‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫أيها الخوة السلم عليكم ورحمة الله‬
‫كثيرا ً ما نشاهد في هذا المنتدى )منتدى أهل الحديث( وغيره ‪،‬‬
‫أسئلة يضعها بعض طلب العلم أو بعض أبناء أمة السلم‬
‫المتصفحين للشابكة )النترنت( ‪ ،‬يستفسرون فيها عن أمر ما ‪،‬‬
‫ة عليه ‪ ،‬والمزّية المفترضة لهذه الجابة‬
‫وهم طبعا ً ينتظرون إجاب ً‬
‫ن إليها السائل‬
‫في هذا المنتدى أنها ستحمل صبغة شرعّية يرك ُ‬
‫دها صالحة للنشر والتداول ‪.‬‬
‫ويع ّ‬
‫ومن ذلك أن أحد الخوة وضع سؤال ً يستفسر فيه عن شخص‬
‫المير عبد القادر الجزائري ‪ ،‬وسبب سؤاله فيما يبدو أنه سمع أو‬
‫اطلع على كلم عن المير جعله يتشكك في أمره ‪ ،‬لذلك وضع‬
‫هذا السؤال لكي يحصل على إجابة علمية شرعية يطمئن‬
‫إليها ‪.‬‬
‫ولكن ‪ ،‬ويا للسف ‪ ،‬فقد استنفر للجابة عن هذا السؤال‬
‫أشخاص فيما يبدو ليسوا من أهل العلم والورع في الحكم على‬
‫الرجال ‪ ،‬فكانت النتيجة أنهم أساؤوا بتسرعهم ونشرهم كلما ً‬
‫يؤاخذون عليه دنيا وآخرة ‪ .‬ومن هذه الجوبة إحالة إلى مقال‬
‫الخ المتسمي بـ)محمد المبارك( ل أدري هل هذا اسمه الحقيقي‬
‫أم ل؟ والموسوم بـ )فك الشفرة الجزائرّية وفتح اليقونة‬
‫الباريسّية(‪.‬‬
‫وطبعا ً القارئ لهذا العنوان المبهرج يظن أنه سيقع على جواب‬
‫دسم ومفيد ‪ ،‬والحقيقة خلف ذلك!‬
‫وقبل أن أبدأ بالرد على مغالطات صاحب المقال ‪ ،‬أود أن أبدأ‬
‫ض من‬
‫بمسألة ذكرها صاحب المقال معتم ً‬
‫دا عليها ؛ ويذكرها بع ُ‬
‫خاض في عرض المير عبد القادر ويظنون أنها ثابتة أو صحيحة‬
‫ويبنون عليها أحكامهم ‪ ،‬ويبالغ بعضهم كاذًبا فيقول إنها متواترة!!‬
‫ن بعض علماء‬
‫ويحاول البعض أن يدّلس على الناس فيوهمهم أ ّ‬
‫الحديث الكبار في عصرنا هذا ؛ قد أثبتها!!‬
‫وهذه المسألة هي ما رواه عبد الرحمن الوكيل في المقدمة‬
‫التي كتبها لكتاب المام برهان الدين البقاعي رحمه الله )تنبيه‬
‫الغبي إلى تكفير ابن عربي( نقل ً عن الصفحة الولى من نسخة‬
‫الشيخ محمد نصيف الذي أهدى هذا الكتاب إلى الشيخ محمد‬
‫حامد الفقي ليطبعه حيث قال‪ :‬وقد كتب الشيخ الجليل محمد نصيف‬
‫على نسخته ما يأتي ‪" :‬أقول أنا محمد نصيف بن حسين بن عمر‬
‫نصيف‪ :‬سألت السائح التركي ولي هاشم عند عودته من الحج‬
‫في محرم سنة ‪1355‬هـ عن سبب عدم وجود ما صنفه العلماء‬
‫في الرد على ابن عربي ‪ ،‬وأهل نحلته الحلولية والتحادية من‬

‫المتصوفة ؟ فقال‪ :‬قد سعى المير السيد عبد القادر الجزائري‬
‫بجمعها كلها بالشراء والهبة ‪ ،‬وطالعها كلها ‪ ،‬ثم أحرقها‬
‫بالنار ‪ ،‬وقد ألف المير عبد القادر كتابا ً في التصوف على‬
‫وح ابن عربي ‪ ،‬خوفا ً‬
‫طريقة ابن عربي ‪ .‬صّرح فيه بما كان يل ّ‬
‫من سيف الشرع الذي صرع قبله‪ ":‬أبو الحسين الحلج " ‪ ،‬وقد‬
‫طبع كتابه بمصر في ثلث مجلدات ‪ ،‬وسماه المواقف في‬
‫الواعظ والرشاد ‪ ،‬وطبع وقفا ً ‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله"‬
‫‪.‬انتهى ]ص ‪[14‬‬

‫وأقول ‪ :‬إذا كان ما رواه الوكيل عن الشيخ محمد نصيف‬
‫حا ‪ ،‬فإننا مع احترامنا للشيخ محمد نصيف ولمنزلته ‪ ،‬ل‬
‫صحي ً‬
‫يمكن أن نقبل هذا الكلم لنه كلم غير مقبول أبدا ً وليس علميا ً‬
‫ول منطقيًا!! والذين يقبلونه هكذا على ع ّ‬
‫لته عندهم مشكلة ول‬
‫ريب ‪ ،‬ونحن مسلمون نكتب في منتدى أهل الحديث ‪ ،‬فيجب‬
‫دها ‪،‬‬
‫علينا أن نقتفي طريقة أهل الحديث في قبول الروايات ور ّ‬
‫فما بالك برواية عجيبة كهذه؟!‬
‫ول ً ـ لماذا لم يترجم الشيخ نصيف لشخصية السائح التركي‬
‫أ ّ‬
‫ولي هاشم؟ من هو ‪ ،‬وما منزلته العلمية ‪ ،‬ومتى ولد ‪ ،‬وما عمله‬
‫من تلقى تلك الرواية عن المير؟ أسئلة كثيرة‬
‫واختصاصه ‪ ،‬وع َ ّ‬
‫يجب أن ُتعرف قبل القبول برواية شخص مجهول الحال!‬
‫ثانيا ً ـ من المعروف أن الشيخ محمد نصيف من أشهر أصحاب‬
‫مين بالكتب ‪ ،‬فما حاجته إلى‬
‫ج ّ‬
‫المكتبات في مدينة ُ‬
‫دة والمهت ّ‬
‫سائحين التراك عن تلك الكتب؟ وهل ذلك التركي‬
‫سؤال أحد ال ّ‬
‫أعلم بالكتب والمخطوطات من الشيخ نصيف؟ وقد ذكر عبد‬
‫ن السيد أحمد زكي أهدى صورة مخطوط‬
‫الرحمن وكيل ص ‪ 13‬أ ّ‬
‫)تنبيه الغبي( للشيخ محمد نصيف سنة )‪1352‬هـ( أي قبل‬
‫م كان يسأله‬
‫اجتماعه بالسائح التركي بثلث سنوات!! إذن ع ّ‬
‫والكتاب عنده؟!‬
‫ن سؤال الشيخ نصيف غريب ‪ ،‬فما هي الكتب التي‬
‫ثالثا ً ـ إ ّ‬
‫صّنفت في الرد على ابن عربي؟ نحن لم نسمع أو نقرأ عن كتاب‬
‫ُ‬
‫صّنف لجل الّرد على ابن عربي غير كتاب المام البقاعي )تنبيه‬
‫الغبي( ‪ ،‬فلماذا لم يذكر لنا الكتب المفقودة التي صّنفت في الرد‬
‫ن‬
‫على ابن عربي؟ وجواب السائح التركي أغرب منه فقد زعم أ ّ‬
‫المير اشترى جميع )انتبه جميــع( تلك الكتب والمخطوطات‬
‫وأحرقها!!‬
‫ن كتاب البقاعي كان موجودا ً عند الشيخ نصيف وقد‬
‫ونحن نرى أ ّ‬
‫ُ‬
‫طبع! إذن فالمخطوط لم ُيحرق والحمد لله ‪ ،‬وكذلك كتب‬
‫التراجم التي ترجمت لبن عربي وانتقدته ‪ ،‬مثل )ميزان‬

