You are on page 1of 24

‫قصة دارفور‬

‫الدكتور راغب السرجاني‬
‫>‪<TD< tr/‬‬
‫سر عدم وجود تعاطف شعبي إسلمي‬
‫لعل من أهم السباب التي تف ّ‬
‫كبير مع مشكلة السودان ‪ -‬هو جهل المسلمين بحقيقة الوضاع في‬
‫داخل هذا البلد السلمي الكبير‪ ،‬خاصًة في منطقة دارفور‪ ،‬والتي‬
‫برزت على الساحة فجأًة وبشكل كبير في السنوات القليلة السابقة‪.‬‬
‫نعلم جيًدا أهمية العلم في إثارة اهتمام الشعوب بقضية ما‪ ،‬وقد دأب‬
‫العلم الغربي والصهيوني على الحديث عن قضية دارفور من‬
‫ف واضحة‪ ،‬يأتي في مقّدمتها فصل دارفور عن‬
‫منظوره لتحقيق أهدا ٍ‬
‫سل العلم السلمي عن القيام بدوره في هذه القضية‬
‫السودان‪ ،‬وتكا ُ‬
‫لعدة سنوات؛ مما نتج عنه ما نحن فيه الن من اضطراب وفقدان‬
‫للتوازن‪.‬‬
‫إن المعلومة قوٌة كبيرة‪ ،‬وإننا لن نستطيع أن نفهم أو نتوقع طرق حل‬
‫الزمة السودانية دون فقٍه عميق لجذورها وأبعادها‪ ،‬ولن نمتلك القدرة‬

‫على طرح آليات لحل المشكلة إل بوجود قاعدة معلوماتية ضخمة‬
‫تشرح لنا أبعاد الموقف كله‪ ،‬كما ُتعنى بشكل كبير بتحقيق المعلومة‪،‬‬
‫والتثّبت من صدقها‪ .‬وهذا ل يكفي فيه جهد فرد أو أفراد‪ ،‬إنما يحتاج‬
‫إلى جهود مؤسسّية مخلصة‪ ،‬وإلى عدٍد كبير من المتخصصين‬
‫والمهتمين بالشأن السوداني والفريقي‪ ،‬كما يحتاج إلى زيارات‬
‫ميدانية‪ ،‬ومتابعة للحداث من داخلها‪ ،‬واستطلعات رأي‪ ،‬واستبيانات‬
‫حَكمة‪ ،‬وقدرات عالية على التحليل والدراسة‪ .‬وكل هذا يحتاج إلى‬
‫ُم ْ‬
‫جْهٍد ومال ووقت وفكر‪ ،‬وقبل كل ذلك وبعده يحتاج إلى عقول متجردة‬
‫َ‬
‫من الهواء‪ ،‬ل تبغي بعملها هذا إل وجه ال ـ تعالى ـ ‪ ،‬وتحرص كل‬
‫الحرص على عدم الميل إلى جانب على حساب جانب آخر لمصالح‬
‫معّينة‪ ،‬أو منافَع ذاتية‪.‬‬
‫إننا نواجه مشكلة كبيرة حّقا عند الحديث عن مشكلة دارفور‪ ،‬وذلك‬
‫لعدم ثقتنا فيما في أيدينا من معلومات‪ ،‬فهذا يؤّكد وذاك ينفي‪ ،‬وثالث‬
‫ن الطراف المتصارعة كثيرة جّدا‪ ،‬وهي في‬
‫يهاجم ورابع يدافع؛ كما أ ّ‬
‫ازدياد مستمر‪ ،‬والموقف يزداد تعقيًدا يوًما بعد يوم‪ ..‬خاصًة أننا صرنا‬

‫نقرأ اليوم عشرات بل مئات التحليلت عن الموضوع‪ ،‬ومن أسماء ل‬ ‫نعرف تاريخها‪ ،‬ول مدى صدقها وشفافيتها؛ فمنها الحكيم الواعي‪،‬‬ ‫ومنها الصهيوني الُمْغِرض‪ ،‬كما أن منها المنافق عليم اللسان‪.‬‬ ‫إنها معضلة تجعل العقل يدور!!‬ ‫ما هي قصة دارفور؟!‬ ‫وهل يمكن أن تنفصل عن السودان؟‬ ‫وما هي آليات الحل للمشكلة؟‬ ‫إقليم دارفور أحد أكبر القاليم في السودان الن‪ ،‬وهو يقع في غرب‬ ‫السودان‪ ،‬وتبلغ مساحته أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع‪،‬‬ ‫ويقترب عدد سكانه من ستة مليين إنسان معظمهم من المسلمين‬ ‫جه إسلمي واضح حيث تزداد فيهم نسبة الحافظين‬ ‫سّنة‪ ،‬وعندهم تو ّ‬ ‫ال ّ‬ ‫لكتاب ال بشكل لفت للنظر‪ ،‬حتى يصل بهم البعض إلى نسبة ‪% 50‬‬ ‫من السكان‪ ،‬وإن كنت أرى أن في هذا الرقم مبالغًة كبيرة‪ ،‬ولكّنه ـ‬ ‫عا عن الطبيعة السلمية لهذا القليم‪ ،‬ولع ّ‬ ‫ل‬ ‫بشكل عام ـ يعطي انطبا ً‬ .

‫هذا من السباب التي جعلت اهتمام الغرب والصهاينة به أكثر وأعظم‪.‬‬ ‫لقد ظهرت في هذا القليم حركات تدعو للتمرد والنفصال عن الكيان‬ ‫الم السودان‪ ،‬وكان هذا في فترة التسعينيات من القرن العشرين‪ ،‬ثم‬ ‫تفاقم الوضع‪ ،‬ووصل إلى المحاولت العسكرية للنفصال في سنة‬ ‫‪ ،2003‬وازداد الوضع اضطراًبا مع مرور الوقت‪ ،‬وأصبحت القضية‬ ‫مطروحة عالمّيا‪ :‬هل ينبغي أن تنفصل دارفور عن السودان؟ أم أ ّ‬ ‫ن‬ ‫بقاَءها كإقليم في داخل الدولة أمر حتمي؟!‬ ‫ولكي يمكن الجابة على هذا السؤال ل بد من مراجعة تاريخية‬ ‫وواقعية وسياسية ودينية للموقف في دارفور‪ ،‬كما ينبغي أن ننظر إلى‬ ‫ل منطقي للمشكلة‪.‬‬ ‫المور بتجّرد وحيادّية حتى نستطيع أن نصل إلى ح ّ‬ ‫إن الذي يراجع ملف دارفور يجد أن احتمالت انفصال القليم عن‬ ‫ضا أنه ما لم تأخذ الحكومة السودانية‬ ‫السودان واردة جّدا!! ويجد أي ً‬ ‫مواقف حاسمة‪ ،‬وفي ذات الوقت عاقلة وحكيمة فإن المور ستخرج‬ ‫ل أكثر‬ ‫عن السيطرة‪ ،‬كما أن المسلمين ما لم يتفاعلوا مع القضية بشك ٍ‬ ‫عملية وسرعة فإن كابوس النفصال سيصبح حقيقة‪ ،‬وعندها لن ُيجدى‬ .

