You are on page 1of 65

‫إهداء‬

‫من الشبكة الليبية‬
‫والدكتور على الصلبي‬
‫إلى القراء الكرام‬
‫بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعون‬
‫لستشهاد شيخ المجاهدين‬
‫عمر المختار رحمه الله‬
‫‪Info@libya-web.net‬‬

‫الشيخ الجليل عمر المختار ‪ -‬رحمه الله ‪-‬‬
‫نشأته ‪ ،‬وأعماله‪ ،‬واستشهاده‬
‫د‪ .‬علي محمد الصلبي‬

‫المبحث الول‬
‫نشأته وأعماله‬
‫ل‪ :‬مولده ونسبه ونشأته وشيوخه‬
‫او ً‬
‫ولد الشيخ الجليل عمر المختار من أبوين صالحين عام ‪1862‬م)‪ (1‬وقييل ‪1858‬م‪ ،‬وكيان واليده مختيار‬
‫بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات وكان مولده بالبطنان في الجبل الخضر‪ ،‬ونشأ وترعرع في بيت‬
‫عز وكرم‪ ،‬تحيط به شييهامة المسييلمين وأخلقهييم الرفيعيية‪ ،‬وصييفاتهم الحميييدة الييتي اسييتمدوها ميين تعيياليم‬
‫الحركة السنوسية القائمة على كتاب ال وسنة رسوله ‪. ‬‬
‫توفي والده في رحلته إلى مكة لداء فريضة الحج‪ ،‬فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقييه السيييد أحمييد‬
‫الغرياني )شقيق شيخ زاوية جنزور الواقعة شرق طبرق( بأن يبلغ شقيقه بأنه عهد إليه بتربية ولييديه عميير‬
‫ومحمد‪ ،‬وتولى الشيخ حسين الغرياني رعايتهما محققيًا رغبيية والييدهما‪ ،‬فأدخلهمييا مدرسيية القييرآن الكريييم‬
‫بالزاوية‪ ،‬ثم الحق عمر المختييار بالمعهييد الجغبييوبي لينضييم إلييى طلبيية العلييم ميين أبنيياء الخييوان والقبييائل‬
‫الخرى)‪.(2‬‬
‫لقد ذاق عمر المختار ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬مرارة اليتم في صغره‪ ،‬فكان هذا من الخير الذي أصاب قلبه الملئ‬
‫باليمان وحب ال ورسوله ‪ ‬حيث التجأ إلى ال القوي العزيز فييي أمييوره كلهييا‪ ،‬وظهيير منييه نبييوغ منييذ‬
‫صباه مما جعل شيوخه يهتمون به في معهد الجغبوب الييذي كييان منييارة للعلييم‪ ،‬وملتقييى للعلميياء‪ ،‬والفقهيياء‬
‫والدباء والمربين الذين كانوا يشرفون على تربية وتعليم وإعييداد المتفييوقين ميين أبنيياء المسييلمين ليعييدوهم‬
‫لحمل رسالة السلم الخالدة‪ ،‬ثم يرسلوهم بعد سنين عديدة من العلم والتلقيي والتربيية إليى ميواطن القبيائل‬
‫في ليبيا وافريقيا لتعليم الناس وتربيتهم على مبادئ السلم وتعاليمه الرفيعيية ومكييث فييي معهييد الجغبييوب‬
‫ثمانية أعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه‪ ،‬والحديث والتفسير ومن أشهر شييوخه اليذين تتلميذ‬
‫على أيديهم‪ ،‬السيد الزروالي المغربي‪ ،‬والسييد الجيواني‪ ،‬والعلمية فالييح بين محمييد بين عبيدال الظياهري‬
‫المدني وغيرهم كثير‪ ،‬وشهدوا له بالنباهة ورجاحة العقل‪ ،‬ومتانة الخلييق‪ ،‬وحييب الييدعوة‪ ،‬وكييان يقييوم بمييا‬
‫ل مماثلة في ساعات معينة إلى جانب طلييب العلييم‬
‫عليه من واجبات عملية أسوة بزملئه الذين يؤدون أعما ً‬
‫وكان مخلصًا في عمله متفانيًا في أداء ماعليه ولم يعرف عنه زملؤه أنه أجل عمل يومه إلى غييده وهكييذا‬
‫اشتهر بالجدية والحزم والستقامة والصبر‪ ،‬ولفتييت شيمائله أنظيار أسيياتذته وزملئه وهيو ليم ييزل يافعيًا‪،‬‬
‫وكان الساتذة يبلغون المييام محمييد المهييدي أخبييار الطلبيية وأخلق كييل واحييد منهييم‪ ،‬فييأكبر السيييد محمييد‬
‫المهدي في عمر المختار صفاته وما يتحلى به من خلل)‪ ،(3‬وأصبح على إلمام واسييع بشييئون الييبيئة الييتي‬
‫تحيط به وعلى جانب كبير في الدراك بأحوال الوسيط اليذي يعييش فييه وعليى معرفية واسيعة بالحيداث‬
‫القبلية وتاريخ وقائعها وتوسع في معرفة النساب والرتباطات الييتي تصييل هييذه القبييائل بعضييها ببعييض‪،‬‬
‫وبتقاليدها‪ ،‬وعاداتها‪ ،‬ومواقعها‪ ،‬وتعلم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصييومات البدوييية ومييايتطلبه‬
‫الموقف من آراء ونظريات‪ ،‬كما أنه أصبح خبير بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها ميين برقيية‬
‫إلييى مصيير والسييودان فييي الخييارج وإلييى الجغبييوب والكفييرة ميين الييداخل‪ ،‬وكييان يعييرف أنييواع النباتييات‬
‫وخصائصها على مختلف أنواعها في برقة‪ ،‬وكان على دراية بالدواء التي تصيب الماشية ببرقة ومعرفيية‬
‫بطرق علجها نتيجة للتجارب المتوارثة عند البدو وهي اختبارات مكتسبة عيين طريييق التجربيية الطويليية‪،‬‬
‫والملحظة الدقيقة‪ ،‬وكان يعرف سمة كل قبيلة‪ ،‬وهي السمات التي توضييع علييى البييل والغنييام والبقييار‬
‫لوضوح ملكيتها لصحابها‪ ،‬فهذه المعلومات تدل على ذكاء عمر المختار وفطنته منذ شبابه)‪.(4‬‬
‫ثانيًا‪:‬وصف عمر المختار ‪:‬‬
‫ل‪ ،‬وليم يكين بالبيدين الممتليئ أو النحييف الفيارغ‪،‬‬
‫كان عمر المختار متوسط القامة يميل إلى الطول قلي ً‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬د‪ .‬ادريس الحريري‪ ،‬ص‪.65‬‬
‫‪ ()2‬انظر ‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.26‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.26‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.27‬‬

‫أجش الصوت بدوي اللهجة‪ ،‬رصين المنطق‪ ،‬صريح العبارة‪ ،‬ليمل حديثه‪ ،‬متزن في كلمييه‪ ،‬تفييتر ثناييياه‬
‫أثناء الحديث عن ابتسامة بريئة‪ ،‬أو ضحكة هادئة إذا ما اقتضاها الموقف‪ ،‬كيثيف اللحييية وقيد أرسييلها منييذ‬
‫صغره‪ ،‬تبدو عليه صفات الوقار والجدية في العمل‪ ،‬والتعقل في الكلم والثبات عند المبدأ وقد أخييذت هييذه‬
‫الصفات تتقدم معه بتقدم السن)‪.(1‬‬
‫ثالثًا‪ :‬تلوته للقرآن الكريم وعبادته‪:‬‬
‫كان عمر المختييار شيديد الحييرص عليى أداء الصيلوات فييي أوقاتهيا وكييان يقييرأ القييرآن يومييًا‪ ،‬فيختيم‬
‫المصحف الشريف كل سبعة أيام منذ أن قيال ليه المييام محمييد المهيدي السنوسييي ييياعمر )وردك القيرآن(‬
‫وقصة ذلك كما ذكرها محمد الطيب الشهب‪ ،‬أنه استأذن في الدخول على المام محمد المهدي من حيياجبه‬
‫محمد حسن البسكري في موقع بئر السارة الواقع في الطريق الصيحراوي بييين الكفيرة والسيودان وعنييدما‬
‫دخل على المهدي تناول مصحفًا كان بجانبه ونياوله للمختيار وقيال ‪ :‬هيل ليك شييء آخير ترييده فقليت ليه‬
‫ياسيدي أن الكثيرين من الخوان يقرأون أورادًا معينة من الدعية والتضرعات أجزتوهم قراءتهييا وأنييا ل‬
‫أقرأ إل الوراد الخفيفة عقب الصلوات فأطلب منكم اجازتي بما ترون فأجابني ‪ ‬بقييوله‪) :‬ييياعمر وردك‬
‫القرآن( فقبلت يده وخرجت أحمل هذه الهدية العظيمة )المصحف( ولم أزل بفضل ال احتفظ بها فييي حلييي‬
‫وترحالي ولم يفارقني مصحف سيدي منذ ذلك اليوم وصرت مداومًا على القراءة فيه يومي يًا لختييم السييلكة‬
‫كل سبعة ايام ‪ ،‬وسمعت من شيخنا سيدي احمد الريفي أن بعض كبار الولييياء يييداوم علييى طريقيية قييراءة‬
‫القرآن مبتدئًا )بالفاتحة( الى )سورة المائدة( ثم الى )سورة يونس( ‪ ،‬ثم الى )سورة السراء( ثم الى )سورة‬
‫الشعراء( ‪ ،‬ثم الى )سورة الصافات( ثم الى )سيورة ق( ثيم اليى آخير السيلكة ومنيذ ذليك الحيين وأنيا أقيرأ‬
‫القرآن من المصحف الشريف بهذا الترتيب)‪.(2‬‬
‫إن المحافظة على تلوة القرآن والتعبد به تدل على قوة اليمييان‪ ،‬وتعمقييه فييي النفييس‪ ،‬وبسييبب اليمييان‬
‫العظيم الذي تحلى به عمر المختار انبثق عنييه صييفات جميليية‪ ،‬كالمانيية والشييجاعة‪ ،‬والصييدق‪ ،‬ومحاربيية‬
‫الظلم‪ ،‬والقهر‪ ،‬والخنوع وقد تحلى هذا اليمان في حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها قال تعييالى‪} :‬إن‬
‫الصلة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا{ وكان يتعبد المولى عز وجل بتنفيذ أوامره ويسارع فييي تنفيييذها‬
‫وكان كثير التنفل في أوقات الفراغ‪ ،‬وكان قد ألزم نفسه بسنة الضحى وكان محافظ يًا علييى الوضييوء حييتى‬
‫في غير أوقات الصلة‪ ،‬ومما يروى عنه أنه قال‪ :‬ل أعرف إنني قابلت أحدًا من السادة السنوسية وأنا على‬
‫غير وضوء منذ شرفني ال بالنتساب إليهم)‪.(3‬‬
‫لقد كان هذا العبد الصالح يهتم بزاده الروحي اليومي بتلوة القرآن الكريم‪ ،‬وقيام الليل واستمر معه هذا‬
‫الحال حتى استشهاده‪.‬‬
‫فهذا المجاهد محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيرًا‪ ،‬يذكر فييي مييذكراته‬
‫أنه كان يأكل معه وينام معه في مكان واحد ويقول‪) :‬لم أشهد قط أنه نام لغاية الصباح‪ ،‬فكان ينييام سيياعتين‬
‫او ثلثًا على أكثر تقدير‪ ،‬ويبقى صاحيًا يتلو القرآن الكريم‪ ،‬وغالبًا مايتناول البريق ويسييبغ الوضييوء بعييد‬
‫منتصف الليل ويعود الى تلوة القرآن ‪ ،‬لقد كان على خلق عظيم يتميز بميزات التقييوى والييورع‪ ،‬ويتحلييى‬
‫بصفات المجاهدين البرار‪.(4)(....‬‬
‫وأما الستاذ محمد الطيب الشهب فقد قال ‪) :‬وقد عرفته معرفة طيبة وقييد مكنتنييي هييذ المصيياحبة ميين‬
‫الحتكاك به مباشرة‪ ،‬فكنت أنام بخيمته والى جانبه وأهم ماكنت امقته منه رحمه ال وأنا وقت ذاك حييديث‬
‫السن هو أنه ليتركنا أن ننام إذ يقضي كل ليلة يتليو القيرآن ويقيوم مبكيرًا فيأمرنيا بالوضيوء بيالرغم عميا‬
‫نلقيه من شدة البرد ومتاعب السفر‪.(5)(...‬‬
‫وكأني أراه مين خلييف السيينين وهيو قييائم يصييلي لي رب العييالمين فييي وديييان وجبييال وكهييوف الجبييل‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.28‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.28،29‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬مذكرات مجاهد‪ ،‬محمود الجهمي‪ ،‬محمد مناع‪.‬‬
‫‪ ()4‬المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬برقة العربية ‪ ،‬ص‪.439‬‬

‫الخضر وقد التف بجرده البيض فيي ظلمية اللييل البهييم وهيو يتليو كتياب الي بصيوت حزيين‪ ،‬وتنحيدر‬
‫الدموع على خدوده من خشية العزيز الرحيم‪.‬‬
‫قال تعالى‪} :‬إن الذين يتلون كتاب ال وأقاموا الصلة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلنية يرجون تجيارة‬
‫لن تبور{ )سورة فاطر ‪ ،‬الية (‪.‬‬
‫لقد وصى رسول ال ‪ ‬ابا ذر بذلك فقال‪) :‬عليك بتلوة القرآن فإنه نور لك في الرض وذخر لك فييي‬
‫السماء( وقد حذر الرسول الكريم من هجر القرآن فقال‪) :‬إن الذي ليس في جوفه شيء مين القيرآن كيالبيت‬
‫ب()‪.(1‬‬
‫خِر ْ‬
‫ال َ‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫قم في الدجى واتل الكتاب‬
‫ول تنم إل كنومة حائر ولهان‬
‫فلربما تأتي المنية بغتة‬
‫فتساق من فرش الى الكفان‬
‫ياحبذا عينان في غسق الدجى‬
‫من خشية الرحمن باكيتان‬
‫اعرض عن الدنيا الدنيئة زاهدًا‬
‫فالزهد عند أولى النهى زهدان‬
‫زهد عن الدنيا وزهد في الثناء‬
‫طوبى لمن أمسى له الزهدان)‪(2‬‬
‫إن من اسباب الثبات التي تميز به عمر المختار حتى اللحظييات الخيييرة ميين حييياته إدمييانه علييى تلوة‬
‫القرآن الكريم والتعبد به وتنفيذ أحكامه‪ ،‬لن القرآن الكريم مصدر تثبيت وهداية وذلك لما فيه ميين قصييص‬
‫النبياء مع أقوامهم ‪ ،‬ولما فيه من ذكر ميآل الصيالحين‪ ،‬ومصييير الكيافرين والجاحيدين وأولييائه بأسيياليب‬
‫متعددة)‪.(3‬‬
‫لقد كان عمر المختار يتلوا القرآن الكريم بتدبر وإيمان عظيم فرزقيه الي الثبيات وهيداه طرييق الرشياد‬
‫ولقد صاحبه حاله في التلوة حتى النفس الخير‪ ،‬وهو يساق الى حبل المشنقة وهو يتلييو قييوله تعييالى ‪}:‬يييا‬
‫أيتها النفس المطمئة ارجعي الى ربك راضية مرضية{)‪) (4‬سورة الفجر(‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬شجاعته وكرمه‪:‬‬
‫إن هذه الصفة الجميلة تظهر في سيرة عمر المختييار منييذ شييبابه البيياكر ففييي عييام ‪1311‬هيي )‪1894‬م(‬
‫تقرر سفر عمر المختار على رأس وفد الى السودان يضم كل مين السييد خاليد بين موسيى‪ ،‬والسييد محميد‬
‫المسالوسي ‪ ،‬وقرجيله المجبري وخليفة اليدبار اليزوي احيد اعضياء زاويية واو بفيزان )وهيو اليذي روى‬
‫القصة( وفي الكفرة وجد الوفد قافلة من التجار من قبيلتي الزوية والمجابرة ‪ ،‬وتجار آخرين ميين طرابلييس‬
‫‪ ()1‬رواه البخاري‪.‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬نونسية القحطاني‪ ،‬ص‪.42‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬الثبات ‪ ،‬د‪ .‬محمد بن حسن عقيل‪ ،‬ص‪.12‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.159‬‬

‫وبنغازي تتأهب للسفر الى السييودان‪ ،‬فانضييم الوفييد الييى هييؤلء التجييار الييذين تعييودوا السييير فييي الطييرق‬
‫الصحراوية ‪ ،‬ولهم خبرة جيدة بدروبها وعندما وصل المسافرون الى قلب الصحراء بالقرب من السييودان‬
‫قال بعض التجار الذين تعودوا المرور من هذا الطريق إننا سنمر بعد وقت قصير بطريييق وعيير ل مسييلك‬
‫لنا غيره ومن العادة ‪ -‬إل في القليل النادر‪ -‬يوجد فيه أسد ينتظر فريسته من القوافل الييتي تميير ميين هنيياك‪،‬‬
‫وتعودت القوافل أن تترك له بعيرًا كما يترك النسييان قطعيية اللحييم الييى الكلب أو القطييط‪ ،‬وتميير القوافييل‬
‫بسلم واقترح المتحدث أن يشترك الجميع في ثمن بعير هزيل ويتركونه للسد عند خروجه‪ ،‬فرفض عمر‬
‫ل‪) :‬إن التاوات التي كان يفرضها القييوي منييا علييى الضييعيف بييدون حييق أبطلييت فكيييف‬
‫المختار بشدة قائ ً‬
‫يصح لنا أن نعيد اعطاءها للحيوان إنها علمة الهوان والمذلة‪ .‬إننا سندفع السييد بسييلحنا اذا مييا اعييترض‬
‫ل‪ :‬أنني أخجل عندما أعييود وأقييول‬
‫طريقنا( وقد حاول بعض المسافرين أن يثنيه عن عزمه‪ ،‬فرد عليهم قائ ً‬
‫أنني تركت بعيرًا الى حيوان اعترض طريقي وأنا على استعداد لحماية ما معي وكلكم راع وكلكم مسؤول‬
‫عن رعيته إنها عادة سيئة يجب أن نبطلها ‪ ،‬وما كادت القافلة تدنو من الممر الضيق حتى خرج السد ميين‬
‫مكانه الذي اتخذه على احييدى شييرفات المميير فقييال أحييد التجييار وقييد خيياف ميين هييول المنظيير وارتعشييت‬
‫فرائصه من ذلك‪ :‬أنا مسييتعد أتنييازل عيين بعييير ميين بعييائري ول تحيياولوا مشاكسيية السييد‪ ،‬فييانبرى عميير‬
‫المختار ببندقيته وكانت من النوع اليوناني ورمى السد بالرصاصة الولى فأصابته ولكن فييي غييير مقتييل‬
‫واندفع السد يتهادى نحو القافلة فرماه بأخرى فصرعته‪ ،‬وأصر عمر المختار علييى أن يسييلخ جلييده ليييراه‬
‫أصحاب القوافل فكان له ما أرد)‪.(1‬‬
‫إن هذه الحادثة تدلنا على شجاعة عمر المختار وقد تناولتهييا المجييالس يومييذاك بمنتهييى العجيياب وقييد‬
‫سأل الستاذ محمد الطيب الشهب عمر المختار نفسه عن هذه الحادثة في معسييكر المغاربيية بخيميية السييد‬
‫محمد الفائدي عن هذه الواقعة فأجاب بقوله‪ :‬تريدني ياولدي أن أفتخر بقتل صيد قال لي ما قاله قييديمًا أحييد‬
‫ي بانك قتلت حشييرة( وامتنييع عميير المختييار بقييول الي تعييالى ‪:‬‬
‫العراب لمنافسه وقد قتل أسدًا )أتفتخر عل ّ‬
‫}وما رميت إذ رميت ولكن ال رمى{ )سورة النفال(‪.‬‬
‫إن جواب عمر المختار بهذه الية الكريمة يدل على تأثره العميييق بييالقرآن الكريييم‪ ،‬لنييه تعلييم أن أهييل‬
‫اليمان والتوحيد في نظرتهم العميقة لحقيقة الوجييود‪ ،‬وتطلعهييم اليى الخيرة ينسييبون الفضييل الييى العزيييز‬
‫الوهاب سبحانه وتعالى‪ ،‬ويتخلصون من حظوظ نفوسهم‪ ،‬فهو الذي مّر كثيرًا على دعيياء نييبي ال ي يوسييف‬
‫عليه السلم‪} :‬رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الحاديث فيياطر السييموات والرض أنييت ولييي‬
‫في الدنيا والخرة توفني مسلمًا والحقني بالصالحين{ )سورة يوسف‪ :‬الية ‪.(101‬‬
‫وهو الذي تعلم من سيرة ذي القرنين هذا المعنى الرفيع والذي لبد مين وجيوده فيي الشخصيية القياديية‬
‫الربانية في قوله تعالى‪} :‬هذا رحمة من ربي‪) {....‬سورة الكهييف‪ ،‬الييية ‪ ،(98‬فعنييدما بنييى السييد ‪ ،‬ورفييع‬
‫الظلم ‪ ،‬واعان المستضعفين نسب الفضل الى ربه سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫إن عمر المختاركان صاحب قلب موصول بال تعالى‪ ،‬فلم تسكره نشييوة النصيير‪ ،‬وحلة الغلبية بعيد مييا‬
‫تخلص من السد السطورة وازاح الظلم وقهر التعدي بل نسب الفضل الى خالقه ولذلك أجاب سائله بقوله‬
‫تعالى‪} :‬وما رميت إذ رميت ولكن ال رمى{ )سورة النفال‪ ،‬الية ‪. (17‬‬
‫إن صفة الشجاعة ظهرت في شخصية عمر المختار المتميزة في جهاده في تشاد ضد فرنسا‪ ،‬وفي ليبيا‬
‫ضد ايطاليا ويحفظ لنييا التاريييخ هييذه الرسييالة الييتي ارسييلها عميير المختييار ردًا علييى رسييالة ميين الشييارف‬
‫الغرياني الذي أكرهته ايطاليا ليتوسط لها في الصلح مع عمر المختار وايقاف الحرب‪.‬‬
‫)قال بعد البسملة والتصلية على رسول ال القائل أن الجنة تحت ظلل السيوف‪.‬‬
‫الى أخينا سيييدي الشيارف بين أحميد الغرييياني حفظيه الي وهيداه‪ ،‬سييلم الي عليكييم ورحمتييه وبركيياته‬
‫ومغفرته ومرضاته‪ .‬نعلمكم أن إيطاليا إذا أرادت أن تبحث معنا في أي موضييوع تعتقيد أنيه يهمهييا ويهمنييا‬
‫فما عليها إل أن تتصل بصاحب المر وموله سيدي السيد محمد إدريس ابن السيد محمد المهدي ابن السيد‬
‫محمد السنوسي رضي ال عنهم جميعًا‪ ،‬فهو الذي يستطيع قبول البحث معهم أو رفضه‪ ،‬وأنتييم ل تجهلييون‬
‫هذا بل وتعرفون إذا شئتم أكثر من هذا ومكان سيدي إدريييس فييي مصيير معييروف عنييدكم وأمييا أنييا وبقييية‬
‫الخوان المجاهدين ل نزيد عن كوننا جند من جنوده لنعصي له أمرًا ونرجو من ال ي سييبحانه وتعييالى أن‬
‫ليقدر علينا مخالفته فنقع فيما لنريد الوقوع فيه حفظنا ال وإياكم من الزلل نحن ل حاجة عندنا إل مقاتليية‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.39،40‬‬

‫أعداء ال والوطن وأعدائنا وليس لنا من المر شيء إذا ما أمرنا سيدنا وولى نعمتنا رضي ال عنه ونفعنييا‬
‫به بوقف القتال نوقفه وإذا لم يأمرنا بذلك فنحن واقفون عند ما أمرنا به ول نخاف طيارات العدو ومييدافعه‬
‫ودباباته وجنوده من الطليييان والحبيش والسيبايس المكسييرين )هيؤلء الخرييين هييم المجنيدون مين بعييض‬
‫الليبيين( ول نخاف حتى من السم الذي وضعوه في البار وبخوا به الزروع النابتية فييي الرض نحيين مين‬
‫جنود ال وجنوده هم الغالبون ونحن ل نريد لكم مايدفعكم إليه النصارى وظننا بكم خير وال يوفقنا ويهدينا‬
‫وإياكم الى سبل الرشاد وإلى خدمة المسلمين ورضاء سيدنا رضي ال عنه وسييلم السييلم علييى ميين تبييع‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪ 13‬ربيع الثاني ‪1344‬هي‬
‫نائب المنطقة الجبلية عمر المختار)‪(1‬‬
‫ومحل الشاهد من هذه الرسالة قوله‪) :‬ول نخاف طيارات العدو ومدافعه ودبابياته وجنيوده مين الطلييان‬
‫والحبش والسبايس ‪ ،‬ول نخاف حتى من السم الذي وضعوه في البار ووضعوه على الييزروع النابتيية فييي‬
‫الرض نحن من جنود ال وجنوده هم الغالبون(‪.‬‬
‫إن صفة الشجاعة ملزمة لصفة الكرم‪ ،‬كما أن الجبن والبخل ل يفترقان ولقد حفييظ لنييا التاريييخ عبييارة‬
‫جميلة كان يرددها عمر المختار بين ضيوفه ‪) :‬اننا ل نبخل بالموجود ول نأسف لمفقود(‪.‬‬
‫لقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة بمدح الكرم والنفاق وذم البخل والمساك‪ ،‬قال تعالى ‪} :‬تتجييافى‬
‫جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون فل تعلم نفس ما أخفي لهم ميين قييرة‬
‫أعين جزاءً بما كانوا يعملون{ )سورة السجدة‪ ،‬آية ‪.(16‬‬
‫لم تكن همة عمر المختار منصرفة الى جمع المال والثروة والغنى وإن كان قد ورث عين واليده بعيض‬
‫الماشية إل أنه تركها في رعاية بعض أقيياربه فيي القبيلية وتيرك أرضيه وميوطنه منييذ أن كييان عمييره ‪16‬‬
‫عامًا‪ ،‬وكان طيلة فترة إقامته في معهد الجغبوب تتكفييل إدارة المعهييد بمصييروفاته وبعييد أن تييزوج وكيّون‬
‫أسرة أصبح مورد رزقه مايتحصل عليه من نتاج الحيوانات القليلة ولم يكن يومًا من اليييام متفرغيًا لجمييع‬
‫المال‪ ،‬وإنما عاش للعلم والدعوة والجهاد‪ ،‬وانشغل عن جمع الموال والثروات وقضى حياته فقيرًا مقتنعييًا‬
‫بما رزقه ال من القناعة والرضى بالكفاف وكان يبييذل مييافي وسييعة لضيييوفه وجنيوده وينفييق علييى أفييراد‬
‫جيشه ما ليخشى الفقر‪ ،‬ويقدم إخوانه على نفسه وأصبح شعاره )إننا ل نبخل بالموجود ول نأسف لمفقود(‬
‫)‪.(2‬‬
‫خامسًا‪ :‬الدعوة والجهاد قبل الحتلل اليطالي‪:‬‬
‫تفوق عمر المختار على اقرانه بصفات عدة منها‪ ،‬متانة الخلق‪ ،‬ورجاحة العقل‪ ،‬وحب الدعوة‪ ،‬ووصل‬
‫أمره الى الزعيم الثاني للحركة السنوسية محمد المهدي السنوسي فقييدمه علييى غيييره واصييطحبه معييه فييي‬
‫رحلته الشهيرة من الجغبوب الى الكفرة عام ‪1895‬م وفي عام ‪1897‬م أصدر محمد المهدي قرارًا بتعيييين‬
‫عمر المختار شيخًا لزاوية القصور بالجبل الخضر قرب المرج‪ ،‬وقام عمر المختار بأعبيياء المهميية خييير‬
‫قيام‪ ،‬فعلّم الناس أمور دينهم‪ ،‬وساهم في فض النزعات بين القبيائل وعميل عليى جميع كلمتهيم وسيعى فيي‬
‫مصالحهم ‪ ،‬وسار في الناس سيرة حمييدة‪ ،‬فظهير فيي شخصييته أخلق اليدعاة مين حليم وتيأني‪ ،‬وصيبر‪،‬‬
‫ورفق‪ ،‬وعلم ‪ ،‬وزهد‪.‬‬
‫ومما تجدر الشارة إليه أن وقوع الختيار عليه للقيام بأمور هذه الزاوية كييان مقصييودًا ميين قبييل قيييادة‬
‫الحركة السنوسية حيث أن هذه الزاوييية كييانت فييي ارض قبيليية العبيييد الييتي عرفييت بقيوة الشييكيمة‪ ،‬وشييدة‬
‫المراس‪ ،‬فوفقه ال في سياسة هذه القبيلة ‪ ،‬ونجح في قيادتها بفضل ال وبما أودع ال فيه من صفات قيادية‬
‫من حكمة وعلم وحلم وصبر واخلص‪.‬‬
‫إن الفترة التي قضاها في زاوية القصور تدلنا وتشهد لنا على أعماله الجليلة ؛ كداعية رباني يدعو الييى‬
‫السلم ونشره بالفكرة والقناع والرشاد التوجيه‪ ،‬فهو قمة شامخة في هذا المجال‪ ،‬فهييو لييم يييدخل مجييال‬
‫‪ ()1‬انظر‪:‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.87‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.32‬‬

‫الدعوة والرشاد إل بعد أن تعلم من أمور دينه الكثير‪ ،‬فشق طريييق الييدعوة بييزاد علمييي‪ ،‬وثقافيية متميييزة‪،‬‬
‫وتفوق روحي‪ ،‬ورجاحة عقل‪ ،‬وقوة حجة ورحابة صدر‪ ،‬وسماحة نفس لقد كان حريصيًا علييى تعلييم العلييم‬
‫والعمل به وتعليمه وعندما زحف الستعمار الفرنسيي عليى مراكيز الحركيية السنوسييية فيي تشياد‪ ،‬نظمييت‬
‫الحركة السنوسية نفسها وأعدت للجهاد عدتها‪ ،‬واختارت من القادة من هم أولى بهذا العمييل الجليييل‪ ،‬فكييان‬
‫عمر المختار من ضمنهم فقارع الستعمار الفرنسي مع كتائب الحركة السنوسية المجاهدة في تشيياد وبييذل‬
‫مافي وسعه حتى لفت النظار الى حزميه وعزميه وفراسيته وبعيد نظيره وحسين قييادته فقيال عنيه محميد‬
‫المهدي السنوسي‪) :‬لو كان لدينا عشرة مثل المختار لكتفينا()‪.(1‬‬
‫وبقي عمر المختار في تشاد يعمل على نشر السيلم ودعيوة النياس وتربيتهيم اليى جيانب جهياده ضيد‬
‫فرنسا‪ ،‬فحمل الكتاب الذي يهدي بيد والسيف الذي يحمييي باليييد الخييرى‪ ،‬وظهييرت منييه شييجاعة وبطولية‬
‫وبسالة نادرة في الدفاع عن ديار المسلمين‪ ،‬وكانت المناطق التي يتولى أمرها أمنع من عرييين السييد‪ ،‬ول‬
‫يخفى مافي ذلك من ادراك القيادي المسلم لواجبه تجاه دينه وعقيدته وأمته)‪.(2‬‬
‫وعندما أصيبت البل التي كانت تحمل الثقال للمجاهدين بمييرض الجييرب‪ ،‬وكييان عييددها ل يقييل عيين‬
‫أربعة آلف بعير وكانت تلك البل هي قوام الحياة بالنسبة للمجاهدين واهتم السيد المهدي السنوسييي بشييأن‬
‫علجها ووقع اختياره على عمر المختار ليكون المسؤول عين هييذه المهميية اليتي شيغلت بيال المجاهيدين‪،‬‬
‫فأمره بأن يذهب بالبل الى موقع )عين كلك( نظييرًا لييوفرة مييائه ولصييلحيته‪ ،‬وكييان علييى عميير المختييار‬
‫مهمة اخرى وهي الحتياط والحرص الشديد واتخاذ التدابير اللزميية للييدفاع‪ ،‬واختييار عميير المختييار ميين‬
‫المجاهدين مجموعة خيرة‪ ،‬وذهب لتنفيذ أمر القيادة وكان توفيق الي ليه عظيميًا فييي مهمتييه العسيييرة فنييال‬
‫أعجاب السيد المهدي)‪.(3‬‬
‫وفي عام ‪1906‬م رجع عمر المختار بأمر من القيادة السنوسية الى الجبل الخضر ليستأنف عملييه فييي‬
‫ل‪ ،‬فقييد بييدأت المعييارك الضييارية بييين الحركيية السنوسييية‬
‫زاوييية القصييور‪ ،‬ولكيين ذلييك لييم يسييتمر طييوي ً‬
‫والبريطانيين في منطقة البردى ومساعد والسلوم على الحدود الليبية المصرية‪ .‬ولقد شهد عام ‪1908‬م أشد‬
‫المعييارك ضييراوة وانتهييت بضييم السييلوم الييى الراضييي المصييرية تحييت ضييغوط بريطانيييا علييى الدوليية‬
‫العثمانية‪ ،‬وعاد الشيخ عمر المختار الى زاويية القصيور وبيرزت شخصييته بيين زملئه مشيايخ الزواييا‪،‬‬
‫وبين شيوخ وأعيان القبائل‪ ،‬ولدى الدوائر الحكومية العثمانية‪ ،‬وظهرت مقدرته في مهمته الجديدة بصورة‬
‫تلفت النظر‪ ،‬وأصبح متميزًا في حزمه في ادارة الزاوية وفيي تعياونه ميع زملئه الخريين وفيي معيالجته‬
‫للمشاكل القبلية‪ ،‬وفي ميدان الصلح العام مضربًا للمثال‪.‬‬
‫وكانت تربطه صلت شخصية مع عدد كبير ميين زعميياء‪ ،‬وأعيييان القبييائل فييي برقيية‪ ،‬وكييذلك زعميياء‬
‫المدن‪ ،‬وكان زعماء البراعصة يحبون عمر المختار حبًا نابعيًا ميين قليوبهم فيي حيين أنهييم ليم يكونيوا ميين‬
‫القبائل التابعة لزاويته ÷ وارتبطت علقاته الخويية ميع شييوخ الزواييا كالسيادة السنوسيي الشيهب شييخ‬
‫زاوية مسوس‪ ،‬وعمران السكوري شيخ زاوية المرج‪ ،‬وعبد ربه بوشناف الشيخي‪ ،‬والحسن الغماري شيخ‬
‫زاوية دريانه)‪.(4‬‬
‫سادسًا‪ :‬الشيخ عمر المختار في معاركه الولى ضد إيطاليا‪:‬‬
‫ف مسرعًا‬
‫عندما اندلعت الحرب الليبية اليطالية عام ‪1911‬م كان عمر المختار وقتها بواحة )جالو( خ ّ‬
‫الى زاوية )القصور( وامر بتجنيد كل من كان صالحاًللجهاد من قبيلة العبيييد التابعيية لزواييية )القصييور( ‪،‬‬
‫فاستجابوا نداءه‪ ،‬واحضروا لوازمهم‪ ،‬وحضر أكثر من ألف مقاتل‪ ،‬وكان عيييد الضييحى ميين نفييس السيينة‬
‫الهجرية على البواب أي لم يبق عنه إل ثلثة أيام فقط‪ ،‬ولم ينتظيير السيييد عميير المختييار عنييد أهلييه حييتى‬
‫يشاركهم فرحة العيد‪ ،‬فتحرك بجنوده وقضوا يوم العيد في الطريق وكانت الذبائح التي اكل المجاهدين من‬
‫لحومها يوم العيد من السيد عمر المختار شخصيًا‪ ،‬ووصل المجاهدون وعلى راسهم عمر المختار وبرفقته‬
‫احمد العيساوي الى موقع بنينه حيث معسكر المجاهدين الذي فرح بقدوم نجييدة عميير المختييار ورفقييائه ثييم‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬مجلة المسلم‪.‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.27‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.37‬‬
‫‪ ()4‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.40،41‬‬

‫ل ونهارًا وكانت غنائمهم من العدو تفوق الحصر)‪ (1‬وقد بينييت دور الزوايييا فييي‬
‫شرعوا يهاجمون العدو لي ً‬
‫جهادها ضد ايطاليا في الجزء الثاني عن الحركة السنوسية والييذي سييميته سيييرة الزعمييين محمييد المهييدي‬
‫السنوسي ‪ ،‬وأحمد الشريف‪.‬‬
‫ويذكر الشيخ محمد الخضر العيساوي بأنه كييان قريبيًا ميين عميير المختييار فييي معركيية السييلوي عييام‬
‫‪1911‬م فوصف لنا بعض احداث تلك المعركة فقال‪..) :‬وقيد فاجأنيا العيدو فقيابله مين المجاهيدين الخيالية‪،‬‬
‫بينما كان العدو يضربنا بمدافعه الرشاشة واضطررنا للنزول في مكان منخفض مزروعًا بالشعير وكييانت‬
‫السنابل تتطاير بفعل الرصاص المنهمر‪ ،‬فكأنها تحصد بالمناجل‪ ،‬وبينما نحن كذلك إذ رأينا مكانًا منخفضًا‬
‫أكثر من المكان الذي نحن فيه‪ ،‬وأردنا أن يأوى إليه السيد عمر المختار بسييبب خوفنييا عليييه فرفييض بشييدة‬
‫حتى جاءه احد أتباعه يدعى السيد المين ودفعه بقوة الى المكان الذي اخترناه ليوائه وحاول الخروج منه‬
‫فمنعناه بصورة جماعية‪.(2)(......‬‬
‫كما أشار الشيخ محمد الخضر الييى إعجيياب الضييباط التييراك بييه وبشييجاعته وبييالراء السييديدة الييتي‬
‫تصدر عنه فكأنما هي تصدر ميين قييائد ممتيياز تخييرج عيين كلييية عسييكرية‪ ،‬وكييان قييدومه الييى معسييكرات‬
‫المجاهدين مشجعًا وباعثًا للروح المعنوية في قوة خارقة وقد تحدثت في سيييرة احمييد الشييريف فييي الجييزء‬
‫الثاني عن الحركة السنوسية عن حركة الجهاد في أيامهييا الولييى ضييد ايطاليييا‪ ،‬وكييان عميير المختييار ميين‬
‫المقربين للشيخ احمد الشييريف السنوسييي‪ ،‬وبعييد هجرتييه لزم عميير المختييار المييير محمييد ادريييس وقييام‬
‫بواجباته خير قيام وبعد هجرة المير الى مصر تولى أمر القيييادة العسييكرية بالجبييل الخضيير‪ ،‬وأخييذ فييي‬
‫تهيئة النفوس لمجابهة العدو وبدأ جولته في أنحاء المنطقية للتصييال بالهييالي وزعمييائهم‪ ،‬بيل وبيالفراد‬
‫كخطوة اولى للعمل الجديد الشاق في نفس الوقت‪ ،‬وقام بفتح باب التطوع للجهاد‪ ،‬فأقبييل اللييبيين مين ابنياء‬
‫قبائل الجبل بوجوه مستبشرة وقلوب مطمئنة وتلهف على مجابهة العدو الغادر‪ ،‬وكانت ترافقه لجنة مكونيية‬
‫من أعيان وشيوخ قبائل المنطقة )البراغيث‪ ،‬والحرابي‪ ،‬والمرابطين( لمساعدته في عمله العظيم وكان من‬
‫بينهم ؛ بوشديق بومازق حدوث‪ ،‬الصيفاط بوفروة‪ ،‬محمد بولقاسييم جلغياف‪ ،‬حميد الصيغير حيدوث‪ ،‬دلف‬
‫بوعبدال‪ ،‬محميد العليواني‪ ،‬سيويكر عبيدالجليل‪ ،‬موسيى بوغيضيان‪ ،‬الغريياني عبيدربه بوشيناف‪ ،‬عبيدال‬
‫الخرساني‪ ،‬عوض العبيدي‪ ،‬رجب بوسيحة‪ ،‬رواق بودرمان‪ ،‬كريم بوراقي ‪ ،‬قطيط الحاسي‪ ،‬وغير هؤلء‬
‫من علية القوم‪ ،‬فزار أغلب منطق الجبل والبطنان‪ ،‬وكان سمو المير قد وصل الى مصر )ينيياير ‪1923‬م(‬
‫وما كاد السيد عمر ينتهي من جييولته هييذه ويطمئن للنتييائج حييتى قييرر اللتحيياق بسييمو المييير فييي مصيير‬
‫ليعرض عليه نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللزمة)‪.(3‬‬
‫سابعًا‪ :‬سفره الى مصر ‪:‬‬
‫سافر في شهر مارس سنة ‪1923‬م الى مصر بصحبة علي باشا العبيدي وتييرك رفقييائه عنيد بئر الغييبي‬
‫حتى يعود إليهم‪ ،‬واستطاع اجتياز الحدود المصرية وتمكن من مقابلة السيد ادريس بمصر الجديدة ‪ ،‬وكييان‬
‫عمر المختار عظيم الولء للسنوسية وزعمائها وشيوخها وظهر ذلك الولء في إقامته بمصر عندما حيياول‬
‫جماعة من قبيلة المنفة وهي قبيلة السيد عمر المختييار‪ ،‬وكييانوا قييد اقيياموا بمصيير‪ ،‬أن يقييابلوا السيييد عميير‬
‫للترحيب به‪ ،‬فاستفسر المختار قبل ان يأذن لهم بذلك عما أذا كانوا قد سييعوا لمقابليية المييير عنييد حضييوره‬
‫الى مصر‪ ،‬فلما أجاب هؤلء بالنفي معتذرين بأن أسبابًا عائلية قهرية منعتهم من تأدية هذا الواجب رفييض‬
‫ل‪) :‬وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هيو‬
‫المختار مقابلتهم قائ ً‬
‫ولي نعمتي وسبب خيري‪ .‬أما وقد فعلتم ذلك فإني ل أسمح لكم بمقابلتي ول علقة ميين الن بينييي وبينكييم(‬
‫)‪.(4‬‬
‫فما إن بلغ السيد ادريس مافعله عمر المختار مع من جاء إليه من أبناء قبيلته حتى أصدر امره بمقابلتهم‬

‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.6‬‬
‫‪ ()2‬انظر ‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.6‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.56‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب ‪ ،‬ص‪.8‬‬

‫فامتثل المختار لمره)‪.(1‬‬
‫حاولت ايطاليا بواسطة عملئها بمصر التصال بالسيد عمر المختار وعرضت عليه بأنها سييوف تقييدم‬
‫له مساعدة إذا ماتعهد باتخاذ سكنه في مدينة بنغازي أو المرج‪ ،‬وملزمة بيته تحت رعاية وعطف ايطاليا‪،‬‬
‫وأن حكومة روما مستعدة بأن تجعل من عمر المختييار الشخصييية الولييى فييي ليبيييا كلهييا وتتلشييى أمييامه‬
‫جميع الشخصيات الكبيرة التي تتمتع بمكانتها عند ايطاليا في طرابلييس وبنغييازي‪ ،‬وإذا مييا اراد البقيياء فييي‬
‫مصر فما عليه إل أن يتعهد بأن يكيون لجئًا ويقطيع علقتيه بيادريس السنوسيي‪ ،‬وفيي هيذه الحالية تتعهيد‬
‫حكومة روما بان توفر له راتبًا ضخمًا يمكنّه من حياة رغدة‪ ،‬وهي على استعداد أن يكون التفاق بصييورة‬
‫سرية وتوفير الضمانات لعمر المختار ويتم كل شيء بدون ضجيج تطمينًا لعمر المختييار وقييد طلبييت منييه‬
‫نصح الهالي بالقلع عن فكرة القيام في وجه ايطاليا)‪ ،(2‬وقد أكد عمر المختييار هييذا التصييال وهييو فييي‬
‫مصر لما سئل عن ذلك وقال‪ :‬ثقوا أنني لم أكن لقمة طائبة يسهل بلعها على من يريد‪ ،‬ومهما حاول أحد أن‬
‫يغير من عقيدتي ورأي واتجاهي‪ ،‬فإن ال سيخيبه‪ ،‬ومن )طياح سعد( إيطاليا ورسلها هو جهلهييا بالحقيقيية‪.‬‬
‫وأنا لم اكن من الجاهلين والموتورين فادعي أنني أقدر أعمل شيئًا في برقة‪ ،‬ولست ميين المغرورييين الييذين‬
‫يركبون رؤسهم ويدعون أنهم يستطيعون أن ينصحوا الهالي بالستسلم‪ ،‬انني أعيييذ نفسييي ميين أن أكيون‬
‫في يوم من اليام مطية للعدو وأذنابه فأدعوا الهالي بعدم الحرب ضد الطليان‪ ،‬وإذا لسمح ال ق يّدر عل ي ّ‬
‫ي‬
‫بأن أكون موتورًا فإن اهل برقة ليطيعون لي امرًا يتعلق بإلقاء السلح إنني أعييرف أن قيمييتي فييي بلدي‬
‫إذا ماكانت لي قيمة أنا وأمثالي فأنها مستمدة من السنوسية)‪.(3‬‬
‫لقد استمرت عروض اليطاليين على عمر المختار حتى بعد رجييوعه للبلد وحيياولوا اسييتمالته بالمييال‬
‫الطائل‪ ،‬والمناصب الرفيعة ‪ ،‬والجاه العريض في ظل حياة رغيدة ناعمة ولكنهم لم يفلحوا ‪ ،‬لقد كان عميير‬
‫المختار رجل عقيدة‪ ،‬وصاحب دعوة ومؤمنًا بفكييرة اسييتمدت اصييولها وتصييوراتها ميين كتيياب الي تعييالى‬
‫وسنة نبيه ‪ ‬ويفهم جيدًا معنى قول ال تعالى‪} :‬من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لميين نريييد ثييم‬
‫جعلنا له جهنم يصلها مذمومًا مدحورًا ومن أراد الخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سييعيهم‬
‫مشكورًا{ )السراء ‪ ،‬الية (‪.‬‬
‫وعندما خرج السيد عمر المختيار مين مصير قاصيدًا برقية لمواصيلة الجهياد اجتميع بيه مشيايخ قيبيلته‬
‫الموجودون بمصر من المتقدمين في السن وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بدعوى أنه قد بلغ ميين الكييبر عتيييا‬
‫وان الراحة والهدوء ألزم له من أي شيء آخر وأن باستطاعة السنوسية أن تجد قييائدًا غيييره لييتزعم حركيية‬
‫ل فقال لمحدثيه‪) :‬إن كييل ميين‬
‫الجهاد في برقة‪ ،‬فغضب عمر المختار غضبًا شديدًا وكان جوابه قاطعًا فاص ً‬
‫يقول لي هذا الكلم ل يريد خيرًا لي لن ما أسير فيه إنما هو طريق خير ول ينبغييي لحييد أن ينهيياني عيين‬
‫سلوكها‪ ،‬وكل من يحاول ذلك فهو عدو لي()‪.(4‬‬
‫لقد كان عمر المختار يعتقد اعتقادًا راسخًا أن ماكان يقوم به من الجهاد إنما هيو فيرض ييؤديه وواجيب‬
‫ديني لمناص منه ول محيد عنه ولذلك أخلص في عمله وسكناته واحواله وأقواله لقضية الجهيياد فييي ليبيييا‬
‫وكان يكثر من الدعاء ل تعالى بأن يجعل موته في سبيل هذه القضية المباركة‪ ،‬فكييان يقييول‪) :‬اللهييم اجعييل‬
‫موتي في سبيل هذه القضية المباركة()‪ ،(5‬وأصر على البقاء فييي أرض الييوطن الحييبيب وقييال‪) :‬ل أغييادر‬
‫هذا الوطن حتى ألقي وجه ربي والموت أقرب الى من كل شيء فإني أترقبه بالدقيقة()‪.(6‬‬
‫وعندما عرض عليه أن يترك ساحة الجهاد‪ ،‬ويسافر الى الحج قال ‪) :‬لن أذهب وليين أبييرح هييذه البقعيية‬
‫حتى يأتي رسل ربي وان ثواب الحج ليفوق ثواب دفاعنا عن الوطن والدين والعقيدة()‪.(7‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.271‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.56‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.58‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.271‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده للحساوي‪ ،‬ص‪.36‬‬
‫‪ ()6‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.37‬‬
‫‪ ()7‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.37‬‬