‫العتدال( و)لسان الميزان( و)سير أعلم النبلء( و)العقد الثمين‬
‫في تاريخ البلد المين( وغيرها من الكتب كّلها موجودة ومطبوعة‬
‫‪ ،‬إذن فمخطوطاتها لم تحرق والحمد لله ‪ ،‬فعن أي كتب يسأل‬
‫الشيخ نصيف؟ وأيّ جواب هذا الذي افتراه السائح التركي؟!!‬
‫ن المير عبد القادر توفي سنة )‪1300‬هـ(! ‪ ،‬والشيخ‬
‫رابعا ً ـ إ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫نصيف من مواليد )‪1302‬هـ(! أي بعد وفاة المير بسنتين ‪،‬‬
‫ن اللقاء‬
‫والسائح التركي ل نعرف من هو ول تاريخ مولده ‪ ،‬ولك ّ‬
‫جرى بينه وبين الشيخ نصيف سنة )‪1355‬هـ( !!! أي بعد وفاة‬
‫المير بخمس وخمسين سنة! فمن أين لهذا السائح التركي تلك‬
‫م‬
‫المعلومات ؟ شراء جميع تلك المخطوطات أو استيهابها ث ّ‬
‫الطلع على ما فيها وبعد ذلك إحراقها!!‬
‫ن واحدة من تلك المعلومات تحتاج من راويها أن يكون‬
‫إ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫معاصرا للمير ومخالطا له ومطلعا على أعماله واتصالته ‪ ،‬فما‬
‫بالها غابت عن كل من خالط المير واجتمع به وعاش معه من‬
‫العلماء والوجهاء والدباء والعيان الذين ترجموا له وكتبوا عن‬
‫سيرته ‪ ،‬وظفر بها السائح التركي المجهول والذي يفتقر إلى كل‬
‫تلك الصفات؟!‬
‫خامسا ً ـ إن حادثة مثل هذه )إحراق مخطوطات( هي حادثة‬
‫كبيرة جدا ً ‪ ،‬ومن الغريب والمستبعد جدا ً أل ّ يعلم بها أحد ٌ من أهل‬
‫الشام على مختلف طبقاتهم ‪ ،‬فكل من ترجم للمير عبد القادر ‪،‬‬
‫وهم من تيارات مختلفة ‪ :‬ففيهم الصوفي وفيهم السلفي وفيهم‬
‫الكافر وفيهم المسلم وفيهم المستشرق والمغرض وفيهم‬
‫المؤرخ الحر وفيهم الدباء ‪ ،‬كل هؤلء لم يذكروا هذه الحادثة أو‬
‫يشيروا إليها ل من قريب ول من بعيد!! فكيف علم بها السائح‬
‫التركي وحده؟ وكيف قَِبل منه هذا الخبر الشيخ محمد نصيف؟!‬
‫وهؤلء العلماء ذكروا ما للمير وما عليه بإنصاف وعدل ‪.‬‬
‫سادسا ًـ من المعلوم عند أهل العلم أن السلطان سليم‬
‫العثماني هو من أشد الناس تعظيما ً وتقديسا ً لبن عربي ‪ ،‬وبعد‬
‫دخوله إلى الشام أسرع وأمر ببناء مقام للشيخ ابن عربي‬
‫بصالحية دمشق في أعلى الجبل وفق إشارة الشيخ ابن عربي‬
‫في أحد كتبه!!]انظر )منتخبات التواريخ لدمشق( للحصني‬
‫‪) [2/573‬وكان يعّبر عن هذه الشارة بعض شيوخ المتصوفة‬
‫سين في الشين ظ َهََر مقام محيي الدين!‬
‫بقولهم ‪ :‬إذا د َ َ‬
‫خَلت ال ّ‬
‫إذن فلتكن السين هي رمٌز للسلطان سليم والشين رمٌز للشام(‬
‫‪1‬ـ )‪ 1391 - 1302‬هـ = ‪1971 - 1885‬م(‬

