‫‪nabay.forumotion.

com‬‬
‫سمعان اللهوتي‬
‫مقالت لهوتية وعرفانية ونسكية‬
‫تعريب دير الحرف‬
‫مقدمة‬
‫سيرة القديس سمعان اللهوتي الحديث‬
‫ولد في نهاية العام ‪ 949‬في بلدة غلطة من مقاطعة بفلعونيا في آسيا‬
‫الصغرى‪ .‬وجاء الى القسطنطينية فتى في العام ‪ 960‬كي يستكمل علمه عند‬
‫عم له كان موظفا في البلط المبراطوري وليدخل الى البلط لكن عمه توفى‬
‫فجأة في العام ‪ ،963‬وعندها نوى سمعان ‪ ،‬رغم صغر سنه ‪ ،‬الدخول الى‬
‫دير الستوديون حيث كان قد اتخذ له ابا روحيا هو الشيخ سمعان " التقي"‪ .‬ال‬
‫ان نيته هذه لم تتحقق آنذاك ‪ ،‬فعمد الي العمل كمدير لبيت احد الشرفاء‬
‫الرومانيين فترة من الزمن يبدو انه عاش خللها عيشة منحلة مسرفة‪ .‬لكنه‬
‫بقي يلتقي بأبيه الروحي الذي على ما يبدو كان له الثر الحاسم في حياته وهو‬
‫‪،‬الذي بث فيه الشوق الى الحياه‪ ،‬الكاملة‬
‫في العشرين من عمره على الغلب تراءى له النور اللهي للمرة الولي‪،‬‬
‫وفي العام ‪ 977‬دخل دير الستوديون ليترهب ال ان الحياة المشتركة في ذلك‬
‫الدير لم ترض حبه للختلء‬
‫فأخذه ابوه الروحي قبل انقضاء السنة الى الب انطونيوس رئيس دير القديس‬
‫ماما حيث استقر‪ ،‬وهو دير قريب من دير الستوديون‪ ،‬وفي العام ‪ 980‬رسم‬
‫كاهنا وبعد فترة وجيزة توفي الب انطونيوس فانتخب سمعان رئيسا للدير‪،‬‬
‫فانكب على اصلح الدير ورعاية رهبانه فأعاد تشييد البنية المتهدمة‪،‬‬
‫وارجع النضباط الرهباني‪ .‬وصار ايضا أبا روحيا لعدد كبير من الشخاص‬

‫خارج الدير‪ ،‬عائشا حياة روحية حارة‪ ،‬وتمرد عليه ثلثون من رهبانه‪ ،‬وربما‬
‫لكثرة غيرته وشدة انضباطه‪ ،‬فنفاهم البطريرك سيسينيوس ) ‪996‬ــ ‪(998‬‬
‫لكن سمعان عاد وصالحهم‬
‫ال ان خلفه ‪ ،‬ابتداء من العام ‪ ،1003‬مع استفانوس متروبوليت نيقوسيا‬
‫المستقيل وبروتوسنجلوس البطريرك كان اكثر خطورة ‪،‬وذلك بسبب الكرام‬
‫العبادي الذي كان سمعان يخص به اباه الروحي‪ ،‬منذ وفاته عام ‪986‬ـــ‬
‫‪،987‬بدون اذن الرئاسة الكنسية‪ ،‬ولكن استفانوس ضّمن ايضا دعواه على‬
‫سمعان معارضته بعض النقاط في تعليمه‪ ،‬فاستقال سمعان من رئاسة الدير‬
‫في العام ‪ 1005‬استجابة لمشورة البطريرك سرجيوس الثاني‬
‫إل ان الجدال استمر وتمسك سمعان بموقفه امام البطريرك والمجمع المقدس‪،‬‬
‫فحكم عليه اخيرا بالنفي في العام ‪ 1009‬خلفا لرغبة البطريرك على ما‬
‫يبدو‪،‬ومما اخذ على سمعان تأكيده ان الرتبة الكنسية وحدها ل تولي صاحبها‬
‫سلطان التعليم في الكنيسة‪ ،‬انما هذا السلطان من حق الشخاص الروحانيين‬
‫فقط‬

‫اثناء نفيه الى بلدة خريسوبولس ) سكوتاري‪ 0‬على شاطئ البوسفور‬
‫السيوي‪ ،‬سكن سمعان في مصلى خرب على اسم القديسة مارينا قرب قرية‬
‫بالوتيكون المجاورة فكانت فرصة سانحة له للنسلخ عن كل شيئ‪ ،‬وفي‬
‫العام ‪1010‬ـــ ‪ 1011‬اعيد النظر في الدعوي واعيد للقديس اعتباره‪ ،‬لكنه‬
‫بقي في مصله حىث شيد ديرا جديدا اذ كان قد تجمع حوله بعد التلميذ‪،‬‬
‫وهناك كتب قسما كبيرا من مؤلفاته واشتهر بعجائبه ونبوأته ورقد في الرب‬
‫في ‪ 12‬آشار ‪ ،1022‬وفي صيف ‪ 1052‬نقلت بقاياه الى دير القديس ماما‬
‫حيث كانوا درجوا على التعييد لتذكاره في ‪ 12‬اذار من كل عام ولوقوعه في‬
‫الصوم الكبير نقل عيده فيما بعد الى ‪ 12‬تشرين الول‬
‫مؤلفاته‬

‫ــ مواعظ تعليمة‪ :‬كتبها لرهبانه‪ ،‬بحسب عادة رؤساء الديرة في د‪،‬لك‪1‬‬
‫الزمان‬
‫ــ مقالت لهوتيه‪ ،‬وعرفانية ونسكية‪ :‬تتناول نقاطا رئيسية في التعليم‪2‬‬
‫الروحي علي طريقة " المائة مقالة" وهي ال ‪ 225‬مقالة ) ‪100‬و‪25‬و‪(100‬‬
‫المعربة في هذا الكتاب‬
‫ــ ابحاث لهوتية ) عدد ‪ (3‬واخلقية ) عدد ‪ :(15‬تتضمن عرضا كامل‪3‬‬
‫ونهائيا لفكر سمعان‪ ،‬كتبهابمناسبه‪ ،‬الجدل الذي حصل مع خصمه‬
‫المتروبوليت استفانوس‪ ،‬اهم مواضيعها ‪ :‬معاينة ال‪ ،‬تأليه النسان‪ ،‬اللهوي‬
‫والكمال‪ ،‬اهمية السرار الكنسية‪ ،‬صلحية المراتبية ) اليرارخّية( المنظورة‬
‫ـ اناشيد ؛ تحتوي اجمال علي روحانية سمعان الصوفية ) ‪ ( 52‬نشيدا‪4‬‬
‫ــ رسائل‪ :‬ارشد بها تلميذه واصدقائه‪5‬‬

‫تعليمه الروحي‬
‫‪:‬انه تعليم غني ومتنوع ‪ ،‬يمكن تلخيصه كما يلي‬
‫ــ خبرة حضور الروح القدس فينا ومعاينة النور اللهي والتحاد بالمسيح ‪1‬‬
‫وضرورة وعينا لهذه الحالة‬
‫ــ المصدر الوحيد لمعرفه‪ ،‬ال هو المعاينة الروحية‪2‬‬
‫ــ المشاعر الروحية مختلفة اختلفا كليا عن المشاعر البشرية‪3‬‬
‫ــ وجوب التشبه بالمسيح ومشاركته آلمه للشتراك في مجد قيامته‪4‬‬
‫" ــ المحبة نار ونور وقوه‪ ،‬مؤلهة " انها المسيح‪5‬‬
‫ــ الصلة والتأكيد علي المزامير وعلي الدموع وعلي الصلة الدائمة "‪6‬‬

‫" الصلة الروحية‬
‫ــ ضرورة " المعمودية بالروح " علوة علي سر المعمودية والتأكيد على‪7‬‬
‫سر الشكر وعلى التناول بدموع وعلى قداسة الكاهن الشخصية‬
‫ــ ضرورة الب الروحي‪8‬‬
‫ــ الخبرة الشخصية واهميتها وارتباطاتها بالتراث الكنسي‪9‬‬
‫ــ والدة الله ودورها في سر الخلص‪ ،‬انها " حواء " الجديدة والنموذج‪10‬‬
‫" السمي للتحاد بال‪ ،‬وعلينا نحن ايضا ان نلد المسيح فينا " ولدة روحية‬

‫‪nabay.forumotion.com‬‬

‫تأثيره‬
‫كتب سيرته تلميذه نيقيطيا ستيتاتوس ونشر مؤلفاته ونظم له رثاء واناشيد‬
‫تقريزية‪ ...‬ولكن تعليمه نسو سريعا ولم تظهر افكاره من جديد ال بعد ثلثة‬
‫قرون لدى الهدوئيين والقديس غريغوريوس بلماس ثم اخذت تنتشر فنشر‬
‫القديس نيقوسيموس الثوسي احد مؤلفاته في الفيلوكاليا ونظم طروبارية‬
‫اكراما له ودعاه " اللهوتي الثالث " بعد يوحنا الرسول وغريغوريوس‬
‫النزينزي) يبدو ان تسميته " اللهوتي الحديث" قد لقبه به اعداءه على سبيل‬
‫) السخرية ولكن تلميذه تلقفوا هذا اللقب كأفضل تعبير عن ميزة معلمهم‬
‫هذا وان مؤلفاته استخدمت علي نطاق واسع في الديرة الورثوذوكسية‪ ،‬وقد‬
‫طبعت مؤخرا في الغرب وظهرت فيه دراسات وجيهة لها‪ .‬فصار معروفا‬
‫ومقدرا عند الغربيين ايضا‬

‫فحوي المقالت المعربة في هذا الكتاب‬
‫ليست هي بحثا يوجز مبادىء الحياة الروحية بصورة كاملة ومرتبة‪ ،‬ولكن‬
‫يبدو من الرجوع الي المقالة الخيرة في كل من المئويتين أن قصد القديس‬
‫‪.‬سمعان منها ارشاد القارىء الي معاينة ال وجعله كتابا حيا للخرين‬
‫ميزة هذه المقالت انها تعرض الحياة الروحية كخبرة شخسية‪ ،‬اذ ليست‬
‫المعرفة الروحية حصيلة درس بل نتيجة خبرة‪ ،‬وليس لسمعان معيار آخر‬
‫لتقدير الكمال الروحي غير خبرته‪ .‬حتى ان استشهاده بآباء الكنيسة وبالكتاب‬
‫المقدسي يرد كصدى لحياته الداخلية‪ ،‬فالقديس سمعان في مقالته هذه ليس‬
‫سوي شاهد لعجائب النعمة التي تتم في النفوس المنزهة عن كل تعلق ارضي‬
‫والمنقطعة لمعاينة ال ‪ .‬والكمال الذي وصل اليه والنعم التي نالها هي حجته‬
‫ردا علي المترددين والمشككين‬
‫في المائة مقالة الولى‪ :‬يقول سمعان ان ال قريب وان ذكر المسيح ينير‬
‫الذهن ويفصله عن العالم فيشترك منذ الن قدر المكان بالدهر التي‪ ،‬واننا‬
‫بممارستنا للوصايا نرتقي من خوف ال الي محبته فنصير مسكنا للثالوث‬
‫بشكل محسوس ‪ ،‬وإن محبة ال هذه ليست سوي بداية لشوق اعظم ) المقالت‬
‫) من ‪ 1‬الىى ‪7‬‬
‫ولكن علينا‪ ،‬لكي نبلغ الي هذه الغاية‪ ،‬أن نزهد في الحاضرات ونطرح عنا "‬
‫برقع " الهتمامات الرضية ) ‪13‬و‪38‬و‪39‬و‪80‬و‪81‬و‪ ( 82‬ونتأهب للموت‬
‫في سبيل وصايا المسيح حبا به‪ ،‬مؤمنين بأن موتنا هذا هو ينبوع حياة )‬
‫‪ ( 10‬وأن نحتمل بصبر كل محنة وشقاء ) ‪ (11‬ول نطلب إتمام مشيئتنا )‬
‫‪ 12‬و ‪ ( 31‬وأن نسلم ذواتنا لب روحي نؤمن به ايمانا ل ريب فيه فل نعمل‬
‫شيئا بدون اذنه ونري المسيح من خلله )‪ 24‬إلي ‪، (28‬وأن نقتني حب ال‬
‫)في اعماق النفس ونذكره بل انقطاع ) ‪18‬‬
‫كما علينا ان نتخطى العوائق المتأتية من القرباء ) ‪ 16‬و‪ (19‬ومن التقياء‬
‫المرائين )‪ 220‬ونتحاشي روح المناقضة الخطرة جدا ) ‪ 46‬و‪( 59‬‬

‫والنفعالت القلبية المتكرررة بدون موجب )‪ 630‬والعتداد بالذات الذي‬
‫ينتج عنه انسحاب النعمة حال منا )‪750‬‬
‫واذ سلك للنسان هذا التريق يأتي يوم يعاين فيه طبيعة الكائنات كما لم‬
‫يشاهدها ابدا من ذي قبل‪ ،‬فيرتعش ارتعاشا وتنسكب دموعه وكأنه يعتمد‬
‫معمودية ثانية ) ‪ 35‬و ‪ (36‬ويصير شبيها كله بلهب وا بنار محرقة )‪(68‬‬
‫ويسير مثل جبار بين صعاليك ) ‪ (69‬ويتحول ذهنه الي العالم اللمنظور ‪،‬‬
‫ويسكن في اللمحسوسات‪ ،‬في مكان السكينة‪ ،‬مسكن الثالوث )‪ (79‬ويبلغ الي‬
‫محبة شاتميه بدموع صادقة تؤول الي غبطة بل الى نسيان كامل للساأت)‬
‫)‪ 29‬و‪ (32‬ويحسب نفسه الخير بين محبي أل )‪8‬‬
‫كان ذلك بشرت أن نبذل كل ما في وسعنا علي وجه كامل ) ‪ (91‬فالتعلق‬
‫بمجد أل غير الهرب من مجد الناس )‪ (89‬وارتداء نور ال غير الكتفاء‬
‫بلباس بسيط )‪ ،(9‬والتضاع غير التكلم باتضاع )‪، (91‬والغربة الحقيقية غير‬
‫البتعاد عن العالم )‪، (96‬والتغلب علي العداء الروحيين نهائيا غير صدهم‬
‫فقط ) ‪ (97‬وإل فل نحقق انجازات القديسين بل نسير باطل كمن يسير في‬
‫الليل )‪ (98‬ول تكون لدينا عن ال سوى مفاهيم نظرية وفارغة ‪،‬بعيدة عن‬
‫)الحقائق) ‪100‬‬
‫أما المقالت الخمس والعشرون ؛ فتعكس تفكير سمعان الكثر داخلية حول‬
‫طبيعة التحاد بال ‪ ،‬وقد وضعها في الوسط بين المائة الولي والمائة الثانية‬
‫بمثابة ثمرة داخل قشرتها‪ .‬فمعاينة ال تختلف عن التوبة كبعد المشرق عن‬
‫المغرب ) ‪1‬و‪ ،(7‬وبها نقتني حسا جديدا يفوق الحس ) ‪2‬و‪3‬و‪ (13‬ونبسر‬
‫نعمة أل تحيط بنا ببهائها علي الدوام )‪ ،(8‬ونرتقي في الجهل المطلق فوق‬
‫كل معرفة ) ‪ (16‬ونبلغ الى سكون اللحس المغبوط في الحس اليقيني‬
‫بالخيرات التي ل ينطق بها ) ‪18‬و‪ .(19‬وهذا كله ممكن ومحقق ويتم‬
‫بوعي ‪ ،‬ومن ينعم به يعرف عطية ال ويحس بها ‪ ،‬يحس بالحضرة اللهية‬
‫)وبالثالوث القدوس ) ‪9‬و‪8‬و‪6‬‬

‫أما في المقالت المائة الخيرة فيقول سمعان ان المسيح هو في الجميع وان‬
‫الثالوت يتخلل الجميع فيجمعهم ويضمهم ويشركهم في ذاته‪ .‬وإنه علينا اعتبار‬
‫جميع المؤمنين شخصا واحدا فنكون مستعدين لبذل حياتنا بسرور في سبيل‬
‫القريب‪،‬وان القديسين سلسلة ذهبية واحدة متحدة برباط الروح ) ‪ 1‬الى ‪،(6‬‬
‫وان الندم يطلق ينابيع الدموع ‪ ،‬وبمقدارها يتدفق الفره الروحي في القلب )‪(8‬‬
‫شرط ان يقترن الندم بالتواضع )‪ ،(11‬وعندها نزدري أمور العالم ازدراء‬
‫هادئا ) ‪13‬و ‪ .(15‬وان كل هم يلشي حرارة القلب ) ‪ ، (14‬وانه يجب‬
‫التمسك بالخوف من الدينونة وبوجع القلب والعذاب وقتع المشيئة وال فإنا‬
‫نبني بيتنا في الهواء بدون اساس ) ‪ 16‬الي ‪ (19‬وان نقاوة القلب ل تحققها‬
‫فضيلة واحدة بل كل الفضائل مجتمعة )‪ (29‬واذ ذاك يتجرد الذهن من‬
‫تخيلت الهواء ول يعود يتسور الشر )‪ (31‬ويدخل العالم الذي يفوق الحس‬
‫)‪ (33‬ول بد ممارسة الوصايا لتستمر نعمة الروح فينا )‪ 48‬و‪ (56‬ام‬
‫آلفضائل بدون نعمة الروح وملء المعرفة والمعاينة فتشبه بيتا بدون سقف )‬
‫‪ (57‬وتعطى المواهب من فوق مقابل قسطنا الشخصي من التعاب والدموع‬
‫والتنقية )‪22‬و‪23‬و‪39‬و‪ (40‬واقتناؤنا للروح هو بمثابة عربون يمكن ان‬
‫نفقده )‪ (53‬ول بد من قطع مشيئتنا واحلل مشيئة أل‬
‫فينا ) ‪ 75‬و ‪ (76‬فنصير ابناء ال )‪ 770‬هذا وان احتقارنا لنسان واحد فقط‬
‫يبعث بنا الي النار بالرغم من اكرامنا لناس كثيرين )‪ (91‬كذلك عدم احساننا‬
‫لنسان واحد فقط بالرغم من احساننا لكثيرين ) ‪ 92‬الى ‪ ) (99‬حين نستطيع‬
‫)ذلك‬
‫واذ حققنا هذا كله سيتحول العذاب الذي في قلبنا الى فرح وينقلب ينبوعا يدفق‬
‫للحواس دموعا كنهر ل ينضب وللذهن سلما وحلوة ورقة ل توصف وايدا‬
‫قوة و حرية في اتمام وصايا ال بدون عائق‪ ،‬وللكاملين نورا لقلبهم ) ‪(20‬‬
‫ويكون النسان متحدا بال معاينا اياه كما لو كان في السماء الثالتة يشاهد منذ‬
‫الن تلك الخيرات البدية ) ‪35‬و‪ (10‬ويسطع ببهاء اللوهة ويصبح كله الها‬
‫)بالنعمة )‪95‬‬

‫ومن يظهر له نور الروح ل يمكنه ان يحتمل لمعان برقه فيحتمي بإطباق‬
‫جفنيه وينعطف على ذاته او يخر بوجهه على الرض كمن يعاين حدثا يفوق‬
‫الطبيعة ويذرف دموعا غزيرة تنديه‪،‬ويتنقى في هذا السيل ويشرق بمزيد من‬
‫البهاء ويلتهب كليا ويصبح مثل نور )‪21‬و‪ (45‬انها قيامة النفس قبل قيامة‬
‫الجساد ) ‪38‬‬

‫مقالت نسكية ولهوتية‬
‫لبينا القديس سمعان اللهوتي الحديث‬
‫رئيس دير القديس ماما في كيروكركوس‬
‫ـ ال غير موجود في اي مكان لمن يبحثون عنه بعيني الجسد‪ ،‬لنه غير‪1‬‬
‫منظور‪،‬أما للروحانيين فهو في كل مكان لنه حاضر في الكون وخارج الكون‬
‫معا‪ .‬وهو في الكون قريب من اللذين يتقونه بمقدار ما أن خلصه بعيد عن‬
‫الخطأة‬
‫ـ ذكر المسيح ينير الذهن ويطرد الشياطين ‪.‬ونور الثالوث القدوس‪ .‬متى‪2‬‬
‫اضاء في قلب نقي ‪ ،‬يفصله عن العالم كله‪ ،‬ومن ينعم بهذا يذوق منذ الن‬
‫المجد التي قدر استطاعته اذ تحركه المحبة التي من فوق ‪ ،‬ولكنه ل يزال‬
‫تحت ستر الجسد‬
‫ـ إن كان ل يوجد الن وبعد انقضاء المنظورات وإلى البد سوى ال‪3‬‬
‫وحده ‪ ،‬فل شك أن الذين ينعمون في هذا العالم بغنى نعمته يشتركون في‬
‫الدهر التي منذ الن قدر امكانهم‪ ،‬رغم كونهم على الرض ‪،‬فيئنون في‬
‫الظلم تحت عبء وسقهم‬
‫ـ ل يبارك الرب من يكتفون بتعليم غيرهم بل من استحقوا بممارستهم‪4‬‬
‫للوصايا أن يعاينوا في ذواتهم نور الروح القدس مشعا ببهائه فعرفوا حقآ‬

‫وبقوة ما ينبغي أن يقولوه ويعلموه‪ ،‬فيقتضي إذن أن يرتقي على هذه الصورة‬
‫أول الذين يعتزمون التعليم‪ ،‬كما سبق القول‪ ،‬لئل يضلوا عند تكلمهم في أمور‬
‫يجهلونها‪ ،‬فيهلكوا هم والذين يركنون إليهم‬
‫ـ من ل يخف أل في مسلكه ل يؤمن بأن هنالك إلها‪ ،‬وهو في ذلك غبي ‪5،‬‬
‫أما المؤمن فيخاف أل وبالتالي يحفظ وصاياه‪ ،‬من يقل إنه يخاف ال ول‬
‫يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس فيه خوف ال لنه مكتوب " حيث المخافة‬
‫هناك ايضا حفظ الوصايا ") انظر مز ‪111‬؛‪ . (1‬إذا كنا ل نخاف أل ول‬
‫نحفظ وصاياه فإننا ل نفرق شييأ عن الوثنيين والكفار‬
‫ـ بمقدار نقاوتنا يعطى لنا أن نؤمن ونخاف ال ونحفظ وصاياه‪ ،‬وعلى قدر‪6‬‬
‫ما نتنقى من خوف ال الى محبته وكأننا نحمل من الخوف الى المحبة‪.‬عندها‬
‫سنسمعه يقول ‪ ":‬من تلقى وصاياي وحفظها فهو الذي يحبني " ) يو ‪(21:14‬‬
‫لذا فلنبذل قصارى جهدنا كي نبرهن عن حبنا بالعمال ‪ ،‬عندئذ يحبنا المسيح‬
‫نفسه كما وعد ويحبنا ابوه السماوي ايضا‪ ،‬والروح طبعا يسبق ويهيء المنزل‬
‫فنصير مسكن الب والبن والروح القدس بحلول القانيم الثلثة فينا ) انظر‬
‫) يو ‪23.21:14‬‬
‫ـ ليس حلول آللوهية المثلثة القانيم الذي يتم في الوجدان بشكل محسوس‪7‬‬
‫عند الكاملين ارواءة للشرق بل بداية وعلة لشوق اعزم واكثر اضطراما فإن‬
‫تلك الحضرة اللهية ل تعود تترك لحظة راحة لمن ينعم بها‪ ،‬انما تدفعه‪،‬‬
‫وكأن نارا تلتهمه وتفنيه‪ ،‬نهو لهيب شوق إلى اللوهة يزداد احتداما على‬
‫الدوام‪ ،‬ول يستطيع القلب أن يجد حدا لما يسعى اليه ول ان يضبطه كليا‪ ،‬ول‬
‫يمكنه ايضا أن يضع حدا لشوقه ول لحبه‪ ،‬لكنه في سعيه للبلوغ الى منيته‬
‫اللمحدودة وامتلكها يذكى في ذاته اشتياقا يبقى ابدا غير مشبع وحبا ل‬
‫يرتوي غليله‬
‫ـ من بلغ الى هذه الحال ل يتصور انه وجد في ذاته مبدأ الشتياق الى ال‪8‬‬
‫وحبه‪،‬بل ان يعد نفسه غير محب ل لنه لم يستطع البلوغ الى كمال المحبة‪.‬‬

