You are on page 1of 45

‫بيان الفرق بين الصدر والقلب‬

‫والفؤاد واللب‬
‫المنسوب لبي عبد الله محمد بن علي‬
‫الحكيم الترمذي )ت ‪ 320‬ﻫ(‬

‫أعده للنشر وقابله بالصل‬

‫د‪ .‬يوسف وليد مرعي‬

‫مؤسسة آل البيت الملكية للفكر السلمي‬


‫عمان‪ ،‬الردن‬
‫‪2009‬‬
‫المحتويات‬

‫مقدمة‬
‫الول‬ ‫الفصل‬
‫الثاني‬ ‫الفصل‬
‫الثالث‬ ‫الفصل‬
‫الرابع‬ ‫الفصل‬
‫الخامس‬ ‫الفصل‬
‫السادس‬ ‫الفصل‬
‫السابع‬ ‫الفصل‬
‫الثامن‬ ‫الفصل‬
‫مقدمة‬
‫عن المؤلف‪:‬‬
‫دث الخرساني أبببو عبببد اللببه محمببد بببن‬ ‫يعتبر الفقيه المح ّ‬
‫م وأبببرز‬
‫علي بببن الحسببن بببن بشببر الحكيببم الترمببذي مببن أهب ّ‬
‫الشخصيات الصوفية التي كببانت فببي القببرن الثببالث الهجببري‪،‬‬
‫ولقد كببان الترمببذي مثببل والببدْيه يهتببم بعلببم الحببديث ويسببافر‬
‫لطلب الحديث‪.‬‬
‫على الرغم من انتساب هذا العمل إلى الحكيببم الترمببذي فببإن‬
‫الدكتور نقول هير يناقش فبي ترجمتبه النكليزيبة‪ 1‬القيمبة لهبذا‬
‫العمل الشكوك التي ظهرت حول هوية المؤلف وذلك بناء على‬
‫الملحظات التالية‪:‬‬
‫‪ (1‬نظام تقسببيم مصببطلح "القلببب" إلببى أربببع مقامببات‬
‫)الصدر والقلب والفؤاد واللب( حيث لم يظهببر فببي غيببره‬
‫من أعمال الترمذي‪ .‬ويشير هير إلى أن هذا النظام يشبببه‬
‫نظام أبو الحسن النوري )ت ‪295‬ه( في رسالته مقامات‬
‫القلوب‪ ،‬وهببو مببا يعتبببره هيببر أقببوى دليببل علببى انتسبباب‬
‫العمل إلى النوري‪.‬‬
‫‪ (2‬المؤلف يعتمد على السببجع وهببو ليببس مببن أسببلوب‬
‫الحكيببم الترمببذي فببي أعمبباله الخببرى‪ .‬غيببر أن وجببود‬
‫مخطوطة واحدة لهذا العمببل يببدل علببى أن الترمببذي هببو‬
‫المؤلف‪.‬‬
‫عن العمل‪:‬‬
‫"بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب" ُيعتبر مببن أهببم‬
‫العمببال الصببوفية‪ .‬وفببي مفهببوم المؤلببف‪ :‬الصببدر مقببام نببور‬
‫السلم‪ ،‬والقلببب مقببام نببور اليمببان‪ ،‬والفببؤاد مقببام المعرفببة‪،‬‬
‫واللب مقام نور التوحيد‪.‬‬
‫كذلك وصف المؤلف درجات اليمان ومرتبة العلببم الببتي يصببل‬
‫إليها العبد ومراحل النفس‪ .‬أما نقول هير فقد وصف هذا العمل‬
‫بأنه نظام سببيكولوجي صببوفي للقلببب ومقامبباته الربعببة الببتي‬

‫‪Nicholas Heer, trans., “A Treatise on the Heart,” in Three Early Sufi Texts, trans. Nicholas Heer et al., Revised 1‬‬
‫‪.(Edition (Louisville, KY: Fons Vitae, 2009‬‬
‫يرتبط كل منها بأحببد أنببوار اللببه‪ .‬و توصببل هيببر إلببى الملخببص‬
‫التالي‪:‬‬
‫اللب‬ ‫الفؤاد‬ ‫القلب‬ ‫الصدر‬
‫نور التوحيد‬ ‫نور المعرفة‬ ‫نور اليمان‬ ‫نور السلم‬
‫حد‬‫المو ّ‬ ‫العارف‬ ‫المؤمن‬ ‫المسلم‬
‫مّنة الله وبّره‬ ‫الرؤية‬ ‫علم الشريعة علم الباطن‬
‫وامة النفبببببببببببس‬
‫مارة النفبببببببببببس النفس الل ّ‬ ‫النفس ال ّ‬
‫المطمئّنة‬ ‫الملَهمة‬

‫وأخيرا ً يلحظ بأن المؤلف قد اعتمد في استخراجه لهذا النظام‬


‫على اليات القرآنية والحاديث النبوية الشريفة‪.‬‬

‫د‪ .‬يوسببف وليببد‬


‫مرعي‬
‫عمان‪ ،‬الردن‬

‫‪2‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫رب يسر وأعن‬
‫ذي‪ :‬أما بعد‪ ،‬فإن‬‫م ِ‬‫قال أبو عبد الله محمد بن علي الت ّْر ِ‬
‫الفْرق بين الصدر‬
‫بعض أهل العلم والفقه سألني عن بيان َ‬
‫شغاف ومواضع‬ ‫والقلب والفؤاد واللب‪ ،‬وما وراءها من ال ّ‬
‫سر كل‬
‫مي ّ‬
‫العلوم‪ ،‬وأحب أن أشرح له بتوفيق الله تعالى إذ هو ُ‬
‫عسير وبه أستعين‪.‬‬
‫الفصل الول‬
‫اعلم‪ ،‬زادك الله فقها ً في الدين‪ ،‬أن اسم القلب اسم جامع‬
‫يقتضي مقامات الباطن كلها‪ ،‬وفي الباطن مواضع منها ما هي‬
‫من خارج القلب ومنها ما هي من داخل القلب فأشبه اسم‬
‫القلب اسم العين‪ ،‬إذ العين اسم يجمع ما بين الشفريتين من‬
‫البياض والسواد والحدقة والنور الذي في الحدقة‪ .‬وكل واحد‬
‫من هذه الشياء له حكم على حدة ومعنى غير معنى صاحبه‪،‬‬
‫إل أن بعضها معاونة لبعض‪ ،‬ومنافع بعضها متصلة ببعض‪ ،‬وكل‬
‫ما هو خارج فهو أساس الذي يليه من الداخل‪ ،‬وقوام النور‬
‫بقوامهن‪ .‬وكذلك اسم الدار اسم جامع لما يحفظ بحيطانها من‬
‫الباب والدهليز وصحنها في بيوتها وما فيها من المخدع‬
‫والخزانة‪ ،‬وكل مكان وموضع فيها له حكم غير حكم صاحبه‪.‬‬
‫وكذلك اسم الحرم اسم جامع للحرم من حوالي مكة والبلد‬
‫والمسجد والبيت العتيق‪ ،‬وفي كل موضع مناسك غير ما يكون‬
‫في الموضع الخر‪ .‬وكذلك اسم القنديل اسم جامع للزجاجة‪،‬‬
‫وفي القنديل موضع الماء غير موضع الفتيلة‪ ،‬وموضع الفتيلة‬
‫غير موضع الماء‪ ،‬والفتيلة هي التي يكون فيها النور‪ ،‬وفي‬
‫موضع الفتيلة دهن ليس فيه ماء‪ ،‬وصلحه بصلح هذه الشياء‬
‫كلها‪ ،‬إذا نقص منها واحد فسد ما سواه‪ .‬وكذلك اسم اللوز‬
‫اسم جامع للقشر الخارج الذي فوق القشر الصلب‪ ،‬والقشر‬
‫الثاني الذي هو مثل العظم والمخ‪ ،‬واللب الذي فيه‪ ،‬والدهن‬
‫الذي في داخل اللب‪.‬‬
‫فاعلم‪ ،‬زادك الله فقها ً في الدين‪ ،‬أن لهذا الدين أعلما ً‬
‫ومنازل‪ ،‬ولهله فيه مراتب‪ ،‬وأهل العلم فيه مراتب‪ ،‬وأهل‬
‫م فَوْقَ ب َعْ ٍ‬
‫ض‬ ‫العلم فيه على درجات‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬وََرفَعَْنا ب َعْ َ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫ل ِذي ِعل ْم ٍ عَِليٌم{‬ ‫ت{ )الزخرف‪ ،(32 ،‬وقال‪} :‬وَفَوْقَ ك ُ ّ‬
‫جا ٍ‬
‫د ََر َ‬
‫)يوسف‪ .(76 ،‬وكل علم هو أرفع فموضعه في القلب هو أكن‬
‫وأخص وأحرز وأخفى وأستر‪ ،‬ولكن ذكر اسم القلب ينوب عن‬
‫ذكر سائر المقامات عند عامة الناس‪.‬‬
‫ولكن الصدر في القلب هو في المقام من القلب بمنزلة‬
‫بياض العين في العين‪ ،‬ومثل صحن الدار في الدار‪ ،‬ومثل الذي‬
‫يحوط بمكة‪ ،‬ومثل موضع الماء في القنديل‪ ،‬ومثل القشر‬
‫العلى من اللوز الذي يخرج اللوز منه إذا يبس في الشجر‪.‬‬
‫فهذا الصدر موضع دخول الوسواس والفات‪ ،‬كما يعيب بياض‬
‫العين آفة العين آفة البثور وهيجان العرق وسائر علل الرمد‪،‬‬
‫وكما يوضع في صحن الدار من الحطب والقماشات‪ ،‬ويدخل‬
‫فيها كل أحد من الجانب أحيانًا‪ ،‬وكما يدخل السباع والبهائم‬
‫في ساحة الحرم‪ ،‬وكما يقع فوق الماء في القنديل الفراش‬
‫وغيره‪ ،‬وإن كان فوق الماء دهن فأسفل موضعه الماء‪ ،‬وكما‬
‫تدل القمل والبعوض والذباب في قشر اللوز الذي هو أعلى إذا‬
‫م الصغار يدخلن فيه‪.‬‬‫انشق حتى صارت الهوا ّ‬
‫والذي يدخل في الصدر قلما يشعر به في حينه‪ ،‬وهو‬
‫موضع دخول الغل والشهوات والمنى والحاجات‪ ،‬وإنه يضيق‬
‫مارة بالسوء‬ ‫أحيانا ً وينشرح أحيانًا‪ ،‬وهو موضع ولية النفس ال ّ‬
‫ولها فيه مدخل وتتكلف أشياء وتتكبر وتظهر القدرة من‬
‫نفسها‪ .‬وهو موضع نور السلم‪ ،‬وهو موضع حفظ العلم‬
‫المسموع الذي ُيتعلم من علم الحكام والخبار وكل ما يعّبر‬
‫عنه بلسان العبارة‪ ،‬ويكون أول سبب الوصول إليه التعلم‬
‫مي صدرا ً لنه صدر القلب‪ ،‬وأول مقامة‬ ‫والسمع‪ .‬وإنما س ّ‬
‫كصدر النهار الذي هو أوله‪ ،‬أو كصحن الدار الذي هو أول‬
‫كر الشغال تصدر‬ ‫موضع منها‪ .‬ويصدر منه وساوس الحوائج‪ ،‬وفِ َ‬
‫منه إلى القلب أيضا ً إذا استقرت وطالت المدة‪.‬‬
‫وأما القلب فهو المقام الثاني فيه‪ ،‬وهو داخل الصدر‪،‬‬
‫كسواد العين الذي هو داخل العين‪ ،‬وهو البياض‪ ،‬وكبلد مكة‬
‫الذي هو داخل الحرم‪ ،‬وكموضع الفتيلة من القنديل‪ ،‬وكالبيت‬
‫داخل الدار‪ ،‬وكاللوز داخل القشر العلى‪ .‬وهو معدن نور‬
‫اليمان ونور الخشوع والتقوى والمحبة والرضا واليقين‬
‫‪2‬‬
‫والخوف والرجاء والصبر والقناعة‪ .‬وهو معدن أصول العلم لنه‬
‫مثل عين الماء والصدر مثل الخوض‪ ،‬من العين إليه الماء‪،‬‬
‫كالصدر يخرج من القلب إليه العلم‪ ،‬أو يدخل من طريق السمع‬
‫إليه‪ .‬والقلب يهيج منه اليقين والعلم والنية‪ ،‬حتى يخرج إلى‬
‫الصدر‪ .‬فالقلب هو الصل والصدر هو الفرع‪ ،‬وإنما يتأكد‬
‫بالصل الفرع‪ .‬كما قال رسول الله ﷺ‪ " :‬إنما العمال‬
‫بالنيات"‪ ،2‬ففسر رسول الله ﷺ أن العمل الذي تعمله النفس‬
‫إنما يرتفع مقداره بنية القلب‪ ،‬وتضاعف الحسنة على قدر‬
‫النية‪ .‬والعمل للنفس‪ ،‬ومنتهى وليتها إلى الصدر بنية القلب‬
‫ووليته‪ .‬وليس القلب في يد النفس رحمة من الله تعالى‪ ،‬لن‬
‫القلب هو الملك والنفس هي المملكة‪ ،‬كما قال رسول الله ﷺ‪:‬‬
‫"واليدان جنحان والرجلن بريد والعينان مسلحة‪ ،‬والذنان قمع‪،‬‬
‫والكبد رحمة‪ ،‬والطحال ضحك والكليتان مكر‪ ،‬والرئة نفس‪،‬‬
‫فإذا صلح الملك صلحت جنوده‪ ،‬وإذا فسد الملك فسد‬
‫جنوده"‪ ،3‬فبين رسول الله ﷺ أن القلب ملك‪ ،‬فالصدر للقلب‬
‫كالميدان للفارس‪ .‬وبّين عليه السلم أن صلح الجوارح بصلح‬
‫القلب وفسادها بفساد القلب‪ ،‬فالقلب بمنزلة السراج وصلح‬
‫السراج بالنور‪ ،‬وذلك النور نور التقى واليقين‪ ،‬لنه إذا خل عن‬
‫هذا النور كان القلب بمنزلة مسرجة طفئ نور سراجها وكل‬
‫عمل جاء من النفس من غير قلب فإنه ليس بمعتبر في حكم‬
‫الخرة‪ ،‬وليس بمؤاخذ صاحبه إن كان معصية ول مثاب إن كان‬
‫ت قُُلوب ُك ُْم{ )البقرة‪،‬‬ ‫ما ك َ َ‬
‫سب َ ْ‬ ‫خذ ُ ُ‬
‫كم ب ِ َ‬ ‫طاعة‪ .‬كما قال الله تعالى‪ } :‬ي ُ َ‬
‫ؤا ِ‬
‫‪.(225‬‬
‫مثل الحدقة‬ ‫مَثل الفؤاد في القلب‪ ،‬وهو المقام الثالث‪ ،‬ك َ‬ ‫و َ‬
‫في سواد العين‪ ،‬وكمثل المسجد الحرام في داخل مكة‪،‬‬
‫وكمثل المخدع والخزانة في البيت‪ ،‬وكمثل الفتيلة في موضعها‬
‫وسط القنديل وكمثل اللب في داخل اللوز‪ .‬وهذا الفؤاد موضع‬
‫المعرفة وموضع الخواطر وموضع الرؤية‪ ،‬وكلما يستفيد الرجل‬
‫ل‪ ،‬ثم القلب‪ .‬والفؤاد في وسط القلب كما أن‬ ‫يستفيد فؤاده أو ً‬
‫القلب في وسط الصدر‪ ،‬مثل اللؤلؤة في الصدف‪.‬‬

‫‪ 2‬البخاري‪ ،‬رقم )‪ ،(1/3) (1‬ومسلم‪ ،‬رقم )‪ ،(1907‬وأبو داود‪ ،‬رقبم )‪ ،(2201‬الترمبذي‪ ،‬السبنن‪ ،‬رقبم )‪،(1647‬‬
‫ابن ماجة‪ ،‬رقم )‪.(2427‬‬
‫‪ 3‬الطبراني‪ ،‬مسند الشاميين‪ ،‬رقببم )‪ ،(738‬المتقببي الهنببدي‪ ،‬كنببز العمببال‪ ،‬ج ‪) ،1‬رقببم ‪ ،(1207-1206‬أبببو نعيببم‬
‫الصبهاني‪ ،‬حلية الولياء‪ ،‬ترجمة كعب الحبار‪ ،‬ج ‪ ،6‬ص ‪.47‬‬

‫‪3‬‬
‫مَثل اللب في الفؤاد كمثل نور البصر في العين‪ ،‬وكمثل‬ ‫و َ‬
‫السراج في فتيلة القنديل‪ ،‬وكمثل الدهن المكنون في داخل‬
‫لب اللوز‪ .‬وكل واحد من هذه الشياء الخارجية وقاية وستر‬
‫لخر‪،‬‬ ‫للذي يليه من الدخل‪ ،‬وكل واحد منهن يشاكل الباقيات ا ُ‬
‫فهي أشكال متعاونات قريبة بعضها من بعض‪ ،‬موافقات غير‬
‫مخالفات‪ ،‬لنها أنوار الدين والدين واحد وإن كان مراتب أهله‬
‫تختلف وتتنوع‪ .‬وهذا اللب موضع نور التوحيد ونور التفريد‪ ،‬وهو‬
‫م والسلطان العظم‪.‬‬ ‫النور الت ّ‬
‫وبعد هذا مقامات لطيفة وأمكنة شريفة ولطائف ظريفة‪،‬‬
‫سّر والمعرفة ب ِّر‪،‬‬ ‫والصل لهن جميعهن نور التوحيد‪ ،‬فالتوحيد ِ‬
‫واليمان محافظة السر ومشاهدة البر‪ ،‬والسلم الشكر على‬
‫البر وتسليم القلب للسر‪ ،‬لن التوحيد سر بهداية الله تعالى‬
‫للعبد ودللته إياه عليه‪ ،‬ولم يكن العبد يدركه بعقله لول تأييد‬
‫الله تعالى وهدايته له‪ .‬والمعرفة ب ِّر من الله تعالى له إذ فتح له‬
‫باب اللء والنعماء مبتدئا ً من غير استحقاق من العبد لذلك‪،‬‬
‫ه‬‫من ّ ُ‬
‫ن عليه بالهدى حتى آمن بأن هذا كله من الله تعالى‪َ ،‬‬ ‫م ّ‬
‫و َ‬
‫ة‪ ،‬ل يقدر على شكره إل بتوفيق الله‪ ،‬وذلك أيضا ً‬ ‫ة ومن ّ ً‬
‫عليه نعم ً‬
‫مْنه عليه‪ ،‬فهو يشاهد بر الله ويحافظ سره‪ ،‬إذ هو‬ ‫نعمة جديدة ِ‬
‫الموفق‪ ،‬لنه ل يدرك كيفية ربوبيته‪ ،‬فعلم أنه واحد‪ ،‬ويجتلب‬
‫التشبيه والتعطيل والتكييف والتجنيف‪ ،‬فهذا هو اليمان الذي‬
‫هو يشاهد البر ويحافظ السر‪ .‬وإن السلم هو استعمال النفس‬
‫في بر الله بطاعته بالشكر والستقامة وتسليم الربوبية إليه‬
‫والعراض عن إدراك السر والقبال إلى العبودية والدوام على‬
‫ما يقر به إليه‪ ،‬لن السلم إنما يقام بالنفس والنفس هي‬
‫عمياء عن إدراك الحق ومشاهدته‪ ،‬ولم يكلف النفس إدراك‬
‫الحقائق‪ ،‬أل ترى أن البعد ُأمر باليمان بالقلب‪ ،‬ولم يكلف‬
‫بإدراك ما آمن من جهة الكيفية‪ ،‬إنما عليه التباع والفرار من‬
‫البتداع‪ ،‬ويكفي من النفس التسليم فحسب‪.‬‬
‫والمقامات المسكوت عنها التي وراء هذه المقامات‬
‫المذكور بعضها إنما ببصرها عبد موّفق بفهم المقامات‬
‫الموصوفة بهذه المثال المعروفة‪ ،‬يعينه الله تعالى ويؤيده‬
‫ليفهمها ‪ ،‬وتكون هذه المقامات التي وراء هذه المذكورات‬

