You are on page 1of 8

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫مهنة المكتبات‪ ،‬و أنا‬

‫!!!‬

‫بقلم‪ :‬أماني الرمادي‬
‫)من هواة مهنة المكتبات(‬
‫الحمد ل رب العالمين ‪،‬والصلة والسلم على أشرف المرسلين‪ ،‬النبي المي الذي ناداه ربه من‬
‫فوق سبع سماوات بالنداء الخالد‪":‬إقرأ"‪ ،‬فصار ُمعّلمًا للعالمين ؛ وبعد ‪ ،‬فيبدو أن مهنة المكتبات‬
‫ت ‪-‬بفضل ال تعالى‪-‬‬
‫كانت تطاردني منذ الطفولة ‪ ،‬فقد بدأت علقتي بالكتب والمكتبات حين نشأ ُ‬
‫في بيت يملك مكتبة خاصة ‪،‬وتربيت على أيدي والَدين كريمين ُيحبان العلم ويحترمان المعرفة ؛‬
‫ول أنسى ذلك اليوم ‪ -‬قبل أن ألتحق بالمدرسة ‪ -‬حين عاد أخي الذي يكبرني بعام من أول يوم‬
‫دراسي له بالسنة الولى البتدائية يحمل كتبه الدراسية ‪ ،‬فإذا بها تشدني بألوانها وصورها الجميلة‬
‫‪ ،‬فصار من أحلمي أن أمتلك مثل هذه الكتب!‬
‫ونتيجة لصراري على استخدام هذه الكتب أضطر أبي‪ -‬حفظه ال تعالى – أن يعلمني القراءة‬
‫قبل أن أدخل المدرسة من خلل كتاب المطالعة الخاص بأخي ؛ فكان هذا يرضيني حتى أنني‬
‫صرت بعد ذلك أحمل الكتاب وأحكي منه لخي الصغر ليتعرف على ما بالكتاب من‬
‫موضوعات !!‬
‫ت أملك كتبًا جميلة ملونة‬
‫ت أسعَد الناس‪ ،‬فقد أصبح ُ‬
‫ت بالمدرسة البتدائية صر ُ‬
‫و لما التحق ُ‬
‫ومصورة مثل أخي !‬
‫ولما لحظ أبي‪ -‬حفظه ال ‪ -‬شغفي بالقراءة كان يشتري لي ولخوتي القصص المصورة التي‬
‫تناسب أعمارنا‪ ،‬فلما صرت في الثامنة من عمري اصطحبنا لزيارة المكتبة العامة التي تقع‬
‫ل منا اشتراك بالمكتبة وكان أول انطباع لي عن المكتبة هو أنها مكان‬
‫بالقرب من منزلنا ليكون لك ّ‬
‫هادىء وجميل ومريح‪ ،‬حتى ان أخصائي المكتبة‪-‬جزاه ال خيرا‪ -‬استقبلنا بابتسامة ‪ ،‬وودعنا‬
‫بابتسامة بعد أن أوضح لنا أهمية المحافظة على الكتب الُمعارة ؛ وسمح لنا والدي بعد ذلك أن‬
‫نذهب معًا –بدونه‪ -‬لنعيد الكتب الُمعارة ونستعير غيرها حتى صارت زيارة المكتبة عادة محببة‬
‫إلينا ‪.‬‬
‫ت في العاشرة من عمري لم تعد قصص المكتبة تكفيني ‪ ،‬بل كنت وإخوتي نشتري‬
‫ولما صر ُ‬
‫من مصروفنا الخاص مجلت الطفال وننتظرها كل خميس وكأنها غائب حبيب !!!‬
‫وكانت البداية مع مجلَتي ‪ :‬ميكي وسمير‪،‬ولكني حين كنت أغضب من أحد إخوتي كنت‬
‫أعاقبه بمنعه من قراءة المجلة التي اشتريها‪ ،‬وحينها كان يقول لي لبي‪":‬الخلف بينكم ل يبرر‬
‫أن تحرميه من المجلت ‪ ،‬فهي كلها لكم جميعا"‪،‬ولكن مع إصراري على رأيي اضطر أبي إلى‬
‫زيادة مصروفنا لنشتري عددًا أكبر من عناوين المجلت‪ ،‬فصرنا نشتري مجلت ‪ :‬سوبر مان ‪،‬‬
‫والوطواط ‪ ،‬و لولو‪ ،‬و تان تان ‪،‬ثم تطور المر إلى ألغاز المغامرون الخمسة‪ ،‬والقصص‬
‫العالمية المترجمة ‪.‬‬
‫ت بدراسة الشعر والنثر بالمدرسة تحولت قراءاتي إلى الدب العربي وخاصة‬
