You are on page 1of 48

‫بسم هللا الرحمن الرحٌم‬

‫المختصر الهام فً الخصابص العامة لئلسبلم‬


‫المقدمة‬

‫الحمد هلل الذي أرسل رسوله بالهدى ودٌن الحق لٌظهره على الدٌن كله‪ ،‬وجعل فٌه أسوة حسنة‬
‫لمن كان ٌرجو هللا والٌوم اآلخر‪ ،‬أحمده حمدا ال ٌحصً على كرمه وآالبه ما دامت األرض قابمة‬
‫تحت سمابه‪ ،‬وصلى هللا على سٌدنا محمد وعلى آله كمال عدد هللا وكما ٌلٌق بكماله‪.‬‬

‫أما بعد فقد وفقنً هللا فً إتمام هذا الكتٌب الذي هو عبارة عن مختصر كتاب الخصابص العامة‬
‫لئلسبلم للدكتور ٌوسؾ القرضاوي‪.‬‬
‫ولقد قمت باختصار ه لٌكون سهبل ومٌسرا لكل شخص مسلم أم ؼٌر مسلم أراد التعرؾ على‬
‫خصابص دٌن هللا‪.‬‬

‫أما الخصابص العامة لئلسبلم فهً سبع ‪:‬‬


‫‪ - 1‬لربانٌة‪ -2 ،‬اإلنسانٌة‪ -3 ،‬الشمول‪ -4 ،‬الوسطٌة‪ -5 ،‬الواقعٌة‪-6 ،‬الوضوح‪ -7 ،‬الجمع بٌن‬
‫الثبات والمرونة‪.‬‬

‫عمار سكري‬
‫دمشق – الجمعة ‪2004/8/20‬م‬
‫‪ ‬الربانٌة‪:‬‬
‫ومعناه االنتساب إلى الرب ونقول عن إنسان أنه ربانً إذا كان وثٌق الصلة باهلل عالما بدٌنه‬
‫وكتابه معلما له وفً القرآن الكرٌم‪َ } :‬ولَكِن ُكو ُنو ْا َر َّبانِ ٌٌِّنَ ِب َما ُكن ُت ْم ُت َعلِّ ُمونَ ا ْل ِك َت َ‬
‫اب َو ِب َما ُكن ُت ْم‬
‫َت ْ ُر ُ ونَ {(‪ )79‬ورة آل عمران‬
‫وتنقسم الربانٌة إلى أمرٌن‪:‬‬
‫‪ -2‬ربانٌة المصدر والمنهج‪.‬‬ ‫‪ -1‬ربانٌة الؽاٌة والوجهة‪.‬‬

‫‪- 1‬ربانٌة الؽاٌة و الوجهة‪:‬‬


‫نعنً أن اإلسبلم ؼاٌته األخٌرة وهً حسن الصلة باهلل تبارك وتعالى والحصول على‬
‫مرضاته { َوأَنَّ إِلَى َر ِّب َك ا ْل ُمن َت َهى } (‪ )42‬ورة النجم‪ ،‬فكل ما فً اإلسبلم من تشرٌع وتوجٌه‬
‫إنما ٌرٌد إعداد إنسان لٌكون عبدا خالصا هلل ال ألحد سواه ولهذا كان جوهر اإلسبلم التوحٌد‪.‬‬
‫والتوحٌد‪ :‬هو أن ٌعلم اإلنسان أنه ال اله إال هللا وأن ٌفرده بالعبادة واالستعانة فاإلنسان لم ٌخلق‬
‫لمجرد أن ٌؤكل وٌشرب وٌلهو وٌلعب ثم ٌموت كما قال القرآن الكرٌم فً وصفهم‪.‬‬
‫{ َوالَّ ٌِنَ َك َ ُروا ٌَ َت َم َّت ُعونَ َو ٌَؤْ ُكلُونَ َك َما َتؤْ ُكل ُ ْااَ ْن َعا ُم َوال َّنا ُر َم ْ ًوو لَّ ُه ْم} (‪ )12‬ورة محم ‪.‬‬
‫نن إِ ََّّل‬ ‫بل خلق اإلنسان لؽاٌة وحقٌقة أسمى وقررها القرآن عندما قال ‪َ { :‬و َما َ لَ ْ ُ ا ْل ِ‬
‫جنَّ َو ْااِ َ‬
‫ُون} (‪ )56‬ورة ال ارٌا ‪.‬‬ ‫لِ ٌَ ْع ُب ِ‬

‫‪ -‬من ثمرات هذه الربانٌة فً النفس والحٌاة ‪:‬‬

‫أوَّل‪ :‬معرفة ؼاٌة الوجو اان انً‪:‬‬


‫أي أن ٌعرؾ اإلنسان لوجوده ؼاٌة وٌعرؾ لمسٌرته وجهة فهو ال ٌعٌش فً ضٌاع بل ٌسٌر‬
‫على هدى من ربه‪.‬‬

‫انٌا‪ :‬اَّلهت اء إلى ال طرة ‪:‬‬


‫أي أن ٌهتدي اإلنسان إلى فطرته التً فطره هللا علٌها والتً تطلب منه اإلٌمان باهلل تعالى ٌقول‬
‫ان َعلَ ٌْ َها ََّل َت ْب ٌِل َ لِ َ ْل ِق َّ ِ‬
‫َّللا َ لِ َك‬ ‫ٌِّن َحنٌِ ًوا ف ِْط َر َة َّ ِ‬
‫َّللا الَّتًِ َف َط َر ال َّن َ‬ ‫هللا تعالى ‪َ { :‬فؤَقِ ْم َو ْج َه َك لِل ِ‬
‫ان ََّل ٌَ ْعلَ ُمونَ } (‪ )30‬ورة الروم‪.‬‬ ‫ال ٌِّنُ ا ْل َ ٌِّ ُم َولَكِنَّ أَ ْك َ َر ال َّن ِ‬
‫فعندما ٌهتدي اإلنسان إلى فطرته ٌعٌش فً سبلم مع نفسه ومع فطرة الوجود من حوله فالكون‬
‫ض َو َمن‬ ‫كله ربانً الوجهة ٌسبح بحمد هللا ٌقول هللا تعالى ‪ُ { :‬ت َ ِّب ُح لَ ُه ال َّ َم َاوا ُ ال َّ ْب ُع َوااَ ْر ُ‬
‫ورا} ( ‪)44‬‬ ‫ٌح ُه ْم إِ َّن ُه َكانَ َحلٌِ ًوما َؼ ُ ًو‬
‫ش ًْ ٍء إَِّلَّ ٌُ َ ِّب ُح ِب َح ْم َ ِه َولَكِن َّلَّ َت ْ َ ُهونَ َت ْ ِب َ‬
‫فٌِ ِهنَّ َوإِن ِّمن َ‬
‫ورة اا راء‪.‬‬

‫ال ا‪ :‬المة الن ن من التمزق والصراع‪:‬‬


‫أي سبلمة النفس البشرٌة من التمزق واالنقسام بٌن مختلؾ الؽاٌات وشتى االتجاهات ‪ ،‬فلقد‬
‫اختصر اإلسبلم ؼاٌات اإلنسان فً ؼاٌة واحدة هً إرضاء هللا تعالى وهً أعظم ؼاٌة وكما ركز‬
‫همومه فً هم واحد هو العمل ما ٌرضٌه سبحانه وتعالى‪ ،‬فشتان بٌن مسلم موحد ٌُقن بؤن ال رب‬
‫إال هللا ٌخافه وٌرتجٌه وٌتلمس رضاه وبٌن المشرك باهلل والدي تعددت أربابه ولقد وصؾ هللا هذا‬
‫شا ِك ُ ونَ َو َر ُج ًوال َ لَ ًوما لِّ َر ُج ٍل‬
‫ش َر َكاء ُم َت َ‬ ‫ض َر َب َّ‬
‫َّللا ُ َم َ ًوال َّر ُج ًوال فٌِ ِه ُ‬ ‫المشرك فً قرآنه حٌث قال‪َ { :‬‬
‫ان َم َ ًوال ا ْل َح ْم ُ ِ َّ ِ َبلْ أَ ْك َ ُر ُه ْم ََّل ٌَ ْعلَ ُمونَ } (‪ )29‬ورة الزمر‪.‬‬
‫َهلْ ٌَ ْ َت ِو ٌَ ِ‬

‫رابعا‪ :‬التحرر من العبو ٌة واانانٌة والشهوا ‪:‬‬


‫ومن ثمرات الربانٌة أنها تحرر اإلنسان من العبودٌة ألنانٌته وشهوات نفسه ومن الخضوع‬
‫واالستسبلم لمطالبه المادٌة فاإلنسان (( الربانً )) ٌُقفه إٌمانه باهلل والٌوم اآلخر موقؾ الموازنة‬
‫بٌن رؼبات نفسه ومتطلبات دٌنه بٌن لذة الٌوم وحساب الؽد فإذا ما انحدر ٌوما عن هذا المعنى‬
‫فسرعان ما ٌعود إلى هللا تاببا من ذنبه مستؽفرا لربه‬
‫فاإلنسان الربانً قد تتاح له الشهوة الحرم ‪ ،‬تعرض علٌه ببل رقٌب من البشر فٌدعها حٌاء من هللا‬
‫وٌقول كما قال سٌدنا ٌوسؾ حٌن راودته امرأة العزٌز عن نفسها)) معاذ هللا ))‪.‬‬

‫‪ -‬تفاوت الؽاٌات واألهداؾ لدى األفراد‪:‬‬


‫إذا نظرنا إلى األفراد وؼاٌاتهم وجدناهم أصنافا عدٌدة ومتنوعة‪:‬‬
‫أ‪ .‬فمنهم من ٌعٌش حٌاته ؼارقا فً لذاته دابرا حول مطامح نفسه ‪ٌ ،‬دور حول عبادة (( ذاته‬
‫)) ‪ ،‬وهو مستعد فً سبٌل هذه الؽاي ة أن ٌضحً بكل ما ٌقؾ فً سبٌله من القٌم‬
‫والمعتقدات فبل ٌهم أن بذل العرض أو هدر الشرؾ أو خان الوطن ‪....‬‬
‫وهذا الصنؾ نقول عنه (( أنانً )) وقد نبه القرآن منه حٌن قال‪{ :‬أَ َرأَ ٌْ َ َم ِن ا َّت َ َ إِلَ َه ُه‬
‫ب أَنَّ أَ ْك َ َر ُه ْم ٌَ ْ َم ُعونَ أَ ْو ٌَ ْع ِلُونَ إِنْ ُه ْم إِ ََّّل‬ ‫ٌِال( ‪)43‬أَ ْم َت ْح َ ُ‬ ‫ه ََواهُ أَ َفؤَن َ َت ُكونُ َعلَ ٌْ ِه َوك ًو‬
‫ضل ُّ َ ِب ًوٌال(‪ } )44‬ورة ال رقان‪.‬‬ ‫َك ْااَ ْن َع ِام َبلْ ُه ْم أَ َ‬
‫فهذا النوع ٌعٌش حٌاة أدنى مرتبة من األنعام بل هم أضل من األنعام وذلك ألمرٌن‪:‬‬
‫أولهما‪ -‬أن األنعام تِإدي مهمتها المنوطة بها فً الوجود ‪ ،‬فهل وجدت ٌوما بقرة تمردت‬
‫على أن تحلب‪.‬‬
‫انٌهما‪ -‬أن هذه األنعام لم تإت ما أوتً اإلنسان من المواهب الفكرٌة والروحٌة‪.‬‬
‫ب‪ .‬ومنهم من ال هدؾ له فً الحٌاة إال إذالل الناس واإلضرار بها‪ ،‬فإذا كان النوع األول أنانٌا‬
‫شهوانٌا فهذا النوع أنانٌا عدوانٌا‪ ،‬وقد ٌؽطً هذا الصنؾ خبث باطنه بظاهر مزخرؾ‬
‫ش ِه ُ ّ َ‬
‫َّللا‬ ‫ج ُب َك َق ْول ُ ُه فًِ ا ْل َح ٌَا ِة ال ُّ ْن ٌَا َو ٌُ ْ‬ ‫ان َمن ٌُ ْع ِ‬ ‫ولسان خداع‪ .‬كما ذكر القرآن { َومِنَ ال َّن ِ‬
‫ض لِ ٌُ ْ ِ َ فٌِِ َها َو ٌُ ْهلِ َك‬ ‫ص ِام( ‪َ )204‬وإِ َ ا َت َولَّى َ َعى فًِ ااَ ْر ِ‬ ‫َعلَى َما فًِ َق ْلبِ ِه َوه َُو أَلَ ُّ ا ْل ِ َ‬
‫ِب ال َ َ ا َ (‪ )205-204( } )205‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ا ْل َح ْر َ َوال َّن ْ ل َ َو ّ‬
‫َّللا ُ َّلَ ٌُح ُّ‬
‫ج‪ .‬أما الصنؾ األخٌر فهو الذي ٌعبد هللا وحده ال شرٌك له فهدفه مرضاته وحسن االتصال به‬
‫هذا هو الصنؾ الربانً فهو ٌفعل الخٌر للناس ولكنه ال ٌطلب منهم ثمنا لمعروفه الن‬
‫{ َو ٌُ ْط ِع ُمونَ‬ ‫ؼاٌته أن ٌحمده هللا ال أن ٌحمدوه الناس قال تعالى فً وصؾ هذا النوع‪:‬‬
‫َّللا ََّل ُن ِرٌ ُ مِن ُك ْم َج َزاء َو ََّل‬ ‫ٌرا( ‪ )8‬إِ َّن َما ُن ْط ِع ُم ُك ْم ل َِو ْج ِه َّ ِ‬‫ال َّط َعا َم َعلَى ُح ِّب ِه ِم ْ كٌِ ًونا َو ٌَتٌِ ًوما َوأَ ِ ًو‬
‫ورا } (‪ )9‬ورة اان ان‪.‬‬ ‫ش ُك ًو‬ ‫ُ‬
‫ففً الواقع هذا الصنؾ لم ٌخسر دنٌاه حٌن آثر آخرته بل سعى لها سعٌها وهو مإمن‬
‫فكسب الحٌاتٌن وٌسؤلونهما هللا تعالى { ِو ِم ْن ُهم َّمن ٌَ ُول ُ َر َّب َنا آتِ َنا فًِ ال ُّ ْن ٌَا َح َ َن ًوة َوفًِ‬
‫ار} (‪ )201‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫اب ال َّن ِ‬‫اا َِر ِة َح َ َن ًوة َوقِ َنا َع َ َ‬

‫‪ -‬وسابل اإلسبلم لفرض الربانٌة فً النفس والحٌاة‪:‬‬


‫فاإلسبلم ٌسعى إلى ؼرس الربانٌة فً نفس كل مسلم بوسابل شتى وأسالٌب متنوعة منها‪:‬‬
‫أوَّل‪ :‬طرٌق العبا ا ‪:‬‬
‫عن طرٌق العبادات المفروضة لزوما والمندوب ة استحبابا كالصبلة التً تتكرر كل ٌوم ولٌلة‬
‫خمس مرات وهً للروح أشبه بالوجبات للجسم‪ ،‬والصٌام ٌتكرر شهرا فً كل عام وهو تربٌة‬
‫لئلرادة وتدرٌبا على التقوى‪ ،‬والزكاة التً ٌؽالب من ٌخرجها شح نفسه وٌزكً بها ماله وروحه‪،‬‬
‫والحج الذي ٌفارق فٌه المسلم وطنه وأهله مهاجرا إلى هللا وهنالك ٌتجرد المسلم من ثٌابه المعتادة‬
‫لٌلبس ثٌابا أشبه بؤكفان الموتى مرددا (( لبٌك اللهم لبٌك لبٌك ال شرٌك لك لبٌك ‪.)) ..........‬‬
‫وفوق هذه الفرابض الحتمٌة ٌفتح اإلسبلم باب التطوع بالخٌرات والتقرب إلى هللا تعالى بالنوافل‬
‫والمستحبات فمهمة هذه العبادة كلها أن تؽرس فً ضمر مإدٌها روح التقوى هلل عز وجل شؤنه‬
‫وأن تمنحه شحنة روحٌة تذكره باهلل نسً وتقوي عزٌمته كلما ضعفت‪.‬‬
‫انٌا‪ :‬طرٌق اا اب‪:‬‬
‫وهذا طرٌق آخر لؽرس الربانٌة فً حٌاة المسلم ذلك هو طرٌق اآلداب الٌومٌة التً تتخلل حٌاة‬
‫المسلم من األكل والشرب والنوم والٌقظة‪.............‬‬
‫فئلسبلم ٌنتهز فرصة هذه األمور التً ال تخلو من حٌاة أي إنسان لٌربطه عن طرٌقها بخالقه فإذا‬
‫جلس على مابدة طعامه وأراد أن ٌبدأ األكل ذكر هللا فكانت بداٌته ((بسم هللا)) وإذا شبع قال‬
‫((الحمد هلل)) وكذلك إذا لبس وإذا ركب ‪ ، ...............‬كل ذلك له آدابه الذي ٌربط المسلم باهلل‬
‫تعالى‪.‬‬
‫ال ا‪ :‬طرٌق التربٌة والتكوٌن‪:‬‬
‫ولعل هذه الطرٌقة أكثر الطرق خطرا و أبعدها أثرا فبلبد أن تقوم التربٌة فً البٌت أوال وفً‬
‫المدرسة ثانٌا على ؼرس هذه الربانٌة فً عقول الناشبة وضمابرهم‪ ،‬لذلك أمر اآلباء أن ٌدربوا‬
‫أبناءهم على طاعة هللا منذ سنا ٌقبلون التعلٌم وهو السابعة‪ ،‬كما أن المدرسة مسبولة عن تربٌة‬
‫األبناء والبنات على معانً الربانٌة فالمدرسة التً ال تؽرس اإلٌمان فً النفس ال تخرج إال أجٌاال‬
‫حابرة متناقضة تابها مضطربة‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬طرٌق ااعالم والتوجٌه والت ٌؾ الشعبً العام‪:‬‬
‫فالتثقٌؾ والتوجٌه واإلعبلم ٌجب أن ترعى هذه الربانٌة وتإكدها‪:‬‬
‫أ‪ .‬المساجد‪ :‬بخطبها ودروسها وصلواتها وماله من إشعاع روحً وفكري وأخبلقً‪.‬‬
‫ب‪ .‬اإلذاعة المسموعة والمربٌة‪ :‬بكل ما تملكان من تؤثٌر على األفكار‪.‬‬
‫واألسبوعً‪..................‬‬
‫ة‬ ‫ت‪ .‬الصحافة‪ :‬الٌومٌة‬
‫العلمً واألدبٌة والفنٌة‪.‬‬
‫ة‬ ‫ث‪ .‬الكتب‪ :‬بكل أنواعها وموضوعاتها‬
‫ج‪ .‬المسرح والسٌنما‪ :‬بما لهل من تؤثٌر عن طرٌق الصورة والكلمة‪.‬‬
‫فكل أدوات التؤثٌر والتوجٌه ٌجب أن تتعاون جمٌعا فً تحقٌق ((الربانٌة))وتؤكٌدها فً النفس‬
‫والحٌاة‪.‬‬

‫ام ا‪ :‬طرٌق التشرٌع‪:‬‬


‫وٌؤتً دور التشرٌع لٌقوم بحفظ الربانٌة وتقوٌتها وحماتٌها من كل أذى أو عدوان علٌها‪ ،‬لهذا‬
‫ٌرفض المجتمع المسلم اإللحاد واإلباحٌة وٌعاقب على الجهر بهما بالرد و والفسوق‪.‬‬

‫‪- 2‬ربانٌة المصدر والمنهج‪:‬‬


‫ونعنً أن هذا المنهج الذي رسمه اإلسبلم للوصول إلى ؼاٌاته وأهدافه إنما هو منهج ربانً‬
‫خالص الن مصدره وحً هللا تعالى إلى خاتم رسله محمد صلى هللا علٌه وسلم ‪ ،‬فلم ٌؤتً نتٌج ة‬
‫إلرادة فرد أو حزب أو شعب إنما جاء نتٌجة إلرادة هللا أراد به الهدى والنور كما قال تعالى‬
‫ان َق ْ َجاء ُكم ُب ْرهَانٌ ِّمن َّر ِّب ُك ْم َوأَ َ‬
‫نز ْل َنا إِلَ ٌْ ُك ْم ُن ًو‬
‫ورا ُّم ِبٌ ًونا} ( ‪)174‬‬ ‫ٌخاطب الناس { ٌَا أَ ٌُّ َها ال َّن ُ‬
‫ورة الن اء‪.‬‬

‫‪ -‬موضوع الرسول فً هذا المنهج اإللهً‪:‬‬


‫إن المنهج هو منهج هللا أمل الرسول فهو الداعً إلى هذا المنهج المبٌن للناس ما اشتبه علٌهم من‬
‫وحا ِّمنْ أَ ْم ِر َنا َما ُكن َ َت ْ ِري َما‬ ‫أمره‪ ،‬فٌقول هللا تعالى مخاطبا رسوله { َو َك َ لِ َك أَ ْو َح ٌْ َنا إِلَ ٌْ َك ُر ًو‬
‫شاء مِنْ ِع َبا ِ َنا َوإِ َّن َك لَ َت ْه ِي إِلَى صِ َراطٍ‬ ‫اب َو ََّل ْااٌِ َمانُ َولَكِن َج َع ْل َناهُ ُن ًو‬
‫ورا َّن ْه ِي ِب ِه َمنْ َّن َ‬ ‫ا ْل ِك َت ُ‬
‫َّللا َتصِ ٌ ُر اا ُمو ُر( ‪)53‬‬ ‫ض أَ ََّل إِلَى َّ ِ‬ ‫َّللا الَّ ِي لَ ُه َما فًِ ال َّ َم َاوا ِ َو َما فًِ ْااَ ْر ِ‬ ‫ٌِم(‪ )52‬صِ َراطِ َّ ِ‬ ‫ُّم ْ َت ٍ‬
‫} (‪ )53-52‬ورة الشور ‪.‬‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫فلٌس لمحمد صلى هللا علٌه وسلم إال التلقً والحفظ { َ ُن ِرإُ َك ف َال َتن َ ى} ( ‪ )6‬ورة ااعلى ثم‬
‫الر ُ ول ُ َبلِّ ْػ َما أُنزل َ إِلَ ٌْ َك مِن َّر ِّب َك َوإِن لَّ ْم َت ْ َعلْ َف َما َبلَّ ْؽ َ ر َ الَ َت ُه َو ّ‬
‫َّللا ُ‬ ‫التبلٌػ والدعوة { ٌَا أَ ٌُّ َها َّ‬
‫ِ‬ ‫ِ‬
‫َّللا َّلَ ٌَ ْه ِي ا ْل َ ْو َم ا ْل َكاف ِِرٌنَ } ( ‪ )67‬ورة المائ ة ثم التفسٌر والبٌان‬ ‫ان إِنَّ ّ َ‬ ‫ٌَ ْعصِ ُم َك مِنَ ال َّن ِ‬
‫ان َما ُن ِّزل َ إِلَ ٌْ ِه ْم َولَ َعلَّ ُه ْم ٌَ َت َ َّك ُرونَ } (‪ )44‬ورة النحل‪.‬‬ ‫{ َوأَ َ‬
‫نز ْل َنا إِلَ ٌْ َك ال ِّ ْك َر لِ ُت َب ٌِّنَ لِل َّن ِ‬

‫‪ -‬مٌزة اإلسبلم بٌن المناهج القابمة فً العالم‪:‬‬


‫إن المناهج واألنظمة التً نراها فً العالم الٌوم ثبلثة أصناؾ فٌما عدا اإلسبلم طبعا‪:‬‬
‫‪ ‬منهج أو نظام مدنً بشري محض‪ ،‬مصدره التفكٌر العقلً أو الفلسفً لبشر فرد كان أم‬
‫مجموعة كالشٌوعٌة والرأسمالٌة وؼٌرهما‪.‬‬
‫‪ ‬منهج أو نظام دٌنً بشري كذلك مثل الدٌانة البوذٌة والتً ال ٌعرؾ لها أصل الهً إنما‬
‫مصدرها الفكر البشري‪.‬‬
‫‪ ‬منهج أو مذهب دٌنً محرؾ – وان كان إلهٌا فً األصل – ولكن عملت فٌه ٌد التحرٌؾ‬
‫والتبدٌل وذلك كالٌهودٌة والنصرانٌة‪.‬‬
‫أما اإلسبلم‪ :‬فهو المنهج الذي سلم مصدره من تدخل وتحرٌؾ البشر ذلك أن هللا تعالى تولى‬
‫حفظ كتابه وهو القرآن الكرٌم قال تعالى‪{ :‬إِ َّنا َن ْحنُ َن َّز ْل َنا ال ِّ ْك َر َوإِ َّنا لَ ُه لَ َحافِ ُ ونَ } ( ‪ )9‬ورة‬
‫الحجر‪.‬‬

‫‪ -‬اإلسبلم منهج ربانً خالص‪:‬‬


‫اإلسبلم منهج ربانً ‪ ،%100‬عقابده وعبادته وآدابه وأخبلقه و شرابعه كلها ربانٌة إلهٌة‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ع ٌ ة ربانٌة‪:‬‬
‫فعقابد اإلسبلم ربانٌة ألنها مستفادة من كبلم هللا الذي ال ٌؤتٌه الباطل من بٌن ٌدٌه وال‬
‫من خلفه فهو لٌس من وضع مجمع من المجامع وال من إمبلء ((بابا)) من الباباوا ت‪،‬‬
‫فالعقٌدة اإلسبلمٌة ال تتلقى إال من الوحً اإللهً‪ ،‬أما العقٌدة‪ :‬هً قضاٌا صادقة أو‬
‫حقابق عن الوجود ورب الوجود كؤسماء هللا وصفاته‪ ،‬عن عالم الؽٌب‪ ،‬عن مستقبل‬
‫حٌاة اإلنسان‪ ،‬عن الجزاء والعقاب وأنواعهما‪.....‬الخ‪ ،‬وهذه ٌخبر بها من ٌحٌط بها‬
‫علم وهو هللا تعالى فلٌس ألحد من الناس أن ٌحاول اإلحداث فٌها من عند نفسه‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عبا ا ربانٌة‪:‬‬
‫والعبادات اإلسبلمٌة أٌضا عبادات ربانٌة‪،‬فالوحً اإللهً هو الذي رسم صورها‬
‫وحدد أشكالها وأركانها وشروطها وعٌن زمانها ومكانها ولم ٌقبل من أحد مهما كان‬
‫مجتهدا فً الدٌن أٌبتكر صورا وهٌبات من عنده للتقرب إلى هللا تعالى‪.‬‬
‫فقد جاء اإلسبلم فً مجال العبادة بؤصلٌن كبٌرٌن ال ٌتساهل فٌهما أبدا‪:‬‬
‫األول‪ :‬إال ٌعبد إال هللا‪ ،‬فبل عبادة ألحد سواه‪ ،‬وهذا ما تقتضٌه ربانٌة الؽاٌة و الوجهة‪.‬‬
‫الثانً‪ :‬أال ٌعبد هللا إال بما شرع‪ ،‬وما شرعه إنما ٌعرؾ بواسطة رسله المبلؽٌن‪.‬‬
‫فالمحدثات العصور ومبتدعات العقول ال مكان لها فً دٌن هللا ‪ ،‬فالعمل المقبول له‬
‫ركنان‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن ٌكون خالصا لوجه هللا‪.‬‬
‫‪- 2‬أن ٌكون على سنة رسول هللا‪.‬‬
‫وبهذا سد اإلسبلم بابا ً من أوسع األبواب الؽلو والتحرٌؾ والتنطع ولم ٌعط للمبتدعات‬
‫فً العبادة حق البقاء‪.‬‬
‫ج ‪ -‬آ اب ربانٌة‪:‬‬
‫فاآلداب واألخبلق اإلسبلمٌة آداب ربانٌة‪ ،‬فالوحً هو الذي وضع أصولها وحدد‬
‫أساسٌاتها‪ ،‬فنجد القرآن ذاته ٌعنً برسم المعالم الربٌسٌة آلداب المسلم من إحسان‬
‫للوالدٌن ورعاٌة الٌتم وابن السبٌل والفقراء والمساكٌن‪ ،‬واإلخبلص فً العمل‪ ،‬وؼض‬
‫البصر وفظ الفرج‪......‬الخ‪ ،‬حتى إننا نجد القرآن ٌُعلم المسلمٌن أدب المشً إذا‬
‫ج َبال َ ُطوَّلًو}‬ ‫ض َولَن َت ْبل ُ َػ ا ْل ِ‬ ‫ض َم َر ًوحا إِ َّن َك لَن َت ْ ِر َق ااَ ْر َ‬ ‫مشوا { َوَّلَ َت ْم ِ فًِ ااَ ْر ِ‬
‫ض ه َْو ًونا َوإِ َ ا‬ ‫شونَ َعلَى ْااَ ْر ِ‬ ‫الر ْح َم ِن الَّ ٌِنَ ٌَ ْم ُ‬ ‫(‪ )37‬ورة اا راء ‪َ { ,‬و ِع َبا ُ َّ‬
‫َ ا َط َب ُه ُم ا ْل َجا ِهلُونَ َقالُوا َ َال ًوما} ( ‪ )63‬ورة ال رقان ‪ ,‬فضبل عما زخرت به السنة‬
‫من آداب تتعلق باألكل والشرب واللباس والنوم والٌقظة والدخول والخروج‪......‬الخ‪.‬‬
‫إذا فالمصدر األساسً لئللزام الخلقً فً اإلسبلم هو الوحً اإللهً فالخٌر ما أمر هللا‬
‫به والشر ما نهى هللا عنه‪.‬‬
‫فاألخبلق اإلسبلمٌة لم تؤتً مخالفة للعقل فهً مبلبمة للفطرة السلٌمة موافقة للعقل‬
‫الرشٌد لذلك نجد األخبلق فً اإلسبلم ال تعتمد على األمر الصارم بل تعتمد على‬
‫ض َم َر ًوحا إِ َّن َك لَن َت ْ ِر َق‬ ‫مخاطبة العقل فمثبل‪ :‬عندما قال هللا تعالى { َوَّلَ َت ْم ِ فًِ ااَ ْر ِ‬
‫ج َبال َ ُطوَّلًو} (‪ )37‬ورة اا راء‪ ،‬نجده ٌخاطب العقل والمنطق‪.‬‬ ‫ض َولَن َت ْبل ُ َػ ا ْل ِ‬ ‫ااَ ْر َ‬
‫‪ -‬تشرٌعا ربانٌة‪:‬‬
‫أي أن أساس التشرٌع ومبادبه من الوحً اإللهً وهً المزٌة األولى للتشرٌع على ما‬
‫التشرٌعات قدٌمها وحدٌثها ‪ ،‬فهو التشرٌع الوحٌد فً العالم الذي أساسه‬ ‫سواه من‬
‫وحً هللا وكلماته معصومة من الخطؤ منزهة عن الظلم { َو َت َّم ْ َكلِ َم ُ َر ِّب َك صِ ْ ًوقا‬
‫َو َع ْ َّلًو َّلَّ ُم َب ِِّل لِ َكلِ َماتِ ِه َوه َُو ال َّ مٌِ ُع ا ْل َعلٌِ ُم} ( ‪ )115‬ورة اانعام‪.‬‬
‫وبذلك تقرر أن المشرع الوحٌد فً أصول اإلسبلم هو هللا تعالى‪ ،‬فهاهو القرآن نجده‬
‫ٌعقب على كثٌر من األحكام والتشرٌعات وٌلفت األنظار إلى ربانٌة مصدرها ومنها‪:‬‬
‫ات‬‫ص َد َق ُ‬ ‫{إِ َّن َما ال َّ‬ ‫تعقٌبات قوله تعالى فً ختام آٌة قسم الصدقات من سورة التوبة‬
‫ٌل‬
‫ٌِن َوفًِ َس ِب ِ‬ ‫ارم َ‬ ‫ب َو ْال َؽ ِ‬ ‫ٌِن َعلَ ٌْ َها َو ْالم َُإلَّ َف ِة قُلُو ُب ُه ْم َوفًِ الرِّ َقا ِ‬‫ٌِن َو ْال َعا ِمل َ‬
‫ل ِْلفُ َق َراء َو ْال َم َساك ِ‬
‫َّللا ُ َعلٌِ ٌم َحكٌِ ٌم} ( ‪ )60‬ورة التوبة ‪ ،‬وؼٌرها من‬ ‫َّللا َو ّ‬
‫ض ًوة ِّمنَ ّ ِ‬ ‫ٌل َف ِرٌ َ‬ ‫ْن الس َِّب ِ‬ ‫ِّ‬
‫هللا َواب ِ‬
‫التعقٌبات التً كانت تؤتً خلؾ كل حكم أو تشرٌع شرعه هللا عز وجل فهً تنبه‬
‫وتإكد على األصل الذي استمدت منه‪.‬‬

