‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫الم�ست�شار طارق الب�شري ورحلته الفكرية‪:‬‬

‫في م�سار االنتقال من النا�صرية �إلى الإ�سالم ال�سيا�سي‬
‫�آنجيال جيورداني‬
‫ترجمة �إلي اللغة العربية عومرية �سلطاني‬

‫‪5‬‬

‫كرا�سات علمية محكمة تعنى بر�صد �أهم الظواهر االجتماعية الجديدة ال �سيما في االجتماع الديني العربي‬
‫والإ�سالمي‪ ،‬ت�صدر عن وحدة الدرا�سات الم�ستقبلية بمكتبة الإ�سكندرية‪.‬‬
‫رئي�س مجل�س الإدارة‬

‫�إ�سماعيل �سراج الدين‬
‫الم�شرف العام‬

‫خالد عزب‬
‫رئي�س التحرير‬

‫ح�سام تمام‬
‫�سكرتارية التحرير‬

‫�أمنية الجميل‬
‫التدقيق اللغوي‬

‫رانيا محمد‪ -‬عائ�شة الحداد‬
‫الت�صميم الجرافيكي‬

‫�آمــال عزت‬

‫الآراء الواردة في مرا�صد تعبر عن ر�أي الكاتب فقط وال تعبر عن ر�أي مكتبة الإ�سكندرية‪.‬‬
‫ت�أليف �آنجيال جيورداني ‪.Angela Giordani‬‬
‫ترجمة �إلي اللغة العربية عومرية �سلطاني‪.‬‬

‫الم�ست�شار طارق الب�شري ورحلته الفكرية‪:‬‬

‫في م�سار االنتقال من النا�صرية �إلى الإ�سالم ال�سيا�سي‬
‫�آنجيال جيورداني‬
‫ترجمة �إلي اللغة العربية عومرية �سلطاني‬

‫مكتبة الإ�سكندرية بيانات الفهر�سة‪� -‬أثناء الن�شر (فان)‬
‫جيورداني‪� ،‬آنجيال‪.‬‬
‫الم�ست�شار طارق الب�شرى ورحلته الفكرية‪ :‬في م�سار االنتقال من النا�صرية �إلى الإ�سالم ال�سيا�سي ‪� /‬آنجيال جيوردانى‪ –.‬الإ�سكندرية‪،‬‬
‫م�صر‪ :‬مكتبة الإ�سكندرية‪ ،‬وحدة الدرا�سات الم�ستقبلية‪.2011 ،‬‬
‫�ص‪� .‬سم‪( .‬مرا�صد ؛ ‪)5‬‬
‫تدمك‪:‬‬
‫ي�شتمل على �إرجاعات ببليوجرافية‬

‫‪978-977-452-144-3‬‬

‫‪ .1‬الإ�سالم و ال�سيا�سة‪ .2 .‬اال�شتراكية‪� .‬أ‪ .‬مكتبة الإ�سكندرية‪ .‬وحدة الدرا�سات الم�ستقبلية‪ .‬ب‪ .‬العنوان ج‪ .‬ال�سل�سلة‪.‬‬
‫ديوي – ‪320.557‬‬

‫‪2011574482‬‬

‫‪ISBN 978-977-452-144-3‬‬
‫رقم االيداع بدار الكتب ‪2011/13740‬‬

‫© ‪ 2011‬مكتبة الإ�سكندرية‪.‬‬
‫اال�ستغالل غير التجاري‬
‫تم �إنتاج المعلومات الواردة في هذه الحولية لال�ستخدام ال�شخ�صي والمنفعة العامة لأغرا�ض غير تجارية‪ ،‬ويمكن �إعادة �إ�صدارها‬
‫كلها �أو جزء منها �أو ب�أية طريقة �أخرى‪ ،‬دون �أي مقابل ودون ت�صاريح �أخرى من مكتبة الإ�سكندرية‪ .‬و�إنما نطلب الآتي فقط‪:‬‬
‫• يجب على الم�ستغلين مراعاة الدقة في �إعادة �إ�صدار الم�صنفات‪.‬‬
‫• الإ�شارة �إلى مكتبة الإ�سكندرية ب�صفتها "م�صدر" تلك الم�صنفات‪.‬‬
‫• ال يعتبر الم�صنف الناتج عن �إعادة الإ�صدار ن�سخة ر�سمية من المواد الأ�صلية‪ ،‬ويجب �أال ين�سب �إلى مكتبة الإ�سكندرية‪،‬‬
‫بدعم منها‪.‬‬
‫و�أال ي�شار �إلى �أنه َّتم ٍ‬
‫اال�ستغالل التجاري‬
‫يحظر �إنتاج ن�سخ متعددة من المواد الواردة في هذه الحولية‪ ،‬كلها �أو جزء منها‪ ،‬بغر�ض التوزيع �أو اال�ستغالل التجاري‪� ،‬إال بموجب �إذن‬
‫كتابي من مكتبة الإ�سكندرية‪ ،‬وللح�صول على �إذن لإعادة �إنتاج المواد الواردة في هذه الحولية‪ ،‬يرجى االت�صال بمكتبة الإ�سكندرية‪،‬‬
‫�ص‪.‬ب‪ 138 .‬ال�شاطبي‪ ،‬الإ�سكندرية‪ ،21526 ،‬م�صر‪ .‬البريد الإلكتروني‪secretariat@bibalex.org :‬‬

‫حين كانت المقابلة التي �أجرتها منى ال�شاذلي مع الم�ست�شار طارق الب�شري تقترب‬
‫من نهايتها‪ ،‬في برنامج "العا�شرة م�سا ًء" على قناة (دريم) الف�ضائية الذي ُب َّث في الثاني من‬
‫مار�س الما�ضي‪� ،‬أي بعد �أقل من �أ�سبوع من �إ�صدار لجنة الإ�صالح الد�ستوري تعديالتها‬
‫مهمة كليهما المتمثلة في مناق�شة‬
‫جانبا َّ‬
‫المقترحة تحت رئا�سة الب�شري‪ ،‬و�ضع الطرفان ً‬
‫التفا�صيل والتبريرات واالنتقادات التي �أمكن توجيهها لقرارات اللجنة‪ ،‬وا�ستغرقا في‬
‫الدقائق الأخيرة يفكران ب�ش�أن الثورة العظيمة التي �أعادت القا�ضي المتقاعد م�ؤق ًتا �إلى‬
‫ميدان القانون و�صناعته‪ .‬ر ًّدا على ثناء الب�شري على ذلك الجيل الذي قاد الثورة ونجح‬
‫في �إنجاز ما لم يتمكن جيله من تحقيقه‪ ،‬توقفت ال�سيدة ال�شاذلي قلي ً‬
‫ال ثم قالت ل�ضيفها‪:‬‬
‫"�أعظم �إنجاز لكم �أنكم على الأقل حافظتم على �أنف�سكم‪ .‬لم تف�سدوا‪ ،‬لم تتلونوا‪ ،‬وبقيتم‬
‫على الجمر ل�سنوات طويلة‪ )1( ".‬لن يجر�ؤ حتى �أ�شد منتقدي الب�شري على االختالف مع‬
‫بعيدا عن الف�ساد‬
‫فكرة �أن القا�ضي والمفكر الذي يتمتع باحترام وا�سع َظ َّل في الوقت نف�سه‪ً ،‬‬
‫وملتز ًما ب�شدة بالإ�صالح ال�سيا�سي والتنمية الوطنية على مدى عقود‪ .‬بالرغم من ذلك‪ ،‬ف�إن‬
‫�إطراء منى ال�شاذلي على الب�شري وفكرة "عدم التلون" خالل م�سيرته المهنية الطويلة كمفكر‬
‫امتعا�ض بع�ض من الذين هم على دراية بالتحول‬
‫اعترا�ض‪� ،‬أو على الأقل‪،‬‬
‫نا�شط‪ ،‬قد يثير‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الفكري المثير للجدل للب�شري‪� ،‬أو "هجرته"‪ ،‬كما ت�سمى عادة‪ ،‬من القومية اال�شتراكية‪-‬‬
‫العلمانية نحو �شكل و�سطي (�أو نحو التيار الإ�سالمي �أو المعتدل) من الإ�سالم ال�سيا�سي‪ .‬بد أ�‬
‫جنبا �إلى جنب مع العديد من معا�صريه �أمثال محمد عمارة وعبد الوهاب الم�سيري‬
‫الب�شري ً‬
‫وفهمي هويدي وعادل ح�سين بتبني الدفاع عن مواقف �سيا�سية واجتماعية �إ�سالمية في‬
‫فترة �أواخر عهد ال�سادات‪ ،‬بعد نحو ما يقرب من عقدين كانوا خاللهما يمثلون وجوه‬
‫الي�سار الم�صري ومنتقدي الجماعات ال�سيا�سية – الدينية في البالد‪ .‬لقد َ�ش َّكل ظهورهم‪،‬‬
‫على وجه الخ�صو�ص كداعمين لإ�صالح المادة الثانية من الد�ستور الم�صري �أواخر‬
‫ال�سبعينيات بهدف جعل ال�شريعة الإ�سالمية الم�صدر الرئي�سي للت�شريع‪َّ ،‬‬
‫�شكل محور‬
‫تحول هذا الجيل نحو الإ�سالم ال�سيا�سي‪ .‬وتحول هذا الجيل كما هو معلوم لم يكن حالة‬
‫فريدة‪ ،‬بل هو مجرد نموذج واحد عن ظاهرة عامة �شهدتها منطقة ال�شرق الأو�سط خالل‬
‫�سنوات ال�سبعينيات والثمانينيات (‪.)2‬‬

‫‪5‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫ورغم �أن هذه الخطوة الكبيرة التي اتخذها الب�شري في منت�صف م�سيرته الفكرية‪،‬‬
‫إ�سالميا‪ ،‬كانت‬
‫مفكرا �‬
‫والتي دمغت بالفعل ارتداده عن الي�سار وبداية حياته بو�صفه‬
‫ًّ‬
‫ً‬
‫قد �أثارت ال�شك والعداء لدى بع�ض الأو�ساط الي�سارية التي ارتبط بها هو و َمن ان�ضموا‬
‫�إليه في هذا التحول‪ ،‬ف�إن ذلك لم يقطع �صالتهم تما ًما مع الي�سار‪ .‬مثلما لم ي�ؤ ِّد ذلك‬
‫�إلى ت�أثر �سمعتهم لدى الجمهور باتهامهم باالنتهازية �أو بالتناق�ض الداخلي كما ي�ؤكده‬
‫تعليق منى ال�شاذلي‪ .‬بل تمتعوا بد ًال من ذلك وعلى مدى الثالثين �سنة الأخيرة باحترام‬
‫ن�سبيا في دوائر المثقفين والحركات ال�سيا�سية والمنظمات الجماهيرية التي‬
‫وا�سع‬
‫ًّ‬
‫تغطي الطيف الأيديولوجي الم�صري‪ .‬وقد تمكن الب�شري ب�شكل خا�ص من بلوغ‬
‫مكانة فريدة في ال�ساحة الثقافية الوطنية منذ �أعاد اكت�شاف نف�سه في �أواخر ال�سبعينيات‬
‫و�أوائل الثمانينيات ك�صوت و�سط بين الإ�سالميين الم�صريين واالتجاهات العلمانية‪ .‬هذه‬
‫المكانة و�ضعت الب�شري في موقع الحليف المرغوب والزعيم المحتمل لجماعات‬
‫أ�سا�سا‬
‫مثل حزب الو�سط وحركة كفاية‪ ،‬وكل منها تميزت لحظة �إن�شائها بقيامها � ً‬
‫على هدف تجاوز االنق�سامات الطائفية وتوحيد الأع�ضاء من جميع الألوان ال�سيا�سية‬
‫والأيديولوجية(‪ .)3‬في الآونة الأخيرة‪ ،‬و�ضع المجل�س الع�سكري الأعلى ثقته في الب�شري‬
‫ك�شخ�صية توافقية وكمفكر قانوني بارز لرئا�سة الجهود المتعلقة ب�صياغة التعديالت‬
‫الد�ستورية التي كانت تروم �صون وتعزيز "الأر�ضية الم�شتركة" التي ُب ِن َيت عليها الثورة‬
‫بد ًال من تغليب م�صالح فريق دون �آخر والمخاطرة ب�إحداث ان�شقاق في المعار�ضة‪.‬‬
‫بيد �أنه البد من الإ�شارة هنا �إلى �أن فهم الب�شري "للأر�ضية الم�شتركة" الم�صرية‬
‫يعني �أكثر بكثير من مجرد الم�صالح الم�شتركة لمواطني البالد‪ .‬بد ًال من ذلك‪ ،‬ف�إن‬
‫ما هو مهم وما قد حظي بالأهمية الق�صوى لدى هذا المفكر خا�صة ولدى جيله هو‬
‫بعيدا خلف م�صطلح "الأر�ضية الم�شتركة" الم�صرية‪ ،‬وبالتحديد‬
‫المثل الأعلى الذي يقبع ً‬
‫ما ي�سمى بالخ�صو�صية الم�صرية‪� ،‬أو مفهوم الهوية الجماعية التي توحد الم�صريين في‬
‫�شعب منف�صل ومتميز عن ال�شعوب الأخرى‪ .‬هذه الأولوية نف�سها ب�ش�أن الت�أكيد والحفاظ‬
‫على الخ�صو�صية الم�صرية التي ظهرت من خالل تركيز اللجنة الد�ستورية على �ضرورة‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫رئي�سيا في فكر الب�شري منذ �أوائل‬
‫مكو ًنا‬
‫تمتع رئي�س الدولة بالجن�سية الم�صرية‪ ،‬ظلت ِّ‬
‫ًّ‬
‫�سنوات ال�ستينيات‪ .‬في الواقع‪ ،‬لي�س من قبيل المبالغة القول ب�أن ال�صراع لأجل تعريف‬
‫وتحرير وتعزيز الذاتية الجماعية الم�صرية َ�ش َّك َل هدفًا محد ًدا لجيل الب�شري منذ الفترة‬
‫التي تجند فيها �أع�ضا�ؤه في طليعة المثقفين الملتزمين في عهد عبد النا�صر بهدف قيادة‬
‫الثورة اال�شتراكية نحو هدف اال�ستقالل الوطني وحتى يومنا هذا‪ .‬وبالرغم من �أن الأزمة‬
‫الفكرية وال�سيا�سية التي طرحها �إخفاق الم�شروع النا�صري بعد عام ‪1967‬م‪ ،‬دفعت‬
‫الب�شري ومعا�صريه �إلى الفح�ص النقدي لم�شروعهم القومي‪ ،‬وبالتالي �إعادة ت�صوره عبر‬
‫جديدا في نهاية ال�سبعينيات‪ ،‬ف�إن هدفهم‬
‫إ�سالميا‬
‫�إطار نظري "ح�ضاري" منحه طاب ًعا �‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫المركزي ب�ش�أن ا�ستقالل كامل للأمة وللفرد الم�صري َظ َّل ثاب ًتا‪ .‬والواقع �أن الب�شري �أكد‬
‫ؤخرا �أن هذه الق�ضية بالذات هي التي كانت تحدد الوجود بالن�سبة لجيله قائ ً‬
‫ال‪�" :‬أنا من‬
‫م� ً‬
‫الجيل الذي �شكلت فكرة اال�ستقالل الوطني بالن�سبة �إليه �أهم ق�ضية في حياته‪ ...‬كل حياته‬
‫(‪)4‬‬
‫ووجدانه وعواطفه ارتبطت بهذا الأمر"‪.‬‬
‫من خالل تتبع والدة م�شروع الب�شري الجيلي حول اال�ستقالل الوطني وتطوره‬
‫بد ًءا من �شكله النا�صري �إلى �شكله الإ�سالمي الجديد عبر كتابات هذا الأخير‪،‬‬
‫تو�ضح هذه الدرا�سة �أن هذا الفهم ما بعد اال�ستعماري المتميز لهذا الم�شروع بو�صفه‬
‫م�شروع بنا ٍء للهوية‪ ،‬قد حدد كل مرحلة في رحلته الفكرية‪ .‬وقد �أ�سهمت عودته‬
‫َ‬
‫عبر البوابة الإ�سالمية والفكر الذي �أنتجه بعدها في ا�ستكمال نف�س المهمة القومية‬
‫التي كان قد تب َّناها في ال�ستينيات لتحرير ال�شعب الم�صري من اال�ستعمار‪ ،‬وهي‬
‫تحرير الج�سد كما الروح عبر بناء نموذج �أ�صيل للهوية الم�صرية الحديثة م�ستقلة‬
‫معيارا للحياة الحديثة‪.‬‬
‫تما ًما عن النموذج الغربي الذي كان يمثل‪ ،‬وب�شكل �إ�شكالي‪،‬‬
‫ً‬
‫واحدا من ماليين الإجابات‬
‫في هذا المعنى‪ ،‬ينبغي �أن ُيقر�أَ فكر الب�شري في مجمله بو�صفه‬
‫ً‬
‫التي قدمها مفكرو مرحلة ما بعد اال�ستعمار في جميع �أنحاء العالم ا�ستجابة لدعوة‬
‫"فرانز فانون" ‪ Frantz Fanon‬لدول العالم الثالث البتكار مفهوم جديد للإن�سان ال تتقيد‬
‫(‪)5‬‬
‫هويته بالمقايي�س الأوروبية‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫البديل الأ�صيل للنموذج الغربي �أو الوافد الذي قد تُب َنى عليه هوية م�صرية م�ستقلة‪،‬‬
‫في فكر الب�شري‪ ،‬كان يتجلى دو ًما في التراث‪ .‬لقد قادته خلفيته الفكرية المارك�سية‬
‫ليت�صور التراث وفق م�ضامين تاريخية مادية بو�صفه الوعي الجماهيري لل�شعب‬
‫الم�صري‪ ،‬بمعنى الكيان التاريخي الذي يكتنف القيم الموروثة ويتطور في خالل‬
‫م�سيرة ال�شعب الثورية باتجاه التحرير‪ .‬في حين كان االنت�صار الكا�سح الذي حققته‬
‫النا�صرية‪ ،‬قد �أقنع الب�شري في ال�ستينيات �أن اال�شتراكية العربية المن�صو�ص عليها في‬
‫الميثاق القومي كانت بحق تعك�س توجه حركة التراث‪ ،‬وقد �أدى ف�شل الم�شروع‬
‫متبوعا بال�صحوة الإ�سالمية في ال�سبعينيات‪� ،‬إلى اقتناعه‬
‫النا�صري في عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫ً‬
‫بخالف ذلك‪ .‬لقد بد�أ الب�شري‪ ،‬من بعد ذلك‪ ،‬بالنظر �إلى ال�شريعة بنف�س الطريقة التي كان‬
‫الم َخ ّول له لبناء الأمة والهوية الم�صرية‬
‫ينظر بها �سابقًا �إلى الميثاق بو�صفها الإطار الأ�صيل ُ‬
‫الم�ستقلة‪ .‬على هذا النحو‪� ،‬أ�ضحت ال�شريعة في المرحلة الإ�سالمية لفكر الب�شري‬
‫تمثل وجو ًدا �آخر لنف�س التراث الذي تج�سده الجماهير‪ .‬من خالل التطرق لعملية‬
‫"التهجين الفكري" ‪ intellectual hybridization‬التي و�صل من خاللها الب�شري �إلى‬
‫ال�شريعة عبر م�صطلحه المارك�سي عن التراث‪ ،‬والتي �أو�صلته �إلى االعتراف بالإرادة‬
‫ال�شعبية وبال�شريعة كوجهين اثنين لنف�س ال�سلطة الأ�صيلة‪ ،‬ف�إن هذه الدرا�سة تلقي ال�ضوء على‬
‫الكيفية التي �ألقى من خاللها الب�شري نف�سه في مع�ضلة ع�شية اال�ستفتاء الد�ستوري‪ ،‬مع�ضلة‬
‫تتمحور ما بين الثورة التي �أحدثتها الجماهير وبين الحفاظ على ال�شريعة التي تت�ضمنها المادة‬
‫الثانية من د�ستور النظام القديم‪.‬‬

