You are on page 1of 20

‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة‬
‫الحمد لله رب العالمين ‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله وعلى‬
‫آله وصحبه ومن واله ‪ ،‬وبعد ‪.‬‬
‫فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى اليمان ‪ ،‬وتحقيقه‬
‫في واقعنا هو المقياس الشرعي السديد تجاه الناس بشتى‬
‫أنواعهم ‪ ،‬والحب في الله والبغض في الله هو الحصن الحصين‬
‫لعقائد المسلمين وأخلقهم أمام تيارات التذويب والمسخ كزمالة‬
‫الديان والنظام العالمي الجديد والعولمة ونحوها ‪.‬‬
‫عني العلماء قديما ً‬ ‫ومسائل هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ‪ ،‬وقد ُ‬
‫وحديثا ً بتحريرها وتقريرها ‪ ،‬لكن ثمت مسائل مهمة – في نظري –‬
‫تحتاج إلى مزيد بحث وتحقيق وإظهار ‪.‬‬
‫ب في الله تعالى والبغض في الله متفرع عن حب‬ ‫منها ‪ :‬أن الح ّ‬
‫الله تعالى ‪ ،‬فهو من لوازمه ومقتضياته ‪ ،‬فل يمكن أن يتحقق هذا‬
‫الصل إل بتحقيق عبادة الله تعالى وحّبه ‪ ،‬فكلما ازداد الشخص‬
‫ب في الله ‪ ،‬والبغض في‬ ‫عبادة لله تعالى وحده ازداد تحقيقا ً للح ّ‬
‫الله ‪ ،‬كما هو ظاهر في قصة الخليل إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬وهو‬
‫أظهر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬
‫ب في الله والبغض في الله له لوازم ومقتضيات ‪،‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن الح ّ‬
‫فلزم الحب في الله ‪ :‬الولء ‪ ،‬ولزم البغض في الله ‪ :‬البراء ‪،‬‬
‫فالحب والبغض أمر باطن في القلب ‪ ،‬والولء والبراء أمر ظاهر‬
‫كالنصح للمسلمين ونصرتهم والذب عنهم ومواساتهم ‪ ،‬والهجرة‬
‫من دار الكفر إلى دار السلم ‪ ،‬وترك التشبه بالكفار ‪،‬‬
‫ومخالفتهم ‪ ،‬وعدم الركون والثقة بهم ‪ ،‬فإذا انتفى اللزم – الولء‬
‫والبراء – انتفى الملزوم – الحب والبغض – هذا التلزم بين الحب‬
‫والبغض ‪ ،‬وبين الولء والبراء يتسق مع التلزم بين الظاهر والباطن‬
‫في اليمان ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن الحب في الله والبغض في الله من أعظم أسباب‬
‫إظهار دين السلم ‪ ،‬وكف أذى المشركين ‪ ،‬بل إن تحقيقه سبب‬
‫في إسلم الكافرين ‪ ،‬وهاك بعض الحداث التي تقرر ذلك ‪ ،‬فقد‬
‫ساق شيخ السلم ابن تيمية جملة مما ذكره الواقدي في معازيه‬
‫وغيره ‪.‬‬
‫فمن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن‬
‫‪1‬‬
‫الشراف على يد محمد بن مسلمة – رضي الله عنه ‪-‬‬

‫الصارم المسلول ) ‪(2/152‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪2‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫ويقول شيخ السلم ‪ ) :‬وكان عدد من المشركين يكفون عن‬
‫أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت ‪ ،‬حتى إن‬
‫كعب بن الشراف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت‬
‫هجاهم حسان بقصيدة ‪ ،‬فيخرجونه من عندهم ‪ ،‬حتى لم يبق بمكة‬
‫‪1‬‬
‫من يؤويه (‬
‫محّيصة – رضي الله عنه – ذلك اليهودي فزجره أخوه‬ ‫ولما قتل ُ‬
‫محّيصة ‪ ) :‬والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني‬‫حويصة ‪ ،‬قال ُ‬
‫ت عنقك فقال حويصة ‪ :‬والله إن دينا ً بلغ منك هذا‬‫بقتلك لضرب ُ‬
‫‪2‬‬
‫ب ن ثم أسلم حويصة (‬ ‫ج ُ‬‫لعَ َ‬
‫ولعل هذه الرسالة المختصرة تحقق شيئا ً من هذا الصل الكبير‬
‫عموما ً ‪ ،‬وتظهر جملة من المسائل المذكورة خصوصا ً ‪ ،‬وبالله‬
‫التوفيق ‪.‬‬

