الس�رية‪ ،‬يبحثون‬ ‫ع�ن إجاب�ات لقلقه�م اللج�وج ح�ول مايمكن أن تمنح�ه مدينة جميلة‬ ‫مفتوحة على شواطيء المتوسط بهذا االتساع المخيف‪ ،‬هم مجرد بشر‬ ‫متمردي�ن عل�ى أمكنته�م الت�ي اعتادوها ليس إال‪ ،‬لهذا تراهم يقترحون‬ ‫عوالم جديدة‪.‬‬ ‫هم أناس ينش�دون االطمئنان في فتح مس�ارب جديدة‪ ،‬يحتمون‬ ‫ببعضهم في عالقات هش�ة التتعدى الفضول اإلنس�اني لمعرفة خبايا‬ ‫اآلخر‪ ،‬ويطلقون عليها اسم (صداقات)‪.‬‬ ‫‪42‬‬ . ‫طرابل�س مدينة الأ�سرار‬ ‫بعض المدن تبدو منتجة للضجر والسأم‪ ،‬في الحين ذاته البد أن‬ ‫تجد فيها أمكنة أو زوايا منتجة للحياة والكالم‪ ،‬أمكنة حميمة دافئة‪.‬‬ ‫كل واحد منهم يقترح تاريخ ًا يخصه وحده‪ ،‬في قرارتهم يعرفون‬ ‫أنه�م مج�رد أن�اس مهمش�ين وم�ع ذل�ك‪ ،‬يس�عى كل واح�د منهم إلى‬ ‫تدوي�ن حيات�ه أس�وة باألبط�ال الذين يتابعونهم على الشاش�ة‪ ،‬وأولئك‬ ‫الذين يسمعون عنهم‪.‬‬ ‫تكتف�ي طرابل�س كل مس�اء بإقف�ال أب�واب األس�رار وتتكيء على‬ ‫وسادة رمل شاطئها‪ ،‬وتغرق في النوم‪ ،‬فيما يصحو البشر ليصبوا ضاللهم‬ ‫في بحرها بعد أن شربوا ماءها النقي‪ ،‬ناقمين عليها من جديد‪.

‫ن�ساء الريح والكتابة‬ ‫من هن هؤالء النسوة؟‬ ‫يسرا والشقرا وسومة‪ ،‬هدى وبهيجة وأخريات؟‬ ‫(بهيجة امرأة مغربية ضاقت بها سبل الحياة في المغرب‪ ،‬تدعي‬ ‫ال قضى على عذريتها‪ .‬‬ ‫هدى تقطن عمارة مطلة على البحروسط طرابلس‪ ،‬وتجاورشقتها‬ ‫شقق كثيرة‪ ،‬وهي ال تقيم عالقات اجتماعية مع جميع السكان لظروف‬ ‫زواجها ش�به الس�ري‪ ،‬مما دفعها النتقاء س�يدات يمتلكن مواصفات‬ ‫مح�ددة‪ ،‬تقي�م معه�ن عالق�ات ودي�ة حتى التعاني الوح�دة في غياب‬ ‫زوجه�ا ال�ذي ال يأت�ي إليه�ا إال كل صب�اح عندم�ا يخ�رج إل�ى عمله‪،‬‬ ‫وفي المساء يأتي مع زوجته وابنته لزيارتها‪.‬‬ ‫كانت أطوارها شديدة الغرابة‪ ،‬لم تكن سوى الزوجة الثانية لعادل‬ ‫فيما زوجته األولى التي ال تعلم بأمر الزواج تصر على االرتباط بصداقة‬ ‫هدى والتتصور نفسها بعيدة عنها‪.‬وألنها‬ ‫أنها من أسرة كريمة‪ ،‬لكنها أحبت رج ً‬ ‫من أس�رة محافظة قررت قبول عرض الس�يد الليبي الثري عبدالمجيد‬ ‫حي�ن التقت�ه ف�ي أح�د الفنادق ببلدها‪ ،‬ولتتمكن من الس�فر وقعت معه‬ ‫عقد عمل فهو يمتلك عد ًدا كبير ًا من الشركات‪ ،‬وقد أخبرها أن عملها‬ ‫سيكون في منزله فقط‪ ،‬التخرج إال في إجازات شهرية‪ ،‬وفي األعياد‪،‬‬ ‫هكذا أقامت عدة سنوات في منزله ثم طردت دون أن تعرف سبب ًا قوي ًا‬ ‫يجعلهم يستغنون عن خدماتها‪ ،‬بعد ذلك قررت البحث عن عمل في‬ ‫البيوت الليبية وقادتها الصدفة للعمل في بيت هدى‪.‬‬ ‫‪43‬‬ .

‬‬ ‫أن�ا الكاتب�ة تعرف�ت عل�ى ه�دى ألنه�ا تق�رأ كل م�ا أكتب�ه ف�ي‬ ‫الصحف‪..‬‬ ‫بهيجة قررت أن تروي قصتها وتسجلها لي‪ ،‬ال أعرف عنها إال‬ ‫القليل وال عن ابنتها بالتبني أيض ًا‪ ،‬بعد أن منحتها مبلغا من المال في‬ ‫تلك األمس�ية قبل س�فرها‪ ،‬رضخت لطلبي‪ .‬لهذا لن تكتمل فصول‬ ‫الرواية إذا لم تساعدني بهيجة في األمر‪.‬‬ ‫س�أكتب عنه�ن وأنتظ�ر أن تف�ي بوعده�ا ل�ي وترس�ل المس�جل‬ ‫الصغي�ر‪ ،‬ال�ذي يحم�ل ذاك�رة كبيرة الحجم وحساس�ية عالية لتس�جيل‬ ‫األصوات‪ ،‬سأروي حسب أهمية كل شخصية‪ ،‬وليس كما يرغبن جميع ًا‬ ‫أن يرين أنفسهن؟!‬ ‫‪44‬‬ .‫يس�را تقطن في نفس العمارة‪ ،‬لكن س�ومة والش�قرا دائمتا التردد‬ ‫عل�ي بيته�ا‪ ،‬له�ذا كانت�ا تتش�اركان معه�ا حتى في صداقته�ا وعالقاتها‬ ‫االجتماعية‪.‬‬ ‫تستوقفني أمام باب المصعد‪ ،‬وتطلب مني استعارة بعض الكتب‬ ‫من مكتبتي‪.

‬‬ ‫اكتش�فت أن عالم الهجرة هو آالف البش�ر الذاهبين إلى مصير‬ ‫مجهول في الحياة‪ ،‬وهم بنفس قدر التصاقهم بها يحلمون بعالم أفضل‬ ‫ينتشلهم من بؤسهم اليومي‪.‬‬ ‫‪45‬‬ .‬‬ ‫مرة أراهم يش�بهون أولئك الذين يفجرون أنفس�هم كل يوم في‬ ‫بغداد وفلسطين‪ ،‬وهم على اعتقاد تام بأن ما ينتظرهم هو الشهادة فقط‬ ‫وليس الموت‪ ،‬ومرة ثانية أراهم ذاهبين نحو الموت انتحار ًا‪ ،‬وأس�أل‬ ‫نفسي‪ :‬بأي قدر من الشجاعة والقوة يتحلون؟‬ ‫مهاج�رون غرب�اء النع�رف عنه�م ش�يئ ًا يموتون غرق ًا في الغالب‪،‬‬ ‫نس�مع في نش�رات األخبار أعدادهم فقط‪ ،‬يتحولون في الذاكرة إلى‬ ‫مجرد رقم‪. ‫الكاتبة‬ ‫سمعت قصص ًا كثيرة حول الهجرة غير الشرعية‪ ،‬ولم أتوقع يوم ًا‬ ‫بأنني سألتقي شخص ًا عزم على أن يخوض هذه المغامرة‪ ،‬تمام ًا مثلما‬ ‫نس�مع ع�ن الم�وت‪ ،‬لكنن�ا ال نع�رف م�ا ال�ذي يحل بع�ده‪ ،‬ماهو هذا‬ ‫العال�م؟ ماه�ي حقيقت�ه؟ الكثي�ر ممن نحبهم وممن ال نحبهم يموتون‪،‬‬ ‫ونح�ن نعتق�د أن ه�ذا العال�م الغام�ض ال يمك�ن االقتراب منه‪ ،‬ونظل‬ ‫حبيسي سجن السؤال‪.‬‬ ‫كم شاب ًا منهم وعد حبيبته بأنه سيذهب إلى أرض جديدة تنتظر‬ ‫مواهب�ه وتواضع�ه بطل�ب أج�ر م�ادي رخي�ص مقاب�ل تحقي�ق أحالمه‬ ‫بحياة كريمة؟ وكم من أمهات اليعلمن أن أبناءهن أصبحوا في عداد‬ ‫المفقودين وهن يعتقدن أنهم في بلد آخر يعملون‪.

‫كلما قرأت الشريط اإلخباري أسفل الشاشة مكتوبا عليه (غرق‬ ‫مركب يحمل مهاجرين غير شرعيين قبالة السواحل وعلى متنه عدد‪)..‬‬ ‫‪ -‬هكذا إذ ًا‪ !..‬‬ ‫أسئلة كثيرة يمكن أن تؤرقني هذا المساء رغم ًا عني‪ ،‬ورغم أن‬ ‫هن�اك عوال�م أخ�رى وحكاي�ات ليس لها عالق�ة بالهجرة والمهاجرين‬ ‫تدور حولي‪ ،‬لكن بهيجة التي جلس�ت معنا في مطبخ يس�رى أس�رت‬ ‫لي هامسة بأنها حجزت على مركب يقلها إلى إيطاليا‪ ،‬ودفعت نصف‬ ‫األجرة فقط!‬ ‫ص�رت ف�ي تل�ك اللحظ�ة وجه� ًا لوج�ه مع إنس�ان من لحم ودم‬ ‫ُ‬ ‫يغام�ر بحيات�ه‪ ،‬ام�رأة تقاس�مت معها كثير ًا م�ن فناجنين القهوة والخبز‬ ‫والملح ستغادر في مغامرة ربما يكتب لها الموت فيها‪ ،‬أو في أحسن‬ ‫األحوال العودة إلى السجن‪ ،‬أما لو حالفها الحظ فستكون على الضفة‬ ‫األخرى من هذا الشاطيء الواسع الذي يقابل ليبيا‪..‬التائهون هنا أصبحوا طعما لألسماك‪.‬‬ ‫أسأل نفسي‪:‬‬ ‫هل يحمل مهاجر ًا له أبناء ينتظرون أوبته؟ أم ربما يكون مجرد‬ ‫مجرم قاتل أوس�فاحا هرب من وجه العدالة‪ ،‬بعد أن ارتكب جريمته‬ ‫فار ًا نحو البحر ليغسل ذنبه في مياهه المالحة‪..‬كيف؟ من أعطاك النقود؟ من ساعدك؟‬ ‫ش�عرت بالفض�ول وبالح�زن‪ ،‬رأي�ت ام�رأة أعرفها جيد ًا غس�لت‬ ‫الصح�ون المتس�خة ف�ي بيت�ي أكث�ر من م�رة‪ ،‬تريد أن تغرق في البحر‪،‬‬ ‫اقتربت تهمس لي‪:‬‬ ‫‪46‬‬ .‬‬ ‫وكلم�ا ش�اهدت ذل�ك البرنام�ج عل�ى أح�د الفضائي�ات‪ ،‬والذي‬ ‫خص�ص حصت�ه للبح�ث ع�ن الغائبين ع�ن أوطانهم وبيوتهم‪ ،‬أرتجف‬ ‫وأنا اسمع أحدهم يقول إن لديه قريب ًا غادر إلى ليبيا وانقطعت أخباره‪،‬‬ ‫ويعده مقدم البرنامج بالبحث واالعالن عن اسمه‪ ،‬إال أنني اجد نفسي‬ ‫أجيبه‪ ،‬ربما غرق في البحر‪ .

‬‬ ‫ل�م أر أح�د ًا م�ن أوالدهم�ا‪ ،‬قف�زت األس�ئلة إلى ذهني! لماذا أنا‬ ‫هنا؟ ماهو المطلوب مني؟ لماذا دعتني على وجه السرعة؟‪.‬‬ ‫يس�رى امرأة تكبرني بس�بع أو ثماني س�نوات‪ ،‬وتعترف بوصولها‬ ‫إلى األربعين من عمرها‪ .‬‬ ‫كن�ت ف�ي ن�دوة أدبي�ة‪ ،‬قب�ل أن تنته�ي غ�ادرت تح�ت إلحاحه�ا‬ ‫المتواصل‪ ،‬لم أصعد إلى بيتي‪ ،‬بل ذهبت إليها مباشرة‪..‬‬ ‫عندما دخلت س�حبتني من يدي وأدخلتني إلى غرفة االس�تقبال‬ ‫بعيد ًا عن بهيجة والشقرا وهمست‪:‬‬ ‫‪ -‬قررت أن أفي بوعدي وأقضي ليلة بين أحضان كمال‪.‬لكنها كانت ما زالت تحتفظ برشاقة عارضة‪،‬‬ ‫‪47‬‬ .‬‬ ‫وانتبهت في تلك اللحظة إلى أنها ال تقوم بخدمة البيت‪ ،‬كانت‬ ‫يس�رى ت�دور قلق�ة ث�م تذه�ب إلع�داد القه�وة لنا‪ ،‬أما الش�قرا فكانت‬ ‫تمسك بهاتفها النقال‪ ،‬متنقلة بين الصالة والمطبخ وتتحدث إلى أحد‬ ‫عشاقها‪.‫‪ -‬التخب�ري أح�د ًا اآلن‪ ،‬ال أع�رف كي�ف س�تمضي الليلة معي‪.‬‬ ‫‪ -‬أرجوك‪ .‬‬ ‫تحدث�ت ببس�اطة ش�ديدة وكأنه�ا تق�ول ل�ي‪ :‬س�أنام ف�ي بي�ت‬ ‫والدتي‪.‬‬ ‫قصتها مع هذا الرجل أثارت فضولي‪ ،‬ال يمكن تصنيفه على أنه‬ ‫فضول امرأة تهوى الثرثرة والفضائح‪ ،‬بل كان فضول كاتبة تعثرت بقصة‬ ‫غريبة ال يمكن أن تحدث مع أحد كل يوم‪ .‬ولن تكون الخيانة الزوجية‬ ‫هي القصة المثالية والفريدة‪ ،‬ولكن ألن ما كان يدور بينهما هو أكثر‬ ‫م�ن الخيان�ة وأغ�رب‪ ،‬وألنن�ي عندم�ا رأيت يس�رى ألول مرة في بيت‬ ‫هدى قررت أنه ال يمكنني إفساح المجال لها لتدخل حياتي‪.‬‬ ‫يسرى طلبت مني المبيت هنا مع أوالدها‪..‬تعالي هناك أمرمهم جد ًا‪ ،‬تعلمين أن زوجي مسافر‬ ‫هذه الليلة‪.

‬‬ ‫التقيته�ا قب�ل س�نة ونص�ف في بيت ه�دى بالرغم من أننا جميع ًا‬ ‫نسكن في عمارة واحدة تطل على البحر‪ ،‬عمارة فيها أكثر من عشرين‬ ‫شقة‪ ،‬وسبق أن حذرني زوجي من االختالط بالجيران وساكني العمارة‬ ‫فهو دائم السفر‪ ،‬وأنا بدوري مشغولة بحضور الندوات واألمسيات مما‬ ‫جعل التواصل مع الجيران محدودا‪ ،‬لكن انشغالي الدائم لم يمنحني‬ ‫الدفء الذي أفتقده إذا كنت وحيدة‪ ،‬خمس س�نوات من الزواج وال‬ ‫أعرف ما الذي يمنعني من اإلنجاب‪ ،‬زوجي مكتف بأوالده من زوجته‬ ‫األولى‪ ،‬واليبالي إن أصبحت أم ًا أم بقيت عروسه الجميلة‪.‫فهي ممش�وقة القوام‪ ،‬لها وجه يحمل مالمح دقيقة وعلى الرغم من‬ ‫عدم تناس�قها إال أنها تتمتع بجمال غريب‪ ،‬امرأة تمتلك أنوثة فائضة‬ ‫ال يمكن ألي رجل الصمود أمامها‪.‬‬ ‫‪48‬‬ .

‫مواعيد لن�ساء الريح‬ ‫لطالما كنت أحلم بكتابة رواية‪ ،‬أربكتني أشياء كثيرة‪ ،‬فكرت مرة‬ ‫بالحكاية وأخرى بمناخها وطقسها‪ ،‬وعشرات المرات بكل ماقرأته من‬ ‫كالم النق�اد عل�ى رواي�ات قرأته�ا وأعجبتن�ي‪ ،‬كان الخوف يمنعني كل‬ ‫مرة‪ ،‬وعندما صارحت نفسي بصدق قلت‪:‬‬ ‫‪ -‬أنا ال أمتلك الموهبة لكتابة قصة قصيرة‪ ،‬وأعلم أن القصة كما‬ ‫يقولون أصعب من الرواية‪ .‬‬ ‫الوقت‪ :‬السادس�ة مس�اء‪ ،‬المكان‪ :‬مطبخ واس�ع في بيت يس�را‪،‬‬ ‫الح�دث‪ :‬بهيج�ة تجل�س عل�ى كرس�ي متكئة بمرفق يدها على الطاولة‬ ‫الخش�بية المربع�ة الش�كل الملتصق�ة م�ن أحد جوانبه�ا بالجدار‪ ،‬على‬ ‫الكرس�ي الثاني المقابل جلس�ت الش�قرا تمس�ك هاتفها قريب ًا من فمها‬ ‫وتهمس فيه‪ ،‬بينما (يسرى) تعد القهوة‪.‬‬ ‫‪49‬‬ .‬‬ ‫فج�أة أج�د نفس�ي متورط�ة داخل مش�هد ال يمك�ن أن يكون إال‬ ‫ف�ي رواي�ة‪ ،‬ب�ل حي�ن تأمل�ت مايحدث حولي‪ ،‬انفصلت عنهم وصرت‬ ‫فوقهم تمام ًا ولقد داخلني إحس�اس قوي بأنني أتابع مش�هد ًا من فيلم‬ ‫سينمائي يحتاج إلى مخرج موهوب ومحترف‪.‬ولكن حساسيتي برصد بعض الشخصيات‬ ‫في الواقع ال يمكن أن تكون إال داخل عالم روائي منحني الشجاعة‬ ‫ألحلم بفعل ذلك‪.‬‬ ‫إذ ًا دعون�ي أص�ف لك�م ه�ذه البداي�ة‪ ،‬إذا كان�ت موفق�ة س�أتابع‬ ‫الكتاب�ة‪ ،‬وكأنن�ي أتأم�ل كل م�ا يح�دث بعدس�ة المخ�رج الت�ي تلتقط‬ ‫بحساسية وصدق كل ما يجري‪.

‬‬ ‫كن�ت أصغ�ي بانتب�اه ش�ديد‪ ،‬أحسس�ت أنن�ي أصبح�ت جزء ًا من‬ ‫مؤامراتها دون أن تس�تأذنني‪ .‬توقفت وهي تس�ترق النظر إلى المطبخ‬ ‫‪50‬‬ .‫أرب�ع نس�اء ف�ي المطب�خ‪ ،‬لك�ن الصم�ت يس�ود الم�كان أغل�ب‬ ‫الوقت‪ ،‬أليس غريب ًا أن تجتمع أربع نس�اء والتس�مع أصواتهن الحادة‬ ‫المتداخل�ة‪ ،‬أوثرثرته�ن وضحكاته�ن المرتفعة‪ ،‬أو حتى جدالهن حول‬ ‫األزياء وبرامج الفضائيات والمسلسالت الدرامية؟‬ ‫جلست ملتزمة الصمت‪ ،‬عبقت رائحة القهوة في أرجاء المكان‪،‬‬ ‫سكبتها يسرى في الفناجين ولم تقدمها‪ ،‬تناولت فنجان ًا وأخذت أرتشفه‬ ‫بصمت‪ ،‬ثم تبعتني بهيجة‪ ،‬فيما يسرى تعود لالتصال من جديد‪ ،‬تطلب‬ ‫رق�م هات�ف زوجه�ا‪ ،‬كان�ت تنظ�ر إلى الس�اعة المعلقة ف�وق الباب‪،‬و‬ ‫سمعتها تقول له‪:‬‬ ‫‪ -‬وصلت إلى المطار حبيبي؟‬ ‫ثم تصمت قليال وتتابع بعدها‪:‬‬ ‫‪ -‬جي�د‪ ،‬ال�وزن؟ جي�د‪ ،‬التن�س أن تبل�غ تحياتي إلى ش�قيقتك‪.‬‬ ‫أقفلت الخط‪ ،‬سحبتني من يدي إلى الصالة حيث طاولة الطعام‪،‬‬ ‫كان اله�دوء ف�ي المن�زل غريب� ًا ل�م أعت�د علي�ه‪ ،‬س�ألتها ع�ن األوالد‪،‬‬ ‫أجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬الشقرا أخذتهم إلى المنتزه العائلي‪.‬‬ ‫ثم أردفت‪:‬‬ ‫‪ -‬أريد منك خدمة هذه الليلة‪ ،‬كما ترين الشقرا تريد أن تلتقي‬ ‫صديقها هنا في بيتي‪.‬‬ ‫أخبرها بأنني سأطمئن على صحتها غد ًا عندما تصل‪.‬‬ ‫رمقتها بنظرة تدل على امتعاضها لكنها تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬هاهي تبتزني وتجعلني أسمح لرجل غريب أن يأتي إلى بيتي‬ ‫وينفرد بها‪.

‬‬ ‫تأملت أمارات دهش�تي وتجاهلتها‪ ،‬من جديد اس�تمرت تش�رح‬ ‫لي‪:‬‬ ‫‪ -‬أريد منك إما أن تأخذيني بسيارتك أو تعيريني إياها وسأعيدها‬ ‫في الصباح الباكر‪ ،‬فقط هذا ما أطلبه منك؟‬ ‫كان ردي سريع ًا ومباشر ًا‪:‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬ال يمكن‪ ،‬انسي األمر تمام ًا‪.‬‬ ‫رنين هاتفها وانسحابها للرد عليه سمح لي بإعادة النظر وأختار‬ ‫‪51‬‬ .‬في تلك اللحظة لعنت فضولي‬ ‫والرواي�ة الت�ي أطم�ع ف�ي كتابته�ا‪ ،‬أن�ا التي منحت يس�رى الثقة لتبوح‬ ‫لي بأسرار هذه العالقة التي لمحت مرار ًا لغرابتها‪ ،‬وهي مازالت غير‬ ‫مصدقة كيف يفعالن ذلك الجنون مع ًا‪.‬س�يارتي يعرفه�ا الكثي�ر م�ن الذين ال‬ ‫أعرفه�م‪ ،‬والتنس�ي أوالد زوج�ي‪ ،‬ث�م إنن�ي غي�ر موافق�ة‪ ،‬ال أريد لك‬ ‫ه�ذه المغام�رة‪ ،‬م�ن أج�ل من؟ ولماذا؟ أما وعدت نفس�ك أن تقطعي‬ ‫عالقتك الغريبة بهذا الرجل؟‬ ‫توقفت عن المتابعة دون أن أجرؤ على نعته بالمنحرف ولست‬ ‫متأك�دة م�ن أن ه�ذه الصف�ة تنطب�ق أيض ًا على عالقتهما العاطفية‪ ،‬هذه‬ ‫اللقاءات التي تقس�م يس�را أنه ال يقترب منها أثناءها‪ ،‬وال يمارس�ان‬ ‫الجنس‪ ،‬فقط «المش�ي فوق الس�رة»‪ . ‫وتابعت من جديد‪:‬‬ ‫‪ -‬أرس�لت ف�ي طل�ب بهيج�ة لتبقى هنا وتن�ام مع األوالد ألنني‬ ‫سأمضي ليلتي في حضن كمال‪...‬‬ ‫‪ -‬أرجوك‪ ..‬لماذا؟‬ ‫كان عقلي يدور ويلف خالل ثوان بأكثر من مليون لفة‪ ،‬يحاكم‬ ‫ويشير‪ ،‬وينصح‪ ،‬ألمنحها إجابة واحدة وهي‪:‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬ال يمك�ن‪ ،‬يس�رى‪ .

‬‬ ‫كان كل ما يجري حولي من رنين هواتف وهمس جانبي ومنفرد‬ ‫يش�عرني بأن الجو متوتر‪ ،‬وبدورها لم تخف ارتباكها‪ ،‬بل كنت أراها‬ ‫‪52‬‬ .‬‬ ‫عدت إلى الجلوس بجانب بهيجة‪ ،‬سألتها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫‪ -‬ألم تأت (سومة)؟‬ ‫لم يكن هذا اسمها‪ ،‬كانت تدعى (سمية) وهي امرأة مطلقة منذ‬ ‫أكثر من عام بعد زواج قصير نس�بيا اتس�م بالعنف الش�جار والضرب‬ ‫والغي�رة‪ ،‬س�نوات م�ن الع�ذاب أمض�ت نصفها تح�اول الحصول على‬ ‫ورقة حريتها‪ :‬الطالق‪..‬‬ ‫ابتسمت وقلت‪:‬‬ ‫‪ -‬ماشاء الله‪ .‫بين أن أكتب قصة هذه المرأة أو أن أطردها من حياتي مرة واحدة!‬ ‫ل�م أك�ن أفك�ر بمثالي�ة عالي�ة وبالقيم األخالقي�ة التي تحرم تلك‬ ‫العالقات‪ ،‬لطالما اعتبرتها ش�أن ًا خاص ًا‪ ،‬ولس�ت مخولة بإقامة الحدود‬ ‫ال بقدر ماهو استشراف‬ ‫على مرتكبي الخطايا‪ ،‬تسامحي ربما اليكون نبي ً‬ ‫مستقبلي يمكن أن أندم عليه لما يمكن أن أرتكبه من أخطاء‪.‬سر؟ نحن األربعة نعلم!‬ ‫تذكرت الجارة (هدى) التي تسكن الدور األخير وسألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬وهدى؟‬ ‫ه�زت رأس�ها بإيم�اءة غامض�ة ال ه�ي نع�م وال ه�ي ال‪ ،‬ومضت‬ ‫ت�رد عل�ى الهات�ف بعي�د ًا عن�ا‪ ،‬ث�م عادت لتجدن�ي أتهامس مع بهيجة‪،‬‬ ‫لكنن�ا قطعن�ا همس�نا ونظرن�ا إليها‪ ،‬وأش�ارت بيده�ا أنها تريد محادثتي‬ ‫على انفراد‪.‬‬ ‫سمعتني يسرى أسأل عن صديقتها الغائبة‪ ،‬تقدمت مسرعة نحوي‬ ‫وهمست لي‪:‬‬ ‫‪ -‬إنها ال تعرف شيئ ًا عن هذا الموعد‪ .‬أرجوك إنه سر‪.

.‫تفتع�ل مزي�د ًا م�ن اإلث�ارة ف�ي حركاته�ا وردودها لنش�عر جميع� ًا بأننا‬ ‫غارقون معها في هذه المؤامرة‪.‬‬ ‫أستطيع أن أفهم أن من تخون زوجها تفعل ذلك بصمت شديد‪،‬‬ ‫تتوتر‪ ،‬تقلق‪ ،‬تخاف‪ ،‬تخطط‪ ،‬تنفذ كل ذلك بنفسها دون أن تشعر من‬ ‫حولها بما يدور‪.‬‬ ‫خرجت من جديد إلى الصالة‪ ،‬كانت بهيجة والش�قرا قد دخلتا‬ ‫في نميمة جعلتهما غافلتين تمام ًا عما يجري‪ ،‬وكأن ال أحد يشاركهما‬ ‫وعدت أجلس إلى طاولة الطعام‪ ،‬وجلست يسرا في مواجهتي‬ ‫ُ‬ ‫المكان‪،‬‬ ‫وقالت‪:‬‬ ‫‪53‬‬ .‬‬ ‫لماذا تصر هذه المرأة على الدراماتيكية لهذا الحدّ ؟ تسحبنا معها‬ ‫إلى أجواء ال يمكن أن تحدث إال بين فتيات مراهقات عندما يتفقن‬ ‫على مغامرة الخروج في رحلة مع أصدقائهن‪ ،‬وهي‪ ،‬بين وقت وآخر‪،‬‬ ‫تش�ير إلى أن أبقى إلى جانبها‪ ،‬وأحيان ًا تأخذ رأينا علن ًا حول إمكانية‬ ‫نجاح أو فشل ما تسعى إليه‪:‬‬ ‫‪ -‬هل يكون المسافرون اآلن في صالة االنتظار؟‬ ‫‪ -‬هل أخرج اآلن أم أنتظر صعود زوجي إلى الطائرة؟ ال ال‪.‬‬ ‫لا مقترب�ة بوجهها مني‪،‬‬ ‫تت�أوه بص�وت مس�موع‪ ،‬ث�م تنحن�ي قلي ً‬ ‫وتهمس‪:‬‬ ‫‪ -‬تعالي إلى الصالة‪.‬‬ ‫األفضل أن أنطلق إلى لقاء كمال بعد أن أجد هاتفه مقفالً‪.‬‬ ‫فوق الباب ثم تسألني فجأة‪:‬‬ ‫‪ -‬هل تتأخر الطائرة المغادرة إلى دمشق في العادة؟‬ ‫‪ -‬ال أعرف‪ .‬‬ ‫كان�ت تح�دث نفس�ها بص�وت مرتف�ع على أم�ل أن تحظى برأي‬ ‫تنظر من جديد إلى الس�اعة المعلقة على الجدار‬ ‫مس�اند من أي منا‪ُ .‬لم أسافر إليها وال مرة‪.

.‬‬ ‫وبنفس الوقت فإنني أكره س�ماع ش�كوى يس�را من إحساس�ها‬ ‫بالمرارة لعدم إخالص صديقاتها بمن فيهن س�ومة التي لم تأت هذا‬ ‫المساء!‬ ‫‪54‬‬ .‬‬ ‫أجبتها على الفور‪:‬‬ ‫‪ -‬س�بق ل�ي وصارحت�ك به�ذه الحقيقة‪ ،‬وتعلمي�ن تمام ًا بحقيقة‬ ‫مشاعري نحوك‪.‬انظ�ري إليها‪ ،‬حاولي من هنا‬ ‫تأملها‪ ،‬هاهي الشقرا تتكلم معها وهي ال تجيب وال تبالي‪.:‬أخبرتني بهيجة اليوم بكل ماتقوله هدى عني‪ ،‬وحتى‬ ‫هذه الشقرا و‪ ،.‬‬ ‫وكنت متأكدة أنها اآلن قد قالت للشقرا كل ماكان يدور خلف‬ ‫ظهره�ا‪ ،‬تمني�ت أال تك�ون ق�د أش�علت فتنة كبيرة بينه�ا وبين زوجها‪،‬‬ ‫وبينها وبين يسرى‪ ،‬ألنها لوفعلت ذلك سأمضي أيام ًا مبتعدة عن هذا‬ ‫المكان‪ ،‬ثم تذكرت أن إنذار إخالء العمارة لم يترك لنا مدة طويلة‪.‬‬ ‫‪ -‬نعم‪.‬توقفت ترمقني بنظرة ذات مغزى ثم تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬وأيض� ًا قال�ت إن الكاتب�ة ل�م تكن تس�تلطفك كثي�ر ًا‪ ،‬لكن لم‬ ‫تنتقدك أمامي والمرة‪.‬‬ ‫أجب�ت باختص�ار ش�ديد ألنن�ي أع�رف أن بهيجة في الغد أو بعد‬ ‫غد سترحل في قارب إلى إيطاليا‪...‫‪ -‬تصوري‪ .‬‬ ‫هزت رأس�ها بالموافقة‪ ،‬مررت أصابعها متخللة تس�ريحة ش�عرها‬ ‫الجميل�ة‪ ،‬نفض�ت خصالته�ا‪ ،‬أمالته�ا نحو األس�فل ثم عادت ورفعتها‬ ‫إلى أقصى ماتستطيع خلف رأسها‪ ،‬وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬ال أع�رف س�ر بهيج�ة ه�ذه الليل�ة‪ ،‬أقصد أمس منذ أن طلبت‬ ‫منها المبيت عندي لم تمانع كما في كل مرة‪ ،‬رفضت تنظيف المنزل‪،‬‬ ‫فقط جلست تثرثر حول مايقال من وراء ظهري وكأنها تريد أن تسافر‬ ‫إل�ى غي�ر رجع�ة‪ ،‬ش�عرت أنها تودعني‪ .

.‫هذه المشاكل تحدث يومي ًا بينهن‪ ،‬بل هي خبزهن اليومي‪ ،‬وإذا‬ ‫اجتمع�ن مع� ًا لم�دة أس�بوع دون مش�كلة م�ا فه�ذا يعني هدوء ًا يس�بق‬ ‫العاصفة‪.‬‬ ‫تقف يسرا قبالتي‪ ،‬ترمش عيني‪ ،‬تحل الشقرا محل يسرا‪ ،‬أتلفت‬ ‫إلى يميني فأرى بهيجة‪ ،‬أحرك رأسي نحو اليمين واليسار‪ ،‬ألتفت مرة‬ ‫ثانية فأجد يسرى‪.‬‬ ‫تؤرقن�ي األس�ئلة للم�رة العاش�رة‪ :‬لم�اذا أن�ا هن�ا؟! كيف وافقت‬ ‫على االس�تمرار ومش�اهدة هذه اللعبة؟ اآلن تنفجر من رأس�ي اإلجابة‬ ‫حاسمة‪:‬‬ ‫‪ -‬حت�ى تكتب�ي الرواي�ة عليك االكتف�اء بما عرفته عنهن جميع ًا‪،‬‬ ‫أما ما تبقى فدعي خيالك يكمله ويمأل فراغاته‪..‬‬ ‫صار المطبخ والصالة وغرفة الجلوس التي يفصلها جدار قصير‬ ‫ع�ن الصال�ة األماك�ن الت�ي ت�دور في أرجائها يس�را‪ ،‬الكراس�ي تذهب‬ ‫وتأتي في حركة تتواءم ومزاجها‪ ،‬الطاولة انس�حبت مبتعدة عن جدار‬ ‫المطبخ‪ ،‬الش�يء في مكانه‪ ،‬أصوات النس�اء‪ ،‬رنين هواتفهن المزعج‬ ‫الينقطع‪ ،‬همسهن المتواصل‪.‬‬ ‫أبتس�م ف�ي س�ري عندم�ا أتذك�ر تل�ك الوريق�ات ذات الل�ون‬ ‫األصف�ر الت�ي دفعته�ا يس�رى أمام�ي ذات مس�اء‪ ،‬أخبرتن�ي عن ولعها‬ ‫بالكتاب�ة والخواط�ر تحدي�د ًا‪ ،‬وأن م�ا تكتب�ه تق�وم بكتابت�ه في الحمام‬ ‫ع�ادة‪ ،‬وه�و الم�كان الوحي�د ال�ذي ال يمكن لزوجه�ا مطاردتها فيه أو‬ ‫أوالدها الش�ياطين‪ ،‬تكتب خواطرها في الحمام بلغة مرمزة‪ ،‬وتحاول‬ ‫أن تشرح لي تلك اإلنشاءات واالقتباسات من روايات قرأتها وأعجبت‬ ‫بها‪ ،‬تتحدث عن تلك االس�تعارات ببس�اطة ش�ديدة ودون خجل أو‬ ‫تأنيب ضمير‪ ،‬فمن سيحاكم امرأة مجهولة تكتب خواطرها في الحمام‪،‬‬ ‫ال أحبتها تلصقه�ا بجمل لكاتب آخر‪،‬‬ ‫وتقتب�س م�ن كب�ار الكت�اب جم ً‬ ‫‪55‬‬ .

‬‬ ‫علي أكثر من ورقة وطلبت مني أن أستعين بها إذا قررت‬ ‫قرأت ّ‬ ‫كتاب�ة رواي�ة عنه�ا‪ ،‬وأب�دت اس�تعدادها لمصارحتي بكل ما تفكر به أو‬ ‫تفعل�ه‪ ،‬تري�د أن ت�رى قص�ة حبه�ا التي ال تش�بهها قصة أخرى مكتوبة‬ ‫في رواية‪.‬‬ ‫‪56‬‬ .‫وهك�ذا؟ المه�م عنده�ا أنه�ا كتبت نص ًا يترجم أحاسيس�ها ومش�اعرها‬ ‫لحبيبه�ا كم�ال أو نص� ًا يفض�ح عالقته�ا بوالدتها‪ ،‬على أن يكون مبل ً‬ ‫ال‬ ‫بالدموع واآلهات‪.‬‬ ‫وعدتها‪ ،‬وكنت صادقة بأنني سأعيد صياغتها لها‪ ،‬على أن تروي‬ ‫لي قصتها وأكتبها لها‪ ،‬وأخذت عليها وعد ًا بأنها إذا قرأت الرواية ولم‬ ‫تجد حقيقتها فعليها عدم مراجعتي باألمر‪ ،‬انفرجت أس�اريرها وبانت‬ ‫سمات الرضا والسعادة على وجهها‪ ،‬يسرى امرأة ال يسهل إرضاؤها‪،‬‬ ‫تحب الظهور واالس�تعراض إال أنها تتحول في حضوري إلى تلميذة‬ ‫مطيعة تقبل رفضي بحب كما لو أنني أقدم لها نصيحة مفيدة‪.

‫الكاتبة وي�سرى‬ ‫«عندما ت�شعر �أنك حتب �أحد ًا‬ ‫ال ميكن �أن تفكر باحلرية �أبد ًا»‬ ‫يرن هاتف يس�رى‪ ،‬اتصال جديد من زوجها‪ ،‬يخبرها أن موعد‬ ‫إقالع الطائرة تأجل حتى وقت غير معروف‪..‬بصوت لئيم تجيبه‪:‬‬ ‫‪ -‬نع�م‪ ،‬امم�م‪ ..‬ثم تقفل الخط‪:‬‬ ‫مني�ر ه�ذا الرج�ل ال�ذي كان ش�اب ًا يس�كن بج�وار بيته�م عندم�ا‬ ‫كان�ت صغي�رة‪ ،‬أحبت�ه‪ ،‬لك�ن والدت�ه رفض�ت أن يتزوجها‪ ،‬منير أصبح‬ ‫اآلن خاضع� ًا تمام� ًا البتزازه�ا الم�ادي لتمنح�ه على ح�د زعمها قلي ً‬ ‫ال‬ ‫م�ن الوق�ت عل�ى الهات�ف وبعض اللقاءات البريئة والقصيرة‪ ،‬في تلك‬ ‫األثناء يرن هاتف الشقرا فتجري نحو يسرى وتهمس في أذنها‪ ،‬أحدث‬ ‫نفسي قائلة‪ :‬كم هي غبية! نجلس معها في المطبخ وغرفة االستقبال‬ ‫المفتوحة على الصالة بانتظار لقائها مع صديقها وال تريد لنا أنا وبهيجة‬ ‫االطالع على سرها‪ ،‬لكن يسرى قد أخبرتنا باألمر‪.‬يامني�ر زوجي مس�افر هذه الليل�ة‪ ،‬غد ًا أتحدث‬ ‫إليك‪ ،‬أريد أن أذهب إلى السرير باكر ًا‪ .‬‬ ‫تسرع يسرى بإغالق الباب علينا للحظات ريثما تستقبل األخرى‬ ‫‪57‬‬ .‬‬ ‫تنظر نحوي متسائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬ماذا أفعل؟ كمال يستعجلني؟!‬ ‫يرن هاتفها مرة أخرى‪ ،‬الينقطع عادة عن الرنين‪ ،‬تحمله متأففة‬ ‫من الرد‪ ،‬كان أحد عشاقها‪ .

‫الصدي�ق أو العش�يق ث�م تع�ود إلين�ا معت�ذرة‪ ،‬تطلب من�ا تجاهل األمر‬
‫وتدعي أنها خائفة من عودة مفاجئة لزوجها‪.‬‬
‫سألتها‪ :‬لماذا ترضخين البتزازها؟‬
‫أجابت بمواربة وكذب واضح‪:‬‬
‫‪ -‬ألنني طلبت منها أن تأخذ أوالدي إلى النادي حتى إذا اتصل‬
‫والدهم من المطار لن يخبروه حقيقة مايجري في البيت!‬
‫في الواقع لم أفهم هذا التبرير الس�خيف‪ .‬هي والش�قرا تتبادالن‬
‫الخدمات العاطفية لتضع كل واحدة األخرى في كفة الخيانة الزوجية‪،‬‬
‫وترج�ح كف�ة اإلخلاص لصداقته�ا‪ ،‬وكأن لس�ان ح�ال الواحدة منهما‬
‫يقول‪(( :‬التعايرني وال أعايرك‪ ،‬الهم طايلني وطايلك»‪.‬‬
‫يسرى تفضح أسرارها وأسرار الجميع‪ ،‬ثم تطلب منهم الصمت‬
‫وعدم البوح بها‪ ،‬وإذا حدث وانكشف خيط واحد يؤدي إلى فضح سر‬
‫ما نتيجة زلة لسان إحداهن‪ ،‬يحدث االنفجار النسائي المعتاد بسيل من‬
‫التهم المتبادلة‪ ،‬وغالب ًا ماتحتفظ بعتاد من األس�رار يمكنها من تهديد‬
‫من تسول لها نفسها بفضحها‪ ،‬بداية من هدى وزواجها السري‪ ،‬لكن‬
‫بهيجة استخدمت كل ماتعرفه ليصبح سلسلة من المفاتيح تملكها لفتح‬
‫أي باب مغلق في وجهها‪ ،‬واقتنعت أنها تحولت من خادمة إلى سيدة‬
‫نفسها‪.‬‬
‫وحدي أعلم أنها عزمت على الهجرة‪ ،‬ثم راودتني ش�كوك بأن‬
‫هناك من قدم لها مساعدة مالية كبيرة‪ ،‬سألتها‪:‬‬
‫‪ -‬هل تعلم يسرى بسفرك؟‬
‫ه�زت رأس�ها بالنف�ي‪ ،‬كان�ت أق�ل الخادمات ثرث�رة عما يخصها‬
‫ش�خصيا‪ ،‬تس�تمع أكثر لما يدور حولها وكأنها غير معنية باألمر‪ ،‬ثم‬
‫تصبح فجأة طرف ًا رئيس ًا فيه‪.‬‬
‫منذ الساعة السادسة مساء وأنا أشرب القهوة وأرقب مايدورهنا‬

‫‪58‬‬

‫حولي‪ ،‬لست طرف ًا فيه لكن يسرى تصر على إقحامي‪ ،‬هل تلعب معي‬
‫تلك اللعبة النفس�ية التي تجعلني ش�اهدة أو حتى متورطة في ذنبها؟‬
‫ما أشرسها من امرأة! بالرغم من رفضي مازالت تحاول تكرار طلبها‬
‫من جديد‪ ..‬تقترب مني قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬أري�د أن أذه�ب بس�يارتك إل�ى (الس�وبر مارك�ت)‪ ..‬دقائ�ق‬
‫وأعود‪.‬‬
‫رفض�ت تس�ليمها المفاتي�ح ووافق�ت على مرافقتها في س�يارتي‪،‬‬
‫حتى أنا أحتاج بعض األغراض‪ ،‬حاولت تصديقها وهممنا بالخروج‪.‬‬
‫توقفت لحظة وسألتها‪:‬‬
‫‪ -‬الشقرا هنا‪.....‬؟‬
‫س�حبتني م�ن ي�دي وخرجن�ا‪ ،‬كان المح�ل قريب� ًا اليبعد أكثر من‬
‫إلي خائفة وطلبت مني إطفاء محرك‬ ‫مائتي متر‪ ،‬اتصل زوجها‪ ..‬نظرت ّ‬
‫الس�يارة‪ ،‬ثم أغلقت النوافذ جيد ًا‪ ،‬كل هذه الترتيبات حتى يعتقد أنها‬
‫ف�ي البي�ت‪ ،‬تكلم�ت مع�ه برقة ش�ديدة وأدركت أنه يدخل إلى الطائرة‬
‫وهي تستعد لإلقالع‪ ،‬كانت الساعة تقترب من التاسعة والنصف‪.‬‬
‫أغلق�ت الهات�ف وطلب�ت من�ي أن أكمل الس�ير إل�ى بيت كمال‪،‬‬
‫ل�م أتكل�م معه�ا‪ .‬عدت بس�رعة إل�ى العمارة‪ ،‬أوقفت المحرك وأمرتها‬
‫بالنزول‪.‬‬
‫‪ -‬هيا‪ ..‬الوقت لدي ولن أقوم بهذه المهمة‪.‬‬
‫أحسس�ت بأنن�ي خذلته�ا بش�دة‪ ،‬ول�و كن�ت مكانه�ا لعب�رت عن‬
‫ضيقي‪ ،‬لكنها لم تعترض ولم تبد تبرم ًا مني‪ ،‬بل قالت لي‪:‬‬
‫‪ -‬س�أخبرك بم�ا يحص�ل‪ ،‬س�أكون عن�دك غ�د ًا صباح� ًا ونتناول‬
‫القهوة مع ًا‪.‬‬
‫صعدت إلى بيتي‪ ،‬كانت الشقة باردة وهادئة‪ ،‬زوجي سافر باألمس‬
‫أيض ًا‪ ،‬حاولت الكتابة عن أي شيء يخص ما أخبرتني به سابق ًا‪ ،‬عن‬

‫‪59‬‬

‫حياتها وعالقتها المرتبكة بوالدها ووالدتها التي التزورها‪.‬‬
‫منير‪ ،‬زوجها‪ ،‬كمال وآخرون ال يمكن أبد ًا أن أتذكرهم‪ ،‬األهم‬
‫منهم جميع ًا الس�يد عبد المجيد‪ .‬أمضيت س�اعات طويلة من الش�عور‬
‫عل�ي لحظة تخيل�ت خوفها مما هي‬ ‫ّ‬ ‫بالقل�ق واإلث�م والفض�ول‪ ،‬م�رت‬
‫قادم�ة علي�ه‪ ،‬ارتع�دت خائف�ة خوف� ًا حقيقي ًا وكأنني من س�يرتكب هذه‬
‫الحماقة‪ ،‬أقول لنفسي‪ :‬ها أنا أصبح شريكتها بعد اطالعي على سرها‪،‬‬
‫ولم أثنها عن عزمها بصدق‪ ،‬نش�أ صراع مؤلم في داخلي بين المرأة‬
‫المفترض أنها صديقة مخلصة وبين المرأة الكاتبة المجنونة التي تبحث‬
‫عن قصة تكتبها‪.‬‬
‫بين اإلثم والفضول سكت ضميري تمام ًا واقتنعت بحفظ سرها‬
‫ب�ل ونس�يانه تمام�ا‪ ،‬س�أكتمه فلي�س بمق�دوري إش�عال الفتن�ة وتحمل‬
‫نتائجها‪ ،‬ولست مسؤولة عن شرف النساء المهدور‪.‬‬
‫أخذت أوراقي إلى السرير‪ ،‬ضغطت أزرار جهاز التحكم وتابعت‬
‫قن�اة الجزي�رة‪ ،‬ول�م أص�ح إال على رنين الهاتف‪ ،‬نظرت إلى الس�اعة‪،‬‬
‫كانت تشير إلى الرابعة والنصف صباح ًا والمتصل هويسرى‪:‬‬
‫‪ -‬نعم‪ .‬كان صوتي سكران ًا بالنعاس‪ ،‬بينما صوتها الهامس يبدو‬
‫صاحي ًا تمام ًا‪.‬‬
‫�دت إل�ى البي�ت قبل س�اعتين‪ ،‬اطمئني‪ ،‬حدثت أمور غريبة‬ ‫‪ُ -‬ع ُ‬
‫جد ًا‪.‬‬
‫‪ -‬خير‪ ..‬ماذا حدث؟‬
‫‪ -‬نامي اآلن‪ ،‬سأخبرك مع فنجان القهوة‪.‬‬
‫أقفلت الهاتف ولعنتها ولعنت وعدي لها بكتابة رواية عنها‪ ،‬من‬
‫هي؟ س�ألت نفس�ي من جديد‪ ..‬من هي حتى تحملني كل هذا الهم‬
‫والقلق واإلزعاج؟ وكيف استطاعت أن تسيطر على حياتي؟‬
‫لطالم�ا نظ�رت إليه�ا عل�ى أنه�ا امرأة تافه�ة وأن تكن جميلة‪ ،‬بل‬

‫‪60‬‬

‫وجذاب�ة بمعن�ى أدق‪ ،‬ال يمك�ن أن يفل�ت أغلب الرجال من س�حرها‪،‬‬ ‫والدلي�ل م�ن أعرفه�م عل�ى األقل؛ عبد المجيد اليش�به منير‪ ،‬ومنير ال‬ ‫يمكن أن يشبه زوجها‪ ،‬أما كمال فهو مختلف عن الجميع‪ .‬ومع ذلك تبقى تافهة كما عرفتها أول‬ ‫مرة في بيت هدى التي قالت عنها قبل أن ألتقي بها ذات مساء‪ :‬هذه‬ ‫المرأة علينا اتقاء شرها منذ البداية‪ ،‬وإال تورطنا فيها‪.‬‬ ‫‪61‬‬ ..‬ال يمكن أن‬ ‫أصفها بالمرأة الجميلة‪ ،‬لكنها تمتلك كل مقومات الجمال من مالمح‬ ‫وجه غريبة‪ ،‬إلى تناسق القوام‪ ..‬تناديه فيلبي‬ ‫النداء دون تردد‪.‬‬ ‫ال يمكن لهدى أن تتهرب منها ألنها تعرف س�رها‪ ،‬وتلتقي مع‬ ‫صفاء الزوجة األولى التي التنقطع عن زيارتها لبيت صديقتها المفضلة؛‬ ‫الزوجة الثانية هدى دون أن تدرك أنها تجلس مع ضرتها‪..‬‬ ‫لم تكن هدى ترحب بزيارتها المتكررة كل صباح‪ ،‬حيث تنتظر‬ ‫خروج عادل بعد مراقبة تس�تمر لوقت يزيد أو ينقص عن ربع س�اعة‬ ‫عن موعد خروجه إلى عمله‪ ،‬تراقبه وهو ينزل الدرج إذا كان المصعد‬ ‫ال كما في أغلب األيام‪ ،‬أو إذا سمعت صرير حباله الصدئة وهو‬ ‫معط ً‬ ‫يتحرك نحو آخر طابق بجوار شقتها‪.‬وآخرون‬ ‫يدخل�ون ف�ي حياته�ا وينته�ون وربما اليخرج�ون تمام ًا بل ينامون في‬ ‫ذاكرته�ا إل�ى حي�ن‪ ،‬ثم فجأة يس�تيقظ اس�م واحد منه�م‪ .‬‬ ‫ه�ذه الم�رأة تمتل�ك مواه�ب متعددة‪ ،‬كان يمكن أن تعمل ممثلة‬ ‫وتخ�رج كل تل�ك الطاق�ات الكامن�ة فيها فتريحن�ا وترتاح‪ ،‬هي القادرة‬ ‫على أن تحول حفلة عيد ميالد صغيرة إلى مسرح استعراضي ترقص‬ ‫في�ه عل�ى كل إيق�اع مب�رزة مفاتنه�ا ومهرج�ة لبع�ض الوقت‪ ،‬تغتصب‬ ‫الضح�كات م�ن أكث�ر الوج�وه عبوس� ًا في الدنيا‪ ،‬تغن�ي وتنفعل وتلقي‬ ‫الن�كات البذيئ�ة ج�د ًا‪ ،‬وأحيان� ًا تس�خر م�ن الحاضري�ن دون أن يش�عر‬ ‫أحده�م باإلهان�ة‪ ،‬وربم�ا ضح�ك معه�ا على نفس�ه‪ ،‬ال‪ ..