‫‪ -1‬ب�صمة المرحلة ما بعد اال�ستعمارية‬
‫بالن�سبة لطارق الب�شري وجيله‪ُ ،‬و ِل َد م�شروع اال�ستقالل الوطني عام ‪1956‬م‪ ،‬عندما‬
‫�أعلن جمال عبد النا�صر �أمام مواطنيه �أنهم �سادة م�صيرهم‪ ،‬ثم �أثبت ذلك حين �سلمهم قناة‬
‫ال�سوي�س وطرد الإمبرياليين الغربيين‪ .‬لقد حولت هذه التجربة مفهوم اال�ستقالل الوطني‬
‫لم�صر والعالم العربي من و�ضع �سيا�سي باتجاه حالة وجودية حملت معها تحديات‬
‫ت�شكيل هوية م�ستقلة‪ .‬بالفعل‪ ،‬ي�صف الب�شري ال�ستة �أ�شهر الأخيرة من العام ‪1956‬م‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪8‬‬

‫بو�صفها قد مثلت "زلزا ًال" من خاللها "تحول من حالة �إلى �أخرى"‪ ،‬حين وجد نف�سه‬
‫بعد ذلك محم ً‬
‫ال ب�شعور العبء والقلق الذي يعتري �إن�سا ًنا ا�ستيقظ فج�أة على وقع حريته‬
‫الوجودية(‪ .)6‬الب�شري الذي وجد نف�سه فج�أة وقد ان�شغل ب�أ�سئلة الهوية و�أطروحات (من‬
‫�أنت؟ و�أين �أنت؟ وماذا تفعل؟) بنف�س قدر ال�شعور الجديد بااللتزام الأخالقي بواجب‬
‫ون�صيرا‬
‫الم�شاركة في "الجهود العامة"‪� )7(،‬سيبد�أ م�سار حياته الطويل بو�صفه مثقفًا ملتز ًما‬
‫ً‬
‫للق�ضية القومية‪.‬‬
‫لتكن الأمة م�ستقلة بال�شكل الذي فهم به الب�شري ورفقا�ؤه ‪-‬نظر ًّيا‪ -‬و�ضع الوطن‪،‬‬
‫حين كانوا يعملون لإنجاز �أهداف عبد النا�صر في الوحدة القومية وتقرير الم�صير والعدالة‬
‫االجتماعية؛ حيث كان يعني االنتماء �إلى �أُمة قد �أدركت ذاتها الحقيقية والأ�صيلة‪ ،‬وبذلك‬
‫تكون قد حققت لرعاياها الحرية الجماعية التي ب�شرت بها الرواية التاريخية الهيجلية‪ .‬في‬
‫م�سار العمل على تحقيق هذه الأهداف‪ ،‬التي ت�شكل في مجموعها الهدف الوا�سع الذي‬
‫بع�ضا من االفترا�ضات‬
‫ت�ضمنه تحرير الأمة والفرد الم�صري‪ ،‬بنى ه�ؤالء خطا ًبا يت�ضمن ً‬
‫والمفاهيم والقيم التي ا�ستمرت ثابتة لديهم خالل حياتهم كلها‪ .‬ينطبق هذا ب�شكل خا�ص‬
‫على الب�شري الذي زودته درا�سته واعتناقه للفكر المارك�سي �أواخر �سنوات الخم�سينيات‬
‫وال�ستينيات بافترا�ضات المادية التاريخية‪ ،‬مثل الر�ؤية الهيجلية للتاريخ بو�صفه م�سيرة‬
‫ال تنتهي نحو تحقيق حرية الإن�سان‪ ،‬و�إعادة ال�صياغة المارك�سية لمفهوم الجدلية التي‬
‫نتاجا‬
‫تقود هذه الم�سيرة مثل ال�صراع الطبقي‪ ،‬والتعاريف المادية للهوية والوعي بو�صفها ً‬
‫للوجود االجتماعي للفرد‪ .‬مثلما �ستو�ضحه المحاور المتبقية من هذه الدرا�سة‪ ،‬ف�إن هذه‬
‫االفترا�ضات تمثل دلي ً‬
‫مر�شدا في الكتابات التاريخية والقانونية وال�سيا�سية لمن يمكن‬
‫ال‬
‫ً‬
‫ت�سميته "الب�شري المارك�سي" و"الب�شري النيو�إ�سالمي"‪ )8(.‬بداية‪ ،‬لنعد �إلى المقاالت التي‬
‫كتبها الب�شري في ال�ستينيات للمجلة الي�سارية ال�شهيرة "الطليعة"‪ ،‬والتي �أر�ست دعائم �شهرته‬
‫"واحدا من �أهم الوجوه ال�شابة" التي تمثل "جهود المدر�سة اال�شتراكية العلمية في‬
‫بو�صفه‬
‫ً‬
‫(‪)9‬‬
‫التاريخ الم�صري"‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫من الم�ستحيل �أن نقلل من �أهمية �إ�صدار الرئي�س جمال عبد النا�صر للميثاق الوطني‬
‫وكاتبا في اال�شتراكية‬
‫مفكرا ملتز ًما‬
‫في ‪ 21‬مايو ‪1962‬م‪ ،‬بالن�سبة لن�شاط الب�شري بو�صفه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫العلمية خالل ال�ستينيات‪ .‬بالإ�ضافة �إلى تو�ضيح الأجندة ال�سيا�سية واالقت�صادية للدولة التي‬
‫تت�ضمن طرح ما ُاع ُتبِر �أنه حتمية الحل اال�شتراكي‪ ،‬تناول الميثاق دعوة �إلى درا�سة التاريخ‬
‫الم�صري الذي من �ش�أنه �أن يوفر لبرنامج الإ�صالح اال�شتراكي العربي المنظور التاريخي‬
‫واحدا من عديد المفكرين الذين انبروا‬
‫ال�ضروري للم�ضي ق ُُد ًما‪ .‬كان طارق الب�شري‬
‫ً‬
‫لال�ستجابة لهذه الدعوة‪ .‬في مطلع ال�ستينيات‪ ،‬بد�أ الب�شري بالبحث في الق َُوى االجتماعية‬
‫وال�سيا�سية واالقت�صادية التي حملت عبء ال�سنوات الحا�سمة الممتدة بين نهاية الحرب‬
‫العالمية الثانية وتاريخ انقالب ال�ضباط الأحرار؛ وليبد أ� بالتالي م�شواره؛ لي�صبح الم�ؤرخ‬
‫الع�صامي المحترم الذي �أ�صبح عليه اليوم‪ )10(.‬وفي حين �أن و�ضع الب�شري الن�سبي كم�ؤرخ‬
‫و"هاو" جعله خارج كادر الم�ؤرخين الأكاديميين الذين كان يقودهم "محمد �أني�س"‬
‫�شاب‬
‫ٍ‬
‫المكلف من قبل الدولة بـ "�إعادة كتابة التاريخ الم�صري الحديث منذ الحملة الفرن�سية �أو‬
‫منذ �أواخر القرن الثامن ع�شر �إلى الوقت الحا�ضر بطريقة علمية وا�شتراكية"‪ ،‬ف�إن م�شروع‬
‫�أني�س كان قد �ألهم القا�ضي ال�شاب الذي تجند للم�ساعدة في هذه المهمة الكبيرة‪ .‬وقد بدا‬
‫وا�ضحا في كتابات الب�شري في "الطليعة" في منت�صف ال�ستينيات والتي تبين اعتماد‬
‫هذا‬
‫ً‬
‫(‪)12‬‬
‫ُك َّتابها على اللغة‪ ،‬والمفاهيم واالفترا�ضات اال�شتراكية العلمية"‪.‬‬
‫في ورقة ُم َع ْن َونة بـ "عام ‪1946‬م في التاريخ الم�صري" على �سبيل المثال‪،‬‬
‫والتي كتبها الب�شري للطليعة عام ‪1965‬م‪ ،‬يقيم الب�شري رواية تاريخية �أدت‬
‫�إلى انتفا�ضات عام ‪1946‬م �ضد الإنجليز مدفوعة بتطورين جدليين اثنين‪:‬‬
‫تبلور �صراع طبقي بين الجماهير الم�ضطهدة والنخبة الحاكمة‪ ،‬وتو�سع‬
‫الإدراك ال�شعبي الذي َم َّكن النا�س من فهم م�ستويات هذا ال�صراع ودورهم في‬
‫حله‪ )13(.‬مقال الب�شري الذي يبد أ� بنهاية الحرب العالمية الثانية في ‪1945‬م‪ ،‬يحدد م�صدر‬
‫توترا بين �سكان وادي النيل‬
‫ديناميكية المجتمع الم�صري في مرحلة ما بعد الحرب بو�صفها ً‬
‫(‪)14‬‬
‫الذين يحملون ر�ؤى ا�ستقاللية وبين المحتلين البريطانيين‪ .‬تحت "�ضغط الجماهير"‪،‬‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪10‬‬

‫كما يقول الب�شري‪ ،‬حاول الإمبرياليون الأجانب والم�صريون "الرجعيون" قمع ال�شعب‬
‫لمنعه من الخروج لم�ساندة الدعوة ال�شاملة �إلى الجالء‪ .‬وحاولوا في الوقت نف�سه‪ ،‬من‬
‫بعيدا عن فكرة بناء "تحالف" م�صري مع بريطانيا بو�صفهما‬
‫ناحية �أخرى‪� ،‬صرف الجماهير ً‬
‫وا�ضحا عام ‪1946‬م‪ ،‬عندما‬
‫دولتين م�ستقلتين‪� )15(.‬أ�صبح الف�شل الذريع لهذه المحاولة‬
‫ً‬
‫اندفعت الجماهير في �أعمال ال�شغب بعد انت�شار �أدلة مكتوبة تثبت طلب النظام الم�صري‬
‫�إلى الحكومة البريطانية مراجعة ولي�س �إلغاء المعاهدة الأنجلوالم�صرية لعام ‪1936‬م‪.‬‬
‫هاما في نمو الوعي الجماعي‬
‫معلما ًّ‬
‫ي�صف الب�شري في مقدمة المقال هذه ال�سنة بو�صفها ً‬
‫والهوية الوطنية للم�صريين‪� ،‬أو بكلمات الب�شري‪ ،‬لتراثهم‪ .‬بت�أطير عام ‪1946‬م وفق هذا‬
‫المعنى الكبير‪ ،‬والإقرار ب�أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية �أ�صبح "�صراع الم�صريين �ضد‬
‫االحتالل البريطاني جز ًءا من تراثهم"‪ ،‬يقدم الب�شري الكفاح لأجل اال�ستقالل الوطني‬
‫(‪)17‬‬
‫بو�صفه طريقة ال�ستكمال الهوية الم�صرية ‪.‬‬
‫مقدمة مقال الب�شري هذه في عام ‪1946‬م‪ ،‬تحيل باتجاه فهمه غير التقليدي للتراث‬
‫حيا من التاريخ الم�صري الذي يكمن في �إرادة ال�شعب‪ ،‬والذي يتطور‬
‫بو�صفه‬
‫عن�صرا ًّ‬
‫ً‬
‫مع حركتهم الثورية نحو تقرير م�صيرهم في الحرية‪ .‬وقد ظهرت هذه النظرة المادية‬
‫التاريخية المتميزة للتراث ب�شكل �أكثر برو ًزا في مقال مهم كتبه الب�شري عام ‪1966‬م‬
‫دفاعا عن‬
‫تحت عنوان ب�سيط لكن مراوغ‪" :‬في مفهوم الملكية الخا�صة"(‪)18‬؛ وذلك ً‬
‫خ�صو�صية اال�شتراكية العربية �ضد خطاب كان قد �شن انتقادات خطيرة للأيديولوجية‬
‫الجديدة للدولة على �أ�سا�س �أن عقيدتها اال�شتراكية هي ا�ستيراد �أوروبي ومتعار�ضة بالطبيعة‬
‫مع القيم المحلية المتج�سدة في التراث‪ )19(.‬وكما يجادل ه�ؤالء "الرجعيون"‪ ،‬ف�إن الحق‬
‫تحديدا‪ ،‬هو مكون �أ�صيل في الهوية الم�صرية ويجب الحفاظ عليه؛‬
‫في الملكية الخا�صة‪،‬‬
‫ً‬
‫لأنه واحد من الم�ؤ�س�سات الأ�سا�سية التي اعترف بها الإ�سالم والتي توارثها العرب على‬
‫مدى قرون منذ عهد الر�سول"‪ .‬وا�ستجابة لهذه المطالبات‪ ،‬طرح الب�شري ق�ضية مدى �أ�صالة‬
‫اال�شتراكية العربية التي تتوقف على �إعادة تعريفه لمفهوم التراث بحيث يتوافق مع الرواية‬
‫المارك�سية الرئي�سية حول التاريخ كما تظهر في �صميم النواة الفل�سفية للم�شروع النا�صري‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫جوهر �إعادة ال�صياغة التي يقيمها الب�شري للتراث تكمن في ت�أريخه للمفهوم‪ .‬على‬
‫تاريخيا من المعايير الأخالقية‪،‬‬
‫ج�سما ال‬
‫عك�س ا�ستدعاء "الرجعيين" للتراث كما لو كان‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫يقوم الب�شري ب�إر�سائه في �إطار مادي وتاريخي في تجربة م�صر المادية والزمنية التي‬
‫تتطور با�ستمرار؛ وذلك لغر�ض الت�أكيد على تاريخيته وطبيعته الديناميكية‪ .‬وهو ينجز‬
‫هذا التحويل من خالل التعامل مع التراث بو�صفه �شك ً‬
‫ال من الوعي الجماعي الم�صري‬
‫وتطبيقه على القاعدة الأ�سا�سية للمادية التاريخية‪ ،‬تلك التي ي�شير �إليها مارك�س ب�إيجاز‬
‫في مقدمة كتابه "م�ساهمة في نقد االقت�صاد ال�سيا�سي" حين يقول‪" :‬لي�س وعي النا�س هو‬
‫الذي يحدد وجودهم بل �إن وجودهم االجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"‪ )21(.‬وهكذا‬
‫ي�صبح التراث متعلقًا ُك ِّل َّي ًة بالظروف التاريخية الخا�صة التي يكت�شف فيها الم�صريون‬
‫�أنف�سهم في الوقت الراهن‪ ،‬والذي يتغير كلما تغيرت هذه الظروف‪ .‬ويحتوي التراث‪،‬‬
‫تاريخيا (كما الفرد الم�صري الواعي)‪ ،‬على الآثار الأخالقية والفل�سفية‬
‫نتاجا‬
‫بو�صفه ً‬
‫ًّ‬
‫معرفًا بها على �سبيل الح�صر‪ .‬لتو�ضيح هذه النقطة‪،‬‬
‫للع�صور الما�ضية دون �أن يكون ِّ‬
‫ي�ؤكد الب�شري �أن التراث يقدم م�ضمونه التاريخي بو�صفه "قيم الما�ضي الحية التي تدفع‬
‫نحو الم�ستقبل بما ينفع النا�س‪ ،‬نحو ازدهارهم الم�ستقبلي‪ ،‬ونحو �أ�صالة ال�صراع الذي‬
‫(‪)23‬‬
‫يخو�ضونه"‪ )22(.‬تحمل الجماهير‪ ،‬بو�صفها الفاعل الرئي�سي في التاريخ‪ ،‬هذا المحتوى‬
‫الذي يمكنه �أن ي�ستخل�ص فقط عبر درا�سة لحركتها‪ .‬وعبر الإ�شارة �إلى �أن الجماهير‬
‫احت�شدت في موقف داعم للقومية العربية في لحظتها التاريخية الحالية التي تمثلها م�صر‬
‫النا�صرية‪ ،‬يعلن الب�شري �أن الحركة القومية العربية هي "التج�سيد الحي للقيم وللتراث"‬
‫في الوقت الحالي‪.‬‬
‫ت�شترك اال�شتراكية العربية بو�صفها الف�صل التالي من القومية العربية‪ ،‬تب ًعا للب�شري‪،‬‬
‫في �أ�صالة هذه الأخيرة وت�ستمر في توجيه التراث الذي يتجلى داخلها‪ .‬عالوة على ذلك‪،‬‬
‫يظهر في الميثاق الذي ي�شكل الوثيقة الرئي�سة لال�شتراكية العربية حر�صه على التراث‬
‫حين يعك�س طبيعته الحية والديناميكية‪ .‬وبالرغم من �أن الثورة تطورت منذ ذلك الحين‪،‬‬
‫ف�إن الميثاق ال يزال "دليلها" الرئي�سي؛ لأن الوثيقة كانت تج�سد الطبيعة الواعية والمتطورة‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪12‬‬