‫‪ -‬من ثمرات ربانٌة المصدر‪:‬‬


‫إن هذه المزاٌا والثمرات نتٌجة لسبب واحد هو كمال هللا تعالى صاحب هذا المنهج‪.‬‬
‫‪ )1‬العصمة من التناقض والتطرؾ‪ :‬العصمة من التناقض والتطرؾ الذي تعانٌه المناهج‬
‫واألنظمة البشرٌة والمحرفة‪ ،‬فالبشر بطبٌعتهم ٌتناقضون وٌختلفون من عصر إلى‬
‫عصر ومن مكان إلى آخر‪ ،‬حتى أن اإلنسان ٌتناقض مع نفسه فنجد أن تفكٌره وهو‬
‫شاب مختلؾ ومتناقض مع تفكٌره وهو كهل‪ ،‬فبعد كل هذا كٌؾ ٌمكن لنا أن نتصور‬
‫أن األنظمة البشرٌة برٌبة من التناقض و االختبلؾ‪ ،‬أما اإلسبلم فهو خالً من‬
‫التناقضات والتطرؾ ألنه من عند هللا تعالى‪.‬‬
‫‪ )2‬البراءة من التحٌز والهوى‪ :‬ومن الثمرات هذه الربانٌة فً اإلسبلم اشتماه على العدل‬
‫المطلق وبراءته من التحٌز والهوى ومما ال ٌسلم منه بشر كابنا من كان وبذلك ال ٌسلم‬
‫منهج وضعه البشر أو تدخلوا فٌه من التؤثٌر باألهواء المضلة عن سبٌل هللا والمتحٌزة‬
‫إلى جانب دون جانب ‪ .‬أما ((نظام هللا)) فقد وضعه رب الناس للناس ‪ :،‬وضعه من ال‬
‫ٌتؤثر بالزمان والمكان ألنه خالق الزمان والمكان‪ ،‬ومن ال ٌتحٌز لجنس أو نوع أو لون‬
‫ألنه رب الجمٌع‪ ،‬من هنا اعتبر القرآن ما عدا شرٌعة هللا وحكمه((أهواء)) وٌجب‬
‫اح َ ْر ُه ْم‬ ‫نزل َ ّ‬
‫َّللا ُ َوَّلَ َت َّت ِب ْع أَهْ َواء ُه ْم َو ْ‬ ‫اح ُكم َب ٌْ َن ُهم ِب َمآ أَ َ‬ ‫الحذر منها ومن أصحابها { َوأَ ِن ْ‬
‫اعلَ ْم أَ َّن َما ٌُرٌ ُ ّ‬
‫َّللا ُ أَن ٌُصِ ٌ َب ُهم‬ ‫نزل َ ّ‬
‫َّللا ُ إِلَ ٌْ َك َفإِن َت َولَّ ْو ْا َف ْ‬ ‫ض َما أَ َ‬ ‫أَن ٌَ ْ تِ ُنو َك َعن َب ْع ِ‬
‫ِ‬
‫ان لَ َا ِ ُونَ } (‪ )49‬ورة المائ ة‪.‬‬ ‫ٌِرا ِّمنَ ال َّن ِ‬ ‫ض ُ ُن ِ‬
‫وب ِه ْم َوإِنَّ َك ًو‬ ‫ِب َب ْع ِ‬
‫‪ )3‬االحترام وسهولة االنقٌاد‪ :‬ومن ثمرات الربانٌة أنها تضفً على النظام الربانً قدسٌة‬
‫واحتراما ال ٌظفر بهما أي نظام من صنع اإلنسان‪ ،‬ومنشؤ هذا االحترام والتقدٌس‬
‫اعتماد المإمن بكمال هللا تعالى وتنزهه عن كل نقص فً خلقه وأمره‪ ،‬حٌث أتقن كل‬
‫ج َبال َ َت ْح َ ُب َها َجا ِم َ ًوة َوه َ‬
‫ًِ َت ُم ُّر َم َّر ال َّ َحا ِ‬
‫ب‬ ‫شا صنعه كما قال هللا تعالى‪َ { :‬و َت َر ا ْل ِ‬
‫ش ًْ ٍء إِ َّن ُه َ ِبٌ ٌر ِب َما َت ْ َعلُونَ } ( ‪ )88‬ورة النمل ‪ ،‬وأحكم كل‬ ‫ص ْن َع َّ ِ‬
‫َّللا الَّ ِي أَ ْت َنَ ُكل َّ َ‬ ‫ُ‬
‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫اب أ ْح ِك َم ْ آ ٌَا ُت ُه َّم ف ِّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫شا شرعه‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬الر ِك َت ٌ‬
‫صل ْ مِن ل ُنْ َحك ٍ‬
‫ٌِم‬
‫ٌر} (‪ )1‬ورة هو ‪ ,‬وٌتبع هذا االحترام والتقدٌس الرضا بكل تعالٌم هذا النظام‬ ‫َ بِ ٍ‬
‫وتقبله بقبول حسن وٌلزم هذا االحترام والتقدٌس وحسن القبول المسارعة إلى التنفٌذ‬
‫والطاعة‪.‬‬
‫سنضرب مثالٌن عن موقؾ المسلمٌن والمسلمات فً العهد النبوي من شرع هللا تعالى‬
‫وأمره ونهٌه‪.‬‬
‫أولهما‪ :‬ما وقع من المإمنٌن بالمدٌنة عقب تحرٌم الخمر‪:‬‬
‫فقد كان للعرب ولع بشرب الخمر ولذلك حكمة هللا تعالى جاء تحرٌمه تدرٌجٌا حتى‬
‫نزلت اآلٌة الفاصلة والتً حرمته تحرٌما باتا وبهذا حرم النبً صلى هللا علٌه وسلم‬
‫شربها وبٌعها وإهداءها لؽٌر المسلمٌن‪ ،‬فما كان من المسلمٌن حٌنذاك إال أن جاإوا إلى‬
‫مخزون الخمر وأوعٌتها فؤراقوها فً طرٌق المدٌنة إعبلنا عن براءتهم منها‪.‬‬
‫ثانٌهما‪ :‬موقؾ النساء المسلمات مما حرم هللا علٌهن من تبرج الجاهلٌة وما ألوجب‬
‫علٌهن من االحتشام والتستر وذلك بؤن ٌضربن بخمرهن على جٌوبهن أي ٌشددن‬
‫أؼطٌة رإوسهن بحٌث تواري النحر والعنق واألذن وهنا تروي لنا السٌدة عابشة‬
‫رضً هللا عنها حال المإمنات فقالت عابشة رضً هللا عنها (( ٌرحم هللا نساء‬
‫المهاجرٌن األول‪،‬لما ألنزل هللا { ولٌضربن ب مرهن على جٌوبهن } شققن مروطهن‬
‫– أواب من صوؾ – فاختمرن بها ))‪.‬‬
‫فهاهو موقؾ المسلمٌن األول موقؾ المسارعة إلى تنفٌذ ما أمر هللا واجتناب ما نهى‬
‫عنه‪.‬‬
‫‪ )4‬التحرر من عبودٌة اإلنسان لئلنسان ‪ :‬ومن ثمرات الربانٌة تحرر اإلنسان من عبودٌة‬
‫اإلنسان‪ ،‬فلٌس ألمر أي إنسان األمر فً تحرٌم شا أو تحلٌله والذي ٌملك ذلك الحق‬
‫هو هللا وحده رب الناس فمن حقه وحده أن ٌؤمرهم وأن ٌنهاهم وأن ٌحل لهم و ٌحرم‬
‫علٌهم‪.‬‬
‫ولذلك نجد القرآن الكرٌم ٌوجه نداء إلى أهل الكتاب كافة لٌتحرروا من العبودٌة لؽٌر‬
‫ب َت َعالَ ْو ْا إِلَى َكلَ َم ٍة َ َواء َب ٌْ َن َنا َو َب ٌْ َن ُك ْم أََّلَّ‬ ‫هللا وذلك فً قوله تعالى‪{ :‬قُلْ ٌَا أَهْ ل َ ا ْل ِك َتا ِ‬
‫َّللا َفإِن َت َولَّ ْو ْا‬ ‫ُون ّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ض َنا َب ْعضا ًو أَ ْر َبا ًوبا ِّمن‬
‫ش ٌْ ًوئا َوَّلَ ٌَ َّت ِ َ َب ْع ُ‬ ‫َن ْع ُب َ إَِّلَّ ّ َ‬
‫َّللا َوَّلَ ُن ْ‬
‫ش ِر َك ِب ِه َ‬
‫ش َه ُو ْا بِؤ َ َّنا ُم ْ لِ ُمونَ } ( ‪ )64‬ورة آل عمران ‪ ,‬وبهذه اآلٌة كان ٌختم النبً‬ ‫َف ُولُو ْا ا ْ‬
‫صلى هللا علٌه وسلم رسابله إلى ملوك النصارى وأمرابهم‪.‬‬
‫‪ ‬اإلنسانٌة‪:‬‬
‫زمن خصابص العامة لئلسبلم بعد الربانٌة‪ ،‬اإلنسانٌة‪.‬‬
‫فاإلسبلم ٌمتاز بنزعته اإلنسانٌة الواضحة فً معتقداته وعبادته وتشرٌعاته فهو دٌن اإلنسان‪.‬‬

‫‪ -‬بٌن الربانٌة واإلنسانٌة‪:‬‬


‫ربما خٌل لكثٌر من الناس أن هناك تناقضا بٌن الخصٌصة الربانٌة و الخصٌصة اإلنسانٌة ‪،‬‬
‫فالمهموم فً أذهانهم أن ثبوت إحدى الخصٌصتٌن ٌنفً األخرى شؤن كل متضادٌن‪ ،‬أي إذا وجد‬
‫هللا لم ٌبق مكان لئلنسان !‬
‫ففً الربانٌة قلنا أن ربانٌة الؽاٌة والوجهة تعنً أن حسن الصلة باهلل تعالى وابتؽاء مرضاته هو‬
‫هدؾ اإلسبلم‪.‬‬
‫وان ربانٌة المصدر والمنهج تعنً أن اإلسبلم منهج إلهً والرسول مبلػ عنه‪.‬‬
‫فمعنى هذا أن ال موضع لئلنسان‪ ،‬إذا أضفنا إلى ذلك وجوب اإلٌمان بقدر هللا تعالى فٌنفى بذلك‬
‫كل دور لئلنسان‬
‫وهذا ما ٌدور فً تفكٌر بعض الناس والذٌن ٌعتمدون فٌه على النظرة ((الجبرٌة)) للقدر والنظرة‬
‫((الظاهرٌة)) للشرع وكلتا النظرتٌن مؽلوطة‪.‬‬

‫‪ -‬لٌس اإلنسان نداً هلل‪:‬‬


‫الخطؤ األول الذي ارتكبوه هإالء أنهم ٌنظرون إلى هللا تعالى واإلنسان كؤنهما ندان متقاببلن وقد‬
‫نسوا ما هو هللا ؟ وما هو اإلنسان؟‬
‫فالحقٌقة التً ال رٌب فٌها أن هللا هو رب هذا الكون ومدبره {قُلْ أَ َؼ ٌْ َر ّ ِ‬
‫َّللا أَ ْبؽًِ َر ًوّبا َوه َُو َر ُّ‬
‫ب ُكل ِّ‬
‫ش ًْ ٍء } (‪ )164‬ورة اانعام‪.‬‬ ‫َ‬
‫واإلنسان هو مخلوق من مخلوقات هللا عز وجل وبالتالي ال ٌمكن التصور أن المخلوق ندا للخالق‪.‬‬
‫فاإلنسان مخلوق ولكنه مخلوق ذو مكانة خاصة والذي منحه هذه المكانة هو خالقه تبارك وتعالى‪.‬‬

‫‪ -‬ال تنافً بٌن الربانٌة واإلنسانٌة‪:‬‬


‫إن اإلسبلم مع ربانٌته فً ؼاٌته ووجهته هو إنسانً أٌضا فً ؼاٌته ووجهته‪ ،‬أي أن لئلنسان‬
‫ا‪ ،‬إذا ال تنافً بٌن الؽاٌة‬ ‫مكانا فً ؼاٌات اإلسبلم العلٌا وذلك مع تقرٌر ؼاٌته الربانٌة وتثبٌته‬
‫الربانٌة والؽاٌة اإلنسانٌة بل هما متكامبلن‪.‬‬
‫فإذا كان مصدر اإلسبلم ((ربانٌا)) فان اإلنسان هو الذي ٌفهم هذا المصدر وٌحوله إلى واقع‬
‫ملموس‪.‬‬
‫فربانٌة الؽاٌة و الوجهة تقضً إخبلص النٌة والعمل والوجهة هلل وحده والمقصود من هذا كله هو‬
‫تحرٌر اإلنسان وإسعاده وحماٌته والسمو به‪.‬‬

‫‪ -‬اٌجابٌة اإلنسان أمام القدر الهً‪:‬‬


‫إن إثبات القدر الهً ال ٌنفً اٌجابٌة اإلنسان ودوره فً هذا الكون فاهلل الذي خلق اإلنسان هو‬
‫شاء َّ‬
‫َّللا ُ إِنَّ‬ ‫شاإُ ونَ إِ ََّّل أَن ٌَ َ‬ ‫الذي منحه العقل واإلرادة فهو قادر بقدرة هللا وٌرٌد بإرادة هللا { َو َما َت َ‬
‫َّللا َكانَ َعلٌِ ًوما َحكٌِ ًوما} (‪ )30‬ورة اان ان‪ ,‬فاإلنسان ٌشاء الن هللا شاء له أن ٌشاء‪.‬‬ ‫َّ َ‬
‫وعلى هذا األساس أمر هللا اإلنسان ونهاه وبعث له الرسل وأنزل علٌه الكتب ووضع نص عٌنٌه‬
‫الثواب والعقاب‪.‬‬
‫فاإلنسان مخلوق مكلؾ مسبول وعلٌه ن ٌكدح حتى ٌلقى ربه فٌجزٌه خٌرا إذا كان كدحه خٌر‬
‫وشرا إذا كان شر‪ ،‬ولهذا قال هللا تعالى‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها ْااِن َ انُ إِ َّن َك َكا ِ ٌ إِلَى َر ِّب َك َك ْ ًوحا َف ُم َالقٌِ ِه} ( ‪)6‬‬
‫ورة اانش اق‪.‬‬

‫‪ -‬بٌن العقل اإلنسانً والوحً اإللهً‪:‬‬


‫إن القدر اإللهً لن ٌلؽً دور اإلنسان فً الكون مع وجود ٌد هللا تعالى فٌه‪ ،‬رؼم انعدام التكافإ‬
‫بٌن اإلرادة اإللهٌة واإلرادة اإلنسانٌة‪ ،‬فالوحً اإللهً لم ٌلؽً دور العقل اإلنسانً واٌجابٌته فً‬
‫فهم الوحً واالستنباط منه والقٌاس علٌه وملا ما سكت عنه من فراؼات تشرٌعٌة‪.‬‬

‫حٌث ترك الوحً للعقل أمورا كثٌرة لئلبداع و التحلٌق فٌها‪:‬‬


‫أ ‪ -‬ترك للع ل فً مجال لع ٌ ة أن ٌهت ي إلى أع م ح ٌ تٌن فً الوجو ‪:‬‬
‫‪ ‬الح ٌ ة ااولى‪ :‬وجد هللا ووحدانٌته والتً تهدي إلٌه الفطرة السلٌمة‪ ،‬وال عجب إذا‬
‫أقام القرآن أدلة من الكون على وجود هللا سبحانه وتعالى‪{ :‬إِنَّ فًِ َ ْل ِق ال َّ َم َاوا ِ‬
‫ب} ( ‪ )190‬ورة آل عمران ‪،‬‬ ‫ار ا ٌَا ٍ ِّا ُ ْولًِ اا ْل َبا ِ‬ ‫ؾ اللَّ ٌْ ِل َوال َّن َه ِ‬ ‫ض َوا ْ تِالَ ِ‬ ‫َوااَ ْر ِ‬
‫باإلضافة إلى أدلة عقلٌة على وحدانٌة هللا ومنها‪ :‬قوله تعالى‪َ { :‬ما ا َّت َ َ َّ‬
‫َّللا ُ مِن َولَ ٍ‬
‫ض ُ ْب َحانَ‬ ‫ض ُه ْم َعلَى َب ْع ٍ‬
‫َب ُكل ُّ إِلَ ٍه ِب َما َ لَ َق َولَ َع َال َب ْع ُ‬ ‫َو َما َكانَ َم َع ُه مِنْ إِلَ ٍه إِ ًو ا لَّ َ ه َ‬
‫َّللا َع َّما ٌَصِ ُونَ } (‪ )91‬ورة المإمنون‪.‬‬ ‫َّ ِ‬
‫‪ ‬الح ٌ ة ال انٌة‪ :‬ثبوت الوحً والنبوة والرسالة‪.‬‬
‫فالعقل هو الذي ٌثبت إمكان ذلك ووقوعه بالفعل‪ ،‬فالعقل بعد اقتناعه بوجود هللا‬
‫تعالى وكماله سبحانه‪ٌ ،‬علم أن من تمام حكمة الحكٌم إال ٌترك عباده ضابعٌن وهو‬
‫قادر على أن ٌهدٌهم عن طرٌق مبلؽٌن عنه‪ ،‬فالعقل بعد أن ٌعلم ذلك ال ٌُسلم لكل من‬
‫ادعى أنه رسول من هللا بل ٌطالبه بما ٌثبت صحة دعواه فٌطالبه باألدلة واآلٌات‬
‫المعجزة التً ال ٌقدر علٌها إال هللا‪ ،‬كما أن العقل ٌنظر فً سٌرة كل شخص ٌدعً‬
‫الرسالة فٌتؤمل فً صفاته وأخبلقه وأعماله و أقواله وبعدها ٌحكم علٌه فٌما إذا كان‬
‫صادقا أم كاذبا‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فً مجال التشرٌع‪:‬‬
‫ترك الوحً للعقل مساحة كبٌرة من الحرٌة فً فهم النصوص واستنباط األحكام منها وهذا‬
‫ما ٌإكده تعدد المذاهب وتنوع أقوال العلماء‪.‬‬
‫ج ‪ -‬فً مجال اا الق‪:‬‬
‫لم ٌُؽفل الوحً شؤن العقل فً مجال األخبلق‪ ،‬فبعد ما بٌنت الشرٌعة الحبلل الصرٌح‬
‫والحرام الصرٌح تركت المنطقة التً تختلط فٌها األحكام لطمؤنٌنة المرء وراحة نفسه‪،‬‬
‫فقال رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ٌصؾ ذلك ((استفت قلبك واستفت نفسك‪ ،‬البر ما‬
‫اطمؤنت إلٌه النفس‪ ،‬و اطمؤن له القلب‪ ،‬واإلثم ما حاك فً النفس وتردد فً الصدر وان‬
‫أفتاك الناس وأفتوك)) رواه اإلمام أحمد بإسناد حسن‪.‬‬
‫‪ -‬فً مجال الت كر فً ملكو َّللا‪:‬‬
‫{قُ ِل ان ُ ُرو ْا َما َ ا فًِ‬ ‫حٌث ترك الوحً للعقل أن ٌجول فً آفاق الكون متؤمبلن فٌه‬
‫ض َو َما‬‫ال َّ َم َاوا ِ َوااَ ْر ِ‬
‫ُت ْؽنًِ اا ٌَا ُ َوال ُّن ُ ُر َعن َق ْو ٍم َّلَّ ٌُ ْإ ِم ُنونَ } ( ‪ )101‬ورة ٌونن ‪ ,‬كما حثه على كشؾ‬
‫ظواهر هذا الكون وأن‬
‫ض َجمٌِ ًوعا ِّم ْن ُه إِنَّ فًِ َ لِ َك‬ ‫َ‬
‫ٌقوم بتسخٌرها له { َو َ َّ َر لَ ُكم َّما فًِ ال َّ َم َاوا ِ َو َما فًِ ْاا ْر ِ‬
‫َا ٌَا ٍ لَّ َ ْو ٍم‬
‫ٌَ َت َ َّك ُرونَ } (‪ )13‬ورة الجا ٌة‪.‬‬
‫ه ‪ -‬فً مجال اَّلبتكار واَّل تراع‪:‬‬
‫ع من تراث السابقٌن‬ ‫كما ترك الوحً للعقل االستفادة من تجارب اآلخرٌن وأن ننتؾ‬
‫ومعارؾ البلحقٌن فقال‬
‫ار} ( ‪ )2‬ورة الحشر ‪ ,‬كما قال ر ول َّللا ((الحكمة‬ ‫ص ِ‬‫اع َت ِب ُروا ٌَا أُولًِ ْااَ ْب َ‬
‫تعالى‪َ { :‬ف ْ‬
‫ضالة المإمن أنى‬
‫وج ها فهو أحق بها )) رواه الترم ي‪.‬‬

‫‪ -‬القرآن كتاب اإلنسان‪:‬‬


‫إذا نظرنا إلى القرآن وتدبرنا فً آٌاته سنجد أنه كتاب اإلنسان حٌث إن كلمة اإلنسان تكررت فً‬
‫القران ‪ 63‬مرة فضبل عن ذكره بؤلفاظ أخرى مثل بنً ادم التً ذكرت ‪ 6‬مرات وكلمة الناس‬
‫‪ 240‬مرة‪.‬‬
‫ولعل من أبرز الدالبل على ذلك أن أول ما نزل من آٌات القرآن على محمد صلى هللا علٌه وسلم‬
‫خمس آٌات من سورة العلق ذكرت كلمة اإلنسان فً اثنٌن منها مضمونها كلها العناٌة بؤمر‬
‫اإلنسان‪.‬‬

‫‪ -‬محمد رسول اإلنسان‪:‬‬


‫إن الشخص الذي جعله هللا مثاال حٌا لتعالٌم اإلسبلم وكان ُخلقه القرآن نستطٌع أن نصفه بؤنه‬
‫((رسول اإلنسان))‪ ،‬حٌث جاء القرآن الكرٌم وكان حرٌص على تثبٌت إنسانٌة الرسول صلى هللا‬
‫‪)110‬‬ ‫حٌ}(‬‫وحى إِلَ ًَّ أَ َّن َما إِلَ ُه ُك ْم إِلَ ٌه َوا ِ‬ ‫علٌه وسلم فقال هللا تعالى‪{ :‬قُلْ إِ َّن َما أَ َنا َب َ‬
‫ش ٌر ِّم ْ ل ُ ُك ْم ٌُ َ‬
‫ورة الكهؾ‪.‬‬

‫‪ -‬الجانب اإلنسانً فً دعوات الرسل‪:‬‬


‫نجد القرآن الكرٌم ٌلفت نظرنا إلى أن األنبٌاء الذٌن بعثه م هللا تعالى دعاة إلى توحٌده‪ ،‬لم ُتهمل‬
‫دعوتهم الجانب اإلنسانً بل عملت على إصبلحه ومقاومة الفساد فٌه فها هو هود علٌه السبلم‬
‫ٌع آ ٌَ ًوة َت ْع َب ُونَ ( ‪َ )128‬و َت َّت ِ ُ ونَ‬ ‫َ‬
‫ٌنكر على قومه االنحراؾ والبطش والجبروت {أ َت ْب ُنونَ ِب ُكل ِّ ِر ٍ‬
‫ارٌنَ ( ‪ )130-128( } )130‬ورة‬ ‫ش ُت ْم َج َّب ِ‬ ‫ش ُتم َب َط ْ‬
‫صان َِع لَ َعلَّ ُك ْم َت ْ ل ُ ُونَ ( ‪َ )129‬وإِ َ ا َب َط ْ‬
‫َم َ‬
‫الشعراء‪.‬‬
‫ج ُكم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫ولوط ٌقول لقومه {أ َتؤ ُتونَ ال ْك َرانَ مِنَ ا ْل َعالَمٌِنَ ( ‪َ )165‬و َت ُرونَ َما َ لَ َق لَ ُك ْم َر ُّب ُك ْم مِنْ أ ْز َوا ِ‬
‫َبلْ أَن ُت ْم َق ْو ٌم َعا ُونَ (‪ )166-165( } )166‬ورة الشعراء‪.‬‬
‫‪ -‬الجانب اإلنسانً فً رسالة اإلسبلم‪:‬‬
‫إذا تؤملنا فً العبادات الكبرى وجدنا إحداها إنسانٌة فً جوهرها وهً ((الزكاة)) فهً تؤخذ المال‬
‫من الؽنً وتقوم برده إلى الفقٌر‪ ،‬وكذلك العبادات األخرى ال تخلو من الجانب اإلنسانً‪:‬‬
‫{ ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا ا ْ َتعٌِ ُنو ْا ِبال َّ‬
‫ص ْب ِر‬ ‫‪ ‬فالصبلة هً عون لئلنسان فً معركة الحٌاة‬
‫صابِ ِرٌنَ } (‪ )153‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫صالَ ِة إِنَّ ّ َ‬
‫َّللا َم َع ال َّ‬ ‫َوال َّ‬
‫‪ ‬والصوم تربٌة لئلرادة اإلنسان على الصبر وتربٌة لمشاعره على اإلحساس باآلم ؼٌره‪.‬‬
‫‪ ‬والحج دعا هللا فٌه عباده المإمنٌن لٌشهدوا منافعا ً لهم والمنافع هنا ٌمثل الجانب اإلنسانً‬
‫ش َه ُوا َم َناف َِع لَ ُه ْم َو ٌَ ْ ُك ُروا ا ْ َم َّ ِ‬
‫َّللا فًِ أَ ٌَّ ٍام َّم ْعلُو َما ٍ‬ ‫فً أهداؾ الحج قال هللا تعالى‪{ :‬لِ ٌَ ْ‬
‫ٌِر} (‪ )27‬ورة الحـج‪.‬‬ ‫ِن ا ْل َ َ‬‫َعلَى َما َر َز َق ُهم ِّمن َب ِهٌ َم ِة ْااَ ْن َع ِام َف ُكلُوا ِم ْن َها َوأَ ْط ِع ُموا ا ْل َبائ َ‬
‫‪ ‬باإلضافة إلى ما جاء من األحادٌث النبوٌة الشرٌفة والتً تحث على البر اإلنسانً‬
‫والتواصل االجتماعً وجعلها عبادة من العبادات فقد دعا النبً صلى هللا علٌه وسلم إلى‬
‫إماطة األذى عن الطرٌق‪ ،‬وان أُمرك بمعرؾ صدقة وتبسمك فً وجه أخٌك صدقة‬
‫والكلمة الطبٌة صدقة‪.‬‬

‫‪ -‬إنسانٌة اإلنسان‪:‬‬
‫لقد عرؾ العالم اتجاهٌن فكرٌٌن ٌناقض احدهما اآلخر‪:‬‬
‫اَّلتجاه ااول‪ٌ :‬إله اإلنسان حٌث ٌجعله اله نفسه‪ ،‬ال رب خلقه فهو ٌفعل ما ٌشاء وٌحكم ما ٌرٌد‪.‬‬
‫اَّلتجاه ال انً‪ٌ :‬نظر إلى اإلنسان على انه مجرد ((حٌوان)) حٌوان متطور‪ ،‬وعلى هذا األساس‬
‫ٌنظرون إلٌه وٌتعاملون معه‪.‬‬
‫أما اا الم‪ :‬فبل ٌرفع اإلنسان إلى مقام اإللوهٌة وال ٌهبط به إلى درك الحٌوانٌة فاإلنسان مخلوق‬
‫متمٌز كرمه هللا بالعقل واإلرادة‪.‬‬

‫‪ -‬مظاهر التكرٌم اإللهً لئلنسان‪:‬‬


‫فاإلنسان فً نظر اإلسبلم مخلوق متمٌز وسنذكر اآلن بعض مظاهر التكرٌم اإللهً لئلنسان‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ا ت الفه فً اارض‪:‬‬
‫َ‬ ‫ْ‬
‫{ َوإِ قال َ َر ُّب َك‬ ‫لقد أعلن اإلسبلم كرامة اإلنسان فاعتبره خلٌفة هللا تعالى فً األرض‬
‫لِ ْل َمالَئِ َك ِة إِ ِّنً َجا ِعل ٌ فًِ ااَ ْر ِ‬
‫ض َ لٌِ َ ًوة } (‪ )30‬ورة الب رة‪.‬‬
‫إذا كرم هللا اإلنسان بالخبلفة فً األرض وهٌؤه لها بالعقل والعلم الذي تفوق به على‬
‫المبلبكة‪ ،‬وهذه الخبلفة كان ٌتطلع إلٌها المبلبكة حتى أن الشٌطان كان ٌطمح إلٌها وهذا‬
‫هو سبب عداوته آلدم وبنٌه‪.‬‬

‫ب ‪ -‬ل ه فً أح ن ت وٌم‪:‬‬
‫فلقد كرم هللا تعالى اإلنسان بالصورة الحسنة والخلقة الحسنة كما قال تعالى‪{ :‬لَ َ ْ َ لَ ْ َنا‬
‫َ‬
‫ٌم} (‪ )4‬ورة التٌن‪.‬‬ ‫ْااِن َ انَ فًِ أ ْح َ ِن َت ْ ِو ٍ‬
‫ج ‪ -‬تمٌٌزه بالعنصر الروحً‪:‬‬
‫وفوق كل هذا التكرٌم كرمه بالروح العلوي فهو قبس من نو هللا تعالى ونفخة من روح هللا‬
‫ٌن( ‪َ )71‬فإِ َ ا َ َّو ٌْ ُت ُه‬ ‫سبحانه قال تعالى‪{ :‬إِ ْ َقال َ َر ُّب َك لِ ْل َم َالئِ َك ِة إِ ِّنً َ ال ٌِق َب َ‬
‫ش ًورا مِن طِ ٍ‬
‫ج ٌِنَ ( ‪ )72-71( } )72‬ورة ص ‪ ,‬وهذه النفخة‬ ‫َو َن َ ْ ُ فٌِ ِه مِن ُّروحًِ َف َ ُعوا لَ ُه َ ا ِ‬
‫الروحٌة اإللهٌة لٌست خاصة بآدم أبً البشر‪ ،‬بل بنٌه ونسله جمٌعا قد نالهم حظ منها قال‬
‫ٌن( ‪َّ ُ )8‬م َ َّواهُ َو َن َ َخ‬ ‫هللا تعالى مإكدا هذه الحقٌقة‪َّ ُ { :‬م َج َعل َ َن ْ لَ ُه مِن ُ َاللَ ٍة ِّمن َّماء َّم ِه ٍ‬
‫ش ُك ُرونَ (‪} )9‬‬ ‫ار َو ْااَ ْفئِ َ َة َقل ًوٌِال َّما َت ْ‬ ‫ص َ‬‫ح ِه َو َج َعل َ لَ ُك ُم ال َّ ْم َع َو ْااَ ْب َ‬ ‫فٌِ ِه مِن ُّرو ِ‬
‫(‪ )9-8‬ورة ال ج ة‪ ,‬وهذا كله ٌثبت أن اإلنسان نوع متفرد متمٌز عن سابر المخلوقات‪.‬‬
‫‪ -‬ت ٌر الكون ل مة اان ان‪:‬‬
‫وكان من تكرٌم هللا لئلنسان أنه جعل الكون وعوالم ه كلها فً خدمة اإلنسان وسخرها‬
‫َّللا َ َّ َر لَ ُكم‬ ‫لمنفعته من شمس وقمر وسماء وأرض وماء وٌابس قال تعالى‪{ :‬أَلَ ْم َت َر ْوا أَنَّ َّ َ‬
‫‪ )20‬ورة‬ ‫ض َوأَ ْ َب َػ َعلَ ٌْ ُك ْم نِ َع َم ُه َ اه َِر ًوة َو َباطِ َن ًوة } (‬ ‫َّما فًِ ال َّ َم َاوا ِ َو َما فًِ ْااَ ْر ِ‬
‫ل مان‪.‬‬
‫وتسخٌر الكون لئلنسان ٌتضمن معنًٌن كبٌرٌن‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن الطاقات الكونٌة كلها مهٌؤة ومبذولة لئلنسان فقط علٌه أن ٌبذل جهده وٌعمل‬
‫فكره فً اكتشاؾ المجهول منها‪.‬‬
‫و انٌهما‪ :‬أن اإلنسان هو واسطة العقد فً هذا العلم فبل ٌجوز لئلنسان أن ٌإله شٌبا فً‬
‫هذا العالم أو ٌتعبد له رؼبا أو رهبا فالذٌن عبدوا بعض األشٌاء حولوا اإلنسان من سٌد‬
‫سخر له الكون إلى عبد ذلٌل ٌسجد لنجم أو بقرة أو حجر ال ٌنفعه وال ٌضره‪.‬‬
‫ه ‪ -‬إلؽاء الو اطة الكهنوتٌة بٌن َّللا واان ان‪:‬‬
‫لقد كان من دالبل تكرٌم هللا لئلنسان أنه فتح له باب التقرب إلٌه سبحانه وتعالى أنى ٌشاء‬
‫ومتى ٌشاء ولم ٌحوجه إلى وسطاء من البشر ٌتحكمون فً ضمٌره ٌقول هللا تعالى‬
‫َّاع إِ َ ا َ َع ِ‬
‫ان‬ ‫َع َو َة ال ِ‬ ‫ٌب ْ‬ ‫ج ُ‬‫ٌب أ ُ ِ‬‫مخاطبا لرسوله الكرٌم‪َ { :‬وإِ َ ا َ ؤَلَ َك ِع َبا ِي َع ِّنً َفإِ ِّنً َق ِر ٌ‬
‫ش ُونَ } ( ‪ )186‬ورة الب رة ‪ ،‬كما ٌعلن الح ٌ‬ ‫َف ْل ٌَ ْ َت ِ‬
‫جٌ ُبو ْا لًِ َو ْل ٌُ ْإ ِم ُنو ْا ِبً لَ َعلَّ ُه ْم ٌَ ْر ُ‬
‫ال ً‪ (( :‬من ت رب إلى َّللا ٌرا ت رب َّللا إلٌه راعا ومن ت رب إلى َّللا راعا ت رب‬
‫َّللا إلٌه باعا )) من ح ٌ رواه الب اري‪.‬‬
‫وهذه الخاصة لٌست لؤلتقٌاء والصالحٌن دون العصاة والمذنبٌن بل أن باب هللا مفتوح على‬
‫ِي‬‫مصراعٌه لكل من دعاه ووقؾ على أعتابه تاببا مستؽفرا ٌقول هللا تعالى‪{ :‬قُلْ ٌَا ِع َبا َ‬
‫َّللا إِنَّ َّ َ‬
‫َّللا ٌَ ْؽ ِ ُر ال ُّ ُن َ‬
‫وب َجمٌِ ًوعا إِ َّن ُه ه َُو‬ ‫الَّ ٌِنَ أَ ْ َرفُوا َعلَى أَن ُ ِ ِه ْم ََّل َت ْ َن ُطوا مِن َّر ْح َم ِة َّ ِ‬
‫الرحٌِ ُم } (‪ )53‬ورة الزمر‪.‬‬ ‫ا ْل َؽ ُو ُر َّ‬

