You are on page 1of 99

‫من‬

‫النتفاضة‬
‫إل‬
‫حرب التحرير الفلسطينية‬
‫د‪ .‬عبد الوهاب السيي‬
‫كلمة الناشر‬
‫ف غمرة التزييف العلمي الذي تارسه الوليات التحدة‪:‬‬
‫لتقدي شارون‪ ،‬الوالغ ف الدم الفلسطين حت الثمالة‪ ،‬إل العال على أنه رجل سلم‪،‬‬
‫والحتلل الصهيون الستيطان بوصفه حقا مشروعا لستعادة الرض‪ ،‬وهدمِ البيوت‪ ،‬وقلعِ‬
‫الشجار‪ ،‬وقتل الطفال‪ ،‬وتشريد اليسر بوصفه دفاعا عن النفس‪.‬‬
‫ولحاولة تشويه صورة الستشهاد الفلسطين‪ ،‬الذي قدم أعظم ناذج التضحية دفاعا عن‬
‫الرض والعرض القدسات‪ ،‬ووصفه بالنتحار‪...‬‬
‫ولمارسة كل أنواع التعمية والتعتيم والتمويه والتلميع والنظر بعي واحدة ابتغاء طمس‬
‫القائق‪ ،‬وإخفاء أبشع الرائم الت تعن إسرائيل ف ارتكابا ف حق الشعب الفلسطين‪.‬‬
‫وف غياب الصوت العرب السلمي الصارخ طلبا لرفع الظلم ورد العدوان‪ ،‬وصمته الطبق‬
‫إل من شخي بي الفينة والفينة‪ ،‬يعكس أحلمه الزعجة‪ ،‬وهو يغط ف نومه العميق‪.‬‬
‫ف غمار ذلك كله‪ ،‬يأت هذا الصوت التهدّج إشفاقا على واقع مؤل‪ ،‬وإكبارا لشعب حي‬
‫مكافح‪ ،‬وحرقةً على مقدسات تدنس‪ ،‬وأذانا بفجر حرب للتحرير‪ ،‬يبلغ فيه الجر الفلسطين‬
‫مداه‪ ،‬ويقق أهدافه العادلة‪ ،‬ويرد للنسان ثقته بقيم السماء وسنن ال تعال الت ل تطئ {بَلْ‬
‫صفُونَ} [النبياء‪:‬‬
‫َن ْقذِفُ بِاْلحَ ّق عَلَى الْباطِلِ فََيدْ َم ُغهُ َفإِذا هُوَ زا ِهقٌ وَلَ ُكمُ اْلوَيْلُ ِممّا َت ِ‬
‫‪.]21/18‬‬
‫بي يدي الكتاب‬
‫هذا هو الشهر الثامن عشر من انتفاضة العرب والسلمي‪ ،‬انتفاضة القصى والستقلل‪ ،‬أو‬
‫بالحرى حرب ترير القصى وفلسطي‪ ،‬والت يمل عبئها الشعب الفلسطين‪ ،‬والت يرصد‬
‫العلم العرب أحداثها بتجرّد وبرود شديدين‪ ،‬وبدون استخلص أية نتائج‪ ،‬ودون ماولة‬
‫لتخطي البيانات العسكرية الت يدل با التحدثون الرسيون الصهاينة‪ ،‬ث تطيّرها وكالت‬
‫النباء وما يسمّى (الصحافة العالية‪ :‬أي الغربية) وكأنه يرصد انتخابات البلدية ف بوليفيا‪ ،‬أو‬
‫مسابقة ملكة جال العال‪ ،‬أو تزايد عدد القطط ف زنبار‪ .‬ولذا فالنطباع العام الذي يصلنا‬
‫هو أن الفلسطينيي شعب يقاتل لنه من هواة القتال الذي ل يُرجى من ورائه فائدة ويضحي‬
‫بنفسه لنه يستعذب الل‪ ،‬شعب يذهب مثلوه يوميا يملون أوان الدم الغال ليسكبوه بشكل‬
‫آل منتظم عند آلة النتقام الصهيونية الوثنية‪ ،‬فهو شعب دخل ف طريق العذاب السدود‪ ،‬ما‬
‫يعل الهاد والتضحية أمورا ل طائل من ورائها‪ .‬وقد استخدم الصهاينة والعلم الغرب لفظ‬
‫(الرهاب) للشارة لعمال (القاومة) ولفظ (النتحار) للشارة إل عمليات (الستشهاد)‪،‬‬
‫وتبنت وسائل العلم‪ ،‬فضلً عن معظم النخب الاكمة‪ ،‬هذين الصطلحي‪ .‬وف هذا الطار‬
‫الدراكي ل تعد القضية هي (ترير الرض السليبة)‪ ،‬أو (استعادة القوق الضائعة)‪ ،‬أو‬
‫(التصدي للعدو وهزيته)‪ ،‬أو (دعم النتفاضة سياسيا وماليا وعسكريا وعدم الكتفاء بالدعم‬
‫اللفظي الرتيب)‪ ،‬أو (الضغط من أجل تويل مكاسب النتفاضة اليدانية والعسكرية إل‬
‫مكاسب سياسية)‪ ،‬أو (رد العتبار للمة العربية واستعادة كرامتها)‪ .‬بدلً من هذا كله تصبح‬
‫القضية (رفع العاناة عن الشعب الفلسطين)‪ ،‬و (إيقاف العنف)‪ ،‬وف رواية أخرى‬
‫(الرهاب)‪ ،‬ووقف العمليات النتحارية‪ ،‬بل و(العودة إل مائدة الفاوضات)‪ ،‬و(التنازل عن‬
‫حق العودة حقنا للدماء)‪ ،‬واذهب أنت وربك فقاتل‪ ..‬إنّا ها هنا قاعدون‪ .‬ونن ل ندري هل‬
‫هذا الوقف العلمي التخاذل هو نتيجة الزية الداخلية الت تعل البعض غي قادرين على‬
‫رصد أي شيءٍ سوى مؤشرات الزية‪ ،‬أم أنه يتم بتوجيهٍ من بعض الكومات العربية الت‬
‫يهمها أل تعرف الماهي حجم النتصارات الفلسطينية على العدو الصهيون؛ الكومات الت‬
‫ل تكف عن الديث عن قوة العدو وعن خيار السلم باعتباره (خيارا استراتيجيا)؟!!‬
‫الستوطنون بي العتدال والتطرف‬
‫ولكننا لو قرأنا رصد الصحافة السرائيلية لحداث النتفاضة وأثرها على الجتمع‬
‫السرائيلي لوجدنا صورة مغايرة تاما‪ ،‬تعيد لنا الثقة ف أنفسنا‪ ،‬وف مقدرتنا على التصدي‬
‫للعدو‪ .‬وحت نعرف ماذا حدث ف الستوطن الصهيون بعد النتفاضة‪ ،‬فلنحاول ابتداءً أن‬
‫نرسم صورة للمستوطني الصهاينة قبل اندلعها‪ ،‬استنادا للصحافة السرائيلية‪.‬‬
‫تصوّر الستوطنون الصهاينة‪ ،‬خلل سبع السنوات السمان (ما بي توقيع اتفاقية أوسلو‬
‫واندلع انتفاضة القصى) أنم سيتمكنون من إحكام هيمنتهم على الشعب الفلسطين‪ ،‬وعلى‬
‫الرض الفلسطينية من خلل سلطة فلسطينية‪ ،‬ل سلطة لا‪ ،‬منعدمة السيادة تاما‪ .‬سلطة يكن‬
‫إفسادها عن طريق رشوتا‪ ،‬سلطة سياسية تقوم بإلغاء الياة السياسية‪ ،‬وتكم بشكل مطلق‪،‬‬
‫فتُهمش الماهي ما يؤدي إل ضمور الحساس القومي والدين لديها‪ ،‬وتتحول بالتال إل‬
‫مرد وحدات اقتصادية إنتاجية استهلكية تتبن رؤية اقتصادية مضة‪ ،‬ومن ث تنسى الكرامة‬
‫والوطن وتركز بدلً من ذلك على تسي مستوى العيشة‪ ،‬وبالتال يصبح من المكن رشوتا‬
‫هي الخرى (وهذه هي رؤية بييز لا ساه الشرق الوسط الديد)‪ .‬ولوّح الغرب والصهاينة‬
‫للسلطة وللجماهي الفلسطينية بأشياء وردية مثل تول فلسطي‪ /‬إسرائيل (والردن) إل‬
‫سنغافورة وهونج كونج الشرق الوسط‪ ،‬بلد ل تاريخ له‪ ،‬عدد سكانه مدود‪ ،‬ولكن إنتاجيته‬
‫مرتفعة إل أقصى حد‪ ،‬ومستوى العيشة فيه مرتفع إل درجة تدير الرؤوس القتصادية‬
‫الستهلكية‪ .‬وكل من تسول له نفسه أن يقف ضد هذه الرؤية يكن لقوات المن التابعة‬
‫للسلطة أن تقوم بترويضه أو القضاء عليه إن اقتضى المر‪ ،‬أي إن علقة الكيان الصهيون‬
‫بالسلطة الفلسطينية ‪ -‬حسب تصوّر الصهاينة لتفاقية أوسلو ‪ -‬هي علقة كولونيالية ف‬
‫جوهرها‪ ،‬تلعب فيها الدولة الصهيونية دور الراعي المبيال الذي يوظف الدولة الستعمَرة‬
‫لصاله‪ ،‬إما مباشرةً من خلل قواته العسكرية أو بشكلٍ غي مباشر من خلل النخبة الحلية‬
‫الاكمة‪ .‬وهكذا كان الفترض ف السلطة الفلسطينية أن تلعب دور الدولة‪ /‬السلطة الوظيفية‬
‫(الملوكية) النبتة الصلة بالماهي الفلسطينية‪ ،‬الت تضطلع بوظيفة تسخي الماهي لصال‬
‫الراعي المبيال‪ ،‬نظي بعض الكاسب الت تققها لنفسها‪.‬‬
‫وقد استنام الستوطنون الصهاينة لذه التتالية اللذيذة الت كان من الفترض أن تعلهم‬
‫قادرين على الستمرار ف زيادة الستوطنات وف تسمينها وتسينها والستمتاع ببحبوحة‬
‫العيش‪ ،‬دون أن يدفعوا أي ثن‪ .‬وقد وصلت الطمأنينة الزائفة الت تتع با الستوطنون إل‬
‫درجة أن الريطة السياحية الت أصدرها الجلس القليمي لستوطنات غور الردن قبل اندلع‬
‫النتفاضة ل يظهر عليها أي قرى أو مدن عربية‪ ،‬كأنا قد أُزيلت‪ ،‬أو كأنا ل توجد أصلً‪.‬‬
‫ولذا كان غور الردن ‪ -‬حسب هذه الريطة الوهية ‪ -‬هو أكثر الماكن أمنا على وجه‬
‫الرض‪ .‬حقا إنا أرض بل شعب‪ ،‬أو على أسوأ تقدير‪ ،‬أرض شعبها مكبل بالغلل‪ ،‬يكن‬
‫توظيفه وتسخيه‪.‬‬
‫والصهيونية ‪ -‬ف تصوّرنا ‪ -‬ليست ظاهرة يهودية كما يدّعي الصهاينة‪ ،‬وإنا هي إفراز‬
‫للتشكيل الستعماري الغرب‪ ،‬شكل من أشكال الستعمار الستيطان الحلل‪ ،‬الذي يقوم‬
‫باغتصاب الرض من أصحابا‪ ،‬وبطرد سكانا الصليي منها وإبادتم إن أمكنها ذلك‪ ،‬شأنا‬
‫شأن كل اليوب الستيطانية الخرى‪ .‬لقد ت تأسيس دولة إسرائيل عام ‪1948‬م على الزء‬
‫الكب من أراضي فلسطي‪ ،‬ث ت الستيلء على الزء التبقي ف حرب حزيران (يونيو)‬
‫‪1967‬م‪ ،‬وبدأت بعدها عمليات مصادرة الراضي ف الضفة الغربية وقطاع غزة وبناء‬
‫الستوطنات عليها‪ .‬وف البداية ت التركيز على وادي الردن والناطق القريبة من الط الخضر‬
‫وهي مناطق ليست كثيفة سكانيا (فلسطينيا)‪ .‬ث أقيمت مستوطنات داخل مناطق الكثافة‬
‫السكانية الفلسطينية بعضها تول إل مدن مثل مستوطنة معال أدوميم‪ .‬وخلل العام الخي‬
‫من ولية نتنياهو وطوال فترة ولية باراك تكثفت عملية توسيع الستوطنات‪ .‬وقد تضاعفت‬
‫مساحة الستوطنات ف الضفة الغربية وقطاع غزة خلل الفترة المتدة من عام ‪1993‬م‬
‫(توقيع اتفاقية أوسلو) حت عام ‪2000‬م‪.‬‬
‫وكان انتخاب باراك بالنسبة للكثيين يثل دخولً إل الشوط الخي ف السباق نو إناء‬
‫الصراع التاريي‪ .‬وقد ترافق هذا مع مناخ اقتصادي متفائل يعود أساسا إل ازدهار شركات‬
‫التكنولوجيا التقدمة (هاي تك)‪ .‬كل هذا منح الجتمع السرائيلي‪ ،‬الرهق بفعل أعوام كثية‬
‫من الصراع‪ ،‬أملً بستقبل جديد‪ ،‬تستطيع إسرائيل أن تصبح فيه واحدة من الدول الغربية‬
‫التكنولوجية (كئيبون وعاجزون ويرفضون التعلم‪ )،‬لدان زكائي‪ ،‬ملة نيم‪ ،‬العدد ‪ ،17‬صيف‬
‫‪2001‬م)‪.‬‬
‫كانت الياة بالنسبة للمستوطني الصهاينة حياةً ورديةً‪ ،‬فكان (سكان مستوطنات غور‬
‫الردن (على سبيل الثال) مقتنعون تاما بأنم على وشك دخول مرحلة من النتعاش‪ .‬فبدأت‬
‫إذاعة النطقة حلة لذب مستوطني جدد‪ .‬واشترك ف الملة مغننّ إسرائيلي دعا الستوطني‬
‫إل النتقال إل الوادي ليحققوا أحلمهم)‪ ،‬فلتنتقل إل بيت خاص‪ ،‬ف مستوطنة متميّزة‪،‬‬
‫ولتتمتع بالدوء والستقلل ف أجل بقعة ف وادي غور الردن (هآرتس‪ ،‬أيلول (سبتمب)‬
‫‪2001‬م)‪.‬‬
‫وبدأت مستوطنة يافيت حلة ناجحة ف اجتذاب عشرات السر الت عبّرت عن رغبتها ف‬
‫الستيطان (وكان من بينهم أسرة‪ /‬زوج من الساحقات)‪ .‬بعضهم فكّر ف إقامة مركز كلي‬
‫ومزرعة بيئية (ل تعتمد على أي ساد صناعي)‪ .‬وكانت هناك امرأة متخصّصة ف الروحانيات‬
‫قررت أن تعيش بفردها ف مبن مهجور لتقيس درجة الروحانية داخلها‪ ،‬وتوصلت إل أن‬
‫الطاقة الكامنة فيها ستكفيها لدة عام على القل‪ ،‬ث جاءت ثان أسر وسجل أفرادها أنفسهم‬
‫ف حي (ابن بيتك بنفسك)‪ .‬وكان انطباع أبناء الؤسسي إيابيا إل درجة أنم قرروا العودة‬
‫إل الستوطنة بعد أداء الدمة العسكرية‪ .‬وتّ بيع ‪ 130‬منلً بعد حلة التسويق‪ .‬وهكذا‬
‫عادت الياة مرةً أخرى إل مستوطنة يافيت‪ ،‬وأصبحت النطقة الخصصة للعب الطفال مليئة‬
‫بالياة‪ .‬وبدأت الضانة تعمل مرةً أخرى‪ ،‬وعادت الليال الجتماعية مرةً أخرى‪ ،‬وغمرت‬
‫السعادة الميع خاصة كبار السن‪ .‬وكانت الياة الوردية تسي على ما يرام بشكل روتين‪،‬‬
‫فكانت آلف السيارات تستخدم الطريق العام رقم ‪ 90‬كل يوم‪ .‬وكان هناك مطة بنين‪،‬‬
‫تقف فيها السيارات‪ ،‬وعادةً ما كان قائدي السيارات يطلبون ساندوتش‪ ،‬أي إن كل شيء‬
‫كان على ما يُرام‪.‬‬
‫وهنا‪ ،‬وقبل أن نعرض ثرات النتفاضة ل بد أن نتوجه لظاهرة العتدال والتطرف‬
‫الصهيونيي‪ ،‬إذ يقول بعض دعاة الهادنة والستسلم‪ :‬إن جوهر الصراع نفسي‪ ،‬وإنه ل بد‬
‫من اجتياز الواجز النفسية والفكرية بيننا وبي الستوطني الصهاينة‪ ،‬وهذا لن يتأتى إل‬
‫بإدخال الطمأنينة إل قلوبم وإشعارهم بالمن‪ ،‬وإن فعلنا ذلك سيسود شكل من أشكال‬
‫العتدال بينهم بدلً من التطرف الذي اكتسحهم‪ .‬وحينما يدث ذلك سيجلس مثلو‬
‫الستوطني إل مائدة الفاوضات ويتباحثون مع الفلسطينيي بشكل عقلن‪ ،‬حت يصل الميع‬
‫إل صيغة معقولة ترضي كل الطراف التنازعة‪.‬‬
‫وما يتجاهله هؤلء أن الصراع العرب الصهيون ل ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية‬
‫وإنا لسباب موضوعية ملموسة‪ ،‬وهي أن كتلة بشرية غريبة وافدة جاءت إل الرض‬
‫الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها‪ ،‬ول يكن إصلح الوضع إل بإرجاع الرض إل‬
‫أصحابا وعودة الشعب الذي طُرد‪.‬‬
‫ولكن يظل السؤال يطرح نفسه‪ :‬ما هو تفسي هذا التطرف الصهيون التزايد؟ وما سر هذا‬
‫التأييد الشعب العارم لشارون؟ ِلمَ َلمْ يولّد الوف من الجمات الستشهادية قدرا من‬
‫العتدال؟ أليس انتخاب شارون دليلً قاطعا على صدق مقولة دعاة وقف النتفاضة‪ ،‬فشارون‬
‫التطرف حل مل باراك العتدل بسبب الجمات الستشهادية؟‬
‫وللجابة على هذه السئلة ل بد أن نشي إل أن الستوطني يدركون السكان الصليي من‬
‫خلل ثلثة أناط أساسية‪ :‬النسان الغائب ‪ -‬النسان الامشي ‪ -‬النسان القيقي‪ .‬وهذه‬
‫الناط ليست ثابتة أزلية‪ ،‬وإنا تتغيّر بتغيّر الظروف‪ ،‬شأنا ف هذا شأن أية خريطة إدراكية‪.‬‬
‫فموازين القوى قد تساهم ف تقويض نط إدراكي‪ ،‬كما قد تساهم ف دعمه‪ .‬ويكن تلخيص‬
‫تولت الريطة الدراكية الستيطانية على النحو التال‪:‬‬
‫‪ - 1‬ف حالة اتاه موازين القوى لصال الستوطني وضد صال السكان الصليي‪ ،‬فإن‬
‫هذه الوازين ستدعم الدراك الستيطان العنصري التحيّز‪ .‬وسيى الستوطنون أن البنية‬
‫الستيطانية‪ /‬الحللية قد حققت لم المن الذي يبغونه والستوى العيشي الرتفع الذي‬
‫يتطلعون إليه‪ .‬وسيساهم ذلك ف تويل الواقع التاريي إل شيء هامشي باهت‪ ،‬ويتدعم‬
‫البنامج السياسي الستيطان‪ /‬الحلل بوصفه مرشدا للتعامل مع الواقع‪ ،‬ويتهمّش السكان‬
‫الصليون إل أن يغيبوا تاما من شاشة الوجدان الستيطانية ومن خريطة الستوطني‬
‫الدراكية‪.‬‬
‫‪ - 2‬ف حالة اتاه موازين القوى لصال السكان الصليي وضد صال الستوطني‪ ،‬يتولد‬
‫قدر من الواقعية لدى الستوطني‪ ،‬إذ يكتشفون أن البنية الستيطانية‪ /‬الحللية ل تقق لم‬
‫المن الذي يريدونه ول الرفاهية الت يبغونا‪ ،‬ومن ث تظهر على شاشة وجدانم صورة‬
‫السكان الصليي‪ ،‬وتتعدل خريطتهم الدراكية تدرييا‪ .‬وتتناسب درجة التحول تناسبا طرديا‬
‫مع حجم القاومة ودرجة تزايدها‪ .‬وتساهم عملية إعادة صياغة الدراك ف تبديد الوهام‬
‫والساطي اليديولوجية‪ .‬أي إن ميل موازين القوى لصال السكان الصليي يؤدي إل ترشيد‬
‫العقل الستيطان‪ .‬ولكن تلل الريطة الدراكية يُعد من أكثر التجارب إيلما‪ ،‬ولذا يُلحظ‬
‫أنه قبل الوصول إل مرحلة الواقعية والعتدال ير الستوطنون عادةً برحلةٍ من التطرف‬
‫والوحشية دفاعا عن خريطتهم الدراكية‪ ،‬ول تستمر هذه الرحلة لفترةٍ طويلةٍ ف العتاد إن‬
‫استمرت موازين القوى لصال السكان الصليي من خلل استمرار مقاومتهم‪.‬‬
‫ويكن أن نفسّر التطرف والعتدال ف اليوب الستيطانية ف ضوء الحتمالي السابقي‪.‬‬
‫فإن ظل السكان الصليون ساكني دون أن يتحدوا الرؤية الدراكية الستيطانية أو موازين‬
‫القوى السائدة‪ ،‬أصبح من المكن قبولم ككمّ متخلف هامشي غائب‪ ،‬ويصبح من المكن‬
‫إظهار التسامح تاههم‪ ،‬بل ومنحهم بعض القوق مثل (الكم الذات) (وهنا تكمن الفارقة)‪.‬‬
‫أما إذ ترك السكان الصليون لتأكيد حقوقهم ورفضوا الامشية الفروضة عليهم وتدوا‬
‫الرؤية الستيطانية وبدؤوا ف تغيي موازين القوة لصالهم‪ ،‬فإنم يصبحون مصدر خطر‬
‫حقيقي ومن ث يتعي ضربم ويصبح التسامح معهم أمرا غي مطروح‪ ،‬وبالتال يتزايد التطرف‬
‫والبطش‪.‬‬
‫وهذا ما حدث ف جنوب إفريقيا‪ ،‬فمع تصاعد مقاومة السكان الصليي للمستوطني‬
‫البيض لأ هؤلء للبطش وضرب القاومة بيدٍ من حديد على الطريقة الشارونية‪ .‬ولكن‬
‫القاومة استمرت بل وتصاعدت رغم بطش النظام العنصري‪ ،‬إل أن اكتشف الستوطنون‬
‫البيض عدم جدوى الرهاب الؤسسي‪ ،‬وانتهى المر بسقوط النظام العنصري‪ .‬أي إن تطرف‬
‫الستوطني هو مؤشر على أن الرسائل السلحة الت يرسلها السكان الصليون بدأت تصل‬
‫إليهم‪ ،‬وأن التطرف والشراسة ليسا سوى الرحلة قبل الخية الت تسبق تطم السطورة‬
‫والرضوخ للمر الواقع‪.‬‬
‫ولا كنا نعيش ف عال يؤمن بالواس المس وبكل ما يُقاس‪ ،‬عال يستند إل القوة‬
‫والبطش‪ ،‬أو على حد تعبي أحد الزعماء الصهاينة (إن ما ل يتحقق بالقوة يتحقق بزيد من‬
‫القوة)‪ ،‬فإن إيصال القيم غي الحسوسة مثل الق والعدل للعدو يتطلب الضغط على حواسه‬
‫المس من خلل العديد من الرسائل السلحة حت يعرف أن العرب القيقي ليس مرد صورة‬
‫باهتة ف وجدانه يكنه تغييبها‪ ،‬وإنا هو قوة واقعية يكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو‬
‫تاهلها أو حاول تميشها وتشيمها‪.‬‬
‫ولعل هذا هو القصور الساسي ف ماولت التوصل للسلم حسب الشروط الصهيونية‪.‬‬
‫فقد ظن مهندسو هذه التفاقيات أنم عن طريق رفع رايات السلم والعتدال والديث‬
‫الادئ على مائدة الفاوضات سيُغيّرون صورة العرب ف وعي العال‪ ،‬ويهدئون روع الصهاينة‬
‫ويقنعونم بأنم معتدلون وراغبون ف السلم‪ ،‬وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الكومة‬
‫السرائيلية أن تصل إل اتفاق عادل أو شبه عادل‪ .‬ولكن الذي يدث هو عكس ذلك تاما‪.‬‬
‫فكلما ازداد (العتدال) العرب زاد التطرف الصهيون وزاد التمسك بالستوطنات وبكل شب‬
‫من الرض الحتلة‪ .‬والعكس بالعكس‪ ،‬فكلما زاد (التطرف) العرب‪ ،‬أي القاومة والوار‬
‫السلح‪ ،‬ازداد الصهاينة رشدا واستعدادا لتَقبّل فكرة السلم الذي يستند إل العدل والقررات‬
‫الدولية‪ ،‬بدلً من السلم حسب الشروط الصهيونية‪ ،‬أي الستسلم الكامل‪.‬‬
‫والشيء نفسه ينطبق على دعاة التطبيع‪ ،‬فهم يفترضون أن عملية التطبيع عملية نفسية‪ ،‬غي‬
‫مدركي أنا عملية بنيوية (أي إنا مرتبطة ببناء الدولة الصهيونية‪ ،‬والبناء بطبيعته ل علقة له‬
‫بالالة النفسية أو العقلية)‪ .‬إن بنية إسرائيل ذاتا بنية غي طبيعية‪ ،‬ولذا فالتطبيع معها غي مكن‪.‬‬
‫فهي دولة ل ترى نفسها باعتبارها دولة لواطنيها‪ ،‬وإنا هي دولة لكل يهود العال‪ ،‬ولذا‬
‫السبب أصدرت قانون العودة الصهيون العنصري الذي يعطي الق لي يهودي ف العال أن‬
‫يهاجر إل فلسطي الحتلة (بعد فترة غياب مزعومة لوال ألفي عام) حت لو كان هذا‬
‫اليهودي ل يود الجرة (والقيقة أن معظم يهود العال ل يرغبون ف ذلك) بينما يُحرم من‬
‫هذا الق الفلسطين النتزع من أرضه ووطنه منذ فترة خسي عام على الكثر‪ ،‬والذي يربض‬
‫ف ميمات اللجئي بوار الوطن السليب يقرع أبوابه بشت الطرق وياول دخوله‪ .‬والدولة‬
‫الصهيونية تقع ف الشرق الوسط ولكنها تؤكد أنا فيه ولكنها ليست منه وهي دولة تعتمد‬
‫اعتمادا كاملً على الغرب وعلى معونات يهود العال‪ ،‬فكيف يكن أن تنشأ علقات طبيعية‬
‫مع هذه الدولة العنصرية التخندقة داخل عنصريتها‪ ،‬الت تستمد حياتا من خارج النطقة‬
‫وتواصل إشعال الروب وشنها على من ييط با‪.‬‬
‫***‬
‫تصاعد الوهام وسقوطها‬
‫واللحظ أن نط التطرف والعتدال الستيطانيي اللذين سبقت الشارة إليهما ينطبق تام‬
‫النطباق على فلسطي الحتلة‪ ،‬فحي اندلعت النتفاضة اهتزت آمال الستوطني‪ ،‬وبثوا عن‬
‫مرج عسكري أمن سريع حاسم‪ ،‬فانتخبوا شارون (البلدوزر) ليحل مل باراك الضعيف‬
‫وانتعشت آمالم مرةً أخرى‪ .‬فشارون صاحب فكر صهيون أسطوري توسعي إرهاب‪ .‬ومن‬
‫أقواله مؤخرا أن (الستوطنات لا أهية تاريية واستراتيجية لنا تمي مسقط رأس الشعب‬
‫اليهودي‪ ،‬كما توفر لنا عمقا استراتيجيا لماية وجودنا)‪ .‬ويذهب شارون إل إياد البرات‬
‫الت تدعم سياسته الستيطانية معتبا أن اتفاقات أوسلو ل تنع إقامة مستوطنات جديدة ول‬
‫توسيع أخرى قائمة مستندا إل نظرية أطلقتها الكومة السابقة تقول بضرورة مراعاة النمو‬
‫الديوجراف ف الستوطنات القائمة‪ .‬كما رفض أية دعوة لتفكيك أو إخلء أية مستوطنة‪،‬‬
‫ولذا السبب أسند شارون الوزارات السؤولة عن الستيطان إل غلة اليمي‪ ،‬حيث تول‬
‫أفيجدور ليبمان وزارة البن التحتية وناثان شارانسكي وزارة السكان‪ ،‬بينما تول أتباعه‬
‫الدوائر التنفيذية ف الوزارات الت لا علقة بالستيطان‪ .‬كما قامت حكومة شارون بتوفي‬
‫الدعم الال اللزم لتكثيف الستيطان‪ ،‬حيث دعا إل تصيص ‪ 360‬مليون دولر للستيطان‬
‫(عاد وخفضها إل ‪ 150‬مليون دولر بسبب انتقادات وضغوط أمريكية)‪ .‬كما دعا شارون‬
‫وزارات عدة إل تفيض أجزاء من ميزانيات وزاراتم لصلحة الستوطنات‪ ،‬ناهيك عن‬
‫المتيازات والتسهيلت الالية الت تُمنح للمستوطني‪ .‬وقد طرح شارون خطة الئة يوم وخطة‬
‫(أورانيم ‪ -‬جهنم)‪ ،‬وطرح شعار (دعوا اليش ينتصر)‪ ،‬واستُخدمت كل السلحة ف الترسانة‬
‫العسكرية الصهيونية‪ ،‬ووصل الرهاب الصهيون إل الذروة (أو الوة)‪.‬‬
‫وما ل شك فيه أن شارون أشبع شهوة الستوطني للنتقام إل أنه أخفق تاما ف تقيق‬
‫المن لم رغم تصاعد البطش الصهيون وشراسته‪ .‬فالفلسطينيون أبدوا صلبة ل يتوقعها‬
‫الصهاينة‪ .‬وهذا ما لحظه الصحفي السرائيلي جدعون عيست ف يديعوت أحرونوت (‪/29‬‬
‫‪2002 /1‬م) إذ قال‪ :‬إنه (من الصعب بعض الشيء أن نمّن كيف يكن لزيادة الرعب‬
‫العسكري أن يؤثر ف الفلسطينيي أكثر ما يفعل‪ .‬إن شارون أخفق تاما ف تقيق أي أمن‪،‬‬
‫وتوّلت النتفاضة إل حرب استناف مستمرة)‪.‬‬
‫وتؤكد تقييمات جهاز الستخبارات العسكرية السرائيلية (الهة الخولة بتقدي التقييمات‬
‫الستراتيجية لهة صنع القرار السياسي) أن النتفاضة مرشحة للتواصل حت عام ‪2006‬م‪.‬‬
‫وأن أسلوب القوة لن يؤت ُأكُله ف إناء النتفاضة‪.‬‬
‫وتشي البة النتفاضية إل حقيقة مهمة‪ ،‬وهي أن اليش السرائيلي قد يتمكن من شل‬
‫قدرة التنظيمات الفلسطينية على مواصلة العمل السلح لفترة معينة‪ ،‬ولكن من الستحيل أن‬
‫يضمن توقف العمل السلح والعمليات الستشهادية لفترة طويلة‪ .‬بل إنه عندما يتأخر فعل‬
‫التنظيمات‪ ،‬سرعان ما تبز إل السطح مموعات مسلحة غي مرتبطة بتنظيم بعينه‪ .‬ولذا‬
‫فالستوطنون يعلمون تام العلم أنم حت لو نحوا ف القضاء على النتفاضة بعض الوقت‪ ،‬فإن‬
‫هناك اللف الذين سيشعلون جذوتا مرةً أخرى ف غضون سنة أو سنتي أو ربا عدة‬
‫شهور‪.‬‬
‫لقد سقطت أسس نظرية المن السرائيلي تت وطأة النتفاضة‪ ،‬والت قامت على أساس‬
‫حرمان الفلسطينيي من السلح‪ ،‬واستخدام أكب قدر من القوة ضدهم‪ .‬ولكن الهاد يستمر‬
‫بالمكانات التاحة‪ ،‬وإنتاج السلحة يتم داخليا أو من خلل الصادر السرائيلية‪ ،‬كما أن‬
‫جيع القرى والفصائل تشارك ف الهاد وتارس العمل السلح جنبا إل جنب‪.‬‬
‫وفشلت سياسة الغتيالت واستهداف قادة التنظيمات‪ ،‬بل إنا أدت إل ردود فعل‬
‫فلسطينية أكثر قوة وإيلما للسرائيليي الذين أصبحوا ينتظرون الرد الفلسطين الوجع عقب‬
‫أية عملية للغتيال أو ضرب للمدنيي‪ .‬وقد وصلت هذه السياسة إل ذروتا (أو هوتا) مع‬
‫عملية غزو كل الدن الفلسطينية على القيادات الهادية الفلسطينية وأعلمها‪.‬‬
‫بل إنه حدث شيء ل شك ف أنه أدخل اليأس والقنوط على قلب الستوطني الصهاينة‪.‬‬
‫فإن حكم إيهود باراك (‪2001 - 1999‬م) كان متوسط السائر البشرية بينهم هو ‪ ،3‬أما‬
‫ف حكم (الخلّص الدّجال) شارون فقد بلغ التوسط ‪ ،17‬وهو آخذ ف الرتفاع‪( ،‬يديعوت‬
‫أحرونوت ‪2001 /9 /2‬م)‪( .‬يُلحظ أن إسرائيل فَ َقدَت ف النتفاضة أكثر ما فَقَدَته ف‬
‫بعض الروب مع دول عربية لديها جيوش نظامية)‪.‬‬
‫إن استمرار النتفاضة أو حرب التحرير الفلسطينية هو وحده الكفيل بترشيد الصهاينة‬
‫وجعلهم يدركون أن فلسطي ليست (إرتس يسرائيل) وأن للفلسطينيي وجودا متجذرا ف‬
‫وطنهم‪ ،‬لن الستوطني الصهاينة‪ ،‬شأنم شأن اليش السرائيلي‪ ،‬هم ضمن آليات الحتلل‪،‬‬
‫والقمع والبطش‪ .‬إن استمرار النتفاضة وهزها الجتمع السرائيلي من جذوره هو الطريق‬
‫الوحيد لتحرير الوطن‪ ،‬لنه إذا توقفت القاومة وتوقف الهاد‪ ،‬وإن توقفت حرب التحرير‬
‫الفلسطينية‪ ،‬فإن الصهاينة سيغوصون مرةً أخرى ف أحلمهم الستيطانية ويظهرون الزيد من‬
‫التطرف والل عقلنية‪.‬‬
‫***‬
‫الوضع القتصادي‬
‫تركت النتفاضة أثرا عميقا على جيع مالت الياة ف التجمّع الصهيون‪ .‬ففي الجال‬
‫القتصادي عصفت النتفاضة بالقتصاد السرائيلي بعد سنوات من النتعاش والزدهار‬
‫والستقرار‪ ،‬وأدخلته ف حالة من الركود ل يألفها من قبل‪ ،‬وف حالة من الستنفار والشية‬
‫والترقب ل يسبق لا مثيل منذ إنشاء الدولة‪ ،‬فقد طالت الزمة معظم فروع القتصاد‪ ،‬ووقفت‬
‫الكومة السرائيلية عاجزة عن إنقاذ الوضع‪.‬‬