‫للثورة التي �أنتجته وبالتالي "نظا ًما للخاليا الحية والمتجددة" مع "بنية تت�سع بما فيه الكفاية‬
‫لت�سع حركة التجربة الثورية"‪ )25(.‬بالن�سبة للب�شري‪ ،‬هذه القدرة الخا�صة لتوفير المبادئ‬
‫التوجيهية التي تتكيف مع الظروف المتغيرة للثورة هي م�صدر �أ�صالة الميثاق بو�صفه‬
‫�سلطة في الق�ضايا ذات الأهمية بالن�سبة للثورة‪� .‬إنه يرى �صياغة الميثاق لموقفه من الملكية‬
‫الزراعية الخا�صة كتج�سيد �صغير لهذا ال�شكل من المبادئ التوجيهية المتكيفة‪ .‬في هذه‬
‫النقطة ي�شير الميثاق �إلى �أن "التطبيق العربي [لال�شتراكية] في ميدان الزراعة ُي�ؤْ ِمن ‪ -‬على‬
‫النحو الم�ستمد من الدرا�سة ومن الخبرة ‪ -‬بالتملك الفردي للأر�ض �شريطة �أن ال ي�ؤدي‬
‫ذلك �إلى الإقطاع"‪ .‬بالن�سبة للب�شري فالعبارة الرئي�سية هنا هي "على النحو الم�ستمد‬
‫من الدرا�سة ومن الخبرة"‪� ،‬إذ �إنه يقر أ� ذلك كدليل على �أن الميثاق ال يقيم الحق في‬
‫الملكية الخا�صة "لذاتها" وبو�صفها مبد�أ‪ ،‬بل‪ ،‬بد ًال من ذلك‪ ،‬يعني �أن �إيمانه بالملكية‬
‫الخا�صة مرهون بـ "الدرا�سة والخبرة" للواقع التاريخي الم�صري‪� .‬إذا كانت "الدرا�سة‬
‫والخبرة" تقترح �أن الملكية الفردية هي نتاج ا�ستغالل الإن�سان للإن�سان الآخر‪ ،‬والحيلولة‬
‫دون ال�سيطرة ال�شعبية على و�سائل الإنتاج‪ ،‬والإبقاء على وجود الطبقة الر�أ�سمالية‪� ،‬أو ب�أي‬
‫الم َت َم ّث َلين في تحقيق "االكتفاء‬
‫�شكل ما �إعاقة حركة الثورة نحو هدفيها المقررين �سلفًا ُ‬
‫والعدالة" لكل الم�صريين‪� ،‬إذن لن يكون للميثاق‪ ،‬وفقًا لقراءة الب�شري‪� ،‬أن ي�سمح حينئذ‬
‫بالملكية الخا�صة‪.‬‬
‫هكذا‪ ،‬ووفق قراءة الب�شري‪ ،‬ف�إن مرونة المبادئ الإر�شادية في الميثاق بال�ضبط ورف�ضه‬
‫الت�أكيد المطلق على مبادئ �سواء كانت عربية �أو �إ�سالمية (مثل الحق في الملكية الخا�صة)‪،‬‬
‫هو ما يجعل منه �أ�صي ً‬
‫ال‪ .‬وعبر الأولوية التي يوليها الميثاق لحركة تقدم الثورة الم�صرية‪،‬‬
‫والتي �ستعزز بطبيعة الحال من مبادئ الما�ضي وبالتالي تحل محلها‪ ،‬يثبت بذلك م�ساهمة‬
‫الميثاق في التجدد الم�ستمر للتراث‪ .‬في المقابل‪ ،‬يرمي الإ�سالميون و"الرجعيون" بـ‬
‫"�أغالل الما�ضي" على هذا التقدم لغر�ض الحفاظ على مبد أ� قديم بالرغم من م�سيرة التاريخ‬
‫الم�صري نحو �آفاق جديدة للوجود حيث نظام القيم الخا�ص بع�صر �سابق قد ال يمكنه‬
‫بلوغها �أو حتى تفهمها‪ .‬هذا ال يعني القول ب�أن التقاليد الفكرية والأخالقية للما�ضي‬

‫‪13‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫يمكن تجاهلها ونبذها لأجل قيم �أخرى جديدة‪ .‬وعلى العك�س من ذلك‪ ،‬ي�صر الب�شري‬
‫على �أن التفكير الثوري يتكون �أو ًال عبر فهم تاريخية التراث‪� ،‬أو مراحل التطور التي‬
‫اجتازها للو�صول �إلى �شكله الراهن‪ ،‬ومن َث َّم مراجعته في �ضوء الظروف الحالية؛ بحيث‬
‫يتم الحفاظ عليه في �صورة منا�سبة يمكن ا�ستخدامها لتجاوز العقبات التاريخية المحددة‬
‫حاليا‪� .‬إذا كانت المعرفة الم�ستوردة �أو النماذج التف�سيرية قادرة على‬
‫التي تعوق تطور الثورة ًّ‬
‫الم�ساعدة في �إحداث عملية المراجعة هذه وفي الوقت نف�سه تحريك الفكر الم�صري؛‬
‫بحيث يقترب من �إنجاز �أهداف الثورة‪ ،‬ف�سيكون من الخط�أ‪ ،‬عالوة على ذلك‪ ،‬عدم‬
‫اال�ستعانة بها‪� .‬إن"االنفتاح الفكري" على بنى الفكر الأجنبية مثل المفاهيم المارك�سية‬
‫التي تخبرنا عن اال�شتراكية العربية‪ ،‬فهي بنا ًء على ذلك‪ ،‬واحدة من �أهم مميزات فهم‬
‫(‪)28‬‬
‫الب�شري للتفكير الثوري الأ�صيل كما يمثله الميثاق‪.‬‬
‫الجهد الفكري الأمين الذي �أنفقه الب�شري في مقاله "في مفهوم الملكية" لتبرير‬
‫الأ�صالة الثقافية لال�شتراكية العربية يك�شف تثمينه لما يراهن عليه م�شروعه ب�شكل‬
‫كثيرا م�سائل الإ�صالح االقت�صادي وال�سيا�سي‪ .‬كما هو الحال مع و�سائل تحقيق‬
‫يتجاوز ً‬
‫اال�ستقالل للفرد والأمة الم�صرية‪ ،‬ف�إن تطابق الم�شروع مع �أولئك الذين يتوجه �إليهم ُيع َت َبر‬
‫أمرا بالغ الأهمية‪� ،‬إذ ال يمكن لأحد �أن يتحكم في م�صيره �إال عبر م�شروع يتطابق مع‬
‫� ً‬
‫ذاته‪ .‬حين انهار هذا الم�شروع بعد هزيمته عام ‪1967‬م‪ ،‬بدا‪� ،‬إذن‪� ،‬أن التف�سير الأكثر‬
‫و�ضوحا لف�شله المثير للده�شة في تحقيق اال�ستقالل الذي وعد به الم�صريين والعرب‪،‬‬
‫ً‬
‫كما ا�ستنتجه الب�شري والكثير من معا�صريه‪ ،‬بدا �أنه كان في الواقع غير متطابق مع النا�س‬
‫الذين كان يتوجه �إليهم‪ ,‬وبالتالي غير قادر على �أن يواكب تحقيقهم لذواتهم‪ .‬في �ضوء هذا‬
‫اال�ستنتاج‪ ،‬كر�س الب�شري نف�سه الكت�شاف �أين كان يكمن العيب الذي �أف�سد الم�شروع‬
‫(‪)29‬‬
‫�سعيا لمراجعة الم�شروع القومي في‬
‫النا�صري‪ .‬هذا النوع من اال�ستف�سار �أطلق لديه ً‬
‫اتجاه يحفظ و ُي َك ِّثف من الأهمية الق�صوى التي كان يمنحها لمبد�أ �أ�صالته وعالقته بالتراث‪.‬‬
‫وتعر�ض المحاور التالية في هذه الدرا�سة ق�صة �سعي الب�شري نحو طرق جديدة لإنجاز‬
‫نف�س هدف اال�ستقالل الكامل‪ ،‬الذي �أعاد �صياغته في �إطار الم�صطلحات الح�ضارية‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪14‬‬

‫لخطابات الخ�صو�صية والهوية النا�شئة التي كانت تركز على التراث والتي ازدهرت �أواخر‬
‫ال�سبعينيات‪ .‬لقد �أو�صله �سعيه �إلى ال�شريعة الإ�سالمية التي �أخذت في فكره مكان الميثاق‬
‫القومي بو�صفها الن�ص ذا ال�سلطة وخطة للم�شروع الوطني لبناء الهوية الم�ستقلة في مرحلة‬
‫ما بعد اال�ستعمار‪.‬‬

‫‪� -2‬إعادة التفكير في �أ�صالة الم�شروع النا�صري‬
‫حين عاد طارق الب�شري �إلى الوراء �أواخر �سني ال�ستينيات في محاولته لفهم‬
‫ما كان ي�شكل النق�ص وعيب الم�شروع الوطني لدى عبد النا�صر‪� ،‬أعاد ا�ستدعاء‬
‫حالة الإرباك التي اعترته‪" :‬لقد كانت لدينا �سيا�سة ا�ستقاللية قوية وفعالة‪ .‬كان‬
‫لدينا م�شروع اقت�صادي ال ب�أ�س به‪ ...‬لقد �أ�س�س عبد النا�صر �آالف الم�صانع‪...‬‬
‫وكلها كانت ت�ؤلف قوة هائلة‪� .‬أين كان الخلل؟" يعترف الب�شري �أن الأمر �أخذ منه‬
‫(‪)30‬‬
‫�سنوات من التفكير للو�صول �إلى المنظور ال�ضروري للإجابة عن هذا ال�س�ؤال‪.‬‬
‫�سعى الب�شري‪ ،‬من خالل فح�ص اال�ستراتيجيات والفاعلين الذين قادوا المراحل المتقدمة‬
‫(‪)31‬‬
‫الما�ضية في الم�سيرة الم�صرية نحو اال�ستقالل‪ ،‬وب�شكل خا�ص خالل ثورة ‪1919‬م؛‬
‫وا�ضحا في مقال الب�شري‬
‫ليفهم الأ�سباب وراء النك�سة الحالية للحركة القومية‪ .‬ويبدو هذا‬
‫ً‬
‫الأول في الطليعة بعد عام ‪1967‬م‪ ،‬الذي ناق�ش فيه الفكر ال�سيا�سي ل�سعد زغلول ولفت‬
‫االنتباه �إلى الرابط الذي ال ينف�صم بين الهدفين الأُ‬
‫�سطور َّي ْين لحركته ب�ش�أن "اال�ستقالل‬
‫ِ‬
‫الكامل" و"الديمقراطية"‪ )32(.‬لقد َم َّثل ت�أكيد الب�شري ب�ش�أن الأهمية الحيوية للديمقراطية‪،‬‬
‫إقرارا ثقي ً‬
‫ال في �أعقاب‬
‫وعلى الخ�صو�ص‪ ،‬لدى �صيغة زغلول القومية لتحقيق �أهداف م�صر‪ً � ،‬‬
‫هزيمة عام ‪1967‬م‪ ،‬حين �أ�صبحت الطبيعة غير الديمقراطية العلنية لنظام عبد النا�صر غير‬
‫مبررة وا�ستح َّثت االحتجاج عليها‪ .‬لقد بدت تداعيات خال�صات الب�شري ب�ش�أن القومية‬
‫و�ضوحا في كتاب �صغير ن�شره عام ‪1975‬م‪،‬‬
‫الم�صرية المبكرة ونقده للنا�صرية �أكثر‬
‫ً‬
‫تحت عنوان "الديمقراطية والنا�صرية"‪ )33(.‬كما يو�ضح عنوان الكتاب‪ ،‬يحدد الب�شري‬
‫الخلل الرئي�سي للنا�صرية في ثبات طبيعتها غير الديمقراطية‪ ،‬تلك التي �أ�شار �إليها باهتمام‬
‫في تحليله بو�صفها الحركة الأولى الرئي�سية في تاريخ ال�شعب الم�صري التي حاولت‬

‫‪15‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫تحقيق الأهداف الوطنية بدون ديمقراطية‪ .‬مثلما كتب الب�شري �سابقًا في مقاله الم�شار �إليه‬
‫�آنفًا حول �سعد زغلول‪ ،‬ولد الكفاح الوطني في م�صر مع جوهر ديمقراطي كان قد ِ�صيغَ‬
‫�أو ًال في ال�شعار الثوري الذي ا�ستخدمه �أحمد عرابي‪" ،‬م�صر للم�صريين"‪ ،‬وو�صل به �سعد‬
‫زغلول �إلى االنفجار الذي حدث في ثورة ‪1919‬م‪ )34(.‬هذا مما جعل من الديمقراطية‬
‫لي�س فقط كونها �ضمن "الو�سائل الفعالة في �صراع الم�صريين �ضد اال�ستعمار‪ ،‬و�ضد‬
‫أي�ضا حولها �إلى "تقليد"‪ )35(.‬حين يعلن الب�شري �أن الممار�سة‬
‫الرجعية والتخلف" ولكن � ً‬
‫انقطاعا عن "التقاليد" الم�صرية الديمقراطية التي �أر�ساها‬
‫ال�سيا�سية لنظام عبد النا�صر كانت‬
‫ً‬
‫عرابي وزغلول‪ ،‬ف�إن هذا يعني القول ب�أن النا�صرية قادت الم�صريين في م�سلك كان مخالفًا‬
‫لهويتهم القومية‪.‬‬
‫بد أ� كتاب "الديمقراطية والنا�صرية" الذي يعك�س م�سيرة مقال "في مفهوم الملكية‬
‫الخا�صة"‪ ،‬بد�أ كدرا�سة عن �سيا�سة الدولة النا�صرية وانتهى كنقا�ش حول �أ�صالتها بالن�سبة‬
‫للهوية الم�صرية‪ .‬لكن حقيقة �أن هذين العملين يقفان على طرفي نقي�ض بالن�سبة لمحطة‬
‫عام ‪1967‬م وا�ضحة بالنظر �إلى نتائجهما المتعاك�سة‪ .‬وفي المقال‪ ،‬كان هناك اقتناع‬
‫لدى الب�شري ب�أن البرنامج االجتماعي لنظام عبد النا�صر كان ُيوفِّر الأ�سا�س المتين الذي‬
‫يقف عليه م�ستقبل م�صر الم�شرق‪ ،‬مما جعله ي�ؤكد على جذوره ال�ضاربة في الخبرة‬
‫الم�صرية‪ .‬وبعد ‪1967‬م‪ ،‬بالمقابل‪� ،‬أ�صبح من ال�صعب االقتناع ب�أن مثل هذا الم�شروع‬
‫العاجز والذي انهزم ب�سهولة قد تكون له جذور في �أي �شيء‪.‬‬
‫م�ستمدا بحق من الهوية �أو من تقاليد ال�شعب‪ ،‬كان‬
‫�إن القول ب�أن هذا الم�شروع كان‬
‫ًّ‬
‫يعني‪ ،‬عالوة على ذلك‪ ،‬افترا�ض وجود �ضعف مت�أ�صل في الذاتية العربية ‪ -‬الم�صرية وفي‬
‫تراثها‪ .‬لهذا ال�سبب جادلت �أعمال الب�شري في منت�صف ال�سبعينيات �ضد الأ�صالة التامة‬
‫للنا�صرية‪ ،‬بيد �أنه من المهم �أن ن�ؤكد‪ ،‬من ناحية �أخرى‪� ،‬أنه على الرغم من �أن الب�شري كان‬
‫قد قرر في نهاية المطاف‪ ،‬بعد عام ‪1967‬م‪� ،‬أن النظام الذي ُب ِن َي في عهد عبد النا�صر‬
‫كان زائفًا �إلى حد كبير‪ ،‬ف�إنه �أبقى على فكرة �أنه كان يملك برغم ذلك بع�ض الخ�صائ�ص‬
‫كثيرا المثل العليا التي كانت تعك�س بالفعل هوية و�إرادة ال�شعب‪ .‬هذه الوجوه‬
‫وت ََب َّنى ً‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪16‬‬

‫الأ�صيلة للم�شروع المهزوم ت�ضمنت موقفه من الإمبريالية‪ ،‬ووالءه للجماهير‪ ،‬و ت�أكيده‬
‫على انتماء م�صر �إلى العرب كقوم‪ .‬ومن ثم �أ�صبحت مهمة الب�شري �إذن هي فهم الكيفية‬
‫التي و�صلت بها الحركة القومية في م�صر �إلى �أن ت�صبح م�شربة ومعاقة بالتناق�ضات التي‬
‫ظهرت فيها حين ذهبت للحرب عام ‪1967‬م‪� ،‬أين كان ال�سعي المتزامن للكفاح �ضد‬
‫العدو ال�صهيوني لأجل التحرير الكامل للأمة العربية في الوقت الذي كانت هذه الحركة‬
‫القومية تحرم فيه المواطنين الم�صريين من الحرية ال�سيا�سية وحكم �أنف�سهم بديمقراطية؟‬
‫الإ�شارات الوا�ضحة في كتاب "الديمقراطية والنا�صرية" لإفاقة الب�شري على وجود‬
‫تناق�ضات عميقة في الفكر القومي الم�صري الحديث وفي الممار�سة ال�سيا�سية و�سمت‬
‫بداية ما ثبت ب�أنه المرحلة الأكثر ديناميكية فكر ًّيا والأكثر �إرهاقًا من الناحية الروحية‬
‫في م�سيرته‪ .‬خالل الخم�س �سنوات التالية ما بين ن�شره كتاب الديمقراطية والنا�صرية‬
‫وبين م�شاركته في م�ؤتمر "القومية العربية والإ�سالم" الذي نظمه مركز درا�سات الوحدة‬
‫العربية في بيروت عام ‪1980‬م‪� ،‬سيتعاظم التحول الفكري للب�شري‪ ،‬و�سيظهر المارك�سي‬
‫ال�سابق ذو النزعة القومية العلمانية بمواقف �سيا�سية �إ�سالموية عك�ست هدفه الجديد ب�ش�أن‬
‫اال�ستقالل الح�ضاري‪ .‬الب�شري الذي بدا غير قادر على حمل نف�سه على الكتابة للجمهور‬
‫(‪)36‬‬
‫أخيرا مق ً‬
‫اال في �أوائل عام ‪1979‬م‪ ،‬عنونه بـ‬
‫خالل جزء كبير من هذه الفترة‪ ،‬كتب � ً‬
‫"ثالث مالحظات حول الحركة القومية في م�صر" التقط فيه ما كان قد غاب عنه في كتاب‬
‫الديمقراطية والنا�صرية‪ ،‬وك�شف عن �إعادة تق�سيمه لمراحل وحركات القومية الم�صرية‬
‫مع ح�س جديد بالتناق�ض‪ .‬في هذا المقال‪ ،‬قدم الب�شري ال�شرخ الذي اتهم به النا�صرية‬
‫مظهرا من مظاهر حالة‬
‫بالت�أرجح بين الأهداف القومية لال�ستقالل والديمقراطية بو�صفه‬
‫ً‬
‫م�ستمرة من "االزدواجية" و"االنف�صام" التي يعاني منها الوعي في م�صر وفي العالم العربي‬
‫(‪)37‬‬
‫برمته منذ انت�شار الفكر والم�ؤ�س�سات الوافدة �أوائل القرن الع�شرين‪.‬‬
‫الم�ستقاة من التاريخ ومن مرحلة ما بعد انفتاح المجتمع‬
‫بو�ساطة ت�شكيلة من الأمثلة ُ‬
‫الم�صري‪َ ،‬خ َّط الب�شري في هذا المقال ُم َ�س َّودة الرواية التاريخية الأ�سا�سية ب�ش�أن جدلية الوافد‬
‫– الموروث الثقافية والأيديولوجية التي جاءت لتحل‪ ،‬في فكره‪ ،‬محل النظرية المارك�سية‬

