You are on page 1of 102

‫أوراق ذابلة من حضارتنا‬

‫دراسة لسقوط ثالثني دولة إسالمية‬

‫د‪ .‬عبد احلليم عويس‬


‫إهداء‬

‫ال أزال أؤمن أبن مثة دورا كبريا ينتظر األمة املسلمة ‪ ،‬وال أزال أؤمن أبن حركة التاريخ اليت هي‬
‫من سنن هللا سوف توقف هذه األمة أمام قدرها احملتوم ‪ ..‬لتؤدي واجبها حنو البشرية التائهة ‪..‬‬

‫فإىل الذين يساعدون التاريخ ‪ ،‬كي تقف هذه األمة يف مكاهنا الصحيح ‪ ..‬وكي تؤدي دورها‬
‫الصحيح ‪...‬‬

‫إليهم ‪ ..‬وحدهم ‪ ..‬أهدي هذا الكتاب‬

‫‪2‬‬
‫بني يدي هذه الصفحات‬

‫املكتبة اإلسالمية والتارخيية حافلة ابلدراسات والقصص حول الصفحات الوضيئة من اترخينا ‪.‬‬
‫ولكم كتب الكاتبون حول صناع احلضارة اإلسالمية ‪ ،‬ولكم أطنبوا يف احلديث عن أبطالنا ‪ ،‬وعن‬
‫فضلنا على أوراب ‪ ..‬وغري أوراب ‪.‬‬

‫ولقد ظهر اترخينا من خالل الرتكيز ‪ ،‬وكأنه اتريخ أسطوري ‪ ،‬وكأن الذين عاشوه وأسهموا يف‬
‫صنعه مالئكة ليسوا بشرا ‪!! ..‬‬

‫ولقد كان هذا املنهج يف التناول خطريا من عدة وجوه ‪:‬‬

‫أوال ‪ :‬ألنه ترك مهمة التحليل العلمي لتارخينا كتاريخ بشر هلم مزااي وغرائز ‪ -‬ألعداء هذا‬
‫التاريخ ‪ ،‬فراحوا يركزون على اجلوانب السلبية يف هذا التاريخ ‪ ،‬وصادف هذا هوى من بعض‬
‫العقليات اليت كانت تسأم الرتكيز على املاضي هبذه الصورة غري املوضوعية ‪ ،‬وابلتايل ‪ ..‬انساقت هذه‬
‫العقليات وراء مجاعة املستشرقني الذين يدرسون اترخينا ‪ ...‬من نقطة االنطالق احملددة ‪ ،‬وهي تشويه‬
‫هذا التاريخ وأصحاب هذا التاريخ !!‬

‫اثنيا ‪ :‬ويف غمرة االنبهار العقلي ابملناهج االستشراقية ‪ ..‬ضاعت حبكم رد الفعل حقائق‬
‫موضوعية تتصل هبذا التاريخ ‪ ،‬وانقسم الناس حول هذا التاريخ قسمني ‪ :‬قسم يرفضه ابجلملة ‪ ،‬ويراه‬
‫عقبة يف طريق التقدم واملستقبل ‪ ،‬وقسم آخر يراه كل شيء ‪ ،‬ويراه من جانبه العاملي اإلجيايب هو‬
‫النموذج احلريف الذي جيب إعادته وتكرار منطه ‪.‬‬

‫وبني طريف النقيض ‪ ..‬ميكن أن توجد احلقيقة ‪ ،‬وميكن أيضا أن تسقط احلقيقة ‪!!.‬‬

‫اثلثا ‪ :‬لقد صرفنا منهج الرتكيز على املدح عن االستفادة احلقيقية من اترخينا ‪ ،‬ولعل بعض الناس‬

‫‪3‬‬
‫قد وقر يف أذهاهنم بفعل هذا الرتكيز ‪ ،‬أن ما نعانيه يف هذا القرن من مشكالت حضارية ‪ ،‬ومن‬
‫حتدايت مصريية ‪ ،‬هو منوذج مل يتكرر يف اترخينا ‪ ..‬وهم يشعرون ‪ -‬لذلك ‪ -‬بيأس شديد ‪ ،‬ولعلهم‬
‫حيسون ‪ ،‬وإن كانوا ال يفصحون أبننا لن نعود إىل استئناف مسريتنا ‪ -‬حنن املسلمني ‪ -‬وأبننا مل يعد‬
‫لدينا ما ميكن أن نعطيه للحياة يف عصر القوة النووية واملركبات الفضائية ‪ ،‬حنن الذين نستورد‬
‫الساعات والسيارات واآلالت البسيطة !! ‪.‬‬

‫إن هذا الكتاب ‪ ..‬يتناول " أوراقا ذابلة من حضارتنا " من خالل تركيزه على سقوط دول‬
‫إسالمية بعضها كان درسا أبداي حني كانت األمراض خبيثة وفتاكة ‪ ،‬وحينما ذهبنا نطلب الدواء من‬
‫عدوان ‪ ..‬فكانت فرصته إلعطائنا السموم القاتلة ‪ ..‬ولعل هذا الدرس مل يتضح جبالء إال يف األندلس‬
‫وجزر البحر األبيض املتوسط كصقلية ‪..‬‬

‫ولعل من املالحظات التارخيية أن القرن الذي شاهد سقوط غرانطة ‪ -‬آخر مصارعنا يف‬
‫األندلس ( ‪2941‬م ) كان نفسه الذي شاهد سنة ‪2941‬م ‪ -‬الفتح اإلسالمي اخلالد للقسطنطينية‬
‫‪ ،‬ذلك الفتح الذي كان من آاثره عند اإلنصاف التارخيي محاية املسلمني لفرتة تزيد على مخسة قرون‬
‫‪..‬‬

‫لقد سقطت األندلس ‪ ..‬كعضو اجتمعت فيه كل عناصر السقوط ‪ ،‬وكان ال بد من برته ‪..‬‬
‫فحقت عليه كلمة هللا !!‬

‫ولقد ظهرت قوة أخرى فتية زاحفة من أواسط آسيا كي تبين لإلسالم اترخيا جديدا ‪ ..‬ولقد‬
‫األحقاد األوربية الصليبية ثالثة قرون على األقل ‪.‬‬
‫َ‬ ‫أرعبت هذه القوةُ‬

‫إن درس األندلس ال جيوز أن يغيب عن ابلنا ‪ ،‬ولقد كانت عناصر السقوط فيه تتشكل من‬
‫عدة نقاط ابرزة ‪:‬‬

‫‪4‬‬
‫أوال ‪ :‬الصراع العنصري اجلنسي‬

‫اثنيا ‪ :‬ارتفاع راايت متعددة بعيدة عن راية اإلسالم الواحدة املتصلة ابلنفوس والعقول ‪.‬‬

‫اثلثا ‪ :‬استعانة مسلمي األندلس ابألعداء ضد بعضهم البعض ‪...‬‬

‫وكل العوامل األخرى ‪ ..‬تدور حول هذه النقاط بطريقة أو أبخرى ! ! ولقد دفع مسلمو‬
‫األندلس مجيعا مثن أخطائهم ‪ :‬دفع احلكام الثمن حني أذهلم هللا وسلبهم ممالكهم ‪ ،‬وهل ننسى أشعار‬
‫ابن عباد البائسة ‪ ،‬حني أذله هللا على يد املرابطني يف " أغمات " ابملغرب األقصى ؟؟ وهل ننسى‬
‫قولة ابن صمادح حاكم " أملرية " وهو ميوت ‪ " :‬نغص علينا كل شيء حىت املوت " ؟ وهل ننسى‬
‫دموع ‪ ..‬أيب عبد هللا ‪ -‬آخر ملوك غرانطة ‪ ..‬حني رحلت به سفينة العار مودعة آخر وجود إسالمي‬
‫يف أوراب ‪ ..‬رحلت به على أنغام األمواج اهلائجة ‪ ..‬وكلمات أمه املسكينة تدوي يف عمعه ‪ " :‬ابك‬
‫مثل النساء ملكا مل حتفظه حفظ الرجال " !!‬

‫ولقد دفع الشعب اإلسالمي الثمن حني استسلم ألمثال هؤالء امللوك ‪ .‬ومل أيخذ على أيديهم ‪،‬‬
‫فأحرقت دوره ‪ ،‬وسلبت أمواله ‪ ،‬وأرغم على تبديل دينه ‪ ،‬بل وتغيري اعمه ‪ ،‬وحرمته الصليبية اآلمثة‬
‫أبسط حقوق اإلنسان !!‬

‫على أن " األوراق الذابلة من حضارتنا " كانت جمرد تغيري يف هيئة احلكم حبثا عن طموح‬
‫شخصي ‪ ،‬أو انطالقا من دعوى عنصرية ‪ ،‬أو دفاعا عن نعرة مذهبية‪ ،‬أو فشال من دولة كبرية جامعة‬
‫كالعباسيني واألمويني يف السيطرة على كل ما حتت يدها ‪ ..‬مما مينح الفرصة للمطامع أن تظهر ‪،‬‬
‫وللنعرات أن حتكم ‪.‬‬

‫وحنن ال نستطيع القول ‪ :‬أبن هذه األوراق كانت كلها خريا أو شرا ‪ ،‬ولعل بعضها كان لفتة قوية‬
‫للدول الكربى كي تسري يف الطريق اإلسالمي الصحيح ‪ ..‬كما أننا كذلك ال منيل إىل القول ‪ :‬أبن‬

‫‪5‬‬
‫هذه الصفحات اليت أدت إىل تغيري دولة بدولة أو حكم حبكم كانت تسري ابألمة يف طريق اهلاوية ‪..‬‬
‫فال شك أن مثة مزااي أخرى ميكن أن تكون قد تناثرت على الطريق ‪.‬‬

‫إنين ال أميل إىل ما يعتقده البعض من أن التاريخ يسري يف طريق عمودي ‪ ..‬سواء إىل أعلى أو‬
‫على أسفل ‪ ..‬عن جتربة اترخينا اإلسالمي تكشف لنا أن حركة التاريخ يف دائرة احلضارات الكربى‬
‫اجلامعة ‪ -‬كاحلضارة اإلسالمية ‪ -‬حركة لولبية ‪ -‬إن صح هذا التعبري ‪ -‬فثمة احنناءة إىل أسفل يف‬
‫جانب تقابلها احنناءات إىل أعلى يف جوانب أخرى ‪ ،‬فهي حركة دورية تنتظمها مراحل اهلبوط‬
‫والصعود ‪ ..‬اهلبوط بفعل التناحر والفساد الداخليني ‪ ،‬والصعود بفعل االستجابة لتحدايت خارجية‬
‫قوية ‪ .‬ومن الالفت للنظر أن مراحل اهلبوط ‪ -‬يف التجربة التارخيية هلذه األمة ‪ -‬قد ارتبطت أبوضاع‬
‫داخلية ‪ ،‬فهذه األمة مل تضرب من خارجها بقدر ما ضربت من داخلها ‪ ،‬بل إن األعداء اخلارجني مل‬
‫ينفذوا إليها إال من خالل السوس الذي ينخر فيها من الداخل ‪ ..‬ولقد أفادان األعداء بتدخلهم كثريا‬
‫‪ ،‬وغالبا ما كان لتدخلهم فضل إيقاظ الضمري اإلسالمي ‪ ،‬أو إعالن اجلهاد العام ‪ ،‬أو إظهار "‬
‫صالح دين " أو " سيف دين " مما من شأنه أن جيمع املسلمني حتت راية واحدة ‪.‬‬

‫لقد كانت األمة املسلمة قادرة مبا فيها من عناصر القوة الكامنة على االستجابة للتحدايت‬
‫اخلارجية ‪ ،‬كأروع ما تكون االستجابة للتحدايت ‪ ،‬ولو مل ترهق هذه األمة ‪ -‬يف أغلب مراحل اترخيها‬
‫‪ -‬حبكام يشلون حركتها ‪ ،‬وخينعون أمام أعدائها ‪ ،‬ويبددون من طاقتها حفاظا على أنفسهم ‪ ..‬لو مل‬
‫تكن هذه الظاهرة مستشرية على هذا النحو ‪ ،‬ولو أن هذه األمة قد تركت لفطرهتا وتراثها وقيمها‬
‫وحضارهتا اليت غرسها ورعاها اإلسالم ‪ ..‬لو مت هذا لكان يف اإلمكان أن حتدث منعطفات كثرية يف‬
‫اتريخ هذه األمة ‪ .‬هي لصاحلها ‪ ..‬وحلساب رقيها وازدهارها‪.‬‬

‫لقد حاولت من خالل هذه األوراق الذابلة أن أمد الطرف ‪ -‬يف اترخينا اإلسالمي ‪ -‬إىل آفاق‬
‫ثالثة ‪ :‬األندلس (أورواب) ‪ ،‬واملشرق العريب خبالفتيه الكبريتني ( العباسية والفاطمية ) والدول اليت‬
‫تبعتهما ‪ ،‬مث املغرب العريب ‪ ..‬وهي األجنحة الثالثة الشهرية اليت تزعمت العامل اإلسالمي ‪ ،‬ومثلث‬
‫القيادة الفكرية والسياسية ابلنسبة ملسلمي العامل ‪.‬‬

‫‪6‬‬
‫ومل تكن األوراق اليت اخرتهتا إال جمرد مناذج من هذه األجنحة ‪ .‬ولرمبا كانت هناك دول أخرى‬
‫كفيلة مبدان بشارات من شارات طريق السقوط ‪ ..‬لكن االستقصاء ‪ ،‬فضال عن صعوبته ‪ ،‬مل يكن‬
‫من أهداف هذه الصفحات ‪.‬‬

‫إن هذا البحث ‪ ..‬وجبة خفيفة من وجبات اترخينا ‪ .‬لكنها وجبة من نوع خاص ‪ ..‬ليست‬
‫زاخرة أبنواع الدسم واملشهيات ‪ ،‬فإن جسم احلضارة كأجسام األفراد ‪ -‬ال يستقيم ابلدسم الدائم !!‬

‫وهذا البحث دعوة لتشريح اترخينا من جديد ‪ ..‬وجبرأة ‪ ،‬فألن نشرحه حنن ‪ -‬إبنصاف ‪ -‬أوىل‬
‫من أن نرتكه ألدعياء املنهج العلمي يشرحونه ‪ -‬حبقد وعنف وإجحاف ‪!! ..‬‬

‫وهو كذلك حبث للذين يقرءون اترخينا ‪ ..‬ليتعلموا ‪ ،‬أو ليناقشوا ‪ ،‬أو ليعرفوا معامل املستقبل ‪.‬‬

‫وتبقى يف النهاية كلمة ‪:‬‬

‫لسوف تبقى هذه األمة ‪ ،‬ولسوف تؤدي دورها ‪ ،‬لسوف تقوم من عثرهتا ‪ ..‬هكذا يقول لنا‬
‫معلمنا العظيم ‪ " ..‬اترخينا " ذو األربعمائة وألف سنة ‪ -‬أطال هللا عمره!!‬

‫ولقد كبوان كثريا ‪ ..‬مث قمنا‬

‫ولقد حاربنا العامل كله ذات يوم ‪ ..‬وجنوان ‪ ..‬وانتصران ‪ ..‬فقط مثة شرط واحد ‪ :‬أن نعرف من‬
‫أين نبدأ ‪ ،‬وإىل أية غاية نريد !! ودائما يعلمنا اترخينا أن آخر أمتنا لن يصلح إال مبا صلح به أوهلا ‪.‬‬

‫‪7‬‬
‫القسم األول ‪ :‬من قصص سقوطنا يف أورواب‬

‫* آخر خطواتنا يف أورواب‬


‫* أحفاد صقر قريش يسقطون‬
‫* وسقط ملوك الطوائف‬
‫* قصة الفردوس املفقود‬
‫* وقصة أخرى من األندلس‬
‫* ركن من الفردوس يسقط‬
‫* سقوط غرانطة " آخر مصارعنا يف األندلس "‬

‫آخر خطواتنا يف أوراب‬

‫قصة " الغنيمة " يف اترخينا غريبة ‪ ،‬والدرس الذي تلقيه علينا ‪ -‬كذلك ‪ -‬أغرب!!‬

‫لقد بدأت أوىل هزائمنا بسبب الغنيمة ‪ ،‬ولقد وقفنا مرغمني ‪ -‬عند آخر مدى وصلت إليه‬
‫فتوحاتنا ‪ ،‬بسبب الغنيمة ‪ -‬كذلك !!‬

‫فقصة الغنيمة ‪ ..‬هي قصة اهلزمية يف اترخينا ‪.‬‬

‫كان قائد املعركة األوىل هو الرسول عليه الصالة والسالم ‪ ..‬وخالف الرماة أمره‪ ،‬وخافوا من أن‬
‫تضيع فرصتهم يف الغنيمة ‪ ..‬فكانت " أحد " وشهد اجلبل العظيم استشهاد سبعني رجال من خرية‬
‫املسلمني ‪ ..‬بسبب الغنيمة ‪ ..‬نعم بسبب الغنيمة !!‬

‫وكان قائد املعركة األخرية " عبدالرمحن الغافقي " آخر مسلم قاد جيشا إسالميا منظما الجتياز‬
‫جبال الربانس ‪ ،‬ولفتح فرنسا ‪ ،‬وللتوغل ‪ -‬بعد ذلك ‪ -‬يف قلب أورواب ‪.‬‬

‫‪8‬‬
‫وهزم الغافقي ‪ ..‬سقط شهيدا يف ساحة " بالط الشهداء " إحدى معارك التاريخ اخلالدة‬
‫الفاصلة ‪ ..‬وتداعت أحالم املسلمني يف فتح أوراب ‪ ،‬وطووا صفحتهم يف هذا الطريق ‪ ..‬وكان ذلك‬
‫لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس اهلزمية ‪ ..‬أعين بسبب الغنيمة ‪.‬‬

‫ومنذ مت االستقرار يف املغرب العريب‪ ،‬وإسبانيا اإلسالمية ‪ ،‬وهم يطمحون إىل اجتياز جبال‬
‫الربانس وفتح ما وراءها ‪ ،‬هكذا أراد " موسى بن نصري " لكن اخلليفة الوليد بن عبد امللك " خشي‬
‫أن يغامر ابملسلمني يف طريق جمهولة مث فكر على حنو جدي " السمح بن مالك اخلوالين " وايل‬
‫األندلس ما بني عامي ( ‪ 211 - 211‬هجرية ) ‪ ،‬وتقدم فاستوىل على والية ( سبتماية ) إحدى‬
‫املناطق الساحلية املطلة على البحر األبيض املتوسط جنوب فرنسا ‪ ،‬وعرب ‪ -‬بذلك ‪ " -‬السمح "‬
‫جبال الربانس ‪ ،‬وتقدم فنزل يف أرض فرنسا منعطفا حنو الغرب حيث جمرى هنر اجلارون ‪ ،‬مستوليا يف‬
‫طريقه على ما يقابله من البلدان ‪ ،‬حىت وصل إىل ‪ -‬تولوز ‪ -‬يف جنوب فرنسا ‪ -‬لكن مل يستطع أن‬
‫يستقر فيها ‪ ،‬وقتل السمح ‪ ،‬وتراجعت فلول جيشه حتت قيادة أحد قواده ( عبد الرمحن الغافقي )‬
‫فكأن السمح مل ينجح إال يف االستيالء على سبتماية ‪.‬‬

‫مث واصل الوايل اجلديد بعد ( عنبسة بن سحيم الكليب ) التقدم حنو أوراب ‪ ،‬وإن كان قد غري‬
‫طريق السري ‪ ،‬ومتكن من الوصول إىل " أواتن " يف أعايل هنر الرون ‪ ،‬لكنه مل يكن حذرا فلم ِّ‬
‫يؤمن‬
‫طريق عودته فانتهى األمر بقتله وعاد جيشه إىل أربونة يف سبتماوية ‪.‬‬

‫لكن عبد الرمحن الغافقي ‪ ،‬كان الشخصية احلاعمة اليت أرادت التقدم حنو أوراب وحرصت عليه ‪،‬‬
‫وكان عبد الرمحن مشبعا بروح اإلميان والرغبة يف الثأر ملا أصاب املسلمني من قبل حني قتل " السمح‬
‫" وحني رجع هو ابجليو اإلسالمية إىل سبتماوية ( وقد أعلن الغافقي الدعوة للجهاد يف األندلس‬
‫كلها ويف أفريقية ‪ ،‬وقد جاءته وفود املتطوعني من كل مكان ‪ ،‬كما أنه من جانبه استعد استعدادا‬
‫كبريا هلذا الغزو ) ‪.‬‬

‫ولقد التقى املسلمون ( عراب وبرابرة ) ابملسيحيني بني بلدي " تورو " و " بواتيه " على مقربة من‬
‫ابريس ‪ ،‬وكان قائد النصارى ( شارل مارتل ) وزير دولة الفرجنة وأمني القصر ‪ ،‬بينما كان ( عبد‬
‫الرمحن الغافقي ) ‪ -‬يقود جيو املسلمني‪ .‬وكانت املعركة شديدة قاسية استمرت قريبا من سبعة أايم‬

‫‪9‬‬
‫‪ ،‬وكان اجليش الفرجني وحلفاؤه أكثر من جيش العرب ‪ ،‬ولكن املسلمني أحسنوا البالء يف القتال ‪،‬‬
‫وكاد النصر يتم هلم ‪ ..‬لوال أن ظهرت قضية " الغنائم " !!‬

‫لقد عرف املسيحيون أن لدى اجليش اإلسالمي غنائم كثرية حصل عليها من معاركه أثناء تقدمه‬
‫من قرطبة حىت " بواتيه " ‪..‬‬

‫وقد أثقلت هذه الغنائم ظهور املسلمني ‪ ،‬وكان من عادة العرب أن حيملوا غنائمهم معهم ‪،‬‬
‫فيضعوها وراء جيشهم مع حامية حتميها ‪.‬‬

‫وقد فهم النصارى هذا ‪ ،‬وجنحوا يف ضرب املسلمني عن طريق الرتكيز على هذا اجلانب ‪ ،‬لقد‬
‫شغلوهم من اخللف ‪ .‬من جانب احلامية املكلفة حبراسة الغنائم ‪ ..‬ومل يفطن املسلمون للتخطيط‬
‫النصراين ‪ ،‬فاستدارت بعض فرقهم حلماية الغنائم ‪ ..‬وابلتايل اختل نظام اجليش اإلسالمي ‪ ..‬ففرقة‬
‫تستدير حلماية الغنائم ‪ ،‬وأخرى تقاتل النصارى من األمام ‪..‬‬

‫وعبثا حاول عبدالرمحن الغافقي إنقاذ نظام اجليش اإلسالمي ‪ ،‬إال أن سهما أصابه وهو يبذل‬
‫حماوالته املستميتة ‪ ..‬فوضع حدا حملاوالت اإلنقاذ ‪ ،‬وأصبح جيش املسلمني دون قيادة ‪ ..‬وتقدم‬
‫النصارى فأخذوا خبناق املسلمني من كل جانب وقتلوا من جيشهم الكثري !!‬

‫لقد كانت " بالط الشهداء " سنة ‪ 229‬هجرية آخر خطوات املد اإلسالمي يف اجتاه أوراب ‪ ،‬أو‬
‫على األقل آخر خطواته املشهورة ‪.‬‬

‫مث توقف املد ‪ ..‬ألن بريق املادة غلب على إشعاعات اإلميان !!‬

‫والذين يسقطون يف هاوية البحث عن الغنائم ال ميكن أن ينجحوا يف رفع راية عقيدة أو حضارة‬
‫‪.‬‬

‫‪10‬‬
‫أحفاد " صقر قريش " يسقطون‬

‫خالفة ولدت من خالفة ‪ ..‬ولئن كان أبو مسلم اخلراساين ‪ ،‬وأبو عبيد هللا السفاح قد استطاعا‬
‫أن يقضيا على دولة اخلالفة األموية بدمشق سنة ‪ 211‬هـ ‪ ،‬وأن يقتال مروان بن حممد حبلوان مصر ‪،‬‬
‫فيقتال بقتله آخر خليفة أموي يف املشرق العريب‪ ،‬فإن هذه اخلالفة املنهارة ‪ ،‬قد نبتت هلا بذرة غريبة‬
‫الشكل والتكوين يف أرض تفصلها عنها حبار ‪ ،‬وآالف األميال ‪.‬‬

‫وقد استطاع عبد الرمحن بن معاوية بن هشام بن عبد امللك بن مروان ‪ ،‬أن يكون هو الفارس‬
‫هلذه النبتة يف األندلس ‪ ،‬بعد مطاردة عنيفة تصلح أن تكون عمال روائيا عظيما ‪..‬‬

‫وجنح " صقر قريش " العجيب يف أن يهرب أمام اجلنود العباسيني حىت وصل إىل فلسطني ‪،‬‬
‫ومنها إىل مصر ‪ ،‬مث إىل املغرب بعد مخس سنوات من التجول والتخفي عن عيون العباسيني ‪...‬‬

‫لقد كان حيكم األندلس آنذاك يوسف بن عبد الرمحن الفهري نيابة عن العباسيني ‪ ،‬وقد حاول‬
‫الفهري مقاومة تسلل وجتمعات عبدالرمحن الداخل ‪ ،‬لكنه هزم أمامه عندما التقيا سنة ‪ 214‬هـ ‪،‬‬
‫ودخل عبد الرمحن قرطبة ‪ ،‬فتأسس بذلك لألمويني الذين سقطوا يف دمشق على يد العباسيني ‪ ،‬ملك‬
‫جديد يف األندلس اإلسالمية ‪ .‬مل تنجح كل حماوالت العباسيني على عهد جعفر املنصور يف اسرتداد‬
‫األندلس ‪ ،‬كما مل تنجح حماوالت ملك الصليبيني ( شارملان ) يف استغالل الظروف والقضاء على‬
‫صقر قريش ‪ ،‬واستتب بذلك األمر للفرع األموي الذي تكون يف األندلس ‪.‬‬

‫لقد عا عبد الرمحن الداخل يبين ويقوي من دعائم دولته أكثر من ثالثني سنة بعد ذلك ‪.‬‬

‫فلما مات سنة ‪ 271‬هـ كان قد ترك وراءه دولة قوية البنيان توارثها أبناؤه من بعده ‪ ..‬توالها‬
‫هشام ابنه ‪ ،‬مث عبد الرمحن الثاين ‪ ،‬إىل أن وصل األمر إىل عبد الرمحن الثالث امللقب ابلناصر ‪ ،‬الذي‬
‫اعترب عهده قمة ما وصلت إليه األندلس األموية من ازدهار وتقدم ‪.‬‬

‫‪11‬‬
‫وقد دام حكم الناصر هذا نصف قرن من الزمان ‪ .‬نعمت األندلس فيه خبري فرتات حياهتا يف‬
‫ظالل اإلسالم ‪ ،‬وطلبت ود الدولة املماليك النصرانية احمليطة هبا ‪ ،‬وأصبحت قرطبة ‪ ،‬واملدن‬
‫األندلسية األخرى ‪ ،‬كعبة العلوم ‪ ،‬ومقصد طالب العلم‪ ،‬وعواصم الثقافة العاملية الراقية ‪..‬‬

‫ويف سنة ‪ 141‬هـ مات عبد الرمحن الناصر هذا ‪ ،‬فرتبع على عر األندلس من بعده ولده‬
‫احلكم بن عبد الرمحن الناصر ‪ ،‬مث حفيده هشام الضعيف الذي تسلط عليه احلجاب وأبرز هؤالء‬
‫احلجاب املنصور حممد بن عبد هللا بن أيب عامر ‪ ،‬الذي حكم ابسم األمويني مبعونة أم اخلليفة " صبح‬
‫" ومتكن من حتويل اخلالفة لنفسه وألبنائه مدة قصرية ‪ ،‬مكوان خالهلا الدولة املنسوبة إليه ‪ ،‬واملسماة‬
‫ابلدولة العامرية ‪.‬‬

‫مث عادت أمور األمويني إليهم فرتات قصرية قلقة ‪ ،‬إىل أن قضي عليهم قضاء أخريا يف األندلس‬
‫سنة ‪ 911‬هـ ‪ ،‬وعلى أنقاضهم قامت جمموعة دويالت هزيلة يف األندلس عرف عهدها بعهد ملوك‬
‫الطوائف ‪ ،‬الذي كان من أكثر عهود املسلمني يف األندلس تفككا وضعفا واحندارا حنو هاوية‬
‫السقوط ‪.‬‬

‫لقد قضى على األمويني يف األندلس عامالن ابرزان ‪ -‬أوهلما ‪ :‬أن هؤالء األمويني مل يفهموا‬
‫طبيعة التكوين األندلسي ‪ ،‬أو فهموه ومل يقوموا مبا تتطلبه طبيعته ‪ ،‬وأبرز عمات هذا التكوين ‪ ،‬وجود‬
‫النصارى يف ترقب دائم ألية ثغرة ينفذون منها ‪ ،‬وتباين األجناس اليت تعيش على أرضهم وتستظل‬
‫برايتهم ‪ ،‬ال جيمعها إال أقوى وشيجة يف التاريخ وهي اإلسالم ‪ .‬ومل يكن هناك من حل حضاري‬
‫ملواجهة طبيعة هذا التكوين إال تعميق " اإلسالمية " وجتديدها بني احلني واحلني ‪ ،‬حبركات جهاد‬
‫مستمرة ضد املماليك النصرانية املتحفزة ‪ ..‬وحركات جهاد متتص املشاكل اجلنسية الداخلية ‪ ،‬ويف‬
‫الوقت نفسه توقف النصارى عند حدودهم وجتعلهم يف موقف الدفاع ال اهلجوم ‪.‬‬

‫والعامل الثاين البارز كذلك ‪ ،‬هو ترك بعض هؤالء اخللفاء األمور حلُ َّجاهبم أو نسائهم ‪ ،‬مما مكن‬
‫لرجل كاملنصور بن أيب عامر سرقة اخلالفة دون جهد ‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫ومن حقائق التاريخ اليت نستفيدها من الوعي به وبقوانينه ‪ ،‬أن الدولة اليت ال تفهم طبيعة‬
‫تكوينها ‪ ،‬وتعمل على إجياد حل دائم مالئم هلذه الوضعية ‪ ،‬تكون معرضة للزوال ‪ ..‬وهذا هو األمر‬
‫الذي آلت إليه أمور بين أمية يف األندلس بعد حياة دامت قريبا من ثالثة قرون ‪..‬‬

‫وسقط ملوك الطوائف‬

‫عندما أوشكت اخلالفة األموية يف األندلس على السقوط ‪ ،‬مل تسقط دفعة واحدة ‪.‬‬

‫لقد جرى عليها ما جرى على الفاطميني بعد ذلك يف مصر ‪ ،‬وما جرى على املماليك أيضا ‪..‬‬
‫لقد ضاعت الزعامة منهم عرب انقالب سلمي مل ترق فيه قطرة دم ‪ -‬ابملعىن املباشر لالنقالابت‬
‫الدموية ‪!! -‬‬

‫لقد ويل أمر اخلالفة طفل يف السابعة من عمره يدعى " هشاما " وملا مل يكن إبمكانه حكم‬
‫البالد ‪ ،‬فقد كانت أمه " صبح " وصية عليه ‪ ،‬ومل تستطع صبح هذه أن تنفرد ابلسلطة ‪ ،‬فقد‬
‫أشركت معها يف األمر رجال من أغرب الرجال وأقدرهم يدعى " املنصور بن أىب عامر " ‪..‬‬

‫وقد جنح هذا املنصور يف أن يعرب االنقالب السلمي بنجاح ‪ ،‬وحيول اخلالفة األموية يف األندلس‬
‫إىل ملك ينتسب إليه ‪ ،‬ويرثه أبناؤه من بعده !! وإن كان لبين أمية االسم الرمزي واخلالفة الصورية ‪.‬‬

‫ومل ميض أكثر من أربعني سنة حىت كانت دولة العامريني قد أصبحت آخر ومضة متثلت فيها‬
‫دولة اخلالفة األموية يف األندلس ‪ ،‬وبسقوط دولة العامريني اليت قامت على غري أساس ‪ ،‬انفرط عقد‬
‫األندلس ‪ ،‬وظهر هبذه األرض الطيبة عصر من أضعف وأردأ ما عرف املسلمون من عصور الضعف‬
‫والتفكك والضياع ‪.‬‬

‫لقد ورث خالفة األمويني أكثر من عشرين حاكما يف أكثر من عشرين مقاطعة أو مدينة ‪ ،‬وقد‬
‫انقسم هؤالء احلكام إىل بربر وصقالبة وعرب ‪ ،‬وكانت بينهم حروب قومية مل خيمد أوارها طيلة‬
‫السنوات اليت حكموا فيها ‪ ،‬ولقد ترك هؤالء امللوك املستذلون الضعاف امللوك النصارى يعيشون هبم‬

‫‪13‬‬
‫ويتقدمون يف بالدهم ‪ ،‬وانشغلوا هم حبروهبم الداخلية ‪ ،‬وابستعداء النصارى ضد بعضهم البعض ‪،‬‬
‫وتسابقوا على كسب النصارى ‪ ،‬وامتهنوا يف ذلك كرامتهم وكرامة اإلسالم ‪ ،‬فدفعوا اجلزية وتنازلوا‬
‫طوعا عن بعض مدهنم للنصارى ‪ ،‬وحاربوا يف جيو النصارى ضد املسلمني من إخواهنم يف املدن‬
‫األخرى من أرض األندلس اإلسالمية ‪.‬‬

‫وال يستطيع املرء أن يزعم أن ابستطاعته أن حيصي كل مساوئ الفرتة املسماة بفرتة ملوك‬
‫الطوائف ‪.‬‬

‫ولقد أدى التنافس بني هؤالء امللوك إىل رفعة منزلة الشعراء واألدابء واملطربني ‪ ،‬ومل يكن ذلك‬
‫حبا يف األدب ‪ ،‬وال إعجااب بفن الطرب ‪ ،‬وإمنا كان ذلك من مجلة أساليبهم يف حرب بعضهم البعض‬
‫‪ ،‬ويف حماولة حتصيل اجملد والشهرة املزيفني‪.‬‬

‫وقد اشتهر من بني هؤالء امللوك املتنافسني أسرة بين عباد ‪ ،‬اليت نبغ فيها املعتمد بن عباد كأمري‬
‫مشهور عاطفي ‪ ،‬وكشاعر كبري ذي قلم سيال !!‬

‫ولقد استفحل اخلالف والتنافس بني هؤالء امللوك ‪ ،‬كما استفحل كذلك ضعف كل منهم ‪،‬‬
‫وكان من نتائج ذلك طمع النصارى يف إشبيلية ويف املدن األندلسية األخرى ‪.‬‬

‫ولئن كان للمعتمد بن عباد من فضل ‪ ،‬فإن ذلك الفضل لن يكون إال يف حماولته مقاومة هذا‬
‫اخلطر حني رأى دنوه من أبواب املسلمني ‪.‬‬

‫ومل يكن أمامه من خمرج غري االستعانة بقوة املغرب العريب ‪ ..‬فاستعان ابملرابطني يف املغرب‬
‫األقصى ‪ ،‬وعندما كان بقية ملوك الطوائف يبدون خشيتهم من املعتمد ‪ ،‬قال هلم كلمته املشهورة ‪" :‬‬
‫ألن أرعى اجلمال يف صحراء العرب خري من أرعى اخلنازير يف أرض الصليبيني " ‪.‬‬

‫ولقد تقدم زعيم املرابطني يوسف بن اتشفني فعرب البحر و ( جبل طارق ) لنجدة املسلمني يف‬
‫األندلس وحقق يف ( معركة الزالقة ) سنة ‪ 974‬هـ ( ‪ 2101‬م ) انتصارا كبريا ساحقا على النصارى‬

‫‪14‬‬
‫كان من أثره مد عمر اإلسالم يف األندلس فرتة أخرى من الزمن ‪.‬‬

‫ولقد تبني ليوسف بن اتشفني بعد ذلك أن ملوك الطوائف هؤالء ليسوا أهال للبقاء يف مراكز‬
‫السلطة يف األندلس ‪ ،‬وجاءته النداءات والفتاوى من العلماء كالغزايل بوجوب االستيالء على‬
‫األندلس فاستوىل على األندلس وأعاد إليها وحدهتا ‪ ،‬وطرد هؤالء الطائفيني الذين كانوا خيشون‬
‫قدومه ‪ ،‬ويفضل بعضهم النصارى عليه ‪.‬‬

‫ويف مدينة ( أغمات ) ابملغرب األقصى عا ( ابن عباد ) أشهر ملوك الطوائف بقية أايمه فقريا‬
‫ذليال ال جيد ما يكفيه !!‬

‫إن هذه هي النتيجة الطبيعية لكل ملوك طوائف يف كل عصر ‪ ،‬فالذين خيشون املوت سيموتون‬
‫قبل غريهم ‪ ،‬والذين حيسبون للفقر حسابه مضحني بكرامة دينهم ووجود أمتهم ‪ ..‬سوف يصيبهم‬
‫الفقر من حيث ال يشعرون ‪.‬‬

‫ولقد نسي ملوك الطوائف هذه احلقائق ‪ ..‬فنغص هللا كل شيء عليهم حىت املوت ‪ ،‬كما قال‬
‫ابن صمادح الطائفي حاكم ( أملرية ) وهو حيتضر ويسمع أصداء اهلجوم على قصره ‪ ،‬فليبحث ملوك‬
‫الطوائف يف كل عصر عن احلياة ‪ ،‬حىت ال يبحثوا ذات يوم عن املوت فال جيدوه ‪ ،‬وحىت لينغص هللا‬
‫عليهم كل شيء حىت املوت ‪ ..‬فتلك سنة هللا ‪.‬‬