‫ولما بدأ ُ‬
‫الندلسي‪ ،‬و أدب المهجر ‪ ،‬بالضافة إلى القراءة حول علم النفس الذي كان يستهويني كثيراً‪،‬‬
‫ل عن قراءة سَير المشاهير من العظماء في شتى التخصصات ‪.‬‬
‫فض ً‬

‫ولما كان حلمي للمستقبل يتمثل في اللتحاق بكلية اللسن لصير ُمترجمة فورية‪،‬فقد بدأت في‬
‫ت بعد ذلك أقرأ‬
‫الدراسة الحرة للغة النجليزية في المعاهد الجنبية المتاحة بالسكندرية‪،‬و صر ُ‬
‫بالنجليزية في نفس المجالت التي أحبها استعدادًا لحلم المستقبل ‪.‬‬
‫ولما جاء موعد كتابة استمارات الثانوية العامة‪ ،‬كانت الرغبة الولى لكل الطالبات في‬
‫فصلي‪ -‬وأعتقد في كل المدارس الثانوية بمصر – هي ‪ :‬كلية الطب ؛بينما كانت أول رغبة‬
‫بالنسبة لي –لدهشة الجميع‪ -‬هي كلية اللسن ؛ فقد كنت –بحمد ال ‪ -‬واضحة وصادقة مع نفسي ‪.‬‬
‫ت على الشهادة الثانوية العامة رفض أبي رفضًا تامًا أن أقيم بالقاهرة للتحق بكلية‬
‫ولما حصل ُ‬
‫اللسن‪ ،‬أو حتى كلية الترجمة الفورية بكلية البنات بالزهر؛إل إذا كانت إقامتي عند أحد أقاربنا‬
‫ي من العاصمة ‪.‬‬
‫بالقاهرة‪،‬فقد كان يخشى عل ّ‬
‫ومرة أخرى كنت واضحة وصريحة ‪ ،‬فقلت له‪ ":‬أنا ل أحب القامة عند أحد حتى ولو كنت‬
‫ضل القامة ببيت الطالبات" ‪ ،‬ولكن أبي رفض رفضًا باتًا !!!!‬
‫أحبهم ويحبونني ‪ ،‬أنا أف ّ‬
‫ى قد جاءتها أوراق التنسيق‬
‫ت ان أحب صديقاتي إل ّ‬
‫وكانت صدمة كبيرة بالنسبة لي؛؛؛ فلما علم ُ‬
‫لتخبرها بأنها قد ُقبَلت بكلية الزراعة ‪ ،‬قلت لنفسي‪ :‬ولم ل أدخل معها؟ فلم يعد يهمني ما أدرسه‬
‫ت كثيرًا بدراسة الكيمياء التي تخبرنا عن‬
‫ت بكلية الزراعة واستمتع ُ‬
‫بعد اللسن ‪ ،‬وبالفعل التحق ُ‬
‫خواص المواد ‪ ،‬و علم الحيوان الذي يخبرنا عن مخلوقات ال وخاصة الدقيقة منها ‪ ،‬وعلم‬
‫النبات الذي يخبرنا عن نماذج متعددة للنباتات وكيفية استكشاف أمراضها وعلجها ‪...‬وكانت‬
‫أمتع أوقاتي تلك التي أقضيها في المعمل و في المزرعة ؛لنني كنت أرى كل شيء على طبيعته‬
‫وأمارس بيدي كل شيء؛ كما استفدت من دراسة القتصاد ‪ ،‬واللغة النجليزية بالطبع ‪ ...‬وفي‬
‫نفس الوقت استمتعت بصحبة صديقتي ؛ أما الفيزياء والرياضيات فأعترف بأنني كنت أدرسهم‬
‫فقط لجتياز المتحان‪،‬وبالرغم من ذلك فإن حلمي المفقود لم يكن يفارقني أبدًا ‪.‬‬
‫وبعد نجاحي في السنة الولى زاد حنيني إلى العمل كمترجمة ‪ ،‬فرأيت أن الدراسة في إحدى‬
‫أقسام كلية الداب هي القرب لهذه المهنة ‪،‬خاصة أنه ستكون لدي فرصة لدراسة الترجمة دراسة‬
‫حرة في هذه الكلية بعد التخرج ؛فقررت التحويل من كلية الزراعة إلى الداب‪،‬وقمت بعمل‬
‫ت المتحان‬
‫الجراءات‪،‬وحاولت اللتحاق بقسم اللغة النجليزية؛ولكن ال لم يشأ؛ فقد اجتز ُ‬
‫التحريري‪،‬ولكن القسم لم يقبلني بعد المقابلة الشخصية رغم كل الوسطاء الذين حاولوا التدخل‬
‫لمساعدتي !!!‬