‫‪17‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫حول ال�صراع الطبقي بو�صفها القوة القائدة في التاريخ الم�صري الحديث‪ .‬هذا التحول‬
‫�إذن �سي�ؤطر �إعادة �صياغته لمفهوم اال�ستقالل الوطني بو�صفه ا�ستقال ًال "ح�ضار ًّيا"‪ ،‬مما‬
‫�سينقل اهتمام م�شروعه القومي الذي �أخ�ضعه للتنقيح من الف�ضاءات ال�سيا�سية واالقت�صادية‬
‫التي �شكلت ب�ؤرة اهتمام النا�صرية نحو الأبعاد الفكرية‪ ،‬والأخالقية‪ ،‬والعقيدية والثقافية‪.‬‬
‫مثلما �سيو�ضحه الب�شري في مقاله الالحق "رحلة التجديد في الت�شريع الإ�سالمي"‪ ،‬ف�إن‬
‫�أ�س�س الم�شروع الح�ضاري لال�ستقالل ال يمكن �أن تكون �سوى ال�شريعة الإ�سالمية التي‬
‫�سيعاد تف�سيرها وفق عملية مبتكرة من االجتهاد لمواجهة الظروف والتحديات الراهنة‬
‫ُ‬
‫التي تواجهها م�صر‪ .‬وقد تم تعميق المفاهيم والمواقف التي �أعلن عنها �سابقًا في هذين‬
‫المقالين بتفا�صيل جديدة و�أ�صبحت �أكثر �صالبة في م�ساهماته التي �شارك بها في م�ؤتمر‬
‫"القومية العربية والإ�سالم" في عام ‪1980‬م‪ ،‬والذي منح لطارق الب�شري الإ�سالمي‬
‫الجديد فر�صة التوقيت المنا�سب؛ لي�ؤ�س�س ظهوره الأول م�ستبقًا نظراءه القوميين في �أنحاء‬
‫العالم العربي‪.‬‬
‫ونحن نقترب من جوهر التحول الذي خا�ضه الب�شري‪ ،‬فمن المهم الت�أكيد على �أن‬
‫خروجا عن م�سيرته الفكرية مثلما‬
‫انقطاعا �أو‬
‫هذه اللحظة الديناميكية في م�سيرته لم تمثل‬
‫ً‬
‫ً‬
‫و�ضحته محاور هذه الدرا�سة حتى الآن‪ ،‬كما قد تفتر�ض بع�ض القراءات(‪ )38‬الخاطئة‬
‫م�ضنيا؛‬
‫جهدا‬
‫لهجرته هذه باتجاه الإ�سالم‪ .‬بل على العك�س من ذلك‪ ،‬لقد بذل الب�شري‬
‫ً‬
‫ً‬
‫لي�شدد عبر كتاباته في هذه الفترة على بقائه الواعي �ضمن �إطار النموذج الم�صري من‬
‫القومية العربية بف�ضل كتاباته التي بد�أ بها في �سنوات ال�ستينيات‪ .‬عندما بد�أ الب�شري في‬
‫تبني مواقف �إ�سالموية ‪ -‬مثل موقفه ب�ش�أن �إقامة حكم ال�شريعة "المعاد تجديدها" ‪ -‬لم‬
‫ي�سبق له �أن برر ذلك عبر نداءات ل�سلطة �أخالقية �إ�سالمية عالمية على منوال ما تميز به عدد‬
‫من المفكرين الذين يقفون على ر�أ�س االتجاهات المتباينة داخل الخطاب الإ�سالموي‬
‫الم�صري خالل ال�سبعينيات والثمانينيات‪ ،‬مثل �سيد قطب الذي يو�صف بالت�شدد‪� ،‬أو‬
‫دفاعا عن‬
‫ن�سبيا‪ .‬ا�ستح�ضر الب�شري‪،‬‬
‫محمد الغزالي ويو�سف القر�ضاوي‪ ،‬المعتدلين‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫دعمه للق�ضايا ال�سيا�سية الإ�سالموية‪ ،‬نف�س ال�سلطة التي دافع بها عن ال�سيا�سات اال�شتراكية‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪18‬‬

‫للميثاق القومي وهي الخبرة التاريخية لل�شعب الم�صري الذي ي�شكل الطابع الجماعي‬
‫لديه المعيار النهائي للأ�صالة‪ .‬ظلت �أهدافه النهائية في �أوائل الثمانينيات‪ ،‬بالمثل‪ ،‬هي‬
‫نف�سها الخا�صة بما قرره م�شروع عبد النا�صر القومي �أي‪ :‬الوحدة‪ ،‬واال�ستقالل‪ ،‬ونه�ضة‬
‫م�صر‪ ،‬والتي يبدو �أنه كان يفكر �أن من �ش�أنها �أن تقود بقية العالم العربي في الطريق نف�سه‪.‬‬
‫واحدة من �أهم الإ�شارات التي يمكن �أن تدل على �أن مواقف الب�شري الجديدة تمثل‬
‫انقطاعا في فكره القومي‪ ،‬هي درجة االت�ساق التي �أعلن‬
‫في الواقع تطورات �أكثر منها‬
‫ً‬
‫بها عن هذه المواقف كمحاوالت للنهو�ض بعد هزيمة عام ‪1967‬م عبر تنقيح – ولي�س‬
‫التخلي عن‪ -‬م�شروع مرحلة ما بعد اال�ستعمار الذي عانى من النك�سة‪ .‬على الرغم من‬
‫�أن العديد من المفكرين �ضمن التقاليد القومية الإ�سالمية في حركة الإخوان الم�سلمين‪،‬‬
‫وعلى الأخ�ص الدكتور يو�سف القر�ضاوي‪ ،‬كانوا قد �صاغوا ا�ستجابات لهزيمة عام‬
‫رئي�سيا‬
‫‪1967‬م ت�شبه تلك التي قدمها الب�شري في ا�شتراكها في اعتبار ال�شريعة مكو ًنا‬
‫ًّ‬
‫في البرنامج المجتمعي الجديد‪ ،‬ف�إن هذا الت�شابه يخفي التباين الكبير بين ت�صورات‬
‫هذين المفكرين ب�ش�أن عام ‪1967‬م والقومية العربية‪ .‬من جهة �أولى �أعلن ال�شيخ يو�سف‬
‫القر�ضاوي �أن عام ‪1967‬م هو ‪ -‬في الوقت نف�سه ‪ -‬دليل ال يمكن �إنكاره على عبثية‬
‫�أي نموذج من الدولة للوحدة العربية وعلى الحاجة �إلى ا�ستبدال نظام الدولة العربية ببنية‬
‫�إ�سالمية للجماعة ال�سيا�سية‪ )39(.‬و�صف الب�شري‪ ،‬من ناحية �أخرى‪ ،‬هزيمة يونية باعتبارها‬
‫"تراج ًعا في طريق الن�صر النهائي" للقوى العربية التي ا�ستخدمت فيه‪ ،‬مبديًا �إيمانه بالق�ضية‬
‫القومية‪ )40(.‬حين النظر �إلى الوراء في خالل العقد الذي كان يف�صله عن عام ‪1967‬م‪،‬‬
‫ي�ؤطر الب�شري حرب ال�ستة �أيام بو�صفها نعمة مقنعة؛ حيث كتب �أنها‪" :‬جعلتنا نلتم�س‬
‫راكدا في‬
‫�أ�سباب الهزيمة‪ ،‬ون�سعى في �سبيل محوها‪ ...‬ومواجهة كل ما كان قد �أ�صبح‬
‫ً‬
‫فكرنا ال�سيا�سي؛ بحيث ا�ستقر فوقه ما كان خاط ًئا"‪ )41(.‬هذه الكلمات‪ ،‬التي افتتح بها‬
‫الب�شري اثنتين من �أهم درا�ساته االنتقالية‪ ،‬لي�ست كلمات رجل ينوي التخلي عن �إنجازات‬
‫حياته في التقاليد القومية لينتقل نحو "هجرة" فكرية باتجاه البديل الإ�سالموي‪ ،‬بل‬
‫هي �أكثر من ذلك محاولة لإحياء هذه التقاليد عبر نقد َب َّنا ٍء لها والك�شف عن م�صادر‬
‫قواها الخفية‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫‪� -3‬إعادة اكت�شاف الح�ضارة‬
‫هذا ال�شكل الح�ضاري الجديد الذي ولدت �ضمنه القومية العربية من جديد‬
‫كم�شروع يركز على اال�ستقالل الثقافي والفكري من خالل كتابات طارق الب�شري‪،‬‬
‫وكثير من المفكرين الآخرين في جيله في �أواخر ال�سبعينيات‪ ،‬كان يعك�س � ً‬
‫أنماطا جديدة‬
‫من النفوذ الأجنبي والهيمنة التي كانت تنبثق وتعيد ت�شكيل المجتمع الم�صري في �آن‬
‫واحد‪ .‬وبالنظر �إلى التكتيكات الإمبريالية الجديدة‪� ،‬أ�شارت كتابات الب�شري االنتقالية �إلى‬
‫�أن المظهر المزعج ب�شكل خا�ص للتحدي الجديد للعدو هو الطريقة التي يبدو �أنه ينبثق بها‬
‫من داخل الأرا�ضي العربية‪ ،‬والمجتمع‪ ،‬والفرد ذاته في مقابل تلك القادمة من الخارج‪.‬‬
‫في حين �أن دولة �إ�سرائيل والهدف الأمريكي في ال�سيطرة على النفط العربي يمكنها �أن‬
‫و�ضوحا ال�ستراتيجية الداخل ‪ -‬الخارج التي ت�ستهدف الهيمنة‬
‫تكون التمظهرات الأكثر‬
‫ً‬
‫و�إ�ضعاف الدول العربية‪ )42(،‬اعتبر الب�شري �أن الرغبة في الهجرة لدى الفنانين والمفكرين‬
‫العرب نحو الدول الغربية و"الأمل في الهجرة الذي يحذو َمن تبقى منهم" هي واحدة‬
‫من التمظهرات الأكثر مدعاة للقلق‪� )43(.‬إنه يقر أ� هذا ك�إ�شارة ال يمكن �إنكارها على �أن‬
‫االحتالل الأجنبي للعقل العربي هو اليوم �أقوى من �أي وقت م�ضى‪ ،‬و�أن جيله بالتالي قد‬
‫ف�شل في مهمته لتحرير الفرد العربي وتكوين هوية م�ستقلة لديه‪ )44(.‬فالرحلة نحو الغرب‬
‫لدى هذا الجيل الجديد هي مجرد عار�ض من �أهم العوار�ض التي حددها الب�شري خالل‬
‫�شخ�صه ب�أنه ي�شكل حالة من تبعية العالم العربي الثقافية والفكرية‬
‫�سنوات ال�سبعينيات فيما َّ‬
‫نحو الغرب‪� .‬إن اكت�شاف الب�شري لهذه الحالة وعواقبها الوخيمة التي تهدد بتق�سيم‬
‫الجماعة الم�صرية و�إ�ضعاف هويتها‪ ،‬دفعت به لي�ستخل�ص �أن جبهة المعركة في المرحلة‬
‫الحالية من الكفاح لأجل تحقيق اال�ستقالل الوطني يجب �أن تكون في ميادين الفكر‬
‫والثقافة‪ ،‬الميادين التي ر�أى �أن الم�شروع النا�صري �أهملها عندما ركز على اال�ستقالل‬
‫االقت�صادي وال�سيا�سي‪.‬‬
‫َع ْجز النا�صرية الذي ظهر في هزيمة ‪1967‬م‪ ،‬من وجهة نظر الب�شري في �أواخر‬
‫ً‬
‫مرتبطا ب�شكل مبا�شر بال�سهولة التي تفكك بها الن�سيج االجتماعي‬
‫ال�سبعينيات‪ ،‬كان‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪20‬‬

‫الم�صري تحت وط�أة ال�ضغوط اال�ستعمارية الجديدة خالل الع�شر �سنوات التي تلت‬
‫الهزيمة‪ .‬لقد قر�أ الب�شري هاتين الظاهرتين كنتاج ل�ضعف وعدم ا�ستقرار الهوية الوطنية‬
‫العربية‪ .‬خ�سرت م�صر حرب يونية‪ ،‬وفقًا للب�شري؛ لأن �شعبها دخل القتال بدون "امتالك‬
‫للذات" الذي ي�صفه الب�شري ب�أنه "�أعتى الأ�سلحة" ومتاح فقط "لجماعة متوحدة" حققت‬
‫"تميزها عن الآخر"‪ )45(.‬بالإ�ضافة �إلى هروب الجيل الم�صري الالحق من المثقفين �إلى‬
‫الغرب‪� .‬أثبتت االنق�سامات االجتماعية والأيديولوجية الوا�ضحة التي �شهدها المجتمع‬
‫الم�صري في مرحلة ما بعد االنفتاح‪ ،‬لدى الب�شري ب�أن الوحدة الم�صرية والتميز الذاتي‬
‫قد َذ َوتَا في مواجهة الإمبريالية الغربية الجديدة‪ .‬برنامج ال�سادات ذو ال�شقين لت�أ�سي�س‬
‫جنبا �إلى‬
‫"ر�أ�سمالية �إ�سالمية" خلقت في الواقع ُمج َت َم َع ْين على طرفي نقي�ض يتواجدان ً‬
‫جنب‪ :‬الأول يقوده الأثرياء الجدد المت�أمركون ممن كانت تتوجه �إليهم �سيا�سات االنفتاح‬
‫االقت�صادي والثقافي للرئي�س ال�سادات‪ ،‬والآخر يموله �إ�سالم البترودوالر ال�سعودي ويقوده‬
‫جيل من الإ�سالميين الراديكاليين الذين �أطلقهم ال�سادات من ال�سجون‪ .‬كتب الب�شري في‬
‫رثاء حالة الثقافة الوطنية في عام ‪1979‬م قائ ً‬
‫ال‪" :‬يبدو الأمر وك�أن االثنين (�أي وجهي‬
‫المجتمع) يعي�شان في كوكبين مختلفين‪ ،‬كما لو �أنهما لي�سا على �أر�ض واحدة‪ ،‬في مجتمع‬
‫واحد‪ ،‬وك�شعب واحد" (‪.)46‬‬
‫يعود الب�شري‪ ،‬كواحد من اال�شتراكيين العلميين النابغين‪� ،‬إلى التاريخ؛ ليبحث عن‬
‫تف�سير للأزمة الكبرى للهوية التي حددها بو�صفها ال�سبب الأول لهزيمة ‪1967‬م‪،‬‬
‫ولتفكك الجماعة الم�صرية خالل �سنوات ال�سبعينيات في �آن واحد‪ .‬عبر قراءة مقارنة‬
‫للحركات القومية التي �سادت في بداية القرن الع�شرين‪ ،‬وفي م�صر النا�صرية‪ ،‬ومجتمع ما‬
‫بعد االنفتاح‪ ،‬اكت�شف الب�شري �أن المجتمع الم�صري والفرد الم�صري قد ُا ْب ُت ِل َيا بحالة من‬
‫"االزدواجية" و"االنف�صام" لما يقرب من قرن من الزمن‪ )47(.‬ال�سبب في هذه الحالة‪ ،‬كما‬
‫ي�شرح الب�شري‪ ،‬هو "ال�صراع العقائدي" بين الوافد‪ ،‬ذي الطابع الغربي ب�شكل خا�ص‪،‬‬
‫وبين الأفكار الموروثة‪ ،‬واللذين �ساهما م ًعا في �صياغة نظم القيم‪ ،‬والم�ؤ�س�سات وال ِب َنى‬
‫االجتماعية للحياة الع�صرية في م�صر والعالم العربي ب ُِر َّم ِته‪ .‬بالن�سبة للب�شري "الجديد" ف�إن‬

‫‪21‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫هذا الزوج من الم�صطلحات ( الوافد ‪ -‬الموروث) �أ�صبح طريقة عمل لمنهج جديد في‬
‫م�شروعا ما عبر‬
‫التحليل التاريخي‪ ،‬والذي يقي�س خ�صو�صية حركة تاريخية معينة‪ ،‬ظاهرة �أو‬
‫ً‬
‫(‪)48‬‬
‫تحديد ما �إذا كانت �أ�س�سه الفكرية وقيمه م�ستمدة من الوافد �أم من الموروث‪.‬‬
‫فيما يعتبر الب�شري �أن "اكت�شافه" لجدلية ال�صراع بين الوافد ‪ -‬الموروث بو�صفها‬
‫عالمة فارقة في م�سيرته الفكرية والتي ا�ضطرته �إلى مراجعة جدلية لفهمه للتاريخ الم�صري‬
‫انقطاعا عن‬
‫الحديث‪ ،‬من المهم �أن ن�شير �إلى �أن نظريته الجديدة هي تطور مبا�شر‪ ،‬ولي�س‬
‫ً‬
‫فكره المارك�سي‪� .‬إنه على وجه التحديد‪ ،‬يبني ويو�سع من ر�ؤيته التي ناق�شناها �آنفًا ب�ش�أن‬
‫الوعي الجماهيري الذي يج�سد التراث ويقف في �صراع دائم في مواجهة الوافد والقوى‬
‫الرجعية الإمبريالية والر�أ�سمالية باتجاه تحرير الأمة الم�صرية وتحقيق م�صيرها الفريد‪.‬‬
‫ما تغير بين �سنوات ال�ستينيات و�أواخر ال�سبعينيات‪ ،‬بالمقابل‪ ،‬كان فهم الب�شري لطبيعة‬
‫ً‬
‫ارتباطا بالن�صو�ص الإ�سالمية والتقاليد‬
‫هذا الوعي الجماعي‪ ،‬الذي �أ�صبح يرى �أنه �أكثر‬
‫مما كان يعتقد‪ .‬ومما ال �شك فيه �أن �سبب هذا التحول في المنظار هو �أنه عا�صر ما‬
‫ُ�س ِّم َي بال�صحوة الإ�سالمية في �سنوات ال�سبعينيات‪ ،‬حين اجتاحت موجة قوية من الإ�سالم‬
‫ال�سيا�سي الأجيال ال�شابة في م�صر من النا�شطين والمفكرين‪ ،‬ثم امتدت بعد ذلك من حرم‬
‫الجامعات نحو المجتمع الم�صري ب ُِر َّم ِته‪ .‬وقد ر�أى الب�شري‪ ،‬عبر مراقبته لهذه الحركة‬
‫الجماهيرية الجديدة‪ ،‬التراث الذي تعك�سه الجماهير وهو يتجلى في مظهر �إ�سالمي‪،‬‬
‫وبالتالي يعيد ت�شكيل و�صياغة الم�شروع الوطني؛ ليتمكن من �أن يعك�س �أ�صالته ويوجهه‪.‬‬
‫وا�ضحا في الت�أريخ التقريبي‬
‫ت�صور الب�شري الجديد للتراث بو�صفه �إ�سالمي الطابع كان‬
‫ً‬
‫ل�صراع الوافد ‪ -‬الموروث في م�صر الذي قدمه �أمام نظرائه في م�ؤتمر الوحدة العربي ال�سنوي‬
‫في بيروت الذي انتظم حول مو�ضوع "القومية العربية والإ�سالم"‪ .‬في هذا الم�ؤتمر �أو�ضح‬
‫الب�شري �أن هذا ال�صراع كان في الأ�صل جدلية خ َّ‬
‫القة كان فيها الفكر الموروث يملك اليد‬
‫الطولى‪ ،‬لكنها �أ�صبحت اليوم جدلية معادية وخارجة عن نطاق ال�سيطرة العربية بعد �أن تم‬
‫تهمي�ش نماذج التفكير الإ�سالمي ل�صالح العلوم الغربية العلمانية‪ .‬قدم الب�شري هذا التحول‬
‫تاريخيا في �أوائل القرن الع�شرين‪ ،‬حين تفوق‬
‫بو�صفه "قفزة نحو ال�ضفة الأخرى"‪ ،‬ومو�ضعه‬
‫ًّ‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪22‬‬

