You are on page 1of 14

‫الجامـعة اللبـــنانـية‬

‫كلية الداب والعلوم النسانية‬
‫قسم التاريخ‬
‫الفرع الخامس‬

‫الحمدانيون‬
‫)‪317-406‬هـ‪1015-929/‬م(‬

‫أمراء الثغور الشاوس‬

‫بحث في مادة‪ :‬تاريخ الدولة العباسية‬
‫أستاذ المادة‪ :‬الدكتور عصام الحاج علي‬
‫إعداد الطالبة‪ :‬رحـاب محــمد فـقــيه‬
‫الســــنة الثــالـثة‬
‫‪2009 - 2008‬‬

‫‪1‬‬

‫الحمدانيون‬
‫)‪317-406‬هـ‪1015-929/‬م(‬

‫أمراء الثغور الشاوس‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬نسب الحمدانيين‪:‬‬
‫ينتسب الحمدانيون إلى قبيلة تغلب العربية التي استقرت منذ زمن‬
‫بعيد في أرض الجزيرة‪ ،‬أي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات وهي‬
‫المنطقة التي أعطت اسمها عبر التاريخ لحضارة عريقة عرفت باسم‬
‫حضارة ما بين النهرين‪ ،‬وقد عرفها المؤرخون والجغرافيون القدماء باسم‬
‫ميزوبوتاميا‪.‬‬
‫و"التغالبة" أو "بنو تغلب" هم أبناء إحدى القبائل العربية الكبيرة‬
‫ون مجموعة قبائل ربيعة‪ ،‬وكانت تنزل في "الجزيرة" )ما بين‬
‫التي كانت تك ّ‬
‫النهرين( وتمتد ّ بعض عشائرها جنوبا ً إلى الحيرة وغربا ً إلى الشام‪ ،‬وشرقا ً‬
‫جّلى فيها المهلهل‪،‬‬
‫إلى أذربيجان‪ .‬وكان لها قديما ً حروب مع أختها َبكر َ‬
‫‪1‬‬
‫كندة وأمراء الحيرة‪.‬‬
‫وأخرى مع أمراء ِ‬
‫اعتنق جمهور التغالبة في القرن الخامس الميلدي النصرانية على‬
‫المذهب اليعقوبي نسبة إلى السقف يعقوب البرادعي‪ ،‬وهو أحد السقفين‬
‫اللذين أرسلتهما تيودورا زوجة امبراطور بيزنطية جوستنيان أحدهما إلى‬
‫ساني الحارث بن جبلة لتعليم قومه وتنصيره‪ ،‬وهو يعقوب‬
‫الملك الغ ّ‬
‫المذكور‪ ،‬أما السقف الخر فهو تيودورس الذي عُّين للجزيرة العربية‬
‫عرفت كنيستهم بالكنيسة اليعقوبية وأتباعها باليعاقبة‪ ،‬وقد‬
‫وفلسطين‪ .‬وقد ُ‬
‫خاضت هذه الكنيسة حروبا ً دينية دموية مع الكنيسة النسطورية بعد مجمع‬
‫‪2‬‬
‫خلقيدونيا عام ‪451‬م‪.‬‬
‫مع الفتح السلمي اتخذت قبائل ربيعة في بادئ المر الموقف‬
‫المؤازر للروم والفرس ضد المسلمين‪ ،‬وحين ظهر النصر للمسلمين في‬
‫ساحة المعركة فاوضوا المسلمين على إعفائهم من الجزية‪ ،‬فأسقطها‬
‫عنهم عمر بن الخطاب وقبل منهم الصدقة أسوة بباقي العرب‪ .‬وقد دخلت‬
‫طائفة منهم في السلم بينما بقيت كثرتهم نصرانية‪.‬‬
‫‪ - 1‬شوقي ضيف‪" ،‬العصر السلمي"‪ ،‬دار المعارف بمصر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ط ‪ ،1979 ،7‬ص‪.258 .‬‬
‫‪" - 2‬موسوعة السياسة"‪ ،‬المؤسسة العربية للدراسات والنشر‪ ،‬بيروت‪1994 ،‬ج‪ ،7 .‬مادة "اليعقوبية"‪ ،‬ص ‪421 -420‬‬

‫‪2‬‬

‫دخلوا في الحياة السياسية للدولة السلمية وهم على نصرانيتهم‪،‬‬
‫فناصروا معاوية بن أبي سفيان في خروجه على أمير المؤمنين وتمّرده‬
‫في الشام‪ ،‬وكان لهم دورا ً بارزا ً في حروب معاوية على المام علي عليه‬
‫السلم فناصروه في كل حروبه مما سيحفظ لهم دورا ً مؤثرا ً في البلط‬
‫الموي طوال العصر الموي حيث كانت سيوفهم وألسنتهم من أحد ّ‬
‫‪3‬‬
‫السيوف واللسن في الجيش الموي وبلطه على مناوئيهم‪.‬‬
‫مع أوائل الثورة العباسية انضم ره ٌ‬
‫ط كبير من التغالبة إلى‬
‫العباسيين واعتنقوا السلم على مذهب آل البيت عليهم السلم‪ ،‬وستنضم‬
‫إلى هذه الثورة العشائر التغلبية في أذربيجان ومنها العشائر الحمادية التي‬
‫ستستوطن شمالي الجزيرة وشمالي بلد الشام وخصوصا ً المناطق‬
‫المتداخلة فيما بين دار السلم والبيزنطيين في الناضول‪ .‬ومن هذه‬
‫العشائر سوف تنحدر السرة الحمدانية التي ستنشئ الدولة العربية‬
‫الوحيدة في ظل الخلفة العباسية التي كانت تتقاسمها الدول والمارات‬
‫المعقود لواؤها للتراك والفرس والكراد وغيرهم من الموالي والمماليك‪،‬‬
‫الذين كانوا يتصارعون فيما بينهم على السلب والمغانم من داخل دار‬
‫السلم‪ ،‬بينما كان الحمدانيون يذودون عن حياض المة ويحمون ثغورها‬
‫قبل أن تقوم لهم دولة‪.‬‬
‫دمات تأسيس الدولة‪:‬‬
‫ثانيًا‪ :‬مق ّ‬
‫يمكن اعتبار عام ‪ 317‬هـ‪ .‬الموافق لعام ‪ 929‬م‪ .‬هو العام الذي‬
‫تأسست فيه الدولة الحمدانية حين أعلن أميرها ناصر الدولة أبو محمد‬
‫الحسن بن عبدالله بن حمدان استقلله عن الخليفة في بغداد بعد مقتل‬
‫أبيه أبي الهيجاء على يد الخليفة العباسي المقتدر‪ 4.‬إل ّ أن الزعامة‬
‫الحمدانية في بلد الموصل كانت سابقة على هذا التاريخ بكثير‪ ،‬وسنحاول‬
‫فيما يلي إلقاء الضوء على أهم رجالت المرحلة السابقة لتأسيس الدولة‬
‫ور هذه الزعامة التي أفضت إلى أن يكون بنو‬
‫والظروف المرافقة لتط ّ‬
‫حمدان العصبية الغالبية في شمالي العراق ومن ثم في بلد الشام‪.‬‬
‫‪ - 1‬مؤسس السللة حمدان بن حمدون‪:‬‬
‫ُتنسب السللة الحمدانية إلى حمدان بن حمدون الحمادي التغلبي‪،‬‬
‫الذي كان قد بدأ يشتهر في أوساط معاصريه كمجاهد في حماية الثغور‬
‫دياتهم‪ ..‬وكان له ثمانية‬
‫بوجه البيزنطيين وشن الحملت التأديبية على تع ّ‬
‫أبناء‪ ،‬هم‪ :‬أبو الهيجاء عبد الله والد سيف الدولة‪ ،‬و أبو اسحق إبراهيم‪ ،‬و‬
‫أبو العلء سعيد والد أبي فراس‪ ،‬و أبو الوليد سليمان‪ ،‬و أبو السرايا نصر‪،‬‬
‫وعلي‪ ،‬وأبو علي الحسين‪ ،‬و أبو سليمان المزرفن‪.‬‬
‫سس حمدان بن حمدون زعامته في الموصل وجوارها على قاعدة‬
‫أ ّ‬
‫دي لعدوانهم على دار السلم‪ .‬فعلى الرغم‬
‫مقاتلة الروم البيزنطيين والتص ّ‬
‫من أنه لعب دورا ً فاعل ً في ساحات الجهاد ضد الروم البيزنطيين وحقق‬
‫انتصارات باهرة كقائدٍ مقدام ضد أعداء المة‪ ،‬إل ّ أنه بقي بعيدا ً عن التأثير‬
‫في الحياة السياسية حتى منتصف القرن الثالث الهجري حين انخرط في‬
‫‪ - 3‬شوقي ضيف‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص‪.258 .‬‬
‫‪ - 4‬محمد مختار باشا‪" ،‬التوفيقات اللهامية"‪ ،‬تحقيق محمد عمارة‪ ،‬المؤسسة العربية للدراسات والنشر‪ ،‬بيروت‪ ،1980 ،‬المجلد الول‪،‬‬
‫ص‪.349 .‬‬