‬‬ ‫ل أن ال‬ ‫وللسف الشديد فإن كثيًرا منا يعيش بمبدأ التواكل‪ ،‬متخّي ً‬ ‫حا فقولوا لي بال‬ ‫ل‪ ،‬ولو كان هذا صحي ً‬ ‫سيحفظ الّمة حتى لو لم تعم ْ‬ ‫عليكم‪ :‬أين الندلس؟! وأين الهند؟!‬ ‫ضا أن غلق الملف مؤقًتا يعني حّله! ول‬ ‫ويعتقد كثير من المسلمين أي ً‬ ‫يدركون أن تأجيل حل المشكلة قد يفاقمها‪ ،‬وأن ما نراه مستحيلً الن‬ ‫قد يصبح أمًرا واقعّيا غًدا‪.‫إصلح‪.‬ول داعي لل ُ‬ ‫البد مهما كانت الظروف!‬ ‫ولماذا نقول إن احتمالت النفصال واردة جّدا؟!‬ ‫إن هذا التخّوف يأتي من عدة أمور‪:‬‬ ‫ل‪ :‬المساحة الضخمة لهذا القليم‪ ،‬والتي تؤهله أن يكون دولة مستقلة‬ ‫أو ً‬ .‬‬ ‫ن وضع دارفور خطير للغاية‪ ،‬وأن احتمالت‬ ‫ل بد من العتراف أ ّ‬ ‫ل دءوًبا ليل نهار حتى نمنع هذه‬ ‫انفصالها واردة جّدا‪ ،‬وأننا نريد عم ً‬ ‫جَمل العنترية بأن‪ :‬دارفور ستبقى سودانية إلى‬ ‫الكارثة‪ ..

‬‬ ‫ن ُيستق ّ‬ ‫من الممكن أ ْ‬ ‫ثانًيا‪ :‬الحدود الجغرافية المعّقدة للقليم‪ ،‬فهو يتجاور من ناحيته الغربية‬ ‫مع تشاد بحدود طولها ‪ 600‬كيلو متر‪ ،‬وكذلك مع ليبيا وإفريقيا‬ ‫الوسطى‪ .‬ومن المعروف أن هذه المناطق الصحراوية والقبلية ليست‬ ‫حَكمة الحدود كغيرها من الدول‪ ،‬وعليه فدخول الفراد من وإلى‬ ‫ُم ْ‬ ‫ل كثيرة ممن تعيش في‬ ‫دارفور سهل للغاية‪ ،‬وخاصًة أن هناك قبائ َ‬ ‫القليم ترتبط بَعلقات مصاهرة ونسب وعلقات اقتصادية وسياسية‬ ‫مع القبائل في الدول المجاورة وخاصًة تشاد‪ ،‬وهذا جعل الكثير من‬ ‫المشاكل السياسية التي تحدث في تشاد تكون مرجعيتها إلى دارفور‬ ‫ل في‬ ‫والعكس‪ ،‬وهذا يعني أن الدول المجاورة ستكون عنصًرا فاع ً‬ ‫مشكلة دارفور‪ ،‬شئنا أم أبينا‪.‬‬ .‫بإمكانيات قوية‪ ،‬حيث إنه ليس فقط أكبر من عشرات الدول في العالم‪،‬‬ ‫ضا يمتلك البترول واليورانيوم‪ ،‬ولقد دأب المحللون الغربيون‬ ‫ولكنه أي ً‬ ‫سخوا في الوجدان أنه‬ ‫على وصف القليم بأنه يساوي مساحة فرنسا لير ّ‬ ‫ل بذاته‪.

‫ثالًثا‪ :‬طبيعة القبائل في القليم تثير الكثير من القلق‪ ،‬فمع أن الجميع‬ ‫مسلمون‪ ،‬إل أن الصول الثنّية تختلف‪ ،‬فحوالي ‪ % 80‬من السكان‬ ‫ينتمون إلى القبائل الفريقية غير العربية‪ ،‬وهؤلء يعملون في المعظم‬ ‫في الزراعة‪ ،‬أما بقية السكان فمن القبائل العربية التي هاجرت في‬ ‫القرن الماضي إلى منطقة دارفور‪ ،‬وهؤلء يعملون في الرعي‪ .‬وهذه‬ ‫الخلفيات الِعرقّية لها تأثير في الختلف بين الطائفتين‪ ،‬وهذا أمٌر‬ ‫متوّقع‪ ،‬ومن الغباء أن ننكره‪ ،‬ونكتفي بالقول بأن الجميع مسلمون‪ ،‬فقد‬ ‫حدثت خلفات قبل ذلك بين المهاجرين والنصار‪ ،‬وبين الوس‬ ‫والخزرج‪ ،‬وما لم ُيؤخذ المر بجدّية وتعّقل فإن الخلفات قد تتعقد‬ ‫جّدا‪ ،‬وِمن َثّم ينعدم المان في المنطقة‪ ،‬وهذا قد يدفع السكان إلى‬ ‫حدة قوية تضم‬ ‫البدائل المطروحة‪ ،‬ومنها النفصال تحت قيادة مو ّ‬ ‫حر وقلُة‬ ‫الجميع‪ .‬ويزيد من تعقيد الموضوع في دارفور مشكلة التص ّ‬ ‫المراعي؛ مما يدفع القبائل الكثيرة إلى التصارع على موارد الماء‬ ‫ق الرواح‬ ‫ومناطق الزراعة‪ ،‬وهو صراع من أجل الحياة‪ ،‬يصبح إزها ُ‬ .