‫ويحسب ذاته الخير بين محبي ال ويعتقد من صميم القلب انه غير اهل لن‬
‫يخلص مع الصديقين‬
‫ـ " كل شيء ممكن للذي يؤمن " ) مز ‪ (23:9‬لن " اليمان يحسب برا'' )‪9‬‬
‫انظر رو ‪ .(9:4‬فالمسيح هو " غاية الشريعة") رو ‪ (4:10‬واليمان به يبرر‬
‫المؤمن ويجعله كامل‪ .‬اليمان بالمسيح يعادل اعمال الناموس‪ ،‬وهذا اليمان ‪،‬‬
‫متى تثبت وتبرهن بحفظ الوصايا النجيلية‪ ،‬يجعل المؤمنين اهل للشتراك‬
‫بالحياة البدية التي هي الحياة في المسيح نفسه‬
‫ـ اليمان هو ان نموت لجل وصايا المسيح حبا به ‪ ،‬هو ان نؤمن ان‪10‬‬
‫موتنا هذا ينبوع حياة‪ .‬هو ان نحسب الفقر غنى‪ ،‬والضعة والذل شرفا حقيقيا‬
‫ومجدا مبينا‪ .‬هو ان نتيقن عندما ل نملك شيئا ان لنا كل شيء‪ ،‬بل هو ان‬
‫نملك غنى معرفة المسيح التي ل تدرك‪ ،‬ونزدري كل المنظورات كدخان‬
‫وحمأة‬
‫ـ ليس اليمان بالمسيح ان نزدري سائر ملذات هذه الحياة فحسب بل ان‪11‬‬
‫نحتمل ايضا بصبر كل محبة تسبب لنا الحزن والغم والشقاء وذلك الى ما شاء‬
‫" الرب وحتى يأتي الينا‪":‬انتظرت الرب بصبر فأتى إلي‬
‫ـ الذين يتعالون بشكل ما على احكام ال ل يؤمنون المسيح‪ ،‬وضميرهم‪12‬‬
‫نفسه يبكتهم ل محالة‪ ،‬اللهم اذا بقي حيا بعد جحودهم‪ ،‬لن ما يميز المؤمنين‬
‫هو عدم مخالفتهم البتة وفي اية حال لحكام العلي ومخلصنا يسوع المسيح‬
‫ـ اليمان بال يولد السعي الى الصلح والخوف من القصاص‪ ،‬والسعي‪13‬‬
‫الى الصلح والخوف من القصاص يحدوان بنا ان نحفظ الوصايا بدقة‪ .‬وحفظ‬
‫الوصايا بدقة يؤول بنا الى القتناع بضعفنا‪ ،‬وذكر ضعفنا الحقيقي هذا يولد‬
‫ذكر الموت‪ ،‬ومن يألف هذا التأمل يبحث بكل قوته عن معرفة المصير الذي‬
‫ينتظره بعد خروجه من هذه الدنيا‪ .‬والحال ان الذي يجد في معرفة‬
‫المستقبلت عليه ان يزهد اول في الحاضرات؛ اذ ان المتمسك باحدى هذه ‪،‬‬
‫مهما صغرت‪ ،‬ل يستطع ان يزعم معرفة تلك معرفة كاملة‪.‬اما اذا ارتضى ال‬

‫ووهبه ان يتذوقها مسبقا‪ ،‬ولكنه لم يزهد سريعا في كل ما يعيق اقتناءه لها‪،‬‬
‫ولم ينكب كليا علي اقتناء تلك المعرفة رافضا طوعا كل فكرة غريبة عنها‪.‬‬
‫حينذاك سوف تنزع منه حتى المعرفة التي ظن انه يقتنيها‬
‫ـ ان الزهد في العالم والتوحد التام‪ ،‬بغية البتعاد عن الناس واقصاء‪14‬‬
‫العادات والفكار والشياء المتصلة بهذه الحياة وانكار الجسد والمشيئة‬
‫والذاتية‪ ،‬يصبحان سريعا مصدر منافع عزيمة لمن يزهد بحرارة‬

‫ـ يا هاربا من العالم اياك ان تتيح لنفسك تعزية مخالطة العالم من جديد‪15،‬‬
‫حتى وان ارغمك جميع اصدقائك وذويك علي ذلك ‪ ،‬فإن هذا ما يوحيه اليهم‬
‫الشياطين لكي يطفئوا حرارة قلبك‪ ،‬لنهم غير قادرين على اعاقة عزمك باللية‬
‫فهم على القل سيجعلونه اكثر جبنا وضعفا‬
‫ــ عندما تبدو غير مكترث البتة لكل ملذات هذه الحياة حينذاك يثير‪16‬‬
‫الشياطين لدى اقربائك عطفا يجعلهم ينتحبون امامك ويتحسرون عليك‪،‬‬
‫ولسوف تعرف مدى صحة هذا القول متى ثبت في سعيك غير متزعزع‬
‫فرأيت الخرين فجأة يضطرمون عليك غضبا وحقدا ويقاطعونك كعدو‬
‫ويرفضون ان يروك‬
‫ـ اذا رأيت حزن والديك واخوتك واصدقائك عليك فاهزأ بالشيطان الخداع‪17‬‬
‫الذي يفتعل موقفهم هذا ضدك‪ ،‬ثم ابتعد مسرعا بخوف كبير وتوسل الى ال‬
‫كثيرا لكي يوصلك بأقرب وقت الى ميناء الب الصالح حيث سيعمد هو بذاته‬
‫الى اراحة نفسك المتعبة الكئيبة‪،‬هذا لن بحر الحياة انما يعرض لك الكثير من‬
‫بواعث الخطر والهلك التام‬

‫ـ على من يبتغي مقت العالم ان يقتني في اعماق النفس حب ال وذكره‪18‬‬
‫تعالى بل انقطاع ‪ ،‬فليس كهدا ما يجعلنا نتخلى عن الشياء بفرح ونرذلها‬

‫بمثابة اقذار‬
‫ـ ل تبحث عن اسباب‪ ،‬قد ل تكون سوي علل للخطايا‪ ،‬لبقائك في العالم‪19‬‬
‫ولو لفترة وصيرة جدا‪ .‬بلمتى دعيت فأطع عاجل ‪ :‬اذا ل شيء يرضي ال‬
‫مثل استجابتنا السريعة له ‪ ،‬ما دام السراع في الطاعة مع الفقر افضل من‬
‫التباطوء مع وفرة الخيرات‬
‫ـ إن كان العالم وكل ما في العالم يزول وال وحده خالدا ابديا فافرحوا يا‪20‬‬
‫جميع الذين تركوا الفاسدات لجله‪ ،‬وليست الفاسدات الثروا والملك فحسب‪،‬‬
‫بل كل لذة وكل تنعم خاطئ هو فساد ‪.‬فقط وصايا ال نور وحياة وهكذا‬
‫يدعوها جميع الناس‬
‫ـ اءن كنت قد اقتبلت اللهب المقدس‪ ،‬ايها الخ‪ ،‬واسرعت الى دير او الى‪21‬‬
‫شيخ‪ ،‬فحتى لو نصحك هو‪،‬او اترابك‪ ،‬بالستحمام او بتناول الطعمة او اي‬
‫اعتناء آخر بالجسد لجل تعزيته‪ ،‬فل تقبل بل كن بالعكس مستعدا للصوم‬
‫واحتمال المشقات والنسك القصى علي الدوام‪ .‬اما اذا امرك ابوك الروحي‬
‫ان تفّرج عن نفسك فأطعه ول تطلب ان تصنع مشيئتك‪ ،‬وإن لم يأمرك‬
‫فاحتمل بفرح ما قد اخترته طوعا لخير نفسك‪ ،‬فاذا سلكت على هذه الصورة‬
‫يمكنك ان تعتبر ذاتك ممسكا ومتقشفا علي الدوام‪ ،‬قاطعا مشيئتك في كل‬
‫الظروف‪ ،‬فتحافز من ثم في قلبك على ذلك اللهب الذي ل يطفأ والذي يرغمك‬
‫على رذل كل شيء‬
‫ـ اذا استخدم الشياطين سائر ما لديهم من وسائل ولم يستطيعوا ان يبعدوا‪22‬‬
‫ول ان يعيقوا عزمنا‪ ،‬يندسون حينئذ في اناس اتقياء مرائين يحاولون من‬
‫خللهم ان يضادوا المجاهدين‪ ،‬وكأنهم مدفوعون اول المر بدافع المحبة‬
‫والعطف‪ ،‬فينصحونهم بأن يتيحوا لجسادهم بعض الراحة قائلين‪ ":‬ينبغي ال‬
‫يضعف الجسد‪ ،‬لن هذا يؤول بكم الى الضجر " ثم يدعونهم الي لقاأت باطلة‬
‫ل تجدي نفعا فيضيعون بها اوقاتهم‪ .‬واذا عمد احد الى اللحاق بهم الى الدير‬
‫انصياعا لنصائح الغيورين‪ ،‬يعرضون عنه ويهزؤون بما يسمونه هلكه‪ ،‬اما‬

‫اذا لم ينقد لقوالهم وبقي يعتزل الكل متحفظا ومتفرعا لنفسه‪ ،‬يتحولون الى‬
‫بغضه ول يبرحون يقيمون الرض ويقعدونها حتى يخرجوه من الدير‪:‬‬
‫فالكبرياء اذا احتقرت ل تحتمل اكرام التضاع امام عينيها‬
‫ـ المتكبر يتألم اذا رأى المتواضع الباكي مميزا على وجهتين‪ :‬امام ال‪23‬‬
‫الذي تستجلب الدموع رحمته‪ ،‬وامام الناس الذين تقتصر هذه الدموع مديحهم‬
‫دون ان يسعي هو اليه‬

‫ـإعلم أنك مذ سلمت ذاتك كليا بين يدي ابيك الروحي اصبحت غريبا عن‪24‬‬
‫كل ما كان يستدعي اهتمامك في الخارج‪ ،‬اعني امور الناس واحوالهم ‪ .‬فل‬
‫تقدم بدوناذنه على تعاطي اي شيء فيما بينهم ‪ ،‬ول تطلب ايضا ان يعطيك ي‬
‫شيء مهما صغر ‪ :‬بل فليبادر هو من تلقاء نفسه ويأمرك بأخذه وا يناولك اياه‬
‫ـ ل تتصدق بما اتيت به من املك بدون اذن ابيك الروحي ‪ .‬بل ل تقبل‪25‬‬
‫ان يأخذ احد شيئا منها علي يد وكيل توكله بدون واسطته‪ .‬فالفضل لمن ل‬
‫يزال مبتدئا ان يكون فقيرا وغريبا‪ ،‬وان يسمع عنه ذلك‪ ،‬من ان يوزع اموال‬
‫ويحسن الي الفقراء‪ .‬إن اليمان الصافي الخالص يسلم كل شيء الى مشيئة‬
‫الب الروحي كأنه الى يدي أل‬
‫ـ ل تطلب ان تشرب اطلقا حتي ولو احرقك العطش‪ ،‬انتظر ان يقدم لك‪26‬‬
‫الماء ابوك الروحي من تلقاء نفسه‪ ،‬اغصب نفسك‪ ،‬تسلط على ذاتك في كل‬
‫شيء مقنعا عقلك بقوك‪ ":‬إن شاء أل "‪ :‬فإن كنت تستحق ان تشرب فسيلهم‬
‫ال اباك بالتأكيد أن يقول لك " اشرب" وحينئذ سوف تشرب مرتاح الضمير‬
‫حتى اذا حصل ذلك في غير وقته‬
‫ـ خبر احدهم المنفعة الروحية الناجمة عن امتلكه ايمانا بأبيه ل ريب فيه‪27،‬‬
‫فصرح بعد ان توكل على ال الشاهد للحق فقال " صممت في نفسي على ال‬

‫اطلب الى ابي الروحي شيئا ابدا‪ ،‬ل ان اشرب ول ان اتناول اي شيء بغير‬
‫علمه طالما لم يلهمه ال ان يأمرني بذلك '‪ ،‬وكان يضيف قائل ‪ " :‬بفضل هذا‬
‫"التصميم لم احد يوما عن بغيتي‬
‫ـ من اقتنى ثقة حقيقية بأبيه الروحي اعتقد بأنه يرى المسيح حين يراه ‪28.‬‬
‫وإن كان بقربه يرافقه اعتقادا تاما بأنه بقرب المسيح يرافقه‪ .‬على هذه الحال‬
‫لن يشتهي يوما أن يعاشر احدا غيره‪ ،‬ولن يبدو له اي خير من خيرات هذا‬
‫العالم افضل من ذكراه ومحبته ‪ .‬فأي شيء اعظم واكثر ربحا في هذه الحياة‬
‫وفي الخرة من ان نكون بقرب المسيح ؟ اي شيء اجمل واحلى من رؤيته؟‬
‫اما اذا حظينا بعشرته فإننا لعمري ننهل منها الحياة البدية‬
‫ـ إن الذي بدافع البر يحب الذين يشتمونه ويؤذونه ويبغضونه ويعرضون‪29‬‬
‫عنه ‪ ،‬ويصلي من اجلهم ‪ ،‬يتقدم تقدما كبيرا في وقت قصير‪ ،‬لن هذا‬
‫التصرف اذا ما تم بحس القلب يلقي الفكر في لجة التواضع وفي ينبوع‬
‫الدموع حيث ترسو اجزاء النفس الثلثة‪ ،‬ويرفع الذهن الى سماء اللهوى‬
‫ويؤهله للمعاينة اللهية ‪ ،‬فيذوق الغبطة ويغدو يحسب كل امور هذه الحياة‬
‫نفايات خسيسة ‪ ،‬حتى ان الكل والشرب عينهما ل يطيبان له ول يستميلنه‬
‫ـ إنه لدليل ايمان بّين ان نقدس حتى المكان الذي يقف فيه ابونا ومرشدنا ‪30،‬‬
‫وان نتلقف بأيدينا غبرة رجليه ونذرها على رأسنا ونمسح بها صدرنا بمثابة‬
‫دواء لهوائنا وتطهير لخطايانا ‪ ،‬فنغدو ول نقترب اليه بل ل نمس رداء او‬
‫ثوبا من ثيابه بدون اذنه ‪ ،‬واذا تناولنا شيئا له نلمسه بخوف واحترام ‪ ،‬ونعد‬
‫انفسنا غير اهل لرؤيته او لخدمته بل ول لدخول قليته‬
‫ـ كثيرون يزهدون في هذه الحياة وفي امور هذه الحياة ‪ ،‬ولكن قليلون‪31‬‬
‫يجحدون مشيئتهم ‪ .‬وفيهم يصح قول النجيل ؛ "المدعوون كثيرون‬
‫)والمختارون قليلون " ) متى ‪14:22‬‬
‫ـ اذا كنت متكئا على المائدة مع الخوة وبدت سائر الشياء ظلل لعينيك‪32‬‬
‫العقليتين‪ .‬وانت غير آبه لطعم المأكل ‪ ،‬ونفسك منذهلة كل النذهال امام هذا‬

‫العجب وغارقة بالدموع‪ ،‬فاعرف حينئذ انك امام علمة من لدن نعمة ال عبر‬
‫تكاثر التضاع المتولد فيك من الخوف ‪ :‬وهي انه عليك ‪ ،‬عندما تعاين اعمال‬
‫ال وتتبين وهن المحسوسات ‪،‬ان تلقح بالخوف محبة المعقولت ‪ ،‬فهذه هي‬
‫الحكمة والروحية ‪ ،‬كما يقال لها اذ انها قائمة بين الخوف والحب وتنقل المرء‬
‫من الول الى الثاني بصورة خفية وخالية من الخطر‬

‫‪nabay.forumotion.com‬‬

‫ـ ل نستطيع ان نكتسب محبة ال الكاملة ونحتفظ بها ال على قدر المعرفة‪33‬‬
‫الروحية‪ ،‬علما بأن هذه المعرفة تزداد تدريجيا من خلل التعاب النسكية‬
‫اليومية ‪ ،‬وقد عرف الرسول ذلك فقال ان الخالق انما يعرف تشبيها من خلل‬
‫)عظمة المخلوقات وجمالها ) رو ‪19 : 1‬ـ‪20‬‬
‫ـل يستطيع احد ان يسير بالعينين الحسيتين عظم السماء او سعة الرض‪34‬‬
‫ول كنه سائر الشياء ‪ .‬فما يفوق العقل والفكر من اين لعيني الجسد ان تحيطا‬
‫به؟ فإن الذهن المنزه عن المماحكات والمتحرر من الراء المتحجرة‬
‫والمستنير برحمة ال ونعمته يكاد ان يتمكن وحده ‪ ،‬على قدر استنارته ‪ ،‬من‬
‫البلوغ كما يليق الى معاينة الكائنات‬
‫ـ ان العيون الحسية ل تبصر اثناء الليل ال المكان المضاء من المصباح‪35‬‬
‫وما تبقى من العالم ليس لنظرنا سوي ليل ‪ ،‬هكذا الذين يرقدون في ليل‬
‫الخطيئة ول يرون سيدنا الصالح ال كومض خفيف ‪ ،‬مع كونه الله الذي ل‬
‫يستطيع شيء ان يحتويه ‪ ،‬ذلك مراعاة لضعفنا ‪،‬ويتفق ان يرفع المرء طرفه‬
‫فيعاين فجأة طبيعة الكائنات كما لم يشاهدها ابدا من ذي قبل ‪ ،‬فيرتعش‬
‫وتفيض عيونه بدموع تلقائية خالية من اللم ‪ ،‬تطهره وتعمده معمودية ثانية ‪،‬‬
‫تلك المعمودية التي يذكرها الرب في النجيل قائل ‪ " :‬إن اكان احد ل يولد‬

‫من الماء والروح ل يقدر ان يدخل ملكوت ال " ) يو ‪ (٥:٣‬وأيضا ‪ " :‬إن‬
‫كان احد ل يولد من فوق ‪ ) "...‬يو ‪ (٣:٣‬وبقوله " من فوق " قصد الرب‬
‫الولدة بالروح‬
‫ـ الماء في المعمودية الولى رمز للدموع ‪ ،‬والميرون رسم لمسحة الروح‪36‬‬
‫الداخلية ‪ ،‬اما المعمودية الثانية فليست بعد رسما للحقيقة بل الحقيقة عينها‬
‫ـ ل يكفي ان نمتنع عن الفكار الشريرة ‪ ،‬انما علي المجاهد ان يجتهد‪37‬‬
‫ليتحرر من الفكار والتخيلت الضارة وأن يبقى بافكار روحية ونافعة للنفس‬
‫لكيما يقصي عنه كل اهتمام دنيوي‬
‫ـ من عرى جسده كله ‪ ،‬ولكنه بستر علي عينيه ل يشاء ان يرفعه ول ان‪38‬‬
‫ينزعه لن يقدر ان يبصر النور من خلل تعريه ‪ ،‬هكذا من ازدرى كل شيء‬
‫وكل غنى بل تجرد من الهواء ‪ ،‬لكنه لم يحرر عيني النفس من الهتمامات‬
‫المادية والفكار الشريرة ‪ ،‬لن يعاين يوما النور العقلي الذي هو يسوع المسيح‬
‫ربنا والهنا‬
‫ـ كالبرقع على العينين تكون للذهن عين النفس ‪ ،‬الفكار الدنيوية‪39‬‬
‫واهتمامات المعيشة ‪ ،‬وما دمنا ل نقلع عنها ل نستطيع ان نبصر ‪ .‬اما اذا‬
‫انحسرت امام ذكر الموت فحينئذ نعاين بجلء النور الحقيقي الذي ينير كل‬
‫)انسان آت الى العالم العلوي ) انظر يوحنا ‪٩:١‬‬
‫ـ لن يتمكن الكمة ) المولود اعمى ( من معرفة ما هو مكتوب ول من‪40‬‬
‫تصديقه ‪ ،‬اما الذي حسب مرة اهل لن يرى فيمكنه أن يشهد بصدق المقال‬
‫ـ من يتمتع بالبصر يعرف متى النهار ومتى الليل ‪ .‬اما العمى فل ‪ ،‬ومن‪41‬‬
‫يتطلع بالروح ويرى بعينيه الداخليتين ‪.‬اذا ما عاين النور الحقيقي غير المدرك‬
‫ثم عاد الى عماه الول من جراء اهماله وحرم من النور ‪.‬يحس تماما بهذا‬
‫الحرمان ول يجهل ما سببه‪ ،‬اما الكمة فل يعرف شيئا من هذا القبيل ل عن‬
‫طريق الخبرة ول بالجهد الشخصي ‪ ،‬ال اذا علم عن طريق السمع بشيء لم‬

‫يسبق له ان ابصره قط‪ ،‬وهو حينذاك سيروي للخرين ما قد سمع دون ان‬
‫يفقه فحوى ما قيل ‪ ،‬ل هو ول المستمعون اليه‬
‫ـ يتعذر حشو الجسم بالطعام حتى التخمة وفي الوقت نفسه التنعم روحيا‪42‬‬
‫بالعذوبة العقلية اللهية‪ .‬فبقدر ما نستعبد للبطن نبتعد عن ذلك التنغم‪ ،‬وبقدر ما‬
‫نضّيق على الجسد نفعم بالغذاء وبالطعام الروحي‬
‫ـ لنزهد في كل ما على الرض ‪،‬ليس فقط في الغنى والذهب وبقية‪43‬‬
‫ص عن نفوسنا كليا الرغبة في هذه الخيرات ‪،‬‬
‫خيارات هذه الحياة ‪ ،‬بل لنق ِ‬
‫لنمقت ملذات الجسد ‪ .‬بل حركاته غير العاقلة‪ ،‬ولنبادر الى اماتته بواسطة‬
‫التعاب ‪،‬اذ منه تتحرك الرغبة وتدفع الى الفعل ‪ .‬فما دام حيا النفس مائتة‬
‫بالضرورة الكلية ول تميل الى طاعة وصايا ال ‪ .‬او انها تأباها تماما‬

‫ـ يرتفع لهب النار الى العلء دائما مهما قلبت قطعة الخشب المشتعلة ‪44،‬‬
‫هكذا قلب المتكبر غير قادر أن يتضع ‪ ،‬فبقدر ما ينصح بما يلئم حاله‬
‫شجع باطل‬
‫يرتفع ‪ ،‬وادا ُوبخ وُبكت جاوب بعنف ‪ ،‬واذا ُهنئ او ُ‬
‫ـ المرء الذي اعتاد ان يناقض هو سيف لنفسه ذو حدين ‪ ،‬يهدم ذاته دون‪45‬‬
‫ان يدري ويغربها عن الحياة البدية‬
‫ـ المرء الذي يناقض يشابه من يستسلم طوعا إلى العداء المحاربين‪46‬‬
‫ملكه ‪ ،‬لن روح المناقضة فخ طعمه الدعاء بالحق فيخدعنا هذا‬
‫الدعاء فنبلغ صنارة الخطيئة ‪ .‬واذا صيدت النفس المسكينة باللسان والفم‬
‫غدت فريسة لرواح الشر الذين يرفعونها الى مشارف الكبرياء ويحدرونها‬
‫الى خواء لجة الخطيئة لتدان مع الذين سقطوا من السماء‬
‫ـ على من يضطرب قلبه للهانات والشتائم اضطرابا شديدا ان يعرف من‪47‬‬
‫هنا انه ل يزال يحمل في حجره الحية القديمة ‪ .‬فاذا لزم الصمت او جاوب‬