‫و ‪ -‬اَّلعتراؾ بالكٌان اان انً كله‪:‬‬


‫وكان من تكرٌم اإلسبلم لئلنسان أن اعترؾ به كله كما فطره هللا جسمه وروحه وعقله‬
‫وقلبه وإرادته ووجدانه ولذلك نجد اإلسبلم ٌؤمر اإلنسان بـ‪:‬‬
‫‪ ‬أمره بالسعً فً األرض واألكل من طٌباتها واالستمتاع بزٌنة هللا تعالى التً‬
‫أخرجها لعباده وفً هذا وفاء بحق الجسم اإلنسانً‪.‬‬
‫‪ ‬وأمره بعبادة هللا تعالى وحده والتقرب إلٌه بؤنواع الطاعات من صبلة وصٌام‬
‫وزكاة وحج ‪ ،......‬وفً هذا وفاء بحق الروح اإلنسانٌة‪.‬‬
‫‪ ‬وأمره بالتفكر والنظر فً ملكوت السماوات واألرض‪ ،‬كما أمره بطلب العلم و‬
‫بجهال دون علم‪ ،‬وفً هذا وفاء بحق العقل‪.‬‬ ‫ة‬ ‫لتماس الحكمة‪ ،‬وأنكر علٌه تقلٌد اآلباء‬
‫‪ ‬نبهه إلى جمال الكون بؤرضه وسمابه وحٌوانه ونباته‪ ،‬وما أعطاه هللا من مظاهر‬
‫الحسن والجمال‪ ،‬وفً هذا وفاء بحق الوجدان والعاطفة‪.‬‬
‫ز ‪ -‬تحرٌر اان ان من اعت ا ورائة ال طٌئة ااولى‪:‬‬
‫ومن كرامة اإلنسان فً اإلسبلم أنه أزال عنه وصمه التلوث التً ٌولد علٌها كل إنسان‬
‫ّ‬
‫كما هً دعوة المسٌحٌة التً تزعم أن خطٌبة آدم – باألكل من الشجرة المحرمة – ورثت‬
‫لبنٌه ذكورا وإناثا فبل ٌولد مولود إال وفً عنقه هذه الخطٌبة‪.‬‬
‫أما اإلسبلم فقد ألؽى هذا كله وأعلن أن (( كل مولو ٌول على ال طرة )) من ح ٌ رواه‬
‫الب اري ؼٌر ملوث بخطٌبة أو ملوث بذنب‪ ،‬كما قرر اإلسبلم بوضوح وحسم مسإولٌة‬
‫َّللاّ‬
‫اإلنسان عن نفسه فا ٌجوز فً منطق العدل اإللهً أن ٌحمل االبن وزر أبٌه {قُلْ أَ َؼ ٌْ َر ِ‬
‫از َرةٌ ِو ْز َر أ ُ ْ َر ُ َّم‬ ‫ب ُكل ُّ َن ْ ٍ‬
‫ن إَِّلَّ َعلَ ٌْ َها َوَّلَ َت ِز ُر َو ِ‬ ‫ش ًْ ٍء َوَّلَ َت ْك ِ ُ‬ ‫أَ ْبؽًِ َر ًوّبا َوه َُو َر ُّ‬
‫ب ُكل ِّ َ‬
‫ج ُع ُك ْم َف ٌُ َن ِّب ُئ ُكم ِب َما ُكن ُت ْم فٌِ ِه َت ْ َتلِ ُونَ } (‪ )164‬ورة اانعام‪.‬‬ ‫إِلَى َر ِّب ُكم َّم ْر ِ‬

‫‪ -‬بٌن إنسان المسٌحٌة وإنسان اإلسبلم‪:‬‬


‫إن األدٌان السماوٌة كلها قد جاءت لتحرٌر اإلنسان وإسعاده والسمو به ولكن أصابها الؽلو‬
‫والتحرٌؾ‪ ،‬وأبرز مثل لذلك المسٌحٌة التً جاءت إلنقاذ اإلنسان من سٌطرة العقلٌة الٌهودٌة فً‬
‫مادٌتها وشكلها وعنصرٌتها‪ ،‬ولكنها لم تلبث إال حُرفت بالحذؾ والزٌادة حتى أصبحت ؼبل فً‬
‫عنق اإلنسان‪:‬‬
‫فقد اعتبرت اإلٌمان ضد للعقل فكان شعارها‪ :‬اعتقد وأنت اعمً‪.‬‬
‫واعتبرت الجسم عدوا للروح فؤهملت األجسام إبقاء على األرواح‪.‬‬
‫واعتبرت العمل منافٌا للحٌاة للتعبد هلل فابتدعت نظام الرهبنة‪.‬‬
‫واعتبرت اإلنسان ملوثا بالخطٌبة من ٌوم ٌولد ورثها من أبٌه األول‪.‬‬
‫وحجرت على اإلنسان أن ٌتصل بربه إال بوساطة كاهن بٌده مفاتٌح الجنة‪.‬‬
‫أما اإلسبلم فكما وجدنا فً مظاهر تكرٌم اإلنسان أنه حرره من كل ذلك‪.‬‬

‫‪ -‬تقرٌر حقوق اإلنسان ‪:‬‬


‫قبل أن تسمع آذان الدنٌا عن حقوق اإلنسان باثنتً عشر قرنا أو تزٌد وٌوم كان العلم كله ال ٌنظر‬
‫لئلنسان إال من جهة ما علٌه من واجبات ٌطالب بؤدابها‪ ،‬جاء اإلسبلم لٌقرر علنا أن لئلنسان‬
‫حقوقا ٌنبؽً أن ُترعى وأٌضا واجبات ٌنبؽً أن تإدى‪.‬‬
‫ومن هذه الحقوق‪ :‬حق الحٌاة – حق الكرامة – حق التفكٌر – حق التدٌن واالعتقاد – حق التعبٌر‬
‫– حق التعلم – حق التملك ‪ -‬حق الكفاٌة من العٌش – حق األمن من الخوؾ‪.‬‬

‫وسنقتصر هنا على الحدٌث عن بعض هذه الحقوق‪:‬‬

‫‪ ‬حق الحٌاة لئلنسان‪:‬‬


‫قدس اإلسبلم حق الحٌاة وحماه بالتربٌة والتوجٌه و بالتشرٌع‪ ،‬حٌث اعتبر الحٌاة هبة من‬
‫هللا ال ٌجوز ألحد أن ٌسلبها ؼٌره‪ ،‬فاإلسبلم لم ٌفرق فً حق الحٌاة بٌن ابٌض واسود وال‬
‫بٌن رجل وامرأة‪ ،‬حتى الجنٌن الذي ٌنشا عن طرٌق الحرام ال ٌجوز المه وال لؽٌرها أن‬
‫تسقطه‪ ،‬ألنه نفس محترمة ال ٌحل االعتداء علٌها‪.‬‬
‫ومن أجل المحافظة على الحٌاة جاءت آٌات القران وأحادٌث الرسول صلى هللا علٌه وسلم‬
‫ُتنذر بؤشد العذاب من اعتدى على نفس بؽٌر حق‪ٌ ،‬قول هللا تعالى‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا‬
‫اص فًِ ا ْل َ ْتلَى ا ْل ُح ُّر ِبا ْل ُح ِّر َوا ْل َع ْب ُ ِبا ْل َع ْب ِ َوااُن َ ى ِبااُن َ ى َف َمنْ ُع ًَِ لَ ُه مِنْ‬ ‫ص ُ‬ ‫ُكت َِب َعلَ ٌْ ُك ُم ا ْل ِ َ‬
‫ٌِؾ ِّمن َّر ِّب ُك ْم َو َر ْح َم ٌة َف َم ِن‬
‫ان َ لِ َك َت ْ ٌ‬ ‫ؾ َوأَ َاء إِلَ ٌْ ِه ِبإِ ْح َ ٍ‬ ‫ش ًْ ٌء َفا ِّت َبا ٌع ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬ ‫أَ ٌِ ِه َ‬
‫اب أَلٌِ ٌم} (‪ )178‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫اع َت َ َب ْع َ َ لِ َك َفلَ ُه َع َ ٌ‬ ‫ْ‬
‫‪ ‬حق الكرامة وحماٌة العرض‪:‬‬
‫أكد اإلسبلم حرمة العرض والكرامة لئلنسان مع حرمة الدماء و األموال حتى أن النبً‬
‫صلى هللا علٌه وسلم أعلن ذلك فً حجة الوداع (( إن َّللا حرم علٌكم مائكم وأعراضكم‬
‫وأموالكم )) رواه الشٌ ان ‪ ،‬فبل ٌجوز أن ٌُإذي إنسان فً حضرته وال ؼٌابه‪ ،‬وكذلك‬
‫حرم اإلسبلم اإلٌذاء األدبً لئلنسان‪ ،‬حٌث حرم الهمز والمز والتنابز بالفظ بذٌبة وألقاب‬
‫قبٌحة‪ ،‬وبذلك حمى اإلسبلم نفس اإلنسان من اإلهانة‪ ،‬وأٌضا حمى اإلسبلم اإلنسان بعد‬
‫مماته ومن هنا جاء األمر بؽسله وتكفٌنه ودفنه والنهً عن االعتداء والتمثٌل بجثته‪.‬‬
‫‪ ‬حق الكفاٌة التامة‪:‬‬
‫من حق كل إنسان أن ٌهٌؤ له كفاٌته التامة من العٌش بحٌث تتوافر له الحاجات األساسٌة‬
‫للمعٌشة‪ ،‬والواجب أن ٌكون لئلنسان دخل كاؾ ٌحقق كفاٌته منه‪ ،‬وهذا الدخل ٌجب أن‬
‫ٌُحصل علٌه من طرٌق مشروع‪ ،‬فإذا لم ٌكفٌه كان على أقاربه الموسرٌن أن ٌُعٌنوه ألنه‬
‫َاج ُرو ْا َو َجا َه ُو ْا َم َع ُك ْم َفؤ ُ ْولَئِ َك مِن ُك ْم‬
‫جزء منهم وقد قال تعالى‪َ { :‬والَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا مِن َب ْع ُ َوه َ‬
‫ش ًْ ٍء َعلٌِ ٌم} ( ‪ )75‬ورة‬ ‫َّللا إِنَّ ّ َ‬
‫َّللا ِب ُكل ِّ َ‬ ‫ب ِّ‬ ‫ض فًِ ِك َتا ِ‬ ‫ض ُه ْم أَ ْولَى ِب َب ْع ٍ‬‫َوأ ُ ْولُو ْا ااَ ْر َح ِام َب ْع ُ‬
‫اان ال‪ ,‬وان لم ٌكن له أقارب موسرون‪ ،‬وجبت كفاٌته من الزكاة التً فرضها هللا على‬
‫المسلمٌن وإذا لم تقم أموال الزكاة بتحقٌق تمام الكفاٌة للفقراء وجب على أؼنٌاء كل بلد إن‬
‫ٌقوموا بكفاٌة فقرابهم وان لم ٌفعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم ألزمهم السلطان بذلك باسم‬
‫الشرع الذي اوجب التكافل بٌن المسلمٌن‪ ،‬ودابرة هذا التكافل لٌست مؽلقة على المسلمٌن‬
‫وحدهم بل تشتمل معهم من ٌعٌش فً ظل دولة اإلسبلم من أهل الذمة‪.‬‬
‫‪ ‬حق التدٌن واالعتقاد‪:‬‬
‫كان اإلسبلم سباقا فً هذا حٌث لم تعترؾ الحضارات السابقة بهذا الحق‪ ،‬أما اإلسبلم فقد‬
‫أقره من خبلل النصوص القرآنٌة واألحادٌث النبوٌة‪ ،‬ففً اإلسبلم ال ٌجوز اإلكراه على‬
‫الدخول فً الدٌن ألن الدٌن لٌس مجرد مظاهر خارجٌة وحركات ظاهرٌة ٌإدٌها المرء بل‬
‫هو حقٌقة ٌجب أن تستقر فً أعماق كل من أراد الدخول فً هذا الدٌن‪ ،‬حٌث ٌقول هللا‬
‫ش ُ مِنَ ا ْل َؽ ًِّ ٌ} (‪ )256‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ٌِّن َق َّت َب ٌَّنَ ُّ‬
‫الر ْ‬ ‫تعالى‪َّ{ :‬لَ إِ ْك َرا َه فًِ ال ِ‬

‫‪ -‬من ثمرات اإلنسانٌة فً اإلسبلم اإلخاء و المساواة والحرٌة‪:‬‬


‫أكد اإلسبلم الدعوة إلى هذه المبادئ اإلنسانٌة الثبلثة ووضع الصور العملٌة لتطبٌقها وربطها‬
‫مبدأن متبلزمان‪.‬‬ ‫ا‬ ‫بعقابده وشعابره وآدابه‪ ،‬فؤما اإلخاء والمساواة فهما‬
‫أوَّل‪ :‬مب أ اا اء اان انً‪:‬‬
‫أما مبدأ اإلخاء البشري العام فقد قرره اإلسبلم بناء على أن البشر جمٌعا أبناء رجل واحد‬
‫{ ٌَا أَ ٌُّ َها‬ ‫((آدم)) وامرأة واحدة ((حواء)) حٌث صمتهم هذه الرحم الواصلة‪ ،‬ولهذا قال تعالى‪:‬‬
‫ح َ ٍة َو َ لَ َق ِم ْن َها َز ْو َج َها َو َب َّ ِم ْن ُه َما ِر َجاَّلًو َك ًو‬
‫ٌِرا‬ ‫ن َوا ِ‬ ‫ان ا َّت ُو ْا َر َّب ُك ُم الَّ ِي َ لَ َ ُكم ِّمن َّن ْ ٍ‬
‫ال َّن ُ‬
‫‪ )1‬ورة الن اء ‪،‬‬ ‫َّللا الَّ ِي َت َ اءلُونَ ِب ِه َوااَ ْر َحا َم إِنَّ ّ َ‬
‫َّللا َكانَ َعلَ ٌْ ُك ْم َرقٌِ ًوبا} (‬ ‫َونِ َ اء َوا َّت ُو ْا ّ َ‬
‫وكلمة األرحام فً هذه اآلٌة تفسر أنها تشمل لعمومها الرحم اإلنسانٌة العامة وهً تتسق مع بداٌة‬
‫الخطاب الربانً ((ٌا أٌها الناس))‪.‬‬
‫وقد كان رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ٌقرر هذا اإلخاء وٌإكده من خبلل دعابه الذي كان ٌقول‬
‫فٌه‪:‬‬
‫(( اللهم ربنا ورب كل شئ وملٌكه‪ ,‬أنا شهٌ انك َّللا وح ك َّل شرٌك لك ‪ ‬اللهم ربنا ورب كل‬
‫شئ وملٌكه‪ ,‬أنا شهٌ أن محم عب ك ور ولك‪ ‬اللهم ربنا ورب كل شئ وملٌكه‪ ,‬أنا شهٌ أن‬
‫العبا كلهم أ وة )) رواه أبو اوو ‪.‬‬
‫بهذا الدعاء كان ٌناجً رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ربه بعد كل صبلة وانه لٌدلنا أوضح داللة‬
‫على قٌمة اإلخاء البشري فً رسالة اإلسبلم‪:‬‬
‫‪ )1‬فهو ٌعلن األخوة بٌن عباد هللا كلهم ال بٌن العرب وحدهم وال بٌن المسلمٌن وحدهم‪ ،‬مشٌرا‬
‫إلى الجامع المشترك بٌنهم وهو العبودٌة هلل تعالى‪.‬‬
‫‪ )2‬وهو صلى هللا علٌه وسلم ٌقرر ذلك فً صٌؽة دعاء وٌشهد بنفسه أمامه سبحانه على‬
‫حقٌقة هذا المبدأ وصدقه‪.‬‬
‫‪ )3‬قرن هذا المبدأ بالمبدأٌن األساسٌٌن فً عقٌدة اإلسبلم وهما توحٌد ا هلل تعالى و رسالة عبده‬
‫محمد‪.‬‬
‫‪ )4‬ثم هو ال ٌكتفً بإعبلنه مرة فً العمر أو كل شهر أو كل أسبوع بل كان صلى هللا علٌه‬
‫وسلم ٌكررها فً كل ٌوم خمس مرات عقب كل صبلة وهذا دلٌل على فرٌد العناٌة‬
‫واالهتمام‪.‬‬
‫‪ )5‬أنه جعل ذلك من األدعٌة التً ٌتقرب بتكراره إلى هللا وربطه بالصبلة وهذا ٌضفً علٌه‬
‫قدسٌة فً قلوب المإمنٌن‪.‬‬

‫انٌا‪ :‬مب أ الم اواة اان انٌة‪:‬‬


‫أما مبدأ المساواة الذي قرره اإلسبلم و نادى به فؤساسه أن اإلسبلم ٌحترم اإلنسان وٌكرمه وحٌث‬
‫هو إنسان مسقطا بدلك كل أنواع التفرقة القبلٌة والعنصرٌة والقومٌة واللونٌة‪ ،‬قول هللا تعالى فً‬
‫ارفُوا إِنَّ‬ ‫ان إِ َّنا َ لَ ْ َنا ُكم ِّمن َ َك ٍر َوأُن َ ى َو َج َع ْل َنا ُك ْم ُ‬
‫ش ُعو ًوبا َو َق َبائِل َ لِ َت َع َ‬ ‫القرآن الكرٌم‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها ال َّن ُ‬
‫َّللا َعلٌِ ٌم َ ِبٌ ٌر} ( ‪ )13‬ورة الحجرا ‪ ،‬فقد ٌختلفون الناس فً أجناسهم‬ ‫َّللا أَ ْت َا ُك ْم إِنَّ َّ َ‬
‫أَ ْك َر َم ُك ْم عِن َ َّ ِ‬
‫وعناصرهم وفً أنسابهم و ثرواتهم ولكن هذا االختبلؾ ال ٌجعل لواحد منهم قٌمة إنسانٌة اكبر‬
‫من قٌمة اآلخر الذي هو اقل منه بل إن قٌمة اإلنسانٌة واحدة للجمٌع‪.‬‬

‫‪ -‬شعابر اإلسبلم تثبت معنى المساواة‪:‬‬


‫لم ٌكتؾ اإلسبلم بتقرٌر مبدأ المساواة نظرٌا بل أكده عملٌا وذلك بالعبادات والشعابر التً فرضها‬
‫اإلسبلم من صبلة وزكاة وصٌام وحج‪ ،‬ففً المساجد اإلسبلمٌة مثبل‪ :‬حٌث تقام صبلة الجمعة‬
‫والجماعة تؤخذ المساواة صورتها العملٌة فمن ذهب إلى المسجد أوال اخذ مكانه فً مقدمة‬
‫الصفوؾ وإن كان أقل الناس ماال وأضعفهم جاها‪ ،‬ومن تؤخر حضوره تؤخر مكانه مهما ٌكن‬
‫مركزه ولو نظرت إلى الصؾ واحد من صفوؾ المصلٌن لربٌت الؽنً بجانب الفقٌر والحاكم‬
‫بجانب المحكوم فبل فرق بٌن واحد وآخر فكلهم سواسٌة أمام هللا فً قٌامهم وقعودهم وركوعهم‬
‫وسجودهم‪ ،‬وكذلك األمر فً الحج‪.‬‬

‫‪ -‬المساواة أمام قانون اإلسبلم‪:‬‬


‫ومن المساواة العملٌة التً قررها اإلسبلم قوال وطبقها فعبل المساوا ة أمام قانون الشرع وأحكام‬
‫اإلسبلم‪ ،‬فالحبلل حبلل للجمٌع والحرام حرام على الجمٌع والفرابض ملزمة للجمٌع والعقوبات‬
‫مفروضة على الجمٌع‪ ،‬فمثبل‪ :‬حاولت إحدى القبابل عند دخولها اإلسبلم أن تعفى من الصبلة حٌنا‬
‫من الزمن فؤبى علٌها ذلك رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم وقال‪َّ (( :‬ل ٌر فً ٌن َّل صالة فٌه‬
‫))‪ ،‬وفً عهد الخلفاء الراشدٌن رأٌنا كثٌرا من األمثلة لتطبٌق مبدأ المساوا ة بٌن جمٌع الناس‪،‬‬
‫فهاهً قصة عمر مع والٌه فً مصر‪ :‬عمرو بن العاص حٌن ضرب ابن عمر ابن القبطً‬
‫متطاوال علٌه فما كلن من القبطً إال أن سافر من مصر إلى المدٌنة شاكٌا الوالً وطالبا العدل‬
‫فما كان من عمر بن الخطاب إال أن استدعى والٌه وولده‪ ،‬وأمر ابن القبطً أن ٌضرب ابنه كما‬
‫ضربه‪ ،‬ثم قال لعمر وكلمته الشهٌرة‪ (( :‬متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا‪...‬؟؟!!‬
‫))‪.‬‬

‫‪ -‬كٌؾ كانت المساواة فً أمم الحضارة عند ظهور اإلسبلم‪:‬‬


‫ال ٌقدر المساواة فً اإلسبلم حق قدرها إال من اطلع على تارٌخ األمم عند ظهور اإلسبلم وكٌؾ‬
‫كان التمٌٌز‬
‫و التفاوت بٌن الناس ٌؤخذ أشكاال حادة تهون معها كرامة اإلنسان ففً ببلد الفرس مثبل كانت‬
‫األكاسرة ملوك فارس‪ٌّ ،‬دعون أنه تجري فً عروقهم دم الهً وكان الفرس ٌنظرون إلٌهم كآلهة‬
‫وٌعتقدون أن فً طبٌعتهم شٌبا علوٌا مقدسا فكانوا ٌرونهم فوق القانون وفوق االنتقاد وفوق البشر‬
‫وٌعتقدون أن لهم حقا على كل إنسان ولٌس إلنسان حق علٌهم‪.‬‬
‫أما الحضارة الؽربٌة فقد أعلنت المساواة مبدءا وفكرة ولكنها عجزت عن تحقٌقه فً مجتمعاتها‬
‫وال زالت مشكلة‬
‫(( التمٌٌز العنصري )) حٌة قابمة نقرا عنها ونسمع‪ ،‬فقد حدث أن اخطؤ رجل اسود فدخل كنٌسة‬
‫من كنابس البٌض فً ٌوم ‪ ،‬وكان القسٌس ٌعظ وٌتحدث فلمح هذا الوجه الؽرٌب بٌن الحضور فلم‬
‫ٌملك إال أن أخرج ورقة مطوٌة أرسلها إلٌه‪ ،‬فلما فتحها الرجل األسود وجد فٌها‪ :‬عنوان كنٌسة‬
‫السود فً شارع كذا‪!!!....‬‬
‫فروح الحضارة الؽربٌة روح تمٌٌز واستعبلء ولٌست روح إخاء وال مساواة‪.‬‬
‫والمهم أن نعلم أن اإلسبلم نادى بالمساواة نظرٌا ً وطبقها عملٌا ً وأقام علٌنا مجتمع حطم كل‬
‫الفوارق التً تقٌم الحواجز بٌن الناس من عنصرٌة ولونٌة وطبقٌة كما نرى ذلك واضحا ً فً‬
‫صفحات الحضارة اإلسبلمٌة وكما نرى إلى الٌوم فً مجتمعات المسلمٌن على ما فٌها من‬
‫انحراؾ عن حقٌقة اإلسبلم ‪.‬‬
‫‪ ‬الشمول‪:‬‬
‫‪ -‬الشمول من الخصابص التً تمٌز بها اإلسبلم عن كل ما عرفه الناس من األدٌان والفلسفات‬
‫والمذاهب‪ ،‬إنه شمول ٌستوعب الزمن كله‪ ،‬وٌستوعب الحٌاة كلها‪ ،‬وٌستوعب كٌان اإلنسان كله‪.‬‬

‫‪ -‬رسالة الزمن كله‪:‬‬


‫إنها رسالة لكل األزمنة واألجٌال‪ ،‬لٌست رسالة موقوته بعصر معٌن ٌنتهً أثرها بانتهابه كما كان‬
‫الشؤن فً رساالت األنبٌاء السابقٌن على محمد صلى هللا علٌه وسلم‪ ،‬أما محمد صلى هللا علٌه‬
‫وسلم فهو خاتم النبٌٌن ورسالته عً رسالة الخلود التً قدر هللا بقابها إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬فلٌس‬
‫بعد اإلسبلم شرٌعة‪ ،‬وال بعد القرآن كتاب‪ ،‬وال بعد محمد نبً‪ ،‬هذا ولقد جاءت الكتب السماوٌة‬
‫تبشر بمن ٌؤتً بعدها فالتوراة تبشر بمن ٌؤتً بعد موسى‪ ،‬وبشراإلنجٌل بمن ٌؤتً بعد المسٌح‬
‫عٌسى وهو ((الؽارقلٌط)) الذي سٌبٌن كل الحق والٌتكم من عند نفسه أي سٌدنا محمد علٌه‬
‫الصبلة والسبلم‪.‬‬
‫فاألنبٌاء جمٌعا ً جاإوا باإلسبلم ونادوا بالتوحٌد واجتناب الطاؼوت وهذا ما ٌقرره القرآن فً‬
‫وضوح وتؤكٌد فكل األنبٌاء أعلنوا أنهم مسلمون ودعوا إلى اإلسبلم فها هو نوح علٌه السبلم قال‬
‫َّللا َوأُم ِْر ُ أَنْ أَ ُكونَ مِنَ ا ْل ُم ْ لِمٌِنَ } ( ‪)72‬‬ ‫ي إَِّلَّ َعلَى ّ ِ‬‫{ َفإِن َت َولَّ ٌْ ُت ْم َف َما َ ؤ َ ْل ُت ُكم ِّمنْ أَ ْج ٍر إِنْ أَ ْج ِر َ‬
‫ورة ٌونن ‪ ،‬وموسى قال { َو َقال َ ُمو َ ى ٌَا َق ْو ِم إِن ُكن ُت ْم آ َمن ُتم ِبا ّ ِ َف َعلَ ٌْ ِه َت َو َّكلُو ْا إِن ُكن ُتم‬
‫ن عٌِ َ ى ِم ْن ُه ُم ا ْل ُك ْ َر َقال َ َمنْ‬ ‫ُّم ْ لِمٌِنَ } (‪ )84‬ورة ٌونن‪ ,‬والحوارٌون قالوا لعٌسى { َفلَ َّما أَ َح َّ‬
‫ش َه ْ ِبؤ َ َّنا ُم ْ لِ ُمونَ } ( ‪ )52‬ورة آل‬ ‫َّللا آ َم َّنا ِبا ّ ِ َوا ْ‬
‫صا ُر ّ ِ‬
‫ار ٌُّونَ َن ْحنُ أَن َ‬ ‫اري إِلَى ّ ِ‬
‫َّللا َقال َ ا ْل َح َو ِ‬ ‫أَن َ‬
‫ص ِ‬
‫عمران‪.‬‬

‫‪ -‬رسالة العالم كله‪:‬‬


‫إنها الرسالة الشاملة التً تخاطب كل األمم وكل األجناس وكل الطبقات‪.‬‬
‫إنها رسالة لشعب خاص‪ٌ ،‬زعم أنه وحده شعب هللا المختار ! وأن الناس جمٌعا ً ٌجب أن ٌخضعوا‬
‫له‪.‬‬
‫ولٌست رسالة لطبقة معٌنة مهمتها أن تسخر الطبقات األخرى لخدمة مصالحها أو اتباع أهوابها‪.‬‬
‫إنها رسالتهم جمٌعا ً وهذا ما وضحه القرآن منذ العهد ا لمكً حٌث ٌقول { َو َما أَ ْر َ ْل َنا َك إِ ََّّل َر ْح َم ًوة‬
‫لِّ ْل َعالَمٌِنَ } (‪ )107‬ورة اانبٌاء‬
‫ض َّل إِلَ َه إَِّلَّ ه َُو‬ ‫َّللا إِلَ ٌْ ُك ْم َجمٌِ ًوعا الَّ ِي لَ ُه ُم ْل ُك ال َّ َم َاوا ِ َوااَ ْر ِ‬ ‫ان إِ ِّنً َر ُ ول ُ ّ ِ‬ ‫{قُلْ ٌَا أَ ٌُّ َها ال َّن ُ‬
‫ٌُ ْح ًٌِ َو ٌُمٌِ ُ َفآ ِم ُنو ْا ِبا ّ ِ َو َر ُ ولِ ِه ال َّن ِب ًِّ اا ُ ِّم ًِّ الَّ ِي ٌُ ْإمِنُ ِبا ّ ِ َو َكلِ َماتِ ِه َوا َّت ِب ُعوهُ لَ َعلَّ ُك ْم َت ْه َت ُونَ }‬
‫(‪ )158‬ورة ااعراؾ‪.‬‬

‫_ رسالة اإلنسان كله‪:‬‬


‫وهً كذلك رسالة اإلنسان من حٌث هو إنسان متكامل‪ ،‬إنها رسالة اإلنسان كله‪:‬روحه وعقله‬
‫وجسمه وضمٌره وإرادته ووجدانه كما ذكرنا ذلك فً (( خصٌصة اإلنسانٌة ))‪.‬‬
‫إن اإلسبلم لم ٌشطر اإلنسان شطرٌن كما فعلت األدٌان أخرى‪ :‬شطر روحً ٌوجبه الدٌن وهذا‬
‫الشطر من اختصاص رجال الدٌن (( الكاهن أو القسٌس )) وشطر مادي ال سلطان للدٌن وال‬
‫لرجاله علٌه وال مكان هلل فٌه إنه شطر ا لحٌاة ‪.‬‬
‫فهل ٌا ترى ٌتفق هذا مع فطرة اإلنسان وطبٌعته كما خلقه هللا ؟‬
‫كبل‪ ،‬فاإلنسان لٌس مجزبا وال مشطوراً إنه (( كل )) متكامل ال تنفصل فٌه روح عن مادة وال‬
‫مادة عن روح فلهذا ٌجب أن تكون ؼاٌته واحدة‪ ،‬ووجهته واحدة وطرٌقه واحداً وهذا ما صنعه‬
‫اإلسبلم‪ .‬فقد جعل الؽاٌة هلل والوجهة اآلخرة‪ .‬وبهذا ال ٌتمزق اإلنسان بٌن توجٌهٌن مختلفٌن‪.‬‬