‫ولم أجد بعد ذلك سوى حضور المحاضرات بجميع القسام التي رأيُتها أقرب إلى نفسي‪،‬‬
‫لتعرف على نوعية الدراسة بكل منها ‪ ،‬فحضرت بعض المحاضرات بقسم علم النفس‪ ،‬وعلم‬
‫الجتماع ‪ ،‬والثار اليونانية الرومانية ‪ ،‬وعلم المكتبات !!!‬
‫وفي أول محاضرة بقسم المكتبات اعتذر الُمحاضر ‪،‬ولكني كنت أرغب في استكشاف هذا القسم‬
‫ت الذهاب مرة أخرى ‪ ،‬وإذا بي أمام أستاذة عظيمة من‬
‫لحبي الدفين للكتب والمكتبات ‪ ،‬فقرر ُ‬
‫أساتذة المكتبات والمعلومات وهي الستاذة الدكتورة حورية مشالي ‪.‬‬
‫لقد جذبتني بهدوئها وأدبها الجم‪ ،‬وأسلوبها الراقي في معاملة الطلب ‪ ،‬وسعة أفقها‪،‬‬
‫ت أن أختار‬
‫وتشجيعها للطلب ‪ -‬بشتى الطرق ‪ -‬على القبال على دراسة علم المكتبات ‪ ،‬فقرر ُ‬
‫هذا القسم عن اقتناع ‪ ،‬خاصة وأن عدد الدارسين بالفرقة الولى كان ثلثين طالباً وطالبة فقط !‬
‫ولما تأخر تحويل أوراقي من كلية الزراعة إلى الداب واقترب موعد امتحان نصف العام ‪،‬لم‬
‫أر أمامي سوى العودة إلى كلية الزراعة‪،‬فكيف لي أن أدخل المتحان بدون ورقة رسمية تثبت‬
‫أنني طالبة بالكلية؟ وفي الوقت الذي كنت أفكر فيه في هذا المر إذا بأستاذتي الدكتورة حورية‬
‫ت شاردةً ‪،‬‬
‫تخرج من مكتبها وتحاول إغلق بابه بالمفتاح‪ ،‬فلما رأيُتها لم أتحدث إليها؛ فقد كن ُ‬
‫ت لها المر‪ ،‬فقالت لي‪:‬‬
‫وحائرة ‪،‬وُمحبطة ؛ولكنها نادتني قائلة‪ " :‬ما ذا بك يا أماني؟" ‪ ،‬فشرح ُ‬
‫" ل ‪ ،‬نحن نريدك عندنا في قسم المكتبات "!‬
‫فقلت لها ‪":‬وكيف أدخل المتحان؟"‬
‫قالت لي‪" :‬ستدخلين على مسئوليتي ‪ ،‬ل تقلقي‪ ،‬فقط ذاكري جيدا ‪ ،‬لتنجحي بامتياز !"‬

‫وأطعُتها فورًا فقد كنت أشعر كأنها أمي الثانية‪ .‬وفي أول يوم من أيام المتحان جاءت‬
‫أستاذتي الدكتورة حورية –وكانت وقتها رئيسة القسم‪ -‬لتطمئن أن الوضاع مستقرة بالنسبة لي‬
‫ت بالطمئنان وفي نفس الوقت‬
‫باللجنة وأخبرت المراقبين وأعضاء الكنترول عن حالتي ‪ ،‬فشعر ُ‬
‫ت ال تعالى أنني لن أترك قسم المكتبات الذي أحببُته ‪.‬‬
‫بالمتنان لهذه النسانة العظيمة‪،‬وحمد ُ‬
‫وجاءت نتائج امتحانات النصف الول من العام لتخبرني أنني حصلت –كما أوصتني أستاذتي‬
‫– على تقدير امتياز في مقرر "المدخل إلى علم المكتبات والمعلومات" الذي تدّرسه لنا أستاذتي‪،‬‬
‫فكان ذلك أحد حوافز تشجيعي على الستمرار في الدراسة بهذا القسم ‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فقد كانت هناك مشكلة تقابلني وزملئي بالفرقة الولى وهي أننا كلما قابلنا زميلت‬
‫لنا من القسام الخرى سألننا‪":‬في أي قسم تدرسون؟"‪،‬فكنا نقول ‪":‬في قسم الوثائق والمكتبات "‬
‫جبن في دهشة‪ ":‬ماذا؟ الوسائل والمكتبات؟" ومنهن من تقول‪:‬‬
‫وهو اسمه وقتها‪ -‬فإذا بهن ُي ِ‬‫"ماذا ؟ قسم الوثائق والمكاتب؟؟!!!" وكان السؤال التقليدي المتكرر بعد ذلك هو ‪ " :‬وبأي‬