‫اتضاع كبير اضعف الحية وحل وثاقها ‪ .‬اما اذا جاوب بمرارة او تكلم‬
‫بعجرفة فانه يمكن الحية من ان تفرغ سمها في قلبه وتأكل داخله بشراسة‬
‫‪،‬فتتأيد الحية هكدا يوما بعد يوم ‪ .‬وكلما حاول اصلح ذاته اتلفت قوة نفسه‬
‫المسكينة فيغدو المرء يحيا من اجل الخطيئة ‪ ،‬ميتا تماما للبر‬
‫ـ ان اردت ان تزهد في العالم وتتعلمم الحياة النجيلية ل تسلم ذاتك الى‪48‬‬
‫معلم عادم الخبرة او خاضع للهواء ‪ ،‬فانه سيعلمك الحياة الشيطانية ل‬
‫النجيلية ‪ ،‬ان تعاليم المعلم الصالح صالحة وتعاليم المعلم الرديئة رديئة‪ ،‬كما‬
‫ان ثمار البذار الرديئة رديئة‬
‫ـتوسل الى ال بصلوات ودموع ان يبعث لك مرشدا سيدا لهوائه وقديسا ‪49.‬‬
‫وابحث من جهتك في المؤلفات اللهية ‪ ،‬ول سيما كتب الباء القديسين‬
‫النسكية ‪ ،‬لكيما تقارن بينها وبين دروس رئيسك ومعلمك فتستطيع ان تفقه هذه‬
‫الدروس وتتعلمها كما في مرآة ‪،‬فما يطابق المؤلفات اللهية اعتنقه واحتفظ به‬
‫في فكرك ‪ ،‬وما هو مغشوش او فاسد اطرحه بتمييز لئل تضل‪ .‬اذ ينبغي ان‬
‫تعلم ان في هذه اليام خداعين ومعلمين كذبة كثيرين‬
‫ـ كل من ل يبصر ويدعي قيادة الخرين هو مرشد خداع يقود من يتبعونه‪50‬‬
‫الى الهلك في الهاوية كقول الرب ‪ :‬ان كان اعمى يقود اعمى يقعان كلهما‬
‫) في حفرة " ) متى ‪14:15‬‬
‫ـ العمى امام " الحد") اي ال( اعمى كليا في كل شيء‪ .‬اما الذي يرى‪51‬‬
‫"الواحد " فيعاين ) المعاينة بمعنى التأمل ومشاهدة‬
‫كنه الشياء ( كل شيء‪ ،‬انه يمتنع عن معاينة كل شيء وفي الوقت نفسه يلج‬
‫الى معاينة كل شيء باقيا خارج الشياء التي يعاين ‪.‬يكون في "الواحد "‬
‫فيرى كل شيء ويكون في وسط كل شيء فل يرى شيئا اطلقا‬
‫ـ من ثبت نظره على " الواحد " شاهد من خلله كل شيء ‪ ،‬اعني ذاته‪52‬‬
‫والناس والشياء ‪ .‬واذا هو اختبأ فيه ل يعود ينظر الى شيء‬

‫ـ من لم يلبس بفكره البشري ‪ ،‬بوعي واحساس ‪ ،‬صورة ربنا يسوع‪53‬‬
‫المسيح ‪ ،‬السماوي ‪ ،‬النسان والله ‪ ،‬فليس بعد سوى لحم ودم ‪ ،‬اذ ل يمكنه‬
‫اكتساب خبرة المجد الروحي بالفعل ‪ ،‬ذلك مثل الكمة الذي ل يمكنه ان‬
‫يعرف بالعقل وحده نور الشمس‬
‫ـ من يسمع وير ويحس على نحو ما ذكر يفهم معنى ما اقول ‪ .‬لنه يحمل‪54‬‬
‫منذ الن " صورة السماوي" ) كور الولى ‪ (49:15‬وقد بلغ الى حالة انسان‬
‫كامل‪ ،‬الى مقياس ملء قامة المسيح " ) أ ف ‪ (13:4‬وبالتالي يستطيع ان‬
‫يقود حسنا قطيع المسيح في طريق وصايا ال ‪ .‬اما الذي لم يتعلم ما ذكر‬
‫وكان في وضع آخر ‪ ،‬فمن البديهي ان تكون حواس نفسه غير منفتحة ول‬
‫نشيطة ‪ ،‬والفضل له ان يقاد من ان يقود مخاطرا‬
‫ـ من يحسب معلمه ومرشده كال نفسه ل يمكنه ان يناقض من بعيد ‪ ،‬واذا‪55‬‬
‫فكر او قال انه يوفق بين المرين معا فليعلم انه على ضلل ‪ ،‬اذ يجهل ما هو‬
‫موقف احباء ال ازاء ال‬

‫‪nabay.forumotion.com‬‬

‫ـ من يؤمن بأن حياته وموته هما بين يدي راعيه لن يسمح لنفسه ابدا بأن‪56‬‬
‫يناقض ان جهلنا لهذه الحقيقة يولد فينا روح المناقضة الذي هو الموت‬
‫الروحي‬
‫يمكن للمتهم ان يدافع عن تصرفه لدى القاضي قبل صدور الحكم ‪ ،‬اما ‪57‬‬
‫بعد عرض الوقائع وصدور قرار القاضي فليس له ان يقول شيئا لمنفذي‬
‫الحكم ‪ ،‬ل مطول ول باختصار‬
‫ـ قد يلجأ الراهب الى المناقضة قبل مثوله امام تلك المحكمة ‪ ،‬وقبل كشفه‪58‬‬

‫عن اعماق قلبه وذلك اما عن جهل او متوهما انه بوسعه الحتفاظ بسره ‪ .‬اما‬
‫بعد كشفه عن افكاره واعترافه بها اعترافا صادقا فل يسمح له بان يقاوم‬
‫حاكمه بعد ال ومعلمه حتى ساعة موته على الغلب ‪ ،‬فالراهب مقتنع سلفا‬
‫منذ دخوله هذه المحكمة والكشف عن سر قلبه بأنه يستحق الف ميتة ايا كانت‬
‫نتيجة التحقيق ‪ ،‬ويؤمن بأن الطاعة والتضاع يحررانه من كل قصاص‬
‫وعقاب ‪ ،‬اللهم اذا كان قد ادرك حقا طبيعة هذا الست‬
‫ـ من يحفظ هذا في فكره غير ممحي فلن يحس ابدا بأن قلبه يتكدر اذا ما‪59‬‬
‫نبهوه او وبخوه وادبوه ‪ ،‬لن الذي يقع في تلك النقائص ‪ ،‬اعني المناقضة‬
‫وعدم الثقة بأبيه الروحي ومعلمه‪ ،‬يرمي بنفسه مند الن ‪ ،‬بطريقة يرثى لها ‪،‬‬
‫في اعماق الجحيم ) امثال ‪ ، (18:9‬انه يصير مسكنا للشيطان ومقرا لقدرته‬
‫)الدنسة ‪ ،‬وابنا لنكث العهد ‪ ،‬والهلك ‪ ) ،‬ا ف ‪ ( 2:2‬و ) يو ‪12 : 17‬‬
‫ـ اني اشير عليك يا ابن الطاعة ان تجيل هذا دائما في خاطرك وتبادر الى‪60‬‬
‫الجهاد بهمة لئل تقع في شرور الجحيم المذكورة اعله ‪ .‬صل الى ال كل يوم‬
‫بحرارة قائل ‪ " :‬يا ال وسيد الل ‪ ،‬الذي له السلطان على كل حياة ونفس ‪،‬‬
‫انت وحدك قادر ان تشفيني ‪ ،‬فاستمع الى صلتي انا الشقي ‪ ،‬اقتل وابد‬
‫بحضور روحك القدوس الحية الرابضة في قلبي ‪ ،‬اهلني انا المسكين العاري‬
‫من اية فضيلة ان اجثو باكيا عند قدمي ابي القديس ‪ ،‬وامل نفسه القديسة الى‬
‫ان يعطف ويشفق علي ‪.‬وهب يا رب قلبي اتضاعا وافكارا ملئمة لحاطئ‬
‫قرر ان يتوب ‪ ،‬ول تتخل الى الغاية عن نفس قد تجندت مرة لك ‪ ،‬واعترفت‬
‫بك ‪ ،‬واختارتك وكرمتك دون العالم كله ‪ .‬فأنت تعرف جيدا يا رب اني اريد‬
‫ان اخلص بالرغم من العادات الرديئة التي تقاوم ارادتي ‪ .‬ولكن كل ما هو‬
‫"غير مستطاع عند الناس مستطاع عندك يا سيد‬
‫ـ الذين وضعوا حسنا اساس اليمان والرجاء لبيت التقوى ‪ ،‬بخوف ورعدة‪61‬‬
‫‪ .‬ورسخوا اقدامهم على صخرة الطاعة لبائهم الروحيين ‪ ،‬ويصغون الى‬
‫نصائحهم كأنها صادرة من فم ال ‪ ،‬فيشيدون على هذه الصورة بناء ثابتا على‬
‫اساس الطاعة ‪ ،‬واتضاع النفس ‪ ،‬هؤلء ينجحون للوقت النجاح العظيم‬

‫والول الذي هو التخلي عن ذواتهم ‪ ،‬لن مشيئة الغير ل مشيئتنا يؤول بنا‬
‫ليس فقط الى التخلي عن حياتنا بل الى الموت عن العالم بأكمله‬
‫ـمن يناقد اباه الروحي يفرح الشياطين ‪،‬ومن يتضع حتى الموت يثير‪62‬‬
‫اعجاب الملئكة ؛ ان متل هد؛ا يعمل عملل ) انظر يوحنا ‪ ( 28:6‬متشبها‬
‫)بابن ال الذي اطاع اباه حتى الموت ‪ ،‬موت الصليب ) في ‪2 :8‬‬
‫ـ النفعالت القلبية ‪ ،‬اذ تكررت بدون موجب ‪ ،‬تعكر الفكر وتقلقه وتلشي‪63‬‬
‫التضاع والصلة النقية ‪ .‬وعنها ينجم تعب القلب وبالتالي جفاؤه وتحجره الى‬
‫الغا ية ‪ ،‬وبها يفتعل الشياطين اليأس عند الروحانيين‬
‫ـاذا ما عرض لك هذا ايها الراهب ووجدت في نفسك رغم ذلك همة‪64‬‬
‫وشوقا للكمال تشاء معهما ان تحفظ كل وصايا الرب وال تخطأ حتى بكلمة‬
‫بطالة ) متى ‪ (36 :12‬وال يفوقك اي من القديسين القدماء في النسك‬
‫والمعرفة والمعاينة اللهية ‪ ،‬واذا م الحظت ان الذي يزرع خفية زؤان اليأس‬
‫) متى ‪ (25:13‬يمنعك من الصعود الى قمم القداسة هذه ويوحي اليك بافكار‬
‫قائل ‪ ":‬ل تستطيع ان تخلص ول ان تحفظ بل عيب كل وصايا ال وانت في‬
‫هذا العالم " حينئذ بادر الى النفراد معتزل وتفرغ لذاتك واجمع فكرك‬
‫وانصح نفسك نصيحة صالحة قائل ‪ " :‬لماذا انت حزينة يا نفسي ؟ ولماذا‬
‫تقلقيني؟ توكلي على ال فاني احمده لن ال خلص وجهي ‪ ،‬ل اعمالي‬
‫) انظر مز ‪ (2:142‬ولكن ليماني بال ارجو ان اخلص بهبة تحننه الذي ل‬
‫يوصف ‪ ،‬فاذهب عني يا شيطان فاني اعبد الهي ) انظر متى ‪ (10:4‬واخدمه‬
‫منذ طفولتي هو القادر ان يخلصني لمجرد رحمته ‪ ،‬اذهب عني فان ال الذي‬
‫صنعني على صورته ومثاله ) تك ‪ (26:1‬سوف يبطل قوتك ) انظر رو‬
‫")‪6:6‬‬

‫ـ ل يطلب ال منا نحن البشر سوى ال نخطئ‪ .‬ول يتأتى لنا هذا من اتباع‪65‬‬
‫قانون حياة بل من حفظ الصورة والكرامة العليا حفظا دقيقا ‪ ،‬اذ اننا بهما‬

‫نتثبت في طبيعتنا ونلبس وشاح الروح البهي ‪ ،‬فنسكن في ال وهو فينا ‪،‬‬
‫) وندعى آلهة وبني ال بالتبني وقد ارتسم علينا نور معرفته ) انظر مز ‪6:4‬‬
‫ـ ان الضجر وثقل الجسد اللذين يتوغلن حتى النفس من جراء الكسل‪66‬‬
‫والهمال يبعدان الراهب عن قانونه اليومي ويظلمان فكره ويخمدان همته ‪،‬‬
‫من هنا تسود افكار جبن وتجديف في قلب من يجربه شيطان الضجر فيغدو‬
‫عاجزا عن الذهاب الى مكان الصلة المعتاد ويسترخي ‪ ،‬بل تخطر في باله‬
‫افكار جنونية ضد الخالق ‪ .‬ولكن لما كنت تعرف سبب هذه ومن اين اتت عد‬
‫بشجاعة الى المكان الذي اعتدت ان تصلي فيه واسجد للله المحب البشر ‪،‬‬
‫متوسل اليه في حزن قلبك بأنين ودموع ‪ ،‬ان تعتق من ثقل الضجر هذا ومن‬
‫الفكار الشريرة ‪ ،‬فإن فرغت بقوة وثبات يعطى لك سريعا أن تخلص منها‬
‫ـ من اقتنى نقاوة القلب تغلب على الجبن ‪ .‬ومن لم يتنق قلبه ال منذ امد‪67‬‬
‫يسير يغلبه الجبن تارة ويتغلب هو عليه تارة اخرى‪ .‬اما الذي لم يحاول بعد‬
‫ان يجاهد فهو اما ان يكون غير مبال البتة لكونه صديق الهواء والشياطين ‪،‬‬
‫وهذا يزيده فوق رداء الكبرياء داء الدعاء ظانا انه شيء ‪ ،‬وهو ليس بشيء )‬
‫غل ‪ ( 3:6‬او ان يكون عبدا للخوف يرتجف كالطفل ويستولي عليه الفزع‬
‫حيث ل فزع ) مز ‪ (5:13‬ول جبن للذين يخافون الرب‬
‫ـ من يخف ال ل يخشى هجمات الشياطين ول صولتهم الضعيفة بل ول‪68‬‬
‫تهديدات الشرار ‪ .‬فانه يجول ليل نهارا في اماكن فقرة مظلمة شبيها بلهب او‬
‫بنارمحرقة فيهزم الشياطين التي تهرب منه اكثر مما هو يهرب لئل تحترق‬
‫باشعة النار اللهية الملتهبة التي تنبعث منه‬
‫ـ من يسلك بخوف ال ل يخاف حتى ان احاط به الناس الشرار ‪ ،‬لن‪69‬‬
‫مخافة ال داخله ‪ ،‬مع سلح اليمان غير المقهور الذي يقوى به على القيام‬
‫بأي شيء حتى ما يبدو صعبا او مستحيل للكثرين بل يعبر كجبار بين‬
‫صعاليك ‪ ،‬او كأسد زائر بين كلب وثعالب ‪ ،‬واثقا بالرب ‪ .‬فإن ثبات عزمه‬
‫يشل خصومه ويرعبهم اذ يلوح بكلم الحكمة كأنه بعصا من حديد ) انظر مز‬

‫) ‪9:2‬‬
‫ـ ل تتعجب اذا ما كنت تخاف من كل شيء وترتعد لستيلء الجبن عليك‪70‬‬
‫فانك ل تزال غير كامل وعادم القوة وتخشى مثل الطفل "فزاعات"‬
‫العصافير ‪ ،‬فالجبن نقيصة طفلية ومضحكة تلزم النفس المتكبرة ‪ .‬ففي‬
‫محاربتك لهذا الشيطان ل تعمد الى تدبيج الخطب والردود المتقنة ‪ ،‬لن‬
‫الخطب ل تجدي النفس المضطربة المرتعدة نفعا ‪ .‬دعها اذا جانبا واتضع‬
‫بفكرك قدر امكانك فتشعر سريعا بأن جبنك يتلشى‬
‫ـ كان احدهم ذات يوم مضبوطا في الضجر ‪ ،‬ذهنه مقفر مظلم ونفسه‪71‬‬
‫مسترخية ‪ .‬ومن جراء ذلك كاد وجع الندم ان يغيب عن قلبه ونار الروح ان‬
‫تنطفئ فيه ‪ ،‬وكل هيكل جسده ان يمتلئ دخانا ‪ ،‬بل تخدرت اعضاؤه من تلقاء‬
‫التواني ‪ ،‬فصار يغط في نوم مفرط حتى آل به المر الى عدم اتمام قانونه‬
‫اليومي ‪ .‬فعمد الى مقاومة ذلك بالمساك والسهر ‪ .‬ولكن لما تغلب على النوم‬
‫تقسى قلبه بالعتداء بالذات ‪ ،‬وفي غياب وجع القلب تسلل الجبن اليه ‪ .‬ال انه‬
‫لما شعر به خرج من قليته في ساعة غير اعتيادية ولجأ الى مكان عاتم مظلم‬
‫فوقف هناك ورفع يديه الي السماء ورسم اشارة الصليب موجها عيني نفسه‬
‫الى ال ‪ .‬وما كاد يذلل فكره حتى تنحى عنه شيطان الجبن قليل ‪ .‬لكن الغرور‬
‫‪ ،‬العدو الرهيب والقوى منه ‪ ،‬صار يتسلل الى فكره ليجتذبه او يسلمه ثانية‬
‫الى شيطان الجبن ‪ .‬فأذهله هذا الكتشاف وكان يصلي الى ال بحرارة لينتزع‬
‫من قلبه امثال هذه الفضائح الشيطانية‬

‫ـ يبدو لي ان مؤامرات تلك الشياطين وخباثاتها وخدعاتها كثيرة ومتنوعة‪72‬‬
‫وأن الكثرين ل يدركونها ‪ .‬فقد رأيت شيطان الجبن يتحالف ويتآمر مع‬
‫شيطان الضجر فيساعده هذا وينجده ‪ .‬فالول يحمل الى النفس الخوف‬
‫والقساوة والتواني وعمى النفس والذهن معا ومن ثم اليأس‪ .‬ولكن الضجر‬
‫الذي هو محنة المجاهدين يأتي بهم الى التواضع‬

‫ـ إن شيطان الضجر يهاجم عادة'' ‪ ،‬وبصورة خاصة ‪ ،‬المتقدمين في حياة‪73‬‬
‫الصلة او المواظبين عليها ‪ ،‬فانه ليس من شيطان آخر يقوى على مثل هؤلء‬
‫‪ ،‬ذلك اما لن تدبيرا الهيا اتاح له هذه القدرة او لنه ‪ ،‬كما اظن ‪ ،‬يتخذ‬
‫سلطانه بالحرى من انحرافات الجسد ‪ .‬واليكم ما اعنيه ‪ :‬اذا اكلت كثيرا‬
‫وثقلت معدتي ونمت حتى الشبع تسلط الهوى على ذهني فانغلبت له ‪ .‬وان‬
‫اسرفت بالعكس في التضييق على نفسي جعلت ذهني مظلما متوانيا فسقطت‬
‫في الهوى عينه ‪ .‬ويحدث ايضا ان يكون لتركيب الهواء ) لست ادري كيف‬
‫اقول ( ولرطوبة ريح الجنوب الثقيلة الثر نفسه على المجاهدين‬
‫ـ الضجر موت للنفس وللذهن ‪ .‬ولو تركه ال يفعل فينا بكل قوته فل شك‪74‬‬
‫انه لما خلص مجاهد‪ .‬ولكن لنا ان نقاومه قدر قوتنا ول ان ينهضنا سريا‬
‫وينصرنا جليا عليه ‪ .‬فانه يتعذر على ميت ان يقوم بدون عون من قام من بين‬
‫الموات‬
‫ـ كلما جنح الذهن الى العتداد بالذات وتورط فيه متصورا في تحمسه انه‪75‬‬
‫شيء ‪ ،‬انسحبت منه حال النعمة التي كانت تنيره بصورة منظورة‪ ،‬وتركته‬
‫مقفرا ‪ .‬فيتلقى للتو برهان ضعفه اذ تقض الهواء عليه مثل كلب برية‬
‫محاولة ان تبتلعه ‪ .‬فيرتبك وليس له موضع يهرب اليه لينجو فيلجأ بالتضاع‬
‫الى من يقدر ان ينقذه ‪:‬الى الرب‬
‫خيل اليه انه في ارض جرداء ) مز‪76‬‬
‫ـ من خرج من العالم كليا ُ‬
‫‪(1:62‬ملى بالوحوش ‪ ،‬فيعتريه خوف ل يعبر عنه وارتعاد ل يوصف ‪،‬‬
‫فيصرخ الى ال مثل يونان من جوف الحوت ) يونان ‪ ١:٢‬وما بعده ( ومن‬
‫بحر هذه الحياة ‪ ،‬ومثل دانيال من جب السود )دانيال ‪ (١٧:٦‬والهواء‬
‫الشرسة ‪ ،‬ومثل الفتية الثلثة من التون المضطرم ) دانيال ‪ (٢٤:٣‬ونار‬
‫الشهوات الغريزية ‪،‬ومثل منسى من سلسلة النحاس ) ‪ ٢‬أخ ‪ (١١:٣٣‬التي هي‬
‫جسد الطين المائت فيسمعه الرب ويخلصه من لجة الجهل ومن محبة العالم ‪،‬‬
‫مثل النبي الذي خرج من الحوت وما عاد اليه ‪ ،‬ومتل دانيال من الجب التي‬
‫تتولد فيه الفكار والشهوات السمجة لتطبق على نفوس البشر وتبتلعها ‪،‬‬

‫ومقابل اندلع نار الهواء ‪ ،‬التي تحرق النفس وتفنيها وتدفعها بعنف الى‬
‫الفعال الرديئة ‪ ،‬يحفظه من الحروقات ويسكب على نفسه ندى الروح كما‬
‫على الفتية الثلثة ‪ ،‬واخيرا يدفع عنه الذل بعيدا عن هذا الجسد الترابي الغليظ‬
‫المثقل بالهواء ويجعله ابنا للنور والنهار ) اش ‪ (٥:٥‬منزها عن الخطأ وينعم‬
‫عليه بتذوق الخلود منذ الن‬

