You are on page 1of 27

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫المعتزلة‬
‫الشيخ‪ /‬ناصر بن محمد الحمد‬

‫إن الحمد ل‪..‬‬


‫أما بعد‪:‬‬
‫العتزال ل غة‪ :‬مأخوذ من اعتزال الش يء بمع نى تن حى ع نه‪ ،‬واعتزلت القوم أي فارقت هم‪ ،‬وم نه قوله تعالى‪:‬‬
‫{ َوإِنْ ّل ْم ُت ْؤمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [(‪ )21‬سورة الدخان]‪.‬‬
‫اصطلحا‪ :‬هو اسم يطلق على فرقة ظهرت في السلم في أوائل القرن الثاني‪ ،‬وسلكت منهجا عقليا متطرفا‬
‫في بحث العقائد السلمية‪ ،‬وهم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل عن مجلس الحسن البصري‪.‬‬
‫لماذا سموا بهذا السم‪:‬‬
‫اسم العتزال ظهر أثناء الحروب التي حصلت في عهد علي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬فمن اعتزل السياسة أطلقت‬
‫عليه‪ ،‬ومن اعتزل العبادة أطلقت عليه‪ ،‬لكن هذا السم لم تطلق على فئة معنية بعينها‪.‬‬
‫ثم إن هذه الحروب أور ثت خلفا ب ين الم سلمين‪ ،‬وهذا الختلف أدى إلى الختلف في ب عض الم سائل كل‬
‫يرى بأن الصواب معه‪ ،‬ثم أخذوا يبحثون في حكمها وصار هناك فرق وأصبحت كل فرقة تضع حكما مخالفا‬
‫للخرى‪.‬‬
‫ومن هذه المسائل التي طرحت على بساط البحث مسألة مرتكب الكبيرة‪ ،‬فصارت كل فرقة تضع حكما فصار‬
‫هناك أحكاما متناقضة على إثرها حصلت قصة السائل المشهورة الذي أتى إلى الحسن البصري ‪-‬رحمه ال‪-‬‬
‫في حلقته‪.‬‬
‫والقصة كما ذكرها الشهرستاني وغيره أنه دخل رجل على الحسن البصري فقال‪ :‬يا إمام الدين‪ ،‬لقد ظهرت‬
‫في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر‪ ،‬والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة‪ ،‬وهم وعيدية الخوارج‪،‬‬
‫وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر‪ ،‬والكبيرة عندهم ل تضر مع اليمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من‬
‫اليمان‪ ،‬فل يضر مع اليمان معصية كما ل ينفع مع الكفر طاعة‪ ،‬وهم مرجئة المة فكيف تحكم لنا في ذلك‬
‫اعتقادا؟‬
‫ففكر الح سن في ذلك‪ ،‬وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء‪ :‬أنا ل أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ول‬
‫كافر مطلقا بل هو في منـزلة بين المنـزلتين ل مؤمن ول كافر‪ ،‬ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات‬
‫المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن‪ :‬اعتزلنا واصل فسمي هو وأصحابه‬
‫المعتزلة‪.‬‬
‫بعض اللقاب التي تطلق على المعتزلة‪:‬‬
‫‪ -‬المعتزلة‪ :‬أي المنشقين‪ ،‬وقد بينا سبب تسميتهم بذلك‪ ،‬وبعدما ثبت هذا السم عليهم ورأوا أنه ل خلص لهم‬
‫من هذا ال سم أخذوا يبرهنون على فضله وأن المراد به العتزال عن القوال المحد ثة والمبتد عة‪ ،‬وبرهنوا‬

‫‪1‬‬
‫جمِيلًا} [(‪ )10‬سورة المزمل] وذلك ل يكون‬
‫جرًا َ‬
‫على ما يقولون ببعض النصوص مثل قوله تعالى‪{ :‬وَاهْجُ ْرهُ مْ َه ْ‬
‫إل بالعتزال منهم‪.‬‬
‫‪ -‬ويطلق علي هم أيضا الجهم ية‪ :‬و سبب ت سميتهم بهذا ال سم هو أ نه ل ما كا نت الجهم ية سبقت المعتزلة في‬
‫الظهور واشتهرت ببعض آرائها ثم خرجت المعتزلة وكانت موافقة للجهمية في مسائل كثيرة‪ ،‬مثل نفي الرؤية‬
‫والصـفات وخلق القرآن فكأن توافـق الفرقتيـن جعلهـا كالفرقـة الواحدة‪ ،‬وبمـا أن الجهميـة أسـبق بمسـائلها‪،‬‬
‫والمعتزلة أخذت ها من ها لذا أ صبح يطلق على كل معتزلي جه مي ول يس الع كس‪ ،‬ولذلك أطلق أئ مة ال ثر ل فظ‬
‫الجهمية على المعتزلة‪ ،‬فالمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" والبخاري في الرد على الجهمية إنما يعنون‬
‫بالجهمية المعتزلة‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪-‬رحمه ال‪" :-‬لما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المئة الثالثة على‬
‫عهـد المأمون وأخيـه المعتصـم ثـم الواثـق ودعوا الناس إلى التجهـم وإبطال صـفات ال تعالى‪ ...‬وطلبوا أهـل‬
‫ال سنة للمناظرة‪ ...‬لم ت كن المناظرة مع المعتزلة ف قط‪ ،‬بل كا نت مع ج نس الجهم ية من المعتزلة والنجار ية‬
‫ل لنفيـه‬
‫والضراريـة وأنواع المرجئة‪ ،‬فكـل معتزلي جهمـي وليـس كـل جهمـي معتزليا؛ لن جهما أشـد تعطي ً‬
‫السماء والصفات‪"...‬‬
‫‪ -‬ويطلق علي هم أي ضا المعطلة‪ :‬كان أ هل ال سنة يطلقون على الجهم ية الولى نفاة ال صفات ا سم المعطلة‬
‫لتعطيل ها ال تعالى عـن صـفاته‪ ،‬أي تجريده تعالى منهـا وكانوا يقصـدون مـن وراء هذه التسـمية ذم الجهم ية‪،‬‬
‫وحين قام المعتزلة واقتبسوا عن الجهمية الولى قولها بنفي الصفات لزمهم اسم المعطلة‪ ،‬لذا نجد من كلم أهل‬
‫ال سنة كا بن الق يم ‪-‬رح مه ال‪ -‬ي ستعمل في كل مه عن المعتزلة ل فظ المعطلة للدللة علي هم و قد و ضع كتا به‬
‫‪-‬الصواعق المرسلة في الرد على الجهميه والمعطلة‪ -‬وهو يقصد الرد على المعتزلة بالدرجة الولى‪.‬‬
‫متى وأين ظهرت المعتزلة؟‬
‫يقول المعتزلة في كتبهم ‪ -‬وقولهم باطل وغير صحيح ‪ -‬يقولون بأن مذهبهم قديم أقدم من واصل بن عطاء‪،‬‬
‫و هم يعدون كثيرا من أ هل الب يت من رجال مذهب هم‪ ،‬ولذلك يقولون بأن العتزال إن ما يعود إلى علي بن أ بي‬
‫طالب‪ ،‬وأن اب نه مح مد بن الحنف ية أ خذ ع نه هذا المذ هب ثم أور ثه مح مد لب نه أ بي ها شم أُ ستاذ وا صل‪.‬‬
‫والصحيح بأن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء المولود سنة ‪ 80‬هـ والمتوفى سنة ‪ 131‬هـ وأنه نشأ في‬
‫البصرة ما بين سنة ‪ 105‬ه ـ إلى ‪ 110‬هـ نتي جة المناظرة التي ذكرناها في أمر صاحب الكبيرة‪ ،‬فخرج‬
‫وا صل برأ يه المخالف لشي خه الح سن الب صري‪ ،‬وب عد ذلك أضاف إلى رأ يه في مرت كب ال كبيرة آراء أخرى‬
‫أصبحت فيما بعد من أصول المعتزلة‪ ،‬ومن ثم أخذ كل عالم من علمائهم يأتي برأي حتى تكونت هذه الفرقة‪.‬‬
‫والمتأمـل فـي آراء المعتزلة يجـد أنهـا خليـط مـن آراء ومعتقدات فرق أخرى سـبقت المعتزلة‪ ،‬ففكرة الختيار‬
‫ومسئولية النسان عن أفعاله أخذها المعتزلة عن القدرية‪.‬‬
‫والقول بنفي الصفات وخلق القرآن وعدم رؤية ال بالبصار في الخرة‪ ،‬أخذها المعتزلة عن الجهمية‪ .‬وأخذوا‬
‫مبدأ المـر بالمعروف والنهـي عـن المنكـر عـن الخوارج‪ ،‬واتفقوا مـع الشيعـة فـي كثيرٍ مـن الراء الخاصـة‬
‫بالمامة كقولهم بوجوب وجود المام في كل عصر‪.‬‬

‫‪2‬‬
‫أمـا المكان‪ ،‬فل خلف بأن البصـرة هـي مكان نشأة العتزال‪ ،‬وإن كان المعتزلة أنفسـهم يقولون بأن منشأهـم‬
‫بالمدن ية؛ ح يث يقولون بأن أول من قام بالعتزال أ بو ها شم ع بد ال والح سن اب نا مح مد بن الحنف ية‪ ،‬والثنان‬
‫كانا يسكنان المدينة‪ ،‬وفي المدينة ولد واصل بن عطاء وسكن فيها في صباه وأخذ واصل العتزال عن أبي‬
‫هاشم ثم حمله معه من المدينة إلى البصرة‪.‬‬
‫ما هي أسباب أو عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم‪:‬‬
‫‪-1‬تخلي المة عن مهمات المور التي وجدت لجله‪:‬‬
‫إن هذه المة أمة رسالة‪ ،‬ومن رسالة هذه المة الجهاد في سبيل ال حصلت في بعض الفترات ركود حركة‬
‫الف تح وا ستقرار الم سلمين في الم صار فأدى هذا الفراغ إلى نشوء مشا كل اجتماع ية كثيرة‪ ،‬وكان لزاما على‬
‫علماء الم سلمين أن يدر سوا هذه المشا كل ويجدوا ل ها الحلول الشرع ية الشاف ية و من هذه المشا كل ال تي أثيرت‬
‫مسـألة مجرمـي المـة أو مـا يدعون مرتكـبي الكبائر التـي مـا دون الشرك؛ وذلك أنـه كثـر تجرؤ الناس على‬
‫ارتكاب الكبائر‪ ،‬على خلف ما كان من ق بل‪ ،‬وتو سع الناس في ضروب الل هو والترف وأ سباب الف ساد فحزّ‬
‫ذلك في نفوس القوم ول سيما أهل العلم والخيار‪ ،‬وساءهم أن يروا إخوانهم المسلمين يجترئون على المعاصي‬
‫فعكفوا على دراسـة هذه المشكلة‪ ،‬وهذه المشكلة مـا ظهرت أصـلً إل بعـد توقـف الجهاد فترة وإل والناس‬
‫ل ومدارس عقد ية مختل فة صار كل‬
‫مشتغلون بمهمات المور ل يكفرون ب سفاسفها‪ ،‬ولوجود آراء مختل فة أ ص ً‬
‫يدلى بدلوه ويصدر حكما في هذه المسألة‪ ،‬ومن الذين أفتى في المسألة المعتزلة مساهمة منهم في حل بعض‬
‫المشاكل الموجودة فزادوا المشاكل مشاكل وأحدثوا من البدع والقوال المخالفة للكتاب والسنة ما يتضح لك بعد‬
‫قليل‪.‬‬
‫رأي أهل السنة في مرتكبي الكبيرة التي ما دون الشرك أنه مؤمن‪ ،‬فكبيرته ل تخرجه من اليمان ول تدخله‬
‫في الك فر‪ ،‬ول هم في ذلك أدلة‪ ،‬من ها الن صوص الناط قة بإطلق المؤ من على المعا صي كقوله تعالى‪{ :‬يَا أَيّهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُو ْا كُتِبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [(‪ )178‬سورة البقرة] وقوله تعالى‪{ :‬يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى‬
‫اللّ هِ َتوْ َبةً نّ صُوحًا} [(‪ )8‬سورة التحريم]‪ ،‬ومنها إجماع المة من زمن النبي ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬إلى وقتهم‬
‫على الصلة على من مات من المسلمين من غير توبة والدعاء له ودفنه في مقابر المسلمين مع علمهم بحاله‪.‬‬
‫ر فض الخوارج ح كم أهل ال سنة وقالوا‪ :‬بأن مرتكب الكبيرة والصغيرة كافر بمجرد ارتكاب الذنب ف هو كا فر‬
‫مخلد في النار‪.‬‬
‫اعترض المرجئة على ح كم الخوارج وكونوا رأيا كان بمثا بة الرد على الخوارج فقالوا‪ :‬نظرا لن اليمان هو‬
‫عمود الدين وليس العمل داخلً في اليمان وأنه ل يضر مع اليمان معصية كما ل ينفع مع الكفر طاعة قالوا‪:‬‬
‫بأن مرتكب الكبيرة مؤمن وأرجؤوا أمر معصيته إلى ال تعالى يوم القيامة ليحكم فيه بما يشاء‪.‬‬
‫تم تعاظم الخلف بين الفرق السلمية واحتدم الجدل‪ ،‬وصارت تعقد حلقات المناظرة في مساجد البصرة بهذا‬
‫الشأن ومن أهمها حلقة الحسن البصري والقصة التي ذكرناها‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫وم ما يل فت النتباه أن وا صلً عند ما خرج بهذا الرأي الشاذ الغر يب خالف الخوارج وقال بأن مرت كب ال كبيرة‬
‫ل مؤمـن ول كافـر؛ لن الخوارج تقول بكفره‪ ،‬وافقهـم على تخليده فـي النار يوم القيامـة‪ ،‬لكنـه اسـتدرك على‬
‫نفسه كما يقول البغدادي فقال‪ :‬يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار‪.‬‬
‫و من الطوام ال تي قال ب ها وا صل أ نه قال في عثمان وقاتل يه وخاذل يه‪ ،‬قال إن أ حد الفريق ين ل محالة فا سق‬
‫مخ طئ غ ير أ نه ل ي ستطيع أن يع ين أيه ما المخطىء‪ ،‬لذا فل يق بل شهادته ما كذلك قال في أ صحاب الج مل‬
‫وصفين أن أحدهما مخطئ فاسق وقد يكون الفسقة في الفريقين‪ ،‬ولما كان يشك فيهما كليهما ول يعرف أيهما‬
‫الفاسق‪ ،‬رفض شهادتهما‪.‬‬
‫وذهب صاحبه عمرو بن عب يد إلى أب عد من ذلك فح كم بفسق الفريق ين من أصحاب الج مل وصفين ولم يقبل‬
‫شهادتهما جميعا‪.‬‬
‫ول نريد التفصيل في كل آراء المعتزلة وطوامهم لكن نخلص إلى أن محاولة منهم في إيجاد حلول لبعض هذه‬
‫المسائل والمشاكل المطروحة‪ ،‬بسبب الفراغ من جهة‪ ،‬والترف الفكري من جانب آخر كل هذا وغيره ساعد‬
‫على ظهور وبروز المعتزلة وانتشار أفكارهم‪.‬‬
‫‪-2‬العامل الثاني من عوامل ظهور المعتزلة‪ :‬أثر الديانات الخرى‪:‬‬
‫بعد أن ظهر السلم وانتشر في الجزيرة لم يبق محصورا فيها بل أخضع المسلمون أراضي كثيرة تحت حكم‬
‫السلم‪ ،‬ولشك أن تلك البلد كانت لها دياناتها قبل السلم‪.‬‬
‫ففي الشام ومصر كانت المسيحية واليهودية‪ ،‬وفي العراق وفارس كانت المجوسية‪ .‬فكان لزاما على المسلمين‬
‫أن يعيشوا بين أرباب تلك الديان‪ ،‬وكان لبد لهم من التصال المستمر بهم وهذا التصال والحتكاك لبد وأن‬
‫يكون له تأث ير‪ ،‬مـع أن أئمـة السـلف كانوا ل يقرون ول يرضون بهذا التأث ير لكـن تـم التأث ير بطرق مختل فة‪:‬‬
‫‪ -‬منهـا ترجمـة بعـض الكتـب القديمـة وبعـض العلوم والفلسـفات والتـي أثرت على عقائد بعـض المسـلمين‪.‬‬
‫‪ -‬ومنهـا دخول أهـل الملل الخرى فـي السـلم حيـث جاءوا بمعارف مختلفـة أثرت على عقائد المسـلمين‪.‬‬
‫‪ -‬ومنها أن بعض من دخل في السلم نقل بعض المعتقدات معه عن غير عمد ونشرها بين أهله‪ ،‬فكان لها‬
‫دور في التأثير‪.‬‬
‫‪ -‬ومنها أن بعض من اعتنق السلم لم يكن عن إيمان وإنما لغايات في نفوسهم‪ ،‬فبعضهم طمعا لمال أو جاه‪،‬‬
‫وبعضهم بدافع الحقد؛ لن المسلمين هزموا دينهم وهدموا ملكهم‪ ،‬فصاروا يُروّجون بين أبناء المسلمين أفكارا‬
‫ل تقره عقيدتهم فكان لها شأن من التأثير‪.‬‬
‫ثم لما توطدت أركان دولة السلم وتوسعت أعمالها في عهد بني أمية‪ ،‬صاروا يعتمدون في تصديق شئون‬
‫البلد على أهـل المصـار المتعلميـن فأسـندوا إليهـم أعمال الدواويـن‪ ،‬وكانوا بل شـك يحيون بيـن ظهرانـي‬
‫الم سلمين ويحتكون دوما ب هم والحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي‪ ،‬والراء سريعة النتقال‪ ،‬وكان من أولئك من‬
‫يثيرون بعض المسائل العقدية بين المسلمين‪ ،‬وكان العلماء يحذرون الناس من ذلك ومن الخوض فيها لكن قام‬
‫من ب ين الم سلمين رجال كان عند هم ش يء من الجرأة و حب ال ستطلع فأقبلوا على ب عض علوم أولئك القوم‬

