‫السياسة الشرعية‬

‫‪2‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫تأليف‪ :‬الشيخ المجاهد‬

‫أبي عمر محمد بن عبد الله السيف‬
‫الجابر آل بوعينين التميمي‬
‫‪1390‬هـ ‪1426 -‬هـ‬
‫الطبعة الولى‬
‫‪1428‬هـ ـ ‪2007‬م‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪3‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪4‬‬

‫الفهرس‬

‫‪.....................................................................................63‬باب‪ :‬مزايا الشريعة ومقاصدها‬
‫‪..........................................................................................................77‬باب‪ :‬العدل‬
‫‪.......................................................................................................83‬باب الحضارة‬
‫‪................................................................................................93‬باب‪ :‬المامة الكبرى‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪5‬‬

‫مقدّمة الناشر‪:‬‬
‫الحمد ل الكبير المتعال‪ ،‬ذي الفضل والمنّة والجلل‪ ،‬والصلة والسّلم على الضّحوك القتّال‪،‬‬
‫ن إلى يوم المآل‪ ..‬وبعدُ‪-:‬‬
‫وعلى جميع الصّحب والل‪ ،،‬ومن تبعهم بإحسا ٍ‬
‫ب كبير القدر‪ ،‬عظيم الفائدة‪ ،‬تشدّ إلى مثله الرّحال‪ ،‬ويتسابقُ إليه الرّجال‪ ،‬للشّيخ المجاهد‬
‫فهذا كتا ُ‬
‫المفضال أبي عمر السيف‪ ،‬تغمّده ال برحمته‪ ،‬وتقبّله في عِداد أهل جنّته‪.‬‬
‫وإنّنا في هذا الزّمن الذي يتكالب فيه علينا العداء‪ ،‬ويت‬
‫ن ال عليك‪ ،‬بوقوع هذا الكتاب بين يديك‪ ،‬فإنّ ُه ل‬
‫نمّ‬
‫وإنّ من نعمة ال عليك أيها القارئ‪ ،‬أ ْ‬
‫يستغنى عنه في هذا الزّمان‪ِ ،‬لمَا وفّق ال مؤلّ َفهُ فيه من توسّعٍ وشمولٍ لما يحتاجه المسلم حاكما‬
‫ومحكوما‪ ،‬وأميرا ومأمورا‪ ،‬من أمور دينه ودنياه‪ ،‬فكان كتابا شاملً ل يستغني عنه أهل الثّغور‪،‬‬
‫وطلبة العلم‪ ،‬وأصحاب السياسة‪ ،‬وقد أودع فيه مؤلّفه خلصة علمه وعمره‪ ،‬وجعله كالوصيّة من‬
‫بعده لمّة السلم‪.‬‬
‫ن وفّق بعض إخواننا من أهل الخير‬
‫ن ال تعالى علينا بنشرِ هذا الكتاب‪ ،‬بعد أ ْ‬
‫ن إذْ م ّ‬
‫ونح ُ‬
‫والصّلح لكتابته ونقله‪ ،‬ليس ّرنَا أن نقدّمه هديّةً لخواننا المجاهدين في الشيشان وأفغانستان‬
‫ل أرضٍ وتحت كلّ سماء‪ ،‬سائلين ال‬
‫والعراق والجزيرة العربيّة والمغرب السلميّ‪ ،‬وفوق ك ّ‬
‫ب الجر لكلّ من ساهم في نشره وتعليمه‪.‬‬
‫تعالى أنْ يكتُ َ‬
‫ن علينا وعليكم بالعفو والمغفرة‪ ،‬والرّحمة الرضوان‪.‬‬
‫وال تعالى نسأل أن يم ّ‬
‫وصلى ال وسلم وبارك على نبينا محمّد بن عبد ال وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬

‫دار الجبهة‬
‫للنّشر والتوزيع‬
‫الجبهة العلمية السلميّة‬
‫العالميّة‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪6‬‬

‫ترجمة المؤلف‬

‫هو أبو عمر‪ :‬محمد بن عبدال بن سيف الجابر آل بوعينين‪ ،‬وترجع عائلة آل بوعينين إلى قبيلة‬
‫بني تميم‪ ،‬وهي من أشهر القبائل العربية‪.‬‬
‫(البدايات)‬
‫ولد أبو عمر رحمه ال عام ‪ 1390‬في بلدة القيصومة‪ ،‬شمالي المملكة العربية السعودية‪ ،‬وعاش‬
‫فيها قرابة العقدين من الزمان‪ ،‬وكان من صغره هادئ الطباع محبوبا عند معارفه‪.‬‬
‫بدأت علقة الشيخ بالجهاد في سنة ‪ ،1410‬حين بلغ العشرين من عمره؛ حيث سافر إلى‬
‫أفغانستان للعداد للجهاد‪ ،‬ومكث هناك ستة أشهر‪ ،‬ثم رجع إلى بلده‪ ،‬ثم عاد مرة ثانية إلى‬
‫أفغانستان ومكث عاما وزيادة في جبهة (لوقر)‪ ،‬استغلها بالدعوة إلى ال وإقامة الدروس‪ ،‬مع‬
‫جهاده ورباطه في الثغور‪.‬‬
‫بعد عودته من سفره الثاني واصل الشيخ ارتباطه بالجهاد عن طريق جمع التبرعات‪ ،‬ثم قرر‬
‫الشيخ رحمه ال أن يعمق تحصيله العلمي؛ فالتحق بجامعة المام محمد بن سعود السلمية‬
‫بالقصيم‪ ،‬واتصل بالشيخ محمد بن عثيمين في حلقاته العلمية‪ ،‬ومكث كذلك حتى تخرجه من‬
‫الجامعة‪.‬‬
‫كانت قضية الجهاد حاضرة معه‪ ،‬وفور تخرجه من الجامعة التحق بركب المجاهدين‪ ،‬وذلك في‬
‫ربيع الخر عام ‪ 1417‬حيث ألقى عصا الترحال في بلد الشيشان‪ ،‬وكان ذلك إبان الحرب‬
‫الولى وقبيل انسحاب الروس منها بثلثة أشهر‪.‬‬
‫(مرحلة الشيشان)‬
‫حين وصول أبي عمر إلى الشيشان انخرط في معسكرات التدريب‪ ،‬ولم يكن معروفا آنذاك‬
‫لرغبته في أن يكون في غمار الناس‪ ،‬ولم يكن ممن يشهر نفسه‪ ،‬حتى رآه بعض قيادات‬
‫المجاهدين فعرف الناس به ونبه على فضله‪.‬‬
‫وبعد توقف الحرب‪ ،‬طفق الشيخ أبو عمر يقيم الدروس‪ ،‬ويركز على التعليم والتربية‪ ،‬وله‬
‫تعليقات على كتاب طريق الهجرتين ومدارج السالكين لبن القيم‪ ،‬وحمل عن كاهل القيادة حملً‬
‫ثقيلً في هذا الباب‪.‬‬
‫في هذه المرحلة أراد الرئيس الشيشاني سليم خان باندرييف رحمه ال أن يطبق الشريعة‬
‫السلمية‪ ،‬وتمت المراسلت بينه وبين الشيخ أبي عمر عن طريق مندوب الرئيس الخاص‬
‫وبعض المشايخ الشيشانيين؛ وهم ممن رأوا الشيخ أبا عمر وعلموا فضله‪ ،‬فلما ظهر لبي عمر‬
‫جدية الرئيس في ذلك طلب مقابلته‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪7‬‬
‫تمت المقابلة في رجب ‪ 1417‬بحضور أحد القادة والمشايخ الشيشانيين‪ ،‬وجرى حديث مطول عن‬
‫ضرورة إقامة الشريعة‪ ،‬والنتقال إلى خطوات عملية تفصيلية‪ ،‬وتتابعت اللقاءات بعد ذلك‪ ،‬ووقف‬
‫الشيخ أبوعمر معه وقفة قوية‪ ،‬ودعمه ماديا ومعنويا‪ ،‬وكان يؤكد دائما أن هذا هو ثمرة الجهاد‬
‫في سبيل ال‪.‬‬
‫وكان من آثار ذلك أن أصدر الرئيس سليم خان عدة مراسيم؛ كمرسوم تأسيس المحاكم الشرعية‪،‬‬
‫وجهاز الحسبة المسمى حرس الشريعة‪ ،‬ومراسيم أخرى لتنظيم التعليم والمساجد وغيرها‪.‬‬
‫(في عمق السياسة الشرعية)‬
‫تفاعل الشيخ أبوعمر مع هذه الخطوات الكبرى‪ ،‬ونذر وقته لها‪ ،‬فأسس الشيخ معهد القضاء‬
‫الشرعي‪ ،‬ومعهد حرس الشريعة‪ ،‬وكان يعد القضاة ويعلمهم ويدارسهم في أقضية الناس‪ ،‬ويباشر‬
‫القضاء أيضا‪ ،‬وتخرج عليه ثلة من القضاة وطلبة العلم‪ ،‬وأسس فيما بعد معهد المام الشافعي‪ ،‬ثم‬
‫أسس فيما بعد جمعية الهدى الخيرية التي تعنى بالفقراء والرامل واليتام‪ ،‬بالضافة إلى أعمال‬
‫الدعوة والمساجد والتعليم‪ ،‬والتي طبع عن طريقها مئات اللف من النسخ باللغتين الروسية‬
‫والشيشانية‪ ،‬وكان هذا دافعا كبيرا للشيخ أبي عمر في التعمق في السياسة الشرعية‪ ،‬والدخول بها‬
‫من الطر التأصيلية إلى معايشة الواقع‪.‬‬
‫وظهرت آثار القيام بالشريعة في حياة الناس‪ ،‬فأمنوا على أموالهم وأعراضهم‪ ،‬وبنيت المساجد‬
‫وكثر المصلون‪ ،‬وانتشرت حلق التعليم ومنع الفساد في بلد كانت تأكله الفوضى والعصابات‬
‫والجهالة‪.‬‬
‫وكان وقته رحمه ال موزعا بين التعليم‪ ،‬والفتاء‪ ،‬والقضاء‪ ،‬والتأليف‪ ،‬والخطابة‪ ،‬والمشاركة في‬
‫سياسة الدولة المسلمة‪ ،‬والمساندة لصف المجاهدين‪ ،‬والتعبد ل تعالى بالذكر والقيام‪.‬‬
‫واستمر الشيخ أبوعمر في عمله‪ ،‬مع ما عصف به من شدائد يقتضيها الطريق‪ ،‬وهي على شدتها‬
‫أتاحت للشيخ معايشة للسياسة الشرعية في شقها السّلْمي‪ ،‬وفي بناء الدولة‪ ،‬حتى قامت الحرب‬
‫مرة الثانية‪.‬‬
‫وبقيام الحرب الشيشانية الثانية انخرط الشيخ أبو عمر في صفوف المجاهدين‪ ،‬بل في مقدمتهم‪،‬‬
‫وكان مرتكزا للمشورة والفتاء‪ ،‬مما أتاح للشيخ معايشة جديدة للسياسة الشرعية في شقها‬
‫الجهادي‪.‬‬
‫طفق الشيخ يحرض على الجهاد ودفع الصائل‪ ،‬وكاتب العلماء والمحسنين والمسلمين في العالم‬
‫لدعم الجهاد‪ ،‬وكانت له عناية خاصة بجمع الكلمة وتأليف القلوب‪ ،‬فكان أحد المؤسسين وأبرز‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪8‬‬
‫الداعمين لمجلس الشورى العسكري للمجاهدين في الشيشان‪ ،‬وظل منتقلً مع المجاهدين في‬
‫مختلف تضاريس الشيشان مذكرا ومثبتا‪ ،‬ومرجعا لهم في استفتاءاتهم‪ ،‬ومقاتلً في صفوفهم‪.‬‬
‫(من حياة الشيخ العملية)‬
‫حرص الشيخ أبوعمر على توثيق صلته بالعالم السلمي‪ ،‬وبعلماء المة الكبار‪ ،‬سواء في نقل‬
‫الصورة الحقيقية لهم‪ ،‬أو مشاورتهم في نوازل المسائل‪ ،‬وكان في ذلك على قدر من التوقير‬
‫والخلق؛ ولم يكن ممن يهاجم العلماء أو يغض من شأنهم ولو اختلف معهم‪ ،‬وكان همزة الوصل‬
‫بين المجاهدين في الشيشان وبين علماء كثيرين؛ خاصة علماء الجزيرة العربية‪ ،‬والشيخ ابن‬
‫عثيمين خصوصا‪.‬‬
‫تميز الشيخ أبوعمر بالحرص على اتباع القرآن والسنة‪ ،‬علما وعملً‪ ،‬ويظهر من كتاباته كثرة‬
‫استشهاداته بهما‪ ،‬مع عمق الستدلل‪ ،‬وقد عرف حرصه على منهج السلف ومن سار مسيرهم‪،‬‬
‫وكان كثير اليراد لكلم شيخي السلم ابن تيمية وابن القيم رحم ال الجميع‪.‬‬
‫كان رحمه ال في حياته ‪-‬كما كان في أول عمره‪ -‬على قدر كبير من الخلق‪ ،‬والعفة‪ ،‬والحياء‬
‫وحفظ اللسان‪ ،‬وعلى جانب كبير من العبادة‪ ،‬ومداومة الذكر‪ ،‬وكان رغم أعبائه وامتلء وقته من‬
‫أهل قيام الليل‪ ،‬وتميز رحمه ال بالذكاء والفراسة‪ ،‬والشخصية القوية المهابة عند الجميع‪ ،‬على‬
‫تواضع وحلم‪ ،‬وصبر وطول بال‪ ،‬وتأن في الفتوى وتأمل في القرارات‪ ،‬وكان كثير الصمت‪،‬‬
‫هادئ الطبع‪ ،‬سهل المعاشرة‪ ،‬مع ما له من عزيمة وإصرار‪ ،‬وجد في العمل‪.‬‬
‫كانت للشيخ عناية خاصة بالجوانب العلمية‪ ،‬حيث أصدر عددا من الصحف في أنحاء‬
‫الشيشان‪ ،‬وأسس إذاعة لبث البرامج النافعة‪ ،‬وسعى في إطلق قناة تلفزيونية على مستوى‬
‫القوقاز‪.‬‬
‫كان للشيخ أثر ظاهر في ترشيد الجهاد وتوعية المجاهدين‪ ،‬والرتباط بمنهج السلف الصالح في‬
‫العقيدة والخلق والسلوك‪ ،‬ساهم في توازن الجهاد الشيشاني‪ ،‬وحفظه من غوائل الغلو‬
‫والنحراف الفكري‪.‬‬
‫جمع رحمه ال العلم والعمل‪ ،‬وجاهد بنفسه وماله ولسانه وقلمه‪ ،‬وأصيب في مواجهات كثيرة مع‬
‫العدو‪ ،‬في مواضع كثيرة من جسمه‪ ،‬ألزمته الفراش في بعض المرات‪ ،‬وقد شارك في مسيرة‬
‫"شاتوي" في حالة عصيبة من البرد ووعورة الطريق والحصار والقصف‪ ،‬مع معاناة الجرحى‬
‫والمرضى‪ ،‬وجرت محاولت لغتياله نجا منها‪ ،‬وهو يطلب الشهادة في مظانها حتى ظفر بها –‬
‫نحسبه كذلك‪.-‬‬
‫(خاتمة)‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪9‬‬
‫قتل رحمه ال في شهر شوال عام ‪ ،1426‬بعد مواجهة مع العدو‪ ،‬مقبلً غير مدبر‪ ،‬تقبله ال في‬
‫الشهداء‪.‬‬
‫ويعد كتابه "السياسة الشرعية" من آخر ما كتب‪ ،‬وقد جعله بمثابة الوصية بعد موته‪ ،‬بعد تجربة‬
‫ناضجة في العلم والعمل‪ ،‬وفي السياسة الشرعية سلمها وحربها‪ ،‬وفي التقلب بين الجندية والقيادة‪،‬‬
‫ختمها بتوقيع من حبر دمه‪.‬‬
‫رحم ال أبا عمر‪ ،‬وتقبله في الشهداء‪ ،‬ونفع بهذا الكتاب مؤلفه وقارئه وناشره‪ ،‬والحمد ل رب‬
‫العالمين‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪10‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫المقدمة‬
‫المد ل رب العالي والصلة والسلم على خي الرسلي وإمام الجاهدين نبينا ممد وعلى آله وصحبه‬
‫أجعي أما بعد‪:‬‬
‫فهذا الكتاب ف السياسة الشرعية الت يب على السلمي أن يتمسكوا با‪ ،‬وأل ييدوا عنها إل ما‬
‫انتحله وافتراه الكافرون الفترون من السياسات والنظمة والقواني والحكام الت أكثرت ف الرض‬
‫الفساد‪ ,‬وارتفع بسببها صوت الكفر واللاد‪ ,‬وقد ازداد خطرها واستطار شرها ف هذه السنوات مع‬
‫الملة الصليبية العالية التحالفة مع اليهود والشركي والرتدين لحاربة السلم والسلمي‪.‬‬
‫وقد تصدرت هذه الملة وتولت كبها‪ ,‬رأس الشر ف هذه الملة الوليات التحدة الت أجلبت‬
‫بنودها وأسلحتها وضجيج إعلمها على المة السلمية‪ ,‬وغزتا ف قعر دارها ف أفغانستان والعراق‪,‬‬
‫ونشرت قواعدها ف دول الليج وف باكستان وغيها‪ ,‬وسارع إل موالتا‪ ,‬والدخول ف حلفها‪,‬‬
‫والقتال ف صفها‪ ,‬واليان بفتنتها‪ -‬السماة بالديقراطية‪ -‬الارقون الرتدون والنافقون الذين قال ال‬
‫ضهُمْ‬
‫تعال عنهم وهو أحكم الاكمي‪َ{ :‬يـۤأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ َل تَتّخِذُواْ ٱلَْيهُودَ وَٱلّنصَا َرىٰ َأ ْولِيَآءَ َب ْع ُ‬
‫ض َومَن َيَتوَّلهُمْ منكُمْ َفإِّنهُ ِمْنهُمْ إِ ّن ٱلّلهَ َل َيهْدِي ٱْل َقوْمَ ٱلظّالِ ِميَ‪ .‬فََترَى ٱلّذِينَ فِي قُلُوِبهِم ّم َرضٌ‬
‫َأوْلِيَآءُ َبعْ ٍ‬
‫خشَىٰ أَن ُتصِيبَنَا دَآِئ َرةٌ َفعَسَى ٱلّلهُ أَن يَأِْتيَ بِٱْلفَْتحِ َأوْ َأ ْمرٍ م ْن عِن ِدهِ فَُيصِْبحُوْا عََلىٰ‬
‫يُسَا ِرعُونَ فِيهِمْ َيقُولُونَ نَ ْ‬
‫ت عَلَْيهِمْ منْ أَ ْقطَا ِرهَا ثُمّ ُسئِلُواْ ٱْلفِتْنَةَ لَت ْوهَا َومَا‬
‫سهِمْ نَا ِد ِميَ} وقال تعال‪َ { :‬وَلوْ دُ ِخَل ْ‬
‫مَآ أَ َسرّواْ فِيۤ َأْنفُ ِ‬
‫َتلَبّثُواْ ِبهَآ إِ ّل يَسِيا}‪ ,‬وكثي من الرتدين والنافقي ف زماننا قبل أن تدخل البلد من أقطارها‪ ,‬وتقتحم‬
‫من حدودها‪ ,‬قد استجابوا لفتنة الديقراطية‪ ,‬وائتمروا بأمر راعيتها الوليات التحدة‪.‬‬
‫وقد قام لهاد هؤلء الصليبيي وحلفائهم‪ ,‬وتصدى لدافعتهم ومقارعتهم‪ ,‬الجاهدون طلئع اللفة‬
‫السلمية‪ ,‬وجنود ال ف الرض‪ ,‬الطائفة الناجية النصورة الجاهدة الت قال عنها رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬ل تزال طائفة من أمت يقاتلون على الق‪ ،‬ظاهرين إل يوم القيامة" أخرجه مسلم‪.‬‬

‫وعن جابر بن سرة عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‪" :‬لن يبح هذا الدين قائما‪ ،‬يقاتل عليه‬
‫عصابة من السلمي حت تقوم الساعة" أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وعن معاوية بن أب سفيان رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من يرد ال به‬
‫خيا يفقهه ف الدين‪ ،‬ولتزال عصابة من السلمي يقاتلون على الق‪ ،‬ظاهرين على من ناوأهم إل‬
‫يوم القيامة" أخرجه مسلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪11‬‬

‫و عن جابر بن عبدال رضي ال عنهما قال‪ :‬سعت النب صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ل تزال طائفة من‬
‫أمت يقاتلون على الق ظاهرين إل يوم القيامة"‪ .‬قال‪" :‬فينل عيسى ابن مري صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فيقول أميهم‪ :‬تعال صل لنا‪ .‬فيقول‪ :‬ل‪ .‬إن بعضكم على بعض أمراء‪ .‬تكرمة ال هذه المة"‪.‬‬
‫أخرجه مسلم‪.‬‬

‫وعن عقبة بن عامر رضي ال عنه قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ل تزال عصابة‬

‫من أمت يقاتلون على أمر ال‪ ،‬قاهرين لعدوهم‪ ،‬ل يضرهم من خالفهم حت تأتيهم الساعة وهم على‬
‫ذلك" أخرجه مسلم‪ ,‬فكسروا شوكة الغزاة الصليبيي‪ ,‬ومزقوا بفضل ال حلفهم وشتتوا جعهم‪ ,‬وألقوا‬
‫الزائم التوالية ف أعت دولة من دول العال وأشدها تردا وكفرا‪ ,‬وحربا ل ورسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ,‬فحاق مكر الصليبيي بم‪ ,‬ودارت الدائرة عليهم‪ ,‬وفشلت أهدافهم ومططاتم‪ ,‬وجاءت النتائج‬
‫على عكس ماكانوا يظنون ويتمنون ويريدون‪ ,‬فقد ازدادت ول المد قوة الجاهدين الذين جددوا ف‬
‫نفوس السلمي معان الهاد والستشهاد والعزة والشجاعة والصدق‪ ,‬حيث تددت فريضة الهاد ف‬
‫المة تددا ل يسبق مثله منذ أزمان‪ ,‬وأقبل الكثي من السلمي على دينهم الذي هو مصدر عزهم‬
‫وقوتم ورفعتهم بعد أن تساقطت الشعارات اللدينية ( العلمانية ) ف النطقة‪ ,‬كما قال أمي الؤمني‬
‫عمر بن الطاب رضي ال عنه "إنا كنا أذل قوم فأعزنا ال بالسلم‪ ،‬فمهما نطلب العز بغي ما أعزنا‬
‫ال به أذلنا ال" رواه الاكم‪.‬‬
‫و يئس الصليبيون وحلفاؤهم من رد السلمي الصادقي عن دينهم‪ ,‬وأصبح حالم كحال سلفهم من‬
‫شوْنِ ٱلَْي ْومَ‬
‫ش ْوهُ ْم وَٱخْ َ‬
‫الكفار‪ ،‬الذين قال ال تعال عنهم‪{ :‬ٱلَْي ْومَ َيِئسَ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا مِن دِيِنكُمْ فَلَ َتخْ َ‬
‫لمَ دِينا}‪.‬‬
‫أَكْمَ ْلتُ لَ ُكمْ دِينَكُ ْم وََأتْمَ ْمتُ َعلَيْكُ ْم ِنعْمَتِي َو َرضِيتُ لَكُ ُم ٱلِسْ َ‬
‫و الجاهدون الذين يسيون بصدق وثبات على طريق الهاد‪ ,‬لتكون كلمة ال هي العليا‪ ,‬ويكم‬
‫السلم ف الرض‪ ,‬ويشرق نور اللفة السلمية من جديد‪ ,‬عليهم أل يقتصروا ف حذرهم على‬
‫الكفار الحاربي والرتدين الديقراطيي الذين يسعون لزالة السلم‪ ,‬وتكيم الكفر السمى بالديقراطية‬
‫ف بلد السلمي‪ ,‬بل عليهم أن يذروا أيضا من بعض من ينتسبون إل العلم الشرعي الذين يلطون الق‬
‫بالباطل‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬وَلَ َتلِْبسُواْ ٱلْحَقّ بِٱلْبَاطِ ِل َوتَكْتُمُواْ ٱْلحَ ّق وَأَنْتُ ْم َتعْلَمُونَ}‪ ,‬وهذا اللط واللبس‬
‫من صفات اليهود‪ ,‬ومن تشبه بم من أهل العلم ف هذه المة السلمية من يرفعون شعارات إسلمية‪,‬‬
‫ويتصدرون للفتوى والرشاد‪ ,‬ث يلطون ما عندهم من الق بالدعوة إل الباطل كالدعوة إل الكفر‬
‫السمى بالديقراطية بجة الصلحة الوطنية أو غيها‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪12‬‬

‫و تكمن خطورة هذا الصنف ف مكانة بعضهم عند بعض عوام السلمي‪ ,‬وربا كان من بينهم من‬
‫يدعون إل قتال الحتلي‪ ,‬ولكنهم قد زلوا ف فتنة الديقراطية الت ضل فيها كثي من الناس كما ضل‬
‫الكثي من الناس ف عبادة الصنام كما قال تعال‪{ :‬وَِإ ْذ قَالَ إِْبرَاهِي ُم رَب ٱ ْجعَ ْل َهـٰذَا ٱلَْبلَ َد آمِنا‬
‫وَٱجْنُْبنِي وَبَِنيّ أَن ّنعْبُ َد ٱ َلصْنَامَ‪ .‬رَب إِّنهُنّ َأضَْللْنَ كَثِيا منَ ٱلنّاسِ}‪.‬‬
‫إن الواجب على كل مسلم فضل عمن تصدر للفتوى وانتسب للدعوة السلمية أن يأمر با أمر ال به‬
‫من اليان‪ ,‬ول يأمر بالكفر كدعوة السلمي وحثهم على القبول بالديقراطية‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬وَلَ‬
‫سلِمُونَ}‪ ,‬فالنب صلى ال عليه‬
‫يَ ْأ ُمرَكُمْ أَن تَتّخِذُواْ ٱلْمَلَِئكَ َة وَٱلنّبِيْينَ َأرْبَابا أَيَ ْأ ُمرُكُم بِٱلْ ُك ْفرِ َبعْدَ ِإذْ أَنْتُ ْم مّ ْ‬
‫وسلم ل يأمر السلمي بالكفر كاتاذ بعضهم بعضا أربابا من دون ال‪ ,‬وكذلك من تصدر للفتوى‬
‫وتبليغ أحكام ال‪ ,‬ل يأمر إل با أمر ال به ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول ينهى إل عما نى ال عنه‬
‫ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وأعظم ما أمر ال به ورسوله صلى ال عليه وسلم توحيد ال‪ ,‬وإفراده‬
‫بالعبادة‪ ,‬ومنها الكم والتشريع‪ ,‬وأعظم ما نى ال عنه ورسوله صلى ال عليه وسلم الشرك‪ ,‬ومنه‬
‫التحاكم إل الديقراطية وقوانينها وبرلاناتا‪ ,‬وقد روى ابن عباس رضي ال عنهما كتاب النب صلى ال‬
‫عليه وسلم إل هرقل ولفظه "بسم ال الرحن الرحيم من ممد رسول ال إل هرقل عظيم الروم سلم‬
‫على من اتبع الدى أما بعد فإن أدعوك بدعاية السلم أسلم تسلم وأسلم يؤتك ال أجرك مرتي‬
‫وإن توليت فإن عليك إث الريسيي {قل يا أهل الكتاب تعالوا إل كلمة سواء بيننا وبينكم أل نعبد‬
‫إل ال ول نشرك به شيئا ول يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ال فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا‬
‫مسلمون}" أخرجه البخاري ومسلم‪ ،‬وأخرج ابن جرير وابن النذر عن ابن جريج ف قوله {ول يتخذ‬
‫بعضنا بعضا أربابا من دون ال} قال‪" :‬ل يطيع بعضنا بعضا ف معصية ال" وهي كقوله تعال‪:‬‬
‫{ٱتّخَ ُذ ۤواْ أَحْبَا َرهُمْ َو ُرهْبَاَنهُمْ َأرْبَابا من دُونِ ٱلّلهِ}‪ ,‬وقد كانوا أربابا لم حي اتذوهم مشرعي‪ ،‬يلون‬
‫لم الرام ويرمون عليهم اللل‪ ,‬فهذا هو دأب اليهود والنصارى من القدي إل يومنا هذا أن يتخذ‬
‫بعضهم بعضا أربابا مشرعي من دون ال‪ ،‬وإن اختلفت السميات والصور‪ ,‬وهذا من الشرك الذي دعا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم هرقل عظيم الروم لتركه‪ ,‬والواجب على حلة العلم الشرعي أن يقتدوا‬
‫بنبيهم صلى ال عليه وسلم وينكروا شرك الديقراطية‪,‬ويدعوا عظيم الروم ف زماننا إل تركه‪ ,‬ولكن‬
‫انعكس المر عند بعض النتسبي للعلم فاستجابوا لفتنة الديقراطية الت يروج لا ويدعوا لا"عظيم الروم"‬
‫وحلفاؤه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪13‬‬

‫فهذا أحد المثلة الكثية على خلط الق بالباطل‪ ,‬وما قد شاب السياسة الشرعية‪ ,‬وخلط با من‬
‫السياسات الائرة الت أخذت من النظمة الكفرية كالديقراطية وغيها ث نسبت إل السياسة الشرعية‬
‫كذبا وزورا‪.‬‬
‫ولذا فالواجب على أهل العلم أن يبينوا السياسة الشرعية‪ ,‬وأن ييزوا بينها وبي ما خلط با من الباطل‬
‫ويذروا منه‪ ,‬وأن يعتنوا بالكتابة الادة ف السياسة الشرعية‪ ,‬وأن يدرسوها ف حلق العلم كغيها من‬
‫العلوم الشرعية‪.‬‬
‫و هذا الكتاب قد كتب للمجاهدين الصادقي الادين ف جهادهم وسعيهم لقامة دين ال ف الرض ف‬
‫العراق وأفغانستان وفلسطي والشيشان وغيها‪ ,‬وقد تضمن قواعد كلية وأصول وأحكاما عامة ف‬
‫السياسة الشرعية مع التفصيل ف عدد من الواضع‪ ,‬فما كان فيه من حق فهو من ال تعال وحده‪ ,‬وما‬
‫كان فيه من خطأ ما يالف الكتاب والسنة فأنا راجع عنه ف دنياي وبعد وفات‪.‬‬

‫كتبه‬
‫أبو عمر ممد بن عبد ال السيف‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪14‬‬

‫باب‪ :‬الحكم لله تبارك وتعالى‬
‫إن الكم والتشريع من خصائص اللوهية‪ ,‬ومن نازع ال تعال ف الكم والتشريع فقد تاوز حد‬
‫العبودية‪ ,‬ورام اللوهية‪ ,‬فهو طاغوت‪ ,‬وكلمة طاغوت مشتقة من الطغيان وهو ماوزة الد‪ ,‬وكل من‬
‫آمن بذا الطاغوت‪ ,‬واتذه حكما ومشرعا‪ ,‬فقد اتذه ربا‪ ,‬وعبده من دون ال تعال‪ ,‬كما قال تعال‪:‬‬
‫{اتّخَذُواْ أَحْبَا َرهُمْ َو ُرهْبَاَنهُمْ َأرْبَابا مّن دُونِ الّلهِ}‪ ,‬وقد روى المام أ حد‪ ,‬والترمذي عن عدي بن‬
‫حات رضي ال عنه‪ ,‬أنه دخل على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وف عنق عدي صليب من فضة‪,‬‬
‫فقرأ رسول ال صلى ال عليه وسلم هذه الية‪{ :‬اتّخَذُواْ أَحْبَا َرهُمْ َو ُرهْبَاَنهُمْ َأرْبَابا مّن دُونِ الّلهِ} قال‪:‬‬

‫فقلت‪ ,‬إنم ل يعبدوهم‪ ،‬فقال‪" :‬بلى إنم حرموا عليهم اللل‪ ,‬وأحلوا لم الرام‪ ,‬فاتبعوهم فذلك‬
‫عبادتم إياهم"‪ ,‬وأخرج ابن جرير بإسناده عن ابن عباس رضي ال عنهما أنه قال "ل يأمروهم أن‬

‫يسجدوا لم‪ ,‬ولكن أمروهم بعصية ال‪ ,‬فأطاعوهم‪ ,‬فسماهم ال بذلك أربابا"‪.‬‬
‫و أخرج ابن جرير بإسناده عن حذيفة رضي ال عنه أنه قال " أما إنم ل يكونوا يصومون لم‪ ,‬ول‬
‫يصلون لم‪ ,‬ولكنهم كانوا إذا أحلوا لم شيئا استحلوه‪ ,‬وإذا حرموا عليهم شيئا أحله ال لم حرموه‪,‬‬
‫فتلك كانت ربوبيتهم"‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير بإسناده عن أب البختري رحه ال قال " انطلقوا إل حلل ال فجعلوه حراما‪,‬‬
‫وانطلقوا إل حرام ال فجعلوه حلل‪ ,‬فأطاعوهم ف ذلك‪ ,‬فجعل ال طاعتهم عبادتم‪ ,‬ولو قالوا لم‪:‬‬
‫اعبدونا‪ .‬ل يفعلوا "‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير بإسناده عن أب العالية أنه قال‪" :‬قالوا‪ :‬ما أمرونا به ائتمرنا‪ ،‬وما نونا عنا انتهينا‬
‫لقولم‪ :‬وهم يدون ف كتاب ال ما أمروا به وما نوا عنه‪ ،‬فاستنصحوا الرجال‪ ،‬ونبذوا كتاب ال وراء‬
‫ظهورهم "‪ .‬وهذه الية كقوله تعال‪{ :‬قُلْ يَأ ْهلَ الْ ِكتَابِ َتعَاَلوْاْ ِإلَى كَلَ َمةٍ َسوَآءٍ َبيَْننَا وَبَْينَكُمْ أَ ّل َنعْبُدَ إِلّ‬
‫شرِكَ ِبهِ َشيْئا وَلَ َيتّخِذَ َب ْعضُنَا َبعْضا َأرْبَابا مّن دُونِ الّلهِ فَإِن َتوَّلوْْا َفقُولُواْ ا ْشهَدُواْ بِأَنّا‬
‫الّلهَ وَ َل نُ ْ‬
‫مُسْلِمُونَ}‪ ،‬وقد أخرج ابن جرير وغيه عن ابن جريج ف قوله تعال‪{ :‬وَلَ َيتّخِذَ َب ْعضُنَا َبعْضا َأرْبَابا مّن‬
‫دُونِ ٱلّلهِ َشيْئا} قال "ل يطع بعضنا بعضا ف معصية ال"‪.‬‬
‫فكانت عبادتم لم باتباعهم ف التشريع‪ ،‬وهو التحري والتحليل‪ ,‬وقد قرن ال تعال من اتذ الحبار‬
‫والرهبان أربابا مشرعي‪ ،‬بن اتذ السيح عليه السلم ربا‪ ،‬فكما أن من عبد السيح‪ ,‬فقد اتذه ربا‪,‬‬
‫وكفر بال العظيم‪ ,‬فكذلك من اتذ غي ال مشرعا‪ ,‬فقد اتذه ربا وعبده من دون ال‪ ,‬وكفر كفرا‬
‫يرج من اللة‪.‬‬
‫والية الكرية تشي إل أن الشرك ف التشريع‪ ,‬والتحاكم إل غيال‪ ,‬من سجايا اليهود والنصارى‬
‫القدية‪ ,‬الت ل تزال باقية‪ ,‬ولكن زادوا صورا وأشكال جديدة من التحاكم إل غي ال تعال‪,‬كالتحاكم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪15‬‬

‫إل قوانينهم‪ ,‬وماكمهم الكفرية‪ ,‬وإل برلاناتم‪ ,‬وهيئاتم الحلية والدولية كهيئة المم التحدة‪ ،‬وغيها‬
‫من الصور والشكال‪ ,‬الت تتمع ف حقيقة واحدة‪ ,‬وهي رجوعهم إليها ف الكم والتشريع‪ ,‬وأنا‬
‫أصبحت أربابا تعبد من دون ال تعال‪.‬‬
‫فمن تاكم إل غي ال تعال‪ ,‬واتذ غي ال حكما ومشرعا‪ ,‬فقد أشرك بال شركا أكب يرج من‬
‫شرِك فِي حُ ْك ِمهِ‬
‫شرِكُ فِي حُكْ ِمهِ أَحَدا}‪ ,‬وف قراءة‪{ :‬وَلَ ُت ْ‬
‫ارتكبه من السلم‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬وَ َل يُ ْ‬
‫شرِكْ‬
‫أَحَدا}‪ ،‬بصيغة النهي عن الشراك بال تعال ف الكم والتشريع‪ ,‬وهذه الية كقوله تعال‪{ :‬وَلَ ُي ْ‬
‫ِبعِبَا َد ِة رَّبهِ أَحَدَا}‪ ,‬فالشرك ف التشريع والتحاكم هو من الشرك ف العبادة‪ ,‬فإن التحاكم من العبادة‪,‬‬
‫كما قال تعال‪{ :‬إِ ِن الْحُكْمُ إِ ّل لّلهِ َأ َمرَ أَلّ َت ْعبُدُواْ إِلّ إِيّاهُ ذِلكَ الدّي ُن اْلقَيّ ُم وَلَـكِنّ أَ ْكَثرَ النّاسِ لَ‬
‫َيعْلَمُونَ}‪.‬‬
‫س ٌق وَإِنّ الشّيَا ِطيَ لَيُوحُونَ إِلَى‬
‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬وَلَ تَأْ ُكلُوْا مِمّا لَ ْم يُذْ َكرِ اسْ ُم الّلهِ عََلْيهِ وَِإّنهُ َلفِ ْ‬
‫شرِكُونَ} ‪ ,‬أي إذا أطعتم الشركي ف حل أكل اليتة‬
‫َأوْلِيَآِئهِمْ لُِيجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َطعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ َلمُ ْ‬
‫شرِكُونَ}‪ ,‬فتأمل هذه الية‪ ,‬فقد حكم ال تعال عليهم بأنم مشركون إذا أطاعوا الشركي‬
‫{ِإنّكُمْ لَمُ ْ‬
‫ف مسألة واحدة‪ ,‬فكيف بن تاكم إل غي ال كالقواني‪ ,‬أو اليئات‪ ,‬أو غيها‪ ,‬ف جيع شؤون الياة‬
‫أو بعضها‪ ،‬وكيف بن اتذ نفسه مشرعا‪ ،‬وحكّم القواني الوضعية ف البلد‪ ,‬وألزم الناس با‪ ,‬وحاها‬
‫ودافع عنها بنده وإعلمه‪ ,‬فإذا حكم ال تعال على من أطاع الشركي ف مسألة واحدة بالشرك‪,‬‬
‫فالكم على الكام البدلي لشرع ال بالكفر والشرك‪,‬و الروج من السلم من باب أول‪.‬‬
‫وهذه السألة من مسائل الجاع‪ ,‬والدلة عليها واضحة وصرية‪ ,‬ول يتعامى عنها إل من أعمى ال‬
‫بصيته وصرفه عن الق‪ ،‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال "والنسان مت حلل الرام الجمع عليه‪,‬‬
‫وحرم اللل الجمع عليه‪ ,‬أو بدل الشرع الجمع عليه‪ ,‬كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء"‪.))1‬‬

‫و قال المام ابن كثي رحه ال " فمن ترك الشرع الحكم النل على ممد بن عبد ال خات النبياء‪,‬‬
‫وتاكم إل غيه من الشرائع النسوخة كفر‪ ،‬فكيف بن تاكم إل الياسق وقدمها عليه‪ ,‬من فعل ذلك‬
‫‪))2‬‬

‫كفر بإجاع السلمي "‬

‫وتأمل اليات الت تصف من أطاع الشيطان واتبع تشريعه بأنه قد أشرك بال‪ ,‬وعبد الشيطان من دون‬
‫شرِكُونَ}‪.‬‬
‫ال‪ ,‬كقوله تعال‪{ :‬إِنّمَا سُلْطَاُنهُ َعلَى الّذِي َن يََتوَّلوَْن ُه وَالّذِي َن هُم ِب ِه مُ ْ‬
‫وقوله تعال‪{ :‬أَلَمْ َأ ْعهَدْ ِإلَيْكُ ْم يٰبَِنيۤ آ َدمَ أَن ّل َتعْبُدُواْ ٱلشّيطَانَ ِإّنهُ لَ ُكمْ عَ ُد ّو مِّبيٌ‪ .‬وَأَ ِن ٱعْبُدُونِي َهـٰذَا‬
‫ط مّسَْتقِيمٌ}‪.‬‬
‫صرَا ٌ‬
‫ِ‬
‫(‪ )1‬مموع الفتاوى‪.‬‬
‫(‪ )2‬البداية والنهاية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪16‬‬

‫وأخب تعال عن إبراهيم عليه السلم أنه قال لبيه‪{ :‬يٰأََبتِ لَ َتعُْبدِ ٱلشّيْطَانَ إِنّ ٱلشّيْطَانَ كَا َن لِلرّحْ َمـٰنِ‬
‫َعصِيّا}‪.‬‬
‫ح ّق َو َوعَدتّكُمْ فََأخَْلفْتُكُمْ‬
‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬وَقَالَ ٱلشّيْطَا ُن لَمّا ُقضِ َي ٱ َلمْرُ إِنّ ٱلّل َه َوعَدَكُ ْم َوعْدَ ٱلْ َ‬
‫جبْتُمْ لِي فَلَ َتلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُ ْم مّآ أَنَاْ‬
‫َومَا كَانَ لِ َي عََليْكُ ْم مّن سُ ْلطَانٍ إِلّ أَن َد َعوْتُكُمْ فَٱسْتَ َ‬
‫صرِخِيّ إِنّي َك َف ْرتُ بِمَآ أَ ْشرَ ْكتُمُو ِن مِن قَبْلُ إِنّ ٱلظّالِ ِميَ َلهُ ْم عَذَابٌ َألِيمٌ}‪ ،‬فتبأ‬
‫صرِخِكُ ْم َومَآ أَنتُمْ بِ ُم ْ‬
‫بِ ُم ْ‬
‫الشيطان من الشركي وشركهم وبي الشيطان أن شركهم وعبادتم له كانت بطاعتهم لدعوته‪ ,‬كما‬
‫قال تعال مبينا قول الشيطان لتباعه‪َ { :‬ومَا كَانَ لِ َي َعلَيْكُ ْم مّن ُسلْطَانٍ إِلّ أَن َد َعوْتُكُ ْم فَٱسَْتجَبْتُ ْم لِي فَلَ‬
‫صرِخِكُ ْم َومَآ أَنتُ ْم بِ ُمصْرِخِيّ ِإنّي َك َف ْرتُ ِبمَآ أَ ْشرَكْتُمُو ِن مِن َقبْلُ}‪.‬‬
‫َتلُومُونِي َولُومُوۤاْ أَنفُسَكُ ْم مّآ أَنَ ْا بِ ُم ْ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬و َجعَلُوْا لّلهِ ُشرَكَآءَ الْجِ ّن وَ َخَل َقهُمْ}‪ ,‬أي جعل الشركون الشياطي شركاء ل ف العبادة‪,‬‬
‫وعبادتم لم إنا هي ف الطاعة والتشريع‪ ,‬وال تعال هو خالقهم‪ ,‬وهو تبارك وتعال الذي له الكم‬
‫والتشريع‪ ,‬فكيف يشرك معه غيه ف الكم والتشريع‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ومَن يُشَاِق ِق ٱلرّسُولَ مِن َبعْدِ مَا‬
‫َتبَيّنَ َلهُ ٱْلهُ َدىٰ وََيتّبِ ْع غَْيرَ َسبِيلِ ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ ُنوَّل ِه مَا َتوَلّ ٰى وَُنصِْلهِ َجهَنّ َم َوسَآءَت َمصِيا‪ .‬إِ ّن ٱلّلهَ َل َيغْ ِفرُ أَن‬
‫شرِ ْك بِٱلّلهِ َفقَ ْد ضَ ّل ضَلَلً َبعِيدا‪ .‬إِن يَ ْدعُونَ مِن دُوِنهِ إِلّ‬
‫شرَ َك ِبهِ وََي ْغ ِفرُ مَا دُو َن ذِٰلكَ لِمَن يَشَآءُ َومَن يُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫خذَنّ مِ ْن ِعبَادِكَ َنصِيبا ّم ْفرُوضا‪ .‬وَ ُلضِلّّنهُمْ‬
‫إِنَاثا وَإِن يَ ْدعُونَ إِلّ َشيْطَانا مّرِيدا‪ّ .‬لعََنهُ ٱلّلهُ وَقَالَ لَتّ ِ‬
‫وَ ُلمَنَّيّنهُمْ وَ َل ُمرَّنهُمْ َفلَُيبَتّكُ ّن آذَا َن ٱلَْنعَا ِم وَ َلمُرَّنهُ ْم فََلُيغَّيرُنّ خَلْ َق ٱلّلهِ َومَن يَتّخِذِ ٱلشّيْطَا َن وَلِيّا مّن دُونِ‬
‫سرَانا مّبِينا}‪.‬‬
‫سرَ ُخ ْ‬
‫ٱلّلهِ َفقَدْ خَ ِ‬
‫فقوله تبارك وتعال‪{ :‬وَإِن يَ ْدعُونَ إِلّ شَْيطَانا ّمرِيدا} أي إن يعبدون إل شيطانا مريدا‪ ,‬لنم إذا عبدوا‬
‫الوثان الت يسمونا بتسمية الناث‪ ,‬فقد عبدوا الشيطان ف نفس المر‪ ,‬لن الشيطان هو الذي حسن‬
‫لم هذا الشرك وأمرهم به‪ ,‬فعبادتم للشيطان كانت بطاعته واتباع تشريعه‪ ,‬فدلت الية على أن من‬
‫اتذ غي ال مشرعا وحكما‪ ,‬فقد عبده من دون ال‪.‬‬
‫شرِكِيَ َقتْلَ َأوْ َل ِدهِمْ ُشرَكَآ ُؤهُمْ}‪ ,‬فسماهم ال تعال شركاء‪,‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَ َكذِٰلكَ َزيّنَ لِ َكثِ ٍي مّنَ ٱلْ ُم ْ‬
‫لنم أطاعوهم ف قتل أولدهم‪ ،‬وانقادوا لتشريعهم‪.‬‬
‫ـؤُلَءِ إِيّاكُمْ كَانُواْ َيعْبُدُونَ‪ .‬قَالُواْ سُْبحَاَنكَ‬
‫ش ُرهُمْ جَمِيعا ثُمّ َيقُولُ ِللْمَلَئِ َكةِ َأ َه ٰ‬
‫و قال تعال‪َ { :‬وَي ْومَ يَحْ ُ‬
‫ت وَلِيّنَا مِن دُوِنهِمْ بَلْ كَانُواْ َيعْبُدُونَ ٱلْجِنّ أَكْـَث ُرهُم ِبهِم ّم ْؤمِنُونَ}‪ ,‬فنهت اللئكة ال تعال عن‬
‫أَن َ‬
‫الشريك‪ ,‬وتبأت من الشركي وشركهم‪ ,‬وذكرت أن الشياطي كانوا يعبدون الن أي الشياطي الذين‬
‫أمروهم بعبادة اللئكة وغيهم‪ ,‬فكانت عبادتم للشياطي بطاعتهم لم ف الشرك‪ ,‬فهم مؤمنون‬
‫بالشياطي‪ ,‬ومصدقون لم‪ ,‬ومنقادون لتشريعهم‪ ,‬كما قال تعال‪َ{ :‬بلْ كَانُواْ َيعْبُدُونَ ٱلْجِنّ أَكْـَث ُرهُم‬
‫ِبهِم ّم ْؤمِنُونَ}‪ ,‬فدل على أن من اتذ غي ال مشرعا‪ ,‬فقد آمن به ربا‪ ,‬وعبده من دون ال‪ ,‬ول فرق‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪17‬‬

‫بي من أطاع الشيطان واتذه مشرعا‪ ,‬وبي من اتذ القواني‪ ,‬والبلانات‪ ,‬أو هيئة المم‪ ,‬أو غيها‬
‫مرجعا ف الكم والتشريع‪ ,‬فالميع قد صرفوا العبادة لغي ال‪ ,‬فهم مشركون خارجون عن السلم‪.‬‬
‫و قال تعال‪َ{ :‬أمْ َلهُ ْم ُشرَكَاءُ َش َرعُوْا َلهُمْ مّ َن الدّي ِن مَا لَمْ يَ ْأذَن ِبهِ الّلهُ}‪ ,‬فسمى تبارك وتعال الشرعي‬
‫شركاء‪ ,‬فكل من اتذ غي ال مشرعا‪ ,‬فقد أشركه ف العبادة‪.‬‬
‫حرّمُوَن ُه عَاما لُّيوَاطِئُواْ‬
‫و قال تعال‪{ :‬إِنّمَا ٱلنّسِ ۤيءُ ِزيَا َدةٌ فِي ٱلْ ُك ْفرِ ُيضَلّ ِبهِ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا يُحِلّوَنهُ عَاما وَُي َ‬
‫عِ ّدةَ مَا َح ّرمَ ٱلّلهُ فَُيحِلّواْ مَا َحرّمَ ٱلّل ُه زُيّنَ َلهُمْ ُس ۤوءُ َأعْمَاِلهِ ْم وَٱلّلهُ لَ َيهْدِي ٱْلقَ ْومَ ٱلْكَاِفرِينَ}‪ ,‬فبي تعال‬
‫أن الكفار الذين يلون ما حرم ال‪ ,‬قد ازدادوا كفرا على كفرهم الصلي‪ ,‬والزيادة ف الكفر كفر‪.‬‬
‫ك هُمُ الْكَاِفرُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ومَن لّ ْم يَحْكُم بِمَآ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَن لّ ْم يَحْكُم بِمَآ أَنزَ َل الّلهُ فَُأوْلَـِئ َ‬
‫ك هُمُ‬
‫ك هُمُ ٱلظّالِمُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ومَن لّمْ َيحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱلّلهُ فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫أنزَلَ ٱلّلهُ فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ٱْلفَا ِسقُونَ}‪ ،‬وألفاظ الكفر‪ ,‬والظلم‪ ,‬والفسق تأت ف الكتاب والسنة‪ ,‬ويراد با ف مواطن الكفر الكب‪,‬‬
‫والظلم الكب‪ ,‬والفسق الكب‪ ,‬وكلها ما يرج من اللة‪ ,‬وتأت ف مواطن‪ ,‬ويراد با الكفر الصغر‪,‬‬
‫والظلم الصغر‪ ,‬والفسق الصغر‪ ,‬وهي ل ترج من اللة‪.‬‬
‫فإذا كان الاكم ل يكم با أنزل ال‪ ,‬وقد بدل شرع ال‪ ,‬وسن القواني الكفرية‪ ,‬وتاكم إل غي ال‬
‫تعال‪ ,‬فهذا كفره‪ ,‬وظلمه‪ ,‬وفسقه‪ ,‬ما يرج من اللة‪ ،‬وأما الكفر دون كفر‪ ,‬أو الكفر الصغر الذي ل‬
‫يرج من اللة‪ ,‬فهو الكم ف قضية معينة بغي ما أنزل ال‪ ,‬لقرابة‪ ,‬أو لرشوة‪ ,‬أو لوى‪ ,‬كالاكم السلم‬
‫الذي يكم بالسلم ف جيع شؤون الياة‪ ,‬ول يتحاكم لغي شرع ال من القواني‪ ,‬أو اليئات أو‬
‫غيها‪ ,‬ولكنه حكم ف قضية معينة بغي ما أنزل ال‪ ,‬ول يسن قانونا لذه القضية‪ ,‬أو غيها‪ ,‬ول يستحل‬
‫هذا الور ف الكم الذي ارتكبه‪ ,‬وإنا حله هواه على ترك الكم با أنزل ال ف هذه القضية العينة‪,‬‬
‫فهذا قد ارتكب كفرا أصغر ل يرجه من اللة‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬فَإِن َتنَا َزعْتُ ْم فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّلهِ وَٱلرّسُولِ إِن ُكنْتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّل ِه وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ‬
‫ك َومَآ أُنزِ َل مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن‬
‫خَْي ٌر وَأَ ْحسَنُ تَ ْأوِيلً‪ .‬أَلَ ْم َترَ إِلَى ٱلّذِي َن َي ْزعُمُونَ َأّنهُ ْم آمَنُواْ بِمَآ ُأْنزِلَ ِإلَْي َ‬
‫َيتَحَاكَ ُموۤاْ ِإلَى ٱلطّاغُوتِ َوقَدْ ُأ ِمرُوۤاْ أَن يَ ْك ُفرُواْ ِبهِ َوُيرِيدُ ٱلشّْيطَانُ أَن ُيضِّلهُ ْم ضَلَلً َبعِيدا‪ .‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ‬
‫ك صُدُودا‪َ .‬فكَيْفَ ِإذَآ َأصَابَْتهُ ْم ّمصِيبَةٌ‬
‫َتعَاَل ْواْ إِلَ ٰى مَآ أَنزَلَ ٱلّل ُه وَإِلَى ٱلرّسُو ِل رَأَْيتَ ٱلْمُنَاِفقِيَ َيصُدّو َن عَن َ‬
‫بِمَا قَ ّد َمتْ َأيْدِيهِمْ ثُ ّم جَآءُوكَ يَحِْلفُونَ بِٱلّلهِ إِنْ َأ َردْنَآ إِلّ إِ ْحسَانا وََت ْوفِيقا}‪ ,‬فجعل ال تعال الرد إل ال‬
‫ورسوله صلى ال عليه وسلم عند التنازع شرطا ف اليان‪ ,‬وذكر كلمة {شَ ْيءٍ} وهي نكرة ف سياق‬
‫الشرط‪ ,‬فتعم كل ما تنازع فيه التنازعون ف جيع شؤون الياة‪ ,‬وبي تعال أن التحاكم إل كتابه وسنة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ,‬هو خي ف الدنيا والخرة‪ ,‬وأحسن عاقبة ف الدنيا والخرة‪ ,‬ث قال تعال‪:‬‬
‫ك َومَآ أُنزِ َل مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَاكَ ُموۤاْ ِإلَى‬
‫{أَلَ ْم َترَ إِلَى ٱلّذِي َن َي ْزعُمُونَ َأّنهُ ْم آمَنُواْ بِمَآ ُأْنزِلَ ِإلَْي َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪18‬‬

‫ٱلطّاغُوتِ}‪ ,‬وهي صيغة تعجب من حال النافقي وتناقضهم‪ ,‬فهم يزعمون اليان با أنزل إل رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وما أنزل من قبله‪ ,‬ث يالفون هذا الزعم بإرادتم التحاكم إل الطاغوت‪ ,‬فهذا‬
‫تناقض ونقض لا يدعون من اليان‪ ,‬كقوله تعال ف الية الخرى‪َ { :‬وِيقُولُونَ آمَنّا بِٱلّل ِه وَبِٱلرّسُولِ‬
‫وَأَ َطعْنَا ثُ ّم يََتوَلّ ٰى َفرِي ٌق مّْنهُ ْم مّن َبعْ ِد ذِٰلكَ َومَآ ُأوَْلـِٰئكَ بِٱلْ ُم ْؤمِِنيَ}‪ ,‬فإن اليان يقتضي التحاكم إل ال‬
‫ورسوله صلى ال عليه وسلم والكفر بالطاغوت وليس التحاكم إليه‪ ,‬ولذا قال تعال‪َ { :‬وقَدْ ُأ ِم ُروۤاْ أَن‬
‫يَ ْك ُفرُواْ ِب ِه وَُيرِيدُ ٱلشّيْطَانُ أَن ُيضِّلهُمْ ضَلَ ًل َبعِيدا}‪ ,‬وإنا ضلوا هذا الضلل البعيد لشركهم وكفرهم‬
‫شرِكْ‬
‫شرَكَ ِبهِ َوَيغْ ِف ُر مَا دُو َن ذِٰلكَ لِمَن َيشَآءُ َومَن ُي ْ‬
‫بال تعال‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ َل َي ْغفِرُ أَن ُي ْ‬
‫بِٱلّلهِ َفقَدْ ضَ ّل ضَلَلً َبعِيدا}‪.‬‬
‫والطاغوت مشتق من الطغيان‪ ,‬قال المام ابن جرير رحه ال ف تعريفه‪ " :‬والصواب من القول عندي‬
‫ف الطاغوت أنه كل ذي طغيان على ال‪ ,‬فيعبد من دونه‪ ,‬إما بقهر منه لن عبده‪ ,‬وإما بطاعة من عبد‬
‫له‪ ,‬إنسانا كان ذلك العبود‪ ,‬أو شيطانا‪ ,‬أو وثنا‪ ,‬أو كائنا ما كان من شيء "‪.))1‬‬

‫وقال المام ابن القيم رحه ال " والطاغوت كل ما تاوز به العبد حده‪ ,‬من معبود‪ ,‬أو متبوع‪ ,‬أو‬
‫مطاع‪ ,‬فطاغوت كل قوم‪ ,‬من يتحاكمون إليه غي ال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ,‬أو يعبدونه من‬
‫دون ال‪ ,‬أو يتبعونه على غي بصية من ال‪ ,‬أو يطيعونه فيما ل يعلمون أنه طاعة ل‪.‬فهذه طواغيت‬
‫العال إذا تأملتها‪ ,‬وتأملت أحوال الناس معها‪ ,‬رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة ال إل عبادة الطاغوت‪,‬‬
‫وعن التحاكم إل ال وإل الرسول صلى ال عليه وسلم إل التحاكم إل الطاغوت‪ ,‬وعن طاعته ومتابعة‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم إل الطاغوت ومتابعته "‪ ،))1‬فاليان ل يتحقق إل بالكفر بالطاغوت‪ ,‬كما‬

‫سكَ بِٱْل ُع ْروَةِ ٱْلوُْثقَىٰ}‪ ,‬والعروة الوثقى هي‬
‫قال تعال‪{ :‬فَمَ ْن يَ ْك ُفرْ بِٱلطّاغُوتِ َوْي ْؤمِن بِٱلّلهِ َفقَ ِد ٱسْتَ ْم َ‬
‫السلم‪ ,‬وشهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬والشهادة‪ :‬نفي وإثبات‪ ,‬والنفي هو "ل إله"و هو الكفر بالطاغوت‪,‬‬
‫والثبات "إل ال" وهو اليان بال تعال‪ ,‬فدل على أن من ل يكفر بالطاغوت كالديقراطية‪ ,‬أو اليئات‬
‫والبلانات التشريعية‪ ,‬أو غيها من الطواغيت‪ ,‬أنه ل يؤمن بال ول يقق شهادة أن ل إله إل ال‪ ,‬ث‬
‫ك صُدُودا}‬
‫قال تعال‪{ :‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ َتعَاَلوْاْ ِإلَ ٰى مَآ أَنزَلَ ٱلّل ُه وَإِلَى ٱلرّسُو ِل رَأَْيتَ ٱلْمُنَاِفقِيَ َيصُدّو َن عَن َ‬
‫أي يعرضون إعراضا عن التحاكم إل كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ث قال تعال‪:‬‬
‫حِلفُونَ بِٱلّلهِ إِنْ َأ َردْنَآ إِلّ ِإحْسَانا وََتوْفِيقا}‪,‬‬
‫{َفكَيْفَ ِإذَا َأصَاَبْتهُ ْم مّصِيبَ ٌة بِمَا قَ ّد َمتْ أَيْدِيهِمْ ثُمّ جَآءُوكَ يَ ْ‬
‫أي فكيف إذا حلت بم مصيبة بسبب ذنوبم‪ ,‬وإعراضهم عن كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه‬
‫حِلفُونَ بِٱلّلهِ إِنْ َأ َردْنَآ إِلّ إِ ْحسَانا َوَتوْفِيقا}‪ ,‬أي إن أردنا إل الحسان والتوفيق‬
‫وسلم‪ُ{ ،‬ثمّ جَآءُوكَ يَ ْ‬
‫(‪ )1‬جامع البيان‬
‫(‪ )1‬إعلم الوقعي‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪19‬‬

‫بي السلم والنظمة الخالفة له‪ ,‬واليان يقتضي الكفر بالنظمة الخالفة للسلم‪ ,‬وليس التوفيق‬
‫والمع بينها وبي السلم‪ ,‬وهذا كحال من يسعى من الفراد أو الحزاب إل التوفيق بي السلم وبي‬
‫الديقراطية أو غيها من الطواغيت‪.‬‬
‫سهِمْ‬
‫ج َر بَيَْنهُ ْم ثُمّ لَ يَجِدُواْ فِي َأْنفُ ِ‬
‫وقال تبارك وتعال‪َ{ :‬فلَ َو َرّبكَ َل ُي ْؤمِنُونَ حَتّى ُيحَكّمُوكَ فِيمَا شَ َ‬
‫سلِيما}‪ ,‬فنفى اليان عمن ل يتحاكم إل الرسول صلى ال عليه وسلم‪,‬‬
‫ت وَُيسَلّمُواْ تَ ْ‬
‫َحرَجا مّمّا َقضَْي َ‬
‫وأكد النفي بتكرار أداة النفي وبالقسم‪ ،‬ول يقتصر على مرد التحاكم بل ضم إليه انتفاء الرج من‬
‫الكم والنقياد والتسليم له‪ ،‬وقد ذكر البخاري عن المام ممد بن شهاب الزهري رحه ال أنه قال "‬
‫من ال الرسالة‪ ,‬ومن الرسول البلغ‪ ,‬وعلينا التسليم "‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّذِي َن ٱرْتَدّوْا َعلَىٰ َأدْبَا ِرهِ ْم مّن َبعْ ِد مَا تََبيّنَ َلهُمُ ٱْلهُدَى ٱلشّيْطَانُ َسوّلَ َلهُ ْم وََأمْلَ ٰى َلهُمْ‪.‬‬
‫ض ٱ َل ْمرِ وَٱلّلهُ َي ْعلَمُ إِ ْسرَا َرهُمْ‪ .‬فَ َكيْفَ ِإذَا‬
‫ذَِلكَ بِأَّنهُمْ قَالُواْ ِللّذِينَ َك ِرهُوْا مَا َنزّلَ ٱلّلهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي َبعْ ِ‬
‫ضوَاَنهُ فَأَ ْحَبطَ‬
‫خطَ ٱلّلهَ وَ َك ِرهُوْا ِر ْ‬
‫ضرِبُو َن وُجُو َههُمْ وََأدْبَا َرهُمْ‪ .‬ذَِلكَ بِأَّنهُمُ ٱتَّبعُواْ مَآ َأسْ َ‬
‫َتوَفّْتهُمُ ٱلْمَلَئِ َكةُ َي ْ‬
‫ض ٱ َل ْمرِ" فإذا كفر هؤلء بجرد الوعد‬
‫َأعْمَاَلهُمْ}‪ ,‬فهؤلء ارتدوا عن السلم لقولم "سَنُطِيعُكُمْ فِي َبعْ ِ‬
‫بالطاعة سرا وإن ل يفعلوا‪ ,‬فكيف بن أطاعهم واستجاب لم‪ ,‬وحكّم قوانينهم ف بلد السلمي‪,‬‬
‫وحاها‪ ,‬وألزم الناس با‪ ,‬وتاكم إل هيئاتم‪ ,‬وماكمهم‪ ,‬وبدل أحكام ال وغي مناهج التعليم طلبا‬
‫لرضاتم‪ ،‬فل شك أن ردته من باب أول‪.‬‬
‫ى عَلَى ٱْل َع ْرشِ‬
‫ت وَٱ َل ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُ ّم ٱ ْسَتوَ ٰ‬
‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬إِ ّن رَبّ ُكمُ ٱلّلهُ ٱلّذِي خََلقَ ٱلسَمَاوَا ِ‬
‫خرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ أَلَ َلهُ ٱْلخَلْ ُق وَٱ َل ْمرُ َتبَارَكَ‬
‫ُيغْشِي ٱْللّيْلَ ٱلّنهَارَ َيطُْلُبهُ َحثِيثا وَٱلشّ ْمسَ وَٱْلقَ َمرَ وَٱلنّجُومَ مُسَ ّ‬
‫ٱلّل ُه َربّ ٱْلعَالَ ِميَ}‪ ,‬فال تعال هو خالق كل شيء‪ ,‬وهو رب كل شيء ومليكه‪ ,‬وله تبارك وتعال المر‬
‫وحده ل شريك له‪ ,‬فكما أن له اللق‪ ,‬فكذلك له المر والتشريع‪ ,‬وهو تبارك وتعال خالق العباد‪ ,‬وهو‬
‫أعلم با فيه صلحهم وسعادتم ف الدنيا والخرة‪ ,‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬فإنه سبحانه‬
‫له اللق والمر‪ ,‬فكما ل يلق غيه ل يأمر غيه"‪.)11‬‬

‫ت وَإِلَْيهِ أُنِيبُ‪ .‬فَا ِطرُ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَا ٱخَْتَلفْتُمْ فِيهِ مِن َش ْيءٍ فَحُكْ ُمهُ إِلَى ٱلّل ِه ذَلِكُمُ ٱلّل ُه رَبّي َعلَْيهِ َتوَكّ ْل ُ‬
‫ت وَٱ َل ْرضِ َجعَلَ َلكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ َأ ْزوَاجا َومِنَ ٱلَْنعَامِ َأزْواجا يَ ْذ َرؤُكُمْ فِيهِ َلْيسَ كَ ِمثِْلهِ شَ ْيءٌ‬
‫ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫سطُ ٱل ّرزْقَ لِمَن َيشَآءُ َوَيقْ ِدرُ ِإّنهُ بِكُلّ شَ ْيءٍ‬
‫ت وَٱ َل ْرضِ يَْب ُ‬
‫َو ُهوَ ٱلسّمِيعُ ٱلَْبصِيُ‪َ .‬لهُ َمقَالِيدُ ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫عَلِيمٌ}‪ ,‬قال العلمة الشنقيطي ف كلم قيم له عند هذه اليات "اعلم أن ال جل وعل بي ف آيات‬
‫كثية صفات من يستحق أن يكون الكم له‪ ،‬فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات الذكورة الت‬
‫سنوضحها الن إن شاء ال‪ ،‬ويقابلها مع صفات البشر الشرعي للقواني الوضعية فينظر هل تنطبق‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪20‬‬

‫عليهم صفات من له التشريع؟! سبحان ال وتعال عن ذلك‪ ،‬فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون فليتبع‬
‫تشريعهم‪ ,‬وإن ظهر يقينا أنم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك فليقف بم عند حدهم‪ ,‬ول ياوزه‬
‫بم إل مقام الربوبية‪ ،‬سبحانه وتعال أن يكون له شريك ف عبادته أو حكمه أو ملكه‪.‬‬
‫فمن اليات القرآنية الت أوضح با تعال صفات من له الكم والتشريع قوله هنا { َومَا اخَْتَلفْتُمْ فِيهِ مِن‬
‫ت وَإَِلْيهِ ُأنِيبُ فَا ِطرُ‬
‫حكْ ُمهُ إِلَى الّلهِ} ث قال مبينا صفات من له الكم {ذَلِكُ ُم الّل ُه رَبّى َعلَْيهِ َتوَكّ ْل ُ‬
‫شَ ْىءٍ فَ ُ‬
‫ت وَال ْرضِ َجعَلَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ َأ ْزوَاجا َومِنَ الْنعَامِ َأزْواجا يَ ْذ َرؤُكُمْ فِيهِ لَْيسَ كَمِْثِلهِ شَ ْىءٌ‬
‫السّمَاوَا ِ‬
‫سطُ ال ّرزْقَ لِمَن َيشَآءُ َوَيقْ ِدرُ ِإّنهُ بِكُلّ شَ ْى ٍء عَلِيمٌ}‬
‫ت وَال ْرضِ َيبْ ُ‬
‫َو ُهوَ السّمِيعُ الَْبصِيُ َلهُ َمقَالِيدُ السّمَاوَا ِ‬
‫فهل ف الكفرة الفجرة الشرعي للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه‬
‫المور ويتوكل عليه‪ ،‬وأنه فاطر السماوات والرض‪ ،‬أي خالقهما ومترعهما على غي مثال سابق‪ ,‬وأنه‬
‫ج مّنَ‬
‫هو الذي خلق البشر أزواجا‪ ،‬وخلق لم أزواج النعام الثمانية الذكورة ف قوله تعال {ثَمَانَِيةَ َأ ْزوَا ٍ‬
‫ت وَال ْرضِ} وأنه‬
‫الضّأْنِ اثَْنيْنِ} وأنه {َلْيسَ كَ ِمثِْلهِ شَىْء َو ُهوَ السّمِيعُ الَْبصِيُ} وأنه {ّلهُ َمقَالِيدُ السّمَاوا ِ‬
‫سطُ ال ّرزْقَ لِمَ ْن يَشَاء وََيقَ ِدرُ} أي يضيقه على من يشاء { َو ُهوَ ِبكُلّ شَىْء عَلِيمٌ}‬
‫{ ُهوَ الّذِى َيبْ ُ‬
‫فعليكم أيها السلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويلل ويرم ول تقبلوا تشريعا من كافر‬
‫خسيس حقي جاهل‪.‬‬
‫ونظي هذه الية الكرية قوله تعال {فَإِن َتنَا َزعْتُ ْم فِى شَ ْىءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ وَالرّسُولِ إِن كُنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ‬
‫وَاْلَي ْومِ ال ِخرِ ذِلكَ خَْي ٌر وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً} فقوله فيها {َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ} كقوله ف هذه {فَحُكْ ُمهُ إِلَى‬
‫الّلهِ}‬
‫وقد عجب نبيه صلى ال عليه وسلم بعد قوله {َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ} من الذين يدعون اليان مع أنم‬
‫يريدون الحاكمة إل من ل يتصف بصفات من له الكم العب عنه ف الية بالطاغوت‪ ،‬وكل تاكم إل‬
‫غي شرع ال فهو تاكم إل الطاغوت‪ ،‬وذلك ف قوله تعال‪{ :‬أَلَ ْم َترَ إِلَى الّذِي َن َي ْزعُمُونَ َأّنهُمْ ءَامَنُواْ‬
‫ك َومَآ أُنزِ َل مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَاكَمُواْ إِلَى الطّاغُوتِ َوقَدْ ُأ ِمرُواْ أَن يَ ْك ُفرُواْ ِب ِه وَُيرِيدُ‬
‫بِمَآ أُنزِلَ إِلَْي َ‬
‫الشّيْطَانُ أَن ُيضِّلهُ ْم ضَللً َبعِيدا}‪.‬‬
‫فالكفر بالطاغوت الذي صرح ال بأنه أمرهم به ف هذه الية شرط ف اليان‪ ،‬كما بينه تعال ف قوله‪:‬‬
‫سكَ بِاْل ُع ْروَةِ اْلوُْثقَى}‪ ,‬فيفهم منه أن من ل يكفر‬
‫{َفمَنْ يَ ْك ُفرْ بِالطّاغُوتِ وَُي ْؤمِن بِالّلهِ َفقَدِ اسْتَمْ َ‬
‫بالطاغوت ل يستمسك بالعروة الوثقى ومن ل يستمسك با فهو مترد مع الالكي‪.‬‬
‫صرْ ِبهِ وَأَسْ ِمعْ مَا َلهُم مّن دُوِنهِ‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعال‪َ{ :‬لهُ َغْيبُ السّمَاوَاتِ وَال ْرضِ أَْب ِ‬
‫شرِكُ فِى حُكْ ِمهِ أَحَدًا}‬
‫مِن َولِ ّى وَلَ يُ ْ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪21‬‬

‫فهل ف الكفرة الفجرة الشرعي من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والرض‪ ،‬وأن يبالغ ف‬
‫سعه وبصره لحاطة سعه بكل السموعات وبصره بكل البصرات‪ ,‬وأنه ليس لحد دونه من ول‪.‬‬
‫سبحانه وتعال عن ذلك علوا كبيا‪.‬‬
‫ع مَعَ الّلهِ إِلا ءَا َخرَ لَ ِإَلهَ إِ ّل ُهوَ كُلّ َش ْىءٍ هَاِلكٌ إِلّ‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعال‪{ :‬وَ َل تَدْ ُ‬
‫وَ ْج َههُ َلهُ الْحُكْ ُم وَإَِلْيهِ ُترْ َجعُونَ}‬
‫فهل ف الكفرة الفجرة الشرعي من يستحق أن يوصف بأنه الله الواحد‪ ,‬وأن كل شيء هالك إل‬
‫وجهه وأن اللئق يرجعون إليه‪.‬‬
‫تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته‪.‬‬
‫شرَكْ ِبهِ ُت ْؤمِنُواْ‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعال‪َ { :‬ذلِكُم بَِأّنهُ ِإذَا ُدعِ َى الّل ُه وَحْ َدهُ َك َفرْتُ ْم وَإِن يُ ْ‬
‫فَالْحُكْمُ لّلهِ اْلعَلِ ّى الْ َكبِيِ}‪ ,‬فهل ف الكفرة الفجرة الشرعي النظم الشيطانية من يستحق أن يوصف ف‬
‫أعظم كتاب ساوي بأنه العلي الكبي‪.‬‬
‫سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما ل يليق بكمالك وجللك‪.‬‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعال‪{ :‬قُلْ َأرَأَْيتُمْ إِن َجعَلَ ٱلّل ُه عََليْكُمُ ٱلْلّيْلَ َس ْرمَدا إِلَ ٰى َي ْومِ ٱْلقِيَامَةِ‬
‫ـهٌ غَْيرُ ٱلّلهِ يَ ْأتِيكُ ْم ِبضِيَآءٍ َأفَلَ َتسْ َمعُونَ‪ .‬قُلْ َأرََأيْتُمْ إِن َجعَلَ ٱلّل ُه عََليْكُمُ ٱلّنهَارَ َس ْرمَدا ِإلَىٰ َي ْومِ‬
‫مَنْ إَِل ٰ‬
‫ـهٌ غَْيرُ ٱلّلهِ يَ ْأتِيكُ ْم بَِليْلٍ َتسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَ ُتْبصِرُونَ‪َ .‬ومِن رّحْمَِتهِ َجعَلَ لَ ُكمُ ٱْللّيْ َل وَٱلّنهَارَ‬
‫ٱْلقِيَامَ ِة مَنْ إَِل ٰ‬
‫لَِتسْكُنُواْ فِي ِه وَلِتَبَتغُوْا مِن َفضِْل ِه وََلعَلّكُ ْم تَشْ ُكرُونَ} ‪ ,‬فهل ف مشرعي القواني الوضعية من يستحق أن‬
‫يوصف بأن له المد ف الول والخرة‪ ،‬وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته‬
‫وعظمة إنعامه على خلقه‪.‬‬
‫سبحان خالق السماوات والرض جل وعل أن يكون له شريك ف حكمه أو عبادته أو ملكه‪.‬‬
‫ومن اليات الدالة على ذلك قوله تعال‪{ :‬إِنِ اْلحُكْمُ إِلّ لّلهِ َأ َمرَ أَلّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ ذاِلكَ الدّي ُن اْلقَيّمُ‬
‫وَلَكِنّ أَ ْكَثرَ النّاسِ َل َيعْلَمُونَ}‪ ,‬فهل ف أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الله العبود وحده‪ ،‬وأن‬
‫عبادته وحده هي الدين القيم‪.‬‬
‫سبحان ال وتعال عما يقول الظالون علوا كبيا‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال‪{ :‬إِ ِن الْحُكْمُ إِ ّل لّل ِه عَلَْيهِ َتوَكّ ْلتُ َو َعلَْيهِ فَ ْليََتوَكّ ِل الْمَُتوَكّلُونَ}‪ ,‬فهل فيهم من يستحق‬
‫أن يتوكل عليه وتفوض المور إليه‪.‬‬
‫ض مَآ‬
‫ومنها قوله تعال‪{ :‬وَأَنِ احْكُم َبيَْنهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الّل ُه وَلَ تَتّبِعْ َأ ْهوَآ َءهُ ْم وَاحْ َذ ْرهُمْ أَن َيفْتِنُو َك عَن َبعْ ِ‬
‫ض ذُنُوِبهِ ْم وَإِنّ كَثِيا مّنَ النّاسِ َلفَا ِسقُونَ‬
‫أَنزَ َل الّلهُ إَِلْيكَ فَإِن َتوَّلوْْا فَاعْلَمْ َأنّمَا ُيرِيدُ الّلهُ أَن ُيصِيَبهُم ِبَبعْ ِ‬
‫حكْمَ اْلجَاهِِليّةِ َيْبغُونَ َومَنْ أَ ْحسَ ُن مِنَ الّلهِ حُكْما ّل َق ْومٍ يُوقِنُونَ}‪.‬‬
‫أَفَ ُ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪22‬‬

‫فهل ف أولئك الشرعي من يستحق أن يوصف بأن حكمه با أنزل ال وأنه مالف لتباع الوى‪ ،‬وأن‬
‫من تول عنه أصابه ال ببعض ذنوبه‪ ،‬لن الذنوب ل يؤاخذ بميعها إل ف الخرة‪ ،‬وأنه ل حكم أحسن‬
‫من حكمه لقوم يوقنون‪.‬‬
‫سبحان ربنا وتعال عن كل ما ل يليق بكماله وجلله‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال‪{ :‬إِ ِن الْحُكْمُ إِ ّل لّلهِ َيقُصّ الْحَ ّق َو ُهوَ خَْيرُ اْلفَاصِِليَ}‪ ,‬فهل فيهم من يستحق أن‬
‫يوصف بأنه يقص الق وأنه خي الفاصلي‪.‬‬
‫ومنها قوله تعال‪َ{ :‬أَفغَْيرَ الّلهِ َأبَْتغِى حَكَما َو ُهوَ الّذِى َأَنزَلَ إِلَيْكُ ُم الْ ِكتَابَ ُم َفصّلً وَالّذِي َن ءَاتَْينَاهُمُ‬
‫ل تَكُونَ ّن مِنَ الْمُمَْترِي َن وَتَ ّمتْ كَلِ َم ُة رَّبكَ صِدْقا َوعَدْلً}‪,‬‬
‫اْلكِتَابَ َيعْلَمُونَ َأّنهُ مَُنزّ ٌل مّن رّّبكَ بِالْحَقّ فَ َ‬
‫فهل ف أولئك الذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلً‪ ،‬الذي يشهد‬
‫أهل الكتاب أنه منل من ربك بالق‪ ،‬وبأنه تت كلماته صدقا وعدلً‪ ،‬أي صدقا ف الخبار وعدلً ف‬
‫الحكام‪ ،‬وأنه ل مبدل لكلماته وهو السميع العليم‪ .‬سبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه‪.‬‬
‫للً قُ ْل ءَآلّلهُ َأذِنَ َلكُمْ َأمْ‬
‫جعَلْتُ ْم مّْنهُ َحرَامًا وَحَ َ‬
‫ومنها قوله تعال‪ُ{ :‬قلْ َأرَأَيْتُ ْم مّآ أَنزَلَ الّلهُ َلكُ ْم مّن ّرزْقٍ َف َ‬
‫عَلَى الّلهِ َتفَْترُونَ}‪ ,‬فهل ف أولئك الذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينل الرزق للخلئق‬
‫وأنه ل يكن أن يكون تليل ول تري إل بإذنه‪ ،‬لن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي‬
‫له التصرف فيه بالتحليل والتحري‪ .‬سبحانه جل وعل أن يكون له شريك ف التحليل والتحري‪...‬‬
‫ب هَذَا حَل ٌل َوهَذَا َحرَامٌ لَّتفَْترُوْا عَلَى الّلهِ‬
‫سنَتُكُ ُم الْكَ ِذ َ‬
‫ومنها قوله تعال‪{ :‬وَلَ َتقُولُوْا لِمَا َتصِفُ أَلْ ِ‬
‫ع قَلِي ٌل وََلهُ ْم عَذَابٌ أَلِيمٌ}‪ ,‬فقد أوضحت الية‬
‫اْلكَ ِذبَ إِ ّن الّذِينَ َيفَْترُو َن عَلَى الّلهِ الْكَ ِذبَ لَ ُيفْلِحُو َن مَتَا ٌ‬
‫أن الشرعي غي ما شرعه ال إنا تصف ألسنتهم الكذب لجل أن يفتروه على ال‪ ،‬وأنم ل يفلحون‪،‬‬
‫وأنم يتعون قليلً‪ ،‬ث يعذبون العذاب الليم‪ ،‬وذلك واضح ف بعد صفاتم من صفات من له أن يلل‬
‫ويرم‪.‬‬
‫شهَ ْد َم َعهُمْ}‪,‬‬
‫شهَدُونَ أَ ّن الّلهَ َح ّر َم هَذَا َفإِن َشهِدُواْ َفلَ تَ ْ‬
‫ومنها قوله تعال‪ُ{ :‬ق ْل هَلُمّ ُشهَدَآءَكُمُ الّذِينَ َي ْ‬
‫فقوله‪َ { :‬هلُمّ ُشهَدَاءكُمُ} صيغة تعجيز‪ ،‬فهم عاجزون عن بيان مستند التحري‪ ،‬وذلك واضح ف أن غي‬
‫ال ل يتصف بصفات التحليل ول التحري‪ ،‬ولا كان التشريع وجيع الحكام شرعية كانت أو كونية‬
‫قدرية من خصائص الربوبية‪ ،‬كما دلت عليه اليات الذكورة كان كل من اتبع تشريعا غي تشريع ال‬
‫قد اتذ ذلك الشرع ربا وأشركه مع ال"‪.)11‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬أضواء البيان‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪23‬‬

‫باب‪ :‬خيرية المة السلمية‬
‫لقد جعل ال تبارك وتعال المة السلمية أمة وسطا‪ ,‬أي عدل خيارا‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬وَ َكذَِلكَ‬
‫س وَيَكُونَ الرّسُو ُل عَلَْيكُمْ َشهِيدا}‪ ,‬وقال رسول ال صلى‬
‫َجعَ ْلنَاكُمْ ُأمّ ًة وَسَطا لّتَكُونُواْ ُشهَدَآءَ َعلَى النّا ِ‬
‫ال عليه وسلم " ييء نوح وأمته‪ ،‬فيقول ال تعال‪ :‬هل بلغت فيقول‪ :‬نعم أي رب‪ ،‬فيقول لمته‪ :‬هل‬
‫بلغكم فيقولون‪ :‬ل ما جاءنا من نب‪ ،‬فيقول لنوح‪ :‬من يشهد لك؟ فيقول‪ :‬ممد صلى ال عليه وسلم‬
‫وأمته‪ ،‬فنشهد أنه قد بلغ‪ ،‬وهو قوله جل ذكره‪{ :‬وَ َكذَِلكَ َجعَلْنَاكُمْ ُأمّ ًة وَسَطًا لّتَكُونُواْ ُشهَدَاء عَلَى‬
‫النّاسِ}‪ .‬والوسط العدل" أخرجه البخاري وغيه‪.‬‬
‫وجعل ال تعال أهلها خي الناس للناس نفعا ودعوة ونصيحة للخلق وأمرا بالعروف‪ ,‬ونيا عن النكر‪،‬‬
‫فحققوا اليان ف أنفسهم ودعوا الناس إليه‪ ,‬وإنا نالوا هذه اليية باتصافهم بشرطها‪ ,‬وهو اليان‪,‬‬
‫والمر بالعروف والنهي عن النكر‪ ,‬كما قال تعال‪ُ { :‬كنْتُمْ َخْيرَ ُأمّةٍ أُ ْخرِ َجتْ لِلنّاسِ تَ ْأ ُمرُونَ بِالْ َم ْعرُوفِ‬
‫وَتَْن َهوْ َن عَنِ الْمُنْ َك ِر وَُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ}‪ ,‬وعن معاوية بن حيدة رضي ال عنه أنه سع النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ف قوله { ُكنْتُمْ َخْيرَ ُأمّةٍ أُ ْخرِ َجتْ لِلنّاس} قال "إنكم تتمّون سبعي أمة أنتم خيها وأكرمها على‬
‫ال" أخرجه أحد والترمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫وقال أبو هريرة رضي ال عنه ف هذه الية‪" :‬خي الناس للناس‪ ،‬تأتون بم ف السلسل ف أعناقهم حت‬
‫يدخلوا ف السلم" رواه البخاري‪.‬‬
‫و عن ممد بن علي أنه سع علي بن أب طالب رضي ال عنه يقول‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬أعطيت ما ل يعط أحدا من النبياء" فقلنا‪ :‬يا رسول ال ما هو قال "نصرت بالرعب‪،‬‬

‫وأعطيت مفاتح الرض‪ ،‬وسيت أحد‪ ،‬وجعلت تراب ل طهور‪ ،‬وجعلت أمت خي المم" أخرجه‬
‫أحد‪.‬‬
‫و قد بي ال تعال أن اليهود والنصارى والشركي‪ ,‬هم شر من خلق ال تعال وبرأ‪ ،‬وأن الذين آمنوا‬
‫شرِ ِكيَ فِي نَارِ‬
‫ب وَٱلْمُ ْ‬
‫وعملوا الصالات هم خي الليقة‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا مِنْ َأهْلِ ٱلْكِتَا ِ‬
‫ـِئكَ هُمْ َخْيرُ‬
‫َجهَنّ َم خَالِدِينَ فِيهَآ َأ ْوَلـِٰئكَ هُمْ َشرّ ٱلَْب ِريّةِ‪ .‬إِنّ ٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَمِلُواْ ٱلصّاِلحَاتِ ُأوَْل ٰ‬
‫ٱلَْبرِيّةِ}‪.‬‬
‫فهذا حكم ال تعال ف الكافرين من اليهود والنصارى والشركي بأنم شر الليقة‪ ,‬وإن ادعوا ف‬
‫إعلمهم اليية فهي دعوى زائفة‪ ,‬كدعوى إمامهم الشيطان الذي أخب ال تعال عنه أنه قال‪َ{ :‬أنَاْ خَْيرٌ‬
‫مّْنهُ خََلقَْتنِي مِن نّا ٍر وَخََل ْقَتهُ مِن ِطيٍ}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪24‬‬

‫لقد اجتب ال تعال المة السلمية لمل رسالة السلم وتبليغها وجهاد أعدائها‪ ,‬فقال تعال‪:‬‬
‫ج مّلّةَ أَبِيكُمْ ِإْبرَاهِي َم ُهوَ‬
‫{وَجَاهِدُوا فِي ٱلّلهِ حَ ّق ِجهَا ِدهِ ُه َو ٱجَْتبَاكُ ْم َومَا َجعَلَ َعلَيْكمْ فِي ٱلدّي ِن مِنْ َحرَ ٍ‬
‫ي مِن قَبْ ُل َوفِي َهـٰذَا لَِيكُونَ ٱلرّسُو ُل َشهِيدا َعلَيْكُ ْم َوتَكُونُوْا ُشهَدَآ َء عَلَى ٱلنّاسِ‬
‫سَمّاكُمُ ٱلْ ُمسْلِ ِم َ‬
‫لةَ وَآتُوْا ٱلزّكَـا َة وَٱعَْتصِمُوْا بِٱلّلهِ ُه َو َموْلَكُمْ فَِنعْمَ ٱلْ َموْلَ ٰى وَِنعْمَ ٱلّنصِيُ}‪ ,‬أي جاهدوا‬
‫فََأقِيمُوْا ٱلصّ َ‬
‫الكافرين حق الهاد بأنفسكم‪ ,‬وأموالكم‪ ,‬وألسنتكم‪ ,‬فإن ال تعال اجتباكم واصطفاكم لدينه‪ ,‬وحل‬
‫رسالته‪ ,‬وماربة أعدائه وجهادهم‪ ,‬وفضلكم على جيع المم‪ ,‬وخصكم بأكمل الشرائع‪ ,‬وبأفضل‬
‫الرسلي عليهم جيعا صلوات ال وسلمه‪ ،‬فيا له من تشريف ما أعظمه‪ ,‬ومنلة ما أعلها وأرفعها‪ ,‬أن‬
‫يتب ويصطفي الالق العظيم تبارك وتعال عبده الضعيف‪ ,‬ويصه بنعمة الداية‪ ,‬وين عليه بسعادة الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬ويتاره لعبوديته‪ ,‬وحل رسالته‪ ,‬وماهدة أعدائه‪ ,‬ويعله من جنوده ف الرض الذين يذودون‬
‫عن دينه‪ ,‬ويعلون كلمته‪ ,‬فأي تكري أعظم من هذا التكري‪ ,‬وأي رفعة أعظم من هذه الرفعة‪.‬‬
‫س ِه َومِْنهُ ْم مّقَْتصِ ٌد َومِْنهُمْ سَابِق‬
‫وقال تعال‪{ :‬ثُمّ َأ ْورَْثنَا اْلكِتَابَ الّذِينَ اصْ َطفَْينَا مِ ْن عِبَادِنَا فَمِْنهُمْ ظَالِمٌ لَّنفْ ِ‬
‫ٌبِاْلخَْيرَاتِ بإذْ ِن الّل ِه ذَِلكَ ُه َو اْل َفضْلُ الْ َكبِيُ}‪ ,‬وهم هذه المة الت اصطفاها ال تعال لوراثة الكتاب‬
‫علما وعمل‪ ,‬فمنهم ظال لنفسه بالعاصي الت ل تصل إل الكفر‪ ,‬فعنده أصل اليان ومبة السلم‬
‫وأهله وموالتم‪ ,‬فهو وارث للكتاب بسبه‪ ،‬ومنهم القتصد القتصر على فعل الواجبات وترك‬
‫الحرمات‪ ،‬ومنهم السابق باليات الذي يفعل الواجبات والستحبات‪ ,‬ويترك الحرمات‪ ,‬والكروهات‪,‬‬
‫وفضول الباحات‪ ،‬فهم وإن تفاوتوا ف إيانم‪ ,‬ووراثتهم للكتاب‪ ,‬إل أن الميع مشتركون كل بسبه‬
‫ف نصرة الدين‪ ,‬وحل الرسالة‪ ,‬وجهاد أعداء ال‪ ,‬وهذا أمر ينبغي التفطن والتنبه له ف سياسة الدولة‬
‫السلمية‪ ,‬وهو ضرورة إشعار جيع السلمي‪ ,‬من الظالي لنفسهم‪ ,‬والقتصدين‪ ,‬والسابقي باليات‪,‬‬
‫باشتراكهم ف حل الرسالة‪,‬و بناء دولة السلم وتقويتها‪ ,‬فكل منهم على ثغر‪ ,‬وإن تفاوتت مسؤولياتم‬
‫وأعمالم‪.‬‬
‫قال الوزاعي رحه ال‪ :‬كان يقال‪" :‬ما من مسلم إل وهو قائم على ثغرة من ثغور السلم‪ ,‬فمن‬
‫استطاع أل يؤتى السلم من ثغرته فليفعل"‪.)11‬‬

‫فالظال لنفسه وإن كان ل يول ف الوليات العامة الت تشترط لا العدالة‪ ,‬إل أن الواجب على ولة‬
‫المر أن يوفروا له من العمل ما يناسب ما عنده من القدرة والختصاص‪ ،‬فمن الطأ إشعار الظال لنفسه‬
‫بأنه ليس من حاملي رسالة هذا الدين والدافعي عنه‪ ,‬فإن هذا سوف يصر حل بناء الدولة وتقويتها‬
‫على فئة قليلة من الصالي‪ ,‬كما أن العداء التربصي بدولة السلم‪ ,‬قد يستغلون هذا التباعد بي ولة‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬السنة للمروزي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪25‬‬

‫المر وبي من ظلموا أنفسهم ببعض الذنوب‪ ,‬فيسعون إل استمالتهم إليهم‪ ,‬وإبعادهم عن نصرة دولة‬
‫السلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪26‬‬

‫باب‪ :‬الشكر على النصر‬
‫وعد ال تعال عباده الؤمني إن حقّقوا اليان والعمل الصال أن ينصرهم على أعدائهم‪ ،‬وأن يكّن لم‬
‫ستَخِْلفَّنهُ ْم فِي ٱ َل ْرضِ كَمَا‬
‫ف الرض فقال تعال‪َ { :‬وعَ َد ٱلّلهُ ٱلّذِي َن آمَنُواْ ِمنْكُ ْم َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ َليَ ْ‬
‫خلَفَ ٱلّذِي َن مِن َقبِْلهِ ْم وَلَُيمَكّنَنّ َلهُ ْم دِيَنهُمُ ٱلّذِي ٱرَْتضَىٰ َلهُ ْم وَلَُيبَدّلَّنهُ ْم مّن َبعْدِ َخ ْوِفهِمْ َأمْنا‬
‫ٱسْتَ ْ‬
‫ك هُمُ ٱْلفَا ِسقُونَ}‪،‬فالصحابة رضي ال عنهم‬
‫شرِكُونَ بِي َشيْئا َومَن َك َفرَ َبعْدَ ذِٰلكَ فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫َيعْبُدُونَنِي لَ ُي ْ‬
‫حقّقوا اليان التام والعمل الصال التام‪ ،‬فحصل لم التمكي التام ف الرض‪ ،‬وعندما نقص إيان مَن‬
‫بعدهم‪ ،‬ونقصت أعمالم الصالة نقص تكينهم بسب ما نقص من إيانم وأعمالم الصالة‪.‬‬
‫و ال تعال عليم بنوايا العباد‪ ،‬وما تنطوي عليه قلوبم‪ ،‬وهو عال با هم فاعلون لو مكّن لم ف الرض‪،‬‬
‫فإذا علم ال تعال من عباده الصدق ف نصرة دينه‪ ،‬وإقامة شريعته‪ ،‬ف حاضرهم ومستقبلهم نصرهم‬
‫ص ُرهُ إِنّ ٱلّلهَ‬
‫صرَنّ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫على أعدائهم‪ ،‬ومكّن لم ف الرض‪ ,‬كما قال ال تبارك وتعال‪َ { :‬ولَيَن ُ‬
‫لةَ وَآَت ُوْا ٱلزّكَـا َة وََأ َمرُوْا بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََن َه ْواْ َعنِ‬
‫ي َعزِيزٌ‪ .‬ٱلّذِينَ إِ ْن مّكّنّاهُمْ فِي ٱ َل ْرضِ أَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫َل َقوِ ّ‬
‫ٱلْمُنْ َك ِر وَلِّل ِه عَاِقبَ ُة ٱ ُلمُورِ}‪.‬‬
‫ت وَٱلسّيئَاتِ َلعَّلهُمْ‬
‫وال تعال يبتلي العباد بالسرّاء والضرّاء‪ ،‬كما قال تبارك وتعال‪َ { :‬وبََل ْونَاهُمْ بِٱْلحَسَنَا ِ‬
‫ش ّر وَٱلْخَْيرِ ِفتَْنةً وَِإلَيْنَا ُترْجَعون}‪،‬‬
‫َيرْ ِجعُونَ} أي بالنعم والصائب‪ ،‬وقال تبارك وتعال‪{ :‬وََنبْلُوكُم بِٱل ّ‬
‫والؤمن يتقي ال تعال ف جيع أحواله فيشكر عند السرّاء‪ ،‬ويصب عند الصيبة‪،‬كما قال صلى ال عليه‬
‫وسلّم‪" :‬عجبا لمر الؤمن‪ ،‬إن أمره كله له خي‪ ،‬وليس ذلك لحد إل للمؤمن‪ ،‬إن أصابته سرّاء‬
‫شكر‪ ،‬فكان خيا له‪ ،‬وإن أصابته ضرّاء صب‪ ،‬فكان خيا له" رواه مسلم‬
‫ب مّن قَبْلِ أَن نّْبرََأهَآ إِنّ‬
‫ض وَلَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلّ فِي ِكتَا ٍ‬
‫ب مِن مّصِيبَةٍ فِي ٱ َلرْ ِ‬
‫وقال تعال‪{ :‬مَآ َأصَا َ‬
‫ختَالٍ‬
‫حبّ كُ ّل مُ ْ‬
‫ذَِلكَ َعلَى ٱلّلهِ يَسِيٌ‪ .‬لّ َكيْلَ تَ ْأ َسوْْا عَلَ ٰى مَا فَاتَكُ ْم وَلَ َت ْفرَحُواْ بِمَآ آتَاكُ ْم وَٱلّلهُ لَ ُي ِ‬
‫فَخُورٍ}‪ ،‬قال العلمة السعدي رحه ال‪" :‬ويقول تعال مبا عن عموم قضائه وقدره‪{ :‬مَآ َأصَابَ مِن‬
‫مّصِيبَ ٍة فِي ٱ َل ْرضِ وَلَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ}‪ ،‬وهٰذا شامل لعموم الصائب الت تصيب اللق‪ ،‬من خي وشر‪،‬‬
‫فكلها قد كتب ف اللوح الحفوظ صغيها وكبيها‪ ،‬وهٰذا أمر عظيم ل تيط به العقول‪ ،‬بل تذهل عنه‬
‫أفئدة أول اللباب‪ ،‬ولٰكنه على ال يسي‪ ،‬وأخب ال عباده بذٰلك لجل أن تتقرر هٰذه القاعدة عندهم‪،‬‬
‫ويبنوا عليها ما أصابم من الي والشر‪ ,‬فل يأسوا ويزنوا على ما فاتم‪ ،‬ما طمحت له أنفسهم‪،‬‬
‫وتشوفوا إليه لعلمهم أن ذٰلك مكتوب ف اللوح الحفوظ‪ ،‬ل بد من نفوذه ووقوعه‪ ،‬فل سبيل إل دفعه‪،‬‬
‫ول يفرحوا با آتاهم ال‪ ،‬فرح بطر وأشر‪ ،‬لعلمهم أنم ما أدركوه بولم وقوتم‪ ،‬وإنا أدركوه بفضل‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪27‬‬

‫حبّ كُ ّل مُخْتَا ٍل فَخُورٍ}‬
‫ال ومَنّه‪ ،‬فيشتغلوا بشكر مَن أول النعم‪ ،‬ودفع النقم‪ ،‬ولٰذا قال‪{ :‬وَٱلّلهُ َل يُ ِ‬
‫أي‪ :‬متكب فظ‪ ،‬معجب بنفسه‪ ،‬فخور بنعم ال‪ ،‬ينسبها إل نفسه‪ ،‬وتطغيه وتلهيه كما قال تعال‪{ :‬وَِإذَآ‬

‫َأذَقْنَاهُ رَحْ َم ًة مّنّاقَالَ إِنّمَآ أُوتِيُتهُ َعلَ ٰى عِلْمٍ َب ْل هِيَ فِْتنَةٌ}"‪.)11‬‬

‫وقال تعال‪َ { :‬ولَئِنْ َأذَ ْقنَا ٱلِنْسَا َن مِنّا رَحْمَ ًة ثُمّ َن َزعْنَاهَا مِْنهُ إِّنهُ َليَئُوسٌ َكفُورٌ‪َ .‬ولَئِنْ َأذَ ْقنَاهُ َنعْمَآءَ َبعْ َد‬
‫ت عَنّيۤ ِإّنهُ َل َفرِحٌ َفخُورٌ‪ .‬إِلّ ٱلّذِي َن صََبرُوْا َوعَ ِملُوْا ٱلصّالِحَاتِ ُأوَْلـِٰئكَ‬
‫ضرّآءَ مَسّْتهُ َلَيقُولَ ّن َذهَبَ ٱلسّيّئَا ُ‬
‫َ‬
‫صرِ إِ ّن الْإِنسَانَ َلفِي‬
‫َلهُ ْم ّمغْ ِف َرةٌ وَأَ ْجرٌ َكبِيٌ} والراد بالنسان ف الية جنس النسان‪،‬كقوله تعال‪{ :‬وَاْل َع ْ‬
‫سرٍ}وقد وصفه ال تعال بصفتي‪ :‬اليأس من رحة ال إذا أصابته مصيبة بعد نعمة‪ ،‬وبالفرح والفخر‬
‫خُ ْ‬
‫وترك الشكر إذا ذاق نعمة بعد ضراء أصابته‪ .‬ث استثن الذين آمنوا وعملوا الصالات‪ ,‬قال المام ابن‬
‫كثي رحه ال‪" :‬يب تعال عن النسان وما فيه من الصفات الذميمة إل من رحم ال من عباده الؤمني‬
‫أنه إذا أصابته شدّة بعد نعمة حصل له اليأس وقنوط من الي بالنسبة إل الستقبل وكفر وجحود لاضي‬
‫الال‪ ،‬كأنه ل ير خيا ول يرج بعد ذلك فرَجا‪ ,‬وهكذا إذا أصابته نعمة بعد نقمة {لََيقُولَ ّن َذ َهبَ‬
‫السّيّئَاتُ َعنّي} أي يقول ما ينالن بعد هذا ضيم ول سوء {ِإّنهُ َل َفرِحٌ َفخُورٌ} أي فرح با ف يده بطر‬
‫فخور على غيه‪ ،‬قال تعال‪{ :‬إِلّ ٱلّذِي َن صََبرُواْ} أي على الشدائد والكاره { َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ} أي‬
‫ف الرخاء والعافية {ُأوَْلـِٰئكَ َلهُمْ ّم ْغ ِفرَةٌ} أي با يصيبهم من الضرّاء {وَأَ ْجرٌ كَِبيٌ} با أسلفوه ف زمن‬
‫الرخاء"‪ ،)21‬وخلف الصب عند الضرّاء‪،‬والشكر على السرّاء‪ ،‬أن يظهرالعبد الزع وعدم الصب عند‬

‫الصيبة كالنياحة على اليت‪ ،‬وشقّ اليوب‪ ،‬ولطم الدود‪،‬و أن يقابل نعمة ال بعصيته كالفخر‪،‬‬
‫والبطر‪ ،‬وإظهار العازف أو غيها من العاصي‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلّم‪" :‬صوتان ملعونان ف‬
‫الدنيا والخرة‪ :‬مزمار عند نعمة‪ ،‬ورنّة عند الصيبة"رواه البزّار‪.‬‬
‫فنعمة النصر على العداء‪ ،‬وتكي الجاهدين ف الرض‪ ،‬من أعظم النعم الت تستوجب الشكرمن‬
‫الجاهدين‪ ،‬بالستقامة على طاعة ال‪ ،‬وتقواه ف جيع سياسات الدولة الداخلية والارجية‪ ،‬وقد قال‬
‫تعال‪{ :‬يَٰأّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُوْا ٱسَْتجِيبُواْ لّلهِ وَلِلرّسُولِ ِإذَا َدعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُ ْم وَا ْعلَمُواْ أَنّ ٱلّلهَ يَحُو ُل بَيْنَ‬
‫شرُونَ‪ .‬وَٱّتقُواْ فِْتنَةً ّل ُتصِيبَنّ ٱلّذِينَ َظلَمُوْا مِنكُمْ خَآصّ ًة وَٱعْلَ ُموۤاْ أَ ّن ٱلّلهَ َشدِيدُ‬
‫حَ‬
‫ٱلْ َمرْ ِء وََقلِْب ِه وَأَّنهُ ِإلَْيهِ تُ ْ‬
‫خ ّطفَكُمُ ٱلنّاسُ فَآوَاكُ ْم وَأَيّدَكُم‬
‫ضعَفُونَ فِي ٱ َل ْرضِ تَخَافُونَ أَن يَتَ َ‬
‫ٱْلعِقَابِ‪ .‬وَٱذْ ُك ُروۤاْ ِإذْ أَنتُ ْم قَلِي ٌل مّسَْت ْ‬
‫ِبَنصْ ِر ِه َو َرزَقَكُ ْم مّنَ ٱلطّيّبَاتِ َلعَلّكُمْ تَشْ ُكرُونَ}‪.‬‬
‫صرَكُمُ ٱلّلهُ ِببَ ْد ٍر وَأَنْتُمْ َأذِلّةٌ فَٱّتقُواْ ٱلّلهَ َلعَلّكُمْ َتشْ ُكرُونَ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪َ { :‬وَلقَدْ َن َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تيسي الكري الرحن‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪28‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬وَِإ ْذ قَا َل مُوسَىٰ ِل َق ْومِ ِه ٱذْ ُكرُواْ ِنعْ َمةَ ٱلّلهِ َعلَيْ ُكمْ ِإذْ أَنَاكُ ْم مّنْ آلِ ِف ْر َعوْنَ َيسُومُوَنكُمْ ُس ۤوءَ‬
‫لءٌ مّن رّبّكُ ْم عَظِيمٌ‪ .‬وَِإذْ تََأذّنَ َربّكُمْ لَئِن‬
‫حيُونَ نِسَآءَكُ ْم وَفِي ذٰلِكُ ْم بَ ۤ‬
‫ستَ ْ‬
‫ٱْلعَذَابِ َويُذَبّحُونَ َأبْنَآءَكُ ْم وَيَ ْ‬
‫شدِيدٌ}‪.‬‬
‫شَ َكرْتُمْ َلزِيدَنّكُ ْم وََلئِن َك َفرْتُمْ إِ ّن عَذَابِي لَ َ‬
‫خِلفَكُمْ فِي ٱ َل ْرضِ فَيَن ُظرَ كَيْفَ َتعْ َملُونَ}‪ .‬وقال‬
‫س ٰى رَبّكُمْ أَن ُي ْهِلكَ عَ ُدوّكُ ْم وََيسْتَ ْ‬
‫و قال تعال‪{ :‬قَا َل عَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلّم‪" :‬إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم‪ ،‬فمن أدرك ذلك منكم فليتقي ال‬
‫وليأمر بالعروف ولينهى عن النكر‪ ،‬ومن كذب عل ّي متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار" رواه الترمذي‬
‫وأحد‪ ،‬فقوله صلى ال عليه وسلّم "إنكم منصورون" أي على أعدائكم "ومصيبون" أي للغنائم‬
‫"ومفتوح لكم" أي تفتح لكم البلد‪ ،‬وأمر النب صلى ال عليه وسلّم من أدرك ذلك أن يتقي ال وأن‬
‫يأمر بالعروف وينهى عن النكر‪ ،‬وعن اليثم بن مالك الطائي قال‪ :‬سعت النعمان بن بشي يقول على‬
‫النب قال‪" :‬إن للشيطان مصال وفخوخا‪ ،‬وإن مصال الشيطان وفخوخه البطر بأنعم ال‪ ،‬والفخر بعطاء‬
‫ال‪ ،‬والكبياء على عباد ال‪ ،‬واتباع الوى ف غي ذات ال" رواه البخاري ف الدب الفرد‪.‬‬
‫فشكر ال تعال على النصر بتقواه‪ ،‬وتكيم شرع ال ف جيع شؤون الياة‪ ،‬فإن هذا هو الغاية الت‬
‫شرع الهاد لجلها‪،‬كما قال تعال‪َ { :‬وقَاِتلُوهُمْ حَتّىٰ لَ تَكُونَ ِفتَْنةٌ َويَكُونَ الدّينُ ُكّلهُ ل}‪ ،‬وليحذر‬
‫الجاهد أن يقابل نعمة النصر بالكب على الناس‪ ،‬والعجاب بالنفس‪ ،‬والفخر والبطر‪ ،‬وطلب العلوّ ف‬
‫الرض‪ ،‬أو غيها من العاصي‪ ،‬وقد قال كعب بن زهي ف وصف الهاجرين رضي ال عنهم‪:‬‬
‫ل يفرحون إذا نالت سيوفهم *** قوما وليسوا مازيعا إذا نيلوا‬
‫وقال حسّان بن ثابت رضي ال عنه ف وصف النصار رضي ال عنهم‪:‬‬
‫ل فخر إن هم أصابوا من عدوهم *** وإن أصيبوا فل خوَر ول هلع‬
‫فالشكر سبب لدوام النعم وزيادتا‪ ,‬وأما الكفر بالنعم فهو سبب لزوالا‪ ،‬وحلول العقوبات‪ ،‬وانقلب‬
‫ك مُغَيّرا ّنعْمَةً َأْنعَ َمهَا َعلَىٰ‬
‫الحوال‪ ،‬وتبدّل المن خوفا‪ ،‬وقد قال ال تبارك وتعال‪ٰ { :‬ذِلكَ بِأَنّ ٱلّلهَ لَمْ َي ُ‬
‫سهِمْ}‪.‬‬
‫َق ْومٍ حَتّ ٰى ُيغَّيرُوْا مَا بِأَْنفُ ِ‬
‫ت آمَِن ًة مّطْمَئِنّةً يَ ْأتِيهَا ِرزُْقهَا َرغَدا مّن كُ ّل مَكَا ٍن فَ َك َفرَتْ بَِأْنعُمِ‬
‫ل َقرْيَةً كَاَن ْ‬
‫ض َربَ ٱلّلهُ مَثَ ً‬
‫وقال تعال‪َ { :‬و َ‬
‫خوْفِ بِمَا كَانُواْ َيصَْنعُونَ}‪.‬‬
‫ع وَٱلْ َ‬
‫ٱلّلهِ فََأذَاَقهَا ٱلّلهُ لِبَاسَ ٱلْجُو ِ‬
‫ض ّرعُونَ‪ .‬ثُمّ بَدّلْنَا‬
‫ضرّآءِ َل َعّلهُمْ َي ّ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَآ َأرْ َسلْنَا فِي َقرَْي ٍة مّن نِّبيّ إِلّ أَخَ ْذنَا َأهَْلهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱل ّ‬
‫ش ُعرُونَ‪.‬‬
‫سرّآءُ فَأَ َخذْنَاهُمْ َب ْغتَ ًة َوهُمْ لَ يَ ْ‬
‫سنَ َة حَتّ ٰى َع َفوْْا وّقَالُواْ قَ ْد َمسّ آبَاءَنَا ٱلضّرّآ ُء وَٱل ّ‬
‫مَكَانَ ٱلسّيّئَةِ ٱلْحَ َ‬
‫ت مّنَ ٱلسّمَآءِ وَٱ َل ْرضِ َوَلـٰكِن كَذّبُوْا فَأَخَ ْذنَاهُمْ‬
‫وََلوْ أَنّ َأهْلَ ٱْلقُ َرىٰ آمَنُوْا وَٱّتقَواْ َلفََتحْنَا عََلْيهِمْ َبرَكَا ٍ‬
‫سبُونَ‪ .‬أَفََأمِنَ َأهْلُ ٱْل ُقرَىٰ أَن يَ ْأتَِيهُمْ بَ ْأسُنَا بَيَاتا َوهُمْ نَآِئمُونَ‪َ .‬أوَ َأمِنَ َأهْلُ ٱْلقُ َرىٰ أَن يَأِْتَيهُمْ‬
‫بِمَا كَانُوْا يَكْ ِ‬
‫بَأْ ُسنَا ضُحًى َوهُمْ َي ْلعَبُونَ‪َ .‬أفََأمِنُوْا مَ ْكرَ ٱلّلهِ فَلَ يَ ْأمَ ُن مَ ْكرَ ٱلّلهِ إِلّ ٱْل َق ْومُ ٱلْخَا ِسرُونَ}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪29‬‬

‫باب‪ :‬السياسة‬
‫السياسة الشرعية هي العمل لقامة دين ال ف الرض‪ ،‬وإصلح أحوال الناس ف أمور دينهم حت تكون‬
‫كلمة ال هي العليا‪ ،‬ويقام العدل بي الناس‪ ،‬وتكم شريعة السلم ف جيع شؤون الياة‪ ،‬وإصلح‬
‫أحوال الناس ف أمور دنياهم‪ ،‬وتدبي شؤون معاشهم‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّواْ‬
‫ٱ َلمَانَاتِ ِإلَىۤ َأهِْلهَا وَِإذَا حَكَمْتُ ْم بَيْنَ ٱلنّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱْلعَدْلِ إِنّ ٱلّلهَ ِنعِمّا َيعِظُكُمْ ِبهِ إِنّ ٱلّلهَ كَانَ‬
‫سَمِيعا َبصِيا‪ .‬يَا أَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱلّل َه وَأَطِيعُوْا ٱلرّسُو َل وَُأوْلِي ٱ َل ْمرِ مِنْكُ ْم فَإِن َتنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ‬
‫سنُ تَ ْأوِيلً}‬
‫َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّلهِ وَٱلرّسُولِ إِن ُكنْتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّل ِه وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ خَْي ٌر وَأَحْ َ‬
‫س بِٱلْحَ ّق وَلَ َتتّبِعِ ٱْل َه َوىٰ‬
‫وقال تبارك وتعال‪ٰ { :‬يدَاوُودُ ِإنّا َجعَ ْلنَاكَ َخلِي َفةً فِي ٱ َل ْرضِ فَٱحْكُ ْم بَيْنَ ٱلنّا ِ‬
‫َفُيضِّلكَ عَن سَبِيلِ ٱلّلهِ إِنّ ٱلّذِينَ َيضِلّو َن عَن َسبِي ِل ٱلّلهِ َلهُ ْم عَذَابٌ شَدِيدُ ِبمَا نَسُواْ َي ْومَ ٱْلحِسَابِ}‪ ،‬قال‬
‫المام ابن كثي رحه ال‪" :‬هذه وصية من ال عزّ وجلّ لولة المور أن يكموا بي الناس بالق النّل‬
‫من عنده تبارك وتعال‪ ،‬ول يعدلوا عنه فيضلّوا عن سببيل ال‪ ،‬وقد تواعد تبارك وتعال من ضل عن‬
‫سبيله وتناسى يوم الساب بالوعيد الكيد والعذاب الشديد"‪.)11‬‬

‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحة ال‪" :‬فالقصود الواجب بالوليات إصلح دين اللق‪ ،‬الذي إذا فاتم‬
‫خسروا خسرانا مبينا‪ ،‬ول ينفعهم ما نعموا به ف الدنيا‪ ،‬وإصلح ما ل يقوم الدين إل به من أمر دنياهم"‬
‫وقال أيضا‪" :‬جيع الوليات ف السلم مقصودها أن يكون الدين كله ل‪ ،‬وأن تكون كلمة ال هي‬
‫العليا‪ ،‬فإن ال سبحانه وتعال إنا خلق اللق لذلك‪ ،‬وبه أنزل الكتب‪ ،‬وبه أرسل الرسل‪ ،‬وعليه جاهد‬
‫الرسول والؤمنون‪ .‬قال ال تعال‪َ { :‬ومَا َخَل ْقتُ الْجِ ّن وَالِنسَ إِلّ لَِيعْبُدُونِ} وقال تعال‪َ { :‬ومَآ َأرْ َسلْنَا‬
‫مِن قَْبِلكَ مِن رّسُولٍ إِ ّل نُوحِي إَِلْيهِ َأّنهُ ل ِإلَـهَ إِلّ أَنَ ْا فَاعْبُدُونِ} وقال تعال‪َ { :‬وَلقَدْ َبعَثْنَا فِي كُلّ ُأمّةٍ‬
‫رّسُولً أَ ِن ٱعْبُدُواْ ٱلّل َه وَٱجْتَِنبُواْ ٱلْطّاغُوتَ} وقد أخب عن جيع الرسلي أن كل ّ منهم يقول لقومه‪:‬‬
‫{ا ْعبُدُوْا الّل َه مَا لَكُ ْم مّنْ إِلَـهٍ َغْي ُرهُ} "‪.)21‬‬

‫فتحقيق عبودية ال تعال‪ ،‬وتكيم شرع ال ف الرض‪ ،‬وإقامة دولة السلم‪ ،‬هو الغاية الت خلق ال‬
‫اللق لجلها‪ ،‬وهو مقصود الهاد ف سبيل ال‪ ،‬وهو الدف السياسي الذي ياهد لجله‬
‫الجاهدون‪،‬ويبذل فيه الدماء الصادقون الستشهاديون‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَقَاتِلُوهُمْ َحتّىٰ لَ َتكُونَ فِْتنَةٌ‬
‫ي رضِي ال عنه قالَ‪ُ :‬سئِلَ رسول ال‬
‫وَيَكُونَ الدّينُ ُكّلهُ ل}‪ ،‬وعَنْ أب مُوسَى عبْدِ الّلهِ بْنِ َقْيسٍ الَشعرِ ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬
‫‪ )1‬مموع الفتاوى‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪30‬‬

‫ل عَلَْيهِ و َسلّم عَنِ الرّ ُجلِ يُقاتِ ُل شَجَاعَةً‪ ،‬ويُقاِتلُ حَمِيّةً ويقاتِ ُل رِياءً‪َ ،‬أيّ ذلِك ف َسبِي ِل الّلهِ؟ َفقَالَ‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم "مَنْ قاتَ َل لِتَكُون كلِمةُ ال ّل ِه هِي اْل ُعلْيَا ف ُهوَ ف سَبِيلِ ال ّلهِ" مُّتفَ ٌق عليه‪.‬‬
‫صلّى ا ُ‬
‫رسول ال َ‬
‫فالسلم دين كامل‪ ،‬ونظام شامل للحياة‪،‬ل يقيمه إل القوياء الصادقون الجاهدون‪،‬فهو ل يقبل التمييع‬
‫أو الزل أو الضعف‪،‬وإنا جاء ليؤخذ بقوة وجد وصدق‪،‬وعندما يأخذه الصادقون بقوة حينها فقط يكن‬
‫لم ف الرض‪ ،‬ويكونون أهل لمل الرسالة والمانة‪.‬‬
‫وأما الهازيل الهزومون الذين استحوذ عليهم الرعب من أعدائهم‪،‬وكبلتهم شهواتم ورغباتم‪،‬وقعدوا‬
‫عن الهاد‪،‬وعوقوا وبَطّؤوا غيهم عنه‪ ،‬فهيهات أن يقيم هؤلء وأمثالم دولة السلم‪ ،‬فإن سنن ال‬
‫تعال ل تتبدل‪ ،‬ول يصلح آخر هذه المة إل با صلح به أولا‪.‬‬
‫إن القوة ملزمة لخذ هذا الدين‪ ،‬وحل الرسالة‪ ،‬قبل التمكي ف الرض وبعد التمكي‪ ،‬قال تعال‪:‬‬
‫حيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ ِب ُقوّةٍ}‪ ،‬وعن عبد ال بن عمر أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬أريت‬
‫{ ٰييَ ْ‬

‫كأن أنزع بدلو بكرة على قليب‪ ،‬فجاء أبو بكر فنع ذنوبا أو ذنوبي فنع نزعا ضعيفا وال تبارك‬
‫وتعال يغفر له ث جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حت روى‬
‫الناس وضربوا العطن" متفق عليه‪ ،‬وف رواية لسلم "فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حت تول الناس‬
‫والوض ملن يتفجر"‪ ،‬وقوله‪" :‬يفري فريه" قال إبراهيم الرب رحه ال‪" :‬ل أر أحدا يقدر أن يعمل‬
‫عمله"‪ ،)11‬وهو يدل على حسن سياسته للرعية‪ ,‬ومناصحته لم‪ ,‬وتدبيه لشؤونم‪ ,‬والقوة ف ذلك‪ ،‬قال‬
‫المام الشافعي رحه ال‪ :‬قوله‪" :‬وف نزعه ضعف" يعن قصر مدته‪ ,‬وعجلة موته‪ ,‬وشغله بالرب لهل‬
‫الردة عن الفتتاح والتزيد الذي بلغه عمر ف طول مدته‪ ,‬وقوله ف عمر‪" :‬فاستحالت ف يده غربا"‬
‫والغرب الدلو العظيم الذي إنا تنعه الدابة أو الزرنوق‪ ،‬ول ينعه الرجل بيده‪ ,‬لطول مدته وتزيده ف‬
‫‪)22‬‬

‫السلم ل يزل يعظم أمره ومناصحته للمسلمي كما ينح الدلو العظيم"‬

‫وقال ابن رجب رحه ال "وهذا إشارة إل أن عمر ل يت حت وضع المور ف مواضعها‪,‬واستقامت‬
‫المور‪ ,‬وذلك لطول مدته وتفرغه للحوادث‪ ,‬واهتمامه با بلف مدة أب بكر فإنا كانت قصية‪,‬‬
‫وكان مشغول فيها بالفتوح وبعث البعوث للقتال "‪.)31‬‬

‫فقد كان عمر رضي ال عنه قويا صارما ف أمر ال تعال‪،‬ل ياف ف ال لومة لئم‪،‬فقوى دعائم اللفة‬
‫الراشدة‪ ،‬وفتح بلد الفرس والشام الت كانت بأيد الروم وغيها‪ ،‬وردع أهل النفاق والزيغ‪،‬وحاسب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬السنة للخلل‬
‫‪ )2‬كتاب الم‬
‫‪ )1‬جامع العلوم والكم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪31‬‬

‫المراء حت أصبحت سياسته الراشدة مرجعا ف السياسة الشرعية يرجع إليها‪ ,‬ويتأسى با السياسيون‬
‫السلمون من بعده‪ ،‬وقد قال عبد ال بن مسعود رضي ال عنه " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر " رواه‬
‫البخاري‪،‬وعن ابن عمر أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬اللهم أعز السلم بأحب هذين‬
‫الرجلي إليك‪ :‬بأب جهل أو بعمر بن الطاب" قال‪" :‬وكان أحبهما إليه عمر" رواه الترمذي‪ ،‬وعن‬
‫عائشة رضي ال عنها أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال "اللهم أعز السلم بعمر بن الطاب‬
‫خاصة" رواه الاكم‪.‬‬
‫السياسة وأسباب التمكي والنافع والصال الدنيوية‪:‬‬
‫السياسة الشرعية ل تعطّل النافع الدنيوية‪ ،‬الت هي من وسائل إعداد القوة‪ ,‬وبناء الدولة السلمية‪ ,‬والت‬
‫منها ما هو من ضرورات الناس وحاجاتم‪ ,‬وقد قال ال تعال‪ِ { :‬ومِْنهُ ْم مّن َيقُو ُل رَبّنَآ آتِنَا فِي ٱلدّْنيَا‬
‫سبُوْا وَٱلّلهُ َسرِيعُ ٱلْحِسَابِ}‪،‬‬
‫ب مّمّا كَ َ‬
‫سنَ ًة وَفِي ٱل ِخ َرةِ َحسََنةً َوقِنَا عَذَابَ ٱلنّارِ‪ .‬أُوَلـِٰئكَ َلهُمْ َنصِي ٌ‬
‫حَ َ‬
‫قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬السنة ف الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة‬
‫ن وثناء جيل‪ .‬وأما السنة ف الخرة فأعلى‬
‫حسنة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صال ومركب ه ّ‬
‫ذلك دخول النة وتوابعه من المن من الفزع الكب ف العرصات وتيسي الساب "‪.)11‬‬

