You are on page 1of 320

‫ُ‬

‫قزم ِمينورا‬
‫الكتاب‪ :‬قزم ِم ُينورا‬
‫املؤلف‪ :‬منى سالمة‬
‫تدقيق لغوي‪ :‬جمال السبيعي‬
‫تصميم الغالف‪ :‬محمود شرفاي‬
‫تنسيق داخلي‪ :‬سمرمحمد‬
‫رقم اإليداع‪2016 /2500378 :‬‬
‫‪9789776541061 : I.S.B.N‬‬

‫محمد شوقي ‪ :‬املديرالعام‬


‫مديرالنشر‪ :‬علي حمدي‬

‫مديرالتوزيع‪ :‬عمرعباس‪01150636428 /‬‬

‫ملراسلة الدار‪Email:P.bookjuice@yahoo.com:‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة©‬


‫عصيرالكتب للنشروالتوزيع‬
‫ُ‬
‫قزم ِمينورا‬

‫رواية‬

‫منى س ـ ـ ــالمة‬
‫كرة بائ َسة ْ‬
‫َ‬ ‫ًَ‬ ‫أشد ُسجون َ‬ ‫َ‬
‫يس ِجن‬ ‫ِ‬ ‫ف‬
‫ِ‬ ‫‪,‬‬‫ة‬‫قسو‬ ‫ياة‬
‫ِ‬ ‫الح‬ ‫ِ‬ ‫“‬
‫بداخ ِلها ”‬ ‫ه‬ ‫املَ ْرء م َّنا َن ُ‬
‫فس‬
‫ِ‬ ‫ِ‬

‫مصطفى صادق الرافعي‬

‫‪5‬‬
6
‫إه ـ ـ ـ ـ ـ ــداء‬

‫إلـى ك ـ ـ ـ ـ ـ ــل األقـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـزام‬

‫‪7‬‬
8
‫جرائم غامضة‬

‫انخلعت القلوب‪ ,‬واضطربت الحواس‪ ,‬اقشعرت الجلود‪ ,‬وارتجفت‬


‫َْ َ‬
‫القوائم ال تقوى على الحراك قيد أن ُملة للوهلة األولى‪ .‬يرنو الجميع إلى‬
‫الدماء املنبثقة من منتصف جبهة ُمحدثهم‪ ,‬الذي كان صوته يمور بالقوة‬
‫والحماسة منذ ثوان‪.‬‬
‫انطلقت عقيرة الجميع بالصراخ‪ ,‬بات ما يستقر جنانهم من الفزع‪,‬‬
‫ُ‬
‫تزلزل أقدامهم ‪-‬متخبطة الوجهة‪ -‬أرض القاعة العريقة‪.‬‬
‫‪ -‬نرجو من الجميع التزام الهدوء‪ ..‬ال يغادرأحدكم القاعة‪..‬‬
‫لم يتوقف أحد ُليبصر صاحب الرجاء املضطرب املستقر أمام مكبر‬
‫الصوت‪ .‬تبددت أوامره‪ ,‬وتلجلج منطقه؛ فالخوف على حيواتهم بات ملء‬
‫ضلوعهم‪ ..‬البقاء داخل القاعة هو الخطربعينه!‬
‫امتألت ردهة القصرالرئاس ي باملدعوين الفارين من ملك املوت الجاثم‬
‫ُ‬
‫بأنفاسه الثقيلة فوق جسد استوفى أنفاسه املقدرة برصاصة واحدة‪ .‬لم‬
‫احا ليتأسف أحدهم على موتته البشعة‪ ,‬فلم تزل‬ ‫يدع لهم الفزع بر ً‬
‫العقول تائهة في ملكوت إنقاذ الذات‪ ,‬يخش ى كل منهم أن تدركه مقادير‬
‫املنايا برصاصة طائشة‪.‬‬
‫َّ‬
‫تلقى رجال الحراسة األوامر بغلق جميع منافذ القصر الرئاس ي وعدم‬
‫السماح ألي من املدعوين بأن يخطو خطوة واحدة خارجه‪.‬‬

‫‪9‬‬
‫‪ -‬يا للكارثة! ستنهشنا الصحافة والرأي العام‪ ,‬سنصبح لقمة سائغة في‬
‫ّ‬
‫أفواههم‪ ,‬أي مصيبة تلك التي حلت فوق رؤوسنا!‬
‫بنبرات مضطربة وشفاه مرتعشة هتف الوزير بتلك الكلمات على مرأى‬
‫ومسمع من كبار رجال الدولة املجتمعين بإحدى قاعات القصر الرئاس ي‪.‬‬
‫نطقت الوجوه بالوجوم والقلق‪ .‬استند رئيس األمن بمرفقيه إلى الطاولة‬
‫يحط رأسه بين كفيه‪ ,‬يشاطره رأيه باضطراب‪:‬‬
‫‪ -‬وأي كارثة! سيتندر الجميع بفشلنا في تأمين حياة رجالنا‪ .‬للمرة‬
‫الثالثة في عام واحد نخفق في اعتقال ذلك القاتل الخفي أو إنقاذ‬
‫ضحاياه‪.‬‬
‫أس َر ِت الكهرباء بجسد‬ ‫ضرب أحد الوزراء كفيه فوق الطاولة بقوة ْ‬
‫جالسا‪ ,‬ت ِن ُّد من عينيه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مذعورا واستوى في مكانه‬ ‫رئيس األمن‪ ,‬فانتفض‬
‫نظرة خوف‪ ,‬تالقت مع نظرات الوزيرالنارية امللتهبة وهو يزمجر‪:‬‬
‫‪ -‬بل فشلك وحدك! كيف تسلل ذلك امللعون إلى القصر الرئاس ي؟!‬
‫كيف انسل بين رجالك وتمكن من الدخول إلى القاعة وقتل الرجل على‬
‫مرأى ومسمع من الجميع؟!‬
‫هتف مديراألمن مصفرالوجه‪ ,‬يستبد به الخوف‪:‬‬
‫‪ -‬ال أدري سيدي الوزير‪ .‬صدقني! القصر مؤمن ً‬
‫تماما‪ ,‬قوة الشرطة‬
‫والجيش والحرس الجمهوري تؤمن القصر من الداخل والخارج‪ ,‬ال يمكن‬
‫أن تنفذ إليه نملة واحدة إال وكشفنا أمرها‪.‬‬
‫‪ -‬كيف تسلل إلى القصرإذن؟!‬

‫‪10‬‬
‫انقطع الحوار بولوج رئيس الوزراء شاحب الوجه‪ ,‬وقد ذهبت به‬
‫األفكار والهموم كل مذهب‪ ,‬وقف قبالتهم فتعلقت به العيون واألفئدة‪.‬‬
‫هتف ً‬
‫أخيرا بحزم بعد لحظات صمت ثقيلة الوطء‪:‬‬
‫‪ -‬الرئيس غاضب ً‬
‫جدا‪ ,‬تكاد أن تهتز األرض لغضبته‪ ,‬يجب أن نلقي‬
‫القبض على الفاعل خالل يوم واحد‪.‬‬
‫َّ‬
‫تهدل ك ِتفا مدير املخابرات‪ ,‬واعتلى وجهه اليأس واألس ى‪ .‬راود الجميع‬
‫السؤال نفسه‪( :‬كيف سيتمكنون من القبض على القاتل في يوم واحد‬
‫وقد فشلت جهودهم خالل عام كامل في العثور على أي أثرله؟!) ‪..‬‬
‫ً‬
‫مستندا إلى ظهر مقعده‪ ,‬يسترجع تفاصيل‬ ‫استقر رأس مدير املخابرات‬
‫تلك الكارثة التي بدأت منذ عام‪ .‬الجريمة التي اكتملت أركانها اليوم كانت‬
‫الثالثة في قائمة قاتل مجهول فشلت كل التحريات وكل أجهزة الدولة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫واحدا يش ي بهويته‪,‬‬ ‫واملساعي الدولية في الوصول إليه‪ ,‬لم يترك خيطا‬
‫يتبخربعد كل جريمة في الهواء بال أثر!‬
‫الضحية األولى هو البروفيسور التركي "كينان أورغو"‪ ,‬أحد أبرز علماء‬
‫ريبا‪ُ ,‬عثر‬ ‫حقل الفيزياء الذرية وعلوم الليزر‪ُ ,‬قتل منذ إحدى عشر ً‬
‫شهرا تق ً‬
‫على جثته في حقيبة مغلقة بطائرته الخاصة‪ُ ,‬مصفاة ً‬
‫تماما من الدماء!‬
‫اشتم عمال الصيانة رائحة نتنة تفوح من الحقيبة‪ ,‬فتطوع أحدهم‬
‫بفتحها لتطالعهم جثته املتحللة‪.‬‬
‫كشف تقرير الطبيب الشرعي عن آثار تعذيب بأنحاء متفرقة من‬
‫ً‬
‫وحيدا‪ ,‬واعتاد على‬ ‫جسده‪ ,‬وقد ُبترت أصابع يديه وقدميه بالكامل‪ .‬عاش‬
‫ً‬
‫االختفاء فترات طويلة حبيس بيته منشغال بدراساته وأبحاثه لذلك لم‬
‫ُ‬
‫يشعر أحد بغيابه‪ .‬أفاد التقرير بأنه قتل قبل عشرة أيام من يوم اكتشاف‬

‫‪11‬‬
‫الجثة‪ ,‬لم ُيعثر في هذه القضية سوى على شاهد واحد‪ ,‬وهو أحد الحراس‬
‫املكلفين بحراسة الطائرة‪ ,‬أفاد بأنه رأى عامل صيانة يحمل الحقيبة‬
‫ً‬
‫متوجها بها إلى الطائرة‪ ,‬رابه من أمره ما رابه فاستوقفه وتحقق من‬
‫ً‬
‫مقتوال ُ‬
‫وملقى في‬ ‫هويته‪ ,‬ثم سمح له بالعبور‪ .‬تم العثور على هذا العامل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مكب للنفايات العضوية‪ ,‬وإمعانا في الغرائبية كان جسده مسلوخا‬
‫بالكامل كحيوانات املذبح!‬
‫ظن رجال التحقيق في البداية أن جريمة قتل البروفيسور كانت بهدف‬
‫االنتقام أو السرقة‪ ,‬فيما بقيت أسئلة بال أجوبة حيرت عقولهم‪ :‬ملاذا‬
‫خاطر القاتل باستغالل عامل الصيانة لوضع الجثة في الطائرة بينما من‬
‫األفضل أن يلقي بها في أي مكان مهجور أو أن يطمس معاملها؟! بدا كأن‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫العالم بأسره! وملاذا قتل عامل الصيانة في نفس‬ ‫القاتل أراد أن يراها‬
‫ُ‬
‫اليوم الذي قتل فيه البروفيسور "أورغو"؟! هل اختلف القاتل معه‬
‫فقتله وسلخه‪ ,‬أم كانت تلك النية ُمبيتة في نفس القاتل من البداية؟!‬
‫توقف التحقيق يومئذ عند هذه النقطة‪.‬‬
‫ُ‬
‫أما الجريمة الثانية التي راح ضحيتها املخترع املاليزي دكتور"أكمل‬
‫صائب" فمنذ ستة أشهر ُعثر على جثته خالية ً‬
‫تماما من الدماء بحديقة‬
‫قصره‪ ,‬أفادت أجهزة املراقبة البصرية واألشعة تحت الحمراء بعدم‬
‫دخول أي شخص غريب إلى القصر‪ ,‬لم يلج من البوابة سوى الحرس‬
‫والعاملون فيه‪ .‬ظهر في شريط التصوير أحد طباخ القصر وهو يسحب‬
‫ً‬
‫طارحا إياها فوق‬ ‫جثة البروفيسور "أكمل صائب" إلى الحديقة الخلفية‪,‬‬
‫ً‬
‫العشب‪ ,‬ثم غادر القصر بهدوء‪ .‬واجه رجال التحقيق ألغازا كثيرة في هذه‬
‫عجبا كان عثور الشرطة على جثة‬‫القضية أصابتهم بالصداع‪ ,‬لكن أكثرها ً‬

‫‪12‬‬
‫طباخ القصر مبتورة األصابع في مكب للنفايات‪ ,‬فقد حياته بالطريقة‬
‫نفسها التي قتل فيها عامل الصيانة‪ ,‬ثم ُسلخ جسده بالكامل! وإفادة تقرير‬
‫الطبيب الشرعي بأن زمن وفاة الطباخ كان قبل عدة ساعات من مقتل‬
‫دكتور "أكمل صائب"‪ ,‬أي من املستحيل أن يكون هو الشخص الذي‬
‫سجلت أجهزة املراقبة والتعرف على الهوية لحظة دخوله وخروجه من‬
‫القصر‪.‬‬
‫لكن بقى أكبر ألغاز هذه األحجية‪ :‬من القاتل؟! وما هدفه؟! فلم يفقد‬
‫ً‬
‫أوراقا وال َّ‬ ‫ً‬
‫أي ما يمكن أن يمثل أهمية للقاتل‪.‬‬ ‫أي من الضحيتين أمواال وال‬
‫عال ُم الفيزياء‬
‫ثم وقعت اليوم الجريمة الثالثة والتي راح ضحيتها ِ‬
‫والرياضيات املصري دكتور"نائل صالح" برصاصة قاتلة على مرآى‬
‫ومسمع من الصحافة واإلعالم‪ ,‬أثناء اإلحتفاء به لتسلمه جائزة "نوبل"‬
‫في القصر الرئاس ي‪ ,‬عن جهوده وأبحاثه في هندسة الظواهر واملواد على‬
‫مستوى الذرات‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫واحدا‪ ,‬أسمته الصحافة‬ ‫ثالث ضحايا لقاتل لم يترك خلفة دليال‬
‫كجسيم "النيوترينو" الشبحي‬‫"النيوترينو" ألنه شبح يصعب اقتفاء آثاره‪ُ ,‬‬
‫حجما من اإللكترون‪ ,‬بال شحنة كهربائية ُيستدل بها عليه‪,‬‬ ‫ً‬ ‫األصغر‬
‫وبتفاعل ضعيف مع ما حوله‪ .‬واملطلوب القبض عليه خالل يوم واحد‪.‬‬
‫لكن كيف؟!‬

‫***‬
‫َ‬ ‫طيعة ملُراد بدر ُ‬
‫كانت النجوم ّ‬
‫الدجى فتبعثرت حوله تنبض ببريق واهن؛‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫تأبى سماء تلك الليلة أن تحتضن بين جنباتها بريقين‪.‬‬

‫‪13‬‬
‫طرقت خطوات حازمة أرض الشارع الهادئ‪ ,‬فضاعف الصدى من‬
‫َّ‬
‫قوتها كنبضات خافق واثب‪ .‬لم يتلفت إلى غير وجهته‪ ,‬حتى توقفت قدماه‬
‫ً‬ ‫أمام مبنى قديم ُم َّ‬
‫غبر يصرخ باالهمال‪ ,‬ساكنا راقبه بعيون صغيرة‬
‫مسحوبة ال تنتمي إلى العيون الواسعة ألهل هذا البلد‪.‬‬
‫له نظرات تحمل من الغلظة والقسوة بقدر ما تحمل من الغرور‬
‫واألنفة‪ ,‬وشفتان دقيقتان مذمومتان مقوستان إلى أسفل تنطقان بعناد‬
‫ُ‬
‫صاحبهما‪ ,‬غرة عريضة‪ ,‬وشعر أسود غزير يحيط برأس مستدير ذو بشرة‬
‫جسدا متوسط‬‫ً‬ ‫بيضاء مشربة بالحمرة‪ ,‬يتوسطه أنف معكوف‪ ,‬تعلو‬
‫الطول والبنية‪.‬‬
‫ً‬
‫مرتاحا خالي‬ ‫دس أصابعه في مغارة سترته الجلدية سوداء اللون‪ ,‬بدا‬‫َّ‬
‫الوفاض‪ ,‬وكأنه يملك الزمان كله‪ .‬أبصر بطرف عينيه أحد حراس املبنى‬
‫ً‬
‫مقبال صوبه‪ ,‬يرتدي الزي امليري املميز‪ ,‬فلبث بال حراك حتى تالقا‬
‫وجهاهما‪ ,‬وبادره بحدة‪:‬‬
‫‪ -‬أنت! ممنوع الوقوف هنا؛ هذه ُمنشأة ملك للدولة‪.‬‬
‫رفع عينيه ذات النظرات العابثة‪ ,‬يسترق النظر إلى املبنى املستقر‬
‫بجوف الظالم‪ ,‬ثم قال ببراءة مصطنعة‪:‬‬
‫خال ومغلق منذ سنوات‪َ ,‬عشش العنكبوت بكل شبر فيه‪,‬‬ ‫‪ -‬هذا املبنى ٍ‬
‫ملاذا تصرفون الوقت والجهد وأموالنا في حراسته؟‬
‫وكزه الحارس بكعب سالحه‪ ,‬وزجره بعنف‪:‬‬
‫‪ -‬ال شأن لك بذلك‪ .‬انصرف وإال اعتقلتك في الحال‪.‬‬

‫‪14‬‬
‫ً‬
‫هازئا رفع باطن كفيه أمام وجه الحارس باستسالم‪ ,‬ودار على عقبيه‬
‫بعدما شيعه ببسمة ساخرة‪ ,‬لكن الحارس استوقفه ً‬
‫جاذبا ذراعه‪ ,‬وأداره‬
‫َّ‬
‫سيرته األولى‪ ,‬وبحركة سريعة مدروسة شكل الحارس سالحه كما تتشكل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جهازا مستطيال‪ ,‬بدا كشاشة عاجية اللون‪,‬‬ ‫قطعة العجين‪ ,‬وأنتج منها‬
‫مرر أحد وجهتيه أمام وجه الرجل الذي ما فتر ثغره عن االبتسام‪ .‬كل ما‬
‫استغرقه املسح الضوئي ثانية واحدة‪ ,‬ثم ظهرت بيانات متتالية فوق‬
‫ً‬
‫أتوماتيكيا للقراءة املريحة في الضوء‬ ‫الشاشة بلون أرجواني مض ئ‪ُ ,‬معد‬
‫َّ‬
‫الخافت‪ ,‬أسرع الحارس بإلتهامها بعينيه‪ ,‬ثم ما لبث أن تشكلت قسماته‬
‫ً‬
‫بآمارات الدهشة وهو ينظرإلى الرجل قائال‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا لم تقل أنك أجنبي؟‬
‫أجابه الرجل ذو السترة السوداء بسماجة‪:‬‬
‫‪ -‬لم تسألني‪.‬‬
‫‪ -‬ماذا تفعل هنا في هذا الوقت املتأخرمن الليل؟‬
‫‪َّ -‬‬
‫أتنسم الهواء‪.‬‬
‫استعاد السالح شكله األول بحركة أصابع خبيرة‪ ,‬حاول الحارس أن‬
‫ً‬
‫ُيضفي على صوته ش يء من الحزم قائال‪:‬‬
‫ً‬
‫حسنا‪ ,‬أرجو أن َّ‬
‫تتنسمه في مكان آخر‪.‬‬ ‫‪-‬‬
‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬
‫الحزم من صوته‪ ,‬ثم ردد بآلية‪:‬‬ ‫خطفت نسمة باردة‬
‫‪ -‬ممنوع الوقوف هنا‪.‬‬

‫‪15‬‬
‫انصرف الرجل تتبعه نظرات الحارس الذي ما لبث أن عاد إلى موضع‬
‫حراسته‪ ,‬يسترق النظر بريبة إلى الوجهة التي سلكها الرجل‪ ,‬حتى تبدد‬
‫ً‬
‫تماما في الظالم‪.‬‬
‫ً‬
‫معلقا إياها فوق‬ ‫خلع الرجل سترته الجلدية وألقاها خلف ظهره‪,‬‬
‫إصبعه كاملشجب‪ .‬سار في ممرات ملتوية تحت أرض الشارع التي يعلو‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مروريا‬ ‫سطحها قضبان كهربائية خفية كعروق بشرة قرنفلية‪ ,‬ترسم خطا‬
‫ال تحيد عنه السيارات أثناء سيرها‪ .‬ممرات ضيقة‪ ,‬ال يهتك ستر ظالمها‬
‫سوى ضوء مبعثه حلقة ملتفة حول معصمه‪.‬‬
‫اعتلت ابتسامة مرحة شفتيه‪ ,‬يطيل النظر إلى السقف إذ وصل إلى‬
‫نقطة معينة علم عندها أنه اآلن في هذه اللحظة عبر بوابة املبنى الذي كان‬
‫يقف أمامه مع حارسه منذ لحظات‪.‬‬
‫خبيرا بكل شبر‪ ,‬فعلى الرغم من التفريعات التي بدت عشوائية إال‬‫بدا ً‬
‫أنه انحرف فيها بثقة‪ ,‬حتى استقر أمام باب مغلق بقفل إلكتروني‪ ,‬وجهاز‬
‫لكشف الهوية‪ ,‬ما إن قرب وجهه من شاشته؛ حتى استحال ضوئه األحمر‬
‫إلى األخضر‪ ,‬وانفتح الباب‪.‬‬
‫أبصره الرجل املستلقى فوق مقعد هوائي‪ ,‬وقد انعقد ذراعاه خلف‬
‫ً‬
‫ظهره‪ ,‬مقيد بأصفاد ليزرية‪ .‬فانتفض باضطراب وقد نبض عرقا خلف‬
‫أذنه‪ ,‬تابعته عيناه بقلق وهو يدلف للداخل‪ ,‬ويعلق سترته بعناية فوق‬
‫نتوء بارز‪ ,‬ثم يلتفت إلى الجداراملواجه ملقعد الرجل املقيد‪.‬‬
‫نقر فوقه نقرتين فانفتح الجدار عن شاشة كبيرة‪ ,‬مسح بأصابعه‬
‫فوقها؛ فأضاء الشاشة لتعرض أهم أنباء اليوم‪ ,‬والذي لم يكن سوى‬
‫العالم الدكتور "نائل صالح" في القصر الرئاس ي‪.‬‬
‫حادثة مقتل ِ‬
‫‪16‬‬
‫اتسعت أعين الرجل املقيد في ذهول وهو ُيبصر صورة وجهه باتساع‬
‫الشاشة‪ .‬انعقد لسانه وارتج صدره بتنفس مضطرب‪ ,‬نقل عينيه بين‬
‫الرجل والشاشة‪ ,‬تنطق عيناه بسؤالهما في ذهول‪ .‬خفض الرجل الصوت‪,‬‬
‫والتفت إلى دكتور "نائل" الذي استعاد صوته ً‬
‫أخيرا ليسأله‪:‬‬
‫‪ -‬من هذا؟‪ ..‬كيف يشبنهي إلى هذا الحد؟!‬
‫‪ -‬في هذه اللحظة يظن كل مخلوق على وجه هذه األرض أنك ميت‪.‬‬
‫ً‬
‫سأله الدكتور "نائل" بفزع‪ ,‬وال يزال ذاهال‪:‬‬
‫‪ -‬أنت "النيوترينو" أليس كذلك؟‪..‬كيف فعلتها؟‪ ..‬ماذا تريد مني؟‬
‫أنبوبا ُيشبه القلم‪ ,‬وتحت نظرات دكتور "نائل"‬
‫أخرج الرجل من جيبه ً‬
‫املندهشة سحب بتراخي ثالث نمالت‪ ,‬وضعهم الرجل في فمه وهو يلوكها‬
‫ً‬
‫متلذذا‪ ,‬فنطقت قسمات دكتور "نائل" بالتقزز‪ ,‬بينما سمعه يقول‪:‬‬
‫‪ -‬بعض النمال يتم تخزين العسل في بطنها‪ ,‬إنها رائعة املذاق‪ ,‬أتريد‬
‫واحدة؟‬
‫هز دكتور "نائل" رأسه ً‬
‫نفيا بقوة‪ .‬توجه "النيوترينو" إلى أحد جدران‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫مغمورا بالكامل في إضاءة حمراء‪ ,‬خالفا لباقي الجدر‬ ‫زجاجيا‬ ‫الغرفة‪ .‬كان‬
‫اإلسمنتية التي بدت بيضاء معقمة‪ .‬وقف أمامه للحظات‪ ,‬ثم توجه إلى‬
‫مقعد دكتور "نائل"‪ ,‬طرق "النيوترينو" سبابته بإبهامة ثالثة نقرات ‪-‬وقد‬
‫بدا أنه تجاهل أسئلته‪ -‬فانفتح على إثر ذلك شاشة شفافة مضيئة بلون‬
‫ً‬
‫دخاني‪ ,‬تفحص بياناتها ثم اختار ملفا بحركة واحدة من رمشه‪ .‬حرك‬
‫الشاشة بأصابعه حتى استقرت أمام وجه الدكتور "نائل" ثم قال‪:‬‬
‫‪ -‬أريدك أن تقرأ هذا‪.‬‬

‫‪17‬‬
‫ُ‬
‫استقر بصره على الصفحة األولى للملف‪ ,‬كتب فوقها بخط عريض‬
‫ّ‬ ‫َ ُ‬
‫سري للغاية"‪ ,‬بإندفاع أشبه بعناد طفل هتف بالرجل‪:‬‬
‫"قــزم مينورا ‪ِ ..‬‬
‫‪ -‬لن أفعل قبل أن تجيب أسئلتي‪.‬‬
‫نهض الرجل بغتة‪ ,‬ودار حول مقعد دكتور "نائل" الذي حاول أن‬
‫يلتفت لينظر ماذا يصنع‪ ,‬انقض الرجل على يده املقيدة واستل آداة‬
‫ليزرية حادة من جيب بنطاله‪ ,‬قرب فمه من أذن دكتور "نائل" وهمس‬
‫بصوت كالثلج‪:‬‬
‫‪ -‬تعلم أنك لن تحتاج أصابعك السمينة تلك في تصفح هذه امللفات‪,‬‬
‫فما رأيك أن أستعيرمنك ً‬
‫واحدا‪.‬‬
‫ً‬
‫هتف دكتور "نائل" صارخا بألم رهيب‪:‬‬
‫‪ -‬أرجوك ال تفعل‪ ..‬انتظر‪..‬كالاااا!‬
‫***‬
‫كان يعلم أن آالم اإلصبع املبتور ستزول خالل دقائق‪ ,‬وأن الضمادة‬
‫ُ‬
‫امللتفة حول الجرح بإحكام ستمنع تدفق النزيف‪ .‬وعلى الرغم من ذلك كاد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وفزعا خالل دقائق بدت كساعات‪ ,‬تألألت فوق جبينه‬ ‫أن يفقد وعيه أملا‬
‫َ‬
‫حبيات عرق لم ُيعنى بمسحها‪ ,‬أبصر "النيوترينو" وهو يضع إصبعه‬
‫ً‬
‫محذرا‪:‬‬ ‫املبتور على طاولة أمامه‪ ,‬ويشيرإلى الشاشة املفتوحة‬
‫سريعا سيتأخرحصولك على عناية طبية الزمة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪ -‬إن لم تبدأ بالقراءة‬
‫قالها وغادر املكان بعدما أغلق الباب ً‬
‫آليا‪ ,‬أحنى الدكتور "نائل" عنقه‬
‫ً‬
‫للخلف محاوال رؤية الضمادة املحتلة فراغ إصبعه املبتور‪ ,‬لكنه لم يوفق‪.‬‬

‫‪18‬‬
‫أخيرا‬ ‫ً‬
‫سريعا‪ .‬شعر ً‬ ‫ندت من عينيه عبرة قهر فامتصها بكتف قميصه‬
‫بسكون نبضات األلم بمكان البتر‪ ,‬فالتفت إلى الشاشة املضاءة أمامه‬
‫ً‬
‫واملعلقة في الهواء‪ ,‬محاوال صرف أنظاره عن أصبعه الذي تركه‬
‫"النيوترينو" أمام ناظريه كأبلغ تهديد‪ ,‬يتطلع مرة أخرى إلى الجملة‬
‫الوحيدة التي استقرت أمامه‪ ,‬أغمض عينيه لثانية ثم فتحهما‪ ,‬فانقلبت‬
‫الصفحة األولى‪.‬‬

‫***‬

‫‪19‬‬
20
‫ُ‬
‫ق ــزم ِمـيـن ــورا‬
‫سـ ـ ـ ـ ـ ِّـري لل ـغ ـ ـ ـاي ـ ـ ـ ــة‬

‫‪21‬‬
22
‫امللف األول‬

‫ما أجمل العزف على أوتار السماء‪ ,‬تخترق رجفة النسيم جناحيه‪,‬‬
‫فيشعر برذاذ الحرية ُيراود الجسد والفؤاد‪ .‬يرسو تارة فوق أوراق الشجر‪,‬‬
‫ً‬
‫صغيرا مع أقرانه في‬ ‫وتارة فوق سفح التلة السوداء التي لطاملا تسابق‬
‫َّ‬
‫الوصول إليها‪َ .‬و َّد لو استمر حلمه أبد الدهر‪ ,‬وفي أحضان السماء يترنم‬
‫بلحن الحياة‪ .‬لكن كيف يعانق الشمس دون أن يمسه لهيبها؟!‪ ..‬أبصر‬
‫جناحيه وقد أصابهما البالء‪ ,‬فتساقطت أحالم عمره تحت قدميه أشالء‪.‬‬
‫تحركت عيناه بغتة كمقاتل يتحسس ً‬
‫خطرا‪ ,‬يمشط ما حوله بنظرات‬
‫َ َ‬ ‫ً‬
‫وضعا ً‬
‫مريبا‪ ,‬باعثا على الوساوس‪ ,‬شحذ عقله ليتذكر أين‬ ‫متحفزة تشهد‬
‫هو‪ ,‬وماذا يفعل في هذا املكان العجيب!‬
‫غاب عن ذهنه بعض صفائه‪ ,‬فقام من مرقده‪ ,‬وانتصب جسده‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫ملتمسا أن تخمد جذوة اضطرابه‪ ,‬ويذهب عنه تشوشه‪.‬‬ ‫تريث حينا‬
‫وظل وارف ألشجار باسقات‪,‬‬ ‫ال ش يء حواليه سوى صخور صماء‪ِ ,‬‬
‫ومنفذ واحد ال يحرسه ما يحبس مروره لو شاء‪ ,‬فعزم على أن يفعل‪ .‬ومع‬
‫خطواته األولى َب َرز أمامه غريب لم تقع عيناه عليه من قبل‪ ,‬رنا إليه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متحفزا‪ ,‬وكذا فعل الغريب متأمال‪ ,‬كأنه يحاول سبر أغوار‬ ‫ساكن الطرف‬
‫فكره‪ .‬لبثا ً‬
‫مليا‪ ,‬كأن الجو املقبض لهذا املكان قد وأد بداخلهما أي رغبة في‬
‫ً‬
‫الكالم‪ .‬ثم استدارالغريب راحال على حين غرة!‬

‫‪23‬‬
‫ً‬
‫صائحا بلهفة‪:‬‬ ‫تبعه‬
‫‪ -‬أنت! انتظر‪.‬‬
‫تعجب من الغريب الذي لم يأبه ملطلبه‪ ,‬آنس ً‬
‫خدرا في أطرافه مما‬
‫ً‬
‫أعاق قليال لحاقه به‪ .‬أبصره وقد وصل إلى نهاية الطريق الذي أفض ى إلى‬
‫صخرة كبيرة تطل على نهر أسود يبتلع كل ش يء‪ ,‬فظن أنهما يقفان على‬
‫ربوة عالية‪ ,‬أو لعله جبل شاهق عظيم‪ ,‬ال يدري‪ .‬وصل إلى الغريب الذي‬
‫ً‬
‫أولى نظره إلى النهر!‪ ..‬الهثا جذبه بحده يستصرخه‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا ال تجيبني؟! من أنت؟!‬
‫لم يدر أن هذا السؤال بالذات سيثير في رأسه دوامات من األسئلة‪,‬‬
‫تنبه إلى أنه ال يعرف حتى هويته هو! فكان أولى به أن يصيغ سؤاله‪ :‬من‬ ‫َّ‬
‫أنـا؟!‬
‫استعمرت الهواجس حنايا عقله‪ ,‬حاول أن ُيرّتق ثقوب ذاكرته َ‬
‫فأبت‬ ‫ِ‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫وتمنعت‪ .‬أل َّم األلم برأسه؛ فتوقف عن الغوص أكثر في صفحات ماضيه‬
‫البيضاء كالثلج‪َّ .‬‬
‫تنبه إلى النظرات التي يحدجه بها هذا الغريب‪ ,‬والتي تند‬
‫من عين واحدة‪ ,‬أما األخرى فمكانها فراغ بئر رهيبة مظلمة! بدت نظراته‬
‫غريبة كوصفه‪ ,‬عصية الفهم‪ ,‬غامضة‪ ,‬لم يقرأ فيها سوى بعض الحزن‬
‫املشرب بالحنان‪ ,‬أو لعلها الشفقة‪ .‬ابتدره بصوت كحزن الناي‪:‬‬
‫جيدا‪ ..‬أنت اخترت قدرك بنفسك‪.‬‬ ‫‪َّ -‬تذكر ً‬
‫َّ‬
‫هم أن يستفهم لكالمه عن معنى‪ ,‬ويستنطقه بإجابات كل األسئلة التي‬
‫تراود أفكاره عن نفسها‪ ,‬حتى لو اضطر إلى أن يلوح أمام وجهه بسالح‬

‫‪24‬‬
‫ً‬
‫مهددا‪ ,‬لكن الغريب لم يفسح له املجال قط‪ ,‬نطق بجملته األخيرة‪,‬‬ ‫القوة‬
‫ً‬
‫قبل أن يقفز قفزة املوت قائال‪:‬‬
‫‪ -‬وهذا هو اختياري‪.‬‬

‫***‬
‫مستجمعا ما تبقى من شتيت عقله‪ ,‬سار فوق الصخور بأطرافه‬ ‫ً‬
‫العارية إلى غير وجهة محددة يقصدها‪ .‬يبحث عن أي كائن حي في هذا‬
‫املكان‪ ,‬الذي ال يتراءى في جوانبه أحد‪ ,‬وكأنه سقط من خارطة األرض‪.‬‬
‫كاف ليسلبه‬‫حرارة‪ ,‬وجوع‪ ,‬وعطش تكالبوا عليه وأي واحد منهم ٍ‬
‫حياته‪.‬كادت أن تخور قواه فتوقف ً‬
‫متعبا‪ .‬انصرفت عيناه إلى ما حوله‬
‫ً‬
‫متأمال‪ ,‬بعدما انتهت صفوف األشجار‪ ,‬ال ش يء حواليه سوى الصخور‪,‬‬
‫ً‬ ‫آالف منها‪ ,‬متباينة الحجم واللون والشكول‪ .‬كان سيبدو ذلك ً‬
‫بديعا باعثا‬
‫على الجمال لو كان يتطلع إليها بينما هو آمن في سربه‪ ,‬يملك قوت يومه‪,‬‬
‫لكنه اآلن في مأزق‪ ,‬وأي مأزق!‬
‫أخفق عقله في استعادة ملمح واحد من حياته السابقة‪ ,‬أدام النظر‬
‫متفحصا؛ عله يعثر على عالمة أو إشارة تفيده في استكشاف‬ ‫ً‬ ‫إلى جسده‬
‫َّ‬
‫هويته‪ ,‬لكن ال ش يء سوى جسد بلون أسمر‪ ,‬اتسم بالنحافة‪ ,‬وبقامة‬
‫فطن اآلن إلى أن الغريب ذا العين الواحدة كان يشاطره نفس‬ ‫متوسطة‪ِ .‬‬
‫اللون والبنية تقر ًيبا‪ ,‬فعس ى أن يكون أحد أقربائه‪ ,‬أو لعله مجرد صديق‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ربما! لكن ما الدافع إلى انتحاره؟! بدا هادئا مساملـا‪ ,‬غير قادر على اإليذاء‪,‬‬
‫فلماذا يؤذي نفسه ويوردها املهالك؟ وما معنى أن هذا خياره؟ تاق ألن‬
‫يعرف لتكف رأسه عن الغليان بأسئلة ال يجد بنفسه إجاباتها‪ ,‬وال من‬
‫يجيب له عنها في هذا املكان املوحش‪.‬‬

‫‪25‬‬
‫صخور‪ ,‬وصخور‪ ,‬واملزيد منها‪ ,‬مزيج نفاذ من رائحة ترابية ومعدنية‬
‫مغلفة بنكهة مملحة‪ ,‬اخترقت حواسه عنوة‪ ,‬حتى بات ال يشتم سواها‪.‬‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫خمن أنه يدور حول نفسه في حلقات مفرغة‪ ,‬لألسف ال سبيل ألن يتيقن‬
‫ظنه‪ .‬ها هي صخرة أخرى عليه أن يتسلقها‪ ,‬فعل بمشقة بالغة هذه املرة‪,‬‬
‫ً‬
‫وأخيرا‪ ,‬عثر على زهرة حمراء بديعة الجمال!‬ ‫ومفاصل جسده تئن بضراوة‪.‬‬
‫ّ‬ ‫ُْ‬
‫تتراقص بغنج على نغمات الرياح مستظلة بصخرتين كبيرتين‪ .‬تطلع إليها‬
‫عدها أجمل زهرة يمكن أن تقع عليها‬ ‫والحيرة تستبد به‪ ,‬انبهر بها حتى َّ‬
‫دس يده‬‫أريجها املُـسكر‪ ,‬يخالطه ش يء من املرارة تجاهله‪َّ .‬‬
‫عيناه‪ ,‬اشتم َ‬
‫جزءا كبيرا من إحدى وريقاتها‪ ,‬ثم التهمه بنهم‪ .‬لم‬‫بين الصخرتين‪ ,‬وانتزع ً‬
‫تكد تمر لحظات أخرى حتى تأمل الزهرة بتمعن‪ ,‬كانت تجاورها زهرات‬
‫ُ‬
‫أخر ُمعلقات على الفرع نفسه‪ ,‬ساحرة بلونها األحمر كقلب دامي‪ ,‬انتفض‬
‫َّ‬ ‫ملقيا ما يحمله منها ً‬‫فزعا ً‬‫ً‬
‫أرضا‪ .‬لقد تذكرها! إنها زهرة "القلب النازف"‪,‬‬
‫حتى وإن كان ال يتذكر من يكون‪ ,‬إال أن ما يعرفه ً‬
‫جيدا هو أنها‪ ..‬زهرة‬
‫سامة!‬
‫مذعورا بقلب واجف في االتجاه الذي أسلمته إليه أقدامه‪,‬‬ ‫ً‬ ‫هرول‬
‫ً‬
‫يلوم نفسه لتسرعه في التهامها‪ ,‬صرخ بعلو صوته مستغيثا بمن يستنقذه‬
‫من السم الذي يسري اآلن في خالياه‪ ,‬لكن بقى نداؤه بال صدى‪ ,‬فكر‬
‫ساخرا في لحظة يأس‪ :‬لعل املوت بسم سريع األثر أهون من املوت بمعدة‬ ‫ً‬
‫فارغة تحت قيظ هذه الشمس الحارقة‪.‬‬

‫***‬
‫أثناء تعجله في السير على غير روية‪ ,‬وقد أهمه التفكير‪ ,‬وأعياه إيجاد‬
‫حل لورطته‪ ,‬باغته صوت صرخات من حيث ال يحتسب‪ ,‬الحت له فيه‬

‫‪26‬‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫مستطلعا ملصدر الصوت‪ ,‬هرول في االتجاه‬ ‫بارقة أمل‪ ,‬تلفت حوله بلهفة‬
‫الذي ظن أنه مالق فيه أصحاب تلك األصوات الصاخبة‪ ,‬يستنجد بهم‬
‫عس ى أن يجد عندهم لعييه دواء‪.‬‬
‫أبصر مصدر الصوت فكاد أن ينشق صدره من الرعب‪ ,‬حرب ضروس‬
‫تدور رحاها على بعد خطوات منه‪ ,‬يتساقط فيها القتلى مقطعي األوصال‬
‫بوحشية‪ ,‬جثث باردة الدماء‪ ,‬وأشالء مزقتها األسلحة ونثرتها في كل مكان‪,‬‬
‫صياح الحرب يزلزل أزيزه األرض من تحت األقدام‪ .‬موت يجثم على ٍ‬
‫واد‬
‫أسفل الصخرة‪ ,‬وقبل أن يستجمع أشالء نفسه رأى الكثير منهم يشير إلى‬
‫الصخرة التي تستقر فوقها أقدامه‪ ,‬ويهتف بعضهم بهلع‪:‬‬
‫‪ -‬انقذوا امللك!‬
‫وتعالت صيحات أخرى شرسة‪:‬‬
‫‪ -‬اقتلوا امللك!‬
‫َّ‬
‫تدلى برأسه فأبصر أحدهم يتسلق الصخرة‪ ,‬وقد قارب الوصول إلى‬
‫قمتها‪ ,‬هربت الدماء من أطرافه‪ ,‬تراجع إلى الخلف ً‬
‫فزعا‪ ,‬وقبل أن يولي‬
‫ً‬ ‫مدبرا‪ ,‬دفعه امللك الهارب بحدة فطرحه ً‬ ‫ً‬
‫أرضا مهروال بعزم طاقته‪ ,‬أبصر‬
‫آخرين يتسلقون الصخرة وهم يتقاتلون بشراسة‪ ,‬فأسلم أقدامه للريح في‬
‫االتجاه الذي هرول فيه امللك‪ .‬تعالت صيحات املتسلقين من خلفه‬
‫فاستبد به الذعر‪ ,‬وارتعشت أطرافه‪ ,‬ووهنت قوته فكاد أن يسقط ً‬
‫أرضا‪,‬‬
‫ً‬
‫مثاليا‬ ‫انحشر نصف جسد امللك في ممر ضيق بين صخرتين بدا مكانا‬
‫لالختباء‪ ,‬التفت يرمق بهلع املتسلقين الذين نجحوا في االرتقاء إلى قمة‬
‫ً‬
‫الصخرة‪ ,‬يتقدمهم بعض أفراد الفريق الذي يبغى بامللك فتكا‪ ,‬وجوه نهمة‬
‫َ‬
‫تواقة إلى رائحة الدماء! اندفع بحدة يحرر ما َعل َق من جسد امللك؛‬

‫‪27‬‬
‫ليتمكن من االختباء بدوره‪ ,‬آنس في نفسه قوة اكتسبها بفعل الخوف على‬
‫َّ‬
‫حياته ورغبته في النجاة‪ ,‬فدفع بعزم وإصرار‪ ,‬حتى مكن جسد امللك من‬
‫ً‬
‫العبور‪ ,‬وعلى الفور اندس بجسده النحيل مختبئا بجواره في ذلك املمر‬
‫بغيرعناء كبير‪.‬‬
‫بعدت‬ ‫سمعا وقع األقدام تقترب من مخبئهما؛ فأصغيا السمع إلى أن ُ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عنهما األصوات شيئا فشيئا‪ ,‬فسكن ثائرهما قليال‪.‬‬
‫‪ -‬لقد أنقذت حياتي!‬
‫تنبه إلى الكلمات الهامسة للملك فتطلع إليه باهتمام‪ ,‬تعجب من‬ ‫َّ‬
‫اختالف جسديهما في اللون والبنية‪ ,‬فلونه األسمر يقابله األحمر عند‬
‫امللك‪ ,‬الذي يزيد عنه في الطول والوزن بمقدار ال يمكن تجاهله‪ .‬كم هذا‬
‫عجيب! بدا أن كال منهما ينتمي إلى عالم مختلف ً‬
‫تماما عن اآلخر‪ ,‬قاطع‬
‫امللك استرسال أفكاره دون أن تنطق قسماته بمعنى لتلك االختالفات‬
‫بينهما‪:‬‬
‫‪ -‬لن أنس ى معروفك‪.‬‬
‫ساخرا‪ ,‬فلم تكن خطته إنقاذ حياة امللك‬‫ً‬ ‫لم يجد ُب ًّدا من االبتسام‬
‫ُ‬
‫قط‪ ,‬وال يأبه إن عاش أو قتل‪ .‬كل ما أراده هو االختباء من املحاربين في‬
‫ذلك املمر املستتر‪ ,‬وأعاق جسد امللك نافذة مخبئه فدفعه لينقذ نفسه‪,‬‬
‫ال لينقذ امللك!‬
‫وأسر به في نفسه‪ ,‬فعس ى أن يساعده امللك ر ًّدا‬
‫َّ‬ ‫ضن بهذا التوضيح‬ ‫َّ‬
‫للجميل الذي يظن أنه أسبغه عليه‪ .‬سرت قشعريرة بأطرافه فهزها‬

‫‪28‬‬
‫ً‬
‫يجتلب دفئا يدفع به عن نفسه هذا البرد الذي باغته‪ .‬ساءت حالته أكثر‪,‬‬
‫ً‬
‫مستفهما‪:‬‬ ‫واستشعر ً‬
‫خدرا يحجب صفاء تفكيره‪ ,‬سمع صوت امللك بقلق‬
‫‪ -‬ما بك؟!‬
‫سقط على جنبه ً‬
‫أرضا‪ ,‬في الوقت الذي أبصر فيه بنظر مشوش أحد‬
‫املحاربين يتطلع إليهما من فتحة املمر وهو يصرخ‪:‬‬
‫‪ -‬عثرت عليهما‪.‬‬
‫ال يدري أيهما أبشع‪ ,‬املوت مقطع األوصال بسالح هذا املحارب‬
‫ورفقائه‪ ,‬أم بالسم الزاحف في خالياه‪ ,‬آخر ما نطق به بمشقة قبل أن‬
‫يسقط في بئرعميقة مظلمة‪:‬‬
‫‪ -‬القلب النازف‪.‬‬

‫***‬

‫‪29‬‬
‫امللف الثاني‬

‫ُ‬
‫مض ى الليل إال أقله‪ ,‬واليزال الوجوم يعلو وجوه سكان اململكة‪ ,‬غزلت‬
‫ريح املوت بأنين الثكالى‪ ,‬واأللم يغلي بمرجل أفئدة تحترق بوداع من ذاقوا‬
‫حتفهم‪ .‬تند من العيون آهات وحسرات على من فقدوا أطرافهم‪,‬‬
‫وبجروحهم الغائرة تشوهت أجسادهم‪ ,‬يرتجي بعضها برأ وبعضها‬
‫توج ال‬ ‫سيحصد آجال أصحابها بغير عناء‪ ,‬صراع قسري مع األلم ُ‬
‫سي َّ‬
‫مرمى أبصار الجميع الفظائع التي عاشوها اليوم‬ ‫محالة باملوت‪ .‬مازال َ‬
‫فوق ما يعدونه أكثر من مكان يجمعهم‪ ,‬إنه وطنهم واملعنى الوحيد‬
‫لحياتهم‪ .‬أصوات الحرب يجلجل صهيلها في رؤسهم تأبى أن تبرحها‪,‬‬
‫واد سحيق إلى‬ ‫تذكرهم بتفاصيل تاقوا إلى محوها من ذاكرتهم‪ ,‬ودفنها في ٍ‬
‫األبد‪.‬‬
‫َّ‬
‫شد املحاربون وثاق األسرى وقادوهم إلى السجن في انتظار قرار امللك‪,‬‬
‫َّ‬
‫تلظى أهالي "مينورا" فوق نيران الحقد والغضب‪ ,‬تتنامى رغبتهم في الفتك‬
‫َّ‬
‫باألسرى دون إبطاء‪ ,‬لكن املحاربين أبعدوهم بحزم‪ُ ,‬مبشرين بأن ملكهم‬
‫لن يحرمهم لذة اإلنتقام لتنطفئ فورة غضبهم‪.‬‬
‫لكن عصبة منهم أبوا االنتظار‪ ,‬فاجتمعوا في الساحة أمام مقر‬
‫السجن‪ ,‬واتفقوا على أن القصاص يجب أن يتم الليلة والتزال دماء‬
‫َّ‬
‫قتالهم تعانق التراب‪ .‬تفتق ذهنهم على خطة ُمحكمة ملهاجمة األسرى أثناء‬
‫وجبة املساء‪ ,‬التي سينهمك في التهامها املحاربون مرهقو األجساد بعد يوم‬

‫‪30‬‬
‫فتربصوا في مخابئهم حول السجن‪ ,‬ال يغيب مدخله عن‬ ‫شاق عصيب‪َّ .‬‬
‫أعينهم لحظة واحدة‪ ,‬ولذة االنتقام كالحلم تنسجها عقولهم‪ ,‬شاهرين‬
‫أسلحة حادة‪ُ ,‬ت ّ ُ ّ‬
‫مزق وتجزالرؤوس‪َ ,‬نصلها ُم َّ‬
‫طعم بحقد قلوبهم‪.‬‬ ‫قطع وت ِ‬‫ِ‬
‫***‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫منتشيا مزيال عن جسده أردية الغبار ووعثاء سيره‬ ‫في الصباح اغتسل‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫الطويل‪ ,‬استكانت نفسه واستراح جسده بعدما ارتوى من كأس الكرى‪,‬‬
‫ً‬
‫وتدفق السرور من وجهه مغتبطا بنجاته‪ .‬يغيب عن وعيه تحركات محاربي‬
‫امللك وهم يحملونه إلى مملكتهم‪ ,‬ويزيلون من جسده آثار السم‪ ,‬شكر‬
‫َّ‬
‫تصاريف القدر أن تمكن من إخبارهم ب ِعلته قبل أن يسكن جسده‪ .‬غادر‬
‫مستطلعا اململكة‪ ,‬علم من الخادم الذي اعتنى به َّ‬
‫وقدم‬ ‫ً‬ ‫الغرفة الفسيحة‬
‫ُ‬
‫له الطعام والشراب أن مملكتهم تدعى "مينورا"‪ ,‬اسم غريب! لكنه مثير‬
‫كما اإلثارة التي يبعثها في نفسه هذا املكان‪.‬‬
‫تأمل بانبهار آيات اإلبداع الظاهرة للتصميم املعماري ملساكن وممرات‬
‫ُ‬
‫اململكة‪ ,‬فرشت ُجل أرضها بالحص ى متعدد األلوان واألحجام والشكول‪,‬‬
‫ُ‬
‫يغلب عليها اللونان األخضر واألصفر‪ ,‬وغطى سقفها بقبة عظيمة‬
‫معروشة من جريد النخل وأوراق الشجر‪ ,‬تنفذ آشعة الشمس ونفحات‬
‫الغمام من فتحات كثيرة تركت بال ساتر‪ ,‬قبة مهيبة َ‬
‫وارت اململكة بكاملها؛‬
‫خفت حدته َّ‬ ‫َّ‬
‫وتكسرت؛‬ ‫فيرتع أهل اململكة في ضوء الشمس الذهبي بعد أن‬
‫فتتوالد منه سبعة ألوان من البهجة!‬
‫يتوسط املدينة أعمدة عديدة باسقة من سيقان النخيل والشجر‪,‬‬
‫يالمس بعضها القبة والبعض يكاد‪َّ .‬أما حواف اململكة من الجهات األربعة‬
‫تحدها صخور متراسة متجاورة‪ .‬يحرس ممرات على مساحات متفرقة بين‬

‫‪31‬‬
‫الصخور بعض من محاربي "مينورا" األشداء‪ .‬البد أن بناءه بهذا اإلبداع‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫قد استغرق من الوقت الكثير‪ ,‬وتطلب عماال مهرة ال يرقى ملثل مهارتهم‬
‫أحد‪ .‬ال يتخيل الوقت والجهد الذي استغرقه صانع اململكة في بناء جنة‬
‫يلوح على لبناتها سمات االبتكارواإلجادة‪ .‬الشجر ال ينمو بلمح البصر‪ ,‬فأي‬
‫َّ‬
‫صبرهذا الذي حفزذاك الصانع لغرس البذور واالنتظارإلى أن ينمو الزرع‬
‫ويستطيل ُم ّ‬
‫قبال ثغرالسماء!‬
‫ِ‬
‫علم مبعث تلك الرائحة العطرة اآلسرة التي تنشقتها حواسه‪,‬‬
‫واستحوذت على انتباهه منذ اللحظة األولى التي استيقظ فيها‪ ,‬رائحة‬
‫ُ‬
‫مميزة لألشجار والزهور ينفسح لها الصدر‪ ,‬تقر بها العين‪ ,‬تسري الهم‪,‬‬
‫ُ‬
‫وتجلي الكرب‪ُ .‬بنيت املساكن فوق الجذوع‪ ,‬من الخشب وأوراق الشجر‪,‬‬
‫ُ‬
‫وأغصان نزع عنها ألذ الثمار‪ ,‬فأرجت للمملكة كلها بعبير الحياة‪ ,‬لو كان‬
‫ُ‬
‫للحياة رائحة مميزة تعرف بها؛ إذن فالبد أنها تتراقص اآلن معانقة نسمات‬
‫"مينورا"‪.‬‬
‫وصل إلى بوابة اململكة‪ ,‬ودون أن يمرعبرها أبصر خارجها الساحة التي‬
‫شهدت املعركة الطاحنة باألمس‪ ,‬اعتملت في نفسه الدهشة لبراءة‬
‫مظهرها‪ ,‬ال يش ي أي ركن فيها بجرم حرب شهدها‪ ,‬ساحة نظيفة افترشها‬
‫ُ‬
‫الحص ى تمهد الطريق إلى اململكة‪.‬‬
‫التقطت حواسه حالة االستنفار التي تنثر ذبذباتها في هواء اململكة‪,‬‬
‫تحسس التوتر الذي يكسو وجوه جميع من يمر بهم في جولته‬
‫االستكشافية‪ ,‬وحركاتهم املضطربة‪ ,‬نظرات غريبة يرمقه بها كل من‬
‫تتشابك أعينه معه‪ ,‬تتأرجح بين التوجس والرهبة! أراح جسده فوق فرع‬
‫ً‬
‫شجرة عريض‪ ,‬بدا كمقعد كبير مريح‪ ,‬وأعمل نظرة فيمن حوله مندهشا‬

‫‪32‬‬
‫من البون الشاسع بين أهل اململكة‪ ,‬بدا له شعبها مختلط األجناس‪,‬‬
‫ُ‬
‫وكأنهم شراذم متطايرة من األمم‪ ,‬تم جمعها من كل بقاع األرض‪ .‬ال تقر‬
‫سيمائهم بوحدة عرق أو أصل‪ ,‬لبعضهم سمار باهت‪ ,‬وآلخرين لون‬
‫أصهب‪ ,‬لكن أكثرهم كانوا من أشباه امللك ذو البشرة الحمراء والقامة‬
‫ً‬
‫حجما‪.‬‬ ‫عد نفسه أقصر أهل اململكة قامة‪ ,‬وأقلهم‬ ‫الفارعة العريضة‪َّ .‬‬
‫ٌ‬
‫تشوه‬ ‫تلمس املثلث الذي يتوسط منتصف جبهته‪ ,‬ووقر في نفسه أنه‬ ‫َّ‬
‫أصابه‪ ,‬زوايا املثلث كما لو كانت ً‬
‫بثورا صغيرة‪ ,‬يؤمله العبث بها‪ ,‬وال يدري‬
‫ملاذا هو الوحيد الذي يحمل تلك العالمة الغريبة‪.‬‬
‫أرضا‪ ,‬وسمع صاحبه‬ ‫انقض عليه بغتة من الخلف جسد ثقيل طرحه ً‬
‫ً‬
‫مستجلبا انتباه املارة‪:‬‬ ‫بهتف بحماسة‬
‫‪ -‬أمسكت األسيرالهارب‪ ,‬ساعدوني‪.‬‬
‫وكأنها إشارة خضراء لينقض عليه البعض‪ ,‬يساعدون صاحبهم على‬
‫تثبيته باألرض بعنف‪.‬‬
‫‪ -‬أين املحاربون؟‬
‫‪ -‬لسنا بحاجة إليهم‪ ,‬فلنقتله بأنفسنا‪.‬‬
‫‪ -‬احذروا‪ ,‬ال تفلتوه‪.‬‬
‫أفضت إلى الفشل محاوالته املستميتة لإلفالت من قبضاتهم التي‬
‫ً‬
‫مضطرا لالمتهان‪ ,‬تسرب إلى‬ ‫ً‬
‫موضعا من جسده‪ ,‬فاستكان‬ ‫يكبل كل منها‬
‫ً‬
‫فمه التراب مختلطا بلعابه‪ ,‬أفصح بمشقة بالغة وقد أرعشه الخوف‪:‬‬
‫‪ -‬أنا لست من تظنون‪ ,‬أنا‪..‬‬

‫‪33‬‬
‫أوقفته ذاكرته العطبة عن استكمال شرحه‪ ,‬فاليزال ال يدري من هو‪,‬‬
‫ليثبت لهم أنه ليس من يبحثون عنه‪.‬‬
‫‪ -‬انظروا إليه‪ ..‬ليس هو‪.‬‬
‫ُ ًّ‬
‫قبال قائلها لوال أن منعه تكبيله أسفل أقدامهم‪ ,‬حرروا‬‫كاد أن ينهض م ِ‬
‫ً‬
‫رأسه‪ ,‬فتمكن من التطلع متوجسا إلى عيونهم املحملقة به‪ ,‬مرتعد‬
‫األطراف‪ ,‬بدت الخيبة على وجوههم‪ ,‬اعترض أحدهم بعناد وهو يشير إليه‬
‫باحتقار‪:‬‬
‫‪ -‬إنه واحد من "الجوييم"‪.‬‬
‫‪ -‬لكنه ليس من "جوييم مينورا"‪ ,‬فلنوفر جهودنا للبحث عن ذلك‬
‫النجس الهارب‪ ,‬هيا بنا‪.‬‬
‫ً‬
‫متنفسا الصعداء‪ُ ,‬م ً‬ ‫ً‬
‫بصرا إعراضهم عنه‪ ,‬وآيات‬ ‫سكن ثائره قليال‬
‫ً‬
‫التقزز تستقر بجالء فوق وجه آخرهم إنصرافا‪ ,‬وهو يمسح يديه بجسده‬
‫ً‬
‫هاتفا بغيظ‪:‬‬
‫ً‬
‫جميعا إلى االغتسال اآلن‪" ..‬جوييم" نجس‪.‬‬ ‫‪ -‬سنضطر‬
‫ً‬
‫متوجسا خيفة‬ ‫طعم بالخدوش‪ ,‬ثم سار‬ ‫متفحصا جسده املُ َّ‬
‫ً‬ ‫استنهض‬
‫ومفاصلة تئن بألم‪ .‬عليه أن يكتشف في أقرب وقت هويته‪ ,‬فطاملا هويته‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫مجهولة له‪ُ ,‬‬
‫خطرا على حياته محدقا‪ ,‬لكنه‬ ‫سيشكل مكوثه في "مينورا"‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أيضا ال يستطيع مغادرتها متخذا مرة أخرى من املجهول ِوجهة‪ ,‬ومن‬
‫الجهل ز ًادا‪ ,‬يمخرالخوف عباب قلبه‪ ,‬فعس ى ال يكون له مثل حظ األمس‪.‬‬
‫عمد إلى البحث عن مقر امللك‪ ,‬فإن كان اليزال يظن أنه أنقذ حياته‪ ,‬إذن‬
‫فعليه رد الجميل‪ ,‬وإسعافه بحاجته‪.‬‬

‫***‬

‫‪34‬‬
‫امللف الثالث‬

‫ً‬
‫التمس مقابلة امللك‪ ,‬ولفرحته لم يخالط ذلك وال قليال من‬
‫ُ‬
‫املشقة‪",‬أنا الذي أنقذ امللك باألمس" كلمة السر التي فتحت له على إثرها‬
‫األبواب‪ .‬كان امللك قد بعث في طلبه‪ ,‬فتالقت الرغبتان‪ ,‬وجمعت بينهما‬
‫قاعة الحكم‪.‬‬
‫عدها أضخم أشجار اململكة‪,‬‬ ‫ساقه أحد املحاربين إلى شجرة َّ‬
‫ً‬
‫كشمعدان عمالق ذي سبعة أفرع‪ ,‬وأشار إليه أن يتبعه متسلقا‪ ,‬ففعل‬
‫بغيرمشقة‪ ,‬لها نتوءاتها بارزة بشدة كموطئ لألقدام‪.‬‬
‫انبثق ألق اإلنبهار من وجهه وهو يعاين قاعة حكم شيدت على الفرع‬
‫األوسط من الشجرة‪ُ ,‬مزدانة بأغصان تعانقت ُمحملة بالثمار الناضج‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫فواح العطر؛ لتشكل عرشا ويستنبت امللك منها صولجانه‪ .‬سقفها‬
‫فسيفساء من األحجار بديعة األلوان مرتفعة بال َعمد! ال ُممسك لها عن‬
‫ً َّ‬
‫طي ًعا لرغبات امللك‪ ,‬ينمو باسقا أنى‬ ‫السقوط فوق الرؤوس‪ ,‬كأن الشجر ّ‬
‫يشاء‪ ,‬بال تمرد وال عصيان‪ .‬مكان به الكثيرمن الغرابة واإلبداع‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬أهال بالبطل‪.‬‬
‫شيد‬ ‫بطل بالصدفة‪َّ ,‬‬‫كاد أن ُيفتضح أمره بالضحك‪ ,‬بطل! فما هو إال ٌ‬
‫مباني مجده بالخداع‪ ,‬لكنه أعاد التفكير في األمر وهو ُي َس ّ ِري على نفسه‪:‬‬

‫‪35‬‬
‫ً‬
‫مخادعا‪ ,‬أنا لم أكذب‪ ,‬ولم أغش‪ ,‬فقط تركت امللك وظنونه‪,‬‬ ‫"ال لست‬
‫لقد أساء الفهم‪ ,‬وال ذنب لي في ذلك"‪.‬‬
‫‪ -‬يبدو أنه فقد القدرة على الكالم‪.‬‬
‫أعمل نظره في القائل قوي البنية الواقف على مقربة من امللك‪ ,‬له‬
‫قامة طويلة يتفوق بها على قامة امللك الذي يشترك معه في جسده املشرب‬
‫بالحمرة‪ ,‬عريض‪ ,‬قوي الصدر‪ ,‬مهيب الشكل‪.‬‬
‫خرجت الكلمات منه مرتعشة كالرعدة الخفيفة التي أصابت أطرافه‪:‬‬
‫تحتم ّ‬‫َّ‬
‫علي فعله‪ ,‬لك مني جزيل االمتنان‬ ‫‪ -‬سيدي امللك‪ ,‬لم أفعل إال ما‬
‫على كرم ضيافتك لي في مملكة "مينورا"‪ ,‬وقبلها إنقاذك لحياتي‪.‬‬
‫ً‬
‫موضحا‪:‬‬ ‫أشارامللك بترفع إلى ذلك املهيب الواقف بجواره‬
‫َ‬
‫املحاربين"ريشع"‪ ,‬فلوال إصراره على ضم بعض‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬عليك أن تشكر قائد‬
‫ُ‬
‫املـداوين للعناصراملحاربة‪ ,‬ملا وجدت من ينقذ حياتك أمس‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫"ريشع" بالثناء متملقا‪:‬‬
‫توجه إلى ِ‬
‫شكرا سيدي‪ ,‬لن أنس ى جميلك قط‪.‬‬ ‫‪ً -‬‬

‫‪ -‬أرجو ذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫ال يدري مبعث خوفه من هذا الـ"ريشع"‪ ,‬ثقته بنفسه واعتداده بها‬
‫التي كسته القوة واملهابة‪ ,‬أم نظرات عينيه الفاترة‪ ,‬الحادة كشفرة‬
‫سالحه‪ ,‬عينان متسعتان تبعثان في قلبه الرهبة واالضطراب‪ .‬لذلك عندما‬
‫سأله عن اسمه‪ ,‬واملكان الذي ينتمي إليه؛ تلعثم للحظة ثم أجاب‪:‬‬
‫‪ -‬ال أدري‪ ,‬أنا‪..‬ال أذكرأي ش يء‪.‬‬

‫‪36‬‬
‫َ‬
‫ازدادت النظرات التي يحدجه بها "ريشع" حدة وفظاظة‪ ,‬تحمل من‬
‫ً‬
‫متطلعا‬ ‫عدم التصديق ما تحمل من التهديد والوعيد‪ .‬أشاح بوجهه عنه‬
‫ً‬
‫إلى امللك الذي ابتدره سائال بدهشة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف ذلك؟!‬
‫َّ‬
‫شحذ همته ثم انطلق يقص عليهما ما مر به منذ اللحظة األولى التي‬
‫أبصر فيها الغريب ذا العين الواحدة‪ ,‬الذي قتل نفسه أمام عينيه‪ ,‬ثم‬
‫ً‬ ‫سيره ً‬
‫هائما على وجهه باحثا عن مأوى‪ ,‬ثم التهامه لزهرة "القلب النازف"‬
‫وهو الحدث الذي أفض ى به إلى لقائه بامللك‪ .‬اختتم حديثه باستجداء‬
‫امللك‪:‬‬
‫‪ -‬وأنا أرجو أن يجود ّ‬
‫علي امللك بكرمه‪ ,‬ويساعدني في العثور على املكان‬
‫الذي أنتمي إليه‪.‬‬
‫‪ -‬إن كنت ال تذكرأي ش يء كما َّتدعي؛ فلماذا تظن أنك لست ً‬
‫واحدا من‬
‫شعب "مينورا"؟‬
‫ُّ‬
‫وتشكك‪ ,‬فأجاب بسرعة ندم عليها ً‬ ‫َ‬
‫كثيرا‪:‬‬ ‫ألقى "ريشع" سؤاله بخبث‬
‫‪ -‬ألنني لم أرفي "مينورا" ً‬
‫أقزاما غيري‪.‬‬
‫البشر واإلستمتاع من ثنايا وجه‬ ‫ً‬
‫ضحك امللك متفكها‪ ,‬وأومض ِ‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫"ريشع" هاتفا بخبث‪:‬‬
‫ً ً‬ ‫َّ‬ ‫‪ -‬أتعلم! إنه اسم يناسبك ً‬
‫اسما بدال من‬ ‫تماما‪" :‬القزم"‪ ,‬علك تتخذه‬
‫اسمك الذي َّتدعي نسيانه‪.‬‬
‫ً‬
‫شارحا‪:‬‬ ‫استشعر ً‬
‫حرجا في نفسه‪ ,‬وبتوترقال‬

‫‪37‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ -‬أقصد‪ ..‬لم أر هنا من يشبه ُسمرتي‪ ,‬وأنا أقل من الجميع طوال ووزنا‬
‫ً‬
‫بشكل ملحوظ‪ ..‬حقا رأيت الكثيرمن األجناس املختلطة لكني لم‪..‬‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫دافعا جسده بعنف‬ ‫اقتطع حديثه بغتة بعدما انقض عليه "ريشع"‬
‫جزعا اصطدم به من‬ ‫شاهرا سالحه في وجهه‪ ,‬كاد أن يسقط ً‬
‫أرضا لوال ً‬ ‫ً‬
‫َ‬
‫الخلف‪ ,‬تطلع بخوف وذهول إلى "ريشع" الذي احتدم بلهيب حارق‪ ,‬وقد‬
‫ثارت في رأسه نزوة الغضب‪ ,‬تضاعف الفرق بين جسديهما في عينيه ً‬
‫كثيرا‪,‬‬
‫َ‬
‫حتى أبصروجه "ريشع" ملء السماء وهو يقول‪:‬‬
‫ً‬
‫مختلطا ً‬ ‫‪ -‬لسنا ً‬
‫أبدا‪ ,‬إننا شعب "مينورا" العظيم‪ ,‬على قلب‬ ‫شعبا‬
‫واحد‪ ..‬أتجرؤ أيها "القزم" النكرة على إهانتنا فوق أرضنا‪ ,‬املوت لك‪.‬‬
‫َ‬
‫‪" -‬ريشع"‪ ,‬هذا يكفي‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫احتد "ريشع" ألمرامللك والتفت هاتفا‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬إنه كاذب‪ ,‬أجزم أنه يخطط لش يء ما‪.‬‬
‫‪ -‬لقد أنقذني من املوت‪ ,‬وهذا كاف لي‪.‬‬
‫‪ -‬لكنه من "الجوييم"‪ ,‬إنه نجس‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬قلت كفى يا "ريشع"!‬
‫رضخ والتزال عيناه تغلي من الغضب‪ .‬استغل وقوف امللك بصفه‬
‫فبادره ً‬
‫مؤكدا‪:‬‬
‫‪ -‬أنا ال أكذب أيها امللك‪ ,‬أنا بالفعل ال أذكر أي ش يء عن نفس ي‪ ,‬وال أريد‬
‫ضررا‪ ,‬فقط أرجو أن تأمر أحد محاربيك باصطحابي‬ ‫ً‬ ‫بك أو بمملكتك‬

‫‪38‬‬
‫للبحث عن وطني‪ ,‬مؤكد أنه بالقرب من هنا‪ ,‬مؤكد أنني سأجد هناك من‬
‫يتعرف ّ‬
‫إلي ويجيب على أسئلتي‪.‬‬
‫ً‬
‫لم يكن واثقا تمام الثقة من ذلك‪ ,‬كان مجرد أمل راود نفسه‪ ,‬أشار‬
‫امللك إلى أحد حراسه وأمره‪:‬‬
‫‪ -‬خذه إلى مسكنه اآلن‪ ,‬وأكرم ضيافته‪.‬‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫هم بأن يتحدث فبادره امللك قائال بحزم أخرسه‪:‬‬
‫‪ -‬سنتحدث مرة أخرى‪.‬‬
‫بينما يجاهد في الهبوط من فوق الشجرة‪ ,‬تنامى إلي مسامعه أصوات‬
‫َ‬
‫امللك و"ريشع" الهادرة بنقاش محتدم‪.‬‬
‫رنا أثناء سيره مع املحارب إلى ساحة تجمهر كثيرون بها‪ ,‬سأل املحارب‬
‫بفضول عن سبب هذا التجمهر وهذا الصياح الذي يخترق مسامعه‪,‬‬
‫فأجابه باقتضاب‪:‬‬
‫‪ -‬لقد وجدوا األسيرالهارب‪.‬‬
‫أطال النظر إليهم‪ ,‬يغيب عن علمه انقضاض عصبة من سكان‬
‫ً‬
‫واحدا تلو‬ ‫"مينورا" باألمس على األسرى بسجن اململكة‪ ,‬واجتزاز رؤوسهم‬
‫اآلخر‪ ,‬مطلقين صيحات الحماسة والغبطة‪ ,‬ففر من بين أيديهم واحدٌ‬
‫أثناء اشتباكهم مع حراس السجن‪ .‬انقبض قلبه وزلزله الخوف وهو‬
‫يراقب تشاحنهم‪ ,‬وقع في نفسه أنهم يتشاجرون‪ ,‬ثم استطاع اإلحاطة‬
‫ً‬
‫مرغما‬ ‫بحالهم‪ ,‬ففطن أنهم إنما يتنازعون على جثة األسير الذي أسقوه‬
‫كأس املنية‪ .‬انقضوا عليه يقطعون أوصاله بأسلحتهم الحادة‪ ,‬وكل منهم‬

‫‪39‬‬
‫ينتزع قطعة‪ ,‬يحتفظ بها ثم يتوارى ً‬
‫فرحا بمغنمه‪ .‬أما هذا الذي ظفر من‬
‫جثة األسيربعينيه كان كأنما حاذ الدنيا بأسرها‪ ,‬تشيعه نظرات حاسدة!‬
‫نبتت بداخله مشاعر بحرارة الجمرات‪ ,‬ملقية بتساؤل أقحم عليه‬
‫تفكيره‪ ,‬هل سبق له أن شارك في الحرب؟ هل تنامى بداخله الظلم‬
‫حبيبا أو قر ًيبا‬
‫ً‬ ‫والقهر‪ ,‬وتعطش جسده للذة االنتقام؟ هل فقد بها‬
‫فاستحال الكون من بعده كواد من ّ‬
‫سجيل؟ هل كان مثلهم يو ًما ما‪,‬‬‫ِ‬ ‫ٍ‬
‫ً‬
‫مجلسا؟ هل صنع منه االنتقام يوماً‬ ‫الرحمة على نفسه كدخيل ال يسعه‬
‫ً‬
‫وحشا بال قلب؟‬
‫ال يجد في هذه اللحظة في نفسه شائبة قسوة أو ً‬
‫تفهما لرغبة االنتقام‪,‬‬
‫فهل حجبت ذاكرته عن عقله الصور التي صنعت ذاته التي ال يذكرها‪,‬‬
‫ً‬
‫والتي لربما كانت ظاملة ال تخالط عدال؟! أم ذاته التي ال يذكرها هي ما‬
‫يلمسه اآلن بداخله‪ ,‬لم يغيرها غياب الصور؟!‬
‫هل فقد سجاياه عندما غابت ذكرياته عن عقله‪ ,‬أم بقيت ملتصقة‬
‫به التصاق البحربأمواجه الهاربة؟‬
‫َّ‬
‫اضطرب العالم من حوله وتبلد بخياالته وهواجسه‪ ,‬وما انقض ى من‬
‫عمره‪ ,‬يراوده حنين إلى مالقاة نفسه‪.‬‬
‫‪ -‬القزم!‬
‫استلقى تعانق عيناه سقف املسكن الذي استضافه فيه امللك‪ .‬ناداه‬
‫"ريشع" وكأنها مسبة‪ ,‬إنه بالفعل أصغرمن الجميع هنا ً‬‫َ‬
‫حجما‪ ,‬واالسم‬ ‫بها‬
‫ما هو إال وصف لذلك الفارق الذي يراه غير عادي‪ .‬بطبيعة الحال ال يرى‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫في االسم مفخرة‪ ,‬لكنه أيضا ال يرى فيه ما ِ‬
‫يسود وجهه‪.‬‬

‫‪40‬‬
‫‪ -‬إنه من "الجوييم"!‬
‫َ‬
‫تذكر الطريقة التي نطق بها"ريشع" ذلك وكأنها تهمة‪ ,‬وكذلك فعل‬
‫الذين انقضوا عليه في الساحة‪ .‬استبدت به الحيرة والفضول حول هؤالء‬
‫"الجوييم" الذين يقيمون في "مينورا"ويثيرون هذا البغض والغضب في‬
‫ً‬ ‫نفوس سكانها‪ .‬البد أنهم قوم أغاروا عليهم ً‬
‫ظلما وعدوانا محاولين أن‬
‫َ َّ‬ ‫َ ُّ‬
‫يسلبوهم أرضهم‪ ,‬تعلق أهل "مينورا" بأرضهم وفخرهم بها تمثل في غضب‬
‫َ‬
‫"ريشع" لكلماته‪ .‬أي سرهذا الذي تحويه "مينورا" بين جنباتها؟!‬
‫ً‬
‫تساءل في نفسه هل ينتمي حقا إلى هؤالء "الجوييم"‪ ,‬إذا كان الجميع‬
‫يرى ذلك إذن فليبحث عنهم‪ ,‬عس ى أن تنتهي حيرته ويتعرف عليه أحدهم‪.‬‬
‫ماثال أمامه‪ ,‬قرأ في عينيه ً‬‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫شرا‬ ‫مبصرا "ريشع"‬ ‫مذعورا‬ ‫انتفض‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫مستطيرا‪ ,‬واستشعر فيه الخسة‪ ,‬قيد نفسه إلى جذع خلفه مبتعدا قدر‬‫ً‬
‫َ‬
‫املستطاع عن "ريشع"‪ ,‬تزأركل حشاياه بالخوف‪ ,‬فلعينيه وقع املوت ذاته!‬
‫مثال متقابلين‪ ,‬واستشرف الخطر خالل لحظات صمت ثقيل الوطء‪,‬‬
‫"ريشع" ً‬‫َ‬
‫هادرا‪:‬‬ ‫قطعها‬
‫ً‬
‫‪ -‬لم أصدق حرفا مما قلت‪ ,‬يبدو لي أنك أذكى مما تدعي‪ ,‬أثق أنك‬
‫تخطط لش يء ما‪.‬‬
‫ً‬
‫متقدما‬ ‫ثم أردف بغضب ال يسكن‪ ,‬وهو يشهر سالحه بوجهه يهدده‪,‬‬
‫منه ببطء حازم‪:‬‬
‫‪ -‬وستخبرني ما هو‪.‬‬

‫***‬

‫‪41‬‬
‫امللف الرابع‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫َرنت الشمس إلى األرض بشغف‪ ,‬ترقب تجمهر شعب مملكة "النسر"‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫وملكها وأمرائها وكبرائها‪ ,‬في "طقوس الطهارة" التي تجري في اليوم نفسه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متراميا فوق أرض‬ ‫من كل شهر‪ ,‬وغزلت بسنا أشعتها لنفسها عرشا‬
‫حبات‬‫خاطفا لألبصار‪ُ .‬نسجت أرض اململكة من َّ‬ ‫ً‬
‫اململكة فازدانت ببريق‬
‫متفرد‪ ,‬يضوي في عين الشمس‬ ‫ّ‬ ‫ً‬
‫ذهبية تحتضن شعبا لسمرة لونه سحر ِ‬
‫وغرة القمر‪.‬‬
‫بتفرد‪ ,‬فأرضها مقسمة إلى نصفين‪ ,‬النصف‬ ‫ُشيدت مملكة "النسر" ُّ‬
‫َّ‬
‫الشمالي يحوي مساحات شاسعة خالية إال من ت ِلين عظيمين‪ ,‬إحداهما‬
‫ممر ٌ‬
‫كبير من رمال صهباء‪,‬‬ ‫سوداء‪ ,‬واألخرى حمراء اللون‪ .‬يفصل بينهما ٌّ‬
‫ُيقام عنده احتفاالت اململكة‪ .‬يحده غ ًربا نهر عظيم ماؤه أسود! يمتد من‬
‫النهر شريانان إلى النصف الجنوبي من اململكة والذي يحوي مساكنها‪,‬‬
‫والجالوزة القائمون على حراسة‬ ‫تصميمها غريب عجيب؛ فامللك واألمراء َ‬
‫وأمن اململكة يعيشون داخل كهف مهيب‪ ,‬ضم مساحات عظيمة تسعهم‬
‫ً‬
‫جميعا‪ .‬وللكهف باب واحد يطل على النهر األسود‪ .‬أما الجانب الغربي فما‬
‫هو إال مساحات مترامية األطراف من الرمال‪.‬‬
‫يعيش الشعب تحت األرض! فبداخل كهف امللوك واألمراء تجويف‬
‫ُ‬ ‫عميق ً‬
‫جدا‪ ,‬هوة ساحقة‪ ,‬شيدت فيها منازل الشعب في طبقات متجهة إلى‬
‫باطن األرض‪ ,‬بدت وكأنها ممتدة إلى ماال نهاية‪ .‬طابقها األول يحرس بوابته‬

‫‪42‬‬
‫حارس واحد ال ِق َبل للعالم بمثله‪ ,‬بوابة ضيقة بدت كبالوعة وسط‬
‫الكهف‪ ,‬ال يسمح حارسها بخروج أفراد الشعب منها إلى داخل الكهف‬
‫امللكي ً‬
‫أبدا‪ .‬للشعب ست بوابات أخر ال يقوم على حراستهم أحد‪ ,‬تتيح لهم‬
‫الدخول والخروج دون املرور بالكهف‪ ,‬ثالث بوابات تطل على الجانب‬
‫الشرقي‪ ,‬وثالث بوابات تطل على الجانب الغربي‪ .‬فيكون مجموع البوابات‬
‫سبعا‪.‬‬
‫يثير تصميم اململكة الدهشة في النفوس بقدر ما يثيره حقيقة أخرى‪,‬‬
‫َ َّ‬
‫فالفرق بين الطبقتين ال يتمثل فقط في الفصل بين مساكنهم‪ ,‬وال في‬
‫َ َّ‬
‫معيشة أحدهما فوق األرض واآلخر تحت األرض‪ ,‬بل تمثل في انتخاب‬
‫طبيعي أكثر غرابة‪ ,‬فالطبقة التي تسكن الكهف يمتلك كل منهم عينين‬
‫ً‬
‫اثنتين‪ ,‬أما كل أفراد الشعب أوله وآخره ال يملك أحدهم في رأسه إال عينا‬
‫واحدة فقط‪ ,‬أما العين األخرى فمكانها تجويف مخيف كظلمة القبر!‬
‫ً‬
‫مجلسا‪ .‬الشعب فوق التلة الحمراء‪,‬‬ ‫طفق كل واحد منهم يتخذ لنفسه‬
‫ً‬
‫أما التلة السواء فكان سوادها من امللك وحاشيته‪ ,‬الذي توسطهم متربعا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫مرصعا باألحجار بديعة األلوان ال تحتض أرض مملكة‬ ‫مهيبا‬ ‫عرشا‬
‫"النسر" مثلها‪ .‬يعمل نظره فيما حوله بإباء‪ ,‬وقد تعاظمت منزلته في‬
‫البشر وجوه شعب مملكة‬ ‫العيون‪ ,‬وانحنت لجاللته الجباه‪ .‬ارتقى ِ‬
‫"النسر" أعاليها وأسافلها‪ُ ,‬مترقبين بشوق بدء مراسم "طقوس الطهارة"‪.‬‬
‫***‬
‫‪ -‬املوت لك يا أحقراألقزام‪.‬‬
‫‪ -‬ال أريد بكم ً‬
‫شرا‪ ,‬صدقني‪ ,‬أرجوك توقف‪ ,‬ستكسرعنقي‪.‬‬

‫‪43‬‬
‫َ‬
‫وقف "ريشع" خلفه يشد الوثاق حول رقبته‪,‬كاد بحركة واحدة أن‬
‫يلقي به في عالم األموات‪ ,‬لكنه تراجع في آخر لحظة وقد مر بباله خاطر‬
‫ً‬
‫مهددا‪:‬‬ ‫برقت له عيناه‪ .‬دفعه عنه بعنف‬
‫‪ -‬لو ثبت صدق ظني فتأكد أنني لن أتركك تنعم بالحياة لحظة واحدة‪.‬‬
‫مغادرا دون أن ينتظر ًردا‪.‬‬
‫ً‬ ‫ثم خطا نحو الباب‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫متحسسا رقبته تأمله وهو ينصرف‪ ,‬فهم أن "ريشع" هو أكبر خطر‬
‫يهدده هنا في "مينورا"‪ .‬عليه أن يخشاه ربما أكثر مما يفعل تجاه امللك‪,‬‬
‫أيضا أن يتجنب االختالط بأحد‪ ,‬حتى يفهم سر هؤالء "الجوييم"‬ ‫عليه ً‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫واحدا منهم أم ال‪ .‬ذكر نفسه‬ ‫الذين يكرههم الجميع‪ ,‬وإن كان بالفعل‬
‫أيضا تجنب األسر‪ ,‬فما رآه من مصير آخر أسير سيقض‬ ‫بسخرية أن عليه ً‬
‫مضجعه لليالي طويلة قادمة‪.‬‬
‫أتاه أحد املحاربين بعد قليل يخبره بدعوة امللك على الطعام‪ ,‬وليمة‬
‫ً‬
‫خصيصا من أجل االحتفال بانتصارهم على أعدائهم في املعركة‬ ‫أعدها‬
‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬
‫التي أسموها بـ "معركة اإلستقالل"‪ .‬تقبل الدعوة مرغما‪ ,‬آخر ما كان‬
‫َ‬
‫يريده أن تمتزج نكهة طعامه داخل جوفه بوجه "ريشع" الكالح‪ ,‬ونظراته‬
‫املميتة‪ ,‬لكن الرفض مستحيل‪ ,‬سيعدها امللك إهانة له‪ ,‬ويحظى بعداوته‬
‫هو اآلخر‪.‬‬
‫اكتشف أن ما أسماه املحارب بـ "الوليمة" كان احتفالية كبيرة اتسعت‬
‫لتشمل الشعب كله! اصطف الطعام الوفير بمختلف أنواعه في كل‬
‫ساحات اململكة‪ ,‬خرج الجميع ليشاركوا في احتفالية النصر‪َ .‬خ َّ‬
‫صه امللك‬
‫بمكان مميز بالقرب من مجلسه‪ ,‬فساوره الخوف واستنفرت حواسه‬
‫َ‬
‫بسبب "ريشع" الذي يبعد عنه خطوات معدودة‪ .‬افتتح امللك االحتفالية‬

‫‪44‬‬
‫َ‬
‫بكلمة أثنى فيها على شجاعة محاربيه األشداء وقائدهم العظيم "ريشع"‪,‬‬
‫ونجاحهم في الدفاع عن "مينورا"‪ ,‬وشدد بحزم وقد احتلت القسوة‬
‫قسمات وجهه‪ ,‬أن مصير كل من يجرؤ على االعتداء على "مينورا" وشعبها‬
‫هو املوت بأبشع الطرق‪ ,‬فتعالت الصيحات تؤيد كالم امللك‪.‬‬
‫ً‬
‫مبديا آيات الشكر‬ ‫ارتجف قلبه عندما توجه إليه امللك بحديثه‪,‬‬
‫َ‬
‫واالمتنان‪ ,‬ازداد توتره عندما اتخذت العيون من وجهه ِقبلة‪ ,‬ملع في‬
‫بعضها الحذر‪ ,‬وفي بعضها الخوف‪ ,‬وفي أغلبها‪ ..‬النفور واالتهام! لكنه لم‬
‫َّ‬ ‫يفهم لهذه األخيرة ً‬
‫سببا‪ .‬نال قضمة كبيرة من ثمرة تين جافة وهو يتفكر‬
‫بضيق‪ ,‬ملاذا يضعه الجميع بموقف املتهم ً‬
‫دائما؟ واملثير للغيظ أنه ال‬
‫يعرف التهمة ليتمكن من الدفاع عن نفسه‪ .‬وبينما كان ً‬
‫تائها في غمرة‬
‫ً‬
‫هواجسه‪ ,‬ألقى عليه أحد كباراملحاربين بسؤاله متشككا‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬أحقا ال تتذكرأي ش يء عن حياتك‪ ,‬وال حتى اسمك؟‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫َّ‬
‫تطوع "ريشع" باإلجابة‪ ,‬بدا أن األجواء االحتفالية قد خففت قليال من‬
‫مزاجه العكر‪ ,‬فقال وهو ينهش قطعة من اللحم املجفف باستمتاع‬
‫نطقت به قسماته‪:‬‬
‫‪" -‬القزم"‪ ..‬اختاره لنفسه‪ ,‬وقد أحسن االختيار‪.‬‬
‫انتقل استمتاعه إلى بعض الحاضرين فاستحسنوا االسم متضاحكين‬
‫بسخرية‪ ,‬فكبح غضبته وقال ببرود ظاهر‪:‬‬
‫‪ -‬لم أختره ليكون ً‬
‫اسما لي‪ ,‬ومع ذلك ال أرى فيه ما يعيب‪ ,‬نعم فأنا‬
‫باملقارنة بأجساد أهل اململكة أعد أقلهم ً‬
‫حجما‪.‬‬
‫ً‬
‫أردف مستكمال طعامه وكأن األمرال يعينه‪:‬‬

‫‪45‬‬
‫‪ -‬حتى أعرف هويتي الحقيقية فال فرق عندي بأي اسم يناديني‬
‫اآلخرون‪.‬‬
‫ً‬
‫استشعر في كالمه السخف بمجرد أن نطق به فازاداد حنقا‬
‫َ‬
‫على"ريشع" ألنه َّ‬
‫تعمد الحط من شأنه‪ ,‬وعلى نفسه ألنه ال يجد فيها‬
‫تلمس بداخله هشاشة ال يعرف إن كانت إحدى‬ ‫القدرة على مواجهته‪َّ ,‬‬
‫جبالته‪ ,‬أم فرضها عليه الوضع العصيب الذي يكابده اآلن‪ .‬أبحر بخياالته‬
‫َ‬
‫فتصور نفسه أحد محاربي"ريشع" الشجعان‪ ,‬يشار له بالبنان‪ ,‬وينقش‬
‫بطوالته فوق صفحات األزمان‪.‬‬
‫ً‬
‫ابتهاجا‪ ,‬عندما استحسن املغادرة لبعض‬ ‫كان املكان من حوله يضج‬
‫َّ‬
‫الوقت‪ ,‬ترك ألقدامه القيادة في ممرات اململكة‪ ,‬أما عقله فأهمه املخاوف‬
‫التي انسلت من معقلها‪ ,‬وراحت األفكار تتالطم داخل رأسه بين مد وجذر‪.‬‬
‫غريب يسير فوق أرض غريبة‪ ,‬يحن لش يء مألوف ينتشله من غربته‪ ,‬ش يء‬
‫ً‬
‫واحد مألوف مهما كان بسيطا من شأنه أن يعيد إليه بعض ما فقده من‬
‫أمن وسكينة‪ .‬لكنه تعجب من نفسه أنه لم يشعر بداخله بالحنين إلى‬
‫ش يء ما‪ ,‬يرى دواخل نفسه كورقة شجر نضرة لم ينقش الزمان فوقها‬
‫عالماته‪.‬‬
‫ْ‬
‫تعجب أن ساقته أقدامه بعد سير مديد إلى املكان نفسه الذي ابتدأ‬
‫من عنده املسير‪ .‬أعمل نظره في وجه امللك الناطق بالفرح والحبور‪,‬‬
‫فارتأى انها فرصة مناسبة للحديث معه عن وضعه باململكة‪ ,‬وعن هؤالء‬
‫ٌ‬
‫واحد منهم‪ .‬وما إن تقدم ‪ُ -‬م ً‬ ‫َ‬
‫بديا‬ ‫"الجوييم" الذين يظن "ريشع" أنه‬
‫االحترام والتوقير‪ -‬إلى حيث يقف امللك‪ ,‬حتى استشعر اهتزاز األرض من‬
‫ً‬
‫تحته‪ ,‬رأى البعض يتلفت محدقا في األرض بتوجس‪ ,‬فايقن أنهم أحسوا‬
‫بمثل ما أحس‪ .‬وفي اللحظة التالية‪ ,‬وقبل أن يتخذ أي منهم ردة فعل‬

‫‪46‬‬
‫تفجرت األرض أسفل أقدامهم‪ ,‬وتناثر الحص ى والغبار فوق وجوههم‬ ‫َّ‬
‫وأجسادهم‪ ,‬يصاحبه صرخات هجومية من اثنى عشر ً‬
‫فردا نبتوا من‬
‫باطن األرض بغتة‪ .‬تأملهم "القزم" بفزع‪ ,‬تمكن من أن يلحظ الشبه‬
‫الشديد بينه وبينهم‪ ,‬فوقع في نفسه أن هؤالء البد وأنهم "الجوييم"!!‬
‫في اللحظات التالية كان املحاربون قد أفاقوا من غمض املفاجأة على‬
‫َ‬
‫أمر "ريشع" بالهجوم على "الجوييم" وقتلهم‪ .‬فتالقت األسلحة في قلب‬
‫الساحة التي تحولت من احتفالية إلى معركة شرسة‪ .‬نجح أحد "الجوييم"‬
‫بخفته وسرعته في قطع الطريق على امللك وألقى عليه من حزام بطنه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫حمضا حارقا عديم اللون نفاذ الرائحة‪ .‬أبصر "القزم" والجميع‬ ‫العريض‬
‫بفزع جسد امللك وهو يذوب أمامهم بلمح البصر حتى سقط على األرض‬
‫كتلة محترقة مشوهة ال معالم لها!‬
‫ً‬
‫هرب "القزم" من ساحة الحرب مهروال ًّ‬
‫فارا بحياته‪ ,‬يبحث عن مكان‬
‫يلوذ فيه باألمان‪ ,‬لكنه فوجئ بمن ينقض عليه من الخلف‪ ,‬فانتفض‬
‫ً‬
‫متطلعا إلى وجه أحد "الجوييم" امللتصق بوجهه حتى‬ ‫جسده وهو يلتفت‬
‫تشمم رائحة أنفاسه‪ ,‬وجه يحمل كل آيات الغضب‪ ,‬مأل سمعه هتافه‬
‫الناري‪ ,‬وهو يسدد له لكمة قوية أصابت عينه بقوة‪:‬‬
‫‪ -‬فلتحترق ً‬
‫حيا يا خائن‪.‬‬
‫انطلقت عقيرة "القزم" بصرخة ألم هائلة‪ ,‬امتزجت بصرخة‬
‫"الجوييم" الذي طال جسده هو اآلخر الحمض الحارق‪ ,‬فزلزلت‬
‫صرخاتهما ً‬
‫معا أركان مملكة "مينورا"‪.‬‬

‫***‬

‫‪47‬‬
‫امللف الخامس‬

‫بدأت "طقوس الطهارة" بمملكة "النسر" برقصات أداها زمرة من‬


‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫الجالوزة هم كوكب نظرائهم‪ ,‬بمهارة ال تجارى وال تبارى‪ ,‬مرسلين بريق‬
‫َّ‬
‫أسلحتهم البتارة في وجه السماء‪ ,‬رمقهم الجميع بافتتان مستمدين من‬
‫رقصاتهم اإللهام‪ .‬مستشعرين القوة الكامنة بداخلهم‪ُ .‬نصب َ‬
‫الجالوزة في‬
‫فهم مناراتها التي ال ُتهدم‪ .‬ازداد‬ ‫تتسور شرفات َّ‬
‫العزة‪ُ ,‬‬ ‫َّ‬ ‫ً‬
‫أعالما‬ ‫فخر اململكة‬
‫َ‬
‫إيقاع رقصات الجالوزة حدة‪ ,‬فالتهب حماس الجماهير مطلقين صيحات‬
‫الحماسة واإلعجاب‪ .‬أعقب انتهاء الرقصة صمت مهيب‪ ,‬تهيأ الجميع‬
‫َ َّ‬
‫خالله ليرقبوا ما يدور فوق أرض املمر الذي يفصل بين التلين‪ .‬تالشت‬
‫ُ‬
‫حاجة الجميع إلى الكالم‪ ,‬يعرف كل منهم الطقوس التي نفض عنها غبار‬
‫اللبس‪ ,‬وانزاح عنها حجاب الريب‪ ,‬لكثرة ما دارت رحاها فوق أرض‬
‫مملكتهم‪.‬‬
‫َّ‬ ‫صفان من َ‬ ‫َّ‬
‫الجالوزة في موكب مهيب‪ ,‬يتكفل كل أربعة منهم بحمل‬ ‫ظهر‬
‫أنثى مستلقية في استكانة‪ ,‬ال يبدر عنها حركة وال مقاومة‪ .‬ثمانية وستون‬
‫من اإلناث يحمل أجسادهن مائتان واثنان وسبعون من الجالوزة‪,‬‬
‫يسيرون بخشوع الصالة إلى حيث أفض ى املمر‪ ,‬إلى بركان تقشعر القلوب‬
‫ُ‬
‫لعظمته وتفتن العيون بمهابته‪ ,‬يعرفه جميع أهل اململكة باسم "فم‬
‫النار"‪ .‬ترسل موسيقى الكون السرمدية نغماتها فتنثر في األفئدة منابت‬
‫القدسية‪.‬‬

‫‪48‬‬
‫تقدم أول أربعة من َ‬
‫الجالوزة حاملين األنثى األولى‪ ,‬ودأبوا في ارتقاء‬
‫َ َّ‬ ‫جدار البركان بمشقة َّ‬
‫تحملتها أجسادهم الفتية التي ال تقف أمامها عقبة‪.‬‬
‫تعلقت عيون وقلوب َخواص اململكة وعوامها َ‬ ‫َّ‬
‫بالجالوزة حتى وصلوا إلى‬
‫"فم النار"‪ ,‬وبغتة تواروا بداخله‪ ,‬اضطربت القلوب‪ ,‬وأطل الشغف من‬
‫الجالوزة األربعة ساملين من "فم النار"‪ ,‬دون أن يظهر‬ ‫العيون‪ ,‬حتى عاد َ‬
‫َّ‬
‫لألنثى أثر‪ .‬فهلل الجميع بحماسة وابتهاج‪ ,‬ورج صدى أصواتهم في جميع‬
‫أرجاء اململكة‪:‬‬
‫‪ -‬بذرة الشرطعام النار‪ ..‬قربان النارشريان الشر‪.‬‬
‫تكرر املشهد سبعة وستون مرة أخرى‪ ,‬نهج َ‬
‫الجالوزة سبيل سلفهم‪,‬‬
‫واستنوا بسنتهم‪ ,‬ملقين باإلناث داخل "فم النار"‪ .‬كل مرة تكاد القلوب‬
‫ابتهاجا برؤية َ‬
‫الجالوزة األربعة وهم‬ ‫ً‬ ‫تبلغ األفواه‪ ,‬ثم يلتهب حماسهم‬
‫يرجعون بغيرسوء‪ ,‬فتهتزأصوات الشعب الفائرة‪:‬‬
‫‪ -‬بذرة الشرطعام النار‪ ..‬قربان النارشريان الشر‪.‬‬
‫ُ‬
‫من بين آالف القلوب املتقافزة بهجة‪ ,‬ثمة ثلة من القلوب الدامية‪,‬‬
‫متناثرة بين الجمع‪ ,‬فشلت في التماهي معهم كبثور الزيت فوق وجه املاء‪.‬‬
‫ُ‬
‫تنضح تلك القلوب بدموع قهر لن ُيسمح لها بأن تراق‪ ,‬يعلمون القوانين‬
‫السارية بمملكتهم‪ ,‬العين الخائنة التي يغلبها البكاء‪ ,‬ويرثى صاحبها إحدى‬
‫ً‬
‫اإلناث بعد "طقوس الطهارة" مصيره االحتراق داخل "فم النار"‪ ,‬تماما‬
‫كمصير قرابين بذرة الشر‪ .‬ساروا ُمكبلين بأصفاد القهر بين الحشود‬
‫العائدة إلى الديار‪ ,‬كما لو أن هجير النار بـ"فم النار" طال قلوبهم فأحرقها‬
‫بحميم مسموم‪.‬‬

‫‪49‬‬
‫استمسك كل منهم بزمام جسده حتى ال ينظر إلى الوراء‪ ,‬نظرة واحدة‬
‫ً‬
‫وستنفطر العيون ويتكشف عن قلوبهم املستور‪ .‬كاد أحدهم ضعفا أن‬
‫ينظر إلى "فم النار" الذي ابتلع رفيقة أيامه‪ ,‬أنيسة لياليه‪ ,‬ومن رسم‬
‫ً‬ ‫تجلد ً‬ ‫َّ‬
‫أنفاسا قد تفضحه‬ ‫كاتما‬ ‫بعطر أنفاسها سدرة منتهى أمانيه‪ ,‬لكنه‬
‫ً‬ ‫حرارتها‪َّ ,‬‬
‫وثبت أمامه عينا ال تطرف وال عن درب أقدامه تحيد‪ .‬أوقفه أحد‬
‫متفحصا في عين واحدة حوتها رأسه‪َّ ,‬‬
‫فرد إليه نظره‬ ‫ً‬ ‫الجالوزة يطيل النظر‬ ‫َ‬
‫ضجت النفس تأمر الجسد أال يخون عهد األمان‪" ,‬ال تبك‪ ,‬ال‬ ‫في ثبات‪َّ ,‬‬
‫تبك‪ ,‬ال تبك"! ظلت عينه على موتها فأفسح له الجلواز الطريق‪ ,‬أكمل‬
‫ً‬
‫فائضا صدره بأنين األشواق‪ .‬وفي‬ ‫سيره متخشب الجسد‪ ,‬مبتور األنفاس‪,‬‬
‫اللحظات األخيرة قبل أن يتوارى داخل مسكنه‪ ,‬التفت يسترق نظرة‬
‫ظن أنها لن تضر‪ ,‬وداع أخير‪ ,‬فاحترق بغير دخان يفضحه‪ ,‬وسقط‬ ‫واحدة َّ‬
‫ً‬
‫أرضا مبتور الحياة‪.‬‬

‫***‬
‫لم يكن األلم وحده ما جعل "القزم" سريع االهتياج‪ ,‬بل فقده الثقة‬
‫في كل من حوله‪ ,‬تشابه العدو والصديق‪ ,‬اتفق الجميع بغير اتفاق على أن‬
‫يتخذوه ً‬
‫عدوا‪.‬‬
‫‪ -‬توقف عن الحركة‪ ,‬ستؤذي نفسك‪.‬‬
‫‪ -‬أي أذى أكثرمما أنا فيه اآلن‪ ,‬لقد تشوه وجهي‪.‬‬
‫هتف املُداوي بحدة ألجمته‪َّ ,‬‬
‫وحدت من حركته املضطربة‪:‬‬
‫‪ -‬إن لم تتركني أداوي جرحك فسيصيروضعك أسوأ‪.‬‬
‫‪ -‬ألم رهيب بعيني اليسرى‪ ,‬لقد فقدت بصري‪.‬‬

‫‪50‬‬
‫‪ -‬ال لم تفقده‪ ,‬توقف عن الصراخ والحركة واتركني أكمل عملي وإال‬
‫أفقدتك إياه بنفس ي‪.‬‬
‫‪ -‬لقد كنت"القزم" فحسب‪ ,‬اآلن أصبحت "القزم األعمى املشوه"‪..‬‬
‫آاااه‪.‬‬
‫َّ‬
‫ألم ألم حارق بجرحه الغائر بالجانب األيسر من وجهه‪ ,‬بعدما وضع‬
‫املداوي مادة دبقة فوقه استخرجها بفرك رحيق بتلة زهرة صفراء‪,‬‬
‫ترابيا ً‬ ‫ً‬
‫مسحوقا ًّ‬
‫ناعما‪ ,‬ثم مزجهم باملاء‪ .‬وكذلك فعل مع عينه‬ ‫وأضاف إليها‬
‫ً‬
‫اليسرى التي طالها الضرر‪ .‬بدا مغتاظا غاضب القسمات وصورة‬
‫"الجوييم" الذي أراد قتله ال تفارق خياله‪ .‬أخطأ في إصابة هدفه عندما‬
‫اختل توازنه فسقط القسم األكبر من السائل الحارق فوق جسده‪ ,‬فذاق‬
‫من الكأس الذي أراد أن يسقيه للقزم الذي نجا إال من رذاذ أصاب الجهة‬
‫أثرا ً‬
‫قبيحا‪.‬‬ ‫اليسرى من وجهه بحرق يأمل أال يترك ً‬
‫‪ -‬انتهيت‪ ,‬ال ُتزل ضمادة عينك‪ ,‬وال تعرضها للشمس ً‬
‫أبدا لعدة أيام‪.‬‬ ‫ِ‬
‫ُ‬
‫ضمادة بدائية من األلياف ثبتت بمادة الصقة فوق عينه‪َّ ,‬‬
‫تلمسها‬
‫مناد يأمرهم بالتجمهر عند‬ ‫ً‬
‫بحذر متفحصا‪ .‬تنامى إلى مسامعه صوت ٍ‬
‫ً‬
‫الحائط الجنوبي للمملكة قائال‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬أعلن قائد املحاربين "ريشع" أن الليلة هي ليلة القصاص ملقتل ملكنا‬
‫الشجاع من "الجوييم" األنجاس‪.‬‬
‫دافعا بنفسه إلى خارج مسكنه ليشهد ما سيحدث‪,‬‬ ‫استنهض رغم أمله ً‬
‫ً‬
‫لكنه توقف خائفا من أن يعترض طريقه أحد سكان اململكة الغاضبين‪,‬‬
‫فكونه من "الجوييم" قد يدفع بهم إلى االعتداء عليه وقتله في الحال‪.‬‬

‫‪51‬‬
‫ً‬
‫لحسن حظه أنه ال يبعد عن الحائط الجنوبي إال قليال‪ ,‬فصوت سكان‬
‫"مينورا" يطن في أذنه بصيحاتهم الغاضبة‪.‬‬
‫ً‬
‫متحامال على نفسه تسلق شجرة قريبه من مكان ضيافته‪ ,‬أبصر‬
‫بالقرب من الجدار الجنوبي حفرة واسعة اكتظت بعشرات من "الجوييم"‬
‫وحولهم سكان "مينورا" ومحاربوها‪ ,‬يكيلون لهم الضرب والسباب‪ .‬وقف‬
‫َ‬
‫"ريشع" على صخرة عالية يخطب فيهم بصوت لم يصل إلى مسامع‬
‫َ‬
‫"القزم"‪ ,‬ثم أشار "ريشع" بيده نحو الحفرة فازداد الصياح‪ ,‬وبدا وكأنه‬
‫أمرهم بما أسرى بقلوبهم البهجة‪.‬‬
‫ضج قلب "القزم" بالخوف ملرأى سكان "مينورا" وقد انقضوا على‬
‫ً‬
‫"الجوييم" بالحفرة وعاثوا فيهم تمزيقا بأسلحتهم حتى ُو ِس َم حص ى األرض‬
‫َ‬
‫بدمائهم‪ .‬ارتعب لبشاعة املنظر واختلطت صيحاتهم بهتاف "ريشع"‬
‫الناري‪ ,‬لم يسمع منه كلمة واحدة لكنه استشعر ما فيه من غضب‬
‫وقسوة‪ .‬ثم تكرر ما حدث مع األسير الهارب‪ ,‬اقتنص كل واحد منهم قطعة‬
‫من جسد "جوييم" لكن أولئك الفائزين بأعين "الجوييم" احتفظوا بها‬
‫مهللين بصيحات النصر‪ ,‬فاحتار "القزم" واضطرب‪ ,‬ثم فزع وارتعب‪,‬‬
‫أيأكلون عيونهم؟‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫‪َ -‬حكم "ريشع" بقصاص عادل‪ ,‬أنه فخرمملكة "مينورا"‪.‬‬
‫هكذا سمع أحدهم يقول لصاحبه وهما يمران أسفل الشجرة‪,‬‬
‫فأجابه الذي بجواره‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬نعم لقد أحسن قوال‪ ,‬مائة كل ليلة ملدة شهر‪ ,‬من "الجوييم" الذين‬
‫يعملون في خدمتنا نقتلهم بأيدينا في حفرة املوت‪ ,‬مادمنا ال نستطيع‬

‫‪52‬‬
‫الوصول إلى "الجوييم" املالعين الذين قتلوا امللك واملتخفين تحت أرض‬
‫"مينورا"‪.‬‬
‫***‬
‫َ‬
‫ف ِهم اآلن سبب هذا التنكيل الذي أحاق بهم‪ ,‬هكذا فكر "القزم"‬
‫مستلقيا في مسكنه‪ ,‬تدثره جدرانه بأمان َهش‪ .‬لقد قتل "الجوييم" امللك‬
‫ً‬
‫وبعض حاشيته‪ ,‬وأغاروا على اململكة منذ أيام وقتلوا الكثير من املحاربين‬
‫شاهدا عليها‪ .‬ولم يكتفوا بذلك بل آذوه وكادوا أن‬ ‫ً‬ ‫في الحرب التي كان‬
‫ً‬
‫يقتلوه وهو الذي أراد البحث عنهم واستعادة حياته معهم إن كان حقا‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫واحدا منهم‪ .‬لوال وحشيتهم وهمجيتهم ما أنزل بهم "ريشع" مثل هذا‬
‫العقاب‪ ,‬لعلهم رغم كل ش يء سبب البالء الذي لحق بهم‪.‬‬
‫الحت أمام عينيه صورة حفرة الرعب املليئة بصرخات املوت‬
‫واضحا أن كال الفريقين يكرهه‪ ,‬ولكي يحتفظ‬‫ً‬ ‫فأصابته رعدة‪ .‬لقد بات‬
‫بحياته عليه أن ينال ثقة أحدهما ويأمن جانبه‪ ,‬وال يغلب على ظنه أن‬
‫َ‬ ‫"الجوييم"سيسمحون له بذلك‪َّ ,‬‬
‫عل األمل املتبقي مستتر بجعبة "ريشع"‪,‬‬
‫لكن كيف يثبت له حسن طويته‪ ,‬ويخبره ُّ‬
‫بتبرِئ ِه من "الجوييم"‪ ,‬ورفضه ما‬
‫َ‬
‫يقومون به من أعمال فاسدة ُمفسدة‪ ,‬كيف يحوذ ثقة "ريشع"‪ ,‬حتى‬
‫َّ‬
‫يتمكن له ِوداده؟‪ ..‬كيف؟!‬

‫***‬

‫‪53‬‬
‫امللف السادس‬

‫استغرقت حواس "القزم" لذة في قطعة من ثمرة مشتهاة حلوة املذاق‪,‬‬


‫أرسل بصره بحسرة إلى آخر قطعتين هما كل ما تبقى له من ضيافة امللك‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫قبل مقتله‪ .‬فمنذ أن تنفس الصباح أولى نسماته لم يهتم "ريشع"‬
‫بضيافته‪ ,‬ولم ير الخادم الذي كان يحضر له الطعام‪ .‬التهم قطعة صغيرة‬
‫ً‬
‫ملوكا إياها ببطء‪ ,‬فانسل من أليافها عصارة غزيرة مسكرة‪ ,‬رطبت فمه‪,‬‬
‫وأنعشت جسده‪.‬‬
‫قادما تجاهه بسرعة‪ُ ,‬مكتنز الجسد‪ ,‬يلوح وجهه‬ ‫ً‬ ‫أبصر أحدهم‬
‫بالغضب‪ ,‬امتأل عقل "القزم" بالهواجس‪ ,‬استنهض من مجلسه أسفل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متحسسا لسالحه بترقب‪ ,‬فبادره القادم هاتفا‪:‬‬ ‫الشجرة‬
‫‪ -‬ماذا تفعل تحت شجرتي؟‬
‫بتوترأجابه مخافة أن يثيرحفيظته‪:‬‬
‫‪ -‬كنت أستريح في ظلها‪.‬‬
‫بعينين صادعتين بالجشع َه َدر‪:‬‬
‫‪ -‬أنتظرالثمن إذن‪.‬‬
‫‪ -‬أي ثمن؟‬
‫‪ -‬ثمن الظل‪.‬‬

‫‪54‬‬
‫‪ -‬لكن‪ ..‬ليس معي ما أعطيك إياه‪.‬‬
‫ً‬
‫ملتهما إياها بلهفة‪ ,‬لم يبد‬ ‫اختطف منه القطعة األخيرة من الثمرة‬
‫ً‬
‫اعتراضا وال ما يمكن أن ُيفسر كاعتراض‪ ,‬تأهب للمغادرة‪ ,‬فأوقفه‬ ‫"القزم"‬
‫ً‬
‫هاتفا بحماسة‪:‬‬
‫‪ -‬إنها "فاكهة التنـين"‪ ..‬كيف حصلت عليها؟‬
‫‪ -‬لقد أهداني إياها امللك‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬وهل وافق "ريشع"!‪ ..‬كيف؟!‪ ..‬إنه بخيل جشع‪ ,‬لن يعطي ثمرة‬
‫"فاكهة التنـين" النادرة كهدية‪.‬‬
‫ثم تحولت نظراته إلى الشك‪ً ,‬‬
‫متهما إياه‪:‬‬
‫‪ -‬بل قل أنك سرقتها‪.‬‬
‫نفى عن نفسه التهمة بهلع‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ال لم أفعل‪ ,‬أقسم أن امللك الذي قتل‪ ,‬والذي ال أعرف اسمه إلى‬
‫اآلن‪ ,‬أرسل الخادم بها ّ‬
‫إلي‪ ,‬ومعها أطايب أخرى من الطعام‪ ,‬وكانت هذه‬
‫القطعة هي آخرما تبقى لي‪.‬‬
‫‪ -‬اخفض صوتك حتى ال يسمعنا أحد‪ ,‬ال بأس إن كنت سرقتها‪ ,‬قل لي‪,‬‬
‫هل تستطيع إحضاراملزيد‪.‬‬
‫‪ -‬قلت لك لم أسرقها‪.‬‬
‫تلمس في قسماته الخيبة‪ ,‬ورآه يجلس تحت الشجرة دون أن يعبأ به‪,‬‬ ‫َّ‬
‫وحينما َّ‬
‫هم باملغادرة‪ ,‬دفعته رغبته في معرفة أمور كثيرة إلى أن يسأله‬

‫‪55‬‬
‫بحذر عن "الجوييم"‪ ,‬من هم؟ وملاذا هذه العداوة بينهم وبين سكان مملكة‬
‫"مينورا"‪.‬‬
‫ً‬
‫صمت طويال حتى ظن أنه لن يجيب سؤاله‪ ,‬ثم قال بخبث‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬فلنعقد إتفاقا‪ ..‬سؤال مقابل كل قطعة تأتيني بها من "فاكهة‬
‫التنـين"‪.‬‬
‫أخبره "القزم" بحيرة أنه ال يعرف من أين يأتي بها‪ ,‬فطمأنه بأنه سيدله‬
‫على مكانها‪ ,‬بينما عيناه تتقدان لهفة‪.‬‬
‫"دوش"‪.‬‬ ‫‪ -‬سأنتظرك هنا تحت هذه الشجرة‪ ..‬باملناسبة اسمي ُ‬

‫"دوش" وهو يخبره عن ندرة "فاكهة التنـين" التي ال‬ ‫أنصت باهتمام إلى ُ‬
‫تطرحها إال شجرة واحدة بعيدة‪ ,‬عند الجدار الغربي املقدس للمملكة‪,‬‬
‫"دوش" الذهاب إليها وتسلقها كلما اشتهى‬ ‫وأنها شجرة طويلة يشق على ُ‬
‫ً‬ ‫"فاكهة التنين"‪ ..‬وحينما غادره "القزم" ناداه ُ‬
‫"دوش" هاتفا‪:‬‬
‫‪ -‬تذكرأن زهرة هذه الشجرة تتفتح فقط في املساء‪.‬‬
‫بدت تلكم املعلومات غيراملهمة‪ ,‬فلم يعبأ بها‪.‬‬
‫ً‬
‫كاسرا أفق‬ ‫دسر نفسه بالعزيمة‪ ,‬ومض ى إلى حيث وصف ُ‬
‫"دوش"‬ ‫َّ‬
‫ً َ َّ‬
‫مستريبا غذ الخطى في‬ ‫هواجسه التي ما تكاد تبرحه حتى لتعود أشد وطأة‪.‬‬
‫املمرات امللتوية للمملكة‪ ,‬التي تكاد تخلو إال من بعض املحاربين‪ .‬يرى في‬
‫ً‬
‫أمانا أكثر من يقظة ُ‬
‫الدجى‪ ,‬فسكان "مينورا" يركنون إلى‬ ‫عيون النهار‬
‫الكسل نهارهم‪ ,‬ويحيون بصخب ليلهم‪ .‬ارتأى أن املحاربين يعلمون أنه‬
‫ضيف امللك املقتول‪ ,‬أو أن به مزية تمنعهم من الفتك به‪ ,‬فأعينهم نبع‬

‫‪56‬‬
‫كره وغضب‪ ,‬لكن مع ذلك لم يجرؤ أحدهم على أن َّ‬
‫يمسه بضرر‪ ,‬فتعمد‬
‫أال تتالقى عينه بأعينهم حتى ال يثيرفي أحدهم حفيظته‪.‬‬
‫عض اإلرهاق جسده الذي ال يوفيه قسطه من الراحة‪ ,‬لكنه تحامل‬ ‫َّ‬
‫ليكمل املسيرعلى أقدامه فال وسيلة نقل غيرها‪ ,‬يتنقل سكان"مينورا" من‬
‫َّ‬
‫مكان آلخرمحمولين على َمحفة خشبيه يحملها اثنان من العمال األشداء‪,‬‬
‫ُ َ‬
‫يقايضونهما بالطعام‪ ,‬حبوب أو فاكهة أو خضر‪ ,‬فال ُعملة بـ "مينورا" إال‬
‫املقايضة‪ .‬غلب ظنه أنه لن يوافق أحد على حمل واحد من "الجوييم"‪,‬‬
‫ً‬
‫فضال عن أنه ال يملك ما يقايض به‪.‬‬
‫البشر من‬ ‫ً‬
‫وأخيرا‪ ,‬رنا إلى شجرته املنشودة‪ ,‬وقف على أعتابها ففاح ِ‬
‫تماما في املكان الذي وصفه‬ ‫ُمحياه وهو يشتم رائحة الثمرة الفواحة‪ً ,‬‬
‫كبيرا من املحاربين يحرسون‬ ‫عددا ً‬‫"دوش"‪ .‬لكن فرحه لم يدم إذ أبصر ً‬
‫بوابة ال يرى ما خلفها‪ ,‬استبد الخوف بقلبه‪ ,‬إن رآه املحاربون يقترب من‬
‫الشجرة ويسرق ثمرها فلعلهم يقتلونه دون استتابة‪ ,‬ألهب ذلك حنقه‬
‫وغيظه‪َّ ,‬‬
‫وتبدى له سوء حظه‪ ,‬لكن َع َّز عليه أن يدور على أعقابه برجاء‬
‫خائب‪ ,‬وأمل حائب‪.‬‬
‫كانت الشجرة في أحد األركان ال في نقطة ظاهرة ألعينهم فكان ذلك‬
‫َّ‬
‫نقطة لصالحه‪ ,‬غطى ظهره بأوراق الشجر‪ ,‬وزحف على بطنه بروية‪,‬‬
‫ً‬
‫قاطعا مسافة قليلة في وقت طويل‪ُ ,‬م ً‬
‫ذكرا نفسه بأن األمان في التأني‪,‬‬
‫والعجلة لن تأتي له بخير‪ .‬للشجرة ساق عريضة ساعدته على أن يتوارى‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫وشمر عن ِه َّمة‪,‬‬
‫كشر عن إصرار َّ‬ ‫خلفها بجسده النحيل‪ ,‬تسلقها وقد‬
‫ً‬
‫متجنبا أن تقبض عليه أبصار املحاربين من الجهة األخرى‪ .‬وثب قلبه مع‬

‫‪57‬‬
‫كل حركة ألقدامه‪ ,‬مخافة أن تزل فينكشف أمره‪ ,‬للشجرة نتوءات بارزة‬
‫ُّ‬ ‫ً‬
‫جدا ككل أشجاراململكة‪ ,‬تمكن من تسلقها برشاقة وخفة‪.‬‬
‫رويدا مكمنه بصدره‪ .‬تجلى له السقف العجيب‬ ‫ً‬ ‫فارق الخوف‬
‫َ‬
‫للمملكة‪ ,‬وقد بات أقرب إليه من أي وقت مض ى‪ ,‬مأل بصره بأوراق الشجر‬
‫املتعانقة في سقف ال ُممسك له! ال دعامة مرئية تمنعه عن السقوط‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أرضا‪ ,‬تلتصق ببعضها وكأنها مرغمة امتثاال لقوة ال تستطيع أن تعصاها‪,‬‬
‫ً‬
‫متعجبا حتى مرماه‪ ,‬ال ش يء! ال دعامة تمسكه ويستند إليها‪,‬‬ ‫أرسل بصره‬
‫أمر عجيب وكأن السقف الخضري نبت من ذرات الهواء‪ ..‬أيلد الهواء‬
‫أوراق الشجر؟!‬
‫صرف انتباهه إلى الثمرة الضخمة‪ ,‬قبل أن يبصرها وقع في نفسه أنها‬
‫كبيرة لكن حجمها فاق له كل تصور‪ ,‬بسالحه شق قشور الثمرة‬
‫البيضاوية السميكة‪ ,‬املشتعلة بلون وردي ناري ذي مظهر خالب‪ ,‬أشبه‬
‫بالحراشيف التي تغطي جلود الزواحف‪ .‬للثمرة أجنحة ورقية خضراء‪,‬‬
‫ً‬ ‫عرى ُلبها األبيض املنقوش ببذور كثيرة سوداء صغيرة ً‬
‫جدا‪ ,‬أكثر لينا من‬ ‫ّ‬
‫مثيلتها في نسيج ثمرة الكيوي‪ .‬اقتطع منها ً‬
‫جزءا ً‬
‫كبيرا‪ ,‬أقص ى ما يستطيع‬
‫ً‬
‫متأمال الزهرة ضخمة الحجم التي َّ‬
‫تلوى عنقها ألسفل‪,‬‬ ‫أن ينوء بحمله‪,‬‬
‫بأوراقها البيضاء املتدلية كستائر مخمرية‪ ,‬أعمل نظره بداخلها‪ ,‬فصافح‬
‫عينه قلبها املتآلف من مئات األحبال الذهبية املتدلية كمصباح يشرف‬
‫عليه من األعلى‪ ,‬تتمايل يمنة ويسرة متراقصة على نغمات الرياح‪.‬‬
‫تبدى له أثناء ذلك ما عكف املحاربون على حراسته خلف البوابة‪,‬‬
‫َّ‬
‫تأمل الجدار الغربي الطويل الذي تشابه في بنائه مع الجنوبي والشمالي‪ ,‬في‬
‫ً‬ ‫مادته التي ُ‬
‫صنع منها وهي ملساء‪ ,‬منتظمة‪ ,‬بال لون‪ ,‬لم ير لها مثيال‪ ,‬ترتفع‬

‫‪58‬‬
‫حتى السقف الخضري للمملكة‪ .‬وأمام الجدار صف طويل من األشجار‬
‫املتجاورة بال فراغ يسمح ألحد باملرور‪ ,‬أما الجدار الوحيد املختلف هو‬
‫الجدار الشرقي‪ ,‬فقد ُبني من الشجر املتراص لكن دون الجدار األملس‬
‫الصلب‪ ,‬وبه املنفذ الوحيد للدخول والخروج من اململكة‪ ,‬بوابة ضخمة‬
‫يحرسها املحاربون بال انقطاع‪ .‬وكأن اململكة حبيسة أضلع ثالثة ُمصمتة‪,‬‬
‫وبوابتها الوحيدة في الضلع الرابع‪.‬‬
‫"دوش" بـ "الجدار املقدس" هيكل‬ ‫برز أمام الجدار الغربي الذي دعاه ُ‬
‫َ‬
‫بقرة من حجارة صفراء فاقع لونها ت ُسر الناظرين‪ ,‬واضحة املعالم لدرجة‬
‫َّ‬
‫مكنته من التعرف عليها على الفور‪ .‬يقف أمامها ثالثة من أهالي "مينورا"‬
‫جزءا من أجساد وأطراف مبتورة‪ ..‬ورأى‬ ‫يضع كل منهم فوق األرض ً‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫حجرا من الهيكل ويدفع تحته عينا حقيقية!‪ ..‬تتمازج‬ ‫أحدهم يرفع‬
‫َّ‬
‫أصواتهم في بكاء حار‪ ,‬استرعى املشهد إنتباهه فتلكأ في النزول من فوق‬
‫الشجرة‪ ,‬عمد كل منهم إلى دفن الجزء الذي يخصه في التراب حول هيكل‬
‫تعرف على هذه األجزاء‬ ‫البقرة‪ .‬وما أضاف الفزع إلى الدهشة بقلبه أنه َّ‬
‫املبتورة بلونها األسمر املميز لـ" الجوييم"‪ ,‬إذن هكذا يفعل أهالي "مينورا"‬
‫بالعيون واألعضاء التي يقتطعونها من جثث "الجوييم"!‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫متخف ًيا حتى‬
‫ِ‬ ‫مضطربا يجترالهواجس‪ ,‬ومرة أخرى زحف على بطنه‬ ‫نزل‬
‫وصل إلى حيث عميت عنه عيون املحاربين‪ ,‬فاستقام جسده وأكمل سيره‬
‫"دوش" الذي يسومه عذاب االنتظار أسفل الشجرة التي تركه‬ ‫ً‬
‫عائدا إلى ُ‬
‫ً‬
‫متبسما للقائه‪,‬‬ ‫هب إليه حين أبصره بلهفة‬ ‫ً‬
‫طعاما ما بنهم‪َّ .‬‬ ‫عندها‪ ,‬يلتهم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬
‫فعاجله "القزم" بمبتغاه‪ ,‬تلقفه "دوش" مغتبطا طروبا‪ ,‬بادره "القزم"‬
‫ً‬
‫مبتسما لنهمه في األكل وهو يسأله‪:‬‬

‫‪59‬‬
‫‪ -‬هل أعجبتك‪ ..‬ها؟‬
‫‪ً -‬‬
‫جدا‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬حسنا‪ ,‬اآلن سؤالي‪ ..‬من هم "الجوييم"؟‬
‫‪ً -‬‬
‫جدا‪.‬‬
‫‪ -‬أسألك عن "الجوييم"!‬
‫‪ -‬ممممم‪ً ..‬‬
‫جدا‬
‫كررها ُ‬
‫"دوش" حتى أثار استياء "القزم"‪ ,‬الحت ابتسامه خبيثة على‬
‫ً‬
‫موضحا‪:‬‬ ‫وجهه‬
‫‪ -‬لقد سألتني سؤالك بالفعل‪" :‬هل أعجبتك؟"‪.‬‬
‫"دوش" قابل‬ ‫هادرا بعنف‪ ,‬لكن ُ‬
‫سرى الغضب فوق قسمات وجهه ً‬
‫ثورته ببرود وقد دار على أعقابه ً‬
‫عائدا إلى مكانه أسفل الشجرة‪َّ ,‬‬
‫تتبعه‬
‫ً‬
‫مستجديا بعدما فشل الغضب في انتزاع إجابة منه‪ ,‬لم يقبل‬ ‫"القزم"‬
‫"دوش" أن يجيب إال بعد مقايضة جديدة للسؤال الجديد‪.‬‬ ‫ُ‬
‫محتذيا حذو فعلته السابقة قفل "القزم" ً‬‫ً‬ ‫ً‬
‫راجعا مرة أخرى إلى‬ ‫حانقا‬
‫َّ‬ ‫حيث شجرة "فاكهة التنـين"‪َّ ,‬‬
‫أطل الليل بأهدابه فاهتدى بما تسلل من‬
‫ضوء القمر من شقوق السقف الخضري‪ ,‬وباألضواء الحية الطائرة التي‬
‫ُ‬
‫تميز مملكة "مينورا" في املساء‪ ,‬سراج أخضر مبهر الضوء محمول على‬
‫ً‬
‫أذنبة حشرات كبيرة‪ ,‬تتهادى ليال في سماء اململكة لتنيرها كما تنير النجوم‬
‫وجه السماء‪.‬‬

‫‪60‬‬
‫اقتطع بسالحه أجزاء من ُلب الثمرة ً‬
‫ملتهما إياها ُليسكن جوعه‪ .‬شعر‬
‫ُ‬ ‫َّ‬
‫بغتة بصوت خشخشة بالقرب منه فتدلى ليرى إن كان أمره قد افتضح‪.‬‬
‫سالبا إياه أمنه‪ ,‬فعاد إلى استكمال مهمته وقد احتل‬ ‫ً‬ ‫اختفى الصوت‬
‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً بارزً‬
‫الخوف مكانا ا بقلبه‪ ,‬فاقتطع منها جزء كبيرا بعجلة‪ ,‬تبصر موضع‬
‫أقدامه للنزول‪ ,‬لكن الوقت لم يكن بصفه هذه املرة‪ ,‬إذ أبصر ً‬
‫عاليا زهرة‬
‫َّ‬
‫فاكهة التنين تفتحت واستطال عودها‪ ,‬تنفض عنها نعاسها‪ ,‬ثم تتوجه‬
‫"دوش" اللعين تجاهل‬‫إليه بشراسة أفعى عثرت على عشائها‪ ,‬يبدو أن ُ‬
‫ً‬
‫إخباره أن تلك الزهرة التي ال تتفتح إال ليال آكلة لألحياء!‬

‫***‬

‫‪61‬‬
‫امللف السابع‬

‫أسلمت جسدها للراحة بين جنبات الرمال الصهباء املميزة ململكة‬ ‫َ‬
‫شبهت أحدها‬‫"النسر"‪ ,‬وأرسلت بصرها إلى السحب املتناثرة هنا وهناك‪َّ ,‬‬
‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬
‫بسكين بتار‪ ,‬يشج الرؤوس ويشق القلوب‪ .‬وبجوارها سحابة بدت كقبر‬
‫ُ َ‬ ‫ُ‬
‫ينتظرساكنه‪ ,‬ترى ملاذا ال ندفن في السحاب؟!‬
‫وعلى بعد منها سحابة أخرى رأتها كانعكاس ل ـ "فم النار"‪ ,‬الذي يبتلع‬
‫بجوفه الصحب واألحباب‪ .‬طفرت من عينيها آالم وحسرات‪ ,‬فوجهت‬
‫تماما كسواد بقعة كبيرة احتلت رأسها‬ ‫ً‬ ‫بصرها إلى "النهر األسود"‪,‬‬
‫وزاحمت دماءه‪.‬‬
‫‪ُ -‬سالس‪ُ ..‬سالس‪.‬‬
‫ألهب مسامعها اسمها الذي يتردد من خلفها بلهفة‪ ,‬لم تلتفت‬
‫ً‬ ‫لتستطلع القادم الذي يهرول تجاهها‪ ,‬حتى َت َّ‬
‫بدى لها واقفا جوارها بقامته‬
‫ً‬
‫متلعثما‪:‬‬ ‫النحيلة‪ ,‬يلهث ً‬
‫تعبا وهو يقول‬
‫عنك في كل مممكان‪ ..‬أأنا‪ ..‬لقد‪ ..‬أأأنا خشييت أن يصيبك‬
‫‪ -‬بحثثت ِ‬
‫ممكروه‪.‬‬
‫ً‬
‫الزالت عينها في عقدة محكمة مع املياة السوداء‪ .‬وجد لنفسه مكانا‬
‫بجوارها‪ ,‬ثم بدا عليه التردد قبل أن يقول بالتلعثم نفسه‪:‬‬

‫‪62‬‬
‫‪ -‬كنت أأريدك أن‪ ..‬أأقصد "داموس" كان ييريد ممنا أن نجتمع ففي‬
‫الغرفة السررية‪ ..‬إننه‪ ..‬يريد أأن يستكمل املهمة‪.‬‬
‫َّ‬
‫حلت عقدة عينها بالنهر‪ ,‬ورنت إليه محتدة‪:‬‬
‫‪ -‬فليحترق "داموس" في "فم النار"‪ ..‬قلت لن أفعل‪ ..‬موت ِ"بنان" أنهى‬
‫كل ش يء بالنسبة لي‪.‬‬
‫بقسمات حملت من الحزن ما حملته من األلم أفصح‪:‬‬
‫"سالس" يجب أأن‪ ..‬أأن‪..‬‬‫‪ -‬ككلنا تأملنا ملا ححدث‪ ..‬والزلنا‪ ..‬للكن ُ‬

‫بغضب هادرهتفت بوجهه‪:‬‬


‫"حبوك"‪ ..‬شاهدت كيف أحرقوا‬ ‫‪ -‬األلم ال ش يء بالنسبة ملا أشعر به يا َ‬
‫ِ"بنان" حية ولم أستطع أن أنقذها‪ ..‬كلنا شاهدنا‪ ..‬وصمتنا‪.‬‬
‫تجعدت قسماتها وهي تردف‪:‬‬ ‫َّ‬

‫‪ -‬و"أصالن" املسكين لم يتحمل قلبه ما رآه‪ ,‬فتركنا ولحق بـ ِ"بنان"‪.‬‬


‫كحل بلون املوت‪ ,‬بدت شاردة‬ ‫"سالس" عقد عينها بالنهر املُـ َّ‬
‫أعادت ُ‬
‫ُ‬
‫وهي تفصح بأس ى‪:‬‬
‫أيضا يريد اللحاق بهما‪ ..‬جسدي فعل منذ أمد‪ ..‬أما قلبي‬ ‫‪ -‬وقلبي ً‬
‫فاليزال ينتظر‪ ..‬لكنه اآلن فقد كل أمل له‪ ,‬ولم يعد يرغب في البقاء‪.‬‬
‫‪ُ -‬‬
‫"سسالس" الا تققولي ذلك‪ ..‬أأنت‪ ..‬أأنا‪...‬‬
‫استرسلت دون أن تعيره انتباهها‪ ,‬انكمش جسدها لنسمة باردة مرت‬
‫به‪:‬‬

‫‪63‬‬
‫‪ -‬الجميع يرحلون‪ ..‬يتركونني هنا وحدي‪.‬‬
‫الزالت غيرمنتبهه له‪ ,‬تلعثم بحنو‪:‬‬
‫‪ -‬أأنا هننا‪ ..‬لن‪ ..‬لن أأتركك يا ُ‬
‫"سالس"‪.‬‬
‫‪ -‬أحتاج الذهاب إلى ساحة الصراخ اآلن‪.‬‬

‫***‬
‫لم يفلح نصل سكينه إال في إحداث جروح متفرقة في ساق الزهرة‬
‫كثيرا لكن قطر ساقها كبير يحتاج ساعات ليبلغ‬ ‫القاتلة‪ ,‬حاول "القزم" ً‬
‫ْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫فيه مبلغا عميقا‪ ,‬قطعه بمفرده وبسالحه املتواضع هو من االستحالة‬
‫َ‬
‫بمكان‪ .‬ض َّيقت عليه الزهرة الخناق‪ ,‬وحبسته بين غصنين‪ ,‬بدت‬
‫مستمتعة بطريدتها التي فشلت في الفرار من مصيرها األسود‪ ,‬انفتحت‬
‫وريقاتها بغتة وانقضت على "القزم" تجذبه إلى قلبها‪ ,‬إلى حيث عصارتها‬
‫الهاضمة التي ستذيب جسده كذوبان قطعة الجليد في حر قائظ‪ .‬غرس‬
‫سكينه في إحدى وريقاتها من الخارج وتعلق به‪ ,‬كان يعلم أن عليه البحث‬
‫َّ‬
‫عن حل سريع‪ ,‬لكن قبل أن يتفتق ذهنه عن حل أفرزت الزهرة من قلبها‬
‫مادة الصقة انسالت فوق وريقاتها فألصقت جسده بها‪ ,‬الزهرة اللعينة‬
‫فم لضحك اآلن بملئه‬ ‫تظن في نفسها الذكاء والحنكة‪ ,‬تخيل لو كان لها ٌ‬
‫على الشرك الذي نسجته حوله بإحكام‪.‬‬
‫َهزيع من الليل انقض ى واليزال الحال على استقراره‪ ,‬صراع ال غالب‬
‫فيه‪ .‬تحركت الزهرة مع نسمات الرياح وقد انتابها جنون اآليسين‪ ,‬ال تملك‬
‫أن تدني ورقتها التي تحمل فريستها الشهية لتأكلها‪ ,‬بدت له وكأنها ساخطة‬
‫َّ‬ ‫ُ‬
‫على جسدها غير املهيأ لحركات إرادية بسيطة كتلك‪ .‬تمكن ولدهشته من‬

‫‪64‬‬
‫أن يشتم رائحة غضبها واهتياجها!‪ ..‬حاول أن يشبهها بش يء يعرفه‪ ,‬فكان‬
‫األقرب إلى تصوره رائحة املوت التي انبعثت في أرجاء "مينورا" عشية‬
‫انتقام سكانها من "الجوييم"‪ .‬تلك الرائحة التي يمتزج فيها الخوف بشهوة‬
‫ُ‬
‫القتل‪ ,‬وحقارة التراب بطهر الدماء‪ .‬لم تخترق حواسه رائحة الزهرة‬
‫هلعا لسماع أنين متقطع‪,‬كما لو كانت من لحم‬ ‫فحسب‪ ,‬بل انتفض قلبه ً‬
‫ودم‪ ,‬وبها من العواطف مثل ما يمتلئ به قلبه‪.‬‬
‫بعيدا عن هذه الهواجس‪َّ ,‬‬
‫لعل اإلرهاق‬ ‫أرغم عقله على صرف تفكيره ً‬
‫ووحشة الليل احتاال عليه ليسلباه رباطة جأشه‪ .‬أرسل بصره يداعب ما‬
‫تبدى له من القمر‪ ,‬فإن كان للسقف الخضري فضيلة الحماية من‬ ‫َّ‬
‫اآلشعة الحارقة للشمس‪ ,‬فله نقيصة حبس نظره عن استدارة وجه‬
‫القمر‪.‬‬
‫اقبا ملا ظهر‬ ‫ظل مر ً‬
‫كحلة براقة فوق جسد السماء‪َّ ,‬‬ ‫تناثرت النجوم ُ‬
‫وفجر في نفسه ً‬
‫بحرا‬ ‫منها‪ .‬أثار هدوء الليل وطول سكونه بعقله تساؤالت‪َّ ,‬‬
‫ً‬
‫من املعاني‪ ,‬و إلى حديث سمر تاقت نفسه‪ ,‬فأبحر بخياالته متأمال‪ .‬هو‪,‬‬
‫والزهرة‪ ,‬والقمر‪ ,‬اشترك ثالثتهم في امتالك جسد يرغب ويشتهي‪ ,‬لكن كل‬
‫جسد حبيس قدرة ال يمكن تجاوز أسوارها‪ .‬فللزهرة حركة محدودة‪0,‬‬
‫رغبتها أسيرة لقدرة الريح ونسماته‪ ,‬يحركها متى وكيف شاء‪ .‬أما هو‬
‫فيتفوق على الزهرة بجسد يملكه‪ ,‬ويتجاوز به قدرات الزهرة وعليها‬ ‫َّ‬
‫أسيرا لهشاشة ُبنيانه‪,‬‬ ‫ينتصر‪ ,‬إذ ال تخضع حركته إال ملشيئته‪ .‬لكنه يبقى ً‬
‫َّ‬
‫فال تدوم له رغبة وال جسد‪ .‬أما القمر خالد بحريته‪ ,‬يتحرك أنى يشاء‪,‬‬
‫أطل من رأسه‬ ‫يشرف على األرض من عرش اعتلى عنان السماء‪ ..‬لكن َّ‬

‫‪65‬‬
‫سؤال يباغته‪ُ ,‬يلح عليه ُويراوده‪ ,‬أليس للقمر من آسر‪ ,‬أال عليه ِمن‬
‫قادر؟!‬
‫اغتنم هدوء الزهرة التي فترت حركتها بعدما حبس الليل أنفاسه‪ ,‬ونال‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫قسطا ضئيال من نوم يتشوق إليه جسده‪ ,‬وعندما تنفس الصباح‬
‫َّ‬ ‫استيقظ ً‬
‫فزعا على ألم حارق بقدمه‪ ,‬تلفت حوله فأدرك أن الزهرة التي ال‬
‫ً‬
‫تتفتح إال ليال ذبلت الوية عنقها ألسفل‪ ,‬وأن مادتها الالصقة فقدت قوتها‬
‫فسقط فوق أحد األفرع سقطة آذت قدمه‪ ,‬لكن الغبطة بنجاته أنسته‬
‫عائدا أدراجه‪ ,‬ولم ينس أن يقتطع‬ ‫األلم‪ ,‬ومض ى ينزل من فوق الشجرة ً‬
‫جزءا من الثمرة وهو يأخذ على نفسه أغلظ املواثيق أال يخاطر ً‬
‫أبدا‬ ‫ً‬
‫بتسلق هذه الشجرة مرة أخرى‪ً ..‬‬
‫أبدا‪.‬‬
‫"دوش" سؤاله الذي‬ ‫منصوبا بمقام األبله‪ ,‬عندما أجاب ُ‬
‫ً‬ ‫وجد نفسه‬
‫ً‬
‫ذاق من أجله الويالت‪ ,‬وأبحرفي عباب املخاطر‪ ,‬قائال‪:‬‬
‫‪ -‬جوييم "مينورا" ألد أعدائنا‪ ..‬فهم متوحشون برابرة‪.‬‬
‫حاول "القزم" أن ُيفهمه أنه يعلم ذلك بالفعل‪ ,‬وأنه يرغب في مزيد‬
‫"دوش"‬‫إيضاح عن أصل الصراع بين "الجوييم" وسكان "مينورا"‪ ,‬لكن ُ‬
‫َّ‬
‫زجره وقد تمثل بروده‪:‬‬
‫‪ -‬هذا كل ما عندي إلجابة سؤالك‪ ..‬وإن أردت أن أجيبك عن سؤال‬
‫آخرفعليك أن‪...‬‬
‫لم يسمع "القزم" املزيد‪ ,‬انصرف عنه بوجهه‪ ,‬ثم ولى ً‬
‫مدبرا وقد فار‬
‫غيظا‪ ,‬قذف األرض بقدمه املصابة؛ فصدمت ً‬ ‫ً‬
‫حجرا أخلف‬ ‫فائره واحتدم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫به أملـا‪ ,‬فلم يزد ذلك مرجل صدره إال اشتعاال‪.‬‬

‫‪66‬‬
‫"سالس" في السير داخل ممرات مملكة "النسر"‪ ,‬متجعدة‬ ‫استبسلت ُ‬
‫القسمات‪ ,‬متشنجة األطراف‪ ,‬تهبط بها درجات اململكة وممراتها إلى‬
‫األسفل‪ ,‬إلى جوف األرض‪.‬مضت حتى الطابق الثالث والسبعين تحت‬
‫األرض‪ ,‬ولجت قاعة كبيرة وتوجهت إلى حيث استقرت القمامة نتنة‬
‫الرائحة في أكوام متفرقة‪ ,‬سارت بينها بإصرار‪ ,‬تعرف ً‬
‫تماما أي الوجهات‬
‫تسلك‪ ,‬أفضت بها املمرات بين أكوام القمامة إلى جدار تبرز أمامه صخرة‪,‬‬
‫جيدا بعزم وقوة‪ ,‬حتى‬ ‫بحركة خبيرة دفعت الصخرة من موضع تعرفه ً‬
‫ً‬
‫انفرجت عن مدخل صغير لنفق ضيق‪ ,‬عبرت خالله ثم جذبت حبال‬
‫محاطا بالصخرة لتغلق الفتحة ً‬
‫تماما‪ .‬اتجهت ً‬ ‫ً‬
‫يسارا حتى ضاق بها النفق‬
‫واضطرت إلى الزحف وحك بطنها باألرض‪ ,‬ثم اتسع النفق مرة أخرى‬
‫وتباعدت سماؤه عن أرضه فاستعاد جسدها حرية حركته‪ ,‬بلغت آخر‬
‫النفق‪ ,‬املسدود بجداررملي‪ ,‬وبرز أمامه أحدهم يحفرفيه بعزم وإصرار‪.‬‬
‫ً‬
‫مستطلعا بقلق‪ ,‬وعندما وقع بصره‬ ‫انتبه إلى أصوات خطواتها فالتفت‬
‫تعرفها وأبدى ضجره‪ ,‬ثم عاد إلى الحفر بنفس العزيمة‪.‬‬ ‫"سالس" َّ‬‫على ُ‬
‫دفعته من الخلف بغلظة لم تؤثر في جسده الضخم الذي أوتى فيه بسطة‬
‫من القوة‪ .‬هتفت بشراسة‪:‬‬
‫‪ -‬فلتحترق في "فم النار" يا "داموس"‪ ..‬ماذا تفعل؟‬
‫حدق فيها بحدة‪ ,‬ثم التفت ُيكمل عمله‪ ,‬فدفعته بقوة أكبر صارخة‬ ‫َّ‬
‫بهستيرية‪:‬‬
‫‪ -‬هل أنت حجر؟‪ ..‬ألم يؤثربك موت أختك؟‬
‫أغاظها استمراره في تجاهلها فاسترسلت‪:‬‬

‫‪67‬‬
‫‪ -‬ليتهم أحرقوك أنت‪.‬‬
‫انفلت زمام هدوءه؛ فتحرك ً‬
‫مقتربا منها بمشيته املميزة وهو يجر قدمه‬
‫العرجاء خلفه‪ ,‬ثم صاح بها ً‬
‫مشيرا إلى الجدارالرملي الذي يحفرفيه‪:‬‬
‫أنت‬
‫‪ -‬هذا ما أرادته ِ"بنان"‪ ..‬إنني أحقق حلمها‪ ..‬بينما تصرخين ِ‬
‫وتنوحين‪.‬‬
‫سدت بجسدها موضع الحفروهتفت بعناد‪:‬‬ ‫َّ‬

‫‪ -‬نعم كان هذا حلم ِ"بنان"‪ ..‬لكنها ماتت‪ ..‬ومات "أصالن" كذلك‪ ..‬إذن‬
‫فليمت معهما الحلم‪.‬‬
‫أذيتك‪.‬‬ ‫"سالس" وإال‬ ‫‪ -‬ابتعدي يا ُ‬
‫ِ‬
‫‪ -‬لن تستطيع فأنت جبان‪ ..‬بل أنا التي أستطيع أن أؤذيك‪ ..‬كلمة‬
‫واحدة مني إلى قائد َ‬
‫الجالوزة "راعون" أفش ي فيها سرك‪ ..‬وستحترق يا‬
‫"داموس"!‬
‫اشتعلت عينه‪ ,‬فتجاهلت لهيبها وتحركت من مكانها وهي تشير إلى‬
‫الجدارساخرة‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬حسنا أكمل عملك‪.‬‬
‫ثم أردفت بشماته‪:‬‬
‫جيدا أنك تحتاج ّ‬
‫إلى‪ ..‬ال يمكنك أن تسير خطوة واحدة‬ ‫‪ -‬لكنك تعرف ً‬
‫في هذا الطريق دوني‪ ,‬وأنا لن أفعل‪.‬‬
‫دارت على أعقابها بغتة عائدة بأدراجها بثقة وثبات‪ ,‬فاخترق مسامعها‬
‫صرخاته النارية الهادرة‪:‬‬

‫‪68‬‬
‫إليك‪ ,‬أنا قادرعلى النجاح وحدي‪.‬‬
‫‪ -‬ال أحتاج ِ‬
‫ثم أردف بعد لحظة صمت‪ ,‬وبغضب أعظم‪:‬‬
‫فسأجبرك على تنفيذ ما أريد‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬وإن لم أستطع‬

‫***‬
‫وتطوق من الخلف بقوة كادت تفصل‬ ‫سالح ٌّ‬
‫حاد‪َّ ,‬‬ ‫استقر بعنق"القزم" ٌ‬
‫ُ َّ‬
‫رأسه عن جسده‪ ,‬شلت حركته فأخفق في االستدارة ليرى ُمهاجمه‪ ,‬الذي‬
‫يتشبث بظهره بقوة‪ .‬استمع بإنصات إلى تنفس الجسد املالصق له‪,‬‬ ‫َّ‬
‫ً‬
‫واستشعر فيه ضعفا‪ .‬أكسبته املفاجأة قوة وهمية‪ ,‬فباغته بجذب قدمه‬
‫ليسقط عن ظهره ً‬‫ُ‬
‫أرضا فقط ُليفاجئ بأنها‬ ‫بعنف‪ ,‬فاختل توازن مهاجمه‪,‬‬
‫ً‬
‫أنثى! استنهضت لتعاود الكرة لكنه كان األسرع فألصقها باألرض مثبتا‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫إياها بقوة‪ ,‬هاجت حركات جسدها عبثا‪ ,‬فسالحها الوحيد جسد ُمكبل‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأخيرا بعدما استبد التعب بأطرافها‪ ,‬استسلمت‪ .‬هتف بها"القزم" متأمال‬
‫وجهها النحيل أسمراللون‪ ..‬وهو يهمس لنفسه "إنها من الجوييم"‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تفعلين في مسكني؟ ملاذا هاجمتيني‪ ..‬ها؟‬
‫بذلت جهدها للفكاك منه‪ ,‬لكنه جهد صياد بائس أضحى فريسة‬
‫لصياد أكثرقوة ومهارة‪ .‬عاد يهتف بحدة أكثر‪:‬‬
‫أنت؟‬
‫‪ -‬أجيبيني‪ ..‬من ِ‬
‫أجابت متقطعة األنفاس‪ ,‬مرتعدة األطراف‪:‬‬
‫‪ -‬أرجوك ال تقتلني‪.‬‬
‫‪ -‬أقتلك!‪ ..‬من تظنينني؟‬

‫‪69‬‬
‫‪ -‬أرجوك ال ُت ْ‬
‫عدني إليهم‪.‬‬
‫َّ‬
‫أثارت نظراتها املستعطفة االضطراب بقلبه‪ ,‬فخفف من وثاقها‬
‫َ‬
‫وطالبها بتفسير وجودها بمسكنه‪ ,‬وممن تخش ى‪" ,‬ريشع" ومحاربيه أم‬
‫سكان "مينورا"‪.‬‬
‫‪ -‬أخاف "الجوييم"‪.‬‬
‫أبصرها تبتعد عنه بخطوات‪ ,‬وهي ال تزال على األرض‪ ,‬ترنو بقلق إلى‬
‫مدخل املسكن‪ ,‬تحاول أن توقف رعشة أملت بأطرافها‪ ,‬ضعيفة هشة‬
‫َّ‬
‫كانت‪ ,‬كطفل فقد أبويه ويخش ى الغرباء‪ ,‬فأملـت به الشفقة‪:‬‬
‫ألست واحدة منهم؟‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ملاذا تخافين "الجوييم"‪..‬‬
‫‪ -‬كنت واحدة منهم‪ ..‬لكنني أردت مفارقتهم‪ ..‬فلم يسمحوا لي‪.‬‬
‫‪ -‬ملاذا‪ ..‬ها؟‬
‫أجابت بتشكك على سؤاله بسؤال‪:‬‬
‫‪ -‬مساكن هذه املنطقة تخص امللك وحاشيته‪ ,‬هل هربت أنت ً‬
‫أيضا‬
‫َّ‬
‫من "الجوييم" وتكفل امللك بحمايتك؟‬
‫ً‬ ‫لم تدر أن لوقع سؤالها في نفسه ًّ‬
‫دويا كبيرا‪ ,‬أبحر في أفكاره متساءال‪,‬‬
‫هل هذا ما حدث؟‪ ..‬هل أراد الهرب من "الجوييم"؟‪ ..‬هل تعارضت مبادئه‬
‫مع همجيتهم وتوحشهم فلم يسمحوا له باالنفصال عنهم وآذوه؟‪ ..‬هل‬
‫أرادوا قتله فنجى بجسده وتدمرت ذكرياته كلها؟‪ ..‬من إذن ذلك الغريب ذو‬
‫العين الواحدة الذي القاه في بداية رحلته؟‪ ..‬هل آذاه "الجوييم" ً‬
‫أيضا أم‬
‫هو واحد ممن أرادوا قتله؟‬

‫‪70‬‬
‫ً‬
‫مساوما بعد تفكير‬ ‫قطع تدفق أفكاره حركتها املتململة؛ فالتفت إليها‬
‫وتردد‪:‬‬
‫لك بالبقاء هنا الليلة لكن بشرطين‪ ..‬األول أن تغادري‬ ‫‪ -‬سأسمح ِ‬
‫بسببك‪ ..‬والثاني‬
‫ِ‬ ‫بمجرد أن يشرق الصباح‪ ,‬فال أريد أن تطالني املشكالت‬
‫علي كل ما تعرفينه عن "مينورا" وجميع من يعيشون فوق‬ ‫أن تقص ي ّ‬
‫أرضها‪.‬‬
‫افترشت أوراق الشجر‪ ,‬واتخذت من غصن طويل ُمتكأ‪ ,‬واسترسلت‬
‫تقص عليه كل ش يء‪ ..‬من البداية‪.‬‬

‫***‬

‫‪71‬‬
‫امللف الثامن‬

‫في زمن غير بعيد جاء بعض َّ‬


‫الرحالة إلى هذه األرض‪ ,‬وكان يجمعهم‬
‫ً‬ ‫خربة كانت‪ ,‬تحمل ً‬‫ً‬ ‫قائد عظيم اسمه "مينورا‪ً .‬‬
‫قديما نسيه‬ ‫اسما‬ ‫أرضا‬
‫ُ‬
‫الجميع‪ ,‬مكان ال ُيبهر األبصار‪ ,‬وال تشد إليه الرحال‪ ,‬يعيش فيه قلة من‬
‫قوم جبارون لم َ‬
‫يقو محاربو"مينورا" على محاربتهم كما أمرهم‬ ‫األجالف‪ٌ ,‬‬
‫قائدهم العظيم‪ ,‬فعصوا أمره ورفضوا دخول هذه األرض؛ فتاه شعب‬
‫"مينورا" في األرض لزمن طويل‪ ,‬يحيون كغرباء بال وطن‪ ,‬جوعى مشردين‪,‬‬
‫هلك منهم الكثير‪ ,‬واستمسك من نجا بالحياة‪.‬‬
‫اشتد ُ‬
‫عضد أبنائهم وبات لهم في فنون الحرب باع؛ عادوا إلى‬ ‫َّ‬ ‫وعندما‬
‫هذه األرض يبغون دخولها‪ ,‬فحاربوا ملوكها الجبارين وانتزعوها من بين‬
‫رعا وأرادوا مفارقتها مخالفين أوامر قائدهم‬ ‫أنيابهم‪ .‬ثم ضاقوا بها ذ ً‬
‫العظيم‪ .‬ثم عاد بعضهم إليها بعد زمن طويل يبغون استعادتها‪ ,‬نادمين‬
‫على تفريطهم فيها ومخالفة أوامر قائدهم‪ .‬لم يجدوا بها ًّأيا من املمالك‬
‫التي ألفوها في املاض ي‪ ,‬فقد انتهى عهدهم وتساقطت واحدة تلو األخرى‪,‬‬
‫ولم يبق في هذه األرض سوى القليل من "الجوييم" األجالف‪ ,‬الذين ال ِق َبل‬
‫لهم بتعمير وتشييد مملكة قوية ضخمة‪ .‬فعادوا إلى اململكة‪ ,‬ونبذوا االسم‬
‫القديم لها‪ ,‬وأسموها بـ "مينورا"‪ ,‬يحدوهم األمل في أن تتحقق نبوءة‬
‫آمنوا بها أشد اإليمان‪ ,‬أن ُيبعث قائدهم "مينورا" من موتته‪ ,‬ويعود‬
‫ُ ّ‬
‫ملكهم األرض وما عليها‪.‬‬
‫لي ِ‬

‫‪72‬‬
‫"الجوييم" اسم يطلقه ُسكان "مينورا" على أي غريب ال ينتمي إليهم‪,‬‬
‫أي شعب غير"مينورا" هم "جوييم" بالنسبة لهم‪ .‬لكن أكثرمن يبغضونهم‬
‫هم أولئك "الجوييم" الذين اليزالون يؤمنون بأن هذه اململكة أرضهم‪,‬‬
‫ومن حقهم وحدهم‪.‬‬
‫سمحوا ملن أراد من "الجوييم" بالبقاء فأصبح جنوب اململكة وشرقها‬
‫وغربها لسكان "مينورا‪ ,‬أما الشمال فتركوه "للجوييم"‪ .‬أجزل سكان‬
‫معا ً‬
‫جنبا إلى جنب في الجنة التي‬ ‫"مينورا" "للجوييم" العطاء‪ ,‬يعيشون ً‬
‫عكف سكان"مينورا" على خلقها بمملكتهم‪ .‬أصبحت اململكة حلة فاخرة‪,‬‬
‫وحلية ظاهرة‪ ,‬فنمت األشجار الباسقات تعانق السماء‪ ,‬وافتر ثغر جنانها‬
‫وتخصبت خدود زهورها بأبهى األلوان‪ ,‬واخضرت‬ ‫َّ‬ ‫عن أطايب الثمار‪,‬‬
‫عيون الزيتون فازدانت بها اململكة‪.‬‬
‫َّ‬
‫فلما بلغ "الجوييم" من جنة "مينورا" الوطر‪ ,‬ورفلوا في نعيم اململكة‪,‬‬
‫زجوا بأنفسهم في حلة أطماعهم‪ ,‬واستلوا سيف البغي‪ ,‬وشمروا للحرب‬
‫العوان‪ ,‬موسومون بكفران النعم‪ ,‬أغاروا على سكان"مينورا"‪ ,‬يقتلونهم‪,‬‬
‫ويطالبون بأن تكون أرض اململكة لهم وحدهم‪ .‬ومنذ ذلك الحين لم‬
‫تتوقف أرض "مينورا" عن شرب دماء الطرفين‪ ,‬طرف يجنح في طلب‬
‫ً‬
‫متمسكا من السالم بأوثق ُ‬ ‫ْ‬
‫الع َرى‪ ,‬وطرف اشتغل بأن يكون لآلمنين‬ ‫السلم‬ ‫ِ‬
‫ً‬
‫مروعا‪.‬‬ ‫ّ‬
‫ِ‬
‫مزق "القزم" الصمت‬ ‫سابح في أفكاره‪َّ ,‬‬
‫ٌ‬ ‫ران صمت طويل‪ ,‬كل منهما‬
‫بسؤال قذفه الفضول إلى عقله‪:‬‬
‫‪ -‬أين تعيشون‪ ,‬لم أرمنذ قدومي ًّأيا منكم في أركان اململكة؟‬

‫‪73‬‬
‫‪ -‬كنا نعيش في مساحة خصصها لنا امللك في شمال اململكة‪ ,‬لكن بعد‬
‫العداوات بيننا وبينه‪ ,‬أصبحنا نعيش تحت األرض‪.‬‬
‫‪ -‬تحت األرض!‬
‫‪ -‬شعبي ماهر في حفر األنفاق‪ ,‬ستجد تحت أرض اململكة اآلالف منها‬
‫فيما يشبه متاهة عظيمة ال يعرف االهتداء فيها إال كبار"الجوييم"‪.‬‬
‫الحت أمام عينه ذكرى مقتل امللك‪ ,‬وكيف انفجرت األرض من تحت‬
‫أقدامهم ببعض هؤالء "الجوييم"‪.‬‬
‫َه َّم بإغراقها بمزيد من األسئلة‪ ,‬لكنه أبصرها وقد َ‬
‫جنحت إلى النوم‪,‬‬
‫فخرج من مسكنه ببطء يراقب الطريق لفترة‪ ,‬يستطلع إن كان أحد‬
‫تلمس بعض األمان عاد إلى‬ ‫ً‬
‫متربصا بهما في الخارج‪ ,‬وعندما َّ‬ ‫"الجوييم"‬
‫ً‬
‫مسكنه ملقيا‪ ,‬عليها نظرة مطولة‪.‬‬
‫***‬
‫‪ -‬لقد قبض َ‬
‫الجالوزة على َ‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬
‫ً‬ ‫رمى الخوف بسهامه فلم يجد سوى خافق ُ‬
‫"سالس" هدفا‪ ,‬فمن غيرها‬
‫"ح ُبوك"؟‪ ..‬إن لم تفعل فلن يفعل أحد‪ ,‬تعلم أنه ورقة شجر‬ ‫سيهتم ألمر َ‬
‫َ‬
‫خريفية بمهب الريح‪ ,‬ال يهتم أحد بأي أرض تحل‪ ,‬وال بأي حال تكون‪.‬‬
‫لذلك لم تتسرب الدهشة إلى نفسها عندما ذهبت إلى مقر السجن‬
‫ً‬
‫متقوقعا على نفسه في زاوية‬ ‫بالطابق الرابع والخمسين تحت األرض‪ ,‬ورأته‬
‫"ح ُبوك" كان وحيداً‬
‫مع ثالثة آخرين اكتظ املمر بأصدقائهم وأحبابهم‪ ,‬إال َ‬
‫ال ينظر إلى املتجمهرين وال َّ‬
‫يتفرس في وجوههم‪ ,‬كأنه يتوقع أال يهتم ألمره‬
‫أحد‪.‬‬

‫‪74‬‬
‫‪َ -‬ح ُبوك‪.‬‬
‫شاحب‬
‫ٍ‬ ‫انتفض جسده يخترق بعينه الوجوه حتى استقرت فوق ٍ‬
‫وجه‬
‫ً‬
‫ممزوجا‬ ‫البشر محياه‬ ‫ٌ‬
‫تناثرت فوقه بقع داكنة‪ ,‬فارتجف خافقه‪ ,‬وعال ِ‬
‫بالدهشة‪ ,‬أقبل بلهفة محني الظهركمن يستعد َ‬
‫للجلد‪:‬‬
‫‪ُ -‬‬
‫"سالس"!‬
‫لم تسمع همسه‪ ,‬ازدادت األصوات من حولهما حدة‪ ,‬مخترقة الجموع‬
‫الجالوزة الذين يحولون بأجسادهم بين املساجين‬‫وقفت أمام صف َ‬
‫األربعة‪.‬‬
‫‪ -‬أثق أنك لم ُتذنب يا َ‬
‫"ح ُبوك"‪ ..‬أليس كذلك؟‬
‫ً‬
‫مجيبا بحماسة‬ ‫تضمنت عبارتها الثقة والشك في اآلن نفسه‪ ,‬هز رأسه‬
‫ً‬
‫متلعثما‪:‬‬
‫‪ -‬نننعم‪ ,‬أنا لم أأأذنب‪..‬لم أأأذنب‪.‬‬
‫‪ -‬إذن ستنجو من اختباربذرة الشر‪ ..‬ال تخف ‪.‬‬
‫ال ينجو من اختبار بذرة الشر إال من كان قلبه ً‬
‫خاليا منها‪ .‬بذرة الشر هي‬
‫سبب كل الخطايا واآلثام‪ ,‬إن ُوجدت بقلب أحدهم استحق العقاب حتى‬
‫ال يطرح زرعه ويلقي بشروره فوق أرض مملكة "النسر"‪ ,‬اإلناث ُيلقون بـ‬
‫"فم النار"‪ ,‬والذكور لهم مصيرأكثربشاعة‪.‬‬
‫الجالوزة في فحصهم الدوري لجميع أركان اململكة فإن شكوا‬ ‫يستمر َ‬
‫بأن أحدهم يحمل بداخله بذرة الشر ألقوا القبض عليه‪ ,‬وأخضعوه‬
‫الختبار مكون من مرحلتين‪ ,‬من نجا من املرحلة األولى ُيطلق سراحه‪ ,‬ومن‬

‫‪75‬‬
‫ثبت وجود بذرة الشر بداخله أخضعوه للمرحلة الثانية‪ ,‬فإما أن يستقر‬
‫ُ‬
‫عليه االختيار العشوائي للطبيعة لكي تطهره من بذرة الشر؛ فتشمله‬
‫بعفوها وينجو بحياته‪ ,‬أو ال ُيغفر له‪ ,‬وحينئذ ليس له من مصير سوى‬
‫املوت‪.‬‬
‫"سالس" نقاء َ‬
‫"ح ُبوك" واستقامته‪ ,‬ال يمكن أن يحمل بداخله‬ ‫تعلم ُ‬
‫بذرة الشر أصل كل املوبقات‪ .‬وها هو يؤكد لها طهر ذيله فالبد أن االختبار‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫سيظهره بريئا‪.‬‬
‫السهاد طوال الليل‪ ,‬ينتظر‬ ‫الجالوزة ففعلوا مرغمين‪ .‬عانقه ُ‬‫صرفهم َ‬
‫إشراقة الصباح فمعها سيبدأ االختبار‪.‬‬
‫‪ -‬آه يا ِ"بنان"‪ ..‬انظري ماذا يحدث لنا من بعدك‪.‬‬
‫َّ‬
‫نفست كلماته عن حرارة بقلبه‪ ,‬استبد به خوف ال يدري كيف يدفعه‪,‬‬
‫وكأنه على شفا جرف هار‪ ,‬وال منقذ له‪.‬‬
‫"سالس" من مساكن الشعب‪ ,‬عبر واحدة من الثالث بوابات‬ ‫خرجت ُ‬
‫بالجانب الشرقي‪ ,‬وقفت فوق الرمال التي ال تزال تحتفظ ببعض من‬
‫برودة الليل‪ ,‬التفتت تتأمل في املوضع الذي ستنبت منه الشمس بعد‬
‫لحظات‪ ,‬من خلف بركان "فم النار"‪ً ,‬‬
‫دوما تولد الشمس من هناك‪ ,‬وكأنها‬
‫إشارة إلى األلم الذي لن يبارحها قط‪ ,‬والذي يجدد نفسه كل يوم ً‬
‫رغما‬
‫عنها‪.‬‬
‫لم تكد الشمس تلوح في األفق حتى توجهت إلى تلة الشعب الحمراء‬
‫ٌ‬
‫ضخم‬ ‫ٌ‬
‫جسد‬ ‫على يسار "فم النار" حيث سيقام االختبار‪ ,‬اعترض طريقها‬

‫‪76‬‬
‫أقبل عليها وهو يجر ً‬
‫قدما أصابها الضمور منذ والدته‪ ,‬نظرت إليه بحدة‬
‫ً‬
‫وحاولت تجاوزه‪ ,‬لكنه سد عليها الطريق قائال بحزم‪:‬‬
‫‪ -‬يجب أن نستكمل املهمة‪.‬‬
‫‪ -‬ابتعد عني يا "داموس"‪.‬‬
‫‪ -‬ال تتحامقي‪.‬‬
‫‪ -‬قلت ابتعد عني‪ ..‬ولتحترق في "فم النار"‪.‬‬
‫اتقدت عينه بالغضب‪:‬‬
‫‪ -‬ال تتصرفي بعناد‪ ,‬ال يمكن أن أقوم بذلك دونك‪.‬‬
‫ُ‬ ‫‪ -‬ال يهمني اآلن سوى َ‬
‫"ح ُبوك"‪ ..‬قبض عليه باألمس وسيخضع لالختبار‬
‫اآلن‪.‬‬
‫الذ بالصمت لبرهة ثم أفصح بصراحة فجة‪:‬‬
‫ً‬
‫أساسا ال فائدة من ذلك األحدب املتلعثم‪..‬‬ ‫‪ -‬ال يهمني أمر َ‬
‫"ح ُبوك"‪..‬‬
‫أنت‪.‬‬
‫أحتاجك ِ‬
‫ِ‬
‫دفعته عنها بعنف بالغ كاد أن يخل بتوازنه‪ ,‬فأمسك بها بقوة آملتها‪,‬‬
‫ً‬
‫سكينا ً‬
‫حادا وأحدثت‬ ‫ازداد أملها مع محاولة الفكاك من قبضته‪ ,‬فشهرت‬
‫ً‬
‫يتلمس موضع الجرح وقد اهتاج غضبا‪,‬‬ ‫بوجهه ً‬
‫جرحا باغته‪ ,‬فدفعها عنه َّ‬
‫ً‬
‫عاد ليمسك بها مرة أخرى بعنف أشد هاتفا‪:‬‬
‫الجالوزة اآلن فستخضعين لالختبارولن تنجي ً‬
‫أبدا‪.‬‬ ‫‪ -‬إن أبلغت عنك َ‬
‫ِ‬
‫‪ -‬أنا ال أخافك‪.‬‬

‫‪77‬‬
‫ثم أردفت بهستيرية‪:‬‬
‫ً‬
‫أصال أنا جثة‪ ..‬تعلم ذلك ً‬
‫أيضا‪.‬‬ ‫‪-‬‬
‫منك‪.‬‬
‫‪ -‬ال فائدة ِ‬
‫ً‬
‫تركها مغتاظا‪ ,‬ففرت من أمامه تلملم شتات نفسها وتواري مبلغ أملها‪,‬‬
‫ً‬
‫موضعا بين الحشد‪ .‬استبد بها القلق وهي تبصر‬ ‫تحاول أن تجد لنفسها‬
‫"ح ُبوك" مستلقي فوق األرض بجوار ثالث مساجين‪ ,‬كل منهم مثبت إلى‬ ‫َ‬
‫وتد‪ُ .‬وضع فوق رأس كل منهم قطعة من ورق الشجر‪ ,‬ليس من أي شجرة‪..‬‬
‫بل "شجرة الطاقة" التي تعكس رائحة بذرة الشر من أي جسد تالمسه‪,‬‬
‫فيتمكن "نمراألرض" الرهيب من شمه‪ ,‬والفتك بحاملها‪.‬‬
‫الجالوزة فالذ الجميع بالصمت‪ ,‬ومن فوق‬ ‫أبواق بدء االختبار أطلقها َ‬
‫التلة الحمراء انشقت األرض عن بوابة عظيمة خرج منها "نمر األرض"‬
‫ً‬
‫مقيدا بعشرات الحبال والخيوط املتينة‪ ,‬تنتهى بمئات َ‬
‫الجالوزة للسيطرة‬
‫عليه‪.‬‬
‫فرَنت ببصرها إلى َ‬
‫"ح ُبوك" الذي بدا‬ ‫"سالس"‪َ ,‬‬‫استوطن الفزع قلب ُ‬
‫ً‬
‫شاحبا كشحوب األموات‪.‬‬
‫وبدأ االختبار‪.‬‬

‫***‬
‫لم يتمكن "القزم" من رفض رجاء "أكيال" بالسماح لها بالبقاء في‬
‫حماية أركان مسكنه لليلة أخرى‪ ,‬حتى تتدبر أمر فرارها من "مينورا"‪.‬‬
‫ً‬
‫نفقا ً‬
‫سريا يؤدي إلى خارج اململكة مباشرة دون املرور بالبوابة‬ ‫تعرف‬

‫‪78‬‬
‫الوحيد بالجهة الشرقية‪ ,‬والتي يعكف ليل نهار على حراستها عدد كبير من‬
‫املحاربين‪ .‬ولكنها لن تستطيع بلوغه إال في املساء‪ ,‬حيث يقل حراس‬
‫األنفاق من "الجوييم"‪ ,‬مع أن ذلك يلقي بها في خضم خطر آخر‪ ,‬فشعب‬
‫"مينورا" وحراسه الذين يركنون إلى الراحة في مساكنهم ً‬
‫نهارا‪ ,‬يدب فيهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫النشاط ليال‪ ,‬إال قليال منهم‪.‬‬
‫استشعر مهمة ثقيلة الوطء ألقيت على عاتقه دون اتفاق‪ ,‬أال وهي‬
‫توفير الطعام لها‪ ,‬بل وله كذلك‪ ,‬مض ى يسير في الطرقات على غير هدى‪ ,‬ال‬
‫يملك ما يقايضه بالطعام‪ ,‬وال من يلجأ إليه ليهديه ما يسد به رمقه‪.‬‬
‫نظر بغيظ إلى أشجار اململكة املحملة بالخيرات‪ ,‬ومنها إلى الحارسين‬
‫املتيقظين أسفل كل شجرة‪ ,‬يمنعان كل من يحاول جني ثمارها‪ ,‬فثمار‬
‫لكل نصيب معلوم‪ ,‬ال يزيد وال‬
‫اململكة وخضرها يوزعها امللك على رعاياه ٍ‬
‫ينقص إال بمشيئته‪ .‬أما "الجوييم" ال نصيب لهم من خيرات "مينورا" منذ‬
‫أن نشبت العداوة بينهم وبين امللك‪.‬‬
‫تقافز بعقله سؤال أثاره‪ ,‬كيف يعيش "الجوييم" تحت األرض بال‬
‫زرع؟! استعر الجوع ببطنه فتعاظم أملها‪ ,‬لم يهده التفكير إال إلى أن يذهب‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫صاغرا إلى "ريشع" يستجديه الطعام‪ .‬وقف أمام بركة صغيرة يلهب الظمأ‬
‫حلقه‪ ,‬يسترق النظر يمنة ويسرة بقلق قبل أن يغالب خوفه‪ ,‬وبلهفة‬
‫يحسو حسوات من مائها‪ ,‬فارتوى حتى الثمالة‪.‬‬

‫***‬
‫ً‬
‫‪ -‬يبدو أنني قسوت عليك قليال‪.‬‬

‫‪79‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫َد َّب األمل في نفسه بكلمات "ريشع"‪ ,‬بدا أنه قرر أن يكون رؤوفا‬
‫صدقه ً‬
‫أخيرا؟‬ ‫بحاله‪ُ ,‬ترى هل َّ‬
‫ِ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عظيما بحماية ملكنا الفقيد الذي أراد لك‬ ‫‪ -‬لقد أسديت لنا عمال‬
‫التكريم بالعيش فوق أرضنا‪ ..‬فليكن ما أراد‪.‬‬
‫"ريشع" إلى أحد محاربيه إشارة بدت كسهم أصاب فيه ً‬ ‫َ‬
‫فهما‪,‬‬ ‫ٍ‬ ‫أشار‬
‫َ‬
‫فغادر قاعة الحكم تتابعه أنظار "القزم"‪ ,‬تقدم منه "ريشع" بخطى ثابتة‬
‫ثم توقف على ُبعد خطوة منه‪ ,‬أطال النظر إليه حتى َّ‬
‫تلبسه القلق‪ ,‬افتر‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫ثغر"ريشع" ً‬
‫أخيرا عن بسمة كالحة قائال بتحدي‪:‬‬
‫أهل لهذه الثقة‪.‬‬‫‪ -‬لكن عليك أن ُتثبت لنا أنك ٌ‬

‫‪ -‬كيف؟!‬
‫َ‬
‫بصوت متلجلج سأل "القزم"‪ ,‬وبحزم ال مزح فيه أجاب "ريشع"‪:‬‬
‫‪ -‬عليك أن تكتشف ذلك بنفسك‪.‬‬
‫ً‬
‫غارقا في أفكاره‪ ,‬بغتة َّ‬
‫تسمرت أقدامه بالقرب من‬ ‫فارقه "القزم"‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫مسكنه‪ ,‬وجاشت نفسه فزعا‪ ,‬وقد أبصر املحارب الذي أشار إليه "ريشع"‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مستقرا على أعتابه‪ ,‬محمال بوفير الطعام‪ .‬قفز قلبه يسبق جسده إلى‬
‫حيث "أكيال" املختبئة بمسكنه‪ ,‬يفصل املحارب عن رؤيتها خطوات قليلة‪.‬‬
‫قدر أن‬‫هالك‪َّ ,‬‬
‫ٌ‬ ‫زال قلبه عن مستقره لفرط خوفه‪ ,‬وأيقن أنه ً‬
‫حتما‬
‫َ‬
‫"ريشع" لن يغفر له حماية واحدة من "الجوييم"‪ ,‬مهما كانت ُمنكرة‬
‫ألفعالهم‪ .‬وقبل أن يحول بين املحارب وولوج مسكنه‪ ,‬أمس ى بداخله!‬
‫دلف "القزم" خلفه تكاد أقدامه تتهاوى بحملها‪ ,‬أعمل عينه في‬
‫املسكن بلهفة ليجده ً‬
‫خاليا‪ ,‬أين ذهبت"أكيال"! لم يحتج إال لثانية واحدة‬

‫‪80‬‬
‫ليعرف الجواب‪ ,‬برزت مقدمة قدمها بوضوح خلف جذع الشجرة الذي‬
‫اعتاد على أن يتخذ منه ُمتكأ‪ ,‬فعمد إلى الوقوف أمامه ليحجب ما بدا منها‬
‫عن أنظاراملحارب‪.‬‬
‫‪ -‬أشكرك ً‬
‫كثيرا‪ ..‬فلتحيا "مينورا" العظيمة‪.‬‬
‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫يعقب‪ .‬التفت بعدما تأكد من ابتعاد‬
‫مدبرا من غير أن ِ‬ ‫ولى املحارب‬
‫املحارب بما يكفي ليجدها تنظر إليه بعتاب صارخ‪ ,‬فأكد لها أنه لم يتعمد‬
‫أن يعرضها للخطر‪ ,‬وأن خطر انكشاف أمرها في مسكنه خطر مشترك‬
‫ً‬
‫سيزج به أوال إلى ما ال ُيحمد عقباه‪ .‬اجتمعا حول الطعام يسكنان أنين‬
‫َ‬ ‫معدتيهما‪ ,‬وأثناء ذلك سألته َّ‬
‫عمن يكون‪ ,‬وملاذا يحسن "ريشع" ضيافته‪,‬‬
‫فقص عليها حكايته من البداية التي يتذكرها‪ ,‬لكنه أحجب عنها نبأ‬ ‫َّ‬
‫بطولته الزائفة في إنقاذ امللك‪ ,‬لذلك عندما سألته عن سبب إنقاذه‬
‫تلجلج منطقه‪:‬‬
‫‪ -‬هذا ما حدث! أظنني لم أفكر بوضوح‪ .‬لعلي لو فعلت لكنت ترددت في‬
‫إنقاذه‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬بل حسنا فعلت؛ ها أنت تعيش بأمان فوق أرض "مينورا"‪.‬‬
‫ً‬
‫متلمسا ضمادة عينه‪ ,‬والخط املتعرج املشوه فوق‬ ‫نفى قولها بمرارة‪,‬‬
‫وجنته‪:‬‬
‫‪ -‬لم أشعر هنا باألمان قط‪ ,‬أخبرتك أن "الجوييم" أرادوا قتلي‪ ,‬لكنهم‬
‫أخفقوا وتركوا لي هذا التذكار ً‬
‫عقابا على إنقاذي للملك‪ ..‬وال أدري إن كانوا‬
‫سينجحون في املرة القادمة‪.‬‬
‫‪ -‬اهرب معي إذن‪.‬‬

‫‪81‬‬
‫نظر إليها بمزيج من الدهشة والحيرة‪ ,‬ثم أكمل طعامه تلتهمه ظنونه‪,‬‬
‫وبعد فترة ران صمت طويل خاللها‪ ,‬أخبرها بوضوح أنه يظن الخير في أن‬
‫َ‬
‫يبقى في "مينورا"‪ ,‬خاصة بعدما أحسن "ريشع" معاملته‪ ,‬ولعله ُيدبر له‬
‫ً‬
‫عمال في اململكة‪ ,‬وتزداد ثقته به‪ ,‬ويحميه من خطر"الجوييم"‪.‬‬
‫‪ -‬كما تريد‪.‬‬
‫أنهت الحوار مستكملة طعامها غير مبالية‪ ,‬فعادت تراوده الهواجس‬
‫إن كان أحسن االختيار ببقائه في "مينورا"‪ ,‬لكن عندما الح لعقله املخاطر‬
‫التي قد يتعرض لها أثناء هروبه عبر أنفاق "الجوييم"‪ ,‬ارتأى أنه بالفعل‬
‫ً‬
‫اختارأقل الطريقين وعورة‪.‬‬

‫***‬

‫‪82‬‬
‫امللف التاسع‬

‫ساور السجين األول ش يء من األمان بعدما ابتعد عنه "نمر األرض"‪,‬‬


‫ً‬
‫مقبال على السجين الثاني يتشممه‪ ,‬والذي ارتعدت فرائصه عندما المس‬
‫وجه "نمراألرض" وجهه‪ ,‬مزيج من التقزز والفزع استبد بقلبه‪ ,‬طالت تلك‬
‫اللحظات حتى بدت له كساعات طويلة من العذاب‪ ,‬أوشكت أن تدفعه‬
‫لالعتراف بجرم لم يقترفه! لكن الفرحة نطقت بها قسماته عندما ابتعد‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫مقتربا من السجين الثالث‪ ,‬الذي بدا ميتا أو هكذا خ ِّيل للناظرين‪ ,‬لم‬
‫عنه ً‬
‫تند منه ملحة من حياة إال عندما انتفض جسده وانطلقت عقيرته‬
‫بالصراخ بعدما انقض عليه "نمر األرض" بشراسة‪ ,‬وهو يصرخ صرخة‬
‫الجالوزة في شد الحبال إلبعاده عن السجين قبل‬ ‫رهيبة‪ ,‬استبسل مئات َ‬
‫أن ينهش جسده بعدما تشمم منه رائحة بذرة الشر‪ .‬احتاج َ‬
‫الجالوزة‬
‫بعض الوقت لتهدئة "نمر األرض" قبل أن يجري االختبار على َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫الذي التحمت عينه بالسماء‪ ,‬يعكس جسده ما يشعربه من اضطراب‪.‬‬
‫‪ -‬تماسك يا َ‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬
‫طفقت عينه تبحث بلهفة عن صاحبة الصوت بين الجموع‪ ,‬منعته‬
‫قيوده بالوتد من رؤيتها فاكتفى بعلمه أنها قريبة منه‪ ,‬وتصدقه‪ ,‬وتدعمه‪,‬‬
‫عادت عينه التصالها بالسماء تغشاه السكينة‪ .‬أعلن َ‬
‫الجالوزة استعداد‬
‫"نمر األرض" لبدء اختبار السجين الرابع‪ ,‬فبذل َ‬
‫"ح ُبوك" جهده ليبقى على‬
‫استرخائه‪ ,‬اقترب منه "نمراألرض" حتى تالمس وجهاهما‪ ,‬فاشتم َ‬
‫"ح ُبوك"‬

‫‪83‬‬
‫ُ َّ‬
‫نفرة تنبعت منه‪ ,‬تلك هي املرة األولى التي يخضع فيها َ‬
‫"ح ُبوك"‬ ‫رائحة م‬
‫َ‬
‫لهذا االختبار‪ ,‬لم يقبض الجالوزة عليه قط‪ .‬بغتة ابتعد "نمر األرض" عنه‬
‫َّ‬
‫فهللت ُ‬
‫"سالس" هاتفة بحماسة جلب البسمة إلى ثغر‬ ‫بنفور شديد‪,‬‬
‫َ‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬
‫‪ -‬لقد نجوت!‬
‫تملص السجين الثالث ‪-‬الذي ثبت ُجرمه‪ -‬من أيدي َ‬ ‫َّ‬
‫الجالوزة يبغي‬
‫الفرار‪ ,‬لكنهم أحكموا قبضاتهم فوق أطراف جسده بقوة آملته‪ ,‬فتعالى‬
‫ً‬
‫صوته يستجديهم أن يسبغوا عليه من الرحمة شيئا‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ -‬لم أفعل شيئا سيئا! لقد أحسنت إلى الجميع طوال حياتي‪ ..‬اتركوني‪.‬‬
‫رمقه بعض الحضور باحتقار صارخ‪ ,‬ورموه بفضالت طعامهم‬
‫ولسانهم‪ .‬ال يمكن لـ "نمر األرض" أن ُيخطئ قط‪ ,‬لم يفعل وال مرة واحدة‪,‬‬
‫يثقون بقدرته الفائقة والحساسة على شم رائحة بذرة الشر وتمييزها من‬
‫بين ماليين الروائح األخرى‪ .‬ساق َ‬
‫الجالوزة السجين الباكي وألقوا به في‬
‫ً‬
‫استعدادا إلخضاعة للجزء الثاني من االختبار‪ ,‬إما‬ ‫غيابة السجن‪,‬‬
‫املغفرة أو املوت بين أنياب "نمراألرض"‪.‬‬

‫***‬
‫ضمتهما الغرفة السرية التي لطاملا ضمت اجتماعهما بالفريق الذي‬
‫تشتت أركانه‪ ,‬وهلك بعض أفراده‪ .‬جلبت له قشر الرمان الذي يحبه‪,‬‬
‫فتسلمه منها بغبطة أسرت التوتر في جسده‪ ,‬واستشعر نبضات قلبه‬
‫تتراقص ثملة‪ ,‬أبعد عينه عن مرمى نظراتها‪ ,‬يخفي نظرة كادت أن تش ي‬
‫بحديث قلبه‪ .‬ملس شرودها وتشتت أركانها‪ ,‬فلم يشأ أن يقطع حبل‬

‫‪84‬‬
‫ُّ‬
‫تفكرها‪ ,‬رفع عينه مرة أخرى يعانقها خلسة‪ ,‬أفسدتها عليه ضربها لألرض‬
‫بقوة وهي تهمس بجدية بالغة‪:‬‬
‫‪ -‬بيننا خائن يا َ‬
‫"ح ُبوك"‪ ..‬ويجب أن نعرفه‪.‬‬
‫مليا ثم أفصح عن موافقته لرأيها‪ ,‬فهذا آخر ما قالته العزيزة‬ ‫صمت ً‬
‫ِ"بنان" قبل إلقائها بـ "فم النار"‪.‬‬
‫أكملت بنفس النبرة الهامسة رغم علمها ببعد الغرفة السرية عن أي‬
‫مسمع‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ذلك الخائن وش ى باملـعلم "آصف" وتالميذه‪ ,‬ثم بـ ِ"بنان"‪ ,‬ثم بك‪,‬‬
‫ولربما أكون ضحيته التالية‪.‬‬
‫متحفزا‪ ,‬تفصح عينه عما يحجبه لسانه‪,‬‬‫ً‬ ‫انتفض قلبه‪ ,‬وانتصب‬
‫سمعها تستطرد بجدية أن عليهما كشف هذا الخائن‪.‬‬
‫‪ -‬أأ هل تشكيين في "دااموس"؟‬
‫‪ -‬كال‪.‬‬
‫"سالس" بحيادية أن "داموس" رغم كل مساوئه‪ ,‬وبغضها‬ ‫أفصحت ُ‬
‫لعجرفته وغلظته‪ ,‬ال يمكنه أن يدفع بأخته إلى هذه امليتة البشعة‪ ..‬ولديه‬
‫من حب مملكته‪ ,‬واستعداده للتضحية بحياته من أجلها ما يمنعه من أن‬
‫يفسد خطتهم إلنقاذ اململكة‪.‬‬
‫‪ -‬من إذن؟‬
‫ً‬
‫بقى سؤاله معلقا في فراغ الغرفة‪ ,‬استغرقت في التفكير فاحترم صمتها‬
‫كعادته‪ ,‬حتى قطعته وقد تملكها الضيق‪:‬‬

‫‪85‬‬
‫‪ -‬يبدو أننا سنضطر إلى التعاون مع "داموس" األعرج مرة أخرى‪ ..‬إننا‬
‫نحتاج ذلك املتعجرف‪ ..‬آه ٍ! كم أشعر بالغيظ الشديد‪ ,‬أحتاج الذهاب إلى‬
‫ساحة الصراخ اآلن‪.‬‬
‫ُ‬ ‫يعلم َ‬
‫ً‬
‫مؤخرا من التردد على ساحة الصراخ‪,‬‬ ‫"ح ُبوك" أنها أمست تكثر‬
‫جيدا لها‪ ,‬فالصراخ سيخمد من جذوة غضبها‪ .‬هكذا‬ ‫أمرا ً‬
‫فرآى في ذلك ً‬
‫اعتاد أن يفعل أهل مملكة "النسر" كلما اعتراهم ما يقض مضاجعهم‪,‬‬
‫ناجع ً‬
‫جدا!‬ ‫ويبدو أنه بالنسبة لهم ٌ‬
‫عالج ٌ‬

‫***‬
‫التفت يرمق املسافة التي قطعها داخل النفق الضيق برائحته‬
‫مصدق ما انتهى إليه حاله‪ ,‬ثم التفت إلى "أكيال"‬
‫ٍ‬ ‫الخانقة‪ ,‬واليزال غير‬
‫التي تسير أمامه برشاقة حسدها عليها‪ ,‬استشعر كل مفاصل جسده تئن‬
‫ً‬
‫طلبا للراحة‪.‬‬
‫‪ -‬احذر‪ ,‬نبات سام‪.‬‬
‫كانت تلك النبتة الثانية عشرة التي مروا بها منذ أن استهال رحلتهما‬
‫تحت أرض"مينورا"‪ .‬ازدانت النبتة السوداء بأوراق غريبة الشكل‪,‬‬
‫بأطراف مسننة حادة‪ ,‬تعلوها أشواك صغيرة‪ .‬ألهب فضوله الستكشاف‬
‫ملمسها‪ ,‬وكيف تمكن "الجوييم" من استزراعها تحت األرض‪.‬‬
‫‪ -‬ال تفعل!‬
‫التفت ينظرإليها‪ ,‬فاقتربت متفحصة باهتمام‪:‬‬
‫‪ -‬هل ملستها؟‪ ..‬دعني أنظر‪.‬‬

‫‪86‬‬
‫ً‬
‫عطرا داعبه‪ ,‬فاستحسن قربها‪ ,‬لم تطل ملستها‪,‬‬ ‫نفذ إلى مسامه‬
‫ابتعدت ترسل تحذيراتها‪:‬‬
‫ً‬
‫اهتياجا بالجسم يعقبه موت‬ ‫‪ -‬بعض النباتات هنا فور ملسها تسبب‬
‫سريع‪.‬‬
‫استكمال املسير يتابع تحركاتها بإهتمام‪ .‬يسترجع بذهنه كيف ترجته‬
‫والخوف يسري بقسماتها أن يرافقها حتى تصل إلى نهاية النفق‪ ,‬طمأنته‬
‫أن النفق الذي اختارته لهروبها قديم لم يعد "الجوييم" يستخدمونه في‬
‫تنقالتهم‪ ,‬وأن األمر لن يستغرق إال ساعات قليلة يعود بعدها إلى مسكنه‬
‫ً‬
‫آمنا‪ ,‬طلبت فيه شهامته‪ ,‬فوافق بتردد ملحوظ وال يزال الخوف يساوره‪.‬‬
‫عمدت إلى رسم خطوط من مادة مشعة تفرزها أغصان إحدى األشجار‬
‫على وجهها وأطرافها‪ ,‬وكذلك فعل‪ ,‬فاستنار النفق املظلم مع خطواتهما‬
‫بداخله‪.‬‬
‫بدت "مينورا" في تلك اللحظة بعيدة إلى الحد الذي استحسن معه‬
‫ً‬
‫شاردا يزن كال الخيارين‪ ,‬أيهما يصب في صالحه ويجنبه‬ ‫قرار الهرب‪ ,‬كان‬
‫املتاعب‪ ,‬عندما انقض عليهما بغتة من الخلف عشرة من "الجوييم"‬
‫األشداء‪َّ ,‬‬
‫قيده ستة منهم‪ ,‬فيما صرف األربعة الباقون قوتهم إلى "أكيال"‬
‫يثبتونها بالجدار‪ ,‬وقد تعالت صرخاتها تستنجد به‪.‬‬

‫***‬
‫أعملت نظرها فيما حولها مستريبة‪ ,‬وملا تأكدت أن الكل مشغول‬
‫ً‬
‫عيونا متلصصة بالجوار‪ ,‬اتجهت ُ‬
‫"سالس" صوب ذاك الذي‬ ‫بشاغله‪ ,‬وال‬
‫ً‬
‫أشار إليها مستوقفا من خلف زاوية باملمر املمتد ً‬
‫يسارا‪ ,‬بنفس مضطربة‬

‫‪87‬‬
‫استقرت أمامه وال تزال أعينها تحوم باملكان مترقبة‪ .‬بث األمان بقلبها بأن‬
‫ً‬
‫متهكما وهو يقول‪:‬‬ ‫األنظاربمعزل عنهما‪ ,‬ضحك‬
‫يراك أحد‪.‬‬
‫ألست ميتة ال ِ‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ممن تخشين؟!‪..‬‬
‫أجابت بجدية بالغة‪ ,‬زادت من سخرية نظراته‪:‬‬
‫‪ -‬أخش ى أن تتناثر حولك األقاويل عندما يرونك تتحدث إلى نفسك‪..‬‬
‫عندها ستفقد مكانتك بينهم‪.‬‬
‫ُ‬
‫وحجبت عنه باقي عبارتها "ولن تأتيني بما أريد"‪ ..‬بادرته بحدة تخفي‬
‫لهفة تسأله عما يريده منها‪ ,‬فاستقر الحبور على وجهه يبشرها بما أرادت‬
‫أن تسمعه‪:‬‬
‫أخبرتك أنني سأفعل‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لقد وجدتها‪..‬‬
‫فشلت في إخفاء لهفة قفزت من أسوار عينيها فاستقبلها بابتسامة‬
‫واسعة‪:‬‬
‫‪ -‬أين؟ أعطني إياها‪.‬‬
‫أنسيت اتفاقنا؟‬
‫ِ‬ ‫‪-‬‬
‫ضاق صدرها‪ ,‬وكيف تنس ى! عادت تجول بنظرها في املمر تراقب رواده‬
‫القلة‪ ,‬ثم توقفت عنده صامتة‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫‪ -‬لن أنتظرطويال‪.‬‬
‫لم تكن بحاجة لتسمع ذلك‪ ,‬تعرف أن الصبر ليس من خصال‬
‫"جادور" الحميدة‪ ,‬في الواقع ال يخطر ببالها أي صفة حميدة يتمتع بها‬

‫‪88‬‬
‫"جادور"‪ ,‬تظنه معجزة تعيش بال قلب‪ ,‬لعله ليس األول من نوعه الذي‬
‫تقابله‪ ,‬لكنه بالتأكيد أخبثهم وأوسعهم حيلة‪.‬‬
‫مكثت بعد رحيله بمكانها للحظات‪ ,‬ثم كأن النشاط َد َّب فيها‪ ,‬انطلقت‬
‫مسرعة إلى وجهتها‪ ,‬ارتطمت بأحدهم فلم تلتفت إليه ولم تعنى بسبابه‪,‬‬
‫نزلت الدرجات امللتوية للسلم الذي يربط الطابق األول إلى حيث الطابق‬
‫الثالث والسبعون تحت األرض‪ً ,‬‬
‫تماما حيث ينتظرها "داموس" في الغرفة‬
‫ً‬
‫السرية‪ .‬توقفت قليال على أعتابها تحاول أن تطرد "جادور" وحديثه من‬
‫عقلها‪ ,‬تحاول أن تواري ما تشعر به من إثارة وصوته اليزال يطن‬
‫بمسامعها "لقد وجدتها"‪ ..‬كبحت لجام نفسها مذكرة نفسها بما جاءت‬
‫من أجله‪ ,‬وولجت الغرفة‪.‬‬

‫***‬
‫"ح ُبوك" ملرأى "جادور" أمام مسكنه أثناء‬ ‫اضطربت خطوات َ‬
‫خروجه‪ ,‬يعلم أال سبيل إلى تجاهله‪ ,‬وصدق حدسه عندما اعترض طريقه‬
‫ً‬
‫مصطدما به بحدة ال يغفرها خلو املمر واتساعه‪ .‬تالقت أعينهما في نزال‬
‫ْ‬ ‫ً‬
‫سريعا الراية البيضاء‪ .‬حقا يهابه‪ ,‬لم يرهبه َجلد‬
‫ً‬ ‫رفع فيه َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫َ‬
‫الجالوزة لكل جزء من جسده‪ ,‬كان يتلقى ضرباتهم بصبربلغ اآلفاق‪ ,‬ينتظر‬
‫جلدة بعد أخرى بتؤدة من يراقب ذرات الرمال تتسابق إلى مستقرها في‬
‫النصف السفلي من الساعة الرملية‪ .‬كذلك لم يرهبه املوت الذي حاصره‬
‫مرات‪ ,‬وفى كلة مرة ال يفصله عنه إال غمضة واحدة‪ ,‬لكنه يهاب "جادور"‪..‬‬
‫ليس لضخامة وقوة جسده الذي يتعاظم به ويتفاخر‪ ,‬وال لذلك الجاه‬
‫الذي يتوج اسمه بين شعب مملكة "النسر"‪ ,‬وال بسبب ما ُجبل عليه من‬

‫‪89‬‬
‫"سالس" ً‬ ‫لحسن الشيم‪ ,‬بل ألن له من ُ‬ ‫ً‬
‫سبيال ُ‬
‫مأربا‬ ‫خصال خبيثة ال تعرف‬
‫يجهله‪.‬‬
‫اليزال يذكر وقت أن رآهما يتحدثان ً‬
‫معا في "يوم الزينة" بهمس ال يصل‬
‫ً‬
‫وجديا‪.‬‬ ‫إلى مسامعه‪ ,‬في زاوية بعيدة عن مرمى األبصار‪ ,‬بدا حديثهما ً‬
‫هاما‬
‫"سالس" الذي ُيفصح ً‬
‫دائما عما يعتمل بداخلها‪ ,‬أو‬ ‫علم ذلك من وجه ُ‬
‫"سالس"‪ .‬يومها أنكرت أنها تحدثت إلى‬‫لعلها مزية تخصه فحسب‪ ,‬قراءة ُ‬
‫"جادور" عندما سألتهم العزيزة ِ"بنان" إن اعترض طريق أحد من أفراد‬
‫فرقتهم‪ ,‬لم يهتك أستار سرها أمام اآلخرين‪ ,‬ولم يخبرها أنه رآها تتحدث‬
‫إليه‪ ,‬ولم يسألها ملاذا أنكرت معرفته‪ ,‬لكن الشك مأل قلبه واليزال‪ ,‬ماذا‬
‫يريد هذا الخبيث منها!‬
‫"سالس" بالغرفة السرية منخرطة في الحديث إلى "داموس"‬ ‫رنا إلى ُ‬
‫عظيما‪ً ,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫دوما تبدأ االجتماعات دونه‪ ,‬ال فارق إن‬ ‫فأصاب الحنق منه مبلغا‬
‫حضراإلجتماع أو غاب عنه‪ ,‬فكالهما سواء‪ .‬عمد إلى ترك هذا الحنق على‬
‫ذكرا نفسه بأن هذا ليس خطأ اآلخرين‪ ,‬إن كان‬ ‫أعتاب الغرفة السرية ُم ً‬
‫يعني لهم "ال ش يء" فذلك ألنه بالفعل نكرة ال ُيقام لها ٌ‬
‫وزن‪ ,‬فلماذا‬
‫يطالبهم بما يعجزهو نفسه على أن يراه في انعكاس وجهه بمياه جارية‪.‬‬

‫***‬
‫ُ‬
‫اختطفوها أمام عينه‪ ,‬تكبله أطرافهم بقبضات حديدية‪ ,‬آخر ما رآه‬
‫ً‬
‫مرغما‬ ‫ركالتها ألحدهم فانهال آخر على جسدها بالضرب‪ ,‬قبل أن يبتلع‬
‫ً‬
‫مسحوقا كالحنظل ُّ‬
‫زجوه بقوة داخل فمه فقد على إثره وعيه‪ ,‬ال يزال‬
‫يذكرصرخاتها تستنقذه‪ ,‬وتوعداتهم لها بأن يذيقوها مرالعذاب‪.‬‬

‫‪90‬‬
‫فجرا‪ ,‬فلم يكد يخرج من النفق بجسده املتهالك حتى‬ ‫َّ‬
‫قدر أنه استفاق ً‬
‫رأى الصبح وقد أشرق على مملكة "مينورا"‪ ,‬بنفس منهزمة وقلب واجف‬
‫وصل إلى مأمن مسكنه مرتعد األوصال‪ ,‬أعمل عقله فيما يجب أن يفعله‪,‬‬
‫َ‬
‫هل يخبر "ريشع" بما حدث‪ ,‬لكن وقتها لن يأمن بطشه‪ ,‬سيغضب أشد‬
‫الغضب ملساعدته لواحدة من "الجوييم" على الهرب‪ ,‬وقد يتهمه بأنه‬
‫ٌ‬
‫واحد منهم ويختلق قصة جهله بهويته‪ .‬هل يتركها فريسة "للجوييم" إذن؟‪..‬‬
‫كيف يفعل؟‪ ..‬اشتد غيظه ِلقلة حيلته فاندفع يركل برعونة غصن‬
‫الشجرة فانجرحت قدمه‪ ,‬وزاد األلم من غيظه فأطلق سبة لنفسه وهو‬
‫يروح ويغدو بمسكنه‪ ,‬ال يستقربه املقام على حال‪.‬‬
‫لم يجذبه من غمرة أفكاره إال املحارب الذي ظهر بأعتابه يخبره برغبة‬
‫َ‬
‫"ريشع" في لقياه‪ ,‬فكاد أن يسقط قلبه بين أقدامه‪ ,‬توتر جسده فصدم‬
‫ً‬
‫املحارب أثناء سيره‪ ,‬حتى أنه لم يستطع أن يخرج صوتا يعتذر به إليه‪.‬‬
‫ً‬
‫أسمرا ملقى فوق األرض‪,‬‬ ‫ً‬
‫جسدا‬ ‫أبصر هناك على أرض الساحة الكبيرة‬
‫التف حوله ثالثة من املحاربين‪ ,‬ترك مسار مرافقه بغير كالم واقترب ببطء‬
‫من الجسد األنثوي منزوع الرأسه‪ ,‬يتأمل حناياه‪ ,‬كتم شهقة فزع وهو‬
‫يرمق الخطوط امللونة من املادة املشعة التي عكف مع "أكيال" على دهن‬
‫جسديهما بها‪ ,‬التفت يعدو ً‬
‫بعيدا عن جثتها التي كانت نابضة بالحياة منذ‬
‫ساعات‪ ,‬يحدوها األمل بالهرب من ذلك املصير الذي القته مرغمة في‬
‫النهاية‪ ..‬ال أمان فوق أرض "مينورا"‪ ..‬تحررت من عينه دمعة سمح لها‬
‫بالهروب‪.‬‬

‫***‬

‫‪91‬‬
‫امللف العاشر‬

‫‪ -‬جـ‪ ..‬جـ‪" ..‬جاادور"‬


‫زج َ‬
‫"ح ُبوك" باالسم ليجيب عن سؤال اجتمعوا ليعثروا على جوابه‪,‬‬ ‫َّ‬
‫التفتا يتطلعان إليه‪ ,‬لم يستطع قراءة "داموس"‪ ,‬أنبأته نقرة قدم‬
‫ُ‬
‫"سالس" لألرض عدة مرات متعاقبة بتوترها‪ ,‬لذلك لم يكتنفه ش يء من‬
‫الدهشة عندما استبعدت أن يكون "جادور" هو الذي يعبث بحيواتهم‪,‬‬
‫وكذلك قال "داموس"‪:‬‬
‫‪" -‬جادور" ال يعرف أي ش يء عن فريقنا‪ ,‬وال فائدة تعود عليه من‬
‫أذيتنا‪.‬‬
‫منطقيا‪ ,‬ولعله هو نفسه ال يجد ً‬
‫سببا ليزج باسمه إلى قفص‬ ‫ً‬ ‫بدا كالمه‬
‫ُ‬
‫االتهام سوى ما يثيره فيه من رهبة‪ ,‬وما يبثه اقترابه من "سالس" بداخله‬
‫َ‬
‫من ضيق‪ .‬حتى عداوته السابقة للعزيزة ِ"بنان" انتهت بموتها‪.‬‬
‫‪ -‬يجب أن نستكمل املهمة التي وكلنا بها؛ من أجل شعبنا‪.‬‬
‫‪ -‬كيف؟!‬
‫"سالس" بسؤالها االستنكاري‪ ,‬ثم استطردت بتحدي‪:‬‬ ‫قذفت ُ‬
‫‪ -‬ال يمكن لثالثتنا فقط الحفرلبلوغ القبو‪ ..‬ذلك شاق ً‬
‫جدا‪.‬‬
‫‪ -‬بل يمكننا‪ ,‬إن بذلنا جهدنا في ذلك‪.‬‬

‫‪92‬‬
‫أشياء قليلة هي التي تبعث باللذة في نفسها‪ ,‬ومن بينها السخرية ممن‬
‫ً‬
‫ُيبدي تفوقه عليها‪ ,‬خاصة إن كان فظا كـ "داموس"‪:‬‬
‫‪ -‬أثق بقدرتك على فعل ذلك‪ ..‬أنت كتلة من الطاقة بال رأس‪.‬‬
‫ال تدري ما الذي أغضبها أكثر‪ ,‬صمته عن استفزازها إياه الذي لم يجد‬
‫لديه صدى‪ ,‬أم مغادرته املفاجئة دون أن يعيرها أدنى اهتمام‪ .‬ولم يقر‬
‫بنفسها أن ردة فعله هذه ليست من العبثية في ش يء! يعرفها ً‬
‫جيدا‪ ..‬تكره‬
‫التجاهل وال تطيقه‪ ,‬ستعمد إلى الزج بنفسها في طريقه‪ ,‬فقط لتشعر أن‬
‫هناك من يراها‪.‬‬

‫***‬
‫َ‬
‫استقر أمام "ريشع" بقاعة الحكم ينظر إليه نظر املغش ي عليه من‬
‫الخوف‪ ,‬لم تهدأ بعض نفسه حتى علم مبلغ قصده من استدعائه‪ .‬أعماه‬
‫ً‬
‫مجلسا‪ ,‬حتى‬ ‫اضطرابه في البداية عن ذاك الذي يتبوأ من عرش امللك‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫عرفه "ريشع" بأنه "ملك مينورا الجديد"!‬
‫َ‬
‫رغم الود املفقود بينه و"ريشع" إال أنه أعجب بمقالته التي خلص منها‬
‫َ‬
‫إلى أن منتهى غاية "ريشع" حماية أرضه وشعبه‪ ,‬وال مطمع له غير بذل‬
‫حياته كلها من أجل "مينورا"‪.‬‬
‫رنا "القزم" إلى امللك الذي اتخذ موضعه فوق العرش‪ ,‬لم يجد به‬
‫ً‬ ‫ظاهرا أو ًّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خفيا يشكل فرقا بينه وبين امللك املقتول‪ ,‬بدا متشابهين‬ ‫ملمحا‬
‫إلى الحد الذي نس ي معه شكل امللك السابق‪ ,‬مزج عقله الوجهين ليصيرا‬
‫وجها ً‬
‫واحدا!‬ ‫ً‬

‫‪93‬‬
‫استقبل ثناء امللك الجديد على بطولته في إنقاذ امللك القديم بهزة‬
‫رأس وهمهمة غير مفهومة‪ ,‬فيما مشهد جثة "أكيال" منزوعة الرأس يأبى‬
‫أن يفارق خياله‪ ,‬ال يدع لجوارحه فرصة ألن تسكن‪ .‬حاول التركيز على‬
‫كالم امللك ببذل استطاعته‪ ,‬لكن وعيه استقر فقط على جمل متفرقة‬
‫مبتورة استطاع أن يشكل منها معنى لدعوة امللك إياه باملكوث في "مينورا"‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫آمنا تحت سلطانه‪ ,‬وسيوفر له العمل الذي يثير في نفسه استحسانا‪,‬‬
‫ً‬
‫مبلغا ً‬ ‫ً‬
‫جيدا‪.‬‬ ‫موضوعا تحت أنظارامللك واختباراته حتى تبلغ ثقته به‬
‫وبينما يفكر في صياغة شكر يليق بالعرض الكريم للملك‪ ,‬تنامى إلى‬
‫َّ‬
‫مسامع الجميع بوق إنذار ذكره بليلة قتل امللك القديم‪ ,‬فاقشعر جسده‪,‬‬
‫َ‬
‫وتأهبت حواسه‪ ,‬وقبل أن يبادر "ريشع" بمغادرة قاعة الحكم ليستطلع‬
‫َ‬
‫األمر‪ ,‬اقتحمها أحد املحاربين يتوجه بحديث امللهوف إلى "ريشع" بعد أن‬
‫أدى تحية سريعة إلى امللك‪:‬‬
‫‪ -‬لقد هربت إحدى الهدايا!‬
‫َ‬
‫استقر الهلع بقلبه بعدما سمع صيحة "ريشع" الغاضبة في وجه‬
‫َ‬
‫محاربه‪ .‬غادر "ريشع" القاعة يعقبه املحارب ممتقع الوجه‪ ,‬ومن خلفهما‬
‫احتمى امللك بزمرة من املحاربين‪ ,‬سمعهم يطلبون منه أن يصحبهم إلى‬
‫املسكن اآلمن‪.‬‬
‫حدث نفسه‬‫"هل قال إحدى الهدايا!‪ ..‬بالتأكيد قصد إحدى السبايا" َّ‬
‫وهو يجد طريقه إلى خارج املكان الذي يرسل ذبذبات التوتر بجميع خالياه‪.‬‬
‫لكن أوقفه مرأى إحدى الحشرات الضخمة وهي تمر بذنبها املض ئ في‬
‫لحظة خاطفة بجوار شجرة قريبة من تلك التي تستقر فوقها قاعة‬

‫‪94‬‬
‫ُ‬
‫الحكم‪ ,‬ال يدري إن كان خ ِّيل إليه بفعل اضطرابه‪ ,‬وتشوش تفكيره‪ ,‬أم أنه‬
‫أبصر ً‬
‫أحدا ما يحاول أن يتوارى بين األغصان‪.‬‬
‫جسدا انحشربين‬‫رأسا تعلو ً‬ ‫ً‬
‫جسدا هذه املرة‪ ,‬بل ً‬ ‫دقق النظر‪ ,‬لم يلمح‬
‫غصنين عريضين‪ ,‬التفت حوله يبحث عن أحد املحاربين يرشده إلى‬
‫ً‬
‫أسيرتهم الهاربة‪ ,‬لكن ملع بذهنه حال يستنقذ به نفسه‪ ,‬ويثبت به عند‬
‫َ‬ ‫امللك ً‬
‫قدما‪ ,‬ويستحوذ به ثقة "ريشع" وإعجابه‪.‬‬
‫متسلحا بسرعته وخفة حركته انسل بهدوء وخطوات مدروسة‬ ‫ً‬
‫ً‬
‫متورايا خلف سيقان األشجار‪ ,‬ال يحيد عن مراقبة هدفه‪ ,‬استرق نظرة‬
‫إلى الجسد املختبئ يرصد حركة بدرت عنه‪ ,‬فاطمأن لعدم هروب‬
‫عزما على إيقاعها في شباكه‪ .‬اهتدى إلى‬‫فريسته‪ ,‬وازداد مع كل خطوة ً‬
‫الشجرة فتسلقها بحذر‪ ,‬وبصبر بلغ مداه‪ .‬ساعده انقسام ساق الشجرة‬
‫إلى فرعين متجاورين ال تفصل بينهما إال مسافة صغيرة تسع جسده‬
‫النحيل‪ ,‬فأصبح بمأمن عن عيون فريسته‪ ,‬وعن أنظاراملحاربين املتناثرين‬
‫في أركان اململكة في حالة استنفار للبحث عن الهاربة‪ .‬بدرت عنها حركة‬
‫عندما اقترب من مقدمة الشجرة فتوقف عن تسلقها‪ ,‬ولم يعاود صعوده‬
‫إال بعدما أمن عدم اكتشافها ألمره‪ ,‬عليه بالصبر والحذر‪ ,‬إن هربت منه‬
‫ستضيع كل جهوده ُسدى‪.‬‬
‫يتبين مقدمة رأسها وهي تحركها باضطراب في جميع‬ ‫استطاع أن َّ‬
‫االتجاهات‪ ,‬رأى أن أمامه فكرتين ال ثالث لهما‪ ,‬إما اإلمساك بها وتقييد‬
‫حركتها وإنزالها من فوق الشجرة إلى حيث يسلمها للمحاربين‪ ,‬أو يدفعها‬
‫من مكانها فيسقطها ً‬
‫أرضا ليباغتها ويأمن عدم انفالتها منه‪ ,‬إذا أصابتها‬
‫َّ‬
‫السقطة بألم أعجزها عن الحركة‪ .‬تدلى ليرمق األرض العشبية أسفل‬

‫‪95‬‬
‫الشجرة وقد غلب ظنه أن سقطتها لن تكون مميتة‪ ,‬فقط ستسبب لها‬
‫أذى يشل من حركتها‪ ,‬ويحد من مقاومتها‪ ,‬ويضمن له الفوز بها‪.‬‬
‫دفع بها!‪..‬لم يستطيع أن يمنع قلقه املتنامي وهو يبصرها فوق العشب‬
‫بجسد هامد بعد صرخة ملتاعة بطول املسافة من مخبئها فوق الشجرة‬
‫إلى أسفلها‪ .‬تحركت فاستكان قلقه‪ ,‬نزل من فوق الشجرة واستقر أمامها‬
‫الهثا‪ ,‬سقطت على وجهها فلم َّ‬‫ً‬
‫يتبين مالمحها‪ ,‬حاولت النهوض بصعوبة‬
‫تتل َّمس قدمها متوجعة‪" .‬إنها واحدة من الجوييم القتلة" هتف في نفسه‪.‬‬
‫استغرق في البحث عن أحد املحاربين ثم توقف بغتة وبدا له أن من‬
‫َ‬
‫األفضل أن يسلمها لـ "ريشع"بنفسه‪ ,‬استرق نظرة إليها وهي التزال تجاهد‬
‫للنهوض‪ ,‬بحث عما يصنعه كقيد لها‪ ,‬فلم يجد إال صخرة دحرجها حتى‬
‫اقترب منها ثم رفعها ووضعها فوق ظهرها‪َّ ,‬‬
‫قدر أنها لن تؤذيها‪ ,‬وسيتوقف‬
‫عملها على إعاقة هروبها إن حاولت‪ ,‬خاصة مع قدمها املصابة‪.‬‬
‫"لم تستجديه ليطلق سراحها"‪ ..‬جال هذا الخاطر بنفسه‪ ,‬قفز قلبه‬
‫َ‬
‫غبطة إذ وقع نظره على "ريشع" بقسماته الحادة‪ ,‬بين محاربيه الذين‬
‫منعوه من التقدم نحوه‪ ,‬فإذ به يهتف ليلفت إنتباهه‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬أيها القائد العظيم "ريشع"‪ ..‬لقد أمسكت بالهاربة‪.‬‬
‫َ‬
‫تكاد تسبقه بلهفة خطواته‪ ,‬ساق "ريشع" إلى حيث أسيرته التي لم يعثر‬
‫فضل أن‬‫لها على أثر!‪ ..‬تاركة له الصخرة وكثير من العشب املنثني كتذكار‪َّ .‬‬
‫َ‬
‫يبحث عنها في الجوار عن مواجهة "ريشع" املتشبع بالغضب‪ ,‬حتى ملحها‬
‫تجرجسدها الهزيل بصعوبة فصرخ يرشدهم إلى مكانها‪.‬‬

‫***‬
‫‪96‬‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫مستلذا بما أسبغه عليه "ريشع" من أجود طعام وشراب اململكة‬
‫توسد الجزع بمسكنه‪ ,‬وطفق يمأل بطنه بما اشتهاه وما لم يتخيل وجوده‪,‬‬ ‫َّ‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫ثمال بثناء "ريشع" الذي دغدغ حواسه فأفض ى به إلى مرتع االنتشاء‪.‬‬
‫َّ‬
‫أشعل بجذوات من نارحطب زهوه‪ ,‬وغذي بروح الحياة أناه‪.‬‬
‫َ‬ ‫ُّ‬
‫لم يقض مضجع سكرته‪ ,‬ويسرقه من نشوته إال تذكره ألوامر "ريشع"‬
‫التي وجهها إلى محاربيه قبل أن يغادراملكان‪:‬‬
‫‪ -‬شدوا وثاق هذه النجسة بمسكني الخاص‪ ..‬سأجعل من الليلة ذكرى‬
‫ُ‬
‫ال تنس ى لكلينا‪.‬‬

‫***‬

‫‪97‬‬
‫امللف الحادي عشر‬

‫لم يهتد قلبه إلى سبيل الراحة رغم استشعاره باألمان‪ ,‬طفق يتحرك‬
‫باضطراب في مسكنه‪ ,‬ساورته املخاوف‪ ,‬واستيقظ ضميره من مرقده‪,‬‬
‫َ‬
‫استقربرأسه ألم مقيت وهو يتذكركلمات "ريشع"‪.‬‬
‫ُ‬
‫"سأجعل من الليلة ذكرى ال تنس ى لكلينا"‪.‬‬
‫ضرب برأسه الجذع عله يتوقف عن حماقته‪ ,‬ما شأنه وتلك التي‬
‫تنتمي إلى "الجوييم" البرابرة‪ ,‬فما حدث للمسكينة "أكيال" ال ُيمكن‬
‫ً‬
‫غفرانه‪ .‬إنهم متوحشون همجيون‪ ,‬بات أكثر يقينا من أن ما يحصدونه‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫واختيارا‪ ,‬ال‬ ‫طوعا‬ ‫جزاء وفاقا ملا زرعوه‬ ‫اآلن من تنكيل وقتل وتعذيب‬
‫تزرع بذور الحنظل وتأمل أن تجني غصن الزيتون!‪ ..‬هتفت شيوخ‬
‫الهواجس بداخله "وما أدراك أنها لم تثر عليهم وتهرب كما فعلت‬
‫"أكيال"؟!"‪ .‬ازدادت خطاه سرعة باطراد‪ ,‬أقدامه تدق األرض بحدة‬
‫واضطراب‪ ,‬وفي قلبه لهيب الزفرات‪.‬‬
‫ُ‬
‫"سأجعل من الليلة ذكرى ال تنس ى لكلينا"‪.‬‬
‫َ‬
‫"ريشع" بمعزل عن التفهم والتماس األعذار‪ ,‬مهما ترجته لن يشملها‬
‫بعفوه ورحمته‪.‬‬
‫ُ‬
‫"ذكرى ال تنس ى"!!‬

‫‪98‬‬
‫استصرخته نفسه " أتظنه سيقبل شفاعتك‪ ,‬لن تجني سوى غضبه‬
‫بعدا‪ ,‬بل واألسوأ‪,‬‬ ‫مصدودا‪ ,‬وعن جنابه ُم ً‬ ‫ً‬ ‫املقيت‪ ,‬ستمس ي عن بابه‬
‫ُ‬ ‫سيشملك عقابه ً‬
‫أيضا وستصير ليلة ال تنس ى لثالثتكم! أما ظهر لك‬
‫بالشهامة الخسران؟ أما فطنت إلى أن السالمة في أن يظل ضميرك‬
‫نعسانا؟!‬
‫مسرعا‪ ,‬تسوقه أقدامه إلى حيث الشجرة التي‬ ‫ً‬ ‫مض ى في الطرقات‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫تحتضن بجذوعها مسكن "ريشع"‪ ..‬يردد النظر إليها متخبطا‪ .‬استقرأمامه‬
‫عدائي دفعه بمقدمة سالحه وهو يأمره باملغادرة‪ ,‬فاستجمع‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬
‫محارب‬
‫َ‬
‫شتات شجاعة زائفة‪ ,‬وأخبره برغبته في لقاء القائد "ريشع" ألمر هام ال‬
‫يحتمل التأخير‪ .‬ال يدري كم من الوقت وقف ينتظر عودة املحارب‪,‬‬
‫متجنبا النظر في عيون باقي املحاربين التي تطفح بالبغضاء‪ .‬تنحصر نظراته‬ ‫ً‬
‫َ‬
‫بين مسكن "ريشع" وطريق العودة إلى مسكنه‪ .‬لكن سبق السيف العزل‪,‬‬
‫انطلقت الكلمات من فمه وال سبيل إلى ردها‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫َّ‬
‫تمنى في لحظة أن يجود عليه املحارب برفض "ريشع" ملقابلته‪ ,‬متشبثا‬
‫ً‬
‫مواجها تبعات قراره‬ ‫سريعا‪ ,‬وأضحى أنه وال بد‬ ‫ً‬ ‫بأهداب أمل انفصم عراه‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬
‫متقدما من "ريشع" الذي بدا مرتاحا إلى حد لم يعتد أن يراه به‬ ‫األحمق‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خارج مسكنه الخاص‪ ,‬يقدم رجال ويؤخر األخرى‪ .‬أعمل نظره سريعا فيما‬
‫حوله‪ ,‬فاستقرت عينه على األسيرة مقيدة األطراف‪ ,‬منهكة القوى‪ ,‬تجاهد‬
‫ُ‬
‫لتشبع خالياها باألكسجين‪ ,‬أبصر على ما بدا له من جسدها جروحا‬
‫َ‬
‫وكدمات‪ ,‬وقر الخوف بقلبه‪ ,‬و"ريشع" نافذ الصبر يسأله عن األمر الهام‬
‫الذي ال يحتمل التأخير‪.‬‬
‫‪ -‬أنا أعرف تلك التي ماتت في الساحة صباح اليوم‪.‬‬

‫‪99‬‬
‫َ‬
‫لم يجد أفضل من ذلك يخبر به "ريشع"‪ ,‬فساعاته متشابهة ال يحدث‬
‫َّ‬
‫فيها ما يستحق أن ُيروى‪ ,‬استطرد بتوترتملك منه‪:‬‬
‫‪ -‬لقد أتت إلى مسكني وطلبت مني الحماية‪ ,‬ألن "جوييم مينورا"‬
‫يسعون وراءها لقتلها‪ ,‬ألنها أرادت مفارقتهم‪.‬‬
‫‪ -‬ثم؟‬
‫أردف وأنظاره ُمعلقة باألسيرة التي ال يبدرعنها صوت أنين أو بكاء‪:‬‬
‫‪ -‬أبقيتها في مسكني لليلة ثم طلبت منها املغادرة‪.‬‬
‫َ‬
‫ثبت عينه بعيني"ريشع"‪ ,‬ال يشيح عنه بوجهه ليثبت له صدق هذه‬
‫وضيقا‪ ,‬يبدو أن ما قاله لم يكن ً‬‫ً‬
‫مهما كما‬ ‫الكذبة! ملس في وجهه خيبة‬
‫توقع ليخرجه من استغراقه فيما كان يصنع‪ .‬أشار إليه باالنصراف‪,‬‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫أعلنت أقدامه على رأسه عصيانا‪ ,‬فارتسمت الدهشة على وجه "ريشع"‬
‫لتباطئه في تنفيذ األمر؛ عليه أن يجد ما يقوله‪ ,‬وبسرعة‪.‬‬
‫أشارإلى األسيرة املقيدة وهو يقول بنبرة متلجلجة ظاهرها الود‪ ,‬بها من‬
‫َ‬
‫السخرية والتحدي ما لم تخطئه مسامع "ريشع"‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬هل يتغذى القائد العظيم "ريشع" على فضالت "الجوييم"!‬
‫َ‬
‫"ريشع" بها بقدر ما يهمه أال يكون ً‬
‫سببا في‬ ‫في الواقع ال يهمه ما يفعله‬
‫َ‬
‫ذلك‪ ,‬بعدما سلمها إليه طواعية‪ .‬التوى على "ريشع" صوته ال ينطق وال‬
‫يبين‪ ,‬وقد احتدت قسماته واتقدت عيناه‪ ,‬حتى بدا طيف بسمة على‬
‫ً‬ ‫وجهه‪ً ,‬‬
‫دانيا من "القزم" قائال‪:‬‬

‫‪100‬‬
‫‪ -‬أتعلم‪ ..‬لقد أبديت إلى اآلن من الشجاعة والذكاء ما يجعلك تستحق‬
‫مكافأة‪.‬‬
‫ثم أشارإلى األسيرة‪ ,‬واتسعت ابتسامته‪:‬‬
‫‪ -‬خذها‪.‬‬
‫ارتسمت نظرة بلهاء بعين "القزم"‪ ,‬وقسماته تش ي بدهشة وحيرة‪,‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫مستطردا بنبرة مهددة ال مزح‬ ‫بينما عادت قسمات "ريشع" إلى حدتها‪,‬‬
‫فيها‪ ,‬ال تقبل ً‬
‫صدا وال ًردا‪:‬‬
‫‪ -‬وأعدها في الصباح‪ ..‬منزوعة الرأس!‬

‫***‬

‫‪101‬‬
‫امللف الثاني عشر‬

‫تطارده أشباح خياالته السوداء مض ى يطوف بمسكنه حول الجسد‬


‫َّ‬
‫الذي ألقاه املحاربون فوق األرض‪ .‬اآلن فقط استطاع روية وجهها‪ ,‬تمكن‬
‫من أن ينظر بوضوح إلى الفراغ الذي يحيط باملكان الذي من املفترض أن‬
‫يحوى عينها اليسرى‪ ,‬إنها بعين واحدة!‪ً ..‬‬
‫تماما كالغريب الذي ألقى بنفسه‬
‫من فوق الجبل‪ ,‬والذي بدأت حكايته عنده‪.‬‬
‫اكتنفته دوامة حيرة‪ ,‬هل يشير هذا التشابه بينهما إلى أمر ما‪ ,‬أيكون‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لديها حال لذلك اللغز الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه محاطا به‬
‫من كل اتجاه‪ ,‬ما نسبة الصدفة في أن يقابل خالل أيام معدودة فردين‬
‫قدرأنها قليلة ً‬
‫عينا واحدة؟‪َّ ..‬‬ ‫ً‬
‫جدا‪ ,‬الصدفة ال تلعب دورها‬ ‫يملك كل منهما‬
‫بهذا االحتراف‪.‬‬
‫َّ‬
‫تمشت رعدة في أعضائه فبينما يجثو على قدمه‪ ,‬يدنو منها ليفحصها‪,‬‬
‫َ َّ‬
‫فحلق طائرالخوف في عينها‪ ,‬تدفعه عنها بقوة لم‬ ‫ثبتت نظراتها على وجهه‪,‬‬
‫ُ‬
‫يتوقع أن يمتلكها جسدها املنهك‪ .‬حاول أن يبدد خوفها‪ ,‬ويدفع غضبها‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫حكيا يبعث على‬‫شكلت ً‬ ‫بإظهار ُحسن نواياه‪ ,‬غلفها بعبارات مبتورة‪,‬‬
‫الضحك‪.‬‬
‫لم يتنبه إلى نظراتها التي طردت عنها الريبة لتحل بمجلسها اللهفة‪,‬‬
‫وهي تجاهد أملها لتسأله‪:‬‬

‫‪102‬‬
‫‪ -‬من أنت؟ هل أرسلك "أصالن" إلنقاذي؟ هل هو معك هنا؟‬
‫تلفتت حولها مستطلعة‪ ,‬بما سمحت به قدمها املصابة‪ ,‬ثم عادت‬
‫تسقط نظراتها على وجهه الذي بقى على حاله من الغم واألس ى‪ ,‬ماذا‬
‫يفعل بهذه الكارثة!‬
‫‪ -‬جائعة ً‬
‫جدا‪.‬‬
‫أدنى منها الطعام‪ ,‬التهمته بنهم وهي تقول‪.‬‬
‫ً‬ ‫‪ -‬ملاذا لم تجبني؟ ً‬
‫شكرا إلنقاذي أوال‪.‬‬
‫مدبرا يتكئ إلى الجذع‪ ,‬يواري بسمة ساخرة‪ ,‬وملا َّ‬
‫تولى عنها ً‬ ‫َّ‬
‫ألحت عليه‬
‫ً‬
‫في سؤالها‪ ,‬أجابها باقتضاب ونفاذ صبر بأنه ال يعرف شيئا عما تقوله‪ ,‬ال‬
‫يعرفها وال يعرف ذاك الـ "أصالن" الذي تتحدث عنه‪ ,‬ولم يرسله أحد‬
‫إلنقاذها‪.‬‬
‫ملس خيبتها جلية‪ ,‬غرق عقله في إيجاد حل لورطته‪ ,‬إما رأسه أو‬
‫ً‬
‫رأسها!‪ ..‬وعندما سألته عن خطته لهروبهما‪ ,‬كاد أن ينفجر غيظا‪ ,‬عن أي‬
‫َ‬
‫هروب تتحدث‪ ,‬أال تعلم من هو "ريشع"‪ ,‬إنه يمسك "مينورا" بقبضة من‬
‫حديد‪ ,‬ال يلجها أو يفارقها أحد إال بعلمه‪ ,‬وإن حاوال الهروب عبر األنفاق‬
‫سيالقيا نفس مصير"أكيال" على أيدي "الجوييم"‪.‬‬
‫يبدو أنه لم يستطع االحتفاظ برأيه لنفسه‪ ,‬خاصة مع إلحاحها في‬
‫معرفة خطته العبقرية للهروب‪ ,‬ملس دهشتها البالغة وهي تسأله‬
‫مستنكرة‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا تدعوهم بـ"جوييم"؟!‬

‫‪103‬‬
‫كاد أن يجيب‪" :‬أليس هذا اسمهم؟!"‪ ..‬لكنه أحجم عن ذلك‪ ,‬يبدو أن‬
‫هذه املخلوقة ذات العين الواحدة تعرف أكثر مما يعرف‪ ,‬لم يمنع نفسه‬
‫من استراق النظر إلى عينها‪ ,‬ينتقل منها إلى الفراغ الذي يجاورها يحدوه‬
‫ُّ‬
‫تفحصه فيها‪,‬‬ ‫فضول بالغ‪ ,‬حتى تنبه إلى نظراتها وحركة رأسها‪ ,‬مستنكرة‬
‫ً‬
‫مضطربا‪.‬‬ ‫فأشاح عنها ً‬
‫وجها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نفسيا هائال‪ ,‬الكارثة التي ابتلي بها‬ ‫حملت له اللحظات التاليه صرا ًعا‬
‫تحثه على الهرب‪ ,‬تظن أنهما ينتميان إلى الفريق نفسه‪ ,‬ومن جهة أخرى‬
‫شحذ له من رغبات‪ .‬وفي‬‫مستبشعا‪ ,‬لن يقوى عليه مهما َّ‬
‫ً‬ ‫يرى في قتلها ً‬
‫أمرا‬
‫خضم صراعه مع نفسه ألقت عليه معلومة ساعدته على اتخاذ قراره؛ إذ‬
‫داربينهما هذا الحوار‪ ,‬سألته‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا أنت هنا؟‬
‫‪..... -‬‬
‫‪ -‬هل واجهتك مشكلة؟‪ ..‬هل هربت من اململكة؟‬
‫‪ -‬أي مملكة‪ ..‬ها؟!‬
‫‪ -‬مملكتنا‪.‬‬
‫‪ -‬ال أعرفها؟!‬
‫‪ -‬هل تلعب معي؟!‬
‫قالتها بعنف‪ ,‬عليه أن يعترف أن رؤيتها بعين واحدة أمر يبعث في نفسه‬
‫بالرهبة‪ ,‬لكن رؤية الغضب يشع من قسماتها التي تحيط بهذه العين لهو‬

‫‪104‬‬
‫ً‬
‫أمر مفزع حقا‪ .‬حملت اللحظات التالية الدهشة لكليهما‪ ,‬لكن النصيب‬
‫األكبركان لـ "القزم"‪.‬‬
‫‪ -‬هل تعني أنك ال تتذكرأنك من مملكة "النسر"؟‬
‫‪ -‬هذه هي املرة األولى التي أسمع بهذا االسم‪.‬‬
‫ثم استطرد باهتمام بالغ‪:‬‬
‫مملكتك؟‬
‫ِ‬ ‫أنت واثقة أنني من أبناء‬
‫‪ -‬لكن ملاذا ِ‬
‫‪ -‬بسبب هذا‪.‬‬
‫ً‬
‫متلمسا‬ ‫أشارت إلى املثلث الذي يتوسط جبينها‪ ,‬فدنا منها يحدق فيه‬
‫ذاك الذي يتوسط جبينه هو اآلخر‪ ,‬وهو يسألها ليجلي عن نفسه الحيرة‪:‬‬
‫مملكتك فقط؟‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬هل هذه العالمة تخص أبناء‬
‫أومأت برأسها‪ ,‬فخفق قلبه بابتهاج‪ ,‬وأخذ مكانها في شحذ الهمم‬
‫للهروب‪ ..‬اآلن! فها هو يتجه معها بعد أن غزت الشمس سماء "مينورا" إلى‬
‫النفق الوحيد الذي يعرفه‪ ,‬ليهربا عبره‪ ,‬وعندما أبدى لها تخوفه من أن‬
‫ينقض عليهما "الجوييم"‪ ,‬أعربت عن دهشتها وغضبها للمرة الثانية وهي‬
‫تسأله بحدة‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا تصر على مناداتهم باالسم الذي ينعتهم به أعداؤهم‪ ..‬ال تخفهم‬
‫لن يؤذونا بالطبع!‬
‫قالتها بثقة اعتبرها حماقة‪ ,‬أحجم عن إخبارها برأيه‪ ,‬انتبه إلى أنهما‬
‫وصال إلى فتحة النفق دون أن يحاوال العثور على املادة املضيئة ليدهنا بها‬

‫‪105‬‬
‫جسديهما قبل عبور النفق‪ ,‬لم يكد يخبرها بذلك حتى احتدت بنفاذ صبر‬
‫بدا ً‬
‫جليا أنها لم تتحلى به ً‬
‫يوما‪:‬‬
‫‪ -‬هل تلعب معي!‬
‫ً‬
‫غيظا َّ‬
‫وهم بأن‬ ‫دلفت إلى النفق دون أن تدع له فرصة للرد‪ ,‬فامتأل‬
‫يغادر للبحث عن املادة املضيئة إال أنه لم يحب أن يفوت على نفسه‬
‫فرصة رؤية هذه العنيدة وهي متخبطة في الظالم‪ ,‬عائدة بأدراجها إليه‪,‬‬
‫تعتذر منه على سوء تقديرها لألمور‪ ..‬دلف إلى النفق يبتلعه الظالم‬
‫الدامس‪ ,‬لكن ابتسامته الشامتة التي أعدها ليستقبلها بها وئدت على‬
‫وجهه فور والدتها‪ ,‬فقد كان على موعد مع أغرب مفاجأة تلقاها حتى اآلن‪..‬‬
‫إنه يرى في الظالم!!‬
‫ً‬ ‫َد َّب ذعربارد بأطرافه للوهلة األولى‪َّ ,‬‬
‫تلمس جدارالنفق متخبطا‪ ,‬وقف‬
‫ً‬
‫ملتصقا لفترة ليست بالطويلة حتى اتزن جسده واتضحت الرؤية أكثر‪,‬‬
‫تشوها أصاب جبهته‪ ,‬هو ما يجعله يرى في‬‫ً‬ ‫إنه ذلك املثلث الذي كان يعده‬
‫ً‬
‫الظالم‪ ,‬ما أغرب ذلك!‪..‬واليزال ملتصقا بالجدار مض ى بخطوات بطيئة‬
‫ثم زاد من سرعتها حتى تمكن من بلوغ املسافة القصيرة التي قطعتها‬
‫مرافقته وهي تمس من حين آلخر قدمها املصابة‪ ,‬تمر فترات تقف فيها‬
‫ً‬ ‫لتلتقط ً‬
‫نفسا أو تغالب أملـا فيسبقها بخطواته‪ ,‬وعندما يرى تباعد‬
‫ً‬ ‫املسافة بينهما ً‬
‫كثيرا يحد من سرعته حتى تتقلص‪ .‬ملتفتا إلى الخلف كل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫هجوما مباغتا كسابقه‪.‬‬ ‫عدة ثوان يخش ى‬
‫ً‬
‫‪ -‬ظننتك أخرقا لكن ليس إلى هذا الحد!‬
‫أفزعته صرختها فنظر أمامه ليبصر نهاية النفق‪ ,‬بعد سير طويل‬
‫مرهق‪ ,‬ليتفاجئا بسد ضخم من الرمال يقف أمامهما مادا لهما لسانه!‬

‫‪106‬‬
‫وقبل أن يفيق من دهشة‪ ,‬تلقى تقريعها بصوتها الجهوري‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬أجعلتني أقطع كل هذه املسافة بقدمي التي تكاد تقتلني أملـا داخل‬
‫نفق عطن الرائحة‪ ,‬ضيق كالقبر‪ ,‬له مدخل وليس له مخرج!‬
‫احتد وقد زادت صرخاتها من غيظه‪:‬‬
‫‪ -‬وكيف لي أن أعرف‪.‬‬
‫‪ -‬وملاذا اقترحت أن نهرب من خالله إن كنت ال تعرف؟‬
‫برفقتك سأختبر‬
‫ِ‬ ‫منك‪ ..‬في املرة القادمة التي سأقرر فيها الهرب‬
‫‪ -‬أعتذر ِ‬
‫ً‬
‫طريق الهروب أوال!‬
‫ً‬
‫‪ -‬حسنا تفعل‪.‬‬
‫ثم استطردت وهي تستقرملتصقة بالجدار وتمدد قدمها‪:‬‬
‫‪ -‬يبدو أن هذا الفيروس الذكوري ال ينجو منه أحد‪ ..‬تظنون أنكم‬
‫تعلمون‪ ..‬فتتباهون بأنكم تعلمون‪ ..‬ثم يتضح بالتجربة أنكم تجهلون‪,‬‬
‫وتجهلون أنكم تجهلون‪.‬‬
‫َ‬
‫شعر في هذه اللحظة أن خيار إعادتها إلى "ريشع" منزوعة الرأس لم‬
‫ً‬
‫يكن سيئا إلى هذه الدرجة‪.‬‬

‫***‬
‫"املسافة بين النية واإلرادة تتناسب ً‬
‫طرديا مع حجم الظروف املضادة‪,‬‬
‫كلما زادت دفعت بنا إلى ولوج أكثراألبواب إلينا ُب ً‬
‫غضا"‪.‬‬

‫‪107‬‬
‫تلك هي التدوينة األولى التي قرر أن يكتبها فوق حائط ذاكرته‪ ,‬فإن كان‬
‫َّ‬
‫شكلت منه ذاته‪ ,‬بإمكانه ً‬
‫دوما أن يبني خبرات‬ ‫قد نس ي خبراته املاضية التي‬
‫أخرى‪ ,‬تعينه على استعادة األولى‪ ,‬أو تضاف إليها‪ ,‬أو على األقل تعمل‬
‫كبديل لها‪.‬‬
‫الخبرة التي جعلته يدون أولى تدويناته‪ ,‬لم يكتسبها من سيره الحثيث‬
‫داخل نفق ال مخرج له‪ ,‬وال في محاولته السيطرة على أطرافه حتى ال تمتد‬
‫إلى عنق مرافقته‪ ,‬وال في طريق العودة إلى الفتحة الوحيدة في النفق‬
‫بمفرده بعدما تركها تجتر آالم قدمها داخله‪ ,‬بل فطن إليها وهو فوق شجرة‬
‫فاكهة التنين يقتطع أكبر جزء ممكن من ثمرتها بسكينه وقلبه يكاد ينفجر‬
‫ً‬
‫خوفا من أن تقع عليه أنظار املحاربين‪ ,‬أو تقرر الزهرة الشرسة أن‬
‫تستيقظ في غيرموعدها!‬
‫فها هو يعود إلى الشجرة التي عاهد نفسه أال يقترب منها ً‬
‫أبدا‪ ,‬وها هو‬
‫"دوش"‪ ,‬وعينه تبحث‬ ‫يستريح أسفل الشجرة التي اعتاد أن يلتقي عندها ُ‬
‫عنه حتى سمع صوته من خلفه يستصرخه‪:‬‬
‫‪ -‬هذه شجرتي‪ّ ..‬‬
‫إلي بثمن الظل!‬
‫قصيرا ً‬
‫جدا‪ ,‬منحه "القزم"‬ ‫ً‬ ‫لم يحتج "دوش" إلى إلحاح‪ ,‬وكان حوارهما‬
‫قطعة من الثمرة ثم سأله‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬هل تعرف مدخل ألحد أنفاق "الجوييم" املهجورة والتي تفض ي إلى‬
‫خارج "مينورا"؟‬
‫‪ -‬نعم أعرف‪.‬‬
‫‪ -‬أين هو‪ ..‬ها؟‬

‫‪108‬‬
‫‪ -‬هذا سؤال آخر‪.‬‬
‫َّ‬
‫تخشبت ابتسامة ُ‬
‫"دوش" فوق وجهه‪ ,‬يرنو إلى مثيلتها الخبيثة على‬
‫ً‬
‫متحفزا في‬ ‫وجه "القزم" وهو يمد إليه قطعة أخرى من الثمرة‪ ,‬ويقف‬
‫انتظارجوابه‪.‬‬
‫مض ى ونظرات الظفر تند من عينه يعيد ولوج النفق إلحضار تلك التي‬
‫تنتظره بداخله ُليعلمها بنبأ طريقهما الجديد للهرب‪ ,‬بينما عقله يرسم‬
‫التدوينة الثانية فوق حائط ذاكرته "ال ُت َ‬
‫دحرالحيلة إال بمثلها"‪.‬‬
‫لم يكن األمر هذه املرة بسهولة املرة األولى‪ ,‬فقد صرفا الكثير من‬
‫الوقت والجهد في إزالة أوراق الشجر ودفع األغصان والحجارة عن مدخل‬
‫النفق‪ ,‬بدا أنه لم ُيستعمل منذ وقت طويل‪ ,‬رائحة عطنة تفوح من‬
‫َّ‬
‫جدرانه دفعتهما إلى السير ببطء في البداية‪ ,‬ثم ذكرها بأنهما في خطر ويجب‬
‫َ‬
‫أن يخرجا من "مينورا" قبل أن يبدأ "ريشع" في البحث عنهما‪ .‬حامت‬
‫نظراته املشفقه حول قدمها املصابة وهي تجرها بغير تذمر‪ ,‬إال أن أمارات‬
‫األلم َّندت من وجهها‪ ,‬فسكب ذلك ً‬
‫ملحا على جرح مروءته امللتهب‪.‬‬
‫استبطأت في سيرها مرة أخرى حتى تجاوزها بمسافة كبيرة‪ ,‬عاد‬
‫ً‬
‫أدراجه ليجدها مستندة إلى الجدارووجهها يعتصرأملـا‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬يجب أن تتحاملي على نفسك قليال‪ ,‬كلما تأخرنا كلما ازداد الخطر‪.‬‬
‫‪ -‬أال ترى أني أفعل!‬
‫أخرسته حدتها‪ ,‬ومرقت بجواره كمحاربة مرفوعة الرأس‪ ,‬رنا إليها‬
‫لبرهة ثم استكمل طريقه‪ ,‬حتى أوقفهما صوت ارتطام ارتج بغتة داخل‬
‫النفق‪ ,‬أعقبه أصوات أقدام تتجه صوبهما‪ ,‬تقترب أكثر فأكثر‪ ,‬تبادلت‬

‫‪109‬‬
‫أعينهما نظرة فزع‪ ,‬وقبل أن يبتعدا عن مصدر الخطر بمسافة كبيرة‪ ,‬كان‬
‫عددا من "الجوييم" ً‬
‫جاثما فوق أنفاسهما‪ ,‬تمأل صيحاتهم منهما السمع‪,‬‬ ‫ً‬
‫ُ‬
‫فتاهت عقولهما في لجة الهلع‪.‬‬

‫***‬

‫‪110‬‬
‫امللف الثالث عشر‬

‫ً‬ ‫يتقلب ً‬‫َّ‬ ‫ً‬


‫ظهرا لبطن‪ ,‬محاوال إفالت نفسه من‬ ‫أمس ى يتضور أمنا‪,‬‬
‫براثنهم‪ ,‬وقد أثخنته قلة الحيلة‪ .‬سيقا إلى فتحة جانبية بجدار النفق‪ ,‬لم‬
‫تكن موجودة حينما مرا عبره‪ ,‬بدا وكأنها ُحفرت للتو‪ ,‬لكن أصابه َ‬
‫الهم إذ‬
‫أدرك أنها كانت مغطاة بورقة شجر كبيرة بلون جدار النفق للتمويه‪.‬‬
‫دفع اثنان من "الجوييم" بأيديهما خلف الورقة وحال عقدة ربطتها بإحدى‬
‫الصخور خلفها بالنفق السري‪ ,‬أزاحاها عن مكانها برفق‪ ,‬وبعدما استقر‬
‫الجميع بداخل النفق السري‪ ,‬قاما بإغالق الفتحة بالورقة بعد ربطها‬
‫بالصخرة مرة أخرى‪ .‬تبين له أنهم داخل ممر آخر طويل كسابقه‪ ,‬لكنه‬
‫أكثر سعة ونظافة‪ ,‬اختفت الرائحة العطنة لتحل محلها أخرى طيبة‪.‬‬
‫ً‬
‫وعرضيا تعمل‬ ‫ً‬
‫طوليا‬ ‫أبصر فتحة صغيرة بالسقف مغطاه بألياف‬
‫صنعت للتهوية‪ ,‬أو لهروب اضطراري‪ ,‬أو كنقاط‬ ‫كشبكة‪ ,‬يبدو أنها ُ‬
‫للمهاجمة‪.‬‬
‫أبصر على جدار النفق على الجانبين حفر برزت خالله رسمة واحدة‬
‫تتكرر بطول املسافة التي قطعوها بداخله حتى اآلن‪ ,‬نحت لسهم يتجه‬
‫ً‬
‫ومثيرا للدهشة‪ ,‬ملاذا ال تتجه األسهم إلى األمام‬ ‫لألعلى! بدا هذا ً‬
‫غريبا له‬
‫حيث امتداد النفق‪ ,‬أو للخلف‪ ,‬فاألعلى ال يقود إال ألرض "مينورا"!‬
‫خامره شعور املساق إلى حتفه‪ ,‬وكأن قبضات "الجوييم" على جسده‬
‫ُ‬
‫ما هي إال املنية تنشب به أظافرها‪ ,‬قبل أن تنزل به صرعة املوت‪" .‬ترى هل‬

‫‪111‬‬
‫يقطع "الجوييم" أوصال قتالهم من أعدائهم كما يفعل أهل "مينورا"‬
‫َّ‬
‫بجثث أسراهم؟‪" ..‬هل يترفع "الجوييم" عن تعذيب أسراهم أم أن القتل‬
‫ُ‬
‫الرحيم ليس من سجاياهم؟‪ .‬التفت يحدق في مرافقته املساقة أمام ثالثة‬
‫من "الجوييم" حادي القسمات‪ ,‬لم تكن مقيدة الحركة كما الحال معه‪,‬‬
‫تسير بثقة مقاتل يرفض االعتراف بهزيمته‪ ,‬يبدو أن كل هذه النوائب لم‬
‫تنل بعد من رباطة جأشها‪ ,‬أم تراها استسلمت ملصير ال فائدة من شحذ‬
‫الهمم لدفعه؟‬
‫جدا لم يتصور أن‬ ‫مرا بجوار فتحة في الجهة اليمنى لقاعة كبيرة ً‬
‫"للجوييم" من الهمة والعزيمة لحفرمثلها‪ ,‬وقعت أنظاره على أعداد وفيرة‬
‫َّ‬
‫منهم‪ ,‬تطلع إليه بعضهم بفضول‪ .‬لم تكد تمر بضعة خطوات أخرى حتى‬
‫انفتحت الجهة اليسرى عن قاعة أكثر رحابة من سابقتها‪ ,‬تباطأ في سيره‬
‫ً‬
‫قليال‪ ,‬فاستطاع أن يتبين مئات الرؤس لذكور وإناث وصغار يتخذون‬
‫أماكنهم داخل القاعة في شكل مجموعات صغيرة‪ ,‬كل قاعة مر بها تضم‬
‫فيما ُيشبه العنابر‪ ,‬كل عنبر يعمل كمسكن مخصص ملجموعة من‬
‫"الجوييم"‪ .‬وما رآه في القاعة قبل األخيرة التي مروا بها أثار دهشته‬
‫عددا من"الجوييم" ّ‬
‫قويي البنية يدربون‬ ‫ضمت القاعة ً‬ ‫معا‪َّ ,‬‬‫واستياءه ً‬
‫ِ‬
‫مجموعة من الصغار على استخدام أسلحتهم‪ ,‬وقفت مجموعة من‬
‫املدربين خلف صف من الصغار في مواجهة جدار بالقاعة‪ ,‬يدربونهم على‬
‫قذف الحمض الحارق في عالمات محفورة فوق الجدار‪ ,‬عندما انطلقت‬
‫تلمس "القزم" عينه التي حجبتها الضمادة وهو‬ ‫قذائف الصغار الحارقة َّ‬
‫يتذكر األلم املميت الذي شعر به عندما قذفه "الجوييم" بهذا السائل‪,.‬‬
‫فسرت رعدة في أوصاله‪.‬‬

‫‪112‬‬
‫ضمت ً‬
‫عددا من‬ ‫بالكاد انتبه إلى أنه وصل إلى محطته األخيرة‪ ,‬قاعة َّ‬
‫كبار "الجوييم" ترأسها الصمت البارد‪ .‬تتطلع إليهم األعين في ترقب‪ ,‬بدا‬
‫متحفزا بتلمس أسلحتهم‪ .‬قدمهما إليهم قائد املجموعة التي‬ ‫ً‬ ‫البعض‬
‫َ‬
‫قبضت عليهما بصفتهما جاسوسين أرسلهما "ريشع" فأيقن أنها وال بد‬
‫النهاية‪ ,‬فزهد في التوسل إليهم ليعتقوا رقبته‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬املـعلم "آصف" ُيقرؤكم السالم‪.‬‬
‫استوقدت الحيرة في قلبه وهو ينظر إلى مرافقته‪ ,‬ثم ينقل نظرة إلى‬
‫وجوه "الجوييم" ليعرف تأثير كلماتها عليهم‪ ,‬دنا منها أحد "الجوييم" بدا‬
‫أنه كبيرهم‪ ,‬له هيبة لم تسه عنها عين "القزم"‪ .‬يسألها عما يثبت له أنها‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬
‫حقا من طرف املـعلم "آصف"‪ ,‬ال جاسوسة لـ "ريشع"‪ .‬رنا "القزم" إلى‬
‫ثباتها فأصابها بعين حاسدة‪ ,‬أكملت بنفس النبرة الهادئة‪ ,‬وهي تشد قامتها‬
‫بثقة‪ ,‬تنظربثبات إلى عيني ُمحدثها‪:‬‬
‫‪" -‬قوة الكون" رابضة بالقبو اآلن‪ ,‬تنتظر شرفاء هذه األرض‪ ,‬وإن‬
‫شحذنا الهمة وامتلكنا اإليمان الكافي‪ ,‬فخالل وقت قصير سيلتقي‬
‫ُ‬
‫طريقانا‪ ..‬هذا إن كنتم الزلتم على العهد مع املـعلم "آصف"‪.‬‬
‫‪ً -‬‬
‫طبعا الزلنا على العهد‪.‬‬
‫َّ‬
‫دوت أصداء كثيرة لكلماته كداء تفش ى فيهم‪ ,‬بعدد "الجوييم"‬
‫املوجودين في القاعة اآلن والذي يقارب املائة‪ ,‬سرت رعدة بجسد‬
‫"القزم"‪ ,‬انبثق الفرح بقلبه‪ ,‬وأذهب كثير قلقه‪ ,‬ال يدري ما يتحدثان‬
‫بشأنه‪ ,‬لكن غلب على ظنه أن ما يحدث أمر طيب‪ ,‬ولعل املعجزة تحدث‬
‫ويعتقا رقبتيهما‪.‬‬

‫‪113‬‬
‫لكن املعجزة كانت أكبر من أمنياته‪ ,‬فقد َّ‬
‫تعهد أحد كبراء "الجوييم"‬
‫بتوفير الطعام لرحلتهما‪ ,‬وأن يرفق معهما أربعة محاربين أشداء‬
‫يوصلونهما حتى مخرج النفق‪ ,‬خارج مملكة "مينورا"‪.‬‬
‫أمضيا الليلة برفقة "الجوييم" ً‬
‫طلبا للراحة‪ ,‬في أحد عنابرهم‪ ,‬ولم‬
‫يتعرض إليهما ٌ‬
‫أحد بسوء‪ ,‬غير أن النظرات الفضولية كانت تند من عيون‬
‫الجميع‪ .‬عكف أكبر مداوييهم على معالجة قدم مرافقته املصابة‪ ,‬بدا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ماهرا إلى الحد الذي أذهب بأملها خالل ساعات قليلة‪ .‬أعطاها مسحوقا‬
‫زيتوني اللون‪ ,‬وطلب منها أن تحسو من حسوات صغيرة كلما هاجمتها‬
‫اآلالم‪.‬‬
‫في الصباح الباكر غذيا الخطى بعد أن شيعهما "الجوييم" بكثير من‬
‫ً‬
‫محييا قبل مفارقة محاربي‬ ‫الود واألمل‪ ..‬لم ينس "القزم" أن يهتف‬
‫"الجوييم" عند مخرج النفق‪:‬‬
‫‪ -‬خالص الشكرواالمتنان لشعب "الجوييم" العظيم‪.‬‬
‫لم يدرك فداحة ما فعل إال حينما أبصر الشرر يتطاير من أعينهم‪,‬‬
‫يتحسس أولهم سالحه وقد انقبض وجهه واكفهر‪ ,‬فيما صاح الثاني‬
‫مزمجرا‪ ,‬أما مرافقته فقد دفعته بعنف آمله وهي ترسل للمحاربين‬ ‫ً‬
‫شكرها‪ ,‬ثم تسرع معه في املغادرة‪ .‬توقفت بعد فترة لتهتف به ساخرة‪:‬‬
‫‪ -‬أنا واثقة أن عقلك يعاني من خلل ما‪ ..‬أنت أخرق بشكل ال ُيصدق‪.‬‬
‫كظم غيظه وأفصح ببرود‪:‬‬
‫لت ّ‬
‫علي بذكراالسم الصحيح لكنت‬ ‫َّ‬ ‫‪ -‬ال أعرف لهم ً‬
‫اسما غيره‪ ,‬إن تفض ِ‬
‫استخدمته‪.‬‬

‫‪114‬‬
‫‪ -‬هل أنت بالفعل نسيت كل ش يء‪ ,‬أم تتظاهربذلك؟‬
‫ازداد غيظه ولم يستطع أن يكبح جماح حدته‪:‬‬
‫‪ -‬وملاذا أتظاهر‪ ..‬ها؟‬
‫أجابت تفضح ما يساورها من شك‪:‬‬
‫‪ -‬وما أدراني‪.‬‬
‫ثم أردفت‪:‬‬
‫‪ -‬تظاهرك بأنك‪....‬‬
‫توقفت عن االسترسال فجأة‪ ,‬شردت بقسمات جادة‪ ,‬لم يطق ً‬
‫صبرا‬
‫على هذا الصمت‪ ,‬فقال بنفاذ صبر وهو يحدق في بوابة "مينورا" الشرقية‬
‫القريبة من مكان وقوفهما‪:‬‬
‫‪ -‬من األفضل أن نرحل من هنا فرؤية "مينورا" يوترني‪.‬‬
‫‪" -‬باسطين"!‬
‫ً‬
‫مستفهما‪ ,‬أوضحت بغضب‪:‬‬ ‫صرخت بها بوجهه‪ ,‬فنظرإليها‬
‫‪ -‬هذه األرض اسمها "باسطين"‪ ..‬إن قلت "مينورا" ثانية فال ش يء‬
‫سيحميك من ردة فعلي والتي ‪-‬صدقني‪ -‬لن تسرك ً‬
‫أبدا‪.‬‬
‫قالتها وانطلقت في طريقها‪ ,‬رنا إلى قدمها التي وإن تحسنت إال أنها‬
‫الزالت توسم سيرها بعرج خفيف ال شك أنه مصدر ألم‪ ,‬قذف بعنف‬
‫إحدى الحصوات‪ ,‬التفتت تحدق فيه فتالقت نظراتهما‪ ,‬توقفت عن‬

‫‪115‬‬
‫السير وبدا أن لديها ما تود قوله‪ ,‬لكنها ترددت‪ ,‬ثم استكملت سيرها مرة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫التفت إلى بوابة "مينورا" للمرة األخيرة‪ .‬قبل أن يدخال ً‬
‫معا إلى الغابة‬
‫التي وصال عبرها إلى "باسطين"‪ .‬كان عليهما تسلق الصخرة التي سبق‬
‫للملك املقتول تسلقها أثناء هروبه من الحرب التي دارت رحاها فوق‬
‫ً‬
‫املكان الذي يجمعهما اآلن‪ .‬لم يكن ذلك شاقا عليهما‪ ,‬جاور الصخرة عدة‬
‫صخور صغيرة فوق بعضها البعض متباينة الحجم على شكل ُسلم‪.‬‬
‫‪ -‬لك ٌ‬
‫اسم ‪ ,‬أليس كذلك؟‬ ‫ِ‬
‫ُ ّ‬
‫عقب‪ .‬مرا على الصخرة التي اختبأ خلفها مع‬ ‫رد عليه الصمت‪ ,‬فلم ي ِ‬
‫ً‬ ‫ْ‬
‫ساخرا‬ ‫امللك‪ ,‬ومر بخاطره كيف أنقذه وقتها أن ظنه امللك بطله‪ ,‬وتأمل‬
‫موقفه اآلن‪ ,‬لم ينقذ حياته إال ظن مرافقته أنه بطلها!‬
‫وبدأت الرحلــة!‬

‫***‬

‫‪116‬‬
‫امللف الرابع عشر‬

‫"سالس" بجيب أمام بطنها‪ ,‬الكتلة العجينية التي أخذتها من‬ ‫أخفت ُ‬
‫ً‬
‫"جادور" خلف قاعة الدفن‪ .‬أثناء عودتها إلى مسكنها ناداها أحدهم قائال‪:‬‬
‫‪ "550" -‬تعالي هنا‪.‬‬
‫لكنها مضت في طريقها مسرعة دون أن تلتفت‪ ,‬فاندفع مع صاحبه‬
‫وجذباها بقوة إلى حيث أرادا‪ ,‬وبقهر ال حد له لم تقاومهما وتركتهما ينتزعا‬
‫منها كل ما شاءا‪ .‬هرولت إلى مسكنها مرتعشة األطراف‪ ,‬ترتجف أنفاسها‬
‫بأنين يمزق طيات القلوب‪.‬‬
‫ُ‬
‫ما إن عانقتها جدران مسكنها حتى نفضت رأسها بقوة وكأنها تفرغه من‬
‫كل ما تكره أن يعلق بذاكرتها‪ ,‬وأخرجت الكتلة العجينية تحدق فيها‪,‬‬
‫بلونها الرمادي ذي البذور البنية‪ ,‬لم تصبها ُلزوجتها بأي نفور بل عمدت‬
‫جزءا يقترب من الربع‪,‬‬‫إلى مالمستها بشغف ككنز ثمين‪ .‬اقتطعت منها ً‬
‫وأخفت الباقي بزاوية مسكنها‪ .‬دهنت بها جسدها كله بلهفة منفرجة‬
‫األسارير‪ .‬انتهت من مهمتها فشرعت تنزوي إلى أحد األركان وهي تعيد فرك‬
‫جسدها ببطء‪ .‬لن يقدر أحد غيرها قيمة ما تصنع‪ ,‬لن يفهم أحد دوافعها‬
‫وال رغباتها التي هي في أمس الحاجة إلى تلبيتها‪ .‬ترك فرد يموت ً‬
‫جوعا ال‬
‫شك أنها جريمة مستنكرة‪ ,‬ووصمة في جبين من يملك أن يقدم له ما‬
‫يجنبه هذا املصير‪ .‬لكن هناك احتياجات ورغبات تتمثل أهميتها للبعض‬

‫‪117‬‬
‫ّ‬
‫كأهمية الطعام والشراب‪ ,‬من يملك أن ُي ِقيم احتياجاتها إن كانت ضرورية‬
‫وحيوية كأهمية الحياة واملوت؟‬
‫ً‬
‫ترى أن إشباع حاجات النفس يفوق أحيانا أهمية إشباع رغبات‬
‫الجسد‪ .‬لذلك ال أحد غيرها يستطيع أن يقرر ما املهم وما األقل أهمية‪,‬‬
‫هي وحدها تستطيع ترتيب هرم أولوياتها‪ .‬فجسدها يخصها‪ ,‬وكيانها لن‬
‫يشعربه سواها‪.‬‬
‫ال يقض مضجعها سوى ما اضطرت أن تقدمه نظيرتلبية هذه الحاجة‬
‫التي اقتربت فيها إلى حد الهوس‪ ,‬تعلم أن عليها كبح جماح نفسها وإال‬
‫ستوردها املهالك‪ ,‬عليها أن تقف بوجه "جادور" ليكف عن ابتزازها‬
‫ً‬
‫مستغال نقطة ضعفها‪ ,‬عليها أن تغلق بوجهه األبواب‪ ,‬وأن تبحث عن‬
‫وسيلة أخرى لتحصل بها على تلك العجينة العجيبة التي ستعيد لجسدها‬
‫رونقه وشبابه‪ ,‬دون أن تضطر إلى أن تدفع لـ "جادور" الثمن من احترامها‬
‫لتلك النفس التي تسكن جنباتها‪.‬‬
‫لكل ش يء ثمن‪ ,‬ولكل فعل تبعاته‪ ,‬عليها أن تقف على التوازن الذي‬
‫يحقق لها رغباتها‪ ,‬دون أن تخسر أشياء تمثل لذاتها قيمة حقيقية؛ ألنها‬
‫جزءا من تلك الذات‪ ,‬وستصبح ً‬
‫يوما لتجد أنها لم‬ ‫ستفقد مع كل تنازل ً‬
‫ً‬
‫انعكاسا لـ"هي" أخرى‪ ..‬وهذا هو أبشع‬ ‫تعد "هي"‪ ,‬وسترى على وجه املاء‬
‫كوابيسها؛ أن تفقد ً‬
‫تماما كل ما تعرفه عن نفسها‪.‬‬
‫ظلت عكرة املزاج طيلة النهار إلى الحد الذي دفع بها لنهر َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫حجر يعجبها‪ ,‬ويحتاج إلى الحفر في رمال الجهة الشرقية‬
‫ٍ‬ ‫لتباطئه في جلب‬
‫للعثور عليه‪ ,‬رغم علمها أن األعمال الجسدية الشاقة ال تناسبه‪ .‬وارى‬
‫عنها أمله‪ ,‬وجمع كل طاقته في أطرافه‪.‬‬

‫‪118‬‬
‫ظل ظليل‪ ,‬ونسيم عليل‪ ,‬وأريج الرياحين تتنفس عنها جنبات الغابة‪,‬‬
‫فتؤثرفيهما املتعة بالرغم من وعثاء الرحلة‪ ,‬ووعورة املهمة‪.‬‬
‫ً‬
‫ومقاما‪.‬‬ ‫ً‬
‫مستقرا‬ ‫ً‬
‫مقاعدا فاتخذا منها‬ ‫أعدت الطبيعة بسحرها‬ ‫َّ‬
‫َّ‬
‫تجلت رؤوس األشجار حيث الهواء العليل بأزهار صغيرة‪ ,‬أما ظل‬
‫أزهارا كبيرة بديعة‪ ,‬من كل جنس‬ ‫ً‬ ‫أوراقها حيث الرطوبة فقد احتضن‬
‫ولون‪.‬‬
‫ُ‬
‫مرا بصحبة من نبتة األقحوان طيبة الريح‪ ,‬دقيقة العيدان‪ ,‬لها نور‬
‫أبيض كأنه ثغر جارية‪ ,‬يتوسطها قلب أصفر بهيج‪ .‬ثم باألوركيد املتنكرة في‬
‫شكل إناث النحل‪ ,‬تخدع الذكر فيدنو منها لتطبق عليه بأوراقها‪ ,‬وال‬
‫حملته بلقاحاتها فيطيربها ويرسو حمله فوق زهرة أخر‪.‬‬‫تحرره إال وقد َّ‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫ال يشوب صفاء صمتهما كدر‪ ,‬سارا طويال دون توقف‪ ,‬حتى كلت منهما‬
‫َّ‬
‫األقدام‪ ,‬وتجلى التعب‪ .‬كانا أمام كساء خضري زاهي من نباتات البروميليا‬
‫الهوائية‪ ,‬والتي ال تحتاج لألرض لكى تنمو وتزدهر‪ ,‬بإمكانها أن تشبث‬
‫جذورها بسيقان األشجار وجذوعها‪ ,‬وكذلك تفعل مع الصخور والتالل‪.‬‬
‫ذهلت أعينهما بتنوع أشكالها فلزهرتها ألوان ساحرة‪ ,‬أبصر مرافقته وقد‬
‫َ‬
‫تسلقت إحداها‪ ,‬فأخبرها أن ال وقت لديهما للراحة‪ ,‬فلعل محاربي "ريشع"‬
‫في أثرهما اآلن‪ ,‬فأجابته بأنهما يحتاجان إلى شرب املاء‪ .‬اقتربت مرافقته‬
‫من أحد مئات الصهاريج التي تحملها الشجرة الضخمة‪ ,‬والتي تحتفظ‬
‫فيها باملياه عن طريق سحب الرطوبة من الهواء! لم يدهشه التكوين‬
‫البديع للشجرة بقدر ما أدهشه أن تعرف مرافقته هذا القدر من‬
‫املعلومات عن الغابة ُ‬
‫وسكانها من الشجر‪.‬‬

‫‪119‬‬
‫ً‬
‫شماال‪ ,‬يوازي الغابة ويسير معها ً‬
‫جنبا إلى‬ ‫أبصر من مكانه النهر األسود‬
‫جنب كصديقين حميمين‪ .‬دفعه فضوله إلى أن يسألها ملاذا لم يتخذا من‬
‫ً‬ ‫النهر ً‬
‫معبرا للجانب اآلخر بدال من الغابة‪ ,‬فأجابته بسخرية التقطتها‬
‫مسامعه ً‬
‫فورا‪:‬‬
‫‪ -‬وكيف برأيك سنعبر املياه؟‪ ..‬ثم أظنك ال ترغب في مالقاة "كلب‬
‫النهر"‪.‬‬
‫وكما توقعت سألها بفضوله عن ماهية هذا الـكلب النهري‪ ,‬فأجابته‬
‫وهي تستمتع بإخافته‪:‬‬
‫‪ -‬سمكة ضخمة‪ ,‬فمها ٌ‬
‫مليء باألنياب الحادة‪ ,‬أكبر وأشرس سمكة قد‬
‫تراها في حياتك‪ .‬صحيح أنني لم أر في حياتي سمكة غيرها‪ ,‬لكن أؤكد لك‬
‫أنها آخرمن ترغب في التعامل معه‪.‬‬
‫ألقى نظرة أخرى على النهر لكن هذه املرة بش يء من الخوف‪ .‬شربا حتى‬
‫ارتويا وامتألت بطونهما‪ ,‬فنزال من فوق الشجرة‪ ,‬وعندما حاول مساعدتها‬
‫رفضت ذلك بحزم‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬لم تجيبيني بشأن اسمك‪.‬‬
‫‪ -‬البنفسج العطري!‬
‫‪ -‬البنفسج العطري!‪ ..‬ممممم‪ ..‬اسمك غريب لكن‪...‬‬
‫‪ -‬يا أخرق‪ ..‬أقصد هذا النبات‪.‬‬
‫لم يسأل ملاذا ُسمي هذا النبات بالبنفسج العطري‪ ,‬فببساطة ألوانه‬
‫متدرجة من زرقاء إلى بنفسجية وشذا عطره فاح في األرجاء‪ .‬استمتعت به‬

‫‪120‬‬
‫حواسها منتشية‪ ,‬وهي تقتطع بعض وريقاته واحتفظت بها في جيبها‪,‬‬
‫الحت على وجهها البهجة وهي تهتف بجزل ُمحبب‪:‬‬
‫كثيرا‪ ,‬نطحن هذه الوريقات ونخلطها‬ ‫‪ -‬هناك شخص أعرفه يحبه ً‬
‫ً‬
‫عطريا ال مثيل لروعته‪.‬‬ ‫باملاء‪ ,‬ثم نصنع منها ً‬
‫شايا‬
‫حاول أن ُيبدي االهتمام لقولها‪ ,‬لكن في الواقع لم يدر ما املميز في‬
‫خلط زهرة باملاء حتى يبدو وجهها بمثل هذا اإلبتهاج!‬
‫ساعة أخرى من املسير قضت على قوتهما فاستراحا تحت ظل شجرة‬
‫يتشاركان في الطعام الذي تزودا به قبل رحلتهما‪ .‬ثم استكمال املسير مرة‬
‫تفع من الصخور‪ ,‬فنظرت إليه مرافقته‬ ‫جدار مر ٍ‬
‫ٍ‬ ‫أخرى حتى أقبال على‬
‫بقلق وهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬لقد وصلنا‪ ..‬هذا الجدار ُيمثل نهاية أرض "باسطين"‪ ..‬ومن خلفه‬
‫ُ‬
‫جداريمثل بداية أرض "النسر"‪.‬‬
‫انفرجت أسارير "القزم" وهو يستعد لتسلقه‪ ,‬لكنها جذبته بسرعة‬
‫تستوقفه‪َ ,‬‬
‫فرنا إليها مستفم ًها وهو يحرك رأسه‪ ,‬قالت بجدية بالغة‪ ,‬وفي‬
‫عينيها مسحة خوف‪:‬‬
‫‪ -‬بين الجدارين يعيش "البنغول"‪.‬‬
‫‪" -‬البنغول"!‬
‫َ‬
‫الجدار املمهد ملوطئ أقدامهما‪ .‬قفز قلب‬ ‫أشارت إليه ليتسلق بحذر‬
‫فزعا‪ ,‬شخص بصره حيث الحيوان الضخم الذي احتل املمر‬ ‫"القزم" ً‬
‫َ َّ‬
‫الوحيد الذي يصل بين الجدارين‪ ,‬وأسفل املمر بركة تغطي ُجل سطحها‬
‫ً‬
‫تفحصا في الحيوان الذي اكتس ى كل جسده‬ ‫بالطحالب‪ .‬أمعن النظر م‬

‫‪121‬‬
‫واقيا‪ ,‬له مخالب ضخمة ً‬
‫جدا‪ ,‬فمه الخالي‬ ‫بالحراشيف التي تشبه ً‬
‫درعا ً‬
‫معا خرطوم الفيل‪ ,‬تطوق رأسه أذنان‬ ‫من األسنان ورأسه ُيشبهان ً‬
‫صغيرتان‪ ,‬وعينان دقيقتان‪ .‬أخبرته مرافقته أن "البنغول" ال يرى‬
‫بوضوح‪ ,‬ويملك حاسة سمع ضعيفة‪ ,‬إنما يصطاد فرائسة عبر حاسة‬
‫َّ‬ ‫مالمسا لألرض! لسانه طويل ً‬
‫جدا ُمغطى بأشواك‬ ‫ً‬ ‫الشم حيث ُيبقى أنفه‬
‫َ‬
‫صغيرة‪ ,‬وطبقة لزجة من اللعاب لتسهيل مهمته في اإلمساك بفرائسه‪ ,‬رنا‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫مستفهما وقد انقبض قلبه‪ ,‬وتشنجت أطرافه‪:‬‬ ‫إليها‬
‫‪ -‬وملاذا ال نعبرالبركة عن طريق هذه الطحالب‪ ..‬ها؟‬
‫ً‬
‫‪ -‬ألنها سامة‪ ..‬ملسة واحدة منها تسبب شلال باألطراف ينتهي باملوت‪.‬‬
‫نزل ً‬
‫أرضا وهو يصيح بها‪:‬‬
‫‪ -‬هذا جنون!‪ ..‬لن نستطيع ً‬
‫أبدا املرور أمام هذا الحيوان البشع‪..‬‬
‫سينتهي بنا األمركمقبالت شهية بمعدته‪.‬‬
‫‪ -‬األمر الجيد أن "البنغول" ُمقيد‪ ..‬ببعض التمويه والحذر نستطيع‬
‫تجاوزه‪.‬‬
‫ً‬
‫محتدا‪:‬‬ ‫قالت ببرود‪ ,‬فأفصح‬
‫ُ‬
‫‪ -‬وماذا يفعل هذا البشع املقيد هنا؟‬
‫‪ -‬إنه حارس ما بين اململكتين‪ ,‬ليمنع العبور بينهما‪.‬‬
‫‪ -‬ملاذا‪..‬ها؟!‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫أجابه الصمت‪ ,‬تسلقت الجدارلتلقي عليه نظرة طالت حتى تملك منه‬
‫امللل‪ ,‬نزلت وأخبرته بخطتها‪ ,‬إذ سينتظران حتى ينام "البنغول" ثم يمران‬

‫‪122‬‬
‫ً‬
‫بجانبه‪ ,‬لكن يجب أوال حجب رائحة جسديهما برائحة أخرى للتمويه حتى‬
‫ال تلتقط أنف "البنغول" رائحتيهما‪ .‬ودون أن تنتظر رأيه بخطتها تركته‬
‫وراحت تبحث حولها‪ ,‬حتى غدت مغتبطة وهي تخبره بلهفة أنها عثرت على‬
‫عطرا‪ ,‬عمدا إلى دهن جسديهما َ‬ ‫ي ً‬ ‫َ‬
‫بحبها‬ ‫دهنا ً‬ ‫شجرة َبلسان مورقة‪ ,‬تحو‬
‫حتى فاح منهما أريج ذكي‪.‬‬
‫لم يزل القلق يساوره‪ ,‬والخوف ينشب ببراثنه في قلبه‪ ,‬لكنه ُم ٌ‬
‫رغم!‬
‫انتظرا حتى استكان "البنغول" واستسلم للنوم‪ ,‬فتسلقا الجدار‬
‫والحذرثالثهما‪.‬‬

‫***‬

‫‪123‬‬
‫امللف الخامس عشر‬

‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ََ‬


‫سلبه األرق راحة البال‪ ,‬ال تزال مشكلة إيجاد الخائن ِ‬
‫تؤرقه‪ ,‬ال يخاف‬
‫على نفسه‪ ,‬فلها عنده منزلة أدنى من أن يبذل الجهد ليصونها‪ .‬أما‬
‫"سالس" فقد حازت من خوفه الحظ األوفر‪ .‬وجمت السماء بوجهه‬ ‫ُ‬
‫ُ‬
‫تمطره بالسهاد‪ ,‬فروى به شغفه إلى استكمال تجاربه التي لم تدل النتائج‬
‫بعد على تمكنه من بلوغ مراده منها‪ .‬عمد إلى حجر بمسكنه يستل من‬
‫خلفه ما واراه عن األعين من مواد تجاربه‪ ,‬معمل خاص به أخفى أمره عن‬
‫الجميع‪ ,‬إال العزيزة ِ"بنان" التي اكتشفته بغير قصد‪ ,‬شجعته بابتسامة‬
‫حنون حتى ظن بنفسه ً‬
‫خيرا‪.‬‬
‫َّ‬
‫فال يزال يخلط هذا بذاك حتى أشرق الصبح‪ .‬ورغم الخيبة التي حفت‬
‫يذو‪ ,‬وجهوده لم تفتر‪ .‬هكذا تعلم من أخيه‬
‫تجاربه ككل مرة‪ ,‬لكن عزمه لم ِ‬
‫ُ‬
‫األكبر املداوي قبل موته؛ أال يسمح لليأس أن يدب بقلبه‪ ,‬اليأس هو‬
‫السالح األشرس الذي يجب أن يحاربه خالل معركته مع النجاح‪ ,‬كان يرى‬
‫ً‬
‫النجاح خصما ذكيا‪ ,‬يراوغه ويبارزه لئال يستحوذ عليه‪ ,‬باليأس حينا‪,‬‬
‫وبالكسل والجهل والضعف أحايين أخرى‪ .‬لكنه عزم على أن ُيكمل من‬
‫حيث توقف أخوه‪ ,‬ولن يهنأ حتى يجد التركيبة املناسبة لهذا الدواء الذي‬
‫"سالس"‪ .‬لن يعود مجرد َ‬
‫"ح ُبوك"‪ ,‬بل‬ ‫سيقذف بدوي الفخر بقلب ُ‬
‫"ح ُبوك" الذكي الذي حقق لشعب "النسر" معجزة الشفاء‪ .‬فبهذا‬ ‫سيصير َ‬
‫الدواء ستنبت للجميع عيون في الفراغ املظلم الذي يشوه وجوههم‪,‬‬

‫‪124‬‬
‫ويسلبهم حق العيش في الكهف الفسيح كسائر األمراء‪ .‬سيستأثر من نفس‬
‫ً‬
‫منتشيا بثنائها‪ .‬ستراه‬ ‫ُ‬
‫"سالس" أعلى املنازل‪ ,‬ويرفل في نظرات إعجابها‪,‬‬
‫"سالس"‪ ,‬ولعلها تتمكن ً‬
‫أيضا من قراءته‪ ,‬مثلما يراها ويقرؤها‪.‬‬ ‫ُ‬

‫أمسك بقطعة عجينية طيبة الرائحة‪ ,‬كان يواريها خلف الصخرة‪.‬‬


‫قبض عليها بقوة كمن يقبض على كل لحظات عمره القادمة في كفه‪,‬‬
‫مخافة أن ُتفلت منه ثانية واحدة‪ .‬فهذه هي تذكرة نجاته ً‬
‫غدا في احتفالية‬
‫"الفداء الكبير"!‬

‫***‬
‫رغم علمهما أن "البنغول" ضعيف السمع إال أنهما سارا ببطء فوق‬
‫العشب متفاديين خشخشة خطواتهما‪ .‬وما إن اقتربا منه بمسافة كافية‪,‬‬
‫ُ‬ ‫وهجم عليهما‪َّ .‬‬ ‫حتى استيقظ فجأة من غفوته‪َ ,‬‬
‫ضجت صرخاتهما تعكر‬
‫ً‬
‫طعاما‬ ‫للغابة صفو سكونها‪ ,‬و"البنغول" يحرث األرض بشراهة ليلتقطهما‬
‫ملعدته التي تزأر بالجوع‪ .‬كادا ينشق قلباهما من الرعب وكل منهما ُيهرول‬
‫ً‬
‫متعثرا في اتجاه الجداراآلخر‪.‬‬
‫‪ -‬كيف اكتشف أمرنا‪ ..‬ألم تقولي أنه ضعيف السمع والبصر‪ ..‬ها؟!‬
‫‪ -‬يبدو أن العطرلم يكن ً‬
‫كافيا‪ ..‬انتبه إنه خلفك!‬
‫ً‬
‫ملتاعا‬ ‫عندها ارتفعت أصداء صرخاتها أكثر‪ ,‬فالتفت" القزم" إليها‬
‫و"البنغول" يحاصرها بقدمه اليسرى فيما تنقض مخالبه لتنهشها‪,‬‬
‫ُ‬
‫بالقرب من حافة املمر التي تفض ي إلى البركة املغطاة بالطحالب السامة‪.‬‬
‫وصل "القزم" إلى الجدار الذي يفصله عن مملكة "النسر"‪ ,‬عندما‬
‫انشغل "البنغول" بمالحقة مرافقته‪ .‬طاشت مخالب "البنغول" في الهواء‬