‫‪4‬‬
‫يدر سونها ويقابلون ها بتعال يم ال سلم ثم كان أولئك الرجال هم المعتزلة‪ ،‬فكانوا يحتكون بالديانات ال سائدة وهذا‬
‫كان عاملً قويا في ظهور المعتزلة‪ ،‬حيث تأثروا بتلك الديانات‪.‬‬
‫فكان لليهود بعض الثر في ظهور المعتزلة‪ :‬فهم الذين نشروا المقالة في خلق القرآن ‪ -‬يروي ابن الثير أن‬
‫أول من نشر ها من اليهود هو لب يد بن الع صم‪ -‬عدو ال نبي ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬الذي كان يقول بخلق‬
‫التوراة‪ ،‬ثم أخذ ابن أخته طالوت هذه المقالة عنه وصنف في خلق القرآن‪ ،‬فكان أول من فعل ذلك في السلم‪.‬‬
‫وذكـر الخطيـب البغدادي أن بشرا المريسـي أحـد كبار الدعاة إلى القول بخلق القرآن‪ ،‬كان أبوه يهوديا صـباغا‬
‫في الكوفة‪ ،‬وبهذا يتضح أثر اليهود في المعتزلة‪.‬‬
‫أما المسيحية فكان تأثيرهم أكبر وإليك بعض الدلة‪:‬‬
‫‪ -1‬المويين ‪-‬عفا ال عنا وعنهم‪ -‬قربوا النصارى واستعانوا بهم وأسندوا إليهم بعض المناصب‪ ،‬فقد جعل‬
‫معاوية بن أبي سفيان "سرجون بن منصور الرومي" المسيحي كاتبه وصاحب أمره‪ ،‬وبعد وفاة معاوية بقيت‬
‫لسرجون مكانته‪ ،‬فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي‪ ،‬ثم ورث تلك المكانة ولده "يحيى" الذي خدم‬
‫المويين‪ ،‬فاحتكاك المسلمين بأولئك المسيحيين ل يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثرا‪ ،‬ثم ذكرت‬
‫ك تب التار يخ أ نه اشترك الم سلمون والم سيحيون في مناظرات دين ية وطال بين هم الجدل كانوا في غ نى عن ها‪.‬‬
‫‪ -2‬ومن الدلة‪ :‬ما ورد في كتب التاريخ نصوص تشير إلى أن المسلمين أخذوا عن المسيحيين بعض أقوالهم‪،‬‬
‫فأول مـن تكلم فـي القدر فـي السـلم معبـد الجهنـي الذي أخـذ هذه المقالة عـن نصـراني يقال له أبـو يونـس‪.‬‬
‫‪ -3‬ومـن الدلة‪ :‬الشبـه الكثيـر بيـن عقائد المعتزلة وبيـن أقوال يحيـى ابـن سـرجون كاتـب معاويـة فمنهـا‪:‬‬
‫‪ -‬القول بخير ال‪ :‬كان يحيى يقول‪ :‬إن ال خير ومصدر كل خير‪ ،‬والمعتزلة كانوا يذهبون إلى أن ال ل يفعل‬
‫الشر‪.‬‬
‫‪ -‬ومن ها‪ :‬القول بالصلح‪ :‬كان يحيى يرى أن ال يهيء لكل شيء في الوجود ماهو أصلح له‪ ،‬وهذا شبيه‬
‫بعقيدة الصــلح عنــد المعتزلة الذيــن يقولون بأن ال ل يفعــل إل مــا فيــه صــلح العباد‪.‬‬
‫‪ -‬ومنهـا‪ :‬نفـي الصـفات‪ :‬فكان يحيـى ينفـي الصـفات الزليـة وعقيدة المعتزلة قائم على نفـي الصـفات‪.‬‬
‫من هذا العرض يتضح لنا أن للديانات الخرى أثر في نشأة المعتزلة وخصوصا اليهودية والمسيحية وأن أثر‬
‫المسيحية أكبر من غيره‪.‬‬
‫‪ -3‬العامل الثالث من عوامل ظهور المعتزلة‪ :‬مناصرة بنى العباس لهم‪:‬‬
‫كان ظهور المعتزلة في العصر الموي‪ ،‬وكانوا قد أدركوا نقطة مهمة جدا استفادوها من تجارب التاريخ وهو‬
‫نقمة ونكاية الخلفاء ببعض الفرق قبلهم كالقدرية‪ ،‬فعلموا أنه ل بقاء لهم دون سند قوي يشد من أزرهم فخطر‬
‫ل هم أن يستعينوا بالسلطة والحكام‪ ،‬وبذلوا في ذلك وبعد جهاد طويل دام ما يقارب قرنا من الزمان‪ ،‬حققوا ما‬
‫يريدون‪ ،‬فبدأوا باللتفات حول اليزيد بن الوليد بن عبد الملك‪ ،‬كذلك التفوا حول مروان بن محمد ‪-‬آخر خلفاء‬
‫بني أمية‪ -‬حتى أنه صار يلقب بالجعدي؛ لنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبة في خلق القرآن‪ ،‬ولما مضى‬
‫المويون وابتدأ حكم العباسيين أخذ المعتزلة يرفعون رؤوسهم في حكم أبي جعفر المنصور ‪-‬ثاني خلفاء بني‬
‫العباس‪ -‬ذلك أن عمرو بن عب يد كان صديقا ل بي جع فر المن صور‪ ،‬ق بل أن يتولى الخل فة ثم خ فت صوتهم‬

‫‪5‬‬
‫زمن المهدي ابن المنصور‪ ،‬حيث كان شديدا على الزنادقة والمخالفين فقد جدّ سنة ‪167‬هـ في طلبهم والبحث‬
‫عن هم وع ين لذلك موظفا خا صا وق تل من هم جما عة‪ ،‬ول ما بدأ ع صر الرش يد رفعوا رؤو سهم ثان ية‪ ،‬ل كن كان‬
‫ــم‪.‬‬
‫ــر بآرائهـ‬
‫ــم والجهـ‬
‫ــر مقالتهـ‬
‫ــروا على نشـ‬
‫ــن فلم يجسـ‬
‫ــي أمور الديـ‬
‫ــد شديدا فـ‬
‫الرشيـ‬
‫توفي الرشيد فجاء ولده المين وكان أشد من أبيه في مسائل الدين فانكمش نفوذهم واستمروا مضطهدين إلى‬
‫أن قُ تل الم ين وخل فه أخوه المأمون فابت سم ل هم الدهر وبدأ دور عز هم وقوت هم؛ لن المأمون كان يع تبر نف سه‬
‫من علماء المعتزلة فشايع هم وقرب هم وج عل من هم وزراء‪ ،‬وكان يع قد المناظرات بين هم وب ين الفقهاء‪ ،‬وا ستمر‬
‫على ذلك حتى كانت السنة التي توفي فيها وهي ‪218‬هـ حيث انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد بالذى‬
‫الشديـد‪ ،‬وذلك برأي وتدبيـر وزيره وكاتبـه أحمـد بـن أبـي دؤاد‪ ،‬وكانـت محنـة المام أحمـد ‪-‬رحمـه ال‪-‬‬
‫المشهورة‪ ،‬وا ستمرت تلك الفت نة طوال مدة المعت صم والوا ثق وذلك لو صية المأمون بذلك ح تى جاء المتو كل‬
‫فرفع المحنة‪.‬‬
‫وهذا العامل بل شك أهم العوامل التي ساعدت على بروز المعتزلة وانتشارهم؛ فبعد أن كانت محصورة كثرت‬
‫وتشعبت‪.‬‬
‫‪ -4‬العامل الرابع من عوامل ظهور المعتزلة‪ :‬الدفاع عن السلم‪:‬‬
‫معلوم أنه بعد انتشار السلم دخل طوائف من المجوس واليهود والنصارى في السلم‪ ،‬منهم من كان صادقا‬
‫ومنهم من كان كاذبا‪ ،‬وبينهما درجات‪ ،‬ثم ظهرت فرق مخالفة لمنهج السلف كالمجسمة والروافض وغيرهم‪.‬‬
‫ثم ظهرت حركات عقائدية مناوئة للسلم كالزنادقة والراوندية‪ ،‬وبدأ التشكيك في الدين وصارت المناظرات‪،‬‬
‫فكان للمعتزلة دور بارز في تلك المناظرات مع شتى الملل والنحل‪ ،‬حيث عُرفوا بعلم الكلم والمنطق والجدل‬
‫والفل سفة فارت فع بذلك شأن هم ووضعوا كتبا في الرد والمناظرات كان معظم ها مع الفرس‪ ،‬وأول من ف عل ذلك‬
‫رئيسهم واصل بن عطاء‪.‬‬
‫تقول زوجته أنه كان إذا جن الليل يصف قدميه يصلي وأمامه لوح ومحبرة فإذا مرت به آية فيها حجة على‬
‫مخالف جلس فكتبها ثم عاد في صلته‪ ،‬وأثر عن عمرو بن عبيد أنه ناظر جرير بن حازم الزدي في البصرة‬
‫فقطعه‪ ،‬وأما أبو الهذيل العلف فقد كان من أكثر من ألف الكتب في نقض مذاهب المخالفين وإبطال حججهم‪،‬‬
‫وكان هناك ر جل ي سمى ميلس مجو سيا فأ سلم و سبب إ سلمه أ نه ج مع ب ين أ بي الهذ يل وب ين ب عض الثنو يه‬
‫فقطعهم أبو الهذيل وأظهر باطلهم‪.‬‬
‫كذلك النظام عرف بقوة الحجة والمناظرة‪ ،‬وأيضا بشر بن المعتمر ألّف أرجوزة في أربعين ألف بيت رد فيها‬
‫على المخالفيـن جميعا‪ ،‬وأيضـا كانوا يرسـلون الوفود مـن أتباعهـم لهذا الغرض إلى البلد التـي يكثـر فيهـا‬
‫المجوس أو الوثنييـن فقـد أرسـل واصـل بـن عطاء عبـد ال بـن الحارث إلى المغرب وحفـص بـن سـالم إلى‬
‫خراسان فأجابهما خلق كثير ودخلوا في السلم‪.‬‬
‫فهذا الجهد الذي بذله المعتزلة دفاعا عن الدين والدعوة له كان من العوامل التي أظهرتهم ونشرت مذهبهم‪.‬‬
‫‪ -5‬العامل الخامس‪ :‬دراسة الفلسفة‪:‬‬

‫‪6‬‬
‫حيـن أخـذ المعتزلة على أنفسـهم مهمـة الدفاع عـن العقائد السـلمية والدعوة إليهـا وحيـن تعرضوا لمخالفيهـم‬
‫يجادلونهم تبين لهم أن أولئك القوم أمضى منهم سلحا وأقدر على الجدل والمناظرة‪ ،‬وكان لهم معرفة بالفلسفة‬
‫والعلوم العقليـة‪ ،‬فاسـتطاعوا أن يرتبوا عقائدهـم على أصـول فلسـفية وأن يوجدوا لنفسـهم كلما منطقيا مدققا‪.‬‬
‫عندها شمّر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم ووجدوا أنفسهم أنهم لن يتمكنوا من مجاراتهم ول الغلبة عليهم‬
‫مـا لم يعمدوا مثلهـم إلى دراسـة الفلسـفة‪ ،‬فأقبـل المعتزلة على دراسـة الفلسـفة؛ لجـل أن يتأتـى لهـم محاربـة‬
‫خصومهم بنفس سلحهم‪.‬‬
‫ولعل هذه الحاجة الماسة إلى الفلسفة عندهم هي التي دفعت المنصور إلى تشجيع الترجمة‪ ،‬ولعلها أيضا هي‬
‫التي حملت الرشيد والمأمون على الهتمام بنقل الكتب اليونانية إلى العربية‪.‬‬
‫يقول المقريزي‪ :‬إنه ترجم بأمر المأمون في بضعة أعوام عددا من الكتب فتلقاها المعتزلة وأقبلوا على تصفحها‬
‫والنظر فيها‪.‬‬
‫وأول معتزلي استفاد من تلك الكتب النظّام‪ .‬يقول الشهرستاني بأن النظّام طالع كثيرا من كتب الفلسفة وخلط‬
‫كلمهم بكلم المعتزلة ثم اقتدى به غيره فكان المعتزلة أقدم المتكلمين في السلم‪.‬‬
‫وهنا نقطة هامة ينبغي التنبيه إليها وهي‪:‬‬
‫أن المعتزلة في أول أمرهم لجؤوا إلى دراسة الفلسفة ل لذاتها وإنما ليستخدموها في الرد على خصوم الدين‪،‬‬
‫إل أنهم بذلك دخلوا في دور جديد من أدوار تاريخهم؛ هذه الفلسفة أحدثت في حياتهم انقلبا خطيرا نتج عنه‬
‫أمران‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن هم صاروا يعظمون الفل سفة اليونان وينظرون إلي هم نظرة أ سمى من النظرة ال سابقة‪ ،‬ح تى و صل‬
‫المر إلى أنهم اعتبروا أقوالهم مكملة لتعاليم الدين‪.‬‬
‫المر الثاني‪ :‬أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية؛ فبعد أن كان دفاعا عن الدين صار انصرافا إلى‬
‫الم سائل الفل سفية والب حث في مواض يع الفل سفة البح تة كالحر كة وال سكون والجو هر والعرض والوجود والعدم‬
‫والجزء الذي ل يتجزأ‪ ،‬وكل هذا ساعدهم على الظهور والشتهار‪.‬‬
‫نقولت لبعض أقوال أئمة المعتزلة والتي تدل على تناقض هذا المذهب وعلى أنهم هم ل يفهمونه في كثير من‬
‫الحيان‪:‬‬
‫‪ -‬القول بنفي الصفات الثابتة ل في الكتاب والسنة‪ ،‬والحجة في ذلك أنه يستحيل وجود إلهين قديمين أزليين‪،‬‬
‫ومن أثبت معنى وصفة قديمه فقد أثبت إلهين‪.‬‬
‫‪ -‬أن علم ال ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬هو ال وقدرته هي هو‪.‬‬
‫‪ -‬المكلف قبل ورود السمع "أي الوحي" يجب عليه أن يعرف ال تعالى بالدليل من غير خاطر‪ ،‬وإن قصّر في‬
‫المعرفة استوجب العقوبة أبدا‪.‬‬
‫‪ -‬إرادة ال غير المراد‪ ،‬فإرادته لما خلقه هي خلقه له‪ ،‬وخلق الشيء عنده غير الشيء‪ ،‬بل الخلق عنده قول ل‬
‫في محل‪.‬‬