‫ت�أثير "�أبناء الم�ؤ�س�سات الحديثة" على المحاولة التي قام بها "الإ�صالحيون الإ�سالميون" ‪� -‬أمثال‬
‫جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ‪ -‬العتماد الحداثة عبر و�سائل �إ�سالمية الطابع‪ ،‬يقع‬
‫االجتهاد(‪ )49‬على قمتها‪ .‬بالنظر �إلى العواقب الوخيمة لهذه "القفزة"‪ ،‬الحظ الب�شري �أن‪:‬‬
‫"هذا االنتقال من الموروث نحو الوافد قد ق�سم مجتمعاتنا‪ ،‬كما �أ�ضعف روح االنتماء‬
‫بيننا وقوة التما�سك لدينا‪ .‬لقد �أ�صبحنا تابعين لح�ضارة �أخرى‪ ،‬الهثين نجري لمواكبتها؛‬
‫تطورا هو‬
‫�آخرون هم من يحددون لنا �أهدافنا‪ ،‬و�سلوكياتنا‪ ،‬ويفكرون لأجلنا‪ .‬ما ن�سميه‬
‫ً‬
‫نموا‪ .‬كيف يمكننا �أن‬
‫في الواقع مجرد تحول وتغيير (لن�صبح مثل ح�ضارة �أخرى)‪ ،‬ولي�س ًّ‬
‫ندعو �إلى اال�ستقالل في حين �أننا ال ن�ستطيع �أن نميز ذواتنا (عن الآخرين)؟ كيف يمكننا‬
‫الب َّناء‬
‫�أن ندعو للوحدة بينما ن�شكو من انف�صام؟ كيف يمكننا الدعوة �إلى النه�ضة والفعل َ‬
‫(‪)50‬‬
‫بينما نحن نلهث وراء �شيء �آخر؟‬
‫بالإ�ضافة �إلى الحجج التي يقدمها الب�شري لتبرير موقفه الجديد الداعي �إلى �إقامة الم�شروع‬
‫الوطني على �أ�شكال موروثة من الفكر (و�أهمها كما �سنناق�شه الحقًا هو ال�شريعة)‪ ،‬يو�ضح‬
‫�صراعا‬
‫هذا االقتبا�س الت�أطير الجديد الذي �أقامه الب�شري للكفاح من �أجل اال�ستقالل بو�صفه‬
‫ً‬
‫بين الح�ضارات‪ .‬م�ستبقًا ب�أكثر من عقد من الزمن‪ ،‬قبل �أن يعيد كتاب �صراع الح�ضارات‬
‫‪ Clash of Civilizations‬ل�صمويل هنتجتون ‪� Samuel Huntington‬إدراج "الح�ضارة"‬
‫كوحدة تحليل هامة في النقا�شات الغربية حول ال�سيا�سة الخارجية‪ ،‬يدل ظهور هذا‬
‫الم�صطلح في �أعمال الب�شري على م�ساهمته في خطاب عربي �شامل يعود تاريخه �إلى‬
‫زمن المفكرين النه�ضويين الأوائل في القرن التا�سع ع�شر‪.‬‬
‫أثيرا‬
‫من المرجح �أن فكر الفيل�سوف الجزائري "مالك بن نبي" كان‬
‫ً‬
‫نموذجا وت� ً‬
‫أوليا باتجاه �إعادة �إدراج المفهوم الرائج للح�ضارة في الخطاب القومي في م�صر ب�شكل‬
‫� ًّ‬
‫قوميا ف�إن الح�ضارة‬
‫عام وفكر الب�شري ب�شكل خا�ص‪ .‬على الرغم من �أن "ابن نبي" كان ًّ‬
‫َّ‬
‫�شك َلت وحدة التحليل الأ�سا�سية في فل�سفته‪ ،‬وهي ال�سمة التي كانت تك�شف ت�أثره ب�أعمال‬
‫الإ�سالميين ال�سلفيين �أواخر القرن التا�سع ع�شر و�أوائل القرن الع�شرين‪ ،‬ال �سيما جمال‬
‫الدين الأفغاني وتلميذه الم�صري محمد عبده‪ )51(.‬بالن�سبة البن نبي كما بالن�سبة للب�شري‬

‫‪23‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫"الجديد" كانت ق�ضية اال�ستقالل الثقافي والفكري ذات �أهمية ق�صوى في ال�صراع‬
‫الح�ضاري بين المجتمعات الم�سلمة وبين الغرب‪ )52( .‬بيد �أنه من المهم �أن نالحظ‬
‫هنا �أنه في حين يظهر ت�أطير الب�شري الح�ضاري لهذا ال�صراع كتطور جديد في �أفكاره‪،‬‬
‫ف�إن مفهومه الميتافيزيقي لال�ستقالل الذي تتعا�ضد فيه مجاالت الحياة الوطنية المادية‬
‫(االقت�صادية وال�سيا�سية) مع المجاالت غير المادية (الثقافية والأيديولوجية والأخالقية‬
‫جديدا ب�أي حال‪ .‬بد ًال من ذلك‪ ،‬وكما و�ضحه المحور الأول من‬
‫والفكرية)‪ ،‬لم يكن‬
‫ً‬
‫هذه الدرا�سة‪ ،‬ف�إن مفهومه لال�ستقالل كان وجود ًّيا في مجمله منذ عام ‪1956‬م‪ .‬لغة‬
‫التراث والهوية التي �أحيا بها الب�شري ومعا�صروه م�شروع اال�ستقالل الوطني في �شكل‬
‫دائما حا�ضرة ‪ -‬حتى ولو لم تكن مركزية ‪ -‬في كتاباتهم منذ �سنوات‬
‫مت�أ�سلم كانت ً‬
‫ال�ستينيات ولدى النا�صرية في مجملها‪ .‬في الواقع‪ ،‬كل خطابات عبد النا�صر كانت‬
‫تقريبا كل مظاهر اال�ستقالل التي ا�ستفاد منها الب�شري الحقًا في �إعادة �صياغته‬
‫ت�ستح�ضر‬
‫ً‬
‫لال�ستقالل بو�صفه ح�ضار ًّيا‪.‬‬

‫‪ -4‬من الميثاق �إلى ال�شريعة‬
‫كما �أو�ضحته بجالء الم�شاركات والنقا�شات والمالحظات الر�سمية التي قدمت‬
‫تحول الب�شري نحو مفهوم‬
‫في م�ؤتمر "القومية العربية والإ�سالم" عام ‪1980‬م‪ ،‬ف�إن ُّ‬
‫فريدا بل على‬
‫ح�ضاري للم�شروع القومي في نهاية �سنين ال�سبعينيات‪ ،‬لم يكن‬
‫ً‬
‫العك�س انبثق داخل حركة كبيرة �ضمن الفكر القومي العربي‪ )53(.‬ي�شير "�سعد الدين‬
‫�إبراهيم" عالم االجتماع الم�صري ال�شهير الذي يذكر هذا االتجاه في مالحظاته‬
‫إجماعا التي ظهرت من الم�ساهمات والنقا�شات‪ ،‬كانت‬
‫الختامية‪� ،‬أن النقطة الأكثر �‬
‫ً‬
‫�إ�صرار الم�شاركين الم�شترك على "برنامج ح�ضاري للوحدة" والتي يجب �أن تكون‬
‫""منا�ضلة" في طريقها نحو اال�ستقالل‪ ،‬والتقدم والتحرير‪" .‬م�س�ألة فيما �إذا كان ينبغي‬
‫[على هذا برنامج] �أن يرتكز على الإ�سالم �أم على القومية �أم على االثنين م ًعا" ‪ -‬ي�شدد‬
‫�إبراهيم ‪� -‬شكلت محل الخالف‪ )54(.‬بالرغم من �أن الب�شري(‪ )55‬كان قد اعتبر نف�سه داخل‬
‫المع�سكر الثالث‪ ،‬فمن المحتمل �أن غالبية الم�شاركين في الم�ؤتمر و�صفوه باعتباره من‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪24‬‬

‫�أن�صار الحل الإ�سالمي وهار ًبا من القومية العربية ب�سبب �إنكاره للعلمانية ودعمه لإقامة‬
‫ال�شريعة‪ .‬لرد هذا االتهام‪ ،‬من المرجح �أن يكون الب�شري قد الحظ �أن تحوله الإ�سالموي‬
‫في هاتين الق�ضيتين ُو ِلد في خالل محاولته �إنقاذ لي�س فقط هدف اال�ستقالل الوطني الذي‬
‫جدا لإنقاذ هوية عربية متميزة؛ حيث ر�أى‬
‫يكمن في قلب القومية العربية‪ ،‬بل من الممكن ًّ‬
‫�أنها كانت على حافة االندثار في م�صر‪ .‬خاتمته القوية في الورقة التي قدمها للم�ؤتمر‬
‫ت�ؤكد هذه النقطة؛ حيث يقول فيها‪" :‬قاد ًما من القاهرة في هذه الأيام الع�صيبة‪ ،‬ال �شيء غير‬
‫الإ�سالم حفظ عروبة الم�صري �أو بكلمات �أخرى‪ ،‬ال غنى عن الإ�سالم ليحافظ الم�صري‬
‫على عروبته‪ ".‬بهذا الإقرار‪ ،‬يعلن الب�شري �أن بناء هوية م�صرية وعربية م�ستقلة ‪ -‬وهي‬
‫المهمة المركزية لم�شروع اال�ستقالل الوطني لما بعد اال�ستعمار الذي حمله هو وجيله‬
‫منذ العام ‪1956‬م ‪ -‬م�ستحيل من دون الإ�سالم‪ .‬هذه الخاتمة تت�ضمن االنقطاع الوحيد‬
‫الذي ح�صل بين فكره المارك�سي وفكره الإ�سالمي الجديد‪ ،‬وكما �سيناق�شه المحور‬
‫الأخير من هذه الدرا�سة‪ ،‬يخبرنا هذا االنقطاع عن الموقف الجدلي الذي اتخذه الب�شري‬
‫بعد ثورة ‪2011‬م حين لم ي�ستطع حمل نف�سه على الدعوة �إلى الإلغاء الفوري لد�ستور‬
‫عام ‪1971‬م‪ ،‬لي�صطف بد ًال من ذلك ل�صالح تعديله‪ ،‬وبالتالي ل�صالح الحفاظ على ال�سلطة‬
‫التي تمنحها المادة الثانية من هذه الوثيقة للإ�سالم‪.‬‬
‫أي�ضا‪ ،‬اعترف نظراء الب�شري من القوميين في م�ؤتمر بيروت ب�أهمية‬
‫في عام ‪1980‬م � ً‬
‫الأولوية الجديدة التي كان يوليها الب�شري للإ�سالم وطلبوا منه �أن يو�ضح العواقب المترتبة‬
‫على ذلك‪ .‬في خالل فترة المناق�شة التي تلت محا�ضرته‪ ،‬جادل الب�شري ب�أن الموت‬
‫الو�شيك للم�شروع القومي في م�صر يمكن تجنبه فقط �إذا تم �إدراج الإ�سالم �ضمنه ونفي‬
‫ال�صبغة العلمانية الحالية عنه‪ .‬و�أ�ضاف‪�" :‬إن نفي العلمانية‪ ،‬في تقديري‪ ،‬يعني اعتماد‬
‫ال�شريعة"‪ )56(.‬ثم تو�سع الب�شري في �شرح كيف �أن هاتين الخطوتين �ست�ؤديان �إلى �إنجاز‬
‫الأهداف النهائية للقومية العربية لأجل توحيد وتحرير وتمكين ال�شعب العربي للو�صول‬
‫�إلى �إحداث نه�ضة �أ�صيلة‪ .‬ولأن العلمانية هي ا�ستيراد �أيديولوجي وافد ‪ -‬وفقًا للب�شري ‪-‬‬
‫ف�إن روح الموروث المتج�سد في الجماهير التي تدعم االتجاه الإ�سالمي �سترف�ض النخبة‬

‫‪25‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫القومية العربية طالما بقيت على طبيعتها العلمانية‪ .‬جادل الب�شري بالتالي ب�أنه �إذا �ألقى‬
‫إبداعا‬
‫القوميون العلمانية من م�شروعهم‪ ،‬ف�إنهم �سيوحدون اثنين من �أكثر االتجاهات قوة و� ً‬
‫حاليا‪ ،‬وهما‪ :‬القومية العربية‬
‫واللذين ِّ‬
‫يعمقان الهوة بين العرب بع�ضهم في مواجهة بع�ض ًّ‬
‫والإ�سالم ال�سيا�سي‪ .‬بالإ�ضافة �إلى �سد هذه الهوة الأيديولوجية العميقة في المجتمع‪ ،‬ي�ؤكد‬
‫الب�شري �أن "نفي العلمانية" كموقف فل�سفي‪ ،‬و�أخالقي ومعرفي �صحيح �سيتطلب �إعادة‬
‫هيكلة هرم المعرفة العربية ‪ -‬حيث تعتلي قمته الآن النماذج العلمانية الوافدة ‪ -‬بما يتوافق‬
‫مع البنى الموروثة وعلى ر�أ�سها ال�شريعة‪.‬‬
‫يقيم الب�شري حججه ب�ش�أن ال�شريعة على فر�ضية �أن ت�أ�صيل النظرية ال�سيا�سية‬
‫واالجتماعية والقانونية في ال�شريعة �ستولد �شرارة تجديد للفكر العربي‪ .‬يقدم‬
‫تف�سيرا خالقًا لل�شريعة ‪� -‬أو لالجتهاد ‪-‬‬
‫الب�شري الجديد‪ ،‬وعلى ُخ َطى محمد عبده‪،‬‬
‫ً‬
‫بو�صفها عملية لإحداث نه�ضة �أ�صيلة تتم عبر التفاو�ض على التقاء الح�ضارة الإ�سالمية‬
‫مع الحداثة الغربية‪ .‬في واحد من المقاالت الأولى التي كتبها الب�شري في دعم‬
‫ال�شريعة‪ ،‬ي�صف االجتهاد باعتباره ً‬
‫نمطا من "الأ�صالة المتجددة"؛ لأنه يتو�سط الحوار‬
‫(‪)57‬‬
‫بين "الأ�صالة والتجدد‪ ،‬و�صو ًال �إلى التجديد الذي يوجه الأ�صالة ويعلوها"‪.‬‬
‫(‪)58‬‬
‫وا�ضحا في �إ�صراره المتكرر على �أن "المرونة هي �سمة �أ�صيلة في الفقه‬
‫كما يبدو‬
‫ً‬
‫الإ�سالمي"‪ ،‬و�أن ال�شريعة التي ُيعاد ت�أويلها قادرة تما ًما على �إقامة نظام للت�شريع ي�ضمن‬
‫"م�ساواة كاملة وم�شاركة مت�ساوية للمواطنين من مختلف الديانات"‪ )59(،‬يعتبر الب�شري �أن‬
‫ال�شريعة هي �أ�سا�س قانوني �صالح للدولة المدنية العربية‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬يعك�س و�صف‬
‫الب�شري لل�شريعة باعتبارها هيك ً‬
‫حيا؛ بحيث جعلته الممار�سة القانونية المرنة‬
‫ال‬
‫ت�شريعيا ًّ‬
‫ًّ‬
‫للفقه فع ً‬
‫أي�ضا‬
‫اال في كل زمان ومكان‪ ،‬و�صفه للميثاق قبل ع�شر �سنوات من ذلك باعتباره � ً‬
‫ن�صا �أ�صي ً‬
‫ال متجد ًدا يدعو �إلى �إعادة تف�سير متجددة تواكب الظروف التاريخية الم�ستجدة‬
‫ًّ‬
‫للم�صريين‪ .‬تما ًما كما �أن كتاباته اال�شتراكية حددت الميثاق بو�صفه الن�ص الت�أ�سي�سي‬
‫قدم‬
‫للم�شروع اال�شتراكي الالحق لبناء الأمة الم�صرية الم�ستقلة‪ ،‬ف�إن عمله الالحق بالمثل َّ‬
‫ال�شريعة بو�صفها خطة للم�شروع نف�سه في �إطاره الح�ضاري الجديد‪ .‬ينبغي �أن نذكر �أن‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪26‬‬