‫_ رسالة اإلنسان فً أطوار حٌاته كلها‪:‬‬


‫وإنها رسالة اإلنسان _ أٌضا ً _ فً كل مراحل حٌاته ووجوده فهذا مظهر آخر من مظاهر‬
‫الشمول اإلسبلمً‪.‬‬
‫فهً تصحبه طفبلً وٌافعا ً وشابا ً وكهبلً وشٌخا ً وترسم له فً كل هذا المراحل المتعاقبة المنهج‬
‫األمثل الذي ٌحبه هللا و ٌرضاه‪.‬‬
‫فبل عجب أن تجد فً اإلسبلم أحكاما ً تتعلق بالمولود منذ ساعة مٌبلده مثل التؤذٌن فً أذنه‬
‫واختٌار اسم حسن له وؼٌر ذلك ‪.‬‬
‫ونجد أحكاما ً تتعلق بإرضاع الرضٌع ومدته وفصاله وفطامه وبعد ذلك نجد أحكاما تتعلق بالجنٌن‬
‫ً‬
‫{أَ ْ ِك ُنوهُنَّ مِنْ َح ٌْ ُ َ َكن ُتم ِّمن ُو ْج ِ ُك ْم َو ََّل‬ ‫من حٌث حماٌته واستمرار ؼذابه بمقدار كاؾ‬
‫ض ْعنَ‬ ‫َ‬
‫ض ْعنَ َح ْملَ ُهنَّ َفإِنْ أ ْر َ‬ ‫َ‬ ‫ض ٌِّ ُوا َعلَ ٌْ ِهنَّ َوإِن ُكنَّ أ ُ َ‬
‫وَّل ِ َح ْم ٍل َفؤن ِ ُوا َعلَ ٌْ ِهنَّ َح َّتى ٌَ َ‬ ‫اروهُنَّ لِ ُت َ‬ ‫ُت َ‬
‫ض ُّ‬
‫‪ )6‬ورة‬ ‫ؾ َوإِن َت َعا َ ْر ُت ْم َف َ ُت ْرضِ ُع لَ ُه أ ُ ْ َر } (‬
‫ورهُنَّ َو ْأ َت ِم ُروا َب ٌْ َن ُكم ِب َم ْع ُرو ٍ‬
‫لَ ُك ْم َفآ ُتوهُنَّ أ ُ ُج َ‬
‫الطالق‪.‬‬
‫كما نجد فً اإلسبلم أحكاما أخرى تتعلق باإلنسان بعد موته‪ :‬من وجوب تؽسٌله وتكفٌنه والصبلة‬ ‫ً‬
‫علٌه وؼٌر ذلك من األحكام‪.‬‬

‫_ رسالة اإلنسان فً كل مجاالت حٌاته‪:‬‬


‫وفً معانً الشمول فً اإلسبلم أٌضا ً‪ :‬أنه رسالة لئلنسان فً كل مجاالت الحٌاة فبل ٌدع جانبا ً من‬
‫جوانب الحٌاة اإلنسانٌة إال كان له فٌه موقؾ‪ :‬وقد ٌتمثل فً إقرار أو تصحٌح أو إتمام أو تؽٌر‬
‫وقد ٌسلك سلك الموعظة الحسنة وقد ٌتخذ أسلوب العقوبة الرادعة كل فً موضعه‪.‬‬
‫المهم أنه ال ٌدع اإلنسان وحده بدون هداٌة هللا فً أي طرٌق ٌسلكه‪ :‬مادٌا ً كان أو روحٌا ً‪ ،‬فردٌا ً‬
‫أو جماعٌا ً‪ ،‬فكرٌا ًأو عملٌا ً‪ ،‬فكرٌا ً أو عملٌاً‪ ،‬دٌنٌا ً أو سٌاسٌا ً‪ ،‬اقتصادٌا ً أو أخبلقٌا ً‪.‬‬
‫نجد مثبلً بعض الدٌانات كالمسٌحٌة ارتضت أن تقسم الحٌاة نصفٌن‪ :‬نصؾ للدٌن تقوده الكنٌسة‪،‬‬
‫ونصؾ للدنٌا تقوده الدولة ولكن اإلسبلم ٌنكر هذه القسمة للحٌاة وٌرفضها ألمرٌن‪:‬‬
‫األول‪ :‬أن اإلسبلم ٌجعل الكون كله والخلق كلهم ملكا ً هلل ٌقول هللا تعالى {لَ ُه َما فًِ ال َّ َم َاوا ِ‬
‫ض َو َما َب ٌْ َن ُه َما َو َما َت ْح َ ال َّ َر } (‪ )6‬ورة طـه ‪ ،‬فبل ٌجوز فً عقٌد ة اإلسبلم أن‬ ‫َو َما فًِ ْااَ ْر ِ‬
‫ٌخضع المسلم‪-‬مختاراً ألمر قٌصر وهو قادر على إخضاع قٌصر ألمر هللا { َبل ِّ ّ ِ ااَ ْم ُر َجمٌِعا ًو }‬
‫(‪ )31‬ورة الرع ‪.‬‬
‫والثانً‪ :‬أن الحٌاة بكل جوانبها كتلة واحدة ال تقبل االنقسام والتفرٌق وال ٌنفصل فٌها الدٌن عن‬
‫الدولة وال الفرد عن األسرة‪.‬‬

‫_ شمول التعالٌم اإلسبلمٌة‪:‬‬


‫إن شمول التعالٌم اإلسبلمٌة ٌتجلى فً العقٌدة وفً العبادة وفً األخبلق وفً التشرٌع‪:‬‬

‫أوَّل‪ :‬شمول الع ٌ ة اا المٌة‪:‬‬


‫فالعقٌدة اإلسبلمٌة عقٌدة شاملة فً أي جانب نظرت إلٌها‪:‬‬
‫‪ -1‬فهً توصؾ بالشمول ألنها تفسر كل القضاٌا الكبرى فً هذا الوجود‪ .‬القضاٌا التً شؽلت‬
‫الفكر اإلنسانً‪ :‬قضٌة األلوهٌة‪ ،‬قضٌة الكون ‪ ،‬قضٌة اإلنسان ‪ ،‬قضٌة النبوة‪ ،‬قضٌة المصٌر‪.‬‬
‫‪ -2‬توصؾ العقٌدة اإلسبلمٌة بالشمول كذلك‪ ،‬ألنها ال تجزئ اإلنسان بٌن إلهٌن اثنٌن إله الخٌر‬
‫وإله الشر والظلمة كمل فً المجوسٌة‪.‬‬
‫‪ -3‬توصؾ العقٌدة اإلسبلمٌة بالشمول من ناحٌة أخرى‪ :‬وهً أنها ال تعتمد فً ثبوتها على‬
‫الوجدان أو الشعور وحده كما هو شؤن المسٌحٌة التً ترفض تدخل العقل فً العقٌدة رفضا ً باتا ً‪.‬‬
‫كما ال تعتمد على العقل وحده كما هو شؤن جل الفلسفات البشرٌة‪ .‬وإنما تعتمد على الفكر‬
‫والشعور معا ً أو العقل والقلب جمٌعا‪ ،‬فاإلٌمان اإلسبلمً هو الذي ٌنبعث من ضٌاء العقل‬
‫وحرارة القلب ‪.‬‬
‫‪ -4‬وتوصؾ العقٌدة اإلسبلمٌة بالشمول أٌضا ً‪ ،‬ألنها عقٌدة ال تقبل التجزبة‪ ،‬ال بد أن تإخذ كلها‬
‫بكل محتوٌاتها دون إنكار أو حتى شك فً أي جزء منها‪ .‬فمن آمن بـ ‪ % 99‬من مضمون هذه‬
‫العقٌدة ومن كفر بـ ‪ % 1‬لم ٌعد بذلك مسلما ً‪ ،‬فاإلسبلم ٌقتضً أن ٌسلم اإلنسان قٌاده كله هلل و‬
‫ٌإمن بكل ما جاء من عنده‪.‬‬

‫انٌا‪ :‬شمول العبا ة فً اا الم‪:‬‬


‫العبادة فً اإلسبلم تستوعب الكٌان البشري كله‪ ،‬فالمسلم ال ٌعبد هللا بلسانه فحسب أو ببدنه فقط‬
‫أو بقلبه أو بعقله‪ ،‬بل ٌعبد هللا بهذه كله‪ :‬بلسانه ذاكراً داعٌا ً تالٌا ً‪ ،‬وببدنه مصلٌا ً صابما ً مجاهداً‪،‬‬
‫وبقلبه خابفا ً راجٌا ً مجٌبا ً متوكبلً‪،‬وبعقله متفكراً متؤمبلً‪.‬‬
‫فمثبلً‪ :‬عبادة كالصبلة تتجلى فٌها عبادة اللسان بالتبلوة والتكبٌر والتسبٌح والدعاء وعبادة الجسم‬
‫بالقٌام والقعود والركوع والسجود وعبادة العقل بالتفكر والتؤمل فً معانً القرآن وأسرار الصبلة‬
‫وعبادة القلب بالخشوع والحب هلل والشعور بمراقبة هللا‪.‬‬
‫وكل عمل نافع ٌقوم به المسلم لخدمة المجتمع وخصوصا ً الضعفاء وذوي العجز والفاقة منهم هو‬
‫كذا عبادة أي عبادة‪ ،‬وٌدخل فً دابرة العبادة‪ :‬سعً اإلنسان على معاشه ومعاش أسرته لٌؽنٌهم‬
‫بالحبلل وٌعفهم عن السإال‪ ،‬وأكثر م ن ذلك أنه جعل من وضع شهوته فً حبلل كان له بها أجر‪.‬‬

‫ال ا‪ :‬شمول اا الق فً اا الم‪:‬‬


‫إن األخبلق فً اإلسبلم لم تدع جانبا ً من جوانب الحٌاة اإلنسانٌة‪:‬روحٌة أو جسمٌة‪ ،‬دٌنٌة أو‬
‫دنٌوٌة‪ ،‬عقلٌة أو عاطفٌة‪ ،‬إال رسمت له المنهج األمثل للسلوك الرفٌع‪.‬‬
‫‪ -1‬إن من أخبلق اإلسبلم ما ٌتعلق بالفرد فً كافة نواحٌه‪:‬‬
‫جٍ‬‫أ‪ -‬جسما ً له ضروراته وحاجاته قال هللا تعالى { ٌَا َبنًِ آ َ َم ُ ُ و ْا ِزٌ َن َت ُك ْم عِن َ ُكل ِّ َم ْ ِ‬
‫ِب ا ْل ُم ْ ِرفٌِنَ } (‪ )31‬ورة ااعراؾ ‪ ،‬وقول ر ول‬ ‫ش َر ُبو ْا َوَّلَ ُت ْ ِرفُو ْا إِ َّن ُه َّلَ ٌُح ُّ‬
‫و ُكلُو ْا َوا ْ‬
‫َّللا صلى َّللا علٌه و لم (( إن لب نك علٌك ح ا )) رواه الشٌ ان‪.‬‬
‫ض َو َما‬ ‫ب ‪ -‬وعقبلً له مواهبه وأفاقه ٌقول هللا تعالى {قُ ِل ان ُ ُرو ْا َما َ ا فًِ ال َّ َم َاوا ِ َوااَ ْر ِ‬
‫ُت ْؽنًِ اا ٌَا ُ َوال ُّن ُ ُر َعن َق ْو ٍم َّلَّ ٌُ ْإ ِم ُنونَ } (‪ )101‬ورة ٌونن‪.‬‬
‫اب َمن‬‫{ َق ْ أَ ْفلَ َح َمن َز َّكاهَا( ‪َ )9‬و َق ْ َ َ‬ ‫ج – ونفسا ً لها مشاعرها ودوافعها وأشواقها‬
‫َ َّ اهَا(‪ )10-9( })10‬ورة الشمن‪.‬‬
‫‪ -2‬ومن أخبلق المسلم ما ٌتعلق باألسرة‪:‬‬
‫ص ٌْ َنا ْااِن َ انَ ِب َوالِ َ ٌْ ِه إِ ْح َ انا ًو } (‪ )15‬ااح اؾ‪,‬‬ ‫أ – كالعبلقة بٌن األبوٌن واألوالد‪َ { :‬و َو َّ‬
‫الق َّن ْحنُ َن ْر ُزقُ ُه ْم َوإِ ٌَّا ُكم إنَّ َق ْتلَ ُه ْم َكانَ ِْطءاًو َك ِبٌراًو } (‪)31‬‬ ‫ش ٌَ َة إِ ْم ٍ‬‫{ َوَّلَ َت ْ ُتلُو ْا أَ ْوَّل َ ُك ْم َ ْ‬
‫ورة اا راء‪.‬‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫حل ُّ لَ ُك ْم أن َت ِر و ْا ال ِّن َ اء َك ْرهًوا َوَّلَ‬ ‫َ‬
‫ب – كالعبلقة بٌن الزوجٌن‪ٌَ { :‬ا أ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا َّلَ ٌَ ِ‬
‫ش ٍة ُّم َب ٌِّ َن ٍة َو َعاشِ ُروهُنَّ‬ ‫ض َما آ َت ٌْ ُت ُموهُنَّ إَِّلَّ أَن ٌَؤْتٌِنَ ِب َا ِ‬
‫ح َ‬ ‫ضلُوهُنَّ لِ َت ْ َه ُبو ْا ِب َب ْع ِ‬ ‫َت ْع ُ‬
‫‪)19‬‬ ‫ٌِرا} (‬‫َّللا ُ فٌِ ِه َ ٌْ ًورا َك ًو‬‫ش ٌْ ًوئا َو ٌَ ْج َعل َ ّ‬
‫ؾ َفإِن َك ِرهْ ُت ُموهُنَّ َف َع َ ى أَن َت ْك َرهُو ْا َ‬ ‫ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫ورة الن اء‪.‬‬
‫ج – وكالعبلقة بٌن القارب واألرحام‪َ { :‬وآ ِ َ ا ا ْل ُ ْر َبى َح َّ ُه َوا ْل ِم ْ كٌِنَ َوا ْبنَ ال َّ بِ ِ‬
‫ٌل َوَّلَ‬
‫ٌِرا} (‪ )26‬ورة اا راء‪.‬‬ ‫ُت َب ِّ ْر َت ْب ًو‬

‫‪ -3‬ومن أخبلق المسلم ما ٌتعلق بالمجتمع‪:‬‬


‫أ – فً آدابه ومجامبلته فمثبلً ‪:‬قال هللا تعالى { ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا ََّل َت ْ ُ لُوا ُب ٌُو ًوتا َؼ ٌْ َر‬
‫ُب ٌُوتِ ُك ْم َح َّتى َت ْ َتؤْنِ ُ وا َو ُت َ لِّ ُموا َعلَى أَهْ لِ َها َ لِ ُك ْم َ ٌْ ٌر لَّ ُك ْم لَ َعلَّ ُك ْم َت َ َّك ُرونَ } ( ‪ )27‬ورة‬
‫النــور‪.‬‬
‫ب – وفً اقتصاده ومعامبلته‪َ { :‬و ٌْل ٌ لِّ ْل ُم َط ِّ ٌِنَ ( ‪ )1‬الَّ ٌِنَ إِ َ ا ا ْك َتالُو ْا َعلَى ال َّن ِ‬
‫ان‬
‫ٌَ ْ َت ْوفُونَ (‪َ )2‬وإِ َ ا َكالُو ُه ْم أَو َّو َز ُنو ُه ْم ٌُ ْ ِ ُرونَ (‪ )3-1( } )3‬ورة المط ٌن‪.‬‬
‫َّللا ٌَؤْ ُم ُر ُك ْم أَن ُتإ ُّو ْا ااَ َما َنا ِ إِلَى أَهْ لِ َها َوإِ َ ا َح َك ْم ُتم َب ٌْنَ‬‫ج – وفً سٌاسته وحكمه‪{ :‬إِنَّ ّ َ‬
‫ٌرا} ( ‪ )58‬ورة‬ ‫َّللا نِ ِع َّما ٌَ ِع ُ ُكم ِب ِه إِنَّ ّ َ‬
‫َّللا َكانَ َ مٌِ ًوعا َبصِ ًو‬ ‫ان أَن َت ْح ُك ُمو ْا ِبا ْل َع ْ ِل إِنَّ ّ َ‬ ‫ال َّن ِ‬
‫الن اء‪.‬‬
‫‪ -4‬وفً أخبلق اإلسبلم ما ٌتعل ق بؽٌر العقبلء من الحٌوان والطٌر كما فً الح ٌ‬
‫الشرٌؾ (( ات وا َّللا فً البهائم المعجمة‪,‬فاركبوها صالحة‪ ,‬وكلوها صالحة)) رواه‬
‫الب اري‪.‬‬
‫‪ -5‬ومن أخبلق اإلسبلم ما ٌتعلق بالكون الكبٌر‪ :‬من حٌث إنه مجال التفكر واالستدالل بما فٌه من‬
‫ض‬ ‫إبداع وإتقان على وجود مبدعه وقدرته وعلى علمه وحكمته {إِنَّ فًِ َ ْل ِق ال َّ َم َاوا ِ َوااَ ْر ِ‬
‫ب} (‪ )190‬ورة آل عمران‪.‬‬ ‫ار ا ٌَا ٍ ِّا ُ ْولًِ اا ْل َبا ِ‬ ‫ؾ اللَّ ٌْ ِل َوال َّن َه ِ‬
‫َوا ْ تِالَ ِ‬
‫ومن حٌث إنه مجال لبلنتفاع واالستمتاع بما أودع هللا فٌه من خٌرات والتً تستوجب الشكر‬
‫ش ُك ُرو ْا‬ ‫لواهبها والمنعم بها كما قال هللا تعالى { ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا ُكلُو ْا مِن َط ٌِّ َبا ِ َما َر َز ْق َنا ُك ْم َوا ْ‬
‫ِ ّ ِ إِن ُكن ُت ْم إِ ٌَّاهُ َت ْع ُب ُونَ } (‪ )172‬ورة الب رة‪.‬‬
‫‪ -6‬وفوق ذلك كله وقبل ذلك كله ما ٌتعلق بحق الخالق العظٌم الذي منه كل النعم وله كل الحمد {‬
‫ٌِّن ( ‪ )3‬إِ ٌَّا َك َن ْع ُب ُ وإِ ٌَّا َك َن ْ َتعٌِنُ‬ ‫ٌِم ( ‪َ )2‬مالِكِ ٌَ ْو ِم ال ِ‬ ‫الرح ِ‬ ‫مـن َّ‬‫الر ْح ِ‬ ‫ا ْل َح ْم ُ ّ ِ َر ِّب ا ْل َعالَمٌِنَ (‪َّ )1‬‬
‫ص َرا َط ال ُم َت ٌِ َم } (‪ )6-2‬ورة ال اتحة‪.‬‬ ‫(‪ )4‬اه ِ َنــــا ال ِّ‬
‫فهو وحده الحقٌق بؤن ٌحمد الحمد كله وهو وحده ٌستحق أن ٌعبد وأن ٌستعان وأن تطلب منه‬
‫الهداٌة‪.‬‬
‫وبهذا نجد أن اإلسبلم نظر إلى األخبلق نظرة جامعة محٌطة مستوعبة أم الفلسفات والنظرٌة‬
‫البشرٌة فكان عٌبها أنها نظرت إلى األخبلق فً زاوٌة واحدة وأؼفلت األخرى‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬شمول التشرٌع فً اا الم‪:‬‬


‫والتشرٌع فً اإلسبلم تشرٌع شامل ذلك‪.‬‬
‫إن تشرٌع اإلسبلم ٌشمل التشرٌع للفرد فً تعبده وصلته بربه وهذا ما ٌفصله قسم (( العبادات ))‬
‫فً الفقه اإلسبلمً‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع للفرد فً سلوكه الخاص و العام وهذا ما ٌسمى (( الحبلل والحرام ))‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع ما ٌتعلق بؤحوال األسرة من زواج وطبلق ‪....‬الخ‪ ،‬وهذا ما ٌسمى فً عصرنا ((‬
‫األحوال الشخصٌة ))‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع للمجتمع فً عبلقاته المدنٌة و التجارٌة وما ٌتصل بتبادل المنافع واألموال‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع ما ٌتصل بالجرابم و عقوباتها وهذا ما ٌسمى (( التشرٌع الجنابً ))‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع اإلسبلمً ما ٌتعلق بواجب الحكومة نحو المحكومٌن وبالعكس وتنظٌم الصلة بٌن‬
‫الطرفٌن وهذا ما ٌسمى (( التشرٌع الدستوري )) أو ((اإلداري )) أو (( المالً ))‪.‬‬
‫وٌشمل التشرٌع اإلسبلمً ما ٌنظم العبلقات الدولٌة فً السلم والحرب بٌن المسلمٌن وؼٌرهم‬
‫وهذا ما ٌسم ى فً عصرنا (( القانون الدولً ))‪.‬‬
‫وٌبدو شمول التشرٌع اإلسبلمً فً أمر آخر وهو النفاذ إلى أعماق المشكبلت المختلفة وما ٌإثر‬
‫فٌها وما ٌتؤثر بها والنظر إلٌها نظرة محٌطة مستوعبة مبنٌة على معرفة النفس اإلنسانٌة وحقٌقة‬
‫دوافعها وتطلعاتها وربط التشرٌع بالقٌم الدٌنٌة واألخبلقٌة‪ ،‬بحٌث ٌكون التشرٌع فً خدمتها وال‬
‫ٌكون معوالً لهدمها قال َّللا تعالى {أَ ََّل ٌَ ْعلَ ُم َمنْ َ لَ َق َوه َُو اللَّطِ ُ‬
‫ٌؾ ا ْل َ ِبٌ ُر} (‪ )14‬ورة الملك‪.‬‬

‫ام ا‪ :‬شمول اَّللتزام باا الم كله‪:‬‬


‫هذا الشمول الذي تمٌز به اإلسبلم ٌجب أن ٌقابله شمول مماثل من جانب التزام المسلمٌن‪ :‬أعنً‬
‫االلتزام بهذا اإلسبلم كله فً شموله وسعته‪ ،‬فبل ٌجوز األخذ بجانب من تعالٌمه وأحكامه وطرح‬
‫جانب آخر قصداً أو إهماالً ألنها (( كل )) ال ٌتجزأ ‪.‬‬
‫وال ٌجوز فً نظر اإلسبلم العناٌة بالعبادات والشعابر وإهمال جانب األخبلق والفضابل {ا ْتل ُ َما‬
‫َّللا أَ ْك َب ُر َو َّ‬
‫َّللا ُ‬ ‫شاء َوا ْل ُمن َك ِر َولَ ِ ْك ُر َّ ِ‬
‫ص َال َة َت ْن َهى َع ِن ا ْل َ ْح َ‬ ‫ب َوأَق ِِم ال َّ‬
‫ص َال َة إِنَّ ال َّ‬ ‫أُوح ًَِ إِلَ ٌْ َك مِنَ ا ْل ِك َتا ِ‬
‫ص َن ُعونَ } (‪ )45‬ورة العنكبو ‪.‬‬ ‫ٌَ ْعلَ ُم َما َت ْ‬
‫‪ ‬الوسطٌة‪:‬‬
‫وهذه خصٌصة أخرى من أبرز خصابص اإلسبلم وهً (( الوسطٌة )) وٌعبر عنها بـ (( التوازن‬
‫)) ونعنً بها التوسط بٌن طرفٌن متقابلٌن أو متضادٌن‪ ،‬مثبلً الروحٌة والمادٌة‪ ،‬الفردٌة‬
‫والجماعٌة‪ ،‬الواقعٌة والمثالٌة‪.‬‬

‫‪ -‬عجز اإلنسان عن إنشاء نظام متوازن‪:‬‬


‫وهذا فً الحقٌقة أكبر من أن ٌقدر علٌه اإلنسان بعقله المحدود وعلمه القاصر فضبل ُ عن تؤثٌر‬
‫مٌوله ونزعاته الشخصٌة‪ ،‬ولهذا ال ٌخلو منهج أو نظام ٌصنعه بشر من اإلفراط أو التفرٌط‪.‬‬
‫ولذلك إن القادر على إعطاء كل شًء فً الوجود حقه هو هللا الذي خلق كل شًء فقدره تقدٌراً‬
‫ووسع كل شًء رحمة وعلما ً لذا ال عجب أن نرى هذا التوازن الدقٌق فٌما أمر هللا به وشرعه فً‬
‫الدٌن‪.‬‬

‫‪ -‬ظاهرة التوازن فً الكون كله‪:‬‬


‫ننظر فً العالم من حولنا فنجد اللٌل والنهار والشمس والقمر والنجوم والمجموعات الكونٌة‬
‫السابحة فً الفضاء‪ ،‬إن كبلً منها ٌسبح فً مداره دون أن ٌصدم ؼٌره أو ٌخرج عن دابرته‬
‫ار َو ُكل ٌّ فًِ‬ ‫ن ٌَن َبؽًِ لَ َها أَن ُت ْ ِر َك ا ْل َ َم َر َو ََّل اللَّ ٌْل ُ َ ابِ ُق ال َّن َه ِ‬ ‫وصدق هللا العظٌم إذ ٌقول‪ََّ { :‬ل ال َّ‬
‫ش ْم ُ‬
‫َفلَكٍ ٌَ ْ َب ُحونَ } (‪ )40‬ورة ٌــن‪.‬‬
‫فهل صفة التعادل هً أٌضا ً الحقٌقة األولى فً كٌان اإلنسان ؟‬
‫فلننظر أوالً كٌؾ ٌعٌش اإلنسان من حٌث هو كابن مادي ؟إنه ٌعٌش بالتنفس ما هو التنفس ؟ هو‬
‫حركة تعادل بٌن الشهٌق والزفٌر‪.‬‬
‫فإذا أختل هذا التعادل بؤن طال الشهٌق أكثر مما ٌنبؽً طاؼٌا ً على الزفٌر وبالعكس فإن حٌاة‬
‫اإلنسان ستتوقؾ‪.‬‬
‫وإذا انتقلنا إلى التركٌب الروحً لئلنسان نجد أن له شهٌقه وزفٌره فٌما ٌمكن أن نسمٌه (( الفكر‬
‫والشعور )) أو(( العقل والقلب ))‪.‬‬
‫فاإلنسان إذن كابن متعادل مادٌا ً وروحٌا ً بل كل الكابنات التً تحملها األرض متعادلة‪.‬‬
‫وإلى هذه الخصٌصة البارزة ٌشٌر قوله تعالى مخاطبا ً امة اإلسبلم‪َ { :‬و َك َ لِ َك َج َع ْل َنا ُك ْم أ ُ َّم ًوة َو َ طا ًو‬
‫ش ِهٌ اًو} (‪ )143‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫الر ُ ول ُ َعلَ ٌْ ُك ْم َ‬
‫ان َو ٌَ ُكونَ َّ‬‫ش َه َاء َعلَى ال َّن ِ‬
‫لِّ َت ُكو ُنو ْا ُ‬
‫ووسطٌة األمة اإلسبلمً ة إنما هً مستمدة من وسطٌة منهجها ونظامها فهو منهج وسط ألمة‬
‫وسط‪.‬‬

‫‪ -‬مزاٌا الوسطٌة وفوابدها‪:‬‬


‫أ ‪ -‬الو طٌة ألٌق بالر الة ال ال ة‪:‬‬
‫ٌجوز فً رسالة مرحلٌة محدودة الزمن أن تعالج بعض التطرؾ فً قضٌة ما بتطرؾ مضاد‪،‬‬
‫فإذا كان هناك ؼلو فً النزعة المادٌة رد علٌها بؽلو معاكس فً النزعة إلى الروحٌة‪ .‬وذلك فً‬
‫الدٌانة المسٌحٌة وموقفها فً النزعة المادٌة الواقعٌة عند الٌهود والرومان ‪.‬‬
‫أما فً الرسالة الخالدة كان البد من العودة إلى الحد الوسط وإلى الصراط السوي وهذا ما جاءت‬
‫به رسالة اإلسبلم بوصفها رسالة عالمٌة خالدة‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الو طٌة تعنً الع ل‪:‬‬
‫فمن معانً الوسطٌة التً وصفت بها األمة فً اآلٌة الكرٌمة ورتبت علٌها شهادة على البشرٌة‬
‫{ َو َك َ لِ َك َج َع ْل َنا ُك ْم أ ُ َّمةًو‬ ‫كلها‪ :‬العدل‪ ،‬الذي هو ضرورة لقبول شهادة الشاهد كما قال هللا تعالى‪:‬‬
‫ش ِهٌ اًو} (‪ )143‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫الر ُ ول ُ َعلَ ٌْ ُك ْم َ‬ ‫ش َه َاء َعلَى ال َّن ِ‬
‫ان َو ٌَ ُكونَ َّ‬ ‫َو َ طا ًو لِّ َت ُكو ُنو ْا ُ‬
‫فالوسط ٌعنً‪ :‬العدل واالعتدال وبعابرة أخرى‪ٌ :‬عنً التعادل ببل جنوح إلى الؽلو وال إلى‬
‫التقصٌر‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الو طٌة تعنً اَّل ت امة‪:‬‬
‫((‬ ‫أي استقامة المنهج والبعد عن المٌل واالنحراؾ فالمنهج المستقٌم وبتعبٌر القرآن الكرٌم‬
‫ص َرا َط ال ُم َت ٌِ َم ))‪ ,‬فإذا فرضنا خطوطا ً كثٌرة واصلة بٌن نقطتٌن متقابلتٌن‪ ،‬فالخط المستقٌم‬ ‫ال ِّ‬
‫إنما هو الخط الواقع فً وسط تلك الخطوط المنحنٌة‪ ،‬ومن ضرورة كونه وسطا ً بٌن الطرق‬
‫األخرى أن تكون األمة المهدٌة إلٌه وسطا ً بٌن األمم السالكة إلى تلك الطرق الزابؽة‪.‬‬
‫والذي الشك منه أن كبلً من الٌهود والنصارى ٌمثلون اإلفراط والتفرٌط فً كثٌر من القضاٌا‪.‬‬
‫فالٌهود قتلوا األنبٌاء والنصارى ألهوهم‪ ،‬الٌهود أسرفوا فً التحرٌم والنصارى أسرفوا فً‬
‫اإلباحة‪ ،‬الٌهود ؼلوا فً الجانب المادي والنصارى قصروا فٌه‪ ،‬النصارى ؼلوا فً الجانب‬
‫الروحً والٌهود قصروا فٌه‪ ،‬أما اإلسبلم فإنه ٌعلم المسلم أن ٌحذر من تطرؾ كبل الفرٌقٌن وأن‬
‫ٌلتزم المنهج الوسط أو المستقٌم‪.‬‬
‫‪ -‬الو طٌة لٌل ال ٌرٌة‪:‬‬
‫ً‬
‫والوسطٌة دلٌل الخٌرٌة ومظهر الفضل والتمٌز فً المادٌات والمعنوٌات فمثبل ربٌس القوم فً‬
‫الوسط واألتباع من حوله وفً األمور المعنوٌة نجد التوسط دابما ً خٌر من التطرؾ ومن هنا قال‬
‫المفسر ابن كثٌر فً قوله تعالى (( أ ُ َّم ًوة َو َ طا ًو ))الوسط هنا‪ :‬الخٌار واألجود‪.‬‬
‫ه ‪ -‬الو طٌة تم ل اامان‪:‬‬
‫والوسطٌة تمثل منطقة األمان‪ ،‬والبعد عن الخطر‪ ،‬فاألطراؾ عادة تتعرض للخطر والفساد‬
‫بخبلؾ الوسط فهو محمً ومحروس بما حوله‪.‬‬
‫و ‪ -‬الو طٌة لٌل ال وة‪:‬‬
‫فالوسط هو مركز القوة‪ ،‬أال ترى الشباب الذي ٌمثل مرحلة القوة وسطا ً بٌن ضعفٌن هما الطفولة‬
‫وضعؾ الشٌخوخة‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الو طٌة مركز الوح ة‪:‬‬
‫والوسطٌة تمثل مركز الوحدة ونقطة التبلقً فعلى حٌن تتعدد األطراؾ تعدداً قد ال ٌتناهى ٌبقى‬
‫الوسط واحداً ٌمكن لكل األطراؾ أن تلتقً عنده وهذا واضح فً الجانب المادي والجانب الفكري‬
‫والمعنوي ‪.‬‬
‫فمركز الدابرة فً وسطها ٌمكن لكل الخطوط اآلتٌة من المحٌط أن تلتقً عنده والفكرة الوسطى‬
‫ٌمكن أن تلتقً بها األفكار المتطرفة فً نقطة ما‪ ،‬هً نقطة التوازن واالعتدال‪.‬‬

‫‪ -‬مظاهر الوسطٌة فً اإلسبلم‪:‬‬


‫وإذا كان للوسطٌة كل هذه المزاٌا فبل عجب أن تتجلى واضحة فً كل جوانب اإلسبلم‪ ،‬فاإلسبلم‬
‫وسط فً االعتقاد‪ ،‬ووسط فً التعبد‪ ،‬ووسط فً األخبلق‪ ،‬ووسط فً التشرٌع‪:‬‬