‫‪7‬‬
‫‪ -‬الحجة في الخبار الماضية الغائبة عن الحواس ل تثبت بأقل من عشرين رجلً‪ ،‬فيهم واحد أو أكثر من أهل‬
‫الجنة‪.‬‬
‫ـر‪.‬‬
‫ـل تقديـ‬
‫ـة على أقـ‬
‫ـل الجنـ‬
‫ـن أهـ‬
‫ـد مـ‬
‫ـن وليا واحـ‬
‫ـن عشريـ‬
‫ـر ل تخلو مـ‬
‫ـل عصـ‬
‫ـي كـ‬
‫ـة فـ‬
‫‪ -‬المـ‬
‫‪ -‬ل يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا‪ ،‬ول على أن ينقص منه شيئا وكذلك‬
‫ــس ذلك مقدورا له‪.‬‬
‫ــا وليـ‬
‫ــن أهلهـ‬
‫ــة أو يخرج أحدا مـ‬
‫ــل الجنـ‬
‫ــم أهـ‬
‫ــن نعيـ‬
‫ــص مـ‬
‫ل ينقـ‬
‫‪ -‬ل عرض في الدن يا إل الحر كة‪ ،‬وأن ال سكون حر كة اعتماد والعلوم والرادات من جملة الحركات؛ لن ها‬
‫حركات النفس‪.‬‬
‫معادنـ ونباتا‬
‫َ‬ ‫‪ -‬الكمون‪ :‬مـا هـو الكمون؟ هـو أن ال خلق الموجودات دفعـة واحدة على مـا هـي عليـه الن‪،‬‬
‫وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم ‪-‬عليه السلم‪ -‬على خلق أولده‪ ،‬غير أن ال تعالى أكمن بعضها في بعض‬
‫فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها في مكانها دون حدوثها ووجودها‪.‬‬
‫‪ -‬أن كل ما جاوز حد القدرة من الف عل ف هو من ف عل ال تعالى بإيجاب الخل قة‪ ،‬أي أن ال تعالى ط بع الح جر‬
‫طبعا وخلقه خلقةً إذا دفعته اندفع وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طبعا‪.‬‬
‫‪ -‬الطفرة‪ :‬و هو أن الج سم يكون في المكان الول ثم ي صير م نه إلى المكان العا شر من غ ير مرور بالمك نة‬
‫المتوسطة بينه وبين العاشر ومن غير أن يصير معدوما في الول ومُعادا في العاشر!‬
‫‪ -‬عوام الدهريــة والزنادقــة فــي الخرة ل يكونون فــي جنــة ول نار‪ ،‬بــل إن ال يجعلهــم ترابا‪.‬‬
‫‪ -‬إن الن سان ل يس ال صورة ال تي نشاهد ها وإن ما هو ش يء فـي هذه ال صورة يت صف بالعلم والحياة والقدرة‬
‫والرادة‪ ،‬ثـم ل متحرك ول سـاكن ول يحـل موضعا دون موضـع ول يحصـره زمان ومـع ذلك فهـو المدبر‬
‫للجسد‪ ،‬وإذن فعلقته بالجسد علقة تدبير وتصريف وليست علقة حلول وتمكن‪.‬‬
‫‪ -‬المعجزات ليست من فعل ال؛ لنها أعراض‪ ،‬وال ل يخلق العراض وإنما تخلقها الجسام‪.‬‬
‫‪ -‬النار من طبيعت ها أن ها تعلو على كل ش يء‪ ،‬إن كا نت نق ية من الشوائب ح تى تتجاوز ال سماوات والعرش‪.‬‬
‫‪-‬وكم في هذا القول من روائح المجوسية ‪.-‬‬
‫‪ -‬الن سان يخلق اللون والرائ حة وال سمع والب صر وجم يع الدراكات على سبيل التولد‪ ،‬وكذلك يخلق الحرارة‬
‫والبرودة‪.‬‬
‫‪ -‬من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الولى‪.‬‬
‫‪ -‬ال ل يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم‪.‬‬
‫‪ -‬من كان مؤمنا إل أنه في علم ال يموت كافرا فهو الن عند ال كافر وكذلك العكس من كان كافرا إل أنه‬
‫في علم ال يموت مؤمنا فهو الن مؤمن‪.‬‬
‫‪ -‬الجنة والنار غير مخلوقتين الن إذ ل فائدة في وجودهما جميعا خاليتين‪.‬‬
‫‪ -‬فساق هذه المة شر من اليهود والمجوس والزنادقة‪.‬‬
‫‪ -‬من سرق حبة واحدة وهو ذاكر لتحريمها فهو منسلخ من اليمان والسلم مخلد في النار‪.‬‬
‫‪ -‬إن ال تعالى قادر على ظلم الطفال والمجانين‪ ،‬وليس بقادر على ظلم العقلء البالغين‪.‬‬

‫‪8‬‬
‫‪ -‬القرآن الكريم جسم فيجوز أن ينقلب مرة رجلً ومرة حيوانا‪.‬‬
‫‪ -‬إن ال ل يدخل أحدا النار بل هي تجذب أهلها بطبعها‪ ،‬ثم أهلها في النهاية يصيرون إلى طبيعة النار نفسها‪.‬‬
‫‪ -‬إن ال ل يرى نفسه ول يراه غيره‪.‬‬
‫‪ -‬ل تقبل توبة الكاذب بعد خرس لسانه عند الكذب‪.‬‬
‫هذه بعض أقوال أئمة المعتزلة ومن وافقهم عن معتقدهم الفاسد‪:‬‬
‫وهناك نقولت لم أنقلها عنهم لما فيها من الشناعة في الكلم خصوصا المتعلقة بال ‪-‬عز وجل‪.-‬‬
‫وهنا نقطة ينبغي التنبيه عليها وهي أننا عندما نقول بأن بعض أقوال أئمة المعتزلة فإن هذا ل يستلزم بأن كل‬
‫معتزلي يعتقـد ويقول كـل مـا مضـى مـن القوال؛ فإن المعتزلة هـم بأنفسـهم قـد افترقوا إلى مـا يقارب اثنيـن‬
‫وعشرين فرقة‪ ،‬وكل فرقة تقول ببعض ما مضى من القوال ول تعتقد ببعضها‪ ،‬وقد تقول بغيرها‪ ،‬لكن جميع‬
‫فرق المعتزلة يتفقون ويقولون بما ي سمى عند هم الصول الخم سة‪ ،‬فالثن ين والعشر ين فر قة يجمعها الصول‬
‫الخمسة ويختلفون فيما بينهم في بقية الراء‪.‬‬
‫وهذا ينقلنا إلى الحديث عن هذه الصول الخم سة‪ ،‬لكن قبلها أسرد عليكم سردا فقط الثنين والعشر ين فر قة‬
‫للمعتزلة وهذه الفرق هـي‪ :‬الواصـلية‪ ،‬العمرويـة‪ ،‬الهذليـة‪ ،‬النظاميـة‪ ،‬الثماميـة‪ ،‬المعمريـة‪ ،‬البشريـة‪ ،‬الشاميـة‪،‬‬
‫المردار ية‪ ،‬الجعفر ية‪ ،‬ال سوارية‪ ،‬ال سكافية‪ ،‬الخابط ية‪ ،‬الحدي ثة الموي سية‪ ،‬ال صالحية‪ ،‬الجاحظ ية‪ ،‬الشحام ية‪،‬‬
‫الخياطية‪ ،‬الجبائية‪ ،‬الكعبية‪ ،‬البهشمية‪ ،‬الحمارية‪.‬‬
‫أما أصولهم الخمسة فهي‪ :‬التوحيد‪ ،‬العدل‪ ،‬الوعد والوعيد‪ ،‬المنـزله بين المنـزلتين‪ ،‬المر بالمعروف والنهي‬
‫عن المنكر‪.‬‬
‫الصل الول‪ :‬التوحيد عند المعتزلة‪:‬‬
‫التوح يد ع ند المعتزلة يدور حول ما يثبت ل و ما ين فى ع نه من ال صفات‪ ،‬ومذ هب المعتزلة في ال صفات ك ما‬
‫سـيأتي‪ ،‬ويتـبين بعـد قليـل هـو النفـي‪ ،‬والسـلف لم يبحثوا فـي الصـفات ولم يقولوا فيهـا شيئا فكيـف نشأت هذه‬
‫المشكلة؟‪.‬‬
‫إن أول من تكلم في الصفات في السلم الجعد بن درهم‪ ،‬فإنه نفاها وقال بخلق القرآن‪ ،‬وعن الجعد أخذ الجهم‬
‫بن صفوان هذه المقالة ونشرها في خراسان‪.‬‬
‫و قد أن كر الم سلمون هذا القول ونظروا إل يه كبد عة‪ ،‬فضللوا الجهم ية وحذروا الناس من هم وذموا من جال سهم‬
‫وكتبوا في الرد عليهم‪ ،‬ثم إن المعتزلة لما ظهروا أخذوا في جملة ما أخذوه من الجهمية القول بنفي الصفات‪.‬‬
‫مؤ سس مذهب العتزال واصل بن عطاء كان ينفي ال صفات؛ معتقدا أن إثبات ها يؤدي إلى تعدد القدماء‪ ،‬وذلك‬
‫شرك ولذا كان يقول‪" :‬إن من أثبت ل معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين"‪.‬‬
‫نلحـظ أنـه مـن خلل اسـتدللهم العقلي التزموا بنفـي الصـفات‪ ،‬وأداهـم ذلك إلى إثبات خلق القرآن وإلى عدم‬
‫رؤية المؤمنين ل سبحانه يوم القيامة‪ ،‬وإلى نفي استواء ال على عرشه كما يأتي تفصيله بعد قليل وكل هذا‬
‫هو التوحيد عند المعتزلة‪ ،‬فناقضوا بذلك محض العقيدة السلمية‪.‬‬

‫‪9‬‬
‫ومن شأ ن فى ال صفات ع ند المعتزلة‪ ،‬أن هم أثبتوا وجود ال ابتدا ًء بالع قل وبطري قة الحدوث‪ :‬فقالوا‪ :‬إن الج سام‬
‫يوجـد بهـا أعراض معينـة ‪ -‬وهـي كـل مـا يطرأ على الجسـم مـن تغيرات ‪ -‬كالحركـة والسـكون والجتماع‬
‫والفتراق و صفات الج سام فالج سم يتحرك ثم ي سكن‪ ،‬و قد يكون ساكنا ثم يتحرك فهذه أعراض يتعرض ل ها‬
‫خلف ذاته‪ ،‬وهذه العراض التي هي الحركة والسكون‪ ...‬حادثة؛ لنها تتغير والقديم ثابت ل يتغير ول يطرأ‬
‫عليه تبديل‪ ،‬وقد رأينا أن كل جسم ل يخلو من أعراض في كل وقت على الدوام‪.‬‬
‫فالجسام إذن محدثة ‪-‬أي حدثت بعد أن لم تكن‪ -‬وليست قديمة‪ ،‬ثم إذا ثبت أن الجسام محدثة فلبد لها من‬
‫مُحدث؛ إذ إنها ل تخلو من أن تكون أحد ثلثة أقسام‪:‬‬
‫إما مستحيلة الوجود‪ :‬وهذا خلف الغرض؛ لننا نتحدث عن أجسام موجودة‪.‬‬
‫وإمـا واجبـة الوجود‪ :‬وهذا مسـتحيل؛ لن الواجـب الوجود بنفسـه ل يقبـل العدم‪ ،‬والمحدث كان معدوما قبـل‬
‫وجوده‪.‬‬
‫وإ ما ممك نة الوجود‪ :‬وعلى هذا التقد ير يكون المحدث دائر ب ين احتمال ين‪ ،‬إمكان وجوده أو إمكان عدم وجوده‬
‫وكلهمـا متسـاويان‪ ،‬وحدوث المُحدَث وإيجاده بعـد العدم بالفعـل يحتاج إلى مرجـح ليرجـح إيجاد المحدث فـي‬
‫وقت مخصوص ومكان مخصوص‪ ،‬وهذا المرجح هو ال‪.‬‬
‫ثم لما تم لهم إثبات الصانع بهذا السلوب فكروا في صفاته اللهية التي وصف ال بها نفسه كالسمع والبصر‬
‫والعلم واليد والرضى والغضب إلى سائر صفاته سبحانه التي أثبتها لنفسه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬إ نه قد تبين ل نا أن ال صفات هي أعراض للج سام ف هي محد ثة‪ ،‬ولو أثبت نا ل صفة قدي مة فكأن نا نقول‬
‫بقديميـن؛ وذلك حيـث أن الصـفات زائدة على الذات لمـا عرف مـن اختلف الصـفة عـن الموصـوف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فال ل يجوز أن يوصف بصفة فيها معنى إيجابي كالعلم والقدرة بل المثل هو أن نصفه بصفات سلبية‬
‫محضة‪.‬‬
‫فقالوا‪ :‬بأن ال ليس بجسم ول شبح ول جثة ول صورة ول لحم ول دم ول شخص ول جوهر ول عرض ول‬
‫بذي لون ول طعـم ول رائحـة ول بحـس ول بذي حرارة ول برودة ول رطوبـة ول يبوسـة ول طول ول‬
‫عرض ول عمق ول اجتماع ول افتراق ول يتحرك ول يسكن ول يتبعض وليس بذي أبعاض ول أجزاء ول‬
‫بذي جهات ول بذي يمين وشمال‪ ...‬إلى آخر ما وصفوه به من سلوب بل ول‪...‬‬
‫أما عن صفاته كالسمع والبصر فقد منعوا ذلك وقالوا‪ :‬عليم بل علم‪ ،‬وقادر بل قدرة‪ ،‬وسميع بل سمع‪ ،‬وبصير‬
‫بل بصر‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫وقد فسر بعض المعتزلة بأن معنى علمه أنه ل يجهل ومعنى قدرته أنه ل يعجز‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫ثم عرجوا على سائر صفات ال تعالى التي أثبتها لنفسه كاليد والعين والوجه وقالوا‪ :‬إن ذلك مناف للتنـزيه‬
‫اللئق بال تعالى‪ ،‬كما أنه يستدعي أن يكون له جسم فل بد من تأويل اليات التي ورد فيها ذكر هذه الصفات‪،‬‬
‫فزعموا أن وجه ال هو ال‪ ،‬وأن يد ال كرمه‪ ،‬وأن عينه علمه وإحاطته؛ بدعوى التنـزيه عن مشابهة الخلق‬
‫للخالق‪.‬‬

‫‪10‬‬
‫وقالوا بنفي الستواء على العرش من حيث أن الستواء ل يكون إل من جسم مماس لجسم آخر وهذا ل يكون‬
‫في حق ال تعالى‪ ،‬فذهبوا إلى تأو يل آيات ال ستواء إلى أ نه ال ستيلء‪ ،‬ونفوا علو ال على خل قه؛ بدعوى أن‬
‫ذلك ي ستلزمه أن يكون متحيزا في ج هة وال ل يتح يز ول تحده الحدود‪ ،‬وقالوا إذا قل نا أ نه في ج هة ف هو إذن‬
‫موجود داخل شيء مخلوق وهو الجهة هذا هو التوحيد عند المعتزلة‪.‬‬
‫وقالوا أيضـا إن القرآن مخلوق‪ .‬إذ لو كان القرآن كلم ال غيـر مخلوق لكان قديما مـع ال‪ ،‬وهذا قول ‪-‬على‬
‫حد زعمهم‪ -‬أن هناك إلهين‪.‬‬
‫وأيضا قالوا‪ :‬بأن القرآن يشتمل على أوامر ونوا هٍ وحوادث وقصص قد وقعت في أزمنة متعددة‪ ،‬فل يمكن أن‬
‫يكون ال لم يزل متكلما بها منذ الزل‪.‬‬
‫وقال بعضهم بأن كلم ال جسم وأنه مخلوق وأنه ل شيء إل جسم ولهم في ذلك شبه طويلة وعريضة‪ ،‬ليس‬
‫هذا مجال بسطها والرد عليها فمن أرادها رجع إلى مظانّها‪.‬‬
‫و من جملة التوح يد ع ند المعتزلة‪ :‬أن هم أنكروا رؤ ية ال في الخرة وقالوا أ نه ل يم كن أن يراه المؤ من في‬
‫ُوهه َي ْومَئِذٍ نّاضِرَةٌ* إِلَى‬
‫الخرة‪ ،‬فعمدوا إلى اليات القرآنيـة وقالوا بأنهـا مجاز فأولوهـا فمثل قوله تعالى‪ُ { :‬وج ٌ‬
‫رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [(‪ )23-22‬سورة القيا مة] قالوا بأن كل مة ‪-‬إلى‪ -‬بمع نى ِنعَ مْ‪ ،‬مش تق من اللء ولي ست حرف جر‪،‬‬
‫وناظرة بمعنى منتظرة‪ ،‬فيكون معنى الية وجوه يومئذ ناضرة‪ِ ،‬نعَمَ ربها منتظرة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪{ :‬لّلّذِي نَ َأحْ سَنُواْ ا ْلحُ سْنَى َوزِيَادَةٌ} [(‪ )26‬سورة يو نس] قالوا‪ :‬الزيادة هو ما يزيد على الثواب وهو‬
‫التفضل ويدل عليه قوله تعالى‪{ :‬وَيَزِي َدهُم مّن فَضْلِ هِ} [(‪ )38‬سورة النــور]‪ ،‬وهكذا تتبعوا جميع اليات المثبتة‬
‫للرؤية فأولوها‪.‬‬
‫أ ما الحاد يث فقالوا أن ها أحاد يث آحاد‪ ،‬وأحاد يث الحاد ل تؤ خذ من ها العقيدة‪ ،‬بل طعنوا في صحة أ سانيدها‬
‫ورواتها‪ ،‬والشقان من كلمهم غير صحيح؛ فقولهم بأنها أحاديث آحاد غير صحيح بل إن الحاديث الدالة على‬
‫الرؤية كما يقول شارح الطحاوية أحاديث متواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن‪.‬‬
‫وقولهم بأن أحاديث الحاد ل تؤخذ منها العقيدة أيضا قول غير صحيح‪ ،‬بل ومردود عليهم فالحديث إذا ثبت‬
‫صحته سواء كان متواترا أم آحادا يؤخذ منه الفقه ويؤخذ منه العقيدة‪ ،‬وليس هذا مجال بسط هذه المسألة لكن‬
‫هذا هو خلصة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة‪.‬‬
‫ومن توح يد المعتزلة أيضا إنكار جميع الصفات الخبر ية كالو جه وال يد والع ين والساق‪ ،‬وقالوا بأن هذا تجسيم‬
‫وال منـزه عن التجسيم‪.‬‬
‫فأولوا الوجه وقالوا بأن المراد بالوجه هو الذات‪ ،‬وأولوا اليد وقالوا بأن المراد بها القدرة أو القوة أوالنعمة‪.‬‬
‫وقالوا عن العين بأن المراد بها العلم‪ ،‬والساق قالوا المراد بها الشدة‪.‬‬
‫الصل الثاني‪ :‬العدل‪:‬‬
‫العدل عند المعتزلة هو البحث في أفعال ال تعالى‪ ،‬ويعرفون العدل بأنه بيان أن أفعال ال كلها حسنة‪ ،‬وأنه ل‬
‫يفعل القبيح ول يخل بما هو واجب عليه‪ ،‬وبناء على هذا فإذا كان ال ل يفعل القبيح بوجه من الوجوه فكذلك‬
‫ل يريده‪ ،‬واستدل المعتزلة على أنه تعالى ل يريد القبيح بأدلة منها قوله تعالى‪{ :‬وَاللّ هُ لَ ُيحِبّ الفَ سَادَ} [(‪)205‬‬

‫‪11‬‬
‫ِهه الْ ُكفْرَ} [(‪ )7‬سـورة الزمـر] وتر تب على هذا الكلم و هو مبالغـة‬
‫سـورة البقرة]‪ ،‬وقوله تعالى‪{ :‬وَلَا َيرْضَى ِلعِبَاد ِ‬
‫المعتزلة في نفي القبيح عن ال أن نفوا أن يكون خالقا لفعال العباد‪ ،‬وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه؛ لن‬
‫أفعاله منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح‪ ،‬فلو كان ال خالقها لكان فاعلً للقبيح‪.‬‬
‫فيقال لهم‪ :‬أما أن أفعال ال كلها حسنة وأنه ل يفعل القبيح فهذا مما نتفق معكم‪ ،‬وأما أنه تعالى ل يخل بما هو‬
‫واجب عليه‪ :‬فإن أهل السنة يفصلون في هذا‪ ،‬فإن كان المراد بالواجب شيء أوجبه غيره عليه فهذا ل نوافقكم‬
‫عليه؛ لنه يلزم أن ل يكون تعالى فاعلً مختارا‪ ،‬وهذا باطل بالدلة الدالة على أنه تعالى له التصرف المطلق‬
‫فيما شاء من مخلوقاته‪.‬‬
‫وإن كان المراد بالوا جب ما أوج به الرب سبحانه على نف سه‪ ،‬فهذا نوافق كم عل يه‪ ،‬ل كن ل نع تبر هذا الوا جب‬
‫متحتما عليـه بحيـث لو لم يفعله تعالى لخـل بمـا هـو واجـب عليـه؛ لن هذا الواجـب تفضـل مـن ال تعالى‬
‫والمتفضل مختارٌ بما تفضل به‪.‬‬
‫وبناء على هذا الكلم فإن عدل المعتزلة أدى إلى نفـي القدر‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن العدل يسـتلزم أن ل يحاسـب أحدا إل‬
‫ك ِبظَلّا مٍ لّ ْلعَبِيدِ} [(‪ )46‬سورة فصلت] فهذا يستدعي أنه لم يقدر شيئا على‬
‫على ما جنت يداه‪ ،‬وال يقول‪َ { :‬ومَا َربّ َ‬
‫عباده ولم ي قض علي هم بأمره في الزل‪ ،‬بل إن العباد مختارون لفعال هم‪ ،‬أحرار في عمل ها بكا مل مشيئت هم‬
‫وإرادتهم‪ ،‬والرادة اللهية ل دخل لها بهذه الفعال التي يقوم بها العباد‪.‬‬
‫هذَا ِمنْ عِندِ اللّ هِ} [(‪ )79‬سورة‬
‫ن َ‬
‫واستدلوا على ذلك بقوله تعالى‪َ { :‬فوَ ْيلٌ لّلّذِينَ َيكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِ ْم ُثمّ يَقُولُو َ‬
‫ه وَمَها‬
‫ه خَ َل َقكُم ْ‬
‫البقرة] وأولوا اليات الدالة الصـريحة على أن ال هـو الخالق لفعال العباد مثـل قوله‪{ :‬وَاللّه ُ‬
‫يءٍ} [(‪ )62‬سورة الزمر]‪.‬‬
‫شْ‬‫تَ ْعمَلُونَ} [(‪ )96‬سورة الصافات] وقوله‪{ :‬الّلهُ خَالِقُ ُكلّ َ‬
‫ومن العدل عند المعتزلة مسألة التحسين والتقبيح‪ :‬تقول المعتزلة بأن العقل هو الحاكم بالحسن والقبح‪ ،‬أي أن‬
‫العقل يعلم العلم الكامل بحسن الفعل وقبحه! بل ذهبوا إلى أبعد من هذا وهو أن العقل يحكم على الفعل أيضا‬
‫إما بالثواب أو بالعقاب!!‬
‫يقول أبـو الهذيـل ‪-‬وهـو أحـد منظري المعتزلة‪ -‬يقول‪" :‬ويجـب على المكلف قبـل ورود السـمع أن يعرف ال‬
‫تعالى بالدليل من غ ير خا طر‪ ،‬وإن ق صر في المعر فة ا ستوجب العقو بة أبدا‪ ،‬ويعلم أيضا ح سن الح سن وق بح‬
‫القبيـح فيجـب عليـه القدام على الحسـن كالصـدق والعدل والعراض عـن القبيـح كالكذب والفجور"‪.‬‬
‫وقالوا أيضا بأن الشرع إنمـا يأتـي ليقرر مـا يراه العقـل وليـس ليثبتـه ابتداءً‪ ،‬وبنوا على معتقدهـم هذا أمريـن‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن التوح يد الذي هو أح سن المور وأفضل ها وكذلك الفعال ح سنها وقبيح ها يم كن إدراك ها بالع قل ق بل‬
‫إرسال الرسل‪ ،‬ومن ثم فالنسان مثاب ومعاقب على ما يفعله من حسنات أو سيئات حتى دون إرسال الرسل‬
‫وإنزال الكتب‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن العقل هو الحكم النهائي في إدراك حسن الفعال وقبحها ومن ثم فهو الحكم في قبول ما ورد من‬
‫أحاديث تحسن بعض الشياء وتقبح بعضها‪ ،‬مثاله‪ :‬إذا أَدّاهم العقل إلى عدم صحة أو معقولية أن يغسل النائم‬
‫يده بعد الستيقاظ من النوم قبل وضعها في الناء فهو القول عندهم وإن ورد الحديث الصحيح بذلك‪.‬‬

‫‪12‬‬
‫ول شك من وضوح انحراف المعتزلة في هذا الباب‪ ،‬ولذا فأهل السنة والجماعة يرون بأن الفعال في نفسها‬
‫حسنة وقبيحة وأن هناك من المور ما يمكن للعقل أن يدرك حسنها وقبحها‪ ،‬لكن ل يترتب على حسنها ثواب‬
‫ث َر سُولً} [(‪ )15‬سورة ال سراء]‪،‬‬
‫ن حَتّى نَبْعَ َ‬
‫ول على قبحها عقاب إل بالشرع؛ كما قال تعالى‪َ { :‬ومَا كُنّا ُمعَذّبِي َ‬
‫وأيضا هناك من المور مال يدرك حسنها وقبحها بالعقل‪ ،‬مثل حسن الصدق الضار أو قبح الكذب النافع‪ ،‬ول‬
‫شك أن مثل هذه المور تحتاج إلى تعريف من الشارع ويضبط بإطار الشرع‪.‬‬
‫ومن العدل عند المعتزلة‪ :‬مسألة أفعال العباد‪ :‬المعتزلة يقسمون أفعال العباد إلى قسمين‪ :‬أفعال مباشرة وأفعال‬
‫تولد‪:‬‬
‫أولً‪ :‬الفعال المباشرة وهـي الفعال الختياريـة للعبـد‪ ،‬هذه باتفاق المعتزلة أنهـا مخلوقـة للعباد‪ ،‬وأن ال غيـر‬
‫ح َم نِ مِن‬
‫خالق ل ها‪ ،‬ول هم في ذلك أدلة نقل ية وعقل ية‪ :‬ف من أدلت هم النقل ية قوله تعالى‪{ :‬مّ ا تَرَى فِي خَلْ قِ الرّ ْ‬
‫تَفَاوُ تٍ} [(‪ )3‬سورة الملك]‪ ،‬قالوا وأفعال العباد فيها تفاوت‪ ،‬فيقال لهم استدللكم بهذه الية ناتج عن سوء فهمكم‬
‫ـير‪.‬‬
‫ـن علماء التفسـ‬
‫ـبي وغيره مـ‬
‫ـا قال ذلك القرطـ‬
‫ـماوات‪ ،‬كمـ‬
‫ـي السـ‬
‫حمَن هِ} هـ‬
‫فالمراد بـ ـ{خَلْق هِ الرّ ْ‬
‫يءٍ} [(‪ )88‬سورة الن مل]‪ ،‬قالوا بأن أفعال العباد لي ست‬
‫شْ‬
‫وأي ضا ا ستدلوا بقوله تعالى‪ { :‬صُنْ َع اللّ هِ الّذِي أَ ْتقَ نَ ُكلّ َ‬
‫كلهــا متقنــة‪ ،‬فإن أفعال العباد يشمــل على التهود والتنصــر والتمجــس وليــس شيئا مــن ذلك متقنا‪.‬‬
‫يُرد علي هم‪ :‬بأن التقان ل يح صل إل في المركبات فيمت نع و صف العراض ب ها‪ ،‬وإذا لم تو صف العراض‬
‫بالتقان بطل الستدلل بالية‪.‬‬
‫ومن أدلتهم العقلية‪ :‬قالوا‪ :‬لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم‪ ،‬لوجب أن ل يستحقوا الذم على قبيحة والمدح على‬
‫حسنه؛ لن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير ل يصح‪.‬‬
‫نقول بأن كلمكم هذا ينبني عليه أن العباد ل فعل لهم‪ ،‬بمعنى أنهم مجبورون على ما يكون منهم من تصرفات‬
‫وهذا الكلم ظاهر البطلن وأهل السنة ل يقولون به‪.‬‬
‫وبعضهم حاول التوفيق فقال بأن الفعال من الخلق ومن ال‪ ،‬أي مشتركة بينهما‪ ،‬وهذا القول أيضا باطل؛ لن‬
‫الشركة بين المشتركين ل يجب إل باتفاقهما فيما اشتركا فيه‪.‬‬
‫فالف عل خلق ال وك سب الع بد وبرهان ذلك‪ :‬إن أموال نا ملك ل نا وملك ل ‪ -‬عز و جل‪ -‬بإجماع م نا أ هل ال سنة‬
‫والمعتزلة‪ ،‬وليـس ذلك بموجـب أن نكون شركاء فيهـا؛ لختلف جهات الملك؛ لن ال تعالى إنمـا هـو المالك‬
‫لها؛ لنها مخلوقة له تعالى‪ ،‬وهي ملك لنا؛ لنها كسب لنا وملزمون بأحكامها‪ ،‬ومثل ذلك أفعالنا فهي مخلوقة‬
‫ل وكسب لنا‪ ،‬فلسنا شركاء له‪.‬‬
‫ومن أدلتهم العقلية قالوا‪ :‬إن أفعالنا واقعة على حسب قصدنا‪ ،‬فوجب أن تكون خلقا لنا؛ فإن الواحد منا إذا أراد‬
‫أن يقوم قام‪ ،‬وإذا أراد أن يقعـد قعـد‪ ،‬وإذا أراد أن يتحرك تحرك‪ ،‬وإذا أراد أن يسـكن سـكن‪ ،‬وغيـر ذلك‪ ،‬فإذا‬
‫حصلت أفعاله على حسب قصده دل ذلك على أن أفعاله خلق له‪.‬‬
‫يُرد عليهم‪ :‬بأن هذا الكلم ليس بصحيح على إطلقه؛ فإنا نرى من يريد شيئا ويقصده ول يحصل له ما يريده‪،‬‬
‫وما يقصده فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ وربما أراد أكلً لقوة وصحة فيضعف ويمرض‪ ،‬وربما‬

‫‪13‬‬
‫ابتاع سـلعة ليربـح فيخسـر‪ ،‬وربمـا أراد القيام فيعرض له مـا يمنعـه منـه‪ ،‬إلى غيـر ذلك فبطـل بهذا اسـتدلل‬
‫المعتزلة وصح أن فعله خلق لغيره‪.‬‬
‫ومن أدلتهم العقلية‪ :‬نفي الظلم عن ال تعالى‪ ،‬قالوا‪ :‬إن أفعال العباد ما هو ظلم وجور‪ ،‬فلو كان تعالى خالقا لها‬
‫لوجب أن يكون ظالما جائرا‪.‬‬
‫الرد‪ :‬هذا اللزام غيـر صـحيح؛ لن كون ال تعالى خالقا ل يوجـب أن يتصـف بمـا خلق مـن ظلم وكذب‬
‫ومعصية؛ لن هذه الصفات إنما هي لمن قامت به‪ ،‬فالظلم مثلً صفة للظالم‪ ،‬أل ترى أن اللون السود صفة‬
‫ل من قام به ال سواد ول يكون صفة ل تعالى‪ ،‬وإن كان سبحانه هو خالق ال سواد فكذلك الظلم والكذب صفات‬
‫لمن حلت به ول يوجب ذلك وصف خالقها بها‪.‬‬
‫نخلص إل أن رأي أهـل السـنة فـي أفعال العباد المباشرة الختياريـة أن أفعال العباد خلق ال وكسـب العبـد‬
‫بمن ـزلة ال سباب للم سببات فالعباد ل هم قدرة ومشيئة بإرادة‪ ،‬لكن ها داخلة تحت قدرة ال ومشيئته وإراد ته ك ما‬
‫قال تعالى‪َ { :‬ومَا َتشَاؤُو نَ إِلّا أَن َيشَاء اللّ هُ} [(‪ )30‬سورة النسان]‪ ،‬فالمضاف إلى ال هو خلقها‪ ،‬والمضاف إلى‬
‫العباد والذي عليه الحمد والذم هو كسبها قال تعالى‪َ{ :‬لهَا مَا كَسَبَتْ َوعَلَ ْيهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [(‪ )286‬سورة البقرة )]‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أفعال التولد‪ :‬يق صدون بأفعال التولد هي الفعال ال تي تتولد من ف عل الن سان نف سه‪ ،‬هذه ناقش ها المعتزلة‬
‫هل هي من ف عل الن سان أم من ف عل ال أم من ف عل الطبي عة ك ما قال بعض هم؟ ول عل المثال يو ضح مراد هم‬
‫بأفعال التولد‪ :‬ذ بح ش خص حيوانا‪ ،‬ف هل خروج الروح ‪-‬الذي يع تبره المعتزلة الن أ نه ف عل متولد؛ لن الف عل‬
‫المباشر هو الذبح‪ -‬فهل خروج الروح من فعل الذابح أيضا كفعله للذبح؟‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬رجل أسقط حجرا من رأس جبل‪ ،‬ثم مات الرجل في الفترة من إسقاط الحجر إلى أن يصل الحجر‬
‫إلى أ سفل الج بل‪ ،‬وبعد ما و صل الح جر سقط على ش خص آ خر فمات ف هل مق تل الش خص الثا ني من ف عل‬
‫الول؟‪.‬‬
‫هذه المسـألة اختلف فيهـا المعتزلة أنفسـهم‪ ،‬فقال بعضهـم بأن أفعال التولد مـن فعـل العبـد وخلقـه كالفعال‬
‫المباشرة‪ ،‬وقال بعض هم بل هي من ف عل ال ل كن فعله المبا شر من خل قه هو‪ ،‬وقال آخرون بل إن الفعال‬
‫المتولدة من فعل الطبيعة‪.‬‬
‫والمتأمـل لهذه المسـألة يرى كيـف أن التعمـق أحيانا فـي القضايـا العقليـة يؤدي بالنسـان إلى دركات ل تحمـد‬
‫عقباهـا‪ ،‬وإل فإن المسـألة واضحـة وضوح الشمـس ول الحمـد عنـد أهـل السـنة وهـو أن الفعال الختياريـة‬
‫المباشرة إذا كانت من خلق ال فإن أفعال التولد من باب أولى أن تكون من خلق ال؛ لنها متولدة من الفعال‬
‫الختيار ية‪ ،‬ثم إن الذي يهم نا في هذا الجا نب الناح ية العمل ية م نه و هي مدى م سئولية الع بد ع ما يتر تب على‬
‫فعله من آثار‪ ،‬فإنه بشكل عام إن ترتب عليه خير أثيب عليه وإن ترتب عليه أذى فالقصد والنية لهما دخل في‬
‫المر سواء في الدنيا أو في الخرة‪ ،‬وهو في كل حال مؤاخذ بما جنت يداه قصد إليه أم لم يقصد طالما أن‬
‫الذى ل حق بغيره‪ ،‬وأ ما في الخرة فإ نه إن كان قا صدا للذى عو قب عل يه واقتُص للع بد م نه‪ ،‬وإن لم ي كن‬
‫قاصدا فعفو ال واسع ورحمته سابغة‪.‬‬

‫‪14‬‬
‫ومن العدل عند المعتزلة‪ :‬مسألة الصالح والصلح‪ :‬يقول المعتزلة بأن ال يجب عليه فعل الصالح‪ ،‬بل هو ل‬
‫يقدر على أن يفعل خلف ما ف يه صلحهم‪ ،‬ول يقدر أن ينقص من نعيم أهل الج نة ذرة؛ لن نعيمهم صلح‬
‫لهم‪ ،‬ونقصان ما فيه صلحهم ظلم‪.‬‬
‫واختلفوا في الصلح وجمهورهم أن الصلح أيضا يجب على ال وأنه إن لم يفعل الصالح والصلح لهم كان‬
‫ظالما لهم‪.‬‬
‫ول شك في بطلن هذا القول فإ نه ل أ حد يو جب على ال ف عل ش يء أو تر كه‪ ،‬وقول هم هذا يدل على أن هم لم‬
‫يقدروا ال حق قدره‪.‬‬
‫ورأى أهل السنة هذه المسألة بأنه اقتضت حكمة ال البالغة ورحمته الواسعة أن ل يفعل شيئا إل لحكمة وعلة‬
‫مقصودة‪ ،‬فإنه تنـزه سبحانه عن العبث‪.‬‬
‫وقد أجمع أهل السنة على أن أحكامه سبحانه معللة بالمصالح‪ ،‬أي أنها تراعي مصلحة البشر بشكل عام‪ ،‬وإن‬
‫لم يم كن أن نتت بع تلك الم صلحة في أفراد الناس و في كل حالة على حدة‪ ،‬ك ما أن الم صالح ال تي يق صد ال حق‬
‫إليها ليست متعلقة بأحكام الدنيا فقط بل هي تشمل خيري الدنيا والخرة والعقل البشري قاصر على أن يصل‬
‫إلى الحاطة بتلك السرار والحكم على وجه التفصيل‪.‬‬
‫فالمعتزلة يقولون هو واجب على ال سبحانه أن يراعي الصلح للناس؛ فهو مقتضى عدله‪ ،‬وأهل السنة يقولون‬
‫بل هو تفضل وم نّ من ال تعالى على عباده‪ ،‬وهو مقتضى عدله وحكمته ورحمته وعلمه وشتان بين القولين‪.‬‬
‫و من أج مل من رد على هذه الم سألة المام الغزالي ‪-‬رح مه ال‪ -‬فقال ل هم‪ :‬نفرض ثل ثة أطفال مات أحد هم‬
‫و هو م سلم في ال صبا وبلغ ال خر وأ سلم ومات م سلما بالغا‪ ،‬وبلغ الثالث كافرا ومات على الك فر‪ ،‬فإن العدل‬
‫عند كم أن يخلد الكا فر البالغ في النار‪ ،‬وأن يكون للبالغ الم سلم في الج نة رت بة فوق رت بة ال صبي الم سلم‪ ،‬فإذا‬
‫قال الصبي يا رب‪ :‬لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول‪ :‬لنه بلغ فأطاعني‪ ،‬وأنت لم تطعني بالعبادات‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫يا رب لنك أمتني قبل البلوغ فكان صلحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال رتب ته‪ ،‬فلم حرمتني‬
‫هذه الرتبة أبد البدين‪ ،‬وكنت قادرا على أن تؤهلني لها؟‬
‫فل يكون له جوابا إل أن يقول‪ :‬علمت أنك لو بلغت لعصيت وما أطعت وتعرضت لعقابي وسخطي‪ ،‬فرأيت‬
‫هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة‪ ،‬فينادي الكافر البالغ من النار‪ ،‬ويقول يا رب أو ما علمت‬
‫أ ني إذا بل غت كفرت؟ فلو أمت ني في ال صبا وأنزلت ني في تلك المن ـزلة النازلة لكان أ حب إلي من التخل يد في‬
‫النار وأصـلح لي‪ ،‬فلم أحييتنـي‪ ،‬وبهذا يظهـر انقطاع أصـحاب هذا القول وأن الصـلح ليـس بواجـب‪.‬‬
‫و من العدل ع ند المعتزلة‪ :‬م سألة بع ثة الر سول‪ :‬فالمعتزلة يرون وجوب بع ثة الر سل على ال‪ ،‬ولو لم يف عل‬
‫لخل بما هو واجب عليه‪.‬‬
‫يقول أ هل ال سنة‪ :‬ل أ حد يو جب على ال شيئا وإر سال الر سل مِنّة من ال وف ضل ول يس من قب يل الوا جب‪.‬‬
‫الصل الثالث‪ :‬الوعد والوعيد‪:‬‬
‫فأولً‪ :‬الوعد‪:‬‬

‫‪15‬‬
‫الوعد هو الخبر المتضمن إيصال النفع إلى الغير أو دفع الضرر عنه في المستقبل‪ ،‬فالمعتزلة يقولون بأن ال‬
‫وعــد المطيعيــن بالثواب وأنــه يفعــل مــا وعــد بــه ل محالة ول يجوز عليــه الخلف والكذب‪.‬‬
‫فقالوا‪ :‬بأن ال ي جب عليـه أن ينفـذ وعده‪ ،‬بل وأن المكلف ينال مـا وعـد بـه عـن طريـق السـتحقاق‪ ،‬أي أنـه‬
‫مستحق لهذا الثواب‪.‬‬
‫ج مِن بَيْتِهِ ُمهَاجِرًا إِلَى اللّهِ َو َرسُو ِلهِ ُثمّ يُ ْد ِركْ ُه ا ْل َموْتُ فَقَدْ وَ َقعَ‬
‫خ ُر ْ‬
‫ولهم في ذلك شبه منها قوله تعالى‪َ { :‬ومَن َي ْ‬
‫َأجْرُ ُه عَلى ال ّلهِ} [(‪ )100‬سورة النساء]‪.‬‬
‫قالوا‪{ :‬فَقَدْ وَ َق عَ َأجْرُ هُ عَلى اللّ هِ} أي فقد وجب ثوابه عليه؛ لن حقيقة الوجوب هو الوقوع والسقوط كما قال‬
‫ت جُنُو ُبهَا} [(‪ )36‬سورة الحـج]‪ :‬أي سقطت‪ ،‬وأيضا لفظ الجر فان الجر عبارة عن المنفعة‬
‫تعالى‪{ :‬فَإِذَا َوجَبَ ْ‬
‫المستحقة‪ ،‬فأما الذي ل يكون مستحقا فذلك ل يسمى أجرا بل هبة‪ ،‬وأيضا قوله "على ال" وكلمة على للوجوب‬
‫حجّ الْبَيْتِ} [(‪ )97‬سورة آل عمران]‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪{ :‬وَلِّلهِ عَلَى النّاسِ ِ‬
‫فيقال‪ :‬ل ننازع في دللة الية على الوجوب لكن بحكم الوعد والتفضل والكرم ل بحكم الستحقاق؛ لن العبد‬
‫ل يد خل الج نة بعمله وإن ما يدخل ها بف ضل ال ورحم ته ب سبب عمله؛ قال تعالى‪{ :‬الّذِي َأحَلّنَا دَارَ ا ْل ُمقَا َمةِ مِن‬
‫فَضْلِههِ} [(‪ )35‬سـورة فاطـر] فهذا الحـق والوعـد أوجبـه الباري على نفسـه ولم يوجبـه العبـد عليـه بعمله‪.‬‬
‫فرأي أهـل السـنة فـي الوعـد أن ال إذا وعـد عباده بشيـء كان وقوعـه واجبا عليـه بحكـم الوعـد ل بحكـم‬
‫الستحقاق؛ فإن العبد ل يستحق بنفسه على ال شيئا‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الوعيد‪:‬‬
‫هو كل خبر يتضمن إيصال الضرر إلى الغير أو تفويت نفع ع نه في المستقبل‪ ،‬يقول المعتزلة بأن ال تو عد‬
‫العصاة بالعقاب وأنه يفعل ما توعد به ل محالة‪ ،‬ول يجوز عليه الخلف والكذب‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬بأن ال قـد توعـد المسـتحق؛ لنـه إذا خرج عـن المسـتحق دخـل فـي حـد الظلم وإن توعده هذا ليـس‬
‫بمق صور على الكفار فح سب بل يش مل الف ساق أيضا‪ ،‬وبناءً عل يه‪ :‬فيرى المعتزلة في الوع يد بأن الفا سق إذا‬
‫مات على غير توبة عن كبيرة ارتكبها فإنه يستحق النار مخلدا فيها؛ لن ال توعده بذلك ولبد أن ينفذ وعيده‪،‬‬
‫لكن عذابه يكون أخف من عذاب الكافر‪.‬‬
‫صحَابُ النّارِ هُ مْ فِيهَا‬
‫خطِيئَتُ هُ فَُأوْلَ ِئ كَ أَ ْ‬
‫ولهم في ذلك شبه منها قوله تعالى‪{ :‬بَلَى مَن َك سَبَ سَيّ َئةً َوَأحَاطَ تْ بِ هِ َ‬
‫خَالِدُونَ} [(‪ )81‬سورة البقرة]‪.‬‬
‫يُرد عليهم بما قاله ابن كثير بأن الية رد على بنى إسرائيل الذين زعموا أنهم لم تمسهم النار إل أياما معدودة‪،‬‬
‫بأن ال مر ل يس ك ما زعموا بل إن من ك سب سيئة وأحا طت به خطيئ ته و هو من وا فى يوم القيا مة ول يس له‬
‫حسنة‪ ،‬بل جميع أعماله سيئات فهو من أهل النار‪.‬‬
‫وعلى هذا فل ح جة للمعتزلة باليـة على خلود صاحب ال كبيرة فـي النار؛ لن الحا طة إن ما ت صح فـي شأن‬
‫الكافر؛ لن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط به خطيئته لكون قلبه ولسانه منـزها‬
‫عن الخطيئة‪.‬‬

‫‪16‬‬
‫جهَ ّن َم خَالِدُونَ} [(‪ )74‬سورة الزخرف]‪ ،‬قالوا‪ :‬إن المجرم‬
‫ج ِرمِينَ فِي عَذَابِ َ‬
‫ن ا ْل ُم ْ‬
‫ومن شبههم أيضا قوله تعالى‪ِ{ :‬إ ّ‬
‫اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا فيجب أن يكونا مرادين‪.‬‬
‫يُرد عليهم بأن المقصود بالمجرمين في هذه الية‪ :‬الكافرين‪ ،‬قال ابن جرير وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر‬
‫بال‪ ،‬ثـم على التسـليم بعموم اليـة وأنهـا ليسـت خاصـة بالكفار فإنهـا مخصـصة بنصـوص العفـو والتوبـة‪،‬‬
‫والنصوص الدالة على خروج الموحدين من النار‪ ،‬مثل قوله تعالى في الحديث القدسي‪(( :‬أخرجوا من كان في‬
‫قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان))‪.‬‬
‫ومعارض أيضا بنصوص الوعد كقوله تعالى‪َ { :‬فمَن َي ْع َم ْل مِثْقَالَ ذَرّ ٍة خَيْرًا يَرَهُ} [(‪ )7‬سورة الزلزلة]‪ ،‬وكما يقول‬
‫العلماء بأن ترج يح عمومات الو عد أولى؛ لن ها أد خل في باب الكرم من عمومات الوع يد‪ ،‬ول نه اشت هر أن‬
‫رحمة ال سابقة غضبه‪.‬‬
‫ولهم آيات غير هذه تعلقوا بها في تخليد صاحب الكبيرة في النار‪ ،‬فالذي عليه أهل السنة والجماعة في مسألة‬
‫الوعيد أن ال تعالى يمكن أن يخلف وعيده في حق الموحد العاصي الذي مات وهو مرتكب للكبائر من غير‬
‫ن ذَِل كَ لِمَن َيشَاء} [(‪ )48‬سورة الن ساء]‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬في‬
‫تو بة‪ ،‬قال ال تعالى‪{ :‬وَ َيغْ ِفرُ مَا دُو َ‬
‫حد يث عبادة بن ال صامت‪(( :‬و من أ صاب من ذلك شيئا ثم ستره ال ف هو إلى ال‪ ،‬إن شاء ع فا ع نه وإن شاء‬
‫عاقبه))؛ لن خلف الوعيد ل يعتبر كذبا ول قبيحا بل هو جود وكرم‪.‬‬
‫قال ش يخ ال سلم‪" :‬إن أ هل ال سنة قالوا‪":‬يجوز أن يع فو ال عن المذ نب‪ ،‬وأن يخرج أ هل الكبائر من النار فل‬
‫يخلد فيها من أهل التوحيد أحدا"‪.‬‬
‫وبناءً على المسألة السابقة وهو قول المعتزلة بإنفاذ الوعيد وخلود مرتكب الكبيرة في النار أنكر المعتزلة كل‬
‫ما يرونه يتعارض مع رأيهم‪ ،‬فأنكروا الشفاعة لهل الكبائر واقتصروا على الشفاعة للتائبين من المؤمنين دون‬
‫الفسقة؛ لن إثبات الشفاعة للفساق في رأيهم ينافي مبدأ الوعيد‪ ،‬واستدلوا على هذا القول بقوله تعالى‪{ :‬وَاتّقُواْ‬
‫ل هُ مْ يُن صَرُونَ} [(‪ )48‬سورة‬
‫ع ْدلٌ وَ َ‬
‫عةٌ َولَ ُي ْؤخَذُ مِ ْنهَا َ‬
‫شفَا َ‬
‫َيوْما لّ َتجْزِي نَ ْف سٌ عَن نّ ْف سٍ شَيْئا َولَ يُقْ َبلُ مِ ْنهَا َ‬
‫البقرة]‪ .‬قالوا‪ :‬تدل ال ية على أن من ا ستحق العقاب ل يش فع ال نبي ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬له ول ين صره‪.‬‬
‫ويرد علي هم بإجماع المفسرين على أن المراد بالن فس في الية الن فس الكافرة ل كل ن فس ف هي من العام الذي‬
‫أريد به الخاص‪ ،‬وقد تظاهرت الخبار عن الرسول ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬أنه قال‪(( :‬شفاعتي لهل الكبائر‬
‫من أمتي)) [رواه أبو داود والترمذي وهو صحيح]‪.‬‬
‫فإذا ثب تت الشفا عة ل هل الكبائر فل بد من أن تكون الشفا عة المنف ية في ال ية إن ما هي الشفا عة للكفار وذلك‬
‫جمعا بين الية والحديث‪ ،‬قال شيخ السلم‪" :‬فقد تواترت الحاديث عن النبي ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬في أنه‬
‫يخرج أقوام من النار بعد ما دخلو ها‪ ،‬وأن ال نبي ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬يش فع في أقوام دخلوا النار‪ ،‬وهذه‬
‫الحاديث حجة على الوعيدية الذين يقولون‪ :‬من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها"‪[ .‬الفتاوى ‪.]7/486‬‬
‫ومن مسائل الوعيد عند المعتزلة‪ :‬مسألة الحباط‪ :‬وهو زوال الطاعات بالمعاصي‪.‬‬
‫اختلف المعتزلة أنفسهم في مسألة الحباط على أقوال أهمها‪:‬‬

‫‪17‬‬
‫‪ -‬رأي جمهور المعتزلة‪ :‬و هو أن الن سان إذا ع بد ال طول حيا ته ثم ارت كب كبيرة من الكبائر فإن ها تب طل‬
‫جميع أعماله السابقة‪.‬‬
‫‪ -‬القول الثانـي قول الجبائي مـن المعتزلة‪ :‬يرى أن الطاعات السـابقة على المعاصـي يسـقط منهـا بمقدار‬
‫المعاصي‪ ،‬وتبقى المعاصي على حالها‪ ،‬مثاله‪ :‬رجل أطاع عشرين مرة وعصى عشر مرات يسقط من طاعاته‬
‫بمقدار معاصيه وتبقى معاصيه فيصبح رصيده عشر طاعات وعشر معاصي‪.‬‬
‫‪ -‬القول الثالث‪ :‬و هو ما ي سمونه بالمواز نة‪ ،‬ك ما تح بط الطاعات المعا صي كذلك تح بط المعا صي الطاعات‪.‬‬
‫ولشك أن قول المعتزلة بالحباط باطل؛ فإن قولهم بأن الذنب الواحد يحبط جميع العمال خلف قوله تعالى‪:‬‬
‫حسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ ذَلِكَ ِذكْرَى لِلذّا ِكرِينَ} [(‪ )114‬سورة هود]‪ ،‬وأيضا قولهم هذا ينبني على زعمهم أن‬
‫{ِإنّ ا ْل َ‬
‫مرت كب ال كبيرة ي ستحق النار مخلد في النار‪ ،‬و قد أبطل نا قول هم في ما م ضى‪ ،‬فإذا ب طل ال صل ب طل الفرع‪.‬‬
‫رأي أهل السنة في الحباط‪ :‬قال شيخ السلم‪" :‬إن ال جعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات‬
‫ما قد يبطل ثوابها‪ ،‬لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إل التوبة‪ ،‬كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إل‬
‫الردة"‪[ .‬الفتاوى ‪]12/483‬‬
‫الصل الرابع‪ :‬المنـزلة بين المنـزلتين‪:‬‬
‫إن هذا ال صل هو نق طة البدء في نشأة المعتزلة‪ ،‬ك ما مر مع نا‪ ،‬وأن الخلف الذي ن شأ ب ين الح سن الب صري‬
‫وواصل بن عطاء في الفاسق الملي‪ ،‬فخرج واصل بهذا القول الغريب‪ ،‬وهو أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن‬
‫ول كا فر ل في ال سم ول في الح كم بل في منـزلة ب ين المنـزلتين‪ ،‬فل يسمى مؤمنا ول يسمى كافرا‪ ،‬بل‬
‫يسمى فاسقا‪ ،‬وحكمه كذلك بين الحكمين‪ ،‬فل يكون حكمه حكم الكافر ول حكم المؤمن‪ ،‬وإنما له حكم بينهما‪،‬‬
‫هذا في الدنيا‪ ،‬وأما في الخرة فإنه يخلد في النار‪ ،‬لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر‪.‬‬
‫شب هة المعتزلة في هذه القض ية ك ما يقول وا صل بن عطاء‪ :‬يقول وجدت أحكام الكفار المن صوص علي ها في‬
‫القرآن ل تنطبق على صاحب الكبيرة فهو ليس بكافر‪ ،‬وأيضا ل ينطبق عليه أحكام المنافقين فهو ليس بمنافق‪،‬‬
‫وحكم ال في المؤمن الولية والمحبة والوعد بالجنة فوجدت أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وصاحب الكبيرة‬
‫ّهه عَلَى الظّا ِلمِينهَ} [(‪ )18‬سـورة هود]‪ ،‬وحكـم ال عليـه بالنار فـي‬
‫حكـم ال عليـه باللعنـة فـي قوله‪َ{ :‬ألَ لَعْ َن ُة الل ِ‬
‫جحِي مٍ} [(‪ )14‬سورة النفطار]‪ ،‬لذا و جب ت سميته فا سقا فاجرا ويكون مخلدا في‬
‫الخرة بقوله‪َ { :‬وإِنّ ا ْل ُفجّا َر لَفِي َ‬
‫النار لتوعد ال له بذلك‪ ،‬لكن عذابه أخف من عذاب الكافر‪.‬‬
‫يُرد عليه‪ :‬أما قولك أنه ليس بكافر فهذا نوافقك عليه‪ ،‬وأما قولك أنه ليس بمنافق فهذا أيضا نوافقك عليه‪ ،‬وأما‬
‫قولك أنه ليس بمؤمن فهذا على إطلقه ل نوافقك عليه‪ ،‬بل نقول هو مؤمن ناقص اليمان قد نقص إيمانه بقدر‬
‫ما ارتكب من معصية فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته‪.‬‬
‫ويدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من اليمان ما يلي‪:‬‬
‫حرّ وَا ْلعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالُنثَى بِالُنثَى‬
‫‪ -‬قوله تعالى‪{ :‬يَا أَيّهَا الّذِي نَ آمَنُو ْا كُتِ بَ عَلَ ْيكُ مُ ا ْلقِ صَاصُ فِي الْقَتْلَى ا ْلحُرّ بِا ْل ُ‬
‫يءٌ فَاتّبَا عٌ بِا ْل َمعْرُو فِ} [(‪ )178‬سورة البقرة]‪ ،‬ف قد سمى ال القاتل أخا للمقتول‪ ،‬و هي‬
‫شْ‬
‫ن َأخِي ِه َ‬
‫ع ِف يَ لَ هُ ِم ْ‬
‫َف َم نْ ُ‬
‫الخوة اليمانية‪ ،‬وقبل ذلك خاطبهم جميعا بلفظ اليمان‪.‬‬

‫‪18‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وَإِن طَائِفَتَا نِ ِم نَ ا ْل ُم ْؤمِنِي نَ اقْتَتَلُوا} [(‪ )9‬سورة الحجرات]‪ ،‬فهذا أيضا يدل على أن كبيرة الق تل لم‬
‫تخرجهما من اليمان‪.‬‬
‫‪ -‬وأيضا إجماع المة من عصر الرسول ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬إلى يومنا هذا على الصلة على من مات‬
‫من أهل القبلة من غير توبة‪ ،‬والدعاء والستغفار لهم مع العلم بارتكابهم للكبائر‪.‬‬
‫وقول هم بتخل يد صاحب ال كبيرة في النار ثم مناقشت ها ع ند أ صل الو عد والوع يد فل دا عي للتكرار‪ ،‬قال ش يخ‬
‫السـلم‪" :‬ومذهـب أهـل السـنة والجماعـة أن فسـاق أهـل الملة ليسـوا مخلديـن فـي النار كمـا قالت الخوارج‬
‫والمعتزلة‪ ،‬وليسوا كاملين في الدين واليمان والطاعة‪ ،‬بل لهم حسنات وسيئات ويستحقون بهذا العقاب وبهذا‬
‫الثواب"‪]7/679[ .‬‬
‫إذن‪ :‬خلصة كلم أهل السنة أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر كما تقول الخوارج‪ ،‬وليس بكامل اليمان كما تقول‬
‫المرجئة‪ ،‬وليس في منـزلة بين المنـزلتين كما تزعمه المعتزلة‪ ،‬بل هو مؤمن ناقص اليمان‪ ،‬قد نقص إيمانه‬
‫بقدر ما ارتكب من معصية‪ ،‬وفي الخرة ل يخلد في النار‪ ،‬بل هو تحت مشيئة ال‪ ،‬إن شاء غفر له وإن شاء‬
‫ك بِ هِ وَ َيغْفِرُ مَا‬
‫ش َر َ‬
‫عذ به على قدر ذن به ثم أخر جه من النار وأدخله الج نة‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬إِنّ اللّ هَ لَ َيغْفِرُ أَن ُي ْ‬
‫عظِيمًا} [(‪ )48‬سورة النساء]‪.‬‬
‫دُونَ ذَلِكَ ِلمَن َيشَاء َومَن ُيشْ ِركْ بِال ّلهِ َفقَدِ افْتَرَى إِ ْثمًا َ‬
‫الصل الخامس‪ :‬المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪:‬‬
‫يرى المعتزلة بأن المر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفائي‪ ،‬وهم في هذا يوافقون أهل السنة‪ ،‬هذا من‬
‫ناحية الحكم‪ ،‬أما التقسيم فإن المعتزلة يقسمون المر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارين‪ :‬باعتبار الحكم‬
‫وباعتبار القائمين به‪:‬‬
‫‪ -‬أ ما باعتبار الح كم فقالوا‪ :‬بأن المعروف م نه ما هو وا جب وم نه ما هو مندوب‪ ،‬أ ما الوا جب فال مر به‬
‫واجب‪ ،‬وأما المندوب فإن المر به غير واجب‪ ،‬وهذا الكلم أيضا هم يوافقون فيه أهل السنة‪.‬‬
‫‪ -‬أما المنكر فقالت المعتزلة المنكر كله باب واحد فوجب النهي عنه‪ ،‬وهذا الكلم عند أهل السنة باطل؛ لن‬
‫المن كر م نه ما هو محرم وم نه ما هو مكروه‪ ،‬فالمحرم ي جب الن هي ع نه ل كن المكروه ل ي جب على الن سان‬
‫تركه فكيف نوجب النهي عنه‪.‬‬
‫‪ -‬أما باعتبار القائمين به فالمعتزلة لهم في ذلك قسمين‪:‬‬
‫الول‪ :‬ما يقوم به الئمة وذلك كإقامة الحدود وحفظ بيضة السلم وسد الثغور وتنفيذ الجيوش وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬ما يقوم به غير الئمة من كافة الناس‪ ،‬وذلك مثل النهي عن شرب الخمور والزنا والسرقة وما أشبه‬
‫ذلك‪.‬‬
‫و في هذا أي ضا هم يوافقون ف يه أ هل ال سنة‪ .‬قال ش يخ ال سلم "إن المحت سب له ال مر بالمعروف والن هي عن‬
‫المنكر مما ليس من خصائص الولة‪ ،‬كأمر العا مة بالصلة في مواقيتها وتعاهد الئ مة والمؤذنين ف من فرط‬
‫من هم في ما ي جب من حقوق الما مة أو خرج عن الذان المشروع ألز مه بذلك وا ستعان في ما يع جز ع نه بوالي‬
‫الحكـم والحرب‪ ،‬وأمـا القتـل ونحوه فليـس للمحتسـب التعرض له؛ إذ أنـه مـن خصـائص السـلطان ولذا فإنهـم‬
‫يعتبرون أولى المر صنفين‪ ،‬أهل اليد والقدرة وهم المراء وأهل العلم والكلم وهم العلماء‪.‬‬

‫‪19‬‬
‫ومما له علقة بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر الوسيلة‪ :‬ماهي الوسيلة المستخدمة في المر بالمعروف‬
‫وفي النهي عن المنكر؟‪.‬‬
‫يرى المعتزلة أن الوسيلة في المر بالمعروف أن يبدأ بالحسنى‪ ،‬فإن لم يفد انتقلنا إلى اللسان‪ ،‬فإن لم يفد انتقلنا‬
‫إلى اليد‪ ،‬فإن لم يفد انتقلنا إلى السيف‪ ،‬فهم إذن يبدؤون من السهل إلى ما هو أكبر منه‪ ،‬ولو أحوج المر إلى‬
‫السيف في المر بالمعروف والنهي عن المنكر فل بأس في ذلك‪ ،‬واستدلوا على قولهم هذا بقوله تعالى‪{ :‬وَإِن‬
‫خرَى َفقَاتِلُوا الّتِي تَ ْبغِي حَتّى َتفِيءَ‬
‫ن ا ْل ُم ْؤمِنِي نَ اقْتَتَلُوا فَأَ صِْلحُوا بَيْ َن ُهمَا فَإِن َبغَ تْ ِإحْدَا ُهمَا عَلَى الُْأ ْ‬
‫طَا ِئفَتَا نِ ِم َ‬
‫إِلَى َأ ْمرِ اللّ هِ} [(‪ )9‬سورة الحجرات]‪ .‬قالوا‪ :‬إن ال تعالى أمر بإصلح ذات الب ين أولً‪ ،‬ثم بعد ذلك بما يل يه إلى‬
‫أن انتهى إلى المقاتلة‪.‬‬
‫يُرد عليهـم‪ :‬بأن اليـة وردت بخصـوص فئتيـن متقاتلتيـن ول يمكـن أن يكون أمرهـم بالمعروف ونهيهـم عـن‬
‫ل ثم بقتال من لم يقبل ذلك‪.‬‬
‫المنكر إل بمحاولة الصلح أو ً‬
‫ثانيا لن الحال الذي عليه كل من الفئتين يقتضي ذلك‪.‬‬
‫أما المر بالمعروف والنهي عن المنكر عموما فإن المعتزلة خالفت أهل السنة في الترتيب فهو عندنا مرتب‬
‫بترتيب رسول ال ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬وهو باليد أولً وذلك بمحاولة منع ارتكاب المعاصي التي حرمها‬
‫ال وليـس بقتال مـن يرتكبهـا‪ ،‬وإذا لم يسـتطيع المسـلم أن يغيـر المنكـر بيده فليكـن نهيـه عـن المنكـر وأمره‬
‫بالمعروف بلسانه‪ ،‬فإذا كان فعل اللسان سيترتب عليه ضررا ل يستطيع معه المر والنهي فلينكر المنكر بقلبه‪،‬‬
‫قال ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪(( :-‬من رأى منكم منكرا فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه‪،‬‬
‫وذلك أضعف اليمان))‪ ،‬فهذا هو الترتيب الذي سار عليه السلف‪.‬‬
‫ثم إن أ هل ال سنة ل ي ستخدمون ال سيف في تغي ير المن كر؛ وذلك لن الحد يث لم ي شر إلى ال سيف‪ ،‬وللحاد يث‬
‫الناهية عن حمل السلح‪(( :‬من حمل علينا السلح فليس منا)) [رواه مسلم]‪.‬‬
‫وا ستنادا للقاعدة العا مة إذا تعار ضت الم صالح والمفا سد قدم الرا جح‪ ،‬وب ما أن إنكار المن كر بال سيف قد يؤدي‬
‫إلى مفسدة أكبر من المنكر الموجود؛ لما فيه من إثارة الفتن وسفك الدماء‪ ،‬لذا كان تركه أولى‪.‬‬
‫و من ال مر بالمعروف والن هي عن المن كر ع ند المعتزلة‪ :‬أن هم قالوا‪ :‬بوجوب الخروج على ال سلطان الجائر‪،‬‬
‫وال سلطان الجائر عندهـم هو الذي ل يعت قد بمعت قد المعتزلة‪ ،‬وال سلطان الجائر عند هم هو الذي يخالفهـم في‬
‫أصولهم‪.‬‬
‫ول شك ببطلن هذا القول؛ لن ال سلطان ل يجوز الخروج عل يه إل إذا ار تد عن ال سلم‪(( ،‬إل أن تروا كفرا‬
‫بواحا عندكم من ال تعالى فيه برهان))‪.‬‬
‫أمـا السـلطان الجائر أو المخالف فإن الدلة مـن الكتاب والسـنة تأمـر بطاعـة الئمـة حتـى ولو كانوا جائريـن‪،‬‬
‫ماداموا يقيمون الصـلة قال ‪-‬صـلى ال عل يه وسـلم‪(( :-‬اسـمعوا وأطيعوا فإن ما عليهـم ما حملوا وعليكـم ما‬
‫حمل تم)) [رواه م سلم]‪ .‬ف في هذا الحد يث أ مر بال سمع والطا عة للمام ح تى ولو كان جائرا‪ ،‬ولن الخروج على‬
‫الئمة فيها من المفاسد أكثر من المصالح‪.‬‬

‫‪20‬‬
‫ومن المر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة‪ :‬جواز قتال عامة الناس إذا صاروا جماعة وكان في‬
‫مقدورهم ذلك حتى يعتقدوا بمعتقداتهم ويوافقوهم في أصولهم‪.‬‬
‫فيقال لهم‪ :‬إن عامة الناس إذا كفروا وارتدوا عن الدين‪ ،‬فنحن نوافقكم على ذلك؛ بدليل عمل الصديق ‪-‬رضي‬
‫ال عنه‪ -‬مع أهل الردة‪ ،‬أما إن كان قتالهم لنهم خالفوا أصولكم بارتكابهم الكبائر‪ ،‬فارتكاب الكبائر ل يوجب‬
‫قتالً‪ ،‬وذلك لمور‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن بعض الكبائر لها حدود فيقام الحد على مرتكبيها‪.‬‬
‫الثا ني‪ :‬أن قول كم بقتال مرت كب ال كبيرة ينا قض قول كم في المن ـزلة ب ين المن ـزلتين؛ لن كم ترون أن صاحب‬
‫ال كبيرة ل كا فر ول مؤ من بل في من ـزلة بينه ما‪ ،‬فك يف ه نا تقاتلون صاحب ال كبيرة وهذا من التناقضات‬
‫العجيبة في معتقد المعتزلة‪.‬‬
‫ومـن المـر بالمعروف والنهـي عـن المنكـر عنـد المعتزلة‪ :‬أنهـم ل يفرقون بيـن قتال الكافـر والفاسـق‪ ،‬وهذا‬
‫مردود؛ لن أهل السنة يفرقون بين الكفر والفسق‪ ،‬لكن المعتزلة لتكفيرهم الفاسق ‪ -‬الذي هو صاحب الكبيرة‬
‫‪ -‬لذا فل يفرقون ب ين قتال الكا فر والفا سق‪ ،‬وال ‪ -‬عز و جل‪ -‬قد فرق بينه ما‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬وَاعْ َلمُوا أَنّ فِيكُ مْ‬
‫ن الْ َأمْرِ َلعَنِتّ ْم وَلَ ِكنّ اللّ هَ حَبّ بَ إِلَ ْيكُ مُ الْإِيمَا نَ وَزَيّنَ هُ فِي قُلُو ِبكُ ْم َوكَرّ هَ إِلَ ْيكُ مُ‬
‫َر سُولَ اللّ هِ َل ْو ُيطِيعُكُ مْ فِي كَثِيرٍ مّ َ‬
‫ا ْلكُ ْفرَ وَالْ ُفسُوقَ وَا ْلعِصْيَانَ ُأوْلَئِكَ ُهمُ الرّاشِدُونَ} [(‪ )7‬سورة الحجرات]‪.‬‬
‫وأخيرا أنكرت المعتزلة شرط القرش ية في الما مة‪ ،‬وزعموا أن حد يث الئ مة من قر يش حديث آحاد ل يعول‬
‫عليه‪ ،‬وغالى بعضهم حتى قالوا بأنه إذا تساوى القرشي والعجمي فالعجمي أولى بالولية‪.‬‬
‫مذهب المعتزلة في الحديث‪:‬‬
‫اه تم العلماء بهذا الم صدر من م صادر الشري عة خ صوصا عند ما أطلت المبتد عة برؤو سها و صاروا يضعون‬
‫الحاديث التي توافق مذاهبهم الفاسدة‪ ،‬فاتخذوا علم الجرح والتعديل وأسماء الرواة وغير ذلك‪.‬‬
‫روى المام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قال‪" :‬لم يكونوا يسألون عن السناد‪ ،‬فلما وقعت الفتنة‬
‫قالوا‪ :‬سـموا لنـا رجالكـم‪ ،‬فينظـر إلى أ هل السـنة فيؤخـذ حديثهـم‪ ،‬وينظـر إلى أ هل البدع فل يؤخـذ حديثهـم"‪.‬‬
‫خرجـت المعتزلة ببدعـة رد أخبار الحاد‪ ،‬وقالوا بأنهـا ل تفيـد اليقيـن‪ ،‬بينمـا حكـم العقـل يقيـن؛ إذ إنـه مناط‬
‫التكل يف‪ ،‬وعلى ذلك قالت المعتزلة‪ :‬ي جب تقد يم الح كم العقلي على خبر الحاد مطلقا سواء في العقائد أو في‬
‫الشرائع العملية‪ ،‬بل ردوا أخبار الحاد في العقائد جملة؛ بدعوى أن العقيدة يجب أن تثبت بطريق قطعي يقيني‬
‫ل بطريق ظني كخبر الواحد‪ ،‬ولم يفرقوا بين ما هو صحيح من الحاديث أو ضعيف‪ ،‬بل يكفى رد الحديث‬
‫لعدم موافقته العقل‪ ،‬بل والقدح في رواته بغاية الجرأة والوقاحة‪.‬‬
‫وكان من جراء ذلك أن رد المعتزلة الكثير من العقائد الثاب تة عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬كعذاب‬
‫القـبر واليمان بالحوض والصـراط والميزان والشفاعـة ورؤيـة ال فـي الخرة‪ ،‬وردوا كثيرا مـن الحكام‬
‫الشرعية الصحيحة الثابتة بدعوى معارضتها للعقل‪.‬‬
‫فمن تحليلتهم العقلية حديث‪(( :‬إذا استيقظ أحدكم من نومه فل يغمس يده في الناء حتى يغسلها ثلثا؛ فإنه ل‬
‫يدري أين باتت يده))‪ ،‬قالوا‪ :‬كل الناس تعلم أين باتت يدها‪ ،‬فردوا هذا الحديث‪.‬‬

‫‪21‬‬
‫ول شك أن هذا م سلك خا طئ‪ ،‬والحاديث ع ند أهل ال سنة إذا ثبتت صحته فإ نه يع مل به سواء كان في باب‬
‫العقائد أو في باب الحكام‪ ،‬و قد دل ف عل الر سول ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬وإجماع ال صحابة على قبول خبر‬
‫الحاد‪ ،‬فأهل قباء عندما جاءهم رجل واحد من عند رسول ال ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬وأخبرهم بتحويل القبلة‬
‫تحولوا‪ .‬وكان ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬يبعث الرسل والعمال فرادى يدعون الناس للسلم‪.‬‬
‫موقف المعتزلة من الصحابة‪:‬‬
‫ط عن المعتزلة في أكابر ال صحابة وشنعوا علي هم ورمو هم بالكذب ون سبوا إلي هم التنا قض‪ ،‬مثاله‪ :‬قول النظام‬
‫‪-‬وهو من كبار شيوخ المعتزلة‪ -‬في أبي بكر الصديق ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬عندما رماه بالتناقض حين سئل عن‬
‫آية من كتاب ال فقال‪" :‬أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في آية من كتاب ال بغير ما أراد ال"‪،‬‬
‫وحين سئل في الكللة قال‪" :‬أقول فيها برأيي‪ ،‬فإن كان صوابا فمن ال‪ ،‬وإن كان خطأ فمني"‪.‬‬
‫قال النظام‪ :‬هذا تناقــض كيــف يجترئ ويقول برأيــه ويدعــي الخوف مــن ال فــي القول الول‪.‬‬
‫وكذب النظام؛ فإن قول الصـديق الول إنمـا قاله حيـن سـئل عـن آيـة مـن المتشابـه مـن القرآن وهـو جواب‬
‫الراسخين في العلم حين يسألون عن المتشابه الذي ل يعلم تأويله إل ال‪ .‬أما قوله الثاني فإن واجب العلماء أن‬
‫يبينوا للناس أحكام دينهم وأن يجتهدوا لهم حتى ل يكون المر فوضى والرأي في مثل هذه المواطن من الرأي‬
‫المحمود وليس الرأي المذموم‪.‬‬
‫ولهم مطاعن أخرى في علي بن أبي طالب‪ ،‬وعبد ال بن مسعود‪ ،‬وأبي هريرة ل يستوعب هذا البحث بسط‬
‫الكلم فيه‪.‬‬
‫وأخيرا‪:‬‬
‫هل المعتزلة فرقة اندثرت في التاريخ ل وجود لها الن؟ أم أن هناك امتدادا لتلك المدرسة؟‪:‬‬
‫المعتزلة لم تندثر‪ ،‬بل مازالت موجودة وهي مدرسة فكرية قائمة إلى الن‪ ،‬وقد وجد في عصرنا هذا من أطل‬
‫برأسـه وصـار ينادي بمـا ادعتـه المعتزلة‪ ،‬فقالوا‪ :‬أليـس المعتزلة مـن المسـلمين‪ ،‬أل يحـق لنـا القتباس منهـم‬
‫والرجوع إليهم؟ وما لنا نجمد مع الجامدين من الفقهاء والئمة والمحدثين من السلف ونلتزم طريقهم ول نقتبس‬
‫عن المعتزلة المسلمين مواقفهم العقلية التحررية؟‬
‫وحصلت هناك أحداث في العالم السلمي وحصل اختلط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن‬
‫طريق البعثات التعليمية‪ ،‬فتأثر تلمذة البعثات بما وجدوه في أوربا‪ ،‬ونقلوا ذلك في كتبهم بقصد أو بدون قصد‪،‬‬
‫ثم جاء الدور الجبار الذي لع به جمال الد ين الفغا ني‪ ،‬ويك في أ نه أن تج تلميذا كمح مد عبده صاحب المدر سة‬
‫العقلية العتزالية‪ ،‬والتي سميت بالمدرسة الصلحية‪ ،‬والتي خرج من تحت عباءتها كثير من الكتاب‪ ،‬وإليك‬
‫بعض المثلة‪:‬‬
‫‪ -‬يقول أحمد أمين في كتابه "ضحى السلم"‪ :‬والن يحق لنا أن نتساءل هل كان في مصلحة المسلمين موت‬
‫العتزال وانتصار المحدثين‪.‬‬

‫‪22‬‬
‫‪ -‬ويقول زكي نجيب محمود في كتابه "تجديد الفكر العربي"‪ :‬يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن‬
‫لع صرنا أن يرث ها في وج هة نظر ها ‪-‬أع ني أن يرث ها في طريقت ها ومنهاج ها ع ند الن ظر إلى المور‪ -‬هي‬
‫جماعة المعتزلة‪ ،‬التي جعلت العقل مبدأها الساس كلما أشكل أمر‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول عرفان عبد الحميد في كتابه "دراسات في الفرق والعقائد السلمية"‪ :‬المعتزلة أول مدرسة كلمية‬
‫ظهرت في ال سلم‪ ،‬وكان ل ها دور كبير في تطو ير الف كر الدي ني والفل سفي ف يه؛ ف هي ال تي أوجدت ال صول‬
‫العقلية للعقيدة السلمية‪ ،‬وجعلت للنـزعة العقلية في الفكر السلمي مكانة مرموقة‪ ،‬ورفعت من شأن العقل‬
‫وإحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة‪.‬‬
‫‪1926‬م‪ ،‬يقول‪ :‬بأن ال ل يو صف إل بال صفات‬ ‫‪ -‬ويرى مح مد أ سد الم ستشرق النم ساوي الذي أ سلم عام‬
‫السلبية تماما كما قالت المعتزلة‪ ،‬وينحو منحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية‪ ،‬كتفسير إهلك أصحاب‬
‫الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير البابيل‪.‬‬
‫‪ -‬ويم جد ح سن الترا بي من قدرات الع قل فيد عو إلى تجد يد ال صول فيقول‪" :‬إن إقا مة أحكام ال سلم في‬
‫عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير‪ ،‬وللعقل سبيل إلى ذلك ل يسع عاقلً إنكاره‪ ،‬والجتهاد الذي نحتاج إليه‬
‫ليس اجتهادا في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الصول أيضا"‪.‬‬
‫‪ -‬ويعبر د‪ .‬فتحي عثمان عن حجاب المرأة ومسألة عدم الختلط بقوله‪" :‬فإذا التقى الرجل بالمرأة في ظروف‬
‫طبيعيـة هادئة محكمـة‪ ،‬فلن يغدو هذا اللقاء قارعـة شديدة الوقـع‪ ،‬سـيألف الرجـل رؤيـة المرأة ومحادثـة المرأة‬
‫ومعاملة المرأة في إطار من الدين والخلق تحدد معالمه تربية السرة وعرف المجتمع ورعاية الدولة‪ ،‬وستألف‬
‫ـع لدى‬
‫ـعار المضطرم‪ ،‬ول يكون هناك مجال للنحراف والشذوذ‪ ،‬وتتجمـ‬
‫ـل فيهدأ السـ‬
‫ـا الرجـ‬
‫المرأة بدورهـ‬
‫الطرفين خبرات وحصانات وتجارب"‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول محمد إقبال في كتاب "تجديد الفكر الديني في السلم"‪ :‬وعلى هذا فإني أميل إلى اعتبار الجنة التي‬
‫جاء ذكرها في القرآن تصويرا لحالة بدائية يكاد يكون النسان فيها مقطوع الصلة بالبيئة التي يعيش فيها‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول محمد فتحي عثمان في كتاب "الفكر السلمي والتطور"‪ :‬وسيظل الدين أيضا معرضا لتجدد القوالب‬
‫في الف هم والعرض والت طبيق يتأ ثر بزوا يا الشعاع ال ساقط عل يه‪ ،‬و قد يز يغ اتجا هه ب ين انعكا سات الضواء‬
‫وانك ساراتها‪ ،‬وتؤ ثر ظروف الفراد والجماعات على جهاز الرؤ يا والدراك‪ ،‬فيتعرض الد ين ل ما يتعرض له‬
‫النسان في الوجود‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول ع بد العز يز كا مل في كتاب "ال سلم والع صر"‪ :‬ون حن في منط قة الشرق الو سط نؤ من بالتوح يد‬
‫بطريقة أو بأخرى‪ ،‬وأقولها واضحة يستوي في هذا السلم والمسيحية واليهودية حتى اليمان بالقانيم الثلثة‬
‫في الفكر المسيحي يختم بإله واحد‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول فهمـي هويدي‪ :‬لقـد سـمعت واحدا مـن خطباء الجمعـة اعتلى المنـبر ليحدثنـا أن المسـلمين خيـر أمـة‬
‫أخر جت للناس‪ ،‬وذهـب بـه الحماس حدا دفعـه إلى أن يسـفه غيـر المسـلمين جميعا ويتهمهـم بمختلف النقائص‬
‫والمثالب‪ ،‬ثم يد عو ال قي الختام وحوله مئات من الم صلين يؤمنون أن يدك بيوت هم ويزلزل عروش هم ويفرق‬
‫شملهم ويهلك نسلهم وحرثهم‪ ،‬كنت جالسا في الصف الول من مسجد فرش بسجاد صنع في ألمانيا الغربية‪،‬‬