‫‪4‬‬
‫كزيادة صفو الماء إذ لبث في النية‪ ،‬فبهذه المثال يدرك طريق‬
‫السر المسكوت عنه‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫وإن المؤمن قد ابتلى بالنفس وأمانيها‪ ،‬وأعطيت النفس‬
‫ولية وتكلف بالدخول في الصدر‪ .‬والنفس معدنها في الجوف‬
‫وموضع القرب وموضع القرب وهيجانها من الدم وقوة‬
‫النجاسة‪ ،‬فيمتلئ الجوف من ظلمة دخانها وحرارة نارها‪ ،‬ثم‬
‫تدخل في الصدر بوسوستها وأباطيل أمانيها ابتلء من الله إياه‬
‫حتى يستعين العبد بصدق افتقاره ودوام تضرعه لموله‪ ،‬فيجيبه‬
‫الله تعالى ويصرف عنه شرها‪ .‬وكذلك الشيطان‪ ،‬يدخل‬
‫بوسوسته في صدر العبد‪ ،‬وهو آخذ ولية حد النفس‪ ،‬لن‬
‫مارة بالسوء شكل الشيطان‪ ،‬وهما شيطانان‪ ،‬قال‬ ‫النفس ال ّ‬
‫ن{ )النعام‪ .(112 ،‬وإن الله‬ ‫ج ّ‬ ‫س وَٱل ْ ِ‬ ‫لن ِ‬ ‫نٱِْ‬ ‫طي َ‬ ‫شَيا ِ‬‫الله تعالى‪َ } :‬‬
‫جل وعل رحم عبده المؤمن حيث لم يجعل قلبه في يد نفسه‪،‬‬
‫وإنما هو برحمته يتوله‪ ،‬ويبتليه بدخول الشيطان ووسوسته في‬
‫صدره ليعلمه قليل ً من حقارة قدرة ويريه تمام فقره وتصديق‬
‫صُدورِك ُْم{ )آل عمران‪،‬‬ ‫ما ِفي ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ي الل ّ ُ‬ ‫ذلك قوله عز وجل‪} :‬وَل ِي َب ْت َل ِ َ‬
‫‪ (154‬يعني‪ ،‬والله أعلم‪ ،‬بوساوس الشيطان والنفس‪} ،‬‬
‫ص َما ِفى قُُلوب ِك ُْم{ )آل عمران‪ (154 ،‬وهو طهارة القلب بنور‬ ‫ح َ‬ ‫م ّ‬
‫وَل ِي ُ َ‬
‫س{‬ ‫دورِ ٱلّنا ِ‬ ‫ص ُ‬ ‫س ِفى ُ‬ ‫سوِ ُ‬ ‫ذى ي ُوَ ْ‬ ‫اليمان‪ ،‬وقال جل وعز‪} :‬ٱل ّ ِ‬
‫)الناس‪.(5 ،‬‬
‫اعلم أن انشراح الصدر والضيق إنما يضاف إليه ول يضاف‬
‫ك َحَر ٌۭج ّمن ُْه {‬ ‫صد ْرِ َ‬‫كن ِفى َ‬ ‫}َل ي َ ُ‬ ‫إلى القلب‪ .‬قال الله تعالى‪ :‬فَ‬
‫ضآئ ِ ۢقٌ ب ِ ۦهِ َ‬
‫صد ُْر َ‬
‫ك‬ ‫ح ٰٓى إ ِل َي ْ َ‬
‫ك وَ َ‬ ‫ما ُيو َ‬ ‫ض َ‬ ‫كب َعْ َ‬ ‫ك}َتارِ ۢ ٌ‬ ‫وقال‪َ :‬‬
‫فَل َعَل ّ‬ ‫)العراف‪،(2 ،‬‬
‫ك { )الحجر‪،(97 ،‬‬ ‫صد ُْر َ‬ ‫ضيقُ َ‬ ‫ك يَ ِ‬‫م أ َن ّ َ‬ ‫قد ْ ن َعْل َ ُ‬‫{ )هود‪ ،(12 ،‬وقال‪ } :‬وَل َ َ‬
‫ف َأن‬ ‫خا ُ‬‫ى أَ َ‬ ‫وأخبر عن كليمه موسى عليه السلم أنه قال‪َ } :‬ر ّ‬
‫ب إ ِن ّ ٓ‬
‫صد ِْرى { )الشعراء‪ ،(13-12 ،‬فأضاف الله‬ ‫ضيقُ َ‬ ‫ن }‪ {١٢‬وَي َ ِ‬ ‫ي ُك َذ ُّبو ِ‬
‫الضيق إلى الصدر‪ .‬وضيق صدر النبي عليه السلم وصدر‬
‫الكليم ل يكون من جهة الوسواس الذي يكون لعامة‬
‫المسلمين‪ ،‬لن النبياء عليهم الصلة والسلم عصمهم ربهم‬
‫من وسواس الشيطان ومنازعات النفوس‪ ،‬ولكن كانت تضيق‬
‫صدورهم إذا سمعوا الكفار يذكرون لله شريكا ً أو يكذبونهم إذا‬
‫ذكروا وحدانية الله تعالى‪ .‬ول غاية لضيق الصدر إذا ضاق‪،‬‬
‫وصدر كل واحد يضيق على قدر جهله وغضبه‪ ،‬وكذلك ل غاية‬

‫‪6‬‬
‫لسعته إذا انشرح بهدي الله تعالى‪ ،‬فإذا ضاق عن الحق اتسع‬
‫للباطل‪ ،‬وإذا ضاق عن الباطل اتسع للحق‪ .‬أل ترى إلى ما ذكر‬
‫الله تعالى على نبيه ﷺ‪} :‬أل َ ْ‬
‫ن‬ ‫َ‬
‫ك { )الشرح‪ ،(1 ،‬فم ّ‬ ‫صد َْر َ‬ ‫ح لَ َ‬
‫ك َ‬ ‫م نَ ْ‬
‫شَر ْ‬
‫الله بشرح صدره بأنوار حق السلم حتى ضاق صدره عن‬
‫وسع الباطل‪ .‬وصدر المؤمن بضيق أحيانا ً من كثرة الوسواس‬
‫والغم والشغل وتتابع الحوائج وبلوغ الحوادث وإصابة المصائب‪،‬‬
‫ل‪ ،‬فل يحمل قلبه ذلك لن الله تعالى‬ ‫ويضيق أيضا ً إذا سمع باط ً‬
‫السلم‪:‬هُوَ}عَل َ ٰى ُنو ۢرٍ ّمن ّرب ّ ۦهِ { )الزمر‪.(22 :‬‬
‫فَ‬ ‫وسع صدره بنور‬
‫وأما صدر الكافر والمنافق فإنه امتل من ظلمات الكفر‬
‫والشرك والشك‪ ،‬واتسع لها‪ ،‬فلم يبق فيه مكان لنور السلم‪،‬‬
‫من‬ ‫وضاق عن وسع نور الحق فيه‪ .‬قال الله عز وجل‪} :‬وَل َ ٰب ِ‬
‫كن ّ‬
‫ن ٱلل ّهِ { )النحل‪ ،(106 ،‬وقال‪} :‬‬ ‫بۭ ّ‬
‫م َ‬ ‫ض ٌ‬ ‫صد ْ ً ۭرا فَعَل َي ْهِ ْ‬
‫م غَ َ‬ ‫ح ب ِٱل ْك ُ ْ‬
‫فرِ َ‬ ‫َ‬
‫شَر َ‬
‫َ‬ ‫فَمن يرد ٱلل ّ َ‬
‫صد َْر ۥهُ‬ ‫جعَ ْ‬
‫ل َ‬ ‫ضل ّ ۥ ُ‬
‫ه يَ ْ‬ ‫سل َ ٰبم ِۖوَ َ‬
‫من ي ُرِد ْ أن ي ُ ِ‬ ‫صد َْر ۥهُ ل ِْل ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫شَر ْ‬ ‫ه أن ي َهْدِي َ ۥ ُ‬
‫ه يَ ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ ُ ِ ِ‬
‫ضي ًّقا َحَر ًۭجا{ )النعام‪ ،(125 ،‬فبّين الله تعالى أن الصدر إذا امتل‬ ‫َ‬
‫من ظلمات الكفر ضاق عن وسع أضدادها من النوار‪.‬‬
‫وصدر المؤمن مكان نور السلم فيه‪ .‬والسلم اسم جامع‬
‫لدين الله تعالى‪ ،‬ويضيفه للعبد أيضا ً لقوله عليه السلم‪:‬‬
‫"السلم إقرار باللسان وعمل بالركان مع تصديقه باليمان‬
‫ومشاهدته بعض صنائع الرحمن"‪ ،4‬كما أن العين والحرم والدار‬
‫والقنديل واللوز أسماء جامعة والسلم اسم عام يشتمل على‬
‫اليمان والقول باللسان والعمل بالركان‪ .‬ولكن السلم له‬
‫ظاهر وباطن‪ ،‬فظاهره ربما حمله المنافق وشرك أهل السلم‬
‫فيه ظاهرا ً وهو في الباطن كافر‪ ،‬قال الله تعالى‪َ} :‬قال َ ِ‬
‫ت‬
‫َ‬
‫سل َْمَنا وَل َّما { )الحجرات‪،(14 ،‬‬ ‫كن ُقول ُوٓ ۟ا أ ْ‬‫مُنو ۟ا وَل َ ٰب ِ‬ ‫قل ل ّ ْ‬
‫م ت ُؤْ ِ‬ ‫ۖ‬
‫مّنا ُ‬ ‫ٱْل َعَْرا ُ‬
‫ب َءا َ‬
‫فبّين الله تعالى أنهم لم يؤمنوا بعد إل أنهم أسلموا بأفواههم‬
‫ولم تؤمن قلوبهم‪ .‬وأما باطن السلم فهو النقياد لرب النام‬
‫وتسليم النفس والقلب لما يجري عليه من الحكام‪ ،‬قال الله‬
‫ىم َ‬
‫ن { )البقرة‪ ،(112 ،‬فهذا هو‬ ‫س ۭ ٌ‬‫ح ِ‬ ‫م ْ‬ ‫جه َ ۥ ُ‬
‫ه ل ِل ّهِ وَهُوَ ُ‬ ‫م وَ ْ‬ ‫سل َ َ‬
‫نأ ْ‬ ‫تعال‪ْ َ }ٰ :‬‬‫ب َل َ‬
‫المسلم حقا ً الذي يشاكل نور إسلمه نور اليمان ونور‬
‫الحسان‪ ،‬فتعاونت وتواصلت وتشاكلت‪ .‬قال الله تعالى في‬
‫دى وَُنو ٌۭرۚ‬ ‫قصة النبياء عليهم الصلة والسلم‪:‬إ ِّنآ}َأنَزل َْنا ٱلت ّوَْر ٰى َ‬
‫ة ِفيَها هُ ۭ ً‬
‫سل َُمو ۟ا { )المائدة‪ ،(44 ،‬وفي قصة إبراهيم‪:‬‬ ‫يحك ُم بها ٱلنبيون ٱل ّذي َ‬
‫نأ ْ‬ ‫ِ َ‬ ‫ِّّ َ‬ ‫َ ْ ُ َِ‬

‫ابن ماجة‪ ،‬رقم )‪.(210‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪7‬‬
‫َ‬
‫ن { )الصافات‪ .(103 ،‬فهؤلء خاصة الله‬ ‫جِبي ِ‬ ‫ه ل ِل ْ َ‬ ‫ما وَت َل ّ ۥ ُ‬
‫سل َ َ‬‫مآ أ ْ‬ ‫}ل َ ّ‬ ‫فَ‬
‫طالبهم الله بالستقامة على حقيقة السلم‪ ،‬وهو أنهم تبّرئوا‬
‫من حولهم وقوتهم‪ ،‬فأسلموا ظاهرهم وباطنهم لله‪ .‬والدليل‬
‫على أن السلم واليمان وإن كانا مختلفي السمين فهما‬
‫م‬ ‫قوْم ِ ِإن ُ‬
‫كنت ُ ْ‬ ‫س ٰى ي َ ٰ ب َ‬ ‫مو َ‬ ‫ل ُ‬ ‫قا َ‬ ‫}‬
‫شكلن في المعنى‪ ،‬قول الله تعالى‪ :‬وَ َ‬
‫ن { )يونس‪ ،(84 ،‬وقوله‬ ‫مي َ‬ ‫سل ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫كنُتم ّ‬ ‫منُتم ب ِٱلل ّهِ فَعَل َي ْهِ ت َوَك ّل ُوٓ ۟ا ِإن ُ‬ ‫َءا َ‬
‫من قَب ْل ِ ۦهِ‬ ‫من ّرب َّنآ إ ِّنا ك ُّنا ِ‬ ‫حق ّ ِ‬ ‫ه ٱل ْ َ‬‫مّنا ب ِ ِۦه ٓ إ ِن ّ ُ‬
‫م َقال ُوٓ ۟ا َءا َ‬ ‫}ُت ْل َ ٰى عَل َي ْهِ ْ‬ ‫ذا ي‬‫تعالى‪َ :‬‬
‫وَإ ِ‬
‫ن‬
‫م َ‬‫ن ِفيَها ِ‬ ‫كا َ‬‫من َ‬ ‫جَنا َ‬ ‫خَر ْ‬ ‫ن{ )القصص‪ ،(53 ،‬وقوله تعالى‪} :‬فَأ َ ْ‬ ‫مي َ‬ ‫سل ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬
‫ن{ )الذاريات‪ (35 ،‬الية‪ .‬واليمان على تعارف العامة‬ ‫مِني َ‬ ‫مؤْ ِ‬ ‫ٱل ْ ُ‬
‫وعلى وجه الشريعة هو التصديق بالحق وقبوله بالقلب والقرار‬
‫باللسان أنه حق‪ ،‬والسلم هو النقياد للحق بالنفس والقلب‬
‫والقبال إليه والستقامة عليه والجتناب عما يخالفه‪.‬‬
‫والصدر أيضا ً موضع الغل والجناية‪ ،‬لن النفس ذات غل‬
‫وجناية ولها ولية في الصدر بالدخول‪ ،‬وهو من جهة البتلء‪،‬‬
‫وقد ذكر فيما تقدم‪ .‬قال الله تعالى في صفة أهل الجنة‪:‬‬
‫ل { )العراف‪ (43 ،‬حتى يدخلوا الجنة‬ ‫ن ِغ ۢ ّ‬ ‫م ْ‬ ‫هم ّ‬ ‫دورِ ِ‬ ‫ص ُ‬ ‫ما ِفى ُ‬ ‫} ََزعَْنا َ‬ ‫وَن‬
‫بل غل‪ .‬وقلب المؤمن محفوظ من الغل لنه موضع اليمان‪ ،‬إل‬
‫أن الله تعالى أمر عباده أن يدعوه ويسألوه أن ل يجعل في‬
‫ن َءاَمُنو ۟ا {‬ ‫ذي َ‬ ‫ل ِفى قُُلوب َِنا ِغ ّۭلا ل ّل ّ ِ‬ ‫جع َ ْ‬‫}َل ت َ ْ‬ ‫ل‪ .‬قال الله تعالى‪ :‬وَ‬ ‫قلوبهم غ ً‬
‫)الحشر‪ .(10 ،‬وأحب أن يدعوه ويخافوه ليطّهر قلوبهم‪ ،‬ولم‬
‫يضمن لم حفظ صدورهم من الوسواس ليعرفوا منة الله‬
‫عليهم‪ .‬ويحفظ قلوبهم ليستغيثوا إليه من وساوس الصدور‬
‫ليزدادوا عزا ً وشرفا ً بالله إذا طّهر قلوبهم ومحصها‪ ،‬ويزداد ذل ً‬
‫ن }‪{١٤‬‬ ‫مِني َ‬ ‫مؤْ ِ‬‫دوَر قَوْ ۢم ٍ ّ‬ ‫ص ُ‬‫ف ُ‬ ‫ش ِ‬ ‫}ي َ ْ‬
‫في أنفسهم‪ .‬قال الله تعالى‪ :‬وَ‬
‫ظ قُُلوب ِهِْمۗ { )التوبة‪ ،(15-14 ،‬فبّين الله أن الشفاء‬ ‫ب غَي ْ َ‬ ‫وَي ُذ ْهِ ْ‬
‫كم‬ ‫جآَءت ْ ُ‬ ‫يكون للصدور التي هي موضع الغل‪ ،‬وقال أيضا‪} :‬قَد ْ َ‬
‫صُدوِر{ )يونس‪ (57 ،‬فقلب المؤمن‬ ‫ما ِفى ٱل ّ‬ ‫فآ ٌۭء ل ّ َ‬‫ش َ‬ ‫م وَ ِ‬ ‫من ّرب ّك ُ ْ‬ ‫ة ّ‬ ‫عظ َ ٌ ۭ‬ ‫موْ ِ‬ ‫ّ‬
‫سليم وصدره سليم‪ ،‬وقلب الكافر والمنافق ميت وسقيم‪،‬‬
‫ن ِفى قُُلوب ِِهم‬ ‫ذي َ‬ ‫وصدره فيه ظلم عظيم‪ ،‬قال الله تعالى‪} :‬ٱل ّ ِ‬
‫ظي ٌۭم { )لقمان‪،‬‬ ‫م عَ ِ‬ ‫ك ل َظ ُل ْ ٌ‬ ‫شر َ‬ ‫ن ٱل ّ‬ ‫}ّ‬‫ض{ )المدثر‪ ،(31 ،‬وقال إ ِ‬ ‫مَر ۭ ٌ‬ ‫ّ‬
‫صُدورِهِْم إ ِّل ك ِب ْ ٌۭر{ )غافر‪ (53 ،‬واعلم أن كل‬ ‫إن ِفى ُ‬ ‫}‬ ‫‪ ،(13‬وقال‪ِ :‬‬
‫علم ل يوصل إليه إل بالتعلم والتحفظ والجتهاد والتكلف من‬
‫جهة السمع والخبر قرآنا ً كان أو حديثا ً أو غيره‪ .‬فإن موضعه‬
‫‪8‬‬
‫ل} هُوَ َءاي َ ٰب ۢ ٌ‬
‫ت‬ ‫تعالى‪:‬ب َ ْ‬
‫الصدر ويجوز عليه حكم النسيان‪ ،‬قال الله‬
‫ن ُأو ُ ۟‬
‫توا ٱل ْعِل َْمۚ{ )العنكبوت‪ .(49 ،‬وهو العلم‬ ‫دورِ ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫تۭ ِفى ُ‬
‫ص ُ‬ ‫ب َي ّن َ ٰب ٌ‬
‫الذي تتهيأ عبارته وقراءته وروايته وبيانه‪ ،‬ويمكن في صاحبه‬
‫النسيان‪ ،‬لن النفس هي التي تحمله وتحفظه‪ ،‬وهي مطبوعة‬
‫على النسيان‪ ،‬فربما ينساه بعد التحفظ وبعد جهد كثير‪.‬‬
‫والصدر في هذا المعنى كظهر القلب‪ ،‬يقال فلن يقرأ عن ظهر‬
‫قلبه‪ .‬ومع هذا ربما غلط وسها وشك في محفوظة‪ .‬والصدر‬
‫أيضا ً من القلب كالصدفة من اللؤلؤة‪ ،‬ربما دخل في الصدفة‬
‫شيء غير اللؤلؤة مثال الماء وما يشبهه‪ ،‬ثم يخرج منها‪ ،‬وليس‬
‫في اللؤلؤة موضع غير تدخل فيها شيء اللهم إل أن يرفع‬
‫فحينئذٍ يصير موضعه خاليا ً يسع في مكانها شيء آخر‪.‬‬

‫‪9‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫والعمى والبصر يضاف إلى القلب ول يضاف إلى الصدر‪،‬‬
‫صبُٰر وََلبٰ ِ‬ ‫َ‬
‫ب ٱل ِّتى ِفى‬ ‫قُلو ُ‬ ‫مى ٱل ْ ُ‬ ‫كن ت َعْ َ‬ ‫مى ٱْلب ْ َ‬ ‫قال الله تعالى‪ }:‬فَإ ِن َّها َل ت َعْ َ‬
‫صُدوِر {)الحج‪ ،(46 ،‬هذا هو الطريق الظاهر‪ .‬وأما من جهة‬ ‫ٱل ّ‬
‫مجاز اللغة وتعارف الناس ربما يعبر بلفظة الصدر عن القلب‪،‬‬
‫صُدورِك ُْم أ َوْ ت ُب ُْدوهُ ي َعْل َْمُه ٱلل ُّهۗ {‬ ‫ما ِفى ُ‬ ‫خ ُ ۟‬
‫فوا َ‬ ‫ل ِإن ت ُ ْ‬ ‫قال الله تعالى‪} :‬قُ ْ‬
‫صُدوُرهُْم أ َك ْب َُرۚ{ )آل عمران‪،‬‬ ‫فى ُ‬ ‫خ ِ‬‫ما ت ُ ْ‬‫)آل عمران‪ ،(29 ،‬وقال‪} :‬وَ َ‬
‫ن { )القصص‪،‬‬ ‫ما ي ُعْل ُِنو َ‬
‫م وَ َ‬ ‫دوُرهُ ْ‬ ‫ص ُ‬ ‫ن ُ‬ ‫ما ت ُك ِ ّ‬ ‫م َ‬ ‫‪ ،(118‬وقال‪} :‬وََرب ّ َ‬
‫ك ي َعْل َ ُ‬
‫‪ .(69‬وعنى بذلك القلب‪ ،‬ولكن عنى بها كلها قلوب الكفار ‪،‬‬
‫دة موصدة لخلوها عن نور الهدى‪.‬‬ ‫لن صدورهم وقلوبهم صا ّ‬
‫وهذا النوع من العلم ل يستقر في الصدر ول يتمكن فيه إل‬
‫بعد التكرار وجهد العتبار والمواظبة عليه‪ ،‬لنه مثل الطريق‬
‫وخاصة لما دخل فيه من الخارج مثل المسموع‪ .‬فأما ما خرج‬
‫إليه من داخل القلب من لطائف الحكمة وشواهد المنة‬
‫فاستقراره في الصدر متمكن‪ ،‬وإنما ل يثبت في الصدر هذه‬
‫ل لنه موضوع وردود الشغال والحوائج لنه كالفناء‬ ‫الحوا ُ‬
‫للبيت الذي في الدار‪ ،‬وقد يدخل في الدار من الخدم والحشم‬
‫والجيران والجانب وغيرهم في أوقات ول يدخل في البيت‬
‫الذي يدخل فيه صاحبه إل ذو رحم أو محرم أو قريب أو‬
‫صديق‪ .‬وقد ُيعّبر من جهة مجاز اللغة أيضا ً بالنفس عن القلب‪،‬‬
‫سى‬ ‫ف ِ‬ ‫ما ِفى ن َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫قال الله تعالى في قصة عيسى عليه السلم‪} :‬ت َعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫موٓ ۟ا أ ّ‬
‫ن‬ ‫{ )المائدة‪ (116 ،‬يعني تعلم ما في قلبي‪ ،‬وقال‪} :‬وَٱعْل َ ُ‬
‫سك ُْم فَٱْحذ َُروهُۚ{ )البقرة‪ (235 ،‬يريد به القلب‬ ‫ف ِ‬ ‫ى َأن ُ‬
‫ما فِ ٓ‬
‫م َ‬‫ه ي َعْل َ ُ‬‫ٱلل ّ َ‬
‫وقال رسول الله ﷺ‪" :‬إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما‬
‫حدثت به أنفسها"‪ ،5‬فبان لك أن المراد من الحديث وساوس‬
‫الصدور التي ل تستقر‪ .‬فأما ما استقر في القلب فإنه ُيسَأل‬
‫ل أ ُ ۟ل َو ٰٓبئ ِ َ‬
‫ك‬ ‫ؤاد َ ك ُ ّ‬‫ف َ‬ ‫صَر وَٱل ْ ُ‬
‫معَ وَٱل ْب َ َ‬ ‫س ْ‬ ‫ن ٱل ّ‬ ‫عنه وُيحاسب‪ ،‬قال الله تعالى‪ :‬إ ِ} ّ‬
‫سٔبو ًۭلا { )السراء‪.(36 ،‬‬ ‫م ْ‬‫ه َ‬ ‫ن عَن ْ ُ‬ ‫َ‬
‫كا َ‬
‫وكل علم تحمله نفسه ويعيه الصدر فإن النفس تزداد به‬
‫تكبرا وترفعا‪ ،‬وتأبى قبول الحق‪ ،‬وكلما ازدادت علما وازدادت‬
‫حقدا ً على الخوان وتماديا ً على الباطل والطغيان‪ ،‬قال‬
‫‪ 5‬تتمة الحديث‪..." :‬ما لم تعمل به أو تتكلم"‪ ،‬البخاري‪ ،‬كتاب الطلق‪ ،‬رقم )‪ ،(5269‬مسلم‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقببم )‬
‫‪ ،(127‬أبو داود‪ ،‬كتاب الطلق‪ ،‬رقم )‪ ،(2209‬الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬كتاب الطلق‪ ،‬رقم )‪ ،(1183‬ابببن مبباجه‪ ،‬السببنن‪،‬‬
‫كتاب الطلق‪ ،‬رقم )‪.(2044‬‬