‫وأما السياسة الت تبتغي الدنيا ومتعتها فقط‪ ،‬وتعرض عن الخرة فهي سياسة الكافرين‪ ،‬الذين قال ال‬
‫تعال عنهم‪{ :‬مَن كَانَ ُيرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدّْنيَا َوزِيَنَتهَا ُنوَفّ إِلَْيهِمْ َأعْمَاَلهُمْ فِيهَا َوهُمْ فِيهَا لَ ُيبْخَسُونَ‪.‬‬
‫ُأوَْلـِٰئكَ ٱلّذِينَ َلْيسَ َلهُ ْم فِي ٱل ِخ َرةِ إِلّ ٱلنّارُ وَ َحِبطَ مَا صََنعُواْ فِيهَا وَبَاطِ ٌل مّا كَانُواْ َيعْ َملُونَ} ‪ ,‬وقال‬
‫تعال‪{ :‬إَنّ ٱلّذِينَ لَ َيرْجُونَ ِلقَآءَنَا َو َرضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدّنْيَا وَٱطْمَأَنّواْ ِبهَا وَٱلّذِي َن هُ ْم عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ‪.‬‬
‫ك مَ ْأوَاهُمُ ٱلنّارُ بِمَا كَانُوْا يَكْسِبُونَ} ‪ ,‬وقال تعال‪َ { :‬وَلـٰكِنّ أَكَْثرَ ٱلنّاسِ لَ َي ْعلَمُونَ‪َ .‬ي ْعلَمُونَ‬
‫ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ض عَن مّن َتوَلّ ٰى عَن ذِ ْكرِنَا‬
‫ظَاهِرا مّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدّْنيَا َوهُ ْم عَنِ ٱل ِخ َرةِ هُ ْم غَافِلُونَ} وقال تعال‪{ :‬فََأ ْع ِر ْ‬
‫ك ُهوَ َأ ْعلَمُ بِمَن ضَ ّل عَن سَبِيِلهِ َو ُهوَ َأعْلَ ُم بِمَنِ‬
‫ك مَْبَل ُغهُمْ مّنَ ٱْلعِلْمِ إِ ّن رَّب َ‬
‫وَلَمْ ُي ِردْ إِلّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدّْنيَا‪ .‬ذَِل َ‬
‫ٱهْتَ َدىٰ}‪.‬‬
‫وتأمل كيف قرن ال تعال بي تكي ذي القرني ف الرض وبي السباب الت أعطاها إياه‪ ،‬فقال تعال‪:‬‬
‫{ِإنّا مَكّنّا َلهُ فِي ا َل ْرضِ وَآَتيْنَا ُه مِن كُلّ شَ ْيءٍ َسبَبا}‪ ،‬والسبب هو ما يتوصل به إل نيل الغرض‬
‫والقصود‪ ،‬فآتاه ال من كل شيء ما يتوصل به إل أغراضه وأهدافه من تقوية سلطانه‪ ،‬وإقامة العدل‬
‫والنظام ف الرض‪ ،‬ومنها السباب الت غلب با العداء وفتح با البلد وكف با الفسدين ف الرض‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪32‬‬

‫ومنها السباب الت مكنته من العمران والبناء‪ ،‬والنتقال إل مشرق الرض ومغربا‪ ،‬وغيها من‬
‫السباب‪.‬‬
‫والسباب الت يتسبب با إل تقوية الدولة وتثبيت دعائمها واطراد التنمية والبداع فيها‪ ،‬تكون بالعلم‬
‫والتخصص فإن العلم من أعظم السباب الوصلة إل تقوية الدولة ف جيع الجالت الصناعية والتقنية‬
‫والطبية وغيها‪ ،‬وتكون بالقدرة والستطاعة بإعداد النود وتوفر الصناع والعمال والزارعي وغيهم‪،‬‬
‫ومن السباب اللت والجهزة والموال وغيها ما يتوصل به إل الغراض والقاصد‪.‬‬
‫ت وَا َل ْرضِ‬
‫فالسلم يتخذ السباب طاعة ل تعال ويتوكل على ال‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬وَلّل ِه غَْيبُ السّمَاوَا ِ‬
‫وَإِلَْيهِ ُيرْجَ ُع ا َل ْمرُ ُكّلهُ فَاعْبُ ْد ُه وََتوَكّ ْل َعلَْي ِه َومَا رَّبكَ ِبغَافِ ٍل عَمّا َتعْمَلُونَ} فجمع ال تعال ف الية بي‬
‫شرِقِ‬
‫ك وَتََبتّلْ إَِلْيهِ تَبْتِيلً‪ّ .‬ربّ ٱلْمَ ْ‬
‫العبادة ومنها اتاذ السباب والتوكل وقال تعال‪{ :‬وَٱذْ ُكرِ ٱسْ َم رَّب َ‬
‫ـهَ إِ ّل ُهوَ فَٱتّخِ ْذ ُه وَكِيلً}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِي ا َلمْرِ فَِإذَا َعزَ ْمتَ فََتوَكّ ْل َعلَى‬
‫وَٱلْ َمغْ ِربِ لَ إَِل ٰ‬
‫حبّ الْ ُمَتوَكِّليَ}‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬احرص على ما ينفعك واستعن بال ول‬
‫الّلهِ إِنّ الّلهَ يُ ِ‬
‫تعجز" رواه مسلم‪ ،‬وعن عمرو بن أمية قال‪ :‬قال رجل للنب صلى ال عليه وسلم‪ :‬أرسل ناقت وأتوكل؟‬
‫قال‪" :‬اعقلها وتوكل" رواه ابن حبان‪ ،‬وعند الطبان والاكم ف الستدرك بلفظ‪" :‬بل قيدها وتوكل"‪،‬‬
‫وأما تعطيل أسباب بناء الدولة ووسائل القوة فهو من الهل والضلل عن هدي القرآن وسنة خي‬
‫الرسلي عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫و الية تعم كل سبب مشروع يوصل إل القاصد الشرعية العظيمة‪ ،‬فإن المة مأمورة بتحصيله والتوصل‬
‫به إل إقامة دولة السلم ف الرض وتقويتها‪ ،‬وحل رسالة السلم وإبلغها للعال‪ ،‬والهاد ف سبيل‬
‫ال وغيها من القاصد الشرعية‪.‬‬
‫السياسة العادلة‪:‬‬
‫السياسة العادلة هي جزء من شرع ال تعال‪ ،‬وأما السياسة الظالة فليست من شرع ال تعال‪ ،‬بل شرع‬
‫ال تعال جاء بإنكارها وإزالتها كغيها من النكرات والحرّمات‪.‬‬
‫وقد قال صلى ال عليه وسلّم‪" :‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم النبياء‪ ،‬كلما هلك النب خلفه النب‪،‬‬
‫وإنه ل نب بعدي‪ ،‬وستكون خلفاء فتكثر"‪ ،‬قالوا‪ :‬فما تأمرنا؟ قال‪" :‬فوا ببيعة الول فالول‪،‬‬
‫وأعطوهم حقّهم‪ ،‬فإن ال سائلهم عمّا استرعاهم" متفق عليه‪ ،‬فولة المر ف المة يلفون رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ف سياسة المة السياسة العادلة‪ ،‬وعن عبد خي قال‪ :‬قام علي رضي ال عنه على‬
‫النب فذكر رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬قبض رسول ال صلى ال عليه وسلم واستخلف أبو‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪33‬‬

‫بكر‪ ،‬فعمل بعمله‪ ،‬وسار بسيته حت قبضه ال على ذلك‪ ،‬ث استخلف عمر فعمل بعملهما وسار‬
‫بسيتما‪ ،‬حت قبضه ال على ذلك "رواه أحد‪ ،‬وقال اليثمي‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬وولة المور فينا هم خلفاء الرسول قال النب صلى ال عليه‬
‫وسلّم ف الصحيح‪" :‬إن بن إسرائيل كان تسوسهم النبياء كلما هلك النب قام النب‪ ،‬وأنه ل نب‬
‫بعدي‪ ،‬وسيكون خلفاء ويكثرون" قالوا‪ :‬فما تأمرونا يا رسول ال قال‪" :‬أوفوا بيعة الول فالول‪،‬‬
‫وأدوا لم الذي لم‪ ،‬فإن ال سائلهم عما استرعاهم"‪ ،‬وقال أيضا‪" :‬العلماء ورثة النبياء"‪ ،‬وروي عنه‬
‫أنه قال‪" :‬وددت أن قد رأيت خلفائي" قالوا‪ :‬ومن خلفاءك قال‪" :‬الذين ييون سنت يعلّمونا الناس"‬
‫فهؤلء ولة المور بعده‪ ،‬وهم المراء والعلماء‪.)11‬‬
‫وقال الافظ ابن حجر رحه ال‪ " :‬أي أنم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث ال لم نبيا يقيم لم أمرهم‪،‬‬
‫ويزيل ما غيّروا من أحكام الدولة‪ .‬وفيه إشارة إل أنه ل بد للرعية من قائم بأمورها يملها على الطريق‬

‫السنة وينصف الظلوم من الظال "‪.)22‬‬

‫وعن طارق بن شهاب عن رافع بن عمرو الطائي قال‪" :‬بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم عمرو بن‬
‫العاص على جيش ذات السلسل‪ ،‬وبعث معه ف ذلك اليش أبا بكر وعمر رضي ال عنهما وسراة‬
‫أصحابه‪ ،‬فانطلقوا حت نزلوا جبل طي‪ ،‬فقال عمرو‪ :‬انظروا إل رجل دليل بالطريق‪ .‬فقالوا‪ :‬ما نعلمه إل‬
‫رافع بن عمرو‪ ،‬فإنه كان ربيل ف الاهلية‪ ،‬فسألت طارقا‪ :‬ما الربيل؟ قال‪ :‬اللص الذي يغزو القوم‬
‫وحده فيسرق‪ ،‬قال رافع‪ :‬فلما قضينا غزاتنا وانتهيت إل الكان الذي كنا خرجنا منه توست أبا بكر‬
‫رضي ال عنه فأتيته‪ ،‬فقلت‪ :‬يا صاحب اللل إن توستك من بي أصحابك فائتن بشيء إذا حفظته‬
‫كنت مثلكم‪ ،‬فقال‪ :‬أتفظ أصابعك المس؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬تشهد أن ل إله إل ال وأن ممدا عبده‬
‫ورسوله‪ ،‬وتقيم الصلوات المس‪ ،‬وتؤت الزكاة إن كان لك‪ ،‬وتج البيت‪ ،‬وتصوم رمضان حفظت؟‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬وأخرى ل تؤمرن على اثني‪ ،‬قلت‪ :‬هل تكون المرة إل فيكم أهل بدر؟ قال‪ :‬يوشك‬
‫أن تفشو حت تبلغك ومن هو دونك‪ ،‬إن ال عز وجل لا بعث نبيه صلى ال عليه وسلم دخل الناس ف‬
‫السلم فمنهم من دخل فهداه ال‪ ،‬ومنهم من أكرهه السيف فهم عواد ال وجيان ال ف خفارة ال‪،‬‬
‫إن الرجل إذا كان أميا فتظال الناس بينهم فلم يأخذ لبعضهم من بعض انتقم ال منه إن الرجل لتؤخذ‬
‫شاة جاره فيظل ناتئ عضلته غضبا لاره وال من وراء جاره‪ ،‬قال رافع‪ :‬فمكثت سنة‪ ،‬ث إن أبا بكر‬
‫استخلف فركبت إليه‪ ،‬فقلت‪ :‬أنا رافع كنت لقيتك يوم كذا وكذا مكان كذا وكذا‪ ،‬قال‪ :‬عرفت‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‬
‫‪ )2‬فتح الباري‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪34‬‬

‫قلت‪ :‬كنت نيتن عن المارة ث ركبت بأعظم من ذلك أمة ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬نعم فمن‬
‫ل يقم فيهم بكتاب ال فعليه بلة ال يعن لعنة ال " رواه الطبان‪ ،‬وقال اليثمي‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫وقال المام ابن القيم رحه ال‪ " :‬ومن له ذوق ف الشريعة واطلع على كمالا وتضمنّها لغاية مصال‬
‫العباد ف العاش والعاد‪ ،‬وميئها بغاية العدل الذي يسع اللئق‪ ،‬وأنه ل عدل فوق عدلا ول مصلحة‬
‫فوق ما تضمّنته من الصال‪ ،‬تبيّن له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها‪ ،‬وأن من‬
‫أحاط علما بقاصدها ووضعها‪ ،‬وحسن فهمه فيها ل يتج معها إل سياسة غيها البتة‪ ،‬فإن السياسة‬
‫نوعان‪ :‬سياسة ظالة فالشريعة ترمها‪ ،‬وسياسة عادلة ترج الق من الظال الفاجر‪ ،‬فهي من الشريعة‪،‬‬
‫علمها من علمها وجهلها من جهلها "‪.)11‬‬

‫وقال أيضا‪ " :‬فل يقال‪ :‬إن السياسة العادلة مالفة لا نطق به الشرع‪ ،‬بل هي موافقة لا جاء به‪ ،‬بل هي‬

‫جزء من أجزائها‪ ،‬ونن نسميها سياسة تبعا لصطلحهم‪ ،‬وإنا هي عدل ال ورسوله "‪ )22‬و قال أيضا‪" :‬‬
‫وتقسيم بعضهم طرق الكم إل شريعة وسياسة كتقسيم غيهم الدين إل شريعة وحقيقة‪ ،‬وكتقسيم‬
‫آخرين الدين إل عقل ونقل‪ ،‬وكل ذلك تقسيم باطل‪ ،‬بل السياسة والقيقة والطريقة والعقل كل ذلك‬
‫ينقسم إل قسمي‪ :‬صحيح وفاسد فالصحيح قسم من أقسام الشريعة ل قسيم لا‪ ،‬والباطل ضدها‬
‫ومنافيها‪ ،‬وهذا الصل من أهم الصول وأنفعها وهو مبن على حرف واحد‪ ،‬وهو عموم رسالته صلى‬
‫ال عليه وسلّم بالنسبة إل كل ما يتاج إليه العباد ف معارفهم وعلومهم وأعمالم‪ ،‬وأنه ل يوج أمته إل‬
‫أحد بعده‪ ،‬وإنا حاجتهم إل من يبلّغهم عنه ما جاء به‪ ،‬فلرسالته عمومان مفوظ ل يتطرّق إليهما‬
‫تصيص‪ ،‬عموم بالنسبة إل الرسل إليهم‪ ،‬وعموم بالنسبة إل كل ما يتاج إليه من بعث إليه ف أصول‬
‫الدين وفروعه‪ ،‬فرسالته كافية شافية عامة لتوج إل سواها‪ ،‬ول يتمّ اليان به إل بإثبات عموم رسالته‬
‫ف هذا وهذا‪ ،‬فل يرج أحد من الكلّفي عن رسالته‪ ،‬ول يرج نوع من أنواع الق الذي تتاج إليه‬
‫المة ف علومها وأعمالا عما جاء به "‪.)33‬‬

‫فإن ال تعال أنزل الكتاب واليزان ليقوم الناس بالق والعدل‪ ،‬كما قال تعال‪َ{ :‬لقَدْ َأرْ َسلْنَا رُ ُسلَنَا‬
‫ط وَأَنزْْلنَا ٱلْحَدِي َد فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّاسِ‬
‫سِ‬
‫ب وَٱلْمِيزَانَ ِلَيقُومَ ٱلنّاسُ بِٱْلقِ ْ‬
‫بِٱْلبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ٱلْ ِكتَا َ‬
‫ي َعزِيزٌ} فجعل ال تعال القصود من إرسال الرسل‪،‬‬
‫صرُ ُه َورُسَُلهُ بِٱْل َغْيبِ إِنّ ٱلّلهَ َق ِو ّ‬
‫وَلَِيعْلَ َم ٱلّلهُ مَن يَن ُ‬
‫وإنزال الكتب قيام الناس بالعدل ف حق ال وحقوق العباد‪ ،‬فالقرآن واليزان وهو العدل وما يعرف به‬
‫العدل متلزمان‪ ،‬فكل ما جاء به شرع ال فهو حق وعدل‪ ,‬وكل ما خرج عن شرع ال وخالفه من‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬الطرق الكمية‪.‬‬
‫‪ )2‬الرجع السابق‪.‬‬
‫‪ )3‬إعلم الوقعي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪35‬‬

‫سياسات أو أحكام أو غيها فهو ظلم وجور‪ ،‬وقد قال ال تعال‪َ { :‬ومَن لّ ْم يَحْكُم بِمَآ أنزَ َل الّل ُه‬
‫ك هُمُ الظّالِمُونَ} فكل حكم غي حكم ال تعال فهو ظلم وكفر‪ ،‬وكل من حكم بي الناس‬
‫فَُأوْلَـِئ َ‬
‫بغي شرع ال تبارك وتعال فهو كافر ظال قد حكم بالظلم‪ ،‬ولو ادّعاه عدل‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪36‬‬

‫باب‪ :‬العتصام بالكتاب والسنة‬
‫ل يصح إيان العباد إل بالعتصام بالكتاب والسنة‪ ،‬والتحاكم إليهما ف جيع القوال والعمال‬
‫والسياسات‪،‬فإن سياسة الدولة كغيها من شؤون الياة الكم فيها لشرع ال تعال‪ ،‬ول يوز اتباع غي‬
‫شرع ال ف شيء منها‪،‬كاتباع الهواء والستحسانات العقلية‪ ،‬أو اتباع أنظمة الكفار وقوانينهم أو‬
‫غيها‪ ،‬فإن هذا من الشرك بال تعال ف الكم والتشريع‪ ،‬وقد قال ال تبارك وتعال‪{ :‬يَا َأّيهَا ٱلّذِينَ‬
‫آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱلّل َه وَأَطِيعُوْا ٱلرّسُو َل وَُأوْلِي ٱ َل ْمرِ مِنْكُ ْم فَإِن َتنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّلهِ وَٱلرّسُولِ إِن‬
‫كُْنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ َخْي ٌر وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَاعَْتصِمُوْا بِحَبْ ِل الّلهِ جَمِيعا وَلَ َت َفرّقُوْا وَاذْ ُكرُوْا ِنعْمَةَ الّلهِ َعلَيْ ُكمْ ِإذْ ُكنْتُمْ َأعْدَآءً فَأَلّفَ‬
‫َبيْنَ ُقلُوبِكُمْ فََأصَْبحْتُ ْم بِِنعْمَِتهِ إِ ْخوَانا وَكُْنتُ ْم عَلَى َشفَا ُحفْ َر ٍة مّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُ ْم مّْنهَا كَذِلكَ يُبَيّنُ الّلهُ َلكُمْ‬
‫آيَاِتهِ َلعَلّكُ ْم َتهْتَدُونَ}‪,‬وقد أخرج ابن جرير وغيه عن ابن مسعود ف قوله تعال‪{ :‬وَاعَْتصِمُوْا بِحَبْ ِل الّلهِ‬
‫جَمِيعا} قال‪" :‬حبل ال القرآن"‪ ،‬فأمر تعال بالعتصام بكتابه والجتماع على ذلك‪ ،‬ونى عن التفرق‬
‫والختلف الذي منشأه من اتباع الهواء والبدع والشهوات‪ ،‬وعن أب شريح الزاعي قال‪ :‬خرج علينا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلّم فقال " أبشروا‪ ،‬أليس تشهدون أن ل إله إل ال وأن رسول ال؟"‪،‬‬

‫قالوا‪ :‬بلى قال‪" :‬إن هذا القرآن سبب طرفه بيد ال وطرفه بأيديكم فتمسكوا به‪ ،‬فإنكم لن تضلوا‬
‫ولن تلكوا بعده أبدا " رواه الطبان ف الكبي‪ ،‬وقد نى ال تعال عباده أن يتفرّقوا كما تفرّق واختلف‬
‫الذين من قبلهم من المم الاضية اتباعا لهوائهم‪ ،‬من بعد ما جاءهم البيّنات الوجبة لدايتهم‬
‫واجتماعهم‪ ,‬فقال تبارك وتعال‪{ :‬وَ َل تَكُونُواْ كَٱلّذِي َن َت َفرّقُوْا وَٱخَْتَلفُواْ مِن َبعْدِ مَا جَآ َءهُمُ ٱلَْبيّنَاتُ‬
‫س َو ّد وُجُوهٌ فََأمّا ٱلّذِي َن ٱ ْس َو ّدتْ وُجُو ُههُمْ أَ ْك َفرْتُمْ َبعْدَ‬
‫ض وُجُوٌه وَتَ ْ‬
‫ب عَظِيمٌ‪َ .‬ي ْومَ تَْبيَ ّ‬
‫وَُأوَْلـِٰئكَ َلهُمْ عَذَا ٌ‬
‫ضتْ ُوجُو ُههُمْ َففِي َرحْمَةِ ٱلّل ِه هُمْ فِيهَا‬
‫ِإيَانِكُ ْم فَذُوقُواْ ٱْلعَذَابَ بِمَا كُنُْتمْ تَ ْك ُفرُونَ‪ .‬وََأمّا ٱلّذِينَ ٱبَْي ّ‬
‫خَاِلدُونَ}‪ ،‬وقد أخرج ابن جرير وابن أب حات عن ابن عباس ف قوله‪ " :‬كالذين تفرّقوا واختلفوا "‬
‫قال‪ :‬أمر ال الؤمني بالماعة وناهم عن الختلف والفرقة وأخبهم أنا هلك من كان قبلكم بالراء‬
‫والصومات ف دين ال "‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير عن الربيع ف قوله‪{ :‬كَٱلّذِينَ َت َفرّقُوْا وَٱخَْتَلفُواْ} قال‪" :‬هم أهل الكتاب نى ال أهل‬
‫السلم أن يتفرّقوا ويتلفوا‪ ،‬كما تفرّق واختلف أهل الكتاب"‪.‬‬
‫وأخرج عبد بن حيد عن السن " قال‪ :‬كيف يصنع أهل هذه الهواء البيثة بذه الية ف آل عمران‬
‫{كَٱلّذِينَ َت َفرّقُواْ وَٱ ْختََلفُوْا مِن َبعْ ِد مَا جَآ َءهُمُ ٱلْبَيّنَاتُ}قال‪ :‬نبذوها وربّ الكعبة وراء ظهورهم " ‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪37‬‬

‫ض وجوه أهل اليان‪ ،‬وتسو ّد وجوه أهل الكفر‬
‫س َو ّد وُجُوهٌ} أي تبي ّ‬
‫ض وُجُوٌه وَتَ ْ‬
‫و قوله تعال‪َ{ :‬ي ْومَ تَْبيَ ّ‬
‫وأهل البدعة والفرقة‪ .‬وقد أخرج ابن أب حات وغيه عن ابن عباس ف قوله تعال‪َ{ :‬ي ْومَ َتبَْيضّ ُوجُوهٌ‬
‫س َو ّد وُجُوهٌ} قال‪" :‬تبيضّ وجوه أهل السنة والماعة‪ ،‬وتسودّ وجوه أهل البدعة والضللة "‪.‬‬
‫وَتَ ْ‬
‫سَتقِيما فَٱتِّبعُو ُه وَلَ تَتِّبعُواْ ٱلسّبُ َل فََت َفرّقَ بِكُ ْم عَن َسبِيِلهِ ذٰلِكُمْ‬
‫صرَاطِي مُ ْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَأَ ّن َهـٰذَا ِ‬
‫َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَلّكُمْ َتّتقُونَ}‪ ،‬وقد أخرج المام أحد وغيه عن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪ " :‬خطّ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلّم خطاّ بيده‪ ،‬ث قال‪" :‬هذا سبيل ال مستقيما" ث خطّ خطوطا عن يي‬
‫ذلك الط وعن شاله‪ ،‬ث قال‪" :‬وهذه السبل ليس منها سبيل إل عليه شيطان يدعو إليه"‪ ،‬ث قرأ‪:‬‬
‫صرَاطِي مُسَْتقِيما فَٱتِّبعُوهُ وَلَ َتتِّبعُواْ ٱلسّبُلَ َفَتفَرّقَ ِبكُ ْم عَن سَبِيِلهِ} "‪.‬‬
‫{وَأَ ّن َهـٰذَا ِ‬
‫سَتقِيما فَٱتِّبعُو ُه وَلَ‬
‫صرَاطِي مُ ْ‬
‫وأخرج عبد بن حيد وأبو الشيخ عن قتادة ف قوله تعال {وَأَ ّن َهـٰذَا ِ‬
‫َتتِّبعُواْ ٱلسُّبلَ} قال "اعلموا إنا السبيل سبيل واحد‪ ،‬جاعه الدى ومصيه النّة‪ ،‬وأن إبليس اشترع سبل‬
‫متفرّقة‪ ،‬جاعها الضللة ومصيها النار"‪.‬‬
‫وأخرج عبد بن حيد وغيه عن ماهد ف قوله تعال‪{ :‬وَ َل تَتِّبعُواْ ٱلسّبُلَ} قال‪ :‬البدع والشبهات"‪،‬‬
‫وأخرج ابن جرير وابن أب حات عن ابن عباس‪{ :‬وَ َل تَتِّبعُواْ ٱلسّبُلَ} قال‪" :‬الضللت"‪ ،‬فوحّد ال تعال‬
‫سبيل الق‪ ,‬وعدّد سبل الضللة ف الية لكثرتا‪ ،‬كما وحّد ال تعال النور وعدّد الظلمات ف قوله‬
‫خرِ ُجهُ ْم مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّو ِر وَالّذِينَ َك َفرُواْ َأوْلِيَآ ُؤهُمُ الطّاغُوتُ‬
‫تعال‪{ :‬الّل ُه وَلِيّ الّذِي َن آمَنُوْا يُ ْ‬
‫خرِجُوَنهُ ْم مّنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ ُأوْلَـِئكَ َأصْحَابُ النّارِ هُ ْم فِيهَا خَالِدُونَ} فصراط ال تعال الستقيم‬
‫يُ ْ‬
‫واحد وهو دين السلم‪ ،‬وأما طرق الشيطان فهي كثية ومتعدّدة‪ ،‬وهي الت تشعّبت بأكثر الناس‪،‬‬
‫وأخذت بم إل أنواع الكفر وصنوف النراف‪.‬‬
‫و قد أمر ال تعال عباده بإقامة الدين وعدم التفرق فيه‪ ،‬فقال تبارك وتعال‪َ { :‬شرَعَ َلكُم مّنَ ٱلدّي ِن مَا‬
‫ك َومَا َوصّيْنَا ِبهِ إِْبرَاهِي َم َومُوسَ ٰى َوعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّي َن وَلَ تََت َفرّقُواْ‬
‫َوصّىٰ ِبهِ نُوحا وَٱلّ ِذيۤ َأوْ َحيْنَآ ِإلَْي َ‬
‫فِيهِ}‪.‬‬
‫وقد أخب النب صلى ال عليه وسلّم أن المة سوف تفترق‪ ،‬وبيّن سبيل النجاة عند الفتراق والختلف‪،‬‬
‫كما ف حديث العرباض بن سارية رضي ال عنه أنه سع رسول ال صلى ال عليه وسلّم يقول‪ " :‬لقد‬
‫تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها‪ ،‬ل يزيغ عنها إل هالك " رواه ابن أب عاصم ف كتاب‬
‫السنة‪ ،‬وعنه رضي ال عنه قال‪ :‬وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلّم موعظة بليغة وجلت منها‬
‫القلوب‪ ،‬وذرفت منها العيون‪ ،‬فقلنا‪ :‬يا رسول ال كأنا موعظة مودّع فأوصنا‪ ،‬قال‪" :‬أوصيكم بتقوى‬
‫ال والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد حبشيّ‪ ،‬وأنه من يعش منكم فسيى اختلفا كثيا‪،‬‬
‫فعليكم بسنّت وسنة اللفاء الراشدين الهديّي‪ ،‬عضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإيّاكم ومدثات المور‪ ،‬فإن‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪38‬‬

‫كل بدعة ضللة" رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقد روى عوف بن مالك عن النب صلى ال عليه وسلّم أنه‬
‫قال‪" :‬افترقت اليهود على إحدى وسبعي فرقة فواحدة ف النة وسبعون ف النار‪ ،‬وافترقت النصارى‬
‫على ثنتي وسبعي فرقة فإحدى وسبعون ف النار وواحدة ف النة‪ ،‬والذي نفس ممد بيده لتفترقن‬
‫أمت على ثلث وسبعي فرقة واحدة ف النة وثنتان وسبعون ف النار" قيل‪ :‬يا رسول ال من هم؟‬
‫قال‪" :‬الماعة" رواه ابن ماجة‪ ،‬وف رواية عبد ال بن عمرو‪ :‬قالوا‪ :‬ومن هي يا رسول ال؟ قال‪" :‬ما أنا‬
‫عليه وأصحاب" رواه الترمذي‪ ،‬فبيّن صلى ال عليه وسلّم أن الطائفة الناجية هي الت تكون على مثل ما‬
‫كان عليه النب صلى ال عليه وسلّم وأصحابه رضي ال عنهم‪ ،‬وهو التمسّك بالقرآن والسنة علما‬
‫وعمل والجتماع عليهما‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬وَٱلسّاِبقُو َن ٱ َلوّلُونَ مِنَ ٱلْ ُمهَا ِجرِي َن وَٱلَْنصَا ِر وَٱلّذِينَ‬
‫جرِي تَحَْتهَا ٱلَْنهَارُ خَالِدِي َن فِيهَآ َأبَدا‬
‫ٱتَّبعُوهُم بِإِ ْحسَا ٍن ّرضِيَ ٱلّلهُ َعْنهُمْ َو َرضُوْا عَْن ُه وََأعَدّ َلهُمْ َجنّاتٍ تَ ْ‬
‫ذِٰلكَ ٱْل َف ْوزُ ٱْلعَظِيمُ}‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلّم‪" :‬خيكم قرن ث الذين يلونم ث الذين يلونم ث‬
‫يكون بعدهم قوم يشهدون ول يستشهدون ويونون ول يؤتنون ويَنذُرون ول يوفون وتظهر فيهم‬
‫السمن" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وقال عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‪" :‬من كان منكم مستنّا فليست بن قد مات فإن الي ل تؤمن‬
‫عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب ممد صلى ال عليه وسلّم كانوا أفضل هذه المة‪ :‬أبرّها قلوبا‪ ،‬وأعمقها‬
‫علما‪ ،‬وأقلّها تكلّفا‪ ،‬قوم اختارهم ال لصحبة نبيّه وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لم فضلهم‪ ،‬واتبعوهم ف آثارهم‪،‬‬
‫وتسّكوا با استطعتم من أخلقهم ودينهم‪ ،‬فإنم كانوا على الدى الستقيم "‪ ،‬وقال أيضا رضي ال‬
‫عنه‪" :‬إن ال نظر ف قلوب العباد فوجد قلب ممد صلى ال عليه وسلّم خي قلوب العباد فاصطفاه‬
‫لنفسه فابتعثه برسالته‪ ،‬ث نظر ف قلوب العباد بعد قلب ممد فوجد قلوب أصحابه خي قلوب العباد‪،‬‬
‫فجعلهم وزراء نبيّه يقاتلون عن دينه‪ ،‬فما رأى السلمون حسنا‪ ،‬فهو عند ال حسن وما رأوا سيّئا فهو‬
‫عند ال سيّء " رواه المام أحد‪.‬‬
‫وأخرج ابن أب حات عن مالك قال‪ :‬كان عمر بن عبد العزيز يقول‪" :‬سن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وولة المر من بعده سننا الخذ با تصديق لكتاب ال واستكمال لطاعة ال وقوة على دين ال‪،‬‬
‫ليس لحد تغييها ول تبديلها ول النظر فيما خالفها‪ ،‬من اقتدى با مهتد ومن استنصر با منصور‪ ،‬ومن‬
‫خالفها اتبع غي سبيل الؤمني ووله ال ما تول وصله جهنم وساءت مصيا "‪ ،‬وولة المر ف هذا‬
‫الثر هم اللفاء الراشدون رضي ال عنهم‪ ،‬قال المام الشاطب رحه ال‪" :‬وكان يعجبهم فإنه كلم‬
‫متصر جع أصول حسنه من السنة‪ ،‬منها ما نن فيه‪ ،‬لن قوله ليس لحد تغييها ول تبديلها ول النظر‬
‫ف شيء من خالفها‪ .‬قطع لادة البتداع جله‪ ،‬وقوله‪" :‬من عمل با مهتد" إل آخر الكلم مدح لتبع‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪39‬‬

‫السنة وذم لن خالفها بالدليل الدال على ذلك‪ ،‬وهو قول ال سبحانه وتعال‪َ { :‬ومَن يُشَاِققِ الرّسُو َل مِن‬
‫ت مَصِيًا} ومنها ما‬
‫َبعْ ِد مَا تََبيّنَ َلهُ اْلهُدَى وَيَتّبِ ْع غَْيرَ َسبِي ِل الْ ُم ْؤمِِنيَ ُنوَّلهِ مَا َت َولّى وَُنصِْلهِ َجهَنّ َم وَسَاء ْ‬
‫سنه ولة المر من بعد النب صلى ال عليه وسلم فهو سنة ول بدعة فيه ألبتة‪ ،‬وإن ل يعلم ف كتاب ال‬
‫ول سنة نبيه صلى ال عليه وسلم نص عليه على الصوص‪ ،‬فقد جاء ما يدل عليه ف الملة‪ ،‬وذلك‬
‫نص حديث العرباض بن سارية رضي ال عنه‪ ،‬حيث قال فيه‪" :‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين‬
‫والهديي تسكوا با وعضوا عليها بالنواجذ وإٍياكم ومدثات المور" فقرن عليه السلم كما ترى سنة‬
‫اللفاء الراشدين بسنته‪ ،‬وأن من اتباع سنته اتباع سنتهم‪ ،‬وأن الحدثات خلف ذلك ليست منها ف‬
‫شيء‪ ،‬لنم رضي ال عنهم فيما سنوه‪ ،‬إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلم نفسها‪ ،‬وإما متبعون لا‬
‫فهموا من سنته صلى ال عليه وسلم ف الملة والتفصيل على وجه يفى على غيهم مثله ل زائد على‬
‫ذلك‪ ...‬ومن الصول الضمنة ف أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولة المر وعملهم تفسي لكتاب ال‬
‫وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم لقوله‪ :‬الخذ با تصديق لكتاب ال‪ ،‬واستكمال لطاعة ال‪ ،‬وقوة على‬
‫دين ال‪ ،‬وهو أصل مقرر ف غي هذا الوضع‪ ،‬فقد جع كلم عمر بن عبد العزيز رحه ال أصول حسنة‬
‫وفوائد مهمة "‪.)11‬‬

‫قال ابن أب العز رحه ال‪ " :‬السنة طريقة الرسول صلى ال عليه وسلّم‪ ،‬والماعة جاعة السلمي‪ ،‬وهم‬
‫الصحابة والتابعون لم بإحسان إل يوم الدين‪ ،‬فاتباعهم هدى وخلفهم ضلل‪ ،‬قال ال تعال لنبيّه صلى‬
‫حبِبْكُ ُم الّل ُه وََي ْغ ِفرْ َلكُ ْم ذُنُوبَكُ ْم وَالّل ُه َغفُو ٌر رّحِيمٌ}‬
‫حبّونَ الّلهَ فَاتِّبعُونِي يُ ْ‬
‫ال عليه وسلّم‪ُ{ :‬قلْ إِن كُنُتمْ تُ ِ‬
‫وقال‪َ { :‬ومَن يُشَاقِ ِق الرّسُو َل مِن َبعْ ِد مَا تََبيّنَ َلهُ اْلهُدَى وَيَتّبِ ْع غَْيرَ سَبِيلِ الْ ُم ْؤمِِنيَ ُنوَّلهِ مَا َتوَلّى َوُنصِْلهِ‬

‫ت َمصِيا} "‪.)22‬‬
‫َجهَنّ َم وَسَآءَ ْ‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال عن الصحابة رضي ال عنهم‪ " :‬ولذا كان معرفة أقوالم ف‬
‫العلم والدين وأعمالم خي وأنفع من معرفة أقوال التأخرين وأعمالم ف جيع علوم الدين وأعماله‪:‬‬
‫كالتفسي وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والخلق والهاد وغي ذلك‪ ،‬فإنم أفضل من بعدهم‪،‬‬
‫كما دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬فالقتداء بم خي من القتداء بن بعدهم‪ ،‬ومعرفة إجاعهم ونزاعهم ف‬
‫العلم والدين خي وأنفع من معرفة ما يذكر من إجاع غيهم ونزاعهم‪ ،‬وذلك أن إجاعهم ل يكون إل‬
‫معصوما‪ ،‬وإذا تنازعوا فالق ل يرج عنهم فيمكن طلب الق ف بعض أقوالم‪ ،‬ول يكم بطأ قول من‬
‫أقوالم حت يعرف دللة الكتاب والسنة على خلفه قال تعال‪{ :‬أَطِيعُواْ الّل َه وَأَطِيعُواْ الرّسُو َل وَُأوْلِي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬العتصام‬
‫‪ )2‬شرح العقيدة الطحاوية‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪40‬‬

‫ا َل ْم ِر مِنْكُمْ فَإِن تَنَا َز ْعتُمْ فِي َش ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّل ِه وَالرّسُولِ إِن ُكنْتُ ْم ُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ وَالَْي ْومِ ال ِخرِ ذِلكَ خَْيرٌ‬
‫‪)11‬‬

‫وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‬

‫ومن جرت به الهواء وارتكب البدع وأعرض عن الكتاب والسنة فإن عمله مردود عليه‪ ،‬فإن ال تعال‬
‫ل يقبل من العمال إل ما توفر فيه شرطان‪ :‬أولما إخلص النية ل تعال‪ ،‬والثان متابعة النب صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من أحدث ف أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه‪،‬‬
‫وف رواية لسلم‪" :‬من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬فإن خي‬
‫الديث كتاب ال‪ ،‬وخي الدي هدي ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وشر المور مدثاتا‪ ،‬وكل بدعة‬
‫ت عََليْكُمْ ِنعْمَتِي َو َرضِيتُ لَكُمُ‬
‫ضللة" رواه مسلم‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬اْلَي ْومَ أَكْ َم ْلتُ لَكُ ْم دِيَنكُ ْم وَأَتْمَ ْم ُ‬
‫لمَ دِينا}‪ ،‬فقد أكمل ال تعال هذا الدين‪ ،‬فمن ابتدع ف دين ال وأحدث من العبادات ما ل ينّل‬
‫ا ِلسْ َ‬
‫ال تعال به سلطانا فقد رد هذه الية الكرية‪ ،‬قال المام الشاطب رحه ال‪" :‬إن ال تعال أنزل الشريعة‬
‫على رسوله صلى ال عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يتاج إليه اللق ف تكاليفهم الت أمِروا با‬
‫وتعبّداتم الت طوقوها ف أعناقهم‪ ،‬ول يت رسول ال صلى ال عليه وسلم حت كمل الدين بشهادة ال‬
‫تعال بذلك‪ ،‬حيث قال‪{ :‬الَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَكُ ْم دِينَكُمْ} فكل من زعم أنه بقي من الدين شيء ل يكمل‬
‫فقد كذّب بقوله‪{ :‬الَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَكُ ْم دِينَكُمْ}‪ ...‬لكن الراد كلياتا فلم يبق للدين قاعدة يتاج إليها ف‬
‫الضرورات والاجيات أو التكميليات إل وقد بينت غاية البيان‪ .‬نعم يبقى تنيل الزئيات على تلك‬
‫الكليات موكول إل نظر الجتهد‪ ،‬فإن قاعدة الجتهاد أيضا ثابتة ف الكتاب والسنة‪ ،‬فل بد من إعمالا‬
‫ول يسع تركها"‪.)22‬‬

‫لقد تسك الصحابة بكتاب ال تعال وتأسوا برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حيث اجتمعت همهم‬
‫على اتباع القرآن‪،‬و التخلق بأخلقه‪ ،‬والقتداء برسول ال صلى ال عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن‪،‬‬
‫ول تشب علومهم‪ ،‬وتشتت همهم‪ ،‬وتصرفهم عن القرآن‪ ،‬وتشغلهم عن الهاد‪ ،‬ما أحدثه من جاء‬
‫بعدهم من البدع والهواء‪ ،‬والستحسانات العقلية‪ ،‬والقيسة الفاسدة‪،‬و الفلسفة‪ ،‬والنطق‪ ،‬وقد قال ال‬
‫ل مّا تَذَ ّكرُونَ}‪ ،‬وقال‬
‫تبارك وتعال‪{ :‬ٱتِّبعُوْا مَآ أُنزِلَ إَِليْكُ ْم مّن رّبّكُ ْم وَلَ َتتِّبعُوْا مِن دُوِنهِ َأوِْليَآءَ قَلِي ً‬
‫ل َوِتهِ ُأوْلَـِئكَ ُي ْؤمِنُونَ ِبهِ}‪،‬وقد أخرج ابن جرير وغيه عن‬
‫تعال‪{ :‬الّذِينَ آَتيْنَاهُ ُم الْ ِكتَابَ يَْتلُوَنهُ حَقّ تِ َ‬
‫لوَِتهِ} قال "يلّلون حلله‪ ،‬ويرّمونه حرامه‪ ،‬ول يرّفونه عن مواضعه "‪.‬‬
‫ابن عباس ف قوله‪َ { :‬حقّ تِ َ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‬
‫‪ )2‬العتصام‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪41‬‬

‫لوَِتهِ} قال‪" :‬أي يل حلله‬
‫وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال ف قوله‪َ{ :‬يتْلُوَنهُ َحقّ تِ َ‬
‫ويرّم حرامه‪ ،‬و يقرأ ه كما أنزل‪ ،‬ول يرف الكلم عن مواضعه‪ ،‬ول يتأوّل منه شياء غي تأويله"‪.‬‬
‫لوَِتهِ} قال‪ " :‬يتبعونه حق اتباعه"‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير عن ماهد ف قوله تعال‪{ :‬يَْتلُوَنهُ حَقّ ِت َ‬
‫لوَِتهِ ُأوْلَِئكَ‬
‫و أخرج ابن أب حات عن زيد بن أسلم ف قوله تعال‪{ :‬الّذِينَ آتَْينَاهُمُ الْكِتَابَ َيتْلُوَنهُ حَ ّق تِ َ‬
‫ُي ْؤمِنُونَ ِبهِ} قال‪" :‬يتكلّمون به كما أنزل ول يكتمونه"‪.‬‬
‫وعن القاسم بن معوّف الشيبان قال‪ :‬سعت ابن عمر يقول‪ :‬لقد لبثنا برهة من الدهر وأحدنا ليؤتى‬
‫اليان قبل القرآن‪ ،‬تنل السورة على ممد صلى ال عليه وسلم فنتعلم حللا وحرامها وأمرها‬
‫وزجرها‪ ،‬وما ينبغي أن يوقف عنده منها‪ ،‬كما يتعلم أحدكم السورة‪ ،‬ولقد رأيت رجال يؤتى أحدهم‬
‫القرآن قبل اليان‪ ،‬يقرأ ما بي فاتته إل خاتته ما يعرف حلله ول حرامه ول أمره ول زاجره‪ ،‬ول ما‬
‫ينبغي أن يقف عنده منه‪ ،‬وينثره نثر الدقل"‪. )11‬‬

‫وعن جندب بن عبد ال قال‪ :‬كنا مع النب صلى ال عليه وسلم ونن فتيان‪ ،‬فتعلّمنا اليان قبل أن‬

‫نتعلّم القرآن‪ ،‬ث تعلّمنا القرآن فازددنا به إيانا"‪.)22‬‬

‫و قال السن‪ " :‬من أحب أن يعلم ما هو فليعرض نفسه على القرآن"‪.)33‬‬
‫وقال ابن جرير حدثنا ابن حيد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا جرير‪ ،‬عن عطاء‪ ،‬عن أب عبد الرحن‪ ،‬قال‪" :‬حدثنا الذين‬
‫كانوا يقرئوننا أنم كانوا يستقرئون من النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكانوا إذا تعلموا عشر آيات ل‬
‫يلفوها حت يعملوا با فيها من العمل‪ ،‬فتعلمنا القرآن والعمل جيعا "‪.‬‬
‫وقال ابن جرير حدثنا ممد بن علي بن السن بن شقيق الروزي‪ ،‬قال‪ :‬سعت أب يعقوب يقول‪ :‬حدثنا‬
‫السي بن واقد‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا العمش‪ ،‬عن شقيق‪ ،‬عن ابن مسعود‪ ،‬قال‪ " :‬كان الرجل منا إذا تعلم‬
‫عشر آيات ل ياوزهن حت يعرف معانيهن والعمل بن "‪ ،‬فتأمل قوله رضي ال عنه " حت يعرف‬
‫معانيهن والعمل بن " وهو يبي منهج الصحابة رضي ال عنهم ف تلقي القرآن‪ ،‬فقد كانوا يتدبرون‬
‫آياته‪ ،‬وينقادون لوامره وينتهون عما نى عنه‪ ،‬وبذا حصل لم التمكي ف الرض والنصر على‬
‫أعدائهم‪ ،‬وهذه الداية ف التلقي هي الت خالفهم با كثي من اللف‪ ،‬وهذه الخالفة ف التلقي عند‬
‫الكثي من اللف هي السبب القيقي ف تنكب الكثي عن التمسك بالكتاب والسنة علما وعمل ف‬
‫السياسة وغيها‪ ،‬وإبطائهم عن الهاد ف سبيل ال‪ ،‬وهي السبب القيقي وراء ظاهرة غياب من تصل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬اليان لبن مندة‬
‫‪ )2‬رواه ابن ماجه وابن مندة ف اليان‬
‫‪ )3‬كتاب الزهد لبن البارك‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪42‬‬

‫بم الكفاية من أهل العلم عن مواطن الهاد ومنازلة العداء‪ ،‬وإعراض بعض أهل العلم عن تبليغ الرسالة‬
‫كاملة والصدع بكلمة الق‪.‬‬
‫لقد أوجب ال تعال على عباده أن يقرأوا سورة الفاتة ف كل ركعة‪ ،‬وقد تضمنت سؤال ال تعال‬
‫الداية إل الصراط الستقيم‪ ،‬وهو الطريق الواضح الذي ل عوج فيه‪ ،‬لضرورة العباد إل هداية ال‬
‫وتوفيقه ف جيع الحوال والوقات وف كل قول وعمل‪.‬‬
‫وسؤال الداية يتضمن التوفيق إل الق والثبات عليه‪ ،‬وأن يزيد ال تعال عبده هداية وتوفيقا‪ ،‬وأن يهديه‬
‫إل العلم بتفاصيل الحكام وجزئياتا‪ ،‬وأن يهديه للعمل بالعلم‪ ،‬فإن العبد قد يفوته الكثي من العلم‬
‫والعمل‪ ،‬وقد يتمكن من التعلم‪ ،‬ولكنه يتاج إل هداية ال له بالعمل بالعلم‪.‬‬
‫فالصراط الستقيم هو دين السلم‪ ،‬وهو طريق الذين أنعم ال عليهم‪ ،‬الذين عملوا بالعلم والواعظ من‬
‫النبيي والصديقي والشهداء والصالي‪ ،‬كما قال ال تعال‪{ :‬وََلوْ أَّنهُ ْم َفعَلُوْا مَا يُوعَظُونَ ِبهِ لَكَا َن خَيْرا‬
‫سَتقِيما‪َ ..‬ومَن يُ ِطعِ ٱلّلهَ‬
‫صرَاطا مّ ْ‬
‫ّلهُ ْم وَأَشَدّ َتثْبِيتا‪ .‬وَإِذا لَتيْنَاهُ ْم مّن لّ ُدنّـآ أَجْرا عَظِيما‪ .‬وََلهَدَيْنَاهُمْ ِ‬
‫سنَ‬
‫ي وَحَ ُ‬
‫ح َ‬
‫شهَدَآ ِء وَٱلصّالِ ِ‬
‫ي وَٱل ّ‬
‫ي وَٱلصّدّي ِق َ‬
‫ك مَعَ ٱلّذِينَ أَْنعَمَ ٱلّل ُه عَلَْيهِم مّنَ ٱلنّبِّي َ‬
‫وَٱلرّسُولَ فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ك رَفِيقا‪ .‬ذِٰلكَ ٱْل َفضْلُ مِنَ ٱلّل ِه وَ َكفَىٰ بِٱلّلهِ َعلِيما}‪.‬‬
‫أُوَلـِٰئ َ‬
‫ث يسأل الصلي ربه أل يعله من الغضوب عليهم ول الضالي‪ ،‬وهؤلء هم الزائغون عن صراط ال‬
‫الستقيم‪ ،‬فالغضوب عليهم هم الذين علموا ول يعملوا كاليهود ومن فسق وزاغ من علماء المة‪،‬‬
‫والضالون الذين عملوا بل علم كالنصارى ومن ابتدع وضل من عباد المة‪.‬‬
‫فتضمنت فاتة الكتاب الت يقرأها السلم ف كل ركعة النهاج السياسي لكل مسلم‪ ،‬وهذه مسألة‬
‫عظيمة عليها مدار الداية‪.‬‬
‫فبينت فاتة الكتاب أن الداية ف جيع المور السياسية وغيها تكون باتباع السلم لكتاب ال وسنة نبيه‬
‫صلى ال عليه وسلم والعمل بما‪ ،‬فإن التلقي ف السياسة وغيها من غي الكتاب والسنة ضلل وخروج‬
‫عن الصراط الستقيم‪ ،‬كنسبة بعض علماء السوء سياسات اللوك الائرة للسلم‪ ،‬أو تلقف بعض‬
‫الفتوني ما افتراه الكفار الفترون من السياسات والنظمة كالديقراطية وغيها ث ينسبونا إل السلم‬
‫ويتجون لذلك بالجج الواهية ويتبعون اليات التشابات طلبا للفتنة والصد عن سبيل ال تعال‪.‬‬
‫فهداية السلم إل الصراط الستقيم ف السياسة وغيها أن يتلقى العلم من الكتاب والسنة وأن يعمل‬
‫بعلمه‪ ،‬فإذا علم مثل أن الهاد فرض وأن ال تعال أوجب جهاد الغزاة العتدين‪ ،‬فعليه أن يعمل بعلمه‬
‫وياهد ف سبيل ال‪ ،‬حت يكون من الهتدين الصادقي‪.‬‬
‫و فاتة الكتاب فيها تذير للمسلم من مسلكي جائرين ف السياسة وغيها وأولما‪ :‬هو مسلك‬
‫الغضوب عليهم‪ ،‬وهم الذين علموا ول يعملوا‪ :‬كاليهود‪ ،‬ومن سلك سبيلهم‪ ،‬وانتهج نجهم من عوام‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪43‬‬

‫المة‪ ،‬أو من علماء السوء‪ ،‬الذين كتموا الق وناصروا الطواغيت‪ ،‬والثان‪ :‬هو مسلك الضالي الذين‬
‫عملوا على غي علم‪ :‬كالنصارى ومن ضل من عباد المة‪.‬‬
‫وقد تضمنت سورة الفاتة التحذير من الديقراطية وغيها من السياسات الائرة الت افتراها الغضوب‬
‫عليهم اليهود والضالون النصارى‪ ،‬فإن من سبلهم القدية الائرة أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون‬
‫ال تعال‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬ٱتّخَ ُذوۤاْ َأحْبَا َرهُ ْم َو ُرهْبَاَنهُمْ َأ ْربَابا مّن دُونِ ٱلّلهِ} فقد اتذوهم أربابا حي‬
‫اتبعوهم ف التحليل والتحري وهو التشريع‪ ،‬وهذا الكفر القدي ل يزالون يعمهون فيه ويهيمون ف‬
‫ظلماته‪ ،‬وقد زادوا ف هذه الزمان صورا وأشكال للطواغيت الشرعي من هيئات وبرلانات وغيها‪.‬‬
‫فمن سلك طريق الكفر السمى بالديقراطية وهو يقرأ ف الصلة بفاتة الكتاب فهو زائغ جاهل ضال‬
‫عما تضمنته فاتة الكتاب من الداية بالتمسك بالسلم علما وعمل‪ ،‬ومانبة سبيل الغضوب عليهم‬
‫والضالي من اليهود والنصارى ونوهم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪44‬‬

‫باب‪ :‬العقل‬
‫لقد أرسل ال تعال الرسل عليهم الصلة والسلم بالكتاب واليزان ليقوم الناس بالقسط‪ ،‬وهو العدل‬
‫ب وَالْمِيزَانَ ِلَيقُومَ النّاسُ‬
‫ت وَأَنزَلْنَا مَ َعهُمُ اْلكِتَا َ‬
‫والق‪ ،‬كما قال ال تعال‪َ{ :‬لقَدْ َأرْسَ ْلنَا رُسَُلنَا بِالَْبيّنَا ِ‬
‫ص ُرهُ َورُ ُسَلهُ بِاْلغَْيبِ إِنّ الّلهَ َق ِويّ‬
‫س وَِلَيعْلَمَ الّل ُه مَن يَن ُ‬
‫سطِ وَأَنزْْلنَا الْحَدِي َد فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّا ِ‬
‫بِاْلقِ ْ‬
‫َعزِيزٌ}‪ ،‬فجعل تعال القصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط وهو العدل ف‬
‫حقوق ال وحقوق العباد‪ ،‬وجعل ال تعال الكتاب واليزان متلزمي كما ف هذه الية وكما ف قوله‬
‫تعال‪{ :‬ٱلّلهُ ٱلّ ِذيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱْلحَ ّق وَٱلْمِيزَا َن َومَا يُ ْدرِيكَ َلعَلّ ٱلسّا َعةَ َقرِيبٌ}‪ ،‬وقال تعال‪:‬‬
‫{وَٱلسّمَآ َء رََف َعهَا َووَضَعَ ٱلْمِيزَانَ‪ .‬أَ ّل تَ ْط َغوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} أي ووضع العدل لتكون أحوال اللق كلها‬
‫قائمة بالعدل والق‪ ،‬واليزان هو العدل وما يعرف به العدل كالقيسة الصحيحة‪ ،‬والعلل والكم‬
‫الشرعية‪ ،‬واليزان العروف ونوه‪ ،‬والفطر والعقول السليمة فإن ال تعال فطر العباد على توحيده تبارك‬
‫س عََلْيهَا لَ َتبْدِيلَ ِلخَلْقِ‬
‫وتعال كما قال ال تعال‪{ :‬فََأقِ ْم وَ ْج َهكَ لِلدّينِ َحنِيفا فِ ْط َرةَ الّلهِ الّتِي فَ َطرَ النّا َ‬
‫ك الدّي ُن اْلقَيّ ُم وَلَـكِنّ أَ ْكَثرَ النّاسِ لَ َيعْلَمُونَ} فأمر تعال بأن يسدّد وجهه وقصده لذ الدين‬
‫الّلهِ ذَِل َ‬
‫خلْ ِق الّلهِ} أي ل تغيّروا الناس‬
‫الذي هو فطرة ال تعال الت فطر الناس عليها‪،‬وقوله تعال‪{ :‬لَ تَبْدِيلَ لِ َ‬
‫عن فطرتم الت فطرهم ال عليها‪ ،‬فيكون خبا بعن الطلب‪ ،‬وقيل‪ :‬العن أن ال تعال خلق العباد‪،‬‬
‫وسوّى بينهم ف الفطرة‪ ،‬ول اختلف بينهم ف أصل الفطرة‪ ،‬وإنا تفسد الفطرة با يطرأ عليها من الكفر‬
‫والنراف‪ ،‬كما جاء عن أب هريرة رضي اال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما من‬

‫مولود إل يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يجّسانه‪ ،‬كما تنتج البهيمة بيمة جعاء‪،‬‬
‫س عََلْيهَا لَا َتبْدِي َل لِخَ ْلقِ الّلهِ ذَِلكَ الدّينُ‬
‫هل تسّون فيها من جدعاء؟" ث يقول {فِ ْط َرةَ الّلهِ الّتِي فَ َطرَ النّا َ‬
‫اْل َقيّمُ} رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري‪ ،‬أي تلد البهيمة بيمة جعاء‪ ،‬وهي الت ل نقص ف‬
‫خلقها‪ ،‬فل يس فيها من جدعاء وهي مقطوعة الذن‪ ،‬والعن أن أهلها هم الذين غيّروا خلقها بدع‬
‫أذنا‪ ،‬وكذلك الولود يولد وقد فطر على معرفة التوحيد‪ ,‬ولكن أبواه يغيّرانه عن فطرته‪ ،‬وقال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬قال ال عز وجل‪ :‬إن خلقت عبادي حنفاء فجاءتم الشياطي فاجتالتهم عن دينهم"‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن كَا َن َعلَى َبيَّن ٍة مّن رّّبهِ وََيتْلُوهُ شَاهِ ٌد مّْنهُ} فالؤمن على إيان وهدى من ربه‪ ،‬ويتبع‬
‫هذا اليان ويوافقه ول يالفه شاهد من ال وهو القرآن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪45‬‬

‫و قال ال تبارك وتعال‪{ :‬ٱلّلهُ نُورُ ٱلسّمَاوَاتِ وَٱ َل ْرضِ مََثلُ نُو ِرهِ كَ ِمشْكَاةٍ فِيهَا ِمصْبَاحٌ ٱلْ ِمصْبَاحُ فِي‬
‫ج َرةٍ مّبَارَ َك ٍة زَيْتُونَةٍ لّ َشرِْقيّ ٍة وَ َل َغرِْبيّةٍ َيكَادُ َزيُْتهَا‬
‫ب ُدرّيّ يُوقَ ُد مِن َش َ‬
‫زُجَا َج ٍة ٱلزّجَا َجةُ كَأَّنهَا َكوْ َك ٌ‬
‫س وَٱلّلهُ‬
‫ضرِبُ ٱلّل ُه ٱ َلمْثَالَ لِلنّا ِ‬
‫سهُ نَارٌ نّورٌ َعلَىٰ نُورٍ َيهْدِي ٱلّلهُ لِنُو ِر ِه مَن يَشَآ ُء وََي ْ‬
‫سْ‬
‫ُيضِ ۤيءُ وََلوْ َلمْ تَمْ َ‬
‫بِكُ ّل شَ ْيءٍ َعلَيِمٌ}‪ ،‬قال المام ابن القيم رحه ال " والصباح هو نور اليان ف قلبه‪ ،‬والشجرة الباركة‬
‫هي شجرة الوحي التضمّنة للهدى ودين الق‪ ،‬وهي مادّة الصباح الت يتّقد منها‪ ،‬والنورعلى النور‬
‫نورالفطرة الصحيحة والدراك الصحيح‪ ،‬ونور الوحي والكتاب‪ ،‬فينضاف أحد النورين إل الخر‪،‬‬
‫فيزداد العبد نورا على نور‪ ،‬ولذا يكاد ينطق بالق والكمة قبل أن يسمع ما فيه بالثر‪ ،‬ث يبلغه الثر‬
‫بثل ما وقع ف قلبه ونطق به‪ ،‬فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي‪ ،‬فييه عقله وفطرته‬
‫وذوقه الذي جاء به الرسول هو الق‪ ،‬ل يتعارض عنده العقل والنقل ألبتة‪ ،‬بل يتصادقان ويتوافقان‪،‬‬
‫فهذا علمة النور على النور‪ ،‬عكس من تلطمت ف قلبه أمواج الشبه الباطلة‪ ،‬واليالت الفاسدة من‬
‫حرٍ لّجّيّ‬
‫الظنون الهليّات الت يسميها أهلها القواطع العقليّات‪ ،‬فهي ف صدره {َأوْ َكظُلُمَاتٍ فِي بَ ْ‬
‫ضهَا َفوْقَ َبعْضٍ ِإذَا َأ ْخرَجَ يَ َدهُ لَمْ َيكَدْ َيرَاهَا َومَن‬
‫ج مّن َفوِْق ِه َموْجٌ مّن َف ْوِقهِ َسحَابٌ ُظلُمَاتٌ َب ْع ُ‬
‫َيغْشَا ُه َموْ ٌ‬

‫جعَلِ الّلهُ َلهُ نُورًا فَمَا َل ُه مِن نّورٍ} ‪.)11‬‬
‫لّمْ َي ْ‬

‫فالقلب السليم الباقي على فطرته يطمئنّ إل الق‪ ،‬ويصدقه ويؤمن به‪ ،‬وينكر الكذب والباطل ول‬
‫يطمئن إليه‪ ،‬بل يدث له ريبة وقلقا لخالفته لفطرته السليمة‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم "الب حسن‬
‫اللق والث ما حاك ف نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" رواه مسلم‪.‬‬
‫ب ما سكنت‬
‫وعن أب ثعلبة الشن قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال أخبن ما ي ّل ل وما يرم علي قال‪" :‬ال ّ‬
‫إليه النفس واطمأن إليه القلب‪ ،‬والث ما ل تسكن إليه النفس ول يطمئن إليه القلب‪ ،‬وإن أفتاك‬
‫الفتون" رواه أحد‪.‬‬
‫وعن أب أمامة رضي ال عنه قال‪ :‬سأل رجل النب صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما الث؟ قال‪" :‬إذا حاك ف‬
‫نفسك شيء فدعه" قال‪ :‬فما اليان؟ قال‪" :‬إذا ساءتك سيّئتك وسرّتك حسنتك فأنت مؤمن" رواه‬
‫أحد‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه قال‪ " :‬الث حواز القلوب" وف رواية " حواز الصدور" وف‬
‫رواية " ما كان من نظرة فللشيطان فيها مطمع والث حواز القلوب" رواه الطبان‪ ،‬قال ابن رجب رحه‬
‫ال‪" :‬وهذا يدل على أن ال فطر عباده على معرفة الق‪ ،‬والسكون إليه وقبوله‪ ،‬وركز ف الطباع مبة‬
‫ذلك والنفور من ضده‪ ...‬ولذا سى ال ما أمر به معروفا وما نى عنه منكرا‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬إِ ّن الّلهَ يَ ْأ ُمرُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬اجتماع اليوش السلمية‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪46‬‬

‫بِاْلعَدْلِ وَالِحْسَا ِن وَإِيتَاء ذِي اْل ُقرْبَى وَيَْنهَى عَ ِن اْلفَحْشَاء وَالْمُن َك ِر وَالَْبغْيِ} وقال تعال ف صفة الرسول‬
‫خبَآِئثَ} وأخب أن قلوب الؤمني تطمئن‬
‫ح ّر ُم عَلَْيهِ ُم الْ َ‬
‫ت وَيُ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪َ { :‬ويُحِلّ َلهُ ُم الطّيّبَا ِ‬
‫بذكره‪ ،‬فالقلب الذي دخله نور اليان‪ ،‬وانشرح به وانفسح‪ ،‬يسكن للحق ويطمئن إليه ويقبله‪ ،‬وينفر‬
‫عن الباطل ويكرهه ول يقبله"‪.)11‬‬

‫وعن عبد اللك بن سعيد بن سويد عن أب حيد وعن أب أسيد أن النب صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬إذا‬
‫سعتم الديث عن تعرفه قلوبكم‪ ،‬وتلي له أشعاركم وأبشاركم‪ ،‬وترون أنه منكم قريب فأنا أولكم‬
‫به‪ ،‬وإذا سعتم الديث عن تنكره قلوبكم‪ ،‬وتنفرمنه أشعاركم وأبشاركم‪ ،‬وترون أنه منكم بعيد فأنا‬
‫أبعدكم منه" رواه أحد‪ ،‬قال ابن كثي‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫ضعف النسان ف إدراكه ومعرفته بالصال‪:‬‬
‫فال تعال هو الذي خلق اللق‪ ،‬وهو أعلم با يصلحهم ف دنياهم وآخرتم‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬أَ َل َيعْلَمُ‬
‫مَنْ خَلَ َق َو ُهوَ ٱللّطِيفُ ٱلْخَبِيُ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَأَْنتُمْ َأعْلَمُ َأمِ ٱلّلهُ}‪ ،‬وقال تعال‪ُ { :‬كِتبَ َعلَيْكُ ُم اْلقِتَا ُل َو ُهوَ ُك ْرهٌ لّكُ ْم َوعَسَى أَن تَ ْك َرهُواْ‬
‫حبّواْ َشيْئا َو ُهوَ َشرّ لّكُ ْم وَالّلهُ َيعْلَ ُم وَأَْنتُمْ لَ َتعَْلمُونَ}‪ ،‬فأن لذا النسان‬
‫شَيْئا َو ُهوَ خَْيرٌ لّكُ ْم َوعَسَى أَن تُ ِ‬
‫الضعيف من كل وجه أن يدرك مصلحته بنفسه‪ ،‬وأن ييط با فيه نفعه على وجه الكمال والتمام‪ ،‬فإن‬
‫ت وَٱلَ ْرضِ‬
‫النسان ضعيف ظلوم جهول‪ ،‬كما قال ال تبارك وتعال‪ِ{ :‬إنّا َعرَضْنَا ٱ َلمَاَن َة عَلَى ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫وَٱلْجِبَا ِل فَأَبيْنَ أَن يَحْ ِملَْنهَا وَأَ ْش َفقْ َن مِْنهَا وَحَ َمَلهَا ٱلِنْسَانُ ِإّنهُ كَانَ َظلُوما َجهُولً}‪ ،‬ولو خلـِي بي‬
‫الناس وبي أنفسهم وتقديراتم واستحساناتم لهلكوا أنفسهم‪ ،‬ولوردوها موارد الشقاء والضلل‪ ،‬فإن‬
‫الناس ضعفاء ف علومهم وإدراكهم‪ ،‬بل ل يعلمون حقيقة الرواح الت ف أبدانم‪ ،‬كما قال ال تبارك‬
‫ك عَ ِن ٱلرّوحِ قُ ِل ٱلرّوحُ مِنْ َأ ْم ِر رَبّي َومَآ أُوتِيتُم مّن ٱْلعِلْمِ ِإلّ قَلِيلً} ولكن هذا‬
‫وتعال‪{ :‬وََيسْأَلُوَن َ‬
‫الخلوق الضعيف الذي خلقه ال من نطفة إذا كفر جاهر بكفره‪ ،‬وخاصم ربه وعارض أحكامه بأقيسته‬
‫وأدلته العقلية الفاسدة‪ ،‬كما قال ال تبارك وتعال‪ُ{ :‬قتِ َل ٱلِنسَانُ مَآ أَ ْك َف َرهُ‪ .‬مِنْ َأيّ شَيءٍ خََل َقهُ‪ .‬مِن‬
‫ض مَآ َأ َمرَهُ}‪ ،‬وقال‬
‫ش َرهُ‪ .‬كَلّ لَمّا َيقْ ِ‬
‫س َرهُ‪ .‬ثُمّ َأمَاَتهُ فَأَقَْب َرهُ‪ .‬ثُمّ ِإذَا شَآءَ أَن َ‬
‫نّ ْطفَ ٍة خََل َقهُ َفقَ ّد َرهُ‪ .‬ثُمّ ٱلسّبِي َل يَ ّ‬
‫ل وََنسِيَ َخ ْلقَهُ قَالَ مَن‬
‫ض َربَ لَنَا مَثَ ً‬
‫تعال‪َ{ :‬أوَلَ ْم َيرَ ٱلِنسَانُ أَنّا خََلقْنَا ُه مِن نّ ْط َفةٍ فَِإذَا ُهوَ َخصِي ٌم مِّبيٌ‪َ .‬و َ‬
‫يُحيِي ٱْلعِظَامَ َوهِ َي َرمِيمٌ‪ .‬قُ ْل يُحْيِيهَا ٱلّذِيۤ أَنشََأهَآ َأوّ َل َمرّ ٍة َو ُهوَ بِكُلّ َخلْ ٍق عَلِيمٌ} فهذا الكافر استدل‬
‫بعقله الفاسد على إنكار البعث بتشبيه قدرة الالق بقدرة الخلوق‪ ،‬قال المام ابن جرير رحه ال‪" :‬‬
‫فتأويل الكلم إذن‪ :‬أو ل ير هذا النسان الذي يقول‪{ :‬مَ ْن يُحْيِي العِظا َم َوهِ َي َرمِيمٌ} أنا خلقناه من‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع العلوم والكم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪47‬‬

‫نطفة فسوّيناه خلقا َسوِيّا‪ ،‬فإذَا هوَ َخصِيمٌ‪ .‬يقول‪ :‬فإذا هو ذو خصومة لربه‪ ،‬ياصمه فيما قال له ربه إن‬
‫فاعل‪ ،‬وذلك إخبار ل إياه أنه مُحْيي خلقه بعد ماتم‪ ،‬فيقول‪ :‬مَنْ ييي هذه العظام وهي رميم؟ إنكارا‬
‫منه لقُدرة ال على إحيائها وقوله‪ :‬مُِبيٌ يقول‪ :‬يبي لن سع خُصومته وقيله ذلك أنه ماصم ربه الذي‬
‫حيِي ال ِعظَامَ َوهِيَ‬
‫ل وَنَسِ َي خَ ْل َقهُ} يقول‪ :‬ومثّل لنا شبها بقوله‪{ :‬مَنْ يُ ْ‬
‫ضرَبَ لنَا مَثَ ً‬
‫خلقه‪ .‬وقوله‪َ { :‬و َ‬
‫َرمِيمٌ} إذ كان ل يقدر على إحياء ذلك أحد‪ ،‬يقول‪ :‬فجعلنا كمن ل يقدر على إحياء ذلك من اللق‬
‫{وََنسِيَ َخ ْلقَهُ} يقول‪ :‬ونسي خلْقنَا إياه كيف خلقناه‪ ،‬وأنه ل يكن إل نطفة‪ ،‬فجعلناها خلقا َسوِيّا‬
‫ناطقا‪ ،‬يقول‪ :‬فلم يفكر ف خَ ْلقِناهُ‪ ،‬فيعلم أن من خلقه من نطفه حت صار بشرا سويا ناطقا متصرّفا‪ ،‬ل‬
‫يعْجِز أن يعيد الموات أحياء‪ ،‬والعظام الرّميم بشَرا كهيئتهم الت كانوا با قبل الفناء"‪.)11‬‬

‫وإذا تأمل السلم الكثي من شبه الجادلي بالباطل وجدها من هذا الضرب‪ ،‬فإن اعتراضاتم وشبههم‬
‫وأقيستهم الفاسدة قائمة على تشبيه صفات الالق بصفات الخلوق كصفة العلم أو القدرة أو القوّة أو‬
‫غيها من الصفات‪ ،‬وأحيانا يسوون الخلوق بالالق ف العبادة‪ ،‬فيجعلون ما هو حق ل تعال لغيه من‬
‫سوّيكُمْ ِب َربّ ٱْلعَالَ ِميَ}قال المام ابن كثي‬
‫اللق‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬تَٱلّلهِ إِن ُكنّا َلفِي ضَلَ ٍل مِّبيٍ‪ِ .‬إذْ نُ َ‬

‫رحه ال‪ " :‬أي أن نعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالي وعبدناكم مع رب العالي "‪،)21‬‬

‫فسوّوا طواغيتهم بال تعال ف الحبة‪،‬و التعظيم‪ ،‬والعبادة‪ ،‬والطاعة كالديقراطيي وغيهم من اللديني‬
‫(العلمانيي) الذي يعلون التشريع والطاعة للمخلوق‪.‬‬
‫فكثي من شبه الجادلي بالباطل قائمة على تشبيه الخلوق بالالق تبارك وتعال بالصفات‪ ،‬أو تسوية‬
‫الخلوق بالالق ف العبادة‪.‬‬
‫و هذا التشبيه الضال والية الت تاه فيها هؤلء اليارى إنا هي بسبب كفرهم وجهلهم بربم تبارك‬
‫وتعال‪ ،‬فلم يقدّروا ال حقّ قدره‪ ،‬ول يعظّموه حقّ تعظيمه‪ ،‬بل شبّهوه وسوّوه بلقه تعال ال عما يظن‬
‫الظالون علوّا كبيا‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬مّا لَكُمْ لَ َترْجُونَ ِلّلهِ وَقَارا وَقَ ْد خََلقَكُمْ أَ ْطوَارا}‪ ،‬وقد أخرج‬
‫سعيد بن منصور وغيه عن ابن عباس رضي ال عنهما ف قوله تعال‪{ :‬مّا لَكُمْ لَا َت ْرجُونَ لِّل ِه وَقَارًا}‬
‫قال‪" :‬ل تعلمون ل عظمة"‪.‬‬
‫خُلقُوْا ذُبَابا َوَلوِ‬
‫ض ِربَ َمثَلٌ فَٱ ْستَ ِمعُواْ َلهُ إِنّ ٱلّذِينَ تَ ْدعُو َن مِن دُونِ ٱلّلهِ لَن يَ ْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلنّاسُ ُ‬
‫ب وَٱلْمَطْلُوبُ‪ .‬مَا قَ َدرُواْ ٱلّلهَ حَقّ‬
‫ضعُفَ ٱلطّاِل ُ‬
‫ستَنقِذُوهُ مِْن ُه َ‬
‫سلُْبهُمُ ٱلذّبَابُ شَيْئا لّ يَ ْ‬
‫ٱجْتَ َمعُواْ َل ُه وَإِن يَ ْ‬
‫ي َعزِيزٌ}‬
‫قَ ْد ِرهِ إِنّ ٱلّلهَ َل َقوِ ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪48‬‬

‫وقال تعال‪َ { :‬ومَا قَ َدرُواْ ٱلّلهَ حَقّ قَ ْد ِر ِه وَٱ َل ْرضُ جَمِيعـا قَْبضَـُتهُ َي ْومَ ٱْلقِيَامَ ِة وَٱلسّمَاوَاتُ مَ ْط ِويّاتٌ‬
‫شرِكُونَ} فمن جهل صفات ال تبارك وتعال وأشرك معه غيه ل يقدّره‬
‫ِبيَمِيِنهِ ُسبْحَاَنهُ وََتعَاَلىٰ عَمّا يُ ْ‬
‫ح ّق قدره‪ ،‬وكذلك ل يقدّر ال حق قدره من ظنَ أن ال تعال خلق الن والنس عبثا‪ ،‬وأنه يتركهم‬
‫سدى ل يرسل إليهم رسل يدعونم إل عبودية ال وتكيم شريعته‪ ،‬كما قال ال تبارك وتعال‪َ { :‬ومَا‬
‫شرٍ مّن شَ ْيءٍ ُقلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلّذِي جَآءَ ِب ِه مُوسَىٰ‬
‫قَ َدرُوْا ٱلّلهَ َحقّ قَ ْد ِرهِ ِإذْ قَالُوْا مَآ أَنزَلَ ٱلّلهُ َعلَىٰ َب َ‬
‫خفُونَ كَثِيا َوعُلّ ْمتُ ْم مّا لَمْ َتعْلَ ُم ۤواْ أَنتُ ْم وَلَ آبَاؤُكُ ْم قُلِ‬
‫جعَلُوَنهُ َقرَاطِيسَ ُتبْدُوَنهَا وَتُ ْ‬
‫نُورا َوهُدًى لّلنّاسِ تَ ْ‬
‫ضهِمْ َي ْلعَبُونَ}‪.‬‬
‫ٱلّلهُ ثُ ّم َذ ْرهُمْ فِي َخ ْو ِ‬
‫حسِبُْتمْ أَنّمَا َخَلقْنَاكُ ْم َعبَثا وَأَنّكُمْ إِلَْينَا لَ ُترْ َجعُونَ‪ .‬فََتعَالَى ٱلّلهُ ٱلْ َمِلكُ ٱلْحَقّ لَ ِإَلـٰهَ‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَ َ‬
‫إِ ّل ُهوَ َربّ ٱْل َعرْشِ ٱلْ َكرِيِ}‪.‬‬
‫سبُ الِنسَانُ أَن يُْترَ َك سُدًى‪ .‬أَلَمْ َيكُ ُن ْطفَ ًة مّن مِّنيّ يُمْنَى‪ .‬ثُمّ كَا َن عََلقَ ًة فَخََلقَ‬
‫حَ‬
‫و قال تعال‪{ :‬أَ يَ ْ‬
‫جعَ َل مِْنهُ ال ّزوْجَْينِ الذّ َكرَ والُنثَىٰ‪ .‬أََلْيسَ ذَِلكَ ِبقَا ِدرٍ َعلَىٰ أَن ُيحْيِـيَ الْ َموْتَى ٰ}‬
‫فسوى‪ .‬فَ َ‬
‫سبُ الِنسَانُ أَن يُْترَكَ سُدًى} قال الشافعي رحه‬
‫قال المام ابن القيّم رحه ال‪ :‬ف قول تعال‪َ{ :‬أيَحْ َ‬
‫ال‪ :‬مهمل ل يؤمر ول ينهى‪ ،‬وقال غيه‪ :‬ل يزى بالي والشر‪ ،‬ول يثاب ول يعاقب‪ ،‬والقولن‬
‫متلزمان‪ ،‬فالشافعي ذكر سبب الزاء والثواب والعقاب‪ ،‬وهو المر والنهي‪ ،‬والخر ذكر غاية المر‬
‫والنهي‪ ،‬وهو الثواب والعقاب‪ ،‬ث تأمل قوله تعال بعد ذلك‪{ :‬أَلَ ْم َيكُ نُ ْطفَ ًة مّن مّنِيّ يُ ْمنَى ثُمّ كَا َن عََلقَةً‬
‫سوّى} فمن ل يتركه وهو نطفة سُدى‪ ,‬بل قلب النطفة‪ ،‬وصرفها حت صارت أكمل ما هي‬
‫خلَقَ َف َ‬
‫فَ َ‬
‫وهي العلقة‪ ،‬ث قلب العلقة حت صارت أكمل ما هي حت خلقها‪ ،‬فسوّى خلقها فدبّرها بتصريفه‬
‫وحكمته ف أطوار كمالتا‪ ،‬حت انتهى كمالا بشرا سويا‪ ،‬فكيف يتركه سدى ل يسوقه إل غاية‬
‫كماله الذي خلق له‪ ,‬فإذا تأمل العاقل البصي أحوال النطفة من مبدئها إل منتهاها دلّته على العاد‬
‫والنبوات‪ ،‬كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله‪ ،‬فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها‬
‫إل غايتها على كمال قدرة فاطر النسان وبارئه‪ ،‬فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه‪ ،‬وأنه‬
‫اللك الق التعالي عن أن يلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها‪ ،‬وتأمل كيف لا زعم أعداؤه‬
‫الكافرون أنه ل يأمرهم ول ينههم على ألسنة رسله‪ ،‬وأنه ل يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا‬
‫الزعم منهم قول بأن خلق السماوات والرض باطل‪ ،‬فقال تعال‪َ { :‬ومَا َخَلقْنَا السّمَاء وَالَْأ ْرضَ َومَا‬
‫َبيَْنهُمَا بَاطِلًا ذَِلكَ ظَنّ الّذِينَ َك َفرُوا َف َويْلٌ لّلّذِينَ َك َفرُوا مِنَ النّارِ}‪ ،‬فلما ظن أعداؤه أنه ل يرسل إليهم‬
‫رسول‪ ،‬ول يعل لم أجل للقائه كان ذلك ظنّا منهم أنه خلق خلقه باطل‪ ،‬ولذا أثن تعال على عباده‬
‫التفكرين ف ملوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إل شهادتم بأنه تعال ل يلقها باطل‪ ،‬وأنم لا علموا‬
‫ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونيه‪ ،‬وثوابه وعقابه‪ ،‬فذكروا ف دعائهم هذين المرين‪،‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪49‬‬

‫ك مَن تُدْ ِخلِ النّارَ َفقَدْ أَ ْخزَْيَتهُ َومَا‬
‫فقالوا‪َ { :‬ربّنَا مَا َخَل ْقتَ هَذا بَاطِلً ُسبْحَاَنكَ َفقِنَا عَذَابَ النّا ِر رَبّنَا إِّن َ‬
‫ي مِنْ أَنصَارٍ}‬
‫لِلظّالِ ِم َ‬

‫‪)11‬‬

‫اقتران العنت والفساد بالهواء‪:‬‬
‫قال ال تعال‪{ :‬وَآعْلَ ُم ۤواْ أَنّ فِيكُ ْم رَسُولَ ٱلّلهِ َلوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَِثيٍ مّ َن ٱ َل ْمرِ َل َعنِتّ ْم وََلـٰكِنّ ٱلّلهَ َحّببَ‬
‫ق وَٱْلعِصْيَانَ ُأوَْلـِٰئكَ هُ ُم ٱلرّاشِدُونَ‪َ .‬فضْلً‬
‫إِلَْيكُ ُم ٱ ِليَانَ َوزَيَّنهُ فِي ُقلُوبِكُ ْم وَ َك ّرهَ ِإلَيْكُمُ ٱلْ ُك ْف َر وَٱْلفُسُو َ‬
‫مّنَ ٱلّلهِ َوِنعْمَ ًة وَٱلّلهُ َعلِي ٌم حَكِيمٌ}‪ ،‬أي لو يطيعكم فيما ترونه بآرائكم وتقولونه باجتهادكم للكتم‬
‫وشقيتم‪ ،‬والعنت هو الشقة والشدة والث واللك‪ ،‬ولكن ال مَ ّن عليكم وحفظكم وعصمكم من أن‬
‫ينالكم العنت بأن حبب إليكم اليان بال ورسوله صلى ال عليه وسلم وحسنه ف قلوبكم وكره إليكم‬
‫الكفر والفسوق والعصيان‪ ،‬ولذا فأنتم ل تقدمون بي يدي ال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتطيعون‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وتتبعونه‪ ،‬ولو ل تفعلوا واتبعتم آراءكم الخالفة للكتاب والسنة لنالكم‬
‫العنت‪ ،‬وقد أخرج الترمذي وغيه عن أب نضرة قال‪ :‬قرأ أبو سعيدالدري {وَاعْلَمُوا أَنّ فِيكُ ْم رَسُولَ‬
‫الّلهِ َلوْ يُطِيعُكُ ْم فِي كَثِ ٍي مّ َن الَْأ ْمرِ َلعَِنتّمْ} قال هذا نبيكم صلى ال عليه وسلم يوحى إليه وخيار أمتكم‬
‫لو أطاعهم ف كثي من المر لعنتوا فكيف بكم اليوم"‪.‬‬
‫وقوله "خيار أمتكم" يعن الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬وقوله "فكيف بكم اليوم" أي كيف يكون حالكم‬
‫لو أُخذ بآرائكم واجتهاداتكم الخالفة للقرآن والسنة وخطابه موجه للتابعي‪ ،‬فإذا كان العنت واللك‬
‫والشقاء سوف يلحق بالصحابة رضي ال عنهم إذا قدموا آراءهم على الكتاب والسنة فكيف يكون‬
‫الال ف زماننا الذي فشت فيه الراء والهواء والفكار الضللة‪.‬‬
‫وما تعانيه المة من شدة وعنت وضعف وتراجع ف الصناعة ووسائل وأدوات القوة‪ ،‬هو بسبب‬
‫العراض عن الكم با أنزل ال‪ ،‬وانراف النظمة الاكمة مع أمواج الردة العاتية الت تتاح العال‬
‫السلمي من ديقراطية واشتراكية وغيها‪ ،‬فإن التقدم ف الصناعة والبداع ف الجال التقن‬
‫والكشوفات العلمية ليس حكرا على الكفار ف الغرب أو الشرق‪ ،‬فالسلمون قادرون بإذن ال تعال‬
‫على النافسة ف هذه الجالت والبداع فيها كفرض من فروض الكفاية ووسيلة من وسائل القوة‬
‫والتمكي‪ ،‬إل أن القيقة الواقعة أن السلم ليس له دولة مكنة مستقرة ف وقتنا هذا‪ ،‬فإن البداع ف‬
‫الجال الصناعي والتقن ل بد له من الرادة الصادقة الادة‪ ،‬والفق الضاري‪ ،‬حيث يتطلع السلم إل‬
‫أن تكون المة السلمية ف صدارة المم ومقدمتها‪ ،‬إل أن النظمة اللدينية "العلمانية" الاثة على‬
‫صدر المة ترسخ الشعور بالحباط‪ ،‬والتبعية للعداء‪ ،‬وضعف الرادة‪ ،‬وتسعى لتغييب التطلع إل الفق‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬بدائع الفوائد ت‪ .‬العمران ص ‪ 1595‬ـ ‪1597‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪50‬‬

‫الضاري والافز الشجع على البداع‪ ،‬وتضع العراقيل وتوصد البواب أمام أصحاب البداع‬
‫والختراع‪.‬‬
‫إن الدول الكافرة الصناعية تتنافس فيما بينها لشعور كل منها بالنتماء الاص والستقل عن الدول‬
‫الكافرة الخرى‪ ،‬ولذا ل ترضى كل دولة منها أن تكون تابعة للخرى‪ ،‬بل تتنافس معها ف مال‬
‫الصناعات والنتاج والقتصاد وغيها‪ ،‬ولذا توصلوا إل ما توصلوا إليه من صناعات وغيها‪ ،‬وأما‬
‫النظمة العلمانية التخلفة السيطرة على الكم ف بلد السلمي فتتول حاية الوليات التحدة من أي‬
‫منافسة اقتصادية أو صناعية قد يقوم با السلمون‪ ،‬وترسخ هذه النظمة عند الشعوب القهورة الشعور‬
‫بالحباط والتبعية للصليبيي فكريا وعسكريا واقتصاديا‪.‬‬
‫و من مكر الصليبيي وعملئهم ومن أساليبهم الضللة أن يشيعوا بي السلمي بأن السبب ف تراجعهم‬
‫ف الجال الصناعي والتقن وغيه هو تسكهم بدين السلم‪ ،‬وهؤلء الجرمون الفترون يعلمون جيدا‬
‫أن السلم ليس له دولة قائمة ومكنة ف الرض‪ ،‬ولكنهم يسعون إل تراجع السلمي تراجعا عاما‪،‬‬
‫بتراجعهم أول عن دينهم وأخلقهم‪ ،‬وما يتبع ذلك من تراجع وتلف ف الجالت الصناعية والتقنية‬
‫والطبية وغيها‪ ،‬فالسبب القيقي ف تراجع السلمي ف التقدم الصناعي والتقن هو ابتعاد الكثيين منهم‬
‫عن دينهم وقعودهم عن الهاد ف سبيل ال‪ ،‬ما مكن العداء أن يتداعوا على المة من كل صوب‪،‬‬
‫فينهبوا خياتا ويتصرفوا ف شؤونا ف حلت صليبية حاقدة تت غطاء الستعمار فيما مضى‪ ،‬واليوم‬
‫تت غطاء مكافحة الرهاب‪ ،‬وأن ينصبوا عملءهم حكاما على بلد السلمي أو حراسا على السلمي‬
‫حت ل ينهضوا من كبوتم أو أن يشكلوا خطرا على الغزاة الناهبي ف فلسطي أو العراق أو أفغانستان‬
‫أو غيها‪.‬‬
‫و مثل الية التقدمة قول ال تبارك وتعال‪َ { :‬وَلوِ ٱتّبَعَ ٱلْحَقّ َأ ْهوَآ َءهُمْ َلفَسَ َدتِ ٱلسّمَاوَاتُ وَٱ َل ْرضُ َومَن‬
‫فِيهِنّ بَلْ أََتيْنَاهُ ْم بِذِ ْك ِرهِمْ َفهُ ْم عَن ذِ ْك ِرهِمْ ّم ْع ِرضُونَ}‪ ،‬والية تدل على أن ال تعال هو الالق وهو‬
‫أعلم با فيه صلح العباد واستقامة أمورهم فله تبارك وتعال اللق والمر‪ ،‬ولو اتبع الق أهواء الخلوقي‬
‫لفسدت السماوات والرض‪.‬‬
‫وتدل الية على أن السماوات والرض إنا تقوم على الق‪ ،‬وأما الهواء الضطربة الختلفة فلو اتبعها‬
‫الق لختل نظام العال‪ ،‬وعمه الفساد والفوضى والضطراب‪.‬‬
‫وفيها أن الخلوقي ضعفاء ف عقولم وإدراكهم فل يعلمون بعواقب المور‪ ،‬ول ييطون بصالهم‪ ،‬فلو‬
‫اتبع الق أهواءهم لنفرط نظام العال وخرج عن الصلح‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪51‬‬

‫وفيها أن الشريعة جاءت بعبودية ال تعال وإصلح العباد‪ ،‬ونت عن اتباع الهواء حت يكون الناس‬
‫عبادا ل تعال‪ ،‬ولو انعكس المر واتبع الق أهواء الناس لترك السلم‪ ،‬وخرج الناس من عبودية ال‬
‫تعال‪ ،‬وعمهم الفساد والضلل‪.‬‬
‫وفيها أن الصلح إنا هو باتباع الق‪ ،‬وأما اتباع الهواء فهو إفساد ف الرض‪ ،‬ولو ادعاه الفسدون‬
‫إصلحا‪ ،‬وسوا أنفسهم بالصلحي أو الصلحيي كالنافقي الذين قال ال تعال عنهم‪{ :‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ‬
‫ش ُعرُونَ}‪.‬‬
‫لَ ُتفْسِدُواْ فِي ٱ َل ْرضِ قَاُلوۤاْ ِإنّمَا َنحْ ُن مُصِْلحُونَ‪ .‬أَلۤ ِإّنهُمْ هُمُ ٱلْ ُمفْسِدُو َن وََلـٰكِن ّل يَ ْ‬
‫وفيها أن إصلح الرعية والحسان إليهم ل يكون باتباع أهوائهم‪ ،‬فإن الق لو اتبع أهواءهم لضطربت‬
‫الدولة واختل نظامها وعمها الفساد‪.‬‬
‫و فيها أن الق لو اتبع أهواء الصليبيي المريكان وعملئهم من الرتدين والنافقي لفسد الناس فسادا‬
‫عظيما‪ ،‬بانسلخهم من اليان‪ ،‬وولوجهم ف ظلمات الكفر السمى بالديقراطية‪ ،‬واستعباد بعضهم‬
‫لبعض‪ ،‬حيث يصبح بعضهم أربابا يشرعون لعبيدهم النقادين لم‪ ،‬فيخطون مستقبل حياتم‪ ،‬ويسيون‬
‫شؤونم بأهوائهم ف جيع مناحي الياة‪ ،‬ويشرعون ويكمون ف دمائهم وأموالم وأعراضهم‪ ،‬والموع‬
‫الستعبدة الستغفلة قد غرر با من خلل أقوال الشياطي الزخرفة بأن السلطة لا والقرار بأيديها‪ ،‬وهي‬
‫ف حقيقة المر تسي وتساق ويتلعب با من قبل أئمة الكفر الذين يلكون الال والعلم‪ ،‬والديقراطية‬
‫كفر أكب وردة جامة على أي حال سواء كان الكم للشعب كما يزعمون أو كان لئمة الكفر كما‬
‫هو الواقع‪ ،‬فالتشريع والتحاكم عبودية وخضوع ل يكون إل ل تعال‪ ،‬فمن جعل التشريع لغي ال تعال‬
‫كالبلان أو الشعب أو هيئة من اليئات فقد عبدها من دون ال وخضع لا‪ ،‬فل فرق بي من رضي‬
‫بالصنم المريكي السمى بالديقراطية واتبعه‪ ،‬وبي من عبد صنما من الصنام كاللت أو العزى أو‬
‫غيها‪ ،‬فكلها قد صرف العبادة لغي ال تعال‪.‬‬
‫و لو اتبع الق أهواء المريكان وعملئهم لشاع الفساد والنطاط الخلقي والنوثة بي الناس‪،‬‬
‫فبدعوى الرية المريكية تستباح الفواحش كالزنا واللواط والسحاق وما يسمونه بزواج الثليي‪،‬‬
‫وبدعوى الرية يشيع ف الجتمع أبناء الزنا وتتلط النساب وتتفكك السرة والجتمع‪ ،‬وبدعوى الرية‬
‫تنسلخ المة من خلقها وعفتها وحيائها‪ ،‬وبدعوى الرية تنع الرأة حجابا الت كرمها ال به وصانا‬
‫وحفظها به من العيون الائنة وأذى الفساق وسكارى الشهوة وحب الفاحشة‪ ،‬وقد قال ال تعال‪:‬‬
‫ك وَِنسَآءِ ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ يُ ْدِنيَ عََلْيهِ ّن مِن جَلَبِيِبهِ ّن ذِٰلكَ َأدْنَىٰ أَن ُي ْعرَفْ َن فَلَ‬
‫{يَٰأّيهَا ٱلنِّبيّ قُل َل ْزوَا ِجكَ وََبنَاِت َ‬
‫ُي ْؤذَيْنَ} أي يعرفن بأنن عفيفات فل يؤذين من مرضى القلوب‪.‬‬
‫ولو اتبع الق أهواء المريكان وعملئهم ف النطقة وتلت المة عن دينها‪ ،‬وعن عقيدة الولء والباء‪،‬‬
‫وعن الهاد ف سبيل ال تعال‪ ،‬لستعبدها الصليبيون‪ ،‬وسلخوها من عزها وكرامتها‪ ،‬وأذلوا أهلها‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪52‬‬

‫وساموهم أنواع العذاب من قتل وانتهاك للعراض وتعذيب وحبس ف السجون والعتقلت‪ ،‬واستباحوا‬
‫أرضهم وخياتم ونفطهم‪ ،‬ونصبوا عملءهم حكاما على بلد السلمي بالوكالة عنهم من خلل‬
‫الصنيعة الغربية السماة بالديقراطية‪ ،‬كالعملء الذين نصبوهم حكاما ف أفغانستان والعراق وفلسطي‬
‫ضهُمْ بَِب ْعضٍ َلفَسَ َدتِ ٱ َل ْرضُ‬
‫س َبعْ َ‬
‫وغيها‪ ،‬وقد قال ال وهو أصدق القائلي‪{ :‬وََلوْ َل دَفْعُ ٱلّلهِ ٱلنّا َ‬
‫وََلـٰكِنّ ٱلّل َه ذُو َفضْ ٍل َعلَى ٱْلعَالَ ِميَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَقَاتِلُوهُمْ َحتّىٰ لَ َتكُونَ فِْتنَ ٌة وَيَكُو َن الدّينُ كُّلهُ‬
‫ح ّرمُونَ مَا َح ّرمَ ٱلّلهُ َورَسُوُل ُه وَلَ‬
‫ل}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬قَاتِلُواْ ٱلّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ وَ َل بِٱلَْي ْومِ ٱل ِخرِ وَ َل يُ َ‬
‫جزْيَ َة عَن يَ ٍد َوهُمْ صَا ِغرُونَ‪ .‬وَقَاَلتِ ٱْلَيهُودُ‬
‫يَدِينُو َن دِينَ ٱلْحَ ّق مِنَ ٱلّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ َحتّىٰ ُيعْطُواْ ٱْل ِ‬
‫ُعزَْيرٌ ٱْبنُ ٱلّلهِ َوقَاَلتْ ٱلّنصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱلّل ِه ذِٰلكَ َقوُْلهُم بِأَ ْفوَا ِههِمْ ُيضَاهِئُونَ َقوْلَ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا مِن‬
‫َقبْلُ قَاتََلهُمُ ٱلّلهُ أَنّ ٰى ُيؤْفَكُونَ‪ .‬ٱتّخَ ُذوۤاْ َأحْبَا َرهُ ْم َو ُرهْبَاَنهُمْ َأ ْربَابا مّن دُونِ ٱلّلهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْ َن َمرْيَ َم َومَآ‬
‫شرِكُونَ‪ُ .‬يرِيدُونَ أَن يُ ْطفِئُواْ نُورَ ٱلّلهِ‬
‫ـهَ إِ ّل ُهوَ ُسبْحَاَنهُ عَمّا يُ ْ‬
‫ُأ ِم ُروۤاْ إِلّ لَِيعْبُ ُد ۤواْ إَِلـٰها وَاحِدا لّ إَِل ٰ‬
‫بَِأ ْفوَا ِههِ ْم وَيَأْبَ ٰى ٱلّلهُ إِلّ أَن يُتِ ّم نُورَ ُه وََلوْ َك ِرهَ ٱلْكَاِفرُونَ‪ُ .‬هوَ ٱلّذِيۤ َأرْسَ َل رَسُوَلهُ بِٱْلهُ َدىٰ َودِينِ ٱلْحَقّ‬
‫شرِكُونَ }‪.‬‬
‫لُِي ْظ ِهرَ ُه عَلَى ٱلدّينِ كُّل ِه وََلوْ َك ِرهَ ٱلْمُ ْ‬
‫استحسان العقول واتباع الهواء‪:‬‬
‫فالكفار وأنصارهم من الرتدين والنافقي يعارضون أحكام ال تبارك وتعال با تستحسنه عقولم وتواه‬
‫ت مَنِ اتّخَذَ إِلَـ َههُ َهوَا ُه وََأضَّلهُ الّلهُ‬
‫أنفسهم وتزيّنه لم شياطينهم‪ ،‬كما قال ال تبارك وتعال‪{ :‬أََفرَأَْي َ‬
‫صرِ ِه غِشَا َوةً فَمَن َيهْدِي ِه مِن َبعْدِ الّلهِ َأفَلَ تَذَ ّكرُونَ}‪.‬‬
‫عَلَى ِعلْ ٍم وَخَتَ َم َعلَى سَ ْم ِعهِ َوقَلِْب ِه وَ َجعَ َل عَلَى َب َ‬
‫س َمعُونَ َأوْ‬
‫سبُ أَنّ أَكَْث َرهُمْ يَ ْ‬
‫خذَ إِلَـهَ ُه َهوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُو ُن عَلَْي ِه وَكِيل ًَأمْ َتحْ َ‬
‫ت مَنِ اتّ َ‬
‫وقال تعال‪َ{ :‬أرَأَْي َ‬
‫َي ْعقِلُونَ إِ ْن هُمْ إِلّ كَالَْنعَامِ بَ ْل هُمْ َأضَلّ َسبِيلً} وقد أخرج ابن النذر وابن أب حات عن ابن عباس ف‬
‫ت مَنِ اتّخَذَ إَِل َه ُه َهوَاهُ} قال‪" :‬ل يهوى شيئا إل تبعه"‪ ،‬وأخرج عبد بن حيد وابن أب‬
‫قوله تعال‪َ{ :‬أرَأَْي َ‬
‫ت مَنِ اتّخَذَ إَِل َه ُه َهوَاهُ} قال‪" :‬كلما هوي شيئا ركبه‪ ،‬وكلما اشتهى شيئا أتاه‪ ،‬ل‬
‫حات عن قتادة {َأرَأَْي َ‬
‫يجزه عن ذلك ورع ول تقوى"‪ ،‬وأخرج عبد بن حيد عن السن أنه قيل له‪ :‬ف أهل القبلة شرك؟‬
‫فقال‪ :‬نعم النافق مشرك‪ ،‬إن الشرك يسجد للشمس والقمر من دون ال‪ ،‬وإن النافق عبد هواه‪ ،‬ث تل‬
‫ـ َههُ َهوَاهُ َأفَأَنتَ تَكُو ُن َعلَْيهِ وَكِيلً}‪.‬‬
‫ت مَنِ ٱتّخَذَ إَِل ٰ‬
‫هذه الية {َأرَأَْي َ‬
‫ل تَ ْذ َهبْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن زُيّنَ َلهُ ُس ۤوءَ عَمَِلهِ َفرَآهُ حَسَنا فَإِ ّن الّلهَ ُيضِ ّل مَن يَشَآءُ وََيهْدِي مَن يَشَآءُ فَ َ‬
‫سرَاتٍ إِنّ الّل َه عَلِيمٌ بِمَا َيصَْنعُونَ}‪.‬‬
‫ك عََلْيهِمْ حَ َ‬
‫س َ‬
‫َنفْ ُ‬
‫ش عَن ذِ ْكرِ الرّحْ َمـٰنِ ُنقَيّضْ َلهُ شَيْطَانا َف ُهوَ َلهُ َقرِينٌ‪ .‬وَإِّنهُمْ َلَيصُدّوَنهُ ْم عَنِ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَن َيعْ ُ‬
‫حسَبُونَ أَّنهُم ّمهْتَدُونَ}‪.‬‬
‫السّبِي ِل وَيَ ْ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪53‬‬

‫شرِ ِكيَ َقتْلَ َأوْ َل ِدهِمْ ُشرَكَآ ُؤهُمْ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَكَذِلكَ َزيّنَ لِ َكثِ ٍي مّنَ الْمُ ْ‬
‫ح ُن مُصِْلحُونَ‪ .‬أَلۤ إِّنهُ ْم هُ ُم الْ ُمفْسِدُونَ‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ لَ ُتفْسِدُوْا فِي ا َل ْرضِ قَاُلوۤاْ ِإنّمَا نَ ْ‬
‫ش ُعرُونَ}‪.‬‬
‫وََلـٰكِن لّ يَ ْ‬
‫حسَبُونَ‬
‫سرِينَ َأعْمَا ًل ‪ .‬الّذِي َن ضَلّ َسعُْيهُمْ فِي الْحَيَاةِ الد ّْنيَا َوهُمْ يَ ْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬قُ ْل هَلْ ُننَبّئُكُم بِالَخْ َ‬
‫أَّنهُمْ ُيحْسِنُو َن صُنْعا}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن كَا َن َعلَىٰ َبيَّن ٍة مّن رّّبهِ كَمَن ُزيّنَ َلهُ ُس ۤوءُ عَ َمِلهِ واتَّب ُعوۤاْ َأ ْهوَا َءهُمْ}‪،‬‬
‫و غيها من اليات الت تدلّ على أن ما تواه النفس وتستحسنه العقول ليس هو اليزان الذي يرجع إليه‬
‫ف معرفة السن والقبيح‪ ،‬فإن العقول إذا فسدت وانرفت عن فطرتا ترى الق باطل والباطل حقا‪،‬‬
‫وتستحسن ما فيه ضررها‪ :‬كالكفر والعاصي‪ ،‬وتكره ما فيه نفعها وصلحها‪ :‬كاليان والستقامة على‬
‫طاعة ال تعال‪.‬‬
‫فالفساد ف الرض مثل عند المريكان وحلفائهم إصلحا‪،‬وشيوع الفواحش بأنواعها‪ ،‬والنطاط‬
‫الخلقي الذي ل تصل إليه البهائم هو عندهم نشر للحرية‪ ،‬والتلفظ بكلمات الكفر والفجور بميع‬
‫صورها وأشكالا هو عندهم من حرية الكلمة‪ ،‬والتسلط على بلد السلمي‪ ،‬ونب خياتا ونفطها‪،‬‬
‫واستعباد أهلها وانتهاك حرماتم‪ ،‬يسمونه تريرا للبلد وأهلها‪ ،‬فقد انقلبت ف عقولم الشيطانية كل‬
‫القيم والوازين والخلق الشرعية العادلة‪ ،‬فهم شياطي‪ ،‬هذه حقيقتهم وطبيعتهم‪ ،‬فالشيطنة سجيتهم‪،‬‬
‫والتمرد على عبودية ال تعال وصفهم‪ ،‬إل أن قبحهم وإجرامهم يغطون عليه بالبث العلمي الكثيف‬
‫الضاغط على المة‪،‬وبزخرفة القوال والشعارات‪ ،‬وانتقاء الكلمات الموِهة الزينة‪ ،‬وبالثرثرة والدل‬
‫بالباطل الذي ل يكل ليل ول نارا‪ ،‬وقد قال تعال عن الكافرين الصادين عن سبيله الذين يبغونا مائلة‬
‫معوجة‪َ { :‬ونَا َدىۤ َأصْحَابُ الْجَنّةِ َأصْحَابَ النّارِ أَن قَ ْد وَجَ ْدنَا مَا َوعَ َدنَا رَبّنَا َحقّا َفهَ ْل وَجَدتّم مّا َوعَدَ‬
‫رَبّكُمْ َحقّا قَالُوْا َنعَمْ فََأذّنَ ُم َؤذّنٌ بَْيَنهُمْ أَن ّلعَْنةُ الّلهِ َعلَى الظّالِ ِميَ‪ .‬الّذِينَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ الّلهِ َويَْبغُوَنهَا‬
‫ِعوَجا َوهُمْ بِا ل ِخ َرةِ كَاِفرُونَ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَنْ أَ ْظلَ ُم مِمّنِ ا ْفَت َرىٰ عَلَى الّلهِ كَذِبا ُأوَْلـِٰئكَ ُي ْع َرضُونَ عََل ٰى رَّبهِ ْم وََيقُولُ الَ ْشهَادُ‬
‫ـؤُلۤءِ الّذِينَ كَ َذبُوْا عَلَ ٰى َرّبهِمْ أَلَ َلعْنَ ُة الّلهِ عَلَى الظّالِ ِميَ‪ .‬الّذِي َن َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ الّلهِ وََيْبغُوَنهَا‬
‫َه ٰ‬
‫ِعوَجا َوهُمْ بِا ل ِخ َرةِ هُمْ كَاِفرُونَ}‪.‬‬
‫ط اْل َعزِيزِ‬
‫صرَا ِ‬
‫س مِنَ الظّلُمَاتِ ِإلَى النّورِ بِِإذْ ِن رَّبهِمْ إِلَ ٰى ِ‬
‫ج النّا َ‬
‫خرِ َ‬
‫وقال تعال‪{ :‬الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إَِلْيكَ لِتُ ْ‬
‫ت َومَا فِي ا َل ْرضِ َووَْيلٌ لّلْكَاِفرِي َن مِ ْن عَذَابٍ شَدِيدٍ‪ .‬الّذِينَ‬
‫اْلحَمِيدِ‪ .‬الّلهِ الّذِي َل ُه مَا فِي السّمَاوَا ِ‬
‫حيَاةَ الدّنْيَا َعلَى ال ِخ َرةِ وََيصُدّو َن عَن َسبِي ِل الّل ِه وَيَْبغُوَنهَا ِعوَجا ُأوَْلـِٰئكَ فِي ضَلَلٍ َبعِيدٍ}‪.‬‬
‫حبّونَ الْ َ‬
‫ستَ ِ‬
‫يَ ْ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪54‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬قُلْ يَٰأ ْهلَ ٱلْ ِكتَابِ لِمَ َتصُدّو َن عَن سَبِيلِ ٱلّل ِه مَ ْن آمَنَ َتْبغُوَنهَا ِعوَجا وَأَنُْتمْ ُشهَدَآ ُء َومَا ٱلّلهُ‬
‫ِبغَاِفلٍ عَمّا َتعْمَلُونَ‪ .‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَُن ۤواْ إِن تُطِيعُواْ َفرِيقا مّنَ ٱلّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ َي ُردّوكُم َبعْدَ ِإيَانِكُمْ‬
‫كَاِفرِينَ‪ .‬وَ َكيْفَ تَ ْك ُفرُونَ وَأَْنتُمْ ُتتْلَ ٰى َعلَيْكُمْ آيَاتُ ٱلّل ِه وَفِيكُ ْم رَسُوُلهُ َومَن َي ْعَتصِم بِٱلّلهِ َفقَ ْد هُ ِديَ ِإلَىٰ‬
‫ط مّسَْتقِيمٍ}‪.‬‬
‫صرَا ٍ‬
‫ِ‬
‫و قال تعال‪{ :‬الّذِينَ َك َفرُوْا َوصَدّواْ عَن سَبِيلِ الّلهِ ِزدْنَاهُ ْم عَذَابا َفوْقَ اْلعَذَابِ بِمَا كَانُواْ ُيفْسِدُونَ}‪.‬‬
‫فالصليبيون وحلفاؤهم الذين تغيت فطرهم‪ ،‬وفسدت عقولم‪،‬يادلون بالباطل ليصدوا الناس عن الق‪،‬‬
‫ويروجون لكفرهم وباطلهم بالكلم الزخرف الموّه‪ ،‬ويثيون الكاذيب والشبه الباطلة حول الق‬
‫وأهله‪ ،‬وقد سخروا إمكانياتم وطاقاتم‪ ،‬وما تمله عقولم من صنوف الكيد والكر‪ ،‬لحاربة دين‬
‫السلم‪ ،‬والسعي لتبديل أصوله وأحكامه‪،‬كتبديل الكم با أنزل ال تعال‪ ،‬وعقيدة الولء والباء‪،‬‬
‫والهاد ف سبيل ال‪ ،‬وغيها من شعائر السلم‪،‬و يظاهرهم ف ذلك الكام العملء من خلل تغيي‬
‫الناهج الدراسية‪ ،‬وتغيي الطاب الدين بسب تعبيهم‪ ،‬والسعي لتجريد الرأة من حجابا وحيائها‬
‫وخلقها‪ ،‬ومن خلل فتاوى علماء السوء الضللة‪ ،‬ومن خلل بث الضلل والفساد ف وسائل العلم‪،‬‬
‫ومن خلل قوة السلح وسفك الدماء‪،‬وغيها من أساليب الكر والفساد الت يركها ويوجهها وحي‬
‫الشيطان وتزيينه‪ ،‬وقد قال ال تبارك وتعال‪{ :‬وَإِ ّن الشّيَا ِطيَ لَيُوحُونَ إَِلىۤ َأوْلِيَآِئهِمْ لِيُجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ‬
‫شرِكُونَ}‪.‬‬
‫أَ َطعْتُمُوهُمْ إِنّكُ ْم لَمُ ْ‬
‫ض زُ ْخرُفَ‬
‫ضهُمْ إَِلىٰ َبعْ ٍ‬
‫و قال تعال‪{ :‬وَ َكذَِلكَ َجعَلْنَا لِكُلّ ِنبِ ّي عَ ُدوّا َشيَا ِطيَ ا ِلْنسِ وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫صغَىۤ إِلَْيهِ أَ ْفئِ َدةُ الّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ بِال ِخ َرةِ‬
‫ك مَا َفعَلُوهُ فَ َذ ْرهُ ْم َومَا َيفَْترُونَ‪ .‬وَلَِت ْ‬
‫اْل َقوْ ِل ُغرُورا وََلوْ شَآ َء رَّب َ‬
‫ض ْوهُ وَِلَيقَْترِفُوْا مَا هُم ّمقَْترِفُونَ}‪.‬‬
‫وَلَِي ْر َ‬
‫س مَن ُيجَادِلُ فِي الّلهِ ِبغَْي ِر عِ ْلمٍ َويَتّبِعُ كُلّ شَْيطَا ٍن ّمرِيدٍ‪ُ .‬كِتبَ َعلَْيهِ أَّن ُه مَن َتوَ ّلهُ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومِ َن النّا ِ‬
‫سعِيِ}‪.‬‬
‫ضّلهُ وََيهْدِيهِ إَِل ٰى عَذَابِ ال ّ‬
‫فََأّنهُ ُي ِ‬
‫ي عَلَى الْكَاِفرِي َن َت ُؤ ّزهُمْ َأزّا}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَلَمْ َترَ أَنّآ َأرْسَ ْلنَا الشّيَا ِط َ‬
‫س وََيصُدّونَ عَن سَبِيلِ ٱلّلهِ وَٱلّلهُ‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَ َل تَكُونُواْ كَٱلّذِي َن َخرَجُوْا مِن دِيَا ِرهِم بَطَرا َورِئَآءَ ٱلنّا ِ‬
‫س وَإِنّي جَارٌ‬
‫بِمَا َيعْمَلُو َن مُحِيطٌ‪ .‬وَِإ ْذ زَيّنَ َلهُمُ ٱلشّيْطَانُ َأعْمَاَلهُ ْم وَقَالَ َل غَاِلبَ لَكُمُ ٱلَْي ْو َم مِنَ ٱلنّا ِ‬
‫لّكُمْ} ‪.‬‬
‫ب مّنِيٍ‪ .‬ثَاِن َي عِ ْطفِهِ لُِيضِ ّل عَن‬
‫س مَن ُيجَادِلُ فِي الّلهِ ِبغَْي ِر عِ ْلمٍ وَ َل هُدًى وَلَ كِتَا ٍ‬
‫وقال تعال‪{ :‬ومِ َن النّا ِ‬
‫حرِيقِ}‪.‬‬
‫سَبِيلِ الّلهِ َلهُ فِي الدّْنيَا ِخ ْزيٌ وَُنذِي ُقهُ َي ْومَ اْلقِيَامَ ِة عَذَابَ الْ َ‬
‫شرِي َن َومُن ِذرِي َن وَيُجَادِ ُل الّذِينَ َك َفرُوْا بِاْلبَاطِلِ لُِيدْ ِحضُواْ ِبهِ‬
‫و قال تعال‪َ { :‬ومَا ُنرْسِلُ اْل ُمرْسَِليَ إِ ّل مُبَ ّ‬
‫اْلحَ ّق وَاتّخَ ُذوۤاْ آيَاتِي َومَا ُأنْ ِذرُوْا ُهزُوا}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪55‬‬

‫س مِن كُل َمثَ ٍل وَكَا َن ٱلِنْسَانُ أَ ْكَثرَ شَ ْيءٍ جَدَلً}‪.‬‬
‫صرّفْنَا فِي َهـٰذَا ٱْلقُرْآنِ لِلنّا ِ‬
‫وقال تعال {وََلقَ ْد َ‬
‫لدِ‪ .‬كَـذَّبتْ َقبَْلهُمْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬مَا يُجَادِلُ ِفيۤ آيَاتِ الّلهِ إِ ّل الّذِينَ َك َفرُوْا فَلَ َي ْغ ُررْكَ َتقَلُّبهُ ْم فِي اْلبِ َ‬
‫ب مِن َبعْ ِدهِمْ َوهَ ّمتْ كُـلّ ُأمّةٍ ِبرَسُوِلهِمْ ِليَأْخُذُو ُه وَجَادَلُوا بِاْلبَاطِلِ ِليُدْ ِحضُواْ ِبهِ اْلحَقّ‬
‫ح وَا َل ْحزَا ُ‬
‫َق ْومُ نُو ٍ‬
‫فَأَ َخذُْتهُمْ فَ َكيْفَ كَا َن ِعقَابِ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬الّذِينَ ُيجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ الّلهِ ِبغَْيرِ سُ ْلطَانٍ أَتَاهُمْ َكُبرَ َمقْتا عِندَ الّلهِ َوعِندَ الّذِي َن آمَنُواْ‬
‫كَذَِلكَ يَ ْطبَعُ الّلهُ َعلَىٰ كُـلّ َق ْلبِ مَُتكَّبرٍ جَبّارٍ}‪ ،‬أي أن ال تعال يقت أشد القت الذين يادلون بل‬
‫حجة جاءتم من ال تعال‪ ،‬وكذلك الؤمنون يبغضون الجادلي بغي حجة من ال تعال‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬إِنّ الّذِينَ ُيجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ الّلهِ ِبغَْيرِ سُ ْلطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُو ِرهِمْ إِلّ ِكْبرٌ مّا هُم‬
‫ِببَاِلغِيهِ فَا ْسَتعِذْ بِالّلهِ ِإّنهُ ُه َو السّمِيعُ اْلَبصِيُ}‪ ،‬أي ما ف صدور هؤلء الكفار إل تكب على الق وأهله‪،‬‬
‫ولن يبلغوا ما يريدون من دفع الق‪ ،‬وغلبة الباطل‪ ،‬فإن ال ناصر دينه ومعل كلمته‪ ،‬فاستعذ بال من‬
‫حال هؤلء أو من شر هؤلء‪.‬‬
‫ومن أعظم الناس جدل وخصومة بالباطل‪ ،‬النافقون الذين فسدت عقولم وفطرهم‪ ،‬وأصبح الفساد ف‬
‫الرض عندهم إصلحا‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ َل ُتفْسِدُواْ فِي ا َل ْرضِ قَاُل ۤواْ إِنّمَا نَحْنُ‬
‫ش ُعرُونَ}‪.‬‬
‫مُصِْلحُونَ‪ .‬أَلۤ ِإّنهُمْ هُ ُم الْ ُمفْسِدُو َن وََلـٰكِن لّ َي ْ‬
‫شهِ ُد الّل َه عََلىٰ مَا فِي َقلِْب ِه َو ُهوَ أَلَدّ‬
‫جُبكَ َقوُْلهُ فِي الْحَيَا ِة الدّْنيَا وَيُ ْ‬
‫س مَن ُيعْ ِ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومِ َن النّا ِ‬
‫حبّ الفَسَادَ‪ .‬وَِإذَا‬
‫ح ْرثَ وَالنّسْ َل وَالّلهُ لَ ُي ِ‬
‫خصَامِ‪ .‬وَِإذَا َتوَلّ ٰى َسعَىٰ فِي ا َل ْرضِ ِلُيفْسِدَ ِفِيهَا َوُيهِْلكَ اْل َ‬
‫اْل ِ‬
‫سُبهُ َجهَنّ ُم وَلَِبْئسَ الْ ِمهَادُ}‪ ،‬أي يظهر من القوال ما يعجب‬
‫قِيلَ َلهُ اتّ ِق الّلهَ َأخَذَْتهُ اْل ِع ّزةُ بِالِْثمِ فَحَ ْ‬
‫شهِدُ الّلهَ َعلَ ٰى مَا فِي َقلِْبهِ} أي يظهر السلم ويبارز ال تعال با ف قلبه من الكفر والنفاق‪،‬‬
‫السامع {وَُي ْ‬
‫وقيل‪ :‬إنه يلف و يشهد ال أن ما قاله موافق لا ف قلبه‪ ،‬واللد‪ :‬هو العوج الشديد ف الصومة‪ ،‬وهذا‬
‫هو حال النافق الذي ل يستقيم ف حال ماصمته ول يرجع للحق‪ ،‬بل يكذب ف أقواله ويفجر ف‬
‫خصومته‪ ،‬ويدعي الق باطل والباطل حقا‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬آية النافق ثلث‪ :‬إذا‬
‫حدث كذب‪ ،‬وإذا عاهد غدر‪ ،‬وإذا خاصم فجر" رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‬
‫"أبغض الرجال إل ال اللد الصم" رواه مسلم‪.‬‬
‫فأهل الردة وأهل النفاق قد استبدلوا التحاكم إل الكتاب والسنة بالتحاكم إل عقولم القاصرة‬
‫الفاسدة‪ ،‬وأهوائهم واستحساناتم‪ ،‬حيث جعلوا عقولم الفاسدة طاغوتا‪ ،‬يرجعون إليه عند التنازع‬
‫واللف‪ ،‬وأصبح دأبم ف أقوالم وكتاباتم وف وسائل إعلمهم رد كلم ال تعال با تستحسنه‬
‫عقولم‪ ،‬والجاهرة بالكفر والنفاق والطعن ف دين ال تعال‪ ،‬قال حذيفة رضي ال تعال عنه " إن‬
‫النافقي اليوم شر منهم على عهد النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كانوا يومئذ يسرون واليوم يهرون " رواه‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪56‬‬

‫البخاري‪ ،‬وقال رضي ال عنه " إنا كان النفاق على عهد النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأما اليوم فإنا هو‬
‫الكفر بعد اليان " رواه البخاري‪.‬‬
‫فإن هؤلء الذين يَ ْدعُون ف وسائل العلم وغيها إل الرد عند التنازع إل عقولم الفاسدة‬
‫واستحساناتم هم من جنس الكذبي بالرسل عليهم الصلة والسلم‪ ،‬فيقال لم أول‪ :‬إن السلم قد‬
‫فطر ال تعال العباد عليه‪ ،‬فل يتعارض مع العقول السليمة‪ ،‬وقد تقدم الكلم ف هذا‪،‬ويقال ثانيا‪ :‬إن‬
‫معارضتكم لحكام السلم باستحساناتكم العقلية الفاسدة يناف ما تزعمونه من اليان بكلم ال تبارك‬
‫وتعال وكلم رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَِيقُولُو َن آمَنّا بِٱلّلهِ وَبِٱلرّسُو ِل وَأَ َطعْنَا ثُمّ‬
‫ـِئكَ بِٱلْ ُم ْؤمِِنيَ}‪ ،‬وقال تعال‪{:‬أَلَمْ َترَ إِلَى ٱلّذِينَ َي ْزعُمُونَ أَّنهُمْ‬
‫ك َومَآ ُأوَْل ٰ‬
‫َيَتوَلّىٰ َفرِيقٌ مْنهُمْ من َبعْ ِد ذِٰل َ‬
‫ك َومَآ أُنزِ َل مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَاكَ ُم ۤواْ إِلَى ٱلطّاغُوتِ َوقَدْ ُأ ِم ُروۤاْ أَن يَ ْك ُفرُواْ ِبهِ‬
‫آمَنُواْ بِمَآ ُأْنزِلَ إِلَْي َ‬
‫وَُيرِيدُ ٱلشّيْطَانُ أَن ُيضِّلهُ ْم ضَلَلً َبعِيدا‪ .‬وَِإذَا قِيلَ َلهُمْ َتعَاَل ْواْ إِلَ ٰى مَآ أَنزَلَ ٱلّل ُه وَإِلَى ٱلرّسُو ِل رَأَْيتَ‬
‫ك صُدُودا}‪ ،‬والتحاكم إل عقول الناس تاكم إل الطاغوت‪.‬‬
‫ٱلْمُنَاِفقِيَ َيصُدّو َن عَن َ‬
‫فحقيقة هؤلء أنم من جنس الكذبي بالرسل عليهم الصلة والسلم‪،‬وقد ذكر ال تعال ف كتابه‬
‫اعتراضات الكذبي باستحساناتم وعقولم الفاسدة علي أخبار ال تعال وأحكامه‪ ،‬كقوله تعال‪:‬‬
‫ق َلوْلۤ أُنزِلَ إَِلْيهِ مََلكٌ َفيَكُو َن مَ َعهُ نَذِيرا}‪،‬‬
‫{وَقَالُوْا مَا ِل َهـٰذَا ٱلرّسُولِ يَأْكُلُ ٱل ّطعَا َم وَيَمْشِي فِي ٱلَ ْسوَا ِ‬
‫شرِقُ‬
‫س مَا وَ ّلهُ ْم عَن قِْبلَِتهِمُ ٱلّتِي كَانُوْا عََلْيهَا قُل لّلهِ ٱلْمَ ْ‬
‫س َفهَآ ُء مِنَ ٱلنّا ِ‬
‫وقوله تعال‪َ { :‬سَيقُولُ ٱل ّ‬
‫ط مّسَْتقِيمٍ}‪ ،‬وقوله تعال‪َ { :‬وقَالُواْ َلوْلَ نُز َل َهـٰذَا ٱْل ُقرْآ ُن عَلَىٰ‬
‫صرَا ٍ‬
‫وَٱلْ َمغْ ِربُ َيهْدِي مَن َيشَآءُ ِإلَ ٰى ِ‬
‫ل وَنَسِ َي خَ ْل َقهُ قَا َل مَن يُحيِي ٱْلعِظَامَ َوهِيَ‬
‫ضرَبَ َلنَا مَثَ ً‬
‫رَجُلٍ منَ ٱْلقَرَْيتَيْ ِن عَظِيمٍ}‪ ،‬وقوله تعال‪َ { :‬و َ‬
‫حيِيهَا ٱلّ ِذيۤ أَنشََأهَآ َأوّ َل َم ّرةٍ َو ُهوَ بِكُل خَ ْلقٍ َعلِيمٌ}‪،‬وقوله تعال‪َ { :‬ذ ْرنِي َومَنْ خََل ْقتُ‬
‫َرمِيمٌ‪ .‬قُلْ يُ ْ‬
‫وَحِيدا‪َ .‬و َجعَ ْلتُ َلهُ مَا ًل مّمْدُودا‪َ .‬وبَِنيَ ُشهُودا‪َ .‬و َمهّدتّ َلهُ تَ ْمهِيدا‪ .‬ثُمّ يَطْمَعُ أَنْ َأزِيدَ‪ .‬كَلّ ِإّنهُ كان‬
‫ف قَ ّدرَ‪ .‬ثُمّ قُِتلَ كَيْفَ قَ ّدرَ‪ .‬ثُمّ َن َظرَ‪ .‬ثُ ّم َعَبسَ‬
‫صعُودا‪ .‬إِّنهُ فَ ّك َر وَقَ ّدرَ‪َ .‬فقُتِلَ كَيْ َ‬
‫ليَاتِنَا َعنِيدا‪ .‬سَُأ ْرهِ ُقهُ َ‬
‫صلِيهِ َس َقرَ‪َ .‬ومَآ‬
‫شرِ‪ .‬سَُأ ْ‬
‫حرٌ ُيؤَْثرُ‪ .‬إِ ْن َهـٰذَآ إِلّ َقوْلُ ٱلَْب َ‬
‫سرَ‪ .‬ثُمّ َأدَْب َر وَٱسْتَ ْكَبرَ‪َ .‬فقَالَ إِ ْن َهـٰذَآ ِإلّ سِ ْ‬
‫وَبَ َ‬
‫شرَ}‪ ،‬وقوله تعال‪{ :‬ٱلّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلربَا‬
‫سعَ َة عَ َ‬
‫شرِ‪َ .‬علَْيهَا ِت ْ‬
‫َأ ْدرَا َك مَا َس َقرُ‪ .‬لَ ُتْبقِي وَلَ تَ َذرُ‪َ .‬لوّا َحةٌ لّ ْلبَ َ‬
‫خبّ ُطهُ ٱلشّيْطَا ُن مِنَ ٱلْمَس ذَِلكَ بَِأّنهُمْ قَاُل ۤواْ إِنّمَا ٱْلبَيْ ُع مِثْلُ ٱلربَا وَأَ َحلّ‬
‫لَ َيقُومُونَ إِلّ كَمَا َيقُومُ ٱلّذِي يَتَ َ‬
‫ف وََأمْ ُرهُ إِلَى ٱلّل ِه َومَنْ عَادَ فَُأوَْلـِٰئكَ‬
‫ٱلّلهُ ٱلْبَيْ َع وَ َح ّرمَ ٱلربَا فَمَن جَآ َءهُ َم ْوعِظَةٌ م ْن رّبهِ فَٱْنَتهَىٰ َفَلهُ مَا َسلَ َ‬
‫َأصْحَابُ ٱلنّا ِر هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}‪ ،‬وقوله تعال‪{ :‬وَلَ تَأْ ُكلُوْا مِمّا لَ ْم يُذْ َكرِ ٱسْ ُم ٱلّلهِ َعلَْي ِه وَإِّنهُ َلفِسْقٌ‬
‫شرِكُونَ}‪ ،‬واليات ف هذا‬
‫وَإِنّ ٱلشّيَا ِطيَ لَيُوحُونَ ِإلَىۤ َأوْلِيَآِئهِمْ لُِيجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َطعْتُمُوهُمْ إِنّكُ ْم لَمُ ْ‬
‫كثية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪57‬‬