‫ويكن القول إن القتصاد السرائيلي دخل هذه الزمة العميقة تت ضغط ثلثة عوامل‬
‫متشابكة هي انيار صناعات التكنولوجيا التقدمة وأزمة القتصاد المريكي الت تفاقمت بعد‬
‫أحداث ‪ 11‬أيلول (سبتمب) ‪2001‬م‪ ،‬والنتفاضة الت أحكمت طوق الزمة حول القتصاد‬
‫السرائيلي‪ .‬وتفاعل هذه العوامل الثلثة يؤثر تأثيا بالغا ف القتصاد السرائيلي نظرا لصغر‬
‫حجمه‪ ،‬وكونه يقوم أساسا على استراتيجية الصناعة الوجهة للتصدير‪ ،‬واعتماده على قطاع‬
‫الدمات والسياحة‪ .‬ويؤكد خباء القتصاد أن القتصاد السرائيلي كان يكن أن ينهار تت‬
‫وطأة هذه الزمة لول استمرار الدعم المريكي الادي والعنوي‪ ،‬فالدولة الصهيونية (الوظيفية)‬
‫ل يكنها أن تعيش بدون العتماد على القوى الدولية الكبى‪ .‬وهناك عرض تفصيلي للوضع‬
‫القتصادي ف ملحق هذه الدراسة‪.‬‬
‫فقدان الحساس بالمن والتاه‬
‫رغم أهية الانب القتصادي‪ ،‬فإنه ف حد ذاته ل يعن الكثي‪ ،‬إذ يكتسب أهيته من تأثيه‬
‫على وجدان السرائيليي وعلى رؤيتهم‪ ،‬ومن َثمّ على سلوكهم‪ .‬وكي نفهم هذا الانب من‬
‫أثر النتفاضة على التجمّع الصهيون علينا أن نتجاوز تصريات شارون الشيطانية والغارات‬
‫الهنمية الت تشنها الطائرات الصهيونية والذابح الدموية الت تُدبرها آلة القمع الصهيونية ضد‬
‫الفلسطينيي‪ ،‬والملت الرهابية الت تقوم با القوات السلحة الصهيونية‪ ،‬والكاذيب‬
‫الصقولة الت تروج لا آلة العلم الصهيونية‪ ،‬فلنتجاوز كل هذا وصولً إل استجابة الستوطن‬
‫الصهيون لا يدث من حوله‪ .‬فالستوطنون يطالعون الصحف السرائيلية الت تستخدم كثيا‬
‫من الصور الجازية والعبارات الوجزة الدالة الت تنقل لم القيقة كاملة‪ .‬فالنتفاضة‪ ،‬حسبما‬
‫جاء ف الصحف السرائيلية‪ ،‬ليست مرد هبّة بل هي (حرب استناف) أغرقت إسرائيل ف‬
‫(لة من الدماء) (هآرتس ‪2002 /2 /1‬م) وأدخلتها ف (دائرة دموية) (يديعوت أحرونوت‬
‫‪2002 /1 /29‬م)‪ ،‬إنا (رقصة الوت) ومباراة (بينج بونج مرعبة) (يديعوت أحرونوت‬
‫‪2002 /1 /29‬م)‪ ،‬تسبّبت ف فيضان (أنار الدم) (إعلن رافضي الدمة العسكرية‪،‬‬
‫هآرتس ‪2002 /2 /8‬م)‪ .‬كما أدّت إل الغوص ف مياه راكدة‪ ،‬وإل الغرق ف (الستنقع‬
‫الذي غرقت فيه قواتنا بدءا من الثمانينيات) (ف إشارة للمستنقع اللبنان)‪ .‬وتشي الصحف‬
‫السرائيلية إل العام الول للنتفاضة بأنه عام (مضرج بالدماء) (معاريف ‪/2 /10‬‬
‫‪2002‬م)‪ .‬وأنه (السوأ ف تاريخ إسرائيل ف كل ما يتعلق بواجهة الرهاب) (معاريف ‪/11‬‬
‫‪2002 /2‬م)‪ .‬وقد وصف أحد الكُتّاب الوقف بذه العبارة الدالة‪( :‬صغية هي السافة بي‬
‫الوف والذعر‪ ،‬والمهور السرائيلي يعيش بي هذا وذاك) (معاريف ‪2002 /2 /10‬م)‪.‬‬
‫ولنتخيّل الستوطن الصهيون وهو يقرأ كل هذه العبارات ث يطالع عدد صحيفة‬
‫اليوساليم بوست يوم ‪ 18‬تشرين الثان (نوفمب) ‪2001‬م ويتعرف على قضية ذلك‬
‫الستوطن السرائيلي الذي نزح عن إسرائيل واستوطن ف الرجنتي وحل النسيتي‬
‫السرائيلية والرجنتينية‪ .‬وحينما عرض على زوجته أن تلحق به ف وطنه الديد هي وابنها‬
‫رفضت‪ ،‬فقام باختطافه‪ .‬وحينما رفعت الزوجة قضية تطالب باسترداد ابنها‪ ،‬حكمت الحاكم‬
‫الرجنتينية لصاله‪ ،‬باعتبار أن إسرائيل مكان غي آمن‪ ،‬ومن ث غي صال لتنشئة الطفال‪ .‬ل‬
‫شك ف أن هذا الستوطن سيُصاب بالوجوم‪ ،‬لن هذا سيذكّره بوضعه المن‪ .‬فهو قد طالع‬
‫من قبل هذه الرسالة الفتوحة الت كتبها جندي احتياطي إسرائيلي (ونشرت على موقع‬
‫صحيفة يديعوت أحرونوت ‪ 29‬آب (أغسطس) ‪2001‬م‪ ،‬ونقلتها عنها الصحف السرائيلية‬
‫الخرى)‪ .‬والت قال فيها بكل صراحة‪:‬‬
‫أخاف من الوت‪ ،‬بل سبب كالبله على الرمال النتنة السماة قطاع غزة‪ ..‬ل أعرف أن أطي‬
‫عندما يطلقون عليّ النار‪ ..‬عدت من النتفاضة الول‪ ،‬ومن حرب لبنان‪ ،‬ومن النتفاضة‬
‫الثانية‪ .‬عدت بالة جيدة‪ ،‬بحض الصادفة‪ ..‬ل أؤمن بالعجزات وبالظوظ‪ ،‬ول أعتقد أن‬
‫لكل طلقة عنوانا‪ ،‬لكن أنا أيضا ليس ل عنوان‪ ..‬إذا ما مت فسأموت كالبله‪ .‬أبله ل ينتبه له‬
‫أحد‪ .‬أبله إحصاءات‪ .‬أبله عائلة ثكلى‪ ..‬أشعر بأن أولئك الالسي ف أبراجهم العاجية أيضا‬
‫ل يتابعون إطلقا ما يدث ل ولكتيبت‪ ،‬وربا لنا جيعا‪ .‬أشعر بأنم ل يعيوننا انتباها‪..‬‬
‫وأسأل نفسي ما إذا كنتما‪ ،‬أنتما الالسان ف برجيكما العاجيي‪ ،‬رئيس حكومت ورئيس‬
‫أركان‪ ،‬تعرفان فعلً ما الذي يب عمله كي أتكن من العودة إل البيت‪ .‬وقبل هذا وذاك‪،‬‬
‫أرجو أن تبيّنا ل أنكما معنيان‪ ..‬بوف من الوت كالبله؛ ذلك بأنه ل يعد من المكن أن‬
‫تقنعان بأنه جيد أن نوت من أجل بلدنا‪ ..‬ف غزة‪.‬‬
‫وهو سيسمع النكت الشائعة الن ف إسرائيل‪ ،‬إذ يقول مستوطن لصديقه‪( :‬سأحضر إل‬
‫منلك بالتوبيس‪ ،‬وأمنيت أن أنح ف ذلك) (اليوساليم بوست ‪2002 /1 /1‬م)‪ ،‬فأبسط‬
‫المور مثل رحلة التوبيس‪ ،‬أصبحت مسألة مفوفة بالخاطر‪.‬‬
‫وبعد أن تولت الستوطنات إل مسرح للخوف والرعب‪ ،‬كتب يهودا جولن ساخرا‪:‬‬
‫(يارس سكان مستوطنة جيلو تسلية جديدة‪ :‬مشاهدة إطلق النار‪ ..‬يستعدون كل مساء‬
‫للعرض اليومي الجان الاص بالضاحية) (معاريف ‪2000 /11 /17‬م)‪.‬‬
‫وسيقرأ هذا الستوطن الصهيون ف صحيفة هآرتس (‪ 2‬كانون الول (ديسمب) ‪2001‬م)‬
‫أن (ايت فحيمة‪ ،‬الستوطنة الصهيونية قُتلت السبوع الاضي‪ ،‬وأن زوجها كان قد أصيب [من‬
‫قبل] بصورة بالغة ف عملية شُنت بانب بيتها ف أحد الستوطنات‪ ،‬وأن أولدها الربعة‬
‫أصبحوا أيتاما من أمهم الن)‪،‬‬
‫والصورة العامة ف التجمّع الصهيون قاتة لقصى حد‪ .‬ففي مقال ليغئال موسكو (يديعوت‬
‫أحرونوت ‪2002 /3 /11‬م) تدث عن الصمت الذي يلف الدينة (ل توجد سيارات‪،‬‬
‫وحت الشاة القلئل يفضون أصواتم‪ .‬كل الدينة كوادي الشباح)‪ .‬وحاول الكاتب أن ينقل‬
‫لنا حديث أهل الدينة‪:‬‬
‫باستثناء العمل أنا ل أخرج من البيت منذ أربعة أشهر‪ .‬ل إل الجمع التجاري ول إل‬
‫القهى‪ ..‬كان الجمع التجاري خاويا ياأخي وخصيت كانت ف حلقي‪ .‬أنا ل أسافر وحدي‬
‫ف الليل‪ ،‬لنم أطلقوا النار عدة مرات على الشارع‪ ،‬وأنا ل أسح لبن أبدا أن يرج من‬
‫الي‪ .‬قولوا ل أية حياة أعيشها‪ ،‬حي أعرف أن ابن يركب سيارة عابرة عائدا إل البيت‪.‬‬
‫الن كنت أنا نفسي أزور الصدقاء ليلتي على القل ف السبوع‪ ،‬إل أن أطلقوا النار على‬
‫جاري الذي كان يسافر بالضبط أمامي على الشارع‪.‬‬
‫ث يعلّق كاتب القال على هذا بقوله‪:‬‬
‫ليس هناك ملذ ف هذه البلد‪ .‬العصاب متوترة‪ ،‬ووصلت لدى البعض إل حد النفجار‪،‬‬
‫ورغم ذلك سيطرت سالبية غريبة على الميع‪ .‬الناس ينظرون إل حجم الدم اليومي كقضاء‬
‫وقدر‪ .‬تاما مثلما ينظر البائسون ف بنجلدش إل الفيضانات‪ .‬يدخلون ف سياراتم بعد‬
‫العمل‪ ،‬يصغون إل الراديو الذي تول إل بيان لعلنات النازات‪ .‬يصلون البيت ويغلقون‬
‫الباب‪ .‬يتفظون بالولد قريبا جدا منهم‪.‬‬
‫ول تتلف الصورة الت يرسها سيما كرمون ف مقال له ف يديعوت أحرونوت (‪/4 /2‬‬
‫‪2002‬م) عن الصورة الت رسها يغئال موسكو بل ربا تكون أكثر قتامة‪:‬‬
‫هذه أيام عصيبة للمواطن العادي‪ .‬أيام منونة‪ .‬ل يسبق لبيت إن كان مصنا مثل هذه‬
‫اليام‪ .‬البيت هو الصن‪ .‬إنه غرفة عمليات‪ .‬مع الواتف‪ ،‬التليفزيون‪ ،‬والتأكد من أن الميع‬
‫على قيد الياة‪ .‬الوسادة هي كيس رمل‪ .‬الغطاء هو سور إسنت‪ .‬رائحة الربيع تطرق النوافذ‪،‬‬
‫رائحة البتقال‪ ،‬رائحة الياسي‪ ،‬ولكن اليدي خاوية والرجل ثقيلة ل تقوى على الروج‪.‬‬
‫هذه أيام منونة‪ .‬تنهض ف الصباح مع أل اليوم التال ولظات الوف قبل أن نفتح الذياع‬
‫لنسمع عن اليوم السابق‪ .‬ندخل ف يومٍ جديد مع خوف بأن ل يعود إلينا الميع‪ .‬المور‬
‫بسيطة‪ ،‬اليومية‪ ،‬يب أن نفكر مرتي‪ ،‬ثلث‪ ،‬أربع قبل أن نفعلها‪ .‬هل نرج مع الكلب‪ .‬أن‬
‫نتوجه إل البقالة‪ ،‬أن نسافر ف الافلة للعمل‪ .‬أن نذهب للتسوق‪ .‬أن نلس ف القهى‪ .‬أن‬
‫نرسل الولد للمدرسة‪ .‬كل شيء يُدرس بإمعان‪ .‬كل سؤال بسيط بات مشكلة وجودية‪..‬‬
‫هل نن حقا ف حاجة اليوم لشراء الليب‪ ،‬أل يكن النتظار ليومٍ واحد؟ ومن أجل ماذا‬
‫نذهب إل القهى‪ ،‬ما دام كل شيء ف البيت لطيفا‪ .‬والتسوق يكنه النتظار‪ ،‬والولد يكن‬
‫أن يستقلوا سيارة عمومية‪ ،‬وثة وقت لفل الزفاف‪ ،‬لسنا مضطرين لشراء فستان اليوم‬
‫تديدا‪ .‬وبصورة عامة ليس من الهم أن نشاهد هذا الفيلم فبعد وقت قصي سيُوزع ف أشرطة‬
‫فيديو ومن له رغبة الن لضور العروض السرحية‪ ،‬ومن أصلً يفكر الن بارج البلد ف‬
‫الوقت الذي يدم فيه ابنه ف الناطق‪.‬‬
‫ونن ننظر إل الولد وقلوبنا تتقطع‪ .‬ف إجازات عيد الفصح السابقة كانوا يتوقون‬
‫للخروج من هنا‪ ،‬الروج إل الارج‪ ،‬ولكن كل ما يريدونه الن هو البقاء ف البيت من أجل‬
‫أن نراهم طوال الوقت‪.‬‬
‫وقد ظهر ف إسرائيل ما يسمّى (حضارة البقاء ف النل)‪ ،‬وهي أن الناس يفضلون البقاء ف‬
‫النل‪ ،‬ول يذهبون إل الطاعم إل نادرا‪ ،‬ولذلك فمعظم الطاعم فتحت خدمة تيك أواي‪.‬‬
‫وحت حينما يذهبون إل مطعم ل يلسون ف الوائد الت توجد ف وسط الطعم‪ ،‬بل يفضلون‬
‫اللوس وراء العمود‪ .‬وتبدأ علمات الراحة تظهر عليهم‪ ،‬كما لو كانوا ياولون كبت أية‬
‫ماوف بداخلهم‪ .‬ولكن (بانج) تنفجر إحدى البالونات فينتفض كل من ف الطعم هلعا‬
‫ليتذكر الميع أنم ليسوا ف مطعم عادي ول ف بلد عادي‪ .‬وهكذا ف لظة دالة حطمت‬
‫الضوضاء واجهة الدوء (مارتن آسر أون لين ‪2002 /3 /26‬م ‪.).B.B.C‬‬
‫وقد أكد يوئيل ماركوس ف هآرتس (‪2001 /11 /13‬م) (القيقة الرة أننا ل ننجح ف‬
‫تصفية الرهاب ودحره بالقوة) بل إن الفلسطينيي نحوا ف زرع الرعب ف صفوفنا‪ ..‬وفشلنا‬
‫ف إخافتهم) وأكب دليل على ذلك‪( :‬أن الوزير دان نفسه وأبناء عائلته أخلوا بيتهم‪ ..‬خوفا‬
‫على أمنهم‪ ،‬وذلك بناء على نصيحة جهاز الشاباك (جهاز المن الداخلي)‪ ..‬وقال رعنان‬
‫كوهي‪ ،‬عضو العارضة‪ ،‬إن الوضع خطي جدا (أنا أنظر بطورة بالغة إل الوضع الذي ل‬
‫يستطيع فيه الوزراء أن يتجولوا برية داخل الط الخضر‪ ،‬وإن ل نشعر نن الوزراء‬
‫بالطمأنينة‪ ،‬فكيف سيشعر المهور)‪ .‬واستمر كاتب القال ف القول‪:‬‬
‫إناز الفلسطينيي ل يكمن ف إخافة وزير ف إسرائيل‪.‬‬
‫إنازهم القيقي يكمن ف أنم وضعوا علمة على كل الستوطني والسرائيليي كأهداف‪،‬‬
‫وألقوا الذى باقتصاد إسرائيل وبالسياحة الوافدة إليها‪ ،‬وزرعوا من خلل أعمالم الرهابية‬
‫أجواء من الوف والزع ف الوقت الذي ل تنجح فيه إسرائيل ف زرع خوف مشابه ف‬
‫أوساطهم‪.‬‬
‫لكل هذا ليس من الغريب أن أحد استطلعات الرأي ف صحيفة معاريف وصف الوضع‬
‫السائد ف إسرائيل بأنه يسوده (ارتباك شديد‪ ،‬وحية تزداد تعاظما‪ .‬فالمهور يتراكض بذعر‬
‫من هنا إل هناك‪ ،‬وهو على استعداد للمساك بكل قشة تقع ف طريقه من أجل ماولة‬
‫التخلص من هذا الوضع‪ ،‬حت لو كان ذلك بقول الشيء ونقيضه‪ .‬فهو يريد هذا وذاك‪:‬‬
‫الفصل من طرف واحد‪ ،‬والتوصل إل اتفاق‪ .‬الوار مع القيادة الفلسطينية وكذلك تدميها‪،‬‬
‫والتحاور مع العرب ف الناطق الحتلة‪ ،‬وأيضا بنسبة تأييد ملحوظة طردهم إل الدول العربية‬
‫الجاورة)‪.‬‬
‫ويكتب حيمي شاليف ف معاريف‪:‬‬
‫إن أخطر ما ف المر‪ ،‬هو ذلك الحساس العام بأنه ل أحد ف البيت‪ ،‬وأن السفينة تتز ف‬
‫بر عاصف‪ ،‬وأنه ل تعد لدى قبطان السفينة أية أفكار أخرى‪ .‬ل ف اليدان السياسي‪ ،‬ول ف‬
‫اليدان القتصادي الجتماعي‪ .‬وثة تقدير سائد بأن القيادة الوطنية فَقَدت سيطرتا على‬
‫الحداث‪ .‬وهذا وضع متطرف‪ ،‬يكن أن يقود أيضا إل البحث عن حلول متطرفة‪.‬‬
‫وثة إحساس عميق بفقدان التاه (فشارون ليس لديه تكتيك فقط‪ .‬البدأ البسيط‪ :‬أن‬
‫نصمد؛ أل تطرف لنا عي؛ أن نقلل الضرار؛ أن نتماسك عندما تقع كارثة؛ أن نضي قدما‪.‬‬
‫إل أين؟) (معاريف ‪ 21‬أيلول (سبتمب) ‪2001‬م)‪ .‬وقد أكد سيماكرمون العن نفسه ف‬
‫يديعوت أحرونوت (‪2002 /4 /2‬م) حي قال‪ :‬إن القيادة السرائيلية ل تعرف ماذا يب‬
‫فعله (فوراء الصمت ل توجد خطة‪ ..‬ونن ل نعرف إل أين نسي فهم أيضا ل يعرفون)‪.‬‬
‫وف ظل ارتفاع السائر البشرية مع استمرار النتفاضة زادت معدلت الوف والقلق بي‬
‫السرائيليي بصورة مطردة خلل الشهور الثلثة الول من النتفاضة‪.‬‬

‫***‬
‫معدلت الوف‬
‫منتصف تشرين مطلـع تشرين‬ ‫مطلـع تشرين‬
‫الشهر‬
‫الول (أكتوبر) )الثان (نوفمب‬ ‫الول (أكتوبر)‬
‫الشعور بالوف على المن‬
‫‪78%‬‬ ‫‪68%‬‬ ‫‪57%‬‬
‫الشخصي أو أمن البناء عام ‪2000‬م‬

‫أكثر من مصدر‪ :‬معاريف ‪ 20‬شباط (فباير ‪ -‬مارس)‪2001‬م‪ ،‬يديعوت أحرونوت ‪10‬‬
‫تشرين الثان (نوفمب)‪2001‬م‬
‫وف شهر آذار (مارس) ل يتلف المر كثيا‪ ،‬فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت (‬
‫‪2002 /3 /14‬م) أن ‪ %78‬من السرائيليي ل يعودوا يسهرون ف أماكن عامة خشية‬
‫الصابة ف عمليات تفجي فلسطينية‪.‬‬
‫إن جهور الستوطني (‪ )%63‬يعتقد أن الدولة الصهيونية قد دخلت طريقا مسدودا‪ ،‬فهي‬
‫ل يكنها القضاء على النتفاضة بالقوة‪ ،‬ما يعن أن (النتفاضة لن تنتهي)‪ .‬وف الوقت ذاته ل‬
‫يكن التوصل إل اتفاقات سلم مع الفلسطينيي‪ .‬فكل ماولت وقف إطلق النار باءت‬
‫بالفشل (اليوساليم بوست ‪2001 /9 /30‬م)‪ .‬أو كما يقول أمنون دنكنر ف مقال نشرته‬
‫جريدة معاريف‪( :‬أسوأ المور هو أن من الواضح أنه ل يعد ثة حلول سحرية يكن التوصل‬
‫إليها بضربة واحدة‪ .‬ول يعد السلم الشامل والنهائي مُغريا‪ ،‬وحت ليس ثة حلول عسكرية‬
‫تتكلل بأناشيد النتصرين‪ .‬ومن الهة الخرى‪ ،‬ل يوجد أي إمكان للستمرار ف ظل الوضع‬
‫الال دون عمل شيء)‪.‬‬
‫وف ‪ 25‬كانون الثان (يناير) ‪2002‬م أكد (يوئيل ماركوس) ف هآرتس أن شارون‪:‬‬
‫أدخل السرائيليي ف دائرة دموية مفرغة ل يكن الروج منها‪ ..‬الناس يرجون مرات أقل‬
‫خوفا من الجمات الرهابية‪ ..‬المهور مُتعب ومُرهق ومُتشائم‪ ..‬طاقة إسرائيل ت تقويضها‪،‬‬
‫ورغم أن إسرائيل عضو ف نادي أقوى خسة جيوش ف العال‪ ،‬ونادي الدول النووية الثمانية‬
‫فقد بلغت النقطة الت ل يكن فيها أن تصل إل حل عسكري مع الفلسطينيي‪.‬‬
‫وقد عبّر دانار روبنشتاين‪ ،‬أحد أبرز العلقي السرائيليي عن الفكرة نفسها إذ قال ف‬
‫صحيفة معاريف (‪2001 /9 /20‬م)‪( :‬إن طريقة مواجهة الجهزة المنية السرائيلية‬
‫للنتفاضة ل تفشل فقط‪ ،‬بل إنا أدت إل انتقال العمليات الستشهادية إل فصائل ل تتبناها‬
‫من قبل‪ ،‬وحصلت إسرائيل على عكس النتائج الت راهنت على تقيقها)‪.‬‬
‫إن قوة اليش‪ ،‬كما جاء ف معاريف (‪2002 /2 /11‬م)‪ ،‬تتآكل بنهجية بعد أن غرقت‬
‫ف مستنقع النتفاضة‪ .‬وقد وصل المر إل درجة أن الطلوب هو (جندي ف كل دكان‪ ،‬ف‬
‫كل موقف سيارات‪ ،‬ف كل مطة أوتوبيسات‪ ،‬وسبعة منهم ف كل مفترق)‪ .‬وبالفعل نشرت‬
‫جريدة معاريف (‪2002 /4 /2‬م) أن اللجنة القطرية لولياء أمور الطلبة ف إسرائيل اتذت‬
‫قرارا بعدم استئناف الدراسة ف الدارس بعد عطلة عيد الفصح إذا ل يوضع حراس مع أسلحة‬
‫حول كل الؤسسات التعليمية‪.‬‬
‫ولكل هذا أعلن أليكس فيشمان ف مقال له ف يديعوت أحرونوت أن سياسة المن‬
‫السرائيلية تتضر‪ ،‬وأشار إل أن الوضع المن الذي تعيشه إسرائيل يعتب إفلسا أمنيا يُلزم‬
‫الطبخ المن باتاذ قرارات تكسر دوامة عملية رد العملي الت تسحب الطرفي ف عناق‬
‫الوت نو الاوية‪.‬‬
‫لقد وصل العقل السرائيلي مرةً أخرى إل حالة (إين بريرا) وهي عبارة تعن (ل خيار)‪،‬‬
‫وكانت تعن ف الاضي أن الستوطن الصهيون مكوم عليه بالدخول ف حروب مستمرة‪،‬‬
‫الواحدة تلو الخرى لدة طويلة‪ ،‬ولكن كان العتقاد الصهيون الراسخ أن ثة مرجا ف ناية‬
‫النفق الظلم من خلل ما يسميه الفكر المن السرائيلي (الائط الديدي)‪ ،‬أي أن يبن‬
‫الستوطنون حائطا حديديا حول أنفسهم ل يكن للعرب اختراقه‪ ،‬ما يضطرهم للرضوخ‬
‫للمر الواقع والقتناع بأنه ل يكن هزية الوافدين من الغرب‪.‬‬
‫ولكن بدلً من الائط الديدي ظهرت عبارة (العجز المن) فهي حالة من (إين بريرا)‬
‫دون أمل‪ .‬أو كما قال أحد الكُتّاب ف معاريف (‪2002 /1 /30‬م)‪( :‬إن الجتمع‬
‫السرائيلي يشعر باليأس مثل قطيع بل راعٍ ماط بذئاب منونة)‪ .‬وكما قال آخر ف يديعوت‬
‫أحرونوت (‪2001 /11 /11‬م)‪( :‬ليلة سعيدة أيها اليأس‪ ..‬والكآبة تكتنف إسرائيل)‪ .‬ولذا‬
‫فإن هآرتس (‪2001 /11 /23‬م) تطرح شعارا جديدا للصهاينة‪( :‬دعونا نأكل ونشرب‬
‫فسوف نوت غدا)‪ .‬ولو نح شارون ف تنفيذ مططه لضرب النتفاضة لكرّس نط الائط‬
‫الديدي‪ ،‬ولبعث فيه الياة‪ ،‬وفشله يعن ف واقع المر سقوط هذا الوهم‪ ،‬ما يعن سقوط‬
‫اللم الصهيون (وهل يكن للجيوب الستيطانية أن تعيش دون حلم أو وهم أو أساطي؟)‪.‬‬
‫لكل هذا تدهورت ثقة السرائيليي ف دولتهم ومؤسساتا‪ ،‬وحت فيما يص جيش‬
‫الحتلل‪ ..‬ويتبي هذا التراجع بالقارنة بي ثقة السرائيليي ف هذه الؤسسات بي عامي‬
‫‪2002 - 1996‬م‪ .‬فبينما كان ‪ %60‬من السرائيليي يثقون ف الكومة عام ‪1996‬م‪،‬‬
‫انفضت النسبة إل ‪ %37‬عام ‪2002‬م‪ .‬ويُلحظ النمط نفسه ف مؤسسات أخرى‪ ،‬فالثقة‬
‫ف الكنيست انفضت من ‪ %62‬إل ‪ ،%25‬وانفضت النسبة ف الحزاب من ‪ %36‬إل‬
‫‪ %16‬خلل الفترة الزمنية نفسها‪.‬‬
‫ويكننا الن أن نطرح سؤالً‪ :‬ما هو الثر النفسي لذا الحساس بعدم المن؟ كفانا‬
‫الباحثون السرائيليون مؤونة البحث‪ ،‬فقد جاء ف جريدة هآرتس (‪2001 /10 /6‬م) أن‬
‫عدد الرتادين على عيادات الطباء قد زاد بشكل كبي ف الونة الخية رغم أنم ليسوا‬
‫مرضى من الناحية العضوية‪ ،‬وإنا يعانون من ضغوط وتوتر على خلفية الحداث الخية (أي‬
‫النتفاضة)‪ .‬وقد نشرت جريدة معاريف (‪2002 /4 /2‬م) أن وزارة الصحة السرائيلية‬
‫فتحت مراكز استعلمات هاتفية يستطيع الواطنون عبها تلقي مساعدات نفسية‪ .‬كما بيّنت‬
‫يديعوت أحرونوت (‪2002 /2 /14‬م) أن شركات الدوية أفادت بأن هناك ارتفاعا بنسبة‬
‫‪ %50‬ف استهلك الهدئات والسكنات‪.‬‬
‫وقد نشرت كل من هآرتس وبنئيم (عدد ‪ 17‬صيف ‪2001‬م) عن ظاهرة يسميها علماء‬
‫النفس ظاهرة (العجز الكتسب)‪ .‬ولشرح هذه الظاهرة تقول الصحف إنه أجريت تربة‬
‫عُرّض أثناءها كلبان لصدمات كهربائية‪ ،‬وأعطي واحد منهما الفرصة للفرار‪ ،‬أما الخر فقد‬
‫حُرم منها‪ ،‬فاكتسب الول حسا سريعا بتجنب الصدمات الكهربائية من خلل القفز إل‬
‫الهة المنة‪ ،‬أما الثان فقد تكيف تاما وتقبل الوقف بنوع‪ ،‬حت إنه حينما أتيحت له فرصة‬
‫الرب ف تربة أخرى‪ ،‬ل يغتنمها‪ .‬فالعجز الكتسب هو سلوك سلب ينشأ من الدراك أن ل‬
‫وسيلة لتجنب آثار مؤلة‪ ،‬ومن عدم اليقي بصوص أي شيء‪ ،‬فهي حالة (إين بريرا) بامتياز‪.‬‬
‫وقد توصل العلماء إل أن ظاهرة العجز الكتسب ف الجتمع السرائيلي تنطوي على‬
‫أخطار كثية مثل الشلل من جهة‪ ،‬والتطلع من جهة أخرى إل حلول سحرية قد تل كل‬
‫الشاكل بضربة واحدة‪ .‬وهذا التاه الخي أرض خصبة لتطور توق قوي إل ظهور مسيح‬
‫دجال‪ ،‬والستعداد لقبول من يقدم نفسه (كقائد قوي) يكنه حل الشكلت كافة‪( .‬وهذا‬
‫يفسر ظهور شارون الذي وعدهم بإعادة المور إل نصابا)‪.‬‬
‫ومن أطرف الؤشرات على حالة الذعر الت انتابت التجمّع الصهيون أنه مع تصاعد‬
‫النتفاضة بدأت حالة الذعر تنتاب الكلب والقطط ف النازل السرائيلية‪ ،‬ولذا اقتضى المر‬
‫بتقدي الهدئات لا (الفاليم)‪ .‬وقال أطباء بيطريون‪ :‬إن الكلب تبدأ بالنباح وتصبح أكثر‬
‫عدوانية وترتف ل إراديا أو تفقد التحكم ف مثانتها‪ ،‬عندما تصل أصداء دوي إطلق النار‬
‫ف الضفة الغربية إل مبان القدس‪.‬‬
‫وقال بين سابي‪ ،‬وهو طبيب بيطري ف القدس‪ :‬اليوم فقط عالت كلبا من نوع السيشن كان قد‬
‫امتنع عن الطعام ويرفض مغادرة منله‪ .‬وقال طبيب بيطري آخر‪ :‬إنه ل ير مثل هذا العدد من الكلب‬
‫الضطربة منذ أمطر العراق تل أبيب بصواريخ سكود خلل حرب الليج عام ‪1991‬م‪.‬‬
‫وقال طبيب آخر‪ :‬إن كلبه هو شخصيا يرفض الروج من النل‪ .‬إن الناس مصابة بالتوتر‪ ،‬ول‬
‫يدرون ماذا يفعلون‪ ،‬وعلى مَ ْن يلقون باللوم‪ ،‬الناس متوترة وكذلك حيواناتا ( ‪ BBC‬ويديعوت‬
‫أحرونوت ‪2002 /3 /6‬م )‪.‬‬
‫***‬
‫سقوط الجاع بصوص الستيطان‬
‫تصور الركة الصهيونية نفسها بأنا حركة التحرر الوطن (للشعب اليهودي) وأنا ستقوم‬
‫بمعه ف وطنه القومي‪ ،‬أي كامل أرض فلسطي‪ ،‬وأن الستوطني هم طليعة هذا الشعب‪،‬‬
‫وهي بذلك تتجاهل آلف السني (التاريخ العرب) ومليي البشر (الفلسطينيي أصحاب‬
‫الرض)‪ .‬ولكن مع تصاعُد النتفاضة تساقط هذا الانب من السطورة الصهيونية‪ ،‬وبدلً من‬
‫رؤية الستوطني باعتبارهم طليعة الشعب اليهودي‪ ،‬بدأت بعض الصوات السرائيلية بل‬
‫والصهيونية تتعال ضدهم‪ .‬وما يفاقم المور النعة الستهلكية الترفيّة لدى هؤلء الستوطني‬
‫الصهاينة‪ ،‬فمن العروف أن الدافع وراء الستيطان ف الضفة الغربية ليس دافعا دينيا أو قوميا‬
‫بل دافع استهلكي‪ ،‬فهم يبحثون عن حياة مترفة رخيصة‪.‬‬
‫ويرى كثي من الدارسي أن الستيطان هو جوهر الصهيونية‪ ،‬عمودها الفقري‪ .‬وكما‬
‫قالت إحدى الصحف السرائيلية‪ :‬إن حركة الستيطان توجد ف قلب الصهيونية‪ ،‬ول يوجد‬
‫صهيونية بدون استيطان (‪ .)Israel's Business Arena 31/3/2002‬وقد ردّ بن‬
‫جوريون الفكرة نفسها بعد إعلن الدولة‪ ،‬وكان الصهاينة يطلقون على الستوطن اليهودي‬
‫كلمة حالوتس)‪ ،‬أي رائد‪ ،‬لن تصورهم أن هذا الستوطن كان يأت لرض بكر عذراء‬
‫فيستول عليها ويطهرها من سكانا ث يرثها ويزرعها ويرسها بنفسه‪ ،‬ولذا فهو يسك‬
‫بالبندقية بيد والحراث باليد الخرى‪ .‬وكان الفروض أن يعيش هذا الستوطن حياة متقشفة‬
‫ويدين بالولء لليديولوجية الصهيونية التوسعية‪ ،‬وكان يُعدّ طليعة الشعب اليهودي والقوة‬
‫العسكرية السرائيلية‪ ..‬إل‪ .‬وبعض جوانب هذه الصورة كان حقيقيا حت عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫ولكنها تغيّرت بشكل جذري بعد ذلك التاريخ‪.‬‬
‫وما ل يدركه الكثيون ف الوقت الاضر أن نوعية الستوطن الصهيون ف غزة والضفة‬
‫الغربية تتلف تاما عن نوعية الستوطني ف الاضي‪ ،‬فالستوطن الديد شخص مُرفّه يبحث‬
‫عن راحته ولذته ومنفعته‪ .‬وقد سيت هذا النوع من الستيطان عام ‪1984‬م (الستيطان‬
‫مكيّف الواء)‪ .‬وقد فوجئت بالعلّق العسكري السرائيلي البارز زئيف شيف (هآرتس ‪/17‬‬
‫‪1986 /6‬م) يُطلق عليه اصطلح (المن ديلوكس) أو (المن الفاخر)‪ ،‬فالستوطنون‬
‫الصهاينة الدد ف الضفة والقطاع ل يريدون أن يملوا البندقية أو الحراث (فهم يطالبون‬
‫اليش السرائيلي وأجهزة المن الخرى أن يضمنوا لم نوعا من العيش المتاز ف الناطق‬
‫الحتلة‪ ،‬وأن تكون حياتم مكفولة أمنيا‪ .‬وطبيعة المن الذي يطلبونه بالواصفات الت يطلبونا‬
‫ليست موجودة ف أي مكان آخر ف إسرائيل‪ ،‬وإسرائيل بأكملها ل تتمتع بثل هذا المن‬
‫الفاخر) (هآرتس ‪1986 /6 /17‬م)‪ .‬وقد بينت هآرتس (‪1987 /12 /30‬م) أن توطي‬
‫مستوطن صهيون ف النقب يكلف الدولة ‪ 820‬دولرا‪ ،‬بينما تبلغ تكلفة توطينه ف مستوطنة‬
‫ف الضفة الغربية ‪ 2100‬دولر‪ ،‬وهذه التكلفة الباشرة ل تغطي التكاليف غي الباشرة وغي‬
‫النظورة من لزوم الستيطان الفاخر‪.‬‬
‫ويبدو أنه مع تصاعد القاومة عادةً ما تعيد قطاعات كثية من العدو الصهيون حساباتا‬
‫بصوص الستيطان ف الضفة الغربية وغزة‪ .‬ففي انتفاضة ‪1987‬م انطلق السخط على‬
‫الستيطان الكيّف الواء من عقاله‪ ،‬فوصف رابي الستوطني بأنم يشكلون عبئا على‬