‫وقال‪) :‬كل مسلم الجهاد واجب عليه وليس منه‪ ،‬وليس لغرض اشخاص وإنما هو ل وحده()‪.(1‬‬
‫إن هذه الكلمات التي كتبت بماء الذهب على صفحات تاريخنا المجيد نابعة من فهم عمر المختار لقييوله‬
‫تعالى‪} :‬أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمين آمين بيال والييوم الخير وجاهيد فيي سيبيل الي‬
‫ليستوون عند ال وال ليهدي القوم الظالمين‪‬الذين آمنييوا وهيياجروا وجاهييدوا فييي سييبيل الي بيياموالهم‬
‫وأنفسهم أعظم درجة عند ال وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحميية منيه ورضييوان وجنييات لهييم فيهييا‬
‫نعيم مقيم‪‬خالدين فيها أبدًا إن ال عنده أجر عظيم{ )سورة التوبة‪ ،‬اليات ‪.(20،21 ،29‬‬
‫ومن فهمه لحاديث رسول ال ‪) :‬من قاتل لتكون كلمة ال هي العليا فهو في سبيل ال()‪.(2‬‬
‫ولقوله ‪) :‬من قتل دون ماله فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون دمه فهو شهيد‪ ،‬ومن قتل دون دينه فهو شهيد‪،‬‬
‫ومن قتل دون أهله فهو شهيد()‪.(3‬‬

‫إن هذه اليات الكريمة والحاديث الشريفة‪ ،‬كانت المنهج العقييدي والفكييري الييذي تربييت عليهييا كتييائب‬
‫المجاهدين وقادتها الكرام الذين تربوا في احضان الحركة السنوسية‪.‬‬
‫تم التفاق بين المير ادريس وعمر المختار على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعهييا المجاهييدون فييي‬
‫جهادهم ضد العدو الغاشم المعتدي على اساس تشكيل المعسكرات‪ ،‬واختيار القيادة الصالحة لهييذه الدوار‪،‬‬
‫وأن تظل القيادة العليا من نصيب عمر المختار نفسه وزوده المير بكتاب الى السيييد الرضييا بهييذا المعنييى‬
‫وتم التفاق على بقيياء المييير فييي مصيير ليقييود العمييل السياسييي‪ ،‬ويهتييم بييأمر المهيياجرين ويضييغط علييى‬
‫الحكومة المصرية والنكليزية بالسماح للمجاهدين باللتجاء الى مصيير‪ ،‬ويشييرف علييى إمييداد المجاهييدين‬
‫بكل المساعدات الممكنة من مصر‪ ،‬ويرسل الرشادات والتعليمات اللزمة اليى عمير المختيار فيي الجبيل‬
‫واتفق على أن يكون الحاج التواتي البرعصي حلقة الوصل بين المييير وقييائد الجهيياد‪ ،‬وبعييد ذلييك التفيياق‬
‫غادر عمر المختار القياهرة‪ ،‬وعنيد وصيوله اليى السيلوم وجيد بعيض رفقيائه فيي انتظياره‪ ،‬فأخيذ الجمييع‬
‫حاجتهم من المؤن الكافية لرحلتهم الى الجبل الخضر وغادروا السلوم الى برقة)‪.(4‬‬
‫وقد حدث في أثناء وجود عمر المختار أن اشتبك المجاهدون مع الطليان في معركتين كبيرتين في بييير‬
‫بلل والبريقة في ذي القعدة ‪1341‬هي‪1923 /‬م ‪ ،‬فأنتصر المجاهدون علييى الطليييان فييي معركيية بييير بلل‬
‫بقيادة المجاهد قجة عبدال السوداني واستشهد كل من المهدي الحرنة‪ ،‬والشيخ نصر العمى وغيرهم‪ ،‬وقد‬
‫ساهم في هذه المعركة صالح الطيوش‪ ،‬والفضيل المهشهش وكانت نفقييات المجاهييدين فييي هييذه المعركيية‬
‫على حساب الفضيل المهشهش ووقعة معركة البريقة بعد بير بلل بأربعة أيييام واستشييهد فيهييا ميين أبطييال‬
‫الجهاد ابراهيم الفيل)‪.(5‬‬
‫ومع هذه النتصييارات إل أن الطليييان اسييتطاعوا احتلل اميياكن للمجاهييدين فييي برقيية‪ ،‬وزحفييوا علييى‬
‫معسكر العواقير بموقع البدين وبعد معركة شييديدة كبييدت الطرفييين خسييائر فادحيية انسييحب المعسييكر الييى‬
‫اجدابية واستمر الزحف اليطالي يلحق المجاهدين حتى اشتبك مع طلئع معسكر المغاربة في الزويتينه؛‬
‫ولم يطل الدفاع عنها حتى احتلها الطليان وواصلوا زحفهم الى اجدابية حيث احتلوها في )ابريييل ‪1923‬م(‬
‫)‪.(6‬‬
‫ثامنًا‪ :‬معركة بئر الغبي‪:‬‬
‫كانت عيون ايطاليا تترصد حركة عمر المختار في عودته الى برقة ولكنها فشلت في اللقاء بييه قبييل أن‬
‫يصل الى رفاقه وما كاد يصل الى بئر الغبي حتى فييؤجئ بعييدد ميين المصييفحات اليطالييية وإليييك أحييداث‬
‫المعركة كما رواها عمر المختار بنفسه‪) :‬كنا لنتجاوز الخمسييين شخص يًا ميين المشييايخ والعسيياكر وبينمييا‬
‫تجمع هؤلء حولنا لسؤالنا عن صحة سمو الميير‪ ،‬وكنييا صييائمين رمضيان وإذا بسيبعة سيييارات ايطاليية‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.37‬‬
‫‪ ()2‬رواه مسلم‪.‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬صحيح سنن ابي داود لللباني‪.‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.273‬‬
‫‪ ()5‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.273،274‬‬
‫‪ ()6‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.63‬‬

‫قادمة صوبنا فشعرنا بالقلق لن مجيئها كان محل استغرابنا ومفاجأة لم نتوقعها‪ ،‬وكنا لم نسمع عيين هجييوم‬
‫الطليان على المعسكرات السنوسية‪ ،‬واحتللهم اجدابية‪ ،‬فأخذنا نستعد في هدوء والسيييارات تييدنوا منييا فييي‬
‫ل‪ :‬لبد أن نتحقق قب ً‬
‫ل‬
‫سير بطيء فأراد علي باشا العبيدي أن يطلق الرصاص من بندقيته ولكنني منعته قائ ً‬
‫من الغرض ونعرف شيئًا عن مجيء هذه السيارات كي لنكون البادئين بمثل هذه الحوادث وبينما نحن في‬
‫أخذ ورد وإذا بالسيارات تفترق في خطة منظمة المراد منها تطويقنا‪ ،‬وشيياهدنا المييدافع الرشاشيية مصييوبة‬
‫ل ميين رصيياص بنادقنييا‪ ،‬وإذا بالسيييارات قييد ولييت‬
‫نحونا فلم يبق هنا أي شك فيما يراد بنييا فأمطرنيياهم واب ً‬
‫الدبار الى منتجع قريب منا وعادت بسرعة تحمل صوفا‪ ،‬ولمييا دنييت منييا تيوزعت توزيعيًا محكميًا وأخييذ‬
‫الجنود ينزلون ويضعون الصواف )الخام( أمامهم ليتحصنوا بها من رصاصنا)‪ (1‬وبادرنا بطلق العيييرة‬
‫ل‪) :‬مو ييوم صيييام‬
‫فأخذ علي باشا يولع سيجارة وقلت له رمضان ياعلي باشا منبهًا إياه للصوم فأجابني قائ ً‬
‫المنشرزام()‪.(2‬‬
‫وفي أسرع مدة انجلت المعركية عين خسييارة الطليييان وأخيذت النييار تلتهيم السييارات إل واحييدة فييرت‬
‫راجعة‪ ،‬وغنمنا جميع ماكان معهم من السلحة()‪.(3‬‬
‫ثم استمر المجاهدون فييي سيييرهم حييتى بلغييوا الجبييل الخضيير ووصييلوا الييى زاوييية القطوفييية )مكييان‬
‫معسكر المغاربة( وقابلهم صالح الطيوش والفضيل المهشهش‪ ،‬ووقف عمر المختار على تفاصيل معركة‬
‫البريقة وحال المجاهدين ثم واصل سيره الى جالو مقر السيد محمد الرضا ليبلغ التعليمات التي أخييذها ميين‬
‫سمو المير‪.‬‬
‫وبعد أن تم اللقاء بين عمر المختار والسيد الرضا اتفقا على تنظيييم حركيية الجهيياد وإنشيياء المعسييكرات‬
‫في الجبل الخضر واقترح عمر المختار على الرضا أن يرسل ابنيه الصيديق اليى معسيكر المغاربية عنيد‬
‫صالح الطيوش ومعسكر العواقير بقيادة قجة عبيدال السيوداني‪ ،‬وهيي معسيكرات قريبية مين بعضيها ثيم‬
‫غادر عمر جالو الى الجبييل الخضيير وشييرع فييي تشييكيل المعسييكرات للمجاهييدين ‪ ،‬وأنشييئت معسييكرات‬
‫البراعصة والعبيد والحاسة‪ ،‬فاختار الرضا حسين الجويفي البرعصي لقيادة البراعصة‪ ،‬ويوسف بورحيييل‬
‫المسماري لمعسكر البراغيث والفضيل بوعمر لمعسكر الحاسة وأصبح عمر المختيار القيائد العليى لتليك‬
‫المعسكرات‪.‬‬
‫ل ومن غير هوداة حوالي ثمانية اعوام‪.‬‬
‫وبدأ الجهاد الشاق والطويل واستمر متص ً‬
‫وكانت عامي ‪1924‬م‪1925 ،‬م قد شاهدت مناوشات عدة ومعارك دامية‪ ،‬ووسييع المجاهييدون نشيياطهم‬
‫العسكري في الجبل الخضر ولمع اسم عمر المختار نجمه كقائد بييارع يتقيين اسيياليب الكيير والفيير ويتمتييع‬
‫بنفوذ عظيم بين القبائل وأخذ العرب من أبناء القبائل ينضييمون الييى صييفوف المجاهييدين وبييادرت القبييائل‬
‫بإمداد المجاهيدين بميا يحتياجون مين ميؤن وعتياد وأسيلحة‪ ،‬وكيان لقبيائل العبييد‪ ،‬والبراعصية‪ ،‬والحاسية‬
‫والدرسة والعواقير وأولد الشيخ والعوامة‪ ،‬والشهيبات والمنفا والمسامير أكبر نصيب في حركة الجهاد‪.‬‬
‫كان معسكر البراغيث هو مركز الرياسة العامة ومقر القييائد العيام عميير المختييار‪ :‬وهيو النييواة الوليى‬
‫وحجر الساس لمعسكرات الجبل الخضر الثلثة وكان عمير المختيار يلقييب بنيائب الوكيييل العيام‪ ،‬وكييان‬
‫السيد يوسف بورحيل يعرف بوكيل النائب وهكذا فقييد تنظييم الجهيياز الحكيومي فييي هييذه المنطقيية الواسييعة‬
‫بتشكيل المحاكم الشرعية والصلحية وإدارة المالية )المحاسبة‪ ،‬والرزاق وجباية الزكاة الشرعية والخمييس‬
‫من الغنائم( واستمر التعاون بين هذه المعسييكرات الثلثيية وفروعهييا فييي السييراء والضييراء وأخييذت تقييوم‬
‫بحركات عظيمة ضد العدو وشن الغرة عليه في معاقله؛ كما كيانت تتصيدى لزحفيه عليهيا‪ ،‬فتهجيم حينيًا ‪،‬‬
‫وتنسحب حينًا آخر حسب ظروف الحرب)‪.(4‬‬
‫أصبح تفكير إيطاليا محصورًا في برقة التي لم يتمكن الطليان منذ زحفهم على اجدابية سنة ‪1923‬م من‬
‫احتلل مواقع تذكر عدا مدينة اجدابية ولذلك اهتمت ايطاليا ببرقة وانحصرت مجهوداتها في الفترة الواقعة‬
‫‪ ()1‬كان الصوف الخام الكثيف يستعمل ضد الرصاص‪.‬‬
‫‪ () 2‬هذا المثل باللهجة البدوية ومعناه لم يكن اليوم من ايام الصيام حيث أن صوت البنادق آخذ يدوي وكلمممة‬
‫المنشر هي اسم لنوع من البنادق وكلمة زام دوى من الدوية‪.‬‬
‫‪ ()3‬انظر ‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.64‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.70‬‬

‫بين سنة ‪1923‬م وبين ‪1927‬م على معسكرات عمر المختار الذي لم يخرج يومًا من معركة إل ليدخل في‬
‫معركة أخرى‪.‬‬
‫وفي عام ‪1927‬م وقع الوكيل العام السيد رضا المهدي السنوسي في السيير بطريييق الخديعيية والخيانيية‬
‫والغدر وسقطت مناطق برقة الحمراء والبيضاء تدريجيًا‪.‬‬
‫كانت قيادة الجيش اليطالي في برقة قد بدلت وتولى أمرها لتنفيذ الخطة الجديدة التي تسييتهدف ضييرب‬
‫الحصار على حركة الجهاد في الجبل الخضر )ميزتي( كما اسييتبدل والييي بنغييازي اليطييالي )مومييبيلي(‬
‫بخلفه الجنيرال )تيروتيس( وهيو مين زعمياء الحييزب الفاشيسييتين وزود الجنييرال ميزتييي بعييدد كييبير مين‬
‫الجنرالت وكبار الضباط وأركان الحرب لمساعدته وفي نفس السنة تقدمت القوات اليطالية من طرابليس‬
‫بقيادة الجنرال غرسياني فاحتلت واحة الجفرة والقسم الكبر من فييزان واشييتبكت قبييائل المغاربيية بزعاميية‬
‫صالح الطيوش وقبائل اولد سييليمان بزعاميية عبييدالجليل سيييف النصيير‪ ،‬ودور حمييد بييك سيييف النصيير‪،‬‬
‫وبعض اللجئين الى تلك الجهات ميين قبييائل العيواقير بزعييامتي عبدالسييلم باشييا الكييزة‪ ،‬والشيييخ سييليمان‬
‫رقرق‪ ،‬ودخلت هذه القبائل في معارك بجهات الخشة وكان الغلبيية فيهييا للجيييش اليطييالي الزاحييف فالتجييأ‬
‫المجاهدون الى منطقة الهاروج من الصحراء ومن ثم اشتركوا مع العدو فييي معييارك عنيفيية منهييا معركيية‬
‫الهاروج‪ ،‬ومعركة جبل السوداء‪ ،‬ومعركة قارة عافية وكان من بييين ميين حضييروا هييذه المعركيية الخيييرة‬
‫السيد محمود بوقويطين أمير اللواء وقائد عام قيوة دفياع برقية فيي زمين المملكية الليبييية المتحيدة‪ ،‬والسييد‬
‫السنوسي الشهب)‪.(1‬‬
‫كانت القيادة اليطالية حريصة على الستيلء على فزان فخرجييت فييي اواخيير ينيياير ‪1928‬م قوتييان ‪..‬‬
‫احدهما من غدامس والخرى من الجبل الخضر‪ ،‬وكان الجيش بقيادة غراسييياني والتحييم المجاهييدون مييع‬
‫ذلك الجيش في معركة دامية استمرت خمسة أيام بتمامها‪ ،‬انهزم فيها الطليان شر هزيمة فتقهقروا تيياركين‬
‫مالديهم من مؤن وذخائر ثم مالبث أن خرجت قوة اخرى قصدت فزان مباشييرة‪ ،‬فعلييم المجاهييدون بامرهييا‬
‫بعد خروجها بثلث أيام وانسحبوا الى الداخل‪ ،‬حتى اذا وصل هذا الجيش الجديد الى مكان يقع بين جبلييين‬
‫يعرفان بالجبال السود انقض المجاهدون على الطليان وأرغمييوهم علييى التقهقيير‪ ،‬فعمييل قييواد الحمليية الييى‬
‫الفرار بسياراتهم تيياركين وراءهييم الجيييش ‪ ،‬الييذي وقييع أكييثره فييي قبضيية المجاهييدين‪ ،‬فأستأصييلوهم عيين‬
‫آخرهم‪ ،‬وعندئذ لم يجد الطليان مناصا من أن يجددوا محاولتهم ‪ ،‬فخرجييت هييذه المييرة قييوات عظيميية ميين‬
‫جهات متعددة غييير أن الطليييان مييا لبثيوا ان انهزمييوا فييي هييذه المعييارك وتركييوا وراءهييم غنييائم وأسييلبا‬
‫كثيرة)‪ ، (2‬وجدد الطليان المسعى وخرجوا من الجفرة في ‪ 30‬فبراير ‪1928‬م بجيييش كييبير وزحفيوا علييى‬
‫زله واحتلتهييا فييي ‪ 22‬فييبراير وواصييلت القييوات اليطالييية سيييرها واحتلييت آبييار تقرفييت فييي ‪ 25‬فييبراير‬
‫واستمرت العمليات وانتهت باحتلل مراده‪ ،‬واصبحت زلة وجالو‪ ،‬واوجله ومراده تحت سييطرتهم‪ ،‬ومميا‬
‫ساعد الطليان على احتللهم لتلك الواحات سقوط الجغبوب قبل ذلك في ايديهم‪ ،‬وسياسييتهم الرامييية لتفييتيت‬
‫الصف بواسطة بعض عملئهم وكان الطليان يبذلون الموال والوعود لزعماء القبائل‪ ،‬لوقييف القتييال وقييد‬
‫نجحوا في ذلك نجاحًا كبيرًا‪.‬‬
‫كان احتلل الجغبوب ‪ ،‬جالو‪ ،‬اوجلو‪ ،‬وفزان وغيرها من الواحات قييد جعييل عميير المختييار فييي عزليية‬
‫تامة في الجبل الخضر ومع هذا ظل عمر المختار يشن الغارات على درنة وماحولها حتى أرغم الطليييان‬
‫على الخروج بجيوشهم لمقابلته ‪ ،‬فاشتبك معهم في معركة شديدة استمرت يومين كييان النصيير فيهييا حليفييه‬
‫وفّر الطليان تاركين عددًا من السيارات والمدافع الجبلية وصناديق الذخيرة والجمال‪ ،‬ودواب النقل)‪.(3‬‬
‫وكانت القبائل تتعاون مع قائد حركة الجهاد تمده بالرجال‪ ،‬والمؤن والمعلومات وعلى سبيل المثال كان‬
‫حامد عبدالقادر المبروك من شيوخ قبيلة المسامير يمد المختار بالمعلومييات المهميية دون تييأخر‪ ،‬ويشييارك‬
‫في عمليات الجهاد مع أبناء قبيلته بدون علم الطليان ويرجع من كتبت له الحياة إلى مييوطنه ويستشييهد ميين‬
‫يستشهد وكان زعماء القبائل التابعة للحركة السنوسية يجمعون العشار والزكاة ويمدون بها حركة الجهاد‬
‫بالرغم من وجود الكثير منهم تحت السلطات اليطالية‪ ،‬وخصوصًا من كان في المدن كبنغازي‪ ،‬والمييرج‪،‬‬
‫ودرنة‪ ،‬وطبرق وغيرها‪ ،‬وكانت وسائل مييد المجاهييدين بييأموال الزكيياة والعشييار تتييم فييي غاييية السييرية‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.73‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬محمود شلبي‪ ،‬ص‪.115 ،114‬‬
‫‪ ()3‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.114‬‬

‫وعجزت المخابرات اليطالية عن اكتشاف اللجان الخاصة بالدعم المالي للمجاهدين‪ ،‬ومن وقييع فييي أيييدي‬
‫السلطات اليطالية كانت عقوبة العدام وكانت الغنائم تمثل مصدرًا مهمًا لتموييل حركية الجهياد فيي فيترة‬
‫عمر المختار‪ ،‬ومعظم الغنائم تيم الحصيول عليهيا فيي المعيارك اليتي تمكين فيهيا المجاهيدون مين هزيمية‬
‫اليطاليين مثل معركة الرحيبة في مارس ‪1927‬م)‪ (1‬وقد وصف حييافظ إبراهيييم هييذا المصييدر فييي أبييياته‬
‫الشعرية فقال‪:‬‬
‫حاتم الطليان قد قلدتنا‬
‫منة نذكرها عامًا فعاما‬
‫أنت أهديت إلينا عدة‬
‫ولباسًا وشرابًا وطعامًا‬
‫وسلحًا كان في أيديكم‬
‫ذا ملل فغدا يفري العظاما‬
‫أكثروا النزهة في أحيائنا‬
‫وربانا إنها تشفى السقاما‬
‫لست أدري بت ترعى أمة‬
‫من بني الطليان أم ترعى سواما)‪(2‬‬
‫وقال الستاذ أحمد كاشف ذو الفقار‪:‬‬
‫يآل رومة تطلبون أمانيًا‬
‫ختالة أم تطلبون منونا‬
‫جئتم تجرون الحديد ورحتم‬
‫بحديدكم في اليم مغلولينا‬
‫ورقصتم فيه سكارى فارقصوا‬
‫في الليلة السوداء مذبوحينا‬
‫لكن استفزكم صليل سيوفكم‬
‫فلقد تبدل زفرة وأنينا‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫هاتوا الذئاب إلى الليوث فخمسة‬
‫منهم أبادوا منكم خمسينا‬
‫واستجمعوا حيتانكم ونسوركم‬
‫فالصائدون هناك مرتقبون‬
‫واستكثروا الزاد الشهي فإنكم‬
‫وسلحكم والزاد مأخوذينا‬
‫لم يبق منهم معسر أو أعزل‬
‫بعد الذي غنموه منتصرينا‬
‫واستكملوا المدد الكبير بفتية‬
‫سيقوا إلى الهيجاء هيابينا‬
‫أحسبتم بطحاء برقة حانة‬
‫لكم وغزو القيروان مجونا)‪(3‬‬
‫وكانت كل عائلة قد أخذت على عاتقها تزويد مجاهديها بما يلزم من شؤون وملبس‪ ،‬ترسله شهريًا إلى‬
‫الدور )المعسكر(‪.‬‬
‫وكان المير ادريس يتحين الفرص لتزويد المجاهدين فقد ذكر الشييهب بييأن قافليية وصييلت للمجاهييدين‬
‫قادمة من مصر وكان فيها سليمان العميري )مين قبيلية أولد عليي( وبيو منيقيير المنفييى )مين رفياق عمير‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬عقيل البربار‪ ،‬ص‪.82،83‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.91‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.95‬‬

‫المختار( يحملن رسائل من سمو المير وكانت القافلة محمليية بييالرز والييدقيق والسييكر والشيياي وبعييض‬
‫الملبس‪ ،‬وكان الطيب الشهب موجودًا في معسكر المجاهدين وقت وصول القافلية)‪ (1‬وقيد ذكير صياحب‬
‫كتاب حياة عمر المختار بأن قافلة استطاعت أن تخرج من السلوم محملية بمختليف العتياد والميؤن قاصيدة‬
‫معسكر المجاهدين في الجبيل الخضير‪ ،‬فعلييم الطلييان بييذلك وأرسيلوا سيياراتهم المسيلحة لتعقبهيا‪ ،‬ولكين‬
‫المجاهييدين صييمدوا لهييم‪ ،‬وأطلقييوا رصيياص بنييادقهم علييى العجلت فتعطلييت السيييارات‪ ،‬وعنييدئذ انقييض‬
‫المجاهدون على القوة اليطالية فأبادوها عيين آخرهييا وكييان ذلييك فييي عييام ‪1928‬م)‪ .(2‬وكييان المجاهييدون‬
‫يسييتفيدون ميين تلييك المصييادر ويقومييون بشييراء حاجيييات المجاهييدين ميين السييواق فييي المييدن والقييرى‪،‬‬
‫ويشترون مايلزمهم من المؤن‪ ،‬والسلحة ويجمعون المعلومات عيين تحركييات العييدو العسييكرية‪ ،‬كييل هييذه‬
‫العمال يقوم بها أتباع عمر المختار وبمساعدة سكان المدن والقرى اليذين يخفيون المجاهيدين فيي بييوتهم‬
‫ومخيماتهم‪ ،‬وكان المتطوعون يتدفقون على معسكرات الجهاد‪ ،‬وكييانوا يعتميدون عليى أنفسييهم فيي تيوفير‬
‫السلح ووسيلة الركوب والتموين‪ ،‬وكان نظام الدوار )المعسكرات( يتميز بالتي‪:‬‬
‫‪ -1‬يلتزم كل دور بتوفير التموين اللزم لفراده‪ ،‬فهم بالضافة إلى اشتراكهم في عمل واحييد هييم أبنيياء‬
‫عشيرة واحدة مترابطة‪ ،‬ويوجد بالدور أشخاص‪ ،‬مكلفون بجباية الزكاة وجمع العشار‪ ،‬وهييؤلء يقومييون‬
‫بعملهم بناء على تكليف كتابي من عمر المختار وهم بييدورهم يجييرون اتصييالت )كوشييان( بقيميية المبييالغ‬
‫والشياء التي استلموها‪.‬‬
‫وقد عين لكل دور رئيس إدارة يشرف على تموين الدور من حيث التوزييع والتخزييين والتيدبير وتسييلم‬
‫الموال والتبرعات التي تصل لقيادة الدور‪ ،‬فقد عين عمران راشد القطعاني رئيسًا لدارة دور البراعصيية‬
‫والدرسة وعين التواتي العرابي رئيسًا لدارة دور العبيدات والحاسة‪ ،‬وعين الصديق بييو هييزاوي مييأمورًا‬
‫للعشار ويتبع عمر المختار مباشرة وعين داود الفسي رئيسًا لدارة دور العواقير)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬يقوم كل دور بتعويض الشهداء من المقاتلين بآخرين ميين قبييائلهم وهكييذا ليتييأثر الييدور كييثيرًا لفقييد‬
‫الشهداء‪ ،‬فبعد كل معركة يتم حصر الشهداء وإلى أي القبائل ينتمون ثيم يرسيل إليى كيل قبيلية العيدد اليذي‬
‫يجب أن تعوضه عن شهدائها‪ ،‬وإذا لم تجد العدد المطلوب تدفع لقيادة الجهاد ‪ 1000‬فرنييك عيين كييل شييهيد‬
‫لكي يجند بها العدد اللزم‪.‬‬
‫‪ -3‬تتبارى مجموعات القبائل في تقديم البطولت والتضحيات حتى لتكون موضع سييخرية واسييتهزاء‬
‫أمام بقية القبائل‪ ،‬وكان المجاهد الليبي يغضب غضبًا شديدًا ويحزن إذا فاته الشتراك فيي إحييدى المعيارك‬
‫أو تخلف عنها لسبب من السباب‪ ،‬وابراهيم الفيل العريبي نموذج لهؤلء فقد فيياته أن يشييارك فييي معركيية‬
‫بلل فحزن حزنًا شديدًا‪ ،‬إل أن قادة الجهاد طمأنوه وقالوا له‪ :‬إن أيام الجهاد كثيرة‪ ،‬وفي اليوم التالي جرت‬
‫معركة البريقة فاشترك فيها وهجم بفرسه على سيارات العداء وصار يقاتل حتى أكرمه ال بالشهادة‪.‬‬
‫‪ -4‬يسهل على كل دور توفير الحماية اللزمة لذويه عيين طريييق الييدوريات‪ ،‬والرباطييات الييتي تراقييب‬
‫تحركات القوات اليطالية أو أية تحركات غير عادية لمعرفتهم بمسييالك المنطقيية ودروبهييا وأميياكن المييياه‬
‫بها‪ ،‬فعندما يحل الدور بمنطقة ما يضييع دورييية فييي كييل اتجيياه لييتراقب وضييع القييوات اليطالييية فييي تلييك‬
‫ل بييأول حييتى يكونيوا علييى علييم باتجيياه وتحركيات العييدو‪،‬‬
‫المنطقة وتغطى أخبار تحركاتها للمجاهييدين أو ً‬
‫وحين يلتقي أفراد الدورية بالعداء يطلقييون ثلث اطلقييات وعنييد سييماع تلييك الطلقييات يسييتعد الجميييع‬
‫لملقاة العداء في الجهة التي سمع منها اطلق الرصاص‪.‬‬
‫كما تقوم دوريات أخرى تعرف باسم )الرباط( بمراقبة اليطاليين في مراكزهم التي يحتلونها للحصول‬
‫على معلومات عن تحركاتهم عن طريق الهالي الموجودين داخل تليك الميدن‪ ،‬وكيثيرًا ميايتعرض بعيض‬
‫هؤلء الهالي بسبب تعاونهم مع المجاهدين لعقوبة العدام‪ ،‬كما حدث مع سليمان بن سييعيد العرفييي الييذي‬
‫أدانته المحاكم اليطالية بالتعاون مع المجاهدين وحكمت عليه بالعدام‪ ،‬فأعدم شنقًا)‪.(4‬‬
‫كان نظام الدوار يقوم على أساس قبلييي ويعتييبر الييدور وحييدة عسييكرية وإدارييية‪ ،‬واجتماعييية يرأسييها‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.79‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬لشلبي‪ ،‬ص‪.117،118‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وحياته‪ ،‬ص‪.105‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وحياته‪ ،‬ص‪.106‬‬

‫قائمقام‪ ،‬وتتمثل فيه السلطة الدارية والعسكرية يساعده قوماندان )قائد( أو أكثر حسب حجم الدور والقبائل‬
‫المنضوية تحته‪.‬‬
‫وقد استخدم عمر المختار النظام العسكري العثماني‪ ،‬فبالضافة إلى القائمقام والقوماندان هنيياك الرتييب‬
‫التية‪ -:‬بكباشي ‪ -‬يوزباشي ‪ -‬ملزم أول ‪ -‬ملزم ثاني ‪ -‬كوجييك ضييابط )ضييابط صييغير( بيياش شيياوش ‪-‬‬
‫شاوش ‪ -‬أمباشي‪.‬‬
‫وكانت الترقيات تتم على أسس ميدانية بناء على مايقييدمه الشييخص ميين أعمييال وبطييولت فييي ميييادين‬
‫المعارك والمواقف الدقيقة‪ ،‬إذ يرفع إلى عمر المختار تقرير من الرئيس المباشر بشرح الحالة التي استحق‬
‫عليها المعني الترقية‪ ،‬ويصدر بذلك أمر كتابي من عمر المختار على بقية المجاهدين)‪.(1‬‬
‫وكان هناك مجلس أعلى يرأسه المختار يتكون من‪ :‬يوسف بورحيل‪ ،‬حسين الجويفي‪ ،‬الفضيل بوعمر‪،‬‬
‫محمد السركسي‪ ،‬موسى غيضان‪ ،‬محمد مازق‪ ،‬محمد العلواني‪ ،‬جربييوع سييويكر‪ ،‬قطيييط الحاسييي‪ ،‬رواق‬
‫درمان وفي حالة غياب عمر المختار يرأس المجلس يوسف بورحيل)‪.(2‬‬
‫وكان لكل من الدوار مجلس يتكون من مشائخ القبائل وأعيانها من المعروفين بالحكمة وسييداد الييرأي‪:‬‬
‫ومهمة هذا المجلس استشارية وهو في حالة انعقاد دائم لمواجهة الطوارئ والسهام في حل المشاكل الييتي‬
‫قد تحدث بالدور)‪.(3‬‬
‫تاسعًا‪ :‬معركة أم الشافتير )عقيرة الدم(‪:‬‬
‫استمر المجاهدون في الجبل الخضر يشنون الهجمات على القوات اليطالية وحققوا انتصارات رائعيية‬
‫من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ ‪ 28‬مارس ‪1927‬م)‪ (4‬جنوب شييرقي المييرج قييرب جييردس العبيييد‬
‫ووقعت بعد معركة الرحيبيية معييارك ضييارية فييي بئر الزيتييون ‪ 10‬محييرم ‪1335‬هييي‪ 10 ،‬يوليييو ‪1927‬م‪،‬‬
‫وراس الجلز ‪ 13‬محرم ‪1335‬هي‪ 13 ،‬أكتوبر ‪1927‬م‪.‬‬
‫أراد اليطاليون أن ينتقمون لقتلهم في معركة الرحيبية‪ ،‬فشيرعت تعيد العيدة للنتقيام لقتلهيا الضيباط‬
‫الستة وأعوانهم المرتزقة البالغ عددهم )‪ (312‬في محاولة لعادة معنوياتهم المنهارة نتيجيية لتلييك الهزيميية‬
‫الساحقة تّم اعداد الجيوش الجرارة‪ ،‬لتتخذ من الجبل الخضر قاعدة لها على النحو التالي)‪:(5‬‬
‫‪ -1‬الجنرال مازيتي القائد العام للقوات اليطالية قائدًا لحدى الفرق فوق الجبييل الخضيير ‪ 8‬يوليييو ميين‬
‫مراوة‪:‬‬
‫أربع فرق أرترية ‪ -‬فرقة ليبية ‪ -‬أربع فرق ‪ -‬خيالة ‪ -‬بطارية ارترية‪.‬‬
‫‪ -2‬الكورنيل اسبيرا إنذائي‪ 8 :‬يوليو من الجراري )جردس الجراري( أوجردس البراعصة أربع فييرق‬
‫أرترية ‪ -‬فرقة ليبية ‪ -‬بطارية ليبية ‪ -‬فرقة غيرنظامية‪.‬‬
‫‪ -3‬الكورنيل منتاري‪ 8 :‬يوليو من خولن ‪ -‬فرقة أرتريا‪ -‬فرقة غير نظامية‪.‬‬
‫‪ -4‬الماجور بولي‪ 9 :‬يوليو غوط الجمل ‪ -‬فرقة مهما ريسييتا ‪ -‬فرقيية سيييارات مصييفحة ‪ -‬نصييف فرقيية‬
‫ليبلير ‪ -‬فصيلين قناصة على الدبابات‪.‬‬
‫ويضاف الى تلك الستعدادت سلح الطيران الذي انطلق من قواعده بالمرج ومراوه وسلنطة‪.‬‬
‫لقد كانت قوات اليطاليين ضخمة مما تدلنا على خوفهم ورهبتهم من قوات المجاهدين‪.‬‬
‫كييان عييدد المجاهييدين مييابين ‪ 1500‬الييى ‪ 2000‬مجاهييدًا)‪ (6‬منهييم حييوالي ‪ %25‬ميين سييلح الفرسييان‬
‫ويرفقهم حوالي ‪ 12‬ألف جمل)‪ (7‬ومايثقل تحركاتهم من النساء والطفال والشيوخ والثاث علمييت ايطاليييا‬
‫بواسطة جواسيسها بموقع المجاهييدين فييي عقيييرة ام الشييفاتير فييارادت أن تحكييم الطييوق علييى المجاهييدين‬
‫‪ ()1‬انظر ‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ندوة علمية‪ ،‬ص‪.100‬‬
‫‪ ()2‬انظر ‪ :‬برقة العربية للشهب‪ ،‬ص‪.425‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ص‪.102‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬معجم معارك الجهاد‪ ،‬خليفة التليسي‪ ،‬ص‪.79‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬جذور النضال العربي‪ ،‬محمد عبدالرزاق مناع‪ ،‬ص‪.130‬‬
‫‪ ()6‬انظر‪ :‬جذور النضال العربي‪ ،‬ص‪.137‬‬
‫‪ ()7‬انظر‪ :‬مجلة البحوث التاريخية‪ ،‬العدد الول‪ ،‬السنة السادسة‪ ،‬عام ‪1984‬م‪ ،‬ص‪.9‬‬

‫فزحفت القوات اليطالية نحو العقيرة بعد مسيييرة دامييت يييومين كيياملين واسييتطاعت أن تضييرب حصيياراً‬
‫حول المجاهييدين ميين ثلث جهييات‪ ،‬وبقييوات جييرارة تكييونت ميين حييوالي )‪ (2000‬بغييل و‪ 5000‬جنييدي‪،‬‬
‫‪ 1000‬جمل بالضافة الى السيارات المصفحة والناقلة‪.‬‬
‫علم المجاهدون بذلك وأخذوا يعدون العدة لملقاة العدو فأعدوا خطة حربية وقاموا بحفر الخنادق حييول‬
‫أطراف المنخفض ليستتر بها المجاهدون وخنادق اخرى لتحتمي بها السر من نساء وأطفال وشيوخ‪ ،‬وتييم‬
‫ترتيب المجاهدين على شيكل مجموعيات حسيب انتميائهم القبليي ووضيعت أسير كيل قبيلية خليف رجالهيا‬
‫المقاتلين‪ ،‬وكان قائد تلك المعركة التقي الزاهد الورع الشيخ حسين الجويفي البرعصي وكان عمر المختار‬
‫من ضمن الموجودين في تلك المعركة‪.‬‬
‫كان الشيخ حسين الجويفي ممن تجرد للجهاد في سبيل ال وطلب رحمة ال تعالى وكييان يقييول‪) :‬أنييا ل‬
‫أريد قيادة ول منصبًا بل أريد جهادًا رغبة في ثواب ال تعالى()‪.(1‬‬
‫كان ذلك الصنديد محل تقدير من قبل إخوانه قال في حقه قائده العلى عميير المختييار عقييب استشييهاده‪:‬‬
‫أتذكر حسين الجويفي عند اللقاء مع العدو أو عند قراءة القرآن الكريم وقت الورد)‪.(2‬‬
‫كما عرف عنه انه لم يبرح فرسه يومًا أثناء المعركة لينال ميين اسييلب العييدو‪ ،‬بييل يتركهييا للمجاهييدين‬
‫لعفته وقناعته بما يملك من أموال ومواشي‪.‬‬
‫لقد أسندت إليه قيادة المعركة لمعرفته بشعاب ودروب المنطقية الييتي كييان يسيكنها مييع كيونه احيد قيادة‬
‫الجهاد‪ ،‬وأحد المستشارين لعمر المختار‪ ،‬وقائمقييام البراعصيية والدرسيية فييي فييترة سييابقة‪ ،‬فكييان فييي تلييك‬
‫المعركة فوق جواده يجوب الميمنة والميسرة والقلب وهو عاري الرأس ليخشييى المييوت يييوزع صييناديق‬
‫الذخيرة على المقاتلين تارة ويطلق عبارات التشجيع مرة أخرى‪ ،‬ويقييوم بتحريييك جبهييات القتييال‪ ،‬وتنظيييم‬
‫هجومات المجاهدين‪ ،‬وترتيب صفوفهم‪.‬‬
‫وسقط الشهداء واشتدت المعركة ‪ ،‬وارتفعت درجيية حييرارة البنييادق بسييبب اسييتمرار اطلق العيييارات‬
‫النارية واستعمل المجاهدون الخرق البالية لتقيهم حرارة مواسير البنادق التي ل تطيقها يد المجاهييد‪ .‬وكييان‬
‫بعض المجاهدين يملك بندقيتين يستعمل الواحد مدة ثم يتركها حتى تبرد ويتناول الخرى‪. ،‬‬
‫وخصص القائد حسين فرقة من المجاهدين للتصدي للمصفحات المهاجمة من الجنوب وعددها ثلثييون‬
‫مصفحة ولعب كومندار طابور المعية المجاهد سعد العبد السوداني دورًا بارزًا وأظهر شجاعة نييادرة بييأن‬
‫قاد تلك الفرقة المواجهة للمصفحات اليطالية وتمكن من تدمير أغلبها مع رجاله وانتزع المجاهد رمضان‬
‫العبيدي العلم اليطالي من على أحد المصفحات ‪ ،‬وبدأ الجيش اليطالي في التقهقر ودخييل الرعييب نفييوس‬
‫ضباطه وجنوده الذين وجدوا فرصيية الحييياة فييي الهييروب وبييالرغم ميين قصييف الطييائرات إل أن اليمييان‬
‫القوي ‪ ،‬واحتساب الجر عند ال كان دافعًا مهمًا لدى المجاهدين‪.‬‬
‫كانت خسائر المجاهدين في الرواح ‪ 200‬شهيد ميين بينهييم القائمقييام محمييد بونجييوى المسييماري الييذي‬
‫استشهد في اليوم الثالث أثر اصابته بجرح مميت‪ ،‬وكانت ليه مكانية عظيمية فيي نفيوس المجاهيدين وواليد‬
‫زوجة عمر المختار الذي بكيياءه بكيياءً حييارًا وقييال بعييد أن سييمع باسشييهاده )راحييو الكييل ييياعين الجيييران‬
‫وأصحاب الغل()‪.(3‬‬
‫واستشهد كل من جبريل العوامي‪ ،‬وستة من قبيلة العوامة‪ ،‬ومحمد بو معير الدرسي والشلحي الدرسي‪،‬‬
‫ومحمد الصغير البرعصي وفقد المجاهدون في تلك المعركة عددًا كبيرًا ميين البييل والمواشييي وتييم حييرق‬
‫بعض الخيام من جراء الغارات الجوية‪.‬‬
‫ومكث المجاهدون طيلة الليل يدفنون الشهداء وينقلون الجرحيى‪ ،‬وقبيل بيزوغ الفجير رحليوا عين ذليك‬
‫الموقع‪ ،‬بهدف العيداد والسيتعداد للقياء العيدو فيي موقيع جدييد مين مواقيع القتيال )‪ (4‬واصيبحت القيوات‬
‫اليطالية كما يقول تيروتسي ‪) :‬أصبحت الن منهوكة القوى تخور إعياء من شدة المعارك المسييتمرة منييذ‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬مجلة البحوث‪ ،‬السنة السادسة‪1984 ،‬م العدد الول‪ ،‬ص‪.10‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.10،11‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة العربية‪ ،‬ص‪.440‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬مجلة البحوث‪ ،‬السنة السادسة‪1984 ،‬م‪ ،‬العدد الول‪ ،‬ص‪.16‬‬

‫فترة طويلة دون توقف‪.(1)(...‬‬
‫وكانت نتائج تلك المعركة فيما يلي‪:‬‬
‫‪ .1‬كانت معركة ام الشفاتير بداية نقطة فاصلة في اتباع استراتيجية جديدة عند عميير المختييار‪ ،‬وهييي‬
‫ضرورة إعادة تنظيم المجاهدين على هيئة فرق صغيرة)‪ ،(2‬تلتحم مع العدو عنييد الضييرورة‪ ،‬وتشييغله فييي‬
‫أغلب الوقات مما يقلل في عدد الشهداء أثنيياء المعييارك ويلحييق الخسييائر الفادحيية بالعييداء وفييق التكتيييك‬
‫الجديد لحرب العصابات )اهجم في الوقت المناسب وانسحب عند الضرروة(‪.‬‬
‫‪ .2‬لمح عمر المختار بنظره الثاقب ملمح السياسة الفاشستية الجديدة وهي البادة والتدمير )للمصالح‬
‫والرجال(‪ ،‬فاتخذ اجراءات ترحيل النساء والطفال والشيييوخ الييى السييلوم لحمييايتهم ميين الغييارات الجوييية‬
‫اليطالية ‪ ،‬وتيسيرًا لسهولة تحرك المجاهدين وفق مايتطلبه الموقف الجديد‪.‬‬
‫ح لحد الخوين بالهجرة للمحافظة على وريث لهما فيما بعد حتى يكييون دائم يًا هنيياك ميين‬
‫سَم َ‬
‫‪ .3‬كما ُ‬
‫يطالب بحقوقه ويزعج المستعمرين الطليان‪ ،‬وللتعريف بالقضية الليبيية بتليك البليدان ونتيج عنيه فيميا بعيد‬
‫تشكيل الجاليات الليبية في الخارج)‪.(3‬‬
‫‪ .4‬أيقن اليطاليون أنه لجدوى من الستمرار في العمليات العسكرية ضد المجاهدين‪ ،‬مما كان سييببًا‬
‫في توقفها طلية سنة ‪1928‬م)‪ .(4‬لقد تحققيت لموسيليني مياقله مين قبيل ‪ ) :‬اننيا لنحيارب ذئابيًا كميا يقيول‬
‫ل()‪.(5‬‬
‫غراتسياني بل نحارب أسودًا يدافعون بشجاعة عن بلدهم ‪..‬إن أمد الحرب سيكون طوي ً‬
‫عاشرًا‪ :‬استشهاد حسين الجويفي والمختار بن محمد في معركة ابيار الزوزات ‪13/8/1927‬م ‪:‬‬
‫استشهد الشيخ حسين الجويفي رئيس دور البراعصة‪ ،‬وكان صيياحب مكانيية عظيميية عنييد المختييار)‪،(6‬‬
‫كان حسين الجويفي سباقًا للخيرات‪ ،‬حريصًا على الشييهادة فييي سييبيل اليي‪ ،‬وكييان يحييرص علييى الخييروج‬
‫للمعارك مع مرضه حتى أن عمر المختار في احدى المعارك طلب منه أن يبقي حفاظًا على صييحته وقييال‬
‫له )الجايات اكثر من الفايتات( والطليان ليبطلييوا لمحاربتنييا ونحيين لنبطييل الهجييوم عليهييم وستشييبع ميين‬
‫القتال فأيامه كثيرة)‪.(7‬‬
‫لقد تأثر عمر المختار لستشهاد القائد العظيم الجويفي ووقف عند قبره وقال‪:‬‬
‫ف الدين‬
‫سم َوا ِ‬
‫شهير َل َ‬
‫تّما غفير في فاهق خل‬
‫لقد فقد عمر المختار عددًا كبيرًا من رفاقه البطال الذين وقعوا شهداء في ساحة الوغى وكان من بينهم‬
‫المختار ابن شقيقه محمد فشق عليه فقده رغم انه ل يزيد مكانية عنيد عميه السييد عمير المختيار أكيثر مين‬
‫ل لييه يهتييم بشييؤون أسييرة عميير المختييار ويشييرف علييى شييؤونه‬
‫إخوانه المجاهدين‪ ،‬لقد كان ابن أخيه عييائ ً‬
‫الخاصة وخدمته الشخصية وكان بمثابة البن حيث لم يكن لعمر ابن يتولى شؤون العائلة لن ابنييه الوحيييد‬
‫ل‪ ،‬ثم إن السييد عمير المختيار تعيود مصياحبة الفقييد منيذ سينة ‪1916‬م واليى‬
‫محمد صالح كان ليزال طف ً‬
‫جانب كل ذلك فإنه من أبطال الجهاد ومن البناء البررة‪ .‬لقد احتسب المختار وأظهر التجلد وصبر صييبرًا‬
‫ل وكان يقول لكل من جاء لتعزيته‪:‬‬
‫جمي ً‬
‫إن كل فرد من رفاقي المجاهدين هو عندي بمنزلة المختار‪ .‬إنني فقدت مختارًا واحدًا ‪ ،‬ولكننييي أعيييش‬
‫بين عددًا من المختارين كل منهم يمل مكان ابن اخي وردد قول الشاعر الشعبي‪:‬‬
‫الدنيا أمفيت ال من واليها‬
‫وين الصحابا قبلنا أو نبيها‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.16‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬تاريخ ليبيا‪ ،‬جون رأيت‪ ،‬ص‪.153‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬كفاح الليبيين السياسي في بلد الشام )‪ (1950-192‬تيسير بن موسى‪.‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬مجلة البحوث‪ ،‬السنة السادسة‪ ،‬العدد الول‪ ،‬ص‪.17‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ص‪.14‬‬
‫‪ ()6‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.284‬‬
‫‪ ()7‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.81‬‬

‫وييييين بييييون ييييييادم‬
‫وين الشيوخ اللي كبار مقاوم‬
‫الّلي يندهوا للعبد هو والخادم‬
‫ن جاهم الطالب حاجتا يقضيها‬
‫َو ْ‬
‫ومعنى البيات‪:‬‬
‫أن ال سييبحانه وتعييالى ولييي الييدنيا ووارثهييا وكييل مييافي هييذه الييدنيا مصيييره الفنيياء‪ ،‬فييأين رسييول الي‬
‫وصحابته وهم أكرم خلق ال عليه‪ ،‬وأين السادة الكبار الذين سبقونا وكان من شييمائلهم المنيياداة للخييدم ميين‬
‫أجل خدمة الضيف وكل من جاء يطلب حاجة تقضي له‪ ،‬ومما قاله عمر المختار من الشعر‪:‬‬
‫ياعين كفى راه يومك قادم‬
‫صيور البنا دم حفرتا ماليها‬
‫ومعنى البيت أنه يخاطب نفسه بأن تكفى عن البكاء لن أجله في طريقه إليه ومصير بنييي آدم هييو تلييك‬
‫الحفرة )القبر( التي يملؤها رفاته بعد الموت)‪.(1‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫استمرار العمليات والدخول في المفاوضة‬
‫في سبتمبر عام ‪1927‬م غزت جموع الزوية الجخرة ومرسى بريقة وجالو وأوجليية‪ ،‬وأنزلييوا بالطليييان‬
‫خسائر فادحة‪ ،‬واشتدت مقاومة المجاهدين في الجبل الخضر علييى الرغييم ميين احتلل الطليييان للواحييات‬
‫ومراكز السنوسية الهامة‪ ،‬فلم يعد هناك مناصا من أن يعيد الطليان النظر في خططهم‪ ،‬مما أدى إلى وقوع‬
‫أزمة كبيرة في روما‪ ،‬وبدأت الحكومة تبحث بصورة جدية وسائل إخماد المقاومة وترسم الخطط السياسية‬
‫الجديييدة الييتي تييرأى ضييرورة التقيييد بهييا فييي كييل ميين برقيية وطرابلييس‪ ،‬وقييد اضييطر فيييدرزوني وزييير‬
‫المستعمرات‪ ،‬وديبونو والي طرابلس وتيروتزي والي برقة للستقالة فييي ديسييمبر ‪1928‬م‪ ،‬فعييين ديبونييو‬
‫وزيرًا للمستعمرات وأعلن موسوليني توحيد الدارة في القطرين الليبيين‪ ،‬وعين الماريشال بادوليو حاكم يًا‬
‫على طرابلس وبرقة‪.‬‬
‫كان مجئ بادوليو إلى ليبيا بداية مرحلة الجهاد الحاسمة بالنسبة للمجاهدين وكان تاريخ تعيينه في شهر‬
‫يناير من عام ‪1929‬م وكان برنيامجه الجدييد يتلخيص فيي تخفييض الجييش إليى القيدر اليذي يكفيي للقييام‬
‫)بحرب العصابات( والمحافظة على على هيبة الحكومة مع انفيياق المييوال المتييوفرة فييي مييد الطييرق فييي‬
‫الجبل الخضر مما يسهل عليييه التنقلت العسييكرية‪ ،‬فييإذا مييا أتييم لييه ذلييك قييام بهجييوم شييامل كاسييح علييى‬
‫المجاهدين يقضي على المقاومة نهائيًا‪ ،‬ومن أجل ذلييك سييعت إيطاليييا إلييى مفاوضيية السيييد عميير المختييار‬
‫ل ثم العمل رويدًا رويدًا من أجل تقوييية‬
‫لتهدئة الحوال)‪ ،(2‬فكان برنامج بادوليو مبنيًا على كسب الوقت أو ً‬
‫المراكز المحتلة‪.‬‬
‫واهتم بادوليو بكسب الرأي العام وتخويفه‪ ،‬فأعلن العفو عيين الفييراد الييذين يسييلمون أنفسييهم وسييلحهم‬
‫مختارين للحكومة‪ ،‬ويتوعد كل معاند بالعقوبة الصارمة وقد اسقطت الطائرات هذا المنشور من الجو على‬
‫البلدان والقرى والنواجع في أنحاء ليبيا جميعها وكان لهذا المنشور آثار مباشرة‪ ،‬فظن بعض زعميياء ليبيييا‬
‫بمدينة طرابلس الضعف ووهن العزيمة في الحكومة وقام أحمد سيف النصر ومحمد بن الحاج حسن )ميين‬
‫قبيلة المشاشة( بالزحف على منطقية القبلية لجميع البيدو المحياربين وإرسيالهم إليى الجبيل الخضير حيتى‬
‫يعززوا قوات المجاهدين في الجبل ويرغموا الحكومة على اتخاذ لهجة متواضعة عند بدء المفاوضات مع‬
‫عمر المختار وصحبه‪ ،‬وشرع صالح الطيوش ينظم في جبل الهروج جماعات ميين المحيياربين للشييتباك‬
‫مع الطليان في برقة أو في طرابلس وفي منتصيف فيبراير ‪1929‬م نزليت قيوات المجاهيدين مين الهيروج‬
‫السود للنقضاض على النوفلية من جانب وعلى إجدابية من جانب آخر‪ ،‬فاجتمعت من الجيفة ثم انقسييمت‬
‫ثلث فرق التحمت إحداها مع الطليان في معركة عند قارة سويد في ‪ 5‬مارس‪ ،‬واشتبكت الثانية معهييم فييي‬
‫معركة كبيرة عن النوفلية في ‪ 14‬مارس واتجهييت الثالثيية بقيييادة عبييدالقادر الطيييوش ميين الجيفيية صييوب‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.101 ،100‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.119‬‬

‫منطقة العقيلة في ‪ 23‬مارس‪ ،‬ثم استقر المجاهدون في جبل سييلطان واضييطر المجاهييدون إلييى النسييحاب‬
‫أمام قوات العدو العظيمة صوب وادي الفارغ)‪.(1‬‬
‫كانت لتلك العمال أكبر الثر في إقناع بادوليو بضرورة العمل فورًا من أجل استمالة المجاهييدين إلييى‬
‫المفاوضة إذا أراد أن يضع برنامجه الواسع موضع التنفيذ فبدأ من ثم متصييرف المييرج الكولونيييل بيياريل‬
‫من أوائل مارس ‪1929‬م يطلب الجتماع بالسيد عمر المختار للمفاوضة في شروط الصلح‪ ،‬وحدد بيياريل‬
‫موعدًا للجتماع غير أن باريل لم ينتظر جواب المختار وأراد أن ينتهز فرصة اطمئنان المجاهدين لقييرب‬
‫بداية المفاوضات وانشغالهم بعيد الفطر المبارك‪ ،‬فانقض الطليييان علييى المجاهييدين وهييم يقومييون بصييلة‬
‫العيد )‪1347‬هي( وردهم المجاهدون على أعقييابهم‪ ،‬ولكيين مناوشييات صييالح الطيييوش وجميياعته ونشييوب‬
‫المعارك المستمرة اضطرت بادوليو إلى تحديد المسعى‪ ،‬فكلف متصرف درنة دودياشي لتمهيد المفاوضيية‬
‫مع عمر المختار وصحبه‪ ،‬فاتصل بالمجاهدين واقترح على السيد عمر أن يكون الجتميياع يييوم ‪ 2‬مييارس‬
‫في منزل علي باشا العبيدي للبحث في موضييوع الصييلح وأصيير عميير المختييار علييى أن تظهيير الحكوميية‬
‫اليطالية حسن نواياها ويكون ذلك بإطلق السيد محمييد الرضييا وإعييادته إلييى برقيية واضييطرت الحكوميية‬
‫اليطالية للرضوخ واحضرت السيد محمد الرضا من جزيرة أوستيكا إلى بنغازي واجتمع بعييد ذلييك عميير‬
‫المختار مع مندوب الحكومة دودياشي في منزل على العبيدي في ‪ 20‬مارس‪ ،‬وحضر الجتماع عدد كييبير‬
‫من مشايخ البلد وأعيانها ثم أجلت المفاوضة إلى أسبوع وانعقد اجتماع آخر في سانية القبقب ولم يسييتطيع‬
‫المتفاوضون الوصول إلى نتيجة مجدية‪ ،‬واجتمع المختار مع باريل في الشليوني في الجبييل الخضيير فييي‬
‫يوم ‪ 6‬إبريل ولم يصل المتفاوضون إلى نتيجة وفي ‪ 20‬إبريل عادت المباحثات في بئر المغارة )في وادي‬
‫القصور(‪ ،‬وقد حضر هذا الجتماع محمد الرضا والشارف الغرياني‪ ،‬وخالييد الحمييري‪ ،‬وعبييدال فركيياش‬
‫ورويفع فركاش وعلي باشا العبيدي وعبييدال بلعييون مييدير الميرج‪ ،‬وحضيير كيل هيؤلء اجتميياع المختييار‬
‫بالسيد رضا‪ ،‬ثم خير مندوب الحكومة عمر بين ثلثة أمور‪:‬‬
‫الذهاب إلى الحجاز‪ ،‬أو إلى مصر‪ ،‬أو البقاء في برقة‪ ،‬فإذا رضي بالبقاء في برقة أجرت عليه الحكومة‬
‫مرتبًا ضخمًا وعاملته بكل احترام ولكن المختار رفييض هييذه الشييروط وكييان السيييد رضييا يخضييع لرقابيية‬
‫صارمة منعته من تبادل الرأي مع عمر المختار‪.‬‬
‫واستؤنفت المفاوضات في هذه المرة في مكان يسمى قندولة بالقرب من سيدي رويفع وحضيير اجتميياع‬
‫قندولة باريل‪ ،‬وكمباني وعدد من الضباط والعيان وكان سيشلياني قد بيييت النييية علييى اليقيياع بالمختييار‬
‫وأسره‪ ،‬ولكن عمر المختار احتاط للمر ولم يسفر هذا الجتماع عن شيء‪.‬‬
‫وفي ‪ 26‬مايو بدأت المفاوضات من جدييد‪ ،‬فحضير المختيار إليى مكييان قرييب ميين القبقييب‪ .‬وفيي هييذا‬
‫الجتماع دارت المباحثات على أساس ماجاء في منشور بادوليو فعرض دودياشي شروط الحكوميية وهييي‬
‫ل( عودة السيد إدريس‪ ،‬وأحمد الشريف والسيد صفي الدين وسائر أعضاء السرة السنوسية إلييى البلد‬
‫)أو ً‬
‫على أن يكونوا تحت إشراف الحكومة وأن يتم رجوعهم بترخيص من الحكومة بوصفهم مهاجرين يبغييون‬
‫العودة إلى أوطانهم وتعهدت الحكومة بعاملتهم المعاملة اللئقة بهم على غرار ماتفعله مع السيد الرضا‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬احترام الزوايا وأوقافها ودفع المرتبات لشيوخها‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬إرجاع أملك السرة السنوسية‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬إعفاء الزوايا وأملك السنوسية من الضرائب‪.‬‬
‫خامسيًا‪ :‬تسيليم المجاهييدين نصييف ميامعهم ميين أسيلحة لقياء ألييف ليييرة إيطاليية تيدفع ثمنياً لكييل بندقيية‬
‫يسلمونها‪ ،‬وعلى أن ينضم بقية المجاهدين المسلحين إلى المنظميات الييتي تنشييئها الحكومية تحيت إشييرافها‬
‫وإدارتها وذلك لمدة معينة تحددها الحكومة فيما بعد في نظير أن تعد أماكن لقامتهم يسييهل علييى الحكوميية‬
‫إمدادهم فيها بالمؤن فضل عن إحكام الرقابة عليهم‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬إبعاد كل الخوان السنوسيييين ميين الدوار وتتعهييد الحكوميية بإعطييائهم المرتبييات الييتي تناسييب‬
‫مراكزهم‪ ،‬فاعترض المختار على تسليم السلحة وحل الدوار‪ ،‬وأصر على بقاء الدوار تحت قيادة السيد‬
‫حسن الرضا على أن يكون للحكومة نوع من الشراف العام فحسب وأيد رأي المختار عبدالحميييد العبييار‪،‬‬
‫ورفض دودياشي عروض المختار وانفض الجتمياع علييى أن يعييرض دودياشييي هيذا الحيل ‪ -‬كميا طليب‬

‫‪ ()1‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.321‬‬

‫المختار من نائب الوالي في برقة حتى يفصل فيه سيشلياني بنفسه)‪.(1‬‬
‫وبعد أربعة أيام فقط طلب دودياشي مقابلة المختار في قندولة )‪30‬مايو( فجياء المختيار إليى نجيع عليي‬
‫العبيدي شيخ العبيدات بالقرب من القبقب‪ ،‬وحضر معه السيد حسن الرضا والفضيل بو عميير وعبدالحميييد‬
‫العبار وحامد القماص وآخرون ومعهم حرس يتألف من مائة وخمسين فارسًا وجيياء ميين طييرف الحكوميية‬
‫دودياشي وباريل كما حضر هذا الجتماع علي العبيييدي وخالييد الحمييري ورويفييع فركيياش‪ ،‬وأظهيير فيهييا‬
‫ل عين ذليك فقيد أصير‬
‫المختار استعداده للتفاهم طالما أنه يؤدي إلى المحافظة على كرامة السنوسية‪ .‬وفض ً‬
‫المختار على عييدم حييدوث أي اتفيياق بينييه وبييين الحكوميية اليطالييية إل إذا حضيير منييدوب عيين الحكوميية‬
‫المصرية وآخر عن الحكومة السنوسية كدليل على رغبيية الطرفييين الصييادقة فييي التفيياق بصييورة قاطعيية‬
‫ولكن دودياشي اعترض على هذا الطلب‪ ،‬وقال بأن الطليان معروفين بوفائهم للعهييود وحفظهييم للمواثيييق‪،‬‬
‫فرد عليه عمر المختييار وذكيير مييافعله الجنييرال مييتزتي بقبيليية العبيييدات‪ ،‬وهييي ميين القبييائل الييتي سييالمت‬
‫الطليان‪ ،‬عندما اغتصب هؤلء كل ماتمتلكه هذه القبيلة حتى انهم نزعيوا حليي النسياء مين آذانهين‪ ،‬وذكير‬
‫مافعله لويللو مع أسرة إبراهيم من قبيلة العواقير‪ ،‬وقد سالم هؤلء الطليان كذلك‪ ،‬فأخذ لويللو منهم أربعييين‬
‫ل قتلهم رميًا بالرصاص ثم جعل السيارات تمر على جثثهم )فما زالت السيارات تدهسييهم ذهابيًا وإيابيًا‬
‫رج ً‬
‫حتى اختلطوا بالتراب وتدخل بعض الحاضرون لتهدئة الموقف وتمسك المختار بحقوق الحركة السنوسييية‬
‫وزعامتها وأصر على أن يكون للقطر البرقاوي الطرابلسي نفس المتيازات التي تتمتع بها جاراته مصيير‬
‫وتونس وكان عمر المختار وحده هو الذي يتحدث‪ ،‬وأما سائر المجاهدين فقد صمتوا ثم قييرر الييذهاب إلييى‬
‫معسكره وقال إذا أراد المتصرف دودياشي الحديث فإن موعد ذلك جلسة أخييرى‪ ،‬وبعييد أيييام اتصييل علييي‬
‫العبيدي بالسيد عمر‪ ،‬وقبل عمر المختار استئناف المفاوضة‪ ،‬فعقد اجتماع آخيير فييي يييوم ‪ 7‬ييونيه حضييره‬
‫دودياشي وباريل ثم سيشلياني الذي جاء الجتماع موفييد ميين قبييل الماريشييال بييادوليو بغييية الوصييول إلييى‬
‫اتفاق حاسم مع العرب‪ ،‬وجدد الطليان عروضهم القديمة وتمسك المختييار بمطييالبه‪ ،‬وأصيير علييى حضييور‬
‫مندوبين من قبل الحكومتين المصرية والتونسية ووعد سيشلياني بأن يحمل مطالب المختييار إلييى بييادوليو‪.‬‬
‫وفي ‪ 13‬يونيه اجتمع نائب الوالي سيشلياني بالسيد عمر في قلعة شليوتي‪ ،‬وأظهر المختار رغبته الصادقة‬
‫في التفاق إذا أقرت الحكومة اليطالية مطالبه‪ ،‬وهي نفس المطالب السابقة وتأجل الجتماع إلى يوم آخيير‬
‫حتى يتم التفاق النهائي بحضور والي طرابلس وبرقة نفسه وفي يييوم ‪ 19‬يييونيه حصييل الجتميياع سيييدي‬
‫رحومه المشهور بحضور بادوليو وسيشلياني وعدد من الطليان والعيان كالشارف الغرياني‪ ،‬وعلي باشا‬
‫العبيدي‪ ،‬وظل عمر المختييار متمسييكًا بضييرورة حضييور منييدوبين عيين الحكومييتين المصييرية والتونسييية‬
‫وعرض شروطه النهائية بحضور والي ليبيا‪ ،‬فقرأ الفضيل بو عمر هذه الشروط ووافق الطليان عليها‪ ،‬ثم‬
‫تسلمها بادوليو ووعد بأن يعمل على حضور مندوبي الحكومتين المصرية والتونسية في اجتماع يحدد فيما‬
‫بعد قريبًا‪ ،‬واتفق الفريقان على عقد هدنة لمدة شهرين حتى يتسيينى لكييل منهمييا مراسييلة مرجعييه)‪ .(2‬وقييال‬
‫بييادوليو إنييه علييى اسييتعداد تييام لقبييول عييودة أمييير البلد السيييد محمييد إدريييس إلييى برقيية مييادام المختييار‬
‫والمجاهدون يصرون على ذلك‪.‬‬
‫وكانت الشروط التي عرضها المختار تكفل المحافظة على هوية الشعب وعقيدته ودينه ولغته‪ ،‬وتحفييظ‬
‫أوقاف الزوايا وتعطي عمر المختار الحق في أخذ الزكاة الشرعية من القبائل ومن أهم هذه الشروط‪:‬‬
‫‪ -1‬أن لتتدخل الحكومة في أمور ديننا‪ ،‬وأن تكون اللغة العربيية لغية رسيمية معترفيًا بهيا فيي دواويين‬
‫الحكومة اليطالية‪.‬‬
‫‪ -2‬أن تفتح مدارس خاصة يدرس فيها التوحيد‪ ،‬والتفسير‪ ،‬والحديث‪ ،‬والفقه‪ ،‬وسائر العلوم‪.‬‬
‫‪ -3‬وأن يلغى القانون الذي وضعته إيطاليا والذي ينص علييى عييدم المسيياواة فييي الحقييوق بييين الييوطني‬
‫واليطالي إل إذا تجنس الول بالجنسية اليطالية)‪ (3‬كما كانت شروط المجاهدين تنص على إرجاع جميع‬
‫الممتلكات التي اغتصبتها الحكومة ميين الهييالي وإعطييائهم مطلييق الحرييية فييي حمييل السييلح وجلبييه ميين‬
‫الخارج إذا امتنعت الحكومة عن بيع السلح لهم‪ ،‬كما نصت هذه الشروط على أن يكون للمة رئيس منهييا‬
‫تختاره بنفسها ويكون لهذا الرئيس مجلس من كبيار المية ليه حيق الشيراف عليى مصيالحها‪ ،‬كميا يكيون‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.392،296‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.298‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬شروط عمر المختار في قضية ليبيا‪ ،‬ص‪.114-111‬‬

‫للقاضي السلمي وحده الفصل بين المسلمين وطالب عمر المختار بإعلن العفو الشييامل عيين جميييع ميين‬
‫عدتهم إيطاليا مجرمين سياسيين سواء كانوا داخل ليبيا أم خارجهييا‪ ،‬وإطلق سييراح المسييجونين‪ ،‬وسييحب‬
‫كل المراكز التي استحدثها الطليان في أثناء الحرب بميا فيي ذليك مراكزهيم فيي الجغبيوب وجيالو)‪ (1‬كميا‬
‫اشترط بأن لزعماء المسلمين الحق في تأديب من يخرج عن الدين أو يهييزأ بتعيياليمه أو يتهيياون فييي القيييام‬
‫بواجباته)‪ .(2‬إن حرص عمر المختار على رفض الخضوع لي إرادة أو سلطة غير سلطة ال واضح فييي‬
‫حياته‪ ،‬ويظهر ذلك جليًا في شروطه‪ ،‬فقد كيان دائميًا مصيرًا عليى شيرط تطييبيق الشييريعة السييلمية بيين‬
‫المسلمين ورفض كل ماعداه من قوانين وضعية فييي مفاوضيياته)‪ .(3‬أظهيير بييادوليو قبييول الشييروط ولكنييه‬
‫نكث بوعوده وأخذ يستعد للقضاء علييى المجاهييدين‪ ،‬وشييرع الطليييان يبييذرون بييذور الشييقاق فييي صييفوف‬
‫المجاهدين على أمل أن يضعفوا من قوتهم‪ ،‬وفي اجتماع سيدي رويفع ادعى سيشييلياني أنييه ليمكيين إبييرام‬
‫التفاق النهائي إل في بنغازي)‪.(4‬‬
‫أراد المجاهدون أن يقطعوا حجة الطليان فاتفقوا على أن يحضر اجتميياع بنغييازي السيييد الحسيين رضييا‬
‫السنوسي‪ ،‬وكان عمر المختار مقتنعًا بعدم جيدوى الجتمياع ولكنيه اضيطر مكرهيًا‪ ،‬وعياد الحسين يحميل‬
‫شروطًا إيطالية مجحفة فرفضها عمر المختار والمجاهدون‪ ،‬وكتب المختار إلى نائب الوالي يخبره برفض‬
‫ل‪ ،‬ويلفت في هذه الرسالة نظيير الحكوميية اليطالييية إلييى الشييروط السييابقة‬
‫الشروط اليطالية جملة وتفصي ً‬
‫التي تسلمها المارشال بادوليو من السيد عمر نفسه وقطع على نفسه عهييدًا بالجابيية عنهييا بعييد دراسييتها إذ‬
‫ليوجد سبيل لحل المشكلة بدونها‪ ،‬وطلب عمر في نفس الرسالة تحديييد موعييد لمقابليية الجنييرال سيشييلياني‬
‫نائب الوالي‪ ،‬وفي حالة الرفض أو عدم الجابيية يكييون السيييد عميير المختييار فييي حييل ممييا قيييدته بييه آداب‬
‫المجاملة في انتظار نتيجة المفاوضات وسوف تعود المور لما كانت عليه‪ ،‬وكان جواب إيطاليييا هييو أنهييا‬
‫على استعداد ولداعي للنذار بإعادة الحرب)‪.(5‬‬
‫لما ذهب الحسن بن الرضا إلى بنغازي تأثر ببعض أقوال الليبيين التابعين للحكومة اليطالييية وقبييل أن‬
‫يوقع على شروط الصلح التي خالفت ماطلبه المجاهدون‪ ،‬فلما رفض عمر المختار تلك الشروط عز علييى‬
‫الحسيين أن ينقييض المختييار كلمتييه وانفصييل بجميياعته ميين البراعصيية والدرسيية‪ ،‬وكييانوا يبلغييون حييوالي‬
‫الثلثمائة واتخذ مكانه في غوط الجبل وهو مكان قريب من مراكز الطليان في مراوة)‪.(6‬‬
‫كان عمر المختار بجانب إيمانه الراسخ واسع الفق عالمًا بواقعه مدركًا لما يجري حوله متابعًا له وقييد‬
‫كان ذلك أكبر عون له بعد ال على صحة مواقفه وقوتها التي فرضت الحترام على اعدائه قبل أصييدقائه‪،‬‬
‫وما أعظم أن يجتمع اليمييان والفقيه بييالواقع‪ ،‬ومييا أقبييح أن يتفرقييا‪ ،‬ولئن كييان هييذا واضييحًا جلييًا فييي كييل‬
‫المواقف التي خاضها عمر المختار رحمه ال وآرائه التي قالها إل إنه يتجلى كأوضح مايكون فييي إدراكييه‬
‫لعدم جدوى المفاوضات السياسية)‪.(7‬‬
‫ل‪ :‬النداء الخير ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫خاطب السيد عمر المختار المجاهدين وأبنيياء شييعبه قييائل‪ :‬فليعلييم إذًا كييل مجاهييد أن غييرض الحكومية‬
‫اليطالييية إنمييا بييث الفتين والدسييائس بيننيا لتمزيييق شيملنا وتفكييك أواصيير اتحادنيا ليتييم لهييم الغلبيية علينييا‬
‫واغتصاب كل حق مشروع لنا كما حدث كثير من هذا خلل الهدنة‪ ،‬ولكن بحمد ال لم توفق إلى شيء من‬
‫ذلك‪ .‬وليشهد العالم أجمع أن نوايانا نحو الحكومة اليطالية شريفة‪ ،‬وما مقاصدنا إل المطالبة بالحرييية وإن‬
‫مقاصد إيطاليا وأغراضها ترمي إلى القضاء على كل حركة قومية تدعو إلى نهييوض الشييعب الطرابلسييي‬
‫وتقدمه ‪ ...‬فهيهات أن يصل الطليان إلى غرضهم مادامت لنا قلوب تعرف أن في سبيل الحرية يجييب بييذل‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.298‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وحياته‪ ،‬ص‪.62‬‬
‫‪ ()3‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.62‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪.299 ،‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.112 ،111‬‬
‫‪ ()6‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.300‬‬
‫‪ ()7‬مجلة البيان العدد الخامس عشر ‪ ،‬ربيع الثاني‪ ،1988 ،‬ص‪.87‬‬

‫كل مرتخص وغال‪ ،‬ثم ختم المختار هييذا النيداء بقيوله‪) :‬لهييذا نحيين غيير مسييؤولين عين بقياء هييذه الحاليية‬
‫الحاضرة على ماهي عليه حتى يتوب أولئك الفييراد النزاعييون إلييى القضيياء علينييا إلييى رشييدهم ويسييلكوا‬
‫السبيل القويم ويستعملوا معنا الصراحة بعد المداهنة والخداع)‪ .(1‬وقييد نشييرت بعييض الصييحف المصييرية‬
‫هذا النداء في ‪ 2‬يناير ‪1929‬م‪ .‬من كان عبدًا ل يستحيل أن يرضى بأن يكون عبيدًا لحكومية ظالمية كيافرة‬
‫أو لدنيا أو مال أو لهوى‪ ،‬فأكثر الناس أحييرارًا وتحقيقيًا للحريية علييى مفهومهيا الصيحيح ذليك العبييد اليذي‬
‫ل‪.‬‬
‫رضى بال ربًا وبالسلم دينًا ومحمد ‪ ‬نبيًا ورسو ً‬
‫ثانيًا‪ :‬غدر وخيانة ‪:‬‬
‫لقييد نقضييت الحكوميية عهودهييا وغييدرت بالمجاهييدين وكييان السيييد حسيين الرضييا أول ميين ذاق مييرارة‬
‫غدرهم‪ ،‬فقد غادر المعسكر في غوط الجبل جماعة من عائلة عريف وانتهز الطليان هييذه الفرصيية فطلبييوا‬
‫من الحسن أن يتقدم بالدور إلى ناحية مراوة وأجاب الحسن رغبتهييم وعنييدئذ سيييرت الحكوميية قييوة كييبيرة‬
‫على الدور لجمع السلحة من أتباعه بدعوى أن رجاله قد )غزوا( بعض الهلين في مراوة‪ .‬وأبدى الحسن‬
‫ورجاله معارضة شديدة‪ ،‬ولكن معارضتهم هذه سييرعان مييا أكييدت للطليييان ‪ -‬علييى حييد قييول هييؤلء ‪ -‬أن‬
‫الدور كان مركزًا لدعاية سنوسية خطيرة‪ ،‬وأن حل الدور قد بات لذلك أمرًا لمنيياص منييه ولمحيييد عنييه‪،‬‬
‫وكان مما جعل الطليان ينقلبون على الحسن أن امتنع في المدة الخيرة عن إجابة رغبتهم عندما طلبوا منه‬
‫النتقال إلى بنغازي‪ ،‬وعلى ذلك فقد اشتبكت القوات اليطالية مع الدور في قتال عنيف ذهب ضحيته كثير‬
‫من المجاهدين ووقع الباقون في أسر هذه القوات وفي ‪ 10‬يناير ‪1930‬م قبض الطليان علييى الحسيين نفسييه‬
‫وساقوه أسيرًا إلى بنغازي ثم مالبثوا حتى نفوه إلى جزيرة اوسييتيكا ثييم إلييى فلورنسييه بعييد ذلييك‪ .‬وقييد بقييى‬
‫الحسن منفيًا بهذه المدينة الخيرة حتى وفاته في عام ‪ ،1936‬وبعد ذليك انييدلعت المعييارك بيين المجاهييدين‬
‫والطليان في الجبل الخضر وكانت الطائرات اليطالية تلقي قذائفها على معسكرات المجاهييدين ونشييطت‬
‫عمليات الطليان العسكرية بعد أن غدروا بالحسيين وهيياجموا دور المجاهييدين فييي وادي مهجيية )‪ 28‬ينيياير‬
‫‪ (1930‬وألقت الطائرات قذائفها على العييرب‪ ،‬وانتشييرت المعييارك فييي منطقيية الجبييل حييتى أقفلييت جميييع‬
‫الطرق)‪.(2‬‬
‫ثالثًا‪ :‬تعيين الجنرال غراسياني حاكمًا لبرقة ونائبًا للمرشال بادوليو الحاكم العام‬
‫كان الجنرال غراسياني عند قومه معظميًا ومقييدمًا وقييد قييام بأعمييال عسييكرية فييي فييزان شيينيعة للغاييية‬
‫واستطاع أن يقضي على حركة الجهياد فيي فيزان بيدخوله غيات فيي ‪ 25‬فيبراير ‪1930‬م وكيان نصيرانيًا‬
‫ل ول ذمة‪.‬‬
‫حقودًا على السلم والمسلمين لم يرقب في مؤمن إ ً‬
‫بعد بقائه في ليبيا لمدة تسييع سيينوات متتالييية وبعييد احتللييه الغاشييم لفييزان‪ ،‬دعييى إلييى إيطاليييا لتشييريفه‬
‫وتكليفه‪.‬‬
‫ذكر في مذكراته وداعه لطرابلس فقييال‪) :‬وداعيًا طرابلييس أرض آلمييي وعييذابي‪ ،‬غييير انييه تبقييى فييي‬
‫روحي‪ ،‬وداخل نفسي ذكريات كل حجر مرتفع في جبالك‪ ،‬وفي صحرائك الواسعة‪ ،‬ولكن ليين ينطفييئ أبييدًا‬
‫ألمي وعذابي من أجل افريقيا وأنت ياطرابلس‪.‬‬
‫وفي روما كانت تنتظرني الحتفييالت اليتي يطميع كييل جنيدي مخلييص أميين يحظييى برضيا وتصييفيق‬
‫الزعيم الدوتشي )موسليني( ‪ ..‬وقد نلت هذا وصفق الزعيم ومجلس المة اليطالي لييي فييي جلسيية بتاريييخ‬
‫‪21/3/1930‬م‪ ،‬هذا الحتفاء وهذا الرضا‪ ،‬كان أعظم مكافأة في حياتي‪ ،‬فلقد جددت في نفسي حييب العمييل‬
‫والتضحية في سبيل الواجب الكبير الذي ينتظرنييي فييي ليبيييا بجسيم متعييب فيي العميال اليتي تحملهيا فييي‬
‫الماضي‪ ،‬ولكن بالروح والقلب الحريص والحاضر للعمل‪ ..‬وبعد أن استلمت التعليمات العليا سافرت على‬
‫السفينة إلى برقة ‪ ..‬ويوم ‪27/3/1930‬م وصلت بنغازي التي غادرتها سنة ‪1914‬م خلل الحرب العالمييية‬
‫الولى وكانت رتبتي ملزم أول في الجيش اليطالي‪.‬‬
‫إن التعليمات التي صدرت عن رغبة الزعيم الدوتشي‪ ،‬وقسمت ونظمت ميين قبييل صيياحب السيييادة دي‬
‫بونو )والفريق( الماريشال بادوليو‪ ،‬بيتوا فيهييا تصييميم الحكوميية الفاشسييتية القضيياء المييبرم علييى الحركيية‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.303‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة ‪ ،‬ص‪.34‬‬

‫الوطنية )الثورة( مهما كلف ذلك وبكل الطرق والوسائل لنها القضية البرقاوية)‪.(1‬‬
‫والتعليمات هي‪:‬‬
‫‪ -1‬تصفية حقيقية لكل العلقات بين الخاضعين وغير الخاضعين من الثوار سواء فييي قاعييدة العلقييات‬
‫الشخصية أو العمال والحركات التجارية‪.‬‬
‫‪ -2‬إعطاء الخاضعين أمنًا وحماية ولكن مراقبة لكل نشاطاتهم‪.‬‬
‫‪ -3‬عزل الخاضعين عن أي تأثير سنوسي ومنع أي كائن منعًا باتيًا ميين قبييض أي مبييالغ ميين العشييار‬
‫والزكاة‪.‬‬
‫‪ -4‬مراقبة مستمرة ودقيقة في السواق وقفل الحيدود المصيرية بكيل صيرامة بحييث تمنيع أي محاولية‬
‫تموين لقوافل العدو )أي المجاهدين(‪.‬‬
‫‪ -5‬تنقية الوساط المحلية التي توجد بها عناصر تدعي الوطنية ابتداًء بالمدن الكبيرة وخاصة بنغازي‪.‬‬
‫‪ -6‬تعيين عناصر غير نظامية من الطرابلسيييين لكييي يكونييوا قييوة مضييادة للمجاهييدين وتعنييي بتطهييير‬
‫القليم من كل تمرد أو ثورة‪.‬‬
‫‪ -7‬حركة دقيقة وخفية لكل قواتنا )الطليان( المسلحة في المنطقة لخلق جو مذبذب ضييد كييل )الدوار(‪،‬‬
‫والمعسكرات‪ ،‬والضغط عليها حتى تتكبد الخسائر وتشعر بأن قواتنا موجودة دائمًا وفي كل مكييان مسييتعدة‬
‫للهجوم‪.‬‬
‫‪ -8‬التجاه السريع للحتلل الكامل لكل أراضي مستعمرة الكفرة)‪.(2‬‬
‫ل لتنفييذ الواميير السييالفة اليذكر مين أسييياده فييي رومييا‬
‫هذا هو جييزار ليبييا غرسيياني الييذي جيياء محم ً‬
‫الكاثوليكية الفاشستية الميكيافلية‪.‬‬
‫ومنذ عودة غراسياني إلى بنغازي‪ ،‬بدأ نائب الوالي الجديد يضع هذا البرنامج موضع التنفيييذ ميين غييير‬
‫إبطاء معلنًا إنه سوف ‪) :‬يتبع بكل إخلص تعاليم الدولة الفاشستية ويسير على مبادئها‪ ،‬لنه وإن كيان قييائد‬
‫من قواد الجيش وأحد الرجال العسكريين إل أنه يييدين بمبيادئ فاشسييتية محضيية ويعلين هيذه الحقيقية بكيل‬
‫وضوح وصراحة تامة()‪.(3‬‬
‫كان الجنرال غراسياني معروفًا بالعجرفة والطيش وبالجبروت الييوهمي‪ ،‬وكييان أول عمييل قييام بييه فييي‬
‫الدوائر المدنية بعد وصوله هو إستبدال غالب الموظفين اليطاليين بآخرين ممن يتمتعون بثقته عندما كييان‬
‫يعمل في طرابلس‪ ،‬كما جاء بقائد جديد للكربنير )الضابطية( هو الكولونيييل كاسييتريوتا‪ ،‬وبييالجنرال نيازي‬
‫ليكون مساعده الول في القيادة العسكرية‪ ،‬واستعان بعصابة من المدنيين قد أخذوا ينفذون أهدافه الشييريرة‬
‫وأفكاره الشاذة بكل الوسائل ومن هذه العصييابة الكمنييدتور موريييتي )السييكرتير العييام( الكمنييدتور أجيييدي‬
‫متصرف لواء بنغازي‪ ،‬ثم بدأ زيارته للمناطق الخاضعة لنفييوذ إيطاليييا وكييانت السييلطات تجمييع لسييتقباله‬
‫جميع الهالي بما في ذليك النسياء والطفيال والعجيزة‪ ،‬فيخطيب فيهيم متوعيدًا ومهيددًا)‪ ،(4‬وكيان يسيتفتح‬
‫خطاباته الطائشة بقيوله )صييموا أفييواهكم وافتحييوا آذانكييم( ليلقييى الرعييب فييي نفيوس المستضييعفين الييذين‬
‫استسلموا وخضعوا ليطاليا وكان قد ألقى كلمة تهديدية في جموع حشييدتها السييلطات فييي موقييع )البريقيية(‬
‫إستهلها بقوله )ما أنتم إل مثل سيجارة موقودة من الجانبين تلتهمها النار من هنييا وميين هنيياك حييتى تصييبح‬
‫رمادًا وهاهو ذا أنا أولع السيجارة من جانبي ويوقدها عمر المختار من جانبه حتى يؤتى عليكم()‪.(5‬‬
‫وقال في خطاب ألقاه من شرفة قصره في بنغازي )تحت يدي وتصرفي باخرة تقف فييي المينيياء وبأقييل‬
‫إشارة مني تنقل كل من أرى من الصواب نقله إلى إيطاليا وهذا أخف مانعاقب به( )‪ (6‬وفي خطاب تهديدي‬
‫آخر قال‪ ) :‬عندي لكم ثلثة حالت‪ ،‬الباخرة الموجودة في الميناء‪ ،‬وأربعة أمتار فوق الرض ‪ -‬مشيرًا إلى‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة ‪ ،‬للجنرال غراسياني‪ ،‬ص‪.84 ،82،83‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬برقة الهادئة ‪ ،‬ص‪.85 ،84‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار ‪ ،‬محمود شلبي‪ ،‬ص‪.126‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.124‬‬
‫‪ ()5‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.124‬‬
‫‪ ()6‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.124‬‬

‫أعمدة المشيينقة ‪ -‬ورصيياص بنييادق جنييدنا ‪ -‬مشيييرًا إلييى القتييل رمييًا بالرصيياص( )‪ ،(1‬لقييد قييام غرسييياني‬
‫وحكومته بحشد المجهودات الضخمة للقضاء على عمر المختار بالصورة التي كلفت الخزانة اليطالية في‬
‫سنة واحدة مال يقل عن النفقات التي تتكبدها دولة عظيمة لمجابهة دولة تماثلها في عدة سنوات‪.‬‬
‫فقد قال السنيور فيتيتي وكيل وزارة الخارجية في حديث له مع سييماحة مفييتي فلسييطين الكييبر السييتاذ‬
‫محمد أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين‪ ،‬وقد أورد سماحته هذا الحديث في مذكراته الييتي‬
‫أخذت تنشرها جريدة أخبار اليوم‪ ،‬قال وكيل وزارة الخارجية المذكور‪ :‬حقًا أن ميياوقع فييي ليبيييا سييبب لنييا‬
‫متاعب كثيرة فعنيدما كيانت السياسيية اليطالييية تتييأثر فييي الماضييي كييثيرًا بالسياسيية البريطانيية قبييل عهييد‬
‫الفاشيست خدعتنا انكلترا وفرنسا فاستولت على أغنى وأغلييى أقطييار أفريقيييا‪ ،‬وأغرتنييا باقتحييام ليبيييا عييام‬
‫‪1911‬م‪ ،‬فلم نجد فيهيا رغيم الجهيود المضينية والخسيائر الفادحية فيي النفيس والميوال غيير الرصياص‬
‫والرمال‪ ،‬ولم نجن من ذلك إل بغض العرب ومقت المسلمين لنا)‪.(2‬‬
‫رابعًا‪ :‬المحكمة الطائرة‪:‬‬
‫لم يمض على وصول غراسياني سوى ايام قلئل حتى أنشاء ماعرف فييي تاريييخ السييتعمار اليطييالي‬
‫السود باسم المحكمة الطائرة )ابريل ‪1930‬م( ‪ ،‬كييانت تلييك المحكميية تقطييع البلد علييى متييون الطيييارات‬
‫وتحكم علييى الهييالي بييالموت ومصييادرة الملك لقييل شييبهة وتمنحهييا للمرتزقيية الفاشسييت وكييانت تلييك‬
‫المحاكم تنعقد بصورة سريعة وتصدر احكامها وتنفذ في دقائق وبحضور المحكمة نفسها لتتأكد من التنفيذ‬
‫قبل أن تغادر الموقع الذي انعقدت فيه لتنعقد في نفس اليوم بموقع آخيير‪ ،‬وفتحييت أبييواب السييجون فييي كييل‬
‫مدينة وقرية ببرقة وانتزعت الموال ميين المسييلمين بييدون مييبرر‪ ،‬ونصييبت أعييواد المشييانق فييي كييل ميين‬
‫العقيلة‪ ،‬وجدابية‪ ،‬وبنغازي‪ ،‬وسلوق‪ ،‬والميرج‪ ،‬وشيحات ودرنية‪ ،‬وعيين الغزالية‪ ،‬وطيبرق‪ ،‬ولتفيه شيبهة‬
‫وأقل فرية يصدر حكم العدام وينفيذ فيي حينيه شينقًا أو رمييًا بالرصياص‪ ،‬وكيان مميا قتيل شينقًا او رمييًا‬
‫بالرصاص في ميدة ل تزييد عين شيهرين مين اسيتلم غرسيياني مقالييد الحكيم فيي برقية؛ المشيايخ بحييح‬
‫الصبحي‪ ،‬على بويس العربي وابنه عبدربه بوموصاخ‪ ،‬خيرالي هلييل‪ ،‬محميد ييونس بوقيادم‪ ،‬عليي حمييد‬
‫ابوضفيرة‪ ،‬إثنان من قبيلة سعيد أشقاء حمد الرقيق‪ ،‬وهييؤلء ميين منطقيية جدابييية‪ ،‬ثييم محمييد الحييداد وابنييه‬
‫بنغازي‪ ،‬وعبدالسلم محبوب مين الخيوان السنوسيين‪ ،‬سيليمان سيعيد العرفيي )الميرج( ‪ ،‬وخمسية عشير‬
‫شخص بينهم الشيخ سعيد الرفادي )عين الغزالة وغيرهم كثير()‪.(3‬‬
‫خامسًا‪ :‬عزل المجاهدين ووضع القبائل في معسكرات العتقال الجماعية‪:‬‬
‫بييدأ غراسييياني ينفييذ سياسيية عييزل الهييالي الخاضييعين عيين المجاهييدين ‪ ،‬وشييرع فييي جمييع الخييوان‬
‫السنوسيين من شيوخ الزوايا وأئمة المساجد ومعلمي القرآن بها مع ذويهم جميعيًا‪ ،‬وكييل ميين تربطييه بأحييد‬
‫هؤلء أية صلة‪ ،‬وكييذلك بمشييايخ وأعيييان القبييائل‪ ،‬وبكييل ميين يربطييه أي نييوع ميين أنيواع الصييلت بأحييد‬
‫المجاهدين او المهاجرين‪ ،‬جيء بهذه المجموعات يساقون الى مراكز التعذيب ثم الييى السييجون ولييم يشييفع‬
‫في أحدهم سن الشيخوخة الطاعنة‪ ،‬او الطفوليية الييبريئة أو المييرض المقعييد‪ ،‬او الضييرر الملزم‪ ،‬وانشييئت‬
‫معتقلت جديدة في بنينه والرجمة‪ ،‬وبرج توبليك وخصص غراسياني مواقع العقيلة والبريقة من صييحراء‬
‫غرب برقة البيضاء‪ ،‬والمقرون وسلوق في أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع العتقييال والنفييي والتشييريد‬
‫والتعذيب لجميع سكان منطقتي الجبل الخضر والبطنان بصورة جماعية‪ ،‬وبغير سييكان هييذين المنطقييتين‬
‫ممن تحوم حولهم أية شبهة‪ ،‬او تلفق ضدهم اقل فرية‪ ،‬وأمر بنقل قبائل هياتين المنطقييتين المييذكورتين الييى‬
‫هذه المعتقلت الخاصة بهم ثمانين ألفًا‪ ،‬وماهي في الحقيقيية إل مقييابر يييدفن فيهييا الحييياء وأدًا ‪ ،‬فخصييص‬
‫معتقل العقيلة والبريقة لقبائل العبيدات والمنفييا‪ ،‬والقطعييان ‪ ،‬والشييواعر‪ ،‬والمسييامير‪ ...،‬ولبعييض عييائلت‬
‫الخوان السنوسيين بما في ذلك سكان الجغبوب‪ ،‬ولبعض من سكان ميدينتي بنغيازي ودرنيه‪ ،‬واسيند حكيم‬
‫هييذين المعتقلييين لممثلييي الظلييم والجييبروت والوحشييية الفظيعيية لكييل ميين كسييوني‪ ،‬بيياريل )غييير بيياريل‬
‫متصرف المرج(‪.‬‬
‫ل المقرون وسلوق لكل من قبائل البراعصة والدرسا والعرفا والعبيييد وأتبيياعهم وشييطر‬
‫وخصص معتق ً‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.125‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.126‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.126،127‬‬

‫كبير من عائلت الخوان السنوسييين الذين سبق أن أبعد غرسيياني رجيالتهم اليى ايطالييا أو فرقهييم بيين‬
‫السجون المختلفة‪ ،‬جيء بهذه القبائل التي بلغ تعييدادها الثمييانين ألييف نسييمة يسيياقون زمييرًا الييى المعتقلت‬
‫المذكورة‪ ،‬فمنهم من جاءها عن طريق البحر حيث حشروا بالمراكب حشرًا ومنهم من جاءها عيين طريييق‬
‫البر بعد أن أتت إيطاليا على جميع المنقولت حرقًا بالنار‪ ،‬كما أحرقييت الزراعية ومحصييولتها‪ ،‬وأهلكييت‬
‫الحيوانات فيما عدا ميا اسيتعملته للنقيل‪ ،‬وأحييط القسيم المسياق عين طرييق اليبر بجنيود مين الصيوماليين‬
‫والريتريين ليتعقبوا كل من يتخلف عن المساقين الى حتفهم‪ ،‬ويرمى المتخلف بالرصاص ‪ ،‬وكان الرامي‬
‫غير مسؤول عن عمله هذا‪ ،‬وأصبحت جميع مناطق الجبل والبطنان هلكًا تلعب فيه الرياح)‪.(1‬‬
‫لقد اراد غراسياني النتقام من القبيائل اليتي اثبتيت الييام انهيا نعيم العيون للمجاهيدين بعيد الي‪ ،‬فجميع‬
‫النواجع المنتشييرة فييي منطقيية الجبييل الخضيير فييي أميياكن احاطهييا بالسييلك وحييدث فييي تلييك المعتقلت‬
‫الجماعية مالم يصدقه بشر ول خطر على بال انسان يعقل‪ ،‬لقد اشييتدت المحنيية واعتييدى اليطيياليون علييى‬
‫البدان والموال والعراض في تلك المعتقلت ولقد قييام البيياحث يوسييف سييالم البرغييثي بدراسيية متميييزة‬
‫ل محزنًا‪ ،‬ووثييائق تاريخييية ميين‬
‫سماها المعتقلت والضرار الناجمة عن الغزو اليطالي وذكر فيها تفصي ً‬
‫أفواه من عاش تلك المرحلة العصيبة التي مربها شعبنا المظلوم)‪.(2‬‬
‫لقد وصف مراسل جريدة ألمانية زار معسكرات الموت التي جمع فيهييا غراسييياني أكييثر ميين ‪ 80‬ألييف‬
‫نسمة فقال‪ :‬إن النتقادات التي يوجهها الن الفرنسيين والنكليز الى خطة الفاشيست في برقة‪ ،‬موجهة فييي‬
‫الدرجة الولى الى التدابير التي اتخذها الجنرال غراسياني لجلء ‪ 80‬ألف بدوي عن اراضيهم ‪ ،‬دون أن‬
‫يرعوا حالة هؤلء البدو الروحية‪ ،‬أو يلحظوا تأثير مثييل هييذا القيييد والحصييار فيهييم‪ ،‬ول يجييوز لحييد أن‬
‫يخرج من نطاق الحصار إل في النهار‪ ،‬بشرط أن يرجع الى مكييانه قبييل أن يخيييم الظلم وكييل واحييد ميين‬
‫رؤساء القبائل مسؤول عن اتباعه فردًا فردًا‪.‬‬
‫يجب أن نقول أن الحالة السيئة للغاية تفوق كل تصور ‪ ،‬فان معييدل المييوات ميين الطفييال يبلييغ ‪%90‬‬
‫وأمراض العيون التي ينتهي اكثرها بالعمى كثيرة جدًا ومنتشييرة ويكيياد ل ينجييو احييد ميين المييراض‪ ،‬أمييا‬
‫غذاء هؤلء المساكين‪ ،‬فالحسن أن ل نتكلم عنه بالمرة‪ ،‬ومن الطبيعي أن نرى هؤلء يتألمون أشييد اللييم‪،‬‬
‫وفي الدرجيية الولييى ميين هييذه السييلك الشييائكة ‪ ،‬رمييز السيير‪ ،‬ورغييم تلصييق الخيييام ‪ ،‬وشييدة تقاربهييا‬
‫ببعضها‪ ،‬فإن حصرها ضمن اسلك شائكة ‪ ،‬يجب ان نعتبره ميين المتناقضييات الغريبيية الييتي ليتصييورها‬
‫العقل)‪.(3‬‬
‫إن ماارتكب في العقيلة والبريقة وغيرها من المعتقلت من جرائم جعل المناضلين في العالم يصرخون‬
‫وينددون بالستعمار الفاشيستي في ليبيا فقال عبدالرحمن عزام يصف حالة المعتقلين ويلفت النظار إليهم‪:‬‬
‫)يبحثون عن اخبار الندلس وكيف اجرى السبانيون بالمسلمين هناك ومالهم والندلس والمور جرت في‬
‫القرون الوسطى فأمام أعينهم طرابلس الغرب فليذهبوا ويشاهدوا باعينهم في هذه اليام فضائح لتقل عمييا‬
‫جرى بالندلس()‪.(4‬‬
‫وعبّر غراسياني نفسه عن المأساة التي كانت اكبر من قلبه القاس فقال‪) :‬لقد نتج عن هييذا كلييه ان اكييثر‬
‫الناس هاجرت ونزحت الى مصر وتونس والسودان تاركية وراءهيا اهلهيا وذويهيا‪...‬فياني حاسيبت نفسيي‬
‫وضميري‪ ..‬المر الذي جعلني لم أنم هادئًا اكثر الليالي()‪ (5‬ويقول مبررًا جرائمه البشعة لنسييتطيع انشيياء‬
‫حاضر جديد اذا لم نقض على الماضي القديم()‪.(6‬‬
‫سادسًا‪ :‬عمر المختار يغير استراتيجية الحرب‪:‬‬
‫كانت معسكرات المجاهدين قريبة من نواجع الهالي حتى يسهل علييى المختييار وصييحبه أخييذ العشييور‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ص‪ 113‬الى ‪.149‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار ‪ ،‬شلبي‪ ،‬ص‪.188‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.346‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ص‪.145‬‬
‫‪ ()6‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.145‬‬

‫والحصول على الذخائر والسلحة والمؤن ولكن بعد حشر القبييائل فييي المعتقلت الجماعييية تغيييرت خطيية‬
‫عمر المختار وطور اساليبه القتالية لما يتماشيى ميع المرحليية واعتمييد عليى عنصيير المباغتية وركين الييى‬
‫مفاجأة القوات اليطالية بعد كشفها والستطلع عليها في اماكن متفرقة)‪.(1‬‬
‫يقول غراسياني‪) :‬بيالرغم مين ابعياد النواجيع والسيكان الخاضيعين لحكمنيا يسيتمر عمير المختيار فيي‬
‫المقاومة بشدة ويلحق قواتنا في كل مكان()‪.(2‬‬
‫وقال عنه ايضًا‪) :‬عمر المختار قبل كل شيء لن يسلم أبدًا لن طريقته في القتال ليست كالقادة الخرين‬
‫فهو بطل في إفساد الخطط وسرعة التنقل بحيث ليمكن تحديد موقعه لتسييديد الضييربات لييه ولجنييوده‪ ،‬أمييا‬
‫غيره من الرؤساء ‪ ...‬فإنهم أسرع من البرق عند الخطر‪ ،‬فيهربون الى القطيير المصييري تيياركين جنيودهم‬
‫على كفة القدر معرضين لخطر الفناء‪ ،‬عمر المختار عكس هذا فهو يكافح الى أبعد حييد لدرجيية العجييز ثييم‬
‫ل بحيث يتمكن من رفع الييروح العسييكرية‬
‫يغير خطته ويسعى دائمًا للحصول على أي تقدم مهما كان ضئي ً‬
‫ل وهنا يسلم امره ل كمسلم مخلص لدينه()‪.(3‬‬
‫ماديًا ومعنويًا حتى يقضي ال امرًا كان مفعو ً‬
‫كان عمر المختار قطب تدور عليه رحى العمال‪ ،‬والتف المجاهدون حييوله التفيياف السييوار بالمعصييم‬
‫واستمر العمل بقيادته ومساعدة معاونيه كيوسف بورحيل‪ ،‬والفضيل بوعمر‪ ،‬وعصييمان الشييامي‪ ،‬عييوض‬
‫العبيدي‪ ،‬وعيسى الوكواك العرفي‪ ،‬عبدال بوسلوم‪ ،‬وعبدالحميد العبار وكانت مواقف عميير المختييار تييدل‬
‫على شخصيته القيادية البارعة في أحلك الظروف واثناء المحن‪ ،‬ففي احد اليييام وعقييب انتقييام اليطيياليين‬
‫من احد المنتجعات التي كانت تقدم مساعدات للمجاهدين تقييدم بعييض زعميياء القبييائل باحتجيياج الييى عميير‬
‫المختار وطلبوا منه اما ان يسلم الى اليطاليين او أن يرحل عيين مييواطنهم أو انهييم سييوف يحيياربونه لكييي‬
‫يتجنبوا انتقام اليطاليين‪ ،‬وعلى اثر تسلم هذا النذار دعا عمر المختار الى عقد اجتماع فييي منطقيية قصيير‬
‫المجاهير وقد سياد هيذا اللقياء حالية مين التيوتر وشيدة فيي النقياش فيي محاولية لتجنيب حيرب اهليية بيين‬
‫المجاهدين والليبيين الواقعين في المناطق الخاضعة للحتلل ‪ ،‬فرأى بعض المجاهدين تجنبًا لهييذا الوضييع‬
‫الحرج أن يهاجروا الى مصر لكي ل يتعيرض الهيالي اليى النتقيام وبعيد حيوار طوييل‪ ،‬اظهير المختيار‬
‫مصحفه واقسم عليه بأنه لن يتوقف عن مجاهدة اليطاليين‪ ،‬وانه ليين يييترك الجبييل الخضيير حييتى يتحقييق‬
‫النصر او الشهادة‪ ،‬وفي نفس الوقت أعلن للمجاهدين انه من يريد الهجرة الى مصر فله مطلق الحرية فييي‬
‫السفر او التسليم لليطاليين وعندما رأى المجاهيدون موقيف قيائدهم عيدلوا عين رأيهيم واطياعوه وانفيض‬
‫الجتماع على وحدة صف المجاهدين)‪.(4‬‬
‫استمر غرسياني في تدابيره العسكرية‪ ،‬فلم يأت يوم ‪ 14‬يونيو حتى كان الطليان قد استولوا على منطقة‬
‫الفايدية‪ ،‬بأجمعها واحتلوها ونزعوا من الهالي الخاضعين لهم ‪ 3175‬بندقية ‪ 60.000 ،‬خرطوش‪.‬‬
‫نقل عمر المختار دائرة عملياته الى الناحية الشرقية في الدفنا نظرًا لقربها من الحدود المصييرية وذلييك‬
‫حتى يتمكن من إرسال المواشي التي يأتيه بها الهالي الى السواق المصرية في نظير أخذ حاجته من هذه‬
‫السواق ‪ ،‬مما جعل غراسياني يقرر إقامة السلك الشائكة على طول الحدود الشرقية‪ .‬قال‪ ... :‬أن أطمأن‬
‫على خطوط تمونيه البعيدة أصيدر أمييره اليى قيواته الموزعية فيي كيل مكييان أل تزعيج بعييد الن الليييبيين‬
‫الخاضعين لسلطاتنا حتى ليكونوا سلحًا آخر ضده وأل يغضبوا من حركته‪ ،‬وهكذا يصييبح أمييام ضييميره‬
‫بأنه مسلم حقيقي‪ ،‬ونظيف أن مد السلك الشائكة المكهربة على حدود مصيير كييادت أن تنتهييي وستضيييق‬
‫الخناق عليه تدريجيًا حتى يقع في الفخ الذي سننصبه له إن مصر هي المأوى المين لعدد كبير من اللف‬
‫المؤلفة من البرقاويين الذين ينتمون الى القبائل العمامة والتي لها امكانياتها البشرية والمادييية‪ ،‬وكييذلك لهييا‬
‫التأثير الكبير على كثير من النفوس التي يسهل تجنيدها وتوجيهها نحو القتال مقتنعييين بييأنهم يييدافعون عين‬
‫الدين السلمي وعن كيييانهم معتييبرين أننييا مغتصييبين ومعتييدين علييى حقييوقهم ‪ ...‬هييؤلء الخييارجين عيين‬
‫القانون ومن بينهم اعداؤنا يكونون المخازن الثانية لتمويل الثورة بالسلحة والمؤن والرجييال لكييل الدوار‬
‫رغم كل الحتياطات التي اتخذتها سلطاتنا الحاكمة‪ ،‬زد على ذلك الموال التي تجمع مين لجيان التبرعييات‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار لمحمود شلبي‪ ،‬ص‪.127،128‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.227‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.129‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬عمر المختار نشأته وجهاده‪ ،‬ص‪.71‬‬

‫من القطار العربية لمساعدة الثوار القائمين بالحرب المقدسيية فييوق الجبييل الخضيير فييي برقيية وحييتى أن‬
‫اتخذنا كل الحتياطييات ضييد الخاضييعين لسيلطاتنا وابعيادهم فيالثوار ليزاليون اقوييياء يهاجموننيا فييي كييل‬
‫مكان)‪.(1‬‬
‫عزم غراسياني على مد السلك الشائكة في الحدود الليبية المصييرية المصييطنعة ميين قبييل السييتعمار‬
‫مايزيد على ‪300‬كم من البحر المتوسط الى مابعييد الجغبييوب وقييد كلييف الدوليية اليطالييية عشييرين مليونيًا‬
‫فرنكًا ايطاليًا‪ .‬وقد حقق لهم ذلك العمل أمور عدة ذكرها غراسياني في كتابه منها‪:‬‬
‫‪ -1‬قضى على الثوار‪.‬‬
‫‪ -2‬قضى على التهريب وأصبح دخل الدولة اليطالية في ازدياد من ناحية الضرائب الجمركية‪.‬‬
‫‪ -3‬قضى على حركة المدادات التي كانت تأتي للثوار المجاهدين من مصر عن طريق المهاجرين)‪.(2‬‬
‫سابعًا‪ :‬استشهاد الفضيل بوعمر‪:‬‬
‫استمرت المعارك بين اليطاليين والمجاهدين ومن اشهر تلك المعارك )كرسة( التي وقعت في يوم ‪20‬‬
‫ديسمبر وقد استشهد في هذه المعركة الساعد اليمن لعمر المختييار الشيييخ الجليييل والمجاهييد الفييذ الفضيييل‬
‫بييوعمر الييذي شييارك فييي مسيييرة الجهيياد منييذ دخييول الغييزو اليطييالي فييي ‪1911‬م وشييهد لييه بالشييجاعة‬
‫والخلص في جهاده وقد ذكر عمر المختار تفاصيل هذه المعركة في رسالة له جاء فيهييا ان العييدو هيياجم‬
‫المعسكر‪ ،‬وكان رئيسه السيد فضيل بوعمر وقيد استشيهد فييي هيذه المعركية اليى جيانب الفضيييل اربعييون‬
‫شهيدًا وقد وجدنا في ميدان القتال مايزيد عن ‪ 500‬من العدو وبينهم ماجور وثلثة ضباط‪ ،‬وشدد الطليييان‬
‫عملياتهم العسكرية في منطقة الجبل الخضر بعد هذه الواقعة‪ ،‬واستمرت جموعهم تناوش المجاهدين مييدة‬
‫اسبوعين‪ ،‬ولكن دون الوصول الى نتيجة‪.‬‬
‫وفي اكتوبر ‪1930‬م تمكن الطليان من الشتباك مع المجاهدين فييي معركيية كييبيرة عييثر الطليييان عقييب‬
‫انتهائها على )نظارات( السيد المختار‪ ،‬كما عثروا على جواده المعروف مجندل في ميدان المعركة؛ فثبت‬
‫لهم أن المختار مازال على قيد الحياة‪ ،‬وأصدر غراسياني منشورًا ضمنه هذا الحادث حاول فيه أن يقضييي‬
‫على )اسطورة المختار الذي ليقهر أبدًا( وقال متوعييدًا ‪) :‬لقييد أخييذنا اليييوم نظييارات المختييار وغييدًا نييأتي‬
‫برأسه()‪.(3‬‬
‫ومع شدة قبضة الستعمار اليطالي على المدن إل أن ذلك لم يمنع الهالي من القيام بواجبهم المقدس ‪،‬‬
‫واستطاعت المخابرات اليطالية ان تقبض على عييدد ميين الليييبيين الييذين يييزودون حركيية الجهيياد بييالمؤن‬
‫والمعلومات وتم اعدامهم وقييد ذكيير غراسييياني بعييض الشييخاص فييي كتييابه فقييال‪ :‬وهنييا اعييرض بعييض‬
‫الحوال الهامة لبعض الشخاص الليبيين الذين نفذت فيهم المحكمة الخاصيية حكييم العييدام فييي ‪ 14‬يونيييو‬
‫‪1930‬م عقدت المحكمة الخاصة في شحات لمحاكمة المواطن حمد بوعبد ربه الدرسي في الميييدان العييام‪،‬‬
‫باعتباره خائنًا للدولة اليطالية‪ ،‬لنه كان شيخًا لبيت من بيوت قبيلته الدرسة‪ ،‬وكييان محترميًا ميين سييلطاتنا‬
‫ولكن اتضح لدى قسم المخابرات إنه يتعاون مع الثييوار فييي امييدادهم بييالمؤن والسييلح‪ ،‬وكييانت مخياميياته‬
‫تعتبر شبه استراحة لجنود الثوار )المجاهدين( وعدد هذه الخيام يزيد عن عشرين خيمة بمنطقة )قصر بيين‬
‫قدين( المكان الذي يتزود منه الثوار بالمؤن والسلح‪ ،‬وقد حكم عليه بالعدام رميًا بالرصاص في الميييدان‬
‫بشحات وأمام الجماهير ‪ ،‬وبعد اسبوع من هذا الحادث حصيلت حركية انتقامييية مين الثيوار )المجاهييدين(‪.‬‬
‫هجموا على نفس الميدان ‪ ،‬وفي وضح النهار قتل فيييه عييدد كييبير ميين جنودنييا‪ ...‬وكييذلك تيياجر ميين تجييار‬
‫المنطقة‪.‬‬
‫وفي شهر سبتمبر ‪1930‬م اكتشفت قوة المن بمنطقة البركة ببنغييازي أن المييواطن محمييد الحييداد احييد‬
‫اعيان بنغازي ومن تجارها يتعاون مع الثوار وعن طريقه تتم حركة المدادات من المؤن والسلحة وكان‬
‫يستضيف في بيته الثوار ويمدهم بما يلزمهم وفي الوقت والحين حضرت المحكمة الخاصة وحكمييت علييى‬
‫الب والبن بالعدام شنقًا أمام الجميياهير الييتي ارادت السيلطات اليطاليية إحضيارهم خصيصيًا لمشياهدة‬
‫ل لوسييام‬
‫تنفيذ الحكم‪ ،‬وهذا مثال آخر سليمان سيد شيخ قبيلة الطرش‪ ،‬كان عضوًا في مجلس النواب‪ ،‬حييام ً‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة ‪ ،‬ص‪.229‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.232،233‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار ‪ ،‬ص‪ 130‬الى ‪.133‬‬

‫النجمة اليطالية للمستعمرات برتبة ضابط‪ ،‬وكان يرتييدي برنييوس الشييرف الخيياص بييالنواب الليييبيين كنييا‬
‫نعتمد على آرائه ولم نفكر في يوم من اليام أن يكون ضييدنا حكمييت عليييه المحكميية بالعييدام ‪ ،‬لنييه كييان‬
‫يستغل نفوذه ويتعاون مع الثوار‪...‬ومن هذا النوع الكثير من المشياهد اليتي ليمكين حصيرها وقيد نفيذ ميع‬
‫مجيء المحكمة الطائرة ‪ 250‬حكمًا بالعدام‪ ،‬ونفذ فيهم الحكم فيي ميدة وجييزة ورغيم ذليك لزال الشيعب‬
‫الليبي يتعاون مع الثوار الى درجة الضياع التام)‪.(1‬‬
‫إن هذه الحقائق والمواقف التاريخية تشير الى فاعلية أهل المدن في جمع المعلومات والميوال والميؤن‬
‫والسلحة‪ ،‬وتهريبها الى قادة حركة الجهاد المبارك‪ ،‬وحرصهم على استمرارية جذوة الجهاد‪.‬‬
‫لقد وجد اليطاليون أنفسهم في حرب مع شعب دفع بكافة طاقاته نحو ساحات الوغى والفييداء‪ ،‬وشييارك‬
‫معظم ابنائه بكافة مايملكون في حركة الجهاد المقدس‪.‬‬
‫ثامنًا‪ :‬احتلل الكفرة‪:‬‬
‫بعد ان استطاعت القوات اليطالية أن تعتقل قبائل برقة في معسكرات واسعة‪ ،‬واخذ غراسياني فييي مييد‬
‫السلك الشائكة على طول الطريق على البحر المتوسييط الييى مابعييد الجغبييوب ليفصييل برقيية عيين مصيير‬
‫وكان قد شييرع فييي جمييع قييواته الضييخمة ميين مختلييف وحييدات الجيييش اليطييالي والجيييوش الملونيية ميين‬
‫المرتزقة ومن المعدات الحربية لحتلل الكفرة‪.‬‬
‫كانت نقاط الحتشاد هييي العقيليية‪ ،‬ومييرادة وجدابييية وجييالوا‪ ،‬وحشييدت ايطاليييا عييددًا كييبيرًا ميين البييل‬
‫استعدادًا لنقل المؤن الى جانب سيارات النقل الكثيرة‪ ،‬هذا ماكان عن استعداد القييادة اليطاليية ببرقية‪ ،‬أميا‬
‫عن القيادة اليطالية بطرابلس فقييد جهييزت هييي الخييرى حملةمماثليية بقيييادة الكونيييل قالينييا وكييانت نقطيية‬
‫ارتكاز هذه الحملة واحة زلة وكانت القيادة العامة للحمليية الموحييدة تتمثييل فييي شييخص الجنييرال رونكيييتي‬
‫تحت اشراف الجنرال غرسياني مباشرة وتحركت الجيوش اليطالية من طرابلس وبرقيية فييي وقييت واحييد‬
‫وبنظام موحد تسلك طريق الصحراء الى الكفرة‪ ،‬وتجمعت يوم ‪ 29‬شعبان سنة ‪1349‬هي بموقع الهييواري‪،‬‬
‫وهناك اشتبكت قواتهم مع المجاهدين في اولى المعارك وكانت معركة غير متكافئة‪ ،‬وقد اشترك قسييم ميين‬
‫الطائرات اليطالية مكون من عشرين طائرة‪ ،‬واستمرت المعركة ثلثة ساعات قتييل اثناؤهييا العييدد الكييثير‬
‫ل ولكنهم يحاولون إيقييافه بعييض‬
‫من اليطاليين ومن المدافعين الذين ماكانوا يفكرون في صد العدوان طوي ً‬
‫الوقت ريثما يتمكن من يستطيع الفرار ليأخذ طريقه الى السودان أو مصر)‪ ،(2‬لقد قاتل المجاهييدون جميعيًا‬
‫بشجاعة وبسالة نادرة ‪ ،‬فلم يكفوا عن القتال‪ ،‬واستشهد العشرات ووقع في أسر الطليان ثلثيية عشيير فقييط‪،‬‬
‫وغنم الطليان مائة بندقية‪ ،‬واحتلوا الكفرة‪ ،‬وهتكوا العراضن وفعلوا مالم يفعله انسان‪.‬‬
‫لقد كتب غراسياني عن اهتمامه بإحتلل الكفرة‪ ،‬وعيين السييتعدادات الييتي اتخييذتها الحكوميية اليطالييية‬
‫اكثر من خمسة واربعين صفحة‪ ،‬لقد اعترف غراسياني بقييوة وشييجاعة المجاهييدين الييذين تعرضييوا لقتييال‬
‫اليطاليين عبر الصحراء الكبرى‪ .‬قال غراسياني ‪ :‬لقد حملتنا خسائر فادحة وكنييا حريصييين علييى تحقيييق‬
‫النصر بأي ثمن لكون قوات المجاهدين غير متكافئة‪ ،‬رغم هذا كله كانوا اشداء اقوياء صامدين ‪ ،‬صابرين‬
‫ليتقهقرون ابدًا حتى ولو ادى ذلك لفنائهم جميعًا مؤمنين بأنهم اصحاب حق وشجاعة)‪.(3‬‬
‫لقد اعترف العدو بهم كان زادهم التمر والشعير ومع ذلك دوخوا ايطاليييا‪ ،‬وكييان ميين بييين القييادة الييذين‬
‫اثخنوا في العداء عبدالحميد بومطاري الذي تزعم قيادة الزوية والمغاربة فييي تلييك المرحليية فييي جهادهييا‬
‫ضد ايطاليا‪ ،‬وصالح الطيوش وسيف النصر الذي قال فيهم غراسياني‪) :‬لقد وصل سيف النصر‪ ،‬وصيالح‬
‫الطيوش الى المنطقة وبصحبتهم الذين هاجروا من القطر الطرابلسي فأصبح الموضوع دقيقيًا وبييالخص‬
‫صالح الطيوش فهو مكابر وشديد المراس)‪.(4‬‬
‫إن المجاهد صالح الطيوش من المجاهدين العظام الذين ساهموا في الييذود عيين حييياض المسييلمين لقييد‬
‫شهد له عدوه غراسياني بشدة مراسه‪ ،‬فله منا الدعاء بالمغفرة والرحميية والرضييوان ولييه ولجميييع اخييوانه‬
‫الذين سطروا لنا صفحات من البطولة والرجولة للذود عن ديننا العظيم‪.‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.153،154‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.129،130‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.211‬‬
‫‪ ()4‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.198‬‬

‫إن عائلة آل الطيوش تعرضت لبلء عظيم ‪ ،‬ولقد اعطى السنوسييي الطيييوش صييورة حييية عيين ذلييك‬
‫البلء الذي كابده الفارون من جحيم الكفرة في ذلك الوقت‪.‬‬
‫إن اسرة عائلية الطيييوش أسيرة مشييخة أصيييلة فييي قبيليية المغاربيية‪ ،‬تعيد نموذجيًا لميا قاسيته مختليف‬
‫العائلت الليبية البارزة عبر فترة الكفاح الطويل ضد اليطاليين‪ ،‬فمن المعلوم أن الكيلني الطيوش‪ ،‬الذي‬
‫عينه الوالي التركي في منصب القائمقام الكفييرة سيينة ‪1910‬م ‪ ،‬تييوفي فييي العييام التييالي مباشييرة وهييو فييي‬
‫طريقه الى جالوا لللتحاق بقوات المقاومة التركية ضد الغزو اليطالي‪ ،‬وأخييوه سييعيد قضييى نحبييه خلييف‬
‫اسوار معتقل ايطالي في العقيلة ومن بني أخيه واحد شنقه الطليان في سرت‪ ،‬وعبدال استشهد فييي معركيية‬
‫النوفلية‪ ،‬كما قتل في البريقة اثنان آخران هما علي واحمد عبد عبدالقادر الذي قتل في سيرت سينة ‪1918‬م‬
‫والخر استشهد في معركة سرت بالقرب من اجدابية‪ ،‬وكذلك فقدت هذه العائلة ماليقل عن اربعيية آخرييين‬
‫ماتوا في أثناء محاولة النجاة بأرواحهم من الكفرة‪.‬‬
‫فعندما هاجم اليطاليون الكفرة رحل صالح باشا الطيوش بأهل بيتييه‪ ،‬وكييان ميين بينهييم السنوسييي ابيين‬
‫ل صوب العوينات على حدود السييودان‪،‬‬
‫أخيه‪ ،‬وبضعة اشخاص آخرين ‪ ،‬في قافلة من البل اتجهوا بها أو ً‬
‫فبلغوها بعد ستة ايام‪ ،‬وهناك ملو قربهم بالماء وانقسموا الى فريقين‪ ،‬توجه أحدهما الى الشمال نحو وادي‬
‫النيل‪ ،‬بينما عمد الفريق الخر الى مرقة وهي واحة صغير غير مأهولة تقييع فييي ناحييية الجنييوب الشييرقي‬
‫بالسودان‪ .‬ويبلغ طول هاتين المسافتين ‪ 500‬ميل و ‪ 300‬ميل على التوالي‪ ،‬أي مسيرة ‪ 25‬يومًا و‪ 15‬يومًا‬
‫بمعدل سير البل العادي‪ ،‬ولم يكن ثمة أي أثر يمكن للمسافر اقتفاؤه ول مورد ماء فييي الطريييق‪ ،‬ول احييد‬
‫يستطيع ان يتصور مدى خطورة رحلة كهذه مالم يكن قد جرب اجتياز تلييك الصييحارى علييى ظهيير جمييل‬
‫وقد حكى السنوسي الطيوش قصة تلك الرحلة فقال‪) :‬بعد مسيرة عدة أيام اخفقنا فييي الوصيول الييى مرقيية‬
‫وعرفنا أننا تائهون في الصحراء ‪ ،‬فرجعنا ادراجنا نقصد العوينييات‪ .‬لمييا كنييا اسييتنفذنا مؤنتنييا ميين المييياه‪،‬‬
‫أصبحنا مضطرين الى نحر ناقة أو جمل كل يوم لشرب الماء المخزون فيي بطيون البيل‪ ،‬وكيان كيل منيا‬
‫يحمل في مخلته بعض لحم الذبيحة ويأكل اثناء السير ومييع ان المسييافة الييتي قطعناهييا منييذ خروجنييا ميين‬
‫العوينات كانت قد استغرقت منا ثمانية ايام كاملة‪ ،‬فقد بلغت بنا شدة المحنة اننييا فييي طريييق العييودة قطعنييا‬
‫نفس المسافة خلل أربعة ايام فقط‪ ،‬راكبين او ماشين ليل ونهار وفي العوينات ملنا قرب الماء من جديد‪،‬‬
‫وبعد استراحة قصيرة واصلنا السفر عامدين نهر النيييل رأسيًا‪ ،‬باقتفيياء آثييار الفريييق الخيير ميين جماعتنييا‪،‬‬
‫وعثرنا في الطيرق عليى جثيث البعيض‪ ،‬ومين بينهيم اميي وأخيتي واثنيين مين اخيوتي قصيفتهم طيائرات‬
‫الطليان‪ ،‬او ماتوا عطشا‪ .‬وكنا نغذ السير ليل نهار حتى وصلنا آبار كريم بعد تسعة ايام ونحيين اقييرب الييى‬
‫الموت منا الى الحياة‪ ،‬وهناك اسعفنا الحظ بلقاء بعثة استكشافية كان قد نظمها المير عمر طوسيون بقييادة‬
‫ضابط بريطاني ‪ ،‬فحملتنا معها الى واحة الخارجة ثم الى الداخلة‪ .‬ومنها انتقلنا الى المنيا حيييث اسييتقر بنييا‬
‫المقام مع ناس من قبيلة الجوازي التي تربطنا بها صلة القرابة‪ .‬ومكثنييا هنيياك حييتى عييام ‪1940‬م وعنييدها‬
‫التحقنا بالقوات الليبية تلبية لنداء المير()‪.(1‬‬
‫إن هذه القصة الحزينة تعطينا صورة واضحة عن ماكابده الليبيون الذين استطاعوا الهروب من هجميية‬
‫غراسياني الوحشية علييى الكفييرة‪ ،‬وتلييك الغييارة الهمجييية‪ ،‬ولقييد تييأثر العييالم السييلمي ميين الخبييار الييتي‬
‫سمعوها من العوائل الليبية التي كتب ال لهيا النجياة‪ ،‬وقيد قيام الميير شيكيب ارسيلن بيدور مشيكور فيي‬
‫توضيح تلك العمال‪ ،‬وكتب مقالت صادقة أصبحت وثائق مهمة للمؤرخ لتلك المحنة العظيميية الييتي م يّر‬
‫بها الشعب الليبي المسلم فقد قال‪....) :‬إنهم لما احتلوا واحة الكفرة في ‪ 13‬يناير من سيينة ‪1931‬م اسييتباحوا‬
‫قراها ثلث أيام فقتلوا ماصادفوه من الهالي وكان من جملة القتلى بعض الشيوخ الجلء مثل محمد عمر‬
‫الفضيل‪ ،‬والسيد حميد الفضيل‪ ،‬والشيخ فضيل الديفار وغيرهم ممن قتلوه صبرًا غييير داخييل فييي ذلييك ميين‬
‫قتلوا من المعركة التي جرت بين الهالي وجيش الحملة الطليانية وهم ‪ 200‬شخص ثم ان الطليان انتشروا‬
‫في القرى والبساتين ونهبوا كل ماوقع في ايديهم ولييم يرحمييوا الشيييوخ ول الطفييال ول النسيياء وصييادفوا‬
‫الشيخ مختار الغدامسي وهو شيخ فان بلغ ثلثًا وتسييعين سيينة‪ ،‬وميين جليية علميياء السنوسييية فحملييوه مقيييدًا‬
‫بالحبال على جمل ونفوه من الكفرة فمات في الطريق‪ .‬ثييم اغتصييبوا النسيياء فييي اعراضييهن وقتلييوا منهيين‬
‫كثيرًا ممن دافعن الى الخر عن اعراضهن‪ .‬وكان نحو من ‪ 200‬امرأة من نساء الشراف قييد فييررن الييى‬
‫الصحراء قبل وصول الجيش اليطالي‪ ،‬فأرسلوا قوة في أثرهن حتى قبضوا عليهن وسحبوهن الى الكفييرة‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬الملك ادريس عاهل ليبيا‪ ،‬ص‪.58،59‬‬

‫حين خل بهن ضباط الجيش الطلياني واغتصبوهن وهكذا نزلوا المعرات بسبعين اسرة شريفة من أشراف‬
‫الكفرة الذين كانت الشمس تقريبًا لترى وجههن من الصون‪ ،‬والعفاف‪ ،‬وقد أشارت الصحف الطليانية الى‬
‫هذه الحادثة وصرحت في باب الفتخيار قائلية‪) :‬إن الجييش قبيض علييى ‪ 200‬اميرأة ميين نسياء الزعمياء(‬
‫وقرأنا ذلك باعيننييا ولحضيينا ان مقصييود البلغ العسييكري اليطييالي التبجيح بكييون حلئل زعمياء الكفييرة‬
‫صرن الى الضباط إل اننا انتظرنا جلء الخبييار ميين الجهيية الثانييية حييتى نعلييم ميياذا جييرى بعييد التثبييت ‪،‬‬
‫فمضييى شييهر حييتى وردت الخبييار ميين المهيياجرين الييذين دخلييوا حييدود مصيير بييأن هييؤلء السيييدات‬
‫المقصورات الناشئات في اكرم بيوت الطهارة والصون قد قبضوا عليهن في الصحراء وصرن الى أولئك‬
‫الفجرة الذين ليعرفون لصيانة العرض معنى وليقيمون للشييرف وزنييا‪ .‬وعلمنييا أن بعييض شيييوخ الكفييرة‬
‫الذين احتجوا على هتك اعراض السيدات المذكورات قد أمر القائد بقتلهم ثم لما هج هائج العييالم السييلمي‬
‫من جراء هذا الخبر واشباهه اذاعت الحكومة اليطالية تمويهًا ظاهرًا زعمت فيييه أن الجيييش تييأثر للنسييوة‬
‫المائتين المذكورات شفقة عليهن ولجل أن يرجعن الى بيوتهن آمنات وغير ذلك من القاويل التي قصدت‬
‫ايطاليا بها تخدير اعصاب المسلمين الذين بلغهم ماكان جرى بالكفرة من هذه الفضائع ميين هتييك اعييراض‬
‫مخييدرات المسييلمين وميين اسييتباحة الزاوييية السنوسييية المسييماة )التيياج( وأراقيية الخمييور فيهييا‪ ،‬ودوس‬
‫المصاحف الشريفة بالقيدام هيذا منظميًا اليى مياكن بلغهيم مين قبيل مين اجلء ‪ 80‬ألفيًا مين عيرب الجبيل‬
‫الخضر عن اوطانهم واماتتهم بالجوع والعطش‪ ،‬واخييذ اطفييالهم قهييرًا الييى ايطاليييا لجييل تنصيييرهم الييى‬
‫ماكان بلغهم من فظائع كثيرة مثل حمل الشيخ سيعد شييخ قبيلية )الفيوائد( وخمسية عشير شييخًا مين رفياقه‬
‫بالطائرات وقذفهم بهم من الجو على مشهد من أهلهم حتى إذا وصل احدهم الى الرض وتقطع اربًا صفق‬
‫الطليان طربًا ونادوا العرب قائلين )ليأت محمد هذا نبيكم البدوي الذي أمركم بالجهاد وينقييذكم ميين أيييدينا(‬
‫هذه حادثة وغيره من المور في هذا الشييأن كييثيرة جرحييت قلييوب المسييلمين‪ ،‬فجييرت مظيياهرات بالشييام‪،‬‬
‫وحلب ‪ ،‬وطرابلس الشام‪ ،‬وبيروت‪ ،‬وفلسطين ‪ ،‬وانعقدت اجتماعات في كل مكان للحتجيياج علييى أعمييال‬
‫إيطاليا‪ ،‬وأبرق المسلمون بالحتجاجات الشديدة الى جمعية المم بجنيييف والييى نفييس موسيييلني بالعبييارات‬
‫القاسية وقامت قيامة الجرائد العربية وحملت على توحش الفاشيت مين كييل جيانب وامتلت جييرائد مصير‬
‫بالحتجاج والطعن في ايطاليا الى أن عطلتها الحكومة المصرية اجابة لطلب الحكوميية اليطالييية ووصييل‬
‫الصريخ الى الهند والجاوى وأضج المسلمون لهذه الخبار وانعقد في الجاوى اجتماع كبير حضييره ألييوف‬
‫مؤلفة من المسلمين وخطبوا خطبًا شديدة ودعوا الى مقاطعة البضائع اليطالية ‪ ،‬وتدخلت الحكومة الهندية‬
‫فييي الميير وانتصييرت ليطاليييا بمقتضييى قاعييدة التكامييل الوروبييي بييوجه المسييلمين ‪ ،‬وقاعييدة التكافييل‬
‫الستعماري بوجه المم المقهورة واشاع قناصل ايطاليا ان كل هذه الخبيار عّميا حيل بمسييلمي طرابليس‬
‫ملفقة ل أصل لها وبلغت بهم الوقاحة أنهم كانوا يخاطرون الناس مخيياطرة علييى أن يييذهبوا الييى طرابلييس‬
‫بأنفسهم ليشهدوا كذب هذه القاويل وبلغ بهم البهتان أنهم اشيياعوا ايضيًا أن ايطاليييا اقييترحت علييى جمعييية‬
‫المم ان ترسل الى طرابلس لجنة من عندهم للتحقيق عما ينسب الى رجالها من العمال الشنيعة الييتي هييم‬
‫أبرياء منها‪ ،‬وكل هذا اختلق محض قصدت به ايطاليا التمويه وتخدير العصاب وصرف المسلمين عيين‬
‫مقاطعة بضائعها‪ ،‬وقد سكن كثير من المسلمين الى هيذه التكيذيبات وهيدأ بيالهم والحيق خلف ذليك‪ ،‬وكيل‬
‫ماشاع من الخبيار عين اعميال الطلييان لسييما بعيد مجييء دول الفاشيسيت هيو دون الواقيع‪ ،‬وليو تأميل‬
‫المسلمون فيما يأتيه الفاشيست في نفس ايطاليا من الموبقات ومن اغتيال اعدائهم السياسيييين ‪ ،‬وميين حجيير‬
‫كل حرية ومن منع تأليف كل حزب يخالف حزبهييم وأمييام هييذا النتقييام الرهيييب ميين المسييلمين فييي قتلهييم‬
‫وتغريبهم عن ديارهم‪ ،‬فل تسأل ‪ ،‬فقد أصبحت في حكم المتواتر الذي ليصح فيه المراء بالتفاق عشرات‬
‫اللوف من الهلين على روايته فقد نزح عن طرابلس وبرقة نحو ميين مييائتي ألييف نسييمة وقيييل ميين ‪300‬‬
‫الف نسمة منهم ‪ 20‬ألف دخلوا تييونس والجييزائر‪ ،‬ومنهييم ‪ 60‬الفيًا دخلييوا مصيير‪ ،‬ومنهييم مين شييردوا الييى‬
‫السودان‪ ،‬ومنهم من تفرقوا في الصحارى وقد اطبقوا بأجمعهم على صيحة هييذه الخبيار ومشياهدتهم تليك‬
‫ل كون هذه المظالم حقيقيية راهنيية‬
‫الفعال بالعيان‪ ،‬وانه ليستحيل اتفاق اللوف المؤلفة على الكذب هذا فض ً‬
‫ل فيي‬
‫ماكان هذا العدد الكبير من الهالي يترك وطنه ويهيم على وجهه في البراري او يلتمس الرزق عييام ً‬
‫أرض غيره بعد ان كان سيدًا في أرضه‪ ،‬ومن أغرب المتناقضات والتناقض من عادة كل كاذب‪ ،‬أنه بينميا‬
‫ممثلوا ايطاليا في بلد السلم يذيعون أن من شاء أن يييذهب الييى طرابلييس بنفسييه ليتحقييق ميين كييذب تلييك‬
‫الخبار عن فظائع الطليان فيها فإن ابواب طرابلس مفتوحة لمن شاء الذهاب الى هناك وبينما قنصلهم فييي‬
‫بيروت يشيع ذلك في بيروت‪ ،‬وبينمييا الحكوميية اليطالييية تقييول هييذا القييول لشييوكت علييي الزعيييم المسييلم‬

‫الهندي أذا بقيت ايطاليا مدة طويلة بعييد احتلل الكفييرة وحوادثهييا المؤلميية تمنييع كييل دخييول وخييروج بييين‬
‫الحدود المصرية والحدود البرقاوية لئل يقف اهل مصير عليى الحقيائق والخبييار فيييزدادوا هياجيًا‪ .‬ولكيين‬
‫الحقييائق لبييد أن تظهيير وليمكيين ايطاليييا اخفياء كيل ماتيأتيه مين العميال الوحشيية فييي طرابليس ولييس‬
‫المسلمون وحدهم هم اليذين شياهدوا أعميال الطلييان وضيجوا منهيا بيل ثمية كيثير مين الفرنيج شياهدوها‬
‫وأنكروها)‪.(1‬‬
‫لقد قام المير شكيب ارسلن بدور مشكور في الدفاع عن الليييبيين واظهييار وحشييية اليطيياليين ‪ ،‬ولقييد‬
‫كتب في صحف ذلك الزمان مقالت حزينيية‪ ،‬بّيين فيهييا العمييال الوحشيية الييتي قييام بهيا اليطياليون ضيد‬
‫الشعب الليبي المظلوم وهذه وثيقة اخرى تاريخية لمقال كتبه المير شكيب في مجليية الدوليية العربييية ولقييد‬
‫انتشر هذا المقال شرقًا وغربًا ونص هذا المقال‪:‬‬
‫تاسعًا‪ :‬دور الصحافة السلمية‪:‬‬
‫التعذيب اليطالي في طرابلس‬
‫تحرير المير شكيب ارسلن‬
‫كانت الحركة السلمية تائهة عن كل مايحدث في طرابلس من تعذيب وهمجية من البرابرة اليطاليين‬
‫الذين ماأتوا الى هذه الرض إل ليؤخروها عن التقدم والمدنية‪ ،‬بعكس ماكانوا يقولون ويكتبييون ‪ ..‬نعييم ان‬
‫النياس علميت بيأن الحكومية ايطالييا الفاشيسيتية نقليت مايزييد عين ‪ 80‬أليف عربيي مين الجبيل الخضير‬
‫ووضعتهم في الصحراء )سرت( ‪ ...‬نزعت منهم اراضيهم بحجة التعمييير وان المعمرمييين اليطيياليين هيم‬
‫احق من أي أحد آخر‪ ،‬لنهم يتقنون هذا العمل أكثر وأحسن من العرب‪.‬‬
‫إن العالم علم بأن الجيش اليطالي احتل الكفرة وواحاتها بعد قتل السكان العييزل والثييوار الييذين دافعييوا‬
‫عن وطنهم الى النهاية‪ ،‬وان الصحافة اليطالية تتبجح وتنشر بأن جيشيها اسير ميائة اميرأة وهين زوجيات‬
‫الشيوخ هناك‪.‬‬
‫وفي مجلتنا )الدولة العربية( وجهنا سؤالنا الى اليطاليين الفاشستيين عن معنى هذا التبجييح باسيير مييائة‬
‫امرأة‪.‬‬
‫مع العلم بان التقاليد والعادات العالمية وبالخص البيئة العربييية الييتي تنفييي اضييطهاد المييرأة أو النسيياء‬
‫خصوصًا اثناء قيام الحرب‪ .‬ولكن ماكنا نعتقد أن دولة تعتبر نفسها من دول البحر البيييض المتوسييط مهييد‬
‫الحضارة الوروبية ان تصل الى هذه الدرجة من النحراف والخروج عن جادة التمدن والرقي‪ .‬لييم يسييبق‬
‫في تاريخ البشرية بل فييي تاريييخ البربرييية ‪ ،‬أن معامليية الجيييش اليطييالي الفاشيسييتي للنسيياء هييي معامليية‬
‫وحشية بدرجة تتقزز منها النفوس‪ ،‬فهي معاملة سيئة سواء في طرابلس أو في برقة‪.‬‬
‫ان هذه الخبار لم تكن نسيجًا من خيال اوفكرة طارئة وانما هي حقائق يرويها من اسعده الحييظ بالنجيياة‬
‫من المذابح التي قام بها الجيش اليطالي الفاشيستي‪.‬‬
‫شرحوا لنا مايلي‪:‬‬
‫‪ -1‬عندما اتجهت القوات اليطالييية لحتلل الكفييرة كييانت معييززة بالطييائرات الييتي تلقييي قنابلهييا علييى‬
‫السكان العزل من شيوخ ونساء واطفال وخلف هذا سمحوا لجنييودهم ان يعبثييوا بالسييكان لمييدة ثلثية أيييام‬
‫مطلقي اليادي في البيوت والسواق والمساجد وفي كل النواحي تصرفات وحشية لم تخطر علىبييال احييد‬
‫نهبوا وقتلوا واحرقوا كل مامروا بييه ولييم يييتركوا أي جريميية تخطيير ببييالهم إل وارتكبوهييا‪ ،‬قتلييوا العلميياء‬
‫والمشائخ‪ ،‬هتكوا حرمات البيوت وبقروا بطون النساء وان عدد العييائلت الييتي قضييي عليهييا عنييد احتلل‬
‫الكفرة يزيد عن ‪ 70‬عائلة من علية القوم‪ ،‬وعلوة على هييذا فقييد اتخييذوا زاوييية السنوسييي )التيياج( كحانيية‬
‫شربوا فيها الخمر حتى ثمالة الجنون وشييربوا نخييب القضيياء علييى المسييلمين واحتلل طرابلييس وبرقيية ‪..‬‬
‫ألقوا بالمصاحف القرآنية في الصييطبلت تحييت سيينابك الخيييل وبييالكتب العلمييية اوقييدوا بهييا النييار تحييت‬
‫قدورهم لطهي طعامهم‪ .‬وقد استشهد ميين الثييوار فييي احتلل الكفييرة مايزيييد عيين )‪ (200‬شييهيد ميين بينهييم‬
‫المشايخ التية أسماؤهم‪:‬‬
‫الشيخ صالح العبادية‪ ،‬الحاج سليمان بومطاوي‪ ،‬الشيخ غيث بوقنديل ‪ ،‬الشيخ سليمان الشييريف‪ ،‬الشيييخ‬
‫محمييد يييونس‪ ،‬الشيييخ احمييد بييو اشييناك وحفيييده الشيييخ عميير‪ ،‬الشيييخ حمييد الحييامي ‪ ،‬الشيييخ عبدالسييلم‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬حاضر العالم السلمي )‪.(2/69،70،71،72‬‬

‫بوسريويل‪ ،‬الشيخ محمد المسحوق وحفيده على بن حسين ‪ ،‬الشيخ محمد العربييي‪ ،‬الشيييخ محمييد بوسييجادة‬
‫الشيخ محمد الفايدي الجلولي ‪ ،‬الشيخ خليفة الدلل‪ .‬أما الرواية الثانية هي كيف تم احتلل الكفرة من اولئك‬
‫الغاشييمين المتوحشييين ميين مشيياهدين حقيقيييين لتلييك الحييداث‪ ،‬قبييل دخييول اليطيياليين الييى الكفييرة قييامت‬
‫طائراتهم بقصف واحييات الكفييرة بقنييابلهم الفتاكيية فييوق السييكان العييزل حيييث قتييل عييدد كييبير ميين النسيياء‬
‫والشيوخ والطفال ‪ ،‬وبعد أن دخلوا الكفرة اطلقييوا أيييدي جنييودهم لمييدة ثلثيية أيييام للعبييث والتخريييب فييي‬
‫الكفرة فقد اطلقوا بغالهم وخيولهم حيث دوت كل المزروعات فاستولوا على كييل المييواد الغذائييية وقطعييان‬
‫الغنام والبقر لتموين جنودهم المحتلين دون مقابل وعلوة على هييذا نهبييوا اثياث السييكان وقسييموها علييى‬
‫ادارات الجيش الزاحف كذلك ملبس النساء وحليها‪ ،‬هييذا قليييل ميين كييثير زد علييى ذلييك اعتييداءاتهم علييى‬
‫حرمات الناس العزل دون وازع من ضمير‪ ،‬وعندما اتجييه بعييض المشييايخ الييى قييائد الحمليية راجييين منييه‬
‫اصدار امره الى الجنود بالكف عن هيذه العتيداءات عليى النياس كيان مصييرهم القتيل رمييًا بالرصياص‬
‫باعتبارهم خونة‪ ،‬وبالختصار ان اليطاليين عندما احتلوا الكفرة قاموا بأعمال وحشية لم يسيبق ان حيدثت‬
‫في التاريخ حتى في القرون الوسطى عهد الهمجية‪.‬‬
‫ان قضية الي ‪ 80.000‬عربي الذين نقلتهم القوات الغاشمة من اراضيييهم الخصييبة فييي الجبييل الخضيير‬
‫الى مناطق جدبة صحرواية ل ماء فيها ول كل‪ ،‬هي منطقة )سرت( كي تموت المواشي جوعًا‪ ،‬وعطشًا ‪.‬‬
‫أما البقية فقد استولى عليها الجنود اليطاليون واصبحوا فقراء تدفع لهم الحكومة اليطالية فرنكين عن كل‬
‫يوم لكل شخص مهما كان عدد عائلته‪ .‬اما بالنسبة لحلي النسيياء وملبسييها فقييد نهبهييا الجنييود اليطيياليون‪،‬‬
‫واصبحت العائلت في هوة الفقر سواسية‪ .‬وفي اثناء مرافقة هذا العدد الضخم من رجال ونسيياء وأطفييال‪،‬‬
‫كان الجنود يسومونهم سوء العذاب وكل من يعجز عن المسير مصيره المييوت فيقتلييونه ويييتركونه يتخبييط‬
‫في دمه‪.‬‬
‫ان الرجال والشبان الذين تيترواح اعميارهم مين ‪ 15‬اليى ‪ 40‬سينة اجيبروا عليى النخيراط فيي قيوات‬
‫الجيش‪ .‬واما الصغار الييذين تييترواح اعمييارهم ميين ‪ 14‬سيينة فقييد اخييذوا بييالقوة ميين أهليهييم وارسييلوا الييى‬
‫ايطاليابحجة تعليمهم‪ ،‬ولكن في الحقيقة من اجل تنصيرهم‪.‬‬
‫وهذا ماكان يتحدث به سكان )روما( وهو تنصير الليبيين بصورة عامة والطرابلسيين بصورة خاصيية‪.‬‬
‫ورغبة اليطاليين الفاشستيين هي القضاء المبرم على العنصر السلمي في ليبيا‪ ،‬فاذا ليبيا تصير ايطالييية‬
‫وبجوارها مصر‪ ،‬سوف تتعرض الى أكبر خطر‪ .‬وان مصر لن تسكت عيين هييذا الجييراء لن اليطيياليين‬
‫في اعتقادهم المريض ان مصر ليست دولة عربية‪ ،‬وانما هي خليط من عيدة اجنياس‪ ..‬المير اليذي يجعيل‬
‫ايطاليا تحكم بأن تغزو مصر وتتمكن من اراضها وشعبها كما تمكنت من طرابلس ‪ .‬ان الوعود المعسييولة‬
‫التي كانت تصرح بها السلطات اليطالية‪ .‬وتمنياتها الطيبة التي كانت تعرضها على الشييعب الليييبي وانهييا‬
‫يعني ايطاليا‪ -‬ما أتت إل لتخلص الشعب الليبي من السييتبداد الييتركي‪ .‬ولجييل ان تييذر الرميياد فييي أعييين‬‫الناس‪ ،‬أتت بادريس وقلدته لقب المارة ووعدته بالحكم الييذاتي‪ ،‬ولكيين كييانت دائميًا وعييودًا فقييط‪ .‬وهيياهي‬
‫ايطاليا تلغي كل شيء وتبدأ في سفك الدماء وتطرد السكان من اراضيهم وأموالهم وأخذت اولدهم وبناتهم‬
‫الى ايطاليا من أجل تعليمهم‪ ،‬وفي الواقع من أجل تنصيرهم‪ ..‬اني اقل على المسلمين ان يتذكروا هييذه كلييه‬
‫وان يتفهموه ‪..‬فان هناك من يتفلسف ويتشدق بالقول بييأن فييي اوروبييا تسييود العداليية والحرييية‪ ،‬وان الييدول‬
‫الوروبية ل تتعرض للقضيايا الدينيية‪ ،‬وان السيبب فيي سيقوط المسيلمين هيو التعصيب العميى‪ :‬ان هيذه‬
‫اللفاظ وهذه المغالطات تنذر المسلمين جميعًا بأنهم إذا لم يتحدوا ويذودوا عن حياضهم سييوف يتعرضييون‬
‫الى القضاء ويفقدون قواتهم المسلحة وحرياتهم السياسييية‪ ،‬سييوف يحييدث لهييم كمييا حييدث لطرابلييس إذا لييم‬
‫يحافظوا على حريتهم واستقللهم ان موقف ايطاليا من حضارة القرن العشييرين موقييف غييير مشييرف فقييد‬
‫رجعت الى معاملت القرون الوسطى‪.‬‬
‫ان اليطاليين المتوحشين لم يتحرجوا ل كبيرًا ول صغيرًا فقد اعتدوا علييى الحريييات اغتصيبوا النسياء‬
‫وهتكوا العراض‪ .‬كل هذه العمال من أجل اضطهاد المسلمين وروحهم النتقامية‪.‬‬
‫ج اليطاليون في السجون الكثير من الهالي ومشايخ القبائل وقد عارضهم ونييدد بأعمييالهم الشيييخ‬
‫لقد ز ّ‬
‫سعد الفايدي شيخ قبيلة الفوايد فما كان منهم إل أن قتلوه ومعه ‪ 15‬من ابناء قييبيلته البعييض منهييم ألقييي ميين‬
‫الطائرة من علو ‪ 400‬متر وكلما كانت الطائرة تلقي بواحد منهم هناك كييان الهتيياف يعلييو وصييياح الجنييود‬
‫يزداد‪.‬‬
‫إن الصحفي الدانماركي الشهير )كنود هولمبوي( الذي اعتنق السييلم وقييام بجوليية سييياحية أثنيياء هييذه‬

‫الفترة في ليبيا‪ ،‬قد شاهد بنفسه وعينيه كل التعذيب والضطهاد الذي يقوم به الجنود اليطاليون الفاشيسييت‬
‫يقول‪:‬‬
‫شاهدت ‪ 20‬عربيًا مسلسلين ‪ ..‬شنقهم الجنود بأمر من ضابطهم دون محاكمة وليم تكين هنياك محكمية‪..‬‬
‫هذا المنظر البشع أثر في نفسي ولم يكن في اعتقاده ان دول مثل ايطاليا الفاشستية وهي احدى دول البحيير‬
‫البيض المتوسط تقوم بمثل هذه القسوة وهذه الوحشية‪ .‬إنها جرائم سيسجلها التاريخ فييي صييفحة سييوداء ‪،‬‬
‫وسيبقى وصمة عار في جبين الدولة اليطالية على مدى الدهر والزمان‪.‬‬
‫إن ايطالييا ارادت ان تحيذو حييذو فرنسيا فيي تنصيير المسيلمين إبيان حكمهييا فيي المغيرب فقيد عمليت‬
‫ووزعت المبشرين في طول البلد وعرضها وبنت العدييد مين المعابيد والكنيائس فيي كيل الميدن والقيرى‬
‫لتقضي على الدين السلمي وهكذا عملت ايطاليييا فقييد بنييت المعابييد فييي طرابلييس وبنغييازي وكييل القييرى‬
‫وأمرت المبشرين بأن يسعوا بكل الوسائل لتنصير العرب مهما كان الثمن‪ .‬وقد فاقت عليى فرنسييا بطريقية‬
‫اخرى فأخذت الطفال من حجور امهاتهم وبعثت بهم الى ايطاليا الى تلك المعاهد المسيييحية لتعليييم هييؤلء‬
‫ل كليًا عن وطنهم وبيئتهم ‪...‬بحيييث يشييبون ويييترعرعون فييي الجييو‬
‫الطفال الدين المسيحي‪ ..‬وعزلهم عز ً‬
‫الفاشستي والكنيسة المسيحية‪.‬‬
‫ان سياسة ايطاليا الفاشستية هي القضاء على الدين والعقيدة وابعاد المسييلمين عيين معابييدهم ومسيياجدهم‬
‫وكم من مرة صرح موسوليني رئيس الحكومة والحزب الفاشستي في خطابيياته بعييد احتلل )الكفييرة( بييأنه‬
‫عازم على تثبيت ثلثة مليين من السكان اليطاليين فييي الراضييي الليبييية الخصيبة‪ .‬وقيد ايييد هييذا الييرأي‬
‫الكثير من السياسيين وأبرزها الكثير من الصحفيين على صفحات جرائدهم ومجلتهم‪.‬‬
‫منييذ أيييام قييرأت بالجريييدة الرسييمية المرسييوم الملكييي القاضييي بمصييادرة أملك المييواطنين وأوقيياف‬
‫المسييلمين والزوايييا السنوسييية وأوقافهييا‪ .‬وبهييذه الطريقيية الجهنمييية عملييت ايطاليييا الفاشسييتية علييى تملييك‬
‫اليطاليين كل الممتلكات الليبية وبالتدريج وابعاد الليبيين من كل المجالت حتى تصبح ليبيا خالية ميين كييل‬
‫العناصر ول يبقى بها إل اليطالي المسيحي الكاثوليكي‪.‬‬
‫ل لتهييدئة المسييلمين ؟ حيتى‬
‫إذ الكلم الصادر من الجنرال او المارشال لم يكين إل ذودًا وبهتانيًا وتضييلي ً‬
‫تستطيع السلطات اليطالية الفاشستية تنفيذ أغراضها الستعمارية‪ .‬وهي ان استحوذت علييى المليييين ميين‬
‫هكتارات الراضي الزراعية وغيرها )من أين لها هذه الراضييي( فييالجواب معييروف‪ .‬اسييتحوذت عليهييا‬
‫بطرد أهلها الحقيقين ونقلهم الى المناطق الهلك هم ومواشيهم على السواء امام أعين العالم المتمدن‪.‬‬
‫وأمام عصبة المم‪ .‬وبالختصار تبجح اليطاليون بقولهم ان طرابلس وبرقة كانتييا رومييانيتين ‪ ..‬فلبييد‬
‫أن ترجعا رومانيتين كما كانتا ‪ -‬هذا هو هدف الفاشيست بدون تردد‪.‬‬
‫إننا لنصدق مايقولون لقد خالفوا القواعد الدولية والنسانية‪ ،‬ولم ينفذوا حرفًا واحييدًا ميين تعهييداتهم الييى‬
‫الطرابلسيين والبرقاويين‪ ،‬حتى التعهدات الكتابية والتفاقات المبرمة بينهم وبين ادريس السنوسي‪ ،‬فكييانت‬
‫عبارة عن اكاذيب وكسب للوقت‪ .‬نحن مقتنعون بأن كل ماكتبناه وأعلناه على المل أجمع ستكذبه السلطات‬
‫الفاشيستية‪ ،‬وستوجد لنا مضابط لكي تدحض أقوالنا ولكن كل ماكتبناه ثابت وصييحيح ومصييدره ميين جهيية‬
‫عاصييرت الحييداث وهييي هيئة التحرييير الليبييية فييي دمشييق فقييد أثبتييت الحييوادث والعتييداءات بالوثييائق‬
‫الرسمية‪ ،‬وبالخص في احتلل الكفرة فقد ارتكب الجنود اليطاليون الفاشيست أبشع الجييرائم باعتييداءاتهم‬
‫على النساء وقتلهم الشيوخ والطفال‪ .‬واعتدوا على حرمات المساجد والمقدسات‪ .‬وقييد ادعييت ايطاليييا بييأن‬
‫كل العمال العسكرية التي قامت بها ماهي إل تأديب لنيياس أعلنييوا العصيييان علييى دولتهييم‪ ،‬وهييذه حجيية‬
‫واهية ليقبلها العقل ول تقوم بها دولة متمدنة كما تدعيه ايطاليا الفاشيستية‪ .‬وان الثوار في العييرف الييدولي‬
‫لم يكونوا من العصاة على الدولة وإنما هم أصحاب حق يدافعون عنه ‪ ،‬اغتصبه عدو دخيل‪.‬‬
‫بقي علي أن اختتم مقالي هذا الذي كتبته ل أريد منه تحريض المسلمين على أن ينتقموا ميين اليطيياليين‬
‫الذين يعيشون معهم حاشا ل نحن لسنا من النتقاميين ول في الجهل مثل اليطاليين الفاشيسييت وليييس ميين‬
‫شيم أخلقنا أن نستعمل القوة على من هو أضعف منا‪.‬‬
‫وان المسلمين لن يغيروا أبدًا تراثهم الخلقي الذي ورثوه أبًا عن جد‪ .‬ولكني أقترح ماهو آت‪:‬‬
‫‪ -1‬جمعية الشبان المسلمين في كل بلد عليها أن تحتج على كل أساليب العتداء والجرام التي ارتكبتها‬
‫ايطاليا الفاشيستية في ليبيا‪ .‬وان ترسل برقية احتجاج شديدة اللهجة الى عصبة المم وتنشر على الصييحف‬
‫العالمية‪.‬‬
‫‪ -2‬كل المدن والمقاطعات السلمية التي تتقد حماسًا والدم الساخن الذي يجري في عروقهم‪ ،‬عليهم أن‬

‫ل ونشييرها جميعيًا علييى صييفحات مجلتهييم وجرائدهييم‬
‫يقدموا احتجاجاتهم الى عصبة المم برقيًا مسييتعج ً‬
‫المحلية ‪.‬‬
‫‪ -3‬ان مجموعة الدول الشرقية بالقاهرة هي كذلك عليها ان تحتج وتندد بأعمال القمع والعنف التي تقوم‬
‫بها ايطاليا الفاشيستية وتقدمه الى عصبة المم مثل الهيئات الخرى‪.‬‬
‫‪ -4‬كل الهيئات السلمية والعربييية والشييرقية بالقيياهرة وسييوريا والعييراق والعربييية السييعودية والهنييد‬
‫وجاوا وغيرها لبد وان يقوموا بواجبهم نحو القضية الليبية‪.‬‬
‫‪ -5‬عقد اجتماعات شعبية في المدن السلمية وإلقاء الخطب الحماسية لشييرح ظلييم واسييتبداد السييلطات‬
‫اليطالية الفاشيستية وهتافات بسقوط العدو الغاصب‪.‬‬
‫‪ -6‬يجب على كل المسلمين أن يقاطعوا كل البضائع اليطالييية والسييفن وكييل الوسييائل والعمييال وكييل‬
‫شيء يحمل اسم ايطاليا‪ ،‬وقطع كييل العلقييات السياسييية والقتصييادية والجتماعييية‪ .‬وكييذلك تكييوين لجييان‬
‫شعبية خاصة بمراقبة البضائع اليطالية‪.‬‬
‫‪ -7‬طبع المنشورات وكتيبات تبين فيها تصرفات ايطاليا الفاشيستية واضطهادها للشعب الليبي‪ ،‬ويكون‬
‫طبعها كذلك باللغة النكليزية والفرنسية واللمانية واليطالية ويكون توزيعها باللف في اوروبا وفي كل‬
‫العالم ومن واجب كل مسلم ان يقوم بالصاق هذه المنشورات في كل الشوارع والميادين‪ ،‬وتوزيع الكتيبات‬
‫في كل مكان من العالم‪ .‬كذلك على كل مسلم أن يعلق فييي بيتيه بعضيًا مين هييذه المنشييورات حييتى لينسييى‬
‫مايعانيه الشعب الليبي من اضطهاد وتعذيب‪.‬‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫ل تقولوا بأن هذا الحيديث فييي طرابليس وليبييا فقيط وإنميا اللييبيون الشيرفاء طعنييوا فييي شييرفهم‪ ..‬فيي‬
‫دمائهم‪ ..‬في دينهم وفي أموالهم وممتلكاتهم وكذلك سيحدث لكم أنتم مثل هذه المأسيياة وسيييحل بكييم العييذاب‬
‫كما حل بالليبيين الشرفاء إذا لم تدافعوا عن أنفسكم ‪ ،‬إذا لم تبينوا أنفسكم أنكم أحياء‪.‬‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫في الوقت الحالي لن تستطيعوا الدفاع عن انفسكم وبسلحكم فقط بل سخروا أقلمكم وكذلك باحتهييادكم‬
‫وبصبركم على المكائد‪ ،‬لتدافعوا عن كيانكم وعن ارضكم وعن مقدساتكم وتثبتوا للعالم بأنكم شعب يعييرف‬
‫كيف يقاوم ‪.‬‬
‫لوزان ‪ 12‬ذو القعدة‬
‫‪ 7‬ابريل ‪1931‬م‬
‫شكيب ارسلن‬
‫قال شكيب ارسلن ولما حررت المقالة التي نشرتها عن فجائع طرابلس وبرقة سنة ‪1931‬م علييى أثيير‬
‫دخول الطليان الى الكفرة وارتجف لها العالم السييلمي غضيبًا وعل الصيراخ مين كييل جهية جيياءني ميين‬
‫الشيهد الكبر بطل الجبل الخضر السيد عمر المختار الكتاب التي‪:‬‬
‫عاشرًا‪ :‬رسالة من عمر المختار إلى شكيب أرسلن‪:‬‬
‫كانت تلك الجهود التي قام بها المير شكيب أرسلن وصلت أخبارها للمجاهييدين‪ ،‬فأرسييل قييائد حركيية‬
‫الجهاد رسالة شكر واحترام وتقدير لتلك العمال وهذا نص الرسالة )إنه من خادم المسلمين عمر المختييار‬
‫إلى المجاهد المير الخطير أخينا في ال وزميلنا في سبيل ال المير شكيب أرسلن حفظه ال بعد السييلم‬
‫التم والرضوان الشامل العم ورحمة ال وبركاته قد قرأنا مادبجه قلمكم السيال عيين فظييائع الطليييان ومييا‬
‫اقترفته اليدي الثيمة من الظلم والعدوان بهذه الديار فإني وعموم إخواني المجاهدين نقدم لسييامي مقييامكم‬
‫خالص الشكر‪ ،‬وعظيم الممنونية‪ .‬كل ميياذكرتموه عمييا اقييترفته أيييدي اليطيياليين هييو قليييل ميين كييثير وقييد‬
‫اقتصدتم واحتطتم كثيرًا وليو ييذكر للعيالم كيل ميايقع مين اليطياليين لتوجيد اذن تصيغي لميا ييروى مين‬
‫استحالة وقوعه‪ ،‬والحقيقة وال وملئكته شهود أنه صحيح وأننا فييي الييدفاع عيين ديننييا ووطننييا صييامدون‪،‬‬
‫وعلى ال في نصرنا متوكلون وقد قال ال تعالى‪) :‬وكان حقًا علينا نصر المؤمنين‪ ،‬وعليكم السلم ورحمة‬
‫ال وبركاته في ‪ 20‬ذي الحجة ‪1349‬هي()‪.(1‬‬
‫وقد علق شكيب أرسلن على تلك الرسالة فقال‪ :‬ومالحظه الشهيد المشييار إليييه هييو عييين الحقيقيية فييإن‬
‫الناس يصعب عليهم أن يصدقوا الشييناعات والييدناءات والنييذالت الييتي أقييدم عليهيا الطلييان فييي طرابليس‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬حاضر العالم السلمي )‪.(2/84‬‬

‫ولسيما الفاشيست منهم)‪.(2‬‬
‫إن رسالة عمر المختار للمير شكيب أرسلن نستخلص منها فوائد جّمة‪ ،‬ففي قوله من خادم المسييلمين‬
‫دليل على تواضعه وافتخاره بكونه من خّدام المسلمين وهذا المعنى له مييدلول عنييد الشيييخ عميير المختييار‪،‬‬
‫فهو يتقرب إلى ال تعالى بخدمة المسلمين وهي من أعظم القربات عند ال تعالى‪ ،‬وفي قيوله إليى المجاهيد‬
‫المير الخطير‪ :‬وصف المير شكيب بالمجاهد وهو بالفعل جاهد مع الليييبيين بجييانب جنييود التييراك ضييد‬
‫الطليان‪ ،‬وفيه دللة على اهتمييام عميير المختييار بالمصييطلحات الشييرعية فلييم يقييل مناضييل‪ ،‬أو مكافييح‪ ،‬أو‬
‫ثائر ‪ ..‬وإنما تقيد بوصفه مجاهد لدللة هذه الكلمة وعمقها في أوساط المسلمين‪ ،‬ووصفه بالخطير كيييف ل‬
‫وقد كانت مقالته أنفذ من الرصاص في قلوب اليطاليين‪ ،‬وساهمت في تشيكيل تعياطف إسيلمي وعربيي‬
‫كبير مع القضية الليبية العادلة‪ ،‬وفي قوله أخينا في ال فيه دللة رابطة العقيدة التي جعلت المسلمين أخوة‪،‬‬
‫فهي فوق كل الروابط الرضية‪ ،‬وفي قوله بعد السلم التم والرضوان الشييامل العييم‪ :‬فيهييا قييوة العبييارة‪،‬‬
‫وبلغة السلوب‪ ،‬وروعة المدخل‪ ،‬وفي قوله‪ :‬قد قرأنا مادبجه قلمكم السيال عن فظائع الطليان‪ ،‬دليل على‬
‫متابعة المجاهدين لما يجري خارج البلد وله علقة بقضية شعبنا‪ ،‬وأما بقييية الرسييالة ففيهييا تأكيييد للمييير‬
‫شكيب عن المعلومات التي وصلت إليه وقام بنشرها‪ ،‬وفيها إصرار قوي على مواصلة الجهاد والدفاع عن‬
‫الدين والوطن‪ ،‬وفيها توكل على ال عظيم هذا وقد قامت جمعية الشبان المسلمين بمصيير بنشيير بيييان عيين‬
‫سياسة البادة والستئصال التي تبعتها ايطاليا في طرابلس الغرب وألقي ذلك البيان في اجتماع عظيييم فييي‬
‫نادي جمعية الشبان المسلمين ووقع عليه أهل الرأي‪ ،‬والمكانة في مصر ليرسل إلى جمعييية المييم‪ ،‬ويييذاع‬
‫في العالم السلمي وجاء في ذلك البيان الحديث عن‪:‬‬
‫‪ -1‬سياسة التهجير‪:‬‬
‫لقد شهدت مصر مشهدًا لتستطيع النسانية أن تعرض عنه متجاهلة ما انطييوى عليييه ميين اللم وذلييك‬
‫أن مئات من بني النسان بين رجال ونساء وأطفال وشيوخ اضطروا تحت ضييغط الجييور إلييى أن يييتركوا‬
‫أوطانهم تخلصًا من الظلم‪ ،‬وأن يهيموا على وجوههم في القفار‪ ،‬ولول مروءة مييأجور الواحييات المصييري‬
‫الذي خرج هو ورجاله للبحث عنهم حتى لقيهم وأنقذهم لهلكوا عطشًا وجوعًا أولئك هم فريييق ميين إخواننييا‬
‫الطرابلسيين الذين خرجوا من قسوة الحكم اليطالي الذي ليطاق‪.‬‬
‫‪ -2‬سياسة القتل والرمي في البحر‪:‬‬
‫ولم تكد أعيننا تكفكف الدموع على هذا المشهد الذي شهدته على اليابسة حتى حملت إلينا أمييواج البحيير‬
‫في السلوم مشهدًا آخر أفظع من هذا وأشنع‪ ،‬فرمى البحر إلى هذا الساحل المصري أربع عشييرة جثيية ميين‬
‫جثث هؤلء الطرابلسيين مغلولة في سلسلة واحدة‪.‬‬
‫‪ -3‬عمل اليطاليين في الكفرة‪:‬‬
‫ثم توالت الخبار بأن زاوييية الكفييرة المنقطييع أهلهييا للعبييادة قييد أمطرتهييا طييائرات اليطيياليين بالقنابييل‬
‫وفتكت بأهلها فتكًا ذريعًا‪ ،‬وبعد ذلك هاجمها الجيش‪ ،‬وكاد يأتي على البقية من أهلها ولم يتعفييف عيين هتييك‬
‫العراض وسلب الموال وبقر بطون الحوامل‪.‬‬
‫‪ -4‬قتلهم لهل العلم‪:‬‬
‫وقد قتل من أهل الكفرة في هذه النازلة كثيرون منهم الشيخ أبو شيينة‪ ،‬وابيين أخيييه الشيييخ عميير والشيييخ‬
‫حامد الهامة‪ ،‬والشيخ عبدالسلم أبو سريويل‪ ،‬والشيخ محمد المنشوف‪ ،‬وابن أخيه على بن حسين‪ ،‬والشيييخ‬
‫محمد العربي‪ ،‬والشيخ محمد أبو سجادة‪ ،‬والشيخ أحمد الفاندي الجلولي‪ ،‬والشيخ خليفة الدلية‪.‬‬
‫‪ -5‬قتلهم لكبار شيوخ الكفرة‪:‬‬
‫ولما ذهب كبار شيوخ زاوية الكفرة إلى القائد الكبير يرجونه وضع حد لهذه المذابح أمر بذبحهم فذبحوا‬
‫أمامه كما تذبح الشياه‪.‬‬
‫‪ -6‬قتل البرياء برميهم من الطائرات‪:‬‬
‫ومن الفظائع التي ارتكبها اليطاليون في برقة‪ ،‬ونقلها الرواة الصادقون أنهم وضعوا أحد مشايخ عائليية‬
‫الفوائد المدعو الشيخ سعد وخمسة عشر شخصًا من العرب في الطائرات وارتفعوا بهم عن سييطح الرض‬
‫ثم جعلوا يلقونهم واحد بعد الخر ليموتوا موتة لم يسبق لها مثيل‪.‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه )‪.(2/84‬‬

‫‪ -7‬انتزاع الراضي من أهاليها وتجويعهم‪:‬‬
‫ومن الفظائع التي ارتكبوها في الجبل الخضر إخراج أهليه منيه وهيم ليقيل عيددهم عين ثميانين أليف‬
‫عربي إلى بادية سرت القاحلة‪ ،‬ثم أذاعييوا بواسييطة قنصييليتهم فييي بلد الرجنييتين أن حكوميية طرابلييس و‬
‫برقة تعطي الراضي الخصبة فيها لكل إيطالي يريد النقليية إليهييا‪ ،‬وبلغييت مسيياحة الراضييي الييتي أخييذت‬
‫غصبًا نحو من مائتي ألف هكتار ولتزال الحكومة اليطالية تحث اليطاليين على استعمار هذه الراضي‬
‫وقبل انتزاع أراضي الجبل الخضر من أهله في هذه السيينة انييتزعت فييي سيينة ‪1924‬م مييا مسيياحته ‪420‬‬
‫ألف هكتار بدون مقابل‪ ،‬وفي بعض الحيان كان المقابل عن المائة ألف هكتار ستة آلف فرنييك إيطييالي ‪-‬‬
‫أي خمسين جنيها تقريبًا‪ ،‬وقد خرج أهالي الجبل الخضر عند انجلئهم منيه وهيم ليملكيون مايقتيياتون بييه‬
‫فرتبوا لكل عائلة فرنكين في اليوم وهم الن يعيشون بهذا المرتب عيشيية بييؤس تفتييت الكبيياد‪ ،‬وفييي أثنيياء‬
‫نقلهم إلى صحراء سرت كان كلما عجز واحد منهم عن مواصلة المشي يرمى بالرصاص‪.‬‬
‫‪ -8‬ترحيل الطفال إلى إيطاليا لتنصيرهم‪:‬‬
‫ل عيين كييل ذلييك فقييد جمييع اليطيياليون الطفييال الييوطنيين ميين ‪ 3‬إلييى ‪ 14‬وأخييذوهم ميين أهلهييم‬
‫وفضي ً‬
‫وأرسييلوهم إلييى إيطاليييا بزعييم تعليمهييم فيهييا‪ ،‬وجمعييوا الشييبان ميين سيين ‪ 15‬إلييى ‪ 40‬وألحقييوهم بييالجيش‬
‫واستخدموهم في محاربة أهلهم وبلدهم‪.‬‬
‫‪ -9‬أرساليات التبشير بين الهالي‪:‬‬
‫وبلغ الستهتار بالشعور السلمي مبلغًا عظيمًا بين إرساليات التبشير المنبثة الن بييين الهييالي‪ ،‬وميين‬
‫صدور الوامر المشددة على الخطباء في الجوامع بالدعاء لملك إيطاليا على المنابر‪.‬‬
‫‪ -10‬خداعها للهالي)‪:(1‬‬
‫وقد حدث مرارًا أن الحكومة تعلن عن العفو والمان‪ ،‬فإذا وقع العفو عنهم وغدو فييي قبضييتهم غييدرت‬
‫بهم‪ ،‬وممن ذهبوا ضحية هذا الغدر من رؤساء القبائل خليفة بن عسكر‪ ،‬والشيخ عبيدة الصرماني‪ ،‬وأحمييد‬
‫الباشا‪ ،‬وابراهيم بن عباد‪ ،‬والهادي كعبار وابنه محمد كعبار‪ ،‬والشيخ أحمد أحمد الحجيياوي‪ ،‬والشيييخ علييي‬
‫الشويخ‪ ،‬والشيخ عبدالسلم بن عامر‪ ،‬والشيخ محمد التريكي‪ ،‬والشيخ شرف الدين العمامي‪ ،‬والشيخ أحمييد‬
‫بن حسن بن المنتصر‪ ،‬والشيخ عمر العوراني‪ ،‬والشيخ محمد عبدالعال‪ ،‬ومن الضحايا ليعرف لهم ذنييب‪،‬‬
‫الشيخ صالح العوامي وهو شيخ يبلغ التسييعين عاميًا ميين أهييل العلييم والصييلح قبضييت عليييه إيطاليييا سيينة‬
‫‪ 1923‬وزجتييه فييي سييجن بنغييازي إلييى أن مييات فييدفن بمحييل مجهييول‪ ،‬فييأرواح هييؤلء الضييحايا تصيييح‬
‫بالنسانية جميعها‪ ،‬وبجمعية المم بنوع خاص أن هلمي إلى انقاذ البقية الباقية من أبنيياء النسييانية المعذبيية‬
‫في هذه الربوع من سياسة الفتك والستئصال والبادة التي تتبعها إيطاليا في طرابلس المنكييودة وأن العييالم‬
‫السلمي يعتبر ماوقع ويقع في طرابلس الغرب عدوانًا مباشرًا على كل مسلم مهما كانت جنسيته ووطنه‪،‬‬
‫وسيبقى عار هذه العمال لصقًا لجراء تحقيق دولي حر دقيييق فييي نفييس بلد برقيية وطرابلييس عيين كييل‬
‫ماجرى فيها وإعلن نتيجته كما تقتضيه العدالة والحق‪ ،‬والموقعييون علييى هييذا يطلبييون ميين جمعييية المييم‬
‫اجراء هذا التحقيق تنزيهًا للنسانية عن لحيوق هييذا العييار بهييا إلييى البييد ويرجييون بالحيياح أن يكييون لهييم‬
‫مندوب يختارونه مع لجنة التحقيق‪ ،‬وهم ينتظرون ماتقرره العصبة في هذا الشأن بفارغ الصبر‪.‬‬
‫التوقيعات‪:‬‬
‫‪ -1‬محمد الشرقاوي‪.‬‬
‫‪ -2‬خليل الخالدي رئيس الستئناف الشرعي بفلسطين‪.‬‬
‫‪ -3‬محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار السلمية‪.‬‬
‫‪ -4‬محمد عبداللطيف دراز من العلماء وعضو مجلس إدارة‪.‬‬
‫‪ -5‬جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة‪.‬‬
‫‪ -6‬محمد عبدالرحمن قراعة من العلماء ومدرس بالزهر الشريف‪.‬‬
‫‪ -7‬عبدالوهاب النجار‪ ،‬وكيل جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة‪.‬‬
‫‪ -8‬محمد كامل القصاب‪.‬‬
‫‪ -9‬محمد تقي الدين الهللي‪ ،‬الستاذ الول للداب العربية بندوة العلماء بالهند‪.‬‬
‫‪ -10‬علي سرور الزنكلوني‪ ،‬المدرس بقسم التخصص بالزهر‪.‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬مجلة المنار )ج‪9‬م‪ ،3‬ص‪.(714،715،716‬‬

‫لقد عبث الجنود اليطاليين بالمكتبة السنوسية‪ ،‬التي كييانت ثييروة علمييية ضييخمة فأخييذت أيييدي الجنييود‬
‫تبددها ذات اليمين وذات الشمال وتقد بها النيران للطعام‪ ،‬وأخيرًا صدرت الوامر بجمع ماتبقى منها ونقله‬
‫إلى بنغازي فنقلته أربعون سيارة شحن كبيرة وعدد كبير من البل‪ ،‬ولم تنج هذه المكتبة بعد وصييولها إلييى‬
‫بنغازي من العبث فقد تسرب الكثير منها إلى أيدي الفراد‪ ،‬ونقل قسم كبير منه إلى إيطاليا‪ ،‬وهكذا وصلت‬
‫يد الفساد اليطالية إلى كل شيء في ليبيا)‪.(1‬‬
‫عندما تم اعتقال جميع أهالي برقة وحصرهم‪ ،‬وتم احتلل واحة الكفرة لم يعد إذن أمييام سييفاح برقيية إل‬
‫ل نهائييًا‪ ،‬فأخييذ فييي‬
‫شيء واحد هو اتمام وضعية مد السلك الشائكة التي ستفصل بين برقة ومصيير فصي ً‬
‫سرعة تتميمها مجندًا لذلك كل مالديه من إمكانيييات‪ ،‬وكييان قييد اسييتدعى شييركات المقيياولت الخاصيية ميين‬
‫إيطاليا‪ ،‬فتعهدت كل شركة منها بإتمام الجزء المخصص لها تحت إشراف القيادة العسكرية الييتي وضييعت‬
‫مهندسيها تحت تصرف هذه الشركات‪ ،‬وقد استوردت الحكومة اليطالية معدات خاصة مين ألمانييا فضيل‬
‫عما جاءت به من إيطاليا لهذا الغرض المطلوب‪ ،‬ووضعت تحت تصرف هذه الشييركات عشييرات اللف‬
‫من العمال الذين جندتهم من المعتقلت تلهب ظهورهم السياط‪ ،‬وهكذا امتد خط السلك الشائكة من البحر‬
‫المتوسط إلى مابعد الجغبوب فكان طييوله حييوالي ثلثمييائة كيلومييتر‪ ،‬ثييم وضييع غرسييياني نقيياط عسييكرية‬
‫مزودة بجميع المعدات الحربية‪ ،‬وربط بعضها ببعض من حيث التصال فيما إذا احتيياجت نقطيية لمسيياعدة‬
‫الخرى تهب بسرعة‪ ،‬ومن هذه النقاط‪ :‬مسياعد‪ ،‬والشيقة وبئر الغيبي‪ ،‬وقيبر صيالح‪ ،‬وسييدي عمير‪ ،‬وبئر‬
‫حكيم‪ ،‬ثم زّود غرسياني هذا السياج المحكم بمولدات كهربائييية لمييده بييالنور حييتى ليسييتطاع الفلت منييه‬
‫مهما تكن الحوال‪ ،‬وإذا ماقدر لي إنسان أن يصل إليه فسيواجه معركتين عسيييرتين لسييبيل لفلتييه ميين‬
‫إحداهما إذا ماتيسر له الفلت من الخرى‪ ،‬وتتمثل المعركتان في محاوليية تقطيييع السييلك‪ ،‬وفييي الييدفاع‬
‫عن النفس‪ ،‬وتقطيع السلك يحتاج إلى معييدات فنييية وإلييى وقييت ميين الزميين فكيييف إذن لميين يتمكيين ميين‬
‫الوصول إلى هذا السياج إجراء عملية التقطيع وعملية الدفاع في آن واحد)‪.(2‬‬
‫كان المجاهييدون مسييتمرين فييي جهييادهم والقييوات اليطالييية تشييتبك معهييم وهييي مجهييزة بالمصييفحات‬
‫والطائرات والمدفعية وكان القتال ليتوقييف وقيد أورد الجنيرال غرسيياني فيي كتيابه أنيه التقيى ميع عمير‬
‫المختار في مائتين وستين معركة خلل الثمانية عشر شهرًا ابتداء من حكمه فييي برقيية إلييى أن وقييع عميير‬
‫المختار أسيرًا وقد ثبت المجاهدون في حالتي الدفاع والهجوم‪.‬‬
‫كان المجاهدون يقضون معظم أوقاتهم في حالة استعداد قصوى ويوجهون الضربات المحكمة للطليييان‬
‫وحار سفاح برقة في أمر المجاهدين‪ ،‬ورغم الجراءات التي اتخييذها والييتي كييان يثييق فييي فائدتهييا إل أنييه‬
‫ل لكبار مرؤسيه في أكييثر ميين‬
‫أصيب بالقنوط واليأس وأصبح كل أمله في موت عمر المختار الطبيعي قائ ً‬
‫ل فعلينيا أن ننتظير تليك السياعة ولعلهيا‬
‫ل أو آج ً‬
‫مناسبة‪ :‬إن عمر المختار شيخ كبير ولبد مين ميوته عياج ً‬
‫لتكون بعيدة‪ ،‬وفكر غرسياني ذات مرة تفكيرًا غريبًا وإن كان ليستغرب على تفكيره أي شيء‪ ،‬فكيير فييي‬
‫إحيييراق جمييييع غابيييات الجبيييل الخضييير‪ ،‬ودرس هيييذا الموضيييوع جيييديًا ميييع مستشييياريه السياسييييين‬
‫والعسكريين)‪ .(3‬إل أن السيد صالح بك المهدوي أحد زعماء بنغازي استطاع أن يثني غرسياني عن هييدفه‬
‫ل مسيؤولية ذليك إليى جمييع أهيل البلد‪،‬‬
‫بعد أن اجتمع به وشرع غرسياني يتكلم عين عمير المختيار محم ً‬
‫وقال عنهم لو أنهم صدقوا معنا لما استمر عمر المختار فييي مييوقفه اليييائس يقاتييل جنودنييا‪ ،‬ثييم انتقييل فجييأة‬
‫ليتحدث عن موضع حرق غابات الجبل الخضر وقال‪ :‬إن الحكومة اليطالية يهمها أن تنهض بهذه البلد‪،‬‬
‫وإن عمر المختار وقف عقبة في سبيل النهوض‪ ،‬وحاولت الحكومة أكثر من مرة أن تنصييحه للقلع عيين‬
‫محاربتنا ولكنه رفض النصياع إلى نصائح الحكومة معتمدًا علييى إختفييائه فييي مغييارات الجبييل وغابيياته‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ثم طلب‬
‫ولقد صممت أن أزيل هذه الغابة التي يحتمي وراءها ساخرًا بقوة الحكومة‪ ،‬وسكت الجنرال قلي ً‬
‫من صالح بك المهدوي أن يشاركه البحث في هذا الموضوع فأجابه بقول‪:‬‬
‫إن عمر المختار سينتهي بلشك فقاطعني عند كلمتي هذه بقوله )إّكييو إّكييو ‪ ...‬كويسييتا لفيريتييا ‪ ..‬يانوتييا‬
‫يانوتا ‪ ...‬سينتا ‪ ...‬سينتا ‪ ...‬ديري ‪ ..‬ديري ‪ ..‬أوانتي ‪ ...‬أوانتي ‪ (..‬ومعنى هذه الكلمات اليطالية هو‪ :‬هكذا‬
‫‪ ..‬هكذا ‪ ..‬هذه هي الحقيقيية )‪ ...‬إسييمع يايانوتييا )الترجمييان( إسييمع ‪ ...‬إسييمع ‪ ...‬قييل ‪ ...‬قييل ‪ ...‬اسييتمر ‪....‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.134‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار ‪ ،‬ص‪.135‬‬
‫‪ ()3‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.137‬‬

‫استمر( إنكم يادولة الوالي اتخذتم بحزم جميع الحتياطات التي من شييأنها القضيياء عليييه‪ ،‬والمسييألة مسييألة‬
‫وقت ل أقل ول أكثر وهنا تحمس الجنرال لكلماتي هذه كأنها صادفت هييوى فييي نفسييه‪ ،‬أو كييأنني قلييت لييه‬
‫شيئًا كان يريد أن يسمعه‪.‬‬
‫ل الحديث‪ :‬إن الدولة اليطالية في حاجة لستثمار كييل شييجرة فييي هييذه البلد‪ ،‬وسييوف‬
‫وقلت له مواص ً‬
‫يكون فضل هذا الستثمار المنتظر على أيديكم فإذا ما أقدمتم على حرق الغابات والكلميية الخيييرة لييدولتكم‬
‫فسوف يمر زمن طويييل وطويييل جييدًا دون إعادتهييا ميين جديييد لمييا كييانت عليييه‪ ،‬هييذا إذا لييم يكيين إعادتهييا‬
‫ل‪ ،‬وإليكم يادولة الوالي نذكر مسألة لها وجه الشبه برأيكم هذا‪ .‬في عهد الدولة العثمانية قييامت قبيلية‬
‫مستحي ً‬
‫البراعصية بعصييان ضيد الحكومية وتعيذر عليى الحكومية انهياء العصييان‪ ،‬واعتيبرت أن غابيات الجبيل‬
‫الخضر كانت أكيبر مشييجع للقبييائل عليى العصيييان فتتخييذ منييه مخيابئ ليقيوى الجنييود العثمييانيون علييى‬
‫إكتشافها فأرادت الحكومة أن تقوم بحرق جميع الغابات وسمع السلطان بذلك فيياعترض علييى هييذه الفكييرة‬
‫ل‪ :‬إذا كان الموجب لعصيان الهالي هو تمنعهم عن دفع العشور والعوائد الحكومية فإنني أدفعها عنهييم‬
‫قائ ً‬
‫من جيبي الخاص حماية للغابات في الجبل الخضر‪ ،‬ول أوافق على حرقها‪ .‬وعندما إنتهيييت ميين الحييديث‬
‫معه ودعني شاكرًا()‪.(1‬‬
‫لقد حرص صالح بك المهدوي على حماية الجبييل الخضيير ميين عبييث غرسييياني الييذي كييانت فييي يييده‬
‫إمكانات إيطاليا للقضاء على حركة الجهاد ولذلك جادل وناقش وحاول أن يقنع غرسياني بالقلع عن تلك‬
‫الفكرة الجهنمية لقد قال صالح بك عندما سئل عن صحة ما إذا كانت الحكومة العثمانية فكرت فييي إحييراق‬
‫غابات الجبل الخضر‪ ،‬فأجاب بقوله‪ :‬إن المسألة التي ضربت بها المثل للجنرال غرسياني كييانت لهييا أثيير‬
‫في عهد قديم والحديث عنها يطول‪ ،‬والطليان ليريدون ذكرها من وجهة سياسية محضة وعلييى كييل حييال‬
‫كنت أرمي بذكرها للجنرال غرسياني إلى حماية جبلنا من عبث هذا المجنون الذي وضعوا فييي يييده سيييفًا‬
‫حادًا‪.‬‬
‫كان غرسياني يملك القوات الضخمة في الييبر والبحيير والجييو‪ ،‬والسييلطة الغاشييمة المسييتبدة فييي برقيية‪،‬‬
‫والخزائن المرصوفة بالموال‪ ،‬والسجون والمعتقلت والمشانق‪ ،‬ومع هذا يضيعف ويسييطر علييه العجيز‬
‫أمام المجاهدين وقائدهم العظيم حييتى دفعييه تفكيييره إلييى حييرق الغابييات بعييد أن تمكيين ميين حييرق الكبيياد‪،‬‬
‫والفئدة والجسام لقد وقع تحت تأثير عصبي حاد من جراء ما أصابه من الفشل الذريع وكيان فيي طريقيه‬
‫إلى الستقالة أو القالة لول تقدير ال بوقوع عمر المختار في السر)‪.(2‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫اليام الخيرة من حياة المختار‬
‫ووقوعه في السر ثم إعدامه‬
‫ل‪ :‬أحمد الشريف يحترق على بلده ويرسل محمد أسد لمعرفة أخبار المجاهدين‪:‬‬
‫أو ً‬
‫كان محمد أسد صاحب كتاب الطريق إلى السلم قد تعرف على أحمد الشريف أثناء إقامته في الحجاز‬
‫وقد تأثر به غاية التأثر‪ ،‬وأحبه حبًا عظيمًا‪ ،‬يقييول محمييد أسييد‪) :‬ليييس فييي الجزيييرة العربييية كلهييا شييخص‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.139‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.141‬‬