‫ـ النفس التي تقيم ثابتة في دناءة الجسد ساعية وراء شهواتها ‪ ،‬وتتمسك‪77‬‬
‫بمجد الناس او تتأثر برائحة جّوه اللذيذ ‪ ،‬حتى وإن كانت ل تقيم له وزنا كبيرا‬
‫‪ ،‬تغدو ل نشاط ول قوة لها على اتمام اية فضيلة او وصية إلهية ‪ ،‬وكأنها‬
‫مثقلة ومقيدة بصورة مخيفة بالشرور النفة الذكر ‪ .‬ولكن اذا نهضت من‬
‫كبوتها بأتعاب التقشف ودموع التوبة‪ ،‬ونفضت عنها ثقل الجسد ‪ ،‬واذابت في‬
‫سيول العبرات ملوحة الهتمامات الرضية ‪ ،‬وتجاوزت تفاهة المنظورات ‪،‬‬
‫وبلغت الى النور النقي ‪ ،‬وأّهلت للنعتاق من الهواء الطاغية ‪ ،‬تصرخ‬
‫للوقت الى ال مع النبي ‪ :‬أنت مزقت مسحي وحزمتني بالسرور لكي يرتل لك‬
‫)قلبي ول يتسّرب الي أي حزن )مز ‪١١ ( 29‬ـ‪١٢‬‬
‫ـ هناك ثلثة مواضع يشير اليها الكتاب اللهي الى ان الذهن يجب ان‪78‬‬
‫يقطنها عادة ‪ .‬اما انا فأقول بأن هناك بالحري موضعين ‪ ،‬ل لعّلم ما يضاد‬
‫الكتاب المقدس ‪ ،‬ل سمح ال ‪ ،‬بل لني بين البداية والنهاية ل اعد ما‬
‫يتوسطهما ‪ .‬فمن يذهب مثل من مدينة او من منطقة الى اخرى فلن يسمي‬
‫الطريق التي اجتازها باسم المدينة او المنطقة ‪ ،‬وذلك مهما كان ما شاهده‬
‫طوال الطريق جميل وكثيرا ‪ ،‬ومن ذهب من مصر الى ارض الميعاد وقطن‬
‫فيها يذكر كل مراحل سفره ويرويها للجميع ولكنه ل يقول انه ذهب من مدينة‬
‫او منطقة الى مدينة او منطقة ثانية ‪ ،‬ثم من ثانية الى ثالثة ‪ ،‬بل انه عبر من‬
‫العبودية الى الحرية ومن الظلمة الى النور ومن المنفى الى الوطن ‪ ،‬على هذه‬
‫الصورة ينتقل ذهن النسان من الهوى الى اللهوى ‪ ،‬ومن عبودية الهواء‬
‫الى حرية الروح ‪ ،‬ومن الحكام المسبقة المنافية للطبيعة ـالتي يسميها العرف‬

‫الروحي " أسرا" ـ الى الرتقاء فوق الطبيعة ‪ ،‬ومن بحر الحياة المضطرب‬
‫الى السكنى بسلم بعيدا عن العالم ‪ ،‬ومرارة هموم الحياة واحزانها الى‬
‫العذوبة الفائقة الوصف وتلشي كل اهتمامات الرض ‪ ،‬ومن الشهوات‬
‫الموزعة بين اشياء كثيرة ‪ ،‬مصدرا للقلق والحيرة ‪ ،‬الى الشوق الى الواحد‬
‫الوحد وامتلكه كليا وحبه ‪ .‬تلك هي تحولت ذهننا عامة نحن البشر‬
‫ـ إن تحول الذهن من العالم اللمنظور وايثاره الستقرار في‪79‬‬
‫اللمحسوسات عوض المحسوسات ينسيه كل ما يتركه وراءه ‪ ،‬وهذه هي‬
‫السكينة ‪ :‬مقر السكينة والقامة فيها ‪ ،‬ومن أّهل لدخولها لن ينزل من جديد‬
‫الى هذا العالم كما فعل موسى بعد اربعين يوما واربعين ليلة قضاها في الجبل‬
‫‪ ،‬ولن يعود ابدا الى اسفل ليقينه بأنه " حسن ان يبقى هناك " وهكذا يصبح‬
‫على هذه الرض سكنا للثالوث القدس ويسكن هو ايضا فيه كفي ملكوت‬
‫السماوات ‪ ،‬لن المحبة تستبقيه ول تدعه يسقط‬
‫ـ ليس علي المتوحد او المرؤوس فقط بل ايضا على رئيس الدير والمتقدم‪80‬‬
‫على رهبان كثيرين ‪ ،‬بل وحتى على المكلفين بالخدمات في الدير ‪ ،‬ان‬
‫يطرحوا عنهم كل هم ‪ ،‬اي ان يبقوا متحررين اطلقا من المور الزمنية ‪.‬‬
‫فإذا اهتممنا بها خالفنا أمر ال القائل ‪ " :‬ل تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما‬
‫تشربون ول لجسادكم بما تلبسون ‪ .‬هذه كلها تطلبها المم " ) متى ‪25 (6‬ـ‬
‫‪ (32‬أو ‪ " :‬احترزوا لنفسكم لئل تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة‬
‫)" ) لوقا ‪34:21‬‬
‫ـ من يهتم بحاجات الحياة ل يكون حرا بل معاقا ومستعبدا لهذا الهتمام ‪81،‬‬
‫سواء كان اهتماما بنفسه او بالخرين ‪ .‬اما المتحرر منه ل يقلق لجل معيشة‬
‫غيره ‪ ،‬حتى لو كان اسقفا او رئيس دير او شماسا ‪ ،‬ولكنه لن يغفل ولن يهمل‬
‫شيئا حتى اتفه المور واصغرها ) انظر متى ‪ ( 10 :18‬واذ يفعل ويتمم كل‬
‫شيء ارضاء ل طيلة حياته يبقى خالي الهم‬
‫ـ هناك هم بدون جدوى وعمل بدون هم ‪ .‬كما ان هناك بالعكس عدم هم‪82‬‬

‫مجديا وبطالة كلها هم وقد اوضح الرب هذه الحالت كلها ‪ .‬فبقوله ‪ " :‬ابي‬
‫يعمل حتى الن وانا ايضا اعمل " ) يو ‪ ( 17:5‬أو " اعملوا ل للطعام البائد‬
‫بل للطعام الباقي للحياة البدية " ) يو ‪ ( 27:6‬ل يلغي العمل انما ينصحنا‬
‫بأن نقوم بعمل خال من الهم ‪ ،‬وبقوله " من منكم اذا اهتم يقدر ان يزيد على‬
‫قامته ذراعا واحدة " ) متى‪ (26:6‬وهكذا فإن الرب بتأييده للحالة الولى‬
‫ونبذه للثانية يبين لنا كيف ينبغي أن نعمل بدون هم ‪ ،‬مع اهتمامنا بجدوى‬
‫عملنا ‪ ،‬وان نتجنب العمل غير الملئم طارحين عنا كل هم‬

‫ـ ل تهدم بيتك بغية بناء بيت جارك بل احسب اول مقدار التعب وصعوبة‪83‬‬
‫العمل‪ ،‬لئل تكون ‪ ،‬بعد مباشرتك إياهقد هدمت بيتك وبت غير قادر على بناء‬
‫بيت جارك‬
‫ـ ما دمت لم تبلغ الى عدم الكتراث الكامل بأمور هذه الحياة وحاجاتها ل‪84‬‬
‫تتول شيئا منها لئل تتولك هي ‪ :‬فعوض ان يكافئوك على خدماتك سوف‬
‫يتهمونك بالسرقة وتدنيس القدسيات ‪ .‬اما اذا الزمك رئيسك فكن حذرا كمن‬
‫يلمس نارا محرقة ‪.‬وان سّكنت وثبات فكرك بالعتراف والتوبة فسوف تحفظ‬
‫سالما بفضل صلة رئيسك‬
‫ـ من لم يبلغ الى اللهوى ل يقدر ان يعرف ما هو اللهوى بل ل يستطيع‪85‬‬
‫ان يصدق انه يوجد على الرض انسان قد بلغه ‪ .‬فكيف يمكن لمن لم يكفر‬
‫بنفسه اول ) متى ‪ (24:16‬ولم يسفك دمه طوعا في سبيل تلك الحياة‬
‫المغبوطة حقا ‪ ،‬أن يتصور أن آخر قد صنع هذا لقتناء اللهوى ؟ كذلك من‬
‫يتصور انه يقتني الروح القدس ‪ ،‬وهو ل يقتنيه ‪ ،‬اذا سمع قول عن فعل‬
‫الروح القدس ‪ ،‬وهو ل يقتنيه ‪ ،‬ادا سمع قول عن فعل الروح القدس في الذين‬
‫يقتنونه حقا ل يصدق ابدا انالروح القدس يفعل في احد ابناء هذا الجيل‬
‫ويحركه على غرار رسل المسيح والقديسين القدماء ‪ .‬وانه ينعم عليه برؤيته‬

‫بشكل محسوس للوجدان ‪ .‬فكل واحد يحكم في شأن الغير بحسب حاله هو ‪،‬‬
‫سواء في الفضيلة او في الرذيلة‬
‫ـ ل هوى النفس شيء ول هوى الجسد شيء آخر ‪ .‬فل هوى النفس يادس ‪86‬‬
‫الجسد ايضا ببهائه وبدفق نور الروح عليه ‪.‬اما ل هوى الجسد وحده فل يقدر‬
‫ان يؤتي من يقتنيه اي نفع‬
‫ـ سكون اعضاء الجسد والنفس شيء واقتناء الفضائل شيء آخر ‪،‬فالول‪87‬‬
‫يتبع الطبيعة‪ ،‬اما لثاني فيسّكن كل حركات الطبيعة‬
‫ـ عدم اشتهاء شيء من مطربات العالم وملذاته يختلف عن ابتغاء الخيرات‪88‬‬
‫البدية وغير المنظورة ‪ .‬هذا شيء وذاك شيء آخر ‪ .‬لن كثيرين يرذلون‬
‫الولى ولكنن قليلون جدا يهتمون بالثانية‬
‫ـ ان كان الهرب من مجد الناس ) يو"‪ (43:12‬وعدم السعي اليه حسنا ‪89،‬‬
‫فالتعلق بمجد ال شيء آخر ‪ .‬والفرق كبير بينهما ‪ ،‬فان كثيرين قد نبذوا المجد‬
‫الول لن اهواء اخرى استولت عليهم ‪ ،‬ولكن قليلون جدا استحقوا الثاني‬
‫بكثرة تعبهم وجدهم‬
‫ـ ان الكتفاء بلباس بسيط وعدم ابتعاء لباس بهي شيء وارتداء نور ال‪90‬‬
‫شيء آخر ‪ .‬هذا شيء وذاك آخر ‪ .‬فان البعض تجاذبتهم مشتهيات كثيرة‬
‫فاهملوا بسهولة ابتعأء لباس بهي ‪ .‬لكن ل يلبس نور ال سوى الذين يسعون‬
‫اليه دون انقطاع متجشمين اتعاب التوبة الكثيرة ‪ ،‬وقد غدوا بني النور والنهار‬
‫) اتس ‪ ( 5:5‬بحفظهم للوصايا‬
‫ـ ان نتكلم باتضاع شيء وان نكون متضعين شيء آخر ثم التواضع شيء‪91‬‬
‫وزهرة التواضع وثمرته شيء آخر ‪ .‬واخيرا جمال هذه الثمرة شيء ولذه‬
‫جمالها شيء آخر ‪ ،‬وآخر ايضا طاقتها ‪ ،‬وان بعض ما ذكر في مقدورنا هو‬
‫ان نذكر كل ما يقودنا الى التواضع ونقصده ونقدره ونفعله ‪ ،‬اما لتواضع‬
‫المقدس مع موكب المواهب والطاقات الخاصة به فهو عطية من ال ‪ .‬ل يأتينا‬

‫من لدننا ولن يستحقه احد يوما ان لم يبذل اول كل ما في وسعه على وجه‬
‫كامل‬
‫ـ عدم اغتياظنا للشتائم والمحن والحزان حسن ؛ ارتضاؤنا اياها شيء‪92‬‬
‫والصلة من اجل مسببيها ) متى ‪ ( 44:5‬شيء آخر ‪ ،‬ان نحبهم من عمق‬
‫النفس شيء وان نزيد على ذلك بان يرتسم فينا وجه كل منهم وان نقّبلهم‬
‫كاصدقاء حقيقيين ‪ ،‬بدون هوي وبدموع حب صادق ‪ ،‬اعني بدون اي اثر‬
‫لي مضض ‪ ،‬شيء آخر‪ ،‬واجمل من هذا كله ان نبقى اثناء المحبة عينها‬
‫على موقف واحد ثابت خال من القلق ازاء من يشتموننا في وجهنا ويتهموننا‬
‫ويضيموننا ويحكمون علينا ويسفهوننا ويبصقون علينا او حتى ازاء الذين‬
‫يبقون على مظاهر الصداقة لنا ولكنهم يسلكون في الخفاء مسلك الخرين‬
‫نفسه غير قادرين على اخفائه بالكلية واخيرا ان الفعل الكثر ثوابا والفائق‬
‫التشبيه هو ‪ ،‬على ما يبدو لي ‪ ،‬ان نستر بالنسيان الكامل ما عانيناه وال نذكر‬
‫شيئا مما حدث سواء في حضرة مضايقينا او في غيابهم ‪ ،‬وان نقابلهم هم‬
‫ايضا كأحباء في اللقاأت والولئم بدون اية عودة الى الماضي‬

‫ـ ذكر ال غير حبه ‪ ،‬وكذلك مخافته غير حفظ وصاياه ‪ .‬ال ان هذه كلها ‪93،‬‬
‫وان اختلفت ‪ ،‬تجتمع معا في الكاملين الذين بلغوا اللهوى‬
‫ـ المتناع عن الخطيئة شيء وحفظ الوصايا شيء آخر ‪ .‬فحفظ الوصايا‪94‬‬
‫خاصة للذين يجاهدون ويعيشون انجيليا ‪ .‬اما عدم الوقوع في الخطيئة فهو‬
‫فقت للذين بلغوا الى تخوم اللهوى‬
‫ـ اذا كان عدم النشغال بأمر ما شيئا ‪ ،‬وهو كذلك ‪ ،‬فهو غير السكينة ‪95،‬‬
‫ول السكينة هي الصمت‪ .‬فهذه حالت ثلث مختلفة تماما ‪ .‬فالحالة الولى‬
‫شأن الذين ل يشاؤون ابدا الشتراك في خيرات ال ول تقويم الصالحات ‪،‬‬

‫والحالة الثانية شأن الذين يبتغون معرعة ال باجتهاد دؤوب ‪ ،‬جالسين عند‬
‫كلم حكمة ال الموحاة وفاحصين اعماق الروح ) كور الولى ‪(10:2‬‬
‫يتلقفون اسرار ال العجيبة ‪ ،‬اما الحالة الثالثة فهي شأن المنكبين على العمل‬
‫العقلي يرصدون الفكار الغريبة بانتباه‬
‫ـ ليست الغربة الحقيقية اعتزال العالم بالنتقال من مكان الى آخر هذا شيء‪96‬‬
‫وتلك شيء آخر ‪ .‬فالنتقال من مكان الى آخر يلئم المجاهدين حين يدفعهم اليه‬
‫اما اقصاء الكسل وعدم ثبات الذهن او مزيد من الحرارة لرغبتهم في‬
‫حروبات روحية اشد ‪ .‬اما الغربة فهي شأن الذين صلبوا انفسهم للعالم ولما‬
‫في العالم ) غلطية ‪ ( 14:6‬غير طامحين ال الى العيش مع ال وحده‬
‫وملئكته على الدوام دون اية رجعة الى امور الناس‬
‫ـ صد العداء ومحاربتهم شيء والتغلب عليهم واخضاعهم واماتتهم كليا‪97‬‬
‫شيء آخر ‪ ،‬فالمر الول شأن المجاهدين وكريمي النفوس ‪ ،‬اما الثاني فشأن‬
‫الذين بلغوا اللهوى والكمال‬
‫ـ تلك هي اعمال القديسين السالكين في نور اللهوى ‪ ،‬اما الذين يدركون‪89‬‬
‫انهم بعيدون عنه فل يضلهم احد ول يخدعوا انفسهم ‪ ،‬بل فليعلموا انهم‬
‫يسيرون باطل كمن يسير في الظلم‬
‫ـ لقد سعى كثيرون سعيا حثيثا لتمام تلك لعمال ‪ ،‬هذا لسبب وذاك لسبب‪99‬‬
‫آخر ‪ .‬ال ان قليلين جدا اقبلوا على ممارستها بخوف ال خوفا خالصا وحبا به‬
‫‪ .‬فهؤولء فقط ‪ ،‬بمعونة النعمة التي من العلى ‪ .‬ينجحون سريعا في عمل‬
‫الفضيلة ويمتدون بكل قواهم الى ما يرجون ‪ .‬اما الخرون فيتوانون تائهين "‬
‫في برية جرداء ل طريق فيها " حسب قول الكتاب ) مز ‪ (106:40‬او قد "‬
‫)انصرفوا الى اهواء قلوبهم فتاهوا في مشورات اهوئهم " ) مز ‪12:80‬‬
‫ـ من اختبر هذا كله بغيرة حميدة كبرى سوف يفهم قوة كلمي ‪ ،‬اما‪100‬‬
‫غيره فقد يفهم المعنى المادي للكلمات لكنه لن يبلغ ‪ ،‬في نطاقها الروحي‬
‫والعقلي ‪ ،‬ال الى مجرد مفاهي نظرية ‪ ،‬بل سيتخيل تخيلت كاذبة وهو بعيد‬

‫عن الحقائق المذكورة بعد الكثير الوهام‬
‫ـ متى تغلبت على دناءة الجسد باتعاب واعراق كثيرة ‪ ،‬وطرحت عنك‪101‬‬
‫عبوديته فحملت خفيفا من حولك وكأنه روحاني حتى انعدام احساسه بالتعب‬
‫والجوع والعطش ‪ ،‬فسوف تعاين حينذاك في افضل من مرآة ) كور الولى‬
‫‪ (12:13‬من هو فوق الذهن ‪ ،‬وتشاهد بعينيك اللتين فّتحتهما الدموع من لم‬
‫يره احد قط ) يو ‪ (18:1‬وتستخرج من نفسك المجروحة بحبه نشيدا يندى‬
‫بالعبرات ‪ ،‬حينذاك اذكرني وصل من اجلي انا الحقير كونك ادركت التحاد‬
‫بال واقتنيت دالة لديه ل تخزى‬

‫مقالت اخرى عرفانية ولهوتية‬
‫ـ التوبة ل تلئم من يعاين اللهيات ول معاينة اللهيات تلئم التائب ‪ .‬كبعد‪1‬‬
‫المشرق عن المغرب ) مز ‪ (102 :12‬تفوق المعاينة التوبة ‪ .‬فالتائب‬
‫الحقيقي الممارس لعمال التوبة يماثل من يلزم المراض والوهان‬
‫ويعايشها ‪ ،‬او البائس رث الثياب الذي يصرخ مستعطيا ‪ .‬اما معاين اللهيات‬
‫فهو كمن يتخطر في القصر الملكي مرتديا ابهى ثوب يليق بالملك ‪ ،‬انه مقرب‬
‫اليه فيكلمه متى شاء ويطلع منه مشافهة وفي كل حين على اوامره ومشيئاته‬
‫ـ ان ازدياد معرفتنا ل يجعلنا نجهل سائر الكائنات ‪ ،‬بل ال نفسه اذا جاز‪2‬‬
‫القول ‪ .‬ففي بهاء نور معرفة ال يتعذر رؤية اي شيء ‪ .‬والحس الذي يعلو‬
‫على كل شيء ويتجاوز كل حس ‪ ،‬هو عدم الحساس بكل ما هو خارج نطاقه‬
‫‪ .‬فان المعرفة التي ل تعرف موضوعها من اين هو وما هو واين وهو وكيف‬
‫هو ‪ ،‬بل العاجزة عن ملحظة كل هذا وتسوره ‪ ،‬من اين لها ان تكون حسا ؟‬
‫الن يكون موضوع معرفتها بالحري فوق الحس ؟ والن يغدو الذهن في‬
‫شعوره بضعفه فاقد الحس بما هو فوق الحس؟ " ما لم تره عين وما سمعت به‬
‫اذن ول خطر على قلب بشر " ) كور الولى ‪ (9:2‬كيف له ان يقع تحت‬
‫الحس؟‬

‫ـ الرب الذي انعم علينا بالخيرات الفائقة الحس يهبنا ايضا ‪ ،‬بروحه القدوس‪3‬‬
‫> حسا جديدا يفوق الحس ‪ ،‬لنحس به على وجه فائق الطبيعة ‪ ،‬بصورة جلية‬
‫ونقية ‪ ،‬وعبر كل الحاسيس ‪ ،‬بعطاياه وانعاماته التي تفوق الحس‬
‫ـ كل من كان عادم الحس " بالحد" ) اي بال ( يحس بكل الشياء‪ ،‬رع؛م‪4‬‬
‫كونه قائما خارج الحساس بكل الشياء ‪ .‬انه يحس بكل الشياء ولكنه غير‬
‫مأخوذ بالحس بها‬
‫ـ من كان اصم عن سماع الكلمة كان اصم عن سماع اي صوت ‪ ،‬كام ان‪5‬‬
‫من يسمع الكلمة يسمع الصوات كلها ‪ ،‬ذاك الصم عنسماع كل الصوات‬
‫يسمعها كلها ول يسمع ايا منها ‪ ،‬ال التي تنتظم خطابا في الكلمة ولكنه ل‬
‫يسمع الخطاب بل الكلمه‬
‫وحده الذي يتكلم عبر الخطاب بدون ضجيج صوت الكلمات‬
‫ـ من يسمع ويرى ويحس لى هذه السورة يفهم ما اقول ‪ ،‬اما من لم يفهم فمن‪6‬‬
‫البديهي ان حواس نفسه ليست يقظة ول سليمة ‪ .‬ولذا لم يتعلم بعد انه خلق‬
‫لكي يدخل من خلل معاينة للطبيعة المنظورة الى العالم العقلي غير‬
‫المنظور ‪ .‬لكنه اذ هو حائز على هذا الشرف نراه يسقط الى التشبه بالبهائم‬
‫التي ل عقل لها ) مز ‪ (12:48‬وبعد تشبهه بها يستمر على ذلك ل يهتدي ول‬
‫يتراجع ليعود الى كرامته الولى ‪ ،‬وفق تدبير ربنا وسيدنا يسوع المسيح ابن‬
‫)ال ) انظر أف ‪ 2:3‬و ‪7‬‬
‫ـ ما دمت تحت ل تبحث عما فوق ‪ .‬وقبل قن ترتقي الى فوق ول تنشغل‪7‬‬
‫بفضول بما هو تحت ؟ لنك اذا ما زلقت فقد تخسر ما فوق وما تحت ‪ ،‬بل‬
‫ستبقى مع السفليين‬
‫ـ من رفعه الملك من الفقر المدقع الى الغنى ‪ ،‬وشرفه شرفا مبينا والبسه ثوبا‪8‬‬
‫‪ ،‬ودعاه الى المثول امامه ‪ ،‬فانه يشخص الى الملك بلهفة ويحبه اكثر من اي‬
‫احد سواه كونه محسنا اليه ‪ .‬انه يتفحص بانتباه الثوب الذي ارتداه فيعي‬