‫الؤسسة العسكرية (اليوساليم بوست ‪1988 /2 /4‬م)‪ .‬وقال أحدهم‪ :‬إن الستيطان هو‬
‫(الصنبور الذي ل يُغلق)‪ .‬وكتب يوسي سريد مقالً ف صحيفة هآرتس (‪1988 /2 /11‬م)‬
‫وصف فيه الستوطنات بأنا ثقوب ف الرأس (وأنا عبء)‪ .‬أما الهمة الدفاعية القتالية ‪ -‬وهي‬
‫مهمة الستوطنات ف الحل الول ف اليديولوجية الصهيونية الكلسيكية ‪ -‬فل وجود لا‪،‬‬
‫ومساهة مستوطنات الضفة ف الدفاع عن أمن إسرائيل (يشبه ما تفعله الدة الائفة)‪ ،‬أي‬
‫البكاء والصياح‪ .‬والبراج ف مستوطنات جوش أيونيم (هي برج طائر) مهتز (تستطيع إصبع‬
‫صغية أن تطيح به)‪ .‬ووجود ‪ 60 - 50‬ألف يهودي (عدد الستوطني الصهاينة آنذاك) بي‬
‫مليون ونصف فلسطين ف الضفة والقطاع‪ ،‬سيثي مشاكل عويصة للجيش‪ ،‬خاصةً ف حالة‬
‫الرب‪ ،‬كما حدث بالنسبة لستوطنات الولن ف السبعينيات‪ ،‬إن هؤلء الستوطني ليسوا‬
‫مصدر نفع للجيش الذي يضطلع بكل أو معظم الوظائف الت كان يضطلع با الستوطنون‬
‫قبل عام ‪1948‬م‪.‬‬
‫ومع توقيع اتفاقية أوسلو تراجع السخط على الستيطان واستقرت المور‪ ،‬واستمرت‬
‫الؤسسة الصهيونية ف التهام الرض وف تشييد الستوطنات‪ ،‬وصمتت معظم الصوات‬
‫العارضة (وهذا تلٍ آخر لنمط التطرف والعتدال الستيطان)‪ .‬ولكن مع اندلع انتفاضة‬
‫القصى والستقلل عاد الجوم على الستوطنات مرةً أخرى من قِبَل الستوطني الصهاينة ف‬
‫فلسطي الحتلة قبل عام ‪1967‬م‪ .‬فبدأت الصحف السرائيلية تتحدث عن الستيطان‬
‫باعتباره (ورما) (هآرتس ‪2002 /2 /1‬م)‪ .‬و (السرطان الذي يأكل جسد الجتمع‬
‫السرائيلي) (من خطاب سي جيو ياهن الدير الساعد لركز العلومات البديلة‪ ،‬الذي صدر‬
‫حكم عليه بالسجن إثر رفضه أداء الدمة الحتياطية باليش‪ .‬وقد أرسل الطاب بتاريخ (‬
‫‪2002 /3 /19‬م)‪ .‬كما تتحدث الصحف عن الستوطنات باعتبارها (مصيدة الوت)‬
‫(هآرتس ‪2001 /9 /2‬م)‪ ،‬و (مصنعا للرهاب) (معاريف ‪2001 /12 /3‬م)‪.‬‬
‫وقد وصف (أهارون ميد) تصاعُد السخط على الستيطان ف الضفة الغربية والقطاع ف‬
‫هذه الكلمات‪( :‬منذ أن توالت هذه العمليات (الفدائية) الت توقع الضحايا بالعشرات‪ ،‬ل يض‬
‫يوم ول ساعة ل توجه فيها إدانات وانتقادات للمستوطني‪ ،‬من على كل منصة ومن كل‬
‫ميكروفون‪ .‬دم القتلى ف رقبتهم‪ .‬كُتّاب القالت ف الصحف ل يضيّعون أية فرصة للتشهي‬
‫بم والبصق ف وجوههم حت حي يكتبون عن آخر فيلم شاهدوه أو عن معرض رسم ف‬
‫العرض الفلن‪ .‬والحللون القتصاديون أيضا يعزون كل الشاكل الت ألت بنا (تفيض‬
‫الفائدة‪ ،‬ارتفاع سعر الدولر‪ ،‬الفقر‪ ،‬البطالة وغي ذلك) إل الستوطنات الت تص دم الدولة)‪.‬‬
‫(يديعوت أحرونوت ‪2002 /1 /13‬م)‪.‬‬
‫ويصف يهودا ليطان (يديعوت أحرونوت ‪2001 /12 /27‬م) الستوطني بأنم‬
‫(المهور الفضل ف دولة إسرائيل‪ .‬البن العزيز لكل الكومات الت ل ترؤ على الس بيزانية‬
‫الستوطنات‪ ،‬ولذا بلغ استثمار الكومات الختلفة ف مستوطنات الضفة الغربية منذ عام‬
‫‪1967‬م بعشرات الليارات من الدولرات‪ ،‬أنفقت ف ميزانيات مباشرة (بناء وسكن وتعليم‬
‫وأمن وصناعة وتارة)‪ ،‬وغي مباشرة (خدمات دينية ورفاه اجتماعي وثقافة وسياحة وغي‬
‫ذلك)‪ ،‬وحراسة جنود الدمة اللزامية والحتياط هي مرد جزء من النفقات الائلة الت يتم‬
‫إنفاقها‪ ،‬ويظى الكثي من الستوطني بإعفاءات من ضريبة الدخل كسكان منطقة الواجهة‪.‬‬
‫وترى حركة (السلم الن) أن الدفاع عن الستوطنات والطرق إليها يفرض عبئا أمنيا على‬
‫إسرائيل‪ .‬فالزر الستيطانية تطيل الدود إل نو ألفي ميل‪ ،‬أي عشرة أضعاف الط الخضر‬
‫للعام ‪1967‬م‪ ،‬وتنشر إسرائيل حوال ‪ 11‬فرقة ‪ -‬أكثر من ‪ 27‬ألف جندي ‪ -‬ف الضفة‬
‫الغربية وغزة‪ ،‬بالقياس إل ‪ 8‬فرق على الدود الشمالية‪ .‬فالسلم والمن لستة مليي‬
‫إسرائيلي وثلثة مليي فلسطين ها الن رهينة لمن ‪ 300‬ألف مستوطن إسرائيلي ف الضفة‬
‫الغربية وغزة‪.‬‬
‫وكما قال سي (جيو ياهن) ف خطابه الذي أسلفنا الشارة إليه‪ ،‬فإن (الستوطنات حوّلت‬
‫الجتمع السرائيلي ف الـ ‪ 53‬سنة الاضية إل منطقة خطرة‪ ..‬وجيش الدفاع السرائيلي‬
‫ليس سوى جناح مسلح لركة الستوطنات‪ ...‬موجود لضمان الستمرار ف نب وسرقة‬
‫الراضي الفلسطينية)‪.‬‬
‫أما عكيفا الدار (هآرتس ‪2002 /2 /4‬م) فهو يشي لم بأنم (أقلية صغية‪ ،‬ل تلعب أي‬
‫دور حت ف ماولة تقيق التوازن الديوجراف مع العرب‪ .‬فعدد الستوطني‪ ،‬بالرغم من كل‬
‫المتيازات الت يصلون عليها‪ ،‬يساوي من حيث الجم نسبة التكاثر عند الفلسطينيي خلل‬
‫عامي)‪ .‬كما أنم مرد مرتزقة جاؤوا لتحقيق مستوى معيشي مرتفع (فأقل من ‪ 30‬ألف‬
‫عائلة من أصل نو مئة ألف عائلة ف الستوطنات استقروا فيها لدوافع إيديولوجية)‪ .‬ويصف‬
‫غي باخور (يديعوت أحرونوت ‪2002 /1 /29‬م) الستوطني ف غزة بأنم (أقلية هامشية‪:‬‬
‫ثلثة آلف شخص يقيمون بي مليون فلسطين ويتجزون نو ثُلث مساحة القطاع)‪ .‬أو‬
‫كما قال أحد الكُتّاب‪( :‬لاذا يب علينا أن ندفع كل هذا الال لماية بضعة عائلت إسرائيلية‬
‫أسّست بيوتا وحقولا وسط الراضي الفلسطينية) (هآرتس ‪2002 /1 /19‬م)‪.‬‬
‫ويبيّن (يهودا ليطان) ف يديعوت أحرونوت (‪2001 /12 /27‬م) أن الستوطنات‬
‫أصبحت عبئا ماليا إذ تستثمر الكومة فيها (مبالغ خيالية تصل إل عشرات مليارات‬
‫الدولرات)‪ ،‬والستوطنات تواصل (حلب الضرع الكومي ف الوقت الذي تري فيه‬
‫تقلصات كبية من الموال العدة للمعاقي والسني وباقي الظلومي)‪.‬‬
‫ونشرت هآرتس (‪2002 /2 /16‬م) أن الستوطنات ف الصفة الغربية تستنف القتصاد‪،‬‬
‫وتقوّض التضامن الجتماعي‪ ،‬وتلق فجوات ضخمة بي الستوطني‪ ،‬الذين يصلون على‬
‫كثي من الساعدات من جهة‪ ،‬وبقية الواطني الذين يعيشون خلف الط الخضر من جهة‪.‬‬
‫وبعد تميش الستوطنات‪ ،‬وبعد إظهار تكلفتها القتصادية‪ ،‬يتحدثون ف الصحف‬
‫السرائيلية عن ضرورة فكها‪ .‬وقد جاء ف الريدة نفسها (هآرتس ‪2002 /2 /16‬م) أن‬
‫من يريد أن يعيش ف دولة ديقراطية يهودية عليه أن يذهب إل أن النسحاب من الراضي‬
‫الحتلة (بكثافتها السكانية العربية) أمر حتمي‪ .‬ويُختتم القال بتأكيد أن الحتلل ل يقوض‬
‫مقدرة دولة إسرائيل على حاية نفسها وحسب‪ ،‬ول موقفها الخلقي أمام العال فقط‪ ،‬وإنا‬
‫يقسم الجتمع السرائيلي نفسه إل قسمي‪.‬‬
‫وقد وجّه أبراهام يهوشع (يديعوت أحرونوت ‪2000 /11 /22‬م) ندا ًء للمستوطني أن‬
‫يتخلوا عن عنادهم‪ ،‬وأن يعودوا إل دولة إسرائيل (باعتبار أن الضفة الغربية والقطاع هي‬
‫أرض فلسطينية)‪ .‬وقد كتب أحدهم خطابا موجّها للمستوطني يقول فيه‪( :‬لقد ذهبتم‬
‫لتعيشوا ف الرض الحتلة‪ .‬إن غور الردن أرض متلة‪ .‬والن تعرفون التاعب‪ ،‬ولكنكم أنتم‬
‫الذين سببتموه لنفسكم‪ ،‬إن كنتم تريدون المن‪ ،‬فلتهاجروا إل إسرائيل‪ .‬أنتم تعيشون ف‬
‫الارج الن‪ .‬يب أن تعرفوا أنكم مهاجرون‪ ،‬تاما مثل السرائيليي الذين يعيشون ف‬
‫نيويورك) (هآرتس ‪2001 /9 /21‬م)‪.‬‬
‫وقال عكيفا الدار (هآرتس ‪2002 /2 /4‬م)‪( :‬إن إعادتم (أي الستوطني الذين‬
‫يتمسكون بالستوطنات) ستكون أقل ثنا بالدماء والال من إبقائهم ف أماكنهم‪ ،‬وعندها‬
‫سيتبي أن الطائفة الت ادعت حل لواء الصهيونية الديثة قد أفلست‪ ،‬وغدت التهديد الكب‬
‫على وجود إسرائيل كدولة يهودية وديقراطية)‪.‬‬
‫وقد طرح (ياعيل بازميلمد) القضية بشكلٍ واضح ف معاريف (‪2002 /3 /24‬م) إذ‬
‫قال‪:‬‬
‫إن اليسار يرى أنه لن تكون هناك أية تسوية‪ ،‬ناهيك عن اتفاق سلم‪ ،‬بدون العودة الكاملة‬
‫إل حدود ‪1967‬م وإزالة كل الستوطنات‪ .‬مقابل ذلك‪ ،‬يؤمن الستوطنون‪ ،‬بدعم من اليمي‬
‫التطرف‪ ،‬بأنه يظر إزالة الستوطنات ذلك لن أرض إسرائيل كلها تعود للكية شعب‬
‫إسرائيل‪ ،‬والشعب ل يتنازل عن الناطق مقابل ل شيء‪ .‬وإذا أراد الفلسطينيون السلم‪ ،‬عليهم‬
‫أن يوافقوا على شروطنا‪ ،‬شروط سلم مع كل الستوطنات‪.‬‬
‫كان هذا الدل جوهريا تديدا ف السنة والنصف من النتفاضة‪ ،‬ذلك لنه جدل بي من‬
‫يعتقد أن الرب اليوم هي حرب الل خيار‪ ،‬وبي أولئك الذين يعتقدون أن الديث يدور عن‬
‫حرب خيار‪ ،‬من يعتقد أن هذه حرب الل خيار يؤمن أن الستوطنات هي البيت‪ ،‬وعن البيت‬
‫يب أن ندافع‪ .‬ومن يعتقد أن هذه حرب خيار يعتقد أننا جيعا ندفع ثنا باهظا جدا من أجل‬
‫أن يواصل ‪ 250‬ألف إسرائيلي الياة ف الناطق الت احتلت عام ‪1967‬م‪ ،‬وهي ليست لنا‪،‬‬
‫واحتجازها يعلنا أولً متمعا غي أخلقيّ ينتهك القوق الساسية لشعب آخر‪.‬‬
‫ل يوجد ول يكن أن يكون هناك إجاع وطن ف قضية الستوطنات‪ ،‬بل إنه ل يوجد‬
‫تقارب معيّن ف الواقع‪.‬‬
‫وقد أدى كل هذا إل تقويض الروح العنوية ف الستوطنات‪ .‬وتعطينا أحد القالت النادرة‬
‫الت نشرت ف هآرتس (‪2001 /9 /21‬م) صورة عن الستوطنات من الداخل‪ .‬بدأ القال‬
‫بشكوى أحد الستوطني بأن المهور ف إسرائيل ل يعرف ماذا يدث ف الستوطنات‪.‬‬
‫الحصاءات الرسية تقول إن ‪ 51‬أسرة قد تركت غور الردن منذ بداية العام‪ ،‬لكن الرقم‬
‫أعلى من ذلك بكثي‪ .‬كما الحصاءات ل تتضمن الستوطني الذين يديرون حياتم بالريوت‬
‫كونترول (أي عن بُعد) وهم كثر‪ .‬فهم ظاهريا يعيشون ف الستوطنات‪ ،‬لكنهم فعليا يقضون‬
‫معظم أوقاتم خلف الط الخضر (أي فلسطي الحتلة عام ‪1948‬م)‪ .‬ث انمرت‬
‫الشكاوي‪ ..‬قال أحد الستوطني‪( :‬لقد سرت عدوى الرحيل ف الوادي‪ ،‬ول يبدو أنه يوجد‬
‫أي علج‪ .‬مستوطنة يافيت الت كانت تقطنها ‪ 38‬أسرة تركتها ثان أسر‪ .‬ومستوطنة‬
‫جلجال تركتها ‪ 6‬أسر من ‪ 36‬أسرة‪ ،‬أما ماسوا فقد تركتها ‪ 5‬أسر من ‪ 35‬أسرة‪ ،‬وجيتيت‬
‫تركتها ‪ 8‬من ‪ ،12‬أما مستوطنة ناعران فلم يبق فيها سوى ست أسر‪.‬‬
‫وقد ظهر ف إسرائيل‪ ،‬منذ منتصف الثمانينيات‪ ،‬مصطلح ‪،dummy Settlements‬‬
‫والت نترجها بعبارة (مستوطنات الشباح)‪ ،‬أي الستوطنات الت تُشيّد ول يقطنها سوى بضع‬
‫أسر‪ .‬ومن الواضح أن الستوطنات ستزداد بشكل شبحي‪ ،‬فقد كانت هناك بعض السر‬
‫الترددة ف مستوطنة يافيت‪ ،‬ولكن بعد مقتل روهار شورجي‪ ،‬أحد سكان الستوطنة (ف ‪/7‬‬
‫‪2000 /8‬م)‪ ،‬تركت زوجته وأولدها الستوطنة‪ ،‬ث تبعهم آخرون‪ .‬ولكن أسوأ ضربة‬
‫كانت حي هاجر موسى هوفتمان وزوجته برييت‪ ،‬فهما من مؤسسي الستوطنة‪ .‬وكانت‬
‫الضربة من القوة بيث أن الستوطني ل يبون الديث عن هذا الوضوع‪ ،‬ولكن حسب ما‬
‫سعه مراسل هآرتس من بعض الستوطني‪ ،‬حينما عادت برييت من إجازة ف فرنسا وجدت‬
‫أن الو ف الستوطنة متلف تاما عما كانت تعرفه‪ .‬صدمها كل شيء فجأة‪ :‬الزن من أجل‬
‫شورجي ‪ -‬رحيل بعض العائلت الت ساعدتم على التأقلم والستقرار ‪ -‬الزن الخيم على‬
‫الميع‪ .‬حينئذ شعرت برييت هوفتمان أن أسلوب حياة السرة قد تساقط أمام عيونا‬
‫فقررت الرحيل‪.‬‬
‫لقد ازداد مستوطنات الشباح شبحية‪ ،‬وازدادت جيتوية (ل يعد أحد يفكر ف أن يقوم‬
‫برحلة‪ ..‬وإن سرت هنا بعد الظلم فلن تد إنسانا‪ ،‬نصف النازل مظلمة‪ ،‬عدد كبي من‬
‫الطفال ل يعودوا بعد الجازة الصيفية‪ ،‬مكان لعب الطفال خالٍ تاما‪ .‬كل شيء توقف؟)‪.‬‬
‫يقول صاحب أحد الطاعم‪( :‬انظر كم نن مشغولون الن؟)‪ .‬ويشي ساخرا إل درج النقود‬
‫الفارغ‪( .‬سوء طالعنا أننا انتهينا من تديد الطعم قبل أن تتاح لنا فرصة أن نذوق العسل (ف‬
‫أرض بل شعب؟‪ ،)،‬ما هو الوقت الن؟ (الرابعة‪ ،‬إن جلست هنا حت السابعة‪ ،‬أي عندما‬
‫أغلق الطعم‪ ،‬لن ترى أكثر من جندي أو جنديي يأتون إل الطعم) (بدلً من الطفال‬
‫وضحكاتم يأت النود وأسلحتهم‪ ..‬أليس هذا هو مصي كل الستوطني الذين اغتصبوا‬
‫الرض من أصحابا؟‪.)،‬‬
‫وقد جاء ف صحيفة معاريف أنه ف ‪ 45‬مستوطنة (من بي ‪ 144‬مستوطنة) ف مموعة‬
‫مستوطنات يشع‪ ،‬سجل عام ‪2001‬م عددا من الغادرين يفوق مموع السكان الدد‬
‫والتكاثر الطبيعي‪ .‬وينطبق الوضع نفسه على الستوطنات القريبة من الط الخضر‪ .‬وتاول‬
‫بيانات الكومة السرائيلية التقليل من حدة الزمة‪ ،‬حت أصبحت أرقام النازحي عن‬
‫الستوطنات من الحرمات‪ ،‬لن الكشف عنها يؤدي إل تدهور معنويات السرائيليي‪.‬‬

‫***‬
‫الطرق اللتفافية‬
‫ومن أهم علمات سقوط الجاع الصهيون بصوص الستيطان موقف مستوطن عام‬
‫‪1948‬م من الطرق اللتفافية‪ .‬ومن العروف أن الستوطني الصهاينة ادعوا أن فلسطي أرض‬
‫بل شعب‪ ،‬وأنم جاؤوا لكتشافها ولصلحها‪ ،‬ولكنهم بدلً من ذلك اكتشفوا أن فلسطي‬
‫أرض ليست عامرة بسكانا وحسب‪ ،‬بل إن سكانا هؤلء مصممون على مقاومتهم وعلى‬
‫النتفاضة ضدهم الرة تلو الرة‪ ،‬وأخيا على خوض العارك العسكرية ضدهم‪.‬‬
‫ويبدو أن ضغط الواقع على الوجدان الصهيون اضطرهم إل تعديل شعارهم‪ ،‬فبدلً من‬
‫شعار (أرض بل شعب) أصبح شعارهم (أرض لشعب بوسعنا الستيلء عليها‪ ،‬والستيطان‬
‫فيها دون رؤية أصحابا)‪ .‬ومن هنا كانت الطرق اللتفافية‪ ،‬وهي طرق تشقها الدولة‬
‫الصهيونية تربط الستوطنات بعضها ببعض بعيدا عن الناطق السكنية العربية‪ ،‬فيتم تديد طرق‬
‫ترابية قدية وشق أخرى‪ ،‬إضافة إل فتح طرق سريعة تترق مناطق الضفة الغربية الأهولة‬
‫بالسكان من الشمال إل النوب عب وادي الردن‪ ،‬بيث يصبح الستوطنون الذين يعيشون‬
‫وسط القرى والدن العربية قادرين على التحرّك دون أن يضطروا إل مواجهة الفلسطينيي‪.‬‬
‫ومن َثمّ يكن القول‪ :‬إن الطرق اللتفافية تشكل سياجا أمنيا حول الستوطنات‪ ،‬وف الوقت‬
‫نفسه توّل التجمّعات الفلسطينية إل ثلثة كانتونات منعزلة ف شال ووسط وجنوب الضفة‬
‫الغربية ماصرة بالستوطنات والطرق اللتفافية والنشآت العسكرية‪ ،‬با يضمن للدولة‬
‫الصهيونية السيطرة المنية على تلك الناطق‪ .‬وكل هذا يؤدي إل اليلولة دون إقامة دولة‬
‫فلسطينية ذات كيان متكامل‪ ،‬والعمل على جعل هذه الدولة جزرا مترامية الطراف غي‬
‫متصلة‪.‬‬
‫كما أن الطرق اللتفافية هي إحدى آليات التوسع الصهيون‪ ،‬إذ يتم الستيلء على معظم‬
‫الراضي اللزمة لبناء هذه الطرق من خلل أوامر وضع اليد بدعوى الضرورة المنية (ما‬
‫يعل الُلّاك الفلسطينيي غي قادرين على الحتجاج ضدها)‪ ،‬ووضع اليد هذا هو إجراء أوّل‬
‫يهد للمصادرة النهائية‪.‬‬
‫وتؤدي هذه الطرق إل إتلف آلف الدونات من الراضي الزراعية‪ ،‬وتدمي مئات النازل‬
‫وإلاق خسائر فادحة‪ ،‬لن هذه الراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون‪ ،‬المر الذي يؤدي‬
‫إل تدمي مصدر رزق العائلت الفلسطينية الوحيد‪ .‬كما يؤدي شق هذه الطرق إل إعاقة نو‬
‫القرى الفلسطينية‪ ،‬والد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الدمات البلدية‪.‬‬
‫ول تُبن الطرق اللتفافية بشكل عشوائي أو تلقائي‪ ،‬وإنا هي جزء من الخطط الستيطان‬
‫الصهيون العام‪ .‬وقد بدأ تشييد الطرق اللتفافية بشكل عملي ف بداية المر مع الستيطان‬
‫الصهيون‪ ،‬ومع ظهور أشكال من القاومة الفلسطينية تصاعدت وتية تشييدها‪ ،‬ث بدأت‬
‫تأخذ شكل مطط استيطان‪ .‬ففي عام ‪1944‬م (أثناء حكم حزب العمل) أعلن اليش‬
‫السرائيلي نظاما متكاملً من الطرق اللتفافية‪ .‬وقد بلغ عدد هذه الطرق عام ‪1996‬م حوال‬
‫عشرين طريقا تغطي ‪ 400‬كيلو متر‪ ،‬ولكنها وصلت ف الوقت الال (آذار (مارس)‬
‫‪2002‬م) إل ‪ 1275‬كيلو مترا‪.‬‬
‫ول يزال شق الطرق اللتفافية مستمرا على قدم وساق‪ ،‬وقد ُخصّص ‪ 150‬مليون شيكل‬
‫لنشاء طرق التفافية جديدة‪ ،‬ولكن زئيف شيف (هآرتس ‪2002 /2 /15‬م) بيّن أن إجال‬
‫البلغ الذي يُنفق على شق الطرق اللتفافية هو ف واقع المر ‪ 228‬مليون شيكل‪ ،‬لن بعض‬
‫النشاءات بدأت عام ‪2001‬م‪ ،‬وبيّن زئيف شيف أيضا أن إسرائيل أنفقت على الطرق‬
‫اللتفافية منذ اتفاقات أوسلو أكثر من ‪ 1.25‬مليار شيكل ل تندرج ف ميزانية وزارة الدفاع‬
‫ول ف ميزانية وزارة العمل بل بالحتياطي الال لدى وزارة الالية‪ ،‬وكل صرف على طريق‬
‫التفاف مسجل كنقطة نظام مالية منفصلة‪ .‬وهكذا تتفي عن ناظر المهور الصروفات‬
‫الكبى على الطرق اللتفافية‪ ،‬ومعها أيضا عملية اتاذ القرارات ف هذا الوضوع الام‪.‬‬
‫والعائد القتصادي من هذه الطرق اللتفافية ضعيف إن ل يكن منعدما‪ .‬وقد كتبت‬
‫الصحف السرائيلية عن (الطريق الوسيقي)‪ ،‬وهو طريق التفاف شُيّد خصيصا لطفل ف إحدى‬
‫الستوطنات الصهيونية كان يريد أن يأخذ دروسا ف عزف الكمان ف مستوطنة أخرى‪،‬‬
‫وبطبيعة الال كان ل يريد أن ير من القرى العربية‪ ،‬فشُيّد له هذا الطريق الوسيقي خصيصا‪.‬‬
‫وقد نشرت جريدة معاريف (‪2002 /3 /24‬م) خبا عن ذلك الستوطن الصهيون الذي‬
‫كان ل يريد السفر إل عمله عب الطريق اللتفاف والكثر أمنا‪ ،‬لذلك وضع اليش دبابة‬
‫وعدة جنود ليافقونه ف ذهابه وإيابه‪ ،‬وتر هذه القافلة عب قرى عربية مزدحة بالسكان‪ ،‬وكل‬
‫ذلك من أجل أن يصل الشخص بسلم إل عمله‪ ،‬من خلل الطريق الت تعجبه‪،‬‬
‫ولكن انتفاضة القصى فضحت أكاذيب الصهاينة وبدّدت أوهامهم‪ .‬فالشعب الذي غُيّب‬
‫من خلل الطرق اللتفافية عاود الظهور على شاشة الوعي الصهيون‪ ،‬وإذا كان قد ظهر عام‬
‫‪1987‬م وهو يمل حجرا‪ ،‬فإنه يظهر هذه الرة وهو أكثر عزما وإصرارا ويمل مدافع‬
‫الاون وصواريخ القصى والقسام الصنوعة مليا‪ .‬وهم ل ينوون مضايقة الستعمِر وحسب‪،‬‬
‫وإنا ينوون طرده‪ ،‬ولذا فهم يهاجون مستوطناته وطرقه اللتفافية‪ ،‬ويرسلون رسائل مسلحة‬
‫إل الستوطني مفادها أن عليهم الرحيل عن أرض الفلسطينيي‪.‬‬
‫وقد علّق زئيف شيف على السرعة الستيية الت تشيّد با الطرق اللتفافية ف زمن‬
‫النتفاضة والرب‪ ،‬فطرح ثلثة احتمالت تفسّر سلوك حكومة شارون‪ :‬الول هو أن هذه‬
‫النفقات تعبّر عن النية ف عدم إخلء الضفة الغربية أبدا‪ ،‬وكل الباقي هو ذر للرماد ف العيون‪.‬‬
‫والحتمال الثان هو أنم قرروا تشييد شبكة طرق للدولة الفلسطينية الت ستقوم ف الضفة‬
‫الغربية‪ ،‬على أن يقوم دافع الضرائب السرائيلي بتمويلها‪ .‬والحتمال الثالث هو أن هيئة‬
‫السلطة ف إسرائيل تلكها الشيطان‪ ،‬دون أن يستطيع أحد وقف مسية السخافة‪ .‬وتصل‬
‫السخافة إل درجة الكوميديا حي تعرف أن الكومة الصهيونية تنشئ طرقا التفافية حول‬
‫الطرق اللتفافية‪ .‬وهكذا توّلت أحد الرموز الصهيونية الستيطانية إل نكتة‪.‬‬
‫ومن رموز الستيطان الخرى الت سقطت بفعل النتفاضة حواجز التفتيش الت أقامها‬
‫الستعمِر السرائيلي‪ .‬والدف العملي الباشر من هذه الواجز هو الفاظ على أمن إسرائيل‪،‬‬
‫خاصةً الستوطني‪ .‬ولكنه على مستوى آخر تشكل الواجز جوهر سياسة العقاب الماعي‪.‬‬
‫فهذه الواجز تضطر مئات الفلسطينيي للوقوف أمامها ساعات‪ ،‬وبالتال تول الرحلة الت‬
‫تستغرق ‪ 20‬دقيقة إل رحلة طويلة تستغرق ساعات‪ ،‬فكأن الواجز مثل الطرق اللتفافية‬
‫تساهم ف تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية‪ .‬وبسبب ساعات النتظار الطويلة يفق كثي من‬
‫الفلسطينيي ف الوصول إل أعمالم أو الستشفيات‪ ،‬ما يؤدي إل حالت وفاة وإجهاض‬
‫كثية‪.‬‬
‫وكان هناك هدف رمزي ‪ -‬كما يقول ميون بنفنست (هآرتس ‪2002 /3 /7‬م) ‪ -‬هو‬
‫أن تكون الواجز رمزا للسيطرة‪ ،‬فالسلطة الستعمارية تقوم دوما على أساس غطرسة بضع‬
‫عشرات اللف من النود يسيطرون على حياة الليي ف ظل استخدام الد الدن من‬
‫القوة‪ ،‬وبالستناد إل قوة الردع‪ .‬فحواجز التفتيش ليست سوى معرض‪ ،‬يؤكد من بيده القوة‬
‫سيطرته على الحكومي‪ ،‬بل والتسبّب ف موتم‪ ،‬بدون استخدام القوة القيقية تقريبا‪ ،‬بل من‬
‫خلل الستناد إل ماوف الحكومي‪ ،‬وموافقتهم بالكراه على العمل وفقا لقواعد اللعبة الت‬
‫يليها وكلء القوة‪ .‬وكان من الفروض أن يصطف ألوف الفلسطينيي بضوع وصمت ف‬
‫الطوابي التعرجة بي مكعبات السنت وأن ينحنوا بي النود‪.‬‬
‫والواجز ترتبط برباط عميق بالستوطنات وبأمنها وبطرق الوصول إليها‪ .‬فعقلية مقيمي‬
‫الواجز‪ ،‬الت تقوم على أساس الوقف الستعماري من الفلسطينيي‪ ،‬هي العقلية ذاتا الت‬
‫أقامت مشروع الستوطنات‪ ،‬الت تستند إل تصور خلود بؤس الفلسطينيي ودونيتهم‪ .‬هذه‬
‫هي قواعد اللعبة‪ ،‬وقد صمدت السلطة الصهيونية طالا وافق الحكومي على التصرف وفقا لا‬
‫يُملى عليهم‪ .‬ولكن النتفاضة غيّرت هذا (فقد تطمت قواعد اللعبة) (كما يقول بنفنست)‪،‬‬
‫وأصبحت الواجز هي نقطة الحتكاك الساسية بي جيش الحتلل والسكان الثائرين‪،‬‬
‫وتوّل الاجز من مثل للسيطرة إل معقل للتمرد‪ .‬ويتنبأ كاتب القال (أن مئات اللف من‬
‫الفلسطينيي الواقفي ف الطوابي التعرجة بي مكعبات السنت سيفضون المتثال للوامر أو‬
‫النصات إل التعليمات‪ .‬عندئذٍ سينهار نظام الواجز تاما مثل مشروع الستيطان‪ ،‬لن‬
‫الحوال تغيّرت‪ :‬فالفلسطينيون هم الذين يديرون اليوم التمرد ضد الواقع‪ ،‬ول يضعون‬
‫للمفاهيم العقلنية لعلقات القوى الت تتنبأ بفشلهم)‪.‬‬
‫ومن الشواهد الخرى على تساقط الجاع الصهيون تت ضربات النتفاضة فكرة‬
‫الفصل بي فلسطي الحتلة قبل عام ‪1967‬م وفلسطي الحتلة بعده‪ .‬وقد وصف أمنون‬
‫دنكنر (معاريف ‪2002 /3 /29‬م) الالة النفسية الت أدت إل ظهور فكرة الفصل ف مقال‬
‫بعنوان (جدار الن) قال فيه‪:‬‬
‫شوارعنا مقاهينا‪ ،‬حافلتنا‪ ،‬منازلنا مترقة ومكشوفة أمام الخربي النتحاريي‪ .‬الشاباك‬
‫(جهاز المن الداخلي) يأت بالعلومات واليش والشرطة يرسون‪ ،‬يبادرون‪ ،‬ييطون‪ ،‬ولكن‬
‫كل الهود تذهب هباءً لنه يوجد ف شبكتنا المنية ثغرات كبية جدا والخربون يواصلون‬
‫التسلّل والوصول والتفجي والقتل‪ .‬إل مت ل نفهم أن علينا أن ندافع عن أنفسنا‪ ،‬وأن‬
‫نتحصن ونمي حياتنا‪ .‬ثة وسيلة واحدة فقط لذلك هي الفصل بوساطة جدار‪.‬‬
‫وقد تبدت فكرة الفصل هذه فيما يسمّى خطة (تغليف القدس) الت اقترحها شارون‪ ،‬وهي‬
‫تطوير لفكار ومقترحات بدأت منذ سنوات طويلة‪ .‬فمنذ حوال عقد من الزمان‪ ،‬وبعد مقتل‬
‫أحد الطفال السرائيليي‪ ،‬أقيم جدار على طول شارع برزان‪ ،‬ولكن هذا الدار ل يوفر‬
‫المن السدي القيقي لسكانه‪ ،‬ولكن غرس فيهم الحساس بالمن‪ .‬وأقيم جدار آخر منذ‬
‫سنوات طويلة بي حي النب يعقوب وضاحية البيد‪ ،‬وف أماد طور القرية اليهودية العربية‬
‫(هآرتس ‪2002 /1 /29‬م)‪ .‬ث انتهى المر بوقوع القدس داخل عدة أحزمة استيطانية‪.‬‬
‫ث ظهرت خطة (الغلف) والت تقضي ببناء جدار طوله ‪ 11‬كيلو مترا ف جنوب الدينة‬
‫يضم حي جيلو جنوبا‪ ،‬والي الديد النوي إقامته (هارموحا) و (بسكات زئيف) و (النب‬
‫يعقوب) شالً إضافة إل (جعفات زئيف) و (راموت) غربا‪ ،‬وذلك لفصل الدينة عن قطاع‬
‫بيت لم‪ .‬وتنص الطة أيضا على حفر خنادق وإقامة حواجز وأبراج حراسة ونقاط مراقبة‬
‫ووضع كاميات فيديو على طول خط التماس الحاذي لدينة القدس‪ ،‬واستخدام وسائل‬
‫تشخيص متطورة مثل الجسات الرارية وأجهزة الرؤية الليلية ووسائل لسلكية وزيادة حجم‬
‫قوات ما يسمّى (حرس الدود)‪ .‬ومن التوقع أن تتكلف الطة أكثر من ‪ 52‬مليون دولر‪،‬‬
‫ويفترض أن تتخذ هذه التدابي على امتداد حدود بلدية القدس با فيها القطاع الشرقي الذي‬
‫احتلته إسرائيل عام ‪1967‬م‪ ،‬وهذه الطة الديدة تعل حركة تنقل السكان الفلسطينيي بي‬
‫رام ال إل بيت لم إل القدس أمرا صعبا‪( .‬القدس ‪2002 /1 /30‬م)‪.‬‬
‫ويعلّق أحد جنرالت جيش الدفاع السرائيلي قائلً إن هذا الغلف يعل شارون (كمن‬
‫ضرب ‪ 3‬طيور بجرٍ واحد) لنه يقق الهداف الثلثة الساسية لشارون‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ - 1‬إثبات رؤيته الدفاعية عن القدس‪.‬‬
‫‪ - 2‬إحياء فكرة القدس الكبى من باب خلفي (المن)‪.‬‬
‫‪ - 3‬إجهاض الوجود الفلسطين التنامي ف أبو ديس‪.‬‬
‫وتُعدّ أبو ديس واحدة من أكثر من ‪ 20‬قرية خضعت للتقسيم بعد احتلل شرق القدس‬
‫(وهو ما يُسمى (القدس الشرقية) عام ‪1967‬م على أساس أن تظل الناطق ذات الكثافة‬
‫السكانية العالية خارج الط الخضر‪ .‬وعلى مدار العوام القليلة السابقة استطاع‬
‫الفلسطينيون تويل أبو ديس إل مركز قوة لم بدءا من إنشاء برلان إل إقامة مؤسساتم‬
‫الحلية والمنية‪ ،‬حت إن تأثيهم امتد إل الانب السرائيلي من القرية‪ ،‬حيث ل يكن هناك‬
‫وجود حقيقي سواء ليش الدفاع أو الشرطة السرائيليي حت أنه اقتُرح ف وقتٍ ما‪ ،‬إقامة ما‬
‫ساه (يوسي بيلي) وأبو مازن (القدس الثانية)‪ .‬لكن الوقف انعكس تاما بعد ميء شارون‬
‫برؤيته السياسية الت تقف جنبا إل جنب لرؤيته العسكرية‪ ..‬فاليوم انتهى تاما الوجود‬
‫الفلسطين ف أبو ديس وأُعيد انتشار جيش الدفاع السرائيلي مرةً أخرى‪( .‬هآرتس ‪/2 /27‬‬
‫‪2002‬م)‪.‬‬
‫ويدرك الانب الفلسطين خطورة هذا التقسيم والتهويد غي العلن‪ ،‬حيث سينتهي المر‬
‫بإحكام إسرائيل سيطرتا على مساحة كبية من القدس‪ ،‬بالضافة للقدس القدية كاملةً‬
‫(حيث صادرت إسرائيل ‪ %33‬من مساحة شرق القدس‪ ،‬وجدت ‪ %40‬بُنيت عليها‬
‫مستوطنات‪ ،‬وبذلك أصبح نو ‪ %73‬من الساحة تت السيادة السرائيلية الكاملة) ومنح‬
‫السلطة الفلسطينية عدة قرى فلسطينية صغية متفرقة تفصل بينها مستوطنات إسرائيلية‪ ،‬ومن‬
‫َثمّ اعتبار ذلك حلّا نائيا للف القدس الشائك‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬وعلى الرغم من الماس الذي قوبلت به خطة الغلف ف الدوائر السرائيلية فإن‬
‫بعض مسؤول المن يرونا مكلفة للغاية‪ ،‬وتشكل عبئا جديدا على القتصاد السرائيلي‪ ،‬وأنا‬
‫‪ -‬علوة على ذلك ‪ -‬غي كافية لتحقيق أمن الشعب السرائيلي وتفادي الجمات من خارج‬
‫القدس‪ .‬ولذا فعملية تغليف القدس ستنضم إل عشرات من الرموز الستيطانية الخرى‪ ،‬الت‬
‫سقطت بعد أن ثبت فشلها‪ .‬بل إنه يكن القول‪ :‬إن هذه العملية بالذات هي تعبي عن فشل‬
‫أعمق‪ ،‬فهي تتضمن اعتراف بضرورة تقسيم القدس‪ ،‬وهو ما يتناف مع الجاع الصهيون‪.‬‬

‫***‬
‫رفض الدمة العسكرية‬
‫من أهم آثار النتفاضة‪ ،‬انتشار ظاهرة رفض الدمة العسكرية والفرار منها‪ ،‬وهي ظاهرة‬
‫جديدة‪ /‬قدية ف الجتمع السرائيلي‪ ،‬قدية من حيث إن التجمّع الصهيون عرفها من قبل عدة‬
‫مرات‪ ،‬كان آخرها أثناء احتلل جنوب لبنان‪ .‬وهي جديدة من حيث إنا ظهرت مرةً أخرى‬
‫استجابةً لتصاعُد القاومة الفلسطينية ف النتفاضة الالية‪ .‬وظاهرة رفض الدمة العسكرية‬
‫مرتبطة بظواهر أخرى مثل النصراف عن الدمة العسكرية والفرار منها‪.‬‬
‫وأحدث تليات هذه الظاهرة وأكثرها حدة حركة (الشجاعة ف الرفض) الت بدأت بأن‬
‫أصدرت مموعة من ‪ 50‬ضابطا وجنديا من جنود الحتياط‪ ،‬وبعض ضباط ف تشكيلت‬
‫الظلت وغيها من الوحدات الاصة‪ ،‬بيانا تعلن فيه عن عدم استعداد الوقعي على البيان‬
‫للخدمة ف الضفة الغربية‪ .‬وقد بدأ البيان بتأكيد أنم (صهاينة ملصون)‪ ،‬وأنم كانوا من‬
‫الوائل ف الدفاع عن إسرائيل‪ ،‬إل أن الوامر الت يتلقونا الن ل تت لمن الدولة بأية صلة‪،‬‬
‫أي إنم يرفضون التصور الصهيون للمن السرائيلي الذي يتد من النهر إل البحر‪ ،‬والذي‬
‫يضم كامل تراب فلسطي‪ .‬ومن َثمّ فاليش السرائيلي ف الضفة‪ ،‬بالنسبة لم‪ ،‬هو جيش‬
‫احتلل لن (الضفة الغربية ليست إسرائيل)‪ .‬ولذا فهم يعلنون أنم لن (يشتركوا فيما يسمونه‬
‫حرب سلمة الستوطنات)‪ ،‬وأنم لن يواصلوا (القتل خلف الط الخضر‪ ،‬بدف السيطرة‬
‫والطرد والدم والغلق والتصفية والتجويع والهانة لشعب بأكمله) (يديعوت أحرونوت‬
‫‪2002 /1 /30‬م)‪.‬‬
‫وحركة رفض الدمة العسكرية‪ ،‬ف وقت تعاظمت فيه القاومة‪ ،‬تشكل خطرا حقيقيا على‬
‫القدرة العسكرية السرائيلية‪ .‬فهي تسمم اليش السرائيلي من الداخل‪ ،‬وتؤدي إل خفض‬
‫الساهة الكمية ف الهد العسكري (ناحوم يرنباع‪ ،‬يديعوت أحرونوت ‪2002 /1 /28‬م)‪.‬‬
‫وتتميّز حركة رفض الدمة‪ ،‬بأنا ليست مرد فعل فردي أو حت اتاه تلقائي عام‪ ،‬وإنا‬
‫عملية جاعية منظمة وضعت هدفا واضحا لا‪ :‬الضغط على الكومة السرائيلية للنسحاب‬
‫من الراضي الحتلة بعد عام ‪1967‬م‪ .‬وقد قال أحد الرافضي‪ :‬إنه إن وصل عدد الوقعي إل‬
‫‪ 500‬سيكون على الؤسسة أن تتار بي الحتلل وجيش الدفاع (هآرتس ‪/1 /31‬‬
‫‪2002‬م)‪ .‬وقد لحظت صحيفة الندبندنت البيطانية (‪2002 /2 /1‬م) أن الركة (ثورة‬
‫متنامية)‪ ،‬كما أكد أحد الكُتّاب ف يديعوت أحرونوت (‪2002 /1 /3‬م) أن (العصيان‬
‫الكبي سيأت)‪ .‬أما يوئيل ماركوس (هآرتس ‪2002 /2 /29‬م) فقد قال‪ :‬إن هذا التمرّد قد‬
‫يكون بسيطا ف بدايته‪ ،‬ولكنه يكن أن يصبح عصيانا مدنيا وبداية الفوضى‪.‬‬
‫ويبدو أن هذه التوقعات آخذة ف التحقّق التدريي‪ ،‬فقد ازداد عدد الوقعي حت وصل إل‬
‫حوال ‪( 420‬حت كتابة هذه السطور ف السبوع الثان من نيسان (أبريل) ‪2002‬م)‪.‬‬
‫ولكن يب أن نضيف لم ما يسمّى (الرفض الرمادي)‪ ،‬وهذا يضم أعدادا كبية من جنود‬
‫الحتياط الذين يلجؤون إل تأجيل الدمة العسكرية لسباب صحية‪ ،‬أي إنم يتمارضون‪،‬‬
‫كما أعلن ‪ 400‬جندي احتياط أنم سيفضون الدمة إن ّت استدعاؤهم‪ .‬ول شك ف أن‬
‫تربة جنوب لبنان (عام ‪2000‬م) ل تزال عالقة ف أذهان الميع‪ ،‬فحينما تصاعدت القاومة‬
‫ضد جيش الحتلل تزايد عدد رافضي الشتراك ف العمليات العسكرية ف لبنان‪ ،‬وعدد‬
‫الرافضي لحتلل اليش السرائيلي جنوب لبنان‪ ،‬ما اضطر الؤسسة العسكرية والسياسية‬
‫الاكمة إل الرضوخ ف ناية المر وقررت النسحاب من طرف واحد‪ .‬ول يوجد ما ينع‬
‫من تكرار هذا النمط‪.‬‬
‫وقد عقدت ملة نيوزويك (‪2000 /3 /18‬م) مقارنة بي ما يدث ف إسرائيل وما‬
‫حدث ف جنوب إفريقيا‪ .‬فقد رفض النود أن يدموا مدن السود‪ ،‬فاستجابت الكومة ف‬
‫البداية استجابةً عنيفة‪ ،‬ولكن مع تصاعد مقاومة السود ازدادت حاجة الكومة لنود بيض‪.‬‬
‫فتزايد عدد النود البيض العترضي‪ ،‬فحاولت الكومة أن تفف من حركة القاومة بطرح‬
‫أشكال بديلة للخدمة العسكرية‪ .‬ولكن ف ناية المر اقتنعت الكومة بعدم جدوى سياسة‬
‫التفرقة اللونية‪ ،‬وتفاوضت مع ثوار جنوب إفريقيا السود‪.‬‬
‫وبطبيعة الال فقد قُوبل موقف الرفض هذا من جانب جنود الحتياط السرائيليي‬
‫باستجابةٍ عنيفة من الؤسسة العسكرية‪ .‬فقد رفض النرال شاؤول موفاز‪ ،‬رئيس الركان‪،‬‬
‫عريضة الرفض‪ .‬وقال‪ :‬إن الرافضي ل يثلون ممل الضباط والنود الحتياط‪ .‬ومع هذا يبدو‬
‫أن الؤسسة العسكرية تشى توقيع أي عقوبات على الرافضي حت ل تنتشر الظاهرة‪.‬‬
‫وقد تلقى الرافضون تأييدا كبيا من الماهي وبعض أعضاء النخبة ف التجمع الصهيون‪.‬‬
‫إذ تلقوا حوال ألفي خطاب على النترنت‪ ،‬كان من بينهم ‪ %70‬من الؤيدين‪ .‬كما حصلوا‬
‫على مساندة (عامي أيلون)‪ ،‬الرئيس السابق للمن الداخلي السرائيلي وعميد سابق ف‬
‫البحرية السرائيلية‪ ،‬الذي أعرب عن قلقه من قتل الطفال الفلسطينيي غي السلحي على‬
‫أيدي القوات السرائيلية‪ .‬كما بدأت بعض المعيات العارضة للحرب‪ ،‬والت كان قد خفت‬
‫صوتا ف مرحلة أوسلو‪ ،‬مثل جاعة (ييش جفول) أي (يوجد حدود)‪ ،‬ف النشاط والركة‬
‫مرةً أخرى‪ .‬وقد لحظت ليلى جليلي (مراسلة هآرتس للشؤون الربية ‪2002 /3 /31‬م)‬
‫أن عدد النظمات الت تعتب رفض الدمة جزءا أساسيا من برنامها آخذ ف التزايد‪ .‬وتشي‬
‫الكاتبة إل منظمات مثل (نشطاء الرسالة الثمانية)‪ ،‬وحركة (مظهر جديد)‪ ،‬و (تمع دعم‬
‫رافضي الضمي)‪.‬‬
‫ولكن أكب تأييد غي مباشر جاء من ملس السلم والمن الذي يضم حوال ألف من كبار‬
‫قادة اليش والجهزة المنية السابقي‪ ،‬إذ نادى الجلس بتبن خطة الفصل من طرف واحد‪،‬‬
‫وإخلء العشرات من الستوطنات ف الضفة والقطاع‪ ،‬وإنشاء دولة فلسطينية على أن تتفظ‬
‫إسرائيل بغور الردن ومستوطنات جوش عتسيون وآرئيل والليل وكريات أربع‪ ،‬ول تشي‬
‫الطة إل قضية القدس‪ .‬كما أن أتباع حركة تعديل اليسارية اليهودية المريكية نشروا ف‬
‫السبوع الاضي بيان تأييد لرافضي الدمة العسكرية ف صفحة كاملة ف صحيفة نيويورك‬
‫تايز (هآرتس ‪2002 /3 /31‬م)‪.‬‬
‫ولفهم أهية ظاهرة رفض الدمة العسكرية تدر الشارة إل أن الدولة الصهيونية عندها‬
‫جيش نظامي صغي‪ ،‬لن الحتفاظ بيش نظامي كبي أمر مستحيل نظرا لصغر حجم الكتلة‬
‫السكانية وحاجة الدولة الصهيونية لليدي العاملة‪ ،‬وهي تعوّض هذا النقص من خلل نظام‬
‫الحتياط‪ .‬ولذا يتعي على جيع الستوطني الصهاينة تأدية الدمة العسكرية‪ ،‬حيث يضي‬
‫الذكور ثلث سنوات من الدمة النظامية‪ ،‬بينما تضي الناث ‪ 21‬شهرا ف هذه الدمة‪.‬‬
‫وبعد انقضاء هذه الفترة‪ ،‬يتعي على الرجال‪ ،‬وحت سن التاسعة والربعي‪ ،‬قضاء فترة من‬
‫الدمة الحتياطية قد تتجاوز شهرا ف السنة (ل توجد ف إسرائيل خدمة مدنية بديلة للخدمة‬
‫العسكرية)‪ .‬فالنود الحتياط ليسوا مرد قوة إضافية أو هامشية‪ ،‬وإنا مكوّن أساسي جوهري‬
‫ف قوة القمع الصهيونية‪ .‬وكما قال أحد العلّقي‪( :‬كل الشعوب عندها جيش‪ ،‬إل الشعب‬
‫السرائيلي فهو جيش يتلك شعبا)‪.‬‬
‫ويكننا الن أن نطرح السؤال التال‪ :‬ما هي السباب الت أدّت إل ظاهرة رفض الدمة‬
‫العسكرية‪ :‬هل هو استيقاظ ضمي الجندين؟ أم خوفهم من اللك؟ أم أن السبب هو أزمة‬
‫بنيوية حاقت بالتجمع الصهيون؟ إن تعنّا ف المر‪ ،‬سنجد أن الدافع وراء هذه الظاهرة ليس‬
‫عنصرا واحدا‪ ،‬وإنا هو مركب من كل هذه السباب‪ ،‬ومن أهها تصاعد معدلت العلمنة‬
‫والمركة والتوجه نو اللذة‪ ،‬وهي اتاهات تنامت ف إسرائيل بعد عام ‪1967‬م وأدت إل‬
‫توّل التجمّع الصهيون إل متمع الثلثة (الفيديو والفولفو والفيل)‪ ،‬وإل ظهور (الروش‬
‫قطان)‪ ،‬أي الستوطن التوجه نو اللذة ذو الرأس الصغي والعدة الكبية‪ ،‬الذي ييد‬
‫الستهلك ول يؤمن بأية مثاليات أو إيديولوجيات‪ ،‬با ف ذلك اليديولوجية الصهيونية‪ .‬مثل‬
‫هذا الواطن ل يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته‪ ،‬فهو ملتف حول ذاته‪ ،‬يريد أن‬
‫يزيد من معدلت استهلكه ورفاهيته‪ ،‬وهو بالتال ينصرف عن الدمة العسكرية‪ ،‬ويفر منها‪.‬‬
‫ومن العروف أن شارون طرح برنامج الد القصى الصهيون‪ ،‬الذي يلتزم بعدم التنازل‬
‫عن غور الردن أو إزالة الستوطنات‪ ،‬أو تقسيم القدس‪ ،‬أو عودة اللجئي (معاريف ‪/14‬‬
‫‪2001 /11‬م)‪ ،‬أي إن خريطته متلفة تاما عن الريطة الفلسطينية‪ .‬ث بدأ شارون بعد ذلك‬
‫يتحدث عن بعث الروح القدية‪ :‬روح التقشف وتمل الشقات الت تسم الرواد الصهاينة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إنه سيقود السرائيليي ف حرب‪ ،‬بيث يكنهم دخول معركة تتد لعدة سني‪ ،‬بل‬
‫وربا عشرات السني يردون فيها الصاع صاعي للفلسطينيي‪.‬‬
‫ولكن شارون (كما يلحظ جاكسون دايل ف الواشنطن بوست ف ‪2001 /9 /4‬م) من‬
‫القادة السرائيليي الذين فشلوا ف إدراك أن عقلية الكيبوتس القدية قد ولّت وذهبت‪ ،‬وأنه‬
‫حل ملها متمع علمان مترف‪ ،‬متمع (الاي تك)‪ ،‬الذي لن يقبل سنوات طويلة من‬
‫الجمات النتحارية دون وجود أمل ف تسوية دائمة‪( .‬نقلً عن باري روبي اليوساليم‬
‫بوست ‪2001 /9 /16‬م)‪.‬‬
‫وهذا ما لحظه أيضا إتيان هابر‪ ،‬فهو يشي ف مقال له (يديعوت أحرونوت ‪/2 /11‬‬
‫‪2001‬م) إل‪:‬‬
‫(إن جيش الفاة ف فيتنام الشمالية قد هزم المريكيي السلحي بأحدث الوسائل القتالية‪..‬‬
‫ويكمن السر ف أن الروح هي الت دفعت القاتلي وقادتم إل النتصار‪ ..‬الروح تعن‬
‫العنويات والتصميم والوعي بعدالة النهج والحساس بعدم وجود خيار آخر)‪.‬‬
‫ث يتساءل الكاتب‪ :‬لاذا نتذكر ذلك الن تديدا؟ (لنه من الهم أن نقول لليهود‪ :‬إنه ليس‬
‫الشاباك (جهاز المن الداخلي) وليس آرييل شارون ها اللذان ينتصران ف الرب ضد‬
‫الفلسطينيي وإنا هي الروح‪ ..‬الروح نفسها الت ميزت دولة إسرائيل طوال سنوات جيل‬
‫كامل ومكنتها من القتال من أجل حياتا‪ .‬الروح نفسها الت تبتعد عنا هذه اليام)‪ .‬ويتم‬
‫هابر مقاله بعبارة دالة‪( :‬الكآبة تكتنف دولة إسرائيل‪ .‬ليلة سعيدة أيها اليأس)‪ ،‬وهي العبارة‬
‫نفسها الت اختارها عنوانا لقاله‪.‬‬
‫وقد أدى التوجه نو اللذة إل تراجع الروح الستيطانية الريادية القدية‪ ،‬ولذا ينصرف‬
‫الستوطنون السرائيليون عن الدمة العسكرية ويفرون منها‪ .‬وقد نشرت جريدة هآرتس (‬
‫‪2002 /2 /11‬م) أن اليش السرائيلي يفكر جديا ف إغلق الدرستي الثانويتي‬
‫العسكريتي‪ ،‬لنما تفقان ف اجتذاب الطلبة‪ ،‬كما أن نسبة خريي الدرسة الذين يلتحقون‬
‫باليش آخذة ف التناقص‪ .‬أي إن الشباب السرائيلي يعزف عن الدمة العسكرية‪ .‬وقد‬
‫تقدمت قيادة الشرطة العسكرية‪ ،‬حسب قول الذاعة السرائيلية‪ ،‬بطلب لزيادة مصصاتا‬
‫الالية من أجل إنشاء سجن حرب‪ ،‬نظرا لتزايد عدد الفارين من الدمة العسكرية‪ .‬وشارت‬
‫الذاعة إل أن السجون العسكرية (الاصة بالنود من رافضي الدمة والخالفي للتعليمات)‬
‫أصبحت متلئة‪ ،‬وذلك للمرة الول منذ عدة سنوات‪ .‬وقد بينت جريدة ديلي تلجراف‬
‫البيطانية (‪2002 /1 /13‬م) أن هناك ‪ 600‬جندي إسرائيلي متجزون ف السجون‬
‫السرائيلية عقابا لم على التهرب من أداء الدمة العسكرية‪.‬‬
‫ومع ذلك تظل ظاهرة الفرار من الدمة العسكرية هي أهم الظواهر الت تدّد الؤسسة‬
‫العسكرية‪ .‬وحت نعرف أبعادها القيقية‪ ،‬علينا أن نشي إل واحد من أهم إنازات الؤسسة‬
‫العسكرية السرائيلية‪ ،‬وهو ناحها ف إقناع الجندين بعدالة القضية الصهيونية‪ ،‬وأن إسرائيل‬
‫هي وطنهم الوحيد (وليس الرض الت ت اغتصابا من الفلسطينيي)‪ ،‬وأن اليش السرائيلي‬
‫هو الذي يضمن لم ولهلهم ولشعبهم البقاء والمن والطمأنينة‪ .‬وبا أن حق البقاء حق‬
‫إنسان مشروع أمكن للمؤسسة العسكرية أن تتوجه إل حس الجندين الدين واللقي‬
‫والقومي‪ ،‬فمهمتهم القتالية ل تتناقض مع أنبل القيم النسانية‪ ،‬أي الدفاع عن النفس‪ ،‬وعن‬
‫الهل‪ ،‬وعن الوطن‪ .‬خاصةً وأن العلم السرائيلي أقنع الميع بأن الروب الت توضها‬
‫إسرائيل هي حروب دفاعية ل خيار للسرائيليي فيها‪ ،‬فهي مفروضة عليهم فرضا‪ ،‬من قوى‬
‫خارجية شريرة عدوانية‪ .‬ولذا كان اليش السرائيلي الذي يضم الراضي ويقتل الناس ويرق‬
‫الخضر واليابس يسمّى (جيش الدفاع السرائيلي)‪ .‬كما ظهرت شعارات مثل (طهر‬
‫السلح)‪ ،‬أي سلح ل يُستخدم إل ف إطار أخلقي مض‪ ،‬وليس إطارا عسكريا مضا‪.‬‬
‫وف هذا الطار أصبحت الدمة العسكرية وساما يُعلق على صدر الجندين‪ ،‬وجواز مرور‬
‫لعلى الوظائف ولعضوية النخبة السياسية (وهذا نط متكرر ف كل اليوب الستيطانية الت‬
‫يستند بقاؤها واستمرارها بالضرورة إل قوة السلح)‪ .‬وقد ساند كل هذا إطار إيديولوجي‬
‫متماسك وانتصارات عسكرية باهرة (بأقل السائر) حت عام ‪1967‬م‪.‬‬
‫ث توالت الضربات ابتداءً برب الستناف‪ ،‬ومرورا برب ‪1973‬م‪ ،‬وحرب لبنان‪،‬‬
‫وانتفاضة ‪1987‬م‪ ،‬والنسحاب من جنوب لبنان‪ ،‬وقد وصل هذا النحن إل قمته ف انتفاضة‬
‫القصى والستقلل‪ .‬وقد أدى هذا إل اهتزاز صورة اليش‪ ،‬وإل تراجع مكانته‪ ،‬وتزايد‬
‫النتقادات الوجهة ضده‪ ،‬كما أدى إل تزايد الوعي بي السرائيليي بأن فلسطي ليست‬
‫أرضا بل شعب‪ ،‬كما أقنعتهم قياداتم‪ .‬وبيّن تكرار الروب والعارك خارج حدود إسرائيل‬
‫والنسحاب والزائم‪ ،‬أن الروب الصهيونية ليست حتمية‪ ،‬وإنا هي حروب توسعية‪ ،‬تتم‬
‫بحض اختيار الؤسسة العسكرية‪ .‬كما أن الطار اليديولوجي الصهيون قد أخذ ف التآكُل‪،‬‬
‫ول تعد الصهيونية هي الرؤية الت تفسر للمستوطني الصهاينة حاضرهم (وماضيهم‬
‫ومستقبلهم)‪ ،‬وإنا أصبحت عبئا يطرح عليهم حلما مستحيلً‪ ،‬وهو حلم الستيلء على أرض‬
‫الغي والستقرار فيها دون قتالٍ أو منغصات‪.‬‬
‫وقد أصبحت الدمة ف اليش بالنسبة للكثي من السرائيليي عبئا اقتصاديا كبيا‪ ،‬إذ‬
‫يُفصل كثي من الجندين من أعمالم بعد أدائهم خدمة الحتياط ف الوقت الذي يُعفى فيه‬
‫طلبة الدارس الدينية من الدمة العسكرية‪ ،‬وتغدق عليهم العونات ليستأنفوا دراستهم‪.‬‬
‫ولكن أهم العوامل‪ ،‬بطبيعة الال‪ ،‬هو إحساس الجندين بأنه ل جدوى من الستمرار ف‬
‫الرب‪ .‬وكما قال العلّق السرائيلي يوئيل ماركوس ف صحيفة هآرتس (‪/2 /19‬‬
‫‪2002‬م)‪:‬‬
‫نن نستخدم الطائرات من طراز ‪ F16‬فوق غزة‪ ،‬ونسقط قنابل زنتها طن (وهو ما يعادل ‪4‬‬
‫صواريخ سكود العراقية)‪.‬‬
‫ويطرح قائد القوات شعار‪ :‬كل صدام مع الفلسطينيي ل بد أن ينتهي بانتصار إسرائيلي‪ .‬ومن‬
‫الواضح أنه فشل تاما ف تنفيذ شعاره هذا‪ .‬ورغم أن اليش السرائيلي واحد من أقوى‬
‫جيوش العال‪ ،‬فقد أصبحنا غي قادرين على الركة السريعة‪ .‬فالعمليات العسكرية السريعة ل‬
‫تعد حكرا علينا‪ ،‬إذ تعلّم الفلسطينيون كيف يفاجئوننا بعمليات رفيعة الستوى (كما يقول‬
‫التليفزيون السرائيلي)‪ .‬فبينما نعد القنابل‪ ،‬يرشنا إرهاب ف إحدى مراكز التسوق بدفعه‪ .‬إن‬
‫سلح الفلسطينيي السري هو النتحاري التفجر‪ ،‬ول يعد التطوع للقيام بالعمليات النتحارية‬
‫مقصور على التعصبي الدينيي‪ .‬فالستشهاديون (هكذا ف الصل) يأتون الن من صفوف‬
‫فتح‪.‬‬
‫ومن أهم أسباب رفض الدمة العسكرية الخرى الوف من الوت‪ ،‬وهذا الشعور موجود‬
‫عند كل البشر‪ ،‬ولذا فكل الجتمعات النسانية‪ ،‬وكل رؤى الكون تاول دائما أن تقدم‬
‫تفسيا لظاهرة الوت‪ ،‬وكيف يكن للبشر التعامل والتصال معها‪ .‬فالديانات السماوية‬
‫تتحدث عن عال آخر يتم فيه عقاب الذنب ومكافأة الثيب‪ ،‬وما الوت سوى بوابة العبور‬
‫إليه‪ .‬والعقائد العلمانية القومية تعد الرء بالستمرار (واللود) من خلل المة والرض‬
‫والوطن‪ ،‬ولذا فالوت من أجل الوطن هو تضحية بالذات من أجل هدف أسى‪ ،‬فهو ليس‬
‫بفناء كامل‪.‬‬
‫ولكن مع عدم وجود أي إطار دين أو إيديولوجي يصبح الوت ناية عبثية عدمية‪ ،‬ويتزايد‬
‫الوف منه‪ .‬وهذا ما يدث ف الرض الحتلة‪ ،‬فالنود السرائيليون ‪ -‬ومعظمهم‪ ،‬كما‬
‫أسلفنا‪ ،‬علمانيون ل يؤمنون بالخرة‪ ،‬ومتوجهون نو اللذة‪ ،‬ل يؤمنون بأية مثاليات قومية ‪-‬‬
‫ف حالة خوف شديدة من النتفضي‪ ،‬فالنتفاضيون يدفعهم اليان بال وبالوطن‪ ،‬أما الندي‬
‫السرائيلي ف الضفة الغربية فهو ل يؤمن إل بالرغبة ف البقاء‪ .‬وقد ورد ف صحيفة يديعوت‬
‫أحرونوت (‪2000 /11 /10‬م) أن معدلت الوف بي الستوطني الصهاينة ف إسرائيل‬
‫بلغت ‪ %75‬ف مطلع تشرين الول (أكتوبر) ‪2001‬م‪ ،‬زادت إل ‪ %86‬ف منتصف تشرين‬
‫الول (أكتوبر)‪ ،‬ث إل ‪ %87‬ف مطلع تشرين الثان (نوفمب)‪ .‬ول شك ف أن تصاعد‬
‫معدلت الوف مرتبط تام الرتباط بتصاعد متوسط السائر البشرية ف صفوف القوات‬
‫السرائيلية الت زادت‪ ،‬كما أسلفنا‪ ،‬من ‪ 5 - 4‬شهريا ف الفترة من عام ‪1992‬م إل عام‬
‫‪1995‬م‪ ،‬وانفضت إل ‪ 3‬ف الفترة من عام ‪1999‬م إل عام ‪2000‬م‪ ،‬ولكنها قفزت إل‬
‫‪ 17‬شهريا منذ عام ‪2001‬م‪ ،‬أي إبان حكم شارون‪.‬‬
‫وقد اكتشف الندي السرائيلي أنه بالرغم من معداته القتالية الفائقة‪ ،‬ومن التدريب‬
‫الكثف الذي يتلقاه‪ ،‬فإنه أصبح صيدا سهلً‪ ،‬وهذا يتضح ف نسبة النود والستوطني الذين‬
‫سقطوا صرعى ف العمليات الستشهادية (وهي العمليات الت صرح رابي بأنه ل يوجد رد‬
‫عسكري عليها)‪.‬‬
‫وما يزيد من إحساس جنود الحتياط بعبثية موقفهم‪ ،‬وعبثية التضحية من أجل (الوطن)‬
‫عدم اكتراث القيادة العسكرية بم‪ .‬وكما جاء ف صحيفة معاريف (‪2001 /3 /23‬م) (قام‬
‫‪ 100‬ضابط ومقاتل بالحتجاج على انعدام الساواة ف توزيع العباء‪ ،‬كما اشتكوا من نقص‬
‫الوسائل القتالية وانعدام الماية اللئمة‪ ،‬وعدم تلقي التدريبات الكافية والتجهيزات اللزمة‬
‫لمايتهم‪ ،‬واضطرارهم إل تأدية الراسة دون ارتداء السترات الواقية‪ .‬ولذا انتشرت ظاهرة‬
‫جديدة ف أوساط اليش السرائيلي‪ ،‬وهي قيام النود الذين لم إمكانيات مالية جيدة بشراء‬
‫سترات وخوذ دفاعية للدفاع عن أنفسهم‪ .‬وقد كشفت الذاعة السرائيلية ف قناتا الثانية أن‬
‫هذه السترات الواقية تصل أسعارها إل ‪ 1200‬دولر للسترة الواحدة‪ ،‬وأن هناك الكثيين‬
‫الذين يشترونا من بي جنود الحتياط‪ ،‬كذلك هناك من هم على استعداد لوضع تهيزات‬
‫دفاعية خاصة لسياراتم (هذا ف الوقت الذي يعان فيه الفقراء من جنود الحتياط من الوع‪.‬‬
‫فقد صرح أحد الضباط أن بعض جنود الحتياط ل يأخذون أية إجازات لنه ل يوجد طعام‬
‫ف منازلم‪( .)،‬وقد لوحظ أن عدد الستوطني الصهاينة من الدنيي الذين تقدموا بطلب‬
‫ترخيص بمل السلح قد تزايد‪ ،‬كما تزايد معه عدد الذين يبحثون عن العلج النفسي)‬
‫(يديعوت أحرونوت ‪2002 /3 /18‬م)‪.‬‬
‫وقد وصفت جريدة معاريف (‪2001 /11 /4‬م) حياة النود ف الدبابات بأنه جحيم ل‬
‫يُطاق‪ ،‬فالوامر الصادرة لم تتضمن البقاء داخل الدبابة طوال الفترة الحددة لم دون الروج‬
‫منها‪ ،‬بل إنه صدرت أوامر لم تظر عليهم حت النظر من فوهات الدبابة خوفا من تعرضهم‬
‫لرصاصات طائشة تأتيهم من الناطق الحاصرة‪ .‬كما ل يستطيع النود الروج من الدبابة‬
‫لقضاء حاجتهم‪ ،‬كالذهاب إل الرحاض أو إل المام‪ ،‬وذلك خوفا من تعرضهم لقناصٍ‬
‫فلسطين ينتظر خروجهم من الدبابة‪ .‬وأوضح التقرير أن اللوس لفترة طويلة داخل دبابة مع‬
‫الشعور بالوف من الحيط التواجدة فيه الدبابة يعل النود ف قلق دائم بيث ينتظر الندي‬
‫بفارغ الصب انتهاء ورديته للخلص من هذا الحيم الذي ل يُطاق‪ .‬وأضاف التقرير أن وجود‬
‫النود داخل الدبابة‪ ،‬واحتكامهم طوال الوقت مع بعضهم البعض يسبّب مضايقات لم‪ ،‬حت‬
‫إن نفسية النود أصبحت منهارة‪ ،‬وأصبحت العلقة بينهم تتسم بالشاحنات والشاجرات‪،‬‬
‫هذا إل جانب اللل والضجر الشديدين‪.‬‬
‫ول شك ف أن انشطار الدبابة (مركبا ‪ ،)3‬وهي أكثر الدبابات تصينا ف العال‪ ،‬قد رسّخ‬
‫الوف ف قلوب النود‪ .‬وقد عبّر هذا الوف عن نفسه ف كثي من الوادث‪ ،‬لعل من أهها‬
‫ما حدث ف مستوطنة المرا‪ ،‬حي قام أحد الستشهاديي الفلسطينيي بعملية أدت إل‬
‫مصرع وإصابة ‪ 9‬إسرائيليي‪ .‬فقد ظهر (حسبما جاء ف معاريف ‪2002 /2 /10‬م) أنه‬
‫حينما وصل تذير إل الارسي السرائيليي من أن استشهاديا سيقتحم الستعمرة خشيا على‬
‫أنفسهما ول يبلغا عن ذلك‪ .‬وحينما التقى النود السرائيليون بالستشهادي ل يشتبكوا معه‬
‫وفروا من أمامه‪ ،‬بل وقال أحدهم بصراحة بالغة‪( :‬حي بدأ القتال اختبأت تت السيارة)‪.‬‬
‫ومن أهم أسباب رفض الدمة العسكرية‪ ،‬إدراك النود لدى وحشية القمع الصهيون‬
‫للفلسطينيي‪ .‬وقد ذكرنا من قبل أن الؤسسة العسكرية السرائيلية نحت ف إقناع الجندين‬
‫أنم يدافعون عن وجودهم الفردي والقومي‪ ،‬وأنم يدخلون ف حروب دفاعية متتالية بسبب‬
‫ل عقلنية العرب وشراستهم‪ .‬والرؤى اليديولوجية عادةً ما تكتسب استقللً عمن يصوغها‬
‫بيث يصبح لا منطقها الاص وتؤدي إل نتائج غي مقصودة‪ .‬وهذا ما حدث ف هذه الالة‪،‬‬
‫فجنود الحتياط الذين غُسلت أماخهم بذه العتذاريات الصهيونية الخلقية الصقولة‪،‬‬
‫استقوا منها معايي للحكم على ما حولم‪ .‬وحينما أرسلوا إل الضفة الغربية قاموا بالكم على‬
‫أفعالم‪ ،‬وعلى قياداتم بذه العايي‪.‬‬
‫وكما قال أحدهم‪( :‬نن نقوم بماية حفنة من الستوطني الوتورين الذين يستخدمون‬
‫اليش لغراضهم الذاتية ف الربح الال أو الدين‪ ،‬ونن علينا أن نساندهم ونرضيهم‪ ،‬ومن‬
‫أجلهم نسلب حقوق الشعب الفلسطين ونصبح جيش احتلل بشعٍ‪ ،‬بدلً من أن تكون جيش‬