‫وظيفة تعملون بعد التخرج ؟!!" فكنا نوضح لهن ولكن الرد التقليدي الذي كان يأتي باستخفاف‪،‬‬
‫وأحياناًبازدراء‪ " :‬تقصدين أمينة مكتبة؟! لتقومي بمسح التراب من على الكتب ثم إعادة‬
‫ترتيبها على الرفوف؟ وهل هذا يستحق دراسة لمدة أربع سنوات؟!!!!!!!!!"‬
‫وكان هذا يؤلمنا كثيراً‪ ،‬ولكني لم أيأس بل كنت أدافع عن القسم وأحاول إقناعهن بأهميته‪،،،،‬‬
‫ولكن دون جدوى !!‬

‫ولما كنت أستحيي من الحديث إلى أساتذتي من الرجال خارج قاعة المحاضرات‪ ،‬فقد نقلتُ‬
‫هذه الهموم إلى أستاذتي الدكتورة حورية ‪ ،‬فكانت تقول لي‪ " :‬نحن في حاجة إلى وقت وجهد‬
‫لكي يعرف المجتمع المصري قيمة هذه الوظيفة " ‪ ،‬ولقد حارَبت أستاذتي من أجل تغيير اسم‬
‫القسم إلى " قسم المكتبات والمعلومات " حتى يكون أقرب إلى أذهان الناس وأفضل وقعا ‪ ،‬ومن‬
‫ثّم تسويقا للقسم؛ فوفقها ال وتم تغييره بالفعل ؛ وكانت ‪-‬جزاها ال خيرا‪ -‬تقوم بعدة أنشطة تفيد‬
‫الطلب وتسّوق في نفس الوقت للقسم وكانت تكافح ليكون لقسمنا مكان ثابت لعضاء هيئة‬
‫التدريس‪ ،‬فضلًعن قاعات المحاضرات ومكتبة القسم ‪،‬كما كانت تستضيف الشخصيات البارزة‬
‫من جمعية المكتبات والمعلومات المتخصصة ‪ ASLIB‬لعمل الندوات‪،‬وُتيسر التعاون بين القسم‬
‫ومكتبات المراكز الثقافية بالسكندرية ‪،‬وُتحدثنا عن جهود الستاذ الدكتور محمد أمان لمساعدة‬
‫المكتبيين العرب وطلب علم المكتبات في الوليات المتحدة المريكية ؛كما أتاحت لنا الفرصة‬
‫للعمل في المشروع القومي للمعلومات بإشراف أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في العطلة‬
‫الصيفية ‪.‬‬
‫وكان حبنا واحترامنا للمهنة يزداد مع ذلك‪،‬ولكن نظرة الطلب خارج القسم ظلت كما هي ‪،‬‬
‫ت أزداد يومًا بعد يوم به اقتناعًا وعنه‬
‫ت يومًا أنني التحقت بهذا القسم ‪ ،‬فقد كن ُ‬
‫ومع ذلك فما ندم ُ‬
‫جلء فخورين به ‪ ،‬و غير مكترثين بنظرة العوام له ؛‬
‫دفاعًا ؛ خاصة حينما كنت أرى أساتذتي ال ِ‬
‫فقد أكرمني ال تعالى بالتتلمذ على أيدي الساتذة من عمالقة التخصص في مصر والعالم العربي‬
‫وهم ‪ :‬الستاذ الدكتور‪ /‬عبد اللطيف ابراهيم ‪ ،‬والستاذ الدكتور ‪/‬محمد أمين البنهاوي‪ ،‬و‬
‫الستاذ الدكتور ‪/‬محمد المصري عثمان؛رحمهم ال جميعاً ‪،‬هذا بالضافة إلى الستاذ الدكتور‪/‬‬
‫عبد الستار الحلوجي‪ ،‬و الستاذ الدكتور‪ /‬محمد فتحي عبد الهادي‪ ،‬والستاذ الدكتور‪ /‬شعبان‬
‫خليفة ‪ ،‬والستاذ الدكتور‪/‬حشمت قاسم ‪ ،‬والستاذ الدكتور‪ /‬أسامة السيد محمود ‪،‬و الستاذة‬

‫الدكتورة حورية مشالي ‪ ،‬والستاذ الدكتور‪ /‬جمال الخولي ‪ ،‬والدكتور‪ /‬ابراهيم البنداري ؛‬
‫حفظهم ال جميعا و جزاهم عني وعن زملئي خيرا كثيرا ‪.‬‬
‫ت أرى في كل منهم جانبًا مضيئًا إن لم يكن جوانب تعينني على القتداء بهم والسير‬