‬‬ ‫تتداعى كل هذه األفكار والصور وأنا مازلت في السرير‪ ،‬حمدت‬ ‫الله لغياب زوجي الليلة‪ ،‬وإال كنت سأخضع الستجواب حول اتصال‬ ‫يس�رى المتأخ�ر أو المبك�ر كثي�ر ًا! وع�ادة ال أجي�د اس�تخدام الخيال‪،‬‬ ‫فخيالي يتوقف عن العمل في مثل هذه المواقف‪ ،‬فكرت لو أن يسرى‬ ‫وقعت في مأزق مشابه‪ ،‬ماذا يكون ردها؟ تأتي اإلجابة سريعة‪ :‬ستدعي‬ ‫أن صديقتها في مأزق عائلي أو أنها تعرضت لوعكة صحية‪ ،‬وال أحد‬ ‫معها يواس�يها‪ ،‬ابتس�مت وهنأت نفس�ي عندما وجدت الحل الس�ريع‬ ‫بمج�رد تب�ادل األمكن�ة‪ ،‬هن�اك فائدة من توطيد العالقة معها فهي تعلم‬ ‫فن الكذب والخروج من االرتباك في مواقف صعبة!‬ ‫الساعة تجاوزت الخامسة‪ ،‬والعتمة في الخارج ازدادت في آخر‬ ‫أي�ام الصي�ف وبداي�ة فصل الخريف‪ ،‬نهضت متثاقلة الخطوات أمش�ي‬ ‫باتجاه المطبخ‪ ،‬ش�عرت بلس�عة برد خفيفة‪ ،‬كانت النافذة المطلة على‬ ‫البح�ر مفتوح�ة‪ ،‬م�ن بعي�د تب�دو أبراج ذات العم�اد بإنارة حمراء على‬ ‫س�طحها‪ ،‬حركت�ي المتباطئ�ة ل�ن تنش�ط إال إذا أع�ددت القهوة بالرغم‬ ‫من هاتف (يسرى) الذي طرد كل آثارالنوم من جفني‪.‫ش�بكة م�ن األس�رار ل�و فضح�ت س�تنهار بيوت كثي�رة‪ ،‬ولطالما‬ ‫اشتدت األزمات النسائية بينهن‪ ،‬إال أنها لم تصل حد فضح سر زواج‬ ‫ع�ادل به�دى‪ ،‬كن�ت عل�ى يقي�ن من أن ه�ذا التواطؤ الغريب مرده إلى‬ ‫أن تس�تر إحداهن على األخرى‪ ،‬هو تس�تر على س�رها الخاص حيث‬ ‫يسود بينهما مبدأ المعاملة بالمثل‪.‬‬ ‫«أجمل ما في الصباح أنه موعد جميل نحتفي بإعداد القهوة من‬ ‫أجله‪ ،‬أو أن القهوة تحتفي بالصباح ال أدري؟ كلما بدأت في طقوس‬ ‫إعداده�ا صباح� ًا‪ ،‬تل�ك الت�ي تب�دأ بس�كب الماء ووض�ع مالعق البن‪،‬‬ ‫قدح الموقد لالش�تعال‪ ،‬انتظارها حتى تغلي وتطلق رائحتها‪ ،‬س�كبها‬ ‫بالفنج�ان‪ ،‬يب�دو أن�ه أم�ر اعتيادي وبس�يط‪ ،‬لكنه يحمل متعة في إعداد‬ ‫‪62‬‬ .

‬‬ ‫أجده�ا أحيان� ًا متبرم�ة ومتأفف�ة م�ن س�ومة وعندما أس�ألها لماذا‬ ‫التقطعي�ن عالقت�ك به�ا تجي�ب بأنها ال يمكن أن تمنعها من الدخول‪،‬‬ ‫فهي تعرف الكثير عن حياتها وأس�رارها وتخش�ى أنها لو س�ببت لها‬ ‫‪63‬‬ .‬قصة شكه تلك يمكن أن تصيب أي‬ ‫امرأة بالجنون إال زوجته‪ ،‬رغم مرور أزمات كثيرة واالقتراب من حافة‬ ‫الطالق‪ ،‬إال أن هذا الزواج استمر الكثر من سبعة عشر عام ًا دون أن‬ ‫تتهاوى دعائمه‪ ،‬غير أنه قائم بال دعائم حقيقية‪ ،‬هي ش�به متأكدة من‬ ‫ش�هوته إقامة عالقة حميمة بصديقتها التي تكاد التفارق بيتها‪ ،‬س�ومة‬ ‫المرأة المطلقة‪ ،‬وقد يدفع هذا اليقين أو حتى مجرد الشك أي امرأة‬ ‫نح�و الجن�ون‪ ،‬م�ع ه�ذا تؤك�د بأنه�ا واثقة منها‪ ،‬ث�م تعترف أنها التثق‬ ‫بزوجها (غرام ًا واحد ًا) على حدّ تعبيرها‪.‬‬ ‫وهذا الفجر القادم بطيئ ًا بأنواره الشحيحة‪ ،‬وإزعاج يسرى بكالم‬ ‫مبتور ال يمكن أن يسيطر عليه سوى عشرة فناجين من القهوة!‬ ‫فكرت بإعادة االتصال‪ ،‬وتراجعت ألن صوت يسرى لم يشعرني‬ ‫باالطمئن�ان‪ ،‬له�ذا ذه�ب خيال�ي نح�و األس�وأ‪ ،‬أعني ع�ودة زوجها أو‬ ‫عدم س�فره أصالً‪ ،‬وربما كان الس�فر مجرد فخ نصبه لها ليتثبت من‬ ‫شكوكه الكثيرة حول سلوكها‪ ..‬‬ ‫كل صحو يترافق مع فنجان قهوة دعوة للحياة والصخب‪ ،‬لهذا‬ ‫ال يمك�ن أن أفك�ر ف�ي لحظ�ة م�ا باالنصياع لرغبة طبيب يمنعني منها‪،‬‬ ‫أو نصيحة إرشادية للتخفيف من تناولها‪ ،‬فنجان القهوة صباح ًا يحمل‬ ‫جناحين أحلق بهما عالي ًا مع أول رش�فة‪ ،‬يخفف من غضبي وتوتري‬ ‫وقلقي‪ ،‬هذا ماال يمكن أن يدركه أي ناصح أو طبيب‪.‬‬ ‫فعل اليقظة يضاهي في لذته متعة الدخول في عالم االستسلام‬ ‫للنوم الكامل‪ ،‬اليقظة نهضة من موت وشيك‪ ،‬والنوم استسالم للعتمة‬ ‫والمجهول الذي المفرمنه‪.. ‫المشروب الذي يدعوني إليقاظ كل حواسي دفعة واحدة‪.

‬وأعتقد أنه فكر‬ ‫‪64‬‬ .‬‬ ‫لم يتسن لي الوقت كثير ًا لمزيد من األفكار السيئة‪ ،‬إذ سرعان ما‬ ‫أشرق الصبح‪ ،‬كانت السابعة صباح ًا حين رن جرس الباب‪ ،‬أسرعت‬ ‫إليه‪ ،‬فتحته دخلت يسرى ووجهها ينبيء عن ليلة مضنية‪ ،‬تمشي متمايلة‬ ‫وكأن كل قطعة في جسدها تتناثر في اتجاه ما‪ ،‬سألت عن القهوة ولم‬ ‫تنتظ�ر‪ ،‬دخل�ت المطب�خ وأس�رعت إلعداد القه�وة‪ ،‬للمرة الثانية بدأت‬ ‫بالكالم قبل أن أسألها وهي تتأوه‪:‬‬ ‫‪ -‬آه لوتعلمين‪ ،‬بعد أن رفضت مرافقتي (قالتها بشكل بسيط بال‬ ‫تكلف أو نغمة لوم وعتاب) انطلقت أقود سيارتي‪ ،‬تعلمين أن المسافة‬ ‫من هنا ـ تقصد عمارتنا المطلة على البحر‪ -‬إلى بيت كمال في شارع‬ ‫جرابة طويلة‪ ،‬كنت أقود السيارة دون أن أنتبه أن هناك من يتبعني!‪. ‫إهانة يوم ًا ما أن تخرب بيتها‪.‬‬ ‫قاطعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬من‪ ،‬هل كان زوجك؟‬ ‫هزت برأسها نافية ومتابعة‪:‬‬ ‫‪ -‬بل منير‪ ،‬هل نسيت أنه اتصل بي يفاوضني ويريد أن أحدد له‬ ‫موعد ًا؟ كنت أحاول استرضاءه والتحايل عليه‪ ،‬وعدته وقلت‪ :‬زوجي‬ ‫مس�افر هذا المس�اء وغد ًا س�يكون الوقت متاح ًا لي‪ .‬‬ ‫‪ -‬وأنت أيض ًا تعرفين الكثير عنها!‬ ‫‪ -‬أعرف فأنا التي رافقتها إلى تونس لترقيع غشاء بكارتها قبل‬ ‫أن تتزوج بأس�بوعين‪ ،‬لكنها تعش�ق ناجي وتحبه وتنتظر أن يتزوجها‪،‬‬ ‫الخوف منها على زوجي‪.‬‬ ‫ك�م ه�ي متين�ة عالق�ة الصداقة بينها وبين الش�قرا وهدى وبهيجة‬ ‫أيض� ًا‪ ،‬حزم�ة م�ن العي�دان مربوط�ة بخي�ط رقي�ق اس�مه الخ�وف م�ن‬ ‫الفضيح�ة‪ ،‬مازل�ت أغ�رد خ�ارج الس�رب حتى وإن كانت يس�رى على‬ ‫علم ومعرفة بالسيد عبد المجيد فهذا ماض ٍ ونسيته‪.

‬‬ ‫جلسنا في الصالة وأخذنا نتناول القهوة‪ ،‬تابعت قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬تبعني منير بسيارته عندما رآني أقود في وقت متأخر ولم أنتبه‬ ‫له أبد ًا‪ ،‬كنت خائفة وأنت شاهدة طبع ًا على خوفي‪.‬كانت‬ ‫تهديد ًا واضح ًا‪ ،‬تصوري أن (كمال) هيأ لي ثالثة أزواج من األحذية‬ ‫ذات الكعب العالي‪ ،‬وكل زوج بلون وموديل يختلف عن األخرى‪.‬‬ ‫عل�ي ول�م أعد أفه�م ماتقوله وكأنني أعلم كل‬ ‫ّ‬ ‫اخلتط�ت األم�ور‬ ‫شيء‪ ،‬طلبت منها أن تروي بهدوء ماحصل‪ ،‬وبالترتيب‪.‬‬ ‫كنت قد أقس�مت له أن هذه الزيارة س�تكون األخيرة‪ ،‬وأنني لن‬ ‫أمارس هذه الطقوس معه من جديد‪. ‫بشيء ما ألنه صارحني بأنه منذ فترة يراقبني‪..‬‬ ‫كانت تتكلم وهي متأكدة من أنني ش�اهدة صدق على كالمها‪،‬‬ ‫أحيان ًا تحاول تذكيري بقصة ما حدثت‪ ،‬أحاول جاهدة التفتيش عنها‪،‬‬ ‫وغالب ًا ما أثق بذاكرتي إال أنني أعود بذاكرة مطفأة تمام ًا‪ ،‬أحدث نفسي‬ ‫في حينها أنه ربما لم أكن معنية باألمرفي ذلك الوقت وال بأهميته أو‬ ‫تفاصيله‪ ،‬لكنها تتوقع مني على الدوام أن أش�به المعجبين بها‪ ،‬وأنها‬ ‫محور يرتكز عليه جميع من حولها‪ ،‬لهذا أختصر على نفسي المجادلة‬ ‫وأهز رأسي موافقة‪ ،‬وهي تتابع بسرور لعدم مقاطعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬تعرفين كمال‪ ،‬لحق به الشك وسألني من يكون هذا؟‬ ‫كذب�ت علي�ه‪ ،‬قل�ت ه�ذا أح�د جيرانن�ا ورأى س�يارتي وه�ا ه�و‬ ‫يراقبني‪...‬‬ ‫أومأت لها بأن نعم‪ ،‬تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬حي�ن وصل�ت إل�ى ش�ارع جراب�ة لم أجد مكان ًا مناس�ب ًا لركن‬ ‫السيارة إال قريب ًا من عمارة كمال‪ ،‬شاهدني وأنا أدخل وحدي وانتظر‬ ‫حوالي نصف ساعة فقط‪ ،‬بعدها وصلتني رسالة على الهاتف‪ ،‬كانت‬ ‫من منير ويقول فيها «أخرجي اآلن أفضل لك وله وإال‪ .‬‬ ‫‪65‬‬ .« ..

.‬‬ ‫جلس�ت أقرأ له ماكتبت على أوراقي‪ ،‬تلك األوراق التي قرأتها‬ ‫عليك وأعجبك أسلوبي فيها‪....‬‬ ‫في تلك اللحظة قاطعني وصول رسالة ثانية يقول فيها‪(( :‬األفضل‬ ‫أن تغادري اآلن فأنا أعرف مع من أنت‪ ..،‬تملكني الخوف‪ ،‬كان‬ ‫عل�ي أن أتص�رف وخط�ر ل�ي حل س�ريع‪ ،‬اتصلت عل�ى الفور بهدى‪،‬‬ ‫أخبرتها بما حصل معي‪ ،‬طلبت مني أن أنتظرها في الشقة عند كمال‬ ‫نصف ساعة‪.‬‬ ‫وإذا عاندها القدر تحتال عليه‪ ،‬تبذل كل مافي وس�عها لتنال ما‬ ‫تريد‪ ،‬وترى أنه حق لها حتى لو وصلته‪ ،‬وهي مكسورة محطمة‪ ،‬اليهم‬ ‫كيف األهم هو الوصول‪.. ‫لكن كالمي لم يقنعه أبد ًا وأجابني‪:‬‬ ‫‪ -‬وما شأنه بك؟ ابقي هنا‪ ،‬لن يعرف أين أنت وال مع من‪.».‬‬ ‫تابعت تروي ماحدث‪:‬‬ ‫‪ -‬بدأت االتصاالت بيني وبين هدى تتواصل‪ ،‬تخبرني أنها في‬ ‫إلي‪ ،‬ثم حينما اقتربت من ش�ارع (جرابة) ركنت س�يارتها في‬ ‫الطريق ّ‬ ‫شارع خلف عمارة كمال‪ ،‬ثم تسللت بهدوء وهي تمشي محنية ظهرها‬ ‫متخفي�ة وراء هي�اكل الس�يارات المتوقف�ة عل�ى جان�ب الطريق إلى أن‬ ‫وصلت باب العمارة وصعدت على الساللم‪ ،‬اتصلت بي وطلبت مني‬ ‫‪66‬‬ .‬‬ ‫وعادت للتأوه‪ ،‬أمس�كت رأس�ها بيديها وعادت تس�تحضر مشاعر‬ ‫ليلة األمس وتعيد تمثيل ماحدث من قلق وانتظار‪ ،‬من عاداتها أالتروي‬ ‫قص�ة دون تمثي�ل بالحرك�ة وتقلي�د لألصوات‪ ،‬هذه المرأة التي تعش�ق‬ ‫تأدي�ة كل األدوار ف�ي الحي�اة‪ ،‬الفت�اة الش�قية الفاتنة والزوجة الصالحة‬ ‫واألم الحنون والعشيقة المجنونة والصديقة المخلصة واألخت الناعمة‬ ‫الغي�ور‪ ،‬تري�د أن تعط�ي كل م�ا عنده�ا م�ن طاق�ة‪ ،‬وبالمقابل تريد من‬ ‫الحياة أن تمنحها كل شيء بأكبر قدر ممكن‪.

‬لدرجة أشك أنها امرأة متزوجة ولديها‬ ‫ثالثة أوالد مراهقين يمكن أن تهتم ألمرهم‪ ،‬تجاوزت األربعين بعام‬ ‫‪67‬‬ .‬ألم‬ ‫وتقول‪ :‬كان ّ‬ ‫ترنا ننزل سوية إذا كنت تراقب مدخل العمارة بنفسك كما تدعي؟‬ ‫أقفلت الهاتف وهي تعده بأن تتفاهم معه شخصي ًا في الغد‪. ‫الخروج فور ًا‪...‬‬ ‫وقفن�ا عل�ى أعل�ى درج�ات الس�لم‪ ،‬كانت الس�اعة ق�د تجاوزت‬ ‫منتصف الليل‪ ،‬قالت لي‪:‬‬ ‫‪ -‬علي�ك أن تخرج�ي وتظه�ري أنن�ا كنا مع ًا ونركب الس�يارة ثم‬ ‫ندور حول الشارع مرتين أوثالث‪ ،‬بعد ذلك نذهب إلى المكان الذي‬ ‫أوقفت به سيارتي‪.‬انطلقت ويداي‬ ‫تمسكان بالمقود وكأنه سيهرب مني في أي لحظة‪ ،‬رن هاتفي فأسرعت‬ ‫هدى للرد على منير‪ ،‬تكلمت معه بلهجة قوية حاسمة‪ ،‬بادرته بالسؤال‪:‬‬ ‫ماذا تريد؟ لماذا تفعل ذلك بيسرى؟ ثم سمعتها ترد عليه قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬أن�ا طلب�ت منه�ا مس�اعدتي‪ .‬‬ ‫نظرت إليها‪ ،‬ابتسمت وطلبت مني العودة إلى سيارتها‪ ،‬بحرص‬ ‫شديد وخوف كبير عدت إلى هناك‪ ،‬قبل أن أتوقف ألقينا نظرة فاحصة‬ ‫دقيقة على الشارع الخلفي‪ ،‬لم نجد أثر ًا لمنير أو حتى أي شاب هناك‪،‬‬ ‫هبطت هدى وقادت سيارتها وعدنا إلى البيت‪.‬‬ ‫كان�ت أنف�اس يس�رى تتالح�ق وهي تعي�د تصوير ماحدث معها‪،‬‬ ‫س�كبت لها كأس ماء‪ ،‬رش�فت منه على دفعات وبهدوء‪ ،‬ثم نهضت‬ ‫وذهبت مباش�رة إلى نافذة الغرفة‪ ،‬عدلت الس�تارة‪ ،‬ألقت نظرة خاطفة‬ ‫ثم عادت لتجلس على كرسي آخر‪ ،‬ال يمكن أن تهدأ حركتها ألكثر‬ ‫من ربع ساعة في مكان واحد‪ .‬‬ ‫كنت متوترة وغير قادرة على مناقشة هدى بما تطلبه مني‪ ،‬أدرت‬ ‫مح�رك الس�يارة ال�ذي كان ب�ارد ًا‪ ،‬ل�م أنتظ�ر طويلاً‪ .‬تصم�ت قلي ً‬ ‫ال ث�م يرتفع صوتها‬ ‫لدي طلب يخص أمور ًا عائلية‪ ،‬وأنا كنت عند كمال‪ .

‬‬ ‫‪68‬‬ .‬‬ ‫شعرت برغبة لمعرفة عالقتها بمنير‪ ،‬لم أره أبد ًا‪ ،‬أعلم فقط أنه‬ ‫ابن الجيران القديم الذي عاشت معه قصة حب كبيرة ورفضت والدته‬ ‫زواجه منها‪ ،‬وبقي متعلق ًا بها حتى بعد زواجهما‪ ،‬قالت لي مرة‪:‬‬ ‫‪ -‬منير هذا يحضر ويغيب‪ ،‬أنا التي تستدعي حضوره كلما أردت‬ ‫منه مساعدة مالية‪ ،‬ثم أجعله يختفي ويغيب‪ ،‬منير سيبقى مثل الكلب‬ ‫في حياتي‪. ‫أو أكثر ومازالت تتحرك بحيوية فتاة في العشرين‪.‬‬ ‫قبل أن تخرج قلت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬يبدو أن أحدنا عندما يشعر أنه يحب أحد ًا ال يمكن أن يفكر‬ ‫في الحرية أبد ًا‪.

‬‬ ‫لكن ما أزعجها هو عدد المهاجرين الذين تكوموا فوق س�طح‬ ‫المركب‪ ،‬بينما دخلت معظم العائالت إلى جوفه الرطب المظلم‪.‬‬ ‫وحدها الكاتبة هي التي عرفت بعض التفاصيل عن سارة وقدمت‬ ‫لها المساعدة‪ ،‬وتريد معرفة كل شيء‪ ،‬عندما وصلت بتفكيرها إلى هذا‬ ‫الحدّ التفتت إلى (رضا) وأخرجت تلك الذاكرة المعدنية‪ ،‬وضعتها في‬ ‫جيب صغير تحت جالبيتها وقالت لرضا‪:‬‬ ‫‪ -‬س�ارة ل�م تك�ن ابنت�ي فعلاً‪ ،‬تمني�ت أن تك�ون لكن�ه الق�در‬ ‫والمعاملات الرس�مية م�ا منعن�ي وبصراحة خوفي من االتهام بخطف‬ ‫‪69‬‬ .‬شعرت أن عليها إظهار حقيقة‬ ‫كل صديقة لألخرى‪ ،‬بعدها تدعهم وش�أنهم‪ ،‬يتعاركون‪ ،‬يتس�امحون‪.‬‬ ‫أو تنقطع العالقة التي تسمى صداقة بينهم‪.‬‬ ‫ل�وال فض�ول الب�واب رض�ا لكان�ت أكثر راحة‪ ،‬م�ازال يلح عليها‬ ‫لمعرف�ة م�ن تك�ون س�ارة‪ ،‬ل�ن يهمها اآلن فضح أس�رار اآلخرين فهي‬ ‫بدأت ذلك منذ يومين في بيت يسرى‪ . ‫�أمومة بهيجة‬ ‫شكرت بهيجة الله أنها لم تقع ضحية النصب بعد أن اعتمدت‬ ‫سياسة االحتياط والحذر من الغش والخداع بالرغم من جلوسها داخل‬ ‫ه�ذا المرك�ب المزدح�م والمعت�م‪ ،‬حاولت أن تكون أكثر تفاؤالً ألنها‬ ‫نجح�ت ب�أن ال تق�ع ضحي�ة م�ن يس�لبون األموال م�ن المهاجرين ثم‬ ‫يعودون بهم إلى الش�واطيء الليبية بعد إبحار فاش�ل‪ ،‬ومنذ أن رأت‬ ‫أنها ستبحر في مركب صيد وليس في قارب مطاطي (زودياك) اعتبرت‬ ‫أنها حققت إنجاز ًا فرحت به‪..

‬‬ ‫‪ -‬ياجماعة واحد يصعد فقط‪ .‬‬ ‫(رض�ا) ال�ذي فق�د زوجت�ه ف�ي حادث س�يارة بع�د أن أكمل بناء‬ ‫بيت�ه الصغي�ر‪ ،‬بانتظ�ار طف�ل يملأ حيات�ه فرح ًا‪ . ‫الفتاة‪ ،‬لو فشلت تجربة الهجرة ستكون عقوبتي أكبر‪.‬‬ ‫دب الرعب في قلوب من انتبه؛ ألن اآلخرين استسلموا للنوم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كل واحد اتكأ على كتف اآلخر‪ ،‬وبعضهم وضع حقيبة صغيرة تحت‬ ‫رأسه وحاول ثني ركبتيه بسبب االزدحام‪.‬‬ ‫كان رض�ا يصغ�ي باهتم�ام ش�ديد عل�ى الرغ�م م�ن هدير صوت‬ ‫المح�رك المختل�ط بهدي�ر األم�واج القريبة من الس�طح الخش�بي ش�به‬ ‫الغ�ارق إل�ى منتصف�ه في م�اء البحر‪ ،‬وصراخ أطفال خائفين ملتصقين‬ ‫بأمهاته�م‪ ،‬كان الين�وي مقاطعته�ا وال يج�رؤ ف�ي داخل�ه على التفكير‬ ‫بأبعد من االس�تماع إلى حكاية تنس�يه خوفه من هذه الرحلة‪ ،‬محاوالً‬ ‫إظهار الشجاعة‪.‬حدث‬ ‫فجأة هرج كبير‪ ،‬وتدافع بعض الرجال يحاولون الصعود إلى السطح‪،‬‬ ‫أوقفهم رجل عراقي شاب وقد سد عليهم المنفذ المؤدي عبر السلم‬ ‫القصير‪.‬وأدار ظهره وبخفة صعد يجري‪،‬‬ ‫بع�د دقائ�ق ع�اد وأخبره�م أن هن�اك اش�تباه ًا في القارب من قبل خفر‬ ‫السواحل‪ ،‬وقد جرى إطالق بعض الرصاص‪ ،‬لكن القائد أرسل إشارة‬ ‫أنه قارب صيد ونجح مبدئيا في الهروب‪.‬‬ ‫‪70‬‬ ..‬‬ ‫كان المركب حتى تلك اللحظة داخل الحدود اإلقليمية‪ .‬بكى كثير ًا كما النس�اء‬ ‫وس�اعده جميع س�كان العمارة بثمن تذكرة ليس�افر إلى مصر‪ ،‬هناك‬ ‫وجد نفس�ه أكثر وحدة وأكثر بؤس� ًا فعاد إلى ليبيا بعد أن باع البيت‬ ‫الذي ظل لس�نوات يجمع ثمنه من عمله بواب ًا للعمارات‪ ،‬س�مع مثل‬ ‫غيره بالمهاجرين الذين أصبحوا أثرياء في أوربا فحزم أمره وقرر أن‬ ‫يخوض التجربة‪.

‬‬ ‫بدأت حسنا تغير نمط الحياة الذي تعيش به‪ ،‬اشترت أثاثا جديد ًا‬ ‫لمنزله�ا الصغي�ر‪ ،‬ث�م س�يارة حديثة‪ ،‬وأخذت ترت�دي كثير ًا من الثياب‬ ‫الجميلة‪ ،‬كانت كريمة معي أيض ًا‪.‬‬ ‫كان على استعداد ألن يتجرع قصص بهيجة حبوب ًا مهدئة وعالج ًا‬ ‫للنس�يان‪ ،‬نس�يان الماضي دفعة واحدة‪ ،‬طلب منها أن تتابع‪ . ‫قالت بهيجة (لرضا)‪:‬‬ ‫‪ -‬الله يستر‪ ،‬لو كانت معي سارة اآلن ألصابني الجنون‪.‬‬‫تمكنني من مناقشتها فهي التي تفضلت ّ‬ ‫في أحد األيام عادت إلى البيت في وقت أبكر من المعتاد‪ ،‬كانت‬ ‫‪71‬‬ .‬تنهدت‪،‬‬ ‫فهي أيض ًا أشد حاجة منه للتطهر من الماضي‪ ،‬وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬بعد أن خرجت من قصر السيد عبد المجيد بحثت عن عمل‬ ‫وسكن‪ ،‬وخطر لي أن حسنا السكرتيرة المغربية التي تعمل في إحدى‬ ‫شركات السيد يمكنها أن تجد طريقة لي ألعمل عاملة نظافة في إحدى‬ ‫الشركات التي تعرفها‪.‬‬ ‫ث�م أخ�ذت تطل�ب من�ي مغ�ادرة البيت في أوقات معينة وبحجج‬ ‫واهية‪ ،‬كنت أراها امرأة فاتنة وأخشى عليها من األذى‪ ،‬والسلطة أملكها‬ ‫علي وأغدقت العطاء‪.‬‬ ‫اتصل�ت به�ا‪ ،‬رحب�ت ب�ي وتعاطفت معي كثير ًا وبناء على رغبتها‬ ‫انتظرتها عند مدخل بوابة الشركة‪ ،‬عندما انتهى الدوام الرسمي رأيتها‬ ‫وهي تهم بركوب سيارة صغيرة قديمة لكنها جيدة‪ ،‬حملتني معها إلى‬ ‫س�كنها وطلبت مني أن أس�اعدها في تنظيف بيتها‪ ،‬بعد أيام عرضت‬ ‫علي أن أبقى معها وأعمل في تنظيف بعض بيوت أناس تعرفهم ومنهم‬ ‫ّ‬ ‫السيدة هدى‪ ،‬ومن خاللها تعرفت على بيوت أخرى في العمارة ذاتها‪،‬‬ ‫وفي غيرها‪.‬‬ ‫في البداية كانت شكوكي تذهب نحو السيد عبد المجيد وقلت‬ ‫لنفسي‪ :‬ربما تكون عشيقة جديدة له‪.

‬‬ ‫لم تعد حس�نا تخرج إلى العمل‪ ،‬بدأت أنفق عليها وأحاول ر ّد‬ ‫بعض الجميل حتى أنجبت هذه الطفلة وأس�متها س�ارة‪ ،‬بعدها بش�هر‬ ‫أخبرتني أن والد س�ارة س�يعود إليها ويتزوجها بش�كل رس�مي وطلب‬ ‫منها أن تسافر معه أسبوع ًا إلى تونس‪ ،‬وضعت بعض النقود في يدي‬ ‫وحملت حقيبتها وذهبت‪ ،‬لم تمض أيام أربعة حتى فوجئت ذات صباح‬ ‫بالشرطة تطرق الباب وتبدأ باستجوابي عن حسنا وعن كل شيء أعرفه‬ ‫عنها‪ ،‬فهمت أنها اآلن في السجن متهمة بقتل رجل‪ ،‬كانت هذه أكبر‬ ‫الكوارث‪ ،‬التي وجدت نفسي في مواجهتها‪.‫عيناها منتفختين من البكاء‪ ،‬في لحظة الضعف تلك أخبرتني أنها حامل‬ ‫وأن والد الجنين يطلب منها السفر إلى تونس لتجهضه‪.‬‬ ‫تغي�رت تعابي�ر وج�ه رضا‪ ،‬بدت عليه مالمح الدهش�ة والخوف‪،‬‬ ‫شعرت بجفاف حلقها وأخرجت زجاجة الماء البالستيكية وتجرعت‬ ‫منها‪ ،‬وبحذر شديد وكأنها تخشى عليها أن تنفد‪.‬وسألها (رضا)‪:‬‬ ‫‪ -‬كيف قتلت الرجل؟ ولماذا؟ أمازالت في السجن؟‬ ‫هزت بهيجة رأسها نافية موضوع القتل‪ ،‬وكأن ذلك يكفي رضا‬ ‫ليقتنع ببراءتها‪ ،‬ثم‪ ،‬وقبل أن يفتح فمه بالسؤال تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬لم تفعل‪ ،‬بعد أسبوعين فقط خرجت‪ ،‬فقد كانت تهمة ملفقة‬ ‫من قبل الرجل الذي أنجبت منه الطفلة‪ ،‬أراد توريطها فقط‪ ،‬لم تكن‬ ‫لها أية عالقة باألمر‪.‬‬ ‫صعقني الخبر‪ ،‬لكنها قالت إن الطفل من زواج شرعي غير مثبت‬ ‫في أوراق رسمية‪ ،‬وأن والده ليبي ومتزوج‪ ،‬وأخذ يعاملها بشكل سيئ‬ ‫منذ علمه بهذا الحمل‪.‬‬ ‫‪ -‬وبعدين‪ ،‬ماذا فعلت؟‬ ‫‪ -‬استمرت تربي سارة وأنا معها حتى بلغت عامين‪ ،‬وفي أحد‬ ‫األيام حزمت حقائبها وأخبرتني أن والد س�ارة يهددها لو بقيت هنا‪،‬‬ ‫‪72‬‬ .

‬‬ ‫‪73‬‬ .‬رآها‬ ‫في أحد األيام توبخها بقسوة ألنها سبقتها وراحت تجري في الطريق‬ ‫الرئي�س الم�وازي للعم�ارة‪ ،‬ربم�ا كان خوفها الكبير كان يدفعها أحيان ًا‬ ‫لتأديبه�ا‪ ،‬لكنه�ا ل�م تك�ن تمش�ي – غالب� ًا‪ -‬إل�ى أي م�كان إال وس�ارة‬ ‫رفيقتها‪.‬‬ ‫هم رضا بفتح فمه ليعلق لكنها قاطعته متابعة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫‪ -‬سارة بدأت تفهم أنني لست أمها الحقيقية‪ ،‬وباءت محاوالتي‬ ‫بالفش�ل لتس�جيلها بش�كل رس�مي ابنة لي ألنني غير متزوجة‪ ،‬ذهبت‬ ‫إل�ى دار تعتن�ي باألطف�ال الذي�ن ال آب�اء له�م وتركت لهم كل البيانات‬ ‫والمعلوم�ات عنه�ا‪ ،‬ودعته�ا وبكي�ت كثي�ر ًا لكنن�ي وعدته�ا بالع�ودة‬ ‫قريب ًا‪.‬‬ ‫لم يكن رضا يملك أي كلمة يواسي بها بهيجة فبكى معها‪ ،‬أو‬ ‫هكذا اعتقدت‪ ،‬بينما كان يبكي زوجته الشابة الحامل التي قضت قبل‬ ‫شهور في حادث سيارة بعيد ًا عنه‪..‫وأنها ستلقى مزيد ًا من المشاكل‪ ،‬لذلك قررت أن تسافر إلى المغرب‬ ‫لمدة شهرين وتعود بعدها سر ًا وتغير مكان إقامتها‪ ،‬أعطتني مبلغ ًا كبير ًا‬ ‫ورحلت‪ ،‬وحتى هذا اليوم ال أعرف شيئ ًا عنها‪.‬‬ ‫قالت ذلك بهيجة ومسحت دموعها التي انهمرت وهي التي لم‬ ‫يتخيل رضا أن لها مثل هذا القلب الحنون‪ ،‬لم يكن ذلك ذنبها فمالمح‬ ‫وجهها حادة جد ًا تنبيء عن امرأة قاس�ية‪ ،‬باإلضافة إلى قوام جس�مها‬ ‫الضخ�م‪ ،‬كم�ا أن�ه راق�ب معاملتها الحازمة لس�ارة أكثر من مرة‪ .

‬قبل أن تبحر في‬ ‫المرك�ب اعتق�دت أن الوق�ت س�يمضي ل�و تحررت م�ن تلك الذاكرة‬ ‫اللعينة‪ ،‬من الماضي كله دفعة واحدة‪ ،‬إال أن مرور سارة استنزفها في‬ ‫تل�ك اللحظ�ة تمام� ًا‪ . ‫بهيجة العرافة‬ ‫نظرت بهيجة إلى س�اعة يدها تحت الضوء الش�حيح‪ ،‬تبين لها‬ ‫أن الوقت الذي مضى اليتجاوز الس�اعة من الزمن‪ .‬إنه�ا إحدى حي�ل الوهم عن طريق (ورق‬ ‫اللعب)‪ ،‬رسمت عليها رموز ًا وصور ًا‪ ،‬وكانت ترتبها وتصفها مقلوبة‪،‬‬ ‫‪74‬‬ .‬الحدي�ث عنها متعب لقلبها‪ ،‬تمنت لو اس�تمرت‬ ‫تتحدث مع نفسها وتلك الذاكرة المعدنية عن اآلخرين‪ ،‬ثم اكتشفت‬ ‫أن أولئك الذين تسميهم آخرين هم جزء من الوقت الذي مضى‪.‬‬ ‫الماضي بالنسبة لبهيجة يبدو اآلن بعيد ًا أكثر مما تخيلت‪ ،‬تحاول‬ ‫استعادة تفاصيله لكن الذاكرة ال تريد أن تطيعها‪ ،‬بهيجة في قرارة نفسها‬ ‫تش�عر أنه�ا ام�رأة تح�ب الحي�اة‪ ،‬لهذا تمس�ح من ذاكرته�ا كل المرارة‬ ‫والتعاس�ة التي مرت بها‪ ،‬ومع ذلك س�ألت نفس�ها أكثر من مرة‪ :‬ما‬ ‫ال�ذي يدعوه�ا أحيان� ًا لالنتق�ام مم�ن ظلمها أو جرحها؟ هذا الش�عور‬ ‫كان يالزمها في اللحظة التي تعرضها للقهر ويستمر أليام‪ ،‬بعد ذلك‬ ‫تنس�اه تمام� ًا حت�ى تس�تمر أق�وى‪ ،‬وه�ذا ماجعله�ا تنتصر ف�ي أكثر من‬ ‫تح�د‪ ،‬عندم�ا تمكن�ت م�ن تحويل عالقتها بالس�يدة زوجة عبد المجيد‬ ‫إلى عالقة صداقة‪ ،‬وليس عالقة س�يدة بخادمة‪ ،‬إذ طالما أبدت تلك‬ ‫الزوج�ة قلقه�ا عل�ى مصي�ر زواجها وش�كوكها بإخالص زوجها‪ ،‬فيما‬ ‫بهيج�ة تمنحه�ا الطمأنين�ة بع�د أن تعلم�ت من امرأة مغربية كيفية قراءة‬ ‫الطال�ع بواس�طة (الكارت�ة)‪ .

‬تصدقها السيدة‬ ‫ألنها تسمع بعضا من هذا الكالم الذي يخص عمله طوال الليل من‬ ‫زوجها متهرب ًا من لحظة حميمة معها‪ ،‬س�ارد ًا لها مش�اكله وقلقه ممن‬ ‫يقف في طريق عمله‪.‬‬ ‫عادت بهيجة من المغرب تحمل أعش�اب ًا كثيرة وحجاب ًا للس�يدة‬ ‫يحميها من الحسد والعين الشريرة‪.‬وكلما فتحت ورقة تتأمل قلي ً‬ ‫وجه السيدة وتبدأ بقراءة الرموز حسب ما تقوله الصور‪ ،‬فعلت ذلك‬ ‫في ليال كثيرة‪ ،‬واستمالت انتباهها وهي تحكي لها عن أسرار كثيرة ال‬ ‫يمكن أن يعرفها أحد‪ .‫ال ثم تنظر إلى‬ ‫ثم تقوم بفتحها من جديد‪ .‬‬ ‫ل�م ينتبه�ا اإلحس�اس بالذن�ب وه�ي تكذب عليه�ا‪ ،‬فكلما تقوله‬ ‫م�ن أس�رار عرفت�ه وتعل�م ب�ه علم اليقين ألن الس�يد عب�د المجيد كان‬ ‫يس�تعين به�ا وبخدماته�ا كلم�ا دع�ا أصدقاءه إل�ى مزرعته‪ .‬‬ ‫استمعت إلى مايدور من أحاديث بينها وبين صديقاتها المقربات‬ ‫‪75‬‬ .‬كس�بت ثقتها بس�رعة كما كس�بت مبالغ إضافية‬ ‫من المال غير راتبها الش�هري‪ ،‬لم تكتف الس�يدة بلعبة قراءة حظها‪،‬‬ ‫طلبت من بهيجة أن تس�افر إلى المغرب وتتعاون مع عراف‪ ،‬منحتها‬ ‫إج�ازة أس�بوعين ومبلغ� ًا ضخم� ًا وطلب�ت منها حجاب ًا يمنع زوجها من‬ ‫محبة امرأة غيرها‪ ،‬ضربت بهيجة على صدرها وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬ربط؟‬ ‫أجابتها‪ :‬نعم اربطيه عن كل نساء الدنيا ليبقى عاجز ًا‪.‬وهناك كان‬ ‫يثمل ويتكلم عن مغامراته بفخر مع أصدقائه‪ ،‬وهي تسترق السمع إليهم‬ ‫وتفه�م ماي�دور وتملأ الفراغ�ات بدورها من خيالها‪ ،‬وتحكي لزوجته‬ ‫ما تريد أن تسمعه ناصحة إياها بالبحث في مكتبه وداخل أدراجه عن‬ ‫زجاجات عطور ملفوفة ينوي تقديمها لعشيقته‪ ،‬وتضع بعض الحقائق‬ ‫الت�ي تعرفه�ا ع�ن صفق�ة قادم�ة مجزية وعقد فش�ل ف�ي التوقيع عليه‪،‬‬ ‫وأن هناك أعداء يتنكرون بشكل أصدقاء‪ ،‬ويحاربونه‪ .

« .‬في البداية كانت تفعل‬ ‫ذلك لتثبيت نفسها في المكان فاليتم االستغناء عن خدماتها‪ ،‬ثم‪ ،‬شيئ ًا‬ ‫فشئي ًا‪ ،‬صارت تشعر أن تلك السيدة التي تسامرها وهي وحيدة معها‬ ‫تعود سيدة متعجرفة في حضور صديقاتها‪ ،‬وتعود هي الخادمة المطيعة‪.‬‬ ‫أاصبح لكالمها وقع كبير في قلب الس�يدة الخائفة على زوجها‬ ‫وثروتها‪ ،‬وفرحت بهيجة بتلك االنتصارات‪ ،‬وأدركت أن سلطة امتالك‬ ‫سر يجعل األدوار تنقلب فتصبح هي السيدة‪ .‬‬ ‫ص�ار األم�ر أصع�ب عليه�ا‪ ،‬وامتلكت مزيد ًا من األس�رار‪ ،‬اقتربت من‬ ‫السيدة أكثر‪ ،‬شعرت بالهوة تزداد اتساع ًا مع كل لقاء يجمعهما بالغرباء‪،‬‬ ‫ازداد إحساس�ها بالعج�ز‪ ،‬تح�ول إل�ى انتق�ام‪ ،‬لعبت على التخلص من‬ ‫الصديق�ات فتح�ول الش�عور م�ن ع�دم االس�تغناء عنها إلى ش�عور من‬ ‫يمتلك حصانة األمانة واإلخالص‪ ،‬بل هي المنقذ أيض ًا‪ ،‬دوامة تدور‬ ‫في فلكها بهيجة وسيدتها انتهت في لحظة واحدة‪.‬‬ ‫«اليقي�ن إم�ا‪ ،‬أن نبح�ث عن�ه ف�ي الحياة أو يأتي هدية من القدر‪،‬‬ ‫بهيج�ة ل�م تج�رؤ عل�ى البح�ث ع�ن دليل‪ ،‬كانت تتمنى لو أن الس�يدة‬ ‫أرس�لت إش�ارة م�ا‪ ،‬ف�إذا بالق�در يضعه�ا ف�ي ي�وم متأخر ف�ي مواجهة‬ ‫الحقيقة‪.‫وتجرأت أكثر من مرة‪ ،‬فنصحت الس�يدة بإبعاد الواحدة تلو األخرى‬ ‫عنه�ا‪ ،‬بع�د أن أقنعته�ا أن ل�كل واح�دة م�ن أوالء الس�يدات غاي�ة من‬ ‫صداقتها‪ ،‬إحداهن تعشق السيد عبد المجيد‪ ،‬وأخرى تحسدها‪ ،‬وثالثة‬ ‫تطعنها في ظهرها بكالم لئيم وسيئ‪.‬‬ ‫‪76‬‬ .

‬لم يكونا‬ ‫‪77‬‬ . ‫�أ�سرار بيت هدى‬ ‫رض�ا الب�واب لي�س أق�ل م�ن بهيجة قلق� ًا وخوف ًا من هذا الرحيل‬ ‫عل�ى ظه�ر مرك�ب صغي�ر مزدح�م بالمهاجري�ن‪ ،‬هو أيض ًا يش�بهها‪ ،‬له‬ ‫أس�راره الخاصة وأطماعه وأحالمه‪ ،‬ويمتلك بضعة أس�رار يتواطأ مع‬ ‫أصحابه�ا م�ن س�كان العم�ارة من أج�ل أكل العيش‪ ،‬يفكر وهو يتأمل‬ ‫كل هذه الوجوه الساكنة حوله‪ :‬كيف سيتدبر لقمة عيشه على شواطيء‬ ‫غريبة اليعرف لغة سكانها وال عاداتهم‪.‬‬ ‫ف�ي طرابل�س كان علي�ه أن يصم�ت كل صب�اح وه�و يرى عادل‬ ‫زوج هدى يتردد على شقتها‪ ،‬حتى وإن كان نائم ًا في غرفته الصغيرة‬ ‫أسفل العمارة‪ ،‬تعود عادل إيقاظه ثم مد النقود له‪ ،‬يطلب منه تنظيف‬ ‫س�يارته وس�يارة هدى‪ ،‬فيأخذها بأس�ارير منفرجة وش�كر عميق‪ ،‬النقود‬ ‫أكثر من أن تكون أجرة لغسيل وتنظيف سيارة فيعلم أنها رشوة وثمن‬ ‫السكوت‪.‬‬ ‫فج�أة يتذك�ر الش�ابة الجميل�ة المهاج�رة معه�م‪ ،‬يبحث في عتمة‬ ‫الم�كان فاليتمك�ن م�ن رؤي�ة تفاصيل الوجوه‪ ،‬يحدث نفس�ه أنها البد‬ ‫قد اختبأت في إحدى الزوايا المعتمة كما كانت تفعل دائم ًا‪ ،‬تعود أن‬ ‫يراها تأتي آخر الليل إلى العمارة‪ ،‬تجلس ممددة ألقصى مايمكن على‬ ‫كرسي سيارة الشاب ميلود العازب الثري‪ ،‬ينزل من سيارته ويتفقد باب‬ ‫العمارة ثم يشير إليها فتتسلل بهدوء‪ ،‬تطبق باب السيارة‪ ،‬يسبقها إلى‬ ‫شقته ومن النافذة يرفع ميلود يده بجهاز التحكم ليقفل سيارته‪ ،‬تدخل‬ ‫العمارة وتصعد الساللم بهدوء‪ ،‬ثم تدفع باب الشقة الموارب‪ .

‬‬ ‫لم يكن كريم ًا معه ولم يحاول رش�وة رضا لكتمان هذا الس�ر‪،‬‬ ‫تس�ربت أخب�ار عالقت�ه تل�ك إل�ى الجميع‪ ،‬ومع ذل�ك لم يخش ميلود‬ ‫أحد ًا‪ ،‬بل إنه في صباح أحد األيام التقى به أثناء تلميع س�يارة عادل‬ ‫فأمسك به من كتفه وتكلم معه بنبرة قاسية مهدد ًا‪ .‬التقيا في الطائرة ضمن رحلة إلى تونس‪ ،‬جلست إلى‬ ‫جانبه‪ ،‬حكت له عن ظروف طالقها وهجرة زوجها واعتنائها بوحيدها‪،‬‬ ‫وعائلتها الصغيرة المشتتة‪ ،‬هذه الظروف أغرته بعرض زواج سري‪. ‫يحتاجان إلى المصعد ألن شقته تقع في الطابق األول‪.‬‬ ‫تعلم هدى أنها تمتلك قوام ًا رشيق ًا وتجيد الحديث والمالطفة‪،‬‬ ‫تجعل أغلب الرجال يطمعون بإقامة عالقة معها‪ ،‬رفضت كل أشكال‬ ‫‪78‬‬ .:‬إذا سمعت انك‬ ‫تذكرني بسوء عني فسأقطع رزقك ولسانك‪.‬‬ ‫الف�رق كبي�ر بي�ن الرجلي�ن‪ ،‬كل من يعرف عالق�ة الزواج الغريبة‬ ‫له�دى وع�ادل وزوجت�ه األول�ى صف�اء التي أصبح�ت صديقة حميمة‬ ‫لزوجته الثانية‪ ،‬يتواطؤ على كتمان هذا السر عن صفاء‪ ،‬األمر المحير‬ ‫أن زوجته األولى وأم أوالده امرأة الينقصها الجمال بل حتى بعد أن‬ ‫تج�اوزت الس�ابعة واألربعي�ن‪ ،‬أخ�ذت تب�دو أصغر م�ن عمرها بفضل‬ ‫عملي�ات تجمي�ل صغي�رة (حق�ن البوتك�س‪ ،‬وش�د الوج�ه واألجفان‪،‬‬ ‫وتصغي�ر األوراك)‪ ،‬وهوس�ها الكبي�ر ب�أن يبق�ى ش�عرها الغزي�ر طوي ً‬ ‫ال‬ ‫إلى مابعد منتصف ظهرها‪ ،‬وكأنها شابة صغيرة‪.‬‬ ‫صفاء امرأة مهووسة بآخر خطوط الموضة واألزياء‪ ،‬تزوجت من‬ ‫عادل وهي في سنتها الجامعية األولى‪ ،‬وكان شرط والدها الثري جد ًا‬ ‫أن تكمل دراس�تها‪ ،‬لكن عادل انتظر حصولها على الش�هادة وحاول‬ ‫إقناعها بالتزام البيت‪ ،‬لم يكن ذلك صعب ًا عليه فقد كانت بطبيعتها تحب‬ ‫النوم إلى ساعة متأخرة‪ ،‬تعتمد على الخادمة في أعمال البيت‪ ،‬تحب‬ ‫النزهات ومقابلة الصديقات‪ ،‬وبعد زواج دام خمسة عشر عام ًا تعرف‬ ‫عادل على هدى‪ .