‫ومن النافقي من تظاهروا بيئة الصالي‪ ،‬وانتسبوا إل الدعوة السلمية‪ ،‬ليهدموا السلم من الداخل‬
‫بججهم العقلية الت يردون با نصوص الكتاب والسنة من علماء السوء أو من يسمون بالعصرانيي‬
‫وغيهم‪ ,‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم‬
‫اللسان" رواه الطبان ف الكبي والبزار‪.‬‬
‫و عن عمر رضي ال عنه قال‪ " :‬حذرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم كل منافق عليم اللسان" رواه‬
‫أحد وغيه‪.‬‬
‫وعن أب أمامة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما ضل قوم بعد هدى كانوا‬
‫ضرَبُوهُ َلكَ إِلّ جَدَلَ َبلْ هُ ْم َق ْومٌ َخصِمُونَ} رواه أحد‬
‫عليه إل أوتوا الدل" ث تل هذه الية {مَا َ‬
‫والترمذي وابن ماجة‪.‬‬
‫وعن إسحاق بن عيسى قال‪ :‬قال مالك بن أنس‪" :‬كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به‬
‫جبيل على ممد صلى ال عليه وسلم لدله" اعتقاد أهل السنة للللكائي‪ ،‬وعن ابن الطباع قال‪ :‬جاء‬
‫رجل إل مالك بن أنس فسأله‪ ،‬فقال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم كذا‪ ،‬فقال‪ :‬أرأيت لو كان‬
‫سلّلُونَ‬
‫جعَلُوا ُدعَاء الرّسُو ِل بَيَْنكُمْ كَ ُدعَاء َب ْعضِكُم َبعْضًا قَ ْد َيعْلَمُ الّلهُ الّذِينَ َيتَ َ‬
‫كذا‪ ،‬قال مالك‪{ :‬ل َت ْ‬
‫مِنكُمْ ِلوَاذًا َفلْيَحْ َذ ِر الّذِينَ يُخَاِلفُونَ عَنْ َأ ْم ِرهِ أَن ُتصِيَبهُمْ ِفتَْنةٌ َأوْ ُيصِيَبهُ ْم عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال‪ :‬فقال مالك‪:‬‬
‫"أو كلما جاء رجل أجدل من الخر رد ما أنزل جبيل على ممد صلى ال عليه وسلم"‪.)11‬‬

‫وعن زياد بن حدير قال‪ :‬قال ل عمر رضي ال عنه‪ :‬هل تعرف من يهدم السلم‪ ،‬قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال يهدمه‬
‫زلة عال‪ ،‬وجدال النافق بالكتاب‪ ،‬وحكم الئمة الضلي" رواه الدارمي ف السنن وابن البارك ف الزهد‪.‬‬
‫فبي رضي ال عنه أن السلم يهدمه زلة عال‪ ،‬وهو العال صحيح العتقاد يزل ف مسألة من السائل‪،‬‬
‫وقوله " وجدال النافق بالكتاب " فإن النافق ل يؤمن بالقرآن‪ ،‬وإنا يادل بالقرآن دفعا للمخالف‪،‬‬
‫وليس طلبا للهداية واتباعا للقرآن‪ ،‬واستدلله بالقرآن إما بتحريف اليات عن معانيها‪ ،‬أو باتباع‬
‫التشابه‪ ،‬كما هو حال أهل الزيغ الذين قال ال عنهم‪ُ { :‬ه َو الّ ِذيۤ أَنزَ َل عََلْيكَ الْ ِكتَابَ مِْنهُ آيَاتٌ‬
‫ت هُنّ ُأمّ الْ ِكتَابِ وَُأ َخرُ مَُتشَاِبهَاتٌ فََأمّا الّذِي َن ف قُلُوِبهِ ْم زَيْغٌ َفيَتِّبعُو َن مَا تَشَاَبهَ ِمْنهُ ابِْتغَاءَ اْل ِفتْنَةِ‬
‫مّحْكَمَا ٌ‬
‫وَاْبِتغَاءَ تَ ْأوِيِل ِه َومَا َيعْلَمُ تَ ْأوِيَلهُ إِلّ الّل ُه وَالرّاسِخُونَ فِي اْلعِلْ ِم َيقُولُونَ آمَنّا ِبهِ كُ ّل مّ ْن عِن ِد رَبّنَا َومَا يَذّ ّكرُ‬
‫إِلّ ُأوْلُوْا الَلْبَابِ} ‪ ،‬فالنافق يتبع التشابه طلبا للفتنة‪ ،‬وأهل العلم واليان يردون التشابه إل الحكم‬
‫لعرفة معناه‪ ،‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬يب تعال أن ف القرآن آيات مكمات‪ ،‬هن أم الكتاب‪،‬‬
‫أي بينات واضحات الدللة ل التباس فيها على أحد من الناس‪ ،‬ومنه آيات أخر فيها اشتباه ف الدللة‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬اعتقاد أهل السنة لللكائي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪58‬‬

‫على كثي من الناس أو بعضهم‪ ،‬فمن رد ما اشتبه عليه إل الواضح منه‪ ،‬وحكم مكمه على متشابه‬
‫ـتٌ‬
‫ب مِْنهُ ءَاَي ٰ‬
‫عنده فقد اهتدى‪ ،‬ومن عكس انعكس‪ ،‬ولذا قال تعال‪ُ { :‬ه َو الّ ِذىۤ أَنزَ َل عََلْيكَ الْ ِكَتـٰ َ‬
‫ـتٌ} أي‬
‫شـِٰب َه ٰ‬
‫ـبِ} أي أصله الذي يرجع إليه عند الشتباه {وَأُ َخ ُر مُتَ َ‬
‫ـتٌ هُنّ ُأمّ الْكَِت ٰ‬
‫مّحْكَ َم ٰ‬
‫تتمل دللتها موافقة الحكم‪ ،‬وقد تتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب ل من حيث الراد‪...‬‬
‫وهو الذي نص عليه ممد بن إسحاق بن يسار رحه ال‪ ،‬حيث قال‪ :‬منه آيات مكمات فيهن حجة‬
‫الرب‪ ،‬وعصمة العباد‪ ،‬ودفع الصوم والباطل‪ ،‬ليس لن تصريف ول تريف عما وضعن عليه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫والتشابات ف الصدق ليس لن تصريف وتريف وتأويل‪ ،‬ابتلى ال فيهن العباد‪ ،‬كما ابتلهم ف اللل‬
‫والرام أل يصرفن إل الباطل ول يرفن عن الق‪ ,‬ولذا قال تعال‪{ :‬فََأمّا الّذِينَ ف قُلُوِبهِ ْم زَْيغٌ} أي‬
‫شـَٰبهَ مِْنهُ} أي إنا يأخذون منه بالتشابه الذي‬
‫ضلل وخروج عن الق إل الباطل {َفيَتِّبعُونَ مَا َت َ‬
‫يكنهم أن يرّفوه إل مقاصدهم الفاسدة وينلوه عليها لحتمال لفظه لا يصرفونه‪ .‬فأما الحكم فل‬
‫نصيب لم فيه‪ ،‬لنه دامغ لم وحجة عليهم‪ ،‬ولذا قال ال تعال‪{ :‬ابِْتغَآءَ اْل ِفتْنَةِ} أي الضلل لتباعهم‬
‫إيهاما لم أنم يتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم ل لم‪ ،‬كما لو احتج النصارى بأن‬
‫القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح ال وكلمته ألقاها إل مري وروح منه وتركوا الحتجاج بقوله‪:‬‬
‫{إِ ْن ُهوَ إِ ّل عَبْدٌ َأْنعَمْنَا عََلْيهِ} وبقوله‪{ :‬إِ ّن مَثَ َل عِيسَ ٰى عِن َد الّلهِ كَ َمثَ ِل ءَا َدمَ َخَل َقهُ مِن ُترَابٍ ثُمّ قَالَ َلهُ‬
‫كُن َفيَكُونُ} وغي ذلك من اليات الحكمة الصرحة بأنه خلق من ملوقات ال وعبد ورسول من رسل‬
‫ال‪ .‬وقوله تعال‪{ :‬وَابِْتغَآءَ تَ ْأوِيِلهِ} أي تريفه على ما يريدون‪ ...‬وقوله إخبارا عنهم أنم‪َ{ :‬يقُولُونَ‬
‫ءَامَنّا ِبهِ}‪ ،‬أي بالتشابه‪{ ،‬كُ ّل مّ ْن عِن ِد َربّنَا} أي الميع من الحكم‪ ،‬والتشابه حق وصدق‪ ،‬وكل‬
‫واحد منهما يصدق الخر ويشهد له‪ ،‬لن الميع من عند ال وليس شيء من عند ال بختلف ول‬
‫متضاد‪ ،‬كقوله‪َ{ :‬أفَلَ يَتَ َدّبرُونَ اْل ُق ْرءَا َن وََلوْ كَا َن مِنْ عِن ِد غَْيرِ الّلهِ َلوَجَدُوْا فِيهِ ا ْختَِلـٰفا كَثِيا}‪ ،‬ولذا‬
‫ـبِ} أي إنا يفهم ويعقل ويتدبر العان على وجهها أولو العقول‬
‫قال تعال‪َ { :‬ومَا يَذّ ّكرُ ِإلّ ُأوْلُواْ ا َللَْب ٰ‬
‫السليمة والفهوم الستقيمة "‪.)11‬‬

‫وف الصحيحي عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬تل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ُ { :‬هوَ ٱلّ ِذيۤ أَنزَلَ‬
‫ت هُنّ ُأمّ ٱلْ ِكتَابِ وَُأ َخرُ مَُتشَاِبهَاتٌ فََأمّا الّذِي َن ف قُلُوِبهِ ْم زَيْغٌ َفيَتِّبعُونَ‬
‫ت مّحْكَمَا ٌ‬
‫عََلْيكَ ٱلْ ِكتَابَ مِْنهُ آيَا ٌ‬
‫مَا تَشَاَبهَ مِْنهُ ٱبِْتغَاءَ ٱْلفِتْنَ ِة وَٱْبِتغَاءَ تَ ْأوِيِل ِه َومَا َيعْلَمُ تَ ْأوِيَلهُ إِلّ ٱلّلهُ وَٱلرّاسِخُونَ فِي ٱْلعِلْ ِم َيقُولُونَ آمَنّا ِبهِ كُلّ‬
‫مّنْ عِن ِد رَبّنَا َومَا يَذّ ّكرُ ِإلّ ُأوْلُوْا ٱلَلْبَابِ} قالت‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إذا رأيتم الذين‬
‫يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سى ال فاحذروهم"‪ ،‬وقال المام ابن جرير رحه ال ف قوله تعال‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪59‬‬

‫{ٱبِْتغَاءَ ٱْلفِتَْنةِ}‪" :‬معناه‪ :‬إرادة الشبهات واللبس‪ .‬فمعن الكلم إذا‪ :‬فأما الذين ف قلوبم ميل عن ال ّق‬
‫وَحَيْفٌ عنه‪ ،‬فيتبعون من آي الكتاب ما تشابت ألفاظه‪ ،‬واحتمل صرفه ف وجوه التأويلت‪ ،‬باحتماله‬
‫العان الختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيه‪ ،‬احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون القّ‬
‫الذي أبانه ال‪ ،‬فأوضحه بالحكمات من آي كتابه‪.‬‬
‫وهذه الية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنا نزلت فيه من أهل الشرك‪ ،‬فإنه معنّ با كل مبتدع ف دين‬
‫ال بدعة‪ ،‬فمال قلبه إليها‪ ،‬تأويلً منه لبعض متشابه آي القرآن‪ ،‬ث حاجّ به وجادل به أهل القّ‪ ،‬وعدل‬
‫عن الواضح من أدلة آيه الحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل القّ من الؤمني‪ ،‬وطلبا لعلم تأويل‬
‫ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان‪ ،‬وأيّ أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو‬
‫الجوسية‪ ،‬أو كان سبئيا‪ ،‬أو حروريا‪ ،‬أو قدريا‪ ،‬أو جهميا"‪.)11‬‬

‫وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي ال عنهما أنه قال ف الوارج‪" :‬يؤمنون بحكمه ويهلكون عند‬
‫متشابه"‪ ،‬وقد عزر عمر رضي ال عنه بالضرب صبيغ بن عسل لنه كان يسأل عن متشابه القرآن‪،‬‬
‫وأمر أل يالس‪.‬‬
‫وقول عمر رضي ال عنه "وحكم الئمة الضلي" أي المراء من أهل الضلل‪ ،‬الذين إذا استولوا على‬
‫البلد أفسدوا فيها‪ ،‬وأضلوا الناس‪ ،‬وصدوهم عن السلم‪ ،‬قال ابن أب العزالنفي رحه ال‪" :‬فاللوك‬
‫الائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الائرة ويعارضونا با‪ ،‬ويقدمونا على حكم ال ورسوله‪،‬‬
‫وأحبار السوء وهم العلماء الارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة التضمنة تليل ما حرم ال‬
‫ورسوله وتري ما أباحه ال‪ ،‬واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبه‪ ،‬وإطلق ما قيده وتقييد ما أطلقه‪ ،‬ونو‬
‫ذلك‪ ،‬والرهبان وهم جهال التصوفة العترضون على حقائق اليان والشرع بالذواق والواجيد‬
‫واليالت والكشوفات الباطلة الشيطانية التضمنة شرع دين ل يأذن به ال‪ ،‬وإبطال دينه الذي شرعه‬
‫على لسان نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والتعوض عن حقائق اليان بداع الشيطان وحظوظ النفس‪.)21‬‬

‫وأما الؤمنون بال تبارك وتعال‪ ,‬الذين يؤمنون بأن ال تعال {وَسِعَ كُ ّل شَ ْيءٍ ِعلْما}‪ ،‬وأنه {أَ ْحكَ ُم‬
‫اْلحَاكِ ِميَ}‪ ،‬وأنه {خَْيرُ الْحَاكِ ِميَ}‪ ،‬وأنه تبارك وتعال { َخْيرُ اْلفَاصِِليَ}‪ ،‬وأنه {َأرْحَ ُم الرّاحِ ِميَ}‪،‬‬
‫وأن أحكامه تبارك وتعال مشتملة على العلم والكمة والرحة والعدل‪ ،‬فل يعارضون أحكامه بآرائهم‬
‫وعقولم القاصرة‪ ،‬أو بشبهة أو شهوة‪ ،‬بل ينقادون لمر ال ظاهرا وباطنا‪ ،‬ويقولون كما أخب ال تعال‬
‫ك رَبّنَا وَإِلَْيكَ ٱلْ َمصِيُ}‪ ،‬وقال تعال‪ِ{ :‬إنّمَا كَانَ َقوْ َل الْ ُم ْؤمِِنيَ ِإذَا‬
‫عنهم‪َ { :‬وقَالُواْ سَ ِمعْنَا وَأَ َطعْنَا ُغ ْفرَاَن َ‬
‫ُد ُعوۤاْ إِلَى الّل ِه َورَسُوِلهِ لِيَحْ ُكمَ بَْيَنهُمْ أَن َيقُولُواْ سَ ِمعْنَا وَأَ َطعْنَا وَُأوَْلـِٰئكَ هُ ُم الْ ُمفْلِحُونَ}‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‬
‫‪ )1‬شرح العقيدة الطحاوية‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪60‬‬

‫فإن أحكام ال تعال كلها حق وعدل‪ ،‬وما خالفها فهو كفر وظلم‪ ،‬وقد قال تعال‪( :‬أََفحُكْمَ اْلجَاهِِليّ ِة‬
‫سنُ مِ َن ٱلّلهِ صِْبغَةً‬
‫َيْبغُونَ َومَنْ أَحْسَ ُن مِ َن الّلهِ حُكْما ل َقوْمٍ يُوقِنُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬صِْبغَ َة ٱلّلهِ َومَنْ أَحْ َ‬
‫وَنَحْ ُن َلهُ عَابِدونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬إِ ّن َهـٰذَا اْل ُقرْآنَ ِيهْدِي لِلّتِي هِيَ أَ ْق َو ُم وَيُبَشرُ الْ ُم ْؤمِِنيَ الّذِينَ َيعْ َملُونَ‬
‫الصّاِلحَاتِ أَنّ َلهُمْ أَجْرا َكبِيا}‪ ،‬فالقرآن يهدي للت هي أقوم وأعدل وأصوب ف جيع القوال‬
‫والعمال والسياسات وشؤون الياة‪ ،‬ومن ظن ولو ف مسألة واحدة أن ف أحكام ال تعال حيف فقد‬
‫كفر بال تعال‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬وَِيقُولُو َن آمَنّا بِالّلهِ َوبِالرّسُو ِل وَأَ َطعْنَا ثُمّ يََتوَلّىٰ َفرِي ٌق مّْنهُ ْم مّن َبعْدِ‬
‫ذِٰلكَ َومَآ ُأوَْلـِٰئكَ بِالْ ُم ْؤمِِنيَ‪ .‬وَِإذَا ُد ُعوۤاْ إِلَى الّل ِه َورَسُوِلهِ لِيَحْ ُكمَ بَْيَنهُمْ ِإذَا َفرِيقٌ مّْنهُمْ ّم ْع ِرضُونَ‪ .‬وَإِن‬
‫حقّ يَأُْت ۤواْ إِلَْي ِه مُ ْذعِِنيَ‪َ .‬أفِي ُقلُوِبهِ ْم ّمرَضٌ َأمِ ارْتَاُبوۤاْ َأمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الّلهُ َعلَْيهِ ْم َورَسُوُلهُ‬
‫يَكُ ْن ّلهُمُ الْ َ‬
‫ك هُمُ الظّالِمُو َن ) فمن أوصاف النافقي الذين نفى ال تعال عنهم اليان ف هذه اليات‬
‫بَلْ ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ظنهم اليف ف حكم ال تعال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ضلل وحية الكفار والنافقي‪:‬‬
‫أرشد ال تعال عباده إل تدبر القرآن فقال تعال {أَفَلَ َيتَدَّبرُونَ ٱْل ُقرْآ َن وََلوْ كَا َن مِنْ عِن ِد غَْيرِ ٱلّل ِه‬
‫َلوَجَدُواْ فِي ِه ٱخْتِلَفا كَثِيا}‪ ،‬وبي تعال أن القرآن ليس فيه تناقض وتفاوت وتعارض‪ ،‬لنه من عند ال‬
‫تبارك وتعال‪ ،‬ولو كان من عند غي ال كما يزعم الشركون الفترون لوجدوا فيه تناقضا واختلفا‬
‫كثيا‪.‬‬
‫فالقرآن ل تتناقض ول تتعارض أحكامه وأخباره‪ ،‬فأحكامه كلها عدل‪ ،‬وأخباره كلها صدق‪ ،‬فهي‬
‫مطابقة للواقع‪ ،‬ول يزيدها مرور الوقات والكتشافات العلمية إل تصديقا‪ ،‬وبعكس ذلك من يكذب‬
‫ف أخباره‪ ،‬ويتكلم بجرد الرص والظن‪ ،‬فإن ما افتراه ل بد أن يظهر وينجلي لتناقضه ومصادمته‬
‫للواقع‪.‬‬
‫والية تدل على أن الباطل كثي الختلف والتشعب‪ ،‬وهذا دليل على فساده وضلل أهله وحيتم‪،‬‬
‫ولذا يفرد ال تعال سبيله إذا ذكره ف كتابه ويعدد سبل الضللة لكثرتا واختلفها‪.‬‬
‫فكل من كذب بالق فهو ف ضلل وحية واضطراب‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬بَلْ كَذّبُواْ بِٱلْحَق لَمّا جَآ َءهُمْ‬
‫َفهُمْ ِفيۤ َأمْ ٍر ّمرِيجٍ}‪ ،‬أي متلف وملتبس ومضطرب‪ ،‬وكما قال تعال‪{ :‬إِنّكُمْ َلفِي َقوْ ٍل مّخْتَلِفٍ‪ُ .‬يؤَْفكُ‬
‫ضرّنَا وَُن َر ّد عَلَىٰ َأ ْعقَاِبنَا َبعْدَ ِإذْ‬
‫عَْن ُه مَنْ ُأِفكَ}‪ ،‬وقال تعال‪ُ{ :‬قلْ أَنَ ْدعُوْا مِن دُونِ ٱلّلهِ مَا َل يَن َفعُنَا وَلَ َي ُ‬
‫هَدَانَا ٱلّلهُ كَٱلّذِي ٱ ْسَت ْهوَْتهُ ٱلشّيَا ِطيُ فِي ٱ َل ْرضِ حَْيرَانَ َلهُ َأصْحَابٌ يَ ْدعُوَنهُ إِلَى ٱْلهُدَى ٱْئتِنَا قُلْ إِ ّن هُدَى‬
‫سلِمَ ِلرَب ٱْلعَالَ ِميَ}وقال تعال عن النافقي‪{ :‬مّ َذبْذَِبيَ َبيْ َن ذِٰلكَ لَ ِإلَىٰ‬
‫ٱلّل ِه ُهوَ ٱْلهُ َدىٰ وَُأ ِمرْنَا ِلنُ ْ‬
‫ـؤُ ۤلءِ َومَن ُيضْلِلِ ٱلّلهُ َفلَن َتجِدَ َلهُ سَبِيلً}‪ ،‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬يعن‬
‫ـؤُلۤ ِء وَلَ إِلَى َه ٰ‬
‫َه ٰ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪61‬‬

‫النافقي ميين بي اليان والكفر‪ ،‬فل هم مع الؤمني ظاهرا وباطنا ول مع الكافرين ظاهرا وباطنا‪ ،‬بل‬
‫ظواهرهم مع الؤمني وبواطنهم مع الكافرين‪ ،‬ومنهم من يعتريه الشك‪ ،‬فتارة ييل إل هؤلء وتارة ييل‬
‫ش ْواْ فِي ِه وَِإذَآ أَ ْظلَ َم عََلْيهِمْ‬
‫إل أولئك"‪ ،)11‬وقال تعال‪َ{ :‬يكَادُ ٱْلَبرْقُ يَخْطَفُ َأْبصَا َرهُمْ ُكلّمَا َأضَآءَ َلهُمْ مّ َ‬

‫قَامُواْ} أي وقفوا حائرين‪ ،‬فهؤلء اليارى الضلل ل يعقلون‪ ،‬وف تيههم يتخبطون‪ ،‬والعجب أنم‬
‫يدعون لنفسهم العقل والذكاء‪ ،‬وهم ف ظلمات الكفر والشك حائرون‪ ،‬فل ييزون الق من الباطل‪،‬‬
‫فالسن ما تستحسنه عقولم‪ ،‬والقبيح ما تستقبحه عقولم التناقضة الختلفة‪ ،‬ول يبصر العبد القائق‪،‬‬
‫وينجلي له الق من الباطل‪ ،‬ويرج من تيه الظلمات إل بنور الوحي‪،‬ول يي بعد أن كان ميتا بسبب‬
‫كفره إل باليان‪ ،‬كما قال تعال‪َ{ :‬أ َو مَن كَا َن مَيْتا فَأَ ْحيَيْنَاهُ وَ َج َعلْنَا َلهُ نُورا يَمْشِي ِبهِ فِي ٱلنّاسِ كَمَن‬
‫ك زُيّنَ ِللْكَاِفرِي َن مَا كَانُوْا َيعْمَلُونَ}‪ ،‬قال ابن جرير‪ :‬حدثن‬
‫ج مّْنهَا كَذَِل َ‬
‫مّثَُلهُ فِي ٱلظّلُمَاتِ لَْيسَ بِخَارِ ٍ‬
‫الثن قال ثنا عبد ال بن صال قال ثن معاوية عن علي بن أب طلحة عن ابن عباس {َأ َو مَن كَا َن مَيْتًا‬
‫فَأَ ْحيَْينَاهُ} يعن من كان كافرا فهديناه{وَ َجعَ ْلنَا َلهُ نُورًا يَمْشِي ِبهِ فِي النّاسِ} يعن بالنور القرآن من‬
‫صدق به وعمل به {كَمَن مّثَُلهُ فِي الظّلُمَاتِ} يعن بالظلمات الكفر والضللة "‪ ،‬وأخرج عبد بن حيد‬
‫وغيه عن قتادة ف قوله‪َ{ :‬أوَ مَن كَا َن مَْيتًا فََأحْيَْينَا ُه وَ َجعَلْنَا َلهُ نُورًا يَ ْمشِي ِبهِ فِي النّاسِ} قال" هذا‬
‫الؤمن معه من ال بينة‪ ،‬وبا يعمل‪ ،‬وبا يأخذ‪ ،‬وإليها ينتهي‪ ،‬وهو كتاب ال {كَمَن مَّثُلهُ فِي الظّلُمَاتِ‬
‫ج مّْنهَا} قال‪ :‬مثل الكافر ف ضللته متحي فيها متسكع فيها‪ ،‬ل يد منها مرجا ول منفذا‬
‫لَْيسَ بِخَارِ ٍ‬
‫ط مّسَْتقِيمٍ}‪ ،‬وقال‬
‫صرَا ٍ‬
‫"‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّا َعلَى وَ ْج ِههِ َأهْدَى َأمّن يَ ْمشِي َسوِيّا َعلَى ِ‬
‫خرِ ُجهُ ْم مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّو ِر وَالّذِينَ َك َفرُواْ َأوْلِيَآ ُؤهُمُ الطّاغُوتُ‬
‫تعال‪{ :‬الّل ُه وَلِيّ الّذِي َن آمَنُوْا يُ ْ‬
‫خرِجُوَنهُ ْم مّنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ ُأوْلَـِئكَ َأصْحَابُ النّارِ هُ ْم فِيهَا خَالِدُونَ}وغيها من اليات‪.‬‬
‫يُ ْ‬
‫لقد خلق ال تعال للكفار والنافقي السمع ليسمعوا به آياته تبارك وتعال والواعظ‪ ،‬وخلق لم البصار‬
‫ليبصروا با آياته‪ ،‬وخلق لم أفئدة ليعقلوا با ما فيه صلحهم ونفعهم‪ ،‬ولكنهم ل يستعملوا ما أعطاهم‬
‫ال تعال ف طاعته‪ ،‬وإنا استعملوها ف الحد بآيات ال‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وََلقَ ْد مَكّنَاهُ ْم فِيمَآ إِن‬
‫مّكّنّاكُ ْم فِي ِه وَ َجعَلْنَا َلهُمْ سَمْعا وَأَْبصَارا وَأَ ْفئِ َدةً فَمَآ َأ ْغنَى عَْنهُمْ سَ ْم ُعهُ ْم وَلَ أَْبصَا ُرهُ ْم وَلَ َأفْئِ َدُتهُ ْم مّن‬
‫سَت ْهزِئُونَ}‪ ،‬فدلت الية على أن الكفار من‬
‫شَ ْيءٍ ِإذْ كَانُوْا يَجْحَدُو َن بِآيَاتِ الّل ِه وَحَاقَ بِه مّا كَانُواْ ِبهِ يَ ْ‬
‫النصارى واليهود وغيهم من سائر اللل الكافرة والرتدين والنافقي الذين يحدون بآيات ال تعال أنم‬
‫جهَنّمَ َكثِيا منَ‬
‫ل ينتفعوا با جعل ال لم من السمع والبصار والفئدة‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬وَلقَدْ َذرَأْنَا لِ َ‬
‫ٱلْجِن وَٱلِْنسِ َلهُ ْم قُلُوبٌ لّ َي ْف َقهُونَ ِبهَا وََلهُمْ َأ ْعيُنٌ لّ ُيْبصِرُونَ ِبهَا وََلهُ ْم آذَانٌ لّ يَسْ َمعُونَ ِبهَآ ُأوَْلـِٰئكَ‬
‫ـهَ ُه َهوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ‬
‫ت مَنِ ٱتّخَذَ إَِل ٰ‬
‫ك هُمُ ٱْلغَافِلُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ{ :‬أرَأَْي َ‬
‫كَٱلَْنعَامِ بَ ْل هُمْ َأضَلّ ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪62‬‬

‫سبُ أَنّ أَ ْكَث َرهُمْ يَسْ َمعُونَ َأوْ َي ْعقِلُونَ إِ ْن هُمْ إِلّ كَٱلَْنعَامِ بَ ْل هُمْ َأضَلّ َسبِيلً}‪ ،‬وقال‬
‫حَ‬
‫عََلْيهِ وَكِيلً‪َ .‬أمْ تَ ْ‬
‫تعال‪َ{ :‬أفَلَمْ َيسِيُوْا فِي ٱ َلرْضِ َفتَكُونَ َلهُمْ ُقلُوبٌ َي ْعقِلُونَ ِبهَآ َأ ْو آذَانٌ َيسْ َمعُونَ ِبهَا فَِإّنهَا لَ َتعْمَى‬
‫ٱلَْبصَارُ وََلـٰكِن َتعْمَىٰ ٱْلقُلُوبُ ٱلّتِي فِي ٱلصّدُورِ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ومََثلُ الّذِينَ َك َفرُواْ كَمَثَ ِل الّذِي يَْنعِقُ‬
‫بِمَا َل يَسْمَعُ إِ ّل ُدعَآ ًء وَنِدَآءً صُمّ بُكْ ٌم عُمْ ٌي َفهُمْ لَ َي ْعقِلُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَقَالُواْ َلوْ كُنّا نَسْمَعُ َأوْ‬
‫سعِيِ}‪ ،‬فدلت اليات على أن الكفار والرتدين والنافقي الذين يعارضون‬
‫َن ْعقِ ُل مَا ُكنّا فِيۤ َأصْحَابِ ٱل ّ‬
‫الكتاب والسنة بعقولم الفاسدة أنم ل يعقلون‪ ،‬وأن عقولم الفاسدة قد ارتكست بم حت أصبحوا‬
‫أضل من النعام‪ ،‬ودلت على أن المر ليس كما يزعمون من كونم من أول العقول والفهام‪،‬بل هم‬
‫أهل أهواء قد اتذوا أهواءهم إلا يعبدونه من دون ال تعال ‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪63‬‬

‫باب‪ :‬مزايا الشريعة ومقاصدها‬
‫تتميز الشريعة السلمية بزايا تتلف فيها اختلفا كامل عن جيع القواني والنظمة الت هي من تشريع‬
‫البشر‪ ،‬ومن هذه الزايا‪:‬‬
‫أول‪ :‬أن الشريعة السلمية من عند ال تعال‪:‬‬
‫شهَ ُد بِمَآ‬
‫فالقرآن كلم ال أنزله ال تعال‪ ،‬وفيه علمه تبارك وتعال‪ ،‬كما قال ال تعال‪ّ{ :‬لـٰكِنِ ٱلّلهُ يَ ْ‬
‫شهَدُو َن وَ َكفَىٰ بِٱلّلهِ َشهِيدا} ‪ ،‬قال ابن أب حات‪ :‬حدثنا علي بن‬
‫لئِكَ ُة يَ ْ‬
‫أَنزَلَ إَِلْيكَ أَنزََلهُ ِبعِلْ ِم ِه وَٱلْمَ ۤ‬
‫السي ثنا السن بن سهل العفري وعبد ال بن البارك‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا عمران بن عيينة حدثنا عطاء ابن‬
‫السائب قال‪ :‬أقرأن أبو عبد الرحن السلمي القرآن‪ ،‬وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال‪ :‬قد أخذت‬
‫شهَدُو َن وَ َكفَىٰ بِٱلّلهِ‬
‫علم ال‪ ،‬فليس أحد اليوم أفضل منك إل بعمل‪ ،‬ث قرأ‪{ :‬أَنزََلهُ ِبعِلْ ِم ِه وَٱلْمَلۤئِ َكةُ يَ ْ‬
‫َشهِيدا}‪.‬‬
‫ـهَ إِ ّل ُهوَ َفهَلْ أَنتُمْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬فَإِن لّ ْم يَسَْتجِيبُواْ لَكُ ْم فَٱعْلَ ُموۤاْ َأنّمَآ أُنزِلِ ِبعِلْمِ ٱلّل ِه وَأَن لّ إَِل ٰ‬
‫مّسْلِمُونَ}‪.‬‬
‫وهو تبارك وتعال خالق اللق‪ ،‬وهو أعلم با فيه صلحهم وطهارتم واستقامة أحوالم وسعادتم ف‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬وقد قال ال تعال‪{ :‬أَ َل َيعْلَ ُم مَنْ خَلَ َق َو ُهوَ ٱللّطِيفُ ٱلْخَبِيُ}‪ ،‬وقال تعال‪ُ{ :‬قلْ أَأَْنتُمْ‬
‫ب عَلَْيكُمُ ٱْلقِتَا ُل َو ُهوَ ُك ْرهٌ لّكُ ْم َوعَسَىٰ أَن تَ ْك َرهُواْ َشيْئا َو ُهوَ خَْيرٌ لّ ُكمْ‬
‫َأعْلَمُ َأمِ ٱلّلهُ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬كُِت َ‬
‫َوعَسَىٰ أَن ُتحِبّوْا شَيْئا َو ُهوَ َشرّ لّكُ ْم وَٱلّلهُ َي ْعلَ ُم وَأَنْتُمْ َل َتعْلَمُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬هَأنْتُ ْم َهؤُلءِ حَا َججْتُمْ‬
‫فِيمَا لَكُم ِبهِ عِلمٌ فَلِ َم تُحَآجّونَ فِيمَا لَْيسَ لَكُمْ ِبهِ علم وال يعلم وأنتم ل َت ْعلَمُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَِإذَا‬
‫ضوْاْ بَْيَنهُمْ بِالْ َم ْعرُوفِ ذِلكَ يُوعَظُ‬
‫طَّلقْتُ ُم النّسَآءَ فََبَلغْنَ أَجََلهُ ّن فَلَ َت ْعضُلُوهُنّ أَن يَنكِحْنَ َأ ْزوَا َجهُنّ ِإذَا َترَا َ‬
‫ِب ِه مَن كَا َن مِنكُمْ ُي ْؤمِنُ بِالّل ِه وَاْلَي ْومِ ال ِخرِ ذلِكُمْ َأزْكَى لَكُ ْم وَأَ ْط َه ُر وَالّلهُ َيعْلَ ُم وَأَْنتُمْ لَ َتعْلَمُونَ}‪ ،‬وقال‬
‫تعال‪ُ { :‬هوَ َأعْلَ ُم بِكُمْ ِإذْ أَنشَأَ ُكمْ مّ َن ٱ َل ْرضِ وَِإذْ أَنتُمْ أَ ِجنّ ٌة فِي بُطُونِ ُأ ّمهَاتِكُ ْم فَلَ ُتزَ ّكوۤاْ أَنفُسَكُ ْم ُهوَ‬
‫َأعْلَ ُم بِمَنِ ٱّتقَىٰ} ‪ ،‬فال تعال قد أحاط بكل شيء علما‪ ،‬ول ييط اللق بشيء من علمه إل با شاء أن‬
‫ت وَٱلَ ْرضِ إِّنهُ كَا َن َغفُورا رّحِيما}‪ ،‬وقال‬
‫سرّ فِي ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫يعلمهم‪ ،‬قال تعال‪{ :‬قُلْ أَنزََلهُ ٱلّذِي َيعْلَمُ ٱل ّ‬
‫حرُ مِدَادا لّ َكلِمَاتِ‬
‫تعال‪{ :‬وَلَ ُيحِيطُونَ ِبشَ ْيءٍ مّ ْن عِ ْل ِمهِ إِ ّل بِمَا شَآءَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬قُل ّلوْ كَانَ ٱلَْب ْ‬
‫ض مِن‬
‫حرُ قَْبلَ أَن تَنفَدَ َكلِمَاتُ َربّي وََلوْ جِْئنَا بِ ِمثِْل ِه مَدَدا}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬وَلوْ َأنّمَا فِي ٱ َلرْ ِ‬
‫رَبّي َلَنفِدَ ٱْلبَ ْ‬
‫ح ٍر مّا َنفِ َدتْ كَلِمَاتُ ٱلّلهِ إِنّ ٱلّل َه َعزِيزٌ حَكِيمٌ}‪ ،‬وف قصة‬
‫حرُ يَمُ ّد ُه مِن َبعْ ِدهِ سَْب َعةُ أَبْ ُ‬
‫ل ٌم وَٱلْبَ ْ‬
‫ج َرةٍ أَقْ َ‬
‫شَ َ‬
‫موسى عليه السلم مع الضر" جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر ف البحر نقرة‪ ،‬فقال له‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪64‬‬

‫الضر‪ :‬ما علمي وعلمك من علم ال إل مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر" أخرجه البخاري‬
‫ومسلم واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫وأما الناس فهم ضعفاء ف علومهم وإدراكهم‪ ،‬بل هم ل يعلمون حقيقة الرواح الت ف أبدانم‪ ،‬كما‬
‫ح مِنْ َأ ْمرِ رَبّي َومَآ أُوتِيتُم مّن ٱْلعِلْمِ إِ ّل قَلِيلً}‪ ،‬قال المام‬
‫قال تعال‪{ :‬وَيَسَْألُوَنكَ عَ ِن ٱلرّوحِ ُقلِ ٱلرّو ُ‬
‫ابن كثي رحه ال‪" :‬أي وما أطلعكم من علمه إل على القليل‪ ،‬فإنه ل ييط أحد بشيء من علمه إل با‬
‫شاء تبارك وتعال‪ ،‬والعن أن علمكم ف علم ال قليل‪ ،‬وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح ما استاثر‬
‫به تعال ول يطلعكم عليه‪ ،‬كما أنه ل يطلعكم إل على القليل من علمه تعال "‪.)11‬‬

‫و أما القواني الوضعية فهي ناقصة وقاصرة لنقص وقصور عقول البشر عن الحاطة بصالهم‪ ،‬مع ما‬
‫تشتمل عليه هذه القواني من الكفر‪ ،‬والهواء‪ ،‬والشهوات‪ ،‬والضللت‪ ،‬والعصبية لفئة أو قوم‪،‬‬
‫والهل‪ ،‬لصدورها من اتصف بذه الوصاف واصطبغ با‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬تقيق العبودية ل تعال وتزكية النفوس وطهارتا‪:‬‬
‫إن الشريعة السلمية جاءت لتحقيق عبودية ال وتزكية النفوس وصلحها‪ ،‬وطهارتا من الشرك‬
‫والفواحش ومساوىء الخلق‪ ،‬قال ال تعال‪َ { :‬ومَا خََل ْقتُ ٱلْجِ ّن وَٱلِنسَ إِ ّل لَِيعْبُدُونِ}‪ ،‬وقال تعال‪:‬‬
‫سهِمْ يَْتلُوْا َعلَْيهِمْ آيَاِت ِه وَُيزَكيهِ ْم وَُيعَل ُمهُمُ‬
‫{َلقَ ْد مَنّ ٱلّل ُه عَلَى ٱلْمُؤمِِنيَ ِإ ْذ َبعَثَ فِيهِمْ َرسُولً منْ َأْنفُ ِ‬

‫ب وَٱلْحِكْ َمةَ وَإِن كَانُوْا مِن َقبْلُ َلفِي ضَل ٍل مِّبيٍ}‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إنا بعثت لتم‬
‫ٱلْكِتَا َ‬
‫صال الخلق" رواه أحد‪.‬‬

‫لةَ‬
‫لةَ إِ ّن ٱلصّ َ‬
‫وقد أمر ال بالصلة وبي أن الصلة تنهى عن الفحشاء والنكر‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬وَأَقِ ِم ٱلصّ َ‬
‫حشَآءِ وَٱلْمُْن َكرِ وَلَذِ ْكرُ ٱلّلهِ أَ ْكَبرُ}‪ ،‬و أمر بزكاة الال وبي أن فيها طهارة لم وتزكية‬
‫َتْنهَىٰ َعنِ ٱْلفَ ْ‬
‫لنفوسهم‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬خُ ْذ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم صَدََقةً تُطَه ُرهُ ْم وَُتزَكيهِ ْم ِبهَا}‪ ،‬وأمر ال بالجاب‪ ،‬وبي أن‬
‫ب ذٰلِكُمْ أَ ْط َهرُ‬
‫فيه طهارة للقلوب‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬وَِإذَا سََألْتُمُوهُ ّن مَتَاعا فَٱسْأَلُوهُ ّن مِن َورَآءِ حِجَا ٍ‬
‫ِلقُلُوِبكُ ْم وَقُلُوِبهِنّ} ‪ ،‬وأمر ال تعال بغض البصر وحفظ الفرج‪ ،‬وبي أن ذلك أزكى للنفوس‪ ،‬فقال‬
‫حفَظُواْ ُفرُو َجهُ ْم ذِٰلكَ َأزْكَىٰ َلهُمْ إِنّ ٱلّلهَ َخبِيٌ بِمَا‬
‫تعال‪ُ{ :‬قلْ للْ ُم ْؤمِِنيَ َي ُغضّوْا مِنْ أَْبصَا ِرهِمْ َويَ ْ‬
‫َيصَْنعُونَ}‪ ،‬وأمر ال تعال بالوضوء عند القيام إل الصلة‪ ،‬وبالغسل من النابة‪ ،‬والتيمم إذا عدم الاء‪،‬‬
‫وبي أنه ل يشرع ذلك للتضييق عليهم‪ ،‬وإنا أمرهم بذلك ليطهرهم وليتم نعمته عليهم‪ ,‬ولعلهم أن‬
‫يشكروا ال تعال على نعمه‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ ِإذَا قُمُْتمْ إِلَى ٱلصّلةِ فٱ ْغسِلُواْ ُوجُوهَكُمْ‬
‫ي وَإِن كُنتُمْ جُنُبا فَٱ ّط ّهرُوْا وَإِن كُنتُم‬
‫وَأَيْ ِديَكُمْ إِلَى ٱلْ َمرَافِ ِق وَٱمْسَحُواْ ِب ُرؤُوسِكُ ْم وََأرْ ُجلَكُمْ إِلَى ٱلْ َكعَْب ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪65‬‬

‫صعِيدا‬
‫ّمرْضَىۤ َأ ْو عَلَ ٰى َسفَرٍ َأوْ جَآءَ أَحَدٌ منْكُمْ منَ ٱْلغَاِئطِ َأوْ َلمَسْتُمُ ٱلنسَآءَ فَلَ ْم تَجِدُوْا مَآءً فََتيَمّمُوْا َ‬
‫جعَلَ َعلَيْكُم م ْن َحرَجٍ َوَلـٰكِن ُيرِيدُ ِليُطَهرَكُمْ‬
‫طَيبا فَٱمْسَحُواْ ِبوُجُوهِكُ ْم وَأَيْدِيكُمْ مْن ُه مَا ُيرِيدُ ٱلّلهُ لَِي ْ‬
‫وَلُِيتِمّ ِنعْمََت ُه عََليْكُمْ َلعَلّكُ ْم تَشْ ُكرُونَ}‪.‬‬
‫و أما القواني الوضعية فل تعوّل على طهارة النفوس وزكاتا‪ ،‬وليس من أهدافها صلح الجتمع‬
‫واستقامته وطهارته من النكرات‪ ،‬بل تمي هذه القواني أنواع الكفر‪ ،‬والفسوق‪ ،‬والنطاط الخلقي‪،‬‬
‫ما جعل الجتمعات الت تتحاكم إليها تعان من شيوع الكفر والرذيلة والفواحش‪ ،‬و من تفكك السرة‬
‫والجتمع‪.‬‬
‫فالقواني الوضعية قائمة على الكفر بال والعراض عن دينه‪ ،‬ولذا فليس من أهدافها استقامة العباد‬
‫على طاعة ال تعال وتزكيتهم‪ ،‬بل غايتها واحدة وهي تصيل التعة بأنواعها والكل‪ ،‬كما قال تعال‪:‬‬
‫{وَٱلّذِينَ َك َفرُواْ َيتَمَّتعُو َن وَيَأْ ُكلُونَ َكمَا تَأْكُ ُل ٱلَْنعَا ُم وَٱلنّا ُر مَْثوًى ّلهُمْ}‪.‬‬
‫والتمتع عام فيشمل جيع أنواع التمتع‪ :‬كالتمتع بالموال‪ ،‬واللباس‪ ،‬والركب‪ ،‬والبيت‪ ،‬والتمتع‬
‫بارتكاب الفواحش والعاصي‪ ،‬ومن صور التمتع تتع حكامهم الطغاة بالعلو ف الرض‪ ،‬واحتلل بلد‬
‫الخرين‪ ،‬ونب خياتم‪ ،‬وغيها الكثي من صور التمتع الت جاءت قوانينهم وأنظمتهم الوضعية‬
‫بتحصيلها‪ ،‬وتنميتها‪ ،‬وحايتها من التهديدات والنغصات‪.‬‬
‫ومن المثلة على انطاط قوانينهم الوضعية ف أهدافها أن هذه القواني ل تمي الضرورات المس الت‬
‫جاء السلم بفظها‪ ،‬وهي‪ :‬الدين والعرض والنفس والال والعقل‪.‬‬
‫فل يافظون على الدين والعرض والعقل‪ ،‬لن الحافظة عليها تعن أن يال بينهم وبي كفرهم‬
‫وشهواتم‪،‬و أما ضرورتا النفس والال فهم ل يافظون عليها الحافظة العادلة الت جاء با السلم‪ ،‬وإنا‬
‫يمون هاتي الضرورتي حاية ضالة ناقصة با يتوافق مع رفاهيتهم وشهواتم وتتعهم ف حياتم الدنيا‪،‬‬
‫ويسنون لذلك القواني الائرة‪.‬‬
‫وأما السلم فقد جاء بالحافظة على هذه الضرورات المس الت ل صلح للعباد ول سعادة لم ف‬
‫الدنيا والخرة إل بالحافظة عليها‪ ،‬فشرع ال تعال المر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬والهاد ف سبيل‬
‫ال‪ ،‬وحد الردة وغيها من الحكام لفظ ضرورة الدين‪ ،‬وشرع سبحانه وتعال حد الزن والقذف‬
‫للمحافظة على العراض‪ ،‬بل جاءت الشريعة بتحري جيع الوسائل الوصلة والقربة إل الزن كالنظر إل‬
‫النساء الجنبيات‪ ،‬واللوة بالجنبية‪ ،‬وسفر الرأة وحدها‪ ،‬ومس الرأة الجنبية‪ ،‬واختلط النساء‬
‫حفَظُواْ ُفرُو َجهُ ْم ذِٰلكَ‬
‫بالرجال‪ ،‬والتبج والسفور كما قال تعال‪ُ{ :‬قلْ للْ ُم ْؤمِِنيَ َي ُغضّوْا مِنْ أَْبصَا ِرهِمْ َويَ ْ‬
‫َأزْكَىٰ َلهُمْ}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪66‬‬

‫لبِيِبهِ ّن ذِٰلكَ َأدَْنىٰ‬
‫ي عَلَْيهِ ّن مِن جَ َ‬
‫ك وَنِسَآءِ ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ يُدِْن َ‬
‫ك وَبَنَاِت َ‬
‫وقال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلنّبِيّ قُل َل ْزوَا ِج َ‬
‫أَن ُي ْعرَفْنَ َفلَ ُي ْؤذَيْ َن وَكَانَ ٱلّل ُه َغفُورا رّحِيما}‪.‬‬
‫وقال تعال‪َ { :‬وَقرْنَ فِي ُبيُوتِكُ ّن وَ َل تََبرّجْ َن تََبرّجَ ٱلْجَا ِهلِيّ ِة ٱلُولَىٰ}‪.‬‬
‫وقال عمر رضي ال عنه ف قوله تعال‪{ :‬فَجَآءَْتهُ إِحْدَاهُمَا تَ ْمشِي عَلَى ٱ ْستِحْيَآءٍ} قال‪" :‬جاءت تشي‬
‫على استحياء قائلة بثوبا على وجهها ليست بسلفع من النساء‪ ،‬ولجة خراجة" رواه ابن أب حات‪ .‬قال‬
‫ابن كثي‪ ،‬هذا إسناد صحيح‪ ،‬والسلفع من النساء السليطة الريئة‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم لعلي‪" :‬يا علي ل تتبع النظرة النظرة‪ ،‬فإن لك الول‪ ،‬وليست لك‬
‫الخرة" رواه الترمذي وأبو داود‪.‬‬
‫ص ِرفْ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم عَنْ َن َظرِ الفجأةِ َفقَال‪" :‬ا ْ‬
‫َوعَنْ َجرِير رضي اللّه عْنهُ قَالَ‪ :‬سأْلتُ رَسُو َل الّلهِ صَلّى ا ُ‬
‫صرَك" رواه مسلم‪.‬‬
‫ب َ‬
‫و عن عقبة بن عامر رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬إياكم والدخول على‬
‫النساء" فقال رجل من النصار‪ :‬أرأيت المو؟ قال‪" :‬المو الوت"‪ .‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫خ ُلوَ ّن أحدُ ُكمْ بِامْرأةٍ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قَال‪" :‬ل يَ ْ‬
‫س رضي اللّه عْنهُما أ ّن رسُول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫َوعَن ابنِ عبّا ٍ‬
‫حرَمٍ" متف ٌق عليه ‪.‬‬
‫إ ًلّ مَ َع ذِي مَ ْ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم يقو ُل "ل يلُو ّن رَجُ ٌل بامْرأةٍ إِل‬
‫س رضي اللّه عنهما أنه سع النب صَلّى ا ُ‬
‫وعن ابنِ عبا ٍ‬
‫ومَ َعهَا ذُو مْرمٍ‪ ،‬ول تُسَا ِفرُ الرَْأةُ إِ ّل معَ ذِي مْرمٍ" فقال َلهُ رَ ُجلٌ‪ :‬يا رسولَ الّلهِ إ ّن امْرأت خَرجتْ‬
‫ج مع امْرَأِتكَ" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫حاجّةً‪ ،‬وإِنّي اكْتُِتْبتُ ف َغزْوةِ كَذَا وكَذَا قال "انْطلِـقْ فَحُ ّ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم "لن يطعن ف رأس أحدكم بخيط من حديد خي له من أن يس امرأة ل‬
‫تل له" رواه الطبان والبيهقي‪.‬‬
‫وعن علي رضي ال عنه قال "أل تستحيون أو تغارون؟ فإنه بلغن أن نساءكم يرجن ف السواق‬
‫يزاحن العلوج" رواه أحد‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم "الرأة عورة‪ ،‬فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي وغيه‪.‬‬
‫ط كأذْنَابِ الْب َقرِ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم "صِ ْنفَانِ مِنْ أه ِل النّا ِر لْ أ َرهُما‪َ :‬ق ْومٌ معهم سِيا ٌ‬
‫وقَال رسُو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ختِ الاِئ َلةِ ل‬
‫ت مَائِلتٌ‪ُ ،‬رؤُو ُسهُنّ كَأسْنِمةِ الْبُ ْ‬
‫ت عارِياتٌ مُمِيل ٌ‬
‫ضرِبونَ بِها النّاس‪ ،‬ونِساء كاسيا ٌ‬
‫َي ْ‬
‫َيدْخٌلنَ الّنةَ‪ ،‬ول ِيدْ َن رِ َيهَا‪ ،‬وإ ّن رِ َيهَا َليُو َجدُ مِ ْن مسِيَ ِة كذَا و َكذَا" رواه مسلم‪ ،‬فإذا كان هذا‬
‫الوعيد العظيم على التبج والتمايل ف الشي فكيف بالتمايل فيما هو أعظم فتنة كتمايل النساء بالرقص‬
‫أمام الرجال ف العراس وغيها‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪67‬‬

‫ضرَةٌ‪ ،‬وإنّ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم قال "إنّ الدّنْيا ُح ْلوَ ٌة خ ِ‬
‫ب صَلّى ا ُ‬
‫ي رضي اللّه عنه عن الن ّ‬
‫وعَنْ أب سَعي ٍد الْخُ ْد ِر ّ‬
‫خ ِلفُ ُكمْ فِيهَا‪ .‬فينْظُر كَ ْيفَ َتعْ َملُونَ‪ .‬فَاتّقوا الدّنْيَا واّتقُوا النّسَاءِ‪َ .‬فإِنّ َأوّ َل فِتْنةِ بَنِي إ ْسرَائيلَ‬
‫ال ّل َه مُسْتَ ْ‬
‫كَاَنتْ ف النسَاء" رواه مسلم‪.‬‬
‫كما جاءت الشريعة بالترغيب ف النكاح لا يصل فيه من غض البصر وحفظ الفرج‪ ،‬فقال صلى ال‬

‫عليه وسلم‪" :‬يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج‪ ،‬فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج‪،‬‬
‫ومن ل يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫ولفظ النفس جاءت الشريعة برمة اعتداء السلم على نفسه أو على أنفس الخرين‪ ،‬ولذا شرع ال‬
‫تعال القصاص ف النفس والراح والطراف‪.‬‬
‫ولفظ الال جاءت الشريعة برمة السراف والتبذير وإضاعة الال‪ ،‬كما جاءت برمة العتداء على‬
‫أموال الخرين وعقوبة العتدين بد الرابة‪ ،‬أو بد السرقة‪ ،‬أو التعزير بسب نوع العدوان‪.‬‬
‫ولفظ العقل جاءت الشريعة بتحري المر‪ ,‬وإقامة الد على من شربا‪ ,‬وجاءت بتحري كل ما يسكر‬
‫ويفتر كالخدرات‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬تقوى ال ف السر والعلن‪:‬‬
‫جاءت الشريعة السلمية باستقامة الؤمني‪ ،‬وتقواهم ل ف السر والعلن‪ ,‬حيث يراقب الؤمن ربه ف‬
‫حركاته وسكناته وف سره وجهره‪ ,‬وقد قال ال تعال‪َ { :‬ومَا تَكُونُ فِي شَأْ ٍن َومَا َتتْلُوْا مِْن ُه مِن ُقرْآنٍ وَلَ‬
‫ك مِن مْثقَا ِل َذ ّرةٍ فِي ٱ َل ْرضِ‬
‫ب عَن رّب َ‬
‫َتعْمَلُو َن مِ ْن عَمَلٍ إِلّ ُكنّا عَلَْيكُمْ ُشهُودا ِإذْ ُتفِيضُونَ فِي ِه َومَا َي ْعزُ ُ‬
‫صغَ َر مِن ذِٰلكَ وَلۤ أَ ْكَبرَ إِ ّل فِي كِتَابٍ مِّبيٍ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬قَدْ سَمِ َع ٱلّلهُ َقوْلَ ٱلّتِي‬
‫وَلَ فِي ٱلسّمَآ ِء وَلَ َأ ْ‬
‫سمَعُ تَحَا ُورَكُمآ إِ ّن ٱلّلهَ َسمِيعٌ َبصِيٌ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬أَلَمْ‬
‫شتَكِيۤ إِلَى ٱلّلهِ وَٱلّلهُ يَ ْ‬
‫تُجَادُِلكَ فِي َزوْ ِجهَا وَتَ ْ‬
‫لثَةٍ إِ ّل ُه َو رَاِب ُعهُمْ وَلَ خَ ْمسَةٍ‬
‫جوَىٰ ثَ َ‬
‫ت َومَا فِي ٱ َل ْرضِ مَا يَكُو ُن مِن نّ ْ‬
‫َترَ أَنّ ٱلّلهَ َيعْلَ ُم مَا فِي ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫إِ ّل ُهوَ سَادِ ُسهُ ْم وَلَ َأدْنَ ٰى مِن ذَِلكَ وَلَ أَ ْكَثرَ إِ ّل ُهوَ َم َعهُمْ َأيْ َن مَا كَانُواْ ثُمّ ُينَبُئهُم بِمَا عَ ِملُواْ َي ْومَ ٱْلقِيَامَةِ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬اتّقِ ال ّلهَ حَ ْيثُمَا كُ ْنتَ‪ ،‬وَأتْبِعِ السّيَّئةَ‬
‫إِنّ ٱلّلهَ بِكُل شَ ْيءٍ َعلِيمٌ}‪ ،‬وقال رسو ِل الّلهِ صَلّى ا ُ‬
‫حهَا‪ ،‬وخَال ِق النّاسَ ُبلُقٍ حَسَنٍ" رواهُ الّترْمذيّ‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫الْحسنةَ تَمْ ُ‬
‫"ثلث كفارات‪ ،‬وثلث درجات‪ ،‬وثلث منجيات‪ ،‬وثلث مهلكات‪ ,‬فأما الكفارات فإسباغ‬
‫الوضوء على السبات‪ ,‬وانتظار الصلة بعد الصلة‪ ,‬ونقل القدام إل الماعات‪ ,‬وأما الدرجات‪:‬‬
‫فإطعام الطعام‪ ,‬وإفشاء السلم‪ ,‬والصلة بالليل والناس نيام‪ ,‬وأما النجيات‪ :‬فالعدل ف الغضب‬
‫والرضى‪ ,‬والقصد ف الفقر والغن‪ ,‬وخشية ال ف السر والعلنية‪ ,‬وأما الهلكات‪ :‬فشح مطاع‪,‬‬
‫وهوى متبع‪ ,‬وإعجاب الرء بنفسه" رواه البزار واللفظ له والبيهقي وغيها‪ ,‬وكان من دعائه صلى ال‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪68‬‬

‫عليه وسلم‪" :‬أسألك خشيتك ف الغيب والشهادة"‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬لعلمن أقواما من‬
‫أمت يأتون يوم القيامة بسنات أمثال جبال تامة بيضاء‪ ،‬فيجعلها ال عز وجل هباء منثورا" قال‬
‫ثوبان‪ :‬يا رسول ال صفهم لنا‪ ،‬جلهم لنا‪ ،‬أل نكون منهم ونن ل نعلم‪ ,‬قال‪" :‬أما إنم إخوانكم ومن‬
‫جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بحارم ال انتهكوها" رواه ابن‬
‫ماجه‪.‬‬
‫و من ضعف إيانه‪ ،‬ورق خوفه من عذاب ال‪ ,‬وارتكب الحرمات ول يردعه اليان‪ ,‬فيدع ويكف‬
‫ج صِدْقٍ‬
‫خرَ َ‬
‫بالدود والعقوبات الشرعية‪ ،‬وقد قال تعال‪َ { :‬وقُل ّربّ َأدْ ِخلْنِي مُ ْدخَ َل صِدْقٍ وََأ ْخرِجْنِي مُ ْ‬
‫وَٱ ْجعَل لّي مِن لّدُْنكَ سُ ْلطَانا ّنصِيا}‪ ،‬وقد أخرج الاكم وصححه والبيهقي ف الدلئل عن قتادة رضي‬
‫ج صِدْقٍ}‬
‫خرَ َ‬
‫ال عنه ف قوله‪{ :‬وَقُل ّربّ َأدْخِ ْلنِي مُدْخَ َل صِدْقٍ} الية قال‪ :‬أخرجه ال من مكة {مُ ْ‬
‫وأدخله الدينة {مُ ْدخَ َل صِدْقٍ} قال‪ :‬وعلم نب ال صلى ال عليه وسلم أنه ل طاقة له بذا المر إل‬
‫بسلطان‪ ،‬فسأل سلطانا نصيا لكتاب ال تعال وحدوده وفرائضه وإقامة كتاب ال تعال‪ ،‬فإن السلطان‬
‫عزة من ال تعال جعلها بي عباده‪ ،‬ولول ذلك لغار بعضهم على بعض‪ ،‬وأكل شديدهم ضعيفهم "‪،‬‬
‫وأخرج المام ابن جرير عن السن‪ ،‬ف قول ال عزّ وجلّ‪{ :‬وَا ْجعَلْ لِي مِنْ لَ ُدْنكَ سُلْطانا َنصِيا}"‬
‫يُوعِده لََيْن ِزعَنّ مُلك فارس‪ ،‬وعزّ فارس‪ ،‬وليجعلنه له‪ ،‬وعزّ الرّوم‪ ،‬ومُلك الروم‪ ،‬وليجعلنه له "‪ ,‬وقال‬
‫المام ابن جرير " ذلك أمر من ال تعال نبيه بالرغبة إليه ف أن يؤتيه سلطانا نصيا له على من بغاه‬
‫وكاده‪ ،‬وحاول منعه من إقامته فرائض ال ف نفسه وعباده"‪ ،)11‬وقال ابن كثي رحه ال‪" :‬واختار ابن‬
‫جرير قول السن وقتادة‪ ،‬وهو الرجح‪ ،‬لنه ل بد مع الق من قهر لن عاداه وناوأه"‪.)22‬‬
‫سطِ وَأَنزْْلنَا‬
‫ب وَٱلْمِيزَانَ ِلَيقُومَ ٱلنّاسُ بِٱْلقِ ْ‬
‫ت وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ٱلْكِتَا َ‬
‫وقال تعال‪َ{ :‬لقَدْ َأرْسَ ْلنَا رُسَُلنَا بِٱلْبَيّنَا ِ‬
‫ص ُرهُ َورُ ُسَلهُ بِٱْلغَْيبِ إِنّ ٱلّلهَ َق ِويّ َعزِيزٌ}‪ ,‬فمن ل‬
‫س وَِلَيعْلَمَ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫ٱلْحَدِي َد فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّا ِ‬
‫ض وََلـٰكِنّ‬
‫ت ٱ َلرْ ُ‬
‫ضهُمْ ِبَبعْضٍ َلفَسَ َد ِ‬
‫يقوّمه الكتاب قوّم بالديد‪ ,‬وقال تعال‪ ( :‬وََلوْ َل دَفْ ُع ٱلّلهِ ٱلنّاسَ َبعْ َ‬
‫ٱلّل َه ذُو َفضْ ٍل َعلَى ٱْلعَالَ ِميَ)‪ ,‬وقال أمي الؤمني عثمان بن عفان رضي ال عنه " إن ال ليزع بالسلطان‬
‫ما ل يزع بالقرآن "‪ ,‬فجمعت الشريعة بي الردع بالقرآن والردع بالسلطان‪ ,‬قال شيخ السلم ابن‬
‫تيمية رحه ال" ولكن ف بعض فوائد العقوبات الشروعة ف الدنيا ضبط العوام‪ ,‬كما قال عثمان بن‬
‫عفان رضي ال عنه" إن ال ليزع بالسلطان ما ل يزع بالقرآن"‪ ,‬فإن من يكن من النافقي والفجار فإنه‬
‫ينجر با يشاهده من العقوبات وينضبط عن انتهاك الحرمات"‪.)33‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‬
‫‪ )2‬تفسي القرآن العظيم‬
‫‪ )3‬مموع الفتاوى‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪69‬‬

‫و أما القواني الوضعية فيتظاهر أتباعها بالتمسك با علنا‪ ،‬وأما ف السر والفاء فيخالفونا‪ ،‬ويتالون‬
‫بأنواع اليل على تاوزها‪ ,‬ولذا عمت الرية والفساد ف متمعاتم‪ ,‬ول تستطع قوانينهم وتقنياتم‬
‫الديثة تقيق المن لم‪ ،‬وردع الجرمي‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬أن الشريعة جاءت با فيه سعادة العباد ف الدنيا والخرة‪:‬‬
‫فالشريعة جاءت با فيه سعادة العباد وفلحهم ف الدنيا والخرة‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬مَ ْن عَمِ َل صَالِحا مّن‬
‫جزِيَّنهُمْ َأ ْج َرهُم بِأَحْسَ ِن مَا كَانُواْ َيعْ َملُونَ}‪ ,‬وقال تعال‪:‬‬
‫حيَِيّنهُ َحيَاةً طَيّبَ ًة وَلََن ْ‬
‫ذَ َكرٍ َأوْ ُأنْثَ ٰى َو ُه َو ُمؤْمِنٌ َفلَنُ ْ‬
‫ضعُفُوْا َومَا ٱسْتَكَانُواْ‬
‫{وَكَأَيّن مّن نّبِ ّي قَاتَ َل َم َعهُ رِبّيّونَ كَثِيٌ فَمَا َوهَنُواْ لِمَآ َأصَاَبهُمْ فِي َسبِي ِل ٱلّلهِ َومَا َ‬
‫ب ٱلصّاِبرِينَ‪َ .‬ومَا كَا َن َقوَْلهُمْ إِلّ أَن قَالُواْ ربّنَا ٱ ْغ ِفرْ لَنَا ذُنُوَبنَا وَإِ ْسرَافَنَا فِيۤ َأ ْمرِنَا وََثّبتْ َأقْدَامَنَا‬
‫ح ّ‬
‫وَٱلّلهُ يُ ِ‬
‫حبّ ٱلْمُحْسِِنيَ}‪,‬‬
‫وٱْنصُرْنَا َعلَى ٱْل َقوْمِ ٱلْكَاِفرِينَ‪ .‬فَآتَاهُ ُم ٱلّلهُ َثوَابَ ٱلدّنْيَا وَ ُحسْنَ َثوَابِ ٱل ِخ َر ِة وَٱلّلهُ يُ ِ‬
‫فإن القلوب فطرت على عبودية ال والطمئنان بذكره‪ ,‬وإذا ابتعدت القلوب عن عبودية ال‪ ،‬استولت‬
‫عليه الشياطي‪ ،‬وأحاطت با الموم والضنك ف الدنيا‪ ,‬ث مصي أصحابا إل الشقاء ف الخرة‪ ،‬كما‬
‫ش عَن ذِ ْكرِ ٱلرّحْ َمـٰنِ ُنقَيّضْ َلهُ شَيْطَانا َف ُهوَ َلهُ َقرِينٌ‪ .‬وَإِّنهُمْ َلَيصُدّوَنهُ ْم عَنِ ٱلسّبِيلِ‬
‫قال تعال‪َ { :‬ومَن َيعْ ُ‬
‫حسَبُونَ أَّنهُم ّمهْتَدُو َن )‪ ,‬وقال تعال‪( :‬ٱلّذِي َن آمَنُوْا وََتطْمَئِ ّن قُلُوُبهُ ْم بِذِ ْكرِ ٱلّلهِ أَ َل بِذِ ْكرِ ٱلّلهِ تَطْمَِئنّ‬
‫وَيَ ْ‬
‫ض عَ ُدوّ فَِإمّا يَ ْأتَِينّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبعَ‬
‫ٱْلقُلُوبُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬قَا َل ٱهْبِطَا مِْنهَا جَمِيعا َب ْعضُكُمْ لَِبعْ ٍ‬
‫ش ُرهُ َي ْومَ ٱْلقِيا َمةِ َأعْمَىٰ‪.‬‬
‫ش ًة ضَنكا وََنحْ ُ‬
‫شقَىٰ‪َ .‬ومَنْ َأ ْع َرضَ عَن ذِ ْكرِي فَإِنّ َلهُ َمعِي َ‬
‫هُدَايَ فَلَ َيضِ ّل وَلَ َي ْ‬
‫شرْتَنِيۤ َأعْ َم ٰى وَقَدْ كُنتُ َبصِيا‪ .‬قَالَ كَذِٰلكَ أََتْتكَ آيَاتُنَا فَنَسِيَتهَا وَكَذِٰلكَ ٱلَْي ْومَ ُتنْسَىٰ‪.‬‬
‫قَا َل َربّ لِمَ َح َ‬
‫ت رَّب ِه وََلعَذَابُ ٱل ِخ َرةِ أَ َشدّ وََأْبقَىٰ}‪ ,‬وقد أخرج ابن جرير‬
‫جزِي مَنْ َأ ْسرَفَ وَلَ ْم ُي ْؤمِن بِآيَا ِ‬
‫وَكَذِٰلكَ نَ ْ‬
‫عن ابن عباس قال " تضمن ال لن قرأ القرآن‪ ،‬واتبع ما فيه أن ل يضلّ ف الدنيا ول يشقى ف الخرة‪،‬‬
‫شقَى} "‪.‬‬
‫ث تل هذه الية‪َ{ :‬فمَنِ اتّبَ َع هَدَايَ فَل يض ّل وَل يَ ْ‬
‫خامساً‪ :‬موافقة الشريعة للفطرة‪:‬‬
‫من مزايا الشريعة السلمية موافقتها للفطرة‪ ،‬فهي ل تتعارض مع الفطرة السليمة‪ ،‬ما دام أن النسان‬
‫باق على أصل فطرته ول تتغي فطرته ول تنحرف‪ ,‬وأما إذا تغيت فطرته بسبب الؤثرات الحيطة به‬
‫ففي هذه الالة يعارض بعقله الفاسد الشريعة ويالفها وينفر منها‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬فَمَا َلهُ ْم عَنِ‬
‫س َورَ ٍة ) فهذا العراض‪ ،‬والنفور‪ ،‬والفرار عن الق‬
‫ٱلتّذْ ِك َر ِة مُ ْع ِرضِيَ‪ .‬كََأّنهُمْ حُ ُم ٌر مّسْتَن ِفرَةٌ‪َ .‬ف ّرتْ مِن َق ْ‬
‫هو بسبب تغي الفطرة عن أصل خلقتها‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬فَأَقِ ْم َو ْج َهكَ لِلدّي ِن حَنِيفا فِ ْط َرةَ ٱلّلهِ ٱلّتِي فَ َطرَ‬
‫س عََلْيهَا لَ تَْبدِيلَ ِلخَلْقِ ٱلّل ِه ذَِلكَ ٱلدّينُ ٱْلقَيّ ُم وََلـٰكِنّ أَكَْثرَ ٱلنّاسِ َل َيعْلَمُونَ}‪ ,‬وعن أب هريرة‬
‫ٱلنّا َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪70‬‬

‫رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما من مولود إل يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه‬
‫يهودانه أو ينصرانه أو يجسانه كما تنتج البهيمة بيمة جعاء هل تسون فيها من جدعاء"‪ ,‬ث يقول‬
‫خلْقِ ٱلّل ِه ذَِلكَ ٱلدّينُ ٱْلقَيّمُ} رواه البخاري ومسلم واللفظ‬
‫س عَلَْيهَا َل تَبْدِيلَ لِ َ‬
‫{ِف ْط َرةَ ٱلّلهِ ٱلّتِي فَ َطرَ ٱلنّا َ‬
‫للبخاري‪.‬‬
‫فإن النفوس فطرت على الطمأنينة بالق ومعرفته‪ ،‬كما ف حديث الّنوّاسِ بنِ سَمعانَ رضي اللّه عنه عن‬
‫سكَ‪ ،‬و َك ِر ْهتَ أَنْ يَ ّطلَعَ َعلَ ْيهِ‬
‫للُقِ‪ ،‬وَا ِلثُ ما حاكَ ف نفْ ِ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم قال "البّ حُس ُن ا ُ‬
‫ب صَلّى ا ُ‬
‫الن ّ‬
‫النّاسُ" رواه مسلم‪.‬‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم فقال" ِجْئتَ تسأَلُ عنِ‬
‫وعن وابص َة ب ِن َمعْبِدٍ رض َي اللّه عنه قال‪ :‬أََتْيتُ رسولَ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ت َقلْبَكَ‪ ،‬الِبرّ‪ :‬ما اطْ َمأَّنتْ ِإلَ ْيهِ الّن ْفسُ‪ ،‬واطْ َمأَ ّن إِلَ ْيهِ ال َق ْلبُ‪ ،‬والِ ُث ما‬
‫الِب ّر " قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال "اسَْت ْف ِ‬
‫لسَنِ بن‬
‫س وََأفْتَوكَ" رواهُ أحدُ‪ ،‬والدّا َرمِيّ‪ ,‬وعن ا َ‬
‫ص ْدرِ‪ ،‬وإِ ْن َأفْتَاكَ النّا ُ‬
‫حاكَ ف الّن ْفسِ وَت َر ّددَ ف ال ّ‬
‫ع ما َيرِيُبكَ إِل مَا ل‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم "دَ ْ‬
‫عَل ّي رضيَ الّلهُ عنهما‪ ،‬قال‪َ :‬حفِ ْظتُ مِ ْن رَسُول الّلهِ صَلّى ا ُ‬
‫يرِيبُك" رواهُ الترمذي وغيه‪ ,‬وف رواية للترمذي وغيه "فإن الصدق طمأنينة‪ ،‬وإن الكذب ريبة"‪ ,‬قال‬
‫ابن رجب رحه ال " ومعن هذا الديث يرجع إل الوقوف عند الشبهات واتقائها فإن اللل الحض‬
‫ل يصل لؤمن ف قلبه منه ريب‪ ،‬والريب بعن القلق والضطراب بل تسكن إليه النفس ويطمئن به‬
‫القلب وأما الشتبهات فيحصل با للقلوب القلق والضطراب الوجب للشك" وقال " وقوله ف الرواية‬
‫الخرى إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة‪ .‬يشي إل أنه ل ينبغي العتماد على قول كل قائل‪ ،‬كما قال‬
‫ف حديث وابصة‪ :‬وإن أفتاك الناس وأفتوك‪ .‬وإنا يعتمد على قول من يقول الصدق وعلمة الصدق أن‬
‫تطمئن به القلوب‪ ،‬وعلمة الكذب أن تصل به الريبة‪ ،‬فل تسكن القلوب إليه بل تنفر منه "‪ ,)11‬وقال‬

‫أبو داود‪ :‬حدثنا يزيد بن خالد بن عبد ال بن موهب المدان ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا‬
‫إدريس الولن عائذ ال أخبه أن يزيد بن عمية وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبه قال‪ :‬كان ل‬
‫يلس ملسا للذكر حي يلس إل قال‪ :‬ال حكم قسط‪ ،‬هلك الرتابون‪ .‬فقال معاذ بن جبل يوما‪ :‬إن‬
‫من ورائكم فتنا‪ ،‬يكثر فيها الال‪ ،‬ويفتح فيها القرآن‪ ،‬حت يأخذه الؤمن والنافق‪ ،‬والرجل والرأة‪،‬‬
‫والصغي والكبي‪ ،‬والعبد والر‪ ،‬فيوشك قائل أن يقول‪ :‬ما للناس ل يتبعون؟ وقد قرأت القرآن ما هم‬
‫بتبعي حت أبتدع لم غيه‪ ،‬فإياكم وما ابتدع‪ ،‬فإن ما ابتدع ضللة‪ ،‬وأحذركم زيغة الكيم‪ ،‬فإن‬
‫الشيطان قد يقول كلمة الضللة على لسان الكيم‪ ،‬وقد يقول النافق كلمة الق قال‪ :‬قلت لعاذ‪ :‬ما‬
‫يدرين رحك ال أن الكيم قد يقول كلمة الضللة‪ ،‬وأن النافق قد يقول كلمة الق؟ قال‪ :‬بلى اجتنب‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع العلوم والكم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪71‬‬

‫من كلم الكيم الشتهرات‪ ،‬الت يقال لا ما هذه؟ ول يثنينك ذلك عنه‪ ،‬فإنه لعله أن يراجع‪ ،‬وتلق الق‬
‫إذا سعته‪ ،‬فإن على الق نورا "‪ ,‬قال أبو داود " قال معمر عن الزهري ف هذا ول ينئينك ذلك عنه‬
‫مكان يثنينك‪ .‬وقال صال بن كيسان عن الزهري ف هذا الشبهات مكان الشتهرات‪ ،‬وقال ل يثنينك‪،‬‬
‫كما قال عقيل‪ ،‬وقال ابن إسحاق عن الزهري قال‪ :‬بلى ما تشابه عليك من قول الكيم حت تقول ما‬
‫أراد بذه الكلمة"‪ ,‬فقوله رضي ال عنه " ال حكم قسط‪ ,‬هلك الرتابون " أي حكم عادل‪ ,‬هلك‬
‫الشاكون‪ ,‬وقوله‪" :‬ويفتح فيها القرآن" أي يشيع فيها إقراء كتاب ال حت يقرأه الؤمن والنافق‪ ,‬والرجل‬
‫والرأة‪ ,‬والكبي والصغي‪ ,‬والعبد والر‪ ,‬وقوله‪" :‬فيوشك قائل أن يقول ما للناس ل يتبعون وقد قرأت‬
‫القرآن ما هم بتبعي حت أبتدع لم غيه‪ ،‬فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضللة" وهذا كحال من‬
‫يالف القرآن ويبتدع ف دين ال قاصدا بذلك كثرة التباع‪ ،‬والتفاف الناس حوله‪ ،‬وهذا النراف عن‬
‫صراط ال الستقيم كثيا ما يقع ف مثله بعض الدعاة إل ال بجة مصلحة الدعوة‪ ،‬والتفاف الناس‬
‫حولم‪ ,‬وقوله رضي ال عنه‪" :‬وأحذركم زيغة الكيم‪ ،‬فإن الشيطان قد يقول كلمة الضللة على لسان‬
‫الكيم‪ ،‬وقد يقول النافق كلمة الق‪ .‬قال‪ :‬قلت لعاذ‪ :‬ما يدرين رحك ال أن الكيم قد يقول كلمة‬
‫الضللة‪ ،‬وأن النافق قد يقول كلمة الق؟ قال‪ :‬بلى اجتنب من كلم الكيم الشتهرات‪ ،‬الت يقال لا‬
‫ما هذه‪ ،‬ول يثنينك ذلك عنه‪ ،‬فإنه لعله أن يراجع وتلق الق إذا سعته‪ ،‬فإن على الق نورا" يدل على‬
‫أن النفوس فطرت على معرفة الق‪ ,‬فإن على الق نورا‪ ،‬فإذا زل العال وجاء با ينكر من القول ويشتبه‬
‫على سامعيه حت يقال‪ :‬ماذا يريد بذا القول؟ فإن هذا العال ل يتابع ف زلته‪ ،‬وأما كلمة الق فيؤخذ‬
‫با‪ ،‬ولو كان قائلها منافقا‪.‬‬
‫وأما القواني الوضعية الت هي من وحي الشياطي‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَإِ ّن ٱلشّيَا ِطيَ لَيُوحُونَ ِإلَىۤ‬
‫شرِكُونَ} ‪ ,‬وقوله تعال‪{ :‬وَ َكذِٰلكَ َزيّنَ لِ َكثِ ٍي مّنَ‬
‫َأوْلِيَآِئهِمْ لُِيجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َطعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ َلمُ ْ‬
‫شرِ ِكيَ قَتْلَ َأوْ َل ِدهِمْ ُشرَكَآ ُؤهُمْ ِلُي ْردُوهُ ْم وَلَِيلِْبسُوْا عََلْيهِ ْم دِيَنهُمْ}‪ ,‬فهي مناقضة للفطرة السوية‪ ,‬ول‬
‫ٱلْمُ ْ‬
‫تقبل بذه القواني‪ ،‬وتيل إليها إل النفوس الت فسدت فطرتا‪ ،‬وكفرت بالقها‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬كمال الشريعة السلمية وشولا ووفاؤها بميع الحكام والقضية ف كل زمان ومكان‪:‬‬
‫لقد جاءت الشريعة السلمية بالنصوص والقواعد العامة والحكام الكلية‪ ،‬الت تندرج فيها جيع‬
‫الوادث والنوازل الطارئة إل يوم القيامة‪ ،‬وقد ال تعال‪{ :‬ٱلَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَ ُكمْ دِينَكُ ْم وََأتْمَ ْمتُ َعلَيْكُمْ‬
‫ل َم دِينا}‪ ,‬قال المام الشاطب رحه ال‪" :‬إن ال تعال أنزل الشريعة على‬
‫ِنعْمَتِي َو َرضِيتُ لَكُ ُم ٱلِسْ َ‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم فيها تبيان كل شىء‪ ،‬يتاج إليه اللق ف تكاليفهم الت أمروا با‪ ،‬وتعبداتم‬
‫الت طوقوها ف أعناقهم‪ ،‬ول يت رسول ال صلى ال عليه وسلم حت كمل الدين بشهادة ال تعال‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪72‬‬

‫لمَ‬
‫بذلك‪ ،‬حيث قال تعال‪{ :‬ٱلَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَ ُكمْ دِينَكُ ْم وََأتْمَ ْمتُ َعلَيْكُ ْم ِنعْمَتِي َو َرضِيتُ لَكُ ُم ٱلِسْ َ‬
‫دِينا}‪ ,‬فكل من زعم أنه بقي ف الدين شيء ل يكمل فقد كذب بقوله‪{ :‬ٱلَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَ ُكمْ}‪...‬‬
‫ولكن الراد كلياتا فلم يبق للدين قاعدة يتاج إليها ف الضروريات والاجيات أو التكميليات إل وقد‬
‫بينت غاية البيان‪ .‬نعم يبقى تنيل الزئيات على تلك الكليات موكول إل نظر الجتهد‪ ،‬فإن قاعدة‬
‫الجتهاد أيضا ثابتة ف الكتاب والسنة‪ ،‬فل بد من إعمالا ول يسع تركها"‪ ,)11‬وعن أب ذر رضي ال‬

‫عنه قال‪ " :‬تركنا رسول ال صلى ال عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه ف الواء إل وهو يذكرنا منه‬
‫علما قال فقال صلى ال عليه وسلم "ما بقي شيء يقرب من النة ويباعد من النار إل وقد بي لكم"‬
‫رواه الطبان ف الكبي‪.‬‬
‫شرَىٰ ِللْمُسِْل ِميَ‪ .‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬وَنزّلْنَا َعلَْيكَ ٱلْكِتَابَ ِتبْيَانا لّكُ ّل شَ ْيءٍ َوهُدًى َورَحْمَ ًة وَُب ْ‬
‫بِٱْلعَدْ ِل وَٱلحْسَانِ وَإِيتَآ ِء ذِي ٱْل ُقرْبَ ٰى وَيَْنهَ ٰى عَنِ ٱْلفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْ َك ِر وَٱلَْبغْيِ َيعِظُكُ ْم َلعَلّكُمْ تَ َذ ّكرُونَ}‪,‬‬
‫أخرج ابن جرير عن ماهد ف قوله تعال {ِتبْيَانا لّ ُكلّ شَ ْيءٍ} قال‪" :‬ما أحل لم وحرم عليهم " وف‬
‫رواية‪ " :‬ما أمر به وما نى عنه "‪ ,‬وقال العلمة السعدي رحه ال‪ " :‬وقوله‪{ :‬وََنزّْلنَا عََلْيكَ ٱلْ ِكتَابَ‬
‫ِتبْيَانا لّكُلّ َش ْيءٍ} ف أصول الدين وفروعه‪ ،‬وف أحكام الدارين‪ ،‬وكل ما يتاج إليه العباد‪ ،‬فهو مبي فيه‬
‫أت تبيي‪ ،‬بألفاظ واضحة‪ ،‬ومعان جلية‪ ،‬حت إنه تعال يثن فيه المور الكبار‪ ،‬الت يتاج القلب لرورها‬
‫عليه كل وقت‪ ،‬وإعادتا ف كل ساعة‪ ،‬ويعيدها‪ ،‬ويبديها بألفاظ متلفة وأدلة متنوعة‪ ،‬لتستقر ف القلوب‬
‫فتثمر من الي والب‪ ،‬بسب ثبوتا ف القلب‪ .‬وحت إنه تعال يمع ف اللفظ القليل الواضح‪ ،‬معان‬
‫كثية‪ ،‬يكون اللفظ لا‪ ،‬كالقاعدة والساس‪ .‬واعتب هذا بالية الت بعد هذه الية‪ ،‬وما فيها من أنواع‬
‫الوامر والنواهي‪ ،‬الت ل تصى‪ .‬فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء‪ ،‬صار حجة ال على العباد‬
‫كلهم‪ .‬فانقطعت به حجة الظالي‪ ،‬وانتفع به السلمون‪ ،‬فصار هدى لم‪ ،‬يهتدون به إل أمر دينهم‬
‫ودنياهم‪ ،‬ورحة ينالون به كل خي ف الدنيا والخرة‪ ...‬فالعدل الذي أمر ال به‪ ،‬يشمل العدل ف حقه‪،‬‬
‫وف حق عباده‪ .‬فالعدل ف ذلك‪ ،‬أداء القوق كاملة موفورة‪ ،‬بأن يؤدي العبد ما أوجب ال عليه من‬
‫القوق الالية والبدنية‪ ،‬والركبة منهما‪ ،‬ف حقه‪ ،‬وحق عباده‪ .‬ويعامل اللق بالعدل التام‪ ،‬فيؤدي كل‬
‫وال ما عليه تت وليته‪ ،‬سواء ف ذلك ولية المامة الكبى‪ ،‬وولية القضاء‪ ،‬ونواب الليفة‪ ،‬ونواب‬
‫القاضي‪ ،‬والعدل هو‪ :‬ما فرضه ال عليهم ف كتابه‪ ،‬وعلى لسان رسوله‪ ،‬وأمرهم بسلوكه‪ ،‬ومن العدل‬
‫ف العاملت‪ ،‬أن تعاملهم ف عقود البيع والشراء وسائر العاوضات‪ ،‬بإيفاء جيع ما عليك‪ ،‬فل تبخس‬
‫لم حقا‪ ،‬ول تغشهم‪ ،‬ول تدعهم وتظلمهم فالعدل واجب‪ ،‬والحسان فضيلة مستحبة‪ ،‬وذلك كنفع‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬العتصام‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪73‬‬

‫الناس‪ ،‬بالال والبدن‪ ،‬والعلم‪ ،‬وغي ذلك من أنواع النفع‪ ،‬حت يدخل فيه الحسان إل اليوان البهيم‬
‫الأكول‪ ،‬وغيه‪ .‬وخص ال إيتاء ذوي القرب ـ وإن كان داخلً ف العموم ـ لتأكد حقهم‪ ،‬وتعي‬
‫صلتهم وبرهم‪ ،‬والرص على ذلك‪ .‬ويدخل ف ذلك جيع القارب‪ :‬قريبهم‪ ،‬وبعيدهم‪ ،‬لكن كل من‬
‫كان أقرب‪ ،‬كان أحق بالب‪ ،‬وقوله‪{ :‬وََيْنهَ ٰى عَن الفحشاءِ} وهو‪ :‬كل ذنب عظيم‪ ،‬استفحشته الشرائع‬
‫والفطر‪ ،‬كالشرك بال‪ ،‬والقتل بغي حق‪ ،‬والزنا‪ ،‬والسرقة‪ ،‬والعجب‪ ،‬والكب‪ ،‬واحتقار اللق‪ ،‬وغي ذلك‬
‫من الفواحش‪ .‬ويدخل ف النكر‪ ،‬كل ذنب ومعصية تتعلق بق ال تعال‪ .‬وبالبغي‪ ،‬كل عدوان على‬
‫اللق‪ ،‬ف الدماء‪ ،‬والموال‪ ،‬والعراض‪ ،‬فصارت هذه الية جامعة لميع الأمورات والنهيات‪ ،‬ل يبق‬
‫شيء‪ ،‬إل دخل فيها‪ ،‬فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الزئيات‪ .‬فكل مسألة مشتملة على عدل‪ ،‬أو‬
‫إحسان‪ ،‬أو إيتاء ذي القرب‪ ،‬فهي ما أمر ال به‪ .‬وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر‪ ،‬أو بغي‪،‬‬
‫فهي ما نى ال عنه‪ .‬وبا يعلم حسن ما أمر ال به‪ ،‬وقبح ما نى عنه‪ .‬وبا يعتب ما عند الناس من‬
‫القوال‪ ،‬وترد إليها سائر الحوال‪ ،‬فتبارك من جعل من كلمه‪ :‬الدى‪ ،‬والشفاء‪ ،‬والنور‪ ،‬والفرقان بي‬
‫جيع الشياء" (تيسي الكري الرحن )‪.‬‬
‫وقال تعال‪َ{ :‬فمَن َيعْمَ ْل مِْثقَا َل َذ ّرةٍ َخيْرا َي َرهُ‪َ .‬ومَن َيعْـمَ ْل مِْثقَا َل َذ ّرةٍ َشرّا َي َرهُ}‪,‬وقال صلى ال عليه‬
‫وسلم "الَ ْيلُ ثلَثةٌ‪ :‬هِي ِلرَجُ ٍل وِزرٌ‪ ،‬وهِيَ ِلرَجُلٍ سِ ْترٌ‪ ،‬وهِي لرجُلٍ أَ ْجرٌ‪ ،‬فَأمّا الت هي ل ُه وزر فَرَجُلٌ‬
‫ربطَها رِياءً وفَخْرا ونِواءً عَلى َأهْلِ الِسْلمِ‪ ،‬فهي َل ُه وِزرٌ‪ ،‬وَأمّا الت هِيَ َلهُ سِ ْترٌ‪َ ،‬فرَجُل ربَ َطهَا ف‬
‫سَبِي ِل ال ّلهِ‪ُ ،‬ثمّ ل ي ْنسَ حقّ ال ّلهِ ف ُظهُورِها‪ ،‬ول رِقابا‪َ ،‬فهِي َلهُ ِس ْترٌ‪ ،‬وَأمّا الت هِيَ َلهُ أَ ْجرٌ‪ ،‬فرجُلٌ‬
‫ض ِة مِن‬
‫ضةٍ‪ ،‬فَمَا أَ َكلَت مِن ذلك ا َلرْجِ أَو الرّو َ‬
‫رب َطهَا ف سبِي ِل ال ّلهِ َلهْل الِسْل ِم ف َمرْجٍ‪ ،‬أَو رَو َ‬
‫شَيءٍ إِلّ كُتِب َل ُه عدد ما أَ َكلَت حسنَاتٌ‪ ،‬وكُتِب لَه عدد َأ ْروَاِثهَا وأَْبوَاِلهَا حَسنَاتٌ‪ ،‬وَل َتقْطَعُ‬
‫ِطوََلهَا فاستَنّت َشرَفا أَو شَرفَيْنِ إِلّ كَتَب ال ّلهُ َلهُ عددَ آثَا ِرهَا‪ ،‬وَأ ْروَاثهَا حَسنَاتٍ‪ ،‬ول مرّ با صاحُِبهَا‬
‫ب اللّه َلهُ ع َد َد ما َشرِبَت حَسنَاتٍ "‪ .‬قِيلَ‪ :‬يا‬
‫سقَِيهَا إِلّ كََت َ‬
‫عَلى َن ْه ٍر فَشَرِبَت مِ ْنهُ‪ ،‬وَل يُريدُ أَ ْن يَ ْ‬
‫رسولَ الّلهِ فالُ ُمرُ؟ قال‪" :‬ما أُْنزِل علَيّ ف الُ ُمرِ شَيءٌ إِ ّل هذِهِ اليةُ اْلفَاذّةُ الَامِ َعةُ‪{ :‬فمن يعْملْ‬
‫مِثقَال ذ ّرةٍ َخيْرا يرهُ‪،‬ومَن يعْملْ مْثقَا َل َذ ّرةٍ َشرّا يرهُ} " مُّتفَقٌ عليهِ وهذا لفظُ مُسْلمٍ‪ ,‬قال المام ابن‬
‫القيم رحه ال‪" :‬فقد بي ال سبحانه على لسان رسوله بكلمه وكلم رسوله جيع ما أمر به‪ ،‬وجيع ما‬
‫نى عنه‪ ،‬وجيع ما أحله‪ ،‬وجيع ما حرمه‪ ،‬وجيع ما عفا عنه‪ ،‬وبذا يكون دينه كامل‪ ،‬كما قال تعال‪:‬‬
‫لمَ دِينا} ولكن قد يقصر فهم‬
‫{الَْي ْومَ أَكْمَ ْلتُ لَكُ ْم دِينَكُ ْم وَأَْتمَ ْمتُ َعلَيْكُ ْم ِنعْمَتِي َو َرضِيتُ َلكُمُ ٱلسْ َ‬
‫أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدللة وموقعها وتفاوت المة ف مراتب الفهم‬
‫عن ال ورسوله ل يصيه إل ال‪ ،‬ولو كانت الفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء ف العلم‪ ،‬ولا خص‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪74‬‬

‫سبحانه سليمان بفهم الكومة ف الرث‪ ،‬وقد أثن عليه وعلى داود بالعلم والكم‪ ،‬وقد قال عمر لب‬
‫موسى ف كتابه إليه‪ :‬الفهم الفهم فيما أدل إليك‪ .‬وقال علي‪ :‬إل فهما يؤتيه ال عبدا ف كتابه وقال أبو‬
‫سعيد‪ :‬كان أبو بكر أعلمنا برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ودعا النب صلى ال عليه وسلم لعبد ال بن‬
‫عباس أن يفقهه ف الدين ويعلمه التأويل"‪ ،‬وقال‪" :‬فإنه صلى ال عليه وسلم يأت بالكلمة الامعة‪ ،‬وهي‬
‫قاعدة عامة وقضية كلية‪ ،‬تمع أنواعا وأفرادا‪ ،‬وتدل دللتي دللة طرد ودللة عكس‪ .‬وهذا كما سئل‬
‫صلى ال عليه وسلم عن أنواع من الشربة كالبتع والزر‪ ،‬وكان قد أوت جوامع الكلم فقال‪" :‬كل‬
‫مسكر حرام"‪ ،‬و"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"‪ ،‬و"كل قرض جر نفعا فهو ربا"‪ ،‬و"كل شرط‬
‫ليس ف كتاب ال فهو باطل"‪ ،‬و"كل السلم على السلم حرام دمه وماله وعرضه"‪ ،‬و"كل أحد أحق‬
‫باله من ولده ووالده والناس أجعي"‪ ،‬و"كل مدثة بدعة وكل بدعة ضللة"‪ ،‬و"كل معروف صدقة"‬
‫وسى النب صلى ال عليه وسلم هذه الية جامعة فاذة {فمن يعْم ْل مِثقَال ذ ّرةٍ خَيْرا يرهُ‪،‬ومَن يعْملْ‬
‫سرُ وَالَنصَابُ‬
‫مْثقَا َل َذ ّرةٍ َشرّا يرهُ} ومن هذا قوله تعال‪{ :‬يَـَأّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ إِنّمَا الْخَ ْم ُر وَالْمَْي ِ‬
‫وَا َلزْ َل ُم رِ ْجسٌ مّ ْن عَمَ ِل الشّيْطَانِ فَاجَْتنِبُوهُ َلعَلّكُمْ ُت ْفلِحُونَ} فدخل ف المر كل مسكر جامدا كان أو‬
‫مائعا من العنب أومن غيه‪ ،‬ودخل ف اليسر كل أكل مال بالباطل‪ ،‬وكل عمل مرم‪ ،‬يوقع ف العداوة‬
‫والبغضاء‪ ،‬ويصد عن ذكر ال وعن الصلة‪ ،‬ودخل ف قوله‪{ :‬قَدْ َف َرضَ الّلهُ لَكُمْ َتحِلّةَ أَيْمَانِكُمْ} كل‬
‫يي منعقدة‪ ،‬ودخل ف قوله‪{ :‬يَسَْألُوَنكَ مَاذَآ أُحِلّ َلهُمْ ُقلْ أُحِلّ لَ ُكمُ الطّيّبَاتُ} كل طيب من الطاعم‬
‫والشارب واللبس والفروج‪ ،‬ودخل ف قوله‪َ { :‬و َجزَآءُ سَيّئَةٍ َسيَّئ ٌة مّثُْلهَا} {فَ َمنِ اعْتَدَى عََليْكُمْ فَا ْعتَدُواْ‬
‫عََلْيهِ ِبمِثْ ِل مَا ا ْعتَدَى َعلَيْكُمْ} ما ل تصى أفراده من النايات وعقوباتا حت اللطمة والضربة والكسعة‪،‬‬
‫ش مَا َظ َه َر مِْنهَا َومَا بَطَ َن وَالِثْ َم وَالَْبغْيَ‬
‫كما فهم الصحابة ودخل ف قوله‪ُ{ :‬قلْ إِنّمَا َحرّ َم رَبّ َي اْل َفوَا ِح َ‬
‫شرِكُواْ بِالّلهِ مَا َلمْ يَُنزّ ْل ِبهِ ُسلْطَانا وَأَن َتقُولُوْا عَلَى الّلهِ مَا لَ َت ْعلَمُونَ} تري كل فاحشة‬
‫ِبغَْيرِ الْحَ ّق وَأَن ُت ْ‬
‫ظاهرة وباطنة‪ ،‬وكل ظلم وعدوان ف مال أو نفس أو عرض وكل شرك بال وإن دق ف قول أو عمل‬
‫أو إرادة‪ ...‬وكل قول على ال ل يأت به نص عنه ول عن رسوله ف تري أو تليل أو إياب أو إسقاط‬
‫أو خب عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبا عن فعله‪ ،‬فالقول عليه بل علم حرام ف أفعاله وصفاته‬
‫ح ِقصَاصٌ} وجوبه ف كل جرح يكن القصاص منه‪ ،‬وليس هذا‬
‫جرُو َ‬
‫ودينه‪ ،‬ودخل ف قوله {وَالْ ُ‬
‫تصيصا‪ ،‬بل هو مفهوم من قوله {ِقصَاصٌ} وهو الماثلة‪ ،‬ودخل ف قوله { َو َعلَى اْلوَا ِرثِ مِْثلُ‬
‫ذِلكَ}وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريب أو بعيد‪ ،‬ودخل ف قوله‬
‫{وََلهُ ّن مِثْ ُل الّذِي َعلَْيهِ ّن بِالْ َم ْعرُوف} جيع القوق الت للمرأة وعليها"‪.)11‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬إعلم الوقعي‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪75‬‬

‫فقد أوت صلى ال عليه وسلم جوامع الكلم‪ ،‬واختصر له الكلم اختصارا‪ ،‬فعن أب موسى رضي ال عنه‬
‫قال‪ :‬بعثن رسول ال صلى ال عليه وسلم ومعاذا إل اليمن فقال‪" :‬ادعوا الناس وبشرا ول تنفرا‬
‫ويسرا ول تعسرا وتطاوعا ول تتلفا" قال‪ :‬فقلت‪ :‬يا رسول ال أفتنا ف شرابي كنا نصنعهما باليمن‪:‬‬
‫البتع‪ ،‬وهو من العسل ينبذ حت يشتد‪ .‬والزر وهو من الذرة والشعي ينبذ حت يشتد؟ قال‪ :‬وكان رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بواته فقال‪" :‬أنى عن كل مسكرٍ‪ ،‬أسكر عن‬
‫الصلة" رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وعن أب هريرة أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬بعثت بوامع‬
‫الكلم‪ ،‬ونصرت بالرعب‪ ،‬وبينا أنا نائم رأيتن أتيت بفاتيح خزائن الرض‪ ،‬فوضعت ف يدي" قال‬
‫أبو هريرة‪ :‬فقد ذهب رسول ال صلى ال عليه وسلم وأنتم تنتثلونا رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وقال المام‬
‫البخاري‪" :‬بلغن أن جوامع الكلم أن ال يمع له المور الكثية الت كانت تكتب ف الكتب قبله ف‬
‫المر الواحد أو الثني"‪ ،‬وقال ابن رجب رحه ال‪" :‬جوامع الكلم الت خص با النب صلى ال عليه‬
‫وسلم نوعان‪ :‬أحدها ما هو ف القرآن‪ :‬كقوله تعال‪{ :‬إِنّ الّلهَ يَ ْأ ُمرُ بِاْلعَدْ ِل وَالِ ْحسَا ِن وَإِيتَاء ذِي اْل ُقرْبَى‬
‫وَيَْنهَى عَ ِن اْلفَحْشَاء وَالْمُن َك ِر وَاْلَبغْيِ َيعِظُكُمْ َلعَلّكُمْ تَذَ ّكرُونَ} قال السن‪ :‬ل تترك هذه الية خيا إل‬
‫أمرت به‪ ،‬ول شرا إل نت عنه‪ .‬والثان‪ :‬ما هو ف كلمه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو منتشر موجود ف‬
‫السنن الأثورة عنه صلى ال عليه وسلم "‪ ،)11‬ومن المثلة على ذلك قوله تعال‪َ { :‬وَتعَاوَنُوْا َعلَى ٱلْبّ‬

‫ى وَلَ َتعَاوَنُوْا َعلَى ٱلِثْ ِم وَٱْلعُ ْدوَانِ}‪ ,‬وقوله تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱلَمَانَاتِ ِإلَىۤ َأهِْلهَا‬
‫وَٱلّت ْقوَ ٰ‬
‫وَِإذَا حَكَ ْمتُمْ َبيْنَ ٱلنّاسِ أَن َتحْكُمُواْ بِٱْلعَدْلِ}‪ ,‬وقوله تعال {وََأ ْمرُهُمْ شُورَى بَْيَنهُمْ}‪ ،‬وقوله تعال‬
‫{وَْلتَكُن مّنْكُمْ ُأمّ ٌة يَ ْدعُونَ ِإلَى ٱلْخَْي ِر وَيَ ْأ ُمرُونَ بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََيْن َهوْنَ َعنِ ٱلْ ُمنْ َك ِر وَُأوَْلـِٰئكَ هُمُ‬
‫سرٍ‪ .‬إِلّ ٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ‬
‫صرِ‪ .‬إِ ّن ٱلِنسَانَ َلفِى خُ ْ‬
‫ٱلْ ُمفْلِحُونَ}‪ ،‬وقوله تعال {وَٱْلعَ ْ‬
‫صوْاْ بِٱلصّْبرِ}‪ ،‬قال الشافعي رحه ال‪ :‬لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم‪ ،‬وقوله‬
‫صوْْا بِٱلْحَق وََتوَا َ‬
‫وََتوَا َ‬
‫تعال {يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لَ تَتّخِذُواْ ِبطَاَن ًة مّن دُوِنكُمْ لَ يَأْلُوَنكُمْ خَبَا ًل َودّوْا مَا عَِنتّمْ قَ ْد بَ َدتِ ٱْلَبغْضَآءُ‬
‫خفِي صُدُو ُرهُمْ َأكَْبرُ قَدْ َبيّنّا لَكُمُ اليَاتِ إِنْ كُنُْتمْ َت ْعقِلُونَ}‪ ،‬وقوله صلى ال عليه‬
‫مِنْ أَ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬
‫ئ مَا َنوَى"‪ ,‬وقوله‪" :‬لضرر ول ضرار"‪ ,‬وقوله‪" :‬دع‬
‫وسلم‪ " :‬إنّما الَعما ُل بالنّيّات‪ ،‬وِإنّمَا لِكُلّ امر ٍ‬

‫ما يريبك إل ما ل يريبك" وقوله‪" :‬من حسن إسلم الرء تركه ما ل يعنيه"‪ ,‬وقوله‪" :‬إن ال كتب‬
‫الحسان على كل شيء"‪ ،‬وقوله‪" :‬ما نيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم‪،‬‬
‫فإنا أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلفهم على أنبيائهم"‪ ،‬وقوله‪" :‬ل يؤمن أحدكم حت‬
‫يب لخيه ما يب لنفسه"‪ ،‬وقوله‪" :‬اتق ال حيثما كنت‪ ،‬وأتبع السيئة السنة تحها‪ ،‬وخالق الناس‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع العلوم والكم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪76‬‬

‫بلق حسن"‪ ،‬وقوله‪" :‬أُوصِي ُكمْ بَِتقْوى اللّه‪ ،‬وَالسّمْ ِع وَالطّا َعةِ وإِنْ َتَأمّر َعلَ ْي ُكمْ َع ْبدٌ حبشيٌ‪ ،‬وََأّنهُ مَنْ‬
‫خ ُلفَاءِ الرّا ِشدِي َن الْ َم ْهدِيّيَ‪ ،‬عضّوا َعلَ ْيهَا‬
‫َي ِعشْ مِنْ ُك ْم فَسَيى ا ْختِلفا كثِيا‪ .‬فَ َعلَيْ ُكمْ بسُنّت وَ ُسّنةِ الْ ُ‬
‫بالنّوا ِجذِ‪ ،‬وإِيّا ُك ْم ومُحْدثَاتِ ا ُلمُورِ‪َ ،‬فإِنّ كُلّ ِبدْ َعةٍ ضلَلةٌ"‪ ،‬وقوله‪" :‬إن ال تاوز عن أمت الطأ‬
‫والنسيان وما استكرهوا عليه"‪ ،‬وقوله‪" :‬مَنْ سَنّ ف الِسْلم سُنةً حَسن ًة َفلَهُ أَ ْج ُرهَا‪ ،‬وأَ ْج ُر منْ عَملَ‬
‫ِبهَا مِنْ َبعْدِ ِه مِنْ غَ ْيرِ أَ ْن ي ْنقُصَ مِنْ أُجُور ِهمْ شَيءٌ‪ ،‬ومَنْ سَنّ ف الِسْلمِ سُّنةً سيّئةً كَانَ عَليه ِوزْرها‬
‫ص مِنْ َأوْزارهمْ شَ ْيءٌ"‪ ،‬وقوله‪" :‬من رأى منكم منكرا‬
‫َووِزرُ مَنْ عَمِلَ ِبهَا مِنْ بعْده مِنْ غَ ْيرِ َأنْ يَ ْنقُ َ‬
‫فليغيه بيده‪ ،‬فإن ل يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن ل يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليان"‪ ،‬وغيها‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪77‬‬

‫باب‪ :‬العدل‬
‫لقد جعل ال تعال الكتاب واليزان متلزمي‪ ,‬فكل ما جاء به الشرع فهو موافق للميزان‪ ,‬وكل ما‬
‫خالف الشرع فهو مالف للميزان‪ ،‬واليزان هو العدل وما يعرف به العدل‪ ,‬كما قال تعال‪َ( :‬لقَدْ َأرْ َسلْنَا‬
‫سطِ وَأَنزْْلنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَ ْأسٌ شَدِيدٌ‬
‫ب وَٱلْمِيزَانَ ِلَيقُومَ ٱلنّاسُ بِٱْلقِ ْ‬
‫ت وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ٱلْكِتَا َ‬
‫رُسَُلنَا بِٱلْبَيّنَا ِ‬
‫ص ُرهُ َورُ ُسَلهُ بِٱْلغَْيبِ إِنّ ٱلّلهَ َق ِويّ َعزِيزٌ)‪ ,‬فالعدل ف حق ال وف حق‬
‫َومَنَافِعُ لِلنّاسِ وَِلَيعْلَمَ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫العباد هو القصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب‪ ,‬وقال تعال‪َ { :‬ومَن لّمْ َيحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱلّلهُ‬
‫ك هُمُ ٱلظّالِمُونَ}‪ ,‬فالية تدل على أن كل ما خالف شرع ال فهو ظلم وجور ولو ساه أهلها‬
‫فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫عدل‪ ,‬قال المام ابن القيم رحه ال‪" :‬فإن الشريعة مبناها وأساسها على الكم ومصال العباد ف العاش‬
‫والعاد وهي عدل كلها‪ ،‬ورحة كلها‪ ،‬ومصال كلها‪ ،‬وحكمة كلها‪ ،‬فكل مسألة خرجت عن العدل‬
‫إل الور‪ ،‬وعن الرحة إل ضدها‪ ،‬وعن الصلحة إل الفسدة‪ ،‬وعن الكمة إل العبث‪ ،‬فليست من‬
‫الشريعة‪ ،‬وإن أدخلت فيها بالتأويل‪ ،‬فالشريعة عدل ال بي عباده‪ ،‬ورحته بي خلقه‪ ،‬وظله ف أرضه‪،‬‬

‫وحكمته الدالة عليه‪ ،‬وعلى صدق رسوله صلى ال عليه وسلم أت دللة وأصدقها"‪ ,)11‬وقال تعال‪{ :‬إنّ‬

‫ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ ِإلَىۤ َأهِْلهَا وَِإذَا حَكَمْتُ ْم بَيْنَ ٱلنّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱْلعَدْلِ}‪ ,‬وقال تعال‪:‬‬
‫ك صِدْقا َوعَدْلً ّل مُبَدّلِ ِلكَلِمَاِتهِ َو ُهوَ ٱلسّمِيعُ ٱْلعَلِيمُ} أي صدقا ف الخبار وعدل ف‬
‫{وَتَ ّمتْ َكلِمَ ُة رَّب َ‬
‫الحكام‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُ بِٱْلعَدْ ِل وَٱلحْسَا ِن وَإِيتَآ ِء ذِي ٱْل ُقرْبَ ٰى وَيَْنهَ ٰى عَنِ ٱْلفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْ َكرِ‬
‫وَٱلَْبغْيِ َيعِظُكُمْ َلعَلّكُمْ تَذَ ّكرُونَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وَِإذَا ُقلْتُمْ فَٱعْ ِدلُوْا وََلوْ كَا َن ذَا ُق ْربَىٰ}‪ ,‬وقال تعال‪:‬‬
‫{إِ ّن َهـٰذَا ٱْل ُقرْآنَ ِيهْدِي لِلّتِي هِيَ أَ ْق َومُ}‪ ,‬أي أصوب وأعدل ف العقائد والحكام وف جيع المور‬
‫والحوال والسياسات‪ ,‬فمن اهتدى بالقرآن وتاكم إليه من الولة وغيهم فهم أقوم الناس وأعدلم‪,‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬يٰدَاوُودُ إِنّا َجعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱ َل ْرضِ فَٱ ْحكُمْ بَْينَ ٱلنّاسِ بِٱْلحَ ّق وَلَ تَتّبِعِ ٱْل َهوَىٰ َفُيضِّلكَ‬
‫عَن سَبِيلِ ٱلّلهِ إِنّ ٱلّذِي َن َيضِلّونَ عَن سَبِيلِ ٱلّلهِ َلهُ ْم عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوْا َي ْومَ ٱلْحِسَابِ}‪ ,‬فبي ال‬
‫تعال أن الواجب على ولة المر الكم بي الناس بالق والعدل‪ ,‬ونى عما يضاد العدل ويصد عن‬
‫حقّ َوِبهِ َيعْدِلُونَ}‪ ,‬أي يهتدون‬
‫سبيل ال وهو اتباع الوى‪ ,‬وقال تعال‪َ { :‬ومِمّ ْن خََلقْنَآ ُأمّ ٌة َيهْدُونَ بِٱلْ َ‬
‫بالق ويهدون غيهم‪ ,‬فهم صالون مصلحون لغيهم‪ ,‬وبالعدل يكمون بي الناس ويقضون‪ ,‬وهؤلء‬
‫سطِ ُشهَدَآءِ لّلهِ‬
‫هم أئمة الناس ف العدل والداية‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬يَا َأّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ كُونُوْا َقوّا ِميَ بِٱْلقِ ْ‬
‫وََل ْو عَلَىۤ َأْنفُسِكُمْ َأوِ ٱْلوَالِدَْي ِن وَٱلَ ْق َرِبيَ إِن يَكُ ْن غَِنيّا َأوْ َفقَيا فَٱلّلهُ َأوْلَىٰ ِبهِمَا فَلَ َتتِّبعُواْ ٱْل َه َوىٰ أَن‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬إعلم الوقعي‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪78‬‬

‫َتعْدِلُوْا وَإِن تَ ْلوُواْ َأوْ ُت ْع ِرضُواْ فَإِ ّن ٱلّلهَ كَا َن بِمَا َتعْ َملُونَ خَبِيا}‪ ،‬أي كونوا قوامي بالقسط‪ ،‬وهو العدل‬
‫ف جيع أقوالكم وأعمالكم ف حق ال تعال وف حقوق العباد‪ ,‬ث نى ال تعال عما يصد عن العدل‬
‫وهو اتباع الوى فقال{َفلَ تَتِّبعُواْ ٱْل َهوَىٰ أَن َتعْدِلُوْا وَإِن َت ْلوُواْ َأوْ ُت ْع ِرضُواْ فَإِنّ ٱلّلهَ كَا َن بِمَا َتعْمَلُونَ‬
‫خَبِيا} واللي‪ :‬هو تريف الكلم ومانبة الق فيه‪ ,‬والعراض‪ :‬هو المتناع عن القيام بالعدل ف الكم‬
‫أو الشهادة بكتمها وتركها‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬يأمر تعال عباده الؤمني أن يكونوا قوامي‬
‫بالقسط أي بالعدل‪ ،‬فل يعدلوا عنه يينا ول شالً‪ ،‬ول تأخذهم ف ال لومة لئم ول يصرفهم عنه‬
‫صارف‪ ،‬وأن يكونوا متعاوني متساعدين متعاضدين متناصرين فيه‪ ،‬وقوله‪ُ { :‬شهَدَآءّ لِّلهِ} كما قال‪:‬‬
‫ش َهـٰ َدةَ لِّلهِ} أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه ال‪ ،‬فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا خالية من‬
‫{وَأَقِيمُواْ ٱل ّ‬
‫سكُمْ} أي اشهد الق ولو عاد ضررها عليك‪،‬‬
‫التحريف والتبديل والكتمان‪ ،‬ولذا قال‪َ { :‬وَلوْ َعلَىۤ أَنفُ ِ‬
‫وإذا سئلت عن المر فقل الق فيه ولو عادت مضرته عليك‪ ،‬فإن ال سيجعل لن أطاعه فرجا ومرجا‬
‫من كل أمر يضيق عليه‪ .‬وقوله‪َ{ :‬أوِ ٱْلوَٰلِدَيْ ِن وَٱلّ ْقرَِبيَ} أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك‬
‫فل تراعهم فيها‪ ،‬بل اشهد بالق وإن عاد ضررها عليهم‪ ،‬فإن الق حاكم على كل أحد‪ ،‬وقوله‪{ :‬إِن‬
‫يَكُ ْن َغنِيّا َأوْ َفقَيا فَٱلّلهُ َأ ْولَىٰ ِبهِمَا} أي ل ترعاه لغناه ول تشفق عليه لفقره‪ ،‬ال يتولها‪ ،‬بل هو أول‬
‫بما منك‪ ،‬وأعلم با فيه صلحهما‪ .‬وقوله‪َ{ :‬فلَ تَتِّبعُواْ ٱْل َهوَىٰ أَن َتعْدِلُواْ} أي فل يملنكم الوى‬
‫والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل ف أموركم وشؤونكم‪ ،‬بل الزموا العدل على أي حال‬
‫كان‪ ...‬وقوله‪{ :‬وَإِن تَ ْلوُواْ َأ ْو ُت ْعرِضُواْ} قال ماهد وغي واحد من السلف‪ :‬تلووا‪ ،‬أي ترفوا الشهادة‬
‫وتغيوها‪ ،‬واللي‪ :‬هو التحريف وتعمد الكذب‪ ،‬قال تعال‪{ :‬وَإِ ّن مِْنهُمْ َل َفرِيقًا َي ْلوُونَ أَْلسَِنَتهُم‬
‫ـبِ} الية‪ ،‬والعراض هو كتمان الشهادة وتركها‪ ،‬قال تعال‪َ { :‬ومَن يَكُْت ْمهَا فَإِّن ُه ءَاِثمٌ قَ ْلُبهُ}‬
‫بِٱْلكَِت ٰ‬
‫وقال النب صلى ال عليه وسلم "خي الشهداء الذي يأت بشهادته قبل أن يسألا" ولذا توعدهم ال‬
‫بقوله‪َ{ :‬فإِنّ ٱلّلهَ كَانَ بِمَا َتعْمَلُونَ خَبِيا} أي وسيجازيكم بذلك‪.)11‬‬
‫ج ِرمَنّ ُكمْ شَنَآ ُن َق ْومٍ َعلَىۤ أَ ّل‬
‫سطِ وَلَ يَ ْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬يَا َأّيهَآ ٱلّذِي َن آمَنُواْ كُونُوْا َقوّا ِميَ لّلهِ ُشهَدَآءَ بِٱْلقِ ْ‬
‫َتعْدِلُوْا ٱعْدِلُواْ ُهوَ َأ ْق َربُ لِلّت ْق َوىٰ وَٱّتقُواْ ٱلّلهَ إِنّ ٱلّلهَ خَبِ ٌي بِمَا َتعْمَلُونَ}‪ ,‬ففي هذه الية يأمر ال تعال‬
‫عباده بأن يقوموا بالق قياما ل وحده شاهدين بالقسط‪ ,‬وقاصدين للعدل مع الصديق والعدو‪ ,‬ول‬
‫يملنهم بغض قوم وعداوتم ولو كانوا كفارا على ترك العدل‪ ,‬بل عليهم أن يلزموا العدل ويتمسكوا به‬
‫ولو مع العداء‪ ،‬فإن العدل أقرب إل تقوى ال تعال‪ ,‬وقد قال تعال ف العدل مع الكفار من أهل‬
‫الكتاب‪{ :‬وَُأ ِم ْرتُ َلعْدِلَ بَْينَكُمُ}‪ ,‬وعن جابر بن عبد ال أنه قال "أفاء ال عز وجل خيب على رسول‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪79‬‬

‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأقرهم رسول ال صلى ال عليه وسلم كما كانوا‪ ،‬وجعلها بينه وبينهم‪ ،‬فبعث‬
‫عبد ال بن رواحة فخرصها عليهم‪ ،‬ث قال لم‪ :‬يا معشر اليهود أنتم أبغض اللق إل‪ ،‬قتلتم أنبياء ال عز‬
‫وجل‪ ،‬وكذبتم على ال‪ ،‬وليس يملن بغضي إياكم على أن أحيف عليكم‪ ،‬قد خرصت عشرين ألف‬
‫وسق من تر‪ ،‬فإن شئتم فلكم‪ ،‬وإن أبيتم فلي‪ .‬فقالوا‪ :‬بذا قامت السماوات والرض "‪ ,‬رواه أحد‪.‬‬
‫وعن سعيد بن السيب " أن مسلما ويهوديا اختصما إل عمر رضي ال عنه فرأى الق لليهودي فقضى‬
‫له عمر به " رواه مالك‪ ,‬وعن أنس " أن رجل من أهل مصر أتى عمر بن الطاب فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‬
‫عائذ بك من الظلم‪ .‬قال‪ :‬عذت معاذا‪ .‬قال‪ :‬سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته‪ ،‬فجعل يضربن‬
‫بالسوط‪ ،‬ويقول‪ :‬أنا ابن الكرمي‪ .‬فكتب عمر إل عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه فقدم‪ ،‬فقال‬
‫عمر‪ :‬أين الصري خذ السوط فاضرب‪ .‬فجعل يضربه بالسوط‪ ،‬ويقول عمر‪ :‬اضرب ابن الكرمي‪ .‬قال‬
‫أنس‪ :‬فضرب فوال لقد ضربه ونن نب ضربه‪ .‬فما أقلع عنه حت تنينا أنه يرفع عنه‪ ...‬فقال عمر‬
‫لعمرو‪ :‬مذ كم تعبدت الناس وقد ولدتم أمهاتم أحرارا؟! قال‪ :‬يا أمي الؤمني ل أعلم ول يأتن"‪،)11‬‬

‫وروى أبو نعيم ف "اللية" أن عليا رضي ال عنه خاصم يهوديا ف درع عند شريح القاضي فقضى‬
‫بالدرع لليهودي‪,‬فلما رأى اليهودي هذا العدل أقر أن الدرع لمي الؤمني رضي ال عنه وأسلم‪,‬‬
‫وسيأت لفظه ف باب الخر‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬إِنّآ َأْنزَلْنَا إَِلْيكَ ٱلْ ِكتَابَ بِٱْلحَقّ لَِتحْكُمَ َبيْنَ ٱلنّاسِ بِمَآ َأرَاكَ ٱلّل ُه وَلَ تَكُنْ لّلْخَآئِِنيَ َخصِيما‬
‫ب مَن‬
‫ح ّ‬
‫سهُمْ إِنّ ٱلّلهَ َل يُ ِ‬
‫ختَانُونَ َأْنفُ َ‬
‫وَٱسَْت ْغفِرِ ٱلّلهِ إِنّ ٱلّلهَ كَا َن َغفُورا رّحِيما‪ .‬وَلَ تُجَادِ ْل عَنِ ٱلّذِينَ يَ ْ‬
‫خفُونَ مِنَ ٱلّل ِه َو ُهوَ َم َعهُمْ ِإ ْذ يُبَيّتُو َن مَا َل َي ْرضَىٰ مِنَ‬
‫خفُو َن مِنَ ٱلنّاسِ وَ َل يَسَْت ْ‬
‫ستَ ْ‬
‫كَانَ َخوّانا َأثِيما‪ .‬يَ ْ‬
‫ـؤُ ۤلءِ جَادَلْتُ ْم عَْنهُ ْم فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدّْنيَا فَمَن يُجَادِلُ ٱلّلهَ‬
‫ٱْل َقوْلِ وَكَانَ ٱلّلهُ بِمَا َيعْمَلُو َن مُحِيطا‪ .‬هَا َأنْتُ ْم َه ٰ‬
‫عَْنهُمْ َي ْومَ ٱْلقِيَامَةِ َأ ْم مّن يَكُو ُن عَلَْيهِ ْم وَكِيلً}‪ ،‬لا أمر ال تعال بالكم بالكتاب بي الناس نى عن ضده‬
‫من الظلم والور بالخاصمة على الائني والذب عنهم‪ ,‬ولو كان الذي وقعت عليه اليانة والظلم كافرا‬
‫معاهدا‪ ,‬قال ابن جرير رحه ال " يقول‪ :‬ول تكن لن خان مسلما أو معاهدا ف نفسه أو ماله‪ ،‬خصيما‬
‫تاصم عنه‪ ،‬وتدفع عنه من طالبه بقه الذي خانه فيه"‪ ,)21‬واليات تدل على حرمة النيابة عن الظالي‬

‫ف خصومتهم‪ ,‬والدال عنهم فيما ارتكبوه من خيانات‪ ,‬لدفع التهمة عنهم أو دفع ما يترتب على‬
‫خياناتم من العقوبات الشرعية‪ ,‬ومثلهم الدعاة إل البدع والضلل وأهل الباطل جيعا‪ ,‬فل توز‬
‫الخاصمة عنهم‪ ،‬أو الذب عن باطلهم‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬ابن عبد الكم‬
‫‪ )1‬جامع البيان‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪80‬‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال‪" :‬سَ ْب َعةٌ يُ ِظّل ُهمُ اللّه ف ِظ ّلهِ يومَ ل‬
‫صلّى ا ُ‬
‫وعن أب هريرة رضي اللّه عنه‪ ،‬عن النب َ‬
‫شأَ ف عِبادَ ِة ال ّلهِ تَعال‪ ،‬ورَجُ ٌل ُمعَلّ ٌق قَلُبهُ ف الَسَا ِجدِ‪ ،‬ورجُلنِ‬
‫ظِلّ إ ّل ِظّلهُ‪ :‬إمَامٌ عادِلٌ‪ ،‬وشَابّ نَ َ‬
‫تَحَابّا ف اللّه‪ ،‬اجتَمعَا عليهِ‪ ،‬وتَفرّقَا علَيهِ‪ ،‬ورجُ ٌل دعَتهُ امرََأ ٌة ذَاتُ مَنصِب وجَالٍ‪ ،‬فقَال‪ :‬إنّى أَخَافُ‬
‫صدّقَ بِصدقةٍ‪َ ،‬فأَخْفَاها َحتّى ل تَع َلمَ شِماُلهُ ما تُنفِقُ ييُِنهُ‪ ،‬ورَجُ ٌل ذَكَر اللّه خَالِيا‬
‫اللّه‪ ،‬ورَ ُجلٌ َت َ‬
‫ضتْ عينَاهُ" متف ٌق عليه‪.‬‬
‫فَفَا َ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬إنّ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫وعن عبد الّلهِ بنِ عمرو بن العاص رضي الّلهُ عنهما قال‪ :‬قال رسولُ الّلهِ َ‬
‫الُقسِطيَ عِ ْندَ ال ّلهِ عَلى مَناِبرَ مِنْ نورٍ‪ :‬اّلذِينَ ي ْعدِلُونَ ف حُكْ ِم ِهمْ وأَهلي ِهمْ وما وُلّوا" رواهُ مسلم‪،‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن القسطي ف ال على منابر من نور يوم القيامة بي يدي الرحن با‬
‫أقسطوا ف الدنيا" رواه النسائي وغيه‪.‬‬
‫ط ُم َوفّقٌ‪ ،‬ورَجُ ٌل رَحِيمٌ‬
‫و قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪َ " :‬أهْ ُل الَّنةِ ثَلَثةٌ‪ :‬ذُو ُسلْطا ٍن مُقْسِ ٌ‬
‫ف مُتَ َع ّففٌ ذُو عِيالٍ" رواهُ مسلم‪ ,‬وقال صلى ال عليه‬
‫س ِلمٍ‪ ،‬و َعفِي ٌ‬
‫رَقيقٌ ال َق ْلبِ لِكُ ّل ذِى ُقرْبَى َومُ ْ‬
‫وسلم‪" :‬إنا المام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به‪ ،‬فإن أمر بتقوى ال عز وجل وعدل كان له بذلك‬
‫أجر‪ ،‬وإن يأمر بغيه كان عليه منه" رواه البخاري ومسلم‪ ,‬قال المام النووي رحه ال‪" :‬قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬المام جنة" أي كالستر لنه ينع العدو من أذى السلمي‪ ,‬وينع الناس بعضهم من‬
‫بعض‪ ،‬ويمي بيضة السلم‪ ،‬ويتقيه الناس ويافون سطوته‪ ,‬ومعن "يقاتل من ورائه " أي يقاتل معه‬