‫المنطق نف�سه يخبرنا ب�ش�أن حجج الب�شري المتوالية حول لماذا يتمتع ٌّ‬
‫كل من هذين الن�صين‬
‫بال�سلطة؟ ٌّ‬
‫كل منهما يعبر عن ويعك�س خ�صو�صية الجماعة الم�صرية (�أي التراث)‪ ،‬وبالتالي‬
‫ً‬
‫و�سيطا �أ�صي ً‬
‫ال لتحقيق ا�ستقاللها الحقيقي ك�شعب فريد و�سيد‪.‬‬
‫ُك ٌّل منهما يمثل‬
‫�إذا حققت حجج الب�شري المنا�صرة لل�شريعة وزنها النظري فقط في م�ؤتمر بيروت‪،‬‬
‫�شخ�صيا كما للأمة ككل‪ .‬فيما‬
‫ف�سيكون لها نتائج على الأر�ض في بلده م�صر‪ ،‬للب�شري‬
‫ًّ‬
‫ر�سميا للحكومة الم�صرية‪ ،‬التي قامت‬
‫�س دعم الب�شري لل�شريعة موقفًا‬
‫يخ�ص الثانية‪َ ،‬ع َك َ‬
‫ًّ‬
‫بتعديل المادة الثانية من الد�ستور الم�صري لإعادة تحديد الدور الر�سمي لل�شريعة في الجهاز‬
‫القانوني للدولة بو�صفها "الم�صدر الرئي�سي للت�شريع" بد ًال من م�صدر رئي�سي فقط وذلك‬
‫لثمانية �أ�شهر فقط قبل ظهور الب�شري في م�ؤتمر بيروت‪ .‬فيما يخ�ص حياة الب�شري باعتباره‬
‫�شخ�صية عامة‪ ،‬ف�إن نظريته الفريدة ب�ش�أن ال�شريعة ربما �شكلت الخطوة الأكثر �أهمية في‬
‫أي�ضا‪ ،‬كما ذكرنا‬
‫م�سيرته؛ لأنها كانت تعني ب�شكل مزدوج خروجه من الي�سار العلماني‪ ،‬و� ً‬
‫�سابقًا‪ ،‬و�ضعته في موقع فريد من اال�ستقاللية بين التيارات القومية والإ�سالمية مما دفع في‬
‫النهاية باتجاه تعيينه في ‪2011‬م من ِق َبل المجل�س الع�سكري الأعلى‪ )60(.‬وبتقديم الب�شري‬
‫َّ‬
‫محل اهتمام‬
‫لحججه ب�ش�أن ال�شريعة ب�شكل حجج لأجل اال�ستقالل الوطني‪� ،‬أ�صبح‬
‫حد �سواء‪ ،‬و�إن كان ذلك ال يزال محدو ًدا‪.‬‬
‫واحترام لدى الأو�ساط الإ�سالمية والقومية على ٍّ‬
‫بالرغم من �أن النمط العلماني والتاريخي لخطاب الب�شري يموقع ال�شريعة خارج �إطار ذلك‬
‫الموقع الذي يظهر في دعوة الإخوان الم�سلمين‪ ،‬ف�إنه ي�ؤيد مع ذلك م�س�ألة الدعوة �إلى‬
‫(‪)61‬‬
‫�أ�سلمة القانون الم�صري مما يمنح الكاتب بالتالي م�صداقية جديدة في �أعين الإخوان‪.‬‬
‫اله ِّين بالن�سبة لنا�صري �سابق ذي نزعة مارك�سية‪.‬‬
‫لم يكن الو�صول �إلى هذا بالأمر َ‬

‫‪ -5‬مع�ضلة ال�شريعة‬
‫في �أوائل الثمانينيات‪ ،‬خ�ضعت �شخ�صية الب�شري العامة لتطور �إ�سالمي �ضاعف‬
‫من حجم تحوله الفكري‪ .‬مثلما بينته هذه الدرا�سة‪ ،‬ف�إن القاعدتين الرئي�سيتين في فكره‬
‫الإ�سالمي الجديد‪ ،‬اللتين ر�أينا �أنهما تتمثالن في جدلية الوافد ‪ -‬الموروث والتعريف‬

‫‪27‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫الح�ضاري لال�ستقالل‪ ،‬لهما �أ�س�سهما‪ ،‬على التوالي‪ ،‬في قراءته المارك�سية للتراث بو�صفه‬
‫وعي الجماهير وفي فكرته النا�صرية عن اال�ستقالل الوطني‪ .‬عالوة على ذلك‪ ،‬ف�إن التغيير‬
‫الأ�سا�سي في فكر الب�شري الذي رفع الإ�سالم‪ ،‬ومعه ال�شريعة‪� ،‬إلى م�صف الإطار الر�سمي‬
‫للم�شروع الوطني‪ ،‬كان مما �ساهم في �إعادة توجيه نف�س المهمة التي نا�ضل من �أجلها منذ‬
‫عام ‪1956‬م والمتمثلة في بناء هوية م�ستقلة تقوم على التراث‪ .‬لكن عمله لت�أ�سي�س �سلطة‬
‫الإ�سالم وفق هذه الإمكانية �أ�صبح في الثمانينيات والت�سعينيات م�شروعه الخا�ص القائم‬
‫بذاته؛ حيث �سعى من خالله �إلى �إعادة تنظيم ميراثه الفكري؛ بحيث يتوا�صل مع التقليد‬
‫الذي تركه ال�شيخ محمد عبده‪ ،‬ذلك الذي �ساهم م�شروعه الإ�سالمي التحديثي كم�صدر‬
‫�إلهام ونموذج للخطاب الإ�سالمي الو�سطي الذي ظهر فيه الب�شري ك�صوت رائد بعد فترة‬
‫ق�صيرة من تحوله‪ .‬في خالل هذه الفترة‪� ،‬أ�صبح لدى الإ�سالم كما ال�شريعة‪ ،‬في فكر الب�شري‪،‬‬
‫�سلطة خا�صة بما �أنه �أ�صبح طيف التراث الذي انبعث من ج�سد الوعي الجماهيري الذي‬
‫ي�شكل الهيكل التاريخي لهذا التراث‪ .‬في عام ‪1994‬م ‪ -‬على �سبيل المثال ‪� -‬أكد الب�شري‬
‫على ال�سلطة الم�ستقلة للإ�سالم بو�صفها الحكم الأعلى للثقافة الوطنية من خالل قيادة مجمع‬
‫الفتوى والت�شريع في �إ�صدار حكم مثير للجدل؛ حيث منح مجمع البحوث الإ�سالمية في‬
‫الأزهر ال�شريف ال�سلطة �سلطة فر�ض الرقابة على الأفالم والمو�سيقى والأ�شرطة ال�سمعية‬
‫(‪)62‬‬
‫دون العودة �إلى وزارة الثقافة‪.‬‬
‫وبانتهاء الألفية الثانية وبدء العقد الثالث من حكم الرئي�س ال�سابق ح�سني مبارك‪،‬‬
‫تغير تركيز الب�شري من الت�أكيد على �سلطة الإ�سالم وال�شريعة باتجاه ما ر�آه هو والمجتمع‬
‫إلحاحا لنفي �سلطة النظام القائم بهدف تفكيكه‪ .‬في خطاب‬
‫الم�صري ب ُِر َّم ِته كق�ضية �أكثر � ً‬
‫الب�شري الذي يتكون من مجموع م�شاركاته الهامة في الجهود الداعية �إلى الع�صيان‬
‫المدني ال�شامل ورف�ض �أي �شكل من �أ�شكال الإ�صالح‪ ،‬ال �سيما الإ�صالح الد�ستوري‪،‬‬
‫ف�إن تعريفه المارك�سي للتراث َ�س َّجل عودة الفتة من خالل ت�أكيده على ال�سلطة المطلقة‬
‫لل�شعب الم�صري في حكم نف�سه‪ .‬وفي كتابه الجريء المن�شور عام ‪2006‬م‪" ،‬م�صر بين‬
‫قمعيا ومنف�ص ً‬
‫ال‬
‫الع�صيان والتفكك"‪ ،‬دعا �إلى الع�صيان على قاعدة �أن نظام مبارك �أ�صبح ًّ‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪28‬‬

‫عن �شعبه؛ بحيث �أو�شك في مرحلة �أن يتحول �إلى قوة �إمبريالية تحتل م�صر‪� ،‬أو بكلمات‬
‫الب�شري "دولة بدون وطن"‪ .‬وهو بذلك ي�صور النظام كتج�سيد للوافد لأنه كان يفتقر �إلى‬
‫القدرة على توجيه �أو تمثيل �إرادة الموروث لدى ال�شعب ويعمل على قمعه حين يحكم‬
‫مواطنيه وفق قاعدة (ف َِّرق ت َُ�سد)‪ ،‬ه�ؤالء الذين �أ�صبحوا الآن‪ ،‬كما يقول الب�شري‪" ،‬يعي�شون‬
‫في غربة داخل وطنهم"‪ )64(.‬مفهوم الموروث الذي يكمن خلف هذا النقا�ش هو �إرادة‬
‫ال�شعب؛ حيث يقتب�س الب�شري حقه في ال�سيادة ال�شعبية من عدد كبير من المفكرين‪� ،‬أمثال‬
‫غاندي ومكيافيللي وهتلر‪ ،‬الذين �أعلنوا جمي ًعا �أن ال�شعب يملك اليد الطولى في العالقة‬
‫بين الحاكم والمحكوم‪ )65(.‬في الوقت نف�سه‪ ،‬يظل موروث الب�شري الآخر "الإ�سالم"‬
‫هام�شيا في هذا الجهد‪ .‬فبينما يقتب�س الب�شري من القر�آن الكريم؛ لت�أكيد وتقديم ال�شحنة‬
‫ًّ‬
‫(‪)66‬‬
‫العاطفية لدعوته من �أجل الوحدة والمثابرة لمواجهة الظلم‪ ،‬ال ي�ستح�ضر الإ�سالم‬
‫�أو ال�شريعة ك�سلطة كان على نظام مبارك �أن يخ�ضع لها‪ .‬يتبنى الب�شري‪ ،‬بد ًال من ذلك‪،‬‬
‫خطا ًبا ما بعد ا�ستعماري لال�ستقالل؛ حيث يحتكر ال�شعب دور ال�سلطة الأ�صيلة‪ ،‬الرئي�سية‬
‫وال�شرعية في الم�شروع الوطني‪.‬‬
‫بعد خم�س �سنوات‪ ،‬ا�ستجاب ال�شعب الم�صري لنداء الع�صيان المدني عبر حركة كانت‬
‫تعك�س القيم وال�شكل الذي دعا �إليه الب�شري في كتاب "م�صر بين الع�صيان والتفكك"‪.‬‬
‫الثورة التي تميزت بروح ديمقراطية بنف�س تميزها بثقافة �سيا�سية �أكثر منها دينية‪ ،‬لم تكن‬
‫ا�ستجابة لغير �سلطة ال�شعب‪ .‬ولم يكن ب�إمكان طرف �أن ين�سبها لنف�سه‪ ،‬وال حتى الإ�سالميين‬
‫(‪)67‬‬
‫ن�سبيا الذي لعبه الإخوان مع الوجود‬
‫ب�شكل خا�ص‪ .‬في الواقع‪ ،‬تعا�ضد الدور الب�سيط ًّ‬
‫القوي لأ�صوات ي�سارية راديكالية في �صبغ الثورة ب�صبغة ي�سارية‪ ،‬على الأرجح �أنها �أثارت‬
‫لدى الب�شري القلق من اختطاف محتمل للثورة من قبل الوافد؛ حيث بدا �أن ت�صرفاته‬
‫وا�ضحا‪ ،‬على �سبيل‬
‫خالل ال�شهر الذي تال الثورة كانت ُم َو َّج َهة لتفادي ذلك‪ .‬يبدو هذا‬
‫ً‬
‫المثال‪ ،‬في التعديل المقترح للمادة ‪ 75‬التي تحظر على كل الم�صريين الذين لهم �أي‬
‫�شكل من الروابط مع الوافد ‪� -‬سواء كانت جن�سية ثانية �أو زوجة �أجنبية ‪ -‬تولي الرئا�سة‪.‬‬
‫مقيا�س المحافظة في مقاومة الوافد الذي اتخذه الب�شري والذي كان �أكثر ما �أثار الجدل‬
‫هو موافقته على تعديل بدل الدعوة �إلى الإلغاء الفوري لد�ستور عام ‪1971‬م‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫في الحقيقة‪ ،‬كان يبدو �أن منطق المعار�ضة ال�شديدة التي �أبداها الب�شري لم�س�ألة‬
‫الإ�صالح الد�ستوري قبل الثورة‪ ،‬عندما و�صفه كطريقة لإحداث تغيير �سطحي‪� ،‬سير�سخ‬
‫نظا ًما ي�شكو من الخلل في �سلطته و�أنماط حكمه متج�سدة في الد�ستور‪ ،‬فهذا المنطق‬
‫�سيدفع به ب�شكل طبيعي �إلى تبني موقف بعد الثورة مماثل لموقف "عالء الأ�سواني" الذي‬
‫(‪)68‬‬
‫رف�ض عملية تعديل من حيث المبد�أ بو�صفها �أ�شبه "بعملية تجميل في ج�سم ميت"‪.‬‬
‫لكن‪ ،‬وكما تدفع بنا هذه الدرا�سة حول ق�صة "التهجين" الذي اجتازه فكر الب�شري �إلى‬
‫توقعه‪ ،‬ف�إن هناك رها ًنا �آخر كان ي�شغل الب�شري في م�س�ألة �إلغاء �أو الحفاظ على الد�ستور‬
‫بما كان من �ش�أنه �أن يدفع به نحو الخيار الثاني‪ ،‬وهو ال�سلطة التي تمنحها المادة الثانية‬
‫من الد�ستور لل�شريعة‪.‬‬
‫بعد �أن بد�أنا بدعوة الب�شري ال�شاب للم�ساهمة في الم�سعى ما بعد اال�ستعماري‬
‫ل�صياغة هوية م�ستقلة لأجل وطن م�ستقل‪ ،‬تتبعنا محاولة جيله لبلوغ هذه الأهداف‬
‫ثانيا‪ .‬وكما ر�أينا‪ ،‬انتقلت االفترا�ضات‬
‫الطموحة كنا�صريين �أو ًال ثم ك�إ�سالميين ُج ُدد ً‬
‫والمفاهيم ‪ -‬و�أهمها اال�ستح�ضار التاريخي المادي للتراث ‪ -‬من المرحلة الأولى �إلى‬
‫المرحلة الثانية؛ حيث تم بالتالي تهجينها بالقيم والبنى النظرية الجديدة‪ ،‬ال�سيما الإ�سالم‬
‫وال�شريعة‪ .‬بينما نجح الب�شري ب�شكل تام في التوفيق بين هذين الإن�شاءين الفكريين في‬
‫خالل الثالثة عقود الأخيرة‪� ،‬أنتجت عملية التهجين الفكرية‪ ،‬ب�شكل حتمي‪ ،‬نقطة توتر‬
‫حول م�س�ألة كيف ينبغي �أن توزع ال�سلطة بين حاملي التراث الأ�صيلين‪� .‬أي الجماعة‬
‫الم�صرية وال�شريعة؟ �أهمية االعتراف بهذا التوتر في فكر الب�شري‪ ،‬ومثله م�س�ألة التحول‬
‫الفكري الذي تتبعته هذه الدرا�سة‪ ،‬لي�ست لتحليل �أو ت�صنيف �أو انتقاد طارق الب�شري‬
‫ك�شخ�ص‪ ،‬بل‪ ،‬بد ًال من ذلك‪ ،‬هو بهدف فهم الق َُوى الثقافية الوا�سعة والم�شكالت التي‬
‫ر�أيناها تعتمل من خالله وتُ�شكل م�سيرته الفكرية‪ .‬والواقع �أن التوتر ال�سالف الذكر في‬
‫توترا �أكبر داخل المجتمع الم�صري ب ُِر َّم ِته حول‬
‫�أفكار الب�شري يعك�س ب�شكل �ضئيل ًّ‬
‫جدا ً‬
‫م�س�ألة ال�سلطة التي قد يحظى بها الإ�سالم وال�شريعة في الحكومة الديمقراطية لمرحلة ما‬
‫بعد الثورة‪� .‬إنَّ تحركات الب�شري ونتائج اال�ستفتاء الد�ستوري تفتر�ض �أنه ال الب�شري وال‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪30‬‬

‫غالبية الم�صريين على ا�ستعداد لإنكار مكانة ال�شريعة بو�صفها �سلطة في النظام الجديد‪،‬‬
‫بعد �أن نرى كيف �سيتم �إعادة التفاو�ض ب�ش�أن هذه ال�سلطة عندما تتحول الثورة �إلى‬
‫يتبقى ُ‬
‫نظام جديد للحكم‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫الهوام�ش‬
‫‪ ‹‹ -1‬العا�شرة م�سا ًء منى ال�شاذلي الم�ست�شار طارق الب�شري‪ :‬الدقيقتان ‪ 47‬و‪ ، ››48‬يوتيوب‪،‬‬
‫‪http://www.youtube.com/watch?v=nQvL6ENgrko&feature=related‬‬

‫‪ -2‬تحول الب�شري انتق ً‬
‫اال من �شكل مارك�سي من القومية الراديكالية نحو الإ�سالم يقابله‬
‫ على �سبيل المثال ‪ -‬ماويو فتح في لبنان الذين تحولوا نحو الإ�سالم ال�سيا�سي في‬‫�أوائل الثمانينيات َّ‬
‫و�شكلوا كتائب الجهاد الإ�سالمي‪ .‬انظر‪:‬‬

‫‪Manfred Sing. “Brothers in Arms: How Palestinian Maoists Turned‬‬
‫‪Jihadists”, Die Welt des Islams 51 (2011): 1-44.‬‬

‫تقريبا م�صدر �إلهام وتوجيه لمجموعة‬
‫‪ -3‬بعد �أن مثل الب�شري على مدى ع�شر �سنوات‬
‫ً‬
‫من الأع�ضاء الذين ان�شقوا عن حركة الإخوان الم�سلمين و�أ�س�سوا حركة �سيا�سية با�سم‬
‫و�ضوحا في الحركة الم�صرية من �أجل التغيير‬
‫دورا �أكثر‬
‫ً‬
‫‹‹ الو�سط›› عام ‪1996‬م‪� ،‬سيلعب ً‬
‫المعروفة‬
‫اخت�صارا با�سم ‹‹ كفاية ››‪ .‬في عام ‪2005‬م‪ ،‬و�ضعت الحركة ا�سمه كبديل‬
‫ً‬
‫‹‹ �إجماع وطني ›› لمبارك في رئا�سة م�صر‪.‬‬
‫‪ -4‬طارق الب�شري‪ ،‬مقابلة خا�صة‪ ،‬القاهرة‪� 25 ،‬أغ�سط�س ‪.2009‬‬
‫‪ -5‬خاتمة كتاب فانون "المعذبون في الأر�ض" الذي ُن ِ�شر لأول مرة عام ‪1961‬م كانت‬
‫تتمحور حول هذه الدعوة‪.‬‬
‫‪ -6‬طارق الب�شري‪ ‹‹ ،‬التكوين›› ‪ ،‬في حياة المفكرين والأدباء والفنانين ب�أقالمهم‪ ،‬الهالل‬
‫‪( 566‬القاهرة‪ :‬دارالهالل‪.48 :)1998 ،‬‬
‫‪ -7‬الم�صدر ال�سابق‪.49 :‬‬
‫‪� -8‬أ�شار �إبراهيم البيومي غانم في �سيرته الذاتية الق�صيرة عن الب�شري �إلى �أن فكرة وجود‬
‫"طبعتين" من الب�شري ‪ -‬واحدة "قديمة" (قبل ‪1967‬م) والثانية "جديدة" ‪ -‬قد‬
‫�أ�صبحت مجا ًزا‪ .‬انظر‪‹‹ :‬معالم في �سيرة طارق الب�شري››‪ ،‬في طارق الب�شري القا�ضي‬
‫المفكر (القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.88 :)1999 ،‬‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪32‬‬