‬‬ ‫عادل رجل أعمال ثري‪ ،‬كريم يغدق الهدايا على من حوله وال‬ ‫يح�ب ارت�كاب الخطاي�ا‪ ،‬والقان�ون صعب التحايل عليه وال يمكنه من‬ ‫الزواج بهدى دون موافقة الزوجة األولى فأوجد ح ً‬ ‫ال يرضى به الدين‬ ‫ويحميه من الفضيحة في المجتمع‪ . ‫هذه العالقات ورضيت بزواجها السري من عادل‪.‬زواج غير رسمي ومع هذا كانت‬ ‫أصر على أن تكون زوجته األولى‪،‬‬ ‫سلطة المال تجعله أكثر جرأة؛ لهذا ّ‬ ‫بل حتى أوالده‪ ،‬أصدقاء لهدى وابنها ثم تصبح هدى الصديقة الوحيدة‬ ‫المقربة من صفاء‪ ،‬وتصير أسرته جواز مرور شرعي له إلى بيت هدى‪،‬‬ ‫فال يهتم الجيران وكل من يعرف هدى بأن هناك عالقة بينهما‪ ،‬هكذا‬ ‫منحه ترددهم وسهرهم في بيتها منحه شرعية زيارة هدى في أوقات‬ ‫مختلفة دون إثارة االنتباه في البداية‪ ،‬وصفاء الهبلة كما أصبحت تدعى‬ ‫بي�ن الجمي�ع‪ ،‬راضي�ة بصداق�ة زوجها عادل لهدى‪ ،‬بل هي مقتنعة بأن‬ ‫هدى متزوجة بشكل سري من رجل آخر‪.‬‬ ‫‪79‬‬ .

‫غواية المدن القديمة‬ ‫تلك المدن القديمة التي تخبيء غوايتها داخل أزقتها الضيقة ال‬ ‫يمكن أن يطويها النسيان إلى األبد‪ ،‬هذا ما حدث مع (الحارة)‪..‬‬ ‫طرابل�س القديم�ة‪ ،‬ج�ارة البح�ر مازال�ت تحم�ل رائح�ة بي�وت‬ ‫الصيادي�ن‪ ،‬وص�راخ أطفاله�م م�ازال يتردد صداه‪ ،‬حملوا حنينهم إليها‬ ‫بعد أن غادروها‪ ،‬أولئك األطفال صاروا أدباء وفنانين‪ ،‬وشعراء ومالكي‬ ‫أطيان واقتصاديين‪ ،‬وليبراليين‪ ،‬وماركسيين وإسالميين‪..‬‬ ‫هاه�ي تع�ود الح�ارة روي�د ًا روي�د ًا ألبنائها‪ .‬‬ ‫مدينة تناهز الكهولة عمر ًا‪ ،‬إال أن زمن ًا أتى عليها فهجرها أبناؤها‪،‬‬ ‫كان�ت تتفقده�م كل صب�اح‪ ،‬تس�أل عنهم الغرب�اء الذين احتلوا بيوتها‪،‬‬ ‫صارت حارتها وأزقتها الضيقة زاهدة بأبوابها الباهتة اللون ودكاكينها‬ ‫المقفلة على الفراغ‪.‬‬ ‫‪80‬‬ .‬‬ ‫الحارة‪ -‬اسم المدينة القديمة في طرابلس‪ ،‬حيث تستلقي الشمس‬ ‫على ظهر أسقفها المهترئة بالحنين إلى ما كانت عليه قبل أن يتخلى‬ ‫عنها أهلها لسنوات بدت طويلة‪.‬‬ ‫وهي من بعيد ترمقهم بعين الغريق‪ .‬اس�تفاقت من نومها‬ ‫وأخذت كل صباح تربت على أكتافهم وترجوهم أن ال يقفلوا نافذتها‬ ‫المطلة على البحر بمزيد من ناطحات السحاب‪.‬وحدهم الش�عراء س�معوا‬ ‫أنينه�ا‪ ،‬ع�ادوا إليه�ا ليرمم�وا زمن� ًا مس�روق ًا منه�ا‪ ،‬في ثمانين�ات القرن‬ ‫الماضي‪ ،‬كان الهم الوحيد لشاعرة أصابها هوس جميل هو إعادة التألق‬ ‫إلى سابق عهده‪ ،‬واندفع بعض من الفنانون التشكيليون يتسابقون معها‬ ‫لردم هوة الزمن‪ ،‬لهذا كانت وفية فأفسحت لمحترفاتهم مكان ًا هناك‪.

‫الكاتبة ت�ستجوب هدى‬ ‫بيت هدى كان أش�به بخش�بة مس�رح‪ .‬‬ ‫أصبحت األمسيات التي يتم االحتفال بها بأعياد الميالد مناسبة‬ ‫لتدعوني إليها‪ ،‬وعلى مدى سنتين راقبت عالقتها بصفاء وأبناء زوجها‪،‬‬ ‫كان اب�ن زوجه�ا صديق� ًا البنه�ا وزمي�ل ل�ه في الجامعة‪ ،‬يدرس�ان مع ًا‬ ‫‪81‬‬ .‬تدعي أنها تمتلك‬ ‫تحليلا عميق� ًا لم�ا يج�ري عل�ى صعيد الحروب واألزمات السياس�ية‬ ‫الكبرى‪ ،‬وتعتبر مانش�رته من أش�عار في تلك الصحيفة مجرد مش�اركة‬ ‫حتى اليغيب اس�مها عن الس�احة الثقافية‪ ،‬وتحتفظ بكراس�ات ممتلئة‬ ‫باألخطاء اإلمالئية التي تفوق أخطاءها‪ ،‬وهي تكتب عن أثر االنتخابات‬ ‫الرئاس�ية في أمريكا ومايترتب عليها من كوارث في كمبوديا وجزيرة‬ ‫أالسكا‪.‬كل مس�اء هناك مس�رحية‬ ‫جدي�دة أو دور جدي�د لبطل�ة جدي�دة م�ن صديقاتها ومعارفها‪ ،‬صباح ًا‬ ‫كانت تعقد الندوات النسائية حول فناجين القهوة لمناقشة ما دار في‬ ‫مساء البارحة‪ ،‬من هذا البيت تعرفت على كل الشخصيات التي تستحق‬ ‫كل واح�دة منه�ا أن تك�ون أو يك�ون بط ً‬ ‫لا لرواي�ة‪ ،‬بما فيها هدى التي‬ ‫جربت نشر بضعة نصوص في صحيفة محلية يكتب فيها القراء والهواة‪،‬‬ ‫ومازال�ت تحل�م ب�أن تك�ون كاتبة‪ ،‬ولها عم�ود يحتل الصفحة األخيرة‬ ‫في أهم الصحف الكبرى التي تصدر في الخارج‪ .‬‬ ‫هدى تحب القراءة‪ ،‬وقد كانت مكتبتي تمثل إغراء كبير ًا إلشباع‬ ‫هذه الرغبة‪ ،‬تطرق بابي يوم ًا بعد يوم وتشاركني فنجان قهوة‪ ،‬وتأخذ‬ ‫كتاب ًا ثم تعيده بعد أيام‪ ،‬قررت ر ّد هذه الزيارات ومجاملتها‪.

‬لم تنف ِ ولم تؤكد‪ ،‬بل قالت‪:‬‬ ‫‪ -‬هذه مالحظة ذكية‪.‫ويخرج�ان مع� ًا‪ ،‬فيم�ا رأي�ت تعلق ابنة عادل المراهقة الجميلة المدللة‬ ‫بهدى أكثر من أمها صفاء‪ ،‬واس�تغربت أن تؤنب هدى االبنة المدللة‬ ‫بحضور والدتها على بعض الهفوات‪ ،‬وصفاء التهتز من شعر رأسها‬ ‫الطويل الكثيف أي شعرة!‬ ‫منذ أن تعرفت على هدى صارحتني بحقيقة ظروفها وبأن عادل‬ ‫زوجها وحكت لي كيف عاش�ت فترة البأس بها في تونس مع أمها‬ ‫بعد طالقها من والدها‪ ،‬ثم عادت إلى ليبيا وتزوجت أول مرة‪ ،‬وانتهى‬ ‫زواجها بالطالق وبابن وحيد‪ ،‬عملت في شركات عديدة‪ ،‬كانت امرأة‬ ‫تتمتع بالحيوية وتتقن اللغات األجنبية‪ ،‬تقود سيارتها مثل شاب يهوى‬ ‫سباق السيارات ولكن باحتراف شديد‪ ،‬وتقول إن ما جذب عادل إليها‬ ‫ه�و مواجه�ة الحي�اة الصعب�ة وقدرتها على التصرف بحكمة‪ ،‬باإلضافة‬ ‫لما تتمتع به من رشاقة واستقاللية‪.‬‬ ‫كانت صفاء النقيض لهدى‪ ،‬وتس�عدها غيرة زوجها وتفخر بها‪،‬‬ ‫وتبالغ في إظهار دالل عادل لها‪ ،‬وبحضورهدى تصبح المبالغة على‬ ‫أشدها‪ ،‬وهذا مادفعني للشك أكثر‪ ،‬وصارحت هدى في أحد األيام‪:‬‬ ‫‪ -‬اس�معيني‪ ،‬أن�ا الأص�دق أن صف�اء التعل�م بزواج�ك أن�ت‬ ‫وعادل!‬ ‫لم يكن لديها يقين تام‪ .‬‬ ‫ثم تنهدت وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬ل�و تعلمي�ن ك�م يؤلمن�ي مجيئه�ا إل�ى بيت�ي‪ ،‬محبتها لي‪ ،‬هل‬ ‫تصدقين كم أتعذب من أجلها؟ هل تصدقين أنه لو أتى يوم وتأكدت‬ ‫‪82‬‬ .‬‬ ‫م�ع ذل�ك ل�م أفه�م أب�د ًا كي�ف يغار زوجها عل�ى صفاء ويتعامل‬ ‫معها وكأنها مازالت فتاة لم تختبر الحياة بعد‪ ،‬فيما يمنح هدى كامل‬ ‫الحرية!‪.

‬كانت تريد أن تحكي لي‬ ‫ه�ذا الصب�اح أكث�ر م�ن أي م�رة س�بق وتحدثنا به�ا‪ ،‬احترمت صمتها‪،‬‬ ‫كن�ت أجل�س عل�ى الكرس�ي المقابل له�ا‪ ،‬لم ألحظ أن دموعها تنهمر‬ ‫بهدوء‪ ،‬ولكن فجأة أحنت رأس�ها والتفتت تبحث عن مناديل ورقية‪.‬‬ ‫حركت سبابة يدها باتجاه صدرها وتابعت‪:‬‬ ‫ال أن يبقى الزوج الذي ينفق على بيتي‪،‬‬ ‫‪ -‬أنا أريد من عادل فع ً‬ ‫ال أخجل من ذلك لو صارحتك به‪.‬‬ ‫أحضرت العصير‪ ،‬تناولت كأسي فاقترحت علي‪:‬‬ ‫‪ -‬مارأيك لو نذهب إلى مقهى اآلن؟‬ ‫‪ -‬اآلن!‬ ‫‪ -‬أع�رف أن ع�ادل اليرغ�ب كثي�ر ًا ف�ي خروج�ك إل�ى األماكن‬ ‫العامة؟‬ ‫‪83‬‬ .‫صفاء من زواجي «بعادل» فأنا التي ستطلب الطالق منه ومغادرة حياته‬ ‫تمام ًا‪.‬‬ ‫‪ -‬أال تحبينه؟ ظننت أنك متعلقة به كثير ًا وأنه ليس مجرد رجل‬ ‫يصرف عليك وعلى ابنك؟‬ ‫أجابت بسرعة وكأن تلك اإلجابة حاضرة على الدوام‪:‬‬ ‫‪ -‬أح�ب ع�ادل‪ ،‬نع�م وأكي�د‪ ،‬لك�ن لي�س بق�در محبت�ك أن�ت‬ ‫لزوجك‪ ،‬على الرغم من أنه سبق له الزواج من قبل‪.‬‬ ‫نهضت واتجهت إلى المطبخ‪ ،‬رسمت ابتسامة واسعة وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬الحديث يحتاج إلى عصير وليس قهوة‪ ،‬بصراحة «جف حلقي‬ ‫«‪.‬‬ ‫ال مس�حت به دمعها وأنفها‪ ،‬كدت أعتذر لكنها أش�ارت‬ ‫س�حبت مندي ً‬ ‫بيدها أن البأس‪.‬‬ ‫أرجعت خصالت شعرها إلى الوراء ورأسها أيض ًا‪ ،‬وأسندته إلى‬ ‫ظهر الكرس�ي وكأنها تتأمل س�قف الغرفة‪ .

‬‬ ‫ابتس�مت وأن�ا أتخي�ل قيادته�ا للس�يارة وبدوره�ا ق�رأت المعنى‬ ‫الساخر‪ ،‬أجابتني ضاحكة‪:‬‬ ‫‪ -‬إذ ًا نذهب في سيارتك وتخسرين ثمن البنزين‪.‬‬ ‫كنت أشعر بضيق من جلسات الغرف المغلقة‪ ،‬لكنني حذرة من‬ ‫مرافق�ة أي�ة صديق�ة إل�ى مكان عام‪ ،‬بالنس�بة له�دى التي كان خروجها‬ ‫بحس�اب ال أمانع‪ ،‬أما يس�رى والش�قرا‪ ،‬فقد كنت أعلم من هدى أن‬ ‫نص�ف س�كان طرابل�س يعرفونهم�ا‪ ،‬لطالما عبرت هدى عن اس�تيائها‬ ‫الشديد مبدية امتعاضها من سلوكهما‪ ،‬ولكن هذا اليوم لم يكن لدي‬ ‫رغبة إال بسماع هدى‪ ،‬أما يسرى فلم تكن تعني لي الكثير‪..‬‬ ‫خرجنا من العمارة وكأننا نتسلل خوف ًا وهرب ًا من خطر ما‪ ،‬وهذا‬ ‫الخطر يتجسد في يسرى التي لو رأتنا مع ًا لحشرت نفسها بيننا وقطعت‬ ‫علينا هذا الحديث الحميم‪ .‬حي�ن تجاوزن�اه كن�ا نقترب من س�ور‬ ‫المدينة القديمة الذي تم ترميمه قبل س�نوات‪ ،‬وأصبح داخل الس�ور‬ ‫ومقابل الميناء مجموعة من المطاعم السياحية والمقاهي‪ ،‬بعضها كان‬ ‫بناؤه يشكل نشاز ًا واضح ًا مع معمار المدينة القديمة‪ ،‬والبعض حاول‬ ‫اس�تعادة بعض من طرازها وفش�ل تمام ًا‪ ،‬عادة ندخل إليها من فتحة‬ ‫صغيرة تقابل الميناء تمام ًا على الطرف الثاني‪.‬‬ ‫‪84‬‬ .‬‬ ‫ال وكأنها تتذكر أمر ًا نسيته وتابعت‪:‬‬ ‫صمتت قلي ً‬ ‫‪ -‬أو نعمل جولة في السيارة على « طريق الشط «‪. ‫هزت رأسها موافقة وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬أجل‪ ،‬ولكن إذا كان برفقتك عادي‪ ،‬تعلمين أنني ال أفعل في‬ ‫غيابه أي شيء اليرضى عنه أو يغضبه‪.‬عندما أدرت محرك السيارة لم أضع هدف ًا‬ ‫مح�دد ًا‪ ،‬انطلق�ت‪ ،‬كان�ت عمارتن�ا على يمي�ن الطريق فيما البحر على‬ ‫يس�اره حي�ث تصط�ف مجموع�ة الفنادق المقابلة وأب�راج ذات العماد‬ ‫يقابله�ا فن�دق كورنثي�ا الفخ�م‪ .

‬نبات السلفيوم الذي اشتهر‬ ‫في الجبل األخضر‪ ،‬والذي قايض به الليبيون القدامى المصريين بما‬ ‫يعادله من النقود الفضية‪.‫«هن�اك ينتص�ب ق�وس (مارك�وس أوريلي�وس)‪ ،‬أقي�م الق�وس‬ ‫الحج�ري ل�ه وه�و ال�ذي ل�م ي�أت إل�ى ليبيا في العص�ر الروماني وال‬ ‫مرة واحدة‪.‬‬ ‫خل�ف كل ه�ذه األبني�ة الت�ي تقابل قوس ماركوس تقع مجموعة‬ ‫م�ن البي�وت والكنائ�س‪ ،‬بع�ض منه�ا تحول إلى محترف�ات فنية‪ ،‬يقيم‬ ‫فيها الفنانون التشكيليون مراسم لهم‪ ،‬إال أحد البيوت الكبيرة ويطلق‬ ‫علي�ه (دار الفقي�ه حس�ن) أعي�د إصلاح بنائ�ه وصار مكان ًا للنش�اطات‬ ‫الثقافية‪.‬‬ ‫لناد رياضي يحاذيه بضع محالت‪،‬‬ ‫إلى يمين القوس بناء حديث ٍ‬ ‫أحدها لتأطير اللوحات الفنية‪ ،‬ثم مبنى قديم رمم وأصبح مقهى‪ ،‬وفي‬ ‫نهاية الش�ارع بيت مبني على نس�ق اندلس�ي أصبح فندق ًا وس�مي باس�م‬ ‫صاحب البيت‪ ،‬واصبحت الغرف مكان إقامة‪ ،‬فيما الفس�حة والغرف‬ ‫التي تقع في الدور األول تحولت إلى مطعم ومقاهي‪.‬‬ ‫ه�ذا الزخ�م م�ن األبني�ة العتيق�ة التي يرتادها الكت�اب والفنانون‪،‬‬ ‫‪85‬‬ .‬‬ ‫يتألف القوس الحجري من أربعة أعمدة حجرية ضخمة‪ ،‬ينهض‬ ‫في أعالها قبة حجرية حفرت على أعالها نقوش‪ ،‬ومن الداخل تحت‬ ‫القوس تظهر النقوش في سقف تلك القبة‪ .‬‬ ‫يبدو القوس منخفض ًا عن األرض المحيطة به لذا كان النزول إليه‬ ‫من خالل ساللم حجرية قديمة منحوتة‪ ،‬إال أنها تعرضت للتهشيم ثم‬ ‫رممت فيما بعد بطريقة س�يئة جد ًا دون أي اعتبار لقيمتها التاريخية‪،‬‬ ‫وأهملت مجموعة من األعمدة الحجرية المنحوتة والمبعثرة قريبا من‬ ‫مبن�ى الق�وس‪ ،‬فبقي�ت دون وظيف�ة‪ ،‬إال أنه�ا تدل على تلك الحقبة من‬ ‫التاريخ‪.

‫جعله�م يفضل�ون الجل�وس في المقاهي والمطاعم القريبة من المدينة‬ ‫القديم�ة‪ ،‬وإذا ع� َن عل�ى باله�م تن�اول وجبة أس�ماك متميزة ذهبوا إلى‬ ‫(زنق�ة الري�ح)‪ ،‬حي�ث مطع�م (عبي�ة) الش�هير المتخص�ص ف�ي تقديم‬ ‫وجب�ات أس�ماك مطهي�ة بالط�رق التقليدي�ة‪ ،‬واش�تهر صاح�ب المطعم‬ ‫بترحيبه بالزبائن وعقد صداقات مع غالبية األدباء والمثقفين‪ ،‬وتقديم‬ ‫ال إياهم عن السياح الذين يمرون عابرين‪.‬‬ ‫أخذتها وقرأتها‪ ،‬أصابتني دهشة كبيرة ألن كل ماكتب فيها اليمت‬ ‫إل�ى الحاض�ر بصل�ة‪ ،‬جميعه�ا يغ�وص ف�ي التاري�خ‪ ،‬ال أحد يفكر في‬ ‫‪86‬‬ .‬أعمل في دار المطبوعات تلك التي أقفلت أبوابها‪،‬‬ ‫وانهارت قبل أن تغلق بأحد القرارات اإلدارية‪ ،‬وخلفت وراءها أرشيف ًا‬ ‫ال من المخطوطات لكتاب كبار وصغار‪ ،‬بقيت مرمية بإهمال على‬ ‫كام ً‬ ‫األرفف وفي صناديق كرتونية أتلفها تسرب المياه من النوافذ‪ ،‬أحسست‬ ‫وقتها أن من كتب هذه األعمال اليهتم بها‪ ،‬نشرت أم لم تنشر‪ ،‬ولم‬ ‫يأت أحد منهم ليسأل عنها‪ ،‬وصار من حقي االهتمام بها‪.‬ه�ذا المقه�ى أصبح مكان� ًا أثير ًا لدى‬ ‫أغلبية الفنانين والكتاب‪.‬‬ ‫أفضل ما لديه لهم مفض ً‬ ‫على يس�ار القوس بناء من العصر العثماني أصبح مقهى يحمل‬ ‫اس�م الق�وس‪ ،‬وكان إل�ى عه�د قري�ب مرك�ز ًا للش�رطة‪ ،‬أم�ا في العهد‬ ‫العثمان�ي فقي�ل إن�ه كان س�جن ًا‪ .‬‬ ‫منذ افتتاح المقهى وأنا أتحين الفرصة الرتياده لعلي ألتقي بكاتب‬ ‫كبي�ر يدعون�ي إل�ى فنج�ان قه�وة‪ ،‬أعل�م أن وجهي واس�مي ليس لهما‬ ‫حض�ور كبي�ر ف�ي ه�ذا العال�م الذي أحبه وأريد االنتماء إليه منذ زمن‪،‬‬ ‫بل منذ أن دخلت الصحافة عن طريق كلية اإلعالم‪ ،‬ولم أجد وظيفة‬ ‫رس�مية في أي صحيفة قدمت أوراقي ونفس�ي إليها‪ .‬رؤس�اء التحرير‬ ‫بعضهم أعطاني فرصة صغيرة‪ ،‬وبعضهم أغلق الباب في وجهي فقررت‬ ‫أن أك�ون كاتب�ة‪ ،‬وعمل�ت موظف�ة إداري�ة في الدار الوحيدة التي كانت‬ ‫تهتم بطباعة الكتب‪ .

‬هكذا‬ ‫في الهواء تتبخر كل أحاديثهم ونظرياتهم ويمضون‪». ‫التاريخ القريب حتى!‬ ‫قل�ة ه�م م�ن ذك�ر طرابلس بعبارة‪ .‬‬ ‫لهذا عندما دخلت مع هدى إلى مقهى (ماركوس) ابتسم أغلبهم‬ ‫لي‪ ،‬ظنت هدى أن هذا يعود لشهرتي األدبية وليس لعملي السابق في‬ ‫المطبوعات‪.‬‬ ‫اخترنا الجلوس في الطابق الثاني الذي اليعدو كونه شرفة دائرية‬ ‫تق�ع ف�وق فس�حة المقه�ى المفت�وح عل�ى الس�ماء‪ ،‬فيما الش�رفة تطل‬ ‫عل�ى المين�اء م�ن إح�دى الزواي�ا‪ ،‬ومقابله�ا تمام ًا ن�ادي المدينة الذي‬ ‫يجاوره مبنى لمقهى يعاد ترميمه‪ ،‬ومن ذات الش�رفة يمكننا اإلطالل‬ ‫على بعض البيوت القديمة التي تحولت إلى مراس�م فنية يعمل فيها‬ ‫فنان�ون تش�كيليون‪ .‬هذه المدينة الرائعة المظلومة‬ ‫حت�ى م�ن كتابه�ا‪ ،‬يضن�ون عليها‪ ،‬يتناس�ونها قصد ًا أو عمد ًا‪ .‬‬ ‫الن�ادل المص�ري يتح�رك بي�ن الط�اوالت وكأنه يعمل في إحدى‬ ‫المقاهي الشعبية في القاهرة‪ ،‬يحمل صينية عليها الطلبات‪ ،‬يهزها يمنة‬ ‫ويسرة متحاشي ًا أن تنفلت من يده‪ ،‬طلبت هدى " كابتشينو" وطلبت‬ ‫" مكياطة "‪.‬ف�ي المس�احة الت�ي تفصل الجهتي�ن يتربع قوس "‬ ‫مارك�وس أوريلي�وس" ش�اهد ًا عل�ى كل ه�ذا الخ�راب واالمتزاج بين‬ ‫حض�ارات ب�ادت‪ ،‬ل�م يتب�ق منها إال حجارة متناثرة‪ ،‬وحضارات تتمثل‬ ‫ببعض األقواس التي تشكل العمود الفقري لهذه األبنية‪ ،‬فيما أخذت‬ ‫‪87‬‬ .‬ال أدري‪،‬‬ ‫أعرف فقط أنني لطالما أحببت أن أقرأ لكاتب ليبي يتحدث عني وعن‬ ‫اآلخري�ن الذي�ن أراه�م ف�ي الش�ارع‪ ،‬عن مطعم األس�ماك في « طريق‬ ‫الش�ط «‪ ،‬عن أي مقهى يجلس فيه أولئك الكتاب‪ ،‬يتناولون قهوتهم‬ ‫ويثرثرون حول الثقافة واألدب‪ ،‬ينتقدون أو يشتمون بعضهم‪ ،‬ويرحلون‬ ‫بذاكرة شفهية‪ ،‬دون إمضاء أو ختم يشير إلى ملكيتهم الضائعة‪ .

‬‬ ‫منذ زمن طويل وضع زوجته في زجاجة وأحكم إقفالها‪ ،‬أسعده‬ ‫أنه�ا تح�ب التس�وق وش�راء المجوه�رات وحضور بع�ض الحفالت‪،‬‬ ‫وأس�عده أكث�ر أنه�ا تن�ام إل�ى مابعد أذان الظه�ر‪ ،‬باختصار أحبها ألنها‬ ‫سطحية وتافهة فقط‪.‬‬ ‫كان الب�د م�ن اس�تعادة أج�واء الصراح�ة والب�وح ل�دى ه�دى‪،‬‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬تحبين صفاء من قبك بجد؟!‬ ‫نظرت في عيني مباشرة وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬نعم‪ .‫األبنية الطوبية المعاصرة تحتل الجزء األكبر وتدخل في بقايا كل هذه‬ ‫الحضارات‪.‬كان بيتي‬ ‫الوحي�د تقريب� ًا ال�ذي تت�ردد علي�ه‪ ،‬وأصبحت تعتمد علي في كل كبيرة‬ ‫وصغيرة‪ ،‬فهي التقود سيارة واليسمح لها عادل بذلك‪.‬عندما تزوجت عادل طلبت منه أن أبقى بعيدة عن بيته‪،‬‬ ‫حت�ى ه�ذه اللحظ�ة ل�م أفهم هذا الرجل‪ ،‬كان يتحين الفرص ويعرض‬ ‫علي مناسبة ما ليقدمها لي‪ ،‬رفضت عدة مرات‪ ،‬وفي أحد األيام التقى‬ ‫بالمصادف�ة بش�قيقي ال�ذي يعم�ل بحار ًا ويس�افر كثي�ر ًا‪ ،‬يومها كان في‬ ‫إجازة‪ ،‬التقيا في المدينة أثناء التسوق وكانت ترافقه صفاء‪ ،‬دعاه شقيقي‬ ‫البحار فأتت هي وأوالدها برفقته‪.‬‬ ‫بعد تلك الزيارة توالت الزيارات واشتدت عالقتها بي‪ .‬‬ ‫رشفت من فنجاني الصغير وقاطعتها أنوي استفزازها‪:‬‬ ‫‪ -‬هدى سامحيني بهذه المالحظة‪ ،‬أرى أنك تحولت إلى خادمة‬ ‫وتس�وق صفاء وتعدين الوالئم في بيتك‬ ‫َ‬ ‫لعائلته‪ ،‬تهتمين بش�ؤون ابنته‬ ‫لهم‬ ‫لم تبد غضبها من مالحظتي بل وافقتني قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬التميز ليس في تقديم هذه الخدمات بل في مستوى معيشتنا‬ ‫‪88‬‬ .

.‬كل ش�يء‪ .‬‬ ‫تابعت تحليلي للموقف‪:‬‬ ‫‪ -‬تعلمين ياهدى‪ :‬الشيء يمكن أن يكسر صفاء مثل خسارتها‬ ‫لعادل‪ ،‬وهي التي تقول إنها تعتمد عليه في كل كبيرة وصغيرة‪ ،‬كما أن‬ ‫زواجه بك يكسرها أكثر‪ ،‬وهي ابنة العائلة الكبيرة و‪ .‬‬ ‫وفجأة الحت لي صورة صفاء في إحدى المرات وهي تحاول‬ ‫اس�تعراض م�ا تملك�ه وغنجه�ا وتدلله�ا على ع�ادل بحضورنا جميع ًا‪،‬‬ ‫فحاولت تنبيه هدى وقلت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬يل�وح ببال�ي خاط�ر وأط�رده كثير ًا وس�بق أن س�ألتك عنه قبل‬ ‫قليل‪.‬‬ ‫وافقتني وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬ستكون غبية لو أنها لم تدرك ذلك‪ ،‬فهي تدخل غرفة نومي‬ ‫وحمامي وترى كل مايس�تعمله عادل‪ ،‬ماركة معجون الحالقة وأنواع‬ ‫ال وتابعت وكأنها تذكرت‬ ‫العطور الرجالية‪ .‫نح�ن الزوجتي�ن‪ ،‬بيت�ي وبيته�ا‪ ،‬مالبس�ي ومالبس�ها‪ ،‬م�اال أملك�ه م�ن‬ ‫مجوهرات وما تملكه هي؟ والتنس�ي أنها باألصل ولدت لعائلة ثرية‬ ‫جد ًا‪...‬وصمتت قلي ً‬ ‫‪89‬‬ .‬‬ ‫‪ -‬ماهو؟‬ ‫‪ -‬بما أن صفاء متأكدة من أنك زوجة عادل والتريد االعتراف‬ ‫بذل�ك واإلعلان عن�ه فه�ي تح�اول قدر المس�تطاع االنتق�ام بطريقتها‬ ‫منك‪.‬المرأة الحسناء‬ ‫التي مازالت تحتفظ بجمالها‪ ،‬كيف يمكن أن تعترف بهزيمتها‪ ،‬بل هي‬ ‫ترى من األفضل أن تبقي األمر سر ًا وتتمنى من الجميع أن اليعرف‬ ‫بزواج�ك م�ن ع�ادل‪ ،‬تري�د أن تقه�رك بم�ا يقدم�ه لها م�ن مال وأثاث‬ ‫وسفر تتميز به عنك‪.‬‬ ‫‪ -‬هذا ماقاله شقيقي ذات مرة‪.

‬خطه مقفل‪ .‬‬ ‫ضحكت هدى وهي تتابع‪:‬‬ ‫‪ -‬وحالما وصلت إلى البيت اتصلت بي لتخبرني أنها شاهدت‬ ‫زوج�ي‪ ،‬بالطب�ع كان ل�دي عل�م بحيل�ة ع�ادل فصدق�ت عل�ى كالمها‬ ‫وأكدت لها أنه زوجي‪.‬‬ ‫الح على وجهها االستغراب والتوتر أكثر وقالت‪:‬‬ ‫‪90‬‬ .‬قلت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬اتصلي أنت به!‬ ‫‪ -‬اتصلت‪ .‬‬ ‫واستغربت وجود صبية معه‪ ،‬سألته عنها فأخبرها أنها شقيقته‪. ‫شيئ ًا مهم ًا‪:‬‬ ‫‪ -‬في إحدى المرات كانت برفقته في رحلة تسوق‪ ،‬حدث ذلك‬ ‫بع�د أن توط�دت صداقتن�ا‪ ،‬وكان الش�ك يالحقه�ا بس�بب بعض أوالد‬ ‫الحالل واتصاالت تأتيها من فاعل خير‪ ،‬ولكنها دافعت عني وأنكرت‬ ‫زواجي بعادل‪ ،‬وأخبرتهم أنني متزوجة من ش�خص آخر لكنه يس�افر‬ ‫كثير ًا‪ ،‬في ذلك اليوم قال لها عادل‪:‬‬ ‫‪ -‬صفاء انظري‪ ،‬انظري هناك‪ .‬‬ ‫انته�ى فنج�ان (المكياط�ة) الصغي�ر‪ ،‬طلب�ت آخ�ر‪ ،‬كان الطق�س‬ ‫ال في تلك الش�رفة‪ ،‬وأنا مس�تمتعة بتأمل ميناء طرابلس المزدحم‬ ‫جمي ً‬ ‫ذاك الصب�اح بق�وارب الصي�د الت�ي أخ�ذت تتح�ول إلى قوارب تجمع‬ ‫ثروات من البشر وليس من صيد األسماك!‬ ‫بدأت هدى تش�عرني بأنها قلقة ألن زوجها لم يتصل بها اليوم‬ ‫مثل عادته‪ ،‬وهي مشغولة عليه جد ًا‪ .‬سأتصل بصفاء‪.‬وأشار إلى شاب ومعه فتاة تضع‬ ‫مساحيق كثيرة على وجهها‪ ،‬سألته‪:‬‬ ‫‪ -‬من هذا؟‬ ‫فأجابها على الفور‪:‬‬ ‫‪ -‬زوج هدى‪.

‬‬ ‫‪91‬‬ .‬‬ ‫كان طريق العودة أطول؛ ألننا إذا ذهبنا نحو (الساحة الخضراء)‬ ‫أو كما تدعى (ميدان الشهداء) ومنها إلى شارع عمر المختار المزدحم‬ ‫س�نتأخر‪ ،‬قررت أن نس�ير على امتداد طريق الش�ط الطويل جد ًا‪ ،‬حتى‬ ‫نص�ل إل�ى جزي�رة دوران ميناء الش�عاب‪ ،‬وافق�ت هدى المرتبكة دون‬ ‫مناقش�ة وعدنا‪ ،‬كانت أصابعها طوال الطريق التهدأ من الضغط على‬ ‫أزرار الهاتف الذي اليجيب‪..‬دعينا نذهب‪. ‫‪ -‬حتى صفاء هاتفها مقفل‪ .

‬‬ ‫أخير ًا بعد وقت تجاوز نصف الساعة هدأ صوت المحرك تمام ًا‪،‬‬ ‫بع�د أن تداول�وا األم�ر م�ع قائ�د الرحل�ة ق�رروا أن التوقف أس�لم لهم‬ ‫ريثما تهدأ العاصفة التي لم تكن قوية بما فيه الكفاية لتجعل المركب‬ ‫‪92‬‬ . ‫بهيجة والعا�صفة‬ ‫ارتف�ع الم�وج فج�أة‪ ،‬اهت�ز الق�ارب بش�دة‪ ،‬أيق�ظ النائمين هروب ًا‬ ‫م�ن االنتظ�ار والخ�وف وارتعش�ت قل�وب الصامتي�ن الذي�ن احتم�وا‬ ‫بج�دار الق�ارب الخش�بي المنبعث�ة منه روائح طالئ�ه الحديث مختلطة‬ ‫برائحة الوقود المعبأ في « غالونات»‪ ،‬وامتزجت بروائح بقايا األسماك‬ ‫العالقة بالشباك القديمة‪ ،‬تلك الصفائح المعدنية صارت كراسي لبعض‬ ‫المحظوظين‪ ،‬هزة جديدة وميالن باتجاه اليمين كان أقوى من السابق‪،‬‬ ‫انزل�ق البع�ض باالتج�اه المقاب�ل‪ ،‬صارت صرخات الخائفين المكبوتة‬ ‫‪ -‬متحررة من خجلها‪ -‬تشتد‪ ،‬األصوات التي تحاول تهدئتهم تضيع‬ ‫وس�ط زح�ام األش�ياء والضجي�ج والعتم�ة‪ ،‬ركاب الس�طح كان�وا أكثر‬ ‫ش�قاء ورعب ًا‪ ،‬أصوات أقدامهم تبعث على الرعب ألولئك المختبئين‬ ‫ف�ي بط�ن الق�ارب‪ ،‬كلم�ا علا الموج وازداد اضط�راب المركب ازداد‬ ‫الخوف والهلع‪ ،‬أخذ بول األطفال والكبار الخائفين يتسرب نحو أقدام‬ ‫الجالس�ين عل�ى األرض‪ ،‬ه�ذا م�اكان ينق�ص بهيجة ف�ي تلك اللحظة‬ ‫وهي تمسك بيد رضا الذي حصل على مالمسة جسد أنثى في أسوأ‬ ‫لحظ�ة‪ ،‬ل�م تس�مع بهيج�ة ص�وت القيء المنبع�ث من فم امرأة تجلس‬ ‫قريبة منها‪ ،‬ولكن رائحته انبعثت قوية جد ًا فضغطت على أنفها بأصابع‬ ‫يدها وتنفست من فمها‪.

‫ينقل�ب بم�ن في�ه‪ ،‬ق�در رضا أنهم في منتصف الطريق‪ ،‬وليطمئن رفيقة‬ ‫الرحلة‪ .‬‬ ‫أرادت ف�ي أعماقه�ا تصدي�ق ه�ذا ال�كالم وتذك�رت أن أم ف�رح‬ ‫بعد أن انطلق بهم قاربهم المطاطي بساعة واحدة فقط توقف محرك‬ ‫(الزودياك)‪ ،‬حاولوا تشغيله من جديد إال أنهم فشلوا‪ ،‬وبعد محاوالت‬ ‫استمرت ألكثر من ساعة عاد المحرك للعمل واإلبحار إلى أن وجدوا‬ ‫أنفس�هم يقتربون من ش�اطيء بعيد‪ ،‬وأنواره المش�عة تبدو لهم طوق‬ ‫نجاة‪ ،‬وإذا بهم قد عادوا إلى ش�اطيء طرابلس وبالقرب منهم قارب‬ ‫خفر السواحل واألسلحة مسلطة عليهم وأوامر تلقى بمكبرات الصوت‬ ‫للتوقف والنزول‪.‬‬ ‫حينها اكتش�فوا خديعة الرئيس�ة وفهموا معنى كلمة الش�اب الذي‬ ‫أدار المحرك وقال‪:‬‬ ‫‪ -‬اقرأوا الشهادة اآلن على أرواحكم!‬ ‫بهيجة في عز خوفها تحاول أن تجلب لنفسها بعض ًا من األمان‬ ‫واليقي�ن الب�د أنه�م قطع�وا المياه اإلقليمية وإال لتمت محاصرتهم من‬ ‫خفر السواحل كما حدث ألم فرح‪.‬‬ ‫رغم أنهم لم يحملوا معهم أي وثيقة تدل على هويتهم والحتى‬ ‫‪93‬‬ .‬‬ ‫قالت أم فرح يومها‪:‬‬ ‫‪ -‬كانت عودتنا سالمين لشاطيء طرابلس أجمل ماحدث لنا‪.‬قال لها‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ذا مرك�ب كبي�ر نوع� ًا م�ا وق�وي‪ ،‬ليس مثل ق�وارب الصيد‬ ‫الصغي�رة‪ ،‬التخاف�ي ألن تل�ك الق�وارب تبح�ر أكث�ر م�ن يومين لتصل‬ ‫الشواطيء‪.‬‬ ‫تل�ك الم�رأة الت�ي وقع�ت ضحية عملية نص�ب ومثلها آالف من‬ ‫الحالمي�ن بالهج�رة‪ ،‬وم�ع ذل�ك أعادوا الكرة ثانية وثالثة‪ ،‬ولم يوقفهم‬ ‫إال الغرق أو الوصول‪.

‬وبدا أن حركة المركب نتيجة‬ ‫لتيارات بسيطة التستدعي كل هذا الخوف‪.‬‬ ‫وحدثتها عن سعادتهم الكبيرة وهم ينقلون بسيارة الشرطة‪ ،‬وكيف‬ ‫كانوا يضحكون ويتذكرون األفالم الكوميدية‪ ،‬وفرحتهم بالنجاة حتى‬ ‫وإن دخلوا بعدها الس�جن لمدة أس�بوع كي تس�تكمل معهم إجراءات‬ ‫التحقيق الالزمة‪ ،‬أما األفارقة فكانوا يرحلون إلى بلدانهم‪ ،‬بينما األسر‬ ‫العراقية تسجل في مفوضية الالجئين لتأمينهم وضمان معيشتهم‪.‬‬ ‫فكرت بهيجة بأنها لحظة حاس�مة في حياتها وقاس�ية أكثر مما‬ ‫كان�ت تعتق�د‪ ،‬لق�د مرت فيما س�بق بأوق�ات عصيبة كانت فيها وحيدة‬ ‫مطرودة من عملها مع مكافأة مالية وضعت على طرف طاولة الطعام‬ ‫‪94‬‬ .‫بطاق�ة هواتفه�م بع�د أن أقنعتهم الرئيس�ة أن اإليطاليين س�يخضعونهم‬ ‫للتفتيش الدقيق‪ ،‬وأرقام الهواتف تدل على مكان مغادرتهم‪ ،‬فيما خفر‬ ‫السواحل الليبي اعتاد التقاط األحياء الذين فشلوا في الهروب‪ ،‬وجثث‬ ‫من فشل في الوصول‪.‬‬ ‫‪ -‬هذه ليست ّ‬ ‫سألته بهيجة‪:‬‬ ‫‪ -‬كيف تعرف ذلك؟‬ ‫أجابها‪:‬‬ ‫النوة يتحرك المركب نحو األعلى واألسفل‪ ،‬ومهما كان‬ ‫‪ -‬في ّ‬ ‫كبير ًا إذا كانت النو ّة قوية سينقلب‪ ،‬وما هذه إال تيارات بحرية‪.‬‬ ‫عاد المركب يسير بأسرع من قبل‪ ،‬كانت قد مضت عليهم أكثر‬ ‫من ست ساعات من اإلبحار‪ ،‬ومن تحمل رائحة بقايا األسماك العفنة‬ ‫العالقة بالشباك وما جدّ من روائح كريهة أخرى‪.‬‬ ‫لهذا كانت بهيجة أكثر س�عادة لو نجحت في الهروب‪ ،‬فعودتها‬ ‫تعن�ي ترحيله�ا إل�ى المغ�رب من جديد‪ .‬‬ ‫قال أحد الجالسين بقربهم‪:‬‬ ‫(نوة) وإال لكان األمر خطير ًا‪.

‬أحس�ت‬ ‫‪95‬‬ .‬‬ ‫أما مع نساء العمارة فقد كان تجاوز ذلك الحاجز الوهمي أسهل‬ ‫بكثير‪ .‬‬ ‫ف�ي ذل�ك الحي�ن أخبرته�ا ه�دى بأنها على معرفة وثيقة بالس�يدة‬ ‫زوج�ة عب�د المجي�د وأنه�ا تعرف�ت عليه�ا عن طريق حس�نا أم س�ارة‪،‬‬ ‫وعلم�ت ب�أن بهيج�ة كان�ت س�بب ًا ف�ي فتن�ة أوقعته�ا بينه�ا وبي�ن أع�ز‬ ‫صديقاته�ا‪ ،‬وحالم�ا اكتش�فت األم�ر ق�ررت طرده�ا ف�ي ذات الحين‪،‬‬ ‫فهم�ت الرس�الة م�ن ه�دى وكان رد ًا مباش�ر ًا عل�ى س�لوكها وطريقتها‬ ‫في نقل الكالم بين الصديقات‪.‬‬ ‫شكرت الله على عدم حقد هدى في تلك اللحظة عليها‪ ،‬وعلى‬ ‫أن الليبيي�ن ال يش�عرون م�ن يخ�دم لديه�م بأنه�م م�ن درج�ة أقل‪ ،‬بل‬ ‫عليها االعتراف أن السيدة التي تجاوزت الحواجز االجتماعية والطبقية‬ ‫بينهم�ا‪ ،‬كان عل�ى بهيج�ة أن التك�ون أناني�ة معه�ا وتفرط في أحالمها‬ ‫لتكون الصديقة الوحيدة لها‪.‬لم تجد صعوبة أبد ًا في كسره‪ ،‬فهي تجيد عرض خدمات إنسانية‬ ‫ونسج عالقة اجتماعية بعيد انتهاء خدماتها المأجورة‪ ،‬وحين وصلت‬ ‫بأفكارها إلى هذا الحد انتبهت إلى اقتراب جس�د رضا منها‪ .‫ف�ي صال�ة بي�ت الس�يد عب�د المجي�د‪ ،‬حملته�ا دون أن يك�ون لها حق‬ ‫السؤال عن سبب االستغناء عن خدماتها‪ ،‬ولوقت طويل اعتقدت أن‬ ‫سبب طردها هو عملها في بيت شقيقة السيد عبد المجيد أثناء غيابهم‬ ‫في إجازة‪ ،‬والسيدة التخفي كراهيتها لشقيقته وغيرتها منها أيض ًا‪ ،‬لكن‬ ‫قبل سفرها بأيام عندما صارحت هدى بما تحكيه يسرى والشقرا عنها‪،‬‬ ‫ورأت أن كالمها ليس له ذلك األثر الكبير لدى هدى خالف ًا لما حدث‬ ‫مع يس�رى التي حين علمت بأن هدى أيض ًا التحمل لها ود ًا صافي ًا‪،‬‬ ‫أثارت زوبعة عاصفة من الشتائم‪ ،‬وبكت قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬إنه�ا غي�ر محظوظ�ة أب�د ًا م�ن صديقاتها النس�اء‪ ،‬فيما الرجال‬ ‫يخلصون لها أكثر منهن جميع ًا‪.

‬لم تكن هي صاحبة اإلرادة بل كان جسدها يشمئز‬ ‫من هذا االلتصاق‪ ،‬شعر بحركتها تلك‪ ،‬حاول أن يستجمع قواه لينفي‬ ‫لا كان يحتاج في تلك‬ ‫ع�ن نفس�ه تهم�ة التح�رش المقص�ودة‪ ،‬فهو فع ً‬ ‫اللحظ�ة لجس�د أنث�وي‪ ،‬اليهم�ه بهيج�ة أو غيرها‪ ،‬ولم تكن قد مضت‬ ‫عل�ى الخط�ر المح�دق بهم�ا أكثر من ربع س�اعة‪ ،‬وس�رعان ماتذكرت‬ ‫كالم نساء العمارة حول نظراته الشبقة التي تبدو فيها الرغبة والشهوة‪،‬‬ ‫وكيف حاول أكثر من مرة مالمسة أجسادهن أثناء حمل األغراض إلى‬ ‫المصعد أو الساللم‪ ،‬بل إن يسرى قالت‪:‬‬ ‫‪ -‬تصوروا‪( .‬‬ ‫من عادتها اإلس�راف والمبالغة في كل ش�يء‪ ،‬تمام ًا مثل رس�ام‬ ‫الكاريكاتور أو المهرج على المسرح‪ ،‬وراحت تستدعي أولئك الذين‬ ‫أعجبوا بها‪ ،‬حتى أولئك الشبان الذين يعاكسونها في الشارع‪ ،‬واكتشفت‬ ‫أنهم أصحاب عاهات‪ ،‬فذاك أعرج واآلخر مهبول أو أكتع‪ ،‬ولم تلتق‬ ‫برجل وس�يم يتحرش بها‪ ،‬وفي أحد األيام كانت تس�ير برفقة والدتها‬ ‫في شارع عمر المختار‪ ،‬حين أخذ يطاردهما شاب وسيم جد ًا لدرجة‬ ‫أذهلتها‪ ،‬أشارت إلى والدتها تنبهها‪ ،‬وأبدت بعض اللين ومنحته ابتسامه‬ ‫مراوغة‪ ،‬اقترب منها وقد شجعته تلك االبتسامة ليتكلم معها باإلشارات‬ ‫وهو يبتسم‪ ،‬وانفجرت ضاحكة تسخر منه‪:‬‬ ‫‪96‬‬ ..‬‬ ‫« كانت فرصة جديدة (ليس�رى) لتس�رد تاريخ حظها البائس من‬ ‫الذي�ن أعجب�وا به�ا وه�ي فت�اة صبية حتى رس�ا بها الق�در عند زوجها‬ ‫الذي لم يمأل قلبها وعينها أيض ًا حتى هذا اليوم‪.‬رضا) البواب يسألني عن عمري!‬ ‫ضحكوا جميع ًا منها وأعربوا عن دهش�تهم وهي تش�رح وتمثل‬ ‫لهم نظراته الممتلئة شبق ًا‪.‫بآهاته المحمومة وأنفاسه الحارة قريبة من أذنها على الرغم من غطاء‬ ‫الرأس السميك‪ ،‬انزاح جسدها مباشرة بال تفكير وابتعد عن جسد رضا‬ ‫الذي كاد يلتصق به‪ .

‬ش�عرت‬ ‫بهيج�ة بالغثي�ان الش�ديد والنعاس‪ ،‬اإلره�اق والتفكير بالرحلة جعالها‬ ‫قلقة‪ ،‬لم تنم منذ يومين‪ ،‬عقلها يرفض االستسلام لهذا الس�لطان كما‬ ‫الخوف يرجح كفة الصحو في ذلك الجو الخانق الكريه ويبعث الشعور‬ ‫بحريق يلتهم أجفانها‪ ،‬مع اهتزازات المركب الش�ديدة من كل اتجاه‬ ‫تأرجحت بين كل تلك المشاعر‪.‬آه هذا حظي!‪.‬‬ ‫ه�ذه ه�ي (يس�رى)‪ ،‬بالرغ�م م�ن س�خريتها القاس�ية ال يمكن أن‬ ‫يكرهه�ا أح�د دائم� ًا‪ ،‬وال يمك�ن ألح�د أن يعرف قصصه�ا وحكاياتها‬ ‫الكثيرة لكثرة وجوهها ومزاحها أيض ًا‪».‬م�دت يده�ا وهي نصف‬ ‫مفتوح�ة‪ ،‬أخرج�ت رزم�ة نق�ود‪ ،‬ع�ادت يده�ا إلى داخ�ل الحقيبة مرة‬ ‫أخ�رى وأخ�رى‪ ،‬وف�ي كل م�رة كانت تظهر رزمة جديدة‪ ،‬كان للحقيبة‬ ‫مخابيء عديدة‪ ..‬‬ ‫***‬ ‫م�زاج البح�ر ه�اديء‪ ،‬بع�د االضطراب خلف لهفة في األجس�اد‬ ‫المرتعشة لاللتصاق بعضها ببعض‪ ،‬وااللتصاق أثار مشاعر مختلفة تأتى‬ ‫من ماض بعيد ثم تدنو إلى الحاضر الراهن‪ ،‬دوامة بحرية تحمل رائحة‬ ‫األسماك المتفسخة مختلطة برائحة األقدام المتسخة والبول الذي ال‬ ‫يمكن أن يجف في قعر المركب‪ ،‬ودخان الس�جائر الملتوي‪ .‬‬ ‫« تهيأ لها أنها ترى فجأة بجانبها حقيبة‪ ،‬حاولت أن تتذكر متى‬ ‫حملتها‪ ،‬ومتى كانت لديها حقيبة تفتح باألرقام؟ تشبه حقيبة يحملها‬ ‫الس�يد عب�د المجي�د‪ ،‬تذك�رت أن الحقيب�ة تعط�ل قفلها ذات يوم وأنها‬ ‫كانت مرمية في مكان ما‪ ،‬حاولت التأكد مما خطر لها‪ ،‬سحبتها إلى‬ ‫حضنه�ا وعبث�ت بأرقامه�ا‪ ،‬انفتح�ت فج�أة‪ ..‬نظرت إلى ما جمعته‪ ،‬ارتبكت وهي تحاول إحصاءه‬ ‫وال تريد ألحد من حولها أن ينتبه إلى كنزها الثمين‪ ،‬ألقت نظرة إلى‬ ‫يمينها فإذا بكل شيء يتبخر من حولها‪ ،‬وفي لحظة واحدة فهمت من‬ ‫‪97‬‬ . ‫‪ -‬كان أصم‪ ..

... ‫نظرات رضا أنها غفت وكل ما رأته مجرد حلم «‪.‬‬ ‫كان�ت ه�ذه الذاك�رة المعدني�ة الت�ي تحمله�ا ه�ي آخ�ر صلة لها‬ ‫بالماض�ي‪ ،‬تري�د أن تج�رب تفري�غ ذاكرتها التي ولدت بها‪ ،‬وتنقل كل‬ ‫ال جديد ًا ترس�مه وتخطط له‬ ‫مافيها إلى الذاكره المعدنية وتبدأ مس�تقب ً‬ ‫كما تشتهي وتحلم‪.‬‬ ‫في تلك اللحظة أحست وكأنها وصلت إلى كل ماتتمناه‪ ،‬راودها‬ ‫شعور باالنتصار‪ ،‬انتقلت مشاعرها إلى أعلى نقطة من األحاسيس التي‬ ‫تفج�ر لحظ�ة ضح�ك أو ب�كاء‪ ،‬وكان�ت دموعه�ا أق�رب‪ ،‬ارتبكت مثل‬ ‫مراهق�ة صغي�رة تبك�ي وه�ي تري�د أن تضحك‪ ،‬بهيجة بلغت الخامس�ة‬ ‫‪98‬‬ ...‬هذا ماظنته لسنوات طويلة‪ ،‬ثم قررت أن تخلع ثوب الخادمة‬ ‫دفع�ة واح�دة‪ ،‬فه�ي أذك�ى من أن تبقى على الدرجات الس�فلى لس�لم‬ ‫المجتمع‪ ،‬قررت ذلك بال تردد‪ :‬أن تكون لها حياة جديدة في مدينة‬ ‫التعرف فيها أحدا وال أحد يعرف ماضيها‪ ،‬على الرغم من أن عملها‬ ‫لا جي�د ًا إذا قارن�ت ذلك بالماض�ي البائس في‬ ‫المضن�ي وف�ر له�ا دخ ً‬ ‫المغ�رب‪ ،‬ه�ذه ه�ي هجرته�ا الثاني�ة‪ ،‬في الهج�رة األولى حملت معها‬ ‫ماضيا مزيفا إلى ليبيا‪ ،‬قالت إنها ابنة عائلة غنية وأن شقيقتها طبيبة في‬ ‫فرنسا‪ ،‬وإن‪ ..‬وإن‪ ..‬كذبت حتى التشعر بالذل‪ ،‬وأختها في فرنسا‬ ‫الت�ي تعم�ل موظف�ة اس�تقبال ف�ي إحدى المصحات الخاصة تش�جعها‬ ‫عل�ى المض�ي ف�ي الهج�رة‪ ،‬وف�ي الوقت ذاته تصارحها بأنه اليحق لها‬ ‫دعوتها ألنها لم تحصل على الجنسية الفرنسية بعد‪ ،‬في الهجرة األولى‬ ‫حملت معها الماضي الذي أرادته والذي التريده‪ ،‬أما اآلن فكل ماتريده‬ ‫هو مس�ح هذا الماضي وكل مايمت إليه بصلة حالما تصل الش�اطيء‬ ‫المقابل‪.‬‬ ‫بهيج�ة خلق�ت ام�رأة طموح�ة‪ ،‬تعلم أنها ال تمتلك جس�د ًا أنثوي ًا‬ ‫جذاب� ًا‪ ،‬إنم�ا ف�ي داخله�ا تحم�ل أحالم ًا أكبر مم�ا تملكه من إمكانات‬ ‫لتحقيقها‪ .

‫والثالثين‪ ،‬لكنها وقبل أن تصعد إلى المركب بقليل تشعر أنها عاشت‬ ‫أكثر من مئة عام‪ ،‬وفي لحظة تدفق مشاعرها أحست بأنها عادت شابة‬ ‫صغيرة مقبلة على الحياة‪.‬‬ ‫‪99‬‬ .

‬‬ ‫‪ -‬إن شاء الله خير‪.‬‬ ‫انشغلت تمام ًا في أعمال المطبخ بعد أن اتصل زوجي وأخبرني‬ ‫أنه سيمضي الليل كله معي‪ .‬‬ ‫لم تجرؤ يسرى على متابعة حديثها‪ ،‬استمرت في هبوط الساللم‬ ‫وأنا أصعدها إلى أعلى‪ ،‬قررت أن ال أخبر هدى حتى ال أدع ظنونها‬ ‫تذهب أبعد من الحقيقة فهي التثق بتصرفات يسرى أبد ًا‪ ،‬بالرغم من‬ ‫أنني توقعت أن تقوم يسرى نفسها باالتصال بها وإبالغها‪.‬‬ ‫صعقن�ي الخب�ر‪ ،‬وأكث�ر م�ن ذل�ك معرفته�ا باألم�ر قب�ل زوجته‪.‬عالقتي‬ ‫معها لم تكن تتجاوز لقاءات قصيرة في بيت هدى‪.‬‬ ‫حاول�ت أن أتاب�ع س�يري فلا أعطيها مزي�د ًا من الوقت‪ . ‫حياة هدى ال�سرية‬ ‫بعد عودتي مع هدى إلى العمارة صعدت إلى بيتها‪ ،‬وكان علي‬ ‫أن أرتق�ي السلالم بس�بب عط�ل ف�ي المصعد‪ ،‬كن�ت ألهث تعب ًا حين‬ ‫تقابلت مع يس�رى تنزل برش�اقة وخفة وهي تحاول ش�د غطاء رأس�ها‪،‬‬ ‫بادرتني بالتحية والسؤال‪:‬‬ ‫‪ -‬مرحب ًا‪ ،‬هل خرجت برفقة هدى؟ أعتقد أن زوجها عادل يرقد‬ ‫مريض ًا في المشفى‪.‬‬ ‫حاولت االستفسار فأجابت دون أن تنتظر سؤالي‪:‬‬ ‫‪ -‬كنت في (الس�وبر ماركت)‪ ،‬التقيت ابنه فس�ألته عن أخبارهم‬ ‫وأجاب‪:‬‬ ‫‪ -‬والدي في (الكلينيكا)‪.‬في السابق كانت هذه الحياة تسبب قلق ًا‬ ‫‪100‬‬ .

‬إذا كنت سعيدة بالعمل فهذا أفضل بكثير‪.‬‬ ‫لكنه فاجأني بقوله‪:‬‬ ‫‪ -‬أراك مشغولة البال‪ .‬أقصد ربما حياتك المهنية أصبحت أكثر‬ ‫جدية‪.‬‬ ‫ذهبت إلى فراشي وأنا على يقين أن مايشغلني هو إنجاز الكتابة‬ ‫أوالً‪ ،‬وليس أي شيء يتعلق بمسألة اإلنجاب أو بحياة وعمل زوجي‬ ‫طالما هو ينفق بسخاء‪ ،‬تذكرت هدى‪ ،‬كدت أتصل بها لكنني تراجعت‬ ‫فالوقت قد تأخر‪.‬‬ ‫زوج�ي المقت�در مالي� ًا فض�ل ه�ذا الحل واقت�رح أن يزورهم بين حين‬ ‫وآخ�ر عندم�ا يأت�ي إل�ى طرابل�س‪ ،‬حين تأخرت ف�ي اإلنجاب أصابني‬ ‫اإلحب�اط‪ ،‬بينم�ا تبي�ن ل�ي أنه أس�عد حاالً مع ه�ذه الظروف‪ ،‬مع ذلك‬ ‫س�افرت برفقته للعالج في الخارج‪ ،‬وعندما تبين أنني ال أش�كو من‬ ‫علة‪ ،‬تناسيت مشكلتي‪.‬‬ ‫ابتسم برضا واضح وتابع‪:‬‬ ‫‪ -‬عادي‪ .‬‬ ‫كنت أتحرك ببطء ورغبتي في النوم أكثر من السهر‪ .‬‬ ‫استيقظت في التاسعة صباح ًا‪ ،‬نهضت مسرعة‪ ،‬قفزت من السرير‪،‬‬ ‫وكأن موعد ًا هام ًا فاتني‪ ،‬أحسست بنشاط مفاجيء‪ ،‬ربما ألنني أخذت‬ ‫‪101‬‬ .‬‬ ‫رتبت مائدة الطعام‪ ،‬حاولت أن تكون األطباق ش�هية‪ ،‬وجلس�ت‬ ‫أقلب جهاز تحكم قنوات الشاش�ة‪ ،‬أخذتني غفوة قصيرة على الكنبة‬ ‫الوثيرة‪ ،‬ال أعلم كم مضى علي حتى أيقظتني يده تربت على خدي‪،‬‬ ‫نظرت إلى الس�اعة‪ ،‬كانت العاش�رة ليالً‪ ،‬نهضت من جديد لتس�خين‬ ‫الطعام‪.‫ل�ي؛ لي�س ألن�ي الزوج�ة الثاني�ة‪ ،‬كن�ت فضلت منذ بداي�ة زواجي بقاء‬ ‫أوالده في بيتهم بعد وفاة والدتهم حتى ال أتحمل عبء مسؤوليتهم‪.‬اعتاد زوجي‬ ‫هذا البرود والصمت‪ ،‬وكأن ليس لديه وقت لمناقشة مزاجي المتبدل‪.

‫قس�ط ًا واف�ر ًا م�ن الن�وم‪ ،‬ل�م أجد زوجي ووجدت عل�ى الطاولة صك ًا‬
‫موقع ًا منه وإلى جانبه ورقة يبلغني بسفره لمدة عشرة أيام‪.‬‬
‫في بداية زواجنا كنت أشعر بالوحدة والضيق إذا سافر دون أن‬
‫يبلغن�ي أو يطل�ب من�ي مرافقت�ه‪ ،‬حين وج�دت أن غضبي اليؤثر كثير ًا‬
‫تغير سلوكه‪ ،‬واعتدت األمر وشكرت الله أنني اآلن ال أشبه الكثيرات‬
‫م�ن زميالت�ي اللوات�ي يحلم�ن بالزواج ليل نهار‪ ،‬وضعت ورقة الصك‬
‫في محفظتي‪ .‬دخلت إلى المطبخ إلعداد القهوة‪ ،‬سمعت رنات الهاتف‬
‫المميزة والخاصة برقم هدى‪ ،‬تذكرت أني باألمس لم أهاتفها‪ ،‬ركضت‬
‫نحو الهاتف‪ ،‬كان صوتها مجروح ًا بالحزن وسألتني إن كان لدي وقت‬
‫للحديث‪ ،‬ضحكت في سري وأجبتها‪:‬‬
‫‪ -‬البأس‪ ،‬لدي س�اعة قبل أن أخرج لموعدي‪ .‬نهاري مش�غول‬
‫بتغطية نشاط ثقافي‪.‬‬
‫ش�كرتني‪ ،‬ارتدي�ت مالبس�ي‪ ،‬وقب�ل أن أخ�رج لمح�ت مجموعة‬
‫المخطوط�ات وق�د عبث�ت به�ا ي�د زوج�ي‪ ،‬تأملته�ا ببرود ش�ديد ولم‬
‫أحاول ترتيبها‪ ،‬وخرجت‪.‬‬
‫عندما فتحت الباب كانت أجفانها منتفخة واإلرهاق ظاهر ًا عليها‬
‫بش�دة‪ ،‬اس�تقبلتني بترحاب وهي تحاول إخفاء حزنها‪ ،‬تغلب فضولي‬
‫على ما أحمله من نبل المشاعر لهدى وسألتها‪:‬‬
‫‪ -‬سمعت أن عادل في المصحة‪.‬‬
‫انهمرت دموعها‪ ،‬ومسحتها بمنديل في يدها بنفس اللحظة‪ ،‬كانت‬
‫رائحة القهوة الس�اخنة تعبق في الغرفة‪ ،‬س�كبت فنجانين‪ ،‬قدمت لها‬
‫واحد ًا وأخذت فنجاني‪ ،‬جلسنا متجاورتين على الكنبة والتفت بجذعي‬
‫إليها مصغية‪ ،‬شكرتني على تقديم القهوة وقالت‪:‬‬
‫‪ -‬باألم�س عندم�ا دخل�ت م�ن باب البيت اتصلت بي يس�رى‪..‬‬
‫أبلغتن�ي أن زوج�ي ف�ي المصح�ة‪ ..‬ش�هقت‪ ،‬وع�ادت تمس�ح دمع�ة‬

‫‪102‬‬

‫وتابعت‪:‬‬
‫‪ -‬تص�وري انش�غالي وقلق�ي وال أدري ماه�ي أخب�ار زوجي إال‬
‫من يسرى‪.‬‬
‫‪ -‬البأس‪ ،‬المهم كيف حاله اآلن؟ هل ذهبت إليه؟‪.‬‬
‫صدرت آهة طويلة منها وقالت‪:‬‬
‫‪ -‬نعم أسرعت إلى هناك‪ ،‬دخلت إلى غرفته‪ ،‬كانت حاملة أنبوب‬
‫تغذية إلى جانب السرير واألنابيب مغروسة في وريده وهو نائم‪ ،‬وإلى‬
‫جواره سرير ثان يحتله رجل طاعن في السن‪ ،‬وفي الطرف اآلخرمن‬
‫سريره يجلس شاب على كرسي‪ ،‬عندما رآني أدخل استأذن باالنصراف‬
‫لنصف ساعة وطلب مني مراقبة والده العجوز‪ ،‬جلست وحدي أبكي‪،‬‬
‫كن�ت أنتظ�ره ليصح�و وأفك�ر بوضعي هذا‪ ،‬دخلت طبيبة‪ ،‬س�ألتها عن‬
‫حالته فأجابتني‪:‬‬
‫‪ -‬لدي�ه الته�اب ح�اد في المس�الك‪ ،‬وأتوق�ع أن لديه حصاة في‬
‫الكلية‪.‬‬
‫وخرجت‪ .‬لم أكن أعرف ما إذا كانت صفاء أتت لزيارته أم ال؟‬
‫ولكن فجأة دخل ش�قيقها‪ ،‬كنت أعرفه تمام ًا لكنه اليعرفني‪ ،‬ش�عرت‬
‫بالخوف ألن تأثري كان واضح ًا ولن يقتنع أنني مجرد صديقة لعادل‬
‫وزوجته‪ .‬من محاس�ن القدر أن ش�قيقها يش�به أخته في الغباء‪ ،‬اعتقد‬
‫أنن�ي مرافق�ة للرج�ل العج�وز فأخذ يس�ألني عنه وع�ن مرضه‪ ،‬ادعيت‬
‫أنني ابنته وانسحبت بسرعة ألقف في الباب‪.‬‬
‫ف�ي الحقيق�ة كنت أخش�ى دخول الش�اب اب�ن العجوز وافتضاح‬
‫أمري‪ ،‬بقيت أكثر من عش�ر دقائق‪ ،‬كان عادل قد اس�تيقظ وس�معت‬
‫صوته يتكلم إلى شقيق صفاء وصمتت هدى قليالً‪.‬‬
‫طلب�ت منه�ا أن تس�تمر‪ ،‬كن�ت أح�اول أن يب�دو اهتمام�ي دعم� ًا‬
‫ومساندة لها وليس مجرد فضول لمعرفة ما يحدث‪ ،‬تابعت‪:‬‬

‫‪103‬‬

‫ال في الخارج‪ ،‬طلبت‬ ‫‪ -‬عاد الشاب وطلبت منه أن يبقى معي قلي ً‬
‫مساعدته‪ ،‬حكيت له إنني الزوجة الثانية المغلوبة على أمرها‪.‬‬
‫توقفت من جديد لتمسح دمعها‪ ،‬كان صوتها مقهور ًا‪ ،‬أحسست‬
‫بألمها وشكرت الله أنني زوجة ثانية في العلن وليس في السر‪ .‬أستطيع‬
‫أن أغضب وأفرح وأحزن متى شئت‪ ،‬يمكن لي أن أحبل وأنجب ال‬
‫أن أجهض إذا ماش�عرت ببوادر الحمل كما فعلت هدى عدة مرات‪،‬‬
‫كل ماقالته هدى فيما بعد هو تفريغ لكتلة الحزن والعجز الذي تشعر‬
‫به في مثل هذه المواقف‪.‬‬
‫كان عليه�ا أن تبق�ى الس�ائق الخ�اص لم�دام صف�اء أثن�اء مرض‬
‫زوجه�ا‪ ،‬تذهب�ان إل�ى المصح�ة مع� ًا وتعودان مع� ًا وال يحق لها البقاء‬
‫معه وحيدة‪.‬‬
‫بعد ثالثة أسابيع توطدت عالقتي بهدى أكثر‪ ،‬حاولت أن أدعمها‬
‫بصدق لهذا كان البد أن ألتقي يسرى مرات عديدة فتكشف لي وجها‬
‫جدي�د ًا له�ا‪ ،‬غي�ر أنه�ا الم�رأة التافه�ة التي تجيد إلق�اء النكات والقيام‬
‫بحركات التهريج‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫« من �أوراق ي�سرى»‬ ‫منذ ش�هور رغبت أن ألتقي الكاتبة في بيت هدى‪ ،‬كنت أس�مع‬ ‫اسمها يتردد في أكثر من مكان‪ ،‬كانت تحظى بمكانة كبيرة لدى هدى‪،‬‬ ‫لم أفكر يوم ًا أن الكتابة يمكنها منح اإلنسان كل هذا االحترام وتحديد ًا‬ ‫المرأة‪ ،‬لم ألتق يوم ًا بكاتبة إال على شاشة التلفزيون‪ ،‬أتابع حوار ًا مع‬ ‫كاتبة لمدة ربع ساعة ثم أغير القناة ألنهن يتحدثن بلغة غير مفهومة‪،‬‬ ‫ص�ورة الكاتب�ة ف�ي ذهن�ي‪ :‬ام�رأة التمتلك األنوث�ة والتعرف الضحك‬ ‫وال يمكن أن تدخل المطبخ كل يوم أو تحبل وتلد وتربي األطفال‪،‬‬ ‫وألنن�ي أح�ب التقص�ي ح�ول أي امرأة علمت أن الكاتبة كانت تعرف‬ ‫السيد عبد المجيد‪.‬‬ ‫وسألت نفسي أكثر من مرة وأكثر من سؤال‪:‬‬ ‫‪ -‬ي�ا إله�ي‪ ،‬ه�ل أقام�ت مع�ه عالقة؟ هل أكرمه�ا بالهدايا؟ هل‬ ‫سافرت برفقته؟ هل‪....‬؟هل‪.‬؟ كانت األسئلة تحرقني وال سبيل للتأكد‬ ‫من طبيعة العالقة إال بمواجهتها يوم ًا ما‪ ،‬أشعر أنها التستلطفني لكن‬ ‫اقتح�ام عالمه�ا ل�ن يصع�ب عل�ي أب�د ًا‪ ،‬وأن�ا قادرة عل�ى ارتداء ثوب‬ ‫الحكم�ة واله�دوء ب�ل يمك�ن أن ألج�أ إليه�ا وأحك�ي له�ا ع�ن كمال‬ ‫الرجل الوحيد الذي أحببته‪ ،‬كل من سبقه من الرجال الذين عرفتهم لم‬ ‫يستطيعوا أن يقهروني أو يبقوا على اإلثارة في حياتي مثل كمال‪.‬‬ ‫المش�كلة الت�ي تعترضن�ي أن الكاتب�ة ل�م تحاول إفس�اح المجال‬ ‫إمامي لدخول بيتها‪ .‬تتجنب دعوتي تمام ًا‪ ،‬ولكن في األسبوع األخير‬ ‫ربما بدأت تس�تلطفني بعد أن اس�تلفت منها مجموعة روايات بش�كل‬ ‫‪105‬‬ .

‬‬ ‫سأذهب إليها وأر ّد لها رواية (ابنة الحظ) بما أن هدى مشغولة‬ ‫بمرض زوجها‪ ،‬هذه الرواية التي لم أفهم منها كلمة واحدة!‬ ‫‪106‬‬ ...‬‬ ‫الحقيق�ة أن هدوئ�ي يع�ود لصدمت�ي العاطفي�ة‪ ،‬وحدس�ي ال�ذي‬ ‫يخبرن�ي ب�أن كم�ال س�يضيع من�ي لألبد‪ ،‬من�ذ أيام وهو يحكي لي عن‬ ‫قراره باالرتباط الجدي بعد فشله لمرتين‪ ،‬الأدري هل أفرح أم أحزن؟‬ ‫في نهاية األمر كمال شاب وعازب ويصغرني بست سنوات‪ ،‬كما أنه‬ ‫رج�ل ث�ري ويعم�ل ف�ي منص�ب كبي�ر‪ ،‬لن أتمكن م�ن مطاردته طوال‬ ‫العمر‪ ،‬المهم أن يأتي قرار التخلي من طرفي أنا‪.‬الكاتب�ة‪ ،‬أج�ل ه�ي من س�تكتب‪ ،‬س�أعرض عليه�ا فيما بعد‬ ‫كل ما أكتبه وهي حرة‪ ،‬تفعل به ما تش�اء‪ ،‬تغيره‪ ،‬تصلح من ش�أنه‪.‬‬ ‫اليهمني‪.‬فقط أخبرتها أنني أقرأ الكتب التي تس�تعيرها هدى منها‬ ‫وأخبرتها عن ولعي بالكتابة‪ ،‬أعلم أنني سببت لها صدمة‪ ،‬فهي تعتقد‬ ‫أنها المثقفة الوحيدة في العالم‪ .‬األسبوع األخير كان اقترابي منها بفضل‬ ‫الهدوء الذي التزمته بحضورها‪.‬ال يمكنني‪ ،‬هذ‬ ‫مهم�ة‪ .‫غير مباش�ر‪ ..‬‬ ‫الكتابة مهمة صعبة‪ ،‬كيف أكتب عن ألمي اآلن في هذه اللحظة؟‬ ‫ماهي الكلمات التي تعبر عن انكس�اري وهزيمتي؟‪ ...

‬‬ ‫لطالما ذكرت ش�كوى هدى من زيارات يس�رى لها كل صباح‬ ‫ودون استئذان ومراقبتها خروج زوجها ثم طرقها بابها‪ ،‬ودخولها إلى‬ ‫المطب�خ‪ ،‬تع�د القه�وة ريثم�ا تنتهي هدى من االس�تحمام‪ . ‫وجه �آخر لي�سرى‬ ‫تعلمت أن أضع مسافة لآلخرين ال يمكن القفز عليها أو تجاوز‬ ‫خطها األحمر واقتحام حياتي‪.‬‬ ‫في هذه المناش�ط الثقافية ومنذ س�نوات اليدعى أديب أو مفكر س�بق‬ ‫أن سمعت عنه إال وسارعت إلى الحضور‪ ،‬كل صباح أطالع األخبار‬ ‫الثقافية‪ ،‬يكتب في الخبر الصحفي المعلن عن نشاطه األديب العربي‬ ‫الكبير‪ ،‬الشاعر العظيم‪ ،‬وهكذا تهدى األلقاب لفالن أو عالن لمجرد‬ ‫أنه قبل الحضور إلى نشاط في ليبيا‪ ،‬بعد أن يكون قد اشترط مكافآة‬ ‫مالية كبيرة‪ ،‬طبع ًا بلد غني يضخ النفط بال حساب‪ ،‬يأتي الضيف وطوال‬ ‫إقامته يتأفف من شروط اإلقامة والخدمات ال تفيه حقه‪ ،‬نادر ًا ما طلب‬ ‫واحد من الضيوف الكبار الذين ألتقي بهم التعرف على مدينة طرابلس‪،‬‬ ‫أو كلف نفسه عناء البحث والسؤال عن الثقافة واألدباء فيها‪ ،‬لم يهتم‬ ‫أغلبه�م بكورني�ش طرابل�س الممت�د لمئات األمتار وس�ط المدينة‪ ،‬لم‬ ‫‪107‬‬ .‬كنت أش�عر‬ ‫بالغيظ بدالً عنها ولم أتوقع الوقوع في مطب كهذا‪.‬‬ ‫كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساء‪ ،‬وجدت المصعد معط ً‬ ‫ال‬ ‫كم�ا ف�ي أغل�ب األي�ام‪ ،‬صعدت السلالم بهدوء أحمل بعض األوراق‬ ‫والكتب التي أهديت إلي في الندوة األدبية التي انتهت بعد ثالثة أيام‬ ‫من الشقاء‪( :‬لقاءات وحوارات سمجة مع من يدعون أنهم أدباء كبار)‪..

‫ينتبه�وا إل�ى أن هن�اك مدين�ة قديم�ة أو متحف� ًا أو إلى « تمثال الغزالة «‬ ‫وسط أجمل ميدان محاط بغابة من أشجار النخيل‪.‬‬ ‫ل�م تنتظ�ر من�ي ترحيب� ًا أومجاملة‪ ،‬انطلق�ت تتكلم بصراحة عن قصتها‬ ‫مع كمال‪ ،‬وكأن سنوات طويلة من الصداقة تجمعنا‪.‬‬ ‫أعددت القهوة ووضعت بعض قطع البسكويت في طبق صغير‪..‬لم تس�تأذن‪ ،‬بل كان فرض ًا‬ ‫وأمر ًا واقع ًا بطريقة مهذبة‪ ،‬تحمل االمتنان المسبق على تلبية طلبها‪.‬‬ ‫أشعربهذه المرارة كثير ًا كلما أقيم نشاط‪ ،‬تدور هذه األفكار في‬ ‫ذهني ألنسى مرارة صعود الساللم‪ ،‬ويفاجئني انتظار يسرى لي‪ ،‬كان‬ ‫وجهها حزين ًا على غير عادته‪ ،‬رموشها مبتلة وكأنها خارجة من حفلة‬ ‫بكاء‪ ،‬لحقت بي قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬سأتناول فنجان قهوة معك‪.‬‬ ‫دخل�ت مع�ي إل�ى البي�ت‪ ،‬فتحت لها ب�اب غرفة الصالون‪ ،‬كنت‬ ‫حريص�ة عل�ى تقدي�م واج�ب الضيافة بش�كل يقترب من الرس�مي‪ ،‬ال‬ ‫أريدها أن تلحق بي إلى المطبخ وغرفة المعيشة‪ ،‬لن أسمح لها بإنشاء‬ ‫عالقة حميمة معي‪.‬كانت تجيد دفع المقدمات ألي موضوع تتحدث فيه‪ ،‬تشعرني‬ ‫‪108‬‬ .‬‬ ‫أغلبهم يستعجل الوصول إلى المطار‪ ،‬ومنذ أن تطأ قدمه طرابلس‬ ‫يقدم تذكرته ليتم حجز العودة في أقرب فرصة‪ ،‬اليمنح نفس�ه فرصة‬ ‫ليكتش�ف مدينة غامضة بس�حرها بهية الحضور‪ ،‬يس�رع إلى المغادرة‬ ‫ول�ن ننتظ�ر بالتأكي�د أن يأت�ي عل�ى ذكر محاس�نها ف�ي حوار إذاعي أو‬ ‫صحفي‪ ،‬األذكياء فقط واألدباء الحقيقيون هم من توقفوا هنا ولهجوا‬ ‫باسم هذه المدينة لسنوات طويلة‪ ،‬فبادلتهم طرابلس بحب أكبر‪ ،‬كانوا‬ ‫استثنائيين كما طرابلس تمام ًا‪.‬‬ ‫ذرف�ت دموع� ًا وس�معت آهاته�ا وحس�رتها عم�ا يح�دث لها من‬ ‫عذاب‪ .‬‬ ‫تل�ك ه�ي قم�ة ال�ذوق التي تمتلكها‪ .

‬‬ ‫‪ -‬ه�ل ش�عرت يوم� ًا أن�ك مس�تلبة؟ تلتقي�ن برجل وم�ن النظرة‬ ‫األولى تعتقدين أن من حقك مطاردته؟!‬ ‫أضبط نفسي فجأة بحالة ذهول شديد‪ ،‬ألنني ابنة هذا المجتمع‬ ‫الذي اليعترف بأي نوع من العالقة بين امرأة ورجل دون زواج‪ ،‬منذ‬ ‫سنوات قليلة بات من المسموح لشابة عازبة االعتراف العلني بعاطفتها‬ ‫وخفقات قلبها‪ ،‬وضمن حدود إطار العالقة بالصديقات‪ ،‬يمكن أن يأتي‬ ‫هذا االعتراف وليس على المكش�وف‪ ،‬كلنا تحكمنا عادات المجتمع‬ ‫المحافظ‪ ،‬ندرك أن وراء األبواب المغلقة والنوافذ الموصدة حكايات‬ ‫وعالقات سرية‪ ،‬لكن من غير المسموح أن يجاهر بها‪.‬‬ ‫أس�أل نفس�ي‪ :‬يارب�ي م�اذا أفع�ل بهذه الم�رأة؟ كم هي واثقة من‬ ‫كتماني لسرها‪ . ‫بأنني شريكتها المتعاطفة معها سلف ًا‪.‬‬ ‫تجاوزت الصدمة األولى من هذا البوح الجريء‪ ،‬ألول مرة ألتقي‬ ‫ام�رأة متزوج�ة تحك�ي عن عالقة خ�ارج الزواج‪ ،‬وتعتبرها حق ًا طبيعي ًا‬ ‫ف�ي الحي�اة‪ ،‬وأن ماتفعل�ه ال إرادة له�ا في�ه‪ ،‬بل هي مس�لوبة تمام ًا هذا‬ ‫تعبيرها الدقيق عن مشاعرها‪.‬‬ ‫تقولها وهي متأكدة أنني أختلف عن غيري من النساء‪ ،‬وتتابع‪:‬‬ ‫‪ -‬وأنا أحب الكتابة‪ ،‬تعلمين أني ال أمتلك لغة جيدة أكتب بها‬ ‫عن مشاعري وما يجري معي‪ ،‬لو تكتبين قصتي!‬ ‫غصب� ًا يب�دو االمتع�اض عل�ى وجه�ي‪ .‬أحاول أن أب�دو أكثر رقة‬ ‫معها‪ ،‬أجيبها‪:‬‬ ‫‪ -‬ياعزيزتي كل واحد في هذا العالم يعتقد أن قصته جديرة بأن‬ ‫لدي الرغبة وأحاول‬ ‫تكون رواية‪ ،‬ثم إنني لم أكتب أية رواية‪ ،‬مازالت ّ‬ ‫‪109‬‬ .‬ماهذا الثقل الذي تحملني إياه‪.‬‬ ‫فجأة تقول لي‪:‬‬ ‫‪ -‬أنت كاتبة‪.

‬‬ ‫ابتسمت بو ّد كبير وشكرتني على سعة صدري‪ ،‬كنت أفرغ علبة‬ ‫العصير والشكوك تراودني‪ :‬هل أفتح بيتي وقلبي لها أم أغلق هذا الباب‬ ‫إلى األبد؟ هل لديها حكاية مثيرة أم إنها إحدى كذباتها؟ هل يمكن‬ ‫أن تطرق بابي كل صباح ومساء كما تفعل مع هدى والشقرا؟‬ ‫سمعت منهما أنها ال يمكن أن تضبط لسانها أبد ًا‪ ،‬ثرثارة كبيرة‬ ‫وال تحفظ األس�رار‪ ،‬ولكن مم أخاف؟ ال تملك من تفاصيل حياتي‬ ‫أي شيء‪ ،‬سوف أستقبل فقط‪ ،‬وأقطع اإلرسال من ناحيتي‪ ،‬هذه أفضل‬ ‫سياسة يمكن اتباعها‪ ،‬البد أن أصغي لها‪.‬لم أق�دم اعتذار ًا عن‬ ‫إهمالي لشأن بيتي وهي لم تحاول إحراجي‪ ،‬وضعت المياه الجديدة‬ ‫في اآلنية وأعادت ترتيب الورد‪ ،‬عدنا مع ًا إلى نفس الغرفة‪.‬‬ ‫كنت مستغرقة بالتفكير‪ ،‬انتفضت فجأة على حركة جسد رشيقة‬ ‫خلفي‪ ،‬التفت إليها‪ ،‬وجدتها تحمل آنية الزهور التي نسيت فيها بعض‬ ‫الورود‪ ،‬وقد جف بعضها وتساقطت أوراقها‪ ،‬حدث ذلك بفعل النسيان‬ ‫وع�دم االهتم�ام‪ ،‬ابتس�مت يس�رى وبال تكلف أخ�ذت تجمع األزهار‬ ‫الجي�دة وتش�ذبها وترم�ي األوراق الجاف�ة‪ ،‬تق�وم بالعمل وكأنها تألف‬ ‫الم�كان من�ذ س�نوات طويل�ة وتتنق�ل في�ه بخف�ة‪ .‬‬ ‫هذه المرأة تتمتع بجرأة غريبة‪ ،‬يمكنها أن تتسلل إلى حياة اآلخرين‬ ‫‪110‬‬ ..‬‬ ‫تمكن�ت م�ن ج�ذب اهتمام�ي‪ ،‬هذه المرأة التافه�ة حياتها مثيرة‪،‬‬ ‫لطالما س�معت همس�ات النس�اء حولها في بيت هدى! فكرت بأنها‬ ‫مسلية‪ ،‬تجاوبت معها وشجعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬سأحضر لك كأس عصير وتحكين لي‪. ‫فعل ذلك!‬ ‫تقاطعني وتقول بحماس واضح‪:‬‬ ‫‪ -‬سأمنحك أجمل قصة‪ ،‬التعتقدي أن قصتي عادية‪ ،‬فيها أشياء‬ ‫غريبة التحصل كثير ًا في الحياة‪..

‫ببساطة‪ ،‬ال يمكن القيام معها بخطوة تردعها بقسوة‪ ،‬تتصرف بو ّد الفت‪،‬‬
‫تثرثر طوال الوقت‪ ،‬ال تنصت إال إذا أعجبتها القصة التي تستمع إليها‪،‬‬
‫وتفضل في الغالب قصص ًا تتعلق بحياة اآلخرين‪ ،‬تلك التي ال يمكن لي‬
‫الخوض فيها وال أجيدها‪ ،‬ربما في داخلي أتقاسم الشبه معها‪ ،‬أنصت‬
‫لمثل هذه الحكايات‪ ،‬وعندما أريد مراجعتها فيما بعد‪ ،‬أجدها تقلصت‬
‫وأصبحت أقل من أقصوصة‪ ،‬وأحيان ًا يكون مايلفت انتباهي ويرس�خ‬
‫في ذاكرتي عبارة واحدة‪ ،‬ومعظم الوقت أنسى مجمل ما أستمع إليه‪،‬‬
‫لهذا كان علي أن أعتمد التدوين مباشرة‪ ،‬هذا ماخطر لي عندما ألحت‬
‫يسرى على كتابة روايتها‪.‬‬
‫أخبرتني ونحن نتناول العصير‪:‬‬
‫‪ -‬ماهي نوعية األوراق التي تكتبين عليها؟‬
‫‪ -‬ال أكتب على الورق‪ ،‬أستخدم كراسات‪.‬‬
‫ال أدري لماذا أجبتها وقلت (كراس�ات)‪ ،‬ربما ألضع نفس�ي في‬
‫ال بطقوس كتابتي‬‫مكانة التتوقعها! هزت رأس�ها وكأنها غير معنية فع ً‬
‫المزيفة التي كذبت بشأنها‪ ،‬وقالت‪:‬‬
‫‪ -‬ال أع�رف كي�ف أحك�ي ل�ك‪ ،‬ولكن غد ًا س�أهديك مجموعة‬
‫أوراق ومذكرات كتبتها بنفس�ي‪ .‬فكرت في تلك اللحظة أنها تضرب‬
‫لي موعد ًا للقاء تحدده بنفسها‪ ،‬وعلي القبول وليس الرفض‪ ،‬تسحبني‬
‫بخبث شديد إلى صداقتها‪ ،‬أتغلب من جديد على خوفي الذي مصدره‬
‫ش�خصيتها التي تش�به العلق‪ .‬أعلم أن س�ومة متعلقة بها والش�قرا‪ ،‬بل‬
‫حتى بهيجة تذهب إليها ليس لتنظيف بيتها وإنما لتشرب معها القهوة‪،‬‬
‫وجميعه�ن يتحدث�ن بس�وء عنه�ا ف�ي أغلب األوقات‪ ،‬ينتقدن س�لوكها‬
‫ويمارسنه بدورهن‪.‬‬
‫تش�اغلت بمجل�ة مرمي�ة عل�ى أحد الكراس�ي‪ ،‬أخ�ذت أتصفحها‬
‫وأقرأ خبر ًا عن فنانة مش�هورة تقوم بعمليات تجميل كل س�تة أش�هر‪،‬‬

‫‪111‬‬

‫لم تهتم للخبر وكأني أغرد في واد بعيد عن حزنها الذي نهض فجأة‪،‬‬
‫وقالت بصوت يوشيه بكاء‪:‬‬
‫‪ -‬م�اذا أفع�ل به�ذا الح�ب ال�ذي ل�م أبح�ث عن�ه‪ ،‬ول�م أنتظره‬
‫أبد ًا؟‬
‫لم أجب‪ ،‬وأصغيت باهتمام‪ ،‬وتابعت‪:‬‬
‫‪ -‬في أول يوم تعرفت فيه على كمال كنت ذاهبة إليه مع هدى‬
‫لطلب خدمة منه‪ ،‬انتابني إحساس غريب‪ ،‬أخذت ضربات قلبي تخفق‪،‬‬
‫هل تسمعين بالحب من النظرة األولى؟ هذا ماحدث معي بالضبط‪.‬‬
‫أخ�ذت رق�م هاتف�ه‪ ،‬وف�ي مس�اء اليوم نفس�ه ضرب�ت رقمه على‬
‫الهاتف بال شعور‪ ،‬توقعت أاليرد علي وفاجأني رده‪ ،‬لكن لهجته كانت‬
‫جاف�ة نوع�ا م�ا‪ ،‬اس�تفزني فأخذت أداعبه بال�كالم والمزاح وأحكي له‬
‫النكات‪ ،‬ثم دعوته لحضور عيد ميالد ابنتي بعد يومين‪ .‬أدهشته الدعوة‪،‬‬
‫جو بيتي يختلف‪ ،‬حدثته عن أمي الفلسطينية التي عملت‬ ‫كان يعلم أن ّ‬
‫خياطة في منزلها وعملت خارج المنزل متعهدة حفالت‪ ،‬وعن زواجي‬
‫أيض ًا برجل فلسطيني‪ ،‬لهذا – قلت له ‪ -‬فإن موضوع االختالط أقصد‬
‫بين الرجال والنساء مشروع في بيتي‪ ،‬ولكن ضمن حدود‪ ،‬أقنعته أنه‬
‫سيكون الرجل العازب الوحيد الذي نستقبله‪ ،‬نحن عادة نسهر عائالت‬
‫مع بعضنا‪.‬‬
‫وكمال من أسرة ليبية محافظة‪ ،‬غير متقبلة لالختالط!‬
‫استوقفتني العبارة‪ ،‬سألتها‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تقصدين؟‬
‫ال ليبيون‪ ،‬ولكن أمي وزوجي ليسا كذلك‪ ،‬أما‬ ‫‪ -‬أقصد نحن مث ً‬
‫عائلة كمال فهي من العائالت التي التتزوج بناتها أو أبناؤها من غير‬
‫الليبيين‪.‬‬
‫‪ -‬آه بالتأكيد هذا مايجمعك أكثر بهدى؟‬

‫‪112‬‬

‫قاطعتني قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬عندم�ا ال تك�ون األم ف�ي ليبي�ا ليبية وتكون ش�خصيتها قوية‪،‬‬
‫يمكنها أن تفرض داخل بيتها عادات جديدة‪ ،‬نحن مجتمع ليبي اليقبل‬
‫من الناحية االجتماعية االنفتاح‪.‬‬
‫«أس�تغرب ع�ادة م�ن تصرف�ات ش�خص التم�ت للفضيل�ة بصلة‬
‫وكل كالمه يدور حول الوعظ واإلرشاد‪ ،‬وهاهي تعرفني اآلن بعادات‬
‫وتقالي�د األس�رة الليبي�ة وكأنن�ي أهب�ط عليها من فض�اء آخر‪ ،‬أدرك أن‬
‫غرضه�ا فق�ط تبري�ر ماتدعوه االنفتاح بس�بب االختالط‪ ،‬وأجاوز ذلك‬
‫دون تعليق‪ .‬تتابع كالمها‪:‬‬
‫‪ -‬لهذا كانت والدتي قاس�ية وصارمة أحيان ًا في بعض األمور‪،‬‬
‫وفي أمور أخرى هي متحررة جد ًا‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫‪ -‬التفهمين هذا التناقض!‬
‫تنهدت وتابعت‪:‬‬
‫‪ -‬عالقتي بأمي غريبة جد ًا‪ ،‬وهي التي دفعتني إلى هذا الزواج‬
‫الفاشل‪ ،‬بينما منير مازال يعشقني حتى هذا اليوم!‬
‫‪ -‬منير؟ هذا الرجل الذي أسمع اسمه من هدى أيض ًا؟‬
‫هزت رأسها‪ ،‬كانت التريد التوقف عند قصته معها‪ ،‬فهي ممتلئة‬
‫بعذابات الحب ولوعته‪.‬‬
‫«يح�دث أن يجل�س اثن�ان م�ن األصدق�اء ف�ي جلس�ة حميم�ة‬
‫فترى أحدهما يس�تولي على الوقت والكالم‪ ،‬واآلخر نصيبه الصمت‬
‫واإلصغ�اء‪ ،‬ويح�دث ان يجل�س اثن�ان م�ن األصدق�اء فت�رى أحدهما‬
‫يتح�دث ع�ن نفس�ه ط�ول الوق�ت‪ ،‬عن لواعج ش�وقه وتفاصيل هموم‬
‫حياته‪ ،‬واآلخر يتبادل معه الحوار ولكن دون أن يتواصل مع شجونه‪،‬‬
‫بل يسترس�ل اآلخر في الحديث عن نفس�ه و‪ ...‬و‪ ...‬أي‪ :‬االثنان في‬
‫حوار متبادل غير متواصل‪ ،‬االثنان يرسلان دون أن يس�تقبال‪ ،‬االثنان‬

‫‪113‬‬

‫عال‪ ،‬يحدث هذا مع من تجمعهما عالقة حميمة‪.‬‬ ‫يفكران بصوت ٍ‬ ‫عالقت�ي بيس�رى الينطب�ق عليه�ا أي م�ن الصورتين‪ ،‬أصغي إليها‬ ‫ألنه�ا فرض�ت نفس�ها عل�ي‪ ،‬وأصغ�ي لفض�ول لم أكن ق�د فطنت إليه‬ ‫آن�ذاك لمعرف�ة ه�ذه الم�رأة الت�ي تحدث عاصف�ة أينما حلت وذهبت‪،‬‬ ‫وهي تقصدني متعمدة لتبوح لي بأسرارها‪ ،‬وداخلها يقين تام أنها تقتحم‬ ‫حصون امرأة لم تس�مح لها يوم ًا بدخول عالمها‪ ،‬ومن وجهة نظرها‬ ‫يبدو األمر تحدي ًا‪ ،‬يسرى إذا لم تجد معركة تستطيع أن تخترعها من‬ ‫الشيء‪ ،‬تعشق التحدي لتحقيق انتصار في النهاية‪ ،‬ويكون على أشياء‬ ‫ال أعزب ثري ًا‬ ‫تافه�ة‪ ،‬ه�ذا م�ا أراه فيه�ا اآلن‪ :‬ام�رأة متزوجة تعش�ق رج ً‬ ‫يعمل في منصب كبير‪ ،‬تطارده من مكان إلى آخر‪ ،‬ثم تأتي إلي معتقدة‬ ‫أنني سأحتضن همومها وحزنها وأربت على كتفها مواسية!‬ ‫استمرت تثرثر حول طريقتها في جذب كمال ومطاردته فيما هو‬ ‫يعانده�ا ويق�اوم رغباته�ا األنثوية الواضحة ناصح ًا إياها باالبتعاد‪ ،‬بعد‬ ‫أن شعر بثقل أخالقي قوي نتيجة معرفته بزوجها‪ ،‬مما يحتم عليه أن‬ ‫يصون هذه الثقة «والخبز والملح «‪.‬‬ ‫لك�ن الق�در جمعهم�ا بعي�د ًا ع�ن طرابل�س هذه الم�رة‪ ،‬واألصح‬ ‫هي التي اختارت ذلك‪ ،‬حدث هذا بعد أن اكتشفت أنها حامل وهي‬ ‫عل�ى مش�ارف األربعي�ن‪ ،‬ل�م يكن زوجه�ا يرغب بالمزيد من األوالد‪،‬‬ ‫واإلجهاض غير مسموح به في القانون الليبي‪ ،‬ولم يسجل أن مشفى‬ ‫خاصا تجاوز القانون سر ًا أو علن ًا‪ ،‬القوانين الليبية صارمة بما يخص‬ ‫ش�ؤون المرأة‪ ،‬بدء ًا من الزواج وانتهاء بكل مايترتب على أي عالقة‬ ‫غير ش�رعية تنش�أ س�ر ًا‪ ،‬وحتى إذا كانت النتيجة هي حمل المرأة‪ ،‬ال‬ ‫يمكن أن يسمح إال بزواجها ممن حملت منه أو السجن لكليهما‪ ،‬في‬ ‫ليبيا نادر ًا ماتقع جريمة شرف‪ ،‬بل لم نسمع في الوقت الحاضر أنها‬ ‫حدثت نتيجة لعالقة آثمة‪ ،‬مجتمعنا الليبي المتش�دد جد ًا يتس�اهل مع‬ ‫‪114‬‬ .

‬‬ ‫في تلك القصة تقول يسرى‪:‬‬ ‫‪ -‬اقترح زوجي الس�فر إلى دمش�ق حيث تقيم ش�قيقته لترعاني‪،‬‬ ‫لكنني صممت على السفر إلى تونس‪.‬‬ ‫أسألها بال اهتمام‪:‬‬ ‫‪ -‬لماذا تونس؟‬ ‫تبتسم وترمش بعينها وتجيب‪:‬‬ ‫‪ -‬ألن كمال كان هناك‪ ،‬باختصار شديد‪ ،‬كان قد سبقني وقال إنه‬ ‫هرب مني ومما سببته له من ارتباك عاطفي‪ ،‬أجل صارحني بذلك وهذا‬ ‫مادف�ع حماس�ي للتأج�ج أكث�ر وأكثر‪ ،‬فك�رت بصديقة تقيم في تونس‪،‬‬ ‫وبأنه�ا س�تقف إل�ى جانب�ي‪ ،‬والعملي�ة بس�يطة التحت�اج ألكثر من يوم‬ ‫وبعده�ا يمكنن�ي المك�وث ف�ي بيته�ا ولقاء كم�ال دون رقابة من أحد‪،‬‬ ‫وزوج�ي ال يمكن�ه اللح�اق ب�ي فه�و يحتاج إلى تأش�يرة دخول لتونس‬ ‫وهذا أمر عسير عليه‪.‫المرأة‪،‬وأقصى عقوبة هي أن تنبذ إذا ارتكبت هذا اإلثم‪ ،‬وفي الغالب‬ ‫يتم إخفاء ماحدث حتى التش�وه س�معة قبيلة بأكملها‪ ،‬وهكذا يتس�تر‬ ‫عليها وتتكفل المؤسسات برعاية األطفال في « دور الرعاية «‪.‬‬ ‫تتكلم بثقة شديدة عن رسم خطط يكتب لها النجاح كما تدعي‪،‬‬ ‫ومع ذلك سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬ما الذي جعلك تثقين بأن كمال الهارب منك إلى مدينة أخرى‬ ‫‪115‬‬ .‬لم‬ ‫يكن باستطاعته فرض إرادته عليها دائم ًا على الرغم من شراسة طبعه‬ ‫التي تصورها باستمرار‪ ،‬إال أنه يرضخ لرأيها في نهاية األمر‪ ،‬بعد أن‬ ‫تتول�ى إخ�راج مس�رحية مالئم�ة متقنة الش�روط‪ ،‬تجعل�ه يمنحها المال‬ ‫الالزم باإلضافة إلى هدية غالب ًا ماتكون قطعة ذهبية تكفير ًا عما سببه‬ ‫لها من أذى نفسي أثناء غضبه وتفوهه بكالم جارح‪.‬‬ ‫يسرى حامل من زوجها‪ ،‬لهذا األمر بسيط جد ًا‪ ،‬وهو السفر‪ .

‬‬ ‫‪116‬‬ .‬‬ ‫لم تسألني‪ ،‬هي طريقة مثيرة لتلفت انتباهي‪ ،‬لهذا تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬ف�ي ه�ذه الم�رة تعل�ق ب�ي كم�ال لدرج�ة كاد معه�ا أن يك�ره‬ ‫نفسه!‬ ‫«اس�تفزتني الكلم�ة‪ ،‬كي�ف يمك�ن أن نجم�ع الح�ب والكراهي�ة‬ ‫لش�خص واح�د! بالتأكي�د ال يمك�ن أن تحل�ل ذل�ك المعن�ى الغريب‪،‬‬ ‫وأعتقد أنها قصدت المبالغة الش�ديدة حول فعل التعلق والحب‪ ،‬هو‬ ‫التناقض الكائن في اجتماع ضدين مع ًا إذا كان المحبوب مطارد ًا من‬ ‫المحب‪ ،‬وهنا يلعب المحبوب دور المستنكف العازف عن االرتباط‬ ‫علن� ًا‪ ،‬يظه�ره بمبالغ�ة ش�ديدة أيض�ا وتطرف غير محدود ولس�ان حاله‬ ‫يق�ول لم�ن يحب�ه‪ :‬أن�ا غي�ر جاهز اآلن‪ ،‬أن�ت التعنيني‪ ،‬أنا محصن من‬ ‫الغواية‪ ،‬أرفض االنصياع لما ترغبه وتعش�قه بي ألنك أنت من اختار‬ ‫ولم تمنحني الوقت ألختارك‪ ،‬هو صراع إرادات في العالقة‪.‬‬ ‫حي�ث الح�ب ل�م يتح�ول إلى ش�غف من النظ�رة األولى بينهما‪،‬‬ ‫ولكن المستقبل يسمح أن يحول هذا النوع من العالقات إلى عادة ال‬ ‫يمكن التحول عنها إال بصعوبة‪ ،‬أما المحب العاشق الذي يطارد من‬ ‫يحب�ه فلا يجي�د إال العن�اد والهروب مما يحمله عبء تحقيق انتصاره‬ ‫ونجاح قراره في الحصول على مايريد‪ ،‬يكتفي بأنه اختار من يحب‪،‬‬ ‫اليعني�ه المحب�وب بق�در مايهت�م لم�ا ينته�ي إليه من تعليقه في ش�ص‬ ‫منصوب ألجله وعلى قياسه‪ ،‬مثل هذه العالقة تنتهي على الدوام بفتور‬ ‫مفاجيء من طرف المحب «‪. ‫وربما مع امرأة أخرى أيض ًا متلهف على لقائك؟‬ ‫مالت برأسها يمنة ويسرة بدلع شديد كما تفعل أي ممثلة تلعب‬ ‫دور امرأة لعوب‪ ،‬وقالت وقد نسيت ألمها وعذابها الذي جاءت شاكية‬ ‫منه‪:‬‬ ‫‪ -‬لو تعلمين ماحدث حين ذاك‪.

‬‬ ‫وقفت وقد سوت من غطاء رأسها بدبوس تضعه في فمها أثناء‬ ‫لفه على رأس�ها ثم تش�بكه بالغطاء بمحاذاة أذنها‪ ،‬وصلت إلى الباب‬ ‫برشاقة وقبل أن تمضي‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫‪ -‬غد ًا أرسل لك بهيجة!‬ ‫ك�دت أقاطعه�ا رافض�ة الع�رض تمام� ًا‪ ،‬لكنها لم تترك لي فرصة‬ ‫وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬اس�محي ل�ي أن أق�دم ل�ك ش�يئ ًا متواضع� ًا‪ ،‬سأرس�ل بهيج�ة‬ ‫لتساعدك غد ًا‪.‬‬ ‫‪117‬‬ .‫لم أصل إلى هذا كله إال من خالل مراقبتي لردود فعل يس�رى‬ ‫حول هذه العالقة‪ ،‬هي اآلن في منتصف العالقة التي بدأت قبل عام‪،‬‬ ‫والي�وم تبك�ي‪ ،‬لي�س ألن�ه ق�رر أن ينه�ي عالقته بها‪ ،‬بل ألنه أخذ قرار ًا‬ ‫بال�زواج كم�ا تدع�ي‪ ،‬ه�ي ف�ي المنتصف أو قب�ل النهاية بقليل تناضل‬ ‫من أجل تحقيق نصر صغير آخر‪ ،‬جاءت لتقول لي‪:‬‬ ‫‪ -‬أريد أن أعلم هل مازلت األثيرة في قلبه؟ أم س�تأخذه امرأة‬ ‫أخرى؟ هل هي قادرة على إسعاده كما فعلت أم ال؟‬ ‫كان�ت تتكل�م وتراق�ب تململ�ي م�ن زيارتها الت�ي طالت‪ ،‬فتعمل‬ ‫جاهدة لجذبي مرة ثانية بما تحمله من قصص مثيرة‪ ،‬في تلك الجلسة‬ ‫ش�هدت معها أربعة فصول لتقلب مزاجها بين الحزن الش�ديد والفرح‬ ‫الغام�ر وبي�ن الي�أس واألم�ل بالمس�تقبل وم�ا تحمله م�ن حب للحياة‬ ‫الرغدة‪.‬‬ ‫كان�ت تن�وي أن تضعن�ي ف�ي لحظة إث�ارة وتمضي وقد نجحت‪،‬‬ ‫لم أكن قد طلبت منها تفس�ير ًا على تعلق كمال الش�ديد بها في تلك‬ ‫الرحلة‪ ،‬لكنها فاجأتني قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬تأخر الوقت‪.

‫وتابعت هامسة‪:‬‬ ‫‪ -‬س�أحكي ل�ك ع�ن تفاصي�ل عالقتي بكم�ال‪ ،‬ماذا نفعل عندما‬ ‫نك�ون مع� ًا‪ ،‬صدقين�ي ل�م أق�دم على خيانة زوج�ي حتى هذه اللحظة‪،‬‬ ‫ساقي!‬ ‫ّ‬ ‫فقط أمشي بالكعب العالي فوق جسده وهو يتأمل‬ ‫خرجت مسرعة وتركت الذهول التام يلفني من كل اتجاه‪.‬‬ ‫‪118‬‬ .‬‬ ‫كأنني أتابع دراما تعرض على الشاشة‪ ،‬وفي موقف محبوك بإثارة‬ ‫كاملة تعلن الش�ارة انتهاء الحلقة‪ .‬هذا مافعلته يس�رى قبل أن تودعني‬ ‫وتخرج‪.

‬‬ ‫اس�تقبلتها الكاتب�ة ببع�ض م�ن الجف�اء‪ ،‬كان�ت تلتقي بها في بيت‬ ‫هدى‪ ،‬لم تكن هناك أحاديث تدور بينهما‪ ،‬دخلت ترافقها ابنتها المتبناة‬ ‫س�ارة‪ ،‬رحبت الكاتبة بالطفلة‪ ،‬قدمت لها قطع الحلوى وطلبت منها‬ ‫‪119‬‬ .‬‬ ‫ترتطم يدها بتلك الذاكرة المعدنية‪ ،‬تبتس�م في س�رها هازئة من‬ ‫أحالم كاتبة مجنونة اضطرت إلى تنظيف بيتها بناء على رغبة يس�رى‬ ‫في أحد األيام‪ ،‬بعد أن دفعت لها مسبق ًا خمسة وعشرين دينار ًا وطلبت‬ ‫منها أن تطرق باب الكاتبة صباح اليوم التالي‪.‬‬ ‫أخبره�ا رض�ا بأن�ه اليحل�م بأكث�ر م�ن العمل في أح�د المرافيء‬ ‫حماالً‪ ،‬وإذا ابتس�م له الحظ س�يبحث عن عمل في أحد المقاهي أو‬ ‫المطاعم‪ ،‬ال أحد يعلم ماذا ينتظره هناك‪. ‫بهيجة والكاتبة‬ ‫البحر هاديء والحظ يحالف المركب الذي تخطى حرس خفر‬ ‫الس�واحل وبع�ض التي�ارات البحري�ة‪ ،‬المهاجرون عل�ى متنه يحلمون‬ ‫بالوص�ول بأقص�ى س�رعة ممكن�ة تمكنه�م من نزع الخوف من قلوبهم‬ ‫بش�كل نهائ�ي‪ ،‬الخ�وف الجاث�م على ص�در كل واحد منهم‪ ،‬ال يمكن‬ ‫لبهيجة حتى أن تتخيله‪ ،‬هل يشبه خوفها أو أكثر؟ هل يتقاسمون معها‬ ‫نفس الحلم؟ أم أن لدى كل واحد منهم حلم ًا يختلف عن اآلخر؟‬ ‫هي تعلم أن الهدف مشترك‪ ،‬وهو الوصول إلى الضفة األخرى‪،‬‬ ‫أما بعد ذلك فهذا ما ال يمكن أن تدركه‪ ،‬ألنها تعلم أن إيطاليا ماهي‬ ‫إال أرض أخ�رى تعبره�ا لتتمك�ن م�ن الوص�ول إلى فرنس�ا حيث تقيم‬ ‫شقيقتها‪.

‬‬ ‫حين سألتها بهيجة من أين تبدأ‪ ،‬لم تهتم باألمر وقالت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬ابدأيي بغرفة االستقبال‪.‬‬ ‫‪120‬‬ .‬‬ ‫التفتت بهيجة وقد أرخت يدها فجأة دون أن تستأنف مسح الغبار‬ ‫عن اإلطار وسألت‪:‬‬ ‫‪ -‬هذه اللوحة نفسها كانت في بيت السيد عبد المجيد‪.‬‬ ‫ث�م طلب�ت منه�ا االهتم�ام ببعض الكت�ب واألوراق وأن تحرص‬ ‫عل�ى ع�دم االقت�راب م�ن المكتبة‪ ،‬فقط تمس�ح الغب�ار‪ ،‬وهزت كتفيها‬ ‫بلا مب�االة واضح�ة‪ ،‬وذهب�ت لتجلس إل�ى طاولة وضع عليها جهاز «‬ ‫كومبيوتر «‪.‬‬ ‫أجابتها الكاتبة بشرود‪:‬‬ ‫‪ -‬أجل رسمها الفنان‪ ،‬فنان ليبي معروف‪.‬‬ ‫وقب�ل أن تعب�ر الكاتب�ة ع�ن دهش�تها م�ن اهتم�ام بهيج�ة بالف�ن‬ ‫التشيكلي التفتت بهيجة تسألها‪:‬‬ ‫‪ -‬مدام‪ ،‬هذه لوحة أصلية؟‬ ‫ثم تمتمت بحروف غير مفهومة وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬أقصد رسمها الفنان نفسه! واقتربت أكثر محاولة كنس غبار‬ ‫اللوحة بفوطة ملفوفة على مكنسة بعصا طويلة‪. ‫الجلوس هادئة أمام شاشة تعرض رسوم ًا متحركة‪.‬‬ ‫وصمتت كأنها تنتظر رد ًا!‪.‬‬ ‫وصل�ت بهيج�ة إل�ى غرف�ة الن�وم‪ ،‬ش�عرت برهب�ة م�ن دخولها‪،‬‬ ‫اعت�ادت أن تطل�ب اإلذن ف�ي مث�ل ه�ذه األح�وال‪ ،‬كان�ت الكاتب�ة في‬ ‫الممر تحمل فنجان قهوة كبير‪ ،‬ش�عرت بارتباكها‪ ،‬س�ألتها عن الس�بب‬ ‫وسرعان ماابتسمت وهي تفتح لها باب الغرفة وتحاول أن تشرح لها‬ ‫ماه�و المطل�وب تنظيف�ه‪ ،‬لك�ن بهيجة وقفت متس�مرة تمام ًا أمام لوحة‬ ‫فنية كبيرة‪ ،‬وضعت على الجدار المقابل للسرير‪.

‬ثم فجأة ودون أي مناسبة‪،‬‬ ‫اقتربت بو ّد مني لتخبرني بأن يسرى كانت تتكلم معه لساعات طويلة‬ ‫عل�ى الهات�ف‪ ،‬وأن�ه أه�دى اليه�ا قالدة ذهبية في أح�د أعياد ميالدها‪،‬‬ ‫وأنه ساعدها بالمال في كل مرة سافرت فيها‪ ،‬ثم انقطعت عنه حالما‬ ‫تعرفت بكمال‪ .‬وقلت‪:‬‬ ‫‪ -‬ربما‪ ،‬أعتقد أنني س�معت باس�مه‪ ،‬يمكن أن يكون هو الذي‬ ‫أهدى زوجي هذه اللوحة بمناسبة زواجنا‪.‬‬ ‫فج�أة ال أعل�م كي�ف ق�در ل�ي أن أحيك كذب�ة صغيرة وحاولت ادعاء‬ ‫المباالة التتناسب ودهشتي األولى‪ .‬كنت أصغي وأقلب شفتي مبدية استغراب ًا شديد ًا مما‬ ‫تقوله‪ ،‬أستغرب من جرأتها على فضح أسرار يسرى الكريمة جد ًا معها‪،‬‬ ‫وأستغرب من اطالعها على كل مايدور بينها وبين من تعرفهم بتفاصيل‬ ‫لا ورخيصة لدرجة فضح‬ ‫دقيق�ة‪ ،‬وأق�ول لنفس�ي‪ :‬إنه�ا ام�رأة تافهة فع ً‬ ‫نفس�ها وإفس�اح المجال لبهيجة لتعرف عنها كل تلك التصرفات التي‬ ‫غالب ًا ماتكون سر المرأة المكنون‪ ،‬وشعرت بخوف فجأة من بهيجة‬ ‫وسألت نفسي من جديد‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ل اقتنع�ت بم�ا أخبرته�ا إياه بش�أن اللوحة؟ أم إنها ش�كت‬ ‫بأمري هذه المرأة الثرثارة؟!‬ ‫حينما اقتربت من االنتهاء كان الوقت وقت غداء‪ ،‬كنت أحرص‬ ‫في أغلب األيام على دخول المطبخ وإعداد الطعام بسرعة‪ ،‬ال أجيد‬ ‫‪121‬‬ .‫«ل�م أس�توعب ف�ي تل�ك اللحظة بع�د أن صدمتني بهيجة بمعرفة‬ ‫السيد عبد المجيد واقتنائه ذات اللوحة‪ ،‬لم أستوعب جرأة المصارحة‬ ‫الفجة تلك‪ ،‬اهتزت مشاعري تمام ًا واقتربت من حافة السرير وجلست‬ ‫أتأم�ل اللوح�ة ب�دوري وأفك�ر بماذا أجيبها؟ البد أنها س�تخبر يس�رى‬ ‫وه�دى باألم�ر وتعتق�دان أن ثم�ة عالقة تجمعني بالس�يد عبد المجيد‪.‬‬ ‫ووجدت بهيجة مناسبة لتثرثر معي دون ارتباك هذه المرة وكأنما‬ ‫هناك مايجمعنا‪ ،‬حدثتني عن عملها في بيته‪ .

‬‬ ‫لم أحاول أن أطرح عليها مزيد ًا من األسئلة حتى التذهب ظنونها‬ ‫بعيد ًا‪».‬‬ ‫دعوت بهيجة لمشاركتي‪ ،‬قبلت الدعوة ببساطة فهي تعودت أن‬ ‫تشارك الجميع الجلوس على موائد الغداء معهم وكأنها فرد من أفراد‬ ‫األسرة‪.‬‬ ‫‪122‬‬ .‫فنون الطهي التي تتفاخر بها كل من هدى ويسرى لهذا وضعت شرائح‬ ‫اللحم في الفرن حتى نضجت وأعددت طبق ًا من السلطة الخضراء‪.

‫طرابل�س مدينة م�ستعارة‬ ‫طرابلس مدينة مستعارة من أجل البوح والحكي‪ ،‬ال يمكن لها أن‬ ‫تخلع ستارة الفضيلة لترضي فضول الباحث عن المسكوت فيها وهو‬ ‫يتلصص على خيباتها وهزائمها‪ ،‬أما الباحث عن الحقيقة فسيكتش�ف‬ ‫أن لطرابلس مدينة ظل ثانية مختبئة داخلها‪.‬ومع حلول‬ ‫المس�اء يغوص�ون ف�ي عوالمه�ا س�ر ًا متجاوزين كبائ�ر خطاياهم آملين‬ ‫بغفرانه�ا وصفحه�ا‪ ،‬بم�ا تمنح�ه له�م من حرية يس�تعيرون بها صمت‬ ‫العتم�ة وهدوءه�ا ليدفن�وا فج�ور اللي�ل دون أن يدروا أن هناك آخرين‬ ‫اليصبر‬ ‫ُ‬ ‫ينتظ�رون هفواته�م عل�ى أح�ر م�ن الجم�ر‪ ،‬وأن م�ن بينهم من‬ ‫على كتمان سره‪.‬‬ ‫مدينة مس�تعارة كما أس�ماؤنا التي ال نفصح عنها إذا نوينا البوح‬ ‫بما يختلج في الصدر من ألم‪.‬‬ ‫‪123‬‬ .‬‬ ‫مدينت�ان‪ ،‬واح�دة للنه�ار والعالني�ة وأخ�رى للعتم�ة والكتم�ان‪،‬‬ ‫تتناوبان الظهور والأحد يمكنه االس�تغناء عنهما‪ ،‬هوس يصيب أهلها‬ ‫كل صب�اح ف�ي لعنه�ا ومق�ت حياته�م ونكرانها في العلن‪ .‬‬ ‫مدينة تصدر الفرح وأخرى تخفي الحزن‪ ،‬واحدة تدعي الفضيلة‬ ‫وثانية تس�عى وراء الفضيحة‪ ،‬مدينة حقيقية ومدينة مصنوعة جدرانها‬ ‫من الوهم‪.‬‬ ‫كل منهما تتسابق لتتجاوز األخرى‪ ،‬وكل من فيها يسكن الحقيقة‬ ‫ويصنع حكايته من الوهم‪ ،‬الجميع يمتلك شهوة للحرية وال ينالها إال‬ ‫في مغادرته للواقع وسفره للمدينة الثانية‪.

‬‬ ‫مدينة مستعارة ألولئك المنقبين في أرضها عن المال والصفقات‪،‬‬ ‫يحف�رون ش�وارعها ويرحل�ون إل�ى م�دن أخ�رى يبنون فيه�ا ناطحات‬ ‫س�حاب بما كس�بوه من خيراتها‪ ،‬إال أن طرابلس لم تكن يوم ًا مدينة‬ ‫له�ؤالء الناكري�ن فضله�ا‪ ،‬لطالم�ا كانت مدين�ة كادحة ألولئك الطيبين‬ ‫الموتى عشقا لترابها وبحرها‪.‬‬ ‫‪124‬‬ .‫مدينتان‪ ،‬واحدة للباحثين عن الثروة وأخرى للشعراء المنتظرين‬ ‫أصدقاءهم حتى يرفعوا قبعاتهم تحية لنص جميل يتغزل بها‪.

‫غبار على اللوحة‬

‫صرت طرف ًا‪ ،‬شئت أم أبيت‪ ،‬في عالقة تربطني بتلك المرأة التافهة‬
‫يس�رى‪ ،‬والحقيق�ة أن�ه داخلن�ي إحس�اس بالغض�ب غام�ض ال أجد له‬
‫تفسير ًا‪ ،‬حينما أخبرتنى بهيجة عن عالقتها برجل عشقني‪ ،‬كيف يمكن‬
‫لرجل أن يس�اوي بيني وبينها‪ ،‬كان يدعي أنه صاحب ذوق رفيع في‬
‫اختيارات�ه بالحي�اة‪ ،‬وإال لم�ا تعلق�ت ب�ه ف�ي الماض�ي قب�ل أن أتزوج‪.‬‬
‫راودني ش�عور بالخس�ارة كأن القدر يعمل ضدي في الخفاء‪ ،‬وفجأة‬
‫برزت إحدى خياناته حاضرة ومتجلية في ما أكتشفه اآلن‪.‬‬
‫حاول مرات عديدة االتصال بي‪ ،‬وحالما الحظ جفائي وصدودي‬
‫أخبرن�ي أن�ه رج�ل نبي�ل ول�ن يتع�رض لي ولكنه س�يبقي قلبه المحب‬
‫مفتوح ًا لي طول العمر‪ ،‬وسيلبي ندائي في أي وقت أشاء‪.‬‬
‫السيد عبد المجيد رجل أعمال ثري وابن عائلة متوسطة‪ ،‬متزوج‬
‫من سيدة أسرتها من عائلة كبيرة ثرية وكانت تكبره بثالثة أعوام‪ ،‬أنجبت‬
‫ال وس�يم ًا ولم يكن قد أتم تعليمه الجامعي‬ ‫منه ثالثة أوالد‪ ،‬كان رج ً‬
‫حي�ن تزوجه�ا‪ ،‬ألح�ت علي�ه ليفعل‪ ،‬كانت أعماله وش�ركاته تدر دخ ً‬
‫ال‬
‫كبير ًا‪ ،‬لم يكتف بما أسست له من عمل‪ ،‬أخذت أعماله تكبر وشركاته‬
‫تنم�و ف�ي الداخ�ل والخ�ارج‪ ،‬عندما أخبرها بأنه نال الش�هادة الجامعية‬
‫كانت س�عيدة جد ًا ألنه رجل بارع وذكي‪ ،‬وهكذا صدقت أنه يحمل‬
‫إجازة في القانون‪.‬‬
‫ما كان يعرفه السيد عبد المجيد هو قانون الحياة والسوق والمال‪،‬‬
‫أتق�ن التص�رف واتب�اع س�لوك رجال األعم�ال األثرياء‪ ،‬لم يكن يحب‬
‫‪125‬‬

‫الق�راءة‪ ،‬لكن�ه يمتل�ك مكتب�ة تحت�وي على آالف الكتب اليمتلكها أي‬
‫مثقف في البلد‪ ،‬لم يكن يعرف في الفن التشكيلي وال يمكنه التمييز‬
‫بين مدارسه‪ ،‬لكنه اقتنى أعمال فنانين كبار من مختلف العواصم التي‬
‫زارها‪.‬‬
‫قب�ل س�نوات طويل�ة عندم�ا كان أح�د رؤس�اء التحري�ر يختبرني‬
‫في العمل الصحفي أرسلني إلى معرض تشكيلي ألكتب عنه متابعة‪.‬‬
‫كان االزدحام الشديد في المعرض يمنعني من متابعة حفل االفتتاح‪،‬‬
‫انتظرت حتى انتهى وبحثت عن صحفي شاب أعرفه‪ ،‬يعمل لصحيفة‬
‫أخرى‪ ،‬وطلبت منه تقديم المساعدة‪ ،‬فقال لي‪:‬‬
‫‪ -‬عليك بالتقاط صور بعض اللوحات من أجل التغطية‪.‬‬
‫أش�ار بي�ده إل�ى لوح�ة تب�دو م�ن بعيد ذات خط�وط غير مفهومة‬
‫لي أبد ًا‪ ،‬رحت أتأملها وأسأل لماذا هذه بالذات؟ أبحث عن أسباب‬
‫تجعل هذه اللوحة أهم لوحات المعرض‪ ،‬وفيما أحاول التقاط صور‬
‫له�ا‪ ،‬أخ�ذت أتراج�ع خطوتي�ن إل�ى الوراء‪ ،‬وفجأة وجدت نفس�ي في‬
‫حض�ن رج�ل ضخ�م‪ ،‬ارتبك�ت‪ ،‬واعتذر بأدب ش�ديد‪ ،‬ذلك الرجل لم‬
‫يكن سوى السيد عبد المجيد وكلما تذكرت تلك اللحظة أتخيل نفسي‬
‫بطلة لفيلم عربي رديء؛ ألن المصادفة لم تمر بسلام‪ ،‬وبعد حديث‬
‫قصي�ر قبل�ت دعوت�ه عل�ى الغداء في أح�د المطاعم‪ ،‬جاء إلى المطعم‬
‫محم ً‬
‫ال بالهدايا الثمينة وتحدث معي حول كل شيء في الحياة‪ ،‬وعندما‬
‫استعدت مادار بيننا وجدته ال شيء‪ ،‬كالما اليحمل أي مضمون سوى‬
‫تلك اإلشارات إلى عالقة عاطفية‪.‬‬
‫لم أكن فتاة سهلة المنال‪ ،‬وفي الوقت نفسه لم أعمل على صده‪،‬‬
‫كنت بين بين‪ ،‬أقبل مرة وأرفض مرات‪ ،‬ألكثر من خمس سنوات كان‬
‫الرج�ل الوحي�د ف�ي حيات�ي‪ ،‬يغ�دق علي الحب والهدايا دون أي وعد‬
‫بالزواج‪ ،‬كنت أبحث عنه في أوقات صعبة تمر بي فال أجده وعندما‬

‫‪126‬‬

‫يعود كانت أعذاره جاهزة وكلماته حازمة ال تقبل النقاش والحوار‪.‬‬
‫ل�م أضي�ع ف�رص زواج وأن�ا مع�ه ألنه�ا ل�م تأت أصلاً‪ ،‬أو أنها‬
‫جاءت وأنا غائبة في الحلم‪ ،‬أحلم أنه سيأتي يوم ًا ما راكع ًا على قدميه‬
‫يطلبني للزواج‪.‬‬
‫بقي الحلم يخصني وحدي حتى استفقت فجأة على يد صديقة‬
‫تنصحن�ي بال�زواج م�ن رج�ل أعمال متواضع بالمقارنة مع الس�يد عبد‬
‫المجيد‪ ،‬لم أتردد‪ ،‬كنت تقريب ًا بال عمل‪ ،‬فمؤسس�ة طبع الكتب التي‬
‫أعمل بها على وش�ك االنهيار‪ ..‬بعد غياب طويل عاد الس�يد واتصل‬
‫بي‪ ،‬أقفلت الهاتف ولم أس�تجب ألكثر من مرة‪ ،‬ثم قررت أن أتصل‬
‫ب�ه وأبلغ�ه نب�أ زواج�ي متوقع�ة أن يكون ر ّد فعله بارد ًا‪ ،‬لكنني فوجئت‬
‫بح�زن يش�تبك م�ع مش�اعر غض�ب مكبوت‪ ،‬في نهاي�ة المكالمة طلب‬
‫مني أن أقبل هديته لي بمناسبة الزواج‪.‬‬
‫من حسن حظي أنه بعد مضي أكثر من شهرين على زواجي سافر‬
‫زوج�ي ف�ي رحل�ة عم�ل‪ ،‬لهذا عندما أت�ت الهدية التي حملتها موظفة‬
‫حس�ناء تعم�ل لدي�ه اس�تقبلتها بترح�اب‪ ،‬لم تكن هدي�ة واحدة‪ ،‬كانت‬
‫مجموع�ة كبي�رة م�ن الهداي�ا وأهمها على اإلطالق كانت تلك اللوحة‪،‬‬
‫ال ألن زوجي‬ ‫وكان القدر يقف إلى جانبي في لحظات أحتاجه فيها فع ً‬
‫عودني أن يعود فجأة كما يسافر دون سابق إنذار‪.‬‬
‫فتح الباب‪ ،‬وعندما دخل نظر مباشرة إلى غرفة االستقبال‪ ،‬وجد‬
‫سيدة جميلة وهمس يسألني عنها‪ ،‬أخبرته بأنها صديقة قديمة علمت‬
‫بزواجي متأخر ًا وجاءت للتهنئة‪.‬‬
‫انصرفت الفتاة وأخذ زوجي يتأمل اللوحة فأعجبته كثير ًا‪ ،‬واقترح‬
‫أن التبقى في الصالة‪ ،‬بل سيكون مكانها المفضل غرفة النوم‪.‬‬
‫ش�كرت الل�ه أن�ه ظ�ن اللوحة من صديق�ة‪ ،‬على الرغم من إبداء‬
‫استغرابه الشديد ألن اللوحة رسمت بيد فنان معروف وثمنها مرتفع‪،‬‬

‫‪127‬‬

‫أقنعته أن صديقتي من عائلة ثرية تقيم في الخارج‪.‬‬ ‫ج�اءت بهيج�ة اللعين�ة لتعي�د لذاكرت�ي تلك القص�ة الحقيقية من‬ ‫جديد‪ ،‬وتمسح غبار الذاكرة‪.‬‬ ‫‪128‬‬ .‬‬ ‫كان�ت اللوح�ة تقابلن�ي كل صب�اح‪ ،‬وأن�ا صدقت في داخلي أنها‬ ‫هدي�ة صديق�ة تقي�م ف�ي الخ�ارج‪ ،‬هذه نصيحة أخ�ذت بها من صديقة‬ ‫أخبرتني ذات مرة قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬إذا كنت مضطرة للكذب عليك أن تصدقي أوالً كذبتك حتى‬ ‫يصدقك اآلخرون‪.

‬‬ ‫همست تسألها‪:‬‬ ‫‪129‬‬ . ‫ي�سرى تبحث عن كاتبة‬ ‫م�ا ل�م تدرك�ه الكاتب�ة يوم�ذاك أن بهيجة ويس�رى ال تهدفان إلى‬ ‫فضح أس�رار صديقاتهن‪ ،‬هما فقط تس�تخدمان تلك األس�رار من أجل‬ ‫االبتزاز العاطفي‪ ،‬أخبرت يسرى صديقتها هدى بأن هناك معرفة وطيدة‬ ‫بي�ن الكاتب�ة وبي�ن عب�د المجي�د ال�ذي س�رقت رقم هاتف�ه في إحدى‬ ‫الم�رات م�ن ه�دى‪ ،‬وفيم�ا بع�د فعلت س�ومة ذلك معه�ا قبل طالقها‬ ‫بحج�ة طل�ب مس�اعدته م�ن أج�ل إج�راءات الطلاق‪ ،‬بصفته رجال ذا‬ ‫نفوذ واس�ع‪ ،‬ش�عرت هدى أن الكاتبة متورطة لكنها غير متأكدة من‬ ‫ذلك بعد‪ ،‬وإذا كان ذلك حقيقي ًا فمتى حدث؟‬ ‫وجهت لها دعوة لتناول القهوة مع ًا‪ ،‬حينما دخلت كانت بهيجة‬ ‫تقوم بمهامها في صمت‪ ،‬سحبتها من يدها وقالت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬لنشرب القهوة في المطبخ أفضل‪.‬‬ ‫خرجت هدى لتتابع عمل بهيجة بينما جلست يسرى على كرسي‬ ‫وتناولت فنجان القهوة‪ ،‬رشفت منه ونظرت إلى الكاتبة تحاول جذب‬ ‫اهتمامها وكانت تقرأ إحدى الصحف‪.‬‬ ‫كانت تثرثر عن تفاصيل األيام الماضية‪ ،‬عن زوجها وشرائه أثاث ًا‬ ‫جدي�د ًا لمن�زل صف�اء‪ ،‬وكي�ف أخذت تس�تعرض عليها كل هذا العطاء‬ ‫والحب من زوجها المخلص‪ ،‬من بعيد كانت بهيجة تراقب وتستمع‪،‬‬ ‫فجأة دخلت يسرى تتكلم بصوت مرتفع وتحيي الجميع بمرح‪ ،‬وكأنها‬ ‫امرأة أخرى غير التي جاءت تشتكي قبل يومين في بيت الكاتبة‪.

‬‬ ‫«أصبح لدي إصرار غريب على نكران هذا الماضي‪ ،‬وأعلم أنه‬ ‫بدوره لن يعترف بتلك العالقة مهما حاولت استدراجه «‪..‬‬ ‫إال أن يسرى ودون مقدمات قالت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬أن�ا أع�رف الس�يد عب�د المجي�د ال�ذي ح‪ ...‬‬ ‫ابتسمت الكاتبة تحاول مجاملتها وهي تحدث نفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬امرأة تافهة‪ ،‬وستبقى تافهة‪.‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬ال أعرف أبد ًا‪ ،‬لم ألتق به‪.‬نقطة انتهى!‬ ‫ل�م ترتب�ك يس�رى‪ ،‬أزاح�ت غط�اء رأس�ها ورمته خل�ف ظهرها‪،‬‬ ‫وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬قب�ل أن ألتق�ي بكم�ال أمضي�ت ليال�ي طويل�ة أتح�دث إلي�ه‬ ‫بالهاتف‪ ،‬قابلته مرتين فقط‬ ‫ضحكت بغنج ودالل وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬كانت العالقة بيننا أش�به بالصداقة‪ ،‬يعني كان يحب طريقتي‬ ‫في السخرية من الناس‪ ،‬كنت أمضي الليل أروي له النكات البذيئة‪.‬‬ ‫يرتفع حاجبا يس�رى تعبير ًا عن الدهش�ة‪ ،‬وتمضي ملخصة تلك‬ ‫العالقة بأنها نفعية فهي ال تريد منه إال بعض الخدمات‪ ،‬لكنه مع ذلك‬ ‫كان كريم ًا معها عندما دعته إلى بيت هدى وأخبرته أنها تحتفل بعيد‬ ‫‪130‬‬ .‬تمهل�ت قلي ً‬ ‫ال ثم‬ ‫تابعت‪ .‬أقصد على عالقة أنت وهو!‬ ‫ردت الكاتبة بحزم‪:‬‬ ‫‪ -‬لم تكن عالقة أبد ًا‪ ،‬هو صديق زوجي‪ .‬‬ ‫تقول ذلك ببساطة شديدة وكأنه أمر طبيعي‪ ،‬تتابع دون أن تهتم‬ ‫بما تبديه الكاتبة من استياء‬ ‫‪ -‬تعرفين يحب هذا الكالم‪..‫‪ -‬ماذا تقرأين؟ كلها أخبار قديمة‪ ،‬األخبار الجديدة لم تحدث‬ ‫بعد‪.

‫ميالدها في بيت صديقة‪ ،‬لبى دعوتها وأهداها سلسلة ذهبية ثمينة‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬وقبل أن تسافر إلى تونس أخبرته بأنها ستجري عملية جراحية‪،‬‬ ‫فأرس�ل له�ا مبلغ� ًا م�ن الم�ال‪ ،‬وألنه�ا ل�م تتمكن من الخروج بس�بب‬ ‫زوجها أرسلت سومة صديقتها إليه‪..‬‬ ‫‪ -‬آه (سومة) أيض ًا تعرفه إذ ًا!‬ ‫تنهدت وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬تعرفت عليه ثم أخذت تتصل به دون علمي‪ ،‬وعندما علمت‬ ‫قال�ت لي‪:‬ـ�ـ ه�ذا رج�ل س�يء‪ ،‬طلبت منه أن يس�اعدني في إجراءات‬ ‫الطالق لكنه ساومني‪..‬‬ ‫وبس�رعة ضبط�ت نفس�ها وه�ي تحاول التقص�ي أكثر‪ ،‬التريد أن‬ ‫تضعها في دائرة صغيرة مقفلة التتمكن من الخروج منها فيما بعد!‬ ‫أحس�ت ب�أن خط�ر ًا يته�دد حياته�ا‪ ،‬حت�ى ل�و كان ذل�ك كله من‬ ‫الماض�ي‪ ،‬إال أنه�ا حريص�ة عل�ى أن يص�دق زوجها أنها لم تعرف أي‬ ‫رجل قبله!‬ ‫ع�ادت ه�دى إل�ى المطب�خ وأع�ادت تس�خين قهوته�ا في جهاز‬ ‫الميكرويف وجلس�ت تس�تمع إليهما‪ ،‬حاولت أن ترس�ل إش�ارات إلى‬ ‫الكاتب�ة حت�ى التسترس�ل ف�ي الحدي�ث‪ ،‬التقطته�ا بدوره�ا على الفور‬ ‫فنهضت معتذرة بأن لديها مواعيد عمل تنتظرها!‬ ‫كان خوفه�ا ي�زداد ويكب�ر كلم�ا تق�دم النهار‪ ،‬في المس�اء تأكدت‬ ‫‪131‬‬ .‬‬ ‫ارت�اح ب�ال الكاتب�ة فه�ي متزوج�ة منذ خمس س�نوات‪ ،‬ولم تعد‬ ‫تعرف عنه أي شيء‪ ،‬ومع ذلك لم تكن من شيمه أبد ًا تلك التصرفات‬ ‫ال نذالً‪ ،‬ولكن لعله تغيرأو لعله‬ ‫التي تتحدث عنها يسرى لم يكن رج ً‬ ‫يجيد ارتداء األقنعة‪.‬‬ ‫‪ -‬كل هذا حصل منه؟ أقصد منذ متى؟‬ ‫‪ -‬منذ سنة تقريب ًا‪ ،‬أو أكثر بقليل‪.

‫أنها تبالغ في ذلك الخوف‪ ،‬عندما وضعت أسرار يسرى في كفة تقابل‬ ‫كفة الماضي‪ ،‬صار الميزان يتأرجح في عقلها ويرسل إشارات مطمئنة‬ ‫لقلبها حتى يهدأ خوفها‪ ،‬لكن يسرى ال يمكن أن تهدأ حياتها إال إذا‬ ‫وصلت إلى هدفها!‬ ‫لم تعد معنية بصديقتها الش�قرا هذه األيام بعد مش�اجرة صغيرة‬ ‫بينهم�ا ح�ول أم�ور تافه�ة‪ ،‬له�ذا فضل�ت أن تطرق ب�اب الكاتبة حاملة‬ ‫معها هدية‪.‬‬ ‫***‬ ‫‪132‬‬ .

‫ي�سرى بطلة رواية‬ ‫دخل�ت يس�رى وكأن البي�ت بيته�ا‪ ،‬إش�راقتها أصابتن�ي بالعدوى‬ ‫ومس�حت كثير ًا من نفوري الس�ابق لها ولحضورها‪ ،‬وس�ألت نفس�ي‬ ‫وأنا أعد القهوة‪:‬‬ ‫‪ -‬هل ظلمتها أم أن هدى السبب؟‬ ‫تق�ول إنه�ا تك�ن له�ا الح�ب والتحتمل س�لوكها‪ ،‬هي من ش�وه‬ ‫صورتها وجعلني أخش�ى ازدياد المودة بيننا‪ ،‬احتلت كرس�ي ًا في غرفة‬ ‫الجل�وس‪ ،‬كان�ت تحم�ل ف�ي يده�ا كيس� ًا أنيق ًا‪ ،‬وبينما أس�كب القهوة‬ ‫أخرج�ت من�ه كراس� ًا أحم�ر الل�ون ذا حج�م كبي�ر‪ ،‬تأمل�ت المفاج�أة‬ ‫بدهشة‪.‬‬ ‫قالت على الفور‪:‬‬ ‫‪ -‬هدية‪ ،‬مارأيك‪ ،‬أليس النوع الذي تفضلينه؟‬ ‫ش�كرتها وابتس�مت ول�م يخطرل�ي أن تأخ�ذ أم�ر الكتاب�ة به�ذه‬ ‫الجدية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لي وأخبرتني أنها ستملي علي قصتها‬ ‫لا فل�م أك�ن جاه�زة ولي�س في نيت�ي أن أكتب قصة‬ ‫ارتبك�ت قلي ً‬ ‫حبها‪ ،‬أجبتها بهدوء‪:‬‬ ‫‪ -‬ال تستعجلي‪ ،‬سأكتب بطريقتي الخاصة‪ ،‬يعني أريد أن أتعرف‬ ‫إليك أكثر‪ ،‬عليك فقط أن تحدثيني عن حياتك في الطفولة مثالً‪،‬عن‬ ‫زواجك!‬ ‫‪133‬‬ .‬‬ ‫فتح�ت الصفح�ات األول�ى من�ه وتناولت قلم ًا من حقيبتها قدمته‬ ‫وعلي أن أكتبها‪.

‫كان في نيتي تشتيت هدفها الذي تسعى إليه بجدية‪ ،‬ولم أتصور‬ ‫أن يكون في طفولتها أو كامل حياتها شيء يثير شهيتي للكتابة‪ ،‬لهذا‬ ‫تابعت حديثي ألقنعها‪:‬‬ ‫‪ -‬يسرى‪ .‬‬ ‫أجابتني‪:‬‬ ‫ال كل ماجرى لي بسبب من والدتي‪ ،‬تعلمين‬ ‫‪ -‬معك حق‪ ،‬أص ً‬ ‫أنني لست على صلة جيدة بها‪ ،‬هل تتصورين أم ًا في الدنيا تقف في‬ ‫صف زوج ابنتها ضد مصلحتها؟! تنهدت بحرقة وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬لطالم�ا قال�ت لزوج�ي‪ :‬انتبه لتصرفات ابنتي ألنها تحتاج إلى‬ ‫مراقب�ة وضب�ط‪ ،‬ه�ي م�ن جعلت زوجي يتابعني ويراقبني ويش�ك بكل‬ ‫س�لوك أق�دم علي�ه‪ ،‬أن�ا الأح�ب الك�ذب‪ ،‬أمي وزوج�ي أجبراني على‬ ‫ذلك!‬ ‫أخذ صوتها يتهدج‪ ،‬بدأت تحكي عن عالقتها بوالدتها بصوت فيه‬ ‫أنصت‬ ‫ُ‬ ‫نحيب مستتر‪ ،‬كنت واقعة تحت تأثير تلك العواطف الباذخة‪،‬‬ ‫أحاول جاهدة أن أبقى واعية قدر المس�تطاع وخطر لي أن أس�تفزها‬ ‫أكثر فسألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬هل كانت تغار منك مثالً؟‬ ‫‪ -‬تابع�ت بع�د صم�ت قصي�ر ألوضح لها‪ :‬أقصد هذه المش�اعر‬ ‫يمكن أن تحدث بين األم وابنتها!‪..‬أي رواية تحتاج فيها الشخصية للدراسة لتكون عميقة‬ ‫لها أبعاد‪ ،‬هل تفهمين ما أقوله؟‬ ‫كانت نظرتها تحمل استغراب ًا واضح ًا مثلما تحمل شوق ًا لتحقيق‬ ‫ه�ذا الحل�م‪ ،‬أن تك�ون بطل�ة رواي�ة‪ ،‬تري�د أن أكتب عنها لتش�بع رغبة‬ ‫جامح�ة بأهميته�ا‪ ،‬اليه�م م�ن يكت�ب‪ ،‬المه�م دور البطولة الذي تلعبه‬ ‫على كل مسرح تجده فارغ ًا في هذه الحياة‪.‬‬ ‫لم تجب على الفور‪ ،‬فتحت حقيبة يدها‪ ،‬أخرجت علبة سجائر‪،‬‬ ‫‪134‬‬ .

‫أخذت واحدة وبدأت تنفثها‪ ،‬شعرت بالخوف من مكوث تلك الرائحة‬ ‫داخ�ل الغرف�ة‪ ،‬ث�م ه�دأت ألن زوج�ي ل�ن يعود قبل أس�بوع‪ ،‬وقررت‬ ‫شراء ملطف للجو‪.‬‬ ‫لم تحاول أن تس�تأذن قبل أن تتناول الس�يجارة لهذا اس�تمرت‬ ‫تحك�ي ل�ي ع�ن عالقته�ا المتوت�رة بوالدته�ا التي عمل�ت في وقت ما‬ ‫خياطة‪ ،‬وكانت لها شهرة غير عادية‪ ،‬ثم أخذت تغير نشاطها التجاري‬ ‫وتفتتح مقاصف في المدارس‪ ،‬بدأت بأول مدرس�ة ثم تلتها مدارس‬ ‫ع�دة وكان عمله�ا أن تنطل�ق ف�ي الصباح الباكر لتزويد تلك المدارس‬ ‫بالخب�ز وعل�ب الت�ن والهريس�ة وعلب العصي�ر والبطاطا‪ ،‬وكانت على‬ ‫حدّ تعبيرها امرأة مدبرة ولها عالقات بالمسؤولين عن الجمعيات التي‬ ‫تبي�ع (الت�ن والهريس�ة وعل�ب العصي�ر) بأثمان منخفض�ة أو مدعومة‪،‬‬ ‫وهك�ذا أخ�ذت تحق�ق أرباح� ًا جيدة أعلى من أرباح والدها في صيانة‬ ‫السيارات‪.‬‬ ‫كانت يسرى قد انقطعت عن التدخين كما أخبرتني بعد أن طلبت‬ ‫من زوجها عقد ًا من الذهب ثمنه مرتفع ورضخ لطلبها فيما لو فعلت‬ ‫ذلك‪ ،‬بدوري أتوقع أن تكون هديتي ورقة الطالق الغير‪.‬‬ ‫تعتقد يسرى أن ما تحققه والدتها من مال هو السبب الرئيس في‬ ‫فرض س�يطرتها داخل المنزل‪ ،‬لهذا كان والدها الرجل الذي الحول‬ ‫له والقوة‪.‬‬ ‫وفجأة خطر لي أن أسالها عن عالقتها بوالدها‪ ،‬ولم أتوقع تلك‬ ‫المفاجأة إذ أجابتني‪:‬‬ ‫‪ -‬والدي! هل سبق أن حدثتك هدى عنه؟‬ ‫‪135‬‬ .‬‬ ‫ل�م أك�ن أع�رف بع�د رأي زوجي في امرأة تدخن الس�جائر فهذا‬ ‫األم�ر م�ع انتش�اره اآلن إال أن�ه م�ازال م�ن المحرم�ات ف�ي مجتمعن�ا‬ ‫الليبي‪.

‬‬ ‫ألح عليها ألفهم‪،‬‬ ‫أخبرتني األمر وكأنه حدث البارحة‪ ،‬ودون أن ّ‬ ‫كان يمكن لها أن ال تذكر هذا مما جعل فضولي يكبر‪.-:‬إنن�ي أجمل وردة‬ ‫في بستان يمتلكه‪.‬‬ ‫وكان�ت ه�دى تضح�ك م�ن مغام�رة الذهاب برفقته�ا إلى طبيب‬ ‫‪136‬‬ .‬‬ ‫«لم أكن ملمة بعلم النفس‪ ،‬إنما بدا لي أن ما يحدث معها ماهو‬ ‫إال انعكاس لذلك الماضي‪ ،‬وأهم مش�اكلها هو عالقتها الحميمة مع‬ ‫زوجها‪ ،‬اس�تمعت أكثر من مرة أثناء جلس�ات القهوة الصباحية وهي‬ ‫تنقل عالم غرفة نومها وتناقش ما يتعبها مع صديقاتها‪ ،‬وتجعل قضيتها‬ ‫تأخذ بعد ًا درامي ًا‪ ،‬في إحدى المرات كانت تتحدث عن عدم وصولها‬ ‫للرعش�ة وأنه�ا ل�م تعرفه�ا ط�وال حياتها الزوجية‪ ،‬وكم تبذل من جهد‬ ‫مع محاوالت زوجها المستميتة لتحصل عليها‪.‬‬ ‫‪ -‬هل هناك شيء يزعجك!‬ ‫‪ -‬ال أب�د ًا‪ ،‬أفك�ر ه�ل م�ن المهم ل�و أخبرتك أن والدي تحرش‬ ‫بي؟‬ ‫ثم استدركت‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ذا ماحاول�ت جاه�دة أن تغرس�ه داخل�ي وكلم�ا عدت إلى‬ ‫ذاك�رة الطفول�ة أرى ص�ور ًا ضبابي�ة غي�ر مفهوم�ة‪ ،‬كان�ت تبعدن�ي عن‬ ‫حنان�ه بقس�وة ش�ديدة فيم�ا وال�دي يق�ول عني‪ .‬‬ ‫كنت صادقة تمام ًا ألن هدى كانت تنتقد سلوك يسرى فقط!‬ ‫سادت لحظة صمت وهدوء لم أتوقعها‪ ،‬تناولت إحدى الوسائد‬ ‫الصغيرة وضمتها إلى صدرها وكأنها تحتمي بها‪ ،‬وعندما حاولت أن‬ ‫أتأسف عن خطأ لم أقصده أشارت بيدها أن الشيء حدث وازدادت‬ ‫تمس�ك ًا بالوس�ادة المطرزة بخيوط خش�نة حتى ش�عرت أنها انغرس�ت‬ ‫بلحم يدها‪. ‫‪ -‬ال أبد ًا ال أعرف عنه أي شيء‪.

.‬كن�ت أظ�ن أن تقبيله ل�ي على فمي‬ ‫طبيعي جد ًا وأنه حين يأخذني بين أحضانه كان لمجرد التعبيرعن حنان‬ ‫األب البنته‪ ،‬وفي مرحلة المراهقة كنت فتاة مشاغبة‪ ،‬ضحكت عندما‬ ‫لمحت ابتسامتي لكنها تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬ف�ي إح�دى الم�رات س�معت أم�ي تؤنب�ه وتكي�ل ل�ه الته�م‬ ‫وتقول‪:‬‬ ‫علي‪.‬‬ ‫عدت أسألها بفضول واضح‪:‬‬ ‫‪ -‬كيف حدث التحرش‪ ،‬ماذا فعل؟!‬ ‫تراخت يدها عن الوس�ادة واقتربت مني وكأن أحدا ما يس�ترق‬ ‫السمع قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬ل�م أش�عر يوم� ًا بذل�ك‪ .‫نس�ائي‪ ،‬وع�ن محاولت�ه اس�تغالل يس�رى أثن�اء الفح�ص وه�و يحاول‬ ‫مداعبتها – طبي ًا‪ -‬ليتأكد إذا كان بإمكانها الحصول على تلك النعمة‬ ‫المفقودة‪.‬‬ ‫لم أهتم في ذلك الحين لتلك القصة‪ ،‬أما اآلن فأجد نفسي مهتمة‬ ‫بتفسير وتحليل عالقتها بزوجها‪ ،‬ربما كانت تخاف الرجل في داخلها‪،‬‬ ‫عل�ى الرغ�م م�ن ب�ذاءة لس�انها وكثرة اهتمامها بالرج�ال أينما التقتهم‪،‬‬ ‫ب�ل ذل�ك التع�دد ف�ي العالق�ات بلا طائل وإنكاره�ا الدائم لكونها لم‬ ‫تخ�ن زوجه�ا الخيان�ة بالنس�بة إليه�ا ه�ي أن تنام ف�ي فراش رجل آخر‬ ‫فقط الغير «‪.‬‬ ‫‪ -‬اترك البنت في حالها‪ ،‬عالقتك بها ليست خافية َ‬ ‫لكنه نفي األمر وأجابها‪:‬‬ ‫‪ -‬أن�ت تس�يئين فهم�ي‪ ،‬ه�ذه ابنت�ي‪ ،‬كيف يخطر لك أن أمس�ها‬ ‫بأذى؟!‬ ‫ه�ذا ماس�معته‪ ،‬فتنبه�ت‪ ،‬ص�رت أبتع�د عن�ه وأش�عر بالخ�وف‪،‬‬ ‫وبدوره�ا والدت�ي كان�ت تص�ر أال أبقى بمفردي معه‪ ،‬وفي تلك الفترة‬ ‫‪137‬‬ .

‬‬ ‫قالت ذلك ونظرت إلى الساعة وكأنها شهرزاد المعاصرة‪ ،‬توقفت‬ ‫عن البوح إلى صباح أو ليل آخر ال أدري‪ ،‬نهضت فجأة وأخبرتني أنه‬ ‫حان موعد عودة األوالد‪ ،‬ذهبت بسرعة كما دخلت ألفكر من جديد‬ ‫هل تستحق أن تكون بطلة الرواية؟!‬ ‫‪138‬‬ .‬‬ ‫كان يغار ّ‬ ‫قاطعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬أعتقد أنه مازال مالكك الحارس؟!‬ ‫ضحكت مثل عادتها بغنج وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬مني�ر ل�ه دور واح�د فق�ط اآلن هو أن يعطيني المال ألش�تري‬ ‫به هدايا لكمال‪.‫بدأت أتعلق (بمنير) وكان يس�كن إلى جوارنا‪ ،‬أحبني وأحببته كثيرا‪،‬‬ ‫علي ويقف لي حارس ًا في الشارع‪.

.‬‬ ‫الوق�ت ال�ذي يمض�ي يعن�ي أن�ه دقائق كتبت لها في هذه الحياة‪،‬‬ ‫تلتفت حولها غير مصدقة بأنها ضمن هذا الجمع تشترك معهم بإغراق‬ ‫الماضي هنا واألمل في بداية صفحة جديدة‪ ،‬ولكن هل يشتركون معها‬ ‫في بؤس الحياة الماضية؟ أم إنها وحدها مستنزفة عاطفي ًا ومتهالكة من‬ ‫حياة لم تحمل لها سوى اسم واحد «خادمة «؟ هاهي تتشبث باألمل‬ ‫في محاولة للعثورعلى ركن صغير في هذا العالم تكون فيه سيدة لمرة‬ ‫واحدة‪ ،‬وتسأل نفسها من جديد هل تهتم الكاتبة بمشاعرها وتحترمها‬ ‫كما كانت تبدي احترام ًا وتعاطف ًا مع كل السيدات التافهات؟‬ ‫ل�م تتخي�ل بهيج�ة أن تصب�ح الكاتبة صديقة ليس�رى فكل واحدة‬ ‫من طينة تختلف عن األخرى‪ ،‬ما الذي جمعهما؟‬ ‫لا يذاع في إحدى‬ ‫أس�رت يس�رى لها بأنها س�تكتب عنها مسلس ً‬ ‫القنوات الفضائية‪ ،‬حاولت تصديقها‪ ،‬فهي ال تعرف ما إذا كانت كاتبة‬ ‫مش�هورة أم ال‪ ،‬إنما تعلم أن ش�قتها مؤثثة بش�كل جميل وأنيق وأنها‬ ‫التذهب إلى عمل محدد مثل كل الموظفات‪ ،‬وتنفق على مالبسها دون‬ ‫أن تطلب من أصدقائها الرجال‪ ،‬فيما يسرى تتصل خالل ليلة واحدة‬ ‫بأكثر من صديق ليرسل لها بطاقات لهاتفها النقال فقط‪ ،‬لتمضي ساعة‬ ‫م�ن الزم�ن تتح�دث فيه�ا إل�ى كمال‪ ،‬أكثر من ليلة قضتها معها بس�بب‬ ‫‪139‬‬ .‬‬ ‫هي مغامرة ارتضتها بهيجة وفات أوان الندم‪. ‫تحر�ش و�صداقات في المركب‬ ‫رحالت الس�فر تحتاج إلى رفيق يؤنس الطريق‪ ،‬كيف لو كانت‬ ‫قطع�ت البحرالمتوس�ط بمرك�ب مجه�ز لدخ�ول مناطق محدودة منه‪.

‬‬ ‫كانت تنتقل إلى حالة الشكوى من الصديقات وانتقاد تصرفاتهن‬ ‫معه�ا‪ ،‬وه�ي ق�ادرة عل�ى تحوي�ل كل المواقف العادية إلى مواقف لها‬ ‫أبعاد أكبر مما يجب أن تكون‪.‬‬ ‫‪140‬‬ .‬‬ ‫عمل زوجها لي ً‬ ‫لم تكن من النساء اللواتي يلجأن إلى السحر والشعوذة أو يبحثن‬ ‫عنها في قراءة فنجان قهوة‪ ،‬لطالما آمنت أنها تمتلك داخلها السحر‪،‬‬ ‫وبإمكانها السيطرة على من تريد دون اللجوء إلى تلك الحيل‪.‬‬ ‫«تتأم�ل كل ه�ذه المواق�ف وه�ي هادئة‪ ،‬تنظر في اتجاه واحد ثم‬ ‫ترحل نحو هدى والكاتبة‪ ،‬وتفكر أنها ال تحب أن تكون كأي واحدة‬ ‫من هؤالء النس�وة اللواتي عملت معهن‪ ،‬تريد أن يكون لها ش�خصية‬ ‫مختلف�ة ف�ي العال�م الجدي�د ال�ذي ينتظرها‪ ،‬تري�د خلق ذلك بنا ًء على‬ ‫ماتتوقعه من أشياء رائعة تصنع حياتها الجديدة «‪. ‫ال وأحيان ًا بال سبب‪ ،‬فقط لتؤنس وحدتها‪.‬‬ ‫تتذك�ر بهيج�ة كي�ف أقنع�ت زوجه�ا بالعم�ل في مدرس�ة خاصة‬ ‫وكذبت عليه بشأن الدخل الشهري‪ ،‬لم تكن تلتزم بعملها وال تحتاج‬ ‫ذاك الرات�ب‪ ،‬كان العم�ل حج�ة قوي�ة تمنحه�ا ش�جاعة الخ�روج بإذن‬ ‫رس�مي دون ش�كوك وغي�رة ومراقب�ة م�ن قبله‪ ،‬تح�اول عدم التقصير‪،‬‬ ‫تدور مثل نحلة في بيتها‪ ،‬تدفع لبهيجة من أجل مساعدتها في أعمال‬ ‫التنظيف‪ ،‬تصرفها قبل أن يأتي أحيان ًا‪ ،‬تتعامل بحنان غريب مع أوالدها‪،‬‬ ‫ثم ال تهتم لوجودهم في كل مشاجرة مع زوجها‪ ،‬وبعد خروجه تبكي‬ ‫بحرق�ة وتضمه�م إل�ى صدره�ا وتخاط�ب عواطفه�م بأنها تحتمل هذا‬ ‫القرف من أجلهم فقط!!‬ ‫بعد أن يمضي األوالد إلى شؤونهم تمسح دموعها‪ ،‬ترسم ابتسامة‬ ‫عريض�ة ث�م تب�دأ ف�ي حفل�ة ترتيب مواعيد وهي تس�خر من كل ش�يء‬ ‫حولها‪ ،‬مقدرتها العالية على االنتقال من حالة الغضب إلى حالة الفرح‬ ‫لم تكن تفهمها بهيجة أبد ًا‪.

‬‬ ‫فه�ل فك�رت الكاتب�ة ف�ي ما ينتظرها م�ن رعب أثناء هذه الرحلة‬ ‫فاختلقت لها تلك الحيلة؟ على العموم كانت امرأة ال تخلو من الطيبة‬ ‫وهن كذلك‪.‬‬ ‫نزل إليهم طالب ًا منهم الهدوء والحذر‪ ،‬حين توقف المركب بهم‬ ‫التفتت تبحث عن رضا فلم تجده‪ ،‬ربما وسط الضجيج الذي أحدثه‬ ‫‪141‬‬ .‫تش�عر في هذه اللحظة وهي في بطن مركب مظلم بيقين أن ما‬ ‫تقوله وما تفكربه وتس�جله لن يصل أبد ًا للكاتبة‪ ،‬وأنها لعبة س�خيفة‬ ‫تمنحها شجاعة في مثل هذا الموقف الغير‪.‬‬ ‫ولكن أليس هذا بعراء تام؟ ما الفرق أن تكون وسط البحر في‬ ‫مركب ال هوية له مع غرباء ينامون بعضهم فوق بعض‪ ،‬وقد استسلم‬ ‫أغلبهم للصمت‪ ،‬بعد أن ش�عروا أنهم يقتربون من اللحظة التي يأتي‬ ‫فيها القارب اإليطالي ليقودهم بأمان إلى شاطيء جزيرة (المبيدوزا)‪،‬‬ ‫كما أخبرهم الشاب التونسي الذي كان يقود المركب في بداية الرحلة‪،‬‬ ‫ثم ترك القيادة لرجل آخر‪.‬‬ ‫تتسرب إلى أنفها روائح كريهة وتسأل نفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬أال يمك�ن لألطف�ال أو الخائفي�ن الخروج إلى س�طح القارب‬ ‫ليقضوا حاجتهم؟‬ ‫تم�د عنقه�ا‪ ،‬تنظ�ر ف�ي االتجاه المقابل فت�رى فجوة عميقة غائبة‬ ‫عنها وتجمع ًا من الرؤوس ال يمكن أن تراه بشكل جيد‪ ،‬لكن أصواتهم‬ ‫تصله�ا دون أن تمي�ز لغته�م‪ ،‬كان�ت الش�ابة المغربي�ة‪ ،‬غي�ر بعيد عنهم‬ ‫تبدو متكئة على جردل بالس�تيكي‪ ،‬حزنت بهيجة عليها‪ ،‬كانت تش�عر‬ ‫بقدومه�ا قب�ل أن تراه�ا‪ ،‬تمي�ز رائح�ة عطره�ا الثمين وهي تدخل تلك‬ ‫العمارة‪ ،‬ترتدي ثياب ًا أنيقة ومكشوفة‪ ،‬ها هي تنام على جردل من الوقود‬ ‫وقد جمعت جسدها كله في اتجاه واحد ووضعت يدها اليسرى على‬ ‫صدرها‪ ،‬كطفل خائف ينام في العراء‪.

‫خبر وصول القارب اإليطالي صعد إلى أعلى‪ ،‬انتظرت عودته‪ ،‬التريد‬ ‫أن تتخلى عن مكان مالئم حجزته قريب ًا من الفتحة المطلة إلى أعلى‪،‬‬ ‫على األقل تأتيها مع كل هبوب رائحة البحر‪ ،‬أفضل من الدخول إلى‬ ‫عم�ق الق�ارب حي�ث تل�ك البرامي�ل الصدئة والحبال والش�باك العالقة‬ ‫عليها بقايا األسماك ذات الرائحة العفنة‪.‬‬ ‫ال ثم سادت فترة‬‫قبل أن يعود رضا هدأ محرك المركب‪ ،‬اهتز قلي ً‬ ‫سكون عاد بعدها ارتفاع أصوات عالية‪ ،‬سمعت امرأة عراقية تقول هل‬ ‫وصلنا؟ فتردد صوت ضحكات‪ ،‬هذه أول مرة تشعر أن للفرح مكان ًا‬ ‫في هذه الرحلة‪ ،‬لم يكن فرح ًا بقدر ما كان ارتياح ًا‪ ،‬تنفست بدورها‬ ‫محاولة القبض على أكبر كمية من الهواء القادم من أعلى‪.‬‬ ‫مضى نصف س�اعة‪ ،‬تململت أثناءه وهي تحاول أن تجد فكرة‬ ‫ما تشغلها وتنسيها هذا الوقت الصعب الذي ال يريد أن يمضي‪ ،‬فجأة‬ ‫سمعوا صراخ ًا‪ ،‬كان منبعث ًا من الداخل قريب ًا من مكان الشابة الجميلة‪،‬‬ ‫بل هي أخذت تشتم وتصرخ‪ ،‬ركض نحوها ثالثة رجال تحلقوا حولها‪،‬‬ ‫لم تتبين بهيجة األمر في العتمة التي ازدادت بعد أن تم إطفاء المحرك‬ ‫وكل األن�وار الداخلي�ة الش�حيحة‪ ،‬س�معت ص�وت رض�ا ويده تحاول‬ ‫مالمسة كتفها‪ ،‬شعرت بإمان وسألته‪:‬‬ ‫‪ -‬ما الذي يجري؟‬ ‫أجابها‪:‬‬ ‫‪ -‬الشيء اطمئني‪.‬‬ ‫‪142‬‬ .‬‬ ‫مازال�ت أصواته�م تعل�و وه�م يتكلم�ون بلغة إنكليزي�ة‪ ،‬فجأة وقع‬ ‫أحدهم أرض ًا وفوقه أحد الرجال األفارقة‪ ،‬فنشبت معركة صغيرة‪ ،‬الجميع‬ ‫يصرخ بأصوات مرتفعة‪ ،‬هبط بضعة رجال إلى أس�فل وبيدهم مصابيح‬ ‫تعم�ل يدوي� ًا‪ ،‬وجه�ت األن�وار إل�ى الداخل‪ ،‬كان عرض ًا يش�به ما يحدث‬ ‫على خشبة المسرح‪ ،‬المتفرجون في الظالم واألبطال تحت الضوء‪.

‬‬ ‫ابتع�د الرج�ل ال�ذي كان ضخ�م الجث�ة‪ ،‬كان وجه�ه يتعرق وبدا‬ ‫أن جرح ًا لحق به‪ ،‬ساد الهدوء‪ ،‬اقترب اثنان من اإليطاليين محاولين‬ ‫محاصرت�ه‪ ،‬تحدث�وا معهم‪ ،‬س�معت أص�وات أقفال حديدية‪ ،‬البد أنها‬ ‫قيود‪ ،‬شعرت بالخوف أكثر‪ ،‬خرجوا مقتربين منها يسوقون الرجل‪ ،‬بل‬ ‫يدفعونه نحو األعلى‪ ،‬سمعت أحد الرجال يصرخ قائال‪:‬‬ ‫‪ -‬ارموه في البحر لتأكله األسماك!‬ ‫علا ص�وت المح�رك وب�دأ المركب يس�ير بس�رعة أكبر من التي‬ ‫انطلق�وا به�ا‪ ،‬لمع�ت األض�واء الخافت�ة من جدي�د‪ ،‬نظرت نحو العمق‬ ‫المعتم‪ ،‬كان هناك اثنان من أصدقائه يجلسان مطأطئي الرأس‪ ،‬غير بعيد‬ ‫عنهما وقف رجل آخر يتحدث إليهما‪ ،‬لم تتبين لهجته‪ ،‬تش�جع رضا‬ ‫وذهب زاحف ًا نحوهم ثم اقترب من الشابة وتحدث إليها ثم عاد‪.‬‬ ‫المركب مساحته التتجاوز األمتار القليلة‪ ،‬طوله ثالثون متر ًا‪ ،‬أما‬ ‫عرضه فربما يبلغ خمس�ة عش�ر متر ًا‪ ،‬ولكن ازدحام الركاب وجرادل‬ ‫الوقود التي كانت تتناقص منذ بدأت الرحلة سمحت لفراغ البأس به‬ ‫يمكّ�ن البع�ض م�ن الحرك�ة‪ ،‬ع�اد رضا‪ ،‬حاول أن يأخذ مكانه القديم‪،‬‬ ‫تنهد بارتياح وهمس لبهيجة‪:‬‬ ‫‪ -‬الحمد لله لم ينالوا منها‪ ،‬كان أحدهم يحاول التحرش بالشابة‬ ‫لكنها صرخت وابتعدت عنه‪.‫رأت بهيجة الشابة واقفة وامرأة تحتضنها‪ ،‬صرخ أحد الرجال الذين‬ ‫هبطوا وتقدم نحوهم‪ ،‬تبينت أنهم لم يكونوا معهم‪ ،‬همس رضا‪:‬‬ ‫‪ -‬هؤالء من إيطاليا سيقودون المركب‪.‬‬ ‫تملكها الرعب وسألته‪:‬‬ ‫‪ -‬كي�ف يح�دث ه�ذا بحض�ور الجميع هنا! أقصد في مثل هذه‬ ‫المواقف‪ ،‬يعني نحن جميع ًا معرضون للهالك في لحظة ما؟!‬ ‫أجابها رضا‪:‬‬ ‫‪143‬‬ .

.‫‪ -‬التخاف�ي ل�م يح�دث ش�يء‪ .‬أن�ا س�معت ع�ن رحلات تم‬ ‫اغتص�اب النس�اء فيه�ا عل�ى م�رأى من أزواجه�ن‪ ،‬بل هناك من حاول‬ ‫االعتراض أو الدفاع وكان مصيره الغرق في البحر‪.‬‬ ‫كانت تريد أن تسمع ما يجعلها تطمئن أكثر‪ ،‬ال أن تخاف‪ ،‬لكن‬ ‫رضا وجد أن الحقيقة والواقع أبش�ع من ذلك بكثير‪ ،‬لذا يتوجب أن‬ ‫يحمد الله على أقل األضرار‪.‬‬ ‫***‬ ‫س�معت صوت الرجلين اللذين يجلس�ان من الجهة الثانية قريب ًا‬ ‫منه�ا‪ ،‬يع�ودان للج�دال والنق�اش‪ ،‬في بداية الرحلة كان التذمر واضح ًا‬ ‫جد ًا في نبرتهما‪ ،‬تحاول قدر اإلمكان التقاط أحاديثهما لتسلي نفسها‪،‬‬ ‫لهجة أحدهما عراقية أما الثاني فهو جزائري‪ ،‬مع ذلك استمرت تسأل‬ ‫نفس�ها‪ :‬كي�ف ت�م ه�ذا االنس�جام بينهم�ا؟ اللهجتان تبع�دان كثير ًا عن‬ ‫بعضهما وهما يتحدثان طوال الرحلة‪ ،‬بعد أن حدث التحرش بالشابة‬ ‫عال صوتهما أكثر‪ ،‬وكل مافهمته في البداية كان مجرد كلمات مبعثرة‪،‬‬ ‫أزاح�ت جذعه�ا الثقي�ل بق�در ماتس�تطيع لتقترب منهم�ا أكثر‪ ،‬نجحت‬ ‫بالتق�دم لمس�افة صغي�رة وس�ط ه�ذه العتم�ة والضجي�ج وانش�غالهما‬ ‫بالحوارمع بعضهما‪ ،‬لم يعيراها اهتمام ًا‪ ،‬وفيما كانت تحاول أن تريح‬ ‫قدميها باحتالل مساحة أكبر انزلقت منها زجاجة مياه الشرب‪ ،‬لم تكن‬ ‫قد شربت منها الكثير‪ ،‬تدحرجت باتجاه أحدهما‪ ،‬سارع الرجل العراقي‬ ‫إلى التقاطها‪ ،‬كان يحمل والعة في نهايتها بطارية صغيرة يضغط عليها‬ ‫فتص�در ض�وء ًا صغي�ر ًا‪ ،‬تأم�ل الزجاج�ة ثم وجه النور نحو وجهها‪ ،‬لم‬ ‫تعد تتمكن من رؤيته‪ ،‬أطفأ النور ومدّ يده يحمل الزجاجة‪ ،‬اقترب شبه‬ ‫زاحف على ركبتيه‪ ،‬هذه أول مرة‪ ،‬تعلم أنه نفس الرجل الذي كان في‬ ‫صالة االنتظار‪ ،‬تناولت منه الزجاجة‪ ،‬ثم توقفت يدها وقالت‪:‬‬ ‫‪« -‬تبغي تشرب خوي تفضل؟»‬ ‫‪144‬‬ .

‬هنا تهدج صوته‬ ‫ال ثم تابع‪:‬‬‫قلي ً‬ ‫‪ -‬هنا أختار طريقة للموت ربما نراها بهذا الوجه‪ ،‬أقصد الموت‬ ‫الذي بعده حياة‪ ،‬ليس في اآلخرة لكن في هذا العالم‪.‬‬ ‫كان�ت الذاك�رة المعدني�ة بي�ن أصابعها تعبث بأزرارها وهي قريبة‬ ‫أكث�ر م�ا يمك�ن منهم�ا‪ ،‬وق�د ع�ادا للحدي�ث م�ن جديد ونس�يا أمرها‬ ‫تمام ًا‪.‬‬ ‫قاطعه الجزائري‪:‬‬ ‫‪ -‬بالضبط‪ ،‬هذا مارميت إليه وأردت أن أوضحه‪ ،‬لماذا يطلقون‬ ‫اسم (الحراقة) على كل مهاجر في المغرب العربي‪ ،‬ليس كما يعتقد‬ ‫‪145‬‬ .‬‬ ‫تابع العراقي حديث ًا كان قد بدأه مخاطب ًا رفيقه‪:‬‬ ‫‪ -‬ما الذي جعلني أغامر بروحي ودفء عائلتي‪ ،‬التس�ألني عن‬ ‫الن�دم‪ ،‬ف�ات األوان‪ ،‬الخي�ارات المتاح�ة ف�ي العراق أو غيرها جميعها‬ ‫تؤدي إلى الهالك ولكن هنا يبقى لدي خيار هالك نصفه أمل‪ ،‬يكفي‬ ‫أنني لم أمت بتفجير انتحاري في أحد أسواق بغداد‪ ،‬أو رصاصة طائشة‬ ‫ربما أصابتني من بندقية صديق أو زميل دراسة قديم‪ .‬‬ ‫في تلك اللحظة أحست أنها تبني عالقة إنسانية جديدة مع رفاق‬ ‫آخرين تقاسمت معهم جزء ًا كبير ًا من هذه المغامرة‪ ،‬سؤاله منحها أنس ًا‬ ‫وحفاوة بمجرد نطقه العبارة الصغيرة‪ ،‬قالت لنفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬هناك من يهتم لمش�اعري وخوفي وقلقي‪ ،‬أما مس�تقبلي فهذا‬ ‫شأني‪. ‫رفعها نحوها وشكرها بتهذيب كبير ثم سألها‪:‬‬ ‫‪ -‬هل شعرت بالخوف؟!‬ ‫أجابت على الفور‪:‬‬ ‫‪ -‬توكل�ت عل�ى الل�ه‪ ،‬كل الرحل�ة خ�وف‪ ،‬إن ش�اء الل�ه نوصل‬ ‫سالمين‪..

‬‬ ‫عليها أن تصمت وتجامل وتدعي أنها ال تسمع والترى والتتكلم‬ ‫وأيض ًا التتأثر ببكائياتها‪.‬‬ ‫كان�ت زفراتهم�ا تصع�د حارق�ة تكاد تصنع حرائق ال يمكن لمياه‬ ‫البح�ر أن تطفئه�ا‪ ،‬ه�ذا ماظنت�ه وه�ي الت�ي تفك�ر ف�ي أن ما قادها إلى‬ ‫تل�ك المهم�ة االنتحاري�ة لتنق�ذ نفس�ها م�ن الذل‪ ،‬ل�م يكن ألن خدمة‬ ‫البيوت تذلها بمقدار ماترى من عذابات من حولها تجعل تلك النساء‬ ‫بسر غضبها‬ ‫يضطهدنها‪ ،‬لم تصدق أبد ًا أن يسرى تحترمها عندما تبوح ّ‬ ‫م�ن زوجه�ا الاله�ث وراء جس�د أع�ز صديقاته�ا‪ ،‬تش�تكي لبهيجة من‬ ‫يأس�ها‪ ،‬من غيرته وش�كوكه‪ ،‬حتى تس�تدر في أغلب األحيان عطفها‬ ‫عليه�ا‪ ،‬نع�م يس�رى تحت�اج ه�ذا التعاطف ليتس�نى له�ا طلب خدمات‬ ‫إضافية منها غالب ًا بال مقابل‪ ،‬فقط المتاح‪ ،‬وهو استضافتها ليلة واحدة‬ ‫في منزل واسع وفراش نظيف وعشاء فاخر‪..‬‬ ‫ل�م يك�ن ف�ارق العم�ر بي�ن الصديقتي�ن كبي�ر ًا‪ ،‬ربم�ا ال يتج�اوز‬ ‫‪146‬‬ .‫البعض أن جثث الغرقى المهاجرين تحرق على ش�واطيء أوربا‪ .‬ال‬ ‫أبد ًا‪ ،‬بل ألنهم يتمثلون بطارق بن زياد‪ ،‬أجل التستغرب! ذاك البطل‬ ‫األسطوري في مخيلتنا أحرق وراءه السفن وهو يدخل إسبانيا فاتح ًا‪،‬‬ ‫نحن المهاجرين نحرق خلفنا تاريخنا الش�خصي‪ ،‬ليس لدينا ما يثبت‬ ‫أن اسمي األخضر أو األمين أو المهدي‪ ،‬سم ماشئت نفسك‪ ،‬نحرق‬ ‫ذاكرة وماضي ًا وتاريخ ًا‪ ،‬وال تنس المؤهالت‪ ،‬نحرقها ولم نعد نملكها‬ ‫من اآلن فصاعد ًا‪ ،‬ندخل أوروبا جثث ًا أحياء كنا أو أموات ًا سيان‪ ،‬نحن‬ ‫مج�رد جث�ث متحرك�ة تتنف�س‪ ،‬تأكل‪ ،‬تش�رب‪ ،‬وتقوم بأي عمل مقابل‬ ‫األمان الممنوح لنا في خيام تشبه مخيمات الالجئين بل هي كذلك!‬ ‫نحن الحراقة ياسيدي إذا وصلنا الشاطيء اآلخر علينا أن ننسى لغتنا‬ ‫أيض ًا ونكفر بعاداتنا وتقاليدنا‪ ،‬وإال لن نكون إال مشروع إرهابيين جدد‬ ‫بالنسبة لهم‪.

‫الثلاث س�نوات‪ ،‬لك�ن يس�رى تزوج�ت في العش�رينات‪ ،‬فيما س�ومة‬ ‫التي اختفت لس�نين طويلة قبل أن تظهر في حياتها من جديد‪ ،‬كانت‬ ‫مات�زال تبح�ث ع�ن زوج‪ ،‬تأخ�ر زواجه�ا ألنها فضلت البقاء في البيت‬ ‫الواسع الجميل مع والديها العجوزين‪ ،‬فيما شقيقها تزوج وبنى مستقبله‬ ‫بعيد ًا عنهم‪ ،‬يعمل في حقول النفط ويغيب ليس‪ ،‬عن والديه فقط بل‬ ‫عن زوجته وأوالده‪ ،‬ضحت بكل من تقدم لخطبتها من شبان رائعين‬ ‫كم�ا ادع�ت ذل�ك‪ ،‬عن�د ظهوره�ا ف�ي حياة الصديق�ة والزميلة القديمة‬ ‫كانت يتيمة األبوين تقيم في حي (بن عاشور) وتبحث عن الخالص‬ ‫والمساعدة!‬ ‫تميزت س�ومة بجمال نادر‪ ،‬فهي باإلضافة إلى رش�اقة جس�دها‬ ‫تمتلك وجه ًا بمالمح جميلة‪ ،‬ش�عرها أس�ود داكن فيما بش�رتها بيضاء‬ ‫نقية‪ ،‬لها عينان بلون شعرها األسود‪ ،‬وتهذب حاجبين على شكل قوس‬ ‫يزيد مساحة جفنها‪ ،‬وأنفها دقيق‪ ،‬وتمتلك ابتسامة ساحرة منفرجة على‬ ‫ش�فتين ممتلئتين‪ ،‬منحها القدر كل ذلك باإلضافة إلى صوتها الرقيق‬ ‫وتحدثها بصوت هامس‪ ،‬جعلها أنثى مرغوبة حتى في صمتها الطويل‪،‬‬ ‫لم تكن كثيرة الكالم‪ ،‬من يراها يعتقد أنها فتاة صعبة المنال فيما هي‬ ‫غارقة في عدة تجارب عاطفية فاشلة‪ ،‬في البدء كانت في كل عالقة ال‬ ‫تدع أحدا يقترب من جسدها‪ ،‬محاذرة دوم ًا االقتراب من شيء صغير‬ ‫اعتبرته األثمن واألغلى‪ ،‬وفي لحظة اندفعت ومنحته مقابل لذة أعلى‪،‬‬ ‫حدث ذلك قبل خطبتها‪ ،‬وفي آخر عالقة متمادية أقامتها قبل الزواج‬ ‫مباشرة منساقة وراء عواطفها دون خوف من أنها في مجتمع يطالبها‬ ‫بالعفة‪ ،‬فخسرت رمز طهارتها بنظر هذا المجتمع‪ ،‬لم تعد عصية أبد ًا‪،‬‬ ‫بل منحت وأخذت الكثير من الملذات والمتع الجسدية‪.‬‬ ‫ال تعت�رف بأنه�ا لس�نوات طويل�ة اس�تمتعت بمزي�ة كونه�ا ام�رأة‬ ‫تمارس جنس ًا كامال مع حبيبها‪ ،‬بل تقول ليسرى وهي تتوسل إليها‪:‬‬ ‫‪147‬‬ .

‫‪ -‬أرج�وك‪ ،‬كان�ت غلط�ة لم�رة واح�دة ومن�ذ زم�ن بعي�د‪ ،‬أريد‬ ‫مساعدتك في األمر ألنني مخطوبة منذ أشهر وخطيبي يستعجل إقامة‬ ‫العرس! تعلمين كم سيكون هذا األمر مكلف ًا لي اجتماعي ًا!‬ ‫في ذلك الوقت كانت بهيجة تس�تمع بانتباه ش�ديد إليهما‪ ،‬وفيما‬ ‫يسرى حائرة التفكير‪ ،‬قدمت نصيحة لها‪ ،‬ألنها كما ادعت لديها خبرة‬ ‫من خالل معرفتها بتجارب فتيات مررن بمثل هذه المشكلة‪.‬‬ ‫تتذكربهيج�ة ف�ي ذاك المس�اء أن كثي�ر ًا م�ن األحاديث دارت بين‬ ‫‪148‬‬ .‬‬ ‫وكان االقت�راح أن تراف�ق يس�رى صديقته�ا إل�ى أق�رب عيادة في‬ ‫تونس وأن تدعي بأن س�بب الس�فر هو معاناتها من ألم الفقرات في‬ ‫ظهرها‪.‬‬ ‫أعجبهما اقتراح بهيجة بعد أن عرضت اإلقامة مع أوالد يسرى‬ ‫ورعايتهم‪ ،‬لم يمانع زوجها أبد ًا‪ ،‬بل رحب بأداء هذه الخدمة للصديقة‬ ‫الجميل�ة الت�ي بات�ت زيارته�ا ش�به دائم�ة‪ ،‬وكان�ت في أغل�ب األحيان‬ ‫تقض�ي اللي�ل ف�ي البي�ت حت�ى التعود في وقت متأخر إلى بيتها ويظن‬ ‫بها الجيران سوء ًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫ل�م تم�ض س�نة عل�ى زواجه�ا حتى عادت وكدمات زرقاء تحت‬ ‫عينها وفي انحاء أخرى من جسدها‪ ،‬هجرت زوجها وادعت أن الحياة‬ ‫التط�اق مع�ه‪ ،‬فه�و لي�س عاج�ز ًا تمام ًا وإنما يش�كو م�ن ضعف كبير‪،‬‬ ‫ومع ذلك كان مصر ًا على عدم اإلنجاب‪ ،‬حبسها في المنزل وضربها‪،‬‬ ‫إهانات دائمة‪ ،‬تبكي على كتف صديقتها وتقول‪:‬‬ ‫‪ -‬أريد الطالق بأي ثمن؟!‬ ‫كانت يسرى تتحدث مع السيد عبد المجيد على الهاتف‪ ،‬أخبرته‬ ‫بأن الصديقة الوحيدة لها تحتاج إلى من ينقذها من هذا الزواج البائس‪،‬‬ ‫وزوجها يرفض الطالق!‪.

‬‬ ‫في بداية صداقتهما قالت يسرى عنها‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ذه الم�رأة قط�ة مغمضة‪ ،‬تأتي لتش�تكي من زوجها صاحب‬ ‫أهم محالت المالبس في البلد‪ ،‬وبأنه اليأتي إلى البيت‪ ،‬وكل شهرين‬ ‫يفتتح مشروع ًا جديد ًا وعالقة عاطفية جديدة‪ ،‬أما عالقتهما فهي باردة‬ ‫مما دعاها لتصبح شبه ساكنة في بيت صديقتها‪ ،‬اليعنيها وجود زوج‬ ‫يسرى وال تهتم لوقت قيلولته‪ ،‬فهو أيض ًا أصبح صديق ًا حميم ًا لزوجها‪،‬‬ ‫ولطالما تحولت السهرات العائلية المشتركة إلى ساحة اقتتال زوجي‬ ‫إما بين الش�قرا وزوجها أو بين يس�رى وزوجها‪ ،‬جمعهما الكثير لكن‬ ‫دهاء يسرى وقدرتها على اإلمساك بزمام أي معركة جعلها تأخذ دور‬ ‫الصديقة النصوح ذات الرأي السديد‪ ،‬في كل مشكلة تقع بين صديقتها‬ ‫‪149‬‬ .‫الصديقتين‪ ،‬كانت س�ومة تتنقل في أرجاء البيت براحة كبيرة‪ ،‬ترتدي‬ ‫مالبس النوم التي تخص صاحبة البيت‪ ،‬تدخل المطبخ‪ ،‬تفتح الثالجة‪،‬‬ ‫تخرج بقايا الطعام‪ ،‬تدخلها إلى جهاز الميكرويف ثم تجلس لتلتهمه‬ ‫بش�هية كبيرة‪ ،‬يومها انتبهت بهيجة إلى س�عي الصديقة إلى اإلمس�اك‬ ‫بهاتف يس�رى أكثر من مرة على غفلة من صاحبته‪ ،‬وراودها الش�ك‬ ‫أنه�ا تح�اول معرف�ة رق�م م�ا أو االطالع على الرس�ائل‪ ،‬لكنها وصلت‬ ‫إلى غايتها بيس�ر وس�هولة فيما بعد‪ ،‬ألنها انش�غلت من جديد بالثرثرة‬ ‫ولم تعد لالقتراب من الهاتف!‬ ‫قبل ظهور سومة من جديد دخلت صديقة في حياة يسرى تدعى‬ ‫الش�قرا‪ ،‬وه�ذا لي�س اس�مها الحقيق�ي وإنم�ا أطلقوا عليه�ا هذا اللقب‬ ‫بسبب شعرها األصفر المصبوغ‪ ،‬امرأة لم تكمل السادسة والعشرين‪،‬‬ ‫لكنها أنجبت خمس�ة أطفال اثنان منهم توأمان‪ ،‬لم تكن من س�اكني‬ ‫العمارة ولو ظن البعض ذلك‪ ،‬ألنه العمل لها سوى ترك أطفالها مع‬ ‫المربية والخادمة والخروج بسيارتها الحديثة إما إلى بيت صديقتها أو‬ ‫إلى المنتزه العائلي‪.

‬‬ ‫كان غرضها واضح ًا بالنس�بة لبهيجة عندما أس�رت لها بأن هذه‬ ‫ال يمتلك كل هذه الوسامة واألموال!‬ ‫الشقرا التافهة التستحق رج ً‬ ‫له�ذا كان�ت تل�ك المحلات التي يمتلكها وتبيع أجمل المالبس‬ ‫تح�ت يده�ا مت�ى ش�اءت‪ ،‬يكفيه�ا االتصال بزوج الش�قرا فيخبرها بأن‬ ‫كل شيء تحت تصرفها وهذا هو ما تسعى إليه‪.‬‬ ‫كان الفرق كبيرا وجليا بين الزوجتين‪ ،‬األولى كانت مثار ش�ك‬ ‫وريبة أما الصغيرة «القطة « فهي محل ثقة دائمة‪.‬‬ ‫إال أن ما حدث بعد ذلك هو تقليد الشقرا لنمط حياة صديقتها‪،‬‬ ‫ظهر األصدقاء السريون‪ ،‬كما استخدمت هاتفا برقم سري خاص بهم‬ ‫اليك�ف ع�ن الرني�ن لمواعيده�ا ولقاءاته�ا‪ ،‬ثم اتب�اع الحذر من وجود‬ ‫رسالة طائشة في هاتفها النقال‪.‬‬ ‫***‬ ‫في تلك الفترة كان البيت مزدحم ًا‪ ،‬الزوج يتذمر من وجود الشقرا‬ ‫وأوالده�ا م�ع أوالده األش�قياء‪ ،‬لكنه�ا حي�ن تدخ�ل بعباءتها الس�وداء‬ ‫المزخرفة وترميها على الكرس�ي يقف مرحب ًا بها‪ ،‬فيما تكون س�ومة‬ ‫قد احتلت غرفة نومه وفراش الزوجية طلب ًا لقيلولة بعد الغداء‪ ،‬ويسرى‬ ‫تركض بين المطبخ وطلبات الزوج وال تكف عن تدليله بكل عبارات‬ ‫‪150‬‬ .‬‬ ‫أثار األمر حفيظة يس�رى واس�تفز لديها مش�اعر الحس�د والغيرة‪،‬‬ ‫وكلم�ا وقع�ت القط�ة الش�قرا في مط�ب أتت الصديقة المخلصة لتقدم‬ ‫لها النصح بصيغ التأنيب والتهذيب‪ ،‬في نهاية كل جدال تنهيه الشقرا‬ ‫بعبارة واحدة‪:‬‬ ‫‪« -‬زوجي اليشك بتصرفاتي فهو يثق بي كثير ًا»‪.‫وزوجها تحاول أن تبرز دائم ًا أن الصديقة هي المخطئة في حقه‪ ،‬وإذا‬ ‫عاتبته�ا الش�قرا ف�ي خلوتهم�ا عل�ى هذا الموق�ف المتخاذل‪ ،‬تؤكد لها‬ ‫يسرى أن هذا لمصلحتها ولترطيب األجواء‪.

‬وغالب ًا مايكون ر ّد فعلها ساخر ًا منه قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬ل�ن تن�ال صديقت�ي‪ ،‬ال أث�ق ب�ك ولكنن�ي أث�ق به�ا كثير ًا‪ ،‬هي‬ ‫تكرهك لقسوتك معي‪ ،‬ثم إن في حياتها رجال آخر تعشقه وتريد أن‬ ‫تتزوج منه!‬ ‫تكررت تلك الطقوس ألكثر من عامين‪ ،‬وحتى قبل سفر بهيجة‬ ‫بي�وم واح�د ظ�ل الح�ال كم�ا هو‪ ،‬الش�يء يتغير إال بع�ض التفاصيل‪،‬‬ ‫القص�ص نفس�ها كل ي�وم‪ ،‬حت�ى عندما تغض�ب إحداهن وتغيب أليام‬ ‫تستغل األخرى هذا الفراغ بإظهار نفسها الصديقة المخلصة ليسرى‪.‬ألن يس�رى تجد من مصلحتها أن ترس�ل س�ومة إلى‬ ‫مكتب السيد عبد المجيد ليسلمها مبلغ ًا من المال سبق وأن طلبته منه‬ ‫لتوفير مقدار أقل من الش�ك الذي يالحقها به زوجها‪ ،‬وتكون فرصة‬ ‫جيدة لتوطد الصديقة عالقتها مع الرجل الثري الذي يمكنه أن يدفع‬ ‫الكثي�ر‪ ،‬ومقاب�ل الش�يء‪ ،‬كم�ا تدعي صديقته�ا‪ ،‬فاعتقدت أن فرصتها‬ ‫متاح�ة لتدخ�ل حيات�ه‪ ،‬لكن مالمح الصرامة والكبرياء المرتس�مة على‬ ‫وجهها جعلته ينفرمنها ويطلب من يس�رى أن الترس�ل صديقتها إليه‬ ‫أبد ًا‪ ،‬بل توعدّ يسرى أيض ًا لو أنها طلبت المزيد فلن يلبي طلبها‪.‫الحب والمالطفة‪ ،‬ت ُعد له مناشف نظيفة ليدخل الحمام‪ ،‬تنتظره خلف‬ ‫الباب فإذا خرج تقبله وتعطيه ثياب ًا نظيفة‪ ،‬بعد أن يذهبوا تبدأ بالشكوى‬ ‫والتذمر من وجودهما‪ ،‬وفي كل مرة تكون نقمتها منصبة على إحداهما‬ ‫منتظرة من زوجها المس�اندة‪ ،‬إال أنه يرحب بوجود س�ومة وال يخفي‬ ‫إعجابه بنهديها المنتصبين ورغبته فيها لو سنحت له الفرصة!‪.‬‬ ‫«ضفي�رة م�ن النف�اق والمصال�ح والخداع تش�كل صراعات خفية‬ ‫هذه الصداقة «‪ .‬‬ ‫لم يعد يجيب على مكالماتها‪ ،‬وأحس�ت بالقس�وة والرفض من‬ ‫‪151‬‬ .‬‬ ‫كان هذا يتبدى لبهيجة مش�هد ًا غير معقول‪ ،‬ال يمكن أن تفهمه‬ ‫وال تدرك ما يدور في بال الزوجة التي ال تعترض على تلك المغازلة‬ ‫العلنية لصديقتها‪ .

‫قبله‪ ،‬لهذا ناقشت األمر مع بهيجة التي عملت في بيته لسنوات طويلة‬ ‫وتعرف بعض ًا من طبائعه‪.‬‬ ‫***‬ ‫البحر مزاجه متقلب‪ ،‬ال يمكن التكهن بمواعيد ثورته وأنوائه‪ ،‬هذه‬ ‫الرحلة التي من المفترض أن يقطعها المركب الذي تم تعديل محركاته‬ ‫وصيانته�ا ف�ي ليل�ة كامل�ة يحالفه الحظ ويقف القدر مع ركابه جميع ًا‪،‬‬ ‫ه�ذه إح�دى الح�االت الن�ادرة جد ًا‪ ،‬غالب ًا ماتنتهي رحالت المهاجرين‬ ‫قبل أن تبدأ‪ ،‬هذا ماسمعته بهيجة من زمالئها في الرحلة‪ ،‬الذين اقتربت‬ ‫منه�م أكث�ر بع�د أن أص�اب المل�ل رضا وأخذ يصعد أكثر من مرة إلى‬ ‫س�طح المركب‪ ،‬مما أتاح لها أيض ًا أن تمدد أعضاء جس�دها المنهك‬ ‫ف�ي كل رحل�ة صع�ود‪ ،‬فتل�ك المس�احات الصغيرة داخله محتلة تمام ًا‬ ‫حيث اليكاد أحدهم يحلم بأن يتمدد ويسترخي أويغط في النوم لفترة‬ ‫قصيرة إال إذا طوى جسده‪ ،‬وانحنى مستند ًا على أي شيء يجده قريب ًا‬ ‫منه‪ ،‬كل ماكان يفصل بهيجة عن الرجلين الجزائري والعراقي هو كومة‬ ‫صغيرة من الحبال مرمية فوق إطار دائري‪ ،‬أس�ندت رأس�ها إليه أكثر‬ ‫م�ن م�رة خائف�ة م�ن النع�اس الذي غالبته أكث�ر األحيان‪ ،‬وكاد يأخذها‬ ‫إلى أحالم جميلة مرة‪ ،‬التريد أن تنام‪ ،‬تريد أن تستقبل كل ماقد يطرأ‬ ‫وه�ي بقم�ة صحوه�ا‪ ،‬حت�ى لو اس�تنزف القلق أفكارها وأتى على كل‬ ‫أعصابها‪.‬‬ ‫إال أن بهيجة أفادتها بكلمة واحدة‪:‬‬ ‫‪ -‬التحاولي مضايقته أكثر ألنه ير ّد على ذلك بعنف أحيان ًا!‪..‬‬ ‫صوتهم�ا يخف�ت حين� ًا ويعل�و حين� ًا آخر‪ ،‬ثم يب�دو كالم العراقي‬ ‫الذي يحاول أن يقترب من اللغة الفصحى ذا نغمة رتيبة إنما جهوري ًا‬ ‫أكثر‪ ،‬تصغي إلى الرجل العراقي الذي يقول‪:‬‬ ‫‪ -‬مادام اإليطاليون قد وصلوا إلى المركب فهذا يعني أن الفرج‬ ‫‪152‬‬ .

..‬لي�س لديه�م ني�ات حس�نة! ه�ؤالء تج�ار يتاج�رون‬ ‫ب�األرواح ش�ئنا أم أبين�ا‪ ،‬لكنه�م عصاب�ات منظم�ة وكل عصاب�ة تري�د‬ ‫أن تس�يطر على الس�وق بتحس�ين س�معتها‪ ،‬وبأن رحالتها أنجح من‬ ‫غيرها‪..-‬تج�ار‪ ،‬أج�ل مازال�وا يأت�ون من الش�مال ويس�تثمرون في‬ ‫الجن�وب‪ ،‬من�ذ ق�رون أت�ى أجداده�م إلى عمق إفريقيا الس�وداء‪ ،‬كانوا‬ ‫ينتقون بضاعتهم‪ ،‬أغلبهم من الشباب اليافعين‪ ،‬يجبرونهم على الصعود‬ ‫إلى المراكب وأحيان ًا يلجؤون إلى خطفهم من أحضان أسرهم‪ ،‬كانوا‬ ‫يدفعون المال من أجل تلك الرحالت‪ ..‬‬ ‫يصمت قلي ً‬ ‫ال ويتابع‪:‬‬ ‫‪ -‬اس�مع ياصديقي نحن العراقيون نهاجر من كل مكان‪ ،‬هناك‬ ‫عصاب�ات روس�ية تتول�ى نق�ل المهاجري�ن إل�ى بلدان ش�مال أوربا في‬ ‫البواخ�ر الكبي�رة‪ ،‬ه�ل تتص�ور إل�ى أي م�دى وصل�ت س�لطتهم؟ من‬ ‫مصلحتهم أن يتعاملوا بحنكة ففي كل مكان لهم جناح يساعدهم‪.‬لكنه�م يس�يطرون م�ن اآلن عل�ى ال�ركاب‪ ،‬هل‬ ‫الحظت ذلك!‬ ‫يقهقه العراقي ويجيبه‪:‬‬ ‫‪ -‬اس�مع‪ ...‬‬ ‫تسمع الجزائري يتمتم بكلمات ال تصل أذنها‪ ،‬ثم يرتفع صوته‬ ‫قائالً‪:‬‬ ‫‪ .‬انظر اآلن‪ ،‬نحن ندفع لهم‬ ‫ونبيعه�م أرواحن�ا ب�كل س�رور‪ ،‬ب�ل نتمن�ى أن التنته�ي حياتن�ا عل�ى‬ ‫شواطئهم جثث ًا هامدة بالروح‪.. ‫أصبح وشيك ًا!‬ ‫الجزائري‪:‬‬ ‫‪ -‬الحم�د لل�ه‪ .‬‬ ‫أجابه العراقي‪:‬‬ ‫‪ -‬هل تعلم أن أوروبا تدفع لليبيا الماليين وتسعى لعقد صفقات‬ ‫‪153‬‬ .

‬‬ ‫زفر آهة طويلة وتابع‪:‬‬ ‫‪ -‬يقتلوننا في أرضنا وعلى شواطئهم‪ ،‬قبل أكثر من مئة سنة أتت‬ ‫فرنسا لتقول للجزائريين‪ :‬أنتم جزء من الشعب الفرنسي‪ ،‬والجزائر هي‬ ‫بقية أرض فرنسية‪ ،‬أخذت العمال من أفراد الشعب الجزائري ليعملوا‬ ‫ف�ي مصان�ع الس�يارات‪،‬فرضت لغته�ا وثقافته�ا علين�ا‪ ،‬تغلغلت ثقافتها‬ ‫داخ�ل عقولن�ا‪ ،‬ث�م اغلق�ت األب�واب في وجه الحالمين بالهجرة إليها‪،‬‬ ‫كما أغلقت دول عربية نفطية األبواب في وجه من يتكلم الفرنسية لغة‬ ‫الشعر والثقافة‪ ،‬ورحبت بمن يتكلم االنكليزية لغة االقتصاد والمال‪. ‫معها من أجل مكافحة الهجرة غير الشرعية؟‬ ‫لماذا التدفع مساعدات من أجل مشاريع تستوعبنا وتحسن من‬ ‫أوضاعن�ا؟ لم�اذا اليأت�ون إلين�ا ويدفع�ون بجنودهم الحتلال أراضينا‬ ‫فنهجرها ونطلب منهم حق اللجوء‪.‬‬ ‫‪ -‬ها نحن حتى هذه اللحظة مازلنا نحمل أس�ماءنا وهويتنا إذا‬ ‫ماوصلن�ا أحي�اء أو جثث� ًا هام�دة س�تكون هويتنا الجديدة مهاجرين غير‬ ‫شرعيين الغير‪.‬‬ ‫‪154‬‬ .

‬‬ ‫تقدم�ت وأخ�ذت تفت�ح العلب�ة األنيقة‪ ،‬كان�ت أيض ًا قميص ًا وردي ًا‬ ‫يبدو أن ثمنه غال وأجمل مما اختارت لنفسها‪ ،‬أدهشتني بهذا الكرم‬ ‫واإليثار الجميل‪ ،‬شكرتها وأعدته إلى مكانه فيما جلست إلى الكرسي‬ ‫‪155‬‬ .‬‬ ‫ثم امتدت يدها تفتح كيس ًا أنيق ًا وأخذت تعرض مشترياتها‪ ،‬وقفت‬ ‫قبالتي‪ ،‬وضعت قميص ًا بأزهار صغيرة‪ ،‬كان من النوع الذي يطلق عليه‬ ‫((البيبي دول»‪ ،‬التفتت تأخذ رأيي‪:‬‬ ‫‪ -‬هه مارأيك؟‬ ‫‪ -‬جميل جد ًا‪. ‫هدى تبحث عن الكاتبة‬ ‫هدى أيضا متعلقة بالكتابة‪ ،‬حلم صغير وانقضى‪ ،‬وهاهي تستعيده‬ ‫من جديد وتسأل نفسها‪ :‬كيف تمكنت يسرى من إقناع الكاتبة صديقتها‬ ‫الت�ي تحترمه�ا وتحبه�ا أيض� ًا بأن تكون بطلة روايتها؟ هدى تعتقد بأن‬ ‫ف�ي الكتاب�ة س�مو ًا وه�ي ف�ي داخلها تتمن�ى لوكتبت كل مايمر بها في‬ ‫هذه الحياة أيض ًا‪ ،‬هذا ما قالته لي وهي تقدم الهدية‪:‬‬ ‫‪ -‬كنت أتسوق برفقة صفاء‪ .‬‬ ‫تداركت بسرعة وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬بل مثير جد ًا‪.‬اشترت كثير ًا من المالبس الداخلية‬ ‫الغالية ومالبس النوم الحريرية‪.‬‬ ‫انحنت نحو الكيس اآلخر الذي قدمته لي وطلبت مني أن أطلع‬ ‫علي أن أقوم بفتح الكيس‬ ‫على الهدية‪ ،‬تجاوبت مع رغبتها‪ ،‬بل كان ّ‬ ‫على الفور‪ ،‬لكنني انشغلت برنين هاتفي‪.

‬‬ ‫قاطعتني‪:‬‬ ‫‪ -‬على العموم تبقى امرأة معذبة‪ ،‬وهي تس�اهم كثير ًا في خلق‬ ‫إلي بربك‪.‬‬ ‫صمتت قلي ً‬ ‫ال وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ذه قص�ة مثلاً! عندم�ا ع�اد م�ن الس�فر قبل ش�هر وأنا التي‬ ‫تعودت أن أذهب إلى المطار الس�تقباله وحدي ألن صفاء تنام حتى‬ ‫‪156‬‬ .‫المح�اذي ل�ي‪ ،‬واقترب�ت وه�ي تصال�ب يديه�ا ف�وق بعضهم�ا‪ ،‬ودون‬ ‫مقدمات سألتني‪:‬‬ ‫‪ -‬ستكتبين عن يسرى؟!‬ ‫كنت ألتفت إليها بنصف جذعي األمامي‪ ،‬لم أجب‪ ،‬بل كانت لغة‬ ‫الجسد هي األسبق للتعبير‪ ،‬أظهرت بعض ًا من االمتعاض والتململ وأنا‬ ‫أضع س�بابة يدي اليس�رى على فمي وكأني ال أريد التحدث‪ ،‬أش�رت‬ ‫بهزة من رأسي تدل على صحة ماسمعت‪ ،‬كانت بانتظار إجابة شافية‬ ‫أكثر من ذلك‪ ،‬وفكرت بأن ال أنفي تمام ًا وال أعطي وعد ًا أكيد ًا فقلت‬ ‫لها‪:‬‬ ‫‪ -‬هدى‪ ،‬منذ مدة وأنا أفكر في كتابة ش�يء مهم‪ ،‬قصة يس�رى‬ ‫حتى اآلن تبدو عادية جد ًا وهي التبوح بالكثير‪.‬‬ ‫المتاعب لنفسها فيما أنا أتجنبها‪ ،‬انظري ّ‬ ‫تكلم�ت بص�وت يحم�ل انفع�االً وغضب� ًا مش�يرة إل�ى صدره�ا‬ ‫قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬حياتي مع عادل وصفاء‪ ،‬كم أحتمل منهما! أحيان ًا أشعر بأنني‬ ‫خادمة فقط ولس�ت زوجة ثانية‪ ،‬هل أحكي لك عن س�فري من أجل‬ ‫اإلجهاض؟‬ ‫كنت وحيدة في المش�فى‪ ،‬تعرضت للخطر واقتربت من النهاية‬ ‫علي أن أنجب‬‫ل�وال أن لط�ف ب�ي الل�ه‪ ،‬وع�ادل هنا مع صفاء‪ ،‬ممنوع ّ‬ ‫منه‪.

‫وقت متأخر‪ ،‬بينما موعد وصول الطائرة الساعة الحادية عشرة‪ ،‬كنت‬ ‫من�ذ الفج�ر أس�تعد للقائ�ه‪ ،‬بع�د أن أكمل�ت زينت�ي‪ ،‬ارتدي�ت قميصي‬ ‫األبيض الذي يحبه عادل‪ ،‬وقبل أن أنطلق اتصلت بي وأخبرتني أنها‬ ‫تريد استقبال زوجها! تخيلي‪.‬‬ ‫الكات�ب يبال�غ أحيان� ًا ف�ي إظه�ار جانب من ش�خصية يعرفها في‬ ‫الواقع ويعيد تشكيلها ذهني ًا بالشكل الذي يراه أعمق‪ ،‬لكنه اليقلد وال‬ ‫‪157‬‬ .‬‬ ‫استجمعت أنفاسها الالهثة ونظرت نحوي متسائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬أليست هذه قصص ًا يمكن أن تكتب؟‬ ‫أومأت برأسي موافقة وأجبتها‪:‬‬ ‫‪ -‬بلى‪ ،‬أقصد كثير ًا‪ ،‬يعني هذا ألم كبير غير محتمل‪...‬؟‬ ‫كنت أس�تمع إليها متأثرة بما تعانيه فعالً‪ ،‬أمس�كت بيدها القريبة‬ ‫من يدي‪ ،‬أحسست بأن دموعها أصبحت قريبة‪ ،‬تناولت مناديل بالقرب‬ ‫منها‪ ،‬مسحتها بصمت وسحبت يدها وهي تعيد المناديل إلى أنفها!‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬وماذا فعلت؟‬ ‫‪ -‬ذهب�ت إليه�ا ورافقتن�ي‪ ،‬كن�ت أقود بس�رعة جنوني�ة أرعبتها‪،‬‬ ‫الغضب داخلي يشتعل‪ ،‬ال يمكنك أن تتصوري كيف شعرت به مثل‬ ‫ب�ركان ي�كاد ينفج�ر‪ ،‬عندم�ا وص�ل اس�تقبلته وقبلت�ه فيم�ا أمد له يدي‬ ‫أصافحه مثل األصدقاء الغرباء فقط الغير!‪.‬‬ ‫«ل�م أك�ن ق�د اختب�رت كتاب�ة الرواية أو القص�ة وال حتى قصيدة‬ ‫ش�عر‪ ،‬لكنن�ي ق�رأت كثي�ر ًا‪ ،‬أكث�ر مم�ا يقرأه الكتاب أنفس�هم‪ ،‬وأعرف‬ ‫تمام ًا أن الكاتب اليحتاج إلى مثل هذه القصص ليدونها ويصنع منها‬ ‫عمله الفني‪ ،‬هو اليكتب مايحدث تمام ًا واليكتب مايقال له‪ ،‬بل يكتب‬ ‫حول مايجري‪ ،‬مايحيط باألبطال‪ ،‬يعيد صياغتهم من الداخل‪ ،‬يفلسف‬ ‫مايجري وربما الينتهي ألحكام مطلقة عليهم‪.

‬‬ ‫أما كيف أجده لمصلحتها‪ ،‬فهذا أمر يدعو للتأمل في شخصيتها‬ ‫التي تحاول أن تظهرها للجميع‪ ،‬ابنة العائلة المعروفة والثرية‪ ،‬زوجة‬ ‫رج�ل أعم�ال ناج�ح وث�ري‪ ،‬امرأة مدلل�ة وجميلة تحب البذخ في كل‬ ‫شيء‪ ،‬هذه المرأة ال يمكن أن تظهر في لحظة واحدة أنها مكسورة‪،‬‬ ‫وأن زوجه�ا فض�ل عليه�ا زوج�ه ثاني�ة‪ ،‬بل حت�ى لو كانت امرأة بنفس‬ ‫المستوى االجتماعي‪ ،‬لهذا البد أن صفاء تشكر الله كثير ًا على اختيار‬ ‫‪158‬‬ .‫ينقل مايراه‪ ،‬بل مايحدث انطباع ًا داخلي ًا مؤثر ًا لديه في تلك الناحية‪،‬‬ ‫والت�ي ربم�ا تغي�ب تمام� ًا ع�ن ب�ال اآلخرين وعن الش�خصية الواقعية‬ ‫نفسها‪.‬‬ ‫أدرك ذل�ك بح�دس الق�اريء ولي�س الكات�ب‪ ،‬لهذا لم أكن أرى‬ ‫ه�دى أو صف�اء بطل�ة ف�ي قص�ة‪ ،‬البط�ل الحقيق�ي ه�و ع�ادل‪ ،‬ذل�ك‬ ‫ال�زوج ال�ذي تمك�ن م�ن إخض�اع امرأتين ف�ي آن واحد لجميع رغباته‬ ‫وش�هواته‪ ،‬وكأن�ه يضعهم�ا عل�ى تل�ك اللعبة التي تس�مى الميزان‪ ،‬كل‬ ‫واح�دة منهم�ا تجل�س عل�ى كرس�ي صغي�ر وعندما يجل�س في طرف‬ ‫واح�دة تثق�ل حمولته�ا فترتف�ع األخرى محلق�ة خفيفة‪ ،‬ثم ينتقل نحو‬ ‫األخرى وهكذا‪.‬‬ ‫هذه لعبة عادل‪ ،‬أصبحت هدى وصفاء صديقتين حميمتين تمام ًا‪،‬‬ ‫ال يمكن أن تس�مى عالقة ضراير فكل واحدة تش�عر في يوم ما أنها‬ ‫األفضل ولها أس�بابها‪ ،‬هدى التي يدعي أنه مغرم بها يعش�ق جس�دها‪،‬‬ ‫وهي التي يمنحها حرية التنقل وقيادة السيارة والقيام بخدمات خارج‬ ‫المنزل‪ ،‬وهذا يسعدها ألنها التحب الجلوس في البيت‪ ،‬تريد أن تكون‬ ‫المرأة المستقلة‪ ،‬أما صفاء المدللة فهي التي يقوم على خدمتها الجميع‬ ‫بمن فيهم الزوجة الثانية!‬ ‫أجل‪ ،‬كان لدي يقين كبير بأن صفاء على علم بهذه العالقة‪ ،‬التي‬ ‫تقوم على السريه التامة صفاء وترضى بهذا ألنه لمصلحتها‪.

‫عادل لهدى وقبولها بلعب دور الزوجة السرية‪ ،‬والتي تعتقد تمام ًا بأن‬ ‫الجميع ينظر إليها كالعشيقة‪ ،‬المجتمع اليرحم واليريد أن يصدق أن‬ ‫هدى زوجة عادل وهي تملك الدليل القاطع على ذلك‪ ،‬فكم من متصل‬ ‫مجهول الهوية حذرها من هدى‪ ،‬بل أن أحدهم ذهب به األمر لالدعاء‬ ‫بأن ابن هدى هو من عادل وهي متأكدة من كذب ذاك المدعي‪.‬‬ ‫وتف�رح ه�دى مبدئي� ًا‪ ،‬لك�ن الزوج�ة األولى حاض�رة لتعكير هذا‬ ‫الفرح كلما أصرت على دلع مصطنع‪ ،‬وتطلب من زوجها أن يطعمها‬ ‫بيده‪ ،‬تتصرف بجرأة ومغاالة شديدة وكأنها عروس صغيرة‪ ،‬مما يدعو‬ ‫هدى لالنسحاب إلى المطبخ حزينة عاجزة ومقهورة‪ ،‬فال تشعر بطعم‬ ‫األكل وتعاني من مشاكل المعدة باستمرار!‬ ‫عادل هو البطل الحقيقي في كل هذه القصص؛ ألنه يغار بشدة‬ ‫عل�ى زوجت�ه المدلل�ة ويص�رح بذلك علن ًا لهدى التي الترى مبرر ًا له‪،‬‬ ‫يوصيها باالنتباه إلى تصرفاتها عندما تخرجان للتس�وق‪ ،‬يحذرها من‬ ‫الجلوس بالمقاهي وعدم التحدث مع الرجال الذين تعرفهم من خالل‬ ‫‪159‬‬ .‬‬ ‫وس�وف تخس�ر خدم�ات ه�دى ف�ي البيت وخارجه‪ ،‬ف�إذا ماع ّن‬ ‫عل�ى باله�ا تحضي�ر طع�ام تحبه‪ ،‬تطلبه منه�ا بالهاتف وبكلمات لطيفة‬ ‫مجامل�ة‪ ،‬فتدع�ي أنه�ا تجي�د الطه�ي وتكلفها بتحضي�ر الغذاء‪ ،‬وبذات‬ ‫الوق�ت تمنحه�ا فرح�ة صغي�رة بأنهم س�يأتون إلى بيته�ا جميع ًا لتناول‬ ‫الغداء‪».‬‬ ‫لطالما مثلت لها هدى المرأة التي تسعد زوجها وتقدم الخدمات‬ ‫للعائل�ة مقاب�ل أن تفت�ح بيت� ًا‪ ،‬وماينفق�ه عليه عادل في الش�هر اليعادل‬ ‫مصروف ثالثة أيام من مصروفها الش�خصي‪ ،‬إنها تحس�ب خس�اراتها‬ ‫قب�ل ربحه�ا‪ ،‬ل�و أنه�ا أعلن�ت الغض�ب والمعرف�ة بال�زواج فس�تكون‬ ‫اجتماعي ًا الزوجة األولى المقهورة والمغبونة‪ ،‬وهي الترتضي االعتراف‬ ‫بذلك‪.

‬‬ ‫بتلك الطريقة يتمكن عادل من مراقبة الزوجتين بآن واحد‪ ،‬كل‬ ‫واحدة منهما تريد أن تقدم له الوالء والطاعة‪.‬‬ ‫وه�و بي�ده الس�لطة‪ ،‬الم�ال‪ ،‬ه�ذا مايهم هدى أكثر من أي ش�يء‬ ‫آخر‪ ،‬التهتم لتلك الشراكة إالبما يدخل عليها من مال فقط!‬ ‫وتعترف بينها وبين نفسها أنها ليست سوى عشيقة تقدم جسدها‬ ‫وترضي عادل مقابل المال وورقة سرية تعترف بذلك الزواج وشهود‬ ‫من صديقات يمنن عليها بكتمان أمر زواجها منه‪ ،‬بل وابتزازهن بكل‬ ‫وسيلة ممكنة ولو كان مجرد أن تفتح باب بيتها على الدوام من أجل‬ ‫فنجان قهوة!‬ ‫‪160‬‬ .‬‬ ‫تفه�م صف�اء تل�ك اللعب�ة جي�د ًا فتلعبها بطريقته�ا الخاصة عندما‬ ‫تتوس�ل إل�ى صديقته�ا بانته�اك المحرم�ات‪ ،‬تطلب منه�ا الجلوس في‬ ‫المقهى ثم ترجوها بأن التخبر زوجها عادل باألمر!‪.‬‬ ‫إلى أن تفاجئها في جلس�ة حميمة ودون أي ضغط من زوجها‪،‬‬ ‫معترف�ة ومدعي�ة الب�راءة وكأنه�ا طفل�ة صغي�رة بما فعلته مع هدى أثناء‬ ‫خروجهما‪ ،‬ويصبح عادل الزوج الذي التطيعه هدى والتصارحه وال‬ ‫يمكنه منحها كامل ثقته‪ ،‬وفي زيارته صباح اليوم التالي يؤنبها ويعتبرها‬ ‫خائنة‪. ‫عملها السابق‪ ،‬حتى اليعاكس أحدهم زوجته المصون الجميلة‪.

‬‬ ‫‪ -‬البيت يحتاج إلى حملة نظافة‪.‬‬ ‫كن�ت أجل�س قريب�ة من�ه‪ ،‬أخ�ذ رأس�ي بي�ده وقرب�ه م�ن وجه�ه‬ ‫وهمس‪:‬‬ ‫‪ -‬أحبك‪ . ‫من �أوراق ي�سرى‬ ‫ل�م تك�ن الم�رة األول�ى الت�ي أذهب فيها إل�ى بيت كمال بعد أن‬ ‫م�رت س�نة عل�ى تاري�خ لقائن�ا األول‪ ،‬ف�ي كل لقاء معه أحاول جاهدة‬ ‫أن يكون هو المبادر إلى صنع المفاجآت واللحظات الرومانسية‪ ،‬هذه‬ ‫التفاصيل التي أحبها وأعشقها وحرمت منها طيلة فترة الزواج‪ ،‬مازلت‬ ‫أفتقدها مع كمال‪ ،‬مايس�عدني أنه يتقبل واليرفض كما في بداية عهد‬ ‫العالقة‪ ،‬بل أصبح مهووس ًا بزيارتي ألمارس رقصي فوق جسده‪.‬تعلمين هذا اآلن؟!‬ ‫يومها كنت مستعدة لتلبية كل رغباته التي باتت تؤرقني‪ ،‬األصح‬ ‫تخفيني أيض ًا!‬ ‫‪161‬‬ ..‬‬ ‫وضعت في المقعد الخلفي للسيارة بعض المأكوالت التي أجيد‬ ‫طهيها‪ ،‬وثبتها داخل صندوق بالستيكي‪ ،‬كان إلى جانبها صندوق آخر‬ ‫يحت�وي عل�ى م�واد تنظي�ف‪ ،‬آخر مرة كنت في بيته أحسس�ت بالقرف‬ ‫من الغبار السميك الذي غطى األثاث وصنع طبقة سميكة عليه‪ ،‬كان‬ ‫يومه�ا مس�تلقي ًا عل�ى الس�رير‪ ،‬م�ررت بأصبعي عل�ى الحافة التي تعلو‬ ‫رأسه تماما وكتبت اسمي واسمه ورسمت قلب ًا حولهما يخترقه سهم‪،‬‬ ‫ضحك وقال‪:‬‬ ‫‪ -‬ال أريد مسح الغبارحتى تبقى ذكرى أصابعك هنا‪.

‬‬ ‫م�ن بعي�د أراق�ب الش�ارع جي�د ًا‪ ،‬يب�دو ل�ي هادئ ًا س�اكن ًا‪ ،‬أنطلق‬ ‫بسرعة باتجاه العمارة‪ ،‬حالما أقف وأطفيء المحرك‪ ،‬أنزل رأسي نحو‬ ‫المقود وأراقب البيوت والش�رفات ثم أنس�ل بهدوء‪ ،‬أحمل األغراض‬ ‫وأدخل‪.‬‬ ‫أتخطاها نحو ميدان صغير باتجاه شارع جرابة‪ ،‬في كل مرة أصل‬ ‫بداية الشارع المزدحم صباح ًا بالسيارات والنساء اللواتي ال هم لهن إال‬ ‫التسوق من المحالت التي تعرض أفخر أنواع المجوهرات والمالبس‪،‬‬ ‫أحس بالخوف‪ ،‬أتوقع وجود صفاء لهذا أفضل أن أصل باكر ًا‪ ،‬موعد‬ ‫نومها عادة في مثل هذا الوقت‪ ،‬هذه المرة ال يمكنني إخفاء سيارتي‬ ‫بعيد ًا بسبب الحمولة الثقيلة من أدوات التنظيف والطعام المعلب‪.‫أصحو فجأة على صوت منبه سيارة خلفي‪ ،‬أعتذر وأنا ألوح بيدي‬ ‫للس�ائق الذي أزعجته قيادتي‪ ،‬أفكر بأنني لم أكن مضطرة إلى الس�ير‬ ‫من طريق الشط لكن البحر إلى يساري يمنحني جرأة أكبر للمغامرة‪،‬‬ ‫زدت من السرعة‪ ،‬انتهى الطريق الساحلي وأنا ألف يمين ًا وأمر تحت‬ ‫نفق صغير يصعد نحو األعلى في منعطف أحب المرور بمحاذاته‪ ،‬هذا‬ ‫المنعطف المختفي تحت الجس�ر القريب من ضريح س�يدي الش�عاب‬ ‫يلهمن�ي الكثي�ر‪ ،‬كل المنعطف�ات والمنحنيات في المدينة تش�به حياتي‬ ‫فكل واحد منها يأخذني إلى اتجاه أكثر خطورة من الذي سبقه ومع‬ ‫ذلك لم أشعر بالندم والمرة واحدة‪ ،‬أتجاوز المنعطف ألصل «زواية‬ ‫ال عن سطح البحر‪ ،‬هذا االرتفاع يجعل كل‬ ‫الدهماني « المرتفعة قلي ً‬ ‫الطرق المتعامدة مع طريق الشط ذات إطاللة فريدة‪ ،‬فالقادم من خاللها‬ ‫يق�ود س�يارته والبح�ر ماث�ل أمامه وبمواجهته‪ ،‬كثير ًا مايراودني ش�عور‬ ‫أنني في يوم ما سأستمر في القيادة والهبوط مباشرة على سطح الماء‬ ‫األزرق‪.‬‬ ‫كمال في عمله لكن المفتاح بعهدتي‪ ،‬أرسله لي مع بهيجة هذا‬ ‫‪162‬‬ .

‬‬ ‫‪163‬‬ . ‫الصباح‪ ،‬أدخل الشقة وأبدأ العمل فيها‪.‬‬ ‫كن�ت أرك�ض نح�و الحم�ام ألنظفه ثم الصالة وغرفة االس�تقبال‬ ‫والمطبخ‪ ،‬حينما دخلت غرفة النوم شعرت بالتعب واإلرهاق‪ ،‬مضت‬ ‫ساعتان وأنا أعمل مثل خادمة!‬ ‫استلقيت على السرير وكلمه خادمة ترن في أذني وسؤال معلق‬ ‫في فضاء الغرفة ينتظر اإلجابة‪:‬‬ ‫‪ -‬م�ا ال�ذي يجعلن�ي أب�دو خادم�ة؟! من ه�ذا الرجل‪ ،‬ماذا أريد‬ ‫منه؟!‬ ‫كم�ال رج�ل بخي�ل ج�د ًا ل�و أنن�ي قارنته بكل م�ن عرفتهم حتى‬ ‫بزوجي الذي ماعرفته إال كريم ًا معي يقدم لي الهدايا دون مناسبات‪،‬‬ ‫ومنيرأيض ًا‪ ،‬باألمس فقط طلبت منه مبلغ ًا وذهبت لشراء هدية لكمال‪،‬‬ ‫اخت�رت ل�ه س�اعة ثمين�ة س�أقدمها بمناس�بة م�رور عام عل�ى أول لقاء‬ ‫لنا!‬ ‫أسأل نفسي‪:‬‬ ‫‪ -‬هل فكر بتقديم هدية لي اليوم؟!‬ ‫مر عام كامل لم يفكر والمرة واحدة بتقديم وردة؟!‬ ‫حتى األحذية ذات الكعوب العالية كان ينتظر مني أن أشتريها‪،‬‬ ‫كنت غارقة تمام ًا في أسئلتي ولم أنتبه إلى دخوله‪ ،‬عندما اقترب من‬ ‫غرفة النوم سمعت حركة‪ ،‬نهضت بجذعي نحو األعلى‪ ،‬كان قد أصبح‬ ‫فوقي تمام ًا‪ ،‬حاولت أن أبعده وأنا أضحك وأقول‪:‬‬ ‫‪ -‬التلمسني‪ ،‬رائحة جسدي المتعرق والمنهك كريهة؟!‬ ‫استمر يحاول انتزاع قبلة ونسيت كل األسئلة وربما كانت تلك‬ ‫اللحظة هي اإلجابة التي انتظرت!‪.

‫البحث عن اللذة‬ ‫خالل أسبوعين توطدت عالقتي بيسرى‪ ،‬هو زمن االقتراب‪ ،‬بل‬ ‫اقتحامها عالمي المغلق‪ ،‬عندما اختارت أن تكون شهرزاد التي تسكت‬ ‫عن الكالم المباح في ذروة الحكاية‪ ،‬بضعة لقاءات قصيرة جمعتنا بعد‬ ‫انفضاض األسرار‪ ،‬لكنها كانت في بيت هدى أو في مدخل العمارة‪،‬‬ ‫صارت التحيات أكثر حرارة والدعوات إلى زيارتها أكثر ودية‪ ،‬وأخذت‬ ‫أطمئن لوجود بهيجة تنظف بيتي‪ ،‬كان موعدها هذا الصباح‪ ،‬وعندما‬ ‫دخلت لم تكن ابنتها المتبناة معها‪.‬‬ ‫احتفت كثير ًا بزيارتي ودعتني للجلوس في غرفة االستقبال‪ ،‬كانت‬ ‫غرفة التفتح كثير ًا‪ ،‬منظمة ونظيفة تختلف عن باقي غرف البيت الذي‬ ‫توجد فيه صالتان واسعتان وأخرى صغيرة تقابل باب المطبخ‪ ،‬وضعت‬ ‫فيها مائدة طعام وحولها مجموعة من الكراسي‪ ،‬حينما دخلت كانت‬ ‫الفوضى تعم المكان‪ ،‬أوالدها يتش�اجرون وصوت التلفزيون المرتفع‬ ‫نقلني فجأة من الهدوء إلى الضجيج لهذا كانت الغرفة أفضل ما فعلته‬ ‫‪164‬‬ .‬‬ ‫اس�تقبلتني ببهجة كبيرة‪ ،‬كانت ش�قتها تختلف تمام ًا عن ش�قتي‪،‬‬ ‫سألتها عن السبب فأجابت إنهم أجروا تعديالت على تصميمها‪.‬‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬أين سارة؟‬ ‫تهربت من اإلجابة وغيرت مجرى الحديث وهي تبدي اهتمام ًا‬ ‫بأن البيت يحتاج اليوم لجهد كبير‪ ،‬قررت أن أتركها وحدها كما تفعل‬ ‫هدى ويسرى ورحت أطرق باب يسرى‪.

‬‬ ‫ال وفجأة س�اد‬ ‫جلس�ت وحدي فيما تعد لنا القهوة‪ ،‬تأخرت قلي ً‬ ‫البيت سكون وانقطع الضجيج‪ ،‬دخلت تحمل فنجاني القهوة مبتسمة‪،‬‬ ‫وتركت باب الغرفة مفتوح ًا‪.‬‬ ‫هكذا ببساطة تكذب وتتحايل بدالً عني‪ ،‬لم يكن لدي مانع أن‬ ‫تجل�س معن�ا بع�د أن علم�ت أنه�ا ب�دأت تغ�ار من وج�ودي في حياة‬ ‫صديقتها‪ ،‬وعلقت مازحة‪:‬‬ ‫‪ -‬هدى تطمع ألن تكون كاتبة!!‪.‬‬ ‫نظرت إليها وقد رفعت شعرها وجمعته فوق رأسها فأصبحت‬ ‫خصالت شعرها المصبوغة أطرافها بلون أشقر‪ ،‬وكأنها وردة صغيرة‪،‬‬ ‫فيم�ا بقي�ت خصلات صغي�رة متناثرة منس�دلة من أعل�ى جبينها‪ ،‬قلت‬ ‫لنفسي إنها تبدو امرأة مثيرة‪ ،‬نظرت نحو حذائها المنزلي‪ ،‬كان شبشب ًا‬ ‫أنيق ًا ذا كعب مرتفع‪ ،‬تظهر منه أظفار ًا مصبوغة ومعتناة‪.‬‬ ‫حول�ت نظره�ا إل�ى الح�ذاء ثم حدقت بي وطرف ابتس�امة يلوح‬ ‫على شفتيها‪ ،‬بدت مستعدة للكالم ودون سؤال قالت‪:‬‬ ‫‪165‬‬ .‬‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬هل خرج األوالد؟‬ ‫اتسعت ابتسامتها وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬صرفته�م‪ ،‬لق�د أغلق�ت علي�ك باب الغرفة ألن الش�قرا كانت‬ ‫في المطبخ وطلبت منها أن تأخذ األوالد لشراء بعض الحاجيات ثم‬ ‫تدخلهم إلى المنتزه العائلي هنا وأشارت بيدها إلى النافذة‪.‬‬ ‫فهمت أنها تقصد منتزه باب البحرحيث أن النافذة تطل عليه‪،‬‬ ‫تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬أخبرت الشقرا التي استغربت زيارتك بأنك أتيت تطلبين مني‬ ‫خدمة واألفضل أن تغادر‪. ‫وهي المكان المخصص الستقبال من تعتبرهم غرباء‪.

‫‪ -‬انظ�ري! وأش�ارت إل�ى س�اقيها وهي ترفع ط�رف ثوبها حتى‬ ‫انحسر إلى أعلى ركبتيها‪ ،‬وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬لوتعلمين كيف انتابه الجنون عندما التقينا في تونس وذهبت‬ ‫إليه هناك في ش�قته‪ ،‬كنت أكثر هزاالً بس�بب العملية‪ ،‬وأخبرته بأنني‬ ‫أهذي باسمه تحت تأثير المخدر ولم يمض أكثر من شهر على تعارفنا‪،‬‬ ‫ش�عر بالخ�وف يومه�ا وأخبرن�ي أنه ل�ن يتجرأ على االقتراب مني ألنه‬ ‫دخل بيتي وتعرف إلى زوجي!‬ ‫لكنن�ي حينم�ا وضع�ت س�اق ًا ف�وق أخرى هك�ذا‪ ،‬وقامت بتمثيل‬ ‫ال�دور م�ن جدي�د‪ ،‬محاول�ة إبراز مفاتنها متخيلة أنني أقوم بدوره‪ ،‬مما‬ ‫جعلني أضحك بصوت مسموع‪ ،‬وقد أسعدها ذلك كثير ًا‪.‬‬ ‫فقلت لها‪:‬‬ ‫‪ -‬همم‪ ،‬وبعد وقوعه في غرام أقدامك؟‬ ‫تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬نعم‪ ،‬يومها فاجأني بعد أن دخل إلى غرفة وأتى حام ً‬ ‫ال بيديه‬ ‫فراش� ًا خفيف ًا وضعه وس�ط الغرفة‪ ،‬بل قريب ًا جد ًا من الكرس�ي الذي‬ ‫أجلس عليه وتمدد فوقه‪..‬‬ ‫‪ -‬كيف؟ لم أفهم؟!‬ ‫أدركت أنها كانت مفاجأة لي بل صدمة كبيرة‪ ،‬تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬التس�تغربي‪ ،‬طل�ب من�ي أن أبق�ي ف�ي قدمي الح�ذاء المرتفع‬ ‫وأقف على جسده ثم أمشي عليه!‬ ‫صرخت غير مصدقة‪:‬‬ ‫‪ -‬ال يمك�ن! كي�ف يت�وازن جس�دك ف�وق جس�ده هكذا دون أن‬ ‫تؤذيه وتؤذي نفسك؟!‬ ‫مدت يدها نحوي‪ ،‬أمسكت يدي وأقسمت‪:‬‬ ‫‪166‬‬ .‬‬ ‫ثم أشار بيده يدعوني ألقف فوق معدته تمام ًا‪.

‬‬ ‫‪167‬‬ .‬‬ ‫التس�ألي ع�ن تل�ك اللحظ�ة‪ ،‬أحسس�ت أنن�ي أطي�ر‪ ،‬أحل�ق مثل‬ ‫عصفور صغير‪ ،‬والنية لديه بالتوقف أبد ًا‪.‬‬ ‫ال وكأنها فكرت بما يدور في بالي وقالت‪:‬‬ ‫سكتت قلي ً‬ ‫‪ -‬حت�ى ه�ذا الي�وم ل�م يح�دث أب�د ًا أن وصل مع�ي إلى عالقة‬ ‫كاملة‪ ،‬بل يرفض ذلك تمام ًا‪.‫‪ -‬هذا ماحدث‪ ،‬شعرت بالخوف في البدء‪ ،‬بقيت محنية نصف‬ ‫جس�دي أمس�ك بطرف الكرس�ي‪ ،‬أنظر إلى وجهه وأحس أنني أس�بب‬ ‫له األلم‪ ،‬حاولت الهبوط بقدم واحدة وس�رعان ما أمرني باالس�قرار‬ ‫بل طلب مني محاولة الوقوف منتصبة تمام ًا بكامل قامتي!‬ ‫لدقائق بقيت أنفذ رغباته تلك ثم عدت إلى الكرسي أتامل وجهه‬ ‫الذي أحببت‪ ،‬لم ينهض‪ ،‬أغمض عينه وبقي ساكن ًا‪ ،‬عندما اقتربت منه‬ ‫كن�ت أجل�س القرفص�اء‪ ،‬أمس�ك بس�اقي وأخذ يمرر ي�ده جيئة وذهاب ًا‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫وصار هذا اإلحس�اس يتكرر مرة تلو األخرى‪ .‬‬ ‫قال لي‪:‬‬ ‫‪ -‬كم أحب هاتين الساقين بالحذاء ذي الكعب الرقيق المرتفع‬ ‫جد ًا‪.‬في مرات أحس‬ ‫وزني بثقل فراشة خفيفة‪ ،‬إال أنها تمتلك روح ًا تثقل وزنها رويد ًا رويد ًا‬ ‫وه�ي ت�دور ح�ول مصب�اح الن�ور‪ ،‬تدور وتدور إل�ى أن تصله فتحترق‬ ‫أطرافها وتقع الحراك لها!‬ ‫استجمعت شجاعتي وسألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬أجيبيني بصراحة‪ :‬كيف يمكن المرأة عاشقة أن تتسبب بألم‬ ‫جسدي لحبيبها وهي ما زالت تحاول كسب قلبه؟‬ ‫رفعت خصالت شعرها بطرف يدها وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬بل هي محاولة لنيل رضاه‪ ،‬أريد أن أكون معه وبقربه‪.

‬‬ ‫تكلمت معها بنبرة تحمل تأنيب ًا‪ ،‬غيرت من لهجتي بسرعة وتابعت‬ ‫مبتسمة‪:‬‬ ‫‪« -‬لكن الحب جميل والعطاء بين المحبين أجمل؟!»‬ ‫لم تهتم وال يعنيها أن تظهر أمامي بمظهر الزوجه الخائنة‪ ،‬تتكلم‬ ‫وكأنن�ي آل�ة تس�جيل صم�اء‪ ،‬فهم�ت ذلك عندما أجابت على أس�ئلتي‬ ‫قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ل تحفظي�ن كل م�ا أحكي�ه ل�ك أم أعطي�ك ورق�ة وقلم� ًا‬ ‫لتسجلي؟‬ ‫نهضت مسرعة وخرجت من الباب دون أن تلتفت إلى دهشتي‬ ‫واس�تغرابي‪ ،‬عادت تحمل مذكرة صغيرة وبضع أوراق ملونة فتحتها‪،‬‬ ‫كان�ت مكتوب�ة بخ�ط رديء ومس�تعجل‪ ،‬قدمته�ا ل�ي وطلب�ت من�ي‬ ‫قراءتها‪:‬‬ ‫‪ -‬اق�رأي‪ .‬ه�ذه مذكرات�ي‪ ،‬أح�ب الكتابة من�ذ كنت في المرحلة‬ ‫الثانوي�ة‪ ،‬كن�ت أكت�ب ع�ن معاملة أمي القاس�ية وحنان والدي المبطن‬ ‫الذي منع من إظهاره والتعبير عنه!‬ ‫تأملت األوراق‪ ،‬حاولت قراءة بضعة سطور أثناء ثرثرتها‪ ،‬وجدتها‬ ‫إنش�اء متواضع� ًا‪ ،‬ف�ي خمس�ة س�طور تذك�ر النج�وم والس�ماء والبحر‬ ‫والحري�ة وأقف�اص الطي�ور المفتوح�ة‪ ،‬كالم يش�به ما تكتبه المراهقات‬ ‫فع ً‬ ‫ال في دفاترهن‪. ‫‪ -‬تمام ًا؟ تعرين جسدك ويعبث به وتتبادلين القبالت معه!‪.‬‬ ‫ل�م أس�تفق م�ن الصدم�ة بع�د‪ ،‬أحاول مرة ثانية إعادة اس�تجوابي‬ ‫علها تحكي القصة بطريقة ثانية‪.‬‬ ‫أسألها‪:‬‬ ‫‪ -‬كم مرة فعلت ذلك؟‬ ‫تجيب‪:‬‬ ‫‪168‬‬ .

‬‬ ‫سألت نفسي كيف تفكر هذه المرأة التي تعدت عالقاتها أكثر من‬ ‫رج�ل‪ ،‬عالق�ات بالهات�ف وأخرى عاب�رة وغيرها في بيوت األصدقاء‪،‬‬ ‫وكمال‪ ،‬والتريد االعتراف بأنها تخون زوجها‪ ،‬ومع ذلك لم تكتشف‬ ‫مواط�ن الل�ذة ف�ي جس�دها‪ ،‬تجه�ل م�ن أين تأتي الرغب�ة وكيف تقود‬ ‫الشهوة نحو سدرة المنتهى‪.‬‬ ‫«بعد لقاء تونس وعودتهما إلى طرابلس صارت تزوره سر ًا في‬ ‫بيته وتحكي له عن مشاكلها مع زوجها‪ ،‬وأنها منذ أصبحت امرأة ال‬ ‫تعرف معنى تلك الفراديس التي تدخلها النساء كل ليلة مع أزواجهن‪،‬‬ ‫تلك الرعشة المفقودة في نهاية المطاف!»‬ ‫سألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬هل أحببت زوجك يوم ًا؟ أقصد عندما تكونين معه في السرير‪،‬‬ ‫هل تش�عرين بالش�غف والرغبة؟ أم تذهبين إلى الس�رير تلبية لرغباته‬ ‫فقط؟‬ ‫«أخذت تتحدث عن تلك اللحظات الحميمة مثل فتاة لم تختبر‬ ‫جسدها بعد ولم تفض بكارتها «‪. ‫‪ -‬مرات عديدة وهو ال يريد منها سوى ذلك!‬ ‫أصبح متعلق ًا بها حد الهوس وبدأ يكاشفها بمكنوناته وهو الرجل‬ ‫الكتوم الحريص على أسراره‪.‬‬ ‫عرفت كيف فش�ل مرتين في إتمام زواجه‪ ،‬األولى ألن خطيبته‬ ‫التريد السفر واإلقامة في ليبيا‪ ،‬والثانية ألنها كانت تعامل والدته بشكل‬ ‫سيء وال توجد في حياته امرأة يحبها مثل والدته‪.‬‬ ‫حيرني أمر هذا الش�غف! تتكتم على مواطن من العالقة وتريد‬ ‫مني أن أصدق بأن الشيء بينهما سوى تبادل القبالت والمشي بالكعب‬ ‫العال�ي ف�وق الس�رة‪ ،‬وأن ماتفعل�ه أصب�ح يعوضها عم�ا فقدته من لذة‬ ‫حقيقي�ة‪ ،‬تعت�رف بأنه�ا حينم�ا تمش�ي فوق جس�ده‪ ،‬ذلك الرجل الثري‬ ‫‪169‬‬ .

‬‬ ‫ثم تخرج كلها من أعلى رأس�ها وكأن روحها تنس�حب منها في‬ ‫جزء من الثانية وتعود في ذاك الجزء نفسه!»‬ ‫إلي متسائلة‪:‬‬ ‫تلتفت ّ‬ ‫‪ -‬أليس�ت ه�ي الجن�ة الت�ي نهاج�ر إليها طوع ًا من حياتنا اليومية‬ ‫كل ليلة‪ ،‬لندخلها وننعم منها بما نشتهي؟!‬ ‫كان صوتها الهاديء المفعم بالشاعرية والرتابة يتسلل إلى داخلي‪،‬‬ ‫أصبحت كلماتها مثل حبل يلفني من أعلى رأسي حتى أسفل قدمي ثم‬ ‫يطوحني بعيد ًا‪ ،‬فأحسست بالدوار فجأة وبالغثيان‪ ،‬لم أعد قادرة على‬ ‫مقاومته‪ ،‬خجلت من إظهار ذلك‪ ،‬اعتذرت منها وصعدت بسرعة إلى‬ ‫شقتي‪ ،‬أغلقت باب الحمام وأخرجت كل ما دخل جوفي‪.‫صاح�ب المنص�ب الرفي�ع ال�ذي تحلم الفتي�ات الجميالت أن يقتربن‬ ‫من�ه‪ ،‬أصب�ح موط�أ لقدمه�ا‪ ،‬ف�ي أثناء ذلك تش�عر برض�ا يغمرها‪ ،‬رضا‬ ‫مث�ل بقع�ة ن�ور صغي�رة تل�وح في أفق الغرفة ثم تكبر وتكبر‪ ،‬تحتويها‪،‬‬ ‫تصبح داخلها‪ ،‬فإذا بها تسبح بعيد ًا عن الجاذبية األرضية بخفة ريشة‪،‬‬ ‫وكلما س�معت أناته المتألمة تضغط أكثر على جس�ده الممدد تحت‬ ‫أقدامه�ا‪ ،‬عندم�ا يص�رخ بش�دة ترتع�ش مهتزة حتى تصل تلك الرعش�ة‬ ‫نهاية أطرافها‪.‬‬ ‫‪170‬‬ .‬‬ ‫كانت بهيجة المسكينة قد انتهت من تنظيف الحمام لكنها عادت‬ ‫لتساعدني ألدخل السرير‪ ،‬أطفأت نور الغرفة بعد أن قدمت لي كأسا‬ ‫من شراب النعناع الساخن وخرجت‪.

‫مكائد البحر‬ ‫ال يمكن لمكائد البحر أن تنتهي‪ ،‬بعد مضي أكثر من تسع عشرة‬ ‫ساعة على اإلبحار توقف المركب للمرة الثانية‪ ،‬المهاجرون في أسفله‬ ‫توقع�وا أنه�م ص�اروا أق�رب ما يمك�ن من جزيرة « المبيدوزا» بدايات‬ ‫الحلم ونهاية الشقاء‪.‬‬ ‫بعد أكثر من نصف س�اعة عاد رضا برفقة العراقي وأخبربهيجة‬ ‫أن هناك امرأة تحتضر‪ ،‬وصمت!‬ ‫قالت بهيجة بصوت مرتعب‪:‬‬ ‫‪171‬‬ .‬‬ ‫ق�ام الش�اب التونس�ي بترجم�ة الكلم�ة لإليطالي الذي هز رأس�ه‬ ‫ساخر ًا وشتم بإشارة من يده ثم عاد إلى الصعود‪.‬صرخت امرأة بلهجة عراقية متذمرة‪:‬‬ ‫‪ -‬تعبنا كثير ًا‪.‬‬ ‫ارتفعت أصوات عالية‪ ،‬نهض العراقي وهو يقول‪:‬‬ ‫‪ -‬لم نصل بعد‪ ،‬أتمنى أن اليكون هناك مشكلة‪.‬‬ ‫في ذلك الوقت ظهر رضا‪ ،‬صرخ بأعلى صوته‪:‬‬ ‫‪ -‬هل من طبيب؟‬ ‫أجابه العراقي‪:‬‬ ‫‪ -‬لماذا؟ ماذا يحدث؟‬ ‫وقب�ل أن يت�م جملت�ه صع�د إلى س�طح المركب‪ ،‬بعد دقائق نزل‬ ‫الشاب التونسي ومعه رجل إيطالي‪ ،‬وطلب من الجميع أن يهدأوا تمام ًا‬ ‫ألن المركب يحتاج محركه إلى راحة لمدة ساعة أو ساعتين ثم يعود‬ ‫لإلبحار من جديد‪ .

‬‬ ‫‪172‬‬ .‬‬ ‫ال وقال‪:‬‬‫صمت قلي ً‬ ‫‪ -‬الطلي�ان كان�وا س�يرمونها قب�ل أن تلف�ظ أنفاس�ها لكن زوجها‬ ‫تمالك نفسه عندما شجعه العراقي!‬ ‫‪ -‬من أي بلد أتوا؟ أقصد جنسيتهم‪..‬ماذا؟!‬ ‫همس قريبا من أذنها‪:‬‬ ‫‪ -‬ه�ي فعلا مات�ت‪ ،‬والعراق�ي أقنع زوجها بأن المكان لها على‬ ‫المركب وتم رميها في البحر‪..‬‬ ‫تصورت على الفور لو أن س�ارة معها‪ ،‬وكيف كانت س�تجلب‬ ‫له�ا الب�ؤس ل�و أن بهيج�ة غرق�ت أو مات�ت وتم رميها في البحر! هذه‬ ‫الخي�االت ق�د تس�اعدها ف�ي اللحظ�ات الحرج�ة لتكون أكث�ر امتنان ًا‪،‬‬ ‫ولتك�ون أق�وى وتس�تمر ف�ي االقتي�ات بأحالمه�ا‪ ،‬لك�ن قواها خارت‬ ‫فجأة وشعرت بأنها تريد االستسالم للنوم‪ ،‬اتكأت على كومة الحبال‬ ‫ذات الرائحة النتنة وغفت ألكثر من ساعتين‪ ،‬دون أن تدري أن حالة‬ ‫المهاجرين زمالئها ازدادت س�وء ًا‪ ،‬وأن مجموعة منهم أصابهم إقياء‬ ‫شديد وإسهال‪.‬‬ ‫ضحك وأجابها‪:‬‬ ‫‪ -‬من بالد الله الواسعة‪.‬‬ ‫اقتربت بهيجة الخائفة من الرجل العراقي تسأله‪:‬‬ ‫‪ -‬ماذا حدث للمرأة؟ هل معها أطفال؟‬ ‫‪ -‬نعم لديها طفلة صغيرة‪..‬انسي األمر‪.‬‬ ‫صحت على جلبة قوية‪ ،‬عادت ببطء تحاول الجلوس وهي تفتح‬ ‫ال قوي‬ ‫عينيها فترى الرجل اإليطالي يصرخ في وجه أحدهم‪ ،‬كان رج ً‬ ‫البنية يحمل صفيحة امتألت بسوائل رائحتها كريهة‪ ،‬واإليطالي ينهره‬ ‫ويطلب منه الصعود بها إلى أعلى‪. ‫‪ -‬إذا ماتت‪ .

‫سألت العراقي عنه فأجابها‪:‬‬ ‫‪ -‬هذه فضالت الركاب وعليه أن يصعد بها ويرميها في البحر‪.‬‬ ‫وطلبت يسرى تحت تأثير الكحول أن تصفح عنها وتبادلت معها‬ ‫اللوم قائلة‪:‬‬ ‫‪173‬‬ .‬‬ ‫تذكرت أن الثمل يمكن أن يقود المرء للبكاء أيض ًا!‬ ‫قبل ش�هر من س�فرها عادت يس�رى من بيت كمال تحمل معها‬ ‫زجاجتين من النبيذ‪ ،‬طلبت من بهيجة إعداد وتحضير بعض المأكوالت‬ ‫الخفيف�ة‪ ،‬وأجب�رت أوالده�ا عل�ى الذهاب إلى أس�رتهم باكر ًا‪ ،‬دخلت‬ ‫س�ومة وبيدها بعض األطعمة الجاهزة‪ ،‬جلس�ت الصديقتان تتس�امران‪،‬‬ ‫لم تكن بهيجة قريبة منهما ألنها اختارت متابعة إحدى المسلسلات‬ ‫الدرامية المش�وقة‪ ،‬إال أنها قامت بخدمة هاتين الس�يدتين اللتين قررتا‬ ‫في غياب زوج يس�رى أن تقيما س�هرة مجنونة‪ ،‬ألول مرة ترى اثنتين‬ ‫من النساء في جلسة حميمة تثمالن‪ ،‬رقصتا على إيقاعات صاخبة ثم‬ ‫أخذتهما نوبة ضحك مفاجأة ثم هدأتا تمام ًا‪ ،‬ماعادت تسمع صوتيهما‪،‬‬ ‫مشت إليهما متسللة بخطوات على رؤوس أصابعها‪ ،‬بدا أنهما تتكلمان‬ ‫ب�و َد‪ ،‬إال أنه�ا حينم�ا اقترب�ت منهم�ا أكثر بحجة س�ؤالهما عما إذا كان‬ ‫لهما أي طلبات‪ ،‬أدركت أن حديثهما كله لوم وعتاب‪ ،‬كانت س�ومة‬ ‫عاتبة كثير ًا على صديقتها بعد أن أفشت سر ًا قديم ًا وقالت للشقرا‪:‬‬ ‫‪« -‬أنها لم تكن عذراء»‪.‬‬ ‫ش�كرت مواس�اته‪ ،‬إال أن رض�ا هم�س له�ا ب�أن بع�ض ال�ركاب‬ ‫حمل�وا معه�م زجاج�ات خم�ر وثمل�وا له�ذا عاقبهم الرج�ل اإليطالي‬ ‫بحمل صفائح الفضالت ورميها‪.‬‬ ‫ضحك‪ ،‬لكنه تابع مهدئ ًا من خوفها‪:‬‬ ‫‪ -‬سيتحرك المركب اآلن واألفضل أن التكون حمولته فائضة‪،‬‬ ‫بعد ساعتين ندخل المياه اإلقليمية‪ ،‬أبشري فالفرج قريب جد ًا‪.

‫‪ -‬لماذا أخبرت منير عن عالقتي بكمال؟!‬ ‫أنك�رت س�ومة األم�ر وبررت�ه ب�أن منير يراقبها وربما تكون هدى‬ ‫من أخبرته‪.‬‬ ‫ش�كرت الله على أن رحلتهم قاربت على االنتهاء‪ ،‬وألول مرة‬ ‫تشكر الشقرا في سرها ألنها كانت دليلها إلى سمسار جيد مكنها من‬ ‫رحلة موفقة‪.‬‬ ‫ال ولحقت بصديقتها‪ ،‬كان باب الغرفة موارب ًا‬ ‫قهقهت يسرى طوي ً‬ ‫ويفصل�ه ع�ن الصال�ة نص�ف ج�دار يرتف�ع في نهاي�ة عمود يصل حتى‬ ‫الس�قف‪ ،‬ع�ادت بهيج�ة لمتابع�ة المسلس�ل الذي ش�ارف على نهايته‪،‬‬ ‫سمعت أنات مكتومة صادرة عن غرفة النوم‪.‬‬ ‫عادت تتسلل من جديد على أطراف أصابعها محاولة التلصص‪،‬‬ ‫لكنها فوجئت بصوت نحيب هاديء لم تفهمه أبد ًا‪.‬‬ ‫‪174‬‬ .‬‬ ‫ب�دأ كالمهم�ا يتراخ�ى روي�د ًا رويد ًا‪ ،‬وحين نهضت س�ومة كانت‬ ‫تفتح ذراعيها وهي تمشي نحو غرفة النوم‪.‬‬ ‫لعنت الش�يطان الذي وس�وس لها كثير ًا من األمور الغريبة التي‬ ‫تج�ري داخ�ل الغرف�ة‪ ،‬اهت�ز المرك�ب بقوة‪ ،‬أفاق�ت بهيجة من هذيانها‬ ‫وشرودها بينما سمعت تصفيق ًا قوي ًا في الناحية المعتمة من القارب‪.‬‬ ‫التفتت يسرى إلى بهيجة وهي تشير بأصبعها إلى صديقتها الثملة‬ ‫وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬بهيجة‪ ،‬انظري إليها وهي تتأهب للطيران لتحط فوق سريري‪،‬‬ ‫أمسكي بها من فضلك‪.

‫من �أوراق «ي�سرى»‬ ‫كنت أرى زجاجات الكحول ذات األش�كال المختلفة في بيت‬ ‫كمال‪ .‬‬ ‫اقترب مني يحتضنني بشغف وهمس‪:‬‬ ‫‪ -‬س�أجعلك تثملين دون أن تش�ربي كأس�ا واحدة‪ ،‬س�أجعلك‬ ‫ترتفعين عن األرض من فرط الس�عادة‪ ،‬امتدت يده إلى أس�فل بطني‬ ‫يحاول مداعبتي دون أن يعريني‪ ،‬استسلمت ليده‪ ،‬تراخى جسدي بين‬ ‫يديه‪ ،‬حملني إلى األريكة المستطيلة‪ ،‬ارتمى فوقي يقبلني‪ ،‬بدأت أشعر‬ ‫بخدر لذيد يجتاح جسدي‪..‬هو اليدعوني عادة لمش�اركته‪ ،‬وال يس�كب لي كأس� ًا ألجرب‬ ‫طعم�ه‪ ،‬تمني�ت ح�دوث ذل�ك‪ ،‬وعندم�ا صارحت�ه باألمر رف�ض تمام ًا‬ ‫قائالً‪:‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬ال يمكن أن أسمح لك بتناوله هنا ألنك ستقودين السيارة‬ ‫إلى بيتك‪ ،‬وأخشى أن تتسببي بفضيحة لي!‬ ‫ثم استدرك‪:‬‬ ‫‪ -‬ولنفسك‪.‬‬ ‫‪175‬‬ .‬همس‪:‬‬ ‫‪ -‬أغمضي عينيك‪ ،‬أحب أن أتامل وجهك في لحظة لم يسبق‬ ‫لك أن مررت بها أبد ًا!‬ ‫ألكثر من نصف س�اعة ويده تعبث دون جدوى‪ ،‬أش�عر باإلثارة‬ ‫لا ث�م أه�دأ‪ ،‬نه�ض وهو يمس�ك بيدي‪ ،‬جلس�ت‬ ‫والبل�ل‪ ،‬أرتع�ش قلي ً‬ ‫مستندة إلى ظهر األريكة فيما ذهب إلى غرفته ليحضر أريكته الخفيفة‬ ‫ويتمدد فوقها‪.

‬‬ ‫ثم عدنا نستسلم إلى النوم‪ ،‬هذه المرة وضعت بيني وبينها وسادة‬ ‫‪176‬‬ .‬‬ ‫كانت�ا زجاجتي�ن م�ن النبي�ذ المعتق كم�ا أخبرني‪ ،‬في الطريق إلى‬ ‫البيت اتصلت س�ومة‪ ،‬كان في صوتها عتاب ش�ديد‪ ،‬دعوتها لجلس�ة‬ ‫مصارح�ة وأقنعته�ا ب�أن نج�رب احتس�اء الخم�ر‪ ،‬مررن�ا بليلة غريبة ال‬ ‫يمكن نسيانها أبد ًا‪ ،‬لوم وعتاب وضحك وصفاء ورقص وبهجة وبكاء‬ ‫وعبث‪.‫رفضت االنصياع لرغبته‪ ،‬صرت أخاف أن أؤذيه‪ ،‬باألمس تخيلت‬ ‫أنني ثقبت أحشاءه بمسمار حذائي‪ ،‬ارتجفت خوف ًا من هذا الخاطر‪.‬‬ ‫أصر مرة أخرى‪ ،‬بل أخذ يتوس�ل لي مثل طفل صغير‪ ،‬أبهجني‬ ‫توس�له أكثر من رقصي فوق جس�ده‪ ،‬وضعت كرس�ي ًا إلى يميني وآخر‬ ‫إلى يساري ليتسنى لي الضغط عليهما ويخف ثقل جسدي فوق جسده‪،‬‬ ‫ألكث�ر م�ن خم�س دقائ�ق وحذائ�ي ينغ�رس داخل لح�م بطنه‪ ،‬نهضت‬ ‫وارتديت ثيابي‪ ،‬قبل أن أخرج ناولني كيس ًا سميك ًا‪ ،‬قال لي‪:‬‬ ‫‪ -‬زوجك مسافر إلى مصراته الليلة‪ ،‬جربي هذه‪.‬‬ ‫أكت�ب ه�ذه األوراق بع�د أن اس�تفقت صباح� ًا محاول�ة اس�تعادة‬ ‫ماجرى ليلة األمس منذ دخلنا إلى الغرفة وارتميت على سريري ثملة‪،‬‬ ‫ظننت أنها استسلمت للنوم قبلي‪ ،‬فجأة وسط الظلمة ارتمت يدها على‬ ‫صدري‪ ،‬أخذت تعبث بحلمة نهدي‪ ،‬لم أقاومها فضمتني إلى صدرها‬ ‫بحنان بالغ‪ ،‬كنت أرتجف خوف ًا وأسأل بصوت هامس‪:‬‬ ‫‪ -‬سومة‪ ،‬مالك حبيبتي هل جننت ِ؟!‬ ‫لكنها استمرت تعبث‪ ،‬عندما نزلت يدها إلى فخذي نهضت وقد‬ ‫ط�ار الثم�ل م�ن رأس�ي دفع�ة واحدة‪ ،‬صفعتها بلط�ف على وجهها ثم‬ ‫وجه�ت له�ا صفع�ة أق�وى‪ ،‬نظرت إليها في ظل الضوء المتس�رب من‬ ‫الصالة مار ًا بالباب الموارب لغرفة النوم‪ ،‬كانت دموعها تسيل بهدوء‬ ‫على خدها‪ ،‬احتضنتها وأخذنا نبكي مع ًا‪.

‬‬ ‫تصرفها غير الواعي هذه الليلة أثار شكوكي‪ ،‬وفكرت أنها تحبني‬ ‫لا وأنه�ا تغ�ار عل�ي م�ن زوج�ي‪ ،‬وربما كانت ف�ي داخلها منحرفة‬‫فع ً‬ ‫عاطفي ًا والتريد أن تصارحني‪ ،‬أخافني هذا التفكير‪ ،‬رفعت رأسي عن‬ ‫الوسادة‪ ،‬نظرت إليها ثم عدت أستسلم للنوم بعد هذا اإلرهاق والسهر‬ ‫وأنا أفكر في طريقة أجعلها تخرج من حياتي إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫‪177‬‬ .‫إال أنها ذهبت في نوم عميق وسمعت صوت شخيرها العالي‪ ،‬فكرت‬ ‫بأنها حينما تعبر عن كراهية شديدة لزوجي في كل مناسبة يكون ذلك‬ ‫بداف�ع الغي�رة‪ ،‬تغ�ار من�ي وم�ن حياتي الزوجية التي اس�تمرت حتى لو‬ ‫ادعيت فش�لها وبؤس�ها‪ ،‬وأن تلك الكراهية هدفها هو اس�تفزازي أكثر‬ ‫من مرة ألطلب الطالق ونصبح متساويتين‪.

‬‬ ‫***‬ ‫عدت في المساء بعد انتهاء المحاضرة‪ ،‬التقيت هدى عند مدخل‬ ‫ُ‬ ‫العم�ارة‪ ،‬كان�ت تح�اول إيج�اد مكان مالئم لس�يارتها القديمة‪ ،‬مالمح‬ ‫وجهها قلقة متوترة‪ ،‬دعوتها إلى بيتي فرحبت بالفكرة وصعدنا الساللم‬ ‫‪178‬‬ . ‫مخطط الهدم من �أجل التطوير‬ ‫كنت في طريقي إلى حضور ندوة تقام في «قاعة الشعب «‪ ،‬أشعر‬ ‫ُ‬ ‫بالسعادة عندما أقود سيارتي ويكون الطريق الساحلي ممتد ًا إلى يميني‬ ‫أويساري‪.‬‬ ‫لم يكن المصيف العائلي بعيد ًا عن عمارتنا‪ ،‬أعلم أنه دخل في‬ ‫مخطط اإلزالة والهدم بغرض تطوير مدينة طرابلس‪ ،‬لم تكن الساعة‬ ‫تجاوزت الخامس�ة بعد‪ ،‬لفت انتباهي أن البحر إلى يمين الطريق بدا‬ ‫جلي ًا واضح ًا منذ أن تجاوزت سلسلة الفنادق‪ ،‬كنت أقود بسرعة عندما‬ ‫التفت فجأة ولم أجد أي أثر للمصيف‪.‬‬ ‫كان الم�وج يم�د لس�انه عل�ى الرمال المحاذية للرصيف‪ ،‬أخذت‬ ‫س�رعة الس�يارة تتباطأ دون وعي مني‪ ،‬وتذكرت أن كثير ًا من المباني‬ ‫والشوارع دخلت في مخطط الهدم من أجل التطوير العمراني الجديد‪،‬‬ ‫واألهم أن عمارتنا قد استلم سكانها ثالثة إنذارت حتى اآلن‪ ،‬بالنسبة‬ ‫لي لم يكن األمر مخيف ًا ألن زوجي يعمل ليل نهار على صيانة الفيال‪،‬‬ ‫وقبل أسبوع أخبرني بأنها ستكون جاهزة خالل أيام‪ ،‬شعرت بالطمأنينة‬ ‫وحزنت ألن بيتي الجديد يبعد عن البحر‪.

‬‬ ‫أخذت عصير البرتقال س�كبت منه في كأس�ها‪ ،‬بينما ترش�ف من‬ ‫كأسها كنت أتأمل مالمح وجهها العادية وأسأل نفسي‪« :‬ما الذي يغري‬ ‫عادل بها؟»‬ ‫وضعت الكأس على طاولة صغيرة إلى جانبها وقالت لي‪:‬‬ ‫‪ -‬تشاجرت مع صفاء‪ ،‬أعتقد أن عالقتنا انتهت وأتمنى أن تنتهي‬ ‫إلى األبد‪.‬‬ ‫‪179‬‬ .‬‬ ‫ظننت أنها تقصد بكالمها عادل‪ ،‬لكنها تابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬حدث�ت قص�ة غريب�ة من�ذ أي�ام‪ ،‬ولكن عديني ب�أن اليعلم بها‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫‪ -‬غري�ب ياه�دى‪ ،‬ه�ذه أول م�رة تطلبي�ن من�ي المحافظ�ة على‬ ‫أسرارك‪ ،‬فقدت ثقتك بي فجأة؟‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬إنما لك عالقة جيدة بيسرى‪ ،‬أخشى فقط استدراجها لك‬ ‫أثناء الحديث أو معي‪.‫مع� ًا‪ ،‬وصلن�ا إل�ى الطاب�ق الس�ابع الهث�ات األنفاس‪ ،‬دخلن�ا إلى بيتي‪،‬‬ ‫جلس�ت عل�ى أول كرس�ي ف�ي الصال�ة‪ ،‬ذهبت إل�ى المطبخ‪ ،‬أخرجت‬ ‫علبت�ي عصي�ر م�ن الثالج�ة‪ ،‬تناول�ت كأس�ين وضعتهم�ا عل�ى صينية‪،‬‬ ‫فاجأني حزنها الواضح فسألتها‪:‬‬ ‫‪ -‬هدى هناك أمر يزعجك أكيد‪ ،‬هذا واضح‪ ،‬ما األمر؟‬ ‫‪ -‬الشيء‪ ،‬وكل شيء‪ ،‬الحكاية طويلة‪..‬‬ ‫ارتاحت لوصفي وقالت‪:‬‬ ‫‪ -‬صفاء امرأة ثرثارة‪ ،‬تعودت انتقاد سلوك الشقرا وتدعوها الهبلة‬ ‫وتحكي بحضور ابنها الشاب عن تصرفاتها الطائشة‪.‬‬ ‫قاطعتها‪:‬‬ ‫‪ -‬التخافي بالنسبة لي ستبقى المرأة التافهة‪ ،‬أتعاطف مع ظروفها‬ ‫وال أثق بها أيض ًا‪..

.‬هددته‪ ،‬ازداد إصراره على نيلها‪ ،‬كان يحتضنها بقوة ويده‬ ‫تعبث بين فخذيها‪ ،‬تعرت س�اقاها‪ ،‬خالل ثوان أحس�ت بس�ائل دافيء‬ ‫يسيل عليهما‪ ،‬ابتعد عنها وبدأ يعتذر‪ ،‬يبرر ذلك بأنه معجب بها‪ ،‬بينما‬ ‫تمس�ح أث�ره ع�ن عباءته�ا‪ ،‬اس�تمر يحدثه�ا ويخبره�ا أن كل صديقاتها‬ ‫يتكلمن بالسوء عن أخالقها‪.‬‬ ‫أقس�مت له أنها لم تخن زوجها ولم تفكر بذلك‪ ،‬توس�لت إليه‬ ‫أن يتركها‪ .‬‬ ‫‪180‬‬ .:‬والدتي هي التي أخبرتني بأنك تقيمين عالقات‬ ‫مع الرجال‪..‫‪ -‬أعل�م ه�ذا‪ ،‬حت�ى يس�رى دائم�ة االنتق�اد‪ ،‬وف�ي الحقيقة هما‬ ‫وجهان لعملة واحدة‪.‬‬ ‫خرجت من السيارة تبكي وجاءت إلي تشتكي منه‪.‬‬ ‫وافقتني الرأي وتابعت‪:‬‬ ‫‪ -‬لك�ن اب�ن ع�ادل يالحق الفتيات والش�قرا جميلة جد ًا‪ ،‬حاول‬ ‫استدارجها بعد أن اتصل بها هاتفي ًا وأخبرها قائالً‪:‬‬ ‫‪ -‬ل�دي كالم ه�ام ج�د ًا ويج�ب أن تعلم�ي مايق�ال عن�ك‪ ،‬وأن‬ ‫ماسيخبرها به يجب أن تأخذه باهتمام حتى اليصل إلى مسامع زوجها‪،‬‬ ‫خاف�ت طبع� ًا وقبل�ت لق�اءه‪ ،‬اتفق�ا عل�ى أن يلتقي�ا في م�كان خال من‬ ‫االزدح�ام ف�ي طري�ق تاج�وراء‪ ،‬كان�ت تقود س�يارتها بينما يتقدمها في‬ ‫سيارته‪.‬‬ ‫وص�ل إل�ى طري�ق فرع�ي وتوق�ف هناك‪ ،‬طلب منها أن تأتي إلى‬ ‫سيارته‪ ،‬في البداية رفضت ثم انصاعت لرغبته بعد أن هددها بفضيحة‪،‬‬ ‫أقفلت باب سيارتها وذهبت إليه‪ ،‬جلست بجانبه‪ ،‬طلب منها أن تعود‬ ‫إلى المقعد الخلفي‪ ،‬رضخت ألوامره‪ ،‬غير مكانه وجلس إلى جانبها‪،‬‬ ‫أمسك بكتفها وحاول تقبيلها بالقوة صرخت واحتجت وقالت له‪ -:‬من‬ ‫أخبرك أني ساقطة؟‬ ‫وكان جوابه‪ .

‬‬ ‫هزت رأسها موافقة وأجابت‪:‬‬ ‫‪ -‬نعم‪ ،‬ابنتها تكاد محبتها لي تعادل محبة والدتها‪ ،‬ال تنسي أنني‬ ‫الع�ام الماض�ي أنقذته�ا م�ن ورطة كادت أن تذهب فيها ضحية ش�اب‬ ‫حاول اإليقاع بها‪ ،‬لوال حكمتي في الموضوع وانصياعها ألوامري‪. ‫اتصلت مباشرة بعادل ورويت له القصة‪.‬‬ ‫ال وتابعت‪:‬‬‫صمتت قلي ً‬ ‫‪ -‬وصفاء تدرك ذلك تمام ًا‪ ،‬تعلم أن ابنتها التخفي عني شيئ ًا‪،‬‬ ‫أصبحت بالنسبة لها المالذ اآلمن لهذا أحمل عبئ ًا ثاني ًا عنها‪.‬‬ ‫‪181‬‬ .‬‬ ‫‪ -‬أووه‪ ،‬لكن زوجك تربطه مصالح بزوج الشقرا؟‬ ‫‪ -‬نعم‪ ،‬لهذا خشي من الفضيحة وذهب إلى البيت وصفع ابنه‬ ‫على مرأى من صفاء التي احتجت وغضبت من وشايتي‪ ،‬لم تحاول‬ ‫حت�ى مراجع�ة نفس�ها أو ل�وم ابنه�ا عل�ى تصرفات�ه الطائش�ة وانته�اك‬ ‫األعراض‪.‬‬ ‫‪ -‬غريب أمر هذه المرأة‪ ،‬أتذكر أنك مرة صفعت ابنتها المراهقة‬ ‫ولم تهتز أو تغضب منك‪ ،‬حتى أن من يشاهدك يعتقد أنك والدتها‪.‬‬ ‫ال ثم‬ ‫نظرت إلى ساعتها ونهضت تستأذن بالخروج‪ ،‬توقفت قلي ً‬ ‫قالت لي‪:‬‬ ‫‪ -‬تأكدي أن الشيء سيعود لسابق عهده‪ ،‬التنسي أن قرار إزالة‬ ‫العمارة سينفذ قريب ًا‪ ،‬وعدني عادل بتدبير شقة صغيرة ربما تكون بعيدة‬ ‫عن وسط طرابلس‪.‬‬ ‫‪ -‬أمم‪ ،‬إذ ًا صفاء غاضبة منك أم من زوجها؟!‬ ‫ل�م تجبن�ي‪ ،‬تناول�ت كأس العصي�ر وبدا أنها تفكر حتى اآلن‪ ،‬ثم‬ ‫التفتت إلي قائلة‪:‬‬ ‫‪ -‬المشكلة أن عادل يضغط علي محاوالً إجباري على االتصال‬ ‫بها‪ ،‬يريد أن تعود عالقتنا طبيعية‪.

‫‪ -‬لكنها لن تنقطع عن زيارتها لك؟‬ ‫‪ -‬ربما‪ ،‬إنما منذ اآلن لم أعد هدى الطيبة التي تقوم بكل هذه‬ ‫الخدمات مقابل فتات يرميه‪.‬‬ ‫لم أصدق ما أسمعه‪ ،‬سألتها‪:‬‬ ‫‪182‬‬ .‬‬ ‫ف�ي آخ�ر م�رة رأي�ت يس�رى كان�ت ت�ودع ه�دى‪ ،‬تحينت فرصة‬ ‫وجودنا مع ًا وهمست لي‪:‬‬ ‫‪ -‬أخبرت كمال النذل أنني لن أعود إليه‪.‬‬ ‫***‬ ‫مضى أسبوع على سفر بهيجة في رحلة اليعلم إال الله نهايتها‪،‬‬ ‫وعشرة أيام على مغامرة يسرى األخيرة‪ ،‬التي حاولت جاهدة لتوريطي‬ ‫فيها‪ ،‬كان مجرد فتح بابي لصداقتها قبل شهرين حدث ًا حسبته لنفسها‬ ‫انتصار ًا‪.‬‬ ‫وكنت متيقنة منذ البداية أن تلك الصداقة عمرها مرهون بتنفيذ‬ ‫ق�رار اله�دم ال�ذي ط�ال أبني�ة كثيرة في طرابل�س‪ ،‬أغلبها يقع بمحاذاة‬ ‫الطريق الساحلي على البحر‪ ،‬في األيام التي مضت هدم فندق شاطئ‬ ‫النخيل» وفندق الشاطيء‪ ،‬الصيف العائلي‪،‬واألبنية المطلة على شارع‬ ‫جراب�ة حت�ى أغل�ق تمام� ًا ول�م يعد ذاك الش�ارع األهم للتس�وق‪ ،‬حتى‬ ‫العمارة كان موعد هدمها هذا الصباح‪ ،‬وكأن تلك األماكن التي هدمت‬ ‫كان�ت مرص�ودة لتج�ري فيه�ا أح�داث هذه الرواية فقط‪ ،‬ثم تؤول إلى‬ ‫النسيان‪.‬‬ ‫خرج�ت‪ ،‬أقفل�ت خلفه�ا الباب وأنا أفكر بالمجنونة يس�رى التي‬ ‫تعلقت بي وأصبحت التريد مصاحبة أحد من سكان العمارة سواي‪،‬‬ ‫لم أكد أش�رع في تبديل مالبس�ي حتى رن هاتفي‪ ،‬ألقيت نظرة عليه‬ ‫كان اسم يسرى يقفز على الشاشة‪ ،‬تجاهلته ودخلت أكتب حول الندوة‬ ‫التي ذهبت إليها هذا المساء الحافل باألحداث‪.

‬‬ ‫ع�ادت ه�دى فغي�رت مجرى ال�كالم‪ ،‬وادعت أنها تخبرني نكتة‬ ‫بذيئة‪.‬‬ ‫أج�ل‪ ،‬أخي�ر ًا ق�رر أن أرافق�ه في إحدى رحالته‪ ،‬لم يكن المكان‬ ‫يعنيني بقدر اهتمامي بفكرة السفر نفسها!‬ ‫الرحل�ة كان�ت إل�ى اإلم�ارات طويلة وش�اقة أو هك�ذا اعتقدت‪،‬‬ ‫‪183‬‬ .‬‬ ‫كنت أحاول تجاهل مغامرتها التي انطلقت فيها على متن مركب‬ ‫دون أن تخب�ر أح�د ًا م�ن صديقاته�ا‪ ،‬اختارتن�ي م�ن بينه�ن‪ ،‬ال أع�رف‬ ‫لماذا‪.‬‬ ‫***‬ ‫وبدوري انش�غلت في االنتقال إلى س�كن جديد‪ ،‬كل واحدة منا‬ ‫مر‬ ‫ترتب حياتها لتبدأ صفحة جديدة في مكان جديد‪ ،‬األسبوع الذي ّ‬ ‫ل�م أتذك�ر بهيج�ة في�ه‪ ،‬ب�ل أعتق�د أن�ه ل�م يعد أحد من�ا يتذكرها كأنها‬ ‫ماعاشت هنا والمرت في حياة أحد منا‪.‬‬ ‫سكني الجديد تقصدت المرواغة بشأن عنوانه‪ ،‬وعدتهن باالتصال‬ ‫الدائم وبأنني في أول فرصة سأدعوهن‪ ،‬كنت في األيام األخيرة أشعر‬ ‫بالملل‪ ،‬فاجأني زوجي بتقديم هدية جميلة في أول ليلة نقضيها داخل‬ ‫البيت‪ ،‬كانت تذاكر سفر‪. ‫‪ -‬هكذا فجأة!‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬أال تذكري�ن ذل�ك الموق�ف المرع�ب وعودت�ي إلى البيت‬ ‫بمساعدة هدى والقدر الذي ساندني حتى ال يبتزني منير تصوري‪ ،‬لم‬ ‫علي‪ ،‬رجل أناني وبصراحة ماكنت‬ ‫يفك�ر حت�ى باالتص�ال واالطمئن�ان ّ‬ ‫أس�عى ل�ه نلت�ه تمام� ًا‪ ،‬ه�ا هو اآلخر أصبح مث�ل الكلب يجري ورائي‬ ‫من أجل نزواته المنحرفة‪.‬‬ ‫وال أدري كي�ف خط�ر ل�ي وأن�ا أدس المبل�غ بيده�ا أن أعطيه�ا‬ ‫المسجل الصغير‪ ،‬وأطلب منها تسجيل وقائع رحلتها المجهولة‪.

‫أصبح الدوار ينتابني باستمرار والغثيان يالحقني طيلة فترات اليوم‪.‬‬ ‫***‬ ‫‪184‬‬ .‬‬ ‫في اليوم الثاني ذهبت إلى الطبيب وكان بانتظاري مفاجأة انتظرتها‬ ‫طوي ً‬ ‫ال عندما قال‪:‬‬ ‫‪ -‬مبروك ستصبحين أم ًا‪.

‬‬ ‫ش�جعتها الش�قرا بعدما س�معت كالم الرجل وقامت بدفع أكثر‬ ‫م�ن نص�ف المبل�غ المطل�وب‪ ،‬هذه المرأة نبيلة‪ ،‬هذا ماتحدث نفس�ها‬ ‫ب�ه اآلن فيم�ا صديقاته�ا يطلق�ن عليه�ا صفات مختلفة‪ ،‬مرة تكون قطة‬ ‫مغمضة وأخرى مهبولة‪ ،‬بالنس�بة إليها س�تبقى أفضلهن بما قدمته لها‬ ‫من عون ومال‪ ،‬لهذا كان من واجبها تحذيرها منهن جميع ًا باس�تثناء‬ ‫‪185‬‬ .‬أولئك الذين سبق لهم وخاضوا هذه‬ ‫التجربة من قبل اثنان من المصريين وآخرعراقي‪.‬‬ ‫تسمع بهيجة أنهم اقتربوا كثير ًا‪ ،‬وخالل ساعتين سيتوقف المركب‬ ‫قريب ًا من شواطيء جزيرة « المبيدوزا « اإليطالية‪ . ‫المبيدوزا بداية الحلم‬ ‫مضى مايقارب اثنتين وعشرين ساعة من اإلبحار في مركب دعاه‬ ‫المهاجرون مركب الحظ السعيد‪ .‬وهناك سوف يقذفون‬ ‫من يجيد السباحة من الرجال‪ ،‬فيما خصص للنساء واألطفال قوارب‬ ‫مطاطية ستأتي النتشالهم‪.‬‬ ‫رحالت الهجرة في البحر الش�يء يضمنها إال القدر‪ ،‬والضمان‬ ‫الذي يقصده الرجل السمسار عدم خداعهم في نوع المركب وتأمين‬ ‫مرك�ب م�ن الجه�ة اإليطالي�ة ينتظرهم ويقوم بإكمال المهمة‪ ،‬أما أنواء‬ ‫البحر فتلك التي ال يمكن التكهن بها‪.‬‬ ‫ع�ادت تش�كر الل�ه ألن�ه مض�ى زم�ن الرع�ب والخ�وف الكبير‪،‬‬ ‫تحمل�ت م�ا ل�م تج�رؤ حت�ى عل�ى التفكي�ر به‪ ،‬لن تنكر فضل الش�قرا‬ ‫عندما ساعدتها في االتصال بسمسار مشهور اشترط عليها مبلغ ًا ضخم ًا‬ ‫مقابل رحلة مضمونة‪.

‬‬ ‫***‬ ‫شعرت بهيجة أنها احتملت العطش والجوع أكثر مما يجب خوفاً‬ ‫من اضطرارها الستخدام الحمام‪ ،‬كان في حقيبتها علبتا (تن) وبعض‬ ‫الخب�ز الملف�وف بقم�اش‪ ،‬أخرجت العلب�ة وحاولت فتحها فوق كومة‬ ‫الحبال‪ ،‬تتصرف بحذر شديد تعلمته من خدمتها في البيوت والشقق‬ ‫الفخم�ة‪ ،‬بالرغ�م ممات�راه م�ن قذارة في جوف المركب وتلك الروائح‬ ‫الكريهة التي تزداد مع مرور الوقت‪ ،‬ومع ذلك تتصرف بمنتهى الحرص‬ ‫عل�ى النظاف�ة‪ ،‬كم�ا أنه�ا ل�م تع�د تحتم�ل الجوع‪ ،‬تس�رب زيت العلبة‬ ‫فتغاضت عنه‪ ،‬فتحت قطعة الخبز وأخرجت ملعقة بالستيكية‪ ،‬وأخذت‬ ‫تملؤها ثم فعلت نفس الش�يء بالقطعة الثانية‪ ،‬قس�مت قطعتي الخبز‬ ‫إل�ى أربع�ة بيده�ا‪ ،‬قدم�ت لرض�ا واحدة ثم قدم�ت القطعتين لجيرانها‬ ‫الجدد في المركب‪ ،‬قال لها الجزائري‪:‬‬ ‫‪ -‬يا أختي نحن رجال نحتمل الجوع أكثر‪ ،‬شكر ًا لك‪.‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ،‬أرجوك التكسر بخاطري‪.‬‬ ‫قبل أن تغادر إلى زوارة تلقت اتصاال من الش�قرا تخبرها بأنها‬ ‫قطع�ت عالقته�ا بيس�رى إل�ى األب�د‪ ،‬ارتاحت لذلك الخبر ولم تش�عر‬ ‫بتأنيب الضمير أوالندم‪.‫الكاتبة التي التعنيها من قريب أوبعيد‪ ،‬وهي األخرى قدمت لها مبلغ ًا‬ ‫ليساعدها على تحمل مصاريف الرحلة‪.‬‬ ‫كانت مصرة على تقاسم الطعام‪ ،‬اقترب منها الجزائري وهمس‬ ‫لها‪:‬‬ ‫‪ -‬لو أردت استخدام الحمام؟‬ ‫سمعه (رضا) وانفجر ضاحك ًا‪:‬‬ ‫‪ -‬عن أي حمام تتكلم؟ إنها صفائح‪ ،‬دعها لشأنها‪.‬‬ ‫احتد صوت الجزائري ونهره قائال‪:‬‬ ‫‪186‬‬ .

‬للحظات ش�عرت أن مثانتها توقفت عن العمل‬ ‫وأن بولها سيبقى محتبس ًا فيها‪ ،‬أحست بألم يشبه وخز اإلبر‪ ،‬استرخت‬ ‫لا وه�ي تفك�ر أنه�ا ال تري�د خس�ارة حياتها م�ن أجل عدم احتمال‬ ‫قلي ً‬ ‫الم�كان‪ ،‬اس�تجاب جس�دها وانس�رحت مثانته�ا روي�د ًا رويد ًا‪ ،‬نس�يت‬ ‫الروائ�ح الكريه�ة بع�د أن ارتاح�ت تمام� ًا من ضغطها المؤلم‪ ،‬أزاحت‬ ‫الس�تارة‪ ،‬كان الجزائ�ري يق�ف ملتف� ًا ف�ي االتج�اه المعاك�س‪ ،‬أمس�ك‬ ‫بيدها من جديد ومش�يا ببطء‪ ،‬ألن اهتزاز المركب اش�تد قليالً‪ ،‬وبدا‬ ‫أن س�رعته زادت أكث�ر م�ن قب�ل‪ ،‬لك�ن ي�د الرج�ل التي أحاطت كتفها‬ ‫‪187‬‬ .‬‬ ‫صمت (رضا) ولم يجب‪ ،‬عاد الجزائري ليشرح لبهيجة أنه هناك‬ ‫في أقصى المركب ستارة‪ ،‬وسيقف خلفها لو أرادت قضاء حاجتها‪.‫‪( -‬وش تبغي من المرا؟) أنا أفهم هذه األمور‪ ،‬وأريد أن أحميها‬ ‫من األذى‪.‬‬ ‫خجل�ت م�ن النق�اش الدائ�ر بي�ن الرجلين حول قض�اء حاجتها‪،‬‬ ‫ارتبك�ت واعتبرت�ه أم�ر ًا محرج� ًا بالنس�بة لها‪ ،‬كانت تتناس�ى هذا األمر‬ ‫طوال الرحلة وال تحاول مغادرة مكانها‪ ،‬حتى البرد كاد يجمد ساقيها‬ ‫لوال الغطاء السميك الذي افترشته وأصابه البلل مع نهاية الرحلة‪.‬‬ ‫الكالم عن موضع قضاء حاجتها أثار مثانتها وشعرت أنها تكاد‬ ‫تنفجر فجأة‪ ،‬مس�تغربة إلحاحها بذات الوقت الذي تش�عر فيه بالجوع‬ ‫والعطش‪ ،‬وكأن مطالب جسدها تحركت دفعة واحدة‪ ،‬وضعت قطعة‬ ‫الخب�ز ف�ي الحقيب�ة وم�دت يده�ا للرج�ل الجزائ�ري‪ ،‬س�اعدها عل�ى‬ ‫النه�وض‪ ،‬وقف�ت للحظ�ة التتجاوز الثواني‪ ،‬أحس�ت بالدوار‪ ،‬أمس�ك‬ ‫بيده�ا ومش�ى به�ا خط�وات وه�ي تتعثر بأقدام الركاب وش�باك الصيد‬ ‫المرمية حتى وصلت إلى الستارة‪ .‬ضغطت باإلبهام والسبابة على أنفها‪،‬‬ ‫كانت الزاوية أكثر عتمة فقالت لنفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬هذا أفضل من رؤية فضالت مجمعة داخل الصفيحة‪ ،‬تكفي‬ ‫الرائحة المنبعثة منها‪ .

‬يصبح للس�اعة‬ ‫تأثير الخوف والخطر‪ ،‬معنى االنتظار والقلق يتضخم فيه كل مايحسه‬ ‫وال يدركه اإلنسان‪ ،‬وهم أكبر مما هو عليه في الواقع واحتماله أصعب‬ ‫من حدوثه‪.‬تذكرت محاولته االلتصاق بجسدها في بداية الرحلة‪،‬‬ ‫جعلتها تش�فق عليه‪ ،‬هذا الش�اب الذي فقد زوجته وباع كل مايملك‬ ‫م�ن أج�ل تحقي�ق حلم�ه بال�زواج من أجنبية والعمل في ايطاليا‪ ،‬يعتقد‬ ‫أن أبواب الجنة ستفتح له حال وصوله‪.‬‬ ‫***‬ ‫«إن س�اعة من عمر اإلنس�ان وقت قصير قد الينتبه لمضيه في‬ ‫معنى زمني مختلف تحت‬ ‫ً‬ ‫الظروف الطبيعية والعادية‪ .‬‬ ‫طوال الرحلة لم تعلم بأن نزاعات جرت على س�طح المركب‪،‬‬ ‫ص�وت المح�رك الق�وي يمن�ع وص�ول كثي�ر من األش�ياء‪ ،‬إال أن رضا‬ ‫كلما صعد إلى السطح رجع ليثرثر بقصص حدثت هناك وجدال قام‬ ‫بين المهاجرين‪ .‬‬ ‫تعلم من كالم ش�قيقتها أن الحياة لن تكون بهذه البس�اطة وأن‬ ‫ألحالمها سقف ًا ال يمكن أن تتجاوزه‪ ،‬األهم هو الوصول‪.‫ساعدتها للوصول لمكانها‪ ،‬لم تجد رضا بقيت واقفة تفكر في الصعود‬ ‫ألعلى لتتنفس هواء نقي ًا بما أن الرحلة شارفت على الوصول‪ ،‬نظرت‬ ‫نحو السلم الخشبي الضيق وحدثت نفسها‪:‬‬ ‫‪ -‬هذا أصعب ما في األمر‪.‬‬ ‫قواها الخائرة لم تمنحها الشجاعة‪ ،‬فعدلت عن قرارها الحتمال‬ ‫الهواء الملوث إلى نهاية الرحلة‪ ،‬جلس�ت في مكانها مس�تغلة فرصة‬ ‫الفراغ الذي خلفه رضا‪.‬‬ ‫يم�ر ذل�ك الزم�ن الح�رج المليء بالمخ�اوف واألوهام‪ ،‬وعندما‬ ‫تعود إليه الذاكرة بعد أن يصبح في الخلف‪ ،‬يتم االعتراف بما امتلكه‬ ‫في تلك الساعة من شجاعة نادرة لم يكن يحسب لها حساب ًا في تلك‬ ‫‪188‬‬ .

‫اللحظة‪».‬‬ ‫تدافع المهاجرون‪ ،‬بعضهم قفز مباش�رة إلى المياه‪ ،‬كانوا ش�بان ًا‬ ‫أش�داء راح�و ا يكمل�ون طريقه�م س�باحة غي�ر عابئي�ن بب�رودة المياه‪،‬‬ ‫متناس�ين إرهاق أجس�ادهم‪ ،‬مس�تمدين نش�اطهم من فرحة الوصول‪.‬‬ ‫سمعت الجزائري يرد على صديقه قائالً‪:‬‬ ‫‪ -‬وه�ل يعق�ل بع�د تحم�ل كل ه�ذا الش�قاء أن نغ�رق عل�ى‬ ‫الشاطيء؟‬ ‫‪189‬‬ .‬‬ ‫توق�ف المرك�ب غي�ر بعي�د عنه�ا في منطقة اليتجاوز عمق المياه‬ ‫فيه�ا األمت�ار القليل�ة‪ ،‬بمحاذات�ه وق�ف اثن�ان م�ن ال�زوارق الس�ريعة‬ ‫(الزودياك)‪.‬‬ ‫تل�ك الس�اعة ف�ي انتظار الوصول الت�ي انقضت على المهاجرين‬ ‫ف�ي بط�ن المرك�ب وس�طحه أدخلته�م بر األمان على ش�اطىء جزيرة‬ ‫(المبيدوزا)‪.‬‬ ‫عندما وصلت بهيجة إلى السطح كان أكثر من نصف المهاجرين‬ ‫قد قفزوا في الماء إما إلى القارب أو س�باحة‪ ،‬من هناك نظرت نحو‬ ‫القاربي�ن المزدحمي�ن بالنس�اء واألطف�ال وبعض من الرجال فيما يعلو‬ ‫صوت الشاب التونسي‪:‬‬ ‫‪ -‬دعوا النساء يهبطن أوالً وإذا وجد الرجال مكان ًا بينهن يمكنهم‬ ‫مرافقتهن‪.‬‬ ‫كان الرجالن العراقي والجزائري خلفها تمام ًا‪ ،‬فيما رضا سارع‬ ‫إل�ى القف�ز باتج�اه الق�ارب‪ ،‬تص�ورت أن ه�ذا ي�وم الحش�ر‪ ،‬ال يمكن‬ ‫لإلنسان سوى التفكير بخالصه‪.‬‬ ‫س�اعدهم م�د البح�ر والعتم�ة عل�ى س�هولة الس�باحة واالختف�اء ع�ن‬ ‫خفر الس�واحل‪ ،‬كل همهم قطع المس�افة بأس�رع مايمكن‪ ،‬فهذه لحظة‬ ‫الالعودة دقت أخير ًا‪.

‬‬ ‫‪ -‬هيا‪.‬‬ ‫قواها الخائرة واإلرهاق الذي عانت منه تبخر فجأة‪ ،‬كان الخيار‬ ‫واحد ًا بالنس�بة لها هو أن تس�تغني عن مكانها للرجل العراقي داخل‬ ‫القارب وتساعد الجزائري على السباحة‪.‬‬ ‫دفع�ت بالعراق�ي دون ت�ردد ودون الس�ماح ل�ه بمناقش�ة قرارها‪،‬‬ ‫وش�دت بي�د الجزائ�ري‪ ،‬وقف�زا إل�ى الم�اء‪ ،‬المد البح�ري كان رحمة‬ ‫لهم�ا‪ ،‬وبهيج�ة الت�ي تجي�د الس�باحة من�ذ صغرها جعله�ا تتقدمه وهو‬ ‫يحاول اإلمساك بأطرافها مرة وبجالبيتها مرة أخرى‪ ،‬سحبه التيار بعيد ًا‬ ‫عنها لكن جسده مازال فوق الماء‪ ،‬حرك ذراعيه ورجليه في حركات‬ ‫متناس�قة‪ ،‬يض�رب الم�اء ويعل�م أن الخ�وف دفع بلا وعيه للدفاع عن‬ ‫حياته‪ ،‬ومع ذلك لم تدعه بهيجة يغيب عنها وسط العتمة‪ ،‬تعوم لمسافة‬ ‫قصيرة ثم تعود إليه تسحبه بيدها‪ ،‬مضت نصف ساعة وهما يتحركان‬ ‫نح�و الش�اطيء وأخي�ر ًا وصلا الش�اطيء الهثي األنف�اس‪ ،‬بقيت على‬ ‫الصخ�ور الناتئ�ة والرم�ال مم�ددة‪ ،‬وقبل أن تفاجئه رعدة البرد التمعت‬ ‫كش�افات تض�يء البقع�ة‪ ،‬كان الض�وء الق�وي يصدر من مركب اقترب‬ ‫من الش�اطيء‪ ،‬فهما على الفور أنه يتبع خفر الس�واحل بعد أن س�معا‬ ‫كالم ًا صادر ًا من مكبر الصوت ينادي عليهما‪ ،‬خالل دقائق أحاط بهما‬ ‫رجال الش�رطة ومس�عفون طلبوا منهما الصعود إلى المركب‪ ،‬فاجأهم‬ ‫وجود أغلب الذين كانوا معهم من المهاجرين وقد تم إنقاذهم أيض ًا‬ ‫‪190‬‬ . ‫التفتت إليهما وسألتهما‪:‬‬ ‫‪ -‬أال تجيدان السباحة؟‬ ‫«الزم�ن لي�س ف�ي صال�ح االرتب�اك وإضاعة الفرص بخجل ليس‬ ‫وقته‪ ،‬أجابها العراقي‪:‬‬ ‫‪ -‬بالنس�بة لي لم أضع قدم ًا واحدة في الماء طيلة عمري‪ ،‬أما‬ ‫صاحبي فيمكنه أن يطفو على سطح المياه‪.

‬‬ ‫«أس�أل نفس�ي بصوت عال‪ :‬لماذا يصمتون؟ لماذا يخجلون من‬ ‫االنتماء إلى أوطانهم؟‬ ‫إذا كان�وا قادري�ن عل�ى تك�رار الهج�رة بع�د فش�لها‪ ،‬بالرغ�م من‬ ‫الموت‪ ،‬لماذا اليكررون خوض تجربة جديدة على أرض وطنهم إذا‬ ‫ماخذلهم مرة؟‬ ‫لم�اذا اليس�تحق الوط�ن أن نعي�د مع�ه الك�ر والفر؟ هل الهروب‬ ‫أسهل من المواجهة‬ ‫أم إن مواجه�ة الم�وت أرح�م‪ ،‬ومواجه�ة الصل�ف األورب�ي أقل‬ ‫قسوة؟»‬ ‫أمضوا ليلتلهم األولى داخل معسكر بأسوار مرتفعة‪ ،‬كان الجميع‬ ‫مرهق ًا اليطلب سوى النوم‪ ،‬وبهيجة القلقة من ترحيلها إلى ليبيا كما‬ ‫علمت‪ ،‬لم يغمض لها جفن‪ ،‬إال في ساعات الفجر‪ ،‬واستيقظت على‬ ‫جلب�ة كبي�رة ودخ�ان يتصاع�د في كل اتجاه‪ ،‬خرجت مهرولة‪ ،‬األبواب‬ ‫مفتوحة وس�يارات المطافئ حضرت‪ ،‬صراخ من كل جانب‪ ،‬ورجال‬ ‫األسعاف يحاولون اإلنقاذ‪ ،‬عند البوابة الواسعة لمحت أصدقاء الرحلة‪،‬‬ ‫أطمئن قلبها‪ ،‬أشار لها رضا من بعيد‪ ،‬ركضت دون وعي‪ ،‬كانوا أربعة‬ ‫‪191‬‬ .‬‬ ‫***‬ ‫ف�ي المرك�ز ت�م اس�تجوابهم‪ ،‬الرج�ل العراقي نصحه�ا أن تدعي‬ ‫بأنه�ا عراقي�ة ألنه�م يقبل�ون ف�ور ًا لجوءها اإلنس�اني‪ ،‬إال أنها صممت‬ ‫أن تصمت مثل اآلخرين‪.‫من غرق وشيك للقوارب‪ ،‬الجميع كان يرتجف من البرد على الرغم‬ ‫من األغطية الصوفية الرقيقة التي منحت لهم‪ ،‬وزعوا عليهم زجاجات‬ ‫مياه غازية وس�اقوهم بعد إبحار اس�تمر ألكثر من س�اعة توقف فيها‬ ‫المركب أكثر من مرة‪ ،‬أثناء بحثه عن المهاجرين الذين أكملوا الطريق‬ ‫سباحة‪ ،‬إلى أن وصلوا لمركز الشرطة‪.

‫أطي�اف يبتع�دون ع�ن م�كان الحري�ق ال�ذي امتد إلى مرك�ز التحقيق‪،‬‬ ‫ابتع�دوا أكث�ر مايمك�ن حت�ى اختفت ألس�نة اللهب والدخان عن مرمى‬ ‫نظرهم‪ ،‬أداروا ظهورهم وتابعوا السير نحو مستقبل مجهول‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫تمت في ‪2009/2/27‬‬ ‫الساعة العاشرة والنصف لي ً‬ ‫ال‬ ‫‪192‬‬ .