‫ومن المعلوم أيضا ً عند أهل العلم أن السلطان سليم قام‬
‫بمصادرة مخطوطات الحديث والسنة من الشام ومصر وألقاها‬
‫في أقبية الستانة )وهذا قبل أن يولد أجداد المير عبد القادر(‪،‬‬
‫وآخر من اطلع على هذه المخطوطات من العلماء المشاهير‬
‫الحافظ ابن حجر العسقلني ‪،‬رحمه الله ‪ ،‬فلماذا لم يذكر أحد‬
‫من أهل التواريخ أن السلطان سليم أحرق الكتب التي ترد على‬
‫ابن عربي؟ ولماذا لم يقم بهذا الفعل أصل ً مع تعصبه الشديد‬
‫لبن عربي؟ ]والدليل على ما قاله أهل العلم من‬
‫المؤرخين هو عثور الستاذ أحمد زكي على مخطوط‬
‫)تنبيه الغبي( في خزائن القسطنطينية )استنبول(!! ‪.‬‬
‫انظر مقدمة عبد الرحمن الوكيل ص ‪13‬‬
‫قب بشيخ العروبة كان من‬
‫فائدة ‪]:‬الستاذ أحمد زكي باشا والمل ّ‬
‫أصدقاء المير سعيد الجزائري حفيد المير عبد القادر[‬
‫ن الدولة العثمانّية في ك ّ‬
‫سخ‬
‫سابعا ً ـ إ ّ‬
‫ل أطوارها كانت تر ّ‬
‫جعُ عليه في ك ّ‬
‫ل أرجاء دولتها ‪ ،‬وهي التي أنشأت‬
‫وف وتش ّ‬
‫التص ّ‬
‫الضرحة والقباب والمقامات والزوايا وأجرت لها الوقاف ‪،‬‬
‫مَتوّلين على الوقاف السلمية ‪.‬‬
‫وعّينت كبار شيوخ التصوف ُ‬
‫ن المتصوفة يع ّ‬
‫دسونه فهل‬
‫ظمون ابن عربي ويق ّ‬
‫وكما نعلم فإ ّ‬
‫يريد منا الشيخ نصيف أن نقبل أن جميع هؤلء المتعصبين لبن‬
‫عربي من السلطان سليم وباقي السلطين والولة مرورا ً‬
‫بمشيخة الطرق والضرحة لم يتعّرضوا للكتب الرادة على ابن‬
‫عربي عبر تلك القرون كلها وحافظوا عليها واعتنوا بها ‪ ،‬وتركوا‬
‫التفكير بإحراقها ‪ ،‬حتى إذا أه ّ‬
‫ل زمان المير عبد القادر ؛ ذلك‬
‫القائد الفذ والديب الشريف ‪ ،‬أقدم على التفكير بهذه الطريقة‬
‫وقام بتنفيذها؟!!!‬
‫ن هذا حقا ً لمر عجيب ول يمكن القبول به عند العقلء ‪.‬‬
‫إ ّ‬
‫ن السيوطي نفسه ؛ وهو الذي رد ّ على‬
‫وألفت النتباه إلى أ ّ‬
‫كتاب المام البقاعي ؛ كان يعتقد بولية ابن عربي ولكن كان‬
‫يقول بحرمة قراءة كتبه!‬
‫وج ّ‬
‫ل شيوخ التصوف كان هذا مذهبهم ينهون أتباعهم عن نسخ‬
‫كتب ابن عربي أو قراءتها مع إقرارهم بوليته!! ويقولون للناس‬
‫إن الفقهاء الذين ينتقدون ابن عربي لم يفهموا كلمه ونحن‬
‫نعذرهم فهم أهل الظاهر وابن عربي من أهل الباطن!!‬
‫إذن فما الحاجة إلى إحراق كتب العلماء التي انتقدت ابن‬
‫عربي؟‬

‫صة )السائح‬
‫ليس هناك حاجة طبعا ً سوى أن مختلق هذه الق ّ‬
‫وه صورة المير عبد القادر فحسب ‪ ،‬فالمير‬
‫التركي!( أراد أن يش ّ‬
‫صوفي المشرب في الصل وهذا يكفي عند البعض لن يكون‬
‫مباح العرض والدم فيفترى عليه بالباطل وتلصق به التهم‪.‬‬
‫ي المشرب وقرأ‬
‫ثامنا ً ـ أنا أعلم أ ّ‬
‫ن المير عبد القادر كان صوف ّ‬
‫"الفتوحات المكّية" ‪ ،‬ولكن هذا ل يسمح لي أن أجزم من عند‬
‫نفسي بأّنه كان موافقا ً لبن عربي في ك ّ‬
‫ل شذوذاته وانحرافاته ‪،‬‬
‫ُ‬
‫سبه الشيخ‬
‫كي َ‬
‫ف لي ذلك وأنا أقرأ في كتاب المواقف ؛ الذي ن َ َ‬
‫محمد نصيف للمير!)وليس له(؛ قو َ‬
‫ب‬
‫س ُ‬
‫ل المير ‪" :‬وما ُين َ‬
‫ن الكتب المؤّلفة‬
‫لسيدنا خاتم الولية محيي الدين ِ‬
‫م َ‬
‫داعين‬
‫في علم التدبير والكيمياء ‪ ،‬ولغيره من الولياء ال ّ‬
‫ن ي َدُ ّ‬
‫محا ٌ‬
‫ل‬
‫لأ ْ‬
‫إلى الله تعالى ؛ فزوٌر وافتراء ‪ ،‬فإّنه ُ‬
‫ي من أولياء الله ‪ ،‬عبادَ الله على ما يقطعهم عن‬
‫ول ٌ‬
‫ب لسيدنا محيي الدين ‪ ،‬من‬
‫س ُ‬
‫الله تعالى ‪ ...‬وكذا ما ُين َ‬
‫ج ْ‬
‫فر كال ّ‬
‫شجرة النعمانّية‬
‫الكتب المؤّلفة في الملحم وال ِ‬
‫ب‬
‫وغيرها ‪ ..‬وكذا الفتاوى المنسوبة إليه ‪ ،‬كذ ٌ‬
‫وزور"‪.‬انتهى ]المواقف ‪[2/709‬‬
‫ب للشيخ ابن‬
‫ن المير عندما اط ّل َعَ على كلم ٍِ ُينس ُ‬
‫فكما ترون فإ ّ‬
‫ده مخالفا ً للشريعة أسرع َ فنفاه عنه وذلك في كتابه‬
‫ج َ‬
‫عربي وو َ‬
‫ن المير ن َ‬
‫شأ على محّبة‬
‫الخاص بعلوم القوم ‪ ،‬والسبب في ذلك أ ّ‬
‫ن‬
‫مونهم أولياء الله ‪ ،‬ومنهم ابن عربي ‪ .‬فمن باب ُ‬
‫من ُيس ّ‬
‫حس ِ‬
‫ظّنه به نفى عنه ما رآه مخالفا ً للشرع ‪.‬‬
‫ت هنا في معرض تصويب أو تخطئة كلم المير في نفي‬
‫ول َ ْ‬
‫س ُ‬
‫ُ‬
‫ن المير صّرح بعدم‬
‫ن الذي أريد بيانه أ ّ‬
‫تلك الكتب أو إثباتها ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ب لبن عربي ‪،‬‬
‫موافقته على الكلم المخالف للشرع الذي ن ُ ِ‬
‫س َ‬
‫ن المير كان على‬
‫فكي َ‬
‫ف يسمح البعض لنفسهم أن يجزموا بأ ّ‬
‫معتقد الشيخ ابن عربي من الحلول والتحاد؟!‬
‫كما فعل الشيخ محمد نصيف الذي لم يكتف بذلك بل قال ‪:‬‬
‫))وقد ألف المير عبد القادر كتابا ً في التصوف على طريقة‬
‫ابن عربي ‪ .‬صّرح فيه بما كان يلّوح ابن عربي(( ‪ .‬سبحان الله!‬