‫‪23‬‬
‫وترطب حرارته مكيفات أمريكية‪ ،‬وتضيئه لمبات تونجرام الهنغارية‪ ،‬بينما كلمات الخطيب تجلجل في المكان‬
‫عبر م كبرات لل صوت هولند ية ال صنع‪ ،‬وعند ما ه بط شيخ نا ليؤم نا في ال صلة تفرست في طلع ته جيدا ل جد‬
‫عباءته من القماش النجليزي‪ ،‬وجلبا به من الحرير اليابا ني‪ ،‬و ساعته سويسرية‪ ،‬و قد وضع إلى جوار الم نبر‬
‫حذاء إيطاليا لمع السواد‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول محمود أ بو ر يه في كتا به "د ين ال وا حد"‪ :‬أ نه ش هد مجل سا لب عض المشا يخ‪ ،‬وجرى الحد يث ع من‬
‫سيدخلون الج نة و من سيحرمون من ها‪ ،‬ف سألهم أ بو ر يه‪ :‬و ما قول كم فـي أدي سون مخترع النور الكهربائي؟‬
‫فقالوا‪ :‬إ نه سيدخل النار‪ ،‬فقال ل هم أ بو ر يه ب عد أن أضاء العالم كله ح تى م ساجدكم وبيوت كم باخترا عه؟ فقالوا‬
‫ولو؛ لنه لم ينطق بالشهادتين‪ ،‬فقال لهم‪ :‬إذا كان مثل هذا الرجل العظيم وغيره من الذين وقفوا حياتهم على‬
‫ما ينفع البشرية جمعاء بعلومهم ومخترعاتهم ل يمكن بحسب فهمكم أن يدخلوا الجنة شرعا؛ لنهم لم ينطقوا‬
‫ل بف ضل ال ورحم ته ماداموا يؤمنون بخالق ال سماوات والرض؟ قالوا‪:‬‬
‫بالشهادت ين أفل يم كن أن يدخلو ها عق ً‬
‫ول هذا‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول عبد الحميد نور الدائم كرنكي‪ :‬وقد أخطأ المسلمون الحديثون كثيرا جدا حينما انفعلوا بوجدانهم القديم‬
‫وعواطفهم التاريخية الوراثية العصبية‪ ،‬ولم يتفهموا حقيقة العل قة بين النبي العظم‪ ،‬واليهود ظنوا أن اليهود‬
‫خ صوم أزليون أبديون ب غض الن ظر عن أي متغيرات ومعاملت في ال سياسة والتار يخ والجتماع والز من‪،‬‬
‫وهذا التجاه الفقهي في رفض إسرائيل يبرز عجز الفقه السلفي عن استيعاب تحدي المعاصرة مهما كان هذا‬
‫التحدي خطرا ومباشرا وواضحا‪ ،‬وقــد تغذى هذا التجاه الفقهــي مــن الفقــه العلمــي الهوج‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول عبد ال العليلي في كتاب "أين الخطأ"‪ :‬في العبادات ينبغي الخذ بالقرآن وما صح من الحديث‪ ،‬وفي‬
‫المعاملت يؤخذ بالقرآن وحده ويستأنس بالحديث استئناسا فقط‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪ :‬إن العقوبات المن صوصة لي ست مق صورة بأعين ها حرفيا بل بغايات ها أع ني أن العقو بة المذكورة‬
‫غايت ها الردع الحا سم‪ ،‬و كل ما أدى مؤدا ها يكون بمثابت ها‪ ،‬وتظل هي ال حد الق صى والق سى ب عد أن ل ت في‬
‫الروادع الخرى وتستنفد‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول وحيد الدين خان في كتاب "مسئوليات الدعوة"‪ :‬لشك أن الجهاد أفضل العبادات في السلم‪ ،‬ولكن‬
‫القول بأن الجهاد هو القتال قول خاطىء تماما مثل حذف الجهاد من الد ين‪ ،‬والحقي قة أن جهاد ال مة المحمد ية‬
‫هــي الدعوة بأن القرآن الكريــم يخبرنــا بأن بذل الطاقــة لجــل شهادة الحــق هــو الجهاد‪.‬‬
‫ويقول أيضا‪ :‬إن الحاجـة تقتضـي إبعاد السـلم عـن كـل الصـراعات الماديـة والسـياسة‪ ،‬وأن نـبرز السـلم‬
‫كمجهود أخروي وليـس كمجهود دنيوي‪ ،‬والحركات السـلمية التـي قامـت على غيـر هذا السـاس سـتقطع‬
‫جنودها على أيدي العداء‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول ح سن الترا بي في كتاب "تجد يد الف كر ال سلمي"‪ :‬لي ست الشكال ال تي اتخذ ها الد ين في ع هد من‬
‫العهود هي أشكاله النهائ ية وإن ما يزد هر الد ين بإذن ال في ش كل جد يد عهدا ب عد ع هد‪ ،‬وتجاوز تلك الشكال‬
‫التاريخية ل يعني تجاوز الدين أبدا؛ فقد تتسم أشكال الدين بغير ما اتسمت به في عهد الصحابة ‪-‬رضوان ال‬
‫عليهم‪.-‬‬

‫‪24‬‬
‫ويقول أيضا في كتاب "المرأة ب ين تعال يم ال سلم وتقال يد المجت مع"‪ :‬وت طبيق معيار الفت نة منوط من الجا نب‬
‫الشخصي بما يجده المرء في نفسه‪ ،‬وذلك فرع من تربيته ومغالبته لهواه‪ ،‬ومهما كان سد الذرائع فل يجب أن‬
‫ين سخ أ صل النظام ال سلمي العام والذي يق ضي بإشراك الرجال والن ساء واشتراك هم في الحياة العا مة ب صفاء‬
‫وطهارة‪ ،‬فإن العزلة إن كانت تحمي المرأة من الفتنة فإنها تحرمها من فوائد اجتماع المسلمين وتعاونهم على‬
‫العلم والعمل الصالح‪.‬‬
‫ويقول أيضا في كتابه "تجديد الفكر السلمي"‪ :‬بالرغم من أن النصوص القرآنية والسنية تقرر للحكومة نصيبا‬
‫من أ صول الحكام الظاهرة في الكتاب وال سنة‪ ،‬وكذلك الشورى ال سلمية كا نت تج عل لعا مة الم سلمين من‬
‫المة دورا في إصدار الحكام الفرعية في القضية المطروحة للمسلمين‪ ،‬فإن عسر انعقاد الشورى والجماع‬
‫وأحوال المسلمين المادية والثقافية دعت الفقهاء في عهد فائت إلى أن يكفوا عن حق الشعب في تبنى ما يختار‬
‫من اجتهادات الفقهاء‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول أحمد كمال أبو المجد‪ :‬ومهما قال الصوليون من أن العبرة بعموم اللفظ ل بخصوص السبب‪ ،‬فهذا‬
‫أيضا ل يؤ خذ بغ ير مناق شة؛ ف كم من ف عل لل نبي ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم‪ -‬وأفعاله نوع من أنواع ال سنن جاء‬
‫مرتبطا بإطار موضوعي معين معالجا لظروف قائمة ثابتة وعارضة‪ ،‬ومن هنا ل يستغني مجتهد عن معرفة‬
‫ذلك كله والتأمل فيه‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬عبد المنعم النمر في كتاب "السنة والتشريع"‪ :‬وهناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملت الناس في‬
‫الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقرض ولقطة وسلم ل يحرسها وحي مباشر أو سكوتي أو إقراري‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول جودت سعيد في كتاب "العمل قدرة وإرادة"‪ :‬ولكن أكثر الذين يتحدثون عن مصائبنا وهزائمنا يرون‬
‫السبب في عدم اليمان أو نقص الرادة‪ ...‬إن العلم المطلوب تحصيله هو الذي يغير ما بالنفوس‪ ،‬ولكن جهود‬
‫العلماء في العصر الحديث اتجهت في الغالب إلى تصحيح العقيدة والدفاع عن السلم وتمجيده‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬مح سن ع بد الحم يد في كتاب "المذهب ية ال سلمية والتغي ير الحضاري"‪ :‬إن نا عند ما نقول مخ طط‬
‫ال سلم التغييري ل نق صد آراء الفقهاء ال تي قد تكون مرتب طة بظروف ها الزمان ية والمكان ية؛ إذ أن ب عض تلك‬
‫الراء كثيرا ما انطلقت من ضغط العادات والعراف وحاولت محاصرة الغرائز بل كبتها من منطلق الخوف‬
‫الموهوم على أخلق الناس و من مبدأ اتخاذ التحر يم أ صلً في كل حالة من غ ير دل يل شر عي قا طع أو ح تى‬
‫قوي‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول علي ع بد الرزاق في "ال سلم وأ صول الح كم"‪ :‬و صف الخل فة بأن ها خ طط دنيو ية صرفة ل شأن‬
‫للدين بها؛ فهو لم يعارضها ولم ينكرها ول أمر بها ول نهى عنها وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل‬
‫وتجارب المم وقواعد السياسة‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬كل ما جرى من أحاديث النبي ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬من ذكر المامة والخلفة والبيعة ل يدل على‬
‫شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الحكام الشرعية عن حكومة قيصر‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬عماد ع بد الحم يد النجار‪ :‬ب عض الشباب الذ ين ينادون بال سلم إن ما يرو نه في لباس المرأة ممتدا‬
‫من منبت شعرها إلى أخ مص قدميها‪ ،‬وبالن سبة للحجاب واختلط المرأة بالرجل في الحياة العا مة فهذه مسألة‬

‫‪25‬‬
‫يقدر ها المجت مع بح سب ظرو فه‪ ،‬فل كل مجت مع ولبا سه وقوا عد ت سيير أفراده‪ ،‬وأن ما جاء في القرآن بشأن‬
‫الحجاب إنما كان بخصوص نسوة الرسول‪ ،‬وأن هذه الحكام ليست بالضرورة متعلقة بسائر النسوة‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول عبد العزيز جاويش‪ :‬أن نقتصر على تحريم ال في كتابه وهو ربا النسيئة المضاعف الذي نزل في‬
‫القرآن‪ ،‬وليس في العرب ربا سواه‪ ،‬وهنا نخالف الجمهور بحكم العقل أو بحكم الضرورة فنتجاوز عما قل من‬
‫الفائدة التي تماثل الدين قدرا ول تؤدي إلى غبن المدين غبنا فاحشا‪ ،‬كما فعلت الحكومتان العثمانية والفارسية‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬السنهوري في كتاب "مصادر الحق"‪ :‬أما اليوم وقد تطورت النظم القتصادية وانتشرت الشركات‬
‫وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج ل قروض استهلك‪ ،‬فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور‬
‫في الحضارة من تطور الحكام‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول مالك بن بني في كتاب "المسلم في عالم القتصاد"‪ :‬وفي هذا التجاه لم يبق على القتصادي السياسي‬
‫الم سلم إل أن يط بق المن هج الشترا كي دون مراج عة أ سسه المذهب ية البعيدة ول يف يد الم سئولين العرب الذ ين‬
‫يطبقون الشتراكية في بلدهم إذا لم يقدر لها النجاح الذي حققته في بلد أخرى مثل رومانيا التي انطلقت من‬
‫نفس المنطلق فللمجتهد أصاب أو أخطأ أجر بحسب نيته‪.‬‬
‫ويقول توفيق الحكيم في كتاب "وثائق في طريق عودة الوعي"‪ :‬إذا كانت العلمانية في أوربا هي موقف ضد‬
‫دينهم كما فسرته الكنيسة فهي عندنا الحقيقة المعبرة عن نقائل موقف السلمي في هذا الموضوع فمسيحية‬
‫أوربا حاربت العلمانية؛ لنها ضدها أما إسلمنا فإنه علماني‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول محمد سليم العوّا في كتاب "أصول النظام الجنائي في السلم"‪ :‬ولذلك فإن المشرع الكويتي والليبي‬
‫حين جعل عقوبة شرب الخمر والتجار فيها الحبس والغرامة لم يجاوز الصول السلمية في هذا الباب بل‬
‫أحسن فيه التباع‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬شوقي الفنجري في كتاب "المذهب القتصادي في السلم" والقتصاد السلمي اقتصاد إلهي من‬
‫حيث المذهب وضعي من حيث النظام‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬محمد عمارة في كتاب "السلم والسلطة الدينية"‪ :‬وسنة الرسول ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬أي قوله‬
‫وفعله وإقراره ل تأ تي في باب بحث نا هذا شيئا واحدا ذا طبي عة واحدة‪ ،‬بل إن بين ها تمايزا‪ ،‬فمن ها ما هو د ين‬
‫ومنها ما هو سياسة ودنيا‪ ،‬أما من درج من السنة النبوية تحت أمور السياسة جميعها وشئون الدنيا كلها فهو‬
‫ليس دينا‪ ،‬فليس الحكم والقضاء وليست السياسة وشئون المجتمع السياسية دينا وشرعا ً‪.‬‬
‫‪ -‬ويقول د‪ .‬محمود أبو السعود‪ :‬إن ال تعالى في القرآن ورسوله محمدا ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬في السنة لم‬
‫يبينـا أبدا معنـى النقود أو وظائفهـا‪ ،‬ولم يبينـا لنـا لماذا حرمـت الفائدة بشدة‪ ،‬والسـلم أعطانـا بعـض القواعـد‬
‫الخاصة بتبادل السلع وتركها مفتوحة لنا لنبني على أساسها القوانين بناء نراه مناسبا وملئما لظروف مدنيتنا‬
‫القتصادية المتغيرة باستمرار‪.‬‬
‫وال أعلم وصلى ال وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‬

‫‪26‬‬
‫الفهرس‬

‫الصفحة‬ ‫الموضوع‬
‫‪1‬‬ ‫تعريف‬
‫‪1‬‬ ‫لماذا سموا بهذا السم‬
‫‪1‬‬ ‫بعض الألقاب التي تطلق على المعتزلة‬
‫‪2‬‬ ‫متى وأين ظهرت المعتزلة‬
‫‪3‬‬ ‫أسباب ظهور المعتزلة‬
‫‪7‬‬ ‫نقولت لبعض أئمة المعتزلة‬
‫‪9‬‬ ‫أصولهم الخمسة‪ :‬التوحيد‬
‫‪11‬‬ ‫العدل‬
‫‪15‬‬ ‫الوعد والوعيد‬
‫‪18‬‬ ‫المنهزلة بين المنهزلتين‬
‫‪19‬‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫‪21‬‬ ‫مذهب المعتزلة في الحديث‬
‫‪22‬‬ ‫موقف المعتزلة من الصحابة‬
‫‪22‬‬ ‫هل اندثرت المعتزلة‬

‫‪27‬‬