‫‪ -9‬هذه الكلمات كتبها �صالح عي�سى عام ‪1972‬م‪ ،‬كجزء من عر�ضه المليء بالمديح‬
‫لأهم عمل كان قد ن�شر للب�شري‪" ،‬الحركة ال�سيا�سية في م�صر"‪ .‬بالرغم من �أن هذا‬
‫الكتاب ن�شر في ‪1972‬م ف�إن معظم المقاالت التي يحويها ن�شرت في ال�ستينيات في‬
‫�صحف ي�سارية كان الب�شري قد كتب فيها (الطليعة‪ ،‬الكاتب وروز اليو�سف‪� .‬صالح‬
‫عي�سى‪ ،‬عر�ض لكتاب الحركة ال�سيا�سية‪ ،‬الطليعة (نوفمبر ‪.122 :)1972‬‬
‫‪� -10‬أ�سفر هذا البحث في نهاية المطاف عن كتاب "الحركة ال�سيا�سية في م�صر ‪-1945‬‬
‫‪1952‬م"‪ ،‬الذي �أ�صبح عم ً‬
‫كال�سيكيا في التاريخ الم�صري و�صنع من الب�شري‬
‫ال‬
‫ًّ‬
‫مهما في م�صر ما بعد الحرب‪ .‬المقاالت التي تم جمعها م ًعا ون�شرت في‬
‫مرج ًعا ًّ‬
‫نهاية المطاف في هذا الكتاب عام ‪1972‬م‪ ،‬كانت قد ن�شرت منف�صلة خالل �سنوات‬
‫ال�ستينيات في مجلة "الطليعة" ف�ض ً‬
‫ال عن دوريات ي�سارية �أخرى‪.‬‬
‫‪ -11‬محمد �أني�س‪‹‹ ،‬التاريخ في خدمة التحرر اال�شتراكي››‪ ،‬الأهرام (‪ 7‬يوليو‪.11 :)1963‬‬
‫‪ -12‬ا�ستخدم "فريدريك �إنجلز" ‪ Friedrich Engels‬هذا الم�صطلح لت�أطير النظرية‬
‫االجتماعية لكارل مارك�س ‪ ،Karl Marx‬تم تعريف اال�شتراكية العلمية في مواجهة‬
‫اال�شتراكية الطوباوية في �أوائل القرن التا�سع ع�شر‪� ،‬أمثال �سان �سيمون ‪Saint Simon‬‬
‫في العمل الذي �أنجزه "�إنجلز" �سنة ‪1880‬م " اال�شتراكية‪ :‬الطوباوية والعلمية"‪ .‬ن�ش�أت‬
‫تقليدا فكر ًّيا م�صر ًّيا في منت�صف الخم�سينيات عندما �أنجز‬
‫اال�شتراكية العلمية بو�صفها ً‬
‫كبيرا في الفكر المارك�سي الم�صري ميزهم عن‬
‫جيل جديد من ال�شيوعيين تحو ًال ً‬
‫�أ�سالفهم المبا�شرين‪ .‬كتب "يوف دي كابوا" ‪ Yoav Di-Capua‬في و�صف ماهية هذا‬
‫التحول‪" :‬بينما كان المارك�سيون خالل �سني الأربعينيات يعتبرون ق�ضيتهم بو�صفها‬
‫فقط ق�ضية‪� ،‬أ�صبحوا في الخم�سينيات يعتبرون �أنها علمية وبالتالي حتمية"‪ .‬وفرت درا�سة‬
‫التاريخ و�سيلة الكت�شاف والتدليل على حتمية تقدم الأمة نحو هذه الق�ضية‪ ،‬التي لم تكن‬
‫�أقل من بلوغ الأمة لأعلى مراحل اال�شتراكية‪ ،‬ومعها‪ ،‬اال�ستقالل المطلق‪ .‬في العمل‬
‫التاريخي لكل من "�إبراهيم �أمير" و"فوزي جري�س" و"�شهدي عطية ال�صافي" ‪ -‬وهم‬
‫ثالثة من �أهم المفكرين المعروفين في الحركة ال�شيوعية في ذلك الوقت ‪ -‬بدا‬
‫الما�ضي الم�صري وقد تحكمت به الق َُوى والقوانين المتمركزة حول تقدم ال�صراع‬
‫علميا وت�سخيرها لتحقيق الأهداف الم�ستقبلية‬
‫الطبقي التي يمكن درا�ستها ًّ‬
‫‪Yoav Di-Capua. Gatekeepers of the Arab Past: Historians and‬‬
‫‪History Writing in Twentieth Century Egypt (Berkeley: Universityof‬‬
‫‪California Press, 2009): 278.‬‬

‫‪33‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫من خالل "توليفة من الحتمية االقت�صادية والرواية القومية الرئي�سية لتحرر الأمة"‪،‬‬
‫جعلت هذه المجموعة من المفكرين المارك�سيين الجدد من مبادرة درا�سة وكتابة‬
‫أ�سا�سا لم�شروع برنامج يهدف �إلى تحقيق م�ستقبل م�صر الحديثة الم�ستقلة"‬
‫التاريخ � ً‬

‫‪Meijer, The Quest for Modernity: Secular Liberal and Left-Wing‬‬
‫‪Political Thought in Egypt, 1945-1958 (London: Rutledge Curzon,‬‬
‫‪2002): 223.‬‬

‫لذلك لي�س من قبيل ال�صدفة �إذن �أن هذا الجيل نف�سه قد �أنجز االنتقال الكبير الآخر‬
‫للمارك�سية الم�صرية في منت�صف الخم�سينيات وهو الم�صالحة مع النظام النا�صري‪،‬‬
‫مما �أدى �إلى اعتماد الدولة الر�سمي لمنهج اال�شتراكية العلمية في كتابة التاريخ عام‬
‫‪1962‬م كطريقة �أولية في ت�أليف وتنقيح برامج �إ�صالح اال�شتراكية العلمية كما تمت‬
‫�صياغتها في الميثاق القومي‪.‬‬
‫‪ -13‬طارق الب�شري‪ ‹‹ ،‬عام ‪1946‬م في التاريخ الم�صري›› ‪ ،‬الطليعة (فبراير ‪.58-50:)1965‬‬
‫‪ -14‬الم�صدر ال�سابق‪.52 :‬‬
‫‪ -15‬الم�صدر ال�سابق‪.‬‬
‫‪ -16‬الم�صدر ال�سابق‪.58 :‬‬
‫‪ -17‬الم�صدر ال�سابق‪.50 :‬‬
‫‪ -18‬طارق الب�شري‪‹‹ ،‬في مفهوم الملكية الخا�صة››‪ ،‬الطليعة (�أكتوبر ‪.43-30:)1966‬‬
‫‪ -19‬بد�أ هذا الجدل في �أوائل ال�ستينيات بعد �أن عزلت الحكومة �سري ًعا �أغلب الملكيات‬
‫الزراعية التابعة للنخبة و�أَ َّممت مئات م�شاريع الأعمال الخا�صة في عام ‪1962‬م؛‬
‫لغر�ض خلق قطاع عمالق في غ�ضون �ستة �أ�شهر‪ .‬برنامج الإ�صالح اال�شتراكي‬
‫حكوميا‬
‫برنامجا‬
‫أي�ضا من ملكية الأرا�ضي �إلى ‪ 100‬فدان و�أقام‬
‫�ص � ً‬
‫الجديد ق َّل َ‬
‫ً‬
‫ًّ‬
‫للإ�شراف على التعاونيات الزراعية‪ .‬انفجر النقا�ش حينئذ عام ‪1966‬م بعد اغتيال‬
‫"�صالح ح�سين"‪ ،‬اال�شتراكي الج�سور وزعيم الم�شروع الزراعي الجماعي في قرية‬
‫كم�شي�ش‪ .‬على �إثر وفاة ح�سين – بعد الدعوة التي وجهها جمال عبد النا�صر �إلى‬
‫�شاهدا على "ثورة كم�شي�ش"‬
‫ت�شي غيفارا ‪ Che Guevara‬لزيارة القرية والوقوف‬
‫ً‬
‫بنف�سه ‪ -‬ظهرت بو�ضوح االنق�سامات العميقة بين الفالحين وعدم اال�ستقرار في‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪34‬‬

‫الم�شروع اال�شتراكي الذي تم بنا�ؤه؛ ولتحطم ال�صورة الطوباوية لكم�شي�ش التي كان‬
‫يراد لها �أن تعك�س نافذة نحو م�ستقبل م�صر‪.‬‬
‫‪ -20‬لنقا�ش مو�سع حول ق�ضية كم�شي�ش يراجع‪:‬‬

‫‪Hamied Ansari. Egypt: The Stalled Society (Albany, NY: State University‬‬
‫‪of New York Press, 1986): 32-44.‬‬

‫‪� -21‬أورد الب�شري "علي عبد الوافي" على �سبيل المثال‪ ،‬الذي جادل ب�أن الإ�سالم "يحمي‬
‫الملكية الخا�صة" لكنه "ال ي�سمح ب�أن ي�سود الر�أ�سماليون"‪ ،‬وبالتالي ي�صف الإ�سالم‬
‫نموذجا لال�شتراكية العربية‪ ،‬الب�شري‪،‬‬
‫ب�أنه "اال�شتراكية الو�سط" التي ينبغي لها �أن تكون‬
‫ً‬
‫‹‹ في مفهوم الملكية››‪.40:‬‬
‫‪Karl Marx. “Marx on the History of His Opinions”, in The Marx‬‬‫‪Engels Reader, edited by Robert C. Tucker, 2nd ed. (New York: WW‬‬
‫‪Norton & Co., 1978): 4.‬‬

‫‪ -22‬الب�شري‪ ‹‹ ،‬في مفهوم الملكية›› ‪.43:‬‬
‫‪ -23‬يقول الب�شري‪" :‬النا�س هم خزان من القيم الحية ومن تراثهم"‪ ،‬انظر‪ :‬الم�صدر ال�سابق‪.‬‬
‫‪ -24‬دعا الب�شري �إلى �أن اال�شتراكية العربية تمثل �شك ً‬
‫ال �أكثر تقد ًما من القومية العربية؛‬
‫لأن "الثورة اال�شتراكية انطلقت من مواقف الثورة القومية"‪ .‬و"عمقت" دعوتها �إلى‬
‫�إعادة �صياغة اال�ستقالل بو�صفه "�سيادة ال�شعب العامل لأجل م�صير بالدهم"‪ .‬انظر‪:‬‬
‫الم�صدر ال�سابق‪ .43 :‬هذا مما يعيد ا�ستدعاء حجج الب�شري في مقاله الأول الذي‬
‫كتبه عام ‪1946‬م حول الوعي الجماهيري المتو�سع عقب اال�ضطراب االقت�صادي‬
‫بعد الحرب ب�ش�أن �إعادة تعريف هدف اال�ستقالل الوطني ب�شكل �أكثر �شمو ًال بو�صفه‬
‫�سيا�سيا واقت�صاد ًّيا‪.‬‬
‫ا�ستقال ًال‬
‫ًّ‬
‫‪ -25‬الم�صدر ال�سابق‪.37 :‬‬

‫‪ -26‬هذه الأهداف الأربعة – و�ضع حد لال�ستغالل‪ ،‬بلوغ الإرادة ال�شعبية لو�سائل الإنتاج‪،‬‬
‫تذويب الطبقات‪ ،‬وتحقيق العدالة واالكتفاء لكل الم�صريين ‪ -‬مثلت بالن�سبة للب�شري‬
‫جوهرا ال يطاله ال�شك في الم�شروع العربي اال�شتراكي المن�صو�ص عليه في الميثاق‪.‬‬
‫ً‬

‫‪35‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫وبينما تكون جوانب الميثاق؛ مثل الملكية الخا�صة‪ ،‬موا�ضيع عر�ضة للتغيير مع تقدم‬
‫الثورة‪ُ ،‬ت َع ُّد هذه الأهداف الأربعة �أهدافًا ثابتة‪ .‬انظر‪ :‬الم�صدر ال�سابق‪.32-31 :‬‬
‫‪ -27‬الم�صدر ال�سابق‪.43 :‬‬
‫‪ -28‬ي�ؤكد الب�شري على �أن "االنفتاح الفكري" للمفكر يك�شف عن "انحيازه الكامل‬
‫ل�صفوف ال�شعب" باتجاه ق�ضية "و�ضع حد ال�ستغالل فرد من قبل فرد �آخر"‪ .‬بينما‬
‫يك�شف التفكير ال�ضيق عن والء المرء لفكرة �أو مبد أ� غير مادي بد ًال عن النا�س وواقع‬
‫وجودهم‪ .‬انظر‪ :‬الم�صدر ال�سابق‪.‬‬
‫‪ -29‬طارق الب�شري‪ ،‬مقابلة خا�صة‪ ،‬القاهرة‪� 25 ،‬أغ�سط�س ‪.2009‬‬
‫‪ -30‬الم�صدر ال�سابق‪.‬‬
‫‪ -31‬بينما كان طارق الب�شري يركز جهوده الفكرية في هذه الفترة على عملية مراجعة‬
‫نقدية ذاتية تنطوي على تنقيح عمله القانوني والتاريخي على مدى ع�شر �سنوات‬
‫أي�ضا على م�شروع تاريخي جديد يهتم بالتعاون‬
‫ون�صف خلت‪ ،‬قال �إنه كان يفت�ش � ً‬
‫الديني الداخلي بين الأقباط والم�سلمين في الحركة الوطنية الم�صرية المناه�ضة‬
‫لال�ستعمار التي و�صلت �إلى ثورة عام ‪1919‬م‪ .‬هذا البحث الذي �أ�سفر عن عمل‬
‫الب�شري ال�ضخم "الم�سلمون والأقباط في �إطار الجماعة الوطنية"‪َ ،‬و َّ�سع �إلى حد‬
‫كبير من المنظور التاريخي الذي اكت�سبه خالل بحوثه ال�سابقة في مرحلة م�صر ما‬
‫قبل الثورة في القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬في نف�س الوقت الذي كان يراقب فيه تقدمها في‬
‫ال�سبعينيات‪.‬‬
‫‪ -32‬طارق الب�شري‪� ‹‹ ،‬سعد زغلول وفكره ال�سيا�سي››‪ ،‬الطليعة (مار�س ‪.38 :)1996‬‬
‫‪ -33‬طارق الب�شري‪ ،‬الديمقراطية والنا�صرية (القاهرة‪ :‬دار الثقافة الجديدة‪.)1975 ،‬‬
‫‪ -34‬الب�شري‪�‹‹ ،‬سعد زغلول وفكره ال�سيا�سي››‪.39 :‬‬
‫‪ -35‬الب�شري‪ ،‬الديمقراطية والنا�صرية‪.63 :‬‬
‫‪ -36‬طارق الب�شري‪ ،‬مقابلة خا�صة‪ ،‬القاهرة‪� 25 ،‬أغ�سط�س ‪.2009‬‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ -37‬طارق الب�شري‪‹‹ ،‬ثالث مالحظات عن الحركة الديمقراطية الم�صرية ››‪ ،‬في درا�سات‬
‫في الديمقراطية الم�صرية (القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪ .204 :)1987 ،‬وتجدر الإ�شارة �إلى‬
‫�أن الب�شري كتب هذه المقالة عام ‪1979‬م‪ ،‬على الرغم من �أنها ن�شرت لأول مرة عام‬
‫‪1981‬م (الغانم‪.)96 :‬‬
‫‪� -38‬أحد الأمثلة عن هذه القراءة الخاطئة‪ ،‬كتاب لريموند وليم بيكر‪Raymond William Baker‬‬

‫ح�صرا داخل‬
‫�إ�سالم بال خوف" المن�شور عام ‪2003‬م‪ .‬الكتاب ي�صنف الب�شري‬
‫ً‬
‫االتجاه الفكري الو�سطي الذي تطور في الثمانينيات والت�سعينيات‪ ،‬ما �سماه‬
‫الكاتب "مدر�سة الإ�سالميين الجدد"‪ .‬وبذلك �أهمل تقديم فكر الب�شري ككيان‬
‫بذاته متطور وديناميكي بجذور نا�صرية‪ .‬بالرغم من �أن "بيكر" يحتفي بتعددية‬
‫الطليعة الإ�سالمية الجديدة ‪ -‬التي ت�ضم علماء الأزهر الدينيين المتمكنين �أمثال‬
‫ال�شيخ يو�سف القر�ضاوي م�ضافًا �إليها المتخ�ص�صون من خريجي الجامعات‬
‫العلمانية �أمثال طارق الب�شري ‪ -‬ف�إن الكاتب وبدون تمييز‪ ،‬يجمع تحت‬
‫نف�س المظلة بين الجذور الفكرية المتباينة لهذا االتجاه حين يعلن �أنها انبثقت‬
‫عن حركة الإخوان الم�سلمين‪ .‬حين يقول "بيكر" �إن " الإخوان الم�سلمين‬
‫�شكلوا الحركة التي انبثق عنها اتجاه الإ�سالميين الجدد كقوة م�ستقلة وحا�سمة"‪،‬‬
‫ومن َث َّم ف�إن اعتبار الب�شري �أحد الأعالم الم�ؤ�س�سين لهذا االتجاه‪ ،‬ي�ضلل القارئ ب�ش�أن‬
‫الن�ش�أة والروح المتميزة لمواقف الب�شري ك�إ�سالمي جديد‪Raymond William Baker, .‬‬
‫‪Islam Without Fear (Cambridge, MA: Harvard University Press 2003): 3.‬‬

‫‪ -39‬قدم ال�شيخ يو�سف القر�ضاوي هذه الأطروحة في كتاب‪ :‬در�س النكبة الثانية‪ :‬لماذا‬
‫انهزمنا وكيف ننت�صر؟ ط‪( 3 .‬القاهرة‪ :‬مكتبة وهبة‪.)1987 ،‬‬
‫‪ -40‬طارق الب�شري‪ ،‬الم�سلمون والأقباط في �إطار الجماعة الوطنية (القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪،‬‬
‫‪.3 :)1983‬‬
‫‪ -41‬الب�شري‪ ،‬ثالث مالحظات‪.245 :‬‬
‫قائما على‬
‫‪ -42‬ي�صف الب�شري �إ�سرائيل هنا بو�صفها‬
‫ً‬
‫"م�شروعا لال�ستيطان اال�ستعماري ً‬
‫الأرا�ضي العربية‪ ،‬ويهدف �إلى التو�سع في المنطقة وت�شتيت مواطنيها"‪ .‬انظر‪:‬‬
‫الم�صدر ال�سابق‪.250 :‬‬