‫الصارم المسلول ) ‪(2/390‬‬ ‫‪1‬‬

‫الصارم المسلول ) ‪(2/185‬‬ ‫‪2‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪3‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫المبحث الول‬
‫أهمية الموضوع‬
‫قال المصطفى‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ )) : -‬أوثق عرى اليمان ‪:‬‬
‫الحب في الله والبغض في الله (( وفي حديث آخر قال‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪)) : -‬من أحق في الله وأبغض في الله وأعطى لله‬
‫ومنع لله ؛ فقد استكمل اليمان(( ‪ 1‬إذا ً الحب في الله والبغض في‬
‫عرى اليمان ‪ ،‬فحري‬ ‫الله ليس إيمانا ً فحسب ‪ ،‬بل هو آكد وأوثق ُ‬
‫بنا أن نحرص على هذا المر ‪.‬‬
‫كان‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يبايع على هذا المر العظيم ‪ ،‬فقد‬
‫جاء عن جرير بن عبد الله البجلي‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬أنه قال ‪ :‬أتيت‬
‫النبي‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وهو يبايع فقلت ‪ :‬يا رسول الله ‪،‬‬
‫ى وأنت أعلم ‪ .‬فقال ‪:‬‬ ‫أبسط يدك حتى أبايعك ‪ ،‬واشترط عل ّ‬
‫)) أبايعك على أن تعبد الله ‪ ،‬وتقيم الصلة ‪ ،‬وتؤتي الزكاة ‪،‬‬
‫وُتناصح المسلمين ‪ ،‬وتفارق المشركين (( ‪. 2‬‬
‫هذا هو الشاهد ‪ ،‬فهو‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬بايع جرير بن عبد‬
‫الله على أن يناصح المسلمين وهذا هو الحب في الله ‪ ،‬ويفارق‬
‫المشركين وهذا هو البغض في الله ‪ ,‬تفارق المشركين بقلبك‬
‫وقالبك ‪ .‬بقلبك بأن تبغضهم وتعاديهم كما سيأتي مفصل ً إن شاء‬
‫الله ‪ ،‬وتفارقهم بجسدك كما سيأتي الشارة إلى الهجرة وهي‬
‫النتقال من دار الكفر إلى دار السلم إذا لم يكن الشخص‬
‫مستطيعا ً أن يظهر دينه في بلد الكفر وكان قادرا ً على الهجرة ؛‬
‫فإذا اجتمع المران تعّين عليه الهجرة والنتقال من دار الكفر إلى‬
‫دار السلم ‪.‬‬
‫جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬لما‬
‫سأل الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عن آيات السلم ‪ ،‬فقال‬
‫الرسول‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ )) : -‬أن تقول أسلمت وجهي لله‬
‫عز وجل وتخليت‪ ،‬وتقيم الصلة وتؤتي الزكاة ثم قال ‪ " :‬كل‬
‫مسلم على مسلم حرام أخوان نصيران ‪ ،‬ل يقبل الله عز وجل من‬
‫‪3‬‬
‫مشرك بعد ما أسلم عمل ً أو يفارق المشركين إلى المسلمين((‬
‫فتأمل رحمك الله كيف أنه صلى الله عليه جعل ذلك شرطا ً في‬
‫ض البغض في الله لعداء الله‬ ‫قبول العمل ‪ ،‬ول شك أن هذا مقت ٍ‬
‫عز وجل من الكافرين والمرتدين ‪ .‬قال شيخ العلمة سليمان بن‬
‫عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب‪ -‬رحمه الله عليهم‪ ) : -‬فهل يتم‬
‫م المر بالمعروف والنهي عن‬ ‫م الجهاد أو عل ُ‬
‫الدين أو يقام عل ُ‬
‫أخرجه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة في اليمان وحسنه اللباني ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي وصححه اللباني ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪4‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫المنكر إل بالحب في الله والبغض في الله ‪ ،‬والمعاداة في الله‬
‫والموالة في الله ‪ ،‬ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة‬
‫ومحبة من غيرعداوة ول بغضاء لم يكن فرقانا ً بين الحق والباطل ‪،‬‬
‫ول بين المؤمنين والكفار‪ ،‬ول بين أولياء الرحمن وأولياء‬
‫‪1‬‬
‫الشيطان (‬
‫الحب في الله والبغض في الله من مكملت حب الله عز وجل‬
‫وحب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن حب الله وحب الرسول‬
‫من أعظم الفرائض والواجبات وآكدها ‪ ،‬وفي المقابل فإن بغض‬
‫ح عن رسول الله فهو‬ ‫رسوله أو بغض شيء مما جاء عن الله أو ص ّ‬
‫من أنواع الردة والخروج عن الملة ‪.‬‬
‫الناظر إلى واقع المسلمين الن يجد أنهم قد ضّيعوا هذا الصل ‪،‬‬
‫فربما كان الحب من أجل شهوات فيتحابون من أجل المال ‪،‬‬
‫ويتباغضون من أجل المال ‪ ،‬ويتحابون من أجل القبيلة والعشيرة‬
‫ويتباغضون من أجلها ‪ ،‬فإذا كان الشخص من قبيلتهم أحبوه ولو‬
‫كان كافرا ً ولو كان تاركا ً للصلة مثل ً ‪ ،‬والشخص يبغضونه إن لم‬
‫يكن منهم أو من عشيرتهم ولو كان أفضل الناس صلحا ً و تقي ‪،‬‬
‫وربما حصل الحب من أجل وطن أو من أجل قومية ‪ ،‬وكل ذلك ل‬
‫يجدي على أهله شيئا ً ‪ ،‬ول تنفع هذه الصلة وتلك المودات ؛ فل‬
‫ُيبتغى بها وجه الله ول قيمة لها عند الله ‪.‬‬
‫وقد أشار إلى هذا ابن عباس حبر هذه المة وترجمان القرآن فيما‬
‫معناه ‪ "] :‬من أحب في الله وأبغض في الله ‪ ،‬ووالى في الله‬
‫وعادى في الله ؛ فإنما ُتنال ولية الله بذلك "[ أي إذا أردت أن‬
‫تكون وليا ً من أولياء الله عليك بهذا المر ‪.‬‬
‫م اليمان إل بذلك ‪ ،‬وقد‬ ‫ثم قال ابن عباس ‪ "] :‬ولن تجد أحد ٌ طع َ‬
‫صارت عامة‬
‫مؤاخاة الناس لجل الدنيا ‪ ،‬وذلك ل ُيجدي على أهله شيئا ً "[‬
‫وصدق‪ -‬رضي الله عنه‪، -‬فهذا في كتاب الله عز وجل ‪ ،‬قال‬
‫ب‬
‫ذا َ‬ ‫ن ات ّب َُعوا وََرأ َُوا ال ْعَ َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫م َ‬
‫ن ات ّب ُِعوا ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫تعالى ‪ )) :‬إ ِذ ْ ت َب َّرأ ال ّ ِ‬
‫َ‬
‫ب(( )البقرة‪. (166:‬‬ ‫سَبا ُ‬ ‫م اْل ْ‬ ‫ت ب ِهِ ُ‬ ‫قط ّعَ ْ‬
‫وَت َ َ‬
‫قال ابن عباس ومجاهد ‪ ) :‬المراد بالسباب هنا ‪ :‬المودات‬
‫والصلت التي ليست لجل الله تعالى ( ز‬
‫لماذا ؟ لن الحب في الله والبغض في الله يراد به وجه الله‬
‫‪،‬والله تعالى هو الباقي سبحانه الدائم ‪ ،‬فلهذا ما كان لله يبقى ‪،‬‬
‫أما ما لم يكن لله فهو يضمحل‪ ،‬فالشخص الذي يحب آخر من أجل‬
‫الدنيا هذه الرابطة تنتهي وتفني وتتقطع وتجد أن هؤلء يتعادون ‪.‬‬

‫أوثق عرى اليمان ) ص ‪. ( 38‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪5‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية‪ -‬رحمه الله‪ ) : -‬والناس إذا تعاونوا‬
‫على الثم والعدوان أبغض بعضهم بعضًا‪ ،‬وإن كانوا فعلوا بتراضيهم‬
‫(‪.‬‬
‫قال طاووس ‪ ) :‬ما اجتمع رجلن على غير ذات الله إل ّ تفرقا عن‬
‫تقال‪ ،‬إلى أن قال ‪ :‬فالمخالة إذا كانت على غير مصلحة الثنين‬
‫كانت عاقبتها عداوة ‪ ،‬وإنما تكون على مصلحتها إذا كانت في ذات‬
‫الله ( ‪. 1‬‬
‫وهذا واقع ؛ فنجد الذين يجتمعون على شر أو فساد – مثل ً –‬
‫سرعان ما يتعادون وربما فضح بعضهم الخر ‪.‬‬
‫قال أبو الوفاء بن عقيل ) ‪513‬هـ ( رحمه الله ‪ ) :‬إذا أردت أن‬
‫تعلم محل السلم من أهل الزمان فل تنظر إلى زحامهم في‬
‫أبواب الجوامع ول ضجيجهم في الموقف بلبيك ‪ ،‬وإنما انظر إلى‬
‫مواطأتهم أعداء الشريعة ( ‪.‬‬
‫ثم قال رحمه الله ‪) :‬عاش ابن الراوندي والمعري عليهم لعائن‬
‫عظمت قبورهم‬ ‫الله ينظمون وينثرون كفرا ً ‪ ،‬عاشوا سنين و ُ‬
‫واشترت تصانيفهم ‪ ،‬وهذا يدل على برودة الدين في القلب ( ‪.‬‬
‫والن أيها الخوة تجدون كثيرا ً من المجلت والصحف والمؤلفات‬
‫الساقطة التي تحارب دين الله عز وجل ؛ ومع ذلك ترى الكثير من‬
‫أهل الصلة قد انكبوا على شرائها أو الشتراك فيها ‪.‬‬
‫نحن في زمان حصل فيه تلبيس وقلب للمفاهيم ؛ فتجد بعض‬
‫الناس إذا تحدث عن الحب في الله والبغض في الله قال ‪ :‬هذا‬
‫يؤدي إلى نفرة الناس ‪ ،‬يؤدي إلى كراهية الناس لدين الله عز‬
‫وجل ‪.‬‬
‫وهذا الفهم مصيبة ‪ ،‬فالناس يقون في المداهنة والتنازلت في‬
‫دين الله عز وجل باسم السماحة ‪ ،‬ول شك أن هذا من التلبيس‪،‬‬
‫فالحب في الله والبغض في الله ينبغي أن يتحقق ‪ ،‬وينبغي أن‬
‫يكون ظاهرا ً ؛ لن هذا أمر فرضه الله علينا ‪ ،‬ولهذا يقول ابن‬
‫ن النفس‬ ‫القيم‪ -‬رحمه الله‪ -‬عن مكائد النفس المارة بالسوء ‪ "] :‬إ ّ‬
‫المارة بالسوء ُترى صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه‬
‫وأمره في قالب النتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم ‪ ،‬وأنه‬
‫يعرض نفسه للبلء ما ل يطيق ‪ ،‬وأنه يصير غرضا ً لسهام الطاعنين‬
‫‪2‬‬
‫وأمثال ذلك من الشبه "[‬
‫فبعض الناس يقول ‪ :‬لو أحببنا هذا الشخص في الله وأبغضنا فلنا ً‬
‫الكافر أو المرتد لّدى هذا إلى العداوة وإلى أنه يناصبنا العداء ‪.‬‬
‫وهذا من مكائد الشيطان ‪ ،‬فعلى النسان أن يحقق ما أمر الله به‬
‫مجموع الفتاوى ) ‪(129 ،15/128‬‬ ‫‪1‬‬