‫فيه أمًرا طبيعّيا!‬ ‫رابًعا‪ :‬الُبعد التاريخي المهّم لمنطقة دارفور يجعل مسألَة انفصالها أمًرا‬ ‫خطيًرا يحتاج إلى حذٍر وحرص؛ فالمنطقة في معظم تاريخها كانت‬ ‫بالفعل مستقلة عن السودان‪ ،‬وكانت في واقع المر سلطنة مسلمة تضم‬ ‫عدًدا كبيًرا من القبائل الفريقية‪ ،‬وآخر سلطينها هو السلطان المسلم‬ ‫ي بن دينار‪ ،‬الذي حكم من سنة ‪ 1898‬إلى سنة ‪1917‬م‪،‬‬ ‫الَوِرع عل ّ‬ ‫والذي كان يرسل كسوة الكعبة إلى مكة على مدار عشرين سنة‬ ‫كاملًة !‪ ،‬وكان ُيطِعم الحجيج بكثافة‪ ،‬لدرجة أنه أقام مكاًنا لتزويد‬ ‫حَليفة‪ .‬وقد‬ ‫الحجاج بالطعام عند ميقات أهل المدينة المعروف بذي ال ُ‬ ‫وقف هذا السلطان المسلم مع الخلفة العثمانية في الحرب العالمية‬ ‫الولى من منطلق إسلمي‪ ،‬إل أن هذا أزعج جّدا السلطات النجليزية‬ ‫التي كانت تسيطر على السودان آنذاك‪ ،‬فقامت بضم هذا القليم إلى‬ ‫السودان في سنة ‪1917‬م‪ ،‬ومن يومها وهو جزء من السودان‪ ،‬وهذه‬ ‫الخلفية التاريخية تشير إلى نفسّية السكان الذين إذا لم يشعروا بالمان‬ .

‫والطمئنان لحكومة السودان‪ ،‬فإنهم سيرغبون في العودة إلى ما كانوا‬ ‫عليه منذ مئات السنين‪ ،‬وهو التجاور مع السودان وليس النضمام لها‪.‬‬ ‫سا‪ :‬التدخل الغربي الصهيوني الكثيف في المنطقة يغّير الكثير من‬ ‫خام ً‬ ‫الحسابات‪ ،‬ويدفع بقوة إلى فكرة النفصال‪ ،‬وذلك لتحقيق مصالح‬ ‫استراتيجية خطيرة‪ ،‬وقد أصبح هؤلء يتعاملون بمنتهى الوضوح مع‬ ‫قادة التمرد في دارفور؛ لكي يدفعوهم إلى النفصال لتقوم دولة تدين‬ ‫بالولء إلى الكيانات الغربية والصهيونية الموالية‪ ،‬وتأتي في مقدمة‬ ‫خا‬ ‫الدول المهتّمة بإقليم دارفور فرنسا‪ ،‬حيث تمّثل هذه المنطقة تاري ً‬ ‫مهّما جّدا لفرنسا؛ لن دارفور هي أقصى شرق الحزام المعروف‬ ‫بالحزام الفرانكفوني )أي المنسوب إلى فرنسا(‪ ،‬وهي الدول التي كانت‬ ‫تسيطر عليها فرنسا قديًما في هذه المنطقة‪ ،‬وهي دارفور وتشاد‬ ‫والنيجر وإفريقيا الوسطى والكاميرون‪ ،‬وقد استطاعت فرنسا الوصول‬ ‫إلى شخصية من قبيلة الفور‪ ،‬وهي أكبر القبائل الفريقية في دارفور‪،‬‬ ‫وإليها ينسب القليم )دارفور(‪ ،‬وهذه الشخصية هي عبد الواحد محمد‬ .

‬‬ ‫وإضافًة إلى فرنسا وإنجلترا فهناك أمريكا صاحبة الطماع المستمرة‬ ‫ليس في دارفور فقط‪ ،‬ول في السودان فحسب‪ ،‬بل ليس في القرن‬ ‫الفريقي وحده‪ ،‬وإنما في العالم أجمع!! فهي تدفع بقوة في اتجاه وجود‬ ‫قوات ُدولّية لحفظ السلم في المنطقة تكون تحت السيطرة المباشرة‬ .‫سس أكبر‬ ‫جهات العلمانية الفرنسية الواضحة‪ ،‬ومؤ ّ‬ ‫نور صاحب التو ّ‬ ‫جماعات التمرد في دارفور‪ ،‬والمعروفة باسم جيش تحرير السودان‪،‬‬ ‫وهي حركة مختلفة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان‪ ،‬والمتمركزة‬ ‫في جنوب السودان‪ ،‬وإن كانت اليدلوجية الفكرية للحركتين متشابهة‪،‬‬ ‫بل هناك تنسيق واضح بينهما‪.‬‬ ‫أما إنجلترا فهي تضع أنفها في المنطقة عن طريق خليل إبراهيم‪ ،‬الذي‬ ‫أنشأ حركة تمرد أخرى تنتمي إلى قبيلة أخرى من القبائل الفريقية‪،‬‬ ‫وهي قبيلة الزغاوة‪ ،‬حيث قام مدعوًما ببريطانيا بإنشاء حركة العدل‬ ‫والمساواة‪ ،‬وهي كذلك حركة علمانية تطالب بفصل دارفور عن‬ ‫السودان‪.

‫لمجلس المن‪ ،‬وِمن َثم لمريكا‪ .‬وأخيًرا تأتي دولة الكيان الصهيوني‬ ‫"إسرائيل" لتشارك بقّوة وصراحة ووضوح في مسألة دارفور‪ ،‬وليس‬ ‫فقط عن طريق تحالف جماعات الضغط الصهيونية في أمريكا‬ ‫ضا عن طريق التدخل‬ ‫والمعروف بتحالف "أنقذوا دارفور"‪ ،‬ولكن أي ً‬ ‫السافر للحكومة الصهيونية نفسها حيث رصدت الحكومة الصهيونية‬ ‫مبلغ ‪ 5‬مليين دولر لمساعدة لجئي دارفور‪ ،‬وفتحت الباب أمام‬ ‫الجمعيات الخيرية في إسرائيل للمشاركة‪ .‬كما أعلنت عن استعدادها‬ ‫لشراء أدوية ومعدات لتحليل المياه بما يعادل ‪ 800‬ألف دولر يتم‬ ‫جمعها من بعض الشركات الصهيونية!! كما سبق أن أعلنت تسيبي‬ ‫ليفني وزيرة الخارجية اليهودية في اجتماع لها مع بعض السفراء‬ ‫الفارقة في تل أبيب سنة ‪ 2008‬أن حكومتها ستسعى ليجاد حل‬ ‫لزمة دارفور!!‬ ‫وبالطبع لن تترك المجال عند الحديث عن التدخل الجنبي في المنطقة‬ ‫طا من‬ ‫دون الشارة إلى عشرات الجمعيات الغاثية‪ ،‬والتي تمارس خلي ً‬ ‫العمال الغاثية من جانب‪ ،‬والتبشيرية التنصيرية من جانب آخر‪،‬‬ .