‫دفاع) (الشرق الوسط ‪2002 /1 /13‬م)‪ .‬ولكن ‪ -‬على حد قول أحد الرافضي ‪( -‬إن‬
‫كنت متلً‪ ،‬فل يكن أن تتسم بالرحة‪ ،‬فالقسوة هي الشيمة التمية للمحتل) (الندبندنت‬
‫‪2002 /2 /4‬م)‪ .‬وقال آخر‪( :‬تربينا على أن نكون ضباطا أنقياء كالبللور‪ ،‬وحولونا إل‬
‫غزاة فاشيي‪ ،‬يريقون الدماء ويرتكبون جرائم الرب) (هآرتس ‪2002 /1 /13‬م)‪ .‬وقال‬
‫ثالث‪( :‬ل أسح لنفسي بأن أقمع جهورا من الوعى‪ .‬لقد دربون ف اليش على القتال‪،‬‬
‫ولست مستعدا لن أواجه أطفالً ونساءً وشيوخا بالسلح) (الشرق الوسط ‪/1 /31‬‬
‫‪2002‬م)‪.‬‬
‫ول أدري مدى صحة أقوال هؤلء النود‪ ،‬هل ت فعلً غرس قيم قتالية سامية فيهم مثل‬
‫طهر السلح؟ من خلل قراءت للصحف السرائيلية تظهر صورة مغايرة تاما‪ ،‬ففي مقال نُشر‬
‫ف هآرتس (‪2002 /1 /25‬م) بقلم (أمي أورين) يشي فيه إل أن أحد الضباط نصح‬
‫التدربي أن يستعدوا للحرب ف الدن الفلسطينية بأن يتعلموا كيف نح النازيون ف إضعاف‬
‫جيتو وارسو (الذي وضع فيه معظم أعضاء الماعة اليهودية) وف تدميه ف ناية المر‪.‬‬
‫وف مثل آخر‪ :‬حاول أحد مندوب سلح الشاة‪ ،‬أن يقنع طلبة الصف الثان ف الدرسة‬
‫الثانوية ف القدس‪ ،‬أن ينضموا لوحدته‪ ،‬فوعدهم بأن من ينضم إل الوحدة (سيمكنه أن يأخذ‬
‫صورا مع جثث (حقيقية) (اقتبسها كوليت أفيتال‪ ،‬عضو الكنيست من كول هازمان (تشرين‬
‫الثان (نوفمب) ‪2001‬م)‪ ،‬ف مقال نُشر ف اليوساليم بوست ‪2002 /2 /7‬م)‪.‬‬
‫وقد أشار (رامي كلفي) (يديعوت أحرونوت ‪2002 /2 /12‬م) إل تأثي اليديولوجية‬
‫الت تُشاع ف اليش السرائيلي‪ ،‬والت (تبي أن العرب أعداء سفلة ومتآمرين غرباء)‪ ..‬فهي‬
‫إيديولوجية (تنع عن العرب النسانية)‪ .‬و (تنمي التعطش إل الدم‪ ..‬الغريزة الدفينة ف‬
‫النسان حي تتوفر له القدرة على الفساد)‪ .‬ث يضيف‪:‬‬
‫حي كنت قائد فصيل مدرعات ف لبنان عام ‪1996‬م‪ ،‬كان العيار الستخدم للحكم على‬
‫الفصيل ليس (الفاظ على أمن مستوطنات الشمال بل كمية (الذان) الت يلبها النود‪.‬‬
‫الندي الذي يظى بالتقدير الكب هو الذي يكثر من القتل‪ .‬من الصعب تصديق ذلك اليوم‪،‬‬
‫ولكن حينذاك علّمت جنودي بوضوح عدم أسر مقاتلي حزب ال بل إطلق النار على‬
‫الرحى‪ ،‬على فرض أن أجساهم مفخخة‪ .‬هذا التفسي هو الذي قُدّم ل وقدّمته‪ ،‬ول أكلف‬
‫نفسي عناء التفكي به ولو للحظة بالرغم من أنن عرفت جيدا مصطلح (طهارة السلح)‬
‫وفكرة عدم إطلق النار على السرى‪ .‬هذه الصطلحات ل تنطبق‪ ،‬على نو ما‪ ،‬على الواقع‬
‫الذي كنت موجودا فيه‪ .‬والدليل على أن هذا كان عُرفا عامّا أنه ف السنوات الخية ل‬
‫يؤسر ولو مقاتل واحد من (حزب ال)‪.‬‬
‫الرب أمر مروع‪ .‬وحي ينجح النود ف إناز مهامهم‪ ،‬يب أن يبلور لم وعي اليوان‬
‫الفترس‪ .‬واليش يعرف بالضبط كيف يفعل ذلك‪ .‬هذه مهمته‪،‬‬
‫أما اللزم (أبشاي ساحي) فقد قال‪ :‬إنه طُلب منه أن يطلق النار على أي فلسطين يلقي‬
‫الجارة عليه‪( .‬ول يكن هناك أي تديد لوية الفاعل سواء أكان طفلً أو امرأةً أو كهلً‪ ،‬ول‬
‫تكن هناك تعليمات بصوص أي جزء من جسم الستهدف نطلق عليه النار)‪ .‬أي إن الديث‬
‫عن طهارة السلح وعدالة القضية والدفاع عن النفس كان حديثا ليس له وجود‪ ،‬أو لعله‬
‫كان يوجه لبعض الشباب السرائيلي السذج (الثاليي)‪.‬‬
‫لقد كانت ماولة قمع الدنيي الفلسطينيي تربةً مفزعةً بالنسبة لكثي من جنود الحتياط‪،‬‬
‫بسبب ما قامت به القوات السرائيلية من أفعال وحشية‪ .‬وإذا نظرنا إل شهادات رافضي‬
‫الدمة بصوص ما يقع ف الضفة الغربية والقطاع‪ ،‬سنجد صورة ف غاية البشاعة‪ .‬فعلى سبيل‬
‫الثال كتب (يوري دان) (اليوساليم بوست ‪2002 /2 /7‬م) أن أحد النود صرح بأن‬
‫الرصاص الذي كان يطلقه كان يترق حوائط ونوافذ ل يعرف من وراءها‪ .‬أما ضابط‬
‫الحتياط (ديفيد زونشي) فقد قال‪( :‬يتطلب منك المر فجأة أن تفعل أشياء ل يُطلب منك‬
‫أن تفعلها (أي إن طبيعة الوقف تفرضها) تطلق النار على الناس‪ ،‬توقف عربات السعاف‪،‬‬
‫تدمر منازل ل تعرف من يقيم فيها)‪.‬‬
‫ولكن هذا قليل من كثي‪ .‬فقد اعترف أحد النود السرائيليي ف القناة الثانية السرائيلية‬
‫أنه شهد بنفسه النود السرائيليي وهم يتنافسون فيما بينهم على تديد من هو أكثر قدرة‬
‫على قتل أكب عدد من الفلسطينيي‪ ،‬ث يتفاخر أحسنهم بعد ذلك بالنسبة الت أحرزها‪ .‬ث‬
‫أضاف أنه رأى أحد زملئه يطلق النار ف رام ال على طفل فلسطين ف العاشرة من عمره‬
‫دون أي سبب واضح‪ .‬كما قال‪ :‬إن النود السرائيليي كانوا ف بعض الحيان يقومون‬
‫بتحطيم رؤوس الفلسطينيي على السفلت بعد القبض عليهم‪ ،‬ووضع الصفاد ف معاصمهم‪.‬‬
‫وهناك كذلك حوادث سرقة كثية‪ .‬وف إحدى الرات اصطدمت سيارتان فلسطينيتان‬
‫فتجاهل النود السرائيليون الرحى وأخذوا ف خلع أجهزة الستريو من السيارتي وسرقتهما‪.‬‬
‫بيد أن اعترافات الندي (عاموس) هي أكثر العترافات شولً‪ ،‬فقد قال‪:‬‬
‫كنا نتسلى بنع عربات السعاف الت تمل الرضى والرحى من الرور‪ .‬ولقد رأيت أشخاصا‬
‫يوتون بسبب الفشل الكلوي والزمة القلبية‪ ،‬ورأيت بعض الوامل يقضي حتفهن أثناء‬
‫الولدة‪ .‬كنا نستيقظ أحيانا ف منتصف الليل ونركب دبابة مع جنود آخرين‪ ،‬وندخل ف‬
‫الدن والقرى الفلسطينية قبل بزوغ الفجر‪ ،‬ونطر السر الفلسطينية النائمة ف منازلا‬
‫بالقذائف‪.‬‬
‫وأحيانا كنا نقوم بغارات قبل الفجر ونندفع داخلي ف منازل الفدائيي‪ ،‬لنلقي القبض‬
‫عليهم أو لنقتلهم أمام أعي زوجاتم وأطفالم‪ .‬وأحيانا أخرى كنت أقود بلدوزر إسرائيلي‬
‫لحطم منازل (وأحلم) قاطنيها‪ ،‬وأحيانا أخرى كنت أجتث أشجارا استغرق نوها عدة‬
‫أجيال‪ ،‬وكم كنت أحب إتلف الرض الزراعية‪ .‬وكنت أحيانا أطلق الرصاص الي على‬
‫التظاهرين السالي‪ .‬لكن أكثر العمال الت كنت أحبها هو إطلق النار على الطفال‬
‫الفلسطينيي الذين يتجاسرون على إلقاء الجارة عليّ‪ .‬ف هذه الالة كنت أصوب رصاصي‬
‫على رؤوسهم وقلوبم‪ ،‬ث أتفاخر بأنن قتلت الكثيين‪ ،‬وأصبت عددا أكب بعاهات مستدية‪،‬‬
‫فقد كنت أؤمن إيانا جازما بأن حياة إسرائيلي واحد تساوي حياة ألف فلسطين‪ .‬وإن أبدى‬
‫الفلسطينيون أي شكل من أشكال القاومة كنا نلجأ للعقاب الماعي‪،‬‬
‫ودعايتنا الصهيونية ف غاية الكفاءة‪ .‬لقد أقنع السرائيليون العال أننا نارب دفاعا عن‬
‫أنفسنا‪ ،‬ضد عدو فلسطين‪ ،‬ل يريد سوى أن يقذف بنا ف البحر‪ .‬ولكن الشياء ليست كما‬
‫قد تبدو‪ .‬إن العال ل يعرف أن السرائيليي هم الذين ياولون إبادة الشعب الفلسطين‪ .‬ونن‬
‫بقدورنا أن نفعل ذلك بسهولة ويسر بسبب دعم أصدقائنا المريكيي الذين يساعدوننا‪،‬‬
‫بغض النظر عما نقوم به ويعطوننا خسة بليون دولر كل عام ويزودوننا بآخر السلحة‬
‫والطائرات‪ .‬نن ل نريد السلم‪ ،‬فنحن نريد الزيد والزيد من الرض العربية حت تصل‬
‫إمباطوريتنا إل منتهاها‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬أنا (عاموس)‪ ،‬الندي السرائيلي‪ ،‬الرهاب لعبت‪ ،‬والقتل اسي‪ ،‬ل أشعر بأي ندم‬
‫على ما فعلت‪ ،‬لن روحي ماتت‪ ،‬وأعرف أنه ل يوجد أي مال لن أنال اللص‪.‬‬
‫إن كلمات (عاموس) الساخرة الريرة‪ ،‬هي أصدق تعبي عن استجابة جنود الحتياط لا‬
‫يُرتكب من بشاعات‪ .‬وما ل شك فيه أن بشاعة الهام الناطة بم أصابت عددا منهم بالفزع‬
‫والشئزاز‪ ،‬ما دفعهم إل رفض الستمرار ف هذه الفعال الوحشية غي النسانية‪.‬‬
‫***‬
‫الجرة والنوح‬
‫من العروف أن الصهاينة أحاطوا الجرة الستيطانية إل إسرائيل بالت من القداسة‪ ،‬فهم‬
‫يرون أن علقة اليهود بفلسطي (إرتس يسرائيل) علقة مطلقة‪ ،‬تستند إل الوعد اللي‪ ،‬وهي‬
‫لذلك ل تضع لية متغيات تاريية أو اجتماعية‪ ،‬وهي للسبب نفسه تسمّى (عالياه)‪ ،‬أي‬
‫الصعود‪ ،‬وكل الستيطان الصهيون ف فلسطي تربة دينية روحية عميقة تسمو بالروح‪،‬‬
‫وليس سفكا للدماء الفلسطينية‪ .‬هذا على مستوى التبيرات والديباجات‪ ،‬أما على الستوى‬
‫الفعلي‪ ،‬فثمة حاجة دائمة من جانب اليب الستيطان للمزيد من الستوطني حت يكنه‬
‫الضطلع بهمته القتالية دفاعا عن (أمنه) وعن الصال الغربية ف النطقة‪.‬‬
‫والنوح عن إسرائيل أو الجرة الضادة تسمى ف الصطلح الصهيون (يريداه) أي (الرتداد‬
‫والبوط) (وهي بذلك عكس الجرة إليها (عالياه) أي (الصعود)‪ .‬ويطلق على النازحي عن‬
‫إسرائيل (يوردي) أي (الابطي) أو (الرتدين)‪ .‬وعدد النازحي عن إسرائيل منذ عام ‪1948‬م‬
‫يبلغ ما يزيد عن ‪ 700‬ألف‪ ،‬وقد يصل إل مليون (فإحصاء عدد النازحي أمر خلف للغاية‪،‬‬
‫وإن كانت الصحف السرائيلية بدأت تشي إل رقم مليون‪ ،‬باعتباره أكثر الرقام قربا من‬
‫الواقع)‪.‬‬
‫وتفاقم ظاهرة النوح يقوض من شرعية الركة الصهيونية‪ ،‬ويكشف زيف الدعاءات‬
‫الصهيونية‪ ،‬بصوص ارتباط اليهود ارتباطا عضويا بأرض اليعاد‪ .‬ولكن الهم من هذا أن‬
‫النوح يُعدّ ضربة ف الصميم لقدرات الشروع الصهيون الستيطانية‪ /‬العسكرية‪ .‬فإذا كان‬
‫اليهودي الهاجر من بلده إل فلسطي الحتلة‪ ،‬يتحول إل مستوطن صهيون مقاتل‪ ،‬فإن‬
‫الركة العكسية (النوح) تؤدي إل دخول الستوطن الصهيون القاتل إل مواطن يهودي ف‬
‫بلد آخر‪.‬‬
‫وقد فاقمت النتفاضة من هذه الظاهرة‪ .‬فقد نشرت جريدة اليوساليم بوست (‪/9 /13‬‬
‫‪2001‬م) أن ‪ %22‬من السرائيليي ف الرحلة العمرية بي ‪ 35 - 18‬سنة يفكرون ف‬
‫الجرة‪ ،‬وهي نسبة عالية للغاية‪ ،‬إذا أخذنا ف العتبار أن من ينتمون إل هذه الرحلة هم أهم‬
‫قطاعات أي متمع‪ ،‬فهم أكثر القطاعات إنتاجية ونشاطا‪ ،‬وأكثرها قدرة على الناب‪.‬‬
‫والنسبة القيقية للراغبي ف الجرة‪ ،‬ل بد أن تكون أكب من ذلك‪ ،‬لن كثيا من الستوطني‬
‫يجلون من الفصاح عن رغبتهم القيقية‪ ،‬وبعضهم ل يرؤ حت على مواجهة نفسه برغبته‬
‫الدفينة (ومع هذا‪ ،‬ف استطلع للرأي نشرته هآرتس عن الوقف من النوح عن إسرائيل أيّده‬
‫‪ ،)%65‬ول تزال نسبة الراغبي ف النوح آخذة ف التصاعد‪ ،‬فقد جاء ف الريدة نفسها بعد‬
‫ثلثة شهور (اليوساليم بوست ‪2002 /1 /10‬م) أن عدد الذين يفكرون ف الجرة ف‬
‫الرحلة العمرية نفسها قد بلغ ‪ .%35‬ث أضافت أن هذا ل يتضمن الشباب الذي فقد وظيفته‬
‫ف قطاع التكنولوجيا التقدمة (الاي تك) ف السنوات الاضية‪ .‬ث أشارت الريدة إل عدة‬
‫حقائق تسترعي النتباه‪ ،‬فعشرات الشباب السرائيلي بعد أن يدموا ف اليش يقومون‬
‫برحلت طويلة خارج إسرائيل‪ ،‬ويعيشون ف مستعمرات إسرائيلية ف وسط أمريكا وآسيا‪،‬‬
‫فهم يفضلون البقاء هناك على العودة إل حاضر غي أكيد‪ .‬كما بيّنت الريدة أن كثيا من‬
‫الطلبة السرائيليي ف الاضي كانوا يذهبون إل الارج‪ ،‬للحصول على شهادات ف الطب‬
‫البشري أو البيطري ث يعودون لفتح عيادات ف إسرائيل‪ ،‬أما الن فإنم يلتحقون بامعات‬
‫أجنبية وف نيتهم عدم العودة)‪.‬‬
‫وقد نشرت جريدة هآرتس مقالً طويلً (‪2001 /8 /24‬م) بعنوان (طريق الروب)‬
‫ترسم فيه صورة تفصيلية للمناخ العام الديد ف الستوطن الصهيون‪ ،‬الذي أصبحت فيه‬
‫ظاهرة النوح (أي الجرة عن الكيان الصهيون) مقبولة اجتماعيا‪ .‬ففي استطلع للرأي أبدت‬
‫أقلية فقط من بي السرائيليي (‪ )%37‬موقفا سلبيا تاه السرائيليي (النازحي) وأبدى (‬
‫‪ )%65‬موقفا إيابيا‪ ،‬وأعرب (‪ )%43‬عن ل مبالتم‪ ،‬أي إن النوح من إسرائيل ل يعد‬
‫مسألة تُرفض‪ ،‬وإنا أصبح قضية تُناقش‪ ،‬لا إيابياتا وسلبياتا‪.‬‬
‫تبدأ القالة بالشارة إل خب طريف‪ ،‬وهو تأسيس رابطة تعاونية بوسع الستوطن السرائيلي‬
‫أن يدفع ‪ 4500‬دولر للنضمام إليها‪ ،‬وبالتال يلك قطعة من الرض ف بلدة تسمّى فانوتو‬
‫‪ .Vanuatu‬وتضم هذه الرابطة حت الن حوال ‪ 2000‬أسرة إسرائيلية‪ ،‬ينوون النوح‬
‫عن إسرائيل‪ ،‬والستيطان ف هذه البلد‪ .‬ويقول آف آيدمان‪ ،‬سكرتي عام الرابطة‪( :‬الرابطة‬
‫تنوي إقامة منطقة حرة وصناعة تكنولوجية متقدمة كما سيتم التركيز على السياحة) لنه‬
‫(سوف تأت أعداد كبية من السياح السرائيليي‪ ،‬وسيأت أصدقاؤكم ليوا كيف نحنا‪،‬‬
‫وأما الذين يكرهونكم فسوف يأتون ليوا كيف فشلنا)‪( .‬وأراهن على أن قيمة الرض‬
‫سترتفع‪ ،‬وسنساعد على إقامة قنصليات لدولة فانوتو للب مزيد من السياح‬
‫والستثمارات)‪.‬‬
‫وتشي القالة إل أن فانوتو هي مموعة من الزر ف الحيط الادي نالت استقللا عن‬
‫الكم البيطان ‪ -‬الفرنسي الشترك عام ‪1980‬م‪ ،‬وهي بلد ل يسمع أحد عنها‪ ،‬ولكنها تثل‬
‫الرض المنة بالنسبة للمشتركي ف المعية‪ .‬وكما يقول سكرتي عام الرابطة (فانوتو ليست‬
‫إسرائيل‪ ،‬وليس فيها فقر ول جرية‪ ،‬والنظافة فيها مذهلة‪ ..‬إنا جزيرة ترتفع عن سطح البحر‬
‫اليت وليس با ثعابي ول عقارب‪ ،‬وليس با شعبان يارب بعضهما البعض)‪ .‬فكأن فانوتو‬
‫تقق للمستوطني ما فشلوا ف تقيقه ف إسرائيل‪ ،‬هي أرض بل شعب تقريبا‪ ،‬فردوس أرضي‬
‫حقيقي‪.‬‬
‫وهذا الب الطريف يُعدّ مدخلً جيدا لفهم العقل السرائيلي الن‪ ،‬بعد مرور ما يزيد عن‬
‫عام ونصف على النتفاضة‪ .‬فكما يقول القال‪( :‬إنه بسبب تردي الوضع المن‪ ،‬والنكماش‬
‫القتصادي بدأ السرائيليون يبحثون عن مصادر للمان فيما وراء البحار‪ :‬جوازات سفر‪،‬‬
‫تأشيات عمل ‪ -‬عقارات‪ .‬لذا السبب وجد الصحفي (بن تسيون تسيترين) نفسه مطلوبا‬
‫أكثر من أي وقت آخر‪ ،‬لنه كتب كتابا بعنوان كل الطرق للحصول على جواز سفر آخر‪.‬‬
‫وقد لحظ تسيترين أن الكتاب الذي صدر منذ ‪ 51‬عاما كان يقق مبيعات كبية‪ ،‬إل أن ت‬
‫توقيع اتفاقية أوسلو (فالناس ل تعد تفكر ف الرحيل‪ ،‬ول يعد الكتاب يُباع‪ ،‬ولكن منذ اندلع‬
‫النتفاضة الثانية وأنا أتلقى عشرات الكالات الاتفية)‪.‬‬
‫ولكن ما الذي يدفع الستوطني السرائيليي إل التفكي ف الروب؟ تقول القالة‪ :‬إن‬
‫الباحثي عن جواز سفر جديد يارسون إحساسا بالفزع والوف‪ ،‬والستريا‪ ،‬والحساس‬
‫بالعجز والقلق‪ ،‬ويرون أنه ل أمل ف التوصل إل اتفاقية سلم‪ .‬إنم يافون من اندلع حرب‬
‫شاملة ومن صواريخ الكاتيوشا فوق رؤوسهم‪ ،‬ول يريدون العيش ف ملجئ‪ ،‬ول يريدون‬
‫تعريض أطفالم للخطر‪ ،‬ويافون على مصي أولدهم‪.‬‬
‫وتلحظ القالة أن عددا ل بأس به من السرائيليي قد بدأ يتكالب على شراء العقارات ف‬
‫الارج‪ .‬وتقدر نسبة الزيادة بوال ‪ %30‬مقابل العام الاضي‪ .‬والماكن الفضلة لم هي‬
‫تورنتو ف كندا (هذه الدينة تعتب مركزا للنشاط التجاري)‪ ،‬وهي ماناتن بنيويورك‪ ،‬وولية‬
‫فلوريدا‪ .‬أما ف أوربا‪ ،‬فالجر وتشيكيا مطلوبتان (ف ضوء انضمامهما الوشيك إل التاد‬
‫الورب) وكذلك إسبانيا (منطقة كوستا ديل سول) وفرنسا‪ .‬فوجود شقة يتلكها الستوطن‬
‫الصهيون ف الارج تنحه المن النفسي‪ ،‬فهو يعتقد أنه ف حالة وجود عقار يلكه ف‬
‫الارج‪ ،‬فهذا يعن وجود ملذ إليه ف حالة حدوث حرب ما‪.‬‬
‫وتُعتب الوليات التحدة الدف الفضل لدى السرائيليي الذين يريدون الرحيل عن‬
‫إسرائيل‪ .‬ويشي استطلع للرأي أجراه ملحق هآرتس إل أن ‪ %43‬من السرائيليي الذين‬
‫فكروا ف الرحيل عن إسرائيل خلل الشهر الاضية‪ ،‬قد فضلوا الوليات التحدة‪ ،‬و ‪%18‬‬
‫يريدون الجرة إل أستراليا‪ ،‬و ‪ %14‬يريدون التوجه إل أوربا‪ ،‬و ‪ %5‬إل كندا‪ ،‬و ‪ %2‬إل‬
‫بريطانيا‪.‬‬
‫وقد جاء ف صحيفة يديعوت أحرونوت (ف عددها الصادر ف ‪2001 /5 /7‬م) أن‬
‫السرائيليي قد بدؤوا يهرولون باتاه أمريكا مرةً ثانية‪ ،‬ولكنهم ف هذه الرة أكثر من ذي‬
‫قبل‪ .‬فقد شرع قسم الجرة التابع لكومة الوليات التحدة ف منتصف شهر آذار (مارس)‬
‫‪2001‬م ف حلة السحب السنوية على (الرين كارد)‪ ،‬تلك التأشية الت تسمح لصاحبها‬
‫بالقامة والعمل ف الوليات التحدة بصورة شرعية‪ .‬ومن القرر أن تنتهي هذه الملة ف شهر‬
‫تشرين الول (أكتوبر)‪ .‬أما ف صيف ‪2002‬م فسيُعلن المريكيون أساء الـ ‪ 55‬ألف‬
‫السعداء الذين فازوا ف عملية السحب‪.‬‬
‫وتقول الصحيفة‪( :‬إذا كان تافت السرائيليي على استمارات الشاركة ف السحب‪ ،‬يكنه‬
‫أن يشي إل شيء ما بصوص الالة العنوية القومية لنا‪ ،‬فإنا تُنذر بأن هذه الالة سيئة للغاية‪،‬‬
‫حيث ياول كثي من السرائيليي بأعداد تزيد عما كان عليه ف العام الاضي‪ ،‬ياولون تربة‬
‫حظهم ف عملية السحب‪ .‬وقد صرح مسؤول ف أحد الكاتب الكبى العنية بذا الوضوع‬
‫ف أتلنتا‪ ،‬بأن عدد السرائيليي الذين قدموا‪ ،‬عن طريق الكتب‪ ،‬طلبات الشتراك ف عملية‬
‫السحب حت الن‪ ،‬للحصول على (الرين كارد) أكب عشرات الرات من عدد الذين سجلوا‬
‫أساءهم ف عملية السحب خلل الفترة نفسها من العام الاضي‪.‬‬
‫ويعيش ويعمل ف الوليات التحدة عشرات اللف من السرائيليي بصورة (غي شرعية)‪.‬‬
‫فقد وصلوا إليها كسُياح‪ ،‬ث اختفوا بصورة عامة ف التجمعات الضرية الكبى وسط سكان‬
‫الوليات التحدة البالغ عددهم ‪ 280‬مليون نسمة‪ .‬وهم يعيشون هناك بدون رعاية‬
‫اجتماعية‪ ،‬وبدون تأمي وطن‪ ،‬وبدون تأمي صحي‪ .‬وقد ت مؤخرا طرد الئات منهم‪،‬‬
‫وإبعادهم إل إسرائيل خلل حلت مداهة ضخمة شنتها سلطات الجرة المريكية‪.‬‬
‫وقد لوحظ أن التقدمي للحصول على (الرين كارد) هذا العام جاؤوا من كل الوساط‬
‫ومن أعمار متنوعة كثية‪ .‬فبالضافة إل النود والطلبة انضم إليهم أرباب أسر‪ .‬وكان القاسم‬
‫الشترك بي كل هؤلء هو نفورهم من الوضاع ف إسرائيل‪ ،‬والرغبة ف مغادرة إسرائيل‪،‬‬
‫لجل غي مسمى بسبب الحباط بدءا بالوضع السياسي وانتهاءً بالوضع القتصادي‪ .‬ولكن‬
‫الوضع المن‪ ،‬أي القاومة والنتفاضة الفلسطينية‪ ،‬كانت هي العنصر الساسي‪ .‬وكما قال‬
‫أحد طالب (الرين كارد)‪( :‬أنا أب لثلثة أطفال وأقيم ف حيدراه‪ ،‬أطفال ل يزالون صغارا‪،‬‬
‫وأريد أن يكون أمامهم مستقبل آمن)‪ .‬وإسرائيل بعد النتفاضة ل تعد توفر المن‬
‫للمستوطني‪ .‬وعلى حد قول جريدة (يديعوت أحرونوت) يبدو أن النتفاضة قد دفعت‬
‫الكثيين إل أن يلموا بالياة ف مكان آخر‪ ،‬أكثر هدوءا وراحةً وأمنا‪ ،‬أي أمريكا‪ ،‬فأهم‬
‫شيء بالنسبة للسرائيلي ف الدول الجنبية هو أسلوب الياة‪ .‬فالسرائيلي ل يسافر إل‬
‫(لجوس) من أجل أن يصل على ‪ 1000‬دولر زيادة ف الشهر‪ .‬إن الساحل الغرب‬
‫للوليات التحدة هو الدف الطلوب رقم واحد بالنسبة لم‪ .‬ويرجع هذا أساسا إل وجود‬
‫جالية يهودية إسرائيلية كبية هناك‪ ،‬ويتوجه السرائيليون إل الوليات التحدة وكندا‬
‫وبريطانيا‪ .‬وبرزت هولندا كدولة للهجرة خلل العام الاضي‪ .‬وكذلك أستراليا الت توجد با‬
‫جالية يهودية نشطة تب السرائيليي ومعدل غلء العيشة با معقول (هآرتس ‪/8 /24‬‬
‫‪2001‬م)‪.‬‬
‫وف مقال ساخر بقلم (موت باسوك) (هآرتس ‪2002 /2 /19‬م) يقول الكاتب‪ :‬إن‬
‫إسرائيل تنضم للتاد الوروب ل كأمة وإنا كأفراد ‪ -‬الواحد تلو الخر ‪ -‬وقد أطلق الكاتب‬
‫طرفته هذه بعد أن تزايد عند السرائيليي الذين طلبوا جوازات سفر أوربية‪.‬‬
‫ويُلحظ أن كثيا من النازحي هم من أبناء الطبقة التوسطة الشكنازية ذوي الصول‬
‫الغربية‪ ،‬الذين يشكلون العمود الفقري للتجمّع الصهيون (وما يساعد على ذلك العولة الت‬
‫تفتح الفرص أمامهم ف العال الغرب‪ ،‬با لديهم من خبات واتصالت)‪ .‬كما أن من بي‬
‫النازحي عددا كبيا من أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والهندسي ف صناعة‬
‫السلح‪ .‬فهؤلء يتعلمون اللغات بسرعة‪ ،‬وبوسعهم التكيّف مع بيئتهم الديدة‪ ،‬فالسرائيليون‬
‫مهاجرون بطبيعتهم (هآرتس ‪2001 /8 /24‬م)‪ .‬وهؤلء الستوطنون عندهم من الدخرات‬
‫ما يسمح لم بأن يودعوا مبالغ طائلة ف البنوك ف الارج‪ ..‬كملذ من يومٍ بارد‪ ،‬كما يقول‬
‫أمنون دنكر (نقلً عن السفي ‪2002 /2 /18‬م)‪.‬‬
‫وقد لحظ (يوسي بيلي) عضو الكنيست عن حزب العمل‪ ،‬أن كثيا من زملئه ف‬
‫اليش والدراسة (من أعضاء النخبة) الذين بلغوا المسي من العمر ل يانعون ف رحيل‬
‫أبنائهم عن إسرائيل‪ .‬وأن كثيا من أبناء رجال النخبة يكثون بالفعل ف الارج لفترات طويلة‬
‫(أي إنم نازحون عن إسرائيل‪ ،‬ولكنهم يدّعون غي ذلك‪ ،‬وأن آباءهم ل يعدون لم بلدا‬
‫جيدة ليعودوا إليها‪ .‬وقد أوضح بيلي رأيه بقوله‪( :‬إن سياسة شارون وغيه من الوزراء‬
‫ستؤدي إل أن يبدأ كل من هو قريب منا بالتفكي ف الرحيل)‪( .‬نقلً عن فيليج فويس ‪- 13‬‬
‫‪2002 /2 /19‬م)‪.‬‬
‫وتساءل كاتب مقال ف إحدى الصحف السرائيلية (معاريف ‪2002 /1 /28‬م)‪ :‬هل‬
‫يبن أبناء هذه الشرية العليا لنفسهم حياة ف بلد أخرى؟ وماذا سيحدث للوطن ولن‬
‫سيبقون فيه؟ وماذا عن القيم العتيقة مثل الصهيونية وإعمار البلد؟‬
‫ونشرت إحدى الصحف قائمة بأساء بعض أبناء النخبة النازحي تضمن أفراد من أسر‬
‫رؤساء الوزراء السابقي‪ :‬بن جوريون ومناحم بيجي وإسحاق رابي‪ .‬وأشار بيلي إل أن‬
‫أولد كلّ من وزير الدفاع بنيامي بن أليعازر‪ ،‬ووزير التعليم ماتان فيلن‪ ،‬يعيشون خارج‬
‫إسرائيل‪.‬‬
‫وقد كتب أمنون روبنشتاين ف هآرتس (‪2001 /12 /31‬م) يذّر من خطورة هجرة‬
‫الشرائح والطبقات الغنية والقوية ف الجتمع السرائيلي‪ .‬فهي تعن (إهدار لدماء الضعفاء‪،‬‬
‫ومن ل يستطيعون الصول على تأشية لمريكا‪ ،‬وتركهم فريسة لخاطر أكب من الت‬
‫نواجهها اليوم)‪ .‬ويصف الجرة بأنا نوعٌ من التطهي الطبقي‪( ،‬فالفقراء سيضطرون للبقاء‬
‫هنا)‪ .‬فقد تولت أرض اليعاد تت ضغط النتفاضة إل جحيم‪ ،‬يضطر الرء إل البقاء فيه‪،‬‬
‫نظرا لعدم وجود الال الكاف للهجرة‪.‬‬
‫وحالة الستوطن السرائيلي (عاموس ساهر)‪ ،‬الذي يعمل كمرشد سياحي‪ ،‬والبالغ من‬
‫العمر ‪ 35‬عاما تستحق الدراسة‪ ،‬فقد قرر الرحيل هو وزوجته وابنه الصغي‪ ،‬بعد أن يد‬
‫مشتريا لشقته‪ .‬يقول ساهر‪:‬‬
‫ل يكن المر هينا لقد استغرقتن أعوام من النفجارات وأعمال القتل‪ ،‬من الحزان والمال‪،‬‬
‫من الجادلت والقلق‪ ،‬لكنن ف النهاية انرت‪ .‬سئمنا أن ندهم ف كل مرة نفتح الذياع‬
‫يتحدثون عن انفجارات‪ ،‬عن دماء‪ ،‬عن موت‪ ،‬عن جنائز‪ .‬هذا هو الواقع صراحةً‪ .‬ولست‬
‫فخورا بذلك‪ ،‬ول أعتب هذا شعارا ل‪ ،‬ولكن من الستحيل أن تقولوا لنا عليكم أن تبقوا هنا‬
‫ما دام من الستحيل أن تضمنوا لنا حياتنا‪ .‬أريد أن أمنح أسرت أقصى قدر مكن من السعادة‪.‬‬
‫ويضيف ساهر‪:‬‬
‫الميع الن يعتقد أنه ل مال نتقدم نوه‪ .‬ليس هناك ما نتقدم نوه‪ .‬الشكلة هي أننا على‬
‫مدى السنوات الثلث والمسي الاضية ل ننجح ف ضمان أمننا‪ .‬هذا هو سبب الرحيل‪ .‬نن‬
‫نشعر بعدم وجود مرج‪ ...‬الل هو الرحيل‪ ،‬وليس تغيي السلطة‪ .‬من الصعب عليّ أن أقول‬
‫هذا‪ .‬ولكننا نعيش ف إسرائيل كما لو كنا مسحورين‪ .‬نن نرج إل الشوارع‪ ،‬ومن المكن‬
‫أن يدث أي شيء وأن ينسفنا معه ويولنا إل أشلء‪ .‬أنا ل أرى أملً ف حدوث تغيي كبي‪.‬‬
‫وإحساسي يقول ‪ -‬ليس فقط الحساس‪ ،‬ولكنه التحليل العقلن ‪ -‬إنه ل سبيل لضمان حياة‬
‫الناس هنا‪ .‬أعلم أن هناك أماكن ل تدث با مثل هذه المور‪ .‬ل توجد أماكن مصنة من‬
‫الوت‪ ،‬ول توجد أماكن ليس با ماني‪ .‬ولكن توجد أماكن يكنك أن تصحو ف الصباح‬
‫وتفتح عينيك وتتسي فنجان القهوة وترج وتقول صباح الي للناس‪ ،‬وأهم شيء هو أن‬
‫تصل إل موقع عملك ف الوعد الحدد‪ .‬أنا ببساطة أشعر بالقلق على طفلي الرضيع‪ ،..‬ويبدو‬
‫أن من سيحاولون إقناعي أن أبقى يفضلون أن أموت هنا‪ ،‬على أن أعيش ف مكان آخر‪ .‬أما‬
‫أنا شخصيا فأفضل الياة ول أخجل من ذلك‪.‬‬
‫وقد نشر (ساهر) موقفه هذا على شبكة النترنت (موقع يديعوت أحرونوت ‪/6 /4‬‬
‫‪2001‬م)‪ .‬وتعكس التعليقات على موقفه الالة العنوية لدى الماهي‪ .‬فقد هاجته الغلبية‪،‬‬
‫ولكن كانت هناك أقلية واجهت نفسها‪ ،‬فالستوطن يون من مستوطنة رحوفوت قال‪:‬‬