‫ح بعض‬
‫وانظروا إلى تحذير المير من ذلك عندما كان يشر ُ‬
‫إشارات الصوفّية قال في آخر كلمه ‪:‬‬
‫ل أو اّتحاد أو امتزاج أو نحو‬
‫" واحذر أن ترمَيني بحلو ٍ‬
‫ن كل ما ُيخالف‬
‫ذلك ‪ ،‬فإني بريء من جميع ذلك و ِ‬
‫م ْ‬
‫ب الله وسّنة رسوله صلى الله عليه وسلم ‪." ..‬انتهى‬
‫كتا َ‬
‫]المواقف ‪[2/869‬‬

‫ن هلكه أقرب ‪ ،‬ونجاته أغرب‬
‫وانظروا إلى قوله ‪ ..." :‬فإ ّ‬
‫‪ ،‬إذ للشيطان فيه مدخ ٌ‬
‫ل واسع وشبهة قوّية فل يزال‬
‫مّرة )يعني إبليس( معه يستدرجه شيئا ً فشيئا ً يقول‬
‫أبو ُ‬
‫قت ُ َ‬
‫ق ـ تعالى ـ حقي َ‬
‫عب‬
‫ت غيُره ‪ ،‬فل ت ُت ْ ِ‬
‫ك ‪ ،‬وما أن َ‬
‫له ‪ :‬الح ّ‬
‫وضعت إل للعوام‬
‫نفسك بهذه العبادات ‪ ،‬فإّنها ما ُ‬
‫الذين لم يصلوا إلى هذا المقام ‪ ،‬فما عرفوا ما‬
‫ح له‬
‫َ‬
‫م ُيبي ُ‬
‫عَرفت ‪ ،‬ول وصلوا إلى ما إليه وصلت‪ .‬ث ّ‬
‫من قال لهم ‪ :‬اعملوا‬
‫المحّرمات‪ ،‬ويقول له ‪ :‬أن َ‬
‫تم ّ‬
‫ح زنديقا ً إباحي ّا ً‬
‫ماشئتم فقد وجبت لكم الجّنة ‪ ،‬فُيصب ِ ُ‬
‫دين كما يمرق السهم من‬
‫حلولي ّا ً ‪ ،‬يمرقُ من ال ّ‬
‫الرمّية"‪.‬انتهى ]المواقف ‪[3/1043‬‬
‫يقول شارل هنري تشرشل ‪)) :‬إن العرب ينسبون نجاح وح ّ‬
‫ظ‬
‫عبد القادر السعيد إلى تعضيد سمّيه العظيم )يقصد بسمّيه الشيخ‬
‫سئ َ‬
‫ل عبد القادر عن‬
‫عبد القادر الجيلني( ‪ ،‬ولكن كّلما ُ‬
‫مشيرا ً‬
‫عقيدته في هذه الخرافة ‪ ،‬أجاب بل تغيير ‪ُ ،‬‬
‫ن ثقتي في الله وحده"(( ‪.‬انتهى‬
‫بإصبعه إلى السماء ‪" ،‬إ ّ‬
‫])حياة المير عبد القادر( ترجمة أبي القاسم سعد الله ص ‪[46‬‬
‫ص واضح يرويه هنري تشرشل )البريطاني المسيحي(‬
‫وهذا ن ّ‬
‫مباشرة عن المير ـ فقد لزمه مدة خمسة أشهر في دمشق‬
‫سنة ‪1860‬م يسأله عن حياته العائلية ووقائعه في الجزائرـ وبعد‬
‫ن‬
‫أن سأله مرارا ً عن عقيدته فيما يعتقده بعض المتصوفة من أ ّ‬
‫نجاح المير كان بسبب عناية الولي الجيلني به ومساندته له ‪،‬‬
‫كان جواب المير ثابًتا دائما ً ‪ ،‬كان ُيشير بإصبعه إلى السماء‬
‫ن ثقتي بالله وحده"!!‬
‫ويقول ‪":‬إ ّ‬
‫وهذه النصوص التي سقتها لكم هي نصوص ظاهرة الدللة يصّرح‬
‫فيها المير عن معتقده ‪ ،‬فل يجوز أن ُيتغافل عنها وُيصار إلى‬
‫هم!! بل يتعّين العتماد عليها وطرح ما‬
‫الكلم عنه بالتخّرص والتو ّ‬
‫يخالفها‪.‬‬
‫وسيأتي مزيد ٌ لبيان فكر وعقيدة المير عبد القادر عند الحديث‬
‫على كتاب المواقف إن شاء الله ‪.‬‬
‫ن هذه الشياء التي ذكرتها لكم تبّين بوضوح عدم صحة‬
‫أعتقد أ ّ‬
‫الرواية التي أوردها الشيخ محمد نصيف عن السائح التركي ‪،‬‬
‫صعد ‪ ،‬فهي ل تصح سندا ً ولمتنا ً ول مقبولة عقل ً ‪،‬‬
‫على جميع ال ُ‬
‫ن المير‬
‫ومتعارضة مع الحقيقة والواقع ‪ ،‬فقد زعم راويها أ ّ‬
‫اشترى كل تلك الكتب وأحرقها ‪ ،‬وها نحن نرى اليوم جميع تلك‬