‫والجرامية من جانب ثالث‪ ،‬وليس ببعيٍد ما فعلته جمعية "لرش دي‬ ‫زو" الفرنسية من خطف أطفال من دارفور لبيعهم لعائلت إنجليزية‬ ‫وفرنسية‪ ،‬حيث تم اكتشاف هذه الفضيحة في أكتوبر ‪ ،2007‬وما خفي‬ ‫كان أعظم!‬ ‫سا‪ :‬الخطاء الدارية والفكرية الفادحة التي وقعت فيها الحكومة‬ ‫ساد ً‬ ‫عّدة عقود أدت إلى الوصول إلى هذا الوضع‬ ‫السودانية على مدار ِ‬ ‫المعّقد؛ فواقع المر أن الحكومة السودانية ل تتعامل مع دارفور كجزٍء‬ ‫مهم في الدولة السودانية‪ ،‬وذلك منذ عشرات السنين‪ ،‬وكان منطلقها في‬ ‫ذلك أنها أرض صحراوية تعيش فيها قبائل بدوية‪ ،‬وليس فيها ثروات‬ ‫ُتذكر‪ ،‬ول تداخل مع الشئون السودانية بشكل مؤثر؛ وهذا أدى إلى فقٍر‬ ‫شديد للمنطقة‪ ،‬وفقدان للبنية التحتية‪ ،‬وانعدام للمن‪ ،‬وعدم تمثيل‬ ‫مناسب في الحكومة أو البرلمان‪ ،‬وعدم وجود اتصال علمي أو إعلمي‬ ‫مع المنطقة‪ ،‬وغير ذلك من مظاهر الهمال التي أفقدت الكثير من‬ ‫شعب دارفور الولء لدولة السودان الم‪ ،‬وحتى عندما تولى الرئيس‬ .

‫عمر البشير الحكم بعد النقلب ‪ 1989‬فإنه تولى في ظروف صعبة‬ ‫تزامنت مع الحرب المدّمرة في جنوب السودان‪ ،‬والتي أخذت الهتمام‬ ‫الحكومي السوداني كله‪ ،‬فازداد السقوط المعنوي في دارفور‪ ،‬وهذا كله‬ ‫قاد إلى تنامي حركات التمرد‪ ،‬وحتى عندما تتم جلسات مصالحة أو‬ ‫تفاوض مع زعماء المتمردين‪ ،‬فإنها تكتفي بتأجيل المشكلة ل حلها‪،‬‬ ‫وهذا ُيهّدئ الوضاع لفترة محدودة لتعود لتشتعل بشكل أكبر بعدها‬ ‫بقليل!‬ ‫سابًعا‪ :‬الضعف العسكري الشديد للحكومة السودانية‪ ،‬فجيشها ل يزيد‬ ‫على ‪ 90‬ألف جندي‪ ،‬بإمكانيات عسكرية هزيلة للغاية‪ ،‬وخاصةً بعد‬ ‫المرور بحرب جنوب السودان على مدار عشرين عاًما كاملة‪ ،‬أرهقت‬ ‫الجيش بصورة كبيرة‪ ،‬وهذا الجيش الضعيف ل يستطيع بحال أن‬ ‫يسيطر على المساحات الشاسعة الموجودة بالسودان بصفة عامة‪ ،‬وفي‬ ‫دارفور بصفة خاصة؛ وهذا أدى إلى ظهور عصابات "الجانجويد"‪،‬‬ ‫وهي عصابات من قبائل عربية تركب الخيول وتلبس الملبس البيضاء‬ .

‬‬ ‫ثامًنا‪ :‬حالة الجهل الشديدة التي يمر بها أهل دارفور‪ ،‬مع كون الكثير‬ ‫ل‪ ،‬فمدارسهم ضعيفة جّدا‪ ،‬وإعلمهم‬ ‫منهم يحفظ كتاب ال عّز وج ّ‬ .‫حّرية في ربوع دارفور‪ ،‬فتقتل وتسرق‬ ‫وتحمل الرشاشات‪ ،‬وتتجول ِب ُ‬ ‫وتفرض ما تريد‪ ،‬ويّتِهم الغرب الحكومة السودانية بالتعاون مع‬ ‫عصابات الجانجويد‪ ،‬وتنفي الحكومة السودانية ذلك‪ ،‬ولكنه في العموم‬ ‫مظهر من مظاهر النفلت المني‪ ،‬والضعف العسكري غير المقبول؛‬ ‫فإذا كانت الحكومة متعاونة مع الجانجويد كما يقول الغرب‪ ،‬فهذا‬ ‫مظهر من مظاهر الضعف حيث ل تستطيع الحكومة بنفسها السيطرة‬ ‫على المور فتلجأ إلى البلطجية والمجرمينّ! ‪ .‬وإذا كانت الحكومة غير‬ ‫ضا مظهر من مظاهر الضعف‪ ،‬حيث تعلن‬ ‫متعاونة معهم‪ ،‬فهذا أي ً‬ ‫الحكومة بصراحة أنها ل سيطرة لها على عصابات الجانجويد‪ ،‬وأنهم‬ ‫يقتلون من الجيش السوداني كما يقتلون من المتمردين‪ ،‬وهذا وضع في‬ ‫الحقيقة غير مقبول من حكومة مستقرة وجيش نظامي‪ ،‬وهو أمر يحتاج‬ ‫إلى مراجعة وحساب‪.

‬‬ ‫تاسًعا‪ :‬عدم وجود دراسات علمية موّثقة تشرح طبيعة المنطقة‪،‬‬ ‫وتشعباتها الجغرافية والتاريخية والسكانية‪ ،‬وطرق التعامل مع القبائل‬ ‫المختلفة‪ ،‬ومناهج تفكيرهم ومنطلقاتهم‪ ،‬وِمن َثم فإن الذي يسعى لح ّ‬ ‫ل‬ ‫المشكلة ولجمع الطراف ل يستطيع غالًبا أن يدخل من الباب‬ ‫صا متجرًدا؛ حيث ل‬ ‫الصحيح‪ ،‬وقد يفشل في الحل حتى لو كان مخل ً‬ ‫يملك آليات الحل السليم‪ ،‬ول المعلومات الدقيقة‪.‬وليس‬ ‫بالضرورة أن يكون المر بالتحّول إلى النصرانية‪ ،‬ولكن يكفي أن‬ ‫يطّبقوا ما تريده الحركات المتمردة والغرب الصليبي والعدو‬ ‫ل للدين عن الدولة‪ ،‬وعلمانية المناهج‪ ،‬وفكرة‬ ‫الصهيوني من فص ٍ‬ ‫النفصال‪ ،‬وهذا أمر قد ل يستنكره الشعب هناك في ظل غياب‬ ‫المعلمين والدعاة والمفكرين المخلصين‪.‬‬ ‫عاشًرا ‪ :‬حالة "الطناش" السلمية الشنيعة ! فهذه الحداث المرّكبة‬ .‫منعدم‪ ،‬وِمن َثّم فإن السيطرة الفكرية عليهم تصبح سهلة للغاية‪ .

‬‬ ‫ن المل‬ ‫ن الدنيا مظلمة‪ ،‬وإ ّ‬ ‫ومع ذلك فنحن ل نذكر كل ما سبق لنقول إ ّ‬ ‫ل منطقي ومقبول للزمة‪ ،‬ول يكون ذلك‬ ‫مفقود‪ ،‬بل إننا نسعى ليجاد ح ّ‬ ‫إل بمصارحة وشفافية وكشف للوراق‪ ،‬ومع أننا ضّد قرار المحكمة‬ ‫الجنائية الدولية قلًبا وقالًبا إل أننا من منطلق الخّوة السلمية‪،‬‬ ‫والمانة العلمية ندعو إخواننا في الحكومة السودانية إلى إعادة النظر‬ ‫في "ملف دارفور" بهذه المعطيات التي ذكرناها‪ ،‬وبغيرها من التي ل‬ ‫نعرفها‪.‫تتفاقم منذ أكثر من عشر سنوات‪ ،‬ول حراك‪ ،‬ول شك أن ترك السودان‬ ‫بمفرده في هذه الزمة سيجعل قضية انفصال دارفور أمًرا مسلًّما به‪،‬‬ ‫وعندها لن ينفع العويل‪ ،‬ولن تفيد العواطف‪ ،‬ولن يجدي البكاء على‬ ‫اللبن المسكوب!‬ ‫كانت هذه النقطة العاشرة‪ ،‬فتلك عشرة كاملة!‬ ‫وقد يكون هناك عوامل أخرى لم نذكرها لقلة المعلومات‪ ،‬أو لضيق‬ ‫الوقت‪ ،‬ولكن الشاهد من كل ذلك أن احتماليات انفصال دارفور واردة‬ ‫جّدا نتيجة كل هذه المعطيات‪.‬‬ .

‬‬ ‫عّزاء أن يشاركونا بالرأي في آليات‬ ‫ل هذه فرصة لُقّراء المقال ال ِ‬ ‫ولع ّ‬ ‫حل هذه الزمة‪ ،‬وسوف يكون مقالنا في السبوع القادم ‪ -‬بإذن ال ‪-‬‬ ‫عن هذه الليات‪ ،‬فنسأله سبحانه السداد والتوفيق‪.‬‬ ‫ظ ال السودان‪ ،‬وأهل السودان!!‬ ‫حِف َ‬ ‫َ‬ ‫ونسأل ال أن ُيِعّز السلم والمسلمين‪.‬‬ ‫حل مشكلة دارفور‬ ‫الدكتور راغب السرجاني‬ ‫يحلم كثيٌر من المتعاطفين مع قضايا الّمة السلمية أن يكتب لهم‬ .‫ل‪ ،‬إنما له آليات‬ ‫جّد خطير‪ ،‬لكن الصلح ليس مستحي ً‬ ‫إن المر ِ‬ ‫معروفة‪ ،‬وطرق مجّربة‪ ،‬واحتفاظ السودان بدارفور واجب قومي‬ ‫وفريضة شرعية‪ ،‬لكن ل بد من الخذ بالسباب الصحيحة‪ ،‬والسير في‬ ‫الطرق المدروسة‪.

‬‬ ‫ُ‬ ‫وقبل الحديث عن آليات الحل أوّد أن ُأعرب عن سعادتي الكبيرة‬ ‫بتفاعل الُقّراء من الرجال والنساء‪ ،‬وكثرة القتراحات التي تقدموا بها‪،‬‬ ‫وهذا التفاعل ‪ -‬في رأيي ‪ -‬هو علمة رائعة على صحوة حقيقية‪ ،‬وعلى‬ ‫روح مؤمنة‪ ،‬وعلى رغبة إيجابية في الخروج من أزماتنا الكثيرة‪،‬‬ ‫وهذه الحمّية والحماسة ‪ -‬في رأيي ‪ -‬هي بداية صحيحة لفترة جديدة من‬ ‫حياة أمتنا العريقة‪.‬‬ ‫أما آليات الحل‪ ،‬فتشمل هذه المور‪:‬‬ ‫ل‪ :‬ل بد أن تدخل السودان في بؤرة اهتمام العالم السلمي؛ فلقد‬ ‫أو ً‬ ‫ل بمعِزل عن فكر ووجدان‬ ‫ب أو لخر زمًنا طوي ً‬ ‫عاش السودان لسب ٍ‬ ‫العالم السلمي‪ ،‬وهذا خطأ مرّكب شارك فيه علماُء ودعاٌة وسياسيون‬ ‫واقتصاديون وإعلميون وغيرهم‪ .‫ل مشاكل المة‪ ،‬فُيبدأ في تنفيذها‬ ‫العلماُء والدعاة "وصفة" سريعة لح ّ‬ ‫على الفور‪ ،‬وِمن َثّم تخرج المة سريًعا من أزماتها وكبواتها!!‬ ‫لكن المر في الحقيقة ليس كذلك؛ فطريق الصلح طريق طويل‪،‬‬ ‫طا كما‬ ‫ل بسي ً‬ ‫وآليات التغيير قد تكون شديدة التعقيد‪ ،‬وليس المر سه ً‬ ‫يظن البعض‪ ،‬فيختزل المشكلة في نقطة أو نقطتين‪ ،‬ويضع الحلّ في‬ ‫ن المة ستنطلق وقد تحررت من قيودها!‬ ‫ن بذلك أ ّ‬ ‫كلمتين‪ ،‬ويظ ّ‬ ‫ت سنين‪ ،‬وأخطاُء عقود‪ ،‬ول‬ ‫إن ما يحدث لمتنا من أزمات َلهو تراكما ُ‬ ‫طة طويلة المدى‪،‬‬ ‫خّ‬ ‫ل هذه المعضلت إل بصبر جميل‪ ،‬و ُ‬ ‫حّ‬ ‫يمكن أن ت ُ‬ ‫يقوم على تنفيذها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات‪ ،‬وهي خطة يشارك‬ ‫في تنفيذها المخلصون من أبناء السودان‪ ،‬كما يشارك فيها كذلك‬ ‫المخلصون من أبناء العالم السلمي الواسع الذي آن له أن يفيق من‬ ‫سباته‪ ،‬ويستعيد مكانته اللئقة كخير ُأّمة أخرجت للناس‪.‬وِمن َثّم فالبداية أن نحّرك مشاعر‬ ‫حب السودان‪ ،‬والحرص عليه‪ ،‬والتعاطف‬ ‫المسلمين وعقولهم تجاه ُ‬ ‫معه‪ ،‬بل والتضحية من أجله‪ ،‬فهو في البداية والنهاية بلٌد إسلمي‬ .

‫عريق‪ ،‬وشعبه من الشعوب التي تتميز بفطرة إسلمية أصيلة‪ ،‬ويغُلب‬ ‫على أفرادها الطيبة والموّدة والكرم‪ ،‬ولقد لمست ذلك بنفسي سواء في‬ ‫السودان عند زياراتي لها‪ ،‬أو في مصر‪ ،‬أو العالم عند التقائي مع‬ ‫الجاليات السودانية‪ .‬‬ ‫ثانًيا‪ :‬ل بد من َفْهم قضية السودان بشكل عام‪ ،‬ودارفور بشكل خاص‪،‬‬ ‫فما نكتبه من أوراق ل يمثل إل صفحة واحدة من كتاب السودان‬ ‫حا‬ ‫عا ناج ً‬ ‫الضخم‪ ،‬وبداية الحل دائًما هي الفهم‪ ،‬ول يمكن أن نقّدم مشرو ً‬ ‫بغير فهم دقيق للحداث‪ ،‬وهذه في واقع المر مشكلة كبرى؛ لن‬ ‫المعلومات عن إقليم دارفور أو السودان بشكل عام ‪ -‬متضاربة جّدا‪،‬‬ ‫وغير موّثقة بالمرة‪ ،‬وبالتالي فإننا نريد من المخلصين المتخصصين‬ ‫في المجالت السياسية والقتصادية والجتماعية والدينية وغيرها‪ ،‬أن‬ ‫جْهد من أجل إخراج دراسات أصيلة ترفع الواقع‬ ‫ُينِفقوا الوقت وال َ‬ .‬‬ ‫ول يخفى على الُقّراء بالطبع أن ما نقوله الن عن السودان نحتاج أن‬ ‫ضا عن باقي دول العالم السلمي التي ُنغِفل الهتمام‬ ‫نقوله أي ً‬ ‫بقضاياها‪ ،‬ول تدخل في دائرة اهتمامنا إل عند الكوارث الكبرى‪ ،‬ول‬ ‫ك أننا نحتاج إلى أن نفتح بقوة ملفات الصومال واليمن والصحراء‬ ‫شّ‬ ‫المغربية وإندونيسيا والفلبين‪ ،‬والدول الفريقية السلمية الكثيرة التي‬ ‫ل عن الملفات الساخنة في‬ ‫تعيش في عشرات اللف من المشاكل‪ ،‬فض ً‬ ‫فلسطين والعراق وأفغانستان‪.‬‬ ‫إننا نحتاج أن نضع السودان في دائرة الهتمام الولى من حياتنا‪،‬‬ ‫ونحتاج أن نجد في مكتباتنا المؤلفات العديدة عن تاريخ السودان‬ ‫وواقعه‪ ،‬وعن اقتصاده وسياسته واجتماعياته وفنونه‪ ،‬وغير ذلك من‬ ‫ضا أن نتعرف على أعلمه ورموزه‪ ،‬وأن‬ ‫أوجه النشاط فيه‪ ،‬ونحتاج أي ً‬ ‫نشارك بقّوة في فعالياته‪.‬ولعّلي ل أنسى أبًدا الترحاب العميق الذي قابلوني‬ ‫به في أحد مساجد الجالية السودانية في مدينة دالس المريكية‪ ،‬وقد‬ ‫شُعرت عندها بمدى تقصيري وتقصير الدعاِة والعلماِء في التواصل‬ ‫الدائم مع هذا الشعب الكريم‪.

‬‬ ‫اّ‬ ..‬ول ُبّد من شبكة‬ ‫مواصلت قوية تسّهل على أهل القليم الحركة في داخله‪ ،‬وتربط‬ ‫أطرافه الواسعة بعضها ببعض‪ ،‬وكذلك تربطه مع بقية القاليم‬ ‫السودانية‪ .‬وِمن َثّم فخطوة رئيسية من خطوات الح ّ‬ ‫النشاء الفعلي للمدارس والجامعات والمستشفيات والهيئات التي تغطي‬ ‫حاجات المجتمع هناك‪ ،‬وبشكل ُكفٍء ومتميز‪ .‬إلى غير ذلك من أمور المجتمع‬ ‫المدني المتحضر والصالح‪.‬وكذلك يحتاجون إلى شبكة اتصالت قوية‪ ،‬وإلى وسائل‬ ‫إعلمية دائمة تنقل منهم وإليهم‪ ،.‬‬ ‫طة واقعية عملية طويلة المدى للرتقاء مدنّيا بإقليم‬ ‫خّ‬ ‫ثالًثا‪ :‬ل بد من ُ‬ ‫دارفور وغيره من القاليم الواسعة في السودان؛ فالجميع ممن عاش‬ ‫في دارفور أو زارها يشهد بضعف التنمية في هذا القليم المهّم‪ ،‬وليس‬ ‫معنى هذا أنها ل تشهد أي تنمية‪ ،‬ولكن ما نراه هناك من مشروعات‬ ‫وأعمال ل يتوازى مطلًقا مع مساحة القليم أو عدد سكانه أو ثرواته‪،‬‬ ‫وهذه نقطة تحتاج إلى مراجعة دقيقة؛ لن تنمية النتماء عند أهل‬ ‫دارفور للسودان ل يمكن أن تكون بالشعارات الجوفاء أو الخطب‬ ‫الرّنانة‪ ،‬إنما يحتاج أهل دارفور إلى شعوٍر حقيقي ـ غير متكلف ـ‬ ‫باهتمام بقية السودان حكومًة وشعًبا بهم‪ ،‬وهذا ل بّد له من انعكاس‬ ‫ل هي‬ ‫على أرض الواقع‪ .‬كما ل ُبّد من استبيانات شاملة تنقل ُرؤى‬ ‫تشاهد وتسمع وتس ّ‬ ‫المواطنين ومشاكلهم وأحلمهم واقتراحاتهم‪ ،‬وهذا جهد ل بد أن‬ ‫يشارك فيه المخلصون من أبناء السودان في داخل أرضه وفي‬ ‫خارجها‪ ،‬كما ل بد أن يشارك فيه العلماء من كل بقاع العالم السلمي‪.‬كما ل بد أن نبدأ‬ ‫بالهّم فالمهم‪ ،‬وهذا يتطلب دراية واسعة بفقه الولويات‪ ،‬كما يتطلب‬ ‫طلعا كامل على كبرى مشكلت القليم‪.‬‬ ‫ل‪ ،‬لكن ل‬ ‫ن إصلح كل هذه المور يتطلب وقًتا وما ً‬ ‫وليس خافًيا عني أ ّ‬ ‫بد من البداية‪ ،‬ول بد من خطة واضحة معلنة‪ ،‬وبشفافية كبيرة‪ ،‬ول بد‬ ‫من وضوح للميزانية العامة ونصيب دارفور فيها‪ ..‫الموجود بصدق‪ ،‬وتنقل الصورة الحقيقية لداخل السودان بكامله‪،‬‬ ‫وتستمع إلى كل الطراف‪ ،‬ول مانع ‪ -‬بل ل ُبّد ‪ -‬من دراسات ميدانية‬ ‫جل‪ .

‬‬ ‫سا‪ :‬على المستثمرين المسلمين أن يتوجهوا بمشاريعهم القتصادية‬ ‫ساد ً‬ ‫العملقة إلى هذا القليم وغيره من أقاليم السودان‪ ،‬فنحن ل نريد إغاثة‬ ‫ل دائًما مستمّرا‪ ،‬وبالتالي فإقامة‬ ‫عا فحسب‪ ،‬وإنما نريد عم ً‬ ‫فقط‪ ،‬ول تبر ً‬ .‬‬ ‫سا‪ :‬على هيئات الغاثة السلمية الكثيرة الموجودة في معظم‬ ‫خام ً‬ ‫بلدان العالم السلمي‪ ،‬وفي كثير من البلدان الغربية أن تهتم اهتماًما‬ ‫صا بهذه المنطقة الساخنة‪ ،‬وأنا أعلم أن القضايا الملتهبة كثيرة‪ ،‬لكن‬ ‫خا ّ‬ ‫قضية دارفور تحمل أبعاًدا ضخمة تهّدد أمن العالم السلمي كّله‪،‬‬ ‫فليست القضية فقط طعام وشراب‪ ،‬ولكنها في الساس قضية ولء‬ ‫وانتماء‪ ،‬وتَـهديد خطير باختراق العالم السلمي من جنوبه؛ وعليه‬ ‫ن توجيه هذه الهيئات لطاقاتها إلى هذا المكان ل يحّقق مصالح إغاثية‬ ‫فإ ّ‬ ‫إنسانية فقط كما يحدث في عامة البقاع الخرى‪ ،‬ولكنه يحقق مصالح‬ ‫دينية وسياسية وأمنّية في غاية الهمية‪ ،‬وِمن َثم فإنني أهيب بكل هذه‬ ‫الهيئات أن تضع دارفور على قمة أولوياتها‪.‬وما نعلمه أن زعماء المتمردين غير مقبولين‬ ‫من عامة أهل دارفور‪ ،‬وأنهم من الشخصيات المتسلقة التي ترغب في‬ ‫تحقيق مصالحها الخاصة ولو كانت على حساب السودان نفسه‪،‬‬ ‫وتعاملتهم مع الصهاينة والغرب واضحة ومفضوحة‪ ،‬لكن على‬ ‫الجانب الخر فإننا على يقين من أن هناك شخصيات صالحة مخلصة‬ ‫كثيرة من أهل دارفور تستطيع أن تمّثل القليم في كل القطاعات‬ ‫السودانية‪ ،‬وعندها ستكون دارفور ممثلة بأهلها‪ ،‬ويصبح تحقيق ما‬ ‫نريده من مشاريع هناك أمًرا طبيعّيا؛ فنحن ل نريد من أهل دارفور أن‬ ‫ق أصيل ل ينكره شرع‪ ،‬ول‬ ‫يستجدوا حّقا لهم‪ ،‬إنما هم يطالبون بح ّ‬ ‫عرف‪ .‫رابًعا‪ :‬ل بد من مشاركة حقيقية وفاعلة لهل دارفور في الحكومة‬ ‫صة‬ ‫السودانية‪ ،‬وفي كافة النشطة السودانية في المجالت المتعددة وخا ّ‬ ‫السياسية والعلمية‪ ..‬كما أن هذه المشاركة الفاعلة ستكون صمام‬ ‫يتعارض مع ُ‬ ‫المان الرئيسي الذي يحفظ دارفور من تسّلط الُمغِرضين‪ ،‬ويرفع عند‬ ‫أهلها درجة الولء بشكل طبيعي غير متكلف‪.

.‬‬ ‫ثامًنا‪ :‬من أهم عوامل حفظ دارفور هو التوعية الدينية القوية لهل‬ ‫دارفور‪ ،‬ول يكفينا هنا نشاط أحد الدعاة أو العلماء بالذهاب إلى هناك‬ ‫سا يكفل الحفاظ على‬ ‫ل مؤسسّيا مدرو ً‬ ‫مرة أو مرتين‪ ،‬ولكننا نريد عم ً‬ ‫ق طوال الوقت في هذا القليم الكبير‪ ،‬ويوضح‬ ‫مستوى إسلمي را ٍ‬ ‫لهل دارفور عظمة النتماء إلى السلم ل إلى القبلية‪ ،‬ويوضح كذلك‬ ‫ل ـ والولء لهم‪ .‬‬ ‫ضا من تقوية وتدعيم الحالة المنية في دارفور بشكل‬ ‫سابًعا‪ :‬ل بد أي ً‬ ‫الخاص‪ ،‬وفي السودان بشكل عام‪ ،‬وهذا يتطلب تقوية الجيش السوداني‬ ‫من حيث العدد والُعّدة‪ ،‬كما يتطلب تدعيًما كبيًرا لروحه المعنوية‪،‬‬ ‫ل ـ وخدمة السلم‪ ،‬وهذه‬ ‫وتوجيه نواياه إلى إرضاء ال ـ عّز وج ّ‬ ‫ليست أوهامًا خيالية‪ ،‬بل هو طريق واضح ومفهوم‪ ،‬والروح السلمية‬ ‫دافعة أكبر من أي شيء آخر‪ .‬كما يوضح‬ ‫خطورة النتماء إلى أعداء ال ـ عّز وج ّ‬ ‫لهم الحل السلمي الواضح لمشاكلهم وأزماتهم‪ ،‬وفوق ذلك يستثمر‬ ‫جهودهم لخدمة السودان كله‪ ،‬بل وخدمة العالم السلمي أجمع‪ ،‬وهذا‬ ‫عمل يحتاج إلى تكاتف من العلماء في كل مكان‪ ،‬وإلى تنسيق متقن مع‬ .‬وإننا نرى جميًعا الشركات العالمية العملقة تنشئ‬ ‫مصانعها في الصين والفلبين والمكسيك وهندوراس‪ ،‬وغيرها من‬ ‫الماكن التي توفر عمالة رخيصة تساعد في تقليل سعر المنتج‪ ،‬فلماذا‬ ‫ل نبدأ بهذه الخطوة في دارفور؛ فيستفيد المستثمر ويستفيد أهل‬ ‫دارفور‪ ،‬ويتغير الحال‪.‬وبخصوص هذا الجانب المني‬ ‫فنوّد الشارة إلى أن تدعيمه لن يخدم الناحية المنية فقط من حيث‬ ‫الستقرار والمان وحفظ الرواح والموال‪ ،‬ولكنه فوق ذلك سيكون‬ ‫من أهم عوامل جذب المستثمرين وهيئات الغاثة إلى دارفور وغيرها‬ ‫من أقاليم السودان‪.‫المصانع والمشاريع الكبرى سيوفر مجالت للعمل لهل دارفور‪ ،‬كما‬ ‫ل عن شعورهم باهتمام القتصاديين في‬ ‫سيورثهم خبرة وعلًما‪ ،‬فض ً‬ ‫العالم السلمي بهم‪ .‬ولقد ألقيت قبل ذلك محاضرة في الجيش‬ ‫ل إسلمّيا عظيًما منهم‪ ،‬وبذور الخير موجودة‬ ‫السوداني ووجدت تفاع ً‬ ‫بفضل ال في قلوب كل المسلمين‪ .

‬‬ ‫تاسًعا‪ :‬على الحكومة السودانية أن تدرس بعمق الموازنات السياسية‬ ‫بين القوى العالمية‪ ،‬وأن تفقه جيًدا أن العالم ليس أمريكا وغرب أوروبا‬ ‫علقات دبلوماسية قوية مع القوى العالمية‬ ‫فقط‪ ،‬ومن هنا فإقامة َ‬ ‫الخرى يؤثر بشكل مباشر على قرارات المريكان والوربيين‪ ،‬وليس‬ ‫ل‪ ،‬أو‬ ‫هناك مانع من إقامة علقات مدروسة مع الصين وروسيا مث ً‬ ‫غيرهما من القوى المؤّثرة‪ ،‬وذلك طبًعا بالضوابط الشرعية والسياسية‪.‬كما يجب على الحكومة السودانية أن ُتفّعل المنظمات‬ ‫الفريقية في المنطقة؛ كمنظمة اليجاد وغيرها‪ ،‬حتى تكّون رأًيا عاّما‬ ‫إفريقّيا وعالمّيا يخدم الملف السوداني‪.‬‬ ‫كما أن على الحكومة السودانية أن تقّوي علقاتها بشكل حكيم مع دول‬ ‫خل‬ ‫ل للتد ّ‬ ‫الجوار التسعة؛ لن ضعف العلقة مع هذه الدول يفتح مجا ً‬ ‫الغربي من خلل هذه الدول‪ ،‬ونخص بالذكر دولة تشاد‪ ،‬التي ترتبط‬ ‫بحدود طويلة مع إقليم دارفور‪ ،‬والذي يحكم بأفراد من قبيلة الزغاوة‬ ‫الموجودة في إقليم دارفور؛ مما يجعل العلقة بين تشاد ودارفور ذات‬ ‫طابع خاص جّدا‪ .‬‬ ‫عاشًرا‪ :‬وأهم من النقطة السابقة هو إيجاد علقة قوية وفاعلة مع الدول‬ ‫العربية والسلمية‪ ،‬والبحث عن آليات عملية لتوحيد العالم السلمي‬ ‫حتى ل يصبح ُلقمة سائغة لهل المشرق والمغرب‪ ،‬وهذه الَوحدة‬ ‫ل‪ ،‬ول ُبّد للمسلمين أن يقوموا‬ ‫طريق طويل وصعب‪ ،‬لكن ليس مستحي ً‬ ‫به‪ ،‬وقد رأينا غير المسلمين في غرب أوروبا أو في شرق آسيا أو في‬ ‫أمريكا اللتينية يفعلونه‪ ،‬فكيف ل يستطيع فعله المسلمون؟!‬ ‫كانت هذه هي النقطة العاشرة‪ ،‬فتلك عشرة كاملة!‬ .‬كما يحتاج إلى اهتمام خاص من‬ ‫الهيئات السلمية الكبرى في دول العالم السلمي كله لنشاء فروع‬ ‫لهيئاتهم في دارفور‪ ،‬وإرسال البعثات التعليمية المستمرة إلى هناك‪،‬‬ ‫والهم من كل ذلك استقدام النابغين من أهل دارفور لتعليمهم وتثقيفهم‬ ‫وتربيتهم‪ ،‬ثم إعادتهم إلى دارفور ليحّولوها ‪ -‬بفضل ال ‪ -‬إلى منطقة‬ ‫إسلمية قوية متحضرة‪ ،‬تعتمد على نفسها‪ ،‬وتخدم غيرها‪.‫علماء السودان‪ ،‬وهم ُكُثر والحمد ل‪ .

‬‬ ‫ل ما هو إل إسهاٌم في حلّ‬ ‫أما الولى فهي أن ما ذكرناه من حلو ٍ‬ ‫القضية‪ ،‬وأنا على يقين أن هناك المئات واللف من القتراحات‬ ‫ل المشكلة‪.‬‬ .‫وأحب أن أختم هذا المقال بنقطتين مهّمتْين‪.‬‬ ‫اللهم آمين!!‬ ‫ونسأله سبحانه أن ُيِعّز السلم والمسلمين‪..‬‬ ‫الخرى البّناءة‪ ،‬والتي تسهم بإذن ال في ح ّ‬ ‫وأما النقطة الثانية فهي أن هذه الحلول جميعها تصبح هباًء منثوًرا في‬ ‫غياب المخلصين والمخلصات من أبناء المة السلمية؛ فالمر يتطلب‬ ‫تضحيات‪ ،‬ويحتاج إلى تجّرد‪ ،‬وقبل ذلك وبعده يحتاج إلى توفيق من‬ ‫ل ل ينصر إل من نصره‪.‬‬ ‫ب العالمين‪ ،‬وال عّز وج ّ‬ ‫ر ّ‬ ‫ل أن ُيِعّز السودان‪ ،‬وأن يمّكن له‪ ،‬وأن يحفظه من شر‬ ‫أسأل ال عّز وج ّ‬ ‫حد صّفه‪ ،‬ويرفع شأنه‪ ،‬وُيعِلي رايته‪ ،‬وأن يستعمل أهله‬ ‫أعدائه‪ ،‬وأن يو ّ‬ ‫في خدمة هذا الدين العظيم‪..