‫أحببته كما أحببت السيد أحمد‪ ،‬ذلك أنه مامن رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجييردة عيين كييل غاييية فييي‬
‫سبيل مثل أعلى‪ ،‬كما فعل هو‪ .‬لقد وقف حياته كلها‪ ،‬عالمًا ومحاربيًا‪ ،‬علييى بعييث المجتمييع السييلمي بعثيًا‬
‫روحيًا‪ ،‬وعلى نضاله في سبيل الستقلل السياسي ذلك أنه كان يعرف جيدًا أن الواحييد ليمكيين أن يتحقييق‬
‫من دون الخر()‪.(1‬‬
‫لقد تعرف محمد أسد على أحمد الشريف بواسطة المجاهد الندونيسي حيياجي آغييوس سييالم الييذي كييان‬
‫يمثل مركز القيادة في جهاد اندونيسيا ضد أعدائها‪ ،‬وكان قد جاء معييه بقصييد الحييج وعنييدما عييرف السيييد‬
‫أحمد الشريف أن محمد أسد حديث عهد بالسلم‪ ،‬مد إليييه يييده وقييال‪) :‬مرحبيًا بييك بييين إخوانييك‪ ،‬يييا أخييي‬
‫الشاب ‪ .(2)(..‬لقد أحب محمد أسد أحمد الشريف وتفاعل مع قضية ليبيا وكان يمضي معه وبصيحبة السييد‬
‫محمد الزوي الساعات الطوال للبحث في وضع المجاهدين في ليبيا واستمرت الجتماعات فييي مسيياء كييل‬
‫يوم طيلة أسبوع تقريبًا لبحث ماكان بالمكان صنعه‪ ،‬وقد رأى الشيييخ محمييد الييزوي أن إمييداد المجاهييدين‬
‫بين الفينة والخرى لم يكن من شأنه أن يحل المشكلة‪ ،‬فقد كييان يعتقييد أن واحيية الكفييرة‪ ،‬فييي الجنييوب ميين‬
‫صحراء ليبيا يجب أن تكون ثاني محور لكل العمليات الحربية في المسييتقبل وكييان يظيين أن الكفييرة كييانت‬
‫ماتزال بعيدة عن تناول الجيوش اليطالية‪ ،‬وفوق ذلك فقد كانت تقع على طريق القوافل )ولو كييان طييوي ً‬
‫ل‬
‫وشاقًا( إلى واحتي بحرية وفرفرة المصريتين‪ ،‬ولذا كان يمكن تموينها بصييورة جييادة أكييثر ميين أي موقييع‬
‫آخر في ليبيا‪ ،‬كما كان يمكن أن يتحول كثير من المهاجرين إلى مصر إليها لتكون مسييتودعًا دائم يًا لمييداد‬
‫عمر المختار في الشمال‪ ،‬وكان أحمد الشريف مستعدًا للذهاب بنفسه‪ ،‬لو أمكن إعادة تنظيم القتال على تلك‬
‫الصورة‪ ،‬للشراف على العمليات الجهادية بنفسه)‪.(3‬‬
‫لقد تحدث محمييد أسييد عيين سييبب اهتمييامه بالقضييية السنوسييية فقييال‪ :‬لييم يكين اهتمييامي البييالغ بمصييير‬
‫السنوسيين ناشئًا عن إعجابي ببطولتهم المتناهية في قضييية عادليية مقسييطة فحسييب‪ ،‬بييل ان ماكييان يهمنييي‬
‫أكثر من ذلك هو ماكان يمكن أن يحدثه انتصار السنوسيين من تأثير على العالم العربي بأكمله إذ أننييي لييم‬
‫اسييتطع أن أرى فييي العييالم السييلمي كلييه إل حركيية واحييدة كييانت تسييعى صييادقة إلييى تحقيييق المجتمييع‬
‫السلمي المثالي‪ :‬الحركة السنوسية‪ ،‬التي كانت تحارب الن معركتها الخيرة في سبيل الحياة وبسبب أن‬
‫السيد أحمد كان يعرف مبلغ عطفي الشديد على القضية السنوسية‪ ،‬فقد التفت إلييي وسييدد نظييره إلييى عينييي‬
‫ل‪) :‬هل تذهب‪ ،‬يامحمد إلى برقية بالنيابية عنيا‪ ،‬فتقيف عليى ميايمكن صينعه للمجاهيدين؟ لعليك‬
‫وسألني قائ ً‬
‫تستطيع أن ترى المور بأجلى مما يراها بنو قومي ‪.(4)(...‬‬
‫وبعد أن وافق محمد أسد على تلك المهمة الصعبة تناول أحمد الشريف من على أحد الرفوف نسخة من‬
‫القرآن الكريم ملفوفة بغلف مين الحريير‪ ،‬وبعيد أن وضيعها عليى ركبيتيه أمسيك بييدي اليمنيى بيين ييديه‬
‫ووضعها على الكتاب‪:‬‬
‫)أقسم يامحمد‪ ،‬بال الذي يعلم مافي القلوب‪ ،‬على أنك ستبقى أمينًا للمجاهدين ‪.(...‬‬
‫قال محمد أسد‪ :‬فأقسمت ولم أشعر في حياتي يومًا أننييي كنييت أكييثر وثوقيًا بوعييدي ممييا كنييت فييي تلييك‬
‫اللحظة)‪.(5‬‬
‫قام أحمد الشريف بترتيب أمور هذه الرحلة واتصل باتباع الحركة في مصر ووصيل الخييبر إلييى عميير‬
‫المختار واستعد محمد أسد لهذه الرحلة المثيرة مع رفيقه زييد مين قبيلية شيّمر‪ ،‬وشيرع فيي تنفييذ خطيواته‬
‫وكان رجال الحركية السنوسيية يقيودونه بمهيارة بارعية حيتى وجيد نفسيه أميام عمير المختيار فيي الجبيل‬
‫الخضر وقد فصل الستاذ محمد أسد تلك الرحلة في كتابه المشهور)‪.(6‬‬
‫لقاءه بعمر المختار ‪:‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.331‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.446‬‬
‫‪ ()3‬المصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.347‬‬
‫‪ ()5‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.348‬‬
‫‪ ()6‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪ 348‬الى ‪.360‬‬

‫بعد دخول محمد أسد إلى الجبل الخضر ميين جهيية الصييحراء الغربييية المصييرية بواسييطة المجاهييدين‬
‫الذين أرسلهم عمر المختار لستقباله وجد محمد أسد نفسه أمام قائد حركة الجهيياد ويصييف لنييا محمييد أسييد‬
‫ذلك اللقاء فيقول‪ :‬كان يحيط به رجلن من كل جانب‪ ،‬ويتبعه كذلك عدد آخر‪ ،‬وعندما وصل إلى الصخور‬
‫التي كنا ننتظر عندها‪ ،‬ساعده أحد رجاله على النزول‪ ،‬ورأيت انه كان يمشي بصعوبة )عرفت بعييدئذ أنييه‬
‫قد جرح إبان إحدى المناوشات قبل ذلك بعشرة أيام( وعلييى ضييوء القميير المشييرق اسييتطعت الن أن أراه‬
‫ل معتدل القامية قييوي البنيية ذا لحيية قصييرة بيضياء كالثليج تحيييط بيوجهه الكئييب ذي‬
‫بوضوح‪ :‬كان رج ً‬
‫الخطوط العميقة‪ .‬وكانت عيناه عميقتين‪ ،‬ومن الغضييون المحيطيية بهمييا كييان باسييتطاعة المييرء أن يعييرف‬
‫انهما كانتا ضاحكتين براقتين في غير هذه الظروف‪ ،‬إل انهما لم يكن فيهما الن شيء غير الظلميية واللييم‬
‫والشجاعة‪.‬‬
‫واقتربت منه لحييه‪ ،‬وشعرت بالقوة التي ضغطت بها ييده عليى ييدي )مرحبًابيك‪ ،‬يييا ابنيي( قيال ذليك‬
‫وأخذ يجيل عينيه في متفحصًا‪ :‬لقد كانت عيني رجل كان الخطر خبزه اليومي‪.‬‬
‫ل‪ .‬وانحنييى عبييدالرحمن)‪ (1‬ليقبييل‬
‫وفرش أحد رجاله حرامًا على الرض فجلس سيدي عمر عليه متثيياق ً‬
‫يده ثم شرع بعد استئذانه‪ ،‬يوقد نارًا خفيفة تحت الصخرة التي كنا محتمين بها وعلى ضوء النييار الخييافت‪،‬‬
‫قرأ سيدي عمر الكتاب الذي حملنيه السيد أحمد إليه‪ .‬لقد قرأه باهتمام وعناية‪ ،‬ثم طواه ووضعه لحظة فوق‬
‫رأسه ‪ -‬وهي إمارة الحترام والحب ليكاد المرء يراها في جزيرة العرب ولكنه كثيرًا مايراها في شييمالي‬
‫افريقيا ‪ -‬ثم التفت إلي مبتسمًاوقال‪) :‬لقد أطراك السيد أحمد‪ ،‬أطال ال عمره‪ ،‬في كتابه‪ .‬أنت علييى اسييتعداد‬
‫لمساعدتنا‪ ،‬ولكنني ل أعلم من أين يمكن أن تأتينا النجدة‪ ،‬إل من ال العلي الكريم‪ .‬إننا حق يًا علييى وشييك أن‬
‫نبلغ نهاية أجلنا ‪.(..‬‬
‫فقلت‪) :‬ولكن ‪ ..‬هذه الخطة التي وضعها السيد أحمد‪ ،‬أل يمكن أن تكون بداية جدييدة؟ وإذا أمكين تيدبير‬
‫الحصول على المؤن والذخائر من الكفرة بصورة ثابتة‪ ،‬أفل يمكن صد اليطاليين؟ ()‪.(2‬‬
‫لم أرى في حياتي ابتسامة تدل على ذلك القدر من المرارة واليأس كتلك البتسامة الييتي رافقييت جييواب‬
‫سيدي عمر‪) :‬الكفرة ‪...‬؟ لقد خسرنا الكفرة‪ ،‬فاليطاليون قد احتلوها منذ أسبوعين تقريبًا ‪.(3)(...‬‬
‫وأذهلني الخبر‪ ،‬ذلك إنني والسيد أحمد‪ ،‬طوال تلك الشهر الماضية‪ ،‬كنا نبني خططنا على افتراض أن‬
‫الكفرة يمكن أن تكون نقطة تجمع لتقوية المقاومة‪ ،‬أما وقد ضاعت كفرة فإنه لم يبق للسنوسيين سوى نجييد‬
‫الجبل الخضر لشيء سوى كماشة اليطاليين التي كانوا يضيقونها بثبات واستمرار ‪ ..‬وخسارة نقطة بعد‬
‫نقطة ‪ ..‬واختناق بطئ(‪.‬‬
‫ وكيف سقطت الكفرة؟‬‫فأومأ سيدي عمر إيماءة متعبة إلى أحد رجاله أن يقييترب‪) :‬دع هييذا الرجييل يقييص عليييك الخييبر ‪ ..‬إنييه‬
‫واحد من أولئك القلئل الذين هربوا من الكفرة‪ ،‬ولم يصل عندي إل بالمس(‪.‬‬
‫وجلس الكفري على ردفيه أمامي وجذب برنسه البالي حوله وتكلييم ببطييء دون أن يبييدو فييي صييوته أي‬
‫أثر للنفعال‪ ،‬ولكن وجهه الناحل كان يعكس جميع الهوال التي شهدها‪.‬‬
‫ )لقد خرجوا علينا في ثلث فرق من ثلث جهات‪ ،‬وكان معهم سيارات مصفحة ومدافع ثقيليية كييثيرة‪.‬‬‫أما طائراتهم فقد حلقت على علو منخفض ورمت بالقنابل البيوت والمساجد وغياض النخيل‪ .‬لم يكيين لييدينا‬
‫ل وشيييوخًا‪ .‬لقييد‬
‫سوى بضع مئات من الرجال يستطيعون حمل السلح‪ ،‬أما الباقون فقد كييانوا نسيياء وأطفييا ً‬
‫دافعنا عن أنفسنا بيتًا بيتًا‪ ،‬ولكنهم كانوا أقوى كثيرًا منا‪ ،‬وفييي النهاييية لييم يبييق إل قرييية الهييواري‪ .‬لييم تنفييع‬
‫بنادقنا في سياراتهم المصفحة فطغوا علينا‪ ،‬وتمكن عدد قليل جدًا من الهرب‪ .‬أما أنا فقد اختبأت في حيدائق‬
‫النخيل‪ ،‬مترقبًا الفرصة لشق طريقيي خلل الخطيوط اليطاليية‪ ،‬وكنييت طيوال اللييل أسييمع ولولية النسيياء‬
‫اللواتي كان الجنود اليطاليون والعساكر الريتريون يغتصبونهن وفييي اليييوم التييالي احضييرت لييي امييرأة‬
‫عجوز بعض الماء والخبز‪ ،‬واخبرتني أن الجنرال اليطالي قد حشد كل ماتبقى عليى قييد الحيياة أميام قيبر‬
‫السيد محمد المهدي وأمام أعينهم مزق نسخة من القرآن الكريم ثم رماها الى الرض وداس عليهييا بحييذائه‬
‫صائحًا‪) :‬دعوا نبيكم البدوي يساعدكم الن‪ ،‬اذا استطاع!( ثم أمر بقطييع اشييجار النخيييل فييي الواحيية وهييدم‬
‫‪ ()1‬هذا من المجاهدين الذين استلموا محمد اسد ورفيقه عند الحدود المصرية‪.‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.360،361‬‬
‫‪ ()3‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.361‬‬

‫آبارها‪ ،‬واحرق كل ماكان في مكتبة السيد احمد البدوي ميين كتيب وفييي الييوم التيالي اصيدر امييره بوضيع‬
‫بعض شيوخنا وعلمائنا في طائرة حلقت بهم ورمتهم من علو شاهق‪ ،‬وطوال الليلة التالية كنييت اسييمع ميين‬
‫مخبئي صرخات النساء وضحكات الجنود وطلقات بنادقهم ‪ ...‬واخيرًا زحفت الى الصحراء في ظلم الليل‬
‫ل شاردًا امتطيته ووليت فرارًا‪.(1)(...‬‬
‫فوجدت جم ً‬
‫وعندما انهى الرجل قصته المروعة قربني سيدي عمر إليه بلطف وكرر قوله‪) :‬انك تستطيع ان تييرى‪،‬‬
‫ل من نهاية أجلنا( ثم اضاف‪) :‬اننا نقاتل لن علينا ان نقاتل في سبيل ديننا وحريتنييا‬
‫يابني‪ ،‬اننا قد اقتربنا فع ً‬
‫حتى نطرد الغزاة او نموت نحن وليس لنا ان نختار غير ذلك‪ .‬إنا ل وإنا إليه راجعون ‪ -‬لقد ارسلنا نسيياءنا‬
‫واولدنا الى مصر كيما نطمئن على سلمتهم متى شاء ال لنا أن نموت(‪.‬‬
‫قلت‪) :‬ولكن ياسيدي عمر‪ ،‬اليس من الفضل لك وللمجاهدين ان تنسحبوا الى مصر بينما ليزال هنيياك‬
‫طريق مفتوح امامكم؟ فلقد يكون من الممكن في مصر جمييع المهيياجرين الكييثيرين ميين برقيية وتنظيييم قييوة‬
‫اكثر فعالية وجدوى‪ .‬ان القتال هناك يجب ان يوقف بعض الوقت حتى يستعد الرجال شيئًا من قوتهم ‪ ...‬انا‬
‫اعرف ان البريطانيين في مصر لينظرون بعين الرضى الى وجييود قييوات ايطالييية راسييخة القييدام علييى‬
‫خاصرتهم‪ ،‬فقييد يغضييون الطييرف‪ ،‬والي اعلييم‪ ،‬عيين اسييتعداداتكم فيمييا اذا اقنعتمييوهم بييانكم ل تعتييبرونهم‬
‫اعداء‪.(...‬‬
‫فأجاب ‪) :‬كل ياابني‪ ،‬لم يعد هذا يجدي الن‪ .‬ان ماتقوله كان ممكنيًا منييذ خمييس عشييرة او سييت عشييرة‬
‫سنة‪ ،‬قبل ان يقوم السييد احميد‪ ،‬اطيال الي عميره‪ ،‬بمهاجمية البريطيانيين كيي يسياعد التيراك ‪ -‬اليذين ليم‬
‫يساعدونا ‪ ...‬أما الن فلم يعد في المر مايجدي‪ ..‬ان البريطييانيين ليين يحركييوا اصييبعًا لكييي يسييهلوا علينييا‬
‫امرنييا‪ ،‬واليطيياليون مصييممون علييى ان يقاتلونييا حييتى النهاييية‪ ،‬وعلييى سييحق كييل إمكانييية للمقاوميية فييي‬
‫المستقبل‪ ،‬فاذا ذهبت واتباعي الن الى مصر‪ ،‬فاننا لن نتمكن مطلقًا من العييودة ثانييية‪ ،‬وكيييف نسييتطيع ان‬
‫نتخلى عن قومنا ونتركهم ول زعيم لهم‪ ،‬لعداء ال يفترسونهم؟(‪.‬‬
‫ وما قول السيد ادريس؟ هل يشاركك الرأي ياسيد عمر ؟‬‫ )إن السيد ادريس رجل طيب‪ .‬انه ولد طيب لوالد عظيم‪ ،‬ولكن ال لم يعطه قلبًا يمكنه من تحمييل مثييل‬‫هذا الصراع‪.(2)(...‬‬
‫كان زيد الشّمري رفيق محمد اسييد فييي رحلتييه بصييحبة خليييل احييد المجاهييدين لحضييار قييرب الميياء‪،‬‬
‫وبعدما رجع وقع بصر خليل على سيدي عمر هجم لتقبيل يده‪ ،‬وبعد ذلك قييدم محمييد اسييد زيييدًا الييى عميير‬
‫المختار فوضع المختار يده على كتفه وقال‪:‬‬
‫ )مرحبًا بك‪ ،‬ياأخي‪ ،‬من أرض اجدادي‪ .‬من أي العرب انت؟" وعندما اخبره زيد انه من قبيلة شييمر‪،‬‬‫أومأ عمر برأسه مبتسمًا ‪) :‬آه ‪ ،‬اذن انت من قبيلة حاتم الطائي‪ ،‬اكرم الناس يدًا‪.(...‬‬
‫وقدم لهم رجال المختار بعض التمر ودعيياهم المختييار الييى ذلييك الطعييام البسيييط فييأكلوا‪ ،‬ونهييض قييائد‬
‫المجاهدين وقال‪) :‬آن لنا أن نتحرك من هنا‪ .‬اننا على مقرب ميين المركييز اليطييالي فييي بوصييفية‪ ،‬ولييذا ل‬
‫نستطيع ان نتأخر حتى الفجر‪.(..‬‬
‫وتحرك محمد اسد مع قائد حركة الجهاد ووصل الى معسكر المجاهييدين ووقعييت عينيياه علييى امرأتييين‬
‫احدهما مسنة والخرى شييابة ‪ -‬فييي المعسييكر كانتييا جالسييتين بييالقرب ميين احييد النيييران‪ ،‬مسييتغرقتين فييي‬
‫اصلح سرج ممزق بمخرز غليظ‪.‬‬
‫وعندما لحظ الشيخ عمر المختار دهشة محمد اسد قال‪) :‬إن اختينا هاتين تذهبان معنا حيثما نيذهب‪ .‬لقيد‬
‫رفضتا ان تسعيا الى امن مصر مع سائر نسائنا واولدنا‪ .‬انهما ام وابنتهييا‪ ،‬وقييد فقييدتا جمييع رجالهميا فييي‬
‫الحرب‪.(3)(...‬‬
‫اتفق عمر المختار مع محمد اسد على طريقيية امييداد المجاهييدين بييالمؤن والعتياد والسيلح عين طرييق‬
‫الطريق التي جاء منها محمد اسد‪ ،‬مع انشاء مستودعات سرية في واحات بحرية وفرفييرة وسيييوه ‪ ،‬وكييان‬
‫عمر المختار يشك في امكانية الفلت من مراقبة اليطاليين بهذه الطريقة مدة طويلة‪.‬‬
‫وقد تبين بعد ذلك ان ظنونه ومخاوفه كانت في محلها‪ ،‬ذلك انه بعييد بضييعة اشييهر تمكنييت قافليية تحمييل‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.362‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪:‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.363‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.365‬‬

‫ل الى المجاهدين ‪ ،‬إل ان اليطاليين اكتشفوها بينما كانت تجتيياز الفجييوة‬
‫المؤمن والذخائر من الوصول فع ً‬
‫بين الجغبوب وجالو‪ ،‬وسريعًا ما انشأوا بعد ذلك مركزًا محصيينًا فييي بييير طرفيياوي علييى نصييف المسييافة‬
‫تقريبًا بين الواحتين‪ ،‬مما جعل‪ ،‬بالضافة الى الدوريات الجوية المستمرة‪ ،‬كل مسعى آخير مين هيذا النيوع‬
‫خطرًا الى أبعد الحدود)‪.(1‬‬
‫وكان قد تقرر رجوع محمد اسد وزيد الشمّري الى الحجاز ورجوع من حيث أتوا بواسييطة المجاهييدين‬
‫البواسل الذي رتبوا المور‪ ،‬وأخذوا بالسباب‪ ،‬وحافظوا على ضيوفهم الكرام‪.‬‬
‫يقول محمد اسد‪ :‬وودعت وزيد عمر المختار‪ ،‬ولم نره بعييد ذلييك اطلقيًا‪ ،‬ذلييك انييه بعييد ثمانييية أشييهر‪،‬‬
‫قبض عليه اليطاليون واعدموه‪.‬‬
‫وقدوصف لنا محمد اسد آخر لقاء مع السيد احمد الشريف فقال‪ :‬ومرة اخرى وقفت امام إمام السنوسييية‬
‫ل جييدًا‬
‫ونظرت الى وجه ذلك المحارب القديم المرهق ‪ ،‬ومرة اخرى قبلت اليييد الييتي حملييت السيييف طييوي ً‬
‫حتى انها لم تعد تستطيع بعد ان تحمله‪.‬‬
‫ )بارك ال فيك‪ ،‬يابني‪ ..‬لقد مضت سنة منذ ان التقينا اول مييرة‪ ،‬وهييذه السيينة قييد شييهدت نهاييية آمالنييا‬‫ولكن الحمدل على كل حال‪.(...‬‬
‫والحق انها كانت سنة مفعمة بالهموم والكدار بالنسبة الى احمد‪ :‬لقد اصبحت الخاديد حول فمييه اكييثر‬
‫عمقًا‪ ،‬واصبح صوته اكثر انخفاضًا من أي وقت مضى‪.‬‬
‫لقد هوى النسر‪ .‬انه يجلس منكمشًا على السجادة‪ ،‬وقد لف نفسه ببرنسه البيض كأنمييا يطلييب الييدفء‪،‬‬
‫ويحدق بصمت في الفراغ وهمس‪) :‬لو اننا استطعنا فقط ان ننقذ عمير المختيار‪ .‬ليو اننيا تمكنيا مين اقنياعه‬
‫بالهرب الى مصر بينما كان هناك متسع من الوقت‪.(...‬‬
‫فقلت له ‪) :‬لم يكن باستطاعة احد ان ينقذ سيدي عمر‪ .‬انه لييم يييرد ان ينقييذ‪ .‬لقييد فضييل ان يمييوت اذا لييم‬
‫يستطع ان ينتصر‪ .‬لقد عرفت ذلك عندما فارقته ياسيدي احمد ‪.(2)(....‬‬
‫إن احمد الشريف اهتم ببلده بمجرد هجرتيه منهييا وكييان علييى إتصيال بالمجاهييدين وقييد حييدثني السييد‬
‫عبدالقادر بن علي أن احمد الشريف قام بكتابة رسائل الى قبييائل برقيية يحثهييم فيهييا علييى السييمع والطاعيية‬
‫للشيخ عمر المختار رحمهم ال‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬السد يقع اسيرًا‪:‬‬
‫ظل المختار في الجبل الخضر يقاوم الطليان علييى الرغييم ميين هييذه الصييعوبات الجسيييمة الييتي كييانت‬
‫تحيط به وبرجاله وكانت من عييادة عميير المختييار النتقيال فييي كيل سيينة مين مركييز اقيامته اليى المراكيز‬
‫الخرى التي يقيم فيها إخوانه المجاهدون لتفقد احوالهم‪ ،‬وكان إذا ذهييب لهييذا الغييرض يسييتعد للطييوارئ ‪،‬‬
‫ويأخذ معه قوة كافية تحرسه من العدو الذي يتربص به الدوائر فييي كييل زمييان ومكييان‪ ،‬ولمييا أراد ال ي أن‬
‫يختم له بالشهادة ذهب في هذه السنة كعادته في نفر قليل يقدر بمائة فارس‪ ،‬ولكنه عاد فييرد ميين هييذا العييدد‬
‫ستين فارسًا وذهب في اربعين فقط‪ .‬ويوجد في الجبل الخضر واد عظيم معييترض بيين المجاهييدين اسييمه‬
‫وادي الجريب )بالتصغير( وهو صييعب المسييالك كييثير الغابييات‪ ،‬كييان لبييد ميين اجتيييازه ‪ ،‬فميير بييه عميير‬
‫المختار ومن معه ‪ ،‬وباتوا فيه ليلتين ‪ ،‬وعلمت بهذا ايطاليييا بواسييطة جواسيسييها فييي كييل مكييان ‪ ،‬فييأمرت‬
‫بتطويق الوادي على عجل من جميع الجهات بعد أن جمعت كل ماعندها من قوة قريبة وبعيييدة‪ ،‬فمييا شييعر‬
‫عمر المختار ومن معه إل وهم وسط العدو)‪(3‬؛ وقرر منازليية العييداء وجهيًا لييوجه فأمييا أن يشييق طريقيًا‬
‫يمكنه من النجاة أو يلقى ربه شهيدًا في الميدان الذي ألف فيه مصارعة العداء‪ ،‬والتحمت المعركيية داخييل‬
‫الوادي‪ ،‬وحصد رصاص المجاهدين عيددًا كييبيرًا مين العيداء‪ ،‬وسيقط الشييهداء‪ ،‬وأصييب عميير المختييار‬
‫بجراح في يده‪ ،‬وأصيب فرسه بضربة قاتلة‪ ،‬وحصلت يده السليمة تحت الفييرس فلييم يتمكيين ميين سييحبها ‪،‬‬
‫ولم تسعفه يده الجريحة وأصبح لسان حاله يقول‪:‬‬
‫أسرت وماصحبي بعزل لدى الوغى‬
‫وكم من صدى صوتي ليوث الشرى فروا‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.366‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬الطريق الى السلم‪ ،‬ص‪.370‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬السنوسية دين ودولة‪ ،‬ص‪.313‬‬

‫وما أحد في الحرب يجهل سطوتي ول‬
‫فرسي مهر ول ربه غمر‬
‫ولكن إذا حم القضاء على أمرئ‬
‫يكون ول يغني من القدر الحذر‬
‫ومن رام من أمر الله وقايه‬
‫فليس له بر يقيه ول بحر)‪(1‬‬
‫والتفت المجاهد بن قويرش فرأى الموقف المحزن وصاح في إخوانه الذين شقوا الطريق للخييروج ميين‬
‫ل‪) :‬الحاجة التي تنفع عقبييت أي تخلفييت( ‪ ،‬فعييادوا لتخليييص قييائدهم ولكيين رصيياص الطليييان‬
‫الحصار قائ ً‬
‫حصد أغلبهم‪ ،‬وكان ابن قويرش اول من قتل وهو يحاول انقاذ الشيخ الجليل ‪ ،‬وهجييم جنييود الطلييان علييى‬
‫السد الجريح دون ان يعرفوا شخصيته في البداية‪ ،‬وتييم القبييض عليييه وتعييرف عليييه احييد الخونيية‪ ،‬وجيياء‬
‫الكمندتور داود باتشي متصرف درنة ليتعرف على السير وبمثييل سييرعة الييبرق نقييل عميير المختييار الييى‬
‫ميناء سوسة محاطًا بعدد كبير من الضباط والجنود اليطاليين‪ ،‬وأخذت كافيية الحتياطييات لحراسيية جميييع‬
‫الطرق والمواقع القريبة لتأمين وصول المجاهد العظيم اليى سوسيية ومين ثييم نقييل فيورًا اليى بنغيازي عين‬
‫طريق البحر)‪.(2‬‬
‫يقول غراسياني في مذكراته‪ :‬في صباح يوم ‪ 11‬سبتمبر ‪1931‬م وصل الخبر برقيًا الييى الحكوميية ميين‬
‫متصرفية الجبل هذا نصها‪) :‬بالقرب من )سلطنة( فرقة الفرسان )الصواري( قبضت على وطني وقع ميين‬
‫على جواده اثناء المعركة وقد تعرف عليه عساكرنا بأنه عمر المختار ونظرًا للخبر المهم ومن اجل التأكد‬
‫والتحقق أمرت الحكومة متصرف الجبل الحكومندتور )الوجيه داود ياتشي( فجهزت طييائرة خاصيية لنقلييه‬
‫الى )سلطنة( على الفور للتعرف على شخصية السير وتثبت هيويته ان كيان هيو زعييم المجاهيدين عمير‬
‫المختار وتأكد متصرف الجبل من انه عمر المختار وسرى الخبر سريان الييبرق وصييدرت الواميير بنقلييه‬
‫الى سلطنة ومنها الى سوسة تحت حراسة شديدة حيث وصييلها عنييد السيابعة عشير ميين مسياء نفيس الييوم‬
‫سبتمر ‪1931‬م دون أي عائق ‪ ،‬او حادث اثناء الطريييق ميين سييلطنة الييى سوسيية مكييث هنيياك فييي انتظييار‬
‫الطراد الحربي )اورسيني( الذي تحرك من بنغازي خصيصًا ليعود بالسير الى بنغازي وفي اثناء الرحلة‬
‫تحدث معه بعض السياسيين التابعين لدارتنا ووجهوا إليه السئلة‪ ،‬فكان يجيب بكل هدوء وبصييوت ثييابت‬
‫وقوي دون أي تأثر بالموقف الذي هو فيه وفي يوم ‪ 12‬سبتمر ‪1931‬م عند السيياعة السييابعة عشيير وصييل‬
‫ل معه السير عمر المختار‪ (3)(...‬وقال أيضًا هذا الرجل اسطورة‬
‫الطراد اورسيني الى ميناء بنغازي حام ً‬
‫الزمان الذي نجا آلف المرات من الموت ومن السر واشتهر عند الجنود بالقداسة والحترام لنييه الييرأس‬
‫المفكر والقلب النابض للثورة العربية )السلمية( في برقة وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريييدة‬
‫ل مثيل لها سنين طويلة والن وقع اسيرًا في ايدينا)‪.(4‬‬
‫وهذا العتراف من غراسياني الخسيس في كتابه بأن عمر المختار قاد المعارك سنين طويلة واعييترف‬
‫بانه محترم من اتباعه الى مكانة عالية جدًا ثم بأنه الرأس المفكر والقلب النابض للجهاد السلمي المقييدس‬
‫في برقة ثم الصبر والمهارة التي ل مثيل لها فهذا اعتراف من الجنرال غراسياني خريج الكليييات الحربييية‬
‫والكاديمييية العسييكرية ولييه تجييارب طويليية فييي حييرب الحتلل الييى حييرب العالمييية الولييى وحروبييه‬
‫الصحراوية حتى لقبه بنو قومه بلقب اسد الصحراء والفضل ما شهدت به العداء‪.‬‬
‫ويقول الجنرال غراسياني عن عمر المختار ايضًا‪) :‬كان عمر المختييار كرئيييس عربييي مييؤمن بقضييية‬
‫وطنه وله تأثير كبير على اتباعه مثل الرؤساء الطرابلسيين يحاربون بكل صدق واخلص اقول ذلييك عيين‬
‫تجارب مرت بي اثناء الحروب الليبية وكان عمر المختار من المجاهدين الكبار لما لييه ميين مكانيية مقدسيية‬
‫بين اتباعه ومحبيه‪ ،‬ان عمر المختييار يختلييف عيين الخرييين فهييو شيييخ متييدين بييدون شييك‪ ،‬قاسييي وشييديد‬
‫التعصب للدين ورحيم عند المقدرة ذنبييه الوحيييد يكرهنييا كييثيرًا وفييي بعييض الوقييات يسييلط علينييا لسييانه‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.145‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب ‪ ،‬ص‪.146‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.274‬‬
‫‪ ()4‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.266،267‬‬

‫ويعاملنا بغلظة ‪ ،‬مثل الجبليين كان دائمًا مضادًا لنا ولسياستنا في كل الحوال ل يلين ابدًا ول يهادن إل اذا‬
‫كان الموضوع في صالح الوطن العربي الليبي‪ ،‬وليم يخين ابيدًا مبيادئه فهيو دائميًا موضيع الحيترام رغيم‬
‫التصرفات التي تحدث منه في غير صالحنا ان خيانة موقعة )قصر بنقدين( ضيعت على عمر المختار كل‬
‫الفرص التي يمكن للدولة اليطالية ان ترحمه فيها)‪.(1‬‬
‫وقال غراسياني في مذكراته‪) :‬أما وصف عمر المختار فهو معتدل الجسم عريض المنكبين شعر رأسه‬
‫ولحيته وشواربه بيضاء ناصعة‪ ،‬يتمتع بذكاء حاضيير وحيياد‪ ،‬كييان مثقفيًا ثقافيية علمييية دينييية ليه طبييع حيياد‬
‫ومندفع يتمتع بنزاهة خارقة لم يحسب للمادة أي حساب متصييلب ومتعصييب لييدينه‪ ،‬واخيييرًا كييان فقيييرًا ل‬
‫يملك شيئًا من حطام الدنيا إل حبه لدينه ووطنه رغييم انييه وصييل الييى أعلييى الييدرجات حييتى اصييبح ممث ً‬
‫ل‬
‫كبيرًا للسنوسية كلها()‪ (2‬وهذا وصف دقيق يدل بوضوح على عظمة المختار وامكانياته الذاتية التي وهبييه‬
‫ال اياها فتقلد بسببها اكبر المناصب وخاض اكثر المعارك وصفه عيدوه بصيفات اليورع والتيدين ومثقيف‬
‫ثقافة دينية وعلمية وصفه بشدة المراس والصبر على الشدائد وهكذا ياأخي المسييلم الكريييم يصيينع السييلم‬
‫من اتباعه‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬دخول المختار في سجن بنغازي‪:‬‬
‫وعندما وصل السير الى بنغازي لم يسمح لي مراسل جريدة او مجلة بنشر اخبار او مقييابلت وكييان‬
‫على الرصيف مئات من المشاهدين عند نزوله فييي المينيياء ولييم يتمكيين أي شييخص مهمييا كييان مركييزه ان‬
‫يقترب من الموكب المحياط بيالجنود الميدججين بالسيلح ونقيل فيوق سييارة السيجن تصيحبه قيوة مسيلحة‬
‫بالمدافع الرشاشة حيث اودع فييي زنزانيية صييغيرة خاصيية منعزليية عيين كافيية السييجناء السياسيييين وتحييت‬
‫حراسة شديدة وجديدة ويقول مترجم كتاب برقة الهادئة الستاذ ابراهيم سالم عامر كنت من الذين أسييعدهم‬
‫الحظ على ان يتكلموا مع بطل الجهاد عمر المختار اثناء قيامه في السجن فقد أوقفوا كل الهالي المعتبرين‬
‫في مراكز المن والسجون وكان نصيبي في سيجن بنغيازي المركيزي وعنيدماأتى بعمير المختيار غييروا‬
‫الحراس المحليين بحراس أريتريين والموظفين باليطاليين ميين الحييزب الفاشيسييتي وبعييد ان اودعييوه فييي‬
‫الزنزانة كان هناك سرير من خشب وقماش وعلى الرض قطعة ميين السيجاد البييالي لجييل وقييع الرجليين‬
‫عليه فسحبها الشهيد بقرب الجدران وجلس عليها واستند على الجدران ومد رجليه الى المام وعندما كييان‬
‫مدير السجن يتجول على زنزانات السجناء رأى الشهيد جالسًا على الرض ولم يستطيع ان يساله لماذا هو‬
‫جالس على الرض‪ .‬ولن المدير ليعرف العربييية فنيياداني ميين بييين السييجناء السياسيييين وطلييب منييي ان‬
‫اترجم سؤاله فسألت الشهيد‪ ،‬فاجاب بصوت هادر كالسد الهصور‪ :‬قل له أنا اعييرف اييين اجلييس ل يحمييل‬
‫همًا فهذا ليس من شأنه فترجمت الكلم فانصعق المدير واصفر وجهه وقال هيا ارجييع الييى مكانييك بلهجيية‬
‫المر غير ان قلبي كاد يطير من صدري فرحًا عندما سمعت هذه الجابة القاطعة رحم الي عميير المختييار‬
‫كم كان عظيمًا وهو قائم واعظم وهو اسير)‪.(3‬‬
‫ويقول غراسياني الجنرال اليطالي السفاك الجلد‪) :‬واثناء الرحلة من سوسيية الييى بنغييازي أعطييى لنييا‬
‫ل عندما ضرب جييواده وسييقط علييى الرض‬
‫معلومات هامة عن كيفية سقوطه في السر والقبض عليه قائ ً‬
‫فجرحت يده اليمنى مما سببت له بعض التشقق في عظام ذراعه ورغم هييذا اللييم حيياول جيير نفسييه ليبتعيد‬
‫ويختفي في احد الشجرات التي في الغابة ولكن فرقة الفرسان حالت بينه وبييين غرضييه وقييد تعييرف عليييه‬
‫احد الصواري من فرقة الفرسان وسرعان ما أحاطت به قوتنا وقييد تأسييف كييثيرًا اثنيياء حييديثه بييأن رفيياقه‬
‫حاولوا انقاذه بكل وسيلة وقد ضاع منهم بعض الرفاق ولكن الكثرة حييالت دون بغيتهييم كيذلك قلية الييذخيرة‬
‫لها عاملها الصلي في عدم انقاذي واثبت كذلك ان وقوعه في السيير ل يعنييي توقييف الثييورة والجهيياد بييل‬
‫هناك اربعة من القادة يحلون محلي وهم الشيخ حمد بوموسى‪ ،‬عثمان الشامي وعبدالحميد العبييار ويوسييف‬
‫بورحيل المسماري وهذا الخير هو أقربهم إليييه لنييه كييان دائميًا بجييانبه ‪ ،‬ولقييد بييالغ كييثيرًا بالنسييبة لعييدد‬
‫ل شارحًا ان وقييوعه فييي‬
‫الجنود فقد قال ان دوره يتكون من ‪ 500‬مقاتل عادي‪ 400 ،‬فارس‪ .‬واستطرد قائ ً‬
‫السر ل يؤثر ول يغير سير القتال او وضع الدور بل سيزداد قسيياوة ثييم اضيياف انييي احييارب اليطيياليين‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.268‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.271‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.274،275‬‬

‫الفاشيستيين ل لني اكره الشعب اليطالي ولكن ديني أمرني بالجهاد فيكم لنكم أعداء الوطن)‪.(1‬‬
‫قلت ما أعلم احد من المسلمين الصادقين يجد في نفسه ودًا للنصارى على العموم فكيف بالييذين يقولييون‬
‫ال ثالث ثلثة ويقولون عيسى ابن ال‪ ،‬لكن قول غراسياني ان عمر المختييار ل يبغييض الشييعب اليطييالي‬
‫فهذا ادعاء منه واما قول عمر المختار ديني امرني بقتالكم فهذا الذي يليق بحاله وبغض المسييلم للنصييارى‬
‫الكفرة يدينون بها خالقهم ورازقهم ‪ ،‬ومالكهم ومتولي أمورهم سبحانه وتعالى عما يقولون الظييالمون علييوًا‬
‫كبيرًا‪.‬‬
‫قال تعالى‪} :‬لقد كفر الذين قالوا ان ال ثالث ثلثة ومامن إله إل اليه واحيد وإن ليم ينتهيوا عمييا يقوليون‬
‫ليمسن الذين كفروا منهم عيذاب إلييم ‪ ‬أفل يتوبيون اليى الي ويسيتغفورنه والي غفيور رحييم{‪) .‬سيورة‬
‫المائدة ‪ ،‬اليات‪.(72،73،74:‬‬
‫وقال تعالى ‪ } :‬وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إّد تكاد السييموات يتفطييرن منييه وتنشييق الرض‬
‫وتخر الجبال هدًا ان دعو للرحمن ولدًا{ ) سورة مريم‪ :‬اليات ‪ 88‬الى ‪.(91‬‬
‫فاليات السابقة الواضحة البينة تمنع العالم الرباني والشيخ الجليييل ان يقييول بييأنه ل يبغييض اعييداء الي‬
‫حمات الصليب‪.‬‬
‫واستطرد غراسياني في كتابه برقة الهادئة قال ‪) :‬لقد قال عمر المختييار كلمييات تاريخييية ‪ :‬إن وقييوعي‬
‫في السر تأكيد بأمر ال وسابق في علمه سبحانه وتعالى والن أنا بين يدي الحكومة اليطالييية الفاشيسييتية‬
‫وأصبحت أسيرًا عندها وال يفعل بي مايشاء‪ .‬أخذتموني أسيرًا ولكم القدرة أن تفعلوا بي ماتشاؤون والييذي‬
‫اريد أن أقوله بكل تأكيد لم أفكر في يوم من اليام أن أسلم نفسي لكم مهما كان الضغط شديدًا ولكيين مشيييئة‬
‫ال ارادت هذا فل راد لقضاء ال()‪.(2‬‬
‫وهذه بعينها عقيدة القضاء والقدر وهي من اركان اليمان التي جاء بها السلم وقد تجسييدت فييي حييياة‬
‫ل يحييزن ولييييأس لن المييور‬
‫عمر المختار فهذه اليات الكريميية تييبين ميياوقع للنسييان قييد كتييب فعليييه أ ّ‬
‫بقضائه وقدره قال تعالى‪} :‬ما أصاب من مصيييبة فييي الرض ول فييي أنفسييكم إل فييي كتيياب ميين قبييل ان‬
‫نبرأها ان ذلك على ال يسير لكيي لتأسيوا عليى مافياتكم ول تفرحيوا بميا آتياكم والي ليحيب كيل مختيال‬
‫فخور{) سورة الحديد‪ ،‬آية ‪.(22‬‬
‫وقد تربى المختار رحمه ال تعالى على اليات القرآنية واحاديث المصطفى ‪ ‬فعيين ابيين عبيياس عيين‬
‫رسول ال ‪ : ‬واعلم ان المة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعييوك إل بشيييء قييد كتبييه الي لييك‬
‫وإن اجتمعوا عليى أن يضيروك بشييء ليم يضيروك إل بشييء قيد كتبيه الي علييك رفعيت القلم وجفيت‬
‫الصحف)‪.(3‬‬
‫وهذه العقيدة الصحيحة كانت مستقرة في قلب الشيخ الجليل رحمييه الي وتحييولت الييى عمييل فييي حييياته‬
‫جسدته مواقف عقدية ومشاهد بطولية ول نكون مخطيئن ان قلنا كانت مواقفه وسيييرته العطييرة تييدل علييى‬
‫أنه رجل عقيدة‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬من مواقف العزة داخل السجن‪:‬‬
‫اراد الكمندتور رينسي )السكرتير العام لحكومة برقيية( فييي أمسييية الرابييع عشيير ميين سييبتمبر أن يقحييم‬
‫الشارف الغرياني في موقف حرج مع عمر المختار وهو في السجن وابلغ الشارف الغرياني بييأن المختييار‬
‫طلب مقابلتك والحكومة اليطالية لترى مانعًا من تلبية طلبه‪ ،‬وذهب الشارف الغرياني الى السجن لمقابلة‬
‫الشيخ الجليل وعندما ألتقيا خيم السيكوت الرهييب وليم يتكليم المختيار فقيال الشيارف الغريياني هيذا المثيل‬
‫الشعبي مخاطبًا به السيد عمر )الحاصلة سقيمة والصقر مايتخبل( وماكيياد المختييار يسييمع المثييل المييذكور‬
‫حتى رفع رأسه ونظر بحدة الى الشارف الغريياني وقيال ليه‪ :‬الحميد لي اليذي ليحميد عليى مكيروه سيواه‬
‫ل‪ :‬رب هب لي من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا‪ ،‬أنني لم أكن في حاجة‬
‫وسكت هنيئة ثم اردف قائ ً‬
‫الى وعظ او تلقين‪ ،‬أنني أومن بالقضاء والقدر‪ ،‬وأعرف فضائل الصبر والتسليم لرادة ال ي ‪ ،‬أننييي متعييب‬
‫من الجلوس هنا فقل لي ماذا تريد‪ ،‬وهنا أيقن الشارف الغرياني بأنه غيّرر بييه فييزاد تييأثره وقييال للمختييار‪:‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.276‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.276‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬اصول اهل السنة والجماعة الللكاني )‪/2‬ح ‪.(1095‬‬

‫ماوددت أن أراك هكذا ولقد أرغمت نفسي للمجيء بناًء على طلبك‪ ...‬فقال الشيخ الجلييل‪ ،‬والجبيل الشيامخ‬
‫أنا لم أطلبك ولن أطلب أحدًا ول حاجة لي عند أحد‪ ،‬ووقف دون أن ينتظر جوابيًا ميين الشييارف الغرييياني‪،‬‬
‫وعاد الخير الى منزله وهو مهموم حزين وقد صّرح بأنه شعر في ذلييك اليييوم بشيييء ثقيييل فييي نفسييه مييا‬
‫شعر به طيلة حياته‪ ،‬ولما سئل الشارف الغرياني عن نوع الثييياب الييتي كييان يرتييديها عميير المختييار أهييي‬
‫ثياب السجن ام ثيابه التي وقع بها في السر كان جوابه هو البيتان التيان مستشهدًا بهما‪:‬‬
‫عليه ثياب لو تقاس جميعها‬
‫س لكان الفلس منهن اكثرا‬
‫بفل ٍ‬
‫وفيهن نفس لو تقاس ببعضها‬
‫نفوس الورى كانت أجل وأكبرا)‪(1‬‬
‫خامسًا‪ :‬عمر المختار أمام غراسياني السفاح‪:‬‬
‫اراد المولى عز وجل لحكمة يريدها أن يقف البطل الشيم والطيود الشيامخ اليذي حيير ايطالييا الكيافرة‬
‫النصرانية الكاثوليكية واشاع الرعب في قلوب جيوشها‪ ،‬أمام الرجل التافه الحقير المييدعو غراسييياني هييذا‬
‫حقير النفسية ‪ ،‬وضيع الخلق ‪ ،‬من أولئك الذين يرتفعون في كل عهد‪ ،‬ويأكلون على كل مائدة وكان ميين‬
‫عى الزعامة على ايطاليييا وحشيير نفسييه‬
‫قادة الجيش اليطالي فلما جاء موسوليني ذلك الطبل الجوف‪ ،‬واد ّ‬
‫حشرًا في صفوف الزعامات العالمية‪ ،‬كييان غراسيياني اول مين صييفق وقييرع الطبييول للزعامية الجديييدة‪،‬‬
‫وصار فاشيستيًا أكثر من الفاشيستيين أنفسهم‪ ،‬امام هذا الرجل الحقير الييذليل الخسيييس التافيية وقييف البطييل‬
‫الشم والطود المنيف شيخنا عمر المختار رحمه ال وتستطيع أن تفكر فييي هييذا الموقييف وتطيييل التفكييير‪،‬‬
‫فإن النفوس الحقيرة الوضيعة ‪ ،‬لتعرف الشرف‪ ،‬ول الرجولة ول الكرامة ول الخلق إذا خاصمت‪ ،‬فمييا‬
‫يكاد عدوها يقع في يدها حتى تفعل به الفاعيل ‪ ،‬وتصب عليه أصنافًا وألونًا من العذاب!! يدفعها الى ذلييك‬
‫‪ ،‬شدة إحساسها بحقدها وعظمة عدوها‪ ،‬وشدة شعورها بنقصها وكمال اسيرها)‪.(2‬‬
‫من اجل ذلك دفعت الشماتة هذا الرجل الحقير أن يقطع رحلته الى باريس وان يعود فورًا الى بنغييازي‪،‬‬
‫وأن يدعوا المحكمة الطائرة الى النعقاد ودفعت غريزة الشماته غراسياني أن يستدعي البطل في صييبيحة‬
‫اليوم نفسه‪ ،‬وقبل المحاكمة بقليل)‪.(3‬‬
‫يقول غراسياني في مذكراته ‪) :‬وعندما حضر امام مدخل مكتبي تهيأ لي أنييي ارى فيييه شخصييية آلف‬
‫المرابطين الذين التقيت بهم اثنياء قييامي بييالحروب الصييحراوية‪ ،‬ييداه مكبلتيان بالسلسيل‪ ،‬رغييم الكسيور‬
‫والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة وجهه مضييغوطًا لنييه كييان مغطييًا رأسييه )بييالجرد( ويجيير نفسييه‬
‫بصعوبة نظرًا لتعبه أثناء السفر بالبحر‪ ،‬وبالجمال يخيل لييي أن الييذي يقييف أمييامي رجييل ليييس كالرجييال‬
‫منظره وهيبته رغم إنيه يشيعر بميرارة السير‪ .‬هيياهو واقيف أمييام مكتييبي نسيأله ويجيييب بصيوت هييادئ‪،‬‬
‫وواضح وكان ترجماني المخلص النقيب )كابتن( خليفة خالد الغرياني الذي احضرته معييي خصيص يًا ميين‬
‫طرابلس ووجهت له اول سؤال ‪ :‬لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشيستية؟)‪(4‬‬
‫ج‪ -‬لن ديني يأمرني بذلك)‪.(5‬‬
‫س‪ -‬هل كنت تأمل في يوم من اليام أن تطردنا من برقة بامكانياتك الضئيلة وعددك القليل‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ج‪ -‬ل هذا كان مستحي ً‬
‫س‪ -‬إذًا ماالذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟‬
‫ج‪ -‬ل شيء إل طردكم من بلدي لنكم مغتصبون ‪ ،‬أما الحييرب فهييو فييرض علينييا وماالنصيير إل ميين‬
‫عند ال‪.‬‬
‫س‪ -‬لكن كتابك يقول‪} :‬ول تلقوا بأيديكم الى التهلكة{ بمعنى لتجلبوا الضرر لنفسكم ول لغيركييم ميين‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب ‪ ،‬ص‪.166،167‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬محمود شلبي بتصرف‪ ،‬ص‪.142‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬عمر المختار لشلبي‪ ،‬ص‪.142‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.279‬‬
‫‪ ()5‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.143‬‬

‫الناس‪ ،‬القرآن يقول هذا‪.‬‬
‫ج‪ -‬نعم‪.‬‬
‫س‪ -‬إذًا لماذا تحارب؟‬
‫ج‪ -‬كما قلت من أجل وطني وديني)‪.(1‬‬
‫قال غراسياني ‪ :‬فما كان مني إل أن قلت له أنت تحارب من أجييل السنوسييية تليك المنظميية الييتي كييانت‬
‫السبب في تدمير الشعب والبلد على السواء وفي الوقت نفسه كانت المنظميية تسييتغل أمييوال النيياس بييدون‬
‫حق هذا هو الحافز الذي جعلك تحاربنا ل الدين والوطن كما قلت ‪.‬‬
‫ي نظرة حادة كالوحش المفترس‪ :‬لست على حق فيما تقول ولك أن تظن ميياظننت‬
‫عمر المختار‪ :‬نظر ال ّ‬
‫ي وجهييه‬
‫ولكن الحقيقة الساطعة التي ل غبار عليها أنني أحاربكم من أجل ديني ووطني ل كما قلت بان عل ّ‬
‫بعد أن زال الجرد من على رأسه واستطردت في توجيه السئلة إليه‪:‬‬
‫س‪ -‬لماذا قطعت المهادنة السارية وامرت بالهجوم على )قصر بن قدين( ‪.‬‬
‫ج‪ -‬لنه منذ شهر ارسلت الى المارشال )بادوليو( ولم يجيبني عنها وبقيت بدون رد حتى الن‪.‬‬
‫يقول الجنرال ل أنت أردت قطع المهادنة لحاجة في نفسك وهاك الدليل وقييرأت لييه البيييان الييذي نشييره‬
‫فوق الجرائد المصرية بتوقيعه؟ولم يرد في بادئ المر وحنى رأسه مفكرًا ثم قال‪:‬‬
‫عمر المختار ‪ -‬نعم نشرت البيان في مصر بتوقيعي ولكن ليس هذا هو الدليل وإنمييا هييو عييدم تجيياوبكم‬
‫معنا في تنفيذ شروط الهدنة‪ ،‬ولم يزد شيئًا بل حنى راسه اعياء‪.‬‬
‫س‪ -‬هل أمرت بقتل الطيارين هوبر وبياتي‪.‬‬
‫ج‪ -‬نعم‪ :‬كل الخطاء والتهم في الواقع هي مسؤولية الرئيس والحرب هي الحرب‪.‬‬
‫الجنرال ‪ :‬قلت له هذا صحيح لو كان حربًا حقيقية ل قتل وسلب مثل حروبك‪.‬‬
‫عمر المختار‪ :‬هذا رأي‪ ،‬فيه إعادة نظر وانت اليذي تقيول هيذا الكلم ولزليت أكيرر ليك الحيرب هيي‬
‫الحرب‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬بموقفك في موقعة )قصربن قدين( ضيعت كل أمل وكل حق في الحصول على رحميية وعفييو‬
‫الحكومة اليطالية الفاشيستية‪.‬‬
‫عمر المختار‪ :‬مكتوب )كلمة لتفسير معنى القضاء والقدر في العقيدة السلمية( وعلى كل عنييدما وقييع‬
‫ي كانت معي ست طلقات وكان في استطاعتي أن أدافع عن نفسي وأقتييل كييل ميين‬
‫جوادي وألقي القبض عل ّ‬
‫ي وهو أحد الجنود من فرقة الصواري المتطوعين معكم وكان في إمكيياني‬
‫يقترب مني حتى الذي قبض عل ّ‬
‫كذلك أن أقتل نفسي‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬ولماذا لم تفعل؟‬
‫عمر المختار‪ :‬لنه كان مقدرًا أن يكون‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬ولكن قد تحقق فيما بعد إلقاء القبض عليه كانت بندقيته فوق ظهره وبسقوطه على الرض لييم‬
‫يستطيع نزعها وبالتالي لم يتمكن من استعمالها بسرعة وكذلك من أثر الجروح والكسر الييذي بيييده اليمنييى‬

‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة ‪ ،‬ص‪.280‬‬

‫وهذا في الحقيقة جدير بالعتبار والتقدير)‪.(1‬‬
‫وهذا اعتراف من السفاح إبان تجبره وطغيانه ونشوة انتصاره يعترف بقييوة عميير المختييار ويقييدر فيييه‬
‫بطولته وجهاده التي لم يرلها مثيل وقال شوقي رحمه ال في رثاء عمر المختار مايجسد هذا الموقف‪:‬‬
‫جرح يصيح على المدى وضحيه‬
‫تلتمس الحرية الحمراء)‪(2‬‬
‫عمر المختار‪ :‬كما ترى أنا طاعن في السن على القل اتركني بأن أجلس ‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬أشرت له فجلس على كرسيه أمام مكتبي وفي هذه الثناء ظهر لي وجهه بوضوح وقيد زاليت‬
‫رهبة الموقف وقد تأملته جانبيًا فرأيت بعض الحمييرار فييي وجهييه وبييدأت أفكيير كيييف كييان يحكييم ويقييود‬
‫المعارك‪ .‬وبينما هو يتكلم كانت نظراته ثابتة الى المام وصوته نابع ميين أعميياقه ويخييرج ميين بييين شييفتيه‬
‫بكلمات ثابتة وبكل هدوء وفكرت ثانية هذا هو القديس‪ ،‬لن كلمه عن الدين والجهيياد يييدل بكييل تأكيييد أنييه‬
‫مؤمن صادق يتكلم عن الدين بكل حماس وتأثر ‪ .‬ثم قلت له فجأة‪ :‬بمالك من نفوذ وجياه كيم ييوم يمكنييك أن‬
‫تأمر العصاة )يعني المجاهدين( بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا اسلحتنا وينهوا الحرب‪.‬‬
‫ل‪ :‬وبدون جدوى نحن الثوار‬
‫عمر المختار‪ :‬مجيبًا أبدًا كأسير ليمكنني أن أعمل أي شيء واستطرد قائ ً‬
‫سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الخر ولنسّلم أو نلقى السلح وأنا هنا لم يسبق لي أن استسييلمت‬
‫هنا على ماأظن حقيقي وثابت عندكم‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬قلت له وانا متماسك يمكن ذلك لو تم تعارفنا في وقت سابق والخبرة طويلة التي أخذتها عليكم‬
‫لكان علينا ان نصل الى احسن حال في سبيل تهدئة البلد وازدهارها‪.‬‬
‫)عمر المختار( ‪ :‬رفع حاجيبه بكل عمق وبصوت جهوري‪ ،‬وثابت قال‪ :‬ولم ل يكن اليوم هو ذلك اليوم‬
‫الذي تقول عنه‪.‬‬
‫الجنرال‪ :‬فأجبته‪ :‬لقد فات الوان‪.‬‬
‫وعند هذا الحد رأيت ان نوقف المحادثة فيما بيننا ربما عمر المختار فكر في تلييك اللحظيية أن الحكوميية‬
‫اليطالية ستبعثه الى الجبل من أجل أن يسّلم أتباعه السلح ويخضعوا الى سلطتنا ولكن ل ‪ :‬لقد قالهييا منييذ‬
‫لحظات بأنهم يموتون جميعًا ولن يستسلموا وعليه لقد فات الوان وقلتها بنفسييك ل فييائدة ميين المحاوليية إن‬
‫المل الذي لح منذ قليل قد انهار ولم يعد ‪ .‬ثم قلت له‪ :‬هل تعرف هذه وعرضت عليه نظاراته في إطارها‬
‫الفضي‪.‬‬
‫عمر المختار‪ :‬نعم إنها لي وقد وقعت مني اثناء احدى المعارك وهي معركة )وادي السانية(‪.‬‬
‫)الجنرال( فأجبته‪ :‬منذ ذلك اليوم اقتنعت بأنك ستقع أسيرًا بين يدي‪.‬‬
‫عمر المختار‪ :‬مكتوب ‪ :‬هل ترجعها لي لني لم أعد أبصر جيدًا بدونها‪.‬‬
‫واستطرد يقول ولكن ما الفائدة منها الن هي وصاحبها بين يديك‪.‬‬
‫)الجنرال( قلت له‪ :‬مرة اخرى أنت تعتبر نفسك محميًا من ال تحارب من أجل قضية مقدسة وعادلة؟‬
‫)عمر المختار( نعم وليس هناك أي شك في ذلك‪ .‬قال ال تعالى‪ } :‬قل ليين يصيييبنا إل ميياكتب الي لنييا{‬
‫صدق ال العظيم‪.‬‬
‫إذًا استمع الى ماأقوله لك‪ .‬أمام قواتي المسلحة ميين نييالوت الييى الجبييل الخضيير فييي برقيية كييل مشييايخ‬
‫ورؤساء العصاة )يعني رؤساء المجاهدين( منهم من هرب ومنهم من قتل في ميدان القتييال ولييم يقييع منهييم‬
‫أي احد حيًا في يدي أليس من العجيب أن يقع أسيرًا بين يدي حيًا من كان يعتبر اسييطورة الزميين الييذي لييم‬
‫يغلب ابدًا المحمي من ال دون سواه؟؟‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.280،281،282‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬تعليق المترجم‪ ،‬ابراهيم بن عامر ‪ ،‬ص‪.282‬‬

‫)عمر المختار( تلك مشيئة ال ‪ ...‬قالها بصوت يدل على قوة وعزم‪.‬‬
‫)الجنرال( قلت له‪ :‬الحياة وتجاربها تجعلني أعتقد وأؤمن بأنييك كنييت دائميًا قوييًا ولهييذا فييإني أتمنييى أن‬
‫تكون كذلك مهما يحدث لك ومهما تكن الظروف‪.‬‬
‫)عمر المختار( عندما وقف ليتهيأ للنصراف ‪ ،‬كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط بييه فييارتعش‬
‫قلييبي ميين جلليية الموقييف أنييا الييذي خيياض المعييارك والحييروب العالمييية ‪ ،‬والصييحراوية ‪ ،‬ولقبييت باسييد‬
‫الصحراء‪ ،‬ورغم هذا فقييط كييانت شييفتاي ترتعشييان ولييم اسييتطع أن أنبييس بحييرف واحييد فييأنتهت المقابليية‬
‫وأمرت بإرجاعه الى السجن لتقديمه للمحاكمة في المساء وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصييافحتي ولكنييه‬
‫لم يتمكن لن يديه كانت مكبلة بالحديد‪.‬‬
‫ي وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير)‪.(1‬‬
‫لقد خرج من مكتبي كما دخل عل ّ‬
‫قال شوقي رحمه ال‪:‬‬
‫واتى المير يجر ثقل حديده‬
‫أسد يجرجر حية رقطاء‬
‫سادسًا‪ :‬محاكمة عمر المختار رحمه ال ‪:‬‬
‫في الساعة الخامسة مساًء في ‪ 15‬سبتمبر ‪1931‬م جرت تلك المحاكمة التي أعد لها الطليان مكان بنيياء‬
‫ل وموضوعًا‪.‬‬
‫)برلمان برقة( القديم وكانت محاكمة صورية شك ً‬
‫ودليل ذلك أن الطليان قبحهم ال كانوا قبل بدء المحاكمة بيييوم واحييد قييد أعييدوا )المشيينقة( وانتهييوا ميين‬
‫ترتيبات العدام وتنفيذ الحكم قبل صدوره‪ ،‬وإنك لتلمس ذلك في نهاية الحديث الذي دار بييين البطييل وبييين‬
‫غراسياني حيث قال له )إني لرجو أن تظل شجاعًا مهما حدث لك أو نزل بك(‪.‬‬
‫وإنها لكلمات تفوح بالخبث والدناءة والشماتة‪ ،‬ومعناها إنك يامختار سييوف تعييدم شيينقًا‪ ،‬فل تجبيين أمييام‬
‫المشنقة ولشك عندي لو كان غراسياني في موقف شيخنا لمييات ميين الجبيين قبييل أن يسيياق للمشيينقة ولكيين‬
‫شيخنا الجليل وأستاذنا الكريم وقائد الجهاد يزداد سموًا بعد سمو ثم يقول )إن شاء ال(‪.‬‬
‫ل بالحديد‪،‬‬
‫ويصف الدكتور العنيزي ذلك فيقول )جاء الطليان بالسيد عمر المختار إلى قاعة الجلسة مكب ً‬
‫وحوله الحرس من كل جانب ‪ ..‬وكان مكاني في القاعة بجوار السيد عمر وأحضر الطليان أحييد التراجميية‬
‫الرسميين واسمه نصرت هرمس )فلما افتتحت الجلسة وبدأ استجواب السيييد‪ ،‬بلييغ التييأثر بالترجمييان‪ ،‬حييدًا‬
‫جعله ليستطيع إخفاء تأثره وظهر عليه الرتباك‪ ،‬فأمر رئيس المحكمة بإستبعاده وإحضار ترجمييان آخيير‬
‫فوقع الختيار على أحد اليهود‪ ،‬وهو لمييبروزو‪ ،‬ميين بييين الحاضييرين فييي الجلسيية )وقييام لمييبروزو بييدور‬
‫المترجم‪ ،‬وكان السيد عمر رحمه ال جريئًا صريحًا‪ ،‬يصييحح للمحكميية بعييض الوقييائع‪ ،‬خصوصيًا حييادث‬
‫الطيارين اليطاليين أوبر وبياتي)‪.(2‬‬
‫وبعد استجواب السيد ومناقشته وقف المدعي العام بيدندو‪ ،‬فطلب الحكم على السيد بالعدام‪.‬‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.285‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.153،154،155‬‬

‫)وعندما جاء دور المحامي المعهود إليه بالدفاع عن السيد عميير وكييان ضييابطًا إيطالييًا يييدعى الكييابتن‬
‫لونتانو‪ ،‬وقف وقال‪) :‬كجندي ل أتردد البته إذا وقعييت عينيياي علييى عمير المختيار فييي ميييدان القتيال‪ ،‬فييي‬
‫إطلق الرصاص عليه وقتله وافعل ذلك كإيطالي أمقته وأكرهه‪ ،‬ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلييب‬
‫ل من العدام نفسه‪ ،‬وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظيرًا لكيبر‬
‫حكمًا‪ ،‬هو في نظري أشد هو ً‬
‫سنه وشيخوخته(‪.‬‬
‫وعندئذ تدخل المدعي العمومي‪ ،‬وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعييه ميين‬
‫إتمام مرافعته مستندًا في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع‪ ،‬وليس مين حقيه أن يتكليم عين كيبر‬
‫سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة)‪ ،(1‬أميير القاضييي المحييامي بييأن ليخييرج عيين الموضييوع‬
‫ويتكلم بإيجاز‪ ،‬وهنا تكلم المحامي بحدة وقال‪ :‬إن عمر المختييار الييذي هييو أمييامكم وليييد هييذه الرض قبييل‬
‫وجودكم فيها ويعتبر كل من احتلها عنوة عدو له ومن حقه أن يقاومه بكيل مايمليك مين قيوة حيتى يخرجيه‬
‫منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته لييه الطبيعيية والنسييانية‪ ،‬وهنييا كييثر الصييياح ميين الحاضييرين بييإخراج‬
‫ل العدالة الحقة‬
‫المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام‪ .‬ولكن المحامي استمر قائ ً‬
‫لتخضع لي سلطان ول لية غوغاء وإنما يجييب أن تنبييع مين ضييميرنا وإنسييانيتنا وهنييا قييامت الفوضييى‬
‫خارج المحكمة‪ ،‬وقام المدعي العام محتجًا على المحامي‪ ،‬ولكن المحامي استمر في دفاعه غير مبييال بكييل‬
‫ل‪ :‬إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتيدبت مين سيوء حظييي أن‬
‫هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائ ً‬
‫أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السييبعين سيينة وإنييي أطلييب ميين‬
‫عدالة المحكمة أن تكون رحيمة من )تحقيق( العقوبة عنه لنيه صياحب حيق وليضير العدالية إذا انصيفته‬
‫بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لنه ليرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل مايحدث في‬
‫هذا العالم المضطرب وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه‪.‬‬
‫ل‪ :‬سيدي القاضي حضرات المستشارين لقييد حييذرت المحكميية ميين‬
‫ولكن المحامي استمر في دفاعه قائ ً‬
‫ل طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صيياحب الحييق‬
‫مغبة العالم النساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إ ّ‬
‫من الذود عن أرضه ودينه وشكرًا(‪.‬‬
‫وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قيياطعه القاضييي برفييع الجلسيية للمداوليية وبعييد مضييي فييترة‬
‫قصيرة من النتظار دخل القاضي والمستشاران والمييدعي العييام بينمييا المحييامي لييم يحضيير لتلوة الحكييم‬
‫القاضي بإعدام عمر المختار شنقًا حتى الموت وعندما ترجم الحكم إلى عميير المختييار قهقييه بكييل شييجاعة‬
‫ل الحكم حكم ال لحكمكم المزيف ‪ -‬إنا ل وإنا إليه راجعون)‪.(2‬‬
‫قائ ً‬
‫وأراد رئيس المحكمة أن يعييرف ماقيياله السيييد عميير ‪ ..‬فسييأل الترجمييان أن ينقييل إلييه عبييارته‪ ،‬ففعييل‪،‬‬
‫وعندئذ‪ ،‬بدا التأثير العميق على وجوه اليطاليين أنفسهم الذين حضروا هذه المحكميية الصييورية وأظهييروا‬
‫إعجابهم لشجاعة شيخ المجاهدين بليبيا الحبيبة وبسالته في آن واحد‪.‬‬
‫وأما المحكمة‪ ،‬فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب‪ ،‬من الساعة‬
‫الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع وكذلك قضييت إرادة الي تعييالى أن يتحكييم الطليييان فييي مصييير‬
‫البطل‪ ،‬لتتم الرادة اللهية وتمضي الحكمة الربانية)‪.(3‬‬
‫}وربك يخلق مايشاء ويختار ماكان لهم الخيرة سبحان ال وتعيالى عّميا يشيركون{ )سيورة القصيص‪،‬‬
‫آية ‪.(68‬‬
‫ل بإذن ال ومن يؤمن بال يهد قلبه وال بكل شيء عليم{ )سيورة التغيابن‪ :‬آيية‬
‫}ما أصاب من مصيبة إ ّ‬
‫‪.(110‬‬
‫سابعًا‪ :‬إعدام شيخ الجهاد في بلدنا الحبيبة‪:‬‬
‫وفي يوم ‪ 16‬سبتمبر من صباح يوم الربعاء من سنة ‪ 1931‬عند الساعة التاسييعة صييباحًا نفييذ الطليييان‬
‫في )سلوق( جنوب مدينة بنغازي حكم العدام شنقًا في شيخ الجهاد وأسد الجبل الخضر بعد جهاد طويييل‬
‫ومرير ‪.‬‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.155‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.286،287‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.156،157‬‬

‫ودفعت الخسة باليطاليين أن يفعلوا عجبًا في تاريخ الشيعوب ‪ ،‬وذليك انهيم حرصيوا عليى ان يجمعيوا‬
‫حشدًا عظيمًا لمشاهدة التنفيذ فأرغموا أعيان بنغازي‪ ،‬وعددًا كبيرًا من الهالي ميين مختلييف الجهييات علييى‬
‫حضور عملية التنفيذ فحضر مال يقل عن عشرين الف نسمة ‪ .‬على حيد قيول غراسيياني فيي كتياب برقية‬
‫الهادئة)‪.(1‬‬
‫ويقيول الييدكتور العنيييزي ) لقييد ارغييم الطليييان الهييالي والعيييان المعتقلييين فييي معسييكرات العتقييال‬
‫والنازلين في بنغازي على حضور المحاكمة‪ ،‬وحضور التنفيييذ وكنييت احييد اولئك الييذين ارغمهييم الطليييان‬
‫على المحاكمة‪ ،‬ولكني وقد استبد بي الحزن شأني في ذلك شأن سائر ابناء جلدتي‪ ،‬لييم اكيين اسييتطيع رؤييية‬
‫البطل المجاهد على حبل المشنقة فمرضت‪ ،‬ولم يعفني الطليان من حضور التنفيذ في ذلك اليييوم المشييئوم‪،‬‬
‫ال عندما تيقنوا من مرضي وعجزي عن الحضور ‪.‬‬
‫ويالها من ساعة رهيبة تلك التي سار المختار فيها بقدم ثابتة وشجاعة نادرة وهو ينطق بالشهادتين الييى‬
‫حبل المشنقة ‪ ،‬وقد ضل المختار يردد الشهادتين أشهد ان لاله ال ال ‪ ،‬وأشهد ان محمد رسول ال‪.‬‬
‫لقد كان الشيخ الجليل يتهلهل وجه استبشارًا بالشهادة وارتياحًا لقضاء ال وقدره‪ ،‬وبمجرد وصييوله الييى‬
‫موقع المشنقة اخذت الطائرات تحلق في الفضاء فوق ساحة العدام على إنخفاض‪ ،‬وبصيوت ميدوي لمنيع‬
‫الهالي من الستماع الى عمر المختار اذا ربما يتحدث اليهم او يقول كلمًا يسمعونه وصعد حبل المشيينقة‬
‫في ثبات وهدوء ‪.‬‬
‫وهناك اعمل فيه الجلد حبل المظالم فصعدت روحه الطاهرة الى ربهييا راضييية مرضييية ‪ ،‬هييذا وكييان‬
‫الجميع من اولئك الذين جاءوا يساقون الى هذا المشهد الرهيييب ينظييرون الىالسيييد عميير وهييو يسييير الييى‬
‫المشنقة بخطى ثابتة‪ ،‬وكانت يداه مكبلتين بالحديد وعلى ثغره ابتسامة راضية‪ ،‬تلييك البتسييامة الييتي كييانت‬
‫بمثابة التحية الخيرة لبناء وطنه‪ ،‬وقد سمعه بعض المقربين منه ومنهم ليبيون أنييه صييعد سييللم المشيينقة‬
‫وهو يؤذن بصوت هادئ آذان الصلة وكان أحييد المييوظفين الليييبيين ميين أقييرب الحاضييرين إليييه‪ ،‬فسييمعه‬
‫عندما وضع الجلد حبل المشنقة فيي عنقيه يقيول‪} :‬ييا أيتهيا النفيس المطمئنية ارجعيي اليى ربيك راضيية‬
‫مرضية{ )سورة الفجر‪ :‬آية ‪.(27،28‬‬
‫لقد استجاب ال دعاء الشيخ الجليل وجعل موته فيي سيبيل عقييدته ودينيه ووطنيه لقيد كيان يقيول اللهيم‬
‫اجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة()‪.(2‬‬
‫ويقول شاعر القطرين خليل مطران‪:‬‬
‫أبيت والسيف يعلو الرأس تسليمًا‬
‫وجدت بالروح جود الحر أن ضيما‬
‫ل ياعمر المختار حكمته‬
‫في ان تلقي مالقيت مظلوما‬
‫ان يقتلوك فما ان عجلوا أجل‬
‫قد كان مذ كنت مقدورًا ومحتوما‬
‫ولقد رثاه الشعراء وتكلم في تأبينه الدباء والكتاب ولو تتبعنا ذلك لوجدناها أكثر من مجلد)‪.(3‬‬
‫ونختم استشهاد عمر المختار رحمه ال بقول ال تعالى ‪} :‬وماكان لنفييس أن تمييوت إل بييإذن الي كتابيًا‬
‫مؤجل ومن يريد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الخرة نؤتها منها وسنجزي الشيياكرين وكييأين ميين‬
‫نبي قاتل معه ربيييون كييثير فمييا وهنيوا لمييا أصييابهم فييي سييبيل الي وماضييعفوا ومييا اسييتكانوا والي يحييب‬
‫الصابرين{ )سورة آل عمران ‪ :‬آية ‪.(145‬‬
‫ومن سيرة عمر المختار العطرة نستخلص دروسًا وعبرًا تفيدنا كثيرًا في حياتنا المعاصييرة ليييس عميير‬
‫المختار رحمه ال أول من جاهد ول أول من استشهد ولكن كييان حيياله كمييا قييال تعييالى ‪} :‬الييذين قييال لهييم‬
‫الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا ال ونعم الوكيل{ )سييورة آل عمييران ‪:‬‬
‫آية‪.(172‬‬
‫ومفتاح شخصيته الفذة إنه آمن بال واستقرت معانيه في قلبه فأصبح ليخشى إل ال وهذا الصيينف ميين‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.288‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.159،160‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬ابراهيم سالم بن عامر مترجم برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.289‬‬

‫المسلمين هو اقوى ماعرفته البشرية وهو النسان الحر في أعلى معاني الحرية‪.‬‬
‫جرد قلبه من الوهام ومن الشركيات والضلل ومن الشبهات والشيهوات وخليص قلبيه مين كيل ظلمية‬
‫تحيل بينه وبين دخول التوحيد الصحيح إليه‪ ،‬كان كثير المراقبة ل‪ ،‬ومن هنييا كييان شييديد الخييوف ميين الي‬
‫ل لتوفيق ال ولذلك كان راسخًا كالجبل الشم)‪.(1‬‬
‫يعلم إنه شديد العقاب وخوفه من ال جعله اه ً‬
‫فالفريد في سيرته ‪ ،‬إنه أحيا شيئًا كاد يندثر ‪ ،‬أحيا معاني اليمان التي كييان النيياس قييد بييدأوا ينصييرفون‬
‫عنها إنه بنيان اسس على التقوى فعاش مباركًا في حياته وفي مماته‪.‬‬
‫والعبرة الثانية ‪ ،‬إنه كان داعيا الى ال بإذنه ‪ ،‬تربى على ايدي دعاة السنوسييية فلمييا اكتمييل وترعييرع ‪،‬‬
‫ادى الرسالة وبلغ المانة وأنذر وبشر‪ ،‬وخيركم من تعلم القرآن وعلمه‪.‬‬
‫ل ليتجزأ‪ ،‬فل هو بالتدين المنحرف‪ ،‬ول هييو‬
‫والعبرة الخرى‪ ،‬إنه كان على فهم صحيح لدينه‪ ،‬يأخذ ك ً‬
‫بالتدين البعيد عن جوهر الدين ‪ ،‬وإنما هو رجل مؤمن‪ ،‬يعلم ان السييلم ليصييح أن يؤخييذ بعضييه ويييترك‬
‫بعضه‪ ،‬وإنما عليه أن يعمل به كله‪.‬‬
‫وكان في حرارة الشباب وحيويتهم رغم شيخوخته وتلك طبيعية المقاتلين في سبيل اليي‪ ،‬الييذين يخشييون‬
‫ال وليخشون أحدًا غيره والعبرة الخرى‪ ،‬انه لم يسييع للشييهرة ‪ ،‬لن المخلصييين ليبحثييون عيين الشييهرة‬
‫وإنما يبحثون عن رضى ال سبحانه وتعالى)‪.(2‬‬
‫ولذلك جعل ال له ذكرًا فييي الييدنيا ونسييأل الي أن يتغمييده برحمتييه فييي الخييرة إن اعييداءه الوروبيييين‬
‫اعجبتهم سيرته البطولية والكفاحية والجهادية فهيذه صيحيفة التيايمز البريطانيية فيي مقيال نشيرته فيي ‪17‬‬
‫سبتمبر سنة ‪1931‬م تحت عنوان نصر إيطالي‪) :‬حقييق اليطيياليون انتصييارًا خطيييرًا ونجاحيًا حاسييمًا فييي‬
‫حملتهم على المتمردين السنوسيين في برقة‪ ،‬فلقد أسروا وأعدموا الرجل الرهيب عمر المختار شيخ القبيلة‬
‫العنيف الضاري‪ (...‬ثم تستمر الصحيفة حتى تقول‪) :‬ومين المحتميل جيدًا أن مصييره سيشيل مقاومية بقيية‬
‫الثوار‪ ،‬والمختار الذي لم يقبل أي منحة مالية من ايطاليا‪ ،‬وأنفق كل ماعنده في سبيل الجهيياد وعيياش علييى‬
‫ماكان يقدمه له اتباعه‪ ،‬واعتبر التفاقيات مع الكفار مجرد قصاصات ورق ‪ ،‬كان محييل اعجيياب لحماسييته‬
‫واخلصه الديني ‪ ،‬انه كان مرموقًا لشجاعته)‪.(3‬‬
‫ل )كان عمر المختار مخلصًا وذكيًا‪ ،‬وكان عقل الثورة وقلبها ببرقة(‪.‬‬
‫وقد وصفه أحد اليطاليين قائ ً‬
‫وقال آخر‪ :‬كان انجازه رائعًا‪ ،‬فقد حارب إيطاليا الفاشستية تسع سنوات من حرب فدائية لم تكن ضعيفة‬
‫ل)‪.(4‬‬
‫في ذاتها وكان التحدي والتضحية والستشهاد بالنفس عند عمر المختار واتباعه شيئًا نبي ً‬
‫ونحن نقول‪:‬‬
‫والفضل ماشهدت به العداء‬
‫ومليحة شهدت لها ضراتها‬
‫لقد كانت حياة عمر المختار شيييخ المجاهييدين فييي الجبييل الخضيير بليبيييا مكرسيية كلهييا للعلييم والييدعوة‬
‫وتربية الناس على السلم والجهاد في سبيل ال وكان من رواد الحركة السنوسية فقضى حياته حين نادى‬
‫منادي الجهاد معتليًا صهوة جواده ممسكًا سلحه‪ ،‬لم يهادن ولم يستسلم بل قارع أعييداء دينييه مقارعيية النييد‬
‫للند رغم قلة المكانات ورغم عدم التكافؤ في العدد والعدة ولكنه استعلء اليمان وقوة اليقين‪ ،‬الييذي ازداد‬
‫صلبة وعمقًا في ميادين الجهاد وساحات المعارك‪ ،‬إن جهاد عمر المختار رحمه ال سيييظل معلميًا بييارزًا‬
‫ل على أن السييلم صيينع وليييزال نميياذج‬
‫في تاريخ ليبيا خاصة وتاريخ المة السلمية عامة وسيظل دلي ً‬
‫عظيمة من البطولت على مر العصور وعلى أن العطاء الحقيقي إنما هو عطاء اليمان)‪.(5‬‬
‫إن الشيخ الجليل عمر المختيار رحميه الي مدرسية تسيتحق الدراسية والبحيث فيي جيوانب متعيددة فيي‬
‫شخصيته العلمية والدعوية والتربوية والجهادية ويعليم الي ميا أعطييت الشييخ حقيه ول حيتى بعيض حقيه‬
‫وأحس إحساسًا عميقًا صادقًا في قرارة نفسي إنه أعظم مما كتبت وأجل مما توهمت وأفضييل ميين عايشييت‬
‫من سيرة أبطال الجهاد في ليبيا الحبيبة فعليه من ال الرحمة والمغفرة والرضوان وعليى إخيوانه المييامين‬
‫‪ ()1‬انظر ‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.190‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق نفسه‪ ،‬ص‪.194 ،193‬‬
‫‪ ()3‬من مجلة البيان العدد الخامس عشر ‪ ،‬ربيع الثاني ‪1409‬هم‪ ،‬ص‪.82‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬جون رأيت تاريخ ليبيا‪ ،‬ص‪.158‬‬
‫‪ ()5‬من مجلة البيان العدد الخامس عشر‪ ،‬ص‪.82،83‬‬

‫الكرام ونفعنا ال بسيرته الزكية العطرة النقية‪.‬‬
‫وهكذا يا أخي الكريم يصنع السلم من اتباعه في ميادين النزال وساحات القتال وكييذلك عنييد الوقييوف‬
‫أمام الطغاة والجلودة الظلمة‪ ،‬لن العقيدة تحركه ورعاية الي تحفيه وإن هييذه الوقفييات الخالييدة ميين سيييرة‬
‫شيخ الجهاد في ليبيا لحري بنا أن نكتبها بحروف من ذهييب ونعلمهييا للجيييال ونربييي عليهييا الشييبال لغييد‬
‫مشرق مجيد قد بدأت بوادره تلوح في عنان السماء ومظاهرها متجسدة في رجوع شعوب المسلمين لييدينها‬
‫مع مايحف هذا الرجوع من مخاطر عديدة من قبل اليهود والنصارى والملحدة والحكام الظلمة وأنيى لهيم‬
‫أن يطفؤا نور ال وال متم نوره ولو كره الكافرون‪.‬‬
‫فما علينا إل أن نستعين بال في تحقيق وتطبيق دينه على نفوسيينا وأسييرنا وميين حولنييا ثييم علييى النيياس‬
‫أجمعين‪.‬‬
‫قال تعالى‪} :‬وعد ال الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فييي الرض كمييا اسييتخلف الييذين‬
‫من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني ليشركون بي شيئا{‬
‫)سورة النور‪ :‬آية‪.(55‬‬
‫}ولينصرن ال من ينصره إن ال لقوي عزيز{ )سورة الحج‪ ،‬آية‪.(40‬‬
‫}من كان يريد العزة فال العزة جميعًا{ )سورة فاطر‪ ،‬آية‪.(10‬‬
‫ثامنًا‪ :‬بعض ماقيل في تأبين الشيخ عمر المختار من الشعر‬
‫أ‪ -‬قال أمير الشعراء أحمد شوقي‪:‬‬
‫يسيييتنهض اليييوادي صيييباح مسييياء‬
‫ركييزوا رفاتييك فييي الرمييال لييواء‬
‫يييا ويحهييم نصييبوا منييارًا ميين دم‬

‫يييوحي إلييى جيييل الغييد البغضيياء‬

‫ماضر لو جعلييوا العلقيية فييي غييد‬

‫بييييين الشييييعوب مييييودة وإخيييياء‬

‫جرح يصيح على المدى وضييحية‬

‫تتلميييييييس الحريييييييية الحميييييييراء‬

‫يييا أيهييا السيييف المجييرد بييالفل‬

‫يكسو السيوف على الزمييان مضيياء‬

‫تلييك الصييحارى غمييد كييل مهنييد‬

‫أبلييييى فأحسيييين فييييي العييييدو بلء‬

‫وقبييور مييوتى ميين شييباب أمييية‬

‫وكهييييولهم لييييم يييييبرحوا إحييييياء‬

‫ليييو لذ بيييالجوزاء منهيييم معقيييل‬

‫دخليييوا عليييى أبراجهيييا الجيييوزاء‬

‫فتحيييوا الشيييمال سيييهوله وجبييياله‬

‫وتوغليييوا فاسيييتعمروا الخضيييراء‬

‫وبنييوا حضييارتهم فطيياول ركنهييا‬

‫دار السييييييلم وجلييييييق الشييييييماء‬

‫خيرت فأخترت المبيت على الطو‬

‫لييييم تبيييين جاهييييا أو تلييييم ثييييراء‬

‫إن البطولة أن تموت على الضييما‬

‫لييييس البطولييية أن تعيييب المييياء‬

‫افريقييييا مهيييد السيييود ولحيييدها‬

‫ضييييجت عليييييك أراجل ونسيييياء‬

‫والمسلمون على اختلف ديييارهم‬

‫ليملكيييون ميييع المصييياب عيييزاء‬

‫والجاهلييييية ميييين وراء قبييييورهم‬

‫يبكييييون زيييييد الخيييييل والفلحيييياء‬

‫فيييي ذمييية الييي الكرييييم وحفظيييه‬

‫جسييييد ببرقيييية وسييييد الصييييحراء‬

‫لم تبق منه رحييى الوقييائع أعظمييا‬

‫تبليييى‪ ،‬وليييم تبيييق الرمييياح دمييياء‬

‫كرفيييات نسييير أو بقيييية ضييييغم‬

‫باتييييييا وراء السييييييافيات هبيييييياء‬

‫بطل البييداوة لييم يكيين يغييزو علييى‬

‫)تنييك( ولييم يييك يركييب للجييواء‬

‫لكيين أخييو خيييل حمييى صييهواتها‬

‫وأدار مييييين أعرافهيييييا الهيجييييياء‬

‫لبى قضاء الرض أمسييى بمهجيية‬

‫لييييم تخييييش إل للسييييماء قضيييياء‬

‫وفيييياه مرفييييوع الجييييبين كييييأنه‬

‫سيييقراط جييير إليييى القضييياة رداء‬

‫شييييخ تماليييك سييينه ليييم ينفجييير‬

‫كالطفييل ميين خييوف العقيياب بكيياء‬

‫وأخييو أمييور عيياش فييي سييرائها‬

‫فتغيييييييرت فتوقييييييع الضييييييراء‬

‫السد تزأر في الحديد‪ ،‬ولن تييرى‬

‫في السجن ضرغاما بكييى اسييتخذاء‬

‫وأتييى السييير يجيير ثقييل حديييده‬

‫أسييييد يجرجيييير حييييية رقطيييياء‬

‫عضييت بسيياقيه القيييود فلييم ينييوء‬

‫ومشييييت بهيكلييييه السيييينون فنيييياء‬

‫سبعون لييو ركبييت منيياكب شيياهق‬

‫لييييييترجلت هضييييييباته أعييييييياء‬

‫خفيت عن القاضي‪،‬وفات نصيبها‬

‫مييييين رفيييييق جنيييييد قيييييادة نبلء‬

‫والسيين تعطييف كييل قلييب مهييذب‬

‫عييييرف الجييييدود وأدرك البيييياء‬

‫دفعييوا إلييى الجلد أغلييب ماجييدا‬

‫يأسييو الجيييراح ويطليييق السيييراء‬

‫ويشيياطر القييران ذخيير سييلحه‬

‫ويصيييف حيييول خيييوانه العيييداء‬

‫وتخييييروا الحبيييل المهيييين منيييية‬

‫لليييييث يلفييييظ حييييوله الحوبيييياء‬

‫حرمييوا الممييات علييى الصييوارم‬
‫والقنا‬
‫إنييي رأيييت يييد الحضييارة أولغييت‬

‫ميين كييان يعطييي الطعنيية النجلء‬
‫بيييييالحق هيييييدما تيييييارة وبنييييياء‬

‫شرعت حقوق الناس في أوطانهم‬

‫إل ُأبيييييات الضييييييم والضيييييعفاء‬

‫يييا أيهييا الشييعب القريييب أسييامُع‬

‫فأصييوغ فييي عميير الشييهيد رثيياء‬

‫أم الجمت فاك الخطوب وحرمييت‬

‫ب الصيييغاء‬
‫خييياط ُ‬
‫أذنييييك حيييين ت ُ‬

‫ذهب الزعيم وأنت باق خالُد‬

‫فانقيييد رجاليييك واخيييتر الزعمييياء‬

‫وأرح شيوخك من تكيياليف اليوغى‬

‫وأحمييل علييى فتيانييك العبيياء)‪(1‬‬

‫ب‪ -‬قال الستاذ نعمان عبدالوهاب ناظر مدرسة لملوم بمغاغة بمصر وذلك بمناسبة أول ذكرى للشييهيد‬
‫قام بها الليبيون أثناء الحرب العالمية الثانية‪:‬‬
‫وأسيييى ليييه صيييلد الصيييخور يليييي‬
‫ذكيييرى بهيييا أليييم النفيييوس دفيييين‬
‫ن‬
‫ونييييداء قطيييير بييييالفلة سييييجين‬
‫وسييقام شييعب فييي رفيياة ضييحية‬
‫ودمييوع ثكلييى ميين دم أذراعهييا‬