‫‪10‬‬
‫الرسول ﷺ‪ " :‬إن لهذا العلم طغيانا ً كطغيان المال"‪ 6‬واعلم أن‬
‫العلم إذا قل نفعه اشترى به صاحبه الثمن القليل وأعرض عن‬
‫طاعة الله‪ .‬وهذا العلم إنما تعلمه لقامة الشريعة وتأديب‬
‫النفس وإصلحها ومنعها عن الجهل ومعرفة حدود أحكام الدين‬
‫وقوام ظاهر الدين‪.‬‬
‫وإنما تكثر منفعته وتزداد وتعظم إذا كشف الله له علم‬
‫الباطن‪ ،‬علم القلب‪ ،‬وهو العلم النافع‪ .‬أل ترى إلى ما قال‬
‫رسول الله ﷺ‪" :‬العلم علمان‪ :‬علم باللسان فذلك حجة الله‬
‫وذ رسول‬ ‫على خلقه وعلم بالقلب فذلك العلم النافع" ‪ .‬وتع ّ‬
‫‪7‬‬

‫الله ﷺ فقال‪" :‬اللهم إني أعوذ بك من علم ل ينفع"‪.8‬‬


‫وقال أيضا ً ﷺ‪" :‬نعوذ بالله من منافق عليم اللسان جهول‬
‫القلب"‪ .9‬فهذا كله دليل على أن المسموع الذي يحمله إنما هو‬
‫حجة الله على النفس وهو يشتري به الدنيا ويستغني به عن‬
‫الدين الذي هو أنفع له ‪ ،‬ول يعمل به حتى يكشف الله له من‬
‫العلم النافع ‪ ،‬وُروى عنه عليه السلم أنه قال‪" :‬من عمل بما‬
‫يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم"‪.10‬‬
‫ثم اعلم أن القلب ل غاية لغور بحاره ول عدد لكثرة أنهاره‬
‫واصين ‪ ،‬ومثلهم في النهار كمثل‬ ‫ومثل الحكماء في البحار كالغ ّ‬
‫السّقائين والصّيادين ‪ ،‬فكل يستخرج ويجد منها على قدر ما‬
‫يرزقه الله منها‪ .‬فمنهم من ُيكشف له من جواهر معرفة عيوب‬
‫الدنيا وسرعة انقلبها وكثرة غرورها وقلة ثباتها وتعجيل زوالها‪،‬‬
‫وُيكشف له من معرفة مكايد الشيطان وأصناف وساوسه‪.‬‬
‫ومنهم من ُيكشف له من طريق معرفة مراتب أهل التقوى‬
‫ودرجات أهل العلم ومكارم الخلق وحسن معاملة الخلق عند‬
‫مساويهم واحتمال الذى والسخاوة بالدنيا واليثار على نفسه‬
‫كائنا ً من كان وخوف النار ومحاربة الشيطان ومجاهدة النفس‬
‫ومخالفة هواها ومتابعة الرسول وأصحابه والتمسك بالسنة‪.‬‬

‫‪ 6‬هذا القول منسوب لبن المبارك‪ ،‬حلية الولياء‪ ،‬ج ‪ ،4‬ص ‪ .55‬ويذكر الخطيب البغدادي في كتاب اقتضبباء العلببم‬
‫العمل‪ ،‬رقم )‪ ،(26‬ج ‪ ،1‬ص ‪ :30‬عن أبي بكر الرازي قال يوسف بن الحسين‪ :‬في الببدنيا طغيانببان طغيببان العلببم‬
‫وطغيان المال‪ ،‬والذي ينجيك من طغيان العلم العبادة‪ ،‬والذي ينجيك من طغيان المال الزهد فيه‪.‬‬
‫‪ 7‬الدارمي‪ ،‬السنن‪ ،‬باب التوبيخ‪ ،...‬رقم )‪ ،(361‬ج ‪ ،1‬ص ‪.114‬‬
‫‪ 8‬مسلم‪ ،‬باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لببم يعمببل‪ ،‬رقببم )‪ ،(2722‬ج ‪ ،4‬ص ‪ 2088‬والنسببائي‪ ،‬رقببم )‬
‫‪ ،(7869‬ج ‪ ،4‬ص ‪.445‬‬
‫‪ 9‬ابن حبان‪ ،‬الصحيح‪ ،‬رقم )‪ ،(80‬ج ‪ ،1‬ص ‪ ،281‬والطبراني‪ ،‬المعجم الكبير‪ ،‬رقببم )‪ ،(593‬ج ‪ ،18‬ص ‪ 237‬حيببث‬
‫يختلف متن الحديث‪ :‬أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان‪.‬‬
‫‪ 10‬السخاوي‪ ،‬فتح المغيث‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.267‬‬

‫‪11‬‬
‫ومنهم من ُيكشف له من طريق التحدث بنعم الله وذكر آلئه‬
‫ودفع بلئه وكثرة عطائه وجميل ستره وطول حلمه وعظيم‬
‫عفوه وسعة رحمته وما أشبهها من هذا النوع ومنهم من‬
‫يكشف له من طريق مشاهدة ما سبق له من الله في أزليته‬
‫وقدمه من ذكره إياه ومن حسن نظره إليه واجتبائه واختياره‬
‫واصطفائه ولطائفه السابقة‪ .‬ومنهم من يكشف له طريق‬
‫مشاهدة الحقائق من أفعال الربوبية فيشاهد آثار قدرته في‬
‫الشياء كلها وجميل صنعه وما أشبه هذا الجنس‪ .‬ومنهم من‬
‫يكشف له من طريق مشاهدة عظمة الله وجلله وكبريائه‬
‫وعظم قدرته وحقارة قدر خلقه في جنب عظمته ورؤية فقر‬
‫الخلق وضرهم وفاقتهم وحاجتهم إليه وقوته وغنائه عنهم‬
‫وسعة خزائنه وكفايته وحسن عنايته في أمورهم‪ .‬ومنهم من‬
‫يكشف له من جهة رؤية التوفيق وحلوة المعرفة والمحبة‬
‫ورؤية عصمته إياه من الضللة والكفر والهواء‪ .‬ومنهم من‬
‫يكشف له من طريق مشاهدة فردانيته ووحدانيته فقط‪ ،‬حتى‬
‫ل يرى في سره معه غيره‪ ،‬فيتلشى قدر من دونه في سره‬
‫حين يشاهد الله جل جلله فيرى قدمه وكماله وبقاءه ويرى‬
‫حدوث الخلق وفنائهم‪.‬‬
‫وجميع هذه الوجوه ليس لبحارها غاية ول لجواهرها نهاية‬
‫ة فَ َ‬
‫قد ْ‬ ‫م َ‬ ‫ت ٱل ْ ِ‬
‫حك ْ َ‬ ‫شآُءۚ وَ َ‬
‫من ي ُؤْ َ‬ ‫من ي َ َ‬
‫ة َ‬ ‫حك ْ َ‬
‫م َ‬ ‫وقد قال جل جلله‪} :‬ي ُؤِْتى ٱل ْ ِ‬
‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫ب { )البقرة‪ (269 ،‬وهذه‬ ‫ما ي َذ ّك ُّر إ ِّل أ ۟وُلو ۟ا ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬
‫خي ْ ًۭرا ك َِثي ًۭراوَۗ َ‬
‫ى َ‬
‫أوت ِ َ‬
‫الوجوه كلها‪ ،‬ما يجري منها على لسان الحكيم‪ ،‬كمثل البحر‬
‫يموج منه الزبد‪ 11‬فينبذه البحر فينتفع به النسان‪ ،‬فكذلك‬
‫الحكيم ما يجري من الحكمة على اللسان ويعّبر للخلق على‬
‫لسان البيان كزبد يهيج من بحر القلب‪ ،‬وزبد البحر ينتفع به من‬
‫كان به رمد العين‪ ،‬فكذلك ينتفع من في قلبه مرض حب الدنيا‬
‫ورمدت عينا قلبه بقول الحكيم‪ ،‬ويشفي الله تعالى صدره مما‬
‫فيه من المراض من حب الشهوات ومثله من الفات‪.‬‬
‫فهذا طريق باطن العلم وظاهره‪ ،‬ول يستغني أحدهما عن‬
‫الخر‪ ،‬لن أحد العلمين بيان الشريعة وهو حجة الله تعالى على‬
‫ضها فعمارة القلب‬ ‫ت بع َ‬ ‫خلقه والخر بيان الحقيقة التي وصف ُ‬
‫والنفس بهما جميعا ً وصلح ظاهر الدين وقوامه بعلم الشريعة‬
‫أي زبد البحر الذي هو رغوة بيضاء توجد على شاطئ البحر‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪12‬‬
‫وصلح باطنه وقوامه بالعلم الخر وهو علم الحقيقة‪ ،‬والدليل‬
‫على ذلك أن صلح الدين بصحة التقوى وقد قال رسول الله‬
‫ﷺ‪" :‬التقوى هاهنا"‪ 12‬وأشار بيده إلى قلبه‪ .‬فمن اتقى بالعلم‬
‫الظاهر وأنكر العلم الباطن فهو منافق ومن اتقى بالعلم‬
‫الباطن ولم يتعلم العلم الظاهر ليقيم به الشريعة وأنكرها فهو‬
‫زنديق‪ ،‬وليس علمه في الباطن علما ً في الحقيقة‪ ،‬إنما هو‬
‫ن‬‫وساوس يوحي بها الشيطان إليه‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬وَإ ِ ّ‬
‫ن إ ِل َ ٰٓى أ َوْل َِيآئ ِهِْم{ )النعام‪ .(121 ،‬وأما من كان‬ ‫ن ل َُيو ُ‬
‫حو َ‬ ‫شي َ ٰب ِ‬
‫طي َ‬ ‫ٱل ّ‬
‫مسلما ً مؤمنا ً صالحا ً عارفًا‪ ،‬فآمن بكتاب الله وسنة رسوله‬
‫وتمسك بالشريعة وعمل بها واقتدى برسول الله ﷺ واتبعه‬
‫واتبع الئمة من أصحابه وشاهد بقلبه منن الله تعالى على‬
‫سبيل الفتقار والفتخار به ورؤية الضطرار من نفسه وترك‬
‫الختيار وصحبة الملك الغفار‪ .‬وقد وّفقني الله بمننه حتى‬
‫ت في الشرح والبيان بين الصدر والقلب‪.‬‬ ‫بالغ ُ‬

‫‪ 12‬نص الحديث‪ :‬إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث‪ ،‬ول تحسسوا‪ ،‬ول تجسسوا‪ ،‬ول تنافسوا‪ ،‬ول تحاسدوا‪ ،‬ول‬
‫م أخو المسببلم‪ :‬ل يظلمببه‪ ،‬ول يخببذله‪ ،‬ول يحقببره‪،‬‬ ‫تباغضوا‪ ،‬ول تدابروا‪ ،‬وكونوا عباد الله إخوانا ً كما أمركم‪ ،‬المسل ُ‬
‫التقوى ﻫا ﻫنا‪ ،‬التقوى ﻫاﻫنا‪) ،‬ويشير إلى صببدره( بحسببب امببرئ مببن الشببر أن يحقببر أخبباه المسببلم‪ :‬كببل‬
‫المسلم على المسلم حرام‪ :‬دمه‪ ،‬وعرضه‪ ،‬وماله‪ :‬إن الله ل ينظر إلى أجسادكم‪ ،‬ول إلى صوركم ولكن ينظر إلى‬
‫قلوبكم وأعمالكم‪ .‬مسلم‪ ،‬كتاب البر‪ ،‬باب تحريم ظلم المسببلم‪ ،‬رقببم )‪ ،(2564‬البخبباري‪ ،‬كتبباب الدب‪ ،‬باب مببا‬
‫ينهى عن التحاسد والتدابر‬

‫‪13‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫ك ك َت َ َ‬
‫ب‬ ‫والقلب هو معدن نور اليمان‪ ،‬قال الله تعالى‪۟ ُ } :‬‬
‫أول َ ٰبٓئ ِ َ‬
‫ب إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫م‬ ‫حب ّ َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن ٱلل ّ َ‬ ‫ن { )المجادلة‪ ،(22 ،‬وقال‪} :‬وََلبٰك ِ ّ‬ ‫م ٰب َ‬ ‫مٱِْ‬
‫لي َ‬ ‫ِفى قُُلوب ِهِ ُ‬
‫مئ ِ ۢ ّ‬
‫ن‬ ‫مط ْ َ‬ ‫} ْب ُ ۥ ُ‬
‫ه ُ‬ ‫م{ )الحجرات‪ ،(7 ،‬وقال‪:‬وَقَل‬
‫ه ِفى قُُلوب ِك ُ ْ‬ ‫ن وََزي ّن َ ۥ ُ‬
‫م ٰب َ‬ ‫ٱِْ‬
‫لي َ‬
‫ن{ )النحل‪ .(106 ،‬والقلب هو معدن التقوى والسكينة‬ ‫م ٰب ِ‬ ‫ب ِٱ ْ ِ‬
‫لي َ‬
‫والوجل الخبات واللين والطمأنينة والخشوع والتمحيص‬
‫تعالى‪}:‬أ َل َْزَمهُْم ك َل َِمَة ٱلت ّْقوَ ٰى وََكان ُوٓ ۟ا أ ََحقّ ب َِها {‬ ‫وَ‬ ‫والطهارة‪.‬قال الله‬
‫)الفتح‪ (26 ،‬وأشار باللزام إلى قلوبهم‪ ،‬وقال‪ }:‬هُوَ ٱل ّذِىٓ َأنَز َ‬
‫ل‬
‫ما ِفى قُُلوب ِهِ ْ‬
‫م‬ ‫م َ‬ ‫ن { )الفتح‪ (4 ،‬وقال‪ }:‬فَعَل ِ َ‬ ‫مِني َ‬‫مؤْ ِ‬ ‫ب ٱل ْ ُ‬ ‫ة ِفى قُُلو ِ‬ ‫كين َ َ‬
‫س ِ‬ ‫ٱل ّ‬
‫كين ََة عَل َي ْهِْم{ )الفتح‪ ،(18 ،‬وقال في قصة الخليل عليه‬ ‫س ِ‬ ‫ل ٱل ّ‬ ‫فََأنَز َ‬
‫ن‬
‫مئ ِ ّ‬‫ن قَل ِْبىۖ { )البقرة‪ ،)260 ،‬وقال‪} :‬وَت َط ْ َ‬ ‫مئ ِ ّ‬ ‫كن ل ّي َط ْ َ‬ ‫السلم‪} :‬وَل َ ٰب ِ‬
‫ه قُُلوب َهُ ْ‬
‫م‬ ‫ن ٱلل ّ ُ‬ ‫ح َ‬ ‫مت َ َ‬‫نٱ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫ك ٱل ّ ِ‬ ‫قُُلوب َُنا {)المائدة‪ ،(113 ،‬وقال‪} :‬وأ ُل َ ۟ ٓبٰئ ِ َ‬
‫ِللت ّْقوَ ٰىۚ{ )الحجرات‪ ،(3 ،‬وأشار رسول الله ﷺ بالتقوى إلى‬
‫ن{ )المائدة‪،‬‬ ‫قي َ‬‫مت ّ ِ‬ ‫ن ٱل ْ ُ‬ ‫م َ‬
‫ه ِ‬‫ل ٱلل ّ ُ‬ ‫قب ّ ُ‬
‫ما ي َت َ َ‬ ‫قلبه‪ ،‬وقال عز وجل‪ } :‬إ ِن ّ َ‬
‫‪ .(27‬وأصل التقوى في القلب‪ ،‬وهي‪ :‬التقوى من الشك‬
‫والشرك والكفر والنفاق والرئاء‪ .‬وقال في الطهارة‪َ‌ } :‬ذٰٰل ِك ُ ْ‬
‫م‬
‫ه َأن‬ ‫م ي ُرِدِ ٱلل ّ ُ‬ ‫ن لَ ْ‬ ‫ذي َ‬‫ك ٱل ّ ِ‬ ‫م{ )الحزاب‪ ،(53 ،‬وقال‪} :‬وأ ُل َ ۟ ٓبٰئ ِ َ‬ ‫قُلوب ِك ُ ْ‬ ‫أ َط ْهَُر ل ِ ُ‬
‫ص َما ِفى قُُلوب ِك ُْمۗ {‬ ‫ح َ‬ ‫م ّ‬ ‫مۚ { )المائدة‪ ،(41 ،‬وقال‪ }:‬وَل ِي ُ َ‬ ‫ي ُط َهَّر قُُلوب َهُ ْ‬
‫)آل عمران‪ ،(154 ،‬وقال في الوجل‪ } :‬وّقُُلوب ُهُْم وَِجل ٌَة {‬
‫ت قُُلوب ُهُْم{ )النفال‪ ،(2 ،‬وقال في‬ ‫جل َ ْ‬ ‫)المؤمنون‪ ،(60 ،‬وقال‪} :‬وَ ِ‬
‫مۗ { )الحج‪ ،(54 ،‬وقال في اللين‪} :‬ث ُ ّ‬
‫م‬ ‫ه قُُلوب ُهُ ْ‬ ‫ت لَ ۥ ُ‬ ‫خب ِ َ‬ ‫الخبات‪} :‬فَت ُ ْ‬
‫لى ذِك ْرِ ٱلل ِّهۚ{ )الزمر‪ ،(23 ،‬وقال في عدم‬ ‫م إِ َ ٰ‬ ‫م وَقُُلوب ُهُ ْ‬ ‫جُلود ُهُ ْ‬ ‫ن ُ‬ ‫ت َِلي ُ‬
‫ن ب َِها { )العراف‪ ،(179 ،‬وقال في‬ ‫قُهو َ‬ ‫ف َ‬ ‫ب ّل ي َ ْ‬ ‫م قُُلو ۭ ٌ‬ ‫} ْ‬‫الفقه‪ :‬ل َهُ‬
‫ْ‬
‫شعَ قُُلوب ُهُْم ل ِذِك ْرِ ٱلل ِّه{ )الحديد‪،‬‬ ‫خ َ‬ ‫وا َأن ت َ ْ‬ ‫من ُ ٓ ۟‬‫ن َءا َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ل ِل ّ ِ‬ ‫م ي َأ ِ‬
‫َ‬
‫الخشوع‪ ۞} :‬أل َ ْ‬
‫رجل يصلي وهو يعبث بلحيته فقال‪:‬‬ ‫ً‬ ‫‪ .(16‬ورأى رسول الله ﷺ‬
‫"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"‪ ،13‬وقال أهل التفسير إن‬
‫معنى الخشوع الخوف الدائم في القلب‪.‬‬
‫اعلم‪ ،‬رحمك الله‪ ،‬أنه ليس من خلق الله شيء أطيب من‬
‫قلب طاب بنور التوحيد والمعرفة واليمان ول أطهر ول أنظف‬
‫ول أتقى ول أصفى ول أوسع إذا طّهره الله من النجاس وتولى‬
‫إحياءه بنور الحق وحفظه وحرسه وزاد فيه من الفوائد‪ ،‬وهو‬
‫قلب المؤمن‪ ،‬وليس لنواره غاية وليس شيء أخبث منه ول‬
‫ابن أبي شيبة‪ ،‬المصنف‪ ،‬رقم )‪ ،(6787‬ج ‪ ،2‬ص ‪.86‬‬ ‫‪13‬‬

‫‪14‬‬
‫أنتن ول أنجس إذا خذل الله صاحبه‪ ،‬ولم يتول حفظه ووكله‬
‫إلى الشيطان‪ ،‬وهو قلب المنافق والكافر‪ ،‬لنه معدن الشرك‬
‫ما‬‫والشك والنفاق والريب والمرض‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫م‬‫س{ )التوبة‪ ،(28 ،‬وقال في المنافقين‪} :‬إ ِن ّهُ ْ‬ ‫ج ۭ ٌ‬ ‫ن نَ َ‬
‫كو َ‬‫شرِ ُ‬ ‫ٱل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ت قُُلوب ُهُْم {‬ ‫سۖ{ )التوبة‪ ،(95 ،‬وقال في معنى الريب‪} :‬وَٱْرَتاب َ ْ‬ ‫ج ۭ ٌ‬ ‫رِ ْ‬
‫}ُلوب ُُهم ّمنك َِر ۭةٌ { )النحل‪،‬‬ ‫)التوبة‪ ،(45 ،‬وقال في معنى النكار‪ :‬قُ‬
‫ض{ )الحج‪.(53 ،‬‬ ‫مَر ۭ ٌ‬ ‫فى قُُلوب ِِهم ّ‬ ‫‪ ،(22‬وقال في معنى المرض‪}ِ :‬‬
‫وأصل جميع الذنوب قساوة القلب‪ ،‬قال الحكيم‪" :14‬إن القلب‬
‫إذا قسى ل يبالي إذا أساء"‪ .‬والقلب إذا استنار بنور الله ونور‬
‫اليمان تولى الله حفظه‪ ،‬ومله محبة وخشية‪ ،‬وأقفل عليه‬
‫قفل القدرة‪ ،‬ووضع مفتاح المشيئة في خزينة غيبه‪ ،‬ول يطلع‬
‫عليه أحد إل ّ في وقت سكرة الموت‪ ،‬فحينئذ يظهر له ما في‬
‫غيبه‪ .‬وإن القلب إذا امتل من ظلمات الكفر والشك والنفاق‪،‬‬
‫قّيض الله لصاحبه شيطانًا‪ ،‬فتولى حفظه وأقفل عليه قفل‬
‫الخذلن‪ ،‬والله يعلم عاقبته‪ ،‬وما يؤول إليه أمره‪ ،‬ل يظهر ذلك‬
‫لحد إلى إن يغرغر‪ ،‬وذلك سر الله ل يطلع عليه غيره‪ .‬فكم‬
‫من كافر بعيد وُّفق باليمان فيموت سعيدًا‪ ،‬وكم من مؤمن‬
‫قريب يخذله ربه فيموت شقيًا‪.‬‬
‫واعلم‪ ،‬رحمك الله‪ ،‬أن قدرة الله نافذة‪ ،‬وأنه لم يطلع على‬
‫مراده مشيئته في خلقه وخواتم أعماله إل ّ طائفة من النبياء‪،‬‬
‫وذلك علمته لصحة نبوتهم‪ .‬وأخبر رسول الله ﷺ عن عشرة‬
‫ة من الله وفضل ً منه‬ ‫من أصحابه أنهم من أهل الجنة كرام ً‬
‫عليه‪.‬‬
‫واعلم أن مدار تأكد وجوب الثواب والعقاب بالقلب‪ ،‬وفعله‬
‫ت قُُلوب ُك ُْمۗ{‬ ‫ما ك َ َ‬
‫سب َ ْ‬ ‫خذ ُ ُ‬
‫كم ب ِ َ‬ ‫ؤا ِ‬‫كن ي ُ َ‬ ‫بالنفس تبعة‪ ،‬قال الله تعالى‪ } :‬وَل َ ٰب ِ‬
‫)البقرة‪ (225 ،‬وإنما هذا في أحكام الخرة‪ .‬وأما حكم الدنيا‪،‬‬
‫فالنفس بالنفس تؤاخذ في أفعالها‪ ،‬وأما فيما بين العبد وبين‬
‫ربه فإن الحكم بما في القلب‪ .‬قال الله تعالى في شأن عمار‬
‫بن ياسر‪ 15‬إ‪ّ:‬ل}م ُ‬
‫ن { )النحل‪،{106 ،‬‬ ‫م ٰب ِ‬ ‫ن ب ِٱ ْ ِ‬
‫لي َ‬ ‫مئ ِ ۢ ّ‬
‫مط ْ َ‬ ‫ن أك ْرِهَ وَقَل ْب ُ ۥ ُ‬
‫ه ُ‬ ‫ِ َ ْ‬
‫فبين الله عذره أنه لم يضره ذلك ل طمأنينة قلبه على صدق‬
‫اليمان‪ .‬ويثاب العبد لعمله بالركان إذا صحت نية قلبه على‬
‫‪ 14‬لعله لقمان الحكيم الذي يذكر في القران الكريم‪.‬‬
‫‪ 15‬صحابي تلقى هو وأسرته التعذيب على أيدي المشركين وأجبر علببى مببدح هبببل تحببت التعببذيب وهببو مببن أهببل‬
‫فة‪.‬‬
‫الص ّ‬

‫‪15‬‬
‫ذلك بنور اليمان‪ ،‬قال رسول الله ﷺ‪" :‬يثاب الناس على قدر‬
‫نياتهم"‪"،16‬وإنما العمال بالنيات"‪ ،17‬و"ل عمل لمن ل نية‬
‫له"‪.18‬‬
‫فالصدر موضع يصدر إليه علم العبارة‪ ،‬والقلب معدن‬
‫العلم‪ ،‬والذي تحت علم العبارة‪ ،‬وهو علم الحكمة والشارة‪.‬‬
‫وعلم العبارة حجة الله على الخلق‪ ،‬يقول الله لهم‪ :‬ما عملتم‬
‫فيما علمتم؟ وعلم الشارة محجة العبد إلى الله بهداية الله‬
‫ن عليه بكشف قلبه بمشاهدة غيبه ورؤية ما‬ ‫تعالى له‪ ،‬إنه م ّ‬
‫وراء حجبه‪ ،‬كأّنه يرى ذلك كله بعينه‪ ،‬حتى لو كشف له الغطاء‬
‫لما زاد في نفسه‪ ،‬فالقلب موضع علم الشارة‪ .‬ومعنى علم‬
‫العبارة أن يعّبر باللسان‪ ،‬ومعنى علم الشارة أن يشير بقلبه‬
‫إلى ربوبيته ووحدانيته وعظمته وجلله وقدرته وجميع صفاته‬
‫وحقائق صنعته وفعله‪.‬‬
‫ومعدن نور اليمان ونور القرآن معدن واحد‪ ،‬وهو القلب‪،‬‬
‫ما ٱل ْك ِت َ ٰب ُ‬
‫ب وََل‬ ‫ت ت َد ِْرى َ‬ ‫وكل النورين شكلن‪ ،‬قال الله تعالى‪َ } :‬‬
‫ما ُ‬
‫كن َ‬
‫كن َجعَل ْن َ ٰبُه ُنو ًۭرا { )الشورى‪ (52 ،‬فجمع بين النورين بالهاء‬ ‫ن وَل َ ٰب ِ‬
‫م ٰب ُ‬ ‫ٱ ِْ‬
‫لي َ‬
‫مذ أشار إلى ربه بالربوبية لم‬ ‫كناية الواحد‪ .‬ومعنى الشارة أنه ُ‬
‫يكفر به ولم يشكر غيره ول يرجو أحدا ً سواه‪ .‬واعلم أن نور‬
‫القلب على سبيل الكل ل يتجزأ ول يتبعض لنه أصل يجيء كله‬
‫إذا جاء ويذهب كله إذا ذهب‪ .‬وكذلك ظلمة الكفر‪ ،‬لنها أصل‬
‫كل مصيبة إل أن تذهب‪ ،‬وربما يضعف ويتهيأ ويتبعض سلطانها‬
‫مثل السراج إذ هو سراج واحد إن زاد ولية نوره أو نقصت‪.‬‬
‫وأما نور الصدر وظلمته فإنه يزيد وينقص‪ ،‬لن هذا فرع وهو‬
‫بالنفس يقام ‪ ،‬وعُّين به السلم‪ .‬ومنه يدخل النقصان في هذه‬
‫الوجه من الدين‪ ،‬وربما يزيد فيه‪ ،‬والدليل على ذلك ما قال‬
‫‪19‬‬
‫رسول الله ﷺ في شأن النساء فقال "ناقصات عقل ودين"‬
‫وإنما المراد منه فرع الدين في أيام الحيض والنفاس‪ .‬فبان لك‬
‫أن أنوار الصدور على وجوه‪ ،‬والعمل بها على المواقيت‬
‫والمقادير‪ .‬فمن أراد علما ً منه ازداد في صدره نوره على‬
‫مقدار ذلك‪ ،‬وينقص أيضا ً نوره بترك استعماله‪ ،‬لن حامل هذا‬
‫‪ 16‬روى مثله الطبراني‪ ،‬المعجم الكبير‪ ،‬رقم )‪ ،(594‬ج ‪ ،6‬ص ‪.228‬‬
‫‪ 17‬سبق تخريجه‪.‬‬
‫‪ 18‬البيهقي‪ ،‬السنن الكبرى‪ ،‬باب النية في اليمين‪ .‬رقم )‪ ،(179‬ج ‪ ،1‬ص ‪.41‬‬
‫‪ 19‬البخاري‪ ،‬باب ترك الحائض الصوم‪ ،‬رقم )‪ ،(304‬مسلم‪ ،‬باب بيان نقصان اليمان بنقببص الطاعببات‪ ،‬رقببم )‪،79‬‬
‫‪.(80‬‬

‫‪16‬‬
‫النوع من العلم هي النفس‪ ،‬فكما أنها تزيد وتنقص فكذلك‬
‫أفعالها وصفاتها تزيد وتنقص‪.‬‬
‫مث َُلها ك َ َ‬
‫مَثل‬ ‫وأما أنوار القلب فإنها في الصل كاملة‪ ،‬و َ‬
‫الشمس التي هي كاملة‪ ،‬ولكن الهواء إذا كان فيه علة مثل‬
‫دة الحّر وشدة البرد حجبت هذه الشياء‬ ‫الغيم والضباب وش ّ‬
‫نوَرها‪ ،‬فانتقصت ولية شعاعها‪ ،‬وقل سلطان حرها‪ ،‬فإذا‬
‫ارتفعت تلك العلل نفذت ولية نورها‪ ،‬وبلغت شعاعها واشتد‬
‫سلطانها‪ ،‬ولم تكن في ذاتها ناقصة ولكن منافعها قد انقطعت‬
‫للعلل التي وصفُتها‪ .‬فكذلك نور اليمان ونور المعرفة ونور‬
‫التوحيد إذا أخذتها ظلمات الغفلة وغيوم النسيان وحجب‬
‫العصيان وامتل الصدر من غبار الشهوات وضباب أضرار النفس‬
‫واليأس من روح الله‪ ،‬وانتقصت ولية هذه النوار عن النفس‬
‫وبقيت بذاتها وتحت هذه الحجب ووراء هذه الستار‪ ،‬فإذا‬
‫ارتفعت هذه العلل من الصدر بمنة الله وتوفيقه وصحت توبة‬
‫خرقت الحجب وظهرت‬ ‫كشف الغطاء و ُ‬ ‫العبد إلى الله تعالى‪ُ ،‬‬
‫منافعها على النفس وانتشرت وليتها‪ .‬فمن تفكر بتوفيق الله‬
‫في هذه النكتة واستمسك بالسنة‪ ،‬أزال الله تعالى كثيرا ً من‬
‫الشبهات من قلبه‪ ،‬وقلع عن صدره عروق ريبه‪ ،‬وهداه الله‬
‫سر‬‫تعالى إلى مشاهدة حقائق غيبه‪ .‬وهذا شيء واضح لمن ي ّ‬
‫الله عليه سبيل الفقه والفهم‪.‬‬
‫وأما نور الحكام وهو نور السلم في الصدر فإنه يزداد‬
‫بصحة المعاملة وصدق المجاهدة‪ ،‬وينقص نوره بالعراض عن‬
‫مَثل القمر‪ ،‬فإنه يزيد‬ ‫مَثله ك َ َ‬
‫إقامة شرائعه وترك استعماله‪ ،‬فَ َ‬
‫وينقص‪.‬‬
‫السلم اسم جامع لصل الدين وفروعه‪ ،‬وقد أكمل الله‬
‫هذا الدين بفروعه وأحكامه في نيف وعشرين سنة‪ ،‬إل أنه‬
‫نسخ من أحكامه بعضها فبدل بعضها‪.‬‬
‫وأما اليمان والمعرفة والتوحيد فل يجوز النسخ فيها ول‬
‫تبديل شيء منها‪ .‬وكفى العاقل الموفق إذا تفكر فيها أن‬
‫يعرف الفرق بين ما حملته النفس وبين ما حمله القلب‪ .‬ولكن‬
‫المؤمن هو من الله في مزيد من البر في كل لحظة وساعة‪،‬‬
‫فتعلو مراتبه من جهة مشاهدة لطائف الله تعالى‪ ،‬ويكشف له‬
‫من حجب الغيب من ساعة إلى ساعة ما لم يكن كشف له‬
‫‪17‬‬
‫قبل ذلك‪ .‬وكذلك العبد تضعف أحواله أحيانًا‪ ،‬وتشغل مراتب‬
‫مَثلها أيضا ً كمثل‬ ‫قلبه من جهة الغفلة والصول على حالها‪ .‬و َ‬
‫خى عليه الستور‪ ،‬فهو على حاله‬ ‫السراج يكون في شيء فُير َ‬
‫جَبت ووليُته عن النتشار‬ ‫ح ِ‬ ‫ن ضياؤه ومنفعته ُ‬ ‫من الداخل لك ْ‬
‫ف في ثوب‪ ،‬فهي في‬ ‫مَثلها أيضا ً كمثل المرآة ُتل ّ‬ ‫انقطعت‪ .‬و َ‬
‫الصل كما كانت إل ّ أن منفعة الظاهر قد انقطعت‪ ،‬فافهم‪،‬‬
‫رحمك الله‪ ،‬أن الكتاب المنزل‪ ،‬كما كان جبريل عليه السلم‬
‫تولى إنزاله بعلم الله تعالى‪ ،‬فمعدنه قلب النبي ﷺ‪ .‬قال الله‬
‫ك ب ِإ ِذ ِْن ٱلل ّهِ {‬ ‫ه عَ َ ٰ‬
‫لى قَل ْب ِ َ‬ ‫ه ن َّزل َ ُۥ‬
‫ل فَإ ِن ّ ُۥ‬‫ري َ‬ ‫ن عَد ُ ّۭوا ل ّ ِ‬
‫جب ْ ِ‬ ‫من َ‬
‫كا َ‬ ‫ل َ‬‫تعالى‪ }:‬قُ ْ‬
‫ك{‬‫عَل َ ٰى قَل ْب ِ َ‬
‫ن }‪{١٩٣‬‬ ‫مي ُ‬‫ح ٱْل َ ِ‬ ‫ل ب ِهِ ٱلّرو ُ‬ ‫)البقرة‪ ،(97 ،‬وقال‪ } :‬ن ََز َ‬
‫)الشعراء‪.(194-193 ،‬‬

‫‪18‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫واعلم أن الفؤاد‪ ،‬وإن كان موضع الرؤية فإنما يرى الفؤاد‬
‫ويعلم القلب‪ .‬وإذا اجتمع العلم والرؤية صار الغيب عند صاحبه‬
‫عيانًا‪ ،‬ويستيقن العبد بالعلم والمشاهدة وحقيقة رؤية اليمان ‪:‬‬
‫س ۦهِۖ{ )النعام‪ (104 ،‬والمنة لله عليه بالهداية‬ ‫صَر فَل ِن َ ْ‬ ‫}م َ‬
‫ف ِ‬ ‫ن أب ْ َ‬ ‫فَ َ ْ‬
‫ى فَعَل َي َْهاۚ { )النعام‪ (104 ،‬والحجة‬ ‫م َ‬ ‫ن عَ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫والتوفيق بتصديقه‪ } ،‬وَ َ‬
‫لله عليه بتكذيبه‪ .‬وقال الله تعالى في علم اليقين وعين‬
‫م ل َت ََروُن َّها‬‫م }‪ {٦‬ث ُ ّ‬
‫حي َ‬‫ج ِ‬‫ن ٱل ْ َ‬ ‫ن }‪ {٥‬ل َت ََروُ ّ‬ ‫قي ِ‬ ‫م ٱل ْي َ ِ‬ ‫عل ْ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫مو َ‬‫اليقين‪ } :‬ك َّل ل َوْ ت َعْل َ ُ‬
‫ن }‪) { {٧‬التكاثر‪ .(7-5 ،‬وأخبر الله نبيه موسى عليه‬ ‫ن ٱل ْي َ ِ‬
‫قي ِ‬ ‫عَي ْ َ‬
‫السلم أن قومه اتخذوا العجل فاشتد ّ غضبه ورجع إلى قومه‬
‫ما أيقن بإخبار الله تعالى عنهم‪ ،‬وحمل اللواح‪،‬‬ ‫غضبان أسفا ً ل َِ‬
‫فلما عاينهم يعبدون العجل ألقى اللواح‪ ،‬وأخذ برأس أخيه‬
‫يجّره إليه‪ .‬فكذلك قال رسول الله ﷺ‪" :‬رحم الله أخي موسى‬
‫ليس الخبر كالمعاينة"‪ .20‬إن موسى أخبره ربه قال‪} :‬قَد ْ فَت َّنا‬
‫من بعد َ َ‬
‫ى { )طه‪ (85 ،‬فلما عاينهم ازداد‬ ‫مرِ ّ‬ ‫سا ِ‬ ‫م ٱل ّ‬ ‫ضل ّهُ ُ‬‫ك وَأ َ‬ ‫ك ِ ۢ َْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫قَوْ َ‬
‫غضبا ً وحدة‪.‬‬
‫فالقلب أيضا ً تضاف إليه الرؤية‪ ،‬ولكن إنما يرى بالنور الذي‬
‫فيه‪ ،‬يدل على ذلك ما أجاب أبو جعفر محمد بن علي‪ 21‬رضي‬
‫الله عنه للعرابي حين سأله فقال‪" :‬رأيت ربك؟" فقال‪" :‬ما‬
‫كنت أعبد شيئا ً لم أره" فقال‪ " :‬كيف رأيته؟" قال‪" :‬إنه لم تره‬
‫البصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق اليمان"‪،‬‬
‫فأشار إلى الرؤية بالقلب ولكن بحقيقة نور اليمان‪ .22‬والقلب‬
‫والفؤاد ُيعّبر عنهما بلفظة البصر لنهما موضعان للبصر‪ ،‬قال‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫ص ٰب ِ‬
‫ر‬ ‫ك ل َعِب َْر ۭةً ّل ۟وِلى ٱْلب ْ َ‬
‫نَر ِۚفى ‌َٰذٰل ِ َ‬
‫ل وَٱلن ّإ َِها ّ‬ ‫ه ٱل ّي ْ َ‬ ‫ب ٱلل ّ ُ‬ ‫قل ّ ُ‬ ‫الله تعالى‪ } :‬ي ُ َ‬
‫ص ٰبرِ }‪{{2‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫}عْت َب ُِرو ۟يا َ ٰٓبأ ۟وِلى ٱْلب ْ َ‬ ‫}‪) { {٤٤‬النور‪ ،(44 ،‬وقال‪ :‬فَٱ‬
‫)الحشر‪ (2 ،‬فأهل البصار لهم العتبار‪ ،‬بأن يروا في الشياء‬
‫لطائف صنع الله تعالى‪ ،‬وإنما هم أهل القلوب‪.‬‬
‫وأهل المشاهدة بنور اليمان على مراتب‪ ،‬فمنهم من‬
‫يكشف له من عظائم الغفلة بمجاهدته الصحيحة ورؤية الخرة‬
‫بعيان عيني قلبه كأنه ينظر إليها‪ ،‬كما قال حارثة "أصبحت‬
‫‪ 20‬أحمد بن حنبل‪ ،‬مسند‪ ،‬رقم )‪ ،(1842‬ج ‪ ،1‬ص ‪ :215‬ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه‬
‫في العجل فلم يلق اللواح فلما عاين ما صنعوا ألقى اللواح فانكسرت‪.‬‬
‫‪ 21‬هو أبو جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين بببن علببي بببن أبببي طببالب‪ .‬المببام الخببامس عنببد الشببيعة الثنببا‬
‫عشرية‪.‬‬
‫‪ 22‬هذا القول منسوب لعلي بن أبي طالب‪ :‬السراج‪ ،‬كتاب اللمع‪ ،‬تحقيق نكلسون )ليدن‪ :‬بريل‪ ،(1914 ،‬ص ‪.350‬‬

‫‪19‬‬
‫مؤمنا ً حقًا"‪ .23‬قال رسول الله ﷺ‪" :‬إن لكل حق حقيقة فما‬
‫حقيقة إيمانك؟" الحديث‪ .‬فهذا كشف الله له بعزف نفسه عن‬
‫الدنيا‪ ،‬والخرة‪ ،‬وعاينها بنور قلبه‪ ،‬وإنه لم ينطق عن مقام‬
‫مشاهدة الله ومشاهدة صفاته ومّنته وبره وعظمته‪ ،‬وما‬
‫أشبهها‪ ،‬إنما ينطق عن مجاهدته التي أورثته مشاهدة العرش‬
‫والجنة وأهلها والنار وأهلها‪ .‬فبان لك أن الرؤية والمشاهدة من‬
‫جهة العبد يزداد سلطانها وأنوارها من الله تعالى‪.‬‬
‫وفرق آخر بين القلب والصدر أن نور الصدر له نهاية ونور‬
‫القلب ل نهاية له ول غاية له ول انقطاع وإن مات العبد‪ ،‬وإنما‬
‫العبد إذا مات على اليمان كان نوره معه ل يفارقه في القبر‬
‫ا‪ ،‬قال الله تعالى‪ } :‬ي ُث َب ّ ُ‬
‫ت ٱلل ّ ُ‬
‫ه‬ ‫ول في القيامة‪ ،‬ويبقى معه دائم ً‬
‫لَءاِخَرِةۖ{ )إبراهيم‪،‬‬ ‫حَيوٰةِ ٱلد ّن َْيا وَِفى ٱ ْ‬
‫ت ِفى ٱل ْ َ‬
‫ل ٱلّثاب ِ ِ‬ ‫مُنوا۟ ب ِٱل ْ َ‬
‫قوْ ِ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫‪.(27‬‬
‫وأما أحكام شرائع السلم وما كان بناؤه على سبيل‬
‫التكليف فإنها تنتهي غايتها بالموت‪ ،‬وكفى به دليل ً لمن يقول‬
‫بكمال اليمان وأنه ل يزيد ول ينقص‪ .‬وهو حجة على من يقول‬
‫بزيادته ونقصانه ويشبه بسائر العمال‪ ،‬ويقول بأن العمال‬
‫كلها إيمان‪ ،‬ويقول إن اليمان باللسان‪ ،‬أو يقول في الحقيقة‬
‫إنه فعل العبد‪ ،‬أو يفرق بين حقيقة معنى اليمان ومعنى‬
‫السلم‪ .‬وليس بمصيب منا من يشتغل بما لم ُيكّلف‪،‬‬
‫والسكوت للجاهل سلمة والنطق للعالم من الله إكرام‪ .‬أل‬
‫ترى أن سؤال العبد في القبر إنما يكون عن الصول ول يكون‬
‫عن الفروع‪ ،‬ويقال له‪ :‬من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ول‬
‫يقال‪ :‬ما عملك؟ ول‪ :‬كيف صليت؟ وُيسأل يوم القيامة عن‬
‫اليمان أول ً ثم عن العمال على الولء‪ ،‬فيثاب بالعمال على‬
‫قدر قوة الصول وهي النيات‪.‬‬
‫مى القلب قلبا ً لسرعة تقلبه‪ .‬قال عليه الصلة‬ ‫إنما ُيس ّ‬
‫مَثل ريشة في الفلة من‬ ‫مَثل القلب ك َ‬ ‫والسلم ‪" :‬إنما َ‬

‫‪ 23‬الطبراني‪ ،‬المعجم الكبير‪ ،‬رقم )‪ ،(3367‬ج ‪ ،3‬ص ‪ :266‬عن الحارث بن مالك النصاري أنه مر برسببول اللببه‬
‫صلى الله عليه و سلم فقال له ‪ :‬كيف أصبحت يا حارث؟ قال‪ :‬أصبحت مؤمنا حقا فقال‪ :‬انظر ما تقول؟ فإن لكل‬
‫شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال‪ :‬قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لببذلك ليلببي وأطمببأن نهبباري وكببأني‬
‫أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظبر إلبى أهبل النبار يتضباغون فيهبا‬
‫فقال‪ :‬يا حارث عرفت فالزم ثلثا‪ .‬تختلف الروايات عند أهل التصوف القدماء مثل السراج‪ ،‬كتاب اللمببع‪ ،‬ص ‪-12‬‬
‫‪ ،13‬السلمي‪ ،‬كتاب الربعين في التصببوف‪ ،‬حيببدرأباد‪ ،1950 ،‬ص ‪ ،6-5‬الترمببذي‪ ،‬كتبباب الرياضببة وأدب النفببس‪،‬‬
‫القاهرة‪ ،1947 ،‬ص ‪ ،127 ،69‬الهجويري‪ ،‬كشف المحجوب‪ ،‬لنينغراد‪ ،1926 ،‬ص ‪.39-38‬‬

‫‪20‬‬
‫الرض"‪ 24‬الحديث‪ .‬فأخبره عليه الصلة والسلم طرًفا من‬
‫قدرة الله وشيًئا من لطفه لعبده الضعيف بتثبيت قلبه على‬
‫اليمان وإرسائه على الحق بسرعة تقلبه كيل يرتفع عن الهدى‬
‫بحول الله وقوته‪ .‬فالعاقل من ل يضيف فعل القلب إلى نفسه‬
‫إل ّ على مقدار ما يليق بالعبودية‪ ،‬ويسكت عما ل يعنيه‪ ،‬فإن له‬
‫من وراء ذلك اشتغال ً عن الفصول بما ل يعنيه‪ .‬ومن انهدم بناء‬
‫توحيده وأساس إيمانه وأرض معرفته‪ ،‬فمن غيره يبنيه؟‬
‫ت أن السلم جمع العلم والعمل؛ والدليل عليه‬ ‫وقد وصف ُ‬
‫‪25‬‬
‫ما أجاب رسول الله ﷺ حين سأله جبريل‪" :‬ما السلم؟"‬
‫الحديث‪ .‬فاتفقا على أن السلم علم وعمل‪ .‬وأجاب سؤاله عن‬
‫اليمان فاتفقا في ذلك جميعا ً أنه علم ومستقره القلوب‪ .‬وأما‬
‫صة أهل اليمان فإنهم يستفيدون من أحاديث رسول الله ﷺ‬ ‫خا ّ‬
‫فوائد لطيفة ل تهتدى العامة إليها‪ ،‬لنهم محجوبون بنفوسهم‬
‫طب‬ ‫عن لطائف الحق برؤيتهم أعمالهم‪ .‬وقد أمر الله أن يخا َ‬
‫م قَوْ ًۢلا ب َِلي ًۭغا }‬
‫سه ِ ْ‬ ‫ى َأن ُ‬
‫ف ِ‬ ‫}ُقل ل ّهُ ْ‬
‫م فِ ٓ‬ ‫الناس على قدر عقولهم‪ ،‬وقال‪ :‬وَ‬
‫‪) {{٦٣‬النساء‪ .(63 ،‬وأما جوابه عن الحسان فإنه قُّيد‬
‫بمشاهدة الله عز وجل فقط‪ ،‬فإما أن يشاهد العبد ُ بقلبه رّبه‬
‫جل جلله‪ ،‬وإما أن يشاهد بقلبه أنه يراه جل جلله‪ ،‬وفي هذا‬
‫الخبر فوائد كثيرة دون ما عقلته العامة‪ ،‬إل ّ أن هذا ليس موضع‬
‫بيانها‪.‬‬
‫فبّين رسول الله ﷺ أن مقامات المؤمنين على قدر مراتبهم‬
‫إذ قيد الحسان بالرؤية‪ .‬ومعدن الرؤية هو الفؤاد‪ ،‬قال الله عز‬
‫َ‬
‫ب ل ْٱُفَؤاد ُ َما َرأ ٰٓى }‪) { {١١‬النجم‪ .(11 ،‬والفؤاد مشت ّ‬
‫ق‬ ‫وجل‪}َ :‬‬
‫ما ك َذ َ َ‬
‫من الفائدة لنه يرى من الله عز وجل فوائد حبه‪ ،‬فيستفيد‬
‫الفؤاد بالرؤية ويتلذذ القلب بالعلم‪ ،‬وإنه ما لم ير الفؤاد لم‬
‫ينتفع القلب بالعلم‪ .‬أل ترى أن العمى ل ينفعه علمه شيئا ً في‬
‫وقت الشهادة إذا احتاج إلى أدائها لنه محجوب عن الرؤية‪،‬‬
‫فعلمه في الحقيقة علم لكنه لم يتأكد سلطانه يخرج القاضي‬
‫‪ 24‬البزاز‪ ،‬المسند‪ ،‬رقم )‪ ،(3037‬ج ‪ ،8‬ص ‪.49‬‬
‫‪ 25‬عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس‪ ،‬فأتاه جبريببل فقببال ‪ :‬مببا‬
‫اليمان؟ قال ‪ :‬أن تؤمن بالله وملئكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث ‪ .‬قال‪ :‬ما السلم؟ قببال ‪ :‬السببلم أن تعبببد‬
‫الله ول تشرك به‪ ،‬وتقيم الصلة‪ ،‬وتؤدي الزكاة المفروضة‪ ،‬وتصوم رمضان‪ .‬قال‪ :‬ما الحسان؟ قال‪ :‬أن تعبد اللببه‬
‫كأنك تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه فإنه يراك‪ .‬قال‪ :‬متى الساعة؟ قال‪ :‬ما المسؤول عنها بأعلم من السائل‪ ،‬وسببأخبرك‬
‫عن أشراطها‪ :‬إذا ولدت المة ربها‪ ،‬وإذا تطاول رعاة البل البهم في البنيان‪ ،‬في خمس ل يعلمهن إل اللببه‪ .‬ثببم تل‬
‫ة { الية‪ ،‬ثم أدبر‪ ،‬فقببال‪ :‬ردوه‪ :‬فلببم يببروا شببيئا‪ ،‬فقببال‪:‬‬ ‫م ٱل ّ‬
‫ساع َ ِ‬ ‫عند َ ۥه ُ ِ‬
‫عل ْ ُ‬ ‫ن ٱلل ّ َ‬
‫ه ِ‬ ‫النبي صلى الله عليه وسلم‪} :‬إ ِ ّ‬
‫هذا جبريل‪ ،‬جاء يعلببم النبباس دينهببم‪ .‬البخبباري‪ ،‬صببحيح‪ ،‬كتبباب تفسببير القببرآن‪ ،‬رقببم ) ‪ ،(50‬ج ‪ ،1‬ص ‪ ،27‬رقببم )‬
‫‪ ،(4499‬ج ‪ ،4‬ص ‪1793‬؛ مسلم‪ ،‬صحيح‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقم )‪ ،(10 ،9‬ج ‪ ،1‬ص ‪.40-39‬‬

‫‪21‬‬
‫ل‪ .‬وفيه إشارة لمن فّقهه الله في‬ ‫شهادته بالعمى وإن كان عد ً‬
‫سۚ { )الحج‪،(78 ،‬‬ ‫َ‬
‫دآَء عَلى ٱلّنا ِ‬ ‫كوُنوا۟ ُ‬
‫شه َ َ‬ ‫الدين‪ ،‬قال الله تعالى‪} :‬وَت َ ُ‬
‫فكيف يشهد من علم شيئا ً ولم يره‪ .‬وقد ذكر الله في قصة‬
‫مَنا‬
‫ما عَل ِ ْ‬ ‫شهِد َْنآ إ ِّل ب ِ َ‬ ‫ما َ‬ ‫يوسف وإخوته عليهم السلم أنهم قالوا‪} :‬وَ َ‬
‫واع‬ ‫ص َ‬ ‫ن{ )يوسف‪ (81 ،‬ولم يكونوا رأوا ال ّ‬ ‫ح ٰب ِ‬
‫‪26‬‬
‫ظي َ‬ ‫ف ِ‬ ‫ب َ‬ ‫ما ك ُّنا ل ِل ْغَي ْ ِ‬ ‫وَ َ‬
‫ضع صاحب يوسف بأمره ولم يكن‬ ‫في رحل أخيهم‪ ،‬وأنه من وَ ْ‬
‫رقة‪ .‬وإن الله جل وعل أكرمنا بالقرآن وهو بحره العظم‪،‬‬ ‫س ِ‬‫َ‬
‫مله من جوهر اللطائف‪ ،‬وجعله من خزائن الطرائف‪ ،‬فطوبى‬
‫لمن أكرمه الله ببعض ما فيه من الحكمة والبيان والسر‬
‫مي الفؤاد فؤادا ً لن فيه‬ ‫س ّ‬ ‫والعلن‪ .‬وقال بعض العارفين‪ :‬إنما ُ‬
‫ألف واد‪ .‬فإذا كان فؤادا لعارف فأوديته جارية من النوار من‬
‫إحسان الله تعالى وبره ولطفه‪.‬‬
‫واسم الفؤاد أدقّ معنى من اسم القلب‪ ،‬ومعناهما قريب‬
‫كقرب معنى السمين الرحمن الرحيم‪ .‬فحافظ القلب هو‬
‫الرحمن‪ ،‬لن القلب معدن اليمان‪ ،‬والمؤمن توكل بصحة‬
‫مّنا ب ِ ۦهِ وَعَل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫ن َءا َ‬‫م ٰب ُ‬ ‫ح َ‬‫ل هُوَ ٱلّر ْ‬
‫إيمانه على الرحمن‪ ،‬قال الله تعالى‪ :‬قُ} ْ‬
‫مِتى‬ ‫ت َوَك ّل َْناۖ{‪ .‬وحافظ الفؤاد هو الرحيم‪ ،‬قال الله تعالى‪} :‬وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫ن{ )العراف‪ .(156 ،‬وقال‬ ‫شى ٍۢءۚ فَ َ‬
‫قو َ‬ ‫ن ي َت ّ ُ‬
‫ذي َ‬‫سأك ْت ُب َُها ل ِل ّ ِ‬ ‫َ‬ ‫ل َ ْ‬ ‫ت كُ ّ‬ ‫سع َ ْ‬ ‫وَ ِ‬
‫ك ۖ{ )الفرقان‪(32 ،‬‬ ‫ؤاد َ َ‬ ‫ت ب ِ ۦهِ فُ َ‬ ‫ك ل ِن ُث َب ّ َ‬‫ٰل ِ َ‬ ‫كذلك‪ :‬ك َ ‌ٰ‬
‫}َذ‬
‫ووصف الله تبارك وتعالى ربطه قلب العبد‪ ،‬فقال في قصة‬
‫}ب َط َْنا عَل َ ٰى قُُلوب ِهِْم إ ِذ ْ َقاُمو ۟ا{ )الكهف‪ ،(14 ،‬فقال‬ ‫أصحاب الكهف‪ :‬وََر‬
‫}َل َأن ّرب َط َْنا عَل َ ٰى قَل ْب َِها{ )القصص‪.(10 ،‬‬ ‫في قصة أم موسى‪ :‬ل َوْ‬
‫وقال أهل التفسير‪ :‬ربط القلب بنور التوحيد وذلك أن القلب‬
‫يعلم والعالم يحتاج إلى ربط التأييد حتى يطمئن بذكر الله عز‬
‫وجل‪ .‬وأما الفؤاد فإنه يرى ويعاين فيقع له الفراغة ول يحتاج‬
‫إلى الربط بل يحتاج إلى معونة المدد بالهداية‪ .‬قال الله تعالى‪:‬‬
‫ت ل َت ُب ِْدى ب ِ ۦهِ { )القصص‪،(10 ،‬‬ ‫غاِۖإن َ‬ ‫س ٰى فَ ٰبرِ ً‬ ‫}صبح فُ َ ُ‬ ‫َ‬
‫كاد َ ْ‬ ‫مو َ‬ ‫م ُ‬ ‫ؤاد ُ أ ّ‬ ‫وَأ ْ َ َ‬
‫ضله على القلب إذ كان القلب يحتاج‬ ‫فوصف الفؤاد بالفراغة وف ّ‬
‫إلى الربط والفؤاد يرى ويعاين والقلب يعلم‪ ،‬و"ليس الخبر‬
‫كالمعاينة"‪.‬‬

‫إناء يشرب فيه‪.‬‬ ‫‪26‬‬

‫‪22‬‬
‫الفصل السادس‬
‫واللب هو الجبل العظم والمقام السلم‪ ،‬كالقطب ل يزول‬
‫ول يتحرك‪ ،‬وبه قوام الدين‪ ،‬والنوار كلها راجعة إليه حاّفة‬
‫حوله‪ ،‬ول تتم هذه النوار ول ينفذ سلطانها إل بثبوته‪ ،‬ول توجد‬
‫إل بوجوده‪.‬‬
‫ح من‬ ‫وهو معدن نور التوحيد ونور مشاهدة التفريد‪ ،‬وبه يص ّ‬
‫‪27‬‬
‫العبد حقيقة التجريد وضياء التمجيد وإن هذا اللب نور مقرون‬
‫كبات في النفس‬ ‫وزرع مغروس وعقل مطبوع‪ ،‬ليس كالمر ّ‬
‫التي هي داخلة فيها‪ ،‬إنما هو نور مبسوط كالشياء الصلية‪.‬‬
‫وهذا اللب الذي هو العقل مغروس في أرض التوحيد‪ ،‬ترابها‬
‫سقي من ماء اللطف من بحر التمجيد حتى امتل‬ ‫نور التفريد‪ُ ،‬‬
‫عروقه من أنوار اليقين وتولى الله غرسه وباشر ذلك بقدرته‬
‫من غير واسطة‪ .‬فغرسه في جنة الرضى‪ ،‬ثم عصمه‪ 28‬بسور‬
‫الصون وأرساه في أزليته وأبديته وأوليته حتى ل تكاد تقترب‬
‫منه بهيمة النفس بشهواتها أو بجهلها أو سباع مفاوز الضللة أو‬
‫شيء من الذوات التي هي طبائع النفس مثل كبرها وحمقها‬
‫وآفاتها‪ .‬والرب جل جلله صاحب هذا البستان ووليه الذي هو‬
‫أْزَين من جميع الجنان‪ ،‬لنه بستان اليمان تولى الله غرسه‬
‫وسقيه وتربيته حتى أثمر الشجر نور اليمان بتوفيق الرحمن‬
‫م‬‫ب إ ِل َي ْك ُ ُ‬
‫حب ّ َ‬
‫ه َ‬ ‫ولطائف ثمرات الحسان‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬وََلبٰك ِ ّ‬
‫ن ٱلل ّ َ‬
‫ن وََزي ّن َ ۥُه ِفى قُُلوب ِك ُْم { )الحجرات‪.(7 ،‬‬
‫م ٰب َ‬ ‫ٱِْ‬
‫لي َ‬
‫فهذا تفسير اسم اللب‪ :‬فإنه لم وباء فابتدأ بلم مثل لم‬
‫ددة واحدة في الكتابة لكنها من الحروف‬ ‫اللطف والباء مش ّ‬
‫المضاعف‪ ،‬فهي في الحقيقة اثنان‪ :‬باء البر في البداية وباء‬
‫البقاء بالبركة عليه‪ .‬وهذا النور ل يوجد لسبب من السباب إل ّ‬
‫بفضل مفّتح البواب‪ .‬فأصل ما رزق الله تعالى العبد من أصول‬
‫الدين هو فضل الله بل علة‪ ،‬ثم جعل فروعه بعلة العبودية‪.‬‬
‫وبمجاهدة العبد مقرونة بمعونة الربوبية وهداية اللوهية ول‬
‫يوفق بلطف التدبير وحسن التقدير حتى يكون أول شيء‬
‫فضله في الزل فيتيسر على العبد أعمال الخير‪.‬‬

‫لعله موزون‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫المقصود هنا البحر‪.‬‬ ‫‪28‬‬

‫‪23‬‬
‫واعلم أن اللب ل يكون إل ّ لهل اليمان‪ ،‬الذين هم من‬
‫خاصة عباد الرحمن‪ ،‬الذين أقبلوا إلى طاعة المولى واعرضوا‬
‫عن النفس الدنيا‪ ،‬فألبسهم لباس التقوى‪ ،‬وصرف عنهم أنواع‬
‫صهم بالخطاب‪ ،‬وعاتبهم‬ ‫ماهم الله أولي اللباب‪ ،‬وخ ّ‬ ‫البلء‪ ،‬فس ّ‬
‫بأنواع العتاب‪ ،‬ومدحهم في كثير من الكتاب‪ ،‬فقال الله تعالى‪:‬‬
‫ن ي َ ٰٓبأ ُ ۟وِلى‬ ‫قو ِ‬ ‫}ٱ ُ‬
‫ب{ )المائدة‪ ،(100 ،‬وقال‪ :‬وَت ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ه ي َ ٰٓبأ ۟وِلى ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬ ‫قو ۟ا لٱل ّ َ‬ ‫}ُ‬ ‫فَٱت ّ‬
‫ه ۖ فَب ِهُد َ ٰىهُ ُ‬
‫م‬ ‫دى ٱلل ّ ُ‬ ‫ن هَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ك ٱل ّ ِ‬ ‫ب { )البقرة‪ ،(197 ،‬وقال‪} :‬وأ ُل َ ۟ ٓبٰئ ِ َ‬ ‫َ‬
‫ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬
‫خي ْ ًۭرا ك َِثي ًۭراۗ‬ ‫ة فَ َ ُ‬ ‫ت ٱل ْ ِ‬ ‫}‬
‫ى َ‬ ‫قد ْ أوت ِ َ‬ ‫حك ْ َ‬
‫م َ‬ ‫من ي ُؤْ َ‬ ‫ٱقْت َدِهْۗ { )النعام‪ ،(90 ،‬وقال‪ :‬وَ َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ما هُوَ إ ِل َ ٰب ۭ ٌ‬
‫ه‬ ‫موٓ ۟ا أن ّ َ‬ ‫} َعْل َ ُ‬
‫ب { )البقرة‪ ،(269 ،‬وقال‪ :‬وَل ِي‬ ‫ما ي َذ ّك ُّر إ ِّل أ ۟وُلو ۟ا ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬ ‫وَ َ‬
‫ب{ )إبراهيم‪ ،(52 ،‬وقال‪ :‬ل ّي َ}د ّب ُّروٓ ۟ا َءاي َ ٰبت ِ ۦهِ وَل ِي َت َذ َك َّر‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ح ۭد ٌ وَل ِي َذ ّك َّر أ ۟وُلو ۟ا ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬ ‫َ‌ٰوٰ ِ‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫ب{ )ص‪ .(29 ،‬فمدح الله تعالى أولى اللباب وبّين‬ ‫أ ۟وُلو ۟ا ٱْلل ْب َ ٰب ِ‬
‫مراتبهم وسرائرهم مع ربهم وفضائلهم في فقههم وفهمهم‬
‫وحلمهم حتى أعجز أمثالنا عن إدراك أحوالهم لنه خصهم بنور‬
‫اللب ما لم يفعل ذلك بغيرهم‪.‬‬
‫وأما عند عامة أهل الدب ومن لهم معرفة بشيء من‬
‫اللغة فإن اللب هو العقل‪ .‬ولكن بينهما فرق كما بين نور‬
‫الشمس ونور السراج فكلهما نور‪ ،‬وهذا شيء ظاهر لكن ل‬
‫تكاد ترى عاقلين يستوي سلطان علقهما ونورهما بل يتفاضل‬
‫ل بها ما لم يبن ذلك‬ ‫ص هذا العق ُ‬ ‫أحدهما على الخر بزيادة خ ّ‬
‫صه الله تعالى بمعرفته وأكرمه‬ ‫في الخر‪ .‬فما ظنك بمن خ ّ‬
‫بلطائف بّره وأفاض عليه من بحار خيره ما لم يفض منها على‬
‫غيره‪.‬‬
‫والعقل في السم الواحد‪ ،‬وسلطانه ناقص وزائد وهو‬
‫متبوع متفرع‪ ،‬يقوي بقوة أركانه ويزداد بزيادة سلطانه‪ .‬وأول‬
‫مقام العقل هو عقل الفطرة‪ ،‬وهو الذي يخرج به الصبي‬
‫والرجل من صفة الجنون‪ ،‬فيعقل ما يقال له لنه ُينهى ويؤمر‪،‬‬
‫ويميز بعقله بين الخير والشر‪ ،‬ويعرف به الكرامة من الهوان‪،‬‬
‫والربح من الخسران‪ ،‬والباعد من الجيران‪ ،‬والقرابة من‬
‫الجانب‪ .‬ومنه عقل الحجة وهو الذي به يستحق العبد من الله‬
‫تعالى الخطاب‪ ،‬فإذا بلغ الحلم يتأكد نور العقل الذي ُوصف‬
‫بنور التأييد‪ ،‬فيؤيد عقله‪ ،‬فيصل لخطاب الله تعالى‪ .‬ومنه عقل‬
‫التجربة‪ ،‬وهو أنفع الثلثة وأفضلها‪ ،‬لنه يصير حكيما ً بالتجارب‪،‬‬
‫يعرف ما لم يكن بدليل ما قد كان‪ .‬وهو ما قاله رسول الله ﷺ‪:‬‬
‫‪24‬‬
‫"ل حكيم إل ذو تجربة ول حليم إل ذو عثرة"‪ 29‬ومنه عقل‬
‫موروث‪ ،‬وصفته أن يكون الرجل كبيرا ً عاقل ً حكيما ً عليما ً حليما ً‬
‫وقورًا‪ ،‬قد ابتلى بولد سفيه أو تلميذ سفيه ل ينتفع من صحبته‬
‫ه تبارك وتعالى ببركة عقَله‬ ‫فيموت هذا العاقل فيورث الل ُ‬
‫ونوره وضياءه ونفعه ووقاره وسكينته وسمته لهذا السفيه‪،‬‬
‫فيتغير حاله في الوقت فيصير وقورا ً عاقل ً على سبيل سلفه‬
‫هذا إنما يعاينه النسان بوفاة الكبير العاقل‪ ،‬وَتغّير الحال في‬
‫السفيه الجاهل‪ .‬وليس يورث غير عقله‪ ،‬ولكن يدركه بركة‬
‫دعائه ونور علمه‪ ،‬ويتفضل الله تبارك وتعالى بإتمام ذلك بمنه‬
‫وكرمه‪.‬‬
‫مقدار ويصلح النسان بهذه‬ ‫وهذه الوجوه منافعها على ال ِ‬
‫الوجوه من العقل لصحبة الناس وينتفعون به‪ .‬ولعل هذه‬
‫الوجوه تجمع فيمن ل يؤمن بالله واليوم الخر مثل الفلسفة‬
‫وحكماء الهند والروم غيرهم‪ ،‬لن هذه النواع من العقل إنما‬
‫هي لتأييد النفوس ومعاملة أهل الدنيا على سبيل المراءاة وأما‬
‫النافع منها تمام النفع فهو العقل الموزون المطبوع بنور هداية‬
‫مى عقل‪.‬‬ ‫الله تعالى‪ .‬وهو اللب الذي وصفُته حديثا ً وُيس ّ‬
‫والعقل يعّبر به عن العلم على وجه المجاز في سعة اللغة‪،‬‬
‫ن أولو اللباب هم العلماء بالله‪ ،‬وليس كل عاقل عالما‬ ‫ولك ْ‬
‫قل َُهآ‬ ‫بالله وأما كل عالم بالله فهو عاقل‪ ،‬قال الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ما ي َعْ ِ‬
‫ن { )العنكبوت ‪.(43‬‬ ‫مو َ‬‫إ ِّل ٱل ْعَ ٰبل ِ ُ‬
‫جرًا‪،‬‬ ‫مى حلمًا‪ ،‬وُنهى‪ ،‬و ِ‬
‫ح ْ‬ ‫والعقل له أسماء أخر‪ُ ،‬يس ّ‬
‫ت ّل ُ ۟وِلى ٱلن ّهَ ٰى { )طه‪،‬‬ ‫لَءاي َ ٰب ۢ ٍ‬‫ك َ‬ ‫فى} ‌َٰذٰل ِ َ‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ن ِ‬‫إِ ّ‬ ‫حجى‪ ،‬قال الله‬ ‫و ِ‬
‫س ٌۭم ل ِّذى ِحْجرٍ { )الفجر‪.(5 ،‬‬ ‫ك قَ َ‬ ‫ل ِفى ‌َٰذٰل ِ َ‬‫‪ ،(128 ،54‬وقال ‪ :‬هَ} ْ‬
‫وقال رسبول الله ﷺ‪" :‬ل ِي َِلني منكم أولو الحلم والنهببى ثم‬
‫الذين يبلونهم"‪ .30‬وقببد قيل إن العقل يعقل النفبس عن‬
‫متابعبة الهبوى كببما يمنع العبقال الدابة من مرتعها‬
‫ومرعبباهبا‪ .‬والعببقل اسبم متبدل‪ ،‬وهو اسم عام‪ ،‬ول يستعمل‬
‫تصريف هذه السماء إل منه‪ ،‬يقال عقل‪ ،‬يعقل عقل ً فهو عاقل‬
‫وذلك معقول عنه‪.‬‬

‫الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬كتاب البر والصلة‪ ،‬رقم )‪ ،(2033‬ج ‪ ،2‬ص ‪.295‬‬ ‫‪29‬‬

‫الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬كتاب الصلة‪ ،‬رقم )‪ ،(211‬ما جاء ليليني منكم أولو الحلم والنهى‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫‪25‬‬
‫ن { )الروم‪،‬‬ ‫قُلو َ‬ ‫قوْ ۢم ٍ ي َعْ ِ‬
‫ت لّ َ‬‫لَءاي َ ٰب ۢ ٍ‬ ‫فى ‌َٰذٰل ِ َ‬
‫ك َ‬ ‫تعالى‪}ِ :‬‬
‫ن‬‫إِ ّ‬ ‫وقال الله‬
‫‪ .(24‬وهو أن يعقل عن الله أمره ونهيه ومواعظه ووعده‬
‫ووعيده ويفهم مراده في الشياء على قدر ما يوّفقه ويكشف‬
‫له من تعظيم أمره واجتناب مناهيه‪ .‬وهذه كلهببا ل توجد إل‬
‫ضله على غيره باللب‬ ‫بلطف الله وحسببن نظره إليه‪ ،‬فيف ّ‬
‫الموصوف والنور المعروف‪ .‬وهو فقيه في أصول الدين‬
‫وفروعه‪ ،‬وليس كل من يكون فقيبببها ً في الفروع فقيببها ً في‬
‫الصول‪ ،‬لن الفقه في علم الحكام كثير وهو فقيه بالتفقه‬
‫وحامل الفقه والعلم‪ ،‬والفببقه اسم للعلم يعببّبر بهببذه‬
‫اللببفظة عنببه‪ ،‬يقال فلن يتفقه ويتعلم‪ .‬وأما الفقه في حقيقته‬
‫فهو فقه الببقبلب‪ ،‬كما قال رسول الله ﷺ‪" :‬رب حامل فقه ل‬
‫فقه لببه ورب حامل إلى من هو أْفقه منه"‪ .31‬وقال الحببكيم‪:‬‬
‫"ليس بفقيه من لبم يعد ّ البلء نعمببة والرضبباء مصيبة"‪،32‬‬
‫وقال الحسن‪" :33‬إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في‬
‫الخرة البصيببر بذنبه والمواظب على طاعة ربببببه"‪ ،34‬وقد‬
‫ت في صدر الكتاب أن فقه المتعلم موضعه في باطببن‬ ‫بّيببن ُ‬
‫الصدر‪ ،‬ويزداد نوره بالتعلم والستعمال‪ ،‬ويتفّرع لبه أنوار الفقه‬
‫والفهم‪ ،‬فيستنبط بنور فقهبه مسائل‪ ،‬ويقيس ما لم يعلم بما‬
‫يشبهبهبا ويشاكلهببا ويقرب من معناهببا‪.‬‬
‫وأما الفقه في الدين فهو النور الذي يقذف الله تعالى به‬
‫في قبببلب عبده المؤمن‪ ،‬مثل السببراج‪ ،‬يبصببر به‪ ،‬ول يكون‬
‫ن َل‬
‫قي َ‬ ‫من َ ٰب ِ‬
‫ف ِ‬ ‫ن ٱل ْ ُ‬‫}ل َ ٰبك ِ ّ‬ ‫ذلببك للكافببر والمنافق‪ .‬قال الله تعالى‪ :‬وَ‬
‫ور الله قلبه بنور‬ ‫ن { )المنافقون‪ .(7 ،‬وأما الفقيه الذي ن ّ‬ ‫ي َعْل َ ُ‬
‫مو َ‬
‫البببصر فالذي أشار إليبببه رسول الله ﷺ‪" :‬إذا أراد الله بعبد‬
‫صره بداء الدنيا‬ ‫صره عيوب نفسه وب ّ‬ ‫خيرا ً فقهببه في الدين وب ّ‬

‫‪ 31‬أبو يعلى‪ ،‬المسند‪ ،‬رقم )‪ ،(7413‬ج ‪ ،13‬ص ‪.408‬‬


‫‪ 32‬الطبراني‪ ،‬المعجم الكبير‪ ،‬رقم )‪ ،(10949‬الديلمي‪ ،‬الفردوس‪ ،‬رقم )‪ ،(5241‬ج ‪ ،3‬ص ‪ :407‬حدثنا محمد بببن‬
‫علي الصائغ المكي ثنا عبد العزيز بن يحيى المديني ثنا عبد الله ببن وهبب عبن سبليمان ببن عيسبى عبن سبفيان‬
‫الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليببه و سببلم‪ :‬ليببس‬
‫بؤمن مستكمل اليمان من لم يعد البلء نعمة والرخاء مصبيبة‪] :‬قببالوا‪ :‬كيبف يببا رسبول اللببه؟[ قبال‪ :‬لن البلء ل‬
‫يتبعه إل الرخاء وكذلك الرخاء ل تتبعه إل المصيبة وليس بمؤمن مستكمل اليمان من لم يكن في غم ما لببم يكببن‬
‫في صلة قالوا‪ :‬ولم يا رسول الله؟ قال‪ :‬لن المصلي يناجي ربه وإذا كان في غير صلة إنما يناجي ابن آدم‪.‬‬
‫‪ 33‬الحسن بن علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫‪ 34‬ابن أبي شيبة‪ ،‬المصنف‪ ،‬رقم )‪ ،(35188‬ج ‪ ،7‬ص ‪ ،186‬الدارمي‪ ،‬السنن‪ ،‬رقم )‪ ،(294‬ج ‪ ،1‬ص ‪.101‬‬

‫‪26‬‬
‫ودوائببها"‪ .35‬فمن جمع الله تعالى فيه كل الفقهيببن‪ ،‬فهببو‬
‫الكبريببت الحمببر‪ 36‬والعالببم الكبببر واللبيب الوفببببر‪.‬‬
‫فأما استنباط الفقيه في الحكام فهو استنباط المسائل‬
‫على موافقة السنة وإقامة الشبببريبعة‪ ،‬وأما استنباط الفقيه‬
‫في باطن العلببم فهببو استنباط الخواطر علببى موافقببة‬
‫الحقيقببة ومشبباهدة الربوبيبة‪ .‬وإنما تتبين زيادة الفصل بينهما‬
‫في استنباط معنى في الباطن والظبباهر لية قد أنزلببها الله‬
‫ب ظاهُرهبا حكمًا‪ ،‬ويكون تحت ظاهرها‪ ،‬من‬ ‫ج ُ‬
‫تعالببى‪ ،‬يو ِ‬
‫م‪ .‬فيستنبط ما يوافق حجة‬ ‫العبارة التي في باطنها‪ ،‬إشارةٌ وعل ٌ‬
‫الله تعالى‪ ،‬ويستنبط الحكيم ما يوافق مراد الله تعالى‬
‫ويستنبط الحكيم ما يوافق مراد الله تعالى ويهدي إلى محجته‬
‫بما تبين من لطائف الشارات موافقا ً للتوحيد ومخبرا ً عن مراد‬
‫يوافقه الحميد‪.‬‬

‫‪ 35‬ابن أبي شببيبة‪ ،‬المصببنف‪ ،‬رقببم )‪ ،(31049-31048‬ج ‪ ،6‬ص ‪ ،240‬البببزاز‪ ،‬المسببند‪ ،‬رقببم )‪ ،(1700‬ج ‪ ،5‬ص‬
‫‪ ،117‬المتقي الهندي‪ ،‬كنز العمال‪ ،‬ج ‪ ،5‬رقم )‪.(4098 ،4072‬‬
‫‪ 36‬هو مسحوق أحمر لحجر أسطوري يسمى بحجر الفلسفة‪ .‬المقصود هنا إذا حصل العبد على هذه المرتبة كأنه حصل على‬
‫الكبريت الحمر‪.‬‬

‫‪27‬‬
‫الفصل السابع‬
‫والنوار التي وصفُتهببا في صدر الكتاب مثل نور السلم‬
‫ونور اليمان ونور المعرفة ونور التوحيد‪ ،‬وإن كانت أسماؤهبا‬
‫مختلفة‪ ،‬فهي أشكال غير أضداد‪ ،‬ويتولد من كل نور منها فوائد‬
‫على حدة ما ل يتولد من الخر على قدر مراتبها‪ .‬فنور السلم‬
‫يتولد منه خوف ورجاء‪ ،‬ونور التوحيد يتولد منه خوف ورجاء‪،‬‬
‫ونور اليمان يتولد منه خوف ورجاء‪ ،‬ونور المعرفة يتولد منه‬
‫خوف ورجاء‪ ،‬وكذلببك سائر الحوال التي تهيج من القلب‬
‫وتتولد من أنوار الباطن مثل الشكر والصبر والمحبببة والحيبباء‬
‫ح بتوفيق الله تعالى هذا‬ ‫شر ُ‬ ‫والصدق والوفاء وغيرها‪ ،‬ولكن أ ْ‬
‫الفصل الواحبببد‪.‬‬
‫فاعلببم انه يتولد من نور السلم خوف الخاتببمة ورجبباء‬
‫ن{‬ ‫َ‬
‫مو َ‬
‫سل ِ ُ‬ ‫ن إ ِّل وَأنُتم ّ‬
‫م ْ‬ ‫حسن العاقبة‪ ،‬قال الله تعالى‪ } :‬فََل ت َ ُ‬
‫موت ُ ّ‬
‫)البقرة‪ .(132 ،‬وقال في قصة يوسف عليه السلم‪ } :‬ت َوَفِّنى‬
‫ن{ )يوسف‪ .(101 ،‬ويتولد من نور اليمان‬ ‫ص ٰبل ِ ِ‬
‫حي َ‬ ‫قِنى ب ِٱل ّ‬ ‫ما وَأ َل ْ ِ‬
‫ح ْ‬ ‫سل ِ ۭ ً‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫خوف طوارق السببوء‪ ،‬وكذلببك يتولببد منه خوف طوارق‬
‫الخيببر في كببل وقت‪ ،‬ونور المعرفة يتولد منه خوف‬
‫السببابقة‪ 37،‬ورجاء السابببقة‪ ،‬ونور التوحيبببد يتولد منه خوف‬
‫الحقائببق‪ ،‬ورجاء الحقببائبق‪ ،‬وهذا النوع يرجع جوفه إلى‬
‫مشاهدة الربوبيببة‪ ،‬وهو أن يخبباف الله تعالى ول يخاف سواه‪،‬‬
‫ت‪،‬‬
‫ويرجوه ول يرجو سببواه‪ .‬وسائببر الحوال التي ذكر ُ‬
‫ت لبك‪.‬‬ ‫شرحـبها على هذا السبببيببل الذي وصبفب ُ‬
‫مَثل الجبببال‪ ،‬فالسلم جبل وأرضه‬ ‫مَثل هذه النوار ك َ‬ ‫و َ‬
‫الصببدر‪ ،‬واليمان جبل وموضعه القبلب‪ ،‬والمعرفة جبل‬
‫ومعدنه الفؤاد‪ ،‬والتوحيد جبل ومستقره اللب‪ .‬وعلى رأس كل‬
‫مارة بالسببوء‪ ،‬وطائر‬ ‫جبل طائر فطائر جبل الصدر النفس ال ّ‬
‫مل َْهببمة‪ ،‬وطائر جبل الفؤاد النفس‬ ‫جبل القلب النفس ال ُ‬
‫مارة‬‫وامة‪ ،‬وطائر جبل اللب النفس المطمئببنة‪ ،‬فالنفس ال ّ‬ ‫الل ّ‬
‫يكون طيرانها في أودية الشرك والشببك والنفاق وما يشبهها‪،‬‬
‫ولكن رحم الله أولببياءه فحفظهم عن شّرها‪ ،‬قال الله تعالى‪:‬‬
‫ىۚ{ )يوسف‪ .(53 ،‬والنفس‬ ‫ماَر ۢ‬ ‫َ‬ ‫} إِ ّ‬
‫م َرب ّ ٓ‬
‫ح َ‬ ‫سوِٓء إ ِّل َ‬
‫ما َر ِ‬ ‫ةٌ ب ِٱل ّ‬ ‫س َل ّ‬
‫ف َ‬ ‫ن ٱلن ّ ْ‬
‫الملهمة يكون طيرانها في أودية التقوى أحيانا ً وفي أودية‬
‫أي العناية الزلية‪.‬‬ ‫‪37‬‬

‫‪28‬‬
‫الفجور أحيانًا‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬فَأ َل ْهََمَها فُُجوَرَها وَت َْقوَ ٰىَها {‬
‫وامة‪ ،‬ويكون‬ ‫)الشمس‪.(8 ،‬وطائر جبل المعرفة هي النفس الل ّ‬
‫طيرانها في أودية الترفع والعز والنظر في كرامات الله‬
‫والفتخار والفرح بنعم الله أحيانًا‪ ،‬وفي أدوية الفتقار والتواضع‬
‫والزدراء بنفسها ورؤية الذل والمسكنة والفقه أحيانًا‪ ،‬ومع ذلك‬
‫ُ‬
‫م‬
‫س ُ‬ ‫وامة لصاحبها في أحوالها‪ ،‬قال الله تعالى‪ } :‬وََل أقْ ِ‬ ‫تكون ل ّ‬
‫س ٱلل ّّواَمِة { )القيامة‪ .(2 ،‬وطائر جبل اللب النفس‬ ‫ف ِ‬ ‫ب ِٱلن ّ ْ‬
‫المطمئنة‪ ،‬ويكون طيرانها في أودية الرضاء والحياء والقرار‬
‫على التوحيد ووجود حلوة ذكر الله تعالى‪ ،‬وهي شكل الروح‬
‫س‬
‫ف ُ‬ ‫}َ ٓبٰأ َي ّت َُها ٱلن ّ ْ‬‫يبها الله عن خبث المنازعة‪ ،‬قال الله تعالى‪ :‬ي‬ ‫ط ّ‬
‫ضي ّ ًۭة }‪) {{٢٨‬الفجر‪-27 ،‬‬ ‫مْر ِ‬ ‫ضي َ ۭ ً‬
‫ة ّ‬ ‫ك َرا ِ‬ ‫ى إ ِل َ ٰى َرب ّ ِ‬‫ج{عِ ٓ‬ ‫ة } ٱْر‬
‫‪ِ ٢٧‬‬ ‫مئ ِن ّ ُ‬‫مط ْ َ‬ ‫ٱل ْ ُ‬
‫ت ن َِعي ۢم ٍ }‪) {{٨٩‬الواقعة‪.(89 ،‬‬ ‫جن ّ ُ‬
‫ن وَ َ‬‫حا ۭ ٌ‬ ‫} ۭ ٌ‬
‫ح وََري ْ َ‬ ‫وقال‪َ:‬روْ‬
‫فَ‬ ‫‪،(28‬‬
‫واسم النفس يشمل هذه المعاني كما ذكرنا في معنى‬
‫ل ٱل َْقْري ََة {‬ ‫اسم القلب ‪ ،‬وهو مثل قول الله تعالى‪ } :‬وَ ْ‬
‫سب ٔ ِ‬
‫‪38‬‬

‫ت قَْري َ ٌ‬
‫ة‬ ‫)يوسف‪ ،(82 ،‬والمعنى‪ :‬أهل القرية‪ ،‬وقال‪ } :‬فَل َوَْل َ‬
‫كان َ ْ‬
‫ت{ )يونس‪ (98 ،‬يريد بذلك أهل القرية‪ .‬فكذلك القلب‬ ‫من َ ْ‬ ‫َءا َ‬
‫مضغة لحم والمراد ما فيها‪ .‬وكذلك النفس‪ ،‬والمراد ما في‬
‫داخل الجسد من النار والنور‪ .‬والنفس اسم الجنس‪ ،‬وجوهر‬
‫بعضها أط َْيب من بعض‪ ،‬وبعضها أخبث من بعض‪ ،‬وأشد ّ ظلما ً‬
‫مارة‪ ،‬والنفس طابت بنور ظاهر‬ ‫وأكثر فجورًا‪ ،‬وهي النفس ال ّ‬
‫السلم من خبث ظاهر النفس‪ ،‬وهي تزداد طيبا ً بصدق‬
‫المجاهدة وإذا قاربها توفيق الله تعالى‪ .‬قال رسول الله ﷺ في‬
‫وذ رسول الله ﷺ مع‬ ‫دعائه "نعوذ بالله من شرور أنفسنا" فتع ّ‬
‫‪39‬‬

‫صه الله تعالى بأنواع من الكرامات وطهارة في النفس‬ ‫ما خ ّ‬


‫والنية‪ .‬قال‪ " :‬كان لي شيطان إل أن الله تعالى أعانني عليه‬
‫فأسلم"‪.40‬‬
‫والنفس جوهرها ريح مثل الدخان‪ ،‬ظلمانية سيئة المعاملة‪،‬‬
‫وروحها في الصل نورانية وتزداد صلحا ً بتوفيق الله تعالى مع‬
‫حسن المعاملة وصحة التضرع‪ ،‬ول تزداد صلحا ً إل ّ بمخالفة‬
‫العبد هواها والعراض عنها وقهرها بالجوع والشدائد‪.‬والنفس‬

‫‪ 38‬يشير المؤلف هنا إلى تقسيم "القلب" إلى أربع مقامات‪ :‬الصدر والقلب والفؤاد واللب‪.‬‬
‫‪ 39‬البيهقي‪ ،‬السنن الكبرى‪ ،‬رقم )‪ ،(5594‬ج ‪ ،3‬ص ‪ ،215‬أبو يعلى‪ ،‬المسند‪ ،‬رقم )‪ ،(5257‬ج ‪ ،9‬ص ‪.168‬‬
‫‪ 40‬مسلم‪ ،‬صحيح‪ ،‬كتباب صبفة القيامبة والجنبة والنبار‪ ،‬بباب تحريبش الشبيطان‪ ،‬رقبم )‪ ،(2814‬ج ‪ ،4‬ص ‪،2167‬‬
‫الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬رقم )‪ ،(1172‬ج ‪ ،3‬ص ‪.475‬‬

‫‪29‬‬
‫وامة هي أقرب إلى الحق لكنها مخادعة مداهنة ل يعرفها إل‬ ‫الل ّ‬
‫العارفون من الكياس‪ .‬والنفس المطمئنة هي التي طّهرها الله‬
‫من خبث الظلمات فصارت نورانية‪ ،‬فشاكلت الروح‪ ،‬تمشي‬
‫في طاعة الله منقادة من غير إباء منها فصارت مطيعة بطاعة‬
‫ديق الذي مل الله سّره وعلنيته‪.‬‬ ‫الله‪ ،‬وهي نفس الص ّ‬
‫ت هذه النوار بالجبال لن نور السلم في صدر‬ ‫إنما شبه ُ‬
‫المسلم آكد وأحكم من أن يزيله أحد‪ ،‬ما دام الله تعالى‬
‫يحفظه‪ ،‬حتى ل يتهيأ لحد أن يزيل نور السلم من صدره‬
‫وربما لم يستقم المسلم على الطاعة‪ ،‬وهو مع ذلك متمسك‬
‫بالعروة الوثقى ولكنه ل ينجو من وسوسة النفس‪ .‬وجبل نور‬
‫اليمان أرسى وأعظم وأرسخ وأثبت من نور السلم‪ ،‬لن‬
‫للنفس ولية وتكلفا ً في حفظ السلم واستعمال شرائعه‪،‬‬
‫وليس لها تكلف في حفظ القلب‪ .‬ومثبّته نور الرب جل جلله‪،‬‬
‫حي َ ٰو ِ‬
‫ة‬ ‫ت ِفى ٱل ْ َ‬‫ل ٱلّثاب ِ ِ‬ ‫مُنو ۟ا ب ِٱل ْ َ‬
‫قوْ ِ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ه ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ت ٱلل ّ ُ‬
‫تعالى‪}:‬ث َب ّ ُ‬
‫يُ‬ ‫قال الله‬
‫لَءاِخَرِةۖ{ )إبراهيم‪ .(27 ،‬وقال رسول الله ﷺ في‬ ‫ٱلد ّن َْيا وَِفى ٱ ْ‬
‫مدح هذه المة‪" :‬اليمان في قلوبهم كالجبال الرواسي‪."41‬‬
‫وهو موضع علم النفع‪ ،‬ونور المعرفة أوسع وضياؤها أرفع لنه‬
‫معدن الرؤية‪ ،‬والرؤية آكد من الخبر لن ))الخبر ليس‬
‫مث َُله في الجبال‬ ‫كالمعاينة((‪ .‬ونور التوحيد هو أعظم الجبال‪ ،‬و َ‬
‫كمثل جبل قاف‪ 42‬عند سائر الجبال‪.‬‬
‫فجبل نور السلم ينتهي حدوده إلى مجاهدة النفس‬
‫وإصلح أعمالها‪ ،‬وأهل السلم هم في درجات متفاضلون‪.‬‬
‫وجبل اليمان ينتهي حدوده إلى التوكل والتفويض والمشاهدة‬
‫ل مما ير النفس‪ ،‬والعتبار بما قد رأى والنظر‬ ‫التي هي أج ّ‬
‫بنوره إلى ما غاب عن العين‪ .‬وأهل اليمان في أصل اليمان‬
‫متساوون‪ ،‬وفي مشاهداتهم وما يتولد في أنواره من ثمرات‬
‫اليمان وفروعه متفاضلون ‪ .‬وجبل نور المعرفة ينتهي حدوده‬
‫إلى إحاطة العلم بالبقاء والفناء والعجز والقدرة ‪ ،‬وتنتهي إلى‬
‫مشاهدة بّر الله تعالى ولطائفه‪ .‬فبهذا النور ُيعَرف الفاني‬
‫والزائل وحقارته ودناءته وُيعَرف الباقي وقدرته ورفعته‪،‬‬
‫وُيعَرف عجز الخلئق وضعفهم‪ .‬والعارف في هذا المثل كأنه‬