‫الكفار والبغاة والوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا "‪.)11‬‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬كيف تقدس أمة ل يؤخذ من شديدهم لضعيفهم" رواه ابن حبان‪ ,‬وقال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قلتم فأحسنوا فإن ال عز وجل مسن يب‬
‫الحسني" رواه الطبان ف الوسط‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما من أمي عشرة إل يؤتى به يوم‬
‫القيامة مغلول ل يفكه إل العدل" رواه أحد‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ثلثة ل يرد ال دعاءهم‪:‬‬
‫الذاكر ال كثيا‪ ،‬ودعوة الظلوم‪ ،‬والمام القسط" رواه البيهقي ف شعب اليان‪ ،‬وقال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬إن شئتم أنبأتكم عن المارة‪ ،‬وما هي؟ أولا ملمة‪ ،‬وثانيها ندامة‪ ،‬وثالثها عذاب يوم القيامة‬
‫إل من عدل" رواه الطبان‪ ،‬وعن سعيد بن عمرو بن العاص عن معاوية قال‪" :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬توضؤوا" قال فلما توضأ نظر إل فقال‪" :‬يا معاوية إن وليت أمرا فاتق ال واعدل" قال‪:‬‬
‫فما زلت أظن أن مبتلى بعمل لقول رسول ال صلى ال عليه وسلم حت وليت" رواه أحد وأبويعلى‬
‫واللفظ له‪ ،‬وقال أمي الؤمني عمر بن الطاب رضي ال عنه‪" :‬ويل لديان من ف الرض من ديان من‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬شرح النووي على صحيح مسلم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪81‬‬

‫ف السماء يوم يلقونه إل من أمر بالعدل وقضى بالق‪ ,‬ول يقض على هوى‪ ،‬ول على قرابة‪ ،‬ول على‬
‫‪)11‬‬

‫رغب‪ ،‬ول رهب‪ ،‬وجعل كتاب ال مرآة بي عينيه "‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم ف تري الظلم‪" :‬اّتقُوا ال ّظ ْلمَ‪َ ،‬فإِنّ ال ّظ ْل َم ُظلُمَاتٌ َي ْومَ اْلقِيَا َمةِ‪ ،‬واّتقُوا الشّحّ‪،‬‬
‫ك مـنْ كَا َن قَ ْبلَ ُكمْ‪ ،‬ح َل ُهمْ على أَ ْن سفَكَوا دِما َء ُهمْ وا ْستَحلّوا مَحارِ َم ُهمْ" رواه مسلم‪,‬‬
‫َفإِنّ الشّحّ َأ ْه َل َ‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪" :‬إِ ّن اللّه لَيُ ْملِي لِلظّاِلمِ َفِإذَا‬
‫وعن أَب موسى رضي اللّه عنه قال‪ :‬قال رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫أَ َخ َذهُ َلمْ ُي ْفلِ ْتهُ"‪ ،‬ثُ ّم َقرَأَ‪{ :‬وَكَ َذِلكَ َأخْ ُذ رَّبكَ ِإذَا أَخَ َذ اْل ُقرَى َوهِي ظَالِمَةٌ إِنّ َأخْ َذهُ أَلِي ٌم شَديدٌ} متفق‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم فقال "إّنكَ َت ْأتِي قوْما مِنْ‬
‫عليه‪ ,‬وعن مُعا ٍذ رضي اللّه عنه قال‪ :‬ب َعثَنِي رسو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫َأهْ ِل الْكِتَاب‪ ،‬فادْ ُعهُمْ ِإلَى شَهَادة أَنْ ل ِإَلهَ إلّ اللّه‪ ،‬وأَنّي رسول اللّه فإِ ْن ُهمْ أَطاعُوا ِل َذِلكَ‪،‬‬
‫صلَواتٍ ف كُ ّل يومٍ َولَ ْي َلةٍ‪َ ،‬فإِنْ ُهمْ أَطَاعُوا لِذلكَ‪،‬‬
‫َفأَ ْعلِم ُهمْ أَ ّن اللّه َق ِد افْترضَ ع َليْهم خَ ْمسَ َ‬
‫َفأَعلِمْ ُهمْ أَ ّن اللّه َق ِد افَْت َرضَ َعلَيهمْ ص َد َقةً ُتؤْخ ُذ مِنْ أَغنياِئ ِه ْم فَُترَدّ َعلَى ُفقَرائهم‪َ ،‬فإِنْ ُهمْ أَطَاعُوا‬
‫لِذلكَ‪َ ،‬فإِيّاكَ وكَراِئمَ َأمْوالِهم‪ .‬واتّ ِق دعْو َة الْمَ ْظلُو ِم فَإِّنهُ لَيْس بينها وبيْنَ اللّه حِجَابٌ" متفقٌ عليه‪,‬‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال‪" :‬إِنّ ال ّزمَا َن َقدِ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫وعن أَب بَ ْك َرةَ ُنفَيْ ِع بنِ الارثِ رضيَ اللّه عنهُ عن النب َ‬
‫اسَْتدَارَ َكهَ ْيئَِتهِ َي ْومَ َخلَ َق اللّه السّمواتِ وا َل ْرضَ‪ :‬السّنةُ اثْنَا عَشَر َشهْرا‪ ،‬مِ ْنهَا َأرَْبعَةٌ ُحرُم‪ :‬ثَلثٌ‬
‫جةِ‪ ،‬واْلمُح ّرمُ‪ ،‬وَرجُب الذي بَيْنَ جُمادَي وَ َشعْبَانَ‪ ،‬أَيّ َش ْه ٍر َهذَا"‬
‫مَُتوَالِيَاتٌ‪ :‬ذُو الْقعْدة وَذو اْلحِ ّ‬
‫جةِ؟" ُقلْنَا‪ :‬بلَى‪:‬‬
‫قلْنَا‪ :‬اللّه ورسُوُلهُ َأ ْعلَم‪ ،‬فَس َكتَ حَتّى ظنَنّا َأّنهُ سَيُسمّيهِ ِبغَْيرِ ا ْس ِمهِ‪ ،‬قال‪" :‬أَليْس ذَا الْحِ ّ‬
‫ت حتّى ظََننّا أَّنهُ سيُسمّيهِ بغَيْر اسْ ِمهِ‪ .‬قال‪َ" :‬ألَيْسَت‬
‫قال "فأَيّ ب َلدٍ َهذَا؟" قُلْنَا‪ :‬اللّه وَرسُوُلهُ أَعلمُ‪ ،‬فَسَ َك َ‬
‫بالْبلْدةَ الرامَ؟" قُلْنا‪ :‬بلَى قال‪َ " :‬فأَيّ يَومٍ هذَا ؟" ُقلْنَا‪ :‬اللّه ورسُوُلهُ َأعْلمُ‪ ،‬فَس َكتَ حَتّى َظنَنّا َأنّه‬
‫سهِ‪ .‬قال‪َ" :‬ألَ ْيسَ َي ْومَ النّحْر؟" قُلْنَا‪ :‬بَلَى‪ .‬قال‪" :‬فإِ ّن دِماءَ ُكمْ َوَأ ْموَالَ ُكمْ وأَعْراضَ ُكمْ‬
‫سيُسمّيهِ بِغيْر ا ِ‬
‫سأْلُ ُكمْ عَنْ‬
‫ح ْر َمةِ َي ْومِكُ ْم َهذَا ف َب َلدِ ُك ْم هَذا ف َش ْهرِكم َهذَا‪ ،‬وَسََت ْل َقوْن ربّكُم فَيَ ْ‬
‫َعلَيْ ُكمْ حرَامٌ‪ ،‬كَ ُ‬
‫ض ِربُ َبعْضُ ُك ْم ِرقَابَ َبعْضٍ‪ ،‬أَ َل لِيُبلّغِ الشّا ِهدُ اْلغَاِئبَ‪ ،‬فلَعلّ‬
‫أَعْمَالِ ُكمْ‪ ،‬أَل فَل َترْ ِجعُوا َب ْعدِي ُكفّارا ي ْ‬
‫بعْض من يبْلغُه أَ ْن يَكُونَ َأوْعَى لَه مِن َبعْضِ مَنْ سَمِعه" ثُ ّم قال‪" :‬أَل هَ ْل َب ّلغْتُ‪ ،‬أَل هَلْ ب ّل ْغتُ" قُلْنا‪:‬‬
‫َنعَمْ‪ ،‬قال‪" :‬ال ّل ُهمْ اشْهدْ " متفقٌ عليه‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬رجلن ما تنالما شفاعت‪ ,‬إمام‬
‫ظلوم غشوم‪ ,‬وآخر غال ف الدين مارق منه" رواه ابن أب عاصم ف السنة‪ ,‬وقال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬أربعة يبغضهم ال‪ :‬البياع اللف‪ ,‬والفقي الختال‪ ,‬والشيخ الزان‪ ,‬والمام الائر" رواه‬
‫النسائي‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ثلثة ل يدخلون النة‪ :‬الشيخ الزان‪ ،‬والمام الكذاب‪ ،‬والعائل‬
‫الزهو" رواه البزار‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أخاف على أمت من بعدي ثلثا‪ :‬حيف الئمة‪ ،‬وإيانا‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬كتاب الزهد لبن أب عاصم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪82‬‬

‫بالنجوم‪ ،‬وتكذيبا بالقدر" رواه ابن عساكر‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أشد الناس عذابا يوم القيامة‬
‫إمام جائر" رواه أبو يعلى وغيه‪.‬‬
‫وأخرج ابن أب حات عن عائشة قالت‪" :‬كتب أب ف وصيته سطرين‪ :‬بسم ال الرحن الرحيم هذا ما‬
‫أوصى به أبو بكر بن أب قحافة عند خروجه من الدنيا حي يؤمن الكافر ويتقي الفاجر ويصدق‬
‫الكاذب‪ ،‬ان أستخلفت عليكم عمر بن الطاب‪ ،‬فإن يعدل فذلك ظن به ورجائي فيه‪ ،‬وإن ير ويبدل‬
‫ي مُنقََلبٍ يَن َقلِبُونَ}‪.‬‬
‫فل أعلم الغيب { َوسََيعْلَ ُم الّذِينَ َظلَمُوا َأ ّ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪83‬‬

‫باب الحضارة‬
‫إن الضارة القة هي الضارة الت تنشأ لتحقيق الغاية الت خلق لجلها النس والن‪ ،‬وهي عبادة ال‬
‫وحده ل شريك له‪ ،‬كما قال تعال‪َ { :‬ومَا خََل ْقتُ ٱلْجِ ّن وَٱلِنسَ إِ ّل لَِيعْبُدُونِ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬قُلْ إِنّ‬
‫سلِ ِميَ}‪,‬‬
‫ت وَأَنَاْ َأوّلُ ٱلْمُ ْ‬
‫ي َومَمَاتِي لّلهِ َربّ ٱْلعَالَ ِميَ‪ .‬لَ َشرِيكَ َلهُ َوبِذِٰلكَ ُأ ِمرْ ُ‬
‫صَلَتِي وَُنسُكِي َومَحْيَا َ‬
‫وقال تعال عمن ظن أن ال تعال خلق اللق عبثا وباطل‪ ،‬ول يلقهم لعبادته‪َ { :‬ومَا خََل ْقنَا ٱلسّمَآءَ‬
‫جعَلُ ٱلّذِي َن آمَنُواْ‬
‫ل ذَِلكَ ظَنّ ٱلّذِينَ َك َفرُواْ َف َويْلٌ لّلّذِينَ َك َفرُوْا مِنَ ٱلنّارِ‪َ .‬أمْ َن ْ‬
‫ض َومَا بَْيَنهُمَا بَاطِ ً‬
‫وَٱ َلرْ َ‬
‫جعَلُ ٱلْمُّت ِقيَ كَٱْلفُجّارِ}‪.‬‬
‫َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ كَٱْل ُمفْسِدِي َن فِي ٱ َلرْضِ َأمْ نَ ْ‬
‫و العبادة ف السلم ل تعن الرهبانية‪ ،‬والنقطاع عن إعمار الرض‪ ،‬والستفادة من خياتا‪ ,‬واكتشاف‬
‫منافعها وكنوزها‪ ,‬فإن النقطاع عن الصال والنافع الدنيوية ل يتوافق مع السلم‪ ،‬الذي جاء لتكون‬
‫كلمة ال هي العليا‪,‬وتقام دولة السلم‪ ،‬ويكم السلم ف جيع شؤون الياة‪ ،‬وياهد ف سبيل‬
‫ال‪،‬وتعد العدة اللزمة‪ ,‬ويقام العدل بي الناس‪ ،‬ويتول ولة المور سياسة الرعية‪ ,‬ورعاية شؤونم‪,‬‬
‫ض ذَلُولً فَٱمْشُوْا فِي‬
‫وتأدية حقوقهم‪ ,‬والحسان إليهم‪,‬وقد قال تعال‪ُ { :‬هوَ ٱلّذِي َجعَلَ َلكُ ُم ٱ َلرْ َ‬
‫ت َومَا فِي ٱ َل ْرضِ‬
‫خرَ لَكُ ْم مّا فِي ٱلسّمَاوَا ِ‬
‫مَنَاكِِبهَا وَ ُكلُوْا مِن ّرزِْقهِ وَِإلَْيهِ ٱلنّشُورُ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬وسَ ّ‬
‫جَمِيعا مّْنهُ إِنّ فِي ذَِلكَ ليَاتٍ ّل َق ْومٍ يََتفَ ّكرُونَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وََأعِدّواْ َلهُ ْم مّا ٱسْتَ َطعْتُ ْم مّن ُق ّو ٍة َومِن‬
‫خيْلِ ُت ْرهِبُو َن ِبهِ عَ ْدوّ ٱلّل ِه َوعَ ُدوّكُمْ وَآ َخرِينَ مِن دُوِنهِمْ لَ َت ْعلَمُوَنهُمُ ٱلّلهُ َيعْلَ ُمهُ ْم َومَا تُنفِقُوْا مِن‬
‫رّبَاطِ ٱلْ َ‬
‫شَ ْيءٍ فِي سَبِيلِ ٱلّلهِ ُيوَفّ ِإلَيْكُ ْم وََأنْتُمْ لَ ُتظْلَمُونَ}‪.‬‬
‫فإن إعداد القوة‪ ،‬وصناعة أنواع السلحة‪،‬و استخدام وسائل العلم الديثة‪ ،‬وتصنيعها لبلغ الدعوة‬
‫وإرشاد الناس‪ ,‬والتصدي لعلم العداء الفسد‪ ،‬وتوفي جيع ما تتاجه البلد ف الجال التقن‬
‫والصناعي وغيها ما يساهم ف بناء الدولة السلمية‪ ،‬وتقويتها‪ ،‬وقيادتا للبشرية‪ ،‬كل هذا من‬
‫الواجبات الشرعية‪ ,‬الت ل يسع السلمي تركها‪ ،‬فإن ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬
‫كما أن العلوم الدنيوية النافعة‪ :‬كالطب‪ ,‬والصناعة‪ ,‬والزراعة وغيها‪ ,‬هي من فروض الكفاية الت يب‬
‫على الدولة السلمية أن تقوم با‪ ,‬وتؤهل من الرعية من يقوم بذا الفرض‪.‬‬
‫و أما الكفار فقد أعرضوا عن الغاية الت خلقهم ال لجلها‪ ،‬وهي عبادته وحده ل شريك له‪ ،‬وانصرفت‬
‫أذهانم وهمهم إل التمتع بالدنيا‪ ،‬وتصيل شهواتا‪ ،‬واستفرغوا ف هذا قدراتم وطاقاتم‪ ،‬وبنوا على‬
‫هذا حياتم ودولم وسياساتم‪ ،‬واقتصرت على هذا علومهم‪,‬وقد قال تعال‪َ { :‬وَلـٰكِنّ أَكَْثرَ ٱلنّاسِ لَ‬
‫حيَاةِ ٱلدّنْيَا َوهُ ْم عَنِ ٱل ِخ َر ِة هُمْ غَافِلُونَ}‪ ,‬أخرج ابن جرير وغيه عن ابن‬
‫َيعْلَمُونَ‪َ .‬يعْلَمُونَ ظَاهِرا منَ ٱلْ َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪84‬‬

‫عباس رضي ال عنهما أنه قال‪" :‬يعن معايشهم مت يغرسون ومت يزرعون ومت يصدون؟"‪ ،‬وأخرج‬
‫ابن جرير وغيه عنه أنه قال‪" :‬يعرفون عمران الدنيا وهم ف أمر الخرة جهال"‪ ،‬وأخرج ابن جرير‬
‫حيَاةِ الدّنْيَا} قال‪" :‬يعلمون تارتا وحرفتها وبيعها "‪،‬‬
‫وغيه عن قتادة ف قوله {َي ْعلَمُونَ ظَا ِهرًا مّنَ الْ َ‬
‫وأخرج ابن أب حات وغيه عن السن ف الية قال‪" :‬ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب‬
‫الدرهم على ظفره‪ ،‬فيخبك بوزنه‪ ,‬وما يسن يصلي"‪ ،‬وقال ابن كثي رحه ال " أي أكثر الناس ليس‬
‫لم علم إل بالدنيا وأكسابا وشؤونا وما فيها‪ ،‬فهم حذاق أذكياء ف تصيلها ووجوه مكاسبها‪ ،‬وهم‬
‫غافلون عما ينفعهم ف الدار الخرة‪ ،‬كأن أحدهم مغفل ل ذهن له ول فكرة"‪.)11‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬فََأ ْع ِرضْ عَن مّن َتوَلّ ٰى عَن ذِ ْكرِنَا وَلَمْ ُي ِردْ إِلّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدّْنيَا‪ .‬ذَِلكَ مَْبَل ُغهُمْ منَ ٱْلعِلْمِ إِ ّن‬
‫ك ُهوَ َأ ْعلَمُ بِمَن ضَ ّل عَن َسبِيِلهِ َو ُهوَ َأعْلَ ُم بِمَ ِن ٱهْتَدَى}‪ ،‬قال الزجاج‪" :‬إنا يعلمون ما يتاجون إليه‬
‫رَّب َ‬
‫ف معايشهم وقد نبذوا أمر الخرة "‪ ,‬وقال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬أي أعرض عن الذي أعرض عن‬
‫الق واهجره‪ .‬وقوله‪َ { :‬ولَمْ ُي ِردْ إِلّ ٱلْحََي ٰوةَ ٱلدّنْيَا} أي وإنا أكثر هه ومبلغ علمه الدنيا‪ ،‬فذاك هو غاية‬
‫ك مَبَْل ُغهُ ْم مّنَ ٱْلعِ ْلمِ} أي طلب الدنيا والسعي لا هو غاية ما وصلوا‬
‫ما ل خي فيه‪ ،‬ولذا قال تعال‪{ :‬ذَِل َ‬
‫إليه‪ ...‬وف الدعاء الأثور‪« :‬اللهم ل تعل الدنيا أكب هنا‪ ،‬ول مبلغ علمنا"‪ ،)21‬وقال صلى ال عليه‬

‫وسلم‪" :‬إن ال يبغض كل جعظري جواظ‪ ،‬سخاب ف السواق‪ ،‬جيفة بالليل‪ ،‬حار بالنهار‪ ،‬عال‬
‫بالدنيا‪ ،‬جاهل بالخرة" رواه البيهقي‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال تعال يبغض كل عال بالدنيا‬
‫جاهل بالخرة" رواه الاكم ف تاريه‪ ،‬فالساس الذي تقوم عليه حياة الكفار‪ ،‬وما تدف إليه سياساتم‬
‫وقوانينهم‪ ،‬هو توفي الكل‪ ،‬وحصول التمتع بأنواعه‪ :‬كالتمتع بالال واللباس والركب والسكن والتمتع‬
‫بارتكاب الفواحش كفاحشة الزنا وغيها‪ ،‬والتمتع بسائر الحرمات كمشاهدة الفلم الحرمة واستماع‬
‫العازف وغيها‪ ،‬والتمتع باللهو واللعب‪ ,‬وتتع حكامهم الظلمة بالعلو ف الرض‪ ،‬والتسلط على‬
‫الخرين ونب خياتم‪ ،‬والنشغال بصناعة وإنتاج أدوات التعة والترف‪ ،‬وقد قال ال تبارك وتعال‪:‬‬
‫{وَٱلّذِينَ َك َفرُواْ َيتَمَّتعُو َن وَيَأْ ُكلُونَ َكمَا تَأْكُ ُل ٱلَْنعَا ُم وَٱلنّا ُر مَْثوًى ّلهُمْ}‪ ,‬فيتمتعون التاع القليل الليء‬
‫بالنغصات‪،‬والحشو بالرزايا والعقوبات‪،‬ث مصيهم إل جهنم وبئس الصي‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬لَ َي ُغرّّنكَ‬
‫ع قَلِيلٌ ثُ ّم مَ ْأوَاهُمْ َج َهنّ ُم وَبِْئسَ ٱلْ ِمهَادُ} وقال تعال‪ُ { :‬كلُوْا وَتَ َمّتعُواْ‬
‫لدِ‪ .‬مَتَا ٌ‬
‫َتقَّلبُ ٱلّذِينَ َك َفرُواْ فِي ٱلْبِ َ‬
‫ج ِرمُونَ} وقال تعال‪{ :‬قَا َل َومَن َك َفرَ فَُأمَت ُعهُ قَلِيلً ثُمّ َأضْ َط ّرهُ إِلَ ٰى عَذَابِ ٱلنّا ِر وَِبْئسَ‬
‫َقلِيلً ِإنّكُ ْم مّ ْ‬
‫ٱلْ َمصِيُ} وقال تعال‪َ { :‬و َجعَلَ لِّلهِ أَندَادا لُيضِلّ عَن سَبِيِلهِ قُلْ َتمَتّعْ ِب ُكفْرِكَ َقلِيلً ِإّنكَ مِنْ َأصْحَابِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪85‬‬

‫ٱلنّارِ} وقال تعال‪َ { :‬ومَآ أُوتِيتُم من شَ ْيءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدّْنيَا َوزِيَنُتهَا َومَا عِندَ ٱلّلهِ خَْي ٌر وَأَْبقَىٰ أَفَ َ‬
‫ل‬
‫َت ْعقِلُونَ‪َ .‬أفَمَن َوعَدْنَا ُه َوعْدا حَسَنا َف ُهوَ لَقِيهِ كَمَن مّّتعْنَاهُ مَتَاعَ ٱْلحَيَاةِ ٱلدّْنيَا ثُ ّم ُهوَ َي ْومَ ٱْلقِيَامَ ِة مِنَ‬
‫حزُنكَ ُك ْف ُرهُ إِلَْينَا َمرْ ِج ُعهُمْ َفنَُنبُّئهُم بِمَا عَمُِلوۤاْ إِ ّن ٱلّلهَ َعلِيمٌ‬
‫ضرِينَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ومَن َك َفرَ فَلَ َي ْ‬
‫حَ‬
‫ٱلْمُ ْ‬
‫بِذَاتِ ٱلصّدُورِ‪ .‬نُ َمّت ُعهُمْ قَلِيلً ثُ ّم َنضْ َطرّهُمْ إِلَ ٰى عَذَابٍ َغلِيظٍ}‪ ،‬وقال تعال‪ِ{ :‬ليَ ْك ُفرُواْ بِمَآ آَتيْنَاهُمْ‬
‫سوْفَ َيعْلَمُونَ} أي‬
‫سوْفَ َتعْلَمُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ { :‬ذ ْرهُمْ يَ ْأكُلُوْا َويَتَمَّتعُوْا َويُ ْل ِههِ ُم ٱ َلمَلُ فَ َ‬
‫َفتَمَّتعُواْ َف َ‬
‫يلههم ويشغلهم ظنهم بطول العمار‪ ،‬وتقق الاجات والرغبات والشهوات‪ ,‬وأن مستقبلهم خال من‬
‫النغصات والعقوبات‪ ،‬كل هذا يشغلهم عن اليان والتوبة‪.‬‬
‫فمن تأمل حال الكفار فل يد أهدافهم وسياساتم وقوانينهم ترج عن هذين القصدين الكل والتمتع‬
‫بأنواعه‪ ,‬الت تشترك وتتساوى فيها معهم النعام السارحة‪ ,‬بل هم أضل منها كما قال تعال‪َ{ :‬أرَأَْيتَ‬
‫سبُ أَنّ أَ ْكَث َرهُمْ يَسْ َمعُونَ َأوْ َي ْعقِلُونَ إِ ْن هُمْ إِلّ‬
‫حَ‬
‫ـ َههُ َهوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُو ُن عََلْيهِ وَكِيلً‪َ .‬أمْ تَ ْ‬
‫مَنِ ٱتّخَذَ إَِل ٰ‬
‫كَٱلَْنعَامِ بَ ْل هُمْ َأضَلّ َسبِيلً}‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬أي هم أسوأ حالً من النعام السارحة‪،‬‬
‫فإن تلك تعقل ما خلقت له‪ ،‬وهؤلء خلقوا لعبادة ال وحده ل شريك له‪ ،‬وهم يعبدون غيه ويشركون‬
‫جهَنّمَ َكثِيا منَ ٱلْجِن‬
‫به مع قيام الجة عليهم وإرسال الرسل إليهم"‪ ،)11‬وقال تعال‪َ { :‬وَلقَدْ َذرَأْنَا لِ َ‬

‫صرُونَ ِبهَا وََلهُ ْم آذَانٌ لّ يَسْ َمعُونَ ِبهَآ ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ك‬
‫وَٱلِْنسِ َلهُ ْم قُلُوبٌ لّ َي ْف َقهُونَ ِبهَا وََلهُمْ َأعُْينٌ لّ يُْب ِ‬
‫ك هُمُ ٱْلغَافِلُونَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬إِنّ َشرّ ٱل ّدوَاب عِندَ ٱلّلهِ ٱلّذِينَ َك َفرُواْ َفهُمْ‬
‫كَٱلَْنعَامِ بَ ْل هُمْ َأضَلّ ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫لَ ُي ْؤمِنُونَ}‪.‬‬
‫وبذا يتبي أن حياة الكفار الت تشبه حياة النعام بل هي أسوأ‪ ،‬ل يكن أن تسمى حضارة وتقدم‪ ,‬بل‬
‫هي تلف وتأخر عن الستقامة والصلح والطهارة والعفة‪ ,‬وانطاط ف الغايات والعقائد والخلق‪,‬‬
‫فقد أتقنوا صناعة الديد واللت‪ ,‬وشيدوا الصانع والعمارات‪ ،‬ولكنهم غفلوا عن بناء النسان والسرة‬
‫والجتمع‪ ,‬ولذا أصبحت متمعاتم تعان الضلل العقائدي والنراف الخلقي‪ ,‬والتفكك السري‪,‬‬
‫والضنك‪ ،‬والمراض النفسية‪ ،‬والسدية‪ ,‬والرية والخدرات‪ ,‬يقول سيد قطب رحه ال ف كتابه القيم‬
‫معال ف الطريق " السلم ل يعرف إل نوعي اثني من الجتمعات‪ ...‬متمع إسلمي‪ ،‬ومتمع جاهلي "‬
‫الجتمع السلمي " هو الجتمع الذي يطبق فيه السلم‪ ..‬عقيدة وعبادة‪ ،‬وشريعة ونظاما وخلقا‬
‫وسلوكا‪ ..‬و" الجتمع الاهلي " هو الجتمع الذي ل يطبق فيه السلم‪ ،‬ول تكمه عقيدته وتصوراته‪،‬‬
‫وقيمه وموازينه‪ ،‬ونظامه وشرائعه‪ ،‬وخلقه وسلوكه‪..‬‬
‫ليس الجتمع السلمي هو الذي يضم ناسا من يسمون أنفسهم " مسلمي "‪ ،‬بينما شريعة السلم‬
‫ليست هي قانون هذا الجتمع‪ ،‬وإن صلى وصام وحج البيت الرام ! وليس الجتمع السلمي هو الذي‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪86‬‬

‫يبتدع لنفسه إسلما من عند نفسه ‪ -‬غي ما قرره ال سبحانه‪ ،‬وفصّله رسوله صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ويسميه مثلً " السلم التطور " !‬
‫و " الجتمع الاهلي " قد يتمثل ف صور شت ‪ -‬كلها جاهلية ‪ :-‬قد يتمثل ف صورة متمع ينكر‬
‫وجود ال تعال‪ ،‬ويفسر التاريخ تفسيا ماديا جدليا‪ ،‬ويطبق ما يسميه " الشتراكية العلمية " نظاما وقد‬
‫يتمثل ف متمع ل ينكر وجود ال تعال‪ ،‬ولكن يعل له ملكوت السماوات‪ ،‬ويعزله عن ملكوت‬
‫الرض‪ ،‬فل يطبق شريعته ف نظام الياة‪ ،‬ول يكّم قيمه الت جعلها هو قيما ثابتة ف حياة البشر‪ ،‬ويبيح‬
‫للناس أن يعبدوا ال ف الساجد‪ ،‬ولكنه يرّم عليهم أن يطالبوا بتحكيم شريعة ال ف حياتم‪ ،‬وهو بذلك‬
‫ينكر أو يعطل ألوهية ال ف الرض‪ ،‬الت ينص عليها قوله تعال { َو ُه َو الّذِي فِي السّمَاءِ إَِلهٌ َوفِي الَْأ ْرضِ‬
‫إَِلهٌ} ومن ث ل يكون هذا الجتمع ف دين ال الذي يدده قوله‪{ :‬إِنِ اْلحُكْمُ إِلّا ِلّلهِ َأ َمرَ أَلّا َتعْبُدُوا إِلّا‬
‫إِيّا ُه ذَِلكَ الدّينُ اْلقَيّمُ}‪..‬‬
‫وبذلك يكـون متمعا جاهليا‪ ،‬ولو أقر بوجود ال سبحانه ولو ترك الناس يقدمون الشعائر ل‪ ،‬ف‬
‫الساجد‪.‬‬
‫" الجتمع السلمي " ‪ -‬بصفته تلك ‪ -‬هو وحده " الجتمع التحضر "‪ ،‬والجتمعات الاهلية ‪ -‬بكل‬
‫صورها التعددة ‪ -‬متمعات متخلفة ! ول بد من إيضاح لذه القيقة الكبية‪.‬‬
‫حي تكون الاكمية العليا ف متمع ل وحده ‪ -‬متمثلة ف سيادة الشريعة اللية ‪ -‬تكون هذه هي‬
‫الصورة الوحيدة الت يتحرر فيها البشر تررا كاملً وحقيقيا من العبودية للبشر‪ ..‬وتكون هذه هي "‬
‫الضارة النسانية " لن حضارة النسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر القيقي الكامل للنسان‪،‬‬
‫ومن الكرامة الطلقة لكل فرد ف الجتمع‪ ..‬ول حرية ‪ -‬ف القيقة ‪ -‬ول كرامة للنسان ‪ -‬مثلً ف كل‬
‫فرد من أفراده ‪ -‬ف متمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد يطيعون ! ول بد أن نبادر فنبيّن أن‬
‫التشريع ل ينحصر فقط ف الحكام القانونية ‪ -‬كما هو الفهوم الضيق ف الذهان اليوم لكلمة الشريعة‬
‫ فالتصورات والناهج‪ ،‬والقيم والوازين‪ ،‬والعادات والتقاليد‪ ..‬كلها تشريع يضع الفراد لضغطه‪.‬‬‫وحي يصنع الناس ‪ -‬بعضهم لبعض ‪ -‬هذه الضغوط‪ ،‬ويضع لا البعض الخر منهم ف متمع‪ ،‬ل يكون‬
‫هذا الجتمع متحررا‪ ،‬إنا هو متمع بعضه أرباب وبعضه عبيد ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬وهو ‪ -‬من ث ‪ -‬متمع‬
‫متخلف‪ ..‬أو بالصطلح السلمي‪ " ..‬متمع جاهلي " !‬
‫والجتمع السلمي هو وحده الجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد‪ ،‬ويرج فيه الناس من عبادة العباد إل‬
‫عبادة ال وحده‪ .‬وبذلك يتحررون التحرر القيقي الكامل‪ ،‬الذي ترتكز إليه حضارة النسان‪ ،‬وحي‬
‫تكون آصرة التجمع الساسية فـي متمع هي العقيدة والتصور والفكرة ومنهج الياة‪ ،‬ويكون هذا كله‬
‫صادرا من إله واحد‪ ،‬تتمثل فيه السيادة العليا للبشر‪ ،‬وليس صادرا من أرباب أرضية تتمثل فيها عبودية‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪87‬‬

‫البشر للبشر‪ ..‬يكون ذلك التجمع مثلً لعلى ما ف " النسان " من خصائص‪ ..‬خصائص الروح‬
‫والفكر‪ ..‬فأما حي تكون آصرة التجمع ف متمع هي النس واللون والقوم والرض‪ ...‬وما إل ذلك‬
‫من الروابط‪ ،‬فظاهر أن النس واللون والقوم والرض ل تثل الصائص العليا للنسان‪ ..‬فالنسان يبقى‬
‫إنسانا بعد النس واللون والقوم والرض‪ ،‬ولكنه ل يبقى إنسانا بعد الروح والفكر! ث هو يلك ‪-‬‬
‫بحض إرادته الرة‪ -‬أن يغي عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته‪ ،‬ولكنه ل يلك أن يغي لونه ول‬
‫جنسه‪ ،‬كما أنه ل يلك أن يدد مولده ف قوم ول ف أرض‪ ..‬فالجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر‬
‫يتعلق بإرادتم الرة واختيارهم الذات هو الجتمع التحضر‪ ..‬أما الجتمع الذي يتجمع فيه الناس على‬
‫أمر خارج عن إرادتم النسانية فهـو الجتمع التخلف‪ ..‬أو بالصطلح السلمي‪ ..‬هو " الجتمع‬
‫الاهلي "! والجتمع السلمي وحده هو الجتمع الذي تثل فيه العقيدة رابطة التجمع الساسية‪ ،‬والذي‬
‫تعتب فيه العقيدة هي النسية الت تمع بي السود والبيض والحر والصفر والعرب والرومي‬
‫والفارسي والبشي وسائر أجناس الرض ف أمة واحدة‪ ،‬ربا ال‪ ،‬وعبوديتها له وحده‪ ،‬والكري فيها هو‬
‫التقى‪ ،‬والكل فيها أنداد يلتقون على أمر شرعه ال لم‪ ،‬ول يشرعه أحد من العباد!‬
‫وحيـن تكـون " إنسانية " النسان هـي القيمة العليا فـي متمـع‪ ،‬وتكـون الصائص "‬
‫النسانية " فيه هي موضع التكري والعتبار‪ ،‬يكون هذا الجتمع متحضرا‪ ..‬فأما حي تكون " الادة " ‪-‬‬
‫ف أية صورة ‪ -‬هي القيمة العليا‪ ..‬سواء ف صورة "النظرية " كما ف التفسي الاركسي للتاريخ! أو ف‬
‫صور "النتاج الادي" كما ف أمريكا وأوروبا وسائر الجتمعات الت تعتب النتاج الادي قيمة عليا تدر‬
‫ف سبيلها القيم والصائص والنسانية‪ ..‬فإن هذا الجتمع يكون متمعا متخلفا‪ ..‬أو بالصطلح‬
‫السلمي متمعا جاهليا !‬
‫إن الجتمع التحضر‪ ..‬السلمي‪ ..‬ل يتقر الادة‪ ،‬ل ف صورة النظرية ( باعتبارها هي الت يتألف منها‬
‫هذا الكون الذي نعيش فيه ونتأثر فيه ونؤثر فيه أيضا ) ول ف صور "النتاج الادي "‪ .‬فالنتاج الادي‬
‫من مقومات اللفة ف الرض‪ ,‬ولكنه فقط ل يعتبها هي القيمة العليا الت تدر ف سبيلها خصائص "‬
‫النسان " ومقوماته !‪ ..‬وتدر من أجلها حرية الفرد وكرامته‪ .‬وتدر فيها قاعدة " الُسرة " ومقوماتا‪،‬‬
‫وتدر فيها أخلق الجتمع وحرماته‪ ..‬إل آخر ما تدره الجتمعات الاهلية من القيم العليا والفضائل‬
‫والرمات لتحقق الوفرة ف النتاج الادي !‬
‫وحي تكون " القيم النسانية " و" الخلق النسانية " الت تقوم عليها‪ ،‬هي السائدة ف متمع‪ ،‬يكون‬
‫هذا الجتمع متحضرا‪ .‬والقيم النسانية والخلق النسانية ليست مسألة غامضة مائعة وليست كذلك‬
‫قيما " متطورة " متغية متبدلة‪ ،‬ل تستقر على حال ول ترجع إل أصل‪ ،‬كما يزعم التفسي الادي‬
‫للتاريخ‪ ،‬وكما تزعم "الشتراكية العلمية"!‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪88‬‬

‫إنا القيم والخلق الت تنمّي ف النسان خصائص النسان الت يتفرد با دون اليوان‪ ،‬والت ُتغَلّب فيه‬
‫هذا الانب الذي ييزه ويعزوه عن اليوان‪ ،‬وليست هي القيم والخلق الت تنمّي فيه وُتغَلّب الوانب‬
‫الت يشترك فيها مع اليوان‪ .‬وحي توضع السألة هذا الوضع يبز فيها خط فاصل وحاسم " وثابت "‬
‫ل يقبل عملية التمييع الستمرة الت ياولا "التطوريون"! و"الشتراكيون العلمانيون"!‬
‫عندئذ ل يكون اصطلح البيئة وعرفها هو الذي يدد القيم الخلقية‪ ،‬إنا يكون وراء اختلف البيئة‬
‫ميزان ثابت‪ ..‬عندئذ ل يكون هناك قيم وأخلق "زراعية" وأخرى "صناعية"! ول قيم وأخلق‬
‫"رأسالية" وأخرى "اشتراكية"‪ ،‬ول قيم وأخلق "برجوازية" وأخرى "صعلوكية"! ول تكون هناك‬
‫أخلق من صنع البيئة ومستوى العيشة وطبيعة الرحلة‪ ..‬إل آخر هذه التغيات السطحية والشكلية‪..‬‬
‫إنا تكون هناك ‪ -‬من وراء ذلك كله ‪ -‬قيم وأخلق " إنسانية " وقيم وأخلق " حيوانية " ‪ -‬إذا صح‬
‫هذا التعبي ! ‪ -‬أو بالصطلح السلمي‪ :‬قيم وأخلق " إسلمية " وقيم وأخلق " جاهلية "‪.‬‬
‫إن السلم يقرر قيمه وأخلقه هذه " النسانية " ‪ -‬أي الت تنمّي ف النسان الوانب الت تفرقه وتيزه‬
‫عن اليوان ‪ -‬ويضي ف إنشائها وتثبيتها وصيانتها ف كل الجتمعات الت يهيمن عليها سواء كانت‬
‫هذه الجتمعات ف طور الزراعة أم ف طور الصناعة‪ ،‬وسواء كانت متمعات بدوية تعيش على الرعي أو‬
‫متمعات حضرية مستقرة‪ ،‬وسواء كانت هذه الجتمعات فقية أو غنية‪ ..‬إنه يرتقي صعدا بالصائص‬
‫النسانية‪ ،‬ويرسها من النكسة إل اليوانية‪ ..‬لن الط الصاعد ف القيم والعتبارات يضي من الدرك‬
‫اليوان إل الرتفع النسان‪ ..‬فإذا انتكس هذا الط ‪ -‬مع حضارة الادة ‪ -‬فلن يكون ذلك حضارة !‬
‫إنا هو " التخلف " أو هو " الاهلية " !‬
‫وحي تكون " السرة " هي قاعدة الجتمع‪ .‬وتقوم هذه السرة على أساس " التخصص " بي الزوجي‬
‫ف العمل‪ .‬وتكون رعاية اليل الناشئ هي أهم وظائف السرة‪ ..‬يكون هذا الجتمع متحضرا‪ ..‬ذلك أن‬
‫السرة على هذا النحو ‪ -‬ف ظل النهج السلمي ‪ -‬تكون هي البيئة الت تنشأ وتُنَمّى فيها القيم‬
‫والخلق " النسانية " الت أشرنا إليها ف الفقرة السابقة‪ ،‬مثلة ف اليل الناشئ‪ ،‬والت يستحيل أن تنشأ‬
‫ف وحدة أخرى غي وحدة السرة‪ ،‬فأما حي تكون العلقات النسية (الرة كما يسمونا) والنسل‬
‫(غي الشرعي) هي قاعدة الجتمع‪ ..‬حي تقوم العلقات بي النسي على أساس الوى والنوة‬
‫والنفعال‪ ،‬ل على أساس الواجب والتخصص الوظيفي ف الُسرة‪ ..‬حي تصبح وظيفة الرأة هي الزينة‬
‫والغواية والفتنة‪ ..‬وحي تتخلى الرأة عن وظيفتها الساسية ف رعاية اليل الديد‪ ،‬وُت ْؤثِر هي ‪ -‬أو ُي ْؤثِر‬
‫لا الجتمع ‪ -‬أن تكون مضيفة ف فندق أو سفينة أو طائرة !‪ ..‬حي تنفق طاقتها ف " النتاج الادي "‬
‫و" صناعة الدوات " ول تنفقها ف " صناعة النسانية " ! لن النتاج الادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪89‬‬

‫من " النتاج النسان "‪ ،‬عندئذ يكون هنا هو " التخلف الضاري " بالقياس النسان‪ ..‬أو تكون هي "‬
‫الاهلية " بالصطلح السلمي !‬
‫وقضية السرة والعلقات بي النسي قضية حاسة ف تديد صفة الجتمع‪ ..‬متخلف أم متحضر‪،‬‬
‫جاهلي أم إسلمي !‪ ..‬والجتمعات الت تسود فيها القيم والخلق والنعات اليوانية ف هذه العلقة ل‬
‫يكن أن تكون متمعات متحضرة‪ ،‬مهما تبلغ من التفوق الصناعي والقتصادي والعلمي ! إن هذا‬
‫القياس ل يطئ ف قياس مدى التقدم " النسان "‪ ..‬وف الجتمعات الاهلية الديثة ينحسر الفهوم "‬
‫الخلقي "؛ بيث يتخلى عن كل ما له علقة بالتميز " النسان " عن الطابع " اليوان " ! ففي هذه‬
‫الجتمعات ل تعتب العلقات النسية غي الشرعية ‪ -‬ول حت العلقات النسية الشاذة ‪ -‬رذيلة‬
‫أخلقية‪ ..‬إن الفهوم الخلقي يكاد ينحصر ف العاملت القتصادية ‪ -‬والسياسية أحيانا ف حدود "‬
‫مصلحة الدولة"‪ .‬وال ُكتّاب والصحفيون والروائيون ف الجتمعات الاهلية هنا وهناك يقولونا صرية‬
‫للفتيات والزوجات‪ :‬إن التصالت (الرة) ليست رذائل أخلقية‪ .‬الرذيلة الخلقية أن يدع الفت‬
‫رفيقته أو تذع الفتاة رفيقها ول تلص له الود‪ ،‬بل الرذيلة أن تافظ الزوجة على عفتها إذا كانت‬
‫شهـوة الب لزوجها قد خدت ! والفضيلة أن تبحث لا عن صديق تعطيه جسدها بأمانة !‪..‬‬
‫عشرات من القصص هذا مورها ! ومئات التوجيهات الخبارية والرسوم الكاريكاتورية والنكت‬
‫والفاكاهات هذه إياءاتا‪..‬‬
‫مثل هذه الجتمعات متمعات متخلفة‪ ..‬غي متحضرة‪ ..‬من وجهة نظر " النسان " وبقياس خط التقدم‬
‫" النسان "‪..‬‬
‫إن خط التقدم النسان يسي ف اتاه " الضبط " للنوات اليوانية‪ ،‬وحصرها ف نطاق "السرة" على‬
‫أساس "الواجب" لتؤدي بذلك "وظيفة إنسانية" ليست اللذة غايتها‪ ،‬وإنا هي إعداد جيل إنسان يلف‬
‫اليل الاضر ف مياث الضارة "النسانية" الت ييزها بروز الصائص النسانية‪ ..‬ول يكن إعداد جيل‬
‫يترقى ف خصائص النسان‪ ،‬ويبتعد عن خصائص اليوان‪ ،‬إل ف مضن أسرة موطة بضمانات المن‬
‫والستقرار العاطفي‪ ،‬وقائمة على أساس الواجب الذي ل يتأرجح مع النفعالت الطارئة‪ .‬وف الجتمع‬
‫الذي تنشئ تلك التوجيهات والياءات البيثة السمومة‪ ،‬والذي ينحسر فيـه الفهوم الخلقي‪،‬‬
‫فيتخلى عن كل آداب النس‪ ،‬ل يكن أن يقوم ذلك الحضن النسان‪..‬‬
‫من أجل ذلك كله تكون القيم والخلق والياءات والضمانات السلمية هي اللئقة بالنسان‪.‬‬
‫ويكون " السلم هو الضارة " ويكون الجتمع السلمي هو الجتمع التحضر‪ ..‬بذلك القياس الثابت‬
‫الذي ل يتميع أو ل " يتطور "‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪90‬‬

‫وأخيا فإنه حي يقوم " النسان " باللفة على وجهها الصحيح‪ :‬بأن يلص عبوديته ل ويلص من‬
‫العبودية لغيه‪ ،‬وأن يقق منهج ال وحده ويرفض العتراف بشرعية منهج غيه‪ ،‬وأن ُيحَكّم شريعة ال‬
‫وحدها ف حياته كلها وينكر تكيم شريعة سواها‪ ،‬وأن يعيش بالقيم والخلق الت قررها ال له‬
‫ويسقط القيم والخلق الدعاة‪ .‬ث بأن يتعرف بعد ذلك كله إل النواميس الكونية الت أودعها ال ف‬
‫هذا الكون الادي‪ ،‬ويستخدمها ف ترقية الياة‪ ،‬وف استنباط خامات الرض وأرزاقها وأقواتا الت‬
‫أودعها ال إياها‪ ،‬وجعل تلك النواميس الكونية أختامها‪ ،‬ومنح النسان القدرة على فض هذه الختام‬
‫بالقدر الذي يلزم له ف اللفة‪ ..‬أي حي ينهض باللفة ف الرض على عهد ال وشرطه‪ ،‬ويصبح وهو‬
‫يفجر ينابيع الرزق‪ ،‬ويصنع الادة الامة‪ ،‬ويقيم الصناعات التنوعة‪ ،‬ويستخدم ما تتيحه له كل البات‬
‫الفنية الت حصل عليها النسان ف تاريه كله‪ ..‬حي يصبح وهو يصنع هذا كله " ربانيا " يقوم باللفة‬
‫على هذا النحو ‪ -‬عبادة ال‪ .‬يومئذ يكون هذا النسان كامل الضارة‪ ،‬ويكون هذا الجتمع قـد بلغ‬
‫قمة الضارة‪ ..‬فأما البداع الادي ‪ -‬وحده ‪ -‬فل يسمى ف السلم حضارة‪ ..‬فقد يكون وتكون معه‬
‫الاهلية‪ ..‬وقد ذكر ال من هذا البداع الادي ف معرض وصف الاهلية ناذج‪{ :‬أَتَْبنُونَ بِكُ ّل رِيعٍ آيَةً‬
‫َتعَْبثُونَ‪ ،‬وََتتّخِذُو َن مَصَانِعَ َلعَلّكُ ْم تَخْلُدُونَ‪ ،‬وَِإذَا بَ َطشْتُ ْم بَطَشُْتمْ جَبّارِينَ‪ ،‬فَاّتقُوا الّل َه وَأَطِيعُونِ‪ ،‬وَاّتقُوا‬
‫ف َعلَيْكُ ْم عَذَابَ َي ْومٍ‬
‫ت َوعُيُونٍ‪ِ ،‬إنّي أَخَا ُ‬
‫الّذِي َأمَدّكُمْ بِمَا َتعْلَمُونَ‪َ ،‬أمَدّكُمْ بِأَْنعَا ٍم وَبَِنيَ‪َ ،‬وجَنّا ٍ‬
‫عَظِيمٍ}‪..‬‬
‫خلٍ َط ْل ُعهَا َهضِيمٌ‪ ،‬وََتنْحِتُو َن مِنَ الْجِبَالِ‬
‫ع وَنَ ْ‬
‫ت َوعُيُونٍ‪َ ،‬و ُزرُو ٍ‬
‫{َأتُْترَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِِنيَ‪ ،‬فِي جَنّا ٍ‬
‫سرِِفيَ‪ ،‬الّذِي َن ُيفْسِدُونَ فِي الَْأ ْرضِ وَل ُيصْلِحُونَ}‬
‫ُبيُوتا فَا ِر ِهيَ‪ ،‬فَاّتقُوا الّل َه وَأَطِيعُونِ‪ ،‬وَل تُطِيعُوا َأ ْمرَ الْ ُم ْ‬
‫{َفلَمّا نَسُوا مَا ذُ ّكرُوا ِبهِ فََتحْنَا َعلَْيهِمْ أَْبوَابَ ُكلّ شَ ْيءٍ حَتّى ِإذَا َفرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ َبغْتَ ًة فَِإذَا هُمْ‬
‫مُبِْلسُونَ‪َ ،‬فقُطِ َع دَاِبرُ اْل َق ْومِ الّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَ ْمدُ لِّل ِه َربّ اْلعَالَ ِميَ}‪...‬‬
‫ض زُ ْخرَُفهَا وَازّيَّنتْ وَظَنّ َأ ْهُلهَا أَّنهُمْ قَا ِدرُونَ عََلْيهَا أَتَاهَا َأ ْمرُنَا لَيْلً َأوْ َنهَارا‬
‫{ َحتّى ِإذَا َأخَ َذتِ الَْأ ْر ُ‬
‫ج َعلْنَاهَا َحصِيدا كَأَنْ لَ ْم َتغْنَ بِالَْأ ْمسِ}‪.‬‬
‫فَ َ‬
‫ولكن السلم ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬ل يتقر الادة‪ ،‬ول يتقرالبداع الادي‪ ،‬إنا هو يعل هذا اللون من‬
‫التقدم ‪ -‬ف ظل منهج ال ‪ -‬نعمة من نعم ال على عباده‪ ،‬يبشرهم به جزاء على طاعته‪:‬‬
‫جعَلْ‬
‫{َف ُق ْلتُ اسَْت ْغ ِفرُوا رَبّكُمْ ِإّنهُ كَا َن َغفّارا‪ُ ،‬ي ْرسِلِ السّمَاءَ َعلَيْ ُكمْ مِ ْدرَارا‪َ ،‬ويُمْ ِددْكُمْ بَِأ ْموَا ٍل وََبِنيَ َويَ ْ‬
‫جعَلْ لَكُمْ َأْنهَارا}‪...‬‬
‫ت وَيَ ْ‬
‫لَكُمْ َجنّا ٍ‬
‫ض وَلَكِنْ كَذّبُوا فََأخَذْنَاهُ ْم بِمَا‬
‫ت مِنَ السّمَاءِ وَالَْأ ْر ِ‬
‫{وََلوْ أَنّ َأهْلَ اْل ُقرَى آمَنُوا وَاّت َقوْا َلفََتحْنَا َعلَْيهِمْ َبرَكَا ٍ‬
‫كَانُوا يَ ْكسِبُونَ}‪...‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪91‬‬

‫الهم هو القاعدة الت يقوم عليها التقدم الصناعي‪ ،‬والقيم الت تسود الجتمع‪ ،‬والت يتألف من مموعها‬
‫خصائص الضارة " النسانية "‪ .‬انتهى مع شيء من الختصار‪.‬‬
‫ول بد للمسلم أن يعلم أن إقامة الدولة السلمية وبناء الضارة القة ل يتحقق إل بالقوة الت تمي‬
‫الق وتدافع عنه‪ ،‬وهي سنة ل تتبدل ول تتغي‪ ،‬كما قال تعال‪َ { :‬وَلوْلَ َدفْعُ الّلهِ النّاسَ َب ْعضَهُمْ ِبَبعْضٍ‬
‫ض وََلـٰكِنّ ٱلّل َه ذُو َفضْلٍ َعلَى ٱْلعَالَ ِميَ} ‪ ،‬والية تدل على سنة التدافع بي الق والباطل‬
‫َلفَسَ َدتِ ا َل ْر ُ‬
‫ولول أن ال تعال يدفع بالجاهدين ف سبيله الكفار وغيهم من الفسدين لفسدت الرض باستيلء‬
‫الكفار عليها وتكيم كفرهم فيها كالديقراطية أو غيها‪ ،‬وفتنة السلمي وصدهم عن دينهم‪.‬‬
‫و من الفساد انتهاك العراض‪ ،‬وإزهاق النفس البيئة‪ ،‬والتجب والستطالة على السلمي‪ ،‬ونب‬
‫خياتم ونفطهم‪.‬‬
‫و من الفساد ما ترتكبه الوليات التحدة من جرائم‪ ،‬وإهلك للحرث والنسل بأسلحة الدمار الشامل‪،‬‬
‫وهو ما تفعله بأسلحتها الكيماوية وغيها ف العراق‪ ،‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وَِإذَا َتوَلّىٰ َسعَىٰ فِي ٱ َل ْرضِ‬
‫حبّ ٱلفَسَادَ}‪.‬‬
‫ث وَٱلنّسْ َل وَٱلّلهُ لَ ُي ِ‬
‫ح ْر َ‬
‫لُِيفْسِ َد فِِيهَا وَُي ْهِلكَ ٱلْ َ‬
‫ومن الفساد هدم الساجد‪ ،‬وإلاق الراب والدمار الائل ف منشئات ومساكن السلمي‪ ،‬وقد قال ال‬
‫صوَامِ ُع وَبِيَ ٌع َوصََلوَاتٌ َومَسَا ِجدُ يُذْ َكرُ فِيهَا ٱسمُ‬
‫ت َ‬
‫ضهُمْ بَِب ْعضٍ ّلهُ ّدمَ ْ‬
‫س َبعْ َ‬
‫تعال‪{ :‬وََلوْ َل دَفْعُ ٱلّلهِ ٱلنّا َ‬
‫ص ُرهُ إِ ّن ٱلّلهَ َل َق ِويّ َعزِيزٌ}‪ ،‬وتأمل هذا التخريب والتدمي والفساد ف‬
‫ٱلّلهِ كَثِيا وَلَيَنصُرَنّ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫أفعال الغزاة الصليبيي من المريكان أو البيطانيي أو الروس أو غيهم‪.‬‬
‫وف الية أن أئمة الكفر الجرمي الذين يسعون إل العلو ف الرض والفساد فيها لن يوقف زحفهم‬
‫ويصد عدوانم‪ ،‬الهزومون القاعدون عن الهاد‪ ،‬بل يدفعهم ويكف عدوانم الجاهدون الصادقون‪ ،‬فإن‬
‫أئمة الكفر ل تيفهم وترهبهم إل القوة الت تول بينهم وبي مططاتم وأطماعهم‪ ،‬وهذا هو سبب‬
‫بغضهم للجهاد ف سبيل ال الذي أرق مضاجعهم‪ ،‬وأذل غرورهم‪ ،‬ونغص أمنهم وعيشهم‪ ،‬وأدخل ف‬
‫حياتم الوف والرعب والترقب‪ ،‬وكشف زيف قوتم الدعاة‪.‬‬
‫وف الية أن الياة سوف يشيع فيها الفساد والرذائل والسقوط الخلقي والتراجع الضاري والدم‬
‫والتخريب والنهب إذا ل يصد السلمون أعداءهم الصليبيي النهابي العتدين وعملءهم عن بلد‬
‫السلمي‪.‬‬
‫إن المة السلمية يب أن تكون ماهدة ف سبيل ال وحينها يستطيع المراء والعلماء والباء والطباء‬
‫والهندسون والصناع وغيهم من أهل الختصاص أن يقيموا دولة السلم‪ ،‬ويشيدوا الضارة القة‬
‫الحمية بالقوة والهاد من عدوان الفسدين الدامي الخربي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪92‬‬

‫وأما إذا ل تتمسك المة بدينها‪ ،‬ول تقم بفريضة الهاد ف سبيل ال‪ ،‬فقد تلت عن شرط خييتها على‬
‫سائر المم‪ ،‬وتراجعت عن أسس حضارتا‪ ،‬ورضيت بالياة الذليلة والتراجع الضاري‪ ،‬وجعلت نفسها‬
‫عرضة للنهب والعدوان‪ ،‬كما أخب بذلك الصادق الصدوق عليه الصلة والسلم فقال‪" :‬إذا تبايعتم‬
‫بالعينة‪ ،‬وأخذت أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الهاد‪ :‬سلط ال عليكم ذل‪ ،‬ل ينعه عنكم‬
‫حت ترجعوا إل دينكم" أخرجه أحد وأبو داود‪ ،.‬وعن ثوبان رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬يوشك المم أن تداعى عليكم كما تداعى الكلة إل قصعتها"‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة‬
‫نن يومئذ؟ قال‪" :‬بل أنتم يومئذ كثي‪ ،‬ولكنكم غثاء كغثاء السيل‪ ،‬ولينعن ال من صدور عدوكم‬
‫الهابة منكم‪ ،‬وليقذفن ال ف قلوبكم الوهن"‪ ،‬فقال قائل‪ :‬يا رسول ال وما الوهن؟ قال‪" :‬حب الدنيا‬
‫وكراهية الوت" أخرجه أبو داود‪ ،‬وف رواية لحد‪" :‬حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال"‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪93‬‬

‫باب‪ :‬المامة الكبرى‬
‫المامة واجبة على السلمي‪ ،‬وهي ضرورة لقيام دينهم‪،‬وحكمه ف الرض‪ ،‬وإصلح أمور دنياهم‬
‫ومعاشهم‪ ،‬وقد قال تعال‪ ( :‬إِ ّن ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ إِلَىۤ َأ ْهِلهَا وَِإذَا حَكَ ْمتُمْ َبيْنَ ٱلنّاسِ أَن‬
‫حكُمُواْ بِٱْلعَدْلِ إِ ّن ٱلّلهَ ِنعِمّا َيعِظُكُمْ ِبهِ إِنّ ٱلّلهَ كَانَ سَمِيعا َبصِيا‪ .‬يَا َأّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُوْا ٱلّلهَ‬
‫تَ ْ‬
‫وَأَطِيعُوْا ٱلرّسُو َل وَُأوْلِي ٱ َلمْ ِر مِنْكُ ْم فَإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّل ِه وَٱلرّسُولِ إِن كُْنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ‬
‫سنُ تَ ْأوِيلً‪ .‬أَلَ ْم َترَ ِإلَى ٱلّذِينَ َي ْزعُمُونَ أَّنهُ ْم آمَنُوْا بِمَآ أُْنزِلَ إَِلْيكَ َومَآ أُنزِلَ‬
‫وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ خَْي ٌر وَأَحْ َ‬
‫مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن َيتَحَاكَ ُم ۤواْ إِلَى ٱلطّاغُوتِ َوقَدْ ُأ ِمرُوۤاْ أَن يَ ْك ُفرُواْ ِب ِه وَُيرِيدُ ٱلشّيْطَانُ أَن ُيضِّلهُ ْم ضَلَلً‬
‫َبعِيدا )‪ ,‬وقال أمي الؤمني عمر رضي ال عنه " إنه ل إسلم إل بماعة‪ ,‬ول جاعة إل بإمارة‪ ,‬ول‬
‫إمارة إل بطاعة‪ ,‬فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولم‪ ,‬ومن سوده قومه على غي فقه كان‬
‫هلكا له ولم" رواه الدارمي‪ ,‬وقال الاوردي رحه ال‪" :‬المامة موضوعة للفة النبوة ف حراسة الدين‬
‫وسياسة الدنيا‪ ,‬وعقدها لن يقوم با من المة واجب بالجاع"‪ ,)11‬وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه‬

‫ال‪" :‬يب أن يعرف أن ولية الناس من أعظم واجبات الدين‪ ،‬بل ل قيام للدين إل با‪ ،‬فإن بن آدم ل‬
‫تتم مصلحتهم إل بالجتماع لاجة بعضهم إل بعض‪ ،‬ول بد لم عند الجتماع من رأس‪ ،‬حت قال‬
‫النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬إذا خرج ثلثة ف سفر فليؤمروا أحدهم"‪ ،‬رواه أبو داود من حديث أب‬
‫سعيد وأب هريرة‪ .‬وروى المام أحد ف السند عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬أن النب صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬ل يل لثلثة يكونون بفلة من الرض إل أمروا عليهم أحدهم" فأوجب صلى ال عليه وسلم‬
‫تأمي الواحد ف الجتماع القليل العارض ف السفر‪ ،‬تنبيها على سائر أنواع الجتماع‪ ،‬ولن ال تعال‬
‫أوجب المر بالعروف والنهي عن النكر ول يتم ذلك إل بقوة وإمارة‪ .‬وكذلك سائر ما أوجبه من‬
‫‪2‬‬
‫الهاد والعدل وإقامة الج والمع والعياد ونصر الظلوم‪ ،‬وإقامة الدود‪ ،‬ل تتم إل بالقوة والمارة "‬

‫‪.)1‬‬

‫فصل‪ :‬شروط الخليفة ( المامة الكبرى)‬
‫الشرط الول‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬الحكام السلطانية‪.‬‬
‫‪ )1‬السياسة الشرعية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪94‬‬

‫أن يكون عالا متهدا يستطيع الجتهاد فيما يعرض عليه من شؤون البلد‪ ,‬ويسوس الدولة سياسة‬
‫شرعية‪ ,‬فكما أن العلماء ورثة النبياء‪ ,‬فكذلك الكام يسيون ف سياسة الدولة بسية النب صلى ال‬
‫عليه وسلم وهديه‪ ,‬ول يكن لن يهل أحكام الشريعة أن يسوس البلد والعباد سياسة شرعية‪ ,‬ولذا‬
‫فالواجب أن يكون المام عالا متهدا يقود الناس على علم وبصية‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬قَاُلوۤاْ َأنّىٰ يَكُونُ َلهُ‬
‫ك مِْن ُه وَلَمْ ُي ْؤتَ َسعَ ًة مّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنّ ٱلّلهَ ٱصْ َطفَاهُ َعلَيْكُ ْم َوزَا َدهُ َبسْطَةً‬
‫ك عََليْنَا وََنحْنُ أَحَ ّق بِٱلْمُ ْل ِ‬
‫ٱلْمُ ْل ُ‬
‫سمِ وَٱلّلهُ ُيؤْتِي مُلْ َك ُه مَن يَشَآ ُء وَٱلّل ُه وَاسِ ٌع َعلِيمٌ}‪ ,‬وف كتاب السنة للخلل قال رجل‬
‫فِي ٱْلعِلْ ِم وَٱلْجِ ْ‬
‫لعمر رضي ال عنه ف أمر الستخلف‪" :‬يا أمي الؤمني فأين أنت عن عبد ال بن عمر؟ فقال‪ :‬قاتلك‬
‫ال‪ ,‬وال ما أردت با ال‪ ,‬استخلف رجل ل يسن يطلق امرأته "‪ ,‬فتأمل قول عمر ف ابنه عبد ال‬
‫رضي ال عنهما وهو من كبار علماء الصحابة رضي ال عنهم‪ ,‬وقال عمر رضي ال عنه‪" :‬تفقهوا قبل‬
‫أن تسودوا" أخرجه ابن أب شيبة وغيه وصححه الافظ ابن حجر‪ ,‬وقال البخاري بعد هذا الثر‪:‬‬
‫"وبعد أن تسودوا" حت ل يفهم أن السيادة مانعة من التعلم‪ ,‬وهذا الثر يدل على أهية التعلم قبل‬
‫الولية‪ ,‬حت يسوس المي الرعية على بصية وعلم بكتاب ال تعال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫الشرط الثان‪:‬‬
‫أن يكون المام قويا ف الق ل تأخذه ف ال لومة لئم‪ ,‬وخبيا مربا ذا رأي وحكمة‪ ,‬وحسن سياسة‬
‫وتصرف ف تييش اليوش‪ ,‬وخوض الروب‪ ,‬وحاية البلد‪ ,‬وردع أهل الفساد والظلم ف الرض‪,‬‬
‫والنتصار للمظلومي‪ ,‬وأن يكون صارما حازما‪ ،‬ل تأخذه رأفة ف تنفيذ القصاص والدود وسائر‬
‫العقوبات‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ ٱصْ َطفَاهُ َعلَيْكُ ْم َوزَا َدهُ َبسْطَ ًة فِي ٱْلعِلْ ِم وَٱلْجِسْمِ}‪ ,‬قال المام ابن‬

‫‪)11‬‬

‫كثي رحه ال‪" :‬ومن ههنا ينبغي أن يكون اللك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة ف بدنه ونفسه "‬

‫و قال العلمة السعدي رحه ال‪" :‬فأجابم نبيهم‪ :‬إن ال اختاره عليكم؛ با آتاه ال من قوة العلم‬
‫‪2‬‬
‫بالسياسة؛ وقوة السم‪ ،‬اللذين ها آلة الشجاعة والنجدة‪ ،‬وحسن التدبي‪ ،‬وأن اللك ليس بكثرة الال"‬

‫‪ ,)2‬وقال تعال‪{ :‬خُذُوْا مَآ آتَْينَاكُم ِب ُق ّوةٍ}‪ ,‬قال السدي" بد‪ ,‬واجتهاد"‪ ,‬أخرجه ابن جرير‪ ,‬وقال تعال‪:‬‬
‫{إِنّ َخْيرَ مَ ِن ٱ ْستَأْ َج ْرتَ ٱْل َق ِويّ ٱ َلمِيُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وَ َكتَْبنَا َلهُ فِي ٱلَْلوَاحِ مِن كُل شَ ْيءٍ ّم ْوعِظَ ًة‬
‫وََت ْفصِيلً لكُل َش ْيءٍ فَخُ ْذهَا ِب ُق ّوةٍ}‪ ,‬أي بد واجتهاد‪ ,‬قال ابن عباس رضي ال عنهما‪" :‬بد وحزم"‬
‫أخرجه ابن أب حات وغيه‪ ,‬وعن قتادة ف قوله تعال‪َ{ :‬فخُ ْذهَا ِب ُق ّوةٍ} قال‪" :‬إن ال تعال يب أن‬
‫حيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ ِب ُقوّةٍ}‪ ,‬فالمي ينبغي‬
‫يؤخذ أمره بقوة وجد " أخرجه عبد بن حيد‪ ,‬وقال تعال‪ٰ { :‬ييَ ْ‬
‫صَبرَ ُأوْلُواْ ٱْلعَ ْزمِ مِنَ‬
‫صِبرْ كَمَا َ‬
‫أن يكون قويا بل عنف‪ ,‬وأن يكون لينا بل ضعف‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬فَٱ ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ )2‬تيسي الكري الرحن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪95‬‬

‫ٱلرّسُلِ}‪ ,‬قال ابن عباس "ذوو الزم والصب" والزم هو ضبط المر وتنقيحه والحتياط فيه والذر من‬
‫الطأ وشدة الهتمام ف تصيل الصلحة‪ ,‬قال ابن عطية‪" :‬الزم جودة النظر ف المر وتنقيحه والذر‬
‫ي وَأَحبّ إِل ال ّلهِ مِ َن ا ُل ْؤمِنِ‬
‫يخٌ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪« :‬الُؤمِن اْل َقوِ ّ‬
‫من الطأ فيه "‪ ,‬وقال رسو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫جزْ‪ .‬وإ ْن أصابَك شي ٌء فلَ تقلْ‪:‬‬
‫ضعِيفِ وف كُلّ خ ْيرٌ‪ .‬ا ْحرِصْ َعلَى مَا ي ْن َف ُعكَ‪ ،‬واسَْتعِنْ بِال ّل ِه وَلَ َتعْ َ‬
‫ال ّ‬
‫َلوْ َأنّي فَع ْلتُ كانَ َكذَا وَكذَا‪َ ،‬ولَكِ ْن قُلْ‪ :‬ق ّدرَ ال ّلهُ‪ ،‬ومَا شَا َء فَعَلَ‪َ ،‬فإِنّ َلوْ َتفْتَحُ عَ َملَ الشّيْطَان»‪.‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫ومن القوة أن يكون المام شجاعا قادرا على خوض الروب ومواجهة العداء من الكفار والنافقي‪,‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال ف الولة‪ " :‬فإن عليهم من الصب واللم ما ليس على غيهم‪ ،‬كما‬
‫أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيهم‪ ،‬لن مصلحة المارة ل تتم إل بذلك "‪ ,‬وقال‪:‬‬
‫"فل تتم رعاية اللق وسياستهم إل بالود الذى هو العطاء‪ ،‬والنجدة الت هي الشجاعة‪ ،‬بل ليصلح‬
‫الدين والدنيا إل بذلك‪ ،‬ولذا كان من ليقوم بما سلبه ال المر ونقله إل غيه كما قال ال تعال‪{ :‬يَا‬
‫أَّيهَا الّذِينَ آمَنُوْا مَا َلكُمْ ِإذَا قِيلَ لَكُ ُم ان ِفرُواْ فِي سَبِيلِ الّلهِ اثّاقَ ْلتُمْ إِلَى ا َل ْرضِ َأ َرضِيتُم بِاْلحَيَاةِ الدّْنيَا مِنَ‬
‫ال ِخ َرةِ َفمَا مَتَاعُ الْحَيَا ِة الدّْنيَا فِي ال ِخ َرةِ إِلّ َقلِيلٌ* إِ ّل تَن ِفرُواْ ُيعَذّبْكُ ْم عَذَابًا َألِيمًا َويَسَْتبْدِلْ َق ْومًا غَْيرَكُمْ‬
‫ضرّوهُ َشيْئًا وَالّل ُه عَلَى كُ ّل شَ ْيءٍ قَدِيرٌ} وقال تعال‪{ :‬هَاأَنتُ ْم َهؤُلَاء تُ ْد َعوْنَ ِلتُن ِفقُوا فِي َسبِي ِل الّلهِ‬
‫وَلَ َت ُ‬
‫س ِه وَالّلهُ اْلغَنِ ّي وَأَنتُمُ اْل ُفقَرَاء وَإِن تََت َوّلوْا َيسْتَبْ ِدلْ َق ْومًا‬
‫خلْ فَإِنّمَا يَْبخَ ُل عَن ّنفْ ِ‬
‫فَمِنكُم مّن يَْبخَ ُل َومَن يَبْ َ‬
‫ظ عََلْيهِمْ‬
‫غَْيرَكُمْ ثُ ّم لَا يَكُونُوا َأمْثَالَ ُكمْ}‪ ,)11‬وقال تعال‪{ :‬يَٰأّيهَا ٱلنِّبيّ جَاهِدِ ٱلْ ُكفّا َر وَٱلْ ُمنَاِف ِقيَ وَٱغُْل ْ‬

‫َومَ ْأوَاهُمْ َجهَنّ ُم وَِبْئسَ ٱلْ َمصِيُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلّذِينَ َيلُونَكُمْ منَ ٱلْ ُكفّا ِر‬
‫جدُواْ فِيكُ ْم غِلْ َظ ًة وَٱعْلَ ُموۤاْ أَنّ ٱلّل َه مَعَ ٱلْ ُمّت ِقيَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬فَِإذَا َلقِيتُمُ ٱلّذِينَ َكفَرُوْا َفضَ ْربَ‬
‫وَلِيَ ِ‬
‫ح ْربُ َأ ْوزَا َرهَا}‪ ,‬وقال‬
‫ق فَِإمّا مَنّا َبعْ ُد وَِإمّا فِدَآءً حَتّىٰ َتضَعَ ٱلْ َ‬
‫ٱلرقَابِ حَتّىٰ ِإذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ َفشُدّواْ ٱْلوَثَا َ‬
‫تعال‪{ :‬مّحَمّ ٌد رّسُولُ ٱلّل ِه وَٱلّذِي َن َم َعهُ أَ ِشدّآ ُء عَلَى ٱلْ ُكفّا ِر رُحَمَآءُ بَْيَنهُمْ َترَاهُ ْم رُكّعا ُسجّدا يَبَْتغُونَ‬
‫ك مََثُلهُمْ فِي ٱلّت ْورَا ِة َومَثَُلهُ ْم فِي ٱلِنِيلِ‬
‫ضوَانا سِيمَاهُ ْم فِي وُجُو ِههِمْ منْ َأَثرِ ٱلسّجُودِ ذَِل َ‬
‫َفضْلً منَ ٱلّلهِ َو ِر ْ‬
‫ع لَِيغِيظَ ِبهِمُ ٱلْ ُكفّارَ َوعَدَ ٱلّلهُ‬
‫جبُ ٱل ّزرّا َ‬
‫َك َزرْعٍ َأ ْخرَجَ شَطَْأهُ فَآ َز َرهُ فَٱسَْتغَْلظَ فَٱ ْسَت َوىٰ عََلىٰ سُوِقهِ ُيعْ ِ‬
‫ٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ ِمْنهُم ّم ْغ ِفرَ ًة وَأَجْرا عَظِيما}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُوْا مَن َيرْتَدّ‬
‫حبّوَنهُ َأذِلّ ٍة عَلَى ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ َأ ِع ّزةٍ عَلَى ٱلْكَاِفرِي َن يُجَاهِدُونَ‬
‫حّبهُ ْم وَيُ ِ‬
‫سوْفَ يَأْتِي ٱلّلهُ ِب َقوْمٍ يُ ِ‬
‫مِنكُ ْم عَن دِيِنهِ َف َ‬
‫فِي سَبِيلِ ٱلّلهِ وَ َل يَخَافُونَ َل ْومَةَ ۤلئِ ٍم ذِٰلكَ َفضْلُ ٱلّلهِ ُيؤْتِي ِه مَن يَشَآءُ وَٱلّل ُه وَاسِ ٌع َعلِيمٌ}‪ ,‬فوصف ال‬
‫تعال الذين يبهم ويبونه بالذلة على الؤمني‪ ،‬والعزة على الكافرين‪ ،‬والهاد ف سبيل ال‪ ,‬وعدم‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪96‬‬

‫الوف من لوم اللئمي‪ ،‬فل يصدهم عن إقامة شرع ال والهاد ف سبيل ال لوم أهل الكفر والنفاق‪،‬‬
‫وما يفترونه ف وسائل إعلمهم‪ ,‬فإن القلب ل يلتفت إل أقوالم ويرص على مراعاتا‪ ،‬إل إذا كان فيه‬
‫من التعبد لعداء ال بسب ما فيه من مراعاتم وطلب مرضاتم‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬وقوله‬
‫ـ ِفرِينَ} هذه صفات الؤمني الكمل أن يكون أحدهم‬
‫تعال‪َ{ :‬أذِلّ ٍة عَلَى ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ َأ ِع ّز ٍة عَلَى ٱلْ َك ٰ‬
‫متواضعا لخيه ووليه‪ ،‬متعززا على خصمه وعدوه‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬مّحَمّ ٌد رّسُو ُل ٱلّلهِ وَٱلّذِينَ َم َعهُ‬
‫أَشِدّآءُ َعلَى ٱلْ ُكفّارِ ُرحَمَآءُ بَْيَنهُمْ} وف صفة رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه الضحوك القتّال‪ ،‬فهو‬
‫ـفُونَ َل ْومَةَ َلئِمٍ}‬
‫خ ٰ‬
‫ـهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱلّل ِه وَلَ يَ َ‬
‫ج ٰ‬
‫ضحوك لوليائه قتّال لعدائه‪ ,‬وقوله عز وجل‪ُ{ :‬ي َ‬
‫أي ل يردهم عما هم فيه من طاعة ال‪ ،‬وإقامة الدود‪ ،‬وقتال أعدائه‪ ،‬والمر بالعروف‪ ،‬والنهي عن‬

‫النكر‪ ،‬ل يردهم عن ذلك راد‪ ،‬ول يصدهم عنه صاد‪ ،‬ول ييك فيهم لوم لئم‪ ،‬ول عذل عاذل "‪ )11‬و‬

‫عن أب ذر رضي ال عنه قال‪" :‬أمرن خليلي صلى ال عليه وسلم بسبع أمرن بب الساكي والدنو‬
‫منهم‪ ،‬وأمرن أن أنظر إل من هو دون ول أنظر إل من هو فوقى‪ ،‬وأمرن أن أصل الرحم وإن أدبرت‪،‬‬
‫وأمرن أل أسأل أحدا شيئا‪ ،‬وأمرن أن أقول بالق وإن كان مرا‪ ،‬وأمرن أل أخاف ف ال لومة لئم‪،‬‬
‫وأمرن أن أكثر من قول‪ :‬ل حول ولقوة إل بال‪ ،‬فإنن من كن تت العرش" رواه أحد‪ ,‬وقال المام‬
‫ابن جرير عن عمر رضي ال عنه‪ :‬وكان رضي ال عنه شديدا على أهل الريب‪ ،‬وف حق ال صليبا حت‬
‫يستخرجه‪ ،‬ولينا سهل فيما يلزمه حت يؤديه وبالضعيف رحيما رؤوفا "‪ ,)21‬وف كتاب الزهد لبن أب‬

‫عاصم " عن معاوية بن خديج قال‪ :‬بعثن عمرو بن العاص إل عمر بن الطاب رضي ال عنه بفتح‬
‫السكندرية "‪ ..‬وفيه " قال عمر‪ :‬ماذا قلت يا معاوية حي أتيت السجد؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬إن أمي الؤمني‬
‫قائل‪ ,‬قال بئس ما قلت‪ ,‬أو بئس ما ظننت‪ ،‬لئن نت النهار لضيعن الرعية‪ ,‬ولئن نت الليل لضيعن‬
‫نفسي‪ ،‬فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟!"‪ ,‬وقد كان رضي ال عنه صارما ف أمر ال‪ ،‬قويا ف الق‪،‬‬
‫ل تؤخذه ف ال لومة لئم‪ ،‬قد جعل ال له هيبة ف قلوب العباد‪ ,‬قال السن عن عمر رضي ال عنه‪:‬‬
‫"غلب الناس بالزهد ف الدنيا‪ ،‬والصرامة ف أمر ال‪ ،‬ول ياف ف ال لومة لئم" مصنف ابن أب شيبة‪,‬‬
‫وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪" :‬قال مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الطاب عن آية فما‬
‫أستطيع أن أسأله هيبة له‪ ،‬حت خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إل الراك‬
‫لاجة له‪ ،‬فوقفت له حت فرغ ث سرت معه‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمي الؤمني من اللتان تظاهرتا على رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم من أزواجه؟ فقال‪ :‬تلك حفصة وعائشة‪ .‬قال‪ :‬فقلت له‪ :‬وال إن كنت لريد أن‬
‫أسألك عن هذا منذ سنة‪ ،‬فما أستطيع هيبة لك‪ .‬قال‪ :‬فل تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلن عنه‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‬
‫‪ )1‬تاريخ الطبي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪97‬‬

‫فإن كنت أعلمه أخبتك" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫كما يب على المام أن يكون قويا ف تنفيذ أحكام القضاء والقصاص والدود وسائر العقوبات‪ ،‬وأل‬
‫تأخذه رأفة ف ذلك‪ ,‬قال ال تعال‪{ :‬ٱلزّانِيَ ُة وَٱلزّانِي فَٱجْلِدُواْ ُك ّل وَاحِدٍ مْنهُمَا مَِئةَ َجلْ َدةٍ وَ َل تَأْخُذْكُمْ‬
‫شهَ ْد عَذَاَبهُمَا طَآِئ َفةٌ منَ ٱلْ ُم ْؤمِِنيَ}‪.‬‬
‫ِبهِمَا رَأَْفةٌ فِي دِينِ ٱلّلهِ إِن كُنتُ ْم ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخرِ وَْليَ ْ‬
‫وأما الضعيف فل يصلح للمارة‪ ,‬كما ف حديث أب ذ ٍر رضي اللّه عنه قال‪ :‬قال ل رسول اللّه صَلّى الُ‬
‫ك ما أُ ِحبّ لِنَفسي‪ ،‬ل َتأَمّرنّ على اثْنيْن ول تولّيَنّ‬
‫عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬يا أبا ذَر َأرَاك ضعِيفا‪ ،‬وإن أُ ِحبّ ل َ‬
‫مال يتِيمِ" رواه مسلم‪ ,‬وعنه قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول اللّه أل تَستعمِلُن؟ فضَرب بِي ِدهِ على منْكبِي ُثمّ قال‪:‬‬
‫ضعِيف‪ ،‬وإّنهَا أَمانة‪ ،‬وإنّها يوم القيامَة ِخزْيٌ وَندَامةٌ‪ ،‬إلّ من أخَذها بِحقّها‪ ،‬وأدى‬
‫"يا أبا َذرّ إّنكَ َ‬
‫الذي عليهِ فِيها" رواه مسلم‪.‬‬
‫الشرط الثالث‪:‬‬
‫أن يكون المام تقيا عدل‪ ,‬ول خلف بي أهل العلم أن المامة ل يوز أن تعقد لفاسق‪ ,‬وقد قال‬
‫تعال‪{ :‬وَِإذِ ٱبَْتلَىٰ إِْبرَاهِي َم رَّبهُ بِ َكلِمَاتٍ فَأَتَ ّمهُ ّن قَالَ إِن جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما قَا َل َومِن ذُريّتِي قَالَ لَ َينَالُ‬
‫َعهْدِي ٱلظّالِ ِميَ}‪ ,‬وقد كان الصحابة رضي ال عنهم يتارون أفضلهم للخلفة‪ ,‬ولذا كان ترتيب‬
‫اللفاء الراشدين ف الفضل هو ترتيبهم ف اللفة‪ ,‬فأفضل المة بعد نبيها صلى ال عليه وسلم‪ ,‬أبو‬
‫بكرالصديق رضي ال عنه الليفة الول‪ ,‬ث عمر رضي ال عنه وهو الليفة الثان‪ ,‬ث عثمان رضي ال‬
‫عنه وهو الليفة الثالث‪ ,‬ث علي رضي ال عنه وهو الليفة الرابع‪ ،‬وعن على رضي ال عنه قال‪ :‬قيل‪ :‬يا‬
‫رسول ال من يؤمر بعدك؟ قال‪" :‬إن تؤمروا أبا بكر رضي ال عنه تدوه أمينا زاهدا ف الدنيا راغبا‬
‫ف الخرة‪ ،‬وإن تؤمروا عمر رضي ال عنه تدوه قويا أمينا ل ياف ف ال لومة لئم‪ ،‬وإن تؤمروا‬
‫عليا رضي ال عنه ول أراكم فاعلي تدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق الستقيم" رواه أحد‬
‫وغيه‪ ،‬وقد تضمن هذا الديث العظيم طريقة اختيار المام من خلل الشورى‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ف الديث‪" :‬إن تؤمروا"‪ ،‬وتضمن بعض الصفات الت تشترط ف المام وأولا‪ :‬الزهد ف الدنيا‬
‫والرغبة ف الخرة‪ ،‬وهذه من صفات أئمة العدل الذين زهدوا ف الدنيا وطهرت نفوسهم من طلب العلو‬
‫ف الرض والتكب على اللق ومن حظوظ النفس وأطماعها‪ ،‬ورغبوا با عند ال تعال‪ ،‬ومن كان هذا‬
‫وصفه فجدير به أن يقيم العدل ويكم بي الناس بالق بعد أن طهرت نفسه من الهواء والطماع‬
‫الدنيوية الت تصد عن الق‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬يدَاوُودُ إِنّا َجعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ا َل ْرضِ فَاحْكُمْ َبيْنَ النّاسِ‬
‫بِالْحَ ّق وَلَ َتتّبِعِ اْل َهوَى َفُيضِّلكَ عَن سَبِيلِ الّلهِ إِ ّن الّذِينَ َيضِلّو َن عَن َسبِي ِل الّلهِ َلهُ ْم عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ‬
‫َي ْومَ اْلحِسَابِ}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪98‬‬

‫و الثانية‪ :‬أن يتصف بالمانة وقد قال ال تعال‪{ :‬إِنّ خَْي َر مَنِ ا ْستَأْ َج ْرتَ اْل َق ِويّ ا َلمِيُ}‪ ،‬والمانة تشمل‬
‫القيام بالواجبات واجتناب الحرمات‪ ،‬ومن المانات الولية على السلمي فيجب النصح والحسان فيها‬
‫ويرم الغشى فيها واليانة‪ ،‬ومن المانات إسناد الوظائف والعمال إل أهلها‪ ،‬ومن المانات أداء‬
‫الموال إل الرعية بعدل وإنصاف‪ ،‬ومن المانات الال العام فيجب حفظه وتنب التعدي فيه وإضاعته‬
‫والسراف ف إنفاقه أو إهاله والتفريط ف حفظه وصيانته‪ ،‬ومن المانات أسرار الدولة وغيها فيجب‬
‫حفظها ويرم إفشاؤها‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إذا حدث الرجل بالديث ث التفت فهي‬
‫أمانة" رواه أحد وأبو داود والترمذي وغيهم‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن يتصف بالقوة وأل ياف ف ال لومة اللئم‪ ،‬وقد تقدم الكلم فيها‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬الداية‪ ،‬وهي تتضمن العلم والعمل بالعلم والدعوة إليه‪ ،‬فيجب أن يكون المام عالا متهدا وأن‬
‫يعمل بعلمه‪ ،‬وأن يقود المة إل الصراط الستقيم‪.‬‬
‫فإن المام التقي الناصح العادل هو الؤتن على السلم والسلمي‪ ,‬وأما الفاسق الذي ل يتصف بالتقوى‬
‫والعدل‪ ،‬ول تقبل شهادته على اليسي من الال‪ ,‬فأن لثل هذا أن يكون أهل لقامة دين ال ف الرض‬
‫والعدل بي الناس‪ ،‬وهو ل يقم العدل والصلح ف نفسه‪ ,‬وكيف يقيم الناس على الق ويأطرهم عليه‬
‫من كان مائل عنه ومعرضا عن التمسك به‪.‬‬
‫و الناس تبع لولة المر وهم العلماء والمراء‪ ,‬فإذا صلح هذان الصنفان صلح الناس‪ ,‬وإذا فسدا فسد‬
‫الناس‪ ,‬وف صحيح البخاري عن قيس بن أب حازم قال دخل أبو بكر على امرأة من أحس يقال لا‬
‫زينب فرآها ل تكلم‪ ،‬فقال‪ :‬ما لا ل تكلم؟ قالوا‪ :‬حجت مصمتة‪ .‬قال لا‪ :‬تكلمي‪ ،‬فإن هذا ل يل‪،‬‬
‫هذا من عمل الاهلية‪ .‬فتكلمت فقالت‪ :‬من أنت ؟ قال‪ :‬امرؤ من الهاجرين‪ .‬قالت‪ :‬أي الهاجرين ؟‬
‫قال‪ :‬من قريش‪ .‬قالت‪ :‬من أي قريش أنت ؟ قال‪ :‬إنك لسؤول أنا أبو بكر‪ .‬قالت‪ :‬ما بقاؤنا على هذا‬
‫المر الصال الذي جاء ال به بعد الاهلية ؟ قال‪ :‬بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم قالت‪ :‬وما‬
‫الئمة ؟ قال‪ :‬أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونم فيطيعونم؟ قالت‪ :‬بلى‪ .‬قال‪ :‬فهم أولئك على‬
‫الناس"‪,‬و ف السنن الكبى للبيهقي عن عمر رضي ال عنه قال عند موته‪" :‬اعلموا أن الناس لن يزالوا‬
‫بي ما استقامت لم ولتم وهداتم"‪ ,‬وعن زهي بن معاوية عن العمش قال قال حذيفة‪" :‬إذا كان‬
‫‪1‬‬
‫وال القوم خيا منهم ل يزالوا ف علياء‪ ،‬وإذا كان واليهم شرا منهم أو قال شرهم ل يزدادوا إل سفال"‬

‫‪.)1‬‬

‫الشرط الرابع‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬التمهيد لبن عبد الب‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪99‬‬

‫أن يكون الليفة من صميم قريش‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن هذا المر ف قريش ل يعاديهم‬
‫أحد إل كبه ال ف النار على وجهه ما أقاموا الدين" رواه البخاري‪.‬‬
‫و الامس‪:‬‬
‫أن يكون المام حرا‪.‬‬

‫و السادس‪:‬‬

‫أن يكون مسلما‪ ,‬فإن ال تعال قطع الوالة بي السلمي والكافرين‪ ,‬فل ولية لكافر على مسلم‪.‬‬
‫و السابع‪:‬‬
‫أن يكون ذكرا‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري‪.‬‬
‫و الثامن‪:‬‬
‫أن يكون سليم العضاء‪ ,‬ليس مصابا بالزمانة أو العمى أو نوه‪ ،‬لقول ال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّل َه ٱصْطَفَاهُ‬
‫عََليْكُ ْم َوزَا َدهُ بَسْ َطةً فِي ٱْلعِلْ ِم وَٱلْجِسْمِ}‪.‬‬
‫والتاسع والعاشر‪ :‬أن يكون بالغا عاقل‪.‬‬

‫فصل‪ :‬واجبات المام‬
‫وف هذا الفصل نذكر بعض الواجبات الساسية على المام على سبيل الختصار‪:‬‬

‫وأولا‪:‬‬

‫إقامة الدين كامل ف جيع شؤون الياة‪ ,‬والدعوة إل دين السلم ف داخل البلد وخارجها‪ ,‬وحفظ‬
‫الدين ونصرته‪ ,‬والمر بالعروف والنهي عن النكر‪ ,‬والتصدي لهل النفاق والبدع الذين يسعون إل‬
‫الفساد ف الرض‪ ،‬وصد الناس عن كتاب ال وسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وقد أمر ال تعال‬
‫بالدخول ف السلم كافة‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬يَأّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ ا ْدخُلُوْا فِي السّ ْلمِ كَآفّ ًة وَلَ تَتِّبعُواْ خُ ُطوَاتِ‬
‫الشّيْطَانِ إِّنهُ لَكُ ْم عَ ُد ّو مِّبيٌ}‪ ,‬والسلم هو السلم‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وَأَ ِن احْكُم َبيَْنهُ ْم بِمَآ أَنزَ َل الّل ُه وَلَ‬
‫ض مَآ أَنزَلَ الّلهُ إِلَْيكَ فَإِن َتوَّلوْاْ فَاعْلَمْ َأنّمَا ُيرِي ُد الّلهُ أَن‬
‫َتتّبِعْ َأ ْهوَآ َءهُ ْم وَاحْ َذ ْرهُمْ أَن َيفْتِنُو َك عَن َبعْ ِ‬
‫حكْمَ اْلجَاهِِليّةِ َيْبغُونَ َومَنْ أَ ْحسَ ُن مِنَ الّلهِ‬
‫ض ذُنُوِبهِمْ وَإِنّ َكثِيا مّ َن النّاسِ َلفَا ِسقُونَ‪ .‬أَفَ ُ‬
‫ُيصِيَبهُم بَِبعْ ِ‬
‫حُكْما ّل َقوْمٍ يُوِقنُونَ}‪ ,‬فحذر ال تعال من أن يصدوه عن بعض ما أنزل ال إليه‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وَإِن‬
‫ي عََليْنَا غَْي َر ُه وَإِذا لّتّخَذُوكَ َخلِيلً‪ .‬وََلوْلَ أَن ثَبّتْنَا َك َلقَدْ‬
‫ك عَنِ ٱلّذِي َأ ْوحَيْنَآ إِلَْيكَ لِت ْفَترِ َ‬
‫كَادُواْ َلَيفْتِنُوَن َ‬
‫ك عََليْنَا‬
‫ضعْفَ ٱلْمَمَاتِ ُثمّ لَ تَجِدُ َل َ‬
‫ضعْفَ ٱلْحَيَاةِ َو ِ‬
‫كِدتّ َترْكَنُ إَِلْيهِمْ شَيْئا َقلِيلً‪ .‬إِذا لذَ ْقنَا َك ِ‬
‫َنصِيا}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬فَلَ ُتطِعِ ٱلْمُكَذِّبيَ‪َ .‬ودّواْ َلوْ ُت ْدهِنُ فَيُ ْد ِهنُونَ}‪ ,‬قال المام ابن جرير رحه ال‪:‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪100‬‬

‫"معن ذلك‪ :‬ودّ هؤلء الشركون يا ممد لو تلي لم ف دينك بإجابتك إياهم إل الركون إل آلتهم‪،‬‬
‫فيلينون لك ف عبادتك إلك‪ ،‬كما قال ج ّل ثناؤه‪َ { :‬وَلوْلَ أَن ثَبّتْنَا َك َلقَدْ كِدتّ َترْكَنُ ِإلَْيهِمْ َشيْئًا قَلِيلً‬
‫ضعْفَ الْمَمَاتِ} وإنا هو مأخوذ من الدّهن شبه التليي ف القول بتليي‬
‫ضعْفَ الْحَيَواةِ َو ِ‬
‫ِإذًا َلذَ ْقنَا َك ِ‬
‫الدّهن"‪ ,)11‬وأخرج ابن النذر وابن أب حات عن ابن عباس ف قوله‪َ { :‬ودّوا َلوْ تُ ْدهِ ُن فَيُ ْد ِهنُونَ} قال‪:‬‬

‫"لو ترخص لم فيخصون "‪ ,‬وأخرج عبد بن حيد وابن النذر عن ماهد‪َ { :‬ودّوا َلوْ تُ ْدهِنُ َفيُ ْدهِنُونَ}‬
‫يقول " لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الق فيمالئونك"‪ ,‬وقال القرطب" وقال الفراء والكلب‪ :‬لو‬
‫خرِجُونَ أَْنفُسَ ُكمْ مّن‬
‫سفِكُونَ ِدمَآءِكُمْ وَ َل تُ ْ‬
‫تلي فيلينون لك"‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وَِإذْ أَخَ ْذنَا مِيثَاقَكُمْ لَ َت ْ‬
‫خرِجُونَ َفرِيقا مّنْكُ ْم مّن دِيَا ِرهِمْ‬
‫ـؤُ ۤلءِ َتقُْتلُونَ أَْنفُسَكُ ْم َوتُ ْ‬
‫شهَدُونَ‪ .‬ثُمّ َأنْتُ ْم َه ٰ‬
‫دِيَارِكُمْ ثُمّ َأ ْق َررْتُ ْم وَأَْنتُمْ تَ ْ‬
‫ح ّرمٌ عََليْكُمْ إِ ْخرَا ُجهُمْ أََفُت ْؤمِنُونَ‬
‫تَظَا َهرُو َن عََلْيهِمْ بِٱلِْثمِ وَاْلعُ ْدوَا ِن وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَا َرىٰ ُتفَادُوهُمْ َو ُه َو مُ َ‬
‫حيَاةِ ٱلدّنْيَا وََي ْومَ ٱْلقِيَامَةِ‬
‫ك مِنكُمْ إِ ّل ِخزْيٌ فِي ٱلْ َ‬
‫ض فَمَا َجزَآ ُء مَن َي ْفعَلُ ذِٰل َ‬
‫ب وَتَ ْك ُفرُونَ بَِبعْ ٍ‬
‫ِبَبعْضِ ٱلْكِتَا ِ‬
‫ب َومَا ٱلّلهُ ِبغَافِ ٍل عَمّا َتعْمَلُونَ‪ .‬أُوَلـِٰئكَ ٱلّذِي َن ٱ ْشَت َروُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدّْنيَا بِٱل ِخ َرةِ فَلَ‬
‫ُي َردّونَ ِإلَىٰ أَشَدّ ٱّلعَذَا ِ‬
‫صرُونَ‪ ,}.‬وقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّذِينَ ٱرْتَدّوْا عَلَىٰ َأدْبَا ِرهِمْ مّن َبعْ ِد مَا َتبَيّنَ‬
‫ب وَ َل هُمْ يُن َ‬
‫ف عَْنهُمُ ٱْلعَذَا ُ‬
‫خفّ ُ‬
‫يُ َ‬
‫َلهُمُ ٱْلهُدَى ٱلشّيْطَانُ َسوّلَ َلهُ ْم وََأمْلَ ٰى َلهُمْ‪ .‬ذَِلكَ بِأَّنهُ ْم قَالُوْا لِلّذِينَ َك ِرهُوْا مَا َنزّلَ ٱلّلهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي‬
‫ض ٱ َل ْمرِ وَٱلّلهُ َيعْلَمُ ِإ ْسرَا َرهُمْ‪ ,}.‬فكل هذه اليات توجب على ولة المر وعموم السلمي التمسك‬
‫َبعْ ِ‬
‫بدين ال كامل‪ ,‬وأل يعرضوا عن شيء منه طاعة للكافرين والنافقي أو اتباعا للهوى‪ ،‬وقد قال أبو بكر‬
‫الصديق رضي ال عنه‪ " :‬لست تاركا شيئا كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يعمل به إل عملت به‪.‬‬
‫إن أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ " رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫الثان‪:‬‬
‫الكم بي الناس بالعدل‪ ,‬وفصل الصومات‪ ,‬وأداء القوق إل أهلها‪ ,‬ونصرة الظلوم‪ ,‬وتنفيذ أحكام‬
‫القضاء والقصاص والدود وسائر العقوبات‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ إِلَىۤ‬
‫َأهِْلهَا وَِإذَا حَكَمْتُ ْم بَيْنَ ٱلنّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱْلعَدْلِ إِنّ ٱلّلهَ ِنعِمّا َيعِظُ ُكمْ ِبهِ إِ ّن ٱلّلهَ كَا َن سَمِيعا َبصِيا}‪.‬‬
‫الثالث‪:‬‬

‫تقيق المن ف البلد‪ ,‬وبسط نفوذ الدولة‪ ،‬وسيطرتا على جيع أطراف البلد لنع الفسدين والعتدين‬
‫من ترويع المني‪ ،‬والعتداء عليهم‪ ,‬حت ينعم الناس بنعمة المن ف مساكنهم‪ ،‬وأعمالم‪ ،‬وأسفارهم‪,‬‬
‫فإن المن من نعم ال على العباد‪ ،‬كما قال تعال‪َ{ :‬فلَْيعُْبدُوْا َربّ َهـٰذَا ٱْلبَْيتِ‪ .‬ٱلّ ِذيۤ أَ ْطعَ َمهُم مّن‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪101‬‬

‫ت آمَِن ًة مّطْمَئِنّةً يَ ْأتِيهَا ِرزُْقهَا َرغَدا‬
‫ل َقرْيَةً كَاَن ْ‬
‫ض َربَ ٱلّلهُ مَثَ ً‬
‫ع وَآمََنهُم مّنْ َخوْفٍ}‪ ,‬وقال تعال‪َ { :‬و َ‬
‫جُو ٍ‬
‫خوْفِ بِمَا كَانُواْ َيصَْنعُونَ}‪.‬‬
‫ع وَٱلْ َ‬
‫مّن كُ ّل مَكَانٍ فَ َك َف َرتْ بِأَْنعُمِ ٱلّلهِ فََأذَاَقهَا ٱلّلهُ لِبَاسَ ٱلْجُو ِ‬
‫الرابع‪:‬‬
‫الهاد ف سبيل ال‪ ،‬وإعداد العدة‪ ,‬وتصنيع السلحة بأنواعها‪ ,‬وتدريب الرجال البالغي القادرين على‬
‫الهاد‪ ,‬وتربيتهم التربية اليانية الهادية لماية البلد من العداء التربصي الذين يتحينون الفرص‬
‫خيْلِ‬
‫للعدوان على بلد السلمي‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬وََأعِدّواْ َلهُ ْم مّا ٱسْتَ َطعْتُ ْم مّن ُق ّو ٍة َومِن رّبَاطِ ٱلْ َ‬
‫ُت ْرهِبُونَ ِب ِه عَ ْدوّ ٱلّلهِ َوعَ ُدوّكُ ْم وَآ َخرِي َن مِن دُوِنهِمْ لَ َتعْلَمُوَنهُمُ ٱلّلهُ َيعْلَ ُمهُ ْم َومَا تُن ِفقُوْا مِن شَ ْيءٍ فِي‬
‫سَبِيلِ ٱلّلهِ ُيوَفّ إَِليْكُ ْم وَأَْنتُمْ لَ تُ ْظلَمُونَ}‪.‬‬
‫و القيام بهاد الطلب عند القدرة لزالة الطواغيت الذين ييلون دون إقامة شرع ال ف الرض وهداية‬
‫الناس‪.‬‬
‫الامس‪:‬‬
‫تقوية اقتصاد البلد‪ ,‬وتوفي سبل العمل والعاش من زراعة وتارة وصناعة وغيها‪ ,‬وجباية الزكاة لبيت‬
‫الال‪ ,‬وصرف الال العام ف مصارفه الشرعية‪ ,‬وإعطاء الناس حقوقهم من بيت الال كاملة‪ ,‬ومساعدة‬
‫الفقراء والحتاجي‪ ,‬وتلبية حاجاتم‪ ,‬وتفقد أحوالم‪ ,‬والرحة بالرعية‪ ،‬والرفق بم‪ ,‬وقد قال ال تبارك‬
‫وتعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ إِلَىۤ َأ ْهِلهَا}‪ ,‬وأخرج ابن جرير وغيه عن علي بن أب‬
‫طالب قال‪" :‬حق على المام أن يكم با أنزل ال وأن يؤدي المانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن‬
‫يسمعوا له وأن يطيعوا وأن ييبوا إذا دعوا "‪ ,‬وقال تعال‪َ{ :‬فبِمَا رَحْ َمةٍ منَ ٱلّلهِ لِنتَ َلهُ ْم وََلوْ كُْنتَ فَظّا‬
‫غَلِيظَ ٱْلقَ ْلبِ لَْن َفضّوْا مِنْ َحوِْلكَ}‪.‬‬
‫وقال المام ابن جرير رضي ال عنه‪" :‬وكان عمر رضي ال عنه فيما ذكر عنه يعس بنفسه ويرتاد‬
‫منازل السلمي ويتفقد أحوالم بيديه " ( تاريخ الطبي )‪ ،‬وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال‪ :‬خرجت مع‬
‫عمر بن الطاب رحه ال إل حرة واقم حت إذا كنا بصرار إذا نار فقال‪" :‬يا أسلم إن لرى ها هنا‬
‫ركبا قصر بم الليل والبد‪ ،‬انطلق بنا فخرجنا نرول حت دنونا منهم‪ ،‬فإذا بامرأة معها صبيان صغار‬
‫وقدر منصوبة على نار وصبيانا يتضاغون‪ ،‬فقال عمر‪ :‬السلم عليكم يا أصحاب الضوء‪ .‬وكره أن يقول‬
‫يا أصحاب النار‪ ،‬فقالت‪ :‬وعليك السلم‪ .‬فقال‪ :‬أدنو؟ فقالت‪ :‬ادنُ بي أو دع‪ .‬فدنا فقال‪ :‬ما بالكم؟‬
‫قالت‪ :‬قصر بنا الليل والبد‪ ،‬قال‪ :‬فما بال هؤلء الصبية يتضاغون؟ قالت‪ :‬الوع قال‪ :‬فأي شيء ف‬
‫هذه القدر؟ قالت‪ :‬ما أسكتهم به حت يناموا‪ ،‬وال بيننا وبي عمر‪ ،‬فقال‪ :‬أي رحك ال وما يدري عمر‬
‫بكم؟ قالت‪ :‬يتول عمر أمرنا ث يغفل عنا! قال‪ :‬فأقبل علي فقال انطلق بنا فخرجنا نرول حت أتينا دار‬
‫الدقيق‪ ،‬فأخرج عدل من دقيق وكبة من شحم‪ ،‬فقال‪ :‬احله علي‪ .‬فقلت‪ :‬أنا أحله عنك‪ .‬قال‪ :‬أنت‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪102‬‬

‫تمل عن وزري يوم القيامة ل أم لك‪ .‬فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إليها نرول‪ ،‬فألقى ذلك‬
‫عندها وأخرج من الدقيق شيئا‪ ،‬فجعل يقول لا‪ :‬ذري عليّ وأنا أحرك لك‪ ،‬وجعل ينفخ تت القدر‪ ،‬ث‬
‫أنزلا‪ ،‬فقال‪ :‬أبغين شيئا فأتته بصحفة فأفرغها فيها‪ ،‬ث جعل يقول لا‪ :‬أطعميهم وأنا أسطح لم‪ .‬فلم‬
‫يزل حت شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه‪ ،‬فجعلت تقول‪ :‬جزاك ال خيا كنت أول‬
‫بذا المر من أمي الؤمني‪ .‬فيقول‪ :‬قول خيا إذا جئت أمي الؤمني وجدتن هناك إن شاء ال‪ ،‬ث تنحى‬
‫ناحية عنها ث استقبلها فربض مربضا فقلنا له‪ :‬ان لنا شأنا غي هذا ول يكلمن حت رأيت الصبية‬
‫يصطرعون ث ناموا وهدأوا فقال‪ :‬يا أسلم إن الوع أسهرهم وأبكاهم‪ ،‬فأحببت أن ل أنصرف حت‬
‫أرى ما رأيت"‪.)11‬‬

‫وقال عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‪" :‬إذا ذكر الصالون فحيهل بعمر‪ ،‬إن عمر كان حائطا حصينا‬
‫يدخله السلم ول يرج منه‪ .‬فلما قتل عمر انثلم الائط‪ ،‬فالسلم يرج منه ول يدخل‪ ،‬والذي نفسي‬
‫بيده لوددت أن خادم لثل عمر حت أموت‪ ،‬والذي نفسي بيده لو أن من ف الرض اليوم وضعوا ف‬
‫كفة اليزان ووضع عمر ف الكفة الخرى لرجح شق عمر‪ ،‬إن عمر كان يأمر بالزور فتنحر فتكون‬
‫الكبد والسنام وأطايبها لبن السبيل‪ ،‬ويكون العنق لل عمر إذا ذكر الصالون فحيهل بعمر"‪.)22‬‬

‫وعن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪" :‬تقرقر بطن عمر بن الطاب وكان يأكل الزيت عام الرمادة‪،‬‬
‫وكان حرم عليه السمن‪ ،‬فنقر بطنه بإصبعه‪ ،‬قال‪ :‬تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيه حت ييا الناس"‬
‫رواه ابن سعد ف الطبقات الكبى‪ ,‬وعام الرمادة كان عام ماعة‪.‬‬
‫السادس‪:‬‬
‫تعيي المراء والوزراء والوظفي من المناء أهل النصح والتقان ف العمل‪ ،‬الذين يؤتنون على الدولة‬
‫السلمية ورعاية شؤون الناس‪ ,‬وحفظ الال العام‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬إِنّ خَْي َر مَ ِن ٱسْتَأْ َج ْرتَ ٱْل َقوِيّ‬
‫ٱ َلمِيُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ إِلَىۤ َأ ْهِلهَا}‪ ,‬ومن المانات العمال‬
‫والوظائف الت يب أن توسد إل أهلها‪.‬‬
‫السابع‪:‬‬

‫أن يقوم المام بتابعة أعمال الدولة‪ ،‬وأل يعول على غيه ف إقامة شرع ال‪ ,‬وسياسة الدولة‪ ,‬وتصريف‬
‫شؤونا‪ ,‬وتفقد أحوال البلد والرعية‪ ,‬بل يقوم بنفسه بتابعة العمال‪ ,‬وتسيي شؤون البلد‪ ,‬وإقامة‬
‫العدل بي الناس‪ ,‬وماسبة المراء‪ ,‬والوزراء على أعمالم‪ ,‬فإن الذمة ل تبأ بتشاغله وغفلته عما أوجب‬
‫ال عليه‪ ,‬وقد قال عمر رضي ال عنه‪" :‬لو ماتت شاة على شط الفرات لظننت أن ال تعال سائلي عنها‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬رواه عبد ال بن أحد بن حنبل ف فضائل الصحابة وابن جرير الطبي ف تاريه‬
‫‪ )2‬كتاب فضائل الصحابة لعبد ال بن أحد بن حنبل‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪103‬‬

‫يوم القيامة" رواه أبو نعيم ف اللية‪ ,‬وعن السن قال‪" :‬قال عمر لئن عشت إن شاء ال لسين ف‬
‫الرعية حول فإن أعلم أن للناس حوائج تقطع دون‪ ،‬أما عمالم فل يرفعونا إل‪ ،‬وأما هم فل يصلون‬
‫إل‪ ،‬فأسي إل الشأم فأقيم با شهرين‪ ،‬ث أسي إل الزيرة فأقيم با شهرين‪ ،‬ث أسي إل مصر فأقيم با‬
‫شهرين‪ ،‬ث أسي إل البحرين فأقيم با شهرين‪ ،‬ث أسي إل الكوفة فأقيم با شهرين‪ ،‬ث أسي إل البصرة‬

‫فأقيم با شهرين وال لنعم الول هذا "‪.)11‬‬

‫فصل‪ :‬حقوق المام‬
‫أول‪ :‬طاعته بالعروف‪:‬‬
‫من حقوق المام أن يطاع بالعروف‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱلّل َه وَأَطِيعُوْا ٱلرّسُولَ‬
‫وَُأوْلِي ٱ َلمْ ِر مِنْكُمْ َفإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّل ِه وَٱلرّسُولِ إِن كُنُْتمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخرِ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال‪":‬عَلى‬
‫ذِٰلكَ خَْي ٌر وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‪ ,‬وعن ابن عمر رضي الّلهُ عنهما عَن النب صَلّى ا ُ‬
‫سلِم السّمْ ُع والطّا َع ُة فِيما أَ َحبّ و ِكرَهَ‪ ،‬إِ ّل أنْ ُي ْؤ َمرَ بِ َمعْصَِي ٍة فَإذا ُأمِر بِم ْعصَِيةٍ فَلَ سَمْ َع وَل‬
‫ا َل ْرءِ الُ ْ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬عل ْيكَ‬
‫طا َعةَ" متفقٌ عليه‪ ,‬وعن أب هريرة رضي اللّه عنه قال‪ :‬قالَ رسُو ُل الّل ِه صَلّى ا ُ‬
‫سرِ َك وَمنْشَ ِطكَ ومَكْرهِكَ وأََث َرةٍ َعلَيْك"رواهُ مسلم‪ ,‬وعَن أَنسٍ رضي‬
‫سرِكَ ويُ ْ‬
‫السّمْعُ وَالطّاعةُ ف عُ ْ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬اسْ َمعُوا وأطيعوا‪ ،‬وإنِ اسُْتعْمِل علَيْ ُكمْ ع ْبدٌ‬
‫الّلهُ عنه قال‪ :‬قال رسُو ُل الّلهِ صَلّى ا ُ‬
‫صلّى الُ‬
‫حبشىّ‪َ ،‬كأَ ّن َرأْسهُ زَبِيَبةٌ" رواه البخاري‪ ,‬وعن أب هريرة رضي الّلهُ عنه قال‪ :‬قال رسُولُ الّلهِ َ‬
‫ي َفقَدْ أطَاعَن‪،‬‬
‫عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬مَنْ أَطَاعَن فَ َقدْ أَطَاعَ اللّه‪َ ،‬ومَنْ َعصَان َف َقدْ َعصَى اللّه‪َ ،‬ومَنْ يُطِعِ المِ َ‬
‫ي فَ َقدْ َعصَانِي" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫ص المِ َ‬
‫ومَنْ يعْ ِ‬
‫ثانيا‪ :‬نصرته ومعاونته على الب والتقوى‪:‬‬
‫تب معاونة المام عى إقامة شرع ال ف جيع شؤون الياة ونصرته ف ذلك‪ ,‬وقد قال تعال‪:‬‬
‫{وََتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلْ ّب وَٱلّت ْق َوىٰ وَلَ َتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلِثْم وَٱْلعُ ْدوَانِ}‪,‬و قال أبو بكر الصديق رضي ال عنه‪:‬‬
‫"إن أحسنت فأعينون"‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬النصيحة للمام‪:‬‬
‫والنصح للمام هو شدة العناية والرص على القيام بقه وطاعته بالعروف ومعاونته ونصرته‪ ,‬وتبيي‬
‫الق له‪,‬وتقويه إذا أساء‪ ،‬وجع الرعية حوله‪ ,‬وتنب مفارقته والروج عليه‪ ,‬وحث الناس على القيام‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تاريخ الطبي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪104‬‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قَالَ‪:‬‬
‫بقه‪ ,‬ففي صحيح مسلم عن تَميمِ بنِ َأوْس الدّا ِريّ رضي اللّه عنه أَنّ النّبِ ّي صَلّى ا ُ‬
‫ي وَعَامِّت ِهمْ"‪ ,‬وقال صلى ال‬
‫سلِ ِم َ‬
‫حةُ" قُلْنَا‪ :‬لِ َمنْ قَالَ‪" :‬للّه وَلِ ِكتَاِبهِ ولِرسُوِلهِ وَلَئ ّمةِ الُ ْ‬
‫"الدّي ُن الّنصِي َ‬
‫عليه وسلم‪" :‬نضر ال عبدا سع مقالت فوعاها وحفظها ث أداها إل من ل يسمعها‪ ،‬فرب حامل فقه‬
‫غي فقيه ورب حامل فقه‪ ،‬إل من هو أفقه منه‪ ،‬ثلث ل يغل عليهن قلب امرئ مسلم‪ :‬إخلص‬
‫العمل ل والنصح لئمة السلمي ولزوم جاعتهم‪ ،‬فإن دعوتم توط من وراءهم" رواه أحد وغيه‪،‬‬
‫قال المام الروزي ف معن النصيحة لئمة السلمي" وأما النصيحة لئمة السلمي فحب طاعتهم‬
‫ورشدهم وعدلم وحب اجتماع المة عليهم وكراهية افتراق المة عليهم والتدين بطاعتهم ف طاعة ال‬
‫والبغض لن رأى الروج عليهم وحب إعزازهم ف طاعة ال "‪.)11‬‬

‫رابعا‪ :‬احترامه وتوقيه‪:‬‬
‫ومن حقوق المام احترامه وتوقيه وإكرامه‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬مَن أهَانَ السّلطَانَ َأهَاَنهُ‬
‫اللّه" رواه الترمذي وقال حديث حسن‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إِ ّن مِنْ إِجْللِ ال ّلهِ تعال إِ ْكرَامَ‬
‫سلْطَا ِن ا ُلقْسِطِ" رواه‬
‫س ِلمِ‪ ،‬وَحَامِلِ اْلقُرآنِ غَ ْيرِ اْلغَال فِيهِ والَاف عَ ْنهُ‪ ،‬وإِ ْكرَا َم ذِي ال ّ‬
‫ذى الشّيْبةِ الُ ْ‬
‫أبو داود‪ ،‬وعن معاذ رضي ال عنه قال‪" :‬عهد إلينا رسول ال صلى ال عليه وسلم ف خس من فعل‬
‫منهن كان ضامنا على ال من عاد مريضا أو خرج مع جنازة أو خرج غازيا ف سبيل ال أو دخل على‬
‫إمام يريد بذلك تعزيره وتوقيه أو قعد ف بيته فيسلم الناس منه ويسلم" رواه أحد وغيه‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬تري خيانته وغشه والغدر به والروج عليه‪:‬‬
‫يرم على السلم أن يلع يدا من طاعة‪ ,‬وأن يرج على المام السلم ويغدر به‪ ,‬وقد تقدم حديث‬

‫جةَ‬
‫"الدين النصيحة"‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم "مَنْ خلَعَ يَدا منْ طَا َعةٍ َلقِي اللّه يوْم القيا َمةِ ولَ حُ ّ‬
‫س رضي اللّه عنهما أن‬
‫َلهُ‪َ ،‬ومَ ْن ماتَ َولَيْس ف عُُنقِهِ ب ْي َع ٌة مَاتَ مِيتةً جَا ِهلًّيةً" رواه مسلم‪ ,‬وعن ابن عبا ٍ‬
‫يهِ شيْئا فَليَصبِر‪ ،‬فإّن ُه مَن خَرج مِنَ السّلطَانِ‬
‫رسول اللّه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم قال "من َكرِه مِنْ َأمِ ِ‬
‫ت مِيَتةً جا ِهلِيةً" متف ٌق عليه‪ ,‬فالواجب على السلم لزوم جاعة السلمي وإمامهم وتنب الفرقة‪،‬‬
‫شِبا مَا َ‬
‫وشق الصف والروج على المام السلم‪ ,‬وعن حذيفة رضي ال عنه قال‪" :‬كان الناس يسألون رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم عن الي‪ ،‬وكنت أسأله عن الشر مافة أن يدركن‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول ال إنا كنا‬

‫ف جاهلية وشر فجاءنا ال بذا الي‪ ،‬فهل بعد هذا الي شر؟ قال‪" :‬نعم" فقلت‪ :‬هل بعد ذلك الشر‬

‫من خي؟ قال‪" :‬نعم وفيه دخن" قلت‪ :‬وما دخنه؟ قال‪" :‬قوم يستنون بغي سنت ويهدون بغي هديي‪،‬‬
‫تعرف منهم وتنكر" فقلت‪ :‬هل بعد ذلك الي من شر؟ قال‪" :‬نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابم‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تعظيم قدر الصلة‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪105‬‬

‫إليها قذفوه فيها" فقلت‪ :‬يا رسول ال صفهم لنا قال‪" :‬نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" قلت‪:‬‬
‫يا رسول ال فما ترى إن أدركن ذلك قال‪" :‬تلزم جاعة السلمي وإمامهم" فقلت‪ :‬فإن ل تكن لم‬
‫جاعة ول إمام؟ قال‪" :‬فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حت يدركك الوت‬
‫وأنت على ذلك" رواه البخاري ومسلم واللفظ له‪.‬‬
‫وعن ربعي بن حراش قال" انطلقت إل حذيفة بالدائن ليال سار الناس إل عثمان‪ ،‬فقال‪ :‬يا ربعي ما‬
‫فعل قومك؟ قال قلت عن أي بالم تسأل؟ قال‪ :‬من خرج منهم إل هذا الرجل؟ فسميت رجال فيمن‬
‫خرج إليه فقال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬من فارق الماعة واستذل المارة لقي‬
‫ال عز وجل ول وجه له عنده" رواه أحد‪ ،‬وقال اليثمي‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬

‫فصل‪ :‬أثر صلح ولة المر في صلح المة‬
‫ولة المر هم المراء والعلماء‪ ،‬وبصلح هذين الصنفي يصلح الناس‪ ,‬وبفسادها يفسد الناس‪ ,‬وقد‬
‫جعل ال تعال وجوب نصرة الدين وتبليغ العلم والمر بالعروف والنهي عن النكر على ولة المر آكد‬
‫من غيهم‪ ,‬لا اجتمع عندهم من العلم والقدرة والسلطان‪ ,‬قال تعال‪{ :‬وََت َرىٰ كَثِيا مْنهُمْ يُسَا ِرعُونَ فِي‬
‫حتَ لَِبْئسَ مَا كَانُواْ َيعْ َملُونَ‪َ .‬لوْلَ َيْنهَاهُ ُم ٱلرّبّاِنيّو َن وَٱلَ ْحبَا ُر عَن َقوِْلهِمُ‬
‫ٱلِثْ ِم وَٱْلعُ ْدوَانِ وَأَ ْكِلهِمُ ٱلسّ ْ‬
‫س مَا كَانُوْا َيصَْنعُونَ}‪ ,‬والربانيون‪ :‬هم العلماء أصحاب الوليات‪ ,‬والحبار‪:‬‬
‫حتَ َلبِْئ َ‬
‫ٱلِثْ َم وَأَكِْلهِمُ ٱلسّ ْ‬
‫هم العلماء فقط‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه ال‪ " :‬أي يبادرون إل ذلك من تعاطي الآث والحارم‪،‬‬
‫والعتداء على الناس‪ ،‬وأكلهم أموالم بالباطل‪{ ،‬لَِبْئسَ مَا كَانُواْ َيعْمَلُونَ} أي لبئس العمل كان عملهم‪،‬‬
‫ـهُ ُم ٱلرّّبـٰنِيّو َن وَٱلْحْبَا ُر عَن َقوِْلهِمُ ٱلثْ َم وَأَكِْلهِمُ‬
‫وبئس العتداء اعتداؤهم‪ ,‬وقوله تعال‪َ{ :‬لوْ ل يَْن َه ٰ‬
‫حتَ لَِبْئسَ مَا كَانُواْ َيصَْنعُونَ} يعن هل كان ينهاهم الربانيون والحبار عن تعاطي ذلك‪ ،‬والربانيون‬
‫ٱلسّ ْ‬
‫وهم العلماء العمال أرباب الوليات عليهم‪ ،‬والحبار هم العلماء فقط {لَِبْئسَ مَا كَانُواْ َيصَْنعُونَ} يعن‬
‫من تركهم ذلك"‪ ,)11‬وقال المام ابن جرير رحه ال "ربانيوهم‪ ،‬وهم أئمتهم الؤمنون‪ ،‬وساستهم‬

‫العلماء بسياستهم‪ ،‬وأحبارهم‪ ،‬وهم علماؤهم وقوّادهم"‪ .)22‬فالناس يطيعون ولة المر‪ ,‬ويستجيبون‬
‫لدعوتم أكثر من غيهم من ل يكن ف مكانتهم وقدرهم‪ ,‬وقد قال عمر رضي ال عنه‪" :‬فساد الدين‬
‫إذا جاء العلم من قبل الصغي استعصى عليه الكبي‪ ,‬وصلح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبي تابعه‬
‫عليه الصغي" وهذا أثر عظيم عزاه الافظ ابن حجر إل مصنف قاسم بن أصبغ وصحح إسناده‪ ,‬والراد‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ )2‬جامع البيان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪106‬‬

‫بالصغر ف هذا الثر صغر القدر‪ ,‬وليس صغر السن‪ ,‬فإن من كان صغي القدر ل يستجيب له إل القليل‬
‫من الناس‪ ,‬ويستعصي عليه كبارهم‪ ,‬وأما إذا كانت الدعوة والرشاد والتعليم من كبار القدر والكانة‬
‫بي الناس من ولة المر من المراء والعلماء والوزراء‪ ،‬فإن الكثي من الرعية سوف يتبعونم ويستجيبون‬
‫لنصحهم‪ ,‬وهذا هو الشاهد ف الواقع‪ ،‬فليس دعوة من بيده السلطة والقدرة ف البلد‪ ,‬كمن ل سلطة له‬
‫ول قدرة‪.‬‬
‫وف صحيح البخاري " عن قيس بن أب حازم قال‪ :‬دخل أبو بكر على امرأة من أحس يقال لا زينب‬
‫فرآها ل تكلم‪ ،‬فقال‪ :‬ما لا ل تكلم؟ قالوا حجت مصمتة قال لا‪ :‬تكلمي‪ ،‬فإن هذا ل يل‪ ،‬هذا من‬
‫عمل الاهلية‪ .‬فتكلمت‪ ،‬فقالت‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬امرؤ من الهاجرين‪ .‬قالت أي الهاجرين؟ قال‪ :‬من‬
‫قريش‪ .‬قالت‪ :‬من أي قريش أنت؟ قال‪ :‬إنك لسؤول أنا أبو بكر‪ .‬قالت‪ :‬ما بقاؤنا على هذا المر‬
‫الصال الذي جاء ال به بعد الاهلية؟ قال‪ :‬بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم‪ .‬قالت‪ :‬وما الئمة؟‬
‫قال‪ :‬أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونم فيطيعونم؟ قالت‪ :‬بلى‪ .‬قال‪ :‬فهم أولئك على الناس "‪,‬‬
‫فقولا‪" :‬هذا المر الصال" تعن السلم‪ ,‬وما تضمنه من التوحيد والعدل والصلح‪ ,‬وقوله رضي ال‬
‫عنه‪" :‬ما استقامت بكم أئمتكم" يدل على أن الناس يتبعون أئمتهم‪ ,‬فمن ضل منهم أضل غيه‪ ,‬ومن‬
‫استقام سعى واجتهد ف إصلح الناس‪ ,‬ولذا اشترطت التقوى والعدالة ف المام والمراء‪ ,‬لا يترتب‬
‫على صلحهم من إقامة شرع ال ف البلد وإصلح الناس‪ ,‬وقد قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪:‬‬
‫"و{وَُأ ْولِي ا َل ْمرِ} أصحاب المر وذووه‪ ،‬وهم الذين يأمرون الناس‪ ،‬وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة‬
‫وأهل العلم والكلم‪ ،‬فلهذا كان أولوا المر صنفي‪ :‬العلماء والمراء‪ ،‬فاذا صلحوا صلح الناس‪ ،‬وإذا‬
‫فسدوا فسد الناس‪ ،‬كما قال أبو بكر الصديق رضى ال عنه للحسية لا سألته‪ :‬ما بقاؤنا على هذا‬
‫المر؟ قال‪ :‬ما استقامت لكم أئمتكم‪ .‬ويدخل فيهم اللوك والشايخ وأهل الديوان وكل من كان‬
‫متبوعا‪ ،‬فإنه من أول المر‪ ،‬وعلى كل واحد من هؤلء أن يأمر با أمر ال به‪ ،‬وينهى عما نى عنه‪،‬‬
‫وعلى كل واحد من عليه طاعته أن يطيعه ف طاعة ال‪ ،‬وليطيعه ف معصية ال"‪ ،)11‬وقال الدارمي‪:‬‬

‫أخبنا أحد بن عبد ال أبو الوليد الروي ثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن عمرو بن سعيد عن أب‬
‫زرعة بن عمرو بن جرير عن حية بنت أب حية قالت‪ :‬دخل علينا رجل بالظهية فقلت‪ :‬يا عبد ال من‬
‫أين أقبلت؟ قال‪ :‬أقبلت أنا وصاحب ل بغاء لنا‪ ،‬فانطلق صاحب يبغي‪ ،‬ودخلت أنا أستظل بالظل‬
‫وأشرب من الشراب‪ ،‬فقمت إل لبينة حامضة‪ ،‬وربا قالت‪ :‬فقمت إل ضيحة حامضة فسقيته منها‬
‫فشرب وشربت‪ ،‬قالت‪ :‬وتوسته فقلت يا عبد ال من أنت؟ فقال‪ :‬أنا أبو بكر قلت‪ :‬أنت أبو بكر‬
‫صاحب رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي سعت به؟ قال‪ :‬نعم قالت‪ :‬فذكرت غزونا خثعما وغزوة‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪107‬‬

‫بعضنا بعضا ف الاهلية‪ ،‬وما جاء ال به من اللفة وإطناب الفساطيط‪ .‬وشبك ابن عون أصابعه ووصفه‬
‫لنا معاذ وشبك أحد‪ ،‬فقلت‪ :‬يا عبد ال حت مت ترى أمر الناس هذا؟ قال‪ :‬ما استقامت الئمة قلت‪:‬‬
‫ما الئمة؟ قال‪ :‬أما رأيت السيد يكون ف الواء فيتبعونه ويطيعونه فما استقام أولئك" رواه الدارمي‬
‫وغيه‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ل أخاف على أمت إل الئمة الضلي" رواه أحد‪ ,‬وعند‬
‫الترمذي قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إنا أخاف على أمت الئمة الضلي" ورواه أبو داود مطول‪ ,‬وعن‬
‫زياد بن حدير قال ل عمر رضي ال عنه‪ :‬هل تعرف من يهدم السلم؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬يهدمه زلة‬
‫عال‪ ،‬وجدال النافق بالكتاب‪ ،‬وحكم الئمة الضلي" رواه الدارمي ف السنن وابن البارك ف الزهد‪,‬‬
‫وقال عمر رضي ال عنه‪ " :‬الرعية مؤدية إل المام ما أدى المام إل ال‪ ،‬فإذا رتع رتعوا"رواه ابن أب‬
‫شيبة ف مصنفه‪.‬‬
‫وعن سعيد بن أب بردة قال" كتب عمر إل أب موسى‪ :‬أما بعد إن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته‪،‬‬
‫وإن أشقى الرعاة عند ال من شقيت به رعيته‪ ،‬وإياك أن ترتع فيتع عمالك‪ ،‬فيكون مثلك عند ال مثل‬
‫البهيمة نظرت إل خضرة من الرض فرتعت فيها تبتغي بذلك السمن‪ ،‬وإنا حتفها ف سنها‪ ،‬وعليك‬
‫السلم" رواه ابن أب شيبة ف مصنفه‪.‬‬
‫والناس إنا يقتدون بولة المر الذين توافق أقوالم أفعالم‪ ,‬فيتعلمون من أفعالم وسيتم وأخلقهم كما‬
‫يتعلمون من أقوالم‪ ,‬قال المام ابن جرير رحه ال " وكان عمر إذا أراد أن يأمر السلمي بشيء أو‬
‫ينهاهم عن شيء ما فيه صلحهم بدأ بأهله وتقدم إليهم بالوعظ لم والوعيد على خلفهم أمره كالذي‬
‫حدثنا أبو كريب ممد بن العلء قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا عبيدال بن عمر بالدينة عن‬
‫سال قال‪ :‬كان عمر إذا صعد النب فنهى الناس عن شيء جع أهله‪ ،‬فقال‪ :‬إن نيت الناس عن كذا‬
‫وكذا‪ ،‬وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطي يعن إل اللحم‪ ،‬وأقسم بال ل أجد أحدا منكم فعله إل‬

‫أضعفت عليه العقوبة"‪ ,)11‬وعن السور بن مرمة قال‪" :‬كنا نلزم عمر ابن الطاب نتعلم منه الورع"‪.)22‬‬

‫فالواجب على ولة المر أن يأمروا الناس بالب ويفعلوه‪ ,‬وأن ينهوهم عن النكر ول يقعوا فيه‪ ,‬وقد قال‬
‫سوْنَ أَْنفُسَكُ ْم وَأَْنتُمْ َتتْلُونَ الْكِتَابَ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬يَٰأّيهَا‬
‫تعال‪َ{ :‬أتَ ْأمُرُونَ النّاسَ بِالِْب ّر وَتَْن َ‬
‫ٱلّذِي َن آمَنُواْ لِ َم َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ‪ .‬كَُب َر َمقْتا عِندَ ٱلّلهِ أَن َتقُولُوْا مَا لَ َت ْفعَلُونَ}‪ ,‬وقد أخب ال تعال‬
‫عن شعيب صَلّى الّل ُه عََلْيهِ وَ َسلّم أنه قال‪َ { :‬ومَا ُأرِيدُ أَنْ أُخَاِلفَكُمْ إِلَى مَا أَْنهَاكُ ْم َعْنهُ}‪ ,‬وعن علقمة عن‬
‫عبد ال ابن مسعود رضي ال عنه قال‪" :‬لعن ال الواشات والستوشات‪ ،‬والنامصات والتنمصات‪،‬‬
‫والتفلجات للحسن‪ ،‬الغيات خلق ال‪ :‬قال فبلغ ذلك امرأة من بن أسد يقال لا‪ :‬أم يعقوب‪ ،‬وكانت‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تاريخ الطبي‪.‬‬
‫‪ )2‬الطبقات الكبى لبن سعد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪108‬‬

‫تقرأ القرآن‪ ،‬فأتته فقالت‪ :‬ما حديث بلغن عنك أنك لعنت الواشات والستوشات والتنمصات‬
‫والتفلجات للحسن الغيات خلق ال؟ فقال عبد ال‪ :‬وما ل ل ألعن من لعن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وهو ف كتاب ال؟ فقالت الرأة‪ :‬لقد قرأت ما بي لوحي الصحف فما وجدته؟ فقال‪ :‬لئن‬
‫كنت قرأتيه لقد وجدتيه‪ ،‬قال ال عز وجل‪َ { :‬ومَا آتَاكُ ُم الرّسُو ُل فَخُذُوهُ َومَا َنهَا ُكمْ َعْنهُ فَانَتهُوا}‬
‫فقالت الرأة‪ :‬فإن أرى شيئا من هذا على امرأتك الن؟ قال‪ :‬اذهب فانظري‪ .‬قال‪ :‬فدخلت على امرأة‬
‫عبد ال فلم تر شيئا‪ ،‬فجاءت إليه‪ ،‬فقالت‪ :‬ما رأيت شيئا فقال‪ :‬أما لو كان ذلك ل نامعها " أخرجه‬
‫البخاري ومسلم‪ ,‬وعند أحد " قال لا‪ :‬ادخلي‪ .‬فدخلت ث خرجت‪ ،‬فقالت‪ :‬ما رأيت بأسا‪ ,‬قال‪ :‬ما‬
‫حفظت إذن وصية العبد الصال { َومَا ُأرِيدُ أَنْ أُخَاِلفَكُمْ إِلَى مَا أَْنهَاكُ ْم َعْنهُ}‪ ,‬وقوله‪" :‬ل نامعها" أي‬
‫يطلقها‪ ،‬فل يتمع معها‪ ,‬وعن أَب زيدٍ أُسامة بْ ِن حَارَثةَ‪ ،‬رضي اللّه عنهما‪ ،‬قال‪ :‬سَ ِم ْعتُ رسو َل اللّه‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم َيقُولُ‪ُ" :‬يؤْتَـى بالرّجُلِ َي ْومَ اْلقِيامةِ فَُي ْلقَى ف النّار‪ ،‬فَتَنْدلِقُ َأقْتَابُ بَطِْنهِ‪ ،‬فَيدُورُ‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫ِبهَا كَمَا َيدُورُ الِمَارُ ف الرّحا‪ ،‬فَيجْتَمِعُ إَِل ْيهِ َأ ْهلُ النّار‪ ،‬فََيقُولُونَ‪ :‬يَا فُل ُن مَاَلكَ؟ أََلمْ تَكُن َتأْ ُمرُ‬
‫با َلعْرُوفِ َوتَ ْنهَى عَ ِن الُنْ َكرِ؟ فََيقُولُ‪َ :‬بلَى‪ ،‬كُ ْنتُ آ ُمرُ بالَ ْعرُوفِ وَلَ آتِيه‪ ،‬وََأْنهَى عَ ِن الُنْ َكرِ َوآَتِيهِ"‬
‫متفق عليه‪.‬‬

‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬مررت ليلة أسري ب على قوم تقرض شفاههم‬
‫بقاريض من نار" قلت‪ :‬ما هؤلء؟ قال‪" :‬هؤلء خطباء أمتك من أهل الدنيا‪ ،‬كانوا يأمرون الناس‬
‫بالب‪ ،‬وينسون أنفسهم‪ ،‬وهم يتلون الكتاب‪ ،‬أفل يعقلون" رواه أحد‪.‬‬
‫فإن من النفاق أن يأمروا الناس بالب ول يفعلوه‪ ,‬وينهوهم عن النكر ويرتكبوه‪ ,‬ويدعوا الناس بألسنتهم‬
‫س مَن ُيعْجُِبكَ َقوُْلهُ فِي‬
‫إل السلم‪ ،‬ويصدوهم عنه بأفعالم وسوء أخلقهم‪ ,‬وقد قال تعال‪َ { :‬ومِنَ ٱلنّا ِ‬
‫خصَامِ‪ .‬وَِإذَا َتوَلّ ٰى َسعَىٰ فِي ٱ َل ْرضِ ِلُيفْسِدَ ِفِيهَا‬
‫شهِ ُد ٱلّلهَ َعلَ ٰى مَا فِي َقلِْب ِه َو ُهوَ َألَدّ ٱلْ ِ‬
‫ٱلْحَيَاةِ ٱلدّْنيَا وَيُ ْ‬
‫ب ٱلفَسَادَ‪ .‬وَِإذَا قِيلَ َلهُ ٱتّقِ ٱلّلهَ أَخَ َذْتهُ ٱْل ِع ّزةُ بِٱ ِلثْمِ َفحَسُْبهُ َجهَنّمُ‬
‫ح ّ‬
‫ح ْرثَ وَٱلنّسْ َل وَٱلّلهُ لَ يُ ِ‬
‫وَُيهِْلكَ ٱلْ َ‬
‫وَلَِبْئسَ ٱلْ ِمهَادُ}‪ ,‬وعن عمران بن حصي قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن أخوف ما‬
‫أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان" رواه الطبان ف الكبي والبزار‪ ,‬وعن عمر بن الطاب‬
‫رضي ال عنه قال‪" :‬حذرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم كل منافق عليم اللسان" رواه أحد‪ ,‬وروى‬
‫الروزي ف تعظيم قدر الصلة عن أب عثمان قال‪ :‬سعت عمر بن الطاب وأنا بنب النب عدد أصابعي‬
‫هذه‪ ،‬وهو يقول‪" :‬إن أخوف ما أخاف عليكم النافق العليم‪ ,‬قالوا‪ :‬وكيف يكون النافق عليما؟! قال‪:‬‬
‫يتكلم بالكمة‪ ,‬ويعمل بالور‪ ,‬أو قال النكر"‪ ,‬وروى الروزي أيضا عن أب يي " قال‪ :‬سئل حذيفة‬
‫ابن اليمان من النافق؟ قال‪ :‬الذي يصف السلم ول يعمل به"‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪109‬‬

‫فالواجب على الولة أن يكونوا قدوة لسائر الناس‪ ,‬وأن يتصفوا بالعدل والتقوى والورع‪ ,‬وأن يتنبوا‬
‫الشبهات ومواطن التهم‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إِنّ الَلَ َل بَيّنٌ‪ ،‬وإِنّ الَرامَ بَيّنٌ‪ ،‬وَبَيْنَهما‬
‫ضهِ‪َ ،‬ومَ ْن َوقَعَ ف‬
‫ي مِنَ النّاسِ‪ ،‬فَمَن اتّقى الشّبُهاتِ‪ ،‬اسَْت ْبرَأَ ِلدِيِنهِ و ِعرْ ِ‬
‫مُشْتَبِهاتٌ لَ َي ْعلَ ُمهُنّ َكثِ ٌ‬
‫الشبُهاتِ‪ ،‬وقَعَ ف الَرامِ‪ ،‬كالرّاعي يرْعى َحوْ َل الِمى يُو ِشكُ أَنْ َي ْرتَع فِيهِ‪ ،‬أَلَ وإِنّ لِ ُك ّل َملِكٍ‬
‫سدُ ُكّلهُ‪ ،‬وَإِذا‬
‫صلَحَ ال َ‬
‫سدِ مُضغَةً إذا صلَحَت َ‬
‫حِمًى‪ ،‬أَ َل وَإِنّ حِمَى ال ّل ِه مَحَارِمهُ‪ ،‬أَلَ وإِنّ ف ال َ‬
‫سدُ ُكّلهُ‪ :‬أَ َل َوهِي ال َق ْلبُ" متفقٌ عليه‪ ,‬وعن أب هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫ت فَسدَ الَ َ‬
‫سدَ ْ‬
‫فَ َ‬
‫عليه وسلم‪" :‬يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس‪ ،‬وكن قنعا تكن أشكر الناس‪ ،‬وأحب للناس ما‬
‫تب لنفسك تكن مؤمنا‪ ،‬وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما‪ ،‬وأقل الضحك فإن كثرة الضحك‬
‫تيت القلب" رواه ابن ماجه‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬فضل العلم خي من فضل العبادة‬
‫ل َعلَْيهِ‬
‫وخي دينكم الورع" رواه الطبان ف الوسط والبزار‪ ,‬وعن أَنسٍ رضيَ الّلهُ عنه أَنّ النّبِي صَلّى ا ُ‬
‫صدَ َقةِ لَ َكلْتُها"‪ .‬متفقٌ عليه‪.‬‬
‫وسَلّم َوجَدَ تَ ْم َرةً ف ال ّطرِيقِ‪ ،‬فقال‪َ" :‬لوْلَ َأنّي أَخافُ أَ ْن تَكُو َن مِنَ ال ّ‬
‫خرِجُ َلهُ الَراجَ‪،‬‬
‫وعن عائش َة رضيَ الّلهُ عنها‪ ،‬قالت‪ :‬كانَ لب بَ ْكرٍ الصّدّيقِ‪ ،‬رضيَ الّلهُ عنهُ غُلمٌ ُي ْ‬
‫وكانَ أَبو َب ْكرٍ يَأْكُ ُل مِنْ َخرَا ِجهِ‪ ،‬فَجَاءَ يَوما ِبشَيءٍ‪ ،‬فَأَ َكلَ ِمْنهُ َأبُو بَ ْكرٍ‪َ ،‬فقَالَ َلهُ الغُلمُ‪ :‬تَ ْدرِي مَا هَذا؟‬
‫َفقَالَ َأبُو بَ ْكرٍ‪ :‬ومَا ُهوَ؟ قَالَ‪ُ :‬كْنتُ تَ َكهّْنتُ لِْنسَانٍ ف الاهِِليّ ِة ومَا أُحْسِن ال َكهَانَةَ إِلّ َأنّي خَ َد ْعُتهُ‪،‬‬
‫ت مِْنهُ‪ ،‬فََأدْخَلَ َأبُو بَ ْكرٍ يَدَه َفقَاءَ كُلّ شَيءٍ ف َبطْنِه"ِ رواه‬
‫ك هَذَا الذي أَ َك ْل َ‬
‫َفَلقِين‪ ،‬فََأعْطَان بِذل َ‬
‫البخاري‪ ,‬وعن السن بن علي رضي ال عنه قال‪" :‬لا احتضر أبو بكر رضي ال عنه قال‪ :‬يا عائشة‬
‫أنظري اللقحة الت كنا نشرب من لبنها والفنة الت كنا نصطبح فيها والقطيفة الت كنا نلبسها‪ ،‬فإنا كنا‬
‫ننتفع بذلك حي كنا ف أمر السلمي‪ ،‬فإذا مت فاردديه إل عمر‪ .‬فلما مات أبو بكر رضي ال عنه‬
‫أرسلت به إل عمر رضي ال عنه فقال عمر رضي ال عنه‪ :‬رضي ال عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من‬
‫جاء بعدك" رواه الطبان‪ ،‬وقال اليثمي رجاله ثقات‪.‬‬
‫وعن ناِفعٍ أَنّ عُ َم َر بنَ الَطّابِ رَضيَ الّلهُ َعْنهُ‪ ،‬كَانَ َف َرضَ للْمُها ِجرِي َن ا َلوِّليَ أَرَبعَةَ آلفٍ‪ ،‬وَف َرضَ لْبِنهِ‬
‫س ُهوَ‬
‫ثلثةَ آلفٍ وخَمْسَمائةٍ‪َ ،‬فقِي َل َلهُ‪ُ :‬هوَ مِنَ الُها ِجرِينَ َفلِم َن َقصَْتهُ فقال‪ِ :‬إنّما هَاجَر ِبهِ َأبُوه َيقُولُ‪ :‬لَْي َ‬
‫سهِ" رواهُ البخاري‪ ,‬وعن عمرو بن العاص قال‪" :‬لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا الال‬
‫كَمَ ْن هَا َجرَ ِبَنفْ ِ‬
‫لقد غبنا وضل رأيهما‪ ،‬واي ال ما كانا مغبوني ول ناقصي الرأي‪ ،‬وإن كان ل يل لما فأخذناه بعدها‬
‫لقد هلكنا واي ال ما جاء الوهم إل من قبلنا "رواه الطبان‪ ،‬وقال اليثمي‪ :‬رجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫وقال البيهقي ف كتابه الدخل إل السنن الكبى‪" :‬باب ما يستحب للعال من توقي الشتبهات‪ ،‬لئل‬
‫يغتر به الاهل فيقع ف الرام"‪ ,‬ث ذكر بإسناده عن نافع أن أسلم مول عمر حدث عبدال بن عمر "أن‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪110‬‬

‫عمر بن الطاب رضي ال عنه رأى على طلحة بن عبيد ال ثوبا مصبوغا‪ ،‬فقال‪ :‬ما بال هذا الثوب‬
‫الصبوغ عليك؟ فقال طلحة‪ :‬ليس به بأس إنا هو مدر‪ .‬فقال عمر رضي ال عنه‪ :‬إنكم أيها الرهط أئمة‬
‫يقتدي بكم الناس‪ ،‬وأن جاهل لو رآى هذا الثوب‪ ،‬لقال‪ :‬طلحة كان يلبس الثياب الصبوغة‪ ،‬فل يلبس‬
‫أحد منكم أيها الرهط من هذه الثياب الصبوغة شيئا وهو مرم"‪.‬‬
‫وينبغي لولة المر أن يتجنبوا التنعم ف الدنيا والترف الذي يضعف اليان والبدان‪ ,‬فل تصب على‬
‫الشدائد ومشقة الهاد‪ ,‬ول تنهض بأعباء الرب‪ ,‬فعن معاذ بن البل رضي ال عنه أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم لا بعث به إل اليمن قال له‪" :‬إياك والتنعم‪ ،‬فإن عباد ال ليسوا بالتنعمي" رواه أحد‬
‫والبيهقي‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬شرار أمت الذين غذوا بالنعيم‪ ،‬الذين يأكلون ألوان‬
‫الطعام‪ ،‬ويلبسون ألوان الثياب‪ ،‬ويتشدقون ف الكلم" رواه ابن أب الدنيا ف كتاب ذم الغيبة وغيه‪,‬‬
‫وعن أب عثمان قال‪" :‬كتب إلينا عمر ونن بأذربيجان‪ :‬يا عتبة بن فرقد إنه ليس من كدك ول من كد‬
‫أبيك ول من كد أمك‪ ,‬فأشبع السلمي ف رحالم ما تشبع منه ف رحلك‪ ،‬وإياكم والتنعم وزي أهل‬
‫الشرك" رواه مسلم‪ ,‬وعند أب عوانة من وجه آخر سبب قول عمر رضي ال عنه‪ ،‬وهو أن عتبة بن فرقد‬
‫بعث إل عمر مع غلم له بسلل فيها خبيص عليه اللبود‪ ,‬فلما رآه عمر قال‪ :‬أيشبع السلمون ف‬
‫رحالم من هذا؟ قال‪ :‬ل‪ ,‬فقال عمر ل أريده وكتب إل عتبة‪ "..‬وف هذا الثر أن المي يتساوى مع‬
‫السلمي ف النفقة‪ ،‬ول يتميز عنهم بشيء من ذلك‪ ,‬وأن يوصل أرزاقهم إل منازلم‪ ,‬ول يوجهم إل‬
‫الطالبة بقهم‪ ,‬وقوله‪" :‬إياكم والتنعم‪ ،‬وزي أهل الشرك" وف هذا نصح لم أن يعتادوا الصلبة والقوة‬
‫والتقشف والشونة ف معيشتهم‪ ،‬وف زيادة عند أب عوانة وغيه‪" :‬واخشوشنوا" من الشونة ف‬
‫العيشة‪ ,‬قال ابن جرير رحه ال‪" :‬يأمرهم ف ذلك بالتخشن ف عيشهم‪ ،‬لئل يتنعموا فيكنوا إل خفض‬
‫العيش‪ ،‬وييلوا إل الدعة‪ ،‬فيجبنوا ويتموا عن أعدائهم "‪.)11‬‬

‫وينبغي للولة أن يتجنبوا ما فيه خيلء من الراكب‪ ,‬واللباس‪ ,‬والبيوت وغيها‪ ,‬وقد قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬كلوا واشربوا وتصدقوا ما ل يالطه إسراف ول ميلة" رواه النسائي وابن‬

‫ماجه‪ ,‬وقال ابن وهب أخبن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه" أن عمر بن الطاب رضي ال‬
‫عنه ركب برذونا فجعل يتبختر به‪ ،‬فجعل يضربه‪ ،‬فل يزداد إل تبخترا‪ ،‬فنل عنه‪ ،‬وقال‪ :‬ما حلتمون‬
‫إل على شيطان‪ ،‬ما نزلت عنه حت أنكرت نفسي"‪ ,‬قال ابن كثي‪ :‬إسناده صحيح‪ ,‬فعمر رضي ال عنه‬
‫نزل عنه عندما اختال ف مشيته‪ ,‬ومثله السيارة الفارهة الت تدث الفخر والكب ف القلب‪ ,‬مع ما توقع‬
‫ف قلوب بعض الفقراء من سوء الظن بالمراء ونقص الثقة بم وما تولد من الحقاد ف قلوب البعض إذا‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪111‬‬

‫رأوا المراء يركبون السيارات الفارهة ويلبسون أغلى الثياب ويأكلون أنواع الطعام‪ ,‬والفقراء ل يدون‬
‫إل القليل من حاجاتم‪ ,‬فعن معاذ بن أنس رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من‬
‫ترك اللباس تواضعا ل وهو يقدر عليه دعاه ال يوم القيامة على رؤوس اللئق حت ييه من أي‬
‫حلل اليان شاء يلبسها" رواه الترمذي‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من لبس ثوب شهرة‬
‫ف الدنيا ألبسه ال ثوب مذلة يوم القيامة" رواه أحد وغيه‪ ,‬وعن أب ُأمَامَةَ ِإيَاسِ ب ِن َثعْلََبةَ ا َلْنصَارِيّ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم يوْما ِعنْ َدهُ الدّنْيَا‪ ،‬فقال‬
‫الارث ّي رضي اللّه عنه قال‪ :‬ذَ َكرَ َأصْحابُ رَسولَ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫رسول اللّه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬أَل تَسْ َمعُونَ أَل تَسْ َمعُونَ‪ ،‬إِ ّن الَْبذَاذَة مِن ا ِليَان‪ ،‬إِ ّن الَْبذَا َذةَ مِنَ‬
‫ا ِليَانِ" يعْن‪ :‬الّتقَحّلَ‪ .‬رواه أبو داود‪ ,‬قال المام النووي رحه ال‪ " :‬اْلبَذَا َذةُ‪ :‬بِاْلبَاءِ ا ُلوَحّد ِة وَالذّاَليِ‬
‫ا ُلعْجمََتيْنِ‪َ ،‬وهِ َي رَثاَثةُ الَْيئَةِ‪ ،‬وََترْكُ فَا ِخرِ اللّبَاسِ‪ .‬وَأمّا الّتقَحّ ّل فَبِاْلقَافِ والاء‪ ،‬قال َأهْلُ الّلغَة‪ :‬الَُتقَحّل‪:‬‬

‫ُهوَ الرّجُ ُل الْيَاِبسُ الِل ِد مِنْ خُشُوَنةَ اْلعَْيشِ‪َ ،‬وَترْكِ الّترَّفهِ"‪ ,)11‬وعن أب بريدة قال‪ " :‬قال ل أب‪ :‬لو رأيتنا‬
‫ونن مع نبينا وقد أصابتنا السماء‪ ،‬حسبت أن رينا ريح الضأن " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي‪,‬‬
‫قال ابن النذر رحه ال‪" :‬ومعن الديث أنه كان ثيابم الصوف‪ ،‬وكان إذا أصابم الطر ييء من ثيابم‬
‫ريح الصوف "‪ ,‬وعن أنس رضي ال عنه قال‪" :‬رأيت عمر رضي ال عنه وهو يومئذ أمي الؤمني‪ ،‬وقد‬
‫رقع بي كتفيه برقاع ثلث لبد بعضها على بعض " رواه مالك‪ ,‬وعن جابر بن عبد ال رضي ال عنهما‬
‫قال‪" :‬لقين عمر بن الطاب رضي ال عنه وقد ابتعت لما بدرهم‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا يا جابر؟ قلت‪ :‬قرم‬
‫أهلي فابتعت لم لما بدرهم‪ ،‬فجعل جابر يردد‪ :‬قرم أهلي حت تنيت أن الدرهم سقط من ول ألق‬
‫عمر" رواه البيهقي‪ ,‬ومعن "قرم" أي اشتهوا الطعام بشدة‪.‬‬
‫وقد جاءت الشريعة بالتوسط ف النفقة دون إسراف ول تقتي‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَٱلّذِينَ ِإذَآ أَن َفقُواْ لَمْ‬
‫س ِرفُوْا وَلَمْ َيقُْترُواْ وَكَانَ بَيْ َن ذَِلكَ َقوَاما}‪,‬و يستحب للعبد أن يتوسط ف لباسه لقوله صلى ال عليه‬
‫يُ ْ‬
‫وسلم‪" :‬إن ال يب أن يرى أثر نعمته على عبده" رواه الترمذي‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال‬
‫جيل يب المال‪ ،‬ويب أن يرى نعمته على عبده‪ ،‬ويبغض البؤس والتباؤس" رواه البيهقي ف شعب‬
‫اليان‪ ،‬وعن أب الحوص عن أبيه مالك قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال الرجل أمر به فل يضيفن ول يقرين‬
‫فيمر ب فأجزيه قال‪" :‬ل بل أقره"‪ ،‬قال فرآن رث اليئة فقال‪" :‬هل لك من مال؟"‪ ،‬فقلت‪ :‬قد أعطان‬
‫ال عز وجل من كل الال من البل والغنم قال‪" :‬فلي أثر نعمة ال عليك" رواه أحد واللفظ له وروى‬
‫أبو داود بعضه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬رياض الصالي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪112‬‬

‫و ينبغي للمراء التقلل من الدنيا وترك التوسع فيها‪ ،‬حت ل تنقص درجاتم عند ال على قدر ما توسعوا‬
‫فيها‪ ،‬فعن إِبراهي َم بنِ عب ِد الرّحنِ ب ِن عوفٍ أَ ّن عبدَ الرّحنِ ب َن َعوْفٍ‪ ،‬رَضيَ اللّه عنهُ أُتِ َي بطَعامٍ وكانَ‬
‫ص َعبُ ب ُن عُمَيٍ‪ ،‬رضيَ اللّه عنه‪ ،‬و ُهوَ خَْي ٌر مِنّي‪ ،‬فََلمْ يُوجَدْ لَه ما يُ َكفّنُ فيهِ إِ ّل ُب ْردَةٌ‬
‫صائما‪ ،‬فقالَ‪ :‬قُِت َل مُ ْ‬
‫سطَ َأوْ قالَ‪:‬‬
‫سطَ لَنَا مِنَ الدّنْيَا ما بُ ِ‬
‫ت رِجْلُه‪ ،‬وإِنْ غُطّ َي با رِجْله بَدَا رْأ ُسهُ‪ ،‬ثُ ّم بُ ِ‬
‫إِ ْن غُطّي بِها رَأْ ُسهُ بَ َد ْ‬
‫سنَاتُنا عُجَّلتْ لَنا‪ .‬ثُمّ َجعَلَ يبْكي َحتّى َترَكَ الطّعامَ‪.‬‬
‫ُأعْطِينَا مِنَ الدّنْيا مَا ُأعْطِينَا قَدْ خَشِينَا أَ ْن تَكُونَ حَ َ‬
‫رواهُ البخاري‪ ,‬وعن َخبّابِ بنِ ا َل َرتّ‪ ،‬رضي اللّه عنه‪ ،‬قال" هَا َجرْنَا مَعَ رسول اللّه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‬
‫ص َعبُ بن‬
‫ت وَلَمْ يأْكُ ْل مِنْ أَج ِرهِ َشيْئا‪ .‬مِْنهُم مُ ْ‬
‫س وَجهَ اللّه تعال َفوَقَعَ أَ ْجرُنا عَلى اللّه‪ ،‬فَمِنّا مَنْ مَا َ‬
‫َنلْتَ ِم ُ‬
‫عَمَيْر‪ ،‬رضي اللّه عنه‪ ،‬قُتِلَ َي ْومَ أُحُدٍ‪ ،‬وََترَكَ نَ ِم َرةً‪ ،‬فَكُنّا ِإذَا غَطّيْنا بَا رَأْ َسهُ‪ ،‬بَ َدتْ رجْلهُ‪ ،‬وَِإذَا غَطّْينَا ِبهَا‬
‫جعَ َل عَلى رجْليهِ َشيْئا مِنَ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪ ،‬أَنْ ُنغَطّ َي رَأْ َسهُ‪َ ،‬ونَ ْ‬
‫رِجَْلْيهِ‪ ،‬بَدَا رَأْ ُسهُ‪ ،‬فََأمَرَنا رسولُ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ا ِلذْ ِخرِ‪ ،‬ومِنّا مَنْ َأيَْن َعتْ َلهُ ثَ َمرَُتهُ‪َ .‬ف ُهوَ يَهدُبهَا"‪ ،‬متف ٌق عليه‪ ,‬وعنْ عبد الّلهِ بن عمرو ابنِ العاص‪ ،‬رضي‬
‫سلَم‪ ،‬إلّ‬
‫ل عََلْيهِ وسَلّم‪" :‬ما مِنْ غَازِيةٍ‪ ،‬أوْ َسرِّيةٍ َتغْزُو‪ ،‬فََتغْنمُ وتَ ْ‬
‫اللّه عْنهُما‪ ،‬قال‪ :‬قال رسُو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫خفِقُ وتُصابُ إلّ َتمّ لم أُجو ُر ُهمْ" رواهُ‬
‫جلُوا ُثلَُثيْ أَجو ِرهِم‪ ،‬ومَا مِ ْن غازِيةٍ أوْ سرِّيةٍ تُ ْ‬
‫كانُوا َقدْ تعَ ّ‬
‫مسلمٌ‪ ,‬قال المام النووي رحه ال‪" :‬فالصواب الذى ل يوز غيه أن الغزاة اذا سلموا أو غنموا يكون‬
‫أجرهم أقل من أجر من ل يسلم أو سلم ول يغنم‪ ،‬وأن الغنيمة هي ف مقابلة جزء من أجر غزوهم‪ ،‬فاذا‬
‫حصلت لم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم الترتب على الغزو‪ ،‬وتكون هذه الغنيمة من جلة الجر‪ ،‬وهذا‬
‫موافق للحاديث الصحيحة الشهورة عن الصحابة‪ :‬كقوله منا من مات ول يأكل من أجره شيئا‪ ،‬ومنا‬

‫من أينعت له ثرته فهو يهدبا أى يتنيها"‪ ,)11‬وعن ابن عمر رضي ال عنهما قال‪" :‬ل يصيب عبد من‬

‫الدنيا شيئا إل نقص من درجاته عند ال وإن كان عليه كريا" رواه ابن أب الدنيا‪ ,‬وقال النذري‪:‬‬
‫وإسناده جيد‪.‬‬
‫فينبغي للمام أن ياسب المراء على الثراء الفاجئ‪ ،‬وينظر ف سبل كسبهم للموال‪ ,‬حت ليستغل‬
‫بعضهم الولية لخذ الرشا أو الدايا أوجع الموال بسبب ماباة الناس لم ف البيع والعاملت‪ ،‬وف‬
‫الطبقات الكبى لبن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالم منهم سعد بن أب وقاص‪،‬‬
‫فشاطرهم عمر أموالم‪ ،‬فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا " وعن الشعب ف الطبقات أيضا " أن عمر كان إذا‬
‫استعمل عامل كتب ماله "‪ ,‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال " وما أخذه العمال وغيهم من مال‬
‫السلمي بغي حق فلول المر العادل استخراجه منهم‪ :‬كالدايا الت يأخذونا بسبب العمل‪ .‬قال أبو‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬شرح النووي على صحيح مسلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪113‬‬

‫سعيد الدري رضى ال عنه‪ :‬هدايا العمال غلول‪ .‬وروى إبراهيم الرب ف كتاب الدايا عن ابن عباس‬
‫رضى ال عنهما أن النب قال‪" :‬هدايا المراء غلول " ‪...‬‬
‫وكذلك ماباة الولة ف العاملة من البايعة والؤاجرة والضاربة والساقاة والزارعة‪ ،‬ونو ذلك هو من‬
‫نوع الدية‪ ،‬ولذا شاطر عمر بن الطاب رضى ال عنه من عماله من كان له فضل ودين ل يتهم‬
‫بيانة‪ ،‬وإنا شاطرهم لا كانوا خصوا به لجل الولية من ماباة وغيها‪ ،‬وكان المر يقتضي ذلك‪ ،‬لنه‬
‫كان إمام عدل يقسم بالسوية"‪.))1‬‬

‫ومن ظهر عليه من المراء الترف واليلء ف اللبس أو السكن أو الركب أو غيه‪ ,‬ورأى المام‬
‫الصلحة ف عزله فله أن يعزله‪ ,‬فإن الولية تقتضي كمال النصح للمسلمي‪ ،‬وأن يب المي لم من‬
‫الي ما يب لنفسه‪ ,‬فإذا ظهر عليه الترف والتنعم‪ ،‬والفقراء من حوله ل يدون بعض حاجاتم‪ ,‬وهو ل‬
‫يسن إليهم‪ ،‬ول يؤثرهم على نفسه‪ ,‬دل هذا على نقص نصحه للمسلمي‪ ،‬فعن عاصم بن أب النجود"‬
‫أن عمر ابن الطاب كان إذا بعث عماله شرط عليهم‪ :‬أل تركبوا برذونا‪ ،‬ول تأكلوا نقيا‪ ،‬ول تلبسوا‬
‫رقيقا‪ ،‬ول تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس‪ ،‬فإن فعلتم شيئا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة‪ ،‬قال‪ :‬ث‬
‫شيعهم‪ ،‬فإذا أراد أن يرجع قال‪ :‬إن ل أسلطكم على دماء السلمي‪ ،‬ول على أعراضهم‪ ،‬ول على‬
‫أموالم‪ ،‬ولكن بعثتكم لتقيموا بم الصلة‪ ،‬وتقسموا فيئهم‪ ،‬وتكموا بينهم بالعدل‪ ،‬فإن أشكل عليكم‬
‫شيء فارفعوه إل‪ ،‬أل فل تضربوا العرب فتذلوها‪ ،‬ول تمروها فتفتنوها‪ ،‬ول تعتلوا عليها فتحرموها‪،‬‬
‫جردوا القرآن‪ ،‬وأقلوا الرواية عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬انطلقوا وأنا شريككم" رواه عبد‬
‫الرزاق ف مصنفه‪ ،‬ففي الثر نى المراء عن الركب الذي يدث اليلء والتكب‪ ،‬وعن التنعم‬
‫والسراف ف الطعام واللباس‪.‬‬

‫فصل‪ :‬نصح المام والمراء ومحاسبتهم ومحاكمته‬
‫بعد أن بايع السلمون أبا بكر الصديق رضي ال عنه باللفة خطب الناس خطبة عظيمة‪ ،‬جعت أصول‬
‫من أصول السياسة الشرعية‪ ،‬فقد روى ابن إسحاق أن السلمي بايعوا أبا بكر رضي ال عنه‪ ،‬ث "تكلم‬
‫أبو بكر فحمد ال وأثن عليه بالذي هو أهله‪ ،‬ث قال‪ :‬أما بعد أيها الناس فإن قد وليت عليكم ولست‬
‫بيكم‪ ،‬فإن أحسنت فأعينون‪ ،‬وإن أسأت فقومون‪ ،‬الصدق أمانة والكذب خيانة‪ ،‬والضعيف فيكم‬
‫قوي عندي حت أرجع عليه حقه إن شاء ال‪ ،‬والقوي فيكم ضعيف حت آخذ الق منه إن شاء ال‪ ،‬ل‬
‫يدع قوم الهاد ف سبيل ال إل خذلم ال بالذل‪ ،‬ول تشيع الفاحشة ف قوم إل عمهم ال بالبلء‪،‬‬
‫(‪ )1‬مموع الفتاوى‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪114‬‬

‫أطيعون ما أطعت ال ورسوله‪ ،‬فإذا عصيت ال ورسوله فل طاعة ل عليكم قوموا إل صلتكم يرحكم‬
‫ال"‪ ,‬قال ابن كثي‪ :‬وهذا إسناد صحيح‪.‬‬
‫فقوله رضي ال عنه‪" :‬قد وليت عليكم ولست بيكم"‪ ,‬فهو رضي ال عنه أفضل المة بعد نبيها صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ,‬وإنا قال هذا لتواضعه رضي ال عنه‪ ,‬وهذا الذي يب أن يكون عليه المام مع رعيته‪،‬‬
‫ض جَنَا َحكَ‬
‫فيعاملهم بالتواضع واللي من غي ضعف‪ ,‬ويتحبب إليهم ويرحهم‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬وَٱ ْخفِ ْ‬
‫ك مِنَ ٱلْ ُمؤْمِِنيَ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬فَبِمَا رَحْمَ ٍة مّنَ ٱلّلهِ لِنتَ َلهُ ْم وََلوْ كُْنتَ َفظّا غَلِيظَ ٱْلقَ ْلبِ‬
‫لِمَنِ ٱتَّبعَ َ‬
‫لَْن َفضّوْا مِنْ َحوِْلكَ}‪.‬‬
‫معاونة المام على الب والتقوى‪:‬‬
‫وقوله رضي ال عنه" فإن أحسنت فأعينون"‪ ,‬يدل على أن من الواجبات على الرعية ف حق المام‬
‫معاونته على الب والتقوى‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وََتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلْ ّب وَٱلّت ْق َوىٰ وَلَ َتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلِثْمِ‬
‫وَٱْلعُدْوَانِ}‪ ,‬وقال عمر ابن الطاب رضي ال عنه‪" :‬أيها الرعية إن لنا عليكم حقا‪ :‬النصيحة بالغيب‬
‫والعاونة على الي‪ ،‬إنه ليس من حلم أحب إل ال‪ ،‬ول أعم نفعا من حلم إمام ورفقه‪ ،‬أيها الرعية إنه‬
‫ليس من جهل أبغض إل ال‪ ،‬ول أعم شرا من جهل إمام وخرقه"‪.)11‬‬

‫فالواجب على السلمي أن يعاونوا المام على الكم بشرع ال وإقامة العدل بي الناس‪ ,‬وأداء المانات‬
‫والقوق إل أهلها‪ ,‬والخذ على أيدي الفسدين والناة‪ ,‬وأما إذا أمرهم بعاونته على الث والعدوان فل‬
‫يعاون‪ ,‬بل يب النكار عليه وماسبته وماكمته‪ ,‬وقد نى ال تعال عن التعاون على الث والعدوان‪,‬‬
‫فقال تعال‪َ { :‬وَتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلْ ّب وَٱلّت ْق َوىٰ وَ َل َتعَاوَنُوْا عَلَى ٱلِْثمِ وَٱْلعُ ْدوَانِ}‪ ,‬وعن جابر بن عبد ال‬

‫رضي ال عنهما أن النب صلى ال عليه وسلم قال لكعب بن عجرة‪" :‬أعاذك ال من إمارة السفهاء"‬
‫قال وما إمارة السفهاء؟ قال‪" :‬أمراء يكونون بعدي ل يقتدون بديي ول يستنون بسنت‪ ،‬فمن‬

‫صدقهم بكذبم وأعانم على ظلمهم فأولئك ليسوا من ولست منهم‪ ،‬ول يردوا على حوضي‪ .‬ومن‬
‫ل يصدقهم بكذبم‪ ،‬ول يعنهم على ظلمهم‪ ،‬فأولئك من وأنا منهم‪ ،‬وسيدوا على حوضي‪ .‬يا كعب‬
‫بن عجرة الصوم جنة والصدقة تطفئ الطيئة والصلة قربان" أو قال‪" :‬برهان‪ .‬يا كعب بن عجرة‬
‫إنه ل يدخل النة لم نبت من سحت النار أول به‪ .‬يا كعب بن عجرة الناس غاديان‪ ،‬فمبتاع نفسه‬
‫فمعتقها وبائع نفسه فموبقها" أخرجه أحد وغيه واللفظ لحد‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ليأتي‬
‫عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فل يكونن‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تاريخ الطبي والزهد لناد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪115‬‬

‫عريفا ول شرطيا ول جابيا ول خازنا" رواه ابن حبان‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من أعان ظالا‬
‫بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة ال وذمة رسوله" رواه الطبان ف الوسط‪.‬‬
‫نصح الولة وماسبتهم وتقويهم‪:‬‬
‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬وإن أسأت فقومون" من التقوي‪ ,‬يقال قومه أي عدله‪ ,‬أي إذا أسأت فعدلون‬
‫وردون إل الق‪ ,‬وهذا يدل على أن المة يب عليها أن تقوم المام والولة‪ ,‬وتردهم إل الق‪,‬‬
‫وتنعهم من الظلم‪,‬قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬فهذا من كمال عدله وتقواه‪ ،‬وواجب على‬
‫كل إمام أن يقتدي به ف ذلك‪ ،‬وواجب على الرعية أن تعامل الئمة بذلك‪ ،‬فإن استقام المام أعانوه‬
‫على طاعة ال تعال‪ ،‬وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه‪ ،‬وإن تعمد ظلما منعوه منه بسب‬
‫المكان‪ ،‬فإذا كان منقادا للحق كأب بكر فل عذر لم ف ترك ذلك‪ ،‬وإن كان ل يكن دفع الظلم إل‬
‫با هو أعظم فسادا منه ل يدفعوا الشر القليل بالشر الكثي"‪ ،)11‬وعن موسى بن أب عيسى قال‪" :‬أتى‬

‫عمر بن الطاب مشربة بن حارثة فوجد ممد بن مسلمة فقال عمر‪ :‬كيف تران يا ممد؟ فقال‪ :‬أراك‬
‫وال كما أحب‪ ،‬وكما يب من يب لك الي أراك قويا على جع الال عفيفا عنه عادل ف قسمه ولو‬
‫ملت عدلناك كما يعدل السهم ف الثقاف‪ ،‬فقال عمر‪ :‬هاه فقال‪ :‬لو ملت عدلناك كما يعدل السهم ف‬
‫الثقاف‪ ,‬فقال عمر‪ :‬المد ال الذي جعلن ف قوم إذا ملت عدلون" أخرجه ابن البارك ف الزهد‪,‬‬
‫وأخرج ابن أب شيبة ف مصنفه عن يي بن عيسى عن العمش عن إبراهيم عن هام عن حذيفة قال‪:‬‬
‫"دخلت على عمر وهو قاعد على جذع ف داره‪ ،‬وهو يدث نفسه فدنوت منه‪ ،‬فقلت‪ :‬ما الذي أهك‬
‫يا أمي الؤمني؟ فقال هكذا بيده وأشار با قال قلت‪ :‬الذي يهمك وال لو رأينا منك أمرا ننكره‬
‫لقومناك‪ .‬قال‪ :‬ال الذي ل إله إل هو لو رأيتم من أمرا تنكرونه لقومتموه؟ فقلت‪ :‬ال الذي ل إله إل‬
‫هو لو رأينا منك أمرا ننكره لقومناك‪ .‬قال‪ :‬ففرح بذلك فرحا شديدا‪ ،‬وقال‪ :‬المد ل الذي جعل فيكم‬
‫أصحاب ممد من الذي إذا رأى من أمرا ينكره قومن"‪ ،‬وعن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه قال‪" :‬‬
‫إنه سيكون أمراء يدعون من السنة مثل هذه‪ ،‬فإن تركتموها جعلوها مثل هذه‪ ،‬فإن تركتموها جاؤوا‬
‫بالطامة الكبى" أخرجه الطبان ف الكبي‪ ,‬وذكر عمرو بن العاص رضي ال عنه خصال للروم‪ ,‬ث قال‪:‬‬
‫"وخصلة حسنة جيلة وأمنعهم من ظلم اللوك " أخرجه مسلم‪ ،‬فوصف خصلة منع اللوك من الظلم‬
‫بالسن والمال‪.‬‬
‫وتقوي المام والمراء له عدة طرق ووسائل منها‪ :‬النصيحة والتواصي بالق والتواصي بالصب‪ ,‬والمر‬
‫سرٍ‪ .‬إِلّ ٱلّذِي َن آمَنُواْ‬
‫صرِ‪ .‬إِ ّن ٱلِنسَانَ َلفِى خُ ْ‬
‫بالعروف والنهي عن النكر‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وَٱْلعَ ْ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬منهاج السنة النبوية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪116‬‬

‫صوْْا بِٱلصّْبرِ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬ٱلّذِينَ يَُبّلغُونَ رِسَا َلتِ ٱلّلهِ‬
‫صوْاْ بِٱْلحَ ّق وََتوَا َ‬
‫َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ وََتوَا َ‬
‫شوْنَ أَحَدا إِلّ ٱلّل َه وَ َكفَىٰ بِٱلّلهِ َحسِيبا}‪.‬و قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال يرضى‬
‫شوَْنهُ وَ َل يَخْ َ‬
‫خَ‬
‫وَيَ ْ‬
‫لكم ثلثا‪ :‬أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا‪ ،‬وأن تعتصموا ببل ال جيعا ول تفرقوا‪ ،‬وأن تناصحوا‬
‫من وله ال أمركم" أخرجه مسلم‪ ,‬وعن أب ذر رضي ال عنه قال‪ " :‬أمرن خليلي صلى ال عليه‬
‫وسلم بسبع‪ :‬أمرن بب الساكي والدنو منهم‪ ،‬وأمرن أن أنظر إل من هو دون ول أنظر إل من هو‬
‫فوقي‪ ،‬وأمرن أن أصل الرحم وإن أدبرت‪ ،‬وأمرن أل أسأل أحدا شيئا‪ ،‬وأمرن أن أقول بالق وإن كان‬
‫مرا‪ ،‬وأمرن أل أخاف ف ال لومة لئم‪ ،‬وأمرن أن أكثر من قول ل حول ولقوة إل بال‪ ،‬فإنن من‬
‫كن تت العرش" رواه أحد‪ ,‬وعن عبادة بن الصامت رضي ال عنه قال‪" :‬بايعنا رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم على السمع والطاعة ف العسر واليسر والنشط والكره‪ ،‬وعلى أثرة علينا‪ ،‬وأل ننازع المر‬
‫أهله‪ ،‬إل أن تروا كفرا بواحا عندكم من ال فيه برهان‪ ،‬وعلى أن نقول بالق أينما كنا‪ ،‬ل ناف ف ال‬
‫لومة لئم " رواه البخاري ومسلم‪ ,‬وعن أب ذر رضي ال عنه‪" :‬أن أناسا قالوا‪ :‬يا رسول ال ذهب أهل‬
‫الدثور بالجور‪ ،‬يصلون كما نصلي‪ ،‬ويصومون كما نصوم‪ ،‬ويتصدقون بفضول أموالم‪ .‬قال‪" :‬أوليس‬

‫قد جعل ال لكم ما تصدقون به‪ :‬إن بكل تسبيحة صدقة‪ ،‬وبكل تكبية صدقة‪ ،‬وبكل تميدة‬
‫صدقة‪ ،‬وبكل تليلة صدقة‪ ،‬وأمر بالعروف صدقة وني عن منكر صدقة" رواه مسلم وغيه‪ ,‬وعن أب‬
‫سعيد الدري رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬أفضل الهاد كلمة عدل عند سلطان‬
‫جائر" رواه أبو داود والترمذي‪ ,‬وعن أب أمامة رضي ال عنه قال عرض لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم رجل عند المرة الول فقال‪ :‬يارسول ال أي الهاد أفضل؟ فسكت عنه‪ ،‬فلما رمى المرة‬
‫الثانية سأله فسكت عنه‪ ،‬فلما رمي جرة العقبة وضع رجله ف الغرز ليكب‪ ،‬قال‪" :‬أين السائل" قال‪:‬‬
‫ها أنا يا رسول ال قال‪" :‬كلمة حق تقال عند سلطان جائر" رواه ابن ماحه‪ ,‬وعن جابر رضي ال عنه‬
‫عن النب صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬سيد الشهداء حزة بن عبد الطلب ورجل قام إل إمام جائر فأمره‬
‫وناه فقتله" رواه الاكم‪ ,‬وعن النعمان بن بشي رضي ال عنهما عن النب صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"مثل القائم ف حدود ال والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة‪ ،‬فصار بعضهم أعلها‪،‬‬
‫وبعضهم أسفلها‪ ،‬فكان الذين ف أسفلها إذا استقوا من الاء مروا على من فوقهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو أنا‬
‫خرقنا ف نصيبنا خرقا ول نؤذ من فوقنا‪ ،‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جيعا‪ ،‬وإن أخذوا على‬
‫أيديهم نوا ونوا جيعا" رواه البخاري‪ ,‬وعن ابن مسعود رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪" :‬ما من نب بعثه ال ف أمة قبلي إل كان له من أمته حواريون وأصحاب‪ ،‬يأخذون بسنته‪،‬‬
‫ويقتدون بأمره‪ ،‬ث إنا تلف من بعدهم خلوف‪ ،‬يقولون ما ل يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ل يؤمرون‪ ،‬فمن‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪117‬‬

‫جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن‪ ،‬وليس‬
‫وراء ذلك من اليان حبة خردل " رواه مسلم‪ ,‬وعن أب بكر الصديق رضي ال عنه قال‪ :‬يا أيها الناس‬
‫ضرّكُم مّن ضَلّ ِإذَا ا ْهتَدَْيتُمْ}‪ ,‬وإن‬
‫إنكم تقرؤون هذه الية‪{ :‬يَا َأّيهَا الّذِي َن آمَنُوْا عََليْكُمْ أَنفُسَكُمْ َل َي ُ‬
‫سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬إن الناس إذا رأوا الظال فلم يأخذوا على يديه أوشك‬
‫أن يعمهم ال بعقاب من عنده" رواه أبو داود والترمذي‪,‬وعن أب سعيد عن النب صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬ل ينعن أحدكم هيبة الناس أن يتكلم بق إذا رآه أو شهده أو سعه" رواه أحد وغيه‪ ,‬وعن‬
‫أب سعيد الدري قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ل يقرن أحدكم نفسه إذا رأى أمرا ل‬
‫فيه مقال أن يقول فيه‪ ،‬فيقال له يوم القيامة ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول‪ :‬رب خشيت الناس‪ .‬قال‪:‬‬
‫فأنا أحق أن تشى" رواه أحد وغيه‪ ,‬وعن عبد ال بن عمرو قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬إذا رأيت أمت تاب الظال أن تقول له‪ :‬أنت ظال‪ .‬فقد تودع منهم" رواه أحد‪ ،‬وقال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬الؤمن مرآة الؤمن‪ ،‬والؤمن أخو الؤمن‪ ،‬يكف عليه ضيعته‪ ،‬ويوطه من ورائه" رواه‬
‫أبو داود وغيه‪ ،‬وقال أبو هريرة رضي ال عنه‪" :‬الؤمن مرآة أخيه إذا رأى فيها عيبا أصلحه" رواه‬
‫البخاري ف الدب الفرد‪.‬‬
‫والمام والمراء ينصحون سرا‪ ,‬وينصحون وينكر عليهم علنية‪ ,‬والرجع ف ذلك إل الصلحة الشرعية‪,‬‬
‫فإذا كان ف العلن بالنكار إثارة فتنة ومفسدة أعظم من النكر‪ ،‬فينبغي ف هذه الالة السرار بنصيحة‬
‫المام أو المي‪ ,‬وإذا كانت الصلحة بالنكار علنية كما لو جاهر المام أو المي بفعل النكر أمام‬

‫الناس‪ ،‬ففي هذه الالة ينكر عليه علنية‪ ,‬وقد جاءت النصوص والثار بذا وهذا‪.‬‬

‫فمن الدلة على السرار بالنكار والنصح‪ ,‬قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من أراد أن ينصح‬
‫لذي سلطان فل يبده علنية‪ ،‬ولكن يأخذ بيده فيخلو به‪ ,‬فإن قبل منه فذاك‪ ,‬وإل كان قد أدى‬
‫الذي عليه" رواه أحد والاكم وابن أب عاصم ف كتاب السنة‪ ,‬وعن شقيق عن أسامة بن زيد قال قيل‬
‫له‪ :‬أل تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال‪ :‬أترون أن ل أكلمه إل أسعكم‪ ,‬وال لقد كلمته فيما بين‬
‫وبينه ما دون أن أفتتح أمرا ل أحب أن أكون أول من فتحه‪ ,‬ول أقول لحد يكون على أمي إنه خي‬

‫الناس بعد ما سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى ف النار‪,‬‬

‫فتندلق أقتاب بطنه‪ ,‬فيدور با كما يدور المار بالرحى‪ ,‬فيجتمع إليه أهل النار‪ ,‬فيقولون‪ :‬يا فلن‬
‫مالك أل تكن تأمر بالعروف وتنهى عن النكر؟ فيقول‪ :‬بلى قد كنت آمر بالعروف ول آتيه‪ ,‬وأنى‬
‫عن النكر وآتيه" رواه البخاري ومسلم واللفظ له‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪118‬‬

‫ومن الدلة على العلن بالنكار والنصح‪ ,‬ما رواه مسلم ف صحيحه عن طارق بن شهاب قال‪ :‬أول‬
‫من بدأ بالطبة يوم العيد قبل الصلة مروان‪ ,‬فقام إليه رجل‪ ,‬فقال‪ :‬الصلة قبل الطبة‪ .‬فقال‪ :‬قد ترك‬
‫ما هنالك‪ .‬فقال أبو سعيد‪ :‬أما هذا فقد قضى ما عليه‪ ,‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫"من رأى منكم منكرا فليغيه بيده‪ ,‬فإن ل يستطع فبلسانه‪ ,‬فإن ل يستطع فبقلبه‪ ,‬وذلك أضعف‬
‫اليان"‪.‬‬
‫وعن أب قبيل" عن معاوية بن أب سفيان أنه صعد النب يوم المعة‪ ,‬فقال عند خطبته‪ :‬إنا الال مالنا‪,‬‬
‫والفيء فيئنا‪ ,‬فمن شاء أعطيناه‪ ,‬ومن شئنا منعناه‪ .‬فلم يبه أحد‪ ,‬فلما كان المعة الثانية قال مثل ذلك‪,‬‬
‫فلم يبه أحد‪ ,‬فلما كان المعة الثالثة قال مثل مقالته‪ ,‬فقام إليه رجل من حضر السجد‪ ,‬فقال‪ :‬كل إنا‬
‫الال مالنا والفيء فيئنا‪ ,‬فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إل ال بأسيافنا‪ .‬فنل معاوية فأرسل إل الرجل‬
‫فأدخله‪ ,‬فقال القوم‪ :‬هلك الرجل‪ .‬ث دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير‪ ,‬فقال معاوية للناس‪:‬‬
‫إن هذا الرجل أحيان أحياه ال‪ ,‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬سيكون أئمة من بعدي‬
‫يقولون ول يرد عليهم‪ ,‬يتقاحون ف النار كما تتقاحم القردة" وإن تكلمت أول جعة فلم يرد عليّ‬
‫أحد‪ ,‬فخشيت أن أكون منهم‪ ,‬ث تكلمت ف المعة الثانية فلم يرد عليّ أحد‪ ,‬فقلت ف نفسي‪ :‬إن من‬
‫القوم‪ .‬ث تكلمت ف المعة الثالثة‪ ,‬فقام هذا الرجل فرد عل ّي فأحيان أحياه ال" رواه الطبان وأبويعلى‪،‬‬
‫وقال اليثمي‪ :‬رجاله ثقات‪ ،‬وروى الطبان عن ممد بن عقبة قال‪" :‬خطب معاوية فتكلم بشيء ما‬
‫ينكره الناس فردوا عليه فسره ذلك‪ ,‬وقال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬يكون أمراء‬
‫يقولون ول يرد عليهم‪ ,‬يتهافتون ف النار يتبع بعضهم بعضا"حسنه اللبان‪.‬‬
‫وقد جاءت الشريعة بالنهي عن مداهنة المراء والسكوت عن منكراتم‪ ,‬والنهي عن مدحهم ف‬
‫وجوههم‪ ,‬فعن ابن عمر رضي ال عنهما " أن ناسا قالوا له إنا ندخل على سلطيننا‪ ,‬فنقول لم بلف‬
‫ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ قال ابن عمر رضي ال عنهما‪ :‬كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم" رواه البخاري‪ ،‬قال الافظ ابن حجر رحه ال‪" :‬قوله فنقول لم أي نثن عليهم‪.‬‬
‫وف رواية الطيالسي‪ :‬فنتكلم بي أيديهم بشيء‪ .‬ووقع عند ابن أب شيبة من طريق أب الشعثاء قال‪ :‬دخل‬
‫قوم على ابن عمر فوقعوا ف يزيد بن معاوية‪ ,‬فقال‪ :‬أتقولون هذا ف وجوههم؟ قالوا‪ :‬بل ندحهم ونثن‬
‫عليهم‪ .‬وف رواية عروة بن الزبي عند الارث بن أب أسامة والبيهقي قال‪ :‬أتيت ابن عمر فقلت‪ :‬إنا‬
‫نلس إل أئمتنا هؤلء‪ ,‬فيتكلمون ف شيء نعلم أن الق غيه فنصدقهم‪ ,‬فقال‪ :‬كنا نعد هذا نفاقا‪ ,‬فل‬
‫أدري كيف هو عندكم‪ .‬لفظ البيهقي‪ ,‬وف رواية الارث‪ :‬يا أبا عبد الرحن إنا ندخل على المام‬
‫يقضي بالقضاء نراه جورا‪ ,‬فنقول‪ :‬تقبل ال‪ .‬فقال‪ :‬إنا نن معاشر ممد فذكر نوه‪ ...‬وللخرائطي ف‬
‫الساوئ من طريق الشعب قلت لبن عمر‪ :‬إنا ندخل على أمرائنا فنمدحهم‪ ,‬فإذا خرجنا قلنا لم خلف‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪119‬‬

‫ذلك‪ ,‬فقال‪ :‬كنا نعد هذا على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم نفاقا‪ .‬وف مسند مسدد من رواية‬
‫يزيد بن أب زياد عن ماهد أن رجل قدم على ابن عمر فقال له‪ :‬كيف أنتم وأبو أنيس الضحاك بن‬
‫قيس؟ قال‪ :‬إذا لقيناه قلنا له ما يب‪ ,‬وإذا ولينا عنه قلنا له غي ذلك‪ .‬قال‪ :‬ذاك ما كنا نعده مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم من النفاق"‪ ،)11‬وف مسند المام أحد‪ :‬أن عبد ال بن عمر لقي ناسا خرجوا‬

‫من عند مروان فقال‪ :‬من أين جاء هؤلء؟ قالوا‪ :‬خرجنا من عند المي مروان‪ .‬قال‪ :‬وكل حق رأيتموه‬
‫تكلمتم به وأعنتم عليه‪ ,‬وكل منكر رأيتموه أنكرتوه ورددتوه عليه‪ ,‬قالوا‪ :‬ل وال‪ ,‬بل يقول ما ينكر‪,‬‬
‫فنقول‪ :‬قد أصبت أصلحك ال‪ .‬فإذا خرجنا من عنده قلنا‪ :‬قاتله ال ما أظلمه وأفجره! قال عبد ال‪ :‬كنا‬
‫بعهد رسول ال صلى ال عليه وسلم نعد هذا نفاقا لن كان هكذا "‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من سكن البادية جفا‪ ,‬ومن اتبع الصيد غفل‪ ,‬ومن أتى السلطان افتت"‬
‫رواه أبو داود والترمذي والنسائي‪ ,‬وهذا لن داهن السلطان وسكت عن باطله‪ ,‬وأما من دخل على‬
‫السلطان لنصحه ولقول الق عنده‪ ,‬فقد قام بأفضل الهاد‪.‬‬
‫وعن ممد بن عمرو حدثن أب عن أبيه علقمة بن وقاص قال‪ :‬مر به رجل له شرف‪ ,‬فقال له علقمة‪:‬‬
‫إن لك رحا‪ ,‬وإن لك حقا‪ ,‬وإن رأيتك تدخل على هؤلء المراء وتتكلم عندهم با شاء ال أن تتكلم‬
‫به‪ ,‬وإن سعت بلل بن الارث الزن صاحب رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ :‬قال رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان ال‪ ,‬ما يظن أن تبلغ ما بلغت‪ ,‬فيكتب‬

‫ال عز وجل له با رضوانه إل يوم القيامة‪ ,‬وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط ال‪ ,‬ما يظن أن‬
‫تبلغ ما بلغت‪ ,‬فيكتب ال عز وجل عليه با سخطه إل يوم يلقاه" قال علقمة‪ :‬فانظر ويك ماذا‬
‫تقول؟ وماذا تكلم به؟ فرب كلم قد منعن أن أتكلم به ما سعت من بلل بن الارث" رواه ابن ماجة‬
‫وابن حبان وروى الترمذي الرفوع منه‪.‬‬
‫وعن أب موسى الشعري رضي ال عنه قال‪ :‬سع النب صلى ال عليه وسلم رجل يثن على رجل‬
‫ويطريه ف الدحة‪ ,‬فقال‪" :‬أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل" متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أب بكرة رضي ال عنه أن رجل ذكر عند النب صلى ال عليه وسلم فأثن عليه رجل خيا‪ ,‬فقال‬

‫النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬ويك قطعت عنق صاحبك" يقوله مرارا "إن كان أحدكم مادحا ل مالة‪,‬‬

‫فليقل أحسب كذا وكذا‪ .‬إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه ال‪ ,‬ول يزكى على ال أحد"متفق عليه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪120‬‬

‫وعن هام بن الارث عن القداد رضي ال عنه أن رجل جعل يدح عثمان رضي ال عنه‪ ,‬فعمد القداد‬
‫فجثا على ركبتيه‪ ,‬فجعل يثو ف وجهه الصباء‪ ,‬فقال له عثمان‪ :‬ما شأنك؟ فقال‪ :‬إن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال‪" :‬إذا رأيتم الداحي فاحثوا ف وجوههم التراب" رواه مسلم‪.‬‬
‫وقال عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‪ " :‬إن الرجل ليغدو بدينه ث يرجع وما معه منه شيء‪ ،‬يلقى‬
‫الرجل ليس يلك له نفعا ول ضرا‪ ،‬فيقول له‪ :‬وال إنك كيت وكيت‪ ،‬فلعله أن يرجع ول يَحْظ من‬
‫سهُمْ} الية" رواه ابن جرير وغيه‬
‫حاجته بشيء‪ ،‬وقد أسخط ال‪ ،‬ث قرأ‪{ :‬أَلَ ْم َترَ إِلَى ٱلّذِي َن ُيزَكّونَ أَنفُ َ‬
‫‪.‬‬
‫ومن الوسائل ف تقوي المام والمراء الحاسبة‪,‬و قد روى البخاري ومسلم عن أب حيد عبد الرحن بن‬
‫سعد الساعدي رضي ال عنه قال‪ :‬استعمل النب صلى ال عليه وسلم رجل من الزد‪ ,‬يقال له ابن اللتبية‬
‫على الصدقة‪ ,‬فلما قدم قال‪ :‬هذا لكم وهذا أهدي إل‪ .‬فقام رسول ال صلى ال عليه وسلم على النب‪,‬‬
‫فحمد ال وأثن عليه‪ ,‬ث قال‪" :‬أما بعد‪ :‬فإن أستعمل الرجل منكم على العمل ما ولن ال‪ ,‬فيأت‬

‫فيقول‪ :‬هذا لكم وهذا هدية أهديت إل‪ ,‬أفل جلس ف بيت أبيه أو أمه‪ ,‬حت تأتيه هديته إن كان‬
‫صادقا‪ ,‬وال ل يأخذ أحد منكم شيئا بغي حقه إل لقي ال تعال يمله يوم القيامة‪ ,‬فل أعرفن أحدا‬
‫منكم لقي ال يمل بعيا له رغاء‪ ,‬أو بقرة لا خوار‪ ,‬أو شاة تيعر" ث رفع يديه حت رؤي بياض إبطيه‬
‫فقال‪" :‬اللهم هل بلغت" ثلثا‪ ,‬وعن أب حات عن العتب قال " بعث إل عمر بلل فقسمها فأصاب كل‬
‫رجل ثوب ث صعد النب وعليه حلة واللة ثوبان‪ ,‬فقال‪ :‬أيها الناس أل تسمعون؟ فقال سلمان‪ :‬ل‬
‫نسمع‪ ,‬فقال عمر‪ :‬ل يا أبا عبد ال؟ قال‪ :‬إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة‪ ,‬فقال‪ :‬ل تعجل يا‬
‫أبا عبد ال‪ ,‬ث نادى يا عبد ال فلم يبه أحد‪ ,‬فقال‪ :‬يا عبد ال بن عمر‪ ,‬فقال‪ :‬لبيك يا أمي الؤمني‬
‫‪1‬‬
‫فقال‪ :‬نشدتك ال الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال‪ :‬اللهم نعم‪ .‬قال سلمان‪ :‬فقل الن نسمع"‬

‫‪.)1‬‬

‫ومن الوسائل ف تقوي المراء متابعة أعمالم‪ ,‬والنظر ف شكاوى الناس ضدهم‪ ,‬فعن جابر بن سرة‬
‫رضي ال عنهما قال شكا أهل الكوفة سعدا يعن ابن أب وقاص رضي ال عنه إل عمر بن الطاب‬
‫رضي ال عنه‪ ,‬فعزله واستعمل عليهم عمارا‪ ,‬فشكوا حت ذكروا أنه ل يسن يصلي‪ ,‬فأرسل إليه‪ ,‬فقال‬
‫يا أبا إسحاق إن هؤلء يزعمون أنك ل تسن تصلي‪ ,‬فقال‪ :‬أما أنا وال فإن كنت أصلي بم صلة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ل أخرم عنها‪ ,‬أصلي صلة العشاء فأركد ف الوليي‪ ,‬وأخف ف‬
‫الخريي‪ .‬قال ذلك الظن بك يا أبا إسحاق‪ .‬وأرسل معه رجل أو رجال إل الكوفة يسأل عنه أهل‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬صفوة الصفوة‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪121‬‬

‫الكوفة فلم يدع مسجدا إل سأل عنه ويثنون معروفا‪ ,‬حت دخل مسجدًا لبن عبس‪ ,‬فقام رجل منهم‬
‫يقال له أسامة بن قتادة يكن أبا سعدة فقال‪ :‬أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان ل يسي بالسرية‪ ,‬ول يقسم‬
‫بالسوية‪ ,‬ول يعدل ف القضية‪ .‬قال سعد‪ :‬أما وال لدعون بثلث‪ :‬اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام‬
‫ريآء وسعة‪ ,‬فأطل عمره‪ ,‬وأطل فقره‪ ,‬وعرضه للفت‪ .‬وكان بعد ذلك إذا سئل يقول شيخ كبي مفتون‪,‬‬
‫أصابتن دعوة سعد‪ .‬قال عبد اللك بن عمي الراوي عن جابر بن سرة‪ :‬فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه‬
‫على عينيه من الكب‪ ,‬وإنه ليتعرض للجواري ف الطرق فيغمزهن" متفق عليه‪ ,‬وف رواية لسلم قال سعد‬
‫رضي ال عنه "تعلمن العراب بالصلة"‪.‬‬
‫وعن سعيد بن السيب عن عمر رضي ال عنه قال‪" :‬أيا عامل ل ظلم أحدا فبلغتن مظلمته فلم أغيها‬
‫فأنا ظلمته" رواه ابن سعد ف الطبقات الكبى‪.‬‬
‫وعن طارق بن شهاب قال كتب عمر بن الطاب رحه ال إل أهل الكوفة "من ظلمه أميه فل إمرة له‬
‫عليه دون" قال فكان الرجل يأت الغية بن شعبة فيقول إما أن تنصفن من نفسك وإل فل إمرة لك‬
‫عليّ" رواه اللل ف كتاب السنة‪.‬‬
‫ومن الوسائل ف تقوي المام والمراء الرجوع إل القضاء الشرعي لفصل الناع ف سياسات الولة‬
‫الداخلية أو الارجية‪ ,‬أو لرفع الظلم وأداء القوق أو غيها‪ ،‬قال المام ابن جرير رحه ال عن أمي‬
‫الؤمني عمر رضي ال عنه " وكان يقتص من عماله وإذا شكي إليه عامل له جع بينه وبي من شكاه‪,‬‬
‫فإن صح عليه أمر يب أخذه به أخذه به"‪ ,)11‬ويأت ذكر بعض الدلة على هذا عند الديث عن العدل‬

‫ف الكم ومساواة الناس أمام القضاء‪.‬‬
‫والواجب على ولة المور استماع النصيحة وقبولا من عموم السلمي من الرجال أو النساء‪ ,‬وقد‬
‫أخرج أبو يعلى بإسناده عن مسروق قال‪ :‬ركب عمر بن الطاب منب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ث قال‪ " :‬أيها الناس ما إكثاركم ف صدق النساء‪ ,‬وقد كان رسول ال صلى ال عليه وسلم وأصحابه‬
‫وإنا الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك‪ ,‬فلو كان الكثار ف ذلك تقوى عند ال أو‬
‫كرامة ل تسبقوهم إليها‪ ,‬فل أعرفن ما زاد رجل ف صداق امرأة على أربعمائة درهم " قال‪ ,‬ث نزل‬
‫فاعترضته امرأة من قريش‪ ,‬فقالت‪ :‬يا أمي الؤمني نيت الناس أن يزيدوا ف مهر النساء على أربعمائة‬
‫درهم؟ قال‪ :‬نعم‪ ,‬فقالت‪ :‬أما سعت ما أنزل ال ف القرآن؟ فقال‪ :‬وأي ذلك؟ فقالت‪ :‬أما سعت ال‬
‫يقول‪{ :‬وَآَتيْتُمْ ِإحْدَاهُ ّن قِنطَارًا فَلَ تَ ْأخُذُوْا مِْنهُ شَْيئًا أَتَ ْأخُذُوَنهُ ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا} قال‪ ,‬فقال‪ :‬اللهم‬
‫غفرا‪ ،‬كل الناس أفقه من عمر‪ .‬ث رجع فركب النب فقال‪ :‬إن كنت نيتكم أن تزيدوا النساء ف‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تاريخ الطبي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪122‬‬

‫صدقاتن على أربعمائة درهم‪ ،‬فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب"‪ .‬قال أبو يعلى قال وأظنه قال‪:‬‬
‫"فمن طابت نفسه فليفعل"‪ ،‬قال ابن كثي‪ :‬إسناده جيد قوي‪.‬‬
‫وهذا المر ينبغي على ولة المر تبيينه للرعية وحضهم عليه‪ ،‬وهو أن للرعية إبداء النصح ف سياسة‬
‫الكومة الداخلية والارجية‪ ,‬وعلى الكومة استماع النصيحة‪ ,‬وقبول الق من أشار به‪.‬‬
‫والنصيحة من أفراد الرعية قد تأت نصيحة متصرة‪ ,‬وقد تأت كتابا موسعا‪,‬أو بثا علميا مفصل‪ ,‬وينبغي‬
‫لولة المر تنظيم استقبال الشورة والنصح من الرعية‪ ,‬وترتيبه إداريا با يقق الصلحة الشرعية‪.‬‬
‫وف تربية المة وحضها على مشاورة ومناصحة الولة ف شؤون الدولة تتحقق الكثي من الصال‪ ,‬ومنها‬
‫أن هذا ما أوجبته الشريعة السلمية من التواصي بالق والتواصي بالصب‪ ,‬والنصيحة لئمة السلمي‪.‬‬
‫ومن الصال تربية السلمي على الشاورة والناصحة‪,‬وتنوير للقرائح‪ ,‬وإعمال للعقول‪ ,‬وصقل للمواهب‪,‬‬
‫كما تبز ف المة القيادات الؤهلة‪ ,‬وأهل البة الؤهلون لقيادة المة‪.‬‬
‫ومنها أن استماع النصيحة من الرعية يذهب الشعور باستبداد ولة المر ف سياسة الدولة‪ ,‬فإن الشعور‬
‫بالستبداد يضعف طاعة الرعية للمراء‪ ،‬ويضعف نصرتم لم وتعاونم معهم‪ ,‬ويصدهم عن العمل الاد‬
‫ف بناء الدولة‪.‬‬
‫ومن الصال ف الشورة والنصيحة الوصول إل الق والصواب‪ ,‬وتري العدل ف سياسة الدولة وما يطرأ‬
‫من نوازل‪.‬‬
‫ومن الصال أن ف استماع الشورة والنصيحة تطييبًا لنفوس الرعية وتأليفًا لقلوبم‪ ,‬وزيادة ف مبتهم‬
‫لولة المر‪ ,‬وأما الستبداد فهو من أعظم أسباب الضغائن والحقاد بي الرعية والولة‪.‬‬
‫ومن الصال أن يتبي للمسلمي الطريق الشرعي الذي يب أن يتبعوه ويشاركوا فيه لصلح سياسات‬
‫الكومة الداخلية والارجية‪ ,‬وتقوي ولة المور‪ ,‬وأن يتبي لم سبيل الديقراطيي من الكافرين‬
‫والرتدين الذين يلبسون على الناس ويدعونم إل ما يسمونه "بالشاركة الشعبية" وهي مشاركة شركية‪,‬‬
‫تعن أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون ال حي يتار بعضهم بعضا حكاما ومشرعي برلانيي‬
‫يشرعون لم ما توحيه إليهم شياطينهم‪ ،‬كما قال تبارك وتعال‪{ :‬وَإِ ّن الشّيَا ِطيَ لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَآِئهِمْ‬
‫شرِكُونَ}‪.‬‬
‫لُِيجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َطعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ َلمُ ْ‬
‫وأما رد النصيحة والمتناع عن قبول الق فهو من صفات أهل الكب والعلو ف الرض‪ ,‬وقد أخب ال‬
‫تعال عن فرعون أنه قال‪{ :‬مَآ ُأرِيكُمْ إِ ّل مَآ َأ َرىٰ َومَآ َأهْدِيكُمْ إِ ّل سَبِي َل ٱلرّشَادِ}‪,‬و قال تعال‪{ :‬وَِإذَا‬
‫حسُْبهُ َجهَنّ ُم وََلبِْئسَ ٱلْ ِمهَادُ}‪ ,‬وعن عبدِ الّلهِ بن مسعُودٍ رضيَ الّلهُ‬
‫قِيلَ َلهُ ٱتّقِ ٱلّلهَ َأخَذَْتهُ ٱْلعِ ّزةُ بِٱ ِلثْمِ فَ َ‬
‫لنّ َة مَنْ كَانَ ف قَلِْبهِ مْثقَا ُل َذ ّرةٍ مَنْ كِ ٍب " فقال‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال " ل يَ ْدخُل ا َ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫عنه‪ ،‬عن النبّ َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪123‬‬

‫حبّ الَمالَ الكِ ْبرُ‬
‫حبّ أَنْ يَكُونَ َث ْوبُه حسنا‪ ،‬ونعلهُ حسنا قال‪" :‬إِ ّن اللّه َجمِيلٌ يُ ِ‬
‫رَجُلٌ‪ :‬إِنّ الرّ ُجلَ يُ ِ‬
‫بَ َطرُ الَقّ وغَ ْمطُ النّاسِ" رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن عبدال بن مسعود رضي ال عنه قال" إن من أكب الذنب أن يقول الرجل لخيه‪ :‬اتق ال‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫عليك نفسك أنت تأمرن" رواه الطبان‪ ،‬وعن عبدال أيضا قال" كفى بالرء إثا إذا قيل له‪ :‬اتق ال‪.‬‬
‫غضب" رواه الطبان‪.‬‬
‫الصدق ف سياسة الدولة وف جيع القوال والعمال‪:‬‬
‫وقول أب بكر الصديق رضي ال عنه "الصدق أمانة والكذب خيانة" يدل على أن الصدق ف الظاهر‬
‫والباطن وف جيع القوال والعمال والسياسات أمانة يب على الولة التمسك با والحافظة عليها‪,‬‬
‫وأما كذب الولة ف أقوالم وأعمالم وسياساتم فهو خيانة ونفاق‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِينَ‬
‫آمَنُواْ لَ تَخُونُواْ ٱلّل َه وَٱلرّسُولَ َوتَخُوُنوۤاْ َأمَانَاتِكُ ْم وََأنْتُ ْم َتعْلَمُونَ}‪.‬‬
‫فالواجب على جيع ولة المر ف الكومة السلمية اللتزام بالصدق والوضوح ف تعاملتم‪ ,‬وأن‬
‫تكون أعمالم جلية بينة أمام أهل الشورى والقضاء والرعية‪ ,‬فإن الصدق ف العمل‪ ،‬والوضوح ف‬
‫التعامل والسياسة من المانة الواجبة على ولة المر‪ ,‬وأما الكذب وإخفاء القائق‪ ,‬ومالفة الظاهر‬
‫للباطن‪ ,‬وارتكاب الخالفات والتجاوزات سرا‪ ،‬وإنكارها علنا‪ ،‬وتضليل المة وخداعها‪ ,‬أو التستر على‬
‫من ارتكب فسادا ف الال أو الدارة‪ ,‬كل ذلك من اليانة ف السؤولية والعمل‪.‬‬
‫فإذا كذب أحد الولة وجاء بالجج اللفقة‪ ،‬والعذار الباطلة‪ ،‬ليخفي حقيقة من القائق‪ ,‬أو يدافع با‬
‫عن مبطل‪ ,‬أو ليستر با فسادا ف الال أو الدارة والعمل‪ ,‬فقد خان المانة الت ائتمن عليها‪ ,‬وقد قال‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ثلثة ل يكلمهم ال يوم القيامة‪ ،‬ول يزكيهم‪ ،‬ول ينظر إليهم‪ ،‬ولم‬

‫عذاب أليم‪ :‬شيخ زان‪ ،‬وملك كذاب‪ ،‬وعائل مستكب" رواه مسلم‪ ,،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"لكل غادر لواء يوم القيامة‪ ،‬يرفع له بقدر غدره‪ ،‬أل ول غادر أعظم غدرا من أمي عامة" رواه‬
‫مسلم‪ ،‬وعن حذيفة رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‪" :‬إنه سيكون عليكم أمراء‬
‫يظلمون ويكذبون‪ ،‬فمن صدقهم بكذبم وأعانم على ظلمهم فليس من ولست منه‪ ،‬ول يرد عليّ‬
‫الوض‪ ،‬ومن ل يصدقهم بكذبم ول يعنهم فهو من وأنا منه‪ ،‬وسيد عليّ الوض" رواه أحد‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم قال‪َ" :‬أرْبعٌ‬
‫وغيه‪ ،‬وعن عبدِ الّلهِ ب ِن عَمْرو ب ِن العاص رضي اللّه عْنهُما‪ ،‬أ ّن النب صَلّى ا ُ‬
‫ت فِيهِ َخصْلةٌ مِنْ نِفاقٍ حتّى‬
‫ص َلةٌ مِ ْنهُنّ‪ ،‬كَان ْ‬
‫ت فيهِ َخ ْ‬
‫منْ كُ ّن فِيهِ‪ ،‬كان مُنافِقا خالِصا‪ ،‬ومنْ كَان ْ‬
‫جرَ" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫يَد َعهَا‪ :‬إذا اؤتُمِنَ خَانَ‪ ،‬وَإذا ح ّدثَ َك َذبَ‪ ،‬وإذا عا َهدَ َغ َدرَ‪ ،‬وإذا خَاص َم ف َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪124‬‬

‫وقال عمر بن الطاب رضي ال عنه " القوة ف العمل أل تؤخر عمل اليوم لغد‪ ،‬والمانة أل تالف‬

‫سريرة علنية‪ ،‬واتقوا ال عز وجل‪ ،‬فإنا التقوى بالتوقي‪ ،‬ومن يتق ال يقه"‪.)11‬‬
‫العدل ف الكم ومساواة الناس أمام القضاء‪:‬‬

‫وقول أب بكر الصديق رضي ال عنه‪" :‬والضعيف فيكم قوي عندي حت أرجع عليه حقه إن شاء ال‪,‬‬
‫والقوي فيكم ضعيف حت آخذ الق منه إن شاء ال " وهذا يدل على مساواة الميع أمام القضاء دون‬
‫تييز وتفريق بي ولة المور وسائر الرعية وبي القوياء والضعفاء‪ ،‬فل يلك المام أو غيه من الولة‬
‫حصانة تنع من ماكمتهم والكم عليهم‪ ,‬بل يثل إمام السلمي وسائر المراء أمام القضاء كغيهم من‬
‫الناس‪ ,‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أقيموا حدود ال ف القريب والبعيد‪ ،‬ول تأخذكم‬
‫ف ال لومة لئم" رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها أن قريشا أههم شأن الرأة الخزومية الت سرقت‪ ،‬فقالوا‪ :‬من يكلم فيها‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فقالوا‪ :‬من يترئ عليه إل أسامة بن زيد حب رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فكلمه أسامة‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أتشفع ف حد من حدود ال تعال؟" ث‬

‫قام فاختطب ث قال‪" :‬إنا أهلك من قبلكم أنم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه‪ ،‬وإذا سرق‬
‫فيهم الضعيف أقاموا عليه الد‪ ،‬واي ال لو أن فاطمة بنت ممد سرقت لقطعت يدها" متفق عليه‪،‬‬
‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬السلمون تتكافأ دماؤهم" أخرجه أبو داود وغيه‪.‬‬
‫وعن أب سعيد الدري قال‪" :‬بينما رسول ال صلى ال عليه وسلم يقسم قسما أقبل رجل فأكب عليه‬
‫فطعنه رسول ال صلى ال عليه وسلم بعرجون كان معه‪ ،‬فجرح بوجهه‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم‪" :‬تعال فاستقد" فقال‪ :‬بل عفوت يا رسول ال " رواه أبو داود والنسائي‪.‬‬

‫وعن عبد الرحن بن أب ليلى عن أسيد بن حضي رجل من النصار قال‪" :‬بينما هو يدث القوم وكان‬
‫فيه مزاح بينا يضحكهم فطعنه النب صلى ال عليه وسلم ف خاصرته بعود‪ ،‬فقال أصبن فقال اصطب‬
‫قال إن عليك قميصا وليس علي قميص فرفع النب صلى ال عليه وسلم عن قميصه فاحتضنه وجعل يقبل‬
‫كشحه قال‪ :‬إنا أردت هذا يا رسول ال" أخرجه أبو داود‪.‬‬
‫وعن أب فراس قال‪ :‬خطبنا عمر بن الطاب رضي ال عنه فقال‪" :‬إن ل أبعث عمال ليضربوا‬
‫أبشاركم‪ ،‬ول ليأخذوا أموالكم فمن فعل به ذلك‪ ،‬فليفعه إلّ أقصه منه‪ .‬قال عمرو بن العاص‪ :‬لو أن‬
‫رجل أدب بعض رعيته أتقصه منه؟ قال‪ :‬إي والذي نفسي بيده أقصه‪ ،‬وقد رأيت رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أقص من نفسه" رواه أبو داود‪ ,‬وعند أحد عن أب فراس قال‪ :‬خطب عمر بن الطاب‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تاريخ الطبي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪125‬‬

‫رضي ال عنه فقال‪" :‬يا أيها الناس أل إنا إنا كنا نعرفكم إذ بي ظهرينا النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإذ‬
‫ينل الوحي وإذ ينبئنا ال من أخباركم أل وإن النب صلى ال عليه وسلم قد انطلق وقد انقطع الوحي‪،‬‬
‫وإنا نعرفكم با نقول لكم من أظهر منكم خيا ظننا به خيا وأحببناه عليه‪ ،‬ومن أظهر منكم لنا شرا‬
‫ظننا به شرا وأبغضناه عليه‪ ،‬سرائركم بينكم وبي ربكم‪ ،‬أل أنه قد أتى علي حي وأنا أحسب أن من‬
‫قرأ القرآن يريد ال وما عنده فقد خيل إل بآخرة إل أن رجال قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس‪،‬‬
‫فأريدوا ال بقراءتكم‪ ،‬وأريدوه بأعمالكم‪ ،‬أل أن وال ما أرسل عمال إليكم ليضربوا أبشاركم ول‬
‫ليأخذوا أموالكم‪ ،‬ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم‪ ،‬فمن فعل به شيء سوى ذلك‪،‬‬
‫فليفعه إلّ فوالذي نفسي بيدي إذا لقصنه منه فوثب عمرو بن العاص فقال‪ :‬يا أمي الؤمني أو رأيت‬
‫إن كان رجل من السلمي على رعية فأدب بعض رعيته أئنك لقتصه منه؟ قال‪ :‬إي والذي نفس عمر‬
‫بيده إذن لقصنه منه‪ ،‬وقد رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقص من نفسه‪ ،‬أل ل تضربوا‬
‫السلمي فتذلوهم‪ ،‬ول تمروهم فتفتنوهم‪ ،‬ول تنعوهم حقوقهم فتكفروهم‪ ،‬ول تنلوهم الغياض‬
‫فتضيعوهم"‪ ,‬فقوله رضي ال عنه‪" :‬ول تمروهم" من التجمي‪ ،‬وهو أن يترك الجاهدون ف الغزو‪ ،‬ول‬
‫يقفلون إل أزواجهم‪ ,‬وقوله‪" :‬فتكفروهم" أي إذا منعتموهم حقوقهم ربا كان ذلك سببا ف وقوعهم ف‬
‫الردة والكفر‪ ,‬وقوله‪" :‬ول تنلوهم الغياض فتضيعوهم" فالغياض جع غيضة‪ ،‬وهي الشجر اللتف‪ ،‬لنم‬
‫إذا نزلوا فيها تفرقوا فيتمكن منهم العدو‪.‬‬
‫وقال علي بن العد‪ :‬أنبأنا شعبة عن سيار الشعب " قال‪ :‬أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل‬
‫عليه فعطب‪ ,‬فخاصمه الرجل فقال‪ :‬اجعل بين وبينك رجل‪ .‬فقال الرجل‪ :‬إن أرضى بشريح القاضي‪,‬‬
‫فقال شريح‪ :‬أخذته صحيحا سليما وأنت له ضامن حت ترده صحيحا سليما‪ ,‬قال فكأنه أعجبه فبعثه‬
‫قاضيا‪ ،‬وقال‪ :‬ما استبان لك من كتاب ال فل تسأل عنه‪ ,‬فإن ل يستب ف كتاب ال فمن السنة‪ ,‬فإن ل‬
‫تده ف السنة فاجتهد رأيك"‪.‬‬
‫وقد وجد أمي الؤمني علي بن أب طالب رضي ال عنه درعه عند يهودي فتقاضيا عند شريح‪ ,‬فحكم‬
‫شريح بالدرع لليهودي‪ ,‬فقال اليهودي‪" :‬أمي الؤمني قدمن إل قاضيه‪ ،‬وقاضيه قضى عليه‪ ،‬أشهد أن‬
‫هذا للحق‪ ,‬أشهد أن ل إله إل ال وأن ممدا رسول ال‪ ,‬وأن الدرع درعك‪ ،‬كنت راكبا على جلك‬
‫الورق‪ ,‬وأنت متوجه إل صفي‪ ,‬فوقعت منك ليل فأخذتا " وقد ذكر أبو نعيم ف اللية القصة بطولا‪.‬‬
‫وأقام عمر رضي ال عنه حد المر على عامله قدامة بن مظعون‪ ،‬بعد أن شهد عليه أبو هريرة رضي ال‬
‫عنه والارود‪ ،‬وقد أخرج القصة عبد الرزاق‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة رحه ال‪" :‬ويري القصاص بي الولة والعمال وبي رعيتهم‪ ،‬لعموم اليات والخبار‪،‬‬
‫ولن الؤمني تتكافأ دماؤهم‪ ،‬ول نعلم ف هذا خلفا‪ ،‬وثبت عن أب بكر رضي ال عنه أنه قال لرجل‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪126‬‬

‫شكا إليه عامل أنه قطع يده ظلما‪ :‬لئن كنت صادقا لقيدنك منه‪ .‬وثبت أن عمر رضي ال عنه كان‬
‫يقيد من نفسه‪ .‬وروى أبو داود قال‪ :‬خطب عمر فقال‪ :‬إن ل أبعث عمال ليضربوا أبشاركم‪ ،‬ول‬
‫ليأخذوا أموالكم‪ ،‬فمن فعل به ذلك فليفعه إل أقصه منه‪ .‬فقال عمرو بن العاص‪ :‬لو أن رجل أدب‬
‫بعض رعيته أتقصه منه؟ قال‪ :‬أي والذي نفسي بيده أقصه منه‪ ،‬وقد رأيت رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم أقص من نفسه‪ .‬ولن الؤمني تتكافأ دماؤهم‪ ،‬وهذان حران مسلمان ليس بينهما إيلد‪ ،‬فيجري‬
‫القصاص بينهما كسائر الرعية "‪.)11‬‬

‫وف قول أب بكر الصديق رضي ال عنه‪" :‬والضعيف فيكم قوي عندي حت أرجع عليه حقه إن شاء ال‬
‫" إشارة إل الرحة بالضعفاء وإنصافهم‪ ,‬وحايتهم وحفظ حقوقهم‪ ,‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬ل تقدس أمة ل يقضى فيها بالق‪ ،‬ول يأخذ الضعيف حقه من القوي غي متعتع"رواه‬
‫الطبان وغيه‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬كيف تقدس أمة ل يؤخذ من شديدهم‬
‫لضعيفهم" رواه ابن حبان‪ ,‬وعن ربيعة بن يزيد" أن معاوية كتب إل مسلمة بن ملد أن سل عبد ال بن‬
‫عمرو بن العاص‪ :‬هل سع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ل قدست أمة ل يأخذ ضعيفها حقه‬
‫من قويها وهو غي مضطهد" فإن قال نعم فاحله إل على البيد فسأله فقال نعم فحمله على البيد من‬
‫مصر إل الشام‪ ،‬فسأله معاوية فأخبه فقال معاوية‪ :‬وأنا قد سعته ولكن أحببت أن أثبت"‪ ،‬رواه الطبان‬

‫وقال اليثمي‪ :‬رجاله ثقات‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬اللهم إن أحرج حق الضعيفي حق اليتيم‬

‫وحق الرأة"رواه النسائي‪ ،‬وعن جابر بن عبد ال رضي ال عنه قال‪" :‬كان رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم يتخلف ف السي فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لم" رواه أبو داود‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬

‫"أبغون الضعفاء‪ ،‬فإنا ترزقون وتنصرون بضعفائكم" رواه أبو داود وغيه‪.‬‬
‫ترك الهاد ف سبيل ال سبب للذل‪:‬‬

‫وقول أب بكر الصديق رضي ال عنه‪ " :‬ل يدع قوم الهاد ف سبيل ال إل خذلم ال بالذل" يدل على‬
‫أن ترك الهاد سبب للذل وتسلط العداء وزوال دولة السلم‪ ,‬فإن الق ل بد له من قوة تميه وتدافع‬
‫ضهُمْ بَِب ْعضٍ َلفَسَ َدتِ ٱ َل ْرضُ}‪ ,‬ولذا كان قوام الدين‬
‫س َبعْ َ‬
‫عنه‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وََلوْ َل دَفْعُ ٱلّلهِ ٱلنّا َ‬
‫بالكتاب الذي يهدي‪ ,‬وبالهاد الذي ينصر‪,‬و قد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إذا تبايعتم‬

‫بالعينة‪ ،‬وأخذت أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الهاد سلط ال عليكم ذل‪ ،‬ل ينعه عنكم‬
‫حت ترجعوا إل دينكم" أخرجه أحد وأبو داود‪ ،‬فالهاد هو طريق العزة والرفعة‪ ,‬وإذا تركت المة‬
‫الهاد طمع با العداء وحاربوا دينها‪ ,‬وتداعوا على نب أراضيها وخياتا كما هو مشاهد اليوم‪ ,‬فعن‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الغن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪127‬‬

‫ثوبان قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬يوشك المم أن تداعى عليكم‪ ،‬كما تداعى الكلة‬
‫إل قصعتها"‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة نن يومئذ؟ قال‪" :‬بل أنتم يومئذ كثي‪ ،‬ولكنكم غثاء كغثاء السيل‪،‬‬
‫ولينعن ال من صدور عدوكم الهابة منكم‪ ،‬وليقذفن ال ف قلوبكم الوهن"‪ ،‬فقال قائل‪ :‬يا رسول‬
‫ال وما الوهن؟ قال‪" :‬حب الدنيا وكراهية الوت"‪ .‬أخرجه أبو داود‪.‬وف رواية لحد "حبكم الدنيا‬
‫وكراهيتكم القتال"‪.‬‬
‫وقول أب بكر الصديق رضي ال عنه يشي إل أهية العداد والهاد ف نصرة الدين‪ ,‬وحاية دولة‬
‫السلم من العداء التربصي ف الداخل والارج‪ .‬والواجب على ولة المر تربية الناس تربية إيانية‬
‫جهادية‪ ,‬وتريضهم على الهاد والستشهاد ف سبيل ال‪ ,‬وإعداد العدة‪ ,‬وصناعة السلحة‪ ,‬وأخذ‬
‫الذر‪ ,‬واليطة من العداء‪ ,‬والستعداد لربم‪ ,‬وأن يذروا من السترخاء والركون إل الدنيا‪ ,‬والتثاقل‬
‫إل الرض‪ ,‬وترك العداد والهاد‪ ,‬والغفلة عما يططه ويبمه العداء لستهداف دولة السلم‬
‫وإزالتها‪.‬‬
‫التحذير من شيوع الفاحشة ف الجتمع‪:‬‬

‫وقول أب بكر رضي ال عنه " ول تشيع الفاحشة ف قوم إل عمهم ال بالبلء " فيدعو رضي ال عنه إل‬
‫إصلح الناس وطهارتم من الفواحش‪ ،‬فإنا ما شاعت ف قوم إل كانت سببا للعقوبة والبلء العام‬
‫كاليدز وغيه‪ ،‬وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما نقض قوم العهد إل كان القتل بينهم‪،‬‬
‫ول ظهرت الفاحشة ف قوم إل سلط ال عليهم الوت‪ ،‬ول منع قوم الزكاة إل حبس عنهم القطر"‬
‫رواه الاكم‪ ،‬وقال الافظ ابن حجر عن إسناده‪ :‬جيد‪.‬‬
‫وعن ميمونة زوج النب صلى ال عليه وسلم قالت‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ل‬
‫تزال أمت بي ما ل يفش فيهم ولد الزنا‪ ،‬فإذا فشا فيهم ولد الزنا فيوشك أن يعمهم ال عز وجل‬
‫بعقاب" رواه أحد‪ ،‬وقال النذري‪ :‬إسناده حسن‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن عمر قال‪ :‬أقبل علينا رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬يا معشر الهاجرين خس‬
‫إذا ابتليتم بن‪ ،‬وأعوذ بال أن تدركوهن‪ :‬ل تظهر الفاحشة ف قوم قط حت يعلنوا با إل فشا فيهم‬
‫الطاعون والوجاع‪ ،‬الت ل تكن مضت ف أسلفهم الذين مضوا‪ .‬ول ينقصوا الكيال واليزان إل‬
‫أخذوا بالسني وشدة الئونة وجور السلطان عليهم‪ .‬ول ينعوا زكاة أموالم إل منعوا القطر من‬
‫السماء ولول البهائم ل يطرو‪ .‬ول ينقضوا عهد ال وعهد رسوله إل سلط ال عليهم عدوا من‬
‫غيهم فأخذوا بعض ما ف أيديهم‪ .‬وما ل تكم أئمتهم بكتاب ال ويتخيوا ما أنزل ال إل جعل ال‬
‫بأسهم بينهم" رواه ابن ماجه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪128‬‬

‫طاعة المراء بالعروف‪:‬‬
‫وقول أب بكر رضي ال عنه‪" :‬أطيعون ما أطعت ال ورسوله‪ ،‬فإذا عصيت ال ورسوله فل طاعة ل‬
‫عليكم "‪ ،‬يدل على أصل عظيم من أصول السياسة الشرعية ف السلم‪ ،‬وهو أن المراء يطاعون‬
‫بالعروف‪،‬ول يطاعون ف معصية ال‪ ،‬وأوامرهم الخالفة لشرع ال يب إبطالا وإلغائها‪ ،‬ول يوز‬
‫تنفيذها‪،‬وبذا لن يستطيع المام أو غيه من المراء أن يلزموا المة بطاعتهم ف معصية ال إذا تسكت‬
‫المة بذا الصل العظيم‪ ،‬وهو المتناع عن طاعة المراء ف معصية ال‪ ،‬ويب على من أمر بالعصية من‬
‫الولة الرجوع عما أمر به‪ ،‬ورد الشيء التنازع فيه إل كتاب ال تعال وسنة رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وقد قال ال تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱلّل َه وَأَطِيعُوْا ٱلرّسُو َل وَُأوْلِي ٱ َلمْ ِر مِنْكُمْ َفإِن‬
‫َتنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّلهِ وَٱلرّسُولِ إِن كُْنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِٱلّلهِ وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ َخْي ٌر وَأَحْسَنُ‬
‫تَ ْأوِيلً}‪ ,‬وهذا عام ف كل ما تنازع فيه التنازعون من ولة المر وغيهم‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"على الرء السلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إل أن يؤمر بعصية فإذا أمر بعصية فل سع ول‬
‫طاعة" متفق عليه‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ل طاعة ف معصية ال إنا الطاعة ف العروف" متفق عليه‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من أمركم من الولة بعصية فل تطيعوه" أخرجه أحد وابن ماجه وابن‬
‫حبان‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن الصامت قال‪ :‬أراد زياد أن يبعث عمران بن حصي على خراسان فأب عليهم فقال له‬
‫أصحابه أتركت خراسان أن تكون عليها قال فقال إن وال ما يسرن أن أصلي برها وتصلون ببدها‬
‫إن أخاف إذا كنت ف نور العدو أن يأتين كتاب من زياد‪ ،‬فإن أنا مضيت هلكت‪ ،‬وإن رجعت‬
‫ضربت عنقي‪ .‬قال‪ :‬فأراد الكم ابن عمرو الغفاري عليها قال فانقاد لمره قال فقال عمران أل أحد‬
‫يدعو ل الكم قال فانطلق الرسول قال فأقبل الكم إليه قال فدخل عليه قال فقال عمران للحكم‪:‬‬
‫أسعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ل طاعة لحد ف معصية ال تبارك وتعال" قال‪ :‬نعم‬

‫فقال عمران‪ :‬ل المد أو ال أكب" رواه أحد‪ ,‬وف رواية لحد عن السن أن زيادا استعمل الكم‬
‫الغفاري على جيش فأتاه عمران بن حصي فلقيه بي الناس فقال " أتدري ل جئتك فقال له‪ :‬ل؟ قال‪:‬‬
‫هل تذكر قول رسول ال صلى ال عليه وسلم للرجل الذي قال له أميه قع ف النار فأدرك فاحتبس‬
‫فأخب بذلك النب صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬لو وقع فيها لدخل النار جيعا‪ ،‬ل طاعة ف معصية ال‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪129‬‬

‫تبارك وتعال" قال‪ :‬نعم قال‪ :‬إنا أردت أن أذكرك هذا الديث"‪ ,‬وف رواية لحد عن هشام عن ممد‬
‫قال‪" :‬جاء رجل إل عمران بن حصي ونن عنده فقال‪ :‬استعمل الكم بن عمرو الغفاري على‬
‫خراسان فتمناه عمران حت قال له رجل من القوم أل ندعوه لك؟ فقال له‪ :‬ل ث قام عمران فلقيه بي‬
‫الناس فقال عمران‪ :‬إنك قد وليت أمرا من أمر السلمي عظيما‪ ،‬ث أمره وناه ووعظه‪ ،‬ث قال‪ :‬هل‬
‫تذكر يوم قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ل طاعة لخلوق ف معصية ال تبارك وتعال؟" قال‬

‫الكم‪ :‬نعم قال عمران‪ :‬ال أكب"‪.‬‬
‫سعُود رضي ال عنهٍ؛ أَنّ النِّبيّ صلى ال عليه وسلم قَالَ‪" :‬سَيَلي ُأمُورَ ُكمْ َب ْعدِي‬
‫وعن عَبْدِ الِ بْ ِن مَ ْ‬
‫رِجَالٌ يُ ْطفِئُونَ السّّنةَ وََيعْ َملُونَ بَالْبِد َعةِ‪ ،‬وُيؤَ ّخرُونَ الصلةَ عَ ْن مَواقِيتهَا" َفقُ ْلتُ‪ :‬يَا رَسُولَ الِ إِنْ‬
‫سأَلُنِي يَابْنَ ُأمّ عَ ْبدٍ كَ ْيفَ َت ْفعَلُ َل طَا َعةَ لِمَنْ َعصَى الَ" رواه أحد وابن‬
‫َأ ْدرَكُْتهُمْ‪َ ،‬كيْفَ أَفَعلُ؟ قَالَ‪" :‬تَ ْ‬
‫ماجه‪.‬‬
‫وقال أمي الؤمني عمر رضي ال عنه‪" :‬إنه ل إسلم إل بماعة‪ ،‬ول جاعة إل بإمارة‪ ،‬ول إمارة إل‬
‫بطاعة‪ ،‬فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولم‪ ،‬ومن سوده قومه على غي فقه كان هلكا له‬
‫ولم" رواه الدارمي‪.‬‬
‫وقال اللل ف كتاب السنة‪ :‬أخبنا ممد قال أنبأنا وكيع عن سلم بن مسكي عن ابن سيين قال‪:‬‬
‫"كان عمر رضي ال عنه إذا استعمل رجل كتب ف عهده أن اسعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم"‪.‬‬

‫فصل‪ :‬الخلفة والملك‬
‫اللفة على منهاج النبوة واجبة على المة‪ ،‬ول يوز تركها واستبدالا باللك‪ ,‬وقد قال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪" :‬اقتدوا باللذين من بعدي أب بكر وعمر" رواه أحد والترمذي واللفظ له‪ ,‬ومن‬
‫القتداء بما أن تكون المامة خلفة على منهاج النبوة وليست ملكا‪ ,‬وعن العرباض بن سارية رضي ال‬
‫عنه قال‪ :‬وعظنا رسول ال صلى ال عليه وسلم موعظة بليغة‪ ،‬وجلت منها القلوب‪ ،‬وذرفت منها‬
‫العيون‪ .‬فقلنا‪ :‬يا رسول ال كأنا موعظة مودع‪ ،‬فأوصنا قال‪" :‬أوصيكم بتقوى ال والسمع والطاعة‪،‬‬
‫وإن تأمر عليكم عبد حبشي‪ ،‬وأنه من يعش منكم فسيى اختلفا كثيا‪ ،‬فعليكم بسنت وسنة‬
‫اللفاء الراشدين الهديي‪ ،‬عضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإياكم ومدثات المور‪ ،‬فإن كل بدعة ضللة"‬
‫رواه أبو داود والترمذي وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ,‬فالتمسك بسنة اللفاء الراشدين هو طاعة‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم الذي أمر بتمسك بسنتهم‪ ،‬وأكد هذا المر بقوله‪" :‬عضوا عليها‬
‫بالنواجذ"‪ ,‬وطاعة رسول ال صلى ال عليه وسلم هي طاعة ل تعال‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬مّ ْن يُطِعِ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪130‬‬

‫الرّسُولَ َفقَدْ أَطَاعَ الّلهَ}‪ ,‬ومن سنة اللفاء الراشدين رضي ال عنهم أن إمامتهم كانت خلفة راشدة‬
‫على منهاج النبوة‪ ,‬ول تكن ملكا‪ ,‬فدل هذا على أن اللفة على منهاج النبوة واجبة بالقرآن وبسنة‬
‫النب صلى ال عليه وسلم وبسنة اللفاء الراشدين رضي ال عنهم أجعي‪ ,‬فعن عبيد ال بن ممد بن‬
‫هارون يقول‪ :‬سعت ممد بن إدريس الشافعي يقول بكة‪ :‬سلون عما شئتم أخبكم من كتاب ال‬
‫وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم‪ .‬فقال له رجل‪ :‬أصلحك ال ما تقول ف الحرم قتل زنبورا؟ قال‪ :‬بسم‬
‫ال الرحن الرحيم قال ال تعال‪َ { :‬ومَا آتَاكُ ُم الرّسُو ُل فَخُذُوهُ}حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد اللك بن‬
‫عمي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬اقتدوا باللذين من‬
‫بعدي أب بكر وعمر" وحدثنا سفيان عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طاوس عن ابن شهاب عن عمر‬
‫أنه أمر بقتل الزنبور " رواه البيهقي ف معرفة السنن والثار وغيه‪ ،‬قال ابن رجب رحه ال‪" :‬وقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬فإنه من يعش منكم بعدي فسيى اختلفا كثيا‪ ،‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء‬
‫الراشدين الهديي من بعدي‪ ،‬عضوا عليها بالنواجذ"‪ ,‬هذا إخبار منه صلى ال عليه وسلم با وقع ف‬
‫أمته بعده من كثرة الختلف ف أصول الدين وفروعه وف العمال والقوال والعتقادات‪ ,‬وهذا موافق‬
‫لا روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعي فرقة‪ ،‬وأنا كلها ف النار إل فرقة واحدة‪ ،‬وهي ما كان‬
‫عليه وأصحابه‪ ,‬ولذلك ف هذا الديث أمر عند الفتراق والختلف بالتمسك بسنته وسنة اللفاء‬
‫الراشدين من بعده‪ .‬والسنة هي الطريق السلوك‪ ،‬فيشمل ذلك التمسك با كان عليه هو وخلفاؤه‬
‫الراشدون من العتقادات والعمال والقوال وهذه هي السنة الكاملة‪ ...‬واللفاء الراشدون الذين أمرنا‬
‫بالقتداء بم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي ال عنهم"‪.)11‬‬

‫وأخرج ابن أب حات عن مالك قال‪ :‬كان عمر بن عبد العزيز يقول‪" :‬سن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وولة المر من بعده سننا الخذ با تصديق لكتاب ال‪ ،‬واستكمال لطاعة ال‪ ،‬وقوة على دين‬
‫ال‪ ،‬ليس لحد تغييها ول تبديلها ول النظر فيما خالفها‪ ،‬من اقتدى با مهتد‪ ،‬ومن استنصر با‬
‫منصور‪ ،‬ومن خالفها اتبع غي سبيل الؤمني‪ ،‬ووله ال ما تول‪ ،‬وصله جهنم وساءت مصيا "‪ ،‬وولة‬
‫المر ف هذا الثر اللفاء الراشدون رضي ال عنهم‪ ،‬قال المام الشاطب رحه ال‪" :‬وكان يعجبهم فإنه‬
‫كلم متصر جع أصول حسنة من السنة منها ما نن فيه‪ ،‬لن قوله ليس لحد تغييها ول تبديلها ول‬
‫النظر ف شيء خالفها‪ .‬قطع لادة البتداع جلة‪ ،‬وقوله‪" :‬من عمل با مهتد" إل آخر الكلم مدح لتبع‬
‫السنة وذم لن خالفها بالدليل الدال على ذلك‪ ،‬وهو قول ال سبحانه وتعال‪َ { :‬ومَن يُشَاِققِ الرّسُو َل مِن‬
‫ت مَصِيًا} ومنها ما‬
‫َبعْ ِد مَا تََبيّنَ َلهُ اْلهُدَى وَيَتّبِ ْع غَْيرَ َسبِي ِل الْ ُم ْؤمِِنيَ ُنوَّلهِ مَا َت َولّى وَُنصِْلهِ َجهَنّ َم وَسَاء ْ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع العلوم والكم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪131‬‬

‫سنه ولة المر من بعد النب صلى ال عليه وسلم فهو سنة ول بدعة فيه ألبتة‪ ،‬وإن ل يعلم ف كتاب ال‬
‫ول سنة نبيه صلى ال عليه وسلم نص عليه على الصوص‪ ،‬فقد جاء ما يدل عليه ف الملة‪ ،‬وذلك‬
‫نص حديث العرباض بن سارية رضي ال عنه‪ ،‬حيث قال فيه‪" :‬فعليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين‬
‫والهديي‪ ،‬تسكوا با‪ ،‬وعضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإياكم ومدثات المور" فقرن عليه السلم كما ترى‬
‫سنة اللفاء الراشدين بسنته وأن من اتباع سنته اتباع سنتهم‪ ،‬وأن الحدثات خلف ذلك ليست منها ف‬
‫شيء‪ ،‬لنم رضي ال عنهم فيما سنوه‪ :‬إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلم نفسها‪ ،‬وإما متبعون لا‬
‫فهموا من سنته صلى ال عليه وسلم ف الملة والتفصيل على وجه يفى على غيهم مثله ل زائد على‬
‫ذلك‪ ...‬ومن الصول الضمنة ف أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولة المر وعملهم تفسي لكتاب ال‬
‫وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم لقوله‪" :‬الخذ با تصديق لكتاب ال‪ ،‬واستكمال لطاعة ال‪ ،‬وقوة‬
‫على دين ال"‪ .‬وهو أصل مقرر ف غي هذا الوضع‪ ،‬فقد جع كلم عمر بن عبد العزيز رحه ال أصول‬
‫حسنة وفوائد مهمة "‪.))1‬‬

‫وعن سعيد بن جهان عن سفينة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬خلفة النبوة ثلثون سنة‪،‬‬
‫ث يؤت ال اللك أو ملكه من يشاء" قال سعيد‪ :‬قال ل سفينة‪ :‬أمسك عليك أبا بكر سنتي وعمر‬
‫عشرا وعثمان اثنت عشرة وعلى كذا" رواه أبو داود والترمذي واللفظ لب داود‪ ,‬قال شيخ السلم ابن‬
‫تيمية رحه ال‪" :‬ووفاة النب صلى ال عليه وسلم كانت ف شهر ربيع الول سنة إحدى عشرة من‬
‫هجرته وإل عام ثلثي سنة كان إصلح ابن رسول ال صلى ال عليه وسلم السن بن علي السيد بي‬
‫فئتي من الؤمني بنوله عن المر عام إحدى وأربعي ف شهر جادى الول‪ ،‬وسي عام الماعة‪،‬‬
‫لجتماع الناس على معاوية وهو أول اللوك"‪.‬‬
‫وقد أخرج البخاري ف صحيحه عن يوسف بن ماهك قال‪" :‬كان مروان على الجاز استعمله معاوية‬
‫فخطب‪ ،‬فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه‪ ،‬فقال له عبد الرحن بن أب بكر شيئا‪،‬‬
‫فقال‪ :‬خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه‪ ,‬فقال مروان‪ :‬إن هذا الذي أنزل ال فيه {وَالّذِي قَالَ‬
‫ِلوَالِدَْيهِ أُفّ لّكُمَا َأَتعِدَاِننِي} فقالت عائشة من وراء الجاب‪ :‬ما أنزل ال فينا شيئا من القرآن إل أن ال‬
‫أنزل عذري"‪ ،‬قال الافظ ابن الجر ف فتح الباري‪" :‬وأخرج الساعيلي والنسائي من طريق ممد ابن‬
‫زياد هو المحي قال‪ :‬كان مروان عامل على الدينة قوله‪ :‬استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن‬
‫معاوية لكي يبايع له ف رواية الساعيلي من الطريق الذكورة‪ ،‬فأراد معاوية أن يستخلف يزيد يعن ابنه‬
‫فكتب إل مروان بذلك‪ ,‬فجمع مروان الناس فخطبهم فذكر يزيد ودعا إل بيعته‪ ،‬وقال‪ :‬إن ال أرى‬
‫(‪ )1‬العتصام‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪132‬‬

‫أمي الؤمني ف يزيد رأيا حسنا‪ ،‬وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر قوله فقال له عبد الرحن بن‬
‫أب بكر شيئا قيل قال له بيننا وبينكم ثلث‪ ,‬مات رسول ال صلى ال عليه وسلم وأبو بكر وعمر ول‬
‫يعهدوا‪ .‬كذا قال بعض الشراح‪ ،‬وقد اختصره فأفسده‪ ,‬والذي ف رواية الساعيلي فقال عبد الرحن‪ :‬ما‬
‫هي إل هرقلية‪ .‬وله من طريق شعبة عن ممد بن زياد فقال مروان‪ :‬سنة أب بكر وعمر فقال عبد‬
‫الرحن‪ :‬سنة هرقل وقيصر‪ .‬ولبن النذر من هذا الوجه أجئتم با هرقلية تبايعون لبنائكم؟ ولب يعلى‬
‫وابن أب حات من طريق إساعيل بن أب خالد حدثن عبد ال الدن قال‪ :‬كنت ف السجد حي خطب‬
‫مروان فقال‪ :‬إن ال قد أرى أمي الؤمني رأيا حسنا ف يزيد‪ ،‬وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر‬
‫وعمر‪ .‬فقال عبد الرحن‪ :‬هرقلية إن أبا بكر وال ما جعلها ف أحد من ولده ول ف أهل بيته‪ ،‬وما‬
‫جعلها معاوية إل كرامة لولده"‪ ،‬فاللفة هي الت تكون على منهاج النبوة‪ ,‬ويتول المامة فيها أفضل‬
‫من توفرت فيه شروط المامة من السلمي‪ ,‬وأما اللك ف هذه المة‪ ,‬فل ينظر فيه بشروط المامة‪ ,‬وإنا‬
‫يتوارث أبناء العائلة الواحدة المامة بينهم‪ ،‬وهذا يترتب عليه ف كثي من الحيان ترك الكثي من‬
‫الواجبات الشرعية ف سياسة المة‪ ،‬وارتكاب الحرمات من ظلم الرعية واعتسافها مع غياب الشورى‬
‫وماسبة الولة وماكمتهم‪ ,‬وقد وصف النب صلى ال عليه وسلم اللك بالعاض والبية‪ ،‬فعن سلمان‬
‫أن عمر قال له‪" :‬أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان‪ :‬إن أنت جبيت من أرض السلمي درها أو أقل‬
‫أو أكثر ث وضعته ف غي حقه فأنت ملك غي خليفة فاستعب عمر"‪.)11‬‬

‫وعن سفيان بن أب العوجاء قال قال عمر بن الطاب‪" :‬وال ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت‬
‫ملكا فهذا أمر عظيم‪ ,‬قال قائل‪ :‬يا أمي الؤمني إن بينهما فرقا‪ ,‬قال‪ :‬ما هو؟ قال‪ :‬الليفة ل يأخذ إل‬
‫حقا ول يضعه إل ف حق فأنت بمد ال كذلك‪ ,‬واللك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا‬
‫فسكت عمر"‪.‬‬
‫فالوليات من المانات الت يب أن تسند إل أهلها‪ ,‬كما ف حديث أب هريرة رضي ال عنه قال "‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم ف مَجِْلسٍ يُحَ ّدثُ اْل َق ْومَ‪ ،‬جاءَهُ أعْرابِيّ َفقَالَ‪ :‬مَتَى السّاعَ ُة فَ َمضَى رسُولُ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫بيْنَمَا النّبّ َ‬
‫ض اْل َقوْمِ‪ :‬سَمِ َع مَا قَالَ‪ ،‬فَ َكرِه ما قَالَ‪ ،‬وقَا َل َب ْعضُهمْ‪ :‬بَلْ لَمْ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم يُحَ ّدثُ‪ ،‬فقَال َبعْ ُ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫اللّه َ‬
‫سمَعْ‪َ ،‬حتّى إذَا َقضَى حَدِيَثهُ قَا َل "أيْنَ السّاِئلُ عَنِ السّا َعةِ" قَال‪ :‬ها أنَا يَا رسُولَ اللّه‪ ،‬قَا َل "إذَا ضُّي َعتِ‬
‫يَ ْ‬
‫ف إضَاعَُتهَا قَالَ‪" :‬إذَا وُسّد ال ْمرُ إل غَ ْيرِ أ ْه ِل ِه فَانْتَ ِظرِ السّاعة" رواهُ‬
‫ا َلمَان ُة فاْنتَ ِظرِ السّاعةَ" قَالَ‪ :‬كَيْ َ‬
‫البُخاري‪ ،‬فإذا أسند المام الولية لبنه واستبد بالمر مع وجود من هو أول وأحق بالولية وكان المام‬
‫قادرا على إسناد المامة للول ول يفعل فقد خالف أمر ال بأداء المانة إل أهلها‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬إِنّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الطبقات الكبى لبن سعد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪133‬‬

‫ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱ َلمَانَاتِ ِإلَىۤ َأهِْلهَا}‪ ,‬وقال تعال {يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ ل تَخُونُواْ ٱلّل َه وَٱلرّسُولَ‬
‫وَتَخُوُن ۤواْ َأمَانَاتِكُ ْم وَأَْنتُمْ َتعْلَمُونَ‪ .‬وَٱعْلَ ُم ۤواْ أَنّمَآ َأ ْموَالُكُ ْم وََأوْ َلدُكُمْ فِْتنَ ٌة وَأَنّ ٱلّل َه عِن َدهُ أَ ْج ٌر عَظِيمٌ}‪ ,‬فإن‬
‫الموال والولد من الفتنة الت تصد العبد عن أداء المانة إل أهلها‪ ،‬قال العلمة السعدي رحه ال‪:‬‬
‫"ولا كان العبد متحنا بأمواله وأولده‪ ،‬فربا حلته مبته ذلك‪ ،‬على تقدي هوى نفسه‪ ،‬على أداء أمانته‪،‬‬
‫أخب ال تعال أن الموال والولد فتنة يبتلي ال بما عباده‪ ،‬وأنما عارية‪ ،‬ستؤدى لن أعطاها‪ ،‬وترد لن‬
‫استودعها"‪ ،)11‬وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬فيجب على ول المر أن يول على كل عمل‬

‫من أعمال السلمي‪ ،‬أصلح من يده لذلك‪ ..‬وقال عمر بن الطاب رضي ال عنه‪ :‬من وُل من أمر‬
‫السلمي شيئا فول رجل لودة أو قرابة بينهما‪ ،‬فقد خان ال ورسوله والسلمي‪ .‬وهذا واجب عليه‪،‬‬
‫فيجب عليه البحث عن الستحقي للوليات‪ ،‬من نوابه على المصار‪ ،‬من المراء الذين هم نواب ذي‬
‫السلطان‪ ،‬والقضاة‪ ،‬ومن أمراء الجناد ومقدمي العساكر‪ ..‬فإن عدل عن الحق الصلح إل غيه‪،‬‬
‫لجل قرابة بينهما‪ ،‬أو ولء عتاقة أو صداقة‪ ،‬أو موافقة ف بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس‪ ،‬كالعربية‬
‫والفارسية والتركية والرومية‪ ،‬أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة‪ ،‬أو غي ذلك من السباب‪ ،‬أو‬
‫لضغن ف قلبه على الحق‪ ،‬أو عداوة بينهما‪ ،‬فقد خان ال ورسوله والؤمني‪ ،‬ودخل فيما ني عنه ف‬
‫قوله تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ َل تَخُونُوْا الّلهَ وَالرّسُو َل وَتَخُونُواْ َأمَانَاتِكُ ْم وَأَنتُمْ َتعْلَمُونَ}‪ ,‬ث قال‪:‬‬
‫{وَا ْعلَمُواْ َأنّمَا َأ ْموَالُكُ ْم وََأوْ َلدُكُمْ ِفتَْن ٌة وَأَنّ الّلهَ عِن َدهُ َأ ْجرٌ عَظِيمٌ}‪ ,‬فإن الرجل لبه لولده‪ ،‬أو لعتيقه‪ ،‬قد‬
‫يؤثره ف بعض الوليات‪ ،‬أو يعطيه ما ل يستحقه‪ ،‬فيكون قد خان أمانته"‪.)21‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬وَِإذِ ٱْبتَلَىٰ ِإْبرَاهِي َم رَّبهُ ِبكَلِمَاتٍ فََأتَ ّمهُنّ قَالَ ِإنّي جَا ِعُلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما قَا َل َومِن ُذرّيّتِي قَالَ‬
‫لَ َينَا ُل َعهْدِي ٱلظّاِل ِميَ}‪ ,‬قال القرطب رحه ال" قال ٱبن ُخوَْي ِز مَنْداد‪" :‬وكل من كان ظالا ل يكن‬
‫نبيّا ول خليفةً ول حاكما ول مُفْتِيا‪ ،‬ول إما َم صلة‪ ،‬ول يُقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة‪ ،‬ول‬

‫تُقبل شهادته ف الحكام"‪.)32‬‬

‫وتغي الكم من اللفة إل اللك هو من المور الغيبية الت أطلع ال تعال عليها رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم كما ف حديث سفينة رضي ال عنه التقدم‪ ,‬وكما ف قوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬تكون النبوة‬
‫فيكم ما شاء ال أن تكون‪ ،‬ث يرفعها إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ث تكون خلفة على منهاج النبوة فتكون‬
‫ما شاء ال أن تكون‪ ،‬ث يرفعها إذا شاء ال أن يرفعها‪ ،‬ث تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء ال أن‬
‫يكون‪ ،‬ث يرفعها إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ث تكون ملكا جبية فتكون ما شاء ال أن تكون‪ ،‬ث يرفعها إذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬تيسي الكري الرحن‪.‬‬
‫‪ )1‬كتاب السياسة الشرعية‪.‬‬
‫‪ )2‬الامع لحكام القرآن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪134‬‬

‫شاء أن يرفعها‪ ،‬ث تكون خلفة على منهاج النبوة ث سكت" رواه أحد وغيه‪ ,‬وف هذا الديث‬
‫بشارة بعودة اللفة على منهاج النبوة بعد اللك‪ ,‬واللك العاض من العض بالنواجذ‪ ,‬كأنه لظلمه‬
‫وعسفه للرعية يعضهم عضا‪.‬‬
‫وعن خالد بن عمي العدوي‪ :‬قال‪ :‬خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميا على البصرة فحمد ال وأثن عليه‬
‫ث قال" أما بعد‪ ,‬فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء‪ ,‬ول يبقى منها إل صبابة كصبابة الناء يتصابا‬
‫صاحبها‪ ,‬وإنكم منتقلون منها إل دار ل زوال لا‪ ,‬فانتقلوا بي ما بضرتكم‪ ,‬فإنه قد ذكر لنا أن الجر‬
‫يلقى من شفة جهنم‪ ,‬فيهوي فيها سبعي عاما ل يدرك لا قعر‪ ,‬ووال! لتملن‪ ,‬أفعجبتم ولقد ذكر لنا‬
‫أن ما بي مصراعي من مصاريع النة مسية أربعي سنة‪ ,‬وليأتي عليها يوم وهو كظيظ من الزحام‪,‬‬
‫ولقد رأيتن سابع سبعة مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ما لنا طعام إل ورق الشجر‪ ,‬حت قرحت‬
‫أشداقنا‪ ,‬فالتقطت بردة فشققتها بين وبي سعد بن مالك‪ ،‬فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها‪ ,‬فما‬
‫أصبح اليوم منا أحد إل أصبح أميا على مصر من المصار‪ ,‬وإن أعوذ بال أن أكون ف نفسي عظيما‬
‫وعند ال صغيا‪ ,‬وإنا ل تكن نبوة قط إل تناسخت‪ ،‬حت يكون آخر عاقبتها ملكا‪ ,‬فستخبون‬
‫وتربون المراء بعدنا "رواه مسلم‪.‬‬
‫و قال حذيفة رضي ال عنه‪" :‬يا أيها الناس أل تسألون‪ ,‬فإن الناس كانوا يسألون رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم عن الي وكنت أسأله عن الشر‪ ,‬أفل تسألون عن ميت الحياء‪ ,‬فقال‪ :‬إن ال تعال بعث‬
‫ممدا فدعا الناس من الضللة إل الدى‪ ,‬ومن الكفر إل اليان‪ ,‬فاستجاب له من استجاب‪ ,‬فحي‬
‫بالق من كان ميتا‪ ,‬ومات بالباطل من كان حيا‪ ,‬ث ذهبت النبوة فكانت اللفة على منهاج النبوة‪ ,‬ث‬
‫يكون ملكا عضوضا‪ ,‬فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه والق استكمل ومنهم من ينكر بقلبه‬
‫ولسانه كافا يده وشعبة من الق ترك ومنهم من ينكر بقلبه كافا يده ولسانه وشعبتي من الق ترك‬
‫ومنهم من ل ينكر بقلبه ولسانه فذلك ميت الحياء " رواه أبو نعيم ف اللية‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪" :‬إنا ستكون ملوك ث جبابرة ث الطواغيت"‪.)11‬‬

‫وقد جاء ف صحيح البخاري عن جرير رضي ال عنه ما يدل على أن اليهود كانت عندهم أخبار‬
‫صحيحة ف أمر اللفة واللك ف المة السلمية‪ ,‬قال جرير رضي ال عنه " كنت باليمن فلقيت‬
‫رجلي من أهل اليمن ذا كلع وذا عمرو‪ ،‬فجعلت أحدثهم عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‬
‫ل ذو عمرو‪ :‬لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك‪ ،‬لقد مر على أجله منذ ثلث‪ ،‬وأقبل معي حت إذا‬
‫كنا ف بعض الطريق‪ ،‬رفع لنا ركب من قبل الدينة فسألناهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬قبض رسول ال صلى ال عليه‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مصنف ابن أب شيبة‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪135‬‬

‫وسلم‪ ،‬واستخلف أبو بكر‪ ،‬والناس صالون‪ ,‬فقال‪ :‬أخب صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء‬
‫ال‪ ،‬ورجعا إل اليمن‪ ،‬فأخبت أبا بكر بديثهم‪ ،‬قال " أفل جئت بم" فلما كان بعد قال ل ذو عمرو‪:‬‬
‫يا جرير إن بك علي كرامة‪ ،‬وإن مبك خبا‪ :‬إنكم‪ ،‬معشر العرب‪ ،‬لن تزالوا بي ما كنتم إذا هلك أمي‬
‫تأمرت ف آخر‪ ،‬فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا‪ ،‬يغضبون غضب اللوك‪ ،‬ويرضون رضا اللوك "‪ ،‬قال‬
‫الافظ ابن حجر رحه ال" وذلك أن جريرا قضى حاجته من اليمن‪ ,‬وأقبل راجعا يريد الدينة فصحبه‬
‫من ملوك اليمن ذو الكلع وذو عمرو‪...‬وكانا عزما على التوجه إل الدينة فلما بلغهما وفاة النب صلى‬
‫ال عليه وسلم رجعا إل اليمن‪ ,‬ث هاجرا ف زمن عمر‪ ,‬قوله لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك أي‬
‫حقا ف رواية الساعيلي‪ ,‬لئن كان كما تذكر وقوله لقد مر على أجله جواب لشرط مقدر أي إن‬
‫أخبتن بذا أخبك بذا وهذا قاله ذو عمرو عن اطلع من الكتب القدية لن اليمن كان أقام با جاعة‬
‫من اليهود‪ ،‬فدخل كثي من أهل اليمن ف دينهم وتعلموا منهم‪ ...‬قوله فلما كان بعد‪ ...‬لعل ذلك كان‬
‫لا هاجر ذو عمرو ف خلفة عمر‪ ...‬قوله تآمرت بد المزة وتفيف اليم أي تشاورت أو بالقصر‬
‫وتشديد اليم أي أقمتم أميا منكم عن رضا منكم أو عهد من الول‪ .‬وقوله‪ :‬فإذا كانت أي المارة‬
‫بالسيف أي بالقهر والغلبة كانوا ملوكا أي اللفاء‪ ،‬وهذا دليل على ما قررته أن ذا عمرو كان له اطلع‬
‫على الخبار من الكتب القدية وإشارته بذا الكلم تطابق الديث الذي أخرجه أحد وأصحاب السنن‬
‫وصححه ابن حبان وغيه من حديث سفينة أن النب صلى ال عليه وسلم قال "اللفة بعدي ثلثون‬
‫سنة ث تصي ملكا عضوضا "‪.)11‬‬

‫فصل‪ :‬سؤال المارة‬
‫لقد نى النب صلى ال عليه وسلم عن سؤال المارة‪ ,‬كما ف حديث عبد الرحنِ بن سَمُر َة رضي اللّه‬

‫سرَةَ‪ :‬ل تَسأَل المارَةَ‪ ،‬فَإّنكَ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬يَا عَبدَ الرّحن ابن ُ‬
‫عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال ل رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫إن أُعْطِيتَها عَن غَ ْيرِ مسأََلةٍ أُعنتَ علَيها‪ ،‬وإن أُعطِيتَها عَن مسأَلةٍ وُكِلتَ إَليْها‪ ،‬وإذَا َح َل ْفتَ عَلى‬
‫يَمِي‪َ ،‬فرَأَيت غَيها خَيا مِنهَا‪َ ،‬فأْتِ الذي هُو خيٌ‪ ،‬وكفّر عَن يَميِنكَ" متفقٌ عليه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪136‬‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال‪" :‬إنّكم ستحرِصون على المارةِ‬
‫وعن أب هُريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫وستَكُونُ َندَامَة يوْم القِيا َمةِ" رواهُ البخاري‪ ,‬وتكون ندامة إذا ل يعدل المي ول يقم بقها‪ ،‬كما ف‬
‫حديث أب ذر رضي ال عنه قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول اللّه أل تَستعمِلُن فضَرب بِي ِدهِ على منْكبِي ثُمّ قال‪:‬‬
‫ضعِيف‪ ،‬وإّنهَا أَمانة‪ ،‬وإنّها يوم القيامَة ِخزْيٌ وَندَامةٌ‪ ،‬إلّ من أخَذها بِحقّها‪ ،‬وأدى‬
‫"يا أبا َذرّ إّنكَ َ‬
‫الذي عليهِ فِيها" رواه مسلم‪ ،‬وقال الافظ ابن حجر‪ :‬وقوله " وستَكُونُ نَدَامَة يوْم القِيامَ ِة " أي بن ل‬
‫يعمل فيها با ل ينبغِ‪ ,‬وزاد ف رواية شبابة "وحسرة" ويوضح ذلك ما أخرج البزار والطبان بسند‬
‫صحيح عن عوف بن مالك بلفظ‪" :‬أولا ملمة وثانيها ندامة وثالثـها عذاب يوم القيامــة إل‬
‫مـن عدل"‪.))1‬‬
‫ي رضي‬
‫ونى صلى ال عليه وسلم أن يول المارة من سألا أو حرص عليها‪ ،‬فعن أب موسى الَشعر ّ‬
‫اللّه عنه قال‪ :‬دخَلتُ على النب صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم أنَا َورَجُل ِن مِنْ بن عَمّي‪ ،‬فقال أحَ ُدهُمَا‪ :‬يا رسولَ‬
‫ض مَا ولّ َك اللّه‪ ،‬عزّ وجلّ‪ ،‬وقال الخ ُر مِثْلَ ذلكَ‪ ،‬فقال‪" :‬إنّا واللّه ل ُنوَلّي هذَا‬
‫اللّه أمّرنَا عَلى بع ِ‬

‫العَمَ َل أحدا َسَألَه‪ ،‬أو أحَدا َحرَص عليه" متفق عليه‪ ،‬فسؤال المارة والرص عليها سبب للمنع من‬
‫التولية‪ ,‬فإن سؤال المارة والرص عليها من البعض قد يكون القصد منه حب الرئاسة والعلو ف الرض‬
‫والترفع على اللق‪ ,‬ومن كانت هذه نيته فلن يعدل ف حكمه‪ ,‬فعن أب موسى الشعري رضي ال عنه‬
‫قال‪" :‬قدم رجلن معي من قومي قال فأتينا إل النب صلى ال عليه وسلم فخطبا وتكلما فجعل يعرضان‬

‫بالعمل‪ ،‬فتغي وجه النب صلى ال عليه وسلم أو رؤي ف وجهه‪ ،‬فقال النب صلى ال عليه سلم‪" :‬إن‬

‫أخونكم عندي من يطلبه‪ ،‬فعليكم بتقوى ال عز وجل" قال‪ :‬فما استعان بما على شيء " رواه أبو‬
‫داود وأحد واللفظ له‪.‬‬
‫و قال عمر رضي ال عنه‪" :‬ما حرص رجل كل الرص على المارة فعدل فيها" أخرجه ابن أب شيبة ف‬
‫مصنفه وغيه‪.‬‬
‫جعَُلهَا ِللّذِينَ َل ُيرِيدُو َن عُُلوّا فِي ٱ َل ْرضِ وَلَ َفسَادا وَٱْلعَاقَِبةُ‬
‫وقد قال تعال‪ِ{ :‬ت ْلكَ ٱلدّارُ ٱل ِخ َرةُ نَ ْ‬
‫لِ ْلمُّت ِقيَ} ‪ ,‬أي تلك الدار الخرة نعل ما فيها من النعيم للذين ل يريدون العلو ف الرض بالتكب على‬
‫اللق ورد الق {و ل فسادا} وهو العمل بالعاصي وأخذ الموال بغي حق‪ ,‬وعن زاذان‪ :‬قال رأيت‬
‫علي بن أب طالب يسك الشسع بيده ير ف السواق فيناول الرجل الشسع ويرشد الضال ويعي المال‬
‫ج َعُلهَا لِلّذِينَ لَا ُيرِيدُو َن عُُلوّا فِي الَْأ ْرضِ وَلَا فَسَادًا‬
‫ك الدّا ُر الْآ ِخ َرةُ نَ ْ‬
‫على الواز‪ ،‬ويقرأ هذه الية {تِ ْل َ‬

‫(‪ )1‬فتح الباري‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪137‬‬

‫وَاْلعَاقِبَ ُة لِلْ ُمّتقِيَ} ث يقول‪ :‬هذه الية أنزلت ف الولة وذي القدرة من الناس"‪ ,)11‬وأخرج ابن مردويه‬
‫وابن عساكر عن علي بن أب طالب رضي ال عنه أنه كان يشي ف السواق وحده‪ ،‬وهو وال يرشد‬
‫ج َعُلهَا لِلّذِينَ لَا‬
‫ك الدّا ُر الْآ ِخ َرةُ نَ ْ‬
‫الضال ويعي الضعيف وير بالبقال والبيع‪ ،‬فيفتح عليه القرآن ويقرأ {تِ ْل َ‬
‫ض وَلَا َفسَادًا} ويقول‪ :‬نزلت هذه الية ف أهل العدل والتواضع ف الولة وأهل‬
‫ُيرِيدُو َن ُعُلوّا فِي الَْأ ْر ِ‬
‫القدرة من سائر الناس"‪ ،‬وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال ف هذه الية‪" :‬فإن الناس أربعة أقسام‪:‬‬
‫القسم الول‪ :‬يريدون العلو على الناس‪ ،‬والفساد ف الرض وهو معصية ال‪ ،‬وهؤلء اللوك والرؤساء‬
‫الفسدون‪ ،‬كفرعون وحزبه‪ ،‬وهؤلء هم شر اللق قال ال تعال‪{ :‬إِنّ ِف ْر َعوْ َن عَلَا فِي الَْأ ْرضِ وَ َجعَلَ‬
‫حيِي ِنسَاءهُمْ ِإّنهُ كَا َن مِنَ الْ ُمفْسِدِينَ}‪ ..‬والقسم‬
‫ضعِفُ طَاِئ َف ًة مّْنهُمْ يُذَبّحُ أَْبنَاءهُمْ وََيسْتَ ْ‬
‫سَت ْ‬
‫َأهَْلهَا ِشَيعًا يَ ْ‬
‫الثان‪ :‬الذين يريدون الفساد‪ ،‬بل علو‪ :‬كالسراق الجرمي من سفلة الناس‪ .‬والقسم الثالث‪ :‬يريد العلو‬
‫بل فساد‪ ،‬كالذين عندهم دين يريدون أن يعلو به على غيهم من الناس‪.‬وأما القسم الرابع‪ :‬فهم أهل‬
‫النة الذين ل يريدون علوا ف الرض ول فسادا‪ ،‬مع أنم قد يكونون أعلى من غيهم‪ ،‬كما قال ال‬
‫حزَنُوا وَأَنُتمُ ا َلعَْلوْنَ إِن كُنتُم ّم ْؤمِِنيَ} وقال تعال‪{ :‬فَلَا َتهِنُوا َوتَ ْدعُوا إِلَى‬
‫تعال‪{ :‬وَلَ َت ِهنُوا وَلَ تَ ْ‬
‫السّلْ ِم وَأَنتُ ُم الَْأعَْلوْ َن وَالّل ُه مَعَكُ ْم وَلَن يَِترَكُمْ َأعْمَاَلكُمْ} وقال‪{ :‬وَِلّلهِ اْل ِع ّزةُ وَِلرَسُوِل ِه وَلِلْ ُم ْؤمِِنيَ}‪ .‬فكم‬
‫من يريد العلو ول يزيده ذلك إل سفول‪ ،‬وكم من جعل من العلي وهو ل يريد العلو ول الفساد‪،‬‬
‫وذلك لن إرادة العلو على اللق ظلم‪ ،‬لن الناس من جنس واحد‪ ،‬فإرادة النسان أن يكون هو العلى‬
‫ونظيه تته‪ ،‬ظلم"‪.)21‬‬

‫ل عََلْيهِ وسَلّم‪" :‬مَاذِئْبَان جَائعَانِ‬
‫وعن كَعبِ بنِ مالكٍ‪ ،‬رضي اللّه عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ص ا َل ْرءِ على الا ِل وَالشـَرفِ ِلدِينهِ" رواه الترمذي‪ ,‬أي أن الرص‬
‫سدَ َلهَا مِنْ ِحرْ ِ‬
‫ُأرْسِل ف غَنَم بَأفْ َ‬
‫على الال والشرف وهو الاه أشد إفسادا لدين الرء من الذئبي الائعي أرسل ف غنم‪ ,‬وقال يوسف بن‬
‫أسباط قال سفيان‪" :‬ما رأينا الزهد ف شيء أقل منه ف الرياسة ترى الرجل يزهد ف الال والثياب‬
‫والطعم‪ ،‬فإذا نوزع ف الرياسة حامى عليها وعادى"‪.)32‬‬

‫فصل‪ :‬في اختيار المام‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬كتاب فضائل الصحابة لعبد ال بن أحد‪.‬‬
‫‪ )1‬كتاب السياسة الشرعية‪.‬‬
‫‪ )2‬كتاب الورع لحد بن حنبل‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪138‬‬

‫يتم اختيار المام عن طريقي أولما‪ :‬أن يتار أهل الل والعقد للمامة العامة أفضل من توفرت فيه‬
‫الشروط الشرعية للمامة‪ ,‬والطريق الثان‪ :‬أن يستخلف المام أفضل من توفرت فيه الشروط للمامة‬
‫بعده ويشاور ف هذا أهل الل والعقد‪ ،‬وف حالة الناع ف أحقية من استخلفه المام بعده فيفصل الناع‬
‫بشرع ال تعال لعموم قوله تعال‪َ{ :‬فإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى ٱلّل ِه وَٱلرّسُولِ إِن كُنُْتمْ ُت ْؤمِنُونَ‬
‫بِٱلّلهِ وَٱلَْي ْومِ ٱل ِخ ِر ذِٰلكَ َخْي ٌر وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‪ ،‬قال القاضي أبو يعلى رحه ال "و المامة تنعقد من‬
‫وجهي‪ :‬أحدها باختيار أهل الل والعقد‪ ،‬والثان‪ :‬بعهد المام من قبل‪ ،‬فأما انعقادها باختيار أهل الل‬
‫والعقد فل تنعقد إل بمهور أهل الل والعقد"‪ ،‬وقال‪" :‬وإذا اجتمع أهل الل والعقد على الختيار‬
‫تصفحوا أحوال أهل المامة الوجود فيهم شروطها‪ ،‬فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضل‪ ,‬وأكملهم‬
‫شروطا‪ ،‬فإذا تعي لم من بي الماعة من أداهم الجتهاد إل اختياره وعرضوها عليه‪ ,‬فإن أجاب إليها‬
‫بايعوه عليها‪ ,‬وانعقدت له المامة ببيعتهم ولزم كافة المة الدخول ف بيعته والنقياد لطاعته‪ ,‬وإن امتنع‬
‫من المامة ول يب إليها ل يب عليها وعدل إل من سواه من مستحقيها فبويع عليها "‪.)11‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬بعض أهل الكلم يقولون‪ :‬إن المامة تنعقد ببيعة أربعة‪ ،‬كما‬
‫قال بعضهم‪ :‬تنعقد ببيعة اثني‪ ،‬وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد‪ ،‬فليست هذه أقوال أئمة السنّة‪ ،‬بل‬
‫المامة عندهم تثبت بوافقة أهل الشوكة عليها‪ ،‬ول يصي الرجل إماما حت يوافقه أهل الشوكة عليها‬
‫الذين يصل بطاعتهم له مقصود المامة‪ ،‬فإن القصود من المامة إنا يصل بالقدرة والسلطان‪ ،‬فإذا‬
‫بُويع بيعة حصلت با القدرة والسلطان صار إماما‪ ...‬فالمامة ملك وسلطان‪ ،‬واللك ل يصي ملكاً‬
‫بوافقة واحد ول اثني ول أربعة‪ ،‬إل أن تكون موافقة هؤلء تقتضي موافقة غيهم‪ ،‬بيث يصي ملكا‬
‫بذلك‪ ...‬وكذلك عمر لا عهد إليه أبو بكر إنا صار إماما لا بايعوه وأطاعوه‪ ،‬ولو قدر أنم ل ينفذوا‬
‫عهد أب بكر ول يبايعوه ل يصر إماما‪ ،‬سواء كان ذلك جائزا أو غي جائز‪...‬‬
‫ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه (يعن أبا بكر رضي ال عنه) وامتنع سائر الصحابة عن البيعة ل يصر‬
‫إماما بذلك‪ ،‬وإنا صار إماما ببايعة جهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة‪ ،‬ولذا ل يضر تلف‬
‫سعد بن عبادة‪ ،‬لن ذلك ل يقدح ف مقصود الولية‪ ،‬فإن القصود حصول القدرة والسلطان اللذين‬
‫بما تصل مصال المامة‪ ،‬وذلك قد حصل بوافقة المهور على ذلك‪ ...‬فمن قال إنه يصي إماما‬
‫بوافقة واحد أو اثني أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط‪ ،‬كما أن من ظن أن تلف‬
‫الواحد أو الثني أو العشرة يضر فقد غلط "‪.)21‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬الحكام السلطانية‪.‬‬
‫‪ )1‬منهاج السنة النبوية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪139‬‬

‫وقال ابن خلدون رحه ال‪" :‬اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة‪ ،‬كأن البايع يعاهد أميه على أنه‬
‫يسلم له النظر ف أمر نفسه وأمور السلمي‪ ...‬ويطيعه فيما يكلفه به من المر على النشط والكره‪،‬‬
‫وكانوا إذا بايعوا المي وعقدوا عهده جعلوا أيديهم ف يده تأكيدا للعهد‪ ،‬فأشبه ذلك فعل البائع‬
‫والشتري‪ ،‬فسمي بيعة مصدر باع‪ ،‬وصارت البيعة مصافحة باليدي هذا مدلولا ف عرف اللغة ومعهود‬
‫الشرع‪ ،‬وهو الراد ف الديث ف بيعة النب صلى ال عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة"‪.)12‬‬

‫ويبايع المام على إقامة شرع ال تعال والتمسك بكتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ول‬
‫يوز أن يقصد البايع عرضا من الدنيا‪ :‬إن أعطي مقصوده رضي‪ ،‬وإن ل يعط سخط ول يف بالبيعة‬
‫وغدر بالمام‪،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ثلثة ل يكلمهم ال يوم القيامة ول يزكيهم ولم عذاب‬
‫أليم‪ :‬رجل على فضل ماء بالطريق ينع منه ابن السبيل‪ ،‬ورجل بايع إماما ل يبايعه إل لدنياه إن‬
‫أعطاه ما يريد وف له وإل ل يف له‪ ،‬ورجل بايع رجل بسلعة بعد العصر فحلف بال لقد أعطي با‬
‫كذا وكذا فصدقه فأخذها ول يعط با" أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري‪.‬‬
‫ول تدد المامة الكبى بدة‪ ,‬فمن بويع بالمامة الكبى يبقى على إمامته للمسلمي حت الوفاة أو‬
‫العزل‪ ,‬وسيأت بيان ما يعزل به المام‪.‬‬
‫حكم النتخابات العامة‪:‬‬
‫من القواعد الساسية ف النظام الديقراطي اختيار رئيس البلد‪ ،‬وأعضاء البلان عن طريق النتخابات‬
‫العامة‪ ,‬وهذا السلك ف الختيار من مسالك وسبل الكافرين الت ل توز نسبتها لدين السلم‪ ,‬والدلة‬
‫على تري النتخابات العامة ما يلي‪:‬‬
‫أول‪ :‬أن الاكمية ف السلم ل تعال‪ ،‬وليست للشعب أو غيه‪,‬و إنا الواجب على الشعب النقياد‬

‫شرِكُ فِي حُكْ ِمهِ أَحَدا}‪ ,‬وقال تعال‪َ { :‬ومَا كَانَ لِ ُم ْؤمِ ٍن وَلَ‬
‫لمر ال وحكمه‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬وَ َل يُ ْ‬
‫ُمؤْمَِنةٍ ِإذَا َقضَى ٱلّل ُه َورَسُوُلهُ َأمْرا أَن يَكُونَ َلهُمُ ٱلْخَِي َر ُة مِنْ َأ ْمرِهِ ْم َومَن َيعْصِ ٱلّل َه َورَسُوَلهُ َفقَدْ ضَلّ‬
‫ضَلَلً مّبِينا}‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أن إبطال الشروط الشرعية الواجب توفرها ف المام أو أعضاء الشورى‪ ,‬وإبطال الطريقة الشرعية‬
‫ف الختيار‪ ,‬واستبدالا بالنتخابات الديقراطية هو من التحاكم إل الطاغوت وتبديل حكم ال تعال‪,‬‬
‫ك َومَآ أُنزِ َل مِن قَْبِلكَ ُيرِيدُونَ أَن‬
‫وقد قال تعال‪{ :‬أَلَ ْم َترَ إِلَى ٱلّذِي َن َي ْزعُمُونَ َأّنهُ ْم آمَنُواْ بِمَآ ُأْنزِلَ ِإلَْي َ‬
‫َيتَحَاكَ ُموۤاْ ِإلَى ٱلطّاغُوتِ َوقَدْ ُأ ِمرُوۤاْ أَن يَ ْك ُفرُواْ ِبهِ َوُيرِيدُ ٱلشّْيطَانُ أَن ُيضِّلهُ ْم ضَلَلً َبعِيدا}‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )2‬مقدمة ابن خلدون‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪140‬‬

‫ثالثا‪ :‬أن مقصود المامة إقامة شريعة ال تعال ف جيع شؤون الياة‪ ,‬وإقامة العدل والمر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر والهاد ف سبيل ال‪ ,‬ولتحقيق القصود من المامة جاءت الشريعة بالشروط الواجب‬
‫توفرها بالمام كالعدالة والعلم والشجاعة وغيها من الشروط‪ ,‬وعمل أهل الل والعقد ف هذه الالة‬
‫هو اختيار أفضل من توفرت فيه شروط المامة‪ ،‬فعملهم يشبه عمل القضاة ف ملس القضاء‪ ،‬فيتبعون‬
‫العدل والق ف الختيار ول يتبعون أهواءهم‪.‬‬
‫و أما النتخابات العامة فهي قائمة على أهواء الناس وشهواتم‪ ,‬فأكثر الناس إنا ينتخبون من يقق‬
‫أهواءهم دون التفات منهم إل شروط المامة‪ ,‬وال تعال أمرنا باتباع أمره‪ ،‬وأن ل نتبع أهواء الناس‪,‬‬
‫فقال تعال‪َ { :‬ولَنْ َت ْرضَ ٰى عَنكَ ٱلَْيهُودُ وَلَ ٱلّنصَا َرىٰ حَتّىٰ َتتّبِ َع مِلَّتهُمْ قُلْ إِ ّن هُدَى ٱلّلهِ ُهوَ ٱْلهُ َدىٰ وََلئِنِ‬
‫ٱتَّب ْعتَ َأ ْهوَآ َءهُمْ َبعْدَ ٱلّذِي جَآءَ َك مِنَ ٱْلعِلْ ِم مَا َلكَ مِنَ ٱلّل ِه مِن وَلِ ّي وَلَ َنصِيٍ}‪.‬‬
‫ض مَآ أَنزَلَ‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَأَ ِن ٱحْكُم بَْيَنهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱلّلهُ وَ َل تَتّبِعْ َأ ْهوَآ َءهُمْ وَٱحْ َذ ْرهُمْ أَن َيفِْتنُو َك عَن َبعْ ِ‬
‫ض ذُنُوِبهِ ْم وَإِنّ كَثِيا مّنَ ٱلنّاسِ َلفَا ِسقُونَ‪.‬‬
‫ٱلّلهُ إِلَْيكَ فَإِن َتوَّلوْْا فَٱعْلَمْ أَنّمَا ُيرِي ُد ٱلّلهُ أَن ُيصِيَبهُم ِبَبعْ ِ‬
‫حكْمَ ٱلْجَاهِِليّ ِة يَْبغُونَ َومَنْ أَ ْحسَ ُن مِنَ ٱلّلهِ حُكْما ّل َق ْومٍ يُوقِنُونَ}‪.‬‬
‫أَفَ ُ‬
‫وقال تعال‪{ :‬ثُمّ َجعَ ْلنَا َك َعلَىٰ َشرِيعَ ٍة مّ َن ٱ َل ْمرِ فَٱتِّب ْعهَا وَلَ تَتّبِعْ َأ ْهوَآءَ ٱلّذِينَ َل َيعْلَمُونَ‪ِ .‬إّنهُمْ لَن ُيغْنُواْ‬
‫ضهُمْ َأوْلِيَآءُ َب ْعضٍ وَٱلّلهُ وَلِيّ ٱلْ ُمّتقِيَ}‪.‬‬
‫ك مِنَ ٱلّلهِ شَيْئا وَإِنّ ٱلظّالِ ِميَ َبعْ ُ‬
‫عَن َ‬
‫صرِينَ‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬بَلِ ٱتَّبعَ ٱلّذِينَ ظَلَ ُم ۤواْ َأ ْهوَآ َءهُمْ ِبغَْي ِر عِلْ ٍم فَمَن َيهْدِي مَنْ َأضَلّ ٱلّل ُه َومَا َلهُ ْم مّن نّا ِ‬
‫س عََلْيهَا لَ َتبْدِيلَ ِلخَلْ ِق ٱلّلهِ ذَِلكَ ٱلدّينُ ٱْلقَيّ ُم وََلـٰكِنّ‬
‫فََأقِ ْم وَ ْج َهكَ لِلدّينِ حَنِيفا فِ ْط َرةَ ٱلّلهِ ٱلّتِي فَ َطرَ ٱلنّا َ‬
‫شرِ ِكيَ‪ .‬مِنَ ٱلّذِينَ َفرّقُواْ‬
‫لةَ وَلَ تَكُونُوْا مِنَ ٱلْمُ ْ‬
‫أَكَْثرَ ٱلنّاسِ َل َيعْلَمُونَ‪ .‬مُنِيِبيَ إِلَْي ِه وَٱّتقُو ُه وَأَقِيمُوْا ٱلصّ َ‬
‫دِيَنهُ ْم وَكَانُواْ ِشيَعا ُكلّ ِح ْزبٍ بِمَا لَ َدْيهِمْ َفرِحُونَ}‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬أن ال تعال خلق الن والنس لعبادته كما قال تعال‪َ { :‬ومَا َخَل ْقتُ ٱلْجِ ّن وَٱلِنسَ إِلّ‬

‫لَِيعُْبدُونِ} ‪ ,‬وشروط المامة ف الشريعة جاءت لتحقيق هذه الغاية‪ ,‬وأما النتخابات الديقراطية العامة‬
‫فتلغي هذه الشروط ويتم الختيار بسب أهواء الناس كما تقدم‪ ,‬وف هذا مضادة ل تعال ف أمره‬
‫وعبوديته الت خلق اللق لجلها‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬لقد بي ال تعال أن الغلبية من الناس ل تتمسك بطاعته‪ ،‬ول ترغب ف شريعته وحكمه‪ ،‬بل‬
‫تبتغي حكم الاهلية‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وَإِنّ كَثِيا مّنَ ٱلنّاسِ َلفَا ِسقُونَ‪َ .‬أفَحُكْمَ ٱلْجَا ِهلِيّةِ َيْبغُونَ َومَنْ‬
‫س ُن مِنَ ٱلّلهِ ُحكْما ّل َق ْومٍ يُوقِنُونَ}‪.‬‬
‫أَحْ َ‬
‫وقال تعال‪{ :‬إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلّ لّلهِ َأ َمرَ أَلّ َتعْبُ ُد ۤواْ إِلّ إِيّا ُه ذِٰلكَ ٱلدّينُ ٱْلقَيّ ُم وََلـٰكِنّ أَكَْثرَ ٱلنّاسِ لَ‬
‫َيعْلَمُونَ}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪141‬‬

‫ج مّْنهُ لِتُن ِذرَ ِبهِ َوذِ ْك َرىٰ ِللْ ُم ْؤمِِنيَ‪ .‬ٱتِّبعُوْا مَآ‬
‫وقال تعال‪{ :‬كِتَابٌ أُنزِلَ إَِلْيكَ فَلَ يَ ُكنْ فِي صَ ْدرِكَ َحرَ ٌ‬
‫ل مّا تَذَ ّكرُونَ} ‪ ,‬وغيها من اليات الت تدل على‬
‫أُنزِلَ إَِليْكُ ْم مّن رّبّكُ ْم وَلَ َتتِّبعُوْا مِن دُوِنهِ َأ ْولِيَآءَ َقلِي ً‬
‫تنكب أكثر الناس عن شرع ال وميلهم عن صراطه الستقيم‪ ,‬فكيف يعلق مصي حكم ال ف الرض‬
‫بذه الكثرية‪ ،‬الت تبتغي حكم الاهلية وتعرض عن حكم ال تعال‪.‬‬
‫سادساً‪ :‬أن السلم ل يسوي ف الدنيا ول ف الخرة بي العال والاهل‪ ,‬والسلم والكافر‪ ,‬والصال‬
‫والفاسق‪ ,‬وأما النظام النتخاب الديقراطي فيسوي بي جيع هؤلء ف حق التصويت والترشيح ف‬
‫ج ِرمِيَ‪ .‬مَا َلكُمْ كَيْفَ َتحْكُمُونَ}‪.‬‬
‫سلِ ِميَ كَٱلْمُ ْ‬
‫جعَلُ ٱلْمُ ْ‬
‫النتخابات‪ ,‬وقد قال ال تعال‪َ{ :‬أفَنَ ْ‬
‫جعََلهُمْ كَٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ َسوَآءً‬
‫سبَ ٱلّذِي َن ٱجَْترَحُواْ ٱلسّيّئَاتِ أَن نّ ْ‬
‫وقال تعال‪َ{ :‬أمْ حَ ِ‬
‫مّحْيَاهُ ْم َومَمَاُتهُمْ سَآءَ مَا َيحْكُمُونَ}‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن كَا َن ُم ْؤمِنا كَمَن كَانَ فَاسِقا ّل يَسَْتوُونَ}‪.‬‬
‫ل ذَِلكَ ظَنّ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا َفوَيْلٌ لّلّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫وقال تعال‪َ { :‬ومَا َخَلقْنَا ٱلسّمَآءَ وَٱ َل ْرضَ َومَا َبيَْنهُمَا بَاطِ ً‬
‫جعَلُ ٱلْمُّت ِقيَ‬
‫سدِينَ فِي ٱ َلرْضِ َأمْ نَ ْ‬
‫جعَلُ ٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَمِلُوْا ٱلصّالِحَاتِ كَٱلْ ُمفْ ِ‬
‫مِنَ ٱلنّارِ‪َ .‬أمْ َن ْ‬
‫كَٱْلفُجّار}‪.‬‬
‫وقال تعال‪َ{ :‬أوَ مَن كَا َن مَيْتا فََأحْيَْينَا ُه وَ َجعَلْنَا َلهُ نُورا يَ ْمشِي ِبهِ فِي ٱلنّاسِ َكمَن مّثَُلهُ فِي ٱلظّلُمَاتِ لَْيسَ‬
‫ك زُيّنَ ِللْكَاِفرِي َن مَا كَانُوْا َيعْمَلُونَ}‪.‬‬
‫ج مّْنهَا كَذَِل َ‬
‫بِخَارِ ٍ‬
‫وقال تعال‪{ :‬أَفَمَن َيعْلَمُ أَنّمَآ أُنزِلَ إَِلْيكَ مِن رَّبكَ ٱلْحَقّ كَمَ ْن ُهوَ َأعْمَىٰ إِنّمَا يََتذَ ّكرُ ُأوْلُوْا ٱلَلْبَابِ}‪,‬‬
‫وغيها من اليات‪.‬‬

‫سابعا‪ :‬أن مبدأ النتخابات العامة قد لبس على كثي من الناس مفهوم الشرعية‪ ,‬فأصبح الكثي منهم يرى‬
‫أن الشرعية تستمد من أغلبية الناس‪ ،‬وليس من كتاب ال وسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وهذا‬
‫الضلل ف مفهوم الشرعية الذي وقع فيه الكثي هو بسبب الشرك بالديقراطية والتحاكم إليها‪.‬‬

‫ثامنا‪ :‬قال ال تعال‪َ{ :‬أمْ َيقُولُونَ ِبهِ ِجنّ ٌة بَلْ جَآ َءهُمْ بِٱْلحَق وَأَكَْث ُرهُمْ ِللْحَق كَا ِرهُونَ‪ .‬وََلوِ ٱتَّبعَ ٱْلحَقّ‬
‫ت وَٱ َل ْرضُ َومَن فِيهِ ّن بَلْ أََتيْنَاهُ ْم بِذِ ْك ِرهِمْ َفهُ ْم عَن ذِ ْك ِرهِمْ ّم ْعرِضُونَ}‪،‬فتدل‬
‫َأ ْهوَآ َءهُمْ َلفَسَ َدتِ ٱلسّمَاوَا ُ‬
‫اليتان على أن أكثرية الناس يكرهون الق‪ ،‬فكيف تعل هذه الكثرية الكارهة للحق هي الرجع ف‬
‫اختيار المام‪ ،‬الذي يقيم دولة السلم‪.‬‬
‫وتدلن على أن الكثرية يتبعون أهواءهم‪ ،‬وهذا هو واقع النتخابات العامة‪ ،‬فإنا قائمة على أهواء الناس‬
‫ورغباتم وشهواتم‪.‬‬
‫وتدلن على أن الق لو اتبع أهواء الناس لفسد العال‪ ،‬وفسدت الدولة السلمية وعمها الضطراب‬
‫والفوضى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪142‬‬

‫وتدلن على أن الرجوع إل أهواء الكثرية ف النتخابات العامة هو من الفساد ف الرض‪ ،‬وليس من‬
‫الصلح‪.‬‬
‫وتدلن على أن الكثرية معرضة عن القرآن‪ ،‬فكيف يرجى من هذه الغلبية العرضة عن كتاب ال أن‬
‫تعدل بعدل القرآن‪ ،‬وتكم بكمه ف اختيار المام العام‪ ،‬وأن تتار من يقودها بكتاب ال‪.‬‬
‫ضهُمْ ِإلَىٰ َبعْضٍ‬
‫ي ٱلِْنسِ وَٱلْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫تاسعا‪ :‬قال ال تعال‪{ :‬وَ َكذَِلكَ َجعَلْنَا لِكُلّ ِنبِ ّي عَ ُدوّا َشيَا ِط َ‬
‫صغَىۤ إِلَْيهِ أَ ْفئِ َدةُ ٱلّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ‬
‫زُ ْخرُفَ ٱْل َقوْ ِل ُغرُورا وََلوْ شَآ َء رَّبكَ مَا َفعَلُوهُ فَ َذ ْرهُمْ َومَا َي ْفَترُونَ‪ .‬وَلَِت ْ‬
‫ض ْوهُ وَِلَيقَْترِفُوْا مَا هُم ّمقَْترِفُونَ‪.‬أََفغَْيرَ ٱلّلهِ أَبَْتغِي َحكَما َو ُهوَ ٱلّ ِذيۤ أََنزَلَ إَِليْكُمُ ٱلْكِتَابَ‬
‫بِٱل ِخ َرةِ وَلَِي ْر َ‬
‫ل تَكُونَ ّن مِنَ ٱلْمُمَْترِينَ‪ .‬وََت ّمتْ َكلِمَةُ‬
‫ل وَٱلّذِينَ آتَْينَاهُمُ ٱلْكِتَابَ َي ْعلَمُونَ َأّنهُ مَُنزّ ٌل مّن رّّبكَ بِٱلْحَقّ فَ َ‬
‫ُمفَصّ ً‬
‫ك صِدْقا َوعَدْلً ّل مُبَدّلِ لِ َكلِمَاِت ِه َو ُهوَ ٱلسّمِيعُ ٱْلعَلِيمُ‪ .‬وَإِن ُتطِعْ أَكَْث َر مَن فِي ٱ َل ْرضِ ُيضِلّو َك عَن‬
‫رَّب َ‬
‫ك ُهوَ َأ ْعلَ ُم مَن َيضِ ّل عَن سَبِيِل ِه َو ُهوَ َأ ْعلَمُ‬
‫خ ُرصُونَ‪ .‬إِ ّن رَّب َ‬
‫سَبِيلِ ٱلّلهِ إِن َيتِّبعُونَ إِلّ ٱلظّ ّن وَإِنْ هُمْ ِإلّ يَ ْ‬
‫بِٱلْ ُم ْهتَدِينَ}‪ ,‬أخرج ابن جرير عن عكرمة وعن ماهد ف قوله تعال‪ُ { :‬ز ْخرُفَ ٱْل َقوْ ِل ُغرُورا} قال‪" :‬‬
‫تزيي الباطل باللسنة "‪ ,‬وقال ابن جرير رحه ال " وأما الغرور‪ :‬فإنه ما غرّ النسان فخدعه فصده عن‬
‫الصواب إل الطأ ومن القّ إل الباطل"‪ ,‬فهؤلء الشياطي أعداء النبياء يوحي بعضهم إل بعض‬
‫القوال الزخرقة الزينة‪ :‬كالديقراطية والنتخابات والرية ونوها‪ ,‬وتذاع هذه القوال الزخرفة ويروج‬
‫لا ويُدعى الناس إليها ف وسائل العلم وف اليئات والحافل والامعات والدارس وغيها‪ ,‬ويغتر‬
‫بزخرفها وينخدع ببيقها والضجة الت حولا من ل يؤمن بالخرة‪ ،‬فيصغي إليها ويرضى با عقيدة له‪,‬‬
‫ويقترف ما يقترف من الذنوب بسب هذا الصغاء واليل إليها واتاذها سبيل ومنهجا‪.‬‬
‫وهذا حال من زاغوا إل الديقراطية‪ ،‬فأول أوصافهم أن هؤلء الديقراطيي الذين ل يؤمنون بالخرة قد‬
‫صغت أفئدتم ومالت إل دعاة الديقراطية وإل أقوالم الزخرفة‪ ,‬وأما وصفهم الثان فهو رضاهم‬
‫بالديقراطية عقيدة ومنهجا‪ ,‬والوصف الثالث أنم يقترفون من الكفر والثام ما هم مقترفون بسب‬
‫صغَىۤ ِإلَْيهِ أَ ْفئِ َدةُ ٱلّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ بِٱل ِخ َرةِ‬
‫إصغائهم للقوال الزخرفة والرضا با‪ ,‬كما قال تعال‪َ { :‬ولَِت ْ‬
‫ض ْوهُ وَِلَيقَْترِفُوْا مَا هُم ّمقَْترِفُونَ}‪.‬‬
‫وَلَِي ْر َ‬
‫فهجروا كتاب ال تعال وأعرضوا عنه‪ ،‬واتبعوا القوال الزخرفة الضللة‪ ,‬فلهم نصيب من قوله تعال‪:‬‬
‫{وَقَا َل ٱلرّسُولُ ٰي َربّ إِ ّن َق ْومِي ٱتّخَذُوْا َهـٰذَا ٱْل ُقرْآ َن َمهْجُورا‪ .‬وَكَذَِلكَ َجعَ ْلنَا لِكُ ّل نَبِ ّي عَ ُدوّا مّنَ‬
‫ك هَادِيا وََنصِيا}‪ ،‬وقوله تعال‪َ { :‬وَي ْومَ َيعَضّ ٱلظّالِ ُم عََلىٰ يَدَْيهِ َيقُولُ ٰيلَْيتَنِي‬
‫ي وَ َكفَىٰ ِبرَّب َ‬
‫ج ِرمِ َ‬
‫ٱلْمُ ْ‬
‫ت مَعَ ٱلرّسُولِ َسبِيلً‪ٰ .‬ي َويْلَتَا لَْيتَنِي لَمْ َأتّخِ ْذ فُلَنا َخلِيلً‪ّ .‬لقَدْ َأضَلّنِي عَنِ ٱلذّ ْكرِ َبعْدَ ِإذْ جَآءَنِي‬
‫ٱتّخَ ْذ ُ‬
‫وَكَانَ ٱلشّيْطَانُ لِلِْنسَانِ خَذُولً}‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪143‬‬

‫وقوله‪{ :‬أََفغَْيرَ ٱلّلهِ أَْبَتغِي حَكَما}‪ ,‬أي قل‪ :‬أغي ال تبارك وتعال أبتغي وأطلب حكما أتاكم إليه‬
‫وأنقاد لكمه‪ ,‬فإن غي ال ليس لم الكم والتشريع‪ ،‬بل الواجب على العباد النقياد لمر ال وحكمه‪.‬‬
‫ب ُمفَصّلً}‪ ,‬وقد فصل ال تعال فيه جيع الحكام ف‬
‫ث قال تعال‪َ { :‬و ُهوَ ٱلّ ِذيۤ َأَنزَلَ إِلَْيكُمُ ٱلْكِتَا َ‬
‫سائر شؤون الياة‪ ,‬كما قال تعال‪{ :‬وََنزّْلنَا عََلْيكَ الْ ِكتَابَ تِْبيَانًا لّكُلّ شَ ْىءٍ}‪ ,‬وقد أخرج ابن جرير‬
‫وابن أب حات عن ابن مسعود قال‪" :‬إن ال أنزل ف هذا الكتاب تبيانا لكل شيء‪ ،‬ولقد عملنا بعضا ما‬
‫بي لنا ف القرآن‪ ،‬ث تل‪{ :‬وََنزّْلنَا عََلْيكَ الْ ِكتَابَ تِْبيَانًا لّكُلّ شَ ْيءٍ}‪ ،‬وأخرج ابن أب شيبة وغيه عن ابن‬
‫مسعود رضي ال عنه قال‪" :‬من أراد العلم فليقرأ القرآن‪ ،‬فإن فيه علم الولي والخرين"‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود رضي ال عنه‪" :‬إذا حدثتكم بديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب ال" أخرجه ابن أب‬
‫حات وغيه‪ ،‬ومن الحكام الفصلة البينة ف شرع ال تعال الطريقة الشرعية ف اختيار المام العام وأهل‬
‫الشورى‪.‬‬
‫ث بي ال تعال أن أحكامه كلها عدل‪ ،‬فقال تعال‪َ { :‬وتَ ّمتْ كَلِ َم ُة رَّبكَ صِدْقا َوعَدْلً}‪ ,‬أي صدقا ف‬
‫الخبار وعدل ف الحكام‪ ,‬وكل ما خالف شرع ال تعال فهو ظلم‪ ,‬ومن العدل الذي جاءت به‬
‫الشريعة السلمية أن ل يسوى السلم بالكافر‪ ,‬والصال بالفاسق ف الشهادة أو ف اختيار المام وغيها‪,‬‬
‫وأما الديقراطيون الظالون فيسوون بي الميع ف اختيار الاكم‪.‬‬
‫ث قال‪{ :‬وَإِن تُ ِطعْ أَكَْث َر مَن فِي ٱ َل ْرضِ ُيضِلّو َك عَن سَبِيلِ ٱلّلهِ}‪ ,‬وهذا إبطال للنتخابات العامة‪ ,‬فإن‬
‫أغلب الناس لو أطاعهم الؤمن لضلوه عن سبيل ال‪ ,‬فكيف تعل هذه الغلبية الضالة الضلة عن سبيل‬
‫ال الرجع ف اختيار أول الناس بالمامة العامة‪.‬‬

‫فصل‪ :‬ف عزل المام‬
‫إذا طرأ على الاكم الكفر البواح الظاهر الذي دل الكتاب والسنة على أنه من الكفر البواح‪ ،‬فقد خرج‬
‫عن المامة‪ ،‬ويب ف هذه الالة عزل الاكم والروج عليه بالقوة عند وجود القدرة‪ ،‬كما ف حديث‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم على السّم ِع والطّا َعةِ ف‬
‫ت رضي اللّه عنه قال‪" :‬بايعنا رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫عُبَا َدةَ ب ِن الصّامِ ِ‬
‫شطِ والَ ْك َرهِ‪ ،‬وَعلى أََث َر ٍة عَليْنَا‪ ،‬وعَلَى أَنْ َل نُنَازِعَ ا َلمْرَ َأهَْلهُ‪ ،‬إِلّ أَنْ َت َروْا ُكفْرا َبوَاحا‬
‫سرِ وا َلنْ َ‬
‫س ِر وَاليُ ْ‬
‫العُ ْ‬
‫عِنْدكُ ْم مِنَ اللّه تعالَى فيه بُرهانٌ‪ ،‬وعلى أن نقول بالقّ أينَما كُنّا‪ ،‬ل نافُ ف اللّه َلوْمةَ لئ ٍم " متفقٌ‬
‫عليه‪ ،‬وقال الافظ ابن حجر رحه ال‪" :‬إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فل توز طاعته ف ذلك‪،‬‬
‫بل تب ماهدته لن قدر عليها "‪ ،)11‬وقال المام النووي رحه ال‪" :‬قال القاضي عياض‪ :‬أجع العلماء‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪144‬‬

‫على أن المامة ل تنعقد لكافر‪ ،‬وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل‪ ،‬قال‪ :‬كذا لو ترك إقامة الصلوات‬

‫والدعاء إليها"‪ .)12‬وقال المام ابن كثي رحه ال عند قول ال تعال‪َ{ :‬أفَحُكْمَ ٱلْجَا ِهلِيّةِ يَْبغُو َن َومَنْ‬

‫س ُن مِنَ ٱلّلهِ ُحكْما ّل َق ْومٍ يُوقِنُونَ}‪ " ,‬ينكر تعال على من خرج عن حكم ال الحكم الشتمل على‬
‫أَحْ َ‬
‫كل خي‪ ،‬الناهي عن كل شر‪ ،‬وعدل إل ما سواه من الراء والهواء والصطلحات‪ ،‬الت وضعها‬
‫الرجال بل مستند من شريعة ال‪ ،‬كما كان أهل الاهلية يكمون به من الضللت والهالت ما‬
‫يضعونا بآرائهم وأهوائهم‪ ،‬وكما يكم به التتار من السياسات اللكية الأخوذة عن ملكهم جنكزخان‬
‫الذي وضع لم الياسق‪ ،‬وهو عبارة عن كتاب مموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شت‪ :‬من‬
‫اليهودية والنصرانية واللة السلمية وغيها‪ ،‬وفيها كثي من الحكام أخذها من مرد نظره وهواه‪،‬‬
‫فصارت ف بنيه شرعا متبعا‪ ،‬يقدمونا على الكم بكتاب ال وسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يب قتاله حت يرجع إل حكم ال ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فل‬
‫ـهِلِيّ ِة يَْبغُونَ} أي يبتغون ويريدون‪ ،‬وعن حكم‬
‫ج ٰ‬
‫يكم سواه ف قليل ول كثي‪ ،‬قال تعال‪{ :‬أَفَحُ ْكمَ ٱْل َ‬
‫ال يعدلون‪َ { ،‬ومَنْ َأحْسَ ُن مِنَ ٱلّلهِ حُكْما ّل َق ْومٍ يُوِقنُونَ} أي ومن أعدل من ال ف حكمه لن عقل عن‬
‫ال شرعه‪ ،‬وآمن به‪ ،‬وأيقن وعلم أن ال أحكم الاكمي‪ ،‬وأرحم بلقه من الوالدة بولدها‪ ،‬فإنه تعال‬
‫هو العال بكل شيء‪ ،‬القادر على كل شيء‪ ،‬العادل ف كل شيء"‪.)21‬‬

‫والكفر البواح هو البي الواضح كتحكيم غي شرع ال ف البلد أو التحاكم لغي شرع ال كالقواني أو‬
‫اليئات كهيئة المم التحدة ونوها‪ ،‬أو التشريع وسن القواني‪ ،‬أو موالة الكفار ومظاهرتم على‬
‫السلمي أو ترك الصلة أو صرف العبادة لغي ال كدعاء الموات والستغاثة بم أو غيها من نواقض‬
‫السلم الت إذا فعلها الاكم فقد ارتكب كفرا بواحا ما يوجب الكم بردته وخلعه والروج عليه‪.‬‬
‫فإذا ل توجد القدرة على خلعه بالقوة فالواجب أن يبي للناس بطلن وليته على السلمي وأن ل‬
‫يطاع‪ ،‬ول يعاون با يدعم ويقوي حكومته التسلطة على السلمي‪ ،‬وأن يسعى السلمون ف حالة العجز‬
‫عن قتاله إل إعداد العدة حت تصل القدرة على جهاده وعزله بالقوة‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬فَٱّتقُوْا ٱلّلهَ مَا‬
‫ٱسْتَ َطعْتُمْ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬وََأعِدّواْ َلهُ ْم مّا ٱسَْت َطعْتُ ْم مّن ُقوّة}‪ ،‬وقد قال شيخ السلم ابن تيمية رحه‬
‫ال‪" :‬يب الستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط اليل ف وقت سقوطه للعجز فإن ما ل يتم الواجب‬
‫إل به فهو واجب"‪.)32‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )2‬شرح صحيح مسلم‪.‬‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ )2‬كتاب السياسة الشرعية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪145‬‬

‫وأما إذا طرأ على المام العام الفسق فل يوز الروج عليه بالقوة‪ ،‬الت قد يترتب عليها من الفاسد‬
‫والنكرات والفت ما هو أعظم من النكر الذي قصد إزالته‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من كره من‬
‫أميه شيئا فليصب‪ ,‬فإنه من خرج من السلطان شبا مات ميتة جاهلية" متفق عليه‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إنا ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونا" قالوا‪ :‬يا رسول ال كيف تأمر‬
‫من أدرك منا ذلك؟ قال‪" :‬تؤدون الق الذي عليكم وتسألون ال الذي لكم" متفق عليه‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬خيار أئمتكم الذين تبونم ويبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم‪,‬‬
‫وشرار أئمتكم الذين تبغضونم ويبغضونكم وتلعنونم ويلعنونكم" قالوا قلنا‪ :‬يا رسول ال أفل‬
‫ننابذهم عند ذلك؟ قال‪" :‬ل ما أقاموا فيكم الصلة‪ ،‬ل ما أقاموا فيكم الصلة" رواه مسلم‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أل من ول عليه وال فرآه يأت شيئا من معصية ال فليكره ما يأت من‬
‫معصية ال ول ينعن يدا من طاعة" رواه مسلم‪ ،‬وترك الروج عليه ل يعن السكوت عن فسقه وما‬
‫يرتكبه من منكرات‪ ,‬بل الواجب نصحه والنكار عليه وماسبته وماكمته‪ ,‬وأل يطاع ول يعاون ف‬
‫معصية ال تعال‪ ،‬وقد تقدم الكلم ف هذا‪.‬‬
‫وإذا أمكن عزل المام الذي طرأ عليه الفسق دون وقوع قتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم من مفسدة‬
‫إبقائه ففي هذه الالة يب أن يعزل‪ ,‬ويول على السلمي أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية‪ ,‬قال‬
‫الافظ ابن حجر رخه ال‪" :‬ونقل ابن التي عن الداودي قال‪ :‬الذي عليه العلماء ف أمراء الور أنه إن‬
‫قدر على خلعه بغي فتنة ول ظلم وجب‪ ،‬وإل فالواجب الصب"‪ ،)11‬ويرجح هذا القول ما يلي‪:‬‬

‫أول‪ :‬أن النصوص الشرعية العامة أوجبت الصلح والمر بالعروف والنهي عن النكر بسب القدرة‬
‫ح مَا‬
‫والستطاعة‪ ،‬وقد أخب ال تعال عن شعيب عليه الصلة والسلم أنه قال‪{ :‬إِنْ ُأرِيدُ إِلّ ا ِلصْلَا َ‬
‫اسْتَ َط ْعتُ َومَا َت ْوفِيقِى إِلّ بِالّل ِه عََلْيهِ َتوَكّ ْلتُ وَِإلَْيهِ أُنِيبُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬فَٱّتقُوْا ٱلّلهَ مَا ٱسْتَ َطعُْتمْ}‪ ,‬وعن‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم يقُولُ‪" :‬مَ ْن رَأَى مِنْكُم‬
‫س ْعتُ رسُو َل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫أَب سعي ٍد الُدْريّ رضي اللّه عنه قال‪ِ :‬‬
‫ض َعفُ الِيانِ" رواه‬
‫مُنْكرا َفلْيغيّرْ ُه بِيَدهِ‪َ ،‬فإِنْ َلمْ يَسْتَط ْع فِبلِسَاِنهِ‪ ،‬فَإِنْ َل ْم يَسْتَطِ ْع فَبقَلبهِ‪َ ،‬وذََلكَ َأ ْ‬
‫مسلم‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما من قوم يعمل فيهم بالعاصي ث يقدرون على أن يغيوا ث ل يغيوا إل‬
‫يوشك أن يعمهم ال منه بعقاب" رواه أبو داود‪ ,‬وفسق الاكم من النكرات الكبية الت تؤدي إل‬
‫انتشار الفساد والظلم ف المة‪ ,‬فإذا وجدت القدرة على إزالة هذا النكر التمثل بولية الفاسق فيجب أن‬
‫يعزل لعموم الدلة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪146‬‬

‫ثانيا‪ :‬أن ف عزل المام الفاسق وتعيي المام العادل دون حدوث فتنة وإراقة دماء‪ ,‬مصلحة كبية ل‬
‫تأت الشريعة بإلغائها‪ ,‬وتوجب ترك الاكم الفاسق إماما عاما للمسلمي‪ ,‬مع ما يترتب على بقائه من‬
‫الفاسد العظيمة‪ ,‬قال القرطب رحه ال‪" :‬المام إذا نصب ث فسق بعد انبام العقد‪ ،‬فقال المهور‪ :‬إنه‬
‫تنفسخ إمامته ويلع بالفسق الظاهر العلوم‪ ،‬لنه قد ثبت أن المام إنا يقام لقامة الدود واستيفاء‬
‫القوق وحفظ أموال اليتام والجاني والنظر ف أمورهم إل غي ذلك ما تقدم ذكره‪ ,‬وما فيه من‬
‫الفسق يقعده عن القيام بذه المور والنهوض با‪ ،‬فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إل إبطال ما أقيم‬
‫لجله‪ ,‬أل ترى ف البتداء إنا ل يز أن يعقد للفاسق لجل أنه يؤدي إل إبطال ما أقيم له وكذلك هذا‬
‫مثله "‪ ,)11‬وسواء قصد القرطب رحه ال بكلمه خلع الاكم الفاسق بالروج عليه بالقوة والقتال أو‬

‫قصد خلعه بدون قتال ومفسدة أعظم‪ ,‬فليس هذا هو القصود من نقل كلمه‪ ,‬وإنا مل الشاهد من‬
‫كلمه والقصود منه هو قوله‪" :‬فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إل إبطال ما أقيم لجله‪ ،‬أل ترى ف‬
‫البتداء إنا ل يز أن يعقد للفاسق لجل أنه يؤدي إل إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله"‪ ,‬وما قاله‬
‫حق فإن عزل الاكم الذي طرأ عليه الفسق هو وفق القياس وجاري مع الصل الذي منع لجله الفاسق‬
‫من تول المامة ابتداءً‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬أن من العلوم ف الشريعة السلمية أن الولة والوزراء والقضاة إذا ظهر من أحدهم الفسق واليانة‬

‫مع وجود الول فإنه يعزل تقيقا للمصلحة والعدل ودرءا للفساد والظلم‪ ,‬فإذا كان عزل هؤلء واجبا‬
‫فكذلك المام العام يعزل لفسقه من باب أول‪ ,‬فإن الفسدة ببقائه أعظم من مفسدة إبقاء غيه من‬
‫الولة الذين ظهر عليهم الفسق‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬أن الفسق قد يتدرج بالاكم إل الستبداد بالمر وتعيي الوالي له ف قيادة اليش والوليات‬
‫حت ل يقدر أحد على ماسبته وماكمته‪ ،‬ث يرتكب بعد ذلك هو ومن معه أنواعا من الفساد والظلم‬
‫وربا الكفر‪ ،‬كما قد وقع ف بعض الالت‪ ،‬ول يستطيع السلمون بعد ذلك عزله لعدم القدرة‪ ،‬فإذا‬
‫كان الفسق قد يتدرج بالاكم إل الظلم العظيم والكفر فينبغي سد الذريعة الوصلة إل الكفر وحسم‬
‫الشر ف أوله بعزل الاكم الفاسق مع القدرة‪ ،‬وتعيي إمام عادل‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬من القواعد الشرعية " أن ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب " فإذا كان ف بقاء الاكم‬
‫الفاسق تركا للواجبات وفعل للمحرمات وقد أمكن عزله دون مفسدة فيجب أن يعزل‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الامع لحكام القرآن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪147‬‬

‫سادسا‪ :‬أن من منع الروج بالقوة على الاكم الفاسق قد علل النع بصول مفسدة أعظم من الفسدة‬
‫الت يراد إنكارها‪ ،‬وهذه العلة منتفية مع العزل بالفسق دون حدوث فتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم‪,‬‬
‫والكم يدور مع علته وجودا وعدما‪.‬‬
‫و يكون عزل الاكم الفاسق مكنا إذا كان ولء الولة والوزراء والقضاة والقادة والنود ل تبارك‬
‫وتعال ولرسوله وللمؤمني‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬إِنّمَا وَِليّكُمُ ٱلّل ُه َورَسُوُلهُ وَٱلّذِي َن آمَنُواْ ٱلّذِينَ ُيقِيمُونَ‬
‫ٱلصّلَ َة وَُيؤْتُو َن ٱلزّكَا َة َوهُمْ رَا ِكعُونَ‪َ .‬ومَن يََتوَلّ ٱلّل َه َورَسُوَل ُه وَٱلّذِي َن آمَنُواْ فَإِ ّن ِحزْبَ ٱلّل ِه هُمُ ٱْلغَالِبُونَ}‬
‫ففي هذه الالة لن يستطيع المام الذي طرأ عليه الفسق المانعة والحتماء بالند وغيهم‪.‬‬
‫وهذا الولء ل ولرسوله وللمؤمني من أعظم الواجبات الت يب أن يرسخها العلماء والقادة وغيهم ف‬
‫المة‪ ،‬ويأت ف باب سياسات احترازية زيادة تفصيل‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪148‬‬

‫باب‪ :‬الصلة‬
‫الصلة هي الركن الثان من أركان السلم بعد الشهادتي‪ ,‬وهي عمود السلم‪ ،‬وهي أهم ما يدعى‬

‫إليه الناس بعد توحيد ال تعال‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬بن السلم على خس‪ :‬شهادة أن ل‬
‫إله إل ال وأن ممدا رسول ال وإقام الصلة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" متفق عليه‪.‬‬
‫لهَادُ" رواه‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬رْأسُ ال ْمرِ السْلمُ‪ ،‬وعَمُودُهُ الصّلةُ‪ ,‬وذرو ُة سنا ِمهِ ا ِ‬
‫الترمذي‪.‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم فقال‪" :‬إّنكَ َتأْتِي قوْما مِنْ َأهْلِ‬
‫وعن مُعا ٍذ رضي اللّه عنه قال‪ :‬ب َعثَنِي رسو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫الْكِتَاب‪ ،‬فادْ ُع ُهمْ إِلَى شَهَادة َأنْ ل إَِلهَ إ ّل اللّه‪ ،‬وَأنّي رسول اللّه‪ ،‬فإِ ْن ُهمْ أَطاعُوا ِلذَِلكَ‪َ ،‬فأَ ْعلِم ُهمْ أَنّ‬
‫صلَواتٍ ف كُلّ يو ٍم وَلَ ْي َلةٍ‪َ ،‬فإِ ْن ُهمْ أَطَاعُوا لِذلكَ‪َ ،‬فأَعلِ ْم ُهمْ أَنّ اللّه َقدِ‬
‫اللّه َقدِ افْترضَ علَيْهم خَ ْمسَ َ‬
‫افَْت َرضَ َعلَيهمْ ص َد َقةً ُتؤْخ ُذ مِنْ أَغنياِئ ِه ْم فَُترَدّ َعلَى ُفقَرائهم‪َ ،‬فإِنْ ُهمْ أَطَاعُوا لِذلكَ َفإِيّاكَ وكَراِئمَ‬
‫َأمْوالِهم‪ ,‬واتّ ِق دعْو َة الْمَ ْظلُو ِم َفإِّنهُ َليْس بينها وبيْنَ اللّه حِجَابٌ" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫وهي أول ما ياسب به العبد يوم القيامة‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أول ما ياسب به العبد يوم‬
‫القيامة الصلة فإن صلحت صلح له سائر عمله‪ ،‬وإن فسدت فسد سائر عمله" رواه الطبان ف‬
‫الوسط‪.‬‬

‫وأخب النب صلى ال عليه وسلم أن من ترك الصلة فقد كفر‪ ,‬فقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬بي الرجل‬

‫وبي الشرك والكفر ترك الصلة"رواه مسلم‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬العهد الذي بيننا وبينهم الصلة فمن تركها فقد كفر" رواه أبو داود‬
‫والنسائي والترمذي وأحد‪.‬‬
‫وقال ابن مسعود رضي ال عنه‪" :‬من ترك الصلة فل دين له" رواه ممد بن نصر‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن شقيق العقيلي قال‪" :‬كان أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم ل يرون شيئا من‬
‫العمال تركه كفر غي الصلة " رواه الترمذي‪ .‬وعن أب الدرداء رضي ال عنه قال " ل إيان لن ل‬
‫صلة له‪ ،‬ول صلة لن ل وضوء له " رواه ابن عبد الب وغيه موقوفا‪.‬‬
‫عمارة الساجد‪:‬‬
‫يب على ولة المر أن يقيموا الصلة‪ ،‬وأن يعلموها الناس‪ ،‬ويأمروهم بإقامتها‪ ,‬وأن يبنوا الساجد الت‬
‫ي َعزِيزٌ‪ .‬ٱلّذِينَ إِنْ‬
‫صرَنّ ٱلّلهُ مَن يَنصُ ُرهُ إِنّ ٱلّلهَ َل َقوِ ّ‬
‫تقام با المع والماعات‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وََليَن ُ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪149‬‬

‫ل َة وَآَت ُوْا ٱلزّكَـا َة وََأ َمرُوْا بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََن َه ْوْا عَنِ ٱلْمُنْ َك ِر وَلِّل ِه عَاِقبَ ُة‬
‫مّكّنّاهُمْ فِي ٱ َلرْضِ أَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫ٱ ُلمُورِ}‪،‬وقد أخرج ابن أب حات عن ممد بن كعب‪{ :‬الّذِينَ إِن مّكّنّاهُمْ فِي الَْأ ْرضِ} قال‪" :‬هم الولة‬
‫"‪ ،‬وأخرج ابن أب حات عن قتادة ف قوله‪{ :‬الّذِينَ إِن مّكّنّاهُمْ فِي الَْأ ْرضِ} قال‪" :‬هذا شرط ال على‬
‫هذه المة"‪ ،‬وقال الضحاك‪" :‬هو شرط شرطه ال عز وجل على من آتاه اللك "‪ ،‬وقال ابن أب نيح‪" :‬‬
‫يعن الولة "‪ ،‬وقال السن وأبو العالية‪" :‬هم هذه المة إذا فتح ال عليهم أقاموا الصلة"‪.‬‬
‫ـهُمْ فِى‬
‫وقال الصباح بن سوادة الكندي‪ :‬سعت عمر بن عبد العزيز يطب وهو يقول‪{ :‬ٱلّذِينَ إِ ْن مّكّّن ٰ‬
‫ٱ ّل ْرضِ} الية‪ ،‬ث قال‪ " :‬أل إنا ليست على الوال وحده‪ ،‬ولكنها على الوال والول عليه‪ ،‬أل أنبئكم‬
‫با لكم على الوال من ذلكم‪ ،‬وبا للوال عليكم منه‪ ،‬إن لكم على الوال من ذلكم أن يؤاخذكم بقوق‬
‫ال عليكم‪ ،‬وأن يأخذ لبعضكم من بعض‪ ،‬وأن يهديكم للت هي أقوم ما استطاع‪ ،‬وإن عليكم من ذلك‬
‫الطاعة غي البزوزة ول الستكرهة‪ ،‬ول الخالف سرها علنيتها "‪.‬‬
‫وقال العلمة السعدي رحه ال " ذكر علمة من ينصره‪ ،‬وبا يعرف‪ ،‬أن من ادعى أنه ينصر ال‪ ،‬وينصر‬
‫دينه‪ ،‬ول يتصف بذا الوصف‪ ،‬فهو كاذب فقال {ٱلّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الرض} أي‪ :‬ملكناهم إياها‪،‬‬
‫وجعلناهم التسلطي عليها‪ ،‬من غي منازع ينازعهم‪ ،‬ول معارض‪.‬‬
‫{أقاموا الصلة} ف أوقاتا‪ ،‬وحدودها‪ ،‬وأركانا‪ ،‬وشروطها‪ ،‬ف المعة والماعات‪.‬‬
‫{وَآَتوُْا ٱلزّكَـاةَ} الت عليهم‪ ،‬خصوصا‪ ،‬وعلى رعيتهم عموما‪ ،‬آتوها أهلها‪ ،‬الذين هم أهلها‪.‬‬
‫ل من حقوق ال‪ ،‬وحقوق الدمي‪.‬‬
‫{وََأ َمرُواْ بِٱلْ َم ْعرُوفِ} وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعا وعق ً‬
‫{وََن َهوْْا عَنِ ٱلْ ُمنْ َكرِ} كل منكر شرعا وعقلً‪ ،‬معروف قبحه‪ ،‬والمر بالشيء والنهي عنه‪ ،‬يدخل فيه‪ ،‬ما‬
‫ل يتم إل به‪ ،‬فإذا كان العروف والنكر‪ ،‬يتوقف على تعلم وتعليم‪ ،‬أجبوا الناس على التعلم والتعليم‪،‬‬
‫وإذا كان يتوقف‪ ،‬على تأديب مقدر شرعا‪ ،‬أو غي مقدر‪ ،‬كأنواع التعزير‪ ،‬قاموا بذلك‪ ،‬وإذا كان‬
‫يتوقف على جعل أناس‪ ،‬متصدين له‪ ،‬لزم ذلك‪ ،‬ونو ذلك ما ل يتم المر بالعروف‪ ،‬والنهي عن‬
‫النكر‪ ،‬إل به"‪.)11‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬فِي ُبيُوتٍ َأذِنَ ٱلّلهُ أَن ُترَْفعَ َويُذْ َكرَ فِيهَا ٱسْ ُمهُ ُيسَبّحُ َلهُ فِيهَا بِٱْلغُ ُد ّو وَٱلصَالِ‪ .‬رِجَالٌ لّ‬
‫لةِ وَإِيتَآ ِء ٱلزّكَـاةِ َيخَافُونَ َيوْما َتَتقَلّب فيه ٱْلقُلُوبُ‬
‫ُت ْلهِيهِمْ تِجَا َرةٌ وَلَ َبيْ ٌع عَن ذِ ْكرِ ٱلّلهِ وَإِقَامِ ٱلصّ َ‬
‫ق مَن يَشَآءُ ِبغَْيرِ ِحسَابٍ}‪،‬‬
‫جزَِيهُمُ ٱلّلهُ أَحْسَ َن مَا عَ ِملُوْا وََيزِي َدهُ ْم مّن َفضِْل ِه وَٱلّلهُ َي ْرزُ ُ‬
‫وَٱلَْبصَارُ‪ .‬لَِي ْ‬
‫والراد بالبيوت الساجد الت أمر ال تعال أن ترفع‪ ,‬ورفعها هو بناؤها واحترامها وتطهيها وتطييبها‪،‬‬
‫وأن تفظ وتنب كل ما ل يليق با كاللهو واللغو والبيع والشراء وإنشاد الضالة أو النجاسات أو‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تيسي الكري الرحن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪150‬‬

‫البصاق وغيه من القذار أو الروائح الكريهة كالبصل ونوه‪ ،‬وقد أخرج عبد بن حيد عن قتادة {فِي‬
‫ُبيُوتٍ َأذِنَ ٱلّلهُ أَن ُترْفَعَ} قال‪ " :‬هي الساجد أذن ال ف بنيانا ورفعها‪ ،‬وأمر بعمارتا وبطهورها "‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من بن مسجدا يبتغي به وجه ال بن ال له مثله ف النة" أخرجه‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها قالت‪" :‬أمرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ببناء الساجد ف الدور‪ ،‬وأن‬
‫تنظف وتطيب" أخرجه أحد وأبو داود‪.‬‬
‫وعن سرة بن جندب رضي ال عنه قال‪ " :‬أمرنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أن نتخذ الساجد ف‬
‫ديارنا‪ ،‬وأمرنا أن ننظفها " رواه أحد والترمذي وقال‪ :‬حديث صحيح‪.‬‬
‫وقال البخاري رحه ال‪" :‬وأمر عمر ببناء السجد‪ ،‬وقال‪ :‬أكن الناس من الطر‪ ،‬وإياك أن تمر أو تصفر‬
‫فتفت الناس"‪.‬‬
‫وروى الافظ أبو يعلى الوصلي بإسناده عن ابن عمر "أن عمر كان يمر مسجد رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم كل جعة" قال ابن كثي‪ :‬إسناده حسن ل بأس به‪.‬‬
‫ل ِة وَإِيتَآءِ ٱلزّكَـاةِ} هذا ثناء من‬
‫وقوله تعال‪{ :‬رِجَالٌ ّل تُ ْلهِيهِ ْم تِجَا َرةٌ وَ َل بَيْ ٌع عَن ذِ ْكرِ ٱلّلهِ وَِإقَا ِم ٱلصّ َ‬
‫ال تعال على عباده الذين يعمرون مساجد ال تعال بالذكر والصلة‪ ,‬ول تشغلهم التجارة والبيع عن‬
‫ذكر ال وإيقام الصلة‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لَ ُت ْلهِكُمْ َأ ْموَالُكُ ْم وَلَ َأوْ َلدُكُ ْم عَن ذِ ْكرِ ٱلّلهِ‬
‫لةِ مِن َي ْومِ‬
‫ك هُمُ ٱلْخَا ِسرُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَُن ۤواْ ِإذَا نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫َومَن َي ْفعَلْ ذَِلكَ فَُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ٱلْجُ ُمعَةِ فَٱ ْس َعوْاْ إِلَ ٰى ذِ ْكرِ ٱلّلهِ َو َذرُواْ ٱلَْبيْ َع ذَلِكُمْ َخْيرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ َتعْلَمُونَ}‪.‬‬
‫وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبان والبيهقي ف الشعب عن ابن مسعود "أنه رأى ناسا من‬
‫أهل السوق سعوا الذان فتركوا أمتعتهم وقاموا إل الصلة‪ ،‬فقال‪ :‬هؤلء الذين قال ال‪{ :‬لّا ُت ْلهِيهِمْ‬
‫تِجَا َرةٌ وَلَا بَيْ ٌع عَن ذِ ْكرِ الّلهِ}"‪.‬‬
‫وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حيد وابن جرير وابن أب حات عن ابن عمر " أنه كان ف السوق فأقيمت‬
‫الصلة فأغلقوا حوانيتهم ث دخلوا السجد‪ ،‬فقال ابن عمر‪ :‬فيهم نزلت‪ِ { :‬رجَالٌ لّا تُ ْلهِيهِ ْم تِجَا َرٌة وَلَا‬
‫َبيْ ٌع عَن ذِ ْكرِ الّلهِ}"‪.‬‬
‫وقال مطر الوراق‪" :‬كانوا يبيعون ويشترون‪ ،‬ولكن كان أحدهم إذا سع النداء وميزانه ف يده خفضه‬
‫وأقبل إل الصلة"‪.‬‬
‫وقال الوزاعي رحه ال‪" :‬كان يقال خس كان عليها أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم والتابعون لم‬
‫بإحسان‪ :‬لزوم الماعة‪ ،‬واتباع السنة‪ ،‬وعمارة الساجد‪ ،‬وتلوة القرآن‪ ،‬والهاد ف سبيل ال عز وجل‬
‫" رواه البيهقي ف شعب اليان وغيه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪151‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬وكانت مواضع الئمة ومامع المة هي الساجد‪ ,‬فإن النب‬
‫صلى ال عليه وسلم أسس مسجده البارك على التقوى ففيه الصلة والقراءة والذكر وتعليم العلم‬
‫والطب‪ ،‬وفيه السياسة وعقد اللوية والرايات وتأمي المراء وتعريف العرفاء‪ ،‬وفيه يتمع السلمون‬
‫عنده لا أههم من أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬وكذلك عماله ف مثل مكة والطائف وبلد اليمن وغي ذلك من‬
‫المصار والقرى‪ ,‬وكذلك عماله على البوادي‪ ,‬فإن لم ممعا فيه يصلون وفيه يساسون "‪.)11‬‬

‫ول توز الصلة عند القبور‪ ،‬أو بناء الساجد فوقها‪ ،‬أو دفن الموات ف الساجد لن ذلك من وسائل‬
‫الشرك‪ ،‬والفتتان بأهل القبور‪ ،‬والتدرج إل عبادتم‪ ,‬فعن عائشة رضي ال عنها " أن أم حبيبة وأم سلمة‬
‫ذكرتا كنيسة رأينها بالبشة‪ ،‬فيها تصاوير‪ ،‬لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬إن أولئك‪ ،‬إذا كان فيهم الرجل الصال‪ ،‬فمات‪ ،‬بنوا على قبه مسجدا‪ ،‬وصوروا فيه‬
‫تلك الصور‪ .‬أولئك شرار اللق عند ال يوم القيامة"‪ ،‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها قالت قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ف مرضه الذي ل يقم منه‪" :‬لعن‬
‫ال اليهود والنصارى‪ .‬اتذوا قبور أنبيائهم مساجد"‪ .‬قالت‪ :‬فلول ذاك أبرز قبه‪ .‬غي أنه خشي أن‬
‫يتخذ مسجدا " أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وكل موضع يصلى فيه فهومسجد ولو ل يشيد عليه بناء‪ ،‬فيدخل ف النهي الساجد والشاهد والقباب‬
‫الت بنيت على القبور‪ ،‬وعن جندب بن عبد ال بن سفيان البجلي رضي ال عنه قال‪ :‬سعت النب صلى‬
‫ال عليه وسلم قبل أن يوت بمس وهو يقول‪" :‬إن أبرأ إل ال أن يكون ل منكم خليل‪ ،‬فإن ال‬
‫تعال قد اتذن خليل كما اتذ إبراهيم خليل‪ ،‬ولو كنت متخذا من أمت خليل لتذت أبا بكر‬
‫خليل‪ ،‬أل وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصاليهم مساجد‪ ،‬أل فل تتخذوا‬
‫القبور مساجد‪ ،‬إن أناكم عن ذلك" أخرجه مسلم‪.‬‬
‫فالساجد والشاهد والقباب والجر الت بنيت فوق القبور يب هدمها وإزالتها‪ ،‬لنا أسست على‬
‫معصية ال تعال‪ ،‬قال المام ابن القيم رحه ال‪" :‬فيهدم السجد إذا بن على قب‪ ،‬كما ينبش اليت إذا‬
‫دفن ف السجد‪ ،‬نص على ذلك المام أحد وغيه‪ ،‬فل يتمع ف دين السلم مسجد وقب‪ ،‬بل أيهما‬
‫طرأ على الخر منع منه‪ ،‬وكان الكم للسابق‪ ،‬فلو وضعا معا ل يز‪ ،‬ول يصح هذا الوقف ول يوز‪،‬‬
‫ول تصح الصلة ف هذا السجد لنهي رسول ال صلى ال عليه وسلم عن ذلك‪ ،‬ولعنه من اتذ القب‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مموع الفتاوى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪152‬‬

‫مسجدا أو أوقد عليه سراجا‪ ،‬فهذا دين السلم الذي بعث ال به رسوله ونبيه وغربته بي الناس كما‬

‫ترى"‪.)11‬‬

‫وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪" :‬لعن رسول ال صلى ال عليه وسلم زائرات القبور والتخذين‬
‫عليها الساجد والسرج" رواه أهل السنن‪.‬‬
‫و قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬اللهم ل تعل قبي وثنا يعبد‪ ،‬اشتد غضب ال على قوم اتذوا قبور‬
‫أنبيائهم مساجد" رواه المام مالك ف الوطأ‪ ,‬وهو يدل على أن الغلو ف قبور الصالي يعلها أوثانا‬
‫تعبد دون ال تبارك وتعال‪.‬‬
‫وأما قصد أهل القبور بالعبادة كالصلة أو السجود أو الدعاء أو الستغاثة أو غيها من أنواع العبادة‬
‫فهو من الشرك الكب الذي يرج صاحبه من اللة‪.‬‬
‫أثر الصلة ف بناء الجتمع وبناء الدولة السلمية‪:‬‬
‫إن للخشوع والخلص وقراءة القرآن والذكر والدعاء الثر الكبي ف شفاء القلب وصلحه وزيادة‬
‫إيانه ما يباعد بينه وبي النكرات وينهاه عن القتراب منها‪ ,‬والصلة متضمنة لذه العبادات وغيها فهي‬
‫من أعظم ما ينهى العباد عن ارتكاب الحرمات‪ ,‬والجتمع الذي تقام فيه الصلة‪ ،‬أبعد عن النكرات‬
‫والذنوب من الجتمعات الت ل تافظ على إقامة الصلة كما يب عليها‪ ,‬وقد قال ال تبارك وتعال‪:‬‬
‫لةَ تَْنهَ ٰى عَنِ ٱْلفَحْشَآ ِء وَٱلْمُنْ َك ِر وَلَذِ ْكرُ ٱلّلهِ َأكَْبرُ‬
‫لةَ إِ ّن ٱلصّ َ‬
‫ك مِنَ ٱلْ ِكتَابِ وََأقِ ِم ٱلصّ َ‬
‫{ٱتْ ُل مَا ُأوْحِيَ ِإلَْي َ‬
‫وَٱلّلهُ َيعْلَ ُم مَا َتصَْنعُونَ}‪ ،‬فبي ال تعال أن ف الصلة يتحقق أمران‪ ,‬أولما‪ :‬أنا تنهى عن الفحشاء‬
‫والنكر‪ ,‬وثانيهما‪ :‬ذكر ال تعال‪ ,‬وهو أعظم من الول‪ ،‬وقد أخرج ابن جرير وابن النذر وابن أب حات‬
‫عن ابن عباس رضي ال عنهما ف قوله‪{ :‬إِنّ الصّلَا َة تَْنهَى عَنِ اْلفَحْشَاء وَالْمُن َكرِ} يقول "ف الصلة‬
‫منتهى ومزدجر عن معاصي ال"‪.‬‬
‫وأمر ال تعال عباده بالستعانة على أمر دينهم ودنياهم بالصب والصلة‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬وَٱ ْسَتعِينُواْ بِٱلصّْبرِ‬
‫ل ِة وَإِّنهَا لَ َكبِ َيةٌ إِ ّل عَلَى ٱلْخَا ِشعِيَ}‪ ،‬وقد أخرج وابن جرير وغيه عن ابن عباس " أنه نعي إليه‬
‫وَٱلصّ َ‬
‫أخوه قثم وهو ف مسي فاسترجع‪ ،‬ث تنحى عن الطريق فصلى ركعتي أطال فيهما اللوس‪ ،‬ث قام يشي‬
‫لةِ وَِإّنهَا لَكَبِ َيةٌ إِ ّل َعلَى ٱلْخَا ِش ِعيَ}"‪.‬‬
‫إل راحلته‪ ،‬وهو يقول‪{ :‬وَٱسَْتعِينُواْ بِٱلصّْبرِ وَٱلصّ َ‬
‫وأخرج أبوداود وغيه عن حذيفة رضي ال عنه قال‪ " :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا حزبه‬
‫أمر فزع إل الصلة "‪ ،‬وأخرج ابن البارك ف الزهد وغيه عن عمر رضي ال عنه أنه قال‪ " :‬إنا وجدنا‬
‫خي عيشنا بالصب "‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬زاد العاد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪153‬‬

‫سهُ ٱلْخَْي ُر مَنُوعا‪ .‬إِ ّل‬
‫شرّ َجزُوعا‪ .‬وَِإذَا مَ ّ‬
‫سهُ ٱل ّ‬
‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬إِ ّن ٱلِنسَانَ خُِلقَ َهلُوعا‪ِ .‬إذَا مَ ّ‬
‫ٱلْ ُمصَّليَ‪ .‬ٱلّذِي َن هُ ْم َعلَ ٰى صَلَِتهِ ْم دَآئِمُونَ}‪ ,‬فولة المر الذين يسعون لقامة دولة السلم وإصلح‬
‫الناس وتزكيتهم‪،‬يب أن يعتنوا عناية كبية ف أمر الصلة‪ ،‬فإنا من أعظم ماينهى الناس عن العاصي‬
‫ويصلح الجتمعات‪ ،‬وأن يعلموا الناس كيفية الصلة وما يتعلق با من أحكام‪،‬وأن يتهدوا ف بناء‬
‫الساجد‪،‬وأن يعينوا الئمة العدول الذين يؤمون الناس ف المع والماعات‪.‬‬

‫صلة الماعة‪:‬‬
‫صلة الماعة واجبة على الرجال البالغي‪ ،‬كما دل على ذلك قول النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن أثقل‬
‫صلة على النافقي صلة العشاء وصلة الفجر‪ ،‬ولو يعلمون ما فيهما لتوها ولو حبوا‪ ،‬ولقد‬
‫همت أن آمر بالصلة فتقام‪ ،‬ث آمر رجل فيصلي بالناس‪ ،‬ث أنطلق معي برجال معهم حزم من‬
‫حطب إل قوم ل يشهدون الصلة‪ ،‬فأحرق عليهم بيوتم بالنار" أخرجه البخاري ومسلم‪ ,‬وف رواية‬
‫لسلم "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد ناسا ف بعض الصلوات فقال‪" :‬لقد همت أن آمر رجل‬
‫يصلي بالناس‪ ,‬ث أخالف إل رجال يتخلفون عنها‪ ,‬فآمر بم فيحرقوا عليهم بزم الطب بيوتم‪ ,‬ولو‬
‫علم أحدهم أنه يد عظما سينا لشهدها يعن صلة العشاء"‪ ,‬والديث يدل على أن صلة الماعة‬
‫على الرجال فرض عي‪ ،‬فلو كانت مستحبة وليست واجبة لا هم النب صلى ال عليه وسلم‬
‫بتعزيرالتخلفي‪ ،‬ولو كانت صلة الماعة فرض كفاية لكتفى صلى ال عليه وسلم بن شهدوا الصلة‪.‬‬
‫وعن أب الدرداء رضي ال عنه قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬ما من ثلثة ف قرية‬
‫ول بدو ل تقام فيهم الصلة إل قد استحوذ عليهم الشيطان‪ ,‬فعليكم بالماعة‪ ,‬فإنا يأكل الذئب‬
‫من الغنم القاصية" رواه أحد وأبو داود والنسائي‪.‬‬
‫وعن عمرو بن أم مكتوم رضي ال عنه قال‪" :‬قلت‪ :‬يا رسول ال أنا ضرير شاسع الدار ول قائد ل‬
‫يلين‪ ,‬فهل تد ل رخصة أن أصلي ف بيت؟ قال‪" :‬أتسمع النداء؟" قال‪ :‬نعم قال‪" :‬ما أجد لك‬

‫رخصة" رواه أحد وأبو داود وابن ماجه‪ ,‬وف رواية لحد عنه أيضا "أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫أتى السجد فرأى ف القوم رقة‪ ,‬فقال‪" :‬إن لهم أن أجعل للناس إماما ث أخرج فل أقدر على إنسان‬
‫يتخلف عن الصلة ف بيته إل أحرقته عليه" فقال ابن أم مكتوم‪ :‬يا رسول ال إن بين وبي السجد‬
‫نل وشجرا‪ ,‬ول أقدر على قائد كل ساعة‪ ,‬أيسعن أن أصلي ف بيت؟ قال‪" :‬أتسمع القامة؟" قال نعم‬
‫قال‪" :‬فائتها"‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪154‬‬

‫وعن أب هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬أتى النب صلى ال عليه وسلم رجل أعمى فقال‪ :‬يا رسول ال ليس‬
‫ل قائد يقودن إل السجد فسأل رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يرخص له يصلي ف بيته‪ ,‬فرخص‬
‫له فلما ول دعاه‪ ,‬فقال‪" :‬هل تسمع النداء بالصلة؟" قال نعم قال‪" :‬فأجب" رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪" :‬من سره أن يلقى ال غدا مسلما فليحافظ على هؤلء الصلوات‬
‫حيث ينادى بن‪ ,‬فإن ال تعال شرع لنبيكم صلى ال عليه وسلم سنن الدى‪ ,‬وإنن من سنن الدى‪,‬‬
‫ولو أنكم صليتم ف بيوتكم كما يصلي هذا التخلف ف بيته لتركتم سنة نبيكم‪ ,‬ولو تركتم سنة نبيكم‬
‫لضللتم‪ ,‬وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ث يعمد إل مسجد من هذه الساجد إل كتب ال له بكل‬
‫خطوة يطوها حسنة ويرفعه با درجة‪ ,‬ويط عنه با سيئة‪ ,‬ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إل منافق‬
‫معلوم النفاق‪ ,‬ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بي الرجلي حت يقام ف الصف"‪ ,‬وف رواية‪" :‬لقد‬
‫رأيتنا وما يتخلف عن الصلة إل منافق‪ ,‬قد علم نفاقه أو مريض‪ ,‬إن كان الرجل ليمشي بي رجلي‬
‫حت يأت الصلة‪ ,‬وقال‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم علمنا سنن الدى‪ ,‬وإن من سنن الدى‬
‫الصلة ف السجد الذي يؤذن فيه" رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي ال عنهما قال‪" :‬كنا إذا فقدنا الرجل ف الفجر والعشاء أسأنا به الظن" رواه البزار‬
‫والطبان وابن خزية ف صحيحه‪.‬‬
‫أمر الناس بالصلة والنكار على من تركها‪:‬‬
‫يب على ولة المر أن يأمروا الناس بالصلة‪،‬وأن يأمروا الرجال خاصة بأدائها جاعة‪ ،‬وينكروا على‬
‫من ترك الماعة‪ ,‬فعن أب سعيد الدري قال‪ :‬صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم بأصحابه الظهر‪,‬‬
‫قال فدخل رجل من أصحابه فقال له النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما حبسك يا فلن عن الصلة؟" قال‬
‫فذكر شيئا اعتل به قال فقام يصلي فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أل رجل يتصدق على هذا‬
‫فيصلي معه" قال فقام رجل من القوم فصلى معه" رواه أحد وروى أبو دود والترمذي بعضه‪.‬‬
‫وعن أب بن كعب رضي ال عنه قال‪" :‬صلى بنا رسول ال صلى ال عليه وسلم يوما الصبح فقال‪:‬‬

‫"أشاهد فلن؟" قالوا‪ :‬ل قال‪" :‬أشاهد فلن؟" قالوا‪ :‬ل قال‪" :‬إن هاتي الصلتي أثقل الصلوات على‬
‫النافقي‪ ,‬ولو تعلمون ما فيهما لتيتموها ولو حبوا على الركب" رواه أحد وابن خزية وابن حبان ف‬
‫صحيحيهما‪.‬‬
‫وعن أب بكر بن سليمان بن أب حثمة " أن عمر بن الطاب رضي ال عنه فقد سليمان بن أب حثمة ف‬
‫صلة الصبح‪ ,‬وإن عمر غدا إل السوق ومسكن سليمان بي السجد والسوق فمر على الشفاء أم‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪155‬‬

‫سليمان‪ ,‬فقال لا‪ :‬ل أر سليمان ف الصبح فقالت له‪ :‬إنه بات يصلي فغلبته عيناه قال عمر له‪ ,‬لن‬
‫أشهد صلة الصبح ف جاعة أحب إل من أن أقوم ليلة" رواه مالك‪.‬‬
‫وأما تارك الصلة عمدا فقد تقدم قول النب صلى ال عليه وسلم بكفره‪ ،‬قال المام ابن القيم رحه ال "‬
‫ل يتلف السلمون أن ترك الصلة الفروضة عمدا من أعظم الذنوب وأكب الكبائر‪ ,‬وأن إثه عند ال‬
‫أعظم من إث قتل النفس وأخذ الموال ومن إث الزنا والسرقة وشرب المر‪ ,‬وأنه متعرض لعقوبة ال‬
‫وسخطه وخزيه ف الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ث اختلفوا ف قتله وف كيفية قتله وف كفره‪ ,‬فأفت سفيان بن سعيد الثوري وأبو عمرو الوزاعي‬
‫وعبدال بن البارك وحاد بن زيد ووكيع بن الراح ومالك بن أنس وممد ابن إدريس الشافعي وأحد‬
‫بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأصحابم بأنه يقتل‪ ,‬ث اختلفوا ف كيفية قتله‪ ,‬فقال جهورهم يقتل‬
‫بالسيف ضربا ف عنقه‪ ..‬واختلف القائلون بقتله ف مسائل‪:‬‬
‫إحداها أنه هل يستتاب أم ل؟ فالشهور أنه يستتاب‪ ,‬فإن تاب ترك وإل قتل‪ .‬هذا قول الشافعي وأحد‬
‫وأحد القولي ف مذهب مالك‪ ..‬وهذا القول هو الصحيح‪ ,‬لن أسوأ أحواله أن يكون كالرتد‪ ,‬وقد‬
‫اتفق الصحابة على قبول توبة الرتدين ومانعي الزكاة‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬قُل لِلّذِينَ َك َفرُواْ إِن يَنَتهُواْ‬
‫ُي َغ َفرْ َلهُم مّا قَ ْد سَلَفَ} وهذا يعم الرتد وغيه‪.‬‬

‫السألة الثانية‪ :‬أنه ل يقتل حت يدعى إل فعلها فيمتنع‪ ..‬فإذا دعي فامتنع ل من عذر حت يرج الوقت‬
‫تقق تركه وإصراره‪.‬‬

‫السألة الثالثة‪ :‬باذا يقتل هل بترك صلة أو صلتي أو ثلث صلوات‪ ,‬هذا فيه خلف بي الناس"‪,)11‬‬
‫ومراده بترك الصلة ف السألة الثالثة أي بعد دعوته واستتابته‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال " وإن كان التارك للصلة واحدا فقد قيل‪ :‬إنه يعاقب بالضرب‬
‫والبس حت يصلى‪ ،‬وجهور العلماء على أنه يب قتله إذا امتنع من الصلة بعد أن يستتاب‪ ،‬فان تاب‬
‫وصلى وإل قتل‪ ،‬وهل يقتل كافرا أو مسلما فاسقا؟ فيه قولن‪ ،‬وأكثر السلف على أنه يقتل كافرا‪ ،‬وهذا‬
‫كله مع القرار بوجوبا‪ ،‬أما إذا جحد وجوبا فهو كافر بإجاع السلمي"‪.)21‬‬
‫تعيي أئمة الساجد‪:‬‬
‫يب على ولة المر أن يعينوا أئمة الساجد من الصالي العدول‪ ،‬وأن يقدموا الول من بينهم‪ ,‬كما‬
‫قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ال‪ ،‬فإن كانوا ف القراءة سواء فأعلمهم‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬كتاب الصلة‪.‬‬
‫‪ )1‬مموع الفتاوى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪156‬‬

‫بالسنة‪ ،‬فإن كانوا ف السنة سواء فأقدمهم هجرة‪ ،‬فإن كانوا ف الجرة سواء فأقدمهم سلما‪ ،‬ول‬
‫يؤمن الرجل الرجل ف سلطانه‪ ،‬ول يقعد ف بيته على تكرمته إل بإذنه" رواه مسلم‪ ،‬وف رواية مكان‬
‫"سلما" "سنا"‪.‬‬
‫وأما الفاسق أو البتدع فل توز توليتهما إمامة الصلة‪ ,‬فإن المامة من أعظم المانات الت يب أن‬
‫تسند لهلها‪ ,‬قال ابن أب العز رحه ال‪" :‬من أظهر بدعة أو فجورا ل يرتب إماما للمسلمي"‪ ,‬وقال‬
‫الاوردي رحه ال‪" :‬يرم على المام نصب فاسق إماما للصلة"‪.‬‬
‫فإذا كان المام يفعل شركا أو يدعو إل الشرك فإن إقراره ف هذه الالة كفر ل يوز بال‪ ,‬والصلة‬
‫خلفه باطلة‪ ،‬فإن الساجد إنا بنيت ليعبد ال وحده ل شريك له‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬وَأَنّ ٱلْ َمسَاجِدَ‬
‫ل تَ ْدعُوْا مَعَ ٱلّلهِ أَحَدا} ‪ ,‬وقد أخرج عبد الرزاق وغيه عن قتادة ف قوله تعال‪{ :‬وَأَنّ ٱلْ َمسَاجِدَ‬
‫لِّلهِ فَ َ‬
‫ل تَ ْدعُوْا مَعَ ٱلّلهِ أَحَدا} قال‪" :‬كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بال‬
‫لِّلهِ فَ َ‬
‫فأمر ال نبيه صلى ال عليه وسلم أن يلص له الدعوة إذا دخل السجد"‪.‬‬
‫فإن لكثي من أئمة الساجد من أهل الشرك والبدع والفجور أثرا كبيا ف صد السلمي عن دينهم‬
‫وتثبيطهم عن جهاد الكفار الحتلي‪ ،‬بل ومنهم الذين يدعون إل موالة الكافرين ومناصرتم على‬
‫السلمي‪ ،‬فمثل هؤلء تب ماكمتهم وتنفيذ حكم ال تعال فيهم‪ ,‬ول تسند المامة إل لهل الستقامة‬
‫والصلح والهاد‪ ,‬الذين يدعون الناس إل توحيد ال والستقامة على طاعته‪ ,‬وينهونم عن الشرك‬
‫والبدع والعاصي‪ ,‬ويرضونم على الهاد ف سبيل ال والعداد‪ ،‬فعن أب سهلة السائب بن خلد من‬
‫أصحاب النب صلى ال عليه وسلم " أن رجل أمّ قوما فبصق ف القبلة ورسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ينظر‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬حي فرغ "ل يصلي لكم هذا" فأراد بعد ذلك أن يصلي‬
‫لم فمنعوه‪ ،‬وأخبوه بقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فذكر ذلك لرسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال "نعم" وحسبت أنه قال‪" :‬إنك آذيت ال ورسوله" رواه أبو داود وابن حبان ف صحيحه‪ ،‬فإذا‬

‫كان النب صلى ال عليه وسلم عزل عن المامة من بصق جهة القبلة فكيف بن ارتكب أعظم من هذا‬
‫كالدعوة إل الشرك وموالة الكافرين‪ ،‬والدعوة إل البدع والفسوق‪ ،‬وتذيل السلمي وتثبيطهم عن‬
‫الهاد الواجب‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪157‬‬

‫باب‪ :‬الزكاة‬
‫الزكاة هي الركن الثالث من أركان السلم‪ ،‬وقد دل على وجوبا الكتاب والسنة والجاع‪ ،‬فقال‬
‫صيَ َلهُ ٱلدّينَ حَُنفَآءَ‬
‫تعال{وََأقِيمُوْا ٱلصّلَ َة وَآتُوْا ٱلزّكَاةَ}‪ ،‬وقال تعال { َومَآ ُأ ِم ُروۤاْ إِلّ ِلَيعْبُدُواْ ٱلّل َه مُخِْل ِ‬
‫ل َة وَُيؤْتُوْا ٱلزّكَا َة َوذَِلكَ دِينُ ٱلقَيّ َمةِ}‪ ،‬وَعنِ اب ِن عُ َمرَ َرضِيَ اللّه عَْنهُما‪ ،‬أَنّ َرسُول الّلهِ صَلّى‬
‫وَُيقِيمُوْا ٱلصّ َ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قَالَ‪" :‬بُنِيَ الِسْلمُ عَلى خَ ْمسٍ‪َ :‬شهَادَ ِة أَنْ ل إِلهَ إِ ّل اللّه‪ ،‬وأَ ّن مُحمّدا عَ ْبدُهُ ورسُولهُ‪،‬‬
‫اُ‬

‫ص ْو ِم رمضَان" متفقٌ عليه‪ ،‬وعن َطلْحَ َة ب ِن عُبيْدِ الّلهِ َرضِي‬
‫ج الَب ْيتِ‪ ،‬وَ َ‬
‫وإِقامِ الصّلةِ‪ ،‬وَإِيتَاءِ الزّكَاةِ‪ ،‬وحَ ّ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم مِنْ َأهْ ِل نَجْدٍ‪ ،‬ثَاِئ ُر الرّْأسِ نَسَمْ ُع َد ِو ّ‬
‫ي‬
‫صلّى ا ُ‬
‫اللّه عْنهُ‪ ،‬قالَ‪ :‬جَاءَ رجُلٌ إِل رسُولِ الّلهِ َ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم فإِذا ُهوَ َيسْأَ ُل عَنِ ا ِلسْلمِ‪َ ،‬فقَالَ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫صوِْتهِ‪ ،‬ول َن ْفقَهُ ما يقُولُ‪ ،‬حَت دَنَا مِ َن رَسُولِ الّلهِ َ‬
‫َ‬
‫صلَواتٍ ف الي ْومِ واللّ ْي َلةِ" قالَ‪ :‬هَ ْل َعلَ ّي غَْي ُرهُنّ؟ قَالَ‪" :‬ل‪،‬‬
‫رَسُولُ الّل ِه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬خَ ْمسُ َ‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬وصِيَامُ َش ْه ِر رَمضَانَ" قَالَ‪ :‬هَ ْل َعلَيّ غْي ُرهْ؟ قَالَ‪:‬‬
‫إِ ّل أَنْ تَ ّطوّعَ" َفقَالَ َرسُولُ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪ ،‬الزّكَاةَ َفقَالَ‪ :‬هَ ْل عَلَ ّي غَْي ُرهَا؟ قَالَ‪:‬‬
‫"ل‪ ،‬إِ ّل أَنْ تَ ّطوّعَ" قَالَ‪َ :‬وذَ َكرَ َل ُه رَسُو ُل الّل ِه صَلّى ا ُ‬
‫ص مِْنهُ‪َ ،‬فقَا َل رَسُولُ الّلهِ‬
‫"ل‪ ،‬إ ّل أَنْ تَ ّطوّعَ" فََأدْبَر الرّجُ ُل و ُهوَ َيقُولُ‪ :‬والّلهِ ل أَزي ُد عَلى هذا وَل أَْنقُ ُ‬
‫صدَقَ" مُتفقٌ عليهِ‪ ،‬وعن ابن عبّاس رَض َي اللّه عَنهُ‪ ،‬أَ ّن النّبِ ّي صَلّى الُ‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪َ" :‬أ ْفلَحَ إِ ْن َ‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫ث ُمعَاذا رضيَ اللّه عَْنهُ إِل اليَمنِ َفقَالَ‪" :‬ادْ ُع ُهمْ إِل شهادَةِ أَنْ ل إِلهَ إِلّ اللّه وََأنّي‬
‫عََلْيهِ و َسلّم‪ ،‬ب َع َ‬
‫رسُولُ ال ّلهِ‪ ،‬فإِ ْن ُهمْ أَطَاعُوا لِذلكَ‪ ،‬فَأَ ْعلِ ْمهُم أَنّ ال ّلهَ َتعَال افترض عَلي ِهمْ خَمسَ صَلواتٍ ف ُكلّ َي ْومِ‬
‫ك َفأَعْل ْمهُمْ أَ ّن اللّه افترض عَلي ِهمْ صَد َقةً تُؤ َخذُ مِنْ أَ ْغنِيَاِئ ِهمْ‪ ،‬وَتُردّ عَلى‬
‫وليلةٍ‪َ ،‬فإِن ُهمْ أَطاعُوا لِذل َ‬
‫فُقَرائهِم" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫وقد بي ال تعال أن من صفات الذين وعدهم بالنصر‪ ،‬أنم إذا مكنوا ف الرض أعطوا زكاة أموالم‬
‫ص ُرهُ إِنّ ٱلّلهَ َل َق ِويّ َعزِيزٌ‪ .‬ٱلّذِينَ‬
‫صرَنّ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫وزكاة أموال رعيتهم إل مستحقيها‪ ،‬فقال تعال { َولَيَن ُ‬
‫ل َة وَآَت ُوْا ٱلزّكَـا َة وََأ َمرُوْا بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََن َه ْوْا عَنِ ٱلْمُنْ َك ِر وَلِّل ِه عَاِقبَةُ‬
‫إِ ْن مّكّنّاهُمْ فِي ٱ َلرْضِ أَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫ٱ ُلمُورِ}‪.‬‬
‫والزكاة تب ف الذهب والفضة والزروع والثمار والواشي وعروض التجارة إذا توفرت الشروط‪ ،‬وهي‬
‫مبسوطة ف كتب الفقه‪ ،‬وقد كان النب صلى ال عليه وسلم يبعث السعاة لباية زكاة الموال الظاهرة‪،‬‬
‫وهي الواشي والزروع والثمار‪ ،‬وقد قال تعال‪{ :‬خُ ْذ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم صَدَقَ ًة تُطَه ُرهُمْ َوُتزَكيهِمْ ِبهَا َوصَل‬
‫صَلوَاَتكَ سَ َكنٌ ّلهُ ْم وَٱلّلهُ سَمِي ٌع عَلِيمٌ}‪ ،‬وعن عبدال بن أب أوف‪ .‬قال‪ :‬كان رسول ال صلى‬
‫عََلْيهِمْ إِ ّن َ‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬إذا أتاه قوم بصدقتهم‪ ،‬قال‪" :‬اللهم صل عليهم" فأتاه أب‪ ،‬أبو أوف بصدقته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"اللهم صل على آل أب أوف" متفق عليه‪ ،‬وعن جرير بن عبدال ؛ قال‪ :‬جاء ناس من العراب إل‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪158‬‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فقالوا‪ :‬إن ناسا من الصدقي يأتوننا فيظلموننا‪ .‬قال فقال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬أرضوا مصدقيكم"‪ .‬قال جرير‪ :‬ما صدر عن مصدق‪ ،‬منذ سعت هذا من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم إل وهو عن راض" رواه مسلم‪ ,‬وعن أنس بن مالك أنه قال أتى رجل من بن‬
‫تيم رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال إن ذو مال كثي وذو أهل وولد وحاضرة‪،‬‬

‫فأخبن كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ترج الزكاة من مالك فإنا‬
‫طهرة تطهرك وتصل أقرباءك وتعرف حق السائل والار والسكي" فقال‪ :‬يا رسول ال أقلل ل قال‬
‫"فآت ذا القرب حقه والسكي وابن السبيل ول تبذر تبذيرا" فقال‪ :‬حسب يا رسول ال إذا أديت‬
‫الزكاة إل رسولك فقد برئت منها إل ال ورسوله فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬نعم إذا‬
‫أديتها إل رسول فقد برئت منها فلك أجرها وإثها على من بدلا" رواه أحد‪ ،‬وعن أب جحيفة قَالَ‪:‬‬
‫ت غُلما‬
‫جعَلهَا ف ُف َقرَائِنَا‪ ،‬وكُن ُ‬
‫ب صَلّى ال عََلْيهِ وَ َسلّمَ فأَخذَ الصّدََقةَ من أَغنِيائِنَا ف َ‬
‫قَ ِد َم عَلَينَا ُمصَدّقُ النّ ّ‬
‫يتيما فأَعطان منها َقلُوصا" رواه الترمذي‪َ ،‬وعَنْ أَب هُريرةَ َرضِي اللّه َعْنهُ‪ ،‬قالَ‪ :‬لّا ُتوُف َرسُولُ الّلهِ صَلّى‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪ ،‬وَكانَ أَبُو بَكْر‪َ ،‬رضِي اللّه َعْنهُ‪ ،‬وَ َك َفرَ مَنْ َك َفرَ مِنَ العربِ‪َ ،‬فقَا َل عُمرُ رَضيَ اللّه عَْنهُ‪:‬‬
‫اُ‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪ُ" :‬أمِرتُ أَ ْن أُقاتِل النّاسَ حتّى َيقُولُوا ل إِلهَ‬
‫س وَق ْد قَالَ رسُولُ الّل ِه صَلّى ا ُ‬
‫كيفَ ُتقَاتِلُ النّا َ‬
‫حقّه‪ ،‬وَحِسَاُبهُ عَلى ال ّلهِ" َفقَالَ أَبُو بَ ْكرٍ‪ :‬والّلهِ‬
‫سهُ إِلّ بِ َ‬
‫ص َم مِن مَاَل ُه وََنفْ َ‬
‫إِ ّل اللّه فَمَ ْن قَالَا‪ ،‬ف َقدْ َع َ‬
‫لُقَاتِلَ ّن مَ ْن َفرّقَ بَيْ َن الصّلةِ والزّكاةِ‪ ،‬فإِن الزّكَاةَ َحقّ الَالِ‪ .‬والّلهِ لَو مَنعُون ِعقَالً كانَوا ُيؤَدوَنهُ إِل‬
‫رَسُولِ الّل ِه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪َ ،‬لقَاتَلُْتهُ ْم على من ِعهِ‪ ،‬قَا َل عُم ُر َرضِيَ اللّه َعْنهُ‪َ :‬فوَالّل ِه مَا هُو إِلّ أَن رََأْيتُ‬
‫ح صَ ْدرَ أَب بَ ْك ٍر للقِتَالِ‪َ ،‬فعَر ْفتُ أَّنهُ الَقّ‪ .‬مُتف ٌق عليه‪ ،‬وعن ابن عمر رضي ال عنه قال"‬
‫اللّه قَدْ َشرَ َ‬
‫ادفعوها إل من وله ال أمركم‪ ،‬فمن بر لنفسه ومن أث فعليها " رواه أبو عبيد ف الموال وغيه‪ ،‬وعن‬
‫سهيل بن أب صال عن أبيه قال‪ :‬سألت سعد بن أب وقاص وأبا هريرة وأبا سعيد الدري وابن عمر‬
‫فقلت‪ :‬إن هذا السلطان يصنع ما ترون أفأدفع زكات إليهم؟ قال فقالوا كلهم ادفعها إليهم" رواه أبو‬
‫عبيد ف الموال وهذا كان ف عهد بن أمية‪.‬‬
‫فالكومة السلمية تتول جباية زكاة الموال الظاهرة‪ ،‬وتعطيها لستحقيها وهم الصناف الثمانية الذين‬
‫ي عََلْيهَا وَٱلْ ُمؤَّل َفةِ قُلُوُبهُمْ َوفِي‬
‫ي وَٱلْعَامِِل َ‬
‫ذكرهم ال تعال ف قوله‪{ :‬إِنّمَا ٱلصّدَقَاتُ ِل ْلفُ َقرَآ ِء وَٱلْمَسَا ِك ِ‬
‫ٱلرّقَابِ وَٱْلغَا ِر ِميَ وَفِي سَبِيلِ ٱلّلهِ وَٱبْنِ ٱلسّبِي ِل َفرِيضَ ًة مّنَ ٱلّل ِه وَٱلّلهُ َعلِيمٌ َحكِيمٌ}‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪159‬‬

‫باب‪ :‬الشورى‬
‫فصل‪ :‬حكم الشورى‬
‫الشورى ف السلم من قواعد الكم الواجبة الت يقصد منها إقامة العدل والتحاكم إل الشريعة‬
‫السلمية ف جيع مالت الياة‪ ،‬ومنع الستبداد والظلم والفساد ف الرض‪ ،‬وقد أمر ال تعال نبيه‬
‫صلى ال عليه وسلم بالشورى فقال تبارك وتعال‪{ :‬وَشَا ِو ْرهُمْ فِي ٱ َل ْمرِ فَِإذَا َع َز ْمتَ فََتوَكّ ْل عَلَى ٱلّلهِ إِنّ‬
‫حبّ ٱلْمَُتوَكِّليَ}‪ ,‬والمر يقتضي الوجوب والصل أن المر الوجه إل النب صلى ال عليه وسلم‬
‫ٱلّلهَ يُ ِ‬
‫يشمل المة إل إذا دل الدليل على أن الكم خاص به صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وليس هناك دليل يقتضي‬
‫التخصيص فيكون المر بالشورى من الواجبات الناطة بالمة‪ ،‬الت ل يوز للحاكم تعطيلها والغاؤها‪،‬‬
‫قال اب ُن عَطِية رحه ال‪ " :‬والشّورَى من قواعد الشريعة وعزائم الحكام؛ من ل يَسْتشِيُ أهلَ العِلم‬
‫والدّين فَعزُْلهُ واجبٌ‪ .‬هذا ما لَ خلف فيه"‪.)11‬‬

‫وقال اب ُن ُخوَْيزٍ َمنْدَاد‪ " :‬واجب على الوُ َلةِ مشاو َرةُ العلماء فيما ل َيعْلَمُونِ‪ ،‬وفيما أَ ْشكَل عليهم من‬
‫أُمور الدّين‪ ،‬ووُجوه الَيش فيما يت َعلّقُ بالرب‪ ،‬ووجوه الناس فيما يََتعَلّ ُق بالصال‪ ،‬ووُجُوهِ ال ُكتّابِ‬
‫والوزراءِ والعُمَا ِل فيما يتعّلقُ بِمصال البلد وعِمَارتا"‪.)22‬‬

‫فإذا كان النب صلى ال عليه وسلم الذي أغناه ال بالوحي عن الرجوع إل الناس لعرفة الق‪ ,‬قد أمره‬
‫ال تعال بالشاورة فغيه من باب أول‪.‬‬
‫وقال السن ف قوله تعال‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱ ّل ْمرِ} قال " قد علم ال ما به إليهم من حاجة‪ ،‬ولكن أراد‬
‫أن يست به من بعده " أخرجه سعيد بن منصور وغيه‪.‬‬
‫حبّ ٱلْمَُتوَكِّليَ} " أمر‬
‫وعن قتادة‪ ،‬قوله‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱل ْمرِ َفِإذَا َع َزمْتَ فََتوَكّلْ َعلَى ٱلّلهِ إِنّ ٱلّلهَ يُ ِ‬
‫ال عزّ وج ّل نبيه صلى ال عليه وسلم أن يشاور أصحابه ف المور‪ ،‬وهو يأتيه وحي السماء‪ ،‬لنه أطيب‬
‫لنفس القوم‪ ،‬وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا‪ ،‬وأرادوا بذلك وجه ال عزم لم على أرشده " أخرجه‬
‫ابن جرير وغيه‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق {وَشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱ َل ْمرِ} " أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعي‪ ،‬بم‬
‫وإن كنت عنهم غنيا‪ ،‬تؤلفهم بذلك على دينهم"‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬الحرر الوجيز‪.‬‬
‫‪ )2‬الامع لحكام القرآن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪160‬‬

‫وقال الربيع ف قوله تعال‪{ :‬وَشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱ َل ْمرِ} " أمر ال نبيه صلى ال عليه وسلم أن يشاور أصحابه‬
‫ف المور‪ ،‬وهو يأتيه الوحي من السماء لنه أطيب لنفسهم " أخرجه ابن جرير‪.‬‬
‫وقال ابن جرير " وقال آخرون‪ :‬إنا أمره ال بشاورة أصحابه فيما أمره بشاورتم فيه‪ ،‬مع إغنائه بتقويه‬
‫إياه‪ ،‬وتدبيه أسبابه عن آرائهم‪ ،‬ليتبعه الؤمنون من بعده‪ ،‬فيما حزبم من أمر دينهم‪ ،‬ويستنوا بسنته ف‬
‫ذلك‪ ،‬ويتذوا الثال الذي رأوه يفعله ف حياته من مشاورته ف أموره ‪ -‬مع النلة الت هو با من ال ‪-‬‬
‫أصحابه وأتباعه ف المر‪ ،‬ينل بم من أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬فيتشاوروا بينهم‪ ،‬ث يصدروا عما اجتمع‬
‫عليه ملؤهم؛ لن الؤمني إذا تشاوروا ف أمور دينهم متبعي القّ ف ذلك‪ ،‬ل يلهم ال عزّ وجلّ من‬
‫لطفه‪ ،‬وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه"‪.)11‬‬

‫حيَاةِ ٱلدّنْيَا َومَا عِن َد ٱلّلهِ َخْيرٌ وََأْبقَىٰ لِلّذِي َن آمَنُوْا َوعَلَ ٰى رَّبهِمْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬فَمَآ أُوتِيتُ ْم مّن َش ْيءٍ َفمَتَاعُ ٱلْ َ‬
‫جتَنِبُونَ َكبَاِئ َر ٱلِثْ ِم وَٱْل َفوَا ِحشَ وَِإذَا مَا َغضِبُواْ هُ ْم َي ْغفِرُونَ‪ .‬وَٱلّذِينَ ٱ ْستَجَابُواْ ِلرَّبهِمْ‬
‫َيَتوَكّلُونَ‪ .‬وَٱلّذِينَ يَ ْ‬
‫صرُونَ}‪,‬‬
‫لةَ وََأ ْم ُرهُمْ شُو َرىٰ َبيَْنهُ ْم َومِمّا َرزَقْنَاهُ ْم يُن ِفقُونَ‪ .‬وَٱلّذِينَ ِإذَآ َأصَاَبهُمُ ٱلَْبغْ ُي هُمْ يَنَت ِ‬
‫وَأَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫فقد وصف ال تعال عباده الؤمني ومدحهم بالعمال والقوال والخلق الت نالوا با الجر الزيل‬
‫والنعيم القيم عند ال‪ ,‬فوصفهم باليان والتوكل على ال ف سائر أمورهم فل يعتمدون على غيه ول‬
‫يبتغون النصر والعزة والرزق من سواه‪ ,‬ووصفهم باجتناب كبائر الث والفواحش ومدحهم بسن اللق‬
‫واللم عند الغضب والصفح عن السيئ‪ ,‬ووصفهم بالستجابة لمر ال والنقياد لكمه‪ ,‬والتسليم‬
‫لشرعه‪ ,‬ووصفهم بإقامة الصلة من فرائض ونوافل‪ ،‬ومدحهم بأن أمورهم الدينية والدنيوية الت للشورى‬
‫فيها مال يتشاورون فيها وينفذونا عن مشورة بينهم‪ ,‬ول يستبد أحد منهم بالمر من غي مشاورة‪،‬قال‬
‫الزجاج رحه ال " العن أنم ل ينفردون برأي حت يتمعوا عليه "‪.‬‬
‫ووصفهم بالنفاق ما رزقهم ال ويدخل ف هذا الزكاة والنفقات الواجبة ف سبيل ال وعلى القارب‬
‫وغيهم والنفقات الستحبة‪ ,‬ووصفهم بالقوة والنتصار من ظلمهم فل يقبلون أن يظلموا ويستذلوا‪,‬‬
‫فإذا بغي عليهم انتصروا بق من بغى عليهم وقوموه وعاقبوه با يستحق من العقوبة‪ ،‬قال ابن كثي رحه‬
‫ال " أي فيهم قوة النتصار من ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ول الذلي‪ ،‬بل يقدرون على‬
‫النتقام من بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا "‪ ،)21‬وعن إبراهيم النخعي ف قوله تعال‪:‬‬

‫صرُونَ} قال " كانوا يكرهون للمؤمني أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا‬
‫{وَٱلّذِينَ ِإذَآ َأصَاَبهُمُ ٱلَْبغْ ُي هُمْ يَنَت ِ‬
‫عفوا " أخرجه سعيد بن منصور‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪161‬‬

‫وأخرج ابن جرير وغيه عن منصور قال سألت إبراهيم عن قوله‪{ :‬وَالّذِينَ ِإذَا َأصَاَبهُ ُم الَْبغْ ُي هُمْ‬
‫صرُونَ} قال " كانوا يكرهون للمؤمني أن يذلوا أنفسهم فيجترىء الفساق عليهم "‪.‬‬
‫يَنَت ِ‬
‫صرُونَ} قال "ينتصرون من‬
‫وأخرج ابن جرير عن السدي ف قوله‪{ :‬وَالّذِينَ ِإذَا َأصَاَبهُ ُم الَْبغْ ُي هُمْ يَنَت ِ‬
‫بغى عليهم من غي أن يعتدوا "‪.‬‬
‫وهذه الصفات والخلق الت مدحهم ال با تتضمن جيع صفات الي والصلح‪ ،‬فمن قام با فقد قام‬
‫بسائر شعائر السلم‪ ,‬فإن هذه الوصاف كالقواعد والصول العامة الت تتضمن جيع العمال الصالة‬
‫والسياسات الشرعية‪.‬‬
‫ل َة وََأمْ ُرهُمْ‬
‫وقد ذكر ال تعال الشورى بي ركن الصلة والزكاة ف قوله تبارك وتعال‪{ :‬وَأَقَامُواْ ٱلصّ َ‬
‫شُو َرىٰ بَيَْنهُ ْم َومِمّا َرزَقْنَاهُمْ يُن ِفقُونَ} فكما أن الؤمني يافظون على الصلة ويؤدون الزكاة فكذلك‬
‫من وصفهم وخلقهم الدائم الذي ل ينفكون عنه أنم يتشاورون ف أمورهم‪.‬‬
‫كما أن ف الشورى تتحقق الصال الشرعية ويقام العدل‪ ,‬وتدفع الفاسد والظال والستبداد بالكم‪,‬‬
‫فإذا كانت هذه الواجبات من تقيق الصال‪ ،‬ودفع الفاسد والظال‪ ،‬ل تتحقق بتمامها إل بشورى‪ ,‬فهذا‬
‫يقتضي أن تكون الشورى واجبة فإن "ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب"‪.‬‬