‫‪3‬‬

‫صد الهجمات التي كان يشنها الخوارج على الموصل‪.‬‬
‫وُيعتقد بأنه بدأ بالشتراك في العمليات المناهضة للخوارج منذ عام‬
‫دي للبيزنطيين ورد ّ عدوانهم حيث‬
‫‪ 254‬هـ‪ .‬دون أن يهمل واجبه في التص ّ‬
‫كان يعتبر من حماة الثغور‪ .‬ففي تلك المرحلة عمل على تعزيز موقعه‬
‫ديه لنفوذ الخوارج في المنطقة‬
‫وتأثيره في مجريات الحداث من خلل تص ّ‬
‫حيث لعب دورا ً محوريا ً في مقاتلة الخوارج و التصدي الباهر للكثير من‬
‫الغارات العسكرية التي كانوا يشنونها على جند الولة في المنطقة‪ ،‬فل‬
‫تكاد معركة حربية تجري في منطقة الموصل‪ ،‬إل ّ و يكون حمدان التغلبي‬
‫شريكا فيها‪ ،‬منتصرا ً تارة ومنهزما ً تارة أخرى‪ .‬وقد أسهم ذلك في ظهوره‬
‫على مسرح الحياة السياسية القليمية‪ ،‬أي على مستوى الموصل وشمالي‬
‫الجزيرة‪.‬‬
‫ولكن ذلك كله لم يدفع بالخلفة في بغداد إلى تقدير جهوده‬
‫ومكافأته عليها‪ ،‬فقد كانت الخلفة في بغداد خاضعة لمشيئة قادة الجند‬
‫التراك الذين كانوا يتصارعون على السلطة والنفوذ على قصور الخلفة‬
‫ديات البيزنطيين أي اهتمام‪ .‬وقد يكون هذا ما‬
‫دي لتع ّ‬
‫دون إيلء مسألة التص ّ‬
‫دفع به عام ‪ 262‬هـ‪ .‬إلى التحالف مع الخوارج الذين أظهروا استعدادهم‬
‫لمؤازرته في حروبه ضد الروم إن آزرهم في حروبهم ضد ولة الخليفة‪.‬‬
‫ول حمدان بن حمدون من أن يكون سيف الخليفة‬
‫يمكن اعتبار تح ّ‬
‫ً‬
‫ف لهم‪ ،‬تعبيرا عن محاولته للدخول في‬
‫ضد مناوئيه الخوارج إلى حلي ٍ‬
‫المعادلة السياسية في منطقة الموصل التي كان يتحّين الفرص لقيادتها‪.‬‬
‫فيتحالف مع أعداء المس من الخوارج‪ ،‬و يدخل مدينة الموصل فاتحًا‪ ،‬معه‬
‫حليفه الجديد هارون الشاري الخارجي‪ ،‬وتطول فترة التحالف مع الخارجي‬
‫فيخوض في صفه أكثر من معركة ضد ولة الخليفة‪ ،‬وكذلك ضد الروم‬
‫على الثغور‪ ،‬ويحقق معه أكثر من نصر‪ ،‬كان أهمها جميعا ً هزيمة بني‬
‫‪5‬‬
‫شيبان حينما حالوا دون دخول الموصل‪ ،‬و مطاردتهم و تملك ديارهم‪.‬‬
‫ن هجوما ً مضادا ً عليه‪ ،‬حيث قاد‬
‫إل ّ أن الخليفة العباسي المعتضد ش ّ‬
‫بنفسه جيشا ً جّرارا ً عجز حمدان عن مواجهته في الموصل‪ ،‬فاعتصم بقلعة‬
‫ماردين لفترة ثم هرب منها بعدما ترك ابنه الحسين عليها‪ ،‬ففتحها الحسين‬
‫أمام جند الخليفة وأظهر الطاعة والولء للخليفة فأبقوه على القلعة بينما‬
‫تتبع جند الخليفة حمدان حتى ظفروا به واعتقلوه وحملوه إلى الخليفة‬
‫‪6‬‬
‫الذي أخذه إلى بغداد وعمد إلى حبسه فيها‪.‬‬
‫بقي حمدان في السجن حتى عاد هارون الشاري قائد الخوارج في‬
‫الموصل ليعلن تمرده من جديد‪ ،‬فطلب الخليفة من الحسين بن حمدان‬
‫محاربة هارون‪ ،‬فاشترط الحسين إطلق سراح والده مقابل حمل هارون‬
‫‪7‬‬
‫إلى الخليفة وهذا ما حدث‪.‬‬
‫‪ -2‬سيف الخليفة الحسين بن حمدان‪:‬‬
‫‪ - 5‬راشد السويدي‪" ،‬الحمدانيون – بحث شامل"‪ ،‬جامعة الملك عبد العزيز‪ ،‬الرياض ‪ ،2002‬ص‪.17 .‬‬
‫‪ - 6‬ابن كثير‪" ،‬البداية والنهاية"‪ ،‬تحقيق د‪ .‬عبد ال بن عبد المحسن التركي‪ ،‬دار هجر‪ ،‬القاهرة ‪1419‬هـ = ‪1998‬م‪ ،.‬ج ‪ ،5‬ص‬
‫‪.276‬‬
‫‪ - 7‬المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ 5 .‬ص‪.284 .‬‬