‫‪125‬‬
‫فقرب فمه منها‪ ,‬ذلك الفم الذي انفتح أمامها كظلمة‬ ‫ولم ُتمسك بها‪َّ ,‬‬
‫"النهر األسود" الذي يخيفها‪ ,‬بأسنان قاطعة كحدة أنياب "كلب النهر"‬
‫التي اعتادت أن تراها تنهشها في أسوأ كوابيسها‪ .‬أعمل "القزم" نظره فيما‬
‫حوله فلم يجد ما يدفع به "البنغول" عنها‪ ,‬لم يجد سوى صرخاته وهو‬
‫يهتف به أن يبتعد عنها‪ ,‬وكأنها كافية لردع الحيوان املفترس!‬
‫ً‬ ‫ٌ‬
‫قادم‪ ,‬لكنها لم تتقبل أن ينتهي جسدها متحلال‬ ‫أيقنت أن املوت‬
‫باإلنزيمات الهاضمة بمعدة "البنغول"‪ ,‬ألقت نظرة على البركة‪ ,‬نظرة‬
‫كافية لتقرر أن املوت بالسم سيكون أقل املوتتين بشاعة‪ ,‬وفوق ذلك‬
‫ستحرم هذا "البنغول" من اللذة التي ينتظرها‪ .‬فقفزت إلى البركة ليصيح‬
‫"البنغول" بغضب هادر‪ ,‬وقد خسرهذا الجزء من عشائه‪.‬‬
‫خانته أقدامه فكاد أن يسقط من فوق الجدار‪ ,‬لكن التفات‬
‫مسرعا ليخطو أولى خطواته فوق أرض‬ ‫ً‬ ‫"البنغول" صوبه جعله يتسلقه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وحيدا متكئا إلى الجهة األخرى من الجدار تعالت دقات‬ ‫مملكة "النسر"‪.‬‬
‫قلبه‪ ,‬بات ما يستقر جنانه من فزع املصير الذي القته مرافقته‪ .‬ضاقت‬
‫ً‬
‫عليه املسالك‪ ,‬وانقصمت ُعرى آماله فلم يحرك ساكنا‪ ,‬وللمرة األولى‬
‫ً‬
‫يشعر أنه بات ال يملك دمعه‪ ,‬فترقرقت واحدة ال يدري إن كانت حزنا على‬
‫قهرا لعدم تمكنه من إنقاذها‪ ,‬أم ً‬
‫جزعا مما هو‬ ‫مرافقته التي فقدها‪ ,‬أم ً‬
‫آت‪ ,‬وما عليه أن يواجهه بمفرده في أرض غريبة كل ما يعرفه عنها أنه‬
‫ٌ‬
‫واحد من أبنائها‪.‬‬
‫ُ‬
‫لم تفزعه صيحة "البنغول" الغاضبة من خلف الجدار‪ ,‬لكن ما قذف‬
‫كل رعب الدنيا في قلبه‪ ,‬هو السقوط املدوي لهذا الجسد الثقيل ً‬
‫تماما‬
‫فوق رأسه‪ ,‬فانطلقت عقيرته بصيحة هادرة!‬

‫‪126‬‬
‫‪ -‬آسفة‪ ,‬فقدت توازني‪.‬‬
‫أنت‪!!!..‬‬
‫أنت‪ِ ..‬‬
‫‪ِ -‬‬
‫ً‬ ‫تلجلج حديثه فلم يستقم لكالمه معنى‪َّ ,‬‬
‫حدق بها مندهشا وهي تزيل‬
‫البلل عن جسدها بأوراق شجر تفترش األرض‪ ,‬رنت إليه بعينها الوحيدة‬
‫بغضب لم يحجبه صوتها‪:‬‬
‫‪ً -‬‬
‫شكرا لك إلنقاذي!‬
‫أنت‪ ..‬ماذا تقولين‪ ..‬أنا لم أكن‪ ..‬انتظري لحظة‪ ,‬كيف كنت‬
‫‪ -‬هل ِ‬
‫سأنقذك من هذا "البنغول" العمالق؟!‬
‫‪ -‬دعك من هذا‪.‬‬
‫ً‬
‫محتدا‪:‬‬ ‫ازداد ضيقه‪ ,‬فأردف‬
‫مساعدتك‪.‬‬
‫ِ‬ ‫سخرت مني وكأنني تقاعست عن‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لن أفعل‪ ,‬لقد‬
‫قالت وقد وتعاظم غضبها‪:‬‬
‫‪ -‬لو كنت مكانك لسعيت إلنقاذك‪ ,‬هذا ما نفعله مع رفقاء املهمة‪ ,‬ال‬
‫أن نتركهم وسط الخطرلنهرب بحياتنا‪.‬‬
‫‪ -‬لم أهرب‪ ..‬لقد حاولت‪ ..‬لقد صرخت عليه و‪...‬‬
‫‪ -‬رائع‪ ,‬عظيم‪ ,‬إذن دعني أقدم لك خالص امتناني من أجل صراخك!‬
‫‪ -‬هذا كله سخيف‪ ,‬أتعلمين‪ ,‬أنت أكثرمن قابلتهم ً‬
‫تقلبا في املزاج‪.‬‬ ‫ِ‬

‫***‬

‫‪127‬‬
‫باتت األشجار أقل كثافة‪ ,‬فاتسعت رقعة السماء من فوقه تش ي بألق‬
‫نجومها‪ ,‬تجاذبته أحاديث املنى‪ ,‬فطافت به حيث الدفء واألمان والطعام‬
‫الوفير‪ ,‬وصحبة يألفها وتسكن إليها نفسه‪ ,‬تساءل هل كانت حياته‬
‫خطرا وأكثر استقر ًارا‪ ,‬أم أنها على الوتيرة نفسها من‬‫ً‬ ‫املاضية أقل‬
‫التذبذب؟ هل يفتقده أحد؟ هل يشتاق إليه أهل أو صاحب أو شريكة‬
‫درب؟ هل سيعثر على ذكرياته الهاربة بأرض "النسر" أم سيظل أبد الدهر‬
‫َ‬ ‫ًّ‬
‫ظال بال مالمح؟ و"ريشع"؛ هل نس ي أمره وأخرجه من حساباته أم أن رغبته‬
‫في االنتقام ستطاله ولو بعد حين؟‬
‫ُ‬ ‫َّ‬
‫مسته الحيرة إلى الحد الذي لو ت ِرك له حق اختيار مصيره فسيقف‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عاجزا عن اتخاذ قرار‪ ,‬فعادت نفسه لتتساءل هل حقا يملك اختيار‬
‫ً‬
‫مصيره‪ ,‬وإن لم يكن لحقها مالكا‪ ,‬فمن الذي يملك عليه ُسلطة االختيار؟‬
‫تأمل ورقة شجر قررت أن تقطع مشيمة حياتها وتبرح عنق جذعها‬
‫ً‬
‫ضريحا لها‪ ,‬فراوده السؤال نفسه بشأنها‪ ,‬هل ملكت‬ ‫لتتخذ من األرض‬
‫ُسلطة اختيار مصيرها‪ ,‬أم أن قوة خفية دفعتها لتفعل‪ ,‬هل أرادت‬
‫فتحققت مشيئتها‪ ,‬أم استسلمت لرغبة ُسلطة غامضة تملك املشيئة؟‬
‫‪ -‬استمر‪ ,‬بقى القليل‪.‬‬
‫أعمل سكينه في ورقة الشجر الكبيرة بعزم طاقته‪ ,‬اختلس النظر إلى‬
‫مرافقته التي تعينه هي اآلخرى بسكينها‪ ,‬كادت همتهما أن تفتر من التعب‪,‬‬
‫َّ‬
‫لكن الظمأ دفع بهما إلى بذل طاقتهما‪ ,‬حتى تفتحت عين لبن شهي‪ ,‬من‬
‫َ َ‬
‫"البشام" طيبة الريح بال‬ ‫الفتحة التي صنعاها بالورقة الضخمة لشجرة‬
‫ثمر‪ .‬انفرجت أساريرها وبجذل الصغار صاحت صيحة فرح‪ ,‬ثم انقضت‬
‫على العين التي أهرقت سائلها ترتوي متلذذة‪ ,‬أبعدت رأسها بعد حين‬

‫‪128‬‬
‫وعينها تدعوه ليفعل مثلها‪ ,‬استغرقت حواسه في لذة مذاقه‪ ,‬حلو‪ ,‬به‬
‫قليل من الحموضة‪ ,‬ودسم الطعم‪ً ,‬‬
‫تماما كاللبن‪.‬‬
‫كأنك تعيشين فيها!‬
‫‪ -‬تعرفين كل أشجارالغابة ِ‬
‫‪ -‬طبيعي بالنسبة ملزارعة‪.‬‬
‫توقف عن الشرب لينظرإليها بدهشة بالغة‪ ,‬فطنت إليها فسألته‪:‬‬
‫‪ -‬ما الغريب في ذلك؟‬
‫أنت أشبه‬
‫‪ -‬ال أعرف كيف تبدو املزارعات لكن ال تبدين لي كمزراعة‪ِ ,‬‬
‫بمحاربة‪.‬‬
‫ندم فور انتهاءه من جملته مخافة أن يغضبها‪ ,‬لكنها ‪-‬ولدهشته‪ّ -‬ند‬
‫وجهها عن ابتسامة ساحرة‪ ,‬ارتبكت للحظة وعادت لتشرب‪ ,‬ثم رفعت‬
‫رأسها ليحذو حذوها‪ .‬سألها‪:‬‬
‫قلت أن الطحالب سامة‪ ,‬ثم اتضح أنها ليست كذلك‪.‬‬
‫‪ِ -‬‬
‫أطلقت تنهيدة حارة‪ ,‬ثم قالت وهي تعقد جبينها‪:‬‬
‫‪ -‬لقد كذبوا علينا‪.‬‬
‫‪ -‬من؟!‪ ..‬ها‪.‬‬
‫قالت بنفاذ صبر‪:‬‬
‫‪ -‬من برأيك!‬
‫ضيفا فرحبا به‪ .‬ماجت رؤوس األشجار‪َّ ,‬‬‫ً‬
‫وهب النسيم‬ ‫حل الصمت‬
‫بحدة‪ ,‬كأنما يبثها نجواه؛ فتجيبه بحفيف أوراقها‪.‬‬

‫‪129‬‬
‫َ‬
‫‪"ِ -‬بنان"‪.‬‬
‫ً‬
‫مستفهما بالهيئة التي ألفتها منه‪ ,‬فمر بعينها‬ ‫حرك رأسه بفضول‬
‫طيف ود لم يألفه منها‪ ,‬ثم أردفت‪:‬‬
‫‪ -‬إنه اسمي‪.‬‬

‫***‬

‫‪130‬‬
‫امللف السادس عشر‬

‫ود فقط لو اهتمت بسؤاله إن كان يملك ما ُيفدي به نفسه اليوم في‬ ‫َّ‬
‫ً‬
‫احتفالية "الفداء الكبير"‪ ,‬لكنها كما لو كانت ال تهتم إن عاد ساملـا أم خسر‬
‫منتهيا به الحال إلى أن ُيتخذ ً‬
‫عبدا‪ .‬ظن أنها بدأت‬ ‫ً‬ ‫املبارزة أمام خصمه‬
‫توليه اهتمامها‪ ,‬رأى ذلك في ردة فعلها عندما قبض الجالوزة عليه‪ ,‬لكن‬
‫ها هي تعود إلى سيرتها األولى معه‪ ,‬تعامله كأنه هواء‪ ,‬أو أقل‪ .‬لم ينجح في‬
‫كل املبارزات السابقة في احتفالية "الفداء الكبير" إال بفضل العلم الذي‬
‫ً‬
‫سريعا في حظيرة‬ ‫حفظه عن أخيه قبل موته‪ ,‬ولواله النتهى به الحال‬
‫خصمه‪ ,‬في انتظار لحظة بيعه إلى أحد أفراد الشعب‪ ,‬أو األسوأ‪ ..‬أحد‬
‫األمراء!‬
‫"سالس" التي ال تملك ما تخسره‪ ,‬لن تأخذ هذا اليوم باألهمية التي‬ ‫ُ‬
‫نبعا ال ينضب‬ ‫يفعل بها كل أفراد شعب "النسر"‪َ ,‬‬
‫و"ح ُبوك" الذي يملك ً‬
‫من العلم لن يخش ى مصير مبارزة اليوم‪ ,‬وعلى الرغم من ذلك فهو ال‬
‫يستطيع قبل كل احتفالية أن يمنع رأسه من التفكير في أولئك الذين ال‬
‫يملكون ما يفدون به أنفسهم‪ .‬يعلم أن الطبيعة هي التي اختارت‪,‬‬
‫ًّ‬
‫ووضعت كال منهم في املكان الذي يقف فيه اآلن‪ ,‬يعلم أن قانون العبثية‬
‫هو املعنى األكبر لرغبات الطبيعة ونزواتها‪ ,‬وتسييرها لشئون الحياة‪ .‬ال‬
‫أحد يستطيع أن يجابه الطبيعة بالوقوف ندا لها‪ ,‬أو مجرد إبداء تذمر لن‬
‫يؤثرعلى خياراتها في ش يء‪.‬‬

‫‪131‬‬
‫‪" -‬داامووس"‪ ..‬هل تملك ما تفدي به نفسسسك اليوم؟‪ ..‬أأستطيع‬
‫مساعدتك‪.‬‬
‫َّ‬
‫‪ -‬هذا ما ينقصني‪ ..‬أتقبل مساعدة أحدب وضيع‪ُ ,‬مدنس بخطايا غيره‪,‬‬
‫ال يستطيع أن ُيتم جملة واحدة دون تعلثم‪.‬‬
‫وجمت قسماته‪ ,‬وتجلدت عينه لحبس ماء املذلة‪ .‬أبصر في قسمات‬
‫ً‬
‫مدفوعا لسؤاله‪ .‬لم‬ ‫ً‬
‫اضطرابا لم يعهده‪ ,‬ولذلك شعر بنفسه‬ ‫"داموس"‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬
‫يخف اضطرابه أيضا على "سالس" التي لم تجد سوى "حبوك" لتبوح له‬
‫بظنها‪:‬‬
‫‪ -‬أظن أن "داموس" سيخسرمبارزة اليوم‪.‬‬
‫‪ -‬حااولت مسااعدته‪.‬‬
‫‪ -‬ال تحاول‪ ..‬فلعل الطبيعة اختارت له هذا املصير لينكسر غروره؛ هذا‬
‫املتعجرف‪.‬‬
‫انتبهت إلى اضطراب "داموس"‪ ,‬واحتجبت عينها عن خلجات َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫التي تش ي بعظيم أمره‪.‬‬
‫اصطف شعب مملكة "النسر" بصفوف متوازية فوق التلة الحمراء‪,‬‬
‫ً‬
‫كل فرد يعرف مكانه مسبقا‪ ,‬بدأت عادة احتفاالت "الفداء الكبير" منذ‬
‫ً‬
‫كارثة "االنفجار العظيم" الذي عاث في أهل اململكة تقتيال‪ ,‬وترك لهم‬
‫ً‬
‫ندوبا لم تبرأ حتى اليوم‪ .‬ومنذ تلك الكارثة تغيرت قوانين اململكة‪ ,‬ونشأت‬
‫حياة جديدة في عالم فريد‪ .‬يوما بعد يوم استقرت القوانين الجديدة في‬
‫القلوب‪ ,‬اتفق عليها الجميع بغير اتفاق مكتوب‪ ,‬تركوا الكهف الذي كان‬
‫يجمعهم للملك وحاشيته ومحاربيه األشداء‪ ,‬ولكبراء اململكة من ذكورها‬

‫‪132‬‬
‫السكنى تحت األرض مأوى لهم‪ .‬ضحى ذوو‬ ‫وإناثها‪ ,‬واتخذ الشعب من ُ‬
‫الرفعة واملكانة بأمانهم الشخص ي لحماية الشعب‪ ,‬حتى إذا ما تعرضوا‬
‫لكارثة أخرى كانت الصفوف األولى للقتلى من بينهم‪ ..‬فأي فداء أكبر‬
‫وأعظم من ذلك!‬
‫بدأ االحتفال الذي يتكرر مرة كل عشرة والدات للشمس‪ ,‬بكلمة ألقاها‬
‫"راعون" قائد جالوزة مملكة "النسر" ختمها بكلماته التي تروي بذور‬
‫الفخر‪:‬‬
‫‪ -‬ولنهتف جميعنا بشعارمملكة "النسر" التي نفخربها ً‬
‫دوما‪.‬‬
‫ردد الجميع الشعار ً‬
‫معا‪ ,‬وبكثيرمن البهجة‪:‬‬
‫ً‬
‫أوال‪ ..‬نسر ً‬
‫دائما"‪.‬‬ ‫‪" -‬النسر‬
‫بدأ الجزء الخاص بتضحية الشعب من احتفالية "الفداء الكبير"‬
‫بالطقوس التي يعرفها الجميع عن ظهر قلب‪ ,‬وبالترتيب الذي اعتادوه‬
‫جيدا‪ ,‬والشعب‬ ‫دوما‪ ,‬كل فرد من الشعب له رقم متسلسل يحفظه ً‬ ‫ً‬
‫مقسم إلى فريقين حسب تسلسل األرقام‪ ,‬أرقام فردية يقابلها أرقام‬
‫زوجية‪ ,‬كل فرد ذي رقم فردي يقف أمامه ُمبارزه ذو الرقم الزوجي‪ .‬وفي كل‬
‫احتفالية يأتي دور أحد الفريقين لتقديم األضحية التي سيفدي بها نفسه‪.‬‬
‫االحتفالية املاضية كانت من نصيب األفراد ذوي األرقام الفردية‪ ,‬ولذلك‬
‫فالدور في احتفالية اليوم على األفراد من ذوي األرقام الزوجية‪ .‬يجب على‬
‫كل منهم تقديم أضحيته‪ ,‬من طعام أو شراب أو أي ش يء يحمل قيمة‬
‫ضحى وارتقت‬‫مادية أو معنوية‪ .‬وكلما زاد حجم األضحية زادت رفعة املُ ّ‬
‫ِ‬
‫مكانته في القلوب‪.‬‬

‫‪133‬‬
‫هكذا تتم املبارزة‪ ,‬كل فرد يحاول تقديم أفضل ما عنده لينال مكانة‬
‫أسمى في قلوب الجميع‪ ,‬ليس في قلوب الشعب فحسب‪ ,‬بل كذلك قادة‬
‫وأمراء اململكة الذين يحثونهم على التضحية‪ .‬كيف ال وهم أكثر املُ ّ‬
‫ضحين‬‫ِ‬
‫وإقداما‪ ,‬يبذلون حيواتهم وحياة ذويهم ويعرضونها للخطر‬ ‫ً‬ ‫شجاعة‬
‫بالسكنى فى الكهف حتى يهنأ الشعب بأمان مساكنه تحت األرض!‬ ‫ُ‬

‫"ح ُبوك" في مكانه أمام الفرد الذي اعتاد مبارزته وتبادل‬ ‫استقر َ‬
‫"ح ُبوك" العجينة العطرية التي صنعها‬ ‫قدم له َ‬ ‫االثنان بسمة َودود‪َّ ,‬‬
‫كبده مشقة َرد األضحية‬ ‫تعمد أن تكون صغيرة الحجم‪ ,‬حتى ال ُي ّ‬ ‫بنفسه‪َّ ,‬‬
‫ِ‬
‫الكبيرة بمثلها في االحتفالية القادمة‪ .‬سرى بينهما هذا االتفاق الضمني‬
‫كبد أحدهما اآلخر‬ ‫ووقعه االثنان بنظراتهما منذ بدء النزال بينهما‪ ,‬أال ُي ّ‬
‫ِ‬
‫مشقة ال يقوى على حملها‪ ,‬ولتكن أضحياتهما أمام بعضهما صغيرة‬
‫تحفظ لكليهما ماء الوجه‪ ,‬وتراعي قصرذات اليد‪.‬‬
‫"سالس" التي وقفت على مقربة من مكان‬ ‫أطلق َ‬
‫"ح ُبوك" نظراته على ُ‬
‫"داموس" الذي يبعد عن مكانه بعشرين رقم‪ .‬ترقبه باهتمام فضحته‬
‫ُ‬
‫نظراتها‪ ,‬بدا عليه توتر كبير لم تعتد طبيعته الكتومة أن تظهره‪ ,‬فأحست‬
‫َ ُّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫"سالس" بعظم الخطب الذي أل َّم به‪ ,‬لكن خالط ذلك شعورها بتصنع‬
‫انفعاالته!‬

‫لم يكن املبعث األول الهتمامها "داموس" نفسه‪ ,‬بل ِ‬


‫مبارزه والذي لم‬
‫يكن سوى "جادور"‪ .‬ال تدري من منهما تتمنى خسارته أكثر كصفعة على‬
‫وجهه‪ .‬تلك هي املرة األولى التي يتبارزان فيها أمام بعضهما البعض‪ .‬كان‬
‫خصم "جادور" في املبارزة حسب التسلسل الرقمي هي ِ"بنان"‪ ,‬لكن من‬
‫بعد إلقائها في "فم النار" بعد آخر احتفالية‪ُ ,‬منح لـ "جادور" حق اختيار‬

‫‪134‬‬
‫خصمه‪ ,‬منحته تلك املزية املكانة التي يتمتع بها بين الجميع‪ .‬فطن الجميع‬
‫إلى أن اختياره وقع على "داموس" –الذي يحظى اآلن برقم أخته‪ -‬من أجل‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫االنتقام من ِ"بنان" التي كادت أن تذيقه مر الهزيمة مرات ومرات‪ ,‬فـ‬
‫دائرا بين أخته و"جادور"‪,‬‬‫"داموس" ال ِقبل له بطبيعة النزال الذي كان ً‬
‫فلم تكن مبارزتهما على املستوى نفسه الذي يتبارز فيه معظم أفراد‬
‫"ح ُبوك" لخصمه‪ ,‬بل ارتقت من مستوى‬ ‫الشعب‪ ,‬وال حتى بكيفية نزال َ‬
‫عبدا له إن لم‬ ‫الحفاظ على النفس بإفدائها حتى ال يتخذ الخصم منه ً‬
‫يجد ما يقدمه له كأضحية‪ ,‬إلى مستوى يبحث فيه كل منهما على مكانة‬
‫أعلى‪ ,‬بإثبات تفوقه على اآلخر‪.‬‬
‫عبدا لآلخر‪,‬‬ ‫"سالس" على أيهما أن تنتهي به املبارزة ليكون ً‬ ‫لم تخش ُ‬
‫َّ‬
‫فهي تعلم أن كليهما يملك ما يفدى به نفسه‪ ,‬لكن الخسارة ستتمثل في من‬
‫منهما سيفشل في إثبات تفوقه بتقديم أضحية أكبر‪.‬‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫االحتفالية املاضية َّ‬
‫ضحت ِ"بنان" بكمية كبيرة من ِفطر نادر‪ ,‬يزن‬
‫ْ‬
‫الفطر من "جادور" الوزن نفسه! يومها أخبرتهم بفخر واعتزاز أنها‬ ‫حجم ِ‬
‫استزرعته في قاعتها الزراعية‪ .‬فاتسعت أعين الجميع دهشة ‪ ,‬أن نجحت‬
‫"سالس" أن "داموس"‬ ‫في إنبات هذا الف ْطر تحت األرض‪ .‬اليوم تراءى لـ ُ‬
‫ِ‬
‫يخش ى خسارة املكانة التي وصلت لها أخته‪ ,‬بعدما نازلت "جادور" لفترة‬
‫ً‬
‫نزاال ً‬
‫ضاريا‪.‬‬
‫لم يبق سوى ثمانية أفراد ثم يأتي الدور على "جادور" لتقديم‬
‫َّ‬
‫ظلت بمكانها لم تبرحه إلى أن ترى ماذا ُ‬ ‫أضحيته‪َّ ,‬‬
‫سيقدم "جادور"‬ ‫ودت لو‬
‫وكيف سينتهي نزال اليوم‪ ,‬لكن التفات "داموس" إليها وهو يهتف بخبث‪:‬‬
‫"سالس"؟‬‫‪ -‬ملاذا ال تشاركيننا النزال يا ُ‬

‫‪135‬‬
‫َ‬
‫أسرى الغضب كالنار في خالياها لهذه املهانة‪ ,‬وكأنه ال يعرف ملاذا ال‬
‫َّ‬ ‫ُيمكنها املشاركة ً‬
‫أبدا في احتفاالت "الفداء الكبير"‪ ,‬فولت مدبرة بقوة‬
‫سهم انطلق من قوسه‪ ,‬وهي تتمتم على رأس كليهما بأشرس اللعنات‪,‬‬
‫وبأفظع الباليا والرزايا‪ .‬حادت عن اتجاه مسكنها وقد راودتها فكرة إضفاء‬
‫ٌ‬
‫وأفكار كثيرة‬ ‫أسا إلى مسكنه‪,‬‬ ‫َّ‬
‫فتوجهت ر ً‬ ‫بعض التعكير على مزاج "داموس"‬
‫تتقافز في رأسها‪ .‬لم تكد تدخل مسكنه الذي اقتحمته عنوة حتى أطلقت‬
‫شهقة فزع هائلة‪ ,‬ثم هتفت بصوت حمل كل الدهشة واللوعة‪:‬‬
‫َ‬
‫‪"ِ -‬بنان"!!‬

‫***‬

‫‪136‬‬
‫امللف السابع عشر‬

‫((في الليلة السابقة))‬


‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬
‫انطلق "القزم" يقتفي أثر ِ"بنان" باذال ُجل طاقته‪ ,‬حتى رنا بطرفه إليها‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫مهرولة قبل أن تحجبها عن نظره إحدى الشجيرات‪ ,‬ناداها صارخا‪:‬‬
‫َ‬
‫أرجوك‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪"ِ -‬بنان" توقفي‪..‬‬
‫لم تمتثل ألمره واستمرت في العدو‪ ,‬قفزت ذاكرته القصيرة إلى قبل‬
‫ذلك بساعة فحسب‪ ,‬عندما أخبرته باسمها وسألته عن اسمه‪ ,‬ألجمه‬
‫تبدى على وجهها‪ ,‬وهي ترمقه بإزداء وتلومه أن سمح للحقير‬‫الغضب الذي َّ‬
‫ّ‬ ‫َ‬
‫"ريشع" –كما وسمته‪ -‬أن ُي ِلقبه بـ "القزم"‪ .‬ثم فارقته مغادرة مجلسهما‬
‫فوق الشجرة واستلقت فوق العشب‪ .‬رمقها للحظات لم تطل‪ ,‬ثم عاد‬
‫َ َ‬
‫"البشام"‪ .‬شعر أن االحتكاك الذي تتسبب به‬ ‫ليشرب من لبن شجرة‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫فسب‬ ‫ضمادة عينه لم يعد محتمال‪ ,‬فنزعها بقوة أسرت األلم بجسده‪,‬‬
‫املُداوى الذي استخدم مادة الصقة بهذه القوة لتثبيت الضمادة فوق‬
‫عينه‪ ,‬لكن الغبطة حلت محل سخطه إذ بعد تشوش في الرؤية لم يدم‬
‫ً‬
‫طويال استطاع أن يرى بها بوضوح‪ ,‬فتهللت أساريره‪.‬‬
‫أخيرا من فوق الشجرة لينظر أي موضع سيتخذه للراحة قبل أن‬ ‫نزل ً‬
‫يستكمال طريقهما إلى مملكة "النسر"‪ ,‬تحركت من مكانها وسارت باتجاه‬
‫"الب َشام" لتستكمل شربها‪ ,‬وعندما تالقت أعينهما رأى بعينها ً‬
‫رعبا‬ ‫شجرة َ‬
‫لم ينبثق عنها وهما في أشد لحظات رحلتهما خطورة‪ .‬وقفت جامدة لبرهة‬

‫‪137‬‬
‫استدعت في نفسه كل الحيرة‪ ,‬ثم هتفت بجملة واحدة قبل أن تنطلق‬
‫مهرولة بغتة وقد َّ‬
‫تشربتها حمى الهلع‪:‬‬
‫‪ -‬لقد خدعتني!‬
‫َ‬
‫ظل يالحقها ما يقرب من الساعة‪ ,‬كشفت له عن سرعتها‪ ,‬ورشاقة‬
‫مقتربا من مملكة "النسر"‪ ,‬مما َّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫سهل‬ ‫قدها‪ ,‬قلت األشجار كلما توغل‬
‫رؤيتها أمامه تسبقه بمسافة تزيد وتقل‪ .‬كان يمر على هياكل لها شكل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫األشجار لكنها من اإلسمنت‪ ,‬اتحدت لتصنع جبال شاهقا‪ ,‬فتعجب غاية‬
‫ً‬
‫العجب من هذا الجبل األسمنتي‪ ,‬ولو كان يملك وقتا ألدام فيه النظر‬
‫متفحصا‪ .‬حتى الح له النجاح وقد اقترب منها بمسافة تدفعها لسماعه‪,‬‬ ‫ً‬
‫فصرخ عليها مرة أخرى أن تتوقف عن الركض وتتحدث إليه‪ ,‬لكنها لم تول‬
‫أخيرا من اإلمساك بها في املساحة املكشوفة‬ ‫ً‬
‫اهتماما‪ .‬حتى تمكن ً‬ ‫ملطلبه‬
‫الخالية من األشجار‪ ,‬وقد باتت األرض أمامه صحراء جرداء ال زرع فيها‬
‫وال ماء‪ ,‬يخترق جسده من الليل برودته‪ ,‬ومن الظالم حدته‪ ,‬وتنغرس‬
‫أقدامهما في رمال ناعمة غزيرة‪.‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫‪"ِ -‬بنان" توقفي عن ضربي‪ ..‬اهدأي‪ِ " ..‬بنان"‪ ..‬آآي‪.‬‬
‫ُ ّ‬
‫سكن رجاؤه من هياجها‪ ,‬وبحركة سريعة من جسدها كانت‬ ‫لم ي ِ‬
‫َّ‬
‫سكينها فوق رقبته تنغرز فيها إلى حد بلغ به من األلم ما حث أطرافه على‬
‫فعل أكثر شراسة‪ ,‬فوكزها ببطنها بقوة حتى أفلتت رأسه متأملة ملوضع‬ ‫ردة ٍ‬
‫حل التعب باالثنين حتى بدا شجارهما يسري بخمول‪ ,‬يبعث على‬ ‫الضربة‪َّ .‬‬
‫ً‬
‫الضحك أكثرمما يبعث على القلق‪ .‬الهثا قال‪:‬‬
‫ناضج‪ ..‬آآه‪.‬‬ ‫شخص‬ ‫جدا‪ ..‬توقفي وتحدثي مثل‪ ..‬مثل‬ ‫‪ -‬أنت‪ ..‬شرسة‪ً ..‬‬
‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬

‫‪138‬‬
‫تلمس موضع‬ ‫ً‬
‫جرحا‪َّ ,‬‬ ‫ألقمته بحجر اصطدم برأسه فأحدث فيها‬
‫ً‬
‫الضربة متأملـا ثم نظر إليها بغضب تأجج بصدره‪ .‬انحلت عقدة صبره‪,‬‬
‫قيدها بعنف دون أن يبالي‬ ‫وتداعت حصون شهامته‪ ,‬وقبل أن تهرب َّ‬
‫رشقته ُ‬ ‫َ‬
‫بالسباب دون أن تتوقف‬ ‫بأملها‪ ,‬بل استعذب أن يؤملها كما آملته‪.‬‬
‫عن املقاومة‪ ,‬لم تجب على أي من أسئلته‪ ,‬لكن كلماته األخيرة استفزتها‬
‫ً‬
‫معاتبا‪:‬‬ ‫بشدة حينما قال‬
‫‪ -‬كنت أظن أنه يمكنني الوثوق ِ‬
‫بك‪.‬‬
‫انتفضت صارخة‪:‬‬
‫‪ -‬أنا من يجب أن تقول هذا الكالم‪ ..‬لقد خدعتني‪.‬‬
‫قال وهو يغلي من الغيظ‪:‬‬
‫‪ -‬لم أفعل‪ ..‬لم أفعل‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬أوقعتني في الفخ لتسلمني إلى "راعون" ليقتلني أو لعيدني إلى "ريشع"‪.‬‬
‫‪ -‬لم أفعل‪.‬‬
‫‪ -‬لقد وثقت بك وساعدتك على الهرب من "باسطين"‪ ..‬ولم أتخيل‬
‫للحظة أنك أحد الذين ألقوا بي هناك‪.‬‬
‫‪ -‬لم أفعل‪.‬‬
‫‪ -‬ال تستمرفي الكذب‪.‬‬
‫ً‬
‫دليال ً‬
‫واحدا على أنني‬ ‫‪ -‬توقفي إذن عن اتهامي بما لم أفعل‪ ..‬أعطيني‬
‫فعلت ما تقولين‪.‬‬

‫‪139‬‬
‫نظرت له بازدراء‪ ,‬بصقت فوق عينه اليسرى وهي تهتف ببغض وحقد‬
‫ملء قلبها حتى أفاض‪:‬‬
‫‪ -‬هاك الدليل يا أمير"النسر" –دام ُعاله‪!-‬‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫شلته املفاجأة‪ ,‬خفت قبضته حول أطرافها‪ ,‬وقبل أن يتخذ ردة فعل‬
‫أفلتت نفسها مهرولة مرة أخرى مبتعدة عنه‪ ,‬لكنها لم تستطع االبتعاد‬
‫كثيرا‪ ,‬إذ فوجئت بثالثة من الجالوزة يلتفون حولها ويقيدونها بعنف‪ .‬كاد‬ ‫ً‬
‫قلب "القزم" أن يتصدع‪ ,‬شعر بنبضاته كما لو كان عزفها بالقرب من‬
‫مسامعه‪ ,‬كان غضبه منها وحنقه عليها أكثر من أي وقت مض ى‪ ,‬لقد‬
‫أوقعتهما برعونتها وعنادها في هذا املأزق‪.‬‬
‫‪ -‬هل أنت بخيريا أمير"النسر" –دام ُعاله‪-‬؟‬
‫َّ‬
‫متفحصا ُجرح‬
‫ً‬ ‫تطلع بنظراته الدهشة إلى الجلواز الذي وقف أمامه‬
‫َ‬
‫جبهته‪ ,‬نقل بصره منه إلى ِ"بنان"‪ ,‬ففاضت عينها بكره دفع بالحزن إلى‬
‫قلبه‪ .‬أثاره اللقب الذي خوطب به‪" ..‬سمو األمير!"‪ ,‬لم يخطر له ذلك في‬
‫شطحات خياله وال نزوات أمانيه‪ .‬أيقن أن نجاتهما مرتهنة بقدرته على‬
‫رغما عنه خرجت كلماته‬ ‫ارتداء العباءة التي يراه فيها هؤالء الثالثة‪ ,‬لكن ً‬
‫مضطربة‪ ,‬وسرت رعدة في أوصاله وهو يخبر هذا الجلواز أال يقلق بشأنه‪,‬‬
‫َ‬
‫وضع‬
‫التوت أطرافها أسفل جسدها في ٍ‬ ‫ثم طلب منهم أن يدعو ِ"بنان" التي‬
‫َّ‬
‫َمرآه فقط مبعث لأللم واالختناق‪ .‬حلت الدهشة فوق وجه الجلواز وهو‬
‫َّ‬
‫يخبره أنه وزميليه سيتكفلون بنقلها إلى حيث شاء مخافة أن تؤذيه مرة‬
‫أخرى‪ .‬فتنحنح وبقدرة أكبرعلى صبغ كلماته باألمراألرستقراطي قال‪:‬‬
‫‪ -‬قلت دعوها‪ ..‬سأتولى أمرها بنفس ي‪.‬‬

‫‪140‬‬
‫لم يجد الجالوزة ُبدا من النزول إلى رغبته‪ ,‬واالنصياع ألمره‪ .‬انصرفوا‬
‫واليزال القلق يساورهم‪ ,‬لخروج أحد األمراء في هذا الوقت من الليل إلى‬
‫ُ‬
‫وتجرئها باالنقضاض‬ ‫العراء بال حراسة‪ ,‬وبصحبة واحدة من الشعب‪,‬‬
‫عليه كما شهد على ذلك ثالثتهم‪.‬‬
‫ذهب تصرفه بنظرات البغضاء من عينها‪ ,‬لكنه بالتأكيد دفع‬ ‫ُ‬
‫لم ي ِ‬
‫بجواره قلق لم يقل عما استشعره الجالوزة‪ ,‬الذين بدت أجسادهم اآلن‬
‫ُ ّ‬
‫فرق بينهم وبين أميرأو غفير!‬
‫كظالل بال هوية ت ِ‬
‫ِ‬
‫‪ -‬لن تستطيع أن تخدعني بذلك‪.‬‬
‫رغم دهشتها مما فعل إال أنها لم تجد في نفسها مبر ًرا يدفع بها إلى‬
‫الثقة في واحد من أمراء مملكتها‪ ,‬صاحبها طوال رحلة هروبها وهو يخفي‬
‫حرضه على افتراش الرمال‪,‬‬ ‫ذلك عنها‪َ .‬د َّك التعب جسده إلى الحد الذي َّ‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫تطلع إليها قائال‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬اسمعي‪ ,‬أنا ال أريد سوى أن أفهم‪ ,‬من أنا‪ ,‬هل حقا أنا من تظنونني‬
‫إياه‪ ,‬وملاذا تبغضيني إلى هذا الحد‪ ,‬هل تقابلنا من قبل‪ ,‬هل سببت األذى‬
‫لغيرك؟‬
‫لك أو ِ‬ ‫ِ‬
‫هدها اإلرهاق فأسقطت جسدها هي األخرى فوق‬ ‫اشتد هجير آالمها‪َّ ,‬‬
‫ً‬ ‫الرمال‪َّ ,‬‬
‫عض بطنها الجوع والتهب جوفها عطشا‪ ,‬أجابته بشك واضطراب‬
‫لم توارهما‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬هل أنت حقا ال تذكرأي ش يء؟‪ ..‬أي ش يء على اإلطالق؟‬
‫إيجابا‪ .‬تحاملت على نفسها لتنهض وهي تقول له بحزم أن‬‫ً‬ ‫هز رأسه‬
‫ً‬
‫عليهما أوال مغادرة هذا املكان مخافة أن يعود إليهم الجالوزة مرة أخرى‪.‬‬

‫‪141‬‬
‫سارا لوقت ليس بالطويل‪ ,‬حتى وجدا هضبة من الرمال‪ ,‬يحوطها فضالت‬
‫الطعام واألوساخ‪ ,‬تواريا خلفها‪ ,‬كانت آخر ما استطاعت أقدامهما‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫سهب في شرح كل ما‬ ‫حملهما إليه‪ .‬نظر إليها مستفهما‪ ,‬ظن أنها ست ِ‬
‫ُ‬
‫استعص ى عليه فهمه‪ ,‬لكنها قالت باقتضاب قبل أن تسلم نفسها للراحة‪:‬‬
‫ٌ‬
‫واحد من أمراء‬ ‫‪ -‬الش يء الوحيد الذي بإمكاني أن أخبرك به‪ ,‬نعم أنت‬
‫علي وعلى أخريات غيري بأننا بذرة شر‪,‬‬ ‫مملكة "النسر"‪ ,‬ولقد حكمتم ّ‬
‫وأفهمتم الجميع أنكم ستلقون بأولئك األشرار داخل النارالتي تتغذى على‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫أمثالنا‪ ,‬لكن الحقيقة املرة هي أنكم تقدمون إناث شعبكم هدايا‬
‫َ‬
‫ملحاربي"ريشع"‪ ..‬هل تعرف ما معنى ذلك؟‬
‫ً‬
‫كان مأخوذا بحديثها‪ ,‬وبما تلقيه على مسامعه من معلومات تمزقه‬
‫نفيا ببطء‪ ,‬فأردفت ُبكره َت َّ‬
‫شبع به فؤادها‪:‬‬ ‫هزرأسه ً‬‫الحاجة إليها‪َّ ,‬‬

‫‪ -‬سبايا بين أيدي محاربيه‪ ,‬يمارسون عليهن من السادية كل ما يخطر‬


‫ُ‬
‫أنجاسا بال روح وال شرف وال كرامة‪ُ ,‬ويصدق كبراء‬
‫ً‬ ‫لك ببال‪ ,‬يعتبروننا‬
‫"النسر" على ذلك بأفعالهم فينا‪.‬‬
‫افضا أن يصدق أن هذه هي‬ ‫ً‬ ‫تاه عقله في ُلجة هذه ُ‬
‫التهم البشعة‪ ,‬ر‬
‫الحقيقة التي ارتحل للبحث عنها‪ ,‬مات بداخله الكالم‪ ,‬وتقافزت هواجسه‬
‫ً‬ ‫داخل رأسه حتى َأل َّم به ألم غيرمحتمل َّ‬
‫فتلمس رأسه محركا إياها عل أملها‬
‫يسكن‪ ,‬تطلع إليها وقد وجمت قسماتها وشردت في غمرة أفكارها‪ ,‬قال‪:‬‬
‫‪..‬سيقتلونك‪ ..‬ها‪.‬‬
‫ِ‬ ‫أوك‬
‫‪ -‬لكن لو ر ِ‬

‫‪142‬‬
‫صافحه الصمت في البداية‪ ,‬ثم وافقته بهزة من رأسها‪ ,‬أولت إحدى‬
‫بوابات اململكة اهتمامها وهي تحدق فيها من خلف الهضبة‪ ,‬ثم قالت‬
‫وكأنها تسري إلى نفسها‪:‬‬
‫‪ -‬هناك من سيحميني‪.‬‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫دوما رآها تقاتل بضراوة‪ ,‬بقوة وإباء‪ ,‬لم يلمس طيلة رحلتهما هذا‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫اليأس الذي وشت به عينها‪ ,‬فرق قلبه لحالها‪ ,‬واستشعر ندما على ٍ‬
‫ذنب ال‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫يذكرأنه ً‬
‫يوما جناه‪ ,‬حاول طرد هذا الشعور وقد سبب له حنقا بالغا‪.‬‬
‫غدا احتفالية "الفداء الكبير"‪ ..‬سيخرج كل الشعب من مساكنه إلى‬‫‪ً -‬‬
‫التلة الحمراء‪ ,‬عندها سأتمكن من الدخول‪.‬‬
‫‪ -‬تصحيح‪ ..‬سنتمكن‪.‬‬
‫ً‬
‫مستجديا‪:‬‬ ‫رنت إليه فتالقت أعينهما‪ ,‬صمتا للحظات‪ ,‬ثم قال‬
‫‪ -‬عقلي مشوش‪ ,‬أحتاج ألن أفهم قبل أن أقرر ماذا سأفعل‪.‬‬
‫‪ -‬وما الذي يدفعني إلى املخاطرة باصطحابك إلى مسكننا الخاص؟‬
‫أنقذتك‪ ..‬مرتين‪.‬‬
‫ِ‬ ‫ألنك مدينة لي‪ ,‬لقد‬
‫‪ِ -‬‬
‫لم يندم على كذبه بشأن األولى منهما‪ ,‬فهو بحاجة إلى بذل طاقته لنيل‬
‫موافقتها‪ ,‬لكنه ملح في عينها نظرة غضب‪ ,‬لم يلبث أن تبدد بعضه‪ ,‬ثم‬
‫قالت‪:‬‬
‫‪ -‬لكن بشرط‪.‬‬
‫‪.... -‬؟‬

‫‪143‬‬
‫‪ -‬ستفعل كل ما آمرك به‪.‬‬
‫ثم أردفت بشراسة متعمدة‪:‬‬
‫أمرا ً‬
‫واحدا سأخبر "أصالن" أنك جاسوس لـ "راعون"‪..‬‬ ‫‪ -‬إن عصيت لي ً‬
‫وعندها سيبترأطرافك ً‬
‫حيا‪.‬‬

‫***‬
‫أمضيا ليلة أصعب من سالفتها‪ ,‬وقد وضعت الليالي ُ‬
‫الحبلى ً‬
‫بدرا‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫شاهدا على حالهما‪ .‬تلظت فوق نيران شكوكها ووساوسها‪ ,‬متيقظة‪,‬‬
‫ُ‬
‫حذرة‪ ,‬ال تمنح كل األمان لرفيقها‪ ,‬تفكر فيما القته في رحلتها من عجائب‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫ستذهل رفاقها‪ .‬واكتوى هو بهجير حقيقة رمته بها‪َ ,‬و َّد لو أصبح بها جاهال‪,‬‬
‫واستعر به توق ألن يزجيها عنه‪ ,‬ويقف على غيرها‪ .‬تتجاذبه الحيرة بين أمر‬
‫نك ًرا له‪ ,‬وبين رفيقته التي تتجلى كل الثقة‬ ‫ُ‬
‫بغيض‪ ,‬منذ أن عرفه أمس ى م ِ‬
‫بحديثها‪ ,‬كأنما أصابت كبد الحقيقة بيقينها‪.‬‬
‫ً‬ ‫ولج ً‬
‫أبوابا من الحيرة ما كان عارفا بوجودها‪ ,‬فأضحت مهمته صيد‬
‫ً‬
‫إذهابا‬ ‫الحقيقة الضائعة بين كل األكاذيب واألوهام التي اكتست بردائها؛‬
‫لوحشة نفسه‪ ,‬وليثبت أنه براء من كل التهم التي رمته بها‪ .‬بساحة‬
‫الوساوس والظنون حطا رحالهما‪َ ,‬و َّدا أال يطول فيها املقام‪ ,‬ويبلغا‬
‫برجائهما براألمان‪.‬‬
‫اخترق الهدوء الذي استتب طيلة الليل وحتى اإلشراقة األولى للصباح‬
‫أصوات الجماهير املندفعة من البوابات‪ ,‬أبصرهم "القزم" وقد استعارت‬
‫مقعدا‪ ,‬أين احتفظ باطن األرض بكل هذه‬ ‫ً‬ ‫الدهشة لنفسها بعينيه‬
‫األعداد الغفيرة‪ ,‬كيف استقامت لهم بداخلها الحياة! استوفى دهشته‬

‫‪144‬‬
‫وقد تزايدت األعداد املنضمة لرفقائهم فوق التلة الحمراء‪ ,‬آالف الذكور‬
‫واإلناث والصغار‪ ,‬اصطف كل بالغ في صفوف متوازية بمد البصر‪ ,‬أما‬
‫الصغار فتناثروا في األرجاء بمرح وصخب‪ ,‬الهين العبين وبعضهم ظل‬
‫لذويه ً‬
‫مالزما‪.‬‬
‫بلغا امليقات لعبور البوابة بعد أن توقف السيل الحي املنهمر عبرها‪,‬‬
‫ُ‬
‫فصح‪:‬‬
‫تبادل مع رفيقته النظرات‪ ,‬بدت مترددة قبل أن ت ِ‬
‫‪ -‬فقط سأوافق على استضافتك ملدة يوم واحد‪ ,‬بعدها تبحث‬
‫ُ‬
‫لنفسك عن مكان آخر‪ ,‬ال أريد أن أبلى بك‪.‬‬
‫لك أي أذى‪.‬‬
‫وأعدك أال أسبب ِ‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬يومان‪..‬‬
‫قست نظراتها محذرة‪:‬‬
‫‪ -‬إذا بدرمنك أي ش يء يدعو للشك‪...‬‬
‫‪ -‬أعلم‪ ,‬أعلم‪ ,‬سيبترهذا الـ "أصالن" أطرافي ً‬
‫حيا‪.‬‬
‫ُ‬
‫قالها ببرود أتبعه ببسمة كالحة‪ ,‬لم تقابله بمثلها‪ .‬أشارت إلى البوابة‬
‫التي يحجبهم عنها هضبة الرمال‪ ,‬وأخبرته أنهما سيتوقفان أمامها يرددان‬
‫شعار مملكة "النسر" حتى يسمح لهما الحارس باملرور بعدما يتأكد من‬
‫هويتهما‪.‬‬
‫‪ -‬لكنني ال أحمل هوية!‬
‫‪ -‬بل تحمل‪ ,‬رائحة جسدك‪.‬‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫فوضحت على عجالة وهي تنهض وتمسح‬ ‫أطلت الدهشة من قسماته‬
‫أرجاء املكان بنظراتها متفحصة‪:‬‬

‫‪145‬‬
‫‪ -‬حراس البوابات السبع ململكة "النسر" ال عيون لهم‪ ,‬لكنهم يتمتعون‬
‫بقدرة فائقة على تمييزرائحة أبناء اململكة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫غريب عنها؟‬ ‫‪ -‬وماذا يحدث إن حاول دخول اململكة‬
‫‪ -‬يقتلونه ً‬
‫فورا‪ ,‬بال تردد‪.‬‬
‫اتجهت صوب البوابة فحذا حذوها‪ ,‬وقبل أن تعبرها أبصر حارسها‬
‫الذي يسد بجسده الضخم كل الفتحة املحفورة في األرض بشكل مائل‪.‬‬
‫َّ‬
‫أوقفها وقد زاد اضطرابه وتمكن الشك من فؤاده‪ ,‬ماذا لو كانت مخطئة‪,‬‬
‫ً‬
‫واحدا من أمرائها كما‬ ‫ماذا إن كان ال ينتمي إلى هذه اململكة‪ ,‬لو لم يكن‬
‫تظن‪ ,‬عندها سيقتله الحارس بال تردد كما أخبرته‪.‬‬
‫بكالمك؟ قد تكون خدعة ِ‬
‫منك للتخلص مني‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫‪ -‬ما الذي يجعلني أثق‬
‫رفرف طيراملرح بعينها‪ ,‬فمرنسيم التحدي ببسمتها‪:‬‬
‫‪ -‬إنه اختبارثقة إذن‪ ,‬إذا أردتني أن أثق بك‪ ,‬فعليك أن تثق بي ً‬
‫أيضا‪.‬‬
‫لم تترك له فرصة التخاذ قرار‪ ,‬أو ليخبرها أنه يكره االختبارات‪.‬‬
‫اختفت من أمامه وتاهت في غياهب الظالم‪ ,‬بعدما طاف الحارس حولها‬
‫ُ ّ‬
‫ذكره بأنه ال يملك سوى‬‫عدة مرات‪ .‬استجمع شجاعته واستدعى كل ما ي ِ‬
‫أن يثق بها‪ ,‬ال يملك إال الخضوع لالختبار‪ .‬اقشعر جسده والحارس‬
‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬
‫الشمية‪ ,‬تذكر أنه لم يردد شعار اململكة‪ ,‬فقال بلهفة‬
‫ِ‬ ‫يتلمسه بغدده‬
‫واضطراب‪:‬‬
‫ً‬
‫أوال‪ ..‬نسر ً‬
‫دائما"‪.‬‬ ‫‪" -‬النسر‬

‫‪146‬‬
‫مبديا له فسحة للمرور‪ ,‬فخفق قلبه ً‬
‫فرحا‪ ,‬وملع في‬ ‫انزوى الحارث ً‬
‫البشر‪ .‬لقد كانت محقة‪ ,‬إنه أحد أبناء هذه اململكة‪ ,‬بل أعظم‬ ‫غرته نور ِ‬
‫من ذلك‪ ,‬إنه أحد أمرائها‪ .‬عبر أولى خطواته بداخل مساكن الشعب وقد‬
‫امتألت نفسه بالثقة أكثرمن أي وقت مض ى‪.‬‬
‫أخيرا إلى مسكن محفور‬ ‫عبر ممرات وأدوار بدت كأنها بال نهاية‪ ,‬وصال ً‬
‫َ‬
‫بجدارأحد املمرات‪ ,‬ترك ِ"بنان" تتجاذب أطراف الحديث مع أحد الصغار‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫اتساعا‬ ‫بداخل املسكن أثناء تفحصه ملا حوله‪ .‬بدا له املكان مذهال‪ ,‬أكثر‬
‫احا مما ظن‪ ,‬ال يدري كم استغرق حفر كل هذه املدينة تحت األرض‬ ‫وبر ً‬
‫بهذه الدقة واملهارة دون أن تنهار أركانها‪ ,‬لكنه بالتأكيد عمل عظيم يدل‬
‫على خصال الدقة واملثابرة واإلبداع التي يتمتع بها أبناء شعب "النسر"‪.‬‬
‫َ‬
‫ساقته ِ"بنان" إلى ممر آخر أفض ى إليه املمر األول‪ ,‬ثم نزال ثالثة طوابق‬
‫قبل أن يدلفا إلى خامس مسكن إلى يسار املمر‪ ,‬وعندما سألها إن كان هذا‬
‫املسكن يخصها لم يتلق ًردا‪ ,‬أبصر على وجهها أمارات القلق‪ ,‬وشعر وكأنه‬
‫يسمع خفقات قلبها قوية متسارعة ممتزجة برائحة أنفاسها! َّ‬
‫فتفرس فيها‬
‫وبدل حالها‪.‬‬ ‫عل قسماتها َتفضح له ما َّ‬
‫ألم بها‪َّ ,‬‬ ‫َّ‬

‫فجأة اقتحم عليهما املكان أنثى بعين واحدة أبصرها وقد تهدلت رأسها‬
‫ً‬
‫بالونا‪ً ,‬‬
‫وبقعا باهتة تفترش‬ ‫فوق جسد ممتلي‪ ,‬بطنها منتفخة كما لو كان‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫جسدها‪ .‬توقفت ما إن وقع نظرها على ِ"بنان" وهي تمعن فيها النظر‬
‫بدهشة مألت أركان املسكن‪ ,‬ثم تهتف بلوعة‪:‬‬
‫َ‬
‫‪"ِ -‬بنان"!!‬
‫***‬

‫‪147‬‬
‫امللف الثامن عشر‬

‫عادت السماء تزدان بألق نجم غاب ً‬


‫يوما وأفل‪ ,‬فاجتمعت املفاجأة‬
‫"سالس"‪,‬‬‫مع اللهفة‪ ,‬وفاضت عبرات املآقي‪ .‬ازدهر سراج الحبور بوجه ُ‬
‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬
‫واندفعت تعانق ِ"بنان" بابتهاج‪ .‬تجلت السعادة على وجه ِ"بنان" وفاضت‬
‫ً‬
‫غزيرا‪ ,‬فرحة بعودتها إلى مكان تألفه‪ ,‬بين من تحن إليهم‬ ‫عينها بسرها‬
‫وتأمن جانبهم‪.‬‬
‫ً‬
‫جميعا بوقت واحد‪ ,‬ال‬ ‫"سالس" فهتفت بها‬ ‫تقافزت األسئلة في رأس ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫تدع لـ ِ"بنان" فسحة للجواب‪ ,‬أل َّم بها تعب ليال من األرق والعذاب‪,‬‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫فقدمت لها ِ"بنان" وعدها‪:‬‬
‫سأخبرك بكل ش يء‪ ,‬فلدي الكثير ألقصه عليكم‪ ..‬لكن دعيني أرتاح‬
‫ِ‬ ‫‪-‬‬
‫ً‬
‫قليال‪.‬‬
‫ثم أردفت وقد ارتجف خافقها يشوبه لوعة االشتياق‪ ,‬يسوق الغيوم‬
‫لحجب عينها بعناق‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬لكن أخبريني أوال أين "أصالن"‪ ,‬وملاذا يقيم آخرون بمسكنه؟!‬
‫"سالس" باالرتباك‪ ,‬فالتفتت تطلب العون من الفراغ‬ ‫تخضب وجه ُ‬ ‫َّ‬
‫الذي كشف لها عن "القزم"‪ ,‬ارتجف صوتها بشهقة عالية وعينها تلتحم‬
‫َ‬
‫بوجهه‪ .‬نزعتها عنه بمشقة لتعلقها بوجه ِ"بنان" متسائلة بجزع‪:‬‬
‫‪ -‬أمير!‪ ..‬في مسكني!‪ ..‬ملاذا؟!‬

‫‪148‬‬
‫ً‬
‫دنا "القزم" منها يبث في نفسها األمان‪ ,‬قائال‪:‬‬
‫بك األذى‪.‬‬
‫‪ -‬ال تخافي‪ ,‬لن ألحق ِ‬
‫شهقت شهقة عالية وهي تتطلع بوجهه‪ ,‬دفعت به ألن يتراجع إلى‬
‫الخلف بوجل‪ ,‬تعاظمت دهشته عندما ألقت عليه بسؤال فاجأه‪ ,‬ولم‬
‫يعرف إن كانت به جادة أم مازحة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف تتحدث ّ‬
‫إلي‪ ..‬هل تراني؟!‬
‫شعربسخافة بالغة وهو يجيبها‪:‬‬
‫أراك‪.‬‬ ‫ً‬
‫‪ -‬طبعا ِ‬
‫شهقت مرة أخرى وهي تردف‪:‬‬
‫‪ -‬كيف؟‪ ..‬كيف تراني؟‬
‫ألجمه سؤالها لبرهة‪ ,‬ثم قال بنفاذ صبر‪:‬‬
‫يراك الجميع‪.‬‬
‫أراك كما ِ‬
‫‪ -‬وما الغريب في ذلك؟ لم أفهم؟‪ِ ..‬‬
‫‪ -‬ال يراني الجميع‪ ..‬فأنا ميتة منذ زمن!‬
‫َ‬
‫نقل بصره منها إلى ِ"بنان" التي لم يند من وجهها ما يدل على استغرابها‬
‫من تلك املحادثة‪ ,‬وهذا التصريح العجيب لصديقتها‪ ,‬اعتصمت بالصمت‬
‫ً‬
‫وهي تتطلع إلى "القزم"‪ ,‬لكنه ملح في عينها طير االستمتاع مرفرفا بجناحيه‪.‬‬
‫بجدية قال وقد تعكرمزاجه ً‬
‫كثيرا‪:‬‬
‫‪ -‬الوقت ال يناسب املزاح‪.‬‬

‫‪149‬‬
‫َّ‬ ‫لكن ُ‬
‫"سالس" ظلت ترمقه بشغف‪ ,‬وهي تردد بصوت خافت "إنه‬
‫َ‬
‫يراني!"‪ .‬ثم التفتت إلى ِ"بنان" تنشدها أن تحل لها كل هذه األحاجي التي‬
‫َ‬
‫حاو‪ ,‬زفرت ِ"بنان" بقوة‪ ,‬ثم بدأت‬
‫تراها أمامها وكأنها تتناثر من حقيبة ٍ‬
‫تروي لها كل ش يء‪.‬‬

‫***‬
‫"ح ُبوك" الذي ذهبت‬ ‫نفضت التعب عن وجهها حينما أبصرت َ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬
‫متجمدا كأنما تحول إلى‬ ‫"سالس" في استدعائه‪ ,‬يتطلع إليها ذاهال‪,‬‬
‫بديا غبطة‬‫صخرة‪ ,‬استفاق من سكرة الدهشة فتهللت أساريره ُم ً‬
‫وسعادة‪ ,‬لم يسعها قلبه ففاضت من كل جوارحه‪ .‬استثارت حواسه وهو‬
‫"سالس" عليها أن‬ ‫يستمع إلى قصتها التي ترويها للمرة الثانية‪ .‬أشارت ُ‬
‫َ‬
‫تؤجل إخبار "داموس" بأمرها‪ ,‬وعندما أبدت ِ"بنان" اعتراضها‪ ,‬فأخوها‬
‫"سالس" أن في إخبار "داموس" بأمر‬ ‫يجب أن يكون أول العارفين‪ ,‬أقنعتها ُ‬
‫األمير خطر على حياة كليهما‪ .‬الجميع يعلم بغض "داموس" لسكان‬
‫الكهف‪ ,‬قتلوا أخاه األصغر عندما فشل في النجاة من اختبار بذرة الشر‪.‬‬
‫وال يزال يحمل لهم في قلبه الحقد والكراهية‪ ,‬هكذا ُيصرح ً‬
‫دائما كلما‬
‫َ‬
‫الحت له الفرصة‪ .‬اقتنعت ِ"بنان" بتأجيل إعالم أخيها بنجاتها يومين حتى‬
‫يرحل األمير عنهم‪ ,‬وقتها لن يجده "داموس" الفتعال املشكالت معه‪,‬‬
‫عندما تقص عليه كل ما حدث معها منذ أن حملها َ‬
‫الجالوزة إللقائها في‬
‫"فم النار"‪.‬‬
‫أحد غيره صناعة‬‫أمرا البد منه‪ ,‬فلن يستطيع ٌ‬
‫"ح ُبوك" كان ً‬‫لكن إخبار َ‬
‫ضمادة تخفي عين األمير عن أنظار سكان اململكة حتى ال يكتشفوا أمره‪,‬‬

‫‪150‬‬
‫وصناعة أخرى لـ "ب َنان" تخفي بها ً‬
‫جزءا ً‬
‫كبيرا من وجهها حتى ال يتعرف‬ ‫ِ‬
‫عليها أحد‪.‬‬
‫َ‬ ‫أدام "القزم" النظر إلى َ‬
‫"ح ُبوك" منحني الظهر وهو يصنع مع ِ"بنان"‬
‫ُ‬
‫ضمادة كالتي صنعها له املداوي من ألياف األشجار‪ ,‬وخيوط الحرير‪ ,‬ثم‬
‫َ‬
‫ثبتها فوق عينه بمادة الصقة‪ ,‬وكذا فعل مع وجنة ِ"بنان"‪ .‬وعندما أبدى‬
‫شكا من أن يكتشف ٌ‬ ‫ً‬
‫أحد أنها ضمادة تخفي عينه‪ ,‬أجابه‬ ‫"القزم"‬
‫ُّ‬
‫التبسط في‬ ‫"ح ُبوك" بتوتر ‪-‬فما ظن ً‬
‫يوما أن يكون على هذه الدرجة من‬ ‫َ‬
‫مخاطبة أمير‪ -‬أن ً‬
‫كثيرا من شعب "النسر" يوارون فراغ أعينهم اليسرى‬
‫بأوراق الشجر‪ ,‬أو بأنواع مختلفة من األزهار كمظهر جمالي‪ ,‬لذلك لن‬
‫يكتشف ٌ‬
‫أحد أمره‪ ,‬فتسرب إلى نفسه ش يء من األمان‪.‬‬
‫استقر بهم االتفاق على أن يقيم "القزم" بمسكن َ‬
‫"ح ُبوك"‪ ,‬وتظل‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" برفقة " ُسالس" حتى انقضاء اليومين‪.‬‬
‫‪ -‬يجب أن يعرف "أصالن"‪.‬‬
‫و"سالس" النظر إلى بعضهما‪ ,‬واكتس ى وجهاهما‬ ‫استرق َ‬
‫"ح ُبوك" ُ‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫فتسرب القلق إلى نفس ِ"بنان"‪.‬‬ ‫بقناع االضطراب‪ ,‬ألجمهما عن الكالم‪,‬‬
‫‪ -‬أين "أصالن"؟ ماذا تخفون عني؟‬
‫"ح ُبوك" رأسه‪ ,‬نقل "القزم" نظراته بين الجميع يعلو الفضول‬ ‫َّنكس َ‬
‫وجهه‪ ,‬ألقت بسؤالها مرة أخرى بحدة كشفت عن ارتعاشة صوتها‪ ,‬دنت‬
‫"سالس" بخطوة‪ ,‬ثم أخبرتها مشفقة‪:‬‬ ‫منها ُ‬
‫َ‬
‫إلقائك في "فم النار"‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لقد فقدناه يا ِ"بنان"يوم‬

‫‪151‬‬
‫اختلج قلبها بجرح فاض نزفه‪ ,‬فلسعتها دفقة من الدماء‪ ,‬وخنقتها عبرة‬
‫َ‬
‫ت ِخزخاصرتها أبت مدامعها أن تسكبها‪ ,‬متمسكة بذيول وعيها تساءلت‪:‬‬
‫‪ -‬هل بكى أمامهم؟‪ ..‬هل عاقبوه؟‬
‫‪ -‬ال‪ ,‬لكن قلبه فعل‪.‬‬

‫***‬
‫أرضا مستقرة يحط رحاله فوقها‪ ,‬ينشد فيها سكن‬ ‫أمس ى ال يطلب إال ً‬
‫النفس وراحة البال‪ .‬تزاحم برأسه ما مر به خالل األيام املاضية‪ ,‬يبذل‬
‫صعب مهمته‪ ,‬ونبأه‬ ‫جهده في جمع الصورة من أجزاء مبتورة متناثرة‪ ,‬وما َّ‬
‫واحدا ال يمكن أن يوحد كل هذه األجزاء املتنافرة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫بفشلها‪ ,‬أن ً‬
‫إطارا‬
‫و"ح ُبوك"‪ ,‬و"داموس"‪ ,‬وشبح "أصالن" الذي ال‬ ‫و"سالس"‪َ ,‬‬ ‫"ب َنان"‪ُ ,‬‬
‫ِ‬
‫يعرف إلى اآلن موضعه من الصورة‪ ..‬عليه أن يتعامل مع كل هؤالء خالل‬
‫"الجالوزة" يكشف أمره‪ .‬واألهم‬‫اليومين القادمين‪ ,‬دون أن يدع أح ًدا من َ‬
‫أن عليه أن يستخرج منهم أكبر قدر من املعلومات عن هذا العالم الذي زج‬
‫فيه نفسه‪ ,‬قبل أن يفارقهم وقد اتخذ قراره فيما يجب أن يصنع‪ ,‬وإلى أي‬
‫ِوجهة يجب أن تكون خطوته التالية في رحلة بحثه عن هويته‪.‬‬
‫"سالس" غريبة األطوار‪ ,‬بوجهها‬ ‫وعلى ذكر األشباح قفزت إلى ذهنه ُ‬
‫َّ‬
‫الشاحب املرقع بالبقع والقشور‪ ,‬وضخامة جسدها املنتفخ لدرجة ال‬
‫ُ‬
‫تصدق‪ ,‬وبحديثها غير املنطقي بشأن موتها‪ ,‬الم نفسه أنه لم ُيسكتها‬
‫بإفحامها أنها تجاذبت الحديث مع "ب َنان" َ‬
‫و"ح ُبوك"‪ .‬ثم ارتأى أنها كانت‬ ‫ِ‬
‫احا‪ ,‬فلعلها تفتقر إلى النضج فال تحسن اختيار‬ ‫تمزح في وقت ال يسع مز ً‬
‫أوقات املزاح‪.‬‬

‫‪152‬‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫قفز عقله إلى صورة ِ"بنان" وهي تخرج من جيبها وريقات البنفسج‬
‫ً ُ‬
‫أرضا‪ ,‬تعلق بها أنظارها وهي تهمس‪:‬‬ ‫العطري فتساقط بعضها‬
‫‪ -‬أحضرتها من أجله‪.‬‬
‫"سالس" بصيغة آمرة متسلطة أن‬ ‫كان هذا آخر ما رآه قبل أن تقترح ُ‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫يغادرا مسكنها‪ ,‬حتى تنال ِ"بنان" قسطا من الراحة بعد رحلتها الطويلة‪.‬‬
‫ً‬ ‫لكن على ُبعد خطوات من مسكن ُ‬
‫"سالس"‪ .‬تشمم عطر البنفسج مختلطا‬
‫برطوبة ندى ملحي‪ ,‬وأنين مكتوم‪.‬‬
‫تقلب ذات اليمين وذات اليسار‪َ .‬رنا إلى َ‬ ‫َّ‬
‫"ح ُبوك" الذي انخرط منذ‬
‫ساعات في خلط مواد ببعضها البعض‪ ,‬دون أن كلل‪ ,‬لم يتجاذبا خاللها‬
‫طرفا‪ .‬بدا وكأنه ال يشعربضيفه املؤقت‪ ,‬أو نس ي ً‬‫ً‬
‫تماما أمره‪.‬‬ ‫للحديث‬
‫ً‬ ‫فلما َّ‬
‫تلبسه امللل وعيل صبره على احتماله‪ ,‬دنا منه وهو اليزال صارفا‬
‫ً‬
‫ُجل تركيزه على ما يعمل‪ .‬مستهال حديثه يعرض مساعدته‪ ,‬بدا كمدخل‬
‫"ح ُبوك"‪:‬‬‫للكالم أكثرمنه رغبة جدية‪ ,‬فأجابه ِ‬
‫‪ -‬أ‪ ..‬أ‪ ..‬أنا بخيير‪.‬‬
‫"ح ُبوك" الذي لم يعتد هذه املعاملة‪ ,‬ومن أمير!‬ ‫تفرس فيه َ‬ ‫ً‬
‫متعجبا َّ‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫اضطرابا وكأنه تذكربغتة أنه يشاركه مسكنه ليومين‪.‬‬ ‫بدا أكثر‬
‫‪ -‬يا لي منن أأحمق‪ ..‬لم أأشأ إهانتك‪ ..‬لقد‪ ..‬أأنا كنت‪...‬‬
‫هون عليك‪.‬‬‫ّ‬
‫‪ِ -‬‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫جائعا‬ ‫إذهابا لتوتره‪ ,‬فسأله "ح ُبوك" إن كان‬
‫ً‬ ‫تلطف معه "القزم"‬
‫بديا رغبته في الحديث‪ .‬لم يكن‬‫طعاما آخر‪ ,‬شكره "القزم" ُم ً‬
‫ً‬ ‫ليحضر له‬

‫‪153‬‬
‫ل َ‬
‫ـ"ح ُبوك" طبع الثرثرة‪ ,‬لذلك كان على "القزم" أن يبادره بسؤال تلو آخر‪,‬‬
‫ً‬
‫وهو األمر الذي وجده شاقا إذ ال يدري عن أي ش يء يسأل‪ ,‬ثم اهتدى إلى‬
‫سؤال فضفاض يضمن له جواب يحمل تحت عباءته عدة إجابات أخرى‪.‬‬
‫"ح ُبوك" بالكثير الذي أبهره عن مملكة "النسر"‪ ,‬واجه‬ ‫جاش إليه َ‬
‫"القزم"في البداية صعوبة في الوقوف على املعنى الصحيح لكلماته‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املشوهة‪ ,‬أوفاها حظا تلك التي تحوي حروفا قليلة‪ ,‬أما الكلمات األكبر‬
‫عناء أكبر‪ .‬وكأن نفسه يخرج مع كل كلمة ينطقها َ‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬ ‫تطلبت منه ً‬
‫تجمل بالصبر لنيل مرامه في برء داء فضوله‪ ,‬ثم ً‬
‫رويدا باتت الجمل‬ ‫َّ‬
‫َّ‬
‫مترابطة‪ ,‬وتجلت بوعيه معانيها‪ .‬لم يستطع أن يحول دون تسرب الدهشة‬
‫و"ح ُبوك" ُيحدثه عن تاريخ مملكة "النسر"‪ ,‬يتنقل في حكيه من‬‫إلى نفسه َ‬
‫املاض ي إلى الحاضر‪ ,‬فال يلبث يروح إلى املاض ي ثم منه ً‬
‫غاديا‪ ,‬فأجهد‬
‫"القزم" عقله وشحذ تركيزه‪ ,‬حتى يقف للحكاية على ترابط وألحداثها على‬
‫ترتيب‪.‬‬
‫"ح ُبوك" بكارثة "االنفجار العظيم"‪ ,‬فجأة شعر الجميع‬‫بدأت رواية َ‬
‫بزلزال كبير‪ ,‬وبصوت دوي كاد يصيبهم بالصمم‪ ,‬رجت االهتزازات كهفهم‬
‫فيما كانوا فيه آمنين‪ ,‬ثم تغير كل ش يء خالل ساعات‪ ,‬نبتت الرمال حول‬
‫الكهف من حيث ال يدرون‪ ,‬وتلونت مياه النهر الذي اعتادوا الشرب منه‬
‫باللون األسود‪ ,‬وتقلص حجمه‪ ,‬نبتت أشجار الغابة وصخورها‪ ,‬فنشأ‬
‫الجماد من العدم!‪ ..‬فكان للطبيعة حرية التصرف بعناصرها تحركها‬
‫وتمزج بينها كيفما شاءت‪ ,‬وبعبثية طفلة صغيرة تهوى اللعب!‬
‫وبعد أيام‪ ,‬وقبل أن يستعيدوا توازنهم أغار عليهم محاربي "مينورا"‪,‬‬
‫تصدى لهم شعب "النسر"‬ ‫َّ‬ ‫أرادوا ضم اململكة إلى أراضيهم‪ ,‬وعندما‬

‫‪154‬‬
‫وأفشلوا مخططهم‪ ,‬ألقوا عليهم بسالح فتاك‪ ,‬لم ير الراؤون مثله‪ ,‬حصد‬
‫من أرواحهم مئات اآلالف‪ ,‬وكانت الكارثة في خسارتهم امللكة التي كانت‬
‫البذرة األولى التي طرحت بساتين مملكة "النسر"‪ .‬بموتها تزعزعت أركان‬
‫اململكة‪َ ,‬‬
‫ود َّب اليأس في نفوس شعبها‪ ,‬ولم يبق الرمق إال في بضع مئات‬
‫منه‪.‬‬
‫ألقوا كل جثث قتالهم في النهر فاصطبغ بالسواد أكثر‪ ,‬فكأن الجثث‬
‫معا ويخرج منها "كلب النهر"‪ ,‬سمكة‬‫اتفقت وبذلت خالياها لتتحد ً‬
‫عمالقة ال ِقبل لهم بها‪ .‬فنشأت الروح من العدم!‪..‬وباتت سيدة النهر‪,‬‬
‫ُ‬
‫تنهش كل من تسول له نفسه االقتراب من عرشها‪ .‬فقطع كل سبل التالقي‬
‫بين اململكتين‪.‬‬
‫أما طريق الغابة فاتحدت ذرات الهواء وأنبتت لهم ببركة دعائهم‬
‫حيوان "البنغول" آكل اللحوم! وطمروا البركة أسفل املمر بالطحالب‪,‬‬
‫وأشاعوا عنها أنها سامة فبقي ظن أهل اململكتين إلى هذا اليوم أنها تحمل‬
‫فتاكا ينتقل بالتالمس‪ .‬األمر الذي اكتشفه َ‬
‫"ح ُبوك" عندما َّ‬ ‫ً‬
‫قصت‬ ‫ُس ًّما‬
‫َ‬
‫عليهم ِ"بنان" كيف قفزت بأقدامها العارية من طحلب إلى آخرحتى وصلت‬
‫ً‬
‫شاهدا‬ ‫إلى جدار اململكة‪ ,‬دون أن يمسها سوء‪ ,‬وكان "القزم" على كالمها‬
‫ً‬
‫ومؤكدا‪.‬‬
‫حملت أبخرة "االنفجار العظيم" الذي غطى سماء اململكة لفترة‬
‫طويلة رائحة املوت‪ ,‬والذين نجوا من املوت أصيب أغلبهم بأمراض‬
‫مناد أن يتم فصل األصحاء عن املرض ى‪,‬‬
‫عديدة‪ ,‬وتشوهات بالغة‪ .‬فصاح ٍ‬
‫حتى ال تنتقل إليهم تلك األمراض العجيبة‪ .‬فسكن األصحاء الكهف الذي‬
‫كان يضم جميع أبناء اململكة قبل الكارثة‪ ,‬أما املرض ى فبنوا ألنفسهم‬

‫‪155‬‬
‫مساكن تحت األرض‪ .‬وبمرور الوقت ارتأى الجميع أن هذا التقسيم هو‬
‫األمثل لحماية أبناء األصحاء من مخالطة أبناء املرض ى بالتعامالت أو‬
‫التزاوج فتنتقل إليهم تلك األمراض‪ ,‬وللخوف الذي كان له سلطان كبير‬
‫على نفوس املرض ى‪ ,‬من أن يعود محاربي "مينورا" بهجمات أكثر شراسة‪,‬‬
‫ً‬
‫أسيادا بصحة‬ ‫فيبيدوهم عن بكرة أبيهم‪ .‬وهكذا أصبح سكان الكهف‬
‫أجسادهم على الشعب الذي احتمى في جوف األرض‪.‬‬
‫حتى جيل األبناء الذي كان في رحم الغيب ولم يشهد "االنفجار‬
‫العظيم" شارك بصوته لصالح هذا التقسيم!‪ ..‬فكل صغار سكان الكهف‬
‫أتوا إلى الدنيا بأجساد صحيحة وبعينين مكتملتين كما يملك آباؤهم‪ ,‬أما‬
‫أبناء سكان جوف األرض كانوا خالف كل ما عرفه شعب "النسر" ً‬
‫يوما‪,‬‬
‫َ‬
‫أل َّم الضعف بأجسادهم‪ ,‬وكان لكل منهم عين واحدة فحسب‪ ,‬ولم يفلح‬
‫تعاقب األجيال في التخلص من هذه الصفة التي باتت لعنة أصابت‬
‫ً‬
‫صغيرا ذا عينين‪ .‬وال مرة‬ ‫الشعب كله‪ ,‬ولم تمنح الطبيعة ًّأيا منهم قط‬
‫واحدة عبثية!‬
‫ُ‬
‫لم تكن تلك الصفة املورثة هي كبرى مآسيهم التي سببتها أبخرة‬
‫ُ‬
‫"االنفجار العظيم"‪ ,‬إذ كانت فجيعتهم في الداء الذي أحاق بكل ذكور‬
‫سكان باطن األرض‪ ,‬فوسم كل واحد منهم بداء ُ‬
‫العقـم!‪ ..‬لكنهم احتالوا‬
‫صلبهم!‬‫صغارا من ُ‬
‫ً‬ ‫على الطبيعة لتمنحهم بوسيلة أخرى‬
‫"ح ُبوك" عن الحكي فجأة عندما اقتحم خمسة من َ‬
‫الجالوزة‬ ‫توقف َ‬
‫األشداء موفوروا الصحة مسكنه‪ ,‬فانتفض جسده‪ ,‬وتوجس "القزم"‬
‫منهم خيفة‪ .‬حملت نظراتهم من الغلظة والقسوة ما دفعه ليعتقد أنهم لم‬
‫يأتوا في خير‪ ,‬استعد لنزع ضمادته لكي يكشف لهم عن هويته‪ ,‬فلن‬

‫‪156‬‬
‫يستطيعوا كزمالئهم الذين قابلهم باألمس أن يلحقوا األذى بأحد األمراء‪.‬‬
‫َّ‬ ‫ْ َ‬ ‫أما َ‬
‫تصطك ببعضها البعض‪ ,‬جف حلقه‪ ,‬ال‬ ‫"ح ُبوك" فكانت أقدامه‬
‫مس جسده‬ ‫يتصور كيف سيخوض تلك التجربة املريعة مرة أخرى إن َّ‬
‫الخيط الحريري‪ ,‬خيط الحقيقة!‬
‫مسك بها أول‬ ‫نظر "القزم" بفضول ممزوج بالحيرة إلى العصا التي َت َّ‬
‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬
‫وواحد منهم يدفعه ليالمس‬ ‫سميك‪,‬‬ ‫الجالوزة وقد تدلى من طرفها خيط‬
‫"ح ُبوك"‪ ,‬ابتعد اثنان من الجالوزة‬ ‫الجدار بجسده‪ ,‬وكذلك فعل آخر مع َ‬
‫عنهما ووقفا مع زميلهما الذي اليزال يمسك بالعصا‪ ,‬فيما بقى آخر اثنين‬
‫خارج املسكن يبعدان املارة الذين أصابهم الفضول ليروا نتيجة ما‬
‫يحدث‪.‬‬
‫‪ -‬ال تتحرك‪ ..‬فقط ال تتحرك‪.‬‬
‫"ح ُبوك" وقد استقر في نفسه إن تعقدت‬ ‫امتثل "القزم" لنصيحة َ‬
‫األحداث فسيكشف لهم عن هويته وينتهي األمر‪ .‬اقترب ذلك الذي يمسك‬
‫بالعصا‪ ,‬وقف كل جلواز فى جهة‪ ,‬وكل منهما يمسك بقطعة جلد يحجب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ويسارا‪ ,‬إلى أعلى وإلى أسفل وهو‬ ‫بها الرؤية عن عينيه‪ .‬حرك العصا يمينا‬
‫يترنم بكلمات ال يقف لها "القزم" على معنى‪ ,‬كلمات بدت بغير ترتيب لكن‬
‫الجلوازيحفظها عن ظهرقلب‪.‬‬
‫جدا‪ ,‬كاد أن يمسك به لكن نصيحة َ‬
‫"ح ُبوك"‬ ‫دنا الخيط من جسده ً‬
‫ً‬
‫وأخيرا انتهى الجلواز من ترنيمته‬ ‫تردد صداها بعقله‪ ,‬فتجمد في وقفته‪.‬‬
‫التي لم ِيع منها "القزم" سوى كلمات ترددت بوضوح أكثرمن غيرها "الشر‪,‬‬
‫النار‪ ,‬خطايا"‪.‬‬

‫‪157‬‬
‫الجالوزة مدبرين في صمت كما‬ ‫"ح ُبوك" الصعداء عندما ولى َ‬‫تنفس َ‬
‫آتوا في صمت‪ ,‬استقبل ببشاشة تهنئة املتفرجين من املارة قبل أن يتفرقوا‬
‫ويعود إلى جانب "القزم"‪ ,‬لم يحتج ألن يصيغ سؤاله بالكلمات‪ ,‬كانت‬
‫نظرات عينه وحركة رأسه االستفهامية ترسم عالمة استفهام كبيرة في‬
‫فص ًحا عن الجواب‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫َُ‬
‫الهواء التقطها "حبوك" م ِ‬
‫‪ -‬ككاان هذذا اخختباردوورري يقوم به املحااربووون الكتشاااف ممن‬
‫يححمملوون ببذذرة الشششر‪.‬‬
‫‪!..... -‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬حسسنا‪ ,‬سسأشرح لك ممن البدااية‪ ,‬يببدو أن ذااكرتتك‬
‫معمطوببة أأأكثرمما ظننننت‪.‬‬
‫"ح ُبوك" بحماس وإيمان كبير أن بذرة الشر هي أصل كل‬ ‫أوضح له َ‬
‫ُ‬
‫الشرور والخطايا‪ ,‬وهي سبب ما أحيق بهم من كل بالء‪ ,‬فقد عاقبتهم‬
‫الطبيعة بسببها وأبلتهم بكارثة "االنفجار العظيم"‪ ,‬وبمعركتهم مع محاربي‬
‫"مينورا"‪ .‬لذلك كان أول قانون صاغه ملك "النسر" بعد الكارثة هو قتل‬
‫يوميا يسير َ‬
‫الجالوزة داخل مساكن اململكة‪,‬‬ ‫كل من يحملها بين جنباته‪ً .‬‬
‫يتلون الترنيمة التي تستدعي قوة الطبيعة ملساعدتهم على اكتشاف من‬
‫مس الخيط الحريري جسد أحدهم فهو مرشح ألن‬ ‫يحمل تلك البذرة‪ ,‬إذا َّ‬
‫حامال لبذرة الشر بداخله‪ ,‬عندها يقدمه َ‬ ‫ً‬
‫الجالوزة لالختبار األول‬ ‫يكون‬
‫َ‬
‫الذي قص "ح ُبوك" عليه تفاصيله‪ ,‬وقد ارتجفت أوصاله لذكراه كما لو‬
‫مس شعر وجه "نمر األرض" وجهه‪,‬‬‫أنه مر بها منذ دقائق فحسب‪ .‬شرح له َّ‬
‫ً‬
‫سريعا‬ ‫وكيف تقززت نفسه لرائحة فمه الكريهة‪ ,‬مر على تلك الذكرى‬
‫ُم ً‬
‫بديا فرحته بنجاته يومها‪.‬‬

‫‪158‬‬
‫‪ -‬وما هو االختبارالثاني؟‬
‫‪ -‬أأصعبب‪ ,‬وففي الغاالب ال يننجو مننه أأحد‪.‬‬
‫يثبت االختبار األول تهمة حمل بذرة الشر أو ينفيها عن األفراد‬
‫املشكوك فيهم الذين يمس الخيط الحريري أجسادهم‪ ,‬أما في االختبار‬
‫الثاني يرتجي املذنب العفو من الطبيعة‪ ,‬إن شاءت رمته بعفوها‪ ,‬وإن‬
‫ً‬
‫طعاما لـ "نمر األرض"‪,‬‬ ‫شاءت رمته بغضبها فيلقي َ‬
‫الجالوزة بالذكور‬
‫ً‬
‫طعاما للنارلـ"فم النار"‪.‬‬ ‫ويلقون باإلناث‬
‫ً‬
‫فصاعدا طوال‬ ‫أيقن "القزم" أن عليه أن يكون أكثر ً‬
‫حذرا من اآلن‬
‫إقامته في مساكن الشعب‪ ,‬فتلك الساعات ستحمل له من الخطرالكثير‪..‬‬
‫والكثير‪.‬‬

‫***‬

‫‪159‬‬
‫امللف التاسع عشر‬

‫ُ‬ ‫َ‬
‫فعلت‪ ,‬كيف تثقين بأمير؟ بل وتدخلينه مساكننا‬
‫ِ‬ ‫‪"ِ -‬بنان" ال أصدق ما‬
‫ً‬
‫أيضا!‬
‫َ‬
‫ألقى "داموس" بغضب شديد تعنيفه في وجه ِ"بنان"‪ ,‬وعندما أوشكت‬
‫على الرد صاحت ُ‬
‫"سالس" بوجهه‪:‬‬
‫‪ -‬تتحدث كما لو كان كل األمراء أشر ًارا‪.‬‬
‫‪ -‬نعم كل من يسكن الكهف هو نفاية فاسدة‪.‬‬
‫التمعت عينها بالغضب‪ ,‬قائله‪:‬‬
‫‪ -‬فلتحترق في "فم النار" يا "داموس"‪ ,‬اسحب ما قلت‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬لن أسحب شيئا‪.‬‬
‫أمسكت "ب َنان" برأسها وقد َّنكسته أملًـا‪ ,‬فصاحت به ُ‬
‫"سالس"‪:‬‬ ‫ِ‬
‫‪ -‬أنت كتلة طاقة بال إحساس‪ ,‬انظرما فعلته بتلك املسكينة‪.‬‬
‫ْ‬
‫صرخاتك التي تشق الحجر‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬بل فعلت‬
‫‪ -‬كفى أرجوكم‪.‬‬
‫اقتربت منها ُ‬
‫"سالس" تحيط برأسها‪ ,‬وهي ترمي "داموس" بشرر‬
‫نظراتها ثم تهتف‪:‬‬

‫‪160‬‬
‫َ‬
‫تأت إلى مسكني اآلن ملا رأيت ِ"بنان"‪ ,‬وملا اضطرت‬
‫‪ -‬أنت املخطئ‪ ,‬لو لم ِ‬
‫ألن تقص عليك كل ش يء‪.‬‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫‪ -‬بل حسنا فعلت‪ ,‬وهذا النفاية لن يبقى في مساكننا لحظة أخرى‪.‬‬
‫َ‬
‫صاحت ِ"بنان" بوهن‪:‬‬
‫‪" -‬داموس" أرجوك ال تؤذه‪ ,‬لقد وعدته‪.‬‬
‫‪ -‬لن أسمح لواحد من قتلة أخي بالبقاء بيننا‪.‬‬
‫واجهته بحزم‪:‬‬
‫‪ -‬هناك أمر أكثر أهمية منه‪ ,‬ماذا سيحدث معي اآلن؟ إن اكتشف‬
‫الجالوزة أمرى فسيلقون بي في "فم النار" مرة أخرى‪ ,‬هذا الذي لم يكن‬ ‫َ‬
‫سوى خدعة‪ ,‬ال أحد يموت بـ "فم النار" يا "داموس"‪ ,‬ال أحد‪" ..‬فم النار"‬
‫ال يبتلع الشريرات الالتي يحملن بذور الشر‪ ,‬والالتي ترفض الطبيعة‬
‫َ‬
‫منحهن عفوها‪ ,‬بل يقدمن كهدايا ملحاربي "ريشع" عبر نفق سري يصل‬
‫ً‬
‫جميعا‪.‬‬ ‫بينها وبين "فم النار"‪ ,‬لقد خدعونا يا "داموس"‪ ,‬خدعونا‬
‫َّ‬
‫حطت طيور الصمت فوق رؤوس ثالثتهم‪ ,‬وطال بها املقام‪ ,‬حتى‬
‫انسلت ُ‬
‫"سالس" من بينهم‪ ,‬قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬سأطمئن على َ‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬
‫َ‬
‫لم يتلفت إليها أحدهما‪ ,‬دنا "داموس" من ِ"بنان"‪ ,‬يرسم على وجهه‬
‫ً‬
‫ابتسامة مطمئنا‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬ال تقلقي سنجد حال‪.‬‬
‫‪ -‬كيف؟‪ ..‬لقد انتهى أمري‪.‬‬

‫‪161‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬سنجد حال‪.‬‬
‫أومأت برأسها‪ ,‬وهي تبادل بسمته بأخرى واهنة‪ ,‬ثم سألته وقد اكتس ى‬
‫وجهها باألس ى‪:‬‬
‫َّ‬
‫‪ -‬هل تألم؟‬
‫فهم ُمرادها‪ ,‬فأجاب‪:‬‬
‫ً‬
‫سريعا‪.‬‬ ‫‪ -‬ال‪ ,‬حدث ذلك‬
‫قالت بصوت متحشرج‪ ,‬مطرقة الرأس تخفي عبرة بعينها‪:‬‬
‫‪ -‬اذهب اآلن‪ُ ,‬‬
‫"سالس" قادمة وال أريدكما أن تتشاجرا من جديد‪.‬‬
‫ً‬
‫مغادرا‪.‬‬ ‫فدارعلى أعقابه‬

‫***‬
‫‪ -‬هيا‪ ,‬أسرع‪.‬‬
‫‪ -‬ولم العجلة؟‬
‫‪ -‬يجب أن أعود اآلن‪ ,‬بمسكني ضيفة‪.‬‬
‫‪ -‬من؟‬
‫‪ -‬هذا ال يعنيك‪ ,‬هيا‪.‬‬
‫ً‬
‫بدأت تستقبلين ضيوفا اآلن؟‬
‫‪ -‬هل ِ‬

‫‪162‬‬
‫اختطفت منه القطعة العجينية واحتفظت بها‪ ,‬دون أن ترد على‬
‫َ‬
‫سخريته الالذعة بمثلها‪ ,‬كانت متوترة أكثرمن املعتاد‪ ,‬فعودة ِ"بنان" كانت‬
‫آخرما توقعته‪.‬‬
‫‪ -‬متى سنلتقي؟‬
‫أعملت نظرها بوجه "جادور"‪ ,‬ثم قالت بحدة ُمحذرة‪:‬‬
‫‪ -‬عندما أحتاج لقطعة أخرى سأخبرك‪ ..‬إياك أن تأتي إلى مسكني وإال‬
‫ُ‬
‫سيفتضح أمرنا‪.‬‬
‫حاولت أن ترسم فوق وجهها بسمة مرحة وهي تدلف إلى مسكنها‪,‬‬
‫َ‬
‫استقبلتها ِ"بنان" متسائلة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف هو؟‬
‫ارتجف قلب ُ‬
‫"سالس"‪ ,‬وهربت من جسدها الدماء‪ ..‬فسألتها بقلق‪:‬‬
‫‪ -‬من؟‬
‫‪َ -‬‬
‫"ح ُبوك"‪.‬‬
‫‪ -‬نعم‪ ,‬نعم‪ ,‬ذهبت لرؤيته‪.‬‬
‫‪ -‬وكيف هما؟‬
‫‪ -‬بخير‪ ,‬بخير‪.‬‬
‫تملك االضطراب من ُ‬ ‫َّ‬
‫"سالس" وقد عزمت على التكفير عن خطيئة‬
‫الكذب في أقرب فرصة قبل أن تقع تحت أيدي َ‬
‫الجالوزة‪ ,‬ويفضح الخيط‬
‫الحريري أمرها‪.‬‬

‫‪163‬‬
‫‪ -‬ال أأعررف إلى أيين ذذهب‪ ,‬قااال سيتففحص اململلكة‪.‬‬
‫‪ -‬أحدب غبي‪.‬‬
‫أطرق َ‬
‫"ح ُبوك" برأسه‪ ,‬وقد اكتس ى وجهه برداء األلم‪ ,‬ثم غادر املكان‪,‬‬
‫ً‬
‫تاركا "داموس" يستعربه الغضب‪.‬‬
‫تنقل "القزم" بين أرجاء اململكة‪ ,‬وبالثقة يمتلئ قلبه‪ ,‬يعلم أنه يملك‬
‫الورقة الرابحة إن ساءت أوضاعه أو اصطدم بعقبات‪ ,‬فبإمكانه في أي‬
‫لحظة أن ينزع ضمادة عينه فيتغير كل ش يء لصالحه‪ .‬سار بين مساكن‬
‫وجل حياتهم‪ ,‬ففطن‬ ‫الشعب وأسواقهم ومقر أعمالهم ومعيشتهم ُ‬
‫ٌ‬
‫مثابر‪ .‬مر عدة مرات بأماكن ُيجرى بها‬
‫ٌ‬ ‫شعب نشط‬‫ٌ‬ ‫بمقتض ى الظاهر أنهم‬
‫عمليات حفر‪ ,‬وعندما سأل أحد الحفارين أجابه أنهم يوسعون من‬
‫مدينتهم األرضية‪ ,‬بزيادة مساحة كل الطابق‪ ,‬فقد نصت قوانين امللكة أال‬
‫ً‬
‫يحفر الشعب طابقا آخر بعد الطابق الثالث والسبعون‪ ,‬وأن عليهم‬
‫توسيع طوابقهم في اتجاه عرض ي‪ .‬تزداد أعدادهم ً‬
‫يوما بعد يوم‪ ,‬وتزداد‬
‫عمليات التوسع التي يجريها عمال مهرة‪ ,‬دون أن تنهار املدينة فوق رؤوس‬
‫إعجابا بالنظام السائد في اململكة‪ ,‬فكل فرد يعرف‬ ‫ً‬ ‫ساكنيها‪ .‬امتأل‬
‫وظيفته‪ ,‬واجباته ومسؤلياته‪ ,‬بتلك العين نظر إلى سوق املقايضة الكبير‪,‬‬
‫حيث تتم املقايضة بين أفراد الشعب بنظام وهدوء‪ .‬أبصر حفنة من‬
‫الجالوزة موزعة هنا وهناك‪ ,‬لكن لم يكن الشعب بحاجة إلى تدخلهم‬ ‫َ‬
‫حيث بدا النظام جزءا من تكوينهم وسجية من سجاياهم‪.‬‬
‫جدا‪ ,‬بدون أبواب‪ ,‬نظيفة بشكل مبهر‪َ ,‬ه َّم‬
‫مر على قاعات واسعة ً‬
‫تماما كحارس‬ ‫بولوج إحداها لوال الحارس األعمى الواقف على أعتابها‪ً ,‬‬
‫البوابة التي دخل منها إلى اململكة‪ .‬سأل أحد املارين عن تلك القاعات‬