‫(أخيا‪ ..‬لقد قال أحدنا وفعل ما ترغب الغلبية ف قوله وفعله‪ ،‬ولكنها تاف من أن تقوله‬
‫وتفعله)‪.‬‬
‫وقد سُئل (ساهر) عما إذا كان سيفقد أصدقاءه والطبيعة الميلة واللغة‪ ،‬فكان رده هو رد‬
‫مستوطن حقيقي‪ ،‬مهاجر دائما ل جذور له‪ ،‬فقال‪( :‬يكنن أن أحب الطبيعة ف مكان آخر‪..‬‬
‫إن كل ما أكلناه هنا منذ لظة ولدتنا‪ ..‬ليس أعمق جذورا ما هو موجود ف أماكن أخرى‪.‬‬
‫إنن ل أفهم كيف يكن أن أحب إسرائيل بينما يطلقون النار عليّ ف كل مكان)‪ .‬إن ساهر‬
‫ل يبحث إل عن متعته وخلصه الفردي‪ ،‬ولذا فوطنه هو مصلحته‪ ،‬أو كما يقول‪( :‬إسرائيل‬
‫تثل بالنسبة لنا إمكانية واحدة من بي العديد من المكانيات ف العال)‪ .‬وهو ل يتلف ف‬
‫ذلك عن كثي من الستوطني الصهاينة‪ ،‬خاصةً الهاجرين الدد من التاد السوفييت (سابقا)‬
‫الذين وصفهم أحدهم بأنم يلسون على حقائبهم‪ ،‬أي إنم يستوطنون ف إسرائيل بشكل‬
‫مؤقت‪ ،‬حت يدوا فرصا أحسن للحراك القتصادي والجتماعي‪ .‬ولذا حينما سأله مندوب‬
‫(هآرتس) إذا كان سيضايقه الشعور بالرضا الذي سينتاب أعداء إسرائيل بعد ساع كلمه‬
‫هذا‪ ،‬أجاب بأنه ليس (مسؤولً عن الروح العنوية ف إسرائيل‪ ..‬لست ف حاجة لتصور ما‬
‫يفكر فيه حسن نصر ال عندما يقرأ عن (عاموس ساهر)‪ ،‬مرشد الرحلت‪ ..‬حسن نصر ال‬
‫ليس ف حاجة (لعاموس)‪( ..‬ببساطة شديدة) (عاموس) ل يريد أن يقف بسيارته ف اختناق‬
‫مروري فيتعرض للنسف)‪ .‬ويضيف‪( :‬لقد شاهدت أناسا يعيشون بذه الطريقة‪ .‬إنن أبث‬
‫عن مكان صغي وهادئ لدرجة اللل‪ .‬مكان يترك فيه الناس أبواب منازلم مفتوحة وهم‬
‫بارجها‪ .‬وأعرف أن هذا موجود)‪.‬‬
‫إن ما يشعر به الرشد السياحي والستوطن الصهيون (عاموس ساهر) ول شك هو شعور‬
‫معظم الستوطني الصهاينة‪ ،‬بعضهم عنده الرأة أن يفصح عن شعوره ورغبته الدفينة‪ ،‬والبعض‬
‫الخر ل يسر على مواجهة ذاته‪ .‬ولكن هل سيستمر الوضع على ما هو عليه؟‬
‫ويب أن نشي إل نزوح سكان الستوطنات عنها إل ما وراء الط الفاصل بي فلسطي‬
‫الت احتُلت عام ‪1967‬م‪ ،‬وتلك الت احتُلت قبلها‪ ،‬باعتباره شكلً من أشكال النوح‪ .‬وقد‬
‫ورد ف صحيفة يديعوت أحرونوت (‪2002 /3 /29‬م) أن عدد السرائيليي الذين أمضوا‬
‫عيد الفصح خارج إسرائيل كان حوال ‪ 200‬ألف إسرائيلي‪ ،‬وكل هذا بسبب الوضع المن‪،‬‬
‫ويكن اعتبار هذا نزوحا مؤقتا‪.‬‬
‫وقد ازدادت أزمة إسرائيل الستيطانية تفاقما مع تزايد خوف أعضاء الماعات اليهودية‬
‫من الجرة إل إسرائيل نتيجة النتفاضة‪ .‬وقد نشرت صحيفة معاريف (‪2002 /3 /29‬م)‬
‫أن حوال رُبع ضحايا النتفاضة (حت أواخر آذار (مارس) ‪2002‬م) هم من الهاجرين الدد‬
‫(ونسبة الهاجرين من بي السكان ل تزيد عن ‪ .)%15‬ولذا ليس من الغريب أن تنشر جريدة‬
‫معاريف (ف عددها الصادر ف ‪ 7‬أيار (مايو) ‪2001‬م) أنه لن يهاجر إل إسرائيل خلل‬
‫العقد القادم سوى ‪ 300‬ألف مهاجر من دول الكومنولث (مقابل حوال ‪ 900‬ألف خلل‬
‫العشر سنوات الاضية)‪ ،‬وسيختار ‪ 200‬ألف يهودي التوجه إل دول أخرى‪ .‬ويرى سال‬
‫مييدور‪ ،‬رئيس إدارة الوكالة اليهودية‪ ،‬أن عدد الهاجرين من روسيا ومن دول الكومنولث‬
‫سوف يتقلص تدرييا خلل السنوات القادمة كنتيجة لتحسّن الوضع القتصادي ف روسيا‪،‬‬
‫والجرة نو الغرب وتدهور الوضع المن ف إسرائيل‪ .‬ويشي مييدور (حسبما جاء ف جريدة‬
‫يديعوت أحرونوت) أنه وصل ف عام ‪2000‬م إل إسرائيل ‪ 60130‬مهاجرا‪ ،‬مقابل‬
‫‪ 67766‬مهاجرا كانوا قد وصلوا إليها خلل عام ‪1999‬م‪ ،‬بانفاض قدره حوال ‪.%22‬‬
‫ويرى التقرير إنه على ضوء الحداث المنية خلل عام ‪2001‬م (أي النتفاضة) فمن التوقع‬
‫أل يصل إل إسرائيل خلل هذا العام سوى ‪ 50‬ألف مهاجر فقط‪ .‬وقد ظهر فيما بعد أن‬
‫عدد الهاجرين كان أقل من ‪ 50‬ألفا‪ ،‬وحسب بعض الحصاءات ل يتجاوز العدد ‪ 30‬ألفا‪.‬‬
‫ومن العناصر الخرى الت تفاقم الزمة الستيطانية تزايد العرب بشكل ملحوظ‪ .‬وقد بيّن‬
‫مركز أباث المن القومي ف جامعة حيفا (حسبما جاء ف جريدة يديعوت أحرونوت) أن‬
‫‪ %68‬فقط من سكان الدولة العبية داخل حدود فلسطي الحتلة قبل عام ‪1967‬م سيكون‬
‫من اليهود ف عام ‪2020‬م‪ ،‬وذلك بعد أن يرتفع عدد العرب من ‪ 1.3‬مليون (ف الوقت‬
‫الراهن) إل ‪ 2.1‬مليون‪ ،‬وقد جاء ف البحث أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة‬
‫سيتفع من ‪ 3‬مليون إل ‪ 5.8‬مليون‪.‬‬
‫ويرى البوفيسور (أرنون سوفر)‪ ،‬البي الديوجراف ف مركز بيجي ‪ -‬السادات للباث‬
‫الستراتيجية‪ ،‬أن العرب يشكلون حاليا (عام ‪2002‬م) ‪ % 49.5‬من سكان الكيان‬
‫الصهيون الحتل قبل وبعد عام ‪1967‬م والضفة والقطاع‪ ،‬ولكنهم ف عام ‪2020‬م‬
‫سيشكلون ‪ .%85‬ويعتقد قادة مركز أباث المن القومي‪ ،‬أن البعد الديوجراف والتكاثر‬
‫الطبيعي الرتفع وسط السكان العرب داخل الكيان السرائيلي‪ ،‬وخاصةً الضفة والقطاع‪،‬‬
‫سيقوضان الديوقراطية ف الدولة العبية‪ ،‬ويهددان بطر فقدان مناطق جغرافية مثل الليل‬
‫والنقب الشمال‪.‬‬
‫ويسود العتقاد لدى الباحثي بأن الكثافة السكانية العالية ستجعل من الدولة الصهيونية‬
‫دولة عال ثالث‪ ،‬وتتسبب ف تدهور بيئي ف كل أناء البلد‪ .‬والتضررون الساسيون‬
‫سيكونون من السكان اليهود الذين يسكنون السهل الساحلي الذين قد يهاجرون من البلد‪.‬‬
‫وكذلك (ثة إمكانية عالية أن يوحّد السكان الفلسطينيون داخل الط الخضر والضفة‬
‫والقطاع والردن قواهم إل درجة التقارب بينهم ما يكنهم ف قادم اليام من العمل معا إل‬
‫جانب أشقائهم ف شرقي الردن من أجل إقامة الدولة الفلسطينية الكبى من البحر إل‬
‫الصحراء) (نشرة العودة ‪2001 /6 /15‬م)‪.‬‬
‫وهذا ل يتلف كثيا عما جاء ف مقررات مؤتر (ميزان القوة والمن القومي السرائيلي)‬
‫(الذي عُقد ف هرتسليا‪ ،‬وحضرته شخصيات إسرائيلية أمنية وأكاديية بارزة‪ ،‬حسبما جاء ف‬
‫صحيفة هآرتس ‪2001 /3 /23‬م)‪ .‬وقد ت الديث ف هذا (الؤتر العلمي) عن إمكانية نقل‬
‫العرب‪ ،‬وترحيل السكان خارج الدود‪ ،‬والعمل على اتاذ خطوات تنع زيادة نسبتهم‪.‬‬
‫***‬
‫غضب العال‬
‫من أهم ثرات النتفاضة الت تتجاوز التجمع الصهيون اختراقها للتعتيم العلمي الذي‬
‫فُرض على الشعب الفلسطين وعلى جهاده ومقاومته‪ .‬فوصلت الرسالة لكل شعوب العال‪،‬‬
‫وتعالت الصوات الغاضبة‪ .‬ففي الشارع العرب الذي قال عنه علماء السياسة المريكيون‪ :‬إنه‬
‫أسطورة ل وجود لا‪ ،‬خرج اللف من الطلبة والثقفي والفناني بشكل يومي مستمر ليعبوا‬
‫عن تضامنهم مع الشعب الفلسطين‪ .‬وهذا أمر متوقع بطبيعة الال‪ ،‬فالماهي العربية مدركة‬
‫لطورة الغزوة الصهيونية الت أسست جيبا استيطانيا ف فلسطي‪ ،‬ل لنا أرض اليعاد‪ ،‬وإنا‬
‫لنا تقسم العال العرب إل نصفي‪ ،‬وتعزل الواحد عن الخر‪ ،‬ولنا ف موقع استراتيجي‬
‫متميز‪ ،‬فهي تطل على البحر الحر والبحر البيض التوسط‪ ،‬ولنا بوابة مصر الشرقية‪ ،‬مصر‬
‫الت تضم أكب كتلة سكانية من الشعب العرب‪ ،‬وتشكل الركز والقلب لذا الشعب‪.‬‬
‫والماهي تدرك كل هذا‪ ،‬وإذا كانت قد لزمت الصمت بعض الوقت‪ ،‬فإن هذا يعود إل‬
‫كفاءة آلت البطش وحداثتها وتقدمها ف عالنا العرب‪ .‬وأعتقد أن كثيا من أعضاء النخب‬
‫الاكمة ف العال العرب يعيدون حساباتم ف الوقت الاضر‪ ،‬بسبب ترك الماهي العربية‪،‬‬
‫وهو المر الذي قد يضطرهم إل تذير الوليات التحدة من خطورة الوقف‪.‬‬
‫وكان من شأن استمرار القاومة الفلسطينية أن يعل الصمت أمرا مستحيلً على الكثيين‬
‫ف أناء العال‪ ،‬إذ اندلعت مظاهرات ف كل أناء العال اشترك فيها اللف من الغربيي‪،‬‬
‫الذين ل يسمح لم ضميهم بالشتراك ف مؤامرة الصمت‪ .‬ومن أبرز الغاضبي الكاتب‬
‫(الكولومب الائز على جائزة نوبل ف الدب) (جابرييل جارثيا ماركيث) الذي كتب يقول‪:‬‬
‫استندت نظرية الجال اليوي الصهيونية إل أن اليهود شعب بل أرض‪ ،‬وأن فلسطي أرض‬
‫بل شعب‪ .‬هكذا قامت الدولة السرائيلية غي الشروعة ف ‪1948‬م‪ .‬فلما تبي أن هناك‬
‫شعبا‪ ،‬وأن ف فلسطي شعب يسكن ف أرضه‪ ،‬كان من الضروري حت ل تكون النظرية‬
‫مطئة إبادة الشعب الفلسطين‪ ،‬وهو ما يتم بصورة منهجية منذ أكثر من خسي عاما‪.‬‬
‫هناك بل شك أصوات كثية على امتداد العال‪ ،‬تريد أن تعرب عن احتجاجها ضد هذه‬
‫الجازر الستمرة حت الن‪ ،‬لول الوف من اتامها بعاداة السامية أو إعاقة الوفاق الدول‪ .‬أنا‬
‫ل أعرف هل هؤلء يدركون أنم هكذا يبيعون أرواحهم ف مواجهة ابتزاز رخيص‪ ،‬ل يب‬
‫التصدي له سوى بالحتقار‪ ،‬ل أحد عان ف القيقة كالشعب الفلسطين‪ ،‬فإل مت نظل بل‬
‫ألسنة؟‬
‫أنا أعلن عن اشئزازي من الجازر الت ترتكبها يوميا الدرسة الصهيونية الديثة‪ ،‬ول يهمن‬
‫رأي مترف الشيوعية أو مترف معاداة الشيوعية‪ .‬أنا أطالب بترشيح آرييل شارون لائزة نوبل‬
‫ف القتل‪ .‬سامون إذا قلت أيضا أنن أخجل من ارتباط اسي بائزة نوبل‪ .‬أنا أعلن عن‬
‫إعجاب غي الحدود ببطولة الشعب الفلسطين الذي يقاوم البادة‪ ،‬بالرغم من إنكار القوى‬
‫العظم أو الثقفي البناء أو وسائل العلم أو حت بعض العرب لوجوده‪.‬‬
‫أما الكاتب البتغال (ساراماجو) (وهو أيضا حائز على جائزة نوبل ف الدب) فقد صرح‬
‫أن رام ال الت رآها تت الصار تذكره بعسكر أوشفيتس النازي‪ ،‬فاتمه البعض بأنه ضحية‬
‫الدعاية (الفلسطينية الرخيصة)‪ ،‬لكن ساراماجو ل يهتز كغيه أمام تمة معاداة السامية‬
‫الاهزة‪ ،‬بل جاء رده كاسحا ساخرا حي قال‪( :‬أفضل أن أكون ضحية للدعاية الفلسطينية‬
‫الرخيصة‪ ،‬على أن أكون عميلً للدعاية السرائيلية الغالية)‪ ،‬وفصل رأيه فيما رآه قائلً‪:‬‬
‫ل أكن أعرف أنه من الطبيعي أن يبحث طفل فلسطين دمروا بيته عن كتبه ولعبه وسط‬
‫النقاض‪ ،‬ل أكن أعرف أنه من الطبيعي تاما أن تزين الرصاصات السرائيلية جدران النازل‬
‫الفلسطينية‪ ،‬ول كنت أعرف أنه يلزم لماية أقلية من الناس أن تُصادر الزارع وأن تُدمر‬
‫الحاصيل‪ ،‬ول أن توفي المن لذه القلية يقتضي احتجاز الئات عند نقاط التفتيش وحواجز‬
‫الطرق قبل السماح لم بالعودة إل منازلم منهكي‪ ،‬هذا إن ل يُقتلوا‪ ..‬فهل هذه هي‬
‫الضارة؟ أيكن أن نسمي هذه الشياء ديقراطية؟‬
‫كما قامت مموعة من الكتاب البيطانيي بتوقيع بيان يدمغون فيه الجوم على الشعب‬
‫الفلسطين‪ ،‬ومؤسساته ونسيج متمعه‪ ،‬وطالبوا بالنسحاب الفوري للجيش السرائيلي‪ ،‬وكان‬
‫من بينهم الكاتب السرحي الشهي (هارولد بنتر) وعشرات آخرين‪ .‬وقد اضطرت حكومات‬
‫ألانيا وفرنسا وإنلترا إل وقف تصدير السلح لسرائيل‪ ،‬وظهر تغي ملحوظ ف لجة العلم‬
‫الغرب العروف بتحيزه الواضح البله للدولة الصهيونية‪.‬‬
‫وقد بدأت بعض الصوات اليهودية الشريفة ف العتراض على الجازر الت ترتكبها الدولة‬
‫الصهيونية‪ .‬فقد كتب (يوري ديفيس) (وهو مواطن إسرائيلي يقيم خارج إسرائيل) يدمغ ما‬
‫ساه جرائم الرب الت تقوم با الكومة السرائيلية‪ ،‬ويرفض‪ ،‬باعتباره إسرائيليا ويهوديا‪ ،‬أن‬
‫تُرتكب هذه الرائم باسه‪ .‬كما تظاهر عدد من اليهود الرثوذكس من جاعة (ناطوري‬
‫كارتا) = (نواطي الدينة) العادية للصهيونية والرافضة لا وهتفوا ضد الصهيونية‪ .‬ورغم أن‬
‫الظاهرة كانت سلمية‪ ،‬فقد اعتدت الشرطة السرائيلية عليهم بالضرب‪.‬‬
‫ووقّع عدد من كبار الفكرين والثقفي اليهود الفرنسيي على بيان صيغ بلهجة بالغة القوة‬
‫تعكس مشاعر الغضب والحتجاج على الوحشية السرائيلية‪ ،‬واستنكروا صمت الكام‬
‫الغربيي أمام الرائم الت تقترفها قوات الحتلل ف الضفة الغربية‪ .‬وقال البيان‪:‬‬
‫هؤلء الذين يبرون حق عودة اليهود إل إسرائيل تت دعوى (حق دم) يعود للف‬
‫السني‪ ،‬يرفضون حق العودة (حق الرض) للفلسطينيي‪ .‬وأصحاب القامات الرفيعة ف المم‬
‫التحدة تصالوا وارتضوا الذلل الفروض على السلطة الفلسطينية‪ .‬وهؤلء الذين يدعون‬
‫إدارة العدالة الكونية يديرون رأسهم من أعمال القتل خارج نطاق القانون‪ ،‬وإعدام السجناء‬
‫دون وجه حق وجرائم الرب الت يرتكبها آرييل شارون‪.‬‬
‫السرائيليون لديهم دولة ذات سيادة وجيش وتراب وطن‪ .‬أما الفلسطينيون فهم مبوسون‬
‫كالبهائم ف معسكرات منذ نصف قرن معرضي للوحشية والذلل‪ ،‬وماصرين على أرض من‬
‫الحزان ف حجم مقاطعة فرنسية‪ ..‬إن الضفة الغربية مفخخة بالطرق الستراتيجية ومثقوبة‬
‫بنحو ‪ 700‬نقطة تفتيش وماطة بالستوطنات‪.‬‬
‫ل يكن الساواة بي الحتل ومن تُحتل أرضه‪ .‬النسحاب غي الشروط للجيش السرائيلي‬
‫من الراضي الحتلة وتفكيك الستوطنات هو مرد تطبيق لق معترف به شكليا من المم‬
‫التحدة ف القرارين ‪ 242‬و ‪ 338‬وحت قرار ملس المن ‪ ،1042‬ومع ذلك يطلب بوش‬
‫ضمانات من الضحايا‪.‬‬
‫شارون يعتقل مثليهم‪ ،‬وينسف بيوتم‪ ،‬بينما تنع قواته سيارات السعاف من الوصول‬
‫للجرحى‪.‬‬
‫والوقعون على البيان جيعهم يهود‪ ،‬وليسوا يهودا عاديي‪ ،‬فهم من أبرز الثقفي اليهود ف‬
‫فرنسا‪( .‬نشر ف صحيفة لوموند يوم ‪2002 /4 /7‬م)‪.‬‬
‫***‬
‫من النتصر ومن الهزوم‬
‫يُعدّ (يوري أفنيي) عضو الكنيست السابق‪ ،‬من أوائل الستوطني الصهاينة الذين أدركوا‬
‫أن الشروع الصهيون ل يكن تقيقه‪ ،‬ولذا كان من أول مؤلفاته كتاب إسرائيل بدون‬
‫صهيونية‪ .‬وقد كتب مقالً بعنوان (الضربة القاضية ل تُسدّد بعد) (الهرام ويكلي ‪/4 /19‬‬
‫‪2001‬م) يقدّم فيه تقييما كليا للمواجهة بي الفلسطينيي والسرائيليي من أحسن ما قرأت‪.‬‬
‫يقول أفنيي‪:‬‬
‫يدخل ملكمان اللقة‪ :‬واحد منهما بطل الوزن الثقيل‪ ،‬والخر وزن الريشة‪ .‬ويتوقع‬
‫الميع أن يقوم البطل بتسديد ضربة قاضية تقضي على غريه الزيل ف الولة الول‪.‬‬
‫ولكن وبأعجوبة تنتهي الولة الول‪ ،‬والضربة القاضية ل تُسدّد بعد‪ ،‬ث الولة الثانية‪،‬‬
‫ويستمر الوضع نفسه‪ .‬وبعد الولتي الثالثة والرابعة ل يزال خفيف الريشة واقفا‪ ،‬ما يعن أنه‬
‫هو الرابح القيقي‪ ،‬ل بالضربة القاضية ول بالنقط‪ ،‬وإنا لجرد أنه ل يزال واقفا ومستمرا ف‬
‫الصراع مع غريه القوي‪.‬‬
‫هذه الصورة الجازية تنطبق تام النطباق على الواجهة بي قوى الحتلل السرائيلي‬
‫والشعب الفلسطين‪ .‬فاليش السرائيلي القوي ل ينجح حت الن ف تطيم العمود الفقري‬
‫للنتفاضة‪ .‬لقد جرّب هذا اليش كل شيء‪ :‬البنادق والطائرات‪ ،‬والدبابات والدافع الثقيلة‪،‬‬
‫والتصفية السدية‪ ،‬وتطيم أحياء بأسرها‪ ،‬والصار وتطيم النازل‪ ،‬وقطع الشجار‪ ،‬ومع هذا‬
‫ف الشهر السابع ل يزال الفلسطينيون واقفي يصارعون غريهم‪.‬‬
‫وتتمتع حكومة شارون‪ /‬بييز‪ ،‬ف صراعها مع الفلسطينيي‪ ،‬بدعم الوليات التحدة‬
‫الكامل‪ ،‬فهي تزوّد إسرائيل بالسلحة والال‪ ،‬وتارس حق الفيتو لصالها ف ملس المن‬
‫(وكما قال دبلوماسي أورب‪ :‬إن إسرائيل من الناحية الفعلية هي العضو السادس الدائم ف‬
‫ملس المن‪ ،‬الذي يتمتع بق الفيتو)‪ .‬وتكتفي أوربا بالتأييد اللفظي للفلسطينيي ول تفعل‬
‫أكثر من هذا‪ .‬والنظم العربية تكتفي هي الخرى بنح الفلسطينيي كلمات طيبة‪ ..‬وف‬
‫إسرائيل ذاتا جُنّدت وسائل العلم ف خدمة الكومة‪ ،‬ول توجد معارضة حقيقية ف‬
‫الكنيست‪ ،‬ول توجد أية حركات احتجاج‪ ،‬باستثناء بعض قوى السلم الراديكالية‪ ،‬الت‬
‫تقاطعها وسائل العلم‪.‬‬
‫إذا كان هذا هو الوضع‪ ،‬هل يكن القول‪ :‬إن الفلسطينيي عاجزون تاما أمام التفوق‬
‫الساحق لكومة شارون‪ /‬بييز؟ وهل أصابم اليأس والوهن؟ الجابة ستكون بالنفي‪ ،‬إذ إن‬
‫آمالم ترتكز على ما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬النتفاضة نفسها‪ .‬إن إرادة الشعب الفلسطين ل يتم كسرها‪ ،‬بالرغم من كل‬
‫الضربات القاسية الت ُسدّدت إليهم‪ ،‬وقد سبّب هذا دهشة النرالت والعلقي السرائيليي‪.‬‬
‫لقد ُحطّم اقتصاد الفلسطينيي‪ ،‬وأصبحت حياتم جحيما‪ ،‬ومع هذا يؤيد المهور الفلسطين‬
‫الستمرار ف الكفاح‪.‬‬
‫وقد وصف أحدهم الصراع السرائيلي الفلسطين بأنه (صدام بي قوة ل يكن مقاومتها‪،‬‬
‫وشيء ل يكن تريكه)‪ .‬لقد أصبحت النتفاضة حرب استناف‪ .‬ف مثل هذه الرب بي قوة‬
‫الحتلل والحتلي‪ ،‬ند أن روح الحتلي العنوية عالية‪ ،‬لنم يدافعون عن وجودهم ذاته‬
‫(وف الرب) كما يقول نابليون‪( ،‬تشكّل العتبارات العنوية ثلثة أرباع‪ ،‬أما توازن القوى‬
‫فيشكّل الربع الباقي)‪.‬‬
‫وإسرائيل تدفع ثنا باهظا إن كان على هيئة خسائر مادية‪ ،‬أو على هيئة الدمار الذي يلحق‬
‫بقدرة اليش على القتال (وهو ثن ل يرأ أحد على حسابه)‪ .‬ول يعرف أحد مت سيلحق‬
‫التعب بإرادة الشعب السرائيلي ومقدرته على الستمرار ف هذا الصراع الذي ل طائل من‬
‫ورائه‪ .‬ويبدو أن هذا قد يدث قبل أن يرفع الفلسطينيون أيديهم علمة على الستسلم‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الماهي العربية‪ .‬من الواضح أن النظم العربية ليست على استعداد أن ترفع إصبعا‬
‫واحدا دفاعا عن الفلسطينيي‪ ،‬وهي غي قادرة كذلك على إغضاب المريكيي‪ ،‬ولكن موقف‬
‫الثقفي والماهي متلف تام الختلف‪ ،‬فتعاطفهم مع الفلسطينيي كبي إل أقصى حد‪.‬‬
‫هذا الوضع ل يسبّب الضيق لذه النظم الن‪ .‬ولكن إن حدث شيء يسبّب غضب‬
‫الماهي إل درجة أنه قد يعرّض استقرار هذه النظم للخطر‪ ،‬فإن الوقف سيتغيّر تاما فجأة‪.‬‬
‫وتوجد جاعات قومية وإسلمية معارضة ف البلد العربية تنتظر اغتنام مثل هذه الفرصة‪ .‬فلو‬
‫ارتكبت إسرائيل إحدى فظائعها مثل مذبة قانا (حت ولو عن طريق الطأ) أو قامت بشيء‬
‫ما ف الرم الشريف يسبّب غضب الماهي العربية‪ ،‬فإن الوقف سيتفجّر‪ .‬ومن العروف أن‬
‫إحدى الظاهرات ف الغرب اشترك فيها مليون شخص‪ ،‬وأن مظاهرة قامت ف السعودية لول‬
‫مرة (قامت با النساء)‪ ،‬وقامت مظاهرة غاضبة ف عُمان‪ .‬ويبدو أن الميع ينتظر شارون أن‬
‫يرتكب إحدى أعمال البطش‪ ،‬ليتفجّر الوقف‪ ،‬لتصل ألسنة النيان إل عنان السماء‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬ثة حدود حت للدعم المريكي الكامل لشارون وبييز‪ .‬وقد تكون إدارة بوش هي‬
‫أسوأ الدارات من وجهة نظر فلسطينية‪ .‬ولكن توجد خطوط حراء‪ :‬البترول‪ .‬لو حدث‬
‫انفجار ف العال العرب‪ ،‬وقامت النظم العربية برسالة إل أمريكا تطلب منها فيها أن تنقذها‬
‫(من الماهي الغاضبة) قد تبط اليد المريكية الديدية على شارون وشركائه‪.‬‬
‫وف كل هذا الوقت‪ ،‬ف السبوع التاسع والعشرين من الصراع ف حلبة اللكمة‪ ،‬ل‬
‫يستطع بطل الوزن الثقيل أن يهوي بالضربة القاضية على خفيف الريشة‪.‬‬
‫وقد كتب (أفنيي) هذا ف الشهر السابع من النتفاضة‪ ،‬فما بالكم بالشهر السابع عشر‬
‫والثامن عشر‪ ،‬وما بالكم بصاروخ قسام ‪ ،2‬مل ّي الصنع‪ ،‬الذي يصل إل العمق السرائيلي‪،‬‬
‫والذي كتبت عنه الصحف العربية ف البداية‪ ،‬وكأنه خبٌ عادي‪ ،‬وكأنه ل يتضمن تغيّرا نوعيا‬
‫ف الواجهة بي جيش الحتلل والقاومة الفلسطينية‪ ،‬ف الوقت الذي وصف فيه (جدعون‬
‫سامت) الصاروخ بأنه (ليس ناحا للنتفاضة الثانية وحسب‪ ،‬بل هو أيضا إخفاق متم‬
‫وصارخ لهود الردع السرائيلية) (هآرتس ‪2002 /1 /30‬م)‪ .‬وقال (تال شاحك)‬
‫(معاريف ‪2002 /1 /30‬م)‪( :‬يتغذى الوف من التقديرات المنية والنباء الت توقف شعر‬
‫الرأس بشأن الصواريخ الوجهة ف هذه اللحظات نو مستوطنات خط التماس أو مراكز‬
‫الدن‪ ،‬والعمليات العقدة والواد الناسفة الت ل يشهد لا مثيل)‪.‬‬
‫لقد كان اسم عز الدين القسام مفورا ف الذاكرة الفلسطينية والعربية والسلمية رمزا‬
‫للمقاومة والستشهاد‪ ،‬وها هو ذا يتحول إل حقيقة مادية‪ ،‬وهكذا حوّل النتفضون اللم‬
‫العرب إل حقيقة‪ ،‬وهكذا تُفعّل الُوية والذاكرة لتحوّل الستوطنات إل أطلل‪ ،‬بدلً من البكاء‬
‫التقليدي عليها‪ .‬ث جاءت الفاجأة الخية‪ :‬تفجي دبابة (مركبا ‪ )3‬السرائيلية‪ ،‬وهي من‬
‫أحدث أنواع الدبابات وأكثرها تصينا‪ .‬كان النفجار من القوة بيث انقلبت الدبابة على‬
‫جانبها‪ .‬ويبدو أن النتفضي‪ ،‬الذين خططوا للعملية بدقة‪ ،‬استخدموا مئة كيلو غرام من‬
‫التفجرات‪ .‬وتُعدّ هذه العملية تصعيدا جديدا‪ ،‬ل يتوقعه السرائيليون الذين كانوا يتحدثون‬
‫عن (جيش الدفاع السرائيلي الذي ل يُقهر)‪.‬‬
‫***‬
‫حرب التحرير الفلسطينية‬
‫انتفاضة القصى هي جزء من الوار السلح الذي انرط فيه النتفضون الفلسطينيون مع‬
‫الستوطني الصهاينة‪ .‬ولعل من أهم ثرات هذا الوار أن الستوطني الصهاينة بدؤوا يدركون‬
‫النتفاضة ل باعتبارها إرهابا (كما يدّعي زعماؤهم أو كما يدّعي جورج بوش وأعوانه)‪،‬‬
‫وإنا هي حرب ترير وحركة مقاومة‪.‬‬
‫ويبدو أن الصهاينة ف بداية احتكاكهم مع الفلسطينيي أدركوا ذلك تام الدراك‪ .‬فلننظر‬
‫على سبيل الثال لذه الكلمات‪:‬‬
‫ابتداءً أحب أن أبدّد كل الوهام الت سادت بي الرفاق‪ .‬إن الرهاب (العرب) ليس مسألة‬
‫مموعة من العصابات موّلة من الارج‪ ..‬نن هنا ل نابه إرهابا‪ ،‬وإنا نابه حربا‪ ،‬وهي‬
‫حرب قومية أعلنها العرب علينا‪ .‬وما الرهاب سوى إحدى وسائل الرب‪ .‬هذه مقاومة‬
‫فعّالة من جانب الفلسطينيي لا يعتبونه اغتصابا لوطنهم من قِبَل اليهود‪ ،‬ولذا ياربون‪ .‬وراء‬
‫الرهابيي توجد حركة قد تكون بدائية‪ ،‬ولكنها ليست خالية من الثالية والتضحية بالذات‪.‬‬
‫ومنذ زمن الشيخ عز الدين القسام أصبح واضحا ل أننا نابه ظاهرة جديدة بي العرب‪ .‬هذا‬
‫ليس النشاشيب أو الفت‪ ،‬فهذه ليست مسألة مصال سياسية أو مالية شخصية‪ .‬إن الشيخ‬
‫القسام كان زيلوتيا (غيورا دينيا)‪ ،‬على استعداد للتضحية بياته من أجل مثل أعلى‪ .‬ونن‬
‫اليوم ل نواجه واحدا وحسب مثله‪ ،‬وإنا نواجه الئات بل اللف (أمثاله) ووراءهم كل‬
‫الشعب العرب‪ .‬نن نقلّل من أهية العارضة العربية ف أحاديثنا السياسية ف الارج‪ ،‬ولكن‬
‫ينبغي علينا أل نتجاهل القيقة فيما بيننا‪ .‬إن احترامي للحقائق السياسية‪ ،‬هو الذي يعلن أصر‬
‫على ذكر القيقة‪ .‬والعتراف بذه القيقة يؤدي بنا إل نتائج حتمية وخطية بصوص عملنا‬
‫ف فلسطي‪ ..‬يب أل نبن المال على أن العصابات الرهابية سينال منها التعب‪ ،‬إذ إنه إذا ما‬
‫نال من أحدهم التعب‪ ،‬سيحل آخرون مله‪ .‬فالشعب الذي يارب ضد اغتصاب أرضه لن‬
‫ينال منه التعب سريعا‪ ..‬فمن اليسر لم أن يستمروا ف الرب وأل يكلوا ول يتعبوا‪..‬‬
‫والعرب الفلسطينيون ليسوا بفردهم‪ ،‬فالسوريون سيمدون لم يد الساعدة‪ .‬فمن وجهة نظرنا‬
‫هم غرباء‪ ،‬فمن وجهة نظر القانون هم أجانب‪ ،‬ولكن بالنسبة للعرب هم ليسوا أجانب على‬
‫الطلق‪ .‬إن مركز الرب هو فلسطي‪ ،‬ولكن أبعادها أوسع من ذلك بكثي‪ .‬وحينما نقول‪:‬‬
‫إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا‪ ،‬فإننا نذكر نصف القيقة وحسب‪،‬‬
‫فبالنسبة لمننا وحياتنا‪ ،‬نقوم بالدفاع عن أنفسنا‪ ،‬ووضعنا العنوي والسدي ليس شيئا‪..‬‬
‫ويكننا مواجهة العصابات‪ ..‬وإذا ما سح لنا بتعبئة كل قوانا‪ ،‬فإنه ل يوجد أدن شك بالنسبة‬
‫للنتيجة‪ .‬ولكن القتال ما هو إل جانب واحد للصراع الذي هو صراع ف جوهره سياسي‪.‬‬
‫ومن الناحية السياسية نن البادئون بالعدوان‪ ،‬وهم الدافعون عن أنفسهم‪ .‬إن الرض أرضهم‬
‫لنم قاطنون فيها بينما نن نريد أن نأت ونستوطن‪ ،‬ونأخذها منهم‪ ،‬حسب تصوّرهم‪ ..‬يب‬
‫أل نظن أن الرهاب هو نتيجة لدعاية هتلر أو موسولين‪ ،‬قد يكون هذا عاملً مساعدا‪،‬‬
‫ولكن مصدر العارضة يوجد بي العرب أنفسهم‪.‬‬
‫هذه الكلمات قالا بن جوريون نفسه ف عام ‪1938‬م‪ .‬وهي ل تتلف كثيا عن كلمات‬
‫موشيه شاريت‪ .‬ففي خطاب له ف توز (يوليو) ‪1936‬م‪ ،‬أمام اللجنة السياسية لزب‬
‫(الاباي) عرّف الثورة العربية بأنا ليست ثورة الفندية الذين يدافعون عن مصالهم‬
‫الشخصية‪ ،‬إنا هي ثورة الماهي الت تليها الصال القومية القة‪ ،‬وأضاف أن الفلسطينيي‬
‫يشعرون بأنم جزء من المة العربية الت تضم العراق والجاز واليمن‪ ،‬ففلسطي بالنسبة لم‬
‫هي وحدة مستقلة لا وجه عرب‪ ،‬وهذا الوجه آخذ ف التغيّر‪ ،‬فحيفا من وجهة نظرهم كانت‬
‫بلدة عربية‪ ،‬وها هي ذا قد أضحت يهودية‪ .‬ورد الفعل ل يكن أن يكون سوى القاومة‪.‬‬
‫وف ‪ 28‬أيلول (سبتمب) من العام نفسه‪ ،‬كان شاريت قاطعا ف تشخيصه للحركة العربية‬
‫على أنا ثورة ومقاومة قومية‪ ،‬وأن القيادة الديدة تتلف عن القيادات القدية‪ ،‬كما لحظ‬
‫وجود عناصر جديدة ف حركة القاومة‪ :‬اشتراك السيحيي العرب بل والنساء السيحيات ف‬
‫حركة القاومة‪ ،‬كما لحظ تعاطف الثقفي العرب مع هذه الركة‪ ،‬وبيّن أن من أهم دوافع‬
‫الثورة هو الرغبة ف إنقاذ الطابع العرب الفلسطين وليس مرد معارضة اليهود‪.‬‬
‫‪[Simha Flapan. Zionism and The Palestinians‬‬
‫‪(London: Croom Iielm, 1979) PP. 140-150].‬‬
‫وقد كان هذا العتراف الصهيون بشرعية القاومة العربية للغزوة الصهيونية‪ ،‬وبطبيعتها‬
‫القومية النبيلة مرد إشراقة وقتية‪ ،‬لظة صدق غابت وتوارت وراء سحب كثيفة من‬
‫الكاذيب النابعة من السطورة العنصرية الصهيونية‪ ،‬أساس وجود الصهاينة ف فلسطي‪.‬‬
‫وجوهر هذه السطورة هو إنكار تاريخ الفلسطينيي ووجودهم ذاته‪ ،‬وهكذا تولت فلسطي‬
‫ف وجدانم إل صهيون الت توقف تاريها تاما بسبب رحيل اليهود عنها‪ .‬فخلت من‬
‫السكان الصليي‪ ،‬وإن حدث وكان هناك سكان أصليون‪ ،‬فهم حسب التصور الصهيون‬
‫قليلو العدد‪ ،‬متخلفون يفتقرون إل الفنون والعلوم والهارات الختلفة‪ ،‬يهملون الثروات‬
‫الطبيعية الكامنة ف الرض‪ .‬وهم عادةً مرد رحالة ل يستقرون ف أرض ما‪ ،‬وهم شعب ل‬
‫تاريخ له‪ ،‬فأعضاؤه جزء ل يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثَم ل حقوق لم‪،‬‬
‫ويكن إبادتم إن ثبت أن ضررهم أكثر من نفعهم‪ .‬وقد لص (وايزمان) الصراع العرب‬
‫السرائيلي بأنه (الصراع البدي بي المود من جهة‪ ،‬والتقدم والكفاءة والصحة والتعليم من‬
‫جهة أخرى‪ .‬إنا الصحراء ضد الدنية)‪.‬‬
‫وقد قام الستعمار الغرب بدعم الصهاينة وزيّن لم الوهم بأنم ف وسعهم أن يغزوا الرض‬
‫الفلسطينية ويطردوا منها أهلها‪ .‬ومع توال التراجع العرب‪ ،‬اكتسبت السطورة الصهيونية‬
‫حياة وقوة ومصداقية أمام الؤمني با‪ .‬وتدرييا توّلت فلسطي إل (إرتس يسرائيل) ف‬
‫وجدانم‪ ،‬فأصبح لم ‪ -‬ف تصوّرهم ‪ -‬حقوقا مطلقة فيها‪ ،‬ومن َثمّ فكل من يهاجهم هو‬
‫مرد دخيل إرهاب ياول أن يسلبهم حقوقهم‪ ،‬أما العرب فقد توّلوا إل مرد أشياء يكن‬
‫تريكها من مكان لخر (كما يكن بطبيعة الال إبادتا)‪ .‬تصدر لا الوامر بالتحرك‬
‫فتتحرك‪ ،‬ث يصدر لا أوامر بالتوقف فتتوقف‪ .‬فالفلسطينيون ليسوا كائنات حية‪ ،‬حياتا‬
‫وطاقتها وحيويتها تتبع من داخلها‪ ،‬وإنا هم كائنات آلية يكن تريكها من الارج‪ ،‬تاما كما‬
‫يفعلون ف مسرح العرائس‪.‬‬
‫ولعل رسالة (وايزمان) إل (أينشتاين) (بتاريخ ‪1949 /11 /30‬م) تلخص الوقف‪ ،‬فهو‬
‫يرى العرب باعتبارهم شعبا غي مستعد للديقراطية‪ ،‬ياول الري قبل أن يستطيع السي‪ ،‬ولذا‬
‫من السهل أن يقع تت تأثي البلشفة والكاثوليك‪،‬‬
‫والصهاينة جاهزون بذا التفسي السهل دائما‪ ،‬فحينما ترد العرب‪ ،‬وقاوموا وعبّروا عن‬
‫غضبهم ف أوائل القرن‪ ،‬ل يصنّف تردهم باعتباره ثورة‪ ،‬وإنا صُنّف باعتباره مرد مذبة‬
‫حرّض عليها قنصل روسيا القيصري‪ .‬أي إن الصهاينة حاولوا إنكار وجود أية هوية سياسية‬
‫للعرب عامة‪ ،‬وللفلسطينيي على وجه الصوص‪ ،‬أو أية مشاعر قومية من جانبهم‪ .‬فالصهاينة‬
‫ف إدراكهم للثورات العربية عليهم‪ ،‬ينكرون طبيعتها القومية والسياسية ويؤكدون لنفسهم‬
‫ب الرض أو الوطن أو التمسك بالتراث‪ ،‬فالدافع إليها هو‬‫ولرفاقهم أن الدافع إليها ليس ح ّ‬
‫التعصب الدين أو التحريض الارجي‪ .‬وكان الصهاينة يلومون السيحيي العرب‪ ،‬أحيانا‪،‬‬
‫باعتبارهم العداء القيقيي لشروعهم الستيطان‪ ،‬ويصورون السلمي ف صورة الفريق‬
‫الطيب الذي يكن التفاهم معه‪ .‬وكانوا أحيانا أخرى يفترضون العكس‪ ،‬فيؤكدون أن‬
‫السلمي هم العدو القيقي‪ ،‬وأن السيحيي هم الفريق الذي يبدي استعدادا كبيا للتعاون‪.‬‬
‫وكانت الماهي الفلسطينية بالنسبة إليهم مرد غوغاء يتلعب با الهيجون القطاعيون‬
‫والفندية ول تركها الدوافع القومية‪ .‬ويرى (سحا فلبان) أن وايزمان كان يؤمن إيانا‬
‫راسخا بأن ترّد هذه الماهي ليس تعبيا صادقا عن حركة قومية خلقة‪ ،‬وإنا كانت تليه‬
‫العتبارات القطاعية والقَبَلية الضيقة‪.‬‬
‫وإل جانب هذا‪ ،‬كان الصهاينة يرون الفلسطين أو العرب حيوانا أو ملوقا اقتصاديا مضا‬
‫تركه الدوافع القتصادية الباشرة‪ .‬ولذا‪ ،‬فيمكن حل الشكلت العربية (حسب هذا التصور)‬
‫ف إطار اقتصادي ل يكون سياسيا بالضرورة‪ .‬ولعل من المثلة الول على هذه الستراتيجية‬
‫الدراكية (رشيد بك) هذا العرب الذي ت تليقه حسب الواصفات الصهيونية ف رواية‬
‫(هرتزل) الرض الديدة القدية‪ ،‬والذي يؤكد لنفسه وللعرب وللعال أن الوجود الصهيون‬
‫قد عاد على العرب بالنفع الكبي‪ :‬لقد زادت صادرات البتقال عشر مرات‪ ،‬كما أن الجرة‬
‫اليهودية كانت خيا وبركة‪ ،‬خصوصا بالنسبة للك الراضي‪ ،‬لنم باعوا أرضهم بأرباح‬
‫كبية‪ .‬وظل لفيف من الصهاينة يؤمنون إيانا راسخا بإمكان التغلب على معارضة‬
‫الفلسطينيي عن طريق توضيح الزايا القتصادية المة الت سيجلبها الستيطان الصهيون‪ ،‬وعن‬
‫طريق حثهم على الرحيل إل البلد العربية‪ ،‬بعد إعطائهم التعويض القتصادي الناسب عن‬
‫وطنهم‪ ،‬وهذا ما يسمّى ف الطاب الصهيون (الترانسفي الطوعي)‪ .‬وكانت إحدى القناعات‬
‫الدراكية عند (وايزمان) أن تطوّر فلسطي سيؤدي إل أن يفقد العرب الهتمام بالعارضة‬
‫السياسية‪.‬‬
‫إن التفكي الصهيون تفكي غرب استعماري عنصري حت النخاع‪ ،‬ولذا فهو يتسم بالتعميم‬
‫والتجريد والنتقاء‪ ،‬فالستوطن الصهيون إن ل يفعل هذا وجد نفسه أمام وجود إنسان‬
‫متعي‪ ،‬له قداسته وله قيمته النسانية والضارية‪ ،‬المر الذي يعل من العسي عليه تقبل‬
‫العتذاريات الت تسوغ استغلل العرب وإبادتم‪ ،‬وتويلهم إل مرد شيء يُنقل من مكان‬
‫لخر‪ ،‬أو شيء ل ضمي له ول هوية‪ ،‬ومن َثمّ يكنه أن يضع (للترانسفي الطوعي)‪ .‬وهذا ما‬
‫اقترحه (هوراس كالن) الفيلسوف البجات المريكي ف ماولته رسم صورة الفلسطين ف‬
‫الستقبل‪ ،‬كما يب أن يراها‪ ،‬فقال‪( :‬لو حصل اللجئون على جوازات سفر وغيها من‬
‫الوثائق الت تكّنهم من التحرّك برية‪ ،‬ولو حصلوا على مبلغٍ كافٍ من الال‪ ،‬ليشقوا به‬
‫طريقهم إل مكان من التوقع أن يدوا فيه سُبل العيش العقولة‪ .‬وقيل لم إن هذا هو كل ما‬
‫سيحصلون عليه ول شيء آخر أبدا‪ ،‬لو حدث هذا لبدؤوا عندئذ ف العتماد على النفس)‪.‬‬
‫ولكن يوجد إل جانب (الترانسفي الطوعي) (الترانسفي القسري) الذي يتم تت مظلة‬
‫البطش الصهيون‪ ،‬والذي ل يزال يداعب جفون الستوطني‪ .‬ففي استطلع للرأي أجري‬
‫مؤخرا رأى ‪ %46‬من السرائيليي ضرورة ترحيل الفلسطينيي من سكان الناطق و ‪%31‬‬
‫رأوا ضرورة ترحيل عرب إسرائيل (هآرتس ‪2002 /3 /12‬م)‪.‬‬
‫وها هي النتفاضة تطّم السطورة وتعيد للمستوطني شيئا من رشدهم وعقلهم‪ ،‬عن‬
‫طريق تقويض أسطورتم الفاشية الزائفة‪ .‬ويقول (زئيف شيف) أهم معلق عسكري ف‬
‫إسرائيل ف وضوح كامل ف هآرتس (‪2002 /3 /4‬م) إن العمليات الفدائية الفلسطينية‬
‫تنتمي إل حرب العصابات وليس للرهاب (المر الذي يذكّرنا بكلمات بن جوريون‬
‫وشاريت)‪ .‬أما (يوئيل ماركوس) فيشي ف مقال له ف هآرتس (‪2001 /11 /13‬م) إل‬
‫فشل إسرائيل ف القضاء على ما ساه (الرهاب القومي) بالقوة‪ .‬ومن الواضح أن الكاتب‬
‫ياف من الديث عن النتفاضة باعتبارها مقاومة مشروعة‪ ،‬ولذا يتخفى وراء عبارة‬
‫(الرهاب القومي) إل أنه يعن‪ ،‬ف واقع المر‪( ،‬القاومة الشعبية)‪ ،‬أو (حرب التحرير)‪ .‬وما‬
‫يدعّم هذا الرأي أنه هو نفسه يقول‪ :‬إن فشل إسرائيل ليس فريدا (ففي القرن العشرين ل‬
‫تنجح دولة ف العال ف القضاء على الرهاب القومي)‪ ،‬وهو بذلك يستدعي‪ ،‬عن غي وعي‪،‬‬
‫إل عقل الستوطني الصهاينة تاريخ حركات القاومة ف إفريقيا وآسيا‪ ،‬وهي الركات الت‬
‫نحت ف هزية اليوش الستعمارية وتصفية اليوب الستيطانية سواء ف الزائر أم جنوب‬
‫إفريقيا‪.‬‬
‫ويتساءل (أبراهام يهوشع) (يديعوت أحرونوت ‪2002 /1 /22‬م)‪( :‬هل بإمكانكم أن‬
‫تأتوا بثال واحد ف التاريخ نح فيه شعب ف السيطرة على شعب آخر لفترة طويلة؟ هل‬
‫تعرفون مكانا واحدا ف العال يعيش فيه بشر دون حقوق إنسان مثل الفلسطينيي؟)‪.‬‬
‫إن ما يُسمى (الرهاب) ليس إرهابا‪ ،‬بل هو حرب ترير‪ ،‬لن الفلسطينيي ليسوا مرد‬
‫مموعة متناثرة من الحاربي‪ ،‬بل هم شعب بأسره له تاريه ومؤسساته الضارية‪ .‬وهذا ما‬
‫يبيّنه (مايكل بن مائي) (هآرتس ‪ 3‬آذار (مارس) ‪2002‬م)‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬
‫إن النتفاضة هي حرب التحرير الت يوضها الشعب الفلسطين‪ .‬فالتاريخ يعلمنا أنه ل توجد‬
‫أمة على استعداد أن تعيش تت هيمنة شعب آخر‪ ،‬وأن حرب التحرير الت يوضها شعب‬
‫مضطهد ستنجح حتما‪.‬‬
‫(والسرائيليون كقوة احتلل) يقتلون الطفال ويقومون بتنفيذ حكم العدام ف أشخاص‬
‫مطلوبي دون ماكمة‪ .‬لقد أقمنا الواجز الت حوّلت حياة الليي إل كابوس‪ ..‬إن علما‬
‫أسودَ يرفرف فوق أفعالنا‪ .‬إن نظام الحتلل يقوض البادئ الخلقية وينع التوصل إل سلم‪.‬‬
‫وهكذا فهو يهدّد وجود إسرائيل‪.‬‬
‫ولنا حرب ترير يشنها الضطّهد صاحب الق السليب‪ ،‬فإحساسه بشرعية جهاده يشد‬
‫من أزره ويفزه على الستمرار (ف الرب‪ ..‬بل هوادة)‪ .‬وكما يقول يوزي بنمان (هآرتس‬
‫‪ 3‬آذار (مارس) ‪2002‬م)‪:‬‬
‫فلنتخيل أن كل الوهام تققت‪ ،‬وقبضنا على كل الرهابيي‪ ،‬وصادرنا كل السلحة‪،‬‬
‫وحطمنا كل مصانع السلح‪ ،‬حيث تُصنّع الدافع والصواريخ‪ .‬فهل سيكون لذا أي تأثي؟ هل‬
‫يشك أحد أنه ف الصباح التال ستظهر مصانع سلح أخرى ستنتج الزيد من السلحة الت‬
‫ستُستخدم ضد إسرائيل؟ هل يشك أحد ف أنه ف هذا الصباح هناك مئات من الفلسطينيي‬
‫يذهبون إل مراكز التنظيم وحاس‪ ،‬يعلنون أنم على استعداد أن يشنوا هجوما على إسرائيل؟‬
‫هل نفد خزان النتحاريي من نابلس وقطاع غزة؟‬
‫(ول يكن (يوزي بنمان) هو من أول من أدرك ذلك‪ ،‬إذ يُروى عن إسحاق رابي أنه‬
‫عندما نشبت انتفاضة ‪1987‬م سأله النود‪( :‬من أين يأت مئات التظاهرين الذين يلقون‬
‫بالجارة عليهم) (أبراهام يهوشع ‪ -‬نقلً عن السفي ‪2002 /2 /25‬م))‪.‬‬
‫أما (جرشون باسكي) الدير العام الشترك للمنظمة السرائيلية ‪ -‬الفلسطينية للبحوث‬
‫والعلومات فكتب يقول‪:‬‬
‫إن الفلسطينيي يعرفون أن قوتم العسكرية أقل بأضعاف من القوة السرائيلية‪ ،‬وأنه ل‬
‫توجد أمامهم أية إمكانية للفوز ف أرض العركة‪ ،‬ولكنهم يؤمنون من الناحية الخرى بتفوقهم‬
‫السياسي والخلقي‪ .‬واعتقادهم هو أن العدل والتاريخ يقفان إل جانبهم‪ ،‬وهم يقولون‪ :‬إن‬
‫إسرائيل هي الحتل الخي التبقي ف العال‪ ،‬وأن أحدا ل يستطيع أن يوقف نصرهم ف حرب‬
‫التحرير الت يوضونا من الحتلل الجنب‪ .‬اعتقادهم هو أن اتباع تاكتيك مثل حزب ال‬
‫سيحقق غاياته‪ ،‬وأن السائر الفادحة الت تلحقها إسرائيل بم تعزز من معنوياتم‪ ،‬وتشكل‬
‫الفصل الهم ف الرواية الفلسطينية‪ .‬واستنادا إل تربة عملية أوسلو الفاشلة‪ ،‬فهم يعتقدون‬
‫أنم لن يتمكنوا من انتزاع انسحاب كامل من الناطق من إسرائيل من خلل الفاوضات‬
‫السياسية‪ ،‬وهم مقتنعون أنم سيحققون ذلك ف ناية الطاف من خلل الكفاح الذي‬
‫يوضونه الن‪( ،‬أي من خلل حرب التحرير الفلسطينية)‪.‬‬
‫ولنا حركة ترير‪ ،‬فإن حلة شارون الخية للقضاء على النتفاضة‪ ،‬وعلى ما يسمونه‬
‫البنية التحتية للرهاب‪ ،‬مكوم عليها بالفشل‪ ،‬فهي (إعلن حرب على الشعب الفلسطين‬
‫كله)‪ ،‬فالبنية التحتية الشار إليها قد تكون (بعض الورش والبان وبضع عشرات من القيادات‬
‫والخازن‪ ،‬وعشرات اللف من الشخاص الاملي للسلح‪ .‬ولكنها أيضا الجموعة‬
‫السكانية الفلسطينية الت تعيش ف الضفة والقطاع‪ ،‬الت توفر الدعم الخلقي والقيقي‬
‫للمخربي‪ ،‬وباسم هذه الجموعة يهاجون إسرائيل وإليها يعودون لياد مبأ لم‪ .‬ولذا‬
‫فإسرائيل غي قادرة على مطاردة كل واحد من آلف الخربي الفلسطينيي) (عوزي بنيان‬
‫هآرتس ‪2002 /3 /31‬م)‪.‬‬
‫والوضوع نفسه يكرره (مكيفا الدار) (هآرتس ‪2002 /3 /14‬م) ف مقال بعنوان‬
‫(عرفات معترف بالنصر) يقول فيه‪:‬‬
‫شارون يعرف بالتأكيد ما يعرفه كل ضيف ينل ف ديوان رئيس السلطة الفلسطينية الليء‬
‫بالثقوب ف هذه الرب‪ .‬وربا يكونون قد أحرزوا هذا النصر بالفعل‪ .‬هذا النصر موضوع‬
‫على طاولته بشكل يومي من خلل عناوين الصحف‪ .‬لن تستطيع أية دبابة إسرائيلية أن تأخذ‬
‫هذا النصر منه‪ ،‬ول حت من خلل القذف بنسوة رام ال من بيوتن ف الليل الدامس نو‬
‫النيان الوجودة ف الشوارع‪.‬‬
‫إن الجاهدين يأتون بكل تراثهم وإبداعهم ليقاتلوا ضد الحتل‪ .‬وهذا ما لحظه (يوسي‬
‫ساريد) (معاريف ‪2000 /3 /4‬م)‪ .‬ففي رده على اليمي السرائيلي الذي يتهم اليسار‬
‫السرائيلي‪ ،‬بأنه أعطى الفلسطينيي البنادق (أي قوات المن التابعة للسلطة بتوقيع اتفاقية‬
‫أوسلو)‪ .‬يقول‪:‬‬
‫صحيح‪ ،‬نن قدّمنا لم البنادق‪ ،‬ولكن اليمي الوطن قدّم لم الافزية‪ .‬الحتلل الذي‬
‫يطول يقدّم لم الافزية‪ .‬الستوطنات الت تقام داخل أرضهم تقدّم لم الافزية‪ .‬الطواق‬
‫والغلقات‪ ،‬والوع والفقر والذلل‪ ،‬تقدّم لم الافزية‪ ،‬البنادق بدون حافزية ل تطلق النار‪.‬‬
‫ولكن إذا كانت هناك حافزية‪ ،‬حت الكنسة تطلق النار وها هي الكنسة أطلقت النار أمس‪:‬‬
‫بندقية كاربي‪ ،‬يعرفها كل متطوع ف الرس الدن عن كثب‪ ،‬سلح غي أوتوماتيكي‪..‬‬
‫بندقية قدية‪ ،‬مثبتة بالسامي‪ ،‬خردة‪ ،‬ليست بندقية بقدر ما هي مكنسة‪ ،‬بندقية واحدة ومرّب‬
‫واحد قتل عشرة رجال‪ ،‬سبعة جنود وثلثة مدنيي‪.‬‬
‫إن الردع الذي حققه الخرّب الوحيد مع بندقية كاربي الردة‪ ،‬تفوق ألف مرة الردع‬
‫الذي حققه اليش السرائيلي ف عملية استعراضية ف ميم بلطة وجني مع كل دباباتا‬
‫ومروحياتا‪.‬‬
‫إن حرب التحرير الفلسطينية تنبع من أنبل الدوافع النسانية‪ ،‬إقامة العدل ف الرض وترير‬
‫الوطن من الغتصب‪ ،‬والقضاء على الحتلل‪ ،‬وتنفيذ مقررات الشرعية الدولية‪ ،‬فمصدرها هو‬
‫المل والقدرة على التضحية بالذات‪ ،‬وليس اليأس والرغبة ف تفجيها‪ ،‬إنا تعبي عن امتلء‬
‫إنسان وأخلقي حقيقي‪ ،‬ولول هذا لا كُتب لا الستمرار‪ ،‬ولا أتى مئات التظاهرين‬
‫والستشهاديي‪ ،‬الفعمي بالمل والرغبة ف ترير الرض‪.‬‬
‫وهي حرب أعادت إل الوجدان العرب والسلمي إحساسه بقدرته على تغيي الواقع‬
‫وعدم الستسلم للظلم‪ ،‬ومن هنا ثورة الشارع العرب على الظلم‪ ،‬وإرساله رسائل للعال‬
‫بأسره بأنه ل يكن السكوت على ما يدث ف فلسطي‪ ،‬وهي ثورة بددت الوهم الغرب بأن‬
‫الشارع العرب ل وجود له‪ ،‬وأن الجيال العربية الديدة نت وترعرعت ف إطار ما يسمّى‬
‫(ثقافة السلم)‪ ،‬والت كان من القدّر لا أن تتمركز حول نفسها وتنسى فلسطي‬
‫والفلسطينيي لتحقق لنفسها التعة من خلل معدلت متصاعدة من الستهلك‪ ،‬هذه الجيال‬
‫بدأت تبعث بالرسائل الواضحة بأن البطش الصهيون الذي يتم بأسلحة أمريكية ودعم سياسي‬
‫واقتصادي غرب لن يقابل بسلبية بلهاء‪ ،‬وإنا سنتصدى له وسيدفع الزار الثمن‪،‬‬
‫***‬
‫ناية إسرائيل‬
‫أدت ظواهر مثل تزايد النوح من الستوطن الصهيون وتزايد الجرة منه‪ ،‬والطالبة بفك‬
‫الستوطنات والتفكي ف تغليف (أي تقسيم) القدس‪ ،‬وتدهور الالة القتصادية والحساس‬
‫بالعجز المن‪ ،‬وإدراك النتفاضة باعتبارها حرب ترير‪ ،‬إل طرح موضوع بقاء اليب‬
‫الستيطان الصهيون على بساط البحث‪ ،‬وهو موضوع ل يب أحد ف إسرائيل مناقشته‪،‬‬
‫ولكنه يُطل برأسه ف الزمات‪ .‬ففي أثناء انتفاضة ‪1987‬م‪ ،‬حي بدأ الجاع الصهيون‬
‫بصوص الستيطان يتساقط‪ ،‬حذر (إسرائيل هاريل) التحدث باسم الستوطني من أنه إذا‬
‫حدث تقهقر ما من جانب إسرائيل (أي شكل من أشكال النسحاب والتنازل)‪ ،‬فهو لن‬
‫يتوقف عند الط الخضر (حدود ‪1948‬م) إذ سيكون هناك انسحاب روحي يكن أن‬
‫يتهدّد وجود الدولة ذاتا (اليوساليم بوست ‪1988 /1 /30‬م)‪ .‬وهو تذير قد يكون فيه‬
‫قدر من البالغة‪ ،‬ولكنه يتوي أيضا على قدر كبي من القيقة‪ ،‬ففي الروب القومية (كما‬
‫يقول إسرائيل هاريل نفسه)‪ ،‬تلعب الروح العنوية (أو الهادية) الدور الساسي‪ ،‬وروح‬
‫السرائيليي العنوية ف حالة تراجع‪ ،‬فهل ستصدق نبوءة هذا التحدث الصهيون؟‬
‫ول يهم إن كانت النبوءة ستتحقق ف الستقبل البعيد أو القريب‪ ،‬فما يهمنا ف ماولة‬
‫دراسة أثر النتفاضة على التجمّع الصهيون وعلى الستوطني الصهاينة‪ ،‬أن نبيّن أن موضوع‬
‫ناية إسرائيل مطروح الن على قائمة الهتمامات الفكرية والوجدانية الصهيونية‪ .‬انظر على‬
‫سبيل الثال إل يديعوت أحرونوت (بتاريخ ‪2002 /1 /27‬م) الت ظهر فيها مقال بعنوان‬
‫(يشترون شققا ف الارج تسبا لليوم السود)‪ ،‬واليوم السود هو اليوم الذي ل يب‬
‫السرائيليون أن يفكروا فيه‪ .‬والوضوع نفسه يظهر ف مقال (ياعيل باز ميلماد) (معاريف‬
‫‪2001 /12 /27‬م) الذي يبدأ بالعبارة التالية‪( :‬أحاول دائما أن أبعد عن هذه الفكرة‬
‫الزعجة‪ ،‬ولكنها تطل ف كل مرة وتظهر من جديد‪ :‬هل يكن أن تكون ناية الدولة كنهاية‬
‫الركة الكيبوتسية؟ من نقطة الزمن الالية ما زالت هذه الفكرة مدحوضة‪ ،‬ولكن ثة الكثي‬
‫جدا من أوجه الشبه بي الجريات الت مرت على الكيبوتسات قبل أن تتضر أو توت‪ ،‬وبي‬
‫ما يري ف الونة الخية مع الدولة)‪ .‬بل إن الستوطني أنفسهم أصبحوا يستخدمون العبارة‬
‫نفسها‪ .‬فرئيس ملس السامرة القليمي أخب شارون (ف مشادة لفظية معه)‪( :‬نن سنحارب‬
‫بكل قوتنا‪ ،‬وسننل الشوارع‪ .‬إن هذا الطريق الدبلوماسي هو ناية الستوطنات‪ ،‬إنه ناية‬
‫إسرائيل) (هآرتس ‪2002 /1 /17‬م)‪ .‬وقد لص (جدعون عيست) الوقف ف عبارة درامية‬
‫(يديعوت أحرونوت ‪2002 /1 /29‬م) (ثة ما يكن البكاء عليه‪ :‬إسرائيل)‪.‬‬
‫بل إن ملة نيوزويك (‪2002 /4 /2‬م) صدرت وقد حل غلفها صورة نمة إسرائيل‪،‬‬
‫وف داخلها السؤال التال‪( :‬مستقبل إسرائيل‪ :‬كيف سيتسن لا البقاء؟)‪ .‬وقد زادت الجلة‬
‫المور إيضاحا حي قالت‪( :‬هل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الياة؟ وبأي ثن؟ وبأية‬
‫هوية؟) ث اقتبست الجلة قول الكاتب السرائيلي (عاموس إيلون)‪( :‬إنن ف حالة يأس لنن‬
‫أخشى أن يكون المر قد فات‪ .‬وقد قلت لكم مرد نصف ما أخشاه)‪ .‬ول يتلف رأي‬
‫المريكيي (أوثق حلفاء إسرائيل) عن ذلك‪ .‬فقد أعرب ‪ %18‬عن رأيهم أن إسرائيل‬
‫ستختفي من الوجود‪ ،‬وقال ‪ %23‬أنا لو استمرت ف البقاء فلن تكون دولة يهودية‪ ،‬وهذه‬
‫نسبة عالية للغاية (‪ ،)%41‬خاصةً وأن أحدا ل يكن يرؤ حت على طرح السؤال منذ عدة‬
‫شهور‪،‬‬
‫وحي يطل موضوع (ناية إسرائيل) برأسه‪ ،‬فإن العدو يذيع عن نفسه ما يسمّى (العقدة‬
‫الشمشونية)‪ ،‬وهي أنه إن ت استفزازه وماصرته فإنه سيحطم الدنيا على رأسه وعلى رؤوس‬
‫الخرين‪ ،‬كما فعل ششون ف اليكل‪ .‬ومن الساطي الشمشونية الخرى أسطورة ماساداه‪،‬‬
‫وهي آخر قلعة يهودية سقطت ف أيدي الرومان أثناء التمرد اليهودي الول ضد المباطورية‬
‫الرومانية (‪ 70 - 66‬ميلدية)‪ .‬وتذهب السطورة الصهيونية إل أن الحاربي اليهود‬
‫ل ناصعا على‬ ‫الحاصرين آثروا النتحار على الستسلم للرومان‪ ،‬وأن انتحارهم هذا يقف دلي ً‬
‫مدى صلبة اليهود ووحدتم‪ .‬ويلحظ أن كل السطورتي ينطوي على حالة حصار نائية‬
‫مغلقة‪ ،‬ل يكن الفكاك منها إل بتدمي الذات وربا تدمي الخر‪ ،‬أي إن ناية إسرائيل‬
‫سيصاحبها ناية الخر‪ .‬والركة الصهيونية ف إشاعتها لذه الساطي النتحارية‪ ،‬الت ل‬
‫تستند إل أية حقائق تاريية‪ ،‬تاول توليد الرهبة والوف ف العقل العرب‪ ،‬وبالتال تكسب‬
‫الكثي من العارك النفسية والفعلية دون خوض أي حرب‪.‬‬
‫ولكن من العروف أن القوات السرائيلية الت حُوصرت ف (خط بارليف)‪ ،‬على سبيل‬
‫الثال‪ ،‬استسلمت بطريقة عملية ورشيدة للغاية على مسمع ومرأى الصليب الحر الدول‬
‫والتلفزيون الصري‪ .‬وف أحد هذه الواقع‪ ،‬سأل النود قادتم بتهكم إن كان الطلوب هو‬
‫القتال حت الوت لقامة ماساداه ثانية‪ ،‬فأتاهم الرد بالستسلم على أن يبتسموا أمام عدسات‬
‫التلفزيون الصري‪ .‬أما النود السرائيليون الذين انتحروا ف أثناء عملية لبنان‪ ،‬فيبدو أنم قاموا‬
‫بفعلتهم هذه يأسا من الرب وثنها الفادح‪ ،‬إذ إنم ل يكونوا داخل موقع ماصر‪ ،‬وبالتال‬
‫فإن انتحارهم ل يكن من أجل الدولة والُثُل الصهيونية وإنا للحتجاج عليها‪.‬‬
‫ومع اندلع النتفاضة ‪1987‬م ل يتحدث الصهاينة عن النهاية ف الطار النتحاري‬
‫للماساداه‪ ،‬فكل من (يهوشفاط حركب‪ ،‬وآرييل شارون)‪ ،‬حي تدثا عن ناية الكيان‬
‫الصهيون‪ ،‬ل يشيا من قريبٍ أو بعيدٍ إل ماساداه‪ ،‬وإنا إل الطائرة الروحية المريكية‪ ،‬أي‬
‫تلك الطائرة الت ستأت حينما تي لظة النهاية وتط فوق سطح السفارة المريكية (كما‬
‫حدث ف سايغون ف فيتنام) لتأخذ فلول الستوطني وعملء الوليات التحدة‪ ،‬أي إنه بدلً‬
‫من النتحار البطول السطوري الزعوم سيكض الميع نو الطائرة‪.‬‬
‫وتكرر النمط نفسه مع اندلع انتفاضة القصى والستقلل‪ ،‬فلم يتحدث الصهاينة عن‬
‫النتحار البطول أو عن ناية الخر‪ ،‬وإنا عن ناية إسرائيل (ركوب آخر طائرة إذا تكررت‬
‫قصة سايغون (هآرتس ‪2000 /1 /24‬م)‪ .‬وف مقال بعنوان (ليلة سعيدة أيها اليأس‪..‬‬
‫والكآبة تكتنف إسرائيل) كتبه (إتيان هابر) (يديعوت أحرونوت ‪2001 /11 /11‬م) يشي‬
‫إل أن اليش المريكي كان مسلحا بأحدث العدات العسكرية‪ ،‬ومع هذا يتذكر الميع‬
‫(صورة الروحيات المريكية توم فوق مقر السفارة ف سايغون‪ ،‬ماولة إنقاذ المريكيي و‬
‫(عملئهم) الحليي ف ظل حالة من اللع والوف حت الوت)‪ ،‬وكل لبيب بالشارة يفهم‪.‬‬
‫فماساداه ل تطل برأسها‪ ،‬وإنا الطائرة الروحية رمز القدرة على الستسلم‪ ،‬وعلى الروب‬
‫البان ف الوقت الناسب‪ .‬ث يستمر الكاتب نفسه ف تفصيل الوقف‪:‬‬
‫إن جيش الفاة ف فيتنام الشمالية قد هزم السلحي بأحدث الوسائل القتالية‪ .‬ويكمن السر ف‬
‫أن الروح هي الت دفعت القاتلي وقادتم إل النتصار‪ .‬الروح تعن العنويات والتصميم‬
‫والوعي بعدالة النهج والحساس بعدم وجود خيار آخر‪ .‬وهو ما تفتقده إسرائيل الت يكتنفها‬
‫اليأس‪.‬‬
‫***‬
‫وهم النفوذ اليهودي‬
‫هل يعن ما نقول أن إسرائيل ستنهار تت ضربات حرب التحرير الفلسطينية؟ الجابة ف‬
‫تصوري بالنفي‪ ،‬فالتجمع الصهيون تسانده الوليات التحدة والعال الغرب بأسره‪ ،‬بيث إن‬
‫مقومات حياته ليس من داخله‪ ،‬وإنا مستمدة من خارجه‪ .‬وهنا يب أن نتناول مقولة‬
‫(سيطرة اليهود) على العال الغرب وخاصة الوليات التحدة‪ .‬فمن الفكار الساسية السيطرة‬
‫على الطاب السياسي العرب تصوّر أن اليهود يسيطرون على آليات صنع القرار ف الوليات‬
‫التحدة‪ ،‬وأن الوليات التحدة‪ ،‬بالتال‪ ،‬ضحية مسكينة يتلعب با الصهاينة اليهود‪ .‬ويتم هذا‬
‫من خلل ثلث آليات‪ :‬الصوت اليهودي‪ ،‬العلم بكل أشكاله‪ ،‬واللوب الصهيون‪ ،‬ويُفسر‬
‫دعم الوليات التحدة لسرائيل ف هذا الطار‪ .‬ولكن الكثيون ينسون أن الدولة الصهيونية‬
‫استثمار استراتيجي مهم بالنسبة للوليات التحدة باعتبارها قوة إمبيالية عظمى لا مصالها‬
‫الت تاول تقيقها وحايتها بأي ثن ول تدخر وسعا ف ضرب كل من يقف ف طريقها‪.‬‬
‫وتتبع استراتيجية الوليات التحدة من الستراتيجية الغربية الستعمارية العامة الت تددت منذ‬
‫منتصف القرن التاسع عشر (قبل أن يصبح أعضاء الماعات اليهودية لعبي أساسيي ف‬
‫كواليس السياسة الغربية)‪ .‬وقد قررت هذه الستراتيجية الواجهة الستمرة مع العال السلمي‬
‫بدلً من التصال أو التعاون معه (وإل لا قضت أوربا على ممد علي ولا ت وضع اتفاقية‬
‫سايكس بيكو لتقسيم العال العرب)‪ .‬وهذا القرار قد يكون ل عقلنيا من وجهة نظرنا‪ ،‬ولكن‬
‫من قال إن القرارات الستراتيجية العليا (عقلنية)‪ ،‬فهي تستند إل مفاهيم ل يتم التساؤل‬
‫بشأنا من قبيل السطورة النازية (الت نادت بأن ألانيا فوق الميع) والسطورة الصهيونية‬
‫(الت ادعت أن فلسطي أرض بل شعب) والرؤية الستعمارية العرقية (الت افترضت أن من‬
‫حق الرجل البيض الستيلء على العال وتوظيفه لسابه)‪ .‬وكل هذه القولت السطورية‬
‫الت ل أساس لا ف الواقع تسبق عملية التفكي ذاتا‪ ،‬وبالتال ل يكن تغييها إل بعل‬
‫صاحبها يدفع ثنا فادحا للسطورة‪.‬‬
‫وأية دراسة ولو مبدئية لسألة الصوت اليهودي والعلم من جهة وتعاظم النفوذ الصهيون‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬تبي أن موقف الوليات التحدة من إسرائيل وقضية الصراع العرب‬
‫السرائيلي ل يتأثر ف أساسياته بجم النفوذ اليهودي‪ .‬خذ على سبيل الثال العلم‪ :‬كانت‬
‫نسبة أعضاء الماعات اليهودية من العاملي ف حقل العلم إل غي اليهود كبية للغاية حت‬
‫أوائل الستينيات‪ ،‬ولكن أعداد غي اليهود بدأت ف التزايد‪ ،‬وبدأ عدد الؤسسات العلمية الت‬
‫يتلكها غي اليهود يرتفع ويتسع نطاق نفوذها‪ .‬وكان الفروض‪ ،‬حسب تصور مفهوم اليمنة‬
‫اليهودية من خلل العلم‪ ،‬أن يتراجع التحيز المريكي للصهاينة‪ ،‬باعتبار أن ثرة ضغط‬
‫يهودي أو صهيون‪ .‬ولكن ل يدث شيء من هذا القبيل‪ ،‬بل يكن القول‪ :‬إن العكس‬
‫صحيح‪ .‬ويكن أن نطرح سؤالً‪ :‬هل هناك اختلف جوهري ف موقف الؤسسات العلمية‬
‫الت يتلكها يهود عن تلك الت يتلكها غي يهود؟ وهل يكن القول بأن هذه أكثر تيزا من‬
‫تلك؟ أعتقد أن الجابة بالنفي‪ ،‬فثمة موقف أمريكي عام تروّج له الؤسسات العلمية‬
‫المريكية بغض النظر عن انتماء أصحابا الدين أو العِرقي أو السياسي‪ ،‬وكل هذا يدل على‬
‫أنه ل توجد علقة طردية بي تزايد النفوذ اليهودي العلمي وتزايد حجم التأييد المريكي‬
‫للدولة الصهيونية‪.‬‬
‫أما بصوص الصوت اليهودي‪ ،‬فالسألة أكثر وضوحا‪ .‬فالصوت اليهودي يتلف من رئيس‬
‫جهورية لخر‪ .‬فكلينتون حصل على عدد كبي من أصوات اليهود على عكس نيكسون الذي‬
‫ل يصل على أكثر من ‪ .%20‬ولكن منحن التأييد المريكي للدولة الصهيونية أخذ ف‬
‫التصاعد بغض النظر عن عدد الصوات الت يصل عليها رئيس المهورية النتخب‪ ،‬إذ توجد‬
‫سياسة استراتيجية عامة ل تتأثر بأمور جزئية مثل عدد الصوات الذي تنحه أقلية دينية أو‬
‫عِرقية ما لرئيس المهورية (يلحظ أن قرارات جورج بوش البن ل تتأثر كثيا بأن معظم‬
‫أعضاء القلية السلمية والعربية ف فلوريدا قد منحوه أصواتم ما أدى لنجاحه)‪ .‬ولنقارن‬
‫موقفنا بوقف التحدث الرسي التركي‪ ،‬حينما كان دوكاكيس (وهو من أصل يونان) قد‬
‫رشح نفسه لرئاسة المهورية‪ .‬فقد سُئل‪ :‬أل تشى الكومة التركية من وجود رئيس‬
‫جهورية من أصل يونان ف البيت البيض‪ ،‬ومن أن مثل هذا الرئيس قد يتخذ مواقف متحيزة‬
‫لليونان على حساب تركية؟ فرد التحدث التركي بزم قائلً‪ :‬إن تركية ل تشى شيئا‪ ،‬لنه‬
‫توجد ثوابت استراتيجية تكم سلوك وسياسات الوليات التحدة ول تؤثر فيها اللفية العِرقية‬
‫للرئيس المريكي (ف الوقت الذي كان فيه بعض العرب يرتعدون خوفا من أن كيت‬
‫دوكاكيس ‪ -‬زوجة الرشح الديقراطي ‪ -‬يهودية)‪.‬‬
‫ولو صدقت مقولة هيمنة اليهود على القرار السياسي الغرب لتناسبت درجة الدعم ف دولة‬
‫غربية ما تناسبا طرديا مع عدد اليهود ومدى نفوذهم‪ ،‬ولكن الدراسة التأنية تؤكد أنه ل‬
‫توجد أدن علقة‪ .‬فموقف هولندا وإنلترا يتسم بالدعم الكامل لسرائيل بالرغم من أن الدولة‬
‫الول ل يوجد با يهود تقريبا‪ ،‬والثانية با جاعة يهودية آخذة ف التناقص‪ ،‬ومندمة ف‬
‫الجتمع النليزي وهزيلة لقصى حد‪ .‬بينما ند أن فرنسا الت توجد فيها جاعة يهودية قوية‬
‫نشطة وذات نفوذ تتخذ مواقف أكثر اعتدالً‪.‬‬
‫وقرار الوليات التحدة بدعم إسرائيل يستند إل حسابات دقيقة داخل إطار خيارها‬
‫الستراتيجي البدئي‪ ،‬فالوليات التحدة تعطي الدولة الصهيونية ما يقرب من عشرة مليارات‬
‫دولر سنويا لماية الصال المريكية (أسعار البترول ‪ -‬السوق العربية ‪ -‬الستثمارات‬
‫المريكية ‪ -‬صفقات السلح ‪ -‬الموال العربية ف الصارف المريكية) والمن المريكي‬
‫(الكومات العربية المالئة للوليات التحدة النفوذ المريكي ف النطقة ‪ -‬التحكم ف منابع‬
‫البترول)‪ .‬ولنتخيل الشرق الوسط دون الدولة الصهيونية‪ ،‬ولنتخيل الوليات التحدة وقد‬
‫اضطُرت لن تقوم بهمة حاية مصالها القتصادية والمنية بنفسها دون اللجوء لوسيط ملي‪.‬‬
‫ففي مثل هذه الالة الفتراضية يُقال إنه يتعي على الوليات التحدة أن تُبقي خس حاملت‬
‫طائرات ف حوض البحر البيض التوسط بشكل دائم تكلف حوال خسي مليار دولر‪.‬‬
‫وهكذا فالدولة الصهيونية صفقة استراتيجية رابة بالنسبة للوليات التحدة‪ ،‬وهو المر الذي‬
‫يرص التحدثون السرائيليون على إظهاره‪ ،‬ول يلون من تكراره للحصول على الزيد من‬
‫الدعم‪.‬‬
‫***‬
‫خاتة‬
‫يتبي من الفكار واللحظات الت سبق عرضها أنه ل بد من تضافر جهود الفلسطينيي‬
‫وتضحياتم اليومية مع جهود الدول العربية والسلمية‪ ،‬كما يب حشد طاقات الماهي‬
‫العربية وتنظيمها حت يتحول غضبها وحاسها إل مقاومة فعّالة‪ .‬ولعل مقاطعة البضائع‬
‫والشركات السرائيلية والمريكية هو أول ما يتبادر إل الذهن‪ ،‬على أن تل ملها بضائع‬
‫مصرية أو حت أوروبية أو يابانية‪ .‬وهناك أشكال أخرى من القاومة مثل تسعي النفط بكلّ من‬
‫اليورو والدولر وتويل بعض الرصدة العربية من الصارف المريكية إل الصارف‬
‫الوروبية‪ .‬وهذه على أية حالٍ مرد اقتراحاتٍ أولية ل بد أن تُدرس‪ .‬وقد يكون من الفيد ف‬
‫هذه الرحلة أن يُعقد مؤتر للمتخصصي يدرس أشكال القاومة الخرى للستعمار الصهيون‬
‫الذي تسانده الوليات التحدة‪.‬‬
‫وثة ماولت تُجرى الن لختراق القاومة الفلسطينية واللتفاف حولا باسم ماولة وقف‬
‫العنف والعودة إل مائدة الفاوضات‪ ،‬وما شابه ذلك من دعاوى استسلمية مصقولة تتجاهل‬
‫مكاسب الجاهدين الفلسطينيي اليدانية‪ ،‬وذلك بدلً من أخذ هذه الكاسب ف العتبار‪،‬‬
‫وبدلً من دعمها عن طريق تفعيل العمق الستراتيجي العرب والسلمي على جيع الستويات‬
‫الرسية والشعبية‪ ،‬وبدلً من طرح مبادرات سياسية يساندها ضغط عرب وإسلمي‪ :‬مبادرات‬
‫تلب حقوق الشعب الفلسطين الشروعة غي القابلة للتصرف‪.‬‬
‫إن كفاح الشعب الفلسطين نمٌ ساطع ف زمن الكذابي والزيفي والوثنيي و (الواقعيي)‬
‫النزاميي‪ ،‬وهو نم بدّد كثيا من الظلمة والكاذيب‪ .‬وقد أثبت الفلسطينيون مقدرة فائقة‬
‫على الصمود والثابرة والبداع والكفاح من أجل شرف أمتنا وكرامتها ومصالها وأمنها‪،‬‬
‫ونرجو أل يُكتَب عنا أننا تركنا هذه اللحظة التاريية النادرة تفلت من أيدينا‪.‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫***‬
‫ملحق‬
‫أثر النتفاضة على القتصاد السرائيلي‬
‫يكن القول‪ :‬إن أبعاد أزمة القتصاد السرائيلي ف ظل النتفاضة الباركة تتجلى ف بُعدين‬
‫أساسيي ها‪ :‬انيار ثقة المهور ورجال العمال والؤسسات الالية ف القتصاد من جهة‪،‬‬
‫وتدهور واضح ف معظم الؤشرات القتصادية الساسية من جهةٍ أخرى‪ .‬ويتبدى البُعد الول‬
‫ف أن السرائيليي يقومون بتحويل أموالم إل الارج‪ .‬وطبقا لصحيفة معاريف (‪/3 /21‬‬
‫‪2002‬م)‪ ،‬فقد بدأ السرائيليون الائفون يبحثون عن الستقبل خلف البحار‪ ،‬والؤشر‬
‫الفضل أو (باروموتر الوطنية) يكن إياده ف الوضع القتصادي‪ ،‬وخصوصا فيما يتعلق‬
‫بالموال الت يتم تويلها للخارج‪ ،‬والت وصلت إل ‪ 2.8‬مليار دولر ف عام ‪2001‬م‪ ،‬أي‬
‫إنا ارتفعت بعدل ‪ %80‬بالقياس إل العام السابق‪ ،‬وبأكثر من عدة أضعاف بالقياس إل عام‬
‫‪1998‬م‪ ،‬كما أن الموال السرائيلية ف الارج تزيد عن ‪ 71‬مليار دولر تقريبا (هآرتس‬
‫‪2002 /3 /20‬م)‪.‬‬
‫ويُلحظ أن إعداد اللجأ القتصادي ف الارج ل يتطلب وقتا كبيا أو إجراءات معقدة‪،‬‬
‫وكل ما هو مطلوب بضع عشرات آلف الدولرات‪ ،‬وتوقيع عددٍ غي كبي من الستندات‪،‬‬
‫ولذلك صارت البنوك تواجه أزمة طلبات من المهور‪ ،‬لفتح حسابات ف الارج‪ ،‬حت إن‬
‫الوظفي يضطرون إل تأجيل اللقاءات مع الزبائن بسبب تزايُد الطلبات‪.‬‬
‫وتؤكد استطلعات الرأي العام أن ‪ %73‬من السرائيليي يرون أن شارون فشل ف‬
‫معالة الوضع القتصادي‪ ،‬فيما أكد ‪ %78‬منهم أن حكومته ل تتلك خطة اقتصادية‪ .‬وأكد‬
‫‪ %34‬من شلهم الستطلع الذي أجراه معهد داحاف ف تشرين الثان (نوفمب) ‪2001‬م‬
‫‪ -‬أن أوضاعهم القتصادية أصبحت أكثر سوءا‪ ،‬وأعرب ‪ %38‬منهم عن توفهم من فقدان‬
‫وظائفهم‪ ،‬وذلك بعد تسريح العاملي ف بعض القطاعات القتصادية مثل السياحة (البيان‬
‫‪2001 /11 /18‬م)‪.‬‬
‫وقد انارت ثقة رجال العمال ف القتصاد السرائيلي‪ ،‬فاتاد رجال الصناعة السرائيليي‬
‫يرسم صورة قاتة للقتصاد‪ ،‬على أنه اقتصاد على حافة النيار‪ ،‬يعان من البطالة‪ ،‬وتوقف‬
‫الستثمار الجنب‪ ،‬وإغلق الصانع‪ ،‬والركود‪ .‬وقد كشف استطلع للرأي أجرته الفوضية‬
‫الوربية بي رجال العمال السرائيليي ف توز (يوليو) ‪2001‬م أن أكثر من ‪ %59‬منهم‬
‫على يقي بأن القتصاد السرائيلي ف أسوأ حالت (البيان ‪2001 /7 /31‬م)‪.‬‬
‫ومع استمرار تدهور الوضع القتصادي اشتدت حدة التوتر بي الكومة وبنك إسرائيل‪،‬‬
‫وهاجم مافظ البنك ديفيد كلين الكومة متهما إياها بالتقصي ف معالة القضايا القتصادية‬
‫مثل البطالة وانفاض النمو (معاريف ‪2002 /3 /19‬م)‪ .‬وقد ثارت الزمة بي الطرفي إثر‬
‫رفض البنك تدخل الكومة ف إدارة فائض العملة الجنبية‪ ،‬وضمان استقلل البنك ف‬
‫استخدام السياسة الالية‪ ،‬حيث يشى مديرو البنك من تدخل الكومة ف إدارة فائض العملة‬
‫الجنبية واستخدامها لتمويل العجز الكبي ف اليزانية تت وطأة النتفاضة‪ ،‬وتصاعد النفقات‬
‫العسكرية‪ .‬وقد قرر البنك خفض سعر الفائدة من ‪ % 8.2‬ف ناية كانون الول (ديسمب)‬
‫‪2001‬م إل ‪ % 3.8‬ف مطلع عام ‪2002‬م (هآرتس ‪2002 /3 /21‬م)‪.‬‬
‫ويكن أن نرصد العديد من مظاهر الزمة القتصادية العميقة ف الؤشرات الالية‬
‫والقطاعات القتصادية الختلفة على النحو التال‪:‬‬
‫فعلي صعيد الؤشرات الالية الساسية‪ ،‬فإن هناك ركودا اقتصاديا عميقا‪ ،‬والنمو الصفري‪،‬‬
‫والدخل من الضرائب ينخفض بصورة واضحة‪ .‬ولذلك قررت الكومة إجراء تفيضات‬
‫كبية مقدارها ‪ 1.4‬مليار دولر ف ميزانية عام ‪2002‬م‪ ،‬وذلك بعد أن وصلت نسبة العجز‬
‫ف اليزانية لعام ‪2001‬م إل ‪ ،%3‬ويُتوقع لا أن تصل إل ‪ % 6‬ف عام ‪2002‬م (معاريف‬
‫‪2002 /3 /21‬م)‪.‬‬
‫ويرجع هذا العجز التنامي إل انفاض الناتج الحلي الجال بنسبة ‪ % 0.6‬ف عام‬
‫‪2001‬م‪ ،‬أي إن النمو القتصادي بالسالب‪ ،‬وهذه أقل نسبة نو ف تاريخ إسرائيل‪ .‬ونظرا‬
‫لتقلص الناتج الحلي وعدم النمو فقد انفض متوسط دخل الفرد ف إسرائيل من ‪ 20‬ألف‬
‫دولر حت أصبح ‪ 17.2‬ألف دولر ف العام‪ ،‬وذلك وفقا لبيانات الكتب الركزي‬
‫السرائيلي (هآرتس ‪2002 /3 /19‬م)‪.‬‬
‫ول شك ف أن متوسط دخل الفرد ف إسرائيل يضعها ف مرتبة الدول الصناعية التقدمة‪،‬‬
‫ولكن انفاضه بذه الوتية الكبية يعل السرائيليي يشعرون بدة الزمة القتصادية‪ ،‬وبالقلق‬
‫من تردي الوضع القتصادي واحتمال فقدان وظائفهم‪ .‬ويقدر عدد العاطلي عن العمل ف‬
‫إسرائيل بنحو ‪ %10‬من القوة العاملة‪ ،‬أي ‪ 256‬ألف شخص‪ ،‬ولكن بعض الحللي يرون‬
‫أن نسبة البطالة أعلى من ذلك بكثي حيث يضيف العلمة (أربيه أرنون) من قسم القتصاد ف‬
‫جامعة بن جوريون اليائسي من الصول على عمل ليصل عدد العاطلي ف تقديره إل ‪350‬‬
‫ألف شخص (البيان ‪2002 /3 /14‬م)‪ .‬كما أن القطاعات القتصادية الختلفة تسرح الكثي‬
‫من العاملي من وظائفهم‪ ،‬حيث ستقوم البنوك بتسريح نو ‪ 1100‬موظف ف عام ‪2002‬م‪،‬‬
‫ما يرفع نسبة البطالة بصورة حادة‪.‬‬
‫وف مقابل هذا التقلص الواضح ف الناتج القومي وعجز اليزانية تضخمت نفقات الدفاع‬
‫والمن بصورة واضحة لواجهة الستنفار المن الشامل ف مواجهة النتفاضة‪ ،‬وتديد أعداد‬
‫كبية من القوى العاملة ف الدمة الحتياطية‪ ،‬وارتفاع تكلفة اللة الربية‪ ،‬فتقرر زيادة‬
‫اليزانية العسكرية لتصبح ‪ 11‬مليار دولر‪ ،‬وهي تثل ‪ %20‬من ميزانية عام ‪2002‬م‪،‬‬
‫فالؤسسة العسكرية تصل ف يسر وسهولة وبل رقابة على ميزانية ضخمة على الرغم من‬
‫تدهور الوضع المن والقتصادي للسرائيليي (ليندا عفرون جلوباس ‪2001 /11 /5‬م)‪.‬‬
‫وحسب تقديرات مؤسسة التأمي الوطنية واليش فإن تكلفة استدعاء ‪ 20‬ألف من‬
‫الحتياطي من أجل القضاء على النتفاضة ف ناية آذار (مارس) ‪2002‬م ستصل إل نو‬
‫‪ 125‬مليون دولر شهريا‪ ،‬ول يشمل ذلك تكلفة أيام العمل الت سيفقدها جنود الحتياط‬
‫(يديعوت أحرونوت ‪2002 /3 /31‬م)‪.‬‬
‫وامتد الثر القتصادي للنتفاضة إل بعض أهم قطاعات القتصاد السرائيلي مثل السياحة‬
‫والزراعة وقطاع العقارات‪ .‬ففي قطاع السياحة بلغت السائر ‪ 2.1‬مليار دولر (الوقع‬
‫الخباري باللغة العربية ليديعوت أحرونوت ‪2002 /3 /26‬م)‪ ،‬وانفض عدد السياح بعد‬
‫النتفاضة إل ‪ 870‬ألف شخص بعد أن كان ‪ 1.7‬مليون سائح وفقا لبيانات الكتب‬
‫الركزي للحصاء‪ ،‬ويتوقع أن يستمر التراجع بنسبة ‪ %37‬تقريبا عام ‪2002‬م‪.‬‬
‫ولول مرة يدث عجز ف قطاع السياحة حيث إن البالغ الت أنفقت عليه زادت على‬
‫الرباح بوال ‪ 600‬مليون دولر‪ .‬وقد ت الستغناء عن ‪ 15‬ألف عامل من أصل ‪ 36‬ألف‬
‫عامل ف قطاع الفنادق‪ ،‬وتسريح حوال ‪ 50‬ألف عامل من أصل ‪ 220‬ألف ف قطاع‬
‫السياحة‪ ،‬ف حي أغلقت ‪ 25‬شركة سياحية أبوابا هذا العام‪ .‬بل إنه حت ف الماكن البعيدة‬
‫المنة نسبيا كالبحر اليت انفضت نسبة الجز ف الفنادق بنسبة ‪ %66‬عن مثيلتها عام‬
‫‪2000‬م‪.‬‬
‫ونظرا لنيار صناعة السياحة‪ ،‬فقد تضررت شركة الطيان السرائيلية (العال) الت وصلت‬
‫خسائرها إل ‪ 160‬مليون دولر‪ ،‬ومع تدهور الوضع المن قرّرت العديد من شركات‬
‫الطيان العالية إلغاء رحلتا إل تل أبيب‪ ،‬كان من أبرزها شركة (إير فرانس) (البيان ‪/9 /8‬‬
‫‪2001‬م)‪.‬‬
‫أما ف قطاع البناء والعقارات فقد حدث تقلص بنسبة ‪ ،%10‬وبلغت السائر حوال‬
‫‪ 600‬مليون دولر نتيجة منع العمال الفلسطينيي من الدخول إل إسرائيل‪ ،‬وانفضت نسبة‬
‫شراء البيوت والشقق الديدة بنسبة ‪ %16‬خلل الفترة من توز (يوليو) إل تشرين الثان‬
‫(نوفمب) ‪2001‬م‪ ،‬أما ف الستوطنات فقد انفضت مبيعات الوحدات السكنية بنسبة‬
‫‪.%66‬‬
‫وامتدت الزمة إل الناطق العربية الحتلة ف عام ‪1948‬م‪ .‬فمنذ قيام النتفاضة وتضامن‬
‫الشباب العرب معها ف مظاهرات عنيفة ف مدن مثل يافا وحيفا وعكا‪ ،‬أخذ اليهود يبيعون‬
‫منازلم ف يافا ويلون عكا مهاجرين إل مناطق أخرى‪ .‬ويقوم السكان العرب بشراء البيوت‬
‫والشقق الت يبيعها اليهود بأسعار رخيصة‪ ،‬فأسعار الوحدات السكنية انفضت ف كل الدن‬
‫الختلطة الت يسكنها العرب واليهود‪ ،‬وتصل نسبة النفاض أحيانا إل ‪ % 30‬أو أكثر‪،‬‬
‫وذلك بسبب رغبة اليهود ف الجرة (الوقع الخباري باللغة العربية لصحيفة يديعوت‬
‫أحرونوت ‪2002 /3 /29‬م)‪.‬‬
‫وف القطاع الصناعي حدث انفاض بنسبة ‪ %7‬ف بعض فروع الصناعة خصوصا الصياغة‬
‫(الذهب)‪ .‬كما تأثرت الصناعات التكنولوجية التقدمة الت تعد القطاع الرائد ف القتصاد‬
‫السرائيلي‪ ،‬فقد قررت شركة (إنتل كورب) إلغاء قرار إنشاء مصنع جديد لنتاج رقائق‬
‫الكمبيوتر ف إسرائيل بتكلفة ‪ 3.5‬مليار دولر‪ .‬كما قررت شركة (لوسنت تكنولوجيز)‬
‫المريكية التخصصة ف معدات التصال إغلق وحدة إنتاجها ف إسرائيل الت تعمل تت‬
‫اسم (كرومايتس نتويركس)‪ .‬وف ظل انيار قطاع التكنولوجيا التقدمة ف الوليات التحدة‬
‫واستمرار تأثي النتفاضة تراجعت الستثمارات الجنبية ف القطاع التكنولوجي السرائيلي‬
‫من ‪ 13‬مليار دولر عام ‪1999‬م إل أقل من مليار ف الوقت الراهن‪ .‬بل بدأت الشركات‬
‫الجنبية ف النسحاب من إسرائيل‪.‬‬
‫وخسر قطاع الزراعة حوال ‪ 110‬مليار دولر‪ ،‬ويُتوقع أن يشهد عام ‪2002‬م إغلق‬
‫‪ %10‬من الشركات الت تعمل ف إسرائيل (البيان ‪2001 /12 /19‬م)‪ .‬وقد تأثرت حركة‬
‫التسوق بصورة كبية‪ ،‬ففي مطلع نيسان (أبريل) ‪2002‬م‪ ،‬وعقب عملية نتانيا الستشهادية‪،‬‬
‫تقلص عدد زوار الجمعات التجارية بنسبة تتراوح بي ‪ %50 - 30‬ف أعياد الفصح‬
‫اليهودي (الوقع الخباري باللغة العربية لصحيفة يديعوت أحرونوت ‪2002 /4 /2‬م)‪.‬‬
‫وعلى صعيد التجارة الارجية‪ ،‬بلغ العجز ف اليزان التجاري ‪ 2.6‬مليار دولر عام‬
‫‪2001‬م‪ ،‬وانفضت الصادرات بنسبة ‪ %11‬عام ‪2001‬م‪ ،‬وشل هذا جيع أنواع‬
‫الصادرات‪ .‬فقد انفضت الصادرات الصناعية بنسبة ‪ %7‬منها ‪ %77‬ف صادرات قطاع‬
‫التكنولوجيا التطورة‪ .‬وانفضت صادرات اللاس الصقول بنسبة ‪ ،%17‬والصادرات‬
‫الزراعية بنسبة ‪.%8.3‬‬
‫وانفضت الواردات بنسبة ‪ ،% 4.4‬وانفضت الواد الام الستوردة بنسبة ‪،%10‬‬
‫واللاس الام بنسبة ‪ ،%20‬والاكينات بنسبة ‪ .%11‬أما الستثمارات الجنبية ف إسرائيل‬
‫فقد انفضت بنسبة ‪ %65‬ف عام ‪2001‬م‪ ،‬وكان أكثر أنواعها تضررا هو الستثمار ف‬
‫قطاع السندات الالية الذي تراجع بنسبة ‪ .% 94.7‬وف القطاع الصناعي بلغت نسبة‬
‫التراجع ف النمو ‪ %30‬عام ‪2001‬م‪.‬‬
‫ولكن أمام هذه الرقام يب أل ننسى أن أثر النتفاضة على إسرائيل له وجه إياب (من‬
‫منظور إسرائيلي)‪ ،‬فأمام تصاعد حدة الواجهات يلجأ شارون إل استدعاء مزيد من قوات‬
‫الحتياط ما يؤدي إل تقليل نسبة البطالة والسخط الشعب الناتج عنها‪ ،‬حيث تزايد الطلب‬
‫على توظيف حراس المن من الجندين العاطلي عن العمل والطلب‪ ،‬ويصل عدد العاملي ف‬
‫قطاع الراسة ‪ 130‬ألف شخص يرسون دور السينما والطاعم والؤسسات التعليمية‪ ،‬وهو‬
‫ل ف القتصادي إسرائيلي (يديعوت أحرونوت ‪2002 /3 /29‬م)‪.‬‬ ‫يُعدّ الفرع الكثر تشغي ً‬
‫وهكذا تاول إسرائيل استخدام الخاوف المنية الناجة عن النتفاضة‪ ،‬لل بعض جوانب‬
‫أزمتها القتصادية الستحكمة‪.‬‬
‫ومع تنامي العمليات الستشهادية لأت الكومة إل تصيص خسة عشر مليون دولر‬
‫لتحصي وسائل النقل العام داخل الط الخضر والستوطنات‪ ،‬إل جانب ما تنفقه الؤسسات‬
‫القتصادية والترفيهية من مليي الدولرات على استئجار خدمات شركات الراسة لقناع‬
‫عملئها بأنه بالمكان ارتيادها دون الشعور بالوف‪ ،‬ولكن السرائيليي أصبحوا ل‬
‫يستخدمون وسائل النقل العام‪ ،‬ويرفضون التوجه إل الطاعم الكبية ف الدن‪ ،‬ويشون الشي‬
‫ف الشوارع‪.‬‬
‫ومع زيادة الخصصات التعلقة بماية قطاع غزة وتأمي الستوطنات والسياج المن حول‬
‫قطاع غزة يزداد الدل داخل الجتمع الصهيون حول الستيطان (كما سنبيّن فيما بعد)‪.‬‬
‫وإزاء كل هذا التأزم القتصادي تتعال الصوات لناقشة الوضع ف إسرائيل‪ .‬وف استطلع‬
‫أجرته صحيفة معاريف ف (كانون الثان (يناير) عام ‪2002‬م) تبيّن أن ‪ %79‬من‬
‫السرائيليي غي راضي عن الداء الكومي ف القتصاد‪ ،‬فهناك من يرى النتفاضة تُستخدم‬
‫كغطاء وتبير للداء السيئ للحكومة ولخفاء عجزها ف مواجهة الشاكل القيقية ف‬
‫القتصاد السرائيلي‪.‬‬
‫ويتحدث آخرون عن أن الكومة تدع الناس عندما تعدهم بالمن مع البقاء على‬
‫الحتلل‪ ،‬وأن جيع إجراءات الكومة لنعاش القتصاد مرد وهم‪ ،‬وأن الل القيقي هو‬
‫إناء الحتلل وإقامة الدولة الفلسطينية الستقلة‪ .‬وتشي أقلم أخرى إل التغييات القتصادية‬
‫الت يريها شارون ف خطته دائما من أجل البقاء على حكومة الوحدة الوطنية وإرضاء‬
‫الحزاب الدينية والكتل الصغية بإعطائها الزيد من الموال والخصصات‪ ،‬وما تكلفه هذه‬
‫التغيات من مزيد التخبط القتصادي‪.‬‬
‫وف التاه نفسه وصل البعض إل التساؤل عن إمكانية وصول إسرائيل إل حالة‬
‫الرجنتي‪ ،‬وهو السؤال الذي طرح نفسه ف جلسة بث ف الامعة العبية يوم (‪/1 /30‬‬
‫‪2002‬م) لناقشة الوضع ف الرجنتي‪ .‬فقد أشار الجتمعون إل أن عوامل النيار الرجنتين‬
‫موجودة ف الجتمع السرائيلي مثل تزايد الفجوة الجتماعية واتساع رقعة الفقر‪ ،‬وارتفاع‬
‫نسبة البطالة‪ ،‬وانعدام النمو القتصادي‪ ،‬وتدهور نظام التعليم‪ ،‬وانعدام الثقة ف القيادة‬
‫السياسية‪.‬‬
‫وكما أسلفنا فإن معظم هذه العناصر كان موجودا داخل الجتمع السرائيلي كإمكانية ل‬
‫تتحقّق أو كإشكالية يكن حلها ث جاءت النتفاضة لتزيد من تفاقمها وتعلها مشكلتٍ جلية‬
‫ل يكن تاهلها‪ ،‬ويصعب إياد حلول تقليدية لا ف الدى النظور‪ .‬وتُقدّر ممل خسائر‬
‫القتصاد السرائيلي بأكثر من ‪ 3‬مليار دولر‪ ،‬أي ما يعادل ‪ %3‬من الناتج القومي (معاريف‬
‫‪2002 /3 /29‬م)‪ ،‬ف حي ترتفع بعض التقديرات هذه السائر إل ‪ 10‬مليار وتأثيها على‬
‫القتصاد السرائيلي إذا علمنا أن حرب (تشرين الول (أكتوبر) ‪1973‬م) كلفت القتصاد‬
‫السرائيلي ‪ 5‬مليار دولر‪.‬‬
‫واللحظ أن للنتفاضة آثارا غي مباشرة على إسرائيل‪ ،‬منها تشجيع الدول العربية على‬
‫تطوير القاطعة العربية لسرائيل الت إذا ت اللتزام با بشكل كامل‪ ،‬فإنا تعل إسرائيل تسر‬
‫نو ‪ 3‬مليار دولر سنويا كما يرى بعض الباء (القدس العرب ‪2002 /3 /27‬م)‪ .‬وقد‬
‫اضطرت الشركة السرائيلية (مرحاف) إل بيع حصتها ف مصاف (ميدور) بالسكندرية‪،‬‬
‫وتقلصت علقات التطبيع القتصادي مع عدد من الدول العربية (يديعوت أحرونوت ‪/21‬‬
‫‪2002 /3‬م)‪ .‬ويرى بعض الباحثي أن خسائر إسرائيل نتيجة غياب العمال الفلسطينيي‬
‫تقدر بنحو مليار دولر‪.‬‬
‫ونظرا لندلع النتفاضة فقد تراجعت العمالة الفلسطينية من ‪ 124‬ألف إل ‪ 4‬آلف‬
‫عامل فقط‪ ،‬المر الذي يدفع إسرائيل إل اللجوء إل استياد العمالة من دول شرق أوربا‬
‫وتايلند وأمريكا‪.‬‬
‫وف الواقع فإن الساعدات المريكية الرسية وغي الرسية الت تتراوح بي ‪ 8 - 6‬مليار‬
‫دولر سنويا تعد بثابة العامل الساسي الذي يول دون انيار القتصاد السرائيلي‪ ،‬ولذلك‬
‫يتوقع أن يقوم الكونرس المريكي بالضغط من أجل تقدي مِنح ل تُرَد وقروض لسرائيل‬
‫لتعويض خسائرها جراء استمرار النتفاضة‪.‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫***‬
‫شكر وتقدير‬
‫نُشرت أغلب أجزاء هذه الدراسة ف صحيفة التاد الماراتية‪ .‬وهذا العمل‪ ،‬مثل معظم‬
‫أعمال‪ ،‬هو نتيجة تضافر جهود عددٍ من الباحثي‪ .‬ولذلك‪ ،‬أود أن أتقدم بالشكر لكلّ من د‪.‬‬
‫ممد هشام (الدرس بامعة حلوان)‪ ،‬والستاذ أحد تامي عبد الي (الباحث بالركز القومي‬
‫للبحوث)‪ ،‬و د‪ .‬هبة غازي‪ ،‬و د‪ .‬يارا سي (كلية الطب‪ ،‬جامعة عي شس)‪ ،‬والستاذ عطا‬
‫القيمري (رئيس ترير نشرة (الصدر)‪ ،‬القدس)‪ ،‬والستاذ سيد طه (بوزارة الري)‪.‬‬
‫د‪ .‬عبد الوهاب السيي‬

‫***‬