‫كرامته ويتبين الغنى الذي حظي به ‪ ،‬هكذا الراهب الذي تخلى عن العالم‬
‫وخيراته باخلص وتقرب من المسيح ‪ ،‬ولبى الدعوة وارتقى الى قمة المعاينة‬
‫الروحية بحفظه للوصايا ‪ ،‬فانه يعاين ال ذاته دون ان يضل ‪ ،‬ويتفحص‬
‫بانتباه التغيير الحاصل فيه لنه يبصر نعمة الروح تحيت به ببهائها على‬
‫الدوام ‪ ،‬تلك النعمة التي تدعى الثوب والبرفير الملوكي ‪ ،‬بل هي المسيح عينه‬
‫)‪ ،‬اذا صح ان الذين يؤمنون به يلبسونه ) انظر رو ‪14:13‬‬
‫ـ من اغتنى بالغنى لسماوي ‪ ،‬اعني بحضور وسكنى من قال ‪ ":‬ونأتي اليه )‪9‬‬
‫أنا و ابي( ونجعل لنا عنده مقاما" ) يو ‪ ، (23:14‬يعرف بمعرفة النفس‬
‫عظمة النعمة التي حظي بها ‪ ،‬وايضا عظمة وجمال الكنز الذي يقتنيه في‬
‫قصر قلبه ‪ ،‬انه نظير صديق يخاطب صديقه ‪ ،‬يقف بكل دالة امام وجه ال ‪،‬‬
‫)في حضرة من يسكن في النور الذي ل يدنى منه ) اتي ‪16:6‬‬
‫ـ طوبى لمن يؤمن بهذا ! ومثلث الطوبى من يجد ويسارع بالعمل النسكي‪10‬‬
‫والحروب المقدسة الى اجتناء معرفة ما قلناه ‪،‬انه لملك ـ ان لم اقل اكثر من‬
‫ملك ـ ذاك الذي بالمعاينة والمعرفة وصل الى علو هذه الحال ‪ ،‬لقد صار‬
‫قريبا من ال ‪ ،‬بمثابة ابن ل‬

‫ـ حين يقف المرء على شاطئ البحر يشاهد اوقيانوس المياه الذي ل حد له‪11‬‬
‫‪ .‬ولكنه يعجز عن ادراك نهايته ول يرى سوى جزء منه ‪.‬هكذا من ُأّهل أن‬
‫يشخص بنظره الى بحر مجد ال الذي ل حد له ويشاهده عقليا بالمعاينة‬
‫اللهية‪ ،‬ل يراه كما هو في كل عظمته بل يرى ما يمكن رؤيته فقط بالعينين‬
‫العقليتين ‪ ،‬عيني النفس التي ترى‬
‫ـ من كان على شاطئ البحر ولم يكتف بالتطلع اليه يمكنه ام يدخل في‪12‬‬
‫مياهه قدر ما يشاء ‪ .‬هكذا الروحانيون يستطيعون اذا شاؤوا ان يشتركوا بنور‬
‫ال في المعاينة بقدر ما يدفعهم الشوق وحب المعرفة الى ذلك‬

‫ـ ما دمنا على شاطئ البحر خارج المياه نرى كل سعة المحيط ونحدق اليه‪13‬‬
‫بنظرة واحدة ‪ ،‬ولكن متى بدأنا ندخل الماء ونغوص فيه ‪ ،‬فبقدر ما ننزل فيه‬
‫نفقد رؤية ما في الخارج ‪ .‬هكذا من يشاركون في نور ال كلما تقدموا في‬
‫المعرفة اللهية وقعوا بالحري في الجهل بمقدار تقدمهم‬
‫ـ من كان في الماء حتى الركبتين او حتى الخصر يرى جيدا ما هو خارج‪14‬‬
‫الماء‪ ،‬ولكنه اذا غطس الى القعر وصار كله تحت الماء فإنه ل يعود بامكانه‬
‫رؤية ما هو خارج المياه‪ ،‬ول يعود يعرف ال شيئا واحدا هو انه كله في عمق‬
‫البحر ‪ .‬هذا ما يحصل للذين في السبيل الروحي ويلجون الى كمال المعرفة‬
‫والمعاينة‬
‫ـ عندما يستنير المتقدمون نحو الكمال الروحي استنارة جزئية‪ ،‬اعني‪15‬‬
‫عندما يتقبلون في ذهنهم وميضا من نور فقط ‪ ،‬حينئذ يرون مجد الرب عقليا‬
‫كما في مرآة ‪ .‬فتلقنهم النعمة التي من فوق معرفة العلم وكشف السرار‬
‫اللهية بصورة خفية ‪.‬ناقلة اياهم من معاينة الكائنات الى معرفة من هو فوق‬
‫الكائنات‬
‫ـ ان الذين يقتربون من الكمال ول يرونه بعد ال" جزئيا " يرتاعون لدى‪16‬‬
‫فهمهم تعذر ادراكهم ما يرون ‪ .‬فإنهم بقدر ما يلجون الى نور المعرفة‬
‫يعرفون جهلهم ‪ .‬لن من يظهر لهم‪ ،‬اول بصورة غامضة وكأنه في مرآة‬
‫) كو ‪ ،(12:13‬منيرا جزئيا ما يفقهونه ذهنيا ‪ ،‬عندما يتنازل الى ان ُيرى‬
‫بصورة اكمل ويتحد بالمشاركة مع من ينير ضاما وحاويا اياه كله فيه ‪،‬‬
‫وعندما يكون المستنير في عمق الروح بجملته كأنه مطروح في وسط لجة‬
‫من مياه نّيرة ل حد لها ‪ ،‬فإنه يرتقي حينئذ في الجهل المطلق بصورة ل‬
‫توصف وكأنه فوق كل معرفة‬

‫ـعندما يكون الذهن بسيطا بل عاريا من اي فكر ومتشحا كله بنور ال‪17‬‬
‫البسيط ومختبئا فيه‪ ،‬فل يمكنه ان يجد ما يوجه اليه جهد فهمه غير ما يقيم فيه‬

‫‪ .‬فيبقى بالتالي في لجة النور اللهي الذي ل يتيح له ان يرى شيئا خارجه ‪.‬‬
‫هذا هو معنى القول " ال نور " ) يوحنا الولى ‪ ، (5:1‬النور السمى ‪ .‬انه‬
‫لمن صاروا اليه الستراحة من كل معاينة‬
‫ـ الذهن الدائم الحركة يصبح بل حراك ‪ ،‬خاليا من الفكار كليا ‪ ،‬عندما‪18‬‬
‫يستتر بجملته في الظلم والنور الهيين‪ .‬ال انه يكون في حالة من المعاينة‬
‫والحساس والتنعم بالخيرات التي يقيم فيها ‪ ،‬لن عمق مياه البحر ليس هو‬
‫الصورة الصحيحة لعمق الروح ‪ ،‬اذ ان الروح هو "الماء الحي " الذي للحياة‬
‫البدية ) يو‪10: 4‬و‪ (14‬فكل المفاهيم عن تلك الحياة غير قابلة للفهم ول‬
‫للتعبير ول للدراك ؛ والذهن ‪ ،‬بعد تجاوزه كل ما هو منظور وكل ما يمكنه‬
‫تصوره ‪ ،‬يقيم في تلك الحياة ‪ ،‬متحركا ودائرا بل حراك في الخيرات التي‬
‫تحويها فقط ‪ ،‬انه يعيش في حياة تفوق الحياة‪ ،‬نورا في النور ‪ ،‬ولكن ل نورا‬
‫لذاته لنه ل يرى ذاته حينذاك بل " من " هو فوقه ؛ والمجد الذي ينجم عن‬
‫‪.‬ذلك يجعله غريبا عن ذاته ‪ ،‬جاهل لذاته كليا‬
‫ـ من بلغ مقاييس الكمال قد مات دون ان يموت ‪ ،‬لنهيحيا في ال متحدا به‪19‬‬
‫‪،‬ول يحيا بعد لنفسه ) انظر رو ‪ .(7:14‬انه اعمى اذ ل يعود يبصر بعينيه‬
‫الطبيعتين‪ .‬لقد تجاوز كل رؤية طبيعية لنه احرز عينين جديدتين افضل بل‬
‫قياس من عيني الطبيعة‪ ،‬وهو يرى فوق الطبيعة‪ .‬انه يسكن بل جهد ول‬
‫حراك اذ' ان كل حاجة فيه الى العمل قد اكتملت‪ .‬ليس له بعد من افكار لنه‬
‫ادرك التحاد بمن هو فوق الفكار ‪ ،‬فيستريح حيث ل نشاط للذهن فيما بعد‪،‬‬
‫اي ل حركة لجل التفكير او الدراك ‪ .‬فانه يعجز عن تصور او ادراك ما‬
‫هو غير قابل للدراك ‪ ،‬ويكون اذ ذاك في حالة من شبه السكون ‪ ،‬هو سكون‬
‫اللحس المغبوط مع الحس اليقيني بالخيرات التي ل ينطق بها ‪ ،‬ينعم بها جليا‬
‫‪.‬بدون جهد‬
‫ـ من لم يستحق ان يصل الى مثل هذه الدرجة من الكمال ‪ ،‬وان يحظى‪20‬‬
‫باقتناء مثل تلك الخيرات‪ ،‬فل يلومن ال نفسه ‪ ،‬ول يقل متنصل بأن هذا‬
‫متعذر‪ ،‬او باننا ل نعي حالنا عند وصولنا الى الكمال ! بل فليتعلم يقينا من‬

‫الكتاب المقدس ان هذا ممكن وحقيقي ومحقق بالفعل ويتم فينا بوعي منا !‬
‫ولكننا بمقدار تخلفنا واهمالنا للوصايا نحرم من تلك الخيرات‬
‫ــ كثيرون يطالعون الكتاب المقدس ‪ ،‬وغيرهم يسمعونه يتلى ‪ .‬ولكن‪21‬‬
‫قليلون يستطيعون تكوين فكرة صحيحة عن مبنى ما ُيقرأ وعن الفكرة التي‬
‫يتضمنها فيقولون ان ما يرويه الكتاب متعذر تحقيقه او يعدونه غير قابل‬
‫للتصديق تماما‪ ،‬او يفسرونه خطأ ‪ ،‬فيحسبون ان ما يقال عن الحاضر يعود‬
‫للمستقبل ‪ ،‬ويعدون ما يقال عن المستقبل حدثا من الماضي او امرا عابرا‬
‫غير ذي شأن‪ .‬هكذا ليس لهم رأي سليم ول تميز صحيح في المور اللهية‬
‫والبشرية في آن‬
‫ــ لقد خلق ال في البدء عالمين اثنين ‪ ،‬احدهما منظورا ولخر غير‪22‬‬
‫منظور‪ .‬ولكنه خلق ملكا واحدا على المنظورات يحمل في ذاته سمات توافق‬
‫كل العالمين ‪ ،‬إن من الوجهة المنظورة او من الوجهة العقلية‪ ،‬وتناسبا مع‬
‫هذين العالمين تضيء شمسان اثنتان ‪ :‬شمس حسية وشمس عقلية ‪ ،‬وكما هي‬
‫الشمس في العالم المنظور والسي كذلك هو ال في العالم اللمنظور والعقلي ‪،‬‬
‫اذا نه يدعى " شمس العدل"‪ ،‬وهو كذلك ) ملخي ‪ ،( 2:4‬اذا هناك شمسان‬
‫الواحدة منظورة والثانية عقلية على غرار العالمين كما سبق القول‪ .‬واحد‬
‫العالمين ‪ ،‬اي العالم الحسي وكل ما يحويه ‪ ،‬يتلقى نوره من الشمس المنظورة‬
‫والحسية‪ .‬والثاني ‪ ،‬أي العالم العقلي مع الذين يسكنونه ‪ ،‬تضيئه وتنيره شمس‬
‫العدل العقلية ‪ ،‬فالكائنات الحسية من جهة والعقلية من جهة اخرى ‪ ،‬تنيرها‬
‫اما الشمس الحسية او الشمس العقلية ‪ ،‬دون ان يكون بين العالمين اي اتحاد‬
‫او معرفة او شركة ‪ ،‬ل من قبل العالم الحسي نحو العقلي ‪ ،‬ول من قبل العالم‬
‫العقلي نحو الحسي‬

‫ـ لقد خلق ال النسان مزدوجا وحده بين سائر الخلئقالمنظورة والعقلية‪23.‬‬
‫فهو ذو جسد مركب من العناصر الربعة الى جانب الحس والتنفس اللذين‬

‫يتصل بهما بالعناصر ويعايشها‪ ،‬وهو ذو نفس ذات عقل غير مادي وغير‬
‫متجسد‪ ،‬متحدة بهذه العناصر بصورة ل تعرف ول ينطق بها ‪ ،‬في اندماج‬
‫بدون اختلى ول تشويش‪ .‬هذا ما يؤلف النسان حيوانا مائتا وغير مائت ‪،‬‬
‫منظورا وغير منظوار‪ ،‬حسيا وعقليا‪ ،‬قادرا ان يرى الخليقة المنظورة وان‬
‫يعرف الخليقة العقلية‪ .‬اذا بما ان الشمسين تخصسان فعلهما كل بعالمها ‪ ،‬ففي‬
‫الطبيعة البشرية الواحدة تنيرالجسد الشمس الولى وتنير النفس الشمس‬
‫الثانية‪ ،‬وكل من الشمسين تنقل نورها الى ما تنيره فيشترك به ‪ ،‬غزيرا او‬
‫شحيحا‪ ،‬بمقدار تقبله للنور‬
‫ـ الشمس الحسية ترى ول ترى ‪ ،‬اما الشمس العقلية فيراها من استئهل‪24‬‬
‫لذلك فقط‪ ،‬وهي ترى جميع الناس ‪ ،‬ولكن بصورة خاصة الذين يرونها ‪.‬‬
‫الشمس الحسية ل تتكلم ول تمد باحد بقدرة الكلم ؛ ام الشمس العقلية فتكلم‬
‫احبائها وتعطي الجميع نعمة الكلم ‪ ،‬الشمس الحسية عندما تنير بساتيننا‬
‫تقتصر على تبخير الرطوبة بدفء اشعتها ‪ ،‬وليست هي التي ُتقيت النباتات‬
‫والبذور ‪ .‬ام الشمس العقلية فإنها ‪ ،‬حين تظهر ذاتها للنفس ‪ ،‬تبخر رطوبة‬
‫الهواء وتطرد نتانتها‪ ،‬ثم تسّمن ارض النفس حيث تقتات نباتات الفضائل اذا‬
‫ما سقيت في حينه‬
‫ـ الشمس الحسية تطلع وتنير الخليقة الحسية وكل ما فيها من اناس وبهائم‪25‬‬
‫وقطعان وغيرها ‪ ،‬فتنشر نورها على الكل بالتساوي‪ ،‬ثم تغيب فتترك ما‬
‫كانت تنيره في الظلم‪ .‬اما الشمس العقلية فتضيء بدون انقطاع‪ ،‬وما فتئت‬
‫تضيء‪ ،‬محتواة كلها في كل الكون دون ان تكون محتواة فيه ‪ .‬انها مفصولة‬
‫تماما عن خلئقها ومتميزة عنها دون ان يكون هناك بعد يفصلها عنها ‪ .‬هي‬
‫كلها في الكل وهي ليست في اي مكان ‪ .‬انها كلها في كل الخلئق المنظورة‬
‫وكلها خارجها‪ ،‬كلها في الشياء المنظورة وكلها في اللمنظورة ‪ ،‬هي‬
‫حاضرة كلها في كل مكان وليست حاضرة كلها في اي مكان‬

‫مقالت اخرى لهوتية ونسكية‬
‫ـ المسيح هو البداءة ) كول ‪ (18:1‬والمنتصف والنهاية‪.‬وهو في الجميع ‪1:‬‬
‫انه في الولين وايضا في المتوسطين وفي الخرين كما في الولين ‪ .‬فليس‬
‫من فرق عنده بين هؤلء ‪ ،‬كما انه ليس بربري ول سيكتي ‪ ،‬ل يوناني ول‬
‫)يهودي ‪ ،‬بل المسيح الكل وفي الكل ‪ ) .‬انظر كول ‪11:3‬‬
‫ـ الثالوث القدس يتغلل ) يدخل في ( في جميع الناس ‪ ،‬من اولهمالى اخرهم‪2‬‬
‫‪ ،‬كفي جسد واحد من الرأس الى القدمين ‪ .‬فيجمعهم ويضمهم الى بعضهم‬
‫البعض‪ ،‬ويشركهم ويصلهم في ذاته ‪ .‬وبذا يثبتهم في وحدة ل تنقصم ‪ ،‬جاعل‬
‫ذاته معروفا هو هو في كل منهم ‪ :‬انه ال الذي يصير الخرون فيه اولين‬
‫)والولون آخرين ) متى ‪16:20‬‬
‫ـ علينا نحن المؤمنين ‪ ،‬ان ننظر الى جميع المؤمنين كإلى شخص واحد ‪3،‬‬
‫مقرين بأن المسيح يسكن في كل منهم ‪ ،‬وهكذا نوطن النفس على الستعداد‬
‫لبذل حياتنا عنهم بسرور حبا به ‪.‬اذن ليس لنا الحق‪ .‬اطلقا‪ ،‬ان نقول او نفكر‬
‫عن احد ما بأنه شرير‪ ،‬بل يجب ان نعد جميع المؤمنينن صالحين كما سبق‬
‫القول ‪ .‬وحتى اذا رأيت واحدا رازحا تحت عبء الهواء فل تكره اخاك بل‬
‫الهواء التي تعذبه ‪ .‬واذا كانت تطغيه الشهوات والراء المنحازة فاشفق عليه‬
‫بالكثر لئل تجّرب أنت ايضا ‪ ) .‬غل ‪ (1:6‬اذ انك عرضة لتقلبات الهيولي‬
‫الكثيرة التغيير‬
‫ـ ان ال ينير مراتب القوات السماوية العقلية مرتبة فمرتبة ‪ ،‬ابتداء من‪4‬‬
‫الولى الى الثانية ومن هذه الى غيرها ‪ ...‬الى ان يجوز بهم الشراق اللهي‬
‫جميعا ‪ .‬هكذا القديسون تنيرهم ملئكة ال وهم مجموعون ومتحدون برباط‬
‫الروح‪ ،‬فيغدون مساوين للملئكة واقرانا لهم ‪ .‬القديسون الذين يأتون جيل بعد‬
‫جيل ‪ ،‬ويحفظون وصايا ال لينضموا الى الذين سبقوهم ‪ ،‬يتقبلون النور على‬
‫غرارهم بمقتضى اشتراكهم في نعمة ال ‪ .‬ويصبحون نظير سلسلة ذهبية ‪،‬‬
‫كل منهم فيها حلقة متصلة بسابقتها باليمان والمحبة والعمال السالحة ‪،‬‬

‫مؤلفين في ال " الحد " سلسلة واحدة يصعب قطعها‬
‫ـ ان كان احد مرائيا غير صادق ‪ ،‬او ملما في تصرفاته ‪ ،‬او كان سريع‪5‬‬
‫الستسلم لحد الهواء ‪ ،‬او مقصرا في امر ما بدافع التواني ‪ ،‬فل يعد ضمن‬
‫الجماعة مع الخرين بل يبعد كونه عاطل وكاذبا ‪ .‬وذلك خشية ان يتسبب ‪،‬‬
‫اوقات التوتر ‪ ،‬في قطع رباط السلسلة والفصل بين غير القابلين للنفصال‬
‫‪،‬فيؤذي الجهتين ‪ ،‬لن كل من الذين يتقدمون والذين يتبعون قد يتألمون معا‬
‫من الفرقة‬
‫ـ من ل يطمح ـ باشتياق المحبة ) انظر كور الولى ‪ (2:13‬ـ الى التحاد ‪6،‬‬
‫بالتضاع ‪ ،‬باصغر صغار القديسين جميعا ) أف ‪ (8:3‬بل يشعر نحوه بشيء‬
‫من الحذر ولو يسيرا جدا‪ ،‬لن يتحد به يوما على الطلق ولن يتصل‬
‫بالقديسين الولين الذين سبقوه ‪ ،‬حتى ولو ظن انه يقتني كل اليمان اكل‬
‫المحبة تجاه ال وجميع القديسين ‪ .‬فإن هؤلء سوف يقصونه عنهم بعيدا ‪ ،‬لنه‬
‫لم يتضع ويقبل المكان المخصص له والذي كان ال قدعزم منذ الزل على ان‬
‫يدرج فيه‬
‫ـ يبق الندم المرضي ل التواضع ويليه فرح وارتياح ل يوصفان ‪7.‬‬
‫والتواضع المرضي ل يلد الرجاء بالخلص ‪ .‬لنه بقدر ما نحسب انفسنا اول‬
‫الخطأة ‪ ،‬من صميمالنفس ‪ ،‬ينمو الرجاء في القلب ويزهر ‪ ،‬من جراء‬
‫التضاع الذي يضمن لنا الخلص‬
‫ـ بقدر ما نتوغل في اعماق التواضع ‪ ،‬يائسين لكوننا غير اهل للخلص ‪8،‬‬
‫يطلق الندم ينابيع الدموع ‪ .‬وبمقدار هذه الدموع ينفجر الفرح الروحي في‬
‫القلب مع الرجاء الذي ينبع معه ويتكاثر مرسخا اليقين بالخلص‬
‫ـ على كل واحد ان يلحظ نفسه ويعرفها لئل يتكل على الرجاء وحده دون‪9‬‬
‫الندم المرضي ل والتضاع الروحي ‪ ،‬او على التضاع والدموع دون‬
‫الرجاء والفرح الروحي اللذين ينبغي ان يرافقاها‬

‫ـ هناك تواضع مزعوم يتولد من الكسل والتواني او من شعور حاد بتبكيت‪10‬‬
‫الضمير ‪ ،‬ومن يقتنيه يظنه نافعا للخلص ‪ .‬ولكنه غير نافع لنه ل يقترن‬
‫بالندم الذي ينبع الفرح‬

‫ـ هناك ندم بدون اتضاع روحي ‪ ،‬والذين يشعرون به يظنون انه يغسل‪11‬‬
‫خطاياهم ‪ ،‬هذا خطأ وضلل ‪ .‬فانهم يحرمون من عذوبة الروح التي تتولد‬
‫بصورة سرية في كنز النفس الداخلي ول يذوقون وينظرون ما اطيب الرب )‬
‫مز ‪ .(8:23‬لذا فهم سريعوا النفعال ول يمكنهم ازدراء العالم وما في العالم‬
‫) يو الولى ‪ (15:2‬ازدراء'' كامل ‪ .‬ومن ل يزدريه للغاية ول يمقته من‬
‫عمق النفس ليمكنه ان يجتني يوما الرجاء الثابت بالخلص الذي ل يرقى‬
‫اليه شك ‪ .‬فان مثل هذا يتسكع هنا وهناك دون انقطاع‪ ،‬ل يؤرجحه الشك‪،‬‬
‫)لنه لم يضع اسا بيته على الصخر ) انظر لو ‪48:6‬‬
‫ـ للندم خاصتان ؛ خاصة الماء وذلك بالدموع التي تطفئ كل نار الهواء‪12‬‬
‫وتطهر النفس من اوساخها ؛ وخاصة النار بحضور الروح القدس الذي ينعش‬
‫القلب ويشعله ويذكيه ويضرمه ويلهبه بحب اله والشتياق‬
‫ـ لحظ وادرك الطاقات التي يوقظها فيك التواضع والندم‪ .‬قّدر ا؛منفعة‪13‬‬
‫التي اجتنيتها منهما في اوانها ‪ .‬فهي للمبتدئين التخلي عن كل رغبة دنيوية‬
‫والزهد في الهل والقارب والصدقاء جميعا ‪ ،‬والزدراء الهادئ بامور‬
‫‪.‬العالم وبالغنى‪ ،‬ليس فقط حتى بالبرة بل حتى بجسدهم نفسه‬
‫ـ اذا القينا ترابا على نار اتون مضترم اطفأناها‪ .‬هكذا كل هم من هموم‪14‬‬
‫الحياة‪ ،‬بلكل تعلق بشيء حقير مهما صُغر ‪ ،‬يلشي الحرارة المضطرمة في‬
‫القلب منذ اليام الولى‬
‫ـ من عمد بفرح‪ ،‬وبكامل معرفته ‪ ،‬الى التضحية بسائر الشياء‪15‬‬
‫الخارجية ‪ ،‬سواء بالناس او بخيرات الحياة ‪ ،‬وتوصل الى نسيانها بعد اجتيازه‬

‫جدار التعلق بها ‪ ،‬يغدو وكأنه غريب عن العالم وكل ما فيه ‪ .‬فهي يجمع ذهنه‬
‫ول يعود يهتم او يفكر ال بذكر الموت ‪ ،‬والدينونة والثواب مأسورا لهما‬
‫تماما‪ ،‬يداخله خوف ل ينطق به من تلقاء تلك الفكار الخطيرة وتأمله فيها‬
‫ـ رجل محكوم عليه بالعدام ومثّقل بالقيود على مسرح هذه الحياة‪ ،‬تلك هي‪16‬‬
‫صورة من يحمل في اعماق قلبه الخوف من الدينونة ‪ .‬فالخوف يدفعه قسرا‬
‫بمثابة جلد فيبدو سائرا الى الموت ل يفكر ال بالعذاب الليم الذي سيعانيه‬
‫في العقاب البدي ‪ .‬وتغدو هذه السورة الثابتة في قلبه علة للخوف الذي يمنعه‬
‫كليا من الهتمام بامور البشر‪ .‬فيتصرف وكأنه منذ الن معّلق على المشنقة‬
‫او يعاني الم الحتضار العنيفة ‪ ،‬فل يعود يسمح لنفسه بالتطلع الى وجه احد‬
‫ول يعود يقيم اي وزن للكرامة او للهوان ‪ ،‬اذ يحسب ‪ ،‬صادقا ‪ ،‬انه مستحق‬
‫كل مذلة وخزي فل يكترث للشتائم المنصبة عليه‬
‫ـ كل طعام وشراب واهتمام باللباس كريه لدى من ينمي فيه ذكر الموت ‪17.‬‬
‫فهو ل يجد اية لذة في اكل الخبز او شرب الماء‪ ،‬ول يعطي لجسده ال ما هو‬
‫ضروري لبقائه على قيد الحياة ‪ ،‬ويقطع مشيئته الخاصة ويخضع لمشيئة كل‬
‫من يأمره صائرا عبدا للجميع‬
‫ـ من استسلم كعبد الى ابائه في ال ‪ ،‬خوفا من العقاب ‪ ،‬لن يلجأ الى ما‪18‬‬
‫يخفف وجع قلبه او يحتم قيود خوفه ‪ ،‬حتى لو ُأمر بذلك ‪ ،‬ولن يصغي الى من‬
‫يشيرون عليه به بدافع المحبة او التملق او من واقع السلطة ‪ ،‬بل سيؤثر ما‬
‫يشدد خوفه ويبتغي ما يضّيق قيوده ويتوخى ما يسعف جلده‪ .‬وسيرتضي د؛‬
‫لك كله وكأنه ليرجو ان يخلص منه يوما ‪ .‬ذلك لن رجاء الخلص من‬
‫العذاب يهّونوطأته وهذا ل ينفع التائب بحرارة‬
‫ـ ان الخوف من العقاب وعذابه يسعف كل البادئين بالحياة المرضية ل ‪19.‬‬
‫اذا تصور احد انه يمكنه البتداء بدون سند هذا العذاب وتلك القيود وذلك‬
‫الجلد ‪ ،‬فليس فقط يضع اساس اعماله على الرمل ‪ ،‬بل يزعم بناء بيته في‬
‫الهواء بدون اي اساس‪ ،‬وهذا لعمري امر مستحيل بالكلية ! اما ذلك العذاب‬

‫فيكاد ان يكون مصدر كل فرح ‪ ،‬وتلك القيود تحطم قيود كل الخطايا والهواء‬
‫وذلك الجلد ل يؤتي الى الموت بل الى الحياة البدية‬

‫ـمن لم يشأ ان يطفر من عذاب الحوف من العقاب البدي ويتحاشاه ولكنه‪20‬‬
‫التزمه بفرح اقلب ‪ ،‬بل ضّيق عليه قيوده‪ ،‬سوف يتقدم بسرعة بمقدار ذلك‬
‫ويعاين ملك الملوك ‪ .‬واذ ذاك فإنه ‪ ،‬فور معاينيه مجد ال ــ وقد يكون ذلك‬
‫بصورة غامضة ــ سوف تنحل قيوده ‪ ،‬ويهرب منه جلد الخوف بعيدا ‪،‬‬
‫ويتحول في قلبه العذاب الى فرح ا‪ 9‬انظر يو ‪ ،(20:16‬ويتقلب ينبوعا‬
‫يفيض للحواس دموعا كنهر ل ينضب ‪ ،‬وللذهن سلما وحلوة ورقة ل‬
‫توصف ‪ ،‬ولكن ايضا قوة وحرية تؤهلنه للعدو بل عائق في طريق وصايا‬
‫ال ) مز ‪(32 :118‬؛ لقد كان هذا حتى الن متعذرا على المبتدئين لنه‬
‫خاصة الذين سبقوا وبلغوا الى منتصف درب الكمال‪ .‬اما للكاملين فذلك‬
‫الينبوع يصبح نورا لقلبهم الذي يتغير فجأة ويتبدل‬
‫ـ من حمل في داخله نور الروح القدس ل يمكنه احتمال رؤيته فيخر‪21‬‬
‫بوجهه على الرض ويدعو ويصرخ من الخوف والهلع كمن يشاهد ويعيش‬
‫حدثا يفوق الطبيعة والعقل والخيال ‪ .‬اني يشابه رجل تحترق احشاؤه‪ .‬ويتآكله‬
‫اللهيب ‪ ،‬وهو ل يقوى على تحمل ناره المحرقة ) انظر ارميا ‪(9 : 20‬‬
‫فيصير كأنه خارج ذاته غير قادر ان يضبط نفسه‪ .‬لكنه يذرف دموعا غزيرة‬
‫تنديه فيذكي نار شوقه ‪ .‬حينئذ تزداد دموعه غزارة فيتنقى في هذا السيل من‬
‫العبرات ويشرق بمزيد من البهاء ‪ .‬وعندما يلتهب كليا ويغدو مثل نور ‪ ،‬يتم‬
‫فيه القول ‪ " :‬لقد اتحد ال باللهة فعرفوه " ) لم يعرف لمن هذا القول ( وهذا‬
‫ربما بمقدار ما سبق واتحد بالذين التصقوا به واستعلن لمن عرفوه‬
‫ـ يستعلن لنا ال بقدر ما يريد ان نعرفه‪ .‬وبقدر استعلنه يراه الذين‪22‬‬
‫يستحقون ذلك ويعرفونه ‪ ،‬ولكن ل يعطي لحد ان ينعم بهذه الحال ويرى ال‬
‫ان لم يتحد قبل بالروح القدس ويقتن قلبا نقيا بسيطا ومنسحقا باتعابه واعرافه‬

‫)) مز ‪19 : 50‬‬
‫ـ قبل توجع القلب وذرف الدموع ل يغرنكم احد بكلم باطل ) أف ‪23(6:5‬‬
‫ول نضلن انفسنا ‪ :‬فليس فينا توبة ول ندامة حقيقية وليس في قلوبنا خوف‬
‫ال ‪ .‬اننا لم نلم ذواتنا ولم تحس نفوسنا بالدينونة العتيدة ول بالعذابات البدية ‪.‬‬
‫لو كانت اقتنت هذا الحساس وتمكنت فيه لكانت دموعها سالت على الفور ‪.‬‬
‫ل يمكن لقلبنا الجاف ان يلين يوما بدون الدموع ول لنفسنا ان تقتني التضاع‬
‫الروهي ‪ ،‬ول نقوى بدونها على انه نتضع ‪ .‬وبدون التضاع ل يمكن لحد‬
‫ان يتحد بالروح القدس‪ ،‬وبدون اتحاده بالروح القدس ‪ .‬بعد ان يتنقى ‪ ،‬ل‬
‫يمكنه ايضا ان يبلغ الى معرفة ال ومعاينته ‪ ،‬ول ان يستحق ان يفقه مزايا‬
‫التواضع الخفية‬
‫ـ ا'د اردنا شرح علم البيان والفلسفة لمن لم ينته من تعلم تهجئة البجدية‪24،‬‬
‫ليس فقط لن ننفعه شيئا بل سندفعه الى التواني والى النفور حتى مما بدأ‬
‫يتعلمه‪ ،‬لن عقله ل يدرك اطلقا ما يقال‪ .‬كذلك ان حدثنا المبتدئين عن الكمال‬
‫‪ ،‬ل سيما الكثر فتورا بينهم ‪ ،‬فهذا ليس فقط لن يجديهم نفعا بل سنعود بهم‬
‫الى الوراء لنهم ‪ ،‬اذ يشاهدون ذروة الفضيلة من بعيد‪ ،‬يقيسون البعد الذي‬
‫يفصلهم عنها ويحسبونا انه يتعذر عليهم بلوغ تلك القمة ‪ .‬اذ ذاك سوف‬
‫يستخفون بمسافة الطريق اليسيرة التي قطعوها ويعدونها باطلة فيغرقون في‬
‫اليأس‬
‫ـ عندما يسمع اناس تتسلط آلهواء عليهموتسود ‪ .‬ان الكامل بال يعد نفسه‪25‬‬
‫اكثر نجاسة من اي انسان او بهيمة او حيوان مفترس ‪ ،‬وانه يفرح اذا ما‬
‫احتقروه ويبارك من يهينوه ويصبر على مضطهديه ويصلي من اجل اعدائه‬
‫بدموع وحسرة قلب‪ ،‬ضارعا الى ال ومتشفعا من اجلهم ‪ ،‬فهؤلء يشكون‬
‫بادئ المر في امكان مماثلتهم لولئك الكاملين؛ ثم ‪ .‬لما كان الكتاب المقدس‬
‫يدحضهم ‪ ،‬ومثال القديسين الذين عاشوا حقيقةعلى هذه الصورة يخالفهم‪،‬‬
‫يصرهون بانهم ل يقوون على ذلك ‪ .‬واخيرا عندما يعرفون ايضا انه ليس من‬
‫خلص بدون هذا الستعداد ييأسون ‪ .‬بانهم ل يريدون القلع عن الشر تماما‬

‫والتوبة عن خطاياهم‬

‫‪nabay.forumotion.com‬‬

‫ـ ان الذين يتظاهرون بالفضيلة متسترين بمظهر لباس الخراف الجميل‪26‬‬
‫) انظر متى ‪ 15 :7‬و ‪ ( 16‬بيما انسانهم الباطن انظر ) رو ‪ (22:7‬على‬
‫خلف ذلك تماما‪ ،‬وقد يكونون مشحونين بكل اثم وجشع وطمع وشهوات‬
‫نتنة‪ ،‬هؤلء يكرمهم الناس كمن بلغوا الى اللهوى وكقديسي ‪ .‬ان عيون‬
‫الناس الداخلية غير نقية عامة ولذا ل يستطيعون ان يعرفوهم من ثمارهم ‪ .‬اما‬
‫الذين قلبهم ورع ومستقيم وسالح وقداستهم حقيقية فيحسبونهم ‪،‬خطأ ‪ ،‬كعامة‬
‫الناس ويعرضون عنهم بازدراء‬
‫ـ ان الثرثار المدعي يعّد في نظر هؤلء انفسهم معلما روحيا ‪،‬اما‪27‬‬
‫الصامت الذي يحصي كلماته فليس هو في رأيهم سوى ُأمي يعجز عن التعبير‬
‫عن افكاره‬
‫ـ من يتكلم بالهام الروح ينبذه المغرورون المرض بداء كبرياء الشيطان‪28‬‬
‫كمغرور ومتكبر‪ ،‬لن كلمه يدهشهم اكثر مما يؤثر فيهم ‪ .‬اما الذي يدّبج‬
‫بتفننه او بموهبته الطبيعية جمل مصقولة‪ ،‬ويخدعهم في امر خلسهم‪ ،‬فانهم‬
‫يعظمونه ويصفقون له ‪ .‬هكذا ليس بين هؤلء من يقدر ان يحكم صوابا‬
‫وموضوعيا فيرى الحقيقة‬
‫ـ " طوبى لنقياء القلوب‪ ،‬يقول الرب ‪ ،‬لنهم يعاينون ال " ) متى ‪29. (8:5‬‬
‫ونقاوة القلب هذه ل تحققها فضيلة واحدة ول اثنتان ول عشر فضائل ‪ ،‬بل كل‬
‫الفضائل مجتمعة معا كما في واحدة‪ ،‬اذا جاز القول‪ ،‬ونامية حتى الكمال ولكن‬
‫ل ايمكنها ان تؤتي القلب النقاوة حتى على هذه الصورة بدون فعل الروح‬
‫القدس‪ .‬فكما ان الحداد يمارس مهنته بواسطة ادواته ولكن ل يمكنه انجاز‬

‫شيء بدون فعل النار ‪ ،‬كذلك النسان يتمم كل اعماله باتخدامه الفضائل‪،‬‬
‫ولكن اعماله تكون باطلة غير مثمرة ول تزيل دنس النفس ‪،‬بدون حضور نار‬
‫الروح‬
‫ـ من قال " تواضع عميق " قال " دموع غزيرة"‪ .‬وحيث اجتمع التواضع‪30‬‬
‫والدموع حضر ايضا الروح القدس له المجد‪ .‬وبحدوره تأتي كل طهارة‬
‫وتقوى لمن يفعل فيه فيظهر له ال وينظر اليه ‪ ،‬اذ قيل ‪":‬الى من انظر ال الى‬
‫)المسكين المنسحق الروح المرتعد من كلمتي" ) اشعيا ‪2:66‬‬
‫ـ ان محاربة الهواء مستطاعة ولكن اقتلعها تماما غير مستطاع‪ .‬فقد‪31‬‬
‫اعطي النسان مقدرة عدم فعل الشر ل مقدرة عدم التفكير بالشر ‪ .‬وبما ان‬
‫التقوى ليست فقط في عدم فعل الشر بل في عدم تصوره‪ ،‬فمن تراوده افكار‬
‫شريرة ل يمكن بالتالي ان يكون نقي القلب‪ .‬وكيف يمكنه ذلك وهو مدنس مثل‬
‫مرآة ملوثة بالوحل‬
‫ـ اني ارى ان نقي القلب ل يتجنب اوجاع الهواء فقط بل جنوح الفكر الى‪32‬‬
‫الشر ‪ ،‬او الى حياة هذا الدهر ايضا‪ ،‬فل يحوي سوى ذكر ال في حب له ل‬
‫يكبح ‪ .‬فإن العين تعاين ال بصورة نقية في النور النقي طالما لم تدخل مادة‬
‫‪.‬غريبة على المعاينة‬
‫ـ اني اقول ان اللهوى ليس فقط في امتناعنا عن ممارسة الهواء بل في‪33‬‬
‫تحاشينا رغباتها ‪ ،‬واكثر من ذلك في تجريد ذهننا عن تخيلتها ‪ ،‬بحيث نصعد‬
‫متى شئنا الى ما فوق السماوات‪ ،‬خارج كل المنظورات والمحسوسات‪ ،‬وكأن‬
‫حواسنا مغلقة وذهننا يدخل الى العالم الذي يفوق الحس‪ ،‬رافعا معه الحواس‬
‫بقدرته كما يرفع النسر جناحيه‬
‫ـ ل يمكن للذهن ان ينمي قدراته بدون الحواس‪ ،‬ول للحواس ان تنمي‪34‬‬
‫قدراتها بدون الذهن‬
‫ـ يدعى اقلب نقيا ‪ ،‬ونقيا يكون حقا ‪ ،‬حين ل تتوجد فيه اية تخيلت او‪35‬‬

‫افكار ارضية‪ .‬انه لكثرة التصاقه واتحاده بال ليعود يذكر البتة احزان الحياة‬
‫وافراحها‪ .‬بل يحيا في الثيوريا ) حالة المعاينة اللهية ( كما لو كان في السماء‬
‫الثالثة‪ .‬انه مختطف الى الفردوس ) انظر ‪ 2‬كور ‪2: 12‬ـ‪ (4‬فيرى الخيرات‬
‫الموعودة للقديسين ويشهد منذ الن على تلك الخيرات البدية بقدر استطاعة‬
‫البشر تلك هي العلمات الصادقة والدللة الكيدة للقلب النقي وبها يعرف‬
‫المرء مقدار نقاوته ويعاين ذاته كما في مرآة‬
‫ـ من كان خارج الدار ل يرى المغلق عليهم داخلها ‪ .‬هكذا من كان العالم‪36‬‬
‫مصلوابا عنده ) غل ‪،(14:6‬اي ميتا له ل يعرف البته اشياء العالم حسيا‬

‫ـكما انالجثةل تحس ل بالحياء‪ ،‬ول بالموتى المضجعين الى جانبها ‪37،‬‬
‫كذلك من كان في الروح خارج العالم ‪ ،‬عائشا مع ال ‪ ،‬ل يمكنه ان يحس‬
‫بالعالم او يتأثر بالشياء التي في العالم ‪ ،‬وان كان خاضعا لضرورات الجسد‬
‫ـ قبل الموت موت ‪ ،‬وقبل قيامة الجساد قيامة للنفوس ‪ :‬هذا امر ممكن‪38‬‬
‫بلواقع ‪ ،‬موضوع خبرة وحقيقة ‪ .‬فاذا تنحى الفكر القابل للموت امام الذهن‬
‫الذي ل يموت وطردت الحياة الموت ‪ ،‬قامت النفس كما من بين الموات‬
‫وعاينت ذاتها وعرفت ذاتها كما يعرف ذاته النائم المستيقظ من النوم؛ حينئذ‬
‫تعرف ال الذي اقامها وتعاينه وتشكره فترتفع فوق الحواس وفوق العالم كله‪،‬‬
‫تفعمها لذة ل توصف ‪ ،‬ويتوقف نشاطها العقلي كله ويستريح في ال‬
‫ـ نحن نسهم من جهة‪ ،‬ومن جهة اخرى تأتينا المواهب من فوق ‪ ،‬من لدن‪39‬‬
‫ال ‪ .‬فبقدر ما نتنقى‪ ،‬بجهدنا واعراقنا ‪ ،‬نستنير بنور الندم ‪ .‬وبقدر ما نستنير‬
‫نتنقى بالدموع‪ :‬اذا هناك قسطنا الشخصي ومقابله الموهبة التي ننالها من فوق‬
‫ـ كثيرون لم ينالوا مؤازرة ال المعتاددة رغم ذلهم جهدهم ‪ :‬مثال على ذلك‪40‬‬
‫قايين وعيسو وكيف عاملهما ال ‪ ،‬ذلك لنه ا لم تقترن تقدمتنا بفكر مستقيم‬
‫وقصد نقي وايمان حاد وتواضع كبير ل ينظر ال اليها ول يتقبلها ‪ ،‬فاذا لم‬

‫‪.‬تستوف شروطها ل يستجيب ال مقابلها لمن يقدمها على هذه السورة‬
‫ـ اناس هذا الدهر مائتون نسبة للقديسين ‪ ،‬وبالتالي حتى اذا ابصروا فهم ل‪41‬‬
‫يقدرون البتة ان يفهموا ) انظر ‪ (13:13‬كلمهم اللهي الملهم من الروح ‪.‬‬
‫ولكن الروحانيين ايضا ل يقدرون ان يروا اعمال الدنيويين السيئة او يفهموا‬
‫احاديثهم المشبعة بالهواء ‪ ،‬فهم بدورهم يبصرون العالم ول يبصرونه‬
‫ويسمعون ضجيجه وكأن اذانهم ل تسمع ‪ .‬حتى انه ينعد كل اتسال بين هؤلء‬
‫واولئك‬
‫ـ الفصل بين النور والظلم واضح جلي ‪ ،‬وماتزاجهما مستحيل " اي‪42‬‬
‫اتحاد بين النور والظلمة‪ ،‬يقول الرسول ‪ ،‬واي شركة للمؤمن وغير‬
‫ولمؤمن ؟" ) ‪ 2‬كور ‪14 :6‬و‪ (15‬والفصل والبعد بين الذين يقتنون الروه‬
‫القدس والذين ل يقتنونه كبيران بهذا المقدار عينه ‪ .‬فالولون مستوطنون منذ‬
‫الن في السماوات ‪ 9‬انظر في ‪ (20:3‬وقد تحولوا من بشر الى ملئكه‪.‬‬
‫والخرون جالسون في الظلمة الموروثة وظلل الموت ) انظر مز‪(10:106‬‬
‫مسمرين في الرض وامور الرض‪ .‬الولون مستنيرون بالنور العقلي الذي‬
‫ل يغرب ‪ ،‬والخرون بالنور الحسي وحسب‪ .‬الولون يرون انسهم على‬
‫حقيقتها وكذلك يرون القريب‪ ،‬والخرون يشاهدون انفسهم يموتون كل يوم ‪،‬‬
‫هم والقريب ‪ ،‬ومع ذلك يجهلون وانهم بشر ومثل الناس يموتون ) انظر مز‬
‫‪ ،(7:81‬وبسبب هذا ا لجهل ل يعتقدون بأن هناك دينونة وقيامة ومجازاة‬
‫بحسب سيرة كل منا‬
‫ـاذا كنت تقتني الروح القدس فسوف تفهم تماما ‪ ،‬بتأثير فعله يك‪ ،‬ما يقول‪43‬‬
‫الرسول عنه ‪ ":‬حيث يكون روه الرب تكون الحرية " ) ‪ 2‬كور ‪، (17:30‬‬
‫او "ا لجسد ميت بسبب من الخطيئة ولكن الروح حياة بسبب من البر ")رو‬
‫‪ (10:8‬او " ان الذين هم للمسيح يسوع صلبوا الجسد وما فيه من اهواء‬
‫وشهوات " ) غل ‪ . (24:5‬كل الذين اعتمدوا بالروح القدس ) انظ يو‬
‫‪ (33:1‬قد لبسوا المسيح ) انظر غل ‪ (27:3‬هم ابناء النور ) لو ‪( 8:16‬‬
‫ويسلكون في النور ) ‪ 1‬يو ‪ (7:1‬الذي ل يغرب‪ .‬وهم ينظرون العالم ول‬