‫‪4‬‬

‫بعد النصر الذي حققه الحسين بن حمدان على هارون الشاري‬
‫لحساب الخليفة في بغداد‪ ،‬أصبح الحسين بن حمدان من قادة الخليفة‬
‫المعتز البارزين وقد اشتهر بحروبه ضد القرامطة التي أعطته المزيد من‬
‫البروز بين القادة العسكريين لدى الخليفة العباسي‪.‬‬
‫بدأ نجم الحسين بن حمدان يلمع كسيف من سيوف الخلفة‪ ،‬يخوض‬
‫المعارك فل يكاد ينهزم في واحدة إل لينتصر في عشر بعدها‪ .‬و لعل في‬
‫نجاح الحسين إلحاق الهزيمة بالقرامطة الذين كان يرى بهم الخليفة‬
‫دهم‬
‫العباسي أخطر العداء عليه‪ ،‬و كذلك محاصرته لعسكر بني تميم ور ّ‬
‫عن حلب‪ ،‬و دحره للطولونيين‪ ،‬كان من أبرز إنجازاته و انتصاراته التي‬
‫جعلته يحظى باعتماد الخليفة العباسي واهتمامه الخاص به‪ ،‬و بالتالي‬
‫تبوؤه تلك المواقع القيادية الحساسة المتقدمة في سلم المسؤوليات‬
‫والصلحيات‪ ،‬و كذا نيله تأييد و تعاطف طبقات واسعة من المة‪ ،‬لسيما‬
‫في البلدان والقاليم التي عادت سلطة الخليفة إليها على يديه‪ ،‬كبلد‬
‫‪8‬‬
‫فارس و مصر‪.‬‬
‫كان للموقف الذي اتخذه الحسين بن حمدان بعد وفاة المعتز بأنه‬
‫ناصر ابن المعتز الذي بويع بالخلفة لمدة يومين عام ‪ 296‬هـ‪ ،.‬كبير الثر‬
‫على الموقف السلبي الذي اتخذه منه الخليفة المقتدر الذي كان ينازع ابن‬
‫المعتز الخلفة‪ ،‬فحين توّلى المقتدر الخلفة‪ ،‬أشهر العداء للحسين وعزله‬
‫عن مناصبه‪ ،‬ثم عفا عنه لفترة وجيزة‪ ،‬ثم اختلف معه وسجنه ومات في‬
‫‪9‬‬
‫السجن عام ‪ 306‬هـ‪.‬‬
‫‪ -3‬إمارة الموصل‪ :‬أبو الهيجاء‪:‬‬
‫توّلى أبو الهيجاء عبدالله بن حمدان منذ عام ‪ 293‬هـ‪ .‬إمارة‬
‫الموصل لعهد الخليفة المعتز‪ ،‬وقد و ّ‬
‫طد دعائم النفوذ السياسي للسللة‬
‫الحمدانية في المنطقة وكان دائما ً على أهبة الستعداد ليمد ّ الخليفة بالمدد‬
‫من الجند وليخوض باسمه حروبه ضد مناوئيه والخارجين على سلطته‪،‬‬
‫حتى أصبحت الموصل تشكل خّزان جند الخليفة في زمن كث َُرت فيه‬
‫المنازعات وقّلت فيه حيلة الخلفة حيث كان الطامعون والمتصارعون‬
‫عليها في تزايد مستمر بينما المخلصون لهذا الموقع في تناقص دائم‪.‬‬
‫وقد تم ّ‬
‫كن أبو الهيجاء من توطيد علقته بالخليفة المقتدر على‬
‫الرغم من المكائد الكثيرة التي كان يكيدها له قادة الجند التراك في قصر‬
‫الخلفة الذي كان موقفه من بني حمدان عموما ً دائم التقّلب ولكن أبو‬
‫الهيجاء كان يتم ّ‬
‫كن من إثبات ولئه للخليفة وأخلصه له من خلل المعارك‬
‫ً‬
‫التي كان يخوضها ذودا عن حياض الخلفة بوجه الطامعين‪.‬‬
‫جس خيفة من انقلب المقتدر عليه بين‬
‫غير أن أبا الهيجاء كان يتو ّ‬
‫عشية وضحاها‪ ،‬فلذلك عمد إلى تنظيم إمارة الموصل وأناب عنه عليها‬
‫ابنه الحسن ناصر الدولة منذ عام ‪ 308‬هـ‪ ،.‬بينما كان هو دائم القامة‬
‫تقريبا ً على مقربة من الخليفة لرد ّ الدسائس عنه‪ .‬وبقي على هذه الحالة‬
‫جس من مؤامرة‬
‫حتى مطلع عام ‪ 317‬هـ‪) .‬أول آذار عام ‪ 929‬م‪ (.‬حيث تو ّ‬
‫يحيكها المقتدر ضده‪ ،‬فبادر هو بالتفاق مع عدد من قادة القصر إلى عزل‬
‫المقتدر والمناداة بأخيه محمد ابن الخليفة المعتضد خليفة باسم القاهر‬
‫‪ - 8‬راشد السويدي‪ ،‬المرجع المذكور‪ ،‬ص‪.18 .‬‬
‫‪ - 9‬ابن كثير‪ ،‬المرجع المذكور‪ ،‬ج‪ 5 .‬ص‪.298 -297 .‬‬

‫‪5‬‬

‫بالله خليفة للمسلمين‪ ،‬إل ّ ان المقتدر تم ّ‬
‫كن عن طريق قادة الجند التراك‬
‫من العودة إلى الخلفة بعد ثلثة أيام من النزاعات المسلحة والضطرابات‬
‫‪10‬‬
‫مت بغداد‪ ،‬وكان من نتيجتها مقتل أبي الهيجاء‪.‬‬
‫التي ع ّ‬
‫ً‬
‫وكان من نتيجة ذلك أيضا أن أعلن بنو حمدان تحت قيادة أبو محمد‬
‫الحسن استقللهم في إمارة الموصل ليبدأ عهد الدولة الحمدانية التي‬
‫ستستمر لكثر من قرن في شمالي العراق وتتوسع غربا ً باتجاه حلب‬
‫وعموم بلد الشام‪.‬‬
‫‪ -4‬مؤسس الدولة‪ :‬ناصر الدولة محمد‪:‬‬
‫توّلى أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان الذي سيعرف فيما‬
‫بعد باسم ناصر الدولة‪ ،‬إمارة الموصل بالنيابة عن أبيه أبي الهيجاء منذ‬
‫عام ‪ 308‬هـ‪ 920/ .‬م‪ ،.‬وحين حاول الخليفة المقتدر الحد ّ من نفوذ أبي‬
‫الهيجاء في بغداد عام ‪ 316‬هـ‪ 928/.‬م‪ .‬عبر زرع الشقاق في بني حمدان‬
‫مر‬
‫بالموصل‪ ،‬عمد إلى نزع المارة عن أبي الهيجاء والد ناصر الدولة وأ ّ‬
‫عليها شقيقاه سعيد )والد أبي فراس( ونصر اللذين قبل المارة وعمل دون‬
‫تحقيق رغبات المقتدر في شق صفوف الحمدانيين‪ ،‬وحين مقتل أبي‬
‫الهيجاء في بغداد رضيا بتوّلي ابن اخيهما المارة ووافقا على استقللها عن‬
‫بغداد إسوة بباقي الدول التي كانت تقوم في أرجاء دولة الخلفة من‬
‫مشرقها إلى مغربها‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬الحمدانيون في بغداد‪:‬‬
‫أحد القادة العسكريين من رفاق أبي الهيجاء وشريكه في النقلب‬
‫على المقتدر‪ ،‬المدعو "مؤنس الخادم"‪ ،‬كان قد نجا من المعركة التي قُت ِ َ‬
‫ل‬
‫فيها أبو الهيجاء وفّر من بغداد‪ ،‬كان قد واصل حشده للمناصرين ضد‬
‫المقتدر‪ ،‬أعلن عام ‪ 319‬هـ‪331/.‬م‪ .‬خروجه على المقتدر مطالبا ً بخلعه‬
‫بعدما كانت قد اضطربت الوضاع في بغداد وبدأ الناس يسّبون المقتدر‬
‫على المنابر بعد سقوط الكوفة بأيدي القرامطة وهرب سكانها ولجوئهم‬
‫إلى بغداد الذي ترافق مع ازمة اقتصادية خانقة وتفشي المراض والوبئة‬
‫فيها‪ .‬وكان تحت مؤنس ثمانمئة مقاتل‪ ،‬فحشد له المقتدر ثلثين ألفا ً‬
‫فزه على التصال‬
‫لحربه‪ ،‬إل ّ أن النصر كان حليف مؤنس‪ ،‬مما ح ّ‬
‫بالحمدانيين في الموصل والعمل على تجهيز قوات إضافية والهجوم على‬
‫‪11‬‬
‫بغداد وعزل الخليفة بالقوة‪.‬‬
‫في العام التالي‪320 ،‬هـ‪932/.‬م‪ .‬سار المقتدر على رأس جيش‬
‫كبير لمقاتلة مؤنس والحمدانيين في الموصل‪ ،‬فكان الجيش الحمداني‬
‫متأهبا ً للقتال‪ ،‬فسار لملقاة جيش المقتدر حيث التقيا في تكريت ودارت‬
‫بين الجيشين معركة حاسمة انتهت بمقتل المقتدر في أرض المعركة‪،‬‬
‫فدخل الجيش الحمداني بغداد ونادى بإعادة محمد أخي المقتدر خليفة‬
‫‪12‬‬
‫على المسلمين باسم القاهر بالله‪.‬‬
‫يمكن اعتبار أنه مع تولي الخليفة القاهر بالله للخلفة‪ ،‬بدأ العهد‬
‫الذهبي للحمدانيين في بغداد‪ ،‬فقد عاد عهد الحسين بن حمدان أكثر وهجا ً‬
‫‪ - 10‬محمد مختار باشا‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬ص‪.349 .‬‬
‫‪ - 11‬المصدر نفسه‪ ،‬المجلد الول ص‪.351 .‬‬
‫‪ - 12‬المصدر نفسه‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬ص‪.352 .‬‬