‫أوَّل‪ :‬و طٌة اا الم فً اَّلعت ا ‪:‬‬


‫أ – فهو وسط فً االعتقاد بٌن الخرافٌٌن الذٌن ٌسرفون فً االعتقاد وبٌن المادٌن الذٌن ٌنكرون‬
‫كل ما وراء الحس‪،‬‬
‫فاإلسبلم ٌدعوا إلى االعتقاد واإلٌمان ولكن بما قام علٌه الدلٌل القطعً والبرهان الٌقٌنً وماعدا‬
‫ذلك ٌرفضه وٌعده من األوهام‪.‬‬
‫ب – وسط بٌن المبلحدة الذٌن ال ٌإمنون بإله قط وبٌن الذٌن ٌعبدون اآللهة حتى عبدوا األبقار‬
‫وألهو األحجار‪.‬‬
‫فاإلسبلم ٌدعوا إلى اإلٌمان بإله واحد ال شرٌك له وكل من عدا وما عداه مخلوقات ال تملك ضراً‬
‫وم ا ْل ِ ٌَا َم ِة‬
‫ٌب لَ ُه إِلَى ٌَ ِ‬
‫ج ُ‬ ‫ُون َّ ِ‬
‫َّللا َمن ََّّل ٌَ ْ َت ِ‬ ‫ِ‬ ‫وال نفعا ً ‪ .‬قال هللا تعالى‪َ {:‬و َمنْ أَ َ‬
‫ضل ُّ ِم َّمن ٌَ ْ ُعو مِن‬
‫َو ُه ْم َعن ُ َعائِ ِه ْم َؼافِلُونَ } (‪ )5‬ورة ااح اؾ‪.‬‬
‫ج – وهو وسط بٌن الذٌن ٌعتبرون الكون هو الوجود الحق وحده وبٌن الذٌن ٌعتبرون الكون‬
‫وهما ً ال حقٌقة له‪ ،‬فاإلسبلم ٌعتبر وجود الكون حقٌقة ال رٌب فٌها ولكنه ٌعبر من هذه الحقٌقة إلى‬
‫حقٌقٌة اكبر منها وهً‪ :‬من كونه ونظمه ودبر أمره وهو هللا تعالى‪.‬‬
‫د – وهو وسط بٌن الذٌن ٌإلهون اإلنسان وٌعتبرونه إله نفسه‪ٌ ،‬فعل ما ٌشاء وٌحكم ما ٌرٌد وبٌن‬
‫الذٌن جعلوه أسٌر جبرٌة اقتصادٌة أو اجتماعٌة أو دٌنٌة‪.‬‬
‫فاإلنسان فً نظر اإلسبلم مخلوق مكلؾ مسإول‪ ،‬سٌد فً الكون‪ ،‬عبد هلل‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وهو وسط بٌن الذٌن ٌقدسون األنبٌاء حتى رفعوهم إلى مرتبة األلوهٌة‪ ،‬وبٌن الذٌن كذبوهم‬
‫واتهموهم‪ ،‬فاألنبٌاء بشر مثلنا‪ٌ ،‬ؤكلون وٌمشون وٌتزوجون والفرق بٌننا وبٌنهم أن هللا منَّ علٌهم‬
‫بالوحً وأٌدهم بالمعجزات‪.‬‬
‫و – وهو وسط بٌن الذٌن ٌإمنون بالعقل وحده مصدراً لمعرفة حقابق الوجود وبٌن الذٌن ال‬
‫ٌإمنون إال باإللهام وال ٌعترفون للعقل بدور‪.‬‬
‫فاإلسبلم ٌإمن بالعقل وٌدعوه للتفكٌر وٌنكر علٌه الجمود والتقلٌد وٌعتمد علٌه فً إثبات أعظم‬
‫حقٌقتٌن فً الوجود وهما‪ -1 :‬وجود هللا تعالى‪ -2 ،‬وصدق دعوة النبوة‪ ،‬ولكنه ٌإمن بالوحً‬
‫مكمبلً للعقل وهادٌا ً له فٌما تضل فٌه العقول وتختلؾ فٌه الؽٌبٌات وطرابق التعبد هلل تعالى‪.‬‬

‫انٌا‪ :‬و طٌة اا الم فً العبا ا والشعائر‪:‬‬


‫واإلسبلم وسط بٌن عباداته بٌن األدٌان التً ألفت الجانب الربانً من فلسفتها وواجباتها كالبوذٌة‬
‫وبٌن األدٌان التً طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة واالنقطاع عن الحٌاة كالرهبانٌة المسٌحٌة‪.‬‬
‫فاإلسبلم ٌكلؾ المسلم أداء شعابر محدودة فً الٌوم كالصبلة‪ ،‬أو فً السنة كالصوم‪ ،‬أو فً العمر‬
‫مرة كالحج‪ ،‬لٌظل دابما ً موصوالً باهلل ؼٌر مقطوع عن رضاه ثم ٌطلقه بعد ذلك ساعٌا ً منتجا ً‪.‬‬
‫ولعل أوضح دلٌل نذكره هنا‪ :‬اآلٌات اآلمرة بصبلة الجمعة { ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا إِ َ ا ُنو ِي لِل َّ‬
‫ص َال ِة‬
‫مِن ٌَ ْو ِم ا ْل ُج ُم َع ِة َفا ْ َع ْوا إِلَى ِ ْك ِر َّ ِ‬
‫َّللا َو َ ُروا ا ْل َب ٌْ َع َ لِ ُك ْم َ ٌْ ٌر لَّ ُك ْم إِن ُكن ُت ْم َت ْعلَ ُمونَ ( ‪َ )9‬فإِ َ ا قُضِ ٌَ ِ‬
‫ٌِرا لَّ َعلَّ ُك ْم ُت ْ لِ ُحونَ ( ‪-9( } )10‬‬ ‫َّللا َك ًو‬‫َّللا َوا ْ ُك ُروا َّ َ‬
‫ض ِل َّ ِ‬ ‫ض َوا ْب َت ُؽوا مِن َف ْ‬‫ص َالةُ َفان َتشِ ُروا فًِ ْااَ ْر ِ‬ ‫ال َّ‬
‫‪ )10‬ورة الجمعة‪.‬‬

‫ال ا‪ :‬و طٌة اا الم فً اا الق‪:‬‬


‫أ‪ -‬واإلسبلم وسط فً األخبلق بٌن ؼبلة المثالٌن الذٌن تخٌلوا اإلنسان مبلكا ً فوضعوا له من القٌم‬
‫ماال ٌمكن له‪ ،‬وبٌن ؼبلة الواقعٌن الذٌن حسبوه كالحٌوان فؤرادوا له من السلوك ماال ٌلًق به‪.‬‬
‫أم اإلسبلم نظرته وسطا ً بٌن أولبك وهإالء فاإلنسان فً نظر اإلسبلم مخلوق مركب فٌه العقل‬
‫وفٌه الشهوة وفٌه استعداد للفجور واستعداده للتقوٌم نفسه و لكن مهمته هً تزكٌة نفسه كما قال‬
‫ورهَا َو َت ْ َواهَا ( ‪َ )8‬ق ْ أَ ْفلَ َح َمن َز َّكاهَا ( ‪َ )9‬و َق ْ‬ ‫ن َو َما َ َّواهَا (‪َ )7‬فؤ َ ْل َه َم َها فُ ُج َ‬ ‫هللا تعالى‪َ { :‬و َن ْ ٍ‬
‫اب َمن َ َّ اهَا (‪ )10-7( })10‬ورة الشمن‪.‬‬ ‫َ َ‬
‫ب‪ -‬وهو وسط كذلك فً نظرته إلى حقٌقة اإلنسان بٌن المذاهب التً تقوم على اعتباره روحا ً‬
‫علوٌا ً سجن فً جسد أرضً وال ٌسمو ا إال بتعذٌب هذا الجسد كالبرهمٌة وبٌن المذاهب المادٌة‬
‫التً تعتبر اإلنسان جسداً محضا ً ال ٌسكنه روح علوي‪ ،‬أما اإلنسان فً اإلسبلم فهو كٌان روح‬
‫ومادي‪.‬‬
‫ج‪ -‬وهو وسط النظرة إلى الحٌاة بٌن الذٌن أنكروا اآلخرة واعتبروا هذه الحٌاة الدنٌا هً كل شًء‬
‫لهذا لم ٌعرفوا لهم هدفا ً ٌركضون وراءه ؼٌر المنافع الفردٌة الدنٌوٌة العاجلة‪ ،‬وبٌن الذٌن رفضوا‬
‫هذه الحٌاة فحرموا على أنفسهم طٌباتها‪ ،‬أما اإلسبلم ٌعتبر الحٌاتٌن وٌجعل الدنٌا مزرعة اآلخرة‬
‫وٌرى العمل فً عماراتها عبادة هلل‪ ،‬وٌنكر على ؼبلة المتدٌنٌن تحرٌك الطٌبات‪.‬‬
‫ش َر ُبو ْا َوَّلَ ُت ْ ِرفُو ْا إِ َّن ُه َّلَ ٌُح ُّ‬
‫ِب‬ ‫قال تعالى‪ٌَ { :‬ا َبنًِ آ َ َم ُ ُ و ْا ِزٌ َن َت ُك ْم عِن َ ُكل ِّ َم ْ ِ‬
‫ج ٍ و ُكلُو ْا َوا ْ‬
‫ا ْل ُم ْ ِرفٌِنَ } (‪ )31‬ورة ااعراؾ‪.‬‬
‫َّللا ٌُ ْ ِل ُ الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا‬ ‫{إِنَّ َّ َ‬ ‫كما ٌنكر على اآلخرٌن انهماكهم فً الشهوات ٌقول هللا فً كتابه‪:‬‬
‫صال َِحا ِ َج َّنا ٍ َت ْج ِري مِن َت ْحتِ َها ْااَ ْن َها ُر َوالَّ ٌِنَ َك َ ُروا ٌَ َت َم َّت ُعونَ َو ٌَؤ ُكلُونَ َك َما َتؤ ُكل ُ‬
‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َو َع ِملُوا ال َّ‬
‫ْااَ ْن َعا ُم َوال َّنا ُر َم ْ ًوو لَّ ُه ْم} (‪ )12‬ورة محم ‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬و طٌة اا الم فً التشرٌع‪:‬‬


‫واإلسبلم وسط كذلك فً تشرٌعه ونظامه القانون واالجتماعً ‪.‬‬
‫فهو وسط فً التحلٌل والتحرٌم بٌن الٌهودٌة التً أسرفت فً التحرٌم وكثرت من المحرمات وبٌم‬
‫المسٌحٌة التً أسرفت فً اإلباحة وكثرت فٌها المباحات‪ ،‬فاإلسبلم قد أحل وحرم ولكنه لم ٌجعل‬
‫التحلٌل وال التحرٌم من حق بشر بل من حق هللا وحده ولم ٌحرم إال الخبٌث كما لم ٌحل إال‬
‫ج ُو َن ُه َم ْك ُتو ًوبا عِن َ ُه ْم فًِ ال َّت ْو َرا ِة‬ ‫الر ُ ول َ ال َّن ِب ًَّ اا ُ ِّم ًَّ الَّ ِي ٌَ ِ‬ ‫الطٌب‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬الَّ ٌِنَ ٌَ َّت ِب ُعونَ َّ‬
‫حل ُّ لَ ُه ُم ال َّط ٌِّ َبا ِ َو ٌُ َح ِّر ُم َعلَ ٌْ ِه ُم ا ْل َ َبآئِ َ‬ ‫ٌل ٌَؤْ ُم ُرهُم بِا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫ؾ َو ٌَ ْن َها ُه ْم َع ِن ا ْل ُمن َك ِر َو ٌُ ِ‬ ‫َوااِ ْن ِ‬
‫ج ِ‬
‫ص ُروهُ َوا َّت َب ُعو ْا‬ ‫ص َر ُه ْم َوااَ ْؼالَل َ الَّتًِ َكا َن ْ َعلَ ٌْ ِه ْم َفالَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا ِب ِه َو َع َّز ُروهُ َو َن َ‬ ‫ض ُع َع ْن ُه ْم إِ ْ‬‫َو ٌَ َ‬
‫نزل َ َم َع ُه أ ُ ْولَئِ َك ُه ُم ا ْل ُم ْ لِ ُحونَ } (‪ )157‬ورة ااعراؾ‪.‬‬ ‫ِي أ ُ ِ‬‫ور الَّ َ‬‫ال ُّن َ‬
‫والتشرٌع اإلسبلمً وسط فً شإون األسرة‪ ،‬فهو وسط بٌن الذٌن شرعوا تعدد الزوجات بؽٌر قٌد‬
‫وبٌن الذٌن رفضوه ولو اقتضته المصلحة فقد شرع اإلسبلم هذا الزواج بشر القدرة على اإلنفاق‬
‫ح َ ة } (‪ )3‬ورة الن اء‪,‬‬ ‫والثقة بالعدل بٌن الزوجتٌن كما قال تعالى‪َ { :‬فإِنْ ِ ْ ُت ْم أََّلَّ َت ْع ِ لُو ْا َف َوا ِ‬
‫واإلسبلم وسط فً تشرٌعه االجتماعً بٌن الرأسمالٌٌن الذٌن ٌفضلون الفرد على حساب المجتمع‬
‫وبٌن الماركسٌٌن الذٌن ٌضخمون دور المجتمع وٌضؽطون على الفرد بمصادرة نوازعه الذاتٌة‪.‬‬

‫‪ -‬التوازن بٌن الروحٌة والمادٌة‪:‬‬


‫ال عجب أن نجد من أبرز مظاهر الوسطٌة فً رسالة اإلسبلم‪ :‬التوازن بٌن الروح والمادة أو بٌن‬
‫الدٌن والدنٌا‪.‬‬
‫‪ -‬لقد وجدت فً التارٌخ أمم وأفراد كل همهم إشباع الجانب المادي فً اإلنسان دون االلتفات إلى‬
‫الجوانب األخرى‪َ { :‬و َقالُو ْا إِنْ ه َ‬
‫ًِ إَِّلَّ َح ٌَا ُت َنا ال ُّ ْن ٌَا َو َما َن ْحنُ بِ َم ْب ُعو ٌِنَ } ( ‪ )29‬ورة اانعام وهذه‬
‫النزعة المادٌة المؽالٌة جدٌرة بؤن تولد التكالب على متاع الدنٌا والؽرور واالستكبار‪ ،‬ونرى ذلك‬
‫واضحا ً فٌما قصه هللا علٌنا فً القرآن‪.‬‬
‫فها هو صاحب الجنتٌن ٌفخر على صاحبه قاببلً‪ { :‬أَ َنا أَ ْك َ ُر مِن َك َماَّلًو َوأَ َع ُّز َن َراًو(‪َ )34‬و َ َ ل َ َج َّن َت ُه‬
‫َوه َُو َ الِ ٌم لِّ َن ْ ِ ِه َقال َ َما أَ ُ نُّ أَن َت ِبٌ َ َه ِ ِه أَ َب ا( ‪َ )35‬و َما أَ ُ نُّ ال َّ ا َع َة َقائِ َم ًوة( ‪)36-34( })36‬‬
‫ورة الكهؾ‪.‬‬
‫ونتٌجة لهذا الؽرور والتكبر أرسل هللا على جنته حسبانا ً من السماء فؤصبحت صحراء قاحلة‬
‫وأصبح ماإها ؼورا‪.‬‬
‫وكذلك األمم التً أترفت فً الحٌاة الدنٌا قتلها الترؾ ودمرها التحلل وحقت علٌها كلمة العذاب‬
‫ص ْم َنا مِن َق ْر ٌَ ٍة َكا َن ْ َ الِ َم ًوة‬ ‫وعن هذا نجد أمثلة كثٌرة فً القرآن الكرٌم كما قال هللا تعالى‪َ { :‬و َك ْم َق َ‬
‫ضوا‬ ‫ضونَ ( ‪ََّ )12‬ل َت ْر ُك ُ‬ ‫شؤْ َنا َب ْع َ هَا َق ْوما ًو آ َ ِرٌن( ‪َ )11‬فلَ َّما أَ َح ُّ وا َبؤْ َ َنا إِ َ ا هُم ِّم ْن َها ٌَ ْر ُك ُ‬ ‫َوأَن َ‬
‫ج ُعوا إِلَى َما أ ُ ْت ِر ْف ُت ْم فٌِ ِه َو َم َ ا ِكنِ ُك ْم لَ َعلَّ ُك ْم ُت ْ ؤَلُونَ (‪ )13-11 ( })13‬ورة اانبٌاء‪.‬‬ ‫ار ِ‬
‫َو ْ‬
‫‪ -‬وفً الطرؾ المقابل نجد أفراد وأمم نظروا إلى الدنٌا نظرة احتقار وعداوة فحرموا على أنفسهم‬
‫طٌبات الحٌاة وزٌنتها وبدا ذلك بوضوح وجبل فً نظام الرهبانٌة الذٌن ابتدعه النصارى‪.‬‬
‫‪ -‬أما اإلسبلم قام بٌن هاتٌن النزعتٌن ٌدعوا إلى التوازن واالعتدال فصحح مفهوم الناس عن‬
‫حقٌقة اإلنسان وعن حقٌقة الحٌاة‪.‬‬
‫فاإلنسان مخلوق مزدوج الطبٌعة ٌقوم كٌانه على المادة والروح وقد أشار القرآن الكرٌم إلى هذه‬
‫شراًو مِن‬ ‫الطبٌعة المزدوجة فً خلق اإلنسان فقال تعالى‪ { :‬وإِ ْ َقال َ َر ُّب َك لِ ْل َم َالئِ َك ِة إِ ِّنً َ ال ٌِق َب َ‬
‫ج ٌِنَ (‪ )72-71( } )72‬ورة ص‪.‬‬ ‫ٌن(‪َ )71‬فإِ َ ا َ َّو ٌْ ُت ُه َو َن َ ْ ُ فٌِ ِه مِن ُّروحًِ َف َ ُعوا لَ ُه َ ا ِ‬ ‫طِ ٍ‬
‫والحٌاة لٌست سجنا عوقب اإلنسان به إنما هً نعمة ٌجب أن تشكر ومزرعة لحٌاة أخرى هً‬
‫خٌر وأبقى‪.‬‬
‫والقرآن الكرٌم ٌدعوا إلى العمل للحٌاة واالستمتاع بطٌباتها مع الحث على االستعداد لآلخرة وذك‬
‫ص َالةُ َفان َتشِ ُروا فًِ‬ ‫باإلٌمان والعبادة وحسن الصلة باهلل حٌث ٌقول هللا تعالى‪َ { :‬فإِ َ ا قُضِ ٌَ ِ ال َّ‬
‫ٌِرا لَّ َعلَّ ُك ْم ُت ْ لِ ُحونَ } (‪ )10‬ورة الجمعة‪.‬‬ ‫َّللا َوا ْ ُك ُروا َّ َ‬
‫َّللا َك ًو‬ ‫ض ِل َّ ِ‬
‫ض َوا ْب َت ُؽوا مِن َف ْ‬ ‫ْااَ ْر ِ‬
‫والرسول صلى هللا علٌه وسلم كان ٌؤكل من طٌبات هذه الحٌاة وال ٌحرمه ا على نفسه ولكنه لم‬
‫ٌجعلها شؽل نفسه فكان ٌدعوا (( اللهم َّل تجعل ال نٌا أكبر همنا‪ ,‬وَّل مبلػ علمنا )) رواه‬
‫الب اري‪.‬‬
‫وهكذا تعلم الصحابة أن ٌوازنوا بٌن مطالب دنٌاهم وآخرتهم وأن ٌعملوا للدنٌا كؤحسن ما ٌعمل‬
‫أهل الدنٌا وٌعملوا لآلخرة كؤحسن ما ٌعمل أهل اآلخرة‪ٌ ،‬قول القابد الفاتح عمرو بن العاص‬
‫رضً هللا عنه ((اعمل ل نٌاك كؤنك تعٌ أب اًو‪ ,‬واعمل ا رتك كؤنك تمو ؼ اًو ))‪ ,‬ولم ٌشعروا‬
‫بتعارض بٌن عملهم لدنٌاهم بل شعروا بالوحدة واالنسجام حٌث كانت شعابرهم وواجباتهم الدٌنٌة‬
‫تعطٌهم زاداً وشخصٌة قوٌة ٌواصلون بها الكفاح لدنٌاهم‪.‬‬

‫‪ -‬التوازن بٌن الفردٌة والجماعٌة‪:‬‬


‫وفً النظام اإلسبلمً تتوازن حرٌة الفرد ومصلحة الجماعة وتتكافؤ فٌها الحقوق والواجبات ‪.‬‬
‫ولقد تخبطت المذاهب فً قضٌة الفرد والمجتمع والعبلقة بٌنهما‪ :‬هل الفرد هو األصل والمجتمع‬
‫طارئ ألنه متكون من األفراد ؟ أم المجتمع هو األساس والفرد نافلة ألن الفرد بدون المجتمع مادة‬
‫خام والمجتمع هو الذي ٌشكلها وٌعطٌها صورتها‪.‬‬
‫ولذلك جاءت األدٌان السماوٌة لتقٌم التوازن بٌن الفردٌة الجماعٌة ولكن أتباعها سرعان ما‬
‫حرفوها ففقدت بذلك وظٌفتها فً الحٌاة‪.‬‬
‫لهذا كان الٌهود الذٌن تفرقوا فً األرض ٌإٌدون الفردٌة بتفكٌرهم وسلوكهم القابم على األنانٌة‬
‫وجاءت المسٌحٌة أٌضا ً تهتم بنجاة الفرد قبل كل شًء تاركة شؤن المجتمع ٌعتصر‪.‬‬
‫حتى إن عالمنا الٌوم ٌقوم فٌه صراع ضخم بٌن المذهب الفردي والمذهب الجماعً فالرأسمالٌة‬
‫تقوم على تقدٌس الفردٌة واعتبارها هً المحور األساسً فهً تعطً الفرد حرٌة التملك وحرٌة‬
‫التمتع ولوأدت هذه الحرٌات إلى إضرار نفسه وؼٌره‪.‬‬
‫والمذاهب االشتراكٌة تقوم على الحط من قٌمة الفرد والتقلٌل من حقوقه واإلكثار من واجباته‬
‫واعتبار المجتمع هو األصل فالفرد لٌس له حق التملك إال فً بعض األمتعة ولٌس له الحق‬
‫التوجٌه لسٌاسة بلده وإذا انتقدها بشكل علنً فان السجون والمنافً وحبال المشانق له بالمرصاد‪.‬‬

‫ذلك هو شؤن فلسفات البشر وموقفها من الفردٌة والجماعٌة فماذا كان موقؾ اإلسبلم ؟‬
‫‪ -‬إن شارع هذا اإلسبلم هو خالق هذا اإلنسان وقد خلقه سبحانه على طبٌعة مزدوجة‪ :‬فردٌة‬
‫واجتماعٌة فً آن واحد ‪.‬‬
‫والنظام الصالح هو الذي ٌراعً هذٌن الجانبٌن‪ :‬الفردٌة والجماعٌة‪ ،‬وال ٌطؽوا أحدهما على‬
‫األخر‪.‬‬
‫وقد جاء اإلسبلم نظاما ً وسطا ً عدالً ال ٌجور عل ى الفرد لحساب المجتمع وال ٌظلم المجتمع من‬
‫أجل الفرد لذلك من هنا نجد‪:‬‬
‫‪ -1‬قرر اإلسبلم حرمة الدم‪ ،‬فحفظ للفرد (( حق الحٌاة )) وأعلن القرآن أن {مِنْ أَ ْج ِل َ لِ َك َك َت ْب َنا‬
‫ان َجمٌِ ًوعا َو َمنْ‬ ‫ض َف َكؤ َ َّن َما َق َتل َ ال َّن َ‬‫ن أَ ْو َف َ ا ٍ فًِ ااَ ْر ِ‬ ‫َعلَى َبنًِ إِ ْ َرائٌِل َ أَ َّن ُه َمن َق َتل َ َن ْ ًو ا بِ َؽ ٌْ ِر َن ْ ٍ‬
‫ٌِرا ِّم ْن ُهم َب ْع َ َ لِ َك فًِ‬ ‫ان َجمٌِ ًوعا َولَ َ ْ َجاء ْت ُه ْم ُر ُ ل ُ َنا ِبال َب ٌِّ َنا ِ ُ َّم إِنَّ َك ًو‬ ‫أَ ْح ٌَاهَا َف َكؤ َ َّن َما أَ ْح ٌَا ال َّن َ‬
‫ض لَ ُم ْ ِرفُونَ } (‪ )32‬ورة المائ ة‪ ,‬وأوجبت الشرعة القصاص فً القتل العمد‪.‬‬ ‫ااَ ْر ِ‬
‫‪ -2‬وقرر حرمة العرض‪ ،‬فصان للفرد (( حق الكرامة )) فبل ٌجوز أن ٌهان فً حضرته أو‬
‫ض ال َّ نِّ إِ ْ ٌم َو ََّل َت َج َّ ُ وا َو ََّل‬ ‫ٌِرا ِّمنَ ال َّ نِّ إِنَّ َب ْع َ‬ ‫اج َتنِ ُبوا َك ًو‬‫ٌإذى فً ؼٌبته { ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا ْ‬
‫اب َّرحٌِ ٌم}‬ ‫َّللا إِنَّ َّ َ‬
‫َّللا َت َّو ٌ‬ ‫ِب أَ َح ُ ُك ْم أَن ٌَؤْ ُكل َ لَ ْح َم أَ ٌِ ِه َم ٌْ ًوتا َف َك ِرهْ ُت ُموهُ َوا َّت ُوا َّ َ‬
‫ضا أَ ٌُح ُّ‬ ‫ض ُكم َب ْع ًو‬ ‫ٌَ ْؽ َتب َّب ْع ُ‬
‫(‪ )12‬ورة الحجرا ‪.‬‬
‫‪ -3‬وقرر حرمة المال‪ ،‬فصان للفرد (( حق التملك )) فبل ٌح ل ألحد أن ٌنهب ماله وٌؤخذه منه‬
‫بؽٌر حق‪ ،‬قال النبً صلى هللا علٌه وسلم فً حجة الوداع‪ (( :‬أن ماءكم وأموالكم وأعراضكم‬
‫علٌكم حرام‪ ,‬كحرمة ٌومكم ه ا‪ ,‬فً شهركم ه ا‪ ,‬فً بل كم ه ا )) رواه م لم‪.‬‬
‫{ ٌَا أَ ٌُّ َها‬ ‫‪ -4‬وقرر حرمة البٌت‪ ،‬فصان بذلك للفرد (( حق االستقبلل الشخصً )) قال تعالى‪:‬‬
‫الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا ََّل َت ْ ُ لُوا ُب ٌُو ًوتا َؼ ٌْ َر ُب ٌُوتِ ُك ْم َح َّتى َت ْ َتؤْنِ ُ وا َو ُت َ لِّ ُموا َعلَى أَهْ لِ َها َ لِ ُك ْم َ ٌْ ٌر لَّ ُك ْم لَ َعلَّ ُك ْم‬
‫َت َ َّك ُرونَ } (‪ )27‬ورة النــور‪.‬‬
‫‪ -5‬وقرر للفرد (( حرٌة االعتقاد )) فبل ٌجوز أن ٌكره على ترك دٌنه واعتناق دٌن آخر‪.‬‬
‫ش ُ مِنَ ا ْل َؽ ًِّ َف َمنْ ٌَ ْك ُ ْر ِبال َّطا ُؼو ِ َو ٌُ ْإمِن ِبا ّ ِ َف َ ِ ا ْ َت ْم َ َك‬ ‫ٌِّن َق َّت َب ٌَّنَ ُّ‬
‫الر ْ‬ ‫{َّلَ إِ ْك َرا َه فًِ ال ِ‬
‫َّللا ُ َ مٌِ ٌع َعلٌِ ٌم} (‪ )256‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫صا َم لَ َها َو ّ‬ ‫بِا ْل ُع ْر َو ِة ا ْل ُو ْ َ َى َّلَ ان ِ َ‬
‫‪ -6‬وقرر للفرد (( حرٌة النقد )) فمن حق كل فرد أن ٌعارض ما ٌراه من عوج وهو ما سماه‬
‫اإلسبلم (( األمر بالمعروؾ والنهً عن المنكر )) { َو ْل َت ُكن ِّمن ُك ْم أ ُ َّم ٌة ٌَ ْ ُعونَ إِلَى ا ْل َ ٌْ ِر َو ٌَؤْ ُم ُرونَ‬
‫ؾ َو ٌَ ْن َه ْونَ َع ِن ا ْل ُمن َك ِر َوأ ُ ْولَئِ َك ُه ُم ا ْل ُم ْ لِ ُحونَ } (‪ )104‬ورة آل عمران‪.‬‬ ‫ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫‪ -7‬وقرر للفرد (( حرٌة الرأي والتفكٌر )) فقد أمر اإلسبلم الناس أن ٌتفكروا وأجاز لهم أن‬
‫ٌخطبوا فهم بشر وال لوم علٌهم فً ذلك‪ ،‬واإلسبلم ال ٌحرم المجتهدون األجر و لو أخطبوا فً‬
‫إصابة الحقٌقة ففً الحدٌث (( المجته إ ا أ طؤ فله أجر‪ ,‬وإن أصاب فله أجران )) مت ق علٌه‪.‬‬
‫ن ِب َما‬‫‪ -8‬وقرر اإلسبلم (( المسإولٌة الفردٌة )) وأكدها تؤكٌداً بالؽا ً فً كتابه فقال تعالى‪ُ { :‬كل ُّ َن ْ ٍ‬
‫َك َ َب ْ َرهٌِ َن ٌة} ( ‪ )38‬ورة الم ر ‪ ,‬وهذه الحقوق والحرٌات التً منحها اإلسبلم للفرد قٌدها‬
‫وحددها لتكون فً حدود ومصلحة الجماعة وان ال ٌكون فٌها مضره للؽٌر‪ ،‬فإذا تعارض حق‬
‫الفرد مع حقوق الجماعة فإن حق الجماعة أولى بالتقدٌم‪.‬‬

‫‪ -‬ومن الواجبات والحقوق التً فرضها اإلسبلم على المجتمع‪:‬‬


‫أ‪ -‬فالحٌاة التً صانها اإلسبلم للفرد‪ ،‬إذا اقتضى المجتمع المسلم بذلها لحماٌته وجب علٌه أن‬
‫ٌقدمها راضً النفس‪ ،‬وكذلك إذا اعتدى على حق نفس أخرى كقاتل العمد أو خرج على دٌنه‬
‫كالمرتد – فقدت حٌاته مالها من عصمة‪.‬‬
‫ب‪ -‬حق التملك مقٌد بؤن ٌؤخذ المال فً حله وٌنفقه فً محله والٌبخل به إذا طلبته الجماعة‪،‬‬
‫فملكٌة الفرد للمال لٌست مطلقة بل هً مقٌدة بحدود هللا وحقوق المجتمع‪ ،‬للجماعة حق فً ماله‬
‫بعضها دوري ثابت كالزكاة وبعضها ؼٌر دوري‪.‬‬
‫ج‪ -‬والحرٌات والحقوق كلها مقٌدة برعاٌة أخبلق المجتمع وعقابده‪ ،‬فلٌس معنى حرٌة االعتقاد‬
‫إذاعة الكفر باهلل ورسوله وكتابه ونشر الخبلعة والفجور‪.‬‬
‫د‪ -‬نرى اإلسبلم كذلك ٌإكد على مسإولٌة الفرد عن الجماعة فكل فرد فً المجتمع المسلم مسإول‬
‫فً مجال من المجاالت‪ ،‬وفرٌضة األمر بالمعروؾ والنهً عن المنكر تقتضً مسإولٌة المسلم‬
‫عن المجتمع وتوجب علٌه مراقبة أحوله وتقوٌم العوج بكل ما استطاع بسلطانه أوالً‪ ،‬فإن لم‬
‫ٌستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم ٌستطع فبقلبه وذلك أضعؾ اإلٌمان‪.‬‬
‫هـ‪ -‬وفً معانً الجماعة فً اإلسبلم ما عرؾ باسم (( فروض الكفاٌة )) ومعناه أن كل علم أو‬
‫صناعة أو حرفة تحتاج إلٌها الجماعة المسلمة فً دٌنها ودنٌاها قام بها عدد كاؾ فقد سقط اإلثم‬
‫عن باقً الجماعة وإال أثمت الجماعة كلها واستحقت عقوبة هللا‪.‬‬
‫و‪ -‬المسلمون مسبولون مسبولٌة تضامنٌة عن تنفٌذ شرٌعة اإلسبلم وإقامة حدوده ومن هنا كان‬
‫خطاب التكلٌؾ فً القرآن إلى الجماعة وتكرر قوله تعالى (( ٌاأٌها الذٌن آمنوا )) بهذه الصٌؽة‬
‫الجماعٌة لٌإكد وجوب التكافل بٌن الجماعة فً تنفٌذ أمر هللا به‪.‬‬
‫ز‪ -‬حق العبادة التً هً صلة بٌن العبد وربه أبى اإلسبلم إال أن ٌضفً علٌها روحا ً جماعٌة فدعا‬
‫إلى صبلة الجماعة ورؼب فٌها وكلما كان عدد الجماعة أكبر كان ثواب هللا علٌهم أعظم‪ ،‬وإذا‬
‫صلى المسلم منفرداً فً خلوة لم تزل الجماعة فً وجدانه وضمٌره وإذا دعا هللا دعاه باسم الجمٌع‬
‫ص َرا َط ال ُم َت ٌِ َم(‪ )6-5( } )6‬ورة ال اتحة‪.‬‬
‫{ إِ ٌَّا َك َن ْع ُب ُ وإِ ٌَّا َك َن ْ َتعٌِنُ (‪ )5‬اه ِ َنـا ال ِّ‬
‫ح‪ -‬فً مجال اآلداب والتقالٌد حث اإلسبلم على جملة من اآلداب االجتماعٌة أراد بها أن ٌخرج‬
‫المسلم من الفردٌة إلى االنفتاح على المجتمع فتحٌة اإلسبلم والمصافحة عند اللقاء والتزاور‬
‫وعٌادة المرٌض وصلة األرحام والبر بالٌتامى والمساكٌن وابن السبٌل وؼٌر ذلك من اآلداب التً‬
‫جعلت الشعور الجماعً جزاً ال ٌتجزأ من حٌاة المسلم‪.‬‬
‫ط‪ -‬وفً مجال األخبلق حث اإلسبلم على المحبة واإلخاء واإلٌثار وأمر بالتعاون على البر‬
‫والتقوى كما دعا إلى التراحم والتسامح واحترام النظام وبجوار ذلك حذر من الحسد والبؽضاء‬
‫والفرقة والتنازع واألنانٌة ‪ ....‬وبهذا كله نعلم أن كٌؾ أقام اإلسبلم الموازٌن العادلة بٌن الفرد‬
‫والمجتمع فهو اعتراؾ بالفرد والمجتمع وقرر لكل منهما حقوقه بالعدل وألزمه واجبات تقابلها‬
‫بالمعروؾ وهذا التوازن الذي اختص به اإلسبلم‪.‬‬
‫‪ ‬الواقعٌة‪:‬‬
‫وهذه خصٌصة أخرى من الخصابص العامة لئلسبلم وهً (( الواقعٌة ))‪.‬‬

‫‪ -‬ماذا نعنً بالواقعٌة‪:‬‬


‫ال نقصد بالواقعٌة إنكار كل ما وراء الحس واعتبار الواقع هو األشٌاء المحسة فقط وإنكار ما‬
‫ٌسمى بالوحً والفطرة كبل بل نعنً بالواقعٌة‪ :‬مراعاة واقع الكون من حٌث هو حقٌقٌة واقعٌة‬
‫ولكنه ٌدل على حقٌقٌة أكبر منه وهو وجود هللا الذي خلق كل شًء فقدره تقدٌراً ومن هنا لم‬
‫ٌنسى اإلسبلم فً توجٌهاته الفكرٌة واقع الكون وواقع الحٌاة وواقع هذا اإلنسان ألن الذي ٌشرع‬
‫{أَ ََّل ٌَ ْعلَ ُم َمنْ َ لَ َق َوه َُو اللَّطِ ُ‬
‫ٌؾ‬ ‫لئلنسان هو خالق الكون والحٌاة واإلنسان ٌقول هلل تعالى‪:‬‬
‫ا ْل َ ِبٌ ُر} (‪ )14‬ورة الملك‪.‬‬

‫‪ -‬موقؾ المذهب والفلسفات األرضٌة‪:‬‬


‫لقد أتت الفلسفات واألنظمة والمذاهب قاصرة فً نظرتها لواقع اإلنسان والحٌاة وفً رعاٌتها له‪،‬‬
‫ولهذا نجد فٌها كثٌر من األوهام والتخٌبلت التً ال ٌقوم علٌها الواقع‪.‬‬
‫خذ مثبلً الشٌوعٌة‪ :‬لقد بنت فلسفتها على أساس إقامة المساواة االقتصادٌة بٌن الناس جمٌعا ً بحٌث‬
‫ال ٌؤخذ أحد من المجتمع الشٌوعً أكثر من حاجته وقد استولى الشٌوعٌون على الحكم فً روسٌا‬
‫منذ أكثر من نصؾ قرن ومع ذلك لم ٌتحقق هذا الحلم بل بالعكس ما ٌزٌدهم الواقع بعداً عنه‪.‬‬
‫ففكرة (( المساواة االقتصادٌة )) التً ضحى الشٌوعٌون من أجلها بالحرٌات الفردٌة فكرة وهمٌة‬
‫ال تستند إلى الواقع ولهذا خسر الناس الحرٌة ولم ٌكسبوا المساواة‪.‬‬
‫وذلك دعاة (( المذاهب الفردٌة )) لم ٌسلموا مما سقط فٌهم من خصومهم الجماعٌٌن‪.‬‬

‫‪ -‬موقؾ األدٌان الوصفٌة والمرحلٌة‪:‬‬


‫ومثل المذاهب األرضٌة‪:‬الدٌانات الوصفٌة كالبوذٌة و الكونؽشوسٌة وكذلك األدٌان السماوٌة التً‬
‫شرعها هللا لمرحلة محدودة ولم ٌردها رسالة عامة خالدة لكل البشر فً كل األزمان فجاءت تحمل‬
‫طابع زمنها ومرحلتها كما أن هللا لم ٌتكفل بحفظها فامتدت إلٌها ٌد التحرٌؾ اللفظً والمعنوي ‪.‬‬
‫والدٌانة المسٌحٌة مثال بارز لما نقول فقد جاءت عبلجا ً وقتٌا ً لحالة خاصة تتمثل فً تكالب الٌهود‬
‫على المادة وبعدهم عن روح التدٌن الحق‪ ،‬فعالجت اإلؼراق فً المادٌات بإؼراق مقابل فً‬
‫الروحانٌات وكثٌراً ما ٌكون عبلج التطرؾ بتطرؾ عكسً ولكن هذا فً العبلج الوقتً المحدود‪،‬‬
‫ال العبلج الدابم والشامل‪.‬‬

‫‪ -‬مٌزة اإلسبلم‪:‬‬
‫أم اإلسبلم فهو كلمات هللا الباقٌة لكافة الخلق ورحمة هللا الشاملة للعالمٌن وهو الحق الذي ال ٌؤتٌه‬
‫الباطل من بٌن ٌدٌه وال من خلفه ولهذا ضمنه هللا من التعالٌم ما ٌلٌق بحال البشر أٌن كانوا ومتى‬
‫كانوا وكٌؾ كانوا وال عجب أن راعى اإلسبلم الواقع فً كل ما دعا إلٌه الناس من عقابد‬
‫وعبادات وأخبلق وتشرٌعات‪:‬‬
‫أوَّل‪ :‬واقعٌة الع ٌ ة اا المٌة‪:‬‬
‫‪ -‬جاء اإلسبلم بعقٌد واقعٌة‪ ،‬ألنها تصؾ حقابق قابمة فً الوجود ال أوهام متخٌلة فً العقول‪.‬‬
‫‪ -‬فالعقٌدة اإلسبلمٌة تدعوا إلى اإلٌمان بإله واحد‪ ،‬دل على نفسه بآٌاته التكوٌنٌة وآٌاته التنزٌلٌة‬
‫مما أوحى به إلى رسله‪ ،‬فهو لٌس كإله األساطٌر التً تتحدث عنه أقاصٌص الٌونان وحكاٌات‬
‫الرومان وؼٌرهم‪.‬‬
‫‪ -‬وقد وصؾ القرآن هذا اإلله الواحد بؤوصاؾ ونعته بؤسماء تجمع بٌن الجبلل والجمال والقوة‬
‫والرحمة وهً أسماء مبلبمة مع عمله سبحانه مع الكون‪.‬‬
‫‪ -‬وهً تدعو إلى اإلٌمان برسول بعثه هللا لٌختم به النبوات وٌتمم به مكارم األخبلق‪.‬‬
‫‪ -‬هذا الكتاب اإللهً هو القرآن والذي ٌخاطب فً الناس عقولهم وقلوبهم معا ً وٌستثٌر فٌهم‬
‫عوامل الرؼبة والرهبة جمٌعا ً فهو ٌقرن الوعد بالوعٌد وٌشوق إلى الجنة وٌخوؾ من النار‪.‬‬
‫‪ -‬و تدعوا إلى اإلٌمان بحٌاة أخرى بعد هذه الحٌاة‪ٌ ،‬جزى فٌها كل مكلؾ بما عمل من خٌراً أو‬
‫شراً‪ ،‬ثوابا ً وعقابا ً‪.‬‬
‫‪ -‬وفً اإلٌمان بالجزاء الهً العادل على الخٌر والشر فً الدنٌا‪ ،‬ثوابا ً وعقابا ً فً اآلخرة‪ ،‬ما‬
‫ٌؽذي اإلحساس الفطري األصٌل بضرورة القصاص من الظالم الذي أفلت من ٌد العدالة‬
‫{ أًو ْم َح ِ َب الَّ ٌِنَ‬ ‫الدنٌوٌة‪ ،‬والمثوبة لمن فعل الخٌر ودعا إلٌه ولم ٌجزى إال بالتنكٌر والعذاب‬
‫صال َِحا ِ َ َواء َّم ْح ٌَاهُم َو َم َما ُت ُه ْم َ اء َما‬ ‫اج َت َر ُحوا ال َّ ٌِّ َئا ِ أّن َّن ْج َعلَ ُه ْم َكالَّ ٌِنَ آ َم ُنوا َو َع ِملُوا ال َّ‬
‫ْ‬
‫ض بِا ْل َح ِّق َولِ ُت ْج َز ُكل ُّ َن ْ ٍ‬
‫ن بِ َما َك َ َب ْ َو ُه ْم ََّل‬ ‫َّ‬
‫ٌَ ْح ُك ُمون ( ‪َ )21‬و َ لَ َق َّللا ُ ال َّ َم َاوا ِ َو ْااَ ْر َ‬
‫ٌُ ْ لَ ُمونَ (‪ )22-21( } )22‬ورة الجا ٌة‪.‬‬
‫وفً اإلٌمان بالجنة والنار وما فٌهما من نعٌم وعذاب حسً ومعنوي مطابقة لواقع اإلنسان من‬
‫حٌث هو جسم وروح لكل منهما مطالبه وحاجاته‪.‬‬

‫انٌا‪ :‬واقعٌة العبا ا اا المٌة‪:‬‬


‫وجاء اإلسبلم بعبادات واقعٌة‪ ،‬فؤخذ بعٌن االعتبار الطاقة المحدودة لئلنسان فلم ٌكفه ما ٌحرجه‬
‫ج } (‪ )78‬ورة الحج‪.‬‬ ‫وٌشق علٌه { َو َما َج َعل َ َعلَ ٌْ ُك ْم فًِ ال ِ‬
‫ٌِّن مِنْ َح َر ٍ‬
‫‪ -‬لقد راعى واقع الحٌاة وظروفها األسرٌة واالجتماعٌة واالقتصادٌة‪ ،‬فلم ٌطلب من المسلم‬
‫االنقطاع للعبادة‪ ،‬كالرهبان فً األدٌار‪ ،‬بل لم ٌسمح له باالنقطاع لو أراد وإنما كلؾ المسلم‬
‫عبادات محدودة تصله بربه وال تقطعه عن مجتمعه‪.‬‬
‫‪ -‬وعرؾ اإلسبلم طبٌعة الملل فً اإلنسان‪ ،‬فنوعها ولونها بٌن عبادات بدنٌة كالصبلة والصٌام‬
‫وأخرى مالٌة كالزكاة والصدقات وثالثة جامعة بٌنهما كالحج والعمرة كما جعل بعضها ٌومٌا ً‬
‫كالصبلة وبعضها سنوٌا ً كالصٌام والزكاة وبعضها مرة فً العمر كالحج‪ ،‬ثم ترك الباب مفتوح‬
‫{ َف َمن َت َط َّو َع َ ٌْراًو َف ُه َو َ ٌْ ٌر لَّ ُه }‬ ‫لمن أراد مزٌداً من الخٌر فشرع التطوع بنوافل العبادات‬
‫(‪ )184‬ورة الب رة‪.‬‬
‫‪ -‬وراعى اإلسبلم الظروؾ الطاربة لئلنسان كالسفر والمرض ونحوهما‪ ،‬فشرع الرخص‬
‫والتخفٌضات مثل صبلة المرٌض قاعداً أو مضطجعا ً على جنب‪ ،‬وفطر فً رمضان وفطر الشٌخ‬
‫الكبٌر مع الفدٌة { ٌُرٌ ُ ّ‬
‫َّللا ُ ِب ُك ُم ا ْل ٌُ ْ َر َوَّلَ ٌُ ِرٌ ُ ِب ُك ُم ا ْل ُع ْ َر} (‪ )185‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ِ‬
‫ال ا‪ :‬واقعٌة اا الق اا المٌة‪:‬‬
‫وجاء اإلسبلم بؤخبلق واقعٌة‪ ،‬فاعترؾ بالضعؾ البشري وبالدوافع البشرٌة‪.‬‬
‫‪ -‬لم ٌوجب اإلسبلم على من ٌرٌد الدخول فً اإلسبلم أن ٌتخلى عن ثروته كما ٌحكً اإلنجٌل عن‬
‫المسٌح أنه قال لمن أراد اتباعه‪ :‬بع مالك واتبعنً! بل راعى اإلسبلم حاجة الفرد والمجتمع إلى‬
‫المال وأمره بتنمٌته والمحافظة علٌه ‪.‬‬
‫‪ -‬ولم ٌجًء فً القرآن وال السنة ما جاء فً اإلنجٌل ((أحبوا أعداكم‪...‬باركوا العنٌكم‪ ...‬من‬
‫ضربك على خدك األٌمن فؤدر له األٌسر ومن سرق قمٌصك فؤعطه إزارك )) فقد ٌجوز هذا‬
‫الكبلم فً مرحلة محدودة ولكنه ال ٌصلح توجٌها ً عاما ً خالداً‪ ،‬فمطالبة اإلنسان بمحبة عدوه قد‬
‫ٌكون فوق ما ٌحتمله ولهذا اكتفى اإلسبلم بمطالبته بالعدل مع عدوه‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا ُكو ُنو ْا‬
‫ب لِل َّت ْ َو‬‫اع ِ لُو ْا ه َُو أَ ْق َر ُ‬
‫ش َنآنُ َق ْو ٍم َعلَى أََّلَّ َت ْع ِ لُو ْا ْ‬ ‫ش َه َاء بِا ْل ِ ْ طِ َوَّلَ ٌَ ْج ِر َم َّن ُك ْم َ‬ ‫َق َّوامٌِنَ ِ ّ ِ ُ‬
‫َّللا َ ِبٌ ٌر ِب َما َت ْع َملُونَ } (‪ )8‬ورة المائ ة‪.‬‬ ‫َّللا إِنَّ ّ َ‬
‫َوا َّت ُو ْا ّ َ‬
‫كما تجلت واقعٌة اإلسبلم حٌن شرع مقابلة السٌبة بمثلها ببل عدوان‪ ،‬ولكن رؼب بالعفو والمؽفرة‬
‫صلَ َح َفؤ َ ْج ُرهُ‬ ‫للمسًء وهذا واضح فً مثل قوله تعالى‪َ { :‬و َج َزاء َ ٌِّ َئ ٍة َ ٌِّ َئ ٌة ِّم ْ ل ُ َها َف َمنْ َع َا َوأَ ْ‬
‫ِب ال َّ الِمٌِنَ } (‪ )40‬ورة الشور ‪.‬‬ ‫َعلَى َّ ِ‬
‫َّللا إِ َّن ُه ََّل ٌُح ُّ‬
‫‪ -‬ومن واقعٌة األخبلق اإلسبلمٌة‪ :‬أنها أقرت التفاوت النظري والعملً بٌن الناس فلٌس كل الناس‬
‫فً درجة واحدة فً االلتزام بما أمر هللا به من أوامر واالنتهاء عما نهى عنه من نواه‪ ،‬فهناك‬
‫الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخٌرات‪.‬‬
‫فالظالم لنفسه‪ :‬هو المقصر‪ ،‬التارك لبعض الواجبات‪ ،‬المرتكب لبعض المحرمات‪.‬‬
‫والمقتصد‪ :‬هو المقتصر على فعل الواجبات‪ ،‬وإن ترك المندوبات وعلى ترك المحرمات وإن فعل‬
‫المكروهات‪.‬‬
‫أما السابق‪ :‬هو الذي ٌزٌد على فعل الواجبات‪ ،‬أداء السنن والمستحبات‪ ،‬وعلى ترك المحرمات‬
‫وترك الشبهات والمكروهات‪.‬‬
‫اص َط َ ٌْ َنا مِنْ ِع َبا ِ َنا َف ِم ْن ُه ْم َ الِ ٌم لِّ َن ْ ِ ِه َو ِم ْن ُهم ُّم ْ َتصِ ٌ‬ ‫اب الَّ ٌِنَ ْ‬ ‫كما قال تعالى‪َّ ُ { :‬م أَ ْو َر ْ َنا ا ْل ِك َت َ‬
‫ضل ُ ا ْل َك ِبٌ ُر} (‪ )32‬ورة فاطر‪.‬‬ ‫َّللا َ لِ َك ه َُو ا ْل َ ْ‬‫اب ٌق ِبا ْل َ ٌْ َرا ِ ِبإِ ْ ِن َّ ِ‬ ‫َو ِم ْن ُه ْم َ ِ‬
‫‪ -‬ومما ٌكمل هذا المعنى‪ :‬أن األخبلق اإلسبلمٌة لم تفترض أهل التقوى معصومٌن من كل ذنب‬
‫بل ٌعصون ولكن مزٌة المتقٌن إنما هً التوبة والرجوع إلى هللا كما وصفهم هللا بقوله‪َ { :‬والَّ ٌِنَ‬
‫وب إَِّلَّ ّ‬
‫َّللا ُ َولَ ْم‬ ‫وب ِه ْم َو َمن ٌَ ْؽ ِ ُر ال ُّ ُن َ‬ ‫ش ًوة أَ ْو َ لَ ُمو ْا أَ ْن ُ َ ُه ْم َ َك ُرو ْا ّ َ‬
‫َّللا َفا ْ َت ْؽ َ ُرو ْا لِ ُ ُن ِ‬ ‫ح َ‬‫إِ َ ا َف َعلُو ْا َفا ِ‬
‫ٌُصِ ُّرو ْا َعلَى َما َف َعلُو ْا َو ُه ْم ٌَ ْعلَ ُمونَ } (‪ )135‬ورة آل عمران‪.‬‬
‫‪ -‬ومن واقعٌة األخبلق اإلسبلمٌة أنها راعت الظروؾ االستثنابٌة كالحرب فؤباحت من أجلها ماال‬
‫ٌباح فً ظروؾ السلم مثل الكذب لتضلٌل العدو فكما ورد فً الحدٌث (( الحرب خدعة ))‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬واقعٌة التربٌة اا المٌة‪:‬‬


‫والتربٌة اإلسبلمٌة كذلك تربٌة واقعٌة تتعامل مع اإلنسان كما هو‪ :‬لحما ً ودما ً وفكراً وانفعاالً‬
‫وروحا ً‪.‬‬
‫لذلك نجد اإلسبلم ٌربً المسلم على الحٌاة الواقعٌة المتوازنة فبل ٌدعه ٌؽرق فً اللهو فبل ٌبقى له‬
‫سًء لربه‪ ،‬كما ال ٌدعه ٌؽلوا فً التعبد فبل ٌبقى له شٌبا ً لقلبه‪.‬‬
‫كما حمل اإلسبلم اآلباء تبعه توجٌه أوالدهم وحسن تربٌتهم كما قال تعالى‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا‬
‫صونَ َّ َ‬
‫َّللا َما‬ ‫ارةُ َعلَ ٌْ َها َم َالئِ َك ٌة ؼ َِال ٌ شِ َا ٌ ََّل ٌَ ْع ُ‬ ‫قُوا أَن ُ َ ُك ْم َوأَهْ لٌِ ُك ْم َن ًو‬
‫ارا َوقُو ُ هَا ال َّن ُ‬
‫ان َوا ْلح َِج َ‬
‫أَ َم َر ُه ْم َو ٌَ ْ َعلُونَ َما ٌُ ْإ َم ُرونَ } (‪ )6‬ورة التحرٌم‪.‬‬
‫وٌهتم اإلسبلم بسن الطفولة ألنها أكثر قابلٌة للتعلم والتؤثر وهنا ٌؤمر اآلباء بتدرٌب األطفال على‬
‫الطاعات وأداء الفرابض وأمرهم باالبتعاد عن المنهٌات والنواهً‪.‬‬
‫ام ا‪ :‬واقعٌة الشرٌعة اا المٌة‪:‬‬
‫وجاء اإلسبلم كذلك بشرٌعة واقعٌة حٌث لم تؽفل الواقع فً كل ما أحلت وحرمت ولم تهمل الفرد‬
‫واألسرة والمجتمع فً كل ما وصفته من أنظمة وقوانٌن‪:‬‬

‫* فً التحلٌل والتحرٌم‪:‬‬
‫‪ -1‬إن شرٌعة اإلسبلم لم تحرم شٌبا ً ٌحتاج إلٌه اإلنسان فً واقع حٌاته كما لم تبح له شٌبا ً ٌضره‬
‫فً الواقع كالخم ر والزنا‪...‬الخ ‪.‬‬
‫‪ -2‬وراعت الشرٌعة فطرة البشر فً المٌل إلى التروٌح عن النفس فرخصت فً أنواع من اللهو‬
‫كالسباق وألعاب الفروسٌة وؼٌرها‪ ،‬إذا لم تقترن بقمار وال تصد عن ذكر هللا وعن الصبلة فمثبلً‬
‫أذن النبً صلى هللا علٌه وسلم للحبشة أن ٌلعبوا فً مسجده بالحراب وسمح لزوجه عابشة أن‬
‫تنظر إلٌهم حتى اكتفت‪.‬‬
‫وكذلك راعت الشرٌعة فطرة المرأة وواقعها فً حب الزٌنة فؤباحت لها بعض ما حرمت على‬
‫الرجال كالتحلً بالذهب ولبس الحرٌر‪.‬‬
‫‪ -3‬ومن واقعٌة الشرٌعة‪ :‬أنها أباحت بعض المحرمات فً حاالت الضرورة القصوى فمثبلً‬
‫أباحت أكل لحم الخنزٌر فً حال كان اإلنسان فً صحراء وال ٌجد ما ٌؤكله‪ ،‬فخوفا ً من أن ٌموت‬
‫أحل له الشرع أن ٌؤكل لحم الخنزٌر أو المٌتة‪.‬‬
‫‪ -4‬ومن واقعٌة الشرٌعة أنها عرفت ضعؾ اإلنسان أمام كثٌر من المحرمات فسدت الباب إلٌها‬
‫بالكلٌة‪ ،‬ولهذا حرمت قلٌلها وكثٌرها كما فً الخمر‪ .‬كما عدت ما ٌوصل إلى الحرام حراما ً كما‬
‫فً تحرٌم الخلوة بالمرأة األجنبٌة‪.‬‬

‫* فً تشرٌعا الزواج واا رة‪:‬‬


‫‪ -5‬ومن واقعٌة الشرٌعة اإلسبلمٌة أنها رعت قوة الدوافع الجنسٌة لدى اإلنسان فلم تهملها‪ ،‬كما‬
‫فعلت بعض الفلسفات‪ ،‬فشرعت إشباع الدوافع الجنسٌة بطرٌقة نظٌفة‪ ،‬تضمن بقاء اإلنسان‬
‫وارتفاعه عن الحٌوانٌة‪ ،‬وذلك بشرعٌة (( نظام الزواج )) ٌقول هللا تعالى‪ٌُ { :‬رٌ ُ ّ‬
‫َّللا ُ لِ ٌُ َب ٌِّنَ لَ ُك ْم‬ ‫ِ‬
‫وب َعلَ ٌْ ُك ْم‬ ‫َ َ‬ ‫ُ‬
‫ت‬ ‫ٌ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫أ‬ ‫َّللا ُ َعلٌِ ٌم َحكٌِ ٌم ( ‪َ )26‬و ّ‬
‫َّللا ُ ٌُ ِرٌ ُ‬ ‫وب َعلَ ٌْ ُك ْم َو ّ‬
‫َو ٌَ ْه ِ ٌَ ُك ْم ُ َننَ الَّ ٌِنَ مِن َق ْبلِ ُك ْم َو ٌَ ُت َ‬
‫ؾ َعن ُك ْم َو ُ ل َِق‬ ‫َّللا ُ أَن ٌُ َ ِّ َ‬ ‫ش َه َوا ِ أَن َتمٌِلُو ْا َم ٌْالًو َع ِ ٌما ًو ( ‪ٌُ )27‬رٌ ُ ّ‬ ‫َو ٌُ ِرٌ ُ الَّ ٌِنَ ٌَ َّت ِب ُعونَ ال َّ‬
‫ِ‬
‫ضعٌِ ا ًو (‪ )28-26( })28‬ورة الن اء‪.‬‬ ‫ااِن َ انُ َ‬
‫فالمفهوم من وصؾ اإلنسان بالضعٌؾ هو ضعفه أمام الؽرٌزة الجنسٌة‪.‬‬

‫* فً تع الزوجا ‪:‬‬
‫‪ -6‬ومن نظرة واقعٌة للحٌاة واإلنسان كانت إباحة تعدد الزوجات ولهذا التشرٌع أسبابه فما دام‬
‫كل الرجال ال ٌستطٌعون التحكم فً ؼرابزهم فلماذا ال نتٌح لهم طرٌق الزواج الحبلل فً العبلنٌة‬
‫بدل البحث عن الحرام فً الخفاء‪.‬‬
‫فقد تكون الزوجة األولى مصابة بمرض ٌطول أمده أو مبتلٌة بالعقم‪...‬الخ ‪.‬‬
‫فإذا كان عدد الصالحات للزواج من النساء أكثر من عدد القدرٌن علٌه من الرجال فهناك ثبلثة‬
‫احتماالت‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تقضً الفتاة عمرها فً بٌت أهلها عانسا ً‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أو البحث عن متنفس ؼٌر مشروع‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أو الزواج من رجل متزوج‪ ،‬قادر على إحصانها‪ ،‬واقؾ من العدل بٌنها وبٌن ضرتها‪.‬‬
‫أما االحتمال األول‪:‬ففٌه ظلم كبٌر لعدد من الناس ‪.‬‬
‫أما االحتمال الثانً‪ :‬جرم فً حق المرأة وفً حق األخبلق وهو ما سار علٌه الؽرب‪ ،‬فقد حرم‬
‫تعدد الزوجات وأباح تعدد العشٌقات أي الواقع فرض علٌه التعدد ولكنه تعدد الأخبلقً‪.‬‬
‫أما االحتمال الثالث‪ :‬فهو وحده الحل العادل والنظٌؾ واإلنسانً واألخبلقً وهو الذي جاء به‬
‫اإلسبلم‪.‬‬

‫* الطالق‪:‬‬
‫‪ -7‬ومن واقعٌة الشرٌعة اإلسبلمٌة إباحتها للطبلق عند تعذر الوفاق بٌن الزوجٌن هذا مع تعظٌم‬
‫اإلسبلم لشؤن العبلقة الزوجٌة حٌث جاء بالحدٌث (( أبؽض الحالل إلى َّللا الطالق )) رواه او ‪,‬‬
‫ومع هذا أمر اإلسبلم األزواج بالصبر والترٌث وعدم االستجابة لعاطفة الكراهٌة إن أحسوا بها‬
‫حل ُّ لَ ُك ْم أَن َت ِر ُو ْا ال ِّن َ اء َك ْرهًوا َوَّلَ َت ْع ُ‬
‫ضلُوهُنَّ لِ َت ْ َه ُبو ْا‬ ‫كما قال تعالى‪ٌَ { :‬ا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا َّلَ ٌَ ِ‬
‫ؾ َفإِن َك ِرهْ ُت ُموهُنَّ َف َع َ ى‬ ‫ش ٍة ُّم َب ٌِّ َن ٍة َو َعاشِ ُروهُنَّ ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬‫ح َ‬‫ض َما آ َت ٌْ ُت ُموهُنَّ إَِّلَّ أَن ٌَؤْتٌِنَ ِب َا ِ‬ ‫ِب َب ْع ِ‬
‫ٌِرا} (‪ )19‬ورة الن اء‬ ‫ّ‬ ‫أَن َت ْك َرهُو ْا َ‬
‫ش ٌْ ًوئا َو ٌَ ْج َعل َ َّللا ُ فٌِ ِه َ ٌْ ًورا َك ًو‬
‫كما أن اإلسبلم لم ٌطرح الطبلق على أنه الحل الوحٌد بل أعطى حلول أخرى قد تكون مفٌدة‬
‫إلعادة المحبة واأللفة بٌن الزوجٌن فالطبلق هو الحل األخٌر بعد أن نؤخذ كل الحلول السابقة‪.‬‬
‫ولقد أرؼم الواقع المسٌحٌة المعاصرة على االعتراؾ بحق الطبلق برؼم تحرٌمها الؽلٌظ فً‬
‫اإلنجٌل وبهذا انتصرت شرٌعة الخالق على أوهام الخلق‪.‬‬

‫* فً التشرٌعا اَّلجتماعٌة إباحة التملك ال ر ي‪:‬‬


‫‪ -8‬ومن واقعٌة الشرٌعة فً المجال االجتماعً واالقتصادي أنها اعترفت بالدافع الفطري الواقعً‬
‫األصٌل فً نفس اإلنسان‪ :‬واقع حق التملك‪ ،‬ولكنها لم تنسى واقعا ً آخر هو مصلحة المجتمع‬
‫وحقوقه وحاجات الفبات الضعٌفة من أبنابه فلهذا وضعت حدود ذو قٌود على هذه الملكٌة بقٌود‬
‫شتى‪ :‬فً اكتساب المال وفً التصرؾ فٌه‪ ،‬وأوجبت فٌه حقوقا ً للناس كالزكاة والصدقات‪...‬‬

‫* شرعٌة الح وال صاص والتعزٌر‪:‬‬


‫‪ -9‬ومن واقعٌة الشرٌعة أنها عملت بكل قوة على تطهٌر المجتمع من أسباب الجرٌمة وتربٌة‬
‫األفراد على االستقامة ولكنها لم تكتؾ بالوازع األخبلقً وبالتربٌة وحدهما رؼم أهمٌتهما‪ ،‬فمن‬
‫الناس من ال ٌرتدع إال بعقوبة زاجرة وال تكفٌه الموعظة الحسنة ومن هنا أوجبت الشرٌعة‬
‫العقوبات من الحدود والقصاص والتعزٌر ولم تذهب إلى ما ٌذهب إلٌه الخٌالٌٌن من الناس من‬
‫ٌنادون بإلؽاء عقوبة اإلعدام إشفاقا ً على القاتل المسكٌن دون أن ٌنظروا إلى مصٌبة المقتول وأهله‬
‫وإلى أمن المجتمع كله‪.‬‬
‫اص َح ٌَاةٌ ٌَاْ أُول ًِْ ااَ ْل َبا ِ‬
‫ب لَ َعلَّ ُك ْم َت َّت ُونَ } (‪ )179‬ورة الب رة‬ ‫ص ِ‬‫ٌقول هللا تعالى‪َ { :‬ولَ ُك ْم فًِ ا ْل ِ َ‬

‫‪ -‬من دالبل الواقعٌة فً التشرٌع‪:‬‬


‫ومن دالبل الواقعٌة فً التشرٌع جملة من القواعد والمبادئ وهً‪:‬‬
‫‪ 1‬التٌسٌر ورفع الحرج ‪.‬‬
‫‪ 2‬مراعاة سنة التدرج‪.‬‬
‫‪ 3‬النزول عن المثل األعلى إلى الواقع األدنى دون للضرورة‪.‬‬

‫* التٌ ٌر ورفع الحرج‪:‬‬


‫أما التٌسٌر فهو روح ٌسري فً جسم الشرعة كلها وهذا التٌسٌر مبنً على رعاٌة ضعؾ اإلنسان‬
‫وضؽط الحٌاة ومتطلباتها علٌه‪ ،‬وشارع هذا الدٌن رإوؾ رحٌم ال ٌرٌد بعباده اإلرهاق إنما ٌرٌد‬
‫لهم الخٌر والسعادة فً الدنٌا واآلخرة فالقرآن سٌرة للتنفٌذ والتطبٌق لٌس فٌها تكلٌؾ واحد‬
‫َّللا ُ َن ْ ا ًو إَِّلَّ ُو ْ َع َها } (‪ )286‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ؾ ّ‬‫ٌتجاوز طاقة المكلفٌن ٌقول هللا تعالى‪َّ { :‬لَ ٌُ َكلِّ ُ‬
‫وقد نفى القرآن كل تعنت والعسر وأثبت التخفٌؾ والٌسر ٌقول تعالى‪ٌُ { :‬رٌ ُ ّ‬
‫َّللا ُ ِب ُك ُم ا ْل ٌُ ْ َر َوَّلَ‬ ‫ِ‬
‫ٌُ ِرٌ ُ ِب ُك ُم ا ْل ُع ْ َر } (‪ )185‬ورة الب رة‪.‬‬
‫‪ (( ،‬إنما‬ ‫وجاءت األحادٌث الشرٌفة تإكد هذا المعنى‪(( :‬بع بحنٌ ة محة )) رواه أحم‬
‫بع تم مٌ رٌن ولم تبع وا مع رٌن ))‪.‬‬
‫كما كانت سمة الرسول صلى هللا علٌه وسلم فً كتب أهل الكتاب هً سمة المٌسر ٌقول تعالى‪:‬‬
‫ٌل ٌَؤْ ُم ُرهُم‬ ‫ج ِ‬ ‫ج ُو َن ُه َم ْك ُتو ًوبا عِن َ ُه ْم فًِ ال َّت ْو َرا ِة َوااِ ْن ِ‬ ‫الر ُ ول َ ال َّن ِب ًَّ اا ُ ِّم ًَّ الَّ ِي ٌَ ِ‬‫{الَّ ٌِنَ ٌَ َّت ِب ُعونَ َّ‬
‫ص َر ُه ْم‬ ‫ض ُع َع ْن ُه ْم إِ ْ‬ ‫حل ُّ لَ ُه ُم ال َّط ٌِّ َبا ِ َو ٌُ َح ِّر ُم َعلَ ٌْ ِه ُم ا ْل َ َبآئِ َ َو ٌَ َ‬
‫ؾ َو ٌَ ْن َها ُه ْم َع ِن ا ْل ُمن َك ِر َو ٌُ ِ‬
‫ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫نزل َ َم َع ُه‬‫ِي أ ُ ِ‬‫ور الَّ َ‬ ‫َوااَ ْؼالَل َ الَّتًِ َكا َن ْ َعلَ ٌْ ِه ْم َفالَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا بِ ِه َو َع َّز ُروهُ َو َن َ‬
‫ص ُروهُ َوا َّت َب ُعو ْا ال ُّن َ‬
‫أ ُ ْولَئِ َك ُه ُم ا ْل ُم ْ لِ ُحونَ } (‪ )157‬ورة ااعراؾ‪.‬‬
‫وال عجب أن شرع اإلسبلم الرخص عند وجود أسبابها مثل الترخٌص فً التٌمم لمن خاؾ‬
‫التضرر باستعمال الماء لجرح أبرد وكذلك الترخٌص فً الصبلة قاعداً لمن تضرر بالصبلة قابما ً‬
‫والصبلة باإلٌماء مضطجعا ً لمن تإذٌه الصبلة قاعداً‪ ،‬وأنكر النبً صلى هللا علٌه وسلم على من‬
‫شد على نفسه وصام فً السفر مع شعوره بشدة المشقة فقال فً مثله‪ (( :‬لٌن من البر الصٌام فً‬
‫ال ر )) رواه الب اري‪.‬‬