‫يبصرونه ‪ ،‬ويسمعون ما للعالم ول يسمعونه ‪ ،‬انظر ) متى ‪ . (13:13‬انه‬
‫مكتوب عن الناس الجسدانيين انهم " ينظرون ول يبصرون ويسمعون ول‬
‫يفهمون " ) انظر لو ‪ (10:8‬المور اللهية وهم ل يقدرون ايضا ان يدركوا‬
‫ما للروح لن ذلك حمامة عندهم ) انظر ‪ 1‬كور ‪ (14:2‬فنستطيع ان نفكر‬
‫قياسا على ذلك في الذين يقتنون الروح‪ ،‬اذ لهم جسد ولكنهم ل يسكنون‬
‫الجسد‪ ".‬اما انتم فلستم تحيون في الجسد بل في الروح لن روح ال حال فيكم‬
‫" ) رو ‪ (8 :9‬وهم مائتون عند العالم والعالم مائت عندهم ‪ ":‬اسبح العالم‬
‫)مصلوبا عندي واصبحت انا مصلوباعند العالم " ) غل ‪14:6‬‬
‫ـمنرأى هذه اليات والمعجزات تتم فيه هو متوشح بال ‪ ،‬لنه يحوي ال‪44‬‬
‫ساكنا فيه ‪ ،‬اي ان الروح الكلي قدسه نفسه يعلن ويفعل فيه ما كان يقوله‬
‫بولس‪ .‬ام الذي لم يلحظ بعد كل هذا فيه فل ينخدعن اذ ليس هو بعد سوى لحم‬
‫ودم ‪ ،‬مغشى بظلم شهوات الجسد‪ " ،‬واللحم والدم ل يسعهما ان يرثا ملكوات‬
‫)ال " الذي هو الروه القدس ) ‪ 1‬كور ‪50:15‬‬
‫ـ بالمعمودية المقدسة ننال غفران الخطايا وننعتق من اللعنة القديمة‪45‬‬
‫ونتقدس بحلول الروح ‪ .‬اما النعمة الكاملة حسب الوعد القائل ‪ ":‬سأسكن بينهم‬
‫واسير بينهم " ) ‪ 2‬كور ‪ (16:6‬فل يقتنيها المعتمد بعد لنها نصيب المؤمنين‬
‫الذين ترسخوا في اليمان واثبتوا ذلك بالعمال ‪ .‬فاننا اذا ما سلكنا بعد‬
‫المعمودية سلوكا سيئا شائنا نتخلى عن تقديسنا كليا ‪ .‬ولكننا بالتوبة‬
‫والعتراف والدموع ننال بمقدارها غفران خطايانا السابقة‪ ،‬وبالتالي القداسة‬
‫مع استعادة النعمة التي من العلى‬
‫ـ تتم التنقية من ادناس الخطيئة بالتوبة ‪ .‬ويليها نوال الروح القدس ‪ ،‬ليس‪46‬‬
‫بل قيد وشرط بل على قدر اليمان والتواضع وحرارة النفس التائبة كليا ‪.‬‬
‫وحتى هذا ل يكفي اذا ينبغي ان نحصل ايضا على غفران كامل لخطايانا من‬
‫قبل ابينا وعرابنا ) يقصد عراب المبتدئ في الرهبانية ( ‪ .‬ولذا حسن ان نتوب‬
‫كل يوم حسب الوصية الواضحة الجلية لن القول " توبوا فقد اقترب ملكوت‬
‫‪.‬السماوات" ) متى ‪ (2:3‬يفرض علينا توبة بدون انقطاع‬

‫ـ ان نعمة الروح الكلي قدسه تعطى بمثابة عربون للنفوس المخطوبة‪47‬‬
‫للمسيح ‪ .‬فكما ان المرأة ل تضمن الوصال بزوجها في مستقبل اكيد بدون‬
‫عربون الزواج‪ ،‬كذلك النس ايدا ل تضمن اجتماعها بالهها وسيدها في‬
‫البدية‪ ،‬ول اتحادها به اتحادا ميستيكيا ل ينطق به ‪ ،‬ول تمتعها بجماله الذي‬
‫ل يدرك ‪ ،‬بدون عربو نعمته واحتوائها اياه بوعي ومعرفة‬
‫ـ اذا كان صك العقد ليحمل تواقيع شهود استنارتنا با؛نعمة قبل ان نمارس‪48‬‬
‫الوصايا ونجتني الفضائل‪ .‬فهذه‪ .‬في اللتزام الروحي ‪ ،‬هي كالشهود على‬
‫العقود‪ ،‬وبواسطتها يحصل جميع المقبلين الى الخلص على امتلك العربون‬
‫كامل‬
‫ـ هفظ الوصايا‪ ،‬على مقتضى هذا التشبيه ‪ ،‬هو نص العقد ‪ ،‬ثم تأتي‪49‬‬
‫الفضائل بمثابة الختم والتوقيع‪ ،‬وحينذاك يمنح المسيح الختن النفس عروسه‬
‫خاتم الزواج اي عربون الروح‬
‫ـ ل تستلم الفتاة من خطيبها قبل الزواج سوى عربون الزواج‪ .‬انها تنتظر‪50‬‬
‫حصول الزواج لتنال المهر المتفق عليه والعطايا المدرجة في العقد‪ .‬كذلك‬
‫العروس التي هي كنيسة المؤمنين ونفس كل واحد منا ‪ ،‬ل تستلم اول المر‬
‫من يدي المسيح عريسها سوى عربون الروح ‪ .‬اما الخيرات البدية وملكوت‬
‫السماوات فتتوقع الحصول عليها بعد مغادرتنا للرض‪.‬واثقين‪ .‬بسبب‬
‫العربون‪ ،‬بان الخيرات الموعودة ليست وهمية‬
‫خره السفر او اعاقته انشغالت‪51‬‬
‫ـ لنفترض ان العريس ) متى ‪ (5:25‬قد ا ّ‬
‫اخرى‪ ،‬فاذا طفقت العروس‪ ،‬لغتياظها من تأخره‪ ،‬تزدري حبه وتشطب صك‬
‫الخطبة او تمزقه‪ ،‬فانها تفقد للحال كل المال التي علقتها عليه ‪ ...‬هذا ما‬
‫يحدث ايضا للنفس‪ .‬اذ يتفق ان يقول احد المجاهدين الروحيين ‪ ":‬الى متى‬
‫ي ان اتعذب؟" فاذا مقت صعوبات النسك واهمل الوصايا وترك التوبة‬
‫عل ّ‬
‫الدؤوب فكأنه يشطب العقد او يمزقه‪ ،‬وللحال يفقد العربون مع كل رجاء بال‬

‫ـ اذا حولت الفتاة حبها لعريسها الى شخص آخر وتزوجته‪ ،‬علنا او سرا ‪52،‬‬
‫ليس فقط يجب ال تعود ترجو قبض المال الد؛ي وعد العريس به ‪ ،‬بل تستحق‬
‫بعد اللوم والعقاب الذي ينص عليه القانون ) كان للخطبة في الشرع‬
‫البيزن†ي )والكنسي علي السواء ( مكانة ملزمة بحيث ان الزواج من فتاة‬
‫اخرى كان يعتبر زواجا ثانيا( هكذا هو المر بالنسبة لنا‪ :‬فاذا حّول احدنا حبه‬
‫للمسيح الختن الى ابتغاء شيء اخر ‪ ،‬علنا او سرا ‪ ،‬وتعلق قلبه به ‪ ،‬فانه‬
‫يصبح ممقوتا عند الختن وغير اهل ان يتحد به ‪ ،‬لنه قال ‪ ":‬أنا احب الذين‬
‫)يحبونني " ) امثال ‪17:8‬‬

‫ـ رهن الزواج عند من يقتنيه شيء ل يوصف‪ ،‬يفهمه دون ان يكون‪53‬‬
‫مفهوما‪ ،‬يضبطه دون ان يكون مضبوطا‪ ،‬ينظره دون ان يكون منظورا‪،‬‬
‫شيء حي يتكلم ويتحرك ويحرك من يقتنيه‪ .‬انه يختفي من الصندوق المختوم‬
‫عليه فيه ثم يظهر داخل الصندوق من جديد خلف كل توقع ‪ ،‬بحيث ان مقتنيه‬
‫ل يصدق أن وجوده في الصندوق مضمون ‪ ،‬ول ان فقدانه بل رجعة‪ .‬وهكذا‬
‫اذ هو ل يقتنيه فكأنه يقتنيه‪ ،‬واذ يقتنيه فكأنه ل يقتنيه‬
‫ـ يمكث احدهم في البيت الليل كله والبواب مغلقة‪ .‬فاذا فتح النافذة قليل‪54‬‬
‫وطوقه برق بغتة‪ ،‬بكل بهائه‪ ،‬ل تقدر عيناه ان تحتمل هدا اللمعان‪ ،‬فيحتمي‬
‫حال باطباق جفنيه وينعطف على ذاته‪ ...‬على هد؛ا الحال هي النفس المغلق‬
‫عليها في الحاسيس‪ .‬فاذا انحنت الى الخارج كما من نافذة الذهن ) انظر نشيد‬
‫النشاد ‪ (9:2‬بهرها بهاء العربون الذي فيها ‪ ،‬اعني الروه القدس‪ ،‬وما امكنها‬
‫ان تتحمل شعاع هذا النور غير المحجوب‪ ،‬فينصعق ذهنها للحال وتنعطف‬
‫كليا على ذاتها معتكفة كما لو كانت في بيتها‪ ،‬تحت ستر الحسيات والبشريات‬
‫ـ على ضوء هذه الدلئل ‪ ،‬ينبغي ان يتحقق كل احد من نواله عربون‪55‬‬
‫الروه من يد المسيح ختنه وسيده‪ .‬فاذا كان قد ناله فليجتهد ان يحتفظ به ‪ .‬واذا‬
‫كان لم ينله بعد ليجتهد كي يحظى به بالعمال الصالحة والتوبة الحارة‬

‫ويسونه بحفظ الوصايا واجتناء الفضائل‬
‫ـ يستند سقف البيت الى اساس البناء وبقية اجزائه‪ .‬ويحفر الساس ليسند‪56‬‬
‫السقف‪ .‬هذا نافع بل ضروري ‪،‬لن السقف ليمكنه ان يدعم ذاته بدون اساس‬
‫ول للساس منفعة او طائلة بدون السقف‪ ،‬على هذا المنوال تصان نعمة ال‬
‫بحفظ الوصايا‪ ،‬وهذه موضوعة كأساس لها بانعام ال‪ .‬لن نعمة الروح ل‬
‫تقدر ان تستمر فينا دون حفظ الوصايا‪ ،‬ول للوصايا منفعة او طائلة بدون‬
‫نعمة ال‬
‫ـ كما ان البيت الذي تركه المهندس بدون سقف ل يمكن السكن فيه بل‪57‬‬
‫يجلب على الباني الهزء‪ ،‬كذلك من يضع اساس حفظ الوصايا ويرفع جدران‬
‫الفضائل السامية‪ ،‬ان لم ينل نعمة الروح ويعاينها في ذاته فهو يبقى غير كامل‬
‫ويشفق عليه الكاملون‪ .‬هذا وتمنع تلك النعمة عنه بتاتا لسببين‪ :‬اما لنه اهمل‬
‫التوبة ‪ ،‬او لنه رأى ان اجتناء الضائل ل حد له تراجع عن اجتنائها وفاتته‬
‫احدى التي تبدو صغيرة جدا ولكنها ضرورية لكمال البناء‪ ،‬بحيث يتعذر‬
‫نوال نعمة الروه بدونها‬
‫ـ لقد اتى ابن ال ‪ ،‬الى الرض لكي يصالحنا نحن اعداءه ) انظ رو‪58‬‬
‫‪ (10:5‬مع ابيه ويضمنا اليه حميميا‪ ،‬بواسطة روحه القدوس المساوي له في‬
‫الجوهر‪ .‬فمن تفوته هذه النعمة‪ ،‬فأية نعمة اخرى يمكنه ان ينال ؟ انه لم‬
‫يتصالح مع المسيح على الطلق ولم يتحد به بفيض شركة الروح‬
‫ــ يقول الحكيم " أياخذ انسان نار في حجره ول تحترق ثيابه ؟" ) امثال‪59‬‬
‫‪ (27:6‬أما انا فأقول ) دعوة للخبرة الشخصيه" ( ‪ :‬من هو الذي اختزن نار‬
‫السماء في قلبه مكشوفة ولم يلتهب ويلمع ويسطع هو ايضا ببهاء اللوهية‬
‫على قدر تنقيته ومشاركته للنار؟ لن المشاركة تلي التنقية والتنقية تلي‬
‫الملمسة‪ ،‬وبعد ذلك يصبح النسان كله الها بالنعمة‬
‫ـ من شارك الروح القدس اعتق من الشهوات والملذات الجسدية ‪ ،‬دون ان‪60‬‬
‫يعفى من ضرورات الجسد والطبيعة‪ .‬واذ تحرر من رباط رغبات الهواء‪،‬‬

‫وشغف بالمجد والعذوابة البديين‪ ،‬فهو ل يفتأ عائشا في العالي مع ال دون‬
‫انقطاع‪ ،‬غير منفك حتى لوقت قصير‪ ،‬عن هذه المعاينة وهذا التنغم الذي ل‬
‫يشبع منه‪ .‬ولكن بما ان الجسد والفساد يعيقانه فينجذب منجرفا وعائدا الى‬
‫امور الرض‪ ،‬فيقاسي حينذاك ‪ ،‬على ما اعتقد‪ ،‬العذاب الذي يقاسيه الخاطئ‬
‫عند انفصال نفسه عن جسده‬

‫ـ ان البتعاد عن الجسد والملذ والعالم وهذه الحياة هو لمن يحبها موت‪61.‬‬
‫ولمن يحب النقاوة والتقوى واللهيولي ) التعالي عن المادة( والفضيلة‪.‬‬
‫فالموت في الحقيقة هو ان ينفصل عنها بالفكر لحظة واحدة‪ .‬من ينعم بالنور‬
‫الحسي اذا اطبق عينيه لفترة قصيرة او طبقهما له آخر‪ ،‬يتألم متحسرا ول‬
‫يمكنه اطلقا احتمال هذا الحرمان‪ ،‬ل سيما اذا كان يشاهد شيئا ضروريا او‬
‫عجيبا ‪ .‬فمن كان مستنيرا بالروح القدس وكان يشاهد عقليا وفي الواقع‪،‬‬
‫صاحيا كان ام نائما‪ ،‬تلك الخيرات التي لم ترها عين ول سمعت بها اذن ولم‬
‫تخطر على قلب بشر ) انظر ‪ 1‬كور ‪ (9:2‬والتي يشتهي الملئكة ان يطلعوا‬
‫عليها ) ‪ 1‬بط ‪ ،(12:1‬كم سيحزن بالكثر ويكتئب اذا انتزعوه عن هذه‬
‫المعاينة‪ .‬لحساسه بانه يموت ويقصى عن الحياة البدية فعل‬
‫ـ النسان مزدوج‪ ،‬مؤلف من جسد ونفس ‪ ،‬وعلى شبهه خلق العالم‪62‬‬
‫منظورا وغير منظور‪ ،‬وهنا ينطبق على العمال من جهة والنشغال من‬
‫جهة ثانية‪ .‬ويبدو لي من هنا امكان استنتاج الحقيقة التالية بصدد الرؤى‬
‫والحلم‪ ،‬فإن ما يشغل النفس ويداخلها في حالة الصحو يستوقف ايضا‬
‫مخيلتها وفكرها اثناء النوم ‪ .‬فهي اذا اما تهتم بالمور البشرية ينشغل بها‬
‫فكرها ومخيلتها في الحلم‪ ،‬او تتأمل الحقائق اللهية والسماوية وحينئذ ترى‬
‫رؤى وظهورات كقول النبي ‪ " :‬ويرى شبانكم رؤى" ) يوئيل ‪ .(1:3‬وهي‬
‫غير مخدوعة بتلك الرؤى بل معاينة الحقيقة ومؤمنة بها‬

‫ـ عندما يندفع الجانب الشهواني في النفس نهو آهواء والمعانقات والملذ‪63‬‬
‫ومتع الحياة‪ ،‬تبصر النفس هذه الشياء في احلمها ‪ .‬واذا جعلها الشيطان‬
‫النزق تستشيط غضبا على اترابها فل تحلم ال بهجمات وحوش ومعارك‬
‫حيات‪ ،‬وبأنها تتناقش مع خصومها امام المحكمة‪ .‬اما اذا كان العقل يتشامخ‬
‫غرورا وكبرياء فتتخيل النفس ان لها جناحين تطير بهما في الهواء وتتربع‬
‫على عرش عال‪ ،‬او انها تسير امام الشعب في طليعة موكب من المركبات‬
‫ـ ان الذين غدا ذهنهم بسيطا حرا من كل ارتباك الهواء واسرها‪ ،‬لسكنى‪64‬‬
‫الروح القدس فيه ‪ ،‬هم وحدهم يرون رؤى صادقة ل ما يسمى احلما بل‬
‫رؤى حقيقية ومعاينات‪ .‬ان حب الطلع عندهم يتجه كله نحو المور‬
‫اللهية ‪ ،‬وتأملتهم تتجه نحو الثواب والمجازاة في الحياة الخرة‪ .‬وحياتهم ــ‬
‫اكثر بكثير من اية حياة اخرى ــ خالية من كل هم وتشتت‪ ،‬هادئة نقية ‪ .‬مفعمة‬
‫بالرحمة والحكمة والمعرفة السماوية والثمار الصالحة التي انماها الروح ‪،‬‬
‫اما الذين يتجهون اتجاها آخر فرؤاهم كاذبة ومصطربة‪ ،‬بل هي خدع جلية‬
‫ـ كثيرون يعبطون سيرة التوحد‪ ،‬وآخرون الحياة في الديار ذات المعيشةا‪65‬‬
‫لمشتركة‪ ،‬وآخرون الرعاية او التربية والتعليم وادارة الكنائس‪ ،‬وهي اعمال‬
‫تؤمن قوت الجسد والنفس لناس شتى‪ .‬امآنا فلن اجرؤ على تفضيل اي من‬
‫هذه الحالت ول على تعظيم سيرة وتحقير اخرى‪ .‬على كل حال‪ ،‬ايا كانت‬
‫العمال والممارسات‪ ،‬فالحياة لجل ال وبحسب رضى ال هي الكلية الغبطة‬
‫ـ تنظم حياة البشر علوم وفنون مختلفة‪ .‬وكل يمارس اختصاصه ويسهم‪66‬‬
‫تارة في العطاء وتارة في الخذ‪ ،‬فيعيش الناس ويوضون ضرورات الجسد‬
‫الطبيعية‪ .‬كذلك الروحانيون ‪ :‬فالواحد يمارس فضيلة والخر فضيلة‪ ،‬كل‬
‫منهما يتبع طريقا مختلفا في الحياة‪ ،‬ولكنهما كليهما يسعيان الى غاية واحدة‬
‫عبر الطريقين‬
‫ـ ان غاية جميع الذين يجاهدون بحسب رضى ال هي الوصول الى‪67‬‬
‫ارضاء المسيح الله والتصالح مع الب بإسهام الروح القدس‪ ،‬والبلوغ هكذا‬

‫الى الخلص‪ .‬ففي هذا يقوم خالص كل نفس وكل انسان ‪ .‬وان لم نبلغ الى‬
‫هذه الغاية فتعبنا باطل وعملنا غير مثمر‪ ،‬وكل طريق في الحياة ل توصل‬
‫الساعي فيها الى هذه الغاية هي عديمة الجدوى‬
‫ـ من ترك العالم وتوحد في الجبل طالبا الهدوء والسكينة ‪ .‬ثم بدأ من هناك‪68‬‬
‫يكتب بشيء من الدعاء الى الذين ظلوا في العالم‪ ،‬يغبط هذا ويطري ويمدح‬
‫ذاك ‪ ،‬يشبه رجل تزوج امرأة عاهرة مهملة كلية الشر ثم رحل بعتدا جدا‬
‫لينسى حتى ذكرها وبعدئذ نسي الغاية التي اتى من اجلها واشتهى ان يكتب‬
‫الى الذين يحومون حول تلك الزانية‪ ،‬ويتدنسون معها ‪ ،‬مطوبا اياهم ‪ .‬وان‬
‫كان جسده بعيدا فان في نية قلبه وذهنه الهواء عينها التي في هؤلء الناس‬
‫لني يؤيد علقتهم بتلك المرأة‬
‫ـ بقدر ما يجب ان يمدح ويغبط العائشون في وسط العالم وهم يطهرون‪69‬‬
‫حواسهم وقلبهم من كل شهوات رديئة‪ ،‬يجب ان يلم ويحتقر قاطنوا الجبال‬
‫والمغاور اذا تاقوا الى المدائح والى مجد الناس‪ .‬ففي نظر ال الذي يسبر‬
‫القلوب هم زناة‪ ،‬لن الذي يتوخى ان يشهر اسمه وسيرته وسلوكه في العالم‬
‫يفجر بعيداعن ال ‪ ،‬على مثال الشعب اليهودي ي القديم كما يقول النبي داود‬
‫)) انظر مز ‪39:105‬‬
‫ـ من زهد في العالم وخيراته بايمان ثابت بال يؤمن بأن الرب رؤوف‪70‬‬
‫ورحيم‪ ،‬وبأنه يتقبل الذين يتقدمون اليه بالتوبة‪ .‬ولكنه يعرف ايضا ان ال‬
‫يكرم عبيدة بالخزي والهوان ‪ ،‬ويغنيهم بالفقر والعوز‪ ،‬وينمجدهم بالشتائم‬
‫والسخرية‪ ،‬ونه يعود فيقيمهم عبر الموت في ميرات ملكوت الحياة البدية‪.‬‬
‫وباسطة هذه الوسائل يغدو المؤمن نحو ينبوع الخلود كاليل الظمآن ) نظر‬
‫مز ‪ ،(2:41‬وبها يرتقي صعدا كعلى درجات سلم يصعد عليها الملئكة‬
‫وينزلون ) انظر تك ‪ (12:28‬لعانة الصاعدين‪ ،‬وال يقف في اعلى السلم‬
‫ملحظا غيرتنا والجهود التي نبذلها قدر طاقتنا ل لنه يفرح لمشاهدته ايانا‬
‫نشقى ولكنه يريد ‪ ،‬هو المحب البشر ‪ ،‬ان يلبس مكافآته لنا زي دين عليه‬

‫ـ ل يدع الرب المتقدمين اليه بل ارتياب يسقطون ابدا ‪ .‬بل اذا رآهم‪71‬‬
‫واهنين يسعفهم ويعينهم مادا اليهم يده الضابطة الكل ومجتذبا اياهم اليه ‪ ،‬ان‬
‫مؤازرته لنا هي منظورة وغير منظورة في آن ل نعيها ونعيها معا ‪ ،‬الى ان‬
‫نصير بقربه ‪ ،‬بعد صعود الدرجات كلها ‪ ،‬متحدين كلنا " بكله " وقد نسينا‬
‫امور الرض كافة فهناك نحن معه ‪ ،‬أبالجسد ام بدون الجسد ل اعلم ) ‪2‬‬
‫كور ‪ ، (2:12‬نحن ضيوفه بخيرات ل توصف‬
‫ـ من العدل ان نحمل قبل كل شيء نير وصايا المسيح بدون دمدمة ول‪72‬‬
‫تباطؤ‪ ،‬وان نسير باستقامة وثبات فوي هذه الطريق حتى الموت‪ ،‬صائرين‬
‫فردوس ال الحقيقي الجديد ‪ ،‬الى ان يحل البن فينا ويستقر مع الب بالروح‬
‫القدس‪ .‬واذ ذاك‪ ،‬بعد اقتنائنا ال كله كضيف وسيد‪ ،‬يباشر احدنا وينجز‬
‫بسرور الخدمة التي يفوضها اليه مهما عظمت وحسب قصده تعالى ‪ .‬ولكن‬
‫يقتضي ال نطلب هذا التفويض قبل الوان وال نرضى بتسلمه من يد البشر ‪،‬‬
‫بل ان نخضع ليعازات ال ربنا ونبقى مرتبطين باوامره‬
‫ـ اذا امرنا الروه ‪ ،‬بعد ان نكون قد باشرنا خدمتنا في حقل ال وبرعنا‪73‬‬
‫فيها‪ ،‬ان ننتقل الى خدمة اخرى او الى نشاط او عمل آخر ‪ ،‬فل نقاومن لن‬
‫ال ل يريدنا بطالين كما ل يريدنا ملزمين حتى نهاية حياتنا النشاط الواحد‬
‫الذت بدأنا به ‪ .‬بل ان نتقدم ونبقى متأهبين على الدوام لحتمال افضل‪،‬‬
‫عاملين بمشيئة ال ل بمشيئتنا‬
‫ـ من جعل مشيئته جثة هامدة يصبح بدون مشيئة على الطلق ‪ .‬ل يوجد‪74‬‬
‫كائن بل مشيئة بين الكائنات التي تحيا وتتحرك‪ ،‬ما عدا البعض التي ربما‬
‫يمكن نعتها بانها ل تحس ول تتحرك‪ ،‬لننا نزعم ان النباتات ‪ ،‬رغم تحركها‬
‫ونموها‪ ،‬ل تسيرها مشيئتها فو هذه الحركة‪ ،‬اذ ل نفس لها ‪ ،‬ولكن لكل كائن‬
‫حي مشيئة تلئم طبيعته ‪ .‬اذا من امات مشيئته لغيرته في النسك وصار بدون‬
‫مشيئة على الطلق ‪ ،‬يكون قد خرج عن طبيعته وبما انه ل يشاء شيئا فل‬