‫دين‬
‫الكتب موجودة ومحفوظة! فالخذ بهذه الرواية ليس من ال ّ‬
‫في شيء ‪.‬‬
‫ن بعض الذين أوردوا هذه الرواية‬
‫وأعجب من ذلك أ ّ‬
‫فهموا منها شيئا ً لم ُيذكر فيها! وصاغوه كما يروق‬
‫لهم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن المير عبد القادر من ألد أعداء دعوة‬
‫شيخ السلم ابن تيمية وكان ُيحرق ُ‬
‫كتبه وكتب ابن‬
‫القّيم!!‬
‫ودليلهم على ذلك هو الرواية التي ساقها الشيخ محمد نصيف ‪.‬‬
‫ول أدري من أين ظهر لهم اسم شيخ السلم ابن تيمية في كل‬
‫تلك الرواية؟!‬
‫ن المام ابن تيمّية ‪ ،‬رحمه الله ‪ ،‬كان الوحيد الذي‬
‫لعّلهم ظنوا أ ّ‬
‫م فالكتب التي أحرقها المير عبد‬
‫ُينكر على ابن عربي ‪ ،‬و ِ‬
‫ن ثَ ّ‬
‫م ْ‬
‫فوا العداوة بين‬
‫القادر هي كتب المام ابن تيمّية ‪ ،‬ومن هنا استش ّ‬
‫الرجلين!‬
‫وهذا والله أمٌر عجيب! أيكون الحكم على العلقات بين الرجال‬
‫بهذه الطريقة السقيمة؟!‬
‫ف إلى توهّم ٍ ثان والتوهمان مبنيان على رواية‬
‫م أّول مضا ٌ‬
‫توهّ ٌ‬
‫باطلة ‪ ،‬وبعد ذلك الخروج بحكم ما أنزل الله به من سلطان ‪ .‬ثم‬
‫"نحن أهل السلم وأهل الحديث!!"‬
‫دعي هذا الكلم أن يأتي‬
‫إ ّ‬
‫ن الواجب على الذي ي ّ‬
‫بالبرهان والدليل على كلمه ‪ ،‬وإل ّ فهو ساقط الرواية‬
‫وليس بثقة ؛ هذا في الدنيا ‪ ،‬وأما في الخرة‬
‫ديان شديد العقاب ‪.‬‬
‫فالموقف عصيب وال ّ‬
‫ن علماء عصرنا الذين‬
‫وأنّبه هنا إلى أمر هام وهو أ ّ‬
‫ترجموا لبن تيمية وابن القيم وكذلك المحققين‬
‫الذين تولوا إخراج تراثهما المكتوب ‪ ،‬لم يشيروا ل من‬
‫قريب ول من بعيد إلى حادثة إحراق كتبهما ‪ .‬وتفّرد‬
‫بذكر هذه الحادثة صاحب مقال فك الشيفرة وأمثاله‬
‫من الذين يلقون أوهامهم هنا وهناك في )النترنت( ‪،‬‬
‫وهم ليسوا من أهل العلم بل وغير معروفين ‪.‬وليس‬
‫لهم أي مستند أو برهان لما ذكروه وافتروه!!‬
‫والمير له بعض الكتب والرسائل ‪ ،‬ل يوجد في أي منها تعريض‬
‫بشيخ السلم أو بغيره ‪.‬‬
‫وبعد مطالعتي لتراث المير عبد القادر لم أقف على شيء يدل‬
‫على نفور المير من ابن تيمية‪ .‬ولكنني وقفت على بعض‬

‫النصوص ‪ ،‬التي كتبها السيد أحمد بن محيي الدين الحسني الخ‬
‫الصغر للمير عبد القادر وتلميذه النجيب وهو صوفي المشرب‬
‫ضا )وهو من أصفياء الع ّ‬
‫لمة جمال الدين القاسمي(‪ ،‬هي أقوى‬
‫أي ً‬
‫في الدللة وأظهر من تلك التي اعتمد عليها أدعياء العداوة بين‬
‫الرجلين ؛‬
‫‪1‬ـ جاء في كتاب )نثر الدر وبسطه( لحمد بن محيي الدين‬
‫م‬
‫الحسني )وهو مطبوع سنة ‪1324‬هـ( في الصفحة ‪ .. )) : 102‬ث ّ‬
‫ت سمعته من بعض طلبة‬
‫ن مما ُيستغرب منه وُيتع ّ‬
‫إ ّ‬
‫جب ما كن ُ‬
‫ن الع ّ‬
‫لمة المحقق الشيخ ابن تيمّية رحمه‬
‫وقتنا ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الله تعالى ألف كتابا حاول فيه تعليل المسائل الفقهّية التي‬
‫عجز فحول العلماء عن تعليلها ‪ ،‬واستنب َ‬
‫ط لها جميعها تعليلت‬
‫ت ذلك منه كل البعد ‪ ،‬وعددته من الشياء‬
‫مقبولة ‪ ،‬فاستبعد ُ‬
‫المحالة أو الشبيهة بالمحال ‪ ،‬إذ ل يمكن للنسان أن يلتمس لتلك‬
‫الشياء تعليل ً مقبول ً إل ّ أن يكون بقوة كشفّية أو ملكة وهبّية ‪.‬‬
‫ح ذلك لمن أطلعه الحق تعالى على ما هنالك وتخرج‬
‫فلربما يص ّ‬
‫وقتئذ عن كونها تعّبدّية ‪ ((..‬انتهى‬
‫إذن فالسيد أحمد الخ الصغر للمير وتلميذه المخلص إذا أورد‬
‫اسم شيخ السلم قال عنه ‪)) :‬الع ّ‬
‫م‬
‫لمة المحقق الشيخ(( ث ّ‬
‫ن الكلم الذي سيسوقه إنما‬
‫يقول ))رحمه الله تعالى(( ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫هو في معرض الرد والمخالفة ‪ ،‬فهل يمكن أن ُيفهم من كلمه‬
‫أّنه من ألد ّ أعدائه؟‬
‫وانظروا إلى ما قال الهيتمي بحق شيخ السلم ابن تيمية عندما‬
‫سئل عنه فأجاب بقوله ‪)) :‬ابن تيمية عبد ٌ خذ ََله الله وأضّله‬
‫ُ‬
‫مه وأذله وبذلك صّرح الئمة الذين بينوا فساد أحواله‬
‫وأعماه وأص ّ‬
‫وكذب أقواله((‪.‬انتهى ]انظر فتاوى الهيتمي ص ‪.[114‬‬
‫بمقارنة بسيطة بين كلم السيد أحمد الحسني وبين كلم‬
‫ض وعدوّ ‪ ،‬وبين‬
‫الهيتمي يستطيع العاقل أن يمّيز بين من هو مبغ ٌ‬
‫م‬
‫من يحترم الخر مع مخالفته له في المذهب الفقهي ‪ .‬و ِ‬
‫ن ثَ ّ‬
‫م ْ‬
‫ض وعدوٌ لبن تيمّية ‪ ،‬ولكنه ل‬
‫يستطيع القول إ ّ‬
‫ن الهيتمي مبغ ٌ‬
‫يستطيع أن يقول ذلك أبدا ً عن السيد أحمد ‪ ،‬وغرضي من هذا‬
‫أن موقف السيد أحمد هو بالضرورة يعّبر عن موقف‬
‫أخيه وأستاذه المير عبد القادر ‪.‬‬
‫‪2‬ـ وجاء في كتاب السيد أحمد بن محيي الدين الحسني )ُنخبة ما‬
‫دم له‬
‫ُتسّر به النواظر( وهو مخطوط موجود عندي ‪ ،‬وقد ق ّ‬
‫الع ّ‬
‫لمة جمال الدين القاسمي ؛ يقول السيد أحمد في الصفحة‬
‫‪173‬‬

‫‪ .. )) :‬وما أحسن قول الع ّ‬
‫لمة محمد بن أبي بكر المعروف‬
‫بابن القّيم الدمشقي الحنبلي في وصف الحور العين في‬
‫ة الله عليه ‪. ((....‬انتهى ‪ ،‬ثم أورد )‪(32‬‬
‫نونّيته المشهورة رحم ُ‬
‫بيتا ً منها ‪.‬‬
‫أهذا وصف العداء اللداء بعضهم لبعض؟! وابن القّيم هو من‬
‫أخص تلميذ ابن تيمّية ووارث منهجه ‪.‬‬
‫ن‬
‫إذن أستطيع أن أرى من خلل هذين النصين أن من زعم أ ّ‬
‫المير يكره ابن تيمّية وابن القيم هو متخّرص ومتكّلم بغير علم‬
‫ول تقوى ‪.‬‬
‫وللفائدة فإن شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله لم‬
‫قَبل العلماء ول الناس ول المتصوفة ؛‬
‫يكن مكروها ً من ِ‬
‫ل في عصره ول بعد ذلك ‪ ،‬وإنما كان له بعض‬
‫المنافسين الذين حاولوا أن ينالوا منه ‪ ،‬ولكن هذا لم‬
‫يكن له أي أثر عند الناس ‪ ،‬وفقهاء المذاهب الربعة‬
‫المتأخرون نقلوا عنه واستشهدوا بكلمه في كتبهم ؛‬
‫ولم يظهر التحامل على ابن تيمية والتعريض به على‬
‫نحو عريض إل ّ في هذا العصر وذلك لسباب أظن أنني‬
‫غير محتاج إلى ذكرها في هذا المقام ‪ .‬والشيء نفسه‬
‫ُيقال بحق ابن القّيم رحمه الله‪.‬‬
‫وإنني أشهد أنني رأيت أناسا ً من المتصوفة ‪ ،‬بل ومن غلتهم‬
‫يقفون على قبر الشيخ ابن تيمية في دمشق خلف مشفى التوليد‬
‫الجامعي وفي حرم كلية طب السنان القديمة ‪ ،‬ومدخل رئاسة‬
‫جامعة دمشق ‪ ،‬ويقرؤون له الفاتحة كما هي عادتهم إذا زاروا‬
‫قية من‬
‫القبور ‪) .‬وقبره مع قبر صاحبيه( هي القبور الوحيدة المتب ّ‬
‫دفن فيها ابن تيمية اسمها مقابر‬
‫مقابر الصوفية! )المقبرة التي ُ‬
‫الصوفية( ‪.‬‬
‫هم أن‬
‫والن سآتي على بيان فساد الدعاء الثاني ‪ ،‬وهو تو ّ‬
‫المير أحرق كتب ابن تيمية ‪.‬‬
‫إن شيخ السلم لم يتعّرض فيما أعلم لتأليف جزٍء خاص في الرد‬
‫على ابن عربي ‪ ،‬وإنما هو ذكره في فتاويه ورسائله خلل حديثه‬
‫عن انحرافات الصوفية ‪ .‬وكان يذكر عباراته التي في )فصوص‬
‫الحكم والفتوحات( وينتقدها ويصفها بما تستحق من الضلل إلى‬
‫الكفر ‪ ،‬ولكّنه لم يتعّرض لتكفير شخص ابن عربي مباشرة ‪ ،‬بل‬
‫قال َ ُ ُ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قال َ ُ‬
‫ة الوَلى َ‬
‫انظروا ماذا قال عنه في الفتاوى ‪..)) :‬ال َ‬
‫ة اب ِ‬
‫ع َ‬
‫فًرا َ‬
‫ها ك ُ ْ‬
‫و‬
‫صا ِ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫ف ُ‬
‫كون ِ َ‬
‫ي َ‬
‫ب فُ ُ‬
‫ح ِ‬
‫ي َ‬
‫ه َ‬
‫ص الحكم‪َ .‬‬
‫ع ََرب ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫صو ِ‬
‫ن ال َ‬
‫في َ‬
‫أَ ْ‬
‫جدُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫كل ِ‬
‫ما ُيو َ‬
‫قَرب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫لسلم ِ ل ِ َ‬
‫هم إَلى ا ِ‬
‫كلم ِ‬

‫َ‬
‫ت َ‬
‫و‬
‫ت َ‬
‫ه َبل ُ‬
‫ر ِ‬
‫جي ّ ِ‬
‫عَلى الت ّ َ‬
‫ال َ‬
‫حاِد ث ََبا َ‬
‫ه ل َيثب ُ ُ‬
‫ولن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫د ك َِثيًرا َ‬
‫غي ِ‬
‫ذي‬
‫معَ َ‬
‫ب ِ‬
‫ك َِثيُر ال ْ‬
‫سِع ال ّ ِ‬
‫وا ِ‬
‫في ِ‬
‫م َ‬
‫ما هُوَ َقائ ِ ٌ‬
‫ه وَإ ِن ّ َ‬
‫ضطَِرا ِ‬
‫خَيال ِهِ ال َ‬
‫ل ُأخرى ‪ .‬وَالل ّ َ‬
‫حقّ َتاَرة ً َوالَباط ِ َ‬
‫خي ّ ُ‬
‫ت‬
‫ي َت َ َ‬
‫ل ِفيهِ ال َ‬
‫ما َ‬
‫ما َ‬
‫م بِ َ‬
‫ه أعل َ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عليه(( انتهى‪].‬مجموع الفتاوى ‪[1/141‬‬
‫ي أَ ْ‬
‫وقال ‪)) :‬وَهُوَ قَوْ ُ‬
‫هم‬
‫ن َ‬
‫ل بَ ِ‬
‫قي ّةِ الت ّ َ‬
‫قَرب ُ ُ‬
‫ن اب َ‬
‫حاد ِي ّةِ ل َك ِ ّ‬
‫عَرب ِ ّ‬
‫إَلى السلم َ‬
‫ن َ‬
‫ة َ‬
‫ه‬
‫ما ِ‬
‫ع ك َِثيَر ٍ‬
‫وا ِ‬
‫ض َ‬
‫وأح َ‬
‫س ُ‬
‫فإ ِن ّ ُ‬
‫في َ‬
‫كل ً‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫يُ َ‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ه‬
‫ر في ُ ِ‬
‫مظا ِ‬
‫ن الظا ِ‬
‫فّرقُ َبي َ‬
‫وال َ‬
‫قّر المَر َ‬
‫ر َ‬
‫والّنه َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫وال ّ‬
‫ما‬
‫ي َ‬
‫ع َ‬
‫ر ِ‬
‫عَلي ِ‬
‫ما ِ‬
‫سُلو ِ‬
‫شَرائ ِ َ‬
‫مُر ِبال ّ‬
‫م ّ‬
‫وي َأ ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ك ب ِك َِثي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫شاي ِ ُ‬
‫ت وَل ِهَ َ‬
‫من‬
‫من ال ْ‬
‫وال ِ‬
‫ذا كِثيٌر ِ‬
‫دا ِ‬
‫خ ِ‬
‫مَر ب ِ ِ‬
‫عَبا َ‬
‫ه ال َ‬
‫أ َ‬
‫ق َ‬
‫خل ِ‬
‫ك وَِإن َ‬
‫من َ‬
‫ن ب ِذ َل ِ َ‬
‫خ ُ‬
‫كاُنوا ل‬
‫العَِباد ِ َيأ ُ‬
‫سُلوك َُهم فََينت َ ِ‬
‫كل ِ‬
‫ن ِ‬
‫فُعو َ‬
‫ذو َ‬
‫مه ِ ُ‬
‫ه(( ‪.‬‬
‫ه فَ َ‬
‫منُهم وََوافَ َ‬
‫قائ ِ َ‬
‫ح َ‬
‫َيف َ‬
‫مَها ِ‬
‫ن َ‬
‫قُهو َ‬
‫ن َقول َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫من فَهِ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫ق ُ‬
‫قد ت َب َي ّ َ‬
‫انتهى ]مجموع الفتاوى ‪[196 /1‬‬
‫ت‬
‫وفي الجزء الثاني من مجموع الفتاوى ص ‪)) : 464‬وإنما كن ُ‬
‫قديما ً ممن ُيحسن الظن بابن عربي وُيع ّ‬
‫ما‬
‫ظمه ‪ :‬ل ِ َ‬
‫ر من‬
‫رأيت في كتبه من‬
‫الفوائد مثل كلمه في كثي ٍ‬
‫)‪(2‬‬
‫"الفتوحات" ‪ ،‬و"الك ُْنه" ‪ ،‬و"المحكم المربوط" ‪ ،‬و"الدرة‬
‫الفاخرة" ‪ ،‬و"مطالع النجوم" ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬ولم نكن بعد اطلعنا‬
‫على حقيقة مقصوده ‪ ،‬ولم نطالع الفصوص ونحوه ‪ ،‬وكنا‬
‫نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ‪ ،‬ونكشف حقيقة‬
‫م ذكَر‬
‫الطريق‪ ،‬فلما تبّين المر عرفنا نحن ما يجب علينا ‪ ((...‬ث ّ‬
‫مات من أقوال ومعتقدات غلة الصوفية الفلسفة وختمها‬
‫طا ّ‬
‫بقوله ‪)) :‬وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص )يعني‬
‫ابن عربي( والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه ‪ ،‬والله‬
‫يغفر لجميع المسلمين والمسلمات ‪ ،‬والمؤمنين‬
‫والمؤمنات ‪ ،‬الحياء منهم والموات }رّبنا اغفر لنا ولخواننا الذين‬
‫سبقونا باليمان ول تجعل في قلوبنا غل ً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف‬
‫رحيم{((‪ .‬انتهى ]مجموع الفتاوى ‪[469 /2‬‬

‫فهل في هذا الكلم ما يحمل على الحقد على ابن تيمّية؟ وهل‬
‫سف أو حقد على ابن‬
‫في كلم ابن تيمية أي رائحة ش ّ‬
‫دة وتع ّ‬
‫عربي؟‬
‫وروى الذهبي في سير أعلم النبلء في ترجمة ابن عربي ‪ ،‬قال‬
‫خنا أنه سمع الشيخ عز‬
‫‪ :‬وقد حكى العلمة ابن دقيق العيد شي ُ‬
‫ه( ‪.‬‬
‫ه ما ل بد للمريد ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫‪2‬ـ اسم الكتاب ‪) :‬ك ُن ْ ُ‬

‫الدين ابن عبد السلم يقول عن ابن العربي ‪)) :‬شيخ سوء‬
‫ك ّ‬
‫ذاب ‪ ،‬يقول بقدم العالم ول يحّرم فرجًا((‪.‬انتهى‬
‫ن هؤلء الصوفية‬
‫ن كان ِ‬
‫وقال تقي الدين السبكي ‪)) :‬و َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ضلل جها ٌ‬
‫ل‪،‬‬
‫المتأخرين كابن عربي وغيره ‪ ،‬فهم ُ‬
‫خارجون عن طريقة السلم ‪ ،‬فضل ً عن العلماء((‪ .‬انتهى‬
‫‪ .‬قال ذلك في باب الوصية من شرح المنهاج ونقله الكمال‬
‫دميري والتقي الحصني ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫إننا إذا قارنا بين ما قاله المام العز بن عبد السلم أو السبكي‬
‫وأبو حيان الندلسي والبقاعي وغيرهم في ابن عربي وبين ما‬
‫قاله ابن تيمّية ‪ ،‬تبّين لنا كم كان المام ابن تيمّية متلطفا ً في‬
‫العبارة ‪ ،‬ورعا ً في الوصف مع الجرأة في بيان الحق ودحض‬
‫الباطل ‪ .‬والشيء نفسه ُيقال بحق ابن القّيم ‪.‬‬
‫إذن فإحراق كتب هؤلء أولى من إحراق كتب ابن تيمية وابن‬
‫القيم!‬
‫ومع ذلك أقول للذين يصّرون بغير حق على اتهام المير بحرق‬
‫كتب ابن تيمّية وابن القّيم ‪.‬‬
‫دت ُ‬
‫كتب شيخ السلم ابن تيمية؟ وهل‬
‫ج َ‬
‫هل تدرون أين وُ ِ‬
‫سر الله طبعها‬
‫تدرون أين كانت ُتحفظ وتتعهد بالرعاية ؟ إلى أن ي ّ‬
‫ونشرها ‪.‬‬
‫لقد ُوجد مجموع فتاوى ابن تيمية بتمامه تقريبا ً في دمشق ‪،‬‬
‫ن المير عبد القادر ومكان نفوذه وسلطته ‪ ،‬في المكتبة‬
‫موط ِ‬
‫الظاهرّية غير البعيدة عن دار المير عبد القادر! فكيف يزعمون‬
‫أنه أحرقها؟‬
‫أم أنهم سيقولون إنها فاتته ‪ ،‬إذن ماذا كان يحرق؟! وكيف لم‬
‫دعى السائح التركي ‪ ،‬مع أنها تحت يده في‬
‫يستحوذ عليها كما ا ّ‬
‫دمشق؟‬
‫وإليكم ما قاله الشيخ محمد بن عبد الرحمن العاصمي ‪ ،‬في‬
‫دمة مجموع الفتاوى المطبوع ‪ ،‬قال ‪)) :‬إن أباه الشيخ عبد‬
‫مق ّ‬
‫َ‬
‫الرحمن العاصمي الحنبلي رحمه الله بد َأ بجمع فتاوى شيخ‬
‫السلم ابن تيمّية في نجد سنة ‪ 1340‬هـ)انتبه للتاريخ( فوجد‬
‫م قال ‪":‬‬
‫منها ثلثة مجّلدات عند الشيخ محمد بن عبد اللطيف ث ّ‬
‫وكانت نجد ٌ وما زالت ـ بحمد الله ـ أسعد القاليم بالنتفاع‬
‫بمؤّلفات شيخ السلم ‪ ،‬وتداولها وتدريسها"‬
‫]طبعا ً هذا الكلم بعد وفاة المير عبد القادر وقبل‬
‫سائح التركي فتنّبه![‬
‫صة الشيخ نصيف مع ال ّ‬
‫ق ّ‬

‫صل‬
‫ث ّ‬
‫م استخَرج من مكتبة الحرم المكي عددا ً منها ؛ كما تح ّ‬
‫حه الكبير فقد‬
‫ما فََر ُ‬
‫على مسائل من بعض العلماء الفاضل ‪ .‬وأ ّ‬
‫كان عندما ع َث ََر في المكتبة ال ّ‬
‫م‬
‫ظاهرّية بدمشق على الك ّ‬
‫ت ))المجاميع(( وهي‬
‫م تص ّ‬
‫فح ُ‬
‫الكبر من الفتاوى قال ‪ .. ":‬ث ّ‬
‫مَلت على مسائل ونبذ ٍ ل‬
‫تزيد على )‪ (150‬مجموعة ‪ ،‬وقد اشت َ َ‬
‫توجد في غيرها ‪ ،‬وهي بخطوط قديمة ‪ ،‬وفيها من خ ّ‬
‫ط شيخ‬
‫السلم بيده ما يزيد على )‪ (850‬صحيفة ‪ .‬ومن تلك‬
‫المجاميع ))مجموعة مسودة(( كّلها بخ ّ‬
‫طه ‪ ،‬ل يوجد‬
‫شيء منها في المكاتب ‪ ،‬ول غيرها عدد صفحاتها )‬
‫‪"..(664‬‬
‫صة( بدمشق‬
‫ويتابع الحديث عن بحثه في المكتبات الهلّية )الخا ّ‬
‫ت عند الشيخ حسن الشطي كتابين في الوقف‬
‫فيقول ‪ " :‬فوجد ُ‬
‫ضمن مجاميع لشيخ السلم ‪ ،‬وعند محمد حمدي السفرجلني‬
‫مسائل في التراويح والمامة وغيرها ‪..‬وعند أحمد عبيد وإخوانه‬
‫دمة مجموع الفتاوى بقلم الشيخ‬
‫مسائل ‪. "...‬انتهى انظر مق ّ‬
‫محمد بن عبد الرحمن العاصمي النجدي الحنبلي‪.‬‬
‫إذن بعض كتب شيخ السلم كانت في بلد الحرمين قديما ً ‪،‬‬
‫عثر على معظم تراثه في دمشق! حيث كان‬
‫ولكن ُ‬
‫يعيش المير عبد القادر ‪ ،‬وحيث كانت دار الكتب‬
‫دها بالمخطوطات والكتب‬
‫الظاهرية التي أنشأها وم ّ‬
‫أحدُ ألمع تلمذة المير عبد القادر والمقّربين منه إنه‬
‫سَلفي ‪ ،‬والمير‬
‫الشيخ طاهر الجزائري السمعوني ال ّ‬
‫ده بالمال والمخطوطات ‪ ،‬ومعظم المخطوطات‬
‫كان يم ّ‬
‫التي كانت عند المير أعطاها للشيخ طاهر ‪ ،‬والمكتبة‬
‫ُ‬
‫ست سنة ‪1879‬م يعني قبل وفاة المير‬
‫س َ‬
‫الظاهرية أ ّ‬
‫بخمسة أعوام ‪ .‬والشيخ طاهر ُيج ّ‬
‫ل المير كثيًرا ورثاه بمرثّية‬
‫من أبدع ما قيل‪.‬‬
‫والذي أرشد الشيخ عبد الرحمن العاصمي إلى مجموع فتاوى‬
‫ابن تيمّية ‪ ،‬هو المير عبد المجيد حفيد المير عبد القادر ‪ ،‬الذي‬
‫كان أميًنا للمكتبة الظاهرية قرابة أربعين سنة! وللفائدة فإن‬
‫دث‬
‫المير عبد المجيد هو الذي كان يقدم التسهيلت للشيخ المح ّ‬
‫محمد ناصر الدين اللباني رحمه الله ‪ ،‬أثناء وجوده في المكتبة‬
‫الظاهرية ‪ .‬وكان المير عبد المجيد يأخذ برأي المام ابن تيمية‬
‫في بعض المسائل!‬
‫وبالمناسبة فإن هواة الطعن في الرجال بالتشهي يّتهمون‬
‫الشيخ طاهر الجزائري بالماسونية!‬

‫ن الماسون هم الذين حافظوا على تراث‬
‫إذن على طريقتهم فإ ّ‬
‫شيخ السلم ابن تيمية! وحسبنا الله ونعم الوكيل ‪.‬‬
‫أعتقد أن في هذا القدر من التوضيح والبيان كفاية لمن يريد‬
‫الحق ‪.‬‬
‫وفي المشاركة القادمة إن شاء الله سأبدأ بالرد على التهم‬
‫والتخرصات التي ساقها صاحب فك الشيفرة الجزائرّية ‪.‬‬
‫ما على حلقات أتناول فيها التهم واحدة إثر‬
‫وسأجعل الرد مقس ً‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫ب العالمين‬
‫والحمد لله ر ّ‬
‫خلدون بن م ّ‬
‫كي الحسني‬
‫صلة‬
‫للبحث ِ‬