‫‪37‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫‪‹‹ -43‬مناق�شات›› ‪ ،‬في القومية العربية والإ�سالم‪ ،‬بحوث ومناق�شات الندوة الفكرية التي نظمها‬
‫مركز درا�سات الوحدة العربية (بيروت‪ :‬مركز درا�سات الوحدة العربية‪:)1981 ،‬‬
‫‪.355‬‬
‫‪ -44‬الب�شرى‪ ،‬ثالث مالحظات‪.350:‬‬
‫‪ -45‬الب�شري‪ ،‬الم�سلمون والأقباط‪.3 :‬‬
‫‪ -46‬الب�شرى‪ ،‬ثالث مالحظات‪.204 :‬‬
‫‪ -47‬الم�صدر ال�سابق‪ .‬وفقًا للمقابلة التي �أجراها "�إبراهيم غانم" مع الب�شري‪ ،‬ف�إن المرة‬
‫الأولى التي �صاغ فيها م�صطلحات االزدواجية‪ ،‬الوافد والتراث كانت عام ‪1979‬م‪،‬‬
‫حين كتب هذا المقال الذي لم ين�شر حتى �سنة ‪1981‬م (الغانم‪.)96 :‬‬
‫‪ -48‬ظهر الب�شري في عام ‪1982‬م بنظريته الجديدة ودافع عنها في �شكلها النهائي في‬
‫المقدمة الجديدة التي كتبها للطبعة الثانية لكتابه عن "الحركة ال�سيا�سية في م�صر‬
‫‪1952-1945‬م" الذي �أ�صبح مذ ذاك من كال�سيكيات التاريخ الم�صري الحديث‬
‫ومث ً‬
‫اال رمز ًّيا عن كتابة التاريخ بمنهج اال�شتراكية العلمية‪ .‬الجدل المعروف الذي‬
‫ا�ستحثه �إعادة تف�سير الب�شري للحركات الم�صرية في مرحلة ما قبل الثورة يدور‬
‫حول انقالب �صاحب الكتاب في مواقفه ال�سابقة تجاه حركة الإخوان الم�سلمين‬
‫والحركات ال�شيوعية‪� .‬أقر الب�شري �أن حكمه القا�سي الذي َو َّج َهه �سابقًا لحركة‬
‫الإخوان ومنظمات �إ�سالمية �أخرى كان في غير محله في الطبعة الأولى من الحركة‪،‬‬
‫والتي لم تعترف بال�شكل ال�صحيح بالدور المهم الذي لعبته هذه الجماعات‬
‫تناول الب�شري لل�شيوعيين‪ ،‬من جهة‬
‫والم�ؤ�س�سات الإ�سالمية للحفاظ على التراث‪ُ .‬‬
‫تحول من الت�أييد �إلى النقد حين �أعلن �أن حركاتهم لي�س لها وجود في الواقع‬
‫ثانية‪َّ ،‬‬
‫الم�صري‪ ،‬بل �أ�صبحت غريبة عنه ب�سبب روحها المارك�سية‪ .‬وفقًا لنموذج الب�شري‬
‫الجديد‪ ،‬يتجلى الوافد في المبادرة ال�شيوعية ب�سبب قاعدتها الأيديولوجية في الفكر‬
‫الغربي و�إهمالها للتراث‪ .‬وبما �أن الجماهير �ست�ستجيب فقط و َت َت َب َّنى حركة تج�سد‬
‫التراث‪ ،‬الذي يرتبط في النهاية بهويتهم الجماعية‪ ،‬وخبرتهم‪ ،‬ونظامهم الأخالقي‪،‬‬
‫�أكد الب�شري �أنه من الطبيعي �أن يف�شل ال�شيوعيون كما حدث معهم‪ .‬انظر‪ :‬طارق‬
‫الب�شري‪‹‹ ،‬مقدمة››‪ ،‬في الحركة ال�سيا�سية في م�صر ‪1952-1945‬م‪ ،‬ط‪( 2 .‬القاهرة‪:‬‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪38‬‬

‫دار ال�شروق‪ .72-7 :)1983 ،‬ب�شكل خا�ص ال�صفحات ‪32-26 ،23-22‬‬
‫التي تخ�ص قراءاته المراجعة لكل من ال�شيوعيين والإخوان الم�سلمين‪.‬‬
‫‪ ‹‹ -49‬مناق�شات›› ‪ ،‬في القومية العربية والإ�سالم‪ .358-357 :‬التعاطف الذي يتحدث‬
‫به الب�شري عن �إخفاق الم�شروع الذي قاده ال�سلفيون الحداثيون هو من الدالئل‬
‫الأكيدة على �أنه ي�ستح�ضر ه�ؤالء في ذهنه كنموذج وكم�صدر للإلهام في ت�صوره‬
‫لم�شروعه القومي المراجع‪.‬‬
‫‪ -50‬الم�صدر ال�سابق‪.358 :‬‬
‫وكثيرا من معا�صريه‬
‫‪ -51‬من المهم ت�سليط ال�ضوء على هذا االرتباط‪ ،‬طالما �أن الب�شري‬
‫ً‬
‫ممن ان�ضموا �إليه في تجربة التحول نحو نموذج �إ�سالمي من القومية العربية يميلون‬
‫في نهاية المطاف �إلى و�صف م�شروعهم كا�ستمرار لتقليد ال�شيخ محمد عبده‪ .‬بالنظر‬
‫�إلى �أن "مالك بن نبي" عا�ش وكتب في م�صر ال�ستينيات بدعم �شخ�صي من الرئي�س‬
‫عبد النا�صر الذي رحب به عام ‪1956‬م بعد �أن ترك وطنه في خ�ضم حرب التحرير‬
‫التي كانت تخو�ضها جبهة التحرير الوطني بهدف تحقيق ا�ستقالل الجزائر‪ ،‬يبدو من‬
‫أ�سا�سيا في تن�شيط التفكير والنقا�ش لدى المفكرين الم�صريين‬
‫المحتمل ًّ‬
‫جدا �أنه كان � ًّ‬
‫بخ�صو�ص م�شروع محمد عبده و�إطاره النظري الح�ضاري‪.‬‬
‫‪ -52‬جادل ابن نبي ب�أن "ا�ستعمار العقول" من ِق َبل الغرب في المجتمعات الم�سلمة كان‬
‫يك�شف عن "ه�شا�شة" خطيرة في الح�ضارة الإ�سالمية تجاه اال�ستعمار العقائدي الذي ال‬
‫يمكن عالجه �إال عبر "تجديد الجوهر الخالق في �إيمان الم�سلم" وا�ستثمار ذلك‪.‬‬
‫‪Sebastian J. Walsh. “Killing Post-Almohad Man: Malek Bennabi, Algerian‬‬
‫‪Islamism and the Search for a Liberal Governance”, The Journal of‬‬
‫‪North African Studies 12, No. 2: 237.‬‬

‫ابن نبي الذي ا�ستبق الب�شري بع�شرين �سنة‪" ،‬لفت االنتباه �إلى المرحلة الجديدة من‬
‫التطور العالمي �أي تحول �صراع القوى بين القوى العظمى نحو الميدان العقائدي‪،‬‬
‫وهو ما يحتم الأمر على الدول الإ�سالمية والأفرو�آ�سيوية التي تعاني تخلفًا في مجـــال‬
‫�أدوات القـــوة المادية‪ ،‬لإيالء �أق�صى اهتمامها لم�شكلة الأفكـار"‪.‬‬

‫‪Malek Bennabi. “Malek Bennabi: His Life, Times and Thought: Translator’s‬‬
‫‪Introduction”, In: Islam in History and Society, translated by Asma‬‬
‫‪Rashid (Islamabad: Islamic Research Institute, 1988): 25.‬‬

‫‪39‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫‪ -53‬في حين �أنه لي�س كل المفكرين الحا�ضرين في الم�ؤتمر ا�ستخدموا بال�ضرورة‬
‫تحديدا في عملهم الفردي‪� ،‬إال �أن كل الم�شاركين حا�ضروا‬
‫م�صطلح "ح�ضارة"‬
‫ً‬
‫في مو�ضوعات مرتبطة بهذا المعنى‪ ،‬بما في ذلك م�صطلحات الدين‪ ،‬والثقافة‪،‬‬
‫والفكر‪ ،‬والهوية والأ�صالة‪ .‬ت�ضمنت العناوين‪ :‬عبد العزيز الدوري في‪" :‬الإ�سالم‬
‫وانت�شار اللغة العربية والتعريب"‪� ،‬إح�سان عبا�س في‪" :‬الأ�صالة في الثقافة القومية‬
‫الحديثة"‪ ،‬كمال �أبو المجد في‪" :‬م�ستقبل العالقة بين القومية العربية والإ�سالم"‪،‬‬
‫و�أنور عبد الملك في‪" :‬رائحة ال�شرق‪ :‬دور التكامل الح�ضاري بين القومية العربية‬
‫والإ�سالم في خلق عالم جديد‪.‬‬
‫‪� -54‬سعد الدين �إبراهيم‪‹‹ ،‬تعقيب ختامي››‪ ،‬في القومية العربية والإ�سالم ‪.738:‬‬
‫‪ -55‬طارق الب�شري‪ ‹‹ ،‬الخلف بين النخبة والجماهير �إزاء العالقة بين القومية العربية والإ�سالم›› ‪،‬‬
‫في القومية العربية والإ�سالم ‪.300:‬‬
‫‪‹‹ -56‬مناق�شات››‪ ،‬في القومية العربية والإ�سالم‪.356 :‬‬
‫‪ -57‬طارق الب�شري‪ ‹‹ ،‬رحلة التجديد في الت�شريع الإ�سالمي››‪ ،‬في الو�ضع القانوني بين‬
‫ال�شريعة الإ�سالمية والقانون الو�ضعي (القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪ُ .49-48 :)1996 ،‬ن ِ�شر‬
‫هذا المقال لأول مرة في مار�س ‪1979‬م في مجلة العربي الكويتية‪.‬‬
‫‪‹‹ -58‬مناق�شات››‪ ،‬في القومية العربية والإ�سالم‪.356 :‬‬
‫‪� -59‬أ�شار الب�شري �إلى هذا في تعليقه على ورقة "جوزيف مغزيل" ‪Joseph Mughaizel‬‬
‫الم َع ْن َو َنة بــ "‪ " Islam, Arab Christianity, Arab Nationalism and Secularism‬انظر‪:‬‬
‫ُ‬

‫‹‹ تعقيب ‪ ،››1‬في القومية العربية والإ�سالم ‪.393:‬‬

‫‪ -60‬تنعك�س هذه المكانة الم�ستقلة في لقب "الإ�سالمي الم�ستقل" التي ُي�شاع ا�ستخدامها‬
‫للإ�شارة �إلى طارق الب�شري‪ ،‬وفهمي هويدي‪ ،‬وكمال �أبو المجد‪ ،‬ومحمد �سليم العوا‬
‫ب�سبب و�ضعهم الم�شترك كمفكرين �إ�سالميين ال يتبعون �أي حزب �أو حركة �سيا�سية‪.‬‬
‫لدرا�سة رائدة و�شاملة لهذه المجموعة انظر‪ :‬محمد حافظ دياب‪ ،‬الإ�سالميون‬
‫الم�ستقلون‪ :‬الهوية وال�س�ؤال (القاهرة‪ :‬ميريت‪.)2002،‬‬
‫‪ -61‬هذه م َّث َلت مجرد البداية في م�سيرة الم�صالحة الطويلة بين الب�شري والإخوان‪.‬‬
‫�ستكون الخطوة الرئي�سية التالية في عام ‪1986‬م‪ ،‬مع ن�شر مقدمة الطبعة الثانية من‬
‫كتاب "الحركة ال�سيا�سية في م�صر"‪ ،‬المقدمة الجديدة التي احتوت على انقالب‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪40‬‬

‫الكاتب ال�شهير ب�ش�أن االنتقادات القا�سية التي وجهها في ال�سابق لحركة الإخوان‬
.‫ا�شتراكيا‬
‫مفكرا‬
‫الم�سلمين حين كان‬
ًّ
ً

Geneive Abdo. No God but God: Egypt and the Triumph of Islam -62
(Oxford: Oxford University Press, 2000): 67-68.

.38 :)2006 ،‫ دار ال�شروق‬:‫ م�صر بين الع�صيان والتفكك (القاهرة‬،‫ طارق الب�شري‬-63
.40:‫ الم�صدر ال�سابق‬-64
.37-36 :‫ الم�صدر ال�سابق‬-65
.40 ‫ انظر على �سبيل المثال ال�صفحة‬-66
Hossam Tammam and Patrick Haenni, “Egypt: Islam in the Insurrection”, -67
Religioscope, translated by Wendy Kristianasen (February 2011),
http://religion.info/english/articles/article_519.shtml

.‫ اقتبا�س‬-68

2011 ‫�إبريل‬

41

‫الم�صادر‬
‫�أوالً‪ :‬الم�صادر باللغة العربية‬
‫�إبراهيم البيومي غانم‪ ‹‹ .‬معالم في �سيرة طارق الب�شري››‪ .‬في طارق الب�شري القا�ضي‬
‫المفكر‪ .‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.1999 ،‬‬
‫�سعد الدين �إبراهيم‪ ‹‹ .‬تعقيب ختامي›› ‪ .‬في القومية العربية والإ�سالم‪ ،‬بحوث ومناق�شات الندوة‬
‫الفكرية التي نظمها مركز درا�سات الوحدة العربية‪ .‬بيروت‪ :‬مركز درا�سات الوحدة العربية‪،‬‬
‫‪.739-737 :1981‬‬
‫�صالح عي�سى‪ ‹‹ .‬عر�ض لكتاب الحركة ال�سيا�سية في م�صر ‪1952-1945‬م››‪ .‬الطليعة‬
‫(نوفمبر ‪.127-122 :)1972‬‬
‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬تعقيب ‪ .››1‬في القومية العربية والإ�سالم‪ ،‬بحوث ومناق�شات الندوة الفكرية‬
‫التي نظمها مركز درا�سات الوحدة العربية‪ .‬بيروت‪ :‬مركز درا�سات الوحدة العربية‪:1981 ،‬‬
‫‪.393-387‬‬
‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬التكوين››‪ .‬في حياة المفكرين والأدباء والفنانين ب�أقالمهم‪ .‬الهالل ‪.566‬‬
‫القاهرة‪ :‬دار الهالل‪.50-25 :1998 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪‹‹ .‬ثالث مالحظات عن الحركة الديمقراطية الم�صرية››‪ .‬في درا�سات في‬
‫الديمقراطية الم�صرية‪ .‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.257-240 :1987 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪ .‬الحركة ال�سيا�سية في م�صر ‪1952-1945‬م‪ .‬القاهرة‪ :‬الهيئة الم�صرية العامة‬
‫للكتاب‪.1972 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪ .‬الحركة ال�سيا�سية في م�صر ‪1952-1945‬م‪ .‬ط‪ .2.‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.1983 ،‬‬

‫كرا�سات علمية ‪5‬‬

‫‪42‬‬

‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬الخلف بين النخبة والجماهير �إزاء العالقة بين القومية العربية والإ�سالم›› في‬
‫القومية العربية والإ�سالم‪ ،‬بحوث ومناق�شات الندوة الفكرية التي نظمها مركز درا�سات‬
‫الوحدة العربية‪ .‬بيروت‪ :‬مركز درا�سات الوحدة العربية‪.300-275 :1981 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪ .‬الديمقراطية والنا�صرية‪ .‬القاهرة‪ :‬دار الثقافة الجديدة‪.1975 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬رحلة التجديد في الت�شريع الإ�سالمي››‪ .‬في الو�ضع القانوني بين ال�شريعة‬
‫الإ�سالمية والقانون الو�ضعي‪ .‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.1996 ،‬‬
‫طارق الب�شري‪� ‹‹ .‬سعد زغلول وفكره ال�سيا�سي››‪ .‬الطليعة (مار�س ‪.43-38 :)1996‬‬
‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬عام ‪1946‬م في التاريخ الم�صري›› ‪ .‬الطليعة (فبراير ‪.58-50:)1965‬‬
‫طارق الب�شري‪ ‹‹ .‬في مفهوم الملكية››‪ .‬الطليعة (�أكتوبر ‪.43-30 :)1966‬‬
‫طارق الب�شري‪ .‬الم�سلمون والأقباط في �إطار الجماعة الوطنية‪ .‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪،‬‬
‫‪.1983‬‬
‫طارق الب�شري‪ .‬م�صر بين الع�صيان والتفكك‪ .‬القاهرة‪ :‬دار ال�شروق‪.2006 ،‬‬
‫محمد �أني�س‪ ‹‹ .‬التاريخ في خدمة التحرر اال�شتراكي››‪ .‬الأهرام (‪ 7‬يوليو ‪.)1963‬‬
‫محمد حافظ دياب‪ .‬الإ�سالميون الم�ستقلون‪ :‬الهوية وال�س�ؤال‪ .‬القاهرة‪ :‬ميريت‪.2002 ،‬‬
‫‹‹مناق�شات››‪ .‬في القومية العربية والإ�سالم‪ ،‬بحوث ومناق�شات الندوة الفكرية التي نظمها مركز‬
‫درا�سات الوحدة العربية‪ .‬بيروت‪ :‬مركز درا�سات الوحدة العربية‪.360-345 :1981 ،‬‬
‫يو�سف القر�ضاوي‪ ،‬در�س النكبة الثانية‪ :‬لماذا انهزمنا وكيف ننت�صر‪ ،‬ط‪( 3.‬القاهرة‪ :‬مكتبة‬
‫وهبة‪1987 ،‬م)‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫�إبريل ‪2011‬‬

‫ الم�صادر باللغة الإنجليزية‬:‫ثانيًا‬
Abdo, Geneive. No God but God: Egypt and the Triumph of Islam.
Oxford: Oxford University Press, 2000.
Baker, Raymond William. Islam Without Fear. Cambridge, MA: Harvard
University Press, 2003.
Di-Capua, Yoav. Gatekeepers of the Arab Past: Historians and
History Writing in Twentieth Century Egypt. Berkeley: University
of California Press, 2009.
Engels, Friedrich and Karl Marx. “Manifesto of the Communist Party”. In The
Marx-Engels Reader. Edited by Robert C. Tucker. 2nd ed. New York: WW
Norton & Co., 1978: 469 -500.
Meijer, Roel. The Quest for Modernity: Secular Liberal and Left-Wing
Political Thought in Egypt, 1945-1958. London: Rutledge Curzon, 2002.
Rashid, Asmaa. “Malek Bennabi His Life, Times, and Thought: Translator’s
Introduction”. In: Islam in History and Society. Translated by Asma
Rashid. Islamabad: Islamic Research Institute, 1988: 1-28.
Tammam, Hossam and Patrick Haenni. “Egypt: Islam in the Insurrection”.
Religioscope. Translated by Wendy Kristianasen (February 2001).
Walsh, Sebastian J. “Killing Post-Almohad Man: Malek Bennabi, Algerian
Islamism and the Search for a Liberal Governance”. The Journal of
North African Studies 12, No. 2 (2007): 235-254.

44

5 ‫كرا�سات علمية‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful