‫قصة الزير سالم‬

‫الجزء الول‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫أما بعد حمدا لله والصلة والسلم على رسله وأنبيائه وبعد فهذه‬
‫سيرة السد الكرار والبطل المغوار الذي شاع ذكره في القطار‬
‫وأذل بسيفه كل صنديد وجبار المهلهل بن ربيعه صاحب الشعار‬
‫البديعه والوقائع المهوله المريعه وماجرى له في تلك اليام مع‬
‫ملوك الشام وفرسان الصدام من الحوادث والوقائع التي تطرب‬
‫القارىء وتلذ السامع ولكن قبل الشروع في هذه السيرة الغريبة‬
‫وأخبارها المطربه الغريبه رأينا أن نذكر طرفا من أخبار العرب أهل‬
‫الفضل والدب أفاده للطالعين ونزهة للسامعين فنقول والله‬
‫المستعان ‪ :‬أن أصل العرب من قديم الزمان وسالف العصر والوان‬
‫ولد نزار بن معد بن عدنان وكان قد ولد لنزار المذكور أربعة أولد‬
‫من الذكور كل منهم بالفضل والبأس مشهور وهم ‪ :‬مضر أنمار وأبار‬
‫وربيعه وفارس الطرار ومنهم تشعبت قبائل العراب وملت البراري‬
‫والهضاب فمن نسل أباد ملوك التابعه الذين أخبارهم بين الناس‬
‫شائعه ومن نسل ربيعه ومضر وأنمار عرف الحجاز ونجد والعراق‬
‫وسكان القفار وكانت العرب في تلك الزمان منقسمه الى قسمين‬
‫وهما قيس ويمن فكان اليمن هم اليمنيون وباقي العربان القيسيون‬
‫ومازالت العرب تنمو وتكثر وتمتد في البر القفر حتى اشتهرت‬
‫العشائر والقبائل وظهر المير ربيعه وأخوه مرة وأبناء وائل و ربيعه‬
‫المذكور هو أبو الزير الفارس المشهور صاحب هذه السيرة ووقائعها‬
‫الشهيرة ‪.‬‬
‫(قال الراوي) وكان ربيعه في ذلك الزمان من جملة ملوك العربان‬
‫وأخوه عروة من المراء والعيان وكانت منازلهم في تلك اليام في‬
‫أطراف بلد الشام وكانا يحكمان على قبيلتين من العرب وهما بكر‬
‫وتغلب وولد لربيعة خمسة أولد مثل القمار وهم كليب السد الكرار‬
‫وسالم البطل الشهير الملقب بالزير وعدي ودرعيان وغيرهم من‬
‫الشجعان وكان له بنت جميله الطباع شديدة الباع تعارك السود‬
‫والسباع أسمها اسماء وتلقب بضباع وأما المير مرة له عدة أولد‬
‫أبطال أمجاد وقد اشتهروا بالشجاعه وقوة البأس منهم همام‬
‫وسلطان وجساس وله بنت جميلة فاضله نبيله يقال لها الجليلة‬
‫فاتفق في بعض اليام أن الميرة مرة دخل على أخيه ربيعه في‬
‫الخيام وخطب أبنته ضباع لبنه همام وخاطبه بهذا الشعر والنظام ‪:‬‬

‫يقول أمير مرة في قصيدة معانيه حكت درر الجواهر‬
‫ربيعة ياأخي اسمع كلمي أيا قهار فرسان الجبابر‬
‫أريد ضباع بنتك ياربيعه الى همام يافخر الكابر‬
‫ولما ينتشي ابنك كليبا ويركب ياأخي الخيل الضوامر‬
‫وتكبر ياملك بتي الجليله مر فخذها له زوج لتشاور‬
‫وهذا ياأخي أقصى مرادي أيا صدام آساد الكواسر‬
‫تبدي له ربيعه ثم قال له كلمك ياأخي مثل العنابر‬
‫تريد ضباع خذها يامسمى وزوجها لبنك لتشاور‬
‫ومعها مائة خادم يخدمونها ومائة جاريه غير السرائر‬
‫ومعها مائة حر كالعرائس ومائة قعود مع ميتين جوائر‬
‫ومعها محمل الفاخر واطلس زياد ومسك فايح ودم عاطر‬
‫وهمام ابن مرة مثل ابني لغيرك ما أناسب أو أصاهر‬
‫هلم انهض وزوجها بسرعه وأفرح فيه وأعمل عرس فاخر‬
‫فلما فرغ ربيعه من كلمه وشعره ونظامه أعتنقه أخوه وشكره على‬
‫حسن اهتمامه ثم باشر القوم بأمر العروس من ذلك اليوم وعقدوا‬
‫عقد المير همام على ضباع بنت الكرام كما جرت عادة الملوك‬
‫العظام فأولموا اولئم وذبحوا الذبائح وأطعموا كل آت ورائح‬
‫ومازالوا في سرور وأفراح وبسط وانشراح ودق طبول ولعب خيول‬
‫وشرب مدام مدة عشرة أيام ثم زفوا ضباع على المير همام فكانت‬
‫ليلة عظيمة لم يسمع بمثلها في اليام القديمه حضر فيها كثير من‬
‫سادات العرب وأهل المناصب والرتب ودخل همام على ضباع وحظي‬
‫بحسنها وجمالها ونالت منه غاية آمالها لنها كانت تحبه محبة شديدة‬
‫وتوده موده أكيده وسوف يظهر لهما ولدان وهما شيبون وشيبان‬
‫وسيأتي حديثهما بعد الن ‪.‬‬
‫هذا ماكان من خبر بني قيس المدعوين بالقيسيه ولنتكلم الن عن‬
‫حديث اليمنيه وماجرى لهم في تلك اليام من المور والحكام‬
‫والحروب والهوال في ميادين القتال فنقول وعلى الله التكال ‪.‬‬
‫أنه كان في قديم الزمان في بلد اليمن ملك عظيم الشأن صاحب‬
‫جند وأعوان وأبطال وفرسان يقال له الملك حسان ويكنى بالتبع‬
‫اليماني ولم يكن له بين الملوك ثاني وهو أول اليمنيه كما كان ربيعه‬
‫أول القيسيه وكان شديد الس قوي المراس كويل القامه عريض‬
‫الهامه وليعرف الحلل من الحرام وليحفظ العهد والزمان وكان‬
‫يحب النساء الملح والمزاح منهن في المساء والصباح ومن أعماله‬
‫الغريبه واصطلحاته العجيبه كما ذكر أصحاب الرايات أنه كل ليله‬

‫يتزوج بصبيه من بنات الملوك والسادات وكانت الملوك تخافه‬
‫وتخشاه وتحسب حسابه وتترضاه وتحمل له الخراج‬
‫وتعلل له الخاطر والمزاج وكان عنده من البطال والفرسان ألف‬
‫ألف عنان وهم عشرة كرات مستعدين للحرب والغارات وكان له‬
‫وزير عاقل خبير قوي الجنان اسمه نبهان قد امتاز على القران‬
‫بفعل الخير والحسان وكان كثيرا ماينهى الملك حسان عن ارتكاب‬
‫الظلم والعدوان فاتفق في بعض العوام وفي يوم من اليام أن‬
‫ألتقى تبع مع نبهان وقال له في الديوان بحضور المراء والعيان‬
‫هل سمعت أيها الوزير والعاقل الخبير عن ملك كبير عنده رجال‬
‫كرجالي أو أموال كعدد أموالي فقبل الوزير الرض ووقف في مقام‬
‫العرض وقال أعطني المان ياملك الزمان وانا أحدثك بأخبار ملوك‬
‫المم أصحاب البطش والهمم وماعندهم من الجيوش والعساكر‬
‫والمهمات والذخائر‬
‫فقال قل وعليك المان من نوائب الزمان ‪.‬‬
‫فقال أعلم أيها الملك المعظم أنه ليوجد مثلك في هذه القطار من‬
‫الملوك الكبار أصحاب الدين والمطار ولكن يوجد خارج البحار عرب‬
‫من أهل الشجاعه والقتدار عددهم كثير وجيشهم غفير يقال لهم‬
‫بنو فيس وسيدهم اسمه ربيعه ولهم في الحرب والغارات وقائع‬
‫مهوله مريعه وهم أعظم من وأكثر بأسا ‪،‬فلما انتهى الوزير من‬
‫الكلم وسمعه من حضر في ذلك المقام أغتاط الملك وتأثر وكان‬
‫عليه أشد من ضرب السيف البتر فصاح على الوزير وزعق وقال له‬
‫بكلم الحنق هكذا ياتيس تفضل علي بني قيس مادام المر كذالك‬
‫لبد أن أقدهم بفرسان المعارك وأقتل ملكهم ربيعة وأوردهم وأورد‬
‫المهالك وأخرب بلدهم وديارهم وأمحو بالسيف آثارهم وأتملك‬
‫الديار بالقوة والقتدار ثم أنشد هذه البيات على مسامع المراء‬
‫والسادات ‪:‬‬
‫يقول النبي اليمني المســمى بحنان فما للقول زورا‬
‫ملكت الرض غصبا واقتدارا وصرت على ملوك الرض سورا‬
‫وطاعتني الممـالك والقبـائـل وفرسان المعامع والنمورا‬
‫لقد أخبرت عن بطـــل عنـيد شديد البأس جبارا جسورا‬
‫وقـــالوا انـه يدعـى ربــيعـه أمير قد حوى مدنا ودورا‬
‫تولى الرض في طول وعرض فكم خرب وكم شيد قصورا‬
‫فقصدي اليوم أغزوه بجيشي وأترك ارضه قفرا وبورا‬
‫أيا نبهان أجمع لي العـساكر قيأتوا فوق خيل كالنمورا‬

‫وجهز الف مركب ياوزيري واوسقهن في وسط البحورا‬
‫ثلث شهور أسرع ل تطول يكون كل ماقلته حضورا‬
‫أسير بهم الى تلك الراضي وأملك القلع والقصورا‬
‫ويغنم عسكري منهم مكاسب وأزوجهم بنات كما البدورا‬
‫ويبقى لي الحكم برا وبـحرا ويصفي خاطري بعد الكدورا‬

‫( قال الراوي ) فلما انتهى السبع من شعره ونظامه وفهم الوزير ما‬
‫حوى حديثه وكلمه ندم وتكدر الذي أعلمه بهذا الخبر ولم يعد يمكنه‬
‫ال المتثال وتجهيز الفرسان والبطال الي الحرب والقتال فنزل من‬
‫الديوان وهو مقهور غضبان وأمر بدق الطبل والنحاس لجتماع‬
‫العساكر وباقي الناس وكان هذا الكبل يقال له الرجوج وهو من‬
‫أعظم الطبول وكانت تدقه عشرة من العبيد الفحول وهو من صنعه‬
‫ملوك التبايعة العظام وكانت الناس تسمع صوته عن مسافة ثلث‬
‫أيام وكان الملك حسان اذا غزا قبيلة من العربان يأخذ ذلك الطبل‬
‫معه وأين ماذهب يتبعه ولم يزل هذا الطبل في ذلك الزمان يتصل‬
‫من ملك الى ملك حتى أتصل الى المير حسان سيد بني هلل‬
‫المشهور بالحسان والفضال فلما دقت العبيد الطبل وسمعت صوته‬
‫قواد الفرسان اقبلت على الوزيرمن كل جهة ومكان فساموا عليه‬
‫وتمثلوا بين يد يه وسألوه عن سبب د ق الطبل الر جوع فحد ثهم بذ‬
‫لك ال ير اد والمسير الى تلك البل د للغزو والجهاد ثم بعد ذ لك فر ق‬
‫عليهم السلح وآلت الحرب والكفاح ولما تكن المدة قصيرة حتى‬
‫تجهزة المراكب وتجمعت العساكر من كل جانب وكان من جملتهم‬
‫عشرة من الملوك كبار كل ملك يحكم على ألف بطل مغوار وحضرو‬
‫الى أمام الملك تبع حسان وسلموا عليه وقبلوا الرض بين يديه‬
‫وقالوا له نحن بين يديك ولنبحل بارواحنا عليك فشكرهم وخلع‬
‫عليهم الخلع الفاخر والتحف الباهرة ووعدهم بالمال الجزيل وبكل‬
‫خير جميل ثم أمر الوزير بالستعداد والرحيل على غزوة بني قيس‬
‫وتلك البلد وطلب منها أن يأتي بالعساكر من تحت القصر وهي‬
‫نازلة الي البحر ليشاهد احوالها ويرى سلحها واثقلها فمتثل الوزير‬
‫لما أمر وفعل كما ذكر فانشرح صدر الملك عند رؤية العساكر‬
‫والجحافل وهي في السلح الكامل وألستعداد للحرب والقتال‬
‫فأنشد وقال ‪:‬‬
‫يقول التبع الملك اليماني صفا عيشي وقد طاب فؤادي‬
‫أتتني عساكر كالسد تسري ألوف راكبين على جياد‬

‫عليهم كل درع من حديد له زرد كما عين الجراد‬
‫وبهم كل جبار عنيد يقال ألف ليث في الطراد‬
‫برؤيتهم فقد زاد انشراحي وزال الهم عني بابتعادي‬
‫أسير بهم لذاك البر حال وأقتل كل من يطلب عنادي‬
‫وأرجع غانما في طيب عيش وليبقى لتبع من يعادي‬
‫أل يا عسكر قروا وطيبوا على نيل المقاصد والمرادي‬
‫ومني أبشروا فيما تريدون مهما تطلبوه بازديــــاد‬
‫فلما فرغ من شعره ونظامه صرخت المراء وأكابر القواد والجيوش‬
‫والعساكر والجناد ودعوا للملك بالنصر وطول العمر وقد استبشروا‬
‫في غزوة تلك البلد وايقنوا بالنجاح وبلوغ المراد ثم نزلت العساكر‬
‫والجناد في المراكب مع المراء والقواد ‪ ،‬وكان الملك حسان قبل‬
‫خروجه من الوطان فقد سلم زمام ملك اليمن الي الصحصاح بن‬
‫حسان وهو ملك كبير وفارس شهير كان يميل اليه ويعتمد عليه‬
‫فأوصاه أن يجمع له المال في كل عام ويرسله الي بلد الشام ثم‬
‫نزل مع الوزير في مركب كبير وأقلعوا من الوطان وقصدوا بلد‬
‫الجبش والسودان ‪ .‬وعند وصولهم الي ذلك الجانب القوا المراسي‬
‫ونزلوا الي البر بالقوارب ونصبوا الخيام والمضارب وفي الحال‬
‫ارسل الملك تبع وزيرا اسمه زيد بن عقبه بألف فارس منتخبه ليعلم‬
‫ابن أخته الرعيني بقدومه الي تلك القطار لنه كان ملك هاتيك‬
‫الديار ويأمره بسرعة الحضور وتقديم الذخر الي الجيش والعسكر‬
‫فلما علم الرعيني بذلك الخبر بادر في الحال بالفرسان والبطال‬
‫والمهمات الثقال الي أن التقى به في الصيوان ومن حوله الوزراء‬
‫والعيان فدخل وسلم عليه وقبله بين عينيه وقدم له الذخائر‬
‫والمهمات لتلك الجهات فأعلمه بواقعة الحال وأنه قاصد غزو بني‬
‫قيس وتلك الطلل ثم باتوا تلك الليلة في الخيام وفي الصباح أمر‬
‫الملك العشرة ملوك العظام ان يتأهبوا للرحيل الي بلد الشام وان‬
‫ينقسموا الي قسمين ويتفرقوا الي فريقين فخمسة تسير من‬
‫اليمين وخمسة تسير من على الشمال وأوصاهم أنهم كل ما أقبلوا‬
‫الي مدينة يملكوها في الحال ويقيمون فيها نائبا من سادات الرجال‬
‫فأجابوا أمره بالخضوع والمتثال فعند ذلك دقت الطبول والزمور‬
‫وركبت الفرسان ظهور الخيول وارتفع الصياح ولمع السلح وترتبت‬
‫الكتائب وسارت المواكب في تلك البراري والسباسب وكانوا كلما‬
‫وصلوا الي مدينه او بلد امتلكوها بحد السيف المهند حتى ملكوا‬
‫البلد وطاعتهم العباد ومازال تبع يتقدم حتى أقبل الي مدينة الشام‬
‫فأحاط بها من جميع الجوانب بالمواكب والكتائب وكان نائب الملك‬
‫ربيعه في دمشق الشام يدعى يزيد بن علم وكان ربيعة واخوه مرة‬

‫في وادي النعمين وهو مكان بعيد عن المدينة مسافة يومين فأرسل‬
‫الملك تبع الي نائب المير ربيعة أحد الوزراء العمد يطلب منه‬
‫الخضوع لمره وتسليمه ‪.‬‬
‫فلما وصل اليه ودخل عليه وأعلمه بالخبر وما قال تبع وأمره فأجاب‬
‫بالسمع والطاعة ونهض مسرعا في تلك الساعة وأخذ معه الموال‬
‫والذخائر وخرج في جماعة من الكابر حتى التقى بتبع في الخيام‬
‫فحياه بالسلم فترحب به غاية الترحيب وأمر له بالجلوس فجلس‬
‫بمكان قريب منه فقال تبع هل أنت حاكم الشام قال نعم أيها الملك‬
‫الهمام فساله عن حكم ربيعه فقال له‬
‫ظالم على قومه وكل الرعايا تشكوا من ظلمه وتتمنى له الذى‬
‫والضرر والموت الحمر والحمد لله رب البريه الذي أعاننا بك حتى‬
‫نتخلص من نير العبوديه فسنخدمك خدمة مرضيه ونصير لك من جملة‬
‫الرعيه وماقوله ذلك لتبع ال من الخوف والفزع فتبسم تبع من هذا‬
‫الكلم وقال ابشر ببلوغ المرام فانك ستكون نائبي في بلد الشام‬
‫وتحمل لي الخراج في كل عام فقال سمعا وطاعه ياملك الزمان‬
‫وجوهرة هذا الوان ثم عرض عليه الذخائر وماجاء به من نفيس‬
‫الجواهر فانشرح صدر تبع وخلع عليه وقال له أذهب الن الى وجوه‬
‫اهل المدينه وباشر في الضيافات والزينه فاننا سنحضر الى عندك‬
‫بعد ثلثة ايام ونتفرج على الشام ونرجع الى المضارب والخيام‬
‫فقال اهل وسهل الرض ارضك والبلد بلدك ثم ودع الملك وسار‬
‫بمن معه من الكابر والتجار وأخذ يسعى في امر الوليمه وقد‬
‫خامرت معه اهل الشام خوفا من السبي والهزيمه ‪.‬‬
‫هذا ماجرى لهؤلء من الخبار وأما ماكان من ربيعة وبني قيس‬
‫الخيار فانهم لما سمعوا بقدوم الملك تبع الى الديار وافتتاحه‬
‫المدن والمصار اخذهم القلق والفتكار وكان قد بلغ ربيعه قول زيد‬
‫الى تبع حسان وكيف انه نسبة الى الظلم والعدوان مع انه كان من‬
‫أعدل ملوك الزمان اخذه الغضب والقلق وزاد به الحنق فجمع اكابر‬
‫قومه واخيه مرة ومن يعتمد عليهم من أهل الشجاعه والقدرة وجعل‬
‫يخاطب المراء والسادات بهذه البيات ‪:‬‬
‫غنا ربيعه شعرا من ضمايره ودمع العيون على الوجنات طوفان‬
‫ياقومنا اسمعوا وامتثلوا قولي انتم بنو قيس ابطال وشجعان‬
‫كنا بخير والسعد يخدمنا نقري الضيوف ونكسي كل عريان‬
‫والجوخ والخز السمور يأتي لنا من ساير الرض والملبوس ألوان‬
‫جاءنا من البحر ذا التبع يحاربنا صعب المراس شديد البطش سلطان‬
‫معه رجال عوابس الف الف بطل من كل ضرغام قلبه مثل صوان‬

‫حاز البلد وما أمير خالفه الكل طاعته القاصي مع الدان‬
‫أتى الينا وماحسب حساب لنا منا ومن غيرنا هو ليس فزعان‬
‫معاه عسكر كثير ما له عدد ابطال حرب وفرسان شجعان‬
‫انا بقيت كبير السن ياعربي مالي جلد في اللقا وسط ميدان‬
‫مرة أخرى بهذا الرأي ساعدني همام ياأبن أخي ماكنت كسلن‬
‫مايترك الكأس من يديه ولساعه ال بوقت اللقا أو بعض أحيان‬
‫كيف العمل ننهزم أو نقابله شوروا للصواب أخوتي وخلن‬
‫فلما فرغ ربيعه من شعره قالت السادات والفرسان عن فرد لسان‬
‫أن هذا المر ليطاق وعلقم مر المذاق وليس لنا غير الهزيمه فهي‬
‫أوفر غنيمه وال حكم سيفه ولشانا عن بكرة أبينا وبعد مداوله‬
‫طويلة وجلسه مستطيله استقر رأي الجمهور على أن يذهبوا الى‬
‫عند تبع المذكور فيسلموا عليه ويقبلوا يديه ويطلبون لنفسهم‬
‫المان ويقدموا له التحف الحسان لعلهم يتخلصون بهذه الوسيلة من‬
‫تلك الورطه الوبيله هذا ماكان من أمر بني قيس وأما الملك تبع فانع‬
‫في اليوم الثالث ركب في وجوه قومه وتوجه الى مدينة الشام لجل‬
‫الزيارة كما تقدم الكلم ‪.‬‬
‫فلما بلغ الغايه ووصل السرايه التقاه زيد بالتعظيم والكرام واجلسه‬
‫في أعز مقام وصنع له وليمه عظيمه ذات قدر وقيمه فأحسن اليه‬
‫وخلع عليه وفرق التحف الثمينه على اكابر اهل المدينه ثم رتب‬
‫الخراج في كل عام وبعد ذلك رجع الى المضارب والخيام وهو‬
‫مسرور الفؤاد على المرام وأما بنو قيس فانهم جمعوا التحف‬
‫الحسان والموال التي يكل عن وصفها اللسان من عقود وجواهر‬
‫ومهمات وذخائر وقماش فاخر وحملوها على مائة جمل وركب ربيعه‬
‫مع أخيه مرة في مائة بطل وسار معهما جماعه من المراء والقواد‬
‫الذين عليهم العتماد وجدا في قطع البراري والقفار حتى وصلوا‬
‫الى تلك الديار وعند وصولهم الى المضارب نزلوا عن ظهور الجنائب‬
‫واجتمعوا بخزندار الملك تبع وكان اسمه ثعلبه حسان ويعلمه ابن‬
‫البشع فقدموا له التحف الحسان ليقدمها الى الملك تبع حسان‬
‫ويعلمه بقدومهم الى الديار فقدمها الخزندار وليعلم بمجىء القوم‬
‫في مثل ذلك اليوم مرادهم الدخول عليه ليتشرفوا بتقبيل يديه‬
‫ورجليه ويحصلوا على أمانة ويكونوا من جملة خدامه وأعوانه فتبسم‬
‫تبع والتفت الى وزيره نبهان وقال له اين ملوك قيس العظام الذين‬
‫كنت قلت عنهم ماهو كذا وكذا من كلم واني لأصلح ان اكون من‬
‫جملة خدامهم وهم قد حضروا الن لتقبيل أقدامي ليكونوا من جملة‬
‫أعواني وخدامي فقال الوزير وقاك الله من كل شر وضير وجعل‬

‫عاقبة هذا المر الى خير فبينما هم في الحديث والكلم أذا دخل‬
‫على الملك أمراء بنو قيس الكرام فقبلوا الرض بين يديه ووقعوا‬
‫على رجليه فأخذ تبع ينظر‬
‫اليهم ويتأمل فيهم فحانت منه التفاته فنظر المير ربيعه واقف في‬
‫باب الصيوان وهو مثل السد الغضبان وكان المير ربيعه لم يدخل‬
‫مع قومه على الملك حسان لن نفسه ماكانت تطاوعه على الذل‬
‫والهوان فالتفت الملك تبع الى الترجمان وقال من يكون هذا‬
‫النسان فأني أراه معجب بنفسه غاية العجاب ول حاسب لي أدنى‬
‫حساب فسأل الترجمان عنه فقالوا العشمشم سيد بني قيس المير‬
‫ربيعه المعظم ‪.‬‬
‫فلما سمع تبع هذا الخبر شخر ونخر وتبدل بكدر واحمرت عيناه حتى‬
‫صار مثل الجمر ثم ناداه فحضر وقد تعجب من عظم هيبته وبياض‬
‫لحيته فسلم ربيعه عليه ووقف بين يديه فقال تبع أأنت سيد بني‬
‫قيس الكرام فقال نعم أيها البطل الهمام وقال ولماذا أسأت الدب‬
‫وإحتقرتني دون باقي أمراء العرب الذين تمثلوا أمامي وقبلوا يدي‬
‫وأقدامي فتقدم الن وقبل رجلي يامهان وإل قتلتك بحد الحسام‬
‫وجعلتك عبرة بين النام ‪.‬‬
‫فقال ربيعه وقد استعظم ذلك المر واحمرت عيناه من الغيظ حتى‬
‫صارت مثل الجمر لنه كان من اشرفهم حسبا واعلهم نسبا ثم قال‬
‫اعلم ياملك الزمان بأنني ملك من ملوك العربان صاحب قدر وشان‬
‫وماذلت نفسي لنسان وهذه هي وبلدي وملك أبائي واجدادي وأنا‬
‫ماتعديت عليك وماأوصلت أذيتي اليك بل أنت شنيت علينا الغارة‬
‫وأمتلكت بلدنا والحقت بنا الخسارة وذلك بدون سبب من السباب‬
‫فكفى الذي فعلته أيها الملك المهاب وقد بلغت منا قصدك فل أنت‬
‫تقبل يدي ول أنا أقبل يدك فلما سمع هذا المقال خرج عن دائرة‬
‫العتدال وقال يانذل بني قيس ومن هو أذل من التيس أني ماأتيت‬
‫من بلدي بهذا الجمع المتزايد ال لجعل زمام الدنيا في قبضة ملك‬
‫واحد ثم بعد هذا الكلم صاح على العوان والخدم بصوت كالرعد في‬
‫الغمام ياويلكم اقبضوا على هذا الشيخ الكبير ومن معه من بني‬
‫قيس الطناجير وقيدوهم بالجنازير فامتثلوا أمرة في الحال وقيدوا‬
‫ربيعه وباقي الرجال وبعد أن قيدوه وأوثقوه أمر الملك بشنقه‬
‫فشنقوه وهكذا انتهت حياته وانقضت أيامه وساعاته وبقي معلقا‬
‫ثلثة أيام حتى جاء نائبه المير زيد الى الشام فغسله وكفنه ثم وراه‬
‫التراب ودفنه ثم جاء في باقي الرجال وأرادوا أن يفعلوا بهم مثل‬
‫تلك الفعال فانهزم المير مرة من بين أيدي الفرسان وتقدم الى‬
‫عند الملك تبع حسان وقال المان ياملك الزمان نحن الن عبيدك‬
‫وطوع يديك وجميع أمورنا راجعة اليك فاعفوا عنا فقد صرت لنا ملك‬

‫ثم انه ابعد هذا الحديث والكلم أشار يخاطبه بهذا الشعر والنظام ‪:‬‬
‫مقالت لمرة في بيوت صروف الدهر قد جارت علينا‬
‫اليا أمير تبع يامسمى أيا ملك الورى في العالمينا‬
‫انا في جيرتك يافخر قومك أجبرنا لتشفي الضد فينا‬
‫قتلت أخي ربيعه يامكنى وأسقيت العداء والحاسدينا‬
‫وتقتلني أنا ياأمير بعده تهد رجالنا طول السنينا‬
‫ونحن ياملك حكام مثلك على كل القبائل حاكمينا‬
‫فليس بواجب تهدم بيوتي ولهذه فعال الماجدينا‬
‫وقد حاربنا وحكمت فينا ونحن اليوم في حكمك رضينا‬
‫وبعد اليوم صرنا لك رعايا على طول الليالي والسنينا‬
‫وندفع كل عام عشر المال كله فاحكم ماتريد اليوم فينا‬
‫(قال الراوي) فلما سمع تبع شعره ونظامه وعرف قصده ومرامه‬
‫عفى عنه وأعطاه المان وكذلك صفح عن باقي المراء والعيان‬
‫وجعلهم من جملة الرعايا والخدام يدفعون له الخراج في كل عام‬
‫وقال لمرة ياسيد القوم قد صممت أن أتخذ مدينة كرسي مملكتي‬
‫بعد هذا اليوم فسر أنت وأهلك من هذه الديار وتفرقوا في سائر‬
‫القطار وكونوا لوامري طائعين ولحكمي خاضعين سامعين ‪.‬‬
‫ثم أنه قسمهم الى عدة فرق وأقام على كل فرقه ملك من سادات‬
‫بني قيس العيان فجعل المير مرة على الفرقة الولى وأمرة أن‬
‫يسكن مع قومه في نواحي بيروت وبعلبك والبقاع وجعل المير‬
‫عدنان على الفرقه الثالثه وأمره أن يقيم قي بلد العراق وتلك‬
‫المنازل والفاق زكان الملك تبع قد شتت بنو قيس بهذه الوسيله‬
‫خوفا من أن يقع في مكيدة أو حيله ثم أنه التفت على المير مرة‬
‫وباقي السادات وأشار اليهم بهذه البيات ‪:‬‬
‫يقول التبع المدعو اليماني أبا مرة لكم مني المان‬
‫ال ياقيس روحوا لتخافوا فقد سدتم على أهل الزمان‬
‫ربيعه أنت يامرة بداله كبير القوم من قاص ودان‬
‫وأولدهم لهم موضع أبوهم وأنت أكبرهم فيهم تعاني‬
‫ولكن خلق لتسكنوها وكونوا في أمان مدى الزمان‬
‫فلما فرغ تبع من كلمه وشعره ونظامه أجابت بنو قيس أمره‬
‫بالمتثال وتفرقت جموعهم في البراري والتلل وهم يبكون على‬
‫ماجرى عليهم وما وصل من الذى اليهم كانوا في أرغد عيش وأهناه‬
‫وفي عز وجاه كلمتهم بين الناس مسموعه وروايتهم فوق هام‬

‫المجد مرفوعه ليعرفون الهم والكدر وليأخذهم قلق ول ضجر الى‬
‫ان اصابتهم البليه وحلت بهم تلك الرزيه فبكوا على تفرق بعضهم‬
‫البعض وتشتتهم في أقطار الرض ‪.‬‬
‫ومن غريب التفاق المستحق التسطير في الوراق هو ماجرى‬
‫للربعه أخوة الذين اشتهروا من بني قيس بالحميه والنخوه وذلك أنه‬
‫كان لزوجة المير ربيعه المذكورة والد كليب والزير الفارس‬
‫المشهور أربعة أخوه من الذكور وهم جوشن وناجد وجودر والمير‬
‫منجد السد الغضنفر وكانوا من أجود الناس قد اتصفوا بالشجاعه‬
‫وقوة البأس ‪.‬‬
‫فلما رأوا أفعال تبع الشنيعه وكيف أنه قتل صهرهم ربيعه ساءهم‬
‫ذلك المر وتوقد قلبهم من الغيظ بلهيب الجمر ولكنهم أخفوا الكمد‬
‫وأظهروا الصبر والجلد فحملوا بيوتهم وعيالهم وساقوا غنمهم‬
‫وجمالهم وجدوا في قطع البراري والكام حتى وصلوا بلد الشام‬
‫فنزلوا بقرب صيوان تبع حسان فقال لهم من تكونوا من العربان‬
‫فقال له ناجد أعلم أيها السيد الماجد أننا من خيار العرب أصحاب‬
‫الحسب والنسب وكان المير ربيعه متزوجا بأختنا جميله وكنا على‬
‫زمانه في نعم جزيله والن قد أمسينا في ذل وهوان ليس لنا قدر‬
‫ول شان وقد قصدناك وأتينا اليك وجعلنا اعتمادنا بعد الله عليك لعلك‬
‫ترحمنا وترثي لحالنا وتبلغنا غاية آمالنا وتجعلنا من جملة العوان‬
‫والعبيد والغلمان فتستقيم أمورنا بعد الذل والكدر ونحظى بالشرف‬
‫الرفيع وبلوغ الوطن فأعجبه كلمهم وبلغهم مرامهم وجعلهم من‬
‫جملة وزرائه وأكابر أمرائه وكان يستبشرهم في أكثر الوقات‬
‫ويفضلهم على الرؤساء والسادات وكانوا يترقبون الفرص ليأخذوا‬
‫بالثأر ويزيلوا عن قلوبهم الغصص ولما بلغ تبع الغايه دخل الى مدينة‬
‫الشام ونزل بالسرايه فطاعته العباد وخضعت له جميع البلد وشاع‬
‫ذكره في القطار وتحدث به الملوك الكبار واستمر على هذه الحاله‬
‫مدة ثلثين سنه تهاديه الملوك الكاسرة وتهابه الملوك القياصرة ‪.‬‬
‫وكان قد بنى له قصرا مرتفع البنيان مشيد الركان وجعل أبوابه من‬
‫الفضة والذهب ورصع حيطانه بالجواهر والدرر فكان من عجائب‬
‫الزمان وذلك لما فيه من التحف الحسان التي تدهش النواظر وتحير‬
‫العقول والبصائر ‪.‬‬
‫فاتفق ذات يوم بينما هو جالس في الديوان ومن حوله الكابر‬
‫والعيان وهم يتحدثون بذكر نساء العرب اللواتي اشتهرن بالفضل‬
‫والدب والحسن والجمال واللطف والكمال اذ قال بعض الوزراء انه‬

‫ل يوجد في هذا الزمان بين بنات العربان في المحاسن والوصاف‬
‫البديعه أجمل من الجليلة ابنة أخي ربيعة وأخذ الوزير يطيب في‬
‫أوصافها وآدابها وألطافها ثم قال في آخر الكلم ان هذه الصبية‬
‫التي كأنها البدر التمام مخطوبة لبن عمها المير كليب ومراده ان‬
‫يتزوج بها في هذه اليام فهنيئا لمن كانت هذه زوجته وقرينته‬
‫وحبيبتة ‪.‬‬
‫فلما سمع تبع بذكرها وأنها من أجمل بنات عصرها اشتد غرامه بها‬
‫وتعلق قلبه بحبها وكتب الى أبيها بالحال يأمره ان يرسل له الجليلة‬
‫بدون اهمال لن مراده أن يتزوج بها ويكون صهره وبهذه الوسيلة‬
‫يعلو بين الناس قدره ثم ختم الكتاب بهذا الشعر والنظام وبه يتهدده‬
‫بالنتقام ان لم يتمثل الي هذا الكلم وأشار يقول ‪:‬‬
‫يقول التبع الملك اليماني ملكت الرض والسبع البحار‬
‫ألياغاديا مني لمرة على فرس تشابه ريح ساري‬
‫بحال وصول مكتوبي اليه فأعلمه بحالي وانتظاري‬
‫أيا مرة فأرسل لي الجليلة بل أهمال من بين السراري‬
‫سمعت بأنها زينة مليحة ويخجل من حسنها ضوء النهار‬
‫وحين سمعت بها طار عقلي وقل اليوم مني اصطباري‬
‫أريد تكون باكر وسط قصري وتتسلطن على كل الجواري‬
‫وأرسل جزية السبع المواضي خزين في صناديق كبار‬
‫وأحضر ياملك مرة عندي وأخضع الي بذل وانكسار‬
‫وأدخل على الجليلة وسط قصري وأتمتع بها وأطفي لناري‬
‫وأن كانت كما وصفوا وقالوا سأمضي الليل معها مع نهاري‬
‫وأعطيك البقاع الى بعلبك وأرفع لك مقاما في جواري‬
‫وان ثم تمتثل قولي وأمري تراني جئتكم مثل الضواري‬
‫وأمحي جمعكم في حد سيفي وأنهب مالكم وأنال ثاري‬
‫ثم أمر تبع وزيره نبهان أن يركب في جماعة من الفرسان ويقصد‬
‫تلك القبيلة ويسلم الكتاب الى مرة ويأتيه بالجليلة فامتثل أمره‬
‫وسار وجد في قطع القفار حتى وصل الى تلك الديار فرأى القوم‬
‫في سرور وأفراح وشرب مدام وأنشراح لنهم كانوا مهتمين في‬
‫تلك اليام في جواز كليب بالجليلة بدر التمام ‪.‬فلما سمع مره بقدوم‬
‫وزير تبع خفق قلبه من شدة الخوف والفزع فنهض في الحال‬
‫واستقبله ثم أتى به الي الخيام واحترمه غاية الحترام وأمر الخدام‬
‫ان يأتوا بسفرة طعام وآنية المدام فامتثلوا الي أمره كما ذكر وبعد‬
‫أن أكلوا وشربوا ولذوا وطربوا قال المير مرة الى الوزير أعلم أيها‬
‫السيد الخطير لقد زاد سرورنا الن وتزينت بقدومك الوطان ثم‬

‫ساله عن سبب زيارته وما هي غاية حضرته فقال أتيتك بكتاب من‬
‫تبع ملك العارب وبه يطلب ابنتك أمراة له وأنت تعلم بطش هذا‬
‫الجبار وفعله فقد قال المثل لتعاند من اذا قال فعل وأنا والله في‬
‫غاية الحياء والخجل وليس لي أرادة بهذا العمل ولكنني أتيتكم في‬
‫زي رسول لعلمك بالخبر اليقين وليس على الرسول ال البلغ‬
‫المبين ثم أخرج الكتاب وسلمه أياه ففتحه المير مرة وقرأه ولما‬
‫وقف على حقيقة فحواه انقطعت أمعاءه وضل عقلة وتاه لنه اذا‬
‫أبى وامتنع يقتله الملك تبع وأن أجابه الى ما يطلب يصير معيرة بين‬
‫قبائل العرب وتشتمه الناس وتزدريه حيث كان قد أنعم بزواج ابنته‬
‫الى كليب أبن أخيه فنهار وحار وأخذ يتأمل في عاقبة هذا العمل‬
‫فلم يجد سوى الخضوع والمتثال لوامر تبع في الحال خوفا من‬
‫العواقب وحلول النوائب فالتفت الى الوزير نبهان وقال له أمام‬
‫المراء والعيان ومن حضر في ذلك المكان لقد سوى أمره ورضاه‬
‫لنه الملك الكبر وبمصاهرته نحظى على الشرف الرفيع والحظ‬
‫الوفر وبعد ثلثةأيام يكمل جهاز بالتمام فنضعه بالصناديق ونحمله‬
‫على ظهور الجمال مع باقي المتعه والحمال وتركب الجليلة في‬
‫هودجها وتسير أمام الفرسان وتذهب أنت معنا الى عند الملك تبع‬
‫حسان فانشرح صدر الوزير بهذا الكلم وأيقن بالنجاح وبلوغ المراد‬
‫والحصول على الخلوع والنعام فبات تلك الليلة وهو فرحان‪ (.‬قال‬
‫الراوي ) فهذا ما كان من الوزير نبهان وأما المير مره فانه استدعى‬
‫بكليب سرا وقص ذلك الحديث عليه وقال أعلم يا ثمرة فؤادي ومن‬
‫هو عندي أعز من أولدي أن الضرورة أحوجتني الي ذلك خوفا من‬
‫الوقوع في المهالك وقد اعلمتك بما جرى وتجدد فما رأيك أيها‬
‫البطل ألمجد فلما سمع هذا الكلم صار الضيا في عينيه كالظلم‬
‫وقال أرجوك أن تمهل الوزير ثلثة أيام عن المسير حتى أنظر في‬
‫هذا المر العسير ‪ (.‬قال الراوي ) وكان لكليب صديق يتمنى له‬
‫النجاح والتوفيق يدعى العابد نعمان وكان كثيرا ما يوعده بالخير‬
‫والحسان فقصده تلك الليلة وأخبره بما جرى وما كان من أمر الملك‬
‫تبع حسان فقال له أبشر بالخير يا نور العين فان الرأي عندي أن‬
‫تجهز مائه صندوق يكون كل واحد بطبقتين في الطبقة الواحدة تضع‬
‫فارسا من أبطال المكافحة والمجادلة وفي الثانية جهاز الجليلة‬
‫وانت تكون مهرجا لها أمام سادات الجليلة وبهذه الوسيلة تتم الحيلة‬
‫وتنال المراد من رب العباد‪.‬وأعلم لخفاك أنه عند وصولك الى هناك‬
‫تجد سلسلة من النحاس الصفر معلقة فوق الباب الكبر وهي‬
‫مرصدة من سحر هذا الزمان لهلك من أراد الضرر للتبع حسان فتقع‬
‫عليه بالحال وتذيقة الوبال فخذ لنفسك الحذر وأتكل على الله آله‬
‫البشر فهو يحفظك ويحميك وينصرك على جميع أعاديك فاذا بلغت‬

‫الرادة وفزت بالسعادة بنيت مسجد برسم العبادة وخذ لك هذا‬
‫السيف الخشب به تنال القصد والرب وأشار يقول‪:‬‬
‫قال عمران ياأبن ربيعة أتاك الخير وسعدك تم‬
‫روح لقومك بشرهم وقول لعمك وابن العم‬
‫وبشر المسمى همام بأن الشمل اليوم يلتم‬
‫وقول السعد آتى لقيس وستوفي ثارك والدم‬
‫تأخذ ثأرك من التبع وتسقيه بكأس الخمر والسم‬
‫هذا السيف تقلد فيه وفي كفك ياأمير يتم‬
‫وألبس قموعة سموطه تبقى تضرب فيه بعزم‬
‫وحط بعينك عرق الشبا تبقى أحمر مثل الدم‬
‫حط عروسك في هودج وقودم بها زمام وزم‬
‫وسوى عرضك فشمرها احذر منه في حقك ذم‬
‫وان واحد قال لك ماتكون فأعجل وأعمل حالك صم‬
‫وألعب وارقص واتهرج واحفظ ما يخرج من الفم‬
‫علمت مرة والفرسان باكر لعندي تلتم‬
‫وأن دبرت هل رأي من خالف قولي يندم‬
‫وسير لعنده بالبطال قبل ما يغضب ونسم‬
‫سلسلة معمولة هناك يعلم السحر مع الظلم‬
‫تبين كل ساعة أعداء احذر منها ل تعدم‬
‫طيب قلبك ل تغتاظ من ذات العايق ل تهتم‬
‫سألت المولى ينصركم ويزيل عنكم كل الهم‬
‫فلما فرغ العابد من كلمه وعده كليب ببناء المقام على أحسن نظام‬
‫ثم رجع على الثر واعلم عمه بذلك الخبر وقال له يقتضي الن أن‬
‫تبادر بإتمام هذا الشأن وننتخب مائة من الفرسان ونضعهم في‬
‫الصناديق على ظهور الجمال مع باقي الجهاز والموال في أمتعه‬
‫وأحمال على عيون الرجال ويكونوا جميعا بالسلحه الكامله والعدد‬
‫الشامله وتركب الجليله هودجها وهي مزينه بالجواهر ويكون في‬
‫صحبتها جماعة من السراري يدقون أمامها بالدفوف والمزامير وأنا‬
‫أجعل نفسي مهرجا لحضرتها وقائد لزمام ناقتها وندخل على تبع‬
‫بهذه الوسيله فان تمت عليه الحيله نلت المرام وأخذت ابنة عمي‬
‫بحد الحسام وأكون قد بلغت أربي وأخذت بثأر أبي ومتى قتل الملك‬
‫تبع يقع في قلب قومه الخوف والفزع ‪.‬‬
‫(قال الراوي) فاستصوب المير مرة كلم كليب وعلم انه سينال‬
‫المراد بدون أدنى شك ول ريب فقال لقد نطقت بالصواب وأشرت‬
‫بالمر الذي ليعاب فافعل ماتريد أيها الفارس الصنديد ‪.‬‬

‫وكان قد أمهل الوزير ثلثة أيام حتى تتم هذه المور والحكام وقد‬
‫أطلع مرة أبنته على ماتقدم ذكره وعلى قصد كليب فعله فلما كان‬
‫يوم الرتحال انتخب كليب مائة من البطال وقص على مسامعهم‬
‫واقعة الحال ثم وضعهم في صناديق الحمال وحملوهم على ظهور‬
‫الجمال وكان من جملتهم المير جساس وجماعة من عظماء الناس ‪.‬‬
‫وركبت في هودجها الجليله وركب أيضا الوزير والمير مرة وجماعة‬
‫من فرسان القبيله وتقلد كليب بالسيف من تحت الثياب ولبس فروا‬
‫من جلود الثعالب والذئاب وأرخى له سوالف طوال من أذناب الكدش‬
‫والبغال وركب على قطعة من قصب وحمل دبوسا من خشب وكان‬
‫يقود بزمام ناقة الجليله أمام فرسان القبيله ‪.‬‬
‫وكانت السراري تدق أمام الجليله بالمزاهر والدفوف والفرسان‬
‫تلعب بالرماح والسيوف ومازالوا يقطعون البراري والكام مدة ثلثة‬
‫أيام حتى أقتربوا من مدينة الشام فنزلوا هناك ونصبوا الخيام‬
‫ورفعوا الرايات ‪.‬‬
‫الجزء الثاني‬
‫والعلم وأرسلوا رجل من أكابر العمد لكي يعلم تبع بوصولهم الى‬
‫البلد فسار على الثر وأعلم الملك بذلك الخبر ففرح واستبشر وزال‬
‫منه القلق والضجر واحضر الرمال وكان عنده رمال شاطر فحضر‬
‫بين يديه فقال له التبع اضرب لي تخت الرمل فجلس وضرب الرمل‬
‫فرأى جميع ما فعلته بنو قيس وقال الصناديق فيها رجال وأشار‬
‫يقول ‪:‬‬
‫قال الفتى الرمال صادق سقاتي الدهر كاسات المرارا‬
‫تبعت الرمل وأنا كنت طفل وقبلته يمين مع يسارا‬
‫ولأحد مثلي بالرمل عارف ولغيري يعرف كيف سارا‬
‫أحط الرمل بأربع أمهات وولد الصغارا مع الكبارا‬
‫ال ياأمير تبع ياملكنا ياعز العذارى يوم غارا‬
‫أقول لك عن التقادير والجنايب وتحسب أن جابوا لك تجارا‬
‫جوا ياملك هم يقتلوك ويدعوا القصر بعدك دشارا‬
‫صناديق التي لك حملوها بها ابطال بالعدد أمارا‬
‫يريدون قتلك ياملك عاجل لهم ثار عليك وأي ثارا‬
‫هذا قد أعلمك يامسمى وبالدنيا يشيع لها خبارا‬

‫( قال الراوي ) فلما فرغ من كلمه وتبع يسمع نظامه نادى على‬
‫العبيد فحضروا مائة عبد وقال لهم روحوا الى العمارة وكل صندوق‬
‫تلقوا فيه رجال اكسروه فانطلق العبيد الى العمارة وهم أسعد‬
‫وسعيد وبقية للمائة عبد هذا في يده عصا والخر في يده بلطه‬
‫والثاني في يده دبوس حديد ولما وصلوا الى العماره ابتدأوا بكسر‬
‫الصناديق وكسروا الول والثاني الى العشرة فصاحت الجليله ياعبيد‬
‫السوء لماذا تكسروا صناديقي فقال لها العبيد الرمال قال ان في‬
‫هذه الصناديق رجال فتقمت وفتحت لمه عشرة صناديق فما وجدوا‬
‫فيها غير جهازها والقماش فقالوا ان الرمال كذاب وعادوا يردون‬
‫الجواب يقع كلم ثم يرجع الحديث الى عجوز يقال لها حجلن وكانت‬
‫رماله وهي التي علمت الرمال بان لها جميع ما فعلوه بني قيس‬
‫وتباين لها ان الصناديق طبقتين في السفلى رجال وفي العليا‬
‫قماش فافتكرت ساعه من الزمان وضربت ثاني رمل رأت بني قيس‬
‫يقتلون التبع لمحاله فقالت خيرا لي أخذ الوجه البيض عند بني‬
‫قيس لقامت أخذت عصاتها بيدها وسارت الى أن وصلت عند بني‬
‫قيس وهم في ارتباك عظيم فقالت لهم انا اتيت من عند تبع فقالوا‬
‫لها وما قصدك قالت قصدي كشف الصناديق لن الرمال قال ان‬
‫فيها رجال ففتحوا لها أول صندوق والثاني فقالت أني أرى‬
‫الصناديق من الظاهر ذات عمق ومن الداخل بخلف ذلك وضربت‬
‫على الطبقه السفلى فلما رأوها عارفه قالوا استري على ماستره‬
‫الله وفتحوا صندوق واعطوها ثلث بدلت حرير فقالت من الن‬
‫وصاعدا أساعدكم على قتل تبع ثم انالعجوز طلعت الى عند تبع‬
‫والرمال بين يديه وعمال يضرب الرمل لن العبيد أخبروا تبع بما‬
‫شاهدوا وكذلك العجوز أخبرته كما أخبروه العبيد فقال تبع ياعجوز‬
‫الرمال كذاب قالت أن الرمال عمي من أكل الثوم والبصل فأمر‬
‫الملك بضرب عنقه وراحت روحه الى الوادي الحمر وتقدمت العجوز‬
‫الى الملك وأشارت توصف حسن الجليله ومااعطاها الله من الحسن‬
‫والجمال ‪:‬‬
‫تقول العجوز التي شاهدت مليحه تريح العنا والصدود‬
‫يأمير تبع يهنيك فيها السعد وأقبل الخير لك والسعود‬
‫أتوك بني قيس أهل السماح وجابوا لك الخيل ثم النقود‬
‫وجاوبا الجليله لشخصك حليله بخدين حمر وعينين سود‬
‫وقامة طويله كعود القنا فوق الكتاف ترخى الجعود‬
‫بشعر طويل وشعر كحيل بل جرميل تصيد السود‬
‫حواجب كما قوس ترمي الهزوم وذات حزام الذهب على النهود‬

‫وذات شقاف رقاق نظاف عقايل طرايف تزيل النكود‬
‫ولها وجه كبدر بليله قدر وجنات حمر كما الورد‬
‫وجسم رقيق وريق رحيق وسنان لولو سبت الورود‬
‫لها عنق كعنق الغزال وطوق الذهب يوقد وقود‬
‫اكتاف العاج مثل الزجاج والنقش مواج فوق الزنود‬
‫وكفين أطرى من الياسمين من قد حواها ينال السعود‬
‫وصدر كاللوح خلقه الله وقد زين الصدر جوز النهود‬
‫وأعطاف وأرداف مثل العجين خلق الله مهيمن ودود‬
‫أما الحجول تزيل العقول حب الطرف يطفىء الصدود‬
‫أما القلئد مناسل ذهوب من الراس مكعوب مثل البنود‬
‫وملبوسها مليح حرير مقصب مطيب بمسك وزهر وعود‬
‫وان شافها رجل عابد فقيه غدا العقل منه شارد شرود‬
‫قد زينوا بني قيس لك عروسا تجلى لجلك كل هم وكود‬
‫للملك حقا قد أحضروا مليحه حللها يزيل النقود‬
‫فأرسل وراها وخلى المحال واسمع كلمي واجلي الصدود‬
‫وادخل على بنت مرة وكن لطيفا بقطف ثمار النهود‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت العجوز من كلمها والملك تبع يسمع‬
‫نظامها فراح عقله من وصف العجوز ونادى على الوزير يأمره أن‬
‫يحضر الجليله بالتبجيل والتكريم وخلفها السراري بمكوب عظيم‬
‫فدخلت على تبع وكان جالسا على كرسي المملكه وعلى راسه تاج‬
‫من الذهب الفاخر مرصعا بأنواع الجواهر فسلمت عليه ووقفت بين‬
‫يديه فرد عليها السلم وآنسها بالحديث والكلم وقال لها أهل وسهل‬
‫بالسيدة الكريمة والدرة التي ليس يقدر لها قيمه ثم اجلسها بمكان‬
‫قريب منه وترحب بها غاية الترحيب وقد انبهر من فرط جمالها‬
‫وعذوبة الفاظها وفصاحة مقالها لنها كانت متصفه بالدب ومن‬
‫أجمل نساء العرب فأخذ الملك يسألها عن أهلها وعشيرتها فقالت له‬
‫بكلم الدلل أعلم أيها الملك المفضال أن اتصالي بجانبك وتشريفي‬
‫بساحة بابك جعل لقبيلتنا اسما كبيرا وذكرا بين الناس شهيرا كيف ل‬
‫وانت ملك هذا الزمان والجوهرة الثمينه في هذا الوان الله يحفظك‬
‫لنا ويبقيك وينصرك على جميع حسادك وأعاديك فان كنت تعظم‬
‫شأني وترفع مرتبتي على اقراني لتترك ابي وأعمامي وسادات‬
‫أهلي واقوامي بعيد عن فضلك واحسانك لنهم قد صاروا من جملة‬
‫أتباعك وأعوانك فأمر لهم بمكان ينزلون فيه بصناديق جهازي وباقي‬
‫الحمال تحضر الى هنا في الحال لنها مملوءة من التحف والجواهر‬
‫والقماش ومع كل ذلك فنحن أولد عم ‪.‬‬

‫( قال الراوي ) فأمر تبع وزيره نبهان يذهب في جماعه من العيان‬
‫ويعد الى المير مرة أبي الجليله ومن معه من بني عمه قصرا من‬
‫القصور الجميله وأن ينزل بقية الفرسان في غير مكان ويقدمون‬
‫لهم الطعام والشراب ومايلزم من الثياب فأجاب الوزير بالسمع‬
‫والطاعه وفعل كما أمر موله من تلك الساعه وبعد أن نفذ الوزير‬
‫المر ووضع الصناديق في داخل القصر التفت الملك تبع الى مرة‬
‫وقال له يا عمي مابقي من بعدي ال أنت من مقامي فان غبت أنا‬
‫تكون أنت حاكم مكاني ثم أنه قربه اليه وأخذ يترحب بالجليله ويقول‬
‫‪:‬‬
‫يقول التبع اليمن الكبارى أنا يافيس زال الهم عني‬
‫ال يامرحبا يا أمير مرة أنا منكم وأنتم اليوم مني‬
‫ترى لول الجليله لي تعاتب وجابت لي الحسب والنسب مني‬
‫فما علمت أننا يمنا وقيسا بني جدين أخوين بطني‬
‫فل تعتب علي بقت أخيك ماقد صار ما بالعلم مني‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ تبع من كلمه والحاضرين يسمعون نظامه‬
‫أخذوا بالكأس والطاس وقال للجماعه حلت البركه فيكم فقعدت‬
‫تشرب معه المدام وشرب الملك تبع الى أن سكر وغنت البنات‬
‫ورقصت فقال تبع للجليله ياسيدة الملح وكوكب الصباح قد أجرينا‬
‫المطلوب طبق المرغوب فهل لك غرض آخر تقضيه حتى نفعل‬
‫ماترغبينه وتشتهيه وكانت الجليله تخول أفكارها لجل أن تستدعي‬
‫كليب الى عندها وقد سمعت صوته عند القصر وهو يصرخ من جوانب‬
‫القصر لنه راكب على فرسه القصب وبيد دبوس من الخشب وكان‬
‫يرقص في البستان وينتقل من مكان الى مكان فقالت نعم ايها‬
‫السيد الماجد باقي لي غرض واحد وهو ان لي نديم اسمه قشمر‬
‫ليوجد مثله بين البشر حلو الصفات سريع الحركات يضحك الحجار‬
‫بأفعاله ويزيل الهموم بغرائب أعماله قد أحضرته هذه المرة في‬
‫خدمتي ليسليني عند حزني فان حسن لديك أمر أن يدخل اليك‬
‫ويلعب بين يديك فيزداد سرورك وانشراحك وتزول احزانك فضحك‬
‫من كلمها واجابها الى مرامها وأمر الخدام بادخاله ليري طرفا من‬
‫أعماله وعند وصوله الى باب اليوان نظر السلسله التي ذكرها العابد‬
‫نعمان فامتنع عن الدخول وأخذ يتكلم بكلم مجهول ويقول ماهذه‬
‫الحيله التي أراها وأنا خايف من شرها وأذاها فقال ادخل وماعليك‬
‫من باس فما هي ال سلسله من نحاس فأبى وامتنع وهو يظهر على‬
‫نفسه الخوف والفزع ولما طال المطال التفتت الجليله الى تبع في‬
‫الحال وقالت له بكلم الدلل أعلم أن قشمر من أخوف البشر فان‬

‫حسن لديك ولم يصعد عليك أمر الخدام والحجاب برفع السلسله عن‬
‫الباب فرفعوها واتوا بقشمر اليه فلما صار بين يديه سلم عليه ودعا‬
‫له بطول العمر والبقاء ودوام العز والرتقاء وأخذ كليب يمزح أمامه‬
‫ويلعب بسيفه قدامه وهو في تلك الثياب التي ذكرناها والصفه‬
‫المضحكه التي وصفناها فكان تارة يبحلق عينيه ويرقص الرض بيديه‬
‫ورجليه وتارة يقول اين الفرسان الفحول وأين أبو عطبول وأحيانا‬
‫يرقص ويضحك بل سبب وهو راكب الفرس القصب ويسوقها بذلك‬
‫الدبوس الخشب كان من أعجب العجب فاندهش تبع من اعماله‬
‫واستغرب من أحواله وأقواله ‪.‬‬
‫ثم قال للجليله والله ياكاملة المعاني وشريكة عمري وزماني لقد‬
‫أصبت في منادمة هذا البهلول الذي يدهش بأفعاله العقول فانه من‬
‫كثرة هزله وخفة عقله جميل الصورة فصيح الخطاب سريع الكلم‬
‫والجواب فقالت له صدقت فيما نطقت فانني لم أر رجل مثله بين‬
‫النام في الزلقه وفصاحة الكلم ومتى بقي عندك عشرة أيام يقوم‬
‫بمنادمتك حق القيام ويدعوك مشروح الخاطر على طول الزمان ثم‬
‫قال قشمر وهو كليب للتبع حسان أن كنت تريد ان تطرب الن فأمر‬
‫سيدتي الجليله أن تغيك بأبيات من الشعر فان صوتها مليح ولفظها‬
‫فصيح فقال لها هل تحسنين الغناء ياسيدة النساء فقالت أي وابيك‬
‫فان كنت تريد مني أن أغنيك وأكربك وأسليك فأمر قشمر أن يقفل‬
‫الباب لئل يسمعنا أحد الخدام والحجاب فاستصوب كلمها الملك تبع‬
‫وامر قشمر ان يقفل باب المخدع فقفله وعاد بالعجل وقد أيقن‬
‫ببلوغ المل وأنشدت تقول من فؤاد متبول ‪:‬‬
‫لقد قالت الجليلة بنت مرة شربت الخمر مابين المارة‬
‫شربنا الخمر في كاسات جوهر فزال العقل واصبحنا سكارة‬
‫بحضرة تبع الملك المسمى بحسان اذا ماشن غارة‬
‫وقد أمسيت في قبضة يديه ومن حبه شعل قلبي نارة‬
‫ال ياحارس البستان صنه وان فرطت الطير طارة‬
‫( قال الراوي ) فلما انتهت الجليله من هذا الشعر والنظام زاد بالتبع‬
‫الوجد والغرام وسكر من غير مدام وقال مثلك من تكون من النساء‬
‫فقد زاد سرورنا في هذا المساء فلما رآه زاد به الطرب وأخذ يرقص‬
‫أمامه ويلعب أمام الملك الكبر فقال أعطيني أذن حسامك وأنا العب‬
‫به أمامك فقالت له الجليله بحياتي عليك أن تبلغه الرب وتعطيه‬
‫ماطلب فانك ترى منه العجب فأمره أن يدخل الى قاعة السلح‬
‫فيأخذ السيف ويرجع بالعجل فأجاب كليب وامتثل وكانت الجليله‬

‫أومت اليه ان يسرع في العمل وعند دخوله الى ذلك المخدع وجد‬
‫سلح تبع فلبس الدرع وتقلد بالسيف ووضع الخوذة على رأسه‬
‫وخرج بالعجل كأنه قلة من القلل أو قطعة فصلت من جبل بعد أن‬
‫فتح صناديق الحمال وأخرج الفرسان والبطال فبقوا في ساحة‬
‫الدار وقاموا له بالنتظار وكان قد سل الحسام من غمده وهو يهزه‬
‫في يديه ثم دخل على الملك وقد أحمرت عيناه وتذكر أباه فصال‬
‫وجال ولعب بالسيف كما تلعب البطال في ساحة القتال وبعده‬
‫تقدم وهجم عليه فعرفه حينئذ الملك تبع وقد انقطع من الخوف‬
‫وأيقن بالهلك والقلعان فقال بالله عليك ياسيد الشجعان وفارس‬
‫الميدان أن تعفو عني وتسمح عما فرط مني فقال لبد من قتلك‬
‫كما قتلت أبي وأكون قد أخذت ثأري وبلغت أربي فقال تبع اذا كان‬
‫لبد لك من هذا الشان فأمهلني ساعة من الزمن حتى أفيدك عن‬
‫جميع المور والحوال التي تحدث الى آخر الجيال فقد اتضح لي‬
‫الحال ووقعت في شرك العقال ثم أنشد وقال ‪:‬‬
‫الملحمة الكبرى للتبع حسان‬
‫يقول التبع الملك اليماني لهيب النار تشعل في فؤادي‬
‫أمير كليب يافارس ربيعه وياحامي النساء يوم الطراد‬
‫أريد اليوم أن أعلمك شيئا لتعرف حال أخبار العباد‬
‫فموسى كان في الدنيا نبيا له التوراة أعطت للرشاد‬
‫وداود النبي قد جاء بعده يبشر بالزبور أهل الفساد‬
‫وعيسى ابن مريم جاء ايضا بانجيل الخلص لكي ينادي‬
‫نبي لم يكن في الناس مثله لن الله اختاره يفادي‬
‫فكم ميت بكلمته أقامه وسقيم شفاه من المراض‬
‫وعندي قد تبين بالملحم بأنك قاتلي دون العباد‬
‫وبعده شاعر تنزل عليكم وتفتن بين قيس في البلد‬
‫وأنت برمح جساس ستطعن وعبدي يذبحك بين الجماد‬
‫وتكتب بدمائك على البلطه لمن بعدك لتشتيت العادي‬
‫ويأتي أبو ليلى المهلهل فيصلي الحرب في كل البلد‬
‫ويقهر كل جبار عنيد يضرب بالسيف في يوم الجلد‬
‫وتأخذ للجليلة لك قرينة وتحظى بالمسرة والمراد‬
‫ويظهر لك غلم بعد موتك يسمى الجرو قهار العادي‬
‫ويقتل الى جساس خاله وأما الزير تقتله العادي‬
‫وسيف ذو يزن بعدك سيظهر وتصحبه السعادة في العباد‬
‫ويبقى ملكه سبعون عاما وبعد ذلك يطوى في الوهاد‬
‫ويظهر له ولد يدعى بدمر شديد اليأس مرفوع العماد‬

‫فيملك في بلد الشام بعده يجيب الماء من اقصى البلد‬
‫وبعده يظهر المدعو بعنتر يهين الضد في يوم الطراد‬
‫وبعده يظهر الهادي محمد يقيم الدين مابين العباد‬
‫واصحابه معه عشرة كوامل كرام الناس سادات البلد‬
‫وأبو بكر وسعد مع سعيد وطلحة والزبير ابن الجياد‬
‫وعثمان مع عمر وعلي وعامر مع حسين أهل الرشاد‬
‫يموت الهاشمي ويصير خلف على الحكام بعده عمر بالعباد‬
‫أبوبكر يموت بلسع حية وبعده عمر يقتل بالطراد‬
‫علي بالسيف يردية ابن ملجم يتيما انتشى بين الولد‬
‫ول يعرف له قبر محقق على وجه الثرى بين العباد‬
‫وتختلف الصحابة على الحكومة ويحكمها حسين بالبوادي‬
‫وبعده بني العباس تحكم سنين كثيرة بين العباد‬
‫وبعده الخوارج سوف تظهر فواطمة الفواحش والعناد‬
‫يقيموا الشر في كل الراضي ويملوا الرض طرا بالفساد‬
‫وتظهر من بالد الشر عصبة فيقصد جيشها غرب البلد‬
‫هلل وعامر مع آل قيس يزيد وحرب حمير مع أياد‬
‫حسن أمير فخر البرايا وبعد ديار قهار العادي‬
‫وأبو زيد ابن عمه ليث أروع شديد البأس في يوم الطراد‬
‫يطوفون البلد فيملكوها ويسبون العدا أهل العناد‬
‫ويمحو العجم مع كل طاغ بأرماح وأسياف حداد‬
‫وقبرص والجزائر يملكوها وبدريس الخزاعي والعادي شبيب التبعي‬
‫بالشام يقتل وتترك جثته فوق الجماد‬
‫وسركيس بن تاذب سوف يقتل بسيف دياب قهار العادي‬
‫كذا فرمند مع مصر العدية ستخرب دورها بين البلد‬
‫وبعده نظهر الشطان ظالم خبيث الصل من قوم شداد‬
‫بنو أيوب تظهر بعد منه يقيمون الذين من بعد الفساد‬
‫ويظهر ابن عثمان المساعد بأرض الشرق ويحكم بالعباد‬
‫ملوك الرض تخشى من لقاهم لن جيوشهم مثل الجراد‬
‫عداد ملوكهم عشرة عشرة وتسعة بعدهم دون ازدياد‬
‫ويظهر ضده المهدي سريعا يثير الفتن والحرب في كل البلد‬
‫طويل الجسم ذو همة عالية له اسمين من ظاهر وبادي‬
‫يقيم السيف في القطار عمدا ويجري الدم في كل البواد‬
‫ويظهر فارسا يدعى قطيعه فعشر سنين يظلم العباد‬
‫ويظهر بعده الدجا حقا فتتبعه الورى أهل الفساد‬
‫يطوب الرض من شرق وغرب ويفعل معجزات في البلد‬
‫ويظهر ضد المهدي سريعا ويسطع نوره في كل وادي‬
‫فهو عيسى المسمى ابن مريم فيقتلك ويملك في البلد‬

‫وبعده دابة تظهر سريعا فتفعل معجزات في البلد‬
‫ونار من عدن تظهر وتسطع فتشكو الناس من هول النكاد‬
‫وبعده الشمس تظهر من مغيب وتزداد الخلئق في الفساد‬
‫ويأجوج ومأجوج جميعا تحيط رجالهم كل البلد‬
‫فل نهر الفرات لهم يروى ول سيعون ول الدجلة المراد‬
‫ويغشى الرض موتا ياكليبا وجوع وقتل في كل العباد‬
‫ونيران تعم الرض طرا على أعلى الجبال وفي كل واد‬
‫وبعده يغلق باب المراسم وباب الشر فتح باقتصاد‬
‫فل يصعد ول يأتي جواب فذاك الوقت يحترق العباد‬
‫وبعده يظهر من جهنم وينفخ ريح من أقصى البلد‬
‫يموت الخلق منه ليس يبقى سوى الرحمن خلق العباد‬
‫وبعده يظهر الديان حقا اله العرش ديان العباد‬
‫فعندي الجفر قد أخبر مؤكد بما أخبرتكم دون ازدياد‬
‫واسمع ياأمير كليب مني حقائق قصتي وافهم مرادي‬
‫ول تفرح عن حالي وضعفي اجرني ياملك وأطلق قيادي‬
‫وأعلم ياأمير اني عتيقك مدى عمري الى يوم الميعاد‬
‫( قال الراوي ) ولما فرغ الملك تبع من هذه الملحمه وسمع كليب ما‬
‫فيها من الخبار المتقدمة والمتأخرة تعجب غاية العجب وقال لست‬
‫أعفو عن قطع رأسك وأخماد انفاسك لنك افتريت وظلمت وتعديت‬
‫ثم أجابه بهذا القصيد على سبيل التهكم والتهديد ‪:‬‬
‫يقول كليب قهار العادي كل أشد من ضرب الهادي‬
‫أنا قد صرت هذا اليوم حاكم أتاني السعد مع نيل المراد‬
‫أيا تبع الينا قد جيت عاجل قتلت أبي وخربت البلد‬
‫فما أبقيت قيمة للمارة وقد البستهم ثوب السواد‬
‫هتكت الرض ياتبع بفعلك وصيرت النام لك أعادي‬
‫جعلت رجالن تشبه نسانا وأذللت المارة في البلد‬
‫فوالله ثم والله ثم والله اله خالق كل البوادي‬
‫فلست براجع عن قطع رأسك ولو ملكتني كل البوادي‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ المير كليب من كلمه وفهم تبع فحوى‬
‫قصده ومرامه قال بالله عليك أيها السيد المحترم أن تعفو عن‬
‫وتجعلني من الخدام فقال كليب لبد من قطع رأسك يامهان ولكن‬
‫أسألك لماذا قتلت أبي غدرا وما بالميدان فقال تبع أذا كان لبد من‬
‫ذلك يافارس المعارك فأمهلني‬
‫ساعة حتى أخبرك عن قتل أبيك وأتودع من هذه الدنيا قليل ثم أبدى‬
‫حزنا وعويل وأشار يقول من فؤادي متبول وعمر السامعين يطول ‪:‬‬

‫قال الملك تبع حسان ظلمني دهري دون الناس‬
‫ياأبن ربيعه يامخدوم أنت أمير شديد الباس‬
‫طويل الباع بيوم نزاع عفيف شجاع ثقيل الراس‬
‫تسألني عن قتل أبيك فكل بنايه لها أساس‬
‫فلما جيت لرض الشام أتى للقانا كل الناس‬
‫أتاني كل أكابر قيس وكل أمير لدي باس‬
‫ال أبوك فقد خالف ولم يفعل كباقي الناس‬
‫فزاد الغيظ بوسط القلب أمر بشنقه للحراس‬
‫وهذا بأمر الله مكتوب فوق جبينه بأعلى الراس‬
‫وأنا بقيت بهذا اليوم وحيد فريد بل أيناس‬
‫أريد العفو عما جنيت بحياة عمك مع جساس‬
‫أني كنت زعيم القوم وحمي نافذ بين الناس‬
‫فما أتاني وعد الله بطل العزم وظني حساس‬
‫دعتني الجليله بالحيله وغابت عني كل الناس‬
‫وهذ أمر الله محتوم وامر نافذ فوق الناس‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ تبع من هذا الشعر والنظام قال له كليب‬
‫لبد من قتلك بحد الحسام حتى ترتاح الناس من شرك وتأمن عاقبة‬
‫غدرك ثم ضربه بالسيف على عاتقه فخرج يلمع من علئقه فوقع‬
‫على الرض قتيل وفي دمه جديل فلما راته الجليله قد مات زاد بها‬
‫الفراح واعتنقت ابن عمها وقبلته وقالت له مثلك من تكون‬
‫الفرسان ياليث الميدان فشكرها كليب وهن ها بسلمتها وزاد في‬
‫أعزازها وكرامتها ثم خرج من المخدع وأعلم الفرسان بقتل الملك‬
‫تبع وقال لهم لقد بلغنا المراد فكونوا على حذر واستعداد لمتلك‬
‫البلد فقالوا نحن بين يديك ولنبخل بأرواحنا عليك ثم وضع راس‬
‫الملك على راس السنان وخرج البطال والفرسان وطافوا في‬
‫شوراع البلده وضربوا من وجدوه بالسيف المهند وهم يقولون عن‬
‫فرد لسان هذا راس سيدكم حسان فقد عدمناه وقتلناه وارحنا‬
‫الناس من شره وبله فمن عصى هلكناه ومن اطاع ابقيناه على قيد‬
‫الحياه وله منا المان على طول الزمان ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) فكانت أكثر أهل الشام تكره التبع لظلمه وجوره‬
‫وتتمنى هلكه فاجتمعت العساكر والعيان وطلبوا من كليب المان‬
‫وانهم يكونوا له من جملة الرعايا والغلمان على طول الزمان‬
‫فأجاجبهم كليب الى ذلك الطلب ورفع عنهم السيف الحدب‬
‫ووعدهم بالجميل والخيرات وسمح لهم بخراج عشر سنوات فدعوا له‬

‫بطول العمر ودوام العز والنصر ثم اجتمعت بنو مرة واكابر العشائر‬
‫وقواد العساكر والبسوه تاجا مرصعا بالجواهر ثم اجلسوه على‬
‫كرسي المملكه وجلس بقربه وزير الميمنه وهو نبهان وزير تبع‬
‫حسان ووقفت أمامه الحجاب والمراء والنواب فحكم معامل الناس‬
‫بالجود والكرم ومنصفا المظلوم ممن ظلم وفي الليله الثانيه‬
‫اجتمعت سادات القبيله وزفوا عليه ابنة عمه الجليله وقد كنا ذكرنا‬
‫في أول السيرة عن أوصاف هذه السيدة الخطيرة وم احتوت عليه‬
‫من الحسن والجمال والفضل والكمال فاعتنقا اعتناق الحباب وزال‬
‫عنهما الغم والكتئاب وباتا في حظ وانشراح الى وقت الصباح وفي‬
‫اليوم الثاني وردت اليه المدائح والتهاني واشتهر ذكره في البلدان‬
‫وهابته ملوك الزمان ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وكانت الجليله قد طلبت من كليب أن يبني لها قصرا‬
‫من أجمل القصور وينشىء فيه بستان يحوي جميع أنواع الزهور‬
‫فأجابها الى ذلك ووعدها ببناء قصر ل مثيل له في جميع المماليك‬
‫ثم انه نزل الى الديوان وجمع الوزراء والعيان وأعلمهم بذلك الشان‬
‫فقال له الوزير نبهان أعلم ياملك الزمان انه ليوجد في هذه اليام‬
‫من يقدر أن يبني لك ذلك القصر طبق المرام ال معمر المختص‬
‫بالريان ملك مصر لنه هو المشهور ببناء القصور الحسان وهو الذي‬
‫عمر قصر تبع حسان فأرسل كليب أريد منك أن تبني لي قصر من‬
‫القصور الحسان ليوجد مثله في جميع المدن والبلدان ويكون له‬
‫جنينه جميله المنظر تحتوي على جميع الشجار والخضر فان اتقنت‬
‫الصنعه طبق المرغوب نلت المقصود والمطلوب فأجابه بالسمع‬
‫والطاعه وباشر في بناء القصر في تلك الساعه ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) ولما اشتهر قتل تبع في اليمن تواصل الخبر الى‬
‫صنعاء وعدن هاجت الرجال وكثر القيل والقال وكان للملك تبع ابن‬
‫عم من المراء المشاهير يقال له عمران القصير وكان شديد الباس‬
‫قوي المراس فلما بلغته تلك الخبار صمم على غزو بنو قيس بعسكر‬
‫جرار فجمع العساكر والجنود وفرق الرايات والبنود وركب في مائة‬
‫الف مقاتل وجد في قطع المراحل قاصدا بلد الشام بكل سرعه‬
‫واهتمام ولما بلغ كليب هذه الخبار استعد للحرب والقتال وخرج‬
‫للقائه بالفرسان والبطال ولما التقى الجيشان أمر كليب أن تقدم‬
‫الفوارس الى ساحة الميدان وأخذ ينشطهم بالكلم على قتال‬
‫الخصام فهاجت الشجعان وتبادرت للضرب والطعان وكان المير‬
‫كليب أول العسكر كانه السد الغضنفر وعلى راسه البيارق‬
‫والسناجق ثم التقت الرجال بالرجال واشتعلت بين الفريقين نيران‬

‫الحرب والقتال حتى عظمت الهوال فلله در المير كليبب بطل‬
‫البطال ومافعل في ذلك اليوم من الفعال فانه هجم هجوم السود‬
‫وانطبق على العساكر والجنود بقلب أقوى من الجلمود فبادر‬
‫فرسان الكفاح وخطف المهج والرواح ومازال الدم يبذل والرجال‬
‫تقتل الى ان ولى النهار وأقبل بالعتكار فافترقت العساكر عن‬
‫بعضها البعض وباتوا في تلك الرض وعند الصباح رجعوا الى الحرب‬
‫والكفاح فبرز المير عمران الى ساحة الميدان فصال وجال وطلب‬
‫براز المير والبطال فأراد كليب أن يبرز اليه فمانعه حجابه وقالوا‬
‫أيها الملك أن فينا ابطال وفرسانا تستطيع ان تحاربه ثم برز اليه‬
‫فارس من الصناديد يقال له ميمون بن الرشيد فالتقاه المير عمران‬
‫بقلب أقوى من الصوان ولم تكن ال ساعه من الزمان حتى استظهر‬
‫عمران وطعن ميمون بالرمح فوقع قتيل وفي دمه جديل فأخذ سلبه‬
‫وحصانه ثم قوم سنانه وتقدم الى معركة الحرب وقال اين فرسان‬
‫الطعن والضرب اليوم تبان الفروسيه وتعرف شجاعة اليمنيه‬
‫والقيسيه فبرز اليه آخر فأذاقه الموت الحمر ومازالت تبرز اليه‬
‫الرجال وهو يجندلها على بساط الرمال حتى قتل سبعه من البطال‬
‫وكانوا من اكابر السادات قد اشتهروا في الحرب والغارات واستمر‬
‫القتال على هذا المنوال مدة تسعة ايام وهم في أبرز واقتحام وفي‬
‫اليوم العاشر خرج المير مرة لقتال عمران ولما صار في الميدان‬
‫تقنطر عن ظهر الحصان فأدركه ابنه همام وجاء به الى الخيام فعند‬
‫ذلك برز الى عمران المير جساس وصدمه بقوة قلب وشدة بأس‬
‫غير أنه لم ينجح في قتاله ورجع عند المساء عربه ونزاله فوقعت‬
‫هيبة المير عمران في قلوب الفرسان والشجعان فاستعظم كليب‬
‫ذلك المر واشتعل قلبه بلهب الجمر وقال ما لزيد ال عمر فاذا كان‬
‫الصباح بارزته في معركة الكفاح لنه طغى وتجبر وقتل منا كل أسد‬
‫غضنفر وبات تلك الليله وهو في غم شديد وقلق ماعليه من مزيد‬
‫فما أقبل الصباح ركب كليب الحصان واعتقل بالسيف والسنان وبرز‬
‫لساحة الميدان لقتل المير عمران الذي برز في ذلك اليوم وهو‬
‫ينادي أين البطال الصناديد ليبرز ال كليب المحتال الذي قتل تبع‬
‫بالغدر والحتيال فما تم كلمه حتى صار المير كليب قدامه وصدمه‬
‫صدمة منكرة أشد من صدمات عنترة فقال له عمران من تكون من‬
‫الفرسان فقال له أيها التيس أني ملك على بني قيس فسوف ترى‬
‫مني ضربا يفك الحديد ويذهب أبصار الفرسان لما غدت تبع بالحيله‬
‫مع ابنة عمك الجليله فقال كليب أما علمت ياقرنان بأن الرجال عند‬
‫أغراضها نسوان وأني ما قتلت الملك تبع ال لغدره وقلة حياه وكثرة‬
‫شره فأنه قتل والدي وكان عوني ومساعدي وحق هذا الذي أوجب‬
‫ذلك اليوم سألحقك به وأسقيك كأس المهالك فلما سمع عمران من‬

‫كليب هذا الكلم اشتد بينهم الخصام فكانا تارة يتقدمان وتارة‬
‫يتأخران كأنهما أسدان درغامان فانبهرت من قتالهما الفرسان‬
‫وأحدقت اليهما البصار من اليمين واليسار واستمر على ذلك الحال‬
‫الى قرب الزوال حتى تعجب عمران من ثبات كليب أمامه لنه كان‬
‫يظن أنه ليوجد في الدنيا من يقدر أن يقف قدامه فعند ذلك قاربه‬
‫وفاجاه وطعنه بالرمح قاصدا هلكه وفناه فخلى كليب من الطعنه‬
‫فراحت خايبه بعد ماكنت صايبه ثم هجم كليب وقال خذها ياعمران‬
‫من فارس الميدان وليث الحرب والطعان وضربه بالسيف على‬
‫عاتقه فخرج يلمع من علئقه فوقع على الرض قطعتين وحسان‬
‫عليه غراب البين وبعد ذلك حملت العساكر على بعضها وتقاتلت‬
‫بالسيوف والخناجر فكثر القتل والجراح وجرى الدم وساح وزعقت‬
‫النفوس والرواح من ضرب السيوف وطعن الرماح وكان بعد مقتل‬
‫المير عمران أن تضعضعت من عساكر اليمن الركان فولوا الدبار‬
‫وركنوا الى الهرب والفرار فتبعهم كليب بالعسكر وقتل منهم أكثر‬
‫من عشرة آلف نفر وغنم غنائم عظيمه لها قددر وقيمه ومازال تابع‬
‫آثارهم حتى دخل ديارهم فخرجت اليه أكابر البلد طالبين العفو‬
‫والمان فأجابهم كليب الى ذلك الشأن وأرتد راجعا الى الشام بعد‬
‫أن رتب عليهم خراجا يدفعونه في كل عام فدخل القصر بالعز‬
‫والنصر فاجتمع بابنة عمه الجليله وباقي سادات القبيله وطاب له‬
‫الوقت وزال عنه المقت ثم بعد ذلك بعشرة شهور تم بناء القصر‬
‫المذكور فكان من عجائب الزمان والوان لنه في غاية النفاق‬
‫ولسيما البستان فانه كان كفردوس الجنان فيه من جميع الشجار‬
‫والفواكه والثمار والمياه الغزيرة والزهور الكثيره حتى أعجب كليب‬
‫به وانعم على بانيه وفرشه بالفراش الفاخر الذي يبهر النواظر‬
‫ويحير العقول وجعل أبوابه وشبابيكه من الذهب ورصعها بأنواع‬
‫الجواهر المنتخب ثم نقل ابنة عمه الجليله اليه وكانت قد ولدت‬
‫سبعة بنات مثل البدور الكالعات فربتهن بالدلل والعز والقبال‬
‫فاتفق له ذات يوم من اليام أن زاره مرة أبن اخيه كليب في جماعة‬
‫من بني العجام وبعد أن دار بينهم الكلم قال مرة يأبن أخي كثرت‬
‫عليك الرجال والغنام لسبب كثرة المواشي الزدحام فمرادي الن‬
‫أن أرحل عنك بأنعامي ورجالي وباقي أموالي ولشك بأننا في هذا‬
‫الرحيل والنتقال تتحسن بنا الحوال ونحصل على راحة البال فقال‬
‫كليب أفعل ياعمي ماتحب وأنزل في أي مكان تريد قرب الديار فان‬
‫البلد بلدنا ونحن ملوك القطار ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) فرحل مرة بقومه ورجاله ونوقه وجماله ونزل في‬
‫واد كثير النبات ببعد مسافة تسع ساعات وكان مرة قد شاخ وكبر‬

‫في العمر فاقام المير جساس على بني بكر فكان يحسن اليهم‬
‫ويحكم بالنصاف عليهم فشاع ذكره واشتهر أمره فكانت تقصده‬
‫الشعراء والفرسان وهو يكرمهم ويخلع عليهم الخلع الحسان ولم‬
‫تكن ال سنة من الزمان حتى صار يحكم على مائة وعشرون الف‬
‫عنان هذا ماكان من أمر جساس وأما كليب الفارس الدعاس فانه‬
‫كان في سنوح الفرص يخرج الى الصيد والقنص وكان له عدة أخوة‬
‫كل منهم مشهور بالمروءة والنخوة وكان من جملتهم المهلهل‬
‫الملقب بالزير وكان جميل الصورة كأنه البدر وهو صاحب هذه‬
‫السيرة والوقائع المشهورة وكان في تلك اليام ابن عشرة أعوام‬
‫وكان في الشجاعه كسبع الغاب ليخاف من أحد وليهاب فصيح‬
‫الكلم معكفا على شرب المدام وسناع الصوات والنغام ينشد‬
‫الشعار البديعه ويأتي بالمعاني النفيسه الرفيعه وكان كليب لحبه‬
‫ليتعرضه بأمر من المور بل يقابله بالفرح والسرور وكان الزير‬
‫يتباهى بشجاعته أمام أخيه وأنه ليوجد في الفرسان مايضاهيه‬
‫فقال له كليب في بعض اليام أراك يأخي منشغل بالملهي وشرب‬
‫المدام فقلبك خالي من الهموم والحزان كأنك لتسأل عن تقلبات‬
‫الزمان فمن الواجب أن تحسب حساب العواقب لن الدهر دولب‬
‫سريع النقلب اذا أضحكك يوما أبكاك سنة وليس على أحد جميل ول‬
‫حسنة فقال المهلهل مادمت أنت في الوجود وأنا في خير ل أحسب‬
‫حساب الغير ولكن أن جار عليك الزمان وأحاطت بك الحساد والخوان‬
‫فأنا أرد عنك الثقال وأجندل أمامك البطال أنا السد الغالب فارس‬
‫الكتائب والمواكب أنا قهار العادي أذا نادى المنادي فتبسم كليب‬
‫من كلمه وتركه مشتغل بشرب مدامه وارتد راجعا الى الديوان وقد‬
‫راق له الزمان ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وقد أتفق بعد ذلك بأيام أن أولد مرة اجتمعوا مع‬
‫بعضهم في الخيام وضربوا تختا من الرمل ليروا مايحل بهم‬
‫ومايجري عليهم ومايصيبهم فبان لهم أن المير جساس لبد أن‬
‫يقتل المير كليب ويظهر الزير ويأخذ ثارة بدون ريب ويقتل منهم‬
‫كل أمير جبار وبعد وقائع تستحق العتبار فاعتراهم القلق والكدر‬
‫وأجمع رايهم على أن يقتلوا الزير قبل أن يكبر وكان من جملتهم‬
‫المير سلطان بن مرة فأنشدهم يقول ‪:‬‬
‫على ما قال سلطان ابن مرة مبيد الضد في يوم النزال‬
‫تبين عندنا جساس يقتل كليب بن ربيعه ول يبالي‬
‫ويأتي الزير بعده يا أمارة يشتت جمعنا بين الجبال‬
‫ويمحي ذكرنا من كل ارض ويفنينا ويسبي العيال‬

‫هلموا نقتله ونبيد اسمه ونسلم من تصانيف الليالي‬
‫فيلزم أن تروح الى الجليله وتعلمها على ماقد بدالي‬
‫فهذه أختا ليست غريبه فتسعفنا على نيل الماني‬
‫جليله عارقة في كل فن وتعرف في الزيارج والرمال‬
‫فقوموا كلنا نذهب اليها ونقضي شغلنا قبل الوبال‬
‫فلما انتهى السلطان من هذا الشعر والنظام وسمعه المير جساس‬
‫ومن حضر من أبناء مرة الكرام استحسنه جميع القوم وركبوا من‬
‫ذلك اليوم وخرجوا من القبيله قاصدين أختهم الجليله وكانوا ثلث‬
‫واربعين ذكر كل منهم أسد غضنفر ولما وصلوا اليها دخلوا وسلموا‬
‫عليها فتلقتهم بالترحاب والكرام وأقاموا عندها ثلثة أيام ثم قالوا‬
‫لها عن فرد لسان قد ظهر لنا في الرمل بأنه يظهر للزير شان ولي‬
‫شان فيقهر البطال والشجعان ونهاية ملوك الزمان ويعاملنا بالجور‬
‫وسوء الدب وتنحط منزلتنا بين ملوك العرب فاتفق راينا على قتله‬
‫قيل أن يكبر وأتينا لنعلمك بالخبر فما هو رأيك في هذا المر المنكر‬
‫فقالت اذا قتلتموه فينكشف المر ويأخذ كليب بثأره منكم فيزداد‬
‫الشر ومادام المر كذلك فأنا أجعلي كليب يلقيه في المهالك ثم‬
‫أنشدت تقول ‪:‬‬
‫مقالت الجليله بنت مرة تعالوا أخوتي أصغوا لقولي‬
‫تريدوا قتل أبو ليلى المهلهل أخوه كليب خلفه مثل غول‬
‫ومن خلفه غدير وزير قان سباع الغاب في يوم المهول‬
‫وست وأربعين بنو أبيه يجوكم راكبين على الخيول‬
‫وتركب خلفكم كل الفوارس فوارس تلقب مثل الفحول‬
‫ولكن سوف أرمية بحلبة تحير كل أصحاب العقول‬
‫ويبقي كليب بقتله بيده ويجعلة طريحا ً على السهول‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت الجلية من شعرها ونظامها شكرها‬
‫أخواتها على حسن أهتمامها وركبوا ظهور خيولهم وراحوا في حال‬
‫سبيلهم فصبرت ماعليها من الثياب وأظهرت الغم والكتئاب فلما‬
‫رأها كليب على تلك الحال تغيرت منه الحوال لنه كان يحبها محبه‬
‫عظيمة ويودها مودة جسيمة لحسنها وجمالها ودللها ولسيما انها‬
‫ابنة عمه ومن لحمه ودمه فقال لها‬
‫علمك ياجليلة مالي أراك في هذة الحالة الوبيلة من فؤاد متبول‬
‫وأجابته بهذة البيات تقول ‪:‬‬
‫مقالت الجلية بنت مرة كليب أنت قيدوم السرايا‬
‫وتحكم في القبائل والعشائر وفي كل المدائن والقرايا‬
‫وحكمك نافذ في كل أرض وتخدمك الملوك مع الرعايا‬

‫وأني بنت عمك يامسمى ومثلي ليس يوجد في البرايا‬
‫أتاني الزير أخيك في غيابك يريد فضيحتي بين الصبايا‬
‫قبضت عليه من عنقه فولى وراح بسرعة وسط الخليا‬
‫ألياأمير قل كيف تعمل فاقتله وأرده المنايا‬
‫وان لم تقتله حال فاني أروح اليوم من وسط الخبايا‬
‫وتبقى الناس تشتم في قفايا وتبلى بالدواهي والرزايا‬
‫وهذا المر ليصلح لمثلك كريم الصل عكاز المطايا‬
‫فاقتله واخلص من بله ولتخشى أثام ولخطايا‬
‫فقتل الزير أصوب من حياته لنه خائن دون البرايا‬
‫فما سمع كليب منها هذا الشعر و النظام غائب عن الصواب وأرسال‬
‫أحد الرجال ليأتيه بأخية الزير في الحال فذهب الرسول وأستدعاه‬
‫وتمانع عن الحضور لنه كان في ذلك الوقت يشرب الخمر ‪.‬‬
‫الجزء الثالث‬
‫وجالسة وهم في فرح وسرور فرجع الرسول على الثر وحدث‬
‫المير كليب بذلك الخبر فزداد كدر على كدر وارسال الرسول اليه‬
‫ثانيا ً فما حضر فعند ذلك صار كليب الية وقد عظم المر لدية فلما‬
‫دخل عليه نهض الزير على قدمية وسبه كليب وشتمه وضربه حتى‬
‫اللمة ثم نزع عنه ثياب الحرير حتى صار معيره فالكبير و الصغير‬
‫وارسله مع الرعيان ليرعى النوق و الجمال ورجع الى الجليله‬
‫واعلمها بما فعل مع اخية المهلهل فلما رات انها لم تبلغ المل‬
‫زادت غما ً وكدرا وأخذت تدبر على هلكة بحيلة أخرى فقالت ذات يوم‬
‫لكليب أما تخشى من الهتيكة و العايب أما في راسك نخوة وناموس‬
‫من جهة أخوك المهان المعكوس فقال لها ما معنى هذا الكلم وما‬
‫هو المراد بهذا التبويخ و المللم قالت بلغنى من بعض الغلمان‬
‫الذين يدورون مع الرعيان بأنهم فعلوا معى القبيح وانت جالس‬
‫مستريح ليس عندك علم ول خبر وقد تحدث فيك جميع البشر ثم‬
‫شرحت له واقعة بهذا الشعر و المقال ‪:‬‬
‫تقول الجليله يا محفوظ اتاني علم بحال أخوك‬
‫وشاع العلم بكل القوم غناء الناس مع الصعلوك‬
‫وصار الناس بقيل وقال وكل البدو عليك ضحوك‬
‫أنت أمير كبير القوم وقيس وحمير قد هابوك‬
‫فكيف يكون أخوك الزير وقومك من أهلة يجافوك‬
‫كيف بقالك راس يقوم و الرعيان لقد عابوك‬
‫فاقتل أخوك في سيفك وإل قومك قد لاموك‬
‫فكل العالم تحكي فيه يقول الزير بقى مهتوك‬
‫فهذا الخ ومثلة ألف في يوم الضيق فما عانوك‬

‫أخاف يقولوا كل أهله مثله و العالم يشكوك‬
‫فلما فرغت الجليلة من هذا الشعر ووقف كليب على حقيقة المر‬
‫التهب فؤادة واضطرب من شدة الغيظ و الغضب وأخذته الحمية‬
‫وعصفة في راسة نخوة الجاهلية وقد صمم النية على أن يقتل أخوة‬
‫ويسقية كأس المنية فقالت الجليلة ل تقتلة يا أمير لن كلم الناس‬
‫كثير فالوفق أن تأخذة إلى وادي السباع وهو مكان منقطع عن‬
‫الناس كثير النمور و السود فقتله هنا وتعود فتفترسة الوحوش و‬
‫السود وتتخلص من كلم العباد فقال هذا هو الصواب و المر الذي ل‬
‫يعاب ومن وقته ركب ظهر جوادة واعتدا بالله حربة وجلدة‬
‫واستدعى الزير اليه فما تمثل بين يديه قال له مرادي ان اذهب إلى‬
‫الصيد و القنص وأزيل ما بقلبي من الغصص فسار أمامي فتماثل‬
‫أمرة وصار ووجد في قطع البراري و القفار حتى وصل إلى الوادى‬
‫المذكور وهو مكان مهجور ومازال وسائرين حتى صار في وسط‬
‫ذلك المكان وإذا بجواد كليب قد شخر ونخر وضرب الرض وتأخر وإذا‬
‫بسباع من بطن الوادي قد ظهر فلما رآه الميركليب هجم عليه‬
‫الجواد ورماه بالرمح‬
‫فاخطاه فتبعه السدفانهزم كليب من امامه خوفا من العطب‬
‫فلماراى الزيراخاه قد هرب تقدم نحو‬
‫السد بقلب اقوى من الحجر وطعنه بخنجركان معه فقده نصفين‬
‫فاخرج قلبه فاكله وصاح على اخيه ارجع يااخي ولتخاف فرجع كليب‬
‫وهو يتعجب من أفعال الزير فنزل عن ظهر الحصان وقلبه بين عينيه‬
‫وصفا له قلبه وقال في سره من يكون له أخ مثل هذا ويفرط فيه‬
‫وان عاش هذا الغلم يكون من عجائب الزمان ثم رجع واياه فلما‬
‫راته الجليله قالت لماذا ماقتلته فأخبرها بواقعة الحال وكيف أنه‬
‫قتل السد والذي يكون مثله ليستاهل القتل بل يجب له الكرام ثم‬
‫أشار يقول ‪:‬‬
‫يقول كليب من صفوة ربيعه شديد الباس ذو عزم رجيح‬
‫كريم الصل سلطان متوج وفي طريق الكرم ماني شحيح‬
‫ال يابنت عمي يا جليله ال ياصاحبة الوجه المليح‬
‫نظرن اليوم من سالم فعال يشيب لها الطفل الطريح‬
‫لقاني السبع من خلفي وزمجر فصار الزير من خلفه يصيح‬
‫فكر السبع نحو الزير هاجم فعاد الزير واقف مستريح‬
‫ولما قد دنا منه وقارب فغار عليه كالسبع الجريح‬
‫طعنه الزير بالخنجر فقده والقاه على الغبرا طريح‬
‫فلما شفت هذا الفعل منه علمت بأنه فارس رجيح‬

‫رجعت اليه من فرحي سريعا وصحت عليه في قول مليح‬
‫مهلهل يا مهلهل يا مهلهل فأنت اليوم أولى بالمديح‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ كليب من شعره زاد كدر الجليله وقالت له‬
‫وهي تبكي مادام المر كذلك فأني سأذهب نهار غد الى بيت أهلي‬
‫وأعلمهم بما ظهر من الزير في حقي فمه يقتلوه لني لست أأتمنه‬
‫على نفسي إذا بقيت عندك لنه لبد أن يغدر بي لن عيونه محمرة‬
‫علي وانت بعد كل هذا ليس لك نخوه ول ناموس فقال أذكري الله يا‬
‫جليله ودعينا من هذا فكيف اسمح بقتل أخي وهو من لحمي ودمي‬
‫ول سيما أنه شديد ومن أشجع الناس فاذا قتلته افتضحت بين العرب‬
‫وتحدث في الناس فقالت لبد من قتله على طريقة غير هذه وهو أن‬
‫تأخذه الى بير صندل السباع وتدليه بحبل على نية أن ينشل الماء‬
‫وحينئذ تقطع الحبل فيسقط في البير ويموت وليعلم به أحد‬
‫وأشارت تقول ‪:‬‬
‫ماقالت الجليه بنت مرة ودمعي فوق وجناتي غزارة‬
‫أخوك الزير ماهو كثير فالح يلعب مع وليدات الصغارة‬
‫أخوك الزير شوفه مثل الضبع كما المجنون يلعب بالحجارة‬
‫ياريته مايشوف الخير دائم كأنه شبه ضبع في مغارة‬
‫ياليت الزير ينقص من حداكم وليبقى تظهر له خبارة‬
‫ال ياحيف هذا من ربيعه وتعدوه ببنات المارة‬
‫ترى خمسين خليفه مثل أبيك أمارة من أمارة من أمارة‬
‫يبقى الزير هو ندل فيكم ليته ليطلب من الحرارة‬
‫قتل الزير أحسن من حياته ول نهتك مابين المارة‬
‫أقتل هل ردي لعاش عمره وأهيفه في حسامك مثل نارة‬
‫أنت ابن عمي نور عيني وشوري اليك ماهو فشارة‬
‫ما قالت الجليلة بنت مرة وناري عالقه من ذي شرارة‬
‫( قال الراوي ) وكان كليب يحب الجليه محبة عظيمه ول كان يخالفها‬
‫في شيء فلما ألحت عليه وافقها على ذلك اكراما لخاطرها فنهض‬
‫ثاني اليام وركب جواده وأخذ في صحبته أخوه الزير ومائة من‬
‫الفرسان وسار بهم الى بير صندل وعند وصولهم قال كليب يا سالم‬
‫خيولنا قد عطشت فمرادنا أن ننزل ونسقيها وأنت تنزل الى البير‬
‫فتمل دلو فقال حبا وكرامة ياأخي فدلوه في حبل وأخذ يملي الدليه‬
‫وهم ينشلوا ويسقوا حتى ملوا الرض الذي على باب البير وجاؤا‬
‫بالخيل ليستوها فتزاحمت على بعضهما البعض وأخذت بالصهيل‬
‫والزدحام فعجز كليب وجماعته عن ردها على بعضهما البعض فسمع‬

‫الزير وهو بالبير صهيل الخيل وجعيرها فصرخ عليها صوتا مثل الرعد‬
‫القاصف حتى ارتجت منه الوديان واضطربت منه قلوب الفرسان‬
‫فجفلت الخيل وتأخرت وانفصلت عن بعضها فلما راى كليب ما فعله‬
‫أخوه سالم تعجب غاية العجب وندم على ما فعل وفي الحال أخرجه‬
‫من البير وازدادت محبته عنه ورجع الى الديار فلما راته الجليله غابت‬
‫عن الوجود من شدة الغيظ وقالت لكليب بارك الله فيك اهكذا‬
‫المفارقه فقال والله يا جليله من كان هذا الفعل فعله يحرم الله‬
‫قتله ثم حدثها بما جرى وكان يقول وعمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫يقول كليب من شعر نفيس قصيدة مانظمها قط قائل‬
‫جليله اسمعي يابنت عمي أرى عقلك بهذا اليوم زائل‬
‫أأقتله ليشفى اليوم قلبك ومنه قد ظهرت لنا فعايل‬
‫سباع الغاب هابت من لقائه كذلك الخيل صيرها جفايل‬
‫ثلث ألوف يلقاهم بصدره من الشجعان فرسان القبايل‬
‫تقول لقتله وارتاح منه فقولك ماهو قول عاقل‬
‫فاني ل أبيعه بألف مثلك ولو مهما جرى منه من فعايل‬
‫أراكي تطلبي قتله سريعا فقولك عنه ليس له دلئل‬
‫فقولك ياجليله قول باطل فحاش الزير أن يتبع رزائل‬
‫فقلي من كلمك لتعيدي أيا بنت الماجد والصايل‬
‫فلما فرغ كليب من شعره ونظامه وفهمت الجليله فحوى كلمه‬
‫اغتاظت في الباطن ولكنها أظهرت له السرور وقالت له أن قصدي‬
‫امتحانك لرى هل أنت تحبه أو تبغضه لنه فصيح اللسان ومن أشد‬
‫الفرسان وأخذت تمازح كليب بكلم النفاق حتى صفا قلبه وراق ثم‬
‫انها صبرت مدة أيام وبعد ذلك أظهرت عن نفسها انها مريضة‬
‫فرقدت في الفراش وقالت لكليب أن لي حاجه اليك وليقدر عليها‬
‫سوى أخوك الزير فقال وماحاجتك قالت أريد مقدار كأسين من‬
‫حليب السباع لنه يقوي العصاب وانا في غاية الضعف والعناء وقد‬
‫وصفت دايتي هذا عاجل لمرضي وقالت أن هذا الدواء يأتي بولد ذكر‬
‫وأشارت تقول ‪:‬‬

‫مقالت الجليله بنت مرة كليب اسمع لي يا أبا اليماما‬
‫انت اليوم ملك البوادي ياليت الحق بك يا امير داما‬
‫وتحكم ياملك شرقا وغربا من ارض الروم للكعبة دواما‬
‫وتحت يداك الوف من العساكر موكم حاكم وكم فيه مقاما‬

‫وكم أبراج من ذهب وفضه جواهر تشرق جناح الظلم‬
‫وللك ظفل تحيي فيه ذكرك سوى سبع بنات مثل الحماما‬
‫اتاني منك سبع بنات اتاني ولجاني منك ذكر غلما‬
‫وقالت دايتي لي ياجليلة معي لك علم يبري السقاما‬
‫لبان لبوة بصوفة احمليها تروحي في ذكر حامل قواما‬
‫فنادىالزير واخبره سريعا ادام الله عمرك بالسلما‬
‫(قال الروي ) فلما فرغت الجليلة من شعرها ونظامها صدق مقالها‬
‫وارسل في الحال يطلب اخاة الزير فدخل وسلم علية وقبل يدية‬
‫وقال بقلب جسور انا عبد مامور ولاخالفك بامر من المور فاعلمة‬
‫كليب بالوقعه‬
‫وقال اريد منك يا خي ان تاخذ هذا الحق الصغير وتملة من حليب‬
‫لبوة فقال على الراس والعين ولكن يا اخي اعطني سيف اتسلح به‬
‫خوفا من هجوم السباع فقال كليب للجليلة ان تعطية السيف فقالت‬
‫لة التستحي يازير‬
‫أن تطلب سيف وانت في هذة الشجاعه فخجل واطرق راسة وسار‬
‫من وقته وساعته وقد تاكد انها تريد هلكة‬
‫وضررة وما زال يسير حتى وصل الى غابة كبيرة كثيرة الشجار‬
‫والصخور وليس معه سوى سكين وعصاه‬
‫فبينما هو ينظر من خلف وقدام واذا بأسد قد ظهر وهو هائل‬
‫المنظر وعيناة تقدح بالشرر‪.‬‬
‫فلما اقترب منة قبض علية الزير ونشلة بقوة ساعدة وزندة ولوحة‬
‫بيدة مثل المقلع وخبط بة الرض فرض عظامة ثم نزل علية بالعصا‬
‫حتى قتلة واراد ان يجز راسة واذا بلبوة قد اقبلت علية ومن خلفها‬
‫سبعة اشبال‬
‫فلما رات ذكرها قد مات احمرت عيناها فاراد الزير ان يلعبها قليل‬
‫وقد علم انها مغتاظة فجعل نفسة انة خائفا‬
‫منها فركض من امامها فتبعتة وكان قد وصل الى شجرة لبيرة فطلع‬
‫اليها وبقيت هي تنظر الية وتهمهم ثم‬
‫اقلبت اشبالها وجعلوا يرضعون من ثديها فوجد الزير لها ثدي مثل‬
‫الحق فقال هذا الذي ظالبة مني اخي ثم اراد‬
‫النزول فقال ان نزلت تفترسني من رجلي ثم رمى نفسة من‬
‫الشجرة فجاء راكبا عليها فقبض عليها من رقبتها والقى رجلية على‬
‫بطنها بقوة شديدة حتى لم يعد لها سبيل ان تتحرك من مكانها ثم‬
‫سحب السكين وهو يضحك عليها وينحراها كما ينحر الجزار الغنم‬
‫ومل الحق من حليبها وقطع راسها وراس السد بعد ان ربط اشبالها‬

‫بالحبال وساقهم امامة كالكلب فلما اقبل الى الحي ولقتة فرسان‬
‫العرب واصحاب المناصب والرتب واستعظموا ذلك المر واعتراهم‬
‫العجب وعند وصولة الى القصر سمعت الجليلة الضجة فطلت براسها‬
‫من الشباك فرات الزير وهو مقبل على تلك الحالة فالتهب قلبها‬
‫بنار الغضب لنها كانت تظن انة يموت ويهلك ثم دخل الزير على‬
‫الجليلة وكان كليب جالس معها فسلم عليها وارمى الرؤس امامها‬
‫وقدم الحق لمراة اخيه وقال لها هل تجدين شيئا‬
‫اخر حتى أقضية فقالت بارك الله فيك ياسبع الرجال فانك تستحق‬
‫المدح والثناء وكان كليب لما راى رؤس السباع تعجب من قسوة‬
‫قلبة وشدة بأسة وقال لة كيف فعلت والى اين وصلت فأشار الزير‬
‫يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير قهار المواكب رماني الدهر في كل المصائب‬
‫فل تسمع أخي قول العادي لن الضد شورة ليس صائب‬
‫يشوروا عليك في العادي ليسقونك أخي كأس العواطب‬
‫فأهل عليك في رأي وخيم لن كلمها لشك كاذب‬
‫فاعلم ياأخي في ماجرالي بهذا اليوم في وادي الثعالب‬
‫وجدت سبع وسط الغاب دائر كأنة جائع للصيد طالب‬
‫فلما شافني حال أتاني وكشر عن سنانه والمخالب‬
‫فصحت علية جاهلية فتقدم ياخي الي هاجم وطالب‬
‫حززتة بخنجري فأهوى على وجه الثرى للرض قالب‬
‫أتتني بعده لبوة مغيرة فلما شفتها وليت هارب‬
‫رأيت أشبالها سبعة وراها فداروا لجهتي من كل جانب‬
‫فلما شفتهم جاؤا لنحوي طلعت لشجرة ذات الشناغب‬
‫فداروا حولها فرميت نفسي فصرت لظهرها بالحال راكب‬
‫حززت لراسها وملئت حقي حليب بعد أن نلت المأرب‬
‫وراس السبع واللبوة قطتة علمة للغارب والقارب‬
‫وسقت أولدها السبعة أمامي فلما صرت في وسط المضارب‬
‫فل قتني رجال قومي وجيتني القارب والجانب‬
‫وهذا ماجرى لي في نهاري وما قاسيت من هول المصائب‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغ الزير سالم من شعره ونظامة واخوه كليب‬
‫مع الجليلة يسمعوا كلمة فغضبت الجليلة‬
‫من كلم الزير وكيف انة لمح بشعره عليها فقالت في سرها لبد لي‬
‫أن أعمل علىقتله وبعد ذهابه قالت لزوجها‬
‫كليب كيف يعلم اني ساعية في قتلة ولم يكن عارف بما فعلة معي‬

‫فوالله ان الموت الذ عندي من الحياة فل بد لي ان أشنق نفسي‬
‫واستريح من جور أخيك القبيح ثم صارت تصيح وتبكي فقال كليب‬
‫أخزي الشيطان ودعينا من هذا الكلم الن واخذ يتلطف بخاطرها‬
‫ويقول لها كم مرة رميناة بالخطار وهو يرجع سالما كاسبا غانما‬
‫فقالت الجليلة‬
‫مرادي أن تسمع مني ما اقولة لك الن ول عدت ول عدت تسمع مني‬
‫غير هذة المرة وهو ان تجعل نفسك مريضا وترقد في الفراش فاذا‬
‫أتاك أخوك الزير حتى يراك فتقول لة أصابك مرض شديد ووصف لة‬
‫الطباء شربة من‬
‫بير السباع اذا سمع منك هذا الكلم فأخذتة النخوة والغيرة ويذهب‬
‫في الحال لقضاء حاجتك فاذا راح ل يعود‬
‫يرجع أبدا من كثرة وجود السباع في ذلك المكن والكثرة تغلب‬
‫الشجاعة فيفترسوةفي الحال وتكون قد بلغنا المال‬
‫لنني كلما تذكرت اعمالة أريد ان أخنق حالي والعرض عند الحر غالي‬
‫ثم أنشدت تقول من فؤد متبول ‪:‬‬
‫ال اسمع لشوري ماأقولك على علم الصحيح أنا أدلك‬
‫أخوك هبيل ما بيسوى مسلة ولو قلع في الجبال والف تلة‬
‫فارسلة غدا بير صندل وان ارستلة لهناك يقتل‬
‫ومنة تسنتريح مدى الدهور ونخطى بالمقاصد والحبور‬
‫فلما سمع كلمها أجابها الى مرامها وانقطع عن الديوان ومقابلة‬
‫الناس وجعل نفسه مريض وأقام بالفراش مدة أيام لما شاع هذا‬
‫الخبر علم الزير بذلك فتشوش خاطرة لنة كان يحبه محبة عظيمه‬
‫فدخل عليه فراه راقد وهو يتوجع علية ويتأسف ويسلية بالكلم‬
‫فقال لة كليب اعلم ان مرضى شديد وأنا خائف منة وقد وصفت لي‬
‫الطباء شربة‬
‫ماء من بير السباع فمتى شربتها شفيت من هذا الدواء وليس لي‬
‫غيرك ياأخي من يأتيني بها فان كنت‬
‫تحبني أريد منك الن يا فارس الفرسات وقهار العدا في ساحة‬
‫الميدان أن تذهب الى ذلك المكان وتاتيني بالمطلوب والمقصود من‬
‫بين السود فقال الزير أبشر ياأمير ثم نزل من عندة وجاء بقربتين‬
‫فحزمهما على حمار ثم سار وجد في قطع القفار الى أن ن وصل‬
‫الى بير السباع وكانت السباع في ذلك الوقت سارحة في البرية‬
‫سوى‬
‫سبع واحد كان راقد على حافة البير وهو واضع يدية على فمة او‬
‫نايم فقال الزير في سرة هذا نايم وعيب علي أن اقتلة غدرا فتركة‬

‫وفك القرب وربط الحمار من يدية ورجلية ونزل البير من الدرج فمل‬
‫القرب وأتفق أنة عند نزولة الى البير شهق الحمار فوعى السبع‬
‫ولما رأى الحمار هجم علية وضربة بمخلبة فقتلةوجعل يأكلة فلما‬
‫خرج الزير من البير ووجد السبع قد قتل الحمار وهو يأكلة أغتاظ‬
‫جدا فوضع القرب على الرض وقصد نحو السبع بقلب كالحديد وقال‬
‫ويلك يامشئوم كيف تأكل حماري أما علمت ببطشي واقتداري فوحق‬
‫ذمة العرب لبد من تحميلك القرب وكان السد قد وثب علية ونهض‬
‫برجلية فالتقاة الزير بالعصا وضربة ضربة شديدة وقعت على رأسة‬
‫فدوختة فوقع على الرض طائشا فجاء الزير بالحبل ولجمة لجاما‬
‫قويا ووضع بردعة الحمار على ظهره ثم وضع القرب ورفسه برجلة‬
‫فنهض مثل السكران فقال الزير ياقليل الدب الذي يأكل حمير‬
‫العرب فهو أولى أن يحمل القرب ثم ركب على ظهره وساقه مثل‬
‫الكلب وكان كلما عرج عن الطريق يضربة بالعصا على راسه حتى‬
‫طاعه قهرا وجبرا ثو سار وجد في قطع القفار حتى أقترب من‬
‫اتلديار فعند ذلك تذكر ماجرى له مع أخيه والسد‬
‫وكيف عاد ظافرا منصورا فجاش الشعر في خاطره فأنشده يقول‪:‬‬
‫أنا مهلهل فعزي يفلق الحجرا النس والجن تخشى سطوتي حذرا‬
‫كيد النساء فيبقى في عدم فخيب الله من يسمع كلم مرا‬
‫قالوا أخوك كليب اليوم منطرحا عالفراش ضعيف الجسم والبصرا‬
‫فجأته عاجل حتى أساله والعقل في خيرة مما عليه جرى‬
‫فقلت له كيف حالك أنت أخبرني فقال يامهلهل كيف أنت ترى‬
‫أريد شربة ماء أطفي بها طمئي من صندل تزول الهم والكدرا‬
‫فسرت حال لذلك البير في عجل فنلت قصدي وعدت اليوم مفتخرا‬
‫هذه فعالي وكل الناس ترهبني حتى السود وأهل البأس والمرا‬
‫(قال الراوي ) ومازال يقطع القفار وينشد الشعار حتى وصل الديار‬
‫وهو رأكب علىظهر السد غير مبأل باحد لنه بلغ المقصود والرب‬
‫وفعل أفعال تعجز عنها فرسان العرب ولما دخل الحي جفلت الخيل‬
‫الخيل والجمال واندهشت النساء والرجال لما رأوا السد على تلك‬
‫الحال وكثرت الضجات وتصايحت الولد والبنات وسمع كليب‬
‫والجليله تلك الضجه فطل برؤسهما من الشباك فوجد المهلهل قد‬
‫أقبل وهو يسوق السد بعصا فبكى كليب لما‬
‫رآه وقال لبنة عمه الجليله هل ينبغي لهذا البطل أن يقتل فقد جاء‬
‫بالسد وعلى ظهره القرب وهذا أعجب العجب فاشتعل قلبها‬

‫والتهب من شدة الغضب حتى كادت تموت قهرا ثم نزل كليب اليه‬
‫وقلبه بين عينيه وقال لله درك يافارس الميدان وزينة الشبان وبعد‬
‫ذلك سأله عما جرى له وكان فأنشد يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير أبو ليلى المهلهل ودمعي فوق وجناتي سايل‬
‫ذهبت اليوم نحو البير قاصد أجيب الماء يا ابن الكارم‬
‫وجدت السبع قرب البير راقد فقلت بخاطري ذا السبع نايم‬
‫نزلت البير أمل منه أشرب وربي بالذي قد كنت عالم‬
‫ملت القربتان وعدت حال لرجع للقبيلة والمعالم‬
‫وجدت السبع قد أكل البهيمة ضربته بالعصا فعاد نايم‬
‫وحملت القرب من فوق ظهره وجئت إليك يافخر الكارم‬
‫أطال الله أيامك وعزك على طول الزمان وأنت دايم‬
‫فلما سمع كليب هذا المقال أجابه على شعره ‪:‬‬
‫يقول كليب اسمع يا مهلهل فما لك من مثيل في العوالم‬
‫سابع البر خافت من قتالك وولت في الفل منك هزايم‬
‫نزلت البير أمل منه واشرب وتحظى بالسرور والغنايم‬
‫فقم البس ثيابا من حرير وأفعل ماتريد يا ابن الكارم‬
‫فمهما طلبت مني يا مهلهل أنا أعطيك والله عالم‬
‫أخي ما عاد عندي أعز منك وحق الله خلق العوالم‬
‫فلما فرغ كليب من كلمه أنزل الزير القرب من على ظهر السد‬
‫وضربه بالسيف القاه قتيل ثم قطع رأسه أمام أخيه وقال الله أكبر‬
‫فقد أخذنا بثأر الحمار وبلغنا مانحب ونختار بعون الواحد القهار فأمر‬
‫كليب الخدم أن يدخلوا الزير الى الحمام فدخل وأغتسل ولبس حلة‬
‫من أرجوان وذهب الى عند أخيه في الديوان فقام له على القدام‬
‫وأكرمه غاية الكرام واجلسه في اعلى مقام فزداد إعتباره عند‬
‫الخاص والعام وأرتفع منزلته عند المراء والكابر واشتهر اسمه بين‬
‫القبايل والعشائر وقال له كليب ذات يوم أطلب ياأخي مهما تريد‬
‫فأن شئت مدينه أوهبك إياها أو إمراة جميله أزوجك بها فمالي‬
‫جميعا بين يديك فل أبخل بشيء عليك لنك اليوم ساعدي وزندي‬
‫وأنت الحاكم من بعدي فقال لأريد سوى سلمتك والذي أريده منك‬
‫أن تأمر بصيوان يكون كبير مفروش بالفرش الفاخر عند بير السباع‬
‫ويكون عندي جماعه من الخدم يقدمون لي ماأحتاجه من الكل‬
‫والخمر لني أريد أن أنفرد عن باقي جماعة الناس وأكون وحدي‬
‫ي تزورني فقال كليب‬
‫خصوصا من كيد النساء وعندما تشتاق ال ّ‬

‫ماهذا العمل فوالله ماعادي لي صبر على فراقك يا مهلهل ول عدت‬
‫أسمع فيك كلم العادي اللئام فاأبقي عندي في العز والكرام‬
‫فقال يأأخي قد صممت النيه على الرتحال فإن النعزال أفضل‬
‫ي قتل الحمار‬
‫للرجال الحرار ول سيما قد صار على السباع ثأر عل ّ‬
‫ولبد لي من قتل جميع السود أو أن الحمار يرجع ويعود فضحك‬
‫كليب من كلمه وتعجب وأمر له بما طلب وقدم له جوادا من أطيب‬
‫الخيول وجميع مايحتاج اليه من السلح والنصول والمشروب‬
‫والمأكول وأرسل معه عبدان يخدمانه ثم ودعه وسار حتى وصل الى‬
‫بير السباع فنصبوا له الصيوان وقام في ذلك المكان وهو يأكل‬
‫ويشرب المدام وكان في كل يوم يلبس عدته ويركب جواده ويصيد‬
‫السباع وكان كلما قتل اسد يقول يالثارات الحمار ومازال على تلك‬
‫الحال حتى أفناها وبنا له قصرا من رؤوسهم فلما طال عليه الزمان‬
‫أخذه القلق والضجر لنفراده عن البشر وكان بينه وبين همام بن‬
‫مرة محبتا عظيمه ووداد فزار المير همام في بعض اليام ففرح‬
‫بقدومه عليه وقال اهل وسهل يا ابن العم وترحب به غاية الترحيب‬
‫وقال له لقد ضاقت نفسي من الوحشه والنفراد فوالله ماعدت‬
‫ادعك تذهب من عندي ابدا وكان همام يسرف اكثر اوقاته عنده‬
‫فينادمه ويشرب معه المدام ويتناشدان الشعار في الليل والنهار‬
‫ومازال كذلك وهم في بسط وانشراح وطرب وافراح وشرب المدام‬
‫وسماع النغام مدة ثلثة أعوام هذا ماكان من حديثهم في تلك‬
‫اليام‪.‬‬
‫في حرب البسوس بين بكر وتغلب‬
‫( قال الراوي ) وأعجب ماأتفق وتسطر من الحاديث التي تروى‬
‫وتذكر هو حديث العجوز الشاعرة أخت الملك تبع حسان الذي قتله‬
‫كليب كما شرحنا قبل الن وهي المرأة التي ذكرها تبع لكليب في‬
‫ملحمته بأنها سوف تظهر بعده وتلقي الفتنه في القبائل وبسببها‬
‫يقتل كليب بن وائل وتثير الحرب بين بكر وتغلب وباقي عشائر‬
‫العرب وكانت هذه العجوز من عجائب الزمان وغرائب الوان ذات‬
‫مكر واحتيال وخداع ساحرة ماكرة وكان لها أربععة أسماء لنها في‬
‫يوم ولداتها وردت اليها‬
‫أموال السبعة أقاليم وامها سمتها تاج بخت لنها كانت كثيرا ماتأكل‬
‫من جوز الهند‬
‫وكانت مع هذه الوصاف القبيحه جميلة المنظر فصيحة الكلم شديدة‬
‫البأس ولما كبرت وانتشت وصارت بنت عشرين سنة فكانت تسارع‬
‫الطواشية وتركب الخيل في الميدان وتبارز البطال والفرسان‬

‫وشاع صيتها في كل مكان وتواردت اليها الخطاب من جميع المدن‬
‫والبلدان فكانت تقول لاتزوج ال من يقهرني في الميدان فكلنت‬
‫تقهرهم في القتال وتعلم عليهم في ساحة المجال فاقتصرت عنها‬
‫الخطاب وتباعدت عنها الطلب وكان قد سمع بخبرها ملك عظيم‬
‫اسمة سعد اليماني وكان ملكبلد السرو ابن عم أخوها تبع وبطل‬
‫أروع ليث صميدع صاحب مدن وبلدان وجيش وفرسان فهام قلبة‬
‫في حبها فركب في جماعة من أبطالة وسار قاصدا ديار ابن عمة تبع‬
‫ليخطب اختة سعاد فلما وصل الى تلك البلدترحب به الملك تبع‬
‫واضافة ضيافة عظيمة لنة ملك وأمره نافذفي القبائل فلما كان‬
‫اليوم الثالث قال سعد لتبع اعلم ياابن العم حضرت من بلدي‬
‫لخطب أختك سعاد الدرة المصونة‬
‫والجوهرة المكنونة فل تردني خائب فهي ابنة عمي ومن لحمي‬
‫ودمي وأنا أحق بها من كل أحد فقال تبع اني أرغب في ذلك غير انة‬
‫كما لخفاك بأنها لتتزوج بأحد مهما كان ال بمن يقهرها فيالميدان‬
‫فقال أني ماأتيت ال على هذا الشرط فعند ذلك‬
‫دخل عليها أخوها وأخبرها بقدوم المير سعد بن عمها وانة قد جاء‬
‫ليخطبها ويتزوجها بعد أن يبارزها ويحاربها فأجابتة الى ذلك المرام‬
‫وفي ثانب اليام‬
‫اعتدت بألة الحرب والجلد وركبت على ظهر جوادها وبرزت الى‬
‫الميدان وحل الضرب والطعان وكان المير سعد قد ركب حصانة‬
‫وبرز الى الميدان والتقاها بقوة‬
‫قلب وجنان وأخذا يتقاتلن نحو ساعة من الزمن وكان المير سعد‬
‫صاحب نخوة وحمية ومن اشد فرسان الجاهلية فحاربها حتى أتبعها‬
‫ثم اقتلعها من بحر سرجها فأقرت لة بالغلبة وبعد ذلك تزوجها واقام‬
‫الحفلة سبعة أيام ورجع بها الى بلدة وكانت قد أخذت معها جميع‬
‫ماتملكه من أمتعه وأموال وعبيد وغلمان وأقامت مع زوجها في‬
‫أرقد عيش وهناء لمدة عشر سنين الى ان عمي وفقد البصر فصارت‬
‫تحكم مكانه واطاعتها العرب وعظم أمرها واشتهر ذكرها ومازالت‬
‫على تلك الحال وهي في أرقد عيش وانعم بال ال ان كليب قتل‬
‫أخوها تبع كما سبق الكلم ولما بلغها هذا الخبر اخذها القلق والضجر‬
‫وتنغص عيشها وتمرمر وقالت لبد لي من المسير الى تلك الديار‬
‫كليب الغدار وإذا قتلته انطفىء ناري وأكون قد أخذت بثأري فأقامت‬
‫مكانها وكيل يحكم بالنيابه عنها وركبت هي وزوجها وبناتها وأخذت‬
‫معها عبدان ومازالت تقطع البراري والكام حتى وصلت الى بلد‬
‫الشام فسألت عن رحلة بني مرة فأرشدوها اليها فلما صارت هناك‬
‫قصدت المير جساس دون باقي الناس ودخلت عليه وهو في‬
‫الديوان وحوله جماعة من المراء والعيان فتقدمت اليه وسلمت‬

‫عليه ودعت وترحمت وبأفصح لسان تكلمت وقالت له أدام الله أيامك‬
‫ورفع على ملوك الرض قدرك ومكانك وبلغك أربك ومناك ونصرك‬
‫على حسادك وأعدائك فتعجب جساس من فصاحة مقالها فأنني‬
‫عليها وسألها عن حالها فقالت له أنني شاعرة أطوف القبائل‬
‫والعشائر وأمداح السادة والسادات والكابر وقد سمعت بجودك‬
‫وكرمك ولطفك ومحاسن شيمك فأتيت الى دارك حتى أعيش في‬
‫جوارك وأكون مشمولة بأنظارك ثم أنها بعد هذا الثناء والمديح‬
‫أشارت اليه بهذا الشعر الفصيح ‪:‬‬
‫تقول سعاد من قلب مفجوع زمان السوق أبقانا ذلئل‬
‫وبعد غلنا صرنا رخاصا وبعد الكثرقد صرنا قلئل‬
‫وبعد العز قد صرنا اذل وبعد السمن قد صرنا هزايل‬
‫فهذا الدهر ماله قط صاحب فهذا مستقيم وذاك مائل‬
‫وذا يبكي وذا يضحك ويلعب وذا يندب عياله والحلئل‬
‫فسبحان الذي قدر علينا بغربتنا وتشتيت الشمائل‬
‫فبعد ان كنت في خير ونعمه دعاني الدهر كالطلب شاتل‬
‫أدور على المناصب والمارا وأنزل في القرايا والمدائن‬
‫سمعت بذكركم ي آل مرة ثلث شهور لي عندكم أسائل‬
‫أيا جساس يافخر البرايا وياكهف اليتامى والرامل‬
‫قصدتك لتخيب فيك ظني أيا أبن الماجيد الصائل‬
‫فأجبر خاطري ربي يجبرك ويعطيك السعاده والفضائل‬
‫فكم أوهبت من مال ونوق وكم فرقت من خيل أصائل‬
‫فانت اليوم بين الناس فردا ثناء مشاع في كل القبائل‬
‫عديم المثل مابين المارا وقد تفاخرت عربان القبائل‬
‫ل ولتصغي الى واش وقائل‬
‫عساك اليوم تنعم لي بما ٍ‬
‫فارجع بالغنايم والعطايا وبالخيل المسومه الصواهل‬
‫فلما فرغت العجوز من شعرها ونظامها وفهم جساس فحوى كلمها‬
‫قال لها أهل ومرحبا الرض أرضي والديار دياري وانت نزيلتي وفي‬
‫جواري فكل من تعدى عليك قتلته ثم أشار يترحب بها ويقول ‪:‬‬
‫قال جساس بن مرة ياعجوز مرحبا بك بل بطا‬
‫مرحبا بك مرحبا بك مرحبا عدد ما مشت الركاب بالوطا‬
‫في قدومك حلت البركه لنا فابشري بالخير مع كثر العطا‬
‫أسرحي ثم أمرحي في حبنا ماأغيظك لو بدا منك خطا‬

‫( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من كلمه دعت له العجوز بالنصر‬
‫وطول العمر والبقاء وقالت في سرها لقد نلت المراد بعون رب‬
‫العباد وأقامت عنده شهرين وجساس كل يوم يزيد في إكرامها‬
‫وكانت قد رأت اتفاق قوم كليب مع بني مرة وهم في محبة ومؤالفه‬
‫عظيمه واجتماعات كثيرة كأنهما قبيلة واحده فما هان عليها ذلك‬
‫المر فأخذت تلقي الفتنه والفساد بين المراء والقواد حتى وقع‬
‫الشر والنزاع وكثر القيل والقال ولما اشتد المر اجتمع اكابر الناس‬
‫عند المير جساس واخلوا يشكون من بني تغلب وعن سوء معاملتهم‬
‫وانهم يعتدون عليهم في اكثر الوقات بدون سبب وهذا كله من يوم‬
‫ما قتل كليب تبع اليماني وامتد ملكه في القطار فابتدا يجور ويظلم‬
‫وليحسب حساب أحد وهكذا قومه تفعل كفعلة وكان مرادهم بهذا‬
‫الكلم يحمسوا المير جساس ويهيجوه على قتال كليب ولكنه لم‬
‫يصغ لهم ولم يطاوعهم على مرامهم وقال لهم انه من الصواب ان‬
‫اجتمع اول مع ابن عمي كليب واعلمه عن تعديات قومه وجورهم‬
‫علينا فأن وجدت كلمه قاسيا يكون هو السبب قي تقويتهم وان أمر‬
‫بتأديب المفترين تكون قد نلنا مرادنا ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) ومازالت الفتنه بين الفريقين تمتد وتشتد حتى اتصل‬
‫الخبر الى مسامع المير كليب وبلغه ان بني مرة هم أصل ذلك‬
‫الخصام وانهم كل يوم في جمعيات واستعدات فضاق صدره وتكدر‬
‫وارسل أعلم جساس بذلك الخبر طالبا منه ان يبادر بالحال بقصاص‬
‫المذنبين وتوقيف حركات البكريين واخراج العجوز من القبيله التي‬
‫كانت سببا لهذه الورطه فاغتاظ جساس من ذلك وتاثر وتاكد عنده‬
‫كلم قومه وعلم ان أصل ذلك من كليب فلم يجبه بجواب ول بخطاب‬
‫واخذ جساس من ذلك اليوم يجمع الجموع ويفرق على قومه السلح‬
‫ويقويهم بالت الحرب والكفاح فبلغ ذلك المير كليب فازداد كدره‬
‫واحتار في امره واحس بزوال ملكه وكان تذكر اخاه الزير الفارس‬
‫فركب من يومه في جماعة من الفرسان وقصده الى بير السباع‬
‫فوجده جالسا على سفرة المدام مع ابن عمه المير همام وهما‬
‫يناشدان الشعار ويتحادثان بالخبار فنهضا له على القدام واجلساه‬
‫في اعلى مقام وفرح الزير بقدوم اخيه لنه كان له مدة طويلة غائبا‬
‫عنه غير عالم بأن مجيئه لم يكن ناتج ال عن سبب ضروري جدا وبعد‬
‫ان جلس قليل قال كليب للزير أعلم ياأخي أن سبب مجيىء اليك‬
‫اول لجل المشاهده وثانيا حتى آخذك الى القبيله وأقيمك ملكا‬
‫مكاني لني طعنت في السن ولم يعد لي طاقه على معاطاة الحكام‬
‫ول سيما وقد تغيرت الحوال ووقع بين القبيلتين النزاع والجدال‬
‫فاشتعل مني القلب والبال فقم معي الن ياسيد الفرسان فقال‬
‫الزير والله لقد اشتغل بالي بهذا المقال فانشد كليب يقول ‪:‬‬

‫أخي سال أسمع ما أقول لك ففكرك ديره والذهن ليا‬
‫أراك اليوم في زهو ولهو ولتدري بما قد حل فيا‬
‫بنو قيس قد وقعوا بخلف وجساس نوى يركب عليا‬
‫فقوم وشد عزمك يا مهلهل لنك أنت جبار عتيا‬
‫وال راحت البلدان مني وصرنا معيرة عند البريه‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ كليب من شعره ضحك الزير حتى استلقى‬
‫على ظهره فقال كليب وماهو ضحكك قال لقلة عقلك قال انا قليل‬
‫العقل قال لو لم تكن قليل العقل ماكنت تكلمت بهذا الكلم بعد ان‬
‫نظرت القصر وهو أمامك قال ومايكون هذا القصر قال هذا القصر‬
‫قد بنيته من رؤس السباع الذين قتلتهم بثأر الحمار ومع كل ذلك أنت‬
‫ملك عظيم وصاحب وليات وأقاليم فكيف تقول انك خايف وفزعان‬
‫وأخوك الزير فارس الفرسان فكن في أمان وإطمئنان من نوائب‬
‫الزمان فان كنت بثأر الحمار الذي ليس له قدر ولمقدار قد بنيت‬
‫قصرا من رؤس السباع ال أبني من رؤس العادي مدائن وضياع‬
‫وقلع وحصون فاذهب بالسلمه ولترتاع ثم أجابه على شعره يقول‬
‫‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل أنا لي في الحرب عزما قويا‬
‫سباع الغاب خافت من قتالي وتخشاني ولم تقدر علّي‬
‫فاذهب يا كليب ول تبالي واحكم بالقبائل بالسويه‬
‫فأن جارت بنو بكر وخابت فل أترك منهم يا أخي بقيه‬
‫فلما سمع كليب شعره أحتار من فعله وندم على مجيئه ثم كرر عليه‬
‫السؤال وطلب منه أن يسير معه خوفا من حدوث أمر من المور‬
‫فقال الزير سر أنت أول وأنا سأتبعك فيما بعد فقال لماذا لتسير‬
‫الن قال لخفاك لما حضرت الى هذا المكان قتلت جميع السباع‬
‫ماعدا سبعين أو ثلثة فمتى قتلتهم أدركتك في الحال الى الطلل‬
‫فعند ذلك ركب كليب جواده وسلم أمره للواحد القهار الى أن وصل‬
‫الى تلك الدار وهو قلق وافتكار هذا ماكان من أمر كليب ويرجع‬
‫الكلم والسياق الى سعاد الشاعرة الساحرة الماكرة فإنها لما اثارت‬
‫الفتنه بين القوم وصار لها عند بني مرة ذلك القبول وجميع كلمها‬
‫عند جساس مقبول أخذت طاسة من الفضه وملتها من المسك‬
‫والزباد والعطر وخففت الجميع مع بعضه البعض وعمدت الى ناقتها‬
‫الجربانه وأخذت تطلي أجنابها وتدهنها بذلك الطيب وأمرت بعض‬
‫العبيد أن يأخذها الى المراعي ويمر بها قرب صيوان جساس في‬

‫الصباح والمساء وأوصته إذا سأله أحد عنها وعن سبب رائحتها يقول‬
‫ل أعلم وانما مولتي تعلم فأخذ الناقه ومر على ذلك المكان فعبقت‬
‫رائحة الطيب فاستنشق جساس الرائحه وكانت ذكيه جدا فتعجب‬
‫وكان قد نظر الى العبد وتلك الناقه فأمر بإحضار العبد وكان يظن‬
‫تلك الرائحه عابقه منه ولما أحضر وإذا رائحته كريهه جدا فسأله عن‬
‫تلك الرائحه فقال من الناقه فازداد تعجبا وسأله عن سبب ذلك‬
‫فقال لست أعلم يا مولي إنما مولتي سعاد الشاعرة تعلم ذلك‬
‫فقال جساس هذا غريب فاستدعى العجوز اليه فحضرت ثم سألها‬
‫عن قضية الناقه فتنهدت من فؤاد موجوع وقالت لخفاك أطال الله‬
‫عمرك وابقاك ان هذه الناقه من سللة ناقة صالح وفيها خواص‬
‫غريب يا أبن الجواد فان بعرها من المسك وعرقها من الزباد‬
‫فتعجب جساس غاية العجب وقال في نفسه تبارك الله رب العالمين‬
‫فل بدلي من أخذ هذه الناقه فافتخر بها على جميع الملوك فقال لها‬
‫هل تبيعني أياها يا حرة العرب وأنا أعطيك مهما تطلبيمن الفضه‬
‫والذهب فلما سمعت كلمه بكت ولطمت وجهها وقالت والله هذا‬
‫الحساب الذي كنت أحسبه فأني ما هاجرت‬
‫من بلدي ال لجل هذه الناقه وكلما نظرها امير أو ملك يطلبها‬
‫ومادام المر كذلك فأني سأرحل من عندك ثم بكت من قلب حزين‬
‫وأنشدت تقول ‪:‬‬
‫تقول سعاد من قلب موجوع سقاني الدهر كاسات الحمام‬
‫ضنى مني الفؤاد وغاب نومي عمى بعلي وقد زادت سقامي‬
‫انا حرمة لي يد قصيرة ول لي قيمه بين النام‬
‫وهذه ناقتي قد شتتني عن الوطان يا ابن الكرام‬
‫فكم من سيد جاء يشتريها فما نالوا بها نيل المرام‬
‫وقد جينا لكم والتجينا وقلنا قد حطينا بالسلم‬
‫وانت تريد أن تأخذها مني فعاد رجوعنا أشهى المرام‬
‫فلما فرغت من كلمها أخذ جساس يعطف بخاطرها ويقول لها ان‬
‫كلمي معك هو على سبيل المزاح فناقتك مباركة عليك وأنت‬
‫المعزوزة عندنا فقالت من حيث ذلك أريد أن تجعل ناقتي دون باقي‬
‫النوق والجمال لنها قد تربت بالدلل وأريد مرعى لنه البق بها‬
‫فقال أرسلها الى المراعي مع نوقي وجمالي فقالت انها لتأكل ال‬
‫من الرياحين وزهر البساتين فقال انه ليس لنا كروم ول بساتين‬
‫قالت وهذه الكروم التي بجانب القبيله من هو صاحبها قال هي لبن‬
‫عمي كليب زوج أختي الجليله وهمام متزوج أخته ضباع قالت مادام‬
‫انكم اهل واقارب وانت ملك نظيره فلماذا يكون كليب أعظم منك‬

‫فقال انه من بعد قتله الملك تبع عظم أمره وانتشر ذكره وتملك‬
‫على البلد وطاعته العباد فلما سمعت هذا الكلم قالت والله لقد‬
‫أخطأت وبئس مافعلت فأني تركت البحر وجئت الى الساقيه‬
‫وتعلقت بالذنب وتركت الرأس فاغتاظ جساس وحس وقال مامعنى‬
‫هذا الكلم ياحرة العرب فانك قد خرجت عن دائرة الصواب وباديتنا‬
‫بقلة الدب أهذاء جزاء المعروف والحسان فقالت لتغضب ولتغتاظ‬
‫وماقولي هذا ال من سبيل المحبه فكيف يكون ابن عمك وصهرك‬
‫وزوج أختك ويملك على هذه الراضي العظيمه وانت ليس لك‬
‫قدرولقيمه أهكذا يكون الهل وابناء العمام ايها الملك الهمام‬
‫فقال جساس وذمة العرب وشهر رجب لقد تكلمت بالصواب وان من‬
‫الن وصاعدا لست أحسب له أدنى حساب لنه قد اعتز وتمرد ول عاد‬
‫يحسب حساب أحد وانا لبد لي أن أطالبه أن يقاسمني على املك‬
‫المملكه وال القيه في التهلكه فروحي واطلقي ناقتك لكي ترعى‬
‫في احسن البساتين والمراعي ثم أنشد وقال ‪:‬‬
‫يقول جساس شعرا من ضمايري فدمع عيني على الوجنات طاف‬
‫الجزء الرابع‬
‫والنار في مهجتي قد أحرقت كبدي من جور قوم ما لهم أنصاف‬
‫قولك صحيح ما لنا عندة قيمة ول كلم ونحن من الشراف‬
‫سبعة أقاليم ملك تبع حازها وعلى المدائن والقريات طاف‬
‫والكرام والنخل والثمار جمع حاز الجميع من البلدان والطراف‬
‫روحي ياسعاد خلى ناقتك ترعى بين الروم ولست منة أخاف‬
‫(قال الراوي ) فلما انتهى جساس من شعرة ونظامة فرحت العجوز‬
‫وانشرح صدرها فقبلت يدة وخرجت من عندة وقالت لعبدها خذوا‬
‫هذة الناقة واتركوها ترعى في البستان المعروف بحي كليب‬
‫واجعلوها تهدم الحيطان وتقطع الشجار وتاكل‬
‫الغصان واذا اعترضكم فاشتموة وسبوة واذا أقتضى المر اقتلوة‬
‫ول تخافوا سمعا وطاعة ثم أخذوا الناقة وساروا بها الى ذلك المكان‬
‫‪.‬‬
‫(قال الراوي ) وكان هذا البستان كأنة روضة جنان كثير الشجار‬
‫والفواكة والثمار وكان كليب قد اعتنى بة حتى صار من احسن‬
‫منتزهات الدنيا وكان ليسمح لحد ان يدخل الية سوىهو وعيالة فقط‬
‫فلما أخذت العبيد الناقة دخلوا بها بعد ان هدموا الحائط وصاروا‬
‫يقلعوا الزهور ويكسروا أغصان الشجر وكانت الناقة تأكل العريس‬
‫وأثمار الكرم وكان كليب قام حارسا يحرسة اسمة ياقوت فلما نظر‬

‫الحارس تلك الفعال هجم على العبيد بالعصا وقال لهم اخرجوا‬
‫ياكلب من البستان قبل أن يحل بكم الهوان فشتموة وسبوة ثم‬
‫ضربوة فهرب من بين أيديهم وجاء الى كليب وأعلمة بواقعة الحال‬
‫فاغتاظ غيظا شديدا وجاء الى ذلك المكان ومعة أربعة غلمان فراى‬
‫العبدين أحدهما جالس على سريرة أي الذي كان يجلس علية وقت‬
‫النزهة والخر دائر مع الناقة بين الكروم والزهور وهو يسب المير‬
‫كليب ويشتمة فعند ذلك تراكضت غلمان كليب على العبيد لتقبض‬
‫عليهما فتركا الناقة وهربا فأحضرت الغلمان الناقة أمام كليب فأمر‬
‫بذبحها فذبحوها وطرحوها خارج البستان وكانت عبيد العجوز تراقب‬
‫عن بعد ما يجري على الناقة فلما شاهدوا ما كان م امرها رجعوا‬
‫على العقاب وأعلموا مولتهم‬
‫بما جرى وكان وكيف أن غلمان كليب ذبحوا الناقة بامر مولهم‬
‫وطرحوها خارج‬
‫البستان فقالت الن بلغت مرادي وأخذت ثاري من العادي ثم أمرت‬
‫العبد أن يسلخ الناقة ويأتيها بجلدها فسلر العبد وسلخها اليها‬
‫وقامت من وقتها ووضعت التراب على راسها وشقت ثيابها مع‬
‫بناتها وعبيدها وجواريها وأخذت جلد الناقة وسارت بها لعند المير‬
‫جساس فدخلت علية وهو في الديوان مع الكابر والعيان وصارت‬
‫تندب وتبكي وألقت الجد بين يدية فقال ملمك أيتها العجوز وما‬
‫الذي أصابك •~‪u^ûé•~u^ûé‬‬
‫‪S•~u^ûé‬‬

‫‪ >"S'~uŒ‬‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغت العجوز من كلمها استعظم جساس تلك‬
‫القبضة وعصفت في راسه نخوة الجاهلية وقال للعجوز أذهبي بأمان‬
‫فأنا أعرف شغلي فذهبت الى خيامها واستبسرت ببلوغ مرامها ثم‬
‫التفت المير جساس الى من حولة من المراء وأكابر الناس أنظروا‬
‫ما فغلة ابن عمنا في حقنا وهو صهرنا فقد أهاننا بهذا العمل وأنا‬
‫لبد لي أن أستعد لقنالة في هذا اليوم فاما أن أقتل أو أبلغ المل‬
‫فقالت لة أكابر‬
‫العشيرة تمهل يا امير فانة لربما ليعلم أنها ناقة نزيلك ومن‬
‫الصواب أن ترسل لة كتابا على سبيل العتاب وتطلب منة ثمن الناقة‬
‫وتنظر مايكونجوابه فان أرسل الثمن واعتذر كان خيرا وان أبى‬
‫وامتنع فحينذ تفعل ماتريد فاستصوب جساس هذا الرأي‬
‫وكتب الى كليب يعلمة بذلك الحال ويطلب منة ثمن الناقة وأرس‬
‫الكتاب مع عبدة ابو يقظان فأخذ يقظان الكتاب وفي طريفه مر‬

‫على تلك العجوز أخبرها با القصة فترحبت بةولطفته بالكلم‬
‫وقدمت لة الطعام ثم أخذت تسقية المدام جتى سكر وغاب عن‬
‫الصواب فعند ذلك فتشنة في ثيابه حتى عثرت بذلك الكتاب فقراته‬
‫فوجدته كتابا‬
‫بسيطا خاليا من التهديد والوعد والوعيد وأضافت اليه كلما مغيظا‬
‫وهي هذه البيات‬
‫أمير كليب العارب أيا ابن العم لتكبر علي‬
‫فلزم أذبحك في حد سيفي وأنت شيبة حرمة أجنبية‬
‫ثم طوت الكتاب ووضعته في مكانة وقام العبد فنهض وركب جواده‬
‫وصار حتى وصل ديوان المير كليب ودخل عليه وقبل الرض بين‬
‫يديه وناوله الكتاب فأخذه وقراه ولما وقف على معناه أغتاظ غيظا‬
‫شديدا وأراد أن يقتل العبد ولكنه كان رجل عاقل موصوفا بالحلم‬
‫والحزم فأطرق رأسه الى الرض وتفكر قليل قال في سره لعل‬
‫المير جساس كتب لي هذا اكتاب وهوفي حاله السكر غائب عن‬
‫الصواب فمزق الورقة وأمر بضرب العبد فضرب وقال له اذهب ياابن‬
‫اللئام الى عند مولك بسلم وال سقتيك كأس الحمام فقام وهو أخر‬
‫رمق وركب حصانه وسار الى عند جساس وقال له انه بحال ما قرا‬
‫الكتاب مزقه وأمر بضربي وقد شتمك وسبك وهذا الذي تم وجرى ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) فلما سمع جساس هذا الكلم صار الضيا في عينيه كا‬
‫لظلم فنهض في الحال ودخل الى الخزانه السلح ولبس ألة الحرب‬
‫والكفاح وركب ظهر حصانه وأنحدف الى صيوانه وصاح على أبطاله‬
‫وأخواته وفرسانه فجاؤا اليه ودادروا حواليه فأعلمهم بواقعة الحال‬
‫وما جرى بينه وبين كليب من النزاع والجدال وقال لهم استعدوا‬
‫لقتال بني تغلب النذال وأخذ يكلمهم بهذا الشعر والنظام ‪:‬‬
‫يقول جساس نار القلب مشتعلة على الضمائر ياقوم لها لهيب‬
‫ياقومنا اسمعوا قولي وأصغوا قول صحيح بل تكذيب‬
‫كليب خلى كال أحوالنا عبر حكم البلد مشارق ومغيب‬
‫وليس يحسب لنا قدر ومنزلة الكل عندهم غنم وهو بينهم ديب‬
‫ناقة نزيلي ذبحها ما ما خشى أجدا أجرى الىدمها شبة النابيب‬
‫انت عجوز فألقت جلد ناقتها بعد مابكت بدمع سكيب‬
‫تنهدت ثم قالت يا ولدمرة ابن عمك كليب عليك يعيب‬
‫هكذا كليب يفعل بنزيلك مالك قيمة عندة ولترحيب‬
‫فقلت لها اصبري ياعجوز علي فأنالك منة ثمنها أجيب‬
‫أرسلت له أبو اليقظان عندي بكتاب مافيه أسا ولتعذيب‬

‫شق الكتاب وأرمى العبد بضربه ومن كثرة الضرب ما أظنه يطيب‬
‫أترضون المذلة ياأهل قومي الذل ليرضاه سوى كل معيب‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وعرف قومه‬
‫فحوى قصده ومرامه فما أحد طاوعه على هذا المرام وقالوا له عن‬
‫فرد لسان بئس هذا الرأي وهل يجوز لنا ياأمير لجل ناقة حقيرة‬
‫تقاتل ابن عمنا المير كليب ونرفع في وجهة السلح بعد أن صاننا‬
‫وحمانا بسيفه وقتل الملك تبع حسان واستولى على القاليم‬
‫والبلدان وجعل لنا ذكرا عظيما في قبائل العربان على طول الزمان‬
‫فان كان لك عليه دم أو ثأر فدونك واياه فل تطلب منا مساعده‬
‫ولنجده فلما سمع كلمهم تركهم وقصد بيت العجوز ولما اجتمع بها‬
‫قال لها لقد جئت اليك لرضيك بالعطايا خوفا من ازدياد الشر‬
‫ووقوع البليا فاطلبي ثمن ناقتك لعطيك اياه ولو كان مهما كان‬
‫قالت بالنجوم‬
‫اريد واحد من ثلثه اشياء قال وما هي قالت اريد اما ان تمل جحري‬
‫بالنجوم او تضع جلد الناقة عاى جثتها لتقوم او راس كليب بالدماء‬
‫يغوم فقال لها ملىء حجرك بالنجوم او ان الناقة تعيش وتقوم فهذا‬
‫ليقدر عليه ال الحي القيوم أما راس كليب فابشري به ثم قوم‬
‫السنان وأطلق العنان وقصد حي بني قيس فقالت العجوز لعبدها‬
‫سعد‬
‫خذ هذا السكين والمنديل البيض واتبع جساس من وراءه فاذا رايته‬
‫قتل كليب فأسرع أذن والطخ هذا المنديل‬
‫من دمه فمتى فعلت ذلك فاني أطلقك لوجه الله تعالى فامتثل‬
‫أمرها وتبع أثار جساس اما جساس فلم يزل سائرا حتى وصل الى‬
‫قصر كليب وسأل عنه فقالت له أخته الجليله قد ركب الن وهو‬
‫يطبع مهره في وادي الحصا والجندل فقصده حتى التقى به وهو‬
‫يطبع مهره وكان كليب بدون سلحولم يكن معه سوى خيزرانه فقط‬
‫وكان كليب دائر ظهره الىجساس لنه كان من عادته دائما انه‬
‫ليلتفت في الحرب الى أقل من مائة فارس فأراد جساس‬
‫ان يغدره من قفاه فما طاوعته يده على ذلك مهابة ووقارا فلما‬
‫وصل وسلم عليه فرد عليه السلم فراه متسربل‬
‫بالسلح فاستعظم كليب المر وقال علمك يا ابن عمي أراك‬
‫بالسلح الكامل قال مرادي الصيد والقنص لكنني لما التقيت بك‬
‫أعرجت اليك لسالك سؤال واحد واعاتبك على ما فعلت فهل كان لك‬
‫بساتين وكروم ونحن ما لنا شيء‬
‫أتت عندنا عجوز شاعره مع بعل لها أعمى ورعت ناقتها في بستانك‬

‫على تجاهنا فكيف تقتلها أما عندك قيمه‬
‫ول أعتبار بهذا المقدار فضرب كليب كفا علىكف من شدة السف‬
‫وقال والله يا ابن عمي ما عرفت أنها ناقة‬
‫ونزيكلك ثم ذكر عن سوء ادب الرعيان وما فعلوا من الضررفي‬
‫لبستان ومع كل ذلك فاني أعوض واعطيها أربع مائة ناقة واذااردت‬
‫أكثر فأعطيها ول يكون ذلك‬
‫سببا للنزاع والخصام بيننا فأننا أولد أعمام وأصهار فقال جساس‬
‫على سبيل الخداع أني سأرضيها وهو قاصد قتله ثم قال له مرادي‬
‫أن ألعب معك سابقين‬
‫بالجريده فقال كليب ياجساس أنت راكب ظهر القسيرة وأنا راكب‬
‫مهر جاهل فقال أنا أسوق أمامك والمهر يسبق الفرس فساق‬
‫جساس الفرس فتبعه كليب حتى حكمت تحت يمينه وضربه فأصابت‬
‫ظهره فقلبته عن ظهر الفرس فانحدر الدم من فمه ومنا خيره‬
‫فقال كليب قم يا ابن العم فأن كنت لتريد أن تلعب غير هذه‬
‫الجريده‬
‫فاصرع واضربني بها فيتتهي الحال ثم نزل كليب عن ظهر المهر‬
‫ومشى أمامه أما جساس فانه قد تألم بهذا القدر حتى أنه لم يعد‬
‫تمكنه القيام واذا بعبد العجوز أقبل اليه وجذبه من يده فأوقفه وقال‬
‫والله انك من أحقر الرجال ثم أعلمه بحال وكيف العجوز أرسلته‬
‫خافه لجل تلك القضيه فتحمس جساس ونهض ومسك له العبد‬
‫الركاب فركب ثم تقدم نحو كليب وهز في يدة الرمح وطعنه في‬
‫صدره خرج يلمع من ظهره فوقع على الرض يختبط بدمه فبكى‬
‫كليب ملء عينيه ودمعه يسبل على خديه فلما راه جساس علىتلك‬
‫الحال ندم وتأسف على مافعل فتقدم اليه وقبله في لحيته وعارضيه‬
‫وضمه الى صدره ووضع رأسه على ركبتيه وقال سلمتك يا ابن‬
‫اعمي يا ابا اليمامه فقد حلت بي الندامه فوالله أني فعلت ذلك بدون‬
‫عقل ولتميز فسامحني على هذا الرتكاب القبيح فأجابه كليب على‬
‫حلوه الروح وقال هذا حكم الله المتعال ماكان أملي منك أ‪ ،‬تباديني‬
‫بهذه الفعال وتشمت في العداء والنذال وتفرق بيني وبين اليتامى‬
‫والطفال وما بكائي على مال ولنوال وانما بكائي على اليتامى‬
‫ولكن لهم رب ليغفل ولينام وابكي على غدرك فانك قتلتني بالغدر‬
‫والعدوان ولست من أقرني في الميدان ول في ملتقى الفرسان‬
‫ولكن سيجازيك العادل الديان وسوف ترى ما يحال بك من الهون‬
‫ولأظن بأنه يصفي لك الزمان بعد الن فقم واذهب الى الخيام‬
‫وأقرى اليتام مني جزيل السلم ولكن اسقني قبل رواحك شربة‬
‫ماء لن قلبي قد احترق من الظمأ وأشار بهذه القصيدة يقول‬

‫يقول كليب اسمع يا ابن عمي أياجساس قد أهرقت دمي‬
‫أيا غدار تطعني برمح ولست انت في الميدان خصمي‬
‫واشمت الحاسد والعادي وباتت اخوتي تبكي وامي‬
‫على ناقه تقتل ابن عمك أمير كريم من لحمك ودمك‬
‫بيوم الضيق كان يزيل همك ويردي الضد في يوم النزال‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغ كليب من شعره ونظامه فخاف جساس‬
‫وأصفر لونه وارتعش قلبه وقال والله يا ابن عمي ليعرف النسان‬
‫ماذا مقدر عليه ثم انه رفع راسه عن ركبته واتى له بماء فأسقاه ثم‬
‫ركب وتركه وخله وهو يركض وياتفت وراءه قاصدا أهله وحماه وأما‬
‫عبد العجوز فانه بعد ذهاب جساس تقدم ليذبح كليب‬
‫حسب ما أمرته العجوز فلما أقترب منه وجده يجود بنفسه وهو على‬
‫أخر رمق فتامل فيه العبد فوجده ذات هيبه ووقار ووجهه يتلل‬
‫بالنوار فتاخر عنه وخاف منه فنظر اليه كليب ففاق من حلوة‬
‫الروح وقال له من أنت وما هو قصدك ومرامك فاعلمني بحالك‬
‫فقال له لخفي عنك أنا عبد التبع اليماني فلما قتلته أنت حضرت‬
‫أخته سعاد العجوز الساحره الى هذه البلد لتأخذ بثأره منك وتطفي‬
‫لهيب نارها وهي التي القت الفتنه بينك وبين ابن عمك حتى قتلك‬
‫وأرسلتني لذبحك وأخذ لها‬
‫أثر من دمك فقال كليب لقد صدقت فقد ذكر لي تبع هذا الكلم‬
‫ونفذ قوله الن‬
‫بالتمام وهذا تقدير رب النام فأريد منك ياعبد الخير قبل أن تذبحني‬
‫تفعل معي هذا الجميل وهو أن ترميني بالقرب من هذه البلطه‬
‫القريبه من هذا الغدير لكتب وصيتي الى أخي سالم الزير واوصيه‬
‫بأولدي ومهجة كبدي وبعد ذلك أفعل ماتريد‬
‫فسحبه العبد الى قرب البلطه والرمح غارس فيه والدم يقطر من‬
‫جبنه فبكى كليب‬
‫وتفكر وهو يتأمل على ما أصابه ويتحسر ثم اخذ بيده عودا وغطه‬
‫في الدم وانشد‬
‫يقول ‪:‬‬
‫هديت لك هديه يامهلهل عشر أبيات تفهمها الذكاه‬
‫أول بيت أقوله أستغفرالله أله العرش ليعبد سواه‬
‫وثاني بيت أقول الملك لله بسط الرض ورفع السماء‬
‫وثالث بيت وصي باليتامى واحفظ العهد ولتنسى سواه‬
‫ورابع بيت أقول الله اكبر على الغدار لتنسى أذاه‬
‫وخامس بيت جساس غدرني شوف الجرح يعطيك النباه‬
‫وسادس بيت قلت الزير أخي شديد البأس قهار العداه‬

‫وسابع بيت سالم كون رجال لخذ الثار لتعطي وناه‬
‫وثامن بيت بالك لتخلي لشيخ كبير ولفتاه‬
‫وتاسع بيت بالك لتصلح وأن صالحت شكوت للله‬
‫وعاشربيت أن خالفت قولي فأنا وياك الى قاضي القضاه‬
‫ولما انتهى كليب من كلمه التفت الى العبد وقال له افعل الن ما‬
‫تريد فقال والله ياأمير ما تستحق ال كل خير وان يدي لتطاوعني‬
‫على ذبحك قال اذبحني لنني في ألم شديد وعن قريب تأتي أخوتي‬
‫وباقي الرجال والحريم فعند ذلك اخرج العبد السكين وانحنى عليه‬
‫وذبحه من الوريد الى الوريد ولوث المنديل بدمه ورجع الى عند‬
‫سيدته فأعلمها بقتل كليب وأراها دمه ففرحت فرحا شديدا وصبرت‬
‫الى الليل ثم حملت وسافرت بمن معها من تلك القبيله سرا حتى‬
‫ليعلم بها أحد وقالت لقد أخذت الن ثأري وطفيت لهيب ناري هذا‬
‫ماكان منها واما جساس فانه لما رمى كليب وولى هارب سار حتى‬
‫وصل الى قومه وهو في خوف عظيم أصفر اللون متغير الكون‬
‫فقال أبوه مرة اين كنت قال كنت في البريه فالتقيت بابن عمي‬
‫كليب فقتلته وزال همي وغمي فلما سمع مرة هذا الخبر تبدل صفو‬
‫عيشه بالكدر وقبض على جساس من ذراعه كا يخرج روحه من بين‬
‫جنبيه وقال ياعديم الزمان ويا أخبث النام اتقتل ابن عمك وهو من‬
‫لحمك ودمك لجل ناقه حقيرة وصاحبتها سائله فقيرة فماذا تقول‬
‫العرب يا غدار اذا سمعت عنك هذه الخبار فقد اجلبت علينا الذى‬
‫والضرر وفضحتنا بين البشر ومازال يوبخه ويلطمه من خلف وقدام‬
‫حتى جاءت أخوته اليه وخلصوه من بين يديه وهم يعنفوه ويسبوه‬
‫ويشتموه ماعدا المير همام فانه كان عند الزير في تلك اليام‬
‫يتنادمان ويشربان المدام على بير السباع كما تقدم الكلم وليس‬
‫عندهما خبر بهذه المور والحكام ثم التفت مرة على أولده وقال‬
‫لهم لقد حلت بنا المصائب من كل جانب فما الذي عاد يخلصنا من‬
‫الزير ليث الوادي وقهار العادي فوالله ليقطع آثارنا ويعجل في‬
‫دمارنا ثم أنه بعد هذا الكلم أشار يقول ‪:‬‬
‫يقول أمير مرة من قصيد بأن العار مايمحوه ماح‬
‫جنيت اليوم يا جساس حربا علينا في المسا والصباح‬
‫وقدت النار في بكر وتغلب يعم لهيبها كل النواحي‬
‫أيا جساس تقتل ابن عمك كليب البرمكي ليث البطاح‬
‫أمير ما كان له مثيل شديد البأس في يوم الكفاح‬
‫ايا جساس من قتل ابن عمه يبيت الليل يسهر للصباح‬
‫فسوف ترى بما جرى بنا اذا برز المهلهل للكفاح‬

‫فيسلب مالنا قهرا وغصبا بأطراف العوالي والصفاح‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ من هذا النشيد أجابه جساس بهذا القصيد‬
‫وعمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫تأهل مثل أهبه ذي الكفاح فان المر زاد عن التلحي‬
‫فأني ان جلبت عليك حربا فاني ليث حرب في الكفاح‬
‫فكيف عن الملم فلست أخشى بيوم الحرب من طعن الرماح‬
‫وأني حين تنشر العوالي أعيد الرمح في أثر الجراح‬
‫تعدت تغلب ظلم علينا بل ذنب يعد ولجناح‬
‫ومالي همه ايدا قصد سوى قتل العدى يوم الكفاح‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من كلمه قال أبوه سوف ترى ما‬
‫يحل بنا من البلء والويل من سيف المهلهل فارس الخيل ثم صار‬
‫يبكي ويتأسف ويلطم كفا على كف ثم قال لولده الرأي عندي أن‬
‫نكتف جساس ونرسله الى الزير وأخوته ليقتلوه بثأر كليب وبهذه‬
‫الوسيله تزول الفتنه وتطفي النار وتزول الحزان والكدار فان‬
‫المصيبه عظيمة وعاقبتها ذميمه وخيمه فقالت اولده ماهذا الكلم‬
‫يابانا فهل بعد كليب غير جساس يليق أن يكون ملكا فأن كنت‬
‫تحسب جساب المهلهل فما هو ال كالهبل وليس له داب ال اكل‬
‫الكباب وشرب الشراب وقال مرة العياذو بالله من كيد الشيطان‬
‫الرجيم ولحول ولقوة ال بالله العلي العظيم ثم قال لولده وان‬
‫اخيكم همام له عند الزير مدة ايام فنخاف ان يعلم الزير بقتل اخيه‬
‫فيقتله ول يبقيه ‪.‬‬
‫( قال الراوي) وكان لهمام جاريه اسمها رباب فاستعاده مرة اليه‬
‫وقال لها اقطعي البقاع وسيري الى بير السباع واعلمي همام سرا‬
‫بما جرى وتجدد قولي له ان يرجع بالعجل خوفا من ان يقتل فسارت‬
‫الجاريه حتى وصلت الى هناك فوجدت الزير وهمام على سفرة‬
‫الطعام وهما بالكلم ويشربان المدام ويتحدثان بالكلم فلما رآها‬
‫همام وثب اليها وقال ما دهاك قالت سر طويل وحزن وعويل ثم‬
‫أعلمته سرا بواقعة الحال وطلبت منه المسير الى الطلل فلما‬
‫وقف على حقيقة الحوال اعتراه النذال وغاب عن الصواب وتبدل‬
‫انشراحه بالحزن والكتئاب فلما طال بينهما الحديث والخطاب خرج‬
‫الزير من بين الطناب كأنه اسد الغاب فوجدهما يتكلمان سرا ويميان‬
‫عليه فعظم المر لديه فسل الحسام وقال ماهو الخبر ياهمام فاني‬
‫اراكم في قلق واهتمام واشار يقول ‪:‬‬

‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل أحس النار في قلبي لهيب‬
‫فقلبي موجع والجسم ناحل ول القى الى جسمي طبيب‬
‫وشاب الراس مني والعوارض فاني صرت في حال عجيب‬
‫وافكر في الزمان وشؤم فعله وهذا الدهر يتقلب قليب‬
‫ايا همام ال يا ابن عمي فمالك خائف واقف رعيب‬
‫فما ابصر الحرمه تقول لك تناديك وانت لها تجيب‬
‫اراكم تكتموا السرار عني كأني بينكم رجل غريب‬
‫اراكم في حديث وفي وشاوش وبين ذا وذا امر عجيب‬
‫فل تخل المور من الحوادث يا همام اعلمني تصيب‬
‫وال افتحوا لي الباب حتى اروح عني بدا قلبي يطيب‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ من شعره أجابه همام يقول ‪:‬‬
‫يقول همام اسمع يا مهلهل فدمعي فوق الخدود سكيب‬
‫وناري بالحشا قد أحرقتني أحس لها طي الفؤاد لهيب‬
‫أقول أنت تسمع يا مهلهل بأنك صاحبي نعم الحبيب‬
‫فما نحن في وشاوش لوانت بيننا رجل غريب‬
‫انا واياك في طرب ولهو ول تحسب حسابات الحسيب‬
‫جعلنا يا فتى نيت جملكم جرى دمه على نحره سكيب‬
‫فلما سمع الزير هذا الشعر توقد قلبه بلهيب الجمر وأجابه يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير يا همام اسمع ان ابن عمي لي نسيب‬
‫فما لك علم في وقتك كله ول في القضيه لك طليب‬
‫فقم اذهب الى اهلك يا نسيبي بل تطويل من قلب المعيب‬
‫فتأتي أخوتي ثم يقتلونك ويدعونك على الغبرا كثيب‬
‫فما أقدر أن أحميك منهم وانت محب ايا نعم الحبيب‬
‫فلو جينا ما عيش أكلنا وكاسات شربناه بطيب‬
‫لكنت أمد يدي تحت سيفي وآخذ ثار أخوي عن قريب‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من هذا الشعر والنظام قال لهمام‬
‫انت من دون بني مرة نديمي وصديقي وزوج أختي ورفيقي ليس‬
‫عندك علم بهذا المنكر فل تخاف ولتفزع فقال همام لقد جرى‬
‫القلم يا ابن العم والذي مضى ما بقى يرجع فأما تقتلني عوض عن‬
‫أخيك أو تأخذ منا ما يرضيك وترفع عن الحرب والقتال وتتركنا نبقى‬
‫في الطلل فو الله صعب على هذا المر والتهب قلبي بنار الجمر‬

‫لما سمعت بهذا الخبر المهول فل كان جساس المهار قال الزير‬
‫وحق من يعرف الغيب وروح أخي كليب أني ل أرفع السيف عنكم‬
‫حتى اشفي غليلي منكم ثم أقتلكم عن بكرة أبيكم وأهتك النساء‬
‫والبنات وأجعلكم مثل بين الناس ولو لم تكن زوج أختي وسميري ما‬
‫كنت أعلمتك بما في ضميري بل كنت قتلتك في الحال وأورثتك‬
‫النكال فسر الن الى الطلل ولعدت تريني وجهك في الحرب‬
‫والقتال فلما سمع همام ذلك الكلم ركب ظهر الحصان وأوما الى‬
‫ابنه شيبان الذي الذي كان معهما في ذلك المكان ان يسير معه الى‬
‫تلك الوطان فامتنع عن المسير وقال سأيقى مع خالي الزير فسار‬
‫همام وقد عظم عليه المر وهو ينقض غبار الموت عن منكبيه حتى‬
‫وصل الى حلته واجتمع بأبيه وأخوته وأخذ يلوم جساس على فعله‬
‫وكيف انه تجاسر على كليب وقتله وأعلم قومه بما عزم الزير فخاف‬
‫الكبير والصغير وأيقنوا بالهلك والتدبير واستعدوا من يومهم الى‬
‫الحرب والكفاح وجمعوا آلت الحرب والكفاح هذا ماكان على بني‬
‫مرة وأما الزير صاحب الشجاعه والقدره فانه بعد ذهابه الى الديار‬
‫اشتعلت بقلبه لهيب النار واعتراه الصفرار فصار يلطم وجهه في‬
‫يده وقد عظم المر عليه حتى رقصت شعرات شاربيه ومع ذلك لم‬
‫تنزل من عينيه دمعه لنه كان من الجبابرة السبعه وكان يقول وحق‬
‫رب العباد لبد ان افتك ببني بكر الوغاد واقتل الشيوخ والولد ولما‬
‫طال المطال وهو على هذا الحال قال له شيبان بن همام دع عنك‬
‫هذا الكلم واشرب المدام فانك عاجز يا خال عن هذه الفعال فمن‬
‫انت من البطال حتى تتكلم بهذا المقال وتتباهى على المراء واكابر‬
‫الناس كأبي همام وعمي جساس ثم انشد اليه يقول وعمر‬
‫السامعين يطول ‪:‬‬
‫انشد شيبان وقال في بيوت ودمعي من عيني طال‬
‫خالي اسمع ما أقول وحط قولي وسط البال‬
‫خلي الهرج ووطي النفس واترك عنك القيل وقال‬
‫تقول تكيد بني مرة وتقتل كل البطال‬
‫غدا يا خالي هم يأتوك بخيل كثير ونعم رجال‬
‫يظهر خيول عليك تجول ودق طبول كما الزلزال‬
‫ونرج الرض بطول وعرض ترحوا قتلي بضرب صقال‬
‫يجيء جساس قوي الباس كذا العباس زكي الحال‬
‫وياتي عمر بخيل ضمر وصفر ونمر وابو جفال‬
‫يجي ملك القوم كان بيوم الكون كسبع صال‬
‫وأخي شيبون بطل مجنون وابي همام ان جال ومال‬
‫وتاتي الشوس وكل عبوس يخلوا الروس تلل تلل‬

‫فلما انتهى شيبان من كلمه أجابه الزير على شعره ونظامه ‪:‬‬
‫يقول الزير أواه أواه يا ابن اختي عقلي زال‬
‫يولي غدا الفرسان تجيك يخوفني من أهل أنذال‬
‫أتاريك انت عدو مبين كلمك ما خللي حال‬
‫وانا العربيد بيوم نكيد للروس اكيد بطعن وعوال‬
‫اكيد الشوس اقطع الروس انا الجبار فغير محال‬
‫وبعد كليب لبيع الروح اشلكم بالرمح شلل‬
‫وبعد كليب اخلي السيف طول العمر بكم عمال‬
‫وبعد كليب سياج البيض ما أعتق منكم رجال‬
‫وانت يا ابن اختي اليوم عدت بغير محال‬
‫وابوك أغدي سيفي فيه وأعشي الرمح من البطال‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من انشاده نهض الغلم ليركب على‬
‫جواده ويلحق بأبيه وأعمامه فضربه الزير بجامه القاه على الرض‬
‫قتيل وفي دماه جديل ثم قطع عنقه ووضعه في مخله حصانه ولفها‬
‫في قربوس السرج وتركها فسار الجواد حتى وصل الى القبيله‬
‫وسار الى بيت موله فلما رأت أم الولد جواد الغلم وهو في تلك‬
‫الصفه قالت للجاريه دونك جواد سيدك فتقدمت الجاريه وأخذت‬
‫المخلة فوجدت فيها رأس شيبان فاستعظمت ذلك الشان واعلمت‬
‫بواقعة الحال فطار عقلها لما نظرت راس ابنها مقطوع فضجت‬
‫بالبكاء والنواح والعويل والصياح فاجتمعت عليها نساء الحي من كل‬
‫مكان ولما سمع همام الخبر طار من عينيه الشرر فبكى واشتكى‬
‫وقال لزوجته ضباع نظرت ما فعل أخوك فو الله لم يبق لي غريم‬
‫سواه فشقت ثيابها وسارت عند أخيها المهلهل ولمته على ما فعل‬
‫وقالت اتقتل ابن أختك بثأر أخيك ثم أشارت تقول ‪:‬‬
‫تقول ضباع يا سالم علمك بجاه كليب ماسويت بابني‬
‫بثأر كليب تقتل ابن أختك وتحرق مهجتي وتزيد حزني‬
‫حزنت على كليب وماجرى له وحزني في صميم القلب مبني‬
‫ولكن قد حكم ربي مراده وربي ما كتب لي يصيبني‬
‫فأجابها الزير بهذه البيات ‪:‬‬
‫يقول الزير من قلب حريق بقتل كليب زاد اليوم حزني‬
‫ال يا أخت قلي من بكاك ول تخشين من أمر يعبني‬

‫فو الله ثم والله ثم والله اله العرش منذ ادعو يجبني‬
‫فل بد لي من حرب العادي وقتل كل جبار طلبني‬
‫فلما فرغ الزير من كلمه قالت له الله درك ياسالم ياقهار السود‬
‫القشاعم لقد زالت لوعتي الن وخفت عني الحزان لما سمعت‬
‫شعرك يافارس الفرسان وعرفت ما انت معول عليه من الحرب‬
‫والطعن وأخذ الثأر وكشف العار ثم رجعت الى الديار وهي في قلق‬
‫وافتكار هذا ماكان من امره‬
‫( قال الراوي ) ولما اشتهر موت كليب ووصل الى ابنائه الخبر‬
‫وعلمت بذلك جميع أهله وبناته فمزقوا الثياب واكثروا من البكاء‬
‫والنتحاب فتهتكت لوجه الملح ووقع في الحي العويل والصياح‬
‫وكسرت الفرسان السيوف والرماح وخرجت بنت كليب من الخدور‬
‫وهن مهتكات الستور نشرت الشعور حافيات ال القدام يقطعن‬
‫السهول والكام وقدامهن اختهن اليمامه وكان ذلك اليوم مثل يوم‬
‫القيامه ولما وصلن اليه وجدن الطيور حائمات عليه فوقعن على‬
‫جثته وقبلن يديه وارتمين حواليه ولما قرأنا ذلك الشعر الذي كتبه‬
‫على الصخرة زادت احزانهن واخذن يلطمان على وجوههن ثم اقبلت‬
‫اخوة كليب الى ذلك المكان وازدحمت الرجال والنسوان والبطال‬
‫والفرسان والسادات والعيان يرثوه بالشعار واجروا لهيب نارها‬
‫سوء البطل الوحد والسيف المهند والصحصاح الشهير الذي ليس له‬
‫في ذلك العصر نظير عمها المهلهل الملقب بسالم الزير فسارت‬
‫هي واختها اليها وتوقفت عليه فقالت والله ياعماه مكانك حزنان بما‬
‫جرى علينا وكان من طوارق الزمان يقتل اخيك ملك العصر والوان‬
‫ثم القت نفسها غميانه في حجره وضعن على جثته وقبلن يديه‬
‫وارتمين حواليه ولما قرأنا ذلك الشعر الذي كتبه على الصخرة ز ]‬
‫—‪C—C –C–C'~u•~u^ûé‬‬
‫‪S•~u^ûé•~u^ûé‬‬
‫‪S•~u^ûé‬‬
‫‪S'~uŒ•~u^ûé‬‬
‫‪S•~u^ûé‬‬
‫‪S"~u"~u‬ينيه ويقول سلمتك ياأمير اليمامه ياصاحب الجهه والكرامه‬
‫فقد احرقت قلبي بفقدك فل كان من عيش بعدك ولما اشتد عليه‬
‫المر ارته اليمامه وصية أخيه المكتوبه على الصخره فقرأها وقال‬

‫وحق الله المتعال اني ل اصالح الى البد مادامت روحي في هذا‬
‫الجسد ثم بكى وتنهد ورثاه بهذه القصيده أم السادات واكبر العمد‬
‫وهي من أجود مراثي العرب واحسن الشعار أهل الفضل والدب ‪:‬‬
‫كليب لخير في الدنيا وما فيها ان انت خليتها لم يبقى واليها‬
‫فيها تنعي النعاة كليبا فقلت له مالت بنا الرض أم مالت رواسيها‬
‫ليت السماء على من تحتها وقعت حالت الرض فاندكت أهاليها‬
‫الناحر النوق للضيفان يطعمها والواهب الميتة الحمراء براعيها‬
‫الحلم والجود كانا من طبائعه ماكل اللطافه ياقوم تحصيها‬
‫ضجت منازل بالخلن قد درست تبكي كليب نهار مع لياليها‬
‫كليب اي فتى زين ومكرمة تقود خيل الى خيل تلقيها‬
‫تكون اولها في حين كرتها وانت بالكر يوم الكر حاميها‬
‫غدرك جساس ياعزي ويا سند وليس جساس من يحسب تواليها‬
‫ل أصلح الله منا من يصالحهم حتى يصالح ذيب المعز راعيها‬
‫وتوالد البغله الخضرا خدالجه وانت تحيا من الغبرا تاليها‬
‫ويحلب الشاة من اسنانها لبن وتسرع النوق لترعى مراعيها‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من هذا المرثيه الغراء وسمعته‬
‫السادات والمراء تعجبوا من فصاحة لسانه وقوة قلبه وجنانه‬
‫ومااحتوة اليه من اللفاظ الرقيقه والمعاني البليغه الدقيقه وقالوا‬
‫والله لقد جاد سالم الزير وفاق على الشعار والمشاهير بهذا الكلم‬
‫الذي هو كالدر النظير ثم اجتمع المراء المقدمين وقالوا للعرب‬
‫المجتمعين انها ماعاد ينفع البكاء والنتحاب وان اكرام‬
‫الميت دفنه في التراب ثم أتوبكليب الى الديار ودفنوه بكل أحترام‬
‫واعتبار واحتفال ووقارو رثوه‬
‫بنفائس الشعار وبنوا على قبره قبه من أعظم القبب وطلوا‬
‫حيطانها بالذهب والفضه فكانت من العجب في بلدالعرب زخرفوها‬
‫بالنقش الفاخر كتبوا على حيطانها اسماء الله القادر ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) وبعد أن تلو أسماء الله القادر وسمعتها السادات‬
‫ورؤساء العشائر دفنوا المير‬
‫كليب كما تقدم الكلم ذبح الزير على قبره النوق والغنام وفرق‬
‫المال والطعام على الرامل‬
‫واليتام ثم جلس في الديوان وجميع الكابر والعيان وأبطال‬
‫الميدان والفرسان واخوانه الشجعان وقال أعلموا أيها المراء‬
‫والساده الكرام أن جساس أهانكم وقتل ابن عمكم وملككم‬
‫فاستعدوا لخذ الثار وكشف العار من بني بكر الشرار فلما سمعوا‬
‫منه هذا الكلم أجابوه الى ذلك‬

‫المرام وقالوا عن فرذ لسان أننا بين يديك ول نبخل بأراوحنا عليك‬
‫لن المير كليب لينتهي ولم تلد ةمثله النساء ثم انهم تحالفوا معه‬
‫وعاهدوه على الكرسي المملكه وبايعوه واجلسوه فلما تملك على‬
‫القبيله طرد امراه اخيه الجليله فسارت الى بيت ابيها وجواريها‬
‫وكانت جليله بولد ذكر سوف يأتي عند الخبر واستعد الزير من ذلك‬
‫اليوم لقتال القوم وحلف بأعظم القسامه بأنه ليشرب المدام‬
‫وليلتذ بطعام حتى يأخذ يأخذ ثأره بعد الحسام وينتقم من بني بكر‬
‫أشد النتقام‬
‫او انه يموت تحت ارجل الخيل وليبالي بالويل ثم امر الرؤساء‬
‫والقواد بجمع العساكر والجناد‬
‫وان يكون في استعداد للحرب فامتثلوا امره في الحال وتجمعت‬
‫الفرسان والبطال حتى امتلت الروابي والتلل وكانت قد انضمت‬
‫اليه عدة قبائل وامدوه في العساكر والجحافل حتى سار في‬
‫لربعمائة الف وقال لما بلغ بني بكر هذا الخبر اعتراهم القلق‬
‫والضجر وخافوا من العواقب وحلول النوائب فجمعوا المراكب‬
‫والكتائب وسار بهم المير الى الذئاب وهومكان شهير يبعد ثلثه أيام‬
‫عن قبيله الزير وهناك أنضمت اليهم بعض القبائل من العربان‬
‫فكانوا نحو ثلثمائه‬
‫ألف واقاموا في ذلك المكان ولما سمع الزير برحيل مرة واولدة‬
‫الى الديار قال ل بد أن اقتفي الثار وافني الكبار والضغار ثم امر‬
‫الفائد الكبير بسرعه المسير فامتثلوا ماامره وفعلوا ما ذكرة وفي‬
‫الحال دق طبل الرجوع فارتجت منه السهول والمروج وهو الطبل‬
‫الذي كان لتبع حسان ولم‬
‫تكن ال ساعه من الزمان حتى ركبت البطال والفرسان وركب‬
‫المهلهل متسربل بالسلح كأنه‬
‫ليث الغاب وعلى راسه الرايات والبنود ومن ‪.‬‬
‫الجزء الخامس‬
‫حوله القواد والجنود فعند ذلك سارت الواكب قاصده الذئاب وما زال‬
‫العسكر يقطع البر القفر اشرف الى تلك الديار في اليوم الثالث‬
‫عند نصف النهار ولما قرب وانكشف البيان وراه المير مرة ومن‬
‫معه من الرجال والفرسان قالوا وحق الله القدير المتعال لقد اقبل‬
‫علينا سالم الزير بالجموع والجماهير والفرسان المشاهير واليوم‬
‫تباع الرواح بيع السماح في عاجل الحال انتخب‬
‫المير مرة الف من البطال وارسلهم لملقاة العداء في تلك البيداء‬
‫وكان المقدم عليهم ابنه جساس وجماعه من علماء الناس فسار‬
‫الجحفل طالبا جيش الهلهل ثم فرق مائه الف اخرى في الصحراء‬

‫وقدم عليهم ابنه همام وحثهم على الحرب والصدام واقام هو بباقي‬
‫العسكر على الجانب اليسر حتى اذا انكسرت الفرقتان يحمل بمن‬
‫معه من الفرسان ولما شاهد المهلهل‬
‫تلك الحال وانقسام الرجال والبطال فقسم عسكره الى ثلثه‬
‫اقسام وتقدم ولما اقتربت العساكر من بعضها البعض وانتشر‬
‫جموعه في تلك الرض حملت الفرق على الفرق وهجم الجيش على‬
‫بعضه وانطبقوا وقصد المهلهل فرقه المير مرة بعشره الف من‬
‫اهل الشجاعه والقدره وفي الحال اشتبك القتال وعظمت الهوال‬
‫وجرى الدم وسال وارتحب الوديان والتلل من قعقعه النضال فكان‬
‫يوما مريعا وحربا فظيعا يشيب منه راس الغلم قبل الفطام فما‬
‫كنت ترى ال رؤوسا طائرة ودماء فائرة وفرسان غابرة فلله در‬
‫المهلهل ومافعل ذلك اليوم من العمل فانه هجم هجوم السود‬
‫وفرق المواكب والجنود ونكس الرايات والبنود وقتل كل جبار‬
‫ونمرود وكان كلما قتل فارس منتخب يقول يا لثارات كليب ملك‬
‫العرب ويلقى نفسه في مهاوي العطب امل بالنصر وبلوغ الرب‬
‫ومازال على تلك الحال حتى قتل خمسمائة من البطال ولما اشتدت‬
‫الهوال تأخرت عنه الرجال خوفا من الهلك والوبال وهو يجول‬
‫ويدور ويهدر كالسود والنمور ويقول كليبا قتيل الجور اين عيناك‬
‫اليوم تراني وتشاهد حربي وطعاني فياليتني كنت فداك ول كان من‬
‫يسلك ( قال الراوي ) وكانت نيران المعامع والحروب والوقائع‬
‫مشتبكه في ثلثة مواضع واستظهرت جيوش المهلهل على اعدائها‬
‫وبلغت غاية مناها وفعلت باقي الفرق كما فعل سيدها واستمر‬
‫القتال على هذا الحال من الظهر الى غروب الشمس وكان قد قتل‬
‫من بني بكر أوفى من ثلثين الف نفس ومن جماعة المهلهل نحو‬
‫خمس الف بطل فعند ذلك دقت طبول النفصال فارتدت عن بعضها‬
‫الفرسان ونزلوا في الخيام والمضارب ورجع المهلهل وهو قاهر‬
‫وغالب كأنه أرجوان مما سال عليه من أدميه الفرسان فاجتمع‬
‫بالسادات والعيان في الصيوان فهنوه بالسلمة وقالوا مثلك تكون‬
‫الشجعان يازينة الكوان وجوهرة هذا الزمان فشكرهم على هذا‬
‫الكلم ووعدهم بالخير والنعام ثم أكلوا الطعام وأخذوا يتذاكرون‬
‫بأمر الحرب والصدام وكان المهلهل صديق يركن اليه ويعتمد في‬
‫أموره عليه قوي الجنان فصيح اللسان يقال له امرؤ القيس ابن ايان‬
‫وكان يقاربه بالفروسيه ويساويه بالفصاحه والهمه العاليه فقاتل‬
‫معه في ذلك اليوم وفتك في صناديد القوم وكان ليفارق الزير في‬
‫القتال ويحمي ظهره من غدر الرجال فقال له المهلهل أمام‬
‫الفرسان ماهو رأيك يا ابن ايان في الهجوم على العداء اللئام تحت‬
‫جنح الظلم فاني والله كلما اذكر قتل كليب تتوقد بقلبي النيران‬

‫وليس لي عنه صبر ولسلوان فقال تمهل ياأمير مهلهل فان النهار‬
‫قد اقترب ولبد لنا من بلوغ الرب لن القتال في الليل يجلب علينا‬
‫الهم والويل فتختلط الحزاب بالحزاب ولتعود تعرف العداء من‬
‫الحقاب لن الظلم يحجبنا بعضنا البعض ونتشتت في هذه الرض‬
‫فاستصوب كلمه الزير فقال هكذا اشارت فرسانه ‪:‬‬
‫( قال الراوي ) وبات الجيشان يتحارسان وأوقد النيران فكانت بنو‬
‫بكر وباقي قبائل العرب قد باتت في شدة وتعب وأيقن المير مرة‬
‫انه يغلب ويقهر من سيف الزير السد السود ولما اصبح الصباح‬
‫واضاء بنوره ولح تبادرت العساكر الى ميدان الحرب والكفاح‬
‫واصطفت الفرق الى صفوف وترتبت المئات واللوف وتأهب‬
‫المهلهل للحرب واستعد للطعن والضرب فركب ظهر الحصان وتقدم‬
‫الى معركة الطعان وتبعه امرؤ القيس بن ايان وقواد البطال‬
‫والفرسان بقلوب أقوى من الصوان وكذلك ركب المير مرة وبقية‬
‫الفرق واعتقلوا بالسلح والدروع فعند ذلك دقت الطبول وصهلت‬
‫الخيول وارتفعت الرايات على رؤوس المراء والسادات من جميع‬
‫الجوانب والجهات وهجم كل فريق على فريق وتقاتلوا بالسيف‬
‫والمزارق والتفت المم بالمم وقام الحرب على ساق وقدم وما‬
‫مضى ساعة من النهار حتى اشتد لهيب النار وطلع للقتال الغبار‬
‫وانذل الجبان وحار وارتفع الصياح وعل وارتجت أقطار الفل ولبست‬
‫الرض من الدماء حلل وعظم بنيهم البل والويل وعاد النهار كسواد‬
‫الليل وقال المهلهل في ذلك اليوم وما قصر وفعل افعال تبقى‬
‫وتذكر فانه أقتحم صفوف العادي كانه ليث الوادي وحال المامن‬
‫والمياسر وطعن فيها طعنا يذهل النواظر ويحير العقول والبصائر‬
‫وهو يقول يالثارت كليب مهجه قؤادي ومن كان سندي واعتمادي‬
‫ولما طال المطال واشغى غليله من قتال البطال قال ‪:‬‬
‫ذهبت الصلح او تردوا كليبا اونبيذ اليين نطرا ذهل‬
‫ذهبت الصلح او تردوا كليبا او نعم السيوف شيبان‬
‫ذهبت الصلح او تردوا كليبا او ازهق الرجال قهرا وذل‬
‫فتعجب الفرسان من شعره ومقاله وانذهب من هول قتاله وكذلك‬
‫اندهشت باقى ابطاله باقى ومازال الحرب يعمل الدم يبذل والرجال‬
‫تقتل الى ان ولى النهار وارتحل ودخل الليل واقبل فعند ذلك رجع‬
‫المير المهلهل وباقي الجيش والجحفل وجميع أكابر عشيرته وأهله‬
‫وأخوته يتحادثون فيما يجري ويكون فاستقر الرأي على سرعة‬
‫النجاز والجهاد في الحرب والبراز قبل أن يطول المر وتفوتهم‬

‫الغلبه والنصر ثم انهم اكلوا الطعام باتوا في الخيام ولما طلع النهار‬
‫واشرقت الشمس والنوار تأهبوا للحرب والكفاح فتقلدوا بالسيوف‬
‫والرماح ودقوا الطبول وركبوا ظهور الخيل وتقدمت الفرسان‬
‫والبطال الى ساحة القتال وكذلك فعل المير مرة والمير جساس‬
‫ومن يلوذ بهم من عظماء الناس والتقت العساكر بالعساكر وتقاتلوا‬
‫بالسيوف والخناجر وكان المير المهلهل في أول الجحفل فصاح‬
‫وحمل والتقى الفرسان بقلب أقوى من الجبل وهو يهدر كالسد‬
‫ويضرب فيهم بالسيف المهند ويقول يالثارات كليب ليث الصدام‬
‫وزينة الليالي وكان كلما قتل فارسا يعيد هذا الكلم فقصدته‬
‫البطال من اليمين والشمال وهو يضرب فيهم الضرب الصائب‬
‫وليبالي بالعواقب حتى مزق الصفوف بحملته وفرق اللوف بتواتر‬
‫طعناته وما تنصف النهار حتى قتل مائه بطل كرار من البطال‬
‫والفرسان المذكورة كذلك فعل امرؤ القيس ابن ايان وباقي القواد‬
‫والشجعان ومازالوا على تلك الحال الى ان ولى النهار بارتحال‬
‫فارتدوا عن الحرب والصدام ورجعوا الى المضارب والخيام وكان قد‬
‫قتل من عرب جساس في ذلك النهار عشرون الف بطل كرار ومن‬
‫عرب المهلهل نحو ثلثة الف بطل ولما اصبح الصباح استعد‬
‫الفرسان للحرب والكفاح فركبوا ظهور الخيول وتقاتلوا بالسيوف‬
‫والنصول وهجم المهلهل على الفرسان الفحول كأنه الغول وهو‬
‫ينشد ويقول ‪:‬‬
‫هلموا اليوم نلتقي يا ال مرة ولو كانوا ثلثين الف كرة‬
‫وسيف الهند يقطع في يميني فلتخشى المهالك والمضرة‬
‫فاحموا يا بني عمي لظهري فتحظوا بالماني والمسرة‬
‫فكل الناس ترهب من قتالي اذا ما جلت في الميدان كره‬
‫سوف ابيد جساسا وقومه واسقيهم في حربي كاس مرة‬
‫ثم انه لما حمل على الكتائب والمواكب واظهر بافعاله الغرائب‬
‫والعجائب وقتل كل شجاع غالب ‪:‬‬
‫(قال الراوي ) وما زال القوم في حرب وصدام وقتل وحصام مدة‬
‫ثلثه شهور حتى اشفى الزير غليله من بني بكر وقتل منهم كل سيد‬
‫جليل وفارس نبيل وكان عدد من قتلهم في تلك المواقع نحو مائه‬
‫الف مقاتل مابين فارس وراجل وقتل من جماعه الزير نحو عشرة‬
‫الف بطل فلما راى جساس ما حل بقومه من النوائب خاف من‬
‫العواقب وعلم انهم اذا ثبتوا امامهم يهلكون هلك البد ليبقى منهم‬
‫احد فولى وطلب لنفسه الهرب مع باقي طوائف العرب وغنم الزير‬
‫غنائم كثيرة‬

‫واموال غزيره ثم رجع يمن معه من الفرسان الى الطلل وهو في‬
‫احسن حال وانعم بال ونزل في قصر اخيه وصارت ملوك العرب‬
‫تكاتبه وتهادنه وكان يترقب الوقات للحرب والغزو فشكرته‬
‫اليمامه على ما فعل وقالت لعدمتك ايها البطل فانك اخذت الثار‬
‫وطغيت لهيب النار ورجعت بالعز والنتصار فشكرها على هذا الكلم‬
‫وقال حق رب النام ليشفى فؤادي وليطيب لذيذ رقادي حتى اقتل‬
‫المير جساس واجعله مثل بين الناس وهذا المر سيتم عن قريب‬
‫باذن الله السميع المجيب ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) بينما هو يترقب الخبار ويقتفي الثار اذ دخل عليه‬
‫العبد نعمان الذي تقدم ذكره قبل الن وكان من اصحاب الزير‬
‫واصدقائه المشاهير فسلم عليه وتمثل بين يديه فنهض له على‬
‫القدام واكرمه غايه الكرام وبعد ان جلس قال للزير اعلم يا امير‬
‫قد جيت الن من ابعد مكان اول‬
‫لهئيك بالنتصار واعزيك على فقد ذلك البطل الكرار وثانيا لعلمك‬
‫بانه ظهر لي المنام من مده عشرة ايام رؤيا عجيبه تشير الى احوال‬
‫غريبه وهو النهار ان تحارب احد من ملوك القطار بل‬
‫تجنب وقوع الفتن وتبقى مرتاح في الوطن فمتى تمت هذه الليالي‬
‫رافقك السعد والقبال باذن الله المتعال فأن حاربت انتصرت وان‬
‫قاتلت ظفرت وقهرت فشكره الزير على ذلك الهتمام وغمره‬
‫بجزيل النعام ومن ذلك اليوم اخذ لنفسه الحذر وتجنب مخالطه‬
‫البشر وكان يصرف ايامه بشرب المدام واكل الطعام واشتهر الخبر‬
‫في القبائل ان الزير اوقف الحرب مدة سبع سنين كوامل‬
‫(قال الراوي ) وكانت بني مرة قد هامت في القطار خوفا من‬
‫الهلك والدمار وندم جساس غايه الندم بقتل كليب السد الغشمشم‬
‫وما زال هو وقومه في خوف وحذر من عواقب المور الى ان بلغهم‬
‫خبر توقيف القتال فزالت عن قلوبهم الهموم والهوال ورجعوا الى‬
‫الطلل ‪.‬‬
‫هذا ما كان من بني مرة وجساس واما الزير الفارس الدعاس فانه‬
‫استمر على تلك الحال وهو في رغد عيش وانعم بال ان كانت نهايه‬
‫السنه السادسه فركب الى الصيد والقنص في جماعه من فرسانه‬
‫وابتعد عن الديار نحو ثلثه ايام ومن التفاق الغريب فان المير‬
‫جساس راى حلما في بعض الليالي وهو انه رقد في قرب صيوانه‬
‫حوض من الماء فبينما كانت قومه تشرب منه فاذا بذنب كاسر قد‬
‫جاء الى الحوض بصفه جمل كبير وله ثمانيه انياب فشرب من الماء‬
‫ثم ضرب الحوض بنابه فانشق من جانبه وتهور ذلك الماء حتى كادت‬
‫قومه ان تهلك من شده العطش والظمأ ثم راى النسوان والولد‬
‫بثياب السود والدم جاري مثل المجاري والجمال تنهش بعضها البعض‬

‫ودماها تسيل على وجه الرض فاستيقظ جساس خائفا من هول‬
‫ذلك المنام فاستدعى اليه اخوته وبنى العمال وقص عليهم ما راى‬
‫وابصر فاستعظموا ذلك المر وقالوا ليوجد من يقدر على تفسيره‬
‫سوى المنجمين فان حسن عندك ارسل استدعى عمار الرياحي فانه‬
‫يفسره لك على يقين فارسل اليه وحضر وقص عليه الخبر فضرب‬
‫ورسم الشكال فبانت له حقائق الحوال ثم التفت على جساس‬
‫ومن حضر هناك من الناس وقال لهم هذا المنام من عجائب اليام‬
‫وهو يدل على شر عظيم وخطب جسيم سوف يحل عليكم من سالم‬
‫بوقت قصير وقد اظهر لي ايضا بان اخ المهلهل عندة مهر ادهم‬
‫اسمة عندم قوي العصب والحيل عديم المثال في الخيل وسعد الزير‬
‫مقرون بهذا الحصان وبه وينتصر في الحرب والطعن فاذا ملكتم هذا‬
‫الجواد نلتم المراد واسرتموة في القتال والطراد ‪ .‬فلما سمع‬
‫جساس هذا الكلم استبشر ببلوغ المرام وقال لهم قد بلغنا بان‬
‫الزير غائب عن القبيله وما في الحي غير النساء والحصان موجود‬
‫في الديار وهذه ازالة الغصه ثم انه ارسل رجل ليكتشف الخبر ثم‬
‫رجع واخبره بصحه الكلم فعند ذلك ركب جساس في ثلثه الف بطل‬
‫وطرق باب المهلهل على عجل واحاط بساحه الدار من اليمين‬
‫واليسار فاستعظم بنات كليب ذلك المر ولم يعلن ذلك السبب‬
‫فطلت اليمامه براسها من الشباك وقالت له اركب على ظهر‬
‫الفرس ماهو الداعي ياخالي بقدومك الى الحي بالبطال والحي‬
‫خالي من الرجال فقال لها جئنا بطلب المهر الدهم المدعو بعندم‬
‫فقالت له اهل وسهل بك مهما طلبت فل نمسكه عنك غير انه ل‬
‫خفاك بان المهر خاصه بعمي عديه فل يمكننا ان نسمح فيه ثم‬
‫اشارت تقول‪:‬‬
‫بكم قد حلت البركه علينا وزال الشر عنا مع نكال‬
‫فمهما تطلبوا مني تشوفوا خيول مع بغال وجمال‬
‫ولكن مهر عمي غير ممكن اسلمه فان المهر غالي‬
‫( قال الراوي ) فلما سمع جساس شعرها ونظامها أجابها يقول على‬
‫كلمها بهذين البيتين ‪:‬‬
‫تعالوا اسمعوا قول اليمامه تقول المهر ل أعطيه غالي‬
‫فأني قاصد أخذه سريعا ول أخشى العداة ول أبالي‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره نزل عن ظهر الفرس‬
‫ودخل الى الصطبل فوجد المهر فوضع عليه العدة وركبه وقال‬

‫لليمامه قد أخذت الحصان وغدا أطاردكم على ظهره سار وهو‬
‫فرحان حتى وصل الى الوطان فقال لخيه قد اتيت بالحصان‬
‫ومرادي اجربه في الميدان فانتخبوا ثلثين راسا من الخيل الصوافن‬
‫فأركبوها واكمنوا في عشر مكامن وأنا أمر عليكم أسرع من الريح‬
‫فاتبعوني في البر الفسيح فان سبق هذا الجواد بلغنا به المراد في‬
‫الحرب والطراد فأجابوه الى ماطلب وأراد وركبوا الخيول الجياد‬
‫وركب سلطان أخو جساس القميرة ووقف في آخر كمين وركب‬
‫جساس ذلك الحصان واطلق له العنان فسار في تلك القفار اسرع‬
‫من الطير اذا طار ولما اقترب من الخيل تبعته فسبقها جميعا ماعدا‬
‫القميرة ففرح جساس ثم نزل عن ظهره وامر العبيد ان يربطوه‬
‫بقرب صيوانه ووكل به مئة عبد وقال لقد اقبل علينا السعد فسوف‬
‫نقتل ذلك الوغد ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) هذا ماكان من جساس واما الزير فانه عند رجوعه‬
‫من الصيد استفقد ذلك الحصان فلم يجده مع الخيل فصعد الى‬
‫القصر وسأل اليمامه واشار يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل بدمع قد جرى مني بداد‬
‫يمامه رحت انا لصيد قانص وقومي واخوتي ثم الجياد‬
‫لنا عشرون يوما في فلوة ودرنا من بلد الى بلد‬
‫وصدنا طيورا ووحوشا كثيرة ودرينى رجعنا للبلد‬
‫وجيت لمهر أخي فما لقيت شرد عقلي وعني عاد غاد‬
‫فأين المهر قوطر يايمامه عدم صبري وفارقني رشادي‬
‫امات المهر أم أحد أخذه من الوباش والناس العادي‬
‫فلما سمعت اليمامه شعر عمها اجابته تقول‪:‬‬
‫تقول اليمامه ياعم اسمع ال ياعم جاؤوا العادي‬
‫ابي جساس أخذه غصب عني انا حرمة ومالي منه جلدي‬
‫فقلت تأخذه يا خال تندم يجوكم غدا على خيل جيادي‬
‫وقال غدا القيكم بعزمي وقد زادت همومي بزدياد‬
‫له ياعم ثلث ايام غائب وقد زاد حزني بزدياد‬
‫فقم ياعم شد الخيل وركب بعسكر كأنهم رف الجراد‬
‫وميل على بني مرة بسيفك واحصد جمعهم مثل الحصاد‬
‫ياعمي عدية اليوم يومك ياعزي وفخري واعتمادي‬
‫وهاتوا راس جساس سريعا اجبر خاطري واشفي فؤادي‬
‫فلما فرغت من شعرها ونظامها اجابها الزير يقول ‪:‬‬

‫يقول الزير قهار العادي انا السبع الجسور في كل وادي‬
‫غدا لبد اجد في لقاهم واحصد جمعهم يوم الجهاد‬
‫وأخذ ثارنا من آل بكر واطفي النار من طي الفؤادي‬
‫وأخذ مهرنا المدعو بعندم ويظهر ذكرنا بين العبادي‬
‫فمن يذهب يقول لولد مرة اتاكم اليوم ذباح العادي‬
‫اتاكم المهلهل مع آل تغلب اسود الحرب في يوم الطراد‬
‫ال يا آل مرة سوف اشفي بقتل ساداتكم فؤادي‬
‫وليخفاكم يا آل مرة بقتل كليب صرتم لي أعادي‬
‫فلما فرغ الزير من شعره دخل وجلس في الديوان وجمع اخواته‬
‫والمراء والعيان واخبرهم بواقعة الحال وقال لهم مارايكم في‬
‫اسجلب الحصان فقالوا له الراي رايك ونحن طوع يديك قال متى‬
‫كان الصباح تركبوا في ثلثة الف فارس وتكمنوا في وادي الهجين‬
‫وانا اكمن في وادي المطل وكان هذا المكان يبعد عن بني مرة‬
‫مسافة ميل ثم قال لخيه عديه وانت قم الن وغير ثيابك وزيك‬
‫والبس ثياب ممزقه حتى لأحد يعود يعرفك واذهب لحي بني مرة‬
‫وتجلس بقرب صيوان جساس فاذا سألوك عن بلدك ومهنتك فقل‬
‫لهم من بلد الصعيد ومهنتي هي سياسة الخيل وانا قد بلغني ان‬
‫جساس من محبته في الحصان كل يوم يسلمه الى سايس فاذا قال‬
‫لك هل تريد ان تخدم عندي وتسوس هذا المهرفقل نعم حتى اذا‬
‫تمكنت منه تركب ظهره وتلحقنا الى ذلك المكان فمتى صرت هناك‬
‫لتخف ول تحسب لهم حساب ولو كانوابعدد التراب فاني سأبيد‬
‫جمعهم بعون رب العالمين واخذ ثارنا من جساس اللعينفاستصوب‬
‫رايه ولبس ثياب ممزقه وتعمع بعمامه والتحف بحرام عتيق وغير زيه‬
‫وتنكر وسار يقطع البر القفر الى ان حي بني مرةفقصد صيوان‬
‫جساس وكان قد اقبل الليل فرقد بين اطناب الحيام ولما كان‬
‫الصباح جلس المير جساس واجتمعت حوله اكابر الناس ثم وضعوا‬
‫موائد الطعام واخلوا يتذكرون بالكلم فبينما هم كذلك اذ حانت من‬
‫جساس التغاته فراى عديه وهوعلى تلك الصفات فشفق عليه وقال‬
‫لبعض غلمانه اطعم هذا الفقير واساله عن حاجته فأحذ له الغلم‬
‫طبق الطعام وساله عن بلده‬
‫فقال انني من بلد الصعيد ومهنتي سياسه خيل الماجيد فقد جار‬
‫على الزمان فأتيت منالوطان قاصدا اهل الفضل والحسان الى ان‬
‫وصلت الىهذا المكان فطيب الغلم خاطره واعلم موله بحاله فقال‬
‫جساس اذا كان منبلد الصعيد فهو ادراء بسياسه الخيل من العبيد‬
‫فدعوة يسوس لنا عندم المهر الجديد وانا اعطيه كل ما يريد ونا‬

‫وجدته من الماهرين سلمته جميع خيلي وجعلته رئيس اصطبلي فلما‬
‫قال له الغلم هذا الكلم دعا لجساس بطول العمر ثم ان تحزم‬
‫وتقدم الى المهر ففك قيود رجليه وقبله بين عينيه وقال هذا يومك‬
‫يا جوادي فقد بلغت الت مرادي وكان المهر لماراى صاحبه عرفه‬
‫فمال اليه وألفه فتعجب جساس وباقي الناس لن الجواد كان‬
‫ليالف‬
‫احد من العبيد الموكلين عليه من قاربه ضربه بيده ورجله فقال‬
‫جساس وحق رب النام ان هذا السيائس يستحق الكرام والنعام‬
‫وكان عديه لما تمكن من المهر ركب على ظهره ثم لكزه برجليه‬
‫وصاح فسار مثل هبوب الرياح وجد في قطع البطاح كأنه طير بل‬
‫جناح فلما راى جساس‬
‫تلك الحال تغيرت منه الجوال وعلم انها حيله قد تمت عليه ولطم‬
‫على خديه ووجهه وصاح على البطال والفرسان وقال دونكم هذا‬
‫الشيطان فقد احتال علينا وخدعنا بالمكر والحتيال حتى نال طلبه‬
‫بلغ قصده واربه فعند ذلك ركبت الفرسان ظهور الخيول واعتقلوا‬
‫بالسيوف والنصول وتبعوه في تلك السهول وهم يصيحون وراءة‬
‫ويجدون في قطع الفله الى ان وصل الى ذلك الوادي الغدير فوجد‬
‫احاه الزير وهو كامن هناك في جماعه من البطال صناديد الرجال‬
‫فاعلمه بواقعة الحال فقال خذ حذرك الن فقد اتتك الفرسان من‬
‫كل جانب ومكانفبتسم المهلهل وقال سوف تراى ما افعل ثم انه‬
‫نزل عن ظهر حصانه واعطاه لحيه واخذا المهلهل الدهم ووضع‬
‫عليه عدة جواده ثم ركب وتلملم واذا بالخيل والمواكب قد احاطت به‬
‫من كل جانب وصاح عليهم وحمل بقلب اقوى من الجبل ومل عليهم‬
‫بالحسام كانه ليث الجام فطير الرؤوس عن الجسام وفتك فيهم‬
‫فتك الذئاب بالغنام وفي اقل من ساعه ادركته بقيه الجماعه الذين‬
‫كانوامكمنين في وادي الهجينفانصبوا عليهم كالشوهين من الشمال‬
‫واليمين وكان قد وصل الحبر الى جساس فأخذه القلق والوسواس‬
‫فركب بباقي البطال ومن يتمد عليهم من الرجال وقصد ذلك‬
‫المكان وقاتل قتال الشجعان واتقت الرجال بالرجال والبطال‬
‫بالبطال وعظمت الهوال وجرى الدم وسال وكثر القيل والقال‬
‫وتزلزلت الرض من هول القتالوكانت واقعه عظيمه لميسمع بمثلها‬
‫في اليام القديمه انهزم فيها جساس اقبح هزيمه وغنم المهلهل‬
‫غنيمه جسيمه لهاقدر وقيمه ورجع الى الديا روالعز والنتصار‬
‫فالتقته النساء بالدفوف والمزامير ثم طلع الى القصروهو منشرح‬
‫الصدر فشكرته بنت اخيه على مافعل وقلن لله درك من بطل فقد‬
‫احذت الثار وطفيت من القلوب لهيب النار فالله يحفطك ويبقيك‬
‫وينصرك على حسادك واعاديك فشكرهن على هذا الكلم وبعد ان‬

‫خلع ثيابه جلس للطعام وشرب المدام ثم دخلت امه فقبلته بين‬
‫عينيه وهنأته بذلك النتصار وطلبت منه ان يرفع عن بني مرة‬
‫السيف البتار فاستقبلها بالوقار والعتبار وقال لها والله اني ل‬
‫أصالحهم يا أماه حتى يعود كليب الى قيد الحياة ثم تذكر تلك الواقعه‬
‫وما جرى له في تلك اليام مع القوم فأنشد يقول وعمر السامعين‬
‫يطول ‪:‬‬
‫يقول الزير أبو ليلى المهلهل وقلب الزير قاسي ما يلينا‬
‫وان لن الحديد ما لن قلبي وقلبي من حديد القاسيينا‬
‫تريدي يا أميه أن أصالح وماتدري بما فعلوه فينا‬
‫فسبع سنين قد مرت علي أبيت الليل مغموما حزينا‬
‫أبات الليل أنعي في كليب أقول لعله يأتي الينا‬
‫كان كليب في رؤوس المعل تغشاه ذئاب الجائعينا‬
‫أتتني بناته تبكي وتنعي تقول اليوم صرنا حائرينا‬
‫فقد غابت عيون أخيك عنا وخلنا يتامى قاصرينا‬
‫سللت السيف في وجه اليمامه وقلت لها أمام الحاضرينا‬
‫وانت اليوم يا عمي مكانه وليس لنا بغيرك معينا‬
‫وقلت لها ما تقول أنك عمك حماة الخائفينا‬
‫كمثل السبع في صدمات قوم أقلبهم شمال مع يمينا‬
‫فدوسي يا يمامه فوق راسي على شاشي أذا كنا نسينا‬
‫فان دارت رحانا مع رحاهم طحناهم وكنا الطاحنينا‬
‫أقاتلهم على ظهر المهر أبو حجلن مطلوق اليمينا‬
‫فشدي يا يمامه المهر شدي وأكسي ظهره السرج المتينا‬
‫وهاتي حربتي رطلين وازود وحطيها على عدد متينا‬
‫ونادي على عدية وكل قومي صناديد الحرب المانعينا‬
‫ونادي أخوتي يأتوا سريعا لنلقي جيش بكر أجمعينا‬
‫فنادتهم أتوا كأسود غاب وقالوا قد اتينا يا أخينا‬
‫وياتوا يحرسون الليل كله وقضوا الليل كله وساهرينا‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من شعره ونظامه شكره الجميع على‬
‫مقاله وباتوا تلك الليله في سرور وانشراح ولما اصبح الصباح وأضاء‬
‫بنوره ولح أمر الزير قومه بالستعداد للحرب فركب ظهر الجواد‬
‫وتبعته الفرسان والقواد وقصدوا بني مرة بقلوب قويه وهمم عليه‬
‫فالتقاهم جساس مع أخوته وأهله واشتبك بينهم القتال وعظمت‬
‫الهوال وابتلت بني مرة بالبلء والويل وكان الزير يحصد فيهم‬
‫بالنهار والليل واستمر القتال بين الفريقين مدة سنتين حتى فقد‬
‫من بني مرة في هذا الحرب الخير نحو اثني عشر الف أمير عدا‬

‫السادات والكابر والجيوش والعساكر وكان الزير يأمر قومه بقطع‬
‫الرؤوس ووضعها في المخازن لنه كان قد اقسم بالله العظيم ان‬
‫سيملي البيوت من جماجمهم وباقي الماكن فلما طال المطال‬
‫واشتدت على بكر الهوال اجتمعت اكابر الناس مع المير جساس‬
‫واخذوا يتفوضون كيف يتخلصون لن الزير ليقبل منهم فدى وجميع‬
‫وسائطهم التي استعملوها في توقيف الحرب راحت سدى فقال‬
‫سلطان لخيه جساس أعلم يا أخي بأن الزير في كل صباح يمر على‬
‫قبر أخيه فيجيبه بالسلم ويقول له قد قتلت في ثأرك فلن وفلن‬
‫فهل اكتفيت أم ل فل يجيبه أحد فالرأي عندي ان انتخبوا رجل‬
‫وتضعوه داخل القبه بحيث ليراه أحد فإذا مر الزير على القبر حسب‬
‫عادته وسأل أخاه ذلك السؤال فيجيبه الرجل بصوت خفيف من قلب‬
‫ضعيف لقد اكتفيت ياأخي فاغمد سيفك من هذا اليوم عن قتال‬
‫القوم واياك أذية البشر فان ذلك مما يجلب علي الضرر فاذا سمع‬
‫هذا المقال فلربما ينطلي عليه المحال فيكف عن الحرب والقتال‬
‫فنستريح من القيل والقال فاستصوب جساس وباقي العيان رأي‬
‫المير سلطان‬
‫( قال الراوي ) وكان في القبيله رجل فقير الحال عديم الشغال‬
‫فاستدعاه جساس اليه وقص ذلك الكلم عليه وقال له اذا بلغنا الرب‬
‫ولكن الطريقه خطره قبيحة فأخذ جساس يحسه بالكلم ويرغبه في‬
‫هذا بالشعر والنظام ‪:‬‬
‫على ماقال جساس بني مرة ال يافارغ الشغال اسمع‬
‫فلي عندك حاجه صغيرة فتقضيها سريعا لم ترجع‬
‫فان الزير ل شانا جميعا وفرق جمعنا في كل موضوع‬
‫ول يقبل رجاء ول عطايا وعن الفعال ماكان يرجع‬
‫بثار كليب صرنا شرايد أعدم في الوغى كل ليث أروع‬
‫يمر في قبره في كل صباح ويزعق بصوت للكباد يصدع‬
‫يقول ال نعمت أخي صباحا ايكفي ماقتلت تريد ارجع‬
‫فاذهب واختبي بالقبر حال اذا صاح المهلهل انت تسمع‬
‫اذا سألك أحارب أو اصالح اجيبه انت محفوظ ارجع‬
‫ان رضيت منهم نلت ثأري وانت بقتلهم ل عدت تطمع‬
‫لعله يظن انك انت اخيه فيصفح عن مآلمنا ويرجع‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من هذا المقال قال له عديم‬
‫الشغال على الراس والعين ولما كان الليل حفروا سردابا وصلوه‬
‫الى القبر وادخلوا ذلك الرجل فيه ولما كان الصباح ركب الزير ظهر‬
‫الحصان وتبعه البطال والفرسان ومر على قبر اخيه حسب عادته‬

‫ونادى بصوت عال نعمت صباحا يا أخي كليب فقد قتلت في ثأرك‬
‫نهارا امس خمسة آلف نفس أيكفي ما قتلت منهم او ارجع افنيهم‬
‫عن بكرابيهم فاجابه ذلك الرجل من القبر بصوت خفيف وانت انعمت‬
‫صباحا يا اخي الحنون يا ساقي الضد كاس المنون كف الحرب فقد‬
‫اكتفيت وان قاتلتهم بعد اليوم تكون قد تعديت‬
‫وبغيت فتزيدني ضررا وغما وكدرا فان نفسي قد بلغت مناها ونالت‬
‫مشتهاها فكثرت خير اتك وزادت في الدنيا مسرتك ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) فلما سمع الزير هذا الكلم زالت اتراحه وزاد فرحه‬
‫وانشراحه وقال سبحان الرحمن الرحيم الذي يحي العظام وهي‬
‫رميم انت يا اخي بخير ونحن بعدك نقاسي الضنك والضير‬
‫ثم نزل عن ظهر الحصان ودخل الى القبر وهو فرحان وقال اذا كنت‬
‫بخير يا ابا اليمامه فماهي هذه السكته والقامه بعد العز والكرامه‬
‫فقم الى عند بناتك فانهن في حزن وكدر ثم تقدم اليه وتامل فيه‬
‫بالنظر فراه انه ذلك الرجل المعهود فغاب المهلهل من الوجود‬
‫فجذبه من لحيته واخرجه من السرداب وقال له اصدقني بالحطاب‬
‫فمن انت ومن تكون قبل ان تشرب كاس المنون‬
‫فأعلمه بواقعه الحال وحقيقة العمال فسل السيف ليقتله وقد‬
‫اغاظه فعله فقال انابجيرة كليب اخيك فل كان من يعاديك وقد‬
‫جرني جهلي من قله عقلي حتى جراى ما جراى يا فخر الوراى ‪.‬‬
‫فلما سمع الزير كلمه ابدى ابتسامه فصفح عنه واعطاه جوادا من‬
‫اطايب خيل العرب والف دينار من الذهب فدعا له بطول العمر وخرج‬
‫من القبر وهويقول ‪:‬‬
‫والله ان المير كليب يحمي اليوم الخائف في مماته كما كان يحميه‬
‫في ايام حياته ثم راجع الى القبيله وهو يتعجب من تلك الحيله وفي‬
‫الغد ركب فرقه من البطال وقصدوا بنو مرة واشتبك بينهم القتال‬
‫وعظمت الهوال وما زالوت في قتال وصدام مدة عشر ايام‬
‫فانكسرت بنو مرة انكسار وقتل الزير مقتله عظيمه المقدار وكان‬
‫ياتي براس سادات الجماعه فيضعها على قبر كليب مدة ساعه ثم‬
‫يدفنها تحت الثرى ويبني فوقها القصور والقرى وكان كما اقبل‬
‫منالحرب في المساء تلتقيه اليمامه مع جماعه من النساء فتقول يا‬
‫سيد الناس هل اتيت براس جساس حتى‬
‫نخلع السواد ويطيب الفؤاد فيقول كوني براحه بال فسوف تبلغين‬
‫المال باذن الله المتعال هذا ماكان من المهلهل واما جساس فانه‬
‫قد استقبل ولما ضاق به الحال اجتمع اهله وعشيرته وعقدوا بينهم‬
‫ديوانا فاستقر رايهم على ان يذهبوا الى بلد الحبشه والسواد‬
‫ويلجاوا بالملك الرعيني ابن احت اللتبع حسان فركب في ثاني اليام‬
‫احوته واكابر عشيرته واحذمعه احته الجليلهلتشفغ لهم عند حريم‬

‫الملك الرعيني وبقي اخوة شاويش في الحي وكان هذا الرجل يحب‬
‫الزير من ايام صباه فعند رجيل جساس حضر شاويش الىعند الزير‬
‫واعلمه بما جرى وكان من مسير الزير احواته عند ملك الحبشه‬
‫والسودان فأعطاه الزير المان وقال له انيما عدت احاربكم من الن‬
‫حتى تحضر اخواتك الى الوطان بالبطال والفرسان وتوقف الزير‬
‫من ذلك اليوم عن محاربه القوم وصار يصرف اوقاته في بالصيد‬
‫والقنص هذا ما كان من المهلهل واما جساس فانه قدجرى في قطع‬
‫القفار حتى وصل الى بلد الحبشه وتلك الديار ودخل على الملك‬
‫الرعيني‬
‫ووقع عليه بعد ما اعلمه بحالتهم الحاضره وطلب منه النجده‬
‫والمساعدة على حرب الزير ايضا بان كليب قتل خاله تبع حسان‬
‫وقتله هووبقتله قام اخوه الزير يحاربهم حتى كاد ان يفنيهم فلما‬
‫سمع ا لرعيني هذا الكلم قال لقد بلغت اليوم منكم المرام ولبد من‬
‫ذبحكم بحد الحسام لنكم من قوم لئام قتلتم خالي واتيتم‬
‫تستجيرون بي ثم امر بقبضهم وكانت الجليله واقفه على باب‬
‫الصيوان وهي مثل الطاووس لبسه افخر الملبوس كانها العروس‬
‫فلما شاهدت ما جرى على قومها خافت من العواقب فشقت‬
‫المواكب وتمثلت امام الرعيني فقبلت اياديه ودعت له بطول العمر‬
‫فلما راها الرعيني تعجب منفرط حسنها فمال قلبه اليها ووقع في‬
‫شرك هواها فقال لهامن تكونين يا مهجة الفؤاد وبغيه المراد فقالت‬
‫له اخت القوم الذين امرت بقبضهم بدون ذنب ثم اشارت تقول‬
‫ما قالت الجليله بنت مرة ايا ابوفهد اصحى دير بالك‬
‫وانظر ياسياج البيض فينا وانظرالذي وقفوا قبالك‬
‫انا لقيتك يا ملك البوادي يا من بالمل شاعت فعالك‬
‫ملوك الرض كنا يامسمى فانت نظيرنا ونحن مثالك‬
‫فالذي جرى كله مقدر ايا فخر الورى من قتل خالك‬
‫قتل خالك كليب في حسامه وقام اخي الذي واقف قبالك‬
‫قتل لكليب خالك بسيفه كرمت خاطرك واصفي بالك‬
‫ظهر لكليب اخ اسمه المهلهل حرمنا النوم زاد الله مالك‬
‫قتل منا اماجيد كثبره اتيننا واقفين على ديارك‬
‫فهذا اليوم يومك يا مسمى فدق الطبل واركب في رجالك‬
‫وسر معنا الى الزير المهلهل فقتله ودسه في نعالك‬
‫وحكم سائر العربان يا ملك على امولهم تبقى حللك‬
‫ولتشمت العدا يا امير فينا اتينا لك وصرنا من عيالك‬
‫وانت صميدع شهم كريم جميع الخلق تفزع من خيالك‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت الجليله من نظامها وفهم فحوى قصدها‬

‫ومرامها ثارت في راسه الحميه وقال قد فهمت قولك يا صبيه ثم‬
‫اشار يقول عمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫قال الرعيني ابو فهد قال ال يا جليله اسمعي المقال‬
‫وانتم افهموا قولي ياملوك اولد مرة ترونى الهم زايل‬
‫اتيتم تلتجوا في الجميع وقعتم على وقع العيال‬
‫من جور الزير يا أهل الكرم دهاكم ضناكم رماكم بحال‬
‫فو حياه راسي ورحمت ابي من خلق الرض وارسى الجبال‬
‫لركب عليه بكل الفحول واجرد عساكر شبه الرمال‬
‫واقتل اعداكم بجاه السيوف وانا ادع الزير في سوء حال‬
‫جليله طيبي انت وابشري انا فداء أخوك بحد النصال‬
‫أيا أخي غطاس انهض الن واجمع الفوارس والبطال‬
‫نادي على الجيش ان يركبوا يلبسوا الزرد والنصول الصقال‬
‫ودقوا الطبول وشدوا الخيول وامشوا الفحول شبه العذال‬
‫فدعنا نسير نزيل عسير عن اولد مرة هذا النكال‬
‫( قال الرواي ) فلما فرغ الرعيني من كلمه نهض أخو غطاس‬
‫الوزير وجمع البطال والفرسان والعساكر السودان ونادى المنادي‬
‫ان السفر يكون بعد ثلثة ايام ولما تجهزت العساكر للمسير لحرب‬
‫الزير كان عندهم ستمائة الف بطل ففرح جساس ومن معه من‬
‫الناس فلما رأوا تلك السهول قد امتلت بالخيول وفي اليوم الثالث‬
‫دقت الطبول ولمعت النصول وسارت العساكر كالبحور الزواخر في‬
‫أولهن الملك الرعيني واكابر دولته وجساس وباقي عشيرته ومازالوا‬
‫يقطعون البراري والكام حتى وصلوا الى بلد الشام فاارسل‬
‫جساس يعلم قومه بقدوم هذا العسكر وأن يهيئوا لهم الطعمه‬
‫والذخر فلما سمعوا هذا الخبر فرحوا فرحا عظيما وهيئوا لهم‬
‫مايحتاجون اليه من الطعام والمدام وخرجت النساء والرجال‬
‫للقاءهم فلما وصلوا الى الديار نزلوا في المضارب وقد تباشر قوم‬
‫جساس بالنجاح والضفر وبلوغ المل ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) كل هذا يجري والزير ليس عنده خبر بشيء من هذا‬
‫المور بل كان مواضبا على السرور وشرب الخمور فبينما هو كذلك‬
‫اذ دخل عليه أخوه عدي وقال انت جالس في صفاك ولتدري فيما‬
‫دهاك من اعدائك واشار ينشد ويقول ‪:‬‬
‫لقد قال الفتى المدعو عدي ودمع العين فوق الخد ساجم‬
‫اراك اليوم في زهو ولهو تنبه يا أخي ان كنت نائم‬
‫فقم على ماسوف يجري من العداء يا ابن الكارم‬

‫اتونا قوم مرة بالرعيني ملك جبار بالحكام ظالم‬
‫لقد ذهبوا اليه يا مهلهل فجاء بست كرات عوالم‬
‫بهم من كل قوم ليث اروع وهو من بينهم مثل الصقر حائم‬
‫تبدى الزير حال ثم قال له تخاف من العدى واخوك سالم‬
‫انا وحدي القيهم بعزمي انا الدعاس في يوم الزحايم‬
‫واني سوف اقتل الرعيني واقطع راسه والله عالم‬
‫وافني جيشه مع جيش مرة انا المقدام مابين المعالم‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من نظامه وفهمت قومه فحوى‬
‫كلمه تعجبوا من هذا المقال وشكروه على تلك الفعال واخذوا‬
‫يستعدون للحرب والقتال واما الزير فانه صبر الى الليل وغير زيه‬
‫وتنكر حتى لم يعد يعرفه احد من البشر وجعل نفسه كاأحد شعراء‬
‫العرب الذين يقصدون المراء وارباب المناصب والرتب طمعا في‬
‫الفضه والذهب ثم ركب الحصان وتقلد بالحسام من تحت الثياب‬
‫واخذ معه بعض الغلمان وسار الى قبيلة بني مرة ولم يعلم به انسان‬
‫ولم اقترب من الحله نزل عن ظهر الجواد وسلم الى الغلم وقصد‬
‫المضارب والخيام حتى وصل الى صيوان الرعيني فوجده جالس‬
‫وحده فدخل وسلم عليه وتمثل بين يديه فلما راه الرعيني في ذلك‬
‫المنظر خاف وانذعر وسأله عن مهنته فقال انني شاعر اطوف على‬
‫المراء والكابر فاحصل منهم على النعام ومزيد الكرام وقد‬
‫سمعت انك في بني مرة فأتيت قاصدك من مدينة البصره الى ان‬
‫تشرفت بطلعتك وتمثلت امام حضرتك ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وكان للرعيني زوجه تدعى بدور كانت خلف الستار‬
‫فسمعت مادار بينهم من اليراد فاأرسلت جاريتها تقول للملك ان‬
‫ياأمر الشاعر بالنشاد فقال الرعيني انشد ياشاعر فانشد يقول ‪:‬‬
‫قال الديب الذي طالب احسانك يرجي بوسط الحشا والقلب بزار‬
‫ياأبو فهد يارعيني استمع ما أقول يا من قلوب العداء بالروع هزار‬
‫قد كنت قبل في خير وفي نعم مستور مابين اهلي ما أنا معتاز‬
‫فصرت شاعر على الجواد أطوي الرض ماشي على عكاز‬
‫قالوا فسر للرعيني مقصد الشعر فذاك جواد يعطي كل معتاز‬
‫فجئت طالب احسانك واكرامك يامن حويت المكارم بالعطا المعتاز‬
‫الجزء السادس‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه امر الملك الخزندار ان‬
‫يعطيه الف دينار فعند ذلك سل سيفه البتر اسرع من لمح البصر‬
‫وضرب الرعيني على عاتقه خرج من علئقه ثم مال على الطواشيه‬

‫والخدام بضرب الحسام وبعد ذلك هجم على الخيام كسبع الجام‬
‫فقتل الرجال ومدد البطال ووقع في السودان الضجيج والصياح‬
‫والعويل والنواح فخرجت البطال من المضارب وركبوا ظهور‬
‫الجنائب فتقلدوا بالسيوف وهجموا على بني مرة صفوف صفوف‬
‫وهم لم يعلموا سبب ذلك الويل من شدة سواد الليل غير انهم ظنوا‬
‫بني مرة قد خدعوهم حتى اتوا معهم الى بلدهم فقتلوا ملكهم‬
‫وغدروهم فلما رأى جساس ماحل بقومه من السودان استعظم ذلك‬
‫الشأن فركب جواده وتبعه اجناده واظطر ان يدافع عن نفسه‬
‫ويحامي عن ابناء نفسه فقاتل تلك الليله حتى استقتل وفعلت‬
‫رجاله مثلما فعل وكانت ليله مهوله وحادثه غير مأموله كثر فيها‬
‫القتل والجراح الى وقت الصباح وكان المهلهل لم بلغ القصد والمل‬
‫بذلك العمل ارسل عبده في الحال الى الطلع في طلب الفرسان‬
‫والبطال وحضروا عند طلوع النهار واحاطوا بالعادي من اليمين‬
‫واليسار وحكموا فيهم ضرب السيف البتار واستمر الحرب والصدام‬
‫بين القوم ثلثة أيام حتى ابلهم المهلهل بالويل والدمار وقتل منهم‬
‫كل بطل مغوار واسد كرار وكان من جملة المقتولين المير غطاس‬
‫قائد جيش السودان فلما رأت الجيش ماحل به من الهوان ولت‬
‫الدبار وأوسعت في جوانب القفار وكذلك انهزم جساس ومن تبعه‬
‫من الناس وتفرقوا بالفلة وهم يقصدون النجاة ورجع الزير مع‬
‫قومه غالبين غانمين ظافرين ودخل القصر بالعز والنصر وصحبته‬
‫اكابرالقواد الذين عليهم العتماد وهم يثنون على المهلهل ويقولون‬
‫ل عدمنا طلعتك ايها البطل فبسيفك نلن المراد وقهرنا العادي‬
‫والحساد فل زالت ايامك في سعود وعدوك مقهور ومكمود ثم انه‬
‫اكلوا الطعام وشربوا المدام وباتوا تلك الليله في سرور وافراح على‬
‫ذلك النتصار واما المير جساس فأنه بات في قلق ووسواس وندم‬
‫على مافعل وقطع من سلمته المل ول سيما لما بلغته الخبار بأن‬
‫الختلف والنكسار الذي جرى عليهم في الليل والنهار كان بحيلة‬
‫المهلهل السد الكرار فزاد همه وعظم حزنه وغمه فكانت قبائل‬
‫العرب يطلب منها المساعده على قتال بني تغلب وانظمت عدة‬
‫قبائل برسم المساعده وصاروا يدا واحده وكذلك انظم مع الزير‬
‫جملة قبائل مشاهير فحتى لم يبق في بلد العرب قبيله ال وانضمت‬
‫مع بني تغلب ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) من غريب التفاق المستحق التسطير في الوراق‬
‫بأن المير مهلهل حرج ذات يوم في عشرة الف بطل ومعه المير‬
‫كتيف وكان من أشراف تغلب وفرسانه الغضاريف وتبطن في‬
‫جوانب القفر ليجس أحوال بني بكر فمر في قبيلة من قبائل العرب‬
‫يقال لهم بنو تميم وهم من فرع تغلب وكانت هذه القبيله ذات‬

‫خيرات جزيله واجتمع المهلهل بفرسانها وسيدها المير عمر وقال‬
‫لهم اركبوا معنا يا نبي تميم لقتال بني بكر فا أبوا وقالوا عن فرد‬
‫لسان ل نحارب من لم يحاربنا من العربان فقال المهلهل اما‬
‫شملتكم الحرب لحد الن فقالوا ال يافارس الميدان فقال فوحق‬
‫الله الخالق ماكنت اظن انها شملت كل من في المغارب والمشارق‬
‫ومادام المر كذلك يوجوه العرب تنحوا عن منازلكم خوفا من حلول‬
‫الحرب واقصدوا غير هذه الديار مرادنا ان نقاتلهم تحت ستور‬
‫العتكار فأن حاربناهم ل تأمنون على انفسكم من شرهم وأذاهم‬
‫لنكم فرع من قبيلة بني تغلب فأن تقيمون منكم لهذا السبب‬
‫فقالوا ما علينا من بئس فانهم يحاربون من يعترض لهم من الناس‬
‫اغتاض المهلهل من هذا الكلم وكان عليه اشد من ضرب الحسام‬
‫فتركهم وسار من الثر بمن معه من العسكر وجد في قطع القفار‬
‫والتقى بقوم من بني بكر في ذلك الجوار فكبسهم تحت ظلم الليل‬
‫وابلهم بالذل والويل فسلبى اموالهم وقتل رجالهم وأخذ رؤوس‬
‫ساداتهم العظام ورجع في الظلم وطرح الرؤوس بين خيام القوم‬
‫المعتزلين من بني تميم المذكورين الذين كانوا راقدين ثم تركهم‬
‫وارتحل وسار على عجل فلما استيقظت بنو تميم من المنام ورأت‬
‫الرؤوس بين اطناب الخيام فاأيقنوا انها مكيده من المهلهل فزاد‬
‫بهم الخوف والوجل وعلموا انهم لبد ان العدو يتهمهم في ذلك‬
‫العمل فنهضوا وارتحلوا من اطللهم بموشيهم واموالهم وانظموا‬
‫الى قبيلة تغلب والتجواء بالمهلهل فارس العجم والعرب فلم يبق‬
‫قبيله من قبائل العربان في ذلك الزمان ال شملتها الحرب والهوان ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) ولما عظم المر على جساس وضاقت به النفاس‬
‫فصمد الى العابد نعمان الذي تقدم ذكره قبل الن فوقع عليه وشكا‬
‫حاله اليه وبكى بين يديه وطلب منه ان يسير بالعجل ويقصد المير‬
‫مهلهل ويطلب منه كف الحرب والطعان من الزمان لحينما ترتاح‬
‫النفوس والقلوب من هول تلك الحرب التي اهلكت الرجال ورملت‬
‫النساءويتمت الطفال فلما سمع قوله رق له فسار الى عند‬
‫المهلهل في الحال وطلب منه ان يكف القتال ولوبرهه قصيره ومده‬
‫يسيره وذلك لراحه القبيلتين وحير الفريقين فاجابه الى ذلك المرام‬
‫لنه كان يحبه دون باقي النام وامر بتوقيف الحرب عن القوم من‬
‫ذلك اليوم واشتغل المهلهل في تلك اليام بالملهي وشرب المدام‬
‫واكل الطعام وسماع الصوات والنغام ومغازلة النساء في الصباح‬
‫والمساء وكان جساس يترقب على المهلهل الفرص ليقتله ويزيل ما‬
‫بقلبه من الغصص فبلغه في بعض اليام ان الزير طريح الفراش في‬
‫الخيام من كثرة شري المدام وان اخواته قد خرجوا للصيد‬
‫وليرجعون ال بعد ثلثه ايام فجمع اخوته واعلمهم بذلك الخبر واتفق‬

‫رايهم انه بعد غروب الشمس يركب اخوهم سلطان في جماعه من‬
‫الفرسان ويكبس سالم الزير على حين غفله ولما كان الليل ركب‬
‫سلطان في ثلثه الف بطل وقصد حي المهلهل ولما صار هناك‬
‫هجم عليه وهو راقد في الخيمه سكران فاحاطت به الفرسان‬
‫وقبضوا عليه واوثقوه كتافا ثم نزلوا عليه بالسيوف الى ان اثخنوة‬
‫بالجراح واتلفوه حتى صار عبره لمن اعتبر وكان دمه يسيل كالمطر‬
‫فزادت افرحهم وزالت اتراحهم وقالوا لقد بلغنا الرب ورفعنا الحرب‬
‫عن العرب ‪.‬‬
‫ثم انهم وضعوه في جلد جاموس وخذوة الى عند اخته ضباع وقالوا‬
‫لها لقد اتيناك بقاتل ولدك فخذيه واشفي منه غليل كبدك فياما قتل‬
‫ويتم ورمل فما هان عليها ذلك المر لكنها اظهرت لهم السرور‬
‫والفرح وقالت ان جزاء الغدار الحرق بالنار ثم تركوها وساروا واما‬
‫هي فقد احتارت في امرها وزادت احزانها عليها وانه وان قتل‬
‫ولدها فانه سيد للقبيله ذكرا ليبور على مدى الدهور ‪.‬‬
‫فبينما هي في بحر الفتكار واذا به قد فاق من غشوته وصحى من‬
‫سكرته وقال وهو على اخر رمق سبحان الحي الدائم ثم صاح يطلب‬
‫عبده شهوان وهو يظن انه في ذلك المكان فقالت له ضباع قد‬
‫انتقموا منك أعداك فأصحى فقد ذقت الموت والهلك فلما رأى ذاته‬
‫عند أخته وهو على تلك الحال انشد وقال ‪:‬‬
‫قال الزير ابو ليلى المهلهل ونار الحزن توقد في حشاه‬
‫فكان كليب ملك البرايا أتى جساس غدره بالفله‬
‫جلست في مكانه أخذ لثأره وكنت أنعيه صباحا مع مساء‬
‫فقال الشيخ كف الحرب عاجل ولتقتل لسيف ولقناه‬
‫جلست بخيمتي والدن جنبي وعندي العبد ماعندي سواه‬
‫وقومي كلهم للصيد راحوا فعرفوا القوم مع باقي العداه‬
‫أتوني والمقدر كان كائن وحلى كل مما أن تراه‬
‫اتوا بي لعندك يا أخت حتى تنالي الثأر ياغاية مناه‬
‫كليني يا ضباع أو أقتليني انا أخوك اذا احتبك القناه‬
‫فانتي تشبهي اللبوات حقا واني مشبه سبع الفله‬
‫فألقيني بصندوق مزفت وأرميني ببحر في مياه‬
‫أيا أسما أفعلي انت بأصلك ربيعه بيننا ما غباه‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه غاب عن الوجود وصار في‬
‫صفة المفقود وكانت ضباع لما سمعت من أخيها هذا الكلم صار‬
‫الضيا في عينيها ظلم ثم انها جاءت بصندوق كبير فوضعت فيه‬
‫سالم الزير وزفتته وطلته بالقار وكان عندها عبدان أمرتهما ان‬

‫يحمل ذلك الصندوق ويلقياه في البحر فحمله وسارت هي معهما‬
‫تحت جنح الظلم الى ان وصل الى شاطىء البحر فطرحاه هناك في‬
‫البحر ثم بكت ضباع عندما غاب عنها اخيها ورجعت تنوح من فؤاد‬
‫أحرقت قلبي بفراقك يا جميل المحامل وفخر الواخر ثم أنشدت‬
‫تقول بهذه البيات ‪:‬‬
‫تقول ضباع من قلب حزين ايا عيني فزيدي في بكاها‬
‫كواني البين في أول زماني رماني الدهر في أعظم بلها‬
‫ايا دمعي فزيدي في سخاكي على محزونة فقدت أخاها‬
‫لقد كان ملوك البرايا ومن أعل ملوك الرض جاها‬
‫كليب جساس الذي قتله طعنه طعنة برمحه في قفاها‬
‫ترك دمه على الرض فاير بحربة مسمعه من السم سقاها‬
‫وقام الزير كي يأخذ بثأره فقاتل آل مرة ثم هفاها‬
‫لقد قتله سلطان بغدر اثني عشر الف حملة فناها‬
‫فقال خذوه الى اخته الحزينه لتأخذ ثار ولدها مع أخيها‬
‫فحطيه في صندوق مقفل ومن بني مرة ما يعلم حداها‬
‫وقلت له روح ياجمل المحامل ايا عود بيتي انحناها‬
‫وقلت قتلته يا فخر قومك ايا حطاما للجائع عشاها‬
‫ايا يوما اخذه الموج عاجل وموج البحر يلطم في مداها‬
‫فقلت له روح ايا سبع بغاب بيوم الحرب ماتعطي قفاها‬
‫وهذا صار في عصر الجليله اله العرش يعدمها صباها‬
‫فسر ياريح واخبر اليمامه لتصبح ثم تمسي في بكاها‬
‫ثم رجعت الى الحي وصبرت حتى رجعت أخوتها وبني عمها من‬
‫الصيد فأعلمتهم بتلك القضيه وما حل بالزير وقالت والله انكم بعد‬
‫المهلهل تتعبون مع جساس فتأسفوا جميعهم عليه وبكوا من فؤاد‬
‫موجوع ثم ان ضباع كتمت ما فعلت بأخيها وشاع الخبر انها احرقته‬
‫بالنار وأخذت الثأر ولما شاع الخبر وانتشر بين الناس فرحت بنو مرة‬
‫وجساس واما أخوة الزير فانهم شقوا ثيابهم من فرط أحزانهم‬
‫وأخذوا يعددوه ويندبوه بالشعار ويذكرون ما له من محاسن الثار‬
‫وكان أكثرهم حزنا أخوه عدي الذي يقول فيه ‪:‬‬
‫أيا ويلي فدمع العين هل على الخدين من دمعي صبابه‬
‫على فقد الفتى مهلهل أنور العين تدري ما أصابه‬
‫غدونا كلنا للصيد عنه وهو جالس كانه سبع غابه‬
‫وعند رجوعنا لم نلتقيه فأحرق وسط مهجتنا غيابه‬
‫فمن يوم أخيه كليب ولى فل يسرح ول يلقى صحابه‬

‫وما فارق محله طول عمره ول نعرف له مده غيابه‬
‫مهلهل راح من اولد مرة وسهم البين ذر لنا غرابه‬
‫وبعده كيف عاد يصير فينا لن جساس ماتحمل عذابه‬
‫ترى بعده سيمحقنا جميعا يشتتنا ول يخشى عتابه‬
‫ايا أخوتي ماذا نسوي واين نروح من هذه العصابه‬
‫تعالى أخي يا درعان قوللي فقلبي والحشا يا أمير ذابه‬
‫ايا سراف يا ناصر تعالوا ايا هزوز يا منيه شبابه‬
‫ويا حنبل ويا باقي المارة تعالوا واسمعوا مني الخطابه‬
‫تقول الزير ولى وراح منا قتيل ويندفن تحت الترابه‬
‫وأما سلطان فقد رجع مسرورا ووقف امام أخيه جساس وأخذ ينشد‬
‫‪:‬‬
‫والمهلهل ناصب الخيمه بعيد في وسط البستان له ياحبيب‬
‫وحده يسكر بليله والنهار رحت انا اليه من بعد المغيب‬
‫في ثلثة الف فارس غانمين كل فارس مثل سبع وديب‬
‫هجمت عليه يا أخي بالعجل ووقعنا عليه بضرب عجيب‬
‫ضربه جساس بالغ بالسيوف حتى صار دمه جاري صبيب‬
‫ضربه حتى قطع من النفس وانطرح بل مسعف ول حبيب‬
‫ثم أخذ لخته ضباع لتأخذ بثأر ولدها الحبيب‬
‫أخذته حرقته بنار ولقته على جمر نار اللهيب‬
‫هذا الذي فعلت بعدك ياهمام ياحما البيض في يوم النكيب‬
‫( قال الراوي ) فبما انتهى سلطان من كلمه شكره جساس على‬
‫اهتمامه وقال بارك الله فيك ياهمام فان فعلك هذا يبقى مدى اليام‬
‫ثم ساروا الى الحي وهم في افراح وسرور وانشراح ولما وصلوا‬
‫الصيوان جلس جساس في الديوان واجتمعت حوله البطال‬
‫والفرسان ثم امر بدق الطبول ونفخ الزمور وعمل وليمه عظيمه لها‬
‫قدر وقيمه فا جتمع فيها خلق كثير من كل أمير وسيد خطير‬
‫ورقصت النساء والبنات ودارت بينهم الفراح والمسرات وانشرحت‬
‫خواطر السادات وكان عندهم ذلك النهار من أعظم العياد الكبار ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وكان لما بلغ بنو قيس حقيقة الخبر ان المهلهل مات‬
‫واندثر غابوا عن الوجود وايقنوا بالموت الحمر فزادت بليتهم‬
‫وعظمت مصيبتهم فمهنم من أرتحلوا من الديار وقصدوا المير‬
‫جساس وطلبوا منه المان دون باقي الناس فأعطاهم المان‬
‫وجعلهم من جملة الخدم والغلمان ولم يبق عند أخوة الزير الشراف‬

‫ال شر ذمه يسيرة وعصبة حقيرة فقصدهم جساس بالبطال ودار‬
‫بهم من اليمين والشمال فسلموا أمرهم اليه ووقعوا عليه فنهب‬
‫أموالهم وأخذ نوقهم وجمالهم ثم أشرط عليهم أن ليوقدوا نارا في‬
‫الليل والنهار ول يركبوا على ظهور الخيل بل يصيروا مكانهم في‬
‫الخيام فأجابوه الى ذلك المرام خوفا من الندثار ونزول الدمار وبعد‬
‫هذا رجع الى الديار بالفر والستبشار فعظم شأنه وتأيد بالعز مكانه‬
‫وسار في مقام عظيم وحكم على السبعه أقاليم ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) اما اخوه المهلهل فانهم بعد هذا العمل رحلوا من‬
‫اطللهم باولدهم واطفالهم ونزلوا في وادي السعاب وهم يبكي‬
‫وانتحاب وذل وعذاب وصبروا على حكم رب الرباب‬
‫هذا ما جرى لهولء من العبر واما الزير السد الغضنفر فانه لما‬
‫القته اخته في البحر كما سبق الخبر فقذفته المواج في البحر‬
‫العجاج الى ان ساقته التقادير اللهيه الى مدينه بيروت وكان اسمها‬
‫الخيبريه وملكها يدعى حكمون ابن عزرا وكان من اجل الملوك قدرا‬
‫واتفق والمر المقدر ان ثمانيه من الصيادين بينما هم يصطادون‬
‫سمك نظروا ذلك الصندوق في البحر العجاج تلعب فيه الرياح‬
‫وتقذفه طوارق المواج فقال احدهم للخر انظر يا صمويل هذا‬
‫صندوق يارؤبل‬
‫قد ساقه الينا اله اسرئيل ثم انهم قصدوه في الحال وسحبوه الى‬
‫الشاطي بالحبال وذلك بعد تعب ونكد ما عليه من مزيد فقال رئيس‬
‫الشختور لباقي العوان تعالوا حتى نفسه علينا الن قبل ان نفتحه‬
‫يااخوان فناخذ كل واحد منا حقه قدر ما يستحقه فاجابه بعض‬
‫الرجال ما هو مرادك بهذا المقال فقال ان لي النصف ولكم الخر‬
‫لني صاحب الشختور والرئيس الكبر فقال وحق خمار العذير ما‬
‫ي ياشبير ثم وقع بينهم الخصام وتشاتموا بالكلم فضرب‬
‫تنال منه ش ْ‬
‫احدهم الرئيس‬
‫بسكين فقتله وكان للرئيس أخ فضربه القاتل بالمقذاف فجندله وما‬
‫زالوا يتقاتلون طمعا بالمال حتى قتل منهم عده رجال ولم يسلم‬
‫سوى رجل واحد واتفق بالمر المقدر ان حكمون كان قد خرج في‬
‫تلك الساعه مع أكابر دولته للصيد والقنص فمر من ذلك المكان‬
‫فوجد الصندوق والرجل والقتلى مطروحه على الرض فوقف وسال‬
‫الصياد عن السبب فاخبره بواقعه الحال فتامل الملك في الصندوق‬
‫فتعجب من كبره وثقله واراد ان يعرف ما فيه فأمر بحمله الى‬
‫السريا وارتد راجعا مع باقي رجاله فلما صار هناك امر بفتحه‬
‫ففتحوه واذا رجل طويل القامه عريض الهامه واسع المنكبين كبير‬
‫القدمين مثخن بالجراح من ضرب السيوف وطعن الرماح وقال‬
‫الملك لحواشيه ما وجدتم فيه قالوا ياملك الزمان فيه انسان كانه‬

‫من عفاريت السيد سليمان له عيون كعيون السباع فلما نظر الملك‬
‫خاف وارتاع وقال للتباع كم له من الزمان يا ترى في هذا المكان ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) وكان عند هذا الملك حكمون طيب ماهر اسمه‬
‫شمعون فتقدم الى الزير وهو مطروح وجس زلقومه وعرق الروح‬
‫فوجده يختلج في اعضائه فقا ل ل الملك ان الرجل في قيد الحياه‬
‫فقال له هل تقدر ان تشفيه وانا أعطيك ماتشتهي قال نعم يا‬
‫مولي ثم نهض على القدام وقال بسم الله العلي العظيم فشمر‬
‫عن زنوده واخذ اسفنجه وبلهل بالماء الخارج ومسح الجروح ووضع‬
‫المرهم على القروح ثم جاء بالعسل النحل فغله وفتح فمه واسقاه‬
‫وفي برهه قصيره اختلجت اعضاءه وتحركت وفتح عيناه فنظر وتامل‬
‫في ذلك المحفل فراى جماعه من الرجال صفر الوجوه بسوالف‬
‫طوال فاعتراه النذهال وشكر الله المتعال فقال له حكمون من‬
‫انت ومن تكون وما هو اسمك ؟فقال اسمي الموحد انا عبد الله‬
‫العظيم رب موسى وابرهيم فقال ما هي قصتك وسبب وضعك في‬
‫هذا الصندوق ؟ فقال كنا اربعه سياس عند الملوك وكنت انا المقدم‬
‫وعلى الجميع فحسدوني وضربوني ذات يوم بقصد انهم يقتلوني‬
‫فغبت عن الوجود من الم الضرب ولم ار نفسي ال في هذا المكان‬
‫‪.‬فقال الملك للحكيم خذه الى عندك وداويه با لعلج حتى يشفي‬
‫وبعد ذلك احضره الى عندي فا خذه الحكيم الى داره وعالجه مده من‬
‫الزمان حتى ختمت جراحه وتحسنت احواله فاتى به الى عند الملك‬
‫ولما دخل سلم عليه وتمثل بين يديه فقال له الملك كيف انت الن يا‬
‫موحد ؟ فقال له بحسب انظارك الشريفه وقد شفيت وحصلت على‬
‫دوام العافيه فلله در هذا الحكيم فانه يستحق النعام والكرام فمهما‬
‫انعمت عليه فاني ساعطيك اياه فبتسم الملك من هذا الكلم وانعم‬
‫على الحكيم ثم التفت الى المهلهل وقال اعلمني بحالك وكيفيه‬
‫احوالك واشار الملك يقول ‪:‬‬
‫قال ابو ستير حكمون الملك يا موحد استمع مني المقال‬
‫هات احكليلي على ما صار فيك ما علمت وما فعلت من الفعال‬
‫حتى طعنت يا موحد بالرماح جروحك كثيره بسيوف صقال‬
‫يا موحد انت اغليوم مليح قرم فارس خيل ماانت نذل‬
‫قوللي عن ذي الجرح كيف صار وما سببهم قول يا سبع الرجال‬
‫ثم اعلمني على ما قد اقول يازكي الصل عن عم وخال‬
‫في بلدك اتوك الغانمين يضربون الشور لك معهم مقال‬
‫بعد هذا قل لنا عن صنعتك الذي تاكل منها خبزك حلل‬
‫فلما فرغ حكمون من مقاله قال له الزير أعلم ايها الملك الجليل‬

‫صاحب الفضل الجميل ان سألت عن حسبي ونسبي ووظيفة ابي‬
‫فانه كان ملك من ملوك العربان ثم غدر به الزمان حتى صار يسوس‬
‫الخيل وانا تبعت مهمته وهذه وظيفتي ومهنتي واشار يقول ‪:‬‬
‫قال ابو ليلى المهلهل في قصيد يا ملك حكمون يا حكم الخصال‬
‫في بلدي ان سالت عن الجلوس مجلسي في الوسط فوق اعل‬
‫الجبال‬
‫وان سالت عن الشور كل الشور لي ما أحد يقدر يخالف لي مقال‬
‫وان وقع الحرب وضرب السيوف فالعذارى هللت فوق الجمال‬
‫والسيوف الجدب عاد لها مرير والقتول تلول عادت كالرمال‬
‫فذاك اليوم انا اعز الملح مامثالي في اليمن وفي الشمال‬
‫وان اتاني ضيف انا اعز الضيوف واشبع للضيف من لحم الجمال‬
‫والفتى المعروف منجد يا امير ابن وائل ذاك لي امير خال‬
‫ان كنت تسال يا ملك عن صنعتي صنعتي حاصود في رؤوس الرجال‬
‫اما ابي فكان ذو قدر عظيم مال فيه الدهر يا حكمون مال‬
‫صار سايس بعد عزة للخيول بالكرامه بعد عزة والدلل‬
‫وانا قد صرت سايس بعده اسوس الخيل ما مثلي مثال‬
‫وجروحاتي هي من عص الحصان قد ضربني برجله اربع نعال‬
‫قمت من كدري ضربته في حشاه راحت السكين للعزال‬
‫لجل ذاك المهر سوى هل فعال وارموني بالدل مع كثر الخيال‬
‫فلما سمع حكمزن هذا الكلم من الزير غضب عليه وقال له انت‬
‫كذاب فقد اخبرتني قبل الن رفاقك قتلوك واليوم تقول الحصان‬
‫ضربني فتكذب علي وتحرني فلو كنت من الكارم ما جرت عليك هذه‬
‫العظائم ثم صمم على قتله فتشفعت فيه اكابر دولته ووضعوه في‬
‫الحبس وبقي هناك مده سنه كامله وكان يسطو على المحابيس‬
‫وياكل طعامهم فضجوا منه الناس وشكوا امرهم الى الملك وقالوا‬
‫له اذا كان هذا سايس كما يقول فاجعله يسوس الخيل لنه يقاسمنا‬
‫على طعامنا غصبا وقهرا وهذا المر ليطاق فدعه يشتغل وياكل‬
‫خبزه بعرق جبينه فاستدعاه الملك اليه وقال له هل انت ماهر يا‬
‫موحد بساسه الخيل قال نعم فقال سلموه خيلنا فاذا وجدنا له‬
‫معرفه في ذلك‬
‫اكرمناه ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) وكان كثيرا ما ينفرد بنفسه ويتذكر اهله وعشيرته وما‬
‫هو فيه من الهانه والسر ويبكي ويقول ياليت شعري ما جرى على‬
‫اخلي من بعدي لن السير كما يخفى على الحاذق البصير بمنزله‬
‫العبد الحقير ولو كان من بيت شهير وعالم نحير فكيف من تكون‬

‫جناب المير سالم الزير الذي قهر البطال والغاوير وشاع ذكره عند‬
‫الملوك المشاهير فانه بعد ذلك العز والحترام وعلو الجاه ورفعه‬
‫المقام وقع في اسر بني اسرائيل فكان الموت عليه اهون من ذها‬
‫القبيل ولكنه سلم امره الى الله وقام ينتظر نفوذ حكمه وهو يتامل‬
‫الفرج والخلص من شرك القناص ونكان قد انتخب له فرسا من‬
‫اطايب الفراس كانت طويله العنق قصيرهالراس واجود‬
‫من القمير فرس جساس فاعتنى بتربيتها حتى حالت قاخذها الى‬
‫الشاطي البحر وربطها هناك فخرج عليها حصان من البحر فشب‬
‫عليها فراحت حامل وبعد عام ولدت مهر ادهم وكان كامل الوصاف‬
‫ململم فسماه الخرج لخروج اباه من البحر ثم فعل معها ذلك العمل‬
‫في الثاني فولدت له مهر اخر كانه البجر حصان عنتر فسماه ابو‬
‫جحلن واعتنى بهما دون باقي الخيل وكان يسوسهما في النهار‬
‫واليل واستمر على تلك الحال مده اربع سنين وهو يطلب الفرج من‬
‫رب العالمين ‪.‬‬
‫حرب برجيس الصليبي مع اليهودي‬
‫( قال الراوي ) واتفق في تلك اليام ان برجيس الصليبي احد ملوك‬
‫الروام خارج مع احيه سمعان في ماتئي الف عنان من بلد كسروان‬
‫وتلك الحدود لمحاربه حكمون اليهودي وذكررواه الخبار عظماء‬
‫العصار بان مدينه حكمون كانت نفس مدينه بيروت كانت مزحرفه‬
‫البنيان وكثيره الحوانيت والبيوت ولما اقترب اليها برجيس بالعساكر‬
‫النصرانيه نصب خيامه في الشرفيه وكتب كتابا الى حكمون يقول‬
‫فيه الملك برجيس بن ميخائيل الى حكمون ملك بنو اسرائيل اما بعد‬
‫فانك قد خالفت الشروط ولم ترسل لنا الخروج المربوط وقد مضى‬
‫خمسه اعوام وانت تحاولنا بالكلم فاقتضى اننا قصدناك الن‬
‫بالبطال والفرسان كانها مرده الجان ل تخاف طعن الرماح ول نكل‬
‫الحرب والكفاح فان دفعت الخراج المطلوب من عشر مالك توقفنا‬
‫عن‬
‫حربك وقتالك وال وحق من اوجد النسان والمسيح الذي ولد بل‬
‫دنس خربنا ديارك وطفينا نارك وقلعنا اثارك وجعلنا الوليات‬
‫اليهوديه تابعه للقاليم المسيحيه فاسرع في رد الحرب قبل حلول‬
‫العذاب ثم انه ختم الكلم بهذا الشعر والنظام ‪:‬‬
‫على ما قال برجيس الصليبي كريم الوالدين ايا وجدا‬
‫شديد الباس ما بين الترابا على السادات دوما مستجدا‬
‫اذل القوم في سيفي ورمحي اقد الشوش والهامات قدا‬
‫انا قاصد لحكمون اليهودي فاعلمه بما قد استجدا‬

‫واخبره بفرساني وجيشي وما عولت ان افغله جدا‬
‫بهم من كل قوم ليث اروع يصد الخليل في الميدان صدا‬
‫يريد المال ارسله سريعا وان لم يمتثل امري فردا‬
‫وعشر الخيل مع عشر العذراى بنات قد زهوا وجها وقدا‬
‫(قال الراوي ) ان الملك برجيس سلم الكتاب الى قائداسمه‬
‫فرنسيس وامر ان يسير لعند حكمون فيعطيه الكتاب وياتيه بسرعه‬
‫الجواب فا متثل القائد امر موله وجد في قطع الفله الى ان دخل‬
‫البلد وقصد حكمون دون احد فلما وصل اليه سلم واعطاه الكتاب‬
‫وتمثل بين يديه وكان عند حكمون جماعه من اخيار اليهود وهم‬
‫يطالعون في التوراه والتلمود ولما فض الكتاب وقراه وعرف حقيقه‬
‫معناه احمرت عيناه وصاح على الرسول صوت مثل الغول وقال هكذا‬
‫يكتب لي برجيس ياخبيث يا تعيس فلول العار يا ابن الشرار لكنت‬
‫قطعت راسك واخمدت انفاسك فاذهب وقل لمولك ان يستعد‬
‫للحرب والعراك فاني لاهابه ول احسب حسابه فخرج فرنسيس من‬
‫بين يديه وهو ينفض غبار الموت عن عينيه ثم صاح الملك حكمون‬
‫على اخيه صهيون ووزيره قسمون وقال لهما استعدوا للقتال وفرقا‬
‫السلح على العساكر والبطال فقد اتتنا العساكر المسيحيه‬
‫والبطال النصرانيه وقد عسكروا في الشرفيه فاجاباه الى ما امر‬
‫في الحال جهز العساكر وفرقا عليها السلح والسيوف والرماح ولما‬
‫بلغ الملك برجيس كلم حكمون صار مثل المجنون وعول ثاني يوم‬
‫على الحرب والصدام ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وعند اشراق الصباح استعد حكمون للحرب والكفاح‬
‫فخرج من البلد بالعساكر والعدد وحوله الكهنه والحبار وهم يتلون‬
‫التوراه والسفار امل بالفوز والنتصار وكان برجيس قد ركب في‬
‫ذلك النهار بذلك الجيش وتقدم طالبا القلع والسوار بقوة واقتدار‬
‫وعلى راسه البيارق والصلبان ومن حوله القسوس والرهبان وهم‬
‫يتلون الزبور و النجيل بالتنغيم و التهليل ولما التقى العسكران‬
‫تقاتل الجمعان في ساحة الميدان ولتقت الفرسان النصرانية‬
‫بالبطال السرائلية في تلك البرهه وهجموا على بعضهم هجمات‬
‫قوية وتضاربوا بالسيوف المشرفيه وكانت المة العيسوية قد فتكت‬
‫بالغصبه العبرانية واذاقتها في ذلك اليوم من الهوال اعظم بليه‬
‫وقتلت مقتلتا ً عظيمة وفيه رجع حكمون وهو يتأسف ويتلهف على‬
‫حل ما بعسكره من الويل و التلف ودخل إلى البلد مع الجيش وأغلق‬
‫البواب وقصد القصر وهو خارج عن دائرة الصواب ونزل برجيس‬
‫خارج المدينة وكان قد أمتلك ذلك النهار ثلثه قلع حصينة ‪.‬‬
‫( قال الراوى ) وكان المهلهل قد سمع صياح القوم فسأل عن الخبر‬

‫فأعلموه بواقعه الحال فتاقت نفسة إلى القتال ومصادمة البطال‬
‫فأخذ قصبه بيده وصعد إلى السور ليشاهد تلك المور وكان ذلك‬
‫المكان بقرب قصر حكمون فنظر القوم وهم يقاتلون فكان كلما‬
‫نظر النصارى غلبوا أو ظفروا يقول لليهود تقدموا ول تنكسروا‬
‫وكان يهدر كالرعد القاصف أو كالريح العاصف وهو راكب على‬
‫الحيط كما يركب الحصان ويضربه برجلية ويصيح على الفرسان‬
‫وأستمر على تلك الحال إلى أن رجع حكمون إلى البلد وهو في غم‬
‫ونكد وكان لحكمون بنت كالقمر أسمها [ ستير ] نظرت من الشباك‬
‫أفعال الزير فتعجبت من أفعاله وغريب أعماله ‪.‬‬
‫فلما رجع أبوها سألته عن حالته وما جرى له في قتاله فاعلمها‬
‫بواقعة الحال انتصار النصارى في القتال فبعد ذلك أخبرته أبنته‬
‫[ ستير ] بما رأته في ذلك اليوم من أعمال الزير وقالت ‪ :‬إذا كانت‬
‫اعماله صحيحة فأنه يكسر هذا العسكر ويذيقة الموت السمر ثم‬
‫اشارت تقول ‪:‬‬
‫تقول ستير أسمع من كلمي نظرت اليوم في عيني العجائب‬
‫نظرت اليوم من هذا الموحد فعال قد تعيد الرأس شايب‬
‫فلما دقت الطبل النصاري وقد هجمت عسكرها تحارب‬
‫والتقت العساكر بالعساكر وراح السيف يعمل في المناكب‬
‫فقد ابصرت احوال الموحد غرائب قد فعلها من عجائب‬
‫ركب للحيط سواه حصانه كانه ياابي قاصد يحارب‬
‫ويزعق ثم يلكز في كعابه إلى أن قد جرى دمه سكايب‬
‫ويهدر مثل ليث أروع ترج الرض منه و الكتائب‬
‫يريد الحيط يطلع فيه يغزى وقلبه للقا و الحرب طالب‬
‫اذا ولت رجالك قال باطل وان ولت عداك قال طالب‬
‫ينخي الناس واحد بعد واحد قتل روحه وهو الحيط راكب‬
‫فهذا قد نظرته اليوم حقا من الصبح الى وقت المغارب‬
‫فل أدري أهو عاقل صميدع ول أدري أم مجنون خائب‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت ستير من شعرها ونظامها وفهم ابوها‬
‫فحوى كلمها اراد ان يستدعيه اليه فقالت له من الصواب ان يركب‬
‫أخوك نهار غد ويقاتل العدا وان تبقى في القصر فلعله يفعل كما‬
‫فعل بالمس فتشاهد أعماله وتختبر احواله فليس الخبر كمشاهدة‬
‫النظر فاستصوب كلمها وبات تلك الليله في قلق وضجر ولما اصبح‬
‫الصباح أمر أخاه أن يركب بالعسكر ويخرج لقتال النصارى فركب‬
‫أخوه في عسكر اليهود وانتشرت على راسه الرايات والبنود فالتقته‬
‫جموع النصارى مثل السود وصياح البطال وهمهمه الرجال واشتد‬

‫بينهم القتال وعظمت الهوال وجرى الدم وسال فلما سمع الزير‬
‫التهب قلبه بنار الشتعال فصعد على السور وهو حزين النفس‬
‫وفعل كما فعل بالمس وكان كثيرا يقول يالثارات كليب من جساس‬
‫المخدول وهو ينخى القوم ويقول اليوم ول كل يوم وكان حكمون‬
‫ينظر اليه مع ابنته فتعجب من فعله وهول صورته فأمرها أن تناديه‬
‫ليحضر أمام دولته فنادته فالتقت اليها ولباها وقد تعجب من حسن‬
‫رؤياها قالت ابي يدعوك أن تحضر اليه فنزل وصعد الى القصر‬
‫ودخل على الملك وسلم عليه وقبل الرض بين يديه فقال له حكمون‬
‫ان كنت قادر على ماتقول وانت من الفرسان الفحول فانزل وقاتل‬
‫هنا في هذا النهار المهول فان لنا عليك جميل وأفضال وأن كسرت‬
‫العداء بلغناك المال وأغنيناك بالمال وأطلقناك من السر‬
‫والعتقال ‪.‬‬
‫فأمر الملك بأن يعطوه جوادا من أطايب الخيل ودرعا وسيفا فأتوا‬
‫له بجواد فقال لهم هذا ليحملني ثم أتكى عليه بيده فكسر أضلعه‬
‫فأتوا له بآخر جواد ففعل به كذلك ومازال على تلك الحال حتى قتل‬
‫عشرة خيول فتعجب الملك من قوة بأسه وشدة مراسه ثم أتوا له‬
‫بعدة حرب وجلد ففعل كذلك الى ان أتوه بعدة حرب الملك حكمون‬
‫فلبسها وكانت من أحسن العدد وأعتقل بالسيف المهند وركب على‬
‫ظهر حصانه الخرج الذي كان ينتظر منه الفرج وأخذ في يمينه الرمح‬
‫السمر والتفت على حكمون وقال اليوم تنظر فعالي وتعاين حربي‬
‫وقتالي وتذكرني على طول الدوام ايها الملك الهمام ثم أنه لكز‬
‫الحصان وقوم السنان وانطلق الى ساحة الميدان بقلب أقوى من‬
‫الصوان وقد هان عليه الموت تحت أرجل الخيل عند بلوغ القصد‬
‫والمأمول وكانت النصارى قد كسرت اليهود وفتكت بهم فتك السود‬
‫فلما رأى المهلهل تلك الحاله استعد للحرب والقتال وتقدم صهيون‬
‫أخو الملك حكمون وقال شدوا عزمكم وقاتلوا خصمكم ثم خاض‬
‫المجال وطلب الميسرة في الحال وقاتل فمدد أكثرها على الرمال‬
‫وتأخرت عنه الرجال ورأت النصارى تلك الفعال فاعتراها النذهال‬
‫وهجموا عليه من اليمين والشمال فأبلهم بالذل والويل وقتل‬
‫جماعة من فرسان الخيل وكان كلما كثرت عليه الكتائب وضايقته‬
‫العساكر والمواكب يتذكر أخوه كليب السد الغالب فيهاجم هجوم‬
‫السباع ول يخاف ول يرتاع فعند ذلك تأخرت عنه الفرسان وتوقفت‬
‫عن قتاله الفرسان وتوقفت عن قتاله الفرسان وكان برجيس من‬
‫فرسان المعارك فلما بلغه ذلك نما غيظه وزاد وهجم بالعساكر‬
‫والجناد طالبا ساحة الميدان ومن حوله القسوس والرهبان وعلى‬
‫راسه الرايات واللويه فلما اقتربت من تلك الناحيه وقعت عينه على‬
‫صهيون أخو الملك حكمون فتقدم الرض قتيل وفي دمه جديل فعند‬

‫ذلك ضجت طوائف اليهود ولما رأوا أميرهم مفقود فاستغاثوا‬
‫بالتوراة والتلمود فالتقاهم برجيس كالنمرود وقتل منهم كل فارس‬
‫معدود وكان المهلهل يقاتل من بعيد الفرسان الصناديد ويمددها‬
‫على وجه الصعيد فلما رأى طوائف اليهود متأخرة بعد ان كانت‬
‫ظافرة وهم يصيحون ويندبون على فقد صهيون فلما عرف بالظن‬
‫الطويه أخذته الغيرة والحميه فقصد الملك برجيس الى ذلك المكان‬
‫وفي الطريق التقى بأخيه سمعان وهو ينخى البطال والفرسان‬
‫فهجم عليه هجمه السد وضربه بالسيف المهند القاه على وجه‬
‫الرض يختبط بعضه ببعض فلما قتل المير سمعان حمل جيش‬
‫النصارى على الزير من كل مكان عند ذلك دقت النواقيس وحمل‬
‫أيضا برجيس وتبعه كل أسقف وقسيس ‪.‬‬
‫ولما رأت اليهود أفعال المهلهل أيقنت ببلوغ المل فارتدت الى‬
‫قدام بعد ذلك النهزام التقت الرجال بالرجال والبطال بالبطال‬
‫وعظمت الهوال ومازالوا على تلك الحال الى ان ولى النهار وأقبل‬
‫الليل بالعتكار فافترقوا عن بعضهم البعض وزالت كل قبيله في‬
‫ناحية من الرض ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وكان الملك برجيس قد صعب عليه قتل أخيه سمعان‬
‫وندم على مجيئه الى تلك الوطان وكذلك استعظم حكمو قتل أخيه‬
‫صهيون فكانت مصيبة عظيمة على الملكين وداهيه جسيمة على‬
‫الفريقين ولما أصبح الصباح واشرق بنورة ولح ركبت العساكر‬
‫واصطفت وانقسمت الى ميامن ومياسر فتقاتلوا بالرماح والخناجر‬
‫والسيوف البواتر فكان الزير كالسد الكاسر وجرى للبطال في ذلك‬
‫اليوم من الهوال مايشيب رؤوس الطفال واستمروا على تلك‬
‫الحال وهم في اشد قتال وخصام عشرة ايام على التمام وكان الزير‬
‫قد فتك فتكا عظيما وقتل من النصارى عددا من الملوك الكبار‬
‫أصحاب السطوة والقتدار أمره نافذ في جميع القطار فخاف من‬
‫النكسار والوقوع بيد المهلهل الجبار فجمع اركان دولته ووزراء‬
‫مملكته وعقدوا بينهم ديوانا فاستقر رأيهم على المصالحه وتوقيف‬
‫الحرب بعد المصادقه والمصالحه وأن يرحلوا بأمان من الوطان‬
‫ويببقوا مع حكمون كالصحاب والخوان على طول الزمان ثم ان‬
‫الملك برجيس ارسل الى حكمون بعض وزرائه المعتبرين يعلمه بذلك‬
‫ويأتيه بالخبر اليقين فسار الوزير الى عند الملك حكمون وأعلمه‬
‫بواقعة الحال ففرح حكمون وباقي المه العبرانيه لنهم كانوا‬
‫يخافون سطوة الملوك النصرانيه فأجابه الى المطلوب وحمد الله‬
‫الذي اناله من غوائل الحروب وهكذا تم النفاق ووقع الصلح‬
‫والوفاق ورجع برجيس من تلك الفاق بمن معه من الرفاق بعد ان‬
‫رتب على الملك حكمون مال معلوما يدفعه كل سنة الى خزينة الملك‬

‫‪.‬‬
‫( قال الراوي ) وعظمت منزلة الزير عند حكمون وقال مثلك تكون‬
‫الفرسان فأنت اليوم عندي كالولد وأعز من الروح في الجسد‬
‫فلولك كنت في حال تعيس واستولى علينا الملك برجيسس وكانت‬
‫الميرة ستير قد شاهدت افعال الزير فاثنت عليه وقد مال قلبها اليه‬
‫ثم قالت لعد مناك ايها النحرير فانك تستحق الكرام والخلع وكان‬
‫الملك قد مال اليه كل الميل فقدمه عن جميع فرسان الخيل ورفع‬
‫منزلته على الكبير والصغير ولقبه بالمير وانعم عليه بنشان من‬
‫الماس ليمتاز به على كبار الناس واكرمه غاية الكرام واجلسه على‬
‫سفرة الطعام ولما فرغوا من الكل وشرب المدام قال له الملك‬
‫تمنى علي ايها المير والسيد الخطير فمهما طلبت أعطيتك أياه‬
‫بدون تأخير فطلب منه الزير أن يعطيه السيف والدرع والمهر الخرج‬
‫وأعلم حكمون بنفسه وطلب منهه ان يجهز له سفينه ويرسله الى‬
‫مدينة حيفا ومن هناك يسير وحده الى مرج بني عامر محل اقامته‬
‫لن نفسه اشتاقت الى اهله وعشيرته فلما سمع حكمون بواقعة‬
‫حاله وانه المهلهل زاد مقامه عنده وقال له هذه بلدي وما أملك‬
‫واموالي بين يديك فأقيم عندنا طول عمرك فاننا والله لننسى‬
‫جميلك ومعروفك قال الزير لبد لي من الذهاب لنني لحد الن ما‬
‫أخذت بثأري ول طفيت من العدا لهيب ناري عند ذلك أهداه الحصان‬
‫الخرج وأعطاه السيف والرمح وعدة الحرب وجهز له مركبا من‬
‫أحسن المراكب وأمر القبطان بمداراته وامتثال اوامره وانه بعد ان‬
‫يرجع له عند الوداع الله يبلغك آمالك فل تقطع عنا أخبارك فسلم‬
‫عليه المهلهل ودعا له بطول العمر ثم رجع حكمون الى المدينة‬
‫وسافر المركب بالتهليل وفي اليوم الرابع أشرقت السفينه الى‬
‫ميناء حيفا والقت مرساها ونزل المهلهل الى البلد وبقي الحصان‬
‫في المركب وأمر القبطان ان يحافظ عليه لوقت الطلب ومن هناك‬
‫تسربل بالسلح تحت الثياب وقصد دياره فالتقى بطراف ان ناصر‬
‫وهو حافي عريان وقد كان من العيان ومن أصحاب الزير فأقبل‬
‫اليه وسلم عليه فرد الزير السلم ثم عرفه بنفسه وأخبره بما جرى‬
‫عليه من الول الى الخر فقال أهل وسهل بقدومك علينا فوالله كنا‬
‫قد قطعنا المل من سلمتك فالحمد لله على اجتماعنا فقم بنا الى‬
‫ربعن حتى ننظر أهلك لنهم دائما في ذكرك فقال الزير اني ل‬
‫أذهب الى هناك حتى اذهب الى حي بني مرة وانظر باقي قومنا‬
‫الذين التجؤا الى جساس فسر معي الى هناك فسار ناصر معه وهو‬
‫فرحان وجدا في مسيرهما حتى وصل الى أحياء بني مرة فالتقيا با‬
‫لمير سالم المهيا قاصدا الصيد مع جماعته ولما اقترب سالم من‬
‫المهلهل ‪.‬‬

‫الجزء السابع‬
‫ونظره حن قلبه اليه فحياه بالسلم وجعل يتأمل فيه ويقول والله‬
‫من يوم غاب حامينا فقد عزنا وما أبصرنا قامته ال هذا اليوم ثم‬
‫دمعت عيونه فقال الزير كيف تبكي عليه وانت ملتجئ الى اعداءه‬
‫فعند ذلك عرفه ونزل عن ظهر الجواد ووقع عليه واعتنقه المهلهل‬
‫وطيب خاطر جماعته وقال لهم ابقوا على ماكنتم عليه وعندما‬
‫تسمعون صرير السيوف في أعناق بني مرة فحينئذ تفعلون ما يجب‬
‫عليكم فعله فساروا في سرور وأفراح حتى يعلم بعضهم بعضا واما‬
‫الزير فانه سار وهو وطراف وهما متنكران حتى دخل الى حي‬
‫جساس وقت المساء فوجد الحي في دق طبول ونقر دفوف وأمور‬
‫تدل على مسرات وأفراح فقال المهلهل في سره ما عسى ان يكون‬
‫هذا ولما اقترب من صيوان جساس وجده ممتليا من الناس وجساس‬
‫جالس في الصدر وحوله الكابر والعيان والمولدات تدق بالدفوف‬
‫والمزامر وبعد قليل حضر العبيد بسفر الطعام فقام جساس الى‬
‫المائده وتقدمت بعده المراء وجعلت تتوارد الفرسان وتتزاحم على‬
‫بعضها البعض فعند ذلك تقدم الزير مع جملة الناس وجلس بقرب‬
‫جساس وأخذ يتناول من أنواع الطعمه فلما رآه جساس أنكر أمره‬
‫وقد استعظم كبر جثته وهو يأكل اكل الجمال فقال له جساس أدعو‬
‫لي ياشيخ فقال انني دائما أدعو لك ولست بناسيك على طول‬
‫الزمان فازداد جساس خوفا وارتجفت أعضاءه ولما انتهى من العشاء‬
‫أمر جساس باحضار الرمل وضربه في الحال ورسم الشكال فظهر‬
‫له انكيس واحمرار وانه قادم عليه أوقات منحوسه وسيظهر رجل‬
‫لقي الجلد عن قريب يذيقه الهوال وقد تأكد عنده بأن ذلك هو نفس‬
‫الزير لنه ليوجد له عدو غيره فالتهب قلبه بناره وصاح من ملو‬
‫رأسه يا ستار فجاءت اليه أخوته وقالوا ماأصابك ياأمير فاأنشد يقول‬
‫‪:‬‬
‫قال جساس بن مرة في بيوت اسمعوا ياأخواني أهل الوفا‬
‫ضاق صدري وامتل قلبي هموم فالقلق والغم ضارب بالحشا‬
‫جمعت تخت الرمل حورته بسرعه حتى أرى ماهو هذا البل‬
‫رأيت لقي الجد آت عن قريب صاحب البطش ما بين المل‬
‫ورأيت الجود له بيت ضد والجماعه شكلهم واقع حدا‬
‫ماعاد لي عقل لهذا الرمل قطرة حرت فيه اليوم يا أهل الندى‬
‫لو يصح القول قلت الزير جا وها هو جالس بين المرا‬
‫فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وفهم الزير مطلوبه وعرف‬

‫المقصود ووضع يده على قبضة سيفه حتى اذا قال جساس اقبضوا‬
‫عليه ليفتك به ويعدمه الحياة ومن كثرة ما جرى على جساس من‬
‫الغم والوسواس ترك من كان عنده من الناس ودخل على الحريم‬
‫خوفا من امر يأتي فلما رآه الزير فعل ذلك قال لبد من قتله ان لم‬
‫يكن اليوم يكون غدا ثم خرج من الصيوان مع المير طراف وسارا‬
‫قاصدين الوطان حتى وصل الى وادي الشعاب ودخل الى الخيمه‬
‫التي فيها بنات كليب فسمعت ابنة كليب الكبيرة صوته فقالت له من‬
‫انت وماهو اسمك فلما سمع صوتها عرفها فتقدم اليها فوجدها‬
‫وشقايقها بثياب الحداد فتقطع قلبه وهطلت عيناه بالدمع وقال‬
‫اتقبلوا الضيف يا بنات الماجيد قالت مرحبا فنحن أول من ضاف‬
‫ولكن قد جار علينا الزمان فأولنا بعد العز والجاه صرنا في حالة‬
‫يرثى لها فا قصد يا شيخ محل الوليمه وهو المكان الذي تدق فيه‬
‫الطبول فتحصل على بلوغ المأمول فقال بالله عليك يا صبيه أن‬
‫تحكي واقعة حالكم فقد جرحت قلبي بهذا الكلم فقالت اليمامه لقد‬
‫ذكرتنا بمصابنا وعلى ما جرى فجلس الزير وهو وطراف وجلست هي‬
‫بجانبه ثم عرفها هي وشقايقها بنفسه وانه عمها صاحت بصوت‬
‫عالي من ملو راسها هذا في الحلم أم في اليقظه ثم وقعت عليه‬
‫شقايقها يقبلونه وقلن الحمد لله الذي ارانا وجهك بخير وعافيه‬
‫فوالله قد زالت أتراحنا وتجددت أفراحنا وسمع ابو شهوان عبدالعزيز‬
‫هذا الخبر فدخل عليه ووقع على قدميه لنهم كانوا يظنون بانه مات‬
‫فكانت تلك الليله عندهم من أعظم ليالي الفراح والمسرات وبعد‬
‫ذلك جلسوا يتحدثون فقالت اليمامه بالله يا عماه أن تعلمنا بقصتك‬
‫وما جرى في سفرتك فقص عليهم ذلك الخبر وماسمع وابصر وختم‬
‫كلمه بهذا القصيد ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل عيوني دمعها جاري بكاها‬
‫بكت دما على ماصار فينا ليالي السعد ماعدنا نراها‬
‫عدمنا فارس الهيجا كليب عقاب الحرب ان دارت رحاها‬
‫دهتني آل مرة جنح اليل لتقتلني وتشفي ما دهاها‬
‫فكنت بخيمتي ملقى طريحا ثلث آلف درتني قناها‬
‫وسحبوني لعند ضباع أختي والقوني طريحا في حداها‬
‫وقالوا يا ضباع خذي أخوكي أخذنا روحه قوى عزاها‬
‫فالقتني بصندوق مزفت وأرمتني بوسط البحر تاها‬
‫واقتني مياه البحر حال الى بلد اليهود على رباها‬
‫وجابوني لحكمون اليهودي أجل ملوك الرض جاها‬
‫فداواني وعالجني سريعا فزالت كربتي مما دهاها‬
‫بقيت انا ثمان سنين غائب وزال الشر عني مع عناها‬

‫أسأل الله أن يحفظكم جميعا على ماطالت الدنيا مداها‬
‫( قال الراوي ) وكانت ليلة عند بنات كليب من أعظم الليالي وحضر‬
‫تلك الليله جميع أصحاب الزير ففرحوا وانشرحوا بقدومه وهنوه‬
‫بالسلمه فقال لهم من الوفق أن تكتموا أمري لحينما أتجهز لقتال‬
‫العادي وأحضر جوادي ثم أعلمهم بخبر الحصان وانه أبقاه في‬
‫المركب عند القبطان لبينما يكون شاهد أهله وأقاربه ولما أنتصف‬
‫الليل ودعهم وسار قاصدا شاطىء البحر هذا ماكان منه واما مرة أبو‬
‫جساس فكان من عادته أن يذهب كل يوم الى ساحل البحر‬
‫ويتجسس الخبار ويعود في آخر النهار فاتفق ان عبدان من عبيده‬
‫كانا قد نظرا المركب عند قدومه الى ميناء حيفا فأعلماه به‬
‫فاستأجر قاربا وقصد ذلك المركب وعند وصوله اليه وجد ذلك الجواد‬
‫المذكور فاندهش من رؤياه فسأل القبطان عنه فقال له القبطان‬
‫هذا حصان الزير وقد حضر معنا من بيروت وسار نحو يومين لزيارة‬
‫أهله ولم يكن القبطان يعلم ماهو جاري بين القوم من العداوة‬
‫والحرب لما سمع مرة بخبر المهلهل وانه عاد سالما غانما استعظم‬
‫المر وتعجب ولكنه كتم الخبر وقال للقبطان اتبيعني هذا الحصان‬
‫فقال كيف ابيعه وهو مودوعا على سبيل المانه فقال لبد من ذلك‬
‫أما أن تقبض ثمنه خمسة آلف دينار أو آخذه منك بالقوه والقتدار‬
‫لن ابني جساس ملك هذه الديار وبيدنا زمام الحكام ومازال يلح‬
‫عليه بالكلم الى ان امتثل وأجاب خوفا من أخذه بالقوة والغتصاب‬
‫فقبض القبطان الدراهم وسار مرة بالحصان الى عند ابنه جساس‬
‫وهو كاسب غانم واعلمه بواقعة الحال وقدوم المهلهل الى الوطان‬
‫ففرح جساس بالحصان لنه كان من أجود خيول العراب ولكنه خاف‬
‫من الغوائل وعلم انه لبد من تجديد الحروب بين القبائل فاجتمع‬
‫بأهله وأعلمهم بالخبر وأن يكونوا على استعداد وحذر ‪.‬‬
‫هذا ماكان من جساس واما الزير الفارس الدعاس فانه عند وصوله‬
‫الى البحر سار المركب فلم يجد الحصان فسأل عنه القبطان فأخبره‬
‫بما جرى وكان فلما سمع منه هذا الكلم أراد أن يضرب عنقه بحد‬
‫الحسام ولكنه توقف عن أذاه أكراما لخاطر موله ثم أمر بالرجوع‬
‫الى عند الملك حكمون ليقص عليه الخبر ويطلب منه الجواد الخر‬
‫فامتثل القبطان أوامره وأقلع من تلك الساعه حتى وصل الى‬
‫بيروت فأنزل الزير في القارب وسار به الى عند الملك حكمون‬
‫ودخل عليه وهو في السرايه فلما رآه حكمون فرح فرحا شديدا‬
‫وقال أهل وسهل بالصديق الحبيب وترحب به غاية الترحيبب وأجلسه‬
‫بجانبه وأقام بواجبه وأشار يقول وعمر السامعين يطول ‪:‬‬

‫قال حكمون بن عزرا في بيوت تشرح الخاطر وترضي السامعين‬
‫أنورت علينا الدنيا ياهمام يامريع الخيل اذا طال الكمين‬
‫يا مهلهل انت عز المحصنات انت فخر للناس الماجدين‬
‫قصدت أهلك ثم جيت لعندنا هل شفت أهلك يا مهلهل سالمين‬
‫اذا كان يلزم نجده أحكي لي حتى أسير بالجيش كله أجمعين‬
‫طيب قلبك يا مهلهل لتخاف ثم اطلب يا ضيا عيني اليمين‬
‫فلما سمع الزير كلمه شكره وأثنى عليه وأخبره بما جرى وكان من‬
‫فقد الحصان وان السبب في حضوره الن أول لجل سؤال خاطره‬
‫الشريف وثانيا ليطلب منه المهر الثاني وختم كلمه بهذه البيات ‪:‬‬
‫قد أتيت اليوم في قلب حزين على فقد مهري الخرج الثمين‬
‫فان شئت أعطني أخوه يا معز الجار وفخر العلين‬
‫ل أريد مال ول كثرة نوال غير ابو حجلن مطلوق اليمين‬
‫يا ملك حكمون ان مالي كثير كل مال البر في يدي خزين‬
‫فلما سمع حكمون هذا المقال تبسم وقال مهما طلبت منا لنعزه‬
‫عليك وجميع أموالنا بين يديك فوالله اننا لننسى جميلك ومعروفك‬
‫على الزمان وان ابو حجلن بعد رواحك من الوطان أظهر الوحشه‬
‫ونفر من جميع الناس حتى لم يقدر عليه أحد من السياس ثم طلب‬
‫منه أن يبقى عندهم عدة أيام ليستريح من متاعب السفار فاعتذر‬
‫وقال لبد من الرجوع في هذا النهار فأعطاه حكمون الحصان وسار‬
‫الى المركب وعند وصولهم اليها نزل بالجواد الى المدينه فركب‬
‫وقصد أهله فاتفق في تلك الساعه أن رجل من قبيلة جساس ابصر‬
‫الزير فعرفه وسار الى عند جساس وأخبره بقدومه وقال له انني‬
‫خايف عليكم من سطوته شاهدته في هذا النهار وهو مثل السد‬
‫الكرار ثم اشار يقول ‪:‬‬
‫يقول الشيخ يا أولد مرة تعالوا واسمعوا لي يا فوارس‬
‫ايا جساس يا همام اسمع ايا ملك يا أهل المجالس‬
‫فقد كنت قرب البحر سائر رأيت خرج على اليوم فارس‬
‫على ادهم اقب الضلع فارح وفوقه درع من بولد لبس‬
‫وفي كتفه قنا اسمر مكعب بطل صنديد يوم الروع عابس‬
‫فهذا فارس البيداء مهلهل مريع الخيل للبطال داعس‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ من شعره ونظامه أجابه سلطان بن مرة‬
‫بهذه البيات ‪:‬‬

‫يقول اليوم سلطان ابن مرة كلم الشيخ صادق يا فوارس‬
‫فان كان ابو ليلى سيظهر يخلي دمنا مثل البواطس‬
‫ويسبي من قبائلنا عذارى ونترك أرضنا قفرا دوارس‬
‫وليقبل رجاه ول عطاه ويطرحنا على الغبرا نواكس‬
‫( قال الراوي ) فلما انتهى سلطان من كلمه وقع الخوف في قلوب‬
‫القوم وأخذوا يستعدون للقتال من ذلك اليوم وأما الزير فانه كان قد‬
‫جد في المسير حتى وصل الى دياره والتقى بأهله وأنصاره فلما‬
‫رأوه فرحوا به واتت اليه اليمامه وشقايقها وكذلك أخوة الزير وكل‬
‫من في الحي من نساء ورجال فوقعوا عليه وقبلوا يديه وانتشرت‬
‫الخبار بقدومه الى الديار بين الكبار والصغار حتى ملت القطار‬
‫فأقبلت البطال والفرسان وتواردت اليه السادات والعيان وسلموا‬
‫عليه وتمثلوا بين يديه وهنوه بالسلمه فشكرهم واثنى عليهم‬
‫وترحب بهم فذبح الذبائح وأولم الولئم ووعدهم بالمكاسب والغنايم‬
‫وبعد أن أكلوا الطعام وشربوا المدام أنشد عدي أخو الزير يقول ‪:‬‬
‫يقول عدي أبيات فصيحه أتانا الزير والمولى عطانا‬
‫وكنا قبل ما يأتي الينا بحال الذل في قهر حزانا‬
‫وجساس الردي عايب علينا يريد هلك تغلب مع أذانا‬
‫فأمرنا با نبقى جميعنا على طول الليالي مع نسانا‬
‫ول نركب خيول صافنات ولنقل سيوفنا في حمانا‬
‫الينا جيت يا جميل المحامل ويا كهف العذارى والمانا‬
‫لربي الشكر ثم الحمد دايم أذا ماجئتنا نقهر عدانا‬
‫ايا سالم فانهض شد عزمك واركب فوق مطلوق العنانا‬
‫ونركب ثم نحمل فرد حمله على اولد مرة في لقانا‬
‫ونترك دورهم بورا وقفرا ونقتلهم ونأخذ ثارا أخانا‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ عدي من كلمه تقدمت اليمامه نحو عمها‬
‫وشكرت الله تعالى على سلمته ودعت له بطول العمر فضمها الى‬
‫صدره والتفت الى من حوله وانشد وقال ‪:‬‬
‫يقول الزير أبو ليلى المهلهل ال يابنات ان السعد جاكم‬
‫وأقبل سعدكم والشر ولى وراح الشر عنكم لعداكم‬
‫ثماني سنين وسط البحر غائب وبالي عندكم مما دهاكم‬
‫وفرج الله همي وغمي وخلصني وجيت الى حماكم‬
‫حيث اتيت زال الشر عنكم ونلتم يا بنات مني مناكم‬

‫غدا جساس أقتله بسيفي وآخذ يا بنات بثار أباكم‬
‫وانتم يا عدي ودريعان وباقي أخوتي تسلم لحاكم‬
‫فأتوا بالصوافن واركبوهم وهبوا جميعكم ومن معاكم‬
‫ودقوا طبلكم يآل قيس وقيموا النار فس ساير حماكم‬
‫وخبوني بعيد عن المنازل غدا جساس يبرز للقاكم‬
‫فلقوه على خيل ضوامر واني سوف اهجم من وراكم‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه طابت قلوبهم وانشرحت‬
‫صدورهم وزالت عنهم التراح وايقنوا بالنصر والنجاح ومازال بنو‬
‫قيس يجتمعون الى الزير ويتواردون حتى صاروا في جمع غفير‬
‫وعدد كثير فاستعدوا للقتال والنزال فأطمعوا الجوعان واكسوا‬
‫العريان وأوقدوا النيران ورجع الحي كما كان هذا ماكان من الزير‬
‫وقومه وأما بنو مرة فلما بلغهم الخبر وكيف ان بنو قيس قد التموا‬
‫بعد التفريق والشتات من جميع الجهات وهم في أفراح ومسرات‬
‫أجتمعوا بجساس وقصوا عليه الخبر وقالوا له لو لم يكن الزير قد‬
‫ظهر لما كانوا بنو قيس اجتمعت على بعض هذه اليام وخالفت‬
‫أوامرك ومراسيمك العظام فقال لهم كفوا عن هذا المقال ول‬
‫يخطر لكم الزير على بال فاستعدوا للحرب والقتال فعند ذلك‬
‫استعدت الفرسان الفحول وركبوا ظهور الخيول وتقلدوا بالسيوف‬
‫والنصول ولقد أملوا بالنجاح وبلوغ المأمول وركب جساس حصان‬
‫الزير الخرج وسار بذلك الجمع الغفير ولما أقتربوا من حي بني‬
‫قيس سمعت أبطال الزري دق طبولهم وصهيل خيولهم فهاجوا‬
‫وماجوا فأمرهم الزير أن يتأهبوا للقتال ويلقوهم الى ساحة المجال‬
‫فتبادروا في المجال وتقدمت الفرسان والبطال وركب الزير على‬
‫مهره ابو حجلن وسبقهم الى الميدان وكمن في بعض الروابي‬
‫والتلل مع جماعة من الرجال ولما اقترب جساس من رجال بني‬
‫قيس قال لهم لقد خالفتم أوامري وغركم الطمع وهجم عليهم‬
‫بالرجال وأحاط بهم من اليمين والشمال فالتقوه بقلوب كالجبال‬
‫واشتد القتال بينهم وعظمت الهوال وجرى الدم وسال فلما راى‬
‫المهلهل تلك الحوال لكز الحصان وتقدم الى ساحة الميدان فشق‬
‫الصفوف والكتائب ومرق المواكب وهو يهدر ويصيح من قلب فريح‬
‫ابشروا يا بني بكر ياأنذال ميحل بكم من الوبال على ماعلمتونا به‬
‫من سوء الفعال فقد اقسمت برب النام الذي ليغفل ولينام أني ل‬
‫أترك منكم شيخ ول غلم ثم انه مال وجال وضرب بالسيف العال‬
‫وتبعه الفرسان والبطال من اليمين والشمال فلما سمع جساس‬
‫صوت المهلهل انقطع قلبه من الخوف والوجل ولكنه ثبت في ساحة‬
‫الميدان خوفا من الهلك والقلعان وأخذ ينخي البطال والفرسان‬

‫على القتال والثبات والهجوم على لقاء العادي قبل الممات فثبتوا‬
‫ثبات الجبابرة وقاتلوا قتال السود الكاسرة ولكنهم لم يقدروا ان‬
‫يثبتوا اكثر من ثلث ساعات حتى انصبت عليهم النكبات وبلوا ببليا ل‬
‫تطاق من سيف المهلهل فارس الفاق فولوا الدبار واركنوا الى‬
‫الهزيمه والفرار بعد ان قتل منهم عشرة آلف فارس كرار وتبعهم‬
‫المير جساس وهو في قلق ووسواس وغنم بنو قيس منهم غنائم‬
‫عظيمه ومكاسب جسيمه ورجعت الى الديار بالعز والنتصار والبطش‬
‫والقتدار وفي مقدمتهم المير المهلهل الجبار وهو مثل شقيقه‬
‫الرجوان مما سال عليه من أدميه الفرسان ولما وصل الى المضارب‬
‫بقواد المواكب لقته بنات أخيه وجماعته من أقاربه وأهاليه فشكروه‬
‫على تلك الفعال وقالوا مثلك تكون البطال والفرسان ثم انه جلس‬
‫في الخيام وجلست حوله السادات العظام وجبابرة الصدام فتحادثوا‬
‫في الكلم وشكروا رب النام على بلوغ القصد والمرام وبعد ان‬
‫اكلوا الطعام وشربوا المدام التفت بعض القواد الى المهلهل فارس‬
‫الطراد وقالوا بالله عليك أن تنشدنا شيئا من اشعارك لن قلوبنا‬
‫مشتاقه على الوقوف على أخبارك وماجرى لك في أسفارك فعند‬
‫ذلك أنشد يقول وعمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل فكل مقدر لبد يأتي‬
‫نزلت ياأخوتي وابناء عمي بجنح الليل ليدروا صفاتي‬
‫فقالوا ضيفنا شرطوا علينا فل نوقد النار في الفلة‬
‫تكافحت اليمامه مع حمامه وقالوا عمنا هيهات يأتي‬
‫فقلت لها لبيك جئتك انا مرادي السباع الكاسرات‬
‫فجيت لعندها في قلب صامد وجدت عيونها مقرحات‬
‫قلت يا يمامه ليش تبكي جرحت بالبكا قلبي لني‬
‫فهمك يايمامه ليس تبكي اذا ثارت حروب الفلة‬
‫انا همي كراديس الفوارس اذا ما وهجت نار العداة‬
‫وجيت انا علي جساس رامح هرب مني وصاح أنوا العداة‬
‫وقال الزير جانا يا بلنا وطالب تارة بالمرهفات‬
‫فقولوا لبن مرة ياتي عندي اتاه الزير دباح العداة‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه شكرته أخوته وجميع قوامه‬
‫فعند ذلك تقدم سالم المهيأ اليه وقبله بين عينيه وأشار يقول ‪:‬‬
‫على ما قال سالم المهيأ مهلهل جيت هذا اليوم يومك‬
‫وزال النحس والتوفيق أقبل وأضحى القطر يزهو في قدومك‬
‫ولما جيت يا زين الفوارس ازلت همومنا وزالت همومك‬

‫فقم أركب عليهم يا مهلهل نهار وليل ما أحد يلومك‬
‫وخذ الثار من جساس حال وافرج همنا واخلي همومك‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ سالم من شعره طابت قلوب الجميع‬
‫وعادوا لما كانوا عليه من الفرح والمسرة واما بنو مرة ابتلوا بالذل‬
‫والويل من حرب الزير فارس الخيل ولما اصبح الصباح واشرق بنوره‬
‫ولح ركب المير مهلهل في مائة الف بطل وطلب حرب القوم‬
‫فالقاه جساس في ذلك اليوم وكان بمعيته مائه الف مقاتل بين‬
‫فارس وراجل فانتشب بين الفريقين القتال وعظمت بينهم الهوال‬
‫وقاتل المهلهل حتى استقتل فنكس البطال الفحول على ظهر‬
‫الخيل وقتل جماعه من السادات العاظم الذين اشتهروا بالفضل‬
‫والمكارم وشاع ذكراهم وشاع ذكراهم بين العارب والعاجم فمنهم‬
‫المير شهاب المكنى بعقاب وغيره من السادات والنجاب واستمر‬
‫القتال على هذا الحال طول ذلك النهار فانكسرت بنو مره اشد‬
‫انكسارورجع المهلهل بالغزو والنتصار ولما كان الصباح ركب‬
‫المهلهل والفرسان فالتقاه جساس بالرجال وتقاتلوا اشد قتال ولما‬
‫تقابلت الصفوف تبادرت المئات واللوف وبرز اخو جساس بين‬
‫الصفين ولعب برمحين بين الفرقين وطلب قتال المهلهل فانطبق‬
‫عليه وحمل كانه قطعه من جبل او قله من القلل فتطاعنا بالرماح‬
‫وتضاربا بالصفائح وثبت شاوش امام الزير ثبات البطال والغاوير‬
‫لنه كان من البطال المشهوره والفرسان الذكوره واستعمر الئتان‬
‫نحو ساعه من الزمان وهم ضرب وطعان وكان المير شاوش قد‬
‫حتم على نفسه امام البطال اما ان يهلك في النهار او ان يظفر‬
‫بخصمه ويعيش في عز واقبال ثم صاح على المهلهل وطعنه بالرماح‬
‫قاصد قبض روحه فالتقاها المهلهل بالدوقه فراحت خائبه بعدما‬
‫كانت صائبه ثم تقدم المهلهل وهجم عليه وضربه بالسيف على‬
‫عاتقه خرج يلمع من علئقه فوقع على الرض قتيل وفي دمه حديل‬
‫ثم هجم على الرايات وطعن الفرسان والسادات وقتل الرجال ومدد‬
‫البطال في ساحه المجال وفتك فيهم قتك فيهم فتك السود‬
‫الكاسره وفعل افعال تعجز عنها صناديد الجبابره وفعلت ابطاله مثل‬
‫افعاله فقاتلوا القتال المنكر واذاقوا العداء الموت الحمر فلما راى‬
‫جساس ما حل بقومه من العذاب استعظم المصاب وخرج عن دائره‬
‫الصواب وزاد اكتئاب وذلك على فقد اخيه ليث الغاب لنه كان يحبه‬
‫محبه عظيمه وموده جسيمه فبكى وانسحب وولى يطلب لنفسه‬
‫الهرب وتبعه رجاله وابطال ورجع الزير بباقي الفرسان الى المنازل‬
‫والوطان وهو شقيقه الرجوان مما سال عليه من ادميه فالتقته‬
‫اليمامه بالعتزال والكرامه ثم نزل في الخيام مع السادات الكرام‬

‫فاكلوا الطعام وشربوا المدام وكان في كل يوم يركب حسب عادته‬
‫لحرب القوم حتى بلغ منهم غايه المنى وابلهم بالذل والعنا فلما‬
‫طال المطال على بني مره الهوال جمع جساس الرجال ومن يعتمد‬
‫عليهم من المطال وقال لهم ما هو قولكم في هذا المر العسير‬
‫فقد حل بنا التدمير وهلك كل سعيد وامير وان طال القتال لم يبق‬
‫احد من الرجال فقال اخوة سلطان الراي ىعندي ان تأخذ اختنا‬
‫الجليله وبعض نساء القبيله وتذهب اليه وتقع عليه وتطلب منه كف‬
‫الذى والضرر وتعطيه اديه اخوه مهما امر وتقيمه ملكا على بلد‬
‫الشام وتدفع له الجزيه في كل عام فقال جساس من يذهب وقص‬
‫هذا الكلم عليه قال انا وانت يا أخي فبتسم جساس وقال سمعت‬
‫بأحد من الناس يرى الموت بين يديه فيزحف اليه على رجليه فقال‬
‫سلطان انا اذهب اليه بنفسي لن بيني وبينه مودة قديمه ومحبه‬
‫مستقيمه ثم انه نهض في الحال وتاهب للسير والترحال واخذ معه‬
‫اخته الجليله وبعض من نساء القبيله وقصد المهلهل حتى وصل اليه‬
‫وسلم عليه وقال بالله عليك ان تصفح عنا فقد اهلكت رجالنا ولم‬
‫تبق احد منا وقد اتيتك الن مع امراة اخيك الجليله واكابر نساء‬
‫القبيله تقع على ساحه اعتابك وتطلب من جنابك وتبلغك غابه الرب‬
‫من الفضه والذهب ونقيمك ملكا على هذه الديار وتكون طوع لك‬
‫مدى العصار لنك سيفنا الثقيل ورمحنا الطويل ثم انشد هذه‬
‫البيات بحضور المراء والسادات ‪:‬‬
‫قال سلطان بن مرة في بيوت يا مهلهل استمع مني القصيد‬
‫ليت عمرك يامهلهل الف عام ياحماه البيض في يوم الشديد‬
‫فاعف عنا وانت يا سياج المحصنات ليت عمرك كل يوم في مزيد‬
‫نحن منك وانت منا ياهمام كلنا اولد عمك يارشيد‬
‫فاعف عنا ثم دعنا في حماك تحت ظلك عيشك يبقى رغيد‬
‫فلما فرغ من شعره ونظامه أجابه المهلهل ‪:‬‬
‫افتهم يا ابن عمي ما اريد افتهم فحوى كلمي في قصيد‬
‫ليس لي ذنب في أي المور وانا في حقكم لست عنيد‬
‫غصب عني يا سياج المحصنات على عمرك يا ولد عمي يزيد‬
‫كل ذا جاري عليكم يا رجال على يمامه بنت اختك الكيد‬
‫اليمامه كل يوم تقول خذ بثاري ايها البطل العنيد‬
‫فان عفت انا عنكم اعف كل قول صادق والله شهيدا‬
‫وان ابت ل اخالف قولها انني عن امرها لست احيد‬
‫( قال الراوي ) فلما انتهى الزير من شعره ونظامه قال للسطان‬

‫ومن حضر معه انني‬
‫ل اكف الحرب والقتال ول ارفع عنكم السيوف الصقال الى يوم‬
‫القيامه او تمنعني اليمامه فاذهب اليها وخاطبها بما خا طبها به امام‬
‫هؤلء العيان فعساه ان تجيب طلبك يا سلطان فعند ذلك قصد‬
‫سلطان اليمامه اخته الجليله ومن حضر معه من نساء سادات القبيله‬
‫فدخلوا جميعا اليها وسلموا عليها وقبلت الجليله بناتها وقالت لهن‬
‫اما كفي يا بنات الكارم والوقار فقد قتلت رجالنا وهلكت فرساننا‬
‫وابطالنا وساءت احوالنا وصارت عبره لمن اعتبر ومثل بين البشر فا‬
‫جابتها اليمامه انا لاصلح حتى ليبقى منا احد يقدر ان يكافح ان كان‬
‫عمي عجز من قتالكم فانا انوب عنه والتقي بابطالكم ثم انها ختمت‬
‫كلمها بهذا الشعر والنظام ‪:‬‬
‫قالت يمامه من ضمير صادق يا جليله اقصرى عن عناكم‬
‫انت وخوالي وكل عشائري ل تزيدوا لفظكم ول لغاكم‬
‫قتلتم الماجد كليب والدي غدرا وما له ذنب معاكم‬
‫جساس طعنه من قفاه بحربه ودعاه على الغبرا حقير حداكم‬
‫انا واخوتي بقينا بذ له نمسي ونصبح ولننسى بلكم‬
‫انا ل اصالح حتى يعيش ابويا ونراه راكب يريد لقاكم‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها ونظامها وفهمت‬
‫الجليله فحوى كلمها ر جعت هي واختها مع باقي النساء الى الحي‬
‫بدون ادنى افاده واخبروا المير جساس بواقعه الحال وما سمعوه‬
‫من المقال فاعتراه الخوف والنذهال وايقن بالهلك والوبال فقال‬
‫اخوه سلطان وكان ذا مكر واحتيال اني سأهلك الزير ايها المير‬
‫واقوده اليك عند الصباح كا لبعير فقال ماذا عولت ان تفعل وما هو‬
‫العمل قال اني اقصد الميدان في جماعه من العوان واحفر هناك‬
‫ثلث حفاير ونغطيهم بالقش حتى يخفوا عن عيون العساكر فما كان‬
‫الصباح والتقى الجحفل بالجحفل فتبرز انت الى المهلهل وتكون‬
‫انت عارف بهم فتقوده اليهم وبهذه الوسيله تتم الحيله فيسقط‬
‫ويهلك في هذا الشرك فنخلص من شرة وتبلغ ما انتمناه فاستصوب‬
‫جساس هذا اراي واستحسنه وخرج ذلك الليل مع اخيه سلطان في‬
‫جماعه من العبيد والعوان حتى وصلوا الى المكان فحفروا ثلث‬
‫حفائر عميقه وغطوها بالقش ووضعوا عليها التراب حتى يخفى عن‬
‫العيون ثم رجعوا الى اماكنهم وهم مسرورين وباتوا تلك الليله على‬
‫مقالي النار وهم ينظرون طلوع النهار هذا ما كان هؤلء واما الزير‬
‫البطل النحير فانه ركب في الصباح بفرسان الكفاح وقصد ساحة‬
‫الميدان بقلب اقوى من الصيوان فالتقاه جساس بالعسكر ثم انفرد‬

‫بنفسه نحو الحفاير واخذ يلعب الجواد على عيون العساكر والقواد‬
‫فرآه بعض الفرسان وهو يجول في ذلك المكان على ظهر الحصان‬
‫فأعلم المهلهل بذلك الشأن وقال له ان خصمك ظاهر للعيان وهو‬
‫في تلك الناحيه من الميدان فلما رآه المهلهل قصده على عجل‬
‫ليقتله ويبلغ المل فلما اقترب منه ابتعد جساس وانطبقت عليه‬
‫باقي الناس بقصد ان يطعنوه ويهلكوه ويعدموه فلله در الحصان ابو‬
‫حجلن فانه كان من عجائب الزمان وغرائب الوان أخف من الغزلن‬
‫واسبق من البرق عند اللمعان فانه عندما وقع ضرب بحافرة الض‬
‫ارتفع حتى صار بين الفرسان بالميدان فرجعت الخيل عنه مدبرة‬
‫فاستعظم تلك المور المنكرة وغاب عن الوجود حتى صار بصفة‬
‫مفقود فرأى جساس ينخى ابطاله ويصيح على رجاله فتقدم نحوه‬
‫بالجواد ليشفي من غليل الفؤاد فاتفق المقدر بوقوعه في الحفرة‬
‫الثانيه من تلك الحفر فوثب به الجواد وانتصب اسرع من النظر اذا‬
‫وثب حتى صار على وجه الرض فانقلبت عليه العساكر على بعضها‬
‫البعض فزاد بالزير الكدر وطار من عينيه الشرر فقصد المير جساس‬
‫دون باقي الناس ليقتله ويعدمه الحواس فكبى به الجواد في الحفرة‬
‫الثالثه وكانت عليه اقبح حادثه وكان جواده قد اعياه التعب وضعفت‬
‫قواه وانحل منه العصب حتى لم يعد يمكنه ان يفعل كما كان يفعل‬
‫وكذلك المير مهلهل فقد انهد حيله وطاش واعتراه الخوف‬
‫والرتعاش وايقن بالهلك والممات وآيس على نفسه من الحياة‬
‫فكانت علة عظيمة وداميه جسيمه فلما بلغ جساس المل ونجح بذلك‬
‫العمل ايقن ببلوغ الرب وصاح من شدة الطرب على باقي رجاله‬
‫ومن يعتمد عليهم من ابطاله يا ويلكم ادركوه واطمروه واقتلوه فان‬
‫تخلص هذه المرة من هذه الحفرة ل تتأملوا بنجاح أو نصر فلما سمع‬
‫الرجال منه هذا المقال قصدوا ذلك المكان من اليمين والشمال‬
‫وكانت ايضا بنو تغلب قبيلة الزير فارس العجم والعرب قد اقبلت‬
‫ابطالها وفرسانها ورجالها وانشب بينهم وبين القوم قتال لم يسمع‬
‫بمثله قبل ذلك اليوم وكان القتال في ذلك اليوم بجانب تلك الحفر‬
‫ولما عظمت الهوال وتكردست جثث القتلى على الرض مثل التلل‬
‫من ضرب السيوف وطعن النصال هجم جساس امام الناس وقال‬
‫للفرسان والبطال والشجعان ادركوني في هذا النهار واسعفوني‬
‫بالتراب والحجار واردموا هذه الحفرة في ساعة الحال وانا ارد عنكم‬
‫هجمات الرجال فتقدموا من عجل وبادروا باجراء هذا العمل غير‬
‫انهم لم يبلغوا المل لن أخوة الزير والفرسان المشاهير هجموا‬
‫عليهم من اليمين واليسار وضربوا فيهم السيف البتار فأبلوهم‬
‫بالذل والدمار وكان المير مرة بالقرب من تلك الحفرة فرآه عدي‬
‫اخو الزير فتقدم اليه وقبض عليه والقاه في تلك الحفرة بالعجل‬

‫وقال خذ عمك يامهلهل ولما صار بالقاع ضربه بالسيف فقتله ثم‬
‫اخرجوا الزير من تلك الحفرة بالقوة والقتدار فعند ذلك انشرحت‬
‫من بني تغلب القلوب وزالت عنهم الغموم والكروب وايقنوا بالفلح‬
‫والتوفيق والنجاح وقصدوا الحرب والكفاح والتقوا أعداءهم بأسنة‬
‫الرماح ومال ايضا الزير على القوم ونادى اليوم ولكل يوم وفي‬
‫الحال اشتعلت النيران القتال وقامت الحرب على قدم وساق‬
‫وارتجت جوانب الفاق من ضرب السيوف الدقاق والرماح الرقاق‬
‫وجمدت من القوم الحداق وفعل الزير في ذلك اليوم فعال لتطاق‬
‫ومازاولوا في أشد قتال الى وقت الزوال فعند ذلك دقت طبول‬
‫النفصال فرجعت بنو مرة بالويل والحسرة والمهلهل بالنجاح‬
‫والنصرة فنزل عن ظهر جواده وخلع آلة حربه وجلده وجاءت‬
‫السادات واكلت من زاده ولما جلس في الصيوان ونادى على عبده‬
‫ابي شهوان باحضار المدام الى الديوان فأحضره بالعجل فتناوله منه‬
‫المهلهل ومن حضر في ذلك المحفل فعند ذلك تذكر الزير ماجرى له‬
‫في ذلك اليوم المهول فأنشد يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل فدمع العين هطال عمانا‬
‫لقد قتلوا اخي اولد عمي وقالوا ما راوه ال جبانا‬
‫ول يدرون بأسي واقتداري فقطعتهم ولم أخشى الزمانا‬
‫أتتنا في كليب اولد مرة اتونا داخلين على نسانا‬
‫وقالوا كف عنا يا مهلهل فقد حكمت سيفك في اذانا‬
‫فاطلب ما تروم اليوم منا واتركنا فقد صرنا حزانا‬
‫فقلت لهم روحوا لليمامه رضاها اليوم احسن من رضانا‬
‫قتلنا كليب الوف قوم فما فيهم ردي ول جبانا‬
‫قتلنا من بني مرة امارة ملبسها ثياب الطيلسانا‬
‫فرحوا الكل قد وقعوا عليها وقالوا عمك ارسلنا عيانا‬
‫فقالت اذهبوا اولد عمي فهذا القول ضحك في لحانا‬
‫فانا ل نصالح في كليب ال ان نراه على الحصانا‬
‫وقد حفروا لقلعاني حفاير وغطوها وقالوا قد كفانا‬
‫فركبوا خيولهم واتوا حداها وقالوا قد اتانا قد اتانا‬
‫وقف جساس ما بين الحفاير هجمت عليه اطعنه السنانا‬
‫فولى هاربا من هول حربي ومرة قد قتلناه عيانا‬
‫فكوني يا يمامه في انشراح وحظ دايم في طول الزمانا‬
‫فسوف ابيد جساس بسيفي وكل سيد يبغي اذانا‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من شعره ونظامه شكره جميع‬
‫اقوامه ولما كان الصباح رجعوا على ماكانوا عليه من الحرب والكفاح‬

‫ومازالوا في قتال وصدام مدة من اليام ولما طال المطال اتفقوا‬
‫على توقيف الحرب والقتال واخذوا هدنة شهرين لراحة الفريقين‬
‫فاتفق في بعض اليام بينما كان الزير خارج الخيام معه جماعة من‬
‫الخدام واذا برجل يقود مهر ادهم كامل الصفات فاستحسنه الزير‬
‫غاية الستحسان وقال لقائده ماهو اهل هذا الحصان يا حلو الشمائل‬
‫ايه من الخيول الصايل قد اتيت به من ابعد الحلل لهديه للمير‬
‫مهلهل فتعجب الزير من التفاق الغريب وقال لقد نلت مرادك من‬
‫قريب فانا هو مهلهل الذي انت قاصده فاخذ منه الجواد وامر له‬
‫بالف دينار وبلغه مقاصده فدعا له بطول العمر والبقاء وعلو الشأن‬
‫والرتقاء وسار من يومه الى قومه فاعتنى الزير بذلك الحصان‬
‫وفضله على جميع الخيول والجياد واتفق في ذلك النهار انه التقى‬
‫برجل ختيار وهو راكب على دلة سوداء مثل الظلم ووراها كر ابن‬
‫سبعة ايام وهو يبرطع خلفها وتارة من قدام فلما رأه الزير اعجبه‬
‫وقال لذلك الشيخ اتبيع هذا الكر فقال بكم فقال ليس على الكريم‬
‫شرط فأعطاه الزير مائة دينار وأخذه منه وسلمه الى السايس فرباه‬
‫مدة اربع سنوات ثم دخل الزير ذات يوم الى الصطبل فنظر الكر‬
‫وهو متعافي فأمر السايس ان يضع عليه عدة ولجام فأخرجه‬
‫واسرجه ولجمه فركب عليه الزير وساقه ورجع الى الوراء فرده الى‬
‫اليمين فراح شمال واجتهد ان يمشه فما كان يمشي معه فغضب منه‬
‫ولكزه برجله في الركاب فتضايق المشوم من فعاله وضربه بنعاله‬
‫ضرط ضرطة من شدة الوجع كأنها صوت مدفع فغضب الزير وتألم‬
‫وضربه بالسيف فأورثه العدم ودخل الى صيوانه فاجتمع‬
‫بنوابه واعيانه وقال ولقد جربت دني الصل واكرمته فضاع فعلي‬
‫معه وما قدمت هذا المثل ايها السادات الخيار ال لتعلموا ان الحمار‬
‫يقتني الحمار ثم انه ركب ذلك الحصان فوجده من عجائب الزمان‬
‫فزاد انشراحه فيه فأمر السايس ويداويه ثم انشد يقول ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل بلوم الشعر ما تغلي مالي‬
‫ابا غالي رضيت الخيل تركب تعالى واسمعي مني مقالي‬
‫جمع الخيول للحمر خوادم شبيه الصيب تخدمها الموالي‬
‫واما الخضر مركوب المارا فتركبها الملوك وكل والي‬
‫واما الدهم زيدوهم عليقا وسيبوهم لدهمات الليالي‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه شكره قومه على حسن‬
‫اهتمامه ثم استعد الفريقان للقتال وجرت بينهم عدت وقائع واهوال‬
‫انتصربها المهلهل وكسب اموال كثيره وقتل سادات كثيره حتى‬
‫ضعفت بنو بكر وذلت وبعد كثرتها قلت واضحمك‬

‫( قال الراوي ) فبينما هم في حاله الذل والنكسار واذا بغبار قد عل‬
‫وثار قاصدا بلدهم وتلك الديار فشخصت اليه البصار ساعه من‬
‫النهار الى ان ارتفع وتمزق وبان من تحته الف فارس وكلهمخ با‬
‫لسلح والدوق وفي اولهم فارس بالحديد غاطس كأنه قله من القلل‬
‫او قطعه فصلت من ذيل جبل وعلى راسه البيارق والريات‬
‫والسناجق فلما راه جساس استبشروا وايقن بالفرج بعد الشقا‬
‫والكدر ولما اقترب للعيان ونأملته الفرسان واذا اسد الجام المير‬
‫سيبون ابن المير همام وكان المذكور قد خرج في جماعه من‬
‫فرسان الصدام للغزو على بلد الروم وذلك من عهد وقوع الزير في‬
‫البحر كما سبق الكلم فلما عرفوا وتحققوا خرجوا اليه واستقبلوه‬
‫وفرحوا بقدومه الي الديار وكان ذلك اليوم عندهم اعظم نهار‬
‫فذبحوا الذبائح وطعموا الغادي والرائح وكان افراح الخلق ابوة همام‬
‫وامه ضباع حيث لم يكن غيره سوى الذي قتل الزير على بير السباع‬
‫فلما نزل بصيوانه بابطاله وفرسانه خاع عدته وغير بذلته ودقت له‬
‫النوبات وقامت الفراح والمسرات وعمل جساس وليمه عظيمه لها‬
‫قدر وقيمه استدعى اليها جميع الكابر وامراء القبائل والعشائر‬
‫وكان شيبون قد وجد السادات والعيان في هموم واحزان فسال‬
‫عن ذلك الشان فقال جساس له لتسال يا ابن اخي عما اصابنا‬
‫ودهانا من خالك الزير غالمهان فانه يكتف بقتل اخيك شيبان حتى‬
‫جعلنا مثل بين العربان على طول الزمان فانه افنى رجالنا واهلك‬
‫ابطالنا وقد حرمنا هجوع الليل وهدمنا القوى والحيل كل هذا هو‬
‫ليقبل منا ديه ولمال ديه ولمال ولفديه وقد اعلمنا بالقضيه واو‬
‫قفناك على باطن الطويله فلما سمع شيبون هذا الكلم صار الضيا‬
‫في‬
‫عينيه كالضلم من عظم ما قاله اخمرت عينيه وشتم خاله ووعدهم‬
‫بالمساعده والمعاضده وان يكون معهم على قتال خاله يد واحده ثم‬
‫نظم هذه القصيده وارسلها لخاله على سبيل الملم والتهديد ‪:‬‬
‫قال شيبون ابن همام المير حامي الزينات طعان العدا‬
‫مرعب الفرسان في يوم اللقا ساقيا للعدى كاس الردى‬
‫ضر ب سيفي يقطع السيف المتين ثم يقدح الصخور الجمدا‬
‫كل من يبغي قتالي يرتدي ويرتمي فوق الصعيد ممدا‬
‫لم يبق لي مقارن في المجال حين يلقوني يولدا شردا‬
‫وانت يا خالي مهلهل ياهمام شد عزمك للقتال الى غدا‬
‫ولتقل يا خالي ما اعلمتني يا قليل العقل لتتمردا‬
‫ابرز الي في الصباح ولقني ثم ابشر يا مهلهل بالردا‬

‫( قال الراوي ) فلما فرغ شيبون من شعره ومقاله ختم الكتاب‬
‫وارسله الى خاله مع رجل من ابطاله فلما فتحه الزير وقرأه وعرف‬
‫فحوى معناه أجارت وغاب من ديناه وقد شق عليه وتأسف وصفق‬
‫كفا على كف وقال انه معذور في هذه المور لنه جاهل مغرور‬
‫فلقتضى ان ينتصح قبل ان يفتضح فاجابه على ابياته تقول ‪:‬‬
‫الجز الثامن‬
‫قال ابو ليلى المهلهل انني مفرج الكروبات في يوم الزحام‬
‫يا فتى شيبون يا ابن اختي ضباعا تهددني في كتابك يا غلم‬
‫ثم تطلبني الى سوق المجال وانت قصير على وضرب الحسام‬
‫احتفظ من ان تجهل يا امير الجهل يسقيك كاسات المدام‬
‫اطرد الشيطان ابليس اللعين وانتصح من قول خالك ياهمام‬
‫لتخالفني واسمع ما اقول يقتلك جهلك وما تبلغ مرام‬
‫رد عما انت فيه ولتزيد ان كنت تبغي حربي والصدام‬
‫شد عزمك غدا انتلقى سوى من طلوع الفجر الى وقت الظلم‬
‫فلما انتهى الزير من شعره ونظامه ارسل الكتاب الى ابن اخته‬
‫شيبون فلما فتحه وعرف ما احتوى عليه من المضمون مزقه ولم‬
‫يكترث ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولح ودقت طبول الحرب‬
‫والكفاح وركب شيبون وجساس وكذلك الزير الفارس الدعاس‬
‫والتقوا با بطالهم ورجالهم وتشددا في قتالهم وكان شيبون قد برز‬
‫الى ساحه الميدان وتبعه البطال والفرسان والتقى بفرسان تغلب‬
‫وفعل بهم العجب فما صدم فارسا الاعطبه وعن ظهر جواده اقلبه‬
‫ثم صاح وحمل بقلب اقوى من جبل وطلب براز خاله المهلهل وكان‬
‫الزير لما شاهد افعال ابن اخته وما فعل بابطاله ورفقه حمل عليه‬
‫واحمرت اماق عينينه وقال اذهب يا وجه العرب قبل ان تهلك‬
‫وتعطب فقال الى اين اذهب يا خالي وانت غايه بغيتي وامالي فو‬
‫الله لقتلك في هذا النهار واطفى اخبارك من بين القوم لنك‬
‫طغيت وتجبرت وافتريت فاغتاظ الزير من هذا الكلم والتهديد‬
‫والتقاه بقلب شديد وجرى بينهما في اليتال وقائع واهوال تشيب‬
‫الطفال ولما طال المطال قال له الزير امام تالبطال ارجع يا ابن‬
‫اختي بامان قبل ان يحل بك الهوان وتلحق باخيك شيبان فارجع الى‬
‫اهلك وامك وارسل لي ابطال قومك مع جساس عمك فلم يجبه‬
‫شيبون بكلم بل كان يقايل كسبع الجام وكان الزير كلما حكم عليه‬
‫باالضرب في الحرب تمنع عن اذاه شفقه عليه واكرام لخاطر والديه‬
‫وما زال يقاتله ويداريه وينصحه بتلرجوع عما فيه الى ان اقبل‬
‫الظلم فعند ذلك توقف القتال ورجعت الفرسان البطال عن ساحه‬

‫المجال ثم‬
‫والتقوا في اليوم الثاني وكان أول من برز الى ساحة الميدان المير‬
‫شيبون فصاح وطلب براز المهلهل فالتقاه الزير ونهاه عن قتا له‬
‫فلم ينتصح بمقا له بل تقد م ا ليه وهجم عليه واشار يقول متهددا‬
‫اياه امام الفرسان والفحول ‪:‬‬
‫أنا شيبون ابن همام المير فارس الفرسان في يوم النكير‬
‫استمع يازير قولي وافهم لبد من قتالك يا وغدا حقير‬
‫مابقالك مخلص مني ول من حسامي اليوم لو انك تطير‬
‫ثم آخذ ثار اعمامي الجميع كم بطل صنديد صيرته حقير‬
‫ليس لك قلب على اختك يحن وأولد عمك ذاقوا منك النكير‬
‫كم قتلت منهم خلق كثير كم يتمت كل طفل صغير‬
‫سوف ترى حربي يا مهلهل في لقاء البطال ما لي نظير‬
‫قد اخبروني يوم جئت بانك يا قليل العقل تركب للحمير‬
‫مايقنى الحمار ال الحمار ما انا مثلك ولعقلي صغير‬
‫هات لي سيفك ورمحك والثياب هات ابو حجلن كاطير يطير‬
‫حتى اقتلك من حسامى والقنا وتطلب الجير ومثلى من يجير‬
‫ان كنت لتنصح فهذا حربنا ويكون النصر من رب القدير‬
‫فلما سمع الزير هذا الكلم وقع عليه اشد من ضرب الحسام فأجابه‬
‫يقول ‪:‬‬
‫قال ابو ليلى المهلهل ثم قال انت ياشيبون ماعاد لك بعير‬
‫هرجت ياشيبون مافي قولك كثير الجحش ل تخطل كما يحمل بعير‬
‫لو سقيت الجحش من سكر وسمن ولو خلطت له الصنوبر والشعير‬
‫ل عاش اصله ماينفع منه الجميل اكيد هو مجنون من يقني الحمير‬
‫وانت ياشيبون لو لم تكن حمار مارجعت اليوم الى حربي تغير‬
‫فاني قد عفوت عنك البارحه من امك وابوك نعم النصير‬
‫وانت تعلم انني سبع الرجال قتلت منكم اثنى عشر الف امير‬
‫هذا من غير التوابع والغريب تاه فيهن العدد ناس كثير‬
‫كم نصيحه نصحتك لتنتصح جاهل سوف تقع في وسط نير‬
‫لم يبق لي ذنب ان اتك مني ضرب بهدى البدان ماعاد لك مجير‬
‫دونك الميدان ياشيبون قم وقو عزمك ليكون باعك قصير‬
‫( قال الراوي ) فلم يلتفت شيبون الى كلمه ول أكترث بالتوبيخ‬
‫والملم بل حمل عليه حملة أسد الغاب واخذ معه في الطعان‬
‫والضرب فالتقاه مهلهل بالعجل بقلب اقوى من الجبل واشتد القتال‬

‫وعظمت الهزال حتى تعبت من تحتها الخيل وارتخى منهما العزم‬
‫والحيل ومال على بعضهما البعض كل الميل وكان الزير يطاوله‬
‫ويحاوله واستمر يقاتلن ثلث ساعات من الزمان حتى استعظمت‬
‫من قتالهما الفرسان وشخصت اليهما عيون الشجعان وكان المير‬
‫شيبون يود ان يقتل خاله ويعدمه الحياة ويفتخر بقتله على اهله‬
‫واقرباه الى ان غنم الفرصة عليه فهز الرمح وطعنه بين ثديه فخلى‬
‫المهلهل منها فراحت خائبه بعد ماكانت صائبه فزاد الزير غضبا‬
‫وتوقد قلبه والتهب وصمم على ان يسقيه كأس العطب فجذب سيف‬
‫حكمون وقال اليوم اريك يمجنون كيف الضرب يكون لني نصحتك‬
‫فما انتصحت ولقد خسرت وماربحت ثم تقدم اليه وهجم عليه وضربه‬
‫على مفرق راسه فسقه الى تكه لباسه فوقع على الرض يتخبط‬
‫بعضه ببعض فلما رآه المهلهل وهو قتيل يتململ ندم على مافعل‬
‫فتحسر وهطلت الدموع من عينيه فلما قتل المير شيبون احمرت‬
‫من بني مرة العيون وزادت عليهم الحسرات‬
‫وايقنوا بالهلك والشتات ولكنهم اخفوا الكيد واظهروا الصبر والجلد‬
‫وقاتلوا قتال السود وطلبوا الرايات والبنود فالتقاهم الزير‬
‫بالعساكر وضرب فيهم بالسيف البواتر واحاط بهم احاطة الخواتم‬
‫بالخناصر وقتل منهم مقتلة عظيمه واصاب غنائم جسيمه فلما راى‬
‫جساس ضعف حاله وقتل فرسانه فولى يطلب الهرب خوفا من‬
‫العطب وتبعه فرسان وقد ابصروا ان ذلك اليوم العجيب من قتال‬
‫بني تغلب فرجع عنهم الزير وهو حزنان على فقد ابن اخته المير‬
‫شيبون فنزل في الصيوان مع المراء والعيان ولم يكن له داب ال‬
‫البكاء والنتحاب ولما اتى وجلس وانشد هذه البيات وهو من الحزن‬
‫على آخر نفس ‪:‬‬
‫الزير انشد شعرا من ضمايره العز بالسيف ليس العز بالمال‬
‫شيبون ارسل نهار الحرب يطلبني يريد حربي وقتلي دون ابطال‬
‫نصحته عن قتالي ولم يطاوعني بارزته فتجندل في الرض بالحال‬
‫المال يبني بيوتا لعماد لها والفقر يهدم بيوت العز الغالي‬
‫دع المقادير تجري في أعنتها ول تبيتن ال خالي البالي‬
‫مابين لحظه عين انت راقبها يغير الله من حال الى حال‬
‫فكن مع الناس كالميزان معتدل ولتقولن ذا عمي وذا خالي‬
‫عم الذي انت مغرور بنعمه خال الذي انت من اضراره خال‬
‫ليقطع الراس ال من يركبه ولتريد المنايا كثرة المال‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الزير من كلمه وانطرح على فراشه من‬
‫شدة حزنه على ابن اخته ولما بلغ قتل شيبون ابوه همام وامه ضباع‬

‫احترق قلبها عليه لنه كان ابنها الوحيد بعد اخيه شيبان وكانت‬
‫الفرسان قد اتت بجثته اليهما فبكياء بكاء شديدا ومزقا عليه الثياب‬
‫وبعد ذلك دفنوه في التراب وفي اليوم الثاني ركب المير لقتال‬
‫الزير وتبعه جساس وباقي البطال والفرسان وبلغ المهلهل الخبر‬
‫فركب في ابطاله وفرسانه ولما التقى الفريقان وتقاتل الجمعان‬
‫برز المير همام الى معركة الصدام وطلب براز الزير المهلهل وكان‬
‫قد غير صفاته ووضع لثاما على وجهه حتى ل يعرفه احد فبرز اليه‬
‫وهو ليعلم بأنه المير همام فاقتتل ساعة من الزمان وكان همام قد‬
‫ضرب الزير بالحسام قاصدا ان يسقيه كأس الحمام فخلى الزير منها‬
‫فراحت خائبه فهجم عليه وطعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من‬
‫ظهره فوقع عن ظهر الجواد كأنه طود من الطواد فالتقت على‬
‫الزير وقال له وهو على آخر رمق آه يا مهلهل لقد قتلت ابن اختك‬
‫نهار امس واليوم تقتل صهرك همام قال نعم قال ماعاهدتني انك‬
‫لتقاتلني ابدا واننا نكون اصحاب على طول المدى فلماذا خاطرت‬
‫بنفسك وطلبت قتالي وانت تعلم بأنك لست من رجالي فقال لقد‬
‫جرى القلم بما حكم فانقضت حياتي ودنت وفاتي وهذا المر مقدر‬
‫بأمر رب البشر ومادام المر كذلك يا فارس المعارك فكف اذاك‬
‫ودواهيك واجعلني فدى اخيك فقال والله يعز على فقدك ولعاد‬
‫يطيب لي عيش من بعدك لكنني ل أكف الحرب والصدام حتى ليبقى‬
‫من بني بكر شيخ ول غلم ثم انه من بعد هذا الكلم هجم على‬
‫المواكب ففرقها وطعن في أبطالها فمزقها فتأخرت عنه الفرسان‬
‫ورجعت الى الوطان وهي في حالة الذل والهوان ولما بلغ ضباع‬
‫قتل بعلها غابت عن عقلها وقد عظم مصابها وسارت الى بني تغلب‬
‫ودخلت على أخيها الزير وقلبها يلتهب وقالت له بكلم الغضب هكذا‬
‫تفعل ياأخبث العرب تقتل اولدي وبعلي وتحرمني أهلي وتتركني‬
‫حزينه طول الدهر أقاسي الذل والقهر هكذا تكون الخوان الذين‬
‫يدعون الفضل والحسان فوحق الله القادر الفاحص القلوب‬
‫والضمائر ان موتى الذ عندي من الحياة وافضل فانت نسيت الجميل‬
‫والمعروف وقابلتني بالغدر والمتلوف بعد ان اخلصتك من الحريق‬
‫وكشفت عنك ذلك الضيق فلما سمع الزير منها ذلك الخطاب اظهر‬
‫الحزن والكتئاب وتلقاها بالكرام والترحاب ثم اعتذر لها بالغلط‬
‫واخذ يطيب خاطرها ويعزيها عما فرط وامرها بأن تسكن عنده‬
‫بخدمها وحواشيها فامتثلت كلمه وقامت في بيت أخيها ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) فلما عظم المر على جساس وبني بكر وكثرت فيها‬
‫السبي والقتل ارسلوا يستنجدون اهل اليمامه فأمدوهم برجل منهم‬
‫يقال له الفند بن سهل ( الحارث ابن عباد ) وكان من جبابرة الزمان‬

‫وفرسان الوان ليبالي بالهوال وليخاف كثرة الرجال وكان يلقي‬
‫نفسه على المخاطر ويصيد الكواسر فسار الى مساعدة القوم من‬
‫ذلك اليوم وقد انتخب من الشجعان سبعون فارسا مثل العقبان‬
‫يقاربون في الشجاعة والفروسيه والهمه العليا وكانت اهله قد‬
‫كتبت اليهم تقول قد امددناكم بعشرة آلف فارس من الفحول وبهم‬
‫تنالوا من أعداءكم القصد والمأمول فلما قدموا الى تلك الوطان‬
‫وراهم جساس وباقي البطال فاعتراهم النذهال لنهم لم يروا اكثر‬
‫من سبعين تحت رايه الفند السد العربند فقالوا اين جماعتك‬
‫الباقين فقال الفند انا بسبعة آلف فارس واصحابي ثلثة الف‬
‫مداعس فتبسموا من هذا الكلم والتقوهم بالكرام والحترام‬
‫فذبحوا النوق والغنام ونصبوا لهم المضارب والخيام ثم استعدوا‬
‫للحرب وسمع بهم المهلهل وتزيد في الخيل والرجال وزحف من‬
‫يومه في فرسان قومه فالتقته بني بكر في مكان يدعي عقبة‬
‫الريحان فلما اقترب العسكران قال الحارس بن عباد وكان من‬
‫الفرسان الجواد الى جساس قائد القواد هل تطيعني ايها المير‬
‫فيما اقول واشير فقال قل مابدا لك فاني لأخاف مقالك قال أعلم‬
‫ان القوم مستخفين بقتالنا وذلك لضعفنا وقلة عدد رجالنا فقاتلهم‬
‫بالنساء مع الرجال فتبلغ منهم القصد والمال فقال جساس وقد‬
‫اعتراه النذهال مامعنى وكيف قتال النساء مع الرجال قال انك‬
‫تحلق رؤوس الفرسان وتجمع النسوان اللواتي اتصفن بالشجاعه‬
‫وقوة الجنان فتحملهن الماء بالقرب وتعطي كل منهن مطرقه من‬
‫خشب وتصفهن خلف الرجال وقت الحرب والقتال فان هذا المجال‬
‫يزيد البطال نشاطا في ساحة المجال فإذا خرج منكم احد الناس‬
‫يعرفنه من حلق رأسه فتسقيه الماء فينعشه واذا مررن بعدوكم‬
‫عرفته فتقتله فاستصوب جساس هذا الراي واستحسنه وفي عاجل‬
‫الحال جمع النساء والرجال وعرض عليهم هذا الحال فاجابوا امره‬
‫بالمتثال ولم يبق يومئذ من بكر احد الحلق واستعد ال رجل من‬
‫الفرسان اسمه ربيعه بن مروان كان زميما قصيرا فارسا حطيرا‬
‫فقال ياقوم زميم قصير واذا حلقت راسي اصير معير عند الكبي‬
‫والصغير فدعوني من هذا ياسيدات العرب فانا ابلغكم الرب واقتل‬
‫خمسه فوارس من تغلب فاجابوة الى ما طلب ‪.‬‬
‫(قال الراوي )ولما التقت العساكر بالعساكر وتضاربت السيوف‬
‫والخناجر ونقللبت تغلب على بكر كليوث الجام والهبوهم بضرب‬
‫السيوف على الهام فارتدت بنو بكر طالبه النهزام فاشهر جساس‬
‫في يده الحسام وصاح فيهم بصوت كالرعد والغمام وقال يا ويلكم‬
‫ارجعوا وقاتلوا بقوه وعزيمه فاجتمعت بنو بكر بعد النقلب الى‬

‫الحرب والقتال وضموا خيولهم في كتيبه واحده وطلبوا المكافحه‬
‫والمجادله وصاح الفند بن سهل والقى نفسه على القتال وهو ينخي‬
‫البطال ويصيح على الرجال ففرق الواكب واظهر بقتاله العجائب ‪.‬‬
‫فلما راى المهلهل افعاله برز اليه وطلب قتاله فالتقاه الفند بقلب‬
‫كالحديد وهجم عليه هجوم الصناديد وما زال في قتال شديد وحرب‬
‫ما عليه مزيد الى ان صارت وقت الزوال فتوقها على الحرب‬
‫والقتال وافترقت العساكر عن بعضها البعض ونزلت في جوانب تلك‬
‫الرض ‪.‬‬
‫) قال الراوي ) وكان ربيعه لم يلحق راسه من ضرب السيوف وطعن‬
‫الرماح فوقع طريحا بين القتلى على وجه الفل فمرت عليه نساء‬
‫بني بكر فوجدته ذات لمه طويله فحسبته من بني تغلب فضربته‬
‫بالمطارق حتى اوردته موارد العطب فضربت به المثال وتحدثت به‬
‫السنه الرجال ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولح وركبت‬
‫الفوارس ظهور الخيول واعتقلوا بالسيوف والنصول وتقدموا الى‬
‫ساحه الميدان بالضرب والطعان وكان المهلهل في الجحفل كانه‬
‫قله من قلل او قطعه فصلت من ذيل جبل فصاح وحمل على جيوش‬
‫العداء كليث الجام وضرب فيهم بالحسام وتبعه امرؤ القيس بن‬
‫اياد وكان صنديد واشتد بين الفريقين القتال وكثر القيل والقال‬
‫وتقطعت الوصال وجرى الدم وسال وكان يوما شديد الهوال لم‬
‫يسمع بمثله في الجيال كثر فيه القتال والجراح وتمددت على وجه‬
‫البطاح وارتجت تلرض من قعقعة السلح وصهيل الحيل وهول‬
‫الكفاح وكان الفند قد حمل مواكب المهلهل وقاتل حتى استقتل‬
‫وفعلت فرسانه مثلما فعل وبذل جساس في ذلبك اليوم غايه الجهود‬
‫وهجم بقومه على الريات والبنود هجوم كواسر السود واشتد على‬
‫المهلهل القتال واحاطت به العداء من اليمن والشمال وهو يقاتل‬
‫ويمانع وينصح رجاله على الثبات ويدافع حتى جرح في ثلثه مواضع‬
‫‪.‬فلما زادت عليه الحال وازدحمت حوله الرجال تاحر عن ساحه‬
‫المجال خوفا من الهلك والوبال وانكسرت بنو تغلب في ذلك النهار‬
‫اشد انكسار وتفرقت في البراري والقفار واستظهرت بنو بكر غايه‬
‫الستظهار وقتلت الشجعان امرؤ القيس بن اياد وكان من العيان‬
‫صيته محمود مشكور وهو غير امرؤ القيس الشاعر المشهور فبكى‬
‫المهلهل عليه وكان يحبه ويميل اليه ورجعت بنو بكر الي الديار وهي‬
‫بغايه الفرح والستبشار على ذلك الفعال ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) اما المهلهل فقد زاد حنقه على بني بكر وبات تلك‬
‫الليله على مقالي الجمر ثم جمع الفرسان والبطال وتجهز للحرب‬
‫والقتال فالتقه بنو بكر بقلوب كالجبال وجرت بينهم وقائع واهوال‬

‫لم يسمع بمثلها في سالف الجيال واستمر الحال على هذا المنوال‬
‫مده عشرايام وكان المهلهل قد انتصر في اكثر الوقائع جماعه كثيره‬
‫من الفرسان المعامع ولما كثر بين الفريقينالقتل واتفقوا على‬
‫توقيف الحرب مده شهرين فافترقبت الفوارس عن بعضها ونزلت‬
‫كل فرقه بارضها (قال الراوي ) ولما قتل كليب كما تقدم الكلم‬
‫كانت زوجته الجليله حامله بهذا الغلم فلما طردها الزير الي بيت‬
‫ابيها وسكنت عند جساس اخيها فولدت غلما فسمته الهجرس‬
‫ولقبوه الناس بالجرو فكانت مع اخواله بني مره واولدهم وكان خاله‬
‫يحسن ويشفق عليه وكان الغلم قد احب حاله المير جساس دون‬
‫باقي الناس فل يدعوه ال ابا ونشا الغلم ذا عقل وادب وهو محبوب‬
‫من جميع العرب لفصاحته وبرتعته وقوته وشجاعته فكان يركب‬
‫ظهور الحيل ويتعلم عليها الفروسيه في النهار والليل فبرع واشتهر‬
‫على شباب القبيله افتخر فلما بلغ عمره حمسه عشره عاما زاد‬
‫شهره وارتفع مقاما فراه جساس في بعض اليام وهو كانه ليث‬
‫الجام والشر طائر من عينيه ول يقدر احد عليه فانذهل واندهش‬
‫وخاف منه‬
‫وارتعش وكان كثيرا ما يتامل في امره ويخاف من سطوته وشره‬
‫لنه قتل اباه بالمس وتركه يتيما طول الدهر ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) اتفق ذات يوم ان الحرو ركب في جماعه من الشبان‬
‫واخذوا يتعاطون بالجريد في الميدان وكان من جمله الغلمان عجيب‬
‫ابن المير جساس وكان شديد الباس فطعن عجيب الجرو طعنه‬
‫فمال عنها فراحت خائبه ثم ان الجرو تقدم نحو عجيب وطعنه بجر‬
‫يده اصابته فالتقه عن ظهر الجواد الى الرض فنهض غضبانا فشتم‬
‫الجرو واهانه بالكلم وقال اهكذا تفعل يا ابن اللئام بابناء السادات‬
‫الكرام يهدد بهذا الشعر ‪.‬‬
‫يقول عجيب من قلب موجع ال يا رفقتي حالي عجيب‬
‫ضربني الجرو منه جريده فارماني وصيرني كثيب‬
‫ولم يعلم باني خير ماجد ولد جساس قوم مستهيب‬
‫لول عمتي لقطعت راسه واطرحه على العبرا قليب‬
‫فهذا ولد كليب العادي ول ضد الكلب ال القصيب‬
‫دعوه يروح عنا ليماطل ويذهب سرعه قبل المغيب‬
‫(قال الراوي ) فلنا فرغ عجيب من شعره ونظامه وفهم الجرو‬
‫فحوى كلمه اجابه على شعره يقول ‪:‬‬
‫يقول الجرو اسمع يا ابن خالي كلمه ليس يسمعه اديب‬

‫تقول اليوم تقتلني بسيفك وتتركني على الغبرا قليب‬
‫اذا ابصرتني يوما فريدا فقتلني بسيفك ياعجيب‬
‫فا نزل عن جوادك يا ابن خالي وافعل ما تريده عن قريب‬
‫وافعل ماتريده اليوم فينا فاني لاخافك ياعجيب‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الجرو من كلمه واذا بسلطان اخو جساس‬
‫اقبل عليهما في ذلك الوقت فوجد الدم يسيل من ابن اخيه جساس‬
‫فلما علم بواقغه الحال اغتاظ غيظا شديد وشتم الجرو وقال والله‬
‫لول كرامه امك لقطعت راسك واخمدت انفاسك فقال ياخال ها انا‬
‫بين يديك فافعل ما تريد ثم هطلت عيناه بالدموع وتنهد من فؤاد‬
‫موجوع وسار الى عند امه واعلمها بما جرى وكان يطلب منها‬
‫الرحيل من ذلك الوطان فتكدرت امه واجابته الى ذلك لشان ثم‬
‫انهما صبرا حتى اظلم الليل فتركا المضارب والخيام وسارا تحت‬
‫جنح الظلم في جماعه من العبيد والخدام وجدا في قطع البراري‬
‫والكام مسافه عشره ايام واتفق في اليو الحادي عشر انهما التقيا‬
‫بشيخ في ذلك البر الفقر وهو يقطع البر الفسيح على الفرس‬
‫تسابق الريح وكان بمعيته عشره ابطال من صناديد الرجال وكان قد‬
‫خرج لصيد الوحوش والغزلن وهو راجع الى الوطان فتقدم الجرو‬
‫اليه وسلم عليه فرد الشيخ سلمه وقال له ايها الفتى الماجد من‬
‫اين اتيت والى اين قاصد فقال طردوني اهلي وربيت يتيم وانا‬
‫طالب انسان كريم حتى التجىء اليه واقيم عنده فقال الشيخ اذا‬
‫كان المر كما تقول فشرفني الى اطللي فانا افديك بروحي ومالي‬
‫واشار اليه يقول ‪:‬‬
‫يقول المير منجد من قصيد اليا قاصدا نبيل المارب‬
‫فشرف منزلي وامر عبيدك يرون العر والجنائب‬
‫بكم قد حلت البركه علينا يرون العر والجنائب‬
‫فمثلي ما تلقوا اين سرتم وعندي تبغلوا كل المطالب‬
‫انا مسجد فمن نسل الكارم ابي وائل وما فينا معاقب‬
‫الوف الوف تخدمني وتخضع لمري في المشارق والمغارب‬
‫وانت بقيت بعد اليوم ابني ولست اليوم في قولي بكاذب‬
‫( قال الراوي ) وكان هذا الشيخ اسمه منجد بن المير وائل وهو خال‬
‫كليب والزير البطل الحلحل وقد كنا ذكرنا عنه في اول الكلم بانه‬
‫بعد قتل كليب استخدم مع اخوته الثلثه عند التبع في بلد الشام‬
‫ولما قتل التبع ولى هرب وسكن في اخر بلد العرب خوفا من كليب‬
‫ان يقتله كما قتل اخوته لنه يبغضه دون اهله وعشيرته فلما فرغ‬
‫النجد من شعره ونظامه وفهم الجرو فحوى كلمه فرح واستبشر‬

‫ورجع الى عند امه على الثر واعلمها بما جراى وكان ثم انهم ساروا‬
‫معه الى الوطان ونصبوا المضارب والخيام فاكرمهم منجد غايه‬
‫الكرام وانزلهم اعز مقام وكان لمنجد المذكور عشره اولد من‬
‫الذكور كانهم البدور فالفوا الجرو واحبوه وكانوا ليفارقوه وكانت‬
‫امه الجليله قدالمير منجد حق المعرفه ولكنها كتمت المر عن زيد‬
‫وعمر خوفا من العواقب وطول النوائب فاجتمعت بابنها الجرو فقال‬
‫اذا سالك عن اسمك فقل اسمي الهجرس ولتقول الجرو فقال ان‬
‫السمين واحد فما هو مرادك ذبلك فقالت ان يكون الهجرس كلب‬
‫الصياد فانه اصلح من الجرو ابن الكلب وانت امير وابوك كان من‬
‫الفرسان المشاهير ومن ذلك اليوم تسمى الهجرس وغلب هذا‬
‫اللقب بين العرب وكانت امه في قلق عظيم خوفا عليه فاجتمعت‬
‫ذات يوم بشيخ عبيدها وكان اسمه صباح واشارت تقول من فؤاد‬
‫متبول ‪:‬‬
‫تقول الجليله بدمع سجام ايا صبح اسمع الكلم‬
‫فهذا الشيخ الذي تراه مكيد العادي بضرب الحسام‬
‫يسمى منجد صميدع عنيد ولد وائل وافي الزمام‬
‫فهو امير وابن امير وحوله عساكر كثيره كفيض الغمام‬
‫فهذا حال كليب المير مع سالم الزير قوم همام‬
‫فهو خالهم قد عرفته سريع ميكدا العادي بضرب الحسام وهوخال‬
‫زوجي لكن عدو كيف العمل الن صرنا نضام‬
‫واصل العداوه كليب المير قتل اخوته في دمشق الشام‬
‫قتل اليمامه واخذ ثار ابوها واهلك اخوه منجد وشام‬
‫ونحن الن نزلنا عليه عرفته وقد اعتراني سقام‬
‫اني اخاف على ابني حقيق يهنيه ويدعى دمه سجام‬
‫عدوك اياك تركن اليه ولو انه سقاك المدام‬
‫(قال الراوي) فلما فرغت من شعرها ونظامها فهم صبيح فحوى‬
‫كلمها قال اين نتوجه الن وقد صار لنا مده من الزمان والصواب ان‬
‫تكتم امرنا على كل انسان حتى يفرجها علينا الرحمن الرحيم‬
‫واستمروا مده طويله في تلك القبيله وهم عز واقبال وارغدعيش‬
‫واحسن حال الى ان كان في بعض اليام اغار على المير منجد بعض‬
‫الملوك العربان في ثمانين الف عنان فالتقاه منجد بعسكر جرار‬
‫فانكسر عده مرات حتى ال مره الى الدمار ‪.‬‬
‫فلما شاهد الجرو تلك الحوال وما وقع بمنجد من الهوال برز الى‬
‫ساحه المجال وقاتل الشجعان والبطال واظهر الغرائب والعجائب‬
‫ففرق الصفوف والمواكب وكسر ذلك الشمس والقمر وفعل فعال‬
‫تبقى وتذكر وما دامت الشمس والقمر وعند رجوعه من القتال‬

‫بالنصر والقبال وشكره منجد على تلك الفعال قال له مثلك تكون‬
‫الرجال فو الله لقد حميت الحريم طردت الغريم وخلدت لك ذكرا‬
‫جميل على طول الدوام وعند وصولهما سرايه الحكام وجلوسهما‬
‫في الديوان قال منجد بحضور السادات والعيان مثلك تكون‬
‫الفرسان فاعلمني عن حسبك ونسبك ومن يكون قومك فلما سمع‬
‫الجرو فحوى كلمه اجابه بهذا القصيدا ‪:‬‬
‫يا فخر ماجد في الرجال فاسمع ياملك فحوى كلمي‬
‫انا اسمي اليتيم يا مسمى ولاعرف ابي ولاخوالي‬
‫واني قد سالت امي مرارا فتسكت لترد الى سؤالي‬
‫تقول ابوك شاليش بن مره قتله الزير في يوم النزال‬
‫فاطلب من اله العرش ربي لخذ الثار منه بالقتال‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغ الهجرس من كلمه زاد منجد فب احترامه‬
‫ونهض على القدام واعتقه امام السادات الكرام وقال لهانت من‬
‫بني مره اصحاب الشجاعه والقدره فعربك من عربي ونسبك من‬
‫بسبي فو الله ما ضاع نظري فيك فاطلب من الله ان يحفظك‬
‫ويبقيك وينصرك على جميع حسادك واعاديك من ذلك الوقت زاد في‬
‫اكرامه ورفع مقامه على الكبار والصغار وكان لمنجد بنت بديعه‬
‫الجمال متصفه بالداب والكمال كانها هلل ذات عقل ثاقب وراي‬
‫صائب ليوجد مثلها في العرب والعاجم اسمها بدرباسم فزوجه‬
‫اياها وتمتع الجرو بحسنها واقام في ارغد يش واحسن حال وهو‬
‫يحكم على تلك الطلل وقد احبته جميع الرجال ‪.‬‬
‫(قال الراوي ) هذا ما كان من الهجرس والجليله وما جرى لهما في‬
‫تلك القبيله واما جساس فانه بعد رحيل اخته من الديار زادت به‬
‫الكدار وكان كثيرا ما يتذكرها في الليل والنهار فاتفق في بعض‬
‫اليام بينما هو جالس في الخيام دخل عليه بعض الشعلراء فسلم‬
‫عليه وعلى باقي المراء واخذ يمدحه بهذا السعر والنظام على‬
‫ماجرت به العاده في تلك اليام ‪:‬‬
‫قال جابر في بيون صادق انت ياجساس رب المكرمات‬
‫سمعت بصيتك انا يا ذا المير في الكرم والجود يا فخر الذوات‬
‫انت ملك البلد جميعها حاكما في الرض من كل الجهات‬
‫قاتل الضد في يوم الوغا مكرم للضيف سنه المحملت‬
‫انت ياجساس ملك البلد مع اخوتك وشقايقك السيدات والسادة‪:‬‬
‫لولكم ماكنت جيت لرضكم ماكنت فارقت العيال مع البنات‬
‫وتركت اختي يا ملك اولدها وزوج اختي يا ملك ذا العام مات‬

‫اولد اختي سبعه ذكور عند اولدي واهلي تبات‬
‫جور هذا الدهر في الدنيا عجيب كم له في كل يوم تقلبات‬
‫(قال الراوي ) فلما فرغ جابر من شعره ونظامه وفهم جساس‬
‫فحوى كلمه امر له بالف دينار واعتبره غايه العتبار ثم التفت اليه‬
‫اخوه سلطان وقال له امام السادات والعيان‬
‫اسمعت كلم هذا الشاعر الذي يدور في القبائل والعشائر ويمدح‬
‫السادات والكابر امل في المكاسب وبلوغ المارب كيف انه ذكر اخته‬
‫في شعره ولم ينسها طول دهره فكيف نحن نكون سلطين الزمان‬
‫وملوك العصر ولوان اختنا ان تغضب منا وتبعد ولنعلم الى اين‬
‫ذهبت واي قبيله طلبت فماذا تقول عنا دول الممالك اذا سمعت عنا‬
‫ذلك فمن الواجب ان نقتفي اخبارها الن ونعيدها معزوزوة الى‬
‫الوطان ثم انه بكى امام جلسائه وبكت اخوته وندم سلطان على ما‬
‫فعل واستعظم ذلك العمل ثم التفت جساس الشاعر وقال له انت‬
‫تطوف حلل العرب ونمدح الملوك واص‬
‫حاب الرتب فاريد ان تستقصي لي عن اخبار الجرو‬
‫وتعلمني الى أي حله قصدوا وعن اسم القبيله فان اتيتني بصحه‬
‫الخبر بلغتك القصد والوطر فاجابه الشاعر وامتثل ثم سار على عجل‬
‫يطوف القبائل والحلل ويستقصب عنها الخبار من الكبار والصغار‬
‫حتى سمع بخبرهما ووقف على حقيقه امرهما فقصدهما الى ذلك‬
‫المكان واجمتع بهما في الصيوان وحدثهما بما سمع في حقهما من‬
‫جساس وسلطان‬
‫ثم اشار يمدح الجرو ويقول وهو فرحان على بلوغ القصد ‪:‬‬
‫يقول جبر من قلب حزين فدمعي سال من وسط الماق‬
‫ادور على القبائل والعشلئر لحظى بالمكاسب والنياق‬
‫فاصغى يا امير الى كلمي فانت اجل فرسان السباق‬
‫فصيتك شاع في كل القبائل فمن يمن الي ارض العراق‬
‫وما لك في البريا من شبيه ونجمك فاق سام المجد راق‬
‫سالت الله ان يحفظ جيالك على طول المدى والدهر باق‬
‫رحنا من حماه لعند خالك ملك جساس سلطان الفاق‬
‫فأهدانا وقام انعم علينا وقلبه من بعادك باحتراق‬
‫وارسلني ل كشف اين انتم ليحظى فيكم من بعد الفراق‬
‫(قال الراوي ) وكانت الجليله تسمع هذا الشعر وهي خلف الحجاب‬
‫واستر فما هان عليها ان تسمع بذكر اخوتها كانوا الذين سببا لغربتها‬
‫وفرقتها من حلها فأمرت كبير العبيد أن يوقف عن اتمام القصيد‬
‫وان يكتم خبرهما عن هذا ذاك خوفا من الفضيحه والنهاك ثم امرت‬

‫له بالف دينار واعطاه الجرو مثل ذلك المقدار ففرح الشاعر‬
‫واستبشر ورجع على الثر واعلم جساس بذلك الخبر فأرسل في‬
‫الحال اخوه سلطان في جماعه من البطال‬
‫لياتوا باخته الجليله وابنها الجرو من تلك االطلل فلما اقترب‬
‫سلطان الى تلك الوطان ارسل بعض الفرسان ليعلم منجد بقدومه‬
‫الى اوطانه فخرج في الحال في جماعه من فرسانه فألتقاه احسن‬
‫ملتقى لنهم كانوا اقارب واصدقاء وانزله في سرايه الحكام وذبح‬
‫له النوق والغنام واكرمه غايه الكرام وفي ثاني اليام اجتمع‬
‫سلطان باخته الجليله وولدها الجرو واعتذر لهما بما فرط منه وطلب‬
‫منهما الرجوع الي الديار وشدد عليهما في ذلك غايه التشديد فأجابه‬
‫الي ماطلب واعلم الجروالمير منجد بانه يريد الرجوع الي اهله‬
‫وعشيرته مع امه وزوجته ومن يلوذ به من جماعته لن نفسه‬
‫أشتاقت الي الوطن فقال منجد والله يا امير يعز علينا فراقك ول‬
‫زالت ارواحنا في كل وقت تشتاقك ولكننا لنقدر ان نمنعك عن‬
‫اهلك واصحابك وبني عمك واحبابك ثم اعطاه مائه ناقه محمله‬
‫نفائس القمشه والذ خائر ومائه جواد وغير ذلك من المعادنوالجواهر‬
‫ومائه عبد ومائه جاريه واركب ابنته زوجة الهجرس على هودج كبير‬
‫وسار لوداعهم مسافة نصف يوم ثم رجع الى الديار وسار الهجرس‬
‫مع امه وزجته يقطعون القفار حتى وصلوا الي منازل بني مرة‬
‫فالتقاهم جساس بالفرح والمسره وامر بذبح الذباح واطعام الغادي‬
‫والرائح واشار الى الجرو يقول ‪:‬‬
‫لماقال الفتى جساس صادق ايا مرحبا بك يا ابن اختي‬
‫ففيكم حلت البركه علينا وضاء الحي في قربك الينا‬
‫وامك يافتى عيني وروحي وعمرك ياجليله مافرحت‬
‫فا ابنك غدا كالسبع الكاسر فان الجرو للعداء كاسر‬
‫بيوم الحرب والهوال كاسر اله العرش يرجعه ظافر‬
‫فل تعتب على سلطان خالك ولقوله يخطر قط بيالك‬
‫فل ابني ولنحن مثالك انا ساحكمك من فوق تختي‬
‫انا ابكي على المرحوم ابيك قتله الزير في ربعك وحيك‬
‫فقم واركب يروح خالك واخذ من المهلهل ثارك‬
‫سالتك الله ان تأخذ بثارك بقتله تكشف عنك عارك‬
‫مرادي تقتله وتأخذ بثارك وتحرقه بنارك يا ابن اختي‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ جساس من شعره ونظامه وتبسم الجرو‬
‫من كلمه قال له كن مطمئن الخاطر يا خال هذا ما كان من الجرو‬
‫وجساس واما الزير الفارس الدعاس فانه بينما كان راقد ذات ليله اذ‬

‫راى في منامه ولذيذ احلمه اخاه المير كليب وهو يعاتبه بهذه‬
‫البيات على اخذ الثار وكشف العار ويقول وعمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫تنام الليل كله يا مهلهل وثاري ما قدرت علي وفاه‬
‫وعظمي ذاب حتى صار كحل وجساس بن مره في الحياه‬
‫فأجابه الزير يقول ‪:‬‬
‫امير كليب ما قصرت يوما ً بأخذ الثار من قوم البغاة‬
‫فقم اسال بناتك يا حبيبي على طعني وضربي با لعداة‬
‫(قال الراوي ) فاسيقظت بنات كليب من المنام وايقظن عمهن بهذا‬
‫الشعر والنظام ‪:‬‬
‫يقولون اليتامى يا مهلهل أتانا كليب يستنجد اخاه‬
‫كليب قام من وسط المقادير وصار كليب في وسط الحياه‬
‫(قال الراوي ) كان الزير قد استيقظ من منامه فأرىالبنات حوا ليه‬
‫فقال لهن رايت اباكم في المنام ثم حدثهن بما سمعه وراة بالكمال‬
‫والتمام فبكين بكاء شديدا فقال الزير ان هذا المنام بدل على عجب‬
‫وحادث يقع عن قريب فاستدعا بعض الرمالين اليه وقص ذلك المنام‬
‫عليه فضرب الرمل الرمال ورسم الشكال وولد البنات من المهات‬
‫حتى عرف حقيقة الخبر فقال له لك البشرى يا فارس الصدام فان‬
‫جساس سوف يقتل من بعد ايام وذلك من يد شخص يظهر من لحمك‬
‫ودمك واشار يقول ‪:‬‬
‫يقول بشير اسمع يامهلهل ايا سالم فابشر زال همك‬
‫اتاك النصر من رب البريا انه العرش من خيرات عمك‬
‫وقد ظهر رسول الرمل عندي سيظهر شخص من لحمك ودمك‬
‫فيقتل في الوغا جساس حال وانت ترجه ويزول همك‬
‫وتهلك بعده ا ولد مره وستقيهم جميعا كاس سمك‬
‫( قال الراوي ) فلما سمع المهلهل هذا الشعر من الرمال فرح‬
‫واستبشر وقال له انتم ذلك الكلم ابشر مني ببلوغ المرام ثم انه‬
‫احسن اليه ووعده بكل جميل ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولح‬
‫ركب المهلهل الى الحرب والكفاح وتبعه البطال والفرسان وركب‬
‫ايضا المير جساس بالرجال واشجعان وقتتلوا طول ذلك النهار‬
‫وقتل المهلهل منهم عدد‬
‫كثير المقدار وما زالوا في اشد القتال الي ان دقوا الطبول‬

‫النفصال فافترقت الطوائف‬
‫عن بعضها ونزلت كل فرقه في ارضها واما الهجرس فانه لم يركب‬
‫مع جساس في ذلك اليوم فاجتمع جساس باخته الجليله في المساء‬
‫وقال لها ان ابنك لم يقاتل معنا ول نعلم ما هو السبب فا ساليه‬
‫واعلميني بما يقول فسالته امه عن عدم خروجه الى حرب فقال له‬
‫اعلمي يا اماه انه ليلقاني في قتال الزير سوى حصان خال جساس‬
‫الخرج ان وهبني اياه فانا اعطيه عوضه راس المهلهل فان قبل‬
‫بهذا الطلب بلغته غايه الرب فرجعت الجليله على الثر واعلمت‬
‫اخاها جساس بهذا الخبر فوهب الحصان وقال له ان قتلت هذا‬
‫الشيطان تكون علينا ملك ونحن لك غلمانا واعوانا ففرح الجرو بذلك‬
‫وضمن لجسا س قتل الزير اما الفرسان القواد ولما اصبح الصباح‬
‫واضاء بنورة ولح ركب الجرو الحصان المذكور وتبعه كل فارس‬
‫مشهور وكان الزير قد ركب وطلب براز فرسان وقال اين جساس‬
‫الجبان فليبرز الى الميدان فبرز الجرو اليه وهجم عليه واشار يقول‬
‫وعمر السامعين يطول ‪:‬‬
‫يقول الهجرس يا مهلهل ان عزرائيل اقبل‬
‫اين تعدى اليوم مني سوف تلقاني وتقتل‬
‫اني كمن قد جاك لتحسبني بظنك‬
‫( قال الراوي) فلما فرغ الهجرس من شعره حمل عليه وكان‬
‫المهلهل قد مال قلبه اليه وتحركت جميع اعضائه وكان الزير يبطل‬
‫مضاربه بحسن اختياره ول كان قلبه يطاوعه على قتله ودماره وما‬
‫زال على تلك الحال وهما في عراك وقتال الى ان دقت طبول‬
‫النفصال وعاد العسكران عن ساحه المجال ورجع المهلهل الى‬
‫الطلل واجتمع ببنات اخيه كليب واعلمهن بحديث الغلم وما جرى‬
‫بينهما في معركه الصدام وكيف انه اشبه الناس بابيهما كليب في‬
‫الصوره والقتال ثم قال لليمامه اعلميني هل كانت امك الجليله‬
‫حامله لما ذهبت الى بيت ابيها فقالت نعم ياعمي كان لها نحو‬
‫شهرين ولكن ماهو معنى هذا السوال فانشد وقال ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل مربع الخيل انتصدت الينا‬
‫يمامه اسمعي مني كلمي ايا ست الملح المحسنينا‬
‫برزت اليوم للميدان حتى اقاتل ال مره اجمعينا‬
‫فبارزني غلم غريب منهم له عزم كما الصخر المينا‬
‫كمثل اباكم وجها وحربا فذكرني ليالي الماضينا‬
‫فقد قاتلته في كل لطف وهو يطعن طعان القاتلينا‬

‫فحملته وطعانه قويه تقد الصخر والزرد المتيينا‬
‫فلماانتهى من شعره اجابته اليمامه تقول ‪:‬‬
‫اليا عم اسمع ما اقوله لتفهم سالم الخبر اليقينا‬
‫فامي حامله من يوم راحت وحق الله رب العالمينا‬
‫ولست ادري ايش جابت ابنت ام غلم يا فطينا‬
‫ثلثه اشارات لي في كليب اشارات بعقلي راسخينا‬
‫ركب يوما بقرب النوم مره وقال ايا يمامه انظرينا‬
‫من التفاح اعطاني ثلثه وقال بذي الثلثه تضربينا‬
‫فانكسوف تحتاجي اليهم اذا ظهر لناحقا بنونا‬
‫ضربته بواحده يا عم راحت بضرب رقابه راحت طحينا‬
‫وثاني واحده في رمحه وثالثهم خطفها باليمينا‬
‫غدا انزل واضربه ثلثه كفل ابي ايا عمي الحنونا‬
‫يكون اخي اذا سوى نظره وان خالف يكون غريب فينا‬
‫عسى الله يدركنا بلطفه وينصرنا اله العالمي‬
‫نا ( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها ونظامها وعمها‬
‫يسمع فحوى كلهما قال لها فعل ابوك ذلك قالت قبل موته‬
‫بشهرين عندما كنت بير السباع وقد صممت الن ان ارافقك الى‬
‫الميدان واضربه بالتفاح في ساحه الكفاح وان افعل كما فعل ابي‬
‫يكون لشك اخي وبه ابلغ اربي ‪.‬‬
‫الجزء التاسع‬
‫وفي ثاني اليام ركب الزير للحرب والصدام وركبت معه اليمامه وقد‬
‫اخذت معها ثلثة تفاحات وكان الجرو قد ركب ايضا بالبطال فصال‬
‫وجال وطلب الزير للحرب والقتال فبرزت اليه اليمامه بالعجل‬
‫وقالت انا اقاتلك اليوم دون المهلهل فاستعظم الجرو ذلك ولم يعلم‬
‫السبب ثم ان اليمامه اخذت تفاحه ولوحتها بيدها وضربته بها فاخذها‬
‫برجله مع الركاب فطحنها طحنا ثم انها ضربته بالثانيه فأخذها على‬
‫سنان الرمح ثم أخذت الثالثه وقالت اللهم ياخالق الخلق امح الباطل‬
‫واكشف الحق فأخذها بيده ووضعها في جيبه فلما شاهدت الحال‬
‫ايقنت انه اخوها ل محاله فنزلت عن ظهر الجواد وتقدمت اليه‬
‫والقت نفسها عليه وقالت اهل وسهل يا أخي ابن ابي وامي فأنت‬
‫والله ابن كليب دون شك ول ريب وقد ربيت في دار العدا والحمد لله‬
‫الذي عرفناك بعد طول المدى فقال لها انا ابن شاليش ايتها السيدة‬
‫الحرة وامي هي الجليلة بنت مرة فقالت انت ابن المير كليب ثم‬

‫انشدت تقول ‪:‬‬
‫قالت يمامه من ضمايرها دمع العيون على الخدين هنان‬
‫اسمع اخي قصتي وافهم معانيها ياقاهر العدا في وسط ميدان‬
‫ابوك خانه جساس ايا سندي بطعنة يا عظيم القدر والشأن‬
‫شاليش خالك كل الناس تعرفه اهل العارب قاضيها ومن دان‬
‫وعمك الزير فخر الناس كلهم وفارس الخيل من عجم وعربان‬
‫فاسأل لمك ثم سرك اكتمه وارجع الينا فأنت اليوم في أمان‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت اليمامه من شعرها تأكدت عنده تلك‬
‫القضيه لن قلبه كان ليميل الى جساس ول الى احد من بني مرة‬
‫ول سيما انه قد حن قلبه الى اليمامه فقال لها سرا لقد صدقت‬
‫بقولك هذا فاذهبي الن وعند الصباح اتبعكم الى الوطان ثم توقفت‬
‫عن القتال ورجع الى عند امه في الحال واخبرها بذلك الشأن وان‬
‫تعلمه من هو أبوه من الفرسان وحلف لها بالله الديان انها ان‬
‫كتمت عنه حقيقه الخبر قتلها وجعلها عبرة لم اعتبر لفما علمت امه‬
‫بأتن الخبر قد اتصل اليه وان المر ماعاد يخفي عليه اعلمته بالقصة‬
‫من أولها الى آخرها وأوقفته على باطنها وظاها واشارت اليه تقول‬
‫من فؤاد متبول ‪:‬‬
‫الجليله قالت ابيات نار قلبي بالحشا زادت لظا‬
‫استمع يا ولدي فيما اقوله يا ضيا عيني وياكل المنى‬
‫انت روحي افتهم مني الكلم قول صادق ليس فيه من خفا‬
‫ان ابوك كليب سور المحصنات قاهر البطال في يوم الوغى‬
‫واخوته خمسون اعمامك جميع كلهم فرسان طعانه قنا‬
‫اربعه من الست يا ابني حقيقي كل واحد سبع ربي بالفل‬
‫منهم المسمى ابوك كليب كان والفتى الزير المهلهل يا منى‬
‫والفتى المسمى عدي درعان هذه الربعه اتةا منها سوا‬
‫ثم ست واربعين خلفهم من الجواري والسراري والما‬
‫كلهم يا امير اعمامك لهم كل واحد الف يطعن بالوغا‬
‫وابوك كليب سار على الجميع بالفروسية مع جود وسخا‬
‫جاء جساس خالك باق فيه وتركني بعده مثل الما‬
‫وطردني عمك الزير بعده فرحت الى اهلي دون المل‬
‫قد كنت حامل فيك بعد ابيك فولدتك في تلك الحما‬
‫رحت سميتك على اسم الكلب سرت كانك سبع رابي بالفل‬
‫وانا والله من خوفي عليك قلت اخي شاليش انه لك ابا‬

‫وانا اعلمتك افعل ما تريد صفا عينشي ووقتي ما تعكر‬
‫( قال الروامي ) فلما فرغت الجليلة من هذا الشعر بكى الجرو بكاء‬
‫شديد ولم أمه على كتمان المر ثم انه صبر الى الليل فركب وسار‬
‫بالعجل الى عند المهلهل وصحبه العبد ابو شهوان الذي كان ارسله‬
‫اليه عمه فارس الفرسان وفي اثناء الطريق أراه العبد قصر ابيه‬
‫وقبره المصفح بالذهب وعينيه واجتمعت جميع شقايقه ومن يلوذ به‬
‫من اهله واقاربه فوقعو عليه وترحبو به وكان الزير افرح الخلق ولما‬
‫استقر به الجلوس وطابت من القوم النفوس قال الجرو الحمد لله‬
‫رب الكائنات الذي جمع شملنا بعد الشتات فوالله العظيم رب موسى‬
‫وابراهيم ل بد لي من قتل جساس واجعله مثل بين الناس لنه‬
‫فجعني بابي تاجي وفخري وتركني يتيما طول دهري فقال له الزير‬
‫ل بد من قتله على رؤوس الشهاد وانت تكون الحاكم بعد ابيك على‬
‫هذه البلد ثم انشد وقال ‪:‬‬
‫يقول الزير ابو ليلى المهلهل صفا عيشي وقتي ما تعكر‬
‫أتاني السعد من رب البرايا واتانا السعد لما النحس ادبر‬
‫فقبل ظهوره كنا حزانا نقضي الليل في قلق ونسهر‬
‫على فقد الفتى الماجد كليبا ثوى غدرا له جساس فنظر‬
‫وفي دمه كتب بالبلطة وصايا عشر ابيات او اكثر‬
‫يوصيني بقوله ل تصالح فسالم انت ان صالحت تخسر‬
‫واطرد الجليلة من حمانا عدوة كعبها ما كان اخضر‬
‫طردناها وهي بالجرو حامل من يقدر على رد المقدر‬
‫انا فيهم فتكت بحد سيفي وانت القصد منهم تكبر‬
‫واني ما بكيت على كليب اخذت بثاره بالسيف مجهر‬
‫فابكي حيث ما خلف ذكورا بنات الكل ما له طفل يذكر‬
‫ولما خالقي انعم علينا وجانا الجرو كالسبع الغضنفر‬
‫صفا عيشي وقد نلت المقاصد وزال النحس عنا ثم ادبر‬
‫وبعد يا ابني اسمع كلمي انا عمك وانت الليث قسور‬
‫فقم اجلس على كرسي ابوك وفي احوال اخواتك تبصر‬
‫(قال الراوي) فلما فرغ الزير من الشعر والنظام قال الجرو اطال‬
‫الله بقاك ونصرك على جميع حسادك واعداك وبلغت قصدك ومناك‬
‫انني والله يا عم في قلق وغم فل تزول احزاني وانال اربي حتى‬
‫آخذ بثار ابي واقطع راس جساس واجعله مثل بين الناس فشكره‬
‫جميع اهله واعمامه وبعد ذلك قال له الزير ما هو الراي عندنا يا ابن‬
‫اخي قال الراي عندي اني اغير عليكم نهار غد واخذ نوقكم وجمالكم‬
‫الى جساس واقول له باني اتيت اليوم باموالهم ومواشيهم وغدا‬

‫اتي اليك براس الزير ثم احاربك وتكون انت واضع قربه من الدم‬
‫تحت جانبك فاطعنك بالرمح فخذه تحت ابطك والقي نفسك على‬
‫الرض فتنشق القربة ويهرق الدم وانا اصيح على جساس واقول له‬
‫قد قتلت عدوك يا خال انزل اليه واقطع راسه لقد زال الكدر وبلغنا‬
‫اليوم الوطر وعندما ياتي اليك فتقوم اليه بالعجل وتعدمه الحياة لنه‬
‫لم يعلم بقدومي عليكم وبهذه الوسيلة تتم الحيلة وتتخلص من هذه‬
‫الورطة الوبيلة فاستصوب الزير رايه ثم انه ودعهم وسار وحده الي‬
‫الديار بني مره وعند الصباح ركب الجرو في جماعه من الفرسان‬
‫وساق مواشي بني قيس من الرعيان با تفاق المير مهلهل ليت‬
‫الميدان فخرج المير جساس وسادات من بني مره وشكروا الجرو‬
‫على هذه الغنيمه‬
‫( قال الراوي ) فاتقف في تلك الليله بان جساس راى حلما غريبا‬
‫وهو انه ابصر ذاته بانه كان قد ربى عنده جرو وذهب واكان يوده‬
‫ويحبه فلما انتهى وترعرع وتصاحب مع سبع كاسر على فالفه الى‬
‫ان كان في بعض اليام اغار السبع على مواشي بني مره وهجم‬
‫على نسائهم واولدهم وجعل يفترس كبارهم وصغارهم وكان الذئب‬
‫يساعده يساعده عليهم فاغتاظ جساس من فعال السد فسللسيف‬
‫وهجم عليه يريد قتله واعدامه فوثب عليه الذئب من ورائه ونهشه‬
‫فالقاه صريعا على الرض ففاق جساس مرعوبا من هذا الحلم‬
‫فنهض في الحال وسار الى الديوان وجمع اخوته وباقي السادات‬
‫والعيان واعلمهم بذلك المنام فقالوا هذه اضغاث احلم وما زاالوا‬
‫يهرنون عليه حتى راق وزال عنه القلق والكدر ولما اصبح الصباح‬
‫ركب الزير يطلب الحرب والكفاح وركب المير جساس وهو في‬
‫قلقل ووسواس وكان الجرو قد اوعد بهلك القوم وقتل المهلهل‬
‫في ذلك اليوم ولما التقى الفريقان برز الجرو الى ساحه‬
‫الميدانفبرز اليه المهلهل فالتقاه الجرو وصال وجال وطعنه بالرمح‬
‫طعنه كاذبه فسحبها المهلهل من تحت ابطه فراحت خائبه والقى‬
‫نفسه على الرض من فوق ظهر الحصان خديعه على عيون‬
‫الفرسان ليظهر لهم انه قد مات وحلت به الفاق فعند ذلك صاح‬
‫الجرو الله اكبر على من طغى وتجبر فقد ظنا المراد بقتل الزير‬
‫الذى اهلك العباد ثم صاح على جساس وقال له انزل يا خال واقطع‬
‫راس عدوك فقد قتلته وكفيتك شره فلما راه يختبط بدمه نزل عن‬
‫ظهر القميره وهو يظن انه قد بلغ غايه مراده ولما اقترب منه نهض‬
‫الزير على قدميه وقبضه من لحيته وهجم الجرو ايضا عليه ووضع‬
‫الرمح بين كتفيه فعند ذلك علم جساس انها حيله قد تمت عليه وتاكد‬
‫عنده صحه المنام فاخذ يخاطب الجرو بهذا الشعر والنظام‬

‫قال جساس الذي شاهد وفاه ياسياج البيض في طعن القنا‬
‫انني بك يا ابن اختي مستجير فاجرني يا ابن اختي من القنا‬
‫فاجابه الجرو بهذه البيات ‪:‬‬
‫ايا خال اقصر عن ملمك دنى اجلك وقد وافى حمامك‬
‫تقول اجرني يا ابن اختي ال يا جرو اعطينا زمانك‬
‫قتلت كليب طلما وعدوانا تظنوا بانني اسمع كلمك‬
‫وبعد كليب اصبحت حاكم تسامى في المل ايضا كلمك‬
‫طغيت وجرت في حكمك علينا فاذني لم تعد تسمع كلمك‬
‫تريد اليوم منا ان نجيرك فهذا ماتشوفه في منامك‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الجرو من كلمه جعل جساس يتوسل إليه‬
‫بأن يعفو عنه وقال بالله عليك أن تصفح عني فأن الذي مضى قد‬
‫مضى وهل اذا قتلتني يعيش كليب ويقوم فاتركني لوجه الله الواحد‬
‫القيوم فقال الجرو لبد من قتلك كما قتلت أبي حتى أكون قد بلغت‬
‫أربي فلما أطال بينهما الخطاب قال لهما الزير أراكما قد أطلتما‬
‫الكلم والعتاب فعند ذلك طعنه الجرو بالرمح في صدره فخرج يلمع‬
‫من ظهره وتقدم اليه الزير بالسيف على راسه فقطعه ثم وضع فمه‬
‫على عنقه وجعل يمصه حتى شرب جميع دمه وكان الجرو ينهش في‬
‫لحمه حتى بلغ مراده وشفى فؤاده وبعد ذلك أعطى الرأس الى‬
‫الجرو ليأخذه الى شقايقه فسلمه الجرو الي بعض عبيده وهجم مع‬
‫قومه في باقي البطال على جموع بني مرة في الحال وأذا قومه‬
‫الوبال بلغوا منهم المال وكانت بنو مرة لما علمت بقتل جساس‬
‫أيقنت بالموت الحمر لنه كان القائد الكبر وعليه العتماد في‬
‫الحرب والطراد فولت الدبار وطلبت الهزيمه والفرار وكان المهلهل‬
‫قد قتل منهم في ذلك النهار خلقا كثيرا بهذا المقدار فمنهم أمراء‬
‫وقواد وسادات وأمجاد وأما الذين سلموا منهم فانهم طلبوا الزمام‬
‫من الزير والجرو فأجاروهم وعفوا عنهم بشرط أن يكونوا مثل‬
‫العبيد ل ينقلون سلح ول يحضرون حربا ول كفاحا ول يوقدون نارا‬
‫ل ليل ولنهارا وليعرف لهم قبر ميت في جوار ل في مقبرة ول في‬
‫دار أل مشتتين في البراري والقفار يقضوا حياتهم بضرب الطبل‬
‫ونفخ المزمار وأن غابت نساءهم طول النهار ل يسألها فين كانت‬
‫بل يسألها أيش جابت وليس لهم صفه سوى الرقص والخلعة‬
‫فقبلوا على هذا الشرط بكل رضا وقناعه وبعد هذه الشروط تسلطن‬
‫الجرو على كل القبائل نظير أبيه وطاعته العباد وشاع ذكره في‬
‫البلد وفرحت بنات كليب كل الفرح وزال عنهم الغم والترح وخلعن‬

‫عنهم ثياب السواد وكان ذلك النهار عندهم من أعظم العياد وكان‬
‫الجرو قد تزوج بثلث بنات وولد له ولدان فسمي الول تغلب والثاني‬
‫مالك ولما بغا سن الرجولية زوجهما ببنتين شقيقتين وهما بنات‬
‫المير هلل حاكم حماة وزوج أخته اليمامة للمير مفلح أبن المير‬
‫مدكور وهذا ماجرى بينهم وهكذا أتصل الحسب والنسب وخمدت‬
‫نيران الحروب بين قبائل العرب وكان أفرح الناس المير مهلهل‬
‫وكان الجرو قد عرض عليه الزواج فامتنع وكان منعكفا على الجلوس‬
‫في الخيام وأكل الطعام وشرب المدام وأقام له عشرون عبدا في‬
‫رسم خدمته وكان يرقد وينام وهو لبس آله الحرب والصدام لنه‬
‫كان قد أعتاد عليه مدة الحروب والشهور التي أستمرت اربعين سنه‬
‫وكسور كما في التاريخ مذكور هذا ما كان من أمر المهلهل في تلك‬
‫اليام وسوف يقع له حديث وكلم واما الجرو فأنه قد زوج أربعة من‬
‫شقايقة إلى جماعة من المراء وصنع لهن ولئم وأفراح مدة طويله‬
‫وأما ولداه مالك وتغلب بقيا مدة خمسة عشر سنة ولم يرزقا بأولد‬
‫من بنات المير هلل المذكور وبعد نهاية المدة طلبت نسأءهما زيارة‬
‫أهلهما في حماة فطلب أزواجهما من أبيهما الجرو أن يأذن لهم‬
‫بذلك فأمر لهم فساروا مع نسأئهما الى تلك الطراف ولما بلغ‬
‫المير هلل بقدوم أصهاره بنسائهما خرج للتفاهم مع ولده المير‬
‫مفلح وخرجت معهما اليمامه المير مفلح المذكور وخرج أيضا أكابر‬
‫المدينه فألتقوهم بالترحاب والكرام وأنزلوهم في أحسن مكان‬
‫وقاموا في تلك الوطان مدة من الزمان وهم في سرور وأفراح‬
‫وبسط وأنشراح ولما صمم المير مالك وتغلب على الرجوع الى‬
‫الطلل مات المير مفلح مع أبيه المير هلل فأقاما يحكمان في‬
‫تلك الديار وأنقادت لمرهما أهل تلك البلد وكانا محبوبان من جميع‬
‫العباد وكانت اليمامه بعد وفاة بعلها ذهبت الى عند أهلها ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) فاتفق ذات يوم ان المير مالك قال لخيه تغلب أعلم‬
‫ياأخي انه قد مضى علينا مدة من الزمان ولم نرزق بولد ذكر حتى‬
‫يبقى لنا ذكر يذكر بين البشر فدعنا نتزوج الن على نساءنا فلعل‬
‫الله يرزقنا بأولد وال أنقطع نسلنا من بين العباد فقال تغلب من‬
‫الصواب ان نصلي الى الله في هذه الليله ونتضرع اليه أن يرزقنا‬
‫أولد من نسائنا لنه على كل شيء قدير فامتثل أخوه رأيه وصليا‬
‫تلك الليله بحراره قلب وأشار تغلب يقول وعمرالسامعين يطول ‪:‬‬
‫يقول الفتي تغلب على ما جرى بدمع جرى فوق الخدود نهور‬
‫أقول وفي قلبي من البين لوعه وبي حسرات طي الفؤاد تثور‬
‫الفراق أبينا الجرو والزير عمنا عليهم قلبي والحشا مكسور‬
‫يارب يارحمن ياسامع الدعا عليك أتكالنا يا جابر المكسور‬

‫سألناك ربي بالخليل وأبنه بحق الذي اليه العبيد تزور‬
‫فيا رب يارحمن اجير قلوبنا بجاه عيسى وموسى والفضل المشهور‬
‫بجاه داود مع يحيى مع الخضر وبالعرش والكرسي وبحر النور‬
‫ترزقنا بولدين يحيوا ذكرنا أيا من ترزق كل وحش كسور‬
‫( قال الراوي ) وكان المير تغلب ينشده هذه البيات وأخوه مالك‬
‫يقول آمين يا رب العالمين فاستجاب الله دعاهما ولم يخيب‬
‫شكواهما فما مضت مدة يسيرة وبرهه قصيرة حتى حبلت نساءهما‬
‫ولما تمت ايامهما ولدنا الثنان في يوم واحد فولدت زوجة مالك بنتا‬
‫وزوجة تغلب ولدا ذكرا فقامت في الحي الفراح والمسرات وكان‬
‫جناب الميرين في الصيد والقنص فأرسلوا لهما بعض العبيد‬
‫يبشرهما بذلك وكان اسمه مسرور فلما اقبل عليهما العبد قال له‬
‫علمك يا مسرور ابشير ام نذير فقال اني بشير واشار اليهما بهذه‬
‫البيات ‪:‬‬
‫قال الداعي المسمى مسرور ياسادتي اتيتكم قاصد بشير‬
‫ياأمير مالك اتاك بنت كالقمر ووجها كالشمس والبدر المنير‬
‫وانت يا تغلب اتاك غلم يفرح القلب المتيم يا أمير‬
‫اتيت اليكم حال بل بطا فوق حمرا كأنها طير يطير‬
‫اريد منكم ياكرام بشارتي اجبروا بالله قلبي الكسير‬
‫( قال الراوي ) فلما سمعا كلم العبد فرحا فرحا ً شديدا واعتقا العبد‬
‫واعطوه الف دينار ولما حضرا الى الحي امرا بذبح الذبائح وأولما‬
‫الولئم وأقاما الفرح والسرور لمدة شهرين كاملين وارسل حال‬
‫يعلما اباهما وعمهما الزير ويبشرهما بذلك وسميا الغلم الوس‬
‫والبنت مي وتعاهدا الخان على زواج البنت بالغلم اذا كبر ولما بلغ‬
‫الجرو والمهلهل ذلك الخبر فرحا جدا ً وشكرا الله على هذه النعمه‬
‫العظيمه وركب الجرو في جمع غفير من قومه وابطاله وسار جهت‬
‫اولده لنه كان لديه غاية الشتياق لمشاهدتهما ولما اقترب من تلك‬
‫الديار وبلغ ولديه قدومه خرج لملقاته في موكب عظيم وعند وصوله‬
‫سلما عليه ووقعا على يديه يقبلنه فقبلهما بين عينهما ودعا لهما‬
‫ثم سأله عن عمهما فقال انه في خير وعافيه وانه مازال في خيامه‬
‫وهو ملزم طعامه مع مدامه ثم سار الى المدينه وكان ذلك اليوم‬
‫اعظم من يوم الزينه ونزل الجرو في القصر الكبير ووقف بخدمته‬
‫الصغير والكبير والمأمور والمير وأقام في تلك الديار مدة شهرين‬
‫كوامل وكان في آخر هذه المده مرض ابنه تغلب فأقام عشرة اياما‬
‫في الفراش ومات فحزن عليه الجرو حزنا عظيما وعملوا عليه مناحة‬

‫عظيمه ودفنوه بكل أحترام ‪.‬‬
‫ووقارولماعزم الجروعلى الرجوع الى بل ده استدعى ولده مالك‬
‫واوصاه با لرعيه وان يكون عادل في حكمه وان يزوج ابنته مي‬
‫بالوس ابن اخيه وبعد ذلك سار وحده في قطع القفار الى ان وصل‬
‫اطلله واجتمع باهله وعياله واما المير مالك فانه اعتنى بتربيه ابنته‬
‫وابن اخيه كما اوصاه جناب ابيه حتى كبرا وبلغا درجه الكمال وكان‬
‫الوس يركب ظهور الخيل ويتعلم الفروسيه مع الفرسان واستمر‬
‫على ذلك مده من الزمن حتى صار من صناديد الرجال وشاع ذكره‬
‫في كل مكان وكانت ابنه عمه مي من اجمل النساء والرجال وكان‬
‫الوس يحبها محبه عظيمه فكانا كروحين في جسد واحد فلما شاع‬
‫ذكرها في قبائل العراب وتواردت على ابيها الخطاب وكان قد سمع‬
‫بها الصنديد بن الكوع وهو ابن عم الملك تبع حسان فعشقها على‬
‫السماع وكان من الملوك العظام فارسل وزيره ليخطبها من ابيها‬
‫فلما وصل الوزير وعلم مالك بالخبر فقال ولله هو نعم الصهر وبه‬
‫انال الفخر على طول الدهر غير انه لخفاك اطال الله عمرك وبقاك‬
‫باْن ابنتي مخطوبه لبن عمها الوس ونحن الن مباشرين بأمر‬
‫العرس فل يمكنني أن أنقض الكتاب وهذا الذي يمنعني عن اجراء‬
‫اليجاب فقال له الوزير اكتب لي الجواب فكتب اليه هذه البيات ‪:‬‬
‫يقول الفتى مالك على ماجرى له بدمع جرى فوق الخدود صدود أيا‬
‫غاديا مني على متن ضامر تسابق لضرب المرهف المبرود‬
‫تهدي هداك الله خذلي رسالتي اعطيه مكتوبي تنال سعودي‬
‫اذا جيت لصنديد فقل له باني على طول الزمان ودود‬
‫ومي ترى مخطوبة لبن عمها ومعها تربى والنام شهود‬
‫فحاشى لمثلي ان يخون اقاربه وافسح زمامي ثم اكون عنود‬
‫ترى روحي ياامير ومهجتي وهو عندنااحلى من المولود‬
‫فلو كنت اعطيها لغير ابن عمها لكنت انت اليوم اولى بالمقصود‬
‫ثم ان الوزير اخذ هذا الجواب ورجع الى عند الصنديد واعطاه اياه‬
‫فلما وقف على حقيقة الحال‬
‫خرج عن دائرة العتدال فغير زيه وتنكر وركب جواده وسارالى تلك‬
‫الديار وحده وعن وصوله الى مضارب الميرمالك لم يجد هناك ولم‬
‫يكن في الحي ال النساء والبنات فسأل بعض النساء عن غياب‬
‫الرجال فقالت منهم من سار الى القبائل ليعزموا الناس الى العرس‬
‫والفرح ومنهم من ذهب مع المير مالك لصيد والقنص ففرح بهذا‬
‫التفاق وتقدم نحو الصيوان واركز رمحه ووقف على الباب ونادى‬
‫هيا‬

‫ياأصحاب البيت فقد اتاكم ضيف من ابعد مكان وكانت مي داخل‬
‫الخيام وحدها فما ردت جوابا وماأبدت خطابا ولما ابطئت عليه‬
‫الجواب وعرف ان الصيوان خاليا من الرجال انشد يقول ‪:‬‬
‫قال الفتى الغريب الذي شكا ولي قلب من بين الجوانح ذاب‬
‫اتيت قاصد مالكا في حاجه ولي ساعة واقف انا في الباب‬
‫يا أهل هذا البيت اين اميركم واين مضى من الديار وغاب‬
‫ياربة البيت الذي داخل الحمى مابالكم لتردوا الجواب‬
‫الفاخبروني يا بنات بحالكم قلبي غدا من أجلكم مرتاب‬
‫اذا كان اهل الحي غابوا جميعهم اما فيكم كريمه ذات حجاب‬
‫فتقر ضيفا قد اتى غريبه وتستر أهاليها مع الغياب‬
‫اكيد ما كل النساء تستر الفتى ولكل من يحوي الرديه صاب‬
‫( قال الراوي ) فلما سمعت مي شعره ونظامه وعرفت قصده‬
‫ومرامه أخذتها الغيرة والمروءة لتستر عرض أهلها من القيل والقال‬
‫وأشارت تقول ‪:‬‬
‫تقول فتاة الحي مي التي شكت ال فاسمع للقول يا نجاب‬
‫يا مرحبا بالضيف لما زارنا لك الخير والكرام والترحاب‬
‫انزل مكانك حتى احضر لك الغدا وتأكل من زادنا وتشرب‬
‫انا بنت مالك راح للصيد والدي مع ابن عمي الوس والحباب‬
‫انزل حتى يرجعوا رجالنا ويأتوا لنحو الحي بعد غياب‬
‫فكم جاء الينا يا أمير مثالكم خلئق كثيرة ما لهن حساب‬
‫نحن نحب الضيف اذا جاء محلنا انزل واجلس جانب الطناب‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت من شعرها ونظامها وقع الصنديد في‬
‫حبها وغرامها ورفع ستار الخيمه بسنان رمحه فوجد صبيه بديعه‬
‫الجمال فزاد به الوجد والبلبال فصاحت عليه من خلف الستار وقالت‬
‫علمك تنظر بنات الملوك يا غدار ثم ردت منديلها على وجهها وقالت‬
‫له لشك انك قليل الحياء كامخ فا كنت ضيفا كما تقول فانزل كي‬
‫آتيك بالغداء وال فما هذه الوقاحه ثم قالت لجاريتها اطلعي افرشي‬
‫له حتى يجلس ويتغذى لبينما يأتي ابي من البريه فخرجت الجاريه‬
‫اليه وسالته كي ينزل في الصيوان فقال لها انه عيب علي ان انزل‬
‫عند الحريم وانا سيد عظيم لئل ادعي بكامح هذا من اعظم القبائح‬
‫وما اتيت الى هذه الديار ال لمر ضروري وهو ان اتزوج الميرة ولما‬
‫تأكدت الميرة من مرامه قالت يانجيب ان كنت الضيوف فاقعد في‬
‫الصيوان حتى يأتي ابي من البريه هذا فلم يسمع لها كلم وقال لبد‬

‫من أخذك الى الطلل وهناك اتزوج بك بالحلل لني اتيت من بلد‬
‫بعيده لجل هذه الغايه الوحيده وقد‬
‫نلت مرادي وحصلت على مسرة فؤادي ثم انه قام تلك الليله في‬
‫ذلك المكان وهو مسرور فرحان ولما كان الصباح ركب ظهر الحصان‬
‫واردفها خلفه وصار يقطع القفار ويوصل سير الليل بسير النهار‬
‫حتى وصل الديار ولما سمعت اكابر قومه بقدومه ظافرا غانما‬
‫اجتمعوا اليه وهنئوه بالسلمه وسألوه عن سفرته وماجرى له في‬
‫غربته فقال اني عند وصولي الى تلك الطلل هجمت علي الفرسان‬
‫والبطال ومددت اكثرهم على بساط الرمال وفعلت فعل تذكر على‬
‫طول الجيال وقتلت المير مالك وابن اخيه واتيت بالعروس الى هنا‬
‫وقد بلغت المنى فلما سمعت مي منه هذا الكلم كان عليها اشد من‬
‫ضرب الحسام فنهضت على القدام فقالت له امام العيان لقد‬
‫نطقت بالزور والبهتان فوحق الله الديان لو كان ابي وابن عمي‬
‫حاضران لما كنت رجعت سالما الى اوطانك ول اجتمعت بأهلك‬
‫وخلنك ولكنك خطفتني بالحتيال وهربت في الحال قبل ان تدركك‬
‫الر جل ويحل بك الوبال ثم انها بعد هدا الكلم بكت بدمع سجام ولما‬
‫سمع الحاضرون فحوى كل مها خافوا من القواقب وعلموا بأن كلم‬
‫الصديد ليس له صحة فهو في حديثه كاذب واما الصنديد فانه اغتاظ‬
‫من هذا الكلم فنهض والطمها على موجهها وقال هكذا تتكلمين‬
‫يابنت اللثام امام السادات الكرام ثم سل سيفه وغمده واراد أن يعد‬
‫مها الحياة فعتد ذلك وثب الوزير وبا قي ال مراء بالعجل وردوه عن‬
‫ذلك العمل وقالوا له انت امير اتجمل عقلك كعقل النسوان فما‬
‫تقول عنك ملوك الممالك اذا سمعت بذلك ومازلوا يتوسلون بالكلم‬
‫حتى لن وكان له سجان أقسى من الصوان فاستدعاه اليه فحضر‬
‫وكان اسمه عمران بن الزور فقال خذ هذه الملعونه الى بيتك‬
‫وسلمها الى زوجتك لتقيدها بالحديد وتعذبها العذاب الشديد وتلبسها‬
‫ثياب الشعر وتضربها خمس مرات في النهار وتطعمها خمس ارغفة‬
‫من الشعير فقال يامولي ان هذه الصبيه لتستحق الضرب والنتقام‬
‫ولتستاهل غير العزاز والكرام وهي كأنها البدر التمام فقال لها‬
‫كيف العمل ومانحن ال عبيد الملك الصنديد فعند ذلك نزعت عنها‬
‫ثيابها الحريريه والبسها ثوبا من شعر الخنزير وأرادت ان تضربها‬
‫بالسياط على قدميها فوقعت على رجليها وجعلت تبكي وتثني عليها‬
‫ثم انشدت من فؤاد متبول ‪:‬‬
‫با الله ان ترثي الى احوالي فالدهر فرق صحبتي وعيالي‬
‫يا وحدتي يا ذلتي يا غربتي قد صرت بعد العز بالغلل‬
‫قد كنا في جاه ورفعه منصب والله ربي عالم الحوال‬

‫فترفقي هذا النهار بحالتي فلعل ربي يستجيب لحالي‬
‫اني كريمه من اكابر معشر فاقوا الورى بالجاه والفضال‬
‫ويعيدني بعد العناء الى الوطن وأرى جميع الهل والخوال‬
‫ولهم وقائع في البلد جميعها بين الملوك وزمرة البطال‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغت من شعرها ونظامها ورق قلبها وقالت‬
‫لها قري نفسا وطيبي قلبا سأصنع معروفا لوجه الله تعالي ثم انها‬
‫جاءت بجلد جاموس يابس فصلته ثوبا والبستها اياه من تحت الثياب‬
‫وقالت اني متى ضربتك فانك لتشعرين بألم الضرب وماقصدت بذلك‬
‫ال ليسمع الملك صوت الضرب وانت تصيحين وتستغيثين وانا أقدم‬
‫لك ماتحتاجين اليه من المأكل والمشرب ومتى دخل الليل تخلعين‬
‫ثوب الجلد ترقدين براحه بال الى ان يأتي الله بالفرج فشكرتها مي‬
‫على معروفها ودعت لها بطول العمر وأوعدتها بالجميل والخير هذا‬
‫ما كان من مي وماجرى لها أما ماكان من أبيها فأنه عند رجوعه من‬
‫الصيد سمع صياح والبكاء فسأل عن ذلك فأخبرته زوجته بواقعة‬
‫الحال فغاب عن الصواب من شدة الغيظ واما الوس ابن عم الصبيه‬
‫فأنه غشي عليه لنه كان يحبها محبة عظيمة ولما أفاق من غشوته‬
‫انشد يقول ‪:‬‬
‫يقول الوس ابن تغلب قصيد ال يامي من هذا دهاك‬
‫اتاك اللص في غيبة ابيك ولم يعلم بمن يسعى وراك‬
‫ال يا بنت عمي لو تدري بي على فقدك انا محزون باكي‬
‫ترى في أي أرض قد حللت فما قلبي غدا يطلب سواك‬
‫فل بد لي أغزو دياره بالعجل واقتله وافرح في لقاك‬
‫وابذل كل مجهودي لجلك وروحي بعد ذلك هي فداك‬
‫لما قال الفتى الوس بن تغلب فقلبي قد تعلق في هواك‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ الوس من هذا الشعر والنظام وقع مغشيا‬
‫عليه وبقي طول ذلك الليل في هم وغم وقلق شديد ما عليه من‬
‫مزيد فجعل عمه يلطفه بالكلم ويقول له طيب قلبك يا ولدي فما‬
‫يصلح الحزن ال الى النساء فاصبر لبينما نرسل من يكشف لنا خبر‬
‫ذلك الرجل وبعد ذلك نسير الى دياره فنخربها ونسبي حريمه وعياله‬
‫فقال الوس من يذهب غيري فوالله لسرت ال وحدي ول اريد رفيق‬
‫ولمعين سوى رب العالمين ثم نهض فاعتد جلده وركب ظهر جواده‬
‫وودعهم ويار وجد في قطع القفار ودموعه تجري على خديه‬
‫كالنهار وهو ليدري الى اين يذهب والى اي حلة يقصد من قبائل‬
‫العرب الى ان وصل الى وادي عميق ضيق الطريق كثير الشجار‬

‫والوحوش والحجار فبينما هو يتأمل ذلك المكان واذا قد ظهر عليه‬
‫احد الفرسان وهو بالسلح الكامل والفروسيه عليه علئم ودلئل‬
‫فلما رأى الوس منفردا وحه مال اليه وقصده وقال له انزل ياجبان‬
‫عن ظهر الحصان واخلع ماعليك من الثياب وفز بنفسك في هذه‬
‫الهضاب قبل ان اسقيك كأس العطب فأنا جمرة بن غمرة فارس‬
‫العرب ‪.‬‬
‫فلما سمع الوس هذا الكلم صار الضيا في عينيه كالظلم وهجم‬
‫عليه في الحال وصدمه صدمة تزعزع الجبال فالتقاه جمرة في‬
‫الحال والتحما في ساحة المجال واشتد بينهما القتال وتجاول ساعة‬
‫من الزمان وهم في ضراب وطعان تقشعر منه البدان فاختلفا‬
‫بينهما طعنتين قاتلتين وكان السابق الوس بن تغلب فجادت في‬
‫صدره خرجت تلمع من ظهره فوقع قتيل وفي دمه جديل فأخذ عدته‬
‫وجواده وجد في المسير وهو يقطع القفار والكام مدة خمسة ايام‬
‫واتفق في اليوم الخامس انه التقى بقارس وهو يجد في قطع‬
‫القفار كالسهم الطيار فتقدم اليه وسلم عليه وقال له الى اين‬
‫سائر والى من تنسب من القبائل والعشائر فقال انني من بني‬
‫عبس وعدنان أصحاب الفضل والحسان واني ساير الى ديار بني‬
‫عامر لستدعي حامينا عنتر فارس الخيل لنه سار من عشرة ايام‬
‫ليحضر وليمه دعاه اليها عامر بن الطفيل وفي غيبته غزانا عمرو بن‬
‫معد يكرب في خمسة الف فارس فحاربنا محاربة شديدة وجرى بيننا‬
‫وبينه وقائع عديدة فأرسلني مولي قيس بن زهير لستدعيه للحضور‬
‫قبل ان يظفر عامر المذكور فقال الوس وقد تعجب ومن هو عنتر‬
‫بن شداد فارس الصدام الذي اشتهر ذكره في هذه اليام بطعن‬
‫الرمح وبضرب الحسام وقهر كبار الجبابرة وحارب الملوك والكاسرة‬
‫والقياصرة وافتخر على البطال في ساحة الميدان فلما سمع‬
‫الوس هذا الخبر وانبهر ثم ودعه وجد في قطع البر القفر ومازال‬
‫يقطع البراري والكام مدة سبعة ايام حتى اشرف على جماعه من‬
‫العبيد ترعى الغنام فحياهم بالسلم واخذ يسألهم بهذا الشعر‬
‫والنظام ‪:‬‬
‫يقول الفتى المضنى الفائض ما به فدمعي جرى فوق الخدود سائح‬
‫ال ياعبيد الخير بالله اشفعوا لصب بعيد الدار ولهان نازح‬
‫فجيع وجيع مستهام ملوع تركه البين مضنى كثير الجرايح‬
‫لقد ضاع لي حرة عفيفة من الحنا فهل من يبشر بها يا فوالح‬
‫ويخبرني لي البلد توجهت من أجلها ناري تزيد اللقايح‬
‫لقد احرقت قلبي والبي مهجتي وكل عظامي اوثقتهم جرايح‬

‫( قال الراوي ) فلما فرغ من كلمه تقدم اليه كبير الرعيان وكان‬
‫اسمه مرجان وقال له اعلم يا غلم انه من برهة عشرة ايام سبى‬
‫اميرنا الصنديد ابنه اسمها مي ليوجد اجمل منها في نساء هذا الحي‬
‫فأراد ان يتزوجها فامتنعت عنه فلم تميل اليه فقيدها بقيود من‬
‫حديد وهو كل يوم يعذبها عذاب شديد فعسى تكون الحرة التي‬
‫ذكرتها في نظمك افرج الله همك وغمك فلما سمع الوس هذا‬
‫الكلم استبشر ببلوغ المرام ونزل عن ظهر الحصان وقبل العبد‬
‫مرجان وأوعده بالجميل والحسان فبينما هو بالحديث والكلم واذا‬
‫بسعد ابت أخت الصنديد قد جاء ليكشف أخبارها ويرجع بها الى‬
‫ديارها فلما سمع هذا الكلم رجع عند خاله وأعلمه بما سمع ورأى‬
‫وأشار اليه يقول ‪:‬‬
‫قال سعد قد اتيتك عارا ياخال مى فاسمع الخبارا‬
‫البنت التي غربتها من أهلها من خلفها فارس اتاك جهارا‬
‫ياخال فارس في اللقا مجرب وعيونه ياخال تقدح نارا‬
‫ان كان راقت لك ليالي الصفا فبصفوها تأتي لك الكدارا‬
‫قد جاء الى عند العبيد يسأل انبوه فجاء كالسد هدارا‬
‫لما سمعت اتيت نحوك عاجل هذا الذي ياخال تم وصارا‬
‫( قال الراوي ) فلما فرغ سعد من شعره ونظامه وفهم الصنديد‬
‫فحوى كلمه قال له فارس واحد قال نعم ايها السيد الماجد فشتمه‬
‫خاله وقال ارجع وخذ من بين جنبيه فأنه ليليق بي ان اركب لقتال‬
‫صعلوك من صعاليك العرب فخرج سعد من عند خاله وقصد الوس ‪.‬‬
‫فلما اجتمع به وصاح فيه وحمل عليه فالتقاه كالسد وضربه‬
‫بالحسام المهند فألقاه على الرض قتيل فأخذ عدته وسلبه ثيابه‬
‫ولما بلغ خاله الخبر طار من عينيه الشرر فركب ظهر جواده واعتد‬
‫بعدة جلدة وقصد الوس حتى التقى به وانطبق عليه كليث الجام‬
‫وأخذ معه في القتال والكفاح ولم تكن ال ساعة حتى اثخنه بالجرح‬
‫فول وطلب لنفسه الهرب فتبعه مثل السرحان حتى وصل الصيوان‬
‫واحتما عند النسوان فلما دخل على الحريم قالت له زوجته سعد‬
‫علمك دخلت وانت مرعوب كل هذا لجل البنه التي خطفتها وما‬
‫نالت المرغوب فقالت انك تستحق اكثر من ذلك وبخته بالكلم وقالت‬
‫له انت تدعي الفروسيه على كل واحد وتهرب من امام امرد هذا‬
‫والوس يصيح عليه ويقول اخرج يالئيم من بين الحريم حتى اجازيك‬
‫على تلك الفعله ياغدار يا محتال فخاف الصنديد وقال لزوجته سعده‬
‫اعطيه ابنة عمه وكافينا همنا وهمه وخرجت زوجته اليه وقبلته‬

‫وطلبت منه العفو والسماح فأعطاهما المان فجاءوا له بإبنة عمه‬
‫مي بعد ان لبسوه الثياب الفاخره وذبحوا له الذبائح وقدموا له‬
‫الطعمه المتكاثره ولما اجتمع به زال عن قلبه الكدر من كثرة فرحته‬
‫اخذ يسكب العبر وهكذا فعلت مي وكان ذلك النهار عنده كيوم العيد‬
‫حيث التقت بحبيبها الوحيد ‪.‬‬
‫( قال الراوي ) فباتا تلك الليله في الحله وعند الصباح اركب مي في‬
‫هودج وسار معه جماعة من العبيد وتوجهوا قاصدين دياره ولما‬
‫اقترب من بلده ارسل يبشر عمه المير مالك بقدومه وشاع الخير‬
‫في الحي وخرجت النساء والبنات واكابر السادات ولما اجتمعوا‬
‫ببعضهم البعض نزل المير مالك فسلم على الوس وابنته وشكر ابن‬
‫اخيه على افعاله وعند وصوله الى الخيام حدثهم بحديث عنتر وما‬
‫سمع عنه من الخير فقال عمه والله سمعنا بذ كره وأنه من أ فرس‬
‫فرسان عصره وبعد ذلك ذبحواالذ بائح والموا الول ئم ثم زفو ا‬
‫الوس على ابنة عمه فكانت اليلة من أعظم حضرها جمهور من‬
‫السادات والموالى فزادت أفراح الوس بتلك العروس وحظى بدلك‬
‫الحسن والجمال وعاش معهما بأ رغد عيش وأحسن حال وبعد ذلك‬
‫وضعت له غل ما سماه ما لك وله حد يث طو يل فا تفق بعد عشرة‬
‫ايام أن ابن الوس ضعف ضعفا شديدا فمات فحزن الوس عليه‬
‫ودفنه بالحترام والوقار بكت عليه الكبار والصغار وكان موصوفا‬
‫باللطف واليناس ومحبوبا من جميع الناس وأرسل الوس وأعلم‬
‫جده بذلك الخبر فحزن وتكدر فقالت أختك اليمامه أرسل ياأخي‬
‫وأحضر أبن عمك الوس مع أهله ليجمع شملنا بشمله أجابها الى‬
‫ذلك وفي الحال أرسل رجل من بني عمه ليحكم مكانه فجاء الوس‬
‫مع أهله وسكن عند الجرو جده وراق لهما الزمان واما ماكان للبطل‬
‫الهمام صاحب الذكر الشهير المدعو بسالم الزير فأنه كان قد أخناه‬
‫الدهر وضعفت قواه وهو مع ذلك مواظب على أكل الطعام وشرب‬
‫المدام وكان ل ينام ال وهولبس عدة الحرب والصدام وما زالوا على‬
‫تلك الحال حتى برز له أسنان جدد وصار عقله مثل عقل الولد وكانت‬
‫بنات أخيه تخدمه وتداويه فاجتمع يوما بالجرو وقال له ياابن أخي قد‬
‫ضاقت أخلقي من الوحده والنفراد فأريد منك أن ترسلني مع بعض‬
‫التباع لتنزه في البلد فأجابه الى ماطلب وأركبه في هودج وأعطاه‬
‫عبدان برسم الخدمه وجميع ما يحتاج اليه من لوازم السفر فودعه‬
‫المهلهل وما زال يجول حتى أقترب من بلد الصعيد وكان العبدان قد‬
‫تعبا من مشقة الطريق وهما يلقيان من التعب أشد الضيق فصمما‬
‫على قتله وأعدامه بالكليه وانما يقولن لهله قد ادركته المنيه‬
‫فعرف الزير منهما فقال قد دنى همامي وليس ال القبر امامي فإذا‬
‫ادركتني منيتي اريد منكما ان تبلغا اهلي وصيتي قال وماهي وصيتك‬

‫فعاهدهما على حفظها وتأييدها فحلفا له بأعظم القسام بأنهما‬
‫يبلغونها بالكمال والتمام فقال اذا وصلتم الحي فاقريا أهلي من‬
‫السلم وانشدوهم هذا البيت وقول لهم اني في القبر قد أختبيت ‪.‬‬
‫من مبلغ القوام ان مهلهل لله دركما ودر ابيكما‬
‫وكرره عليهم حتى حفظاه ولما دخل الليل ذبحوه ودفناه تحت‬
‫التراب ورجعا الى ديارهما ودخل على سيدهما الجرو وأعلماه بموت‬
‫عمه الزير فبكا بكاء شديدا ومن حضر ثم ان العبدان اقتربا من الجرو‬
‫وانشداه البيت المذكور ‪.‬‬
‫فلما سمع الجرو هذا استغربه حيث لمعنى له فاستدعى بأخته‬
‫اليمامه وكانت من اذكى نساء العرب وعلمها عمها وانشدها ذلك‬
‫البيت فلطمت على وجهها وبكت قالت ان عمي ليقول ابيات ناقصه‬
‫بل اراد ان يقول ‪:‬‬
‫من مبلغ القوام ان مهلهل أضحى قتيل الفلة مجندل‬
‫لله دركما ودر ابيكما ليبرح العبدان حتى يقتل‬
‫ثم انهما قبضا على العبدان والقوهما تحت العذاب والضرب الشديد‬
‫الى ان أقر بأنهما قتله ودفناه فقتلهما الجرو في الحال وهكذا‬
‫انتهت حياة الزير وقد أخذ ثاره في حياته وبعد مماته ‪.‬‬
‫( تمت قصة الزير ابو ليلى المهلهل بعون الله تعالى )‬