‫لقد كن ُ‬
‫ت أقضي أوقات‬
‫على نهجهم ؛ وكنت أتمنى أن أحقق يومًا ولو جزء صغير مما أنجزوه‪ ،‬فصر ُ‬
‫فراغي بين المحاضرات إما في مكتبة المركز الثقافي البريطاني أو في مكتبة المركز الثقافي‬
‫المريكي اللتين تقعان بالقرب من الجامعة ‪ -‬حيث أن مكتبة القسم كانت ل تزال تحت التأسيس‬
‫وقتها ‪-‬لقرأ حول التخصص بالنجليزية ‪ ،‬وكنت أرى أخصائيي المكتبات هناك فخورين جدًا‬
‫بمهنتهم‪،‬ومتعاونين أشد التعاون مع المستفيدين ‪ -‬رغم أنهم ليسوا من خريجي قسم المكتبات‪-‬‬
‫فزادني ذلك حبًا للمهنة‪.‬‬
‫أما عن اللغة النجليزية –حلمي الحبيب‪ -‬فقد استمرت دراستي الحرة لها في العطلت‬
‫ت على أعلى شهادات دولية يمكن الحصول عليها من مصر وقتها ‪ ،‬مثل‬
‫الصيفية حتى حصل ُ‬
‫الشهادة الولى للنجليزية من جامعة كمبردج ‪ ،(First Certificate in English(FCE‬و‬
‫شهادة اللغة النجليزية المتخصصة في إدارة العمال‪،‬وذلك بالمراسلة مع معهد مانشستر التابع‬
‫للشركة المحدودة للتدريب في مجال إدارة العمال ‪،Business Training Limited‬‬
‫ببريطانيا‪ ،‬كما اجتزت ‪-‬بفضل ال تعالى‪ -‬المتحان الدولي للغة النجليزية كلغة أجنبية )‬
‫‪ (TOEFL‬؛فكان ذلك ُيسعدني‪ ،‬ويسّكن الجراح القديمة‪،‬ويفيدني في دراسة علم المكتبات بشكل‬
‫أفضل ‪.‬‬

‫ت بحمد ال عام ‪1986‬لم أكن أحلم بالتعيين كمعيدة ‪ ،‬بل كنت أحلم بالعمل في‬
‫ولما تخرج ُ‬
‫إحدى تلك المكتبتين)مكتبتي المركز الثقافي البريطاني أو المريكي ( ‪،‬فأنا بطبيعتي‪-‬ول الحمد ‪-‬‬
‫أحب المساعدة ‪ ،‬والمكتبي يظل يساعد الناس ويقضي حوائجهم منذ أن يدخل إلى المكتبة وحتى‬
‫ينتهي وقت الدوام ‪،‬كما أنني أحب الكتب والقراءة وبقائي معهم أوقاتًا طويلة يسعدني ؛ أما البحث‬
‫والدراسة مع التدريس بالجامعة فلم تكن من بين اهتماماتي ول خططي للمستقبل على‬
‫الطلق‪ ....‬ولكن المفاجأة–رغم حاجة هاتين المكتبتين إلى متخصصين‪ ،‬ورغم أن مديرَتي‬
‫المكتبتين كانتا تعرفانني جيدًا كعضوة – إل أنهم رفضوا تعييني بسبب ارتدائي الحجاب !!‬
‫ي مثل موظفة علقات‬
‫عرضت عل ّ‬
‫ت بخيبة أمل ‪،‬ولكني رفضت العمل في وظائف أخرى ُ‬
‫فشعر ُ‬
‫عامة بإحدى البنوك الشهيرة‪ ،‬أو موظفة علقات عامة في إحدى شركات التأمين؛ فقد كنت أصر‬
‫على العمل في مهنة أحبها‪ ،‬ولذلك بحثت بنفسي عن وظيفة في شتى الماكن المتاحة ‪،‬ولكن اسم‬
‫حبا له وفخراًبه !!‬
‫ل لديهم؛فلم َيِزدني ذلك إل ُ‬
‫التخصص لم يكن يروق لهم ‪،‬ولم يكن يلقى قبو ً‬

‫ت في شيء آخر أحب ممارسته‬
‫ولما لم استطع العثورعلى وظيفة في التخصص‪ ،‬فقد فكر ُ‬
‫ت لنفسي‪:‬‬
‫‪،‬مثل التعامل مع الطفال ‪ ...‬وبما أنني أستمتع أيضًا بدراسة اللغة النجليزية ؛ فقل ُ‬
‫لماذا ل أعمل كمدرسة لغة انجليزية للطفال؟!!‬
‫و كانت أول زيارة لي لقرب مدرسة لغات من بيتنا موّفقة بحمد ال فقد كانت مديرة المدرسة‬
‫ومالكتها في نفس الوقت –وهي أستاذة بكلية العلوم ‪ -‬تبحث عن معلمة لغة انجليزية ترتدي‬
‫طلَعت على سيرتي الذاتية ‪ ،‬ثم‬
‫الحجاب!!! وكانت على وشك اليأس من أن تجدها‪ ،‬فلما ا ّ‬
‫اختبرتني بنفسها قالت لي‪" :‬أرجو ان تتسلمي العمل من الغد" ؛ فأسعدني ذلك كثيرًا ‪ ،‬وحمدت ال‬
‫تعالى على فضله ‪ ،‬فقد يكون هذا خيراًلي‪،‬وبما أنني أكره الروتين والعمل الداري ‪ ،‬فقد طلب ُ‬
‫ت‬
‫من المديرة أن تسمح لي بأن أتواجد بالمدرسة فقط في وقت التدريس‪ ،‬فقبَلت‪ -‬جزاها ال خيرا‪-‬‬
‫وقالت لي ‪":‬وسوف تحصلين على أجر وكأنك موجودة طوال اليوم الدراسي"!!‬
‫لقد كانت الساعات التي أقضيها في المدرسة من أمتع لحظات حياتي ‪،‬خاصة حينما كنت أجد‬
‫نتيجة إيجابية لما أبذله من جهد ‪ ،‬وحين كنت أرى الطفال سعداء وهم يتعلمون النجليزية‪.‬‬
‫خٌلق‪ ،‬قررت أن أقضي وقت الفراغ بين‬
‫وفي محاولة لرد جميل مديرة المدرسة كريمة ال ُ‬
‫الحصص في تطوير مكتبة المدرسة ‪ ،‬أو في التعاون مع زميلتي من مدّرسات اللغة النجليزية‬
‫المتحمسات مثلي –ومنهن المهندسة فاطمة مصباح‪ -‬على تطوير المنهج الدراسي ليكون أكثر‬
‫ل للطفال ‪ ،‬وأكثر فعالية ؛ فكانت المديرة‪-‬جزاها ال تعالى خيرًا‪ -‬تسعد بذلك وتشجعني ‪ ،‬بل‬
‫قبو ً‬
‫وتدافع عني إذا اشتكى أحد أولياء المور من شيء وتقول لي ‪ ":‬ل تهتمي ‪ ،‬فإن ِرضا الناس‬
‫غاية ل ُتدَرك‪ ،‬وعلى كل حال فأنا مديرتك وليس أولياء المور"‪...‬وعلى الرغم من ذلك فقد كان‬
‫الحنين إلى مهنة المكتبات يراودني من وقت لخر‪ ...‬فلما اقترب موعد التقديم للدراسات العليا‬
‫ت نفسي أذهب إلى الكلية للتقديم لهذه الدراسات ‪.‬‬
‫وجد ُ‬

‫ت أعمل كمعلمة ‪،‬وأدُرس علوم المكتبات في نفس الوقت حتى أكرمني ال تعالى‬
‫وصر ُ‬
‫بالتعيين كمعيدة في كلية الداب بجامعة طنطا بمساعدة الكرام وأهل الخير من أساتذتي وهما‬
‫الستاذ الدكتور ‪/‬محمد فتحي عبد الهادي‪ ،‬و الستاذ الدكتور ‪/‬أسامة السيد محمود ‪،‬جزاهما ال‬
‫تعالى عني خيرا كثيرًا ‪.‬‬
‫ت بعد ذلك‬
‫ولم استطع بالطبع ترك الطفال بالمدرسة حتى انتهى العام الدراسي‪ ،‬ثم تفرغ ُ‬
‫ت أنها أفضل مهنة يمكن أن أقوم بها ‪...‬فقد اكتشفت أن التدريس هو‬
‫لمهنتي الصلية التي اكتشف ُ‬
‫الخر يرضيني ويسعدني حيث أن من خلله يستطيع النسان مساعدة الخرين على التفكير‬
‫ت في الدراسة للماجستير كنت أشعر بسعادة‬
‫والتعّلم والنتاج ‪،‬ومن ثم النجاح والسعادة‪...‬ولما بدأ ُ‬
‫غامرة حين أصل بعد جهد إلى معلومة جديدة ونادرة ‪ ،‬بل واشعر أيضًا بنور يغمرني فكان ذلك‬
‫يذّكرني بالمقولة ‪ " :‬العلُم نوٌر" ‪ ،‬فكنت أقول ‪ :‬نعم ‪،‬إن العلَم نوٌر حقًا حين نصل إليه بالجتهاد‪،‬‬
‫والصبر ‪ ،‬والبحث بإخلص !!!‬
‫ت ال تعالى على هذه المهنة المرّكبة التي اختارها لي ‪ :‬التدريس في علم المكتبات مع‬
‫وحمد ُ‬
‫ت أن ذلك‬
‫جمة التي كانت حلم حياتي‪،‬فقد اكتشف ُ‬
‫البحث فيه ‪ ....‬ولم أعد أحزن على وظيفة الُمتر ِ‬
‫الحلم كان تمهيدًا لنجاحي في مهنة المكتبات‪ ،‬بل ومعينًا عليه !!!‬
‫أما حبي وفخري بمهنة المكتبات‪ ،‬فقد كنت أحرص على أن أنقلهما إلى الطلب ‪،‬فكان ذلك‬
‫ُيسعدهم لنهم يعانون من نظرة المجتمع المتدنية لهم ‪ ،‬ولذلك كانت أول مقالة كتبتها في هذا‬
‫ي صديقي" ‪ ،‬التي ُنشَرت في المجلة التي أصدرها القسم ‪-‬بعد‬
‫المجال تحمل عنوان ‪ " :‬المكتب ّ‬
‫ت فيها عن أهمية هذه الوظيفة لكل الوظائف‬
‫انتقالي للسكندرية‪ -‬في يناير ‪ ،1992‬وقد تحدث ُ‬
‫والتخصصات؛ بل وللبشر البسطاء من غير المتعلمين ‪،‬وكيف أن المكتبي يمكن أن يكون‬
‫كالصديق الذي يساعد على حل شتى أنواع المشكلت‪ ،‬وكيف أن مهنته ل تقل عن الطبيب أو‬
‫المهندس ‪.‬‬
‫ت حريصة على توزيع هذه المجلة بكل أقسام الكلية سواء لعضاء هيئة التدريس أو‬
‫وكن ُ‬
‫الطلب لعلها تعين على تسويق مهنتنا ‪.‬‬
‫ولما بدأت جهود السيدة‪ /‬سوزان مبارك في الترويج للقراءة من خلل مهرجان القراءة للجميع‬
‫ومن خلل إنشاء المكتبات العامة المتنقلة وغير المتنقلة بدأت نظرة المجتمع المصري للمهنة‬
‫ترتقي شيئًا فشيئًا ‪،‬ثم ارتقت أكثر حينما توفرت الكثير من الوظائف لخريجي أقسام المكتبات ‪،‬‬

‫سواء في دول الخليج العربي أو في مصر ‪ ،‬فزاد القبال على الدراسة بالقسم ‪،‬وأصبحت أعداد‬
‫الطلب تصل إلى خمسمائة طالب في الفرقة الواحدة ‪،‬بعد أن كانت ‪ 9‬أو ‪ 30‬أو ‪ 40‬طالب !‬
‫بل إن بعض أولياء المور كانوا يستعينون بوسطاء ذوي نفوذ ليتوسطوا للحاق أبنائهم بالقسم !‬
‫ولما أكرمني ال بحضور الندوة القليمية لجمعية المكتبات المريكية بالقاهرة تحت عنوان‬
‫"دور المعلومات في التنمية البشرية والجتماعية و القتصادية" عام ‪ ، 1998‬والتقيت‬
‫بمكتبيين من شتى البلدان العربية والجنبية ‪ ،‬شعرت كم هم مجتهدون لتطوير هذه المهنة من أجل‬
‫خدمة المستفيدين من المكتبات‪،‬وكم هم فخورون بهذه المهنة لنها تخدم كل التخصصات‬
‫والعمار والتجاهات الفكرية والجتماعية ‪ ،‬بل وتساهم في تنمية المجتمعات من شتى النواحي‬
‫و تؤدي لرفاهية شعوبها ‪.‬‬
‫ت معهم ‪ -‬بفخر‪-‬‬
‫ولقد كانوا‪-‬أيضًا ‪ -‬حريصين على التعرف على حال المهنة في مصر‪ ،‬فزر ُ‬
‫مكتبة مبارك العامة ‪ ،‬و دار الكتب المصرية ‪ ،‬والمركز القومي للبحوث ‪ ،‬والشبكة القومية‬
‫للمعلومات العلمية والتكنولوجية ؛ فزادت سعادتي بتطّور المهنة في مصر ‪.‬‬

‫ل‪ ،‬كما‬
‫وبعد إنشاء مكتبة السكندرية الجديدة ارتقت نظرة المجتمع المصري للمهنة أكثر قلي ً‬
‫زاد القبال على اللتحاق بقسم المكتبات بالسكندرية طمعاًفي العمل بها ‪...‬ولكني ‪ -‬على الرغم‬
‫حلق الكثير من الطلب بالقسم بسبب عدم التقدير الكافي للمجتمع‬
‫صة في َ‬
‫غ ّ‬
‫من ذلك ‪ -‬لحظت ُ‬
‫ت كثيراًبمقالة الستاذ الدكتور‪ /‬هانىء محي‬
‫المصري لهم مقارنة بالوظائف الخرى ‪ ،‬فسعد ُ‬
‫الدين عطية التي نشرها عام ‪ 2000‬بمجلة التجاهات الحديثة في المكتبات والمعلومات ‪ ،‬تحت‬
‫عنوان ‪ ":‬تسويق الذات ‪ :‬رؤية جديدة لخصائيي المكتبات والمعلومات في الوطن العربي" ؛‬
‫ولتي تحدثت عن قضية مهنية هامة وهى تقدير أخصائيي المكتبات والمعلومات لنفسهم ‪،‬‬
‫والخطوات العملية لتسويق الذات وتطبيقها في مجال المكتبات والمعلومات‪.‬‬
‫ل بعنوان "العلج‬
‫ت مقا ً‬
‫وحرصًا على تسويق القسم داخل جامعة السكندرية ‪ ،‬فقد كتب ُ‬
‫بالقراءة"‪ ،‬وُنشر في النشرة العلمية لكلية الداب عام ‪ ، 2006‬وكان هدفه تعريف المجتمع‬
‫الجامعي بأهمية القراءة ووظائفها ودورها في حل المشكلت اليومية لكل الناس ‪.‬‬
‫ل بعنوان ‪":‬السباب الثلثة والثلثون في استمرار‬
‫ت – بفضل ال تعالى ‪ -‬مقا ً‬
‫ثم ترجم ُ‬
‫احتفاظ المكتبيين بأهميتهم القصوى في عصر المعلومات" للمؤلف ويل شيرمان ‪ ،‬ثم ُنشر‬
‫بمجلة الفهرست عام ‪.2008‬‬
‫وفي مؤتمر كلية الداب تحت عنوان ‪ " :‬مؤتمر العلوم النسانية و وقضايا البيئة " الذي‬
‫عقد في ‪2008‬كم كنت فخورة حين تحدث الستاذ الدكتور ‪/‬جمال حجر عميد الكلية في الجلسة‬
‫ت به ؛ وكان‬
‫الفتتاحية عن موضوعات البحاث المقدمة ‪ ،‬وكان من بينهم البحث الذي شارك ُ‬
‫عنوانه ‪ ":‬دور المكتبة الجامعية في خدمة البيئة ‪:‬دراسة لنشاء وحدة العلج بالقراءة بمكتبة‬
‫كلية الداب‪-‬جامعة السكندرية " وقد اهتم البحث بالتخطيط لنشاء هذه الوحدة من أجل مساعدة‬
‫أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم ‪ ،‬فضلًعن الطلب على حل شتى المشكلت التعليمية‬
‫والمهنية التي يعاني منها كل منهم ؛بالضافة إلى مساعدتهم على البداع في التعليم والتعّلم ‪.‬‬

‫ت هذا الموضوع كأحد وسائل التسويق لمهنتي على القل داخل الكلية التي أعمل بها‪.‬‬
‫وقد اختر ُ‬
‫أما نقابة المكتبيين بمصر –وهي الحلم الكبير‪ -‬فل زالت تحت النشاء بجهود العاملين‬
‫بالجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات –جزاهم ال تعالى خيرا‪ -‬منذ إشهارها عام ‪،1986‬‬
‫وتحت رئاسة الستاذ ‪/‬الدكتور شعبان عبد العزيز خليفة في الوقت الحالي ‪.‬‬
‫و حتى يتم إنشاؤها‪ ،‬فإن المهنة‪ -‬في مصر خاصة‪ -‬تحتاج للمزيد من التسويق من خلل‬
‫توعية المكتبيين العاملين بشتى أنواع المكتبات بأهمية دورهم في المجتمع ‪،‬والتأكيد على ضرورة‬
‫الهتمام بالمستفيدين وإرضاء احتياجاتهم ؛ مهما كانت رواتب هؤلء المكتبيين غير كافية ‪ ،‬مع‬
‫توفير القوانين والتشريعات التي تيسر ذلك‪.‬‬

‫ولعل هذا ‪ -‬في رأيي – هو أفضل تسويق‬
‫للمهنة‪ ،‬وأفضل ما يمكن أن يرفع نظرة‬
‫المجتمع المصري لها ‪ ،‬بعد توفيق الله عز وجل‬
‫‪.‬‬