‫‪6‬‬

‫وتأّلقًا‪ ،‬وأصبح الحمدانيون‪ ،‬وخاصة أبو محمد الحسن أمير الموصل وأخيه‬
‫علي الذي سيعرف فيما بعد باسم سيف الدولة‪ ،‬أصبحا حجر الزاوية في‬
‫تدعيم سلطة الخليفة التي كانت تتهاوى في كل مكان‪ .‬كما أن الحمدانيين‬
‫كانوا العون الساسي للخليفة في قضائه على الفتنة التي عصفت ببغداد‬
‫في جمادى الولى عام ‪321‬هـ‪/.‬أيار ‪933‬م‪ .‬حين دّبر الجند فتنة ضد‬
‫الخليفة القاهر‪ ،‬فتصدى لهم الحمدانيون وقبضوا على رؤوس الفتنة حيث‬
‫‪13‬‬
‫أمر الخليفة بقتلهم‪ ،‬وأعاد تثبيت حكمه‪.‬‬
‫في العام التالي كانت الزمة القتصادية في بغداد قد استفحلت‪،‬‬
‫وو ّ‬
‫طد عدد من القادة التراك سلطاتهم تحت قيادة ابن رائق والبريدي‪،‬‬
‫فاستغلوا الزمة القتصادية ونادوا بعزل الخليفة القاهر بالله وتنصيب ابن‬
‫أخيه الراضي وذلك في جمادى الولى عام ‪ 322‬هـ‪ /.‬نيسان ‪933‬م‪ .‬فانكفأ‬
‫الحمدانيون عن بغداد وانشغلوا بمواجهة البيزنطيين الذين مازالوا يغيرون‬
‫دى لهم سوى‬
‫على الحواضر السلمية‪ ،‬فيقتلون وينهبون‪ ،‬ولم يكن يتص ّ‬
‫الحمدانيين‪.‬‬
‫وكان الخليفة الراضي قد استحدث منصب أمير المراء عام ‪324‬‬
‫هـ‪935/.‬م‪ .‬وعين ابن رائق على هذا المنصب الذي يجمع فيما بين‬
‫السلطتين الحربية والمدنية ومن حيث المبدأ يلي الخليفة في الهمية إل ّ‬
‫أنه في الواقع يستحوذ على كل السلطات والصلحيات بما فيها مقدار ما‬
‫ول منصب الوزير في‬
‫يحق للخليفة إنفاقه على نفسه من أموال‪ .‬وتح ّ‬
‫الخلفة إلى مجرد كاتب أو وصيف شخصي للخليفة مجّرد من كل‬
‫‪14‬‬
‫الصلحيات‪.‬‬
‫بعد خروج الحمدانيين من بغداد‪ ،‬ومن ثم تعيين ابن رائق بمنصب‬
‫ب الخلف فيما بين القادة التراك أنفسهم وبدأ صراع على‬
‫أمير المراء‪ ،‬د ّ‬
‫المغانم فيما بينهم‪ ،‬وكان مثّلث هذا الخلف هو امير المراء ابن رائق‬
‫والقائد العسكري المعاون له بجكم والبريدي‪ ،‬فتحالف الخيران ضد ابن‬
‫م عزله وتوّلى مكانه بجكم بينما توّلى الوزارة البريدي وتشارك‬
‫رائق وت ّ‬
‫دى‬
‫الثنان في كامل المسؤوليات والمغانم‪ .‬وفي هذه الفترة‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫التوافق فيما بين قطبي المؤامرات في قصر الخلفة إلى استتباب‬
‫الوضاع‪ ،‬بدأ بجكم والبريدي العمل على تأليب الخليفة الراضي على بني‬
‫حمدان وتذّرعا بتأخير وصول الحمولة من الموصل والجزيرة إلى بغداد‪،‬‬
‫فجّرد الخليفة عام ‪ 327‬هـ‪938 /.‬م‪ .‬جيشا ً كبيرا ً سار على رأسه لغزو‬
‫الموصل فاصطدم بمقاومة ضارية أبداها الحمدانيون دفاعا ً عن إمارتهم‪،‬‬
‫فعاد الخليفة إلى بغداد خائبًا‪ ،‬وتثّبت بذلك استقلل الحمدانيين في‬
‫جب للخزينة‬
‫دى دفع ما يتو ّ‬
‫الموصل والجزيرة مع ارتباط مع الخلفة ل يتع ّ‬
‫‪15‬‬
‫من أموال‪.‬‬
‫بعد فشل بجكم والبريدي في تحقيق انتصار لهما في الجزيرة‬
‫والموصل‪ ،‬وأيقنا بأن مصلحتهما البقاء بعيدا ً عن الثغور التي سترّتب‬
‫عليهما مسؤوليات المواجهة الدائمة مع القوات البيزنطية‪ ،‬وهو ما يكفهما‬
‫شّره بنو حمدان الذين يتوّلون هذه المهمة‪ ،‬يبدو أنهما تحسسا الخطر‬
‫‪ - 13‬المصدر نفسه‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬ص‪.353 .‬‬
‫‪ - 14‬حسن أحمد محمود وأحمد ابراهيم الشريف‪" ،‬العالم السلمي في العصر العباسي"‪ ،‬دار الفكر العربي‪ ،‬القاهرة‪ ،1977 ،‬ص‪.‬‬
‫‪.291 – 290‬‬
‫‪ - 15‬محمد مختار باشا‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬المجلد الول ص‪.358 .‬‬