‫فصل‪ :‬الفوائد والصال الترتبة على الشورى‬
‫أول‪ :‬أن الشورى عبادة ل تعال والقائمون با مطيعون ل تعال ومستجيبون لمره بالعمل با‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أن الشورى يصل با سداد رأي والتوصل إل الق والصواب‪ ,‬والبعد عن الطأ فهي من الزم‬
‫وهوكما قال ابن عطية‪" :‬جودة النظر ف المر وتنقيحه‪ ،‬والذر من الطأ فيه"‪ ,‬ث إذا اختار المام ما‬
‫ترجح عنده من الراء بعد الشورة فعليه أن يعزم على فعله متوكل على ال تعال‪ ،‬كما قال ال تعال‪:‬‬
‫{وَشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱ ّل ْمرِ فَِإذَا َع َز ْمتَ فََتوَكّ ْل عَلَى ٱلّلهِ} والعزم هو أن يقصد إمضاء المر‪ ،‬وقال المام ابن‬
‫جرير رحه ال عن بعض أهل العلم "فيتشاوروا بينهم‪ ،‬ث يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لن الؤمني‬
‫إذا تشاوروا ف أمور دينهم متبعي القّ ف ذلك‪ ،‬ل يلهم ال عزّ وجلّ من لطفه‪ ،‬وتوفيقه للصواب من‬
‫الرأي والقول فيه "‪ ،)11‬وقال المام ابن القيم رحه ال " ولذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون‬

‫شورى بي أهله‪ ،‬ول ينفرد به واحد‪ ،‬وقد مدح ال سبحانه الؤمني بكون أمرهم شورى بينهم "‪،)22‬‬
‫وأخرج ابن أب حات عن السن ف قوله‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِي ا َلمْرِ} قال‪" :‬وال ما تشاور قط إل عزم ال‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬
‫‪ )2‬إعلم الوقعي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪162‬‬

‫لم بالرشد والذي ينفع"‪ ،‬وإذا شاور المام واجتهد ف الواقعة فأخطأ ف اجتهاده‪ ،‬فهو خطأ غي متعمد‬
‫ل يلم عليه المام‪ ،‬ول الذين أشاروا عليه به إذا اتقوا ال ما استطاعوا‪ ،‬قال القرطب رحه ال‪" :‬قال‬
‫العلماء‪ :‬وصفةُ الُستشار إن كان ف الَحْكامِ أن يكون عالِما دَيّنا‪ ،‬وقلّما يكونُ ذلك إلّ ف عاقل‪ .‬قال‬
‫السن‪ :‬ما كَمُل دِينُ امرىءٍ ما ل يكمل عقُله‪ .‬فإذا استُشيِر مَن هذه صِفُتهُ واجتهد ف الصّلحِ وبَذَل‬

‫ب وغيهُ"‪.)13‬‬
‫جُهدَه فوقعت الشارةُ َخطَأً فل َغرَام َة عليه‪ ،‬قاله الَطّا ّ‬

‫ثالثا‪ :‬أن ف الشورى يقق العدل وينع الستبداد والتفرد بالرأي وعسف الرعية وظلمها‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬أن ف الشورى ياسب المراء على أفعالم‪ ,‬ويقومون عند أخطائهم‪ ,‬وياكمون إل شرع ال‬
‫تعال عند التنازع والختلف معهم‪ ,‬وقد يعزلون إذا اقتضت الصلحة الشرعية عزلم‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬أن ف الشورى تطييبًا للنفوس وتواضعًا للرعية وإشعارهم بالتكري والحترام‪ ,‬وزيادة ف تآلف‬
‫القلوب والتواد‪ ,‬وأما الستبداد بالرأي فإنه يولد الضغائن والحقاد والتفرق‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه‬
‫ال " كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يشاور أصحابه ف المر إذا حدث تطييبا لقلوبم ليكون‬

‫أنشط لم فيما يفعلونه"‪.)21‬‬

‫ح ّ‬
‫ب‬
‫وأخرج ابن جرير عن قتادة ف قوله‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِى ٱ ّل ْمرِ َفِإذَا َع َزمْتَ فََتوَكّلْ َعلَى ٱلّلهِ إِنّ ٱلّلهَ يُ ِ‬
‫ٱلْمَُتوَكِّليَ} " أمر ال عزّ وجلّ نبيه صلى ال عليه وسلم أن يشاور أصحابه ف المور‪ ،‬وهو يأتيه وحي‬
‫السماء‪ ،‬لنه أطيب لنفس القوم‪ ،‬وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا‪ ،‬وأرادوا بذلك وجه ال عزم لم‬
‫على رشده "‪.‬‬

‫سادسا‪ :‬أن الستبداد يضعف طاعة الأمورين لميهم‪ ،‬ويضعف أعمالم ف بناء الدولة‪ ,‬فل يعملون بد‬
‫واجتهاد ونشاط ف تقويتها ونصرتا‪ ,‬وأما إذا كان المر شورى بينهم وشعروا من أميهم الرص على‬
‫العمل بالعدل والق‪ ,‬والنصح ل ولرسوله صلى ال عليه وسلم وللمؤمني‪ ,‬وأنه ل يستبد برأيه ول‬
‫يتكب عليهم‪ ,‬فسوف يتهدون ف طاعة أميهم بالعروف ويبذلون وسعهم ف تقوية الدولة وإناز‬
‫أعمالا وإتقانا على أكمل الوجوه‪ .‬وقد تقدم كلم المام ابن كثي ف الفائدة الامسة‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬أن ف الشورى تنويرا للقرائح وإعمال للعقول عند التشاور وتبادل الراء‪ ،‬وتنبيه المام إل‬

‫الفوائد والصال الت قد يغفل عنها‪ ،‬ودراسة المور والنوازل الت يتم التشاور فيها من كل جوانبها‪,‬‬
‫ووضع اللول الناسبة لا‪ ,‬قال المام الشافعي رحه ال‪" :‬إنا يؤمر الاكم بالشاورة لكون الشي ينبهه‬
‫على ما يغفل عنه‪ ،‬ويدله على ما ل يستحضره من الدليل‪ ،‬ل ليقلد الشي ف ما يقوله "‪ ،‬وعن الشعب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )3‬الامع لحكام القرآن‪.‬‬
‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪163‬‬

‫رحه ال قال‪" :‬الرجال ثلثة‪ :‬فرجل‪ ،‬ونصف رجل‪ ،‬ول شيء‪ .‬فأما الرجل التام فالذي له رأي وهو‬
‫يستشي‪ .‬وأما نصف رجل فالذي ليس له رأي وهو يستشي‪ .‬وأما الذي ل شيء فالذي ليس له رأي ول‬
‫يستشي"‪.)11‬‬

‫ثامنا‪ :‬أن ف الشورى صقل للمواهب وتربية على القيادة ومواجهة المور والشاكل وعلجها وحلها‪،‬‬
‫وبذا يكثر ف المة الؤهلون للقيادة الذين صقلتهم التجارب‪ ،‬وخبوا المور وترسوها‪.‬‬

‫فصل‪ :‬صفات أهل الشورى‬
‫و أهل الشورى هم الذين اتصفوا بصفات معينة جعلتهم أهل للمشاورة والنظر فيما يقق الصال‬
‫الشرعية ف أمور الدولة السلمية والرعية‪:‬‬
‫و أول صفات أهل الشورى العلم‪:‬‬

‫فإن القرارات الت تصدر من أهل الشورى ل ترج عن نصوص الشرع وأصوله العامة وتقيق مقاصده‪،‬‬
‫وهذا يقتضي أن يكون أعضاء الشورى من أهل العلم الشرعي حت تساس أمور الدولة وتنفذ أعمالا با‬
‫يوافق شرع ال ويقق مقاصده‪ ,‬وقد قال ال تعال‪{ :‬فَاسَْألُواْ َأهْ َل الذّ ْكرِ إِن كُْنتُم لَ َتعْلَمُونَ}‪ ,‬وقال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال ل يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس‪ ،‬ولكن يقبض العلم بقبض‬
‫العلماء حت إذا ل يبق عالا اتذ الناس رؤوسا جهال فسئلوا فأفتوا بغي علم فضلوا وأضلوا" متفق‬
‫عليه‪ ،‬وعن ممد ابن النفية عن علي رضي ال عنه قال " قلت‪ :‬يا رسول ال إن نزل بنا أمر ليس فيه‬
‫بيان أمر ول ني فما تأمرنا؟ قال‪" :‬تشاورون الفقهاء والعابدين ول تضوا فيه رأي خاصة" رواه‬
‫الطبان ف الوسط‪ ،‬وقال عنه اليثمي ف الجمع‪ :‬ورجاله موثوقون من أهل الصحيح‪ ،‬وعن ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما قال‪" :‬قدم عيينة بن حصن فنل على ابن أخيه الر ابن قيس‪ ،‬وكان من النفر الذين‬
‫يدنيهم عمر رضي ال عنه‪ ،‬وكان القراء أصحاب ملس عمر رضي ال عنه ومشاورته كهول كانوا أو‬
‫شبانا‪ ،‬فقال عيينة لبن أخيه‪ :‬يا ابن أخي لك وجه عند هذا المي فاستأذن ل عليه‪ .‬فاستأذن له فأذن له‬
‫عمر رضي ال عنه فلما دخل قال‪ :‬هي يا ابن الطاب فوال ما تعطينا الزل ول تكم فينا بالعدل‪.‬‬
‫فغضب عمر رضي ال عنه حت هم أن يوقع به فقال له الر‪ :‬يا أمي الؤمني إن ال تعال قال لنبيه صلى‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬سنن البيهقي الكبى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪164‬‬

‫ض عَنِ الْجَاهِِليَ} وإن هذا من الاهلي وال ما جاوزها‬
‫ف وََأ ْعرِ ْ‬
‫ال عليه وسلم‪{ :‬خُ ِذ اْل َع ْفوَ وَْأ ُمرْ بِاْل ُعرْ ِ‬
‫عمر حي تلها عليه‪ ،‬وكان وقافا عند كتاب ال تعال " رواه البخاري‪ ,‬والقراء هم العلماء العباد‪.‬‬
‫و أخرج البيهقي ف السنن الكبى بإسناده عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال‪ " :‬كان أبو‬
‫بكر رضي ال عنه إذا ورد عليه خصم نظر ف كتاب ال فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم‪ ,‬فإن‬
‫ل يد ف الكتاب نظر هل كانت من النب صلى ال عليه وسلم فيه سنة فإن علمها قضى با‪ ,‬وإن ل‬
‫يعلم خرج فسأل السلمي‪ ،‬فقال‪ :‬أتان كذا وكذا‪ ،‬فنظرت ف كتاب ال وف سنة رسول ال فلم أجد‬
‫ف ذلك شيئا‪ ،‬فهل تعلمون أن نب ال صلى ال عليه وسلم قضى ف ذلك بقضاء‪ ،‬فربا قام إليه الرهط‬
‫فقالوا‪ :‬نعم قضى فيه بكذا وكذا‪ ،‬فيأخذ بقضاء رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ...‬قال جعفر‪ :‬وحدثن‬
‫ميمون أن عمر بن الطاب رضي ال عنه كان يفعل ذلك‪ ،‬فإن أعياه أن يد ف القرآن والسنة نظر هل‬
‫كان لب بكر رضي ال عنه فيه قضاء‪ ،‬فإن وجد أبا بكر رضي ال عنه قد قضى فيه بقضاء قضى به‪،‬‬
‫وإل دعا رؤوس السلمي وعلماءهم فاستشارهم‪ ،‬فإذا اجتمعوا على المر قضى بينهم"‪ ،‬وعن عبدالرحن‬
‫بن القاسم عن أبيه " أن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه‬
‫ودعا رجال من الهاجرين والنصار دعا عمر وعثمان وعليا وعبدالرحن بن عوف ومعاذ بن جبل وأب‬
‫بن كعب وزيد بن ثابت‪ ،‬وكل هؤلء كان يفت ف خلفة أب بكر وإنا تصي فتوى الناس إل هؤلء‬
‫النفر فمضى أبو بكر على ذلك ث ول عمر فكان يدعو هؤلء النفر وكانت الفتوى تصي وهو خليفة‬
‫إل عثمان وأبّ وزيد "‪.)11‬‬

‫و قال المام الشافعي رحه ال‪" :‬إذا نزل بالاكم المر يتمل وجوها أو مشكل ينبغى له أن يشاور ول‬
‫ينبغي له أن يشاور جاهل‪ ،‬لنه ل معن لشاورته‪ ،‬ول عالا غي أمي‪ ،‬فإنه ربا أضل من يشاوره‪ ،‬ولكنه‬
‫يشاور من جع العلم والمانة‪ ،‬وف الشاورة رضا الصم والجة عليه"‪ ،)22‬وقال المام البخاري رحه‬
‫ال‪" :‬وكانت الئمة بعد النب صلى ال عليه وسلم يستشيون المناء من أهل العلم"‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬التقوى والمانة‪:‬‬
‫فمن صفات أهل الشورى التقوى والمانة والهاد ف سبيل ال‪ ،‬وأن يكونوا من أهل البة والتجربة‪,‬‬
‫الذين يبذلون النصيحة ل تعال‪ ،‬ويقولون الق ل يافون ف ال لومة لئم‪ ،‬ول يتحزبون لحد من‬
‫الناس أو لعصبية جاهلية ول يبتغون على ما يقولون عرضا من الدنيا‪ ،‬ول يتبعون أهواءهم ويقدمونا‬

‫على شرع ال تعال‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬الستشار مؤتن" رواه أبو داود وغيه‪ ,‬فالستشار‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬كتاب الطبقات الكبى لبن سعد‪.‬‬
‫‪ )2‬كتاب الم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪165‬‬

‫مؤتن ف الستشارة‪ ،‬فل ياب أحدا‪ ،‬أو يتبع أهواء الناس‪ ،‬بل يؤدي النصيحة والشورة الت توافق شرع‬
‫ال تعال‪.‬‬
‫وأما إذا اتبع الستشار هواه ف الشورة‪ ،‬ونصر باطل فقد خان ف الشورة‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬من أفت بغي علم كان إثه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد ف غيه‬
‫فقد خانه" رواه أبو داود‪ ،‬ولذا يب اقتصار الشورى على التقياء المناء الجاهدين ول يوز إدخال‬
‫من ل يتقي ال ول يؤتن ف الشورة أو ف غيها‪ ,‬وقد قال سفيان الثوري‪" :‬ليكن أهل مشورتك أهل‬
‫التقوى والمانة ومن يشى ال تعال" وتقدم ف صفة العلم حديث علي رضي ال عنه وقول المام‬
‫الشافعي رحه ال‪ ,‬وقول المام البخاري رحه ال‪.‬‬
‫و عن عامر الشعب عن ابن عباس قال قال ل أب" أي بن إن أرى أمي الؤمني يدعوك ويقربك‬
‫ويستشيك مع أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم فاحفظ عن ثلث خصال‪ :‬اتق ال ل يربن‬
‫عليك كذبة‪ ،‬ول تفشي له سرا‪ ،‬ول تغتابن عنده أحدا‪ .‬قال عامر" فقلت لبن عباس كل واحدة خي‬
‫من ألف قال كل واحدة خي من عشرة آلف " رواه عبد ال بن أحد ف فضائل الصحابة والطبان ف‬
‫الكبي وأبو نعيم ف اللية وابن أب شيبة ف مصنفه‪.‬‬
‫وقال أمي الؤمني عمر رضي ال عنه " ل تعترض فيما ل يعنيك واعتزل عدوك واحتفظ من خليلك إل‬
‫المي‪ ،‬فإن المي من القوم ل يعادله شيء‪ ،‬ول تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره‪ ،‬ول تفش إليه‬
‫سرك‪ ،‬واستشر ف أمرك الذين يشون ال " أخرجه ابن أب شيبة‪ ،‬وقال العجلون ف كشف الفاء "‬
‫وروى الطيب ف التفق والفترق عن سعيد بن السيب قال‪ " :‬وضع عمر بن الطاب رضي ال عنه‬
‫ثان عشرة كلمة كلها حكم‪ ،‬وهي‪ :‬ما عاقبت من عصى ال فيك بثل أن تطيع ال فيه‪ ،‬وضع أمر‬
‫أخيك على أحسنه حت ييئك منه ما يغلبك‪ ،‬ول تظن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تد لا ف‬
‫الي ممل‪ ،‬ومن عرض نفسه للتهمة فل يلومن من أساء به الظن‪ ،‬ومن كتم سره كانت الية ف يده‪،‬‬
‫وعليك بإخوان الصدق تعش ف أكنافهم فإنم زينة ف الرخاء عدة ف البلء‪ ،‬وعليك بالصدق وإن‬
‫قتلك‪ ،‬ول تعرض لا ل يعن‪ ،‬ول تسأل عما ل يكن فإن فيما كان شغل عما ل يكن‪ ،‬ول تطلب‬
‫حاجتك إل من ل يب ناحها لك‪ ،‬ول تاون باللف الكاذب فيها فيهلكك ال‪ ،‬ول تصحب الفجار‬
‫فتتعلم من فجورهم‪ ،‬واعتزل عدوك‪ ،‬واحذر صديقك إل المي ول أمي إل من خشي ال تعال‪،‬‬
‫وتشع عند القبور‪ ،‬وذل عند الطاعة‪ ،‬واستعصم عند العصية‪ ،‬واستشر ف أمرك الذين يشون ال‪ ،‬فان‬
‫خشَى الّل َه مِنْ ِعبَا ِدهِ اْلعُلَمَاء}"‪.‬‬
‫ال تعال يقول {ِإنّمَا يَ ْ‬
‫فقوله رضي ال عنه‪" :‬ما عاقبت من عصى ال فيك بثل أن تطيع ال فيه" فيه حث على دفع السيئة‬
‫جرِمَنّكُمْ شَنَآ ُن َق ْومٍ أَن صَدّوكُ ْم عَنِ ٱلْمَسْجِدِ‬
‫بطاعة ال والعدل والحسان‪ ،‬وقد قال ال تعال {وَلَ َي ْ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪166‬‬

‫سنُ فَِإذَا ٱلّذِي‬
‫حسََن ُة وَلَ ٱلسّيَّئ ُة ٱدْفَعْ بِٱلّتِي هِيَ أَحْ َ‬
‫حرَامِ أَن َتعْتَدُواْ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَلَ َتسَْتوِي ٱلْ َ‬
‫ٱلْ َ‬
‫ك وَبَْيَنهُ عَدَا َوةٌ كََأّنهُ وَلِ ّي حَمِيمٌ‪َ .‬ومَا يَُلقّاهَا إِلّ ٱلّذِي َن صََبرُوْا َومَا يَُلقّاهَآ إِ ّل ذُو َحظّ عَظِيمٍ}‪ ،‬وعن‬
‫َبيَْن َ‬
‫عقبة بن عامر رضي ال عنه قال‪ :‬ث لقيت رسول ال صلى ال عليه وسلم فأخذت بيده‪ ،‬فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول ال أخبن بفواضل العمال فقال‪" :‬يا عقبة صل من قطعك‪ ،‬وأعط من حرمك‪ ،‬وأعرض عمن‬
‫ظلمك" وف رواية "واعف عمن ظلمك" رواه أحد‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬وضع أمر أخيك على أحسنه حت ييئك منه ما يغلبك " أي ينبغي للمسلم أن‬
‫ض الظّنّ ِإثْمٌ}‪ ,‬وقال‬
‫يسن الظن بأخيه‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬يَأّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ اجْتَِنبُواْ َكثِيا مّنَ الظّنّ إِنّ َبعْ َ‬
‫ك مِّبيٌ}‪ ،‬وقال‬
‫سهِمْ خَيْرا وَقَالُواْ هَـذَآ إِ ْف ٌ‬
‫تعال‪ّ{ :‬لوْل ِإذْ سَ ِمعْتُمُوهُ ظَ ّن الْ ُم ْؤمِنُو َن وَالْ ُم ْؤمِنَاتُ بَِأْنفُ ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬إياكم والظن‪ ،‬فإن الظن أكذب الديث" متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ول تظن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تد لا ف الي ممل " أي ينبغي‬
‫حل أقوال السلم على أحسن الحامل‪ ،‬وأل يظن فيها شرا ‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ومن عرض نفسه للتهمة فل يلومن من أساء به الظن" وفيه تذير السلم من أن‬
‫يعرض نفسه للتهمة‪ ،‬وأن يتقصد مواطن التهم حت ل يساء به الظن‪.‬‬
‫وإذا فعل فعل جائزا وخشي أن ينكره من ل يعرف حقيقة الال فعليه أن يبي له حقيقة المر‪.‬‬
‫ب صَلّى‬
‫صفِيّةَ بْنتِ ُحيَ ّي َرضِيَ اللّه عَْنهَا قَاَلتْ‪ :‬كَانَ النّ ّ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم َ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫فعَنْ ُأمّ ا ُل ْؤمِِنيَ زوج النب َ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم ُمعْتَكِفا‪ ،‬فَأََتيُْتهُ أزُو ُرهُ َليْلً‪ .‬فَحَدّْثُتهُ ثُمّ قُ ْمتُ لْن َقلِب‪َ ،‬فقَا َم مَعِي ِلَيقْلِبَن‪ ،‬فَ َم ّر رَجُل ًن مِنَ‬
‫اُ‬

‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪َ " :‬علَى‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم أسْرعَا‪َ .‬فقَا َل صَلّى ا ُ‬
‫النْصارِ رضي اللّه عَْنهُما‪ ،‬فَلمّا رَأيَا النّبِ ّي صَلّى ا ُ‬

‫جرِي مِنِ ابْنِ‬
‫صفِّيةُ بنتُ حُيَيّ" فَقالَ‪ :‬سُبْحَانَ اللّه يَارسُولَ اللّه‪َ ،‬فقَالَ‪" :‬إ ّن الشّيْطَانَ َي ْ‬
‫رِ ْسلُكُمَا إّنهَا َ‬
‫جرَى ال ّدمِ‪ ،‬وَإنّي خَشِيتُ أنْ يَق ِذفَ ف ُقلُوبِكُمَا شَرا" أوْ قَالَ‪" :‬شَيْئا" متفقٌ عليه‪ ،‬قال المام‬
‫آ َد َم مَ ْ‬
‫الشافعي رحه ال‪" :‬قال لما ذلك لنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة‪ ،‬فبادر إل إعلمهما‬
‫نصيحة لما قبل أن يقذف الشيطان ف نفوسهما شيئا يهلكان به"‪ .‬وقال المام النووي ف شرح هذا‬
‫الديث‪" :‬وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس ف النسان وطلب السلمة والعتذار‬
‫بالعذار الصحيحة‪ ،‬وأنه مت فعل ماقد ينكر ظاهره ماهو حق وقد يفى أن يبي حاله ليدفع ظن السوء"‬

‫‪.)11‬‬

‫وقوله رضي ال عنه "ومن كتم سره كانت الية ف يده" أي من كتم سره كانت له الية ف أمر‬
‫سره‪ ،‬ول يصل له ذلك إذا أفشاه‪ ،‬لن الية ليست ف يده وحده بعد أن أفشاه لغيه‪ .‬ال أعلم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬شرح صحيح مسلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪167‬‬

‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬وعليك بإخوان الصدق تعش ف أكنافهم‪ ،‬فإنم زينة ف الرخاء عدة ف البلء"‬
‫وفيه الترغيب ف صحبة إخوان الصدق الذين هم زينة ف وقت الرخاء‪ ،‬ومن أفضل ما يعد عند البلء‪،‬‬
‫فإنم ل يذلون صاحبهم عند الشدائد‪ ،‬بل يساعدونه وينصرونه‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "وعليك بالصدق وإن قتلك" وفيه الث على الصدق‪ ،‬وإن أفضى إل القتل‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ول تعرض لا ل يعن" فإن من حسن إسلم الرء أن يترك مال يعنيه ف دينه‪ ,‬كما‬
‫قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من حسن إسلم الرء تركه مال يعنيه" رواه الترمذي وغيه‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ول تسأل عما ل يكن فإن فيما كان شغل عما ل يكن" وفيه النهي عن السؤال‬
‫عن الوادث قبل وقوعها والنشغال عن ذلك با هو كائن وواقع‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ول تطلب حاجتك إل من ل يب ناحها لك " فالاجة ل تطلب إل من الناصح‬
‫الذي يب ناحها‪ ،‬وكذلك العمال والوليات ل تسند إل لناصح أمي الذي يب ناحها وإنازها‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬ول تاون باللف الكاذب فيها فيهلكك ال " وفيه النهي عن اللف الكاذب‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "ول تصحب الفجار فتتعلم من فجورهم "وفيه النهي عن مصاحبة الفجار حت ل‬
‫يتعلم من يصاحبهم من فجورهم‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم "إنا مثل الليس الصال وجليس‬

‫السوء كحامل السك ونافخ الكي‪ ،‬فحامل السك إما أن يذيك‪ ،‬وإما أن تبتاع منه‪ ،‬وإما أن تد‬
‫منه ريا طيبة‪ .‬ونافخ الكي إما أن يرق ثيابك وإما أن تد منه ريا منتنة" متفق عليه‪ ،‬وقال صلى ال‬
‫عليه وسلم "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يالل" رواه أبو داود والترمذي‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "واعتزل عدوك" وفيه المر باعتزال العداء‪ ،‬فإن الواجب على السلم اعتزال الكفر‬
‫وأهله وبغضهم وعداوتم والباءة منهم‪ ,‬وقد أخب ال تعال عن إبراهيم عليه السلم أنه قال‪:‬‬
‫{وََأعَْتزِلُ ُكمْ َومَا َت ْدعُونَ مِن دُونِ الّلهِ وََأ ْدعُو رَبّي عَسَى أَلّ أَكُو َن بِ ُدعَآءِ َربّي َشقِيّا}‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬واحذر صديقك إل المي‪ ،‬ول أمي إل من خشي ال تعال" وفيه تذير من‬
‫مصادقة غي المي الذي ل يشى ال تعال‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "وتشع عند القبور" والتخشع خضوع القلب وخشيته ل تعال لا يصل للقلب‬
‫عند زيارة القبور من تذكر الخرة‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬قد كنت نيتكم عن زيارة القبور‪،‬‬

‫فقد أذن لحمد ف زيارة قب أمه‪ ،‬فزوروها‪ ،‬فإنا تذكر الخر" رواه الترمذي‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه‪" :‬وذل عند الطاعة" وهو ما يب أن يتصف به العبد من الشوع والذل ل ف‬
‫عبادته‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪168‬‬

‫وقوله رضي ال عنه "واستعصم عند العصية" استعصم أي امتنع عند العصية‪ ،‬كما أخب ال تعال عن‬
‫سهِ فَا َسَت ْعصَمَ} أي تأب عليها وامتنع عن الستجابة لا‬
‫امرأة العزيز أنا قالت‪{ :‬وََلقَ ْد رَاوَدّت ُه عَن ّنفْ ِ‬
‫تدعوه إليه‪.‬‬
‫وقوله رضي ال عنه "واستشر ف أمرك الذين يشون ال‪ ،‬فإن ال تعال يقول {إِنّمَا يَخْشَى الّلهَ مِنْ‬
‫عِبَا ِدهِ اْل ُعلَمَاء}" و فيه المر باستشارة التقياء الذين يشون ال تبارك وتعال‪.‬‬
‫ول يوز إدخال القاعدين عن الهاد أو النافقي ف أهل الشورى‪ ،‬فإن أهل النفاق أعداء للسلم وأهله‪،‬‬
‫وليسوا من أهل النصح والشفقة على السلمي‪ ,‬وقد قال ال تعال عنهم‪{ :‬هُمُ اْلعَ ُدوّ فَاحْ َذ ْرهُمْ}‪ ،‬وقال‬
‫تبارك وتعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لَ تَتّخِذُواْ ِبطَاَن ًة من دُوِنكُمْ لَ يَأْلُوَنكُمْ خَبَا ًل َودّوْا مَا عَِنتّمْ قَ ْد بَ َدتِ‬
‫خفِي صُدُو ُرهُمْ أَكَْبرُ قَ ْد بَيّنّا لَكُمُ اليَاتِ إِنْ كُْنتُمْ َت ْعقِلُونَ}‪ ،‬وقال تعال‪َ{ :‬لوْ‬
‫ٱلَْب ْغضَآ ُء مِنْ أَ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬
‫ضعُواْ خِلَلَكُ ْم يَْبغُونَكُ ُم اْلفِتَْن َة وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ َلهُ ْم وَالّل ُه عَلِيمٌ‬
‫َخرَجُوْا فِيكُم مّا زَادُوكُمْ إِ ّل خَبَالً و َل ْو َ‬
‫بِالظّالِ ِميَ}‪،‬و قال تعال‪{ :‬يۤا أَّيهَا ٱلنّبِيّ ٱتّقِ ٱلّل َه وَلَ تُطِعِ ٱلْكَاِفرِي َن وَٱلْمُنَاِفقِيَ إِنّ ٱلّلهَ كَا َن عَلِيما‬
‫ك مِن رَّبكَ إِنّ ٱلّلهَ كَانَ بِمَا َتعْمَلُونَ خَبِيا}‪ ,‬قال ابن كثي رحه ال‪" :‬‬
‫حَكِيما‪ .‬وَٱتّبِ ْع مَا يُوحَىٰ إِلَـْي َ‬
‫هذا تنبيه بالعلى على الدن‪ ،‬فإنه تعال إذا كان يأمر عبده ورسوله بذا فلن يأتر من دونه بذلك‬
‫بطريق الول والحرى‪ ...‬قوله تعال‪{ :‬وَلَا تُطِعِ الْكَاِفرِي َن وَالْ ُمنَاِف ِقيَ} أي ل تسمع منهم ول‬
‫تستشرهم {إِ ّن الّلهَ كَا َن عَلِيمًا حَكِيمًا}أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه‪ ،‬فإنه عليم بعواقب المور‬
‫ك مِن رّّبكَ} أي من قرآن وسنة"‪ ،)11‬ول‬
‫حكيم ف أقواله وأفعاله‪ ،‬ولذا قال تعال‪{ :‬وَاتّبِ ْع مَا يُوحَى إِلَْي َ‬
‫يكن النب صلى ال عليه وسلم يول أو يشاور أهل النفاق أو مرضى القلوب القاعدين عن الهاد‪.‬‬
‫كما ل يوز إدخال أهل البدع ف أهل الشورى‪ ،‬فإن ف توليتهم وتصديرهم نشرا لبدعتهم وهدما‬
‫للسنة‪ .‬قال الفضيل بن عياض رحه ال " صاحب البدعة ل تأمنه على دينك‪ ،‬ول تشاوره ف أمرك‪ ،‬ول‬
‫تلس إليه "‪ ,)22‬وقال المام أحد رحه ال "ول تشاور أحدا من أهل البدع ف دينك "‪.‬‬

‫الصفة الثالثة‪ :‬الذكورة‪:‬‬
‫الوليات العامة متصة بالرجال دون النساء‪ ،‬فالرأة ليست من أهل الل والعقد‪ ،‬وليس لا البوز ف‬
‫مافل الرجال والختلط بم‪ ،‬وقد جاءت الشريعة بفظ الرأة وصيانتها من الفاحشة وما يقرب إليه‪:‬‬
‫كالنظر إل الجنبية والختلط واللوة بغي مرم وسفر الرأة وحدها وخروجها متبجة‪.‬‬
‫و ال تعال ل يسو الرأة بالرجل ف اللق والتكوين والقدرة‪ ،‬ولذا جعل ال تعال للرجل من العمال‬
‫ما يناسب خلقه وتكوينه وقدرته كالهاد والوليات العامة‪ ,‬وجعل للمرأة من العمال والسؤوليات ما‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ )2‬اعتقاد أهل السنة لللكائي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪169‬‬

‫يناسب خلقها‪ ،‬وتكوينها النفسي‪ ،‬كرعاية بيتها‪ ،‬وتربية أبنائها‪ ،‬وطاعة زوجها‪ ،‬وبذا تستقيم الياة‬
‫ويصل التوازن بي بناء الدولة وإصلحها‪ ،‬وبي بناء السرة الصالة وتربيتها‪ ,‬وقد قال ال تبارك‬
‫ض وَبِمَآ َأْن َفقُوْا مِنْ َأ ْموَاِلهِمْ}‪ ،‬قال‬
‫وتعال‪{ :‬الرّجَا ُل َقوّامُونَ َعلَى النّسَآءِ بِمَا َفضّلَ الّلهُ َب ْعضَهُ ْم عَلَى َبعْ ٍ‬
‫المام ابن كثي رحه ال‪" :‬يقول تعال‪{ :‬الرّجَا ُل َقوّامُونَ َعلَى النّسَآءِ} أي الرجل قيم على الرأة‪ ،‬أي‬
‫ضهُمْ َعلَى َبعْضٍ} أي لن‬
‫هو رئيسها وكبيها والاكم عليها ومؤدبا إذا اعوجت‪{ ،‬بِمَا َفضّلَ الّلهُ َب ْع َ‬
‫الرجال أفضل من النساء‪ ،‬والرجل خي من الرأة‪ ،‬ولذا كانت النبوة متصة بالرجال‪ ،‬وكذلك اللك‬
‫العظم لقوله صلى ال عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري من حديث عبد‬
‫الرحن بن أب بكرة عن أبيه‪ ،‬وكذا منصب القضاء وغي ذلك‪{ ،‬وَبِمَآ أَن َفقُوْا مِنْ َأ ْموَاِلهِمْ} أي من‬
‫الهور والنفقات والكلف الت أوجبها ال عليهم لن ف كتابه وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فالرجل‬
‫أفضل من الرأة ف نفسه‪ ،‬وله الفضل عليها والفضال‪ ،‬فناسب أن يكون قيما عليها"‪.)11‬‬

‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬وَلِلرّجَا ِل عََلْيهِ ّن َدرَجَةٌ}‪ ,‬أي منلة ورفعة وفضل ف اللق واللق والقوامة‬
‫والطاعة‪ ,‬ولذا الفضل اختصت النبوة بالرجال‪ ،‬وكذلك المامة الكبى وسائر الوليات العامة‪ ,‬وعن‬

‫ل عَلَْيهِ و َسلّم يقول‪ُ " :‬كلّكُم راعٍ‪ ،‬و ُكلّ ُكمْ‬
‫ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‪ :‬سِعتُ رسولَ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫سؤُولٌ عَ ْن رعِيِّتهِ‪ ،‬والرّجُ ُل رَاعٍ ف أه ِل ِه وَمسؤولٌ ع ْن رَعِيِّتهِ‪،‬‬
‫ع ومَ ْ‬
‫مسؤولٌ ع ْن رعِيِتهِ‪ :‬المامُ را ٍ‬

‫وَالَرأَ ُة راعيةٌ ف بيتِ زَوجها وَمسؤولةّ عَ ْن رعِيّتِها‪ ،‬والَادِ ُم رَاعٍ ف مال سَّيدِ ِه َومَسؤُولٌ عَ ْن رَعِيِتهِ‪،‬‬
‫و ُكلّكُم راع ومسؤُولٌ عَ ْن رعِيِّتهِ" متف ٌق عليه‪ ,‬وبوب البخاري على هذا الديث ف صحيحه فقال‪:‬‬
‫باب " الرأة راعية ف بيت زوجها "‪ ،‬وقال عمر رضي ال عنه " كنا ف الاهلية ل نعد النساء شيئا فلما‬
‫جاء السلم وذكرهن ال رأينا لن بذلك علينا حقا من غي أن يدخلهن ف شيء من أمورنا " رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫فأعداء السلم من الكفار والنافقي يعلمون أن انراف الرأة من أعظم الوسائل لتدمي السرة‪ ،‬وضياع‬
‫البناء‪ ،‬وإفساد الجتمع‪ ،‬وتزيقه وإضعافه‪ ،‬ووقوع الرأة فريسة لصحاب الشهوات‪ ،‬ولذا يسعون‬
‫لخراجها من بيتها وتريدها من حيائها وعفتها وحجابا‪ ،‬وتأمل هذا ف حرص الصليبيي المريكان‬
‫على تريد الرأة من حيائها‪ ،‬ونزع حجابا ف جزيرة العرب وأفغانستان وغيها من بلد السلمي‪،‬‬
‫فهؤلء الفسدون الجرمون يعلمون بتأثي هذه الطوة الشيطانية على الجتمع‪ ،‬وما تؤدي إليه من‬
‫إضعافه‪ ،‬وانطاطه ف الرذيلة‪ ،‬وإبعاده عن دينه وحيائه‪ ،‬إل من حفظ الُ تعال من عباده‪ ،‬وقد قال صلى‬
‫ال عليه وسلم "إن لكل دين خلقا وإن خلق السلم الياء" رواه ابن ماجه‪،‬فالياء هو سجية دين‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪170‬‬

‫السلم وهو طبيعته وخلقه‪ ،‬وبه قوامه وقوته‪ ،‬وهو اللق الذي جل به أهله وزينهم‪ ،‬وهو اللق الذي‬
‫به تتمم مكارم الخلق الت بعث النب صلى ال عليه وسلم لتامها‪ ،‬فهو خلق ينع من التقصي ف حق‬
‫صاحب الق‪ ،‬وهو الصن الذي يول دون القبائح والرذائل‪ ،‬فإذا أزيل هذا الصن – وهو ما يسعى‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬إ ّن مِمّا أ ْدرَكَ‬
‫العداء إليه – انمك الناس ف كل قبيح وخسيس‪ ،‬ويبي هذا قوله صلى ا ُ‬
‫النّاسُ مِنْ كَلمِ النُّبوّةِ الولَى‪ :‬إذَا َلمْ تَسَْتحِ فَاصْنعْ مَا شِ ْئتَ" روا ُه البُخَاريّ‪ ،‬وعن عِمْران بن ُحصَيْن‪،‬‬
‫خ ْيرٍ" متفق عليه‪ ،‬وف‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم "اليَاءُ ل َيأْت إلّ بِ َ‬
‫رضي اللّه عنهما‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫رواية لسلم "الَياءُ خَ ْيرٌ ُكّلهُ" أوْ قَا َل "الَيَاءُ ُكّلهُ خَ ْيرٌ"‪ ،‬وقد بي النب صلى ال عليه وسلم أن الياء‬
‫ضلُها‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم قال "اليَانُ ِبضْع وس ْبعُونَ‪ ،‬أ ْو ِبضْعٌ وَسِتّونَ ُشعْبةً‪َ ،‬فأَ ْف َ‬
‫من اليان‪ ،‬فقال صَلّى ا ُ‬
‫قوْلُ ل إله إلّ اللّه‪ ،‬وَأدْنَاها إمَاطةُ ا َلذَى عنَ ال ّطرِيقِ‪ ،‬والياءُ ُشعَْبةٌ مِنَ اليَانِ" متفق عليه‪ ،‬وعن ابْنِ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم َمرّ َعلَى رَجُ ٍل مِنَ ا َلْنصَارِ َو ُهوَ َي ِعظُ َأخَاهُ ف‬
‫عُ َمرَ رضي اللّه عنهما أَنّ رسو َل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ل عََلْيهِ وسَلّم "دَ ْعهُ فإِنّ الياءَ مِنَ الِيانِ" متفقٌ عليه‪ ،‬وقال المام ابن‬
‫ليَاءِ‪َ ،‬فقَالَ رسُو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫اَ‬
‫القيم رحه ال‪" :‬ولذا كان خلق الياء مشتقا من الياة اسا وحقيقة‪ ،‬فأكمل الناس حياة أكملهم حياء‪،‬‬
‫ونقصان حياء الرء من نقصان حياته‪ ،‬فإن الروح إذا ماتت ل تس با يؤلها من القبائح فل تستحي‬
‫منها‪ ،‬فإذا كانت صحيحة الياة أحست بذلك فاستحيت منه‪ ،‬وكذلك سائر الخلق الفاضلة‬
‫والصفات المدوحة تابعة لقوة الياة وضدها من نقصان الياة"‪.)11‬‬

‫فالياء هو جال أهل السلم وزينتهم‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما كان الفحش ف شيء إل‬
‫شانه وما كان الياء ف شيء إل زانه" رواه الترمذي وغيه‪ ،‬فمفهوم المال القيقي ف السلم‪ ،‬هو‬
‫جمِيلَ}‪ ،‬وقال‬
‫صفْحَ ٱلْ َ‬
‫صفَ ِح ٱل ّ‬
‫جال الستقامة‪ ،‬ومكارم الخلق‪ ،‬وماسن الداب‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬فَٱ ْ‬
‫ج ْرهُمْ هَجْرا جَمِيلً}‪ ،‬ومن المال الحمود أن يب‬
‫صِبرْ صَبْرا جَمِيلً}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَٱهْ ُ‬
‫تعال‪{ :‬فَٱ ْ‬
‫الرجل أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا كما ف حديث عبدِ الّلهِ بن مسعُودٍ رضيَ الّلهُ عنه‪ ،‬عن النبّ‬

‫ل عَلَْيهِ و َسلّم قال‪" :‬ل َيدْخُل الَّن َة مَنْ كَا َن ف َقلِْبهِ م ْثقَا ُل َذرّ ٍة مَنْ ِكبٍ" فقال َرجُلٌ‪ :‬إِ ّن الرّجُلَ‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫حبّ الَمالَ الكِ ْب ُر بَ َطرُ الَقّ وغَمْطُ‬
‫حبّ أَنْ َيكُونَ َثوْبُه حسنا‪ ،‬ونعلهُ حسنا قال "إِ ّن اللّه َجمِيلٌ يُ ِ‬
‫يُ ِ‬
‫النّاسِ" رواه مسلم‪ ،‬ومن المال الحمود أن تتجمل الرأة لزوجها وأن يتجمل الزوج لزوجته‪ ،‬وأما‬

‫تبج الرأة وإبداؤها زينتها لغي مارمها فل يسمى جال‪ ،‬بل هو شي وغواية‪ ،‬وإشاعة للفتنة‪ ،‬وإفساد ف‬
‫الرض‪ ،‬ونزع للباب الياء والعفة والطهارة‪ ،‬وتسربل بسربال الوقاحة وزي الاهلية‪ ،‬وقد قال تعال‪:‬‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬صِ ْنفَانِ مِنْ أهلِ‬
‫{وََقرْنَ فِي بُيُوتِكُ ّن وَلَ تََبرّجْنَ تََبرّجَ ٱلْجَاهِلِيّ ِة ٱلُولَىٰ}‪ ،‬وقال صَلّى ا ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬مدارج السالكي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪171‬‬

‫ت مُمِيلتٌ‬
‫النّارِ لْ أ َرهُما‪َ :‬ق ْومٌ معهم سِياطٌ كأ ْذنَابِ الْب َقرِ َيضْرِبو َن بِها النّاس‪ ،‬ونِساء كاسياتٌ عارِيا ٌ‬
‫ختِ الاِئ َلةِ ل َيدْخٌلنَ الّنةَ‪ ،‬ول ِيدْ َن رِ َيهَا‪ ،‬وإ ّن رِ َيهَا لَيُو َج ُد مِنْ‬
‫مَائِلتٌ‪ُ ،‬رؤُو ُسهُنّ كَأسْنِمةِ الْبُ ْ‬
‫مسِيَ ِة كذَا و َكذَا" رواه مسلم‪.‬‬
‫فمن توفرت فيه الشروط التقدمة وهي العلم والتقوى والذكورة‪ ،‬أدخل ف أهل الشورى ويقدم المثل‪،‬‬
‫فالمثل وف حال اللف ف استحقاق أحد الناس الدخول ف أهل الشورى‪ ،‬أو اللف ف كونه أول‬
‫من غيه فيفصل الناع بالقضاء الشرعي لقول ال تعال‪َ{ :‬فإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ‬
‫وَالرّسُولِ إِن ُكنْتُ ْم ُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ وَالَْي ْومِ ال ِخرِ ذِلكَ خَْي ٌر وَأَ ْحسَنُ تَ ْأوِيلً} وشيء نكرة ف سياق الشرط‪،‬‬
‫فتقتضي العموم‪ ،‬فكل ما تنازع فيه التنازعون فيد إل كتاب ال تعال وسنة رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬

‫فصل‪ :‬تطبيق الشورى‬
‫إذا تبي للمام من أدلة الكتاب أو السنة أو الجاع أو القياس اللي حكم حادثة بعينها فل مال‬
‫للشورى ف هذه الالة‪ ,‬وقد قال سفيان بن عيينة رحه ال ف قوله‪{ :‬وَشَا ِو ْرهُمْ فِي ا َل ْمرِ} قال‪" :‬هي‬
‫للمؤمني أن يتشاوروا فيما ل يأتم عن النب صلى ال عليه وسلم فيه أثر " أخرجه المام ابن جرير‬
‫الطبي‪ ,‬فل توز الشورى على مالفة حكم ال تعال‪ :‬وقد قال ال تبارك وتعال‪َ { :‬ومَا كَانَ لِ ُم ْؤمِنٍ‬
‫وَ َل ُمؤْمَِنةٍ ِإذَا َقضَى ٱلّل ُه َورَسُوُلهُ َأمْرا أَن يَكُونَ َلهُمُ ٱلْخَِي َر ُة مِنْ َأ ْم ِرهِمْ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬يأَّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ‬
‫لَ ُتقَ ّدمُواْ َبيْنَ يَ َديِ الّلهِ َورَسُوِل ِه وَاّتقُواْ الّلهَ إِ ّن الّلهَ َسمِي ٌع عَلِيمٌ}‪ ,‬وأخرج ابن جرير وغيه عن ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما قوله‪{ :‬يَأّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ لَ ُتقَ ّدمُوْا بَيْنَ َي َديِ الّل ِه َورَسُوِلهِ} يقول‪ " :‬ل تقولوا خلف‬
‫الكتاب والسنة "‪ ،‬وقال ابن حزم رحه ال " كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي المس أم ل؟‬
‫أيصوم رمضان أم ل؟ ونقطع أن مسلما ل يالفنا ف هذا "‪.)11‬‬

‫فإذا عرضت للمام مسألة أو نزلت نازلة ل يعرف الكم الشرعي فيها فعليه أن يعرض السألة على أهل‬
‫الشورى‪ ,‬فإذا بي له بعضهم نصا شرعيا ف السألة أخذ به‪ ,‬وإذا ل يبينوا له نصا شرعيا استعرض أقوال‬
‫أهل الشورى وأخذ أشبهها بالكتاب والسنة‪ ,‬الذي يعتقد أنه هو الق والصواب وبه تتحقق الصلحة‬
‫الشرعية‪ ,‬فإن تصرفات المي مناطة بالصلحة الشرعية وبتنفيذ أحكام ال تعال‪ ،‬ول يتصرف ف‬
‫سياسات الدولة الداخلية والارجية با تشتهيه النفس‪ ,‬والقاعدة الشرعية أن " التصرف على الرعية‬
‫منوط بالصلحة " وقد دل على هذه القاعدة قوله صلى ال عليه وسلم "ما مِن عبدٍ يسترعِيهِ اللّه رعّيةً‬

‫يَمُوتُ يومَ يَموتُ و ُهوَ غَاشٌ ِلرَعِيِّتهِ‪ ،‬إلّ َح ّرمَ اللّه علَيهِ الَّنةَ " متف ٌق عليه‪ ،‬وف روايةٍ " َفلَم يَحُطهَا‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬كتاب الحكام لبن حزم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪172‬‬

‫ي َيلِي أُمورَ الُسلِميَ‪ُ ،‬ثمّ ل يَج َهدُ َلهُم‪،‬‬
‫حةَ الَنّة"‪ ،‬وف روايةٍ لسـلم" ما مِن َأمِ ٍ‬
‫بُِنصْح ِه ل يِد رَائ َ‬
‫ح لُم‪ ،‬إ ّل لَم يَدخُل َمعَ ُهمُ الَّنةَ" وغيه من الدلة‪.‬‬
‫ويَنْص ُ‬
‫قال المام البخاري رحه ال " وكانت الئمة بعد النب صلى ال عليه وسلم يستشيون المناء من أهل‬
‫العلم ف المور الباحة‪ ،‬ليأخذوا بأسهلها‪ ،‬فإذا وضح الكتاب أو السنة ل يتعدوه إل غيه‪ ،‬اقتداء بالنب‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ,‬ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة‪ ،‬فقال عمر‪ :‬كيف تقاتل الناس وقد قال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس حت يقولوا ل إله إل ال‪ ،‬فإذا قالوا ل إله إل ال‬
‫عصموا من دماءهم وأموالم إل بقها وحسابم على ال"‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬وال لقاتلنّ من فرّق بي‬
‫ما جع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ث تابعه بعد عمر‪ ,‬فلم يلتفت أبو بكر إل مشورة‪ ،‬إذ كان عنده‬
‫حكم رسول ال صلى ال عليه وسلم ف الذين فرقوا بي الصلة والزكاة‪ ،‬وأرادوا تبديل الدين‬
‫وأحكامه‪ ،‬وقال النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬من بدّل دينه فاقتلوه"‪.)11‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال " وإذا استشارهم‪ ،‬فإن بي له بعضهم ما يب اتباعه من كتاب‬
‫ال أو سنة رسوله أو إجاع السلمي فعليه اتباع ذلك ول طاعة لحد ف خلف ذلك‪ ،‬وإن كان عظيما‬
‫ف الدين والدنيا‪ ,‬قال ال تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُواْ الّلهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُو َل وَُأوْلِي ا َل ْمرِ مِنكُمْ}‬
‫وإن كان أمرا قد تنازع فيه السلمون‪ ،‬فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه‪ ،‬ووجه رأيه فأي الراء‬
‫كان أشبه بكتاب ال وسنة رسوله عمل به‪ ،‬كما قال ال تعال‪َ{ :‬فإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ‬

‫وَالرّسُولِ إِن كُنتُ ْم ُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ وَالَْي ْومِ ال ِخ ِر ذَِلكَ خَْي ٌر وَأَ ْحسَنُ تَ ْأوِيلً}"‪.)22‬‬

‫وقال القرطب رحه ال " والشورى مبنية على اختلف الراء‪ ،‬والستشي ينظر ف ذلك اللف‪ ،‬وينظر‬
‫أقربا قول إل الكتاب والسنة إن أمكنه‪ ،‬فإذا أرشده ال تعال إل ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكل‬

‫عليه"‪.)33‬‬

‫وإذا خالف بعض أهل الشورى المام ول يوافقوه على القول الذي اختاره وارتضاه‪ ،‬ورأوا أنه مالف‬
‫للصواب‪ ،‬وأن الصلحة الشرعية ل تتحقق به ففي هذه الالة يفصل الناع بالقضاء الشرعي‪ ،‬وليطاع‬
‫المي ف اختياره حت يفصل القضاء فيه‪ ،‬ويثبت مشروعيته وصحته‪ ,‬وإذا حكم القضاء بخالفة اختيار‬
‫المي لشرع ال ولقواعده وأصوله العامة‪ ،‬وبي أصوب أقوال أهل الشورى‪ ،‬ففي هذه الالة يب على‬
‫المام أن يعمل بالقول الصحيح من أقوال أهل الشورى‪ ،‬الذي أقره وأكد صحته القضاء الشرعي‪ ,‬وقد‬
‫قال تعال‪{ :‬فَإِن َتنَا َزعْتُ ْم فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ وَالرّسُولِ إِن كُْنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِالّل ِه وَاْلَي ْومِ ال ِخرِ ذِلكَ خَْيرٌ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ )1‬صحيح البخاري‪.‬‬
‫‪ )2‬كتاب السياسة الشرعية‪.‬‬
‫‪ )3‬الامع لحكام القرآن‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪173‬‬

‫وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‪ ،‬قال المام ابن جرير رحه ال " يعن بذلك جل ثناؤه‪ :‬فإن اختلفتم أيها الؤمنون ف‬
‫شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم أو أنتم وولة أمركم فاشتجرت فيه {َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ} يعن بذلك‬
‫فارتادوا معرفة حكم الذي اشتجرت أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم من عند ال يعن بذلك من كتاب‬
‫ال فاتبعوا ما وجدت‪ ,‬وأما قوله والرسول فإنه يقول فإن ل تدوا إل علم ذلك ف كتاب ال سبيل‬
‫فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا وإن كان ميتا‪ ،‬فمن سنته إن كنتم تؤمنون بال‬
‫واليوم الخر يقول‪ :‬افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بال واليوم الخر"‪.)11‬‬

‫و قال المام ابن كثي رحه ال‪ " :‬قال ماهد وغي واحد من السلف أي إل كتاب ال وسنة رسوله‪،‬‬
‫وهذا أمر من ال عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع ف‬
‫ذلك إل الكتاب والسنة "‪.)22‬‬

‫وقال ماهد ف قوله تعال‪{ :‬أَطِيعُواْ الّلهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُو َل وَُأوْلِي ا َل ْمرِ مِن ُكمْ} قال "أهل العلم وأهل‬
‫الفقه‪َ{ :‬فإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّل ِه وَالرّسُولِ} قال كتاب ال وسنة نبيه ول تردوا إل أول‬
‫المر شيئا"‪.)33‬‬

‫و قال الروزي رحه ال‪ " :‬فقال تعال‪{ :‬فَإِن تَنَا َزعْتُ ْم فِي شَ ْيءٍ} يعن إن اختلفتم ف شيء يعن وال‬
‫أعلم هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم {َف ُردّوهُ إِلَى الّل ِه وَالرّسُولِ} يعن وال أعلم إل ما قال ال‬
‫والرسول صلى اله عليه وسلم فإن ل يكن ما تنازعوا فيه نصا فيها ول ف واحد منهما ردا قياسا على‬
‫أحدها"‪.)41‬‬

‫وقال الافظ ابن حجر رحه ال " ومن بديع الواب قول بعض التابعي لبعض المراء من بن أمية لا‬
‫قال له‪ :‬أليس ال أمركم أن تطيعونا ف قوله {وَُأ ْولِي ا َل ْم ِر مِنكُمْ}؟ فقال له‪ :‬أليس قد نزعت عنكم يعن‬
‫‪5‬‬
‫الطاعة إذا خالفتم الق بقوله {َفإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّل ِه وَالرّسُولِ إِن ُكنْتُ ْم ُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ} "‬

‫‪ ،)2‬فهذا هو الطريق الشرعي عند التنازع‪ ,‬وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن المام إذا خالفه أغلب‬
‫أهل الشورى فيقدم رأي الغلبية منعا لستبداد الكام وظلمهم‪ ،‬فهو قول ل أصل له‪ ,‬وإنا ينع ظلم‬
‫الكام واستبدادهم بالطرق الشرعية الكافية عند تنفيذها أن تضبط أعمال الميع با يوافق شرع ال‬
‫تعال‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬
‫‪ )2‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬
‫‪ )3‬اعتقاد أهل السنة لللكائي‪.‬‬
‫‪ )1‬السنة للمروزي‪.‬‬
‫‪ )2‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪174‬‬

‫كما أن القول بأن المام يتار من القوال ما يراه أشبه بالكتاب والسنة‪ ،‬وتقتضيه الصول والقواعد‬
‫الشرعية العامة ولو خالفه الغلبية هو الذي يتوافق مع كون المام من التقياء العلماء الجتهدين الذي‬
‫توفرت فيه شروط المامة‪ ،‬ومن قال يؤخذ بقول الغلبية فلعله بناه على ما يشاهده من جور الكام‬
‫وظلمهم‪ ,‬ولو قلنا بذا القول مع وجود المام العادل الجتهد فقد عطلنا طاعته بالعروف وف هذا مالفة‬
‫لكتاب ال ولسنة رسوله صلى ال عليه وسلم ولسنة اللفاء الراشدين رضي ال عنهم‪.‬‬
‫قال ابن أب العز النفي ف شرح العقيدة الطحاوية‪" :‬وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجاع سلف‬
‫المة أن ول المر وإمام الصلة والاكم وأمي الرب وعامل الصدقة يطاع ف مواضع الجتهاد وليس‬
‫عليه أن يطيع أتباعه ف موارد الجتهاد‪ ،‬بل عليهم طاعته ف ذلك وترك رأيهم لرأيه‪ ،‬فإن مصلحة‬
‫الماعة والئتلف ومفسدة الفرقة والختلف أعظم من أمر السائل الزئية"‪.)11‬‬

‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال‪" :‬المام والرعية يتعاونون على الب والتقوى ل على الث‬
‫والعدوان بنلة أمي اليش والقافلة والصلة والج‪ ،‬والدين قد عرف بالرسول فلم يبق عند المام دين‬
‫ينفرد به‪ ،‬ولكن ل بد من الجتهاد ف الزئيات‪ ،‬فإن كان الق فيها بينا أمر به وإن كان متبينا للمام‬
‫دونم بينه لم‪ ،‬وكان عليهم أن يطيعوه‪ ،‬وإن كان مشتبها عليهم اشتوروا فيه حت يتبي لم‪ ،‬وإن تبي‬
‫لحد من الرعية دون المام بينه له‪ ،‬وإن اختلف الجتهاد فالمام هو التبع ف اجتهاده‪ ،‬إذ ل بد من‬
‫الترجيح والعكس متنع"‪.)22‬‬

‫كما أن الرجوع إل شرع ال تعال عند الناع ولو كان من خالف المام رجل واحدا هو الطريق‬
‫التيقن للوصول إل الق‪ ,‬وأما الغلبية فقد تتمع على خلف الق ف قضية معينة ل سيما ف البلد الت‬
‫يقل فيها العلم الشرعي ول يتوفر فيها الكثي من العلماء‪.‬‬
‫والاكم إذا كان ظالا مستبدا فلن يشاور أحدا‪ ،‬وإذا شاور فلن يرجع لشرع ال تعال عند الختلف‪،‬‬
‫ومن باب أول أن ل يلتزم بقول الغلبية‪ ,‬وأما إذا كان الاكم عادل يشاور أهل العلم والصلح فل‬
‫وجه للزامه بالغلبية‪ ،‬وهو يقبل الق ويرجع إل شرع ال ف كل صغي وكبي‪ ،‬سواء خالفه رجل‬
‫واحد من أهل الشورى أو أغلبيتهم‪.‬‬
‫و أما إذا ل يبت المي ف موضوع الجتهاد برأيه ما للرأي والنظر ف تقدير الصلحة فيه مال ورأى‬
‫الترجيح بالغلبية فله ذلك‪ ,‬قال الافظ ابن حجر رحه ال عند شرح حديث رجوع عمر رضي ال عنه‬
‫عن دخول الشام بسبب الطاعون " وفيه الترجيح بالكثر عددا والكثر تربة لرجوع عمر لقول مشيخة‬
‫قريش مع ما انضم إليهم من وافق رأيهم من الهاجرين والنصار فإن مموع ذلك أكثر من عدد من‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬العقيدة الطحاوية‪.‬‬
‫‪ )2‬منهاج السنة النبوية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪175‬‬

‫خالفه من كل من الهاجرين والنصار ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل ف العلم‬
‫والدين ما عند الشيخة من السن والتجارب فلما تعادلوا من هذه اليثية رجح بالكثرة ووافق اجتهاده‬
‫النص‪ ،‬فلذلك حد ال تعال على توفيقه لذلك"‪.)11‬‬

‫فصل‪ :‬مالت الشورى‬
‫تشرع الشورى ف القضاء وف الفتوى ف جيع شؤون الياة للتوصل إل الكم الشرعي إذا ل يتبي‬
‫للمام الكم من الكتاب أو السنة أو الجاع أو القياس اللي الستوف للشروط‪ ,‬وكذلك يتشاور المام‬
‫مع أهل الشورى ف أمور الرب والسلم والدنة‪ ،‬وف الموال العامة وصرفها‪ ،‬وف تولية المراء والقضاة‬
‫وغيهم‪ ،‬وف النوازل الطارئة‪ ،‬وف تنظيم الدولة وإدارتا‪ ،‬وتشرع الشورى ف مراقبة أعمال المام‬
‫والولة والقضاة وغيهم وماسبتهم‪ ,‬وكذلك ف تعيي المام العام‪ ،‬قال العلمة السعدي رحه ال ف‬
‫قوله تعال {وََأ ْم ُرهُمْ شُورَى بَيَْنهُمْ} " وأمرهم الدين والدنيوي {شُورَى بَْيَنهُمْ} أي ل يستبد أحد منهم‬
‫برأيه ف أمر من المور الشتركة بينهم‪ ،‬وهذا ل يكون إل فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم‬
‫وتاببهم‪ ،‬فمن كمال عقولم أنم إذا أرادوا أمرا من المور الت تتاج إل إعمال الفكر والرأي فيها‬
‫اجتمعوا لا وتشاوروا وبثوا فيها‪ ،‬حت إذا تبينت لم الصلحة انتهزوها وبادروها‪ ،‬وذلك كالرأي ف‬
‫الغزو والهاد وتولية الوظفي لمارة أو قضاء أو غيها‪ ،‬وكالبحث ف السائل الدينية عموما‪ ،‬فإنا من‬
‫المور الشتركة‪ ،‬والبحث فيها لبيان الصواب ما يبه ال‪ ،‬وهو داخل ف هذه الية"‪.)21‬‬

‫ومن الدلة والمثلة على الشورى ف الهاد والسلم والدنة أن النب صلى ال عليه وسلم شاور الصحابة‬
‫ف يوم بدر‪ ،‬فعن أنس رضي ال عنه " أن رسول ال صلى ال عليه وسلم شاور‪ ،‬حي بلغه إقبال أب‬
‫سفيان‪ .‬قال‪ :‬فتكلم أبو بكر رضي ال عنه فأعرض عنه‪ .‬ث تكلم عمر رضي ال عنه فأعرض عنه‪ .‬فقام‬
‫سعد بن عبادة رضي ال عنه فقال‪ :‬إيانا تريد يا رسول ال والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نيضها البحر‬
‫لخضناها‪ .‬ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إل برك الغماد لفعلنا"‪ .‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وشاورهم ف أسرى بدر فقد جاء عن ابن عباس رضي ال عنهما عن عمر رضي ال عنه ف أسرى بدر‬
‫وفيه " فهزم ال عز وجل الشركي فقتل منهم سبعون رجل‪ ،‬وأسر منهم سبعون رجل‪ ،‬فاستشار‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي ال عنهم " رواه مسلم وأحد واللفظ له‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬
‫‪ )1‬تيسي الكري النان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪176‬‬

‫وكذلك شاورهم ف موطن القتال ف غزوة بدر‪ ,‬وكذلك شاورهم يوم الحزاب بصالة الحزاب‬
‫بثلث ثار الدينة‪ ،‬فأشار عليه سعد بن معاذ رضي ال عنه وسعد بن عبادة رضي ال عنه أل يعطيهم‬
‫شيئا‪ ,‬فعن أب هريرة رضي ال عنه قال" جاء الارث الغطفان إل رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‬
‫ناصفنا تر الدينة وإل ملتا عليك خيل ورجال‪ ،‬فقال حت أستأمر السعود سعد بن عبادة وسعد بن‬
‫معاذ‪ ،‬يعن يشاورها‪ .‬فقال‪ :‬ل وال ما أعطينا الدنية من أنفسنا ف الاهلية‪ ،‬فكيف وقد جاء ال‬
‫بالسلم‪ .‬فرجع إل الارث فأخبه‪ ،‬فقال‪ :‬غدرت يا ممد‪ ،‬قال فقال حسان‪:‬‬
‫منـكم فإنّ مـمدا ل يغدر‬
‫يا حارِ من يغد ْر بذمةِ جاره‬
‫إن تغدروا فالغدر من عاداتكم‬

‫واللؤم ينبت ف أصول السخب‬

‫وأمـانةُ النهـدي حيَ لقيتها‬

‫مثلُ الزجاج ِة صدعها ل يب‬

‫قال فقال الارث‪ :‬كف عنا يا ممد لسان حسان‪ ،‬فلو مزج به ماء البحر لزج" رواه البزار والطبان‬
‫ولفظه عن أب هريرة قال‪" :‬جاء الارث الغطفان إل النب صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا ممد شاطرنا‬

‫تر الدينة قال‪" :‬حت استأمر السعود" فبعث إل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد‬
‫بن خيثمة وسعد بن مسعود رحهم ال فقال‪" :‬إن قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة‪،‬‬
‫وإن الارث يسألكم أن تشاطروه تر الدينة‪ ،‬فإن أردت أن تدفعوا إليه عامكم هذا حت تنظروا ف‬
‫أمركم بعد" قالوا‪ :‬يا رسول ال أوحي من السماء‪ ،‬فالتسليم لمر ال أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع‬
‫لواك ورأيك‪ ،‬فإن كنت إنا تريد البقاء علينا فوال لقد رأيتنا وإياهم على سواء‪ ،‬ما ينالون منا ترة إل‬
‫بشراء أو قرى‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬هو ذا تسمعون ما يقولون" قالوا‪ :‬غدرت يا‬

‫ممد فقال حسان بن ثابت رحه ال‪:‬‬
‫يا حارِ من يغدر بذمة جارهِ‬

‫منكم فإن ممدا ل يغدر‬

‫و أمانة الْ ُم ّريّ حي لقيتها‬

‫كسر الزجاجة صدعها ل يب‬

‫إن تغدروا فالغدر من عاداتكم‬

‫و اللؤم ينبت ف أصول السخب‬

‫وقال اليثمي‪ :‬ورجال البزار والطبان فيهما ممد بن عمرو‪ ،‬وحديثه حسن‪ ،‬وبقية رجاله ثقات‪.‬‬
‫وكذلك تشاور الصحابة رضي ال عنهم ف قتال مانعي الزكاة‪ ,‬وعن عبد ال بن عمرو رضي ال عنه‬
‫قال‪" :‬كتب أبو بكر رضي ال عنه إل عمرو بن العاص أن رسول ال صلى ال عليه وسلم شاور ف أمر‬
‫الرب فعليك به" رواه الطبان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪177‬‬

‫وعن طارق بن شهاب عن أب بكر رضي ال عنه قال لوفد بزاخة‪ :‬تتبعون أذناب البل حت يري ال‬
‫خليفة نبيه صلى ال عليه وسلم والهاجرين أمرا يعذرونكم به " رواه البخاري‪ ،‬قال الافظ رحه ال ف‬
‫الفتح‪" :‬كذا ذكر البخاري هذه القطعة من الب متصرة‪ ..‬وقد أوردها أبو بكر البقان ف مستخرجه‬
‫وساقها الميدي ف المع بي الصحيحي‪ ،‬ولفظه الديث الادي عشر من أفراد البخاري عن طارق‬
‫بن شهاب قال‪" :‬جاء وفد بزاخة من أسدٍ وغطفان إل أب بكر يسألونه الصلح‪ ،‬فخيهم بي الرب‬
‫الجلية والسلم الخزية‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذه الجلية قد عرفناها فما الخزية؟ قال‪ :‬ننع منكم اللقة والكراع‪،‬‬
‫ونغنم ما أصبنا منكم‪ ،‬وتردون علينا ما أصبتم منا‪ ،‬وتدون لنا قتلنا‪ ،‬وتكون قتلكم ف النار‪ ،‬وتتركون‬
‫أقواما يتبعون أذناب البل حت يري ال خليفة رسول ال صلى ال عليه وسلم والهاجرين أمرا‬
‫يعذرونكم به‪ .‬فعرض أبو بك ٍر ما قال على القوم فقام عمر بن الطاب فقال‪ :‬قد رأيت رأيا وسنشي‬
‫عليك‪ ،‬فأما ما ذكرت من الرب الجلية والسلم الخزية‪ ،‬فنعم ما ذكرت وما ذكرت أن نغنم ما أصبنا‬
‫منكم وتردون ما أصبتم منا‪ ،‬فنعم ما ذكرت‪ ،‬وأما ما ذكرت تدون قتلنا وتكون قتلكم ف النار فإن‬
‫قتلنا قاتلت‪ ،‬فقتلت على أمر ال أجورها على ال‪ ،‬ليس لا دياتٌ‪ ،‬فتتابع القوم على ما قال عمر‪ ،".‬وف‬
‫هذا الثر أن المام إذا قضى بأمر يعرض ما قضى به على أهل الشورى‪ ،‬وفيه أن أهل الشورى قد‬
‫يوافقون المام على بعض قوله ويالفونه ف بعض‪.‬‬
‫ومن الشورى ف الموال ما أخرجه أحد عن أب إسحاق عن حارثة قال‪" :‬جاء ناس من أهل الشام إل‬
‫عمر رضي ال عنه فقالوا‪ :‬إنا قد أصبنا أموال وخيل ورقيقا نب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور‪ .‬قال‪:‬‬
‫ما فعله صاحباي قبلي فأفعله‪ ،‬واستشار أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفيهم علي رضي ال عنه‬
‫فقال علي رضي ال عنه‪" :‬هو حسن إن ل يكن جزية راتبة يؤخذون با من بعدك"‪.‬‬
‫وعن ساك قال‪ :‬سعت عياضا الشعري قال‪" :‬شهدت اليموك وعلينا خسة أمراء‪ :‬أبو عبيدة بن الراح‬
‫ويزيد بن أب سفيان وابن حسنة وخالد بن الوليد وعياض‪ ،‬وليس عياض هذا بالذي حدث ساكا قال‬
‫وقال عمر رضي ال عنه‪ :‬إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة قال فكتبنا إليه أنه قد جاش إلينا الوت‬
‫واستمددناه فكتب إلينا إنه قد جاءن كتابكم تستمدون وأن أدلكم على من هو أعز نصرا وأحضر‬
‫جندا ال عز وجل فاستنصروه‪ ،‬فإن ممدا صلى ال عليه وسلم قد نصر يوم بدر ف أقل من عدتكم‪،‬‬
‫فإذا آتاكم كتاب هذا فقاتلوهم ول تراجعون قال فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم أربع فراسخ قال‪ :‬وأصبنا‬
‫أموال فتشاوروا‪ ،‬فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل رأس عشرة" رواه أحد وابن حبان‪ ،‬وصحح ابن‬
‫كثي إسناده‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪178‬‬

‫وعن جعفر بن ممد عن أبيه قال‪" :‬استشارهم عمر ف العطاء بن يبدأ؟ فقالوا‪ :‬ابدأ بنفسك‪ .‬قال فبدأ‬
‫بالقارب من رسول ال صلى ال عليه وسلم قبل قومه"‪.)11‬‬

‫وروى أبو عبيدة ف كتاب الموال من طريق أب إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر رضي ال عنه‬
‫"أنه أراد أن يقسم السواد بي السلمي‪ ،‬فأمر أن يصوا فوجد الرجل يصيبه ثلثة من الفلحي فشاور‬
‫ف ذلك فقال له علي بن أب طالب رضي ال عنه "دعهم يكونوا مادة للمسلمي" فتركهم وبعث عليهم‬
‫عثمان بن حنيف فوضع عليهم ثانية وأربعي وأربعة وعشرين واثن عشر"‪.‬‬
‫وروى أيضا من طريق عبد ال بن أب قيس أو عبد ال بن قيس المدان شك أبو عبيد قال قدم عمر‬
‫الابية‪ ،‬فأراد قسم الرض بي السلمي‪ ،‬فقال له معاذ‪ :‬وال إذن ليكونن ما تكره‪ ،‬إنك إن قسمتها صار‬
‫الريع العظيم ف أيدي القوم‪ ،‬ث يبيدون فيصي ذلك إل الرجل الواحد أو الرأة‪ ،‬ث يأت من بعدهم قوم‬
‫يسدون من السلم مسدا‪ ،‬وهم ل يدون شيئا‪ ،‬فانظر أمرا يسع أولم وآخرهم "‪.‬‬
‫وأخرج عبد الرزاق ف مصنفه عن ابن جريج قال قال عمرو بن شعيب " وكتب أهل منبج ومن وراء‬
‫بر عدن إل عمر بن الطاب يعرضون عليه أن يدخلوا بتجارتم أرض العرب ولم العشور منها‪.‬‬
‫فشاور عمر ف ذلك أصحاب النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأجعوا على ذلك‪ ،‬فهو أول من أخذ منهم‬
‫العشور"‪.‬‬
‫ومن المثلة العظيمة ف الشورى ف الموال أن أهل الشورى يددون للمام مقدار نفقته من بيت الال‪,‬‬
‫وقد قالت عائشة رضي ال عنها " لا استخلف أبو بكر الصديق قال‪ :‬لقد علم قومي أن حرفت ل تكن‬
‫تعجز عن مؤونة أهلي‪ ،‬وشغلت بأمر السلمي فسيأكل آل أب بكر من هذا الال ويترف للمسلمي‬
‫فيه" رواه البخاري‪ ،‬وأخرج ابن سعد ف طبقاته بإسناده عن عطاء بن السائب قال‪" :‬لا استخلف أبو‬
‫بكر أصبح غاديا إل السوق وعلى رقبته أثواب يتجر با‪ ،‬فلقيه عمر بن الطاب وأبو عبيدة بن الراح‬
‫فقال له‪ :‬أين تريد يا خليفة رسول ال؟ قال‪ :‬السوق‪ .‬قال‪ :‬تصنع ماذا؟ وقد وليت أمر السلمي قال‪:‬‬
‫فمن أين أطعم عيال؟ قال له‪ :‬انطلق حت نفرض لك شيئا‪ .‬فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة‬
‫وما كسوه ف الرأس والبطن‪ ،‬فقال عمر‪ :‬إل القضاء وقال أبو عبيدة‪ .‬وإل الفيء‪ .‬قال عمر‪ :‬فلقد كان‬
‫يأت علي الشهر ما يتصم إل فيه اثنان" وقال عنه الافظ ابن حجر‪ :‬إسناد مرسل رجاله ثقات‪.‬‬
‫وأخرج ابن سعد عن حيد بن هلل قال‪" :‬لا ول أبو بكر قال أصحاب رسول ال افرضوا لليفة‬
‫رسول ال ما يغنيه قالوا‪ .‬نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر ونفقته على‬
‫أهله‪ ،‬كما كان ينفق قبل أن يستخلف‪ ,‬قال أبو بكر‪ :‬رضيت"‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الطبقات الكبى لبن سعد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪179‬‬

‫وعن أيوب بن أب أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال " مكث عمر رضي ال عنه زمانا ل يأكل من‬
‫الال شيئا حت دخلت عليه ف ذلك خصاصة‪ ،‬وأرسل إل أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فاستشارهم‪ ،‬فقال‪ :‬قد شغلت نفسي ف هذا المر فما يصلح ل منه‪ ،‬فقال عثمان بن عفان رضي ال‬
‫عنه‪ :‬كل وأطعم قال وقال ذلك سعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل رضي ال عنه وقال لعلي رضي ال‬
‫عنه‪ :‬ما تقول أنت ف ذلك؟ قال‪ :‬غداء وعشاء قال‪ :‬فأخذ عمر بذلك"‪.)11‬‬

‫وعن سعيد بن السيب أن عمر استشار أصحاب النب صلى ال عليه وسلم فقال‪" :‬وال لطوقنكم من‬
‫ذلك طوق المامة ما يصلح ل من هذا الال فقال علي غداء وعشاء قال صدقت"‪.‬‬
‫ومن الشورى ف النوازل ما رواه البخاري عن عبد ال بن عباس "أن عمر بن الطاب رضي ال عنه‬
‫سرْغ لقيه أمراء الجناد‪ ،‬أبو عبيدة بن الراح وأصحابه‪ ،‬فأخبوه أن‬
‫خرج إل الشام‪ ،‬حت إذا كان ب َ‬
‫الوباء قد وقع بأرض الشأم‪ .‬قال ابن عباس‪ :‬فقال عمر‪ :‬ادع ل الهاجرين الولي‪ ،‬فدعاهم فاستشارهم‪،‬‬
‫وأخبهم أن الوباء قد وقع بالشأم‪ ،‬فاختلفوا‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬قد خرجت لمر‪ ،‬ول نرى أن ترجع عنه‪،‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬معك بقية الناس وأصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول نرى أن ُتقْ ِد َمهُمْ على‬
‫هذا الوباء‪ ،‬فقال‪ :‬ارتفعوا عن‪ ،‬ث قال‪ :‬ادع ل النصار‪ ،‬فدعوتم فاستشارهم‪ ،‬فسلكوا سبيل‬
‫الهاجرين‪ ،‬واختلفوا كاختلفهم‪ ،‬فقال‪ :‬ارتفعوا عن‪ ،‬ث قال‪ :‬ادع ل من كان ها هنا من مشيخة قريش‬
‫من مهاجرة الفتح‪ ،‬فدعوتم‪ ،‬فلم يتلف منهم عليه رجلن‪ ،‬فقالوا‪ :‬نرى أن ترجع بالناس ول ُتقْ ِد َمهُمْ‬
‫على هذا الوباء‪ ،‬فنادى عمر ف الناس‪ :‬إن ُمصَبّحٌ على َظ ْهرٍ فأصْبِحُوا عليه‪ ,‬قال أبو عبيدة بن الراح‪:‬‬
‫أفرارا من قدر ال فقال عمر‪ :‬لو غيك قالا يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر ال إل قدر ال‪ ،‬أرأيت لو كان‬
‫لك إبل هبطت واديا له عدوتان‪ ،‬إحداها خصبة‪ ،‬والخرى جدبة‪ ،‬أليس إن رعيت الصبة رعيتها بقدر‬
‫ال‪ ،‬وإن رعيت الدبة رعيتها بقدر ال قال‪ :‬فجاء عبدالرحن بن عوف‪ ،‬وكان متغيّبا ف بعض حاجته‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إن عندي ف هذا علما‪ ،‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬إذا سعتم به بأرض فل‬
‫ل عمرُ ث انصرف"‪ .‬رواه‬
‫َت ْق َدمُوا عليه‪ ،‬وإذا وقع بأرض وأنتم با فل ترجوا فرارا منه"‪ ,‬قال‪ :‬فحمد ا َ‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن دينار السلمي عن أبيه قال‪" :‬كان عمر يستشي ف خلفته إذا حزبه المر أهل الشورى‬
‫ومن النصار معاذ بن جبل وأب بن كعب وزيد بن ثابت"‪.‬‬
‫ومن الشورى ف المور الدارية والتنظيم ما رواه ابن سعد ف الطبقات الكبى عن جبي بن الويرث‬
‫بن نقيد " أن عمر بن الطاب استشار السلمي ف تدوين الديوان فقال له علي بن أب طالب رضي ال‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الطبقات الكبى لبن سعد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪180‬‬

‫عنه‪" :‬تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ول تسك منه شيئا " وقال عثمان بن عفان رضي ال‬
‫عنه‪" :‬أرى مال كثيا يسع الناس وإن ل يصوا حت تعرف من أخذ من ل يأخذ خشيت أن ينتشر المر‬
‫" فقال له الوليد بن هشام بن الغية رضي ال عنه‪" :‬يا أمي الؤمني قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد‬
‫دونوا ديوانا‪ ،‬وجندوا جنودا‪ ،‬فدون ديوانا‪ ،‬وجند جنودا‪ .‬فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أب طالب ومرمة‬
‫بن نوفل وجبي بن مطعم رضي ال عنهم‪ ،‬وكانوا من نساب قريش فقال‪ :‬اكتبوا الناس على منازلم‬
‫فكتبوا فبدؤوا ببن هاشم‪ ،‬ث أتبعوهم أبا بكر وقومه‪ ،‬ث عمر وقومه على اللفة‪ ،‬فلما نظر إليه عمر‬
‫قال‪ :‬وددت وال أنه هكذا ولكن ابدؤوا بقرابة النب صلى ال عليه وسلم القرب فالقرب‪ ،‬حت تضعوا‬
‫عمر حيث وضعه ال "‪ ,‬والديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أهل العطاء واليش‪ ،‬وليس ف أخذ عمر‬
‫رضي ال عنه كتابة الديوان من غي السلمي اتباعا لم ف شيء من شرعهم‪ ,‬وإنا هو من المور‬
‫الدارية العامة الت يستفاد منها ف الحصاء والضبط‪ ،‬وهو يشبه اليوم استخدام الاسوب ف المور‬
‫الدارية وإن كان من صنع الكفار‪.‬‬
‫و من الشورى ف القضاء والفتوى ما أخرجه البيهقي ف السنن الكبى بإسناده عن جعفر بن برقان عن‬
‫ميمون بن مهران قال‪" :‬كان أبو بكر رضي ال عنه إذا ورد عليه خصم نظر ف كتاب ال‪ ،‬فإن وجد فيه‬
‫ما يقضي به قضى به بينهم‪ ,‬فإن ل يد ف الكتاب نظر هل كانت من النب صلى ال عليه وسلم فيه سنة‬
‫فإن علمها قضى با‪ ,‬وإن ل يعلم خرج فسأل السلمي فقال‪ :‬أتان كذا وكذا فنظرت ف كتاب ال وف‬
‫سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم فلم أجد ف ذلك شيئا‪ ،‬فهل تعلمون أن نب ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قضى ف ذلك بقضاء‪ ،‬فربا قام إليه الرهط فقالوا‪ :‬نعم قضى فيه بكذا وكذا‪ ،‬فيأخذ بقضاء رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ...‬قال جعفر‪ :‬وحدثن ميمون أن عمر بن الطاب رضي ال عنه كان يفعل ذلك‬
‫فإن أعياه أن يد ف القرآن والسنة نظر هل كان لب بكر رضي ال عنه فيه قضاء‪ ،‬فإن وجد أبا بكر‬
‫رضي ال عنه قد قضى فيه بقضاء قضى به‪ ،‬وإل دعا رؤوس السلمي وعلماءهم فاستشارهم‪ ،‬فإذا‬
‫اجتمعوا على المر قضى بينهم"‪.‬‬
‫وروى المام مالك ف الوطأ عن أب الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحن " أن رجلي استبا ف زمان‬
‫عمر بن الطاب رضي ال عنه فقال أحدها للخر‪ :‬وال ما أب بزان ول أمي بزانية‪ .‬فاستشار ف ذلك‬
‫عمر بن الطاب رضي ال عنه فقال قائل مدح أباه وأمه وقال آخرون‪ .‬قد كان لبيه وأمه مدح غي‬
‫هذا نرى أن تلده الد فجلده عمر الد ثاني"‪.‬‬
‫وعن الغية بن شعبة‪ ،‬عن عمر رضي ال عنه‪ :‬أنه استشارهم ف إملص الرأة‪ ،‬فقال الغية‪ :‬قضى النب‬
‫صلى ال عليه وسلم بالغرّة‪ ،‬عبد أو أمة‪ ،‬فشهد ممد بن سلمة‪ :‬أنه شهد النب صلى ال عليه وسلم‬
‫قضى به" متفق عليه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪181‬‬

‫وعن قبيصة بن ذؤيب أنه قال‪" :‬جاءت الدة إل أب بكر الصديق رضي اللّه عنه تسأله مياثها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫مالك ف كتاب اللّه تعال شىء‪ ،‬وما علمت لك ف سنة نبّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا‪ ،‬فارجعي‬
‫حت أسأل الناس‪ ،‬فسأل الناس فقال الغية بن شعبة‪ :‬حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعطاها‬
‫السدس‪ ،‬فقال أبو بكر " هل معك غيك" فقام ممد بن مسلمة فقال مثل ما قال الغية بن شعبة‪،‬‬
‫فأنفذه لا أبو بكر رضي اللّه عنه" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫وعن الشعب قال‪ :‬كتب عمر رضي ال عنه إل شريح "إذا أتاك أمر ف كتاب ال تعال فاقض به‪ ،‬ول‬
‫يلفتنك الرجال عنه‪ ،‬فإن ل يكن ف كتاب ال وكان ف سنة رسول ال صلى اللّه عليه وسلم فاقض به‪،‬‬
‫فإن ل يكن ف كتاب ال ول ف سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فاقض با قضى به أئمة الدى‪ ،‬فإن ل‬
‫يكن ف كتاب ال ول ف سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ول فيما قضى به أئمة الدى‪ ،‬فأنت باليار‪:‬‬
‫إن شئت تتهد رأيك‪ ،‬وإن شئت أن تؤامرن‪ ،‬ول أرى مؤامرتك إياي إل أسلم لك "‪ ,)11‬والؤامرة أي‬

‫الشاورة‪.‬‬
‫وعن الشعب قال‪" :‬إذا اختلف الناس ف شيء فانظر كيف صنع فيه عمر‪ ،‬فإنه كان ل يصنع شيئا حت‬
‫يسأل ويشاور"‪.)22‬‬

‫وقال ابن عبد الب ف التمهيد بعد حديث ابن عباس ف الطاعون الذي نزل ف الشام‪" :‬وفيه أن القاضي‬
‫والمام والاكم ل ينفذ قضاء ول يفصله إل عن مشورة من بضرته‪ ،‬ويصل إليه ويقدر عليه من علماء‬
‫موضعه‪ ،‬وهذا مشهور من مذهب عمر رضي ال عنه‪ .‬ذكر سيف بن عمر عن عبدال بن الستورد عن‬
‫ممد بن سيين قال‪" :‬عهد عمر إل القضاة أن ل يصرموا القضاء إل عن مشورة وعن مل وتشاور‪،‬‬
‫فإنه ل يبلغ من علم عال أن يتزىء به حت يمع بي علمه وعلم غيه"‪.‬‬
‫وقال المام ابن القيم رحه ال‪" :‬ولذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بي أهله‪ ،‬ول‬
‫ينفرد به واحد‪ ،‬وقد مدح ال سبحانه الؤمني بكون أمرهم شورى بينهم‪ ،‬وكانت النازلة إذا نزلت‬
‫بأمي الؤمني عمر بن الطاب رضي ال عنه ليس عنده فيها نص عن ال ول عن رسوله جع لا‬
‫أصحاب رسول ال صلى اللّه عليه وسلم‪ ،‬ث جعلها شورى بينهم‪.‬‬
‫قال البخاري حدثنا سنيد ثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن السيب بن رافع قال‪" :‬كان إذا جاءه‬
‫الشيء من القضاء ليس ف الكتاب ول ف السنة سى صواف المر‪ ،‬فرفع إليهم فجمع له أهل العلم‪ ،‬فإذا‬
‫اجتمع عليه رأيهم فهو الق‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬سنن البيهقي الكبى‪.‬‬
‫‪ )2‬مصنف ابن أب شيبة‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪182‬‬

‫وقال ممد بن سليمان الباغندي ثنا عبد الرحن بن يونس ثنا عمر بن أيوب أخبنا عيسى بن السيب‬
‫عن عامر عن شريح القاضي قال قال ل عمر بن الطاب أن " اقض با استبان لك من قضاء رسول ال‬
‫صلى اللّه عليه وسلم‪ ,‬فإن ل تعلم كل أقضية رسول ال صلى اللّه عليه وسلم فاقض با استبان لك من‬
‫‪1‬‬
‫أئمة الهتدين‪ ,‬فإن ل تعلم كل ما قضت به أئمة الهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلح"‬

‫‪.)1‬‬

‫وقال ابن القيم ف الفت‪" :‬إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره‪ ،‬ول يستقل بالواب‬
‫ذهابا بنفسه وارتفاعا با أن يستعي على الفتاوي بغيه من أهل العلم‪ ،‬وهذا من الهل فقد أثن ال‬
‫سبحانه على الؤمني بأن أمرهم شورى بينهم‪ ،‬وقال تعال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم‪َ { :‬وشَا ِو ْرهُمْ فِي‬
‫ا َل ْمرِ} وقد كانت السألة تنل بعمر بن الطاب رضى ال عنه فيستشي لا من حضر من الصحابة‪،‬‬
‫وربا جعهم وشاورهم"‪.‬‬
‫وعن يي بن سعيد قال سأل عمر بن عبد العزيز عن قاضي الكوفة‪ ،‬وقال‪ " :‬القاضي ل ينبغي أن يكون‬
‫قاضيا حت يكون فيه خس خصال عفيف حليم عال با كان قبله يستشي ذوي اللباب ل يبال بلمة‬
‫الناس"‪.)22‬‬

‫وقال ابن قدامة رحه ال‪ " :‬قال أحد لا ول سعيد بن إبراهيم قضاء الدينة كان يلس بي القاسم‬
‫وسال يشاورها‪ .‬وول مارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يلس بي الكم وحاد يشاورها‪ ،‬ما أحسن‬
‫هذا لو كان الكام يفعلونه يشاورون وينتظرون‪ ،‬ولنه قد ينتبه بالشاورة ويتذكر ما نسيه بالذاكرة‪،‬‬
‫ولن الحاطة بميع العلوم متعذرة‪ ،‬وقد ينتبه لصابة الق ومعرفة الادثة من هو دون القاضي‪ ،‬فكيف‬
‫بن يساويه أو يزيد عليه‪.)31"..‬‬

‫ومن الشورى ف تعيي القضاة ما جاء عن أب اليقظان عامر بن حفص العجيفي "أن عمر بن عبد العزيز‬
‫كتب إل عدي بن أرطأة أجع ناسا من قبلك فشاورهم ف إياس ابن معاوية والقاسم بن ربيعة الوشن‪،‬‬
‫واستقض أحدها‪ .‬فجمع عدي ناسا فحلف القاسم أن إياسا أعلم بالقضاء‪ ،‬وأصلح له من فوله عدي"‬

‫‪.)42‬‬

‫ومن الشورى ف تعيي المام‪ ،‬ما رواه أحد وغيه عن على رضي ال عنه قال قيل‪ :‬يا رسول ال من‬
‫يؤمر بعدك؟ قال‪" :‬إن تؤمروا أبا بكر رضي ال عنه تدوه أمينا زاهدا ف الدنيا راغبا ف الخرة‪ ،‬وإن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ )1‬إعلم الوقعي‪.‬‬
‫‪ )2‬سنن البيهقي الكبى‪.‬‬
‫‪ )1‬كتاب الغن‪.‬‬
‫‪ )2‬تذيب الكمال‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪183‬‬

‫تؤمروا عمر رضي ال عنه تدوه قويا أمينا ل ياف ف ال لومة لئم‪ ،‬وإن تؤمروا عليا رضي ال عنه‬
‫ول أراكم فاعلي تدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق الستقيم"‪ ،‬فقوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن‬
‫تؤمروا" يدل على أن أهل الشورى هم الذين يتارون المام ويؤمرونه‪.‬‬
‫وقول عمر رضي ال عنه‪" :‬من بايع رجل من غي مشورة من السلمي فل يتابع هو ول الذي تابعه تغرة‬
‫أن يقتل" رواه البخاري‪ ,‬وف معن قوله "تغرة أن يقتل" قال الافظ ابن حجر‪" :‬والعن أن من فعل ذلك‬
‫فقد غرر بنفسه وصاحبه وعرضهما للقتل"‪ ,))1‬وأخرج مسلم ف صحيحه عن معدان بن أب طلحة أن‬

‫عمر بن الطاب خطب يوم المعة فذكر نب ال صلى ال عليه وسلم‪ ,‬وذكر أبا بكر قال‪" :‬إن رأيت‬
‫كأن ديكا نقرن ثلث نقرات‪ .‬وإن ل أراه إل حضور أجلي‪ .‬وإن أقواما يأمرونن أن أستخلف‪ .‬وإن‬
‫ال ل يكن ليضيع دينه‪ ،‬ول خلفته‪ ،‬ول الذي بعث به نبيه صلى ال عليه وسلم‪ .‬فإن عجل ب أمر‪.‬‬
‫فاللفة شورى بي هؤلء الستة‪ .‬الذين توف رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو عنهم راض‪ .‬وإن قد‬
‫علمت أن أقواما يطعنون ف هذا المر‪ .‬أنا ضربتهم بيدي هذه على السلم‪ .‬فإن فعلوا ذلك فأولئك‬
‫أعداء ال‪ ،‬الكفرة الضلل‪ .‬ث إن ل أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكللة‪ .‬ما راجعت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ف شيء ما راجعته ف الكللة‪ .‬وما أغلظ ل ف شيء ما أغلظ ل فيه‪ .‬حت طعن‬
‫بإصبعه ف صدري‪ .‬فقال‪" :‬يا عمر أل تكفيك آية الصيف الت ف آخر سورة النساء" وإن إن أعش‬

‫أقض فيها بقضية‪ .‬يقضي با من يقرأ القرآن ومن ل يقرأ القرآن‪ .‬ث قال‪ :‬اللهم إن أشهدك على أمراء‬
‫المصار‪ .‬وإن إنا بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم‪ ،‬وليعلموا الناس دينهم‪ ،‬وسنة نبيهم صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ويقسموا فيهم فيئهم‪ ،‬ويرفعوا إل ما أشكل عليهم من أمرهم‪ .‬ث إنكم‪ ،‬أيها الناس تأكلون شجرتي ل‬
‫أراها إل خبيثتي‪ .‬هذا البصل والثوم‪ .‬لقد رأيت رسول ال صلى ال عليه سلم‪ ،‬إذا وجد ريهما من‬
‫الرجل ف السجد‪ ،‬أمر به فأخرج إل البقيع‪ .‬فمن أكلهما فليمتهما طبخا"‪.‬‬
‫وعن عمرو بن ميمون قال‪ :‬رأيت عمر بن الطاب رضي ال عنه قبل أن يصاب بأيام الدينة‪ ،‬وقف على‬
‫حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال‪ :‬كيف فعلتما‪ ،‬أتافان أن تكونا قد حلتما الرض ما ل تطيق‬
‫قال‪ :‬حلناها أمرا هي له مطيقة‪ ،‬ما فيها كبي فضل‪ .‬قال‪ :‬انظرا أن تكونا حلتما الرض ما ل تطيق‪،‬‬
‫قال‪ :‬قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال عمر‪ :‬لئن سلمن ال‪ ،‬لدعن أرامل أهل العراق ل يتجن إل رجل بعدي أبدا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فما أتت عليه إل رابعة حت أصيب‪ ،‬قال‪ :‬إن لقائم ما بين وبينه إل عبد ال بن عباس غداة أصيب‪،‬‬
‫وكان إذ مر بي الصفي قال‪ :‬استووا‪ ،‬حت إذا ل ير فيهم خلل تقدم فكب‪ ،‬وربا قرأ سورة يوسف أو‬
‫النحل أو نو ذلك ف الركعة الول حت يتمع الناس‪ ،‬فما هو إل أن كب فسمعته يقول‪ :‬قتلن ‪ -‬أو‬
‫(‪ )1‬فتح الباري‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪184‬‬

‫أكلن ‪ -‬الكلب‪ ،‬حي طعنه‪ ،‬فطار العلج بسكي ذات طرفي‪ ،‬ل ير على أحد يينا ول شال إل طعنه‪،‬‬
‫حت طعن ثلثة عشر رجل‪ ،‬مات منهم سبعة‪ ،‬فلما رأى ذلك رجل من السلمي طرح عليه برنسا‪ ،‬فلما‬
‫ظن العلج أنه مأخوذ نر نفسه‪ ،‬وتناول عمر يد عبد الرحن بن عوف فقدمه‪ ،‬فمن يلي عمر فقد رأى‬
‫الذي أرى‪ ،‬وأما نواحي السجد فإنم ل يدرون‪ ،‬غي أنم قد فقدوا صوت عمر‪ ،‬وهم يقولون‪ :‬سبحان‬
‫ال سبحان ال‪ ،‬فصلى بم عبد الرحن صلة خفيفة‪ ،‬فلما انصرفوا قال‪ :‬يا ابن عباس‪ ،‬انظر من قتلن‪،‬‬
‫فجال ساعة ث جاء‪ ،‬فقال‪ :‬غلم الغية‪ ،‬قال‪ :‬الصنع قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬قاتله ال‪ ،‬لقد أمرت به معروفا‪،‬‬
‫المد ل الذي ل يعل ميتت بيد رجل يدعي السلم‪ ،‬قد كنت أنت وأبوك تبان أن تكثر العلوج‬
‫بالدينة ‪ -‬وكان العباس أكثرهم رقيقا ‪ -‬فقال‪ :‬إن شئت فعلت‪ ،‬أي‪ :‬إن شئت قتلنا قال‪ :‬كذبت‪ ،‬بعد‬
‫ما تكلموا بلسانكم‪ ،‬وصلوا قبلتكم‪ ،‬وحجوا حجكم‪ .‬فاحتمل إل بيته‪ ،‬فانطلقنا معه‪ ،‬وكأن الناس ل‬
‫تصبهم مصيبة قبل يومئذ‪ ،‬فقائل يقول‪ :‬ل بأس‪ ،‬وقائل يقول‪ :‬أخاف عليه‪ ،‬فأت بنبيذ فشربه‪ ،‬فخرج من‬
‫جوفه‪ ،‬ث أت بلب فشربه‪ ،‬فخرج من جرحه‪ ،‬فعلموا أنه ميت‪ ،‬فدخلنا عليه‪ ،‬وجاء الناس‪ ،‬فجعلوا يثنون‬
‫عليه‪ ،‬وجاء رجل شاب فقال‪ :‬أبشر يا أمي الؤمني ببشرى ال لك‪ ،‬من صحبة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وقدم ف السلم ما قد علمت‪ ،‬ث وليت فعدلت‪ ،‬ث شهادة‪ .‬قال‪ :‬وددت أن ذلك كفاف ل‬
‫علي ول ل‪ ،‬فلما أدبر إذا إزاره يس الرض‪ ،‬قال‪ :‬ردوا علي الغلم‪ ،‬قال‪ :‬ابن أخي ارفع ثوبك‪ ،‬فإنه‬
‫أنقى لثوبك‪ ،‬وأتقى لربك‪ .‬يا عبد ال بن عمر‪ ،‬انظر ما علي من الدين‪ ،‬فحسبوه فوجدوه ستة وثاني‬
‫ألفا أو نوه‪ ،‬قال‪ :‬إن وف له مال آل عمر فأده من أموالم‪ ،‬وإل فسل ف بن عدي بن كعب‪ ،‬فإن ل‬
‫تف أموالم فسل ف قريش‪ ،‬ول تعدهم إل غيهم‪ ،‬فأد عن هذا الال‪ .‬انطلق إل عائشة أم الؤمني‪،‬‬
‫فقل‪ :‬يقرأ عليك عمر السلم‪ ،‬ول تقل أمي الؤمني‪ ،‬فإن لست اليوم للمؤمني أميا‪ ،‬وقل‪ :‬يستأذن عمر‬
‫بن الطاب أن يدفن مع صاحبيه‪ .‬فسلم واستأذن‪ ،‬ث دخل عليها‪ ،‬فوجدها قاعدة تبكي‪ ،‬فقال‪ :‬يقرأ‬
‫عليك عمر بن الطاب السلم‪ ،‬ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه‪ .‬فقالت‪ :‬كنت أريده لنفسي‪ ،‬ولوثرن به‬
‫اليوم على نفسي‪ ،‬فلما أقبل‪ ،‬قيل‪ :‬هذا عبد ال بن عمر قد جاء‪ ،‬قال‪ :‬ارفعون‪ ،‬فأسنده رجل إليه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ما لديك قال‪ :‬الذي تب يا أمي الؤمني أذنت‪ ،‬قال‪ :‬المد ل‪ ،‬ما كان من شيء أهم إل من‬
‫ذلك‪ ،‬فإذا أنا قضيت فاحلون‪ ،‬ث سلم‪ ،‬فقل‪ :‬يستأذن عمر بن الطاب‪ ،‬فإن أذنت ل فادخلون‪ ،‬وإن‬
‫ردتن ردون إل مقابر السلمي‪ .‬وجاءت أم الؤمني حفصة والنساء تسي معها‪ ،‬فلما رأيناها قمنا‪،‬‬
‫فولت عليه‪ ،‬فبكت عنده ساعة‪ ،‬واستأذن الرجال‪ ،‬فولت داخل لم‪ ،‬فسمعنا بكاءها من الداخل‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬أوص يا أمي الؤمني استخلف‪ ،‬قال‪ :‬ما أجد أحدا أحق بذا المر من هؤلء النفر‪ ،‬أو الرهط‪،‬‬
‫الذين توف رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو عنهم راض‪ ،‬فسمى عليا وعثمان والزبي وطلحة وسعدا‬
‫وعبدالرحن‪ ،‬وقال‪ :‬يشهدكم عبد ال بن عمر‪ ،‬وليس له من المر شيء ‪ -‬كهيئة التعزية له ‪ -‬فإن‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪185‬‬

‫أصابت المرة سعدا فهو ذاك‪ ،‬وإل فليستعن به أيكم ما أمر‪ ،‬فإن ل أعزله عن عجز ول خيانة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬أوصي الليفة من بعدي‪ ،‬بالهاجرين الولي‪ ،‬أن يعرف لم حقهم‪ ،‬ويفظ لم حرمتهم‪ ،‬وأوصيه‬
‫بالنصار خيا‪ ،‬الذين تبوءوا الدار واليان من قبلهم‪ ،‬أن يقبل من مسنهم‪ ،‬وأن يعفى عن مسيئهم‪،‬‬
‫وأوصيه بأهل المصار خيا‪ ،‬فإنم ردء السلم‪ ،‬وجباة الال‪ ،‬وغيظ العدو‪ ،‬وأل يؤخذ منهم إل فضلهم‬
‫عن رضاهم‪ .‬وأوصيه بالعراب خيا‪ ،‬فإنم أصل العرب‪ ،‬ومادة السلم‪ ،‬أن يؤخذ من حواشي أموالم‪،‬‬
‫ويرد على فقرائهم‪ ،‬وأوصيه بذمة ال تعال‪ ،‬وذمة رسوله صلى ال عليه وسلم أن يوف لم بعهدهم‪ ،‬وأن‬
‫يقاتل من ورائهم‪ ،‬ول يكلفوا إل طاقتهم‪.‬‬
‫فلما قبض خرجنا به‪ ،‬فانطلقنا نشي‪ ،‬فسلم عبد ال بن عمر قال‪ :‬يستأذن عمر بن الطاب‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫أدخلوه‪ ،‬فأدخل‪ ،‬فوضع هنالك مع صاحبيه‪ ،‬فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلء الرهط‪ ،‬فقال عبد الرحن‪:‬‬
‫اجعلوا أمركم إل ثلثة منكم‪ ،‬فقال الزبي‪ :‬قد جعلت أمري إل علي‪ ،‬فقال طلحة‪ :‬قد جعلت أمري إل‬
‫عثمان‪ ،‬وقال سعد‪ :‬قد جعلت أمري إل عبد الرحن بن عوف‪ .‬فقال عبد الرحن‪ :‬أيكما تبأ من هذا‬
‫المر‪ ،‬فنجعله إليه وال عليه والسلم‪ ،‬لينظرن أفضلهم ف نفسه فأسكت الشيخان‪ ،‬فقال عبد الرحن‪:‬‬
‫أفتجعلونه إل وال علي أل آلو عن أفضلكم قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأخذ بيد أحدها فقال‪ :‬لك قرابة من رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم والقدم ف السلم ما قد علمت‪ ،‬فال عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان‬
‫لتسمعن ولتطيعن‪ ،‬ث خل بالخر فقال له مثل ذلك‪ ،‬فلما أخذ اليثاق قال‪ :‬ارفع يدك يا عثمان‪ ،‬فبايعه‪،‬‬
‫فبايع له علي‪ ،‬وول أهل الدار فبايعوه" رواه البخاري‪ ،‬وعن الزُهريّ‪ :‬أنّ حيد بن عبد الرحن أخبه‪ :‬أنّ‬
‫السور بن مرمة أخبه‪" :‬أنّ الرهط الذين ولهم عمر اجتمعوا فتشاوروا‪ ،‬فقال لم عبد الرحن‪ :‬لست‬
‫بالذي أنافسكم على هذا المر‪ ،‬ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم‪ ،‬فجعلوا ذلك إل عبد الرحن‪،‬‬
‫فلما ولّوا عبد الرحن أمرهم‪ ،‬فمال الناس على عبد الرحن‪ ،‬حت ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك‬
‫الرهط ول يطأ عقبه‪ ،‬ومال الناس على عبد الرحن يشاورونه تلك الليال‪ ،‬حت إذا كانت الليلة الت‬
‫أصبحنا منها فبايعنا عثمان‪ ،‬قال السور‪ :‬طرقن عبد الرحن بعد هجع من الليل‪ ،‬فضرب الباب حت‬
‫استيقظتُ‪ ،‬فقال‪ :‬أراك نائما‪ ،‬فوال ما اكتحلت هذه الثلث بكبي نوم‪ ،‬انطلق فادع الزبي وسعدا‪،‬‬
‫فدعوتما له فشاورها‪ ،‬ث دعان فقال‪ :‬ادع ل علِيّا‪ ،‬فدعوته فناجاه حت ابا ّر الليل‪ ،‬ث قام عليّ من‬
‫عنده وهو على طمع‪ ،‬وقد كان عبد الرحن يشى من عل ّي شيئا‪ ،‬ث قال‪ :‬ادع ل عثمان‪ ،‬فدعوته‪،‬‬
‫فناجاه حت فرّق بينهما الؤذّن بالصبح‪ ،‬فلما صلّى للناس الصبح‪ ،‬واجتمع أولئك الرهط عند النب‪،‬‬
‫فأرسل إل من كان حاضرا من الهاجرين والنصار‪ ،‬وأرسل إل أمراء الجناد‪ ،‬وكانوا وافوا تلك الَجّة‬
‫مع عمر‪ ،‬فلما اجتمعوا تشهّد عبد الرحن ث قال‪ :‬أمّا بعد يا عليّ‪ ،‬إنّي قد نظرت ف أمر الناس‪ ،‬فلم‬
‫أرهم يعدلون بعثمان‪ ،‬فل تعلنّ على نفسك سبيلً‪ .‬فقال‪ :‬أبايعك على سنّة ال ورسوله والليفتي من‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪186‬‬

‫بعده‪ ،‬فبايعه عبد الرحن‪ ،‬وبايعه الناس‪ :‬الهاجرون‪ ،‬والنصار‪ ،‬وأمراء الجناد‪ ،‬والسلمون" رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫وقد تقدم ف فصل نصيحة المام والمراء وماسبتهم وماكمتهم بعض المثلة على مناصحة أهل‬
‫الشورى وماسبتهم للمام والمراء‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪187‬‬

‫باب‪ :‬تعيين المراء والوزراء والكتاب‬
‫يتول المام تعيي المراء والوزراء وكبار السؤولي‪ ،‬ويشاور ف تعيينهم حت يتبي له أول الناس بالتعيي‬
‫ف كل وزارة أو إمارة‪ ،‬فإن الوليات من المانات الت يب أن تسند إل أهلها‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬إِنّ‬
‫ب صَلّى الُ‬
‫الّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّواْ ا َلمَانَاتِ ِإلَى َأهِْلهَا}‪ ,‬وعن أب هريرة رضي ال عنه قَالَ‪" :‬بيَْنمَا النّ ّ‬
‫ل عَلَْيهِ‬
‫ث اْل َقوْمَ‪ ،‬جا َءهُ أعْرابِيّ َفقَالَ‪ :‬مَتَى السّا َعةُ فَ َمضَى رسُولُ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫عََلْيهِ و َسلّم ف مَجِْلسٍ يُحَ ّد ُ‬
‫ض اْل َقوْمِ‪ :‬سَمِ َع مَا قَالَ‪ ،‬فَ َكرِه ما قَالَ‪ ،‬وقَا َل َب ْعضُهمْ‪ :‬بَلْ لَ ْم يَسْمَعْ‪ ،‬حَتّى إذَا‬
‫وسَلّم يُحَ ّدثُ‪ ،‬فقَال َبعْ ُ‬
‫َقضَى حَدِيَثهُ قَا َل "أيْنَ السّاِئلُ عَنِ السّا َعةِ؟" قَال‪ :‬ها أنَا يَا رسُولَ اللّه‪ ،‬قَا َل "إذَا ضُّي َعتِ ا َلمَانةُ فانْتَ ِظرِ‬
‫ف إضَاعَُتهَا؟ قَالَ‪" :‬إذَا وُسّد ال ْمرُ إل غَ ْيرِ أ ْه ِلهِ فَانْتَ ِظرِ السّاعة" رواهُ البُخاري‪.‬‬
‫السّاعةَ" قَالَ‪َ :‬كيْ َ‬
‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬سيأت على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب‪،‬‬
‫ويكذب فيها الصادق‪ ،‬ويؤتن فيها الائن‪ ،‬ويون فيها المي‪ ،‬وينطق فيها الرويبضة" قيل‪ :‬وما‬
‫الرويبضة؟ قال‪" :‬الرجل التافه ف أمر العامة" رواه ابن ماجه‪،‬وعند أحد بلفظ‪" :‬قيل‪ :‬وما الرويبضة؟‬
‫قال‪" :‬السفيه يتكلم ف أمر العامة"‪ ،‬وعند أحد من حديث أنس "قيل‪ :‬وما الرويبضة؟ قال‪" :‬الفويسق‬
‫يتكلم ف أمر العامة" والرويبضة هو تصغي رابضة وهو الذي ربض وقعد عن مكارم الخلق والمور‬
‫العالية‪ ،‬فأول الناس ف كل عمل أفضلهم أمانة واستقامة وعلما وخبة ف العمل والختصاص‪ ،‬وقد قال‬
‫تعال‪{ :‬إِنّ َخْيرَ مَ ِن اسْتَ ْأ َج ْرتَ اْل َقوِيّ ا َل ِميُ}‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬قَالَ ا ْجعَلْنِي َعلَى َخزَآئِنِ ا َل ْرضِ ِإنّي‬
‫ظ عَلِيمٌ} أي خازن حافظ للمانة وعليم ف تدبي عمله الذي يتوله وتصريف أموره‪،‬وقال تعال‪:‬‬
‫َحفِي ٌ‬
‫{وَٱ ْجعَل لّي َوزِيرا مّنْ َأهْلِي‪ .‬هَارُونَ أَخِي‪ .‬ٱشْ ُددْ ِبهِ َأ ْزرِي‪ .‬وَأَ ْشرِ ْكهُ فِيۤ َأ ْمرِي}‪ ،‬وعن أب سعيدٍ وأب‬
‫خلَف‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم قال‪" :‬مَا َب َعثَ ال ّلهُ مِن نب‪ ،‬ول استَ ْ‬
‫هريرة رضي اللّه عنهما أن رسولَ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫شرّ و ُتضّ ُه عليهِ‬
‫ضهُ عليه‪ ،‬وِبطَاَنةٌ َت ْأمُرُ ُه بِال ّ‬
‫ف وَ ُت ّ‬
‫مِنْ خَلي َفةٍ إلّ كَاَنتْ َلهُ بِطَانتَانِ‪ :‬بِطَاَنةٌ َت ْأمُرُ ُه بِالَ ْعرُو ِ‬
‫صمَ ال ّلهُ" رواه البخاري‪.‬‬
‫والَعصُومُ من َع َ‬
‫ي خيا‪،‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬إذا أرَادَ اللّه بالمِ ِ‬
‫وعن عائشة رضي اللّه عنها قالتْ‪ :‬قال رسو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ي ذلك جعَ َل له َوزِيرَ سُوءٍ‪ ،‬إن‬
‫َجعَلَ له وزيرَ صِدقٍ‪ ،‬إن نَسي ذكّرهُ‪ ،‬وَإن ذَ َكرَ أعَاَنهُ‪ ،‬وَإذا َأرَاد بهِ غَ َ‬
‫نَسي ل ُيذَكّره‪ ،‬وَإن ذَ َكرَ ل ُيعِ ْنهُ" رواه أبو داود‪.‬‬
‫وعن عمر بن الطاب رضي ال عنه قال‪" :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يسمر مع أب بكر ف‬
‫المر من أمر السلمي وأنا معهما" رواه الترمذي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪188‬‬

‫وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪" :‬وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن‬
‫يرفع‪ ،‬وأنا فيهم فلم يرعن إل رجلٌ قد أخذ بنكب‪ ،‬فالتفت فإذا هو علي بن أب طالب فترحم على‬
‫عمر‪ ،‬وقال‪ :‬ما ظننت أحدا أحب إل أن ألقى ال بثل عمله منك‪ ،‬واي ال إن كنت لظن ليجعلنك ال‬
‫مع صاحبيك‪ ،‬ذلك أن كنت كثيا أسع النب صلى ال عليه وسلم يقول‪ :‬ذهبت أنا وأبو بكر وعمر‪،‬‬
‫ودخلت أنا وأبو بكر وعمر‪ ،‬وخرجت أنا وأبو بكر وعمر‪ ،‬فإن كنت لرجو أو أظن أن يعلك ال‬
‫معهما" متفق عليه‪ ،‬وقال الافظ ابن حجر رحه ال " ف فضائل الصحابة لسد بن موسى والعرفة‬
‫ليعقوب بن سفيان بسند ل بأس به عن عبد الرحن بن غنم بفتح العجمة وسكون النون‪ ،‬وهو متلف‬
‫ف صحبته أن النب صلى ال عليه وسلم قال لب بكر وعمر‪ :‬لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما‬
‫عصيتكما ف مشورة أبدا"‪ ،‬ورواه أحد بلفظ نوه‪.‬‬
‫وف صحيح مسلم "أن نافع بن عبدالارث لقي عمر بعسفان‪ .‬وكان عمر يستعمله على مكة‪ .‬فقال‪ :‬من‬
‫استعملت على أهل الوادي؟ فقال‪ :‬ابن أبزى‪ .‬قال‪ :‬ومن ابن أبزى قال‪ :‬مول من موالينا‪ .‬قال‪:‬‬
‫فاستخلفت عليهم مول؟ قال‪ :‬إنه قارئ لكتاب ال عز وجل‪ .‬وإنه عال بالفرائض‪ .‬قال عمر‪ :‬أما إن‬
‫نبيكم صلى ال عليه وسلم قد قال "إن ال يرفع بذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين"‪.‬‬
‫وعن حذيفة قال‪" :‬جاء العاقب والسيد‪ ،‬صاحبا نران‪ ،‬إل رسول ال صلى ال عليه وسلم يريدان أن‬
‫يلعناه‪ ،‬قال‪ :‬فقال أحدها لصاحبه‪ :‬ل تفعل‪ ،‬فوال لئن كان نبيا فلعننا ل نفلح نن ول عقبنا من‬

‫بعدنا‪ .‬قال‪ :‬إنا نعطيك ما سألتنا‪ ،‬وابعث معنا رجل أمينا‪ ،‬ول تبعث معنا إل أمينا‪ .‬فقال‪" :‬لبعثن معكم‬
‫رجل أمينا حق أمي"‪ .‬فاستشرف له أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪" :‬قم يا أبا عبيدة‬

‫بن الراح"‪ .‬فلما قام‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬هذا أمي هذه المة" رواه البخاري‬
‫وروى مسلم نوه‪ ،‬وعن أنس رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "لكل أمة أمي‪،‬‬
‫وأمي هذه المة أبو عبيدة بن الراح" أخرجه البخاري‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم "أرحم أمت بأمت‬
‫أبو بكر‪ ،‬وأشدهم ف أمر ال عمر‪ ،‬وأصدقهم حياء عثمان‪ ،‬وأقرؤهم لكتاب ال أب بن كعب‪،‬‬
‫وأفرضهم زيد بن ثابت‪ ،‬وأعلمهم باللل والرام معاذ بن جبل‪ ،‬ولكل أمة أمي‪ ،‬وأمي هذه المة‬
‫أبو عبيدة بن الراح" رواه أحد والترمذي وغيها‪.‬‬
‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬العامل على الصدقة بالق‪ :‬كالغازي ف سبيل ال حت يرجع‬
‫إل بيته" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪189‬‬

‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن الازن السلم المي الذي ينفذ" وربا قال‪" :‬يعطى ما أمر‬
‫به فيعطيه كامل موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إل الذي أمر له به أحد التصدقي" أخرجه البخاري‬
‫ومسلم‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أيا راع استرعي رعيه فغشها فهو ف النار" رواه أحد‪.‬‬
‫وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم "خي الكسب كسب العامل إذا نصح" رواه أحد‪.‬‬
‫وعن سعد بن عبادة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال له‪" :‬قم على صدقة بن‬
‫فلن‪ ،‬وانظر أن تأت يوم القيامة ببكر تمله على عاتقك أو كاهلك له رغاء يوم القيامة" قال‪ :‬يا‬
‫رسول ال اصرفها عن فصرفها عنه" رواه أحد‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول"‬
‫رواه أبو داود‪.‬‬

‫وعن عدي بن عمية رضي ال عنه قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪" :‬من استعملناه‬
‫منكم على عمل فكتمنا ميطا فما فوقه كان غلول يأت به يوم القيامة" فقام إليه رجل أسود من‬
‫النصار كأن أنظر إليه فقال‪ :‬يا رسول ال اقبل عن عملك قال‪" :‬وما لك؟" قال‪ :‬سعتك تقول كذا‬
‫وكذا قال‪" :‬وأنا أقول الن من استعملناه منكم على عمل فليجىء بقليله وكثيه فما أوت منه أخذ‬
‫وما ني عنه انتهى" رواه مسلم وأبو داود وغيها‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إل أتى ال مغلول يده إل‬
‫عنقه فكه بره أو أوثقه إثه‪ :‬أولا ملمة‪ ،‬وأوسطها ندامة‪ ،‬وآخرها خزي يوم القيامة" رواه أحد‪.‬‬
‫وقال المام البخاري رحه ال ف صحيحه "باب‪ :‬يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقل" ويريد بذلك‬
‫كاتب الاكم وغيه‪ ،‬ث ذكر قصة زيد بن ثابت مع أب بكر وعمر رضي ال عنهما ف جع القرآن‪،‬‬
‫والشاهد منها قول أب بكر رضي ال عنه لزيد‪" :‬إنك رجل شاب عاقل ل نتهمك"‪ ,‬وعن عبد ال بن‬
‫الزبي رضي ال عنه أن النب استكتب عبد ال بن أرقم فكان يكتب عبد ال بن أرقم‪ ،‬وكان ييب عنه‬
‫اللوك‪ ،‬فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إل بعض اللوك فيكتب‪ ،‬ث يأمره أن يكتب ويتم ول‬
‫يقرأه لمانته عنده‪ ،‬ث استكتب أيضا زيد بن ثابت‪ ،‬فكان يكتب الوحي‪ ،‬ويكتب إل اللوك أيضا‪،‬‬
‫وكان إذا غاب عبد ال بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إل بعض أمراء الجناد واللوك أو‬
‫يكتب لنسان كتابا يقطعه أمر جعفرا أن يكتب‪ ،‬وقد كتب له عمر وعثمان‪ ،‬وكان زيد والغية‬

‫ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيهم من قد سي من العرب"‪.)11‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬السنن الكبى للبيهقي‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪190‬‬

‫وإذا قدم المام غي الستحق للولية مع الوجود الول فقد خان ف أداء المانة‪ ،‬وف هذه الالة ل يقر‬
‫على فعله‪ ،‬وياسب وياكم أمام القضاء الشرعي الذي يفصل الناع ف أي الناس أول بالولية‪ ،‬لقول‬
‫ال تبارك وتعال‪{ :‬يَا َأّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ أَطِيعُوْا الّل َه وَأَطِيعُوْا الرّسُو َل وَُأوْلِي ا َلمْ ِر مِنْكُ ْم فَإِن تَنَا َزعْتُمْ فِي‬
‫شَ ْيءٍ َف ُردّوهُ إِلَى الّلهِ وَالرّسُولِ إِن كُْنتُمْ ُت ْؤمِنُونَ بِالّل ِه وَاْلَي ْومِ ال ِخرِ ذِلكَ خَْي ٌر وَأَحْسَ ُن تَ ْأوِيلً}‪.‬‬
‫ول توز تولية الكفار والنافقي ف الوليات العامة كالمارة والوزارة ونوها‪ ،‬وقد قال ال تبارك‬
‫وتعال{يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لَ تَتّخِذُواْ ِبطَاَن ًة مّن دُوِنكُمْ لَ يَأْلُوَنكُمْ خَبَا ًل َودّوْا مَا عَِنتّمْ قَ ْد بَ َدتِ ٱْلَبغْضَآءُ‬
‫حبّوَنهُ ْم وَلَ‬
‫خفِي صُدُو ُرهُمْ َأكَْبرُ قَدْ َبيّنّا لَكُمُ اليَاتِ إِنْ كُنُْتمْ َت ْعقِلُونَ‪ .‬هَآَأنْتُمْ ُأوْ ۤلءِ تُ ِ‬
‫مِنْ أَ ْفوَا ِههِ ْم َومَا تُ ْ‬
‫حبّونَكُ ْم وَُت ْؤمِنُو َن بِٱلْكِتَابِ ُكّلهِ وَِإذَا َلقُوكُمْ قَاُلوْۤا آمَنّا وَِإذَا َخَلوْْا َعضّوْا عََليْكُ ُم ٱلَنَامِ َل مِنَ ٱْلغَْيظِ ُقلْ‬
‫يُ ِ‬
‫ت ٱلصّدُورِ}‪ ،‬وعن أب الدهقانة قال" قيل لعمر بن الطاب إن ههنا‬
‫مُوتُواْ ِبغَْيظِكُمْ إِنّ ٱلّل َه عَلِي ٌم بِذَا ِ‬
‫غلما من أهل الية ل ير قط أحفظ منه ول أكتب منه‪ ،‬فإن رأيت أن تتخذه كاتبا بي يديك إذا‬
‫كانت لك الاجة شهدك قال فقال عمر‪ :‬قد اتذت إذن بطانة من دون الؤمني" رواه ابن أب شيبة‬
‫وغيه‪،‬وقال ابن أب حات حدثنا أب ثنا ابن الطباع ثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الزهر بن راشد‬
‫عن أنس بن مالك {يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ َل تَتّخِذُواْ بِطَانَ ًة مّن دُونِكُمْ} يقول‪" :‬ل تستشيوا الشركي ف‬
‫شيء من أموركم"‪ ،‬وقال ابن جرير رحه ال‪" :‬وذكر أن هذه الية نزلت ف قوم من السلمي كانوا‬
‫يالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم‪ ،‬ويصافونم الودة بالسباب الت كانت بينهم ف‬
‫جاهليتهم قبل السلم‪ ،‬فنهاهم ال عن ذلك‪ ،‬وأن يستنصحوهم ف شيء من أمورهم"‪ ،)11‬وعن أَب‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم قال‪" :‬آَي ُة الُنَافِقِ ثَلثٌ‪ِ :‬إذَا َح ّدثَ َك َذبَ‪،‬‬
‫صلّى ا ُ‬
‫هريرة‪ ،‬رضي اللّه عنه‪ ،‬أن رسولَ اللّه َ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬ليأتي عليكم‬
‫وَِإذَا وَ َعدَ أَ ْخ َلفَ‪ ،‬وِإذَا آ ْؤتُمِنَ خَانَ" متف ٌق عليه‪ ،‬وقال رسولُ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫أمراء يقربون شرار الناس‪ ،‬ويؤخرون الصلة عن مواقيتها‪ ،‬فمن أدرك ذلك منكم فل يكونن عريفا‬
‫ول شرطيا ول جابيا ول خازنا" رواه ابن حبان ف صحيحه‪ ،‬وف سنن البيهقي الكبى‪ :‬عن عياض‬
‫الشعري عن أب موسى رضي ال عنه "أن عمر رضي ال عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى ف‬
‫أدي واحد‪ ،‬وكان لب موسى كاتب نصران يرفع إليه ذلك‪ ،‬فعجب عمر رضي ال عنه وقال‪ :‬إن هذا‬
‫لافظ وقال‪ :‬إن لنا كتابا ف السجد‪ ،‬وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ قال أبو موسى‪ :‬إنه ل يستطيع‬
‫أن يدخل السجد فقال عمر رضي ال عنه أجنب هو؟ قال‪ :‬ل بل نصران‪ .‬قال‪ :‬فانتهرن وضرب‬
‫فخذي‪ ،‬وقال‪ :‬أخرجه‪ ،‬وقرأ‪{ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُواْ َل تَتّخِذُواْ اْلَيهُودَ وَالّنصَارَى َأوِْليَاء َب ْعضُهُمْ َأوْلِيَاء‬
‫ض َومَن َيَتوَّلهُم مّنكُمْ فَِإّنهُ مِْنهُمْ إِ ّن الّلهَ لَ َيهْدِي اْل َق ْومَ الظّالِ ِميَ} قال أبو موسى‪ :‬وال ما توليته إنا‬
‫َبعْ ٍ‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪191‬‬