‫)سيييفاح برقييية( والرحييياب أميييين‬

‫صيياحت علييى بطييل يسيياق مكبل‬

‫إذ قال‪ :‬عرضي‪ ،‬والحمييى‪ ،‬والييدين‬

‫فارتيييياع شييييعب أعييييزل لكمييييا‬

‫فييي كييل ركيين فييي البلد عرييين‬

‫من واحت الجغبوب قييامت أسييرة‬

‫بيييييال يربطهيييييا هيييييدى ويقيييييين‬

‫بييييت الميييارة والمهابييية والتقيييى‬

‫والعيييزم ماجيييدت هنييياك شيييئون‬

‫فاصييطفت البطييال تحييت لوائهييا‬

‫وتجييييييرد الهنييييييدي والمسيييييينون‬

‫والسييييد المهيييدي ييييذكى نارهيييا‬

‫بييييالحزم والقييييدام ضييييل يييييبين‬

‫يسييتنهض الفرسييان فييي سيياحتها‬

‫والشيييييعب منقييييياد لييييه ورهييييين‬

‫يسييتعذبون المييوت فييي إرضييائها‬

‫فييي حييب برقيية يضييحك المطعييون‬

‫عشييرون عاميًا فييي الجهيياد بهميية‬

‫ليييم تكتحيييل فيهيييا المنيييام جفيييون‬

‫صبر اللى فتحييوا ممالييك قيصيير‬

‫وتسييوروا اليييوان وهييو حصييين‬

‫لييو كييان للسييلم سييالف عهييده‬

‫والجيييار للجيييار الضيييعيف معيييين‬

‫مابات أبطال الجهاد على الطييوى‬

‫يسيييتنجدون الشيييرق وهيييو ضييينين‬

‫يييالهف نفسييي كيييف سييار بغلييه‬

‫ميين كييان للسييرج الرهيييب يزييين‬

‫عمر بيين مختييار الشييهيد ومين لييه‬

‫فيييي كيييل قليييب لوعييية وحنيييين‬

‫فختيييامه يحكيييي نهايييية )جعفييير(‬

‫حيييتى حليييى ليييي فيهميييا التيييأبين‬

‫عينيياه قييد رأت الحصييان مجنييدل‬

‫والجييو أطبييق والرصيياص هتييون‬

‫والسيف في اليمنى وإن قطعت فما‬

‫يلقيييييه حييييتى أن يحييييين الحييييين‬

‫مييين كيييان لييي القيييدير جهييياده‬

‫والحيييييق يعليييييم أنيييييه المغبيييييون‬

‫لينثني عن عزمييه والمييوت فييي‬

‫حبيييل المشيييانق جييياثم مرهيييون‬

‫ميييارّد إل حييييث قيييال قضييياتهم‬

‫نعم‪ ،‬وفي الصييوت الجهييور رنييين‬

‫فاضت على حبل المظييالم روحييه‬

‫واليييي قييييدر مييييا عليييييه تكييييون‬

‫دار السنوسييييي لقنييييت أشييييبالها‬

‫مييييوت المعييييزة بالكميييياة قمييييين‬

‫‪ ()1‬العمال الشعرية الكاملة‪ ،‬احمد شوقي )‪.(2/18،19‬‬

‫فالصييبر ياشييعب الجهيياد فضيييلة‬

‫يامرسييل الشييكوى وأنييت حزييين‬

‫لزال رب الييييدار ليثييييا رابضييييا‬

‫ان غيياب عنهييا ليييس عنييك يييبين‬

‫لزال ادرييييس اليييوفي بعهيييدكم‬

‫والحيييير للعهييييد النزيييييه يصييييون‬

‫لزال يسيييييعى للخلص بفتيييييية‬

‫منكم‪ ،‬وقد سيهرت علييه عييون)‪(1‬‬

‫ج‪-‬وقال أحد الشعراء الليبيين الستاذ أبو الخير الطرابلسي‪:‬‬
‫وثييوى الحيير فييي مهيياوي الظلم‬
‫دك طيييود الجهييياد باسيييم السيييلم‬
‫وأبييييييدت معيييييالم الحيييييق لميييييا‬

‫زليييزل المييين فيييي ربيييوع النيييام‬

‫وأميتييييت مبييييادئ الييييدين كفييييرا‬

‫وأزيليييييييت منيييييييارة السيييييييلم‬

‫وأقيميييت مجيييازر الثيييم والبغيييي‬

‫ي‪ ،‬وزليييييت ميييييواطئ القيييييدام‬

‫وتحييامت عناصيير الظلييم والعييدوا‬

‫ن‪ ،‬فهييييييدت دعييييييائم القييييييدام‬

‫ليييت تلييك السييماء تحكييي فييتروي‬

‫كييييييف حيكيييييت ميييييؤامرات اللئام‬

‫لييييت هيييذا الدييييم ينشيييق تيييوا‬

‫فيييييييواري مخلفييييييات الطغييييييام‬

‫يهييييذا الشييييهيد!‪ .‬مييييا أنييييت إل‬

‫طييارف العييز‪ ..‬تالييد المجييد‪ ..‬سييامي‬

‫أيهييييذا الشييييهيد!‪ .‬مييييا أنييييت إل‬

‫قييدوة لجيييش‪ ..‬فييي اللييواء المييامي‬

‫خصيييك الييي بالعزيمييية والصبيييي‬

‫ر‪ ،‬وخيييييص الطغييييياة بالحجيييييام‬

‫خصيييك الييي بالعقييييدة والطهيييي‬

‫ر‪ ،‬وخيييييييص اليييييييدناة بالثيييييييام‬

‫أمييييم الرض ‪ ...‬طأطييييأت فييييي‬
‫احترام‬
‫أمييييم الرض‪ ...‬قلييييدتهم هوانييييا‬

‫رأسييييها‪ ..‬ييييياجلل هييييذا المقييييام‬
‫وازدراء بهييييييم أحييييييط وسييييييام‬

‫أيهييييذا الشييييهيد قييييدمت شيييينقا‬

‫بييييد الغيييدر‪ .‬ذقيييت كيييأس الحميييام‬

‫فتيييوارت غزالييية الصيييبح حزنيييا‬

‫واختفييى البييدر فييي ليييالي التمييام‬

‫خالييد أنييت‪ ...‬رغييم أنييف المنايييا‬

‫)عميير( أنييت‪ ...‬والييردى تتعييامى‬

‫ان تناسييييوك‪ ،‬فالثمييييانون عامييييا‬

‫ليييس ينسييى علييى مييدى العييوام‬

‫كللييييت كاهليييييك بييييالعزم تاجييييا‬

‫فتييييوثبت قيييياهرًا فييييي اعتصييييام‬

‫ماتحييييدوك ‪ ..‬إنمييييا قييييد تحييييدا‬

‫ك القضييا‪ ..‬بييالردى ونصيل الختيام‬

‫انهيييييم البسيييييوك حلييييية فخييييير‬

‫ثيييم أعليييوك فيييوق أسيييمى مقيييام‬

‫طوقيييوا جييييدك الغييير وغطيييوا‬

‫جسيييييمك الحييييير‪ ..‬خيفييييية اليلم‬

‫سنة الغييدر‪ ..‬رحميية الييذئب بالشييا‬

‫ة‪ ،‬وخبيييث الجبيييان فيييي اليهيييام‬

‫ارجحوا جسمك الضعيف فضجت‬

‫فيييييي العيييييالي ملئك السيييييلم‬

‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار للشهب‪ ،‬ص‪.187،188‬‬

‫وعيييووا كاليييذئاب‪ :‬هييييا تعيييالوا‬

‫فاشييهدوا مصييرع الزعيييم الهمييام‬

‫فيييأبوا‪ .‬ثيييم سييييق قهيييرا وجليييدا‬

‫ميين تييأبى حضييور ملقييى الييزوام‬

‫ثييم دقييوا الطبييول للمييوت تييدوى‬

‫صييارخات علييى العييدا كييل عييام‬

‫لعنييية الييي‪ ..‬لعنييية الحيييق صيييبي‬

‫بشييييواظ علييييى الكييييوافر جييييامي‬

‫لعنة الكهييل ‪ ..‬لعنيية الطفييل والخييد‬

‫ر ولعنييييية الثييييياكلت اليييييدوامي‬

‫لعنيييات عليييى الجنييياة السيييفالى‬

‫دائمييييات إلييييى نشييييور العظييييام‬

‫يييا أخييي! عييبرة الخطييب هيياجت‬

‫فأفاضيييت لنيييا اليييدموع الهيييوامى‬

‫وليييغ القيييوم فيييي اليييدما فأثييياروا‬

‫ديييييدن الحقييييد‪ ،‬مبعييييث النتقييييام‬

‫ردد اللحييين هائجيييًا مائجيييًا مسيييي‬

‫تفيييض الشييعور صيياخب النغييام‬

‫ياجهييياد الشييييوخ يافيييداء الشيييبا‬

‫ب يييييا حييييثيث النسيييياء للقحييييام‬

‫يادعيييياة السييييلم صييييمتا فانييييا‬

‫قييييد شييييهدنا مفاصييييل العييييدام‬

‫قييد شييهدنا قييذائف المييوت تعييوي‬

‫هاوييييييات عليييييى رؤس الشيييييهام‬

‫فشييييهيد يميييييل فييييوق شييييهيد‬

‫ودمييييياء تفيييييور فيييييوق رغيييييام‬

‫يارييييياح الفنيييياء! هييييبي وذري‬

‫فيييي الميييآقي قيييذى القنيييا والسيييهام‬

‫وارقصييي ثييورتي وميييدي جنونييا‬

‫واطربيييي ييييافتوتي! لييين تضيييامي‬

‫وتمطيييى عزيميييتي للعل واستيييي‬

‫زري ناطح السييحب شيياهق الكييام‬

‫رب شيييعب عييين المعيييالي قعييييد‬

‫خيييانه العيييزم بيييالوغى والسيييقام‬

‫ورمتيييه الخطيييوب لميييا تيييوانى‬

‫وارتضيييييى بيييييالقيود واللجيييييام‬

‫فعلييت ميين ثيييراه صيييحات جييد‬

‫داعييييييات إليييييى البنيييييا والقييييييام‬

‫ونمييت فيييه بنتيية النهضيية الغضي ي‬

‫ى عليييى مصيييرع البنييياء المسيييام‬

‫وتقييييوت سييييواعد النشييييء لمييييا‬

‫صييييقلتها يييييد العرمييييى بالنظييييام‬

‫أميية المجييد!‪ .‬انييه المجييد صييعب‬

‫والخنيييى مستسييير قيييد استضيييام‬

‫سييائلي المييس‪ ..‬كيييف أنييا ولييدنا‬

‫ونشيييييأنا فيييييي أحليييييك الييييييام‬

‫ولبثنييييييا سيييييينين جهل عبيييييييدا‬

‫واسيييييييييتنمنا لباطيييييييييل الحلم‬

‫وقعدنا عن النهييوض ففييات الركي ي‬

‫ب وتهنييييييا بمهمييييييه الوهييييييام‬

‫فالمضيياء المضيياء يافتييية النصييي‬

‫ر! فقييد طييال‪ .‬طييال عهييد المنييام‬

‫والبيييدار البيييدار ييييا أمييية الفخيييي‬

‫ر! فحسييب الحصيياد‪ .‬نيييل المييرام‬

‫د‪ -‬وقال الستاذ حسين الغناي أحد شعراء الشباب الليبيين‪:‬‬
‫وتفنيييييييييييى الخلئق جيييييييييييدته‬
‫يبيييييييييد الزمييييييييان ومييييييييدته‬

‫وتطيييوى اليييدهور سيييجل الحيييياة‬

‫وتبقيييييى مييييين الميييييرء سييييييرته‬

‫وميين أخلييد الييذكر فييي العييالمين‬

‫مضييييييياء الفيييييييتى وعزيمتيييييييه‬

‫ووقفتييييه عنييييد قييييرع السييييلح‬

‫تييييييذود عيييييين الحييييييق مهجتييييييه‬

‫إذا عجمتيييييه شيييييداد الخطيييييوب‬

‫تييييييييدرع بالصييييييييبر مهجتييييييييه‬

‫سيييواء ليييديه اعوجييياج الزميييان‬

‫كيييييييييذا عيييييييييدله واسيييييييييتقامته‬

‫وميييين أبييييرز الييييذائدين فييييتى‬

‫إليييييييى أرض برقييييييية نسيييييييبته‬

‫ميين العييرب الشييوس والفيياتحين‬

‫جبلتييييييييييييييييه وأرومتييييييييييييييييه‬

‫اذا عييد )عميير( و )ابيين الوليييد(‬

‫و )عقبيييييييية( ثييييييييم صييييييييحابته‬

‫وأمثييييييالهم نخبيييييية المسييييييلمين‬

‫رجييييييييال الفتييييييييوح وقييييييييادته‬

‫فيييي )مختيييار( برقييية ذاك البيييي‬

‫الييييذي طييييافت الرض شييييهرته‬

‫لصيينو لهييم فييي قييياس الفحييول‬

‫وتمتيييييييياز عنهييييييييم صييييييييلبته‬

‫عقيييييدته فييييي الحييييياة الجهيييياد‬

‫لتحفيييييييظ للشيييييييعب حرمتيييييييه‬

‫وتلقييياه فيييي الييييأس والمكرميييات‬

‫لييييييييييه فضييييييييييله ومهييييييييييابته‬

‫إذا اتصييييفت بالييييدهاء الرجييييال‬

‫وبيييييانت مييييين العيييييدل وجهتيييييه‬

‫فقييييييول الكتيييييياب لييييييه مبييييييدأ‬

‫وصييييييوت السييييييلح سياسييييييته‬

‫أبييييى شييييرفا أن يفييييك الركيييياب‬

‫وأن تلقييييييى السيييييييف راحتييييييه‬

‫ومازال في السرج شاكي السلح‬

‫توشييييييييييييييييحه بنييييييييييييييييدقيته‬

‫يصيييادم فيييي طلعييية الهييياجمين‬

‫وأول طليييييييييييق رصاصيييييييييييته‬

‫ويغيييزو علىيييالقوم فيييي دارهيييم‬

‫فتفضييييي إلييييى النصيييير غزوتييييه‬

‫إلى أن قضى تحييت حكييم القضيياء‬

‫شييييييييهيدًا فكييييييييانت نهييييييييايته‬

‫لئن ميييات شيييهم اليييوغى عمييير‬

‫ولميييييييييا تحقيييييييييق رسيييييييييالته‬

‫فقييد أوجييدت فييي شييعور العروبيية‬

‫نييييييييييورًا يشييييييييييع عقيييييييييييدته‬

‫يسييييير بهييييا فييييي دروب الظلم‬

‫فتهيييييدي إليييييى الحيييييق لمعتيييييه‬

‫كمييييا علييييم الييييروم أن الجهيييياد‬

‫منييييييييى العربييييييييي وبغيتييييييييه‬

‫وعلمهيييييم أن وكييييير النسيييييور‬

‫حيييييرام عليييييى البيييييوم وطيييييأته‬

‫حييييديثك يييييا عميييير الخيرييييين‬

‫تغيييييييذى النفيييييييوس روايتيييييييه‬

‫وذكييييرك بيييياق مييييع الخالييييدين‬

‫بييييه تختييييم المجييييد صييييفحته)‪(1‬‬

‫تاسعًا‪ :‬آخر وثيقة من أحمد الشريف وصلت للمجاهدين في ليبيا‪:‬‬
‫وكانت آخر وثيقة أرسلها أحمد الشريف ردًا على رسالة المجاهييد الكييبير يوسييف بورحيييل الييذي تيولى‬
‫المر مؤقتًا بعد استشهاد عمر المختار رحمه ال تعالى وقد أعلم في رسالته أحمد الشريف باستشهاد عميير‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬عمر المختار‪ ،‬ص‪.190،191‬‬

‫المختار وطلب منه أن يعين من يقوم بهذا الدور العظيم‪.‬‬
‫نص الرسالة التي بعث بها أحمد الشريف رحمه ال‪:‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫وصلى ال على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم‬
‫من عبد ربه سبحانه‪ ،‬خادم السلم‪ ،‬أحمد الشريف السنوسي‪،‬‬
‫إلى حضرة الفاضييل المحييترم‪ ،‬والجليييل المفخييم‪ ،‬المجاهييد الصييادق‪ ،‬واللييبيب الحيياذق‪ ،‬قييائم مقييام دور‬
‫العواقير ولدنا الشيخ عبدالحميد العبار‪ ،‬وكافة أولدنا العواقير حفظهم ال ورعاهم وحرسهم وحماهم آمييين‬
‫آمين‪.‬‬
‫السلم عليكم ورحمة ال تعالى وبركاته ومغفرته ومرضاته وتحياته ورضوانه وعميم فضله وإحسانه‪،‬‬
‫وبعد‪ ،‬فالمرجو من ال تعالى أن تكونوا جميعًا على أيسر الحوال محفوظين بال ومنصورين به وإننييا ليين‬
‫نغفل عنكم وقت من الوقات من الدعاء لكم عند بيييت الي الحييرام وفييي حضييرة مولنييا رسييول الي عليييه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وعلى ال القبول‪ ،‬إنه أكرم مسؤول‪ ،‬وخير مأمول هذا وقد بلغنا ما أزعجنا وكييدرنا غاييية‬
‫الكدر‪ ،‬وهو استشهاد حضرة النائب العام سيدي عميير المختييار رحمييه الي ورضييي الي عنييه وجعييل جنيية‬
‫ل صادقًا ناصحًا‪ ،‬وأننييا‬
‫الفردوس مسكنه ومحله‪ ،‬وجزاه ال عنا وعن السلم أحسن الجزاء‪ ،‬فإنه كان عام ً‬
‫لم نتكدر على نيله للشهادة بل نحمد ال على ذلك ولنقول أنه مات‪ ،‬بل إنه حي لقييول الي }ولتقولييوا لميين‬
‫يقتل في سبيل ال أمواتا‪ ،‬بل أحياء{ وإنما كدرنا فقدانه من بينكم وغيابه عنكييم‪ ،‬ولكيين هييذا أميير الي الييذي‬
‫يفعل مايشاء ويحكم مايريد‪ ،‬فل يمكننا إل تسليمنا ل ورجوعنا إليه‪ ،‬ولنقول إل مايقول الصابرون‪ ،‬إنا لي‬
‫وإنا إليه راجعون‪ ،‬نعم استشهد سيدي عمر المختييار ولكنييه أبقييى العمييل الطيييب والييذكر الحسيين إلييى يييوم‬
‫القياميية فهييذا ليييس بميييت وليين يميوت أبييدًا‪ ،‬مييادامت الييدنيا أنيه شييهيد‪ ،‬والشييهيد ليييس بميييت لقيوله تعييالى‬
‫}ولتحسبن الذين قتلوا في سبيل ال أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم ال مين فضييله ‪...‬‬
‫الخ الية{ فال يا أولدي في التمسك وإياكم واليأس إييياكم والقنييوط‪ ،‬إييياكم وأقاويييل النيياس الفاسييدة فجييدوا‬
‫واجتهدوا كما كنتم‪ ،‬واجعلوا أعمالكم ل لنه لنا وللغيرنا لن من قاتل ال‪ ،‬فال حي باقي‪ ،‬ومن قاتل لغييير‬
‫ال فعمله ليفيده شيئًا‪ ،‬واعلموا أن ال معكم‪ ،‬ولن يتركم أعمالكم‪ ،‬فاصبروا وصابروا واعلمييوا أن العاقبيية‬
‫للمتقين‪ ،‬وأن ال مخزي الكافرين‪ ،‬وماترونه من الهيوال‪ ،‬فيإنه والي ثيم والي زائل عين قرييب وسيترون‬
‫مايسركم دنيا وأخرى‪ ،‬ففي الدنيا سترون بحول ال العز والنصر والفتح الذي ليخطر لكم على بال‪ ،‬وفييي‬
‫الخرة رضاء ال ورسوله والنعيم المقيم‪ ،‬فأنتم في الخير أحياء وأمواتًا‪ ،‬وها نحن نوبنا عنا عليكم حضييرة‬
‫أخيكم المجاهد الغيور الصادق‪ ،‬ولدنا الشيخ يوسف بورحيل‪ ،‬فإنكم ستلقونه بعييون الي وقييوته‪ ،‬مثييل السيييد‬

‫عمر وأكثر‪ ،‬ونحن ماقدمناه إل بتقديم سيدي عمر له في حياته‪ ،‬وامتثلوا أمره واسمعوا كلمه‪ ،‬وكونييوا لييه‬
‫عونًا معينًا‪ ،‬ومن خالفه منكم فل يلومن إل نفسه‪ ،‬ومن تبعه وامتثييل أمييره‪ ،‬فهييو الييذي منييا وعلينييا‪ ،‬ووليدنا‬
‫ل بالعين التي تروننا بها‪ ،‬وبذلك يتييم بييال أمركييم‪،‬‬
‫الشيخ يوسف المذكور هو النائب عنا عمومًا‪ ،‬فل تروه إ ّ‬
‫وتجتمع كلمتكم وتقهرون عدوكم‪ ،‬وإياكم ثم إياكم والمخالفة والنزاع‪ ،‬قال ال تعييالى }ولتنييازعوا فتفشييلوا‬
‫وتذهب ريحكم واصبروا إن ال مع الصابرين{ واعلموا يا أولدي أن العدو خيبه ال ساعي بكل جهده في‬
‫القضاء عليكم في هذه المدة القريبة‪ ،‬لبلغه ال مناه‪ ،‬لنه بعد مدة قليلة يقوم معه حرب عظيم يشييغله عنكييم‬
‫وهو مع الفرنسيين‪ ،‬والدول الخرى‪ ،‬فعند ذلك ليقدر على دوام القتييال معكييم‪ ،‬والحييرب قريييب النشييوب‪،‬‬
‫فجدوا في عملكم‪ ،‬واصبروا وأبشروا بالنصر والفتح ولتيأسوا من روح ال‪ ،‬انه لييأس ميين روح ال ي إل‬
‫القوم الكافرون قال تعالى }حتى إذا استيأس الرسل وظنيوا أنهييم قييد كيذبوا جيياءهم نصييرنا ‪ ...‬اليخ الييية{‬
‫ولنشك يا أولدي أن ال منجز وعده لن ال ليخلف الميعاد‪ ،‬وإني وال ثم وال مييايمنعني ميين الوصييول‬
‫إليكم إل عدم الطريق‪ ،‬ولكن بحول ال‪ ،‬لزلت مجتهدًا بكل جهدي في وصولي إليكم وعن قريب يتييم ذلييك‬
‫بحول ال وقوته‪ ،‬هذا وسلموا منا على عموم أولدنا المجاهدين والبارئ يحفظكم وينصييركم ويجمعنييا بكييم‬
‫عن قريب)‪.(1‬‬
‫‪ 16‬جمادى الثاني سنة ‪1350‬هي‬
‫عاشرًا‪ :‬ايطاليا تحاول ان تستفيد بعد مقتل عمر المختار‪:‬‬
‫يقول غراسياني عن عمر المختار في كتابه برقة الهادئة‪ :‬إن خبر القبض على عميير المختييار واعييدامه‬
‫سرى في كل مكان وفي الوساط المحلية بين الهالي والخاضعين لسييلطاتنا وبييين الثييوار الخييارجين عيين‬
‫طاعتنا والمهاجرين في مصر وفي كل البلدان من المشييرق الييى المغييرب‪ .‬كلهييا تييأثرت ميين هييذا الحييادث‬
‫الجلل‪ ،‬واعدام عمر المختار ولكي ننتهز هذه الفرصة في هذا الظرف الدقيق من أجل أثييارة الفوضييى بييين‬
‫القادة الذين خلفوا عمر المختار في القيادة رأينا ان ننشر بيانًا الى كافة او البقية من العصيياة نعليين لهييم فيييه‬
‫ان الحكومة اليطالية الفاشيستية مستعدة أن تقبل استسلمهم وتسليم السلح وتضييمن لهييم الحييياة وفييي ‪17‬‬
‫سبتمبر ‪1931‬م نشرت التعليمات التية من أجل توزيعها وهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن نعطي للثوار الحساس بسخاء الدولة اليطالية الفاشيستية وكذلك للسكان المحليين‪.‬‬
‫‪ -2‬افراد الحالة أمام العالم السلمي وغير السييلمي بكييل دقيية وان تصييرفاتنا ل لبييس فيهييا فهييي ميين‬
‫اختصاصنا وكذلك من مسؤولياتنا في كل العمليات الحربية التي أجريت في برقة ولهذا فقد قامت طائرتنييا‬
‫بقذف المنشورات على المناطق الجبلية وعلى المدن والقرى وبها البيان التي‪:‬‬
‫الى ادوار عمر المختار‬
‫إن الرئيس العظيم رئيس الثوار عمر المختار يحارب منذ عشرين سنة كان يقييودكم فيهييا الييى الخييراب‬
‫واليدمار والتيأخر والنحطياط قبضيت علييه قواتنيا المظفيرة قيوات ايطالييا الفاشيسيتية وقيد حكميت علييه‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬مجلة النقاذ العدد ‪1412 ،39‬هم‪ ،‬ديسمبر ‪1991‬م ‪ ،‬ص‪.25‬‬

‫المحكمة الخاصة بالعدام وهذا انتقام من الي ميين اجييل المسيياكين الييذين بسييببه تركييوا اراضيييهم ومسييقط‬
‫رأسهم)‪.(1‬‬
‫قال مترجم كتاب برقة الهادئة ابراهيم بن عامر عن هذا المنشور سبحان الي ييياجنرال ميين الييذي شييرد‬
‫الناس من أراضيهم؟ ومن الذي أفنى ثمانين ألف من المواطنين فييي المعتقلت ألييم تكيين أنييت الييذي قضييى‬
‫على الناس وأموالهم؟ وفي نفس الصفحة تعترف بأن عميير المختييار منييذ عشييرين سيينة يحييارب ميين أجييل‬
‫من ؟ من أجل أن يطردك ويطرد قوات إيطاليا الغاصبة)‪.(2‬‬
‫واستمر غراسياني في المنشور‪ :‬ياأهل الدور إن الحكومة اليطالية الفاشيستية القوية والسخية تحييذركم‬
‫مرة اخرى إنه بعد وفاة واختفاء عمر المختيار أنهييا مسييتعدة بيأن تعفيو عين كيل الييذين يخضيعون لحكمنييا‬
‫ويسلمون اسيلحتهم ومين غيير هيذا فالحكوميية كمييا قضييت عليى عمير المختييار ستقضييي علييى كييل اليذين‬
‫ل‪ .‬اسمعوا كلمي وسلموا أنفسكم وفي نفس الوقت أصييدرت الواميير‬
‫ل أو آج ً‬
‫يواصلون العصيان أما عاج ً‬
‫الى قوات الجيش بعد أن قذفت الطائرات المنشورات بالستمرار في القتال دون توقف بييل بييذل أكييثر ميين‬
‫الجهد دون تردد حتى نجعل أمام العصاة )يعني الثوار( الطريق الوحيد هييو الستسييلم دون قيييد او شييرط‬
‫وخلف القاء البيان بالطائرات مايزيد عن ‪ 35.000‬منشييور وأكييثر منهييا وزعييت ميين الييدوريات الكشييافة‬
‫على كل بئر وفي كيل حقيل ومرعيى وكيل هيذه المياكن اليتي يمير بهيا العصياة )يعنيي المجاهيدون( أميا‬
‫)المريشال بادوليو( من جانبه وجه الى قوات الجيش البرقية التالية‪:‬‬
‫أوجه الى قوات الجيش الشجاعة ببرقة أعظم الثناء وأحر تهنئتي على كل ماقيياموا بييه ميين عمييل مجيييد‬
‫وانتصار باهر في هذه الحروب والنتيجة المرضية التي كنا نتمناها أن نهاية عمر المختار يجب أن لتؤثر‬
‫على السير فوق الطريق التي رسمناها وهي مطاردة العصاة أينما وجدوا واقتفاء أثرهم وضربهم بكل شدة‬
‫ودون هوادة أو رحمة الى آخر واحد منهم وليكن شعارنا‪.‬‬
‫لتوقف ول ارتخاء واصلوا الزحف بكل حماس متجرد ولسوف نقضي على العصاة نهائياً)‪.(3‬‬
‫انظروا اخواني الى هذا الحقد والبغض والكيد والمكر الذي ظهر من أفواهم وميياتخفي صييدورهم أكييبر‬
‫وصدق ال حيث قال‪} :‬ول يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا‪) {....‬سورة البقرة‪ ،‬آييية‬
‫‪.(217‬‬
‫الحادي عشر‪ :‬تعيين يوسف بورحيل قائد للحركة الجهادية‪:‬‬
‫وبعد سقوط عمر المختار رحمه ال في السر تجمع المجاهدون بين يوم وليلة واجمعييوا علييى تنصيييب‬
‫ل عامًا للجهاد وعلى أثر هذا التنصيب كلييف‬
‫الشيخ المجاهد )يوسف بورحيل( قائدًا للجهاد السلمي ووكي ً‬
‫الشيخ عبدالحميد العبار بالرحيل نحو شرق البلد للقيام بحث الناس على النخييراط فييي جيييش المجاهييدين‬
‫وحمل السلح لمكافحة الجيوش والجهاد في سبيل العقيدة السلمية والدين‪.‬‬
‫واستقبل المجاهدون خبر استشهاد قائدهم العظيم بالعزيمة في الستمرار ومواصلة للسييير أمييا الشييهادة‬
‫أو النصر على النصارى الحاقدين‪.‬‬
‫وواصلت الحكومة اليطالية حملت النتقام ضد أولئك البطال وبرز في تلك المرحلة الحاسمة والييتي‬
‫نييدر فيهييا وجيود الرجييال الشيييوخ الفرسييان والقييادة البطييال والميييامين الكييرام اجييدادنا البواسييل كييل ميين‬
‫عبدالحميد العبار ويوسييف بورحيييل وعصييمان الشييامي وحشييدت ايطاليييا قواتهييا وواصييلت شيين حملتهييا‬
‫بشراسة منقطعة النظير‪ .‬وبعد قتال عنيف عند الحدود المصرية قييرب السييلك الشييائكة فاجتيياز السييلك‬
‫بعض المجاهدين ببطولة منقطعية النظيير وفروسيية عاليية القيياس وقتيل مين قتيل واسير مين اسير وبقيي‬
‫الزعماء الربعة يقاومون فقتل حمد بوخيرا ل احد الزعماء وقتل يوسف بورحيل وجرح عصمان الشامي‬
‫فأخذ أسيرًا وأما الفييارس المغييوار عبدالحميييد العبييار فاسييتطاع ان يجتيياز السييلك الشييائكة بجييواده رغييم‬
‫مطاردة القوات اليطالية له)‪.(4‬‬
‫وبهذه النهاية المؤلمة الحزينة انكسرت شوكة المجاهييدين وتعييثرت خطييواتهم واخمييدت حركيية الجهيياد‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.294،295‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.294،295‬‬
‫‪ ()3‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.296‬‬
‫‪ ()4‬انظر‪ :‬برقة الهادئة‪ ،‬ص‪.304‬‬

‫وذهب الجداد تاركين خلفهم تاريخًا بطوليًا كفاحيًا جهاديًا رائعًا من اجل العقيدة والدين والشرف والكرامة‬
‫فعلى طريق السلم نحن سائرون ومن اجل اعزاز دين ال عاملون ورفع راية التوحيد مجاهدون ونسييأل‬
‫ال المغفرة والرحمة والرضوان للجداد والبطال الكرام من أمثال رمضان السويحلي وسليمان البيياروني‬
‫والفضيل بوعمر واحمد الشريف السنوسي وصالح الطيوش وابراهيم الفيل واحمد سيف النصر وسعدون‬
‫وعبدالحميد العبار وغيرهم كثير‪.‬‬
‫إن عبدالحميد العبار قد امد ال في عمره وقد شاهدته مرات عديدة وأنا طفل لييم اتجيياوز الرابعيية عشيير‬
‫وكنت أراه كل يوم بعد صلة الفجر امام بيته في الحي الذي كنت أسكن فيه بمدينية بنغيازي والييذي يسييمى‬
‫مدينة الحدائق بقرب مسجد السيد بالقاسم احمد الشريف السنوسي المعروف بمسجد النصار وكان منظييره‬
‫وهو يتلو كتاب ال وقد تقدمت به السن مؤثرًا في نفسي وبلدنا في تليك الفيترة عّمهيا الفسياد وماكنيا نيرى‬
‫ل من يحافظ على تلوة القرآن الكريم بالكيفية المذكورة وأخييبرت والييدي عين ذلييك الييذي اسيير‬
‫ونحن اطفا ً‬
‫قلبي بتلوته القرآن الكريم فقال لي يابني ذاك الشيخ عبدالحميد العبار من كبييار المجاهييدين وبييدأت جييدتي‬
‫وهي من قبائل برقة من قبيلة الدرسة وقد كانت ضمن المعتقلين بمعتقل المقرون تسييرد لييي أمييورًا عجيبيية‬
‫عن جهاده وفروسيته وشجاعته ونجدته ولزالت صورته في ذهني الييى وقييت كتييابتي هييذه وعنييدما تييوفى‬
‫رحمه ال كانت لوفاته مأتم مشهود وحضرت جموع غفيرة من شرق البلد وغربهييا واسييتمر المييأتم اياميًا‬
‫عديدة فرحمة ال على أولئك البطال‪.‬‬
‫الثاني عشر‪ :‬اضطهاد الشعب‪:‬‬
‫وباستشهاد عمر المختار ويوسف بورحيل واسر عصمان الشامي بعد جرحه وهجرة عبدالحميد العبييار‬
‫الى مصر وقتل كثير من المجاهدين إنتهت حركة الجهاد الفعلية ومع وجود معظم السييكان فييي معسييكرات‬
‫العتقييال حكييم اليطيياليون البلييد ميين الحصييون المحاطيية بالسييلك الشييائكة والييدرويات والمصييفحات‬
‫والسيارات المسلحة والرشاشات والنوار الكاشفة والطائرات وفي يناير ‪1932‬م أعلن بادوليو حيياكم ليبيييا‬
‫العسكري اليطالي أن الثورة قييد انتهييت كلييية وتماميًا واصييرت ايطاليييا علييى جعييل ليبيييا الشيياطئ الرابييع‬
‫ليطاليا‪ .‬وأعلن موسليني ذلك الطبل الجوف سنة ‪1934‬م بييأن الحضييارة الحقيقييية هييي ماتخلقهييا ايطاليييا‬
‫على الشاطئ الرابع لبحرنا‪ ،‬الحضارة الغربية بصفة عامة‪ ،‬والحضييارة الفاشيسييتية بصييفة خاصيية( وأخييذ‬
‫حلييون السيير اليطالييية‬
‫الرأسماليون اليطاليون يقسمون ممتلكات الشعب المسلم على بعضهم البعض وير ّ‬
‫لسيتيطان الكاميل فيي ليبييا المسيلمة وأصيبح اللييبيون عميال مسيتأجرين وخيدام للعيائلت اليطاليية فيي‬
‫مزارعهم التي نزعت من ايديهم وسلمت لليطاليين وأصدرت وسنت القوانين التي تخدم مصالح الحكومة‬
‫اليطالية في مصادرة الملك والسييتيلء عليهييا ونزعهييا ميين المييواطنين بمبييالغ زهيييدة باسييم المصييلحة‬
‫العامة واهتمت ايطاليا بليبيا اهتمامًا بالغًا من اجل جعلها قطعة ايطالية لها دورها فييي توسيييع مسييتعمراتها‬
‫نحو الجزائر ومالطا وجبل طارق وشجعت ايطاليا هجرة اللييوف ميين العييائلت اليطالييية ضييمن شييروط‬
‫لبد من توفرها في الراغبين بالستيطان في ليبيا المسييلمة وميين هييذه الشييروط‪ :‬كييثرة عييدد افييراد السييرة‬
‫بحيث تكون اكثر من سبعة ‪ ،‬وايضًا الصحة‪ ،‬والقراءة والكتابة وان تكون هذه السرة من اعضاء الحييزب‬
‫الفشيستي‪ ،‬او ذات الييوعي السياسييي‪ ،‬وكييان معظييم القييادمين هييم ميين المنيياطق الفقيييرة فييي شييمال ايطاليييا‬
‫وخرجوا من ايطاليا وسط دعاية عالمييية‪ .‬واسييتقبلوا فييي طرابلييس وبنغييازي اسييتقبال البطييال ونقلييوا فييي‬
‫سيارات الجيش الييى القييرى الييتي كييانت جيياهزة لهييم وكييان بييالبو يرافقهييم ميين نييابولي حييتى القييرى الييتي‬
‫اغتصبوها من الشعب المسلم المسكين وأعطيت كل اسرة منزلً ومزرعة جاهزة للعمل وكانت الحقول قييد‬
‫زرعت وفي كل اسطبل كان يوجد بقرة وبغل ‪ ،‬وادوات وحبيوب وعليف وكيذلك عربيات وخشيب للوقيود‬
‫وفي كل بيت كان هناك طعام يكفي لسبوع)‪ ،(1‬حتى الكبريت والشمع كان موجودًا جاهزًا وسخر الشييعب‬
‫الليبي المسلم لخدمة النصارى واستعبد النصارى الحاقدون المسلمين في حربهييم لليبيييا واهتمييوا بطرابلييس‬
‫ولبده وصبراته وشحات لجعلها دعاية للحكومة اليطالية ودعييوة انحللييية للخمييور والييدعارة فييي حييوض‬
‫البحر المتوسط على مستوى عالمي وكانت اهداف المبراطورية الفاشيستية حسب تعبير الطبييل الجييوف‬
‫موسليني )تغييرًا اقليميًا حربييًا تجارييًا فحسييب بييل تغييييرًا روحييًا واخلقييًا ايضيًا( وعمييل علييى إنسييلخ‬
‫المسلمين من اخلقهم ودينهم ورضوا بأن يحصر دين المسلمين في الشعائر التعبدية‪ .‬وقد أعلن بييالبو مييرة‬
‫ل مين ذلييك سيييكون فيهييا ايطياليون كاثوليييك‪ ،‬وايطيياليون‬
‫إنه )لن يكون فيي ليبييا حكييام ومحكوميون‪ ،‬وبيد ً‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬تاريخ ليبيا ‪ ،‬ص‪.158،159،160،163‬‬

‫مسلمون‪ ،‬متحدين من جماعة مشتركة كعناصر بناءة في تنظيم جبار للمبراطورية الفاشيسييتية( وحرمييوا‬
‫الشعب الليبي المسلم من كل حقيوقه الطبيعيية فل فرصية فيي التعليم والتعلييم والثقافية والتثقييف وليم يكين‬
‫الفاشيستيون يرون نهاية لوجودهم في بلدنا العزيزة وكانت الطبقة المثقفية الصيغيرة اميا فيي المنفيى ‪ ،‬او‬
‫لصوت لها‪ .‬وقد أخمدت كل معارضة بقسوة بالغة وأضعف البناء القبلي التقليدي بتعيين زعيييم لكييل عييدد‬
‫من القبائل والفاشيستيون يأمرون والشعب المستضعف ينفييذ بييدون سييؤال او تعليييل وكييان التعليييل الكييافي‬
‫الذي ربى عليه الشعب )يجب عليك لنه يجب عليك أن تفعل كذا وكذا( وكانت السياسة التعليمية اليطالييية‬
‫رسييمت ميين اجييل تخريييج عييدد كييبير ميين التلميييذ الليييبيين الييذين يتكلمييون اليطالييية ويخلصييون الييولء‬
‫ليطاليا)‪.(1‬‬
‫وعملوا على القضاء على الخلق السلمية وبث روح الكثلكة في المدارس بييين الطفييال ‪ ،‬والقضيياء‬
‫على مصارف اهل البلد والتعليم اليديني واغلقيوا الكتياتيب ودور العليم الوطنيية وأكيثروا مين إقامية دور‬
‫الفحش ومنعوا الليبيين من اداء فريضة الحييج وازداد امتهييانهم للييدين السييلمي بدرجيية شيينيعة فكييان ميين‬
‫اسوء فعالهم‪ ،‬إن القى قائد طبرق اليطالي بالمصحف الشريف الى الرض‪ ،‬ثم اخذ يطأ عليه بقييدمه علييى‬
‫مشهد من جماعة من المسلمين )إنكم معشير المسيلمين ليمكيين أن تصييروا بشييرًا مييادام هيذا الكتياب بييين‬
‫ايديكم(‪.‬‬
‫وسخروا المسلمين واستعبدوهم في بناء الطرق والقلع والمزارع والقييرى ونشييط المبشييرون الطليييان‬
‫في دعوتهم‪ ،‬وعمدت الحكومة الى تشجيعهم وارغمت النساء على التنصير والزواج من الطليان‪.‬‬
‫وزاحموا أهالي البلد في الصناعة والتجارة وسيطروا عليها سيطرة كاملة ومنعوا الناس ميين التظلييم ‪،‬‬
‫وقيدوا حرياتهم‪ ،‬فمنعييوهم ميين محادثيية بعضييهم بعضيًا‪ ،‬وميين قييراءة الصييحف والمجلت والكتييب‪ ،‬وميين‬
‫مراسلة اقاربهم في الخارج‪ ،‬حتى صاروا في سجن داخل بلدهم محرومين من كل صييلة تربطهييم بالعييالم‬
‫العربي والسلمي‪.‬‬
‫لقييد كييان ميين احلم الفاشيسييت اعييادة المبراطورييية الرومانييية الغييابرة فقييرروا لييذلك امتلك البلييدان‬
‫السلمية القائمة على شواطئ البحر البيض المتوسط‪ ،‬ثييم ابييادة أهييل هييذه البلد وافنييائهم وتحويلهييا الييى‬
‫رقعة لتينية ‪ ،‬وانها لوقاحة منقطعة النظير ان يعمل شعب على ابادة شعوب ليحل محلها بالقوة ولكين هيذا‬
‫هو منطق الصليبيين الحاقدين وبلغ استهتارهم‪ ،‬أنهييم ألزمييوا خطبيياء الجمعيية بالييدعاء علييى المنييابر لملييك‬
‫ايطاليا‪ ،‬عم نويل الثالث‪ ،‬وعندئذ امتنع المسلمون عن صلة الجمعة فلما هاج الرأي العييام السييلمي علييى‬
‫هذا الفعل‪ ،‬استكتبوا الئمة تكذيبًا بتوقيعاتهم‪ ،‬جاء فيه ان الدعاء كان بمحض ارادتهم‪ ،‬ومن تلقاء أنفسييهم ‪،‬‬
‫ومن غير تدخل من جانب الحكومة الفاشيستية!!‬
‫فهل رأيت وقاحة ابلغ من هذه؟‬
‫وفي عهد بادوليو صاروا يمنعون الناس من اداء الحج ويضييعون العراقيييل فييي سييبيلهم‪ ،‬حييتى يجييبروا‬
‫على تركه‪.‬‬
‫كان اقبح مافعل المارشال بادوليو إنه امر بييأن ترصييف )الصييالة( فييي قصييره بييالبلط المنقييوش عليييه‬
‫)محمد( ‪ ‬وبعد انتهاء مرحلة الحرب المسلحة كما علمنييا نفييذ الشييطر الثيياني ميين برنامييج إبييادة الليييبيين‬
‫وإفنائهم‪ ،‬ونعني ذلك ما أغتصبه الطليان من الراضي والمزارع وإعطائهييا للعييائلت الفاشيسييتية بييالقوة‪،‬‬
‫وتييرك اصييحاب الرض الحقيقييين وابنيياء البلد يتضييورون جوع يًا ويخييدمون هييؤلء الحاقييدين كخييدمًا‬
‫وعبيدًا)‪.(2‬‬
‫واراد ال ان ينتقم للمجاهدين من الطليان بقدرته وجبروته وعزته وحكمته النافذة الييتي ل يعلمهييا كييثير‬
‫من عباده وبعد أن اطمأن النصارى الكاثوليك في ليبيا جاءت الحرب العالمية الثانية قدرًا من ال وتسييليطًا‬
‫من ال من ظالم على ظالم }وكذلك نولى بعض الظالمين بعضًا بما كييانوا يكسييبون{ )سييورة النعييام‪ ،‬آييية‬
‫‪.(129‬‬
‫وبعد أن اطمأنت المبراطورية اليطالية الييى سييلطانها‪ ،‬ودانييت لهيا القطيار الليبيية ميين اقصياها الييى‬
‫أقصاها من بعد استشهاد المختار عام ‪1931‬م حتى عام ‪1942‬م‪.‬‬
‫احد عشر عامًا من اليأس المطلق الذي ليبشر بشيء من المل‪ ،‬أهل الحل والعقد الليييبيين بعيييدين عيين‬
‫‪ ()1‬انظر‪ :‬تاريخ ليبيا‪ ،‬ص‪.164،167،170‬‬
‫‪ ()2‬انظر ‪ :‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.172‬‬

‫البلد‪.‬‬
‫نصف الشعب او يزيد اهلكوا‪ ،‬او اخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا البقية الباقية مستضعفة فييي بلدهييا‬
‫ل حول ول قوة بها‪.‬‬
‫غراسياني ينفخ اوداجه‪ ،‬ويختال على ارض المسلمين يمنة ويسرة حيث شاء)‪.(1‬‬
‫ثم جاء من ورائه بادوليو الماريشال العجوز ليتم قصة ابادة الشعب الليبي ويسلم الراضيي اليى رعياع‬
‫الطليان‪.‬‬
‫ليل هنا وليل هناك وظلم دامس وظلم مخيم ويأس مرير وذلة اصابت المسلمين وعزة زائفة سيييطرت‬
‫على النصارى الحاقدين وكانت قصة خروج الطليان ميين بلدنييا غريبيية جييدًا ينبغييي أن يتييدبر فيهييا ليعلييم‬
‫الناس وليطمئنوا الى عدل ال المنتقم الجبار ولو بعد حين وكانت قصة هزيمة ايطاليييا فييي ليبيييا بييدأت فييي‬
‫الحرب الثانية في سبتمبر وحرصت ايطاليا أول المر على عدم دخولها حتى اذا رأت فرنسييا تنهييار علييى‬
‫أثر الزحف اللماني الخاطف عليها أعلنت ايطاليا الحرب على انكلترا وفرنسا في ‪ 10‬يوليو ‪1940‬م وبييدأ‬
‫الجبل الخضر يضيق حول عنق المبراطورية الجوفاء العرجاء ودخليت ايطالييا الحيرب بقييادة زعيمهيا‬
‫موسوليني الطبل الجوف طمعًا في الغنائم ‪ ،‬وكانت توقن ان الرض قد دانت لحليفتها ألمانيييا فييأخلف الي‬
‫ظنها وافضى المر الى زوالها نهائيًا ميين الوجييود كامبراطورييية صيياحبة مسييتعمرات وانييدحرت ايطاليييا‬
‫باندحار المانيا في شمال افريقيا‪ ،‬ولم تغرب شمس ييوم ‪ 7‬ابرييل عيام ‪1943‬م حيتى كيانت جييوش المانييا‬
‫وايطاليا بقيادة رومل المنهزمة قد اخلت القطر الطرابلسي بأجمعه‪.‬‬
‫وكانت فرحة عظيمة شاملة عمت قلوب الناس وعبر عنها الملك السييابق بقييوله‪) :‬إنييي احمييد الي الييذي‬
‫جعلني أشهد خروج هؤلء الطليان الظالمين من بلدنا( وتدفق الليييبيون الييى بلدهييم الييتي ترعوعييوا فيهييا‬
‫وُأخرجوا منها ظلمًا وزورًا وهكذا استدار الزمان وسلط ال النكليز على الطليان ونزل العار بهم)‪. (2‬‬
‫لقد ارادت إيطاليا إبادة المسلمين في ليبيا فبادوا هييم وبقييي المسييلمون فييي ليبيييا واراد غرسييياني إعييدام‬
‫المختار فهلك وبقي المختار علمًا وقدوة لجيال المسلمين‪.‬‬

‫‪ ()1‬حياة عمر المختار‪ ،‬ص‪.185‬‬
‫‪ ()2‬انظر‪ :‬حياة عمر المختار بتصرف ‪ ،‬ص‪ 185‬الى ‪.188‬‬