‫كتاب الروح ) ص ‪. (392‬‬ ‫‪2‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪6‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫َ‬
‫س الل ّ ُ‬
‫ه‬ ‫وهو سبحانه يتولى عباده بحفظه كما قال تعالى ‪ )) :‬أل َي ْ َ‬
‫ن‬‫م ْ‬
‫ه ِ‬ ‫ما ل َ ُ‬‫ه فَ َ‬‫ل الل ّ ُ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫ن يُ ْ‬ ‫م ْ‬‫دون ِهِ وَ َ‬ ‫ن ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ك ِبال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫خوُّفون َ َ‬
‫ف ع َب ْد َه ُ وَي ُ َ‬ ‫كا ٍ‬ ‫بِ َ‬
‫ب‬
‫س ُ‬ ‫حت َ ِ‬ ‫ث ل يَ ْ‬ ‫حي ْ ُ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬‫ه ِ‬ ‫هاٍد(( )الزمر‪ (36:‬وقال عز وجل ‪ )) :‬وَي َْرُزقْ ُ‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ه‬ ‫جعَ َ‬ ‫مرِهِ قَد ْ َ‬ ‫ه َبال ِغُ أ ْ‬ ‫ن الل ّ َ‬‫ه إِ ّ‬‫سب ُ ُ‬
‫ح ْ‬‫ل ع ََلى الل ّهِ فَهُوَ َ‬ ‫ن ي َت َوَك ّ ْ‬
‫م ْ‬‫وَ َ‬
‫درًا(( )الطلق‪. (3:‬‬ ‫يٍء قَ ْ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ل ِك ُ ّ‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪7‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫المبحث الثاني‬

‫معنى الحب في الله والبغض في الله‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله في كتابه ) قاعدة في‬
‫المحبة ( ‪ ) :‬أصل الموالة هي المحبة كما أن أصل المعادة البغض‬
‫ن التحاب يوجب التقارب والتفاق ‪ ،‬والتباغض يوجب التباعد‬ ‫‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪1‬‬
‫والختلف (‬
‫وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن‪ -‬رحمة الله‬
‫عليهم‪ ) : -‬أصل الموالة ‪ :‬الحب ‪ ،‬وأصل المعاداة ‪ :‬البغض ‪ ،‬وينشأ‬
‫عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالة‬
‫والمعاداة ؛ كالنصرة والنس والمعاونة وكالجهاد والهجرة ونحو‬
‫ذلك من العمال ( ‪. 2‬‬
‫وسئل المام أحمد‪ -‬رحمه الله‪ -‬عن الحب في الله ‪ ،‬فقال ‪ ) :‬أل‬
‫‪3‬‬
‫ُتحبه لطمع في ديناه(‬
‫فمن خلل أقوال هؤلء الئمة ونحوهم يتبّين لنا أن الحب والبغض‬
‫أمر قلبي ‪ ،‬فالحب محله القلب ‪ ،‬والبغض محله القلب‪ ،‬لكن ل بد‬
‫ص يقول ‪:‬‬ ‫لهذا العمل القلبي أن يظهر على الجوارح ‪ ،‬فل يأتي شخ ٌ‬
‫أنا أبغض فلنا ً في الله ثم تجد النس والنبساط والزيارة والنصرة‬
‫والتأييد لمن أبغضه في الله ! فأين البغض في الله ‪ ... .‬فل بد أن‬
‫يظهر على الجوارح ‪ ،‬فلو أبغضنا مثل ً أعداء الله من النصارى ومن‬
‫ه القلب لكن يظهر على الجوارح من عدم‬ ‫اليهود فهذا البغض محل ُ‬
‫بدئهم بالسلم – مثل ً – كما قال‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ )) : -‬ل‬
‫تبدءوا اليهود والنصارى باليهود بالسلم(( أو من خلل عدم‬
‫المشاركة في أعيادهم ؛ لن هذه المشاركة من التعاون على الثم‬
‫والعدوان ‪ ،‬والله يقول ‪َ )) :‬ول ت ََعاوَُنوا ع ََلى الثم(( )المائدة‪ :‬من‬
‫الية ‪(2‬‬
‫وكذلك الحب في الله ‪ ،‬فإذا أحببنا عباد الله الصالحين وأحببنا‬
‫النبياء والصحابة وغيرهم من أولياء الله تعالى ‪ ،‬فهذا الحب في‬
‫القلب لكن له لوازم وله مقتضيات تظهر على اللسان وعلى‬
‫الجوارح ‪ ،‬فإذا أحببنا أهل السلم أفشينا السلم كما قال عليه‬
‫الصلة والسلم ‪ )) :‬أل أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ‪،‬‬
‫أفشوا السلم بينكم (( كذلك النصيحة فعند ما أرى أخا ً لي من أهل‬
‫السلم ُيقصر في الصلة كأن يخل بأركانها أو واجباتها فأنصحه‬
‫عدم ذلك فهذا يدل على‬ ‫فهذا من مقتضى الحب في الله ‪ ،‬فإذا ُ‬
‫قاعدة في المحبة ) ص ‪(387‬‬ ‫‪1‬‬

‫الدرر السنية ) ‪. (2/157‬‬ ‫‪2‬‬

‫طبقات الحنابلة ) ‪. (1/57‬‬ ‫‪3‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪8‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫ضعف اليمان‪ ،‬فلو وجدنا رجل ً يقول ‪ :‬أنا أحب المؤمنين لكنه ل‬
‫يسّلم عليهم ‪ ،‬ول يزور مريضهم ‪ ،‬ول يتبع جنائزهم ‪ ،‬ول ينصح لهم‬
‫‪ ،‬ول يشفق عليهم ؛ فهذا الحب ل شك أن فيه دخن ونقص ل بد أن‬
‫يتداركه العبد ‪.‬‬
‫يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في فتاويه )) إن الله عقد‬
‫الخوة والموالة والمحبة بين المؤمنين كلهم ‪ ،‬ونهى عن موالة‬
‫الكافرين كلهم من يهود ونصارى ومجوس ومشركين وملحدين‬
‫ومارقين وغيرهم من ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم ‪.‬‬
‫وهذا الصل متفق عليه بين المسلمين ‪ .‬وكل مؤمن موحد تارك‬
‫لجميع المكفرات الشرعية فإنه تجب محبته وموالته ونصرته ‪،‬‬
‫وكل من كان بخلف ذلك فإن يجب التقرب إلى الله ببغضه‬
‫ومعاداته وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة ‪ ،‬فالولء والبراء تابع‬
‫ب‬‫للحب والبغض ‪ ،‬والحب والغض هو الصل ‪ ،‬وأصل اليمان أن تح ّ‬
‫في الله أنبياءه وأتباعهم ‪ ،‬وأن تبغض في الله أعداءه وأعداء رسله‬
‫‪1‬‬
‫((‬
‫ب محبته وإن أساء إليك ‪،‬‬ ‫ل العلم أن المؤمن تح ُ‬ ‫وقد بّين أه ُ‬
‫والكافر يجب بغضه وعداوته وإن أحسن إليك ‪.‬‬
‫صر في حقك وظلمك فيبغض على قدر المظلمة ؛‬ ‫فالمسلم وإن ق ّ‬
‫لكن يبقى حق السلم وحق النصرة وحق الولية ‪.‬‬
‫ماذا يجب علينا تجاه المسلمين من خلطوا عمل ً صالحا ً وأخر‬
‫سيئا ً ‪ ،‬فهم ليسوا من أولياء الله الصالحين ‪ ،‬وليسوا من أعداء الله‬
‫الكافرين ؟‬
‫الواجب في حقهم أن نحبهم ونواليهم بقد طاعتهم وصلحهم ‪،‬‬
‫وفي نفس الوقت نبغضهم على قدر معصيتهم وذنبهم ‪.‬‬
‫فمثل ً ‪ :‬جارك الذي يشهد الصلوات الخمس عليك أن تحبه لهذا‬
‫المر‪ ،‬لكن لو كان هذا الجار يسمع ما حرم الله من الغاني مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫أو يتعاطى الربا فعليك أن تبغضه على قدر معصيته ‪ ،‬وكلما ازداد‬
‫الرجل طاعة ازددنا له حب ّا ً ‪ ،‬وكلما زاد معصية ازددنا له بغضا ً ‪.‬‬
‫وقد يقول قائل ‪ :‬وكيف يجتمع الحب والبغض في شخص واحد ؟‬
‫كيف أحب الشخص من جانب وأبغضه من جانب ؟‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أقول ‪ :‬هذا ميسر ‪ ،‬فهذا الب ربما ضرب ابنه وآلمه تأديبا وزجرا ‪،‬‬
‫ومع ذلك يبقى الصل أن الب يحب ابنه محبة جبلية ‪ .‬فيجتمع‬
‫المران ‪.‬‬
‫وكذلك المعلم مع تلميذه أو الرجل مع زوجته إذا زجرها أو هجرها‬
‫إذا كان المر يقتضي ذلك لكن يبقى الصل في ذلك محبتها والميل‬

‫الفتاوى السعدية ) ‪. (1/98‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪9‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫إليها ‪ .‬فإذا كان الشخص يجتمع في إيمان مع ارتكاب محرمات أو‬
‫ترك واجبات – مما ل ينافي اليمان بالكلية – فإن إيمانه يقتضي‬
‫حّبه ونصرته ‪ ،‬وعصيانه يقتضي عداوته وبغضه – على حسب‬
‫عصيانه ‪.‬‬
‫ومما يبّين هذا المر ما جاء في هدى النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فقد حقق عليه السلم المرين ‪ ،‬والدليل ذاك الرجل الذي يشرب‬
‫الخمر في عهد رسول الله‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬واسمه عبد‬
‫الله ‪ ،‬وكان كثيرا ً ما يؤتى به فيجلد ‪ ،‬فأتي به في أحد المرات‬
‫فقال أحد الحاضرين ‪ :‬لعنه الله ما أكثر ما ُيؤتى به ‪ ،‬فقال عليه‬
‫)) ل تلعنه ‪ ،‬أما علمت أّنه يحب الله ورسوله (( أو كما‬ ‫السلم ‪:‬‬
‫ورد في الحديث – فمقتضى العداوة والبغضاء أن أقام عليه الحد‬
‫فجلده ‪ ،‬وفي نفس الوقت أيضا ً مقتضى الحب والولء له أن دافع‬
‫عنه‪ -‬عليه الصلة والسلم‪ -‬فقال ‪)) :‬ل تلعنه((‬
‫معاودة الكافرين ‪:‬‬
‫هذه المسألة تغيب في هذا الزمان بسبب جهل الناس وتكالب‬
‫قوى الكفر على إلغاء الولء والبراء وإلغاء ما يسمى بالفوارق‬
‫الدينية ‪.‬‬
‫قال الشيخ حمد بن عتيق )ت ‪1301‬هـ ( ‪ "] :‬فأما معاداة الكفار‬
‫ن الله أوجب ذلك وأكد إيجابه ‪ ،‬وحّرم موالتهم‬ ‫والمشركين فاعلم أ ّ‬
‫وشدد فيه ‪ ،‬حتى أنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الدلة أكثر‬
‫وأبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده "[ ‪.‬‬
‫وقال في موضع آخر ‪ " :‬وهنا نكتة بديعة في قوله ‪ )) :‬إ ِّنا ب َُرآُء‬
‫ن الل ّهِ (( )الممتحنة‪ :‬من الية ‪ (4‬وهي‬ ‫دو ِ‬
‫ن ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫م ّ‬ ‫من ْك ُ ْ‬
‫م وَ ِ‬ ‫ِ‬
‫أن الله قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله ‪ ،‬على البراءة‬
‫من الوثان المعبودة من دون الله ‪ ،‬لن الول أهم من الثاني ‪،‬‬
‫فإنه قد يتبرأ من الوثان ‪ ،‬ول يتبرأ ممن عبدها ‪ ،‬فل يكون آتيا ً‬
‫بالواجب عليه ‪ ،‬وأما إذا تبرأ من المشركين ‪ ،‬فإن هذا يستلزم‬
‫‪1‬‬
‫البراءة من معبوداتهم "‬
‫فإذا علم هذا تبين خطأ وانحراف كثير من الناس عند ما يقولون ‪:‬‬
‫نتبرأ من الكفر ونتبرأ من عقيدة التثليث عند النصارى ونتبرأ من‬
‫الصليب ‪ ،‬لكن عند ما تقول لهم تبرؤوا من النصارى ‪ .‬يقولون ‪ :‬ل‬
‫نتبرأ منهم ول نواليهم ‪.‬‬
‫لوازم الحب في الله والبغض في الله ‪.‬‬
‫أشرنا إلى أن الحب في الله والبغض في الله عملن قلبيان لكن‬
‫لهذا الحب لوازم مثل ‪ :‬النصح للمسلمين ‪ ،‬والشفاق عليهم ‪،‬‬

‫النجاة والفكاك ) ص ‪(22‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪0‬‬
‫الدعاء لهم ‪ ،‬والسلم ‪ ،‬وزيارة مريضهم ‪ ،‬وتشييع جنائزهم ‪،‬‬
‫وتفقد أحوالهم ‪.‬‬
‫أما لوازم البغض فمنها ‪ :‬أل نبتدئهم بالسلم ‪ ،‬والهجرة من دار‬
‫الكفر إلى دار السلم ‪ ،‬وعدم التشبه بهم ‪ ،‬وعدم مشاركتهم في‬
‫العياد – كما هو مبسوط في موضعه ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪1‬‬
‫المبحث الثالث‬

‫أحوال السلف الصالح في تحقيق عقيدة الولء والبراء‬
‫يقول أبو الدرداِء‪ -‬رضي الله عنه‪ ) : -‬ما أنصف إخواننا الغنياء‪،‬‬
‫ك يا أبا‬ ‫يحبوننا في الله ويفارقوننا في الدنيا‪ ،‬إذا لقيته قال ‪ :‬أحب َ‬
‫‪1‬‬
‫الدرداء ‪ ،‬فإذا احتجت إليه في شيءٍ امتنع مني (‬
‫ويقول أيوب السيختياني‪ -‬رحمه الله‪ " : -‬إّنه ليبلغني عن الرجل‬
‫ت بعض أعضائي " ‪.‬‬ ‫من أهل السنة أّنه مات‪ ،‬فكأنما فقد ُ‬
‫وكان أحمد بن حنبل‪ -‬رحمه الله‪ -‬إمام أهل السنة‪ ] ،‬إذا نظر إلى‬
‫نصراني أغمض عينيه ‪ ،‬فقيل له في ذلك‪ ،‬فقال‪ -‬رحمه الله‪ ) : -‬ل‬
‫أقدُر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ( ‪. 2‬‬
‫فانظر ‪ -‬يا رعاك الله – كيف كان تعظيم الله وتوقيره في قلب‬
‫المام أحمد يجعله ل يطيق النظر إلى من افترى على الله وكذب‬
‫عليه ‪ ،‬وأي افتراء أعظم من مقالة النصارى أن لله ولد – تعالى‬
‫الله عن ذلك علوا ً كبيرا ً – قال عمر بن الخطاب في شان النصارى‬
‫‪ " :‬أهينوهم ول تظلموهم ‪ ،‬فإنهم سّبوا الله تعالى أعظم المسبة "‬
‫‪.‬‬
‫وهذا بهلول بن راشد‪ -‬رحمه الله‪ -‬من أصحاب مالك بن أنس‪-‬‬
‫ذكر‬ ‫رحمه الله‪ -‬دفع إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري به زيتا ً ‪ ،‬ف ُ‬
‫للرجل أن عند نصراني زيتا ً أعذب ما يوجد ‪ .‬فانطلق إليه الرجل‬
‫بالدينارين وأخبر النصراني أنه يريد زيتا ً عذبا ً لبهلول بن راشد ‪،‬‬
‫فقال النصراني ‪ :‬نتقرب إلى الله تعالى بخدمة بهلول كما تتقربون‬
‫أنتم إلى الله بخدمته ‪ .‬وأعطاه بالدينارين من الزيت ما يعطى‬
‫بأربعة دنانير‪ ،‬ثم أقبل الرجل إلى بهلول وأخبره الخبر‪ ،‬فقال بهلول‬
‫ى الدينارين فقال ‪ :‬لم ؟‬ ‫ة فاض لي الخرى ‪ُ ،‬رد ّ عل ّ‬ ‫‪ :‬قضيت حاج ً‬
‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫وما ً ي ُؤ ْ ِ‬
‫جد ُ ق َ ْ‬ ‫قال‪ :‬ت ّ‬
‫ن ِباللهِ َوالي َوْم ِ‬
‫مُنو َ‬ ‫ذكرت قول الله تعالى ‪ )) :‬ل ت َ ِ‬
‫ه(( )المجادلة‪ :‬من الية ‪. (22‬‬ ‫سول َ ُ‬ ‫حاد ّ الل ّ َ‬
‫ه وََر ُ‬ ‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬‫دو َ‬
‫وا ّ‬ ‫اْل ِ‬
‫خرِ ي ُ َ‬
‫فخشيت أن آكل زيت النصراني فأجد له في قلبي مودة فأكون‬
‫‪3‬‬
‫ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير‬
‫وسئل المام أحمد عن جار رافضي ؟ فقال ‪ ) :‬ل تسلم عليه ‪،‬‬
‫وإذا سلم ل ُيرد عليه ( ‪. 4‬‬

‫الزهد لبن المبارك ) ص ‪(232‬‬ ‫‪1‬‬

‫طبقات الحنابلة ) ‪(1/12‬‬ ‫‪2‬‬

‫ترتيب المدارك للقاضي عياض ) ‪(1/337‬‬ ‫‪3‬‬

‫طبقات الحنابلة ) ‪(2/14‬‬ ‫‪4‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪2‬‬
‫وكان ابن رجاٍء من الحنابلة‪ ،‬يهجُر من باع لرافضي كفنه ‪ ،‬أو‬
‫‪5‬‬
‫غسله ‪ ،‬أو حمله‬
‫ولما كان العّز بن عبد السلم في دمشق‪ ،‬وقعَ فيها غلٌء فاحش‪،‬‬
‫ه زوجته ذهبا ً‬ ‫ن تباع بالثمن القليل ‪ ،‬فأعطت ُ‬ ‫حتى صارت البساتي ُ‬
‫ه‪ ،‬وتصدق‬ ‫ب وباع ُ‬ ‫وقالت ‪ :‬اشرِ لنا بستانا ً نصّيف فيه‪ ،‬فأخذ الذه َ‬
‫بثمنه‪ ،‬فقالت‪ :‬يا سيدي اشتريت لنا ؟ قال ‪ :‬نعم بستانا ً في الجنة‪.‬‬
‫ت بثمنه‪ ،‬فقالت المرأة ‪:‬‬ ‫ة‪ ،‬فتصدق ُ‬ ‫ت الناس في شد ٍ‬ ‫إّني وجد ُ‬
‫ً‪2‬‬
‫جزاك الله خيرا‬
‫وهذا محمد بن عبدوس المالكي‪ ،‬من علماِء المالكية‪ ،‬كان في‬
‫ب إلى‬ ‫ق على المسلمين‪ ،‬ففي أحد َ المرات ذه َ‬ ‫ح والشفا ِ‬ ‫غايةِ النص ِ‬
‫ة‪ ،‬فقال له ‪ :‬ما‬ ‫ة شاتي ً‬ ‫ة صوف‪ ،‬وكانت ليل ً‬ ‫جب ّ َ‬‫أحد ِ أصحابه وعليه ُ‬
‫ة دينار ذهباً‪،‬‬ ‫ما ً لفقراِء أمة محمد ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬هذه مائ ُ‬ ‫ةغ ّ‬ ‫ت الليل َ‬ ‫نم ُ‬
‫ة ضيعتي هذا العام‪ ،‬أحذر أن ُتمسي وعندك منها شيء وانصرف‬ ‫غل ُ‬
‫‪.‬‬
‫دخل أبو الوليد الطرطوشي‪ -‬رحمه الله‪ -‬على الخليفة في مصر‪،‬‬
‫فوجد َ عنده وزيرا ً راهبا ً نصرانيًا‪ ،‬قد سّلم إليه القيادة‪ ،‬وكان يأخذ ُ‬
‫ه‪ ،‬فقال الطرطوشي‪:‬‬ ‫برأي ِ‬
‫ه القاصدُ والراغب‬ ‫يطلب ُ‬ ‫يا أيها الملك الذي جودهُ‬
‫‪3‬‬
‫م هذا أّنه كاذب‬ ‫يزع ُ‬ ‫ن الذي شرفت من أجله‬ ‫إ ّ‬
‫ضرب ‪ ،‬وأقبل‬ ‫بو ُ‬ ‫سح َ‬ ‫بف ُ‬ ‫ب الخليفة‪ ،‬فأمَر بالراه ِ‬ ‫فعندئذ ٍ اشتد غض ُ‬
‫ه بعد ما كان قد عزم على إيذائه ‪.‬‬ ‫ظم ُ‬‫ه وع ّ‬ ‫خ فأكرم ُ‬ ‫على الشي ِ‬
‫ة‬‫يقول القرافي معلقا على هذه القصة ‪ " :‬لما استحضر الخليف ُ‬ ‫ً‬
‫ب‬
‫ب للرسول‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وهو سب ُ‬ ‫تكذيب الراه ِ‬
‫ه ذلك عن البعد ِ عن‬ ‫ف آبائهِ وأهل الرض ‪ ،‬بعث ُ‬ ‫شرفه ‪ ،‬وشر َ‬
‫ل العّز إلى ما يليقُ به من‬ ‫ن إليه والمودة‪ ،‬وأبعده ُ عن مناز ِ‬ ‫السكو ِ‬
‫‪4‬‬
‫ل والصغار‬ ‫الذ ِ‬

‫طبقات الحنابلة ) ‪/ (2/57‬‬ ‫‪5‬‬

‫طبقات الشافعية للسبكي ) ‪(214‬‬ ‫‪2‬‬

‫الذي شرفت من أجله هو النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫‪3‬‬

‫الفروق ) ‪(3/16‬‬ ‫‪4‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪3‬‬
‫المبحث الرابع‬

‫تنبيهات‬
‫علينا أن نفرق بين بغض الكفار ومعاداتهم‪ ،‬وبين البرِ والقساط ‪،‬‬
‫ط بين المرين‪ ،‬فيجعل البَر والعدل مع الكفار‬ ‫فبعض الناس يخل ُ‬
‫م الكافر باسم‬ ‫ض الناس المسألة‪ ،‬فربما ظل َ‬ ‫س بع ُ‬ ‫ة لهم ‪ ،‬وعك َ‬ ‫محب ً‬
‫العداوة له ‪.‬‬
‫ن الله أمرنا أن نبغضهم‪ ،‬ولكن ل‬ ‫فالمتعين أن نبغض الكفار؛ ل ّ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫م‬ ‫ن لَ ْ‬
‫م يُ َ‬ ‫ذي َ‬‫ن ال ّ ِ‬ ‫م الل ّ ُ‬
‫ه عَ ِ‬ ‫نظلمهم‪ ،‬فقد قال تعالى ‪ )) :‬ل ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫خرجوك ُم من ديارك ُ َ‬
‫ن‬‫م إِ ّ‬ ‫طوا إ ِل َي ْهِ ْ‬ ‫س ُ‬ ‫ق ِ‬ ‫م وَت ُ ْ‬‫ن ت َب َّروهُ ْ‬
‫مأ ْ‬ ‫ْ ِ ْ َِ ِ ْ‬ ‫م يُ ْ ِ ُ‬ ‫ن وَل َ ْ‬ ‫دي ِ‬
‫ِفي ال ّ‬
‫ن(( )الممتحنة‪(8:‬‬ ‫طي َ‬ ‫س ِ‬
‫ق ِ‬ ‫م ْ‬‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬‫ه يُ ِ‬ ‫الل ّ َ‬
‫ت الظلم‬ ‫وقال تعالى في الحديث القدسي ‪ )) :‬يا عبادي ‪ ،‬إّني حرم ُ‬
‫على نفسي وجعلته بينكم محرما ً فل تظالموا (( ‪.‬‬
‫ل القرافي في كتابه )الفروق ( لما فرقَ بين مسألةِ ُبغضهم‪،‬‬ ‫يقو ُ‬
‫ب‬‫ن عقد الذمة يوج ُ‬ ‫ومراعاة ُ البرِ والقساط قال ‪ " :‬وسّر الفرق أ ّ‬
‫حقوقا ً علينا لهم ؛ لّنهم في جوارنا ‪ ،‬فيتعين علينا بّرهم في كل‬
‫ر‬
‫ن ظاهره ُ يدل على مودةٍ في القلب‪ ،‬ول تعظيم ِ شعائ ِ‬ ‫أمرٍ ل يكو ُ‬
‫ن‪ ،‬امتنع وصار من قبل ما نهى عنه‬ ‫دى إلى أحد هذي ِ‬ ‫الكفر‪ ،‬فمتى أ ّ‬
‫‪1‬‬
‫في الية "‬
‫بعض الناس يقول ‪ :‬نحن إذا بغضنا النصارى وعاديناهم – مثل ً – هذا‬
‫ُيؤدي إلى نفرتهم عن السلم وبغضهم له ‪.‬‬
‫سبحانه‬ ‫م الراحمين ‪ ،‬وهو ُ‬ ‫ن الله تعالى أرح ُ‬ ‫وليس المُر كذلك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ث شرع َ ُبغض الكفارِ وعداوتهم ‪ ،‬فل‬ ‫م الحاكمين‪ ،‬حي ُ‬ ‫وتعالى أحك ُ‬
‫ل إلى النفرة عن‬ ‫يتوهم أن تحقيق شعيرةِ البراءةِ من الكافرين يؤو ُ‬
‫م بهذه الشعيرة – وسائر شعائرِ السلم –‬ ‫ن اللتزا َ‬ ‫السلم ‪ ،‬بل إ ّ‬
‫ب في ظهورِ السلم وقبوله‪ ،‬كما وقعَ في القرون المفضلة ‪" ،‬‬ ‫سب ٌ‬
‫جاء في سيرةِ ابن هشام أن رسول الله‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫ة بن‬ ‫محيص َ‬ ‫قال ‪ )) :‬من ظفر به من رجال يهود فاقتلوه(( فوثب ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫ل من تجارِ اليهود يبايعهم ‪ ،‬فقلت ُ‬ ‫سَنيَنة ‪ ،‬رج ٌ‬ ‫مسعود ِ على ابن ُ‬
‫ن من محيصة‬ ‫وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم ‪ ،‬وكان أس ّ‬
‫ه ويقول ‪ :‬أي عدوّ الله أقتلته ؟ أما‬ ‫ة يضرب ُ‬ ‫ه جعل حويص ُ‬ ‫‪ ،‬فلما قتل ُ‬
‫ت له ‪:‬‬ ‫ب شحم ٍ في بطنك من ماله ‪ ،‬قال محيصة ‪ :‬فقل ُ‬ ‫والله لر ّ‬
‫ت ع ُُنقك ‪ ،‬قال ‪:‬‬ ‫ك لضرب ُ‬ ‫واللهِ لقد أمرني بقتلهِ من لو أمرني بقتل َ‬
‫فو الله إن كان لّول إسلم حويصة ‪ ،‬قال ‪ :‬آلله لو أمرك محمد‬

‫الفروق ) ‪(3/14‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪4‬‬
‫ب عنقك‬ ‫بقتلي لقتلتني ؟ قال نعم ‪ ،‬والله لو أمرني بضر ِ‬
‫‪1‬‬
‫ب ‪ ،‬فأسلم حويصة "‬ ‫ج ٌ‬‫ن دينا ً بلغَ بك هذا َلع َ‬ ‫لضربتها‪ ،‬قال ‪ :‬والله إ ّ‬
‫ن نرى الكثير من المسلمين – في هذا العصر – وقد ارتموا‬ ‫وها نح ُ‬
‫ن الكفار ‪ ،‬وأحّبوهم وداهنوهم ‪ ،‬ولم يكن ذلك سببا ً في‬ ‫في أحضا ِ‬
‫إسلمهم ‪ ،‬بل امتهن الكفاُر أولئك القوم ‪ ،‬وزادوا عتوّا ً ونفورا ً عن‬
‫السلم وأهله ‪.‬‬
‫ب في إسلمهم‪ ،‬كما كان‬ ‫ل سب ٌ‬ ‫ن تحقيق هذا الص ِ‬ ‫وأمٌر آخر ‪ :‬أ ّ‬
‫اليهود ُ والنصارى يدفعون الجزية للمسلمين عن صغارٍ وذلة‪ ،‬فكان‬
‫ل أن تسقط‬ ‫هذا سببا ً في أن ينظروا إلى السلم‪ ،‬ويسلموا من أج ِ‬
‫عنهم الجزية ‪.‬‬
‫ل‬
‫ل التي على أه ِ‬ ‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪ ) :‬مثل الصارِ والغل ِ‬
‫ل المسلمين لهم‪ ،‬وأخذ الجزية منهم ‪ ،‬فهذه قد‬ ‫الكتاب ‪ ،‬وإذل َ‬
‫ه‪ ،‬هل هو حقّ أو باطل‪،‬‬ ‫ن داعيا ً له إلى أن ينظَر في اعتقاد ِ‬ ‫تكو ُ‬
‫مرغبا ً له في اعتقاد ٍ يخرج به من‬ ‫ن ُ‬ ‫ن له الحق ‪ ،‬قد يكو ُ‬ ‫حتى يتبي َ‬
‫ر‬
‫ر‪ ،‬يدعوهم للنظ ِ‬ ‫هذا البلء ‪ ،‬وكذلك قهَر المسلمين عدوهم بالس ِ‬
‫‪2‬‬
‫في محاسن السلم (‬
‫ل‪:‬‬ ‫ن الكفار تغّيروا‪ ،‬فليسوا كالكفار الوائل ‪ ،‬نقو ُ‬ ‫ض يقول ‪ :‬إ ّ‬ ‫البع ُ‬
‫هذا غير صحيح‪ ،‬فالكفاُر هم الكفار‪ ،‬وهم أعداؤنا في القديم‬
‫والحديث ‪ ،‬والله تعالى ذكر في ذلك حكما ً عاما ً فقال ‪ )) :‬ل‬
‫ة (( )التوبة‪ :‬من الية ‪ (10‬وقال ‪ :‬عز‬ ‫م ً‬‫ن إ ِّل ً َول ذ ِ ّ‬‫م ٍ‬ ‫مؤ ْ ِ‬‫ن ِفي ُ‬ ‫ي َْرقُُبو َ‬
‫ة((‬ ‫م إ ِّل ً َول ذ ِ ّ‬
‫م ً‬ ‫م ل ي َْرقُُبوا ِفيك ُ ْ‬ ‫ن ي َظ ْهَُروا ع َل َي ْك ُ ْ‬ ‫ف وَإ ِ ْ‬ ‫وجل ‪ )) :‬ك َي ْ َ‬
‫)التوبة‪ :‬من الية ‪. (8‬‬
‫ن هناك شائبة‪،‬‬ ‫ض في الله‪ ،‬لكن تكو ُ‬ ‫ب في الله‪ ،‬ويبغ ُ‬ ‫ض يح ُ‬ ‫البع ُ‬
‫ب لجل دنيا أو تبغض لجل دنيا‪.‬‬ ‫ه يجدها تح ّ‬ ‫فعند ما يتفقد ُ نفس ُ‬
‫ض فلنا النصراني في الله‪ ،‬لكن عند ما‬ ‫ً‬ ‫ل يقول‪ :‬أنا أبغ ُ‬ ‫مثال‪ :‬رج ٌ‬
‫ة‪ .‬فينبغي أن‬ ‫ظ أو أثر ٍ‬ ‫ه لجل ح ٍ‬ ‫ل البغض تجده ُ يبغض ُ‬ ‫تبحث في أص ِ‬
‫ض في الله‪ ،‬بأن يكون خالصا ً لله وحده‬ ‫ب في الله والبغ ُ‬ ‫ص الح ّ‬ ‫يمح َ‬
‫‪.‬‬
‫ب إنسانا ً‬ ‫يقول شيخ السلم ابن تيمية‪ -‬رحمه الله‪ ) : -‬من أح ّ‬
‫ه‬
‫ب من يعطي ِ‬ ‫ه يح ُ‬ ‫لكونهِ يعطيهِ فما أحب إل ّ العطاء ‪ ،‬ومن قال إن ّ ُ‬
‫ب إنسانا ً‬ ‫ل وزوٌر من القول ‪ ،‬وكذلك من أح ّ‬ ‫ب ومحا ٌ‬ ‫لله فهذا كذ ٌ‬
‫لكونه ينصره ُ إنما أحب النصر ل الناصر ‪ ،‬وهذا كله من اتباع ما‬
‫ل إليه من جلب‬ ‫تهوى النفس ‪ ،‬فإّنه لم يحب في الحقيقة إل ّ ما يص ُ‬
‫ب تلك المنفعة ودفع المضرة ‪،‬‬ ‫منفعةٍ أو دفع مضرةٍ ‪ ،‬فهو إنما أح ّ‬
‫ة‬‫وليس هذا حبا ً لله ول لذاته المحبوب ‪ ،‬وعلى هذا تجري عام ُ‬
‫سيرة ابن هشام ) ‪( 2/821‬‬ ‫‪1‬‬

‫جامع الرسائل ) ‪(3/238‬‬ ‫‪2‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪5‬‬
‫ق بعضهم مع بعض ‪ ،‬ل ُيثابون عليه في الخرة ول‬ ‫محبة الخل ِ‬
‫ة‪ ،‬فكانوا في الخرة من‬‫ق والمداهن ِ‬‫دى هذا للنفا ِ‬ ‫ينفعهم ‪ ،‬بل ُربما أ ّ‬
‫الخلِء الذين بعضهم لبعض عدو إل ّ المتقين ‪ .‬وإنما ينفعهم في‬
‫ما من يرجو النفعَ والضر من‬ ‫ب في الله ولله وحده‪ .‬وأ ّ‬ ‫الخرة الح ّ‬
‫ق‬
‫س ونفا ِ‬
‫س النفو ِ‬
‫ه لله‪ ،‬فهذا من دسائ ِ‬ ‫ه يحب ُ‬‫م أن ّ ُ‬ ‫ص ثُ ّ‬
‫م يزع ُ‬ ‫شخ ٍ‬
‫‪1‬‬
‫القوال "[‬

‫جامع الرسائل ) ‪(256 /2‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪6‬‬
‫المبحث الخامس‬

‫التحذير من مشاركة الكافرين في أعيادهم‬
‫إن الكثيرين من المسلمين الذين ابتلوا بمخالطة الكفار سواء‬
‫في بلد الكفر أو في أعمال ربما شاركوا الكفار في أعيادهم‬
‫البدعية ‪ ،‬إما في حفلتهم أو في التهنئة ‪ ،‬وهذا أمر خطير جدا ً ‪،‬‬
‫فمشاركة الكفار في أعيادهم ل شك في تحريمها على أقل‬
‫الحوال وربما أفضت إلى الكفر بالله عز وجل ‪ .‬وقد تحدث أهل‬
‫العلم عن ذلك وحذروا وأنذروا ‪.‬‬
‫ن الّزوَر((‬ ‫دو َ‬ ‫ن ل يَ ْ‬
‫شه َ ُ‬ ‫قال تعالى في وصف عباد الرحمن ‪َ )) :‬وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫)الفرقان‪ :‬من الية ‪ ((72‬والزور كما قال بعض المفسرين هو ‪:‬‬
‫أعياد المشركين ‪.‬‬
‫والرسول‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬لما قدم إلى المدينة وجد أنهم‬
‫يلعبون ‪ ،‬فسال عن ذلك فقالوا هذا يومان كنا نلعب في الجاهلية‬
‫فقال‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪)) : -‬قد أبدلكم الله خيرا ً من ذلك‬
‫‪1‬‬
‫عيد الفطر وعيد الضحى ((‬
‫وكذلك ما جاء في الشروط العمرية التي اشترطها عمر بن‬
‫الخطاب‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬على أهل الذمة وهو أل يظهروا أعيادهم‬
‫؛ لن العياد من جملة العبادات ‪ ،‬فكما ل يجوز أن يظهروا صليبهم‬
‫ونحو ذلك أيضا ً ل يجوز أن يظهروا أعيادهم ‪.‬‬
‫ولهذا تجد أهل العلم في غاية التحذير من هذا المر حتى إن بعض‬
‫علماء الحناف قال ‪ " :‬من أهدى لمجوسي بيضة في يوم النيروز‬
‫فقد كفر " ‪.‬‬
‫يقول ابن القيم رحمه الله ) في أحكام أهل الذمة ( ‪ ) :‬وأما التهنئة‬
‫بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالتفاق ؛ مثل أن يهنئهم‬
‫بأعيادهم وصومهم فيقول ‪ :‬عيد مبارك عليك ‪ ،‬أو تهنأ بهذا العيد‬
‫ونحوه ‪ ،‬فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات ‪ ،‬وهو‬
‫بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثمنا ً عند الله‬
‫وأشد مقتا ً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ونحوها ‪ .‬وكثير‬
‫مما ل قدر للدين عندهم يقع في ذلك ول يدري قبل ما فعل ‪.‬‬
‫فمن هنأ عبدا ً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله‬
‫‪2‬‬
‫وسخطه(‬

‫أخرجه أحمد وأبو داود ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫أحكام أهل الذمة ) ‪(1/205‬‬ ‫‪2‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪7‬‬
‫المبحث السادس‬

‫آثار وثمار الحب في الله والبغض في الله‬
‫تحقيق أوثق عرى اليمان كما قال صلى الله عليه وسلم ‪)) :‬أوثق‬
‫عرى اليمان الحب في الله والبغض في الله (( ‪.‬‬
‫تذوق حلوة اليمان كما جاء في حديث أنس مرفوعا ً ‪)) :‬ثلث من‬
‫كن فيه وجد حلوة اليمان " وذكر منها صلى الله عليه وسلم " أن‬
‫‪1‬‬
‫يحب المرء ل يحبه إل لله ((‬
‫أن من حقق هذا الصل يرجى أن ينال الوعد الكريم في الحديث ‪:‬‬
‫" سبعة يظلهم الله في ظله يوم ل ظل إل ظله " وذكر صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ " :‬رجلن تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " ‪.‬‬
‫نيل ولية الله ‪ ،‬فالعبد ل يكون وليا لله إل إذا حقق ذلك كما مّر‬
‫معنا في قول ابن عباس ‪ " ]:‬من أحب في الله وأبغض في الله ‪،‬‬
‫ووالى في الله وعادى في الله ؛ فإنما تنال ولية الله بذلك "[ ‪.‬‬
‫وقال الله تعالى في الحديث القدسي ‪ )) :‬وما تقرب عبدي بشيء‬
‫أحب إلى مما افترضته عليه ‪ ،‬ول يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل‬
‫حتى أحبه(( ‪.‬‬
‫م‬
‫ضه ُ ْ‬ ‫ن كَ َ‬
‫فُروا ب َعْ ُ‬ ‫السلمة من الفتنة والدليل قوله تعالى ‪َ )) :‬وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َْ‬ ‫َ‬
‫ساد ٌ ك َِبيٌر(( )لنفال‪:‬‬ ‫ض وَفَ َ‬‫ة ِفي الْر ِ‬ ‫فعَُلوه ُ ت َك ُ ْ‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬ ‫ض إ ِّل ت َ ْ‬
‫أوْل َِياُء ب َعْ ٍ‬
‫‪(73‬‬
‫قال ابن كثير في تفسيره ‪ " :‬أي تجانبوا المشركين وتوالوا‬
‫المؤمنين وإل وقعت فتنة في الناس ‪ ،‬وهو التباس واختلط‬
‫المؤمنين بالكافرين ‪ ،‬فيقع في الناس فساد كبير منتشر عريض‬
‫‪2‬‬
‫طويل "‬

‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪ " :‬فل تزول الفتنة عن القلب إل إذا‬
‫كان دين العبد كله لله عز وجل ‪ ،‬فيكون حبه لله ولما يحبه لله‬
‫‪3‬‬
‫وبغضه لله ولما يبغضه لله ‪ ،‬وكذلك موالته ومعاداته "‬
‫حصول النعم والخيرات والرخاء ‪ ،‬والدليل قوله تعالى عن الخليل‬
‫ن الل ّهِ وَهَب َْنا ل َ ُ‬
‫ه‬ ‫دو ِ‬ ‫ن ُ‬‫م ْ‬‫ن ِ‬‫دو َ‬‫ما ي َعْب ُ ُ‬ ‫ما اع ْت ََزل َهُ ْ‬
‫م وَ َ‬ ‫عليه السلم ‪ )) :‬فَل َ ّ‬
‫م‬‫جعَل َْنا ل َهُ ْ‬
‫مت َِنا وَ َ‬
‫ح َ‬
‫ن َر ْ‬‫م ْ‬‫م ِ‬‫جعَل َْنا ن َب ِي ّا ً ‪ ،‬وَوَهَب َْنا ل َهُ ْ‬‫ب وَك ُّل ً َ‬
‫قو َ‬
‫حاقَ وَي َعْ ُ‬‫س َ‬‫إِ ْ‬
‫ق ع َل ِي ًّا(( )مريم‪. (50 ، 49:‬‬ ‫صد ْ ٍ‬ ‫ن ِ‬‫سا َ‬‫لِ َ‬
‫فهذه النعم العديدة ما تحققت لبراهيم عليه السلم إل بعد ما‬

‫أخرجاه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫تفسير ابن كثير ) ‪(2/216‬‬ ‫‪2‬‬

‫الفتاوى ) ‪( 601/ 10‬‬ ‫‪3‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪8‬‬
‫حقق هذا الصل ‪ ،‬فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه‬
‫‪4‬‬
‫النعم كلها ولهذا الثناء الجميل‬

‫انظر منهاج الصواب ) ص ‪(52‬‬ ‫‪4‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪1‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪9‬‬
‫خاتمة‬
‫وفي ختام هذا الموضوع أؤكد على ضرورة العناية بهذا الصل‬
‫علما ً وعمل ً والتواصي بتحقيقه وتربية المة على ذلك ‪ ،‬وأن يجتهد‬
‫في ببان لوازم الحب في الله بين المسلمين ومظاهره ‪ ،‬وتطبيق‬
‫تلك اللوازم في حياة المسلمين مثل ‪ :‬تعليم الجاهل ‪ ،‬وتنبيه‬
‫الغافل ‪ ،‬وإحياء التكافل بين أهل السلم ‪ ،‬والتعاون على البر‬
‫كربهم ‪ ،‬والخذ على أيدي‬ ‫والتقوى ‪ ،‬ونصرة المسلمين وتفريج ُ‬
‫سفهائهم ‪.‬‬
‫كما يجب الحذر من موالة الكفار بشتى صورها ومظاهرها ‪ ،‬مثل‬
‫نصرة الكفار وتأييدهم أو محبتهم ‪ ،‬أو الركون إليهم ‪ ،‬أو تقريبهم ‪،‬‬
‫أو التعويل عليهم أو إكرامهم أو اتباع أهوائهم ‪.‬‬
‫إن عقيدة الولء والبراء هي أكبر ضمان في حفظ المة من‬
‫الذوبان والنجراف في تيار المم الكافرة ‪ ،‬ل سيما في هذا الزمان‬
‫الذي صار العالم قرية واحدة ‪ ،‬فظهرت أنواع المؤثرات والتصالت‬
‫كالفضائيات وشبكات ) النترنت ( ونحوها ‪ ،‬فإن عقيدة الولء‬
‫والبراء أعظم حاجز في درء الفتن والسلمة من فتن التغريب‬
‫والتنصير وسائر الشبهات والشهوات ‪ ،‬أل ترى أصحاب هذه‬
‫العقيدة الراسخة – أعنى الولء والبراء – أنهم أعظم الناس‬
‫استعلء بإيمانهم ‪ ،‬وأظهر النفوس عزة كما هو ظاهر في سير‬
‫النبياء عليهم السلم والصحابة رضي الله عنهم والئمة من‬
‫بعدهم ‪.‬‬
‫إن أصحاب هذه العقيدة ل يرد عليهم بأي حال من الحوال النبهار‬
‫بالكفار أو التشبه بهم أو العجاب بأخلقهم وأفكارهم ‪ ،‬فأنى‬
‫للعلى أن يتشبه بالدنى !‬
‫فأما الذين خلت قلوبهم من هذا الولء والبراء فهم أصحاب أهواء‬
‫متبعة وشهوات مستبعدة ‪ ،‬فتراهم ينظرون إلى الكفار بكل‬
‫استحسان وإكبار كما ينظر الطفل الصغير إلى أبيه ‪ ،‬أل ترى أولئك‬
‫الشباب الذين أشربوا حب الكرة وغفلوا عن شعيرة الولء والبراء‬
‫أنهم من أجل الكرة يحبون ويوالون ‪ ،‬ومن أجلها يبغضون‬
‫ما ً‬
‫ويعادون ‪ ،‬فهذا لعب أو مدرب لفريقهم فهم يحبونه حب ّا ً ج ّ‬
‫‪،‬وربما حملوه على أعناقهم ‪ ،‬وتنافسوا في التودد له وإكرامه‬
‫والحتفاء به ‪ ،‬وذاك الخر ليس من فريقهم فربما أبغضوه وكرهوه‬
‫أشد من اليهود والنصارى !‬
‫تأمل حال هؤلء المنهزمين وانظر حال السلف الصالح الذين‬
‫ب الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله‬ ‫كانوا ُيعّلمون أولدهم ح ّ‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫‪2‬‬ ‫الحب في الله والبغض في الله‬
‫‪0‬‬
‫عنهما ‪ ،‬وتأمل حال أبناء السلف الصالح الذين كانوا يرمون‬
‫‪1‬‬
‫جنازة بشر المرسي المبتدع بالحجارة‬
‫نسأل الله أن يبرم لهذه المة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ‪ ،‬ويذل‬
‫فيه أهل معصيته ‪ ،‬والله المستعان ‪.‬‬

‫السنة للخلل ) ‪. ( 5/114‬‬ ‫‪1‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ ‪ /‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