‫‪7‬‬

‫الذي يشكله عليهما أحمد بن بويه الذي بدأ نفوذه يتزايد في فارس‬
‫والهواز‪ ،‬خاصة وأن ابن بويه كان قد طرد البريدي نفسه من الهواز قبل‬
‫لجوئه إلى البصرة‪ ،‬فاتفقا على شن حملة عليه يقودها بجكم بنفسه‪ ،‬ولكن‬
‫جس ريبة من البريدي‪ ،‬على الرغم من مصاهرتهما‬
‫بجكم ما لبث أن تو ّ‬
‫لبعضهما‪ ،‬فقبل بلوغ بجكم غايته قّرر تغيير وجهة الحملة للقضاء على‬
‫البريدي أو ً‬
‫جه من‬
‫ل‪ ،‬في الوقت نفسه كان البريدي يضمّر شّرا ً لبجكم فتو ّ‬
‫بغداد إلى البصرة لحشد أنصاره‪ ،‬ولكن قبل وقوع المواجهة‪ ،‬قُِتل بجكم‬
‫أثناء الصيد عام ‪329‬هـ‪940 /.‬م‪ .‬بعد وقت قليل من وفاة الخليفة‬
‫‪16‬‬
‫الراضي‪.‬‬
‫بعد وفاة الخليفة الراضي عام ‪329‬هـ‪940 /.‬م‪ ،.‬تمت البيعة لخيه‬
‫أبي اسحق ابراهيم الملقب بالمتقي بالله‪ ،‬إل ّ أن الحدث الهم هنا هو‬
‫مقتل بجكم وليس وفاة الخليفة‪ ،‬فمقتل بجكم دفع بجنده إلى التفّرق بين‬
‫معسكرين‪ :‬بعضهم انضم إلى جند البريدي باعتبار أن أمرة المراء ستؤول‬
‫إليه ل محالة‪ ،‬بينما رأى بعضهم الخر أن المستقبل سيكون لبني حمدان‬
‫وأن البريدي مقضي عليه حتمًا‪ ،‬فاتجهوا شمال ً حيث انضموا إلى‬
‫‪17‬‬
‫الحمدانيين‪.‬‬
‫معت له أعداد كبيرة‬
‫حين قُِتل بجكم كان البريدي في البصرة‪ ،‬فتج ّ‬
‫‪18‬‬
‫من الجند‪ ،‬فزحف بها نحو بغداد ودخلها دون عناء ولم يلق مقاومة ‪ ،‬إل ّ‬
‫أن الخليفة المتقي لم يكن يحب هذا الرجل‪ ،‬بل كان يحتقره‪ ،‬ولهذا لم‬
‫يأذن له بالمثول بين يديه‪ ،‬ولم يخرج له التقليد بإمرة المراء‪ ،‬واكتفى بأن‬
‫جعله وزيرًا‪ .‬لكن الوزير إذا جمع إلى منصبه المدني قيادة الجيش‪ ،‬كان‬
‫في حكم أمير المراء تمامًا‪ .‬إل ّ أنه لم يستطع البقاء طويل ً في بغداد وعاد‬
‫إلى البصرة لن يومئذٍ كان في بغداد في جيش الحضرة‪ ،‬وهو الجند التابع‬
‫مباشرة للخليفة‪ ،‬كثير من الديلم الذين هاجروا ودخلوا في عداد الجيش‬
‫واصبحوا عساكر نظاميين‪ ،‬وكانوا حزبا ً كبيرا ً يقارب الحزب التركي بل‬
‫ويزيد عليه في بعض الحيان‪ ،‬وهذا الحزب الديلمي كان على خصومة‬
‫قومية مع الحزب التركي الذي يتزعمه البريدي‪ ،‬فوقف الجند الديلم‬
‫‪19‬‬
‫معارضا ً للبريدي حتى اضطره إلى الخروج من بغداد‪.‬‬
‫وكان لشعور التراك بخطر تحكم الديلم بالقرار في بغداد أن نهضت‬
‫العصبية التركية تبحث لنفسها عن رئيس قوي يستطيع أن يستعيد نفوذهم‪،‬‬
‫فكان أن استدعى الخليفة المتقي لبن رائق الذي كان قد وُّلي إمارات في‬
‫الشام بعد عزله من امرة المراء‪ ،‬وعّينه مرة جديدة اميرا ً للمراء‪ ،‬وما أن‬
‫استلم مقاليد منصبه‪ ،‬وبدل أن يعمل على توطيد سلطة الخلفة ومنعها‬
‫‪20‬‬
‫من الطامعين‪ ،‬عمل على التنكيل بجند الحضرة الديلم لكسر شوكتهم ‪،‬‬
‫فأضعف الموقف العسكري مما جعل بغداد لقمة سائغة من جديد أمام‬
‫البريدي الذي عاد ودخل بغداد عنوة عام ‪330‬هـ‪941 /.‬م‪ .‬مما اضطر‬
‫الخليفة وابن رائق إلى الهرب من بغداد والتجآ إلى بني حمدان في‬
‫‪21‬‬
‫الموصل‪.‬‬
‫‪- 16‬‬
‫‪- 17‬‬
‫‪- 18‬‬
‫‪- 19‬‬
‫‪- 20‬‬
‫‪- 21‬‬

‫حسن أحمد محمود وأحمد ابراهيم الشريف‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص ‪.295 – 294‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص‪.295 .‬‬
‫ابن الثير‪" ،‬الكامل في التاريخ"‪ ،‬طبعة بولق‪ ،‬القاهرة‪ ،1347/1928 ،‬ج ‪ ،8‬ص ‪.131‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ، 8 .‬ص‪.132 .‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ج ‪ ،8‬ص‪.133 – 132 .‬‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ج ‪ ،8‬ص‪.135 .‬‬

‫‪8‬‬

‫رابعًا‪ :‬الخلفة في حماية بني حمدان‪:‬‬
‫منذ عزل الخليفة القاهر بالله‪ ،‬انسحب الحمدانيون من بغداد ولم‬
‫خلوا في المؤامرات والفتن التي كانت ُتحاك إل ّ بالقدر الذي يؤّثر على‬
‫يتد ّ‬
‫قدرتهم في محاربة البيزنطيين الطامعين‪ ،‬فهم‪ ،‬بوصفهم أمراء ثغور‬
‫ويفاخرون بموقعهم الجغرافي الذي يؤهلهم ليكونوا المدافعين عن ثغور‬
‫المة‪ ،‬فيتوّلون غزو البيزنطيين ورد غزواتهم عن دار السلم‪ ،‬كان همهم‬
‫بطبيعة الحال أن تكون أمور الدولة مستتبة وقادرة على أن تحمي لهم‬
‫ظهرهم لن الضطرابات السياسية تعود على جهادهم بالضرر الكبير‪،‬‬
‫ولذلك كان اهتمامهم بأمور الدولة وما يجري في بغداد اهتماما ً كبيرا ً ولكن‬
‫على قاعدة إصلح ذات البين‪ ،‬وإن كانوا في حقيقة المر يؤثرون وظيفتهم‬
‫الجهادية لما تضفي عليهم من هيبة واحترام في أعين الناس‪ ،‬ولنها‬
‫‪22‬‬
‫تحيطهم بتعاطف جميع المسلمين‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فحين لجأ الخليفة وأمير المراء إليهم‪ ،‬احتضنوا الخليفة بما‬
‫يمثله من رمز لوحدة المة وللشرعية السياسية‪ ،‬بينما اعتبروا أن ابن رائق‬
‫هو أصل الفتن ولن يكف عن مؤامراته ودسائسه‪ ،‬وأن الجو لن يطهر من‬
‫هذه الفتن إل بقتل ابن رائق والتخّلص من ثنائية التراك والديلم بأن يكون‬
‫أمير المراء عربيًا‪ ،‬وهذا ما كان‪.‬‬
‫جهز الحمدانيون جيشا ً كبيرا ً بعد قتل ابن رائق‪ ،‬وتوجهوا نحو بغداد‬
‫لستعادتها من البريدي ومعهم الخليفة المتقي‪ ،‬وعندما سمع البريدي‬
‫بالجيش الحمداني قادما ً إلى بغداد‪ ،‬خرج منها بكل بساطة‪ .‬فأعيد الخليفة‬
‫إلى دست الخلفة وأسند إمرة المراء إلى الحسن بن عبدالله الحمداني‬
‫ولقبه ناصر الدولة‪ ،‬كما خلع على أخيه أبي الحسن علي لقب سيف‬
‫الدولة‪ 23.‬وقد تصاهر الخليفة وناصر الدولة بأن تزوج ابن الخليفة الكبر‬
‫‪24‬‬
‫اسحق من ابنة ناصر الدولة‪.‬‬
‫بدأ ناصر الدولة الحمداني عهده بإمرة المراء بإصلح الحوال‬
‫القتصادية‪ ،‬فبدأ بإصلح السكة وحال دون العيارين والصيارفة بعيار لها‪،‬‬
‫وهدد الصيارفة بإنزال العقاب بهم إذا لم يقلعوا عن الربا‪ ،‬ثم وضع نظاما ً‬
‫جديدا ً للصرف‪ ،‬بحيث فرض على الخليفة أن يكتفي بقدر قليل من المال‪،‬‬
‫‪25‬‬
‫كما فرض على الناس التق ّ‬
‫شف‪.‬‬
‫بعد أن استتب الوضع في بغداد‪ ،‬قاد سيف الدولة الجيش ليتتبع‬
‫البريدي وهزمه‪ ،‬فسار نحو البصرة للقضاء عليه‪ ،‬والذي ظن أن نهايته‬
‫صارت محتومة‪ ،‬فالتقوا به قرب واسط‪ ،‬وكانت بينهما معركة غير‬
‫‪26‬‬
‫حاسمة‪.‬‬
‫غير أن سيف الدولة لم يتابع طريقه باتجاه البصرة‪ ،‬فقد حدثت فتنة‬
‫بين الجند داخل معسكره تسّبب بها "توزون الديلمي" الذي تزعم حركة‬
‫شغب‪ ،‬فخشي سيف الدولة أن ُيصاب جنده بعدوى عدم النضباط من‬
‫مخالطتهم للعسكر الديلمي‪ ،‬فآثر العودة بجنده إلى بغداد‪ ،‬ومنها قرر بنو‬
‫‪ - 22‬حسن أحمد محمود وأحمد ابراهيم الشريف‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص‪.298 .‬‬
‫‪ - 23‬المصدر نفسه‪ ،‬ص‪298 .‬‬
‫‪ - 24‬محمد مختار باشا‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص‪.363 .‬‬
‫‪ - 25‬حسن أحمد محمود وأحمد ابراهيم الشريف‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص‪298 .‬‬
‫‪ - 26‬ابن الثير‪ ،‬المرجع المذكور‪ ،‬ج‪ ،8 .‬ص‪.136 .‬‬

‫‪9‬‬

‫حمدان العودة إلى الجزيرة ليتفرغوا لواجبهم الجهادي‪ ،27‬حيث أن‬
‫البيزنطيين كانوا قد استغلوا انشغال الحمدانيين بما يجري في بغداد‪،‬‬
‫فجردوا حملة على منطقة الجزيرة حيث وصلت قواتهم إلى أرزن‬
‫ّ‬
‫وميافارقين ونصيبين‪ ،‬فقتلوا ونهبوا ودمروا كل ما طالت أيديهم‪ ،‬فتخلى‬
‫الحمدانيون عن رغد العيش في بغداد وما فيها من جاه وسلطة‪ ،‬وقادوا‬
‫‪28‬‬
‫جيوشهم باتجاه الجزيرة ليردوا المعتدين عن عدوانهم‪.‬‬
‫بعد خروج الحمدانيين من بغداد وعودتهم إلى مواقعهم القتالية بوجه‬
‫البيزنطيين‪ ،‬آلت أمرة المراء إلى توزون الذي استبدل سطوة التراك‬
‫على الخلفة بسطوة الديلم‪ .‬وقد استبد ّ توزون بالخلفة والخليفة استبدادا ً‬
‫لم يراِع فيه حرمة ول دين حتى ضاق الخليفة ذرعا ً به فخرج من بغداد‬
‫لجئا ً إلى الحمدانيين‪ ،‬إل ّ أن الحمدانيين هذه المرة آثروا عدم التدخل في‬
‫هذا النزاع الذي قد يستنزف قواتهم وجهودهم دون أن يكون ممكنا ً وضع‬
‫حد ّ نهائي لمثل هذه النزاعات‪ .‬هذا في الوقت الذي يّتسم الموقف على‬
‫الثغور مع العدو البيزنطي بحساسية بالغة‪ ،‬فاستضافوا الخليفة حتى قّرر‬
‫‪29‬‬
‫العودة إلى بغداد من تلقاء نفسه‪.‬‬
‫سعون جبهة المواجهة‪:‬‬
‫خامسًا‪ :‬الحمدانيون يو ّ‬
‫كانت الثغور السلمية مع البيزنطيين شمالي سوريا تشكل نقاط‬
‫ضعف في المواجهة‪ ،‬وكان العدو البيزنطي يستغلها للتسلل منها وشن‬
‫الغزوات والغارات المفاجئة على مناطق الجزيرة شمالي العراق‪ ،‬قرر‬
‫دد غربا ً لحماية خاصرتهم الغربية‪ ،‬فاستولى ناصر الدولة‬
‫الحمدانيون التم ّ‬
‫على قنسرين عام ‪ 332‬هـ‪943 /.‬م‪ .‬من الخشيديين وأعطى أمرتها لبن‬
‫عمه الحسين بن سعيد الحمداني شقيق أبي فراس‪ ،‬كما استولى سيف‬
‫الدولة على حلب عام ‪ 333‬هـ‪944/.‬م‪ .‬وتولى أمرها‪.‬‬
‫سع ادخلهم عنوة في غمرة من المنازعات السياسية‬
‫إل ّ أن هذا التو ّ‬
‫الدامية مع القوى المتصارعة في دولة الخلفة ُتضاف إلى المخاطر‬
‫الكبرى التي واجهتها من جراء اتساع جبهة المواجهة مع البيزنطيين بشكل‬
‫لم يسبق له مثيل حيث أصبحت حدودهم مع البيزنطيين تزيد عن ألفي‬
‫كلم طولي من البحر البيض غربا ً إلى المناطق المتداخلة شرقي‬
‫‪30‬‬
‫الناضول‪.‬‬
‫فإضافة إلى ما نتج عن توسعهم في شمالي سوريا على حساب‬
‫الخشيديين من فتح سجال من الحروب معهم‪ ،‬فإن التغيرات التي حدثت‬
‫في بغداد عقب التوسع الحمداني نحو حلب بسنة واحدة‪ ،‬ونجم عنها‬
‫سقوط الخلفة تحت سطوة البويهيين القادمين من الشرق‪ ،‬خلق‬
‫للحمدانيين عدوا ً جديدا ً طامعا ً يمتلك حيوية عصبية متماسكة هي عصبية‬
‫الديلم‪.‬‬
‫فحين دخل البويهيون بغداد عام ‪ 334‬هـ‪945 /‬م‪ .‬وتولوا إمرة‬
‫المراء‪ ،‬وجهوا عينهم مباشرة شطر الشمال لخضاع بني حمدان‪ ،‬فدارت‬
‫‪ - 27‬المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ ،8 .‬ص‪141 -140 .‬‬
‫‪ - 28‬محمد مختار باشا‪ ،‬المصدر المذكور‪ ،‬ص‪.363 .‬‬
‫‪ - 29‬ابن الثير‪ ،‬المرجع المذكور‪ ،‬ج‪ ،8 .‬ص‪.144 -142 .‬‬
‫‪ - 30‬كامل الغزي الحلبي‪" ،‬نهر الذهب في تاريخ حلب"‪ ،‬مكتبة الخانجي‪ ،‬القاهرة ‪ ،1959‬الجزء الول‪ ،‬ص‪299 .‬‬

‫‪10‬‬

‫بينهم عدة حروب انتهت مرحلتها الولى بصلح بين الطرفين في العام‬
‫التالي‪ ،‬إل ّ أنها لم تستمر طوي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫كما واجه ناصر الدولة الحمداني أمير الموصل فتنة أشعلها القائد‬
‫تكين التركي عام ‪335‬هـ‪946 /.‬م‪ ،.‬ولكن ناصر الدولة سرعان ما قضى‬
‫عليها واستعاد السيطرة على زمام المور في إمارته‪.‬‬
‫ثم عاد الخلف بين معز الدولة البويهي وناصر الدولة الحمداني عام‬
‫‪ 336‬هـ وتقدم معز الدولة نحو الموصل فتركها ناصر الدولة إلى نصيبين‪،‬‬
‫لكن معز الدولة اضطر أن يعود لينجد أخاه ركن الدولة‪ .‬فاستغل ناصر‬
‫الدولة الحمداني هذا الخروج ودخل بغداد وعندما عاد معز الدولة البويهي‬
‫تركها الحمدانيون فلحقهم إلى الموصل وقاتلهم ودخل الموصل فانسحب‬
‫ناصر الدولة مجددا ً إلى نصيبين فلحقه معز إلى حلب حيث كان أخوه‬
‫سيف الدولة الذي تعهد له عند معز الدولة أن يبعث له إلى بغداد كل عام‬
‫مليونين وتسعمائة ألف درهم‪.‬‬
‫أما الحمدانيون في حلب فقد كان أميرهم سيف الدولة في صراع‬
‫دائم مع الروم بصفة كونه أمير الثغور فقد أغار على بلد الروم عام ‪342‬‬
‫هـ وتمكن من إحراز النصر وفي العام التالي أغار على زبطرة وملطية‬
‫وهي ثغور إسلمية استولى عليها الروم فقتل وأحرق وسبى والتقى مع‬
‫قسطنطين بن الدمستق فانتصر عليه وقتل أعظم رجاله ثم التقى بجيش‬
‫الدمستق عند »مرعش« وتغلب عليه وأسر صهر الدمستق وابن ابنته‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 348‬هـ دخل الروم )الرها( وطرطوس وقتلوا وسبوا وأخذوا‬
‫الموال‪ ،‬فقابل سيف الدولة ذلك بدخول بلد الروم عام ‪ 349‬هـ وتمكن‬
‫من إحراز النصر إل أن الروم قد قطعوا الطريق عليه فقتلوا أكثر جيشه‬
‫ولم ينج إل سيف الدولة مع ثلثمائة فارس‪ .‬وفي عام ‪ 351‬هـ دخل‬
‫الدمستق حلب وسيطر على دار سيف الدولة ونهب ما فيها وقتل كثيرا ً‬
‫من عائلة سيف الدولة وأصحابه وكان الروم قبل ذلك قد دخلوا عين زربة‬
‫وأسر أبو فراس الحمداني وكان نائب مدينة منبج لبن عمه سيف الدولة‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 354‬هـ ثار احد القرامطة في حمص واسمه »مروان«‬
‫وامتلكها من سيف الدولة فأرسل إليه موله بدر فقاتله وقتل مروان‬
‫بسهم مسموم‪ .‬وفي عام ‪ 355‬هـ تمت مفاداة بين المسلمين والروم كان‬
‫من ضمنها أبو فراس الحمداني‪ .‬ثم توفي سيف الدولة عام ‪ 356‬هـ فخلفه‬
‫ابنه سعد الدولة أبو المعالي فاصطدم مع خاله أبي فراس وقتله عام ‪357‬‬
‫هـ واستتب الوضع لبي المعالي‪ .‬رجع أبو المعالي إلى حلب وكان قد‬
‫تحصن فيها مولى أبيه تغلب قرعويه فحاصر المدينة أربعة أشهر ثم دخلها‬
‫عام ‪ 366‬هـ ‪ .‬ولما تغلب عضد الدولة البويهي على ابن عمه عز الدولة‬
‫سار وأخذ الموصل من أبي تغلب الحمداني ولحق بأبي تغلب حتى قتله‬
‫في طبريا فتسلط عضد الدولة على أبي المعالي‪ .‬ثم اختلف أبو المعالي‬
‫مع واليه نكجور الذي استعان بالفاطميين‪ ،‬فاستعان أبو المعالي بالروم‬
‫ووقعت الحرب وانتصر أبو المعالي‪ .‬وبقي في حكمه إلى أن مات عام‬
‫‪ 381‬هـ‪991 /.‬م‪.‬‬
‫وخلفه ابنه سعد أبو الفضائل الذي تلقب بسعيد الدولة‪ ،‬وكان خادم‬
‫أبيه لؤلؤا ً هو من أخذ البيعة له‪ ،‬فكان يتصرف بشؤون الدولة من دون‬
‫العودة لسعيد الدولة إلى أن استطاع لؤلؤ التخلص من سعيد الدولة وحكم‬

‫‪11‬‬

‫بعد ذلك باسم ولدي سعيد علي وشريف ثم ما لبث أن قبض عليهما‬
‫وأرسلهما إلى القاهرة مع بقية آل البيت الحمداني وكان ذلك عام ‪ 394‬هـ‬
‫‪ .‬وبقي هو الحاكم الوحيد في حلب وجعل ولية العهد لبنه منصور‪ .‬وكان‬
‫قائد الفاطميين فنجو نكين الذي حاول دخول حلب أيام سعيد الدولة لكنه‬
‫فشل في ذلك فعزم العزيز بالله الفاطمي السير إلى حلب بنفسه لكنه‬
‫مات قبل أن يخرج من مصر‪.‬‬
‫وهكذا انتهت الدولة الحمدانية على يد خادم أبي المعالي لؤلؤ وجاء‬
‫بعده ابنه منصور الذي اعترف بسلطان الفاطميين عليه وأصبحت حلب‬
‫بعد ذلك تتبعهم‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬الحريات الدينية والمدنية في الدولة الحمدانية‪:‬‬
‫كان مذهب اهل البيت هو المذهب الكثر شيوعا ً بين عامة ناص‬
‫وخاصتهم في الموصل وبلد الجزيرة‪ ،‬إل ّ أن المذهب الحنفي كان هو‬
‫المذهب الكثر انتشارا ً في حلب مع دخول الحمدانيين إليها‪ .‬إل ّ أن المذهب‬
‫الجعفري أصبح الكثر انتشارا ً في ظل الدولة الحمدانية على حلب و غيرها‬
‫من مدن ونواحي حلب والساحل السوري‪ ،‬مع بقاء الكثير من السنيين‬
‫والنصارى‪ ،‬وقد كان لفتاء بني حمدان على مذهب المامية الثنى عشرية‬
‫أثرا ً كبيرا ً في انتشار التشّيع في المناطق التي دخلوها‪.‬‬
‫ولعل من الخير والمفيد هنا الشارة إلى وضع غير المسلمين من‬
‫النصارى و اليهود‪ ،‬فلقد عاشوا حياة آمنة مطمئنة في ظل دولة سيف‬
‫الدولة‪ ،‬و بالرغم من التجاه العدواني الصليبي الذي تمثل في هجمات‬
‫البيزنطيين على المارة العربية‪ ،‬و ما كان يحمل في ثناياه من روح‬
‫التعصب الشديد‪ ،‬على كل ما هو مسلم أو للمسلمين‪ ،‬فقد شملت سماحة‬
‫الحمدانيين كل غير مسلم أقام بين ظهرانيهم فعاشوا في مزارعهم و‬
‫منازلهم الريفية‪ ،‬و تمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم‬
‫الصلية و هي الرامية و السريانية‪.‬‬
‫ً‬
‫لم يكن نشاط غير المسلمين محصورا في المجتمع الشعبي وحده‪،‬‬
‫بل كانوا يلقون التسامح في قصر المير الذي لم يتردد في تقريب كثير‬
‫منهم إليه‪ ،‬حتى ان ابن دنحا اكثر خدامه صلة به و إخلصا إليه كان‬
‫نصرانيًا‪ ،‬و كان كبير أطبائه عيسى الرقي نصرانيًا‪ ،‬وكان المير يجزل له‬
‫العطاء و يعطيه أربعة أرزاق أو اربعة مرتبات‪ ،‬كما لمع منهم تحت رعاية‬
‫سيف الدولة مهندسون ورياضيون فلكيون و أشهرهم ديونسيوس بطريرك‬
‫‪31‬‬
‫اليعاقبة و المجتبي النطاكي و قيس الماروني‪.‬‬
‫مزايا الحكم الحمداني‪:‬‬
‫‪ – 1‬التسامح المذهبي من جانب أمراء الدولة الحمدانية‬
‫)الشيعية( إزاء أتباع المذاهب السلمية الخرى من أبناء المة المسلمة‪،‬‬
‫فلم ترد أية أخبار عن مشاحنات أو نزاعات جرت بين السنة والشيعة‪،‬‬
‫لسيما في إمارة حلب‪ ،‬كالتي جرت في البلدان الخرى‪ ،‬مما يدل على أن‬
‫‪ -31‬المصدر نفسه‪ ،‬ج‪ 1.‬ص‪.154 .‬‬

‫‪12‬‬

‫هذا المجتمع )في ظل الحمدانيين( من الناحية العقيدية كان مجتمعا ً خاليا ً‬
‫من التعصب المذهبي‪ ،‬حتى أن احمد بن اسحق الملقب بـ)أبي الجود(‬
‫ي قضاء حلب بعد أبي الحصين كان حنفي المذهب‪ .‬كما أن الكثير‬
‫الذي ول ّ‬
‫من أتباع المذهب السني تحولوا طواعية وعن قناعة تامة إلى المذهب‬
‫الشيعي‪ ،‬ولدرجة أن الغالبية من أهل حلب والذين كانوا على مذهب أبي‬
‫حنيفة النعمان بن ثابت‪ ،‬و كذلك مذهب الشافعي‪ ،‬تحولوا إلى شيعة بعد‬
‫ول العديد من القضاة وعلماء الدين الحناف والشافعيين إلى الفتاء‬
‫تح ّ‬
‫على المذهب الجعفري‪ .‬وتؤكد البحاث والدراسات التي تولى القيام بها‬
‫ول لم يرافقه أي إكراه أو‬
‫محققون ومؤرخون عديدون إلى أن هذا التح ّ‬
‫ترغيب‪.‬‬
‫ولم يقف التسامح الديني عند حدود المسلمين‪ ،‬بل شملت ساحته‬
‫أتباع الديانات الخرى كالمسيحية و اليهودية‪ ،‬إذ عاش أولئك بكل أمان و‬
‫طمأنينة‪ ،‬و تمتعوا بكل حقوقهم و لغتهم وتقاليدهم و ثقافتهم‪.‬‬
‫‪ – 2‬ساهم قيام الدولة الحمدانية في صيانة الشرق السلمي‬
‫من مخططات ومكائد أعداء السلم الغزاة‪ ،‬إذ استطاع سيف‬
‫الدولة علي بن حمدان ان يرد الروم البيزنطيين على أعقابهم‪ ،‬و أن يصون‬
‫سوريا‪ ،‬من غزوهم‪ ،‬و قد كان في صيانة سوريا صيانة بلد السلم كلها‪،‬‬
‫لسيما مصر والعراق وهي من الدول التي كانت غارقة في بحر من الدماء‬
‫بسبب النزاعات والضطرابات الداخلية الناتجة عن صراعات الجند على‬
‫المغانم والنفوذ‪ ،‬فلو استطاع البيزنطيون احتلل سوريا‪ ،‬لنفذوا منها إلى‬
‫أعماق مناطق الشرق السلمي‪ ،‬بل و حتى غربه‪ ،‬بسبب من هذه‬
‫النزاعات الداخلية فيها‪.‬‬
‫‪ – 3‬تحول بيئة حلب و الموصل إلى بيئة خصبة للداب و الفنون‬
‫و العلوم المختلفة‪ ،‬فقد اهتم المراء الحمدانيون و منهم سيف الدولة‬
‫بالذات بالشعراء و الكتاب و العلماء أشد اهتمام‪ ،‬وكان تكريمه لهم تكريما ً‬
‫مميزًا‪ ،‬و كانت مجالس المراء تعج على الدوام بمجاميعهم‪ ،‬حيث مجالس‬
‫الدب و الحديث و مباريات الشعر‪ .‬ويذكر الثعالبي انه لم يجتمع بباب أحد‬
‫من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر و‬
‫نجوم الدهر‪ ،‬و منهم خطيبه ابن نباتة الفارقي‪ ،‬و معلمه ابن خالويه‪ ،‬و‬
‫طباخه كشاجم‪ ،‬و خّزان كتبه الخالدي و الصنوبري‪ ،‬ومداحه المتنبي و‬
‫السلمي والوأواء الدمشقي و الببغاء و النامي و ابن نباتة السعدي و‬
‫غيرهم‪ .‬ويذكر الغزالي أن الكثير من علماء العصر قد تخرجوا من ندوة دار‬
‫سيف الدولة و كذا بالنسبة للشعراء و الدباء و تلك الندوة كانت بحق‬
‫مدرسة العلم و الدب‪.‬‬
‫‪ – 4‬ترسيخ مفاهيم الصمود و المقاومة و الجهاد و التضحية‬
‫في سبيل العقيدة و المبدأ‪ ،‬في أوساط المجتمع السلمي‪ ،‬وهذا ما‬
‫تجسد عبر الدفاع المستميت الذي جسده الشيعة الحمدانيون و أمراؤهم‬
‫دفاعا ً عن حياض السلم والبلد السلمية ضد أطماع قوى الكفر‬

‫‪13‬‬

‫والعدوان‪ ،‬التي كانت تبغي الهيمنة و استعباد المسلمين‪ ،‬أمثال الغزاة‬
‫البيزنطيين و سائر قوى الغزو الصليبي الوروبي‪.‬‬
‫يقول الدكتور فيصل السامر‪ :‬لعل أهمية الدولة الحمدانية في‬
‫)حلب(‪ ،‬ل تكمن في كونها مجرد دولة مستقلة من تلك الدويلت الكثيرة‪،‬‬
‫التي ظهرت أبان ضعف السلطة المركزية وضياع هيبة الخلفاء العباسيين‬
‫فحسب‪ ،‬و ل مجرد كونها مركزا ً هاما ً من مراكز الشعاع الثقافي والجذب‬
‫الفكري في تلك الحقبة الزاهرة حضاريا ً من تاريخ الدولة العربية‬
‫السلمية‪ ،‬بل لكونها إحدى الدويلت العربية القلئل التي قامت على‬
‫حساب الخلفة العباسية‪ ،‬و لنها وقفت سدا ً منيعا في وجه الغزو البيزنطي‬
‫الذي كان يستهدف بيت المقدس‪.‬‬
‫ويقول الدكتور فاروق عمر‪ :‬في الجزيرة الفراتية ظهر الحمدانيون‬
‫ويمثل ظهورهم قوة نفوذ القبائل العربية في هذه المنطقة بحيث‬
‫استطاعت ان تكون كيانات سياسية واضحة‪ ،‬حيث استطاعت قبيلة تغلب‬
‫ان تكون الدولة الحمدانية في الموصل وحلب‪.‬‬

‫الخاتمة‪:‬‬
‫في ختام هذا البحث‪ ،‬ل يسعني القول سوى أن ما جاء فيه ليس‬
‫أكثر من محاولة للقاء الضوء على هذه الدولة التي برزت كومضة نور في‬
‫فضاء مظلم كان يسود أصقاع بلد السلم أعاد العتبار لكثير من القيم‬
‫والمبادئ التي قام عليها السلم‪ ،‬بينما تسيطر المطامع الشخصية وشهوة‬
‫السلطة على مختلف القوى المتصارعة‪.‬‬
‫دمته هذه الدولة على‬
‫وومضة الضوء هذه لم تقتصر على ما ق ّ‬
‫مستوى التجربة السياسية والجهادية‪ ،‬بل ما قدمته أيضا ً على مستوى‬
‫النتاج الحضاري والثقافي الذي أعاد إلى الصورة الوجه الحضاري المشع‬
‫للمة الذي كان لها في عصرها الذهبي‪.‬‬
‫رحاب محمد فقـيه‬
‫السنة الثالثة – قسم التاريخ‬

‫‪14‬‬