‫ولن جتد لسنة هللا تبديال ‪...‬‬

‫‪15‬‬
‫قصة الفردوس املفقود‬

‫كانت السنوات األوىل من القرن اخلامس اهلجري " احلادي عشر امليالدي " حتمل يف أحشائها‬
‫وابء خطريا على األندلس اإلسالمية ‪.‬‬

‫لقد سقطت الدولة العامرية ‪ ،‬آخر حامية للدولة األموية يف األندلس ‪ ،‬ولقد ظهر أن أحفاد‬
‫عبد الرمحن الداخل األمويني أقل من أن يقوموا بعبء محاية اإلسالم األندلسي ‪.‬‬

‫وكان الرببر قد هاجر كثري منهم إىل األندلس حبثا عن سلطة أو زعامة ‪ ،‬وكان الصقالبة وهم‬
‫جمموعة من النازحني إىل األندلس من طوائف مسيحية خمتلفة ‪ ،‬كان هؤالء الصقالبة يشكلون بدورهم‬
‫عنصرا من عناصر الوجود يف احلياة اإلسبانية اإلسالمية ‪.‬‬

‫ومن هذه القوميات املتناطحة تشكل الوجود األندلسي غرة القرن اخلامس اهلجري ‪ ..‬فلما‬
‫سقطت خالفة األمويني اإلسالمية يف األندلس ‪ ،‬نتيجة امتصاص طاقتها يف مشاحنات داخلية ‪..‬‬
‫حتركت كل هذه الطوائف املقيمة فوق أرض األندلس اإلسالمية تبحث عن السلطة واالمتالك ‪.‬‬

‫وبدال من أن تتحد قواهم يف وجه املسيحيني اجملاورين هلم وبدال من أن يرفعوا راية اإلسالم‬
‫واجلهاد ‪ ..‬كأمل ينقذ أندلسهم من التحدي الصلييب املرتبص هبم ‪ ..‬بدال من هذا ‪ ..‬أعلنوا أحقاد‬
‫القومية الطائفية والنعرات اجلنسية !!‬

‫وظهر يف األندلس أكثر من عشرين دولة يتقاعمها األندلسيون والرببر والعرب والصقالبة ‪ ..‬ففي‬
‫كل مدينة دولة ‪ ،‬بل رمبا اقتسم املدينة أكثر من طامع ومنافس‪.‬‬

‫واستمر أمر هذه الدول أو هذه املدن املتنافسة اليت عرف حكامها مبلوك الطوائف ‪ ..‬استمر‬
‫أمرها أكثر من مخسني سنة ‪ ..‬امتهن فيها اإلسالم واملسلمون ‪ ،‬وتوسل كل ملك منهم ابلنصارى‬
‫ضد إخوانه املسلمني ‪ ،‬ووقف ابن حيان " ‪ -‬مؤرخ األندلس ‪ -‬يستشف ما وراء احلجب ويقول‬
‫ألبناء جنسه ‪:‬‬
‫اي أهل أندلس شدوا رواحلكم ** فمـا املـقام هبا إال من الغلـط‬

‫‪16‬‬
‫الثوب ينسل من أطرافه وأرى ** ثوب اجلزيرة منسوال من الوسط‬
‫من جاور الشر ال أيمن بوائقه ** كيف احلياة مع احليات يف سفط‬

‫لقد فشل ملوك الطوائف يف أن يلموا شعثهم ‪ ،‬وأن يتكتلوا ضد النصارى ‪ ..‬ومن عجيب‬
‫املقادير أن " ألفونسو السادس " ملك قشتالة وليون واستوراي ‪ ،‬كان يتظاهر حبماية هؤالء امللوك‬
‫املسلمني ‪ ،‬وأيخذ منهم اجلزية واإلاتوات اليت يرفع من قيمتها سنة بعد أخرى ‪ ،‬واستطاع أن يعد‬
‫عدته من اإلاتوات اليت يفرضها عليهم ليلتهمهم هبا كلهم ‪ ..‬وكان آخر ما التهمه ألفونسو من أرض‬
‫املسلمني حتت عمع وبصر هؤالء اإلسالميني بل ومبساعدة بعضهم ‪ ..‬مدينة طليطلة سنة ‪ 970‬هـ‬
‫‪2104‬م ‪.‬‬

‫وعند هذه املوقعة أتكد لدى أكرب ملك من ملوك الطوائف " املعتمد بن عباد " أن ألفونسو‬
‫يريد االلتهام ‪ ..‬وال أقل من االلتهام الكامل ‪ ..‬وفكر املعتمد يف وسيلة اإلنقاذ ‪ ..‬وضعته األقدار أمام‬
‫حل واحد مل يكن له خيار فيه ‪.‬‬

‫لقد قرر أن يستنجد ابملرابطني املسلمني املوجودين يف املغرب األقصى كقوة إسالمية انشئة ‪..‬‬

‫وقد جنح املرابطون يف إيقاف الزحف النصراين ‪ ،‬وأذلوا كربايء ألفونسو ‪ ،‬واسرتدوا كثريا من مدن‬
‫اإلسالم ‪ ،‬ومل حياول األندلسيون بناء أنفسهم ‪ ..‬مل حياولوا صنع التقدم من خالل الذات ‪ ..‬لقد‬
‫اعتادوا تسول النصر واسترياد البقاء من إخواهنم املغاربة املسلمني ‪.‬‬

‫وحقيقة ‪ ..‬نعم حقيقة ‪ ..‬بقيت األندلس إسالمية ابستريادها النصر أايم املرابطني مث أايم‬
‫املوحدين مث أايم بين مرين ‪ ..‬وبقيت مملكة غرانطة اإلسالمية وحدها أكثر من مائيت سنة تصارع‬
‫املوت ‪ -‬كوهجة الشمس قبل الغروب ‪.‬‬

‫ولكن قانون احلضارة كان قد قال كلمته ‪ ..‬فإن الذين فشلوا يف أن خيلقوا من أنفسهم قوة قادرة‬
‫على احلياة ما كان ينفعهم أن يشرتوا النصر أو يستوردوه ‪.‬‬

‫‪17‬‬
‫ويف سنة (‪047‬هـ ) ‪2491‬م سقطت غرانطة آخر ممالك اإلسالم يف األندلس ‪ ،‬وطرد املسلمون‬
‫شر طردة ‪ .‬وكانت هذه هي النهاية اليت تنبأ هبا الشاعر ابن حيان وغريه من هؤالء الذين أدركوا قانون‬
‫البقاء الذي هو من سنة هللا ‪.‬‬

‫نعم ‪ :‬أدركوا أن التاريخ ال يقوم ابالسترياد ‪ ،‬وال تنتصر حركة تقدمه ابملتسولني !‬

‫وقصة أخرى من األندلس‬

‫كانت احلالة سيئة للغاية ‪ ..‬وعندما تصل حركة التاريخ إىل طريق مسدود بعد أن يفسق أهل‬
‫القرى وخيلعوا طاعة هللا ‪ ..‬يف هذه احلال يكون ال أمل إال يف شيء واحد ‪ ..‬هو الزوال ‪ ..‬وهذه هي‬
‫املعادلة الوحيدة الصحيحة يف تفسري التاريخ ‪ :‬خروج على قوانني هللا ‪ ..‬إمهال نسيب من هللا قد يغري‬
‫اخلارجني على القانون ابلتمادي ‪ ..‬جتمع لعوامل الفناء ‪ .‬إغالق لباب العودة ‪ .‬إابدة وموت يف شكل‬
‫جمموعة من الكوارث !!‬

‫وإىل احلالتني األخرية وما قبلها ‪ ..‬وصلت حال األندلس يف القرن السابع اهلجري ‪ ..‬ذلك القرن‬
‫الذي شهد سقوط معظم القالع واملدن اإلسالمية األندلسية ‪ ،‬ومل تفلت منه ‪ -‬إىل حني ‪ -‬سوى‬
‫مملكة غرانطة ‪ ،‬اليت مل تلبث بعد قرنني ‪ -‬أن لقيت حتفها ‪.‬‬

‫وعلى امتداد األندلس ‪ -‬شرقيه وغربيه ‪ -‬بدأت حركة ما يسمى ابالسترياد الصلييب تسوق‬
‫املسلمني املفككني ‪ ،‬املتناطحني ابأللفاظ ‪ ،‬املقسمني يف والئهم بني ملوك النصارى ‪ ..‬تسوقهم إىل‬
‫حتفهم األخري ‪.‬‬

‫وبعد سقوط املوحدين يف األندلس ‪ ،‬انفرط عقد هؤالء ‪ ،‬فلم يعد جيمعهم جامع من خالفة‬
‫إسالمية جامعة ‪ ،‬أو من استجابة لتحد خارجي ‪ ،‬أو من عقيدة متفوقة تشتعل أعماقهم هبا ‪،‬‬
‫ويبحثون عن رفعها أكثر مما يبحثون عن رفعة أنفسهم ‪ ..‬ولذا ؛ فقد تبع سقوط املوحدين التمهيد‬
‫لسقوط كثري من مدن األندلس كمرسية وبلنسية وقرطبة والشرق األندلسي ‪ ..‬مث الغرب األندلسي‬
‫الذي كانت عاصمته إشبيلية !!‬

‫‪18‬‬
‫لقد عرف أهل إشبيلية بعد سقوط املوحدين ‪ ،‬أهنم ال بد هلم من محاية خارجية بعد أن فشلوا يف‬
‫االعتماد على الذات ‪ ..‬وقد أرسلوا بيعتهم إىل األمري أيب زكراي احلفصي أمري احلفصيني يف تونس‬
‫هؤالء الذين ملعوا بعد سقوط املوحدين ‪ ،‬لكن الرجال الذين أرسلهم األمري احلفصي إىل إشبيلية‬
‫أساءوا معاملة الناس وأظهروا الفساد ‪ ..‬فاضطر أهل إشبيلية إلخراجهم ‪ ،‬وبدءوا يف االعتماد على‬
‫أنفسهم ‪ ،‬وألغوا معاهدة ذليلة كانت قد عقدت بينهم وبني ملك قشتالة النصراين فرانندو الثالث ‪،‬‬
‫وقتلوا " ابن اجلد " صاحب مشروع املعاهدة املذكورة ونصري السياسة املستذلة للنصارى ‪.‬‬

‫وكان هذا نذيرا ببداية النهاية إلشبيلية ‪ ،‬إال أهنم قد فقدوا العون اإلسالمي اخلارجي ‪ ..‬وأعلنوا‬
‫‪ -‬بقطعهم املعاهدة ‪ -‬حراب على قشتالة ‪ ،‬مل تكن ظروفهم مهيأة لدخوهلا ‪.‬‬

‫وقد شهدت سنة ‪199‬هـ بداية التحرك النصراين ضد إشبيلية ‪ ،‬واستوىل الصليبيون على حامية‬
‫إشبيلية يف هذا العام ‪ ..‬وكان ذلك مبساعدة ابن األمحر ملك غرانطة وفقا ملعاهدته مع فرانندو ‪! ..‬‬

‫ويف العام التايل تقدمت اجليو النصرانية مرة أخرى على إشبيلية ‪ ،‬وقد جنحت يف االستيالء‬
‫على عشرات من املدن اإلسالمية بفضل تدخل ابن األمحر ‪ ،‬ومنعه هذه املدن من القتال حبجة أن‬
‫القتال عبث ‪!!! ...‬‬

‫ومت حصار إشبيلية وتطويقها من مجيع اجلهات ابلكتائب النصرانية ‪ .‬وابلكتيبة اليت يقودها ابن‬
‫األمحر املسلم ‪ ،‬مشرتكني مجيعا ‪ -‬ابسم وحدة الطبقة العاملة فيما نظن !! ‪ -‬يف تشريد أهلها وسحق‬
‫دعوة اإلسالم هبا ‪ ..‬ولعل وجود راية حماربة إسالمية يلمحها املسلمون احملاصرون ‪ ..‬كان أشد ضربة‬
‫تلقاها بعيون وقلوب ابكية أهل إشبيلية املستبسلون !!‬

‫لقد وقف أهل إشبيلية الشرفاء حنوا من سنة يدافعون احلصار النصراين املدعوم من ابن األمحر ‪..‬‬
‫وقد جنحوا يف إيقاع النصارى يف أكثر من كمني وأصابوهم ابهلزمية غري مرة ‪.‬‬

‫وقد حاولوا ‪ -‬وهم يف حصارهم ‪ ،‬االستنجاد ابملغرب دون جدوى ‪ ..‬بينما توالت النجدات‬
‫على النصارى ‪ ،‬حىت جنحوا بسببها يف منع املؤن عن املسلمني احملاصرين يف إشبيلية ‪ ..‬فنفدت‬

‫‪19‬‬
‫األقوات وبدأ شبح اجلوع يدب يف أوصال املدينة اجملهدة ‪!! ...‬‬

‫وكان قضاء هللا ‪ ..‬وخرج املسلمون اإلشبيليون من مدينتهم وفق شروط املعاهدة ‪ ..‬خرجوا‬
‫انزحني إىل مدن إسالمية أسبانية أخرى مل تلبث أن أسقطت !!‬

‫لو كان هؤالء املسلمون يف مئات املدن اليت استسلمت دون قتال بواسطة ابن األمحر أو خوفا‬
‫من املوت ‪ ..‬لو كان قد احتدوا وقاتلوا ‪ ..‬أو لو أهنم قاتلوا حتت أي ظرف ‪ ..‬أكانت النتيجة ستصبح‬
‫شرا من هذا احلال الذي لقيه املسلمون يف األندلس ؟‬

‫لكنها سنة هللا يف حركة التاريخ ‪ ..‬فعندما يتم اخلروج على قوانني هللا تتجمع عوامل الفناء فيغلق‬
‫ابب العودة ‪ ..‬فتتحقق اإلابدة ‪ ..‬ويتحقق املوت يف شكل جمموعة من الكوارث ‪ ..‬سنة هللا ولن جتد‬
‫لسنة هللا تبديال !!‬

‫ركن الفردوس يسقط‬

‫حني تذهب إىل التاريخ تتلقى منه تلقي التلميذ املتعلم ‪ ،‬وليس تلقي التلميذ املتحجر املكابر ‪،‬‬
‫يروعك أنك تقرأ نفسك وجمتمعك وأحداث عصرك يف بعض صفحاته ‪ ،‬وتكاد حتس أبن ما يدور‬
‫حولك ليس إال آخر طبعة من كتاب التاريخ ‪ ،‬وأن الذين يظنون أنفسهم آخر حلقات التاريخ ‪ -‬أي‬
‫أفضلها ‪ -‬أو يظنون أنفسهم خارج دائرة التاريخ ‪ ..‬هؤالء وأولئك قوم خمدوعون ‪ ،‬ميتازون ابلغباء‬
‫الشديد والسذاجة املفرطة ‪.‬‬

‫إن قصة خروجنا من األندلس مل تكن قصة عدو قوي انتصر علينا بقدر ما كانت قصة هزميتنا‬
‫أمام أنفسنا ‪ ..‬قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضا كما أتكل احليواانت املنقرضة بعضها بعضا ‪.‬‬

‫وكان سقوط ( قرطبة ) أكرب معاقل اإلسالم يف األندلس سنة ‪111‬هـ النهاية لسقوطنا التام يف‬
‫األندلس ‪.‬‬

‫‪20‬‬
‫وقد اضطر ابن األمحر مؤسس مملكة غرانطة إىل أن يهادن ملك قشتالة الصلييب‪ ،‬وأن يعقد معه‬
‫صلحا ملدة عشرين سنة ‪ ،‬وأن يسلم له ‪ -‬بناء على شروط الصلح ‪ -‬مدينة جيان وما يلحق هبا من‬
‫احلصون واملعاقل ‪ ،‬وأن ينزل عن أرجونة وبيع احلجار وقلعة جابر وأرض الفرنترية ‪ ..‬واعرتف ابلطاعة‬
‫مللك قشتالة وتعهد أبن يؤدي إليه جزية سنوية قدرها مائة ومخسون ألف مرافيدي ( العملة اإلسبانية‬
‫) وأن يعاونه يف حروبه ضد أعدائه ( املسلمني ) ! وعندها استغل ملك قشتالة هذا الصلح ليتفرغ‬
‫لضرب املسلمني اآلخرين ‪ ،‬هاجم مدينة إشبيلية قاعدة غريب األندلس كله ‪ ..‬وكانت هناك كتيبة‬
‫إسالمية أرسلها ابن األمحر هتامجها معه ( ابسم التقدمية !!) فسرعان ما سقطت إشبيلية اإلسالمية‬
‫حاضرة الثقافة اإلسالمية الرفيعة ‪ -‬بيد فرانندو الثالث ملك قشتالة سنة ‪191‬هـ ومبعونة ابن األمحر‬
‫‪ -1‬مؤسس مملكة غرانطة العظيم ‪ .. ،‬ومل تعد إشبيلية إىل اإلسالم منذ ذلك اليوم !!‬

‫وعندما كاد أمد الصلح بني ابن األمحر وبني ملوك قشتالة ينتهي بعد ( العشرين سنة ) سعى ابن‬
‫األمحر لتجديد الصلح ‪ ..‬ويف سبيل ذلك تنازل لقشتالة عن عدد كبري من بالد اإلسالم قيل إهنا‬
‫بلغت أكثر من مائة بلد وحصن !‬

‫وأان ال ألوم ابن األمحر وحده ‪ ..‬إمنا ألوم ملوك الطوائف مجيعا ‪ ..‬لقد كان كل شيء ممكنا‬
‫ابلنسبة هلم ‪ -‬ويف عرفهم ‪ -‬عدا شيئا واحدا ‪..‬‬

‫كان الرتامي يف أحضان العدو ممكنا ‪ ..‬وكان التنازل له عن األرض ممكنا ‪ ..‬وكان اخلالف بني‬
‫بعضهم وبعض لدرجة االستنجاد ابلعدو ممكنا ‪ ..‬أجل ‪ ..‬كان كل هذا ممكنا إال شيئا واحدا ‪ ..‬إال‬
‫العودة إىل اإلسالم الصحيح اخلايل من حب السلطة واستعباد الدنيا ‪ ...‬واألمر ابالعتصام حببل هللا‬
‫وحده وعدم التفرقة ‪ ..‬كل شيء كان ممكنا ‪ -‬يف عرفهم ‪ -‬إال هذا ‪.‬‬

‫وابلطبع ‪ ..‬فإن لنا أن نتوقع ظهور كثري من احلركات التقدمية والقومية واجلدلية يف مثل هذا‬
‫املناخ الفاسد ‪ ..‬وابلتأكيد ‪ .‬لوال بروز مثل هذه النزعات اليت ال شك يف أن النصارى قد ساعدوا‬
‫على تروجيها ‪ ،‬لوال هذا ألصبح املكان خاليا ومالئما لربوز احلل الوحيد الصحيح ‪ ..‬احلل اإلسالمي‬
‫‪.‬‬

‫‪21‬‬
‫ويف الشرق األندلسي كان شيء من هذا حيدث على حنو أعىت وأقسى ‪ ،‬ففي " بلنسية " ‪ ..‬كان‬
‫آخر أمراء املوحدين هناك " أبو زيد بن أيب عبد هللا " يلجأ بعد اهنيار ملكه يف بلنسية حتت ضرابت‬
‫منافسه " أيب مجيل زاين " ‪ ..‬وكان هذا املوحدي العاق اجلاحد يشهد مع ملك أرجوان كل غزواته‬
‫ضد املسلمني ‪ ..‬ومل يكتف هبذا املصري التعس ‪ ..‬فاختذ قراره الثوري احلاسم " ابعتناق‬
‫النصرانية"‪!!...‬‬

‫وبينما كانت مدن بلنسية الكربى وقراها وحصوهنا تتداعى ما بني سنوات ( ‪111-11‬هـ ) كان‬
‫( أبو زيد ) يبذل جهوده مع النصارى يف حروهبم ضد اإلسالم‪ ..‬ويعاوهنم يف التعرف على نقاط‬
‫الضعف لدى أبناء دينه السابق ‪ .‬ويف الوقت نفسه كان ابن األمحر يساعد ملك قشتالة بكتائبه ضد‬
‫إخوانه املسلمني ‪.‬‬

‫وتسألين ملاذا طردان من األندلس ؟ فأقول لك ‪ :‬ألن هللا ال يظلم الناس شيئا ولكن الناس‬
‫أنفسهم يظلمون ‪ ..‬مث أقول لك عربة التاريخ ‪ ..‬قانون سقوطنا ‪ " :‬حني يبحث كل عضو منا عن‬
‫نفسه تسقط سائر األعضاء " ‪.‬‬

‫سقوط غرانطة‬

‫كان بقاء مملكة غرانطة اإلسالمية يف األندلس قرنني من الزمان معجزة من معجزات اإلسالم‪.‬‬

‫فهذه اجلزيرة اإلسالمية العائمة فوق حبر الصليبية املتالطم األمواج والطافح ابحلقد واملكر‬
‫التارخييني ‪ ..‬هذه اجلزيرة ما كان هلا أن تصمد صمودها املشهور إال ألن طبيعة الصمود كامنة يف‬
‫العقيدة واملبادئ اإلسالمية ‪ .‬وبدون العقيدة اإلسالمية ‪ ..‬ما كان هلذه اجلزيرة أن تصمد وحدها يف‬
‫األندلس بعد أن سقطت كل املدن والقالع اإلسالمية منذ قرنني من الزمان ‪.‬‬

‫كان قانون " االستجابة للتحدي " هو الذي أبقى غرانطة حية زاخرة ابلفكر اإلسالمي والرقي‬
‫احلضاري هذين القرنني ‪ ..‬وكان شعور الغرانطيني أبهنم أمام عدو حميط هبم من كل جانب ‪ ،‬ينتظر‬
‫الفرصة اللتهامهم ‪ ،‬وأبنه ال أمل هلم يف استرياد النصر من العامل اإلسالمي ‪ ،‬وأبنه ال بد هلم من‬

‫‪22‬‬
‫االعتماد على أنفسهم ‪ ..‬كان هذا الشعور ابعثهم األكرب على االستعداد الدائم ‪.‬؟ ورفع راية اجلهاد‬
‫والتمسك إبسالمهم ‪.‬‬

‫وهبذا جنحت غرانطة يف أن تظل إىل سنة ‪2941‬م ( ‪ 047‬هـ) سيدة األندلس اإلسالمي ومنارة‬
‫العلوم وشعلة احلضارة اإلسالمية الباقية يف أوراب ‪.‬‬

‫لكن األعوام القريبة من عام السقوط شهدت تطورا يف احلياة األندلسية ‪ ..‬فعلى املستوى‬
‫النصراين بدأ " احتاد " كبري يضم أكرب مملكتني مسيحيتني مناوئتني لإلسالم ‪ ..‬ومها مملكتا أرجوان‬
‫وقشتالة ‪ ،‬وقد اندمج االثنان يف احتاد توجاه بزواج " إيزابيال " ملكة قشتالة من " فرانند " ملك‬
‫أرجوان ‪ ..‬وكان احللم الذي يراود الزوجني امللكني الكاثوليكيني ليلة زفافهما هو دخول غرانطة ‪..‬‬
‫وقضاء شهر عسلهما يف احلمراء ‪ ،‬ورفع الصليب فوق برج احلراسة يف غرانطة ‪ -‬أكرب أبراجها ‪-‬‬
‫وعلى املستوى اإلسالمي ‪ ..‬كان " خالف " كبري قد دب داخل مملكة غرانطة وال سيما بني أبناء‬
‫األسرة احلاكمة ‪ ،‬ومت تقسيم مملكة غرانطة احملدودة قسمني ‪ ،‬يهدد كل قسم منهما اآلخر ويقف له‬
‫ابملرصاد ‪ ..‬قسم يف العاصمة الكبرية ( غرانطة ) حيكمه أبو عبد هللا حممد علي أبو احلسن النصري (‬
‫آخر ملوك غرانطة ) وقسم يف ( وادي آ ) وأعماهلا حيكمه عمه أبو عبد هللا حممد املعروف ابلزغل‬
‫‪.‬‬

‫وقد بدأ امللكان الكوثوليكيان هجومهما على ( وادي آ ) سنة ‪ 049‬هـ ‪ ،‬وجنحا يف االستيالء‬
‫على وادي آ وأملرية وبسطة ‪ ..‬وغريها ‪ ،‬حبيث أصبحا على مشارف مدينة غرانطة ‪.‬‬

‫وقد أرسال إىل السلطان أيب عبد هللا النصري يطلبان منه تسليم مدينة احلمراء الزاهرة ‪ ،‬وأن يبقى‬
‫هو حيا يف غرانطة حتت محايتها ‪ ..‬وكما هي العادة يف امللوك الذين يركبهم التاريخ وهو يدور إحدى‬
‫دوراته ‪ ،‬كان هذا امللك ضعيفا ‪ ..‬مل حيسب حسااب لذلك اليوم ‪ ..‬ولقد عرف أن هذا الطلب إمنا‬
‫يعين االستسالم ابلنسبة آلخر ممالك اإلسالم يف األندلس فرفض الطلب ودارت احلرب بني املسلمني‬
‫والنصارى واستمرت عامني ‪ ..‬يقودها ويشعل احلمية يف نفوس املقاتلني فيها فارس إسالمي من هؤالء‬
‫الذين يظهرون كلمعة الشمس قبل الغروب " موسى بن أيب الغسان " ‪.‬‬

‫‪23‬‬
‫وبفضل هذا الفارس وأمثاله وقفت غرانطة يف وجه امللكني الكاثوليكيني عامني وحتملت‬
‫حصارمها سبعة أشهر ‪..‬‬

‫لكن مع ذلك ‪ ..‬مل يكن مثة شك يف هناية الصراع ‪ ..‬فأبو عبد هللا الذي مل حيفظ ملكه حفظ‬
‫الرجال ‪ .‬واالنقسام العائلي واخلالف الداخلي يف اململكة يف مقابل احتاد اتم يف اجلبهة املسيحية ‪..‬‬
‫مضافا إىل ذلك حصاد اتريخ طويل من الضياع والقومية اجلاهلية والصراع بعيدا عن اإلسالم ‪..‬‬
‫عاشته غرانطة وورثته مما ورثته عن املمالك اإلسالمية اإلسبانية الساقطة ‪.‬‬

‫كل هذه العوامل قد عملت على إطفاء آخر مشعة إسالمية يف األندلس ‪.‬‬

‫وعندما كان أبو عبد هللا ( آخر ملوك غرانطة هذا ) يركب سفينته مقلعا عن غرانطة اإلسالمية ‪،‬‬
‫مودعا آخر أرض تنفست يف مناخ إسالمي يف أورواب بعد مثانية قرون عاشتها يف ظالل اإلسالم ‪...‬‬

‫يف هذا املوقف الدرامي العنيف ‪ ..‬بكى أبو عبد هللا ملكه " وملك اإلسالم املضاع‪ ،‬وتلقى من‬
‫أمه الكلمات اليت حفظها التاريخ ( ابك مثل النساء ملكا مل حتفظه حفظ الرجال ) ‪.‬‬

‫واحلق أن أمه بكلمتها تلك ‪ ،‬إمنا كانت تلطمه وتلطم حكاما يف اإلسالم كثريين ‪ ..‬بكوا مثل‬
‫النساء ملكا مل حيفظوه حفظ الرجال !!! ‪.‬‬

‫‪24‬‬
‫القسم الثاين ‪ :‬سقوط خالفات ودول شرقية‬
‫* األمويون ‪ -‬أصحاب دولة الفتوحات ‪ -‬يسقطون‬
‫* سقوط الدولة الطولونية يف مصر‬
‫* الصفاريون ‪ ،‬وقصة سقوطهم‬
‫* اإلخشيديون على خطى الطولونيني‬
‫* سقوط السامانيني يف فارس‬
‫* البويهيون الذين سطوا على اخلالفة ‪ ..‬يسقطون‬
‫* سقوط االنفصاليني يف طربستان‬
‫* وقصة سقوط احلمدانيني‬
‫* السالجقة ‪ .‬منقذو اخلالفة ‪ .‬يسقطون‬
‫* سقوط دولة الفاطميني‬
‫* سقوط دولة صالح الدين‬
‫* من عوامل سقوط العباسيني‬
‫* املماليك ‪ ..‬أبطال عني جالوت يسقطون‬

‫الدولة األموية ‪ -‬دولة الفتوحات ‪ .. -‬تسقط !!‬

‫يف عام (‪ 92‬هـ ‪112 -‬م ) ويسمى عام اجلماعة ‪ -‬تنازل احلسن بن علي بن أيب طالب رضي‬
‫هللا عنه ‪ ،‬عن حرب معاوية بن أيب سفيان ‪ ،‬الذي كان واليا على الشام منذ عهد عمر بن اخلطاب ‪،‬‬
‫والذي رفض مبايعة علي بن أيب طالب ‪ -‬رابع اخللفاء الراشدين ‪ -‬متذرعا أبن عليا قد فرط يف الثأر‬
‫من قتلة عثمان بن عفان اثلث اخللفاء الراشدين ‪ ...‬رضي هللا عنهم مجيعا ‪.‬‬

‫وبتنازل احلسن استقر األمر ملعاوية فأصبح خليفة املسلمني ‪ ،‬وقامت دولة بين أمية اليت تنتسب‬
‫إىل أمية بن عبد مشس بن عبد مناف ‪ ،‬فحكمت حنو تسعني عاما ( ‪211 - 92‬هـ ) ( ‪- 112‬‬
‫‪741‬م ) ونقلت عاصمة احلكم من مدينة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ابحلجاز إىل دمشق ابلشام‬
‫‪.‬‬

‫‪25‬‬
‫كان نظام احلكم يف عهد بين أمية عائليا ‪ ،‬وقد تداول احلكم أربع عشرة خليفة أوهلم معاوية‬
‫وآخرهم مروان بن حممد الذي قتله العباسيون يف " أبو صري " من حلوان مصر ‪..‬‬

‫اخللفاء األمويون ‪:‬‬

‫‪ - 2‬كان معاوية أول اخللفاء األمويني ومؤسس دولتهم ‪ ،‬وكان مولده ابخليف من مىن قبل‬
‫اهلجرة خبمس عشرة سنة وأمه هند بنت عتبة‪ ،‬وأبوه أبو سفيان ‪ ،‬وقد أسلموا مجيعا يف فتح مكة ‪.‬‬

‫وأصبح معاوية من كتاب الوحي لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم ‪ ،‬واشرتك يف حروب الردة مع‬
‫أخيه وأبيه ‪ ،‬مث واله عمر جزءا من بالد الشام ‪ ،‬فلما جاء عثمان رضي هللا عنه مجع الشام كلها حتت‬
‫حكمه ‪.‬‬

‫‪ - 1‬ومبوت معاوية سنة ‪11‬هـ ابيع املسلمون ابنه يزيد ‪ ،‬ما عدا احلسني بن علي وعبد هللا بن‬
‫الزبري وعبد هللا بن عمر ‪ ،‬وقد وقف األوالن منه موقف العداء ‪ ،‬وقتل يف عهده احلسني ‪ ،‬يف كربالء ‪،‬‬
‫وحكم ثالث سنوات مث مات سنة ‪19‬هـ ‪ ،‬وعمره مثانية وثالثون عاما ‪.‬‬

‫‪ - 1‬مث توىل معاوية بن يزيد ‪ ،‬بوصاية أبيه ‪ ،‬لكنه كان ورعا زاهدا فتنازل عن اخلالفة بعد ثالثة‬
‫أشهر ‪.‬‬

‫‪ - 9‬وقد وقعت حروب انتهت يف ( مرج راهط ) بني األمويني وعبد هللا بن الزبري ‪ ،‬وأصبح‬
‫مروان بن احلكم خليفة على الشام وحدها ‪ ،‬وبقي ابن الزبري خليفة على سائر األمصار ‪ ،‬حىت ظهر‬
‫عبد امللك بن مروان ‪ ،‬فتمكن من توحيد العامل اإلسالمي الشرقي حتت إمرته ‪ ،‬ولذا اعترب املؤسس‬
‫الثاين للدولة األموية ‪.‬‬

‫‪ - 4‬وكانت لعبد امللك أايد عظيمة ‪ ،‬فقد عرب الدواوين وضرب العملة ‪ ،‬وبقي يف احلكم اثنني‬
‫وعشرين عاما ‪ ،‬وتويف سنة ‪01‬هـ ‪ ،‬فتوىل بعده ابنه الوليد بن عبد امللك ‪ ،‬الذي حكم عشرة أعوام ‪،‬‬
‫ومتت يف عهده إصالحات داخلية عظيمة وفتوحات إسالمية كربى على يد قادة عظام مثل حممد بن‬

‫‪26‬‬
‫القاسم الثقفي فاتح السند‪ ،‬وموسى بن نصري فاتح األندلس ‪.‬‬

‫‪ - 1‬مث جاء بعده أخوه سليمان بن عبد امللك فحكم ثالثة أعوام مل تتقدم فيها الدولة شيئا ‪ ،‬ال‬
‫من الداخل وال من اخلارج ‪ ،‬ومات سنة ‪44‬هـ ‪ ،‬فوسد األمر ألعظم شخصية يف اتريخ بين أمية ‪،‬‬
‫على الرغم من أنه مل حيكم إال عامني ‪ ،‬وهو عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬الذي اعتربه البعض (خامس‬
‫اخللفاء الراشدين ) لكثرة ما عمل من إصالحات خالل الفرتة الوجيزة اليت حكم فيها ‪.‬‬

‫لقد راقب عمر الوالة حبذر ‪ ،‬وأخذ على أيديهم وطرد القساة منهم ‪ ،‬وانتشر اإلسالم يف عهده‬
‫انتشارا كبريا ألنه وضع اجلزية عمن يعتنق اإلسالم ‪ ،‬وكان والة السوء ال يفعلون ذلك ‪ ،‬ويروي ابن‬
‫عبد احلكم ‪ ،‬ملخصا عهد عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬يف قوله الوجيز " إمنا ويل عمر بن عبد العزيز سنتني‬
‫ونصفا فذلك ثالثون شهرا ‪ ،‬فما مات حىت جعل الرجل أيتينا ابملال العظيم فيقول ‪ :‬اجعلوا هذا‬
‫حيث ترون يف الفقراء ‪ ،‬فما يربح حىت يرجع مباله يتذكر من يضعه فيهم فال جيده ‪ ،‬فقد أغىن عمر بن‬
‫عبد العزيز الناس " ‪.‬‬

‫‪ - 7‬مث ويل األمر بعده يزيد بن عبد امللك ‪ ،‬بعهد من أخيه سليمان بعد ابن عمه عمر بن عبد‬
‫العزيز ‪ ،‬وهو ابن تسع وعشرين سنة ‪ .‬فدامت خالفته أربع سنوات وشهرا ‪ ،‬مث مات بعدها دون أن‬
‫يرتك أثرا ذا ابل اللهم إال إمخاده لفتنة يزيد بن املهلب ‪.‬‬

‫‪ - 0‬وويل بعده هشام بن عبد امللك ‪ ،‬فمكث يف اخلالفة عشرين عاما حاول فيها تقليد عمر‬
‫بن عبد العزيز ‪ ،‬ومل ينجح يف ذلك جناحا كبريا ‪ ،‬وإن كانت الدولة قد اتسعت يف عهده ‪ ،‬ففتحت‬
‫قيسارية وبالد اخلزر ‪ ،‬وأرمينية ‪ ،‬ومشال آسيا الصغرى ‪ ،‬وجزءا كبريا من بالد الروم ‪.‬‬

‫لكن األحوال الداخلية مل تكن مستقرة على عهده وتويف يف عام ‪214‬هـ ‪ ،‬وترك احلكم للوليد‬
‫بن يزيد بن عبد امللك الذي يعترب عهده ‪ -‬الذي مل يدم أكثر من عام إال قليال ‪ -‬من أسوأ عهود‬
‫الدولة األموية ‪ ،‬ظلما وانتقاما من أبناء سلفه هشام فضال عن عنصريته وخالعته ‪.‬‬

‫‪ - 4‬ومل يكن للخليفتني اللذين وليا بعده يزيد بن الوليد بن عبد امللك ‪ ،‬وإبراهيم ابن الوليد أثر‬
‫يذكر ‪ ،‬ومل يدم حكم كل منهما إال ثالثة أشهر ‪ ،‬ومل تستقم هلما األمور ‪ ،‬وكانت أايمهما ‪ ،‬وأايم‬

‫‪27‬‬
‫سابقهما الوليد بن يزيد ‪ ،‬فرصة ذهبية جنح فيها العباسيون يف تعبئة النفوس وتنظيم الصفوف ‪،‬‬
‫لالنقضاض على الدولة ‪.‬‬

‫‪ - 21‬فلما آلت اخلالفة ملروان بن حممد ‪ -‬آخر خلفاء بين أمية يف املشرق مل يستطع أن يقر‬
‫قواعد الدولة ‪ ،‬على الرغم من أنه " كان أشجع بين أمية وأقدرهم على حتمل األخطار " ‪ ..‬فسقطت‬
‫الدولة يف عهده ‪ ،‬بعد فتنة واضطراابت دامت مخس سنوات ‪ ،‬وكان سقوطها يف سنة ‪211‬هـ ‪.‬‬

‫وكانت دولة بين أمية دولة عربية تتعصب للعرب وللتقاليد العربية ‪ ،‬وللغة العربية ‪ ،‬ومل يستطع‬
‫معظم خلفائها أن يرتفعوا على مستوى املساواة والعدل يف اإلسالم ‪.‬‬

‫لكن مع ذلك كان هلذه الدولة أايد طوىل على املسلمني لعل من أمهها جهودها العظيمة يف جمال‬
‫الفتوحات اإلسالمية ‪.‬‬

‫فتوحات الدولة األموية ‪:‬‬

‫اتسعت فتوحات الدولة األموية اتساعا عظيما ‪ ،‬منذ عهد معاوية الذي مل تكد تستقر له‬
‫األوضاع حىت جهز اجليو وأنشأ األساطيل ‪ ،‬وأرسل قواده إىل أطراف الدولة لتثبيت دعائمها ‪ ،‬بعد‬
‫أن حاول الفرس والروم استغالل فرتة الفتنة بني علي ومعاوية رضي هللا عنهما ‪.‬‬

‫*وقد أخضعت هذه اجليو ثورة فارسية هدفت إىل االمتناع عن دفع اجلزية ‪ .‬مث توغلت جيوشه‬
‫شرقا ‪ ،‬فعربت هنر جيحون ‪ ،‬وفتحت خبارى وعمرقند وترمذ ‪.‬‬

‫*ومن اجلهة الرومانية ‪ ،‬كان الرومان قد أكثروا من الغارات على حدود الدولة اإلسالمية يف‬
‫الناحية الشمالية الغربية ‪ ،‬فأعد معاوية هلم اجليو ‪ ،‬وانتصر عليهم يف مواقع كثرية ‪.‬‬

‫وأبسطوله الذي بلغت عدته (‪ )2711‬سفينة ‪ ،‬استوىل على قربص ورودس وغريمها من جزر‬
‫الروم ‪ -‬كما قام ابحملاولة األوىل لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية سنة ‪90‬هـ ‪،‬‬
‫فأرسل جيشا إبمرة ابنه يزيد ‪ ،‬وجعل حتت إمرته عددا من خرية الصحابة كعبد هللا بن عباس وعبد هللا‬

‫‪28‬‬
‫بن الزبري وعبد هللا بن عمر وأيب أيوب األنصاري ‪ ،‬لكن احملاولة مل تنجح !!‬

‫ومن الشمال اإلفريقي ( تونس واجلزائر واملغرب األقصى ) امتد الفتح اإلسالمي‪ ،‬فأرسل (معاوية‬
‫) عقبة بن ابن انفع سنة (‪41‬هـ) يف عشرة آالف مقاتل ‪ ،‬لتثبيت فتحها‪ ،‬وقد عمل عقبة على نشر‬
‫اإلسالم بني الرببر مث بىن مدينة القريوان ‪ ،‬ويف عهد ابنه اخلليفة (يزيد) وصل عقبة يف اكتساحه‬
‫للشمال اإلفريقي حىت احمليط األطلسي غراب ‪ ،‬وقال هناك كلمته املأثورة " وهللا لوال هذا البحر ملضيت‬
‫يف سبيل هللا جماهدا " ‪.‬‬

‫ويف الشرق اجتهت جيو عبد امللك بن مروان ‪ -‬اخلليفة األموي اخلامس ‪ -‬إىل التوسع يف بالد‬
‫ما وراء النهر ‪ ،‬وكانت القيادة يف هذا الركن للمهلب بن أيب صفرة وليزيد بن عبد امللك ‪ .‬وكان من‬
‫أبرز الفتوحات يف عهد الوليد بن عبد امللك فتح بلخ ‪ ،‬والصفد ‪ ،‬ومرو ‪ ،‬وخبارى ‪ ،‬وعمرقند ‪ ،‬وذلك‬
‫كله على يدي قتيبة بن مسلم ‪.‬‬

‫أما حممد بن القاسم الثقفي فقد فتح السند ( ابكستان ) ‪ .‬وفتح مسلمة بن عبد امللك فتوحات‬
‫كثرية يف آسيا الصغرى ‪ ،‬منها فتحه حلصن طوالة وحصن عمورية ‪ ،‬وهرقلة ‪ ،‬وسبيطة ‪ ،‬وقمونية ‪،‬‬
‫وطرسوس ‪ ..‬كما حاصر القسطنطينية أايم سليمان بن عبد امللك ‪.‬‬

‫ويف أوراب فتح موسى بن نصري األندلس ‪ ،‬وبقيت يف حوزة املسلمني مثانية قرون ( ‪.. 040-41‬‬
‫هـ ) وكان جزاؤه من بين أمية جزاء سنمار !!‬

‫وقد حاول عنبسة بن سحيم الكليب غزو جنوب فرنسا وفتح سبتماية ‪ ،‬وبرغونية ‪ ،‬وليون ‪-‬‬
‫وجنح املسلمون يف ذلك جناحا مؤقتا ‪ ،‬حىت انتهت هذه احملاوالت بعيد موقعة بالط الشهداء اليت‬
‫قادها عبد الرمحن الغافقي ‪ -‬بقليل ‪ .‬ومل يكن هلذه الفتوحات صدى حقيقي ‪ ،‬ألهنا كانت أشبه‬
‫حبمالت جهادية فردية ‪.‬‬

‫‪29‬‬
‫وملاذا سقط هؤالء العظماء ؟‬

‫كان معاوية رضي هللا عنه ‪ -‬بال ريب ‪ -‬أحد دهاة العرب القالئل ‪ ،‬وكان رجل دولة وخبري‬
‫سياسة مبعىن الكلمة ‪ ..‬بيد أنه كانت هناك حقيقة حضارية ينبغي عليه إدراكها وهي ‪ :‬أن احلضارة‬
‫حني ينفصل جسدها عن دماغها ال ميكن أن تكون قابلة للبقاء ‪ ..‬حني حيدث انشقاق بني روح‬
‫األمة وجهاز عملها املادي حتدث اآللية القاتلة وتسري القافلة بال روح ‪ ..‬متاما كما يسري الذي قطع‬
‫رأسه من جسده‪ ..‬إنه ال بد من أن يسقط بعد خطوات !!‬

‫ومنذ قامت الدولة األموية ‪ ،‬واعتمد فيها نظام وراثة اخلالفة كرها عن األمة ‪..‬‬

‫منذ هذا احلدث ومثة انفصال بني جسد األمة وروحها ذاقت منه األمة اإلسالمية مر األهوال‬
‫‪..‬وكان أحد األسباب ‪ ،‬بل أهم األسباب يف سقوط الدولة األموية ‪.‬‬

‫لقد تشكلت طبقة تعطي نفسها امتيازا جنسيا غريب الشكل ‪ ..‬فهي جملرد أهنا من البيت‬
‫األموي ‪ ،‬حىت ولو افتقدت كل صالحيات الوجود واحلكم بعد ذلك ‪ ،‬ال بد أن تقف يف الصف‬
‫األول ‪ ..‬وأن تقود وحتكم ‪ !! ..‬واألدهى من ذلك أن هذه الدولة اعتمدت العنصرية العربية املستعلية‬
‫حقا تتكئ عليه يف سيادهتا ‪ ..‬وظلمها !!‬

‫وهذه الظاهرة ‪ ..‬تلد أمراضا حضارية خبيثة كلها شؤم وبالء ‪ ..‬فإن هذه الطبقة سرعان ما‬
‫حياول كل واحد منها احلصول على حق ‪ ..‬أكثر شرعية جنسية ‪ ..‬لكي يصل إىل احلكم ‪ ،‬وابلتايل‬
‫يلجأ إىل الدس واخلديعة والقتل واالغتيال ويسود الطبقة احلاكمة جو من الصراع الداخلي مينعها عن‬
‫أن تؤدي لألمة أي شيء ‪ ،‬ويكون كل هم احلاكمني أن حيافظوا على املوقع الذي يقفون فيه ‪..‬‬
‫هكذا كان األمر بني األمويني وال سيما يف األايم األخرية من عمرهم ‪ ..‬أايم الوليد بن يزيد‪ ،‬ومروان‬
‫بن حممد ‪.‬‬

‫ومن األمراض اخلطرية اليت تلدها ظاهرة االنفصام املشئومة استعانة هؤالء احلاكمني بطبقة تتوىل‬
‫هي يف احلقيقة األمر ‪ ،‬وتستبد ابألمة ‪ ،‬وحني تستغيث األمة ال جتد من يغيثها ‪ ،‬إذ يكون احلكام يف‬
‫واد آخر بعيد عنها ‪ ،‬بل إن هؤالء احلكام يعتقدون أهنم بوجودهم يف مراكز السلطة مدينون هلؤالء‬

‫‪30‬‬
‫العمال أو الوالة الغامشني الظاملني ‪.‬‬

‫وقد زخرت صفحات التاريخ بعديد من هؤالء اجلبابرة الذين أساءوا إىل املسلمني واإلسالم‬
‫إساءات ابلغة كاحلجاج بن يوسف الثقفي يف املشرق ‪ ،‬والوايل عبد هللا ابن احلبحاب يف املغرب ‪.‬‬

‫ولقد أساءت هذه الطبقة املصطنعة العازلة إىل اتريخ األمويني نفسه أميا إساءة ‪ ،‬وزينت للخلفاء‬
‫األمويني كل جور ‪ ،‬وعملت يف املسلمني عمل كسرى وقيصر يف شعبيهما ‪ ..‬وكانت ‪ -‬يعلم هللا ‪-‬‬
‫بالء على املسلمني أي بالء !! وقد كانت سببا يف جناح اخلوارج ‪ ،‬ويف إشعال ثورات بربرية ‪ ،‬يف‬
‫ساحة األندلس واملغرب ‪.‬‬

‫وبتأثري الطغيان الذي ساس به الوالة مجاهري املسلمني ‪ ،‬انصرف الناس إىل أمورهم ‪ ،‬اتركني أمور‬
‫الدولة يف يد الفئة احلاكمة بل انصرفوا إىل االندماج يف كل حركات اخلروج على الدولة ‪ ..‬وقد متخض‬
‫كل ذلك عن ميالد تنظيم من أدق التنظيمات يف اتريخ االنقالابت السياسية ‪ ،‬وهو التنظيم العباسي‬
‫الذي رفع الراية العلوية ( الرضا من آل البيت ) أايم سريته ‪ ..‬إىل أن وصل إىل احلكم ‪.‬‬

‫ومل يك هذا التنظيم لينجح وجيد املناخ والعناصر الصاحلة إال نتيجة سياسة الوالة الغريبة عن روح‬
‫اإلسالم ‪.‬‬

‫وقد اختلف املؤرخون يف سقوط هذه الدولة العظيمة ‪ ..‬دولة الفتوحات ‪ ..‬وقد رأى بعضهم ‪،‬‬
‫وهم حمقون ‪ ،‬أنه النزاع بني املضرية واليمانية ‪ ،‬الذي ابتدأ منذ أايم مؤسس الدولة األموية معاوية ‪ ،‬قد‬
‫أدى إىل ضياع بين أمية ‪.‬‬

‫ويرى بعضهم أن مصرع احلسني بن علي يف كربالء كان الداء القاتل الذي تفاقم حىت قضى‬
‫عليها ‪.‬‬

‫ورأى آخرون أن العامل اهلام الذي أدى إىل سقوط بين أمية هو تعصب األمويني للعرب‪ ،‬مما‬
‫أدى إىل خروج املوايل على الدولة األموية وهم غري العرب الذين دخلوا يف اإلسالم عقب الفتح العريب‬
‫يف فارس ومصر واملغرب ‪.‬‬

‫‪31‬‬
‫وما لبث هؤالء أن أصبحوا أعداء للعرب من بين أمية وال شك أن سلوك الوليد ابن يزيد الذي‬
‫أدى إىل مصرعه كان من أبرز األسباب املباشرة يف فساد األحوال‪.‬‬

‫كما أن االستبداد الفردي عامل من عوامل سقوط الدولة قال به كثريون ‪.‬‬

‫وقد تكون كل هذه األسباب صحيحة ‪ ،‬بل قد تكون متداخلة ‪ ،‬لكننا منيل إىل سبب جوهري‬
‫نراه أكرب األسباب وأبرزها ‪ ،‬وهو العنصرية األموية اليت جعلتهم يرفعون العرب على حساب غريهم‪،‬‬
‫ويثريون األحقاد يف بقية الطوائف املسلمة!!‬

‫وتبقى عربة التاريخ األخرية يف سقوط الدولة األموية ‪ .‬فإن نصر بن سيار ( وايل خراسان ) كان‬
‫على عهد مروان بن حممد آخر خلفاء األمويني ‪ ..‬وكان نصر هذا ‪ ..‬كما كان مروان ‪ ..‬كان كالمها‬
‫من خرية من أجنبت الدولة األموية‪ ..‬هذا يف الوالة ‪ ،‬وذلك يف اخللفاء ‪.‬‬

‫لكنهما ظهرا بعد أن اتسعت خروق الدولة على أي راقع ‪ ،‬وكان رصيد الدولة من الفساد‬
‫والتحلل والظلم والضعف ‪ ،‬قد أصبح أكرب وأضخم من طاقة أي إنسان ‪.‬‬

‫لقد كانت حركة التاريخ اليت هي من سنة هللا قد قالت يف الدولة األموية كلمتها ‪ ..‬وقد حاول "‬
‫نصر " أن يستعمل ذكاءه يف إنقاذ الدولة ‪ ،‬إذ كان يستشف ببصريته الوقادة أن مثة أمورا تبينت‬
‫للدولة ‪ ،‬وأن دولة األمويني على وشك الرحيل ‪ ،‬وكم كاتب اخلليفة األموي األخري " مروان " يف ذلك‬
‫‪ ..‬ولكن دون جدوى ‪ ..‬لقد اتسع اخلرق ووجب أن ينهار البناء !!‬

‫وكان مروان ‪ ..‬مشغوال بسداد " شيكات " سابقيه من الديون ‪ ..‬يف بنك الضياع ‪ ..‬فلم ميكنه‬
‫أن يستجيب ال " لنصر " وال لضمريه الذي كان حيس بقرب الكارثة ‪ ..‬هكذا تفعل الدول بنفسها‬
‫‪ ..‬نتيجة ظلمها ‪ .‬وتراكم هذا الظلم ‪.‬‬

‫وعندما سقطت الدولة األموية سنة ‪211‬هـ ‪ ،‬ولقي مروان املسكني مصرعه يف حلوان مبصر ‪..‬‬

‫‪32‬‬
‫كان كتاب التاريخ يطوي إحدى صفحاته ‪ ..‬يطويها بعنف ألن أبطاهلا أرادوا ألنفسهم هذا ‪ ...‬حني‬
‫راحوا ينفصلون عن ضمري األمة ووجداهنا ‪ ،‬ويعزلون أنفسهم عن شعوهبم ‪ -‬بطبقة من العمال‬
‫الظاملني الغامشني وبعنصرية عربية قومية ظاملة ‪ ..‬لقد فتحوا كثريا من األراضي ‪ ،‬لكنهم فشلوا يف أن‬
‫يفتحوا القلوب ‪ ...‬والعقول !!‬

‫سقوط الدولة الطولونية يف مصر‬

‫االنتصار يف معركة ‪ ..‬واحلصول على مكسب وقيت ‪ ...‬والوصول إىل السلطة‪ ..‬هذه كلها ليست‬
‫هي قضية التاريخ ‪ ..‬وال معركة التقدم البشري ‪ ..‬بل هي عموما ليست من عوامل حتريك التاريخ إىل‬
‫األمام أو اخللف على حنو واضح وضخم‪ ..‬إن االنتصار يف معركة ‪ ..‬قد ال يعين اهلزمية احلقيقية‬
‫لألعداء ‪ ،‬فحني ال تتوافر العوامل احلقيقية للنصر ‪ ..‬يصبح أي نصر مرحلي عملية تضليل ‪،‬‬
‫واستمرارا للسري اخلطأ ‪ ،‬ومتاداي يف طريق الوصول إىل اهلزمية احلقيقية ‪ ..‬هكذا سار التاريخ يف مراحل‬
‫كثرية من تطوراته ‪ ..‬كان النصر بداية اهلزمية ‪ ،‬وكانت اهلزمية بداية للنصر !‬

‫وحني يصل إنسان ما إىل احلكم ‪ ..‬دون أن يكون معدا إعدادا حقيقيا للقيادة ‪ ،‬ودون أن يكون‬
‫يف مستوى أمته ‪ ..‬يكون وصوله على هذا النحو هو املسمار األخري الذي يدق يف نعش حياته‬
‫وحياة املمثل هلم ‪! ..‬‬

‫والتاريخ يف دوراته غريب وهو يعلمنا أنه ال توجد قاعدة اثبتة للتحول ترتكز على أسس متينة ‪،‬‬
‫اللهم إال قاعدة التغيري من الداخل املرتكزة على عقيدة هلا جذورها يف أعماق النفس ‪ ،‬وهلا انسجامها‬
‫مع حركة الكون وهلا صالحياهتا يف البقاء واالنتشار واخللود !‬

‫وعندما أعلن " أمحد بن طولون " مؤسس الدولة الطولونية يف مصر انفصاله عن الدولة العباسية‬
‫بعد سنة ‪149‬هـ ‪ ،‬كان ينقصه الوعي حبركة التاريخ والشروط الضرورية للتغيري ‪ ،‬وكان إبنشائه هذه‬
‫الدولة ليس أكثر من " انقاليب " سيطر على احلكم يف ظل أوضاع معينة مرت هبا الدولة العباسية ‪،‬‬

‫‪33‬‬
‫عمحت له وألمثاله إبظهار مطاحمهم يف مزيد من السلطة والشهرة والرغبة اجلاحمة يف السيطرة ‪ .‬مل‬
‫حياول هذا الرجل ‪ -‬ما دام قد وصل إىل مستوى الثقة لدى اجلهاز العباسي احلاكم ‪ -‬أن يتقدم‬
‫إبصالحاته ‪ ،‬وأن يبحث عن السبل املؤدية حلماية الدولة اإلسالمية اجلامعة ‪ ،‬وإمنا راح يف إغراق يف‬
‫عبودية الذات يبحث عن استغالل الظروف لصاحله ‪.‬‬

‫ومنذ استقر يف مصر سنة ‪149‬هـ وهو حياول مجع كل مقاليد السلطة يف يده ‪ ،‬فيتخذ من‬
‫اإلجراءات ما جيعله الرجل الوحيد يف مصر ‪ ،‬وليس الرجل التابع لدولة إسالمية كربى تستطيع عزله‬
‫وتولية غريه ‪ .‬وقد عزل ‪ -‬يف سبيل ذلك ‪ -‬عامل اخلراج الذي عينه العباسيون على مصر ‪ -‬ومتكن‬
‫من التحكم يف الشئون املالية إىل جانب الشئون اإلدارية والعسكرية ‪.‬‬

‫ودخل أمحد بن طولون يف صراع مع الدولة العباسية اجلامعة وانتصر على أخي اخلليفة أيب أمحد‬
‫" املوفق " واختذ من اإلجراءات الثورية ما يكفل له الوقوف على قدميه لصد أي هجوم عباسي ‪.‬‬

‫لكنه يف احلقيقة مل يكن يف حاجة إىل هجوم ‪ ..‬فنشأته على النحو السابق حتمل يف أحشائها‬
‫النهاية الطبيعية العاجلة ‪ .‬ورأت اخلالفة من احلكمة أن تستغله ‪ .‬بدل أن تدخل معه يف صراع ‪،‬‬
‫وكلفته مبهام جديدة ‪ ،‬منها محاية الثغور الشامية ‪ ..‬ومات أمحد بن طولون اتركا دولة تقف كلها على‬
‫أقدامه وحده وليست هلا أقدام أخرى ‪ ..‬من عناصر احلياة التارخيية واحلضارية ولذا فإهنا مبوته وقعت‬
‫على األرض‪ ..‬وعلى الرغم من كل ما أبداه " مخارويه " ابنه من اتباع لسياسة أبيه ‪ ،‬ومن متسك مبعامل‬
‫استقالل وقوة دولته املستقلة ‪ ..‬إال أنه مل يعد أن يكون مرحلة عربها التاريخ ليدخل ابلدولة ‪ -‬فورا ‪-‬‬
‫يف مرحلة األفول والفناء ‪.‬‬

‫فبعد مخارويه انغمس األمراء الطولونيون يف هلوهم ‪ ،‬وتفشت ظاهرة حب السلطة واالستقالل‬
‫لدى عماهلم يف األقاليم ‪ .‬وانقلب الثوريون على أنفسهم ‪ ،‬أو ابلتعبري الدارج ‪ ..‬بدأت طالئع الثورة‬
‫أيكل بعضها البعض ‪ .‬وقد ويل األمر بعد مخارويه ثالثة من آل طولون مل يزد حكمهم على عشر‬
‫سنوات ‪ ،‬ومل تستفد البالد املصرية أو الشامية منهم شيئا غري الفوضى والتنافس بني الطامعني يف‬
‫السلطة أو الفساد الذي جنم عن الرتف ‪ ،‬وعن االستبداد وغيبة األمة عن الرقابة أو احلكم ‪ ..‬ويف‬

‫‪34‬‬
‫هذه احلال ‪ ..‬مل يكن األمر متعبا ابلنسبة للدولة العباسية ‪ ..‬فتقدمت جيوشها السرتداد مصر من‬
‫خامس الوالة الطولونيني وهو " شيبان " الذي كانت الفوضى قد وصلت يف عهده قمتها وأعلى‬
‫معدالت خطورهتا ‪ ،‬وشهدت سنة ‪ 141‬هـ دخول هذه اجليو إىل القطائع يف القاهرة ‪ ..‬ومن فوق‬
‫املنرب أعلن إزالة الدولة الطولونية اليت مل تستطع أن حتكم أكثر من أربعني سنة عاشتها يف صراع‬
‫خارجي وعاشت معظمها يف صراع داخلي ‪ ،‬مع شعب مل يهضم حركتها اليت مل يكن هلا املربر‬
‫احلضاري اهلام إلحداث التغيري ‪.‬‬

‫وعادت مصر إىل حظرية الدولة العباسية ‪ ..‬وعلى امتداد اترخينا سجلت صفحاته عشرات من‬
‫االنقالابت وسجلت أعماء مئات االنقالبيني ‪ ..‬ولكنهم ‪ -‬مجيعا وبال استثناء ‪ -‬مل يقدموا ما يتوازى‬
‫مع أحجام اخلسائر اليت كبدوها ألمتهم ‪ ..‬ألن االنقالب ليس الوسيلة التارخيية املهيئة للتغيري ‪ ،‬إذ هو‬
‫موجة انفعالية سرعان ما تنحسر حمدثة رد فعل احنساري عنيف ‪ ..‬ودائما ‪ ...‬دائما أثبتت كل‬
‫تقلبات اترخينا كما أثبتت كل تطورات احلضارة " أن االنقالب يدفع إىل انقالب ‪ ..‬وأن حركة التاريخ‬
‫ال تندفع ابلعنف واالنفعال " !!‬

‫الصفاريون وقصة سقوطهم‬

‫اترخينا اإلسالمي العظيم كتاب كامل من التكاملية التارخيية ‪ ،‬يضم بني صفحاته كل صور التقدم‬
‫والتأخر ‪.‬‬

‫وهو معلم عظيم ‪ ..‬اشتملت جتاربه على نوعيات من كل جتارب التاريخ البشري‪ ،‬وليس ذلك‬
‫ألن القرآن العظيم قد حكى على حنو تركييب كل صور التقلب واحلركة واهلبوط واالرتقاء اليت مر هبا‬
‫املوكب البشري ‪ ،‬واليت تغين التطور التارخيي اإلسالمي وتكفل له االندفاعة العاقلة ‪ ..‬ليس مرد األمر‬
‫إىل ذلك وحسب ‪ ..‬بل ألن كتاب التاريخ اإلسالمي نفسه قد شاء هللا له أن يكون من التكاملية‬
‫واحلبكة والتنوع حبيث يصلح كمرجع اتل للقرآن والسنة يرجع املسلمون إليه ويتعلمون منه ‪ ،‬ويتلقون‬
‫تلقي التلميذ من األستاذ ‪..‬‬

‫‪35‬‬
‫إننا ال ندعو إىل رفض أتمل املوكب البشري املتحرك الذي يتحرك إىل جانبنا ومن حولنا ‪ ..‬أبدا‬
‫‪ ..‬فكل ما هنالك أننا ال بد أن ندرس أنفسنا قبل أن ندرس اآلخرين ‪.‬‬

‫والعجيب يف أمر الدولة العباسية اليت عاشت أكثر من مخسة قرون ‪ ..‬أستاذا وقائدا زمنيا وروحيا‬
‫‪ -‬مع اختالف يف الدرجة ‪ -‬العجيب أن هذه الدولة قد اشتملت على ابب كامل من أبواب اترخينا‬
‫تكاملت له البداية ‪ ..‬والعقدة ‪ ..‬والنهاية‪.‬‬

‫وكما تعرضت هذه الدولة لعلل االنفصال عنها بوضوح منذ منتصف القرن الثالث اهلجري بربوز‬
‫الدولة الطولونية يف مصر ‪ ،‬فإهنا كانت تتعرض على امتداد النصف الثاين من القرن الثالث املذكور‬
‫هلذه العلل على امتداد أرضها كلها ‪ ..‬كانت حركات االنفصال اليت كانت ال تزال ختطب يف املغرب‬
‫ابسم اخلليفة العباسي " حركات األغالبة والرساميني واألدارسة " بدال من هذا أصبح الفاطميون حركة‬
‫عصيان ومترد علين ‪ ..‬بل وخروج على األيديولوجية العباسية ‪.‬‬

‫ومن الغريب أن حركة خروج أخرى حتمل نفس العداء السياسي والعسكري للخليفة العباسي ‪،‬‬
‫وإن كانت مل خترج أيديولوجيا ‪ ،‬كانت قد برزت يف خراسان ومتخضت عن صراع عسكري اتبعه‬
‫انفصال عن الدولة يف سنة ‪149‬هـ وهي السنة نفسها اليت برزت فيها الدولة الطولونية وعميت حركة‬
‫االنفصال يف خراسان هذه ابسم " الدولة الصفارية " !!‬

‫وكان خلراسان ‪ -‬كما هو معروف ‪ -‬وضع خاص يف الدولة إذ كان هؤالء اخلراسانيون يشعرون‬
‫أبهنم أصحاب فضل على الدولة العباسية ‪ ،‬وأبن سيدهم " أاب مسلم اخلراساين " هو املؤسس األكرب‬
‫يف رأيهم للدولة العباسية ‪ ،‬لكنهم ‪ -‬وهذا رأيهم كذلك ‪ -‬جوزوا جزاء " سنمار " حني قتل أبو‬
‫جعفر املنصور الثاين اثين اخللفاء العباسيني أاب مسلم هذا ‪.‬‬

‫وقد جتاوزت اخلالفة العباسية عن خراسان بعض الشيء بدافع من الوفاء واجملاملة ‪ ،‬وتركت "‬
‫لطاهر بن احلسني " الذي قدم للدولة خدمات جليلة فرصة التحكم يف خرسان ‪ ..‬له وألبنائه من‬

‫‪36‬‬
‫بعده يف إطار اخلالفة اجلامعة والسمع والطاعة لدولة اخلالفة عاصمة وخليفة ‪ ..‬حراب وسلما ‪.‬‬

‫لكن منتصف القرن الثالث شهد بروز مجاعة من اجملاهدين احلريصني على بقاء هيبة اخلالفة ‪.‬‬
‫متكن " يعقوب بن الليث الصفري " من االتصال هبا ‪ ..‬والسيطرة عليها ‪ ..‬وحتويلها إىل مجاعة‬
‫خادمة له ‪ ..‬جنح هبا يف أتسيس " الدولة الصفارية"‪.‬‬

‫وقد استطاع يعقوب أن جيتذب إىل أتييده عددا من املتطوعني اجلدد ‪ ،‬فعظم جيشه‪ ،‬واستطاع‬
‫أن حيدث القلق لدى دولة اخلالفة ‪ ،‬وابلقلق وإظهار تعاونه مع الدولة ‪ ،‬وحروبه تظاهرا ملصلحتها ‪،‬‬
‫مث ابصطدامه هبا ‪ ..‬اصطداما فاشال كاد‬

‫يلقى حتفه فيه ‪ ..‬بكل هذا سكتت اخلالفة عن هذه احلركات اليت ولدت لتموت ‪ ،‬ومل يلبث‬
‫يعقوب أن مات متأثرا جبراحه سنة ‪141‬هـ يف سابور ‪.‬‬

‫وخلفه أخوه عمرو بن الليث ‪ ..‬وأقرت اخلالفة واليته على خراسان ولواحقها كالسند وسجستان‬
‫وكرمان وفارس وأصبهان ‪ ..‬فأظهر عمرو الطاعة الكاملة للخالفة ‪ ،‬لكنه ‪ -‬أمام كرم اخلالفة ‪ -‬قد‬
‫زاد يف أطماعه ‪ ،‬ودخل يف معارك مع السامانيني يف بالد ما وراء النهر ‪ ،‬واستطاع السامانيون بقيادة‬
‫إعماعيل بن نصر الساماين أسره يف إحدى املعارك ‪ ،‬وسريوه مكبال إىل اخلليفة العباسي املعتضد‬
‫‪..‬وأحضر إىل جملس اخلليفة املعتضد حمموال على مجل ذي سنامني ‪ ،‬وسجن حىت مات يف سجنه‬
‫سنة ‪107‬هـ ‪.‬‬

‫واضطرب أمر الصفاريني ملدة ثالثة أعوام بعد ذلك ‪ ،‬وسقطوا كما تسقط كل حركة انفعالية‬
‫ترتكز على طموح شخصي ‪ ،‬وتفتقد الوعي حبركة التاريخ وأبيديولوجية قتالية واضحة تستأهل املوت‬
‫يف سبيلها ‪.‬‬

‫ودائما يعلمنا التاريخ اإلسالمي العظيم من جتربة االنقالب ‪ ،‬الذي عماه املؤرخون غري احملددين‬
‫بعمق لرصيد املصطلحات " الدولة الصفارية " ؛ يعلمنا التاريخ اإلسالمي العظيم أن " االندفاع غري‬

‫‪37‬‬
‫املوضوعي وغري املتناسق مع روح التطور ال مصري له إال املوت السريع " !!‬

‫اإلخشيديون على خطى الطولونيني يسقطون !!‬

‫يف قوانني احلضارة ‪ :‬أن املادة والروح ال تفنيان فناء مطلقا ‪ ..‬وأن بذور اخلري والشر ال ميكن أن‬
‫متوت موات أبداي ‪ ..‬وأن اخلري أو الشر يتحوالن إىل مادة خام ‪ ...‬مليالد جديد سواء كان هذا امليالد‬
‫انبعاثة خري أو انبثاقة شر ‪.‬‬

‫وبوسع علماء احلضارة أن يقدموا مناذج عديدة تبني بوضوح أن " اخلمر العتيقة " ال ميكن أن‬
‫تذوب دون أن تدخل يف صنع مآدب حضارية جديدة ‪ ..‬متاما كاجلسم امليت الذي يدخل يف‬
‫أجسام أخرى حية مينحها من طاقته الذاهبة طاقات جديدة مندفعة للحياة واإلبداع ‪ ،‬وكما أيكل‬
‫اإلنسان حلوم الدواجن واحليواانت األخرى احلالل واألعماك ‪ ..‬مث يتحول هو يوما إىل طعام يسهم يف‬
‫إحياء حيواانت أخرى‪ ..‬أو يف منح األرض بعض املواد الكيماوية واحلضارات متر بنفس الطريق‬
‫الدائري اخلالد ‪ ..‬فأثينا برقيها الفلسفي واألديب ‪ ..‬تتحول إىل مخرية حضارة لروما ‪ .‬واحلضارة األوربية‬
‫تقوم على مخرية احلضارة اإلسالمية وبقااي احلضارات الرومانية ‪.‬‬

‫وعندما زرع أمحد بن طولون منشئ الدولة الطولونية أوىل بذور احلركات االنفصالية يف مصر عن‬
‫اخلالفة العباسية اجلامعة واألم ‪ ،‬بدأت بزرعه هلذه البذرة اخلبيثة بذور االنفصام تدب يف نفوس قوى‬
‫كثرية جياشة ابلفوضى ‪ .‬زاخرة ابلطموح الشخصي‪ ،‬انقمة على قيادة العباسيني ‪ ..‬اجلامعة ‪ .‬متأثرة‬
‫بعوامل قومية من تلك العوامل اليت تدمر روح احلضارة وتبشر مبستقبل ضائع ميت ‪ ..‬لقد كانت دولة‬
‫ابن طولون مثاال لكثري من الدويالت اليت شذت على اخلالفة ‪ ،‬وشيدت أبنيتها املتداعية على أنقاض‬
‫اخلالفة ‪ ،‬ومل يعد لكثري منها عالقة ابخلالفة أكثر من االعرتاف بسلطة اخلليفة االعمية ‪.‬‬

‫وبعد السقوط املتوقع هلذه الدولة عادت مصر وسورية إىل حكم العباسيني ‪ ،‬بيد أن بذرة‬
‫االنفصال ‪ -‬كما ذكران ‪ -‬كانت قد زرعت يف نفوس قوى كثرية ‪ ،‬جائشة ابلفوضى فوارة ابلنوازع‬
‫القومية الوثنية ‪ ..‬فما كادت دولة ابن طولون متوت حىت حلت حملها بعد برهة زمنية قصرية ‪ -‬يف‬

‫‪38‬‬
‫مصر ‪ -‬دولة اإلخشيديني اليت أسسها " حممد بن طغج " واليت عاشت آيلة للسقوط بني سنوات (‬
‫‪140 - 111‬هـ ) ( ‪414 - 414‬م ) ‪.‬‬

‫وكانت بداية الدولة نظرية لنفس البداية اليت انطلقت منها الدولة الطولونية ‪ ،‬فمحمد ابن طغج‬
‫وكل إليه من قبل اخلالفة العباسية أمر مصر لتنظيم أحواهلا ‪ ..‬فنظم أحواهلا لنفسه واستقل ابألمر ‪،‬‬
‫واستوىل على سورية وفلسطني وضم مكة واملدينة إىل دولته ‪.‬‬

‫ومبوت ابن طغج حكم بعده ابنان له صغريان مل يكن هلما من احلكم إال اعمه ‪ ..‬وكانت مقاليد‬
‫األمور يف احلقيقة منوطة بيد عبد خصي حبشي يدعى " كافور " " أاب املسك " ‪ -‬كان ابن طغج‬
‫الذي لقب ابإلخشيد ‪ -‬قد اشرتاه من اتجر زيت بثمانية داننري ‪.‬‬

‫وقد استقل هذا العبد احلبشي إبدارة مصر ‪ ( ..‬وكانت له مع شاعر العصر أيب الطيب املتنيب‬
‫قصص مشهورة) كما أن هذا العبد اخلصي انفس دولة احلمدانيني اليت ظهرت يف مشال سورية ‪.‬‬

‫وعرب مخسة حكام ضعاف ابستثناء أوهلم حممد بن طغج ‪ -‬مشت الدولة مسرعة يف طريقها إىل‬
‫املوت احملقق ‪ ..‬فلم يكن احلاكمان التاليان ملؤسسي الدولة إال اتبعني لكافور ‪ -‬كما ذكران ‪ -‬ومبوت‬
‫كافور وتويل ( أيب الفوارس أمحد ) سقطت الدولة سقوطا مروعا على يد جوهر الصقلي قائد املعز‬
‫لدين هللا الفاطمي سنة ‪140‬هـ ‪.‬‬

‫ومل يقدر هلذه الدولة أن ختلف شيئا يذكر من املآثر العامة ‪ ،‬كما أن احلياة األدبية والفنية مل تكن‬
‫ذات ابل فيها ‪ ،‬ومل يظهر كلمعة الشمس املتوهجة إال ذلك الضيف الباحث عن فضلة من كأس‬
‫احلكم ‪ ..‬يدعم هبا غروره الشعري وتفوقه اجلدير ابلتقدير يف ميدان الكلمة املسيطرة اآلمرة !! وعندما‬
‫ضن عليه كافور بفضلة الكأس هرب من مصر دون " أتشرية خروج " ولقي حتفه جزاء له ‪ ..‬بعد أن‬
‫ترك حقده على السلطة ممثال يف أشهر أبياته ‪:‬‬
‫ال تشرت العبد إال والعصا معه ** إن العبيد ألجناس مناكيد‬

‫‪39‬‬
‫مريدا بذلك أشهر حكام الدولة اإلخشيدية " كافور " ‪.‬‬

‫ولو مل يصل جوهر إىل حدود مصر لسقطت الدولة اإلخشيدية بفعل عامل آخر ‪ ،‬فعندما ال‬
‫يكون هناك مربر للوجود ‪ ..‬ال يكون مثة مربر للبقاء ‪ ..‬وال تفعل القوى اخلارجية اليت تسيطر على‬
‫األمم والشعوب سوى أن تتقدم يف فراغ دون أن تصطدم جبدران حضارية أو صخور قوية راسخة‬
‫ابلعقيدة " مبربر الوجود ‪ ...‬ومؤهل البقاء " !‬

‫سقوط السامانيني يف فارس‬

‫كما ال تلد الطفرات غري الطبيعية إال طفرات مضادة اندفاعية ‪ -‬هكذا حتولت أرض خراسان ‪-‬‬
‫منذ أن ابتدع فيها سنة االنفصال عن العباسيني بنو طاهر ‪ ،‬ولئن كان بنو طاهر قد أفلتوا من العقاب‬
‫املضاد ‪ ،‬ألهنم مل يكونوا حركة ثورية عنيفة ‪ ،‬وإمنا كانت انفصاال هادائ يف حدود السلطة الرعمية‬
‫املشروعة ‪ ،‬سلطة اخلالفة العباسية األم ‪ ..‬لئن كان هذا قد مت هلم ‪ ..‬فإن األمور قد استفحلت من‬
‫بعدهم ‪ ..‬وأصبح الشذوذ هو القاعدة ‪ ..‬وانقلبت األرض اخلراسانية إىل أرض للثورات املذهبية‬
‫واجلنسية ‪ ..‬ولعل هذا كان من أكرب عوامل القضاء على الدور التارخيي الذي كان ميكن أن يلعبه‬
‫اخلراساين يف صنع احلضارة اإلسالمية اإلنسانية ‪.‬‬

‫فحيثما حل العنف والالمشروعية ‪ ..‬وانساقت اجلماهري دون تعقل خلف راايت متعددة ‪،‬‬
‫وخلف كلمات مبهمة ‪ ..‬فقدت ابلتايل قدرهتا على الرؤية ‪ ..‬وقدرهتا على العطاء احلضاري ‪.‬‬
‫أصبحت لعبة يف يد كل انعق سواء كان ذا صوت طبيعي أو مصطنع ‪.‬‬

‫وهكــذا شــرب الطــاهريون االنفصــاليون مــن نفــس الكــأس الــيت أذاقوهــا للعباســيني‪،‬فقام الصــفاريون‬
‫عليهم ‪ .‬واستولوا على حكم خراسان سنة ‪112‬هـ بقيادة يعقوب ابن الليث الصفاري ‪.‬‬

‫وكان بنو سامان الذين يرجع نسبهم إىل سامان أحد نبالء " بلخ " قد نشأوا عماال مسلمني‬
‫لبين طاهر‪ .‬مث مل يلبثوا أن استأثروا بفارس وما وراء النهر من ‪ 079‬هـ إىل سنة ‪444‬م وكان ذلك على‬

‫‪40‬‬
‫أشالء االنقالبيني االنفصاليني ‪ :‬الطاهريني والصفاريني ‪ ..‬وكان مؤسس دولتهم األول هو نصر بن‬
‫أمحد ‪ ،‬إال أن موطد الدولة هو إعماعيل الذي قدر له أن يهزم يعقوب بن الليث الزعيم الصفاري وأن‬
‫يصيبه جبروح قاتلة ‪.‬‬

‫ويف عهد ملكهم نصر الثاين بن أمحد ( ‪ ) 491 - 421‬وهو الرابع من ملوكهم ‪ ،‬وسعوا ملكهم‬
‫إىل أعظم حدود وصلوا إليها ‪ ،‬فاستولوا على سجستان وكرمان وجرجان وما وراء النهر وخراسان‬
‫ومتتعوا بسلطة مستقلة ‪ ،‬وإن كانوا مل يقطعوا الصلة الرعمية اإلسالمية ابخلليفة العباسي يف بغداد ‪.‬‬

‫وقد قدمت هذه الدولة بعض مظاهر التقدم العلمي واألديب سواء من انحية اللغة أو األدب‬
‫شعرا ونثرا ‪ ..‬وكانت النهضة الفارسية فيها أبرز من النهضة العربية من انحية فكرها وطابعها العام‬
‫ابعتبارها دولة فارسية ‪ ،‬ففيها ظهر الرازي الشهري ‪ ،‬وقدم كتابه املنصوري يف الطب إىل أحد ملوكها‬
‫‪ ..‬وكان ابن سينا أحد املرتددين على مكتبات خبارى عامة الدولة ‪ ...‬ووضع الفردوسي أشعاره‬
‫ابلفارسية ألمرائها ‪.‬‬

‫على أن أسلوب الطفرات غري الطبيعية اليت ال بد هلا أن تلد طفرات مضادة انفعالية ‪ ،‬مل يلبث‬
‫أن ظهر كقانون حضاري ال بد له من أن يؤدي دوره مع الدولة السامانية ‪ ،‬كما أداه مع الطاهريني‬
‫ومع الصفاريني ‪ ،‬ومع الطولونيني واإلخشيد ‪ ،‬فلم تنج الدولة ابلتايل من عناصر التهدمي والفوضى اليت‬
‫قضت على ما سواها من احلركات االنقالبية يف ذلك العصر ‪.‬‬

‫وابإلضافة إىل املشاكل اخلارجية اليت كانت تسببها اخلالفة للدولة كلما أتيح هلا ذلك ‪ ،‬وفضال‬
‫عن سرعة توايل األمراء على احلكم بتأثري الصراع الداخلي بني األسرة احلاكمة ‪ ،‬وبتأثري مطامع الكرباء‬
‫العسكريني الذي يظنون أنفسهم أوىل ابحلكم ألنه ال يوجد من يفوقهم يف حكم البالد ‪ ،‬فكلهم‬
‫أصحاب حق يف مغامن االنقالب االنفصايل ‪.‬‬

‫ابإلضافة إىل هذا وذاك ‪ ..‬ظهر خطر جديد يهدد كيان السامانيني ويؤذن أبفول مشسهم ‪..‬‬
‫ولقد بدا أهنم يكادون يشربون من نفس ما أذاقوه للخالفة ‪ ..‬متاما كما شرب غريهم من االنفصاليني‬
‫‪.‬‬

‫‪41‬‬
‫وقد ظهرت القبائل الرتكية البدوية ‪ ..‬وارتفع جنمها يف الدولة ‪ ،‬وسيطرت على الشئون الداخلية‬
‫للدولة ‪ ،‬وحتولت القوة تدرجييا من أيدي السامانيني إىل أيدي األتراك املوايل ‪ ..‬وحىت قصورهم كان‬
‫األتراك يتمتعون بنفوذ كبري فيها ‪.‬‬

‫وقد جنح الغزنويون الذين كانوا من املوايل األتراك يف انتزاع اجلنوب ‪ ،‬كما وقعت املنطقة الشمالية‬
‫من هنر جيحون يف أيدي خاانت تركستان " االيالق " الذي قدر هلم أن يستولوا على عاصمة‬
‫السامانيني " خبارى " مث مل يلبثوا ‪ -‬بعد تسع سنوات ‪ -‬أن التهموا الدولة السامانية !!‪.‬‬

‫ومل تكن الدولة السامانية أكثر من حركة قومية غرقت يف إحياء تراثها اخلاص ‪ ،‬كما أهنا مل تكن‬
‫أكثر من حركة انقالبية قامت أبسلوب الطفرة غري الطبيعية وانتهت كذلك أبسلوب الطفرة غري‬
‫الطبيعية سنة ‪110‬هـ بعد أن عاشت يف ظل محاية ( ضعف اخلالفة ) قران من الزمان !!‬

‫البويهيون الذين سطوا على اخلالفة يسقطون !!‬

‫بينما كانت الدولة العباسية تستجمع قواها وتلتقط أنفاسها بعد ختلصها من حركات االنشقاق‬
‫يف خراسان ومصر أخرايت القرن الثالث للهجرة ‪ ،‬بينما هذا ‪ ..‬كانت الدولة تنتقل بسرعة لتدخل يف‬
‫طور جديد ذي معامل جديدة مل تشهدها من قبل ‪ ..‬وبدخوهلا هذا الطور شهدت انفصاال ضخما‬
‫بني رأسها وجسدها ظل هو السمة العامة املسيطرة عليها حلني زواهلا رعميا من حماضر التاريخ سنة‬
‫‪141‬هـ ‪.‬‬

‫إن األمر مل يكن جمرد حركة انشقاق هذه املرة ‪ ،‬كما أنه مل يكن جمرد االستئثار حبكم جزء من‬
‫الدولة ‪ ،‬مع رفع راية الدولة ‪ ،‬كما أنه مل يكن ثورة انفعالية مذهبية أو سياسية ‪ ..‬لقد كان األمر أعمق‬
‫من ذلك بكثري ‪ ...‬لقد كان أسلواب جديدا يف التعامل مع الدولة العباسية اجلامعة ‪ ..‬لقد كان احتواء‬
‫هلا أو بتعبري آخر سيطرة عليها وفرض نوع من الوصاية على خليفتها ‪ ..‬وألول مرة يف اتريخ الدولة‬
‫اإلسالمية نرى بعض اخللفاء ‪ -‬على حنو واضح وعنيف ‪ -‬لعبة يف يد بعض املغامرين ‪ ،‬ونرى بعض‬
‫اخللفاء يعزلون ويولون دون أن يكون هلم من األمر شيء ‪ ..‬يفعل ابعمهم كل شيء وخيطب هلم على‬
‫كل منرب وتعلن ابعمهم احلروب اليت ال انقة هلم فيها وال مجل ‪ ..‬وليس هذا وحسب ‪ ..‬بل ألول مرة‬

‫‪42‬‬
‫تصبح اخلالفة عبثا يهرب منه اخللفاء ‪ ..‬وينأى عنه احملرتمون ألنفسهم ألن مصري اخلليفة غالبا اجلر‬
‫من قدميه أو اجلوع الشديد ‪..‬‬

‫وبدأ العامل اإلسالمي يرتنح منذ هذا احلدث الضخم الذي انفصل فيه رأس األمة عن جسدها‪.‬‬

‫وقد محل كرب هذا األمر اخلطري ‪ ،‬األتراك من اجلند الذين كانوا ميرون آخر القرن الثالث فرتة متزق‬
‫داخلي ‪ ،‬وانقالب ضد اخللفاء الذين أتوا هبم ‪ ،‬ابدئ األمر حلمايتهم منذ أن انتشرت هذه السنة‬
‫السيئة ‪.‬‬

‫فلما وصل ( أمحد بن بويه ) املؤسس احلقيقي للدولة البويهية ( ‪ ) 997 - 119‬إىل بغداد‪،‬‬
‫بعد أن كاتب اخلليفة املستكفي ‪ ،‬ووافق األخري على دخوله بغداد فدخلها يف يسر ودون مشقة‬
‫وفتحت له أبواب بغداد ‪ ،‬واستقبله اخلليفة ( املستكفي ) ولقبه معز الدولة ‪ ..‬وفرح الناس به لينقذهم‬
‫من الفوضى اليت أحدثها اجلند األتراك يف جهاز الدولة وبني الشعب ‪.‬‬

‫ملا مت هذا الدخول وحتولت به الدولة إىل محاية البويهيني الرعمية ‪ ،‬بعد أن كان خضوعها لألتراك‬
‫جمرد نشاز أو انقالب يف داخل السلطة يعتقد الناس أنه طارئ ال بد أن يزول ‪.‬‬

‫ملا مت هذا كانت اخللفية التارخيية يف ذهن البويهيني واضحة‪ ،‬وكان دخوهلم بغداد مبثابة تقلد‬
‫صريح لقيادة اخلالفة ‪ ..‬وقيادة املسلمني ‪ ..‬وقد فهم اخللفاء أنفسهم هذا ‪ ...‬فلم حياولوا منافسة‬
‫البويهيني يف السلطة التنفيذية أو السياسية ‪.‬‬

‫بيد أن األمر مل يقف عند هذه احلدود ابلنسبة للبويهيني ‪ ،‬فلقد متادوا يف األمر‪ ،‬وقد زعموا‬
‫ألنفسهم نسبا ساسانيا فارسيا‪ ،‬ومبا أهنم كانوا يعتنقون املذهب الشيعي الزيدي ‪ ..‬فقد حاولوا فرض‬
‫املناخ الشيعي على الناس ‪ ،‬بل إن أمحد بن بويه املذكور حاول تغيري اخلالفة العباسية إىل خالفة‬
‫شيعية لوال نصيحة أصحابه له أبن يتجنب ذلك خشية العواقب ‪.‬‬

‫ومل يعد للخليفة يف ظلهم حىت حق تعيني كتابه ووزرائه ‪ ،‬وقد منع وارد اخلليفة عنه ‪ ،‬ومل يعد‬
‫يصله إال مرتب شهري استبدل به مرتب سنوي ‪ ..‬مث اقتطع منه بعد ذلك حبجج واهية ‪ ،‬وقد بلغ‬
‫إذالل بعض اخللفاء مبلغه ==املستكفي عن اخلالفة وعزل اخلليفة الطائع وعزل غريمها ‪ ،‬وقد عزل‬

‫‪43‬‬
‫املطيع هلل نفسه بعد أن رأى أنه ال قيمة له !!‬

‫وقد وقع البويهيون فيما وقع فيه األتراك ‪ ،‬فقد أحدثوا الفوضى يف البالد وصادروا األموال ‪،‬‬
‫ودخلوا مع الناس يف صراع عنيف من أجل احلصول على األموال ‪.‬‬

‫وخالل أكثر من قرن ظل البويهيون يسيطرون على خالفة العباسيني ‪ ،‬ومل يفعلوا فيها شيئا ذا‬
‫ابل سوى أن يضيفوا إىل صورة اجلند األتراك مزيدا من مالمح الطيش والرعونة ‪.‬‬

‫وكما هي العادة يف أمثال هذه األسر املتسلطة ‪ ..‬أهنا سريعة االنقسام على نفسها شديدة‬
‫التنافس فيما بينها‪ ،‬وهكذا سقطت األسرة البويهية إىل حضيض االنقسام والتناطح الداخلي‪ ..‬وعاىن‬
‫املسلمون من وراء تناطحهم وتسلطهم الشيء الكثري ‪.‬‬

‫إن سيطرة عنصر من العناصر املتعصبة قوميا أو املتأثرة خبلفية اترخيية مل تتخلص من شوائبها ‪...‬‬
‫هو أبرز ما واجه ركب مسريتنا احلضارية والتارخيية ‪.‬‬

‫وابلقومية املتعصبة وأبصحاب النزعات املشبوهة وذوي الوالء حلضارات معاكسة لنا وخلطنا‬
‫احلضاري ‪ ،‬هبؤالء متت عملية سقوطنا املتكرر يف مراحل اترخينا ‪.‬‬

‫لكن اترخينا ‪ ..‬الذي تتدخل فيه إرادة هللا حبفظ هذا الدين كي يظل املعلم الثابت املضيء يف‬
‫ليل البشرية الطويل املظلم ‪...‬‬

‫هذا التاريخ جيد مع كل نكبة اترخيية ‪ ،‬أو فرتة من فرتات التداعي واهلبوط ‪ ،‬من يعيد إىل اجلسم‬
‫حيويته ومينع عنه السقوط القاتل ‪ ..‬وهكذا انبعث ‪ -‬من جديد ‪ -‬من بني األتراك أنفسهم عنصر‬
‫إسالمي جماهد ‪ ..‬أعاد للخالفة شباهبا ‪ ،‬وجنح قائد األتراك السالجقة " طغرلبك " سنة ‪ 997‬هـ يف‬
‫أن يقضي على دولة البويهيني ‪.‬‬

‫وبني عشية وضحاها سقط البويهيون الذين أثبت اترخيهم أهنم غري أهل لتحمل أماانت التاريخ‬
‫‪ ..‬وقد تعبت األمة من جراء سياستهم أشد التعب ‪ ..‬ألن التاريخ يعلمنا دائما أنه " ابنفصال رأس‬
‫األمة عن جسدها ‪ ..‬تتعطل طاقات احلياة فيها " ‪.‬‬

‫‪44‬‬
‫سقوط االنفصاليني يف طربستان‬

‫يف كل دولة جامعة كالدولة العباسية ‪ ،‬ميكن ألي راغب يف السلطة أن جيد مندوحة للقيام بثورة‬
‫ولرفع راية االنفصال ‪ ،‬وإقامة حكم ذاي له وألبنائه‪.‬‬

‫فثمة قوميات خمتلفة ‪ ..‬من السهل استجاشة عواطف كل منها القومية ‪...‬‬

‫ومثة أوطان خمتلفة ‪ ..‬من السهل الضرب على وتر االستقالل ودعوى احلرية الذاتية فيها ‪.‬‬

‫ومثة عقائد خمتلفة ‪ .‬سواء عقائد خمالفة متاما ‪ ،‬أو عقائد منشقة على العقيدة األصل ‪ ،‬وابلتايل‬
‫ميكن الضرب على وتر من ينضمون إىل هذه العقيدة املضادة أو املنشقة ‪ ،‬من أجل سيطرة العقيدة‬
‫املضادة على العقيدة األصل ‪.‬‬

‫ومثة الفتات أخرى كثرية ميكن أن جيد فيها كل راغب يف التمرد ‪ -‬التربير الذي يسهل له أمام‬
‫اجلماهري ‪ -‬السيما الغوغاء الذين جيرون وراء كل انعق بدون وعي ‪ -‬عملية الثورة واالنفصال ‪..‬‬
‫وكانت هذه أكرب التحدايت اليت واجهت الدولة العباسية اجلامعة ‪.‬‬

‫وكان طابع االنفصال يف طربستان وبالد اليمن خمتلفا عن حماوالت االستقالل ابلسلطة فقط ‪،‬‬
‫كان حيمل بذرة االنشقاق الروحي عن اخلالفة العباسية ‪ ..‬كان حيمل بني يديه دعوى آل البيت‬
‫والرتويج ألحقيتهم يف اخلالفة ‪.‬‬

‫ويف طربستان يف النصف األول من القرن الثالث للهجرة ضغط على الفالحني اإلقطاع املتزايد ‪،‬‬
‫وقد أقطع اخلليفة العباسي حممد بن عبد هللا بن طاهر ‪ -‬حاكم بغداد ‪ -‬أراضي يف طربستان مل تكفه‬
‫‪ ،‬فقام بوضع يده على األراضي اجملاورة له‪ ،‬مما جعل الفالحني يضجون من ذلك ‪.‬‬

‫وقد استغل بعضهم هذه الفرصة ‪ ،‬فقاموا إبعالن الثورة على اإلقطاع ووعدوا السكان برفع‬
‫اإلجحاف والظلم ويف سنة ‪141‬هـ وابلتحديد ‪ -‬قام احلسن بن زيد إبعالن ثورته ومجع حوله عددا‬
‫كبريا من الفالحني ‪ ،‬واستوىل على طربستان وجرجان ‪ ،‬وجنح يف إقامة إمارة مستقلة ابعمه ‪ -‬وظلت‬

‫‪45‬‬
‫دولته قائمة حىت سنة ‪107‬هـ حني ظهر السامانيون فأزاحوها ‪ -‬بسهولة ‪ -‬عن املنطقة كلها ‪.‬‬

‫ومع ذلك ظلت هذه الدعوة الشعار املسكني أو قميص عثمان الذي يتمسح فيه الراغبون يف‬
‫السلطة ‪ ..‬وهم يصلون إىل أغراضهم عن طريق رفع راايت خمتلفة حبسب الظروف ‪ ..‬ليكن الشعار‬
‫القضاء على االستغالل ‪ ،‬أو حماربة اإلقطاع املهم الوصول إىل الغاية ‪.‬‬

‫ومل ميض إال قليل ‪ ..‬أربعة عشر عاما فقط ‪ ..‬حىت ظهر متمسح جديد يف آل البيت !! ومن‬
‫الغريب أن هذا الثائر اجلديد " حسن بن علي األطرو " الذي لقب نفسه " بناصر احلق " سار‬
‫على نفس الطريق الذي سارت فيه احلركة السابقة اليت تزعمها احلسن بن زيد ‪ ..‬فقد قام يف طربستان‬
‫‪ ..‬وقد رفع شعار " القضاء على اإلقطاع " وأبرز سالح آل البيت ‪ ،‬وكما هو املرتقب ‪ ،‬التف حوله‬
‫الفالحون ‪ ...‬وجنح يف الوصول إىل السلطة ‪.‬‬

‫وكما هو املنتظر كذلك ‪ ،‬مل تلبث هذه احلركة على مسرح السلطة يف طربستان أكثر من ثالثة‬
‫عشر عاما ( ‪129 - 112‬هـ ) وانكشفت حقيقتها ‪ ..‬ولقيت حتفها بفعل عاصفة " الزايريني "‬
‫الذين أطاحوا حبكم األطرو ‪ ،‬وحكموا جرجان وطربستان بني أعوام ( ‪927 - 124‬هـ ) مث زالوا‬
‫كما زال غريهم ‪.‬‬

‫ويف جنويب اجلزيرة العربية ظهرت دعوة الزيديني رافعة راية آل البيت ‪ ،‬متمسحة يف شعار القضاء‬
‫على اإلقطاع ‪ ..‬وقد جنح حيىي بن احلسني من أحفاد القاسم الرسي أحد كبار علماء املذهب الزيدي‬
‫يف إقامة حكم لنفسه متخذا من ( صعدة ) عاصمة له ‪ .‬وقد حكمت الدولة الزيدية مدة طويلة‬
‫بلغت قريبا من أربعة قرون ونصف ‪ .‬واعتمدت هذه الدولة يف تكوينها على أسس أكثر أصالة من‬
‫جمرد " القضاء على اإلقطاع " ‪ ..‬وبذا حققت لنفسها انتصارا وشهرة كبرية على امتداد العامل‬
‫اإلسالمي ‪ ..‬وكانت يف احلق من احلركات املمتازة يف التاريخ اإلسالمي ‪.‬‬

‫وأاي كان األمر ‪ ،‬فقد كان شعار " القضاء على اإلقطاع " قميص عثمان الذي متسحت فيه‬
‫دول كثرية وحركات أكثر ‪ ..‬ومل تتضح الرؤية عند هذه احلركات أو تلك الدول إال أن حتقيق عالج‬
‫اقتصادي مؤقت ال يكفي إلقامة دولة ‪ ،‬فضال عن أن ينشئ حضارة ال تضيف جديدا ملوكب البشرية‬
‫‪.‬‬

‫‪46‬‬
‫إن حجم العالج ال بد أن يكون مساواي حلجم املرض ‪ .‬كما أن من الضروري أن تكون نوعية‬
‫الدواء مناسبة لنوعية املرض ‪ ...‬أما عالج ظاهرة اقتصادية ابلوصول على قمة السلطة السياسية ‪..‬‬
‫فهو جرعة كبرية من العالج قد تكفي للقتل واملوت ‪.‬‬

‫ومن هنا أخفقت كل احلركات الزاعمة القضاء على اإلقطاع ‪ ،‬ألهنا بعد أن جنحت‪ ،‬أو أصدرت‬
‫قرارها إبصالح الوضع االقتصادي ‪ -‬إذا حدث ‪ -‬جتد نفسها يف فراغ ‪ ،‬وجتد أن مربر وجودها قد‬
‫انتهى ومل يعد مثة ما وجب االستمرار والبقاء‬

‫قصة سقوط احلمدانيني‬

‫من " تغلب " ‪ -‬إحدى قبائل العرب الكربى ‪ -‬انبثقت دولة بين محدان ‪ ،‬جاعلة من املوصل ‪-‬‬
‫أول األمر ‪ -‬عاصمة هلا ‪ ..‬وكان ذلك سنة ‪127‬هـ (‪414‬م) على يد زعيم الدولة محدان بن محدون‬
‫‪.‬‬

‫كان على هذه الدولة الناشئة أن تلعب دورا مصرياي يف عدة جبهات ‪:‬‬

‫يف حماولة تضميد جروح الدولة العباسية من الطعنات املتتالية من األتراك الذين استبدوا هبا‪،‬‬
‫وحولوا خلفاءها إىل دمى للتسلية واللهو ‪ ..‬وأيضا من الطعنات االنفصالية اليت تصيب الدولة من كل‬
‫صوب ‪.‬‬

‫يف مقاومة الغارات البيزنطية اليت يقودها اإلمرباطور الروماين ( مشيشق) رغبة يف االستيالء على‬
‫بيت املقدس‪ ،‬ويف مقاومة اإلمرباطور البيزنطي " نقفور فوقاس " الذي حاول بكل قوته السيطرة على‬
‫حلب والثغور املتامخة حلدود الدولة الرومانية ‪.‬‬

‫يف مقاومة احلركة االنفصالية اليت حتكم مصر اإلخشيدية ‪ ،‬وتريد فرض سيطرة كاملة على مصر‬
‫وبالد الشام واحلجاز ‪ ،‬وتناوئ ابلتايل أية حركة انفصالية أخرى حتاول بناء نفسها على حساهبا ‪.‬‬

‫‪47‬‬
‫لقد جنح احلسن بن عبد هللا احلمداين يف أن يشل نفوذ الرتك ‪ .‬وأن ينقذ اخلليفة العباسي املتقي‬
‫ابهلل من استبداد األتراك به ‪ ،‬وقد رضي اخلليفة العباسي عن صنيعه ومنحه لقب أمري األمراء ومنح‬
‫أخاه املرافق له لقب " سيف الدولة " لكنهما سرعان ما هزما أمام األتراك وخرجا من بغداد عائدين‬
‫إىل عاصمتهما املوصل ‪ ..‬سنة ‪112‬هـ " ‪491‬م " ‪ .‬وملا توىل سيف الدولة ‪ -‬وكان شجاعا كرميا ‪-‬‬
‫قام بعدة غارات لصد البيزنطيني ‪ ،‬وجنح يف أن يطردهم من املناطق اليت تسللوا إليها ‪ ،‬وواصل زحفه‬
‫حىت دخل بالدهم واستوىل على بعض حصوهنم ‪ ..‬واملهم‪ ،‬زرع هيبته يف نفوسهم ‪ ..‬وجدد شباب‬
‫اإلرادة القتالية ‪ ،‬ومل تستطع بيزنطة أن متد نفوذها إىل بالد الشام وفلسطني ‪.‬‬

‫ويف اجلانب اإلخشيدي استمر احلمدانيون يف مقاتلتهم تتبع نفوذهم ‪ ،‬لكنهم أايم سيف الدولة‬
‫خسروا أمامهم معركة يف قنسرين ‪ ..‬وانتهى األمر بصلح وضع حدود الصراع املستمر بني جبهتيهما ‪.‬‬

‫كانت هذه هي التحدايت اليت واجهتها دولة احلمدانيني ‪ ..‬وقد جنحت الدولة يف بعضها‬
‫وأخفقت يف أكثرها ‪ ،‬ولقد بدا سيف الدولة احلمداين ‪ ..‬وكأنه الرجل الوحيد املمثل هلذه الدولة ‪.‬‬

‫كان سيف الدولة حبق ميلك أكرب رصيد من أجماد الدولة ‪ ..‬ومل يرفعه يف سجل التاريخ ما قام به‬
‫من حروب خارجية وحسب ‪ ،‬بل كانت له يف جمال احلضارة والعمران الداخلي جماالت برز فيها أكثر‬
‫من بروزه يف اجملاالت اخلارجية ‪.‬‬

‫ولقد يبدو سيف الدولة يف أعني كثري من املؤرخني وكأنه هارون الرشيد أو املأمون ‪ ،‬وإنه ليعيد‬
‫إىل األذهان ذكرى تلك الساحة العلمية الفكرية اليت مثلتها بغداد ‪ ..‬يف عصرها الذهيب ‪ ..‬لكن‬
‫الساحة كانت على عهده ‪ ..‬حلب الشهباء !!‬

‫كان سيف الدولة ‪ -‬الذي احتضن املتنيب وأاب الفرج األصفهاين والفارايب وابن نباتة فضال عن‬
‫أيب فراس احلمداين " شاعر الدولة " ‪ -‬كان هذا الرجل ميثل قوة الدولة وقمة ما وصلت إليه من رفعة‬
‫‪.‬‬

‫‪48‬‬
‫وظهرت الدولة بعده وكأهنا بناء مائل للسقوط ‪.‬‬

‫وقد توىل احلكم بعد وفاة سيف الدولة ثالثة خلفاء ضعاف حىت زالت يف عهد أيب املعايل‬
‫شريف سنة ‪149‬هـ ‪ ..‬أي أهنا مل تعش بعد سيف الدولة الذي مات سنة ‪141‬هـ أكثر من أربعني‬
‫سنة !! ‪.‬‬

‫لقد متثلت قوة الدولة احلمدانية يف شخص ‪ ،‬وكعادة الدول اليت ترتبط أبشخاص تسقط‬
‫بسقوطهم ‪ ..‬وكان أكرب عامل حضاري زحزح الدولة احلمدانية عن مكانتها يف التاريخ أهنا فشلت يف‬
‫االستجابة للتحدي الذي كان أقوى منها ‪ ،‬ومل تنهج النهج السليم يف مقاومته ‪ ..‬عن طريق إجياد‬
‫وحدة إسالمية تتجاوز الصراعات اجلزئية لتواجه اخلطر احلضاري الكبري ‪ ..‬وعندما تفشل دولة يف‬
‫االستجابة للتحدي الذي يفرضه القدر عليها ‪ ..‬فإهنا ‪ ،‬وإن قاومت قليال ‪ ،‬فإهنا ال بد أن تسقط من‬
‫قطار التاريخ ‪.‬‬

‫السالجقة ‪ ..‬الذين أنقذوا اخلالفة يسقطون‬

‫يف تركستان ‪ -‬بدولة االستعمار السوفييت ‪ -‬نشأت هذه األسرة ‪ ..‬ولظروف ما هاجرت هذه‬
‫األسرة بقيادة كبريها " سلجوق " الذي تنسب األسرة إليه ‪ ..‬وبني خراسان ‪ ،‬وخبارى ‪ ،‬وأصبهان ‪،‬‬
‫تراوحت إقامتها حىت استقرت مبرو حيث هامجها السلطان الغزنوي مسعود ولكنه هزم أمامها ‪..‬‬
‫وأصبحت اخلطبة تلقى مبرو ابسم داود السلجوقي ‪ ..‬جنل سلجوق الكبري ‪ ،‬وكان هذا يف سنة‬
‫‪911‬هـ ‪.‬‬

‫ومن مرو انتشر سلطان السالجقة إىل الري وإىل خوارزم ‪ ،‬وبدأ اترخيهم يظهر كقوة هلا كياهنا‬
‫املستقل يف العامل اإلسالمي خالل القرن اخلامس للهجرة ‪.‬‬

‫وقد جنحوا يف السيطرة على بالد كثرية ‪ ..‬كخراسان وأصبهان ومهذان وخبارى ‪ ،‬وامتد نفوذهم‬
‫حىت العراق ‪ .‬والتحموا ابلدولة العباسية ‪ ،‬مث أتيحت هلم فرصة ذهبية ‪ .‬إذ استنصر هبم اخلليفة‬
‫العباسي " القائم " ضد اثئر شيعي يدعى " البساسريي " عجزت اخلالفة العباسية عن مقاومته ‪،‬‬

‫‪49‬‬
‫فأسرعوا إىل انتهاز الفرصة التارخيية ودخل زعيمهم طغرل بك بغداد منتصرا على البساسريي سنة‬
‫‪997‬هـ وكان هذا العام حدا فاصال يف اتريخ السالجقة إذ اعترب بداية عصر نفوذ السالجقة‬
‫وسيطرهتم على مصري اخلالفة العباسية الكربى ‪.‬‬

‫امتاز السالجقة األتراك يف معامالهتم ابلتدين ‪ ،‬وكانوا مظهرا لإلنسان الفطري الذي هذبه‬
‫اإلسالم ‪ ،‬وإذا ما استثنينا صورا قليلة حتتمها الطبيعة البشرية اليت ال ختلو من بعض القصور ‪ ،‬فإن‬
‫هؤالء السادة كانوا منوذجا طيبا حىت يف معاملتهم للخليفة العباسي الذي حفظوا له عرشه ‪ ..‬إهنم مل‬
‫يكونوا كالذين انتصر هبم املعتصم ‪ ،‬ومل يكونوا كالبويهيني حينما سيطروا على اخلالفة وأذلوا كربايء‬
‫اخللفاء ‪ ..‬أبدا لقد احرتموا اخللفاء وأجلوهم ‪ ،‬وكان هلم ‪ -‬كذلك ‪ -‬فضل كبري يف رفع راية اإلسالم ‪،‬‬
‫ويف مد عمر اخلالفة العباسية أكثر من قرنني من الزمان ‪ ،‬كما أهنم بدأوا مرحلة جديدة من التوسع‬
‫اإلسالمي يف اجتاه آسيا الصغرى ‪ ،‬ويقال إن هذا التوسع كان أحد أسباب قيام احلروب الصليبية ‪.‬‬

‫ومن الظواهر املتعلقة بسياسة هؤالء القوم االجتماعية والفكرية ‪ ..‬إلغاء أشهر ملوكهم " ألب‬
‫أرسالن " لنظام املخابرات وجلوء أحد ملوكهم " نظام امللك " إىل نظام اإلقطاع ‪ ..‬إبعطاء‬
‫الشخصيات السلجوقية والشخصيات األخرى الكربى إقطاعات أو " أاتبكيات " حلساهبا اخلاص ‪.‬‬
‫ومن الظواهر كذلك احلمالت اجلهادية شبه املنتظمة اليت كانت خري عالج للفوضى الداخلية ‪..‬‬
‫كذلك من الظواهر صراع السالجقة املستمر ضد حركات اإلعماعيلية ‪ ،‬وجناحهم يف تقليم أظفارهم ‪.‬‬

‫وبعد صفحة اترخيية رائعة من صفحات احلضارة اإلسالمية امتدت بني سنوات _ ‪- 911‬‬
‫‪ ) 124‬قدر للسالجقة أن أيفل جنمهم وأن تغرب مشسهم بعد أن حكم منهم واحد وثالثون زعيما‬
‫سلجوقيا ‪ ،‬وبعد أن قدموا للخالفة اإلسالمية الكربى أجل اخلدمات ومحوها من كثري من عثرات‬
‫السقوط ‪ ،‬وقدموا للحضارة اإلسالمية يدا من أروع ما قدمت الدول اإلسالمية من أايد ‪.‬‬

‫بيد أن السالجقة ‪ ،‬وقعوا ‪ ،‬وهم يسريون يف الطريق ‪ ،‬يف أخطاء ظنوها خريا ‪ ..‬فانقلبت على‬
‫دولتهم شرا ‪.‬‬

‫‪50‬‬
‫لقد جلأ السالجقة ‪ -‬كما ذكران ‪ -‬إىل نظام اإلقطاعات وأسندوا معظمها إىل شخصيات‬
‫سلجوقية ‪ ،‬وقد حسبوا أن هذا من شأنه أن يشغل السالجقة عن التفكري يف احلكم ‪ ،‬وأن يرضيهم‬
‫ابلبعد عن السلطة ‪ ،‬لكن اإلقطاعيني السالجقة سرعان ما حاول كل منهم أن يكون لنفسه من‬
‫إقطاعاته إمارة صغرية حاولت كل منها االنفصال عن السلطة وهو عكس ما كان يهدف إليه‬
‫السالجقة احلكام ‪ ،‬وقد أدى هذا إىل تفكك وحدة السالجقة وإىل إجهاد السلطة السياسية احلاكمة‬
‫‪ ،‬وإىل توزع الدول بني عديد من األمراء ‪.‬‬

‫كما أن هذا اخلطأ أدى إىل عدول السالجقة عن طريقة اختيار زعمائهم القدمية اليت كانت‬
‫تعتمد على الكفاءة ‪ ..‬إىل طريقة جعل الزعامة ووراثية ‪ .‬نظرا لكثرة تنازع أمراء اإلقطاعات عليها ‪.‬‬

‫ومن املضاعفات كذلك هتاون السالجقة ‪ -‬يف ظل تفككهم ‪ -‬أمام حركات التمرد الباطنية ال‬
‫سيما احلركة اإلعماعيلية بزعامة قائدها احلسن الصباح ‪ ..‬وقد قدر هلذه احلركة أن تستنفذ طاقة كربى‬
‫من طاقات السالجقة اليت كان يف اإلمكان استخدامها يف القضاء على حركات التفكك اليت أصيبت‬
‫هبا الدولة أو الزعامة السلجوقية للخالفة العباسية ‪.‬‬

‫وتبقى كلمة التاريخ املوحية‪ :‬فإن السلطة غري احلازمة ‪ ،‬واليت تقبل التهاون يف وحدة الدول إرضاء‬
‫لبعض العناصر أو الشخصيات ‪ ..‬هذه السلطة ستدفع مثن هتاوهنا يوما ‪.‬‬

‫إن عقال بعري مينع من احلاكم ‪ -‬بغري حق ‪ -‬هو انتقاص لسيادة الدولة ‪ ..‬هكذا فهم أبو بكر‬
‫رضي هللا عنه األمور ‪ ..‬وهبذا جنح يف القضاء على املتمردين ‪.‬‬

‫وهكذا كان جيب أن يفهم السالجقة وغريهم من زعماء الدول ‪ ..‬الذين يقبلون نصف احلكم ‪..‬‬
‫أو شيئا من احلكم دون وعي منهم أبن سيادة الدولة ال تتجزأ ‪ ،‬وأبن أنصاف احللول أو أرابعها ‪..‬‬
‫مقدمة طبيعية لزوال احلكم كله ‪.‬‬

‫هكذا علمنا اترخينا اإلسالمي العظيم ‪.‬‬

‫‪51‬‬
‫سقوط دولة الفاطميني‬

‫حني تستعني بعدوك التارخيي وتفقد القدرة على الرؤية الصحيحة ‪ ..‬فال ضري يف أن متوت ‪..‬‬
‫فأنت ـ يف البدء ـ إنسان منتحر ‪!! ..‬‬

‫والتسامح قضية كربى من قضااي حضارتنا ‪ ،‬ومبدأ عظيم من مبادئ إسالمنا ‪ ،‬لكن هذا‬
‫التسامح ـ برتك الناس حييون وفق معتقداهتم ـ شيء ‪ ،‬وتسليمك مقاليد األمور هلذا الذي ينتمي روحيا‬
‫إىل أعدائك ‪ ،‬ويشعر بتعاطف حنو من حتارب ‪ ،‬وتقل حضانته ـ مهما يكن ـ عن أخيك املسلم ‪..‬‬
‫تسليمك هذا شيء آخر بعيد عن التسامح ‪ ..‬إنه نوع من الغفلة واحلماقة ‪ ..‬أو بتعبري آخر نوع من‬
‫االنتحار!!‬

‫ويف الدولة الفاطمية اليت قامت يف املغرب العريب سنة ‪140‬هـ وانتقلت قيادهتا إىل مصر سنة‬
‫‪111‬هـ ‪ ..‬كانت ظاهرة االعتماد على اليهود والنصارى عمة من عمات احلكم يف الدولة ‪ ،‬فمن هؤالء‬
‫كان كثري من الوزراء وجباة الضرائب والزكاة‪ ،‬واملستشارين يف شؤون السياسة واالقتصاد والعلم ‪،‬‬
‫ومنهم األطباء والثقات لدى احلكام‪ ،‬وإليهم حتال معظم األعمال اجلسام ‪.‬‬

‫ولقد أحدثت هذه الظروف انفصاما بني الفاطميني والشعب ـ إىل جانب عوامل أخرى هامة ـ‬
‫حىت لقد كان الناس يستجريون من تسلط اليهود يف البالد فال جيارون ‪ ،‬وقد ظهرت يف ذلك أشعار‬
‫كثرية معروفة ‪ ،‬بل إن الناس قد اضطروا إىل أن يلفتوا نظر العزيز ( احلاكم الثاين يف مصر ) إىل هذه‬
‫الظاهرة اليت كان يبدي تغافال عنها ‪ ،‬وقد وضعوا له صورة من الورق لرجل يطلب حاجة أثناء مرور‬
‫موكبه ‪ ..‬وقد مد الرجل يدا بورقة مكتوب فيها ‪ " :‬ابلذي أعز اليهود مبنشا‪ ،‬وأعز النصارى بعيسى ‪،‬‬
‫وأذل املسلمني بك إال ما قضيت ظالميت " وقد ملعت يف عماء الدولة الفاطمية أعماء كثرية من هؤالء‬
‫‪ ،‬فقد ملع يعقوب بن كلس ( وسنورد تفصيال عنه بعد ) ‪ ،‬ومنصور بن مقشر النصراين الطبيب‬
‫صاحب الكلمة السامية يف قصر العزيز ‪ ،‬وعيسى بن نسطورس الكاتب ‪ ،‬واملنجم ابن علي عيسى ‪،‬‬

‫‪52‬‬
‫وجيني بن وشم الكواهي ‪ ،‬ومنشا اليهودي الذي كان انئب العزيز يف الشام ‪ ..‬وغريهم كثري ‪ .‬وعندما‬
‫وصل احلاكم أبمر هللا إىل احلكم ‪ ..‬وهو رجل أمجع املؤرخون على اضطراب عقله حىت أنه كان أيمر‬
‫ابلشيء وينهى عنه ـ أمر هبدم الكنائس اليت مبصر ‪ ،‬لكنه سرعان ما عاد فأمر ببنائها ‪ ،‬وأطلق من‬
‫جديد يد اليهود يف البالد ‪ ،‬واستمر أمر اليهود والنصارى يف عهد الظاهر ‪ ،‬وعندما قدر للحاكم‬
‫الفاطمي السادس يف مصر " املستنصر بن علي الظاهر " أن يصل إىل احلكم سنة ‪917‬هـ كانت‬
‫احلالة قد بلغت قمتها من التدهور ‪ .‬ويف ظل سياسة اليهود وحتكمهم يف مرافق البالد أصبح قصر‬
‫هذا احلاكم زاخرا ابلدسائس اليت حييكها القواد ورجال البالط واخلصيان والنساء ‪ ،‬ويقف وراء كل‬
‫هؤالء هذه الطوائف يديرون املعارك لصاحلهم‪ ،‬ويرقبون الفائز‪ ،‬ويفسحون يف شقة اخلالف‪.‬‬

‫وقد ذاقت البالد من اجلوع والبؤس والنزاع على السلطة ما أحاهلا إىل فوضى مل يشهد اتريخ‬
‫مصر مثلها ‪ .‬وقد صور املقريزي هذه احلالة يف قوله ‪ " :‬مل جتد البالد صالحا وال استقام هلا أمر ‪،‬‬
‫وتناقضت عليها أمورها ‪ ،‬ومل يستقر عليها وزير حتمد طريقته ‪ " ..‬على آخر كالمه الطويل الذي قال‬
‫يف آخره أبنه ‪ " :‬تالشت األمور واضمحل امللك " وقد فكر ابن محدان زعيم األتراك يف مصر يف‬
‫تغيري اخلالفة الفاطمية إىل العباسية ‪ ،‬وكانت حال البالد والفاطميني تسمح بتحقيق كل ذلك ‪ ..‬لوال‬
‫سوء سياسة ابن محدان ألتباعه وانقالهبم عليه ‪ ..‬ويف هذه السنوات أكل الناس بعضهم بعضا ‪ ،‬وبيع‬
‫الرغيف مبائة دينار ‪ ،‬وأكل الناس حلوم الكالب واحلمري ‪ ،‬ومل ينته األمر إال بسقوط الدولة الفاطمية‬
‫السقوط احلقيقي حني ترك حكامها السلطة متاما وقبعوا يف قصورهم ‪ ،‬ومحل أمانة احلكم الوزراء‬
‫العظام الذين كان أوهلم وأعظمهم " بدر اجلمايل " ‪.‬‬

‫وقد أصبح بيد هؤالء الوزراء كل مقاليد األمور حىت أهنم مل يدعوا للخالفة وال للخليفة يف أغلب‬
‫األوقات إال ابالسم ‪ ،‬وكانوا يتحكمون يف اختيار اخللفاء ويف عزهلم ‪ ،‬واملؤرخون املنصفون يعتربون‬
‫سقوط الدولة هو اتريخ تولية بدر اجلمايل أمور مصر سنة ‪919‬هـ ‪ ..‬ومل يفعل صالح الدين األيويب‬
‫حني أسقط اخلطبة للفاطميني دون أية معارضة أو مقاومة حقيقية سنة ‪417‬هـ ـ إال إسقاط عهد‬
‫الوزراء العظام الذين كان آخرهم شاور ‪ ..‬أما الفاطميون فقد سقطوا منذ مدة طويلة أي قبل ذلك‬
‫بقرن ‪.‬‬

‫ومن الغريب أن العزيز الفاطمي ‪ ..‬بلغ من حبه لوزيره يعقوب بن كلس اليهودي أن ترك له أمر‬

‫‪53‬‬
‫الدعوة إىل املذهب الفاطمي ‪ ،‬وكان هذا األخري جيلس بنفسه يعلم الناس فقه الطائفة اإلعماعيلية ‪،‬‬
‫وقد ألف نفسه كتااب يتضمن الفقه على ما عمعه من املعز والعزيز الذي قال له ‪ " :‬وددت لو أنك‬
‫تباع فأبتاعك مبلكي " ومل يدرك العزيز أن ملكه كان قد بيع فعال هبذه السياسة اليت جعلت عهد‬
‫الفاطميني يف مصر عهد شدة وتناطح وبؤس ‪ .‬ووقف هؤالء يستثمرون كل هذا ويتملقون الغرائز ‪..‬‬
‫وبقيت عربة التاريخ عربة للذين يطلبون النصر من األعداء ‪ ،‬والذين يطلبون احلياة من السم ‪ ،‬والذين‬
‫ينسون " االسرتاتيجية اإلسالمية العالية " ‪ " :‬ولن ترضى عنك اليهود وال النصارى حىت تتبع ملتهم "‬
‫!! ‪.‬‬

‫سقوط دولة صالح الدين‬

‫من أسرة كردية من أذربيجان هاجرت إىل العراق ‪ ،‬انبثق فجر قائد هذه الدولة ـ اليت لعبت‬
‫بقيادته ـ دورا من أروع أدوار اترخينا ‪.‬‬

‫ولعل " صالح الدين األيويب " أروع بطل قدمته احلضارة اإلسالمية على امتداد القرنني السادس‬
‫والسابع للهجرة ‪ ،‬وبه أفلت املسلمون وأفلتت احلضارة اإلسالمية من غزو عاملي صلييب كاسح كان‬
‫يقوده أخبث صلييب عرفته أورواب اهلمجية يف عصورها املظلمة " بطرس الناسك " ‪.‬‬

‫وقد كان الشرتاك صالح الدين مع عمه أسد الدين شريكوه يف احلمالت العسكرية اليت كان‬
‫يرسلها نور الدين إىل مصر ‪ ،‬أثر كبري يف تعميق خربته وإبراز مواهبه ‪ ،‬وما إن مات عمه أسد الدين‬
‫سنة ‪ 419‬هـ حىت أسند إليه اخلليفة الفاطمي يف مصر " العاضد " الوزارة ‪ ،‬ولقبه ابمللك الناصر ‪،‬‬
‫فظفر صالح الدين حبب الشعب واحرتامه نظرا حلزمه وعدالته‪.‬‬

‫ومل أتت سنة ‪417‬هـ أي بعد توليته الوزارة بثالث سنوات ـ حىت مات اخلليفة العاضد " فطويت‬
‫صفحة اخلالفة الفاطمية يف مصر وغريها ‪ ،‬وعادت مصر ـ العاصمة الفاطمية األوىل ـ عاصمة كربى‬
‫للعباسيني حتت قيادة الدولة األيوبية وقائدها صالح الدين األيويب ‪.‬‬

‫كان أمام صالح الدين حتدايت داخلية يف مصر ‪ ،‬فإن اآلاثر الفكرية اليت خلفتها الدولة‬

‫‪54‬‬
‫الفاطمية كانت حتتاج إىل إعالن ثورة فكرية ‪.‬‬

‫وكان أمام صالح الدين خلل اقتصادي منذ أايم اجملاعة العظمى ‪ ..‬أايم " املستنصر " وما جر‬
‫على مصر والعامل اإلسالمي احلكم الفاطمي من ويالت تسلط الوزراء العظام منذ " بدر اجلمايل " (‬
‫‪ 919‬هـ ) إىل شاور وضرغام ‪.‬‬

‫وكان إبمكان صالح الدين ‪ ،‬لو أنه قائد خمادع ‪ ،‬أن يعلن ثورة اقتصادية واجتماعية ‪ ،‬ويلهي‬
‫الناس عن حقيقة اخلطر الصلييب الذي يواجهونه !!‬

‫لكن صالح الدين مل يكن هذا القائد املخادع ‪ ،‬حبيث يشغل الناس حلساب األعداء عن‬
‫معركتهم احلقيقية مبعارك جانبية ‪.‬‬

‫وكان إبمكان صالح الدين أن يبحث عن " اتفاقية جالء " مع الصليبني أو عن " حل سلمي‬
‫استسالمي " حىت تنتهي فرتة تثبيته يف احلكم ‪ ،‬مث يعلن للناس أن احلكام السابقني يتحملون املسؤولية‬
‫‪ ،‬وأنه جاء إىل احلكم بعد فوات األوان ‪ ،‬وابلتايل خيضع العامل اإلسالمي هلذا الغزو اخلبيث !!‬

‫لكن صالح الدين مل يكن هذا القائد املخادع ‪.‬‬

‫ويف مواجهة غزو صلييب عاملي أعلن صالح الدين ثورة إسالمية عاملية ‪ ،‬وأصبح هو رمزها‬
‫وحمورها ‪ ،‬وكان هذا هو الطريق الوحيد وال يزال هو الطريق ‪.‬‬

‫لقد جاء توحيد العامل اإلسالمي جنبا إىل جنب مع اجلهاد املستمر ضد الصليبية العاملية احلاقدة‬
‫‪ ،‬ومل يكن صالح الدين ابألبله الذي يبحث عن أي حل بديل للجهاد‪ ،‬فوسط احلروب اليت هتز‬
‫الكيان املادي واملعنوي والفكري لألمة ال ميكن إجناح أي هدف بعيد عن اهلدف األول ‪ ،‬وكل‬
‫األهداف أتي من خالل هذا اهلدف‪ ،‬ألن اجلماهري تعتقد أهنا عملية تلهية وخداع ‪ ..‬وقد دخل‬
‫صالح الدين عديدا من املعارك قبل حطني الشهرية ‪ ..‬كموقعة " مرج عيون " جنوب لبنان سنة‬
‫‪ 474‬هـ وموقعة " مدينة صفد " يف السنة نفسها ‪.‬‬

‫وعلى امتداد كل السنوات كانت هناك معارك ال حتصى بني صالح الدين والصليبني ‪.‬‬

‫‪55‬‬
‫وقد شن صالح الدين على الصليبيني حرواب واسعة من أجل استخالص إمارات إسالمية استوىل‬
‫عليها الصليبيون وأسسوا فيها إمارات صليبية مضى على استيالئهم عليها قريبا من تسعني سنة‬
‫كأنطاكية وطرسوس والرها وبيت املقدس وطرابلس ‪ ..‬مل يكن صالح الدين ساذجا ضعيفا متهاوان‬
‫فيدعو إىل حدود ما قبل " معركة " ما ‪ ،‬أو ‪ " ..‬اتفاقية " ما ‪!! ..‬‬

‫لقد كان احلق اإلسالمي يف عقيدته مقدسا ال يقبل التفريط واملساومة !!‬

‫هكذا كان هذا الرجل العظيم ‪ .‬صالح الدين الذي انتصر يف حطني واسرتد بيت املقدس !!‬

‫وبوفاة صالح الدين بقيت الدولة األيوبية اليت تنسب إليه تؤدي دورها قريبا من ستني سنة ‪.‬‬

‫لكن هؤالء احلكام كانوا أقل من صالح الدين ‪ ،‬فلم يستطيعوا لعب الدور الذي لعبه ‪ ..‬وكان‬
‫بعضهم متخاذال يؤمن إبمكانية املفاوضات مع العدو الصلييب التارخيي ‪ ،‬كامللك الكامل الذي‬
‫استجلب سخط العامل اإلسالمي كله ‪ ،‬حني قام بتسليم القدس للصليبيني ‪ ،‬وقد متكن الصاحل أيوب‬
‫الذي جاء بعده من اسرتدادها ‪.‬‬

‫ومن الغريب أن هذه الدولة اليت بدأت بعظيم من أعظم الرجال هو صالح الدين ‪ ..‬وانتهت‬
‫مبلك عظيم كذلك هو امللك الصاحل ‪ ،‬كانت هنايتها على يد امرأة مملوكة من هؤالء الالئى يظهرن يف‬
‫عصور الضعف ‪ ،‬ويساعدن على سقوط الدول ‪.‬‬

‫إهنا واحدة من هؤالء النسوة القوايت الالئى جيدن اللعب يف خفاء القصور ودستورها ‪،‬‬
‫متجردات من كل خصائص األنوثة احلقيقية ‪ ،‬مستغالت مظاهر هذه األنوثة يف القتل والتدمري ‪..‬‬
‫إهنا شجرة الدر ‪ ..‬اليت قتلت ابن زوجها " توران شاه " لكي تنفرد ابحلكم ‪ ،‬مث شربت من نفس‬
‫الكأس حني قتلها املماليك أخذا بثأر زوجها منها ‪.‬‬

‫وعجبا ‪ ..‬لقد قضي على الدولة اليت قامت على أكتافها واحد من أعظم الرجال على يد مملوكة‬
‫ـ مهما اختلفنا حوهلا ـ فإهنا كذلك من أبرز نساء العامل ‪.‬‬

‫‪56‬‬
‫من عوامل سقوط العباسيني‬

‫من أعرق الصفحات اليت قدمناها للحضارة اإلنسانية ‪ ،‬وللتاريخ البشري صفحة الدولة العباسية‬
‫‪.‬‬

‫مخسة قرون وأكثر ( ‪ 211‬هـ ـ ‪ 141‬هـ ) مرت على التاريخ البشري ‪ ،‬وهو حيين جبهته هلذه‬
‫الدولة ‪.‬‬

‫وابلطبع ‪ ..‬فليس من خصائص املسرية البشرية أن تظل على وترية واحدة ‪ ،‬وهكذا كان شأن‬
‫الدولة العباسية يف مسريهتا ‪ ،‬يتعاورها املد واجلزر ‪ ،‬واختلف عليها احلماة بني أتراك وبويهيني وأتراك‬
‫سالجقة ‪ ،‬لكنها بقيت مع ذلك رمز اهليبة التارخيية اليت تفرض نفسها على كل القوى ‪ ،‬مستمدة‬
‫هذه اهليبة من رصيد اخلالفة اإلسالمية اليت مثلت وحدة الوجود اإلسالمي إىل فرتة قريبة من عمر‬
‫التاريخ ‪.‬‬

‫كان قيام هذه الدولة حركة سياسية قامت على ختطيط ‪ ،‬لعله مل يتوفر للمسلمني يف كل اترخيهم‬
‫‪ ..‬دقة وعمقا ‪ ..‬وصربا على النتائج ‪ ،‬واستغالال لكل القوى وسرية ‪ ،‬وتوافر لكل مقومات النجاح ‪.‬‬

‫مث كان السري التارخيي هلذه الدولة معجزة عجيبة ‪ ،‬فوسط حبار متالطمة األمواج‪ ،‬وعامل إسالمي‬
‫فسيح ال ميكن ‪ ،‬بل يتعذر استمرار متاسكه ‪ ..‬وأعداء خارجيني من عناصر متباينة املذاهب واجلنس‬
‫وامليول ‪.‬‬

‫وسط هذا كله شقت الدولة طريقها ‪ ..‬وال شك يف أهنا كانت بني احلني واحلني تتعرض حلركة‬
‫تفكك من هنا‪ ،‬وحركة مترد من هناك ‪ ،‬وبروز حلركة خروج يف انحية اثلثة ‪ ..‬وغلبة عنصر من العناصر‬
‫يف مكان رابع ‪.‬‬

‫ولكن مهما يكن ‪ ..‬فهذه هي طبيعة املسرية البشرية ‪ ،‬ومل يقدم لنا التاريخ على كثرة ما قدم‬

‫‪57‬‬
‫مدينة فاضلة خلت من كل النوازع البشرية وخلت من الصراع ‪ ..‬واملد واجلزر !!‬

‫وعرب القرون اخلمسة تقلب يف احلكم عشرات من احلكام ‪ ..‬بلغوا سبعة وثالثني خليفة‪ ،‬أوهلم‬
‫أبو العباس السفاح مث أبو جعفر املنصور ‪ ..‬وقد برز منهم كثريون كاملأمون والرشيد واملعتصم والواثق‬
‫واملتوكل واملهدي ‪.‬‬

‫وكان آخرهم ـ ومن أشأمهم ـ أبو أمحد املستعصم الذي استسلم للتتار ‪.‬‬

‫وظهرت أسر قوية وعناصر كبرية سيطرت على الدولة أحياان كالربامكة وبين بويه والسالجقة ‪.‬‬

‫ومتتعت دول كثرية ابالستقالل الفعلي عن الدولة كالطولونيني واإلخشيديني يف مصر ‪ ،‬وبين‬
‫طاهر يف خراسان ‪ ،‬وبين سامان يف فارس وما وراء النهر ‪ ،‬والغزنويني يف أفغانستان والبنجاب واهلند ‪،‬‬
‫وبين بويه ـ الذين مل يستقلوا وحسب ـ بل حتكموا يف اخللفاء أنفسهم يف شرياز يف فارس ‪ ..‬مث‬
‫السالجقة ‪.‬‬

‫وهكذا ـ كما ذكران ـ تعاورت كل ظروف املسرية التارخيية هذه الدولة ذات القرون اخلمسة !‪.‬‬

‫وخالل رحلة الدولة العباسية الطويلة يف التاريخ ‪ ،‬مل جيد املؤرخون بدا من تقسيم هذه الدولة إىل‬
‫عصور ثالثة ‪ :‬العصر األول ( ‪211‬هـ ـ ‪ 111‬هـ ) وفيه كانت السلطة للخلفاء ما عدا املغرب‬
‫واألندلس ‪ .‬والعصر الثاين ( ‪ 111‬ـ ‪ 441‬هـ ) وفيه ضاعت السلطة من اخللفاء لتكون يف يد األتراك‬
‫والبويهيني والعصر الثالث ( ‪ 441‬ـ ‪ 141‬هـ ) وفيه عادت السلطة إىل أيدي اخللفاء يف حدود بغداد‬
‫وما حوهلا‪ ،‬دون بقية أمالك اخلالفة اليت سطا عليها الطامعون ‪.‬‬

‫ويف مثل دولة جامعة كبرية ذات حياة حافلة كالدولة العباسية يصعب الوصول إىل رأي أخري يف‬
‫أسباب احنالهلا ‪...‬‬

‫ـ أكانت حركات االنشقاق عن الدولة سبب هذا االحنالل ؟‬

‫ال ‪ :‬إن حركات االنشقاق هذه ظاهرة أو نتيجة من نتائج بروز عوامل االحنالل ‪.‬‬

‫‪58‬‬
‫أكان ظهور أو حتكم عناصر غري عربية يف احلكم من أسباب هذا االحنالل ـ ال ‪ ،‬فهذه العناصر‬
‫قد وجدت يف حضارات كثرية وأين هي الدولة اليت ختلو من خدمات عناصر ليست منها ؟ ‪ ..‬مث إن‬
‫هؤالء مل يصلوا إىل ما وصلوا إليه إال يف ظل مظاهر االحنالل احلقيقية ‪ ،‬وأدى معظمهم خدمات‬
‫للدولة كانت سببا من أسباب بقائها وصمودها ‪.‬‬

‫أكان ظهور حركات التمرد الديين كالقرامطة واحلشاشني وغريهم هو السبب األقوى يف حتلل‬
‫الدولة ؟‬

‫ومما ال شك فيه أن هلذه احلركات أثرها الكبري يف ضياع " الوحدة العقائدية " ويف ضياع كثري من‬
‫مثل اإلسالم الصافية خالل هذه العصور ‪ ..‬ويف خلق جو من الفوضى الفكرية واالجتماعية‬
‫واالقتصادية ‪ ،‬لكن مع ذلك ‪ ،‬وإن كان هذا سبب قواي ‪ ،‬فليس هو السبب األقوى يف سقوط الدولة‬
‫العباسية ‪ .‬فما هي إذن ـ عوامل حتلل الدولة العباسية ودخوهلا يف طور االضمحالل ؟‬

‫ال شك يف أن العوامل السابقة وغريها ‪ ،‬كان هلا أتثريها الكبري يف اضمحالل الدولة العباسية ويف‬
‫دخوهلا مرحلة األفول ‪.‬‬

‫بيد أن أخطر العوامل اليت أسقطت خالفة العباسيني ‪ ،‬إمهاهلم لركن هام من أركان اإلسالم ‪..‬‬
‫وهو ( اجلهاد ) ‪ ،‬فبعد املعتصم املتويل أمور الدولة سنة ( ‪011‬م ) مل نسمع عن معارك ذات شأن‬
‫قامت هبا الدولة ‪ ،‬ومل يكن مبدأ " اجلهاد الدائم " محاية هلذه الدولة املرتامية األطراف أحد أركان‬
‫السياسة العباسية ‪.‬‬

‫لقد تقوقعوا يف مشاكل الدولة الداخلية ‪ ..‬فحصرهتم مشاكلها ‪ ..‬وماتوا ببطء ‪ ،‬ولو أهنم وجهوا‬
‫طاقة األمة حنو " اجلهاد " ضد الصليبيني ‪ ،‬لتغري أمر احلركات اهلدامة اليت قدر هلا أن تظهر وتنتشر ‪،‬‬
‫وذلك أن هذه احلركات ال تنتشر إال يف جو مليء ابلركود والفساد ‪ ،‬واملناخ الوحيد الصاحل للقضاء‬
‫عليها هو املناخ القتايل الذي يكشف املعادن النقية ويذيب املعدن الرخيص ‪.‬‬

‫لقد كانت احلاجة اإلسالمية ملحة يف ضرورة رفع راية اجلهاد ‪ ،‬وكانت الدولة اإلسالمية اليت‬

‫‪59‬‬
‫تعرضت لالنشقاق والتمزق حتتاج إىل هذا الصمام ليحميها من جو السكون واالستسالم ‪.‬‬

‫لكن العباسيني غزوا يف عقر دارهم ‪ ..‬فذلوا ‪ ،‬ومل يرفعوا راية اجلهاد ضد العدو اخلارجي ‪..‬‬
‫فارتفعت راايت العصيان الداخلي ‪.‬‬

‫وكان إبمكاهنم أن يشغلوا األجناس املختلفة اليت ضمتها الدولة يف هذه احلروب اجلهادية املستمرة‬
‫ضد الغزاة والوثنيات املختلفة ‪ ..‬لكنهم مل يفعلوا ‪ ،‬فتحركت النعرات القومية اجلاهلية لتفتت الدولة‪،‬‬
‫وتقسم جسمها حتت راايت خمتلفة ليست هلا ابإلسالم أو اجلهاد صلة ‪.‬‬

‫ويف سنة ‪141‬هـ ( ‪2140‬م ) كان هوالكو ـ حفيد جنكيز خان ـ يؤدب الذين اجتهوا إىل كل‬
‫الطرق إال طريق اجلهاد ‪ ..‬وحاولوا العالج بكل الوسائل إال الوسيلة اإلسالمية القوية اخلالدة ‪.‬‬

‫وقد هاجم هوالكو بغداد وهدم أسوارها ‪ ،‬وأعمل املنجنيق فيها ‪ ،‬وحصد بغداد ‪ ،‬حىت مل يعد‬
‫ممكنا اإلقامة فيها لشدة روائحها املنفرة ‪ ،‬وعندما خرج اخلليفة املستعصم إليه مستسلما بصحبة‬
‫ثالمثائة من أصحابه وقضاته دون شرط ‪ ،‬أمر هوالكو بقتلهم مجيعا ‪ ،‬وطويت صفحة اخلالفة العباسية‬
‫‪.‬‬

‫ذلك أن أسلوب األحالم الرومانتيكية الساذجة ليس وسيلة البقاء أو تشييد احلضارات ‪..‬‬
‫فالذين ال ميلكون إرادة اهلجوم ‪ ..‬يفقدون القدرة على الدفاع !!‬

‫املماليك أبطال عني جالوت يسقطون‬

‫كانوا دائما أهل طعان ونزال ‪ ..‬كانوا أشقاء للسيف والرمح ‪ ،‬هو هويتهم وهو مؤهلهم للحياة‬
‫والبقاء ‪ ..‬وعلى امتداد اترخيهم كان السيف مقروان هبم ‪ .‬وكانوا عضد الدولة اإلسالمية يف كثري من‬
‫املواقف ‪ ،‬وكانوا محاهتا من أعدائها ‪.‬‬

‫ويف مقابل ذلك عاشوا ‪ ..‬وحتملتهم شعوب مصر والشام ‪ ،‬وعمحت هلم ابلسيطرة عليها ‪ ..‬وهم‬
‫بدورهم كانوا جيشها وأسطوهلا ومحاهتا أمام كل غزو خارجي ‪ ،‬وكانوا خيضعون لتقاليد البالد وال‬

‫‪60‬‬
‫يعرفون هلم والء إال للدين الذي عاشوا به وربوا على تعاليمه ‪ ،‬وإال للسلطان الذي حيكم ‪...‬‬

‫مث مع تطورهم الداخلي أصبح والؤهم للسلطان الذي حيكمهم منهم ‪..‬‬

‫ولقد شكلوا جمتمعا ذا هوية خاصة ‪ ،‬له أسلوبه اخلاص يف احلياة ‪ ،‬وله تربيته اخلاصة وله فكره‬
‫اخلاص ‪ ..‬لقد كان جمتمعهم أشبه ما يكون ابجملتمع العسكري أو اجملتمع البحري الذي يعيش للبحر‬
‫أو اجلندية ‪ ،‬فاجلندية عقله وهي عاطفته ‪ ..‬وال والء عنده لسواها ‪.‬‬

‫وعندما مات فجأة آخر سالطني األيوبيني امللك الصاحل أيوب ‪ ..‬تكتمت زوجه شجرة الدر‬
‫اخلرب ألن بالد مصر كانت يف حرب مع لويس التاسع الذي هزم وأبيد جيشه يف دمياط واملنصورة ‪،‬‬
‫مث استدعت الزوجة امللكة ابن زوجها " توران شاه " لينقذ البالد ‪ ،‬فلما جاء توران وأنقذ البالد من‬
‫الصليبيني ‪ ،‬وحاول أن يستأثر ابلسلطة دبرت املرأة قتله ‪ ..‬مث أقامت نفسها مبساعدة املماليك ملكة‬
‫على مصر ‪ ،‬وقد اختار املماليك كبريهم عز الدين أيبك ليقوم مبساعدة " اململوكة " اليت صارت "‬
‫ملكة " ( شجرة الدر ) يف إدارة شؤون مصر ‪ ،‬وتطور األمر فتزوجت شجرة الدر من مساعدها عز‬
‫الدين ‪ ،‬وتنازلت له عن السلطة ‪.‬‬

‫وهكذا مت تنازل آخر من ينتسبون إىل دولة األيوبيني بنسب إىل كبري املماليك ‪ ،‬ومع أن شجرة‬
‫الدر تعترب البداية التارخيية لدولة املماليك ‪ ،‬لكن البداية األكثر عمقا وأحقية هي اليت مثلها هذا‬
‫التنازل ‪ ،‬مث استأثر عز الدين أيبك ابلسلطة سبع سنوات أحست فيها اململوكة القاتلة أبهنا سلبت كل‬
‫سلطة ‪ ،‬فقامت بقتل زوجها اجلديد مثلما قتل من قبل ابن زوجها القدمي ‪.‬‬

‫لكن املماليك سرعان ما قتلوها أثرا وانتقاما ‪ ..‬واستقر األمر لدولة املماليك يف مصر والشام ‪.‬‬

‫واملماليك قسمان ‪ :‬برجية نسبة إىل أبراج القلعة اليت كانوا يسكنون فيها ابلقاهرة ‪ ..‬وحبرية نسبة‬
‫إىل جزيرة الروضة املطلة على النيل اليت كانوا يسكنون فيها كذلك ‪ ،‬ومن أشهر املماليك األول برقوق‬
‫‪ ..‬وآخرهم قانصوه الغوري الذي سقط حتت سنابك خيل السلطان سليم سنة ‪2417‬م ‪..‬‬

‫ومن أشهر املماليك البحرية عز الدين أيبك وبيربس واملنصور قالوون ‪ ..‬وقد انتهى هؤالء من‬
‫قبل املماليك الربجية حبوايل قرنني وكان املماليك الربجية ـ أبطال عني جالوت ـ ميثلون امتدادهم‬

‫‪61‬‬
‫التارخيي ‪.‬‬

‫لقد لعب املماليك الربجية خباصة يف اترخينا دورا مل تقم به إال دول قليلة يف التاريخ ‪ ..‬لقد صدوا‬
‫غارتني حضارتني من أكرب وأشهر الغارات اليت عرفها اترخينا واتريخ اإلنسانية ‪.‬‬

‫كانت األوىل ميثلها زحف هوالكو الذي ينتمون إليه جنسيا ‪ ،‬لقد صدوه بعقيدهتم اإلسالمية‬
‫اليت مل يعد هلم والء إال هلا ( احلمد هلل أن نظرية القومية العنصرية مل تكن ظهرت بعد ) وقد وقفوا‬
‫أروع وقفاهتم يف صده يف عني جالوت الشهرية رافعني راية واإسالماه !!‬

‫مث كانت الثانية يف معاركهم الدائمة ضد الصليبيني الذين كانت هلم بقااي بعد صالح الدين ‪،‬‬
‫فعلى يد السلطانني املنصور قالوون الذين تسلم احلكم سنة ‪ 170‬هـ والسلطان األشرف خليل ـ الذي‬
‫توىل احلكم سنة ‪ 104‬هـ ‪ ..‬على يد هذين السلطانني ـ فضال عن جهود بيربس ـ هتاوت قالع‬
‫الصليبيني الباقية واليت كانوا قد تقدموا يف بعضها بعد صالح الدين كحصن املرقب وعكا وغريمها ‪،‬‬
‫وطويت على يد املماليك آخر صفحات الغزو الصلييب الذي استمر قرنني من الزمان وكان ذلك سنة‬
‫‪ 411‬هـ ‪.‬‬

‫وقد تضافرت ظروف عاملية ‪ ،‬كاكتشاف رأس الرجاء الصاحل ـ وظروف إسالمية كربوز األتراك ـ مث‬
‫حممد علي ‪ ،‬وظروف داخلية كانقسام األتراك على أنفسهم ‪.‬‬

‫تضافرت كل هذه الظروف على إهناء الدور الذي قام به املماليك ‪ ،‬لكن كان أكرب سبب هوى‬
‫ابملماليك وزحزحهم من مكاهنم يف التاريخ ‪ ،‬هو أهنم نسوا الرسالة اليت عاشوا من أجلها وتعاقدوا مع‬
‫الشعوب اليت حكموها بشأهنا ‪.‬‬

‫نسو رسالتهم يف الدفاع اخلارجي ‪ ..‬نسوا السيف ‪ ،‬وتبلدوا عند أسلوب معني ‪ ،‬ومل يطوروا‬
‫أنفسهم ‪ ،‬مث تطوروا فانقلبوا من محاية خارجية لألمة إىل متسلطني داخليني عليها مينعون حركتها‬
‫وتطورها ‪.‬‬

‫‪62‬‬
‫وبذا فقدوا دورهم يف التاريخ ‪ ..‬وسقطوا بعد أن أدوا للحضارة اإلسالمية الكثري ‪ ..‬وأنقذوها من‬
‫أكرب خطرين عامليني ومها التتار والصليبيون ‪..‬‬

‫‪63‬‬
‫القسم الثالث ‪ :‬دول مغربية تسقط‬

‫*سقوط األغالبة يف تونس‬


‫* سقوط دولة اخلوارج يف اجلزائر‬
‫* غروب األدارسة يف املغرب األقصى‬
‫* سقوط صقلية اإلسالمية‬
‫* سقوط املرابطني ابملغرب‬
‫* سقوط دولة صنهاجة يف تونس‬
‫* سقوط بين محاد يف اجلزائر‬
‫* واملوحدون ‪ ..‬يسقطون‬

‫سقوط األغالبة يف تونس‬

‫احلركات االنفصالية يف العامل اإلسالمي ارتكزت على عديد من األسس املتباينة ‪ ،‬وجنحت كل‬
‫منها إىل حجة تعطيها مشروعية الوجود والبقاء ‪ ،‬فبعضها قد التمس السبب يف االنفصال من نزعة‬
‫سياسية ‪ ،‬وبعضها قد التمسه من نزعة مذهبية ‪ ،‬وبعضها قد التمسه من نزعة قومية ‪ ،‬وبعضها قد‬
‫التمسه من ( ضعف اخلالفة ) ‪.‬‬

‫ومل جند يف اتريخ هذه احلركات ذلك الشجاع الصريح الذي يعلن أن رغبته يف االنفصال ترجع‬
‫إىل سبب حقيقي واحد هو الرغبة يف الوصول إىل السلطة ‪ ..‬ومتلك احلكم ‪ ..‬واجملد األديب واملايل ‪.‬‬

‫ويف فرتة متقاربة بدأت احلركات االنفصالية تظهر يف العامل اإلسالمي ‪ ،‬وكأهنا خصيصة جديدة‬
‫من خصائص التطور التارخيي هلذه الفرتة ‪ ،‬فاألندلس انقسمت عن اخلالفة العباسية بقيادة عبد‬
‫الرمحن الداخل ( صقر قريش ) ومثلت بوجودها آخر ومضة من ومضات وجود بين أمية ‪ ،‬وظلت‬

‫‪64‬‬
‫ابقية ثالثة قرون متثل هذه الومضة ‪ ،‬وانقسم بنو طاهر يف خراسان انقساما تبعوا فيه دولة اخلالفة‬
‫العباسية عكس بين أمية يف األندلس ‪ ،‬وانقسم يف مصر ابن طولون يف اتريخ قريب من هذا ‪.‬‬

‫وكان ال بد للمغرب العريب ‪ ،‬وهو األرض الواقعة كجسر اترخيي بني االمتداد العقائدي الذي‬
‫وصل إىل مشارف ابريس وبدأ ينحسر بعد موقعة بالط الشهداء و استشهاد عبد الرمحن الغافقي ‪..‬‬
‫بينه وبني مركز اإلسالم األصيل ومهبط الوحي وأرض العرب أن تظهر فيه هذه الظاهرة ‪.‬‬

‫واحلق أن احلركات االنفصالية يف املغرب العريب كانت متلك املربر يف االنفصال ‪ ،‬فإن عمال بين‬
‫أمية كانوا قد أساءوا السرية فيهم وعاملوهم " كرببر " أي كمواطنني من الدرجة الثانية ‪ ،‬كما أن أهل‬
‫العراق بكل ما أثري بينهم من جدل كالمي وفنت عقائدية ‪ ..‬قد محلوا هذا اجلدل وهذه الفتنة إليهم‬
‫وحرضوهم على خلفاء بين أمية ‪ ،‬وولدوا فيهم الرغبة يف االنفصال ‪ .‬وعلى مشارف القرن الثالث‬
‫اهلجري كانت هناك دول ثالث منفصلة حتكم املغرب العريب وال ختضع للخالفة العباسية إال اعما ‪..‬‬
‫وهي ‪ :‬األدارسة واألغالبة والرستميون ‪ ..‬وكانت هذه الدول بوضعها ذاك متثل األرض القابلة ألي‬
‫امتداد طموحي ‪ ..‬ووجد فيها الفاطميون فيما بعد األرض الصاحلة لغرس بذورهم ‪.‬‬

‫وكانت دولة األغالبة اليت قامت يف تونس سنة ‪ 209‬هـ أبرز الدول االنفصالية يف املغرب العريب‬
‫‪.‬‬

‫وكان مؤسسها إبراهيم بن األغلب الذي أرسله اخلليفة العباسي هارون الرشيد خللق االستقرار يف‬
‫املغرب العريب يف ظل محاية العباسيني ‪ ،‬يتمتع بقدر كبري من الشجاعة والذكاء ‪ ،‬وقد اختذ إبراهيم‬
‫مدينة القريوان عاصمة له ‪ ،‬وبعد وفاته سار بنو األغلب على منواله يف توطيد أمن املغرب وتقوية‬
‫أسطوله وجيشه وتنمية موارده ‪.‬‬

‫وكان أبرز ما قدمه األغالبة لإلسالم هو فتحهم لصقلية وضمها إىل أرض اإلسالم ‪ ،‬بقيادة‬
‫قائدهم أسد بن الفرات يف عهد أمريهم زايدة هللا بن إبراهيم األغلب ‪ ،‬الذي توىل احلكم سنة ‪ 112‬هـ‬
‫‪ ،‬كما أهنم تقدموا فاستولوا على جنوب إيطاليا ‪ ،‬ويقال ‪ :‬إهنم واصلوا زحفهم حىت دقوا أبواب روما ‪.‬‬

‫‪65‬‬
‫وقد ازدهرت احلركة االقتصادية والعمرانية يف أفريقيا التونسية على عهدهم ‪ ،‬كما أن األمن قد‬
‫ساد البالد وأصبحت تونس ـ على اجلملة ـ عامرة مزدهرة ازدهارا عظيما ‪ ..‬وقد أسسوا ابلقريوان عدة‬
‫مساجد لعبت دورا كبريا يف تدعيم احلضارة اإلسالمية ‪ ،‬ومن أبرزها جامع الزيتونة الذي أصبح يف‬
‫املغرب كاألزهر يف الشرق ولعب دورا مهما يف احلياة العلمية اإلسالمية ‪.‬‬

‫وقد اشتهر بعض ملوك األغالبة ابلقسوة الشديدة ‪ ،‬وكان سفك الدماء عندهم أسهل من شرب‬
‫املاء ‪ ،‬ولعل هذا من أبرز ما أخذ عليهم ‪ ،‬وقد مد من عمرهم يف املغرب انصراف اخلالفة العباسية إىل‬
‫مشكالهتا املشرقية ‪ ..‬وعدم قطعهم لكل أواصر املودة مع اخلالفة العباسية ‪ ،‬وابلتايل رضيت اخلالفة‬
‫يف ظل ظروفها ابلقدر الذي يدينون به ابلطاعة هلا ‪ .‬كما أسكتها انتصارات األغالبة يف معارك اجلهاد‬
‫ضد الصليبيني يف أورواب والساحل اجلنويب األورويب وجزر البحر األبيض املتوسط ‪.‬‬

‫هذا كله قد غفر هلم بعض أخطائهم وجعلهم يعيشون أكثر من قرن من الزمان حيكمون تونس‬
‫وملحقاهتا ‪ ،‬وحيكمون صقلية ويفرضون هيبتهم على الدول األوروبية ‪.‬‬

‫لكن الدول االنفصالية ال ميكن أن تقف أمام احلضارات اجلامعة اليت متثل كياان وجوداي له أبعاده‬
‫احلضارية املتكاملة ‪.‬‬

‫ومن هنا فلم يستطع األغالبة الصمود أمام الفاطميني الذين برزوا يف املغرب بقيادة داعيتهم أيب‬
‫عبيد هللا املهدي ‪ ..‬فسقطوا على يد الفاطميني هؤالء سنة ‪ 141‬هـ ‪.‬‬

‫لقد سقطوا ـ أوال وقبل كل شيء ـ ابعتبارهم حركة انفصالية ال تستطيع أن تصمد أمام كيان‬
‫حضاري زاحف له راية األيديلوجية يقف حتتها ‪ ،‬مهما اختلفنا يف أبعاد هذه الراية ‪ ..‬أو هذه‬
‫األيديلوجية ‪.‬‬

‫‪66‬‬
‫سقوط دولة اخلوارج يف اجلزائر‬

‫منذ خرج " اخلوارج " عن طوع علي بن أيب طالب رضي هللا عنه ‪ ،‬وتسببوا يف قتله على يد عبد‬
‫الرمحن بن ملجم ‪ ،‬وهم يشكلون على امتداد التاريخ اإلسالمي املادة اخلام لكثري من احلركات الثورية‬
‫‪ .‬لقد انتشر اخلوارج على امتداد األرض اإلسالمية ولقد دخلوا يف عديد من املعارك واجهوا يف‬
‫بعضها تصفية جسدية هائلة ‪ ..‬لكنهم مع كل ذلك ـ ظلوا شعلة ثورة يف األرض اإلسالمية ‪،‬‬
‫وشعارهم قول أحد روادهم " قطري بن الفجاءة " ‪:‬‬
‫فصربا يف جمال املوت صربا ** فما نيل اخللود مبستطاع‬
‫سبيل املوت غاية كـل حـي ** فداعيه ألهل األرض داع‬

‫وابلطبع مل يكن املغرب اإلسالمي ‪ ،‬وهو تلك األرض اإلسالمية العذارء ليفلت من أيدي‬
‫اخلوارج ‪.‬‬

‫لقد حاولوا بكل الطرق أن يشكلوا على أرضه قوة إسالمية خارجية ينشرون من خالهلا مبادئهم‬
‫اخلارجية ‪.‬‬

‫وقد كان أهم بروز هلم سنة ‪ 211‬هـ يف طنج برائسة " ميسرة املطغري " ‪ ،‬وقد عرف املغرب من‬
‫مذاهب اخلوارج ‪ :‬الصفرية واإلابضية ‪ ،‬وقد انتشرت الصفرية يف اجلهات الغربية ‪ ،‬بينما انتشرت الثانية‬
‫يف النواحي الشرقية ‪ ،‬وكانت أكثر القبائل الرببرية ( املغربية ) املوالية للخوارج زانتة وهوارة ‪.‬‬

‫بيد أن حركاهتم ظلت حركات ثورية فوضوية ‪ ،‬مل يقدر هلا إىل منتصف القرن الثاين اهلجري أن‬
‫تنتظم يف دولة ‪ ..‬ولذا فمعظم حركاهتم ماتت وكانت تذوب يف بوتقة اجملتمعات املنظمة ‪ ،‬ال سيما‬
‫وقد أصيبت كثري من حركاهتم مبا أصيبت به احلركات اليت تقف على الطرف اآلخر منهم ‪ ..‬أي أهنم‬
‫أصيبوا بكثري من املغاالة والتطرف ‪ ،‬وامليل إىل نزعة التكفري وإراقة الدماء والقتل ألوهى األسباب ‪.‬‬

‫‪67‬‬
‫لكن مع بروز سنة ‪ 299‬هجرية بدا وكأن اخلوارج يستمتعون إبقامة دولة مستقرة هلم ابملغرب ‪.‬‬

‫وقد جنح عبد الرمحن بن رستم اإلابضي عرب سلسلة من املغامرات والتعرض للموت غري مرة ‪،‬‬
‫والتحايل على جذب القبائل الرببرية ‪ .‬جنح يف إقامة دولة خارجية تعتمد على الرببر وعلى العرب‬
‫والعجم وتتمركز يف مدينة جزائرية يفصلها عن الصحراء اجلزائرية أكثر من مائيت كيلو مرت ‪ ،‬وتقع يف‬
‫منطقة النجود ‪ ،‬وتتبوأ مكاان جيدا حيميها من اإلغارات ‪ ،‬وحيميها كذلك من الشمس اليت ال تكاد‬
‫تظهر يف عمائها ( !!) وهي مدينة " اتهرت " ‪.‬‬

‫وقد جنح عبد الرمحن بن رستم هذا يف توطيد دعائم دولته خالل الفرتة اليت قدر له أن حيكمها (‬
‫‪ 299‬ـ ‪ 210‬هـ ) وقد خلفه من بعده ابنه عبد الوهاب الذي بقي يف حكم الدولة اليت تنسب إىل‬
‫أبيه " الدولة الرستمية " عشرين سنة ‪ ..‬مث " أفلح ابن عبد الوهاب " الذي عمر أطول مدة عمرها‬
‫حاكم رستمي ‪ ،‬فقد بقي يف احلكم أكثر من مخسني سنة ( ‪ 200‬ـ ‪ 110‬هـ ) ‪ ،‬مث تتابع يف حكم‬
‫الدولة الرستمية مخسة من األمراء ( أبو بكر بن أفلح ‪ ..‬فأبو اليقظان ‪ ،‬فأبو حامت ‪ ،‬فيعقوب بن أفلح‬
‫‪ ،‬فاليقظان ابن أيب اليقظان آخر أمرائهم ) والذي مل يتمتع ابحلكم أكثر من عامني عاشهما يف‬
‫اضطراب ‪ ،‬مث غلبه على أمره الشيعة الروافض وقتلوه يف شوال سنة ‪ 141‬للهجرة ‪ ،‬وانتهت به الدولة‬
‫الرستمية اليت حكمت جزءا كبريا من أرض اجلزائر " تيهارت وما حوهلا " قران ونصف قرن من الزمان‬
‫( ‪ 299‬ـ ‪ 141‬هـ ) ( وكان ظهورها الذي دعمه الرخاء االقتصادي واالجتماعي أبرز مثل لربوز دولة‬
‫خارجية ) ‪.‬‬

‫إن اخلوارج الذين اشتهروا ابحلمية والتفاين يف سبيل املبدأ ‪ ،‬قد حتولوا يف ظل دولتهم الرستمية إىل‬
‫رجال حكم ودولة أكثر منهم رجال عقيدة ودعوة ‪.‬‬

‫وقد عاشت طوائف كثرية خمتلفة النزعة يف ظل دولتهم الرستمية حياة رغدة طيبة سهلة ‪ ..‬وبعد‬
‫أن كان اخلوارج أرابب سيف سقط السيف من يدهم منذ أبو بكر بن أفلح ‪ ،‬وقد رضوا بسلم ميكن‬
‫هلم البقاء يف حدود ما حول اتهرت ‪ ،‬عقدوه مع جرياهنم األغالبة واألدارسة ‪.‬‬

‫‪68‬‬
‫وجلي أن الذي ال يتقدم يكون عرضة للتأخر ‪ ..‬وهكذا أتخر الرستميون بعد أن فقدوا روحهم‬
‫النضالية ‪ ..‬ودعنا من احنرافات كثرية منهم لدرجة املغاالة والتطرف ‪ ..‬ودعنا كذلك من سذاجة آخر‬
‫ملوكهم " اليقظان " واضطراب امللك يف يديه ‪.‬‬

‫لقد عمل ذلك عمله يف سقوط الدولة الرستمية ‪ ..‬كما عمل يف سقوطها كذلك أخطر قانون‬
‫من قوانني احلضارة ‪ ..‬وهو أن الدولة اليت تفتقد راية حضارية جديرة ابالنتشار والبقاء ‪ ..‬دولة جديرة‬
‫ابالحنسار والفناء‬

‫غروب األدارسة يف املغرب األقصى‬

‫يف ختوم السنوات اليت تصل شطري القرن الثاين اهلجري تفككت وحدة املغرب العريب ( تونس ـ‬
‫اجلزائر ـ مراكش ) وبدال من خضوعه للدول اإلسالمية اجلامعة سواء دولة األمويني أو دولة العباسية‬
‫‪ ..‬بدال من هذا انقسم املغرب اإلسالمي على نفسه إىل قوى ثالث حتكمها زعامات ثالث ‪..‬‬
‫الرستميون يف تيهارت ( اجلزائر ) واألغالبة يف تونس ‪ ،‬واألدارسة يف املغرب األقصى ‪.‬‬

‫وليس من السهل تلمس األسباب احلقيقية هلذا االنفصال سوى أنه مطية لتحقيق أغراض‬
‫شخصية ومذهبية ‪.‬‬

‫بيد أن كثريا من املؤرخني ال يفوهتم البحث عن أسباب لكل الظواهر ‪ ،‬حىت ولو كانت الظاهرة‬
‫جمردة حادث مفتعل خيلف نتائج مضادة ويكون حصاده وابال على األمة اليت خضعت له‪.‬‬

‫وليس من شك يف أن احلياة ليست سلبا كلها ‪ ..‬وابلتايل ليست إجيااب كلها ‪ ..‬فنحن لن نعدم‬
‫أن جند يف الدولة احلضارية اجلماعية سلبيات ‪ ..‬كذلك لن نعدم أن جند يف كل احلركات االنفصالية‬
‫اليت متثل ـ يف رأينا ـ بوادر غروب للحضارة اجلامعة ‪ ..‬لن نعدم أن جند فيها إجيابيات ‪ ،‬بيد أنه ال‬
‫السلبيات تصلح للحكم على الدولة اجلامعة ابملوت وابالنقضاض عليها من داخلها ‪ ،‬وال اإلجيابيات‬
‫تصلح كمربر للوجود ‪ ..‬إذا قيست هذه اإلجيابيات اجلزئية مبا ختلفه حركات االنشقاق من هدم يف‬
‫روح احلضارة ‪..‬ومن صراع جيهد الدولة اجلامعة والبلد املنفصل معا ‪.‬‬

‫‪69‬‬
‫وكان إدريس بن عبد هللا بن احلسني هو ( قائد حركة االنفصال عن دولة العباسيني يف املغرب‬
‫األقصى )‬

‫وكان إدريس هذا قد ساهم مع إخوته ومع العلويني يف إشعال ثورة احلجاز ضد العباسيني ‪ ،‬لكن‬
‫الثورة فشلت ‪ ،‬وأمخدت فهرب إدريس إىل بالد املغرب ‪ ،‬وهناك استطاع أن جيمع حوله بعض قبائل‬
‫الرببر ‪ ،‬وأن يكون له إمارة مستقلة دامت حوايل قرنني من الزمان ‪ ..‬وكان ذلك يف مطلع القرن‬
‫الثالث اهلجري ‪ ..‬أي أن حركة إدريس كانت متأخرة عن حركيت الرستميني يف اجلزائر واألغالبة يف‬
‫تونس ‪.‬‬

‫وقد جنح اخلليفة العباسي هارون الرشيد يف أن يدس على إدريس من يدس له السم يف العسل ‪،‬‬
‫وكان الرشيد يضحك ويتندر بقوله " إن هلل جنودا من عسل " ألنه عمه بواسطة العسل ‪.‬‬

‫وقد ترك إدريس زوجته حامال فولدت بعد موته ذكرا التف الرببر حوله وابيعوه ابسم إدريس‬
‫الثاين ‪ .‬ويف عهد إدريس الثاين هذا حاول العباسيون بواسطة والء األغالبة املوجودين يف تونس هلم ‪،‬‬
‫حاولوا القضاء على األدارسة ‪ ..‬لكنهم فشلوا ‪ ..‬وركن العباسيون إىل السكوت ‪ ..‬واستمرت الدولة‬
‫اإلدريسية ـ كما ذكران ـ قرنني من الزمان ‪.‬‬

‫وكان من أعظم حكام األدارسة حيىي الرابع بن إدريس الذي حكم مثاين عشرة سنة ( ‪ 141‬ـ‬
‫‪ 121‬هـ ) وازدهر املغرب األقصى يف حكمه أميا ازدهار ‪.‬‬

‫كما بلغت مدينة فاس عاصمة األدارسة ذروة جمدها ‪ ،‬وأصبحت مركزا هاما من مراكز احلضارة‬
‫اإلسالمية يف أحناء املغرب العريب ‪ .‬وأيضا قد ساعد األدارسة على رسوخ قدم اإلسالم يف بلد املغرب‬
‫بني الرببر ‪ ،‬وانتشر اإلسالم بواسطة الرببر يف أفريقيا الغربية ‪.‬‬

‫وكانت جامعة القرويني اليت قامت بدور ابرز يف نشر وإمناء الثقافة اإلسالمية من أهم آاثر‬
‫األدارسة يف املغرب اإلسالمي ‪ ،‬وقد قامت يف املغرب مبا قام به األزهر ـ أو على حنو قريب منه ـ يف‬
‫املشرق العريب ‪.‬‬

‫‪70‬‬
‫لقد كان األدارسة أول دولة هلا هذا الطابع يف التاريخ وفيما نعتقد مل تكن دولتهم شيعية إال‬
‫مبقدار حب آل البيت والوالء هلم ‪ ..‬وهي صفة يشرتك فيها السنة والشيعة معا ‪ ..‬فحب آل البيت‬
‫من حب الرسول عليه الصالة والسالم ما كانوا قائمني على كتاب هللا وسنة رسوله ‪ ..‬أما إذا خالف‬
‫أحدهم كتاب هللا وسنة رسوله ‪ ...‬فإنه يقف من هللا موقف أي إنسان " اي فاطمة بنت حممد اعملي‬
‫فإين ال أغين عنك من هللا شيئا " هكذا قال الرسول عليه الصالة والسالم !! ‪.‬‬

‫وهلذا الوضوح يف دولة األدارسة أحبها أهل السنة وانتصرت هبم ‪ ،‬وكانت القبائل الرببرية السنية‬
‫يف املغرب حاميتهم وعماد دولتهم ‪.‬‬

‫وهلذا السبب عاشت دولة األدارسة حنوا من قرنني من الزمان وأدت دورا حضاراي ال أبس به يف‬
‫املغرب اإلسالمي ‪.‬‬

‫بيد أهنا كأية حركة انفصالية كانت تفتقد مربر الوجود والبقاء ‪ ..‬فظلت على الرغم من " قرنيها‬
‫" جمرد حركة انفصالية ‪ .‬ومل تستطع ـ ال جغرافيا وال فكراي ـ أن تزيد على حدودها اليت ضمها إدريس‬
‫األول شيئا ذا ابل ‪.‬‬

‫وقد وقعت كذلك بني عديد من القوى الراغبة يف االبتالع ‪ ..‬وقعت بني األمويني يف األندلس ‪،‬‬
‫الذين كثريا ما سددوا إليها الطعنات ‪ ..‬وبني مصر اليت انتقلت إىل الفاطميني منذ سنة ‪ 144‬هـ ‪..‬‬
‫فوجهوا إىل األدارسة طعنات كذلك على الرغم من القرابة املذهبية ‪..‬‬

‫وال ميكن إغفال ضرابت القبائل الرببرية الراغبة يف حكم نفسها‪ ،‬ال سيما قبائل زانتة وهوارة‪.‬‬

‫وقد أدى ذلك كله على غروب مشس األدارسة عام ‪ 174‬هـ ‪.‬‬

‫فانتهت إحدى احلركات االنفصالية يف اترخينا اإلسالمي ‪ ..‬ألن السقوط ـ وإن كثرت املقوايت‬
‫واملساعدات ـ هو مصري كل احلركات االنفصالية ‪.‬‬

‫سقوط صقلية اإلسالمية‬

‫‪71‬‬
‫بعد قرنني من فتح املسلمني لصقلية على يد الفقيه أسد بن الفرات سنة ‪ 121‬هـ كان كل شيء‬
‫يؤذن ابألفول ‪ ..‬كانت األندلس تعيش حالة ملوك الطوائف الذين تداعوا تداعي البيت املفكك أمام‬
‫زحف املرابطني بقيادة رجلهم املؤمن رجل العقيدة والدولة يوسف بن اتشفني ‪.‬‬

‫وكانت اجلزائر وتونس تعانيان من هجمة القبائل العربية اهلمجية الزاحفة تدمر كل شيء دون‬
‫تعقل ‪.‬‬

‫وكانت مصر قد ذهبت نضارهتا على يد الفاطميني الذين كانوا قد فقدوا نضارهتم كذلك ‪ ،‬بل‬
‫كانت مصر اليت حيكمها اخلليفة املستنصر تعاين من جماعات غريبة لعلها مل حتدث يف اترخيها ابملرة‬
‫لدرجة أن الناس أكلوا بعضهم بعضا وبيعت حلوم الكالب يف األسواق ‪.‬‬

‫كان هذا هو اجلو احمليط بصقلية األغلبية اإلسالمية ‪ ..‬اجلو الذي يطلق عليه مؤرخوان عبارة "‬
‫احلالة اإلسالمية يف النصف الثاين من القرن اخلامس اهلجري"!!!‬

‫لكن كل هذا كان أقل من أن يقتطع غصن صقلية من شجرة اإلسالم إىل اليوم ‪ ..‬لقد كان مثة‬
‫سبب آخر أشد وأقوى ‪.‬‬

‫كان هناك اهلزمية الداخلية اليت هي الباب الوحيد اليت تدلف منه كل اهلزائم الواردة ‪ ..‬كان هناك‬
‫لصوص املناصب وهواة الزعامات واملتمسحون يف أجمادهم العائلية ‪.‬‬

‫كانت صقلية قد فقدت أمثال فاحتها العظيم أسد بن الفرات القاضي والفقيه والقائد والشهيد‬
‫الذي استحق عن جدارة بطولة فتح صقلية ‪.‬‬

‫وحل جيل جديد تتنازعه التقاليد الوثنية النورمانية وينظر إبعجاب إىل اجلنوب األورويب ‪ ،‬وإىل‬
‫تقاليد العدو الواقف ابلباب ‪ ..‬وعندما حلت اهلزمية الداخلية على هذا النحو ‪ ..‬كان من السهل أن‬
‫يدخل روجار جبيوشه ‪ ،‬وأن تتحول صقلية إىل اليوم قلعة صليبية تكيد لإلسالم ‪.‬‬

‫‪72‬‬
‫كان روجار قائد النورمان املستوطنني ابلغرب الفرنسي واإليطايل يرتقب فرصة الوثوب على‬
‫اجلزائر وتونس ‪ ..‬فضال عن صقلية ‪ ،‬وكما هي العادة يف اترخينا مل يستطع روجار أن يدخل إىل‬
‫صقلية إال من خالل أهلها ‪ ،‬من خالل اهلزمية الداخلية ‪ ..‬فمبدأ اجلهاد قد وقاان شر األعداء‬
‫اخلارجيني ‪ ،‬أما حني تتفتت العقيدة وتنحل إرادة القتال يبدأ العدو يف الولوج ممتطيا أحد األصنام‬
‫الباحثني عن امللك حتت أي شعار ‪.‬‬

‫ويف معركة من املعارك الداخلية بني لصوص احلكم هزم أحدهم ‪ ..‬ويسمى ابن الثمنة ‪ ..‬ومل جيد‬
‫هذا الرجل غضاضة يف أن يطلب الوصول إىل احلكم عن طريق االستعانة ابلنورمان املتحينني للفرصة‬
‫فذهب إليهم يستعني هبم ويطلعهم على خفااي اجلزيرة ‪ ،‬وميدهم ابلعون إذا هم حاولوا االستيالء عليها‬
‫‪.‬‬

‫وبدأ من يومها الغزو النورماين لصقلية ‪ ..‬ومل تكن القوى اإلسالمية املفككة احمليطة بصقلية‬
‫بقادرة قدرة حقيقية على عمل شيء ‪ ..‬ابلرغم من أن تونس قد حاولت تقدمي املساعدة ‪.‬‬

‫وتساقطت كأوراق الشجر يف اخلريف مدن اإلسالم الزاهرة يف هذه اجلزيرة اليت قدمت لإلسالم‬
‫واحلضارة اإلسالمية عديدا من األبطال يف كل اجملاالت ‪.‬‬

‫سقطت " مسنة " ‪ ..‬وسقطت " بلرم " العاصمة ‪ " .‬وماذر " ‪.‬‬

‫وبعد جهاد طويل من أحد شباب اإلسالم الذين يظهرون كوهجة الشمس قبل املغيب " ابن‬
‫عباد " سقطت سرقوسة ‪ ،‬مث خرجت وحلقت هبا ضراينة فنوطس ‪ ،‬وسجلت سنة ‪ 909‬هـ ‪ 2142‬م‬
‫السقوط الكبري لصقلية يف يد عصاابت النورمان‪..‬‬

‫وكما متثلت اهلزمية األوىل ـ يف بداية اهلزمية ـ ‪ ..‬كما قدمتها ـ يف شخص ابن الثمنة ـ كذلك متثلت‬
‫اهلزمية هنا يف صورتني ‪:‬‬

‫‪73‬‬
‫يف صورة ابن محود حاكم قصراينة إحدى املدن الصقلية اليت سقطت وكان هذا الرجل يزعم‬
‫النسب إىل العلويني ‪ ..‬لدرجة جعلت أحد املؤرخني األوروبيني يصفه ( ابلعلوي الدينء الرخيص )‬
‫مسلما بقضية علويته ‪ ،‬ولرمبا كانت صحيحة ‪ ،‬فكثري من دعاة العلوية كانوا خونة !!‬

‫وقد تواطأ الرجل مع روجار لدرجة جلبت عليه سخط املسلمني يف اجلزيرة كلها‪.‬‬

‫ومل ينته أمر هذا اخلائن ألمته إال ابلنهاية الطبيعية ‪ ،‬إال أنه حرصا على مزيد من اجلاه لدى‬
‫روجار أعلن نصرانيته وطلب من روجار أن ينقله إىل إيطاليا ليقضي بقية حياته هادائ آمنا ‪ ،‬وذهب‬
‫اخلائن ‪ ،‬ومع ذهاب اإلسالم من أعماقه وأعماق أمثاله من املنهارين ذهبت صقلية ‪ ..‬والصورة الثانية‬
‫‪ ..‬تقدمها لنا صفحات التاريخ يف شكل رسالة بعث هبا املسمى اخلليفة الفاطمي يف مصر إىل روجار‬
‫حتمل تشفيا وهتنئة ابلنصر املسيحي ‪ ،‬وبعد أن يوافق خليفة املسلمني العظيم روجار على كل أوصافه‬
‫للزعماء املسلمني يف اجلزيرة ‪ ،‬تلك اليت وردت يف رسالته وكيف أهنم جانبوا طريق اخلربات واجرتءوا يف‬
‫الطغيان ‪ ،‬واستعملوا الظلم‪ ،‬ومتادوا يف الغي ‪.‬‬

‫بعد ذلك ينهي رسالته أبن من كانت هذه حاله حقيق أبن تكون الرمحة انئية عنه ‪ ،‬خليق أبن‬
‫أيخذه هللا من مأمنه أخذة رابية ‪.‬‬

‫وهذا الكالم ‪ ..‬صحيح ‪ .‬بيد أنه لن يغفر للخليفة املنهار يف مصر املتمسح ـ كذاب ـ يف شرف‬
‫النبوة أن يسقط ركن من أركان دولة اإلسالم ـ اتبعا حلكمه ـ دون أن حيرك ساكنا ‪ ..‬مث خيرج علينا‬
‫بشعارات منمقة ال قيمة هلا ‪.‬‬

‫ولن يغفر له التاريخ كذلك أنه نفسه كان لعبة هزيلة يف قصره بيد الوزراء العظام‪ ،‬ويف ظل أحط‬
‫جماعات عرفتها مصر اإلسالمية ‪ ،‬وإنه بدوره كان حلقة يف سلسلة مصائبنا الكثرية ‪.‬‬

‫وقد زار ابن جبري الرحالة املسلم ـ صقلية ـ بعد سقوطها ـ فوصف أحوال أهلها حتت احلكم‬
‫النصراين ‪ ،‬مبا جيعلها قريبة من أحوال أهل األندلس ‪ ،‬فقد ضربوا عليهم إاتوة يؤدوهنا يف فصلني من‬
‫العام ‪ ،‬وحالوا بينهم وبني سعة األرض ‪ ،‬وال مجعة هلم يؤدوهنا بسبب اخلطبة احملظورة عليهم ‪ ،‬ويصلون‬

‫‪74‬‬
‫األعياد خبطبة يدعون فيها للعباس ‪ ،‬وهلم هبا قاض وجامع ‪..‬‬

‫مث خيتم ابن جبري حديثه عن أحوال املسلمني يف صقلية بقوله ‪:‬‬
‫" وابجلملة فهم غرابء عن إخواهنم املسلمني حتت ذمة الكفار ‪ ،‬وال أمن هلم يف أمواهلم وال يف‬
‫حرميهم وال يف أبنائهم ‪. " ..‬‬

‫وكان هذا جزاء ما قدم زعماؤهم اخلونة ‪ ،‬وسادهتم الفاطميون املارقون ‪..‬‬

‫واملهم ‪:‬‬
‫سقطت صقلية اإلسالمية !!‬

‫سقوط املرابطني ابملغرب‬

‫بدأت دولة املرابطني ابملغرب العربية بداية طيبة قوية ‪ ..‬كانت هذه الدولة حبق انبثاقة فكرة‬
‫إسالمية عظيمة األثر يف حياة الدعوة اإلسالمية ‪ ..‬هذه الفكرة تقوم على إبراز دور حمدد قيادي‬
‫للمسجد اإلسالمي ‪ ،‬فاملسجد ليس جمرد دار ألداء صلوات مخس مبتوتة الصلة ابحلياة ‪ ،‬وإمنا‬
‫املسجد اإلسالمي دار تنطلق منها قيادة البشرية وتربيتها يف كل مرافق احلياة ‪ ..‬فهو إىل جانب كونه‬
‫دار عبادة هو كذلك دار علم ‪ ،‬وهو دار قضاء وهو مكتبة ‪ ،‬وهو جملس شورى ‪ ..‬أي أن املسجد يف‬
‫احلقيقة منوذج لكل الوزارات والدواوين اليت تقود شؤون الناس وتوجه مصاحلهم ‪ ،‬وعلى هذا األساس‬
‫قامت فكرة األربطة اليت أنشأها املرابطون واليت من خالهلا تكونت طليعة إسالمية استطاعت أن‬
‫تنشئ دولة املرابطني اليت محت املغرب اإلسالمي واألندلس قرابة قرن من الزمان ‪.‬‬

‫ومضت فرتة القوة يف هذه الدولة عندما مات أكرب شخصية مرابطة هي شخصية يوسف بن‬
‫اتشفني على رأس املائة اخلامسة ‪ ،‬وابلتحديد سنة ‪ 411‬من اهلجرة ‪.‬‬

‫وبعد يوسف ‪ ،‬ومع اجلهود الضخمة اليت بذهلا خليفته وابنه علي بن يوسف بدأت دولة املرابطني‬
‫تدخل طور األفول ‪.‬‬

‫‪75‬‬
‫وكان ذلك بتأثري سبب قوي غريب ‪ ..‬كان ذلك ألن علي بن يوسف هذا قد انصرف عن‬
‫شؤون احلكم إىل حد كبري ‪ ،‬ومل يتحرك إال يف مرات قليلة مل تكن كافية لسد الثغرات اليت فتحت على‬
‫الدولة يف املغرب واألندلس ‪ ،‬وراح هذا األمري املرابطي يصوم النهار ويقوم الليل ويعكس بزهده وإمهاله‬
‫لشؤون دولته فهما مغلوطا لإلسالم بل إنه وقع يف خطأ كبري ‪ ..‬حني وقع حتت أتثري جمموعة كبار‬
‫الفقهاء البارزين يف دولته ‪ ،‬وكان ال يزيد عن كونه لعبة صغرية يف أيديهم ‪.‬‬

‫ونتيجة غفلة علي بن يوسف هذا ‪ ،‬وانصراف الفقهاء إىل تكفري الناس ومجع الثروات ‪ ،‬بدأت‬
‫مظاهر التحلل تسود قطاعات كبرية من الدولة ‪.‬‬

‫كانت اخلمر تباع علنا يف األسواق ‪ ،‬وكان النبيذ يشرب دون حرج ‪ ،‬وكانت اخلنازير مترح يف‬
‫األسواق كاألغنام ‪ ،‬واستوىل أكابر املرابطني على إقطاعات كبرية وذهبوا إىل االستبداد فيها ‪ ،‬واستوىل‬
‫النساء على األحوال " وصارت كل امرأة تشتمل على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب مخر‬
‫وماخور " ‪.‬‬

‫وكان مثة مظهر آخر من مظاهر الفساد انتشر على عهد اخللفاء الضعاف املرابطني ‪ ..‬هذا‬
‫املظهر هو حتجب الرجال ‪ ،‬حىت إن الرجل ال تبدو منه إال عينه ‪ ،‬وبروز النساء وظهورهن يف‬
‫األسواق العامة سافرات ‪ ،‬واختالطهن ابلرجال ‪ .‬لكن مفتاح املصائب الكربى على املرابطني كانوا هم‬
‫الفقهاء‬

‫لقد ذهبوا إىل تكفري كل من حياول أتييد القواعد واألصول الشرعية ‪ ،‬ال سيما العقائد أبدلة‬
‫عقلية ‪ .‬وقد يكونون على خطأ أو على صواب ‪ ،‬فلسنا نعرض آلرائهم أو آلراء غريهم ‪ ،‬وإمنا الذي‬
‫نقصده أن نظرية التكفري هي داللة إفالس وحتجر ‪ ،‬وليس من حق أحد أن يتعجل فريمي الناس‬
‫ابلكفر ‪ ..‬إذ ليس من حق أحد أن يتعجل فريمي الناس ابلكفر ‪ ..‬إذ ليس الكفر مفتاحا ميلكه‬
‫الناس ما مل تظهر أدلته املادية اليت ال تقبل الشك ‪ ..‬أما اخلالف على رأي فليس جمال تكفري‪.‬‬

‫وقد ذهب هؤالء الفقهاء يف اسرتساهلم التكفريي هذا إىل تكفري أعظم شخصية إسالمية أجنبها‬

‫‪76‬‬
‫القرن اخلامس والسادس اهلجري ‪ ..‬وهي شخصية اإلمام " أيب حامد الغزايل " املعروف حبجة اإلسالم‬
‫بل إهنم ذهبوا يف غلوائهم أبعد مذهب ‪ ،‬فحرصا على امتيازاهتم اليت يكتسبوهنا من جدلياهتم يف علوم‬
‫الفقه اليت متثل الفروع ‪ ..‬أفتوا إبحراق كتب اإلمام الغزايل ال سيما كتابه الشهري " إحياء علوم الدين "‬
‫وكانت حجتهم يف ذلك اشتمال الكتاب على بعض املسائل الفلسفية الكالمية ‪ ..‬مما اضطر‬
‫السلطان علي بن يوسف اخلاضع لتأثريهم إىل إصدار أمره بوجوب إحراق الكتاب " إحياء علوم‬
‫الدين " يف مجيع أحناء مملكته تنفيذا لفتوى الفقهاء ‪ ،‬مث أنذر ابلوعيد الشديد ‪ ...‬بل ابلقتل‬
‫واستالب مال كل من يوجد عنده الكتاب !! ‪.‬‬

‫وكان هذا احلادث أبرز ألوان اجلمود والتحجر واخلوف على االمتيازات الشخصية اليت أظهرها‬
‫الفقهاء ‪.‬‬

‫وقد بلغ احلنق ابإلمام الغزايل مبلغه ‪ ،‬فدعا على علي بن يوسف بن اتشفني املرابطي أن ميزق هللا‬
‫ملكه ‪ ..‬حني علم ابألمر ! ‪.‬‬

‫لقد كان منهج الفقه الذين تصدروا شؤون الدولة املرابطية يقوم على االبتعاد عن املصدرين‬
‫الرئيسيني للتشريع ومها القرآن والسنة ‪ ،‬والتمسك الشديد آبراء الفقهاء ‪ ..‬حىت ولو مل يعرفوا هلا سندا‬
‫من الكتاب والسنة ‪ ..‬وقد بلغ األمر هبم يف هذا األمر مبلغه ‪ ،‬حىت أن أحد الناس قال لرجل ومها يف‬
‫الطريق ‪ :‬إن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول كذا ‪ ..‬فرد عليه اآلخر ‪ ..‬لكين أعتقد أن اإلمام‬
‫مالكا يقول كذا ( !! ) وهكذا ذهبت آراء الفقهاء يف نظرهم مذهب التقديس والغلو املبالغ فيه ‪.‬‬

‫وقد أمات الفقهاء واجب " احلسبة " ‪ ..‬وهي األمر ابملعروف والنهي عن املنكر ‪ ،‬فلم يقوموا‬
‫بتغيري نواحي التحلل اليت ظهرت يف الدولة ‪ ،‬وكان إبمكاهنم لتمكنهم من احلكم أن يقوموا على‬
‫تغيريها ‪ ..‬لكنهم جاروا العامة يف غرائزها وحبثوا عن أنفسهم ‪ ،‬بل قاوموا املخلصني الذين حاولوا‬
‫التغيري ورموهم ابلتكفري واملروق ‪.‬‬

‫بقي أن نقول ‪ :‬إن الفقيه أاب القاسم بن محدين زعيم الفقهاء يف هذه الفوضى ‪ ..‬وأكرب املكفرين‬
‫لإلمام الغزايل ‪ ،‬بل املكفر لكل من قرأ كتاب اإلحياء كان ميثل منوذجا لكثري من الدجالني املتاجرين‬
‫ابإلسالم ‪ ،‬واإلسالم منهم براء ‪.‬‬

‫‪77‬‬
‫ومع ألسنة النار املندلعة من نسخ كتاب اإلحياء اليت أحرقت يف مشهد علي جبامع قرطبة ‪،‬‬
‫كانت ألسنة نريان حركة التاريخ اليت تقودها سنة هللا اليت ال تتخلف ‪ ،‬أتكل دولة املرابطني اليت تركت‬
‫أمرها جملموعة من ضيقي األفق ومرتزقة الكلمة ‪ ،‬هؤالء الذين ال يفهمون أصول اإلسالم وال روح‬
‫اإلسالم ‪ ..‬وال أصول احلكم يف اإلسالم ‪ ..‬وال روح احلكومة اإلسالمية احلقيقية ‪...‬‬

‫سقوط دولة صنهاجة يف تونس‬

‫عندما رحل الفاطميون إىل مصر سنة ‪ 111‬هـ ‪ ،‬بعد أن أسسوا دولتهم ابملغرب العريب وعاشوا‬
‫فيها أكثر من نصف قرن ‪ ،‬خلفوا وراءهم قبيلة بربرية كربى تدعى صنهاجة كي حتكم املغرب العريب (‬
‫تونس واجلزائر ) نيابة عنهم وابعمهم‪.‬‬

‫لقد كان انتقال الفاطميني إىل مصر وتسليمهم األمور هلذه القبيلة الرببرية الكربى حدا فاصال يف‬
‫أحداث املغرب العريب ‪ ،‬إذ كان إعالان ببداية عهد حيكم فيه الرببر أنفسهم ويستقلون حبكم بالدهم ‪،‬‬
‫يف ظل اعرتاف بسلطة الدولة الفاطمية وهو اعرتاف من النوع الذي ميكن نقضه ‪ ،‬ألنه ال تساعده‬
‫قوى متمركزة عسكرية‪ ،‬وال والء مجاهريي عقائدي ‪ ،‬وابلتايل فقد اعترب هذا احلدث بداية عهد "‬
‫حكم الرببر للرببر " !! ‪.‬‬

‫وقد نشأت بعد رحيل الفاطميني أول دولة بربرية كربى يف اجلزائر وتونس هي " دولة الصنهاجيني‬
‫" اليت عرفت ابسم " دولة بين زيري " نسبة إىل أول حكامها " بلكني بن زيري الصنهاجي " ‪ ،‬وقد‬
‫جنح بلكني هذا يف أن يقضي على الفنت الداخلية وعلى الثورات القبائلية اجملاورة على حدود البالد ‪،‬‬
‫وحقق استقرارا كبريا ابلبالد إىل أن مات سنة ‪ 171‬هـ ( ‪409‬م ) فخلفه ابنه املنصور بن بلكني ‪،‬‬
‫وكان من أعدل بين زيري ‪ ،‬فاستعمل السياسة والعنف معا ‪ ،‬وجنح يف تصفية خصومه ابللني واحلكمة‬
‫والرتهيب كذلك ‪.‬‬

‫وقد ملس الفاطميون النية لدى حكام بين زيري يف االستقالل ‪ ،‬فحاولوا وضع العراقيل يف وجه‬

‫‪78‬‬
‫املنصور ‪ ،‬إال أن سياسته قد امتصت حماوالهتم ‪.‬‬

‫وعندما مات سنة ‪ 107‬هـ خلفه ابنه ابديس بن املنصور فسار على سياسة أبيه ‪ ،‬وجنح يف‬
‫حتقيق االستقرار للدولة ‪ .‬حىت مات سنة ‪ 911‬هجرية ( ‪2124‬م ) ‪.‬‬

‫لقد توىل األمر بعد ابديس أعظم ملوك بين زيري على اإلطالق " املعز بن ابديس " ولقد واجه‬
‫املعز بن ابديس وضعني جديدين كان هلما أتثري كبري يف مستقبل الدولة ‪ :‬أما الوضع األول ‪ ...‬فهو‬
‫قيام حركة انشقاق يف الدولة قادها أحد أعمام أبيه ويدعى " محادا " وكانت قد بدأت منذ عهد أبيه‬
‫واستنفذت من طاقة أبيه الكثري!! وأما الوضع الثاين فهو ميول املعز نفسه ‪ ،‬إذا كان املعز قد ترىب‬
‫على يد رجال من رجاالت السنة املالكية ‪ ،‬ونشأ حمبا للمالكية والسنة ‪ .‬وقد حاول منذ ويل تغيري‬
‫مذهب الدولة ‪ ،‬ففي سنة ‪ 917‬تغاضي ‪ ،‬بل أوعز بطريقة غري مباشرة‪ ،‬بقتل عدد كبري من خمالفي‬
‫السنة واجلماعة يف مذحبة كبرية ‪.‬‬

‫لقد كان ابن ابديس واقعيا مع ظروفه وظروف دولته ‪ ،‬وابلتايل فقد قبل انشقاق جزء من دولته‬
‫يف ظل سيادته ‪ ،‬هذا يف اجلانب األول ‪.‬‬

‫ويف اجلانب الثاين كان واقعيا مع ظروفه كذلك ‪ ،‬فتمهل يف األمور ‪ ،‬ومل يقم بتغيري املذهب‬
‫الشيعي ‪ ،‬حيث كانت دولة الفاطميني يف القاهرة قوية تستطيع أتليب القوى عليه من داخل بالده‬
‫وخارجها ‪.‬‬

‫ولقد عا املعز حيكم دولته يف هدوء ‪ ،‬قريبا من مخس وثالثني سنة ‪ ،‬أي إىل سنة ‪ 992‬هـ ‪..‬‬
‫ويف السنة األخرية اليت كان حاكم الدولة الفاطمية فيها هو املستنصر ‪ ،‬أعلن انفصاله عن دولة‬
‫الفاطميني ‪ ،‬إذ كان املستنصر يعاين من تدهور كبري يف األوضاع ‪ ،‬وكان املعز يعيش فرتة أتلق شديد ‪.‬‬

‫لكن الفاطميني يف مصر مل يستسلموا للضربة اليت سددها إليهم املعز ‪ ،‬وهم يف الوقت نفسه ‪،‬‬
‫كانوا عاجزين عن توجيه ضربة مقابلة له ‪ ،‬خضوعا لظروفهم اليت كانت جتنح إىل التدين والسقوط‬
‫واألزمات االقتصادية الشديدة ‪.‬‬

‫‪79‬‬
‫ومل يعدم املستنصر الفاطمي ـ أطول خلفاء اإلسالم بقاء يف احلكم وسيلة يضرب هبا املعز ‪.‬‬

‫وكانت الوسيلة اليت رآها هي إطالق القبائل العربية " اهلاللية " كي تزحف على املغرب العريب ‪،‬‬
‫وقد استدعى رؤساءهم وأقنعهم مبحاولة امتالك املغرب وأرسل إىل املعز خطااب بذلك ‪.‬‬

‫وكانت هذه القبائل حجازية استوطنت مصر ‪ ،‬وتعيش بطريقة شبه فوضوية ‪ ،‬وقد تقدمت حنو‬
‫املغرب يف أعداد كبرية يبالغ بعض املؤرخني فيزعمون أهنا تتجاوز املليون ‪.‬‬

‫لقد أتيح للمعز بن ابديس فرصة ترويض هذه القبائل ولكنه مل يوفق إىل هذا النهج وكانت هذه‬
‫أكرب أخطائه ‪ .‬وابلتايل فقد تقدمت هذه القبائل هتلك احلرث والنسل وخترب املدن والقرى ‪ ،‬حىت‬
‫قضت على حضارة القريوان العظيمة ‪.‬‬

‫كما أن املعز مل يوفق يف إعالن مواجهة حضارية يف مقابل غزوة حضارية ولقد كانت وشيجة‬
‫اإلسالم كفيلة برتويض هذه القبائل وابستغالهلا ‪ ،‬وابلتايل إبحباط اهلدف الذي سعى إليه املستنصر ‪،‬‬
‫يف إيثار اجلماعة والسنة ‪.‬‬

‫وعندما يفشل املغزوون حضاراي يف إحداث غزو حضاري مضاد ـ ال سيما وأن هذه القبائل‬
‫كانت جتنح إىل ما جنح إليه املغرب العريب ـ يفقدون عنصر القدرة على البقاء ‪.‬‬

‫إن الغزو احلضاري ال يقاوم مبجرد املقاومة ‪ ،‬بل ال بد من امتصاصه بغزو حضاري مضاد ‪.‬‬

‫وهذه القاعدة قد غابت عن ذهن بين زيري يف تونس ‪ ،‬فتهاووا وهتاوت حضارهتم‪ ،‬ولألسف‬
‫الشديد فإن هذه القاعدة ال تزال غائبة عن ذهن كثري من املخدوعني واملهزومني ‪.‬‬

‫وسقوط بين محاد يف اجلزائر‬

‫ال يلد االنفصال إال انفصاال ‪ ،‬والسري ضد سنة هللا حماولة انتحارية ومن عمات حركة التطور‬
‫البشري أن الروح العامة تؤدي دورا مهما يف عملية السري التارخيي ‪.‬‬

‫‪80‬‬
‫فإذا كانت الروح العامة متجهة إىل اخلري تسابق الناس إىل اخلري ‪ ،‬وهكذا تقدمت حركات‬
‫اإلصالح ‪ ،‬وهكذا استقطبت أجياال يف أايمها ‪ ،‬واألمر نفسه ينطبق على الشر ‪ ،‬ومل متت األمم إال‬
‫ابلروح الشريرة العامة اليت جعلت التحلل " مودة " والتفسخ اخللقي " فضيلة " ‪ ،‬والسقوط تقدمية ‪..‬‬
‫وهكذا حتللت األمة اإلسالمية يف فرتات تداعيها ‪ ..‬فمن انفصال إىل خالفات كربى ثالث ( عباسية‬
‫ببغداد ‪ ،‬أموية ابألندلس ‪ ،‬فاطمية يف مصر ) وإىل انفصال آخر يف األندلس بني ملوك الطوائف‪،‬‬
‫ويف املشرق بني الشام ومصر واليمن ‪ ،‬وهكذا ‪ ،‬ويف املغرب العريب بني بين زيري يف تونس وزانتة مث‬
‫املرابطني يف املغرب األقصى ‪ ،‬وبين محاد يف اجلزائر ‪.‬‬

‫ولقد كانت السنوات األوىل من القرن اخلامس اهلجري " احلادي عشر امليالدي " مسرحا ملعارك‬
‫طويلة دارت بني بين زيري الذين حيكمون تونس ‪ ،‬وبين محاد الذين أحبوا تكوين إمارة مستقلة هبم يف‬
‫اجلزائر ‪ ،‬بعد أن كان بنو زيري حيكمون تونس واجلزائر معا ‪.‬‬

‫وعرب حروب طويلة خاضها محاد مؤسس الدولة مع بين زيري يف انحية ‪ ..‬ومع زانتة يف املغرب‬
‫األقصى من انحية أخرى ‪ ،‬عرب هذه احلروب استطاع محاد مبساعدة ظروف كثرية منها عنصر‬
‫املصادفة ‪ ...‬أن يستقل جبزء كبري من أرض اجلزائر اإلسالمية وكان ذلك سنة ‪ 910‬هـ ( ‪2121‬م )‬
‫حني جنح يف عقد صلح مع املعز بن ابديس حاكم تونس ‪ 914 ( -‬ـ ‪949‬م ) وأصبح الرجل األول‬
‫يف اجلزائر ‪.‬‬

‫ولقد عاشت هذه الدولة قريبا من مائة وأربعني سنة وتعاور احلكم فيها تسعة من امللوك كان من‬
‫أشهرهم محاد نفسه ( ‪ 910‬ـ ‪ 924‬هـ ) والقائد بن محاد (‪910‬ـ ‪ 911‬هـ ) والناصر بن علناس (‬
‫‪ 949‬ـ ‪ 902‬هـ ) واملنصور بن الناصر ( ‪ 902‬ـ ‪ 940‬هـ ) ‪.‬‬

‫إىل أن وصل احلكم ليحىي بن العزيز الذي حكم ما بني ( ‪ 424‬ـ ‪ 497‬هـ ) فكان سلوكه‬
‫وجمموعة ظروف أخرى من أسباب سقوط الدولة على يد املوحدين سنة ‪ 497‬هـ ‪2241‬م ‪.‬‬

‫لقد كانت دولة بين محاد انفصاال من انفصال ‪ ..‬وسارت يف طريقها فكان طريقها على امتداده‬

‫‪81‬‬
‫زاخرا ابملشاكل ‪ ،‬وعلى امتداد هذا التاريخ كانت احلروب شبه دائمة بني احلماديني وقبيلة زانتة وبين‬
‫زيري ‪.‬‬

‫مضافا إىل ذلك أن هذه الدولة مل تكن هلا أهداف حمددة ‪ ،‬اللهم إال هدف البقاء والسيطرة ‪.‬‬

‫وكان كثري من ملوكها ميتازون ابلقسوة الشديدة ‪ ،‬بل إن مؤسسها محادا نفسه استعمل أسلوب‬
‫الدم كي يبين دعائم دولته ‪.‬‬

‫ولقد دمر مدان وقرى أمنت لعهده ووثقت يف كلماته ‪ ،‬وكان مكروها من جنوده ‪ ،‬وقد تتابع هذا‬
‫النهج يف كثري من أحفاده كبلقني بن حممد ‪ ،‬وابديس ‪ ،‬وبعض أايم حيىي آخر األمراء ‪.‬‬

‫لقد كان حيىي بن عبد العزيز ( آخر األمراء احلماديني ) عابثا الهيا ‪ ،‬ورمبا كان هلوه وجمونه هذا‬
‫هو السبب املباشر لسقوط الدولة ‪.‬‬

‫وأيضا من احملتمل أن بروز قوة كربى يف املغرب وهي قوة دولة املوحدين بقيادة حممد بن تومرت‬
‫مث خليفته " عبد املؤمن بن علي " حيتمل أن يكون هذا كذلك هو السبب املباشر يف السقوط ‪..‬‬
‫لكن مع ذلك يبقى أن كل هذا مل يكن إال املرحلة األخرية يف السقوط وهي تلك املرحلة اليت تركبها‬
‫عجالت التاريخ لتقفز هبا قفزهتا األخرية ‪ ..‬أما األسباب احلقيقية لسقوط الدولة فتتلخص يف سياسة‬
‫الدولة اخلارجية اليت كانت أكرب عار يف اترخيها وأكرب لطمة يف وجهتها إىل نفسها ‪.‬‬

‫فلقد انتهجت هذه الدولة هنجا سياسيا ذاتيا يعتمد على البحث عن النفس حىت ولو سقط‬
‫العامل اإلسالمي كله ‪.‬‬

‫وسقطت تكريت ‪ ،‬وسقطت رودس ‪ ،‬وسقطت صقلية وعاصمتها العظيمة " بلرم "‪ ،‬وسقطت‬
‫املهدية عاصمة أبناء عمومتهم يف تونس ‪.‬‬

‫سقط كل هذا فلم تتحرك عواطف زعماء هذه الدولة ‪ ،‬بل إهنم كانوا يعقدون معاهدات صداقة‬
‫مع املسيحيني ‪ .‬ظنا منهم أن للصليبيني عهدا أو شرفا أو أمانة ‪ ،‬وانسني قوله تعاىل " ولن ترضى‬
‫عنك اليهود وال النصارى حىت تتبع ملتهم " ‪.‬‬

‫‪82‬‬
‫ولقد أثبت هلم الصليبيون صدق منطق القرآن فهامجوهم ابلرغم من معاهداهتم معهم سنة ‪419‬‬
‫هـ وهامجوهم يف املهدية سنة ‪ 414‬هـ ‪.‬‬

‫وسقطت دولة احلماديني ‪ ،‬ألن كلمة التاريخ اليت هي جزء من سنة هللا تقول ‪:‬‬
‫إن الدول كاألفراد ‪ ،‬تتآكل ابلتدريج ما مل تبحث عن مشلها املبعثر ‪ ،‬أو كما يقول املثل العريب‬
‫الصادق ‪ " :‬إمنا أكلت يوم أكل الثور األبيض " ‪.‬‬

‫وسقطت دولة احلماديني سنة ‪ 497‬هـ على يد قوة إسالمية جديدة ‪.‬‬

‫واملوحدون ‪ ........‬يسقطون‬

‫إنك تستطيع أن تنتصر يف معركة ‪ ،‬وأن تقهر عدوك وأن حتكم ابملوت على مدينة بريئة ‪ ،‬وقد‬
‫يكون ذلك انتصارا لك وميد التاريخ يف عمرك عدة سنوات !!‪.‬‬

‫لكن ‪ ..‬أن تصنع حضارة وأن تبين دولة تبقى ‪ ..‬أن متد التاريخ بصناع مبدعني ‪ ..‬أن تفعل‬
‫ذلك وأكثر منه ‪ ،‬فهناك طريق آخر ‪ ..‬طريق ليس " الدم " من معامله‪ ،‬بل هو أبرز صخوره وعوائقه ‪.‬‬

‫هذه حقيقة من حقائق احلضارة أكثر منها حقيقة من حقائق التاريخ !! ‪.‬‬

‫لكن هذه احلقيقة غابت عن بناة دولة املوحدين اليت قامت يف املغرب واألندلس قرابة قرن‬
‫ونصف القرن ( ‪ 419‬ـ ‪ 110‬هـ ) ‪.‬‬

‫ومنذ أتسيس هذه الدولة سواء فكراي " أيديلوجيا " على يد زعيمها الروحي " حممد بن تومرت "‬
‫أو زعيمها السياسي والعسكري " عبد املؤمن بن علي " وأسلوب الدم هو أبرز األساليب اليت‬
‫اعتمدت عليها هذه الدولة يف إرساء دعائمها ‪.‬‬

‫لقد كانت دولة املرابطني هي أبرز الدول اليت قامت على أنقاضها هذه الدولة املوحدية ‪ .‬وقد‬

‫‪83‬‬
‫استعمل املوحدون أقسى الوسائل الدموية يف تصفية دولة املرابطني اليت مل تكن أكثر من دولة مسلمة‬
‫‪ ،‬مهما قيل عن حكامها األخريين ‪ ،‬وقد أخذوا الناس جبرائر احلكام وقتلوا مع احملاربني والنساء‬
‫والشيوخ ‪ ،‬وحكموا على مدن أبكملها ابملوت ‪ ..‬هكذا فعلوا يف " وهران " فقد قتل املوحدون فيها‬
‫كل من وجدوهم مع املرابطني ‪ ،‬وعندما التجأت مجاعات مرابطية على حصن من احلصون قطع‬
‫املوحدون عنهم املاء فلجأ املرابطون إىل التسليم بعد ثالثة أايم ‪ ،‬ومع أهنم استسلموا فقد قتلهم‬
‫املوحدون كبارا وصغارا ‪ ،‬وكان ذلك يوم عيد الفطر من سنة ‪ 414‬هـ !! ‪.‬‬

‫والشيء نفسه أو قريب منه قام به املوحدون عند استيالئهم على مدينة " مراكش"‪ ،‬فعندما‬
‫سقطت املدينة بعد مقاومة رائعة ودفاع مستميت قتل املوحدون من أبناء املدينة من اجلنود واملدنيني‬
‫على حد سواء نيفا وسبعني ألف رجل ‪ ،‬ومل يكتفوا هبذا العدد من الرجال ‪ ،‬بل إهنم استباحوا املدينة‬
‫ثالثة أايم فاستحر برجاهلا القتل الذريع هذه األايم الثالثة الكئيبة ‪ ،‬مل ينج من أهلها إال من استطاع‬
‫االختفاء يف سرب أو غريه ‪ ،‬وقد قيل إنه عند االنتهاء األايم الثالثة وإعالن العفو عن الباقني من‬
‫األحياء من أهلها مل يظهر حيا إال سبعون رجال !! وابعهم املوحدون بني أسارى املشركني ‪.‬‬

‫وهكذا كانت البداية الثورية العنيفة اخلاطئة لدولة املوحدين اليت جنحت يف إنقاذ األندلس يف‬
‫موقعة " األرك " سنة ‪ 442‬هجرية من التداعي وقامت على حنو انجح بتوحيد املغرب العريب‬
‫واألندلس ‪ ..‬ومع ذلك بقيت لعنة " الدم " وراءها لقد بقي قانون هللا يطالب ابلقصاص العادل ‪،‬‬
‫قوانني هللا أكرب من أن حييط هبا هذا اإلنسان احملدود التصور والرؤية ‪ ،‬لقد قضى هللا بعقوبة هذه‬
‫الدولة من داخلها ‪ ،‬لقد حتول أسلوب " الدم " إىل وسيلة داخلية قتل هبا املوحدون بعضهم بعضا ‪..‬‬
‫وخضعوا ـ بذلك ـ لقانون هللا الذي ال يتخلف ‪.‬‬

‫ومل مير على انتصار املوحدين اخلالد يف موقعة األرك أكثر من مثانية عشر عاما حىت انتكس‬
‫املوحدون نكستهم اليت كانت من أسباب حتطيم الوجود اإلسالمي يف األندلس كلها ‪ ،‬وكان ذلك‬
‫سنة ‪ 114‬هجرية حني هزموا شر هزمية يف " العقاب " اليت أبيدت فيها جيو املوحدين‪ ،‬وسحق‬
‫نفوذهم يف األندلس من جرائها ‪ ،‬ومنذ هذا الوقت وصرح املوحدين يتداعى حتت ضرابت " الدم "‬
‫وعلى امتداد مخسني سنة ( ‪ 114‬ـ ‪ 110‬هـ ) واملوحدون يقضون على أنفسهم أبيديهم يف معارك‬

‫‪84‬‬
‫أهلية داخلية ‪ ..‬فاملأمون " اخلليفة " املوحدي العاشر ـ والرشيد " احلادي عشر " وحيىي املعتصم "‬
‫التاسع " ويوسف املنتصر " اخلامس " وغريهم قد استنفدت قواهم يف قتال داخلي أابد كثريا من‬
‫عناصر املوحدين بل إن جهاز الدولة ‪ ،‬والعناصر الثائرة فيها قد تولت هي قتل اخللفاء يف اآلونة‬
‫األخرية ‪ ..‬فتم قتل اخلليفة املوحدي " أيب حممد ‪ ،‬عبد الواحد الرشيد " واخلليفة العادل " ‪ ،‬بل إن‬
‫اخلليفة املأمون قتل أشياخ املوحدين الذين خالفوه ‪ ،‬وكانوا أكثر من مائة ‪ ،‬فقضى هبذا األسلوب‬
‫الدموي على خالصة الزعامة املوحدية ‪.‬‬

‫ومن خلف مسرية الدم والعنف بقي قانون هللا يف القصاص عربة للذين يعتربون ‪ ،‬فالدم هو طريق‬
‫الدم ‪ ..‬أما الذين حياولون صنع اإلنسان أو صنع حضارة فلهم طريق آخر ‪ ..‬طريق آخر كرمي ونظيف‬
‫‪.‬‬

‫‪85‬‬
‫القسم الرابع ‪ :‬سقوطنا يف العصر احلديث‬

‫* سقوط آخر خالفة إسالمية‬


‫* سقوط القومية العربية ( املعادية لإلسالم )‬

‫سقوط آخر خالفة إسالمية‬

‫عندما تتشقق احلضارة تتحول إىل ذرات متناثرة متنافرة ‪ ،‬شأهنا شأن اجلدار املتداعي الذي‬
‫أصابه التآكل فتحولت لبناته إىل لبنات منفصلة تسقط عقب بعضها لبنة لبنة ‪.‬‬

‫وأيخذ االهنيار يف العملية احلضارية شكال غريبا ‪ .‬وبدال من االنسجام الذي كان عمة احلضارة‬
‫الناهضة تتنافر أجزاء احلضارة الساقطة أو السائرة يف طريق السقوط ‪ ،‬ويكاد ينطبق على عملية‬
‫السقوط التارخيي قول هللا ( كلما دخلت أمة لعنت أختها حىت إذا اداركوا فيها مجيعا قالت أخراهم‬
‫ألوالهم ربنا هؤالء أضلوان فآهتم عذااب ضعفا من النار ) ‪.‬‬

‫وعجيب كل العجب أمر هذا العصر‪ ،‬وليس العجب يف هذا العصر كثرة ما بليت به األمة‬
‫اإلسالمية من هزائم أو انتكاسات ‪ .‬وليس العجب كذلك أن األمة أصبحت تطلب دواءها من‬
‫عدوها ‪ ،‬وترفض " الصيدلية والطبيب " احلقيقيني ‪ ،‬كذلك ليس العجب يف إصرار عناصر من هذه‬
‫األمة ـ بيدهم األمر ـ على أن يتجنبوا الصواب ـ ويلهثوا وراء طريق الفناء والدمار ‪.‬‬

‫نعم ‪ :‬ليس أمر كل هذا بعجيب ‪ ..‬فعملية السقوط التارخيي تشهد مثل هذه االنقالابت يف‬
‫املعايري ‪.‬‬

‫تشهد انقالب احلق ـ يف العقول ـ إىل ابطل ‪ ،‬وانقالب املعروف ـ يف السلوك ـ إىل منكر ‪،‬‬
‫وانقالب السفلة إىل قادة ‪ ،‬وارتفاع السخافة واخنفاض العلم والنور ‪ ..‬نعم ‪ :‬ليس كل هذا بعجيب يف‬
‫العملية التارخيية ‪.‬‬

‫‪86‬‬
‫وإمنا العجيب أن تتنكر أمة لليد الكرمية اليت أنقذهتا ‪ ،‬وأن تبحث جادة عن نفسها‪ ،‬عن طريق‬
‫لعن الذين أنقذوها ملدة مخس قرون ‪ ،‬كأهنا كانت تريد الغرق من قدمي ‪ ..‬وبدال من البحث عن‬
‫حلول عملية ‪ ،‬وشكر الذين وقفوا معها يف دوراهنا التارخيي والذين تربطهم هبا صالت عقيدة واتريخ‬
‫وحضارة ‪.‬‬

‫بدال من هذا حترف اترخيا لتلعنهم ‪ ،‬وتزيف احلقائق لتحيل إليهم وحدهم أسباب ختلفها ‪ ..‬مع‬
‫أهنا مل تستطع بعدهم أن تتقدم شيئا ‪ .‬بل وقعت يف أحابيل أشرار البشر ‪.‬‬

‫كان هذا ابلتحديد هو موقف بعض العرب من الدولة العثمانية ‪ ،‬اليت محت احلضارة اإلسالمية‬
‫والعرب مخسة قرون من الزمان !!‬

‫يرجع نسب األتراك العثمانيني إىل قبائل الغزو الرتكية يف بالد تركستان ‪ ،‬وعندما اجتاح املغول‬
‫تركستان جلأت هذه القبيلة الرتكية إىل جنوب القوقاز حيث تويف زعيمها " سليمان " وتسلم القيادة‬
‫بعده ابنه ( أرطغول ) الذي أجنب عثمان بن ( أرطغول ) الذي تنتسب الدولة إليه ‪.‬‬

‫وعلى يد عثمان هذا حتولت اجلماعات العثمانية من أسلوهبا القبلي إىل أسلوب " الدولة " على‬
‫حساب أمالك الدولة البيزنطية ‪ ،‬وخلف عثمان ابنه " أورخان " سنة ‪ 711‬هـ واستمر ملوكها‬
‫يتتابعون " مراد األول " ابيزيد ابنه ‪ ،‬حممد بن ابيزيد ‪ ،‬مراد الثاين بن ابيزيد ‪ ،‬حممد الثاين " ( وحممد‬
‫الثاين هذا هو املعروف يف التاريخ مبحمد الفاتح الذي ويل األمور سنة ‪ 049‬هـ ( ‪2942‬م ) والذي‬
‫جنح يف االستيالء على القسطنطينية وقتل اإلمرباطور البيزنطي " قسطنطني احلادي عشر " سنة‬
‫‪ 2941‬م فقضى بذلك على اإلمرباطورية البيزنطية ) ‪.‬‬

‫يف ذلك الوقت كان املماليك يف البالد العربية يف حالة اجرتار ماضيهم ومل يعد لديهم ما ميكن‬
‫أن يعطوه للوجود اإلسالمي ‪ ،‬وكان رأس الرجاء الصاحل قد اكتشف ‪ ،‬وبدأت مصر تفقد جزءا كبريا‬
‫من أمهيتها ‪ ،‬كما أن قانصوه الغوري مل يستطع إيقاف الربتغاليني الذين بدأوا يسيطرون على البحر‬
‫األبيض املتوسط عند حدود احرتام األمة اإلسالمية ‪.‬‬

‫‪87‬‬
‫ويف عهد سليم األول سنة ‪2421‬م ـ ‪ 411‬هـ " وزحف على مصر وقتل قانصوه الغوري ( حتت‬
‫سنابك اخليول ) وشنق طومان ابي ـ على ابب زويلة ـ بعد أن هزمه سليم يف موقعة الريدانية ‪..‬‬
‫واستوىل على مصر والشام ‪.‬‬

‫ومل يتوان سلطان احلجاز ‪ ،‬فأرسل مفاتيح الكعبة للسلطان سليم ‪ ،‬وحكم احلجاز ابسم‬
‫العثمانيني ‪ ..‬ويف عهد خليفة سليم األول ( سليمان القانوين ) دخلت معظم البالد العربية ( اليمن ـ‬
‫اجلزائر ـ تونس ‪ ،‬مراكش ـ العراق ـ ليبيا ) يف حوزة العثمانيني ‪.‬‬

‫ومل متض أكثر من عشرين سنة على اجتاه العثمانيني حنو البالد العربية حىت كان املشرق العريب‬
‫كله خاضعا هلم ‪ ،‬نعم ‪ :‬املشرق العريب الذي كان آيال للسقوط ومفكك الوصال يف مطلع العصر‬
‫احلديث وبداية النهضة األوروبية ‪ ،‬والذي لوال ظهور العثمانيني الذين كانوا خييفون أورواب ويتقدمون‬
‫يف أراضيها ‪ ،‬لوال ظهورهم هذا لتحول املشرق العريب إىل أرض بكر ملغامرات الغرب األورويب اخلارج‬
‫من أوحال العصور الوسطى كما فعل بعد ذلك أبربعة قرون بعد أن أسقط اخلالفة العثمانية ‪ ..‬أو‬
‫بعد أن انتهى مما كان يسميه هتويال ألمره وخوفا منه ‪ " :‬املسألة الشرقية " ‪.‬‬

‫مخسة قرون يف محاية املسلمني ‪:‬‬

‫ملدة مخسة قرون ظلت اخلالفة العثماين تؤدي الدور األول والوحيد يف محاية املسلمني والعرب ‪.‬‬

‫والغريب أن هذه القرون املمتدة من القرن اخلامس عشر حىت مشارف القرن العشرين مل حتظ من‬
‫املؤرخني ابهتمام كاف ‪ ،‬بل إهنا ووجهت بتفسريات غريبة عنصرية أو جدلية مادية أو شعوبية متطرفة‬
‫‪ .‬ومل حيدثنا هؤالء املتطرفون عن حالة العرب مثال لو مل تكن هناك دولة عثمانية ‪ .‬أو مل يكن من‬
‫احملتم أن تقع الدولة اإلسالمية ـ والعربية ـ حتت براثن الغزو الصلييب قبل وقوعها املعروف هبذه القرون ؟‬
‫!!‬

‫لقد كان األوروبيون قد سيطروا على البحر األبيض املتوسط ‪ ،‬وقد جنحوا يف إخفاء صوت‬

‫‪88‬‬
‫الشرق ‪ ،‬وبدأ النهضة تنطلق من أورواب ‪ ..‬من مصانعها ‪ ،‬ومن تطور وسائل التقنية هبا ‪ ،‬وتقدم‬
‫الفكر االجتماعي والسياسي ‪.‬‬

‫ومل يكن بقدرة العروبة النائمة‪ ،‬واليت مل تستطع إىل اآلن أن تستيقظ اليقظة املرجوة ـ أن تقف يف‬
‫وجه هذا الزحف ‪ .‬وعلى الرغم من ختلف العثمانيني يف بعض النواحي ـ كما هو معلوم ـ فقد كانت‬
‫قوهتم العسكرية تدوي يف أورواب ‪ ،‬وكانت هذه القوة ابلنسبة لألوربيني هي القوة اليت ال تغلب وال هتزم‬
‫‪ ،‬حىت إن أورواب مل جتتمع على مسألة إال على اجتماعها على املسألة الشرقية أو مسألة التهام الرجل‬
‫املريض ( اخلالفة العثمانية ) ‪ .‬وابلطبع فإن العثمانيني مل يستطيعوا ـ شأهنم شأن العامل الذي كان قد‬
‫بدأ يدخل يف طور عملية انقالب داخلية جديدة ـ متهيدا مليالد جديد ـ مل يستطع العثمانيون ـ بدورهم‬
‫ـ أن يواجهوا هذه الثورة العلمية الزاحفة ‪.‬‬

‫وكما هي عادة املتخلف حضاراي ‪ ،‬واملتقدم عنصراي وعشائراي ‪ ..‬ذهب العرب ‪ ..‬وذهب غريهم‬
‫‪ .‬إىل رمي اخلالفة العثمانية ـ حاميتهم ـ أبهنا املسئولة عن ختلفهم الذريع ‪ .‬وعندما ماتت هذه اخلالفة‬
‫موهتا احلضاري قبل موهتا التارخيي سرعان ما سقط هؤالء يف وهدة الغزو الصلييب ومل تنفعهم‬
‫عنصريتهم القومية ‪ ،‬ومع ذلك ال يزالون يكيلون للخالفة العثمانية الطعنات ‪.‬‬

‫لقد كانت الدولة العثمانية قوية بال شك طيلة القرون اليت حكمت فيها وإيل بداية اضمحالهلا ‪،‬‬
‫فلما بدأت سنوات االضمحالل حتولت أسباب قوهتا إىل أسباب ضعف ‪ .‬وهذا هو الشأن يف قوانني‬
‫احلضارة ‪ ..‬إن عوامل القوة تتحول براتبتها وعدم جتديدها لنفسها إىل عالة على حركة التطور ‪ ،‬ولقد‬
‫أصبحت اإلنكشارية ‪ ،‬وأصبحت وسائل احلرب التقليدية عالة على حركة التقدم العثماين ‪ ،‬وانقلبت‬
‫العسكرية العثمانية اليت قدمت ما قدمت للحضارة اإلسالمية إىل عبء تنوء به الدولة ‪ .‬ويف ظل‬
‫قرون القوة اليت عاشتها الدولة متتعت أبنظمة ممتازة من حكومة مركزية ‪ ،‬إىل جملس وزراء يرأسه الصدر‬
‫األعظم‪ ،‬إىل ديوان سلطاين مكون من الوزراء وكبار املوظفني ‪ ،‬على القضاء الذي يرأسه شيخ‬
‫اإلسالم ‪ ،‬على نواب عن اجليش ‪ .‬أما يف الوالايت فكان يتوىل أمر كل والية وايل ( الباشا ) الذي‬
‫يعني من قبل اخلليفة ‪ ،‬ويعاونه يف أعمال إدارة الوالية ( الديوان ) ‪ .‬أما القضاء فكان يتواله قاضي‬
‫القضاة ( قاضي العسكري ) ‪ .‬وقد قسمت الوالايت إداراي إىل سناجق ‪ ،‬عني على كل منها حاكم‬

‫‪89‬‬
‫عمي ابلسنجق‪ ،‬مهمته اإلشراف على شئون األقاليم واحلفاظ على األمن ‪ ،‬ومجع الضرائب ‪ ،‬ويف كل‬
‫والية كان يوجد حاكم عسكري وحامية عسكرية تساعد الباشا على حفظ النظام واألمن ‪...‬‬

‫كانت هذه هي خالصة تنظيمات الدولة ‪ ،‬وكانت هذه التنظيمات وسائل قوة ‪ ،‬فلما انقلبت‬
‫دفة احلضارة ‪ ،‬وظهر أن حركة التاريخ مل تكن يف صف الدولة العثمانية حتولت هذه التنظيمات من‬
‫أدوات قوة إىل أدوات ضعف ‪ ..‬وقد ساعد هذا الضعف على حتقيق أغراضه يف تعجيز الدولة عن‬
‫محاية األراضي اخلاضعة هلا عدة عوامل ‪:‬‬

‫أوال ‪ :‬ضعف بعض السالطني وانغماسهم يف الرتف ‪.‬‬


‫اثنيا ‪ :‬فساد أجهزة الدولة وانتشار الرشوة ‪.‬‬
‫اثلثا ‪ :‬تدخل رجال احلاشية يف شئون احلكم ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬ومثة عوامل أخرى كثرية عملت عملها يف إفساد احلياة السياسية والعقائدية والفكرية ‪..‬‬
‫وجرت على اخلالفة الويالت ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬ومما ال شك فيه أن " األعداء " الصليبني ‪ ،‬واألعداء اليهود ـ كجماعات الدومنا‬
‫واملاسونية ـ ال شك أن هؤالء مجيعا كانوا عوامل إضعاف للخالفة العثمانية ‪.‬‬

‫وكان أكرب عوامل جناح اليهود والصليبيني يف ضرب اخلالفة العثمانية اإلسالمية ‪ ..‬هو بعثهم ملا‬
‫يسمى ابلنزعات العنصرية ‪ .‬القومية ‪ ،‬الطورانية للرتك ‪ ،‬والقومية الكردية ‪ ،‬والرببرية وعشرات القوميات‬
‫املعروفة األخرى ‪.‬‬