‫* مراعة نة الت رج‪:‬‬


‫ومن تٌسٌر اإلسبلم على البشر أنه راعى معهم سنة التدرج فٌما ٌشرعه لهم تحلٌبلً أو تحرٌما ً‪.‬‬
‫فالصبلة فرضت أول ما فرضت ركعتٌن ركعتٌن ثم أقرت فً السفر على هذا العدد وزٌدت فً‬
‫الحضر إلى أربع (( الظهر واألربع والعشاء ))‪.‬‬
‫وكذلك الصٌام فرض على التخٌٌر ثم أصبح فرضا ً الزما ً لكل صحٌح مقٌم ال عذر له ٌقول هللا‬
‫ص ْم ُه } (‪ )185‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ش ْه َر َف ْل ٌَ ُ‬ ‫تعالى‪َ { :‬ف َمن َ‬
‫ش ِه َ مِن ُك ُم ال َّ‬
‫وكذلك باقً الفرابض واألوامر جاءت بشكل مدرج‪.‬‬
‫والمحرمات أٌضا ً لم ٌؤت تحرٌمها دفعة واحدة و أوضح مثل معروؾ هو تحرٌم الخمر على‬
‫مراحل معروفة فً تارٌخ التشرٌع اإلسبلمً حتى إذا نزلت اآلٌات فً النهً عنها من سورة‬
‫المابدة وفً ختامها { َف َهلْ أَن ُتم ُّمن َت ُهونَ } (‪ )91‬ورة المائ ة‪ ,‬قال المإمنون فً قوة وتصمٌم‪ :‬قد‬
‫انتهٌنا ٌا رب‪.‬‬
‫وهذه السنة اإللهٌة فً رعاٌة التدرج ٌنبؽً أن تتبع فً سٌاسة الناس‪ ،‬فإذا أردنا أن نقٌم مجتمعا ً‬
‫إسبلمٌا ً حقٌقٌا ً فبل نتوهم أن ذلك ٌتحقق بقرار ٌصدر إنما ٌتحقق ذلك بطرٌق التدرج أي باإلعداد‬
‫والتهٌبة الفكرٌة والنفسٌة واألخبلقٌة واالجتماعٌة‪.‬‬

‫* النزول عن الم ل ااعلى إلى الواقع اا نى‪:‬‬


‫ومن دالبل الواقعٌة فً الشرٌعة اإلسبلمٌة أنها ال تؽمض عٌنها عن الواقع العملً الذي ٌعٌشه‬
‫الناس محلقة فً مثالٌة الوجود لها بل نجدها تنزل إلى أرض الواقع لتكٌؾ أحكامها الفرعٌة تبعا ً‬
‫له حتى ال تهدر مصالح العباد ولذلك أمثلة كثٌرة منها‪:‬أن الواجب هو عزل ولً األمر الجابر‬
‫ولكن الفقهاء أجازوا اإلبقاء علٌه إذا كان خلعه وعزله سٌإدي إلى فتنة أكبر وٌدخل فً هذا‪:‬‬
‫تؽٌٌر المنكر بالقوة إذا أدى إلى منكر أكبر منه‪.‬‬
‫وأشار شٌخ اإلسبلم ابن تٌمٌة على أمر ؼاٌة من األهمٌة وهو أن النزول عن المثالٌة المنشودة‬
‫إلى حكم الواقع الموجود لٌس معناه االستسبلم للواقع الهابط والرضا بل ٌنبؽً أن تظل العزابم‬
‫مشدودة لتحوٌل الواقع إلى ما هو أفضل ولو بطرٌق التدرج‪.‬‬
‫‪ -‬هذا هو اإلسبلم وهذه هً واقعٌته فً كل مجال من المجاالت‪ :‬ال ٌكلؾ الناس شططا ً وال ٌجعل‬
‫علٌهم حرجا ً إنه منهج الفطرة‪ ،‬منهج هللا الذي ٌتعانق فٌه الواقع والمثال‪.‬‬
‫‪ ‬الوضوح‪:‬‬
‫هو إحدى الخصابص العامة لئلسبلم سواء فٌما ٌتعلق باألصول أم بالمصادر أم باألهداؾ أم‬
‫بالمناهج‪.‬‬

‫أوالً‪ :‬وضوح األصول والقواعد اإلسبلمٌة‪:‬‬


‫أول مظاهر الوضوح فً اإلسبلم أن أصوله الكبرى واضحة ال لخاصة من أتباعه وأنصاره‬
‫فحسب بل لجمهرة المإمنٌن به ٌستوي فً ذلك األصول االعتقادٌة والشعابر التعبدٌة والفضابل‬
‫الخلقٌة واألحكام الشرٌفة‪.‬‬

‫* وضو ااصول اَّلعت ا ٌة‪ :‬وأول ما ٌبد هذا الوضوح فً األصول االعتقادٌة فً اإلسبلم من‬
‫اإلٌمان باهلل ورساالته وبالدار اآلخرة‪.‬‬
‫أ‪ -‬عقٌدة التوحٌد‪ :‬فتوحٌد هللا تعالى وهو أصل األصول واضحا ً جلً فقد عرؾ كل مسلم من كلمة‬
‫التوحٌد وأولى الشهادتٌن (( ال إله إال هللا )) أي أن ال مكان فً اإلسبلم لتؤله بشر أو شًء سوى‬
‫هللا عز وجل‪.‬‬
‫وإن قضٌة التثنٌة فً األلوهٌة وقضٌة التثلٌث فً المسٌحٌة ال تتمتع واحدة منها بالوضوح منها‬
‫لدى المإمنٌن بها ولهذا نجدها تعتمد على اإلٌمان بؽٌر برهان (( اعتقد وأنت أعمى )) بخبلؾ‬
‫قضٌة التوحٌد التً تستند إلى العقل وتعتمد على البرهان وٌقٌم األدلة العقلٌة على وحدانٌة هللا‬
‫‪)22‬‬ ‫َّللا ُ لَ َ َ َ َتا َف ُ ْب َحانَ َّ‬
‫َّللاِ َر ِّب ا ْل َع ْر ِ َع َّما ٌَصِ ُونَ } (‬ ‫بمثل قوله‪{ :‬لَ ْو َكانَ فٌِ ِه َما آلِ َه ٌة إِ ََّّل َّ‬
‫ورة اانبٌاء‪.‬‬
‫ب‪ -‬عقٌدة الجزاء األخروي‪ :‬واإلٌمان بالجزاء فً الٌوم اآلخر‪ ،‬وأن الدنٌا مزرعة اآلخرة وأن‬
‫اآلخرة هً دار الجزاء { َف َمن ٌَ ْع َملْ ِم ْ َال َ َ َّر ٍة َ ٌْراًو ٌَ َرهُ ( ‪َ )7‬و َمن ٌَ ْع َملْ ِم ْ َال َ َ َّر ٍة َ‬
‫ش ّراًو ٌَ َرهُ‬
‫(‪ )8-7( })8‬ورة الزلزلة‪ ،‬واإلٌمان بؤن هناك داراً لمثوبة األبرار ودار أخرى لعقوبة الفجار‬
‫ومعنى هذا‪ :‬أن مصٌر كل إنسان لٌس بٌد كاهن أو قدٌس إنما مصٌر الناس بؤٌدٌهم أنفسهم‪ ،‬فهذا‬
‫اإلٌمان أصل ال ٌخفى على مسلم فً شرق أو ؼرب‪.‬‬
‫ج‪ -‬اإلٌمان برساالت السماء‪ :‬واإلٌمان برساالت السماء كلها وما أنزل هللا من كتب وما بعث من‬
‫ش ِرٌنَ َو ُمن ِِرٌنَ‬ ‫رسل ٌدعون إلى هللا وٌهدون إلى الحق وٌدلوهم على طرٌق مرضاته { ُّر ُ الًو ُّم َب ِّ‬
‫ٌزا َحكٌِ ًوما } ( ‪ )165‬ورة الن اء ‪ ,‬هذا‬ ‫الر ُ ِل َو َكانَ ّ‬
‫َّللا ُ َع ِز ًو‬ ‫َّللا ُح َّج ٌة َب ْع َ ُّ‬ ‫ان َعلَى ّ ِ‬ ‫لِ َئالَّ ٌَ ُكونَ لِل َّن ِ‬
‫اإلٌمان برسل هللا كافة‪ ،‬ركن من أركان العقٌدة اإلسبلمٌة ال ٌجهله مسلم شؤنه اإلٌمان باهلل تعالى‬
‫ومبلبكته وكتبه والٌوم اآلخر‪.‬‬

‫* وضو الشعائر التعب ٌة‪:‬‬


‫ومن مظاهر الوضوح فً اإلسبلم أن أركانه العملٌة وشعابره التعبدٌة واضحة للخاص والعام‪.‬‬
‫‪ -‬فالصبلة هً الفرٌضة الٌومٌة معروفة بعددها ومواقٌتها وأعداد ركعاتها وأركانها و‪...‬‬
‫‪ -‬والزكاة هً العبادة المالٌة االجتماعٌة معروفة إجمالٌا ً لكافة المسلمٌن فهً تإخذ من أؼنٌابهم‬
‫لترد على فقرابهم‪.‬‬
‫‪ -‬وصٌم رمضان وهو الفرٌضة السنوٌة الدورٌة فهو معلوم لكل األمة اإلسبلمٌة‪.‬‬
‫‪ -‬وحج البٌت وهً فرٌضة العمر واضحة معلومة إجماالً لجماهٌر المسلمٌن‪.‬‬
‫فهذه الفرابض الدٌنٌة واضحة تمام الوضوح فً ذهن المسلم بتركٌز بعض الدروس أو ٌقرأ شٌبا ً‬
‫من الكتب أو ٌسؤل أهل الذكر‪ ،‬وقبل ذلك كله ال ٌجهل مسلم أن العبادة هً المهمة األولى لئلنسان‬
‫نن إِ ََّّل لِ ٌَ ْع ُب ِ‬
‫ُون} (‪ )56‬ورة ال ارٌا ‪.‬‬ ‫فً الحٌاة قال تعالى‪َ { :‬و َما َ لَ ْ ُ ا ْل ِ‬
‫جنَّ َو ْااِ َ‬

‫* ااصول اا القٌة‪:‬‬
‫ومن األصول اإلسبلمٌة الواضحة ما ٌتعلق بالجانب األخبلقً فؤمهات الفضابل التً أمر الشرع‬
‫بها وحث علٌها معروفة ؼٌر منكورة وأمهات الرذابل إلً حذر الشرع منها معلومة ؼٌر مجهولة‪.‬‬
‫فمثبلً‪ :‬ال ٌجهل مسلم أن هللا ٌؤمر بالعدل واإلحسان بالولدٌن وبذي القربى والٌتامى والمساكٌن‬
‫وابن السبٌل‪.‬‬
‫وال ٌجهل أن اإلسبلم ٌبارك فضابل الصدق واألمانة والوفاء والصبر والعفة والحٌاء والسخاء‬
‫والحلم والتعاون على البر والتقوى‪.‬‬
‫ولذلك فً الطرؾ األخر ال ٌجهل مسلم أن هللا ٌنهى عن الفحشاء والمنكر والبؽً‪ ،‬وال ٌحب‬
‫الفساد وال ٌحب الخابنٌن‪.‬‬
‫وقبل ذلك ال ٌجهل مسلم قٌمة العنصر األخبلقً فً الحٌاة ومنزلته فً اإلسبلم حتى أن العبادات‬
‫اإلسبلمٌة تهدؾ إلى ثمرات أخبلقٌة فالصبلة تنهى عن الفحشاء والمنكر والزكاة تطهر نفوس‬
‫األؼنٌاء والصوم تربٌة لئلرادة وتعلٌم للصبر والحج تدرٌب على التحمل والبذل‪.‬‬

‫* وضو اا اب‪:‬‬
‫وٌتبع األخبلق اآلداب فً وضوحها من أدب األكل والشرب وأدب النوم والتٌقظ أدب الجلوس‬
‫وأدب المشً‪...‬‬
‫فؤساس هذه اآلداب وأصولها الهامة واضحة معلومة‪.‬‬
‫فمثبلً‪:‬كل مسلم ٌعلم أنه ٌسن له عند األكل أن ٌؤكل بٌمٌنه وٌبدأ باسم هللا وٌختم بحمد هللا‪.‬‬

‫* وضو الشرائع اا المٌة‪:‬‬


‫ومن مظاهر الوضوح فً اإلسبلم وضوح شرابعه وقوانٌنه أي األساسٌة القطعٌة منها سواء فً‬
‫المجال الفردي أو األسري أو االجتماعً‪.‬‬
‫فكل مسلم ٌعلم بوضوح أنه ٌحرم علٌه أكل المٌتة والدم ولحم الخنزٌر كما ٌحرم علٌه شرب‬
‫الخمر ولعب المٌسر‪.‬‬
‫وكل مسلم ٌعلم أنه ال ٌحل له الزواج من أمه أو ابنته أو إحدى محارمه من النسب أو الرضاعة‬
‫أو المصاهرة‪...‬الخ‪.‬‬

‫ثانٌا ً‪ :‬وضوح مصادره‪:‬‬


‫ومن مظاهر الوضوح فً النظام اإلسبلمً أن له مصادر محددة بٌنة ٌستقً منها فلسفته النظرٌة‬
‫وتشرٌعاته العملٌة‪.‬‬
‫اب أ ُ ْح ِك َم ْ آ ٌَا ُت ُه‬
‫‪ ‬فالمص ر ااول‪ :‬هو كتاب هللا‪ :‬هو القرآن الذي كما قال تعالى‪{ :‬الَر ِك َت ٌ‬
‫ٌر}(‪ )1‬ورة هو ‪.‬‬ ‫صلَ ْ مِن لَّ ُنْ َحك ٍ‬
‫ٌِم َ ِب ٍ‬ ‫ُ َّم فُ ِّ‬
‫ومن خصابص هذا القرآن أنه كتاب مبٌن حتى إن منزله سبحانه وتعالى سماه (( نوراً )) و‬
‫(( هدى للناس )) و (( برهانا ً )) و (( بٌنة )) وما ذلك إال لشدة بٌانه ووضوحه قال تعالى‪:‬‬
‫ورا ُّمبٌِ ًونا} ( ‪ )174‬ورة الن اء ‪,‬‬ ‫ان َق ْ َجاء ُكم ُب ْرهَانٌ ِّمن َّر ِّب ُك ْم َوأَ َ‬
‫نز ْل َنا إِلَ ٌْ ُك ْم ُن ًو‬ ‫{ ٌَا أَ ٌُّ َها ال َّن ُ‬
‫وإذا كان فً القرآن آٌات متشابهات تحتمل أكثر من معنى‪ ،‬فبحكم طبٌعة اللؽة وتنوع دالالت‬
‫األلفاظ فٌها بٌن الحقٌقة والمجاز وبموجب طبٌعة البشر وما جبلوا علٌه من تفاوت فً الفهم‬
‫واالستنباط وبموجب طبٌعة اإلسبلم الذي ٌحث على االجتهاد‪.‬‬
‫‪ ‬والمص ر ال انً‪ :‬هو سنة محمد صلى هللا علٌه وسلم ‪:‬ونعنً بها ما ثبت عن النبً‬
‫صلى هللا علٌه وسلم من قول أو فعل أو تقرٌر وهً التطبٌق العملً للقرآن الكرٌم‬
‫فؤعظم تؽٌر لكتاب هللا ٌتجلى فً سٌرة رسول هللا‪.‬‬
‫َ‬ ‫الز ُب ِر َوأَ َ‬
‫نز ْل َنا إِلَ ٌْ َك ال ِّ ْك َر لِ ُت َب ٌِّنَ لِل َّن ِ‬
‫ان َما ُن ِّزل َ إِلَ ٌْ ِه ْم َولَ َعلَّ ُه ْم ٌَ َت َّك ُرونَ‬ ‫حٌث قال تعالى‪ِ { :‬با ْل َب ٌِّ َنا ِ َو ُّ‬
‫} (‪ )44‬ورة النحل‪.‬‬
‫ومما ٌلحق أٌضا ً بهذه السنة المحمدٌة‪ :‬سنة الخلفاء الراشدٌن الذٌن نشبوا فً حجر النبوة فما أثر‬
‫عنهم مما اتفقوا علٌه جمٌعهم أو عن طابفة منهم ولم ٌنكره علٌه أصحابهم فهو سنة وكما جاء فً‬
‫الحدٌث (( علٌكم ب نتً و نة ال ل اء الراش ٌن المه ٌن من بع ي عضوا علٌها بالنواج ))‪.‬‬

‫ثالثا ً‪ :‬وضوح األهداؾ والؽاٌات‪:‬‬


‫ومن مظاهر الوضوح فً نظام اإلسبلم وضوح األهداؾ والؽاٌات فؽاٌة اإلسبلم كله واضحة‬
‫ان مِنَ‬ ‫اب أَ َ‬
‫نز ْل َناهُ إِلَ ٌْ َك لِ ُت ْ ِر َج ال َّن َ‬ ‫أمام عٌنً كل مسلم وٌكفً أن تقرأ قول هللا تعالى‪{ :‬الَر ِك َت ٌ‬
‫ٌز ا ْل َحمٌِ ِ } ( ‪ )1‬ورة إبراهٌم‪ ,‬وفسر الظلمات بما‬ ‫ور ِبإِ ْ ِن َر ِّب ِه ْم إِلَى صِ َراطِ ا ْل َع ِز ِ‬
‫ال ُّ ل ُ َما ِ إِلَى ال ُّن ِ‬
‫شبت من الجهل أو الشرك أو الشك أو الظلم أو‪ , ...‬وفسر النور بما شبت من العلم أو التوحٌد أو‬
‫الٌقٌن أو العدل أو‪ ,...‬وٌكفً أن ٌكون المسلم على شًء من الفقه فً دٌنه لٌعلم أنه ٌهدؾ إلى‬
‫تكوٌن الفرد الصالح واألسرة الصالحة واألمة الصالحة‪.‬‬

‫* تكوٌن ال ر الصالح‪ :‬فالفرد هو اللبنة التً ٌتكون منها البناء االجتماعً كله لذلك اشتدت عناٌة‬
‫اإلسبلم به فً كل مراحل حٌاته فإذا صلحت األفراد صلحت األسر وصلحت الجماعات واألمم‪.‬‬
‫وصبلح اإلنسان فً نظر اإلسبلم ال ٌتم إال بؤمور أربعة اعتبرها القرآن شروط نجاته من‬
‫الخسران فً الدنٌا واآلخرة‪ .‬والسورة التً تتضمن هذه الشروط هً سورة العصر حٌث ٌقول هللا‬
‫ص ِر (‪ )1‬إِنَّ ْااِن َ انَ لَ ًِ ُ ْ ٍر ( ‪ )2‬إِ ََّّل الَّ ٌِنَ آ َم ُنوا َو َع ِملُوا ال َّ‬
‫صال َِحا ِ َو َت َوا َ‬
‫ص ْوا‬ ‫تعالى‪َ { :‬وا ْل َع ْ‬
‫ص ْب ِر(‪ )3-1( })3‬ورة العصر‪.‬‬ ‫ِبا ْل َح ِّق َو َت َوا َ‬
‫ص ْوا ِبال َّ‬
‫فالشرط األول‪ :‬لصبلح الفرد هو اإلٌمان‪ ،‬الذي ٌصح به تصور اإلنسان لنفسه وللحٌاة وللكون‬
‫ولرب الكون والحٌاة واإلنسان وإذا فسد هذا التصور فسدت الحٌاة كلها من ورابه‪.‬‬
‫والشرط الثانً‪ :‬هو عمل الصالحات فهذا هو ثمرة اإلٌمان ومظهره العملً فاإلٌمان لٌس مجرد‬
‫إدراك ذهنً وإنما هو حقٌقة تدفع إلى عمل الخٌر وترك الشر‪.‬‬
‫والشرط الثالث هو التواصً بالحق ومعنى هذا أن ٌوصً المإمن ؼٌره بالحق وٌقبل هذا الؽٌر‬
‫الوصٌة بالحق وبهذا ال ٌكتفً القرآن من المسلم أن ٌكون صالحا ً فً نفسه بل ٌجٌب علٌه أن‬
‫ٌعٌش جندٌا ً للحق ٌإمن به وٌحبه وٌنصره وٌدعو إلٌه‪.‬‬
‫والشرط الرابع الزم للشرط الثالث وهو التواصً بالصبر فإن الذي ٌحمل رسالة الحق ٌحتاج إلى‬
‫الصبر ٌوصً به نفسه وٌوصً به ؼٌره‪.‬‬
‫وهذه األمور األربعة واضحة بحمد هللا‪ ،‬فلٌس الفرد الصالح فً اإلسبلم الذي ٌعتزل الحٌاة فً‬
‫صومعة ٌعمر لآلخرة بخراب الدنٌا ولكنه الذي ٌعمل للحٌاتٌن وٌجمع بٌن الحسنٌن‪ ،‬والذي ال‬
‫ريب فٌه أن ؼاٌات الناس تختلؾ اختبلفا ً كبٌراً بحسب ما تهبط بهم شهوات الدنٌا أو ترتقً بهم‬
‫خصابصهم العلٌا‪.‬‬
‫ولو ترك الناس لؽرابزهم وحدها لنزلت بهم إلى حضٌض األنعام ولكن مهمة الدٌن أن ٌرقى بهم‬
‫ش َه َوا ِ مِنَ ال ِّن َ اء َوا ْل َبنٌِنَ َوا ْل َ َناطِ ِ‬
‫ٌر‬ ‫ب ال َّ‬‫ان ُح ُّ‬ ‫إلى أفق المبلبكة ٌقول هللا تعالى‪ُ { :‬ز ٌِّنَ لِل َّن ِ‬
‫ض ِة َوا ْل َ ٌْ ِل ا ْل ُم َ َّو َم ِة َوااَ ْن َعام َوا ْل َح ْر ِ َ لِ َك َم َتا ُع ا ْل َح ٌَا ِة ال ُّ ْن ٌَا َوَّللا ُّ‬ ‫ا ْل ُم َن َط َر ِة مِنَ ال َّ َه ِ‬
‫ب َوا ْل ِ َّ‬
‫ِ‬
‫ب (‪{ )14‬قُلْ أَإُ َن ِّب ُئ ُكم ِب َ ٌْ ٍر ِّمن َ لِ ُك ْم لِلَّ ٌِنَ ا َّت َ ْوا عِن َ َر ِّب ِه ْم َج َّنا ٌ َت ْج ِري مِن‬ ‫عِن َ هُ ُح ْ نُ ا ْل َمآ ِ‬
‫َّللا ُ َبصِ ٌ ٌر ِبا ْل ِع َبا ِ (‪-14( })15‬‬ ‫َّللا َو ّ‬
‫ض َوانٌ ِّمنَ ّ ِ‬ ‫ج ُّم َط َّه َرةٌ َو ِر ْ‬ ‫َت ْحتِ َها ااَ ْن َها ُر َ الِ ٌِنَ فٌِ َها َوأَ ْز َوا ٌ‬
‫‪ )15‬ورة آل عمران‪.‬‬

‫* تكوٌن اا رة الصالحة‪:‬‬
‫وٌهدؾ اإلسبلم إلى تكوٌن األسرة الصالحة السعٌدة واألسرة الصالحة هً التً تظللها المعانً‬
‫التً جعلها القرآن الكرٌم أهداؾ الحٌاة الزوجٌة وثمراتها وهً السكون النفسً والمودة والرحمة‬
‫ٌقول تبارك وتعالى‪َ { :‬ومِنْ آ ٌَاتِ ِه أَنْ َ لَ َق لَ ُكم ِّمنْ أَن ُ ِ ُك ْم أَ ْز َو ًو‬
‫اجا لِّ َت ْ ُك ُنوا إِلَ ٌْ َها َو َج َعل َ َب ٌْ َن ُكم َّم َو َّ ًوة‬
‫َو َر ْح َم ًوة إِنَّ فًِ َ لِ َك َا ٌَا ٍ لِّ َ ْو ٍم ٌَ َت َ َّك ُرونَ } (‪ )21‬ورة الروم‪.‬‬

‫واألسرة الصالحة هً التً تقوم على الدعابم اآلتٌة‪:‬‬


‫‪ -1‬أن ٌتم الزواج على التراخً دون الضؽط أو إكراه وال ؼش من طرؾ آلخر‪.‬‬
‫{ َولَ ُهنَّ ِم ْ ل ُ الَّ ِي َعلَ ٌْ ِهنَّ ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫ؾ‬ ‫‪ -2‬تبادل الحقوق والواجبات بٌن الزوجٌن بالمعروؾ‬
‫ال َعلَ ٌْ ِهنَّ َ َر َجة } (‪ )228‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫ِلر َج ِ‬‫َول ِّ‬
‫‪ -3‬إٌجاب المعاشرة بالمعروؾ دابما وخاصة عند اإلحساس بعاطفة الكراهٌة أو النفرة { ٌَا أَ ٌُّ َها‬
‫ض َما آ َت ٌْ ُت ُموهُنَّ إَِّلَّ أَن‬ ‫ضلُوهُنَّ لِ َت ْ َه ُبو ْا ِب َب ْع ِ‬ ‫حل ُّ لَ ُك ْم أَن َت ِر ُو ْا ال ِّن َ اء َك ْرهًوا َوَّلَ َت ْع ُ‬ ‫الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا َّلَ ٌَ ِ‬
‫ش ٌْ ًوئا َو ٌَ ْج َعل َ ّ‬
‫َّللا ُ‬ ‫ؾ َفإِن َك ِرهْ ُت ُموهُنَّ َف َع َ ى أَن َت ْك َرهُو ْا َ‬ ‫ش ٍة ُّم َب ٌِّ َن ٍة َو َعاشِ ُروهُنَّ ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬ ‫ٌَؤْتٌِنَ ِب َا ِ‬
‫ح َ‬
‫ٌِرا} (‪ )19‬ورة الن اء‪.‬‬ ‫فٌِ ِه َ ٌْ ًورا َك ًو‬
‫ضل َ ّ‬
‫َّللا ُ‬ ‫الر َجال ُ َق َّوا ُمونَ َعلَى ال ِّن َ اء ِب َما َف َّ‬ ‫‪ -4‬تكلٌؾ الزوج اإلشراؾ والمسإولٌة عن األسرة { ِّ‬
‫ض َوبِ َما أَن َ ُو ْا مِنْ أَ ْم َوالِ ِه ْم } (‪ )34‬ورة الن اء‪.‬‬ ‫ض ُه ْم َعلَى َب ْع ٍ‬ ‫َب ْع َ‬
‫‪ -5‬تكلٌؾ الزوجة اإلشراؾ والمسإولٌة عن البٌت من الداخل ((كلكم راع وكلكم م إول عن‬
‫رعٌته‪....‬والرجل فً أهل بٌته راع وهو م إول عن رعٌته‪ ,‬والمرأة راعٌة فً بٌ زوجها‬
‫وهً م إولة عن رعٌتها )) مت ق علٌه‪.‬‬
‫‪ -6‬وجوب الرعاٌة من األبوٌن ألوالدهم والعدل بٌنهم (( اتقوا هللا واعدلوا بٌن أوالدكم ))‬
‫ضى َر ُّب َك أََّلَّ َت ْع ُب ُو ْا إَِّلَّ إِ ٌَّاهُ َوبِا ْل َوالِ َ ٌْ ِن إِ ْح َ ا ًونا إِ َّما‬ ‫‪ -7‬وجوب بر الوالدٌن واإلحسان بهما { َو َق َ‬
‫ؾ َوَّلَ َت ْن َه ْر ُه َما َوقُل لَّ ُه َما َق ْوَّلًو َك ِرٌ ًوما} ( ‪)23‬‬ ‫ٌَ ْبل ُ َؽنَّ عِن َ َك ا ْل ِك َب َر أَ َح ُ ُه َما أَ ْو ِكالَ ُه َما َفالَ َت ُل لَّ ُه َمآ أ ُ ٍّ‬
‫ورة اا راء‪.‬‬

‫* تكوٌن المجتمع الصالح‪:‬‬


‫ٌهدؾ اإلسبلم إلى تكوٌن المجتمع الصالح كما هدؾ إلى الفرد الصالح واألسرة الصالحة‪،‬‬
‫والمجتمع الصالح هو الذي ترتبط أفرده وأسره بقٌم اإلسبلم العلٌا وٌجعلها رسالة حٌاته ومحور‬
‫وجوده‪.‬‬
‫‪ -‬ومن أهم ال ٌم اا المٌة فً ه ا الم ام هً‪:‬‬
‫أ‪ -‬التجمع على العقٌدة‪ :‬المجتمع اإلسبلمً لٌس مجتمعا ً قومٌا ً أو إقلٌمٌا ً وإنما هو مجتمع عقابدي‬
‫وعقٌدته هً اإلسبلم‪.‬‬
‫قد ٌكون أبناء هذا المجتمع من أجناس مختلفة أو ألوان مختلفة أو طبقات مختلفة ولكن هذا‬
‫االختبلؾ كله ٌنصهر أمام (( ال إله إال هللا محمد رسول هللا ))‪ ،‬واإلٌمان اإلسبلمً لٌس شعار أو‬
‫تعصب على اآلخرٌن وإنما هو حقٌقٌة تستقر فً النفس‪.‬‬
‫ب‪ -‬تقدٌس العمل الصالح‪ :‬سواء كانت صبؽته دٌنٌة أم دنٌوٌة وهو أصل مقرر معروؾ اعتبره‬
‫القرآن ركنا فً كل دٌن مقرونا ً باإلٌمان باهلل وللٌوم اآلخر قال تعالى‪{ :‬إِنَّ الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا َوالَّ ٌِنَ‬
‫صالِحا ًو َفلَ ُه ْم أَ ْج ُر ُه ْم عِن َ َر ِّب ِه ْم َوَّلَ‬‫ابئٌِنَ َمنْ آ َمنَ ِبا َّ ِ َوا ْل ٌَ ْو ِم اا ِِر َو َع ِمل َ َ‬ ‫ص ِ‬
‫ار َوال َّ‬ ‫ص َ‬ ‫هَا ُو ْا َوال َّن َ‬
‫ؾ َعلَ ٌْ ِه ْم َوَّلَ ُه ْم ٌَ ْح َز ُنونَ } (‪ )62‬ورة الب رة‪.‬‬ ‫َ ْو ٌ‬
‫ج‪ -‬الدعوة إلى الخٌر واألمر بالمعروؾ والنهً عن المنكر‪ :‬أصل من أصول الدٌن ٌكفً أن‬
‫ٌكون المرء صالحا ً فً نفسه ؼافبلً عن فساد ؼٌره كما قال تعالى‪َ { :‬و ْل َت ُكن ِّمن ُك ْم أ ُ َّم ٌة ٌَ ْ ُعونَ إِلَى‬
‫ؾ َو ٌَ ْن َه ْونَ َع ِن ا ْل ُمن َك ِر َوأ ُ ْولَئِ َك ُه ُم ا ْل ُم ْ لِ ُحونَ } (‪ )104‬ورة آل عمران‪.‬‬ ‫ا ْل َ ٌْ ِر َو ٌَؤْ ُم ُرونَ ِبا ْل َم ْع ُرو ِ‬
‫د‪ -‬الجهاد فً سبٌل هللا حماٌة للحق وتثبٌتا ً للخٌر وتؤمٌنا ً للدعوة ومنعا ً للفتنة فالجهاد أصل إسبلمً‬
‫{ ٌَا أَ ٌُّ َها الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا ُ ُ و ْا ِ‬
‫ح ْ َر ُك ْم‬ ‫ال ٌنكره مسلم وال ٌجهل منزلته وفضله حٌث قال تعالى‪:‬‬
‫َفان ِ ُرو ْا ُ َبا ٍ أَ ِو ان ِ ُرو ْا َجمٌِ ًوعا} ( ‪ )71‬ورة الن اء ‪َ { ,‬وأَ ِع ُّو ْا لَ ُهم َّما ا ْ َت َط ْع ُتم ِّمن قُ َّو ٍة َومِن‬
‫َّللا َو َع َُّو ُك ْم َوآ َ رٌنَ مِن ُونِ ِه ْم َّلَ َت ْعلَ ُمو َن ُه ُم ّ‬
‫َّللا ُ ٌَ ْعلَ ُم ُه ْم َو َما ُتن ِ ُو ْا‬ ‫ِّر َباطِ ا ْل َ ٌْ ِل ُت ْر ِه ُبونَ ِب ِه َع ْ َّو ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ؾ إِلَ ٌْ ُك ْم َوأَن ُت ْم َّلَ ُت ْ لَ ُمونَ } (‪ )60‬ورة اان ال‪.‬‬ ‫ٌل ّ ِ‬
‫َّللا ٌُ َو َّ‬ ‫ش ًْ ٍء فًِ َ ِب ِ‬ ‫مِن َ‬
‫هـ‪ -‬وتثبٌت الفضابل الخلقٌة فً شتى جوانب الحٌاة ونشرها وحماٌتها‪ ،‬من عدل وإحسان وبر‬
‫وصلة وتعاون على البر والتقوى وطهارة القلب من الؽل والحسد والرٌاء والنفاق وحب الدنٌا‪،‬‬
‫كلها من الركابز المعنوٌة التً ال ٌقوم مجتمع مسلم إال علٌها‪.‬‬

‫رابعا ً‪ :‬وضوح المناهج والطرق‪:‬‬


‫ٌتمٌز اإلسبلم كذلك بوضوح منهجه وطرقه التً وضعها للوصول إلى ؼاٌته المثلى وأهدافه‬
‫العلٌا‪ ،‬ومن هذه الطرق‪:‬‬
‫أ‪ -‬عبادات وشعابر تؽذي الروح وتزكً النفس وتربً اإلرادة وتدرب اإلنسان على كمال العبودٌة‬
‫لربه تعالى‪.‬‬
‫وعلى رأس هذه العبادات والشعابر الكبرى من الصبلة والزكاة والحج والصٌام حٌث نوع اإلسبلم‬
‫بها فمنها بدنً كالصبلة والصٌام ومنها مالً كالزكاة ومنها ما ٌجمع بٌنهما كالحج والعمرة‪.‬‬
‫إن هذه العبادات وسابل فذة للتربٌة الروحٌة واألخبلقٌة واالجتماعٌة ومناهج ربانٌة لتدري المسلم‬
‫على السلوك األمثل والحٌاة المثلى‪.‬‬
‫ب‪ -‬ومن أخبلق وفضابل تقاوم األنانٌة وتربً روح الؽٌر وهً أخبلقٌة فطرٌة واقعٌة شاملة‬
‫متوازنة‪.‬‬
‫ج‪ -‬ومن آداب وتقالٌد‪ ،‬تربً األذواق وتحمً األخبلق وتجمل الحٌاة وتصنع وحدة المظهر مع‬
‫الخٌر وتصون المجتمع من عبث المتحللٌن وتزمت المتزمتٌن‪.‬‬
‫وهً آداب تصحب المسلم فً حٌاته كلها‪ :‬فً مؤكله ومشروبه‪......‬الخ‪.‬‬
‫وهً آداب تحرص على ربط المسلم باهلل تعالى فً كل أحواله فهو ٌنام على ذكر هللا وٌستٌقظ‬
‫على ذكر هللا‪...‬الخ ‪.‬‬
‫د‪ -‬ومن نظم وتشرٌعات للفرد واألسرة وللجماعة‪:‬‬
‫فهً ترسم للفرد طرٌقه وتحدد له سلوكه وتبٌن له الحبلل والحرام‪ ،‬وهً لؤلسرة دعابم وركابز‬
‫تحفظها أن تنهار فتوضح لكل طرؾ من أطراؾ األسرة ما علٌه من واجبات وماله من حقوق‪،‬‬
‫وهً للجماعة ضوابط وموازٌن مهمتها أن تقٌم العدل وتحمً اإلخاء وتمنع التنازع وتحفظ على‬
‫الناس دمابهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم و نسلهم‪.‬‬

‫اعتراض مر و ‪:‬‬
‫سٌقول بعض الناس‪ :‬إن كان اإلسبلم بهذا الوضوح فما بال هذه الفرق التً ظهرت باسمه عبر‬
‫التارٌخ ؟ وما بال هذا االنقسام القابم بٌن السنة والشٌعة ؟ وبٌن السلفٌة والصوفٌة ؟ وبٌن المذهبٌن‬
‫وبٌن البلمذهبٌٌن ؟‪!..‬‬
‫نستطٌع أن نإكد بكل قوة‪ :‬أنه ال ٌوجد فً العالم كله ( أٌدٌولوجً ة ) دٌنٌة وال وصفًة تملك من‬
‫الوضوح والوحدة ما ٌملكه هذا اإلسبلم‪.‬‬
‫وإن اإلسبلم الذي نصفه بالوضوح لٌس إسبلم فرقة من الفرق بل إنه إسبلم القرآن والسنة‪ ،‬إسبلم‬
‫صحابة ومن تبعهم بإحسان أي اإلسبلم األول قبل أن تظهر هذه الفرق التً فرقت الدٌن شٌعا ً‪.‬‬
‫فمن نعم هللا تعالى على األمة اإلسبلمٌة أن تعالى تولى بنفسه حفظ كتابها وهو القرآن الكرٌم قال‬
‫تعالى‪{ :‬إِ َّنا َن ْحنُ َن َّز ْل َنا ال ِّ ْك َر َوإِ َّنا لَ ُه لَ َحافِ ُ ونَ } (‪ )9‬ورة الحجر‬
‫كما أن سنة محمد صلى هللا علٌه وسلم قد حفظت منتقاة مؽربلة لتكون التبٌان النظري والعملً‬
‫لهذا القرآن‪.‬‬
‫َ‬
‫ولقد حدد اإلسبلم المرجع الذي ٌحتكم إلٌه المسلمون إذا اختلفوا وذلك فً قوله تعالى‪ٌَ { :‬ا أ ٌُّ َها‬
‫ش ًْ ٍء َف ُر ُّوهُ إِلَى ّ ِ‬
‫َّللا‬ ‫الر ُ ول َ َوأ ُ ْولًِ ااَ ْم ِر مِن ُك ْم َفإِن َت َن َ‬
‫از ْع ُت ْم فًِ َ‬ ‫الَّ ٌِنَ آ َم ُنو ْا أَطِ ٌ ُعو ْا ّ َ‬
‫َّللا َوأَطِ ٌ ُعو ْا َّ‬
‫ول إِن ُكن ُت ْم ُت ْإ ِم ُنونَ بِا ّ ِ َوا ْل ٌَ ْو ِم اا ِِر َ لِ َك َ ٌْ ٌر َوأَ ْح َ نُ َتؤْ ِوٌالًو} ( ‪ )59‬ورة الن اء‪ ,‬وقد‬ ‫الر ُ ِ‬ ‫َو َّ‬
‫أجمع المسلمون منذ الصدر األول لئلسبلم على أن الرد إلى هللا ٌعنً الرد إلى كتابه والرد إلى‬
‫رسوله ٌعنً الرد إلى سنته‪.‬‬

‫*ااٌ ٌولوجٌا الح ٌ ة وؼموضها‪:‬‬


‫إن هذه اإلٌدٌولوجٌات الحدٌثة البراقة التً تظهر فً العالم كله مازالت تفتقر إلى مجرد تعرٌؾ‬
‫دقٌق ٌحدد مدلولها وٌوضح طبٌعتها ومفاهٌمها ولهذا ٌختلفون حولها فً كل شً حتى فً معناها‬
‫‪ :‬ما هو؟‬
‫الدٌمقراطً‪:‬‬
‫ة‬ ‫خذ مثبلً‪:‬‬
‫فنحن ال نكاد نجد أٌدٌولوجٌة اجتماعٌة وال تنظٌمً ة سٌاسٌة من اللٌبرالٌة إلى االشتراكٌة إلى‬
‫الشٌوعٌة وحتى النازٌة إال وتدعً كل منها أنها هً (( الدٌمقراطٌة )) الحقة وأن ما عداها‬
‫دٌمقراطٌة زابفة فبات الناس حابرون أي من هذه الدٌمقراطٌة هو األصٌل وأٌها المدعً ؟‬
‫ولكل من هذه الفبات تعتمد على معاٌٌر اجتماعٌة أو وصفٌة لتبرٌر منهجها وأسلوبها‪ ،‬فمفكرو‬
‫الدٌمقراطٌة الؽربٌة ٌعتمدون المعٌار السٌاسً وٌمٌزون دٌمقراطٌتهم بالحرٌة السٌاسٌة على حٌن‬
‫ٌعتمد الماركسٌون المعٌار االقتصادي فٌمٌزون دٌمقراطٌتهم بالحرٌة االقتصادٌة‪.‬‬
‫‪ ‬الجمــع بٌــن التطــور والثبــات‬
‫ٌكاد الذٌن ٌكتبون عن اإلسبلم ورسالته فً عصرنا ٌنقسمون إلى فبتٌن متقابلتٌن‪:‬‬
‫‪ ‬فبة تبرز جانب المرونة والتطور فً أحكام اإلسبلم حتى تحسبها عجٌنة لٌنة‪.‬‬
‫‪ ‬فبة تبرز جانب الثبات والخلود فً تشرٌعه وتوجٌهه حتى تحسبها صخرة صلدة وقلٌل‬
‫من الكتاب كانت رإٌته واضحة لهذا المنهج اإللهً الفرٌد‪.‬‬
‫ومن أبرز ما ٌمٌز اإلسبلم عن سابر المجتمعات األخرى ذلك التوازن أو الوسطٌة والتً تحدثنا‬
‫عنها بالتفصٌل فً فصل سابق‪.‬‬
‫وإن من أجلى مظاهر التوازن والوسطٌة التً ٌتمٌز بها نظام اإلسبلم هو التوازن بٌن الثبات‬
‫والتطور فهو ٌجمع بٌنهما فً تناسق مبدع واضعا ً كبلً منهما فً موضعه الصحٌح‪.‬‬
‫وهذه الخصٌصة البارزة لرسالة اإلسبلم ال توجد فً شرٌعة سماوٌة وال وضعٌة فالسماوٌة تمثل‬
‫عادة الثبات والجمود والوضعٌة تمثل عادة المرونة المطلقة‪.‬‬
‫ولكن اإلسبلم الذي فتح هللا به الشرابع والرساالت السماوٌة أودع هللا فٌه عنصر الثبات والخلود‬
‫وعنصر المرونة والتطور وهذا من روابع اإلعجاز فً هذا الدٌن وصبلحٌته فً كل زمان‬
‫ومكان‪.‬‬
‫ونستطٌع أن نحدد مجال الثبات ومجال المرونة فً شرٌعة اإلسبلم فنقول إنه‪:‬‬
‫‪ ‬الثبات على األهداؾ والؽاٌات والمرونة فً الوسابل واألسالٌب‪.‬‬
‫‪ ‬الثبات على األصول والكلٌات والمرونة فً الفروع والجزبٌات‪.‬‬

‫الثبات والتطور فً الحٌاة والكون‪:‬‬


‫إن طبٌعة الحٌاة اإلنسانٌة نفسها ٌوجد فٌها عناصر ثابتة باقٌة ما بقً اإلنسان وعناصر مرنة قابلة‬
‫للتؽٌر والتطور‪.‬فاإلنسان الٌوم قد اتسعت مداركه وازدادت قدرته على تسخٌر القوى الكونٌة من‬
‫حوله واالنتفاع بها‪.‬‬
‫ولكن هل تؽٌر جوهر إنسان الٌوم عن جوهر إنسان ما قبل التارٌخ؟‬
‫كبل‪،‬إن جوهر اإلنسان واحد وإن تطورت معارفه وتضاعفت إمكانٌات ه ‪.‬فاإلنسان منذ عهد أبٌه‬
‫األول إلى الٌوم ٌؤكل وٌشرب وٌضعؾ عزمه أمام دوافع نفسه فٌعصً وٌؽوي ثم ٌصحو وازعه‬
‫الدٌنً وشعر بالذنب فٌرجع وٌتوب وهكذا‪.‬‬
‫وإذا نظرنا على الكون من حولنا لوجدنا أن هناك أشٌاء ثابتة تمضً آالؾ ومبلٌٌن السنٌن وال‬
‫تتؽٌر كالجبال واألرض واللٌل والنهار والشمس والقمر‪.‬وهناك أشٌاء جزبٌة متؽٌرة كالجزر التً‬
‫تنشؤ والبحٌرات التً تجؾ ‪..........‬الخ‪.‬‬
‫وهذا هو شؤن اإلنسان والكون ثبات وتؽٌر فً آن واحد ولكنه ثبات فً الكلٌات و الجوهر وتؽٌر‬
‫فً الجزبٌات والمظهر‪ ،‬ولهذا ال عجب أن تؤتً شرٌعة اإلسبلم مبلبمة لفطرة اإلنسان وفطرة‬
‫الوجود جامعة بٌن عنصر الثبات وعنصر التؽٌر‪.‬وبهذه المٌزة ٌستطٌع المجتمع المسلم أن ٌعٌش‬
‫وٌرتقً ثابتا ً على أصوله وقٌمه وؼاٌاته متطوراً فً معارفه وأسالٌبه‪.‬‬

‫دالبل الثبات والمرونة فً مصادر اإلسبلم وأحكامه‪:‬‬


‫إن للثبات والمرونة مظاهر ودالبل نجدها فً مصادر اإلسبلم وشرٌعته‪.‬‬
‫ف ً المصا ر‪ٌ :‬تجلى هذا الثبات فً المصاد ر األصلٌة النصٌة القطعٌة للتشرٌع من كتاب هللا‬
‫وسنة رسول هللا فبل ٌسع مسلما ً أن ٌعرض عنه أو ٌعترض علٌه {إِ َّن َما َكانَ َق ْول َ ا ْل ُم ْإ ِمنٌِنَ إِ َ ا‬
‫َّللا َو َر ُ ولِ ِه لِ ٌَ ْح ُك َم َب ٌْ َن ُه ْم أَن ٌَ ُولُوا َ م ِْع َنا َوأَ َط ْع َنا َوأ ُ ْولَئِ َك ُه ُم ا ْل ُم ْ لِ ُحونَ } ( ‪ )51‬ورة‬ ‫ُ ُعوا إِلَى َّ ِ‬
‫النــور‪.‬‬
‫وتتجلى المرونة فً المصادر االجتهادٌة التً اختلؾ فقهاء األمة فً مدى االحتجاج بها‬
‫مثل‪:‬اإلجماع والقٌاس واالستحسان والمصالح المرسلة وأقوال الصحابة وؼٌر ذلك من طرابق‬
‫االستنباط‪.‬‬
‫وأحكام الشرٌعة نجدها تنقسم إلى قسمٌن بارزٌن‪:‬‬
‫‪- 1‬قسم ٌمثل الثبات والخلود‪.‬‬
‫‪- 2‬وقسم ٌمثل المرونة والتطور‪.‬‬
‫نجد الثبات ٌتمثل فً العقابد األساسٌة الخمس‪:‬من اإلٌمان باهلل ومبلبكته وكتبه ورسله والٌوم‬
‫ب َولَكِنَّ ا ْل ِب َّر َمنْ‬ ‫ن ا ْل ِب َّر أَن ُت َولُّو ْا ُو ُجو َه ُك ْم قِ َبل َ ا ْل َم ْ‬
‫ش ِر ِق َوا ْل َم ْؽ ِر ِ‬ ‫اآلخر والتً ذكرها القرآن{لَّ ٌْ َ‬
‫ب َوال َّن ِب ٌٌِّنَ } (‪ )177‬ورة الب رة‬ ‫آ َمنَ ِبا ّ ِ َوا ْل ٌَ ْو ِم اا ِِر َوا ْل َمآلئِ َك ِة َوا ْل ِك َتا ِ‬
‫وفً األركان العملٌة الخمسة من الشهادتٌن وإقام ة الصبلة وإٌتاء الزكاة وصوم رمضان وحج‬
‫البٌت الحرام وهً التً بنً اإلسبلم علٌها‪.‬‬
‫المحرما الٌ ٌنٌة‪ :‬من السحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وأكل مال الٌتٌم والسرقة‬ ‫ّ‬ ‫وفً‬
‫وشرب الخمر وؼٌرها مما ٌثبت بقطعً القرآن والسنة‪.‬‬
‫وفً أمهات الفضابل من الصدق واألمانة والعفة والصبر والوفاء وؼٌرها من مكارم الخبلق التً‬
‫اعتبرها القرآن والسنة من شعب اإلٌمان‪.‬‬
‫وفً شرابع اإلسبلم القطعٌة فً شإون الزواج والطبلق والمٌرا ث وؼٌرها من نظم اإلسبلم التً‬
‫ثبت بنصوص قطعٌة الثبوت والداللة فً أمور ثابتة ال تتؽٌر مهما تؽٌر الزمان والمكان فبل ٌحق‬
‫ألحد أن ٌؽٌرها وٌبدلها مهما كان ومهما بلػ من العلم‪.‬‬
‫ونجد فً مقابل ذلك القسم اآلخر الذي ٌتمثل فٌه المرونة وهو ما ٌتعلق بجزبٌات األحكام‬
‫وفروعها العملٌة وخصوصا ً فً مجال السٌاسة الشرعٌة‪.‬‬

‫‪ -‬الثبات والمرونة فً هدي القرآن‪:‬‬


‫وفً تدبٌر القرآن الكرٌم نجد فً نصوصه المقدسة دالبل جمة عن الجمع بٌن الثبات والمرونة‬
‫جمعا ً متوازنا ً عادالً‪.‬‬
‫ومن اام لة على لك نج ‪:‬‬
‫‪(:‬وأمرهم شور بٌنهم)‪,‬‬ ‫أ ‪ٌ -‬تمثل الثبات فً قوله تعالى فً وصؾ مجتمع المإمنٌن‬
‫ولرسوله (وشاورهم فً اأمر) فبل ٌجوز ألحد أن ٌلؽً الشورى فً حٌاته السٌاسً ة‬
‫واالجتماعٌة وتتمثل المرونة فً عدم تحدٌد شكل معٌن للشورى ٌلتزم به الناس فٌتضرر‬
‫المجتمع به‪.‬‬
‫َ‬
‫ب ‪ٌ-‬تمثل الثبات فً قوله تعالى ‪َّ{ :‬لَّ ٌَ َّت ِ ِ ا ْل ُم ْإ ِم ُنونَ ا ْل َكاف ِِرٌنَ أ ْولِ ٌَاء مِن ُْو ِن ا ْل ُم ْإ ِمنٌِنَ َو َمن‬
‫َّللا ُ َن ْ َ ُه َوإِلَى ّ ِ‬
‫َّللا‬ ‫ش ًْ ٍء إَِّلَّ أَن َت َّت ُو ْا ِم ْن ُه ْم ُت َا ًوة َو ٌُ َح ِّ ُر ُك ُم ّ‬ ‫ن مِنَ ّ ِ‬
‫َّللا فًِ َ‬ ‫ٌَ ْ َعلْ َ لِ َك َفلَ ٌْ َ‬
‫ا ْل َمصِ ٌ ُر} ( ‪ )28‬ورة آل عمران ‪ ،‬وتتمثل المرونة فً االستثنا ء من هذا الحكم عند‬
‫الضرورة إذ قالت اآلٌة الكرٌمة (إَِّلَّ أَن َت َّت ُو ْا ِم ْن ُه ْم ُت َا ًوة)‪.‬‬
‫‪ -‬الثبات والمرونة فً الهدي النبوي‪:‬‬
‫وإذا تؤملنا فً السنة المطهرة قوالً وفعبلً وتقرٌراً وجدناها ملٌبة بشتى األمثلة التً ٌتمثل فٌها‬
‫الثبات والمرونة جنبا ً إلى جنب‪.‬‬
‫أ ‪ٌ -‬تمثل الثبات والمرونة معا فً موقفه صلى هللا علٌه وسلم من وفد ثقٌؾ وقد عرضوا علٌه‬
‫أن ٌدخلوا اإلسبلم ولكنهم سؤلوه أن ٌدع لهم البلت والعزى التً كانوا ٌعبدونها فً‬
‫الجاهلٌة فؤبى رسول هللا صلى هللا علٌه وسلم ذلك‪ ،‬كما سؤلوه أن ٌعفو من الصبلة فقال‬
‫صلى هللا علٌه وسلم ‪(( :‬أما ك ر أوانكم ٌؤٌ كم ف نع ٌكم منه وأما الصالة فإنه َّل ٌر فً‬
‫ٌن َّل صالة فٌه))‪ .‬فهو صلى هللا علٌه وسلم أمام العقابد ال ٌتناز ل وال ٌترخص كما فً‬
‫أمر البلت وأمر الصبلة‪ ،‬وأما فً الكٌفٌات ففٌها فسحة للترخص والمسامحة كما فً كسر‬
‫األوثان بؤٌدٌهم‪.‬‬
‫ب ‪ٌ-‬تمثل الثبات فً موقفه صلى هللا علٌه وسلم من الُقرٌشٌة المخزومٌة التً سرقت ومحاولة‬
‫قرٌش تخلٌصها من العقوبة عن طرٌق الشفاعة إلى رسول هللا بحبه وابن حبه(أسامة بن‬
‫زٌد) فؽضب الرسول وقام بٌنهم خطٌبا ً قاببلً ‪(( :‬إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إ ا رق‬
‫فٌهم الشرٌؾ تركوه وإ ا رق فٌهم الضعٌؾ أقاموا علٌه الح وأٌم َّللا لو رق‬
‫فاطمة بن محم ل طع ٌ ها)) رواه الشٌ ان‪.‬‬
‫وتتمثل مرونته فً قوله صلى هللا علٌه وسلم ‪َّ(( :‬ل ت طع ااٌ ي فً الؽزو)) رواه أبو‬
‫اوو ‪.‬‬
‫وذلك خشٌة أن ٌؽتر الجانً وٌلحق بالكفار والعٌاذ باهلل‪.‬‬
‫ج ‪ٌ -‬تمثل الثبات فً رفضه صلى هللا علٌه وسلم الؽلو فً الدٌن وإخراج اإلسبلم عن‬
‫وسطٌته واعتداله إلى التطرؾ والتنطع سواء كان فً العقابد أم فً العبادات أم فً‬
‫األخبلق أم فً الشرابع‪.‬‬
‫وتتمثل مرونته فً طرٌقة الدعوة وتعلٌم الخلق ومخاطبة الناس على قدر عقولهم ولهذا أمر‬
‫بالتٌسٌر والتبشٌر ونهً عن التعسٌر والتنفٌر‪.‬‬

‫الثبات والمرونة فً هذي الصحابة والراشدٌن‪:‬‬


‫وإذا بحثنا فً هدي الصحابة رضً هللا عنهم وهم تبلمٌذ مدرسة النبوة والذي أمرنا رسول هللا‬
‫صلى هللا علٌه وسلم أن نستن بسنتهم‪.‬‬
‫أ‪ٌ -‬تمثل الثبات فً موقؾ أبً بكر رضً هللا عنه حٌن امتنعوا عن أداء فرٌضة الزكاة وقال‬
‫مقولته الشهٌرة‪(( :‬وهللا ألقاتلن من فرق بٌن الصبلة والزكاة))‪.‬‬
‫وتتمثل مرونته فً موقفه من سٌؾ هللا ((خالد ابن الولٌد)) حٌن أخطؤ فقتل مالك بن نوٌرة ومن‬
‫معه فً حروب الر ّدة ولم ٌسمع لؽضب عمر‪ ،‬وحٌن ألح عمر على أبً بكر فً شؤن خالد رضً‬
‫هللا عنه‪،‬قال أبو بكر رضً هللا عنه ‪(:‬هبه ٌا عمر تؤول فؤخطؤ) ولم ٌكؾ عمر هذا الجواب وظل‬
‫ٌلح على أبً بكر فلما ضاق ذرعا ً بإلحاحه قال ‪ٌ(( :‬ا عمر ما كنت ألشٌم أؼمد سٌفا ً سلّه هللا على‬
‫الكافرٌن))‪.‬‬
‫ب‪ٌ -‬تمثل الثبات فً موقؾ عمر رضً هللا عنه من األمٌر الؽسانً حٌث لطم جبلً من عامّة‬
‫المسلمٌن وأبى الرجل إال أن ٌقتص منه‪ ،‬فطلب منه عمر أن ٌقبل القصاص فارتد األمٌر‬
‫المستكبر‪.‬‬
‫وتتمثل المرونة فً تؤخٌر عمر فرٌضة الزكاة عن أرباب الماشٌة من اإلبل والبقر والؽنم فً عام‬
‫الجدب تٌسٌراً على الناس‪.‬‬

‫الفقه اإلسبلم ي بٌن الثبات والتطور‪:‬‬


‫نجد الفقه اإلسبلمً بمختلؾ مدارسه ومذاهبه ٌسٌر فً نفس هذا االتجاه ثابتا ً على األصول‬
‫والكلٌات مرنا ً ومتطوراً فً الفروع والجزبٌات‪ .‬فالفقٌه المسلم مقٌد بالنصوص المحكمة الثابتة‬
‫من القرآن والسنة وهً المجزوم بثبوتها المقطوع فً داللتها‪ .‬ومع هذا التقٌد الملزم ٌجد الفقٌه‬
‫المسلم نفسه فً حرٌة واسعة أمام منطقتٌن فسٌحتٌن من مناطق االجتهاد وإعمال الرأي والنظر‪.‬‬
‫منط ة ال راغ التشرٌعً‪:‬‬
‫المنطقة األولى هً ما ٌمكن تسمٌته((منطقة الفراغ التشرٌعً)) تلك المنطقة التً تركتها‬
‫النصوص الجتهاد أولً األمر والرأي بما ٌحقق المصلحة العامّة وهً المنطقة التً ٌسمٌها بعض‬
‫الفقهاء((العفو)) كما جاء بالحدٌث الشرٌؾ‪(:‬ما أحل هللا فً كتابه فهو حبلل وما حرّم فهو حرام‬
‫وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من هللا عافٌته فإن هللا لم ٌكن لٌنسى شٌبا)‪.‬وتبل الرسول صلى هللا‬
‫علٌه وسلم‪(:‬وما كان ربك نسٌا ً)‪.‬‬
‫منط ة النصوص المحتملة‪:‬‬
‫المنطقة الثانٌة هً منطقة النصوص المتشابهات التً اقتضت حكمة الشارع أن تجعله هكذا‬
‫محتمبلت تتسع ألكثر من فهم مابٌن متشدد ومترخص ومابٌن واقعً ومفترض‪.‬‬
‫فهذه هً شرٌعة اإلسبلم‪:‬‬
‫لو شاء هللا لجعل أحكامها كلها منصوص علٌها نصا ً قطعً الثبوت قطعً الداللة وبذلك ال ٌكون‬
‫هناك مجال لبلجتهاد وتؽٌر اآلراء وتؽٌر الفتوى بتؽٌر الزمان والمكان والحال‪.‬ولو شاء أٌضا ً‬
‫لجعل النصوص الشرعٌة كلها ظنٌة الثبوت أو ظنٌة الداللة أو ظنٌتهما معا ً وبذلك ال ٌوجد حكم‬
‫واحد ثابت مقطوع به ولكن شاء هللا أن ٌكون من مصادر هذا الدٌن وأدلته القطعً والٌقٌنً الذي‬
‫ال ٌقبل النقاش وال التؽٌٌر كما شاء سبحانه أن ٌكون بجوارها المصادر االجتهادٌة واألدلة الظنٌة‪.‬‬

‫موقؾ المجتمع المسلم من المجتمعات األخرى‪:‬‬


‫وعلى ضوء ما ذكرناه فً الجمع بٌن الثبات الذي ٌمنحه االستقرار فبل ٌتحول عن أصوله وبٌن‬
‫المرونة التً ٌواجه بها سٌر الزمن وسنة التطوٌر‪.‬‬
‫نتبنً موقؾ المجتمع المسلم من المجتمعات األخرى المخالفة له فً العقٌدة والوجهة إنه ال ٌذوب‬
‫فٌها وال ٌتبع أهوابها وال ٌقلدها بما فٌما هو من خصابصها وهذه هً التبعٌة التً ٌرفضها‬
‫اإلسبلم ألمته ومع هذا ال ٌنعزل المجتمع المسلم عن ؼٌره من المجتمعات بل ٌستطٌع ان ٌقتبس‬
‫وٌنتفع منها بما لدٌه من معارؾ وخبرات ومهارات‪.‬‬
‫فعنصر الثبات ٌتجلى فً رفض المجتمع المسلم للعقابد والمبادئ واألفكار التً تقوم علٌها‬
‫المجتمعات األخرى ؼً المسلمة‪،‬وفً مقابل هذا الثبات نجد مرونة وسماحة من الناحٌة العملٌة‬
‫والتطبٌقٌة فً الحٌاة مما ٌتصل بالطرابق واألسالٌب ال بالمبادئ والهداؾ‪.‬‬

‫المسلمون فً العصور الذهبٌة‪:‬‬


‫لقد استطاع المسلمون فً العصور الذهبٌة أن ٌحتفظوا بشخصٌتهم اإلسبلمٌة ثابتٌن على عقابدهم‬
‫وشعابرهم وخبلقهم وأن ٌقتبسوا مع هذا من مدنٌات الفرس والروم وؼٌرهم من القدماء ما ٌنفعهم‬
‫وٌبلبم أوضاعهم حٌث عربوه وهذبوه وأضافوا إلٌه وحذؾ منه ما ٌتعارض مع عقٌدتهم عن هللا‬
‫والوجود‪.‬‬
‫ومازال تارٌخ العلم ٌحتفظ بؤسماء المعة لعلماء مسلمٌن فً الطب والكٌمٌاء والفٌزٌاء وشتى‬
‫أنواع العلوم ولقد اثبت مإرخو الحضارة اإلسبلمٌة أن المنهج العلمً الحدٌث الذي ٌتمٌز به‬
‫الؽرب قد اقتبس من المسلمٌن الذٌن سبقوا إلى اكتشاؾ هذا المنهج كامبلً قبل نهضة أوربا بعده‬
‫قرون وقد شهد بذلك العلماء الؽربًٌن المنصفٌن‪.‬‬

‫طبٌعة واضحة للمجتمع المسلم‪:‬‬


‫إن طبٌعة المجتمع المسلم لم تعد خافٌة علٌنا هل هو مجتمع ثابت جامد؟أم مجتمع مرن متطور؟‬
‫المجتمع المسلم مجتمع متوازن واخذ كل من الثبات والتطور مكانه بالعدل‪.‬المجتمع المسلم مجتمع‬
‫ثابت متحرك فً آن واحد‪.‬‬

‫أمران ٌعرضان المجتمع اإلسبلمً للخطر‪:‬‬


‫إنما ٌتعرض المجتمع اإلسبلم ي للخطر نتٌجة أحد أمرٌن‪:‬‬
‫ااول‪ :‬أن ٌجمد ما من شؤنه التؽٌر والتطور فتصاب الحٌاة بالعقم والجمود وهذا ما حدث فً‬
‫عصور االنحطاط والشرود عن هدي اإلسبلم الصحٌح فتوقؾ االجتها د فً الفقه ووقؾ اإلبداع‬
‫فً العلم واالبتكار فً الحرب وضربت الحٌاة بالجمود والتقلٌد فً كل شًء‪،‬على حٌن أخذت‬
‫المجتمعات األخرى الراكدة تستٌقظ وتتطور ثم تنمو وتتقدم‪.‬‬
‫ال انً‪ :‬أن ٌخضع للتطور والتؽٌر ما من شؤنه الثبات واالستقرار كما نرى فً عصرنا الحاضر‬
‫إن فبة من أبناء المسلمٌن ٌرٌدون خلع األم ة من دٌنها باسم التطور‪.‬‬
‫وبهذه األدلة والبراهٌن التً أوردناها نستطٌع أن نرد على القابلٌن أن اإلسبلم جامد ثابت ال‬
‫ٌتحرك وال ٌتؽٌر مع تؽٌر العصر‪.‬‬
‫وختاما ً نقول أنه لٌست هذه الخصابص فقط هً خصابص اإلسبلم بل كل مسلم ٌستطٌع أن‬
‫ستخرج وٌستنبط خصابص جدٌدة وواضحة لئلسبلم العظٌم‪.‬‬

‫الحمد هلل رب العالمٌن‬