‫‪164‬‬
‫ْ‬
‫الفطر‪ ,‬وممنوع لغير املزارعين ولوجها‬
‫فأخبره أنها معقمة‪ ,‬يتم فيها زراعة ِ‬
‫َ‬
‫حتى ال يفسد زرعهم‪ .‬مرت ِ"بنان" املزارعة بخاطره‪ ,‬وتساءل في نفسه هل‬
‫تعمل في مثل هذه القاعات‪.‬‬
‫أخذته أقدامه إلى إحدى البوابات‪ ,‬تمزق بين رغبته في الخروج وتنفس‬
‫ً‬
‫مستطلعا اململكة من الخارج‪ .‬وخوفه من حارس البوابة‬ ‫الهواء العليل‪,‬‬
‫ً‬
‫األعمى‪ .‬ثم ارتأى أن ال ش يء يدعو للقلق‪ ,‬فقط سيتشممه مستدال إلى‬
‫هويته كما فعل أثناء دخوله‪ ,‬لن يحدث له أي مكروه‪ .‬لكنه لم يستطع‬
‫منع الرجفة التي تملكت قلبه عندما اقترب منه الحارس إلى الحد الذي‬
‫تالمس معه جسداهما‪ ,‬وهو يدور حوله كما فعل في املرة السابقة‪.‬‬
‫خرج من البوابة فلفح وجهه نسمات منعشة‪ ,‬تهلل ُمحياه في‬
‫استقبالها‪ ,‬طاف حول اململكة حتى استقر على مقربة من الكهف‪ ,‬فشعر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫برجفة أخرى تسكن قلبه‪ ,‬ليس خوفا هذه املرة‪ ,‬بل إثارة وشوقا ألن‬
‫يدلف إلى حيث ينتمي‪ .‬يساوره الحنين إلى عائلة ال يذكرأفرادها‪ ,‬لكنه َّ‬
‫قدر‬
‫أنه يحبهم ويجلهم‪ ,‬لعلهم ينتظرون عودته اآلن‪ ,‬أو ربما يظنون هالكه‪.‬‬
‫كم سيكون مبلغ سعادتهم برؤيته‪ ,‬وبمعانقته ومالمسته وتشممه‪ .‬كم‬
‫ُ‬
‫يتشوق إلى أن يضم كل واحد منهم إلى خافقه‪ .‬ترى كم عددهم‪ ,‬وما‬
‫شكلهم‪ ,‬وإلى أي حد بلغ للقياه حنينهم‪ .‬طافت أسئلته من قلبه إلى رأسه‬
‫دون أن تجد مبتغاها‪ ,‬فعادت مرة أخرى تجد بخافقه مأواها‪ ,‬وتضرم فيه‬
‫األشواق‪.‬‬
‫َ َّ‬
‫ذكر نفسه بأنه يجب أن يقف على حقيقة ما حدث‪ ,‬فلعله إن خطا‬
‫بداخل الكهف وكشف انتماءه إلى أمراء اململكة ُيعرض بذلك حياة أحبائه‬

‫‪165‬‬
‫للخطر‪ ,‬يجب أن يكتشف السبب الذي سلبه ذكرياته في الجانب اآلخرمن‬
‫َ‬
‫النهر‪ ,‬في "مينورا"‪ ..‬أو "باسطين" كما تحب أن تدعوها ِ"بنان"‪.‬‬
‫الجالوزة قط منذ أن وطأ أرض مملكة "النسر"‪,‬‬‫لم ير هذا العدد من َ‬
‫زاد أعداد الجالوزة أمام املنفذ الوحيد للكهف عن املائتين‪ ,‬باإلضافة إلى‬
‫أعداد أخرى تناثرت حوله‪ .‬قفل ر ً‬
‫اجعا مخافة أن يراه أحدهم‪.‬‬
‫استرعى انتباهه النهر األسود من بعيد‪ ,‬فدنا منه بحذر ً‬
‫مترقبا أن يطل‬
‫"كلب النهر" العمالق برأسه في أي لحظة‪ .‬بقى على مسافة آمنة منه‪ ,‬ثم‬
‫ساهما ً‬
‫واجما‪ ,‬وكأن روحه تسبح في عالم‬ ‫ً‬ ‫افترش األرض الرملية تحته وبدا‬
‫أخر ال ينتمي إليه بجسده‪ .‬على الضفة األخرى من النهر‪ ,‬هناك في‬
‫"باسطين" تمكن من رؤية ض ي املصابيح الطائرة‪ ,‬تتوهج في الظالم‪,‬‬
‫محمولة على أذناب الحشرات‪.‬‬
‫فوق صفحة وجهه ملع سنا القمر الذي يرعى النجوم من حوله‪ ,‬أمعن‬
‫ْ‬ ‫ً‬
‫سؤال ود لو ألقاه عليه فأجابه‪ ,‬لعل ُسكر‬
‫ٌ‬ ‫فيه النظر متأمال‪ ,‬تقافز برأسه‬
‫الليل هو ما دفعه ألن يهمس له كأنه يناجي ً‬
‫نديما‪:‬‬
‫‪ -‬أخبرني ما أحتاج ألن أعرفه‪ ,‬إنك ال تبرح السماء قط‪ ,‬وشاهد على كل‬
‫ش يء‪.‬‬
‫شعر بتنفس القمر‪ ,‬كاد يقسم أنه سمع ً‬
‫ترددا ألنفاسه‪ ,‬فاعتدل‬
‫َّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫وأطل االهتمام من عينه محموال على محفة الشغف‪.‬‬ ‫برأسه‪,‬‬
‫‪ -‬تسمعني‪ ,‬وتفهمني‪ ,‬أليس كذلك؟‬
‫َع َّم السكون إال من صوت خشخشة قادمة من ضفة النهر‪ ,‬لعل "كلب‬
‫النهر" يبحث عن وليمة لعشائه‪ .‬فخطر إليه خاطر دفع بالحيرة إلى نفسه‪,‬‬

‫‪166‬‬
‫كيف يعيش في هذا النهر األسود! ال يملك معلومات قوية عن األسماك‬
‫وسبل عيشها لكن بدا له النهر اآلسن كبركة نفايات ال تملك ُسبل حياة‬‫ُ‬
‫ً‬
‫هامسا من‬ ‫تمنحها لساكنيها‪ .‬عاد يتطلع إلى رفيقه الوحيد لهذه الليلة‬
‫جديد‪.‬‬
‫‪ -‬أنت تعرف كل ش يء فلماذا ال تخبرني؟‪ ..‬ال تستطيع أم ال تريد؟‪ ..‬أم‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫تراك تتحدث بلغة ال أفهمها وبها تختبرني؟‬
‫َ‬
‫إزداد ألق إحدى النجمات على يسار القمر‪ ,‬كأنما أرادت أن تشاركهما‬
‫غيرة‪ ,‬اجتذبت‬‫الحديث‪ ,‬فأولى اهتمامه لها‪ ,‬حتى َب َدر عن القمر نفحة َ‬
‫اهتمام "القزم" إليه من جديد‪ .‬ازداد اهتمامه وتفتحت حواسه كزهرة‬
‫"فاكهة التنين" التي تكشف عن قلبها فقط في املساء‪ ,‬لكنه تمنى أن تطول‬
‫به الحياة أكثر من ليلة واحدة‪ ,‬فاليزال هناك الكثير مما يجهله‪ ,‬ويؤرق‬
‫ليله‪ُ ,‬ويبليه بالسهاد‪ ,‬ولن يهنأ حتى يجد عن كل سؤال ً‬
‫جوابا‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫سمع أنينا إلى جانبه‪ ,‬خافتا ضعيفا حتى ال يكاد ُيسمع‪ ,‬يهمهم بتالوة ال‬
‫تنبه إنما هذا الصوت ال ينفذ إليه من مسامعه‪ ,‬بل من‬ ‫ُيحسن فهمها‪ ,‬ثم َّ‬
‫قلبه ينشأ‪ ,‬وإليه ينتهي!‪ ..‬أصاخ السمع فاختفى الصوت‪ ,‬فدفع بجسده‬
‫إلى االسترخاء كما كان‪ ,‬وأصاخ مواطن الحس بقلبه‪ ,‬حتى بدأ الصوت‬
‫يتجلى من جديد‪ .‬التفت حوله بروية يبحث عن مصدره‪ ,‬كاد أن ينشق‬
‫قلبه ً‬
‫هلعا‪ ,‬عندما شعر أن الصوت إنما يصدر عن ورقة شجر ملقاة إلى‬
‫جانبه تسبح تسبيحات ال يفقهها! قفز من مكانه ً‬
‫فزعا ودار على أعقابه‬
‫ً‬
‫منطلقا كالسهم سرعة واستقامة‪.‬‬
‫أثناء سيره بدرت عنه التفاتة إلى الخلف‪ ,‬حيث كان منذ ثوان‪ ,‬فمرر‬
‫عينه على ظل واقف أمام النهر‪َّ ,‬ميزهذا الجسد املنتفخ رغم الظالم‪ ,‬يلقي‬

‫‪167‬‬
‫ُ ّ‬ ‫ً‬
‫كفر به عن‬
‫بش يء في النهر‪ .‬يخفى عن علمه أنها تلقى طعاما لـ "كلب النهر" ت ِ‬
‫خطيئتها‪ .‬فتوقف عن سيره في الوقت الذي التفتت عائدة بأدراجها‪ ,‬وهنا‬
‫ً‬
‫أبصرته‪ ,‬فتجمدت بمكانها لبرهة‪ ,‬ثم توجهت إليه‪ ,‬فوقف متملمال‪ ,‬يكفيه‬
‫ما القاه في يومه من غرابة‪ ,‬حتى يجد نفسه ً‬
‫وجها لوجه مع أكثر من قابلهم‬
‫غرابة حتى اآلن‪ .‬ملح على وجهها ابتسامة كشفت عن توترها فابتدرها‬
‫ً‬
‫محييا بابتسامة متصنعة‪:‬‬
‫مرحبا ُ‬
‫"سالس"‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪-‬‬
‫أشرق وجهها‪ ,‬سألته عما يفعل في هذا املكان‪ ,‬مازحته باضطراب لم‬
‫ُيخطئه‪ ,‬إن كان يتلصص عليها‪ ,‬فأنكر ذلك بجدية وأخبرها إنما أراد أن‬
‫يتفحص أرجاء اململكة‪ .‬ملح في عينها نظرة بهجة وهي تهمس‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬أنت حقا تراني‪ ,‬ال أصدق ذلك‪ ,‬أنت أول أميريراني‪.‬‬
‫تململ في وقفته‪ ,‬استشعر نفاذ طاقته في التعاطي مع أي ش يء يحمل‬
‫ًّ‬
‫سمات الغرائبية‪ .‬طال صمتهما‪ ,‬بدا وكأن كال منهما ال يملك ما ُيفض ي به‬
‫إلى اآلخر‪ .‬حتى أوشك على االنصراف فاستوقفته وقد اكتس ى وجهها‬
‫بالجدية‪:‬‬
‫‪ -‬احذر"داموس"‪ ,‬إنه يكرهنا أشد ما يكون عليه الكره‪.‬‬
‫ً‬
‫متظاهرا بأنه فهم‬ ‫لم يعرف من تقصد بنون الجمع‪ ,‬لكنه أومأ برأسه‬
‫التحذير‪ ,‬استوقفته ثانية وهي تقول بجدية أكثر‪ ,‬هامسة رغم أنهما‬
‫بمفردهما ً‬
‫تماما‪.‬‬
‫‪ -‬لم يبق لك معنا إال يوم واحد‪ ,‬ابتعد عن طريقه وال تثر غضبه‪ ,‬إنه‬
‫خطير ً‬
‫جدا‪.‬‬

‫‪168‬‬
‫‪ -‬إن كنتم تخشونه لهذه الدرجة فلماذا تبقونه على مقربة منكم؟‬
‫هتفت بإباء وقد ارتفع رأسها‪:‬‬
‫‪ -‬ال أخاف ذلك املتعجرف‪ ,‬أستطيع ان أتدبرأموري معه‪.‬‬
‫‪ -‬واآلخرون؟‬
‫ُ‬ ‫‪ -‬هو لن يؤذي أخته‪َ ,‬‬
‫و"ح ُبوك" ال ُيمثل له أهمية أكثر مما تمثل حبة‬
‫رمل‪.‬‬
‫قلت أنه خطيرإذن؟‬
‫‪ -‬ملاذا ِ‬
‫‪ -‬ألنه يكره األمراء‪ ,‬واألميرات بالطبع‪ ,‬لذلك يس يء معاملتي‪ ,‬لقد جن‬
‫جنونه عندما علم أن "ب َنان" أعطتك ً‬
‫وعدا باألمان‪.‬‬ ‫ِ‬
‫معاملتك؟!‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬وملاذا يس يء‬
‫‪ -‬قلت لك‪ ,‬ألنه يكره األميرات‪ ,‬ألم تعرف بعد؟‪ ..‬لقد كنت إحدى‬
‫أميرات مملكة "النسر"‪.‬‬
‫َّ‬
‫قالت جملتها األخيرة بفخر‪ .‬فأطلت الدهشة من عينه حتى أصابها‬
‫الضيق بسهمه‪ ,‬فهتفت بعصبية‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬أال تصدقني؟‪ ..‬إسأل ِ"بنان" إن كنت تظنني كاذبة‪.‬‬
‫ألنك ال تملكين‪ ..‬أعني‪ ..‬عينك‪...‬‬
‫أنك كاذبة‪ ..‬فقط تعجبت ِ‬
‫‪ -‬لم أقل ِ‬
‫رفعت قبضتها بتلقائية لتخفي هذا التجويف املظلم‪ ,‬ثم قالت بمرارة‪:‬‬
‫لكن‪..‬حل ّ‬
‫علي العقاب‪ ,‬وصدر قرار امللك بنفيي إلى‬ ‫َّ‬ ‫‪ -‬لقد كنت مثلك‪,‬‬
‫مساكن الشعب‪ ..‬فأصبحت أميرة منبوذة‪.‬‬

‫‪169‬‬
‫‪ -‬هذا فظيع!‬
‫َّ‬
‫اشمأزت نفسه‪ ,‬كيف يعاقبونها بنزع عينها؟‪ ..‬أي جريمة‬ ‫هتف وقد‬
‫فعلت لتستحق بشاعة هذا العقاب؟‬

‫***‬

‫‪170‬‬
‫امللف العشرون‬

‫لم يزعجها باألسئلة طوال طريق العودة‪ ,‬يسيران ً‬


‫جنبا إلى جنب‪,‬‬
‫تتحسس كل فترة موضع عينها املفقودة‪ .‬حتى أتى على مسكن ال يعرفه‬
‫فاستبطأ فجأة في سيره‪ ,‬وقد تنامى إلى خالياه رائحة بنفسج قوية لكنها‬
‫مختلطة بالصرخات!‪ ..‬احتار هل يسمعها أم يشمها! بدت قوية حتى‬
‫تملكت من كل حواسه‪ ,‬فاختلط عليه بأي الحواس يستقبلها‪.‬‬
‫ابتعدا عن املسكن فبدت الرائحة أقل حدة‪ ,‬وابتعد الصوت عن‬
‫مرماه‪ .‬فتوقف بغتة وعاد أدراجه‪ ,‬استقر على أعتاب املسكن‪ ,‬ينظر إليه‬
‫"سالس" بحيرة‪ ,‬فسألها عمن‬‫بأعين متقدة وخافق مضطرب‪ .‬نظرت إليه ُ‬
‫فتجهم وجهها وسألته ببعض الحدة عن سبب‬ ‫َّ‬ ‫يملك هذا املسكن‪,‬‬
‫سؤاله‪ ,‬فاحتار كيف يجيبها‪ .‬أصبحت الصرخات التي يسمعها أكثر قوة‪,‬‬
‫فاضطربت حواسه!‪ ..‬ثم أخبرها بما يشعر به‪ ,‬وقد تملكته حيرة بالغة‪,‬‬
‫ً‬ ‫جمدت ُ‬ ‫ازدادت عندما َّ‬
‫"سالس" نظراتها عنده‪ ,‬فاستشعر فيها شكا ثم‬
‫تحول الشك إلى لهفة وفضول‪ .‬أعاد سؤاله على مسامعها‪ ,‬فقالت ً‬
‫أخيرا‬
‫بتردد كبير‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬مسكن ِ"بنان"‪.‬‬
‫ثم أردفت بعجالة‪:‬‬
‫‪ -‬لكنها ليست بالداخل‪ ..‬إنها في مسكني‪.‬‬

‫‪171‬‬
‫ً‬
‫متعجبا‪ ,‬الصوت يتزايد‪,‬‬ ‫اختلطت عليه حواسه‪ ,‬ورمق املسكن‬
‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫و"سالس" تخبره أنها ال تسمع شيئا‪ ,‬لم ينتظر أن يخبرها بما ينوي‪ ,‬تقدم‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫مقتحما إياه‪ ,‬ليجد ِ"بنان" وجهها لوجه مع غريب لم يره من‬ ‫إلى املسكن‬
‫قبل‪ ,‬فوقع في نفسه أنه أخوها "داموس" ذاك الذي يكره األمراء‬
‫ً‬
‫ممتقعا بشدة وهي تتطلع إليه‪ ,‬بينما‬ ‫ويناصبهم العداء‪ .‬كان وجهها‬
‫"سالس" تهتف بدهشة‪:‬‬ ‫ُ‬

‫‪" -‬جادور"!‪ ..‬ماذا تفعل هنا؟‬


‫ليس أخاها إذن‪ .‬خرج هذا الـ "جادور" ً‬
‫مارا بجواره بسرعة‪ ,‬فالتفت‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫يرمقه أثناء انصرافه‪ .‬اقتربت ُ‬
‫"سالس" من ِ"بنان" التي ترتجف خوفا‪.‬‬
‫تركت مسكني؟‪ ..‬وماذا كان يفعل "جادور"‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ماذا تفعلين هنا؟‪ ..‬ملاذا‬
‫عندك؟‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫غرضا يخصني‪ ..‬وفاجأني باقتحام املسكن‪ ..‬لقد‬ ‫‪ -‬جئت ألحمل‬
‫هددني‪.‬‬
‫َّ‬ ‫تبادلت ُ‬
‫"سالس" نظراتها مع "القزم" الذي تملك الفضول من كل‬
‫َ‬
‫حواسه فدنا منهما‪ ,‬حتى طلبت منها ِ"بنان" أن تذهب في إحضار "داموس"‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫على وجه السرعة‪ ,‬فبدلت نظراتها بين ِ"بنان" و"القزم" قبل أن تخرج في‬
‫طلب "داموس"‪.‬‬
‫ءأنت بخير‪ ..‬ها؟‬
‫‪ِ -‬‬
‫انتظر ًردا لم يجئ‪ .‬لم يعرف إن كان عليه البقاء أم العودة إلى مسكن‬
‫ففضل عدم‬‫َّ‬ ‫"ح ُبوك"‪ ,‬ال تشعر بوجوده‪ ,‬بدت شاردة يعلو وجهها الخوف‪,‬‬‫َ‬
‫مفارقتها حتى عودة ُ‬
‫"سالس" وأخيها‪ .‬لم يطل االنتظار إذ أبصر ثالثتهم‬

‫‪172‬‬
‫يدلفون إلى املسكن وعلى وجوههم تعلو اللهفة‪ ,‬بقي َ‬
‫"ح ُبوك" عند الباب‬
‫توترا‪ .‬بادله "داموس" نظرة قاسية أفصح فيها عن بغضه‬ ‫وكان أكثرهم ً‬
‫ً‬
‫قبل أن يدنو من أخته متسائال‪.‬‬
‫لم يفهم "القزم" ً‬
‫كثيرا مما قيل‪ ,‬لم يقف سوى على أن هذا الـ "جادور"‬
‫وخيرها بين أمرين‪ ,‬إما أن تظهر بنفسها في احتفالية‬‫قام بتهديد "ب َنان" َّ‬
‫ِ‬
‫"الفداء الكبير" القادمة‪ ,‬لتأخذ مكانها أمامه في املبارزة‪ ,‬وإما سيتخذ من‬
‫عبدا له!‪ ..‬سيرسل من يسطو على مسكنه ويسلبه كل ما يملك‬ ‫"داموس" ً‬
‫حتى يتقدم إلى االحتفالية خالي اليد‪ ,‬فيقع في أسره إلى األبد‪.‬‬
‫"ح ُبوك" الذي‬‫شحذ تركيزه ليفهم املزيد من حديثهم الدائر بحمية‪ .‬إال َ‬
‫ً‬
‫التزم مثله مكانه وصمته‪ .‬كان "داموس" أكثرهم عنفا في الحديث‪ ,‬يقنع‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" بضرورة رحيلها عن مملكة "النسر" حتى تنقذ حياتها من الخطر‪.‬‬
‫َ‬
‫وكانت ِ"بنان" تجابه حدته بحزم‪ ,‬أنها لن تسمح لـ "جادور" أن يتخذه‬
‫عبدا‪ ,‬لن ترحل وستبارزه في االحتفالية‪ ,‬لن تتخلى عن واجبها ولن تتهرب‬ ‫ً‬
‫"سالس" فكانت ترفض كل الحلول التي ينطقان بها‪ .‬ثم صاحت‬ ‫منه‪ .‬أما ُ‬
‫بهما ً‬
‫أخيرا‪.‬‬
‫‪ -‬ال حل أمامنا سوى أن نستكمل الحفر‪.‬‬
‫ً‬
‫التقت أنظار الجميع عندها‪ ,‬وران الصمت على املكان طويال‪ ,‬تحدث‬
‫ً ً‬
‫أخيرا قائال بسخرية‪:‬‬ ‫"داموس"‬
‫‪ -‬لقد فسد عقلك‪.‬‬
‫َ‬
‫قالت ِ"بنان" بقنوط‪:‬‬

‫‪173‬‬
‫‪ -‬قدرتك أصبحت ضعيفة وال تعمل في كل األوقات يا ُ‬
‫"سالس"‪ ..‬لقد‬ ‫ِ‬
‫انتهى كل ش يء‪.‬‬
‫"سالس" وقالت بغموض‪:‬‬‫تهللت أسارير ُ‬

‫‪ -‬كال‪ ,‬بل بدأ كل ش يء‪.‬‬


‫ً‬ ‫َ‬
‫التفت "داموس" إلى ِ"بنان" قائال بنفاذ صبر‪:‬‬
‫دعك منها‪ ,‬إنها تهذي‪.‬‬
‫‪ِ -‬‬
‫‪ -‬فلتحترق في "فم النار"‪.‬‬
‫أنت‪.‬‬
‫‪ -‬فلتحترقي ِ‬
‫ً‬
‫متنحنحا وهو يقول‪:‬‬ ‫أقبل َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫‪ -‬ككنت تررغب ففي ذذلك ياا "داامووس"‪ ..‬أأن نححفر‪.‬‬
‫التزم "داموس" الصمت للحظات‪ ,‬ثم ثاربغضب‪:‬‬
‫‪ -‬غبي‪ ,‬وكيف سنفعل ذلك بعد موت "أصالن"؟‬
‫‪ -‬هأ هأ‪ ,‬لقد سألتك السؤال نفسه فأجبتني بعجرفتك البغيضة أنك‬
‫قادرعلى كل ش يء‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫وقفت ِ"بنان" بينهم وقد امتأل رأسها أملـا بهذا التشاحن‪ ,‬أرادت أن تنهي‬
‫النقاش حول هذا الحل املستحيل‪ ,‬ال فائدة من االستمرار في املهمة بعد‬
‫"سالس" َّ‬
‫فجرت املفاجأة التي ادخرتها لتلقيها أمامهم‬ ‫موت "أصالن"‪ .‬لكن ُ‬
‫بطريقة دراماتيكية ملفتة‪ ,‬أشارت إلى "القزم" هاتفة ببشاشة وانطالق‪:‬‬
‫‪ -‬هو سيساعدنا‪.‬‬

‫‪174‬‬
‫تعلقت عيون ثالثتهم بـ "القزم"‪ ,‬ثم ارتدت العيون األربع إلى ُ‬
‫"سالس"‬
‫فضوال ً‬‫ً‬
‫كبيرا‪ ,‬فأردفت بسعادة وحكمة من توصل إلى سر‬ ‫وهي تحمل‬
‫الكون‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬إنه أحد تالميذ املـعلم "آصف"‪.‬‬

‫***‬
‫يعلم الجميع أن مصير األيتام من أبناء األمراء واألميرات في مملكة‬
‫"النسر" كان يؤول إلى األمراء الراغبين في تبنيهم‪ ,‬ومن ال يقع عليهم‬
‫عبيد في قصر امللك‪ .‬حتى قرر‬
‫االختيار ينتهي بهم الحال كخدم بالكهف‪ ,‬أو ٍ‬
‫ُ‬
‫املـعلم "آصف" أن ينشرذراعيه ويضمهم تحت جناحه‪.‬‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫املـعلم "آصف" أحد كبراء مملكة "النسر"‪ ,‬ينهل الجميع من علمه‬
‫وحكمته‪ ,‬وله مكانة مميزة عند أغلب األمراء‪ ,‬غير أن ً‬
‫عددا ليس بالقليل‬
‫كان يناصبه العداء وأولهم قائد َ‬
‫الجالوزة "راعون"‪ ,‬لرفضهم للطريقة التي‬
‫يتبعها في تربية األيتام‪ .‬لكن حاجتهم إليه كانت تستديم بسبب الحكمة‬
‫َّ‬
‫التي تحلى بها‪ ,‬حتى أنه عمل في فترة من فترات حكم أحد امللوك كمستشار‬
‫ُ‬
‫له‪ .‬حتى اعتلى امللك التالى العرش وأزاحه عن منصبه‪ ,‬فاكتفى املـعلم‬
‫"آصف" بما كان يصنعه مع األيتام الصغار‪.‬‬
‫كان يشعل فيهم أتون املعرفة‪ُ ,‬وينمي فيهم حس الفضول والبحث‬
‫والتوق إلى سبر أغوار الكون‪ .‬كان ُيعلمهم أن العلم ال يرقد إال في صدر‬
‫يتزاحم باألسئلة‪ .‬وكانت كثرة األسئلة أكثر ما يبغضه قائد َ‬
‫الجالوزة‬
‫َّ‬
‫"راعون"‪ ,‬إذ كان ُيعلم أتباعه أن السؤال كبحر هائج قد يقذفهم بإجابة‬
‫يتعدوا ً‬
‫أبدا بأقدامهم أمان‬ ‫تبتلعهم في دوامتها‪ ,‬وكان يحثهم على أال ُّ‬

‫‪175‬‬
‫ُ‬
‫الشاطئ‪ .‬فنشأ الخالف األزلي بينه وبين املـعلم "آصف" الذي نهل الصغار‬
‫األيتام من زخم علمه‪ ,‬وتشربوا من عواطفه وأفكاره ومبادئه‪ .‬وازداد‬
‫ظمؤهم ً‬
‫يوما بعد يوم إلماطة اللثام عن املزيد من األسرارالقلبية‪.‬‬
‫العالم هو منبع نور ينشرالضياء على كل أرجاء الكون‪,‬‬ ‫ُ‬
‫كان يعلمهم أن ِ‬
‫شبه الجاهل‬ ‫كإشراقة الشمس من جوف السماء فيتبدد الظالم‪ .‬وكان ُي ّ‬
‫ِ‬
‫املتعالم‬
‫ِ‬ ‫باملاء اآلسن للنهر األسود ال ُينتفع به وظاهره كباطنه‪ ,‬أما الجاهل‬
‫صبغت بلون أحمر ألقى برداء الستر فوق‬ ‫فمثله كمثل تفاحة معطوبة ُ‬
‫جسدها‪ ,‬وفضحها ريحها العفنة التي تلتقطها حواس ألفت الطيب‪ ,‬يكفي‬
‫أن نغمرها في ماء صاف حتى ينسل عنها القناع‪.‬‬
‫حرص على تعليمهم الرسالة‪ ,‬وما وراء الرسالة!‪ ..‬فلكل ش يء ظاهر‬
‫وباطن‪ ,‬وكل ظالم يقابله نور‪ ,‬وكل أسود يبارزه أبيض‪ ,‬فال يتجلى أحدهما‬
‫يتربع من قلب الحياة عروشها‪ ,‬إال بدرجات‬ ‫إال بوجود نقيضه‪ .‬فالخير ال َّ‬
‫شر ِألف خفض الجباه‪ .‬لم يقتصر تالميذ "آصف" على األيتام فحسب‪,‬‬
‫سرا بعض األمراء واألميرات‪ ,‬يساورهم الشغف للتعلم‪,‬‬ ‫بل انضم ملجلسه ً‬
‫والرغبة في نزع رداء الجهل عنهم‪ .‬رأوا العالم في عمق عينيه ونهلوا من‬
‫ُ‬ ‫بحور حكمته‪َّ ,‬‬
‫تشبث املـعلم "آصف" بأيديهم‪ ,‬وساقهم خطوة بخطوة‬
‫حتى استعادوا معه حاستهم املفقودة التي كان يتمتع بها أسالفهم!‬
‫كان قد علم أن الدعوة الجماعية لن تأتي إال بالخراب‪ ,‬فإن كان وال بد‬
‫ً‬
‫أساسا‬ ‫فردية‬ ‫لبنات‬ ‫داعيا فعليه أن يبدأ باألفراد‪ ,‬عليه أن يصنع من‬ ‫ً‬
‫ٍ‬ ‫ٍ‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫صلبا لدعوته‪ .‬ظلت تلك الحاسة حبيسة صدور تالميذ "آصف" ال يتمتع‬
‫بها في أرجاء اململكة سواهم‪ ,‬أمس ى بإمكانهم –كأسالفهم‪ -‬أن يتواصلوا‬
‫بلغة قلبية مع الطبيعة من حولهم‪ ,‬كان بإمكانهم أن يقرأوا كل ش يء‪ً ,‬‬
‫بدءا‬

‫‪176‬‬
‫من رسائل السماء إلى همسات السحب وتسبيحات الشجر‪ .‬فسمت‬
‫أرواحهم حتى حلقت في مدار خارج أرضهم‪ ,‬وبمعزل عن عاملهم املادي‪,‬‬
‫حول ِقبلة ركيزتها عرش سماوي‪ .‬لكنهم ال يلبثون أن يعودوا بوعيهم إلى‬
‫علمهم َّ‬‫َّ‬ ‫ُ‬
‫ورباهم‪,‬‬ ‫األرض بعد كل جلسة من جلسات املـعلم "آصف"‪ ,‬هكذا‬
‫ال غنى لألرض عن السماء‪ ,‬وال للسماء عن األرض‪ ,‬فإن كانت عقولهم‬
‫وقلوبهم إلى السماء أقرب‪ ,‬فإن أقدامهم باألرض تستقر‪ ,‬فحياتهم مدار‬
‫بين الدربين وإال ملا تباعدت بينهما املسافة لتسع أجسادهم!‬
‫ً‬ ‫لم يتذكر "القزم" من املُـعلم "آصف" ً‬
‫اسما وال وصفا‪ .‬وبات كل هذا‬
‫الحديث غر ًيبا على مسامعه‪ ,‬ال يقف له على صورة‪ ,‬فال زالت ذكرياته‬
‫تأبى أن تبرز من مكمنها‪ .‬إال أن قلبه كان يضج باإلثارة وقد نال منه الفرح‬
‫ُ‬ ‫تمشت في أعضائه‪ ,‬إذ عرف ً‬ ‫َّ‬
‫أخيرا إلى أي عالم ينتمي‪ ,‬عالم املـعلم‬ ‫برعدة‬
‫ٌ‬ ‫ٌ‬
‫"آصف" وتالميذه األيتام‪ .‬فإما أنه أمير يتيم ال عائلة له‪ ,‬أو أحد األمراء‬
‫ُ‬ ‫َّ‬
‫الذين تعلموا على يد املـعلم "آصف" في الخفاء‪ .‬يجب أن يسعى للقائه‪,‬‬
‫يلتمس بين يديه السبيل إلى استعادة هويته‪.‬‬‫َّ‬
‫سيعرف ً‬
‫أخيرا ماذا حدث له‪ ,‬وكيف‪ ..‬وملاذا‪.‬‬

‫***‬

‫‪177‬‬
‫امللف الحادي والعشرون‬

‫ثاب إلى نفسه عندما دلف َ‬


‫"ح ُبوك" إلى املسكن‪ ,‬فأقبل عليه "القزم"‬
‫َّ‬
‫بلهفة لم يوارها‪ ,‬تذكر بضيق كيف طلب منه "داموس" أو باألحرى أمره!‬
‫"ح ُبوك" حتى يخلو لهم بدونه النقاش فيما بينهم‪.‬‬ ‫أن يعود إلى مسكن َ‬
‫تذمرفي البداية ثم لم يجد ُب ًّدا من االنصياع ألمره مخافة أن يثيرحفيظته‪.‬‬
‫"ح ُبوك" عما أفض ى إليه اجتماعهم الذي طال‪ ,‬فآوى إلى ركن‬ ‫سأل َ‬
‫ً‬
‫افضا أن‬ ‫ً‬
‫متلعثما كيف فار الغضب بوجه "داموس" ر‬ ‫قص ي‪ ,‬وهو يخبره‬
‫يستخدموه كدليل ملهمتهم‪ ,‬وعندما سأله القزم عن طبيعة هذه املهمة‬
‫تحفظ َ‬ ‫َّ‬
‫"ح ُبوك" في الكالم‪ ,‬وامتأل باالضطراب‪ ,‬فلم يلح عليه "القزم" في‬
‫السؤال‪.‬‬
‫"سالس" التي أصرت على اقتراح الحفر إلنقاذ‬ ‫أخبره َ‬
‫"ح ُبوك" بعناد ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ِ"بنان"‪ .‬أما ِ"بنان" فالذت بالصمت معظم الوقت‪ .‬ولم ُيفض اجتماعهم‬
‫إلى ش يء حاسم‪ .‬فاتفقوا أن يجتمعوا مرة أخرى في الظهيرة بالغرفة‬
‫السرية بالطابق الثالث والسبعين‪ .‬وعندما أبدى "القزم" فضوله حول‬
‫"ح ُبوك" من فوره إذ شعر أنه أفصح أكثر مما‬ ‫ماهية هذه الغرفة‪ ,‬ندم َ‬
‫يجب‪ .‬وطلب منه أن يدع التفكير حتى يرى إلى أين سينتهي اجتماعهم في‬
‫ً‬
‫واحدا كما اتفق‬ ‫الغد‪ .‬لكن "القزم" قرر بعناد أنه لن يبق معهم إال ً‬
‫يوما‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫سابقا‪ ,‬وبعدها يتوجه إلى الكهف ليبحث بنفسه عن املـعلم "آصف"‪.‬‬

‫***‬
‫‪178‬‬
‫"ح ُبوك" في الصباح الباكر‪,‬‬ ‫لم يخطر بباله قدوم "ب َنان" إلى مسكن َ‬
‫ِ‬
‫السهاد عالماته فوق وجهها فكشف عن ليلتها املضنية املليئة باألرق‪,‬‬ ‫رسم ُ‬
‫نائما‪ .‬شعر بنسمات‬ ‫"ح ُبوك" ً‬ ‫تماما كليلته‪ .‬تسلال إلى الخارج بينما كان َ‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫تتشبث أناملها‬ ‫البكور تداعب ذرات الرمال امللتحفة بالندى‪ .‬والشمس‬
‫بأعتاب السماء ُمتسلقة‪.‬‬
‫إليك؟‬
‫يراك "جادور" ويرشد الجالوزة ِ‬
‫‪ -‬أال تخشين أن ِ‬
‫غاصت أقدامه في الرمال فالتصق بها بعض حباتها‪ ,‬حاول التواصل‬
‫معها ليفهم حديثها‪ ,‬ألم يخبروه أنه يملك تلك الحاسة التي ال يملكها‬
‫سوى تالميذ "آصف"‪ ,‬لكن محاوالته بائت بالفشل‪ ,‬فعلم أن األمر ال‬
‫ً‬
‫يحدث عندما يضغط ًزرا لالستدعاء‪ ,‬بل يتطلب تواصال من نوع خاص‬
‫ً‬
‫ساترا‪ .‬أجابت‬ ‫جدا‪ .‬وصال إلى الهضبة التي الذا بها من قبل‪ ,‬فاتخذا منها‬ ‫ً‬
‫سؤاله عندما ظن أنه لن يتلقى عنه ً‬
‫جوابا‪ ,‬كعادتها معه‪:‬‬
‫‪ -‬ماال تعرفه أن لـ "جادور" سلطة أكبر من كثير من الجالوزة‪ ,‬وهو ُيريد‬
‫ً‬
‫اإلبقاء على حياتي حتى يوم "الفداء الكبير"‪ ,‬إمعانا في إذاللي‪.‬‬
‫ثم أشارت إلى وجهها‪ ,‬وقالت‪:‬‬
‫‪ -‬ثم أنني ال أظن أن ً‬
‫أحدا سيتعرفني بهذا‪.‬‬
‫"ال تتورط"‪ ,‬هكذا حذر نفسه من التمادي في الحديث معها حول هذا‬
‫األمر‪ ,‬ال شأن له بهذا الـ "جادور" وال بأخيها وال بالجالوزة وال بكل ما يحدث‬
‫ُ‬
‫بمملكتهم‪ .‬ما يهمه اآلن هو أن يصل إلى املـعلم "آصف" اليوم قبل غد‪.‬‬

‫‪179‬‬
‫مست الضمادة التي تخفي نصف وجهها‪ ,‬تتأكد من أنها في موضعها‪,‬‬ ‫َّ‬
‫َّ‬
‫تأمل "القزم" تلك الخطوط امللونة التي رسمتها فوق وجنتها املكشوفة‪,‬‬
‫فال يكاد َّ‬
‫يتعرف عليها أحد‪.‬‬
‫‪ -‬لقد شعرت بذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫مسكن"ح ُبوك"‪,‬‬ ‫قالتها ونظرت إليه للمرة األولى منذ أن خرجا من‬
‫كانت تخفي تجويف عينها بزهرة صفراء منقطة باألسود‪ ,‬يفوح أريجها حتى‬
‫ً‬
‫مستفهما‪ ,‬فأردفت من حيث توقفت‪:‬‬ ‫تشعبت بها أنفاسه‪ .‬هزرأسه‬
‫ُ‬
‫‪ -‬لكن لم أصدق‪ ,‬ربما ألنني اعتدت أن يكون لتالميذ املـعلم "آصف"‬
‫ً‬
‫شأنا آخر‪ ,‬فأنت‪...‬‬
‫قطعت حديثها بغتة وغاصت بقدمها تحت الرمال‪ ,‬ثم نثرتها عنها‪,‬‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫ظلت تحفربأقدمها ساهية‪ ,‬حتى حثها بنفاذ صبر‪:‬‬
‫‪ -‬أنا ماذا؟‬
‫ملع بعينها التردد‪ ,‬ثم نفضته عنها ونظرت إليه وقد توجهت إليه ُ‬
‫بجل‬
‫انتباهها‪ ,‬ثم قالت بجدية بالغة‪:‬‬
‫‪ -‬نحتاجك معنا‪.‬‬
‫ساهما‪ ,‬ثم قرر أن ينتهج سبيل الوضوح معها‪,‬‬‫ً‬ ‫أتى دوره ليشرد‬
‫فأخبرها أال هم له إال مالقاة "آصف"‪ ,‬وإيجاد وسيلة ليستعيد بها ذكرياته‬
‫املفقودة‪ .‬فقالت له بحزم‪:‬‬
‫ُ‬ ‫‪ -‬ذلك خطر ً‬
‫جدا‪ ,‬ال يمكنك أن تذهب إلى مسكن املـعلم "آصف" بعد‬
‫ما حدث‪.‬‬

‫‪180‬‬
‫انتظربلهفة أن تستكمل كالمها‪ ,‬فطفقت تنيرله درب ما جهل‪.‬‬
‫نشب خالف كبير بين املُـعلم "آصف" وقائد َ‬
‫الجالوزة "راعون"‪ ,‬بعدما‬
‫دائرا في الخفاء‪ُ .‬اتهم "آصف" بالخيانة ُ‬
‫العظمى ململكة‬ ‫ظل لزمن طويل ً‬
‫ِ‬
‫وحكم عليه أن يظل حبيس مسكنه ال يغادره ً‬
‫أبدا‪ ,‬أما تالميذه‬ ‫"النسر"‪ُ ,‬‬
‫أولئك الذين َّرباهم حتى اشتد عودهم وساروا على درب الشباب‪ُ ,‬حكم‬
‫ً‬
‫طعاما لـ "نمر األرض"‪ ,‬أما اإلناث فتم‬ ‫ً‬
‫جميعا‬ ‫عليهم أن ُيلقى الذكور‬
‫إلقاؤهم في "فم النار"‪ .‬بعدما أعلن مجلس الحكماء أمام الجميع بأنهم‬
‫يحملون بذرة الشر التي زرعها "آصف" بداخلهم‪ ,‬ويجب أن يتخلصوا‬
‫منهم حتى ال تحل اللعنات مرة أخرى بمملكة "النسر"‪ .‬لم ينج سوى تالميذ‬
‫ً‬
‫واضحا بجالء أنه‬ ‫الخفاء الذين سعوا إلى علمه بأنفسهم‪ ,‬والذي يبدو‬
‫ٌ‬
‫واحد منهم‪.‬‬
‫ً‬ ‫حجرا بأقدامه حتى طار ً‬ ‫قذف "القزم" ً‬
‫بعيدا وقد امتألت نفسه غيظا‪,‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫ثم التفت إلى ِ"بنان" هاتفا بحدة لم يقصدها‪:‬‬
‫أبدا‪ ,‬وإن اكتشف‬‫‪ -‬يعني لن أتمكن من الوصول إلى املُـعلم "آصف" ً‬
‫ً‬
‫طعاما لهذا النمرالذي تتحدثين عنه‪.‬‬ ‫الجالوزة هويتي سيلقون بي‬
‫قابلت حدته بمثلها‪ ,‬قالت وهي تتلفت حولها‪:‬‬
‫‪ -‬احذرأن يسمعك أحد‪ ,‬وال تصرخ بوجهي فلست املذنبة‪.‬‬
‫بنفاذ صبرسألها‪:‬‬
‫‪ -‬وما هو مصيري اآلن؟‬
‫‪ -‬ماذا تريد أن تفعل؟‬

‫‪181‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫متحديا كأنما يعجزها‪:‬‬ ‫فكرقليال‪ ,‬ثم قال بعناد‬
‫ُ‬
‫‪ -‬أريد مقابلة املـعلم "آصف"‪ ,‬مهما كلفني ذلك‪.‬‬
‫ّ‬
‫بتحد مماثل قالت‪:‬‬ ‫ٍ‬
‫‪ -‬ساعدني‪ ..‬أساعدك‪.‬‬
‫‪ -‬ماذا تريدين مني؟‬
‫‪ -‬لدينا مهمة محددة‪ ,‬والجزء الخاص بك يتعلق بقراءة رسالة قلبية‪,‬‬
‫ُ‬
‫كتلك التي يقرؤها أمهرتالميذ املـعلم "آصف"‪.‬‬
‫الذ بالصمت لبرهة‪ ,‬ثم تساءل بفضول‪:‬‬
‫ً‬
‫جميعا؟‬ ‫‪ -‬وما هي هذه املهمة التي تثيراهتمامكم‬
‫ببرود أجابته‪:‬‬
‫‪ -‬ال تأخذ كالمي بمحمل شخص ي لكن‪ ..‬ال أثق بك كفاية ألخبرك‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ساخرا‪ ,‬يواري بضحكته خدشا أصاب كرامته‪ ,‬ثم أردف ببرود‬ ‫ضحك‬
‫مماثل‪:‬‬
‫بأصدقائك‪.‬‬ ‫بك‪ ,‬وال‬ ‫ً‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬وأنا أيضا ال أثق ِ‬
‫‪ -‬جيد‪ ,‬نقف على أرض مشتركة إذن‪ ,‬فماذا قلت؟ اتفقنا؟‬
‫اتسعت ابتسامته وهو ينظر لها باستهانة‪ ,‬بينما ملعت عينه ببريق‬
‫إعجاب خاطف‪ ,‬ثم سألها كيف بإمكانها أن تساعده‪,‬لم تخبره عن خطتها‬
‫ً‬
‫لكنها وعدته أن تساعده إن ساعدها‪ ,‬فاشترط شرطا ال رجعة فيه‪ ,‬أن‬

‫‪182‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫تساعده ليتمكن من مقابلة املـعلم "آصف" أوال‪ ,‬ثم يفعل ما تريد‪,‬‬
‫فوافقت بعد تردد‪.‬‬
‫ثم قالت هامسة بعد لحظات صمت دفعها إليها مرور بعض األفراد‬
‫بجوارهما‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬عليك أن تستعد‪ ,‬اليوم هو األنسب ملحاولة الوصول إلى املـعلم‬
‫"آصف"‪ ..‬فاليوم هو "يوم الزينة" وينشغل جالوزة اململكة عادة في‬
‫حراسة امللك واألمراء وتنظيم االحتفالية التي تشارك فيها اململكة بأسرها‪.‬‬
‫تفهما‪ ,‬شرد لبرهة فلم يدر أنها ستنفذ الجزء الذي يخصها‬ ‫أومأ برأسه ً‬
‫ُ‬
‫من اتفاقهما بهذه السرعة‪ ,‬ثم سمعها تردف ُمحذرة‪:‬‬
‫‪ -‬إن لم ننجح اليوم سيكون علينا انتظار احتفالية "يوم الزينة"‬
‫القادمة‪ ,‬أي بعد أربعة أيام من اآلن‪ ,‬وليس لدينا مثل هذا الوقت‪,‬‬
‫فاحتفالية "الفداء الكبير" بعد خمسة أيام‪ ,‬ويجب أن نتم املهمة قبلها‪.‬‬
‫تعمق شعوره بخطورة كل ثانية تمرعليهما‪.‬‬ ‫أومأ برأسه مرة أخرى وقد َّ‬
‫سألها عما يحدث في احتفالية "يوم الزينة" فأجابته بال مباالة‪:‬‬
‫‪ -‬إنه يوم تنصيب امللك الجديد‪.‬‬
‫فسألها بدهشة بالغة‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جديدا كل أربعة أيام؟!‬ ‫‪ -‬أتنصبون ملكا‬
‫أجابته وقد دارت على أعقابها مغادرة‪:‬‬
‫ً‬
‫مستعدا‪.‬‬ ‫‪ -‬نعم‪ ,‬سنتحرك عندما تكون الشمس في كبد السماء‪ ,‬كن‬
‫***‬

‫‪183‬‬
‫امللف الثاني والعشرون‬

‫صرف "القزم" عنه ضيف الشجون والهموم‪َّ ,‬‬


‫وتهيأ لالحتفالية كما‬
‫"ح ُبوك"‪ .‬اكتس ى وجهه‬‫اعتاد أن يفعل سكان اململكة‪ ,‬وكما عرف من َ‬
‫بألوان شتى لخليط لزج من خالصة نباتات وزهور‪ .‬بدا وجه َ‬
‫"ح ُبوك" أمام‬
‫َّ‬ ‫ً‬
‫ناظره مضحكا‪ ,‬فتيقن أن وجهه ال يقل عنه غرابة‪.‬‬
‫"ح ُبوك" مع وحشته‪ ,‬وانضم إلى الباقين في الغرفة السرية‬‫استودعه َ‬
‫كما جرى االتفاق باألمس‪ ,‬فتعاظم ضيقه ألنه لن يعرف ماذا يدور في هذا‬
‫َ‬
‫االجتماع‪ .‬ثارت ثائرة "داموس" عندما أخبرته ِ"بنان" باتفاقها مع "القزم"‪,‬‬
‫لكنه رضخ في النهاية عندما غلبت أصواتهم الثالثة صوته األوحد‪.‬‬
‫نزح كل أفراد الشعب إلى تلة الشعب الحمراء‪ ,‬وسكان الكهف‬
‫يتقدمهم امللك وحاشيته إلى التلة السوداء املخصصة لهم‪.‬‬
‫ً‬
‫انبهارا بأعداد الجالوزة‪ ,‬احتل أغلبهم التلة‬ ‫اتسعت عين "القزم"‬
‫ّ‬
‫ملتفين حول األمراء واألميرات املحمولين فوق األعناق‪ .‬وفي املمر‬
‫السوداء ِ‬
‫َ‬ ‫عدد منهم استعر ً‬
‫اضا ر ً‬
‫اقصا َّ‬ ‫َّ‬
‫التلين بدأ ٌ‬
‫الجمعين‪,‬‬ ‫تهيجت معه مشاعر‬ ‫بين‬
‫ساقهم الحماس إلى الهتاف بشعاراململكة حين بعد حين‪:‬‬
‫ً‬
‫أوال‪ ..‬نسر ً‬ ‫ً‬
‫أوال‪ ..‬نسر ً‬
‫دائما"‪.‬‬ ‫دائما"‪" ,‬النسر‬ ‫‪" -‬النسر‬
‫ً‬
‫مستفهما‪ ,‬أجابه وأمارات البشاشة تعتلي‬ ‫عندما التفت إلى َ‬
‫"ح ُبوك"‬
‫وجهه أن شعار اململكة يعني أن مملكة "النسر" تأتي في املرتبة األولى قبل‬

‫‪184‬‬
‫الجميع‪ ,‬اختاروه بعد كارثة "االنفجار العظيم" ليصرف كل فرد جهده في‬
‫إعادة إعمار اململكة‪ ,‬والشق الثاني من الشعار يحث الجميع على أن‬
‫دائما بالقوة والسرعة واملهارة وحدة البصر‪ً ..‬‬
‫تماما كالنسر‪.‬‬ ‫يتحلوا ً‬

‫كانت مرته األولى حيث يجمعه املكان نفسه بأمراء كانوا له أقرباء فيما‬
‫مض ى‪ ,‬أمس ى يديم فيهم النظر عله يتعرف على أحدهم‪ ,‬أو يغلبه الحنين‬
‫ُّ‬ ‫إلى وجه إحداهن‪ .‬لكن ال ش يء! َّ‬
‫ظل قلبه على نفس الوتيرة من الترقب‪ ,‬لم‬
‫َّ‬
‫يتملكه نحوهم شعور خاص‪ ,‬ال حب وال كراهية‪ ,‬فقط ال ش يء‪ .‬لكن‬
‫شعورا بالحنق تنامى بداخله‪ ,‬فمكانه ليس هنا فوق هذه التلة الحمراء‪,‬‬ ‫ً‬
‫مكانه هناك وسط هؤالء الصفوة‪ ,‬إنه واحد منهم ولن يهنأ حتى يعود إلى‬
‫ُ‬
‫مكانه بين صفوفهم‪ ,‬على املـعلم "آصف" أن يساعده على استعادة‬
‫ذاكرته‪ ,‬وعلى استرداد وضعه ومكانته بين أقرانه األمراء‪.‬‬
‫انتهت الرقصة األولى للجالوزة‪ ,‬وبدأت الثانية ثم الثالثة فالرابعة‪,‬‬
‫وبعد انتهاء الرقصة السادسة وكان امللل قد بلغ من نفسه كل مبلغ‪ ,‬رأى‬
‫أغرب وأعجب ما وقعت عليه عيناه منذ أن وطئ أرض مملكة "النسر"‪,‬‬
‫مما جعل عقله يكاد يجن من فرط ذهوله‪.‬‬
‫رآى أحدهم يقترب من امللك الجديد املحمول فوق أعناق زمرة من‬
‫ً‬
‫شيئا لم يدر في البداية ما هو‪ ,‬حتى أخبره َ‬ ‫َّ‬
‫"ح ُبوك"‬ ‫الجالوزة ويتسلم منه‬
‫والهمسات الدائرة من حوله أن ما يسلمه امللك الجديد لقائد َ‬
‫الجالوزة‬
‫"راعون" هو عيناه االثنتان!‬
‫إذ جرت العادة أن ُيضحى امللك الجديد الذي يعتلي عرش مملكة‬
‫"النسر" بعينيه االثنتين لشعبه‪ ,‬وعندما تنتهي فترة حكمه التي تستمر‬
‫ألربعة أيام يتم تكريمه بانضمامه إلى مجلس حكماء اململكة!‪ .‬ابتلع ما‬

‫‪185‬‬
‫"ح ُبوك"‬ ‫ُ‬ ‫ً‬
‫عظيما لم يمكن ِ‬ ‫تبقى من أسئلته فقد أصبح الهتاف من حوله‬
‫من سماعه‪.‬‬
‫راقب بلهفة قائد َ‬
‫الجالوزة "راعون" وهو يرفع عيني امللك ً‬
‫عاليا فيلتهب‬
‫في الجمع حماسهم‪ ,‬ويعلو إلى عنان السماء هتافهم‪ .‬ثم تقدم قائد‬
‫الجالوزة "راعون" حيث شجرة عظيمة لم ُيبصر أكبر منها قط‪ ,‬علم أن‬ ‫َ‬
‫اسمها "شجرة الطاقة" تقع أمام فوهة تعلوها األبخرة َّ‬
‫قدرأنه "فم النار"‪.‬‬
‫الجالوزة "راعون" وقد حمل بعناية عيني امللك‪ ,‬حتى بلغ‬ ‫تسلقها قائد َ‬
‫قمتها‪ ,‬وتحت أنظار الجميع استودع العينين االثنتين محمولتين على ورقة‬
‫كبيرة من أوراقها‪ ,‬فكل ورقة من أوراق الشجرة تحوي عيني أحد امللوك‬
‫يوما‪ .‬هتف "راعون" بكالم كثير‪ ,‬لكن حماس الجمع‬ ‫الذين حكموا اململكة ً‬
‫وهتافهم منع "القزم" من االستماع إلى مقولته‪ ,‬لم يقف سوى على جملة‬
‫واحدة‪:‬‬
‫‪ ... -‬من أجل األجيال القادمة‪...‬‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫عندها جذبته ِ"بنان" لتخبره أن موعدهما قد حان‪ ,‬لم يتعرف عليها‬
‫للوهلة األولى بنزعها للضمادة وبكل هذه األلوان التي َّ‬
‫خضبت بها وجهها‪,‬‬
‫ً‬
‫ثم طلب منها التريث قليال فقد كان الفضول يتآكله ملتابعة االحتفالية‪,‬‬
‫لكنها أخبرته بحزم ‪:‬‬
‫‪ -‬إما اآلن‪ ,‬وإال ً‬
‫أبدا!‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫متملكة زمام أمره‪.‬‬
‫مرغما وتركها تسوقه ِ‬ ‫فتحرك من مكانه‬
‫ظن للوهلة األولى أنها ستقوده باتجاه الكهف‪ ,‬لكن ما جعل للحيرة‬
‫ً‬
‫نصيبا من نفسه أنها سبقته باتجاه الغابة‪ ,‬التي سبق أن مرا بها في‬

‫‪186‬‬
‫ً‬
‫طريقهما إلى مملكة "النسر"‪ .‬فتعجب أشد العجب واستوقفها متسائال‪,‬‬
‫حل غضبه محل حيرته‪,‬‬ ‫فطلبت منه بنفاذ صبر أن يتبعها في صمت‪َّ .‬‬
‫فكظمه ً‬
‫متبعا خطاها دون أن ينبس بكلمة‪.‬‬
‫أثار سيره في الغابة رغبته في الهرب منها‪ ,‬مر بخاطره مغامرته القصيرة‬
‫َ‬
‫للذكرى‪ .‬لم تتعمق به‬ ‫املرعبة مع حيوان "البنغول"‪ ,‬فاقشعر جسده‬
‫كثيرا في الغابة‪ ,‬انحرفت حيث الجبل اإلسمنتي الشاهق الذي مرا‬ ‫"ب َنان" ً‬
‫ِ‬
‫به في طريقهما من قبل‪ .‬أخبرته أن عليهما تسلقه حتى القمة! كاد أن‬
‫ُ‬
‫يسألها عن طريق آخر أكثر سهولة‪ ,‬لكنه أحجم عن ذلك مخافة أن تصيبه‬
‫بمقالة يكرهها‪ ,‬أو بسخرية تنال من كرامته‪ .‬نظر إليها فأبصر على وجهها‬
‫عزما بغيرتذمر‪ ,‬فكتم عنها شعوره‪َّ ,‬‬
‫وجد في سيره كي ال يتأخرعنها‪.‬‬ ‫ً‬

‫جدا‪ ,‬كيف يتسنى ذلك ملزارعة؟‬‫‪ -‬أنت رشيقة الحركة ً‬


‫ِ‬
‫كانت املهمة يسيرة في بادئ األمر‪ ,‬ثم ما لبث أن اتحد طول املسافة‬
‫ووعورة الطريق مع الشمس والحر‪ ,‬فازداد األمر صعوبة‪.‬‬
‫‪ -‬ومتباهية ً‬
‫أيضا!‬
‫التفتت تنظر إليه بدهشة‪ ,‬فأكمل طريقه دون أن يلتفت إليها‪ ,‬فتبعته‬
‫متسائلة وفي صوتها نبرة حدة‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا قلت؟‬
‫لم يجب‪ ,‬فازدادت حدتها‪.‬‬
‫‪ -‬هل أنت أصم؟‬
‫‪..... -‬‬

‫‪187‬‬
‫َّ‬
‫تأجج غضبها‪ ,‬فتمتمت بصوت حرصت على أن يصل إلى مسامعه‪:‬‬
‫‪ -‬جبان!‬
‫ً‬
‫معاتبا‪ ,‬فاستكملت طريقها تسبقه دون‬ ‫توقف عن السير والتفت إليها‬
‫أن تعيره انتباهها‪.‬‬
‫لم تنقطع له حيرة حتى بلغا منتصف الجبل بعد زمن لم يستطع‬
‫تقديره‪ ,‬سوى بأنه طويل وحار‪ .‬نظر حوله فأفضت به إحدى الجهات إلى‬
‫التلتين اللتين اجتمع أهل اململكة فوقهما‪ ,‬لم َّ‬
‫يتبد له سوى قمم رؤوسهم‬
‫السوداء املتالصقة الالهية في حفلها‪ .‬كبثور صغيرة تجمعت لتشكل‬
‫خضبها الشحم فأمست غبراء ملوثة! بعين‬‫تشوها فى غرة التل! أو أرض ّ‬ ‫ً‬
‫النفور نظر إليهم‪ ,‬وتأمل في نفسه ً‬
‫حائرا من هذا النفور الذي ال يقف له‬
‫على سبب‪ ,‬وال ُيفض ي به إلى معنى‪.‬‬
‫على يساره امتد النهر "األسود" كهوة سحيقة‪ ,‬طولها كعرضها!‪..‬‬
‫متساوي األركان إلى الحد الذي أثار فيه دهشته‪ ,‬وانبعثت من رقودها‬
‫ريبته‪ .‬صرف وجهه عن العين املراقبة للشمس التي َّ‬
‫مست بلهيبها جبهته‪.‬‬
‫ً‬
‫كان بأفكاره عنها مشتغال‪ ,‬حتى رنا إليها ليجدها تأكل دونه‪ ,‬فدنا منها‬
‫جودا ً‬
‫وكرما‪ ,‬أم ليحرجها‬ ‫وقد أخرج طعامه من جعبته‪ ,‬ال يدري إن فعلها ً‬
‫ً‬ ‫بكرمه‪ ,‬أم مزيجا من االثنتين‪ ,‬لكنه َّ‬
‫قدم لها بعض طعامه ممعنا النظر في‬
‫َّ‬
‫قسمات وجهها التي ارتبكت هنيهة‪ ,‬ثم َولت عنه بشطر وجهها متمتمة‬
‫بكلمة شكر‪ ,‬عن مسامعه خطفتها الريح هاربة‪.‬‬
‫‪ -‬من هو "آصالن"؟‬

‫‪188‬‬
‫كان يعلم أنه بسؤاله سيثير فيها الغضب قبل األلم‪ ,‬لكن السؤال َّ‬
‫ظل‬
‫ٌ‬
‫يقرع عقله حتى طرحه على مسامعها وهو للجواب متلهف‪ .‬اشتهى مما‬
‫تأكل فامتد بطرفه إليه وهو يسألها بحركة رأسه إن كانت تسمح له‪,‬‬
‫فاجتمع في وجهها الضيق ونفاذ الصبر‪ ,‬فالتقم ما اشتهاه وتلذذ بمذاقه‬
‫ً‬
‫مستمتعا‪ ,‬ثم قال‪:‬‬
‫‪ -‬تلك عادة بغيضة ً‬
‫جدا‪ً ,‬‬
‫كثيرا ال تجيبين على األسئلة‪.‬‬
‫أجابته بينما تزج بالطعام في جوفها بغيرشهية‪:‬‬
‫‪ -‬وأنت ال تكف أب ًدا عن األسئلة‪ ..‬فضولي!‬
‫قالتها بمالمة‪ ,‬فابتسم حين يجب أن يغضب‪ ,‬ثم طرح عليها سؤاله مرة‬
‫أخرى‪ ,‬فقالت ساخرة‪ ,‬وإلهانته متعمدة‪:‬‬
‫‪ -‬ولحوح ً‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ً‬
‫متحديا‪:‬‬ ‫فحاججها‬
‫‪ -‬ألم تخبروني أن "آصف" كان ُيعلم تالميذه أال يكفوا عن طرح‬
‫األسئلة ً‬
‫أبدا‪ ,‬أعتقد أن في ذلك خير دليل على أنني بالفعل خرجت من‬
‫تحت عباءته‪.‬‬
‫الح طيف حزن بعينها التقط صورته قبل أن يغوص بأعمق أعماقها‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مستمتعا‬ ‫فلم يشأ إزعاجها أكثر‪ ,‬أكمل طعامه موليـا للسماء وجهه‪,‬‬
‫حدث نفسه بصوت تسمعه‪:‬‬ ‫بصرير ريح مداعبة لجبينه‪َّ .‬‬

‫‪ -‬كل ش يء هنا عجيب‪ ,‬أشعر بالغربة إلى الحد الذي يجعلني أظن أني‬
‫لم أعش في هذا العالم قط‪.‬‬

‫‪189‬‬
‫ثم استطرد بعد عدة ثوان ال يسمع خاللها إال أنفاس مرافقته‪,‬‬
‫وهمهمات الريح‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬الذكرى األولى برأس ي انتحار‪ ,‬ترى كيف ستكون األخيرة‪.‬‬
‫‪ -‬انتحار!‬
‫ً‬
‫موضحا‪:‬‬ ‫التقط الدهشة في صوتها‪ ,‬فأدام النظرإليها‬
‫‪ -‬أخبرتك أن أول ذكرى لي كانت مع غريب ألقى بنفسه من فوق صخرة‬
‫عالية‪ ,‬وتحطم جسده أمام عيني‪.‬‬
‫‪ -‬كال‪ ,‬لم تخبرني‪.‬‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫تفكر قليال ثم همهم‪:‬‬
‫‪ -‬مممم‪ ,‬لعلها كانت "أكيال"‪.‬‬
‫لم ينتبه إلى الفضول الذي داعب رأسها‪ ,‬فاستطرد وهو ينفض عن‬
‫أطرافه ما علق بها من تراب ناعم‪:‬‬
‫‪ -‬لقد قتلها أصدقاؤك‪" ,‬الجوييم"‪.‬‬
‫أشارت مستنكرة‪:‬‬
‫‪ -‬الزلت ً‬
‫مصرا على نعتهم بما ينعتهم به أعداؤهم!‬
‫فتدارك ذلك ببرود‪:‬‬
‫‪ً -‬‬
‫عذرا‪ ,‬أقصد أهل "باسطين"‪.‬‬
‫طلبت منه املزيد من التوضيح حول "أكيال" وقصتها‪ ,‬فالتمع الخبث‬
‫ً‬
‫بعينه‪ ,‬قائال وقد سره ما بدرعنها من اهتمام‪:‬‬

‫‪190‬‬
‫أصبحت فضولية اآلن؟‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬هل‬
‫أطرقت بوجه كساه الضيق‪:‬‬
‫‪ -‬انس ما قلت‪.‬‬
‫توهجت بداخله الرغبة في الثرثرة‪ ,‬فطفق يقص عليها تفاصيل‬
‫ً‬
‫معرفته بـ"أكيال" وما حدث معهما‪ ,‬كان وجهها يزداد احتقانا حتى اتقدت‬
‫عينها بالشرر مع آخركلماته‪ ,‬ثم انتفضت قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬ال أصدق هذه القصة املختلقة!‬
‫‪ -‬أتتهمينني بالكذب؟!‬
‫‪ -‬كال‪ ,‬بل أتهمك بالسذاجة‪.‬‬
‫لم تبال بإغضابه واستطردت مستنكرة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف انطلت عليك تلك الحيلة؟!‬
‫‪ -‬أي حيلة؟‪ ..‬ومن الذي سيحتال ّ‬
‫علي؟‬
‫‪ -‬فتش عن املستفيد‪.‬‬
‫هزرأسه‪ ,‬وقد تعكرمزاجه ً‬
‫كثيرا‪ ,‬فأجابت سؤاله االستفهامي الذي لم‬
‫ينطق به‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬كنت تتفاخرمنذ قليل بأنك أحد تالميذ املـعلم "آصف"‪ ,‬ألم ترشدك‬
‫َ‬
‫فطنتك إلى أن "ريشع" وتلك الـ "أكيال" هما عضوان لنفس الجسد‪ ,‬جمعا‬
‫أركان اللعبة ً‬
‫معا‪ ,‬وأنت كاألحمق وقعت بفخهما‪.‬‬
‫َّ‬
‫تملك منه الضيق فهتف‪:‬‬

‫‪191‬‬
‫أنت لم تري كم كانت "أكيال"‬
‫‪ -‬ما هذا اآلن‪ ,‬تؤلفين القصص!‪ِ ..‬‬
‫ً‬
‫ترتجف أمامي خوفا من الجو‪ ..‬من أهل "باسطين"‪ ,‬الذين يسعون لقتلها‪.‬‬
‫لم تسمعي عنف صرخاتها وهي تدفعهم عنها عندما اختطفوها بالقوة‪ .‬لم‬
‫تري جثتها وهي ملقاة على األرض في الساحة‪.‬‬
‫‪ -‬الجثة منزوعة الرأس!‬
‫بسخرية قالت‪ ,‬وبتحدي أردفت‪:‬‬
‫‪ -‬وكيف لك أن تتأكد من أن الجثة تخصها؟‬
‫الذ بالصمت لبرهة ثم ببرود سألها‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬وبماذا سيستفيد "ريشع" من تلك اللعبة؟‬
‫ً‬ ‫أجابته ً‬
‫فورا وكأنها أعدت الجواب مسبقا‪ ,‬أو تعرفه كنفسها‪:‬‬
‫‪ -‬سيضمن والءك‪.‬‬
‫حدقا ببعضهما للحظات قطعتها موضحة بحماس‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬هكذا يجند "ريشع" عمالءه‪ ,‬إما بإغرائهم بالخروج من باطن األرض‬
‫والعيش في أبراجهم العاجية فوق الشجر‪ ,‬وإما بغسل عقولهم وحقنهم‬
‫بالكراهية تجاه أهل "باسطين"‪.‬‬
‫ثم أردفت‪:‬‬
‫ٌ‬
‫شاهد على صدق نظريتي‪.‬‬ ‫‪ -‬وأنت بنفسك‬
‫رفع عينه إليها بتعجب‪ ,‬فاستطردت بابتسامة ثقة‪ ,‬ونظرة ظفر‪:‬‬

‫‪192‬‬
‫‪ -‬لقد كان النفق الذي ادعت "أكيال" أنها تنوي الهرب منه بال مخرج‪,‬‬
‫جيدا أنكما لن تصال إلى نهايته ً‬
‫أبدا‪.‬‬ ‫ملاذا؟‪ ..‬ألنها كانت تعلم ً‬

‫الذ بصمت طويل هذه املرة‪ُ ,‬يقلب كل االحتماالت برأسه‪ ,‬لم ِتم ْل‬
‫نفسه بعد طول تفكير إلى ش يء‪ .‬ال يصدق! وال يكذب! لذلك وقف في‬
‫ً‬
‫منتظرا التماس مزيد من األدلة‪.‬‬ ‫منتصف املسافة‬
‫سمعها تقول بخبث‪:‬‬
‫‪ -‬ثم إننا قادرات على التصرف بهستيرية متى أردنا ذلك‪ ,‬إنه سالح‬
‫دفاعي الستدرارالعطف ال تملكونه أنتم‪.‬‬
‫ً‬
‫متفكها بخبث مشاكس‪:‬‬ ‫قال‬
‫أضعت‬ ‫أنك‬ ‫ٌ‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬إذن إما أن عدد األسلحة كان ينقصه واحد‪ ,‬أو ِ‬
‫خاصتك‪.‬‬
‫ِ‬
‫قالت بحزم تضع الجملة األخيرة إلنهاء حوارال ترغب في مواصلته‪:‬‬
‫‪ -‬ليس معنى عدم استخدامي له أنني ال أملكه‪.‬‬
‫التقط رغبتها‪ ,‬لكنه واصل حديثه‪:‬‬
‫‪ -‬أتعلمي ن‪ ,‬قوتك ال تنبع من طبيعة قاسية‪ ,‬بل من الغضب‪ ,‬وهذا‬
‫أسوأ‪.‬‬
‫أردف دون أن يبدرعنه أدنى اهتمام بالشرر املتقد بعينها‪:‬‬
‫‪ -‬رد الفعل الناتج عن القسوة يتبع قوانين السبب والنتيجة‪ ,‬أما في‬
‫الغضب فإنه ً‬
‫كثيرا ما يفقد املنطق‪ .‬لذلك نحن أكثر قدرة على التعامل مع‬

‫‪193‬‬
‫متحجرالقلب عن سريع الغضب‪ .‬ألننا نفهم األول ونتوقع خطوته التالية‪,‬‬
‫وهذا ال يتاح لنا مع الثاني‪.‬‬
‫ثم استطرد‪:‬‬
‫َّ‬
‫‪ -‬إذا تبخرغضبك فستتجلى هشاشتك بوضوح‪ ,‬لذلك تحافظين عليه‬
‫ً‬
‫مشتعال بداخلك‪.‬‬
‫قالت متظاهرة ببرود هتك ستره صوتها الناري‪:‬‬
‫‪ -‬هل أصفق لك‪.‬‬
‫أكمل بعناد وقد فقد قدرته على تلبية نداء الصمت‪:‬‬
‫‪ -‬أعرف أنني أغضبتك بجنون اآلن‪ ,‬ألنني أتحدث عن أشياء شخصية‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫جدا‪ ,‬عن تلك الخصوصية التي تميزك عن غيرك‪ ,‬والتي تعلمين أنها ال تثير‬
‫إعجاب اآلخرين وال تفخرين بها‪.‬‬
‫ً‬
‫لم يتعجب إذ نهضت وقد همت بمواصلة السير دونه‪ ,‬تبعها متباطئا‬
‫ً‬
‫في بادئ األمر‪ ,‬ثم غذى السير للحاق بها‪ .‬غاص في أفكاره محاوال استشراف‬
‫ما سيسفرعنه لقاؤه بـ "آصف"‪ .‬سألها بغتة‪:‬‬
‫‪ -‬ما معنى اسمك؟‬
‫َ‬
‫تجيب‪ ,‬لكنها قالت بعد برهة‪:‬‬ ‫ظنها لن‬
‫‪ -‬رائحة‪.‬‬
‫‪ -‬رائحة!‬
‫‪ -‬نعم‪ ,‬رائحة‪.‬‬

‫‪194‬‬
‫سألها ً‬
‫مازحا‪:‬‬
‫أنت؟‬
‫‪ -‬وأي نوع من الروائح ِ‬
‫هزت كتفيها قائلة‪ ,‬وهي تركل الرمال بقدمها‪:‬‬
‫‪ -‬أترك ذلك لآلخرين‪ٌ ,‬‬
‫كل يحدد الرائحة التي يحس أنها تعبرعني‪.‬‬
‫ثم سألته بخجل‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تشم أنت؟‬
‫‪ -‬رائحة قذرة ً‬
‫جدا‪.‬‬
‫توقفت تصعقه بنظرات غاضبة‪ ,‬فأشار إلى جثة مطمورة أسفل‬
‫الرمال‪َّ ,‬‬
‫يتبدى منها رأسها وأحد أطرافها‪ ,‬دنا "القزم" من الجثة املتحللة‪,‬‬
‫رغم الرائحة الكريهة التي تنبعث منها‪ ,‬وأعمل نظره في الوجه الذي يراه‬
‫َ‬
‫للمرة األولى‪ ,‬ثم عاد إلى جوار ِ"بنان" التي تقلص وجهها بإشمئزاز‪ ,‬يسألها‪:‬‬
‫‪ -‬ما هذا؟‬
‫‪ -‬يبدو أن هناك من قتله ودفنه هنا‪.‬‬
‫ً‬
‫ساخرا‪:‬‬ ‫قال‬
‫‪ -‬ظننت أن مملكتكم خالية من الشرور‪ ,‬وأن الجالوزة قادرون على‬
‫تخليصها ممن يحملون بذرة الشر‪.‬‬
‫أهمه‪ ,‬أفاء إلى نفسه عندما‬ ‫ٌ‬
‫شارد فيما َّ‬ ‫استكمال سيرهما‪ ,‬وكل منهما‬
‫بددت كلماتها صمتهما الطويل‪ ,‬وقد شخصت نظراتها إلى السماء‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬كان أحد تالميذ املـعلم "آصف"‪.‬‬

‫‪195‬‬
‫َّ‬
‫فتسورت الدهشة وجهه‪ ,‬وامتزجت بأمارات‬ ‫ً‬
‫سريعا عمن تتحدث‪,‬‬ ‫فهم‬
‫الفضول‪ ,‬تتدافع برأسه األسئلة‪.‬‬
‫‪ -‬قلتم أن تالميذ "آصف" من األمراء فحسب‪.‬‬
‫أومأت برأسها ً‬
‫إيجابا‪ ,‬فازداد نهمه‪.‬‬
‫‪ -‬هل كان "أصالن" ً‬
‫أميرا؟!‬
‫تأخرت هزة رأسها ثانيتين‪ ,‬ثم سألها‪:‬‬
‫‪ -‬ظننته ً‬
‫واحدا منكم‪.‬‬
‫ندم على مقولته عندما هتفت بازدراء‪ ,‬قبل أن تسرع في خطاها‬
‫مبتعدة عنه‪:‬‬
‫واحدا منا شئت أم أبيت‪ ,‬هل تعلم من الذي لن ُيصبح منا ً‬
‫أبدا‪..‬‬ ‫‪ -‬كان ً‬
‫أنت‪.‬‬
‫بعد سير مديد‪ ,‬سبقته إلى قمة الجبل‪ ,‬شحذ غضبها من همتها‬
‫ُ‬
‫لتتخلص من مهمة مرافقته ثقيلة الوطء‪ .‬انتظرته في الجهة املطلة على‬
‫"النهر األسود"‪ ,‬حتى دنا منها ُمتعب الجسد ُمنهك القوة‪ ,‬وبينما هو يسألها‬
‫ً‬
‫عن خطوتهما التالية متلفتا حوله يستطلع املكان‪ ,‬انطلقت عقيرته‬
‫َ‬ ‫بصرخة فزع عالية‪ ,‬تردد صداها ً‬
‫عاليا‪ ,‬عندما دفعته ِ"بنان" بكل قوتها‬
‫ليسقط من فوق الجبل!‬

‫***‬

‫‪196‬‬
‫امللف الثالث والعشرون‬

‫من بطن "شجرة الطاقة" يأتي الصغارإلى عالم مملكة "النسر"!‬


‫غشيت سكرة اللهفة األفراد املجتمعين أمام "شجرة الطاقة"‪ ,‬التي‬
‫تسبق "فم النار" بعدة خطوات تسمح للهيب حرارته أن يلفح وجوههم‪.‬‬
‫يعلو أحد أوراقها عينا امللك الجديد الذي اعتلى عرش مملكتهم اليوم‪.‬‬
‫ُ‬
‫يتوسل كل منهم إلى العين املباركة‪ ,‬وإلى "شجرة الطاقة" املعمرة‪ ,‬أن تهبهم‬
‫صغارا‪ ,‬في ترانيم امتدت حتى َّ‬
‫كل منهم الزمان‪ ,‬وتثائبت أركان املكان‪.‬‬ ‫ً‬
‫ُ‬
‫تقدم كل فرد يهب أضحيته لـ "شجرة الطاقة"‪ ,‬بذرة يضعها بتجويف‬
‫عميق بساق الشجرة‪ .‬أشار الجالوزة إلى الجميع بأن عدد املضحين اكتمل‬
‫فرحا يعلو وجهه‬‫مغادرا من تمكن من استوداع ُأضحيته‪ً ,‬‬ ‫ً‬ ‫لهذا اليوم‪ .‬أفل‬
‫البشر واألمل‪ ,‬بينما كس ى الحزن وجه الباقين‪ ,‬يوصون أنفسهم وبعضهم‬ ‫ِ‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫بالصبر‪ ,‬انتظارا ملض ي أربعة أيام أخر‪ ,‬حتى يتاح لهم تقديم أضحيتهم في‬
‫ٌ‬
‫جديد للمملكة‪,‬‬ ‫سينصب فيه ٌ‬
‫ملك‬ ‫احتفال يوم الزينة القادم الذي ُ‬
‫وعندها سيتوسلون إلى نور عينيه أن يهبهم ً‬
‫أبناء لهم‪.‬‬
‫َ‬
‫انتهى الحفل‪ ,‬وتشتت الجمع‪ ,‬أمنى بعضهم نفسه بليلة طويلة‬
‫ً‬
‫بصحبة األرق‪ ,‬يكتوون فيها بنيران الشوق‪ ,‬حتى يأتي فجر الغد‪ ,‬حامال في‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫صغيرا لكل فرد قدم أضحيته لـ"شجرة الطاقة"‪.‬‬ ‫جعبته‬
‫***‬

‫‪197‬‬
‫فاجأته السقطة التي لم يجمع لها أهبته‪ ,‬ولم يتجهز لها بجهازها‪ .‬ظن‬
‫أن النهاية قادمة ال محالة‪ ,‬كاد قلبه أن يتوقف ً‬
‫هلعا وهو يسقط من ورقة‬
‫إلى أخرى ومن غصن إلى آخر‪ ,‬وقد فشل في التمسك بأي منها‪ ,‬لشجرة‬
‫لبالب عمالقة تشرف على الجبل من جهة الغابة‪ ,‬فيمتد أحد أغصانها‬
‫املتفرعة إلى جانب الجبل املواجه للنهر‪ ,‬عملت كمحضن لسقطته‪ .‬تميل‬
‫إلى األسفل باتجاه النهر بزاوية حادة أوراق لم يكن بها من اللزوجة ما‬
‫يعينه على التمسك بها‪.‬‬
‫انتهت رحلته القصيرة الخطرة مع آخر ورقة عملت كوسادة مرنة‬
‫خففت من حدة سقطته‪ ,‬فوق مساحة محفورة بجنب الجبل‪ ,‬بينما‬
‫ً‬ ‫جسده ينتفض ً‬
‫هلعا‪ ,‬ظن أن مع نهاية الشجرة لن يجد حائال بينه وبين‬
‫الغرق في مياه النهر‪ .‬فشل في الوقوف على أقدامه لفرط رعشتها‪ ,‬قلبه‬
‫يضج بصدره كمن مسه الجنون‪.‬‬
‫ً‬
‫سخى عليها في الغضب‪ ,‬وجاد بعصبيته وحدته قائال متقطع األنفاس‪,‬‬
‫عندما انتهت سقطتها هي األخرى مع آخرورقة بجانبه‪:‬‬
‫تجاوزت حدك بالفعل‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لقد‬
‫َّ‬
‫متشفية‪ ,‬وهي تنهض وتعدل من وقفتها‪:‬‬ ‫قالت باستفزاز‬
‫‪ -‬ألم تقل أن سريع الغضب معتوه ال يتصرف بمنطق‪ ,‬ها أنا قد أثبت‬
‫ً‬
‫فخورا بنفسك اآلن‪.‬‬ ‫صحة نظريتك‪ ,‬ينبغي أن تكون‬
‫هتف ً‬
‫فاقدا الكثيرمن رحابة صدره‪:‬‬
‫أعدك أنني سأعيد النظر في ذلك‪ ..‬كيف تفعلين‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لم أقل معتوه! لكن‬
‫هذا بي‪ ,‬لقد ظننت أنني واملوت ً‬
‫وجها لوجه‪.‬‬

‫‪198‬‬
‫‪ -‬جبان‪.‬‬
‫نظرك‪ ,‬إذن نعم أنا جبان متمسك‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬إذا كان كراهية املوت ُجبنا في‬
‫بالحياة‪.‬‬
‫وقفا متواجهين كبطلي مصارعة‪ ,‬أبصرت للمرة األولى الشرر بعينه‪,‬‬
‫لكنه فشل في أن يحتفظ به سوى لحظات‪ ,‬استعادت بعدها عينه بروية‬
‫صفاءها‪ .‬غمرتها الحيرة‪ ,‬كيف يسكن الصفاء عينه ً‬
‫دائما‪ ,‬وال يكون العكر‬
‫سوى ً‬
‫زائرا سريع العيادة‪ ,‬قليل املقام‪ .‬مر بريق خاطف بعينها وارته‬
‫ً‬
‫سريعا‪ ,‬وهمس لها فؤادها بنبضة وأدتها‪.‬‬
‫بطلك "أصالن" في ش يء؟‬
‫ِ‬ ‫كرهك لي أنني ال أشبه‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬أدرك أن مكمن‬
‫استبد بها االضطراب‪ ,‬منحته نظرة دهشة وهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬هل تلعب معي! وملاذا يدفعني ذلك إلى كرهك؟‬
‫َّ‬ ‫قال ً‬
‫مقتربا منها خطوة قلصت املسافة بينهما إلى النصف‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لك التظاهر بالغباء أحيانا‪ ,‬وهو باملناسبة‬
‫أنت ذكية جدا لكن يحلو ِ‬
‫‪ِ -‬‬
‫سالح دفاعي أرقى من استدرارالعطف‪.‬‬
‫‪ -‬ليس لدي وقت وال مزاج للعب معك‪.‬‬
‫تمتمت مبتعدة عنه‪ .‬سلكت الجهة اليمنى من املساحة املحفورة التي‬
‫تطوق خصر الجبل‪ ,‬فتبعها ُم ً‬
‫بقيا على مسافة بينهما‪ُ .‬م ً‬
‫نتبها إلى خطواته‪,‬‬
‫زلة واحدة ألقدامه وسيجد نفسه بقاع النهر‪.‬‬
‫***‬

‫‪199‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬ال أريد أن أخسرمكانتي بعين ِ"بنان"‪ ,‬ال أريد أن ُيفتضح أمري‪.‬‬
‫َ‬ ‫‪ -‬هل ينبغي ّ‬
‫أذكرك مرة أخرى أن ِ"بنان" سينتهي أمرها بعد‬‫ِ‬ ‫علي أن‬
‫أربعة آيام من اآلن‪.‬‬
‫ً‬
‫متعمدا‪.‬‬ ‫‪ -‬فلتحرق في "فم النار" يا "جادور"‪ ,‬لقد فعلت ذلك بها‬
‫ً‬
‫سقم وجهها‪ ,‬وتواترت عليها املخاوف‪ .‬نبذ عنها آخر رمق لعنادها قائال‬
‫بتهديد صارخ‪:‬‬
‫بإرادتك‪ ,‬لم‬
‫ِ‬ ‫سلكت هذا الطريق‬
‫ِ‬ ‫يمكنك أن تتوقفي اآلن‪ ,‬لقد‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ال‬
‫توسلت ّ‬
‫إلي ألرشدك إليه‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أجبرك على ش يء‪ ,‬بل في الواقع‬
‫ِ‬
‫ابتلعت مقاومتها‪ ,‬وشخصت ببصرها وقد تكالبت عليها الظنون‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا لو انكشف ما أفعله قبل احتفالية "الفداء الكبير"؟‪ ..‬ماذا لو‬
‫َّ‬
‫علي متلبسة بجرمي؟‪ ..‬سينتهي أمري‪ ,‬لن يرحمني أحد‪ ,‬ولن يتشفع‬ ‫ُقبض ّ‬
‫ّفي أحد‪.‬‬
‫بجوارك‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ال تخافي‪ ,‬سأكون‬
‫تطلعت إليه بتوجس‪ ,‬يغلب على ظنها أنه لن يفعل ما يعد به‪,‬‬
‫وسيكون أول من يزج بها في "فم النار" إن افتضح أمرها‪ .‬لن يرهق أنفاسه‬
‫في الدفاع عن آثمة تحمل بداخلها بذرة الشر‪ ,‬لن يخاطر بمكانته عند‬
‫الجميع من أجلها‪.‬‬
‫أخرج من جعبته ما وأد بها التردد‪ ,‬فتوقفت مخاوفها عن اإلبحار‬
‫برأسها‪ ,‬تحدق بشغف في القطعة العجينية‪ ,‬تتلقفها محتضنة إياها‬
‫ُ‬
‫بأطرافها‪ .‬تهلل وجهها عائدة إلى مسكنها‪ ,‬تدلك بها كل جزء من جسدها‬

‫‪200‬‬
‫بانتشاء‪ ,‬تعبث بها خياالت الرشاقة‪ ,‬من رحيق زهرة ال تنبت إال في تربة‬
‫الكهف‪ ,‬تحاول بها استعادة نضارة ذوت‪ ,‬لتعود إلى آخر عهد لها بجمال‬
‫األميرات‪.‬‬

‫***‬
‫ُّ‬
‫أخيرا مطلع شجرة "الل َـو ّي" بحبالها النابتة التي تتعلق بالجبل‬
‫بلغا ً‬
‫وتلتف عليه كاألفعى‪ ,‬تنتهي حبالها بأوراق دائرية متدرجة األطراف‪.‬‬
‫امتدت منها الحبال لتربط الجبل بآخر يبعد عنه بمسافة ليست بالقليلة‪.‬‬
‫ال يمكن بلوغ فتحة ملمر سري بالجبل الثاني إال بتسلق تلك الحبال‬
‫والتنقل من واحد إلى آخر‪.‬‬
‫توتره عندما أبصر بعض الحبال الواهية‪ ,‬والتي‬ ‫َ‬ ‫غلب "القزم"‬
‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬
‫تقطعت‪ ,‬تتالعب بها الرياح كيفما شاءت‪ .‬قال لـ ِ"بنان" مفصحا عن‬
‫مخاوفه من أن الحبال لن تتحمل ثقل جسديهما‪ .‬على الرغم من نظرات‬
‫الهزء والسخرية التي رمته بها‪ ,‬بيد أنها دنت من الشجرة وأعملت سكينها‬
‫في أحد الحبال في موضع ضعيف‪ .‬استقرت أمامه ثم َّلفت طرفه حول‬
‫خصرها‪ ,‬ومنحته الطرف اآلخرة ليحذو حذوها‪ .‬النت مالمح وجهه‪ ,‬وطفق‬
‫يسألها باهتمام‪:‬‬
‫ُ‬
‫سأسحبك معي‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ملاذا تفعلين ذلك؟‪ ..‬إن سقطت‬
‫هزت رأسها وبتلقائيه أجابته‪:‬‬
‫‪ -‬يجب أن يعتني رفقاء املهمة ببعضهم البعض‪.‬‬
‫‪ -‬لكننا لم نتعاهد على أن يحمي بعضنا ً‬
‫بعضا‪.‬‬

‫‪201‬‬
‫‪ -‬العهود التي ال ننطقها نكون أكثر قدرة على الوفاء بها‪ ,‬ألننا نكتبها‬
‫بماء القلب‪.‬‬
‫حصرت اهتمامها في التأكد من إحكام العقدتين‪ ,‬فغاب عن إدراكها‬
‫سنا نظرات شغوف استقر فوق حنايا وجهها‪ .‬انبعث من خافقه دفقات‬
‫َّ‬
‫دافئة متواترة‪ ,‬فتعلقت أفكاره بأنفاسها‪.‬‬
‫طيرا مضطرب‬‫دون وعي ُنقشت على وجهه ابتسامة صافية‪ ,‬أبصر ً‬
‫ً‬
‫مضطربا‪ ,‬وقد زوت من وجهها‬ ‫الجناحين يحوم بسواد عينها‪ .‬خرج صوتها‬
‫تتكلف العبوس‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا تبتسم ببالهة؟‬
‫ٌ‬
‫سؤال أسره‬ ‫ذابت بسمته وتالشت ليأخذ الحرج بذيلها‪ .‬تلجلج بداخله‬
‫في نفسه عن طبيعة عالقتها بـ"أصالن" بعدما عرف أنه كان أحد أمراء‬
‫اململكة‪ .‬استقر عزمه على استقراء الجواب من األدلة التي تتوافر له‪ ,‬ألنه‬
‫يعلم أنها لن تجود على سؤاله بالجواب‪.‬‬
‫أنيسا لرحلتهما الصامتة من‬ ‫أرخى الليل سدوله‪ ,‬فاستمدا من القمر ً‬
‫حبل إلى آخر‪ ,‬اجتمع اإلرهاق مع صعوبة املهمة فطالت املسافة بين‬
‫الجبلين‪ .‬اشتد عليهما سلطان البرد فاستلهما منه علو الهمة‪ ,‬فالدفء‬
‫ينتظرهما بداخل النفق السري‪ .‬لم يكن في هذا املوضع ماء‪ ,‬وال على‬
‫مقربة منه‪ ,‬فتحمال الظمأ والجوع الذي يقرص معدتيهما‪.‬‬
‫تبدى فوق وجهها من‬‫مبصرا ما َّ‬
‫ً‬ ‫انقضت نصف املسافة فرنا إليها‬
‫عالمات اإلرهاق‪ ,‬لكنها بعزم وعناد واصلت‪ ,‬ولم تلتفت إلى طلبه أن‬
‫ً‬
‫يلتمسا قليال من الراحة‪ .‬لعل الشرود الذي أصاب عقلها‪ ,‬أو البرد الذي‬

‫‪202‬‬
‫ُ‬
‫خدر أطرافها هو ما جعلها تفلت الحبل بغتة لتسقط بقوة في اتجاه مياة‬
‫النهر‪ .‬انخلع قلبه لصرختها املفاجئة‪ ,‬عمل ثقل جسدها على سحبه‬
‫ألسفل‪ ,‬فازداد تشبثه بالحبل‪ ,‬لم يضيع أنفاسه في سؤالها إن كانت بخير‪,‬‬
‫أو ليطمئنها ويزيل عنها القلق‪ .‬بذل جهده في سحبها إلى األعلى‪ ,‬فأبصرها‬
‫وقد نفضت الخوف عنها وشرعت في تسلق الحبل لتعينه في مهمة‬
‫إنقاذها‪.‬‬
‫وصلت إلى الحبل الذي يتمسك به فتشبثت به بدورها‪ ,‬ران الصمت‬
‫إال من همهمات الريح وأنفاسهما املتقطعة‪ ,‬وضربات قلبيهما املهتاجة‪.‬‬
‫أعمل نظره فيها ليتأكد من سالمتها‪ ,‬ارتسمت فوق وجهها ابتسامة من‬
‫أعذب ما رأى‪ ,‬وبكلمات تحمل من حرارة االمتنان ما تحمله من الفرح‬
‫بالنجاة قالت‪:‬‬
‫‪ً -‬‬
‫شكرا ألنك لم تقطع الحبل‪.‬‬
‫تجمد في مكانه ً‬
‫واجما‪ ,‬شعربوخزات كلماتها تخزفي قلبه وتؤمله‪.‬‬ ‫َّ‬

‫***‬

‫‪203‬‬
‫امللف الرابع والعشرون‬

‫استلقى "القزم" على جانبه ببلوغ مدخل املمر السري بقلب الجبل‪,‬‬
‫تتهادى نظراته الشجية بين أركان مكان ذي طبيعة غرائبية‪ .‬نهر وتالل‪,‬‬
‫ورمل وجبال‪ ,‬وغابة وسحابة‪ ,‬وسماء بأسرجة وهاجة‪ ,‬وكأس موت على‬
‫الجميع ُيدار‪ ,‬وطبيعة تنطوي كل صفحاتها على بدائع وأسرار‪ ..‬فاستبدت‬
‫َ ُ‬
‫العبث تخلق هكذا حياة؟!‬ ‫به الحيرة وخطربعقله سؤال‪ِ ,‬أمن َر ِحم‬
‫استل سيف الصمت‪ ,‬فجرحها بحدة شفرته‪ .‬طفقت تجول في النفق‪,‬‬
‫ال تبعد عنه مسافة كبيرة‪ ,‬حتى تعود إلى مدخله حيث يستريح "القزم" من‬
‫وعثاء الرحلة‪ .‬كشفت زفراتها وحركاتها غير املستقرة عن توترها‪ ,‬فالذ‬
‫بتجاهلها‪ .‬استكانت على مقربة منه‪ ,‬تحدق به محاولة ترتيب كلمات‬
‫خلقتها من العدم‪ .‬أدركت صعوبة املهمة عندما َبدر عنها جملة استشعرت‬
‫فيها السذاجة‪:‬‬
‫‪ -‬لقد َّ‬
‫حل الليل‪.‬‬
‫ثم أضافت بحدة متعمدة‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬استغرقنا بسببك وقتا أطول مما ينبغي‪ ..‬فأنت بطيء الحركة‬
‫كالدودة‪.‬‬
‫تعامد القمر مع فتحة النفق فتخضب وجهاهما بشذرات ضيائه‪ ,‬ال‬
‫ً‬
‫طعاما من جعبته‪ ,‬وقضم قضمة كبيرة‬ ‫يفارق عن القمر عينه استجلب‬

‫‪204‬‬
‫ً‬
‫ظل يلوكها طويال بروية‪ .‬استلقت على جانبها تولي السماء شحوب وجهها‪,‬‬
‫تساهرالنجوم‪ ,‬وتشاطرها مبعث ضيقها بوجه ساوره الوجوم‪.‬‬
‫غدا بتوزيع الصغارعلى املُ ّ‬
‫ضحين‪.‬‬ ‫‪ -‬سينشغل الجميع ً‬
‫ِ‬
‫أمعنت النظر إلى وجهه فلم تر هزة رأسه التي اعتادت مرآها عندما‬
‫يساوره الفضول‪ ,‬ويلح برأسه السؤال‪ .‬قضم قضمة أخرى من طعامه‪,‬‬
‫واليزال الصمت يالزمه‪ ,‬فجأة قالت بغيظ‪:‬‬
‫‪ -‬أنت ال ش يء‪.‬‬
‫ّ ً‬
‫بتحد قائال‪:‬‬
‫خرج عن صمته‪ ,‬رفع رأسه ٍ‬
‫أنت مهتمة أن تقولي‬
‫‪ -‬إذن ملاذا تتحدثين إلى هذا الالش يء‪..‬ملاذا ِ‬
‫أنفاسك في مشاكستي؟‬
‫ِ‬ ‫لالش يء أنه ال ش يء‪..‬ملاذا تهدري‬
‫كان دورها لتلتزم الصمت‪ .‬ولم تجب على سؤاله‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا ال تثقين بي‪ ..‬ها؟‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫استجلبت قسماتها ألوانا من الضيق وهي تولي وجهها شطر السماء‪.‬‬
‫َ‬
‫أخيرا‪ ,‬واستسلمت عينها لطيب الك َرى‪.‬‬
‫بعد وقت طويل انتظمت أنفاسها ً‬

‫***‬
‫َّ‬
‫استيقظت فتمطعت متثائبة‪ ,‬انتفضت فزعة عندما لم تجد "القزم"‬
‫َ‬
‫حيثما تركته‪ ,‬كانت السماء قد تخضبت بأولى سهام قوس الشمس‪َ .‬دنت‬
‫من بداية فتحة املمر يتدلى عنقها لألسفل حيث النهر‪ ,‬انقبض قلبها وهي‬
‫تتخيله يصارع املياه بجنون قبل أن يلفظ فيها آخرأنفاسه‪.‬‬

‫‪205‬‬
‫التفتت بغتة تنظر بداخل النفق عندما تنامى إلى مسامعها قرع‬
‫خطوات‪ ,‬ساورتها السكينة عندما دنا منها دون أن يتحدث بش يء‪ ,‬قطع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أخيرا هذا الصمت متسائال وهو يشيرإلى داخل النفق دون أن ينظرإليها‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬هيا‪ ,‬فلنتم ذلك‪.‬‬
‫أومأت برأسها إيماءة علمت أنه لن يراها‪ ,‬مضيا في طريقهما يغذيان‬
‫السير‪ ,‬لوال قدرتهما على الرؤية خالل الظالم ملا رأيا لنفسيهما موضع‬
‫قدم‪ ,‬حتى والشمس تسكن صدر السماء‪ .‬بدا كأنه نفق بال نهاية‪َّ ,‬‬
‫تعجب‬
‫من قدرة "آصف" على حفر ممر بهذا الطول‪ ,‬البد أنه استعان بتالميذه‪,‬‬
‫ُ‬
‫تساءل في نفسه "ترى هل كان أحد الذين ساعدوه في حفرالنفق؟"‪.‬‬
‫ُ‬
‫لم يكد يتم سؤاله في رأسه حتى قطع طريقهما أحد أفخاخ املـعلم‬
‫"آصف"!‬

‫***‬

‫‪206‬‬
‫امللف الخامس والعشرون‬

‫حل بجسده إال أن "جادور" واصل الحفر داخل‬ ‫رغم التعب الذي َّ‬
‫النفق‪ ,‬كلما تحولت الرمال إلى اللون الداكن ازداد حماسه‪ ,‬فتلك إشارة‬
‫تنبؤه أن الباقي قليل‪.‬‬
‫‪ -‬ماذا تفعل هنا؟!‬
‫التفت يحدق في ُمحدثه بالمباالة‪ ,‬أعقبها استمراره في عمله دون أن‬
‫يبدرعنه التفاتة أخرى‪ ,‬تعالت صرخات "داموس" املستنكرة‪:‬‬
‫‪" -‬جادور" هل جننت‪ ,‬قد يراك أحد‪.‬‬
‫انقض عليه ً‬
‫جاذبا إياه بعنف‪ ,‬فأبعده "جادور" عنه وهو يهتف به‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬وماذا أفعل إن كنت متلكئا في عملك‪ ,‬أتعلم أنه ليس لدينا وقت‬
‫لنضيعه؟‬
‫احتقن وجه "داموس" وبغضب صاح به‪ ,‬وهو يدنو منه بمشيته‬
‫العرجاء‪:‬‬
‫‪ -‬أوتظن أنني ال أعلم ذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬لقد أصر ذلك الغبي على أن تذهب به ِ"بنان" إلى مسكن النفاية‬
‫"آصف"‪ ,‬لدينا فرصة ذهبية لنتم هذا األمر قبل عودتهما فلماذا‬
‫تضيعها؟‬

‫‪207‬‬
‫و"سالس" هل نسيت أمرها‪ .‬نحتاجها لنجاح خطتنا بعدما نتخلص‬ ‫‪ُ -‬‬
‫َّ‬ ‫َ‬
‫و"بنان"‪ ,‬إن رأتك اآلن سيثير ذلك شكها‪ ,‬وسترفض بعناد‬ ‫من "القزم" ِ‬
‫تقديم املساعدة‪.‬‬
‫ً‬
‫نظرإليه "جادور" قائال بحزم‪:‬‬
‫ً‬
‫حسنا لكن ال تتلكأ واجعلها تساعدك هي ُ‬
‫و"معاقبها"‪ .‬مشاكلي مع‬ ‫‪-‬‬
‫"راعون" تعقدت ً‬
‫كثيرا وقد يغدر بي في أي لحظة‪ ,‬وجهوده في البحث عن‬
‫مخبأ "قوة الكون" زاد نهمها‪ ,‬يجب أن نملك تلك القوة قبل الجميع‪.‬‬

‫ُ ّ‬ ‫ً‬
‫ذكره‬‫أومأ "داموس" برأسه إيجابا بنفاذ صبر‪ ,‬لم يكن في حاجة ملن ي ِ‬
‫بمدى حساسية الوقت بالنسبة لهم‪ ,‬يجب أن يصلوا إلى مبتغاهم في‬
‫أقرب وقت‪ ,‬مهما كان ثمن ذلك‪ ,‬ومهما كانت التضحية‪ .‬يعلم أن "جادور"‬
‫ليس الشخص األمثل لقيادة فريقهم السري‪ ,‬يعلم فيه من االنتهازية‬
‫والصلف والغرورما يجعله أسوأ مرشح ُلينصبوه عليهم ً‬
‫قائدا‪ ,‬لكن ال حل‬
‫أمامهم سوى ذلك‪ ,‬ال قائد غيره لديه من السلطة والنفوذ والحيلة ما‬
‫َّ‬
‫يساعدهم في حربهم مع أهل الكهف بملوكه وأمرائه وكبرائه‪ .‬تذكر يوم أن‬
‫أتاه أحد أفراد ذلك الفريق ليطلعه على مآربهم ويطلب منه االنضمام‬
‫إليهم‪ ,‬وكيف اتقد قلبه بالحماس وهو ُيصرح بموافقته دون ذرة إبطاء‪.‬‬
‫منذ أن وعي الحياة في مملكة "النسر" وهو يكره ذلك التقسيم‬
‫القسري‪ ,‬الذي لم ينشأ إال من عبث الطبيعة بهم‪ ,‬فلماذا يترك مصيره‬
‫لعبثها طاملا بإمكانه أن يغير كل ش يء‪ ,‬طاملا بامتالكه تلك القوة سيتمكن‬
‫هو وفريقه من قلب موازين اململكة‪ ,‬وامتالك قلوب أفرادها‪ ,‬لن يملك أي‬
‫منهم أن يعص ي لصاحب تلك القوة أي أمر‪ .‬وسيكون بإمكانه االنتقام من‬

‫‪208‬‬
‫َ‬
‫"ريشع" قائد محاربي"مينورا"‪ ,‬لن يوافق على ما يتطلع إليه بعض أفراد‬
‫الفريق من االتحاد معه من أجل مزيد من القوة والنفوذ‪ .‬لم يبذل تلك‬
‫التضحية العظيمة بأغلى ما يملك‪ ,‬من أجل أن يقف ً‬
‫جنبا لجنب مع من‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫قتلوا أباءه وأجداده‪ ,‬لم ُيض ِ ّح بـ ِ"بنان" ليضع يده في يد ملك "مينورا"‪ ,‬بل‬
‫ليسوموه وأمراء مملكته سوء العذاب‪.‬‬
‫يجب أن يصل إلى تلك القوة التي ستوحد جميع أفراد مملكة‬
‫"النسر"‪ ,‬تساوي بين الجميع‪ ,‬وتجعلهم على قلب فرد واحد‪..‬‬
‫ُ‬
‫لكن ترى على أي قلب سيجتمعون؟!‬

‫***‬
‫َّ‬
‫تمثل أمامهما ٌّ‬
‫عال من الرمال يصل إلى السقف‪ ,‬بال منفذ للمرور‪,‬‬ ‫ٍ‬ ‫سد‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬
‫تملك اإلحباط من قلب "القزم" على الفور‪ ,‬أخبرته ِ"بنان" بحيرة أن املـعلم‬
‫"آصف" كان يهوى صناعة األفخاخ‪ ,‬وال يعلم إال تالميذه طريقة الفكاك‬
‫ً‬
‫منها‪ ,‬لكنها لم تكن على علم بأنه وضع فخا بهذا املمر‪ ,‬لم يخبرها "أصالن"‬
‫بذلك ً‬
‫أبدا‪.‬‬
‫تأت إلى هنا من قبل؟‬
‫‪ -‬ألم ِ‬
‫سألها باهتمام‪ ,‬فهزت رأسها ً‬
‫نفيا‪ ,‬وأجابت بمرارة أحس بها‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ال‪ ,‬ال يلتقي املـعلم "آصف" بالعامة‪.‬‬
‫‪ -‬ملاذا صنع هذا املمر إذن؟‪ ..‬ظننت أنه من أجلكم‪ ,‬أقصد من أجل أن‬
‫يتواصل معكم‪.‬‬
‫تمتمت وهي ترنو إليه بأس ى لم تحجبه‪:‬‬

‫‪209‬‬
‫‪ -‬كال لم يصنعه من أجلنا‪ ,‬بل من أجل تالميذه املنبوذين املستبعدين‬
‫من الكهف‪ ,‬أولئك املحكوم عليهم بالنفي في مساكن الشعب‪.‬‬
‫ً‬
‫متفهما وهو يتمتم‪:‬‬ ‫أومأ برأسه‬
‫‪ -‬مثل ُ‬
‫"سالس"‪.‬‬
‫‪ -‬نعم‪ ,‬و"أصالن" ً‬
‫أيضا‪.‬‬
‫صمت لبرهة يستوعب ما قالته‪ ,‬ثم سألها بفضول‪:‬‬
‫ً‬ ‫‪ -‬ما قصة ُ‬
‫"سالس"‪ ..‬هل تظن حقا أنها‪...‬‬
‫أكملت كالمه‪:‬‬
‫‪ -‬جثة‪ ,‬نعم وال‪ ..‬إنها تهرب من واقع ال تريد مواجهته‪ ,‬وهي تعلم ً‬
‫جيدا‬
‫أنها تهرب‪ ,‬وتعلم أننا نعلم أنها تهرب‪ ..‬تخترع القصص وتصدقها‪ ,‬وتعيش‬
‫فيها‪ ..‬لكننا ندعها تتصرف على راحتها‪ ,‬يكفيها ما أصابها‪.‬‬
‫ثم قالت بأس ى‪:‬‬
‫‪ -‬ليس من السهل أن تتحول بين يوم وليلة من أميرة إلى مجرد رقم‪..‬‬
‫ليس لديك أدنى فكرة عن القهر الذي تتعرض له أميرة منبوذة على أيدي‬
‫أفراد الشعب‪ ,‬إنهم يتعاملون معها كجثة بالفعل‪ ,‬جسد بال روح‪.‬‬
‫‪ -‬ملاذا عوقبا؟‪ ..‬أقصد ُ‬
‫"سالس" و"أصالن"‪.‬‬
‫‪ -‬كانا يكثران من األسئلة!‬
‫قالت ذلك باقتضاب‪ ,‬وابتعدت عن مرمى نظراته املغلفة بالدهشة‬
‫واالستياء‪ ,‬تولي اهتمامها لتفحص السد الرملي بأطرافها‪ .‬دنا منها‬
‫ً‬
‫متفحصا إياه بدوره وهو يسألها‪:‬‬

‫‪210‬‬
‫لديك أي فكرة عن كيفية فك شفرات هذا اللغز؟‬
‫‪ -‬أليس ِ‬
‫لم ينظرإليها لكنه توقع هزة رأسها ً‬
‫نفيا‪.‬‬
‫طوليا‪ ,‬تتسع كل فتحة فيهم لقرص خشبي‬ ‫ً‬ ‫ضم السد ثالث فتحات‬ ‫َّ‬
‫دائري احتل منتصفها‪ ,‬وعلى كل قرص ُحفر من الخارج شكل مختلف‪.‬‬
‫ُحفر على القرص األعلى رسم لشجرة واضحة الساق تنتهي بأفرع بآخرها‬
‫عدة دوائر صغيرة تعمل عمل األوراق‪ .‬وعلى القرص الخشبي الثاني ُحفر‬
‫رسم ألحد الطيور‪ ,‬أما القرص األخيرحوى ً‬
‫رسما لجناح بغيرجسد‪.‬‬
‫وعلى األرض كان هناك جزع شجرة ُملقى بغير أوراق‪ .‬وقف "القزم"‬
‫َ‬ ‫أمام كل ذلك ً‬
‫حائرا‪ ,‬يحاول أن يقف لهذا اللغز على حل‪ ,‬فابتدرته ِ"بنان"‬
‫قائلة بحماس‪:‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫‪ -‬البد أن في هذا املكان رسالة تركها املـعلم "آصف" تحوي سؤاال‪,‬‬
‫علينا أن نبحث عن السؤال لكي نتمكن من اختيار القرص الخشبي‬
‫الصحيح‪ ,‬أظن أننا يجب علينا دفعه للداخل فال مجال إلخراجه من هذا‬
‫الثقب‪.‬‬
‫أرضا عن رسالة محفورة‪ ,‬لكن‬ ‫بحثا في جدار النفق وفي الجزع امللقى ً‬
‫َ‬
‫لم يسفربحثهما املضني عن ش يء‪ ,‬حتى صاحت ِ"بنان" بحماس‪:‬‬
‫‪ -‬يا لي من غبية‪ ,‬بالطبع؛ إنها رسالة قلبية!‬
‫هز"القزم" رأسه‪ ,‬فشرحت له ُمرادها‪:‬‬ ‫َّ‬
‫ُ‬
‫‪ -‬إنها تلك اللغة التي يجيدها تالميذ املـعلم "آصف" وحدهم‪ ,‬ال أحد‬
‫قادرعلى قراءة الرسالة سواك‪ ,‬هيا حاول‪.‬‬

‫‪211‬‬
‫ً‬
‫مستفهما‪:‬‬ ‫ساورته الحيرة‪ ,‬فنظرإليها‬
‫‪ -‬كيف؟!‪ ..‬ماذا ّ‬
‫علي أن أفعل؟!‬
‫‪ -‬الرسائل القلبية تلتقطها من الهواء‪ ,‬عن طريق الرائحة‪ ,‬ثم يتفاعل‬
‫معها قلبك ويقرؤها‪.‬‬
‫‪ -‬ال تمزحي‪ ,‬أليس كذلك؟‬
‫َّ‬
‫تلونت عيناها بالحنق وهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬لقد فعلتها من قبل‪ ,‬أتذكر‪ ,‬عندما شممت رائحة البنفسج أمام‬
‫مسكني‪ ,‬مختلطة بصرخاتي التي لم أنطق بها‪ ,‬هيا افعلها اآلن ثانية‪.‬‬
‫لم يدر ماذا عليه أن يصنع‪ ,‬وقف أمام الجدار يتشممه مرة بعد مرة‪,‬‬
‫َ‬
‫ثم انتقل منه إلى الجدار اآلخر يفعل معه باملثل‪ ,‬حتى سألته ِ"بنان"‬
‫باهتمام‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬هل وجدت شيئا؟‬
‫‪ -‬نعم‪.‬‬
‫انفرجت أساريرها وقالت بلهفة‪:‬‬
‫‪ -‬أخبرني‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأيضا قليال من‬ ‫‪ -‬رائحة رطوبة مختلطة بنسمات الصباح‪ ..‬مممم!‬
‫رائحة معدنية‪ ,‬أظنها تشيرإلى أنني بحاجة إلى االغتسال‪.‬‬
‫دفعته بقوة‪ ,‬فسرى في النفق ضحكة مكتومة‪ .‬أشارت بعينها إلى جزع‬
‫الشجرة‪ ,‬دنا منه ً‬
‫كثيرا فنصحته أن يبتعد عنه بعض الش يء َّ‬
‫عل القرب‬

‫‪212‬‬
‫ً‬ ‫منه ُيفسد عليه التقاط الرسالة بشكل صحيح‪َّ .‬‬
‫ظل واقفا أمام الجزع‬
‫َ‬
‫كأنه في صالة‪ ,‬يرنو كل حين إلى ِ"بنان" وكتفاه يهتزان إشارة إلى قلة حيلته‪,‬‬
‫َّ‬
‫فتعكر مزاجها‪ .‬طلبت منه أن يخفي مثلث الرؤية الذي يتوسط جبهته‪,‬‬
‫عل الظالم ُيحفزمن حساسيته اللتقاط الروائح‪.‬‬ ‫َّ‬

‫عم سكون يشوبه صفير النسمات الهاربة من فتحة النفق‪ ,‬مختلطة‬ ‫َّ‬
‫بشذا األشجار وعطور البكور ورحيق الزهور‪ .‬علم أن عليه تجاهل كل‬
‫موقعا ً‬
‫مميزا‪ ,‬رائحة تحرك‬ ‫ً‬ ‫هذه الروائح‪ ,‬ويفتش عن رائحة تقع في قلبه‬
‫قلبه أسلس من املاء‪ ,‬وألين من أعطاف النسيم‪.‬‬
‫واكن َو ْجده وشغفه‪ ,‬وبحركات متواترة انتفض قلبه‪,‬‬ ‫َ‬
‫تحركت س ِ‬
‫أنصت‬ ‫تزلزلت فيه َمكامن األشجان‪ ,‬وبدا وكأنه سافر إلى غير زمان ومكان‪َ .‬‬
‫ِ‬
‫ً‬ ‫ّ‬
‫إلى أنات فؤاده‪ ,‬متملمال من فرط شوقه لسماع حكاياته‪ ,‬وحنينه لقراءة‬
‫همساته ونبضاته‪ .‬اخترق صوتها هذا الصخب مشيرة إلى وجه َّ‬
‫تغير‪,‬‬
‫وأنفاس تقطعت‪ ,‬وبلهفة تساءلت إن كان تمكن من قراءة الرسالة‪ .‬أجابها‬
‫أنه ال يدري إن كانت تلك هي الرسالة‪ ,‬لكن قلبه التقط ما أثار أركانه‪,‬‬
‫فنشرما َ‬
‫انطوت عليه تلك الرائحة من دقائق وأسرار‪:‬‬
‫‪ -‬ال أدري كيف جمعت بين حرارة األلم ِ‬
‫وطيب األثر‪ ,‬إما أنها تستلذ‬
‫ُ‬
‫العذاب‪ ,‬أو به تحقق مآربها‪ .‬يختلط فيها لون السماء العذب بطين َم َّسه‬
‫سواد طبقات الجحيم‪ .‬يشوب صفو سعادتها ً‬
‫دائما كدر‪ ,‬كأنها والسعادة‬
‫ً‬
‫خطان متوازيان أبدا ال يلتقيان‪ ,‬إال بجسور على شفا جرف ٍ‬
‫هار ال تألف‬
‫االستقرار‪ .‬يستعر بها الحنين إلى لحن قديم‪ ,‬أو لعلها ترنيمة اعتادت‬
‫سماعها من أنفاس كانت بقربها تتردد‪ .‬لكن نغماتها ظلمات فوق ظلمات‪,‬‬
‫ُ‬
‫فال تبصرللحياة معها موقع قدم‪.‬‬

‫‪213‬‬
‫تقطعت أنفاسها‪ ,‬وتعلقت أنظارها بوجهه ال تفارقه‪ ,‬أردف بصوت‬
‫متهدج مرتعش‪:‬‬
‫‪ -‬أسمع نغمة تطرب فؤادها ْأم َست قريبة حد الدماء في عروق الوتن‪,‬‬
‫ً‬
‫سوادا‬ ‫صبح ُيمحي بطلعته‬ ‫تهزم جيوش ُ‬
‫الدجى وتغزل قلبها بلون الشفق‪ُ .‬‬
‫ً‬
‫حالكا‪ ,‬يسبل على جروحها جميل ستر‪ ,‬وكما يفضح النهار حديث األزهار‪,‬‬
‫ّ‬
‫تتوق حدائق أسرارها لكشف ٍ‬
‫سر‪.‬‬
‫ً‬
‫كاشفا عن جبينه‪َّ ,‬‬
‫تلبست نظراته بنظراتها‪ ,‬لعينها بريق‬ ‫التفت صوبها‬
‫ً‬
‫هامسا‪:‬‬ ‫أضاء كاملشعل في ظلمة النفق‪ ,‬استرسل‬
‫‪ -‬تلك هي املرة الثانية التي يغمرني فيها هذا الشعور‪.‬‬
‫رددت مشدوهة‪:‬‬
‫‪ -‬الثانية!‬
‫أومأ برأسه‪ ,‬قال وقد الحت على شفتيه بسمة عذبة كالتي اعتلت‬
‫وجهه باألمس‪:‬‬
‫‪ -‬عندما كدت تسقطين في النهر‪ ,‬ورفعتك إلى جانبي‪ ..‬كانت تلك هي‬
‫األولى‪.‬‬
‫باضطراب شديد قالت وهي ُتبعد ً‬
‫وجها ينطق بالكثير‪:‬‬
‫‪ -‬طلبت منك أن تبحث عن رائحة الرسالة‪ ..‬وليس رائحتي‪.‬‬
‫تجنب النظرإليها‪ ,‬وشاب صوته بعض الحرج‪:‬‬
‫‪ -‬حاولت‪ ,‬لكن هذا ما طرق قلبي‪ ,‬لم أتعمد ذلك‪.‬‬

‫‪214‬‬
‫ثم قال وهو يلتفت حوله ويشيرفي الهواء‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬لعله لم يترك رسالة‪ ,‬ولعله ليس فخا‪ ,‬فلنحاول اختيارأحد الرموز‪.‬‬
‫اقتربا من األقراص الخشبية‪ ,‬أبقت على مسافة بينهما وهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬شجرة‪ ..‬وطائر‪ ..‬وجناح فراشة أو نحلة ربما‪ .‬ما معنى ذلك؟ وأيها‬
‫سنختار؟‬
‫أشار "القزم" إلى القرص الخشبي الذي حوى حفر الطائر وقال‬
‫باهتمام‪:‬‬
‫‪ -‬أظن أنه ٌ‬
‫نسر‪ ..‬إن كان كذلك فهو االختيارالصحيح‪.‬‬
‫هزت رأسها متسائلة باهتمام‪:‬‬
‫‪ -‬وملاذا يكون هو االختيارالصحيح؟‬
‫هزرأسه وهو يتمتم بغيرثقة‪:‬‬
‫‪ -‬ألنه يشير إلى اسم اململكة‪ .‬لعل هذا هو السؤال الذي نبحث عنه‪.‬‬
‫َّ‬
‫تبسمت ساخرة وهي تتوجه إليه بنظراتها قائلة باستهزاء‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬أتظن املـعلم "آصف" بمثل هذه السذاجة‪ ,‬ال أدري كيف تكون أحد‬
‫تالميذه!‪ ..‬إن كنت ستقابله بعد قليل أنصحك أال تخبره أنك قلت ذلك‪,‬‬
‫سيتبرأ منك إن عرف‪.‬‬
‫ظنت أنها سترى الضيق في عينه‪ ,‬لكنه فاجأها بابتسامة واسعة وهو‬
‫ً‬
‫يقول متخابثا‪:‬‬
‫نسرك إلى التحليق من جديد‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬عاد‬

‫‪215‬‬
‫سألته مستنكرة وهي ترجع رأسها للخلف‪:‬‬
‫‪ -‬أي نسر؟‬
‫ً‬
‫مقتربا منها أشارإلى عينها وهو يقول‪:‬‬
‫‪ -‬إنه ُيعشش هنا‪ ,‬ويستيقظ عندما تشتد الحرارة وتستعرالنارحوله‪.‬‬
‫‪ -‬هل تلعب‪....‬‬
‫ً‬
‫مستجلبا قسمات جادة‪:‬‬ ‫قاطعها ُ‬
‫بعجالة‬
‫‪ -‬هيا‪ ,‬لقد أضعنا الكثيرمن الوقت‪.‬‬
‫وألنها لم تكن تملك فكرة أفضل‪ ,‬وقفت بجواره تستفرغ وسعها معه‬
‫في دفع القرص الخشبي‪ ,‬ال ترفع عينها عن النسر الذي يتوسطه‪ .‬حتى‬
‫تزحزح القرص إلى الخلف‪ .‬وعندها سمعا صوت اصطدام‪ ,‬ثم زحزحة‬
‫رض من موضعه‪ .‬توقفا عن الدفع‪ ,‬وتساقطت فوق رؤوسهم الرمال من‬ ‫غ ٍ‬
‫أعلى السد الرملي‪ ,‬فابتعدا عنه ينظران إلى الصخرة التي برزت منه دافعة‬
‫طبقة رقيقة من الرمال كانت تواريها عن األعين حتى ظنا أن السد كله من‬
‫َ‬
‫الرمال‪ .‬انطلقت عقيرة "القزم" بالصراخ هو يسحب ِ"بنان" إلى الخلف‬
‫وقد استشعرالخطر‪:‬‬
‫‪ -‬احذري‪ ,‬ستسقط الصخرة‪.‬‬
‫‪ -‬هل أنت واثق؟‬
‫انطلقا يجريان‪ ,‬وقد طافت الصخرة الكبيرة بخيالهما وهي تسحق‬
‫جسديهما أسفلها‪ .‬سمعا صوت ارتطام الصخرة باألرض فدفعها "القزم"‬
‫بكل قوته إلى اليسار وهو يصرخ فيها أن تتسلق الجدار‪ .‬وصال إلى سطح‬

‫‪216‬‬
‫تماما عندما مرت الصخرة في املوضع الذي كانا يقفان فيه منذ‬ ‫النفق ً‬
‫بضع ثوان فحسب‪ .‬لم يكادا يفرحان بنجاتهما حتى اتسعت أعينهما ً‬
‫فزعا‬
‫إذ أن الصخرة سدت بحجمها الكبير مقدمة النفق الضيق‪ ,‬فانغلق طريق‬
‫ً‬
‫عودتهما‪ ,‬وأضحا حبيسين داخل النفق‪ .‬ركل الجدار بقدمه بقوة حانقا‪,‬‬
‫رنت إليه ببصرها وهي تقول‪:‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫‪ -‬ال تقلق‪ ,‬سيجد لنا املـعلم "آصف" حال‪.‬‬
‫أخيرا املسكن في آخرالنفق‪ ,‬أيقنا أن هدف رحلتهما لم يكن‬ ‫عندما بلغا ً‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫مهجورا ال حياة‬ ‫سوى سراب‪ .‬ال وجود للمـعلم "آصف" في مسكنه‪ .‬بدا‬
‫تخبطت "ب َنان" من الحيرة‪ ,‬فالجميع يعلم أنه يقض ي ً‬
‫حكما أنزله‬ ‫فيه‪َّ .‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫عليه مجلس حكماء اململكة بأال يغادر مسكنه طوال حياته‪ ,‬ترى إلى أين‬
‫ذهب‪ ,‬وكيف تمكن من مغادرة املسكن! وملاذا باب املسكن مفتوح بال‬
‫جالوزة تحرسه؟! كانت تسأل نفسها بصوت مرتفع‪ ,‬فيجيبها الصمت‪,‬‬
‫وعبوس "القزم" الذي الح بعينه اليأس‪ ,‬واستبد بقلبه األس ى‪.‬‬

‫***‬

‫‪217‬‬
‫امللف السادس والعشرون‬
‫ُ‬
‫دنا "القزم" من شجيرة صغيرة مزروعة بأحد أركان املسكن‪ ,‬تتدلى منها‬
‫أزهار حمراء كقلب مقلوب تنتهي بقمع أبيض‪ ,‬فاسترجع لحظاته األولى في‬
‫ً‬
‫جوعا‪ ,‬إنها الش يء الوحيد‬ ‫الغابة‪ ,‬عندما اقترب من زهرة مثلها وأكلها‬
‫ً‬ ‫الذي يذكر له ً‬
‫اسما ويعرف له وصفا؛ زهرة "القلب الدامي" السامة التي‬
‫كادت أن تقض ي على حياته!‬
‫اهتاجت مشاعره وتحسس الزهرة بشغف كأنها حبيبة قديمة أبهجه‬
‫مسا أصاب عقله طفق يتحدث إليها وينشدها أن تقص‬ ‫لقاؤها! وكأن ً‬
‫عليه ما يجهله‪ ,‬وأن تخبره بكل الحكايات التي يتوق لسماعها‪ .‬لم تجبه‬
‫الزهرة لكن حنينا بقلبه أثقله‪ ,‬فاستقطب من املكان ذكرياته‪ ,‬ومن‬
‫الجماد همساته‪ .‬لم يدر إن كان مبعث الشرارة األولى فيه رأسه أم قلبه‪,‬‬
‫لكن الهتاف تمكن من مسامعه حتى ظن أن املكان كله يضج به‪ ,‬بل العالم‬
‫َ‬
‫بأسره‪ .‬نفت ِ"بنان" سماعها ألي صوت‪ ,‬فاتجه إلى الجدار يتحسسه‪,‬‬
‫ً‬ ‫ُ ّ‬
‫وجوها يألفها‪ ,‬يرمي بسهام اليقين في كبد‬ ‫قلب فيه النظر كأنما ُيبصر فيه‬ ‫ي ِ‬
‫الحيرة‪.‬‬
‫اقترب منه حتى التصقت به وجنته‪ ,‬تهتك حاسته القلبية ُحجب‬
‫أسواره‪ .‬أصوات متداخلة ال يميز أصحابها‪ ,‬تضج‬ ‫َ‬ ‫بعزم‬
‫املاض ي وتدك ٍ‬
‫بالحديث واملزاح واللعب والضحك‪ ,‬صرخات ألم وأنات وحنين وبكاء‪.‬‬
‫وكأن الجدار حبس بداخله حيوات كاملة‪ .‬حاول بإصرار سبر أغوارها‪ ,‬وأن‬
‫ْ ُ‬
‫ُي ِحط خ ًبرا بمآلها‪ ,‬خفي عنه معرفة الكثير‪ ,‬لكن الجدران وشت له بآخر‬

‫‪218‬‬
‫ضمت أصحاب هذا املسكن‪ ,‬تخترق قلبه صرخات قلوبهم‪ ,‬وهلع‬ ‫ليلة َّ‬
‫َ‬ ‫نفوسهم‪ ,‬ومخاوف َّ‬
‫بعنف عقولهم‪ ,‬إنه املوت قادم يجز رؤوسهم!‬‫ٍ‬ ‫تسورت‬
‫مصيرا أشد ً‬
‫ظالما ً‬
‫وقهرا‪ .‬إنه‬ ‫ً‬ ‫رأسا كان يعلم أنه لن يلقى مصيرهم‪ ,‬بل‬ ‫إال ً‬
‫"آصف"‪ ,‬لم يستدل من الجدران على قسمات وجهه وبنية جسده‪ ,‬لكنها‬
‫قلبا كأفئدة الطير‪ ,‬كان سر حياته‪ ,‬وهالكه!‪..‬‬ ‫أخبرته أن له ً‬
‫ٌ‬ ‫َّ‬
‫خال تاه عن ساكنه‪ ,‬فتاقت‬ ‫عرش ٍ‬
‫تفتح بقلب "القزم" باب‪ ,‬كشف عن ٍ‬
‫حيا أم‬‫نفسه إلى هذا الغائب الحاضر‪ ,‬املقيم املرتحل‪ ,‬ال يدري إن كان ً‬
‫هواء‪ ..‬كل ما يشعر به ويقر في فؤاده‪ ,‬أنه عظيم ً‬
‫جدا‪ ,‬وأنه‬ ‫نورا أم ً‬ ‫ً‬
‫جمادا‪ً ,‬‬
‫الصانع األعلى!‬
‫َ‬
‫دنت منه ِ"بنان" فامتزج صخب املاض ي بدقات قلبها‪ ,‬التفت يرنو إليها‬
‫َّ‬
‫تغش ى عينه دمعة لم تألف رؤياها‪ .‬همست بحذر مغلف بالتردد مخافة أن‬
‫أخيرا من قدرة حاسته‬‫ُتفسد عليه تلك اللحظات‪ ,‬ويفقد ما استمسك به ً‬
‫القلبية‪:‬‬
‫‪ -‬هل توصلت إلى ش يء؟‬
‫أومأ بهزة خفيفة من رأسه‪ ,‬حتى كادت تظن أنها إنما ُيخيل إليها أنه‬
‫َّ‬
‫أجابها‪ .‬غلفت نفسها بالصمت وتركته متى شاء ُيبدده‪ ,‬بعد فترة قال‬
‫بخفوت‪:‬‬
‫‪ -‬الزلت أجهل هويتي‪ ..‬لكني علمت أين ذهب "آصف"‪.‬‬
‫رنت إليه متسائلة‪ ,‬فاستطرد بقنوط‪:‬‬
‫‪ -‬نفاه قائد َ‬
‫الجالوزة "راعون" عند الجدار الشرقي لنهاية العالم‪ .‬تركوه‬
‫ووحدة ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وقهرا‪.‬‬ ‫هناك ليموت‪ ,‬عطشا وجوعا‪ِ ..‬‬

‫‪219‬‬
‫استنفذا طاقتيهما‪ ,‬فعمدا إلى البحث عن طعام‪ ,‬والتماس الراحة‪.‬‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫نادته ِ"بنان" تخرجه من شرود أل َّم به‪ ,‬فأقبل عليها يحدق في القطع‬
‫البلورية امللساء‪ ,‬بيضاء كالثلج‪ ,‬متعددة الزوايا‪ ,‬حادة األطراف‪,‬‬
‫متناسقة بإبداع‪.‬‬
‫‪ -‬بلور ملكي‪ ,‬تذوقه‪ ,‬إنه األروع‪.‬‬
‫ما إن أكل واحدة حتى سرت بداخله طاقة كبيرة ممتدة من جسده‬
‫حتى األطراف‪ .‬ومع الثانية شعر بأنه متقد الذهن‪ ,‬صافي الفكر بشكل لم‬
‫يصل إليه من قبل‪ ,‬لم يكد يتناول الثالثة حتى ظن بجسده قوة تكفي‬
‫لتحريك الجبال‪.‬‬
‫‪ -‬إنه طعام امللوك واألمراء‪ ,‬مؤكد أنك معتاد عليه‪ ,‬ألم ينعش طعمه‬
‫من ذاكرتك؟‬
‫أجابها رغم فطنته لسخريتها‪:‬‬
‫‪ -‬لم أتذكرأي ش يء‪.‬‬
‫رفعت عينها إليه بنظرة صامتة‪ ,‬فبادلها بمثلها‪ ,‬فضحت نظراته عما‬
‫يعتمل بداخله‪ ,‬قالت‪:‬‬
‫‪ -‬ستتذكر‪.‬‬
‫َّ‬
‫يتصبر بها‪,‬ال تروي له ظمأ‪ ,‬وال تشبع فيه‬ ‫يعلم أنها تهب له شربة ماء‬
‫ً‬ ‫ل ُ‬
‫رغبة‪ ,‬لكنه استحسن صنعها‪ .‬ابتسمت تحاو أن تبدد ضيقا اكتوت به‬
‫قسماته‪:‬‬

‫‪220‬‬
‫‪ -‬أظن أن لدي فكرة عمن يكون ذلك الغريب املنتحر الذي حدثتني‬
‫عنه من قبل‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫توقعت‪ ,‬أوالها ُجل اهتمامه‪ ,‬محركا رأسه ليحثها على اإلفصاح‬ ‫كما‬
‫عما تعرفه‪.‬‬
‫‪ -‬أظن أنه "معاقبك"‪.‬‬
‫مستفهما‪ ,‬تناولت قطعة بلورية منتشبة‬ ‫ً‬ ‫مرة ثانية حرك رأسه‬
‫ً‬
‫بمذاقها‪ ,‬فدنا منها والتقط نظراتها‪ ,‬ملح في عينها ترددا لم يخمن له ً‬
‫سببا‪,‬‬
‫سوى أنها تخش ى أن تسبب له الحزن أو األلم بكالمها‪ ,‬فسألها مباشرة أن‬
‫توضح له معنى أن الغريب "معاقبه"!‪ ..‬فقالت‪:‬‬
‫‪ -‬لكل أمير باململكة "معاقب" من الشعب‪ ,‬يالزمه وال يفارقه‪ ,‬يتلقى‬
‫عنه العقاب إن اخترق قوانين اململكة‪.‬‬
‫‪ -‬لم أفهم!‬
‫لم يكن بحاجة ألن ُيفصح عن ذلك فقسماته تش ي بغياب فهمه‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬
‫أردفت بسرعة وكأنها تلقي عنها حمال ثقيال‪:‬‬
‫جلدا على ظهور‬ ‫عقابا قط‪ ,‬بل ينزل العقاب ً‬ ‫ً‬ ‫‪ -‬ال يتلقى األمراء‬
‫ُ‬
‫معاقبيهم‪ ,‬هكذا جرى العرف في اململكة‪ ,‬ال يعاقب أمير قط‪ ..‬ألنهم ساللة‬
‫نقية ال يحملون بداخلهم بذرة الشرحتى وإن أخطأوا‪.‬‬
‫متخبطا كطير أصاب جناحيه ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫سهم‬ ‫مبتعدا عنها‪ ,‬يروح ويغدو‬ ‫تحرك‬
‫ً‬
‫سام‪ ,‬لكنه أصر على أن يحاول استئناف طيرانه‪ ,‬فدنا منها قائال بحدة‬ ‫ٍ‬
‫ً‬
‫مشمئزا مما سمع‪:‬‬

‫‪221‬‬
‫‪ -‬ال أصدق ذلك‪ ,‬هل كان لي أنا ً‬
‫أيضا "معاقب"؟‪ ..‬هل كان ذلك املنتحر‬
‫يحترق ظهره ً‬
‫جلدا بسبب أخطائي أنا؟‪ ..‬ألهذا السبب قتل نفسه؟‬
‫عاجلته قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬ال أظن‪.‬‬
‫‪ -‬أي مختل وضع مثل هذه القوانين في اململكة!‬
‫‪ -‬لم يضعها أحد‪ ..‬تكتس ي األعراف برداء القانون بيد أنها أكثر صرامة‬
‫أحيانا‪ .‬القانون ُيفرض على الجميع ً‬‫ً‬
‫قسرا وقد يجد من يعارضه‪ ,‬لكن‬
‫ُ‬
‫العرف ينشأ منهم وفيهم‪ ,‬لذلك ال يرفضونه وال يقاومونه‪.‬‬
‫‪ -‬كيف يتحمل أحد أن يدفع كل لحظة من حياته تكفي ًرا لذنوب غيره!‬
‫أطرقت برأسها قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬على العكس مما تظن‪ ,‬تكمن الصعوبة في البداية فحسب‪ ,‬ثم‪...‬‬
‫وجها يصبو ً‬
‫تفهما‪ ,‬وقد سكن عينها‬ ‫تعلقت أنظاره بها‪ ,‬رفعت إليه ً‬
‫ديمة شجن‪:‬‬
‫‪ -‬في البداية تشعر بظلم كبير‪ ,‬تتذوق مرارته كل لحظة‪ ,‬يحرق فيك‬
‫ُ‬
‫األخضر واليابس‪ .‬لكن ليس أصعب من الظلم سوى أن تقهر على عدم‬
‫صده‪ ,‬أو الدفاع عن نفسك ضده‪ ,‬أو حتى محاولة الفرار منه‪ .‬إنه كطريق‬
‫ُنسف مدخله‪ ,‬ولم َ‬
‫يبق لك سوى أن تسير إلى نهايته‪ ..‬إلى نهايتك‪ .‬ذلك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫القهر يحطم نفسك شيئا فشيئا بضراوة السم وإصراره‪ ,‬إنه كوحش‬
‫يتغذى على روحك حتى ال يدع لك سوى نفس مشوهة ال تعرفها وال‬
‫تعرفك‪.‬‬

‫‪222‬‬
‫سألها بغتة‪:‬‬
‫‪َ -‬‬
‫"ح ُبوك"‪ ..‬هل هو‪...‬‬
‫ً‬
‫إيجابا‪ ,‬لكنها أضافت ما شق‬ ‫ً‬
‫مترددا‪ ,‬فأومأت برأسها‬ ‫بتر سؤاله‬
‫ً‬
‫للصدمة طريقا إلى نفسه‪:‬‬
‫"سالس"‪.‬‬‫‪ -‬إنه معاقب ُ‬

‫الذ بالصمت للحظات‪ ,‬ثم سألها بعدم تصديق‪:‬‬


‫‪ -‬كيف؟‪ ..‬أعني لقد شعرت أنه يكن لها مشاعرخاصة‪.‬‬
‫هربت بنظراتها مما ألهب فضوله‪ ,‬أجابته باضطراب مغلف بالحدة‪:‬‬
‫‪ -‬أنت ال تفهم‪ ,‬إنه ال يملك سوى أن يشعر نحوها بذلك‪ ,‬نعم هو‬
‫"معاقبها"‪ ,‬يحمل على ظهره كل خطاياها‪ ,‬تحترق روحه بسببها‪ ,‬لكنه ٌ‬
‫مجبر‬
‫على حبها‪.‬‬
‫باستنكارهتف بها‪:‬‬
‫‪ -‬ما تقولينه هو الشذوذ بعينه‪.‬‬
‫بصرامة أردفت متحدية‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬ال زلت ال تفهم شيئا‪ ,‬قلت لك أن ذلك ليس باختياره‪ ,‬لم تمر بهذا‬
‫األمر من قبل لتدرك أن الحب والكره لهما من عنف املشاعر ما يجعل‬
‫فيهما الكثير من التشابه‪ ,‬ينطوي كالهما على الضعف واأللم‪ ,‬لذلك من‬
‫ً‬
‫السهل أحيانا أن يتحول الواحد منهما إلى اآلخر‪ .‬أنت تحب وتتعذب لكنك‬
‫ً‬
‫سلطانا تدفعه به ً‬
‫بعيدا عمن تحب‪ ,‬أنت تكره وتتعذب‬ ‫ال تملك على قلبك‬

‫‪223‬‬
‫أسيرا ألول يد ّ‬
‫تطيب جرحك حتى لو كانت‬ ‫لكنك في لحظة يأس قد تصبح ً‬
‫َيد جالدك‪.‬‬
‫التقطت أنفاسها ثم قالت بحزن‪:‬‬
‫ّ‬
‫أي جسد‪.‬‬ ‫‪ -‬ال تعرف معنى الشوق إلى أن تكون مجرد يد لجسد‪ِ ..‬‬
‫ً‬
‫دنا منها فاضطربت بشدة‪ ,‬رأى بعينها خوفا لم يجد له في البداية ما‬
‫يبرره‪ ,‬ثم اهتدي إلى ما دفعه ألن يسألها وهو ينتقي كلماته بعناية‪:‬‬
‫أنت هذه املشاعرلتتحدثي عنها بهذه الثقة؟‬ ‫بت ِ‬ ‫‪ -‬وهل جر ِ‬
‫س مرفقها بحنان ودفعها‬ ‫أطرقت بوجهها تواري ما كرهت أن ُتبديه‪َ ,‬م َّ‬
‫ألن تواجهه‪ ,‬وبهمس ردد اسمها‪ .‬ظلت ساكنة ال يبدر عنها مقاومة‪ ,‬انقبض‬
‫قلبه وهو يسألها‪:‬‬
‫َ‬
‫كنت معاقبة "أصالن"؟‬ ‫‪"ِ -‬بنان"‪ ,‬هل ِ‬
‫"ح ُبوك"‪ ,‬حتى يكاد ُيجزم أنه يرى‬ ‫ضج قلبه بالغم وهو يبصر فيها َ‬ ‫َّ‬
‫وقبة تعتلي ظهرها‪ ,‬اكتملت صورة َ‬ ‫ُ‬
‫"ح ُبوك" بتلعثم‬ ‫انحناءة جسدها‪,‬‬
‫كلماتها‪:‬‬
‫‪ -‬ننعم‪ ..‬أأنا كذلك‪.‬‬

‫***‬

‫‪224‬‬
‫امللف السابع والعشرون‬

‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬


‫واحدا أثناء سيرهما في ممش ى قصير‪ ,‬أفض ى إلى فناء‬ ‫لم يتبادال حرفا‬
‫كبير في منتصف الكهف‪ ,‬ترشده بإشاره من رأسها إلى الطريق الذي ينبغي‬
‫عليهما أن يسلكاه‪ .‬غمرته البهجة وهو يتأمل ما حوله بعينين صحيحتين‬
‫بعدما طال حجبه إلحداهما‪ .‬بفضول أخذ يرمق الجالوزة املارين بجواره‪.‬‬
‫أميرا يعتلي محفة يحملها عشرة من الجالوزة‪ ,‬تالقت عيناهما لبرهة‬‫أبصر ً‬
‫استثارت قلبه ليدق بجنون‪ .‬لكن موكب األمير مر بجواره بسالم‪ ,‬رغم‬
‫االستنكار الذي استبد بقسمات األمير وهو يرى "القزم" يسير على األرض‬
‫مع أنثى بعين واحدة‪ ,‬بالتأكيد ظنها "معاقبته" التي تالزمه كظله‪ .‬لكن‬
‫سيره بال جالوزة يحرسونه‪ ,‬وبال محفة ُيحمل فوقها هو ما دفع بنفسه إلى‬
‫االستياء من تصرف "القزم"‪ .‬الح على وجه "القزم" سيمات اإلمارة وهو‬
‫ُّ‬ ‫يرفع برأسه ً‬
‫عاليا‪ ,‬ويستجلب لعينيه نظرة ترفع‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫هامسا لها بقلق وهو يرى الحارس الضخم يسد‬ ‫مال إلى ِ"بنان"‬
‫بجسده البوابة‪ ,‬التي تصل بين الكهف ومساكن الشعب‪:‬‬
‫يؤذيك؟‬
‫ِ‬ ‫أنت واثقة أنه لن‬‫‪ -‬هل ِ‬
‫لم َّ‬
‫يتلق منها ًردا‪ ,‬فرنا إليها يصافح وجهه التوتر البادي على وجهها‪,‬‬
‫فتوقف يقول‪:‬‬
‫‪ -‬لن نفعل ذلك‪ ,‬سنجد طريقة أخرى‪.‬‬

‫‪225‬‬
‫‪ -‬ال تقلق‪.‬‬
‫همست له وهي تنظر لجلواز بدا مهتما بهما‪ ,‬فهمست له أن يستمر في‬
‫السيرمخافة إثارة فضول أحد الجالوزة املنتشرين حولهما‪.‬‬
‫استشعر "القزم" اختالف املعيشة في الكهف عما هو الحال في‬
‫ً‬
‫هدوءا افتقده طيلة األيام املاضية‪ ,‬فالحركة هنا‬ ‫مساكن الشعب‪ ,‬ملس‬
‫ً‬
‫بطيئة وكأن الزمان اكتسب من برودة املكان شيئا‪ .‬شرفات كثيرة تشرف‬
‫على ساحة الكهف من أعلى‪ ,‬تتفتح فيها قاعات كبيرة ومساكن عظيمة‬
‫ألهل الكهف‪ .‬أبصر سمات كبر واعتزاز تعتلي وجوه الجميع‪ ,‬حتى الجالوزة‬
‫بدوا أمراء متنكرين بأسلحتهم‪ .‬قبل أن يأتي إلى الكهف ظن أنه سيجد فيه‬
‫دواء لغربته‪ ,‬لكن الرهبة تملكته‪ ,‬ودفعت بقلبه ً‬
‫نفورا جعله يزداد غربة‬ ‫ً‬
‫فوق غربة‪ .‬لم يشعر لحظة أنه ينتمي لهذا املكان‪ .‬حتى تنامى بداخله‬
‫الشك تجاه كل ما أخبروه عن نفسه‪ ,‬أيمكن أن يكونوا على خطأ‪ ,‬أيمكن‬
‫أال يكون أحد أمراء مملكة "النسر"؟‬
‫َ‬
‫استقر أمام البوابة األرضية يتأمل حارسها بقلق كبير‪ ,‬سحب ِ"بنان"‬
‫من مرفقها وهو يعيد عليها أال تفعل وسيجد وسيلة أخرى للخروج من‬
‫الكهف‪ ,‬ربما عبر البوابة الرئيسية‪ ,‬لكنها أخبرته أن الخروج من البوابة‬
‫الرئيسية واملرور أمام كل هؤالء الجالوزة الذين يحرسونها ليل نهار قد‬
‫تعرف عليه أحدهم‪ ,‬فال شك أن تالميذ‬ ‫يدفع بهما إلى املتاعب‪ ,‬خاصة إن َّ‬
‫"آصف" باتوا من صفوف األعداء اآلن‪ .‬وإن علموا أنه أحد تالميذه‪ ,‬وأنه‬
‫الزال على قيد الحياة‪ ,‬فلن تمض ي ثانية واحدة حتى يصححوا هذا الخطأ‪.‬‬
‫ً‬
‫أخبرته أنها ستمرأوال‪ ,‬ثم أردفت تشرح له ثانية‪:‬‬

‫‪226‬‬
‫‪ -‬كما قلت لك‪ ,‬هذه البوابة مصممة بحيث تمنع دخول أفراد الشعب‬
‫ً‬
‫إلى الكهف‪ ,‬لكن الخروج منه ال يشكل عائقا‪ ,‬إنها بوابة تعمل في اتجاه‬
‫واحد فقط‪.‬‬
‫ضج قلبه بالخوف وحارس البوابة يدنو منها‪,‬‬ ‫سبقته إلى املرور‪َّ ,‬‬
‫يتشممها وأنفاس "القزم" تلهج بالخوف‪ ,‬ثم يسمح لها باملرور‪ ,‬فتنفس‬
‫ً‬
‫الصعداء‪ .‬توقف عنده الحارس طويال‪ ,‬مما دفع برعشة اجتاحت أطرافه‪.‬‬
‫وضعا ً‬
‫غريبا‪ ,‬ال يذكر متى كانت آخر مرة أراد فيها ٌ‬
‫أمير أن‬ ‫ً‬ ‫واجه الحارس‬
‫ينزح إلى مساكن الشعب‪ ,‬أو لعلها لم تحدث قط‪ .‬لكن القانون قانون‪,‬‬
‫"الدخول ممنوع‪ ,‬والخروج مسموح" فسمح له باملرور‪ .‬أحكم وضع‬
‫الضمادة فوق عينه‪ ,‬افترقا عند الطابق الثالث عندما أخبرها بمزاج عكر‬
‫ُ‬
‫أنه يحتاج إلى االنفراد بنفسه‪ ,‬فخرج من البوابة التي تفض ي إلى التل‬
‫األحمر‪ ,‬وطائرالحزن بعينها يالحقه‪.‬‬

‫***‬
‫َّ‬
‫انبعث نور الصباح وهلل ِبذكر فالق اإلصباح‪ ,‬يرنو إلى فرحة كل فرد‬
‫بصغيرخفق له القلب‪ ,‬وبلغ به كل مأرب‪.‬‬
‫دس "القزم" جسده وسط الجمع يترقب ما يحدث في فضول‪ ,‬نادى‬ ‫َّ‬
‫الجالوزة أحد األرقام فتقدم ذكر فتي‪ ,‬ليمد يديه داخل تجويف كبيرببطن‬
‫ً‬
‫صغيرا بعين واحدة‪ ,‬يرنو إلى‬ ‫"شجرة الطاقة"‪ ,‬ثم أخرجهما وقد حملتا‬
‫السماء بنظرات بريئة‪ ,‬تعالت صيحات تهنئة بقدوم صغيره إلى الحياة‪.‬‬
‫سكنت الدهشة أركان "القزم" وهو يرشق عينه بتجويف "شجرة‬
‫الطاقة"‪ ,‬وقد ماست به نسمات الريبة‪ .‬نشر في األفق استهجانه فلم يجد‬

‫‪227‬‬
‫ً‬
‫له فيه مشاركا‪ .‬انتفض عندما طرق أحدهم ظهره‪ ,‬التفت يتطلع إلى‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫"سالس" التي اعتلى السرور محياها‪ ,‬تبدي له غبطتها بعودته ساملـا‪,‬‬
‫شكرها وهو يعانق بنظره أنثى مبتعدة عن الشجرة وقد نضح منها التأثر‪,‬‬
‫ُ‬
‫صغيرتحمله‪ ,‬تضمه إليها بشوق‪ ,‬تقبله‪.‬‬
‫ٍ‬ ‫تنظرإلى‬
‫سرق االحتفال الذي أوشك على االنتهاء منه االنتباه‪ ,‬فلم يسمع كلمة‬
‫"سالس" على مسامعه‪ ,‬جذبته تنبهه بضيق إلى وجودها‪,‬‬ ‫مما ألقتها ُ‬
‫فسألها باهتمام عن الشجرة‪ ,‬فأخبرته ‪-‬وقد سرها أن تتشارك معه في‬
‫حديث يهمه‪ -‬أن في احتفالية يوم الزينة‪َّ ,‬‬
‫يتقدم كل فرد يبغى أن تمنحه‬
‫صغيرا ُويقدم أضحيته‪ ,‬بذرة يضعها بداخل "شجرة الطاقة"‪,‬‬ ‫ً‬ ‫الطبيعة‬
‫يسأل عين امللك املباركة أن تهبه ذرية من نسله‪ .‬هكذا تمنحهم الطبيعة‬
‫الصغاربعدما َّ‬
‫ألم العقم بكل ذكور اململكة بعد كارثة "االنفجارالعظيم"‪.‬‬
‫َ‬
‫ن َّد وجه "القزم" عن بسمة ساخرة‪ ,‬شاركته فيها نظرات مستهجنة‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مستنكرا‪:‬‬ ‫أشارإلى الشجرة هاتفا‬
‫ً‬
‫صغارا؟‪ ..‬تريدين مني أن‬ ‫‪ -‬كيف تصدقون ذلك؟‪ ..‬شجرة تهب لكم‬
‫أؤمن بأننا خلقنا من رحم شجرة‪ ,‬وأن أصلنا شجرة ال تمت لنا بصلة ال‬
‫روح وال شكل‪ ..‬إنه الجنون بعينه!‬
‫مالطفة قالت‪:‬‬
‫‪ -‬األمر صعب التصديق أليس كذلك؟‪ ,‬لكنها الحقيقة‪ .‬إن أرواحنا‬
‫وأجسادنا هي نتيجة تطور لبذرة األضحية‪ ..‬والطبيعة ما هي إال أم لنا‬
‫ً‬
‫جميعا‪.‬‬
‫ً‬
‫أوالها انتباهه قائال بحماس‪:‬‬

‫‪228‬‬
‫‪ -‬ليس عندي مشكلة مع فكرة األضحية التي تطورت إلى "نحن"‪ ,‬لكن‬
‫ما يرفض عقلي تصديقه هو أن هذه األضحية بمنتهى البساطة هي بذرة‬
‫لشجرة!‪ ..‬أال تشعرين أن في هذا إهانة لذاتك‪ ,‬أن تكوني مجرد نتاج عملية‬
‫تحول من بذرة توطأ باألقدام؟‬
‫هزت كتفيها قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬معك أن األمر ينطوي على بعض اإلهانة‪ ,‬لكن ماذا نفعل هكذا هي‬
‫الطبيعة‪ ,‬عابثة ال عقل لها‪.‬كل ش يء حولنا هو نتاج تلك البذرة‪.‬‬
‫ً‬
‫متحديا‪:‬‬ ‫صمت برهة ثم قال‬
‫‪ -‬إن كانت الطبيعة بهذا العبث‪ ,‬وبهذا العجز‪ ,‬إن كانت تفكر‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫بعشوائية ال تحمل ذرة منطق‪ ,‬كيف يستقيم لها أن تنتج أعماال بمثل هذه‬
‫الدقة واإلتقان؟‬
‫‪ -‬كيف؟‬
‫ً‬
‫جذبها بعنف آملها لتنظر إلى الشجرة‪ ,‬وهو يشير إليها قائال بحماس‬
‫أنساه كل ما حوله‪:‬‬
‫‪ -‬انظري إليها‪ ,‬إنها تحمل الصغار في بطنها‪ ,‬في هذا الجويف املظلم‬
‫طعاما يلزم الصغار كي ال يموتوا ً‬
‫جوعا‪ .‬كيف‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫تحديدا‪ ,‬وأنا واثق أنه يحوي‬
‫ً‬
‫تحديدا ليحضن هؤالء‬ ‫حدث ذلك‪ ,‬كيف اختارت الطبيعة هذا املوضع‬
‫الصغار؟‪..‬ملاذا ال تفعل ذلك مرة في البطن ومرة في الرأس ومرة في‬
‫األطراف‪ ,‬ملاذا البطن في كل مرة‪ ,‬كيف تستمر هكذا في العمل الدؤوب‬
‫املنتظم مرة بعد مرة‪ .‬إن كان كل ذلك مجرد عبث وعشوائية فكيف هو‬
‫التعمد والتخصص إذن!‬

‫‪229‬‬
‫صمت يلتقط أنفاسه ثم قال‪:‬‬
‫‪ -‬ثم تريدين مني ً‬
‫أيضا أن أصدق أن هذه الشجرة التي ال عقل لها تهب‬
‫أهل الكهف أبناء بعينين‪ ,‬وتهب أهل باطن األرض أبناء بعين واحدة!‪..‬‬
‫وفوق ذلك أن كل ش يء حولنا هو نتاج بذرة واحدة‪ ,‬البذرة أنبتت شجرة‬
‫والشجرة من تلقاء نفسها وبال ذرة تفكير أو توجيه تحولت إلى صخرة‪,‬‬
‫َّ‬
‫والصخرة إلى سحابة‪ ,‬والسحابة إلى جبل‪ ,‬والجبل إلى مطر! لو سلمت‬
‫َّ‬
‫لكم بذلك فلماذا كفت الطبيعة عن تحوالتها‪ ,‬هل عجزت عن مواصلة‬
‫عبثها‪ ,‬أم سئمت من اللعب؟!‬
‫ً‬
‫ارتبكت قليال ثم قالت بنفاذ صبر‪:‬‬
‫‪ -‬كل ش يء حدث بعد "االنفجارالعظيم"‪.‬‬
‫ً‬
‫متحديا باستهزاء‪:‬‬ ‫أكمل‬
‫ً‬
‫واحدا‬ ‫‪ -‬االنفجار الذي إن سألت كل من باململكة عنه لن أجد ً‬
‫فردا‬
‫سمعه أو رآه بنفسه!‪.‬‬
‫‪ -‬لقد مات كل من رأوه منذ زمن قديم‪.‬‬
‫‪ -‬كيف علمتم بأمره إذن‪ ,‬وبأدق التفاصيل التي تلت حدوثه؟!‬
‫هزت كتفيها‪:‬‬
‫‪ -‬بالتأكيد من رأوه وملسوا آثاره أخبروا أبناءهم‪ ,‬وأبناؤهم أخبروا أبناء‬
‫أبنائهم‪ ,‬حتى وصل الخبرإلينا؟‬
‫‪ -‬وما الدليل على أن هذه السلسلة الطويلة من اآلباء واألبناء واألحفاد‬
‫كانت من النزاهة بحيث تنقل الصورة كما هي؟‬

‫‪230‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫متعجبا‪:‬‬ ‫لم تجب‪ ,‬فاستطرد‬
‫‪ -‬ثم كيف تقولون إن الطبيعة عابثة ثم تتخذون من هذا العبث‬
‫قوانين لحياتكم؟!‬
‫تلفتت حولها بضيق وقد أجهدها كثرة أسئلته‪ ,‬ثم قالت متحدية وهي‬
‫تهديه ابتسامة خبيثة‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬تريد أن تتأكد‪ ,‬حسنا راقبني وأنا أتسلم صغيري‪ ,‬إنه دوري‪.‬‬
‫ساقته أمامها تخترق الصفوف بعدما سمعت رقمها يردده الجالوزة‪,‬‬
‫ً‬
‫مترقبا حتى وصل إلى الشجرة‪ ,‬حاول أن يدخل رأسه في فتحتها‬ ‫مض ى معها‬
‫فنهره أحد الجالوزة‪ ,‬افتر ثغرها عن ابتسامة مرحة وهي ترمقه بشغف‬
‫قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬فلتختره أنت‪.‬‬
‫افضا‪ ,‬جذبته بإصرار فغلبه فضوله‪ .‬تقدم‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
‫تلبسته الرهبة وابتعد ر‬
‫ً‬
‫متحسسا لرؤس‬ ‫يمد يده بداخل بطن الشجرة بحذر شديد‪ ,‬انتفض‬
‫الصغار‪ ,‬عددهم أكبر مما ظن‪ ,‬يمألون تجويف الشجرة العمالقة‪ ,‬تخترق‬
‫ً‬
‫واحدا منهم وأخرجه‪ ,‬تأمله بعين‬ ‫مسامعه أصوات همهماتهم‪ ,‬أمسك‬
‫جدا بدا له بعمر ساعات فحسب‪ .‬بعين واحدة‪ ,‬يلتصق‬ ‫حنون‪ ,‬صغير ً‬
‫سائل لزج بجسده الغض‪ ,‬وتظهر آثاره حول فمه الصغير‪ .‬دنت منهما‬
‫"سالس" تتأمله بمرح مداعبة إياه وهو اليزال في بين يدي "القزم"‪ ,‬منحته‬ ‫ُ‬
‫ُ‬
‫قبلة ثم رنت إلى "القزم" قائلة بحبور‪:‬‬
‫‪ -‬إنه رائع‪ ,‬أليس كذلك؟‬

‫‪231‬‬
‫أومأ برأسه مضطرًبا ومنحها إياه وقد شعر برغبة في التخلص منه‪,‬‬
‫ً‬
‫مغتما يمأل الهم صدره‪ ,‬ال ش يء من ذلك طبيعي‪ ,‬أو‬ ‫عاد يتأمل الشجرة‬
‫يحمل من املنطق وزن حبة خردل‪.‬‬
‫متحدية سألته‪:‬‬
‫‪ -‬هل آمنت اآلن؟‬
‫توقف بغتة‪ ,‬رمقها تداعب وجنة صغيرها للحظات‪ ,‬ثم قال بحزم قبل‬
‫ً‬
‫مغادرا‪:‬‬ ‫أن يتركهما‬
‫‪ -‬أتعلمين‪ ,‬أشعر أنني في عالم من الشواذ سمحوا للخرافات بأن‬
‫تسيطرعلى عقولهم‪ ,‬واملصيبة أنهم فرحون بشذوذهم فخورون به‪.‬‬

‫***‬

‫‪232‬‬
‫امللف الثامن والعشرون‬

‫‪ -‬للكننك ووعدت‪.‬‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫قالها َ‬
‫"ح ُبوك" بحزن‪ ,‬أما ِ"بنان" فلم تبد قسماتها أي انفعال‪ ,‬كما لو‬
‫ً‬
‫متشفيا‪:‬‬ ‫كان األمرال يعنيها‪ ,‬رمق "داموس" "القزم" بسخرية وهو يقول‬
‫‪ -‬كنت أعلم ذلك‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫ثم تقدم من ِ"بنان" يجر قدمه‪ ,‬يلومها قائال‪:‬‬
‫عل ما قاله اآلن‬‫تقنعك‪َّ ,‬‬
‫ِ‬ ‫حذرتك من الوثوق به‪ ,‬لكن كلماتي لم‬ ‫ِ‬ ‫‪-‬‬
‫إقناعك‪.‬‬
‫ِ‬ ‫يتمكن من‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫تسرب الضيق إلى نفس "القزم" عندما أبصر وجه ِ"بنان" محتقنا‪,‬‬
‫فقال بحنق‪:‬‬
‫َ‬
‫أخدعك‪ ,‬كنت أنوي بالفعل أن أشارككم في مهمتكم‬ ‫ِ‬ ‫‪"ِ -‬بنان" أنا لم‬
‫وعدتك‪ ,‬لكن اعذريني ال يشكل لي ما عرفته اآلن أي منطق‪.‬‬‫ِ‬ ‫كما‬
‫ً‬
‫مستكرا‪:‬‬ ‫أعمل عينيه في الجميع ثم هتف‬
‫‪ -‬إنكم تسعون وراء أوهام‪ ,‬لو كنت أعلم أن مهمتكم الخطيرة هي‬
‫الوصول إلى قوة الكون السحرية التي من شأنها أن تعيد إليكم عيونكم‬
‫املفقودة‪ ,‬وتمكنكم من السيطرة على العالم ملا وعدت باملشاركة فيها قط!‬
‫كل ش يء هنا ليس سوى مرادف لكلمة جنون‪ ..‬إنما السحر في عقولكم‬
‫فحسب‪.‬‬

‫‪233‬‬
‫قالت "سالس" التي تحمل صغيرها‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬لكن املـعلم "آصف" كان يؤمن بذلك أشد اإليمان‪ ,‬كان ُيعلمنا من‬
‫أجل ذلك اليوم الذي نتمكن فيه من استعادة تلك القوة التي كنا نمتلكها‬
‫ً‬
‫قبال‪.‬‬
‫هتف بغضب‪:‬‬
‫‪ -‬أي قوة تلك التي سترغم العالم على أن يحني جبهته من أجلكم؟!‪..‬‬
‫إنها مجرد خرافة كما هي كل الخرافات التي تؤمنون بها‪.‬‬
‫َّ‬
‫ثم أردف باستنكار ُمغلف باالزدراء‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا ال تطرحون األسئلة ً‬
‫أبدا؟‬
‫‪ -‬لسنا جهلة‪.‬‬
‫‪ -‬بل الجاهل هو الذي ال يطرح األسئلة‪.‬‬
‫اندفع "داموس" يصيح وقد احتقن وجهه‪ ,‬وتجمدت قبضته في الهواء‪:‬‬
‫‪ -‬احذرمما تقول وإال أريتك ما ال يسرك‪.‬‬
‫ً‬
‫فاجأه "القزم" بأن تقدم إليه ليواجهه هاتفا وهو يرفع رأسه ينظر في‬
‫عينيه مباشرة‪:‬‬
‫‪ -‬هل أغضبك ما قلت‪ ,‬إذن إليك ذلك‪ ,‬أنتم قطيع في مرعى ال يرى أبعد‬
‫من العشب الذي يأكله‪ ,‬والبقعة التي يغمرها بفضالته‪ ,‬يعجز عن ردع‬
‫وكف بصره ً‬ ‫َّ‬
‫عمدا عن الذئب املتنكر برداء كلب حراسة‪,‬‬ ‫صاحب العصا‪,‬‬
‫واحدا بعد آخر‪ ..‬هناك فارق كبير بين فقد البصر والبصيرة!‬ ‫ً‬ ‫ينهشكم‬

‫‪234‬‬
‫عين واحدة‪ ,‬لكن الحقيقة هي أنكم‬ ‫تظنون أن ما فقدتموه ليس سوى ٍ‬
‫كم‪ُ ,‬ع ٌ‬
‫مي ال تعقلون‪.‬‬ ‫ُ‬
‫ص ٌم‪ُ ,‬ب ٌ‬
‫َ‬ ‫شهقت ُ‬
‫"سالس" بهلع‪ ,‬واندفعت ِ"بنان" تفصل بينهما بعدما سدد‬
‫َ‬
‫"داموس" لكمة قوية في وجه "القزم"‪ ,‬دفعت ِ"بنان بـ "داموس" املهتاج‬
‫"سالس" "القزم" لتسوقه‬ ‫إلى الجدار هاتفة به أن يتوقف‪ ,‬بينما جذبت ُ‬
‫"ح ُبوك" الذي انزوى في ركن قص ي مرتعش األطراف‪ .‬جذب‬ ‫خارج مسكن ِ‬
‫"سالس" بعنف‪ ,‬وتقدم خطوة صوب "داموس"‬ ‫"القزم" نفسه من قبضة ُ‬
‫هو يهتف بقوة‪:‬‬
‫‪ -‬ال ش يء هنا عبثي أو مصادفة كما تزعمون‪ ,‬كل ما يحدث هنا ُمتعمد‬
‫ومخطط له‪ ,‬ويكشف عن حقيقة واحدة‪ ..‬البد من وجود صانع لكل ذلك‪.‬‬ ‫ُ‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫مستطردا والزالت ِ"بنان" تمسك بأخيها‪ ,‬تحد من‬ ‫التقط أنفاسه‬
‫اندفاعه‪:‬‬
‫‪ -‬وسأحرم على جسدي الراحة حتى أصل إليه‪.‬‬
‫"سالس" ً‬
‫ذرعا بحركات الصغير فالتفتت تدفع به إلى "ح ُبوك"‬ ‫ضاقت ُ‬
‫بحنق‪ ,‬ثم تلتفت إلى "القزم" قائلة بفضول‪:‬‬
‫‪َ -‬هب أنك على حق‪ ,‬من هو هذا الصانع؟‬
‫‪ -‬ال أعلم‪ ,‬لكني أشعرأنه موجود‪.‬‬
‫‪ -‬لو كان هنا لرأيناه‪.‬‬
‫‪ -‬لعل قدراتنا ال تؤهلنا لرؤيته‪.‬‬
‫ران الصمت دون أن يرده أحد‪ ,‬ثم فاجأهم وهو يقول بحزم‪:‬‬

‫‪235‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬يجب أن ألتقي باملـعلم "آصف"‪.‬‬
‫ً‬
‫رد نظراتهم قائال بإصرارلم يختبره من قبل‪:‬‬
‫‪ -‬سأذهب إلى الجدارالشرقي لنهاية العالم‪.‬‬
‫ً‬ ‫مغادرا‪ ,‬لكن ً‬
‫ً‬
‫سهما حارقا أصابه في‬ ‫لم يبال بنظراتهم‪ ,‬دار على أعقابه‬
‫َ‬
‫مقتل‪ ,‬إذ قالت ِ"بنان"‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬أتعلم ملاذا ال أتعجب وأنا أراك اآلن تلقي بي في النار‪ ,‬ألنك فعلتها قبال‬
‫َ‬
‫في "باسطين"‪ ,‬دفعتني من فوق الشجرة لتسلمني إلى "ريشع"‪.‬‬
‫ً‬ ‫ثم التقطت ً‬
‫نفسا طويال‪ ,‬وقالت‪:‬‬
‫‪ -‬لهذا لم أثق بك قط‪ ..‬أظنك حصلت اآلن على إجابة سؤالك‪.‬‬
‫تجمدت خطواته‪ ,‬ونشب حريق تصاعد من قلبه إلى عقله‪ ,‬لم يستطع‬
‫"سالس"‪:‬‬ ‫أن يتلفت ليرى نظرات االزدراء في عينها‪ ,‬هتفت ُ‬

‫‪ -‬ال شك أنه لم يقصد‪.‬‬


‫"ح ُبوك" يحثه على نفي ما قيل‪:‬‬
‫ودنا منه ِ‬
‫‪ -‬هااذا لييس صحييح‪ ,‬أأليس كذذلك؟‬
‫وفر ً‬
‫هاربا‪ ,‬يحمل زاده من الضيق والخجل‪.‬‬ ‫تركهم يتخبطون في أمره‪َّ ,‬‬
‫لم يفلح استجداء ُ‬
‫"سالس" التي خرجت وراءه حتى مطلع الطريق في‬
‫أن يغير قراره‪ ,‬وال حتى بأن يوافق على أن تصحبه في رحلته‪ ,‬رتب نفسه‬
‫وطعامه‪ ,‬وعلم منها الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه‪ .‬استمسك بعزمه‬

‫‪236‬‬
‫ولم يطل التفكير مخافة أن يتبدد إصراره‪ ,‬ترك فضوله يسوقه‪ ,‬وقرر أال‬
‫يرجع إال بعلم يشفي به غليل صدره‪.‬‬
‫"سالس" باضطراب شديد‬ ‫أثناء عودتها إلى مساكن الشعب شعرت ُ‬
‫اهتزت له أركان اململكة‪ ,‬فلم تبال لذلك ولم تصرف فيه تفكيرها‪ ,‬لكنها ما‬
‫َ‬ ‫كادت تعود إلى مسكن َ‬
‫"ح ُبوك" حتى تملكها الفزع ملرآى ِ"بنان" تجهش في‬
‫بكاء عنيف‪َ ,‬‬
‫"وح ُبوك" يتمسك بالصغير وعينه ملبدة بالغيوم‪ .‬فطنت إلى‬
‫أن األمر أكبر من مغادرة "القزم" للمملكة وإخالئه بوعده عندما هتف‬
‫"داموس" بعنف‪:‬‬
‫َ‬
‫دعك من فكرة‬ ‫لك ِ‬ ‫أوقعت نفسك في هذا املأزق‪ ,‬قلت ِ‬
‫ِ‬ ‫‪ِ -‬بنان" كيف‬
‫ْ‬
‫لكنك كالعادة طرحتي بنصائحي عرض الحائط‪.‬‬‫الفطر‪ِ ,‬‬ ‫استزراع ِ‬
‫‪ -‬ماذا حدث؟‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫"ح ُبوك"‬
‫ران الصمت طويال إال من نحيب ِ"بنان" وتأوهاتها‪ ,‬أجابها ِ‬
‫ً‬
‫مرتعدا يكتنفه األس ى‪:‬‬
‫‪ -‬لققد مماات الكثييروون‪.‬‬
‫ً‬
‫التفتت تنظرإليه‪ ,‬فأردف بصوت يتمزق أملـا‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬ففطر ِ"بنناان" قتتللهم‪.‬‬

‫***‬
‫نشبت ٌ‬
‫نار تستعر بثوابتها وأركانها‪ ,‬حاصرها دخان كاد يرديها صرعى‪,‬‬
‫فكان البد من أن تنفثه‪ .‬أفسح لها الحفر ما يزيح غلتها‪ ,‬ضربة بعد ضربة‪,‬‬
‫وركلة بعد ركلة‪ ,‬لكن قوة الضربات لم تعادل ألم الحسرات‪ .‬بسطت‬

‫‪237‬‬
‫أطرافها ترجي لجرحها برأ‪ ,‬ولعلتها دواء‪ ,‬لكن خبا األمل من األفق وانزوى‪,‬‬
‫ولم يبق لها سوى التسليم بأن حياتها استوفت أجلها‪ ,‬واستجلبت آخر‬
‫مآبها‪.‬‬
‫فشلت في أن تعرف كيف تسمم أكثر من ثالثمائة فرد بفطرها الذي‬
‫اختبرته قبلهم‪ ,‬وكثيرون غيرها‪ .‬توجه شكها في البداية إلى "جادور"‬
‫فالفطر الذي تسمم به هؤالء هو نفسه الفطر الذي وهبته له في آخر‬
‫مبارزة بينهما في احتفالية "الفداء الكبير"‪ .‬لكنها اجتنبت هذا الريب فيه‪,‬‬
‫عندما علمت بمداهمة الجالوزة للقاعة الزراعية التي كانت تذخر‬
‫بتجاربها‪ ,‬واختبروا فطرها أمام الجميع ليشهدوا أنه قاتل خبيث يحصد‬
‫األرواح واآلجال في دقائق معدودات‪.‬‬
‫نقل إليها "داموس" صورة عن الغضب الذي مأل قلوب الجميع‪ ,‬يتردد‬
‫ً‬
‫مصحوبا باللعنات‪ .‬انفطر قلبها وهي ترى مآل عملها وجهدها‬ ‫اسمها بينهم‬
‫وصبرها تذروه الرياح في لحظة‪ ,‬وتتبدل سيرتها الحسنة بأخرى ذي معرة‪.‬‬
‫وفي الوقت الذي ال تملك فيه الظهور أمامهم والدفاع عن نفسها‪,‬‬
‫تساءلت كيف تخرج عليهم حتى لو استردت عينها املفقودة‪ ,‬وأتتهم بقوة‬
‫الكون تحت أقدامهم‪ ,‬بأي وجه ستالقيهم‪ ,‬ال شك أنهم سينبذونها‬
‫ُ‬
‫وينفرون من وجودها بينهم‪ .‬حاولت أن تكمل مهمتها في حفر النفق‪ ,‬لكن‬
‫عزمها خار‪ ,‬ويأسها استثار‪ .‬سألت نفسها ما الدافع‪ ,‬فلم تجد ما ترد به‬
‫سوى تصديقها على إيمان غيرها‪ ,‬حتى أنها لم تر آية تدفعها لحظة ألن‬
‫تصدق أسطورة استعادة قدرتهم على الرؤية كأقوى ما يكون‪ ,‬بقوة‬
‫سحرية عن الجميع في عمق النفق مخفية‪.‬‬

‫‪238‬‬
‫غمرها قنوط اآليسين ومرارة الحنظل في حلوقهم‪ ,‬وهي تصارح نفسها‬
‫للمرة األولى أنها لم تؤمن قط‪ ,‬وإنما أرادت أن تحقق ما آمن به "آصالن"‪,‬‬
‫لتق بـ "آصف" ولم تسمع منه ما يدفعها للتمسك بعرى ذاك اإليمان‪,‬‬ ‫لم ت ِ‬
‫كل ما هنالك أنها اختارت السير في الدرب نفسه الذي سار فيه "آصالن"‪,‬‬
‫ً‬
‫شعورا بأنها‬ ‫قويا يجعلها تفعل‪ ,‬لم تملك سوى‬ ‫سببا ًّ‬‫دون حتى أن تملك ً‬
‫ُملزمة باتباعه‪ ,‬وباإليمان بما يقوله‪ ,‬وحث نفسها على بلوغ أهدافه!‪.‬‬
‫يوما فيما استشكل عليها‪ ,‬فنهرها "أصالن"‬ ‫تذكرت حين حاججته ً‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫واد‬
‫بعنف قائال‪" :‬السؤال يفسد اإليمان"‪ ,‬فابتلعت شكوكها‪ ,‬ودفنتها في ٍ‬
‫عميق بعقلها‪ ,‬وردمت فوقها التراب‪ .‬لكن هاهي تخرج من مخبئها وتحرق‬
‫بنار متأججة فؤادها‪ ,‬وتنشر سرطانات الظن في عقلها‪ .‬فال هي تملك ب ً‬
‫ردا‬
‫ُ‬
‫تمسد به من القلب الوتين‪ ,‬وال آيات ترمي بها في كبد اليقين‪.‬‬
‫"ح ُبوك" أكثر مما تملكه من الهمة في الحفر‪ ,‬كان إيمانه‬ ‫لم يملك َ‬
‫كإيمانها‪ ,‬باهت شفاف‪ ,‬يطبع ما برز له من الطريق‪ ,‬حتى لو منظرا قبيحا‬
‫يسوء الناظرين‪.‬‬
‫لم يتملك اإليمان سوى من قلب "داموس" الذي بذل جهده في‬
‫الحفر‪ ,‬يصل الليل بالنهار‪ ,‬فال يرى نهاية لجهده سوى فوزه بتلك القوة‬
‫التي ستعيد بناء موازين الحياة باململكة‪ .‬سيحقق لفرقته أعظم‬
‫االنتصارات‪ ,‬وسيبدأ عهدا جديدا ال استعباد فيه وال خنوع وال دموع‪.‬‬
‫سيخرج من باطن األرض ليعتلي صخور الكهف كسائر امللوك واألمراء‪.‬‬
‫ً َّ‬ ‫سيمتلىء تجويف عينه ُ‬
‫يوما‪ .‬ملا تذكر هذه‬ ‫وسيبصر أفضل مما فعل‬
‫املغانم انتصب عوده ورفع قوته ً‬
‫عاليا ثم هوى بها ليزيح من طريقه حفنة‬
‫أخرى من الرمال‪.‬‬

‫‪239‬‬
‫"سالس" فقد استشكل أمرها على الجميع‪ ,‬أمست وردة ذابلة‬ ‫أما ُ‬
‫ملقاة في فالة‪ ,‬لم تفلح جهود َ‬
‫"ح ُبوك" في إخراجها من عزلة مسكنها‪,‬‬
‫وأضحى هو لصغيرها ًأبا ً‬
‫وأما‪.‬‬
‫لذلك لم يفرح سوى "داموس" بنجاحهم في الوصول إلى نهاية النفق‪,‬‬
‫والذي أفض ى بدوره إلى نفق ثان هو طريق ممهد إلى القبو الذي يحوى‬
‫"قوة الكون"‪ ,‬لكنه اليزال بحاجة إلى أحد تالميذ "آصف" ليمر من الفخ‬
‫و"سالس" هي املرشحة‬ ‫الذي يعلم أن "آصف" قد وضعه على باب القبو‪ُ ,‬‬
‫املثالية التي لن ُتسبب له مشكالت‪ ,‬لكنها رفضت ً‬
‫رفضا قاط ًعا أن تفعل‪,‬‬
‫َ‬
‫بدت زاهدة في كل ش يء‪ ,‬فقرر بصبر أن ينتظر حتى تنتهي مبارزة ِ"بنان"‬
‫"سالس" ُجل‬ ‫و"جادور" في احتفالية "الفداء الكبير"‪ ,‬عندها ستفقد ُ‬
‫قوتها‪ ,‬ولن يهتم ألمرها أحد‪ ,‬وسيحملها ً‬
‫قسرا إلى حيث القبو‪.‬‬

‫***‬
‫سار "القزم" مسير الضال عن قافلته‪ ,‬يناجي الحقيقة التي الحت له‬
‫آثارها‪ ,‬لتتبدى له من مخبئها‪ ,‬تزيح عن عقله ُح ُجب الجهل‪ ,‬وتطمئن إليها‬
‫نفسه‪ .‬يسرح نظره في محيا الفالة‪ ,‬تلتصق الرمال بأقدامه العاريات‪ ,‬حارة‬
‫َّ‬
‫ملتهبة‪ .‬خفق قلبه لزئير رياح شنفت مسامعه‪ .‬وأيقظت فيه الرهبة‬
‫والرغبة؛ الرهبة من غضب خرجت به في وجهه‪ ,‬ورغبة في أن يحدثها‬
‫حديث النديم ليسبر غور أسرارها‪ .‬إن كانت الرياح له ًأما فكيف تقسو‬
‫األم على ولدها؟‪ ..‬كيف تمسح على سويداء قلبه األلم والشقاء بكفها‪.‬‬
‫وعندما يعمد إلى شجرة ويجرحها بشفرة سكينه الحادة‪ ,‬أال يكون بذلك‬
‫ً ً‬
‫ابنا عاقا ألمه؟‬

‫‪240‬‬
‫سارت به ركبان الريح‪ ,‬يبذل جهده أال يحيد عن وجهته إلى الشرق‪,‬‬
‫ً‬
‫منزال ً‬
‫رحبا فاستودع نفسه في ظل‬ ‫احتلت حاجته إلى الراحة من فؤاده‬
‫صخرة‪ ,‬يحجب عن السماء عينان تلتصق بهما الرمال الهائمات‪ .‬لم تزل‬
‫الرياح تضرب بجنون حتى ساورته أكلح الظنون‪ ,‬أن ما يقول به الجميع‬
‫هو الحقيقة التي ارتحل ينشدها في مكان خاطئ‪ .‬ملاذا ال يكون الصواب هو‬
‫ما اجتمع عليه أمرهم‪ ,‬ملاذا ال يرى في إنكاره عين الشذوذ؟! ملاذا يعقد‬
‫عزمه في البحث عن غاية‪ ,‬لعل الحقيقة هي أن الغاية عدم‪ ,‬والحياة‬
‫فوض ى‪ ,‬والطريق سراب‪ .‬لعل األشياء تحدث بغير سبب‪ ,‬فقط سلسلة من‬
‫سلم للطبيعة َ‬ ‫ُ ّ‬
‫نفسه تفعل به وال‬ ‫األحداث املتعاقبة وما عليه سوى أن ي ِ‬
‫تفعل‪.‬‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫السماء العاصفة بدموعها‪,‬‬ ‫وبينما هو يجول في معترك أفكاره‪ ,‬غسلت‬
‫أما الريح فسكنت حركتها‪ ,‬جعلت تضؤل وتضعف صرخاتها‪ ,‬كصغير عاد‬
‫إلى أحضان أمه فغشيه األمان‪ .‬فتعجب من إعجازها عقله‪ ,‬تغازل بروعتها‬
‫قلبه‪ ,‬ملاذا جاءت األمطار في هذا الوقت‪ ,‬وراحت تبارز الرياح لتفوز عليها‪,‬‬
‫وتمد على األرض موائد الجود واإلنعام؟!‬
‫ثم رنا إلى صبارة ترفع إلى السماء وجهها تغسله باملاء‪ ,‬وتحتفظ به في‬
‫عروقها لتكبر ويشتد عودها‪َّ .‬‬
‫تعجب ملاذا لم تختر السماء أن تسقط بدل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أشجارا‪ ,‬أو حتى مختلف شكول الثمار؟! كيف‬ ‫املاء رماال‪ ,‬أو حجارة‪ ,‬أو‬
‫يتسنى للطبيعة التي ال تعقل أن يحكم كل تصرفاتها منطق‪ ,‬ويؤل بها إلى‬‫َّ‬
‫غاية؟!‬
‫تذكر تجارب َ‬‫َّ‬
‫"ح ُبوك" في‬ ‫عاود املسير يحمل من التردد اليسير‪,‬‬
‫مسكنه‪ ,‬واملواد الغريبة التي رآه يمزجها ويخضخضها ويسحقها وينشرها‪,‬‬

‫‪241‬‬
‫تذكر كيف جهل أمر هذه املواد حتى أخبره َ‬ ‫َّ‬
‫"ح ُبوك" أنه سيجمعها معا‬
‫أخيرا‪ ,‬يكون له الفوائد واآلثار‪.‬‬ ‫ً‬
‫منتجا ً‬ ‫ليحقق بكل هذه املواد املختلفة‬
‫فأيقن أنه يطرح من البداية السؤال الخطأ‪ ,‬لذلك أساء الفهم ولم يصل‬
‫بعد إلى جواب يشفي غليل صدره‪ ,‬ال يجب أن يسأل عن الغرض من كل‬
‫عناصر الطبيعة البديعة إلى أبعد الحدود االستثنائية في رسمها ووصفها‪,‬‬
‫بل يجب أن يسأل الغاية من املنتج النهائي‪ ,‬ولكي يرى املنتج النهائي يجب‬
‫ً‬
‫عليه أن يصل أوال إلى الصانع‪ .‬إذا استطاع أن يتحاور معه ويفهم كيف‬
‫يفكر‪ ,‬إذا فهم شفرة الكون فسيصل إلى الغرض من كل ما حوله‪ ,‬ومن‬
‫وجوده وسط كل ذلك‪.‬‬
‫أسفر ذلك عن قراره بأن يقرأ كل ما حوله من رسائل ليستدل بها على‬
‫ذاك الصانع الذي يملك منابت السحر وقوانينه ومفرداته‪ ,‬يملك القدرة‬
‫واإلتقان واإلبداع‪ .‬أضاء قلبه بشغف املعرفة‪ ,‬كان الوقود الذي يحركه‪,‬‬
‫ويدفع به في هذا اإلتجاه دون غيره‪ .‬دفعته فطرته إلى البحث عن معنى؛‬
‫َّ‬
‫فلبى النداء‪.‬‬
‫َّ‬
‫صفعه الفشل مرة بعد مرة‪ ,‬لكن هذه املرة كانت صفعة قوية دكت‬
‫ً ً‬
‫أركان قلبه دكا دكا‪.‬‬
‫جسدا ملقى ً‬
‫أرضا‪ ,‬اقترب منه‬ ‫أخيرا‪ ,‬أبصر ً‬
‫وصل إلى الجدار الشرقي ً‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ ّ‬
‫مناجيا بتضرع‪ ,‬هاجت‬ ‫ملتاعا‪ ,‬يتأمل وجهه‬ ‫قلبه‬‫تهزه إليه اللهفة‪ ,‬ي ِ‬
‫لواعجه يبحث عن ش يء من الحياة ال يزال يعانق هذا الجسد‪ ,‬لكن ال‬
‫ش يء‪ ,‬انفصمت عرى آماله‪ ..‬وباتت الحياة أو انسالخه عنها صنوان‪..‬‬
‫مـات "آصف"‪!..‬‬

‫***‬
‫‪242‬‬
‫امللف التاسع والعشرون‬

‫أشرقت الشمس كرة متأججة ً‬


‫نارا‪ ,‬أشعتها أشد حرارة مما عرفته‬
‫َ‬ ‫اململكة ً‬
‫يوما‪ ,‬يخفى عليهم أن اليوم لن يمر كأي يوم خبروه‪ ,‬ساعات شاقة‬
‫مهيبة‪ ,‬ومفاجآت رهيبة تنتظرهم!‬
‫وكما كل احتفالية لـ "الفداء الكبير" تجمهر أهل الكهف وسكان باطن‬
‫األرض كل منهما فوق التلة التي تخصه‪ ,‬وبدأت االحتفالية بـ "طقوس‬
‫الطهارة"‪ ,‬تخللها رقصات الجالوزة‪ ,‬تالها دفع تسعة وسبعين من اإلناث‬
‫َ‬
‫داخل "فم النار"‪ ,‬تلعنهم صيحات حماسية‪ ,‬باركت صنيع أيادي‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫الجالوزة‪َّ .‬‬
‫شيعت ِ"بنان" آخر أنثى‪ ,‬منهوكة القوى‪ ,‬وقسماتها تصرخ أملـا‪.‬‬
‫َ‬
‫هدايا أخرى من بنات جنسها في طريقهن إلى محاربي "ريشع"‪.‬‬
‫يستبيحهن أنجاس دنسوا أرضها‪ ,‬وساموا سوء العذاب شعبها‪ ,‬أهل‬
‫"باسطين" الذين ظلوا على العهد‪ ,‬كرمح في ظهور أعدائهم‪ ,‬ساعور أرض ي‬
‫ال يهدأ وال تفتر ناره‪ ,‬يشوي أجسادهم ويحيق بهم الهزائم مرة تلو مرة‪,‬‬
‫أصبحوا وأمسوا كمسمار يقض مضاجعهم‪ ,‬ويسلبهم الراحة‪ ,‬وشوكة‬
‫استقرت في حلوقهم تذيقهم الشدة والبأس‪ .‬ورغم نور الشمس الساطع‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫رأت مملكتها مغشية بالسواد‪ ,‬وظلم يفض ي إلى ظلم‪ ,‬وحياة أشبه باملمات‪.‬‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫إمعانا في إذاللها‪ ,‬أمر"جادور" الجالوزة بتقييد ِ"بنان" ودفعها إلى التل‬
‫تبد أي مقاومة‪ .‬مبارزة أخيرة بينهما ليشهد‬‫األحمر‪ ,‬على الرغم من أنها لم ِ‬
‫ينس كيف أذاقته مر الهزيمة وهي ترتقي‬ ‫الجميع لحظة انتصاره عليها‪ .‬لم َ‬

‫‪243‬‬
‫في عيون الشعب بنتاج تجاربها الزراعية‪ ,‬لم يسامحها على انتزاعها عرش‬
‫التضحية من تحته مرة تلو األخرى‪ ,‬أرهقته في السعي إلى املحافظة على‬
‫مكانته‪ ,‬لذلك أراد أن تكون لحظاتها األخيرة على مشهد من الجميع‪.‬‬
‫وما إن وقعت أنظار الشعب عليها حتى تشتت عقولهم من هول‬
‫ُ ّ‬
‫كذبون أعينهم التي تراها تتحرك أمامهم‪ ,‬بعدما شهدوا‬ ‫املفاجأة‪ ,‬يكادون ي ِ‬
‫من قبل إلقائها في "فم النار"‪.‬‬
‫أطرقت بطرفها كي ال تنجح نظراته الشامتة في أن تكسرها‪ ,‬واجهته‬
‫بقسمات جامدة ال تفضح ما يعتمل بداخلها من ألم وهلع‪ .‬ازدانت باللهفة‬
‫ً‬
‫جامدا على مقربة‬ ‫عينها تبحث عن "داموس"‪ ,‬استقرت على وجهه‪ ,‬يقف‬
‫منها‪ ,‬أرادت أن تستمد منه الشجاعة ملواجهة لحظاتها األخيرة لكنها لم‬
‫تستطع أن تفهم نظراته‪ ,‬فتغابت عنها‪ ,‬ومنحته ابتسامة ضعيفة‬
‫استودعت فيها حبها له وإشفاقها على فجيعته فيها‪ .‬انتقلت بعينها إلى‬
‫"سالس"‪ُ ,‬يخيل للناظر إليها أنها جسد بال حياة‪ ,‬تقف هناك بوجهها‬ ‫ُ‬
‫الباهت ممنوعة من املشاركة في مثل هذه االحتفاليات‪ ,‬فاألمراء واألميرات‬
‫أبدا في تبادل األضحيات مع باقي الشعب‪ ,‬نكاية بهم‬ ‫املنبوذون ال يشاركون ً‬
‫َّ َ‬
‫سر ِ"بنان" أن تترك هذا‬ ‫كما يقول قائد الجالوزة "راعون"‪ .‬رغم كل ش يء‬
‫َ‬ ‫األثر في نفس ُ‬
‫"سالس"‪ ,‬فمنحتها ِ"بنان" ابتسامة مرتعشة تودع بها‬
‫صديقتها الصدوق‪.‬‬
‫ودت لو منحها نظرة وداع‪ ,‬أحبت أن‬ ‫"ح ُبوك" عن أنظارها‪َّ ,‬‬
‫اختفي َ‬
‫تكون آخر الوجوه التي تراها قبل موتها هي وجوه أحبة‪ ,‬تعلم أنهم يحبونها‬
‫بدورهم‪ ,‬ولها مخلصون كإخالصها لهم‪ .‬أطرقت برأسها لئال ترى عيون‬
‫وكرها‪ ,‬لكنها لم تستطع أن تسد مسامعها‬‫غضبا ً‬
‫ً‬ ‫الجميع من حولها تتقد‬

‫‪244‬‬
‫عن سبابهم وقذفهم‪ ,‬حركت أقدامها بعصبية تتوسل في سرها إلى عين‬
‫امللك املباركة أن ينتهي هذا العذاب‪.‬‬
‫َّ‬
‫ترقب الجميع ما يحدث‪ ,‬و"جادور" يلقي بكلمات تزج بحمم الكراهية‬
‫َ‬
‫تجاه ِ"بنان" في قلوبهم فتشعلها‪ ,‬لم تستبد به الحاجة إلى أن يقترح عليهم‬
‫ً‬
‫أن تنتهي خسارتها بالقتل بدال من أن يتخذها أمة له‪ ,‬كانوا أسبق منه إلى‬
‫الجالوزة "راعون" الذي اعتلى‬‫هذا الحكم‪ .‬تبادل نظرة انتصار مع قائد َ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عرشا متحركا‪ ,‬يلوذ بالصمت‪ ,‬ويراقب ما حوله بشغف‪ .‬لم يكن بحاجة‬
‫إلى ِذكر ما يدفع به أفراد الشعب إلى املطالبة برأسها‪ ,‬كان "جادور" يقوم‬
‫َّ‬
‫بمهمته على الوجه األكمل‪ ,‬تملك الغضب من الجميع حتى باتوا يتحركون‬
‫كقطع الحجارة التي يتلهَّي بها "راعون" مع ندمائه‪ ,‬تصب في االتجاه الذي‬
‫يرغبه دون مشقة‪.‬‬
‫ً‬
‫أكمل "جادور" خطبته هاتفا وهو يشيح بيديه بحماس‪ ,‬وقد ألقى‬
‫سهما أصاب هدفه من قلوب الجميع‪:‬‬ ‫ً‬
‫‪ ... -‬حتى أن "فم النار" لفظها‪ ,‬لم َ‬
‫يقو على حرق بذرة الشر التي يحملها‬
‫قلبها‪ ,‬ها أنا أنصحكم يا شعب "النسر" وإني على مصلحتكم لحريص‪,‬‬
‫خطرا من ملك "مينورا" ومن كل أعدائكم‪ ..‬إنها الشر‬ ‫ً‬ ‫إنها أشد عليكم‬
‫نفسه‪ ..‬شرلم تتمكن النارمن أن تحرقه‪ ,‬ألنه والنارسواء‪.‬‬
‫زمجرالجمع‪ ,‬فاستطرد بقوة‪:‬‬
‫‪ -‬حتى أنها فشلت اآلن في تقديم أضحية تفدي بها نفسها اليوم‪ ,‬لكنني‬
‫ُ َ‬ ‫َ‬
‫أرفض أن أتخذ مثلها أمة لي‪ ,‬لم تض ِ ّح من أجلكم يا شعب "النسر" إال‬
‫باملوت الذي اختطف ثالثمائة من أحبائكم‪ ,‬لذلك سأضحي بها من‬
‫أجلكم‪.‬‬

‫‪245‬‬
‫تعالت صيحات الغضب تصم مسامعها‪ ,‬هتف بعضهم فتبعهم‬
‫اآلخرون‪:‬‬
‫‪ -‬املوت لها‪ ..‬املوت لها!‬
‫أشار لهم "جادور" ليهدؤوا فتعالت صرخاتهم أكثر‪ ,‬تدافع بعضهم‬
‫بشراسة ليصلوا إليها‪ ,‬وغايتهم تمزيق وجهها وجسدها بأيديهم العارية‪,‬‬
‫لكن حلقة الجالوزة التي تطوقها أوقفت زحفهم‪ .‬ارتجف قلبها والتزال‬
‫أرضا‪ ,‬استطرد "جادور" بحماس‪:‬‬ ‫تطرق برأسها ً‬

‫تعدت على قائدنا العظيم "راعون" بالسب وتم إلقائها في "فم‬‫‪ -‬عندما َّ‬
‫النار" ِملا يحمل قلبها من شرور‪ ,‬منحتها أمنا الطبيعة فرصة ثانية للعيش‬
‫بيننا بسالم‪ ..‬لكنها لم ترد السالم ً‬
‫أبدا‪ ,‬بل أرادت لكم املوت والهالك‪.‬‬
‫‪ -‬اقتلوها اآلن‪ ..‬املوت لها‪.‬‬
‫‪ -‬ألقوا بها في "فم النار" ثانية‪ ,‬وجودها بمملكتها خطيئة‪.‬‬
‫‪ -‬ألقوا بها لـ "نمراألرض" ينهش جسدها‪.‬‬
‫‪ -‬اتركوها لنا لنمزق أحشاءها ونخضب وجوهنا بدمائها‪.‬‬
‫احتقن وجهها بالخوف‪ ,‬فرفعت رأسها تنشد من أيهم املغفرة‪ ,‬صرخت‬
‫ُ‬
‫فيهم بجل قوتها تذكرهم بما جادت به من خيرات على مملكتهم‪ ,‬وما‬
‫ْ‬
‫أطعمتهم به من ِفطر وحبوب وثمار ساعدتهم على البقاء أحياء في أوقات‬
‫املجاعات‪ ,‬لكنها لم تر في أعينهم سوى الجحود‪ ,‬فأطرقت برأسها ثانية‪,‬‬
‫باستسالم عليه مكرهة‪ ,‬وبه مقهورة‪ .‬فتبادل "جادور" مع قائد الجالوزة‬
‫ً‬
‫"راعون" نظرة انتصار‪ ,‬قبل أن يوجه للشعب شطروجهه قائال‪:‬‬

‫‪246‬‬
‫‪ -‬لذلك أرى أن القانون الجديد الذي اقترحه قائدنا العظيم "راعون"‬
‫جدا‪ ..‬سيتم فرض‬ ‫وصدق عليه مجلس حكماء اململكة هو قانون حكيم ً‬ ‫َّ‬
‫أضحية يومية على الشعب كله‪ ,‬من ثمار أو حبوب أو أي غرض تجود به‬
‫أيديهم‪ ,‬لن يقدر على مثل هذه التضحية إال أصحاب القلوب النقية‪ ,‬ومن‬
‫يرفض أو يتقاعس عن بذل أضحيته‪ ,‬سيظهر بذلك ما كان يبطنه في قلبه‬
‫من شرور‪ ,‬وستتم معاقبته ً‬
‫فورا‪ ,‬إما باملوت‪ ,‬أو بضمه إلى عبيد قائدنا‬
‫"راعون"‪ ,‬يسعى في خدمتكم وخدمة مملكتم‪.‬‬
‫َ‬
‫احتقن وجه ِ"بنان" وهي تتطلع إلى "جادور" بازدراء‪ ,‬ومنه إلى وجه‬
‫"راعون" الناطق بالجشع‪ ,‬األمر كذلك إذن‪ ,‬أرادوا تمرير هذا القانون‬
‫الجديد عبر هذا العرض املثير الذي أضحت ً‬
‫رغما عنها بطلته‪ .‬أطالت‬
‫البشر‪ ,‬والثقة في كلمات‬‫النظر بيأس في وجوه الجميع‪ ,‬والتي يعلوها ِ‬
‫"جادور"‪ ,‬ال تدري نحو أيهما تشعر بالشفقة أكثر‪ ,‬على شعبها املخدوع‪ ,‬أم‬
‫على نفسها لهذا املصيراألسود‪.‬‬
‫‪ -‬لقد بدأت الحفلة دوني! آسف على التأخير فالصحراء طويلة‪ ,‬وأنا‬
‫بطئ كالدودة كما تعلمين‪.‬‬
‫ضج صدرها بكلمات لم تستطع أن‬ ‫توجهت برأسها وبكيانها كله إليه‪َّ ,‬‬
‫ً‬
‫تنطق بها‪ ,‬رمقها بعين شغوف تحمل أمال ال تدري منبعه لتغرف منه هي‬
‫ضج املكان بهمهمات الحاضرين‪ ,‬ماذا يفعل هذا األمير بالقرب من‬ ‫األخرى‪َّ .‬‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" القاتلة!‪ ..‬دنا منه "جادور" بعدما تبادل نظرة قلق مع "راعون"‬
‫تلبسه الفضول‪ ,‬ثم قال‪:‬‬ ‫الذي َّ‬

‫‪ -‬سيدي األمير دام ُعاله‪ ,‬أرجو أن تبتعد عن تلك البائسة‪ ,‬أخاف أن‬
‫ترميك بشررها‪.‬‬

‫‪247‬‬
‫ً‬
‫مواجها له وهو يعمل نظره بوجهه ببطء دفع بالبرودة‬ ‫استقر "القزم"‬
‫لتنساب إلى أطراف "جادور"‪ ,‬ثم قال بحزم‪:‬‬
‫‪ -‬لقد أردت أضحيتك‪ ,‬وستأخذها‪.‬‬
‫َ‬
‫عاد خطوات إلى الوراء إلى حيث استقر بجوار ِ"بنان" التي لم تفارق‬
‫عينها وجهه‪ ,‬تتأمله بفضول ودهشة كما يفعل الجميع‪ ,‬هتف بصوت‬
‫مرتفع يخاطب الجميع‪:‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫‪ -‬تريدون منها أضحية تفدي بها نفسها‪ ,‬حسنا‪ ,‬إنها تضحي لكم بـ‪...‬‬
‫صمت يتأمل الوجوه بهدوء استفز صبرهم فتململت حركاتهم‪ ,‬ثم‬
‫هتف بحزم‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ستضحي لكم بعيني‪.‬‬
‫شهقات هنا وهمهمات هناك‪ ,‬واستنكار تعالت بها أصواتهم‪ ,‬وتعاظم‬
‫َ‬
‫في نفوسهم ما قاله‪ .‬رنت إليه ِ"بنان" بعين دامعة‪ ,‬أراد أن يهمس لها‪ ,‬لكن‬
‫ً‬
‫حاسما االضطراب الذي سببته كلماته‪:‬‬ ‫قاطعه "جادور"‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ال يصح ذلك‪ ,‬ال تستطع تلك البائسة أن تضحي إال بما تملكه في‬
‫يدها‪.‬‬
‫بتحد‪ ,‬وبحركة بطيئة مدروسة أمسك بيدها دون أن‬ ‫حدق به "القزم" ّ‬ ‫َّ‬
‫ٍ‬
‫يحيد بنظراته عن عين "جادور" القلقة‪ ,‬ثم رفعها إلى حيث استقرت فوق‬
‫َّ‬
‫فضج املكان بأصواتهم مرة أخرى‪.‬‬ ‫عينه‪,‬‬
‫‪ -‬إنه يهبها عينه‪.‬‬
‫‪ -‬هذا جنون‪.‬‬

‫‪248‬‬
‫‪ -‬ماذا سيحدث اآلن؟!‬
‫‪ -‬لم يسبق أن ضحى ٌ‬
‫أحد بأعظم من ذلك‪.‬‬
‫‪ -‬أثق أنها خدعة‪ ,‬سترون ذلك‪.‬‬
‫‪ -‬يا له من شجاع‪.‬‬
‫التقطت مسامعه ردة فعلهم‪ ,‬فاتسعت ابتسامة ظافرة على محياه‪.‬‬
‫لكن املوازين انقلبت في لحظة عندما قام قائد َ‬
‫الجالوزة "راعون" من فوق‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫وأطل على الجميع هاتفا‪:‬‬ ‫عرشه‬
‫‪ -‬ال يمكن أن نقبل ذلك‪ ,‬لم يحدث بمملكتنا مثل هذه التضحية من‬
‫قبل‪.‬‬
‫ثم أشارإلى صفوف جالوزته ً‬
‫آمرا إياهم بغضب‪:‬‬
‫‪ -‬فلتشدوا به إلى "نمراألرض"‪..‬ولتخضعوه إلى اختباربذرة الشر‪ ..‬اآلن‪.‬‬
‫َ‬
‫انفضت ِ"بنان" وقد أنشط غضبها من عقاله‪ ,‬تقول بصوت لم يبلغ‬
‫مداه مسامع أحد‪:‬‬
‫‪ -‬هذا ظلم‪ ,‬ملاذا تفعلوا به ذلك؟!‬
‫ً‬
‫جذبها "القزم" قائال بلهفة وهو يراقب الجالوزة غالظ الوجوه‬
‫والقلوب املتجهين صوبه‪:‬‬
‫‪ -‬اسمعيني ً‬
‫جيدا‪ ,‬يجب أن يتم هذا األمر‪.‬‬
‫وكأنها لم تسمعه‪ ,‬ترمقه بعين شغفها ً‬
‫حبا‪ ,‬قالت بأس ى وهي تتشبث‬
‫به‪:‬‬

‫‪249‬‬
‫‪ -‬ليتك ما جئت‪.‬‬
‫أكمل وهو يهزها ً‬
‫هزا‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬هل تفهمين ما أقول‪ ,‬يجب أن تستكملي املهمة‪ ,‬اآلن يا ِ"بنان"‪ ,‬يجب‬
‫أن يتحرر الجميع‪ ,‬ال تتخلي عن ذلك ً‬
‫أبدا‪.‬‬
‫بذهول قالت‪:‬‬
‫‪ -‬ألم تقل أن هذا وهم‪ ,‬وال ش يء ينتظرنا في القبو‪.‬‬
‫‪ -‬بل هناك‪ ,‬لكنه أعظم وأروع مما تظنين‪.‬‬
‫قبض الجالوزة على أطرافه يدفعون به تجاه جحر "نمر االرض"‪,‬‬
‫ً‬
‫فهتف بها محاوال أن يصل بصوته إليها‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬حرريهم يا ِ"بنان"‪ ..‬حرريهم‪ ..‬ال أمل لهم سوانا بعد موت "آصف"‪.‬‬

‫***‬

‫‪250‬‬
‫امللف الثالثون‬

‫ُ‬ ‫َّ‬
‫يجر‬
‫احتدت األبصار تتابع بشغف األمير املساق أمام الجالوزة‪ ,‬فلم ِ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫فوق أرض مملكتهم ً‬
‫يوما شيئا مماثال‪ ,‬أمير ذو عينين سليمتين يخضع‬
‫الختبار بذرة الشر!‪..‬بلمح البصر نسوا أنه لم يقترف ً‬
‫ذنبا‪ ,‬وال يعرفوا له‬
‫تبدلت تصوراتهم دون تأمل‪ ,‬وتشوهت األحداث في مخيلتهم‪,‬‬ ‫سوءة‪َّ .‬‬
‫واندلعت حماستهم دون تدبر‪ ,‬فلم يدر أي منهم ِل َم شجع إخضاع األمير‬
‫حرض ألوف الهتافات املهتاجة على‬ ‫لالختبار!‪ ..‬هتاف واحد من مجهول َّ‬
‫تأييد قرار"راعون"‪.‬‬
‫ً‬
‫واحدا ً‬ ‫ً‬ ‫ُ ّ‬
‫كبيرا‪ ,‬عقل مسيطر له عليهم‬ ‫شكل عقال‬
‫اتحدت عقولهم لت ِ‬
‫ُسلطة مطلقة‪ .‬أسلم عقلهم الجمعي أمره لصاحب أول هتاف‪ ,‬فلحق‬
‫آخرهم بأولهم‪ ,‬واحتلت أجسادهم روحا واحدة جمعتهم على عقل واحد‪.‬‬
‫كون أي منهم ً‬
‫رأيا‬ ‫ُ ّ‬
‫الفرصة ليسأل "ملاذا؟"‪ ,‬ولم ي ِ‬
‫ُ‬
‫لم يمنح أي منهم عقله‬
‫جميعا بقرار لقن لهم‪ .‬خلق العقل املسيطر دون وعي‬‫ً‬ ‫ًّ‬
‫شخصيا‪ ,‬آمنوا‬
‫قواعد جديدة واتبعوها بإيمان ظاهر‪ ,‬ذاب املختلف في املؤتلف‪,‬‬
‫التفت بقوة وشراسة حول‬‫َّ‬
‫واجتمعت قلوبهم كحلقات في سلسلة واحدة‪,‬‬
‫العنق الوحيد الذي انفصم عن عرى إيمانهم‪ ,‬عنق "القزم"‪.‬‬
‫َّ‬
‫شحذ "القزم" عقله ليهتدي إلى وسيلة يحرر بها نفسه‪ ,‬ويحررهم معه‪,‬‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫آمال أن تصل ِ"بنان" في الوقت املناسب إلى القبو‪ ,‬وحتى إن لم يحدث ذلك‬
‫قبل هالكه‪ ,‬يكفيه أن تتحطم القيود من بعده‪ ,‬فال يشقى فيها ٌ‬
‫أحد‪.‬‬

‫‪251‬‬
‫َّ‬
‫شدوا وثاقه بأوتاد برزت من األرض‪ ,‬تعلقت العيون بالحفرة العميقة‬
‫التي تأوي "نمر األرض" الرهيب بداخلها‪ ,‬أزاحوا عن الحفرة األسوار‬
‫فانطلق منها بلهفة وشراسة‪ ,‬بأرجله الثمانية ذات مخالب قوية‪ ,‬تحمل‬
‫ً‬
‫ضخما‪ .‬التقط الجالوزة بسرعة الحبال التي قيدت أطرافه‬ ‫شعرا‬ ‫ً‬
‫جسدا ُم ً‬
‫أرضا‪ ,‬وقد وضع فوق‬ ‫يسوقونه بحزم وإصرار إلى حيث "القزم" املستلقي ً‬
‫جبهته جزء من ورقة "شجرة الطاقة"‪ ,‬شجرة الحقيقة زعموا‪.‬‬
‫مست الورقة جبهته حتى اشتم رائحة لحم شهي!‪ ..‬ففطن إلى‬ ‫ما إن َّ‬
‫خمن أنه حينما ال يرغب‬ ‫الخدعة التي بها يختار "نمر األرض" ضحاياه‪َّ ,‬‬
‫ً‬
‫إمعانا في تثبيت خرافة هذا االختبار في عقول‬ ‫الجالوزة في الفتك بأحدهم‪,‬‬
‫الجميع‪ ,‬فإنهم يغمرون الورقة برائحة كريهة تنفر "نمر األرض" من‬
‫"ح ُبوك" وهو يقص عليه ماحدث معه‬ ‫االقتراب منه‪ .‬أيدت نظريته كلمات َ‬
‫في االختبار‪ ,‬وعن الرائحة الكريهة التي اشتمها يومها‪ .‬إذن هكذا تنطلي‬
‫الحيلة على الشعب‪ ,‬ويظهرلهم أن "نمراألرض" هو صاحب االختيار‪.‬‬
‫دنا "نمراألرض" منه بلهفة يرنو إليه بعيونه الثمانية التي تتحرك في كل‬
‫االتجاهات‪ ,‬فانتفض قلبه‪ ,‬تأمل قبحه بوجهه املشعر‪ ,‬تالمست شعيرات‬
‫وجهه بوجه "القزم"‪ ,‬يسقط لعابه اللزج فوقه فاقشعر جسده بشدة‪.‬‬
‫اهتاجت حركات "نمر األرض" وقد اشتهى "القزم" ما إن اشتم رائحة‬
‫اللحم الشهي‪ ,‬فاجتهد الجالوزة في منعه من أن يأكله‪ .‬عندها صاح‬
‫ً‬
‫"جادور" معلنا للجميع بغيرحاجة‪:‬‬
‫‪ -‬إنه يحمل بذرة الشربداخله‪.‬‬
‫اهتاج الجمع مرددين هتافات املوت لألمير‪ ,‬عاد "جادور" للهتاف فيهم‬
‫ً‬
‫متصنعا الورع‪:‬‬

‫‪252‬‬
‫‪ -‬يجب أن نلتزم بقوانين اململكة‪ ..‬فنترك أمره للطبيعة إما أن تمنحه‬
‫عفوها أو عقابها‪.‬‬
‫َّ‬
‫هلل الجميع مؤيدين لكالمه‪ ,‬عارفين بحكمته‪ ,‬فتبادل ابتسامة ظفر‬
‫عاليا فوق عرشه املتحرك‪ً ,‬‬
‫بعيدا عن االنخراط‬ ‫مع "راعون" الذي ظل ً‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫فيما يحدث‪ ,‬مر ً‬
‫اقبا له‪ ,‬ومشرفا عليه‪ ,‬ومباركا له من عليائه‪.‬‬
‫دفع الجالوزة به إلى شفا حفرة عميقة بها املئات من أوراق الشجر‬
‫اليابسة‪ ,‬وأخبروه أن عليه نزول الحفرة وأال يخرج إال بورقة خضراء قبل‬
‫انقضاء وقت معلوم‪ .‬فإن فعل فالطبيعة غفرت له وكتبت له النجاة‪ ,‬وإن‬
‫ً‬ ‫لم يفعل كان عقابه وهالكه‪ ,‬وألقى به طع ًاما لـ"نمر األرض"‪َّ .‬‬
‫ظل واقفا‬
‫تبدت له فوق سطح الحفرة‪ ,‬ثم توجه إلى أحد‬ ‫يتأمل األوراق اليابسة التي َّ‬
‫ً‬
‫الجالوزة برأسه سائال‪ ,‬إن كان نجح أحد في الخروج من الحفرة بالورقة‬
‫الخضراء قبل انتهاء الوقت‪ ,‬لم يجب‪ ,‬لكن زميله تطوع بالجواب وهو ينظر‬
‫ً‬
‫متشفيا‪:‬‬ ‫إليه‬
‫‪ -‬منذ أن ولدتني "شجرة الطاقة"‪ ,‬لم يحدث ذلك وال مرة واحدة‪.‬‬
‫‪ -‬وكيف لي أن أتأكد من أن الورقة الخضراء موجودة بالفعل بين كل‬
‫هذه األوراق امليتة؟‬
‫ً‬
‫متحديا‪:‬‬ ‫الح السرورعلى محياه وهو يجيبه‬
‫‪ -‬لن تتأكد ً‬
‫أبدا‪.‬‬
‫جليا كألسنة الشمس التي‬‫فطن إلى حقيقة األمر‪ ,‬وبدا له كل ش يء ً‬
‫تحرق ظهره في هذه اللحظة‪ ,‬ال فرصة للنجاة‪ ,‬أحكموا الفخ حوله‪ ,‬وحتى‬
‫َّ‬
‫يتحصل على الورقة الخضراء فلن يجدها‪ ,‬يثق أال‬ ‫إن حاول لساعات أن‬

‫‪253‬‬
‫وجود لها‪ .‬لكن كيف يثبت لهذا الشعب أنه مخدوع يتم التالعب به؟‪ ..‬نظر‬
‫ً‬
‫في قسماتهم املتقدة بالحماس مشفقا‪ ,‬وإلى قبضات يلوحونها في الهواء‬
‫ً‬
‫متأملا‪ .‬أعياه التفكير في وسيلة يحقق بها مراده‪ ,‬ويكشف بها عن سوءة‬
‫"راعون" و"جادور" أمامهم‪ .‬كيف يحطم الخرافات التي حبس شعب‬
‫"النسر" نفسه بين أوحالها‪ .‬هتف بأعلى صوته وهو يدور في كل اتجاه‪,‬‬
‫يرمق الوجوه السوداء امللتهبة تحت قيظ الشمس‪:‬‬
‫‪ -‬ال تظنون أنهم حكموكم بكمال أجسادهم‪ ,‬وال برجاحة عقولهم‪ ,‬وال‬
‫بقوة بنيانهم‪ ,‬أو بكثرة عدتهم وأعدادهم‪ ..‬بل حكموكم بالخرافات‪.‬‬
‫تعالت صيحاتهم املهتاجة مستنكرة مقاله‪ ,‬يقذفون بقشور الثمار‬
‫ظل يتحرك بحماس‪ ,‬كاشف الصدر‪ ,‬منصوب‬ ‫واألوساخ والحجارة‪َّ ,‬‬
‫القامة‪ ,‬وهو يهتف فيهم‪:‬‬
‫‪ -‬إن لم تروا ً‬
‫جيدا أنكم ُم َّ‬
‫كبلون بقيود وهمية نجحوا في أن ينسجوها‬
‫من خياالتكم‪ ,‬فستظلون أبد الدهر تحت أقدامهم‪ ,‬ال حق لكم في العيش‬
‫فوق األرض مثلهم‪ ,‬ستتعفنون هناك في القاع‪ ,‬وفي أكثرنقطة مظلمة منه‪.‬‬
‫أنبأه صياحهم املغضب‪ ,‬ونظرات االستمتاع بأعين "راعون"‪,‬‬
‫وابتسامة "جادور" الواثقة الخبيثة أن ال أمل في محاججتهم بالعقل‪ ,‬لن‬
‫ُ‬
‫يجدي سوى وسيلة واحدة ملخاطبة جماهير تساق كالقطيع‪ ,‬لن يجذبهم‬
‫سوى باالنطباعات التي تولدها الرموز في روحهم‪ ,‬فهم ال يؤمنون إال بما‬
‫يحرك عواطفهم ويستثير انفعاالتهم‪ ,‬ويوافق رمزا يقدسونه‪ .‬فانتظر حتى‬
‫هدأت األصوات‪ ,‬وهتف حتى ردد الكون أصداء صوته‪:‬‬
‫أحد من العاملين َ‬
‫مثل‬ ‫‪ -‬أخبروني‪ ..‬من هو أعظمكم تضحية‪ ,‬ولم يهب ٌ‬
‫ما وهب لكم‪ ,‬أخبروني من هو أعظمكم وأطهركم ً‬
‫قلبا؟‬

‫‪254‬‬
‫ترددت همهمات‪ ,‬وانحنت الرؤوس صوب بعضها البعض‪ ,‬هتف‬
‫البعض بفخرواعتزاز‪ ,‬تبعه اآلخرون حتى اهتزت املكان بقولهم‪:‬‬
‫‪ -‬امللك‪.‬‬
‫‪ -‬ملكنا العظيم‪.‬‬
‫‪ -‬إنه امللك‪.‬‬
‫وكما رأى امللك يفعل "يوم الزينة"‪ ,‬بعدما جاء يسعى بعينين‬
‫منزوعتين‪ ,‬واحتل مكانه فوق عرشه‪ ,‬منح العينين إلى "راعون"‪ .‬وقتها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫صعودا وهبوطا‪ ,‬من‬ ‫وقف امللك أمام شعبه وأمسك بالعينين يحركهما‬
‫ُ‬
‫وإلى تجويف عينيه‪ ,‬في إشارة إلى رمز تضحيته الكبرى‪ .‬فحذا "القزم"‬
‫بحذوه‪ ,‬أشار إلى عينيه وهو يحرك يديه إلى أعلى وإلى أسفل‪ ,‬وكأنه ينزعهما‬
‫ويمد بهما إلى الجميع من حوله‪ ,‬فران الصمت بغتة‪ ,‬واحتبست األنفاس‪,‬‬
‫وملعت العيون تتطلع بشغف إلى "القزم" مشدوهة‪ ,‬عاجزين عن الكالم‪.‬‬
‫فأيقن أنه أصاب مأربه‪ ,‬فهتف بهم‪:‬‬
‫‪ -‬إنني أضحي بهاتين من أجلكم‪ ..‬بعيني االثنتين‪.‬‬
‫َّندت عن البعض نظرات دهشة‪ ,‬وهمهمات تعظيم وإكبار‪ ,‬وتشاور‬
‫َ‬
‫الجميع فيما بينهم وقد احتاروا في أمره‪ ,‬ن َّد القلق من أعين "جادور"‬
‫َّ‬
‫فتحفزت جلسته‪ ,‬أردف "القزم" بصوت كساه بالعاطفة‪:‬‬
‫‪ -‬إنكم تكرمون امللك من أجل هذه التضحية الكبرى‪ ,‬فها أنا أفعلها‬
‫مثله وأنتم تردون تضحيتي بالجحود‪.‬‬
‫ثم أردف بعنف‪:‬‬

‫‪255‬‬
‫‪ -‬إن كنتم تصدقون "نمر األرض" وأنه بالفعل عثر على بذرة الشر‬
‫بداخلي‪ ,‬إن كنتم تصدقونه وتكذبونني‪ ,‬فيجب أن تصدقوا ً‬
‫أيضا أن‬
‫ضح بأفضل مما ضحيت يحمل ً‬
‫أيضا بذرة الشربداخله‪.‬‬ ‫ملككم الذي لم ُي ّ‬
‫ِ‬
‫تخبطوا في قولهم‪ ,‬واحتاروا فيما قاله‪ ,‬فلم يتوقف عن الهتاف وهو‬
‫يدني يديه من عينه ثم يبعدهما في حركات متوالية‪ ,‬أثارت العواطف‬
‫الكامنة في القلوب‪ ,‬فأحسن التالعب بالكلمات وهو يقول‪:‬‬
‫‪ -‬كيف يمكن ملن يملك من القوة والشجاعة واإلقدام ليهبكم عينيه‬
‫أن يحوي بداخله بذرة الشر‪ ,‬إن كنت شر ًيرا يستحق املوت بين فكي "نمر‬
‫األرض"‪ ,‬إن كنت ال أستحق حبكم وإجاللكم‪ ,‬فمن إذن يستحق ولم ّ‬
‫يضح‬
‫ِ‬
‫أميرمن أجلكم بمثل ما ضحيت‪.‬‬ ‫ٌ‬
‫عديا ً‬
‫أيضا‪ ,‬فكانت‬ ‫عديا‪ ,‬كان تأييدهم ُم ً‬
‫وكما كان انفعالهم بالغضب ُم ً‬
‫ُ‬
‫أول فكرة اعتنقها أحدهم هي شرارة للتحريض املعدي تبعها الباقون‪,‬‬
‫هتف بهم اثنان أو ثالثة أنهم يخشون أن تغضب الطبيعة وتعاقبهم‬
‫بانفجار آخر‪ ,‬إن هم آذوا هذا املضحي العظيم‪ ,‬فلم يسبق لهم أن رأوا من‬
‫هو بمثل شجاعته وعنفوانه‪ ,‬فتعالت صيحاتهم تطالب له بالعفو‪ ,‬بل‬
‫وتطالبه بكل مشاعر الحب واإلخالص‪ ,‬وبنزواتهم وغرائزهم شديدة‬
‫الهيجان أن يعفو هو عنهم ويصفح!‬
‫َّ‬
‫تولدت بعقولهم سلسلة من الرموز أفض ى بعضها إلى بعض‪ ,‬عندما‬
‫أتى بالحركة املقدسة ألضحية امللك‪ ,‬ربطت عقولهم صورته بصورة‬
‫فلما كان منه ِفعل امللوك وجبت له‬‫امللك‪ ,‬فأسقطوا عمل امللك عليه‪َّ ,‬‬
‫حقوقهم‪ ,‬فاستحالت مشاعرهم من البغض تجاهه بغير سبب منطقي‬
‫يعترف به العقل‪ ,‬إلى التألية والتقديس‪.‬‬

‫‪256‬‬
‫أثارت شجاعته ً‬
‫رمزا آخر في نفوسهم ملا يجب أن يكون عليه قائدهم‪,‬‬
‫أحدا‪ ,‬وال يعوق فتوحاته ً‬
‫سدا‪ ,‬وال تزوي قناعاته قوة‪,‬‬ ‫جسورا ال يهاب ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قادرا على مواجهتهم بثقة‪ ,‬ال يهاب املوت بل يذهب إليه طواعية إن لزم‬
‫األمرمن أجل أن يثبت قناعاته ويحقق غاياته‪.‬‬
‫اختفت صورة األمير الواقف في الساحة وأصبح في عقولهم ً‬
‫رمزا‬
‫ُّ‬
‫التطرف‬ ‫للتألية‪ ,‬فاهتاجت مشاعرهم حتى فاضت على أبصارهم بغشاوة‬
‫ً‬ ‫فجنحوا له‪َّ ,‬‬
‫وتحولت الفكرة إلى عقيدة بعثت بداخلهم يقينا ال ريب فيه‪.‬‬
‫ردد "القزم" شعارات عنيفة بنوع من الخشوع‪ ,‬وإن كان ال يقتنع بها‬
‫تمام االقتناع‪ ,‬فتبعه كل أفراد الشعب‪:‬‬
‫‪ -‬الشروالتضحية خصمان ال يجتمعان‪.‬‬
‫ثم هتف‪:‬‬
‫‪ -‬وهبتكم عيني؛ فأوهبوني قلوبكم‪.‬‬
‫شعروا تجاه قوته باحترام وثني‪ ,‬قذف بهيبته في نفوسهم فرأوا فيه‬
‫ً‬
‫َمثال أعلى يجذبهم ويسحرهم‪ ,‬قارنوه بملكهم الذي ال حول له وال قوة‪,‬‬
‫ً‬
‫مستلقيا فوق عرشه يطل عليهم في املناسبات‪ ,‬وبعد أربعة أيام ينزوي في‬
‫يتبركون بعينيه من أجل صغارهم‪ ,‬حتى يهبهم ملكهم الجديد‬ ‫الظل‪َّ .‬‬
‫اسما‪َّ .‬‬
‫فقدموا آيات‬ ‫أثرا‪ ,‬وال يذكروا له ً‬
‫عينيه‪ ,‬فال يترك بداخلهم بعدها ً‬
‫االحترام والتوقير لهذا القوي الذي ال يند عنه ضعف‪ ,‬وال مظهر من‬
‫ً‬
‫مظاهر الطيبة‪ ,‬إذ أنهم يعدون الطيبة شكال من أشكال الضعف ويميلون‬
‫ً‬
‫متجبرا‪ ,‬بشعارات عاطفية رنانة‬ ‫كل امليل إلى ذاك الذي يتسلط عليهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تأسر قلوبهم‪ .‬يرميهم بثوابت ال تقبل أخذا وال ردا فتستحيل إلى دين‪,‬‬

‫‪257‬‬
‫ويتعصبون لها بضراوة‪ .‬يشعرون بظمأ فطري إلى العبودية فيحتاجون إلى‬
‫معبود‪ ,‬لذلك ُهم على أهبة االستعداد ألن ينصبوه ً‬
‫إلها ال يعرفون سواه‪,‬‬
‫دون حاجة به ألن يقول "أنا ربكم األعلى"!‬
‫ساد الهرج في صفوف الشعب‪ ,‬فالتحم بهم بعض الجالوزة للسيطرة‬
‫تمرد‪ .‬ارتأى "القزم" أنها اللحظة املناسبة ليخبرهم بالحقيقة‬‫على أي بادرة ُّ‬
‫قبل أن تخرج األمور عن سيطرته‪ .‬أمر "راعون" جالوزته بغضب أن يزجوا‬
‫باألميرفي الحفرة حتى ينتهي الوقت املعلوم‪ .‬هتف "القزم"‪:‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫‪ -‬لم ت ُعد ِ"بنان" من "فم النار" ألنها شيطان كما أوهمكم بذلك‬
‫ُ َ َ‬
‫لق ِ"بنان" في "فم النار" من األساس‪ ..‬ال هي‪ ..‬وال كل‬ ‫"جادور"‪ ..‬بل لم ت‬
‫إناثكم‪.‬‬
‫ً‬
‫واشتعل غضبه قائال‪ ,‬وهو يشيرإلى "راعون" في عليائه‪:‬‬
‫‪ -‬لقد رأيت ذلك بنفس ي‪ ,‬إناثكم يتم تهريبهم عن طريق نفق سري بـ "فم‬
‫النار"‪ ,‬يهبهم قائدكم هدايا ملحاربي "ريشع"‪ ..‬هناك على الضفة األخرى في‬
‫"باسطين"‪.‬‬
‫غضبا‪ ,‬يأمرونه بالصمت‪ ,‬ويسدون مسامعهم‬ ‫ً‬ ‫انتفض بعضهم‬
‫بأيديهم‪.‬‬
‫أ َّما أولئك الذين فقدوا أحباءهم على مدار زمن طويل‪ ,‬يستودعون‬
‫أشواقهم حبيسة صدورهم‪ ,‬حتى البكاء ُم َّ‬
‫حرم عليهم‪ .‬أولئك طالبوه‬
‫باملزيد‪ ,‬متمسكين بأهداب أمل رؤية إناثهم من جديد‪.‬‬
‫تقدم أحدهم باضطراب يشق صفوف الحشد‪ ,‬تلتمع العبرات في‬
‫عينه‪ ,‬تلهبها بدخان نار تأجج بها صدره‪ ,‬يكتوي فؤاده بجمرات شوق‬

‫‪258‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جارف إلى حبيبة انتزعت من بين يديه‪ ,‬وقد ظن زمنا طويال أن جسدها‬
‫ً‬
‫محبوسا هناك في قاع البركان‪ .‬تتسابق أقدامه إليه كل‬ ‫انتهى إلى رماد‪,‬‬
‫إشراقة صبح‪ ,‬يقص عليها أحداث األمس‪ ,‬وكأنها جالسه قبالته على‬
‫الرمال‪ ,‬تحتضنها برفق‪ .‬يتخيلها وهي ترنو إليه بحنان‪ ,‬كما كانت تفعل‬
‫دوما‪ ,‬يطل من عينها شوق إلى سماع حكاياته‪ ,‬حتى ولو كانت سمعتها من‬ ‫ً‬
‫دوما تنبهر كاملرة األولى‪ً ,‬‬
‫ودوما يخبرها أنه قص عليها تلك الحكاية من‬ ‫قبل‪ً ,‬‬
‫قبل‪ ,‬فتجيبه باسمة بأنها تحب سماع صوته يقص عليها الحكايات‪.‬‬
‫صباحا‪ ,‬عندما ترسل الشمس شعاع أمل يمسح على قلبه‪,‬‬ ‫ً‬ ‫يزروها‬
‫َ‬
‫ويشد من أزره‪ ,‬ويعده بلقاء ولو بعد حين‪ .‬أما وقد قذف "القزم" بكلماته‪,‬‬
‫فقد انتعشت روحه‪ ,‬ونبض فؤاده باألمل‪ ,‬ألن يرى محبوبته من جديد‪.‬‬
‫فاسمتع إليه بلهفه وهو ُيردف‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬استطاعت ِ"بنان" الهرب منهم‪ ,‬لكن أمهاتكم وأخواتكم وحبيباتكم‬
‫هناك يا شعب "النسر" تحت أقدام "ريشع" ومحاربيه‪ ..‬لقد خدعكم‬
‫ُ‬
‫ملككم وأمراؤكم‪" ,‬راعون" و"جادور" ما هما إال وجه واحد لو أسقطت‬
‫س صورة "ريشع" عدوكم اللدود‪.‬‬‫لع َك َ‬
‫صورته فوق سطح املاء‪َ ,‬‬

‫فارق "جادور" هدوءه مستشع ًرا الخطر‪ ,‬وساد "راعون" أبلغ آيات‬
‫الخوف‪ ,‬وما إن دنا منه الجالوزة ومسوه بغير أذى حتى َّ‬
‫تفجر بركان‬
‫الغضب الشعبي‪ ,‬وانقضوا عليهم كالجراد‪ .‬ال يخشون العقاب بسبب كثرة‬
‫أعدادهم التي أغرتهم‪ .‬أصدر "راعون" أوامره بقتل البعض ليرتدع‬
‫اآلخرون‪ ,‬لكن العنف قابله غضب‪ ,‬والسكين قابلتها حجارة‪ ,‬والحوامض‬
‫ُ‬
‫الحارقة التي ترشق من حاوية بطون الجالوزة‪ ,‬واجهها الشعب بالحماسة‬
‫هاتفين باملوت‪ :‬احصد ما شئت من األرواح‪ ,‬فاليوم ال عاصم منك وال منا‪.‬‬

‫‪259‬‬
‫هجم الكثيرون على "فم النار" لم تعد حرارته تخيفهم‪ ,‬تحملوها‬
‫وتدلوا بأجسادهم من فوهتها‪ ,‬فأبصروا النفق الذي أرشدهم "القزم" إلى‬
‫مكانه‪ ,‬والذي يثبت صدق ما قاله‪ .‬التحم الجالوزة بالشعب الذي وصل‬
‫إلى ذروة غضبه‪ ,‬حتى تاه هذا في ذاك في مجزرة بشعة‪ ,‬تطايرت فيها‬
‫األطراف املبتورة‪ ,‬وافترشت األرض بأجساد محطمة‪ .‬كان ألرض "النسر"‬
‫يومئذ سقياها من الدماء الباردة!‬
‫انسل "القزم" من بينهم بشق األنفس‪ ,‬يحجب وجهه عن مرمى‬
‫أبصارهم‪ .‬تعقدت األمور بأكثر مما ظن‪ ,‬فلم يتخيل ردة الفعل العنيفة‬
‫َ‬
‫تلك‪ ,‬كان يأمل فقط بأن يحظى بدعمهم لبعض الوقت‪ ,‬حتى تصل ِ"بنان"‬
‫إلى القبو وينتهي كل ش يء‪ .‬حمي وطيس املعركة عندما أقبل على بوابة‬
‫مساكن الشعب‪ ,‬فألقى عليهم نظرة آسفة‪ .‬سمح له حارس البوابة باملرور‬
‫َّ‬ ‫"سالس" فـ َ‬ ‫فهرول صوب مسكن "ب َنان" فـ ُ‬
‫"ح ُبوك" وملا لم يعثر على أي‬ ‫ِ‬
‫ً‬
‫منهم‪ ,‬هرول نازال إلى آخر طوابق اململكة‪ .‬ال يعرف الطريق إلى النفق وال إلى‬
‫ُ‬
‫الغرفة السرية التي تفض ي إليه‪ ,‬لكنه عزم أمره على الوصول إليها ببذل‬
‫جهده‪ ,‬عندما وصل إلى الطابق األخير‪ ,‬والذي لم يحفر أهل اململكة أعمق‬
‫ً‬ ‫منه‪ ,‬فتوقفت جهودهم عنده‪ .‬فوجئ بـ َ‬
‫"ح ُبوك" واقفا يتلفت يمنة ويسرة‪,‬‬
‫ً‬
‫مبتهجا‪:‬‬ ‫أقبل عليه بلهفة فقابله َ‬
‫"ح ُبوك" بمثلها وهو يقول‬
‫َ‬
‫‪ -‬اننتظررتك كماا طللبت ِ"بنان"‪.‬‬
‫"ح ُبوك" وهو ُيسرع معه إلى‬ ‫َ َّ‬
‫ند وجهه عن ابتسامة ثم أحاط عنق ِ‬
‫الغرفة السرية‪ ,‬اكتشف أنها قاعة للنفايات رطبة‪ ,‬سيئة التهوية‪ ,‬عفنة‬
‫"ح ُبوك" صخرة فكشف له عن فتحة النفق‪ ,‬فسأله‬ ‫حرك ِ‬ ‫الرائحة‪َّ ,‬‬
‫"القزم"‪:‬‬

‫‪260‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬كيف تمكنت ِ"بنان" من الهرب؟‬
‫‪ -‬سااعددتها‪.‬‬
‫ً‬
‫موضحا بحماس‬ ‫أخرج من جيبه قطعة عجينيه‪َّ ,‬‬
‫وقربها إلى "القزم"‬
‫وهو يشيرإلى فمه‪:‬‬
‫‪ -‬إننها تتصييب بالننعااس‪ ,‬قدمتتها للجالااووزة فأكلوووها‪.‬‬
‫ً‬
‫َّربت "القزم" على رأسه ومنحه ابتسامة ُمشجعة‪ .‬دخل معه نفقا‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫طويال‪ ,‬نهايته تفض ي إلى نفق آخر تعامد عليه‪ ,‬بات يرعد من البرودة‪,‬‬
‫ساورته رغبة في الراحة‪ ,‬لكن الفتور لم يصب فيه العزم بسهامه‪ ,‬فهروال‬
‫فيه بأقص ى ما يملكان من سرعة ولياقة‪.‬‬

‫***‬

‫‪261‬‬
‫امللف الحادي والثالثون‬

‫ً‬ ‫اعترى "داموس" الجنون‪َ ,‬رمى بشرره في وجه ُ‬


‫"سالس" قائال‪:‬‬
‫‪ -‬كيف ال تعرفين الجواب؟!‬
‫ُ‬
‫‪ -‬فلتحترق في "فم النار"‪ ,‬لم يخبرنا املـعلم "آصف" بالجواب‪ ,‬من أين‬
‫لي أن أحصل عليه؟!‬
‫قرأت السؤال بشكل صحيح؟‬
‫أنك ِ‬‫أنت واثقة ِ‬
‫‪ -‬هل ِ‬
‫عبست قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬ال أدري‪ ..‬أظن‪ ..‬ال أعرف‪ ..‬تعلم أن قدراتي ال تعمل ً‬
‫دائما بشكل جيد‪.‬‬
‫لغزا ال يعرف ٌ‬
‫الخرف ً‬ ‫َ‬
‫أحد جوابه‪ ,‬ألم يستطع هذا املتعالي‬ ‫‪ -‬وضع هذا ِ‬
‫ً‬
‫شيئا ً‬
‫نافعا‪.‬‬ ‫أن يعلمكم‬
‫ُ‬ ‫‪َّ -‬‬
‫تحدث بأدب عن املـعلم "آصف" يا أعرج‪.‬‬
‫ً‬
‫استشاط غضبه قائال وقد ساورته رغبة في ضربها‪:‬‬
‫‪ -‬ملن تقولين "يا أعرج"؟‬
‫أجابته هازئة تشيرإليه‪:‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ -‬ال أرى شيئا معتال هنا سوى قدمك‪ ..‬وعقلك بالطبع‪.‬‬

‫‪262‬‬
‫َ‬
‫أقبلت ِ"بنان" تباعد بينهما بعنف‪ ,‬تصيح بغضب تردد صداه داخل‬
‫النفق‪:‬‬
‫‪ -‬هال كففتما عن هذا العبث‪ ,‬أال تدركان أننا في وضع خطير‪.‬‬
‫"سالس" وقد اعتراها بصيص من األمل‪:‬‬ ‫ثم قالت لـ ُ‬
‫َّ‬ ‫ُ‬
‫‪ -‬مؤكد أن املـعلم "آصف" ملـح لكم عن الجواب الصحيح‪ ,‬تذكري يا‬
‫أرجوك‪.‬‬ ‫ُ‬
‫"سالس"‬
‫ِ‬
‫هربت بنظرها صوب الجدارقائلة بخفوت‪:‬‬
‫‪ -‬كال يا "ب َنان" لم يخبرنا بش يء عن ذلك ً‬
‫أبدا‪.‬‬ ‫ِ‬
‫‪ -‬إنها نفاية كاذبة‪ ,‬تريد أن تستأثربالقوة لنفسها‪.‬‬
‫‪ -‬بل أنت الحقير يا أعرج‪ ..‬آاااه كم أنا بحاجة إلى ساحة الصراخ اآلن‪.‬‬
‫ً‬
‫قطع شجارهما صوت"القزم"‪ ,‬يهتف متلهفا‪:‬‬
‫َ‬
‫‪"ِ -‬بنان"‪ ,‬لقد جئت‪.‬‬
‫َ‬
‫اندفعت إليه ِ"بنان"‪ ,‬تتواتر عليها اللهفة واالشتياق‪ ,‬قالت جذلة‬
‫مستبشرة‪:‬‬
‫‪ -‬لقد أتيت‪ ,‬أنت بخير‪ ..‬بخير؛ أليس كذلك؟‬
‫ً‬
‫أشرق في محياه صباح ِ‬
‫البشر‪ ,‬يطرب قلبه لحديث قلبها‪ ,‬قال مطمئنا‪:‬‬
‫‪ -‬بخيرأكثرمن أي يوم مض ى‪.‬‬
‫ثم اكتس ى وجهه بقناع الجدية‪ ,‬وقال‪:‬‬

‫‪263‬‬
‫‪ -‬الوضع خطير بالخارج‪ ,‬يجب أن نفتح القبو‪ ,‬لم َ‬
‫يبق أمامنا أمل‬
‫سواه‪.‬‬
‫ثم أردف باهتمام‪:‬‬
‫وصلت؟‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬إلى أين‬
‫ما إن وقعت أنظاره على "داموس" حتى انتفض مغ ً‬
‫ضبا‪ ,‬انقض عليه‬
‫َ‬
‫بشراسة بعثت بالدهشة في قلوب الجميع‪ ,‬صرخت ِ"بنان" تدفعه عن‬
‫"سالس"‬‫ضج صوت ُ‬ ‫جسد "داموس" الذي أسقطته املفاجأة ً‬
‫أرضا‪َّ .‬‬
‫بالضحك وهي ترسل الحماس في نفس "القزم" ليقتص من "داموس" كما‬
‫ّ‬
‫يحذر ُ‬ ‫ً‬ ‫َُ‬
‫"سالس" أن تبتعد عن‬ ‫شاء‪ .‬استند "حبوك" إلى الجدار خائفا وهو ِ‬
‫ظل "القزم" يهتف بكلمة واحدة‪ ,‬وهو‬‫مرمى الضربات لئال يصيبها ضرر‪َّ .‬‬
‫يكيل إليه اللكمات‪:‬‬
‫‪ -‬خائن‪ ..‬خائن‪ ..‬أيها الخائن‪.‬‬
‫دفع به "داموس" بضربة قوية سددها إلى بطنه‪ ,‬خامر "القزم" ألم‬
‫حارق فخارت قواه‪ .‬انتهز "داموس" الفرصة واعتلى جسد خصمه‪ ,‬رد له‬
‫َ‬ ‫الصاع صاعين‪ .‬ضربت ُ‬
‫"سالس" ظهره بعنف‪ ,‬وجذبته ِ"بنان" بقوة‬
‫ملتاعة‪ ,‬وهي تقول‪:‬‬
‫تؤذ عينيه‪.‬‬
‫‪" -‬داموس" توقف ستقتله‪" ,‬داموس" احذرال ِ‬
‫حقدا ً‬
‫وكرها‪ ,‬قال من‬ ‫استطاعتا الفصل بينهما‪ ,‬امتأل صدر "القزم" ً‬
‫ً‬
‫مشيرا إلى "داموس"‪ ,‬وبيده األخرى يتحسس موضع‬ ‫بين أنفاسه املتالحقة‬
‫األلم‪:‬‬
‫‪ -‬أنت خائن لعين يا "داموس"‪.‬‬

‫‪264‬‬
‫َ‬
‫قالت ِ"بنان" بدهشة محتدة‪:‬‬
‫‪ -‬توقف عن نعته بذلك‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫أطال النظر إلى ِ"بنان"‪ ,‬قال مشفقا عليها مما سيضطر إلى كشف‬
‫النقاب عنه‪:‬‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫إلقاؤك في "فم النار" يا ِ"بنان"‪ ,‬بسببه مات املـعلم‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬بسببه تم‬
‫"آصف" وكل تالميذه‪ ,‬لقد وش ى بالجميع وفضح أمر املهمة‪ ,‬إنه عميل لـ‬
‫"جادور"‪.‬‬
‫َ‬
‫َه َّم "داموس" بأن ينقض عليه وهو يزمجر بعنف‪ ,‬دفعته ِ"بنان" بقوة‬
‫فصاح‪:‬‬
‫إلقائك في "فم النار" هو‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ال تصدقي هذا النفاية‪ ,‬كلنا نعرف أن سبب‬
‫َس ُّبك لقائد َ‬
‫الجالوزة "راعون"‪.‬‬
‫استنهض "القزم" يرد كالمه باحتقار‪:‬‬
‫‪ -‬ال‪ ,‬ليس لهذا السبب‪ ,‬بل ألنك أردت أن تثبت والءك لفرقتك التي‬
‫َ‬
‫يقودها "جادور" تلميذ "راعون" غير الوفي‪ ..‬دفعت بـ ِ"بنان" إلى خوض‬
‫مواجهة مع "راعون"‪ ,‬كان هذا شرط "جادور" كي يضمك إلى فرقته‪.‬‬
‫َ‬
‫ذهبت ِ"بنان" بذاكرتها إلى آخر احتفالية "للفداء الكبير" قبل إلقائها‬
‫في "فم النار"‪ ,‬تذكرت كيف أنها بتحريض من "داموس" َّتوجت انتصارها‬
‫على "جادور" في هذا اليوم بكلمات نارية وجهتها إلى الشعب لتزيل عنهم‬
‫قيود الوالء لـ "راعون" الذي يتحكم فيهم كالخراف‪ .‬وكيف أخبرها‬
‫"داموس" أنها بشجاعتها ستستحوذ على ثقة وإعجاب الجميع‪ ,‬وبخاصة‬
‫"آصالن"‪ ,‬ولعل فعلتها تبلغ مسامع ُمعلمه "آصف"‪ ,‬فيكافئها لشجاعتها‬

‫‪265‬‬
‫بأن يضمها إلى تالميذه‪ ,‬حتى ولو في الخفاء‪ .‬فداعبت عقلها األحالم‪,‬‬
‫وانساقت بحماسة وإخالص وراء كلماته‪ .‬لكن كل ذلك أفض ى إلى نتيجة‬
‫عكسية‪ ,‬وانقلبت األمور في لحظات‪ ,‬ولم يصدقها أحد‪.‬‬
‫تصب عليه‬ ‫سرى الهم في جسدها مسرى الدماء‪ ,‬فوجئ "القزم" بها ُ‬
‫جام غضبها‪ ,‬قائلة بعناد من يخش ى التصديق‪ ,‬ومن عينها تند عبرة ترجوه‬
‫أن يكذب ادعائه‪:‬‬
‫‪ -‬هذا غيرصحيح‪ ,‬إنه أخي لن يفعل ذلك بي ً‬
‫أبدا‪.‬‬
‫َّ ُ‬
‫تجرع غصص الكرب ال يدري أي الخيارين أصلح لها‪ ,‬أن تكتشف‬
‫خيانة أخيها‪ ,‬أم تظل بأوهام حبه وإخالصه متعلقة‪ .‬استعرت بها الظنون‬
‫تنظرإلى "داموس" تارة وإلى "القزم" تارة أخرى‪ ,‬قالت في محاولة يائسة‪:‬‬
‫‪ -‬إن كان ما تقوله صحيح فكيف عرفته؟‪ ..‬من أخبرك بذلك؟‪ ..‬وملاذا‬
‫تثق فيمن أخبرك‪ ,‬لعله ُي ْبطن العداء لـ "داموس"‪َّ ,‬‬
‫ويتأول عليه بغيرعلم‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬وهل يفعل املـعلم "آصف" مثل ذلك؟‬
‫متحديا‪ ,‬فالذت بالوجوم‪ .‬تساءلت ُ‬
‫"سالس"‪:‬‬ ‫ً‬ ‫سألها‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫‪ -‬هل قابلت املـعلم "آصف"‪ ,‬ألم تقل لـ ِ"بنان" أنه مات؟‬
‫‪ -‬ترك رسالة قلبية‪ ,‬قرأتها‪ ,‬وعلمت كل ش يء‪.‬‬
‫"سالس" بفضول‪:‬‬ ‫بادرته ُ‬

‫‪ -‬وهل تعرف ما هو الش يء املخفي في القبو؟‬


‫َّ‬
‫تعلقت به أربع عيون متلهفة إلى الجواب‪ ,‬أعمل نظره يتفرس فيهم‬
‫قبل أن يقول بيقين‪:‬‬

‫‪266‬‬
‫تحديدا ما هو‪ ..‬فقط أعرف أنه ش يء عظيم ً‬
‫جدا‪ ,‬كان‬ ‫ً‬ ‫‪ -‬ال أعرف‬
‫بحوذتنا وفقدناه‪ ,‬ويجب أن نستعيده اآلن‪.‬‬
‫متحديا ّ‬
‫يحدق في "داموس"‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ثم أردف‬
‫ِ‬
‫‪ -‬ش يء أعظم من أن َّ‬
‫يمسه خائن يسعى إلى مجد شخص ي‪.‬‬
‫َ‬
‫"ريشع"‪ ,‬عملت عنده كالخادم ُ‬
‫وسقت‬ ‫‪ -‬سأريك من هو الخائن يا قزم‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" إليه‪ ,‬واآلن ترميني بدائك وتنسل‪.‬‬
‫ً‬
‫مستعدا لهجوم "داموس"‪ ,‬لذلك ما إن انقض عليه حتى سدد إلى‬ ‫كان‬
‫ً‬
‫صدره ركلة عنيفة‪ ,‬دفعت به إلى االرتطام بالجدار ثم السقوط أرضا‪,‬‬
‫متجعد القسمات نهض َّ‬
‫يتلمس موضع األلم‪ ,‬اتقدت النار بعينه يريد به‬
‫ً‬
‫فتكا‪ ,‬فواجهه "القزم" بجلد‪.‬‬
‫َ‬
‫صرخت بهما ِ"بنان" ليتوقفا عن التقاتل‪ ,‬دنا منها "القزم" فأبصر‬
‫ً‬ ‫وجها يتفجع ويتلهف ويتحسر‪ ,‬تتساقط نفسها ً‬ ‫ً‬
‫غما وأسفا‪ .‬قال يهزها‬
‫هزا‪:‬‬ ‫ً‬

‫ثقتك‪ ,‬ها‪ ..‬أجيبيني بصدق هل تظنين أنني أسعد‬


‫‪ -‬أالزلت ال أستحق ِ‬
‫بإيالمك اآلن؟‬
‫أخذتها شرقة ألم كادت تتكون فيها روحها‪ ,‬فأردف يستميلها‪ ,‬فال أدلة‬
‫يملكها‪ ,‬وال براهين يدنيها‪:‬‬
‫روحك‪ ,‬هل‬
‫ِ‬ ‫أملك‪ ,‬أال أعرف كيف تحترق بكلماتي‬
‫‪ -‬أال أعرف مبلغ ِ‬
‫ً‬
‫بك عابثا‪ ,‬ها‪..‬؟ أجيبيني‪ ..‬ماذا سأجني من ذلك سوى أن‬
‫أفعل ذلك ِ‬
‫بعذابك‪.‬‬
‫ِ‬ ‫أحترق‬

‫‪267‬‬
‫ً‬
‫رنت إلى "داموس" ليقول لها شيئا‪ ,‬ليؤكد لها أنه أخوها‪ ,‬يحبها‬
‫ويحميها‪ ,‬وال يجرؤ على أن يؤذيها‪ .‬لكنه انصرف إلى فخ "آصف" يسعى‬
‫لحله‪ ,‬إنه ً‬
‫تماما كالفخ الذي صادفها مع "القزم" في رحلتهما إلى مسكن‬
‫"آصف"‪ ,‬ثالثة خيارات بثالثة أشكال محفورة‪ ,‬لكن هذه املرة السؤال‬
‫معلوم‪ ,‬قرأته ُ‬
‫"سالس" فازدادت حيرتها‪.‬‬
‫هزها "القزم" ثانية فتطلعت إليه برجاء أن يسحب كالمه‪ ,‬ويخبرها أن‬
‫ذلك لم يكن سوى مزاح ثقيل‪ ,‬أو رعونة دفعه إليها كرهه لـ"داموس"‪.‬‬
‫همس لها "القزم"‪:‬‬
‫َ‬
‫أرجوك ال تقطعي الحبل‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪"ِ -‬بنان"‪..‬‬
‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬
‫غرس نبتته في منبت خصب‪ ,‬فحلقت حولها طيور الهوى‪ ,‬تخضب‬
‫السماء بزهرة ِود‪ ,‬طاب عودها‪ ,‬وبسق فرعها‪ ,‬وفيأت ظاللها‪ ,‬وعبقت‬
‫حواسه بشذى عبيرها‪ ,‬تزفها إليه نسمات الوجد‪ .‬تبوح له بسرها عين‬
‫سكنها ألق النجوم‪ ,‬فما عاد الباب مغلقا وال الطريق مختوما‪.‬‬
‫أمرك اآلن‪,‬‬
‫‪ -‬أسمع اآلن الشك يتردد بين حنايا قلبك‪ ,‬يجب أن تحسمي ِ‬
‫إما أن تصدقي كالمي كله فتأخذيه‪ ,‬أو تكذبيه كله فتتركيه‪.‬‬
‫أمسك "داموس" بالقرص الخشبي األول يتحسسه‪ ,‬يمرر أطرافه على‬
‫َ‬
‫النسراملحفور في منتصفه‪ ,‬اندفعت ِ"بنان" تزجرة ملتاعة‪:‬‬
‫‪" -‬داموس" ال تفعل‪.‬‬
‫ً‬
‫محذرا بعنف‪:‬‬ ‫صاح "القزم" يشيرإليه‬
‫‪ -‬إياك أن تفكرفي ذلك‪.‬‬

‫‪268‬‬
‫بارى نصيحتهما في عجرفة‪ ,‬وقال بزهو يسحب أذيال الشقاء‪:‬‬
‫‪ -‬هذا هو االختيارالصحيح إذن‪.‬‬
‫ً‬
‫جميعا‪.‬‬ ‫‪" -‬داموس" ال تفعل‪ ..‬احذر‪ ..‬ستقتلنا‬
‫صدق‬‫أعياه تسرعه وشطحات تفكيره‪ ,‬رسم بنفسه دربه ومآله‪ ,‬فما َّ‬
‫ً‬
‫محسوبا‪ ,‬والزج بغيره‬ ‫وال آمن إال بضالل أوهامه‪ .‬يظن نفسه على األبطال‬
‫في دروب املنايا شجاعة‪ ,‬طاملا في سبيل عقيدة وقناعة! غش ى عقله أستار‬
‫التطرف‪ ,‬فما اهتدى إلى أن التضحية إيمان ال َريب فيه‪ ,‬التضحية اختيار‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫ال إجبارفيه‪ .‬الوسيلة الفاسدة ال ُيصلحها نبل النوايا‪.‬‬
‫كبير ذي نتوءات مدببة‪ ,‬ساوى جسده باألرض‪,‬‬ ‫حجر ٍ‬
‫ٍ‬ ‫انفتح السد عن‬
‫توقف فوقه ثانية كأنما استطاب املقام‪ ,‬فمنحت تلك الثانية لآلخرين‬
‫فرصة للنجاة‪.‬‬
‫الجدر‪ ,‬فامتثلوا ألمره قبل أن يتدحرج‬‫هتف بهم "القزم" أن تسلقوا ُ‬
‫"سالس"‪,‬‬ ‫الرمية‪ .‬امتزج بكاء "ب َنان" بصرخات ُ‬ ‫ً‬
‫منطلقا كالسهم من َّ‬ ‫الحجر‬
‫ِ‬
‫خارت قوى هذه األخيرة ففقدت توازنها‪ ,‬لوال أن تلقفها "القزم" تتدلى‬
‫بجواره كالبندول لصفعت وجه األرض بجسدها‪.‬‬
‫َ‬
‫استبد بـ ِ"بنان" جزع يذيب لفائف القلوب‪ ,‬ال تقوى على االقتراب من‬
‫جثة "داموس"‪ ,‬فجعة فيه‪ ,‬ال تدري أتبكي ألم فقده‪ ,‬أم نزف خيبتها فيه‪.‬‬
‫تتقطع أنفاسها حسرات‪ ,‬ويصدع قلبها زفرات‪ ,‬خاشعة الطرف استبقت‬
‫دمع الغمام‪ .‬ضاقت عليها املسالك فاستندت إلى الجدار تتخفى فيه‪ ,‬عله‬
‫يبتلعها ويبعدها عن هذا املكان‪.‬‬

‫‪269‬‬
‫ً‬
‫مشفقا‪ ,‬يضيق ً‬ ‫ً‬
‫ذرعا بعجزه عن مواساتها‬ ‫دنا منها "القزم" آسفا‬
‫ً‬
‫جامدا للحظات‪ ,‬ثم‬ ‫بالكلمات‪ ,‬توجه صوب جثة "داموس" ووقف قبالتها‬
‫"ح ُبوك" أزاحها وواراها خلف صخرة صغيرة بجوار الجدار‪,‬‬‫وبمساعدة َ‬
‫ُ‬
‫والتي عليها كتب السؤال‪.‬‬
‫َّ‬
‫حثها بعدما نمى إلى مسامعه خطوات ترتج عند مدخل النفق‪:‬‬
‫أرجوك تماسكي بقي القليل‪.‬‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬يجب أن نتحرك اآلن‪,‬‬
‫"سالس" مرتعدة األطراف إلى الصخرة‪ ,‬كأنما تنظر إلى جثة‬ ‫نظرت ُ‬
‫"داموس" املحطمة‪ ,‬فسرت فيها رعدة أخرى‪ ,‬حال َ‬
‫"ح ُبوك" بينها وبين‬
‫الصخرة بجسده‪ ,‬قال بحنان دافق‪:‬‬
‫‪ -‬ال تنننظري‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متشمما الصخرة‪ ,‬محاوال أن يفصل بين رسالة‬ ‫قرأ "القزم" السؤال‬
‫"آصف" ورائحة املوت‪ ,‬وأسمع من حوله يقول‪:‬‬
‫‪ -‬رمزاإليمان‪ ..‬يجب أن نختارالرمزالذي يشيرإلى اإليمان‪.‬‬
‫ً‬
‫سريعا وهو ينظر إلى الثالثة أقراص‬ ‫ً‬
‫مفكرا‪ ,‬يعمل عقله‬ ‫ثم أردف‬
‫الخشبية‪:‬‬
‫‪ -‬نستبعد النسر فقد أثبت فشله مرتين‪ ,‬بقي الشجرة والجناح‪ ,‬أيهما‬
‫نختار؟‬
‫قالت ُ‬
‫"سالس" رغم سهام الشك التي أصابت عقيدتها‪:‬‬

‫‪270‬‬
‫‪ -‬كالهما يرمز إلى اإليمان‪ ,‬فالشجرة تهبنا الحياة ويجب أن نؤمن بها‪,‬‬
‫ُ‬
‫والجناح خلق من الطبيعة ويجب أن نؤمن به‪ ,‬كالهما نشأ من بذرة‬
‫الحياة‪.‬‬
‫قال "القزم" بنفاذ صبردون أن يلتفت إليها‪:‬‬
‫‪ -‬ال وجود لبذرة الحياة‪ ,‬األمور ال تسير على هذا النحو‪ ,‬هناك صانع‪,‬‬
‫أيضا آمن بذلك‪ ,‬هكذا فهمت من رسالته األخيرة‪.‬‬ ‫"آصف" ً‬

‫‪ -‬ممنن ههو؟‬
‫‪ -‬ال أعرف‪ ..‬لكني سأعرف‪.‬‬
‫ً‬
‫تداعت حصون صبره قائال بعصبية‪:‬‬
‫ّ‬
‫بحله‪ ,‬هيا يا ُ‬ ‫ً‬
‫"سالس"‪.‬‬ ‫‪ -‬ال يمكن أن يعطينا "آصف" لغزا لم يخبرنا ِ‬
‫‪ -‬ال ش يء برأس ي‪ ..‬لم يخبرنا ً‬
‫أبدا أن لإليمان ً‬
‫رمزا‪.‬‬
‫وقف أمام القرصين تتآكله الحيرة‪ ,‬شجرة وجناح‪ ,‬إحداهما ترسخ في‬
‫األرض واألخرى موطنها السماء‪ ,‬أرض وسماء‪ ,‬أيهما يكون لإليمان ً‬
‫رمزا؟‪..‬‬
‫الشجرة تضرب بجذورها في األرض وال تبرحها‪ ,‬والجناح يحط فوق األرض‬
‫حينا‪ ,‬ثم ال يلبث أن يطير ً‬ ‫ً‬
‫عاليا إلى مكان ال يبلغه سواه‪ ,‬بين السحاب‪,‬‬
‫هناك في أقص ى السماء‪.‬‬
‫ٌ‬
‫واهم‪ ,‬أصاخ‬ ‫سمع رفرفة جناح ُم َّ‬
‫عبقة برائحة الحنين!‪ ..‬ظن أنه‬
‫السمع ثانية‪ ,‬واستل حواسه من غمدها‪ .‬ال ليس ً‬
‫واهما‪ ,‬إنها رائحة قوية‬
‫َ‬
‫لكن يحجبها رمال وصخور‪ ..‬وخطايا وشرور‪ .‬سأل ِ"بنان" أن تقترب من‬
‫السد وتخبره إن كانت تسمع هذا الصوت‪ ,‬أخبرته خائرة القوى أنها ال‬

‫‪271‬‬
‫"سالس" َ‬ ‫ً‬
‫و"ح ُبوك"‪,‬‬ ‫شيئا‪ ,‬فقط رائحة السراب‪ ..‬فطلب ذلك من ُ‬ ‫تسمع‬
‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫فنفى "حبوك"‪ ,‬وهتفت "سالس"‪:‬‬
‫‪ -‬نعم‪ ..‬أسمعها‪.‬‬
‫لحن سعادة يطرب الفؤاد‪ ,‬ويبعث بدفء الحنين إلى العروق‪ .‬ابتعد‬
‫َ‬
‫خطوة ومس رمزالجناح‪ ..‬ثم دفع!‬
‫ن ً‬
‫صوتا ع ً‬
‫اتيا حتى توقفوا عن‬ ‫لم يكد "جادور" وباقي فرقته يسمعو‬
‫السيرداخل النفق‪ ,‬الصوت يشتد ويقترب‪ ,‬فيزداد خوفهم‪ ,‬لم يمنح الزمن‬
‫ًّأيا منهم فرصة للتفكيرفي الهرب‪.‬‬
‫تدحرجت الصخرة تحطمهم كما تتحطم قطرات املطر فوق بالدة‬
‫الجبال‪ ,‬يفركل منهم من أخيه وصاحبه وبنيه ً‬
‫طلبا للنجاة‪ ,‬انتشرت رائحة‬
‫املوت ممتزجة بالصرخات‪ ,‬فلحق آخرهم بمصيرأولهم‪.‬‬

‫***‬

‫‪272‬‬
‫امللف الثاني والثالثون‬

‫رفرفت ببقايا جناحين صغيرين تصول وتجول داخل سكنها‪ ,‬أو إن‬
‫يح وال تلوح‬ ‫شئت الدقة لقلت سجنها‪ .‬أربع جدران مغلقة‪ ,‬ال يموج فيه ر ٌ‬
‫سيجة بسقفه‪ ,‬وال ش يء‬ ‫شمس‪ ,‬يتسرب بعض الهواء من فتحة ُم َّ‬ ‫ٌ‬ ‫فيه‬
‫ُ‬
‫سوى ظالم ليلة قمرها محاق‪ .‬تتذكريوم أن كانت ملكة آمرة ناهية‪ ,‬يمتثل‬
‫ألمرها مئات اآلالف من النمل!‪ .‬مالمح قوية وقسمات بارزة‪ ,‬في وجه نحيل‬
‫قارا‪ ,‬يقر في النفوس ما إن ترنو إليه‬ ‫حاد التراسيم‪ ,‬أكسبها مهابة وو ً‬
‫األبصار‪ .‬يصرخ قلبها بالحنين إلى آالف من النمل حملتهم ببطنها ً‬
‫أياما‬
‫صغيرا حتى ُحرمت من مس أجسادهم‬ ‫ً‬ ‫وليالي‪ ,‬وما إن وضعتهم ً‬
‫بيضا‬
‫الغضة الدبقة‪ ,‬وإرواء ظمئهم من نبع أمومتها الذي ال ينضب‪ .‬لكن بقيت‬
‫ُ‬
‫روحها بروحهم متصلة‪ ,‬حتى وإن لم يعرفوا أنهم ببطنها كانوا بذرة ق ِّدر لها‬
‫أن تنبت وتخرج إلى نور الكون‪.‬‬
‫َّ‬
‫حكت جسدها االسطواني ذا الستة أرجل‪ ,‬وحركت قرنيها أمام أعينها‬
‫الخمسة بلون العنب‪ ,‬فمكنتها الثالثة عيون بجبينها من اختراق ُح ُجب‬
‫الظالم‪ ,‬موجات ضوئية تمكنها في الظالم من رؤية ماال يراه إنسان‪.‬‬
‫تتفرس في أوجه أولئك األربعة الواقفين بأعتاب مسكنها‪ ,‬دنت من‬‫َّ‬
‫أحدهم تتحسس اعوجاج ظهره بقرنين طويلين يقومان بمقام اليدين‪,‬‬
‫تحرك فمها الحاد كالسكين بهمهمات غير مفهومة‪ .‬تتشممهم‪ ,‬تتعرفهم‪,‬‬
‫تتذكريوم أن نزعوا من أحضانها‪.‬‬
‫شخصت أعينهم بذهول‪ ,‬أربع نمالت وخامسهم كربهم‪ ,‬تتزاحم‬
‫رؤوسهم االسطوانية بأسئلة كاملطارق‪ ,‬يحصدون من شجرة املعرفة‬

‫‪273‬‬
‫ثمارا تزيح عنهم ُحجب الجهل‪ ,‬ولوثة العقل‪ ,‬وشطط الفكر‪.‬‬ ‫بلهفة ً‬
‫"ح ُبوك" ملس قرنيها جسده‪ ,‬فداعب قرنيها بوجهه النحيل‪,‬‬ ‫ارتجف َ‬
‫تشممها‪ ,‬وفرك ببطنها رأسه‪ ,‬سرت به لذة ما شعر بها ً‬
‫يوما‪ .‬تهيمن عليه‬
‫وحجما‪ ,‬فيمد رأسه ً‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عاليا لينال من النظرإليها صبوة‪.‬‬ ‫وتفوقه طوال‬
‫ً‬ ‫حلق فضولهم باتساع املدى‪ ,‬ونشدوا ألسئلتهم أجوبة‪َّ .‬‬ ‫َّ‬
‫واحدا‬ ‫مست‬
‫تلو اآلخر بلهفة‪ ,‬فتعلقت وجوههم بوجهها‪ ,‬يتلمسون فيه كل موضع‪,‬‬
‫اقشعرت أجسادهم يغالبهم الحنين إليها‪ ,‬فردت أقدامها باتساع مسكن‪,‬‬
‫فأقبلوا يتمسح كل منهم بجسدها همه‪ ,‬تتحدث قلوبهم بغير توقف‪ ,‬تحكي‬
‫وتحكي بغير تحفظ‪ .‬آمال‪ ,‬وأحالم‪ ,‬وآالم‪ ,‬وجروح‪ .‬فيغدق قلبها عليهم‬
‫بالحنان‪ ,‬يكفكف الدموع‪ ,‬ويرمم الشروخ‪.‬‬
‫ً‬
‫فضوال‪ ,‬وأشدهم ً‬
‫حبا لرمز الحقيقة‪ ,‬ومن أجلها بذل‬ ‫رنا إليها أكثرهم‬
‫َّ‬
‫الغالي والنفيس‪ .‬فمست بقرنها صدره كأنها تشكره‪ ,‬وبقلبها طفقت‬
‫تحاوره‪ .‬ففهم الجميع ما تقول‪ .‬وقد ظنوا ً‬
‫دوما أن للقلب لغة ال يعرفها إال‬
‫لإليمان‬
‫ِ‬ ‫األمراء‪ ,‬فما قدروا أن البصيرة هبة ال يحظى بها إال من كانوا‬
‫ُسفراء‪.‬‬
‫ً‬
‫ناجاها "القزم" قائال‪:‬‬
‫إليك طوال حياتي‪ ,‬حتى ولو لم أعرف إلى من أشتاق‪.‬‬
‫‪ -‬اشتقت ِ‬
‫‪..... -‬‬
‫بمرآك‪ ,‬وأن هويتي لن أجدها‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لو كنت أعرف أن األمان سيسكن قلبي‬
‫عندك‪ ,‬لحاربت الجميع للوصول ِ‬
‫إليك‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫إال‬
‫‪..... -‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬كنت أثق أنني أنتمي لش يء أعظم من بذرة شجر تذروها الرياح‪ ,‬يخلق‬
‫منها الروث والدود وموطئ القدم‪.‬‬
‫قالت له بصوت رخيم‪:‬‬

‫‪274‬‬
‫‪ -‬أنت عظيم بقدر ما ينطق به جسدك من القدرة واإلبداع‪ ,‬بقدر ما‬
‫َ‬
‫يرتله الكون من ِحكم وآيات‪.‬‬
‫حبسوك عنا؟‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬ملاذا‬
‫ً‬
‫‪ -‬ليضعفوكم‪ ,‬ويفرقوكم‪ ,‬ويصنعوا من الجهل سالحا يرديكم‪ ,‬يقوي‬
‫ُملكهم‪ُ ,‬ويثبت عروشهم‪.‬‬
‫‪ -‬وما السبيل إلى إصالح ما أفسدوه؟‬
‫‪ -‬سنخبر الجميع بالحقيقة‪ ,‬فيحيى من يحيى عن بينة‪ ,‬ويهلك من يهلك‬
‫عن بينة‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬والصانع؟‪ ..‬هل هو حقا موجود؟‬
‫‪ -‬ماذا تظن أنت؟‬
‫‪ -‬أشعر أنه موجود‪ ..‬لكن أين هو من كل ذلك‪ ..‬ملاذا يتركنا نتعذب إن‬
‫كان يملك القدرة على دفع األذى عنا؟‬
‫ُ‬
‫‪ -‬لو لم يتدخل املـخرب ملا حسبنا األذى أذى‪ ,‬ولتعاملنا معه كما كنا‬
‫دوما؛ ُسنة من سنن الكون‪.‬‬ ‫نفعل ً‬
‫ُ‬
‫‪ -‬من هو هذا املـخرب؟‬
‫ُ‬
‫‪ -‬إنه سبب كل الشرور‪ ..‬يتبع سبل الشيطان خطوة بخطوة‪ .‬ويعيث‬
‫ً‬
‫فسادا في البالد والعباد‪.‬‬
‫‪ -‬وملاذا يؤذوننا؟‬
‫ُ‬
‫‪ -‬غيرة وحسدا‪ ,‬ألن النمال ال تملك سلطة االختيار‪ ,‬أما هم فخلقوا بها‬
‫وأساؤوا استخدامها‪ ,‬حملوا األمانة وضيعوها‪ ,‬حصدوا ثمار كل بذرة‬
‫فاسدة زرعوها‪ ,‬ثم أرادوا التنصل من ثمرهم‪ ,‬فزعموا أنهم بقدرة الصانع‬
‫مجبرون على غرس الشر‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫لت"بنان" مشدوهة وقد شغفها الحديث فضوال‪:‬‬ ‫تساء ِ‬
‫‪ -‬وكيف تتفق قدرة االختيارمع قدرة الصانع؟‬

‫‪275‬‬
‫انحنت ملكة قلوبهم والتقطت حبة رمل بأحد قرنيها‪ ,‬ثم تقدمت‬
‫صوب الجدار‪ ,‬وأخفت عيونها بالقرن اآلخروهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا سيحدث اآلن إن أنا رميت حبة الرمل لألمام؟‬
‫َ‬
‫أجابت ِ"بنان"‪:‬‬
‫‪ -‬سترتطم بالجدار‪.‬‬
‫ألقت امللكة بحبة الرمل فأصابت الجدار وتساقطت ً‬
‫أرضا‪ ,‬لم تفطن‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" إلى مرادها‪ ,‬أطل املرح من أعين "القزم" واطمأن قلبه بالجواب‪,‬‬
‫قالت امللكة بحنان األمومة‪ ,‬وبالغة الحكماء‪:‬‬
‫امتلكت قدرة على الرؤية‬
‫ِ‬ ‫ألنك‬
‫علمت أن الحبة ستصيب الجدار ِ‬
‫ِ‬ ‫أنت‬
‫‪ِ -‬‬
‫ّ‬
‫تفوقت علي بقدرتك‪,‬‬
‫ِ‬ ‫لم أمتلكها أنا عندما حجبت عيني عن الجدار‪,‬‬
‫واستشرفت مصيرحبة الرمل‪.‬‬
‫ِ‬
‫ثم أردفت بأعين متوهجة‪:‬‬
‫‪ -‬لقد اخترت بنفس ي أن أقذف بالحبة تجاه الجدار‪ ,‬وليس في أي اتجاه‬
‫يأت اختياري بش يء يتعارض‬‫قدرتك عن االختيار‪ ,‬ولم ِ‬
‫ِ‬ ‫آخر‪ .‬فلم تمنعني‬
‫وعلمك املسبق بأن الحبة ستصيب الجدار‪.‬‬
‫ِ‬ ‫قدرتك‬
‫ِ‬ ‫مع‬
‫ثم ختمت كالمها بخالصة حديثها‪:‬‬
‫‪ -‬القدرال يلغي االختيار‪ ..‬لكن عين الصانع ترى ماال نرى‪.‬‬

‫***‬

‫‪276‬‬
277
‫عودة إلى الواقع‬
‫‪ -‬نمــل!!‬
‫ً‬
‫مشدوها‪ ,‬غير‬ ‫لم يستطع دكتور "نائل" أن يمنع نفسه من أن يهتف‬
‫مصدق أن كل ما قرأ عنه في تلك امللفات كانت حكاية ملجموعة من‬
‫ً‬ ‫ُ ّ‬
‫سريعا في امللفات االثنين والثالثين بأعين متسعة‪,‬‬ ‫قلب‬ ‫النمال! عاد ي ِ‬
‫وعقل مشتت‪ ,‬يعيد قراءة مقطع هنا‪ ,‬وفقرة هناك‪ ,‬والزال وجهه يحمل‬
‫آثارالصدمة‪ ,‬ثم ردد مرة أخرى‪:‬‬
‫‪ -‬نمل!‪ ..‬لكن كيف؟!‬
‫وكأن "النيوترينو" يراقبه من طرف خفي‪ ,‬واستقر في علمه أنه انتهى‬
‫للتو من قراءة كل امللفات التي تركها أمامه منذ ساعات‪ .‬دلف إلى الحجرة‬
‫بوجه طليق‪ ,‬يتعارض بشكل صارخ مع وجه دكتور "نائل" املرهق‪ .‬أخرج‬
‫أنبوبا ُيشبه القلم وأخرج منه واحدة من‬‫ً‬ ‫"النيوترينو" من جيب سترته‬
‫النمال ثم وضعها بداخل فمه‪ ,‬هذه املرة لم يراود دكتور "نائل" نفور‬
‫وتقزز‪ ,‬بل شعور غريب بعد تلك الليلة الطويلة التي أمضاها في عالم‬
‫مجموعة من النمال‪ .‬طن رأسه بأسئلة كثيرة يتلهف ملعرفة أجوبتها‪ ,‬لكن‬
‫ً‬
‫قبل أن يتوجه إلى "النيوترينو" بأيها‪ ,‬بادره "النيوترينو" قائال‪ ,‬وهو يفتح‬
‫ً‬
‫أمامه بحركة من عينه ملفا آخريحمل الرقم ثالثة وثالثون‪:‬‬
‫‪ -‬فاتك هذا امللف‪ ,‬كتبه حاسوبي املتطور خالل الليل‪ ,‬هيا اقرأه اآلن‪,‬‬
‫وسيكون لدينا بعدها حديث طويل‪.‬‬

‫‪278‬‬
279
‫امللف الثالث والثالثون‬

‫َ‬
‫رفعت ِ"بنان" رأسها لتنظر إلى وجه األم امللكة‪ ,‬تمأل عينها منها‪ ,‬ثم‬
‫سألتها‪:‬‬
‫‪ -‬من حبسك هنا؟‬
‫‪ -‬حبسني من اغتصب أرضنا‪.‬‬
‫‪ -‬ملك "مينورا"!‪ ..‬كيف؟!‬
‫تطلعت إليها أربعة أوجه متلهفة لحديثها‪ ,‬فقالت‪:‬‬
‫‪ -‬حدث كل ش يء بعد معركتنا مع محاربي"مينورا" الذين أغاروا على‬
‫النصف الغربي من مملكتنا‪ ,‬على أرض "باسطين"‪ ,‬واحتلوا كل شبر فيها‪,‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫جميعا‪.‬‬ ‫واحدا يسعنا‬ ‫بعدما كانت هي وأرض "النسر" مملكة كبيرة‪ ,‬وطنا‬
‫ولم يكتفوا بذلك فأغاروا على أرض "النسر" ً‬
‫أيضا‪ .‬ثم أشاعوا أنني‬
‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫قتلت‪ ,‬لكن الحقيقة هي أنني طعنت في ظهري‪ ,‬سلمني بعض الخونة إلى‬
‫ملك "مينورا"‪.‬‬
‫‪ -‬هذذا فظظيع‪.‬‬
‫أردفت امللكة وكأنها لم تسمعه‪:‬‬
‫َّ‬
‫‪" -‬آصف" هو الوحيد الذي امتلك من العلم والحكمة ما مكنه من‬
‫معرفة مكاني‪ ,‬كنت أتواصل معه على الدوام من خالل رسائل خاصة‪..‬‬
‫رسائل كيميائية يفرزها جسدي‪ ,‬كنت أخبره بمكان اختطافي وبوصف‬
‫املكان الذي ساقوني إليه‪ ,‬أترك له على األرض والجدران ً‬
‫آثارا يفرزها‬

‫‪280‬‬
‫فتمكن من الوصول َّ‬‫َّ‬
‫إلي بالفعل عبر هذا النفق‪ ,‬لكن وقتها كنتم‬ ‫جسدي‪,‬‬
‫ُأمة مستضعفة‪ ,‬فخش ي أن يقتلني ملوككم وأمراؤكم وال يتحرك واحدٌ‬
‫منكم للدفاع عني‪ ,‬فانتظر‪ ..‬وانتظرت‪ ..‬حتى يتمكن لنا النصر‪.‬‬
‫فأعد هذا الفخ على الباب الذي حفره بنفسه للوصول َّ‬
‫إلي‪ .‬ثم مض ى‬
‫وقت طويل على حبس ي بدون عامالت ينظفنني فضعفت رائحتي وفقدت‬
‫أبدا لم ينسني‪ ,‬كان آخر ما قاله‬‫التواصل معه‪ ..‬لكنني كنت على ثقة أنه ً‬
‫لي‪" :‬سآتي إلنقاذك‪ ,‬أو سيفعل تالمذتي‪ ..‬سأعدهم من أجل هذا اليوم"!‬
‫ً‬
‫ران الصمت طويال قبل أن يقول "القزم" وصوته يحمل آهات‬
‫وحسرات‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬لكننا الزلنا ضعفاء‪ ,‬لقد قتلوا املعلم "آصف" وكل تالميذه‪ ,‬ال يوجد‬
‫سوانا نحن األربعة‪ ,‬ماذا من املمكن أن نصنع بمفردنا‪ ,‬كيف بإمكاننا أن‬
‫نحميك‪.‬‬
‫ِ‬
‫نظرت إلى فتحة السقف املسيجة وهي تقول‪:‬‬
‫‪ -‬صحيح أنني لم أعد أستطيع بث الرسائل‪ ,‬لكن بإمكاني استقبالها‪,‬‬
‫أنا على علم بكل ما يحدث ألبنائي في الخارج‪ ,‬لذلك أنا واثقة أن الوقت قد‬
‫حان‪.‬‬
‫تبادلوا نظرات قلقة‪ ,‬وعادوا ٌ‬
‫واحد تلو اآلخر يدفنون رؤوسهم في جسد‬
‫امللكة‪ ,‬ينعمون بلحظات من السكينة والصفاء قبل معركتهم األخيرة‪.‬‬
‫ً‬
‫متأهبا‪ ,‬ومن خلفه امللكة يحاوطها من كل‬ ‫َّ‬
‫تقدمهم "القزم" في املسير‬
‫و"ح ُبوك" كل في جهة‪.‬‬‫و"سالس" َ‬‫واحد منهم‪" ,‬ب َنان" في املؤخرة‪ُ ,‬‬
‫ٌ‬ ‫جهة‬
‫ِ‬
‫اندفعوا كرأس سهم إلى النفق يبحثون عن أي منفذ للهرب‪ ,‬مروا على‬
‫جثث "جادور" وفرقته حتى وصلوا إلى الصخرة التي سدت مدخل النفق‪,‬‬
‫كاد أن يصيبهم اليأس لوال كلمات امللكة املشجعة‪ .‬طفق "القزم" يتحسس‬

‫‪281‬‬
‫الجدار وهو يدق عليه بأطرافه‪ ,‬لم يفهم أحد في البداية ماذا يصنع‪ ,‬لكن‬
‫َ‬
‫ِ"بنان" فهمت ُمراده‪ ,‬فحذت حذوه مع الجدار املقابل‪ ,‬وسارا عائدين في‬
‫جيدا يوم هروبهم من نفق أهل "باسطين"‪ ,‬كيف أزاح‬ ‫اتجاه القبو‪ ,‬تذكر ً‬
‫أحدهم ورقة شجربلون الجداريوارون خلفها فتحة للهرب‪ .‬صاح "القزم"‬
‫ً‬
‫جميعا على قطع الورقة‬ ‫ببهجة وقد عثر على فتحة مماثلة‪ ,‬تعاونوا‬
‫امللتصقة بها لتخفيها عن األنظار‪ ,‬فظهر من خلفها فتحة للهرب‪ ,‬تطل‬
‫مباشرة على الغابة‪ .‬صنعوا فتحة تسع جسد امللكة‪ ,‬وعاونوها على‬
‫الخروج منها‪ .‬عندما أصبح الجميع فوق سطح األرض تنفسوا الصعداء‪,‬‬
‫وتبادلوا نظرات الفرح واالنتصار‪.‬‬
‫لم يفارق "ح ُبوك" قدم أمه لحظة‪ ,‬كأنما يعوض حرمانه الطويل من‬
‫القرب منها والعمل على خدمتها‪ .‬كان أول من بدأ في تنظيفها بلعابه‪ ,‬بهمة‬
‫أوردته السعادة‪ ,‬شاركه الجميع في هذا العمل الجليل‪ ,‬فما انتهوا إال‬
‫توهج جسدها ببريق ساحر‪ .‬انتشر ثالثة منهم للبحث عن الطعام‪,‬‬ ‫بعدما َّ‬
‫َ‬
‫وبقيت ِ"بنان" في رفقتها كمحارب متأهب يقظ‪ ,‬تدور بعينها في كل اتجاه‪.‬‬
‫عادوا بقطع من التين الجاف‪ ,‬وبذور من العنب‪ ,‬وحبة ضخمة من‬
‫البقوليات‪ ,‬وقطعة من البلور األبيض امللكي ظفر بها "القزم" وقدمها إلى‬
‫أمه بفخر واعتزاز‪ ,‬كانت بحاجة إلى طاقة لن يمنحها لها إال السكريات‪ .‬لم‬
‫تهنأ بالطعام وحدها‪ ,‬قدمت لكل منهم حصة التهمها بنهم شديد‪ .‬وألول مرة‬
‫تهب " ُسالس" رحيق بطنها بحب ال يشوبه مذلة‪ ,‬غاب عنها في هذه اللحظة‬
‫شعور الهوان الذي الزمها منذ أن عوقبت بالنفي إلى مساكن الشعب‬
‫العسيل‪ُ ,‬تطعم به الجوعى ً‬
‫رغما عنها‪ .‬اآلن‬ ‫واتخاذ بطنها قربة لتخزين ُ‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫فما لفم‪ ,‬فشربوا جمي ًعا حتى‬ ‫واحدا تلو اآلخر‪ً ,‬‬ ‫أخذت ت َزق َم ُتهم بسعادة‬
‫ارتووا‪.‬‬

‫‪282‬‬
‫طويال فيما يجب أن تكون خطوتهم القادمة‪ ,‬كانوا في‬ ‫تباحثوا ً‬
‫منتصف الغابة‪ ,‬أقرب إلى "باسطين" منهم إلى "النسر"‪ ,‬فاتخذوا من ذلك‬
‫إشارة عضدتها األم امللكة بقولها حازمة النبرات‪:‬‬
‫ً‬
‫جميعا‪.‬‬ ‫‪ -‬يجب أن نصل إلى الجدارالغربي لهذا العالم‪ ,‬يجب أن نتحرر‬
‫هتف "القزم" بلهفة‪:‬‬
‫‪ -‬هل هذا صحيح بالفعل‪ ,‬إذن الرسالة التي تركها "آصف" عند‬
‫الجدارالشرقي قبل موته كانت صحيحة‪ ,‬لقد قال فيها أن الطريق الوحيد‬
‫للنجاة هو الوصول إلى نهاية العالم‪ ,‬عبر الجدار الغربي الذي يقع غرب‬
‫"باسطين"‪.‬‬
‫أكدت امللكة قائلة‪:‬‬
‫‪ -‬نعم هذا صحيح‪ ,‬نهاية العالم هي املكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن‬
‫ُ‬
‫نبدأ حياتنا من جديد‪ ,‬دون أن نخضع لتأثير املخرب وتحكماته فينا‪ ,‬هذا‬
‫ما توصل إليه "آصف" قبل أن تنقطع الرسائل بيني وبينه‪.‬‬
‫ً‬
‫فكرالجميع للحظات طالت‪ ,‬ثم أعاد "القزم" بقوله متشككا‪:‬‬
‫نحميك وفي الوقت نفسه‬
‫ِ‬ ‫‪ -‬لكن نحن أربعة فحسب‪ ,‬كيف بإمكاننا أن‬
‫نصل إلى الجدارالغربي في "باسطين"‪.‬‬
‫َ‬
‫مذكرة إياه‪:‬‬
‫بادرته ِ"بنان" ِ‬
‫‪ -‬لسنا أربعة فحسب‪ ,‬أهل "باسطين" كلهم معنا‪ ,‬ال تعرفهم إنهم ال‬
‫يهابون املوت‪ ..‬أنا على ثقة تامة أن الكثيرمنهم الزال على العهد‪.‬‬
‫"سالس ُمقترحة‪:‬‬ ‫أضافت ُ‬

‫‪283‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬يجب أن نصل إلى نفقهم الذي مررت عبره مع ِ"بنان" أثناء خروجك‬
‫من "باسطين"‪ ,‬يجب أن يتم ذلك بسرعة فأصوات الحرب الدائرة فوق‬
‫أرض "النسر" لم تهدأ لحظة‪.‬‬
‫ً‬ ‫شاركهم َ‬
‫"ح ُبوك" قائال بحماس‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬نعم‪ ,‬سنباغتهم‪ ,‬ستكسبنا املفاجأة الكثير من القوة‪ .‬أهل "باسطين"‬
‫أقووياء‪ ,‬يتأهبون منذ زمن طويل لهذا اليوم‪ ,‬سيمدوننا بحمض النمليك‬
‫الحارق‪ ,‬أنا واثق أأن النصرسيكون حليفنا‪.‬‬
‫صدقت األم امللكة على خطتهم‪ ,‬استنهض الجميع يسيرون بالتشكيل‬ ‫َّ‬
‫َ َ‬
‫"البشام" فتعاونوا‬ ‫نفسه‪ ,‬يحاوطونها بأجسادهم وأرواحهم‪ .‬مروا بشجرة‬
‫على قطع إحدى وريقاتها‪ ,‬ونهلوا من لبنها الذي أهريق كالسيل‪ ,‬حلواً‬
‫ومغذيا‪ .‬وقفوا عند حافة الغابة املطلة على "النهراألسود"‪ ,‬يطيلون النظر‬ ‫ً‬
‫ُّ‬ ‫يمينا إلى األجساد املتالحمة فوق التل األحمر الذي َّ‬ ‫ً‬
‫تبدى لهم‪ .‬حثوا امللكة‬
‫على املغادرة لكنها وقفت متجمدة بمكانها‪َّ ,‬‬
‫يتلون وجهها بألوان األلم‪,‬‬
‫حقدا ً‬
‫وكرها‬ ‫تبصر من بعيد جثث أبنائها يطؤها بعضهم البعض‪ ,‬تلمس ً‬
‫ً‬
‫وغضبا ما ألفته في نفسها‪ ,‬وما أحبت أن تراه ينهش في نفوس أبنائها‪.‬‬
‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُ ّ‬ ‫َّ‬
‫ذكرها أن للوقت ثمنا‪ .‬أخبرتها ِ"بنان" أن انتظار الخير‬ ‫مسها "القزم" لي ِ‬
‫منهم ال رجا فيه‪ ,‬وأنهم استحقوا بذنوبهم العقاب‪ .‬شرح لها َ‬
‫"ح ُبوك" أنهم‬
‫جهالء ضعفاء يتوجهون حيث ُيسار بهم‪ ,‬ال يقوون على مساعدة أنفسهم‬
‫ً‬
‫فضال عن مساعدتها‪.‬‬
‫تحدق فيهم ال تحيد عنهم بأنظارها‪ ,‬ترى فيهم‬ ‫"سالس" وقفت ّ‬ ‫وحدها ُ‬
‫ِ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وخنوعا‪ً ,‬‬ ‫ًّ‬
‫وتجبرا على‬ ‫وتكبرا‬ ‫واستسالما واستضعافا‪,‬‬ ‫وآثاما وشرو ًرا‪,‬‬ ‫ذأل‬
‫كل من يبارزهم بعلمه‪ ,‬ويناطحهم بنقاء شيمه‪ .‬رأت فيهم نبتة أضعفتها‬
‫ً‬ ‫ً ً‬
‫آسنا‪ ,‬فلم تجد بجيدها ً‬
‫ثمارا تطرحها‪ ,‬وال رحيقا تجود‬ ‫تربة فاسدة‪ ,‬وماء‬
‫ً‬
‫به‪ .‬وما جعل خافقها يغوص كمدا‪ ,‬أنها رأت فيهم نفسها!‬

‫‪284‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫التفتت إلى ِ"بنان" التي تهز رأسها أسفا‪ ,‬تسارق النظر إلى الضفة‬
‫ُ‬
‫األخرى‪ ,‬وتساءلت في نفسها ترى لو علمت اآلن بأنها من أوقعتها في هذا‬
‫املأزق الذي كاد أن يودي بحياتها! ساعدت "جادور" على النيل منها! حتى‬
‫ْ‬
‫الفطر بالقاعة الزراعية هو سم قاتل‬ ‫ولو لم تكن تعلم أن ما نثرته فوق ِ‬
‫َ‬
‫سيكون دليل إدانة ِ"بنان"‪ ,‬حتى ولو لم تكن تعلم أن "جادور" سيجرؤ‬
‫على تسميم ما معه من فطر ويقتل به الثالثمائة الذين أهداهم إياه‪ ,‬وحتى‬
‫َ‬ ‫لو َّ‬
‫تعجبت كيف لم تفكر ِ"بنان" بأنها الفاعلة رغم أنهما الوحيدتان‬
‫القادرتان على النفاذ من حارس البوابة الذي يحرس قاعتها الزراعية‪.‬‬
‫َ‬
‫حتى لو جهلت كل ذلك فستظل في عين ِ"بنان" آثمة ال رجا من إصالحها‪,‬‬
‫وربما لو كانت تملك القدرة لدفعت بها تحت أقدام الجالوزة‪ ,‬ولهزت‬
‫ً‬
‫رأسها أسفا قائلة‪" :‬لقد استحقت العقاب"‪.‬‬
‫خفق قلب امللكة بقوة‪ ,‬ربما لطبيعتها األنثوية املرهفة‪ ,‬أو لوقود‬
‫مشاعر أمومة تمور بدمائها‪ ,‬أو لصفات ملكية حكيمة تموج بعقلها‪ ,‬أو‬
‫ربما اجتماع كل ذلك هو ما جعلها تقف هناك بال أي رغبة ملفارقة موضع‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫نظرها‪ .‬تعلقت بالحنين إليهم منذ لحظة وضعتهم ً‬
‫صغيرا شفافا‪ ,‬ال‬ ‫بيضا‬
‫ُّ‬
‫تمر عدة أيام إال وترى زمرة من محاربي"مينورا"‪ ,‬يتدلون من فتحة‬
‫السقف املسيجة بسجنها والتي ال تتسع لفرارها‪ ,‬يتركون لها قطرات ماء‪,‬‬
‫ويغتصبون منها نصف ما تضعه من البيوض‪ ,‬تاركين لها النصف اآلخر‬
‫طعاما لها‪ ,‬قطرات ماء مقابل أن ينعم نصف أبنائها بالحياة!‪ ..‬تطوف‬ ‫ً‬
‫ماض قريب بعيد‪ ,‬تتمسك بتالبيب أمل إحيائه من‬ ‫ٍ‬ ‫أحالمها على أطالل‬
‫َ‬
‫جديد‪ .‬وملا أتيحت لها اآلن الفرصة لذلك‪ ,‬لم تقو على االنصراف عن أبناء‬
‫يصنعون املوت‪ ,‬وال يتزودون له إال بخزي وعار‪.‬‬
‫لعل الضياء ال تحويه ُجل القلوب‪ ,‬لكن تلك الزمرة التي تنشق قلوبهم‬
‫عن فطرة لم تمت‪ ,‬سوى أن غشيها ظالم الجهل والخرافات‪ ,‬تستحق أن‬
‫تتطهر من أدرانها‪ ,‬تستحق أن تنعم بالحرية‪ ,‬وإن كانوا على موعد مع درب‬

‫‪285‬‬
‫املنون‪ ,‬فلتكن ميتة مشرفة بيقين ال تساوره الظنون‪ .‬وفهم لطبيعة‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫أدوارهم في الحياة‪ ,‬وما خلقوا من أجله‪ ,‬وفطروا عليه‪.‬‬
‫َّ‬
‫تسلحت بقلب أوتي سعة من الرحمة‪ ,‬وبعثت برسائل أفرزها‬
‫جسدها‪ ,‬عهود حب واشتياق‪ ,‬ودعوة ووفاق‪ ,‬تدعوهم إلى درب النجاة‬
‫فاليوم ال عاصم إاله‪ .‬أصدرت أمرها ألربعتهم أنها لن تطأ أرض "باسطين"‬
‫إال بعدما تنقذ من أبنائها من الزال يحمل بقلبه مثقال حبة خردل من‬
‫الخير‪ .‬فامتثلوا ألمرها‪ ,‬وغذوا املسير في اتجاه أرض "النسر"‪ ,‬عبروا البركة‬
‫فجن جنون "البنغول" آكل النمال‪ ,‬يراهم من فوق الجسر‪ ,‬وال يستطيع‬
‫أن ُيمسك بهم بفمه الطويل‪ .‬خرجوا بعد سيرشاق من الغابة‪.‬‬
‫وكانت الغلبة في حرب اليوم من نصيب الجالوزة‪ ,‬التفوا حول‬
‫الشعب في دائرة حوافها من نار قلوبهم‪ ,‬وشرر عيونهم‪ ,‬وأسلحة قاطعة‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫وحمض ُمميت‪ .‬أطلت امللكة عليهم تجذب أنظار الجميع‪ ,‬فتعلقت بها‬
‫العيون‪ ,‬وساد لحن السكون‪!..‬‬
‫مرت من خاللهم فلم يجرؤ على أن يوقفها أحد‪ ,‬ابنهروا ملرآها‪ ,‬لم‬
‫يسبق لهم أن رأوا ملكة من النمل بهذا الحجم‪ ,‬وبتلك العظمة واملهابة‪,‬‬
‫مرت بها من أبنائها‪ ,‬تبثهم حنينها‪,‬‬‫تواصلت بقرونها مع كل القرون التي َّ‬
‫وتقص عليهم ما جهلوا‪ .‬الشعب الذي نس ي أنه كان يتواصل مع بعضه في‬
‫وتوحد مقاصدهم ورغباتهم‪ ,‬أمس ى‬ ‫املاض ي من خالل قرونهم التي ُتقربهم‪ّ ,‬‬
‫ِ‬
‫ُيقبل عليها بقرونه‪ ,‬يحكها بقرنيها‪ ,‬فقالت وقالت‪ ,‬واستمعوا لها‪ ,‬أعرض‬
‫َّ‬ ‫َّ‬
‫وصدق كثيرون‪ ,‬تغش ى قلوبهم سكينة‬ ‫وكذب البعض دعوتها‪ .‬واستجاب‬
‫لم يألفوها‪ ,‬ونزعة إلى الجمال بنفوسهم احتوتها‪ ,‬ونفروا من كل رمز‬
‫ُ‬ ‫قدسوه‪ ,‬يجتذبهم ٌ‬
‫رمز أكبر ما خلق إال ليتقدس‪ .‬وأقبلوا يلبون نداء التطهر‬
‫من دنس الجهل والخرافات‪ ,‬خشعوا خشوع السماء والشجر وذرات‬
‫الرمال‪ ,‬وقطرات الندى وسفوح الجبال‪ ,‬يروون ظمأهم بلذة اإليمان‪,‬‬
‫ومعبدهم فسيح باتساع األكوان‪.‬‬

‫‪286‬‬
‫لم ُيفرق نداء امللكة بين ملك وفقير‪ ,‬وجلواز وأمير‪ ,‬فأقبل من‬
‫اجتمعت قلوبهم بوفاق‪ ,‬تخفق بشغف تتوق إلى مسابقة الريح إلى حيث‬
‫تأمرهم أمهم امللكة‪ ,‬إلى أرض "باسطين"‪ ,‬إلى بوابة الحرية‪ ,‬وقارب النجاة‪.‬‬
‫ارتجت أرض "النسر" بغضب "راعون" وما تبقى معه من الجالوزة‬
‫الحكم من بين أيديهم‪ ,‬فتوجهوا‬ ‫واألمراء‪ ,‬الذين يخشون انتزاع مقاليد ُ‬
‫صوب الغابة يقطعون الطريق على امللكة وأبنائها‪ ,‬بعدما علموا أن كذبة‬
‫ُ‬
‫الطحالب السامة التي تغطي البركة قد انكشف أمرها‪ ,‬فأشار "القزم"‬
‫على امللكة باالتجاه صوب "النهراألسود"‪.‬‬
‫دارت مواجهة دامية بين "راعون" وبعض أبناء امللكة‪ ,‬ومض ى آخرون‬
‫برفقتها إلى حيث أشار "القزم"‪ ,‬يطيلون النظر إلى سطحه‪ ,‬يبرز "كلب‬
‫ً‬
‫النهر" يروح ويغدو‪ ,‬حينا من أقص ى اليسار‪ ,‬وأحايين أخرى من أقص ى‬
‫اليمين‪ .‬لم يكن عليهم فحسب مواجهة هذه السمكة املخيفة ذات األنياب‬
‫الحادة القاطعة‪ ,‬بل مواجهة مخاوفهم كذلك‪ ,‬وكان هذا على نفوسهم‬
‫أشد من مواجهة السمكة الشرسة‪ .‬كانت املعركة الزالت تدور رحاها بين‬
‫من استجاب من أبنائها إلى دعوتها وبين "راعون" وما تبقى معه من‬
‫الجالوزة‪ ,‬أما امللوك واألمراء فغلقوا دونهم الكهف‪ .‬وعندما احتدمت‬
‫َّ‬
‫املعركة وطالت‪ ,‬هرب "راعون" من الساحة وتخفى تحت األرض‪ ,‬بمساكن‬
‫الشعب‪ ,‬مع ما تبقى من امللوك واألمراء والجالوزة‪ ,‬أخلوا الكهف عن‬
‫بكرة أبيه‪ُ ,‬وردوا إلى أسفل سافلين‪.‬‬
‫أمر "القزم" من معه بأن يتشبث كل منهم باآلخر لصنع قارب كبير‪,‬‬
‫يعبرون به إلى الضفة األخرى ويحملون امللكة فوقه حتى ال يمسها سوء‪.‬‬
‫صنعت‬ ‫تشابكت األطراف وتزاوجت القرون كتعشيق التروس‪ ,‬كما لو أنها ُ‬
‫بعضا‪ ,‬وكل منهم يحمل بجيب بطنة قطعة من‬ ‫ً‬ ‫لتتحد‪ ,‬ويشد بعضها‬
‫الفطر السام الذي أخرجه الجالوزة من القاعة الزراعية إلى العراء‪.‬‬
‫صنعوا دائرة صغيرة بأجسادهم امللتحمة‪ ,‬لم تلبث أن زادت في حجمها‬

‫‪287‬‬
‫جدفت أقدامهم مع تيار النهر‪ ,‬يحملهم إلى الضفة‬ ‫جميعا‪َّ ,‬‬
‫ً‬ ‫باتحادهم‬
‫األخرى‪ ,‬كانوا يعلمون أنهم يخاطرون بحيواتهم‪ ,‬لكنها بدت في أعينهم بال‬
‫معنى إن بقوا على هذا الجانب من النهر‪ ,‬يستمرون في العيش في قبور‬
‫َّ‬
‫ُسميت بمساكن‪ ,‬وأهواء تخفت في رداء القوانين‪.‬‬
‫لم يجتازوا منتصف املسافة حتى كان ثمة خطر يلوح في األفق‪ ,‬برز‬
‫رأس"كلب النهر" يرصد أولئك املجانين الذي أتوا لعنده طواعية‪,‬‬
‫يتفحصهم‪ ,‬يدور حولهم‪ ,‬يستعد ملباغتتهم‪ ,‬ثم ينقض عليهم ويقضم‬
‫قضمة كبيرة‪ ,‬شدوا من عزم بعضهم البعض أال تنفصل أطرافهم عن‬
‫بعضها ً‬
‫أبدا‪ ,‬فتشبثهم هو سر نجاتهم‪ ,‬ولم ُي ِثن الخوف من عزمهم و"كلب‬
‫ً‬
‫النهر" يحوم حولهم مختاال كصياد فرح بطريدة سهلة ال حول لها وال قوة‪.‬‬
‫ينظر إليهم كمجموعة من النمال الصغيرة التي ال وزن له‪ ,‬أين هم من‬
‫قوة جسده‪ ,‬وأسلحته الفتاكة‪ ,‬ال ِق َبل لهم بمقاومته‪ ,‬إنما خلقوا‬
‫ليصيروا فريسة عاجزة عن الوقوف بوجهه‪ ,‬تستسلم ملشيئته دون أن‬
‫جيدا وحجم صائدهم‬ ‫تزعجه بمقاومة ال معنى لها‪ .‬يعرفون حجمهم ً‬
‫كذلك‪ ,‬فيخلصوا إلى أنهم مهما حاولوا لن يملكوا صده عن نيل مآربه‪.‬‬
‫ً‬
‫بعضا من هول ما‬ ‫قضمة أخرى وكادت بعض األطراف أن تدع بعضها‬
‫َ‬
‫يحدث‪ ,‬هتافات ِ"بنان" الحماسية ألهبت عنادهم وشحذت من عزمهم‪,‬‬
‫و"ح ُبوك"‪ ,‬فتكاتفت أجسادهم‪ ,‬وتآلفت قلوبهم‪,‬‬ ‫"سالس" َ‬ ‫وكذا فعلت ُ‬
‫لعلها ألول مرة منذ أن وهبوا الحياة‪.‬‬
‫قضمة ثالثة أصابت أحد جوانب القرص الدائري الذي صنعوه‬
‫بأجسادهم‪ ,‬لكن همهم انصب على أال يقترب "كلب النهر" من األم التي‬
‫يحملونها فوقهم‪ .‬أرسلت الشمس نورها لتكمل فراغ الدائرة‪ ,‬نسجت‬
‫ً‬
‫خيوطا ذهبية بأجسادهم السمراء فباتوا خليطا من ليل ونهار‪ ,‬وضوء‬
‫وظالم‪ ,‬كل منهم آية‪ ,‬ال تحل إحداها محل األخرى‪ .‬لم يظهر "كلب النهر"‬
‫على السطح مرة أخرى‪ ,‬هتك السم جدار معدته‪ ,‬وأرسل بطعناته في‬

‫‪288‬‬
‫محيط جسده‪ ,‬فود لو تقيأ بطنه بكاملها ليتخلص مما حوته من فريسة‬
‫استهان بها‪ ,‬وظن أنها لصغر حجمها وضعف إمكانياتها ال تملك من الذكاء‬
‫لقما سائغة تشبع جوعه‪.‬‬ ‫خصما يبارز‪ ,‬ال ً‬
‫ً‬ ‫والحكمة ما يجعلها ًندا له‪,‬‬
‫أذهبت سطوة األلم بأنفاسه‪ ,‬ولم يستردها ثانية ً‬
‫أبدا‪.‬‬

‫***‬

‫‪289‬‬
290
‫الشيطان يبتسم‬

‫لم يكد دكتور "نائل" ينتهي من قراءة امللف‪ ,‬حتى سرى الخدر في‬
‫َّ‬
‫أطرافه‪ ,‬تيبست عضالت ظهره وكتفيه‪ ,‬فحاول أن يتمطع رغم القيد‬
‫ً‬
‫امللتف حول معصميه‪ ,‬صرخ أملا وهو يرنو إلى "النيوترينو" يتوسل إليه‬
‫ً‬
‫قائال‪:‬‬
‫ً‬ ‫‪ -‬لقد هلك جسدي ً‬
‫تعبا‪ ,‬أرجوك فك قيدي قليال‪ ,‬انظر أنا أضعف من‬
‫أن أحاول الهرب‪.‬‬
‫صدق على كالمه وجهه املتعب‪ ,‬وجسده خائر القوى‪ .‬ضغط‬ ‫َّ‬
‫"النيوترينو" ًزرا بإسورة معصمه فانفك القيد‪ ,‬تنهد دكتور "نائل" براحة‪.‬‬
‫ُ‬
‫تأمل الضمادة التي تغطي أصبعه املبتور فشعر بنبضات األلم تخفق من‬
‫جديد‪ ,‬أو لعلها أوهام نسجها عقله ما إن رأى هذا الفراغ بكفه‪.‬‬
‫سأله "النيوترينو" بنفاذ صبر‪:‬‬
‫‪ -‬واآلن‪ ..‬هل توافق؟‬
‫ً‬
‫نظر إليه دكتور "نائل" بحيرة‪ ,‬فانفجر "النيوترينو" ضاحكا‪ ,‬يرفع‬
‫كفيه أمام وجهه‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬لقد نسيت أنني لم أشرح لك األمر بعد‪ ..‬لكن دعنا أوال نرى ماذا‬
‫أسفرت عنه نتائج التحقيقات‪.‬‬
‫قالها وضغط ًزرا آخر بمعصمه فتحول الجدار إلى شاشة مرة أخرى‪,‬‬
‫وبعد متابعة عدة دقائق فغر خاللها دكتور "نائل" فاه دهشة‪ ,‬ارتج املكان‬
‫بضحكات "النيوترينو" وهو يقول‪:‬‬

‫‪291‬‬
‫‪ -‬ليتك ترى وجهك اآلن‪ ,‬إنه مضحك ً‬
‫جدا‪.‬‬
‫ً‬
‫قال دكتور "نائل" وال يزال ذاهال‪:‬‬
‫ً‬
‫شخصا يشبنهي إلى هذا الحد‪ ,‬ليس‬ ‫‪ -‬كيف فعلت ذلك؟‪ ,‬كيف صنعت‬
‫في املالمح فحسب بل في بصمات األصابع والعين واألذن‪ ,‬حتى أن خبراء‬
‫الطب الشرعي لم يتمكن أي منهم من اكتشاف أنه شخص مزيف‪ ,‬كيف‬
‫تمكنت من ذلك؟‬
‫‪ -‬إنه سري الخاص‪ ,‬ونتاج سنوات من التجارب واألبحاث‪.‬‬
‫قالها "النيوترينو" بفخر‪ ,‬أخرج من جيبه علبة صغيرة مخملية‪,‬‬
‫فتحها ووضعها على الطاولة بينهما‪ ,‬تأمل دكتور "نائل" محتواها‬
‫بفضول‪ ,‬لم يجد سوى نقطة سوداء دقيقة في منتصف علبة شديدة‬
‫ً‬
‫حائرا‪ ,‬فتلقفها "النيوترينو"‬ ‫البياض‪ ,‬فرفع أنظاره إلى "النيوترينو"‬
‫بالشرح‪:‬‬
‫‪ -‬لقد قضيت ثالثين ً‬
‫عاما من عمري في تطوير أبحاثي باسخدام تقنية‬
‫النانو‪ ,‬حتى تمكنت بمساعدة مجهر القوة الذرية من صناعة ربوتات‬
‫دقيقة ً‬
‫جدا‪ ,‬هذا الذي تراه يفوق حجمه أضعاف ما أنا قادر على‬
‫صناعته‪.‬‬
‫ثم استطرد وهو يريح ظهره إلى املقعد‪ ,‬ويطرق بأصابعه فوق الطاولة‪:‬‬
‫عالم النانو األصغر من حجم الشعرة بخمسين ألف مرة‪ ,‬بديع ً‬ ‫َ‬
‫جدا‬ ‫‪-‬‬
‫ُ‬
‫إلى حد مذهل‪ ,‬ما إن تلجه حتى تعجزعن الخرج منه‪.‬‬
‫ثم أردف بحماس وهو يميل إلى االمام‪:‬‬
‫‪ -‬هذه الربوتات الصغيرة قادرة على أن تفعل كل ش يء‪ ,‬بإمكانك أن‬
‫ً‬
‫مصابا بالسرطان فتتوجه مباشرة إلى تلك الخاليا‬ ‫ً‬
‫جسدا‬ ‫تحقن بها‬
‫الخبيثة وتفتتها في ثوان‪ ,‬بإمكانها القضاء على الفيروسات والبكتريا‬

‫‪292‬‬
‫والطفيليات مهما بلغت قوتها وشدتها‪ ,‬ومهما صغر حجمها وتاه في خاليا‬
‫الجسد ودمائه‪.‬‬
‫انتقل حماسه إلى دكتور "نائل" فهتف بذهول‪:‬‬
‫‪ -‬هذا رهيب!! ال يمكنني أن أتخيل فوائد ش يء كهذا‪ ,‬إنه مستشفى‬
‫كاملة تحملها في جيبك‪ ,‬تستغني بها عن أمهر األطباء وأقوى األدوية ً‬
‫تأثيرا!!‬
‫بإمكانك أن تضرب كل شركات األدوية حول العالم في مقتل وتحتكر سوق‬
‫الدواء لنفسك‪ ,‬بإمكانك أن تصبح أغني أغنياء العالم بهذا االختراع‪!..‬‬
‫توقف دكتور "نائل" عن الكالم عندما أبصر بسمة ساخرة ترتسم‬
‫بطالقة على شفتي "النيوترينو"‪ ,‬والذي أفصح يقول‪:‬‬
‫عذرا عزيزي دكتور "نائل" فمشاريعي مختلفة ً‬
‫كثيرا عن أحالمك‬ ‫‪ً -‬‬
‫هذه‪ ..‬طموحاتي تتجاوز ذلك إلى حد بعيد‪.‬‬
‫ثم أردف وهو يتحسس الروبوت الصغيربين أصبعيه‪:‬‬
‫‪ -‬باستخدام تقنية النانو الثورية‪ ,‬وبمساعدة هذا االختراع املذهل‬
‫واد من النمل ونقله إلى معملي بمنتهى البساطة‪ ..‬إن هذه‬
‫تمكنت من تتبع ٍ‬
‫َّ‬
‫الروبوتات تعمل كحفار ممتاز‪ ,‬اقتطع الوادي بكامله ونقلته إلي مكان‬
‫التجربة‪.‬كما تقتطع قطعة من الكعكة في مطبخك بشعاع ليزري‪.‬‬
‫ثم أردف وهو يتأمل دكتور "نائل" منبهر النظرات‪ ,‬وقد راقه األثر الذي‬
‫أحدثه فيه‪:‬‬
‫‪ -‬وبهذه الربوتات تمكنت من نقل أصوات وأفكار ومشاعر ورغبات‬
‫وأحالم النمال إلى الحاسوب الخاص بي‪ ,‬ثم قمت بتحليل كل هذه‬
‫ً‬
‫املعلومات وترجمتها إلى صيغ مفهومة‪ ,‬مستعينا بتجارب علماء الحشرات‬
‫الذين تمكنوا من ترجمة بعض أصوات النمال‪ ,‬وهذا التقرير الذي قرأته‬
‫هو تجربتي األولى في هذا املضمار‪ ,‬وأظنك أدركت أن التجربة مستمرة حتى‬

‫‪293‬‬
‫هذه اللحظة‪ ,‬كتبها حاسوبي بدقة متناهية كما لو كان نملة تعيش معهم‪..‬‬
‫بل أقرب من ذلك‪ ,‬كما لو كان هو هم‪.‬‬
‫‪ -‬هذا ُمذهل‪ُ ..‬مذهل وخارق‪.‬‬
‫ثم أردف دكتور"نائل" بشغف فاضت به عيناه‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬لقد احتلت عليهم وصنعت ظروفا مناخية حقيقية عاشوا في ظلها‬
‫وصدقوها‪ ,‬كيف فعلت ذلك؟‬
‫بفخرنطقت به قسماته أجابه "النيوترينو"‪:‬‬
‫‪ -‬ألنني أملك املقدرة‪.‬‬
‫أصبح جلوس دكتور "نائل" فوق املقعد غير محتمل‪ ,‬فآالم عضالته‬
‫تزداد حدة‪ ,‬سأله دكتور "نائل" بألم وهو يحاول أن يحرك جسده بقدر ما‬
‫يسمح املقعد‪:‬‬
‫العاملين؟‬
‫‪ -‬ماذا تريد مني؟‪ ..‬وملاذا قتلت ِ‬
‫أخرج "النيوترينو" نملة أخرى من األنبوب الذي يحمله‪ ,‬ووضعها في‬
‫ً‬
‫فمه متلذذا‪ ,‬تأملها دكتور "نائل" فتمكن من رؤية بطنها املنتفخ‪.‬‬
‫‪ -‬ممممم طعمها حلو كالعسل‪.‬‬
‫ثم أردف بخبث ً‬
‫غامزا بعينه‪:‬‬
‫‪ -‬أتراها تكون إحدى األميرات املنبوذات؟‬
‫‪ -‬أجبني أرجوك‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -‬قتلتهما ألنهما رفضا مساعدتي‪ ..‬روبوتاتي املطيعة صنعت معطفا‬
‫ًّ‬
‫بشريا يشبه أحد عمال الصيانة للطائرة الخاصة بالبروفيسور"كينان‬

‫‪294‬‬
‫أورغو" وللطباخ الخاص بدكتور "أكمل صائب"‪ ,‬وهي نفس الطريقة التي‬
‫تمكنت بها من صناعة معطف بشري يشبهك‪.‬‬
‫ثم استطرد بفخر‪:‬‬
‫‪ -‬كنت أضطر إلى سلخ أحدهم ألصنع من خالياه معطف يصلح‬
‫لإلرتداء بعد املرور بخطوات معقدة‪ ,‬لكنني توصلت إلى استنساخ الخاليا‬
‫وصناعة املعاطف البشرية منها دون أن اضطرإلى سلخ الضحية‪.‬‬
‫ازدرد دكتور "نائل" ريقة بصعوبة‪ ,‬تلوح في عينيه نظرة خوف هائلة‪,‬‬
‫ً‬
‫مط "النيوترينو" شفتيه قائال‪:‬‬
‫‪ -‬لكن لألسف إعادة تشكيل الخاليا ال يدوم‪ ,‬فقط أقل من ‪ 24‬ساعة‬
‫ويتحلل املعطف املستنسخ ويظهر الجسد الحقيقي الذي يخفيه‪.‬‬
‫ثم قال بإبتسامة واسعة‪:‬‬
‫‪ -‬تخيل ذلك‪ ,‬النساء في املاض ي كن يستخدمن من جلود الحيوانات‬
‫مثل الثعالب والكالب معاطف ألجسادهن‪ ,‬واآلن بإمكاني أن أستخدم من‬
‫أجسادهن معاطف لي‪.‬‬
‫سأله دكتور "نائل" بنفاذ صبر‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تريد مني‪ ,‬ما دخلي أنا بقصة املعاطف تلك؟‬
‫دنا منه "النيوترينو"؛ مال إليه فتحركت السلسلة التي تطوق عنقه‬
‫أمام وجه دكتور "نائل"‪ ,‬فاهتز الشمعدان ُ‬
‫السباعي الذي تدلى منها‪,‬‬
‫فاستقرت فوقه أنظار دكتور "نائل" املضطربة‪ ,‬يلفح وجه أنفاس‬
‫"النيوترينو" وهو يقول بحزم‪:‬‬
‫‪ -‬أريد إعادة التجربة‪ ,‬لكن هذه املرة على نماذج بشرية‪ ,‬أعلم بأبحاثك‬
‫جيدا أنك قادر على مساعدتي‪ ,‬كان من‬‫في مجال النانوبيولوجي‪ ,‬وأدرك ً‬

‫‪295‬‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫املقرر أن يساعدني زميل لي‪ ,‬لكن الغبي قتل في حادث سير‪ ,‬ستكون بديال‬
‫ً‬
‫جيدا لزميلي الذي فقدته‪.‬‬
‫هتف به دكتور "نائل" بحدة‪:‬‬
‫‪ -‬هل أنت مجنون‪ ,‬نماذج بشرية!‪ ..‬كيف؟‪ ..‬وملاذا؟‬
‫ً‬
‫الحقا‪ ,‬أما "ملاذا" فاإلجابة بسيطة ً‬
‫جدا‪ ,‬فهذه‬ ‫‪" -‬كيف" سنتحدث فيها‬
‫التجربة إن نجحت فسأتمكن من السيطرة على العالم‪.‬‬
‫خرجت كلمات دكتور "نائل" بصعوبة من شفتين تختلجان‪:‬‬
‫‪ -‬أريد أن أشرب‪.‬‬
‫ازدادت قسمات "النيوترينو" قسوة واستطرد بنشوة كأنما لم يسمعه‪:‬‬
‫‪ -‬كانت تجاربي في البداية قاصرة على فكرة تملكتني وهي ماذا يحدث‬
‫إن حولنا النمال إلى بشر؟! فعمدت إلى حقنهم بكل املشاعر البشرية التي‬
‫غابت عن عالم النمال‪ ,‬الحقد‪ ,‬الكره‪ ,‬الحسد‪ ,‬الغيرة‪ ,‬الحب‪ ,‬هل تعلم‬
‫ماذا حدث‪ ,‬حولتهم تلك العواطف كما لو كانوا ً‬
‫بشرا مثلنا‪ ,‬وتخلوا عن‬
‫ّ‬
‫الخصلة الوحيدة التي تتميز بها النمال عنا‪( :‬التضحية)‪ !..‬لم يتخلوا عنها‬
‫فحسب‪ ,‬بل شوهوا معناها‪.‬‬
‫تنفس بعمق‪ ,‬أخذت نبرات صوته مأخذ َ‬
‫الجد‪ ,‬وعيناه تلمعان بشدة‪:‬‬
‫ّ‬
‫وأحول البشر إلى نمال‪ ,‬سأنزع عنهم‬ ‫‪ -‬واآلن أريد أن أعكس التجربة‪,‬‬
‫ِ‬
‫كل هذه املشاعر التي تميزهم عن النمال‪ ,‬إن تمكنت من تحويلهم إلى نمال‬
‫جيش يسمع ويطيع بال اختيار‪ ,‬بال أسئلة‪ ,‬بال اعتراض‪,‬‬
‫ٍ‬ ‫فسيكونوا مجرد‬
‫ً‬
‫بال خوف وال اضطراب‪ ,‬سيدينون لي بالطاعة العمياء‪ ,‬تماما كما يحدث في‬
‫املجتمع الحيواني‪ ,‬كما نشاهد في خاليا النحل أو أسراب الجراد وكثبان‬
‫النمل‪.‬‬

‫‪296‬‬
‫التقط أنفاسه ثم أردف‪:‬‬
‫‪ -‬هل تعلم كيف يتم تدريب شخص على عملية انتحارية‪ ,‬كهذا‬
‫الشخص الذي حل مكانك في املؤتمر؟‬
‫نظر إليه دكتور "نائل" بحيرة‪ ,‬فاستكمل "النيوترينو" حديثه دون أن‬
‫يبدو عليه أنه كان ينتظرجوابه‪:‬‬
‫بدءا من العثور على شخص بائس‪ ,‬متذبذب ال إلى هؤالء وال إلى‬ ‫‪ً -‬‬
‫هؤالء‪ ,‬والدأب على جذبه إلى املعتقد الذي تريده‪ ,‬مرة بالعقل واملنطق‪,‬‬
‫وأخرى بالحيلة أو اللعب على نزعاته العاطفية الفائرة‪ ,‬ثم تدريبه تحت‬
‫ظروف قاسية حتى ال ُيفسد األمر في آخر لحظة‪ ,‬إن هذا مرهق ُ‬
‫ومكلف‪,‬‬
‫ً‬
‫ويتطلب الكثير من الصبر‪ ,‬الصبر يعني وقتا‪ ,‬والوقت هو عدوك األشرس‪,‬‬
‫الش يء البغيض الذي يتربص بك ُليفسد عليك حياتك‪ ,‬ويطفي فيك كل‬
‫ومضة حلم‪.‬‬
‫ثم قال وقد عاوده حماسه‪:‬‬
‫‪ -‬لكن مفهوم التضحية عند النمال مختلف عن نظيره لدى البشر‪,‬‬
‫مفهوم ال تحركه هوى العاطفة بل آلية املصلحة‪ ,‬مجرد صفة غريزية‬
‫تتقيد بها النمال وال تقوى معها على التفكير أو العصيان‪ ..‬هذه هي الجنة‬
‫التي أحلم أن أشيد أركانها على األرض‪.‬‬
‫‪ -‬أنت شيطان!‬
‫ومبدع‪ ,‬وستنجح تجربتي‪ ,‬وتحقق ُحلمي‪,‬‬ ‫‪ -‬ال بل أنا صانع‪ ,‬قادر‪ُ ,‬‬
‫وسأكون أنا الصانع األعلى واألوحد‪ ..‬سأملك أقدارالعالم كله بين يدي!‬
‫استبد التوتر بدكتور "نائل"‪ ,‬تراوده خياالت تلك التجربة الفريدة التي‬
‫قرأها منذ قليل‪ ,‬وهذا العرض بمشاركة هذا املجنون في تجربته الجديدة‪,‬‬
‫لعالم أن خاض مضمارها‪ .‬الح أمامه اسمه بجوار‬ ‫التجربة التي لم يسبق ِ‬

‫‪297‬‬
‫"النيوترينو" في كل الصحف‪ ,‬سيصبح حديث الجميع في املؤتمرات‬
‫واملحافل العلمية عن تجربتهما املشتركة املذهلة‪ ,‬سيتربع عرش العالم‬
‫سيدا حتى لو باءت جهودهما‬ ‫ً‬ ‫الذي ال يؤمن إال بالعلم‪ ,‬سينصبونه‬
‫بالفشل‪ ,‬سيكفيه املشاركة في مثل هذه التجربة‪ ,‬لكن سيكون لديه‬
‫شروط كثيرة تضمن سالمته‪ ,‬فـ"النيوترينو" ُمالحق من ِقبل الجميع اآلن‪.‬‬
‫نظر إلى امللف األخير الذي يحمل الرقم الثالث والثالثين ثم توجه إلى‬
‫"النيوترينو" بسؤاله‪:‬‬
‫‪ -‬أظن أن تجربة النمال اقتربت من نهايتها اآلن‪.‬‬
‫أطلق "النيوترينو" ضحكة عالية وهو يسأله‪:‬‬
‫‪ -‬ملاذا تقول ذلك؟‬
‫اضطرب دكتور "نائل"‪ ,‬ثم قال بحماس‪:‬‬
‫‪ -‬ألن نمال مملكة "النسر" سيتوجهون إلى "مينورا" ومعهم امللكة‪,‬‬
‫وسينتصرون عليهم‪ ,‬وعندها سينتهي كل ش يء‪ ,‬بل سيثبت ذلك فشل‬
‫التجربة إذ أنهم استطاعوا رغم كل ش يء أن يضحوا بأنفسهم من أجل‬
‫غاية نبيلة‪ ,‬ولم تستطع كل هذه املشاعر البشرية التي حقنتهم بها من أن‬
‫ُ‬
‫تفسد ذلك‪.‬‬
‫الحت على شفتي "النيوترينو" بسمة ساخرة وهو يقول‪:‬‬
‫‪ -‬إنك تستبق األحداث عزيزي دكتور "نائل"‪ ,‬وتعطي هؤالء النمال‬
‫ً‬
‫حجما أكبر مما تحتله أجسادهم الضامرة املريضة وعقولهم الخربة‪ .‬لقد‬
‫ً‬
‫طويال ً‬
‫عبيدا مستضعفين‪ ,‬يألفون الطاعة وينبذون العصيان‪ ,‬أما‬ ‫عاشوا‬
‫محاربي"مينورا" فإنهم شجعان أقوياء ولهم في فنون الحرب ألف باع‪,‬‬
‫سترى أنهم سيفرون من أمامهم كما تفرالخراف أمام زئيراألسود‪.‬‬
‫ً‬
‫مستطردا بخبث‪:‬‬ ‫ثم مال إليه‬

‫‪298‬‬
‫‪ -‬كما أن إيمان محاربي "مينورا" قديم ً‬
‫جدا‪َّ ,‬‬
‫ترسخ في عقولهم وقلوبهم‬
‫وكل ذرة من خالياهم‪ ,‬بالوعد الذي بثثته عبر روبوتاتي الصغيرة‪ ,‬فآمنوا‬
‫به أشد اإليمان‪ .‬أما إيمان هذه النمال الضامرة فإيمان هش‪ ,‬ال يقوى على‬
‫مواجهة الفتن والشبهات‪ ,‬يسهل التالعب بهم ما إن تصنع لهم كذبة‬
‫احترافية‪ ,‬ومقاديرصناعة كذبة احترافية هي أن تمزج الكذبة بحقيقة ما‪,‬‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ثم تلقي عليها برداء القدسية‪ ,‬عندها لن يجرؤ أحد على تكذيبك‪ ,‬وحتى‬
‫ُ‬
‫وإن فعل أحدهم فسينقض عليه اآلخرون ينهشوه إلهانته رمزهم املقدس‪.‬‬
‫انطلق صوت صافرة من حاسوب "النيوترينو" الهوائي‪ ,‬فتأمله دكتور‬
‫ً‬
‫"نائل" بفضول بالغ وهو يفحص أحد امللفات‪ ,‬ثم بدا وكأنه قرر شيئا‬
‫ً‬
‫فالتفت إلى دكتور "نائل" قائال بخبث‪:‬‬
‫ً‬
‫حسنا فلنقرأه ً‬ ‫ُ‬
‫سويا‬ ‫خرج عينيك من محجريهما‪,‬‬ ‫‪ -‬أرى اللهفة تكاد ت ِ‬
‫لتعلم دقة ما أخبرتك به‪ ,‬إنه ملف جديد‪ ,‬ترجمه الروبوت اإللكتروني اآلن‬
‫وأوصله بحاسوبي‪ ,‬هيا فلنتصفح ً‬
‫معا امللف الرابع والثالثين‪.‬‬
‫واتسعت ابتسامته‪.‬‬

‫***‬

‫‪299‬‬
300
‫امللف الرابع والثالثون‬

‫آالف النمال أحاطت باألم امللكة‪ ,‬يرفعونها فوق الرؤوس‪ ,‬يسيرون‬


‫بعزيمة تدك الجبال الراسيات إلى بوابة "باسطين"‪ ,‬تساورهم طاقة‬
‫كبيرة‪ ,‬وحلم مشروع باملرورعبرها إلى برالحرية‪.‬‬
‫ً‬
‫سريعا‬ ‫لم تقف البوابة بصمود أمام أعدادهم الغفيرة‪ ,‬تخطوها‬
‫يمرقون فوق جثث حراسها إلى الساحة الكبيرة‪ ,‬كان دخولهم إلى‬
‫ً‬
‫"باسطين" ُمباغتا‪ ,‬كاد يتوج رقابهم بأوسمة النصر‪ ,‬لوال أن تخطى‬
‫ً‬
‫سريعا‪ ,‬وانتشرت أوامره بين املحاربين تحثهم على‬ ‫"ريشع" هول املفاجأة‬
‫الثبات في وجه هذا الطوفان البربري‪ ,‬لن يتركوا وطنهم بسهولة لهؤالء‬
‫الهمج‪ ,‬سيحاربون آلخر قطرة من دمائهم‪ ,‬لن يتخلوا عن َ‬
‫قسمهم فوق قبر‬
‫"مينورا" قائدهم العظيم‪ ,‬بأال يسمحوا ألحد أن يسلبهم وطنهم‪ ,‬ويطردهم‬
‫منه مرة أخرى‪.‬‬
‫اهتزت قلوب أبناء امللكة أمام عنف قتال محاربي"مينورا"‪ ,‬يتفوقون‬
‫عليهم بأسلحتهم وحمض النمليك الحارق الذي امتألت به بطونهم‪,‬‬
‫وبإيمان رسخ في قلوبهم‪ ,‬ال يتبدل وال يتغير‪ .‬تساقط املئات أمام أعين‬
‫يطوقها أبناؤها‪ ,‬يحمونها‪ ,‬ويتلقفون املوت فوق صدورهم‬ ‫ّ‬
‫امللكة األم‪ِ ,‬‬
‫ً‬
‫بدال عنها‪ .‬تمتليء نفوسهم بإخالص كبير‪ ,‬ورغبة في التضحية بالنفس‬
‫تفوق كل تصور‪ ,‬لكنهم ال يجيدون فنون القتال‪ ,‬ولم يسمعوا من قبل من‬

‫‪301‬‬
‫يشد من عضدهم ويؤكد على امتالكهم القوة الكافية ملواجهة هؤالء‬
‫املحاربين األشداء‪.‬‬
‫ُ‬
‫أخذ املوت بأرواح مئات أخر من أبناء امللكة‪ .‬تقهقرت صفوفهم‪,‬‬
‫َ‬
‫و"بنان" من‬
‫وارتجت قلوبهم بالهلع‪ .‬أخذ "القزم" يصرخ فيهم من جهة‪ِ ,‬‬
‫ُ‬
‫أخرى‪ ,‬يعلمان أنه ال فرصة للتراجع اآلن‪ ,‬التقدم والتراجع سينهيان‬
‫القصة بالطريقة نفسها‪ ,‬ففضلوا املوت بكرامة فوق أرض "باسطين"‪,‬‬
‫ُمقبلين غير ُمدبرين‪.‬‬
‫أصاب الهلع محاربي"مينورا" في مقتل‪ ,‬عندما انبثقت األرض عن‬
‫دوما في الثغور‪ ,‬ينضمون إلى شعب‬‫آالف من أهل "باسطين" املرابطين ً‬
‫"النسر"‪ ,‬يقفون معهم ً‬
‫ظهرا بظهر‪ .‬ملتفين حول امللكة األم‪ ,‬يرج هدير‬
‫أصواتهم قلوب أعدائهم‪ ,‬تؤازرهم األرض والسماء‪ ,‬وكأن الطبيعة‬
‫انضمت إلى صفوفهم‪.‬‬
‫‪ -‬احذروا‪" ,‬الجوييم"! إنهم يخترقون صفوفكم‪.‬‬
‫منذ زمن طويل يبذل محاربو "مينورا" الغالي والنفيس‪ ,‬وينسجون‬
‫الحيل واألساطيرحتى يتجنبوا املواجهة مع أهل "باسطين"‪ ,‬أو من اعتادوا‬
‫على تسميتهم بـ "الجوييم " األنجاس!‪ ..‬يعلمون أنهم ال ِقبل لهم بمواجهة‬
‫أعدادهم‪ ,‬وال قوة إيمانهم وال شجاعتهم وإقدامهم‪ .‬ظنوا أن باطن األرض‪,‬‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫واألنفاق التي أرغموهم على العيش فيها ستنهك قوتهم‪ ,‬وتبدد عزمهم‪,‬‬
‫ُ‬
‫وتدمرنفوسهم‪ .‬لكنهم ما قدروهم حق قدرهم‪.‬‬
‫احتمى محاربو "مينورا" بمساكنهم فوق الشجر بعدما لفظتهم األرض‬
‫والسماء‪ ,‬وضاق عليهم الكون بما رحب‪ .‬لكن أبناء امللكة أرغموهم على‬

‫‪302‬‬
‫املواجهة عندما تسللوا إلى حصونهم فوق األشجار‪ ,‬يحطمونها فوق‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫رؤوسهم‪ .‬التفت "القزم" إلى ِ"بنان" قائال‪:‬‬
‫‪ -‬احمي امللكة‪ ,‬لدي عمل يجب أن أتمه‪.‬‬
‫تكفلت بالرد ُ‬ ‫َّ‬
‫"سالس" التي سددت للتو طعنة قاتلة بفمها الحاد‬
‫كالسكين إلى رأس محارب شجته إلى نصفين‪ ,‬قائلة‪:‬‬
‫"حبوك" هنا ً‬
‫أيضا‪.‬‬ ‫‪ -‬ال تقلق‪ ,‬أنا و َ‬
‫ً‬
‫مبتعدا يسابق الريح‪,‬‬ ‫اتخذت مكانه حول امللكة‪ ,‬تنظر إليه بقلق‬
‫يقضم بشراهة أطراف من يمر بهم من محاربي "مينورا"‪ .‬مر بأحد القتلى‬
‫من جالوزة مملكته‪ ,‬فمأل بطنه بما احتفظ به الجلوازمن حمض النمليك‬
‫الحارق‪ ,‬وهو يتحسسه بقرنيه كأنما يشكره على ما أبلى اليوم من شجاعة‪.‬‬
‫عددا من‬ ‫تسلق الشجرة الشمعدانية ذات السبعة أفرع بعدما رشق ً‬
‫املحاربين بالحمض فذابت أجسادهم‪.‬‬
‫َ‬
‫وكما توقع‪ ,‬كان "ريشع" وامللك بقاعة الحكم‪ ,‬يلوذان بالجبن فر ًارا من‬
‫َ‬
‫املعركة‪ ,‬ما إن وقعت أعين "ريشع" عليه حتى صرخ يستنجد بمحاربيه‪.‬‬
‫أقبل عليه "القزم" بجسد منتصب وهامة ال تنحني‪ ,‬وعين تنطق بقوة‬ ‫َ‬
‫غذت بها دماؤه الشفافة كل خليه بجسده‪ ,‬ثم قال‪:‬‬
‫‪ -‬كنت أثق أننا سنلتقي مرة أخرى‪.‬‬
‫ّ‬
‫تلون وجهه‪:‬‬
‫ثم أضاف وابتسامة متحدية ِ‬
‫‪ -‬لكنني لم أتخيل أن لقاءنا األخيرسيكون بهذه املتعة‪.‬‬
‫َ‬
‫قال "ريشع" وقسماته تنطق بكل آيات البغض‪:‬‬

‫‪303‬‬
‫‪ -‬قزم لعين‪.‬‬
‫ً‬
‫اتسعت ابتسامة "القزم" قائال‪:‬‬
‫أبدا بعدوك‪ ,‬انظر ماذا تسبب فيه‬ ‫‪ -‬أول قاعدة في الحرب‪ ,‬التستهن ً‬
‫هذا "القزم"‪ ,‬لقد ُدكت حصون مملكتك‪ ,‬وأوتي بعاليها سافلها‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫تطايرالشرر من عيني "ريشع" قائال‪:‬‬
‫‪ -‬كان يجب أن أقتلك بنفس ي‪ ,‬لقد ظننت أن "الجوييم" سيمزقونك ما‬
‫إن يروك ويعلموا أنك أحد أمراء "النسر"‪ ,‬كان يجب أن أحطم رأسك‬
‫اللعين بفكي‪.‬‬
‫‪ -‬من تدعونهم "جوييم" كانوا ً‬
‫دوما كالشوكة في حلوقكم‪ ,‬واآلن أمسوا‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫سيفا على رقابكم‪ ..‬انظر إليهم يا "ريشع" كيف ذابت أجسادهم بين شعب‬
‫"النسر" فال تكاد تميزبينهما‪.‬‬
‫ُ‬ ‫‪ -‬لن تفهم ً‬
‫أبدا‪ ,‬لن يفهم األقزام مثلك كيف تدار مقاليد الحكم‪ ,‬حتى‬
‫لو أتيت بملوك وأمراء آخرين ململكتك فستظل القصة تتكرر وتتكرر‪.‬‬
‫ً‬
‫مستعدا‪ ,‬ثم قال‪:‬‬ ‫تحسس "القزم" بطنه‬
‫‪ -‬حتى لو تكررت ألف مرة‪ ,‬ستجد في كل مرة ً‬
‫قزما مثلي قرر أن يقاوم‬
‫َ‬
‫التماثل والقولبة‪ ,‬ويرفض كل ما يقدم له من حلول جاهزة!‬
‫التقط أنفاسه‪ ,‬ثم قال بحزم‪:‬‬
‫‪ -‬لقد انتهى العهد الذي بينك وبين ملوك "النسر"‪ ..‬لكي تعيش مصالح‬
‫كل منكم بأمان‪ ,‬كان البد من عقد معاهدة "الشرف مقابل السالم"‪.‬‬
‫ثم أردف والشرر يتطايرمن عينيه‪:‬‬

‫‪304‬‬
‫‪ -‬في املرة املاضية رضيت أن أكون لكم ً‬
‫قزما‪ ,‬لكن هذه املرة لم أعد‬
‫قزم "مينورا"‪ ..‬أنا ومنذ اآلن بطل "باسطين"‪.‬‬
‫قالها وقد أيقن أن األفكار التي يعتنقها‪ ,‬والرمز الذي يقدسه هما ما‬
‫ً‬ ‫يحددان حجمه الحقيقي‪ ,‬ما إذا كان ً‬
‫قزما أم عمالقا‪ .‬نطق الغضب من‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫متحديا‪:‬‬ ‫قسمات "ريشع" يهتف به‬
‫‪ -‬لن تربح مهما فعلت‪ ,‬لدى أجدادنا عهد أبدي مع الصانع‪.‬‬
‫َ‬ ‫ارتجفت أوصال "القزم" على ذكر الصانع‪َّ ,‬‬
‫ظن أن "ريشع" هو أول‬ ‫ِ‬
‫ً‬
‫الكافرين به‪ ,‬لكنه فاجأه قائال‪ ,‬وهو يشيرإليه بقرنيه بازدراء‪:‬‬
‫‪ -‬نعم‪ ,‬الصانع معنا‪ ,‬ويؤيدنا‪ ,‬ال نخطو خطوة إال بأمرمنه‪.‬‬
‫ً‬
‫مردفا وهو يطرق ً‬
‫أرضا بأقدامه‪:‬‬ ‫ثم رفع رأسه بخشوع‬
‫ً‬
‫أسيادا‬ ‫‪ -‬لقد وعد الصانع أحفاد القائد العظيم "مينورا" أن يكونوا‬
‫على هذه األرض‪ ,‬وعلى العالم كله‪ ,‬وال ش يء ستفعله أنت أو شعبك‬
‫الجاهل يمكنه أن يغيرذلك‪.‬‬
‫هربا أثناء حديثهما‪َّ ,‬‬
‫ووجه‬ ‫باغت "القزم" امللك الذي حاول التسلل ً‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫فمه صوب رقبته‪ّ ,‬‬
‫يحدق في "ريشع" بشماتة قائال‪:‬‬
‫ِ‬
‫ش ملك‪.‬‬‫‪ِ -‬ك ْ‬
‫ً‬ ‫يشع" وهو َّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬
‫يتمسك بأحد األفرع قائال‪:‬‬ ‫ضجت القاعة بضحكات "ر‬
‫‪ -‬ألم تفهم بعد‪ ..‬ليس للملك ٌ‬
‫دور في هذه اللعبة‪.‬‬
‫قضم "القزم" رقبة امللك فتدحرجت ً‬
‫أرضا حتى ارتطمت بذيول‬
‫عرشه‪.‬‬

‫‪305‬‬
‫َ‬
‫ثم انطلق في إثر "ريشع"‪ ,‬أراد أن تكون نهايته على يديه‪ ,‬لكن عشرات‬
‫"ريشع" يهرولون به ً‬ ‫َ‬
‫بعيدا‪ .‬توقف "القزم" عن‬ ‫من املحاربين أحاطوا بـ‬
‫ً‬
‫محاولة اللحاق بهم مغتاظا‪ .‬يعلم أنه لن يستطيع منازلة كل هؤالء‬
‫َ‬
‫املحاربين ليصل إلى "ريشع"‪ .‬غشيته سكينة العارفين‪ ,‬وتسرب إليه‬
‫اليقين‪ ,‬إن كان ال يقدر فسيدع أمره بين يدي من يملك موازين القوة‪ ,‬من‬
‫يقول للش يء كن فيكون‪ ,‬سيترك مصيره لقرار الصانع‪ ,‬غشيته الراحة إذ‬
‫آوى إلى ركن شديد‪ ,‬أكبر منه وأقدر‪ .‬من يدري لعل هذه ليست معركته‬
‫األخيرة‪ ,‬وال تزال تنتظره جوالت أخرى‪ ,‬وسيمنحه هذا الوقت الكافي ليعد‬
‫َ‬
‫لها العدة ويتجهز بجهازها‪ .‬لكن بقى لكلمات "ريشع" أثر كريه في نفسه‪.‬‬
‫ً‬
‫رأس‬
‫عاد مخترقا الصفوف تطؤ أقدامه أشالء أعدائه‪ .‬استقر أمام ٍ‬
‫يوما أنه رأى جسدها منزوع الرأس‪ ,‬عثر اآلن على الرأس‬ ‫مقطوع ألنثى ظن ً‬
‫ٍ‬
‫املفقود‪ ,‬لكن هذه املرة بغير جسد!‬
‫َ‬
‫وقف يلوذ عن امللكة‪ ,‬روحه لها فداء‪ .‬دنت منه ِ"بنان" وسألته‬
‫متلهفة‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬هل قتلت "ريشع"؟‬
‫لم يسألها كيف خمنت أنه ذاهب في أثره‪ ,‬أشار برأسه ً‬
‫نفيا‪ ,‬ازداد‬
‫َ‬
‫سواد وجهه‪ ,‬فغلبها الفضول لتسأله عما أل َّم به‪ ,‬ألقى ما في صدره من‬
‫َ‬ ‫َّ‬
‫وقص عليها ما قاله "ريشع"‪ ,‬يلتمس عندها الراحة من تلك‬ ‫زفرات‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫الظنون التي وسوس بها "ريشع" فمألت فؤاده‪ ,‬وانتهي به الحال قائال وهو‬
‫يدني منه رقبة أحد املحاربين ويقضمها بفمه‪:‬‬
‫‪ -‬هل تظنين أنه صادق‪ ,‬وأن الصانع معه ال معنا؟‬
‫َ‬
‫أجابته ِ"بنان" بيقين ال يتزحزح‪:‬‬

‫‪306‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬الصانع الذي تبحث عنه ال ُيمكنه أن يأمر "ريشع" بكل هذه الشرور‪,‬‬
‫إنه موهوم‪ ,‬مخدوع‪ ..‬وستتأكد بعد قليل من صدق قولي عندما نصل إلى‬
‫نهاية العالم‪.‬‬
‫فقال بلهفة‪:‬‬
‫‪ -‬والوعد الذي َّ‬
‫تحدث عنه؟‬
‫ُ‬
‫‪ -‬إنه كاذب‪ ,‬وحتى لو كان هذا الوعد حقيقيا فقد بطل اآلن‪.‬‬
‫سألها "القزم" بحيرة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف؟‬
‫قالت بثقة تزيح عنه غمام الجهل‪:‬‬
‫‪ -‬ألن هؤالء ليسوا أحفاد "مينورا"‪ ..‬عندما تاه أبناؤه في األرض‪ ,‬نشروا‬
‫تعاليمه‪ ,‬فآمن بها البعض‪ ,‬واشتغل آخرون بتحريفها‪ ,‬قض ى أحفاد‬
‫َ‬ ‫"مينورا" نحبهم منذ زمن طويل ً‬
‫جدا‪" ,‬ريشع" ومحاربوه ليسوا من نسل‬
‫"مينورا" حتى وإن تسموا باسمه‪ ..‬لذلك فحتى إن كان هناك ٌ‬
‫وعد فليس‬
‫َ‬
‫لـ"ريشع" ومحاربيه منه نصيب‪.‬‬
‫كانت الغلبة حتى هذه اللحظة ألبناء امللكة‪ ,‬التي رنت إليهم بفخر‪,‬‬
‫ُ‬
‫تلهب نفوسهم بهتافات قوية‪ .‬صاح بهم "القزم" أن توجهوا إلى حيث‬
‫الجدار الغربي‪ .‬وهناك لم يجد ُحراسه من املحاربين‪ ,‬هرب بعضهم يولون‬
‫وسا أخرى أينعت‪ .‬تطايرت الحجارة الصفراء‬ ‫الدبر‪ ,‬واقتطف املوت رؤ ً‬
‫لهيكل البقرة أسفل أقدامهم‪ ,‬وتشتت في األرجاء كبضاعة كاسدة‪.‬‬

‫‪307‬‬
‫كان "القزم" من أوائل الواصلين إلى الجدار األملس‪ ,‬حاول البعض أن‬
‫يسترق النظر عبره لكن عجزوا ً‬
‫تماما عن رؤية ما يستتر خلفه‪ ,‬إال "القزم"‬
‫هتف بحماس شديد‪:‬‬
‫‪ -‬يوجد ش يء يتحرك خلف هذا الجدار‪ ,‬إنني أراه!‬
‫ْ‬
‫أف َس ُحوا الطريق للملكة التي عجزت بدورها عن رؤية ما يشير إليه‬
‫"القزم" ويجزم بوجوده‪ .‬لكنها رغم ذلك لم ترمه بالكذب‪.‬‬
‫قذف الجدار الشاهق باملهابة في نفوسهم‪ ,‬يصل األرض بالسماء‪,‬‬
‫صعد بعضهم إلى آخره في محاولة لبلوغ السحاب‪ ,‬وما إن ُّ‬
‫مسوا السماء‬
‫بأيديهم حتى سرت الكهرباء في أجسادهم‪ ,‬فاحترقت وتساقطوا ً‬
‫أرضا‪.‬‬
‫سرى الخوف في قلوبهم فتوجهت إليهم امللكة بمقالة حماسية تحثهم‬
‫على التقدم بثبات‪.‬‬
‫للحرية ثمن غال‪ ,‬ال يقدرعليه إال من كانوا لعقيدتهم أوفياء!!‬
‫أتوا الزاوية السفلى للجدار‪ ,‬التي تصل الجدار الغربي بالجدار‬
‫الجنوبي‪ ,‬رشقوها بحوامض بطونهم‪ ,‬لم تسفر محاوالتهم األولى عن‬
‫ُ‬
‫نتيجة تذكر‪ ,‬لكن آالف مؤلفة من النمال تتقدم بإصرار‪ ,‬يفرغ كل منهم ما‬
‫بحوذته من حامض النمليك‪ ,‬اتحدت جهودهم ملواجهة هدف واحد‪,‬‬
‫ً‬
‫صاغرا‪.‬‬ ‫فكان وال بد من أن تتداعى أمامهم كل الحصون‪ ,‬ويأتي النصرلهم‬
‫صنعوا فتحة كافية لعبور أجسادهم‪ ,‬دون امللكة عظيمة الحجم‪,‬‬
‫خرجوا من رحم عاملهم الضيق الخانق إلى براح الكون الواسع‪ .‬استنشقت‬
‫الصفوف األولى نسمات الحرية‪ ,‬يبذلون جهدهم لتوسيع الفتحة لعبور‬

‫‪308‬‬
‫َ‬ ‫امللكة واآلخرين‪َّ .‬‬
‫جسد‬
‫ٍ‬ ‫مس "القزم" وجه ِ"بنان" فتوجهت صوبه‪ ,‬أشار إلى‬
‫عمالق‪ ,‬داررأسه لحظات‪ ,‬ثم قال بانبهار‪:‬‬
‫ٍ‬
‫‪ -‬انظري هناك‪ ,‬إنه هو! الصانع‪.‬‬
‫تعلقت أنظارها بالعمالق‪ ,‬تستشعر بخوف مهابته وسطوته وعظمته‪,‬‬
‫ً‬
‫توجه إليها "القزم" بعينيه سائال بسؤال يعرف جوابه لكنه شغوف‬
‫بسماعه منها‪:‬‬
‫أنت معي؟‬
‫‪ -‬هل ِ‬
‫حولت أنظارها إليه‪ ,‬أجابت سؤاله بأن شبكت قرونهما ببعضها‪,‬‬ ‫َّ‬
‫فمس تجويف عينها وكأنه يعتذر منها‪ ,‬أنه ً‬
‫يوما كان‬ ‫َّ‬ ‫أدنت وجهها من وجهه‪,‬‬
‫يقف في صفوف من سببوا لها األذى‪ ,‬وانتزعوا عينها منذ مولدها ليبنوا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫صرحا من الوهم وعرشا من األساطير يمكنهم من التحكم فيها‪ ,‬لتظل‬ ‫بها‬
‫أبد الدهر تستشعر في نفسها الدونية والتصاغر‪ ,‬وبأن ُملكهم عليها قاهر‪.‬‬
‫فخرا وعزة بما أصبحت عليه‪ ,‬بعدما‬ ‫رسمت بسمة عذبة وندت عينها ً‬
‫نبذت دماؤها كل ذرة من ِرق‪.‬‬

‫***‬

‫‪309‬‬
310
‫النهاية‪ ..‬أو لعلها البداية‬

‫ً‬
‫ملتاعا مع آخر كلمة قرأها في امللف‪.‬‬ ‫َّ‬
‫هب "النيوترينو" من مقعدة‬
‫اقترب من الجدار الزجاجي ذي اإلضاءة الحمراء‪ ,‬اللون الوحيد الذي‬
‫تعجز النمال عن رؤيته‪ ,‬فيحجب عن حوضهم الزجاجي الذي ضم عاملهم‬
‫املصطنع كل ما يدور خارجه‪ ,‬إال "القزم" الذي لم يعلم في نفسه تلك‬
‫القدرة‪ ,‬يظن أن الجميع يرون كل األلوان التي يراها‪ ,‬ال يعلم كم هو فريد‬
‫ً‬
‫حقا‪ .‬قفز "النيوترينو" خطوة إلى الخلف وهو يرمق بأعين متسعة النمال‬
‫الهاربة من الفتحة التي صنعتها‪ .‬هتف "النيوترينو" بدكتور "نائل" وهو‬
‫يجمع بعض النمال الفارة بكفه‪ ,‬يحتضنهم بأصابع مرتعشة‪ ,‬ويحاول‬
‫إعادتهم من حيث خرجوا‪:‬‬
‫‪ -‬ساعدني‪ ,‬يجب أن نعيدهم إلى داخل الحوض‪ ,‬هيا تحرك‪.‬‬
‫باءت جهودهما بالفشل‪ ,‬لم يتمكنا من إجبار النمال على العودة إلى‬
‫ً‬
‫العالم الوهمي‪ ,‬فاستوقد غضب "النيوترينو"‪ ,‬وأمس ى أكثر عنفا في‬
‫عل الخوف يقرع قلوب‬ ‫التعامل معهم‪ ,‬دعس بأصابعه بعض النمال‪َّ ,‬‬
‫األخريات ويسوقهن إلى االمتثال لرغبته‪ .‬لكن النمال التي خرجت عن‬
‫سيطرة ملوكها وأمرائها لم يهبها ذاك الذي يسومها سوء العذاب‪ ,‬فقد‬
‫َ‬
‫ألفوا العذاب وألفهم‪ ,‬كرفيقي سفرفي رحلة طويلة!‬
‫ساقته لوثة الغضب إلى أن يتوجه إلى أحد األدراج‪ ,‬ويخرج قارورة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫صغيرة تنثر رذاذا قاتال‪ ,‬ألقى بها في أيدي دكتور "نائل" ودفعه ليواجه‬
‫الجدارالزجاجي‪ ,‬فسلب السائل السام عشرات األرواح من النمال‪ .‬تراجع‬
‫أرضا ويحف براحتيه من نمال كست‬ ‫هو إلى باب الغرفة املفتوح‪ ,‬يجثو ً‬

‫‪311‬‬
‫األرض كسجادة سوداء‪ ,‬ثم يدعسهم بين كفيه بشراسة‪ ,‬يعصف بهم‪ ,‬وفي‬
‫قلبه عليهم ٌ‬
‫حقد ال ينحل عقده‪.‬‬
‫وغر صدر "القزم"‪ ,‬واستعرت بداخله نار البغضاء‪ ,‬وهو ُيبصر الجثث‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫و"بنان" من الوصول إلى‬‫املحطمة‪ ,‬املتناثرة تحت أقدام العمالق‪ .‬تمكن ِ‬
‫الجدار املقابل حيث يقف "النيوترينو" بوجه يتطاير منه الشرر‪ ,‬يصرخ‬
‫بعنف وهو يشيرإليهم‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬ال ُيمكنكم أن تفسدوا تجربتي‪ ,‬هيا عودوا إلى مساكنكم‪.‬‬
‫بدا وكأن خسارته لوقت وجهد شاق استغرقهما في بناء تجربته قد‬
‫أذهب بعقله‪ ,‬أردف وهو يدعس بأقدامه عشرات النمال ُويحطمها‬
‫بسخط مغلف بالنشوة‪:‬‬
‫‪ -‬أنتم مجرد حشرات غبية ال وزن لها‪.‬‬
‫استغل "القزم" فرصة ثبات أحد قدمي"النيوترينو" على األرض‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫و"بنان" بأطراف سرواله‪ ,‬كاد أن يسقط لوال أن أمسكته ِ"بنان"‬ ‫فتشبث ِ‬
‫ُ‬
‫تسحبه إليها‪ ,‬هروال عبرطريق طويل أسود كالظلمة التي تسبق نور الفجر‪.‬‬
‫وال تزال سوائل دكتور "نائل" تدفع بهم إلى درب املنون‪ .‬طفق "النيوترينو"‬
‫يزمجر‪:‬‬
‫صنعتكم‪ ,‬أنا من وهبتكم الحياة‪ ,‬أتفهمون‪ ,‬ال يمكنكم أن‬ ‫‪ -‬أنا من َ‬
‫تعصوا لي ً‬
‫أمرا‪.‬‬
‫بالحمرة‪ ,‬تضرب‬‫أخيرا إلى طريق أبيض مشرب ُ‬ ‫وصل "القزم" و"ب َنان" ً‬
‫ِ‬
‫بأرضه جذور شعر منتصب‪ ,‬هوت كف العمالق فوقهما فأخطأتهما‪ ,‬ثم‬
‫صرخ بدكتور "نائل" ً‬
‫طالبا للنجاة‪:‬‬
‫ً‬
‫جميعا‪ ,‬لقد غزوا جسدي‪ ,‬اقتلهم‪ ,‬اقتلهم‪.‬‬ ‫‪ -‬اقتلهم‬

‫‪312‬‬
‫ً‬
‫التفت إليه دكتور "نائل" فلم ُيبصر شيئا‪ ,‬منعته مالبس "النيوترينو"‬
‫السوداء من تمييز النمال‪ ,‬فأمره بخلع مالبسه‪ ,‬فعل "النيوترينو" وهو‬
‫تجبرا بصوت ُمثقل بال ِغل‪:‬‬
‫اليزال يصرخ ُم ً‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫جميعا وأخلق‬ ‫‪ -‬أنا الصانع املتحكم بأقداركم‪ ,‬أسمعتم؟‪ ,‬سأبيدكم‬
‫غيركم‪.‬‬
‫سمع دكتور "نائل" أزيز الحاسوب الخاص "بالنيوترينو" يبدو أنه‬
‫فتلهف لقراءته‪ ,‬دنا من الحاسوب الهوائي‬ ‫سجل املشهد الدائر اآلن‪َّ .‬‬ ‫َّ‬
‫واتسعت عيناه إذ أدرك وجود نملتين تقفان على رقبة "النوترينو" ً‬
‫تماما‬
‫ُ‬
‫عند أذنه اليسرى‪ ,‬ومئات من النمال تلبي نداء "القزم" وتتسلق الجسد‬
‫العمالق بدبيب منتظم‪ ,‬بمهارة تتفوق على كل جيوش األرض‪ .‬فامتزجت‬
‫نفسه بنزعات خبيثة‪ ,‬أن يحظى بكل هذا املجد بمفرده‪ ,‬ويجر به منافع‬
‫الشهرة والصيت إلى نفسه‪ ,‬يضم بين جنباته ً‬
‫نفسا ال تشبع‪ ,‬تظل إلى بريق‬
‫األضواء جائعة وتواقة‪ .‬فبإمكان امللفات املسجلة على هذا الحاسوب أن‬
‫تمده بكل املعلومات الالزمة ليستكمل أبحاث "النيوترينو"‪ .‬راود خياله‬
‫العناوين العريضة في أعرق الصحف العلمية حول العالم‪ ,‬لكن هذه املرة‬
‫ُ‬
‫حملت اسمه فحسب‪ ,‬ببريق ساحر ال يشوهه اسم "النوترينو" امللوث‬
‫بدماء ضحاياه‪.‬‬
‫َ‬
‫أسرعت ِ"بنان" و"القزم" باالحتماء خلف شحمة كبيرة متدلية‪ ,‬ومنها‬
‫استهلوا الطريق إلى فتحة أذنه التي بدت كـ "فم النار" بال نار‪ .‬توقف‬
‫"القزم" عنده يصيخ السمع إلى صوت مضخة سريعة ال تهدأ‪ ,‬فقال وقد‬
‫مألته النشوة وهو يشيرإلى الداخل‪:‬‬
‫‪ -‬هنا املدخل إلى نقطة ضعفه‪.‬‬
‫سألته متشككة‪:‬‬
‫‪ -‬هل أنت واثق؟‬

‫‪313‬‬
‫‪ -‬إنه يبدو ً‬
‫قويا من الخارج‪ ,‬لكنه من الداخل ٌّ‬
‫هش مثلنا‪ ,‬أي خطأ‬
‫صغيرفي نظام عمله يكفي للقضاء على حياته‪.‬‬
‫سمعها تتمتم بأس ى‪:‬‬
‫َ‬
‫‪ -‬يبدو أن "ريشع" أصاب هذه املرة‪ ,‬الصانع يحبه ويكرهنا‪.‬‬
‫ً‬
‫مؤكدا‪:‬‬ ‫تهلل وجه "القزم" وهو يديررأسها لتواجهه‪ ,‬ثم يقول‬
‫ُ‬
‫‪ -‬هذا ليس الصانع‪ ,‬إنه املخرب!‬
‫بحيرة سألته وهي تتمسك بإحدى الشعيرات عندما أتى الجسد‬
‫العمالق بحركات عنيفة‪:‬‬
‫‪ -‬كيف عرفت؟‬
‫اتسعت ابتسامته وهو يجيبها‪:‬‬
‫‪ -‬لو كان الصانع‪ ,‬ملا استطعنا التغلب عليه‪.‬‬
‫‪ -‬أين الصانع إذن؟‬
‫قال بيقين عقد به حبل أمانيه‪:‬‬
‫‪ -‬سنجده‪ ..‬فقط إذا تمكنا من الرؤية بشكل صحيح‪ ..‬وتتبع ما تركه لنا‬
‫من آثار وأدلة‪.‬‬
‫ّ‬ ‫ً َ َّ‬
‫أبصر عينها الوحيدة وقد امتألت غما‪ ,‬دب الشوق بقلبه ألن ِ‬
‫يسري‬
‫همها ويجلي كربها‪ ,‬فهمس لها‪:‬‬
‫‪ -‬إنك ترين أفضل مما تظنين‪ ,‬ترين بهذا‪.‬‬
‫ً‬
‫رسم بقرنه طريقا إلى قلبها‪ .‬سكنت إلى كلماته واطمأنت فأقر ناظرها‪,‬‬
‫وطارفؤادها ً‬
‫طربا‪.‬‬

‫‪314‬‬
‫استرقت النظر إلى الهوة املظلمة فلم تبصر سوى سيقان شعيرات‬
‫ً‬
‫بارزة‪ ,‬فتعجبت من هذا املخلوق الذي يطرح جسده نباتا ال ثمر له‪,‬‬
‫استدارت صوب "القزم" تقول بأسف‪:‬‬
‫‪ -‬لم تتمكن من معرفة هويتك‪.‬‬
‫ً‬
‫دنا منها بوجه يحمل كل آيات السعادة قائال‪:‬‬
‫‪ -‬لقد وجدتها‪.‬‬
‫صاحت مبتهجة‪:‬‬
‫‪ -‬هل تذكرت؟!‬
‫هزرأسه ً‬
‫نفيا‪ ,‬ثم أردف‪:‬‬
‫‪ -‬كال‪ ,‬لم أتذكر اسمي ‪ ,‬أو حياتي املاضية‪ ,‬ومع ذلك عثرت على هويتي‬
‫التي لطاملا نشدتها حتى عندمـ ـ ـا كنت أتذكرمن أنا‪ ..‬اآلن لم أع ـ ـ ـد أرى أنني‬
‫غريبا عن هذا العالم‪ ,‬بل أنا جزء منه‪ ,‬أؤثرفيه ويستودع في نفس ي أثره‪.‬‬ ‫ً‬

‫أبدا أنه من اختار أن يزيح عن عقله كل ما به من‬ ‫ربما لن يعرف ً‬


‫ُ‬
‫ذكريات‪ ,‬ويدع كل األفكار التي لقن بها‪ ,‬لكي يبحث عن الحقيقة‪ .‬لن يعرف‬
‫ً‬
‫سعيدا كما السعادة التي يتوهمها غيره من‬ ‫أبدا أنه كان يعيش ً‬
‫أميرا‬ ‫ً‬
‫األمراء‪ ,‬حتى سمع عن "آصف" وساقه الفضول إليه‪ ,‬وبعد زمن طويل‬
‫بدأ في االستحواذ على ثقة "آصف" وسقاه من علمه‪ ,‬فتعارضت حياته‬
‫تشربه من "آصف"‪ .‬وبعد حيرة‬‫والقوانين التي يؤمن بها مع العلم الذي َّ‬
‫ً‬
‫مسحوقا َّ‬
‫حضره له‬ ‫طالت به وكادت تصيبه بالجنون‪ ,‬اختار أن يتناول‬
‫ُ‬
‫أحد املداوين املهرة‪ ,‬لنبات نادر ينمو في الصحراء‪ ,‬يخلصه من كل ما‬
‫بعقله من ذكريات‪ ,‬ليمسك بنفسه تالبيب الحقيقة‪ .‬فمض ى مع "معاقبه"‬
‫إلى الغابة‪ ,‬وقرر أن يتناول املسحوق في منتصف املسافة بين الوهم‬
‫والواقع‪ ,‬ليرسم بنفسه مصيره‪ ,‬ويختار ما يجب عليه أن يؤمن به‪ً ,‬‬
‫بعيدا‬

‫‪315‬‬
‫َّ‬
‫شبع بها عقله‪ ,‬تخلى عن كل ش يء يملكه‪ ,‬وأراد أن ُيولد من‬
‫عن أوهام ت َّ‬
‫جديد‪ ..‬بينما اختار "معاقبه" املوت مصيره‪ ,‬بعدما فقد كل معنى لحياته‬
‫بغياب من يحمل خطاياه وآثامه فوق ظهره‪ ,‬كاملدمن يعلم علته‪ ,‬وال يسعى‬
‫للتداوي‪.‬‬
‫أبدا أن أكثر تالميذه مشاكسة‪ ,‬وأقدرهم على‬ ‫ولم يعرف "آصف" ً‬
‫النقد واملعارضة‪ ,‬هو من سينجح في النهاية في أن يحقق حلمه!‬
‫التجارب تصنعنا‪ ,‬فعلينا أن نختار أي التجارب سنخوض‪ .‬حوالينا‬
‫أشياء كثيرة يصعب فهمها‪ ,‬وربما من الجيد أنها ُمحتفظة برداء الغموض‪,‬‬
‫فالجهل يثير فينا الرغبة في التأمل والتفكر‪ ,‬وفي بذل الجهد لزرع بذور‬
‫املعرفة‪ ,‬وإروائها بمياه الصبر‪ ,‬فال لذة تعادل لحظات جني بعض ثمارها‪,‬‬
‫ُ‬
‫فيما تظل أخرى حبيسة قشرة صلبة يعص ى علينا كسرها‪ ,‬وبلوغ لبها‪.‬‬
‫علما بكل ش يء ببساطة لزهدنا في كل ش يء؛‬ ‫ربما لو أحطنا ً‬
‫اكتشاف أسرار الكون‪ ,‬التوق إلى عالم مجهول‪ ,‬السفر عبر الزمن بعقولنا‬
‫ووضع نظريات ملا حدث في املاض ي‪ ,‬التماس الحقيقة وتتبع األدلة‪ ..‬وهل‬
‫يستقيم للحياة معنى دون خوض غمارمغامرتنا الخاصة؟!‬
‫يج ُّب ما قبله"‪ ,‬كان يدون تلك التدوينة فوق جدران ذاكرته‬‫"اليقين ُ‬
‫َ‬
‫عندما أشارت ِ"بنان" برأسها إلى باطن الهوة السحيقة‪ ,‬وسألته بمرح بدا‬
‫ً‬
‫متعارضا مع كل هذا الخراب من حولهما‪:‬‬
‫‪ -‬مستعد ملغامرة أخرى معي؟‬
‫َّ‬
‫تحسس تذكار بطولته الزائفة‪ ,‬التشوه الذي أصاب وجنته اليسرى‪,‬‬
‫ً‬ ‫َّ‬
‫وتبسم ضاحكا من قولها‪:‬‬
‫‪ً -‬‬
‫دائما!‬

‫‪316‬‬
‫وقفت ُ‬
‫"سالس" تساعد على إبعاد اآلخرين عن رزاز املطر الحارق‪ ,‬وقد‬
‫"ح ُبوك" يسابق ظله بالوقوف‬‫حام في سحابة تظلل السماء فوقهم‪ ,‬أسرع َ‬
‫أمامها‪ ,‬كأنما سيرهب بغضبه تلك األمطار فال تمسها‪ ,‬سمعها تقول‬
‫بامتنان حقيقي‪:‬‬
‫‪ -‬أنا سعيدة أنك هنا‪.‬‬
‫على الرغم من أنه لم يفهم إن كانت تقصد بـ "هنا" هذا املكان الذي‬
‫يجمع أنفاسهما‪ ,‬أم تقصد بجوارها‪ ,‬إال أن كلماتها أطربته‪ ,‬فالتفت إليها‬
‫ً‬
‫ومجترءا أن يمسها بقرنيه للمرة األولى‪.‬‬ ‫ً‬
‫باسما‪,‬‬
‫بعد وقت طويل اقترب أحد أبناء امللكة منها‪ ,‬يتأمل هذا الكون‬
‫الفسيح الذي بات لهم وحدهم‪ ,‬ال ينازعهم عليه مخلوق‪ ,‬ثم قال بانبهار‪:‬‬
‫‪ -‬نهاية العالم أعظم مما كنت أظن‪ ,‬إنها كعالم أكبر يهيمن على عاملنا‬
‫الصغير‪.‬‬
‫استرقت النظر إلى الفتحة التي صنعها أبناؤها‪ ,‬واتحدت عندها‬
‫قلوبهم‪ ,‬يتردد بداخلها أصداء أول قرار ستتخذه فوق هذه األرض‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫مفتوحا ملن‬ ‫الجديدة‪ ,‬لن تغلق فتحة الجدار قط‪ ,‬سيظل درب النجاة‬
‫امتلك بقلبه البصيرة ليهتدي إليه‪ .‬ثم ارتدت بنظرها إلى األرض الفسيحة‬
‫أمامها والتي تعادل ضعفي عاملهم القديم‪ ,‬ترنو بغبطة إلى ُ‬
‫الجدر األربعة‬
‫َ َّ‬
‫"البشام"‪ ,‬تطوقها من كل‬ ‫البيضاء بنقاء سائل الحياة في عروق شجر‬
‫ُ‬ ‫َّ‬
‫اتجاه‪ .‬تمشت خطوات على جبين العمالق املتفصد عن قطرات عرق‬
‫غزير‪ ,‬وقد سكنت أنفاسه وتساوى جسده العاري باألرض‪ .‬توجهت إلى‬
‫أبنائها قائلة وهي تشيربقرنيها في كل اتجاه‪:‬‬
‫‪ -‬هنا ينتهي كل ش يء‪ ,‬لقد وصلنا إلى نهاية الكون‪ ,‬ال ش يء خلف هذه‬
‫الجدران‪.‬‬

‫‪317‬‬
‫تساءل أحدهم بفضول لم يعتده‪ ,‬انبثق بداخله كنبتة يافعة‪:‬‬
‫‪ -‬إنني ألتساءل‪ ,‬ماذا يوجد عند الثالث نهايات األخريات‪ ,‬ماذا كنا‬
‫سنجد لو عبرنا الجدار الشرقي أو الشمالي أو الجنوبي‪ ,‬هل كنا سنعثر على‬
‫نهاية رائعة كتلك؟!‬
‫أشرق وجه امللكة تقول بحنان‪:‬‬
‫‪ -‬إنها حياة واحدة نختبرها‪ ,‬وطريق واحد نختاره‪ ,‬ال يمكننا أن نعرف‬
‫نهايات كل الطرق التي لم نسلكها‪.‬‬
‫"ح ُبوك" من أحد الجدران يتحسسه باهتمام عظيم‪ ,‬طافت‬ ‫دنا َ‬
‫"سالس" التي منحته ابتسامة حماسية‪ ,‬وفكرة‬ ‫نظراته بشغف فوق وجه ُ‬
‫مجنونة أخذت تروح وتغدو بين رأسيهما‪.‬‬
‫سأل أحدهم امللكة ينشد حكمتها‪:‬‬
‫‪ -‬وماذا سيحدث لنا اآلن؟‬
‫حدقت فيها الزمرة الباقية على قيد الحياة‪ ,‬تتنازع قلوبهم بين خوف‬ ‫َّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ورجاء‪ ,‬عيونهم ال تتحول عن تضاريس وجهها‪ ,‬يرون فيه عاملا مليئا‬
‫ُ‬ ‫ُ‬
‫بالتجاعيد‪ ,‬كل واحدة تخط حكمة‪ ,‬وتجربة‪ ,‬وحكاية‪ .‬بينما تعاهد نفسها‬
‫ُ‬ ‫ُ ّ‬
‫سخرما تبقى من حياتها لتعلمهم أن الحضارة الراسخة تتشكل لبناتها‬ ‫أن ت ِ‬
‫ُ‬
‫من قلب معمر باإليمان‪ ,‬وعقل يزخر بالعلم‪ ,‬ويد تصدق بالعمل‪ .‬قالت‬
‫ً‬ ‫ُ‬
‫بعد صمت طال‪ ,‬وكأنها ألهمت شيئا‪ُ ,‬يبث الثقة بصدورهم‪:‬‬
‫‪ -‬أقدارنا ال تختارنا‪ ,‬بل نحن من نصنعها‪.‬‬
‫***‬
‫لم يكد يخرج إلى ضوء النهار حتى احترقت عيناه بعد ليلة طويلة‬
‫ُ‬
‫ليحجب النور عن عينيه!‪ ..‬ويده‬ ‫أمضاها تحت األرض‪ ,‬فرفع ساعده‬

‫‪318‬‬
‫ُ‬
‫األخرى حبيسه جيب بنطاله‪ ,‬تطبق بشدة على قرص صلب بحجم ُعقلة‬
‫اإلصبع‪ ,‬يحوى ثمار علم شغف به‪ .‬يجر جسده إلى حارس املبنى الذي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مسرعا في نجدته بعدما َّ‬
‫تعرف عليه ذاهال‪ ,‬فوجهه يمأل كل‬ ‫انطلق‬
‫ُ‬
‫الصحف والقنوات‪.‬‬
‫استلقى فوق نقالة ومنها إلى عربة اإلسعاف‪ ,‬وقد اشتعل املكان‬
‫املهجور بحركة الصحافة ورجال الشرطة بعدما تسرب الخبر الصادم‬
‫إليهم في ملح البصر‪.‬‬
‫فتح عينيه فلم ير السقف األبيض لسيارة اإلسعاف‪ ,‬ولم يسمع‬
‫ُ‬
‫همهمات املسعفين من حوله‪ ,‬ومن يرافقونه بلباسهم الرسمي املتأنق‪ ,‬كل‬
‫ما رآه وسمعه أحالم تقافزت داخل رأسه‪ ,‬أماكن لم يذهب إليها عقله من‬
‫قبل‪ ..‬تجارب رهيبة تفوق كل تصور!‬
‫تتنازعه رغبتان بشراسة‪ ,‬واحدة تدفعه في اتجاه العمل على اختراع‬
‫عظيم يفيد البشرية جمعاء‪ ,‬وأخرى تدفعه صوب تحقيق رغبة مكبوتة‬
‫لطاملا تجسدت له في أحالم يقظته‪ ,‬ال يعلم في هذه اللحظة أي الرغبتين‬
‫سترفع راية النصر فوق أشالء األخرى‪ ,‬لكنه بات على ثقة من ش يء واحد؛‬
‫أنه وحده يملك االختيار‪.‬‬

‫** تمت بحمد هللا **‬

‫‪319‬‬
‫ُُ‬ ‫َّ‬ ‫َ َ ْ َ ٌَ َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ ََ‬
‫﴿ح َّتى ِإذا أت ْوا َعلى َو ِادي الن ْم ِل قالت ن ْملة َيا أ ُّي َها الن ْم ُل ْادخلوا‬ ‫َ‬
‫ََ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ان َو ُج ُن ُ‬ ‫َ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ َّ ُ ْ ُ َ ْ َ ُ‬
‫ود ُه َو ُه ْم ال َيش ُع ُرون * فت َب َّس َم‬ ‫مس ِاكنكم ال يح ِطمنكم سليم‬
‫َ‬ ‫َ ً‬
‫احكا ِّمن ق ْو ِل َها‪﴾ ..‬‬‫ض ِ‬
‫سورة النمل‪ :‬اآلية ‪19,18‬‬

‫َّ ُ َ َ ُ ُ‬ ‫َ‬
‫األ ْرض َو َال َطائر َيط ُيرب َج َن َ‬
‫اح ْي ِه ِإال أ َم ٌم أ ْمثالكم ﴾‬ ‫ٍِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫﴿ َو َما ِمن َد َّآب ٍة ِفي‬
‫سورة األنعام‪ :‬اآلية ‪38‬‬

‫‪320‬‬