‫وجروا هؤالء مجيعا إىل ترك اخلالفة العثمانية يف حمنتها ‪ ،‬بل جروا إىل ضرب اخلالفة والتجمع‬
‫ضدها حتت قيادات قومية عميلة للجمعيات اليهودية ‪ ،‬وقد جنح بعض أفراد هذه القيادات جناحا‬
‫كبريا يف تبوؤ مناصب كربى ‪ ،‬وابلتايل يف ضرب العثمانيني واإلسالم يف الصميم ‪.‬‬

‫الصراع العنصري كان سببا يف اهنيار آخر خالفة إسالمية ‪:‬‬

‫‪90‬‬
‫تعترب قصة سقوط الدولة العثمانية من القصص الغامضة اليت ال زالت حتتاج إىل الدرس العميق‬
‫والتمحيص املوضوعي ‪ ..‬وحناول إمجال أبرز عناصر هذه القصة يف هذه السطور ‪ .....‬يف خالل‬
‫القرن الثامن عشر كانت أورواب تكتل أحقادها لالنقضاض على اخلالفة العثمانية واقتسام أمالك "‬
‫الرجل املريض " تركيا ـ وأطلقت على هذه النزعة اسم " املسألة الشرقية " ابعتبار تركيا العقبة " الشرقية‬
‫" الوحيدة اليت تشكل خطرا على الصليبية الدولية ‪ .‬ومحاية حقيقية لبالد اإلسالم املتناثرة ‪.‬‬

‫ومل يكد ينتهي هذا القرن حىت كانت القوى الصليبية الكربى يف ذلك الوقت " بريطانيا وفرنسا‬
‫والروسيا " حتاول الوصول إىل صيغة مالئمة لالنقضاض واقتسام الغنائم ‪ .‬ال سيما وقد اكتشفوا‬
‫ضعف اجلانب الرتكي يف معركة " سان جواتر " وعلى أبواب " فيينا " عموما ‪ ..‬عندما ظهر ختلف‬
‫العسكرية العثمانية ‪.‬‬

‫ويف سنة ‪ 2740‬م كان صيب الثورة الفرنسية اليت وقف اليهود وراء مبادئها " انبليون بوانبرت "‬
‫يزحف على مصر ليلقنها مبدافعه وخيوله وحتويله األزهر الشريف إىل إسطبل خليوله ‪ ،‬وتدمريه القرى‬
‫واملدن على امتداد الطريق بني القاهرة واإلسكندرية ‪ ..‬يلقنها هبذه الوسائل وبغريها من الوسائل‬
‫اهلمجية األوروبية كاخلمور والتحلل اخللقي وإغراء اخلادمات املصرايت ‪ ..‬يلقن مصر والعامل اإلسالمي‬
‫أو دروس القومية ‪ ،‬واملدنية واملبادئ الثالثة املاسونية املزيفة اليت رفعتها الثورة الفرنسية !!‬

‫ومل يكد ميضي على ذلك احلادث أكثر من ست سنوات حىت كانت بريطانيا حتاول غزو العامل‬
‫العريب مستهلة وجودها فيه بغزو مصر سنة ‪ 2017‬فيما يسمى حبملة فريزر " ‪ ..‬وبني هذه السنوات‬
‫‪ ،‬وابلتحديد يف سنة ‪ 2011‬جنح عميل فرنسي يف أن يصل إىل احلكم ‪ ،‬ويعلن أكرب حماولة‬
‫لالنفصال عن الدولة العثمانية ‪ ..‬وكان هذا العميل الفرنسي " حممد علي ابشا " صدى ابهتا رديئا‬
‫للغزو النابليوين ملصر ‪ ..‬وكما أهان انبليون بوانبرت األزهر ـ بدل إيقاظه لو كان قائد ثورة ‪ ،‬كذلك‬
‫أهان حممد علي ـ األزهر وعلماءه ـ وعلى الرغم من أن حممد علي كان جمرد " عبد " مملوك ال ينتمي‬
‫إىل الدم العريب ‪ ،‬إال أنه رفع راية القومية ابعتبارها السالح الرباق الذي ميكن به ضرب الوحدة‬
‫اإلسالمية والشعور ابملصري اإلسالمي الواحد ‪ ..‬مث يتبع ذلك وضع العرب على انفراد ـ كما حدث‬
‫فعال ـ ‪ ،‬ولعل بعث " حممد علي " غري العريب للفتنة القومية لضرب اخلالفة العثمانية ـ ملصلحة فرنسا ـ‬
‫أكرب دليل على حقيقة جذور هذه اللعبة اليت اخرتعها تطور الفكر األورويب يف عصر النهضة ‪ ،‬لكي‬

‫‪91‬‬
‫يقضي على الشعوب ذات الوحدة األيديولوجية كي تنفرد أورواب ابلتقدم وحدها ‪ ،‬بينما تضيع الدول‬
‫واأليديولوجيات األخرى يف زمحة االنشقاقات القومية واجلنسية ‪ ،‬وهذا ما حدث !!‬

‫وبعد أن كانت دولة اخلالفة املسكينة تقف على ختوم القرن التاسع عشر حتاول أن تفيق من‬
‫سكرة لقائها املفاجئ ملنتجات احلضارة الصناعية ‪ ،‬وحتاول أن تبحث عن حل حضاري مضاد ‪..‬‬
‫وجدت دولة اخلالفة نفسها متخمة ابملشاكل العنصرية اليت أاثرها عمالء الغرب ‪ ..‬هؤالء العمالء‬
‫الذين أهنكوا قواها ‪ ،‬وحاولوا أن يفرضوا عليها الدواء األورويب لعالج أمراضها دون تبصر حبقيقة‬
‫أمراضها ‪ .‬وحبقيقة اختالف بنائها املادي واملعنوي ‪ ،‬ودون وعي ابلعالج احلضاري الناجع!‬

‫وامتدادا للخروج الشاذ الذي أعلنه اململوك اآلبق " حممد علي " ظهرت حماوالت أخرى للخروج‬
‫وقام هبا " بشري الشهايب " يف لبنان ‪ ،‬وحركات يف املغرب العريب ‪ ،‬بل وحركات داخل تركيا نفسها‬
‫ترفع القومية الطورانية ‪.‬‬

‫هذا فضال عن حركات اخلروج اليت سبقت حركة " حممد علي " حتت أتثري دوافع انفصالية‬
‫خمتلفة ‪ ،‬كحركة علي بك الكبري سنة ‪2771‬م يف مصر ‪ ،‬وحركة الشيخ ضاهر العمر سنة ‪2774‬م‬
‫يف فلسطني ‪ ،‬وفخر الدين املعىن يف لبنان قبل سنة ‪2114‬م ‪ ....‬وهكذا ‪ ..‬كانت الدولة العثمانية‬
‫تعاين من الداخل أشد املعاانة ‪ ،‬وتواجه من اخلارج بتحدايت صليبية غربية ‪ ..‬ففقدت على الطريق ـ‬
‫ابلتايل ـ أمالكها يف أورواب " هنغاراي ‪ ،‬وبلغراد ‪ ،‬وألبانيا ‪ ،‬واليوانن ‪ ،‬ورومانيا وصربية ‪ ،‬وبلغاراي " ‪.‬‬

‫وأكرب الظن أن بعض أتباع " لورانس " يف ذلك الوقت قد فرحوا لسقوط هذه البالد من يد‬
‫اإلمرباطورية اإلسالمية الكربى ‪.‬‬

‫فهذا هو اهلدف احلقيقي الذي ساقهم إليه أسيادهم من الصليبيني واملاسون ! ‪..‬‬

‫‪92‬‬
‫سقطوا حني ساعدوا على سقوطها ‪:‬‬

‫يدرج بعض الكتاب يف العامل العريب على وصف احلركات املناهضة للدولة العثمانية ( ابحلركات‬
‫االستقاللية ) ‪!! ..‬‬

‫وهذا التعبري يوازي بني حركات االستقالل عن االستعمار اإلجنليزي والفرنسي مثال وبني حركات‬
‫التمرد على اخلالفة العثمانية ‪ .‬ويف تصور أصحاب هذا التعبري أن الدولة العثمانية ال تعدو أن تكون‬
‫استعمارا ‪ .‬متاما كاالستعمار اإلجنليزي ‪ ،‬وابلتايل يعترب االنفصال عنها استقالال ‪ ،‬واالنشقاق عنها‬
‫حتررا دون أية تفرقة بينها وبني االستعمار األورويب ‪.‬‬

‫وهؤالء الكتاب الذي يفرضون هذه الروح على دراسة ( اخلالفة اإلسالمية العثمانية ) يتعمدون‬
‫الوقوع يف عدة أخطاء !‬

‫أوهلا ‪ :‬التجاهل التام لوشيجة ( اإلسالم ) اليت تربط العثمانيني ابلعرب ‪ ،‬وهي وشيجة غري‬
‫متوفرة يف االستعمار األوريب ‪.‬‬

‫اثنيها ‪ :‬ويتجاهل هؤالء كذلك أربعة قرون ( أربعة أمخاس ) ويذكرون قران واحدا هو فرتة وقوف‬
‫الدولة العثمانية يف موقف الدفاع عن حياهتا ‪ ،‬وتعلقها يف سبيل ذلك أبي خيط ‪ ،‬وختبطها ختبط‬
‫املشرف على الغرق !!‬

‫اثلثها ‪ :‬وهؤالء يتجاهلون كذلك أن االنفصال عن العثمانيني كان حلساب االستعمار األورويب‬
‫‪ ،‬وأنه هو الذي كان يقوده مغذاي يف العرب روح االنفصال ملصلحته !! وأن الوعي الديين والقومي‬
‫الصحيح لو كان موجودا ألوجب التمسك ابخلالفة وقيادهتا يف هذه املرحلة على األقل كضربة‬
‫لالستعمار األوريب !!‬

‫لقد قدمت حركات االنفصال هذه أكرب خدمة لالستعمار األوريب ‪ ،‬ويف الوقت نفسه جرت‬
‫على األمة العربية أكرب الويالت ‪ .‬وكان أكرب ويالهتا مأساة فلسطني مث ما تبعها من هزمية سنة‬
‫‪2417‬م ‪.‬‬

‫‪93‬‬
‫ومل يقف أمر خطأ هذه احلركات عند هذا احلد ‪ ،‬بل إهنا وقعت يف خطأ ( أيديولوجي ) آخر ‪،‬‬
‫فرتكيا اإلسالمية مل تكن أبدا حني بدءوا ينشقون عنها يف مرحلة ( استعمار ) فاالستعمار مرحلة‬
‫اترخيية معينة حبسب تعريفهم له ‪ ،‬تقف يف قمة اهلرم الرأعمايل أي أهنا مرحلة اقتصادية تعين توفر‬
‫رءوس األموال لدرجة تتطلب فتح أسواق جديدة وتوفري أيد عاملة ومواد خام ‪ ،‬فهل كان العثمانيون‬
‫يعيشون ( مرحلة االستعمار ) هذه ؟ أم أهنم كانوا حباجة إىل جمرد إصالح اقتصادي بداخل تركيا‬
‫نفسها ؟‬

‫إن كثريا من املصلحني مل تفتهم هذه احلقيقة وعلى رأسهم ‪ " :‬الزعيم مصطفى كامل ـ يف مصر ‪،‬‬
‫وعبد العزيز جاويش ‪ ،‬وحممد فريد ‪ ،‬وغريهم ‪ ،‬بل إنين أشك كثريا يف أن أكثر الزعماء اإلسالميني‬
‫اإلصالحيني كجمال الدين األفغاين والشيخ حممد عبده ‪ ..‬أشك يف أن هذه احلقيقة فاتتهم ‪ .‬وما‬
‫كانت دعوة هؤالء دعوة انفصالية عن اخلالفة ‪ ،‬وإمنا كانت دعوة إىل إصالح أمر اخلالفة الذي كان‬
‫مييل إىل التداعي بفعل مؤثرات خارجية كثرية ‪ ،‬ومؤثرات أخرى داخلية ‪.‬‬

‫وقد وقعت هذه احلركات يف خطأ آخر كبري ‪.‬‬

‫فمنذ أواخر القرن التاسع عشر أخذت احلركة الصهيونية اليت بدأت أتخذ شكال تنظيميا واضحا‬
‫مرتكزا على األيديلوجية " الصهيونية " حماولة الوصول إىل أهدافها يف إقامة دولة يهودية ‪.‬‬

‫ويف سنة ‪2047‬م ( والسلطان عبد احلميد رمحه هللا ـ هو احلاكم ) عقد املؤمتر الصهيوين بزعامة‬
‫هرتزل يف مدينة " ابل " بسويسرا وهو املؤمتر املعروف ابسم " مؤمتر ابل " ووضعت خطة إنشاء وطن‬
‫قومي يهودي يف فلسطني ‪.‬‬

‫وقد حاول الصهاينة بقيادة هرتزل إقناع ( السلطان عبد احلميد ) العثماين عدو القوميني العرب ـ‬
‫ابلسماح هلم ابهلجرة إىل فلسطني ‪ ..‬فرفض السلطان رفضا قاطعا ومل يكتف هبذا ‪ ،‬بل وأصدر قانوان‬
‫مبنع اهلجرة اليهودية ومبنع إقامة مستعمرات لليهود يف فلسطني ‪.‬‬

‫‪94‬‬
‫وكان هذا هو ( قشة البعري ) كما يقولون اليت قصمت ظهر الرجل املظلوم ‪ ،‬فقد حرك الصهاينة‬
‫‪ ..‬حركات التحرر واحلركات القومية ‪ ،‬واالستعمار اإلجنليزي ‪ ،‬ووجدت اإلمرباطورية العثمانية نفسها‬
‫أمام طوفان من املشاكل ال ينتهي ‪ ،‬كان أشدها وأبعدها أثرا حركات التمرد الداخلي ‪ ،‬ومن الغريب‬
‫جدا أن يكون مشعلو الثورات ضد اخلالفة اإلسالمية يف داخل البلدان العربية من الطوائف اإلسالمية‬
‫أو اإلسالمية املتطرفة اليت حتركها أيديولوجيا وحركيا ـ أيد أجنبية ‪ ،‬لكن مع ذلك ‪ ،‬وبتأثري شعارات‬
‫براقة صنعها اليهود ‪ ،‬بتأثري هذا وغريه من الوسائل اندمج يف هذه التجمعات املضادة للخالفة بعض‬
‫العناصر اإلسالمية ‪.‬‬

‫ومل أتت سنة ‪2420‬م إال وكان السلطان عبد احلميد املظلوم قد سقط ‪ ،‬ووقعت مجيع األٌقطار‬
‫العربية كمناطق نفوذ لربيطانيا وفرنسا ‪ ..‬وأيضا صدر ( وعد بلفور ) املشئوم يف ‪ 1‬نوفمرب ‪2427‬م ‪،‬‬
‫وبدأت فلسطني تقع حتت الظروف املمهدة للزوال ‪ ،‬وكانت أوىل اخلطوات يف ذلك وقوعها حتت‬
‫االنتداب الربيطاين يف عام ‪2411‬م ‪.‬‬

‫وبني احلربني العامليتني " ‪2420‬م ـ ‪2414‬م " كان التطبيق العملي للمؤامرة العاملية ‪ ،‬وأيضا يف‬
‫اجلانب اآلخر احلركات الداخلية املمتصة للطاقة واملبددة هلا والصارفة عن اخلط احلقيقي الستهالكها‬
‫‪ ..‬كان ذلك كله يعمل على سقوط اخلالفة‬

‫العثمانية ‪ ،‬وسقوط العرب بدءا من فلسطني !!‬

‫وطوى اليهود ‪ ..‬آخر صفحاتنا املشرقة !‬

‫كان رفض السلطان العظيم " عبد احلميد " هتويد فلسطني لطمة مل ينس اليهود أن يردوها‬
‫للخالفة ردا سخيا مل يكن بوسع السلطان عبداحلميد أن يتخيله !‪2‬‬

‫فإىل جانب ما ذكرانه من حتريك للقوى املناوئة للدولة ‪ ،‬ومن غرس لبذور الفكرة العنصرية‬
‫احملاربة للراية اإلسالمية املوحدة لربع البشر !!‬

‫إىل جانب هذا ‪ ..‬هجم اليهود من الداخل على الدولة العثمانية بواسطة األسلحة نفسها اليت‬
‫استعملوها يف كل بلدان العامل اإلسالمي‪ ،‬وهي أسلحة العنصرية والتحضرية‪ ،‬واحلرية ‪ ،‬واإلخاء ‪،‬‬

‫‪95‬‬
‫واملساواة ‪ ..‬وهلم جرا من الشعارات اليت اصطنعها املاسون ‪ ،‬وروجوا هلا ‪ ،‬واستعملوا بعض املخدوعني‬
‫إلذاعتها وتفتيت راية األمة وقبلتها وأهدافها !!‬

‫وكانت مجاعة تركيا الفتاة مث االحتاد والرتقي مها األداتني اللتني سخرمها اليهود وطوعومها هلذا‬
‫الغرض ‪ .‬وكانت الكاتبة " خالدة أديب " إحدى املروجات على املستوى األديب والفكري لفكرة‬
‫القومية الطورانية ‪ ،‬بينما كان زعماء تركيا الفتاة هم املنفذون على املستوايت األخرى لعملية إحداث‬
‫االنقالب حنو ختلي تركيا عن هويتها ورسالتها اإلسالمية ‪..‬‬

‫وقد أقحم هؤالء تركيا يف احلرب العاملية األوىل دون مربر معقول أو سبب يتعلق هبا ‪ .‬فلما هزم‬
‫األملان ‪ ،‬أذعنت تركيا للهزمية بنفسها ‪ ،‬وسجل رعميا سقوط الكرامة العثمانية اإلسالمية هبدنة رودس‬
‫يف ‪2420‬م ‪.‬‬

‫وقد غادر زعماء تركيا الفتاة البالد ‪ ،‬فقصد أحدهم " أنور ابشا " روسيا ‪ ،‬وقصد " طلعت ابشا‬
‫" أملانيا ‪ ،‬ولقد شاء هللا أن يقتص منهم قصاصا دنيواي عاجال ‪ ،‬فلم يلبث " أنور ابشا " أن قتل‬
‫اغتياال يف تركستان ‪ ،‬وأن يصرع طلعت يف برلني ‪ ،‬ويغتال مجال يف تفليس " أما الكاتبة خالدة أديب‬
‫‪ ..‬اليت طال هبا العمر فرتة ‪ ..‬فلم تلبث أن طردت شر طردة ‪ ،‬من تركيا بعد خالف حاد بينها وبني‬
‫الزعيم اليهودي الكبري مصطفى كمال أاتتورك !!‬

‫ومل تكد احلرب العاملية األوىل توشك على االنتهاء حىت كانت الدول األوروبية قد أمتت املسرحية‬
‫اهلزلية ‪ ..‬القتسام أمالك اخلالفة اإلسالمية األخرية ‪ ،‬وإلبراز رجل ينفذ خمططاهتم وأطماعهم حبذافريها‬
‫‪ ..‬وعلى الرغم من أن الكتاابت االستشراقية والكتاابت الصليبية واليهودية والشيوعية جتمع على‬
‫إخفاء هذه احلقيقة ‪ ،‬فإن األحداث بطبيعة تطورها تثبت هذه احلقيقة ‪ ،‬ويكاد يصرح هبذه احلقيقة‬
‫املستشرق " كارل بروكلمان " على الرغم من ذكائه احلاد يف تطويع احلقائق ‪ ،‬وبرتها وإضفاء جو‬
‫إنشائي محاسي عليها ‪ ،‬نعم ‪ ،‬يكاد يصرح هبذا يف كتابه الشهري " اتريخ الشعوب اإلسالمية ـ الدولة‬
‫اإلسالمية بعد احلرب العاملية األوىل " وهو يقول ‪ " :‬عند ذلك ‪ ..‬هيأت الدول احلليفة لرتكيا ـ الحظ‬
‫احلليفة ـ الفرصة الساحنة للرجل الذي قدر له أن ينشئ تركية احلديثة ـ يقصد اليهودي الدومني أاتتورك ـ‬
‫" ولنا أن نتساءل ‪ :‬أي دول حليفة لرتكيا تلك اليت حولتها من زعيمة روحية ـ على األقل ـ لربع‬

‫‪96‬‬
‫البشرية إىل دولة هزيلة تعيش بال ماض وبال حاضر وبال مستقبل ؟ وأي دول هذه اليت ساعدت هذا‬
‫اليهودي على إلغاء احلروف العربية ‪ ،‬وإزالة األوقاف ‪ ،‬وإغالق املساجد ‪ ،‬وقصر علماء الدين على‬
‫ثالمثائة واعظ يف طول البالد وعرضها ‪ ،‬وحتويل مسجد " أايصوفيا " الشهري إىل متحف ‪ ،‬ومسجد‬
‫حممد الفاتح إىل مستودع ‪ ،‬وإلغاء الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬واستبدال القبعة بلباس الرأس الوطين السابق "‬
‫الطربو " وفرض اللباس األوريب ابلقوة ‪،‬وحذف اللغة العربية واللغة الفارسية من مناهج التعليم ابملرة‬
‫‪ ،‬وبيع الكتب واملخطوطات العربية أبخبس األمثان ‪ ،‬فضال عن التعليم العلماين األورويب ‪ ،‬ليس يف‬
‫اجملال التقين كما جيب أن يكون ‪ ،‬بل ـ فقط ـ يف اجملال اإلنساين واألديب والديين ! ‪.‬‬

‫إن إلغاء اخلالفة اإلسالمية وإعالن اجلمهورية الرتكية يف ‪ 14‬أكتوبر سنة ‪2411‬م ‪ ،‬وانتخاب‬
‫مصطفى كمال أاتتورك من قبل مجعية لقبت نفسها " ابجلمعية الوطنية " ‪ ،‬إن هذا كله مل يكن يعين‬
‫سقوط تركيا اإلسالمية يف احلقيقة ‪ ،‬فكم من شعارات براقة زائفة ترفع مث ال تلبث أن تزول ‪ .‬لكن‬
‫متكن األاتتوركي " الغازي " من السيطرة على البالد ‪ ،‬مبساعد ( الدول احلليفة لرتكيا ) كما يقول‬
‫بروكلمان وأمثاله ‪ ،‬مث االجراءات اخلطرية اليت ذكرانها واليت اختذها أاتتورك بعد ذلك ‪.‬‬

‫هذه يف احلقيقة كانت اإللغاء احلقيقي لرتكيا اإلسالمية وللخالفة العثمانية ‪.‬‬

‫ومل يكن اخلليفة العثماين حممد السادس الذي عاصر هذا االنقالب ‪ ،‬كما مل يكن اخلليفة الذي‬
‫وضعه االنقالبيون مكانه عبد اجمليد بن عبد العزيز " مل يكن هذا وذاك أكثر من حتفتني اترخييتني ‪..‬‬
‫حتمالن معامل صورة هزيلة مهتزة ‪ ،‬حلقيقة كانت ـ يوما ما ـ عظيمة قوية ترعب أوراب كلها ‪.‬‬

‫ومع ذلك فلقد أدرك مصطفى كمال الدومني اليهودي أن البقاء الرمزي الصوري هلذه احلقيقة‬
‫القوية العظيمة يشكل يف حد ذاته خطرا على خمططاته الصهيونية ‪ ..‬ولذا فلم يكد ميلك السلطة يف‬
‫يده ويرتبع بتؤدة على عر السيطرة ملدة مخسة أشهر ‪ ،‬حىت أعلن إلغاء اخلالفة اإلسالمية ‪ ،‬مث طرد‬
‫آخر خليفة للمسلمني من البالد يف اليوم الثالث من مارس سنة ‪2419‬م ‪.‬‬

‫ولعل العقالء وحدهم هم الذين يسألون ‪ :‬ماذا استفادت تركيا من هذه اخلطوة ؟ وماذا كان‬
‫ميكن أن تكسب لو أهنا مضت يف طريق اإلصالح مبقية على مركزها كزعيمة روحية إذا كانت هناك‬

‫‪97‬‬
‫نية إصالح حقيقية ؟ ‪.‬‬

‫ولعل هذا وذاك يفسران للعقالء وحدهم أن هناك أمرا كان مبيتا ‪ ،‬وأن العامل اإلسالمي والعامل‬
‫العريب كاان من األهداف الرئيسية لضرب اخلالفة اإلسالمية ‪ ،‬ومل تكن أبدا تركيا هي املقصودة وحدها‬
‫‪.‬‬

‫وفعال تداعت تركيا وسقطت ‪ ،‬فلم تقم هلا قائمة حىت اليوم وتداعى بعدها ومعها العامل‬
‫اإلسالمي بلدا بلدا ‪ ،‬وفكت أواصر احلب والوحدة ‪ ..‬وانل العرب حظهم من كل ما أصاب العامل‬
‫اإلسالمي ‪ ..‬ولعل األقدار قد لقنتهم أقسى الدروس ‪ ،‬حني زرعت يف قلبهم شوكة الصهيونية ‪.‬‬

‫تؤرق مضجعهم ‪ ،‬وتنتقم للخالفة اإلسالمية وتطلعهم جبالء على حقيقة كمال أاتتورك ‪ ،‬وحقيقة‬
‫خمططاته ‪ ..‬وأيضا على حقيقة الذين ساروا على هدى أاتتورك يف فلسطني العربية وفق انقالابت‬
‫يقف وراءها اليهود مسترتين يف كلمات الشيوعية أو احلرية أو " القومية " ‪ ..‬ليزرعوا يف القلب العريب‬
‫أشواكا أخرى !!‪.‬‬

‫‪98‬‬
‫سقوط القومية العربية‬

‫بعد سقوط آل عثمان على يد مجعية االحتاد والرتقي وسادهتا اليهود ـ يهود الدومنا ـ تفككت‬
‫أوصال العامل اإلسالمي ‪ ..‬وجنح ساطع احلصري ـ وهو رجل أعجمي ال يستطيع الكالم ابلفصحى‬
‫ويضمر عداء شديد لإلسالم بتأثري تربيته الصهيونية ـ جنح هذا الرجل يف نشر فكرة القومية مبفهومها‬
‫العلماين اإلحلادي املعادي لإلسالم بني العرب ‪.‬‬

‫وكانت إجنلرتا ـ سيدة العامل آنذاك ـ قد ساعدت على إنشاء ما يسمى جبامعة الدول العربية ‪،‬‬
‫وهي مؤسسة مل ير منها العرب خريا ‪ ،‬ومل تسهم يف حل أية مشكلة ‪ ،‬أو يف حتقيق أي تقدم للعرب‬
‫يف حاضرهم األسيف ‪ ،‬وحسبها أهنا فصلت العرب ـ رعميا ـ عن العامل اإلسالمي وأشعرهتم بكيان‬
‫مستقل ومهي ‪.‬‬

‫ويف ظالل املد العريب ـ على يد حفنة من الثوريني واملقامرين الشبان ـ خسر العرب جزءا كبريا من‬
‫أرضهم ‪ ،‬وساحت يف بالدهم دويلة يهودية ‪ ،‬ودرعها الغرب أبحدث األسلحة ‪ ..‬واملعارف ‪..‬‬
‫واخلبائث األخالقية ‪.‬‬

‫وأما هذه الدويلة اهلزيلة اليت ال يزيد سكاهنا عن ‪ 14 / 2‬من سكان العرب ـ سقط القوميون‬
‫العرب أبشع سقوط ‪..‬‬

‫وكان املقدمة الطبيعية لنجاح هذه الدويلة أهنا ساعدت هؤالء القوميني الثوريني وحدهم على‬
‫الصعود إىل احلكم ‪ ،‬ألن وجودهم هو وحده الكفيل بتحقيق ما تريد إسرائيل من ضماانت بقائها اليت‬
‫أمهها ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إبعاد العرب عن عقيدة جامعة روحية تقاوم اليهودية اليت يتسلحون هبا ‪.‬‬
‫‪ - 1‬ضمان إبقاء األمة العربية يف حالة استرياد دائم ‪ ،‬ألن الذين ال عقيدة هلم ال يستطيعون‬
‫إبداع شيء ذاي ‪.‬‬
‫‪ - 1‬ضمان تفكك العرب ‪ ،‬تفككا دائما ‪ ،‬ألن هؤالء القوميني والثوريني جمرد شبان مغامرين ‪،‬‬
‫ال رصيد هلم من عقيدة أو أصلة أو وعي اترخيي‪ ،‬ومن السهل تلقينهم بعض شعارات ‪ ..‬أو (‬
‫شعارات مضادة ) يصرخون هبا ‪ ،‬وتضيع معها عقوهلم وعقول اجلماهري اليت يقودوهنا ‪.‬‬

‫‪99‬‬
‫وقد قامت هذه القوى احلاكمة الثورية ابلواجب حنو العرب وإسرائيل على النحو املرسوم هلا ‪:‬‬

‫‪ - 2‬فصادرت حرايت املواطنني وإرادهتم ‪ ،‬حبيث مل يعد للشعوب العربية من األمر شيء‬
‫وأصبحت هذه الشعوب نسبة عددية مهيأة تقوم ابملوافقة للحكام على كل شيء بنسبة (‬
‫‪ ) %444.44‬وهي تقوم ابلتصفيق احلاد لكل خطيب ‪ ،‬وتؤيد كل القرارات ‪.‬‬

‫‪ - 1‬أعلنت هذه احلكومات احلرب على اإلسالم وقد جنحت هذه القوى يف إبعاد اإلسالم عن‬
‫جمال التأثري متاما ‪ ..‬على األقل يف مستوى توجيه األمور وقيادهتا ‪.‬‬

‫ففي عصر الطاغية مجال عبد الناصر ‪ ،‬أمكن من جعل الصالة شبهة ‪ ،‬وقراءة القرآن من طالب‬
‫جامعي أمرا يضعه يف القائمة السوداء ‪ ،‬وأمكن نشر الرعب ‪ ،‬وفرض الشيوعية ‪ ،‬حىت قضى هللا عليه‬
‫‪ ،‬وخلص البالد من شروره ‪ ،‬بعد أن خلف تركة أخالقية ومادية وهزائم حتتاج ألجيال طويلة كي تزال‬
‫آاثرها ‪ ..‬وهيهات !!‬
‫وملا جاء خلفه أمكن حتوير األسلوب بعض الشيء ‪ ،‬ووضع على رأس العمل اإلسالمي املتصوفة‬
‫والدجالني وحدهم ‪ ،‬كما ظل اخلط الراعي للتحلل األخالقي يف طريقه ‪ ،‬وعومل اإلسالميون وحدهم‬
‫بقوانني استثنائية وعسكرية ‪.‬‬
‫ـ أما حزب البعث جبناحيه السوري والعراقي فعداؤه لإلسالم وتنكيله أبهله وفقا لتوجيهات‬
‫الصلييب احلاقد ميشيل عفلق ـ أمر مقرر كجزء من سياسة احلزب وأساسياته الفكرية واحلركية ‪.‬‬

‫‪ - 1‬جنحت أساليب هذه النظم يف الوصول إىل النتيجة الطبيعية ‪ ،‬ويف إقرار قواعد إسرائيل‬
‫عسكراي وسياسيا ‪ ،‬كدولة ذات سيادة تفصل العامل العريب عن بعضه البعض ‪ ،‬وتقف ابملرصاد ألية‬
‫ابدرة هنضة حقيقية سواء يف جمال البعث اإلسالمي والوحدة العربية اإلسالمية ‪.‬‬

‫وأصبحت إسرائيل بفضل هذه النظم ‪ ،‬اليت قتلت شعوهبا وشلت قواها ـ كابوسا ثقيال يؤمن أكثر‬
‫أبناء هذا اجليل ـ ابستثناء املؤمنني منهم ـ أبن زواله أمر شبه مستحيل ‪.‬‬

‫وكان هذا هو حصاد التخطيط العاملي الصلييب الصهيوين الشيوعي الثوري ‪ ..‬القومي املشرتك !!‬
‫وألهنم بال عقيدة ‪..‬‬

‫‪100‬‬
‫وألن القومية شعار ال يصلح لصناعة حضارة وال إلجياد وحدة جامعة شاملة ‪.‬‬

‫وألن التبعية الفكرية أوسع أبواب التبعية العامة اليت تفرض اهلزمية والذل ‪.‬‬

‫هلذا ولغريه أصبح العرب أشبه بدول عظمى ‪ ،‬الوحدة بني الدول العربية واألخرى أصعب من‬
‫الوحدة بني الدولة العربية وإسرائيل ‪ ،‬أو الوحدة بني بعضها وأمريكا ‪ ..‬أو روسيا ‪ ..‬كما هو قائم فعال‬
‫‪.‬‬

‫لقد أصبح معظم العامل العريب دوال متقطعة األوصال ‪ ،‬أسرية نظم ميينية وأخرى يسارية وليس‬
‫لإلسالم نصيب فيها سياسيا أو إداراي ‪ .‬وقد متزقت وسائل التوحيد كلها ‪ ،‬فال تكامل اقتصادي ‪ ،‬وال‬
‫تكامل اجتماعي ‪ ،‬وال تنسيق سياسي ‪ ،‬أو إعالمي ‪ ،‬وهلم جرا ‪.‬‬

‫وهم كأسالفهم ساللة " أيب جهل " يتقاتلون ألتفه األسباب ‪ ،‬ويقطعون العالقات بال مربر‬
‫كاف ‪ ،‬ويسريون يف طريقهم دون مشورة وتكامل ‪ ،‬بل كل حسب مصاحله وتوجيهات سادته ‪ ..‬وقد‬
‫أصبح العريب ال أيمن على نفسه يف أي بلد عريب آخر ‪ ،‬بل أصبحت بالد الغرب هي املثوبة واألمن‬
‫‪ ،‬كما أن امللجأ واألمن ألمواهلم هي بنوك اليهود يف أمريكا وأورواب ‪ ،‬واملنتجع لتعليم أبنائهم‬
‫والسرتاحاهتم وجوالهتم هي مرفأ األمن واحلرية ‪ ..‬أوراب العظيمة ‪ ..‬وتقوم بينهم احلواجز اجلمركية‬
‫وإجراءات الزايرة واإلقامة بدرجة جتعل زايرة الدول األوربية أسهل من زايرة عريب دولة عربية أخرى ‪.‬‬

‫وقد بلغ االحنطاط ابلعرب إىل أن صنفوا أنفسهم طبقيا على جنسيات خمتلفة تفصل بعضها‬
‫بعضا ‪ ،‬فبعض دول اخلليج تصنف الشعوب العربية على هذا النحو ‪:‬‬
‫‪ - 2‬خليجي درجة أوىل ( وله سائر احلقوق السياسية واملادية ) ‪.‬‬
‫‪ - 1‬خليجي درجة اثنية ( وله احلقوق املادية فقط )‬
‫‪ - 1‬إيراين ( وله حق احلصول على اجلنسية بعد فرتة وجيزة ) ‪.‬‬
‫‪ - 9‬عراقي‬
‫‪ - 4‬سوري‬
‫‪ - 1‬فلسطيين وأردين‬
‫‪ - 7‬مصري ‪ ..‬وهكذا !!‬

‫‪101‬‬
‫‪ ..‬وهكذا ‪ ..‬تتواىل التصنيفات اليت تتبعها حقوق مادية غري متكافئة ‪ ،‬ابلرغم من تساوي املؤهل‬
‫واخلربة ‪ ،‬كما يتبعها احرتام بقدر الدرجة الطبقية احملددة ‪.‬‬

‫لقد احنطت القومية العربية ابلعرب إىل أسفل سافلني ‪ ،‬ومن الغريب أهنم على الرغم من درس‬
‫لبنان ‪ ،‬ومن درس فلسطني ‪ ،‬ومن الدروس املتكررة اليت يلقنها هلم االستعمار وال يتعلمون ‪ ،‬فإهنم إذا‬
‫ختاصموا ال يلجئون إىل العالج إال إباثرة النعرة اإلقليمية الوطنية الضيقة ‪ ( ..‬مصر للمصريني ـ اهلالل‬
‫اخلصيب ـ وحدة املغرب العريب ) ‪ ..‬فبدال من أن يبحثوا عن دين يغري نفوسهم وأخالقهم ‪ ،‬وبدال من‬
‫البحث عن مركز آخر للوحدة يف عصر " الوحدات الكربى " ـ ( األمريكتان ـ السوق األوربية املشرتكة‬
‫ـ دول حلف وارسو ـ الكتلة الشرقية ـ الكتلة الغربية ) ‪ ..‬بدال من هذا ينزوي كل منهم كأطفال ‪،‬‬
‫مكتفيا بلعبة الوطنية ‪ ..‬ممزقا مشل العرب متزيقا جديدا ‪.‬‬

‫وعلى أية حال ‪ ..‬فكما سقطت النزعة الوطنية ‪ ،‬وأقام االستعمار النزعة القومية بديال للوحدة‬
‫اإلسالمية اليت دعا إليها السلطان عبداحلميد ‪ .‬وكاد يقضي هبا على خمططات االستعمار وينقذ العامل‬
‫اإلسالمي كله ‪ ،‬حىت جاء " مجاعة االحتاد والرتقي " وأعواهنم من املاسون يف العامل العريب ‪ ..‬فقضوا‬
‫على اخلليفة اجملاهد العظيم ‪.‬‬

‫أجل ‪ ..‬كما سقطت النزعة الوطنية بعد فرتة اترخيية حالكة ـ نسجل هنا ‪ .‬سقوط القومية العربية‬
‫) بعد فرتة اترخيية ثورية ال تقل حلكة وظالما عن الفرتة االستعمارية !!‬

‫ومل يبق إال احلل احلضاري الشامل ‪ ..‬اإلسالم !!‬

‫‪102‬‬