‫الذهبي‪ ،‬ميزان العتدال‪ ،‬رقم )‪ ،(5584-5529‬ج ‪ ،5‬ص ‪.53‬‬ ‫‪41‬‬

‫جبل عالي يحيط بالرض الدنيا‪ .‬ياقوت الحموي‪ ،‬معجم البلدان‪ ،‬ج ‪ ،4‬ص ‪.298‬‬ ‫‪42‬‬

‫‪30‬‬
‫جبل الله ‪ ،‬استقرت معرفته برؤية عظمته وكبريائه وقدرته‪،‬‬
‫ويمسكه ربه‪ ،‬فل يزول بإصابة حادثة ول ينتقل بإصابة محنة‪،‬‬
‫لن الله تعالى يمسكه بقدرته وبرحمته‪.‬‬
‫م وعرف عزة الله‬ ‫ومعنى العين من ))عرف(( كأنه عَل ِ َ‬
‫وعظمته وعلوه وعلمه‪ ،‬فذّلت نفسه عند رؤية عزته‪،‬‬
‫وتصاغرت عند رؤية عظمته‪ ،‬وتصاغرت عند رؤية علوه‪ .‬ومعنى‬
‫الراء من ))عرف((‪ :‬رأى ربوبية الله تعالى ورأفته ورحمته‬
‫ورزقه‪ ،‬فوثق به‪ ،‬وآمن به‪ ،‬واعتمد على رأفته‪ ،‬ورجا من‬
‫رحمته‪ ،‬ورضي بالله رب ّا ً ومدبرًا‪ .‬ومعنى الفاء‪ :‬فقه في الدين‬
‫لله تعالى‪ ،‬وفهم مراده‪ ،‬وفارق كان فان‪ ،‬وفّر من كل فتنة إلى‬
‫الفتاح العليم‪ ،‬وفاق نور قلبه الباقي على كل شيء فان‪ .‬ووجه‬
‫آخر‪ :‬معنى العين عرى قلبه عن النظر إلى غير ربه‪ ،‬فألبسه‬
‫تعالى لباس التقوى حتى عاود القلب ملزمة باب موله‪.‬‬
‫ومعنى الراء‪ :‬رأى قلبه كل شيء كما خلقه الله تعالى‪ .‬ومعنى‬
‫الفاء‪ :‬فرأى الفاني كأنه قد فني حتى انفرد للفرد الذي هو‬
‫موله‪ .‬ووجه آخر‪ :‬معنى العين أنه عزت نفسه باليمان‪ ،‬والراء‪:‬‬
‫راحت روحه بارتياح ذكر الرحمن‪ ،‬والفاء‪ :‬فتح الله تعالى قلبه‬
‫بالفقه في علوم القرآن‪.‬‬
‫ووجه آخر‪ :‬عفت نفسه‪ ،‬ورق قلبه‪ ،‬وفاقت روحه‪ ،‬ووجه‬
‫آخر‪ :‬عبد أعانة ربه‪ ،‬فرأى بعونه ما غاب عن عينيه‪ ،‬وكشف له‬
‫عن معاني الشياء‪ ،‬ففارق النفس والخلق بقلبه‪ ،‬فقام بربه ل‬
‫بقوة نفسه‪ ،‬مكشوف به سره‪ ،‬مشغول برّبه‪ ،‬قد آثر على ما‬
‫ل وأعظم وأكرم وأعلى وأعلم‬ ‫دونه‪ ،‬فإنه عرف أنه أكبر وأج ّ‬
‫وأغنى وألطف‪ .‬فغرق نور فؤاده في مشاهدة عظمته‪ ،‬وهو في‬
‫بحر فؤاد الله تعالبببى‪ ،‬ل ينتهي مدد رها ول يبلغ غوَره أحد‪.‬‬
‫ل علمة من علمات العارف‪ ،‬لن العارف ل يدركه في‬ ‫فهذا أق ّ‬
‫أحواله ريح عاصف‪ ،‬ول يتصل به برق خاطف‪ ،‬ول يخبر عنه‬
‫وصف واصف‪ .‬ويطوف حول سره من الله تعالبببى في كل‬
‫وقت من بّر الله تعالبببى ولطائفه ورحمته وكرامته وعظمته‬
‫وفوائده ونعمه‪ ،‬ل ينقطع عنه أدنى طرفة عين من الله أنواع‬
‫سه‪ ،‬وغير عارف بما‬ ‫اللطائف‪ .‬فهو عارف لله‪ ،‬وعند الله نف ُ‬
‫ينكر من نفسه من أخلقها السيئة ومن عيوبها‪ ،‬وله في أقواله‬
‫وأفعاله حكمة‪ .‬وهذا كله إنما يتبين له من بحر فضله‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫ويثّبته على هذه المرتبة العظيمة جبل نور التوحيد الذي هو‬
‫الجبل الرابع‪ ،‬وهو على مستقر اللب‪ ،‬وهو الجبل الذي ل غاية‬
‫لعلوه ول نهاية لعظمته‪ ،‬وهو معدن جميع الخيرات والبحر الذي‬
‫يخرج منه كل خير ويرجع إليه كل خير‪ ،‬ول يتهيأ لحد من‬
‫الخلق وصف نوره بلسان العبارة إل ّ على مقدار ما يوّفق‬
‫سر‪.‬‬
‫ويي ّ‬

‫‪32‬‬
‫الفصل الثامن‬
‫دك الله‪ ،‬أن هذا عبد أخذه نور التوحيد‪ ،‬فأحاط به‬ ‫واعلم‪ ،‬أي ّ َ‬
‫حتى أغرقه في بحره‪ .‬فصار نور التوحيد على وجه المثل‬
‫كالشمس‪ ،‬فهي أطول في الصيف وأشد ّ حرًا‪ ،‬طلعت عليه‬
‫حتى بلغت موضعها من الزوال وهو أعلى موضع في أيام‬
‫الصيف ترتفع الشمس إليه‪ .‬وليس في السماء غيم ول علة‬
‫حاجزة لنورها ول سبب مانع لحرها وضيائها من مظلة‪ .‬وليس‬
‫بينها وبين هذا العبد شيء‪ ،‬حتى أحاطت برأسه‪ ،‬فأحرقته‬
‫الشمس بحّرها‪ ،‬وغّيرت حاله مألوفا ً وطبقًا‪ ،‬ول يرى لشخصه‬
‫ظل ً من ارتفاعها وعلوّ مكانها إل عند قدميه‪ ،‬ول تستقر قدماه‬
‫على الرض من شدة الحر إل على الضرورة‪ .‬فكيف يكون هذا‬
‫حد الذي أقامه الله تعالبببى مقام التوحيد بحوله وقوته؟‬ ‫المو ّ‬
‫س به أسد فيقتله ويأكله وقد استيقن بهلكه‬ ‫وهو مقام من يح ّ‬
‫ف ول مستغاث‪ ،‬فما أقرب حال صاحب‬ ‫ليس له معتمد ول كا ّ‬
‫ي عند الناس وهو‬ ‫حد‪ ،‬فهذا إنسان ح ّ‬ ‫هذا المثل من حال المو ّ‬
‫عند نفسه ميت بقربه من ربه لنه بقي في ظلمات حد الدراك‬
‫ل يدرك كيفية التوحيد‪ ....‬نور التوحيد وأحاطت به سرا ً وعلنية‪،‬‬
‫وقد ضل هذا العبد طريق التكلف‪ ،‬فليس له تكلف في المور‪،‬‬
‫وقد قام بترك الختيار وصارت عبوديته أسيرة في قبضة عزة‬
‫الرب جل جلله‪ ،‬وهو يخاف من الشرك الخفي في سّره في‬
‫لحظة‪ ،‬وهو ينظر في قلبه من ربه إلى خلقه كيل يتلفت إلى‬
‫غيره من خلقه أو إلى نفسه أو إلى حركته أو إلى حد التعطيل‪،‬‬
‫حتى يرى عجزه عن إدراك ربوبيته‪ ،‬أو إلى حد التشبيه حتى‬
‫يرى نفسه غريقا ً في بحر التوحيد‪ ،‬وهو بحر عظيم عميق ل‬
‫طه‪ ،‬ول منتهى لغوره‪ ،‬وهو ريان عطشان‪ ،‬جوعان‬ ‫ي َُرى ش ّ‬
‫شبعان‪ ،‬عريان مكتس‪ ،‬بصير أعمى‪ ،‬عالم جاهل‪ ،‬عاقل أحمق‪،‬‬
‫وحليم أخرق‪ ،‬وغني فقير‪ ،‬وقادر عاجز‪ ،‬وصحيح مريض‪ ،‬وحي‬
‫ن‪ ،‬ومشته بل أمان‪.‬‬ ‫ن‪ ،‬وقوي متوا ٍ‬‫ميت‪ ،‬وباق فان‪ ،‬وبعيد متدا ٍ‬
‫فهذه صفة العالم الرّباني والعارف الروحاني والسابق‬
‫النوراني‪ ،‬ليس كالجاهل الظلماني‪ ،‬ول علمه نفساني‪ .‬ولو‬
‫ة‬
‫ف أن يكون فتن ً‬‫حد أخا ُ‬ ‫ت فوق هذا الشرح في حال المو ّ‬ ‫زد ُ‬
‫على من عافاه الله تعالبببى من هذا البلء وغرق في ظلمات‬
‫ب الدنيا عن مشاهدة لطائف المولى‪،‬‬ ‫المعاصي والشهوات وح ّ‬
‫‪33‬‬
‫فإن هذه الشياء معافية عن الشرك والشك‪ ،‬وحبط دون‬
‫المولى‪.‬‬
‫ت لك شيئا ً منه‪ .‬قال رسول‬ ‫وهو في أشد ّ البلء‪ ،‬كما وصف ُ‬
‫الله ﷺ‪)) :‬أشد الناس في الدنيا بلء النبياء‪ ،‬ثم المثل‬
‫فالمثل((‪.43‬وقال رسول الله ﷺ‪)) :‬لو تعلمون ما أعلم لضحكتم‬
‫قليل ً ولبكيتم كثيرا ً ولحثيتم التراب على رؤوسكم((‪ .44‬وأخبر‬
‫عليه السلم‪" :‬من يشاهد الله تعالى وكبرياَءه في أشد ّ البلء"‪.‬‬
‫وقال عليه السلم‪" :‬إذا رأيتم أهل البلء فاسألوا الله‬
‫كر‪ ،‬رحمك الله‪ ،‬في حال من وقع عليه هذا‬ ‫العافية"‪ .45‬فتف ّ‬
‫البلء‪ ،‬ونزع عنه لباس العافية فكيف يكون عيشه‪ .‬أما بلغك ما‬
‫كان رسول الله ﷺ فيه في كل حال وفي كل وقت؟ إذا شرع‬
‫في صلته سمع له أزيز كأزيز المرجل وكان يتغير لون وجهه‬
‫إذا هاجت ريح وظهرت حادثه‪ .‬ولكن الغفلة فينا حجتنا عن‬
‫مشاهدة ما شاهد أهل المعرفة وملت خواطر قلوبنا عن مثل‬
‫هذه الحالت ‪.‬‬
‫حَيوٰةِ ٱلد ّن َْيا‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫م َ‬
‫را ّ‬‫ظبهِ ً ۭ‬
‫ن َٰ‬ ‫م الله تعالى أقواما ً فقال‪} :‬ي َعْل َ ُ‬
‫مو َ‬ ‫وقد ذ ّ‬
‫ن { )الروم‪ .(7 ،‬وهذا العبد الذي غرق‬ ‫م غ َ ٰب ِ‬
‫فُلو َ‬ ‫خَرةِ هُ ْ‬ ‫نٱ ْ‬
‫لَءا ِ‬ ‫م عَ ِ‬
‫وَهُ ْ‬
‫في نور التوحيد واشتد ّ بلؤه‪ ،‬فهو في عيش رغد‪ ،‬طابت حياته‬
‫}ِي َن ّ ۥُه َحي َ ٰو ۭةً ط َي ّب َ ًۭةۖ { )النحل‪.(97 ،‬‬‫تعالى‪َ:‬ن ُ ْ‬
‫حي‬ ‫فَل‬ ‫مع رّبه‪ .‬قال الله‬
‫فهذا العبد قد نسي الحلوات كلها عند حلوة ذكره وطاعته‬
‫ومعرفته ومحبته‪ .‬وقد قال رسول الله ﷺ‪" :‬ذاق طعم اليمان‬
‫من رضى بالله ربًا"‪ 46‬إلى آخره‪ .‬وقال عليه السلم‪ " :‬ثلث‬
‫ن فيه وجد حلوة اليمان‪ :‬من كان الله ورسوله أحب‬ ‫من ك ُ ّ‬
‫إليه مما سواهما ‪ ،‬ورجل كره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه‬
‫ب عبدا ً لم يحّبه‬ ‫َ‬
‫الله منه كما يكره أن ُيلَقى في النار‪ ،‬ورجل أح ّ‬
‫إل ّ لله"‪ .47‬وليس هذا موضع شرحها‪ .‬فهذا عبد سقاه الله من‬
‫‪ 43‬الحاكم‪ ،‬المستدرك‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقم )‪ ،(120‬ج ‪ ،1‬ص ‪ ،99‬الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬رقم )‪ ،(2398‬ج ‪ ،4‬ص ‪.601‬‬
‫‪ 44‬عن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قببط فقببال‪ ":‬لببو‬
‫تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ولبكيتم كثيرا ً "‪ ،‬فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسببلم وجببوههم ولهببم‬
‫خنين‪ ،‬وفي رواية‪ :‬بل َغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطببب فقببال‪" :‬عرضببت علب ّ‬
‫ي الجنببة‬
‫والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليل ولبكيتم كبثيرا ً " فمببا أتببى علببى أصببحاب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين"‪ .‬البخاري‪ ،‬صحيح‪ ،‬رقم ) ‪ ،(4345‬ج ‪،4‬‬
‫ص ‪ ،1689‬والرواية الثانية لمسلم‪ ،‬صحيح‪ ،‬رقم )‪.(2359‬‬
‫‪ 45‬الخطيب البغدادي‪ ،‬تأريخ بغداد‪ ،‬رقم )‪ ،(6646‬ج ‪ ،12‬ص ‪.161‬‬
‫‪ 46‬وتكملته‪ :‬وبالسلم دينا وبمحمد رسول‪ .‬مسلم‪ ،‬صحيح‪ ،‬باب الدليل على أن من رضي بالله رببًا‪ ،‬رقبم )‪ ،(34‬ج‬
‫‪ ،1‬ص ‪ ،62‬الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬رقم )‪ ،(2623‬ج ‪ ،5‬ص ‪.14‬‬
‫‪ 47‬البخاري‪ ،‬صحيح‪ ،‬باب حلوة اليمان‪ ،‬رقم )‪ ،(16‬ج ‪ ،1‬ص‪ ،14 ،‬النسائي‪ ،‬السنن الكبرى‪ ،‬حلوة اليمان‪ ،‬رقم )‬
‫‪ ،(11719‬ج ‪ ،6‬ص ‪.527‬‬

‫‪34‬‬
‫بحر الهدى شرابًا‪ ،‬ووجد حلوته فهو كالمجنون عند الناس‪ ،‬وقد‬
‫زّينه الله تعالى بأحسن اللباس‪ ،‬وعصمه من شّر الوسواس‬
‫حد‬ ‫ضله على كثير من الناس‪ ،‬ول ُتدَرك أحوال هذا المو ّ‬ ‫وف ّ‬
‫صه الله تعالى بقوة من عنده في جميع‬ ‫بالنظر والقياس‪ ،‬وخ ّ‬
‫س‪ .‬قال الله تعالى‪:‬‬ ‫أحواله بما ل ُيدَرك ذلك بالعقول والحوا ّ‬
‫َ‬ ‫مُنو ۟ا{ )البقرة‪ ،(257 ،‬وقال‪ٰ‌ :‬‬
‫موَْلى‬ ‫ه َ‬ ‫ن ٱلل ّ َ‬ ‫ك ب ِأ ‌ ّ‬ ‫}َذٰل ِ َ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ى ٱل ّ ِ‬‫ه وَل ِ ّ‬ ‫}ٱلل ّ ُ‬
‫ن َل َموْل َ ٰى ل َهُْم }‪) { {١١‬محمد‪ ،(11 ،‬وقال‪} :‬‬ ‫َ‬
‫ري َ‬ ‫ن ٱل ْك َ ٰب ِ‬
‫ف ِ‬ ‫مُنو ۟ا وَأ ّ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ذي َ‬‫ٱل ّ ِ‬
‫ن { )العراف‪. (196 ،‬‬ ‫حي َ‬ ‫ص ٰبل ِ ِ‬ ‫وَهُوَ ي َت َوَّلى ٱل ّ‬
‫فما ظنك‪ ،‬رحمك الله‪ ،‬بمن كان الله وليه وناصره ومعينه‬
‫سة العقل؟ أما رأيت إنكار‬ ‫ومؤّيده هل تدرك حقيقة أحواله بحا ّ‬
‫الضاّلين كرامات الولياء ومعراج النبي ﷺ إذ نظروا إليها من‬
‫ل‪ ،‬وزعموا عقولهم ل تقبل هذه الشياء‪،‬‬ ‫أهوائهم وسموها عقو ً‬
‫ول يصح مثل هذا من طريق المعقول فكل ما ل تقبل عقولهم‬
‫كبة‬‫فذلك باطل‪ .‬فيا أخي كيف ُتدِرك بآلة مخلوقة محدثة مر ّ‬
‫ق قدير رب عالم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؟‬ ‫ة خال ٍ‬ ‫ربوبي َ‬
‫بل‬ ‫ةر ٍ‬ ‫ومتى ُيدِرك شيٌء يزيد وينقص ويتقاصر ويتفاضل ربوبي َ‬
‫يزيد ول ينقص ول يتغير حاله؟ بل العقل حجة الله تعالى على‬
‫كبة لقامة العبودية ل لدراك الربوبية ‪.‬‬ ‫العبد وهو آلة مر ّ‬
‫ومن عجز عن إدراك أشياء في نفسه مخلوقة فيه ولم‬
‫يدرك حقيقتها علما ً إل بالظن والخيال مثل النوم وأحوال‬
‫القلب وطبائع النفس والروح ول يعرف حقيقة النفس أيش‬
‫دعي أنه يعرف به كل‬ ‫هي‪ ،‬ول يعرف حقيقة العقل الذي ي ّ‬
‫شيء‪ ،‬فكيف يكون له سبيل الدراك إلى ما هو أعلى منه؟ بل‬
‫الصواب التسليم للحكم والستسلم للرب والرجوع إلى الحق‪.‬‬
‫من‬‫ك ل َذِك َْر ٰى ل ِ َ‬ ‫} ِفى ‌َٰذٰل ِ َ‬ ‫حد الذي وصفه الله تعالى بقولهإ ِ ّ‬
‫ن‬ ‫وهذا المو ّ‬
‫شِهي ۭد ٌ }‪) { {٣٧‬ق‪ ،(37 ،‬فهذا صاحب‬ ‫معَ وَهُوَ َ‬
‫س ْ‬‫قى ٱل ّ‬ ‫ب أ َوْ أ َل ْ َ‬ ‫ه قَل ْ ٌ‬ ‫ن لَ ۥ ُ‬ ‫كا َ‬‫َ‬
‫كله‬ ‫القلب في الحقيقة لن حافظ قلبه ربه عز وجل ولن من و ّ‬
‫الله إلى حفظ قلبه زاغ قلبه‪ ،‬ومن حفظ قلبه ربه فقد وقع من‬
‫الشغل في فراغة‪ .‬والناس يعظمون هذا النسان‪ ،‬لنه رفيع‬
‫المقدار وقد وضع هو نفسه‪ ،‬وأزراها‪ ،‬وصارت نفسه لنور قلبه‬
‫كالمرآة لعينه ينظر بنور قلبه فيعرفها فيصل بمعرفتها إلى‬
‫َ‬ ‫ى َأن ُ‬
‫ن}‬ ‫صُرو َ‬ ‫م ۚ أفََل ت ُب ْ ِ‬ ‫سك ُ ْ‬ ‫ف ِ‬ ‫معرفة رّبه جل وعل‪ .‬قال الله تعالى‪} :‬وَفِ ٓ‬

‫‪35‬‬
‫‪) { {٢١‬الذاريات‪ ،(21 ،‬وقال عليه السلم‪" :‬من عرف نفسه‬
‫عرف ربه"‪.‬‬
‫وهذا إنما يكون للمبتدئ في أوائل أمره وسلوك طريقه‪،‬‬
‫وأما إذا اتصل بنور الحق‪ ،‬وقوي بقوة الحق‪ ،‬تلشى عند‬
‫من دونه من خلقه‪ ،‬ويظل عند ظهور حقه‬ ‫سلطان عظمته قدُر َ‬
‫مقدار جميع خلقه وقد وصف الله مثل ً من نور قلب المؤمن‬
‫صَباٌحۖ{‬ ‫شك َ ٰو ۢةٍ ِفيَها ِ‬
‫م ْ‬ ‫م ْ‬‫ل ُنورِ ۦهِ ك َ ِ‬‫}‬ ‫على سبيل المثال فقال تعالى‪َ :‬‬
‫مث َ ُ‬
‫ىٍء عَِلي ٌۭم { )النور‪ .(35 ،‬فمن تفكر بتوفيق الله‬ ‫}ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ش ْ‬ ‫إلى قوله‪ :‬ب ِ‬
‫تعالى بإدراك شيء من معنى بيان هذه الية فإن من أول‬
‫الكتاب إلى آخره ما يدّله على شرح معنى هذه الية‪ ،‬والله‬
‫ل ٱلل ُّه ل َ ۥُه ُنو ًۭرا فََما ل َ ۥُه ِمن ّنوٍر {‬ ‫جع َ ِ‬ ‫اعلم‪ .‬وقال بعد هذا‪:‬وَ َ}‬
‫من ل ّ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫)النور‪.(40 ،‬‬
‫وأسماء مقامات السّر مثل الصدر والقلب وهي عبارة‬
‫باللسان‪ ،‬وإنما حقيقتها إشارات إلى النوار وقد وضعها الله‬
‫من خزائن نوره‪ .‬أل ترى ما قال رسول الله ﷺ‪" :‬فراسة‬
‫المؤمن ل تخطئ"‪" ،‬والمؤمن ينظر بنور الله تعالى‪ ،"48‬وقال‪:‬‬
‫"لي ُْفِتك قلبك"‪ ،49‬وقال‪" :‬زاجر الله في قلب كل مؤمن‬
‫وواعظه في قلب كل مؤمن"‪.50‬‬
‫واعلم يا أخي أن قوام الخلق كلهم بالله تعالى‪ ،‬فما ظنك‬
‫فيمن توله الله تعالى خصوصا ً واكتنفه بكنفه وجعله من‬
‫خاصته وأهل وليته‪ .‬ومن لم يمت ل يرى القيامة إل أن يموت‪،‬‬
‫كما قال رسول الله ﷺ‪" :‬من مات فقد قامت قيامته"‪ .51‬ومن‬
‫مات وخرجت روح نفسه وانتقل بروحه من الدنيا إلى الخرة‪،‬‬
‫عاين الخرة وما فيها‪ .‬فكذلك من مات بمعناه وحيي بموله‬
‫وعلم أنه ل يملك لنفسه ضرا ً ول نفعا ً ول موتا ً ول حياةً ول‬
‫نشورًا‪ ،‬فقد كشف له غطاء غفلته‪ ،‬وقامت قيامته‪ ،‬وصار حيا ً‬
‫بموله‪ ،‬لنه اكتنفه وتوله وأيد قلبه وأحياه‪ ،‬فشاهد بنور الحق‬
‫‪ 48‬اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله‪ .‬الترمذي‪ ،‬السنن‪ ،‬رقم )‪ ،(3127‬ج ‪ ،5‬ص ‪.298‬‬
‫‪" 49‬حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي‪ ،‬حدثنا حماد بن سلمة ‪ ،‬عن أبي عبد السببلم‪ ،‬عببن أيببوب بببن عبببد اللببه بببن‬
‫مكرز ‪ ،‬عن وابصة بن معبد السدي قال‪) :‬أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن ل أدع شيئا ً من البر‬
‫والثم إل سألته‪ .‬فأتيته في عصابة من الناس يستفتونه‪ ،‬فجعلت أتخطاهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬إليك يا وابصة عن رسببول اللببه‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ .‬فقلت دعوني أدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أحب الناس إلببي أدونببو منبه‪.‬‬
‫قال‪ :‬دعوا وابصة‪ ،‬ادن يا وابصة‪ ،‬استفت قلبك واستفت نفسك‪ ،‬واستفت قلبك‪ ،‬واستفت نفسك‪ .‬البر ما اطمببأنت‬
‫إليه النفس وأطمأن إليه القلب‪ ،‬والثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر‪ ،‬وإن أفتاك النبباس وأفتببوك‪ ،‬ثلثبًا‪."(.‬‬
‫أبو يعلى الموصلي‪ ،‬مسند أبي يعلى‪ ،‬رقم )‪.(1586‬‬
‫‪ 50‬لم نجد مصدرا ً لهذا الحديث‪.‬‬
‫‪ 51‬الديلمي‪ ،‬الفردوس بمأثور الخطاب‪ ،‬رقم )‪ ،(1117‬ج ‪ ،1‬ص ‪.285‬‬

‫‪36‬‬
‫ن قُت ُِلو ۟ا ِفى‬ ‫ذي َ‬‫ن ٱل ّ ِ‬
‫سب َ ّ‬ ‫ره‪ ،‬وقال الله تعالى‪} :‬وََل ت َ ْ‬
‫ح َ‬ ‫ما لم يشاهد غي ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫قوُلو ۟ا ل ِ َ‬
‫من‬ ‫حَيآٌء{ )آل عمران‪ ،(169 ،‬وقال‪} :‬وََل ت َ ُ‬ ‫لأ ْ‬ ‫ٰ ًۢتاۚ ب َ ْ‬
‫م ‌َٰو‬‫ل ٱلل ّهِ أ ْ‬
‫سِبي ِ‬‫َ‬
‫ل أ َْحَيآ ٌۭء { )البقرة‪ .(154 ،‬ومن قتله‬ ‫ٰ ۢ ٌ‬
‫تۚب َ ْ‬ ‫م َ‌ٰو‬ ‫َ‬
‫ل ٱلل ّهِ أ ْ‬ ‫سِبي ِ‬‫ل ِفى َ‬ ‫قت َ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫الكافر في سبيل الله جعله الله تعالى حيا ً بكرامته شهيدًا‪ ،‬فما‬
‫ظنك فيمن قتله نور المحبة ونار خوف الهجران ونار مخالفة‬
‫الهوى ونور موافقة الحق ونار الشتياق‪ ،‬وقتل نفسه بسيف‬
‫التوحيد فصار حي ّا ً لله عز وجل‪.‬‬
‫والحياة التي يفهما العامة على وجوه‪:‬‬
‫منها حياة النفس بالروح‪ ،‬وهي حياة الدواب والبهائم‪ ،‬ومنها‬
‫حياة القلب من ظلمة الكفر بنور اليمان‪ ،‬ومنها حياة النفس‬
‫ي والجاهل ميت‪ ،‬ومنها حياة العبد بنور‬ ‫ن العالم ح ّ‬ ‫بالعلم فإ ّ‬
‫الطاعة من ظلمة المعصية‪ ،‬ومنها حياة التائب بنور التوبة من‬
‫ظلمة الضرار وبنور توفيق الله من ظلمة رؤية المجاهدة‪،‬‬
‫ومنها حياة العبد برؤية مّنة الله تعالى عليه وحسن نظره إليه‬
‫ب‬ ‫مل ذكَرها قلو ُ‬ ‫من ظلمة النظر إلى العمل‪ ،‬ثم منها ما ل َيحت ِ‬
‫العامة‪.‬‬
‫ن أ َْمرِ َرّبى { )السراء‪،(85 ،‬‬ ‫م ْ‬
‫ح ِ‬ ‫قال الله تعالى‪} :‬قُ ِ‬
‫ل ٱلّرو ُ‬
‫ن‬
‫م ْ‬‫ح ِ‬ ‫قى ٱلّرو َ‬ ‫هۖ { )المجادلة‪ ،(22 ،‬وقال‪} :‬ي ُل ْ ِ‬ ‫هم ب ُِرو ٍۢح ّ‬
‫من ْ ُ‬ ‫}أ َي ّد َ ُ‬ ‫وقال‪ :‬وَ‬
‫َ‬ ‫}ك َ ‌َٰذ‬ ‫َ‬
‫حي َْنآ إ ِل َي ْ َ‬
‫ك‬ ‫ٰل ِ َ‬
‫ك أوْ َ‬ ‫عَبادِ ۦهِ { )غافر‪ ،(15 ،‬وقال‪ :‬وَ‬ ‫ن ِ‬
‫م ْ‬‫شآُء ِ‬ ‫من ي َ َ‬ ‫مرِ ۦهِ عَل َ ٰى َ‬
‫أ ْ‬
‫ي ممكن خلق الله تعالى‬ ‫رو ۭحا م َ‬
‫ن أْمرَِناۚ{ )الشورى‪ .(52 ،‬فكل ح ّ‬ ‫ً ّ ْ‬ ‫ُ‬
‫إنما سمي حيا بالروح‪ ،‬والروح عبارة عن النور الذي به أحيا‬ ‫ً‬
‫الله الخلق‪ ،‬وهو كما ذكر الله تعالى‪ ،‬أن الروح من أمره‪،‬‬
‫وقوام الروح بالله‪ ،‬والنفس قائمة بالروح‪ .‬فمن فّهمه الله‬
‫تعالى هذا المقدار فهم ما وراء ذلك‪ ،‬بتأييد الله وتوطيد الله‬
‫وتوفيقه‪ ،‬من حياة القلب بروح الحكمة وروح الصدق وروح‬
‫المحبة وروح الولية وروح الشهادة وروح الرسالة وروح الكلم‬
‫وروح الخلة‪ .‬فحياة الصدر بروح السلم‪ ،‬وحياة القلب بروح‬
‫اليمان‪ ،‬وحياة الفؤاد بروح المعرفة والمشاهدة‪ ،‬وحياة اللب‬
‫بروح التوحيد والنفصال عن القوة والحول والتصال بالحق‪.‬‬
‫ومثل صاحب هذا الطريق في ابتداء أمره كمثل رجل‬
‫احتوته ظلمات الليل وأحاطت به في بيت مظلم‪ ،‬فُأعطي‬
‫حت كوة بيته وبابه‬ ‫سراجا ً فاستضاء بنور ذلك السراج‪ ،‬ثم فُت ِ َ‬
‫فوقع نور القمر‪ ،‬فاستأنس به واستبشر حتى خرج إلى‬
‫‪37‬‬
‫الصحراء فاستغنى بنور القمر وضيائه عن ضوء السراج‪ ،‬فبينما‬
‫هو فرح كذلك إذ أسفر الصبح‪ ،‬فغلب نور النهار وسلطانه نور‬
‫القمر‪ ،‬فاستبشر‪ ،‬فإذا هو طلعت الشمس وجعل نورها‬
‫وضياؤها يزداد إلى أن تبلغ أعلى درجاتها‪.‬‬
‫فمثل البيت المظلم هي النفس الجاهلة بظلمتها‪ ،‬ونور‬
‫السراج فيها نور العقل‪ ،‬ثم يزيد هذا العقل‪ ،‬كطلوع القمر‪،‬‬
‫بأنوار الشريعة وعلم السنة‪ .‬ثم يزيد بنور صفوة المعرفة‪ ،‬وهي‬
‫كطلوع الصبح‪ ،‬ثم يزيد برؤيته منن الله تعالى وما سبق له من‬
‫الله من الحسنى في الوقت ظاهرا ً وباطنا ً ولطائف صنعه‬
‫وحكمه‪ .‬ثم يزيد بنور التوحيد وهو طلوع الشمس‪ ،‬ثم يرتفع‬
‫ويزداد ضوؤها ونورها وسلطانها ومنافعها برؤية حقائق آثار‬
‫قدرته ولطائف ربوبيته‪ .‬وإذا اكتملت أنواره واجتمعت خاف‬
‫العبد من زوالها‪ ،‬وخشي من انتقالها‪ ،‬ولم يأمن تغيير حالها‪.‬‬
‫فصاحب هذا المقام يخاف من فراق هذا النور وزوال هذا‬
‫السرور أشد مما يخاف هذا المستأنس بنور الشمس من‬
‫زوالها وغروبها‪ .‬وقد قال القائل‪:‬‬
‫طلعت شمس نوره في القلوب وأضاءت فما لها من‬
‫غروب‬
‫‪52‬‬
‫آخذ من حبيبه بنصيب‬ ‫يتباهون بالحبيب فكل‬
‫مَثل رجل‬ ‫مَثل نظر العبد إلى أعماله وأفعاله وأحواله ك َ‬ ‫و َ‬
‫أسرج سراجا ً كما وصفنا‪ ،‬ثم اتصلت له هذه النوار التي‬
‫وصفُتها‪ ،‬فهل ينظر إلى السراج بعدما ظهرت له هذه النوار؟‬
‫حد رأى سره‬ ‫ل ‪ ،‬بل يشكر لمن وّفقه للعمال‪ .‬وكذلك المو ّ‬
‫ة بحقائق اليمان ومشاهدةً بنور هداية الرحمن آثار‬ ‫معاين ً‬
‫عظمة الله وقدرته وجلله وكبريائه وفردانيته ‪ ،‬فلم يلتفت إلى‬
‫عمله ولم يعتمد عليه واعتمد على الله‪ ،‬وغرق في أنوار‬
‫مشاهدة مّنته ولطائف رحمته وشواهد رأفته‪ ،‬فتبرأ من النظر‬
‫إلى حركات نفسه‪ .‬وأزرى بنفسه لما رأى من سوء أخلقها‬
‫وقبح مرادها ‪.‬‬

‫‪ 52‬تشبه هذه البيات أبيات للحسين بن منصور الحلج‪:‬‬


‫ُ‬ ‫َ‬
‫َفاسَتناَرت فما لها من غرو ِ‬
‫ب‬ ‫ب ب ََلي ٍ‬
‫ل‬ ‫ح ّ‬‫من أ ُ ِ‬‫س َ‬‫شم ُ‬ ‫ط َل ََعت َ‬
‫ب‬ ‫تغي‬
‫َ َ ُ‬ ‫س‬ ‫َ‬
‫لي‬ ‫ب‬
‫ِ‬ ‫قلو‬ ‫ُ‬ ‫ال‬ ‫س‬
‫ُ‬ ‫شم‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫ِ َ‬ ‫ل‬ ‫_‬ ‫_‬ ‫لي‬‫ّ‬ ‫بال‬ ‫ب‬
‫شم َ ّ ِ َ ُ ُ‬
‫ر‬ ‫تغ‬ ‫ر‬ ‫نها‬ ‫ال‬ ‫س‬ ‫ن َ‬‫إ ّ‬
‫ب‬ ‫حبي‬ ‫ال‬ ‫ِ‬ ‫ء‬ ‫لقا‬
‫ِ‬ ‫إلى‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫تياق‬ ‫اش‬
‫ِ ِ‬ ‫ه‬ ‫إلي‬ ‫ر‬ ‫طا‬ ‫حبيب‬ ‫ال‬ ‫ب‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫من‬
‫َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ّ‬ ‫َ‬

‫‪38‬‬
‫ومثل آخر أن الكواكب إنما يكون سلطانها في ليلة ظلماء‪،‬‬
‫فإذا طلع القمر وكانت ليلة البدر غلب نوره نوَر الكواكب‪،‬‬
‫وخفي أكثر النجوم‪ ،‬فإذا أسفر الصبح وطلعت الشمس‬
‫انطمست آثار الكواكب الباقية‪ ،‬وذهب نور القمر‪ .‬فما ظنك‬
‫في عمل النفس عند ظهور الربوية بالتوفيق والمعونة والهداية‬
‫حد في عمل مادام يرى لطائف ربوبيته وسعة‬ ‫وهل يعتمد المو ّ‬
‫رحمته‪ ،‬إذ العبد قائم بربه غير مستغن عنه ظاهرا ً وباطنا ً لدينه‬
‫ودنياه طرفة عين ول أدنى من ذلك‪ .‬فلما كانت الهداية وأنوار‬
‫الولية ولطائف حسن الرعاية جملت وشملت وكثرت لم يبق‬
‫النظر إلى حركات النفس وأعمالها على سبيل ما يرى في كل‬
‫لحظة وطرفة من لطائف الرب جل وعل‪.‬‬
‫وأبّين لك شيئا ً من صفة هذه القلوب التي يتولها ربها‪.‬‬
‫اعلم‪ ،‬رحمك الله‪ ،‬أن قلوب أولياء الله خزائن الحكمة‪،‬‬
‫ومواضع الرحمة‪ ،‬ومعادن المشاهدة وكنوز المعرفة‪ ،‬وبيوت‬
‫الكرامة‪ ،‬ومواضع نظر الله جل جلله إليها برحمته‪ ،‬ومزرعة‬
‫رأفته‪ ،‬وأواني عمله‪ ،‬وأخبية حكمته‪ ،‬وأوعية توحيده‪ ،‬ومواضع‬
‫فوائده‪ ،‬ومساكن عوائده‪ ،‬وأكنة أنوار من نوره‪ .‬ينظر إليها‬
‫برحمته في كل لحظة فيزيد أنوارها ويصلح أسرارها وقد زيّنها‬
‫سسها بالتوكل على الرحمن‪ ،‬وحشاها من‬ ‫الله بنور اليمان‪ ،‬وأ ّ‬
‫لطائف المتنان‪ ،‬وبنى حيطانها من فوائد الحسان‪ ،‬وطيب‬
‫أرضها بنور الحق والهدى حتى طابت تربتها من خبث الشرك‬
‫والشك والنفاق وسائر الفواحش‪ .‬فهذه الرض أرض المعرفة‬
‫سقاها الله من بحر الرضى حتى نبتت فيها من أنوار النفس‪،‬‬
‫وأّيدها بحسن معالجة أصحاب البساتين‪ ،‬وهم السادات من‬
‫المتقين‪ ،‬وأخرج أكمامها بريح متابعة سيد المرسلين‪ ،‬ورّباها‬
‫بالرياح الرّبانية ‪ :‬ريح الرحمة وريح الرأفة وريح الظفر وما‬
‫يشاكلها من رياح الربوبية‪ ،‬وأنضج أثمارها بحر شمس المعرفة‪،‬‬
‫وزادها بمضي ليل الفتقار ونهار الفتخار‪ ،‬وأحسن لون فواكهها‬
‫بصبغة الله‪ ،‬وهي بيان أحكام الشريعة واستمساك العبد‬
‫بالعروة الوثقى‪ ،‬وطّيب طعمها بالتمسك بسنة نبيه ﷺ‪ .‬ثم وضع‬
‫ب المؤيد‬ ‫سرير المحبة على أرض الحق المطّيب ترابها بنور الل ّ‬
‫بنور التوفيق المغذى بغذاء التصديق المؤسس بأسلس‬
‫دد بركنه الوثيق‪ ،‬وبسط على هذا السرير‬ ‫التحقيق المش ّ‬
‫‪39‬‬
‫الفرش الوثير من الحول والقوة‪ ،‬وألقى عليها من نمارق‬
‫التضرع والستكانة‪ ،‬وجعل متكأه الستقامة‪ ،‬واعتماده على‬
‫الله أن يثبته على الحق ولزوم الجماعة‪ ،‬ثم أجلس على هذا‬
‫ده ووليه مسرورا ً ومؤيدا ً ومنصورا ً وقد ألبسه لباس‬ ‫السرير عب َ‬
‫التقوى‪ ،‬ونزع عنه ثياب التكلف والدعوى‪ ،‬وخلع عليه كرامته‬
‫وجه بتاج وليته‪،‬‬ ‫من خزائن فضله‪ ،‬وشد ّ أزره بمّنته وتوفيقه‪ ،‬وت ّ‬
‫وغسله بماء بره ورعايته‪ ،‬وزاده طهارة من بحر هدايته‪،‬‬
‫وأطعمه من حلوة ذكره ومحبته‪ ،‬وسقاه شرابا ً طهورا ً بكأس‬
‫التوحيد من بحر التفريد ممزوجا ً بحلوة وصلته حتى صار قائما‬
‫بالله غائبا ً سره عمن سواه‪ ،‬قد ذلت نفسه عند ظهور عزته‪،‬‬
‫وتلشت عن التكلف عند رؤية نصرته‪ ،‬فقامت نفسه في‬
‫خدمته كالعبد المحجور أو كالمضطر المقهور أو كالسير‬
‫المأسور‪ ،‬ثم نظر إليه رّبه نظرة رحمته‪ ،‬فنثر عليه من خزائن‬
‫الربوبية نثار كرامات الخصوصية‪ ،‬حتى قام مقام حقيقة‬
‫العبودية‪ ،‬فأغناه الله تعالى بذلك‪ ،‬ثم قّربه وناداه وأكرمه‬
‫ماه ولطف به ودعاه‪ ،‬فأتاه حين سمع دعاءه‪ ،‬فأّيده الله‬ ‫وس ّ‬
‫واه واكتنفه وآواه حتى أجابه ولّباه وفي السر ناداه‪،‬‬ ‫تعالى وق ّ‬
‫وفي كل وقت ناجاه‪ ،‬وصرخ إلى موله ل يعرف له ربا سواه‪،‬‬
‫فأعطاه سؤله ومناه‪ ،‬واصطفاه لخدمته وهداه‪ ،‬ولمحبته‬
‫ارتضاه‪ ،‬ولمعرفته اجتباه‪ ،‬وأجرى بين يديه أنهارا ً من الصدق‬
‫والصفاء‪ ،‬والتحقيق والحياء‪ ،‬والمحبة والرضاء‪ ،‬والخوف‬
‫والرجاء‪ ،‬والصبر والوفاء‪ ،‬والشكر والقضاء‪ ،‬والبقاء واللقاء‪،‬‬
‫والفتخار والفتقار‪ ،‬والتعظيم وترك الختيار‪ ،‬والنظر في‬
‫القدار ومشاهدة العزيز الجبار‪ .‬يزيده الله كل وقت من‬
‫اللطائف ما عجز الواصفون عن وصفه‪ .‬وهو في قرب من‬
‫موله مستوحش من دنياه‪ ،‬اشتغل بالله عن النظر في عقباه‪،‬‬
‫فهو في أرغد عيش مع موله‪ ،‬يخاف زوال هذا الحال‪ ،‬ويخشى‬
‫حادثة توجب النتقال عن مقام مشاهدة الكبرياء والجلل‪ ،‬وهو‬
‫في هذه الحالة كالنيس المستوحش‪ ،‬وكالمستقر المستوفز‪،‬‬
‫طه وهو‬ ‫وكالمطمئن المضطرب‪ ،‬قد غرق في بحر ل يرى ش ّ‬
‫حد‬‫بحر التوحيد‪ ،‬ول يتمنى النجاة من هذا الغرق‪ .‬يتلذذ هذا المو ّ‬
‫كما يتلذذ المتلذذون من حلوات الدنيا‪ ،‬ويألم من ألم فراقه بما‬
‫ل يألم أهل الوجاع والمراض والشدائد‪ ،‬والمضربون بالسياط‬
‫‪40‬‬
‫والمخّرمون بالحديد‪ ،‬فعافاه الله من ألم الفراق وجمع له كل‬
‫عافية‪ ،‬وجعله من عنده وآمنه فسبحان من آلى على خاصة‬
‫أوليائه والمقربين من أصفيائه باللء العظيمة‪ ،‬وأنعم عليهم‬
‫ن عليهم‬ ‫بالنعماء الجسيمة‪ ،‬وعصمهم من الهواء السقيمة‪ ،‬وم ّ‬
‫جة المستقيمة‪ ،‬فله‬ ‫بالقلوب السليمة‪ ،‬وسلك بهم سبيل المح ّ‬
‫الحمد على دفع البلء وبذل العطاء وزيادة النعماء وكرامة‬
‫الهدى ورفع الردى والتوفيق بالقتداء بنبيه المصطفى وملة‬
‫خليله المجتبى وسنة رسول الله ﷺ المرتضى خاتم النبياء‬
‫والرسل إلى أوضح السبل‪ ،‬ختم الله به النبوة وبدر بمتابعته‬
‫إلى إقامة المروة وإحياء الفتوة‪ ،‬وقطع به الحجة وأرسله‬
‫ة‪ ،‬ودفع به كل نقمة وأتم به النعمة إذ هو رسوله‬ ‫للعالمين رحم ً‬
‫المصطفى صلى الله عليه وعلى آله أهل الصدق والصفاء‬
‫وعلى أصحابه أهل المحبة والوفاء وعلى أزواجه أهل العفة‬
‫والتقى وسّلم‪ ،‬ول ملجأ ول منجى منه‪ ،‬وهو ولي كل مؤمن‬
‫ونعم المولى هو‪ ،‬وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه‬
‫وسّلم‪.‬‬

‫‪41‬‬