‫كان يكتب‪ ,‬قال‪ :‬أما وجدت ف أهل السلم من يكتب لك‪ ،‬ل تدنم إذ أقصاهم ال‪ ،‬ول تأمنهم إذ‬
‫خانم ال‪ ،‬ول تعزهم بعد إذ أذلم ال‪ .‬فأخرجه"‪ ،‬وأخرج البيهقي أيضا ف السنن الكبى عن عياض‬
‫الشعري" أن أبا موسى رضي ال عنه وفد إل عمر بن الطاب رضي ال عنه ومعه كاتب نصران‪،‬‬
‫فأعجب عمر رضي ال عنه ما رأى من حفظه‪ ،‬فقال‪ :‬قل لكاتبك يقرأ لنا كتابا قال‪ :‬إنه نصران ل‬
‫يدخل السجد‪ .‬فانتهره عمر رضي ال عنه وهم به‪ ،‬وقال‪ :‬ل تكرموهم إذ أهانم ال‪ ،‬ول تدنوهم إذ‬
‫أقصاهم ال‪ ،‬ول تأتنوهم إذ خونم ال عز وجل"‪.‬‬
‫وعن استق" قال‪ :‬كنت ملوكا لعمر بن الطاب وأنا نصران‪ ،‬فكان يعرض علي السلم ويقول‪ :‬إنك‬
‫لو أسلمت استعنت بك على أمانت‪ ،‬فإنه ل يل ل أن أستعي بك على أمانة السلمي‪ ،‬ولست على‬
‫دينهم فأبيت عليه‪ ،‬فقال‪{ :‬لَ إِ ْكرَا َه فِي الدّينِ} فلما حضرته الوفاة أعتقن وأنا نصران‪ ،‬وقال‪ :‬اذهب‬
‫حيث شئت" رواه ابن سعد‪.‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬ل َتقُولُوا للْمُنَافِقِ سَّيدٌ‪َ ،‬فإِّنهُ إِنْ يكُ سَيّدا‪َ ،‬فقَدْ أَ ْسخَطُْتمْ‬
‫وقَا َل رَسُو ُل الّلهِ صَلّى ا ُ‬
‫رَبّ ُك ْم ع ّز وَجَلّ" رواه أبو داود‪ ،‬وبوب عليه النووي رحه ال ف رياض الصالي " باب النهي عن‬
‫ماطبة الفاسق والبتدع ونوها بسيدي ونوه "‪ ،‬فإذا كان توقي النافق بكلمة سيد يسخط ال تعال‪،‬‬
‫فكيف إذا ساد بالفعل وأصبح وزيرا أو أميا على السلمي‪ ،‬فل شك أن هذا أكب ضررا على السلمي‪،‬‬
‫وأعظم جرما من مرد القول‪ ،‬وقال الوزاعي يقول" من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم السلم"‬

‫ضبٌ من ّربِ ْم َوذِلّ ٌة فِي ٱلْحَياةِ ٱلدّْنيَا وَكَذَِلكَ‬
‫‪ ،)11‬وقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّذِينَ ٱتّخَذُواْ ٱْلعِجْلَ َسيَنَاُلهُ ْم َغ َ‬

‫جزِي ٱلْ ُمفَْترِينَ}‪ ،‬وقد أخرج عبد الرزاق وغيه عن أيوب قال تل أبو قلبة هذه الية‪{ :‬إِنّ ٱلّذِي َن‬
‫نَ ْ‬
‫جزِي ٱلْ ُمفَْترِينَ} قال‪" :‬هو‬
‫ب من ّربِ ْم َوذِلّ ٌة فِي ٱلْحَياةِ ٱلدّنْيَا وَكَذَِلكَ َن ْ‬
‫ٱتّخَذُواْ ٱْلعِجْلَ َسيَنَاُلهُ ْم َغضَ ٌ‬
‫جزاء لكل مفتر إل يوم القيامة أن يذله ال "‪.‬‬
‫جزِي ٱلْ ُمفَْترِينَ} قال‪" :‬كل صاحب بدعه‪ :‬ذليل"‪.‬‬
‫وأخرج ابن أب حات عن سفيان ف قوله‪{ :‬وَكَذَِلكَ َن ْ‬
‫وأخرج البيهقي ف شعب اليان عن سفيان بن عيينة قال‪" :‬ل تد مبتدعا إل وجدته ذليل‪ ،‬أل تسمع‬
‫ب من ّربِمْ َوذِلّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدّنْيَا}‪.‬‬
‫إل قول ال‪{" :‬إِنّ ٱلّذِينَ ٱتّخَذُواْ ٱْلعِجْلَ سََينَاُلهُ ْم َغضَ ٌ‬
‫وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة قال‪" :‬ليس ف الرض صاحب بدعة إل وهو يد ذلة تغشاه‪،‬‬
‫وهو ف كتاب ال " قالوا‪ :‬أين هي؟ قال أما سعتم إل قوله‪{ :‬إِنّ ٱلّذِينَ ٱتّخَذُواْ ٱْلعِجْلَ} الية قال‪ :‬يا‬
‫جزِي ٱلْ ُمفَْترِينَ} فهي لكل‬
‫أبا ممد هذه لصحاب العجل خاصة‪ ،‬قال‪" :‬كل اقرأ ما بعدها {وَ َكذَِلكَ نَ ْ‬
‫مفتر ومبتدع إل يوم القيامة"‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬كتاب ذم كلم وأهله‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪192‬‬

‫فل توز تولية أهل البدع والضلل وأهل الفسوق والفجور أمراء على الناس أو قضاة أو غيها من‬
‫الوليات العامة‪ ,‬فإن ف تولية هؤلء تكينا لم من نشر بدعتهم‪ ،‬وإضلل السلمي‪ ،‬وصدهم عن كتاب‬
‫ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪193‬‬

‫باب‪ :‬المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫فصل‪ :‬حكم المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫المر بالعروف والنهي عن النكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الث عن الباقي‪ ,‬وإذا ل يقوموا به‬
‫جيعا أث الميع‪ ,‬وف النكر العي يأث من علم به ول ينكره مع قدرته على إنكاره وقد قال ال تعال‪:‬‬
‫{وَْلتَكُن مّنْكُمْ ُأمّ ٌة يَ ْدعُونَ ِإلَى الْخَْي ِر وَيَ ْأ ُمرُونَ بِالْ َم ْعرُوفِ َويَْن َهوْ َن عَنِ الْ ُمنْ َك ِر وَُأوْلَـِئكَ هُمُ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬مَ ْن رَأَى مِنْكُم مُنْكرا َفلْيغّيرْهُ بِيَدهِ‪َ ،‬فإِنْ َلمْ يَسْتَط ْع فِبلِسَاِنهِ‪،‬‬
‫اْل ُمفْلِحُونَ}‪ ,‬وقال صَلّى ا ُ‬
‫ض َعفُ الِيانِ" رواه مسلم‪ ,‬فمن رأى منكرا فيغيه باليد عند‬
‫َفإِنْ َلمْ يَسْتَطِ ْع فَبقَلب ِه َوذََلكَ أَ ْ‬
‫الستطاعة‪,‬و إذا ل يستطع فبلسانه‪ ,‬فإن ل يستطع فبقلبه‪ ,‬والنكار بالقلب ل يسقط بال‪.‬‬
‫وإذا كان إنكار النكر يتطلب القدرة‪ ,‬فل شك أن السلطان أقدر من سائر الرعية‪ ،‬فيجب عليه وعلى‬
‫جيع المراء والوزراء من المر بالعروف والنهي عن النكر أكثر من غيهم‪ ،‬كما يب على الكومة‬
‫السلمية تأسيس ولية السبة‪ ،‬وتعي الحتسبي الذين يقومون بأمر الناس بالعروف ونيهم عن النكر‪.‬‬

‫فصل‪ :‬أهمية المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫المر بالعروف والنهي عن النكر من أعظم الواجبات على الدولة السلمية‪ ،‬الت مكن ال لا ف‬
‫ص ُرهُ إِنّ ٱلّلهَ َل َق ِويّ َعزِيزٌ‪ .‬ٱلّذِينَ إِ ْن مّكّنّاهُ ْم فِي ٱ َل ْرضِ‬
‫صرَنّ ٱلّل ُه مَن يَن ُ‬
‫الرض‪ ،‬وقد قال ال تعال‪َ { :‬ولَيَن ُ‬
‫لةَ وَآَت ُوْا ٱلزّكَـا َة وََأ َمرُوْا بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََن َه ْواْ َعنِ ٱلْ ُمنْ َك ِر وَلِّل ِه عَاِقبَ ُة ٱ ُلمُورِ}‪ ,‬فجميع الوليات‬
‫أَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫من خلفة أو إمارة أو وزارة أو غيها القصود منها القيام بالمر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬ليكون‬
‫الدين كله ل تعال‪ ,‬ويعم الصلح بي الناس ويزال الكفر والفساد من الجتمع‪.‬‬
‫وقد قال ال تبارك وتعال‪ُ { :‬كنْتُمْ َخْيرَ ُأمّةٍ أُ ْخرِ َجتْ لِلنّاسِ تَ ْأ ُمرُونَ بِالْ َم ْعرُوفِ َوتَْن َهوْ َن عَنِ الْ ُمنْ َكرِ‬
‫وَُت ْؤمِنُونَ بِالّلهِ}‪ ,‬وأخرج ابن جرير وغيه عن ماهد ف قول ال عز وجل‪{ :‬كُنتُمْ َخْيرَ ُأمّةٍ أُ ْخرِ َجتْ‬
‫لِلنّاسِ} يقول‪ " :‬على هذا الشرط أن تأمروا بالعروف‪ ،‬وتنهوا عن النكر‪ ،‬وتؤمنوا بال "‪ ,‬فباليان‬
‫والمر بالعروف والنهي عن النكر نالت المة السلمية خييتها على سائر المم‪.‬‬
‫والمر بالعروف والنهي عن النكر هو سبيل أهل الصلح من النبياء عليهم الصلة والسلم‬
‫والصالي‪ ،‬وبه تنال الجور العظيمة والفوز والفلح‪ ،‬وقد قال ال تبارك وتعال‪{ :‬ٱلّذِينَ َيتِّبعُونَ‬
‫ٱلرّسُولَ ٱلنّبِ ّي ٱ ُلمّيّ ٱلّذِي َيجِدُوَن ُه مَكْتُوبا عِن َدهُمْ فِي ٱلّت ْورَا ِة وَٱلِنْجِيلِ يَ ْأ ُم ُرهُم بِٱلْ َم ْعرُوفِ َويَْنهَاهُ ْم عَنِ‬
‫ح ّرمُ عََلْيهِمُ ٱلْخَبَآِئثَ}‪.‬‬
‫حلّ َلهُمُ ٱلطّيّبَاتِ وَُي َ‬
‫ٱلْمُنْ َك ِر وَيُ ِ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪194‬‬

‫وقال تعال‪{ :‬وَٱلْ ُم ْؤمِنُو َن وَٱلْ ُم ْؤمِنَاتِ َب ْعضُهُمْ َأوْلِيَآءُ َبعْضٍ يَ ْأ ُمرُونَ بِٱلْ َم ْعرُوفِ وََيْن َهوْنَ عَنِ ٱلْ ُمنْ َكرِ‬
‫لةَ وَُي ْؤتُونَ ٱلزّكَا َة وَيُطِيعُونَ ٱلّل َه َورَسُوَلهُ ُأوَْلـِٰئكَ سََيرْحَ ُمهُمُ ٱلّلهُ إِنّ ٱلّل َه َعزِيزٌ حَكِيمٌ}‪.‬‬
‫وَُيقِيمُو َن ٱلصّ َ‬
‫والمر بالعروف والنهي عن النكر هو سبيل النجاة من عذاب ال تعال ف الدنيا والخرة‪ ،‬وقد قال ال‬
‫ل مّمّنْ‬
‫عز وجل‪{ :‬فََلوْلَ كَانَ مِنَ ٱْل ُقرُونِ مِن َقبْلِ ُكمْ ُأوْلُواْ َبقِيّةٍ َيْن َهوْنَ عَنِ ٱْلفَسَادِ فِي ٱ َل ْرضِ إِلّ َقلِي ً‬
‫ج ِرمِيَ‪َ .‬ومَا كَا َن رَّبكَ ِلُيهِْلكَ ٱْلقُ َرىٰ بِظُلْ ٍم وََأ ْهُلهَا‬
‫أَنَْينَا مِْنهُ ْم وَٱتّبَعَ ٱلّذِينَ َظلَمُوْا مَآ أُْت ِرفُواْ فِيهِ وَكَانُوْا مُ ْ‬
‫مُصِْلحُونَ} أي فهل كان من القرون الت مضت بقية من الصالي تنهى عن العاصي والفساد ف‬
‫الرض‪ ,‬وقد وجد من هؤلء قليل من الصلحي الناهي عن النكر‪ ,‬الذين أناهم ال تعال عند حلول‬
‫ج ِر ِميَ} أي استمر‬
‫عذابه بأهل الفساد‪ ،‬وقوله تعال‪{ :‬وَٱتّبَعَ ٱلّذِينَ ظَلَمُوْا مَآ ُأْترِفُوْا فِي ِه وَكَانُوْا مُ ْ‬
‫الظالون ف ترفهم‪ ,‬وفسقهم‪ ,‬وإجرامهم‪ ,‬ول يصغوا لنصيحة الناصحي حت فاجأهم العذاب‪ ,‬وقوله‬
‫تعال‪َ { :‬ومَا كَا َن رَّبكَ لُِي ْهِلكَ ٱْل ُقرَىٰ بِ ُظلْ ٍم وََأهُْلهَا ُمصْلِحُونَ} أي وما كان ربك يا ممد صلى ال عليه‬
‫وسلم بهلك القرى الت ذكر ال تعال أمرها بظلم منه‪ ,‬وهم مصلحون مستمسكون بطاعة ال‪ ،‬ل‬
‫يرتكبوا من النكرات والعاصي ما يستحقون عليها العقوبة واللك‪ ,‬ولكنه تبارك وتعال أهلك أهل هذه‬
‫القرى لكفرهم‪ ,‬وظلمهم‪ ,‬وارتكابم النكرات والوبقات‪.‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَِإذَا قَاَلتْ ُأمّ ٌة مّْنهُمْ لِ َم َتعِظُونَ َقوْما ٱلّلهُ ُمهْلِ ُكهُمْ َأ ْو ُمعَذُّبهُ ْم عَذَابا شَدِيدا قَالُوْا َمعْ ِذ َرةً‬
‫س ۤوءِ وََأخَذْنَا ٱلّذِينَ ظَلَمُواْ‬
‫إِلَ ٰى رَبّكُ ْم وََلعَّلهُمْ يَّتقُونَ‪ .‬فَلَماّ نَسُوْا مَا ذُ ّكرُوْا ِبهِ أَ َنيْنَا ٱلّذِينَ يَْن َهوْ َن عَنِ ٱل ُ‬
‫سقُونَ‪ .‬فَلَمّا عََتوْْا عَن مّا ُنهُواْ َعْنهُ قُ ْلنَا َلهُمْ كُونُوْا ِق َر َدةً خَاسِِئيَ}‪.‬‬
‫ِبعَذَابٍ َبئِيسٍ بِمَا كَانُوْا َيفْ ُ‬
‫وقال تبارك وتعال‪{ :‬وَاّتقُواْ ِفتْنَةً ّل ُتصِيبَ ّن الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصّ ًة وَاعْلَمُواْ أَ ّن الّلهَ َشدِيدُ اْل ِعقَابِ}‪،‬‬
‫قال ابن عباس رضي ال عنهما ف هذه الية‪" :‬أمر ال الؤمني أل يقروا النكر بي أظهرهم فيعمهم ال‬
‫بالعذاب " أخرجه ابن جرير وغيه‪ ,‬فالسكوت عن النكرات من أسباب العقوبات العامة‪ ,‬وقد قال‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪" :‬واّلذِي َنفْسِي بَِيدِ ِه لََت ْأ ُمرُنّ بالْمعرُوفِ‪ ،‬وَلتَ ْن َهوُنّ عَنِ ا ُلنْ َكرِ‪َ ،‬أ ْو لَيُوشِكَنّ اللّه أَنْ‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫يَبْعثَ َعلَيْكمْ ِعقَابا مِ ْنهُ‪ُ ،‬ثمّ َتدْعُوَنهُ فَلَ يُسْتَجابُ لَ ُكمْ" رواه الترمذي‪.‬‬
‫وعن أَب بَ ْك ٍر الصّدّيق رضي اللّه عنه‪ .‬قال‪ :‬يا أَّيهَا النّاسُ إِنّكُمْ تقرءو َن هَ ِذهِ اليةَ‪{ :‬يَا َأّيهَا الّذِي َن آمَنُوا‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم َيقُولُ‪:‬‬
‫ضرّكُمْ م ْن ضَلّ ِإذَا ا ْهتَدَْيتُمْ} وإِن سَمِعت رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫عَليْكُمْ أَْنفُسَكُمْ ل َي ُ‬
‫ب مِ ْنهُ" رواه أبو داود‬
‫"إِنّ النّاسَ ِإذَا َرَأوْا الظّاِل َم َف َلمْ َيأْ ُخذُوا َعلَى َيدَْيهِ َأوْ َشكَ أَنْ َيعُ ّم ُهمُ اللّه ِب ِعقَا ٍ‬
‫والترمذي والنسائي‪.‬‬

‫ل عَلَْيهِ و َسلّم قال‪" :‬مَثَ ُل القَاِئمِ ف حُدودِ اللّه‪،‬‬
‫ب صَلّى ا ُ‬
‫وعن النعمان بن بشي رضي ال عنهما عن الن ّ‬
‫واْلوَاقِعِ فيها كَمَثَ ِل قَومٍ اسَْتهَمُوا على سفينةٍ فصارَ بعضُهم أعلهَا وبعضُهم أسفلَها وكانَ الذينَ ف‬

‫أسفلها ِإذَا اسَْت َقوْا مِ َن الاءِ َمرّوا َعلَى مَنْ َف ْو َقهُ ْم فَقَالُوا‪َ :‬ل ْو أَنّا َخ َرقْنَا ف َنصَيبِنا َخرْقا وََلمْ ُن ْؤ ِذ مَنْ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪195‬‬

‫َفوْقَنَا‪َ ،‬فإِنْ َترَكُو ُهمْ َومَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعا‪ ،‬وإِنْ َأ َخذُوا َعلَى أَْيدِيهِم نَجوْا ونوْا جَمِيعا"‪ .‬رواهُ‬
‫البخاري‪.‬‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬إن ال عز وجل ل يعذب العامة بعمل الاصة حت يروا النكر بي‬
‫ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فل ينكروه‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عذب ال الاصة والعامة" رواه‬
‫أحد‪ ,‬وقال بلل بن سعد رحه ال " إن العصية إذا أخفيت ل تضر إل صاحبها‪ ,‬وإذا أعلنت فلم تغي‬
‫ضرت العامة" رواه ابن البارك ف الزهد وغيه‪.‬‬
‫صرَنّ ٱلّلهُ‬
‫كما أن ترك المر بالعروف والنهي عن النكر من موانع تقق النصر‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬وََليَن ُ‬
‫ص ُرهُ إِ ّن ٱلّلهَ َل َق ِويّ َعزِيزٌ‪ .‬ٱلّذِينَ إِ ْن مّكّنّاهُ ْم فِي ٱ َل ْرضِ َأقَامُوْا ٱلصّلَ َة وَآَتوُْا ٱلزّكَـاةَ وََأ َمرُواْ‬
‫مَن يَن ُ‬
‫ف وََن َهوْْا عَنِ ٱلْمُنْ َك ِر وَِلّلهِ عَاقَِبةُ ٱ ُلمُورِ}‪.‬‬
‫بِٱلْ َم ْعرُو ِ‬
‫كما أن ترك إنكار النكرات من أسباب اللعن‪ ،‬كما قال تبارك وتعال‪ُ{ :‬لعِنَ ٱلّذِينَ َك َفرُوْا مِن بَنِيۤ‬
‫صوْا وّكَانُوْا َيعْتَدُونَ‪ .‬كَانُواْ لَ َيتَنَا َهوْ َن عَن مّن َكرٍ‬
‫إِ ْسرَائِي َل َعلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ َوعِيسَى ٱبْ ِن َمرْيَ َم ذِٰلكَ بِمَا َع َ‬
‫َفعَلُوهُ لَِبْئسَ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ}‪ ,‬ومن صفات أهل النفاق أن يأمروا بالنكر وينهوا عن العروف‪ ،‬كما قال‬
‫ض يَ ْأ ُمرُونَ بِٱْلمُن َك ِر وَيَْن َهوْ َن عَنِ ٱلْ َم ْعرُوفِ‪ ،‬وََيقِْبضُونَ‬
‫ضهُمْ مّن َبعْ ٍ‬
‫تعال‪{ :‬ٱلْمُنَاِفقُونَ وَٱلْ ُمنَاِفقَاتُ َب ْع ُ‬
‫ي هُمُ اْلفَا ِسقُونَ}‬
‫أَيْ ِدَيهُمْ نَسُواْ ٱلّلهَ فََنسَِيهُمْ إِنّ ٱلْمُنَاِفقِ َ‬

‫فصل‪ :‬صفات وأخلق المر بالمعروف والناهي عن المنكر‬
‫ل بد للمر بالعروف والناهي عن النكر سواء كان من رجال السبة أو غيهم أن يتحلى بالصب‪ ,‬وأن‬
‫يتحمل الذى الذي يصيبه إذا أمر الناس بالعروف‪ ,‬وناهم عن النكر‪ ,‬وقد أخب ال تعال عن لقمان أنه‬
‫ك مِ ْن َعزْمِ‬
‫ف وَاْن َه عَنِ الْمُنْ َك ِر وَاصِْب ْر َعلَى مَآ َأصَاَبكَ إِ ّن ذَِل َ‬
‫لةَ وَْأ ُمرْ بِالْ َم ْعرُو ِ‬
‫قال لبنه‪{ :‬يُبنَيّ أَقِ ِم الصّ َ‬
‫ا ُلمُورِ}‪ ,‬وينبغي أن يكون حليما ل يغضب لنفسه وينتقم لا‪ ,‬بل يكون غضبه وانتقامه ل تبارك‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم َبيَ َأمْرينِ َقطّ إِلّ‬
‫وتعال‪ ,‬فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت‪ " :‬مَا ُخيّر رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫ل عََلْيهِ‬
‫س مِْنهُ‪ .‬ومَا انَتقَمَ رسول اللّه صَلّى ا ُ‬
‫س َرهُمَا‪ ،‬مَا لَم يَكُن إِثا‪ ،‬فإنْ كانَ إِثا كَانَ أَبعد النّا ِ‬
‫أَخذَ َأيْ َ‬
‫سهِ ف شَيءٍ َقطّ‪ ،‬إِلّ أَن تُنتَهكَ ُح ْرمَ ُة الّلهِ‪ ،‬فَينَتقِم لّلهِ تعال"‪ .‬متفقٌ عليه‪.‬‬
‫وسَلّم لَِنفْ ِ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‬
‫كما ل بد أن يتصف بالرفق ف أمره بالعروف ونيه عن النكر‪ ,‬وقد قال رسول ال صَلّى ا ُ‬
‫ف وَما ل ُيعْطِي عَلى ما‬
‫حبّ الرّفقَ‪ ،‬وَُيعْطِي على الرّفق مال يُعطي عَلى العُن ِ‬
‫قال‪" :‬إِنّ ال ّل َه َرفِيقٌ يُ ِ‬

‫ع مِنْ‬
‫ِسوَاهُ" رواه مسلم‪ ،‬وقال صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم "إِ ّن الرّفقُ ل يَكُونُ ف شيءٍ إِ ّل زَاَنهُ‪ ،‬وَل يُ ْنزَ ُ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪196‬‬

‫ب ال ّرفْقَ ف ا َل ْمرِ‬
‫ح ّ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم "إِ ّن اللّه رفيقٌ يُ ِ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫شَيءٍ إِلّ شَاَنهُ" رواه مسلم‪ ،‬وقال رسول اللّه َ‬
‫ح َرمِ ال ّرفْقَ يُحْرمِ ال ْيرَ ُك ّلهُ"رواه مسلم‪.‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم "مَنْ يُ ْ‬
‫ُكلّه" متفقٌ عليه‪ ،‬وقال صَلّى ا ُ‬
‫صلّى‬
‫وعن أب هريرة رضي اللّه عنه قال‪ :‬بَال َأ ْعرَابّ ف السجِد‪َ ،‬فقَامَ النّاسُ ِإلَيْه لَِي َقعُوا فِيهِ‪ ،‬فقال النب َ‬
‫سرِينَ وَلمْ‬
‫ل مِنْ مَاءٍ‪َ ،‬أ ْو ذَنُوبا مِن مَاءٍ‪َ ،‬فإِنّما ُبعِثتُم مُيَ ّ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم "دَعُو ُه وََأرِيقُوا عَلى َبوِْلهِ سَجْ ً‬
‫اُ‬
‫سرِينَ" رواه البخاري‪.‬‬
‫تُ ْبعَثُوا ُمعَ ّ‬
‫كما يب أن يكون على علم وبينة فيما يأمر به الناس من العروف‪ ,‬وينهاهم عنه من النكر‪ ،‬فل يتكلم‬
‫با ل يعلم أو بجرد الظن‪.‬‬
‫كما يب على الولة وغيهم أن يأمروا الناس بالعروف ويفعلوه‪ ,‬وينهاهم عن النكر ول يقعوا فيه‪ ,‬ول‬
‫سوْنَ‬
‫يكونوا من الذين يأمرون الناس بالتقوى وينسون أنفسهم‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬أَتَ ْأ ُمرُونَ النّاسَ بِاْلِبرّ وََتنْ َ‬
‫أَْنفُسَكُ ْم وََأنْتُ ْم تَتْلُو َن الْ ِكتَابَ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ}‪ ,‬وقال تبارك وتعال‪{ :‬يَٰأّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لِ َم َتقُولُونَ مَا لَ‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم "ُيؤْتَـى بالرّجُ ِل َي ْومَ‬
‫َت ْفعَلُونَ‪َ .‬كُبرَ َمقْتا عِندَ ٱلّلهِ أَن َتقُولُوْا مَا لَ َت ْفعَلُونَ}‪ ,‬وقال صَلّى ا ُ‬
‫اْلقِيامةِ فَُي ْلقَى ف النّار‪ ،‬فَتَنْدلِقُ َأقْتَابُ بَطِْنهِ‪ ،‬فَيدُورُ ِبهَا كَمَا َيدُورُ الِمَارُ ف الرّحا‪ ،‬فَيجْتَمِعُ ِإلَ ْيهِ َأهْلُ‬
‫ف وَتَ ْنهَى عَ ِن الُنْ َك ِر فََيقُولُ‪َ :‬بلَى‪ ،‬كُ ْنتُ آ ُمرُ‬
‫النّار فََيقُولُونَ‪ :‬يَا فُلنُ مَاَلكَ أََل ْم تَكُن َت ْأ ُمرُ با َل ْعرُو ِ‬
‫با َلعْرُوفِ وَ َل آتِيه‪َ ،‬وأَْنهَى عَ ِن الُنْ َك ِر وَ َآتِيهِ" متفق عليه‪ ,‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم "مثل‬
‫الذي يعلم الناس الي وينسى نفسه‪ :‬كمثل السراج يضيء للناس ويرق نفسه" رواه الطبان ف‬
‫الكبي‪.‬‬

‫فصل‪ :‬تقديم الهم في المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫والواجب البدء بالهم فالهم ف المر بالعروف والنهي عن النكر‪ ،‬فأول يبدأ بتعليم الناس اليان‬
‫وتوحيد ال تعال‪ ,‬وتطهي النفوس والبلد من الشرك كدعاء الموات‪ ,‬والستغاثة بم‪ ,‬أو الذبح لم‪ ,‬أو‬
‫تاكم إل قواني وضعية أو عادات جاهلية أو غيها من أنواع الشرك‪ ،‬فإن التوحيد هو أصل دعوة‬
‫النبياء عليهم الصلة والسلم‪ ،‬كما قال تعال‪َ { :‬وَلقَدْ َبعَثْنَا فِي كُلّ ُأمّ ٍة رّسُولً أَ ِن اعْبُدُوْا الّلهَ وَاجَْتنِبُواْ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم فقال "إّنكَ َتأْتِي قوْما‬
‫صلّى ا ُ‬
‫اْلطّاغُوتَ}‪ ،‬وعن مُعاذٍ رضي اللّه عنه قال‪ :‬بعََثنِي رسولُ اللّه َ‬
‫مِنْ َأهْلِ الْكِتَاب‪ ،‬فادْ ُع ُهمْ إِلَى شَهَادة َأنْ ل إَِلهَ إ ّل اللّه‪ ،‬وَأنّي رسول اللّه فإِنْ ُهمْ أَطاعُوا ِلذَِلكَ‪،‬‬
‫صلَواتٍ ف كُ ّل يومٍ َولَ ْي َلةٍ‪َ ،‬فإِنْ ُهمْ أَطَاعُوا لِذلكَ‪،‬‬
‫َفأَ ْعلِم ُهمْ أَ ّن اللّه َق ِد افْترضَ ع َليْهم خَ ْمسَ َ‬
‫َفأَعلِمْ ُهمْ أَ ّن اللّه َق ِد افَْت َرضَ َعلَيهمْ ص َد َقةً ُتؤْخ ُذ مِنْ أَغنياِئ ِه ْم فَُترَدّ َعلَى ُفقَرائهم‪َ ،‬فإِنْ ُهمْ أَطَاعُوا‬
‫لِذلكَ‪َ ،‬فإِيّاكَ وكَراِئمَ َأمْوالِهم‪ .‬واتّ ِق دعْو َة الْمَ ْظلُو ِم فَإِّنهُ لَيْس بينها وبيْنَ اللّه حِجَابٌ" متفقٌ عليه‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪197‬‬

‫وأخرج البخاري عن عائشة رضي ال عنها قالت‪" :‬إنا نزل أول ما نزل منه سورة من الفصل‪ ،‬فيها‬
‫ذكر النة والنار‪ ،‬حت إذا ثاب الناس إل السلم‪ ،‬نزل اللل والرام‪ ،‬ولو نزل أول شيء‪ :‬ل تشربوا‬
‫المر‪ .‬لقالوا‪ :‬ل ندع المر أبدا‪ ,‬ولو نزل‪ :‬ل تزنوا‪ .‬لقالوا‪ :‬ل ندع الزنا أبدا‪ .‬لقد نزل بكة على ممد‬
‫صلى ال عليه وسلم وإن لارية ألعب {بَ ِل السّا َع ُة َم ْوعِ ُدهُمْ وَالسّا َعةُ َأ ْدهَى وََأ َمرّ} وما نزلت سورة‬
‫البقرة والنساء إل وأنا عنده "‪.‬‬
‫وعن القاسم بن عوف الشيبان قال‪ :‬سعت ابن عمر رضي ال عنه يقول‪ " :‬لقد لبثنا برهة من دهر‪،‬‬
‫وأحدنا ليؤت اليان قبل القرآن‪ ،‬تنل السورة على ممد صلى ال عليه وسلم فنتعلم حللا وحرامها‬
‫وأمرها وزاجرها‪ ،‬وما ينبغي أن يوقف عنده منها‪ ،‬كما يتعلم أحدكم السورة‪ ,‬ولقد رأيت رجال يؤتى‬
‫أحدهم القرآن قبل اليان‪ ،‬يقرأ ما بي فاتته إل خاتته‪ ،‬ما يعرف حلله ول حرامه‪ ،‬ول أمره ول‬
‫زاجره‪ ،‬ول ما ينبغي أن يوقف عنده منه‪ ،‬وينثره نثر الدقل"‪.)11‬‬

‫وعن جندب بن عبد ال رضي ال عنه قال‪" :‬كنا مع النب صلى ال عليه وسلم ونن فتيان حزاورة‪،‬‬
‫فتعلمنا اليان قبل أن نتعلم القرآن‪ ،‬ث تعلمنا القرآن‪ ،‬فازددنا به إيانا" رواه ابن ماجة وغيه‪.‬‬
‫ول يعن دعوة الناس إل التوحيد ترك إنكار النكرات الت ل تصل إل الشرك الكب‪ ,‬بل القصود أن‬
‫تكون الدعوة إل التوحيد هي الساس والقاعدة‪ ،‬الت يتفرع منها إنكار بقية النكرات‪ ،‬وهذا بي ف‬
‫سية النبياء عليهم الصلة والسلم‪ ،‬الذين كانوا يدعون إل التوحيد‪ ،‬وينكرون الشرك‪ ،‬وينهون أيضا‬
‫عن العاصي التفشية بي الناس‪.‬‬

‫فصل‪ :‬البدائل الصالحة‬
‫ول بد للحكومة السلمية أن تسعى لياد البدائل الصالة النافعة الت تساعد ف إبعاد الكثي من الناس‬
‫عن النكرات الت ألفوها‪ ,‬واعتادوا عليها‪ ,‬فإن النفوس الضعيفة إذا ل تشغل با فيه نفعها‪ ,‬وإل انشغلت‬
‫با فيها ضررها‪ ,‬ومن المثلة على ذلك أن الكثي من السلمي اعتادوا متابعة وسائل إعلم الدول‬
‫الكافرة‪ ,‬ووسائل العلم الت تبثها حكومات لدينية (علمانية)‪ ,‬وقد اجتهد القائمون على هذه‬
‫الوسائل‪ ,‬ف تزيي باطلهم‪ ,‬واستخدام أساليب النتاج الت تذب وتستميل الشاهدين إليها‪ ,‬وعندما‬
‫تقوم الكومة السلمية بنع هذه الوسائل من بث سومها‪ ,‬والترويج لكفرها وفسادها‪ ,‬فإن الكومة‬
‫السلمية ينبغي لا أن توفر البديل الصال من وسائل العلم النافعة التنوعة الت على درجة كبية من‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬اليان لبن منده‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪198‬‬

‫حسن الداء‪ ,‬والطاب السلمي‪ ,‬وجودة النتاج‪ ,‬وغزارة الادة السلمية وقوتا‪ ,‬ومتابعة الحداث‬
‫الحلية والعالية من خلل رؤية إسلمية‪.‬‬
‫ومن المثلة على إياد البديل الصال النافع أن انتشار الفاحشة بي بعض أفراد الجتمع يتم على ولة‬
‫المور ف الكومة السلمية مع إنكارهم للفاحشة‪ ,‬ومعاقبتهم مرتكبيها‪ ,‬أن يساعدوا على إياد البديل‬
‫الصال بالتشجيع على الزواج‪ ,‬ومساعدة الحتاج ف تكاليفه كالهر ونوه‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج‪ ،‬فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج‪ ،‬ومن‬
‫ل يستطع فعليه بالصوم‪ ،‬فإنه له وجاء" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫فإياد البديل الصال النافع وتأليف قلوب الناس بشيء من مباحات الدنيا‪ ,‬والحسان إليهم بميع أنواع‬
‫الحسان‪ ,‬والعناية باجاتم‪ ,‬وإصلح أحوالم‪ ,‬وسبل عيشهم‪ ,‬كل ذلك يساعد على تسكينهم وسرعة‬
‫استجابتهم وتركهم للمنكرات الت ألفوها واعتادوا عليها‪ ,‬وقد قال عبد اللك بن عمر بن عبد العزيز‬
‫رحهما ال لبيه الليفة العادل‪" :‬يا أبة ما ينعك أن تضي لا تريد من العدل‪ ،‬فوال ما كنت أبال ولو‬
‫غلت ب وبك القدور ف ذلك‪ .‬قال‪ :‬يا بن إنا أنا أروض الناس رياضة الصعب‪ ،‬إن لريد أن أحيي‬
‫المر من العدل فأوخره حت أخرج معه طمعا من طمع الدنيا‪ ،‬فينفروا من هذه ويسكنوا لذه"‪.)11‬‬

‫وقال عمر بن عبدالعزيز رحه ال "ما طاوعن الناس على ما أردت من الق حت بسطت لم من الدنيا‬

‫شيئا"‪.)22‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬كتاب الزهد لحد وغيه‪.‬‬
‫‪ )2‬كتاب اللية‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪199‬‬

‫باب‪ :‬القتصاد والمال‬
‫تدف السياسة الشرعية إل إصلح أحوال الناس ف أمور دينهم‪،‬وتكيم شرع ال ف جيع شؤون‬
‫حياتم‪ ،‬لتحقيق الغاية الت خلق ال اللق لجلها‪ ،‬كما قال تعال‪َ { :‬ومَا خََل ْقتُ ٱلْجِ ّن وَٱلِنسَ إِلّ‬
‫لَِيعُْبدُونِ} ‪ ,‬ومت ما فرط العبد بعبودية ال فلن ينفعه ما نعم به من متاع الدنيا الزائل‪ ,‬وقد قال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬من كان هه الخرة جع ال شله‪ ،‬وجعل غناه ف قلبه‪ ،‬وأتته الدنيا وهي راغمة‪ .‬ومن‬

‫كانت نيته الدنيا فرق ال عليه ضيعته‪ ،‬وجعل فقره بي عينيه‪ ،‬ول يأته من الدنيا إل ما كتب له" رواه‬
‫ابن ماجة وأحد واللفظ له‪.‬‬
‫وقال معاذ بن جبل رضي ال عنه‪" :‬إنه ل غن بك عن نصيبك من الدنيا‪ ،‬وأنت إل نصيبك من الخرة‬
‫أحوج‪ ،‬فآثر نصيبك من الخرة على نصيبك من الدنيا‪ ،‬فإنه يأت بك أو ير بك على نصيبك من الدنيا‬
‫فيتنظمه لك انتظاما‪ ،‬فيزول معك أينما زلت" رواه ابن أب شيبة وغيه‪.‬‬
‫ومع إصلح أحوال الناس ف أمور دينهم‪ ,‬يب على الكومة السلمية إصلح أحوال الناس ف شؤون‬
‫دنياهم ومعاشهم‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬قُ ْل مَنْ َح ّرمَ زِيَنةَ ٱلّلهِ ٱلّتِيۤ أَ ْخرَجَ ِلعِبَا ِدهِ وَالْطّيّبَاتِ مِ َن ٱل ّرزْقِ قُ ْل هِي‬
‫لِلّذِي َن آمَنُواْ فِي ٱْلحَيَاةِ ٱلدّْنيَا خَاِلصَ ًة َي ْومَ ٱْلقِيَامَةِ َكذَِلكَ ُن َفصّلُ ٱليَاتِ ِل َق ْومٍ َيعْلَمُونَ} ‪ ,‬وقال تعال‪:‬‬
‫ك وَلَ َتبْغِ‬
‫{وَٱبْتَ ِغ فِيمَآ آتَاكَ ٱلّلهُ ٱلدّارَ ٱل ِخ َرةَ وَلَ تَنسَ َنصِيَبكَ مِنَ ٱلدّنْيَا وَأَ ْحسِن كَمَآ أَ ْحسَنَ ٱلّلهُ إِلَْي َ‬
‫حبّ ٱلْ ُمفْسِدِينَ}‪ ,‬قال المام ابن كثي رحه ال" وقوله {وَٱبْتَ ِغ فِيمَآ آتَاكَ‬
‫ٱْلفَسَادَ فِي ٱ َل ْرضِ إِنّ ٱلّلهَ لَ ُي ِ‬
‫ك مِنَ ٱلدّنْيَا} أي استعمل ما وهبك ال من هذا الال الزيل والنعمة‬
‫ٱلّلهُ ٱلدّارَ ٱل ِخ َرةَ وَلَ تَنسَ َنصِيَب َ‬
‫الطائلة ف طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات الت يصل لك با الثواب ف الدنيا والخرة‪{ :‬وَلَ‬
‫تَنسَ َنصِيَبكَ مِنَ ٱلدّْنيَا} أي ما أباح ال فيها من الآكل والشارب واللبس والساكن والناكح‪ ،‬فإن‬
‫لربك عليك حقا‪ ،‬ولنفسك عليك حقا‪ ،‬ولهلك عليك حقا‪ ،‬ولزورك عليك حقا‪ ،‬فآت كل ذي حق‬
‫حقه {وََأحْسِن كَمَا أَحْسَ َن الّلهُ إَِلْيكَ} أي أحسن إل خلقه كما أحسن هو إليك { َولَا َتبْغِ اْلفَسَا َد فِي‬
‫حبّ‬
‫الَْأ ْرضِ}أي ل تكن هتك با أنت فيه أن تفسد به ف الرض وتسيء إل خلق ال {إِنّ الّلهَ لَا يُ ِ‬
‫اْل ُمفْسِدِينَ}"‪.)11‬‬

‫س َفهَآءَ‬
‫وقد جعل ال تعال بالموال قيام أحوال الناس ف أمور دينهم ودنياهم‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬وَلَ ُت ْؤتُواْ ٱل ّ‬
‫َأ ْموَالَكُمُ ٱلّتِي َجعَلَ ٱلّلهُ لَكُمْ ِقيَاما}‪ ,‬وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال‪ " :‬فإن الال هو قيام الناس‬
‫قوام معايشهم "‪ ,‬فبالموال تقوى دولة السلم‪ ,‬وياهد ف سبيل ال‪ ,‬وتعد العدة‪ ،‬وتنتج الصناعات‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪200‬‬

‫العسكرية وغيها‪ ,‬وتقسم الجور والعطاءات والساعدات على الناس‪ ,‬وبا تبن الساجد والستشفيات‬
‫والدارس وغيها من الصال‪.‬‬
‫ومع صلح النية ف طلب الربح والكسب‪ ،‬فإن السعي ف طلب الرزق يكون من العبادات الت يؤجر‬
‫عليها العبد إذا قصد ف سعيه النفقة على من تب عليه نفقتهم‪ ,‬أو قصد نصرة دين ال تعال باله‪،‬‬
‫والهاد ف سبيل ال‪ ،‬وإطعام الفقراء والساكي‪ ،‬أو غيها من وجوه الب والصدقات‪ ،‬وقد قال تعال‬
‫{يَٰأّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُوْا هَلْ َأدُلّك ْم َعلَىٰ ِتجَا َرةٍ تُنجِيكُم مّ ْن عَذَابٍ أَلِيمٍ‪ُ .‬ت ْؤمِنُو َن بِٱلّل ِه َورَسُوِلهِ َوتُجَاهِدُونَ فِي‬
‫سَبِيلِ ٱلّلهِ بَِأ ْموَاِلكُ ْم وَأَنفُسِكُ ْم ذَلِكُ ْم خَْيرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ َت ْعلَمُونَ‪َ .‬ي ْغ ِفرْ لَكُ ْم ذُنُوبَ ُكمْ َويُدْ ِخلْكُمْ َجنّاتٍ‬
‫ت عَدْنٍ ذَِلكَ ٱْل َف ْوزُ ٱْلعَظِيمُ}‪ ،‬وقال صلى ال عليه‬
‫جرِي مِن تَحِْتهَا ٱلَْنهَا ُر َومَسَاكِنَ َطيَّبةً فِي َجنّا ِ‬
‫تَ ْ‬
‫وسلم‪" :‬ل بأس بالغن لن اتقى‪ ،‬والصحة لن اتقى خي من الغن وطيب النفس من النعيم" رواه أحد‬
‫وغيه‪،‬فل بأس بالغن لن اتقى ال تعال‪ ،‬لن العبد التقي يتقي ال تعال ف كسبه للمال وف إنفاقه‪،‬‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم فقالُوا‪ :‬ذَهب أهْلُ‬
‫وعنْ أب هُريرةَ رضي اللّه عَْنهُ أنّ ُف َقرَاءَ الُها ِجرِينَ َأَتوْا رَسُولَ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫الدّثُورِ بالدّرجَاتِ العُلى‪ ،‬وَالّنعِيمِ الُقيمِ‪ُ :‬يصَلّونَ كَما نُصلّي‪ ،‬وَيصُومُونَ كما َنصُومُ‪ ،‬ولمُ َفضْ ٌل مِنْ‬
‫أمْوالٍ‪ :‬يجّونَ‪ ،‬وَيعَْت ِمرُونَ‪ ،‬وَيُجاهِدُونَ‪ ،‬ويَتصَدّقُون‪ .‬فقا َل "أل أُعلمُ ُكمْ شَيْئا ُت ْدرِكُونَ ِب ِه مَنْ سَبقَ ُكمْ‪،‬‬
‫وتَسِبقُونَ ِب ِه منْ َبعْد ُكمْ‪ .‬ول يَكُونُ أَ َحدٌ َأفْض َل مِنْ ُكمْ إ ّل مَنْ صَنَ ِع مِثلَ ما صََنعْتُم" قالُوا‪ :‬بَلَى يا‬
‫رسول اللّه‪ ،‬قال‪" :‬تُسبّحُونَ‪ ،‬وتَحْمدُونَ وُتكَّبرُونَ‪ ،‬خ ْلفَ كُلّ صلةٍ ثلثا وثَلثيَ" قال أبُو صالٍ‬
‫الرّاوي عنْ أب ُهرَيْرةَ‪ ،‬لَّا سئِل عنْ كْيفِي ِة ذِ ْكرِهنّ‪ ،‬قال‪ :‬يقول‪ُ :‬سبْحان اللّه‪ ،‬والمْدُ للّه‪ ،‬واللّه أ ْكبُ‪،‬‬
‫حتّى يكُو َن مِْنهُنّ كُلّه ّن ثلثا وثلثي‪ .‬متف ٌق عليهِ وزاد مُسْلمٌ ف روايِتهِ‪ :‬فَرجع ُفقَراءُ ا ُلهَا ِجرِينَ إل‬
‫رسُولِ الّل ِه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪ ،‬فقالوا‪ :‬سِع إخْوانُنا أه ُل المْوال بِما فعَ ْلنَا‪ ،‬فف َعلُوا مِثْلهُ فقا َل رَسُو ُل اللّه‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم‪" :‬ذلكَ َفضْلُ اللّه ُي ْؤتِيهِ منْ يشاءُ"‪.‬‬
‫صَلّى ا ُ‬
‫وعن أب هريرة رضي ال عنه قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما لحد عندنا يد إل وقد‬
‫كافيناه‪ ،‬ما خل أبا بكر‪ ،‬فإن له عندنا يدا يكافئه ال با يوم القيامة‪ ،‬وما نفعن مال أحد قط ما نفعن‬
‫مال أب بكر‪ ،‬ولو كنت متخذا خليل لتذت أبا بكر خليل‪ ،‬أل وإن صاحبكم خليل ال" رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬وعند أحد عن أب هريرة قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬ما نفعن مال قط ما‬
‫نفعن مال أب بكر" فبكى أبو بكر‪ ،‬وقال‪ :‬هل أنا ومال إل لك يا رسول ال‪.‬‬
‫سدَ إِ ّل ف اثنتيِ‪ :‬رَ ُجلٌ آتَاهُ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم قال‪" :‬ل حَ َ‬
‫وعَنِ ابنِ مسعو ٍد رضي اللّه عنه‪ ،‬عن النب صَلّى ا ُ‬
‫سلّطَه َعلَى َهلَكَِتهِ ف الَقّ‪َ ،‬ورَجُ ٌل آتَاه اللّه حِكْ َمةً‪َ ،‬ف ُهوَ َيقْضِي ِبهَا وَُي َعلّمُها" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫اللّه مَالً‪ ،‬فَ َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪201‬‬

‫وعن أب ُأمَامَ َة صُ َديّ بنِ َعجْل َن رضي الّلهُ عنه قال‪ :‬قال رسُولُ اللّه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬يا ابْنَ آ َدمَ‬
‫ِإّنكَ إِن تَ ْبذُلَ ال َفضْلَ َخيٌ َلكََ‪ ،‬وإِن تُمْسِ َكهُ َشرّ َلكَ‪ ،‬وَل تُلمُ عَلى َكفَافٍ‪ ،‬وَابْدأْ بِمَ ْن َتعُولُ‪ ،‬والَيدُ‬
‫س ْفلَى" رواه مسلم‪.‬‬
‫العُليَا خَ ْي ٌر مِنَ الَي ِد ال ّ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم قال‪" :‬بيْنَما رَجُ ٌل يَمشِي ِبفَل ٍة مِن الَرض‪ ،‬فَسَمِعَ صَوتا ف‬
‫وقال رسول ال صَلّى ا ُ‬
‫سَحَاَبةٍ‪ :‬اسقِ َحدِي َقةَ فُلنٍ‪ ،‬فَتَنَحّى ذلكَ السّحَابُ َفَأ ْفرَغَ مَاءَهُ ف َحرّةٍ‪ ،‬فإِذا شرجة من ِت ْلكَ الشّراجِ‬
‫حوّ ُل الَا َء بِسحَاِتهِ‪ ،‬فقال له‪ :‬يا‬
‫َقدِ اسْتَوعََبتْ ذِلكَ الاءَ ُك ّلهُ فَتَتَبّ َع الاءَ‪ ،‬فإِذا رَ ُجلٌ قَاِئمٌ ف َحدِيقَِتهِ يُ َ‬
‫سأَلُنِي عَنِ‬
‫عَ ْبدَ ال ّل ِه ما اسْ ُمكَ قال‪ :‬فُلنٌ‪ ،‬لل ْسمِ اّلذِي سَمِعَ ف السّحَاَبةِ‪ ،‬فقال له‪ :‬يَا عَ ْبدَ ال ّلهِ ِل َم تَ ْ‬
‫سكَ‪ ،‬فما‬
‫اسْمِي َفقَال‪ :‬إن سَ ِم ْعتُ صَوتا ف السّحَابِ الذي هذَا مَاؤُهُ يقُولُ‪ :‬اسقِ َحدِي َقةَ فُلنٍ ل ِ‬
‫صدّقُ بُثلُثِه‪ ،‬وآ ُكلُ أَنا وعِيال‬
‫ج مِنها‪َ ،‬فأَّت َ‬
‫خرُ ُ‬
‫َتصْنَ ُع فِيها فقال‪ :‬أَما ِإذْ ُق ْلتَ َهذَا‪ ،‬فَإن أَنْ ُظرُ إِل ما يَ ْ‬
‫ُثلُثا‪ ،‬وأَردّ فِيها ثُلَثهُ" رواه مسلم‪.‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم َيقُولُ‬
‫ي رضي اللّه عنه أَنه سَع رسو َل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫وعن أب كَبشَ َة عُمرو بِنَ سَع ٍد ا َلنَار ّ‬
‫ص َدقَةٍ‪ ،‬وَل ُظ ِلمَ عَ ْب ٌد مَ ْظلَمَةً‬
‫سمُ َعلَيهِنّ َوأُ َحدّثُكُم َحدِيثا فَا ْحفَظُوهُ‪ :‬مَا َنقَصَ مَالُ عَب ٍد مِن َ‬
‫"ثَلَثةٌ ُأقْ ِ‬
‫ح َوهَا‪.‬‬
‫صََبرَ َعلَيهَا إِ ّل زَا َدهُ ال ّلهُ ِعزّا‪ ،‬وَل فَتَحَ َع ْبدٌ باب مَسأََلةٍ إِ ّل فَتَحَ اللّه َعلَ ْيهِ باب َف ْقرٍ‪َ ،‬أوْ َكلِ َمةً نَ ْ‬
‫وَأُ َحدّثُكُم َحدِيثا فَا ْحفَظُوهُ‪ .‬قال ِإنّمَا الدّنْيَا َلرَْب َعةِ َنفَر‪ :‬عَب ٍد َر َزقَه اللّه مَا ًل وَ ِعلْما‪َ ،‬فهُو َيتّقي فِيهِ َرّبهُ‪,‬‬
‫وََيصِ ُل فِيهِ رَحِ َمهُ‪ ،‬وََي ْع َلمُ ل ّلهِ فِيهِ حَقا فَهذَا بأَفضَل الَنازل‪.‬‬
‫وَعَ ْب ٍد َرزَ َقهُ اللّه ِعلْما‪ ،‬وََلمْ َي ْرزُقهُ مَا ًل فَ ُهوَ صَادِقُ النّّيةِ َيقُولُ‪ :‬لَو أَ ّن ل مَالً لَع ِم ْلتُ ِبعَمَل فُلنٍ‪َ ،‬ف ُهوَ‬
‫نِيُّتهُ‪َ ،‬فأَ ْج ُرهُمَا َسوَاءٌ‪.‬‬
‫وَعَ ْب ٍد َرزَ َقهُ ال ّل ُه مَالً‪ ،‬وََلمْ ي ْر ُزقْهُ ِعلْما‪ ،‬ف ُهوَ يَخْبِطُ ف ماِلهِ ِبغَي عِلمٍ‪ ،‬ل يَتّقي فِي ِه رَّبهُ وَل َيصِلُ‬
‫ث الَنَازِلِ‪.‬‬
‫رَحِ َمهُ‪ ،‬وَل يَع َلمُ ل ّلهِ فِيهِ حَقا‪َ ،‬ف َهذَا بأَخَْب ِ‬
‫وَعَ ْبدٍ َلمْ ي ْر ُزقْهُ اللّه مَا ًل وَل ِعلْما‪َ ،‬ف ُهوَ َيقُولُ‪َ :‬لوْ أَ ّن ل مَالً َلعَ ِم ْلتُ فِيهِ ِبعَمَل فُلنٍ‪َ ،‬فهُوَ نِيُّتهُ‪،‬‬
‫َف ِوزْ ُرهُمَا َسوَاءٌ" رواه الترمذي وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وعن موسى بن علي عن أبيه قال‪ :‬سعت عمرو بن العاص يقول‪ :‬بعث إلّ رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فقال‪" :‬خذ عليك ثيابك وسلحك ث ائتن" فأتيته وهو يتوضأ فصعد ف النظر ث طأطأه‪ ،‬فقال‬
‫"إن أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك ال ويغنمك وأرغب لك من الال رغبة صالة" قال‪ :‬قلت‪:‬‬
‫يا رسول ال ما أسلمت من أجل الال ولكن أسلمت رغبة ف السلم وأن أكون مع رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فقال‪" :‬يا عمرو نعم الال الصال للمرء الصال"رواه أحد‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪202‬‬

‫وعن أب سعيد الدري رضي ال عنه‪ " :‬أن النب صلى ال عليه وسلم جلس ذات يوم على النب‪،‬‬
‫وجلسنا حوله‪ ،‬فقال‪" :‬إن ما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها"‪ .‬فقال‬
‫رجل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أو يأت الي بالشر؟ فسكت النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما شأنك‪ ،‬تكلم‬

‫النب صلى ال عليه وسلم ول يكلمك؟ فرأينا أنه ينل عليه‪ ،‬قال فمسح عنه الرحضاء‪ ،‬فقال‪" :‬أين‬

‫السائل؟"‪ .‬وكأنه حده فقال‪" :‬إنه ل يأت الي بالشر‪ ،‬وإن ما ينبت الربيع يقتل أو يلم‪ ،‬إل آكلة‬
‫الضراء‪ ،‬أكلت حت إذا امتدت خاصرتاها‪ ،‬استقبلت عي الشمس‪ ،‬فثلطت‪ ،‬وبالت‪ ،‬ورتعت‪ ،‬وإن‬
‫هذا الال خضرة حلوة‪ ،‬فنعم صاحب السلم ما أعطى منه السكي واليتيم وابن السبيل" ‪ -‬أو كما‬
‫قال النب صلى ال عليه وسلم – و"إنه من يأخذه بغي حقه‪ ،‬كالذي يأكل ول يشبع‪ ،‬ويكون شهيدا‬
‫عليه يوم القيامة" رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وعن كعب بن عجرة قال‪ :‬مر على النب صلى ال عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم من جلده ونشاطه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول ال لو كان هذا ف سبيل ال؟ فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو ف سبيل ال‪ ،‬وإن كان خرج يسعى على‬

‫أبوين شيخي كبيين فهو ف سبيل ال‪ ،‬وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو ف سبيل ال‪ ،‬وإن كان‬
‫خرج رياء ومفاخرة فهو ف سبيل الشيطان" رواه الطبان‪.‬‬
‫ول يناف الزهد ف الدنيا السعي ف الكسب اللل والتوسع ف التجارة والقيام بالشاريع التجارية الكبية‬
‫إذا ما نوى العبد ف تارته نصرة دين ال والهاد بالال ف سبيل ال‪ ،‬والحسان إل الناس‪ ،‬وإطعام‬
‫الساكي‪ ،‬والنفقة على من يعول من غي إسراف أو ميلة‪ ،‬وأما التكاثر الذموم من الدنيا فهو ما ألى‬
‫صاحبه عن طاعة ال‪ ،‬وأدى به إل الغفلة والركون إل الدنيا‪ ،‬كما قال تعال‪{ :‬أَْلهَاكُمُ ٱلتّكّاُثرُ‪ .‬حَتّىٰ‬
‫ل َسوْفَ َتعْلَمُونَ‪ .‬ثُمّ كَلّ َسوْفَ َتعْلَمُونَ‪ .‬كَلّ َلوْ َتعَْلمُونَ ِعلْمَ ٱلَْي ِقيِ‪ .‬لََت َروُنّ ٱلْجَحِيمَ‪.‬‬
‫ُزرْتُمُ ٱلْ َمقَاِبرَ‪ .‬كَ ّ‬
‫ثُمّ َلَت َروُّنهَا عَيْنَ ٱلَْي ِقيِ‪ .‬ثُمّ لَُتسْأَلُنّ َي ْومَئِ ٍذ عَنِ ٱلّنعِيمِ}‪.‬‬
‫وقد جاءت الشريعة السلمية مستوفية لميع أنواع العاملت وأحكام الموال كالصرف والتجارة‬
‫والزراعة وغيها‪ ,‬وقد بي ال تعال أحكام العاملت وفصلها ليكون السلم على بصية من أمره فيما‬
‫يل ويرم من العاملت‪.‬‬
‫فالصل ف العاملت الل إل إذا اشتمل العقد على نوع من الظلم كالربا أو الغرر والهالة أو الداع‬
‫والغش أو غيها من أنواع الظلم ف العاملت‪ ,‬وهذا الصل يدل على يسر الشريعة وسعتها لكل ما‬
‫يستجد ويطرأ من العاملت بي الناس‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪203‬‬

‫والواحب على الكومة السلمية أن تتفقه ف أحكام العاملت والقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة‬
‫وغيها‪ ،‬حت تكون على بينة من أمرها فيما يل ويرم‪ ،‬كما يب عليها أن تأمر الناس بذلك ف‬
‫معاملتم‪ ,‬وقد قال عمر رضي ال عنه‪" :‬ل يبع ف سوقنا إل من قد تفقه ف الدين" رواه الترمذي‪.‬‬
‫وأما التعامل بالموال بسب أطماع الناس‪ ،‬وأهوائهم‪ ،‬وجشعهم‪ ,‬وظلمهم دون الرجوع إل حكم ال‬
‫ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ,‬فهو وصف الكافرين ف القدي والاضر‪ ،‬كما قال تعال عن قوم شعيب‪:‬‬
‫شعَْيبُ َأصَلَوُتكَ تَ ْأ ُمرُكَ أَن نّْترُ َك مَا َيعُْبدُ ءابَاؤُنَآ َأوْ أَن ّن ْفعَلَ فِيۤ َأ ْموَالِنَا مَا نَشَاءُ إِّنكَ لَنتَ‬
‫{قَالُوْا يٰ ُ‬
‫ٱلْحَلِي ُم ٱلرّشِيدُ}‪.‬‬
‫خبّ ُطهُ ٱلشّيْطَا ُن مِنَ ٱلْ َمسّ ذَِلكَ بَِأّنهُمْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬ٱلّذِينَ يَأْ ُكلُو َن ٱلرّبَا لَ َيقُومُونَ إِلّ كَمَا َيقُومُ ٱلّذِي يَتَ َ‬
‫قَاُلوۤاْ إِنّمَا ٱْلبَيْ ُع مِثْ ُل ٱلرّبَا وََأحَلّ ٱلّلهُ ٱلْبَيْ َع وَ َح ّر َم ٱلرّبَا فَمَن جَآ َءهُ َم ْوعِظَ ٌة مّ ْن رّّبهِ فَٱْنَتهَىٰ َفَلهُ مَا َسلَفَ‬
‫وََأ ْمرُهُ إِلَى ٱلّل ِه َومَ ْن عَادَ فَُأوَْلـِٰئكَ َأصْحَابُ ٱلنّارِ هُ ْم فِيهَا خَالِدُونَ‪ .‬يَمْحَقُ ٱلّلهُ ٱْلرّبَا وَُيرْبِي ٱلصّدَقَاتِ‬
‫لةَ وَآَتوُْا ٱلزّكَاةَ َلهُمْ‬
‫ت وَأَقَامُوْا ٱلصّ َ‬
‫حبّ كُلّ َكفّارٍ أَثِيمٍ‪ .‬إِنّ ٱلّذِي َن آمَنُوْا َوعَ ِملُوْا ٱلصّالِحَا ِ‬
‫وَٱلّلهُ َل يُ ِ‬
‫حزَنُونَ‪ .‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ ٱّتقُواْ ٱلّلهَ َو َذرُوْا مَا َبقِ َي مِ َن ٱلرّبَا‬
‫ف عََلْيهِ ْم وَ َل هُمْ يَ ْ‬
‫أَ ْج ُرهُ ْم عِن َد رَّبهِ ْم وَلَ َخوْ ٌ‬
‫ح ْربٍ مّنَ ٱلّل ِه َورَسُوِل ِه وَإِنْ تُْبتُمْ َفلَكُ ْم ُرؤُوسُ َأ ْموَالِ ُكمْ لَ‬
‫إِن كُْنتُ ْم ّمؤْمِِنيَ‪ .‬فَإِن لّمْ َت ْفعَلُواْ فَ ْأذَنُوْا بِ َ‬
‫تَ ْظلِمُو َن وَلَ تُ ْظلَمُونَ}‪.‬‬
‫فبتقوى ال تعال ف جيع شؤون الياة ومنها القتصادية تنال سعادة الدنيا والخرة‪،‬والرزق الطيب‬
‫والياة الطيبة‪ ،‬كما قال تعال‪َ { :‬وَلوْ َأّنهُمْ أَقَامُوْا ٱلّت ْورَاةَ وَٱلِْنجِي َل َومَآ أُنزِلَ إِلَيهِ ْم مّن رّّبهِمْ َلكَلُوْا مِن‬
‫حتِ َأرْ ُجِلهِم مّْنهُمْ ُأمّ ٌة ّمقَْتصِدٌَة وَكَثِ ٌي مّْنهُمْ سَآءَ مَا َيعْمَلُونَ}‪.‬‬
‫َفوِْقهِ ْم َومِن تَ ْ‬
‫جزِيَّنهُمْ أَ ْج َرهُم‬
‫حيِيَّنهُ َحيَاةً طَيَّب ًة وَلََن ْ‬
‫وقال تعال‪{ :‬مَ ْن عَمِ َل صَالِحا مّن ذَ َكرٍ َأوْ أُْنثَ ٰى َو ُهوَ ُم ْؤمِنٌ َفلَنُ ْ‬
‫بِأَ ْحسَ ِن مَا كَانُواْ َيعْمَلُونَ}‪ ،‬وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"خس بمس" قالوا‪ :‬يا رسول ال وما خس بمس؟ قال‪" :‬ما نقض قوم العهد إل سلط عليهم‬
‫عدوهم‪ ،‬وما حكموا بغي ما أنزل ال إل فشا فيهم الفقر‪ ،‬ول ظهرت فيهم الفاحشة إل فشا فيهم‬
‫الوت‪ ،‬ول طففوا الكيال إل منعوا النبات وأخذوا بالسني‪ ،‬ول منعوا الزكاة إل حبس عنهم القطر"‬
‫رواه الطبان ف الكبي‪.‬‬

‫فصل‪ :‬العدل في الموال‬
‫أمر ال تعال الولة بالعدل ف القسم بي الناس‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬إِنّ ٱلّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّوْا ٱلَمَانَاتِ ِإلَ ۤى‬
‫َأهِْلهَا} ‪,‬فإن الموال والقوق من المانات الت يب أن تؤدى إل أهلها بعدل وإنصاف ول يُحاب فيها‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪204‬‬

‫أحد لقرابة أو صداقة‪ ,‬فإن المي خازن مؤتن فيجب أن يؤدي القوق إل أهلها‪ ،‬كما أمره ال تعال‪,‬‬
‫ول يتصرف فيها با تشتهيه النفس وتواه‪ ,‬وقد أخرج ابن أب شيبة ف الصنف وابن جرير وابن النذر‬
‫وابن أب حات عن زيد بن أسلم ف قوله‪{ :‬إِ ّن الّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّواْ ا َلمَانَاتِ إِلَى َأهِْلهَا} الية قال‬
‫"أنزلت هذه الية ف ولة المر وفيمن ول من أمور الناس شيئا"‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير وابن أب حات عن شهر بن حوشب قال‪" :‬نزلت ف المراء خاصة {إِ ّن الّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ‬
‫أَن تُؤدّواْ ا َلمَانَاتِ إِلَى َأهِْلهَا} "‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير وابن أب حات عن ابن عباس ف قوله‪{ :‬إِ ّن الّلهَ يَ ْأ ُمرُكُمْ أَن تُؤدّواْ ا َلمَانَاتِ إِلَى َأهِْلهَا}‬
‫قال "يعن السلطان يعطون الناس "‪.‬‬
‫وأخرج سعيد بن منصور والفرياب وابن جرير وابن النذر وابن أب حات عن علي بن أب طالب رضي‬
‫ال عنه قال‪" :‬حق على المام أن يكم با أنزل ال‪ ،‬وأن يؤدي المانة‪ ،‬فإذا فعل ذلك فحق على الناس‬
‫أن يسمعوا له‪ ،‬وأن يطيعوا‪ ،‬وأن ييبوا إذا دعوا"‪.‬‬
‫وقال المام ابن جرير رحه ال ف معن الية‪" :‬هو خطاب من ال ولة أمور السلمي بأداء المانة إل‬
‫من ولوا ف فيئهم وحقوقهم وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم ف القضية والقسم بينهم بالسوية‪،‬‬
‫يدل على ذلك ما وعظ به الرعية ف‪{ :‬أَطِيعُواْ الّل َه وَأَطِيعُواْ الرّسُو َل وَُأوْلِي ا َل ْم ِر مِنكُمْ} فأمرهم‬
‫بطاعتهم وأوصى الراعي بالرعية‪ ،‬وأوصى الرعية بالطاعة "‪ ,‬وقال‪" :‬إن ال يأمركم يا معشر ولة أمور‬
‫السلمي أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالم وصدقاتم إليهم على ما‬
‫أمركم ال بأداء كل شيء من ذلك إل من هو له بعد أن تصي ف أيديكم‪ ،‬ل تظلموها أهلها‪ ،‬ول‬
‫تستأثروا بشيء منها‪ ،‬ول تضعوا شيئا منها ف غي موضعه‪ ،‬ول تأخذوها إل من أذن ال لكم بأخذها‬
‫منه قبل أن تصي ف أيديكم‪ ،‬ويأمركم إذا حكمتم بي رعيتكم أن تكموا بينهم بالعدل والنصاف‪،‬‬
‫وذلك حكم ال الذي أنزله ف كتابه وبينه على لسان رسوله‪ ،‬ل تعدوا ذلك فتجوروا عليهم"‪.)11‬‬

‫فالمام والمراء يتساوون مع الرعية ف الق والنصيب من الموال العامة‪ ،‬ول يتميزون عن الرعية بزيادة‬
‫النفقات والعطاءات‪ ,‬فعن عبادة بن الصامت رضي ال عنه قال‪" :‬قام رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فتناول وبرة بي أنلتيه فقال‪" :‬إن هذه من غنائمكم وإنه ليس ل فيها إل نصيب معكم إل المس‬
‫والمس مردود عليكم فأدوا اليط والخيط وأكب من ذلك وأصغر ول تغلوا‪ ،‬فإن الغلول نار‬
‫وعار على أصحابه ف الدنيا والخرة‪ ،‬وجاهدوا الناس ف ال تبارك وتعال القريب والبعيد‪ ،‬ول‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪205‬‬

‫تبالوا ف ال لومة لئم‪ ،‬وأقيموا حدود ال ف الضر والسفر‪ ،‬وجاهدوا ف سبيل ال‪ ،‬فإن الهاد‬
‫باب من أبواب النة عظيم ينجي ال تبارك وتعال به من الغم والم" رواه أحد‪.‬‬
‫وجاء ف سنن أب داود ف مال الفيئ عن مالك بن أوس بن الدثان قال‪ :‬ذكر عمر ابن الطاب يوما‬
‫الفيء فقال‪ " :‬ما أنا بأح ّق بذا الفيء منكم‪ ،‬وما أحدٌ منا بأح ّق به من أحد‪ ،‬إل أنّا على منازلنا من‬
‫كتاب اللّه عزّوجلّ‪ ،‬وقسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‪ :‬فالرجل وقدمه‪ ،‬والرجل وبلؤه‪ ،‬والرجل‬
‫وعياله‪ ،‬والرجل وحاجته "‪ ،‬ورواه أحد عن مالك بن أوس بن الدثان قال كان عمر يلف على أيان‬
‫ثلث يقول‪" :‬وال ما أحد أحق بذا الال من أحد‪ ،‬وما أنا بأحق به من أحد‪ ،‬وال ما من السلمي أحد‬
‫إل وله ف هذا الال نصيب إل عبدا ملوكا‪ ،‬ولكنا على منازلنا من كتاب ال تعال‪ ،‬وقسمنا من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فالرجل وبلؤه ف السلم‪ ،‬والرجل وقدمه ف السلم‪ ،‬والرجل وغناؤه ف‬
‫السلم‪ ،‬والرجل وحاجته‪ ،‬ووال لئن بقيت لم ليأتي الراعي ببل صنعاء حظه من هذا الال وهو يرعى‬
‫مكانه "‪ ،‬فقوله رضي ال عنه‪" :‬وال ما أحد أحق بذا الال من أحد وما أنا بأحق به من أحد "‪ ،‬يدل‬
‫على أن المام والمراء والرعية يتساوون ف العطاء‪ ،‬ول يص الولة بالتفضيل ف العطاءات على غيهم‪.‬‬
‫والفيء هو ما أخذ من مال الكفار بغي قتال‪ :‬كالال الذي تركوه خوفا من السلمي‪ :‬وكالزية‪،‬‬
‫والراج‪ ،‬وعشر تارة الرب إذا دخل بلد السلمي بأمان للتجارة‪ ،‬ونصف عشر تارة الذمي إذا اتر‬
‫ف غي بلده‪ ،‬وقد قال أنس بن مالك رضي ال عنه لنس بن سيين‪ " :‬أل ترضى أن أجعلك على ما‬
‫جعلن عليه عمر بن الطاب رضي ال عنه أمرن أن آخذ من السلمي ربع العشر‪ ،‬ومن أهل الذمة‬
‫نصف العشر‪ ،‬ومن ل ذمة له العشر " السنن الكبى للبيهقي‪،‬ومن الفيء الال الذي ل وارث له‪ ،‬وقد‬
‫سّلطُ‬
‫ب وََلـٰكِنّ ٱلّلهَ يُ َ‬
‫قال تعال‪َ { :‬ومَآ َأفَآءَ ٱلّلهُ َعلَ ٰى رَسُوِلهِ مِْنهُ ْم فَمَآ َأوْ َجفْتُ ْم َعلَْي ِه مِنْ خَيْ ٍل وَ َل رِكَا ٍ‬
‫رُسَُل ُه عَلَ ٰى مَن يَشَآ ُء وَٱلّلهُ َعلَىٰ كُلّ شَ ْيءٍ قَدِيرٌ‪ .‬مّآ أَفَآءَ ٱلّل ُه عَلَ ٰى رَسُوِلهِ مِنْ َأهْلِ ٱْل ُقرَىٰ فَِلّلهِ َولِلرّسُولِ‬
‫وَلِذِي ٱْل ُقرْبَ ٰى وَٱلَْيتَامَىٰ وَٱلْ َمسَا ِكيِ وَٱبْنِ ٱلسّبِيلِ َكيْ لَ يَكُو َن دُولَةً َبيْ َن ٱ َلغْنِيَآءِ مِنكُ ْم َومَآ آتَاكُمُ‬
‫ٱلرّسُولُ فَخُذُو ُه َومَا َنهَاكُ ْم عَْنهُ فَٱنَتهُوْا وَٱّتقُواْ ٱلّلهَ إِنّ ٱلّلهَ شَدِيدُ ٱْل ِعقَابِ‪ِ .‬ل ْلفُ َقرَآءِ اْل ُمهَا ِجرِي َن الّذِينَ‬
‫ك هُمُ‬
‫صرُونَ ٱلّلهَ َورَسُوَلهُ ُأوَْلـِٰئ َ‬
‫ضوَانا وَيَن ُ‬
‫ل مّنَ ٱلّل ِه َورِ ْ‬
‫أُ ْخرِجُواْ مِن دِيَا ِرهِمْ وََأ ْموَاِلهِ ْم يَْبَتغُونَ َفضْ ً‬
‫ٱلصّادِقُونَ‪ .‬وَٱلّذِينَ َتَب ّوءُوا ٱلدّا َر وَٱلِيَا َن مِن َقبِْلهِمْ ُيحِبّو َن مَ ْن هَا َجرَ إِلَْيهِ ْم وَلَ َيجِدُونَ فِي صُدُو ِرهِمْ‬
‫ـِئكَ هُمُ‬
‫سهِ فَُأوَْل ٰ‬
‫سهِ ْم وََلوْ كَا َن ِبهِمْ َخصَاصَ ٌة َومَن يُوقَ شُحّ َنفْ ِ‬
‫حَاجَ ًة مّمّآ أُوتُوْا َوُيؤِْثرُونَ َعلَىٰ أَنفُ ِ‬
‫جعَلْ‬
‫ٱلْ ُمفْلِحُونَ‪ .‬وَٱلّذِينَ جَآءُوا مِن َبعْ ِدهِمْ َيقُولُو َن رَبّنَا ٱ ْغ ِفرْ لَنَا وَلِ ْخوَانِنَا ٱلّذِينَ َسَبقُونَا بِٱ ِليَا ِن وَلَ َت ْ‬
‫ك َرءُوفٌ رّحِيمٌ}‪ ،‬وأخرج عبد الرزاق ف مصنفه وغيه عن مالك بن‬
‫فِي قُلُوِبنَا غِلّ لّلّذِي َن آمَنُوْا رَبّنَآ إِّن َ‬
‫أوس بن الدثان قال‪ :‬قرأ عمر {إِنّمَا الصّدَقَاتُ ِل ْلفُ َقرَاء} وحت بلغ { َعلِي ٌم حَكِيمٌ} ث قال‪ :‬هذه لؤلء‪،‬‬
‫سهُ} حت بلغ {وَابْنِ السّبِيلِ} ث قال‪ :‬هذه لؤلء‪ ،‬ث‬
‫ث قرأ‪{ :‬وَاعْلَمُواْ أَنّمَا َغنِمْتُم مّن شَ ْيءٍ فَأَنّ ِلّلهِ خُمُ َ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪206‬‬

‫قرأ‪{ :‬مّآ َأفَآءَ ٱلّلهُ َعلَ ٰى رَسُوِل ِه مِنْ َأهْلِ ٱْل ُق َرىٰ} حت بلغ {وَٱلّذِي َن جَآءُوا مِن َبعْ ِدهِمْ} ث قال‪ :‬هذه‬
‫استوعبت السلمي عامة‪ ،‬فلئن عشت ليأتي الراعي وهو بسرو حي نصيبه منها ل يعرق فيها جبينه"‪،‬‬
‫وهو يدل على اشتراك جيع السلمي ف الفيء‪ ،‬وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر‪" :‬ما أحد من‬
‫السلمي إل له ف هذا الال حق أعطيه أو منعه" أخرجه أبو عبيد ف الموال‪.‬‬
‫والفيء يصرف ف مصال السلمي وحاجاتم‪ ،‬ويقدم الهم فالهم‪ :‬كسد الثغور‪ ،‬والنفقة على‬
‫الجاهدين الرابطي‪ ،‬وبناء الساجد‪ ،‬وإصلح الطرق‪ ،‬وبناء القناطر‪ ،‬وغيها من الصال‪.‬‬
‫ومن مصارف الفيء‪ :‬إجراء الطعام للرعية‪ ،‬فعن قيس بن أب حازم قال‪ :‬جاء بلل إل عمر حي قدم‬
‫الشام وعنده أمراء الجناد‪ ،‬فقال‪ :‬يا عمر يا عمر فقال عمر‪ :‬هذا عمر‪ .‬فقال‪ :‬إنك بي هؤلء وبي ال‪،‬‬
‫وليس بينك وبي ال أحد‪ ،‬فانظر من بي يديك ومن عن يينك ومن عن شالك‪ ،‬فإن هؤلء الذين‬
‫جاءوك‪ ،‬وال إن يأكلون إل لوم الطي‪ .‬فقال عمر‪ :‬صدقت ل أقوم من ملسي هذا حت تكفلوا ل‬
‫لكل رجل من السلمي بدي بر‪ ،‬وحظهما من الل والزيت‪ .‬فقالوا‪ :‬نكفل لك يا أمي الؤمني‪ ،‬هو‬
‫علينا قد أكثر ال من الي وأوسع‪ .‬قال‪ :‬فنعم إذا" رواه أبو عبيد ف الموال‪.‬‬
‫وروى أبو عبيد عن حارثة بن الضرب أن عمر أمر بريب من طعام فعجن ث خبز ث ثرد بزيت ث دعا‬
‫عليه ثلثي رجل‪ ،‬فأكلوا منه غداءهم حت أصدرهم‪ ،‬ث فعل بالعشاء مثل ذلك‪ ،‬وقال يكفي الرجل‬
‫جريبان كل شهر‪ ،‬فكان يرزق الناس الرأة والرجل والملوك جريبي كل شهر"‪.‬‬
‫وروى أبو عبيد عن سفيان بن وهب يقول قال عمر وأخذ الدى بيد والقسط بيد فقال‪ :‬إن قد فرضت‬
‫لكل نفس مسلمة ف كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت‪ .‬فقال رجل‪ :‬والعبيد؟ فقال‬
‫عمر‪ :‬نعم والعبيد"‪.‬‬
‫وروى أبو عبيد عن أب الزاهرية أن أبا الدرداء قال‪" :‬رب سنة راشدة مهدية قد سنها عمر ف أمة رسول‬
‫ال منها الديان والقسطان"‪.‬‬
‫والعطاء من الفيء يكون للرجل ومن تلزمه نفقتهم من زوجة أو غيها‪ ،‬وقد روى أبو داود عن عوف‬
‫بن مالك رضي ال عنه" أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه ف يومه‪ ،‬فأعطى‬
‫الهل حظي وأعطى العزب حظا "‪.‬‬
‫وقد كان عمر رضي ال عنه يفضل البعض على غيهم ف العطاء لسباب دينية مع اشتراك جيع‬
‫السلمي ف العطاء‪ ،‬وهذه السباب تقدمت ف قوله رضي ال عنه " فالرجل وبلؤه ف السلم‪ ،‬والرجل‬
‫وقدمه ف السلم‪ ،‬والرجل وغناؤه ف السلم‪ ،‬والرجل وحاجته"‪ ،‬فذكر أربعة أسباب للتفضيل أولا‪:‬‬
‫بلء الرجل وجهاده للعداء ودفعه العدوان عن السلمي‪ ،‬والثان‪ :‬أن يكون من السابقي الولي الذين‬
‫حصل الال بسببهم‪ ،‬والثالث‪ :‬الذي يغن عن السلمي ف مصالهم كالقضاة والعلمي وغيهم‪،‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪207‬‬

‫والرابع‪ :‬الفقراء فيقدمون على الغنياء لسيما إذا ضاق الال ول يكف للجميع‪ ،‬فإن تقدي الغنياء على‬
‫الفقراء مالف لقول ال تعال {كَيْ َل يَكُو َن دُولَةً َبيْ َن ٱ َلغْنِيَآ ِء مِنكُمْ}‪ ،‬فالتفضيل بالسباب الربعة هو‬
‫الشهور عن عمر رضي ال عنه‪ ،‬وقد ثبت ف السنة التفضيل بسبب معي كتنفيل بعض اليش لنفعهم‬
‫وغنائهم‪ ،‬وأما أبوبكر الصديق رضي ال عنه فقد كان يسوي بي الناس إذا استوت حاجتهم‪ ،‬وقد روى‬
‫أبو عبيد عن الليث بن سعد عن يزيد بن أب حبيب وغيه" أن أبا بكر كلم ف أن يفضل بي الناس ف‬
‫القسم‪ ،‬فقال فضائلهم عند ال‪ ،‬فأما هذا العاش فالتسوية فيه خي"‪ ،‬وروى أبو عبيد عن يزيد بن أب‬
‫حبيب" أن أبا بكر قسم بي الناس قسما واحدا‪ ،‬فكان ذلك نصف دينار لكل إنسان"‪ ،‬وقال أبو عبيد‬
‫حدثنا عبد الرحن بن مهدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سعت عمر يقول‪" :‬لئن‬
‫عشت إل هذا العام القبل للقن آخر الناس بأولم حت يكونوا ببّانا واحدا‪ .‬قال عبد الرحن‪ :‬ببّانا‬
‫واحدا شيئا واحدا" وهذا شبيه برجوع عمر رضي ال عنه إل رأي أب بكر رضي ال عنه‪ ،‬قال أبو عبيد‬
‫"وقد كان رأي عمر الول التفضيل على السوابق والغناء عن السلم‪ ،‬وهذا هو الشهور من رأيه‪،‬‬
‫وكان رأي أب بكر التسوية‪ ،‬ث قد جاء عن عمر شيء شبيه بالرجوع إل رأي أب بكر‪ ،‬وكذلك يروى‬
‫عن علي التسوية أيضا‪ ،‬ولكل الوجهي مذهب"‪.)11‬‬

‫وكل ما دخل ف بيت الال من مكاسب وأرباح الصادرات الكومية‪ ،‬وما تستخرجه الكومة من‬
‫معادن ونفط وغيها من وجوه الكسب والتجارات الكومية فإن أرباحها تصرف ف مصال السلمي‬
‫العامة‪.‬‬
‫وأخرج مسلم ف صحيحه عن أب عثمان‪ .‬قال‪ :‬كتب إلينا عمر ونن بأذربيجان‪ :‬يا عتبة بن فرقد إنه‬
‫ليس من كدك ول من كد أبيك ول من كد أمك‪ .‬فأشبع السلمي ف رحالم‪ ،‬ما تشبع منه ف رحلك‪،‬‬
‫وإياكم والتنعم‪ ،‬وزي أهل الشرك‪ ،‬ولبوس الرير فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم نى عن لبوس‬
‫الرير‪ .‬قال إل هكذا‪ .‬ورفع لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما"‪،‬‬
‫قال المام النووي رحه ال " أما قوله كتب إلينا فمعناه كتب إل أمي اليش وهو عتبة بن فرقد ليقرأه‬
‫على اليش‪ ،‬فقرأه علينا وأما قوله ( ليس من كدك ) فالكد التعب والشقة‪ ،‬والراد هنا أن هذا الال‬
‫الذى عندك ليس هو من كسبك‪ ،‬وما تعبت فيه ولقتك الشدة والشقة ف كده وتصيله‪ ،‬ولهو من‬
‫كد أبيك وأمك فورثته منهما‪ ،‬بل هو مال السلمي فشاركهم فيه ولتتص عنهم بشيء‪ ،‬بل أشبعهم‬
‫منه وهم ف رحالم أي منازلم‪ ،‬كما تشبع منه ف النس والقدر والصفة‪ ،‬ولتؤخر أرزاقهم عنهم‪،‬‬
‫ولتوجهم يطلبونا منك‪ ،‬بل أوصلها اليهم وهم ف منازلم بل طلب‪ .‬وأما قوله‪( :‬وإياكم والتنعم وزى‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬كتاب الموال‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪208‬‬

‫العجم ) فهوبكسر الزاى ولبوس الرير هو بفتح اللم وضم الباء ما يلبس منه‪ ،‬ومقصود عمر رضى ال‬

‫تعال عنه حثهم على خشونة العيش وصلبتهم"‪.)21‬‬

‫فصل‪ :‬ورع المام والمراء والمراقبة و المحاسبة‬
‫في المال العام‬
‫الناس تبع لئمتهم‪ ،‬فإذا صلحوا وتورعوا عن أكل الال العام بغي حق‪ ،‬فإن الكثي من الناس سوف‬
‫يقتدون بم ويتعلمون من ورعهم‪ ،‬ويكفون عن أخذ الال بغي حق‪،‬كما قال عمر رضي ال عنه‪:‬‬
‫"الرعية مؤدية إل المام ما أدى المام إل ال‪ ،‬فإذا رتع رتعوا" أخرجه ابن أب شيبة وغيه‪.‬‬
‫وقد جاء عن عمر رضي ال عنه أنه أنزل نفسه من مال السلمي منلة ول اليتيم إذا استغن استعفف‪،‬‬
‫وإذا احتاج اقترض من مال السلمي‪ ،‬وإذا أيسر رد القرض‪،‬والرد هو أحد القولي ف قوله تعال‪َ { :‬ومَن‬
‫سَت ْعفِفْ َومَن كَانَ َفقِيا فَ ْليَأْكُلْ بِٱلْ َم ْعرُوفِ}‪ ،‬فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور‬
‫كَا َن غَِنيّا َفلْيَ ْ‬
‫وابن سعد وغيهم من طرق عن عمر بن الطاب قال‪" :‬إن أنزلت نفسي من مال ال بنلة ول اليتيم‪:‬‬
‫إن استغنيت استعففت‪ ،‬وإن احتجت أخذت منه بالعروف‪ ،‬فإذا أيسرت قضيت"‪.‬‬
‫وعن عمرو بن العاص قال‪" :‬لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا الال لقد غبنا وضل رأيهما‪ ،‬واي ال ما‬
‫كانا مغبوني ول ناقصي الرأي‪ ،‬وإن كان ل يل لما فأخذناه بعدها لقد هلكنا‪ ،‬واي ال ما جاء الوهم‬
‫إل من قبلنا "رواه الطبان‪ ،‬وقال اليثمي‪ :‬رجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫ومن المثلة على ورع المام ما رواه الطبان ف الكبي عن السن بن علي رضي ال عنه قال‪" :‬لا‬
‫احتضر أبو بكر رضي ال عنه قال‪ :‬يا عائشة انظري اللقحة الت كنا نشرب من لبنها‪ ،‬والفنة الت كنا‬
‫نصطبح فيها‪ ،‬والقطيفة الت كنا نلبسها‪ ،‬فإنا كنا ننتفع بذلك حي كنا ف أمر السلمي‪ ،‬فإذا مت‬
‫فاردديه إل عمر‪ .‬فلما مات أبو بكر رضي ال عنه أرسلت به إل عمر رضي ال عنه فقال عمر رضي‬
‫ال عنه‪ :‬رضي ال عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك"‪.‬‬
‫وعن مسروق عن عائشة رضي ال عنها قالت‪" :‬قال أبو بكر رضي ال عنه حي حضر‪ :‬انظري كل‬
‫شيء زاد ف مال منذ دخلت ف هذه المارة فرديه إل الليفة من بعدي‪ .‬قالت‪ :‬فلما مات نظرنا فما‬
‫وجدنا زاد ف ماله‪ :‬إل ناضحا كان يسقى بستانا له‪ ،‬وغلما نوبيا كان يمل صبيا له‪ .‬قالت‪ :‬فأرسلت‬
‫به إل عمر رضي ال عنه قالت‪ :‬فأخبت أن عمر رضي ال عنه بكى‪ ،‬وقال‪ :‬رحم ال أبا بكر لقد‬
‫أتعب من بعده تعبا شديدا" رواه البيهقي ف السنن الكبى وغيه ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬شرح النووي على صحيح مسلم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪209‬‬

‫وعن نافِعٍ أَ ّن عُ َمرَ بنَ الَطّابِ رَضيَ الّل ُه عَْنهُ‪ ،‬كَا َن َف َرضَ للْمُها ِجرِينَ ا َلوِّليَ أَرَبعَةَ آلفٍ‪ ،‬وَف َرضَ لْبِنهِ‬
‫س ُهوَ‬
‫ثلثةَ آلفٍ وخَمْسَمائةٍ‪َ ،‬فقِي َل َلهُ‪ُ :‬هوَ مِنَ الُها ِجرِينَ َفلِم َن َقصَْتهُ فقال‪ِ :‬إنّما هَاجَر ِبهِ َأبُوه َيقُولُ‪ :‬لَْي َ‬
‫سهِ " رواهُ البخاري‪.‬‬
‫كَمَ ْن هَا َجرَ ِبَنفْ ِ‬
‫وقال ثعلبة بن أب مالك‪" :‬إن عمر بن الطاب رضي ال عنه قسم مروطا بي نساء من نساء الدينة‪،‬‬
‫فبقي مرط جيد‪ ،‬فقال له بعض من عنده‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬أعط هذا ابنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫الت عندك‪ ،‬يريدون أم كلثوم بنت علي‪ ،‬فقال عمر‪ :‬أم سليط أحق‪ .‬وأم سليط من نساء النصار‪ ،‬من‬
‫بايع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال عمر‪ :‬فإنا كانت تزفر لنا القرب يوم أحد" قال أبو عبد ال‪:‬‬
‫تزفر تيط‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وقال عمر رضي ال عنه " أنا أخبكم با استحل من مال ال حلة الشتاء والقيظ وما أحج عليه وما‬
‫أعتمر من الظهر وقوت أهلي كرجل من قريش‪ ،‬ليس بأغناهم ول بأفقرهم‪ ،‬أنا رجل من السلمي‬
‫يصيبن ما أصابم " رواه ابن أب شيبة وغيه‪.‬‬
‫وف الطبقات لبن سعد عن "عبد ال بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال‪ :‬كان عمر يقوت نفسه وأهله‬
‫ويكتسي اللة ف الصيف‪ ،‬ولربا خرق الزار حت يرقعه فما يبدل مكانه حت يأت البان وما من عام‬
‫يكثر فيه الال إل كسوته فيما أرى أدن من العام الاضي‪ ،‬فكلمته ف ذلك حفصة فقال‪ :‬إنا أكتسي من‬
‫مال السلمي‪ ،‬وهذا يبلغن‪ .‬قال أخبنا ممد بن عمر قال حدثن موسى بن ممد بن إبراهيم عن أبيه‬
‫قال‪ :‬كان عمر بن الطاب يستنفق كل يوم درهي له ولعياله‪ ،‬وإنه أنفق ف حجته ثاني ومائة درهم‪.‬‬
‫قال أخبنا ممد بن عمر قال حدثن عمر بن صال عن صال مول التوأمة عن ابن الزبي قال‪ :‬أنفق عمر‬
‫ثاني ومائة درهم فقال‪ :‬قد أسرفنا ف هذا الال‪ .‬قال أخبنا ممد بن عمر قال حدثن علي بن ممد عن‬
‫أبيه عن ابن عمر أن عمر أنفق ف حجته ستة عشر دينارا فقال‪ :‬يا عبد ال بن عمر أسرفنا ف هذا الال"‪.‬‬
‫ومن المثلة على الحاسبة والعدل ف الال العام أن يتول أهل الشورى فرض الال لليفة السلمي‪ ،‬وقد‬
‫تقدم هذا ف باب الشورى ‪.‬‬

‫فصل‪ :‬نفقات الحكومة‬
‫الواجب على ولة أمر السلمي أن يفظوا أموال السلمي العامة من الضياع‪ ,‬وأن ل يونوا أماناتم‬
‫بالتعدي عليها‪ ,‬أو التفريط ف حفظها‪ ,‬وقد قال تعال‪{ :‬يٰأَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ لَ تَخُونُواْ ٱلّل َه وَٱلرّسُولَ‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪210‬‬

‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‬
‫صلّى ا ُ‬
‫وَتَخُوُن ۤواْ َأمَانَاتِكُ ْم وَأَْنتُمْ َتعْلَمُونَ}‪ ،‬وعن أَب هريرة‪ ،‬رضي اللّه عنه‪ ،‬أن رسولَ اللّه َ‬
‫قال‪" :‬آَي ُة الُنَافِقِ ثَلثٌ‪ِ :‬إذَا َح ّدثَ َك َذبَ‪ ،‬وَِإذَا وَ َعدَ أَ ْخ َلفَ‪ ،‬وِإذَا آ ْؤتُمِنَ خَانَ" متف ٌق عليه‪.‬‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬إن ال عز وجل حرم عليكم عقوق المهات ووأد البنات ومنعا وهات‪،‬‬
‫وقال صَلّى ا ُ‬
‫وكره لكم ثلثا‪ :‬قيل وقال‪ ،‬وكثرة السؤال‪ ،‬وإضاعة الال" رواه البخاري ومسلم‪ ,‬وإضاعة الال‬
‫تكون ف صرفه ف غي مصارفه الشرعية أو بإهال أموال السلمي والتقصي ف حفظها حت تضيع أو‬
‫تفسد‪ ,‬أو التهاون ف حفظ القليل منها‪ ,‬وقد أخرج ابن أب شيبة ف مصنفه عن زيد بن أسلم عن أبيه‬
‫قال‪ :‬كنت أمشي مع عمر بن الطاب فرأى ترة مطروحة فقال‪ :‬خذها قلت وما أصنع بتمرة؟ قال‪ :‬ترة‬
‫وترة حت تتمع‪ ،‬فأخذتا‪ ،‬فمر بربد تر فقال ألقها به"‪.‬‬
‫خوّضُو َن فِي مالِ ال ّلهِ ِبغَ ْيرِ حَـ ّق فَل ُهمُ النّارُ َي ْومَ‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪" :‬إِ ّن رِجَالً يََت َ‬
‫و قال رسو َل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫اْلقِيَامةِ" رواه البخاري‪ ,‬ومعن يتخوضون أي يتصرفون ف أموال السلمي ف غي مصارفها الشرعية‪.‬‬
‫والصارف الشرعية كالنفاق لقامة شرع ال تعال ف الرض‪ ,‬ودعوة الناس وتعليمهم‪ ,‬وقسم‬
‫العطاءات‪ ,‬والجور على السلمي‪ ,‬وتنفيذ الشاريع العامة النافعة‪ ,‬كالدارس والستشفيات وإصلح‬
‫الطرق وغيها من الشاريع النافعة والرافق والدمات ومصال السلمي العامة‪ ,‬فعن أب موسى رضي ال‬
‫عنه قال‪" :‬إن أمي الؤمني بعثن إليكم أعلمكم كتاب ربكم وسنة نبيكم‪ ،‬وأنظف لكم طرقكم "رواه‬
‫الطبان‪.‬‬
‫والذي يب على ولة المر ف النفاق أن يتخذوا سياسة إنفاق عادلة بعيدا عن السراف والتقتي‪,‬‬
‫فيسلكوا ما بي ذلك‪ ,‬وهو القتصاد ف النفقة‪.‬‬
‫والسراف هو ماوزة اللل إل حرام‪ ,‬أو الزيادة على ما ينبغي ف المور الباحة‪ ,‬وقد قال تعال‪}:‬‬
‫سرِِفيَ}‪,‬وقد أخرج ابن جرير وابن أب حات عن ابن عباس‬
‫حبّ ٱلْمُ ْ‬
‫سرُِف ۤواْ إِّنهُ لَ يُ ِ‬
‫وكُلُوْا وَٱ ْشرَبُوْا وَلَ تُ ْ‬
‫قال‪ " :‬أحل ال الكل والشرب ما ل يكن سرفا أو ميلة "‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬وَآتِ ذَا ٱْل ُقرْبَىٰ َح ّقهُ‬
‫ي وَكَانَ ٱلشّيْطَانُ ِلرَبهِ‬
‫وَٱلْمِسْ ِكيَ وَٱبْ َن ٱلسّبِيلِ وَ َل تُبَذرْ َتبْذِيرا‪ .‬إِنّ ٱلْمُبَذرِينَ كَاُنوۤاْ إِ ْخوَانَ ٱلشّيَا ِط ِ‬
‫جعَلْ يَدَ َك َمغْلُوَلةً‬
‫َكفُورا‪ .‬وَِإمّا ُت ْع ِرضَنّ َعْنهُمُ ٱبِْتغَآءَ َرحْمَ ٍة من رّبكَ َترْجُوهَا َفقُل ّلهُ ْم َقوْلً مّيْسُورا ً‪ .‬وَلَ تَ ْ‬
‫سطِ َفَت ْقعُدَ مَلُوما مّحْسُورا} ‪ ,‬وقد أخرج ابن أب حات وغيه عن ابن‬
‫ك وَلَ تَْبسُ ْطهَا كُلّ ٱلَْب ْ‬
‫إِلَ ٰى عُُن ِق َ‬
‫مسعود رضي ال عنه ف قوله‪{ :‬وَلَ ُتبَذرْ تَبْذِيرا} قال " التبذير‪ :‬إنفاق الال ف غي حقه "‪ ،‬وأخرج ابن‬
‫جرير عن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪" :‬كنا أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم نتحدث أن التبذير‬
‫النفقة ف غي حقه "‪.‬‬
‫وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ف الدب وابن جرير وغيهم عن ابن عباس رضي ال عنهما ف‬
‫قوله {إِنّ ٱلْمُبَذرِينَ} قال‪" :‬هم الذين ينفقون الال ف غي حقه"‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪211‬‬

‫وأخرج ابن جرير عن قتادة قوله {وَ َل تُبَذرْ َتبْذِيرا} قال‪" :‬التبذير النفقة ف معصية ال وف غي الق وف‬
‫الفساد "‪.‬‬
‫وقال المام ابن جرير رحه ال "وأما قوله‪{ :‬إِنّ ٱلْمُبَذرِينَ كَاُن ۤواْ إِ ْخوَا َن ٱلشّيَا ِطيِ}فإنه يعن إن الفرقي‬
‫أموالم ف معاصي ال النفقيها ف غي طاعته أولياء الشياطي‪ ،‬وكذلك تقول العرب لكل ملزم سنة قوم‬
‫وتابع أثرهم هو أخوهم {وَكَانَ ٱلشّيْطَانُ ِلرَبهِ َكفُورا} يقول‪ :‬وكان الشيطان لنعمة ربه الت أنعمها‬
‫عليه جحودا ل يشكره عليه‪ ،‬ولكنه يكفرها بترك طاعة ال وركوبه معصيته‪ ،‬فكذلك إخوانه من بن آدم‬
‫البذرون أموالم ف معاصي ال‪ ،‬ل يشكرون ال على نعمه عليهم‪ ،‬ولكنهم يالفون أمره ويعصونه"‪.)11‬‬
‫سرِفُوْا وَلَمْ َيقُْترُوْا وَكَا َن بَيْ َن ذَِلكَ َقوَاما}‪ ،‬وقال صلى ال عليه‬
‫وقال تعال‪{ :‬وَٱلّذِينَ ِإذَآ أَنفَقُواْ َلمْ يُ ْ‬
‫وسلم‪" :‬كلوا واشربوا وتصدقوا ما ل يالطه إسراف ول ميلة" رواه النسائي وابن ماجه‪ ،‬ومن إضاعة‬
‫الال والسراف أن تصرف أموال السلمي ف الحرمات‪ :‬كطباعة الكتب والجلت الت تتوي على‬
‫النكرات‪ ،‬أو صناعة المور أو غيها من العاصي‪ ،‬ومن إضاعة الال أيضا أن يبذل إل غي الستحقي‬
‫من الولة أوغيهم من بعض أفراد الرعية‪ ،‬ومنه أيضا تشييد اللعب الضخمة والبان الفاخرة بطرا‬
‫وفخرا وعبثا‪ ،‬ل لفائدة ول لنفعة‪ ،‬وإنا لقصد التفاخر وإظهار الباعة ف البناء والعبث‪ ،‬وقد أخب ال‬
‫تعال عن هود عليه الصلة والسلم أنه أنكر على قومه تشييدهم البان عبثا‪َ{ :‬أتَبْنُو َن بِكُل رِيعٍ آَيةً‬
‫جبَا ِل بُيُوتا‬
‫حتُو َن مِنَ ٱلْ ِ‬
‫َتعَْبثُونَ}‪ ،‬وأخب تعال عن صال عليه الصلة والسلم أنه قال لقومه‪َ { :‬وتَنْ ِ‬
‫فَا ِر ِهيَ}‪ ،‬قال المام ابن كثي رحه ال‪" :‬فإنم كانوا يتخذون تلك البيوت النحوتة ف البال أشرا‬
‫وبطرا وعبثا من غي حاجة إل سكناها‪ ،‬وكانوا حاذقي متقني لنحتها ونقشها"‪.)22‬‬

‫فصل‪ :‬النفقات‬
‫من مقاصد الشريعة السلمية الرحة باللق وإطعام الفقراء وتوفي حاجاتم وتقيق كفاياتم با يرجهم‬
‫من فقرهم‪ ,‬ومن مقاصد الشريعة أل يكون الال متداول بي الغنياء دون الفقراء‪ ،‬كما قال تعال ف‬
‫أموال الفيء‪{ :‬كَيْ َل يَكُو َن دُولَةً َبيْ َن ٱ َلغْنِيَآ ِء مِنكُمْ}‪.‬‬
‫فقد جاءت الشريعة السلمية بنظام متكامل ف النفقات لسد حاجات الحتاجي ورفع معاناة الفقراء‬
‫وإزالة فقرهم وحاجتهم‪ ،‬وهو نظام تتجلى فيه الخلق العظيمة‪ :‬كالعدل والرحة والحبة والب والصلة‪،‬‬
‫والتعاون على الب والتقوى‪ ،‬والكرم‪ ،‬والخوة اليانية‪ ،‬ومبة السلم لخيه ما يب لنفسه من الي‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬
‫‪ )2‬تفسي القرآن العظيم‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪212‬‬

‫فقد جاءت الشريعة بوجوب النفقة بقدر الكفاية على الرجل لبنائه ووالديه وزوجته وملوكه‪ ،‬فقال اللّه‬
‫سوَُتهُنّ بِالْ َم ْعرُوفِ}‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬لِيُنفِقْ ذُو َسعَ ٍة مّن َسعَِت ِه َومَن‬
‫تعال‪{ :‬وَعلَى الْ َموْلُودِ َل ُه ِرزُْقهُ ّن وَكِ ْ‬
‫ف الّلهُ َنفْسا ِإلّا مَا آتَاهَا}‪.‬‬
‫قُ ِد َر عََلْيهِ ِرزُْقهُ َفلْيُنفِقْ مِمّا آتَا ُه الّلهُ لَا يُكَلّ ُ‬
‫وعن عبدِ الّلهِ بنِ عمرو ب ِن العاص رضي اللّه عنهما قال‪ :‬قال رسولُ اللّه صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬كَفى‬
‫بِالرْءِ ِإثْما أَنْ ُيضَيّ َع مَنْ يقُوتُ " رواه أَبو داود وغيه‪ ,‬ورواه مسلم ف صحيحه بلفظ قال "كَفى بِال ْرءِ‬
‫حِبسَ عَمّ ْن ي ِلكُ قُوتَهُ"‪.‬‬
‫ِإثْما أَنْ يَ ْ‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬دخلت هند بنت عتبة‪ ،‬امرأة أب سفيان‪ ،‬على رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬فقالت‪ :‬يا رسول ال إن أبا سفيان رجل شحيح‪ .‬ل يعطين من النفقة ما يكفين ويكفي‬
‫بن‪ .‬إل ما أخذت من ماله بغي علمه‪ .‬فهل علي ف ذلك من جناح؟ فقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪" :‬خذي من ماله بالعروف‪ ،‬ما يكفيك ويكفي بنيك" متفق عليه‪.‬‬

‫صدَ َقةِ مَا‬
‫س ْفلَى واْبدَأْ بن َتعُولُ‪ ،‬وَخَ ْي ُر ال ّ‬
‫وقال النب صَلّى الُ َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬الَْيدُ اْل ُعلْيا خَ ْي ٌر مِنَ الْيدِ ال ّ‬
‫كَانَ عَ ْن َظ ْهرِ غِنَى‪ ،‬ومَنْ يَسَْتعِففْ ُي ِعفّهُ ال ّلهُ‪ ،‬ومَنْ يَسَْتغْنِ ُيغْنِه ال ّلهُ" رواه البخاري‪.‬‬
‫وكذلك تب نفقة القريب العسر الحتاج على قريبه الوارث الوسر‪،‬لقوله تعال‪َ { :‬و َعلَى ٱْلوَا ِرثِ ِمثْلُ‬
‫ذِٰلكَ}‪.‬‬
‫كما يب على الكومة السلمية أن تسد حاجات الفقراء من موارد بيت الال العام‪ ،‬ومن الال الاص‬
‫كالزكاة فيعطون من الزكاة بقدر كفايتهم حت يصل لم الغن الذي يرجهم من حالة الفقر والسكنة‪،‬‬
‫فيعطى الفقي ما يتاج إليه من السكن واللبس والطعام‪ ،‬وكذلك إذا احتاج الزواج فيزوج‪ ,‬وقد بي ال‬
‫ي عََلْيهَا وَٱلْ ُمؤَّل َفةِ قُلُوُبهُمْ‬
‫ي وَٱلْعَامِِل َ‬
‫تعال مصارف الزكاة ف قوله‪{ :‬إِنّمَا ٱلصّدَقَاتُ ِل ْلفُ َقرَآ ِء وَٱلْمَسَا ِك ِ‬
‫ب وَٱْلغَارِ ِميَ َوفِي سَبِيلِ ٱلّل ِه وَٱبْنِ ٱلسّبِيلِ َفرِيضَ ًة مّنَ ٱلّل ِه وَٱلّل ُه عَلِي ٌم حَكِيمٌ}‪.‬‬
‫وَفِي ٱلرّقَا ِ‬
‫وف الال حق واجب غي الزكاة كإعطاء السائل إذا صدق لقول ال تعال‪{ :‬وََأمّا ٱلسّآئِلَ َفلَ تَْن َهرْ}‪,‬‬
‫قال ابن جرير رحه ال " وأما من سألك من ذي حاجة فل تنهره‪ ،‬ولكن أطعمه واقض له حاجته"‪.)11‬‬

‫وكذلك تب إعارة الاعون للمحتاج لقوله تعال‪َ { :‬ويَمَْنعُونَ ٱلْمَاعُونَ}‪ ,‬والاعون كالدلو والناء‬
‫والفأس ونوه‪.‬‬
‫ومن الق الواجب ف الال إطعام الائع وكسوة العاري‪ ،‬وكذا إذا نزلت بالسلمي نازلة‪ :‬كالجاعة‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪َ " :‬طعَامُ الثْنَيِ‬
‫فيجب أن يؤخذ من الغنياء ما يكفي للفقراء‪ ،‬وقد قالَ رسو ُل اللّه صَلّى ا ُ‬
‫كاف الثّلَثةِ‪ ،‬وطَعامُ الثّلَثةِ كاف الَرَب َعةِ" متفقٌ عليه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬جامع البيان‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪213‬‬

‫ل عََلْيهِ و َسلّم‪َ " :‬طعَامُ الوَاحِد يَكفي الثْنَيْنِ‪ ،‬و َطعَامُ الثْنَيْ ِن يَكْفي الرَب َعةَ‬
‫وف رواية لسل ٍم قال صَلّى ا ُ‬
‫و َطعَامُ الرْبعةِ يَكفي الثّمَانَِيةَ"‪.‬‬
‫ل عََلْيهِ و َسلّم إِذ جَاءَ‬
‫وعن أب سعي ٍد الُدريّ رضي الّلهُ عنه قال‪ :‬بينَمَا َنحْنُ ف َس َف ٍر مَعَ النّبِ ّي صَلّى ا ُ‬
‫ل َعلَْيهِ وسَلّم‪" :‬مَنْ‬
‫صلّى ا ُ‬
‫صرَهُ يَمِينا وَشِمَالً‪َ ،‬فقَال رسولُ اللّه َ‬
‫جعَلَ َيصْرفُ َب َ‬
‫رَجُ ٌل على رَا ِحلَةٍ َلهُ‪ ،‬فَ َ‬
‫كَا َن مَ َعهُ َفضْ ُل ظَهرٍ فَلَي ُعدْ ِبهِ عَلى مَنْ ل َظ ْهرَ َلهُ‪َ ،‬ومَن كانَ َلهُ َفضْ ٌل مِن زَادٍ‪ ،‬فَليَ ُعدْ ِب ِه على مَن ل‬
‫ف الَا ِل مَا ذَ َكرَ َحتّى رَأَْينَا أَّنهُ ل حَقّ لح ٍد مِنّا ف َفضْلٍ" رواه مسلم‪.‬‬
‫زَادَ َلهُ" فَذَ َكرَ مِن َأصْنَا ِ‬
‫ل عَلَْيهِ و َسلّم "إِنّ الش َعرِيي ِإذَا أَرملُوا ف‬
‫وعن أب موسى رضي اللّه عنه قال‪ :‬قال رسولُ اللّه صَلّى ا ُ‬
‫اْلغَ ْزوِ‪ ،‬أَو قَ ّل َطعَامُ عِيَاِلهِم با َلدِيَنةِ‪َ ،‬ج َمعُوا ما كَانَ عِن َدهُم ف ثَوبٍ وَاحدٍ‪ُ ،‬ثمّ اقتَسَمُوهُ بَيَْنهُم ف ِإنَاءٍ‬
‫وَا ِحدٍ بالسّوّيةِ َفهُم مِنّي وََأنَا مِنهُم" متف ٌق عليه‪.‬‬
‫وعن عبد ال بن عمر رضي ال عنهما "أن عمر بن الطاب رضي ال عنه قال عام الرمادة وكانت سنة‬
‫شديدة ملمة بعد ما اجتهد عمر ف إمداد العراب بالبل والقمح والزيت من الرياف كلها‪ ،‬حت‬
‫بلحت الرياف كلها ما جهدها ذلك‪ ،‬فقام عمر يدعو فقال‪ :‬اللهم اجعل رزقهم على رؤوس البال‪.‬‬
‫فاستجاب ال له وللمسلمي‪ ،‬فقال حي نزل به الغيث‪ :‬المد ل فوال لو أن ال ل يفرجها ما تركت‬
‫أهل بيت من السلمي لم سعة إل أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء‪ ،‬فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام‬
‫على ما يقيم واحدا " رواه البخاري ف الدب الفرد‪.‬‬
‫قال المام أبو ممد ابن حزم رحه ال‪" :‬وفرض على الغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم‪،‬‬
‫ويبهم السلطان على ذلك إن ل تقم الزكوات بم ول ف سائر أموال السلمي بم‪ ،‬فيقام لم با‬
‫يأكلون من القوت الذي ل بد منه‪ ,‬ومن اللباس للشتاء والصيف بثل ذلك‪ ،‬وبسكن يكنهم من الطر‬
‫س ِكيَ وَابْنَ‬
‫والصيف والشمس وعيون الارة‪ ,‬برهان ذلك قول ال تعال‪{ :‬وَآتِ ذَا اْل ُقرْبَى َح ّقهُ وَالْمِ ْ‬
‫ي وَاْلجَا ِر ذِي اْل ُقرْبَى وَالْجَارِ‬
‫السّبِيلِ} وقال تعال‪{ :‬وَبِاْلوَالِ َديْنِ إِ ْحسَانا َوبِذِي اْل ُقرْبَى وَاْليَتَامَى وَالْمَسَا ِك ِ‬
‫ب وَاْبنِ السّبِيلِ َومَا مَلَ َكتْ أَْيمَانُكُمْ} فأوجب تعال حق الساكي وابن السبيل‬
‫ب وَالصّا ِحبِ بِالَن ِ‬
‫اْلجُُن ِ‬
‫وما ملكت اليمي مع حق ذي القرب وافترض الحسان إل البوين وذي القرب والساكي والار وما‬
‫ملكت اليمي‪ ,‬والحسان يقتضي كل ما ذكرنا ومنعه إساءة بل شك‪ ,‬وقال تعال‪{ :‬مَا َسلَكَكُمْ فِي‬
‫َس َقرَ‪ .‬قَالُوا لَ ْم َنكُ مِ َن الْ ُمصَّليَ‪ .‬وَلَ ْم َنكُ نُ ْطعِمُ الْ ِمسْ ِكيَ} فقرن ال تعال إطعام السكي بوجوب‬
‫الصلة‪ ,‬وعن رسول ال صلى ال عليه وسلم من طرق كثية ف غاية الصحة أنه قال‪" :‬من ل يرحم‬
‫الناس ل يرحه ال"‪ ,‬قال أبو ممد‪ :‬ومن كان على فضلة ورأى السلم أخاه جائعا عريان ضائعا فلم‬
‫يغثه فما رحه بل شك‪ ,‬وهذا خب رواه نافع بن جبي بن مطعم وقيس بن أب حازم وأبوظبيان وزيد بن‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪214‬‬

‫وهب وكلهم عن جرير بن عبد ال عن رسول ال صلى ال عليه وسلم روى أيضا معناه الزهري عن‬
‫أب سلمة عن أب هريرة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم وحدثناه عبد الرحن بن عبد ال بن خالد‬
‫ثنا إبراهيم بن أحد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسى بن إساعيل هو التبوذكي ثنا العتمر هو ابن‬
‫سليمان عن أبيه ثنا أبو عثمان النهدي أن عبد الرحن بن أب بكر الصديق حدثه أن أصحاب الصفة‬
‫كانوا ناسا فقراء‪ ،‬وأن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من كان عنده طعام اثني فليذهب بثالث‬
‫ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بامس أو سادس" أو كما قال‪ ,‬فهذا هو نفس قولنا‪ ,‬ومن طريق‬
‫الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري أن سال بن عبد ال بن عمر أخبه أن عبد ال بن عمر‬
‫أخبه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬السلم أخو السلم ل يظلمه ول يسلمه" قال أبو ممد‪:‬‬
‫من تركه يوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه‪ .‬حدثنا عبد ال بن يوسف ثنا أحد‬
‫بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحد بن ممد ثنا أحد بن علي ثنا مسلم بن الجاج ثنا شيبان بن‬

‫فروخ ثنا أبو الشهب عن أب نضرة عن أب سعيد الدري أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من‬

‫كان معه فضل ظهر فليعد به على من ل ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من ل زاد‬
‫له" قال فذكر من أصناف الال ما ذكر حت رأينا أنه لحق لحد منا ف فضل‪ ,‬قال أبو ممد‪ :‬وهذا‬
‫إجاع الصحابة رضي ال عنهم يب بذلك أبو سعيد وبكل ما ف الب نقول ومن طريق أب موسى عن‬
‫النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬أطعموا الائع وفكوا العان" والنصوص من القرآن والحاديث الصحاح ف‬
‫هذا تكثر جدا‪ ،‬وروينا من طريق عبدالرحن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب بن أب ثابت عن‬

‫أب وائل شقيق بن سلمة قال قال عمر بن الطاب رضي ال عنه‪" :‬لو استقبلت من أمرى ما استدبرت‬
‫لخذت فضول أموال الغنياء فقسمتها على فقراء الهاجرين" وهذا إسناد ف غاية الصحة والللة‬
‫‪ ...‬وعن ابن عمر أنه قال‪ :‬ف مالك حق سوى الزكاة‪ .‬وعن عائشة أم الؤمني والسن بن علي وابن‬
‫عمر أنم قالوا كلهم لن سألم إن كنت تسأل ف دم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع فقد وجب‬
‫حقك‪ .‬وصح عن أب عبيدة بن الراح وثلة من الصحابة رضي ال عنهم أن زادهم فن فأمرهم أبو‬
‫عبيدة فجمعوا أزوادهم ف مزودين‪ ،‬وجعل يقوتم إياها على السواء‪ ،‬فهذا إجاع مقطوع به من‬
‫الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬ل مالف لم منهم‪ ،‬وصح عن الشعب وماهد وطاوس وغيهم كلهم يقول‪:‬‬
‫ف الال حق سوى الزكاة"‪.)11‬‬

‫وعلى الدولة أن تيء للناس الوظائف والعمال‪ ،‬وأن تصرف للموظفي والعمال أجورهم وأرزاقهم‪,‬‬
‫فعن عبد ال بن السعدي " أنه قدم على عمر ف خلفته فقال له عمر‪ :‬أل أحدث أنك تلي من أعمال‬
‫‪1‬‬

‫‪ )1‬الحلى‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪215‬‬

‫الناس أعمال‪ ،‬فإذا أعطيت العمالة كرهتها‪ .‬فقلت بلى‪ .‬فقال عمر‪ :‬ما تريد إل ذلك؟ فقلت‪ :‬إن ل‬
‫أفراسا وأعبدا وأنا بي‪ ،‬وأريد أن تكون عمالت صدقة على السلمي‪ .‬قال عمر‪ :‬ل تفعل فإن كنت‬
‫أردت الذي أردت‪ ،‬فكان رسول ال صلى ال عليه وسلم " يعطين العطاء فأقول‪ :‬أعطه أفقر إليه من‬
‫حت أعطان مرة مال فقلت‪ :‬أعطه أفقر إليه من‪ .‬فقال النب صلى ال عليه وسلم‪" :‬خذه فتموله‬
‫وتصدق به فما جاءك من هذا الال وأنت غي مشرف ول سائل فخذه وإل فل تتبعه نفسك" رواه‬
‫البخاري‪ ,‬قال الافظ ابن حجر رحه ال "قال الطبي ف حديث عمر الدليل الواضح على أن لن شغل‬
‫بشيء من أعمال السلمي أخذ الرزق على عمله ذلك كالولة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة‬
‫وشبههم لعطاء رسول ال صلى ال عليه وسلم عمر العمالة على عمله‪ .‬وذكر ابن النذر أن زيد بن‬
‫ثابت كان يأخذ الجر على القضاء واحتج أبو عبيد ف جواز ذلك با فرض ال للعاملي على الصدقة‬

‫وجعل لم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها"‪.)11‬‬

‫وعن الستورد بن شداد رضي ال عنه أن النب صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬من ول للناس عمل وليس له‬
‫منل فليتخذ منل‪ ,‬وليس له الزوجة فليتزوج‪ ,‬أو ليس له خادم فليتخذ خادما‪ ,‬أو ليست له دابة‬
‫فليتخذ دابة‪ ,‬ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال" رواه أحد وأبو داود‪ ,‬والديث يدل على أن‬
‫رزق العامل ينبغي أن يكون بقدر الكفاية‪.‬‬
‫كما يب على الكومة إعطاء الوظفي والعمال أجورهم دون تأخي أو ماطلة أو نقص‪ ,‬وقد قال‬
‫تعال‪{ :‬يَا أَّيهَا ٱلّذِي َن آمَنُواْ َأ ْوفُواْ بِٱْلعُقُودِ}‪ ,‬وهذا أمر يقتضي وجوب الوفاء بالعقود‪ ،‬ومنها العقود الت‬
‫بي الناس ف العاملت كالجارة وغيها‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬قال ال عز وجل‪ :‬ثلثة أنا‬

‫خصمهم يوم القيامة‪ ,‬رجل أعطى ب ث غدر‪ ,‬ورجل باع حرا فأكل ثنه‪ ,‬ورجل استأجر أجيا‬
‫فاستوف منه ول يعطه أجره" رواه مسلم‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم‪" :‬أعطوا الجي أجره قبل أن يف‬
‫عرقه" رواه ابن ماجه وغيه‪ ,‬وف الديث الث على إعطاء الجرة والتعجيل ف ذلك‪.‬‬
‫كما يب العدل ف العطاء بي السلمي والتسوية بينهم ف القسم‪ ،‬وأل يقدم أحد على أحد لجل قرابة‬
‫ونوها‪ ,‬وإن ضاق الال عن الميع فيقدم أصحاب الاجات على الغنياء‪ ،‬والعطاء هو ما يعطى‬
‫للمسلمي ف كل عام مرة واحدة أو مرتي‪ ,‬وأما الرزق فهو الال الذي يعطى ف كل شهر لن يقوم‬
‫بصال السلمي‪.‬‬
‫كما يب على الدولة أن تسد حاجات العاجزين على العمل والكسب كالطفال وغيهم حت تصل‬
‫لم الكفاية‪ ,‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪" :‬والذي نفس ممد بيده إن على الرض من مؤمن إل أنا‬

‫‪1‬‬

‫‪ )1‬فتح الباري‪.‬‬

‫السياسة الشرعية‬
‫‪216‬‬

‫أول الناس به‪ ،‬فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا موله‪ ،‬وأيكم ترك مال فإل العصبة من كان" متفق‬
‫عليه‪ ,‬ومعن "ضياعا" أي أطفال وعيال‪,‬و قضاء دين اليت يتوله المام إذا ل يترك اليت وفاءً‪ ,‬وقال‬
‫صلى ال عليه وسلم "من ترك مال فللورثة ومن ترك كل فإلينا"رواه البخاري ومسلم‪ ,‬و" الكل "‬

‫العيال‪.‬‬
‫وعن زيد بن أسلم‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬خرجت مع عمر بن الطاب رضي ال عنه إل السوق‪ ،‬فلحقت عمر‬
‫امرأة شابة‪ ،‬فقالت‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬هلك زوجي وترك صبية صغارا‪ ،‬وال ما ينضجون كراعا‪ ،‬ول لم‬
‫زرع ول ضرع‪ ،‬وخشيت أن تأكلهم الضبع‪ ،‬وأنا بنت خفاف بن إياء الغفاري‪ ،‬وقد شهد أب الديبية‬
‫مع النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فوقف عمر ول يض‪ ،‬ث قال‪ :‬مرحبا بنسب قريب‪ ،‬ث انصرف إل بعي‬
‫ظهي كان مربوطا ف الدار‪ ،‬فحمل عليه غرارتي ملها طعاما‪ ،‬وحل بينهما نفقة وثيابا‪ ،‬ث ناولا‬
‫بطامه‪ ،‬ث قال‪ :‬اقتاديه‪ ،‬فلن يفن حت يأتيكم ال بي‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬أكثرت لا قال‬
‫عمر‪ :‬ثكلتك أمك‪ ،‬وال إن لرى أبا هذه وأخاها‪ ،‬قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه‪ ،‬ث أصبحنا‬
‫نستفيء سهمانما فيه" رواه البخاري‪،‬والضبع أي السنة الجدبة‪،‬والثر ف إطعام اليتامى‪.‬‬
‫وعن نافع قال " فكان عمر بن الطاب ل يفرض لحد ل يبلغ اللم إل مائة درهم‪ ,‬وكان ل يفرض‬
‫لولود حت يفطم‪ ,‬فبينا هو يطوف ذات ليلة بالصلى فسمع بكاء صب فقال لمه‪ :‬ارضعيه فقالت‪ :‬إن‬
‫أمي الؤمني ل يفرض لولود حت يفطم وإن فطمته‪ ،‬فقال عمر‪ .‬كدت أن أقتله أرضعيه‪ ،‬فإن أمي‬
‫الؤمني سوف يفرض له‪ .‬ث فرض له بعد ذلك وللمولود حي يولد " رواه الطبان‪.‬‬
‫وقال ابن سعد " أخبنا يزيد بن هارون قال أخبنا أبو عقيل يي بن التوكل قال حدثن عبد ال بن‬
‫نافع عن أبيه عن ابن عمر قال‪ :‬قدمت رفقة من التجار فنلوا الصلى فقال عمر لعبد الرحن بن عوف‪:‬‬
‫هل لك أن نرسهم الليلة من السرق؟ فباتا يرسانم ويصليان ما كتب ال لما‪ ،‬فسمع عمر بكاء صب‬
‫فتوجه نوه‪ ،‬فقال لمه‪ :‬اتقي ال وأحسن إل صبيك‪ .‬ث عاد إل مكانه فسمع بكاءه فعاد إل أمه‪ ،‬فقال‬
‫لا مثل ذلك‪ ،‬ث عاد إل مكانه فلما كان ف آخر الليل سع بكاءه‪ ،‬فأتى أم