‫يمكنه ان يعمل من نفسه ل خيرا ول شرا‬
‫ـ على من يجتهد في اماتة مشيئته ان يتبعمشيئة ال ‪ .‬عليه ان يحل مشيئة‪75‬‬
‫ال فيه محل مشيئته ويغرسها في قلبه ويطعمه بها‪ .‬ولهذه الغاية فليراقب جيدا‬
‫عالم الغراس والمطاعيم ويلحظ ما اذا كان الغرس يتجذر عميقا في‬
‫الرض ‪،‬وما اذا كان المطعوم ‪ ،‬بعد ختم الشق‪ ،‬يتحد بالغرس ويصير واياه‬
‫واحدا ‪ ،‬فاذا نميا وازهرا يثمران ثمرا جميل لذيذا بحيث ل نعود نتبين فيه ل‬
‫الرض التي تلقت البذار ول الجذع الذي طعم بهذا الغرس الزكي غير‬
‫المتوقع والمتعذر تحديده‬
‫ـ من كسر مشيئته الذاتية بمخافة ال دون ان يدري ) انظر ‪ (27:4‬منح‪76‬‬
‫ال مشيئته وثبتها في قلبه ل تمحى‪ .‬انه يفتح عيني ذهنه ليتبينها ويقويه‬
‫ليتممها‪ .‬هذا مرده تأثير نعمة الروه القدس التي ليتم شيء بدونها ) انظر يو‬
‫)‪3:1‬‬
‫ـ عندما ننجز بكل قوتنا ‪ ،‬بهمة وعزم واندفاع ل يكل ‪ ،‬ودون ان نغفل‪77‬‬
‫شيئا ‪ ،‬ما يرسمه ال نفسه لنا ويرشدنا اليه بصورة سرية ل نعيها‪ ،‬حينذاك‪،‬‬
‫ومن اجل اننا امناء وطيعون وتلميذ واحباء حقيقيون‪ ،‬نحظى باستعلن ال‬
‫الجلي لنا كما استعلن قديما لرسله وتلميذه القدديسين‪ ،‬ولجميع الذين آمنوا به‬
‫عن كلمهم ) يو ‪ . (20:17‬اذ ذاك نصير ابناء ال بالنعمة‪ ،‬وكما يقول بولس‬
‫الرسول ‪ " :‬لن الذين ينقادون لرح ال يكونون ابناء ال حقا‪ ...‬فاذا كنا ابناء‬
‫) فنحن ورثة ايضا ‪ ،‬ورثة ال وشركاء المسيح" ) انظر رو ‪ 14:8‬و‪17‬‬
‫ـ ليس احد ممن حظوا بمعية ال في شركة الروح القدس وذاقوا احساناته‪78‬‬
‫التي ل توصف يعود فيبتغي ذلك المجد الخسيس الحقير الذي للناس ‪ ،‬ل‬
‫الذهب ول اللبسة ول تلك الحجارة التي يعدها الغبياء كريمة ‪ .‬فان نفسه ل‬
‫تنزع ) انظر مز ‪(10:61‬الى الغنى الفاني ول يطلب ان يميزه الملوك‬
‫والحكام الذين ل يحكمون بل يسود عليهم الشعب في الواقع‪ ،‬ول يرى في‬
‫هؤلء اي شيء عظيم او رفيع‪ ،‬ول يقتني المقربون اليهم مزيدا في المجد في‬

‫رأيه ‪ .‬انه لن يرغب في كل ما هو جليل ورائع في نظر الناس‪ ،‬وذلك بالهمة‬
‫نفسها التي يهتم بها آخر لكي ل يهبط من الغنى الى الفقر ول يسقط من رئاسة‬
‫او مرتبة عليا او كرامة جذيلة الى تفاهة قصوى وزوال الحظوة والعتبار‬
‫ـاذا كنت قد نلت غفران خطاياك كلها سواء بالعتراف او بارتداي الثوب‪79‬‬
‫اللئكي‪،‬كم سيكون لك هذا باعثا على المحبة والشكر والتضاع؟ ففيما كنت‬
‫تستحق الف عقاب ليس انت الن خالصا من اي دين وحسب‪ ،‬بل قد غنمت‬
‫بمرتبة البن وبالمجد والملكوت السماويين‪ .‬الهج بهذا واذكره على الدوام‪.‬‬
‫اعزم واحرص على ال تعيب من شّرفك وغفر لك خطاياك التي ل تحصى‪.‬‬
‫جده بكل اعمالك لكيما يزيدك مجدا بالمقابل‪ ،‬انت الذي شّرفك فوق‬
‫كرمه وم ّ‬
‫كل الخلئق المنظورة ‪ .‬وسوف يدعوك صفيه المخلص‬
‫ـ بقدر ما تفوق النفس الجسد كرامة‪ ،‬يسمو النسان العاقل على العالم كله‪80.‬‬
‫فاذا تأملت عظمة الخلئق التي فيه ‪ ،‬ل تظن ايها النسان انها اكثر قدرا‬
‫منك ‪ .‬بل انظر الى النعمة التي اعطيتها‪ ،‬واعرف كرامة نفسك ذات العقل‬
‫والنطق ‪ ،‬فتسبح ال الذي شّرفك اكثر من كل الكون‬

‫ـ لننظر كيف نمجد ال ‪ ،‬فانه ل يسعنا تمجيده ال بما مجده البن‪ .‬لنّتبع اذا‪81‬‬
‫نحن ايضا بتدقيق الوسائط التي مجد بها البن الب فاقتبل مجد الب‪ ،‬لكي‬
‫نمجد بها من ارتضى ان يدعى " ابانا الذي في السماوات " ‪ ،‬حتى يمجدنا هو‬
‫بمجد يسوع ‪ ،‬د؛لك المجد الذي كان له قبل ان يكون العالم ) يو ‪ .(5:17‬اما‬
‫تلك الوسائط فهي الصليب ) اي الموت للعالم كله (‪ ،‬والضيقات والتجارب‬
‫وبقية آلم المسيح ‪ .‬فاذا احتملناها كلها بصبر نماثل آلم المسيح وبها نمجد‬
‫ابانا والهنا ‪ ،‬نحن ابناءه بالنعمة والشركاء في ميراث المسيح‬
‫ـ النفس التي ل اتشعر بانها قد تحررت كليا من اقتناء الحسيات والتعلق‪82‬‬
‫بها ل تقدر ان تحتمل بدون الم الغاضات والنات التي يوجهها اليها الناس‬
‫او الشياطين‪ .‬ولكن لما كانت اسيرة التعلق بالمور البشرية‪ ،‬فان خسارة‬

‫الموال تلسعها والحرمان من المقتنيات يعذبها وجراحات الجسد توجعها‬
‫ـ اذا انتزع احد نفسه من اقتناء الحسيات وابتغائها‪ ،‬والسقها بال ‪ ،‬لن‪83‬‬
‫يزدري فقت بالمال والمقتنيات من حوله‪ ،‬غير مكترث لفقدانها وكأنها لخرين‬
‫او لغرباء‪ ،‬بل سيحتمل بالفره والشكر المناسبين المضايقات التي تصيب‬
‫الجسد ايدا‪ .‬فهو ينظر دائما‪ ،‬حسب مشورة الرسول‪ ،‬الى النسان الظاهر الذي‬
‫يخرب والنسان الباطن الذي يتجدد يوما بعد يوم ) انظر ‪ 2‬كور ‪،(16:4‬و‬
‫ال يتعذر على النسان ان يعاني بفره اللم التي يسمح بها ال ‪ ،‬لن هذا‬
‫يتطلب معرفة كاملة وحكيمة روحية‪ .‬ومن تعوزه هاتان يسير على الدوام في‬
‫ظلم الجهل واليأس لنه غير قادر على الطلق ان يرى نور الصبر والتعزية‬
‫ـ كل من يدعي المعرفة بعلم العداد لن يحظى يوما بكشف اسرار ال‪84‬‬
‫ومعاينتها قبل ان يرضى بان يتضع اول ويصير احمق ) ‪ 1‬كور ‪(18:3‬‬
‫بنبذه اعتداده بذاته ومعرفته‪ .‬من يسلك على هذه السورة ويقتدي بالحكماء في‬
‫امور ال بايمان خالس يدخل معهم يدا بيد الى مدينة ال الحي ‪ ،‬ومن ثم‬
‫يرشده الروه اللهي وينيره فيرى ويعرف ما لم يره انسان وما ل يمكنه يوما‬
‫ان يري ول ان يعرف ‪ ،‬ويصير اذ ذاك تلميذ ال‬
‫ـ تلميذ ال مختلون في نظر تلميذ حكماء هذا الدهر‪ .‬ولكن هؤلء في‪85‬‬
‫الحقيقة هم المختلون وقد كمت افواههم تلك الحكمة الجاهلة التي جعلها ال‬
‫حماقة هسب قول الرسول اللهي ) كور ‪ ، ( 20:1‬والتي عّرفها الصوت‬
‫الملهم من ال بأنها دنيوية بشرية‪ ،‬شيطانية ‪ ،‬مفعمة بالحسد والمنازعة ) يع‬
‫‪ . (15:3‬وكون هؤلء خارج النور اللهي فانهم ل يقدرون ان يروا العجائب‬
‫التي يحويها ذلك النور فيظنون ان الذين يقيمون فيه ويبصرون ويعرفون ما‬
‫يحويه يضلون‪ ،‬في حين انهم هم الذين ضلوا ولم يذوقوا خيرات ال التي ل‬
‫توصف‬
‫ـ ان الذين امتلؤا محبة واقتنوا علي وجه كامل المعرفة والحكمة اللتين‪86‬‬
‫من فوق ل يتوخون من التقائهم اناس العالم ومخالطتهم اياهم سوى افادتهم‬

‫بعض الفادة عن طريق تذكيرهم بوصايا ال وبالبر والحسان‪ .‬فقد‬
‫يسمعهؤلء ويفهمون ويقتنعون باقوالهم ‪ .‬لن الذين ل ينقادون لروه ال ) رو‬
‫‪ (14:8‬يمشون في الظلم ول يدرون الى اين يسيرون ) يو ‪ (35:12‬ول في‬
‫ما يتقدمون ‪ .‬ولكنهم قد يتخلون يوما عن الغرور الذي يعميهم ويتقبلون التعليم‬
‫الصحيح ‪ ،‬تعليم الروح القدس ‪ .‬فانهم ليستطيعون ان يهتدوا اذا عرفوا مشيئة‬
‫ال خالية من الغش والضلل واتبعوها‪ ،‬وباتباعهم اياها نالوا موهبة من‬
‫الروح ‪ ،‬اما ذا لم يستطع هاولئك الغيورون ان يفيدوهم كما ذكر‪ .‬فانهم‬
‫يحزنون على ذوي تلك القلوب المتحجرة ويرجعون الى قلليهم مصلين ليل‬
‫نهارا من اجل خلسهم ‪ .‬وسيكون هذا المر السبب الوحيد لحزنهم‪ ،‬اذ هم‬
‫متحدون علي الدوام بال الذي يفيض عليهم كل خير بغزارة‬

‫ـ هناك رجال قد ادركوا اللهوى‪ ،‬وقديسون امتلؤا من نور ال ‪ ،‬حتى‪87‬‬
‫في ايامنا هذه وهم عائشون بيننا‪ .‬وامعنوا في اماتة اعدائهم التي على الرض‬
‫) انظر كول ‪ (5:3‬واقصوا عنهم كل دنس وكل طمع وشهوة ‪ ،‬بحيث ل‬
‫يتسورون الشر ابدا‪ ،‬ول يخطر على بالهم ان يحرضوا احدا عليه ‪ ،‬ل من‬
‫تلقاء انفسهم ول مدفوعين من اخرين‪ .‬يزعم البعض ان هؤلء القديسين مختلو‬
‫الشعور ‪ ،‬ول يصدقوهم حين يعّلمون امور ال بالهام الروح‪ .‬فلو فهم هؤلء‬
‫الكتاب اللهي الذي يفترضه ويقتضيه اللهوى البادي لهم امام اعينهم ‪ .‬ولو‬
‫كانت معرفتهم للكتاباللهي معرفة كاملة لكانوا صدقوا النعامات التي اعدها‬
‫ال ووهبنا اياها‪ .‬ولكن غرورهم وتوانيهم يمنعانهم من المشاركة فيها فل‬
‫يصدقون الذين استطاعوا ان يعلموهم اياها بعد ان اجتنبوها‪ ،‬وبالتالي يشكون‬
‫بهم‬
‫ـ ما عسى ان تكون الغاية الخيرة لتجسد ال الكلمة المعلن عنه في كل‪88‬‬
‫الكتاب المقدس ـ والذي نعرفه من خلل تلوة الكتاب ولكننا في الحقيقة ل‬
‫نعرفهـ سوى اعطائنا ما هو له بعد اشتراكه في ما هو لنا؟ لهذا صار ابن ال‬
‫ابن ابشر ليجعلنا نحن البشر ابناء ال ‪ ،‬رافعا جنسنا بالنعمة الى ما هو عليه‬

‫بالطبيعة‪ ،‬وواهبا لنا الولدة من فوق بالروح القدس‪ ،‬ومدخل ايانا الى ملكوت‬
‫السماوات‪ .‬بلمنحنا نعمة حيازة الملكوت في داخلنا ) انظر ‪ ،(21:17‬بحيث ل‬
‫نقف عند رجاء الدخول اليه بل نستطيع ان نعلن ماسكين اياه بايدينا حقيقة‬
‫)وقائلين ‪ " :‬ان حياتنا محتجبة مع المسيح في ال " ) كول ‪3:3‬‬
‫ـ ل تلغي المعمودية استقللنا وحريتنا انما تمنحنا حرية عدم الخضوع‪89‬‬
‫لطغيان الشيطان‪ .‬فبامكاننا بعد المعمودية اما الستمرار طوعا في اتباع طريق‬
‫وصايا المسيح ربنا الذي اعتمدنا فيه وسلوك السبيل الذي يأمرنا بان نسلك ‪،‬‬
‫او النحراف عن هذه الطريق الكلية الستقامة‪،‬والعودة باعمالنا الرديئة الى‬
‫اتباع الشيطان عدونا الذي ل يرحم‬
‫ـ ان الذين يستسلمين بعد المعمودية الى مشيئات الشرير وينفذون اوامره‪90‬‬
‫يزيغون عن رحم المعمودية المبارك حسب قول داود ) مز ‪ (3:57‬ولكن ل‬
‫يقدر احد ان يصير آخر او يبدل طبيعته كما حددت عند الخلق‪ ،‬فقد خلق ال‬
‫النسان صالحا‪ ،‬لن ال لم يخلق الشر‪ ،‬وخلقه غير قابل لتغيير جوهره‬
‫والطبيعة التي فطر عليها‪ ،‬فيصنع النسان ما يختاره بتمييزه ويعزم عليه من‬
‫تلقاء نفسه ‪ ،‬سواء كان خيرا او شرا‪ .‬فان السيف الذي يستعمل للخير او للشر‬
‫ل تتغير طبيعته من جراء ذلك بل يبقى مصنوعا من الفولذ‪ .‬هكذا فالنسان‬
‫يفعل ويعمل ما يريد‪ ،‬دون ان يخرج من طبيعته‬
‫ـ ان اشفاقنا على انسان واحد فقط ل يخلصنا‪ ،‬ولكن احتقارنا لواحد يبعثنا‪91‬‬
‫الي النار ‪ .‬لم يقل الرب قوله ‪ " :‬جعت وعطشت ‪ ) ".....‬متى ‪(35:25‬‬
‫ليطبق مرة واحدة ول خلل يوم واحد فقط بل طيلة الحياة‪ .‬هكذا فان ربنا‬
‫والهنا ل يعني بقوله " اطعمتموني وسقيتموني وكسوتموني " وبقية‬
‫الممارسات الخرى‪ ،‬انه يتقبلنا من عبيده مرة واحدة فحسب بل في كل حين‬
‫ومن قبل الجميع‬
‫ـ من تجزأ دون ان يتجزأ وكان كله في الكل وفي كل فقير معا ‪ ،‬كيف‪92‬‬
‫يمكن البعض ان يحصروه في انسان واحد ؟ افترض وجود مائة فقير فليس‬

‫سوي مسيح واحد‪ ،‬لن المسيح ل ينقسم اطلقا‪ .‬فاذا اعطى احدهم فلسا الى‬
‫كل من التسعة والتسعين واهان الواحد الباقي وضربه او صرفه صفر‬
‫اليدين ‪ ،‬فبمن يكون قد فعل هذا ال بالذي قال ول يزال يقول ولسوف يقول‬
‫في آخر الزمان ‪ " :‬بما انكم فعلتموه باحد اخوتي هؤلء الصغار فبي فعلتم " )‬
‫)متى ‪40:25‬‬

‫ـ من احسن الى مائة فقير وما زال بامكانه ان يحسن ايدا الى آخرين‪93‬‬
‫ويطعمهم ويسقيهم‪ ،‬ولكنه صرف كثيرين فارغين‪ ،‬رغم صراخهم‬
‫واستغاثتهم ‪،‬سوف يدان امام منبر المسيح كونه لم يغثه‪ .‬فالمسيح هي في‬
‫جميع هؤلء الفقراء وهو الذي نطعمه في كل من اولئك الصغار‬
‫ـ من اعطي الجميع كل حاجتهم اليوم واهمل في الغد بعض الخوة‪94‬‬
‫وتركهم يموتون جوعا وعطشا وبردا‪ ،‬وكان بامكانه ان يعنهم‪ ،‬فكأنه ترك‬
‫المسيه يموت ورذله هو القائل ‪ " :‬بما انكم فعلتموه باحد هؤلء الصغار فبي‬
‫فعلتموه‬
‫ـ نستطيع ان نفهم من هذا كله ان الرب بقوله للبرار ‪" :‬فبي فعلتموه"‪95‬‬
‫وللذين الى اليسار‪ ":‬فبي لم تفعلوه" ينسب الى ذاته كل ما يتعلق باخوتنا‬
‫الفقراء‪ .‬انه ل ينظر قط الى الذين اسعفوا والذين تأذوا واهينوا وأسيء اليهم‬
‫بالف شكل بل ايضا الى الذين اهملوا ‪ .‬لن هذا يكفي لدانتنا ما دمنا م نهملهم‬
‫هم فقط بل المسيح نفسه الذي يعزو الى ذاته كل ما يختص بهم‬
‫ـ ان كان المسيه قد ارتضى ان يتخذ وجه كل فقير ‪ ،‬وتمثل بكل فقير ‪96،‬‬
‫فللغاية التية ‪ :‬لكي ل يرتفع احد ممن يؤمنون به فوق اخيه‪ ،‬نبل لكي ينظر‬
‫الى اخيه وقريبه كأنه الى الهه‪ ،‬ويعد نفسه ادنى ل من اخيه بل من ال الذي‬
‫صنعه‪ ،‬وهكذا يتقبله كأنه ال ويكرمه ويبذل كل ما عنده لخدمته‪ ،‬كما اهرق‬
‫المسيه الله دمه كله لخلسنا‬

‫ـ ان المر القاضي بان نحسب قريبنا كنفسنا ) لو ‪ (27:10‬ل يلزمنا ليوم‪97‬‬
‫واحد فقط بل طيلة الحياة‪ .‬والملزم بان يعطي كل من يسأله ) انظر متى‬
‫‪ (42:5‬ملزم بذلك كل الحياة ايضا‪ ،‬ومن يشاء ان يفعل الخرون به خيرا‬
‫)ملزم بأن يفعل هو ذلك الخير للخرين ) متى ‪12:7‬‬
‫ـ من يحسب قريبه كنفسه ل يحتمل ان يقتني شيئا اكثر مما يقتنيه قريبه‪98.‬‬
‫فاذا كان له اكثر منه ولم يبذل بسخاء حتى يصبح فقيرا هو ايضا‬
‫ومساويالقريبه ل يكون قد عمل بوصية الرب‪ .‬وكذلك ايضا من يشاء ان‬
‫يعطي الجميع ولكنه يرد واحدا من المتوسلين اليه‪ ،‬ما دام عنده فلس واحد او‬
‫كسرة خبز‪ ،‬او من ل يفعل للناس ما يريد ان يفعل الناس له ) انظر متى‬
‫‪ (12:7‬باختصاران من اطعم وسقى وكسا كل افقراء حتى اصغرهم وسنع‬
‫كل شيء لهم‪ ،‬اذا رذل واحدا منهم واهمله سوف يحسب هو ايضا كأنه اهمل‬
‫المسيح الله حين كان جائعا وعطشانا‬
‫ـ قد يبدو هذا كله صعبا للكثيرين فيلوح لهم انه من الصواب ان يفكروا‪99‬‬
‫ويقولوا في انفسهم ‪ " :‬من يستطيع ان يفعل كل هذا ‪ ،‬ان يخدم ويطعم جميع‬
‫المحتاجين وال يهمل احدا؟" ولكن فليسمعوا بولس يقول في هذا الصدد‪ ":‬ان‬
‫محبة المسيح تحصرنا اذ نحن نحسب هذا انه كان احد قد مات لجل الجميع‬
‫)فالجميع اذا قد ماتوا" ) ‪ 2‬كور ‪14:5‬‬
‫ـ كما ان الحكام العامة تتضمن الحكام الخاصة‪ ،‬هكذا الفضائل العامة‪100‬‬
‫اتشتمل على الفضائل الخاصة‪ .‬فمن باع املكه ووزعها علي المساكين‬
‫وصار فقيرا دفعة واحدة ‪ ،‬فقد اتم دفعة واحدة كل العرائض الجزئية‬
‫المتضمنة في الوصايا‪ ،‬ول يعود يحتاج الى ان يعطي من يسأله او ان ل‬
‫يعرض عمن اراد ان يقترض منه ) متى ‪ .(42:5‬كذلك من يمارس الصلة‬
‫الدائمة قد جعل فيها كل الخدمات الطقسية فل يعود ملزما بتسبيح الرب سبع‬
‫مرات في النهار ) مز ‪ (164:118‬مساء وصبحا وظهرا ) مز ‪(17:54‬‬
‫لنه سبق واكمل كل الصلوات والتراتيل اليومية‪ .‬كذلك ايضا من ‪ ،‬بوعي‬
‫وحس ‪ ،‬تقّبل في داخله ال الذي يعلم النسان العلم ) مز ‪ (10:93‬قد طاف‬

‫الكتاب المقدس كله واجتنى كل ثمار تلوته‪ ،‬فل يعود يحتاج الى مطالعة‬
‫الكتب‪ .‬كيف ذلك؟ ان من يخاطبه ملهم كاتبي السفار اللهية‪ ،‬وقد فقهه في‬
‫معرفة خطايا اسرار ال‪ ،‬يكون للخرين كتابا موحي به من ال‪ ،‬فيخرج من‬
‫كنزه آسرار جددا وعتقا ) متى ‪ (52:13‬منقوشة فيه باصبع ال ) خروج‬
‫‪ ، (18:31‬لنه قد اكمل كل شيء وبات يستريح في ال ‪ ،‬الكمال السنى‪ ،‬من‬
‫‪.‬كل اعماله‬
‫نهاية المقالت المائتين والخمس والعشرين‬
‫نقل لمجد ال تعالى‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful