‫مجموع فتاوى ابن تيمية – ‪ – 15‬المجلد الخامس عشر‬

‫)التفسير(‬
‫شيخ السلم تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫سورة العراف‬
‫فصــل في حجة إبليس‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }إنه يراكم هو وقبيله{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }ادعوا ربكم تضرعا وخفية{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }قال المل الذين استكبروا من قومه{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير بعض آيات ُمشكلة‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون{‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى }واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة{‬
‫‪o‬‬
‫سورة النفال‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى }إذ تستغيثون ربكم{‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى }فلم تقتلوهم{‬
‫‪o‬‬
‫سورة التوبة‬
‫تفسير قوله تعالى }وقالت اليهود عزير ابن ال{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }قل أبال وآياته ورسوله كنتم تستهزئون{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }لقد تاب ال على النبي{‬
‫‪o‬‬
‫سورة يونس‬
‫فصــل تفسير قوله تعالى }هو الذي جعل الشمس ضياء{‬
‫‪o‬‬
‫تفسير بعض آيات مشكلة‬
‫‪o‬‬
‫سورة هود‬
‫فصــل تفسير قوله تعالى }أفمن كان على بينة من ربه{‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى }أفمن كان على بينة من ربه{‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في أن المؤمن على أمر من ال‬
‫‪‬‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى }أفمن كان على بينة من ربه{‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى }كتاب أحكمت آياته{‬
‫‪o‬‬
‫سئل عن تفسير قوله تعالى }وأما الذين سعدوا ففي الجنة{‬
‫‪o‬‬
‫سورة يوسف‬
‫صــل في تفسير قوله تعالى }هيت لك قال معاذ ال{‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى }رب السجن أحب إلي{‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في مقارنة حال يوسف عليه السلم بحال محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫‪o‬‬
‫قال شيخ السلم لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسى ذكر ربه هو الفتى‬
‫‪‬‬
‫ل عن قوله تعالى }قل هذه سبيلي أدعو إلى ال{‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬
‫‪o‬‬
‫صــل في تفسير قوله تعالى }حتى إذا استيأس الرسل{‬
‫فَـ ْ‬
‫‪o‬‬
‫ســورة الرعــد‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى }وجعلو ل شركاء قل سموهم{‬
‫‪o‬‬
‫ســورة الحجــر‬
‫فصــل في تفسير ثلث آيات متشابهة اللفظ والمعنى‬
‫‪o‬‬
‫سورة النحل‬
‫فصــل في منافع اللباس‬
‫‪o‬‬
‫تفسير قوله تعالى }قل نزله روح القدس من ربك بالحق{‬
‫‪o‬‬
‫سورة السراء‬
‫تفسير قوله تعالى }قل ادعو الذين زعمتم من دونه{‬
‫‪o‬‬

‫•‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫•‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬

‫سورة الكهف‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى }وكان النسان أكثر شيء جدل{‬
‫َف ْ‬
‫سورة مــريم‬
‫صـــل في بيان مضمون سورة مريم‬
‫َف ْ‬
‫ل عن تفسير قوله تعالى }فخلف من بعدهم خلف{‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬
‫ســورة طـه‬
‫َفصـل في بيان مضمون سورة طه‬
‫َفصــل في طريقتي العلم والعمل‬
‫َفصـل في تفسير قوله تعالى }إن هذان لساحران{‬
‫َفصــل في نكتة العراب في قوله تعالى }إن هذان لساحران{‬
‫‪‬‬
‫سورة النبياء‬
‫صـــل في بيان منزلة سورة النبياء‬
‫َف ْ‬
‫سورة الحــج‬
‫صـــل في بيان المكي والمدني من السورة‬
‫َف ْ‬
‫تفسير قوله تعالى }ومن الناس من يجادل في ال بغير علم{‬
‫تفسير قوله تعالى }ومن الناس من يعبد ال على حرف{‬
‫سورة المؤمنون‬
‫تفسير قوله تعالى }أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما{‬
‫سورة النور‬
‫صــل في معاني مستنبطة من سورة النور‬
‫َف ْ‬
‫صـــل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره‬
‫َف ْ‬
‫فصـل في تعظيم الفاحشة بالباطل‬
‫َفصــل في تفسير قوله تعالى }والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء{‬
‫تفسير قوله تعالى }إن الذين يرمون المحصنات الغافلت المؤمنات{‬
‫فصـــل في تفسير قوله تعالى }يا أيها الذين آمنوا ل تدخلوا بيوتا غير بيوتكم{‬
‫صـل في تفسير قوله تعالى }وتوبوا إلى ال جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون{‬
‫َف ْ‬
‫ل عن تفسير قوله تعالى }قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم{‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬
‫سورة الفرقان‬
‫فـصـل في بيان أكبر الكبائر‬
‫فصــل في تقسيم المم‬
‫فصــل في تقسيم الفضائل‬
‫َفصـل في تفضيل السلم على سائر الديان الخرى‬
‫َفصـل في بيا ن أجناس الناس‬
‫َفصـل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الرادية‬
‫‪‬‬
‫سورة النمل‬
‫تفسير بعض اليات الُمشكلة‬
‫سورة الحزاب‬
‫تفسير قوله تعالى }النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم{‬
‫فصــل في لفظ الطلق‬

‫كتاب التفـســير‬
‫الجـزء الثاني‬
‫من سورة العراف إلي الحزاب‬
‫‪ /‬بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫سورة العراف‬
‫حمُه ال تعالى‪:‬‬
‫قال شيخ السلم ـ َر ِ‬
‫فصــل‬
‫طيٍن{ ]العراف‪ ،[12 :‬هى باطلة؛ لنه عارض النص‬
‫خَلْقَتُه ِمن ِ‬
‫خَلْقَتِني ِمن ّناٍر َو َ‬
‫خْيٌر ّمْنُه َ‬
‫حجة إبليس في قوله‪َ} :‬أَنْا َ‬
‫عِبَدت الشمس والقمر إل بالمقاييس‪ .‬ويظهر فسادها‬
‫بالقياس؛ ولهذا قال بعض السلف‪ :‬أول من قاس إبليس‪ ،‬وما ُ‬
‫بالعقل من وجوه خمسة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ادعى أن النار خير من الطين‪ ،‬وهذا قد ُيمنع‪ ،‬فإن الطين فيه السكينة والوقار‪ ،‬والستقرار‪ ،‬والثبات‬
‫والمساك ونحو ذلك‪ ،‬وفي النار الخفة والحدة والطيش‪ ،‬والطين فيه الماء والتراب‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه وإن كانت النار خيًرا من الطين؛ فل يجب أن يكون ‪ /‬المخلوق من الفضل أفضل‪ ،‬فإن الفرع قد يختص‬
‫بما ل يكون في أصله‪ ،‬وهذا التراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنبات ما هو خير منه‪ ،‬والحتجاج على فضل‬
‫النسان على غيره بفضل أصله على أصله حجة فاسدة احتج بها إبليس‪ ،‬وهى حجة الذين يفخرون بأنسابهم‪ ،‬وقد قال‬
‫سبه(‪.‬‬
‫عَمُله لم يبلغ به َن َ‬
‫صر به َ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من َق َ‬
‫ت‬
‫خ ُ‬
‫سّوْيُتُه َوَنَف ْ‬
‫الثالث‪ :‬أنه وإن كان مخلوًقا من طين‪،‬فقد حصل له بنفخ الروح المقدسةِ فيه ما شرف به؛فلهذا قال‪َ}:‬فِإَذا َ‬
‫جب للتفضيل هذا المعنى‬
‫ِفيِه ِمن ّروِحي َفَقُعوا َلُه َساِجِديَن{ ]ص‪َ ،[ 72:‬فَعّلق السجود بأن ينفخ فيه من روحه‪ ،‬فالمو ِ‬

‫الشريف الذى ليس لبليس مثله‪.‬‬
‫ي{ ]ص‪ ،[75:‬وهو كالثر‬
‫ت ِبَيَد ّ‬
‫خَلْق ُ‬
‫جَد ِلَما َ‬
‫سُ‬
‫ك َأن َت ْ‬
‫الرابع‪ :‬أنه مخلوق بيدى ال ـ تعالى ـ كما قال تعالى‪َ} :‬ما َمَنَع َ‬
‫ل‪ ،‬وعن عبد ال بن عمرو في تفضيله على الملئكة‪ ،‬حيث قالت‬
‫المروى عن النبي صلى ال عليه وسلم مرس ً‬
‫ت لهم‬
‫ت لبنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون وينكحون؛ فاجعل لنا الخرة كما جعل َ‬
‫الملئكة‪ :‬يارب‪ ،‬قد خلق َ‬
‫ي كمن‬
‫الدنيا‪ ،‬فقال‪) :‬ل أفعل(‪ .‬ثم أعادوا‪ .‬فقال‪) :‬ل أفعل(‪ .‬ثم أعادوا‪ .‬فقال‪) :‬وعزتي‪ ،‬ل أجعل صالح من خلقت َبَيَد ّ‬
‫قلت له‪ :‬كن فكان(‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أنه لو ُفِرض أنه أفضل‪ ،‬فقد يقال‪ :‬إكرام الفضل للمفضول ليس بمستنكر‪.‬‬
‫ث َل َتَرْوَنُهْم{ الية الكريمة ]العراف‪.[27 :‬‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫حَمُه ال ـ عن قوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه َيَراُكْم ُهَو َوَقِبيُلُه ِم ْ‬
‫سئل الشيخ ـ َر ِ‬
‫‪/‬‬
‫هل ذلك عام ل يراهم أحد‪ ،‬أم يراهم بعض الناس دون بعض؟ وهل الجن والشياطين جنس واحد ولد إبليس‪ ،‬أم‬
‫جنسين ولد إبليس وغير ولده‪.‬‬
‫فأجاب شيخ السلم أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رحمه ال ورضى عنه آمين ـ فقال‪:‬‬
‫الحمد ل‪ ،‬الذى في القرآن أنهم يرون النس من حيث ل يراهم النس‪ ،‬وهذا حق يقتضى أنهم يرون النس في حال ل‬
‫ضا‪ ،‬لكن‬
‫يراهم النس فيها‪ .‬وليس فيه أنهم ل يراهم أحد من النس بحال‪ ،‬بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أي ً‬
‫ل يرونهم في كل حال‪ ،‬والشياطين هم َمَرَدُة النس والجن‪ ،‬وجميع الجن َوَلد إبليس‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫‪/‬‬

‫حه‪:‬‬
‫س ال رو ُ‬
‫َوَقال شيخ السلم ـ قد َ‬

‫ل َما َل َتْعَلُمو َ{‬
‫ن{‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َ‬
‫شاء َأَتُقوُلو َ‬
‫حَ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل َأَمَرَنا ِبَها ُق ْ‬
‫عَلْيَها آَباءَنا َوا ّ‬
‫جْدَنا َ‬
‫شًة َقاُلوْا َو َ‬
‫حَ‬
‫قوله‪َ} :‬وِإَذا َفَعُلوْا َفا ِ‬
‫]العراف‪ ،[ 28:‬والفاحشة أريد بها كشف السوءات‪ ،‬فيستدل به على أن في الفعال السيئة من الصفات ما يمنع أمر‬
‫الشرع بها‪ ،‬فإنه أخبر عن نفسه في سياق النكار عليهم أنه ل يأمر بالفحشاء؛ فدل ذلك على أنه منزه عنه‪ ،‬فلو كان‬
‫جائًزا عليه لم يتنزه عنه‪.‬‬
‫َفُعِلم أنه ل يجوز عليه المر بالفحشاء وذلك ل يكون إل إذا كان الفعل في نفسه سيًئا‪َ ،‬فُعِلَم أن كل ما في نفسه فاحشة‬
‫فإن ال ل يجوز عليه المر به‪ ،‬وهذا قول من يثبت للفعال في نفسها صفات الحسن والسوء‪ ،‬كما يقوله أكثر العلماء‬
‫كالتميميين وأبي الخطاب‪ ،‬خلف قول من يقول‪ :‬إن ذلك ل يثبت قط إل بخطاب‪.‬‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[ 32:‬علل النهى عنه بما اشتمل عليه من أنه‬
‫سِبي ً‬
‫ساء َ‬
‫شًة َو َ‬
‫حَ‬
‫ن َفا ِ‬
‫ل َتْقَرُبوْا الّزَنى ِإّنُه َكا َ‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ل‪ ،‬فلو ‪ /‬كان إنما صار فاحشة وساء سبيل بالنهى‪ ،‬لما صح ذلك؛ لن العلة تسبق المعلول ل‬
‫فاحشة‪ ،‬وأنه ساء سبي ً‬
‫تتبعه‪ ،‬ومثل ذلك كثير في القرآن‪.‬‬
‫شّر ّلُكْم‬
‫شْيًئا َوُهَو َ‬
‫حّبوْا َ‬
‫سى َأن ُت ِ‬
‫عَ‬
‫خْيٌر ّلُكْم َو َ‬
‫شْيًئا َوُهَو َ‬
‫سى َأن َتْكَرُهوْا َ‬
‫عَ‬
‫ل َوُهَو ُكْرٌه ّلُكْم َو َ‬
‫عَلْيُكُم اْلِقَتا ُ‬
‫ب َ‬
‫وأما في المر‪ ،‬فقوله‪ُ} :‬كِت َ‬
‫ل َيْعَلُم َوَأنُتْم َل َتْعَلُموَن{ ]البقرة‪ ،[ 216 :‬دليل على أنه أمر به؛ لنه خير لنا؛ ولن ال علم فيه ما لم نعلمه‪.‬‬
‫َوا ّ‬

‫طّهَرُكْم َوِلُيِتّم ِنْعَمَتُه َعَلْيُكْم َلَعّلُكْم َتْشُكُروَن{ ]المائدة‪ ،[6 :‬دليل على أنه أمر‬
‫طُهور‪َ} :‬وَلـِكن ُيِريُد ِلُي َ‬
‫ومثله قوله في آية ال ّ‬
‫ضا ـ في القرآن كثير‪.‬‬
‫طُهور؛ لما فيه من الصلح لنا وهذا ـ أي ً‬
‫بال ّ‬
‫ن َو َ‬
‫ل‬
‫ب اْلُمْعَتِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خْفَيًة ِإّنُه َ‬
‫عا َو ُ‬
‫ضّر ً‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫ل الشيخ تقى الّدين أحمد بن تيمّية على قول ال عز وجل‪} :‬اْد ُ‬
‫َوَقا َ‬
‫‪/‬‬
‫ب ّمَن اْلُمْحِسِنيَن{ ]العراف‪:[56 ،55 :‬‬
‫ل َقِري ٌ‬
‫تا ّ‬
‫حَم َ‬
‫ن َر ْ‬
‫طَمًعا ِإ ّ‬
‫خْوًفا َو َ‬
‫عوُه َ‬
‫حَها َواْد ُ‬
‫لِ‬
‫صَ‬
‫ض َبْعَد ِإ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫سُدوْا ِفي ا َ‬
‫ُتْف ِ‬

‫هاتان اليتان مشتملتان على آداب نوعى الدعاء‪ :‬دعاء العبادة‪ ،‬ودعاء المسألة‪ .‬فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة‬
‫وهذا تارة‪ ،‬ويراد به مجموعهما‪ ،‬وهما متلزمان؛ فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعى‪ ،‬وطلب كشف ما يضره‬
‫ودفعه‪ .‬وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود‪ ،‬لبد أن يكون مالًكا للنفع والضر‪.‬‬
‫ل َتْد ُ‬
‫ع‬
‫را ول نفًعا‪ ،‬وذلك كثير في القرآن‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ولهذا أنكر ـ تعالى ـ على من عبد من دونه ما ل يملك ض ً‬
‫ضّرُهْم َوَل َينَفُعُهْم{ ]يونس‪،[18 :‬‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫ك{ ]يونس‪ ،[106:‬وقال‪َ} :‬وَيْعُبُدو َ‬
‫ضّر َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ك َو َ‬
‫ل َينَفُع َ‬
‫ل َما َ‬
‫نا ّ‬
‫ِمن ُدو ِ‬

‫فنفي ـ سبحانه ـ عن هؤلء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدى‪ ،‬فل ىملكون لنفسهم ول لعابديهم‪.‬‬
‫وهذا كثير في القرآن‪ ،‬يبين ـ تعالى ـ أن المعبود ل بد أن يكون مالًكا ‪ /‬للنفع والضر‪ ،‬فهو يدعو للنفع والضر دعاء‬
‫المسألة‪ ،‬ويدعو خوًفا ورجاًء دعاء العبادة‪َ ،‬فُعِلم أن النوعين متلزمان‪ .‬فكل دعاء عبادٍة مستلزم لدعاء المسألة‪ ،‬وكل‬
‫دعاء مسألٍة متضمن لدعاء العبادة‪.‬‬
‫ب َدْعَوَة الّداِع ِإَذا َدَعاِن{ ]البقرة‪ ،[186:‬يتناول نوعى الدعاء‪،‬‬
‫جي ُ‬
‫ب ُأ ِ‬
‫عّني َفِإّني َقِري ٌ‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫سَأَل َ‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فقوله‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫وبكل منهما فسرت الية‪ .‬قيل‪ :‬أعطيه إذا سألنى‪ .‬وقيل‪ :‬أثيبه إذا عبدنى‪ .‬والقولن متلزمان‪ .‬وليس هذا من استعمال‬
‫اللفظ المشترك في معنييه كليهما‪ ،‬أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه‪ ،‬بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة‬
‫للمرين جميًعا‪ ،‬فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع‪ ،‬وَقلّما يفطن له‪ .‬وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعًدا‪ ،‬فهى‬
‫من هذا القبيل‪.‬‬
‫سر‬
‫سر )الدلوك( بالزوال‪ ،‬وُف ّ‬
‫ق الّلْيِل{ ]السراء‪ُ ،[ 78:‬ف ّ‬
‫سِ‬
‫غَ‬
‫س ِإَلى َ‬
‫شْم ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫لَة ِلُدُلو ِ‬
‫صَ‬
‫مثال ذلك قوله تعالى‪َ} :‬أِقِم ال ّ‬
‫بالغروب‪ ،‬وليس بقولين‪ ،‬بل اللفظ يتناولهما مًعا؛ فإن الدلوك‪ :‬هو الميل‪ .‬ودلوك الشمس‪ :‬ميلها‪.‬‬
‫ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى‪،‬فمبتدؤه الزوال‪،‬ومنتهاه الغروب‪،‬واللفظ متناول لهما بهذا العتبار‪.‬‬

‫ضا‪ :‬تفسير )الغاسق( بالليل‪ ،‬وتفسيره بالقمر‪ ،‬فإن ذلك ‪ /‬ليس باختلف‪ ،‬بل يتناولهما لتلزمهما؛ فإن القمر‬
‫ومثاله أي ً‬
‫آية الليل‪ .‬ونظائره كثيرة‪.‬‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪ٍ} :‬قًل ّما ّيعّبأ ٌبٍكًم ّرَبي ّلول ٍدّعاؤٍكم { ]الفرقان‪ [ 77 :‬أي‪ :‬دعاؤكم إياه‪ ،‬وقيل‪ :‬دعاؤه إياكم إلى‬
‫عبادته‪ ،‬فيكون المصدر مضاًفا إلى المفعول‪ ،‬ومحل الول مضاًفا إلى الفاعل‪ ،‬وهو الرجح من القولين‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فالمراد به نوعى الدعاء‪ ،‬وهو في دعاء العبادة أظهر‪ ،‬أي‪ :‬ما يعبأ بكم لول أنكم ترجونه‪ ،‬وعبادته تستلزم‬
‫مسألته‪ .‬فالنوعان داخلن فيه‪.‬‬
‫ب َلُكْم{ ]غافر‪ ،[ 60 :‬فالدعاء يتضمن النوعين‪ ،‬وهو في دعاء العبادة‬
‫ج ْ‬
‫سَت ِ‬
‫عوِني َأ ْ‬
‫ل َرّبُكُم اْد ُ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫أظهر؛ ولهذا أعقبه‪ِ}:‬إّن اّلِذيَن َيْسَتْكِبُروَن َعْن ِعَباَدِتي{ الية ]غافر‪ .[ 60 :‬ويفسر الدعاء في الية بهذا وهذا‪.‬‬
‫وروى الترمذى عن النعمان بن بشير‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ـ على المنبرـ‪) :‬إن الدعاء‬
‫ب َلُكْم{ الية‪ .‬قال الترمذى‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫ج ْ‬
‫سَت ِ‬
‫عوِني َأ ْ‬
‫ل َرّبُكُم اْد ُ‬
‫هو العبادة(‪ .‬ثم قرأ قوله تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ن ِمن ُدوِنِه‬
‫عو َ‬
‫جَتَمُعوا َلُه{الية ]الحج‪،[73:‬وقوله‪ِ}:‬إن َيْد ُ‬
‫خُلُقوا ُذَباًبا َوَلِو ا ْ‬
‫ل َلن َي ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫ن َتْد ُ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫‪/‬وأما قوله تعالى‪ِ}:‬إ ّ‬
‫ضّل َعْنُهم ّما َكاُنوا َيْدُعوَن ِمن َقْبُل{ الية ]فصلت‪.[48:‬وكل موضع ذكر فيه دعاء‬
‫ل ِإَناًثا{ الية ]النساء‪،[117:‬وقوله‪َ}:‬و َ‬
‫ِإ ّ‬

‫المشركين لوثانهم‪،‬فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة‪ ،‬فهو في دعاء العبادة أظهر؛لوجوه ثلثة‪:‬‬
‫ل ُزْلَفى{ ]الزمر‪ .[ 3 :‬فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم‪.‬‬
‫ل ِلُيَقّرُبوَنا ِإَلى ا ِّ‬
‫أحدها‪ :‬أنهم قالوا‪َ} :‬ما َنْعُبُدُهْم ِإ ّ‬
‫ل َهلْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫ن َما ُكنُتْم َتْعُبُدو َ‬
‫ل َلُهْم َأْي َ‬
‫الثانى‪ :‬أن ال ـ تعالى ـ فسر هذا الدعاء في موضع آخر‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬وِقي َ‬
‫ب َجَهّنَم َأنُتْم َلَها َواِرُدوَن{{‬
‫ص ُ‬
‫ح َ‬
‫ل َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[ 93 ،92:‬وقوله تعالى‪ِ} :‬إّنُكْم َوَما َتْعُبُدو َ‬
‫صُرو َ‬
‫صُروَنُكْم َأْو َينَت ِ‬
‫َين ُ‬
‫]النبياء‪ ،[98 :‬وقوله تعالى‪َ} :‬ل َأْعُبُد َما َتْعُبُدوَن{ ]الكافرون‪ ،[2 :‬فدعاؤهم للهتهم هو عبادتهم‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء‪ ،‬فإذا جاءتهم الشدائد‪ ،‬دعوا ال وحده وتركوها‪ ،‬ومع هذا‪ ،‬فكانوا يسألونها‬
‫بعض حوائجهم ويطلبون منها‪ .‬وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة‪.‬‬
‫ن{ ]غافر‪ ،[ 14 :‬هو دعاء العبادة‪ ،‬والمعنى‪ :‬اعبدوه وحده‪ ،‬وأخلصوا‬
‫ن َلُه الّدي َ‬
‫صي َ‬
‫خِل ِ‬
‫ل ُم ْ‬
‫عوا ا َّ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬فاْد ُ‬
‫عبادته‪ ،‬ل تعبدوا معه غيره‪.‬‬
‫‪/‬وأما قول إبراهيم ـ عليه السلم‪ِ} :‬إّن َرّبي َلَسِميُع الّدَعاء{ ]إبراهيم‪ ،[ 39 :‬فالمراد بالسمع هاهنا‪ :‬السمع الخاص‪ ،‬وهو‬
‫سمع الجابة والقبول‪ ،‬ل السمع العام؛ لنه سميع لكل مسمـوع‪ .‬وإذا كـان كذلك‪ ،‬فالدعـاء ـ دعاء العبادة ودعاء الطلب‬
‫ـ وسـمع الرب ـ تعالى ـ له إثابته على الثناء‪ ،‬وإجابته للطلب‪،‬فهو سميع هذا وهذا‪.‬‬
‫ب َشِقّيا{ ]مريم‪ ،[ 4 :‬فقد قيل‪ :‬إنه دعاء المسألة‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنك‬
‫ك َر ّ‬
‫عاِئ َ‬
‫وأما قول زكريا ـ عليه السلم‪َ} :‬وَلْم َأُكن ِبُد َ‬
‫عودتنى إجابتك‪ ،‬ولم تشقنى بالرد والحرمان‪ ،‬فهو توسل إليه ـ سبحانه وتعالى ـ بما سلف من إجابته وإحسانه‪ ،‬وهذا‬
‫ظاهر هاهنا‪.‬‬
‫ل َأِو اْدُعوْا الّرْحَمـَن{ الية ]السراء‪ ،[110:‬فهذا الدعاء‪ ،‬المشهور أنه دعاء المسألة‪ ،‬وهو‬
‫عوْا ا ّ‬
‫ل اْد ُ‬
‫وأما قوله تعالى‪ُ} :‬ق ِ‬
‫سبب النزول‪ .‬قالوا‪ :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم يدعو ربه فيقول مرة‪) :‬يا ال(‪ ،‬ومرة‪) :‬يا رحمن(‪ .‬فظن‬
‫المشركون أنه يدعو إلهين؛ فأنزل ال هذه الية‪.‬‬
‫وأما قوله‪ِ} :‬إّنا ُكّنا ِمن َقْبُل َنْدُعوُه ِإّنُه ُهَو اْلَبّر الّرِحيُم{ ]الطور‪ ،[28:‬فهذا دعاء العبادة المتضمن للسلوك رغبة ورهبة‪،‬‬
‫والمعنى‪ :‬إنا كنا نخلص له العبادة؛ وبهذا استحقوا أن وقاهم ال عذاب السموم‪ ،‬ل بمجرد السؤال المشترك بين الناجى‬
‫وغيره؛ فإنه ـ سبحانه ـ يسأله من في السموات‪ /‬والرض‪َ} :‬لن ّنْدُعَو ِمن ُدوِنِه ِإَلًها{ ]الكهف‪ [ 14 :‬أي‪ :‬لن نعبد غيره‪.‬‬
‫ل{ الية ]الصافات‪.[125 :‬‬
‫ن َبْع ً‬
‫عو َ‬
‫وكذا قوله‪َ}:‬أَتْد ُ‬

‫وأما قوله‪َ} :‬وِقيَل اْدُعوا ُشَرَكاءُكْم َفَدَعْوُهْم{ ]القصص‪ ،[64:‬فهذا دعاء المسألة‪ ،‬يكبتهم ال ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم‪،‬‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫شَرَكاِئ َ‬
‫ل َناُدوا ُ‬
‫إن شركاءهم ل يستجيبون لهم دعوتهم‪ ،‬وليس المراد اعبدوهم‪ .‬وهو نظير قوله تعالى‪َ} :‬وَيْوَم َيُقو ُ‬
‫َزَعْمُتْم َفَدَعْوُهْم َفَلْم َيْسَتِجيُبوا َلُهْم{ ]الكهف‪.[52 :‬‬
‫ضّرًعا َوُخْفَيًة{ ]العراف‪ ،[ 55 :‬يتناول نوعى الدعاء؛ لكنه ظاهر في دعاء‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫إذا عرف هذا‪ ،‬فقوله تعالى‪} :‬اْد ُ‬
‫المسألة‪ ،‬متضمن دعاء العبادة؛ ولهذا أمر بإخفائه وإسراره‪ .‬قال الحسن‪ :‬بين دعوة السر ودعوة العلنية سبعون‬
‫سا بينهم وبين ربهم ـ عز‬
‫ضعًفا‪ ،‬ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت‪ ،‬أي‪ :‬ما كانت إل هم ً‬
‫ِ‬
‫حا ورضى بفعله‪ ،‬فقال‪ِ} :‬إْذ‬
‫ضّرًعا َوُخْفَيًة{ ‪ ،‬وأنه ذكر عبًدا صال ً‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫وجل ـ وذلك أن ال ـ عز وجل ـ يقول‪} :‬اْد ُ‬
‫َناَدى َرّبُه ِنَداء َخِفّيا{ ]مريم‪ .[ 3 :‬وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه أعظم إيماًنا؛ لن صاحبه يعلم أن ال يسمع الدعاء الخفي‪.‬‬
‫وثانيها‪ :‬أنه أعظم في الدب والتعظيم؛ لن الملوك ل ترفع ‪ /‬الصوات عندهم‪ ،‬ومن رفع صوته لديهم َمَقُتوه‪ ،‬ول‬
‫المثل العلى‪ ،‬فإذا كان يسمع الدعاء الخفي؛ فل يليق بالدب بين يديه إل خفض الصوت به‪.‬‬
‫وثالثها‪ :‬أنه أبلغ في التضرع والخشوع‪ ،‬الذى هو روح الدعاء ولبه ومقصوده‪ ،‬فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة‬
‫مسكين ذليل‪ ،‬قد انكسر قلبه‪ ،‬وذلت جوارحه‪ ،‬وخشع صوته‪ ،‬حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن‬
‫ل‪ ،‬ولسانه لشدة ذلته ساكًتا‪ ،‬وهذه الحال ل تأتى مع رفع‬
‫ينكسر لسانه‪ ،‬فل يطاوعه بالنطق‪ .‬وقلبه يسأل طالًبا مبته ً‬
‫الصوت بالدعاء أصل‪.‬‬
‫ورابعها‪ :‬أنه أبلغ في الخلص‪.‬‬
‫وخامسها ـ أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء‪ ،‬فإن رفع الصوت يفرقه‪ ،‬فكلما خفض صوته‪ ،‬كان أبلغ في‬
‫تجريد همته وقصده للمدعو ـ سبحانه‪.‬‬
‫وسادسها ـ وهو من النكت البديعة جًدا‪ :‬أنه دال على قرب صاحبه للقريب‪ ،‬ل مسألة نداء البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى ال‬
‫على عبده زكريا بقوله عز وجل‪ِ} :‬إْذ َناَدى َرّبُه ِنَداء َخِفّيا{ ‪ /.‬فلما استحضر القلب قرب ال ـ عز وجل‪ .‬وأنه أقرب إليه‬
‫من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه‪.‬‬
‫وقد أشار النبي صلى ال عليه وسلم إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح ـ لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير‬
‫عون أصّم ول غائًبا‪ ،‬إنكم تدعون سميًعا قريًبا‪] ،‬إن الذى‬
‫وهم معه في السفر فقال‪) :‬اْرَبُعوا على أنفسكم‪ ،‬فإنكم ل َتْد ُ‬
‫ع ِإَذا‬
‫عَوَة الّدا ِ‬
‫ب َد ْ‬
‫جي ُ‬
‫ب ُأ ِ‬
‫عّني َفِإّني َقِري ٌ‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫سَأَل َ‬
‫تدعونه[ أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته(‪ .‬وقد قال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫َدَعاِن{ ]البقرة‪ ،[ 186:‬وهذا القرب من الداعى هو قرب خاص‪ ،‬ليس قرًبا عاًما من كل أحد‪ ،‬فهو قريب من داعيه‬
‫وقريب من عابديه‪ ،‬وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‪.‬‬
‫ضّرًعا َوُخْفَيًة{ فيه الرشاد والعلم بهذا القرب‪.‬‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫وقوله تعالى‪} :‬اْد ُ‬
‫وسابعها‪ :‬أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال‪ ،‬فإن اللسان ل يمل‪ ،‬والجوارح ل تتعب‪ ،‬بخلف ما إذا رفع صوته‪ ،‬فإنه‬
‫قد يمل اللسان وتضعف قواه‪ .‬وهذا نظير من يقرأ ويكرر‪ ،‬فإذا رفع صوته فإنه ل يطول له‪ ،‬بخلف من خفض‬
‫صوته‪.‬‬
‫وثامنها‪ :‬أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات‪ / ،‬فإن الداعى إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد‪ ،‬فل يحصل‬
‫على هذا تشويش ول غيره‪ ،‬وإذا جهر به فرطت له الرواح البشرية ولبد‪ ،‬ومانعته وعارضته‪ ،‬ولو لم يكن إل أن‬
‫تعلقها به يفزع عليه همته‪ ،‬فيضعف أثر الدعاء‪ ،‬ومن له تجربة يعرف هذا‪ ،‬فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة‪.‬‬
‫جّلت ـ ول نعمة أعظم من هذه‬
‫وتاسعها‪ :‬أن أعظم النعمة القبال والتعبد‪ ،‬ولكل نعمة حاسد على قدرها ـ َدّقت أو َ‬
‫النعمة‪ ،‬فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها‪ ،‬وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد‪ .‬وقد قال يعقوب ليوسف ـ‬
‫ك َكْيًدا{ الية ]يوسف‪.[ 5:‬وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع‬
‫ك َفَيِكيُدوْا َل َ‬
‫خَوِت َ‬
‫عَلى ِإ ْ‬
‫ك َ‬
‫ص ُرْؤَيا َ‬
‫ص ْ‬
‫ل َتْق ُ‬
‫عليهما السلم‪َ } :‬‬

‫حّدث بها‪،‬وأخبر بها فسلبه إياها الغيار؛ولهذا يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع ال ـ تعالى ـ‬
‫ال ـ تعالى ـ قد َت َ‬
‫لْنس به وجمعية‬
‫ول يطلع عليه أحد‪،‬والقوم أعظم شيًئا كتماًنا لحوالهم مع ال ـ عز وجل ـ وما وهب ال من محبته وا ُ‬
‫ت أصول تلك الشجرة الطيبة التى أصلها ثابت‬
‫القلب‪ ،‬ولسيما فعله للمهتدى السالك فإذا تمكن أحدهم وقوى‪ ،‬وَثّب َ‬
‫شى عليه من العواصف‪ ،‬فإنه إذا أبدى حاله مع ال ـ تعالى ـ ليقتدى به ويؤتم‬
‫خَ‬
‫وفرعها في السماء في قلبه ـ بحيث ل ُي ْ‬
‫به ـ لم يبال‪.‬وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله‪.‬‬
‫‪ /‬وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء‪،‬والمحبة والقبال على ال ـ تعالى ـ فهو من عظيم‬
‫الكنوز التى هى أحق بالخفاء عن أعين الحاسدين‪ ،‬وهذه فائدة شريفة نافعة‪.‬‬
‫وعاشرها‪ :‬أن الدعاء هو ِذْكٌر للمدعو ـ سبحانه وتعالى ـ متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه‪ .‬فهو ذكر‬
‫ل الّدعاء الحمُد ل( فسمى‬
‫ضُ‬
‫وزيادة‪ ،‬كما أن الذكر سمى دعاء لتضمنه للطلب‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪َ) :‬أْف َ‬
‫الحمد ل دعاء‪ ،‬وهو ثناء محض؛ لن الحمد متضمن الحب والثناء‪ ،‬والحب أعلى أنواع الطلب‪ ،‬فالحامد طالب‬
‫للمحبوب‪ ،‬فهو أحق أن يسمى داعًيا من السائل الطالب‪ ،‬فنفس الحمد والثناء متضمن لعظم الطلب‪ ،‬فهو دعاء حقيقة‪،‬‬
‫بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذى هو دونه‪.‬‬
‫ضّرعًا‬
‫ك َت َ‬
‫سَ‬
‫ك ِفي َنْف ِ‬
‫والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الخر ويدخل فيه‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ} :‬واْذُكر ّرّب َ‬
‫ىج‪ :‬أمروا‬
‫َوِخيَفًة{ ]العراف‪ ،[ 205:‬فأمر تعالى نبيه صلى ال عليه وسلم أن يذكره في نفسه‪ ،‬قال مجاهد وابن جَُر ْ‬

‫أن يذكروه في الصدور بالتضرع والستكانة دون رفع الصوت والصياح‪ ،‬وتأمل كيف قال في آية الذكر‪َ} :‬واْذُكر‬
‫ضّرًعا َوُخْفَيًة{ ]العراف‪ ،[ 55 :‬فذكر التضرع فيهما مًعا وهو التذلل‪،‬‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫ك{ الية‪ ،‬وفي آية الدعاء‪} :‬اْد ُ‬
‫ّرّب َ‬
‫والتمسكن‪ ،‬والنكسار ‪ /‬وهو روح الذكر والدعاء‪.‬‬
‫وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها‪ ،‬وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف؛ فإن الذكر‬
‫يستلزم المحبة ويثمرها‪ ،‬ولبد لمن أكثر من ذكر ال أن يثمر له ذلك محبته‪ ،‬والمحبة ما لم تقترن بالخوف‪ ،‬فإنها ل‬
‫جّهال المغرورين إلى أن استغنوا بها‬
‫تنفع صاحبها بل تضره؛ لنها توجب التوانى والنبساط‪ ،‬وربما آلت بكثير من ال ُ‬
‫عن الواجبات‪ ،‬وقالوا‪ :‬المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على ال‪ ،‬ومحبته له‪ ،‬فإذا حصل المقصود‬
‫فالشتغال بالوسيلة باطل‪.‬‬
‫خْلَوة له ترك فيها الجمعة‪ ،‬فقال له الشيخ‪ :‬أليس الفقهاء يقولون‪ :‬إذا‬
‫ولقـد حدثنى رجل أنه أنكر على بعض هؤلء ُ‬
‫خاف على شىء من ماله فإن الجمعة تسقط؟ فقال له‪ :‬بلى‪ .‬فقال له‪ :‬فقلب المريد أعز عليه من عشرة دراهم ـ أو كما‬
‫قال ـ وهو إذا خرج ضاع قلبه‪ ،‬فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه‪ .‬فقال له‪ :‬هذا غرور بك‪ ،‬الواجب الخروج‬
‫إلى أمر ال ـ عز وجل ـ فتأمل هذا الغرور العظيم‪ ،‬كيف أدى إلى النسلخ عن السلم جملة‪ ،‬فإن من سلك هذا‬
‫المسلك انسلخ عن السلم العام‪ ،‬كانسلخ الحية من قشرها‪ ،‬وهو يظن أنه من خاصة الخاصة‪.‬‬
‫‪/‬وسبب هذا عدم اقتران الخوف من ال بحبه وإرادته؛ ولهذا قال بعض السلف‪ :‬من عبد ال بالحب وحده فهو زنديق‪،‬‬
‫ومن عبده بالخوف وحده فهو حرورى‪ ،‬ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ‪ ،‬ومن عبده بالحب والخوف والرجاء‬
‫فهو مؤمن‪.‬‬
‫والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب‪ ،‬فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده‬
‫إليها كلما َكّلها]أي أتعبها وأثقلها‪ .‬انظر‪ :‬المصباح المنير‪ ،‬مادة‪ :‬كلل[ شىء‪ ،‬كالخائف الذى معه سوط يضرب به‬
‫مطيته؛ لئل تخرج عن الطريق‪ ،‬والرجا حاد يحدوها يطلب لها السير‪ ،‬والحب قائدها وزمامها الذى يسوقها‪ ،‬فإذا لم‬
‫يكن للمطية سوط ول عصى يردها إذا حادت عن الطريق‪ ،‬خرجت عن الطريق وضلت عنها‪.‬‬
‫ظت حدود ال ومحارمه‪ ،‬ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته‪ ،‬فمتى خل القلب من هذه الثلث‪،‬‬
‫حِف َ‬
‫فما ُ‬
‫ىرجى صلحه أبًدا‪ ،‬ومتى ضعف فيه شىء من هذه ضعف إيمانه بحسبه‪ ،‬فتأمل أسرار القرآن وحكمته‬
‫فسد فساًدا ل ُ‬
‫ضا‪ ،‬وذكر الطمع‬
‫خيفة بالذكر أي ً‬
‫خْفية بالدعاء وال ِ‬
‫خْفية بالدعاء مع دللته على اقتران ال ُ‬
‫خيَفة بالذكر‪ ،‬وال ُ‬
‫في اقتران ال ِ‬
‫الذى هو الرجاء في آية الدعاء؛ لن الدعاء مبنى عليه‪ ،‬فإن الداعى ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه‪،‬لم تتحرك نفسه‬

‫لطلبه‪ ،‬إذ طلب ما ل طمع له فيه ممتنع‪ ،‬وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف ‪/‬إليه‪ ،‬فذكر في كل آية ما هو‬
‫اللئق بها من الخوف والطمع‪ ،‬فتبارك من أنزل كلمه شفاء لما في الصدور‪.‬‬
‫ب اْلُمْعَتِديَن{ ]العراف‪ ،[ 55 :‬قيل‪ :‬المراد‪ :‬أنه ل يحب المعتدين في الدعاء‪،‬كالذى يسأل ما ل‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫يليق به من منازل النبياء وغير ذلك‪ .‬وقد روى أبو داود في سننه عن عبد ال بن َمْعِقل أنه سمع ابنه يقول‪ :‬اللهم إنى‬
‫صَر البيض عن يمين الجنة إذا دخلتها‪ ،‬فقال‪ :‬يا بنى‪ ،‬سل ال الجنة وتعوذ به من النار‪ ،‬فإنى سمعت رسول‬
‫أسألك الَق ْ‬
‫طُهور والدعاء(‪.‬‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يقول‪) :‬سيكون في هذه المة قوم يعتدون في ال ّ‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فالعتداء في الدعاء‪ ،‬تارة بأن يسأل ما ليجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات‪ ،‬وتارة يسأل ما ل‬
‫يفعله ال‪ ،‬مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة‪ ،‬أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام‬
‫والشراب‪ ،‬ويسأله بأن يطلعه على غيبه‪ ،‬أو أن يجعله من المعصومين‪ ،‬أو يهب له ولًدا من غير زوجة‪ ،‬ونحو ذلك‬
‫مما سؤاله اعتداء ل يحبه ال‪ ،‬ول يحب سائله‪.‬‬
‫ضا ـ في الدعاء‪.‬‬
‫وفسر العتداء برفع الصوت ـ أي ً‬
‫وبعد‪ ،‬فالية أعم من ذلك كله‪ ،‬وإن كان العتداء بالدعاء مراًدا ‪ /‬بها فهو من جملة المراد وال ل يحب المعتدين في‬
‫ل َل ُيِحبّ اْلُمْعَتِديَن{ ]البقرة‪ ،190 :‬والمائدة‪.[78 :‬‬
‫نا ّ‬
‫ل َتْعَتُدوْا ِإ ّ‬
‫كل شىء‪ ،‬دعاًء كان أو غيره‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫وعلى هذا‪،‬فيكون أمر بدعائه وعبادته‪ ،‬وأخبر أنه ل يحب أهل العدوان‪،‬وهم يدعون معه غيره‪،‬فهؤلء أعظم المعتدين‬
‫عدواًنا‪ ،‬فإن أعظم العدوان الشرك‪،‬وهو وضع العبادة في غير موضعها‪،‬فهذا العدوان لبد أن يكون داخل في قوله‬
‫ب اْلُمْعَتِديَن{ ‪ ،‬ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع‪،‬بل دعاء هذا كالمستغنى المدلى على ربه‪ ،‬وهذا‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫تعالى‪ِ}:‬إّنُه َ‬
‫من أعظم العتداء لمنافاته لدعاء الذليل‪.‬فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد‪.‬‬
‫ومن العتداء أن يعبده بما لم يشرع‪ ،‬ويثنى عليه بما لم يثن به على نفسه‪ ،‬ول أذن فيه‪ ،‬فإن هذا اعتداء في دعائه‬
‫الثناء والعبادة‪ ،‬وهو نظير العتداء في دعاء المسألة والطلب‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فتكون الية دالة على شيئىن‪:‬‬
‫خْفَية‪.‬‬
‫عا و ُ‬
‫أحدهما‪ :‬محبوب للرب ـ سبحانه ـ وهو الدعاء تضر ً‬
‫الثانى‪ :‬مكروه له مسخوط وهو العتداء‪ ،‬فأمر بما يحبه وندب إليه‪ ،‬وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق‬
‫الزجر‪ ،‬والتحذير ‪ ،/‬وهو ل يحب فاعله‪ ،‬ومن ل يحبه ال فأي خير يناله؟‬
‫عا وخفية‪ ،‬فهو‬
‫ب اْلُمْعَتِديَن{ ‪ ،‬دليل على أن من لم يدعه تضر ً‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ن{ عقيب قوله‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫ب اْلُمْعَتِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫عا وخفية‪ ،‬ومعتد بترك ذلك‪.‬‬
‫من المعتدين الذين ل يحبهم‪ ،‬فقسمت الية الناس إلى قسمين‪ :‬داع ل تضر ً‬
‫لِحَها{ ]العراف‪ ،[ 56:‬قال أكثر المفسرين‪ :‬ل تفسدوا فيها بالمعاصى‪،‬‬
‫صَ‬
‫ض َبْعَد ِإ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫سُدوْا ِفي ا َ‬
‫ل ُتْف ِ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫والداعى إلى غير طاعة ال بعد إصلح ال إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة ال مفسد؛ فإن عبادة‬
‫غير ال والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد في الرض‪ ،‬بل فساد الرض في الحقيقة إنما هو الشرك‬
‫س{ ]الروم‪ ،[41:‬قال عطية في الية‪:‬‬
‫سَبتْ َأْيِدي الّنا ِ‬
‫حِر ِبَما َك َ‬
‫ساُد ِفي اْلَبّر َواْلَب ْ‬
‫ظَهَر اْلَف َ‬
‫بال‪ ،‬ومخالفة أمره‪ ،‬قال ال تعالى‪َ } :‬‬
‫حط المطر‬
‫ول تعصوا في الرض فيمسك ال المطر‪ ،‬ويهلك الحرث بمعاصيكم‪ .‬وقال غير واحد من السلف‪ :‬إذا َق َ‬
‫حط المطر‪.‬‬
‫جَدَبت الرض‪ ،‬وَق َ‬
‫فالدواب تلعن عصاة بنى آدم‪ ،‬فتقول‪ :‬اللهم العنهم فبسببهم َأ ْ‬
‫طاعٍ ُمّتِبع غير الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هو‬
‫وبالجملة‪ ،‬فالشرك والدعوة إلى غير ال وإقامة معبود غيره‪ ،‬أو ُم َ‬
‫أعظم الفساد ‪ /‬في الرض‪ ،‬ول صلح لها ولهلها إل أن يكون ال وحده هو المعبود والدعوة له ل لغيره‪ ،‬والطاعة‬
‫والتباع لرسول ال صلى ال عليه وسلم وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإن‬
‫أمر بمعصيته فل سمع ول طاعة‪ ،‬فإن ال أصلح الرض برسوله صلى ال عليه وسلم ودينه‪ ،‬وبالمر بالتوحيد‪،‬‬
‫ونهى عن فسادها بالشرك به‪ ،‬ومخالفة رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ومن تدبر أحوال العالم‪ ،‬وجد كل صلح في الرض؛ فسببه توحيد ال وعبادته‪ ،‬وطاعة رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫حط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول صلى ال عليه وسلم والدعوة‬
‫وكل شر في العالم وفتنة وبلء وَق ْ‬
‫صا ول‬
‫إلى غير ال‪ .‬ومن تدبر هذا حق التدبر‪ ،‬وجد هذا المر كذلك في خاصة نفسه‪ ،‬وفي غيره عموًما وخصو ً‬
‫حول ول قوة إل بال‪.‬‬
‫طَمًعا{ ]العراف‪ ،[ 56:‬إنما ذكر المر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع‪ ،‬فأمر‬
‫خْوًفا َو َ‬
‫عوُه َ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬واْد ُ‬
‫ضا ـ أن يكون الدعاء خوًفا وطمًعا‪.‬‬
‫عا وخفية‪ ،‬ثم أمر ـ أي ً‬
‫ل بدعائه تضر ً‬
‫أو ً‬
‫وفصل الجملتين بجملتين‪:‬‬
‫ب اْلُمْعَتِديَن{‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫إحداهما‪ :‬خبرية ومتضمنة للنهى‪ ،‬وهى قوله‪ِ }:‬إّنُه َ‬
‫لِحَها{ ‪ ،‬والجملتان مقررتان للجملة الولى‪ ،‬مؤكدتان‬
‫صَ‬
‫ض َبْعَد ِإ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫سُدوْا ِفي ا َ‬
‫ل ُتْف ِ‬
‫‪/‬والثانية‪ :‬طلبية‪ ،‬وهى قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫لمضمونها‪.‬‬
‫عوْا‬
‫ن{ بقوله تعالى‪} :‬اْد ُ‬
‫ب اْلُمْعَتِدي َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضاده‪ ،‬أمر بدعائه خوًفا وطمًعا؛ لتعلق قوله‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫ضّرًعا َوُخْفَيًة{‪.‬‬
‫َرّبُكْم َت َ‬

‫ل على جميع مقامات اليمان والحسان‪ ،‬وهى الحب والخوف والرجاء‪،‬‬
‫طَمًعا{ مشتم ً‬
‫خْوًفا َو َ‬
‫عوُه َ‬
‫ولما كان قوله‪َ} :‬واْد ُ‬
‫ب ّمَن اْلُمْحِسِنيَن{ ]العراف‪ ،[ 56 :‬أي‪ :‬إنما تنال من دعاه خوًفا وطمًعا‪ ،‬فهو المحسن‪،‬‬
‫ل َقِري ٌ‬
‫تا ّ‬
‫حَم َ‬
‫ن َر ْ‬
‫عقبها بقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫والرحمة قريب منه؛ لن مدار الحسان على هذه الصول الثلثة‪.‬‬
‫ب اْلُمْعَتِديَن{‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل العتداء بعدم التضرع والخفية‪ ،‬عقب ذلك بقوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه لَ ُي ِ‬
‫طَمًعا{ على الحال‪ ،‬أي‪ :‬ادعوه متضرعين إليه‪ ،‬مختفين خائفين‬
‫خْوًفا َو َ‬
‫خْفَيًة{ و} َ‬
‫عا َو ُ‬
‫ضّر ً‬
‫وانتصاب قوله‪َ} :‬ت َ‬
‫مطيعين‪.‬‬
‫ن{ فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الحسان المطلوب منكم‪،‬‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ب ّم َ‬
‫ل َقِري ٌ‬
‫تا ّ‬
‫حَم َ‬
‫ن َر ْ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫عا وخفية‪،‬‬
‫ومطلوبكم أنتم من ‪ /‬ال رحمته‪ ،‬ورحمته قريب من المحسنين‪ ،‬الذين فعلوا ما ُأِمروا به من دعائه تضر ً‬
‫وخوًفا وطمًعا‪ .‬فقرر مطلوبكم منه‪ ،‬وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه‪ ،‬وإن أحسنتم أحسنتم لنفسكم‪.‬‬
‫ن{ له دللة بمنطوقه‪ ،‬ودللة بإيمائه وتعليله بمفهومه‪ .‬فدللته‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ب ّم َ‬
‫ل َقِري ٌ‬
‫تا ّ‬
‫حَم َ‬
‫ن َر ْ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الحسان‪ ،‬ودللته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالحسان‪ ،‬وهو‬
‫السبب في قرب الرحمة منهم‪ ،‬ودللته بمفهومه على بعده من غير المحسنين‪.‬‬
‫فهذه ثلث دللت لهذه الجملة‪،‬وإنما اختص أهل الحسان بقرب الرحمة؛لنها إحسان من ال ـ عز وجل ـ أرحم‬
‫الراحمين‪ ،‬وإحسانه ـ تبارك وتعالى ـ إنما يكون لهل الحسان؛ لن الجزاء من جنس العمل‪ ،‬وكلما أحسنوا بأعمالهم‬
‫ت عنه الرحمة‪ُ ،‬بْعٌد بُبْعٍد‪ ،‬وُقْر ٌ‬
‫ب‬
‫أحسن إليهم برحمته‪ ،‬وأما من لم يكن من أهل الحسان فإنه لما َبُعَد عن الحسان َبُعَد ْ‬
‫ِبُقْرب‪،‬فمن تقرب إليه بالحسان تقرب ال إليه برحمته‪ ،‬ومن تباعد عن الحسان تباعد ال عنه برحمته‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ يحب المحسنين‪ ،‬ويبغض من ليس من المحسنين‪ ،‬ومن أحبه ال فرحمته أقرب شىء منه‪ ،‬ومن‬
‫أبغضه ال فرحمته أبعد ‪ /‬شىء منه‪ ،‬والحسان هاهنا هو فعل المأمور به‪ ،‬سواء كان إحساًنا إلى الناس أو إلى نفسه‪،‬‬
‫فأعظم الحسان اليمان والتوحيد والنابة إلى ال ـ تعالى ـ والقبال إليه والتوكل عليه‪ ،‬وأن يعبد ال كأنه يراه إجلل‬
‫ومهابة‪ ،‬وحياء ومحبة وخشية‪.‬‬
‫فهذا هو مقام الحسان‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم وقد سأله جبريل ـ عليه السلم ـ عن الحسان‪ :‬فقال‪) :‬أن‬
‫َتْعُبَد ال كأنك تراه(‪ ،‬فإذا كان هذا هو الحسان‪ ،‬فرحمته قريب من صاحبه‪ ،‬وهل جزاء الحسان إل الحسان؟ يعنى‪:‬‬
‫هل جزاء من أحسن عبادة ربه إل أن يحسن ربه إليه‪ ،‬قال ابن عباس ـ رضى ال عنهما ـ هل جزاء من قال‪ :‬ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬وعمل بما جاء به محمد صلى ال عليه وسلم إل الجنة؟‬

‫وقد ذكر ابن أبى شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدى عن أنس بن مالك ـ رضى ال عنه ـ قال‪ :‬قرأ رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪َ} :‬هْل َجَزاء اِْلْحَساِن ِإّل اِْلْحَساُن{ ]الرحمن‪ [ 60 :‬ثم قال‪) :‬هل تدرون ما قال ربكم؟( قالوا‪ :‬ال‬
‫ورسوله أعلم‪ .‬قال‪) :‬هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إل الجنة(‪.‬‬
‫آخر الكلم على اليتين‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪ ،‬وصلى ال على محمد‪ ،‬وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫حمُه ال‪:‬‬
‫وقال شيخ السلم ـ َر ِ‬
‫ل َأَوَلْو ُكّنا‬
‫ن ِفي ِمّلِتَنا َقا َ‬
‫ك ِمن َقْرَيِتَنا َأْو َلَتُعوُد ّ‬
‫ب َواّلِذينَ آَمُنوْا َمَع َ‬
‫شَعْي ُ‬
‫ك َيا ُ‬
‫جّن َ‬
‫خِر َ‬
‫سَتْكَبُروْا ِمن َقْوِمِه َلُن ْ‬
‫نا ْ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ل اْلَم ُ‬
‫قوله سبحانه‪َ} :‬قا َ‬
‫ل َرّبَنا{ ]العراف‪:‬‬
‫شاء ا ّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن َلَنا َأن ّنُعوَد ِفيَها ِإ ّ‬
‫ل ِمْنَها َوَما َيُكو ُ‬
‫جاَنا ا ّ‬
‫عْدَنا ِفي ِمّلِتُكم َبْعَد ِإْذ َن ّ‬
‫ن ُ‬
‫ل َكِذًبا ِإ ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َقِد اْفَتَرْيَنا َ‬
‫َكاِرِهي َ‬
‫‪ ،[ 89 ،88‬ظاهره دليل على أن شعيبا والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم؛ لقولهم‪َ}:‬أْو َلَتُعوُدّن ِفي ِمّلِتَنا{ ‪ ،‬ولقول‬
‫ل َكِذًبا ِإْن ُعْدَنا ِفي ِمّلِتُكم{ فدل على أنهم كانوا فيها‪.‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن{ ‪ ،‬ولقوله‪َ} :‬قِد اْفَتَرْيَنا َ‬
‫شعيب‪ :‬أنعود فيها }َأَوَلْو ُكّنا َكاِرِهي َ‬
‫ل ِمْنَها{‪.‬‬
‫جاَنا ا ّ‬
‫ولقوله‪َ}:‬بْعَد ِإْذ َن ّ‬

‫ل َرّبَنا{‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫شاء ا ّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن َلَنا َأن ّنُعوَد ِفيَها ِإ ّ‬
‫فدل على أن ال أنجاهم منها بعد التلوث بها؛ ولقوله‪َ} :‬وَما َيُكو ُ‬
‫ب{ ؛ ولنه هو المحاور له بقوله‪َ} :‬أَوَلْو ُكّنا{‬
‫شعَْي ُ‬
‫ك َيا ُ‬
‫جّن َ‬
‫خِر َ‬
‫يكون الضمير عائًدا على قومه؛ لنه صرح فيه بقوله‪َ} :‬لُن ْ‬
‫جّنـُكم ّم ْ‬
‫ن‬
‫خِر َ‬
‫سِلِهْم َلُن ْ‬
‫ن َكَفُروْا ِلُر ُ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫إلى آخرها‪ ،‬وهذا يجب أن يدخل فيه المتكلم‪ ،‬ومثل هذا فى سورة إبراهيم‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ظاِلِميَن{ الية ]إبراهيم‪.[13:‬‬
‫ن ال ّ‬
‫حى ِإَلْيِهْم َرّبُهْم َلُنْهِلَك ّ‬
‫ن ِفي ِمّلِتَنا َفَأْو َ‬
‫ضَنا َأْو َلَتُعوُد ّ‬
‫َأْر ِ‬
‫‪/‬‬

‫ل شيخ السلم‪:‬‬
‫َوَقا َ‬

‫شَعْي ُ‬
‫ب‬
‫ك َيا ُ‬
‫جّن َ‬
‫خِر َ‬
‫هذا تفسير آيات أشكلت حتى ل يوجد فى طائفة من كتب التفسير إل ما هو خطأ فيها‪ ،‬ومنها قوله‪َ}:‬لُن ْ‬
‫ك ِمن َقْرَيِتَنا{ الية ]العراف‪ [ 88 :‬وما فى معناها‪.‬‬
‫ن آَمُنوْا َمَع َ‬
‫َواّلِذي َ‬

‫التحقيق‪ :‬أن ال ـ سبحانه ـ إنما يصطفى لرسالته من كان خيار قومه حتى فى النسب‪ ،‬كما فى حديث هرقل‪ .‬ومن نشأ‬
‫بين قوم مشركين جهال‪ ،‬لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم‪ ،‬إذا كان معروًفا بالصدق والمانة‪ ،‬وفعل ما‬
‫يعرفون وجوبه‪ ،‬وترك ما يعرفون قبحه‪.‬‬
‫سَتْوجبين العذاب‪ ،‬وليس فى هذا ما ُيَنّفر‬
‫ث َرُسوًل{ ]السراء‪ ،[ 15 :‬فلم يكن هؤلء ُم ْ‬
‫حّتى َنْبَع َ‬
‫ن َ‬
‫قال تعالى‪َ}:‬وَما ُكّنا ُمَعّذِبي َ‬
‫حا‪.‬‬
‫عن القبول منهم؛ ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قاد ً‬
‫وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول ل يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع‪ ،‬وأن من لم يقر بذلك بعد‬
‫ل عن أن تقر به‪ ،‬قال تعالى‪ُ} :‬يَنّزُل اْلَملِئَكَة ِباْلّروِح ِمْن َأْمِر ِ{‬
‫ه{‬
‫الرسالة فهو كافر ‪ / ،‬والرسل قبل الوحى ل تعلمه فض ً‬
‫عَلى‬
‫ن َأْمِرِه َ‬
‫ح ِم ْ‬
‫الية ]النحل‪ ،[2 :‬وقال‪ُ} :‬يْلِقي الّرو َ‬
‫ق{ ]غافر‪ ،[ 15 :‬فجعل إنذارهم بالتوحيد كالنذار بيوم التلق‪ ،‬وكلهما عرفوه‬
‫لِ‬
‫عَباِدِه ِلُينِذَر َيْوَم الّت َ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِم ْ‬
‫َمن َي َ‬
‫بالوحى‪.‬‬
‫ضت إليه الوثان‪ ،‬ل يجب أن يكون لكل نبى‪ ،‬فإنه سيد ولد آدم‪ ،‬والرسول الذى‬
‫وما ذكر أنه صلى ال عليه وسلم ُبّغ َ‬
‫ينشأ بين أهل الكفر الذين ل نبوة لهم يكون أكمل من غيره‪ ،‬من جهة تأييد ال له بالعلم والهدى‪ ،‬وبالنصر والقهر‪ ،‬كما‬
‫كان نوح وإبراهيم‪.‬‬
‫حا‬
‫طَفى آَدَم َوُنو ً‬
‫صَ‬
‫لا ْ‬
‫نا ّ‬
‫حا َوِإْبَراِهيَم{ اليـة ]الحديد‪ِ} [26 :‬إ ّ‬
‫سْلَنا ُنو ً‬
‫ولـهذا يضيف ال المر إليهما فى مثل قولـه‪َ} :‬وَلَقْد َأْر َ‬
‫حا أول رسول بعث إلى المشركين‪ ،‬وكان مبدأ شركهم من تعظيم‬
‫َوآَل ِإْبَراِهيَم{ الية ]آل عمران‪ [ 33 :‬وذلك أن نو ً‬

‫الموتى الصالحين‪ .‬وقوم إبراهيم مبدأه من عبادة الكواكب‪ ،‬ذاك الشرك الرضى‪ ،‬وهذا السماوى؛ ولهذا سد صلى ال‬
‫عليه وسلم ذريعة هذا وهذا‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫حمُه ال‪:‬‬
‫ل شيخ السلم ـ َر ِ‬
‫َوَقا َ‬

‫ض َوَمَغاِرَبَها‬
‫لْر ِ‬
‫قا َ‬
‫شاِر َ‬
‫ن َم َ‬
‫ضَعُفو َ‬
‫سَت ْ‬
‫ن َكاُنوْا ُي ْ‬
‫قد أخبر ال بأنه بارك فى أرض الشام فى آيات‪ ،‬منها قوله‪َ} :‬وَأْوَرْثَنا اْلَقْوَم اّلِذي َ‬
‫اّلِتي َباَرْكَنا ِفيَها{ ]العراف‪.[137:‬‬

‫ض اّلِتي َباَرْكَنا ِفيَها ِلْلَعاَلِميَن{ ]النبياء‪.[71 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫طا ِإَلى ا َْ‬
‫جْيَناُه َوُلو ً‬
‫ومنها قوله‪َ} :‬وَن ّ‬
‫يٍء َعاِلِميَن{ ]النبياء‪.[81:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ض اّلِتي َباَرْكَنا ِفيَها َوُكّنا ِبُك ّ‬
‫لْر ِ‬
‫جِري ِبَأْمِرِه ِإَلى ا َْ‬
‫ومنها قوله‪َ} :‬ت ْ‬
‫ظاِهَرًة{ ]سبأ‪ [ 18 :‬وهى قرى الشام‪ ،‬وتلك قرى اليمن‪ ،‬والتى‬
‫ن اْلُقَرى اّلِتي َباَرْكَنا ِفيَها ُقًرى َ‬
‫جَعْلَنا َبْيَنُهْم َوَبْي َ‬
‫ومنها قوله‪َ} :‬و َ‬
‫بينهما قرى الحجاز ونحوها وبادت‪.‬‬
‫صى اّلِذي َباَرْكَنا َحْوَلُه{ ]السراء‪. [1 :‬‬
‫لْق َ‬
‫جِد ا َ‬
‫سِ‬
‫ومنها قوله‪ِ} :‬إَلى اْلَم ْ‬
‫حمُه ال‪:‬‬
‫ل شيخ السلم ـ َر ِ‬
‫َ‪َ/‬قا َ‬
‫فصـل‬
‫صاِل{ ]العراف‪ ،[205:‬فأمر بذكر‬
‫ن اْلَقْولِ ِباْلُغُدّو َوال َ‬
‫جْهِر ِم َ‬
‫ن اْل َ‬
‫خيَفًة َوُدو َ‬
‫ضّرعًا َو ِ‬
‫ك َت َ‬
‫سَ‬
‫ك ِفي َنْف ِ‬
‫قال ال تعالى‪َ } :‬واْذُكر ّرّب َ‬
‫ال فى نفسه‪ ،‬فقد يقال‪ :‬هو ذكره فى قلبه بل لسانه؛ لقوله بعد ذلك‪َ} :‬وُدوَن اْلَجْهِر ِمَن اْلَقْوِل{ ‪ ،‬وقد يقال‪ :‬ـ وهو أصح ـ‬
‫ت ِبَها َواْبَتِغ َبْي َ‬
‫ن‬
‫خاِف ْ‬
‫ل ُت َ‬
‫ك َو َ‬
‫لِت َ‬
‫صَ‬
‫جَهْر ِب َ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل{ كقوله‪َ}:‬و َ‬
‫ن اْلَقْو ِ‬
‫جْهِر ِم َ‬
‫ن اْل َ‬
‫بل ذكر ال فى نفسه باللسان مع القلب‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وُدو َ‬
‫ل{ ]السراء‪.[110 :‬‬
‫سِبي ً‬
‫ك َ‬
‫َذِل َ‬
‫وفى الصحيح عن عائشة قالت‪ :‬نزلت فى الدعاء‪ ،‬وفى الصحيح عن ابن عباس قال‪ :‬كان النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫يجهر بالقرآن‪ ،‬فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله‪ ،‬ومن ُأنزل عليه‪ ،‬فقال ال‪ :‬ل تجهر بالقرآن فيسمعه‬
‫المشركون فيسبوا القرآن‪ ،‬ول تخافت به عن أصحابك فل يسمعوه‪ ،‬فنهاه عن الجهر والُمخاَفتة‪ .‬فالُمخاَفتة هى ذكره‬
‫جْهِر{ ‪ /‬فإن الجهر هو الظهار الشديد‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫ن اْل َ‬
‫فى نفسه‪ ،‬والجهر المنهى عنه هو الجهر المذكور فى قوله‪َ} :‬وُدو َ‬
‫رجل جهورى الصوت‪ ،‬ورجل جهير‪.‬‬
‫خْفَيًة{ ]العراف‪ [55 :‬وقال‪ِ} :‬إْذ َناَدى‬
‫عا َو ُ‬
‫ضّر ً‬
‫عوْا َرّبُكْم َت َ‬
‫وكذلك قول عائشة فى الدعاء‪ ،‬فإن الدعاء كما قال تعالى‪}:‬اْد ُ‬
‫َرّبُه ِنَداء َخِفّيا{ ]مريم‪ ،[ 3 :‬فالخفاء قد يكون بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة‪ ،‬والجهر مثل المناداة المطلقة‪ ،‬وهذا‬

‫كقوله صلى ال عليه وسلم ـ لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير ـ فقال‪) :‬أيها الناس‪ ،‬اْرَبُعوا على أنفسكم‪ ،‬فإنكم ل‬
‫عُنق راحلته(‪.‬‬
‫عون أصّم ول غائًبا‪ ،‬إنما تدعون سميًعا قريًبا‪ ،‬إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من ُ‬
‫َتْد ُ‬
‫ك{ ]العراف‪ ،[ 205 :‬قوله صلى ال عليه وسلم فيما روى عن ربه‪) :‬من ذكرنى فى‬
‫سَ‬
‫ك ِفي َنْف ِ‬
‫ونظير قوله‪َ} :‬واْذُكر ّرّب َ‬
‫نفسه ذكرته فى نفسى‪،‬ومن ذكرنى فى مل ذكرته فى مل خير منه(‪ ،‬وهذا يدخل فيه ذكره باللسان فى نفسه‪،‬فإنه جعله‬
‫ل{‬
‫صا ِ‬
‫ن ًبّقول {‪ ،‬والدليل على ذلك أنه قال‪ِ}:‬باْلُغُدّو َوال َ‬
‫جهٌر ٌم ّ‬
‫ن ًب ّ‬
‫قسيم الذكر فى المل‪،‬وهو نظير قوله‪$ّ} :‬دو ّ‬
‫ومعلوم أن ذكر ال المشروع بالغدو والصال فى الصلة‪ ،‬وخارج الصلة هو باللسان مع القلب‪ ،‬مثل صلتى الفجر‬
‫والعصر‪ ،‬والذكر المشروع عقب الصلتين‪ ،‬وما أمر به النبى صلى ال عليه وسلم وعّلمه وفعله من الذكار والدعية‬
‫المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة ‪ /‬طرفى النهار بالغدو والصال‪.‬‬
‫ضا ـ ذكر ال بالقلب فقط‪ ،‬لكن يكون الذكر فى النفس كامل وغير كامل‪ ،‬فالكامل باللسان مع‬
‫وقد يدخل فى ذلك ـ أي ً‬
‫القلب‪ ،‬وغير الكامل بالقلب فقط‪.‬‬
‫ل ِبَما َنُقوُل{ ]المجادلة‪ ،[8 :‬فإن القائلين بأن الكلم المطلق كلم‬
‫ل ُيَعّذُبَنا ا ُّ‬
‫سِهْم َلْو َ‬
‫ن ِفي َأنُف ِ‬
‫ويشبه ذلك قوله تعالى‪َ} :‬وَيُقوُلو َ‬
‫النفس استدلوا بهذه الية‪ ،‬وأجاب عنها أصحابنا وغيرهم بجوابين‪:‬‬
‫ل خفًيا‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنهم قالوا بألسنتهم قو ً‬

‫والثانى‪ :‬أنه قيده بالنفس‪ ،‬وإذا قيد القول بالنفس فإن دللة المقيد خلف دللة المطلق‪ .‬وهذا كقوله صلى ال عليه‬
‫ت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به( فقوله‪ :‬حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به‪:‬‬
‫حّدَث ْ‬
‫وسلم‪) :‬إن ال تجاوز لمتى عما َ‬
‫دليل على أن حديث النفس ليس هو الكلم المطلق‪ ،‬وأنه ليس باللسان‪.‬‬
‫صُدوِر{ ]الملك‪ ،[13 :‬وجعلوا القول المسر‬
‫ت ال ّ‬
‫عِليٌم ِبَذا ِ‬
‫جَهُروا ِبِه ِإّنُه َ‬
‫سّروا َقْوَلُكْم َأِو ا ْ‬
‫وقد احتج بعض هؤلء بقوله‪َ} :‬وَأ ِ‬
‫جَهُروا‬
‫سّروا َقْوَلُكْم َأِو ا ْ‬
‫صُدوِر{ ‪ ،‬وهذه حجة ضعيفة جًدا؛ لن ‪ /‬قوله‪َ} :‬وَأ ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫عِليٌم ِبَذا ِ‬
‫فى القلب دون اللسان؛ لقوله‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫ِبِه{ يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به أخرى‪ ،‬وهذا إنما هو فيما يكون فى القول الذى هو بحروف مسموعة‪.‬‬
‫صُدوِر{ من باب التنبيه بالدنى على العلى‪ ،‬فإنه إذا كان عليًما بذات الصدور‪ ،‬فعلمه‬
‫ت ال ّ‬
‫عِليٌم ِبَذا ِ‬
‫وقوله بعد ذلك‪ِ} :‬إّنُه َ‬
‫بالقول المسر والمجهور به أولى‪.‬‬
‫ب ِبالّنَهاِر{ ]الرعد‪.[10 :‬‬
‫ساِر ٌ‬
‫ل َو َ‬
‫ف ِبالّلْي ِ‬
‫خ ٍ‬
‫سَت ْ‬
‫ن ُهَو ُم ْ‬
‫جَهَر ِبِه َوَم ْ‬
‫ل َوَمن َ‬
‫سّر اْلَقْو َ‬
‫ن َأ َ‬
‫سَواء ّمنُكم ّم ْ‬
‫ونظيره قوله‪َ } :‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة النفال‬

‫وقال شيخ السلم‪:‬‬
‫فصـل‬
‫شَرى‬
‫ل ُب ْ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫جَعَلُه ا ّ‬
‫ن َوَما َ‬
‫ن اْلَملِئَكِة ُمْرِدِفي َ‬
‫ف ّم َ‬
‫ب َلُكْم َأّني ُمِمّدُكم ِبَأْل ٍ‬
‫جا َ‬
‫سَت َ‬
‫ن َرّبُكْم َفا ْ‬
‫سَتِغيُثو َ‬
‫قال ـ سبحانه ـ فى قصة بدر‪ِ} :‬إْذ َت ْ‬
‫شرى ولم‬
‫طَمِئنّ ِبِه ُقُلوُبُكْم{ ]النفال‪ ،[ 10 ،9 :‬فوعدهم بالمـداد بألف وعـًدا مطلًقا‪ ،‬وأخبر أنـه جعل إمداد اللف ُب ْ‬
‫َوِلَت ْ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقواْ‬
‫ن َبَلى ِإن َت ْ‬
‫ن اْلَملِئَكِة ُمنَزِلي َ‬
‫ف ّم َ‬
‫ل ٍ‬
‫لَثِة آ َ‬
‫ن َأَلن َيْكِفيُكْم َأن ُيِمّدُكْم َرّبُكم ِبَث َ‬
‫ل ِلْلُمْؤِمِني َ‬
‫يقيده‪ ،‬وقال فى قصة أحد‪ِ} :‬إْذ َتُقو ُ‬
‫ف ّمَن اْلَملِئَكِة ُمَسّوِميَن{ ]آل عمران‪ ،[125 ،124:‬فإن هذا أظن فيه قولين‪:‬‬
‫سِة آل ٍ‬
‫خْم َ‬
‫َوَيْأُتوُكم ّمن َفْوِرِهْم َهـَذا ُيْمِدْدُكْم َرّبُكم ِب َ‬

‫طَرًفا ّمَن اّلِذيَن َكَفُروْا{ اليـة ]آل عمران‪[127:‬؛ ولنه وعد مقيد‪،‬‬
‫طَع َ‬
‫حـد؛ لقـولـه بعـد ذلك }ِلَيْق َ‬
‫أحدهما‪ :‬أنـه متعلق بُأ ُ‬
‫طَمِئّن ُقُلوُبُكم ِبِه{ ]آل عمران‪ ،[ 126 :‬يقتضى خصوص البشرى بهم‪.‬‬
‫شَرى َلُكْم َوِلَت ْ‬
‫ل ُب ْ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫جَعَلُه ا ّ‬
‫وقوله فيه‪َ} :‬وَما َ‬
‫وأما قصة بدر‪ ،‬فإن البشرى بها عامة‪ ،‬فيكون هذا كالدليل على ما روى من أن ألف بدر باقية فى المة‪ ،‬فإنه أطلق‬
‫المداد والبشرى وقدم }ِبِه{ على }َلُكْم{ عناية باللف‪ ،‬وفى أحد كانت العناية بهم لو صبروا فلم يوجد الشرط‪.‬‬
‫حَمُه ال‪:‬‬
‫ل ـ َر ِ‬
‫‪َ/‬وَقا َ‬
‫فصـل‬
‫فى قوله‪َ} :‬فَلْم َتْقُتُلوُهْم{ الية ]النفال‪ [17 :‬ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه مبنى على أن الفعل المتولد ليس من فعل الدمى‪ ،‬بل من فعل ال‪ ،‬والقتل هو الزهاق‪ ،‬وذاك متولد‪ ،‬وهذا‬
‫حْي ُ‬
‫ث‬
‫ن َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ضا‪ ،‬وهو فعل مباشر؛ ولنه قال‪َ} :‬فاْقُتُلوْا اْلُم ْ‬
‫قد يقوله من ينفى التولد وهو ضعيف؛ لنه نفى الرمى أي ً‬
‫َوَجدّتُموُهْم{ ]التوبة‪ ،[5 :‬وقال‪َ} :‬وَمن َيْقُتْل ُمْؤِمًنا ّمَتَعّمًدا{ ]النساء‪ ،[ 93 :‬فأثبت القتل؛ ولن القتل هو الفعل الصالح‬
‫للزهاق‪ ،‬ليس هو الزهوق‪ ،‬بخلف الماتة‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه مبنى على خلق الفعال‪ ،‬وهذا قد يقوله كثير من الصوفية‪ ،‬وأظنه مأثوًرا عن الجنيد سلب العبد الفعل‪،‬‬
‫نظًرا إلى الحقيقة؛ لن ال هو خالق كل صانع وصنعته‪ ،‬وهذا ضعيف لوجهين‪:‬‬
‫ضا ـ فل يقال‪ :‬ما آمنت ول صليت‪ ،‬ول‬
‫أحدهما‪ :‬إنا وإن قلنا بخلق الفعل فالعبد ل يسلبه‪ ،‬بل يضاف ‪ /‬الفعل إليه ـ أي ً‬
‫صمت‪ ،‬ول صدقت‪ ،‬ول علمت‪ ،‬فإن هذا مكابرة؛ إذ أقل أحواله التصاف وهو ثابت‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬فإن هذا لم يأت فى شىء من الفعال المأمور بها إل فى القتل والرمى ببدر‪ ،‬ولو كان هذا لعموم خلق ال‬
‫وأي ً‬
‫أفعال العباد لم يختص ببدر‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ال ـ سبحانه ـ خرق العادة فى ذلك‪ ،‬فصارت رؤوس المشركين تطير قبل وصول السلح إليها بالشارة‪،‬‬
‫وصارت الجريدة تصير سيًفا ُيْقَتل به‪.‬‬
‫وكذلك رمية رسول ال صلى ال عليه وسلم أصابت من لم يكن فى قدرته أن يصيبه‪ ،‬فكان ما وجد من القتل وإصابة‬
‫جا عن قدرتهم المعهودة‪ ،‬فسلبوه لنتفاء قدرتهم عليه‪ ،‬وهذا أصح‪ ،‬وبه يصح الجمع بين النفى والثبات‬
‫الرمية خار ً‬
‫ل َرَمى{ ]النفال‪ ،[17 :‬أصاب‪.‬‬
‫نا ّ‬
‫ت{ إذ طرحت }َوَلـِك ّ‬
‫ت{ أى ما أصبت }ِإْذ َرَمْي َ‬
‫}َوَما رََمْي َ‬
‫وهكذا‪ ،‬كل ما فعله ال من الفعال الخارجة عن القدرة المعتادة‪ ،‬بسبب ضعيف‪ ،‬كإنباع الماء وغيره من خوارق‬
‫العادات‪ ،‬أو المور الخارجة عن قدرة الفاعل‪ ،‬وهذا ظاهر‪ ،‬فل حجة فيه ل على الجبر ول على نفى التولد‪.‬‬
‫حَمُه ال‪:‬‬
‫ل ـ َر ِ‬
‫‪َ/‬وَقا َ‬
‫فصـل‬
‫ل ُمَعّذَبُهْم َوُهْم َيسَْتْغِفُروَن{ ]النفال‪ ،[33 :‬والكلم عليها من‬
‫نا ّ‬
‫ت ِفيِهْم َوَما َكا َ‬
‫ل ِلُيَعّذَبُهْم َوَأن َ‬
‫نا ّ‬
‫فى قوله تعالى‪َ} :‬وَما َكا َ‬
‫وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬فى الستغفار الدافع للعذاب‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬فى العذاب المدفوع بالستغفار‪.‬‬
‫أما الول‪ ،‬فإن العذاب إنما يكون على الذنوب‪ ،‬والستغفار يوجب مغفرة الذنوب التى هى سبب العذاب‪ ،‬فيندفع‬
‫شيٌر َوَأ ِ‬
‫ن‬
‫ل ِإّنِني َلُكم ّمْنُه َنِذيٌر َوَب ِ‬
‫لا ّ‬
‫ل َتْعُبُدوْا ِإ ّ‬
‫خِبيٍر َأ ّ‬
‫حِكيٍم َ‬
‫ن َ‬
‫ت ِمن ّلُد ْ‬
‫صَل ْ‬
‫ت آَياُتُه ُثّم ُف ّ‬
‫حِكَم ْ‬
‫ب ُأ ْ‬
‫العذاب‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬اَلر ِكَتا ٌ‬
‫ضَلُه{ ]هود‪ 1:‬ـ ‪ ،[3‬فبين ـ سبحانه أنهم‬
‫ل َف ْ‬
‫ضٍ‬
‫ل ِذي َف ْ‬
‫ت ُك ّ‬
‫سّمى َوُيْؤ ِ‬
‫ل ّم َ‬
‫جٍ‬
‫سًنا ِإَلى َأ َ‬
‫حَ‬
‫عا َ‬
‫سَتْغِفُروْا َرّبُكْم ُثّم ُتوُبوْا ِإَلْيِه ُيَمّتْعُكم ّمَتا ً‬
‫اْ‬
‫عا حسًنا إلى أجل مسمى‪،‬ثم إن كان لهم فضل ُأوتوا الفضل‪.‬‬
‫إذا فعلوا ذلك متعوا متا ً‬
‫جلٍ‬
‫خْرُكْم ِإَلى َأ َ‬
‫ن َيْغِفْر َلُكم ّمن ُذُنوِبُكْم َوُيَؤ ّ‬
‫طيُعو ِ‬
‫ل َواّتُقوهُ َوَأ ِ‬
‫عُبُدوا ا َّ‬
‫نا ْ‬
‫ن َأ ِ‬
‫ل َيا َقْوِم ِإّني َلُكْم َنِذيٌر ّمِبي ٌ‬
‫‪ /‬وقال تعالى‪ :‬عن نوح‪َ} :‬قا َ‬
‫عَلْيُكم ّمْدَراًرا{ الية ]نوح‪ 2 :‬ـ ‪ ،[ 11‬وقال تعالى‪َ} :‬وَيا َقْوِم‬
‫سَماء َ‬
‫ل ال ّ‬
‫سِ‬
‫غّفاًرا ُيْر ِ‬
‫ن َ‬
‫سَتْغِفُروا َرّبُكْم ِإّنُه َكا َ‬
‫سّمى{ إلى قوله‪} :‬ا ْ‬
‫ّم َ‬
‫عَلْيُكم ّمْدَراًرا َوَيِزْدُكْم ُقّوًة ِإَلى ُقّوِتُكْم{ ]هود‪ ،[ 52:‬وذلك أنه قد قال تعالى‪َ} :‬وَما‬
‫سَماء َ‬
‫ل ال ّ‬
‫سِ‬
‫سَتْغِفُروْا َرّبُكْم ُثّم ُتوُبوْا ِإَلْيِه ُيْر ِ‬
‫اْ‬
‫جْمَعا ِ‬
‫ن‬
‫ن َتَوّلْوْا ِمنُكْم َيْوَم اْلَتَقى اْل َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫عن َكِثيٍر{ ]الشورى‪ ،[ 30:‬وقال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ت َأْيِديُكْم َوَيْعُفو َ‬
‫سَب ْ‬
‫صيَبٍة َفِبَما َك َ‬
‫صاَبُكم ّمن ّم ِ‬
‫َأ َ‬
‫صْبُتم ّمْثَلْيَها ُقْلُتْم َأّنى‬
‫صيَبٌة َقْد َأ َ‬
‫صاَبْتُكم ّم ِ‬
‫ض َما َكَسُبوْا{ ]آل عمران‪ ،[ 155:‬وقال تعالى‪َ} :‬أَوَلّما َأ َ‬
‫ن ِبَبْع ِ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫سَتَزّلُهُم ال ّ‬
‫ِإّنَما ا ْ‬
‫ت َأْيِديِهْم{ ]الروم‪ ،[36:‬وقال‬
‫سّيَئٌة ِبَما َقّدَم ْ‬
‫صْبُهْم َ‬
‫سُكْم{ ]آل عمران‪ ،[ 165:‬وقال تعالى‪َ} :‬وِإن ُت ِ‬
‫عنِد َأْنُف ِ‬
‫ن ِ‬
‫َهـَذا ُقلْ ُهَو ِم ْ‬
‫ك{ ]النساء‪.[ 79:‬‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫تعالى‪ّ} :‬ما َأ َ‬

‫وأما العذاب المدفوع‪ ،‬فهو يعم العذاب السماوى‪ ،‬ويعم ما يكون من العباد‪ ،‬وذلك أن الجميع قد سماه ال عذاًبا‪ ،‬كما‬
‫ب ُيَذّبُحوَن َأْبَناءُكْم َوَيْسَتْحُيوَن ِنَساءُكْم{ ]البقرة‪:‬‬
‫سَوَء اْلعََذا ِ‬
‫سوُموَنُكْم ُ‬
‫ن َي ُ‬
‫عْو َ‬
‫ل ِفْر َ‬
‫نآِ‬
‫جْيَناُكم ّم ْ‬
‫قال تعالى فى النوع الثانى‪َ} :‬وِإْذ َن ّ‬
‫ن ِبَنا ِإ ّ‬
‫ل‬
‫صو َ‬
‫ل َتَرّب ُ‬
‫ل َه ْ‬
‫عَلْيِهْم{ ]التوبة‪ ،[14 :‬وكذلك‪ُ} :‬ق ْ‬
‫صْرُكْم َ‬
‫خِزِهْم َوَين ُ‬
‫ل ِبَأْيِديُكْم َوُي ْ‬
‫‪ ،[ 49‬وقال تعالى‪َ} :‬قاِتُلوُهْم ُيَعّذْبُهُم ا ّ‬
‫ب ّمْن ِعنِدِه َأْو ِبَأْيِديَنا{ ]التوبة‪ ،[52:‬إذ التقدير بعذاب من عنده أو‬
‫ل ِبَعَذا ٍ‬
‫صيَبُكُم ا ّ‬
‫ص ِبُكْم َأن ُي ِ‬
‫ن َنَتَرّب ُ‬
‫حُ‬
‫ن َوَن ْ‬
‫سَنَيْي ِ‬
‫حْ‬
‫حَدى اْل ُ‬
‫ِإ ْ‬
‫ل ِبَأْيِديُكْم{‪.‬‬
‫بعذاب بأيدينا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬قاِتُلوُهْم ُيَعّذْبُهُم ا ّ‬
‫ب ّمْن ِعنِدِه{‪ ،‬أو‬
‫ل ِبَعَذا ٍ‬
‫صيَبُكُم ا ّ‬
‫ص ِبُكْم َأن ُي ِ‬
‫ن َنَتَرّب ُ‬
‫حُ‬
‫‪ /‬وعلى هذا‪ ،‬فيكون العذاب بفعل العباد‪ ،‬وقد يقال‪ :‬التقدير‪َ} :‬وَن ْ‬
‫يصيبكم بأيدينا‪ ،‬لكن الول هو الوجه؛ لن الصابة بأيدى المؤمنين ل تدل على أنها إصابة بسوء‪ ،‬إذ قد يقال‪ :‬أصابه‬
‫ب ِبِه َمن َيَشاء ِمْن ِعَباِدِه{ ]يونس‪ ،[107:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫صي ُ‬
‫ضِلِه ُي َ‬
‫ل َرآّد ِلَف ْ‬
‫خْيٍر َف َ‬
‫ك ِب َ‬
‫بخير‪ ،‬وأصابه بشر‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وِإن ُيِرْد َ‬
‫ب ِبِه َمن َيَشاء ِمْن ِعَباِدِه ِإَذا ُهْم َيْسَتْبشُِروَن{ ]الروم‪ ،[ 48:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫ك‬
‫صا َ‬
‫لِلِه َفِإَذا َأ َ‬
‫خَ‬
‫ن ِ‬
‫ج ِم ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ق َي ْ‬
‫}َفَتَرى اْلَوْد َ‬

‫شاء{ ]يوسف‪[ 56:‬؛ ولنه لو كان لفظ الصابة‬
‫حَمِتَنا َمن ّن َ‬
‫ب ِبَر ْ‬
‫صي ُ‬
‫شاء ُن ِ‬
‫ث َي َ‬
‫حْي ُ‬
‫ض َيَتَبّوُأ ِمْنَها َ‬
‫ف ِفي الَْر ِ‬
‫س َ‬
‫َمّكّنا ِلُيو ُ‬
‫ل{‪.‬‬
‫صيَبُكُم ا ّ‬
‫يدل على الصابة بالشر‪ ،‬لكتفى بذلك فى قوله‪َ} :‬أن ُي ِ‬
‫ل ُكلّ‬
‫ك ُق ْ‬
‫عنِد َ‬
‫سّيَئٌة َيُقوُلوْا َهـِذِه ِمنْ ِ‬
‫صْبُهْم َ‬
‫ل َوِإن ُت ِ‬
‫عنِد ا ّ‬
‫ن ِ‬
‫سَنٌة َيُقوُلوْا َهـِذِه ِم ْ‬
‫حَ‬
‫صْبُهْم َ‬
‫ضا ـ‪َ} :‬وِإن ُت ِ‬
‫وقد قال تعالى ـ أي ً‬
‫ك{‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫ن حَ َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫حِديًثا ّما َأ َ‬
‫ن َ‬
‫ن َيْفَقُهو َ‬
‫ل َيَكاُدو َ‬
‫ل َفَما ِلَهـُؤلء اْلَقْوِم َ‬
‫عندِ ا ّ‬
‫ن ِ‬
‫ّم ْ‬
‫]النساء‪.[79 ،78 :‬‬
‫طاِئَفٌة ّمَن اْلُمْؤِمِنيَن{{‬
‫عَذاَبُهَما َ‬
‫شَهْد َ‬
‫جْلَدٍة{ إلى قوله‪َ} :‬وْلَي ْ‬
‫حٍد ّمْنُهَما ِماَئَة َ‬
‫ل َوا ِ‬
‫جِلُدوا ُك ّ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى‪}:‬الّزاِنَيُة َوالّزاِني َفا ْ‬
‫ب{ ]النساء‪.[25 :‬‬
‫ن اْلَعَذا ِ‬
‫ت ِم َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫عَلى اْلُم ْ‬
‫ف َما َ‬
‫ص ُ‬
‫ن ِن ْ‬
‫شٍة َفَعَلْيِه ّ‬
‫حَ‬
‫ن ِبَفا ِ‬
‫ن َأَتْي َ‬
‫]النور‪ ،[2 :‬وقوله تعالى‪َ} :‬فِإ ْ‬
‫‪ /‬ومن ذلك أنه يقال فى بلل ونحوه‪ :‬كانوا من المعذبين فى ال‪ ،‬ويقال‪ :‬إن أبا بكر اشترى سبعة من المعذبين فى ال‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪) :‬السفر قطعة من العذاب(‪.‬‬
‫شَيعًا َوُيِذي َ‬
‫ق‬
‫سُكْم ِ‬
‫جِلُكْم َأْو َيْلِب َ‬
‫ت َأْر ُ‬
‫ح ِ‬
‫عَذاًبا ّمن َفْوِقُكْم َأْو ِمن َت ْ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ث َ‬
‫عَلى َأن َيْبَع َ‬
‫ل ُهَو اْلَقاِدُر َ‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬فقوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ض{ ]النعام‪ ،[ 65:‬مع ما قد ثبت فى الصحيحين عن جابر عن النبى صلى ال عليه وسلم‪ :‬أنه لما نزل‬
‫س َبْع ٍ‬
‫ضُكم َبْأ َ‬
‫َبْع َ‬
‫ت َأْرُجِلُكْم{ ‪ ،‬قال‪) :‬أعوذ‬
‫ح ِ‬
‫عَذاًبا ّمن َفْوِقُكْم{ ‪ ،‬قال‪) :‬أعوذ بوجهك(‪َ} ،‬أْو ِمن َت ْ‬
‫عَلْيُكْم َ‬
‫ث َ‬
‫عَلى َأن َيْبَع َ‬
‫ل ُهَو اْلَقاِدُر َ‬
‫قوله‪ُ} :‬ق ْ‬

‫ض {‪ ،‬قال‪) :‬هاتان أهون( يقتضى أن لبسنا شيًعا وإذاقة بعضنا‬
‫س ّبع ُ‬
‫ضكم ّبأ ّ‬
‫ق ّبع ّ‬
‫شّيْعا ّ‪$‬يٌذي ّ‬
‫سكًم ٌ‬
‫بوجهك(‪ّ} ،‬أو ّيلٌب ّ‬
‫ظَلُموْا ِمنُكْم َخآصًّة{ ]النفال‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫صيَب ّ‬
‫ل ُت ِ‬
‫بأس بعض هو من العذاب الذى يندفع بالستغفار‪ ،‬كما قال‪َ} :‬واّتُقوْا ِفْتَنًة ّ‬
‫‪ ،[ 25‬وإنما تنفى الفتنة بالستغفار من الذنوب والعمل الصالح‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إّل َتنِفُروْا ُيَعّذْبُكْم َعَذاًبا َأِليًما َوَيْسَتْبِدْل َقْوًما َغْيَرُكْم{ ]التوبة‪ ،[ 39:‬قد يكون العذاب من عنده‪ ،‬وقد يكون‬
‫بأيدى العباد‪ ،‬فإذا ترك الناس الجهاد فى سبيل ال فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة‪ ،‬حتى تقع بينهم الفتنة كما هو‬
‫الواقع‪ ،‬فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد فى سبيل ال جمع ال قلوبهم وَأّلف بينهم‪ ،‬وجعل بأسهم على عدو ال وعدوهم ‪،‬‬
‫‪ /‬وإذا لم ينفروا فى سبيل ال عذبهم ال بأن يلبسهم شيًعا‪ ،‬ويذيق بعضهم بأس بعض‪.‬‬
‫ب اَْلْكَبِر َلَعّلُهْم َيْرِجُعوَن{ ]السجدة‪ ،[21 :‬يدخل فى العذاب الدنى ما‬
‫ن اْلَعَذا ِ‬
‫لْدَنى ُدو َ‬
‫ب ا َْ‬
‫ن اْلَعَذا ِ‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬وَلُنِذيَقّنُهْم ِم َ‬
‫يكون بأيدى العباد‪ ،‬كما قد فسر بوقعة بدر بعض ما وعد ال به المشركين من العذاب‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة التوبة‬

‫وقال‪:‬‬
‫قد يستدل بقوله‪َ} :‬ل َتّتِخُذوْا آَباءُكْم َوِإْخَواَنُكْم َأْوِلَياء َإِن اْسَتَحّبوْا اْلُكْفَر َعَلى اِليَماِن{ ]التوبة‪ ،[ 23:‬على أن الولد يكون مؤمًنا‬
‫بإيمان والده؛ لنه لم يذكر الولد فى استحبابه الكفر على اليمان‪ ،‬مع أنه أولى بالذكر‪ ،‬وما ذاك إل أن حكمه مخالف‬
‫عَيْيَنَة وغيره‬
‫لحكم الب والخ‪ .‬وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه‪ ،‬وبين المستقل‪ ،‬كما استدل سفيان بن ُ‬
‫ت آَباِئُكْم{ ]النور‪ ،[ 61:‬أن بيت الولد مندرج فى بيوتكم؛ لنه وماله‬
‫سُكْم َأن َتْأُكُلوا ِمن ُبُيوِتُكْم َأْو ُبُيو ِ‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫ل َ‬
‫بقوله‪َ} :‬و َ‬
‫لبيه‪.‬‬
‫ن َهـِذِه‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫خِر ْ‬
‫ن َرّبَنا َأ ْ‬
‫ن َيُقوُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ساء َواْلِوْلَدا ِ‬
‫ل َوالّن َ‬
‫جا ِ‬
‫ن الّر َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬
‫ل َواْلُم ْ‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ل ُتَقاِتُلو َ‬
‫ويستدل بقوله‪َ} :‬وَما َلُكْم َ‬
‫ظاِلِم َأْهُلَها{ ]النساء‪ ،[ 75:‬على أن إسلم الوليد صحيح؛ لنه جعله من جملة القائلين قول من يطلب الهجرة‪،‬‬
‫اْلَقْرَيِة ال ّ‬

‫وطلب الهجرة ل يصح إل بعد اليمان‪ ،‬وإذا كان له قول فى ذلك معتبر كان أصل فى ذلك‪ ،‬ولم يكن تابًعا‪ ،‬بخلف‬
‫الطفل الذى ل تمييز له؛ فإنه تابع ل قول له‪.‬‬
‫ل{ ]التوبة‪ ،[30:‬كلهم قالوا ذلك أم بعضهم؟ وقول‬
‫نا ّ‬
‫عَزْيٌر اْب ُ‬
‫ت اْلَيُهوُد ُ‬
‫حَمـُه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬وَقاَل ِ‬
‫ل ـ َر ِ‬
‫سـِئ َ‬
‫ُ‬
‫‪/‬‬
‫النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم‪ :‬ما كنتم تعبدون؟ فيقولون‪ :‬العزير( الحديث‪ .‬هل‬
‫الخطاب عام أم ل؟‪.‬‬
‫فأجاب‪:‬‬

‫س َقْد َجَمُعوْا َلُكْم{ ]آل عمران‪ ،[173 :‬لم‬
‫ن الّنا َ‬
‫ل َلُهُم الّناسُ ِإ ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫الحمد ل‪ ،‬المراد باليهود جنس اليهود‪ ،‬كقوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫يقل جميع الناس‪ ،‬ول قال‪ :‬إن جميع الناس قد جمعوا لكم‪ ،‬بل المراد به الجنس‪.‬‬
‫وهذا كما يقال‪ :‬الطائفة الفلنية تفعل كذا‪ ،‬وأهل الفلنى يفعلون كذا‪ ،‬وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك‪،‬‬
‫فيشتركون فى إثم القول‪ .‬وال أعلم ‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫ل‪:‬‬
‫َوَقــا َ‬

‫ل َوآَياِتِه َوَرُسوِلِه ُكنُتْم َتْسَتْهِزُئوَن{ ]التوبة‪ ،[ 65:‬تدل على أن الستهزاء بال كفر‪ ،‬وبالرسول‬
‫ل َأِبا ّ‬
‫فى الكلم على قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫طا‪ ،‬فعلم أن الستهزاء‬
‫كفر‪ ،‬من جهة الستهزاء بال وحده كفر بالضرورة‪ ،‬فلم يكن ذكر اليات والرسول شر ً‬
‫بالرسول كفر‪ ،‬وإل لم يكن لذكره فائدة‪ ،‬وكذلك اليات‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالستهزاء بهذه المور متلزم‪ ،‬والضالون مستخفون بتوحيد ال ـ تعالى ـ يعظمون دعاء غيره من الموات‪،‬‬
‫وأي ً‬
‫ك ِإّل ُهُزًوا{ الية ]الفرقان‪:‬‬
‫خُذوَن َ‬
‫ك ِإن َيّت ِ‬
‫وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َرَأْو َ‬
‫‪ ،[ 41‬فاستهزؤوا بالرسول صلى ال عليه وسلم لما نهاهم عن الشرك‪ ،‬وما زال المشركون يسبون النبياء‪،‬‬
‫ويصفونهم بالسفاهة والضلل والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد‪ ،‬لما فى أنفسهم من عظيم الشرك‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك‪ ،‬لما عنده من الشرك‪ ،‬قال ال تعالى‪َ} :‬وِم َ‬
‫ن‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[ 165 :‬فمن أحب مخلوًقا مثل ما يحب ال فهو مشرك‪،‬‬
‫با ّ‬
‫ح ّ‬
‫حّبوَنُهْم َك ُ‬
‫ل َأنَدادًا ُي ِ‬
‫نا ّ‬
‫خُذ ِمن ُدو ِ‬
‫س َمن َيّت ِ‬
‫الّنا ِ‬

‫ويجب الفرق بين الحب فى ال والحب مع ال‪.‬‬
‫فهؤلء الذين اتخذوا القبور أوثاًنا تجدهم يستهزئون بما هو من توحيد ال وعبادته‪ ،‬ويعظمون ما اتخذوه من دون ال‬
‫شفعاء‪ ،‬ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذًبا‪ ،‬ول يجترئ أن يحلف بشيخه كاذًبا‪.‬‬
‫وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره‪ ،‬أو غير قبره‪ ،‬أنفع له من أن يدعو ال‬
‫فى المسجد عند السحر‪ ،‬ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد‪ ،‬وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون‬
‫المشاهد‪ ،‬فهل هذا إل من استخفافهم بال وبآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك؟‬
‫وإذا كان لهذا وقف‪،‬ولهذا وقف ‪ ،‬كان وقف الشرك أعظم عندهم ‪ ،‬مضاهاة لمشركى العرب‪،‬الذين ذكرهم ال فى‬
‫صيًبا{ الية ]النعام‪ ، [ 136:‬فيفضلون مـا يجعل لغير ال على ما يجعل‬
‫لْنَعاِم َن ِ‬
‫ث َوا َ‬
‫حْر ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫ل ِمّما َذَرَأ ِم َ‬
‫جَعُلوْا ِّ‬
‫قوله‪َ}:‬و َ‬
‫ل‪،‬ويقولون ‪ :‬ال غنى وآلهتنا فقيرة‪.‬‬
‫وهؤلء‪ ،‬إذا قصد أحدهم القبر الذى يعظمه يبكى عنده‪ ،‬ويخشع ‪ /‬ويتضرع ما ل يحصل له مثله فى الجمعة‪،‬‬
‫والصلوات الخمس‪ ،‬وقيام الليل‪ ،‬فهل هذا إل من حال المشركين ل الموحدين‪ ،‬ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع‬
‫البيات‪ ،‬حصل له من الخشوع والحضور ما ل يحصل له عند اليات‪ ،‬بل يستثقلونها ويستهزئون بها‪ ،‬وبمن يقرؤها‬
‫ل َوآَياِتِه َوَرُسوِلِه ُكنُتْم َتْسَتْهِزُئون{ ]التوبة‪.[65:‬‬
‫ل َأِبا ّ‬
‫مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء ال‪ :‬منهم من يحكى أن بعض المريدين استغاث بال فلم يغثه‪ ،‬واستغاث‬
‫بشيخه فأغاثه‪ ،‬وأن بعض المأسورين دعا ال فلم يخرجه‪ ،‬فدعا بعض الموتى‪ ،‬فجاءه فأخرجه إلى بلد السلم‪ .‬وآخر‬
‫جّرب‪.‬‬
‫قال‪ :‬قبر فلن الِتْرَياق الُم َ‬
‫ومنهم من إذا نزل به شدة ل يدعو إل شيخه قد لهج به كما يلهج الصبى بذكر أمه‪ .‬وقد قال تعالى للموحدين‪َ} :‬فِإَذا‬
‫ل{{‬
‫نا ّ‬
‫عَلْيُكم ّم َ‬
‫عّز َ‬
‫طي َأ َ‬
‫شّد ِذْكًرا{ ]البقرة‪ ،[ 200 :‬وقد قال شعيب‪َ} :‬يا َقْوِم َأَرْه ِ‬
‫ل َكِذْكِرُكْم آَباءُكْم َأْو َأ َ‬
‫سَكُكْم َفاْذُكُروْا ا ّ‬
‫ضْيُتم مَّنا ِ‬
‫َق َ‬
‫ل{ ]الحشر‪.[13 :‬‬
‫ن ا ِّ‬
‫صُدوِرِهم ّم َ‬
‫شّد َرْهَبًة ِفي ُ‬
‫لنُتْم َأ َ‬
‫]هود‪ ،[ 92:‬وقال تعالى‪َ } :‬‬

‫صاِر{ الية ]التوبة‪ .[117:‬والتوبة إنما‬
‫لن َ‬
‫ن َوا َ‬
‫جِري َ‬
‫ي َواْلُمَها ِ‬
‫ب ال على الّنِب ّ‬
‫سئل شيخ السلم عن معنى قوله تعالى‪َ} :‬لَقد ّتا َ‬
‫تكون عن شيء يصدر من العبد‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم معصوم من الكبائر والصغائر‪.‬‬

‫فأجاب شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬
‫الحمد ل‪ ،‬النبياء ـ صلوات ال وسلمه علىهم ـ معصومون من القرار على الذنوب‪ ،‬كبارها وصغارها‪ ،‬وهم بما‬
‫أخبر ال به عنهم من التوبة يرفع درجاتهم‪ ،‬ويعظم حسناتهم فإن ال يحب التوابين ويحب المتطهرين‪ ،‬وليست التوبة‬
‫ظُلوًما‬
‫ن َ‬
‫ن ِإّنهُ َكا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫حَمَلَها ا ِْ‬
‫صا‪ ،‬بل هي من أفضل الكمالت‪ ،‬وهي واجبة على جميع الخلق‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫نق ً‬
‫ت{ ]الحزاب‪ [73 ،72:‬فغاية‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ل على اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ب ا ُّ‬
‫ت َوَيُتو َ‬
‫شِرَكا ِ‬
‫ن َواْلُم ْ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ت َواْلُم ْ‬
‫ن َواْلُمَناِفَقا ِ‬
‫ل اْلُمَناِفِقي َ‬
‫ب ا ُّ‬
‫ل ِلُيَعّذ َ‬
‫جُهو ً‬
‫َ‬
‫كل مؤمن هي التوبة‪ ،‬ثم التوبة تتنوع كما يقال‪ :‬حسنات البرار سيئات المقربين‪.‬‬
‫وال ـ تعالى ـ قد أخبر عن عامة النبياء بالتوبة والستغفار‪ :‬عـن آدم‪ ،‬ونوح‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬وموسى وغيرهم‪ .‬فقال آدم‪:‬‬
‫ك َما‬
‫سَأَل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ك َأ ْ‬
‫عوُذ ِب َ‬
‫ب ِإّني َأ ُ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[ 23:‬وقال نوح‪َ} :‬ر ّ‬
‫سِري َ‬
‫خا ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن ِم َ‬
‫حْمَنا َلَنُكوَن ّ‬
‫سَنا َوِإن ّلْم َتْغِفْر َلَنا َوَتْر َ‬
‫ظَلْمَنا َأنُف َ‬
‫}َرّبَنا َ‬
‫ن َيْوَم‬
‫ي َوِلْلُمْؤِمِني َ‬
‫غِفْر ِلي َوِلَواِلَد ّ‬
‫ن{ ]هود‪ ،[47 :‬وقال الخليل‪َ} :‬رّبَنا ا ْ‬
‫سِري َ‬
‫خا ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫حْمِني َأُكن ّم َ‬
‫ل َتْغِفْر ِلي َوَتْر َ‬
‫عْلٌم َوِإ ّ‬
‫س ِلي ِبِه ِ‬
‫َلْي َ‬
‫سَكَنا َوُت ْ‬
‫ب‬
‫ك َوَأِرَنا َمَنا ِ‬
‫سِلَمًة ّل َ‬
‫ك َوِمن ُذّرّيِتَنا ُأّمًة ّم ْ‬
‫سِلَمْينِ َل َ‬
‫جَعْلَنا ُم ْ‬
‫ب{ ]إبراهيم‪ ،[ 41:‬وقال هو وإسماعيل‪َ} :‬رّبَنا َوا ْ‬
‫سا ُ‬
‫َيُقوُم اْلحِ َ‬
‫ب َلَنا ِفي‬
‫ن َواْكُت ْ‬
‫خْيُر اْلَغاِفِري َ‬
‫ت َ‬
‫حْمَنا َوَأن َ‬
‫غِفْر َلَنا َواْر َ‬
‫ت َوِلّيَنا َفا ْ‬
‫حيُم{ ]البقرة‪ ،[ 128:‬وقال موسى‪َ} :‬أن َ‬
‫ب الّر ِ‬
‫ت الّتّوا ُ‬
‫ك َأن َ‬
‫علىَنا ِإّن َ‬
‫ك َوَأَنْا َأّو ُ‬
‫ل‬
‫ت إلي َ‬
‫ك ُتْب ُ‬
‫حاَن َ‬
‫سْب َ‬
‫ل ُ‬
‫ق َقا َ‬
‫ك{ ]العراف‪ ،[ 156 ،155:‬وقال تعالى‪ََ} :‬لّما َأَفا َ‬
‫خَرِة ِإّنا ُهْدَنـا إلي َ‬
‫سَنًة َوِفي ال ِ‬
‫حَ‬
‫َهـِذِه الّدْنَيا َ‬
‫اْلُمْؤِمِنيَن{ ]العراف‪.[143 :‬‬
‫طّهِريَن{ ]البقرة‪:‬‬
‫ب اْلُمَت َ‬
‫ح ّ‬
‫ن َوُي ِ‬
‫ب الّتّواِبي َ‬
‫ح ّ‬
‫وقد ذكر ال ـ سبحانه ـ توبة داود وسليمان‪ ،‬وغيرهما من النبياء وال تعالى‪ُ} :‬ي ِ‬
‫حْمِد َرّبكَ‬
‫ح ِب َ‬
‫سّب ْ‬
‫جا َف َ‬
‫ل َأْفَوا ً‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِفي ِدي ِ‬
‫خُلو َ‬
‫س َيْد ُ‬
‫ت الّنا َ‬
‫ح َوَرَأْي َ‬
‫ل َواْلَفْت ُ‬
‫صُر ا ِّ‬
‫جاء َن ْ‬
‫‪ ،[ 222‬وفي أواخر ما أنزل ال على نبيه‪ِ} :‬إَذا َ‬
‫َواْسَتْغِفْرُه ِإّنُه َكاَن َتّواًبا{ ] سورة النصر[‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلة‪) :‬اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما‬
‫باعدت بين المشرق والمغرب‪ ،‬اللهم نقني من الخطايا كما ينقي الثوب البيض من الّدَنس‪ ،‬اللهم اغسلني من خطاياي‬
‫بالثلج والَبَرد والماء البارد(‪ ،‬وفي الصحيح أنه كان يقول في دعاء الستفتاح‪) :‬اللهم أنت الملك ل إله إل أنت‪/،‬أنت‬
‫ربي وأنا عبدك‪ ،‬ظلمت نفسي‪ ،‬واعترفت بذنبي‪ ،‬فاغفر لي ذنوبي جميًعا‪ ،‬إنه ل يغفر الذنوب إل أنت(‪ ،‬وفي الصحيح‬
‫جّله‪ ،‬علنيته وسره‪ ،‬أوله‬
‫ضا ـ عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه كان يقول‪) :‬اللهم اغفر لي ذنبي كله‪ِ ،‬دّقه و ِ‬
‫ـ أي ً‬
‫وآخره(‪ ،‬وفي الصحيحين عنه صلى ال عليه وسلم أنه كان يقول‪) :‬اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في‬
‫عْمدي‪ ،‬وكل ذلك عندي‪ ،‬اللهم اغفر لي ما‬
‫جّدي‪ ،‬وخطئي و َ‬
‫أمري‪ ،‬وما أنت أعلم به مني‪ ،‬اللهم اغفر لي َهْزلي و ِ‬
‫قدمت وما أخرت‪ ،‬وما أسررت وما أعلنت‪ ،‬وما أسرفت‪ ،‬وما أنت أعلم به مني‪ ،‬أنت المقدم‪ ،‬وأنت المؤخر‪ ،‬ل إله إل‬
‫أنت(‪ .‬ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة‪.‬‬
‫ت{ ]محمد‪ ،[19:‬فتوبة المؤمنين واستغفارهم هو من أعظم‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ك َوِلْلُمْؤِمِني َ‬
‫سَتْغِفْر ِلَذنِب َ‬
‫وقد قال ال تعالى‪َ} :‬وا ْ‬
‫حسناتهم‪ ،‬وأكبر طاعاتهم‪ ،‬وأجل عباداتهم التي ينالون بها أجل الثواب‪ ،‬ويندفع بها عنهم ما يدفعه من العقاب‪.‬‬
‫فإذا قال القائل‪:‬أي حاجة بالنبياء إلى العبادات والطاعات؟كان جاهل؛لنهم إنما نالوا ما نالوه بعبادتهم وطاعتهم‪،‬‬
‫فكيف يقال‪:‬إنهم ل يحتاجون إليها‪،‬فهي أفضل عبادتهم وطاعتهم‪.‬‬
‫وإذا قال القائل‪:‬فالتوبة ل تكون إل عن ذنب‪،‬والستغفار كذلك‪/،‬قيل له‪:‬الذنب الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه‬
‫توبة‪،‬فأما ما حصل منه توبة‪،‬فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة‪،‬كما قال بعض السلف‪:‬كان داود بعد‬
‫التوبة أحسن منه حالً قبل الخطيئة‪،‬ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر‪،‬فإن السابقين الولين من المهاجرين والنصار‬
‫هم خيار الخليقة بعد النبياء‪،‬وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب‪ ،‬ولم يكن ما تقدم قبل‬
‫التوبة نقصًا ول عيبًا‪،‬بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات كانوا أعظم إيمانا‪ ،‬وأقوي عبادة وطاعة ممن جاء‬
‫بعدهم‪،‬فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها‪.‬‬
‫عْرَوة عروة‪ ،‬إذا نشأ في السلم من لم يعرف الجاهلية‪ .‬وقد‬
‫عَري السلم ُ‬
‫ولهذا قال عمر بن الخطاب‪ :‬إنما ُتْنَقض ُ‬
‫ق َأَثاًما‬
‫ك َيْل َ‬
‫ل َذِل َ‬
‫ن َوَمن َيْفَع ْ‬
‫ل َيْزُنو َ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫ل ِباْل َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حّرَم ا ُّ‬
‫س اّلِتي َ‬
‫ن الّنْف َ‬
‫ل َيْقُتُلو َ‬
‫خَر َو َ‬
‫ل ِإَلًها آ َ‬
‫ن َمَع ا ِّ‬
‫عو َ‬
‫ل َيْد ُ‬
‫ن َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫قال ا ّ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ل‬
‫ت َوَكا َ‬
‫سَنا ٍ‬
‫حَ‬
‫سّيَئاِتِهْم َ‬
‫ل َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫ك ُيَبّد ُ‬
‫حا َفُأْوَلِئ َ‬
‫صاِل ً‬
‫ل َ‬
‫عَم ً‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫ن َو َ‬
‫ب َوآَم َ‬
‫ل َمن َتا َ‬
‫خُلْد ِفيِه ُمَهاًنا ِإ ّ‬
‫ب َيْوَم اْلِقَياَمِة َوَي ْ‬
‫عفْ َلُه اْلَعَذا ُ‬
‫ضا َ‬
‫ُي َ‬
‫َغُفوًرا ّرِحيًما{ ]الفرقان‪ 68 :‬ـ ‪.[70‬‬

‫ل يحاسب عبده يوم القيامة‪ ،‬فيعرض عليه صغار الذنوب‬
‫وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬أن ا ّ‬
‫ويخبئ عنه كبارها فيقول‪ :‬فعلت يوم كذا كذا وكذا؟ فيقول‪ :‬نعم يارب‪ ،‬وهو مشفق ‪ /‬من كبارها أن تظهر‪ ،‬فيقول‪ :‬إني‬
‫قد غفرتها لك‪ ،‬وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة‪ ،‬فهنالك يقول‪ :‬رب‪ ،‬إن لي سيئات ما أراها َبْعُد‪.‬‬
‫ل بها‪،‬‬
‫ل سيئاته حسنات‪ ،‬انقلب ما كان يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه ا ّ‬
‫فالعبد المؤمن إذا تاب وبّدل ا ّ‬
‫فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له‪ ،‬بل كانت توبته منها من أنفع المور له‪ ،‬والعتبار بكمال النهاية ل بنقص‬
‫ظه الول لم يضره النسيان‪ ،‬ومن مرض ثم صح وقوي لم يضره‬
‫حْف ِ‬
‫ظه خير من ِ‬
‫حِف َ‬
‫البداية‪ ،‬فمن نسي القرآن ثم َ‬
‫المرض العارض‪.‬‬
‫ل والنابة‬
‫ل ـ تعالى ـ يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع‪ ،‬والخشوع ّ‬
‫وا ّ‬
‫إليه‪ ،‬وكمال الحذر في المستقبل والجتهاد في العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجوع والعطش‪ ،‬والمرض‬
‫شَبع والّري والعافية والغني والمن‪ ،‬فإنه يحصل له من المحبة لذلك وحلوته ولذته‪،‬‬
‫والفقر والخوف‪ ،‬ثم ذاق ال ّ‬
‫ل علىه‪ ،‬والحذر أن يقع فيما حصل أول ما لم يحصل بدون ذلك‪ .‬وقد بسط الكلم على هذا‬
‫والرغبة فيه وشكر نعمة ا ّ‬
‫في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ويزول عنه كل ما‬
‫وينبغي أن يعرف أن التوبة لبد منها لكل مؤمن‪ ،‬ول يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من ا ّ‬
‫يكره إل بها‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وهو المقدم على جميع الخلق في أنواع الطاعات‪ ،‬فهو‬
‫‪/‬ومحمد صلى ال عليه وسلم أكمل الخلق وأكرمهم على ا ّ‬
‫ل‪ ،‬وأفضل العابدين له‪ ،‬وأفضل العارفين به‪ ،‬وأفضل التائبين إليه‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وأفضل المتوكلين على ا ّ‬
‫أفضل المحبين ّ‬
‫ل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‪.‬‬
‫وتوبته أكمل من توبة غيره؛ ولهذا غفر ا ّ‬
‫وبهذه المغفرة نال الشفاعة يوم القيامة‪ ،‬كما ثبت في الصحيح‪) :‬أن الناس يوم القيامة يطلبون الشفاعة من آدم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫إني نهيت عن الكل من الشجرة فأكلت منها‪ ،‬نفسي‪ ،‬نفسي‪ ،‬نفسي‪ .‬ويطلبونها من نوح فيقول‪ :‬إني دعوت على أهل‬
‫الرض دعوة لم أومر بها‪ ،‬نفسي‪ ،‬نفسي‪ ،‬نفسي‪ .‬ويطلبونها من الخليل‪ ،‬ثم من موسى‪ ،‬ثم من المسيح فيقول‪ :‬اذهبوا‬
‫ل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر(‪ .‬قال‪) :‬فيأتوني‪ ،‬فأنطلق ‪ ،‬فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا‪،‬‬
‫عْبد غفر ا ّ‬
‫إلى محمد‪َ ،‬‬
‫ط‪ ،‬واشفع تشفع‪،‬‬
‫سَمع‪ ،‬وسل ُتْع َ‬
‫فأحمد ربي بمحامد يفتحها على ل أحسنها الن‪ ،‬فيقول‪ :‬أي محمد‪ ،‬ارفع رأسك‪ ،‬وقل ُت ْ‬
‫فأقول‪ :‬أي رب‪ ،‬أمتي‪ ،‬فيحّد لي حدًا فأدخلهم الجنة(‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وكمال مغفرة‬
‫فالمسيح ـ صلوات ال عليه وسلمه ـ دلهم على محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأخبر بكمال عبوديته ّ‬
‫ل لـه؛ إذ ليس بين المخلوقين والخالق نسب إل محض العبودية والفتقار من العبد‪ /،‬ومحض الجود والحسان من‬
‫ا ّ‬
‫الرب ـ عز وجل‪.‬‬
‫وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله( قالوا‪ :‬ول أنت‬
‫ل برحمة منه وفضل (‪.‬‬
‫ل؟ قال‪ ) :‬ول أنا‪ ،‬إل أن َيَتَغّمَدِني ا ّ‬
‫يارسول ا ّ‬
‫ل وأتوب إليه‬
‫وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول‪) :‬يأيها الناس‪ ،‬توبوا إلى ربكم‪ ،‬فو الذي نفسي بيده‪ ،‬إني لستغفر ا ّ‬
‫ل في إلىوم‬
‫ن على قلبي‪ ،‬وإني لستغفـر ا ّ‬
‫في إلىوم أكثر من سبعين مرة (‪ ،‬وثبت عنه في الصحيح أنه قال‪) :‬إنه َلُيَغا ُ‬
‫ل‪ ،‬وكمال محبته له‪ ،‬وافتقاره إليه‪ ،‬وكمال توبته واستغفاره‪،‬‬
‫مائة مرة(‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم لكمال عبوديته ّ‬
‫ل‪ ،‬وليس للمخلوق من نفسه شيء‪ ،‬بل هو فقير من كل وجه‪ ،‬وا ّ‬
‫ل‬
‫ل‪ ،‬فإن الخير كله من ا ّ‬
‫صار أفضل الخلق عند ا ّ‬
‫ل قربًا ورفعة‪ ،‬ومن‬
‫غني عنه من كل وجه‪ ،‬محسن إليه من كل وجه‪ ،‬فكلما ازداد العبد تواضعًا وعبودية ازداد إلى ا ّ‬
‫ذلك توبته واستغفاره‪.‬‬
‫طاء‪ ،‬وخير الخطائين التوابون( رواه ابن ماجه‬
‫خّ‬
‫وفي الحديث عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬كل بني آدم َ‬
‫والترمذي‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة يونس‬

‫وقال شيخ السلم ـ رحمه ال‪:‬‬
‫فصــل‬
‫جَعلَ‬
‫ب{ ]يونس‪ ،[5 :‬وقـولـه‪َ} :‬و َ‬
‫سا َ‬
‫حَ‬
‫ن َواْل ِ‬
‫عَدَد السِّني َ‬
‫ل ِلَتْعَلُموْا َ‬
‫ضَياء َواْلَقَمَر ُنوًرا َوَقّدَرُه َمَناِز َ‬
‫س ِ‬
‫شْم َ‬
‫ل ال ّ‬
‫جَع َ‬
‫قوله‪ُ} :‬هَو اّلِذي َ‬
‫ن{ ]الرحمن‪ ، [5 :‬وقوله‪َ} :‬واْلَقَمَر َقّدْرَناُه‬
‫سَبا ٍ‬
‫حْ‬
‫س َواْلَقَمُر ِب ُ‬
‫شْم ُ‬
‫سَباًنا{ ]النعام‪ ،[96:‬وقوله‪} :‬ال ّ‬
‫حْ‬
‫س َواْلَقَمَر ُ‬
‫شْم َ‬
‫سكًَنا َوال ّ‬
‫ل َ‬
‫الّلْي َ‬
‫س َواْلَحّج{ ]البقرة‪،[189:‬دليل‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ي َمَواِقي ُ‬
‫ل ِه َ‬
‫ن الِهّلِة ُق ْ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫سَأُلوَن َ‬
‫ن اْلَقِديِم{ ]يس‪ ،[39:‬وقوله‪َ} :‬ي ْ‬
‫جو ِ‬
‫عاَد َكاْلُعْر ُ‬
‫ل حَّتي َ‬
‫َمَناِز َ‬
‫ل{‬
‫ب{ إن علق بقوله‪َ}:‬وَقّدَرُه َمَناِز َ‬
‫سا َ‬
‫حَ‬
‫ن َواْل ِ‬
‫سِني َ‬
‫عَدَد ال ّ‬
‫على توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب‪ ،‬فقوله‪ِ}:‬لَتْعَلُموْا َ‬

‫كان الحكم مختصًا بالقمر‪،‬وإن أعيد إلى أول الكلم تعلق بهما‪،‬ويشهد للول قوله في الهلة فإنه موافق لذلك‪،‬ولن‬
‫كون الشمس ضياء والقمر نورًا‪،‬ل يوجب علم عدد السنين والحساب‪،‬بخلف تقدير القمر منازل‪ ،‬فإنه هو الذي ‪/‬‬
‫يقتضي علم عدد السنين والحساب‪،‬ولم يذكر انتقال الشمس في البروج‪.‬‬
‫ل{ الية ]التوبة‪،[36:‬فإنه نص على أن السنة هللىة‪،‬‬
‫با ّ‬
‫شْهًرا ِفي ِكَتا ِ‬
‫شَر َ‬
‫عَ‬
‫ل اْثَنا َ‬
‫عنَد ا ّ‬
‫شُهوِر ِ‬
‫عّدَة ال ّ‬
‫ن ِ‬
‫ويؤيد ذلك قوله‪ِ}:‬إ ّ‬
‫حْوَنا آَيَة‬
‫ن َفَم َ‬
‫ل َوالّنَهاَر آَيَتْي ِ‬
‫جَعْلَنا الّلْي َ‬
‫ت{ ]البقرة‪،[ 197:‬يؤيد ذلك‪،‬لكن يدل على الخر قوله‪َ}:‬و َ‬
‫شُهٌر ّمْعُلوَما ٌ‬
‫ج َأ ْ‬
‫حّ‬
‫وقوله‪}:‬اْل َ‬
‫ب{ ]السراء‪.[12:‬‬
‫سا َ‬
‫حَ‬
‫ن َواْل ِ‬
‫سِني َ‬
‫عَدَد ال ّ‬
‫ل ّمن ّرّبُكْم َوِلَتْعَلُموْا َ‬
‫ضً‬
‫صَرًة ِلَتْبَتُغوْا َف ْ‬
‫ل َوجََعْلَنا آَيَة الّنَهاِر ُمْب ِ‬
‫الّلْي ِ‬
‫ل أعلم ـ لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب‪ ،‬وما جاءت به الشريعة من اعتبار الشهر والعام الهللى دون‬
‫وهذا ـ وا ّ‬
‫حّد من الشهر والعام ينقسم في اصطلح المم إلى عددي وطبيعي‪ ،‬فأما الشهر الهللى فهو‬
‫الشمسي‪ ،‬أن كل ما َ‬
‫طبيعي‪ ،‬وسنته عددية‪.‬‬
‫وأما الشهر الشمسي‪ ،‬فعددي‪ ،‬وسنته طبيعية‪ ،‬فأما جعل شهرنا هللىًا فحكمته ظاهرة؛ لنه طبيعي وإنما علق‬
‫بالهلل دون الجتماع؛ لنه أمر مضبوط بالحس ل يدخله خلل‪ ،‬ول يفتقر إلى حساب‪ ،‬بخلف الجتماع‪ ،‬فإنه أمر‬
‫خفي يفتقر إلى حساب‪ ،‬وبخلف الشهر الشمسي لو ضبط‪.‬‬
‫وأما السنة الشمسية‪ ،‬فإنها وإن كانت طبيعية‪ ،‬فهي من جنس ‪ /‬الجتماع ليس أمرًا ظاهرًا للحس‪ ،‬بل يفتقر إلى حساب‬
‫سير الشمس في المنازل‪ ،‬وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك‪ ،‬فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه العرب‬
‫الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر‪ ،‬بخلف محاذاة الشمس لجزء من أجزاء الفلك يسمي برج كذا‪ ،‬أو محاذاتها‬
‫لحدي نقطتي الرأس‪ ،‬أو الذنب‪ ،‬فإنه يفتقر إلى حساب‪.‬‬
‫ولما كانت البروج اثني عشر‪ ،‬فمتي تكرر الهللى اثني عشر‪ ،‬فقد انتقل فيها كلها‪ ،‬فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به‬
‫أحكام ديننا من المؤقتات شرعا‪ ،‬أو شرطًا‪ ،‬إما بأصل الشرع كالصيام والحج‪ ،‬وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة‬
‫اليلء‪ ،‬وصوم الكفارة والّنْذر‪ ،‬وإما بالشرط كالجل في الّدْين والخيار‪ ،‬واليمان وغير ذلك‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫وقال‪:‬‬

‫هذه تفسير آيات أشكلت حتي ل يوجد في طائفة من كتب التفسير إل ما هو خطأ فيها‪.‬‬
‫ل ُشَرَكاء{ ]يونس‪ ،[ 66 :‬ظن طائفة أن }ما{ نافية‪ ،‬وهو خطأ‪ ،‬بل هي‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫منها قوله‪َ} :‬وَما َيّتِبُع اّلِذي َ‬
‫استفهام‪ ،‬فإنهم يدعون معه شركاء‪ ،‬كما أخبر عنهم في غير موضع‪ .‬فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون؛‬
‫لنهم يتبعون وإنما يتبع الئمة‪.‬‬
‫ظّن{ ]النجم‪ ،[ 23 :‬ولو أراد النفي لقال‪ :‬إن يتبعون إل من ليسوا شركاء‪ ،‬بل بين أن‬
‫ل ال ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ولهذا قال‪ِ} :‬إن َيّتِبُعو َ‬
‫ص‪ :‬الكذب‪ ،‬وكل قول بالظن‪ .‬انظر ‪ :‬القاموس المحيط‪ ،‬مادة‪:‬‬
‫خْر ُ‬
‫ص ]ال َ‬
‫خْر ُ‬
‫المشرك ل علم معه إن هو إل الظن وال َ‬
‫صوَن{ ]الذاريات‪.[10 :‬‬
‫خّرا ُ‬
‫ل اْل َ‬
‫خرص[‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬قِت َ‬
‫‪/‬‬
‫وقال‪:‬‬

‫سورة هود‬

‫فصــل‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َوَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{ ]هود‪ ،[ 17:‬وهذا يعم جميع من هو على بينة من ربه‪ ،‬ويتلوه‬
‫شاهد منه‪ .‬فالبينة‪ :‬العلم النافع‪ ،‬والشاهد الذي يتلوه‪ :‬العمل الصالح‪ ،‬وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫فإن الرسول على بينة من ربه‪ ،‬ومتبعيه على بينة من ربه‪.‬‬
‫ن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبهِ‬
‫ل ِإّني على َبّيَنٍة ّمن ّرّبي{ ]النعام‪ ،[ 57:‬وقال في حق المؤمنين‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫وقال في حق الرسول‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ن َكَفُروا‬
‫عَمِلِه َواّتَبُعوا َأْهَواءُهْم{ ]محمد‪ ،[ 14:‬فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول السورة‪ ،‬فقال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫سوُء َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫َكَمن ُزّي َ‬
‫عْنُهْم‬
‫ق ِمن ّرّبِهْم َكّفَر َ‬
‫حّ‬
‫حّمٍد َوُهَو اْل َ‬
‫ل على ُم َ‬
‫ت َوآَمُنوا ِبَما ُنّز َ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫عَماَلُهْم َواّلِذي َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ضّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫صّدوا َ‬
‫َو َ‬
‫ق ِمن ّرّبِهْم{ اليات‪ ،‬إلى قوله‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫ن‬
‫حّ‬
‫ن آَمُنوا اّتَبُعوا اْل َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل َوَأ ّ‬
‫طَ‬
‫ن َكَفُروا اّتَبُعوا اْلَبا ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ك ِبَأ ّ‬
‫ح َباَلُهْم َذِل َ‬
‫صَل َ‬
‫سّيَئاِتِهْم َوَأ ْ‬
‫َ‬
‫على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ ]محمد‪.[14 - 1 :‬‬

‫‪/‬وقال أبو الدْرَداء‪ :‬ل تهلك أمة حتي يتبعوا أهواءهم‪ ،‬ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدي‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫صيَرٍة َأَنْا َوَمِن اّتَبَعِني{ ]يوسف‪،[ 108:‬فمن اتبعه يدعو إلى ال على بصيرة‪،‬والبصيرة‬
‫ل على َب ِ‬
‫عو إلى ا ّ‬
‫سِبيِلي َأْد ُ‬
‫ل َهـِذِه َ‬
‫}ُق ْ‬
‫س{ الية ]النعام‪ .[ 122:‬فالنور الذي يمشي به‬
‫شي ِبِه ِفي الّنا ِ‬
‫جَعْلَنا َلُه ُنوًرا َيْم ِ‬
‫حَيْيَناُه َو َ‬
‫ن َمْيًتا َفَأ ْ‬
‫هي البينة‪ .‬وقال‪َ} :‬أَو َمن َكا َ‬
‫ض{ الية ]النور‪.[35 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل ُنوُر ال ّ‬
‫في الناس هو البينة والبصيرة‪ ،‬وقال‪}:‬ا ُّ‬
‫قال ُأَبي بن كعب وغيره‪ :‬هو مثل نور المؤمن‪ ،‬وهو نوره الذي في قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع‪ ،‬والعمل‬
‫لِم َفُهَو على ُنوٍر ّمن ّرّبِه{ ]الزمر‪ ،[22 :‬فهذا النور الذي‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫صْدَرُه ِل ِْ‬
‫ل َ‬
‫ح ا ُّ‬
‫شَر َ‬
‫الصالح‪ ،‬وذلك بينة من ربه‪ .‬وقال‪َ} :‬أَفَمن َ‬
‫ك على ُهًدي ّمن ّرّبِهْم{ ]البقرة‪:‬‬
‫هو عليه وشرح الصدر للسلم هو البينة من ربه‪ ،‬وهو الهدي المذكور في قوله‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫‪ [ 5‬واستعمل في هذا حرف الستعلء؛ لن القلب ل يستقر ول يثبت إل إذا كان عالًما موقًنا بالحق‪ ،‬فيكون العلم‬
‫صْبَغًة{ ]البقرة‪ ،[138 :‬ويصير مكانة له‪ ،‬كما‬
‫ل ِ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َوَم ْ‬
‫صْبَغَة ا ّ‬
‫واليمان صبغة له ينصبغ بها‪ ،‬كما قال‪ِ } :‬‬
‫ف َتْعَلُموَن{ ]النعام‪ ،[ 135 :‬والمكان والمكانة‪ :‬قد يراد به ما يستقر‬
‫سْو َ‬
‫ل َف َ‬
‫عاِم ٌ‬
‫عَمُلوْا على َمَكاَنِتُكْم ِإّني َ‬
‫قال‪ُ}:‬قلْ َيا َقْوِم ا ْ‬
‫طا به كالسقف ـ مثل ـ وقد يراد به ما يحيط به‪.‬‬
‫الشيء علىه‪ ،‬وإن لم يكن محي ً‬
‫فالمهتدون لما كانوا على هدي من ربهم ونور وبينة وبصيرة‪ ،‬صار ‪ /‬مكانة لهم استقروا علىها‪ ،‬وقد تحيط بهم‪،‬‬
‫ب على َوْج ِ {‬
‫هه{‬
‫صاَبْتُه ِفْتَنٌة انَقَل َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِبِه َوِإ ْ‬
‫طَمَأ ّ‬
‫خْيٌر ا ْ‬
‫صاَبُه َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ف َفِإ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫ل على َ‬
‫س َمن َيْعُبُد ا َّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫بخلف الذين قال فيهم‪َ} :‬وِم َ‬
‫]الحج‪ ،[ 11 :‬فإن هذا ليس ثابًتا مستقًرا مطمئًنا‪ ،‬بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه‪ ،‬فقد يطمئن إذا أصابه‬
‫طا في الوادي‪.‬‬
‫خير‪ ،‬وقد ينقلب على وجهه ساق ً‬
‫وكذلك فرق بين من أسس بنيانه على تقوي من ال ورضوان‪ ،‬وبين من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في‬
‫نار جهنم‪ ،‬وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها‪ ،‬وشواهد هذا كثير‪.‬‬
‫فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة‪ ،‬وهدي ونور‪ ،‬وهو اليمان الذي في قلوبهم‪ ،‬والعلم‬
‫والعمل الصالح‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬وَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{ ]هود‪ ،[ 17 :‬والضمير في }ّمْنُه{ عائد إلى ال ـ تعالى ـ أي‪ :‬ويتلو هذا‬
‫ضا‪.‬‬
‫الذي هو على بينة من ربه شاهد من ال‪،‬والشاهد من ال‪ ،‬كما أن البينة التي هو علىها المذكورة من ال ـ أي ً‬
‫وأما قول من قال‪) :‬الشاهد( من نفس المذكور وفسره بلسانه‪ ،‬أو بعلى بن أبي طالب‪ ،‬فهذا ضعيف؛ لن كون شاهد‬
‫النسان منه ل يقتضي أن يكون الشاهد صادًقا‪ ،‬فإنه مثل شهادة ‪ /‬النسان لنفسه‪ ،‬بخلف ما إذا كان الشاهد من ال‪،‬‬
‫ب{ ]الرعد‪ ،[43:‬إنه‬
‫عْلُم اْلِكَتا ِ‬
‫عنَدهُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫شِهيًدا َبْيِني َوَبْيَنُكْم َوَم ْ‬
‫ل َ‬
‫ل َكَفى ِبا ّ‬
‫فإن ال يكون هو الشاهد‪ ،‬وهذا كما قيل في قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫على فهذا ضعيف؛ لن شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتد إل به ل تكون برهاًنا للصدق‪ ،‬ول حجة على‬
‫الكفر‪ ،‬بخلف شهادة من عنده علم الكتاب الول فإن هؤلء شهادتهم برهان ورحمة‪ ،‬كما قال في هذه السورة‪َ} :‬وِمن‬
‫ل على ِمْثِلِه{ ]الحقاف‪ ،[10 :‬وقال‪َ} :‬فِإن‬
‫سَراِئي َ‬
‫شاِهٌد ّمن َبِني ِإ ْ‬
‫شِهَد َ‬
‫حَمًة{ ]هود‪ ،[17:‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫سي ِإَماًما َوَر ْ‬
‫ب ُمو َ‬
‫َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫ن َأّنُه ُمَنّز ٌ‬
‫ل‬
‫ب َيْعَلُمو َ‬
‫ن آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬
‫ك{ ]يونس‪ [94:‬وقال‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ب ِمن َقْبِل َ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ن َيْقَرُؤو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سَأ ِ‬
‫ك َفا ْ‬
‫ك ّمّما َأنَزْلَنا إلي َ‬
‫شّ‬
‫ت ِفي َ‬
‫ُكن َ‬
‫ق{ ]النعام‪ ،[ 114:‬وهذا الشاهد من ال هو القرآن‪.‬‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ّمن ّرّب َ‬

‫ومن قال‪ :‬إنه جبريل‪ ،‬فجبريل لم يقل شيًئا من تلقاء نفسه‪ ،‬بل هو الذي بلغ القرآن عن ال‪ ،‬وجبريل يشهد أن القرآن‬
‫ل َشِهيًدا{ ]النساء‪:‬‬
‫ن َوَكَفى ِبا ّ‬
‫شَهُدو َ‬
‫ك َأنَزَلُه ِبِعْلمِِه َواْلَملِئَكُة َي ْ‬
‫ل إلي َ‬
‫شَهُد ِبَما َأنَز َ‬
‫ل َي ْ‬
‫نا ّ‬
‫منزل من ال‪ ،‬وأنه حق‪ ،‬كما قال‪ّ}:‬لـِك ِ‬
‫‪ ،[ 166‬والذي قال هو جبريل‪ .‬قال‪ :‬يتلوه‪ ،‬أي‪ :‬يقرؤه‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فِإَذا َقَرْأَناهُ َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ ،[18:‬أي ‪ :‬إذا قرأه‬
‫جبريل فاتبع ما قرأه‪ .‬وقال‪َ} :‬عّلَمُه َشِديُد اْلُقَوى{ ]النجم‪.[5 :‬‬
‫ومن قال‪ :‬الشاهد لسانه‪ ،‬وجعل الضمير المذكور عائًدا على القرآن ولم يذكر؛ لنه جعل البينة هي القرآن‪ ،‬ولو كانت‬
‫البينة هي القرآن ‪ /‬لما احتاج إلى ذلك‪ ،‬وقد قال‪ :‬على بينة من ربه‪ ،‬فقد ذكر أن القرآن من ال‪ ،‬وقد علم أنه نزل به‬
‫جبريل على محمد ‪ ،‬وكلهما بلغه وقرأه‪ ،‬فقوله‪َ} :‬وَيْتُلوُه{ جبريل أو محمد‪ ،‬تكرير لفائدة فيه؛ ولهذا لم يذكر مثل‬
‫ذلك في القرآن‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيًرا في القرآن؛ فإن القرآن كلم ال واحد ل يكون علىه‪ ،‬وإذا كان المراد‬
‫وأي ً‬
‫على اليمان بالقرآن والعمل به‪ ،‬فهذا الذي ذكرناه‪ :‬إن البينة هي اليمان بما جاء به الرسول‪ ،‬وهو إخباره أنه رسول‬
‫ال‪ .‬وأن ال أنزل القرآن علىه‪ .‬ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية‪ ،‬لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إل بعضه‪ ،‬وكان‬
‫المأمور به حينئذ هو اليمان بما نزل منه‪ ،‬فمن آمن حينئٍذ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فتسمية جبريل شاهًدا‪ ،‬ل نظير له في القرآن‪ ،‬وكذلك تسمية لسان الرسول شاهًدا‪ ،‬وتسمية على شاهًدا‪ ،‬ل‬
‫وأي ً‬
‫يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة‪ ،‬بخلف شهادة ال؛ فإن ال أخبر بشهادته لرسوله في غير موضع‪ ،‬وسمي ما أنزله‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[ 140:‬فدل على أن كلم ال الذي أنزله وأخبر فيه‬
‫نا ّ‬
‫عنَدُه ِم َ‬
‫شَهاَدًة ِ‬
‫ظَلُم ِمّمن َكَتَم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫شهادة منه في قوله‪َ} :‬وَم ْ‬
‫بما أخبر شهادة منه‪.‬‬
‫‪/‬وهو ـ سبحانه ـ يحكم ويشهد‪ ،‬ويفتي ويقص‪ ،‬ويبشر ويهدي بكلمه‪ ،‬ويصف كلمه بأنه يحكم ويفتي‪ ،‬ويقص‬
‫لَلِة{ ]النساء‪ ،[176 :‬وقال‪:‬‬
‫ل ُيْفِتيُكْم ِفي اْلَك َ‬
‫لا ّ‬
‫ن{ ]النساء‪ُ } ،[127:‬ق ِ‬
‫ل ُيْفِتيُكْم ِفيِه ّ‬
‫لا ّ‬
‫ويهدي‪ ،‬ويبشر وينذر‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬ق ِ‬
‫ص{‬
‫ص ِ‬
‫ن اْلَق َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ك َأ ْ‬
‫ص علي َ‬
‫ن َنُق ّ‬
‫حُ‬
‫ن{ ]النمل‪ ،[76:‬وقال‪َ} :‬ن ْ‬
‫خَتِلُفو َ‬
‫ل َأْكَثَر اّلِذي ُهْم ِفيِه َي ْ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ص على َبِني ِإ ْ‬
‫ن َيُق ّ‬
‫ن َهَذا اْلُقْرآ َ‬
‫}ِإ ّ‬
‫خْيُر‬
‫ق َوُهَو َ‬
‫حّ‬
‫ص اْل َ‬
‫ل َيُق ّ‬
‫ل ِّ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫ن ِبِه ِإ ِ‬
‫جُلو َ‬
‫سَتعْ ِ‬
‫عنِدي َما َت ْ‬
‫ل ِإّني على َبّيَنٍة ّمن ّرّبي َوَكّذْبُتم ِبِه َما ِ‬
‫]يوسف‪ ،[3 :‬وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ي َأْقَوُم{ ]السراء‪.[9 :‬‬
‫ن ِيْهِدي ِلّلِتي ِه َ‬
‫ن َهـَذا اْلُقْرآ َ‬
‫ن{ ]النعام‪ ،[57:‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫اْلَفاصلي َ‬
‫ط ّمْسَتِقيٍم{]الشوري‪ ،[52 :‬كما سماه بشيًرا ونذيًرا‪ ،‬وسمي‬
‫صَرا ٍ‬
‫ك َلَتْهِدي إلى ِ‬
‫وكذلك سمي الرسول هادًيا فقال‪َ} :‬وِإّن َ‬
‫القرآن بشيًرا ونذيًرا‪ ،‬فكذلك لما كان هو يشهد للرسول والمؤمنين بكلمه الذي أنزله‪ ،‬وكان كلمه شهادة منه‪ ،‬كان‬
‫كلمه شاهًدا منه‪ ،‬كما كان يحكم ويفتي‪ ،‬ويقص ويبشر وينذر‪.‬‬
‫ت القـرآن‪ .‬فإن الذي يحكم به القرآن‬
‫ت مخلوًقا‪ ،‬وإنما حكم ُ‬
‫ت مخلوًقا‪ .‬قال‪ :‬ما حّكم ُ‬
‫حّكم َ‬
‫ولما قيل لعلى بن أبي طالب‪َ :‬‬
‫سَلم ـ وقد كان إماًما‪،‬‬
‫هو حكم ال‪ ،‬والذي يشهد به القرآن هو شهادة ال ـ عز وجـل ـ قال عبد الرحمن بن زيد بن َأ ْ‬
‫وأخذ التفسير عن أبيه زيد‪ ،‬وكان زيد إماًما فيه‪ ،‬ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير‪ ،‬وأخذه عنه عبد ال ‪ /‬بن َوْهب ]هو‬
‫أبو محمد عبد ال بن وهب بن مسلم الفهري‪ ،‬أحد الثبات والئمة العلم‪ ،‬وصاحب التصانيف‪ ،‬طلب العلم وله سبع‬
‫عشرة سنة‪ ،‬صحب مالًكا عشرين سنة وصنف الموطأ الكبير والصغير وحدث بمائة ألف حديث‪ ،‬ولد سنة ‪521‬هـ‪،‬‬
‫صَبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع‪،‬‬
‫صَبغ بن الفرج ]هو أبو عبد ال َأ ْ‬
‫وتوفي في شعبان سنة ‪791‬هـ[ صاحب مالك‪ ،‬وأ ْ‬
‫الموي‪ ،‬مفتي الديار المصرية وعالمها‪ ،‬المالكي‪ ،‬وثقه أحمد ابن عبد ال‪ ،‬وقال ابن معين‪) :‬كان من أعلم خلق ال‬
‫برأي مالك‪ ،‬يعرفها مسألة مسألة‪ ،‬متي قالها مالك‪ ،‬ومن خالفه فيها(‪ ،‬وله مصنفات‪ ،‬ولد بعد سنة ‪051‬هـ‪ ،‬وتوفي في‬
‫سنة ‪522‬هـ[ الفقيه‪ ،‬قال‪:‬ـ في قوله تعالى‪َ} :‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َوَيْتُلوهُ َشاِهٌد ّمْنُه{ ]هود‪ [ 17:‬ـ قال رسول ال‪:‬‬
‫ضا ـ لنه من ال‪.‬‬
‫)كان على بينة من ربه( والقرآن يتلوه شاهد ـ أي ً‬
‫ن على‬
‫جاج فيما ذكره من القوال‪ :‬ويتلو رسول ال القرآن‪ ،‬وهو شاهد من ال‪ .‬وقال أبو العإلىة‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫وقد ذكر الَز ّ‬
‫َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{‪ :‬هو محمد‪َ} ،‬وَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{ ‪ :‬القرآن‪ ،‬قال ابن أبي حاتم‪ :‬وروي عن ابن عباس‪ ،‬ومحمد بن الحنفية‪،‬‬

‫عييَنَة نحو ذلك‪ .‬وهذا الذي‬
‫صيف‪ ،‬وابن ُ‬
‫خ ِ‬
‫عْكِرَمة‪ ،‬والضحاك‪ ،‬وقتادة‪ ،‬والسّدي‪ ،‬و َ‬
‫ومجاهد‪ ،‬وأبي صالح‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬و ِ‬
‫قالوه صحيح‪ ،‬ولكن ل يقتضي ذلك أن المتبعين له ليسوا على بينة من ربهم‪ ،‬بل هم على بينة من ربهم‪.‬‬

‫وقد قال الحسن البصري‪َ} :‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ قال‪ :‬المؤمن على بينة من ربه‪ ،‬ورواه ابن أبي حاتم‪ ،‬وروي‬
‫عن الحسين بن على}َوَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{ يعني‪ :‬محمًدا شاهد من ال‪ ،‬وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من شهد له‪.‬‬
‫وقول القائل‪ :‬من قال‪ :‬هو محمد‪ ،‬كقول من قال‪ :‬هو جبريل‪ ،‬فإن كلهما بّلغ القرآن‪ ،‬وال يصطفي من الملئكة رسلً‬
‫ومن الناس‪ /،‬فاصطفي جبريل من الملئكة‪ ،‬واصطفي محمًدا من الناس‪ .‬وقال في جبريل‪ِ} :‬إّنُه َلَقْوُل َرُسوٍل َكِري ٍ{‬
‫م{‬
‫حّتى َتْأِتَيُهُم‬
‫ل َكِريٍم{ ]الحاقة‪ [ 40:‬وكلهما رسول من ال‪ ،‬كما قال‪َ } :‬‬
‫سو ٍ‬
‫ل َر ُ‬
‫]التكوير‪ ،[ 19:‬وقال في محمد‪ِ} :‬إّنُه َلَقْو ُ‬
‫ب َقّيَمٌة{ ]البينة‪ 1 :‬ـ ‪ [ 3‬فكلهما رسول من ال بلغ ما أرسل به‪ ،‬وهو يشهد‬
‫طّهَرًة ِفيَها ُكُت ٌ‬
‫حًفا ّم َ‬
‫صُ‬
‫ل َيْتُلو ُ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ل ّم َ‬
‫سو ٌ‬
‫اْلَبّيَنُة َر ُ‬
‫أن ما جاء به هو كلم ال‪ ،‬وأما شهادتهم بما شهد به القرآن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن‪ ،‬فإنه يشهد بكل‬
‫ما شهد به القرآن؛ لكونه آمن به‪ ،‬سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه‪.‬‬
‫ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له‪ ،‬وهو مأمور بهذا وبهذا وله أجر على هذا وهذا‪ ،‬كما قال‪} :‬آَم َ‬
‫ن‬
‫الّرُسولُ ِبَما ُأنِزَل إليه ِمن ّرّبِه َواْلُمْؤِمُنوَن{ ]البقرة‪ ،[ 285 :‬ولهذا كان يقول‪ :‬أشهد أني عبد ال ورسوله‪ ،‬فشهادة جبريل‬

‫ومحمد بما شهد به القرآن من جهة إيمانهما به‪ ،‬ل من جهة كونهما مرسلين به‪ ،‬فإن الرسال به يتضمن شهادتهما أن‬
‫ال قاله‪ ،‬وقد يرسل غير رسول بشيء‪ ،‬فيشهد الرسول أن هذا كلم المرسل وإن لم يكن المرسل صادًقا ول حكيًما‪،‬‬
‫ولكن علم أن جبريل ومحمًدا يعلمان أن ال صادق حكيم‪ ،‬فهما يشهدان بما شهد ال به‪.‬‬
‫وكذلك الملئكة والمؤمنون‪ ،‬يشهدون بأن ما قاله ال فهو حق ‪،/‬وأن ال صادق حكيم‪ ،‬ل يخبر إل بصدق‪،‬ول يأمر إل‬
‫صْدًقا َوَعْدًل{ ]النعام‪.[115:‬‬
‫ك ِ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ت َكِلَم ُ‬
‫بعدل }َوَتّم ْ‬
‫فقد تبين أن شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن‪ ،‬وشهادة القرآن هي شهادة ال ـ تعالى ـ والقرآن شاهد من ال‪،‬‬
‫وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على بينة من ربه‪ ،‬فإن البينة والبصيرة والنور والهدي الذي عليه النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم والمؤمنون‪ ،‬قد شهد القرآن المنزل من ال بأن ذلك حق‪.‬‬
‫لَوِتِه{ ]البقرة‪ ،[ 121:‬أي‪ :‬يتبعونه حق اتباعه‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ق ِت َ‬
‫حّ‬
‫ب َيْتُلوَنُه َ‬
‫ن آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬
‫و}َوَيْتُلوُه{ معناه‪ :‬يتبعه‪ ،‬كما قال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ك ِبِه ِعْلٌم{ ]السراء‪،[36 :‬‬
‫س َل َ‬
‫ف َما َلْي َ‬
‫ل َتْق ُ‬
‫لَها{ ]الشمس‪ ،[ 2 :‬أي‪ :‬تبعها‪ ،‬وهذا َقَفاه إذا تبعه‪ .‬وقد قال‪َ} :‬و َ‬
‫}َواْلَقَمِر ِإَذا َت َ‬
‫حّ‬
‫ق‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ح اْلُقُدسِ ِمن ّرّب َ‬
‫ل َنّزَلُه ُرو ُ‬
‫فهذا الشاهد يتبع الذي على بينة من ربه‪ ،‬فيصدقه ويزكيه‪ ،‬ويؤيده ويثبته‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ك{ ]هود‪ ،[120:‬وقال‪ُ} :‬أْوَلِئ َ‬
‫ك‬
‫ت ِبِه ُفَؤاَد َ‬
‫ل َما ُنَثّب ُ‬
‫ن َأنَباء الّرسُ ِ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ص علي َ‬
‫ل ّنُق ّ‬
‫ن آَمُنوْا{ ]النحل‪ ،[102 :‬وقال‪َ}:‬وُكـ ّ‬
‫ت اّلِذي َ‬
‫ِلُيَثّب َ‬
‫ب ِفي ُقُلوِبِهُم اِْليَماَن َوَأّيَدُهم ِبُروٍح ّمْنُه{ ]المجادلة‪.[22 :‬‬
‫َكَت َ‬
‫وقد سمي ال القرآن سلطاًنا في غير موضع‪ ،‬فإذا كان السلطان المنزل من ال يتبع هذا المؤمن‪ ،‬كان ذلك مما يوجب‬
‫شَفاء‬
‫ن َما ُهَو ِ‬
‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫ل ِم َ‬
‫ل‪ ،‬وقال‪َ} :‬وُنَنّز ُ‬
‫قوته وتسلطه علًما وعم ً‬
‫ت ُسوَرٌة َفِمْنُهم ّمن َيُقوُل َأّيُكْم َزاَدْتُه َهـِذهِ ِإيَماًنا َفَأّما اّلِذيَن آَمُنوْا َفَزاَدْتُهْم ِإيَماًنا{{‬
‫ن{]السراء‪َ}/ ،[82:‬وِإَذا َما ُأنِزَل ْ‬
‫حَمٌة ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫َوَر ْ‬
‫الية ]التوبة‪.[124 :‬‬
‫جْنُدب بن عبد ال‪ ،‬وعبد ال بن عمر‪ :‬تعّلمنا اليمان‪ ،‬ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماًنا‪ ،‬فهم كانوا يتعلمون اليمان‪،‬‬
‫وقال ُ‬
‫ثم يتعلمون القرآن‪ .‬وقال بعضهم في قوله‪ّ} :‬نوٌر على ُنوٍر{ ]النور‪ ،[ 35:‬قال‪ :‬نور القرآن على نور اليمان‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫سّدي في قوله‪ّ} :‬نوٌر على ُنوٍر{ نور القرآن ونور‬
‫}َوَلِكن َجَعْلَناُه ُنوًرا ّنْهِدي ِبِه َمْن ّنَشاء ِمْن ِعَباِدَنا{ ]الشوري‪ ،[ 52:‬وقـال ال ّ‬
‫اليمان حين اجتمعا‪ ،‬فل يكون واحد منهما إل بصاحبه‪.‬‬
‫فتبين أن قوله‪َ} :‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ ]هود‪ ،[17:‬يعني هدي اليمان‪َ} ،‬وَيْتُلوهُ َشاِهٌد ّمْنُه{ أي من ال‪ ،‬يعني‪:‬‬
‫القرآن شاهد من ال يوافق اليمان ويتبعه‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَيْتُلوه{ لن اليمان هو المقصود؛ لنه إنما يراد بإنزال القرآن‬
‫اليمان وزيادته‪.‬‬
‫ولهذا كان اليمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة‪ ،‬والقرآن بل إيمان ل ينفع في الخرة؛ بل صاحبه‬
‫منافق؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن‬
‫جة‪ ،‬طعمها طيب وريحها طيب‪ ،‬ومثل المؤمن الذي ل يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ول ريح لها‪،‬‬
‫لْتر ّ‬
‫كمثل ا ُ‬

‫ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر‪ ،/‬ومثل المنافق الذي ل يقرأ القرآن كمثل‬
‫الحنظلة طعمها مر ول ريح لها(‪.‬‬
‫ولهذا جعل اليمان بينة‪ ،‬وجعل القرآن شاهًدا؛ لن البينة من البيان‪،‬و)البينة(‪:‬هي السبيل البينة‪،‬وهي الطريق البينة‬
‫ضا ـ ما يبين بها الحق‪،‬فهي بينة في نفسها مبينة لغيرها‪،‬وقد تفسر بالبيان وهي الدللة والرشاد‪،‬‬
‫الواضحة‪ ،‬وهي ـ أي ً‬
‫فتكون كالهدي‪،‬كما يقال‪ :‬فلن على هدي وعلى علم‪،‬فيفسر بمعنى المصدر والصفة والفاعل‪.‬ومنه قوله‪َ}:‬أَوَلْم َتْأِتِهم َبّيَنةُ‬
‫سّمي الرسول بينة كما‬
‫ف اُْلوَلى{ ]طه‪،[ 133:‬أي‪ :‬بيان ما فيها أو يبين ما فيها‪،‬أو المر البين فيها‪ .‬وقد ُ‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫َما ِفي ال ّ‬
‫ل{ ]البينة‪ ،[ 2 ،1:‬فإنه يبين الحق‪ ،‬والمؤمن على سبيل بينة ونور من ربه‪،‬والشاهد‬
‫ن ا ِّ‬
‫ل ّم َ‬
‫سو ٌ‬
‫حّتى َتْأِتَيُهُم اْلَبّيَنُة َر ُ‬
‫قال‪َ }:‬‬
‫المقصود به شهادته للمشهود له‪ ،‬فهو يشهد للمؤمن بما هو علىه‪،‬وجعل اليمان من ال كما جعل الشاهد من ال؛لن‬
‫حَذْيَفة‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن ال‬
‫ال أنزل اليمان في جذر قلوب الرجال‪،‬كما في الصحيحين عن ُ‬
‫أنزل اليمان في جذر قلوب الرجال‪ ،‬فعلموا من القرآن وعلموا من السنة(‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فاليمان ما قد أمر ال به‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫ضا‪ ،‬فاليمان إنما هو ما أخبر به الرسول‪ ،‬وهذا أخبر به الرسول لكن الرسول له وحيان‪ :‬وحي تكلم ال به يتلي‪،‬‬
‫وأي ً‬
‫ك ُروًحا ّمْن َأْمِرَنا{ الية ]الشوري‪ ،[ 52 :‬وهو يتناول القرآن واليمان‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫حْيَنا إلي َ‬
‫ك َأْو َ‬
‫ووحي ل يتلي فقال‪َ} /:‬وَكَذِل َ‬
‫الضمير في قوله‪َ} :‬جَعْلَناُه ُنوًرا ّنْهِدي ِبِه َمْن ّنَشاء ِمْن ِعَباِدَنا{ ]الشوري‪ ،[ 52:‬يعود إلى اليمان‪ ،‬ذكر ذلك عن ابن عباس‪.‬‬
‫سّدي‪ ،‬وهو يتناولهما‪ ،‬وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه‪ ،‬وهو الوحي الذي‬
‫وقيل‪ :‬إلى القرآن‪ .‬وهو قول ال ُ‬
‫جاء باليمان والقرآن‪.‬‬
‫فقد تبين أن كلهما من ال نور وهدي منه‪ ،‬هذا يعقل بالقلب‪ ،‬لما قد يشاهد من دلئل اليمان‪ ،‬مثل دلئل الربوبية‬
‫ق َوِفي‬
‫لَفا ِ‬
‫سُنِريِهْم آَياِتَنا ِفي ا ْ‬
‫والنبوة‪ ،‬وهذا يسمع بالذان‪ ،‬واليمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد ال به في قوله‪َ } :‬‬
‫ق{ ]فصلت‪ ،[ 53 :‬أي‪ :‬أن القرآن حق‪ ،‬فهذه اليات متأخرة عن نزول القرآن‪ ،‬وهو مثل ما‬
‫حّ‬
‫ن َلُهْم َأّنُه اْل َ‬
‫سِهْم حَّتي َيَتَبّي َ‬
‫َأنُف ِ‬
‫فعل من نصر رسوله والمؤمنين يوم بدر‪ ،‬وغير يوم بدر‪ .‬فإنه آيات مشاهدة‪ ،‬صدقت ما أخبر به القرآن ـ ولكن ـ‬
‫المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا‪.‬‬
‫يءٍ َشِهيٌد{ ]فصلت‪:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ك َأّنُه على ُك ّ‬
‫ف ِبَرّب َ‬
‫وقيل‪ :‬نزول أكثر القرآن الذي ثبت ال به لنبيه وللمؤمنين؛ ولهذا قال‪َ} :‬أَوَلْم َيْك ِ‬
‫‪ [ 53‬فهو يشهد لرسوله بأنه صادق باليات الدالة على نبوته‪ ،‬وتلك آمن بها المؤمنون ثم أنزل من القرآن شاهًدا له‪ ،‬ثم‬
‫أظهر آيات معاينة تبين لهم أن القرآن حق‪.‬‬
‫حَمًة{‬
‫سي ِإَماًما َوَر ْ‬
‫ب ُمو َ‬
‫‪ /‬فالقرآن وافق اليمان‪ ،‬واليات المستقبلة وافقت القرآن واليمان؛ ولهذا قال‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫عنِد‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ل َأَرَأْيُتْم ِإن َكا َ‬
‫]هود‪ [ 17 :‬فقوله‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه{‪ :‬يعود الضمير إلى الشاهد الذي هو القرآن‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫حَمًة{‬
‫سى ِإَماًما َوَر ْ‬
‫ب ُمو َ‬
‫ل على ِمْثِلِه{ الية ]الحقاف‪ ،[10 :‬ثم قال‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫شاِهٌد ّمن َبِني ِإ ْ‬
‫شِهَد َ‬
‫ل َوَكَفْرُتم ِبِه َو َ‬
‫ا ِّ‬

‫الية‪ .‬فقوله‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه{ الضمير يعود إلى القرآن‪ .‬أي‪ :‬من قبل القرآن‪ ،‬كما قاله ابن زيد‪ .‬وقيل‪ :‬يعود إلى الرسول‪،‬‬
‫كما قاله مجاهد‪ ،‬وهما متلزمان‪.‬‬
‫ب ُموَسى{ فيه وجهان‪ :‬قيل‪ :‬هو عطف مفرد‪ ،‬وقيل‪ :‬عطف جملة‪ .‬قيل‪ :‬المعنى‪َ} :‬وَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{‪،‬‬
‫وقوله‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫ضا ـ من قبله كتاب موسى‪ ،‬فإنه شاهد بمثل ما شهد به القرآن‪ ،‬وهو شاهد من ال‪ ،‬وقيل‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫ب‬
‫ويتلوه ـ أي ً‬
‫ُموَسى{ جملة‪ ،‬ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن‪ ،‬كما قال في الحقاف‪.‬‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ يدل على أن قوله‪َ}:‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ تتناول المؤمنين‪،‬فإنهم آمنوا بالكتاب‬
‫وقوله تعالى‪ُ}:‬أْوَلـِئ َ‬
‫الول والخر‪،‬كما تتناول النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأولئك يعود إليهم الضمير‪ ،‬فإنهم مؤمنون به بالشاهد من ال‪،‬‬
‫فاليمان به إيمان بالرسول والكتاب الذي قبله‪.‬‬
‫ب َفالّناُر َمْوِعُدُه{ ]هود‪ ،[ 17 :‬وروي المام أحمد‪ ،‬وابن أبي حاتم‪ ،‬وغيرهما عن‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫‪ /‬ثم قال‪َ} :‬وَمن َيْكُفْر ِبِه ِم َ‬
‫أيوب عن سعيد بن جبير قال‪ :‬ما بلغني حديث عن رسول ال صلى ال عليه وسلم على وجه إل وجدت تصديقه في‬
‫كتاب ال‪ ،‬حتي بلغني أنه قال‪) :‬ل يسمع بي أحد من هذه المة ل يهودي ول نصراني‪ ،‬ثم لم يؤمن بما أرسلت به إل‬

‫ب َفالّناُر َمْوِعُدُه{{‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫دخل النار(‪ ،‬قال سعيد‪ :‬فقلت‪ :‬أين هذا في كتاب ال؟ حتي أتيت على هذه الية‪َ} :‬وَمن َيْكُفْر ِبِه ِم َ‬
‫قال‪ :‬الحزاب‪ :‬هي الملل كلها‪.‬‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ أي كل من كان على بينة من ربه‪ ،‬فإنه يؤمن بالشاهد من ال‪ ،‬واليمان به إيمان بما‬
‫وقوله تعالى‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ وهم المتبعون لمحمد صلى ال عليه وسلم من أصحابه وغيرهم إلى قيام‬
‫جاء به موسى‪ ،‬قال‪ُ}:‬أْوَلـِئ َ‬
‫ب َفالّناُر َمْوِعُدُه{ ‪ ،‬والحزاب هم‪ :‬أصناف المم‪ ،‬الذين تحزبوا وصاروا‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫الساعة‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬وَمن َيْكُفْر ِبِه ِم َ‬
‫ت ُكّل ُأّمٍة ِبَرُسوِلِهْم ِلَيْأُخُذوُه{ ]غافر‪.[5:‬‬
‫ب ِمن َبْعِدِهْم َوَهّم ْ‬
‫حَزا ُ‬
‫لْ‬
‫ح َوا َْ‬
‫ت َقْبَلُهْم َقْوُم ُنو ٍ‬
‫أحزاًبا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬كّذَب ْ‬
‫وقد ذكر ال طوائف الحزاب في مثل هذه السورة وغيرها ‪ ،‬وقد قال تعالى عن مكذبي محمد صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫طَر الّنا َ‬
‫س‬
‫ل اّلِتي َف َ‬
‫طَرةَ ا ِّ‬
‫حِنيًفا ِف ْ‬
‫ن َ‬
‫ك ِللّدي ِ‬
‫جَه َ‬
‫ب{ ]ص‪، [11:‬وهم الذين قال فيهم‪َ} :‬فَأِقْم َو ْ‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫ن ا َْ‬
‫ك َمْهُزوٌم ّم َ‬
‫جنٌد ّما ُهَناِل َ‬
‫}ُ‬
‫ن ِم َ‬
‫ن‬
‫شِرِكي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ل َتُكوُنوا ِم َ‬
‫لَة َو َ‬
‫صَ‬
‫ن إليه َواّتُقوُه َوَأِقيُموا ال ّ‬
‫ن ُمِنيِبي َ‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫س َ‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫ن اْلَقّيُم َوَلِك ّ‬
‫ك الّدي ُ‬
‫ل َذِل َ‬
‫ق ا ِّ‬
‫خْل ِ‬
‫ل ِل َ‬
‫ل َتْبِدي َ‬
‫علىَها َ‬
‫خَتَل َ‬
‫ف‬
‫ن{ ]الروم‪ ، [ 32 - 30:‬وقال عن أحزاب النصارى‪َ}:‬فا ْ‬
‫حو َ‬
‫ب ِبَما َلَدْيِهْم َفِر ُ‬
‫حْز ٍ‬
‫ل ِ‬
‫شَيًعا ُك ّ‬
‫ن َفّرُقوا ِديَنُهْم َوَكاُنوا ِ‬
‫اّلِذي َ‬
‫ظيٍم{ اليات ] مريم‪.[37 :‬‬
‫عِ‬
‫شَهِد َيْوٍم َ‬
‫ن َكَفُروا ِمن ّم ْ‬
‫ل ّلّلِذي َ‬
‫ب ِمن َبْيِنِهْم َفَوْي ٌ‬
‫حَزا ُ‬
‫لْ‬
‫ا َْ‬

‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ يعود على أهل الحق قال‪ :‬إنه موسى وعيسى ومحمد‪ .‬فإنه إن أراد‬
‫وأما من قال‪ :‬الضمير في قوله‪ُ}:‬أْوَلـِئ َ‬
‫بهم من كان مؤمًنا بالكتابين قبل نزول القرآن‪ ،‬فلم يتقدم لهم ذكر‪ ،‬والضمير في قوله‪ِ} :‬بِه{ مفرد‪ ،‬ولو آمن مؤمن‬
‫بكتاب موسى دون النجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمًنا‪.‬‬
‫عا في أنهم من آمن بمحمد‪ ،‬ولكن‬
‫وهذان القولن حكاهما أبو الفرج ولم يسم قائلهما‪ ،‬والبغوي وغيره لم يذكروا نزا ً‬
‫ل أنهم من آمن به من أهل الكتاب‪ ،‬وهذا قريب‪ .‬ولعل الذي حكي قولهم أبو الفرج أرادوا هذا‪ ،‬وإل فل وجه‬
‫ذكروا قو ً‬
‫لقولهم‪.‬‬
‫ومن العجب‪ ،‬أن أبا الفرج ذكر بعد هذا في الحزاب أربعة أقوال ‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنهم جميع الملل‪ ،‬قاله سعيد بن جبير‪.‬‬
‫‪/‬والثاني‪ :‬اليهود والنصارى‪ ،‬قاله قتادة‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬قريش‪ ،‬قاله السدي‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬بنو أمية وبنو المغيرة‪ ،‬قال‪ :‬ـ أي‪ :‬أبي طلحة بن عبد العزي ـ قاله مقاتل‪.‬‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ أنه القرآن‪ ،‬ودليله‬
‫وهذه الية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن في قوله‪َ}:‬وَمن َيْكُفْر ِبِه{ ‪ ،‬وكذلك‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫ك{ ]هود‪ ،[ 17 :‬وهذا هو القرآن بل ريب‪ ،‬وقد قيل‪ :‬هو الخبر‬
‫ق ِمن ّرّب َ‬
‫حّ‬
‫ك ِفي ِمْرَيٍة ّمْنُه ِإّنُه اْل َ‬
‫ل َت ُ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫ضا ـ هو القرآن‪ ،‬فعلم أن المراد هو اليمان بالقرآن‪ ،‬والكفر به‬
‫المذكور‪ ،‬وهو أنه من يكفر به من الحزاب‪ ،‬وهذا ـ أي ً‬
‫باتفاقهم‪ ،‬وأنه من قال في أولئك أنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال‪.‬‬
‫ن الكثرون على أنه مفرد‪ .‬وقال‬
‫ب ُموَسى{ وجهان‪ :‬هل هو عطف جملة أو مفرد؟ َلك ْ‬
‫وقد تقدم في قوله‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫الزجاج‪ :‬المعنى‪ :‬وكان من قبل هذا كتاب موسى‪ .‬دليل على أمر محمد‪ ،‬فيتلون كتاب موسى عطًفا على قوله‪َ} :‬وَيْتُلوُه‬
‫ب إماما على الحال‪.‬‬
‫ص َ‬
‫شرا بمحمد في التوراة والنجيل‪ ،‬وُن ّ‬
‫َشاِهٌد ّمْنُه{ أي‪ :‬ويتلو كتاب موسى؛ لن موسى وعيسى ُب ّ‬
‫‪ /‬قلت‪ :‬قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه‪ ،‬أي‪ :‬يتبعه شاهًدا له بما هو عليه من البينة‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫ل علىه‪ ،‬وهو قوله‪َ} :‬مَث ُ‬
‫ل‬
‫}َأَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ كمن لم يكن‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬وترك المعادلة؛ لن فيما بعده دلي ً‬
‫صيِر َوالّسِميِع{ ]هود‪ ،[ 24 :‬قال ابن قتيبة‪ :‬لما ذكر قبل هذه الية قوًما ركنوا إلى الدنيا‬
‫صّم َواْلَب ِ‬
‫ل َ‬
‫عَمى َوا َ‬
‫لْ‬
‫اْلَفِريَقْينِ َكا َ‬
‫وأرادوها‪ ،‬جاء بهذه الية‪ ،‬وتقدير الكلم‪ :‬أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفي من الجواب بما تقدم إذ كان‬
‫ل علىه‪ ،‬وقال ابن النباري‪ :‬إنما حذف لنكشاف المعنى‪ ،‬وهذا كثير في القرآن‪.‬‬
‫دلي ً‬

‫قلت‪ :‬نظير هذه الية من المحذوف‪َ} :‬أَفَمن ُزّيَن َلُه ُسوُء َعَمِلِه َفَرآُه َحَسًنا{ ]فاطر‪ ،[ 8 :‬كمن ليس كذلك‪ ،‬وقد قال بعد هذا‪:‬‬
‫ب{ ‪ ،‬وهذا هو القسم الخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه‪ ،‬وعلى هذا يكون معناها‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫}َوَمن َيْكُفْر ِبِه ِم َ‬
‫ن على َبّيَنٍة ّمن‬
‫ضا ـ معناها‪َ}:‬أَفَمن َكا َ‬
‫أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم‪ ،‬ويكون ـ أي ً‬
‫ّرّبِه{ أي‪ :‬بصيرة في دينه‪ ،‬كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها‪ ،‬وهذا كقوله‪َ} :‬أَو َمن َكاَن َمْيًتا َفَأْحَيْيَناُه{ الية ]النعام‪. 122 :‬‬
‫[‪.‬‬
‫ق َأن ُيّتَبَع َأّمن ّ‬
‫ل‬
‫حّ‬
‫ق َأ َ‬
‫حّ‬
‫عَمِلِه{ ]محمد‪ [14:‬وقوله‪َ}:‬أَفَمن َيْهِدي إلى اْل َ‬
‫سوُء َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫ن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َكَمن ُزّي َ‬
‫وكقوله‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫َيِهّدي{ الية ]يونس‪.[35:‬‬
‫حْلَيِة{ ]الزخرف‪ [18:‬أي‪ :‬تجعلون له من‬
‫شُأ ِفي اْل ِ‬
‫والمحذوف في مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك‪ ،‬كقوله‪َ} :‬أَوَمن ُيَن ّ‬
‫ينشأ في الحلية‪ ،‬ولبد من دليل على المحذوف‪ ،‬وقد يكون المحذوف مثل أن يقال‪ :‬أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه‬
‫شاء َوَيْهِدي َمن‬
‫ل َمن َي َ‬
‫ضّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫سًنا َفِإ ّ‬
‫حَ‬
‫عَمِلِه َفَرآهُ َ‬
‫سوُء َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫أو يعرض عن متابعته‪ ،‬أو يفتن أو يعذب‪ ،‬كما قال‪َ} :‬أَفَمن ُزّي َ‬
‫َيَشاء{ ]فاطر‪.[8 :‬‬
‫وقد قيل في هذه الية‪ :‬أن المحذوف‪َ } :‬أَفَمن ُزّيَن َلُه ُسوُء َعَمِلِه{ فرأى الباطل حًقا‪ ،‬والقبيح حسًنا‪ ،‬كمن هداه ال فرأي‬
‫ت{‬
‫سَرا ٍ‬
‫حَ‬
‫ك عليِهْم َ‬
‫سَ‬
‫ب َنْف ُ‬
‫ل َتْذَه ْ‬
‫حا والحسن حسًنا‪ ،‬وقيل‪ :‬جوابه تحت قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫ل والقبيح قبي ً‬
‫الحق حًقا والباطل باط ً‬
‫]فاطر‪ ،[ 8 :‬لكن يرد عليه أن يقال‪ :‬الستفهام ما معناه إل أن تقدر‪ .‬أي‪ :‬هذا تقدر أن تهديه‪ ،‬أو ربك؟ أو تقدر أن‬
‫شاء‬
‫ل َمن َي َ‬
‫ل ُيضِ ّ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل{ ]الفرقان‪ .[ 43:‬ولهذا قال‪َ} :‬فِإ ّ‬
‫ن عليه َوِكي ً‬
‫ت َتُكو ُ‬
‫خَذ ِإَلَهُه َهَواُه َأَفَأن َ‬
‫ن اّت َ‬
‫ت َم ِ‬
‫تجزيه كما قال‪َ} :‬أَرَأْي َ‬
‫ل على ِعْلٍم{ الية ]الجاثية‪ .[23:‬وعلى هذا‬
‫ضّلُه ا ُّ‬
‫خَذ ِإَلَهُه َهَواُه َوَأ َ‬
‫ن اّت َ‬
‫ت َم ِ‬
‫شاء{ ]فاطر‪ .[ 8 :‬وكما قال‪َ} :‬أَفَرَأْي َ‬
‫َوَيْهِدي َمن َي َ‬
‫يكون معناها كمعنى قوله‪َ} :‬أَفَمن َكاَن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َكَمن ُزّيَن َلُه ُسوُء َعَمِلِه{ ]محمد‪.[14 :‬‬
‫ب ُموَسى{ يذم ويخالف ويكذب ونحو‬
‫شاِهٌد ّمْنُه َوِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫ن على َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َوَيْتُلوُه َ‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فالمعنى هنا‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫ن على‬
‫ت ِإن َكا َ‬
‫ل ِإّني على َبّيَنٍة ّمن ّرّبي َوَكّذْبُتم ِبِه{ ]النعام‪ ،[ 57 :‬وحذف جواب ‪ /‬الشرط‪ ،‬وكقوله‪َ} :‬أَرَأْي َ‬
‫ذلك‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ب َوَتَوّلى{ ]العلق‪ 11 :‬ـ ‪.[13‬‬
‫ت ِإن َكّذ َ‬
‫اْلُهَدى َأْو َأَمَر ِبالّتْقَوى َأَرَأْي َ‬
‫فقد تبين أن معنى الية من أشرف المعاني وهذا هو الذي ينتفع به كل أحد‪ ،‬وأن الية ذكرت من كان على بينة من‬
‫ربه‪ ،‬من اليمان الذي شهد له القرآن‪ ،‬فصار على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية‬
‫والسمعية‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَأنَزْلَنا ِإَلْيُكْم ُنوًرا ّمِبيًنا{ ]النساء‪ ،[ 174 :‬فالنور المبين المنزل يتناول القرآن‪ .‬قال قتادة‪ :‬بينة من‬
‫ل عن غير‬
‫ربكم‪ ،‬وقال الّثْوِري‪ :‬هو النبي صلي ال عليه وسلم‪ ،‬وقال البغوي‪ :‬هذا قول المفسرين ولم أجده منقو ً‬
‫الثاني‪ ،‬ول ذكره ابن الجوزي عن غيره‪.‬‬
‫وذكر في البرهان ثلثة أقوال‪ :‬أحدها‪ :‬أنه الحجة‪ .‬والثاني‪ :‬أنه الرسول‪ .‬وذكر أنه القرآن عن قتادة‪ .‬والذي رواه ابن‬
‫أبي حاتم عن قتادة بالسناد الثابت أنه بينة من ال‪ ،‬والبينة والحجة تتناول آيات النبياء التي بعثوا بها‪ ،‬فكل ما دل‬
‫ك{ ]القصص‪ ،[32 :‬وقال لمن قال‪:‬‬
‫ن ِمن ّرّب َ‬
‫ك ُبْرَهاَنا ِ‬
‫على نبوة محمد صلي ال عليه وسلم فهو برهان‪ .‬قال تعالي‪َ} :‬فَذاِن َ‬
‫ل يدخل الجنة إل من كان هوًدا أو نصاري‪ ،‬قل‪ :‬هاتوا برهانكم‪.‬‬
‫ومحمد هو الصادق المصدوق‪ ،‬قد أقام ال على صدقه براهين كثيرة ‪/‬وصار محمد نفسه برهاًنا‪ .‬فأقام من البراهين‬
‫على صدقه؛ فدليل الدليل دليل‪ ،‬وبرهان البرهان برهان‪ ،‬وكل آية له برهان‪ ،‬والبرهان اسم جنس ل يراد به واحد‪،‬كما‬
‫صاِدِقيَن{]البقرة‪ ،111 :‬والنمل‪ ،[ 46 :‬ولو جاؤوا بعده ببراهين كانوا ممتثلين‪.‬‬
‫ل َهاُتوْا ُبْرَهاَنُكْم ِإن ُكنُتْم َ‬
‫في قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫والمقصود أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه‪ ،‬وهو بينة من ال‪ ،‬كما قال قتادة‪ ،‬وحجة من ال‪ ،‬كما قال‬
‫سدي‪ :‬المؤمن على تلك البينة‪ ،‬ويتلوه شاهد من ال وهو النور الذي أنزله مع البرهان‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫مجاهد وال ّ‬
‫فصــل‬
‫وأما من قال‪َ} :‬أَفَمن َكاَن َعَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ ]محمد‪ :[ 14 :‬إنه محمد صلي ال عليه وسلم‪ ،‬كما قاله طائفة من السلف‪،‬‬
‫فقد يريدون بذلك التمثيل ل التخصيص‪ ،‬فإن المفسرين كثيًرا ما يريدون ذلك‪ ،‬ومحمد هو أول من كان على بينة من‬
‫ربه‪ ،‬وتله شاهد منه‪ ،‬وكذلك النبياء‪ ،‬وهو أفضلهم وإمامهم‪ ،‬والمؤمنون تبع له‪ ،‬وبه صاروا على بينة من ربهم‪.‬‬

‫طّ‬
‫ن‬
‫حَب َ‬
‫ت َلَي ْ‬
‫شَرْك َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ك{ ]يونس‪َ} ،[94 :‬لِئ ْ‬
‫ك ّمّما َأنَزْلَنا ِإَلْي َ‬
‫شّ‬
‫ت ِفي َ‬
‫والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام‪ ،‬كقوله‪َ}:‬فِإن ُكن َ‬
‫ضّل َعَلى َنْفِسي{ ]سبأ‪ ،[50 :‬ونحو ذلك‪،‬‬
‫ت َفِإّنَما َأ ِ‬
‫ضَلْل ُ‬
‫ل ِإن َ‬
‫ب{ ]الشرح‪ُ} ، [7 :‬ق ْ‬
‫ص ْ‬
‫ت َفان َ‬
‫غ َ‬
‫ك{ ]الزمر‪َ}، [65 :‬فِإَذا َفَر ْ‬
‫عَمُل َ‬
‫َ‬

‫وذلك أن الصل فيما خوطب به النبي صلي ال عليه وسلم في كل ما أمر به ونهي عنه وأبيح له سار في حق أمته‬
‫كمشاركة أمته له في الحكام وغيرها‪ ،‬حتي يقوم دليل التخصيص‪ ،‬فما ثبت في حقه من الحكام ثبت في حق المة‬
‫طًرا َزّوْجَناَكَها{ الية‬
‫ضى َزْيٌد ّمْنَها َو َ‬
‫إذا لم يخصص‪ ،‬هذا مذهب السلف والفقهاء‪ ،‬ودلئل ذلك كثيرة كقوله‪َ} :‬فَلّما َق َ‬
‫ك ِمن ُدوِن اْلُمْؤِمِنيَن{ الية ]الحزاب‪.[50 :‬‬
‫صًة ّل َ‬
‫خاِل َ‬
‫]الحزاب‪ ،[ 37:‬ولما أباح له الموهوبة قال‪َ }:‬‬
‫فإذا كان هـذا مع كـون الصيغـة خاصـة فكيف تجعل الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟ ولفظ }ّّمن{‪ :‬أبلغ‬
‫طا أو استفهاًما‪ ،‬كقوله‪َ} :‬فَمن َيْعَمْل ِمْثَقاَل َذّرةٍ َخْيًرا َيَرُه َوَمن َيْعَمْل ِمْثَقاَل َذّرٍة َشّرا َيَره{{‬
‫صيغ العموم‪ ،‬لسيما إذا كانت شر ً‬
‫]الزلزلة‪ ،[8 ،7 :‬وقوله‪َ}:‬أَفَمن ُزّيَن َلُه ُسوُء َعَمِلِه َفَرآُه َحَسًنا{ ]فاطر‪،[8 :‬وقوله }َأَو َمن َكاَن َمْيًتا َفَأْحَيْيَناُه{ ]النعام‪،[122:‬‬
‫وقوله‪َ} :‬أَفَمن َكاَن َعَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َكَمن ُزّيَن َلُه ُسوُء َعَمِلِه{ ]محمد‪.[14:‬‬
‫ب َفالّناُر َمْوِعُدُه{ ]هود‪ ،[17 :‬وذكر بعد هذا‪:‬‬
‫حَزا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫ن ِبِه َوَمن َيْكُفْر ِبِه ِم َ‬
‫ك ُيْؤِمُنو َ‬
‫ضا‪ ،‬فقد ذكر بعد ذلك قوله‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫وأي ً‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ إشارة إلى جماعة‪ ،‬ولم يقدم قبل‬
‫ن{ ]هود‪ ،[ 24:‬وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين‪ ،‬وقوله‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫ل اْلَفِريَقْي ِ‬
‫}َمَث ُ‬
‫را إليه إل }من{‪ ،‬والضمير يعود تارة إلى لفظ‪} :‬من{ ‪ ،‬وتارة إلى معناها‪ ،‬كقوله‪َ}:‬وِمْنُهم‬
‫هذا ما يصلح أن يكون مشا ً‬
‫ت ِمن َذَكٍر َأْو ُأن َ {‬
‫ثى{‬
‫حا َ‬
‫صاِل َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫ك{ ]يونس‪َ}،[42 :‬وَمن َيْعَم ْ‬
‫ن ِإَلْي َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ك{ ]النعام‪َ} ،[25:‬وِمْنُهم ّمن َي ْ‬
‫سَتمُِع ِإَلْي َ‬
‫ّمن َي ْ‬
‫طّيَبًة{ الية ]النحل‪.[97 :‬‬
‫حَياًة َ‬
‫حِيَيّنُه َ‬
‫ن َفَلُن ْ‬
‫حا ّمن َذَكٍر َأْو ُأنَثى َوُهَو ُمْؤِم ٌ‬
‫صاِل ً‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫ن َ‬
‫]النساء‪َ} ،[124 :‬م ْ‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ ]هود‪ :[ 17:‬دليل على أن الذي على بينة‬
‫وأما الشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير‪ ،‬فقوله‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن‬
‫ن َ‬
‫من ربه كثيرون ل واحد‪ ،‬قال ابن أبي حاتم‪ :‬ثنا عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫ّرّبِه{ ‪ .‬قال‪ :‬المؤمن على بينة من ربه‪ ،‬وهذا الذي قاله الحسن البصري هو الصواب‪ ،‬والرسول هو أول المؤمنين‪ ،‬كما‬
‫ت َأْن َأُكوَن ِمَن اْلُمْؤِمِنيَن{ ]يونس‪.[104 :‬‬
‫قال‪}:‬وَُأِمْر ُ‬
‫ج‪ ،‬ثنا أبو أسامة‪ ،‬عن عوف‪ ،‬عن سليمان‬
‫شّ‬
‫ومـن قـال‪ :‬إن الشاهـد مـن ال هو محمـد كما رواه ابن أبي حاتم‪ ،‬ثنا ال َ‬
‫شاِهٌد{ يعني‪ :‬محمًدا شاهًدا من ال‪ ،‬فهنا معنى كونه شاهًدا من ال هو معنى‬
‫الفلني‪ ،‬عن الحسين بن علي‪َ} :‬وَيْتُلوُه َ‬
‫كونه رسول ال‪ ،‬وهو يشهد المؤمنين بأنهم على حق‪ ،‬وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول ال فشهادته لنفسه معلومة‪ ،‬قد‬
‫علم أنه صادق فيها بالبراهين الدالة على نبوته‪،‬وأما شهادته للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما َبَلَغه من القرآن‪،‬‬
‫ويخبر به عن‪ /‬ربه‪،‬فهو إذا شهد كان شاهًدا من ال‪.‬‬
‫عَلى َهـُؤلء‬
‫ك َ‬
‫جْئَنا ِب َ‬
‫شِهيٍد َو ِ‬
‫ل أّمٍة ِب َ‬
‫جْئَنا ِمن ُك ّ‬
‫ف ِإَذا ِ‬
‫وأما شهادته عليهم باليمان والتصديق وغير ذلك‪ ،‬فكما في قوله‪َ} :‬فَكْي َ‬
‫َشِهيًدا{ ]النساء‪َ} ،[41 :‬وَيُكوَن الّرُسوُل َعَلْيُكْم َشِهيًدا{ ]البقرة‪ ،[ 143 :‬لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة القرآن‪ ،‬فإن‬

‫المؤمن متبع للقرآن‪ ،‬ومحمد شاهد من ال يتلوه كما تله جبريل‪.‬‬
‫ومن قال‪:‬إن الشاهد لسان محمد فهو إنما أراد بهذا القول التلوة أي‪:‬أن لسان محمد يقرأ القرآن‪،‬وهو شاهد منه أي من‬
‫نفسه فإن لسانه جزء منه‪،‬وهذا القول ونحوه ضعيف‪ ،‬وال أعلم‪.‬هذا إن ثبت ذلك عمن نقل عنه‪،‬فإن هذا وضده ينقلن‬
‫عن على بن أبي طالب‪.‬‬
‫جّهال الشيعة ظنوا أن عليا هو الشاهد منه‪ ،‬أي من النبي صلي ال عليه وسلم‪ ،‬كما قال له‪) :‬أنت‬
‫وذلك أن طائفة من ُ‬
‫مني وأنا منك(‪.‬‬
‫ب‪) :‬هذا‬
‫جَليِبي ِ‬
‫ضا ـ فقد ثبت في الصحيحين أنه قال‪) :‬الشعريون هم مني وأنا منهم(‪ ،‬وقال عن ُ‬
‫وهذا قاله لغيره ـ أي ً‬
‫مني وأنا منه(‪ ،‬وكل ‪ /‬مؤمن هو من النبي صلي ال عليه وسلم‪ ،‬كما قال الخليل‪َ} :‬فَمن َتِبَعِني َفِإّنُه ِمّني{ ]إبراهيم‪،[36 :‬‬
‫طَعْمُه َفِإّنُه ِمّني{ ]البقرة‪ ،[ 249 :‬ورووا هذا القول عن على نفسه‪ ،‬وروي عنه بإسناد أجود منه أنه‬
‫وقال‪َ} :‬وَمن ّلْم َي ْ‬
‫حان‪ ،‬ثنا إسحاق ابن منصور‪ ،‬ثنا سفيان‪ ،‬عن‬
‫قال‪ :‬كذب من قال هذا‪ ،‬قال ابن أبي حاتم‪ :‬ذكر عن حسين بن زيد الطّ ّ‬
‫ل‪ ،‬عن عّباد بن عبد ال قال‪ :‬قال علي‪ :‬ما من قريش أحد إل نزلت فيه آية‪ ،‬قيل‪ :‬فما أنزل فيك؟‬
‫العمش‪ ،‬عن الِمْنَها ِ‬
‫شاِهٌد{ وهذا كذب على على قطًعا‪ .‬وإن ثبت النقل عن عباد هذا‪ ،‬فإن له منكرات عنه‪ ،‬كقوله‪ :‬أنا‬
‫قال‪َ} :‬وَيْتُلوُه َ‬
‫الصديق الكبر‪ ،‬أسلمت قبل الناس بسبع سنين‪.‬‬

‫شَواص‪ ،‬ثنا‬
‫وقد رووا عن على ما يعارض ذلك‪ ،‬قال ابن أبي حاتم‪ ،‬ثنا أبي‪ ،‬ثنا عمرو بن على الَباِهِلي‪ ،‬ثنا محمد بن ِ‬
‫رَوة‪ ،‬عن محمد ابن على ـ يعني ابن الحنفـية ـ قال‪ :‬قلت لبي‪:‬يا أبة }َوَيْتُلوُه‬
‫عْ‬
‫عُروَبة‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن ُ‬
‫سعيد بن أبي َ‬
‫َشاِهٌد ّمْنُه{ ‪ :‬إن الناس يقولون‪ :‬إنك أنت هو‪ ،‬قال‪ :‬وددت لو أني أنا هو‪ .‬ولكنه لسانه‪ .‬قال ابن أبي حاتم‪ :‬وروي عن‬
‫الحسن وقتادة نحو ذلك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد تقدم عن الحسين ابنه أن )الشاهد منه(‪ :‬هو محمد صلي ال عليه وسلم‪ ،‬وإنما تكلم علماء أهل البيت في أنه‬
‫محمد رًدا على من قال من الجهلة‪ :‬إنه علي؛ فإن هذه السورة نزلت بمكة‪ ،‬وعلى كان ‪ /‬إذ ذاك صغيًرا لم يبلغ‪ .‬وكان‬
‫ممن اتبع الرسول ولو كان ابن رسول ال ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع‪ .‬ل عند المسلمين ول عند الكفار‪ ،‬بل مثل‬
‫هذه الشهادة فيها تهمة القرابة‪.‬‬
‫ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده ل تقبل‪ ،‬فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد صلي‬
‫ب{ ]الرعد‪ ،[43:‬أنه علي‪ ،‬وهم مع كذبهم‬
‫عْلُم اْلِكَتا ِ‬
‫عنَدُه ِ‬
‫ن ِ‬
‫ال عليه وسلم مؤكًدا لها؟ ولذلك قالوا في قوله تعالي‪َ} :‬وَم ْ‬
‫هم أجهل الناس‪ ،‬فإنهم نسبوا ال والرسول إلى الحتجاج بما ل يحتج به إل جاهل‪ ،‬فأرادوا تعظيم علي‪ ،‬فنسبوا ال‬
‫والرسول إلى الجهل‪ ،‬وعلى إنما فضيلته باتباعه للرسول‪ ،‬فإذا قدح في الصل بطل الفرع‪.‬‬
‫وأما قول من قال من المفسرين‪ :‬إن )الشاهد(‪ :‬جبريل ـ عليه السلم ـ فقد روي ذلك عكرمة عن ابن عباس‪ ،‬ذكره ابن‬
‫حاك‪،‬‬
‫ضّ‬
‫عْكِرَمة‪ ،‬وال ّ‬
‫أبي حاتم عنه‪ ،‬وعن أبي العالية‪ ،‬وأبي صالح‪ ،‬ومجاهد في إحدي الروايات عنه‪ ،‬وإبراهيم‪ ،‬و ِ‬
‫سِاني نحو ذلك‪ .‬وهؤلء جعلوا }َوَيْتُلوُه{ ‪ :‬بمعني‪ :‬يقرأه‪ ،‬أي‪ :‬ويتلو القرآن الذي هو البينة‪ ،‬شاهد من ال‬
‫خَرا َ‬
‫وعطاء ال ُ‬
‫هو‪ ،‬وقيل‪ :‬بل معنى قولهم‪ :‬إن القرآن يتلوه جبريل هو شاهد محمد صلي ال عليه وسلم‪ ،‬أي‪ :‬الذي يتلوه جاء من عند‬
‫ال‪.‬‬
‫وقد تقدم بيان ضعف هذا القول‪ ،‬فإن كل من فسر يتلوه ‪ /‬بمعنى يقرؤه‪ ،‬جعل الضمير فيه عائًدا إلى القرآن‪ ،‬وجعل‬
‫الشاهد غير القرآن‪.‬‬
‫والقرآن لم يتقدم له ذكر‪،‬إنما قال‪َ}:‬أَفَمن َكاَن َعَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ ]محمد‪ [ 14:‬والبينة ل يجوز أن يكون تفسيرها بحفظ‬
‫القرآن‪ ،‬فإن المؤمنين كلهم على بينة من ربهم وإن لم يحفظوا القرآن‪،‬بخلف البصيرة في الدين‪،‬فإنه من لم يكن على‬
‫بصيرة من ربه لم يكن مؤمًنا حًقا‪،‬بل من القائلين ـ لمنكر ونكير ـ‪ :‬آه آه ل أدري‪ ،‬سمعت الناس يقولون شيًئا فقلته‪.‬‬
‫والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه‪ ،‬فهو على هدي ونور وبصيرة‪ ،‬سواء حفظ القرآن أو لم يحفظه‪ ،‬وإن‬
‫أريد اتباع القرآن فهو اليمان‪ ،‬وأكثر القرآن لم يكن نزل حين نزول هذه الية‪ ،‬وقد تقدم إنما يختص به جبريل‬
‫ومحمد‪ ،‬فهو تبليغ الرسالة عن ال وصدقهما في ذلك‪.‬‬
‫وأما كون رسالة ال حًقا فهذا هو المشهود به من كل رسول‪ ،‬وهما ل يختصان بذلك بل يؤمنان به كما يؤمن بذلك كل‬
‫ملك وكل مؤمن‪ ،‬وشهادتهما بأن النبي والمؤمنين على حق من هذا الوجه الثاني المشترك‪ ،‬ولو قال‪ :‬ويبلغه وينزل به‬
‫س{ ]النحل‪َ} ،[102:‬نَزَل ِبِه الّروُح اَْلِميُن{ ]الشعراء‪:‬‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫ل َنّزَلُه ُرو ُ‬
‫رسول من ال لكان ما قالوه متوجًها‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل{ ]البقرة‪ .[ 97 :‬أما كونه شاهًدا يقرؤه فهذا ل نظير له في القرآن‪.‬‬
‫نا ّ‬
‫ك ِبِإْذ ِ‬
‫عَلى َقْلِب َ‬
‫‪َ} ،[139‬فِإّنُه َنّزَلُه َ‬
‫ضا‪ ،‬فالشاهد الذي هو من ال هو الكلم‪ ،‬فإن الكلم نزل منه كما يعلمون أنه منزل من ربك بالحق‪ ،‬ويقال في‬
‫وأي ً‬
‫الرسول‪ :‬إنه منه‪ ،‬كما قال‪ :‬رسول من ال‪ ،‬ويَقال في الشخص‪ :‬الشاهد‪ ،‬فيقال فيه‪ :‬هو من شهداء ال‪ ،‬وإما كونه يقال‬
‫فيه‪ :‬شاهد من ال إنها برهان من ال‪ ،‬وآيات من ال في اليات التي يخلقها ال تصديًقا لرسوله‪ :‬فهذا يحتاج استعماله‬
‫إلى شاهد‪.‬‬
‫سر بلغته المعروفة فيه‪ ،‬إذا وجـــدت ل يعدل عن لغته‬
‫والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة في القرآن‪ ،‬فإنها ُتَف ّ‬
‫ل{ ]القصص‪:‬‬
‫ن ا َّ‬
‫المعروفة مع وجودها‪ ،‬وإنما يحتاج إلى غير لغته في لفظ لم يوجد له نظير في القرآن‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وْيَكَأ ّ‬
‫ضيَزى{ ]النجم‪:‬‬
‫سَمٌة ِ‬
‫سا ِدَهاًقا{ ]النبأ‪َ} ،[34:‬وَفاِكَهًة َوَأّبا{ ]عبس‪ ،[31:‬و }ِق ْ‬
‫ص{ ]ص‪َ} ،[3 :‬وَكْأ ً‬
‫ن َمَنا ٍ‬
‫حي َ‬
‫ت ِ‬
‫ل َ‬
‫‪َ} ،[82‬و َ‬
‫‪ ،[ 22‬ونحو ذلك من اللفاظ الغريبة في القرآن‪ .‬والذين قالوا هذه القوال‪ ،‬إنما أتوا من جهة قوله‪َ} :‬وَيْتُلوُه{ فظنوا أن‬
‫تلوته هي قراءته‪ ،‬ولم يتقدم للقرآن ذكر‪ ،‬ثم جعل هذا يقول‪ :‬جبريل تله‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬محمد‪ ،‬وهذا يقول‪ :‬لسانه‪.‬‬

‫والتلوة قد وجدت في القرآن واللغة المشهورة بمعنى التباع‪ .‬وكثير من المفسرين ل يذكر في هذه الية القول‬
‫الصحيح‪ ،‬فيبقي الناظر الفطن حائًرا ‪ / ،‬ولم يذكر في الذي على َبينِة من ربه إل أنه الرسول‪ ،‬ويذكر في الشاهد عدة‬
‫أقوال‪.‬‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن{ أولئك أصحاب محمد‪.‬‬
‫ثم من العجب أنه يقول‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫ن ِبِه{‬
‫وقيل‪ :‬المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب‪،‬وهو على ما فسره لم يتقدم لهم ذكر‪ ،‬فكيف يشار إليهم بقوله‪ُ}:‬يْؤِمُنو َ‬
‫وأبو الفرج ذكر قول‪:‬أنهم المسلمون‪،‬ولم يذكر أن الية تعم النبي والمؤمنين‪،‬ولما ذكر قول من قال‪ :‬إنهم المسلمون‬
‫قال‪ :‬وهذا يخرج على قول الضحاك في البينة أنها رسول ال‪.‬‬
‫وقد ذكر في )البينة( أربعة أقوال‪ :‬أنها الدين‪ ،‬ذكره أبو صالح عن ابن عباس‪ .‬وأنها رسول ال‪ ،‬قاله الضحاك‪ .‬وأنها‬
‫القرآن‪ ،‬قاله ابن زيد‪ .‬وأنها البيان‪ ،‬قاله ُمَقاِتل‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬فإن قلنا‪ :‬المراد‪ :‬من كان على بينة من ربه‪ :‬المسلمون‪ ،‬فالمعني‪ :‬أنهم يتبعون الرسول وهو البينة‪ ،‬ويتبع هذا‬
‫النبي شاهد منه يصدقه‪ ،‬والمسلمون إذا كانوا على بينة فهي اليمان بالرسول‪ ،‬ليست البينة ذات الرسول‪ ،‬والرسول‬
‫ليس هو مذكوًرا في كلمه‪ ،‬فقوله‪َ} :‬وَيْتُلوُه{ لبد أن يعود إلي}ٌَمًنه { لكن إعادته إلى البينة أولي‪.‬‬
‫‪/‬وفسر البينة بالرسول‪ ،‬وجعل الشاهد يشهد له بصدقه‪ .‬ثم الشاهد جبريل أو غيره‪ ،‬فلو قال‪ :‬الشاهد هو القرآن يشهد‬
‫للمؤمنين‪ ،‬فإنه يتبعهم كما يتبعونه كان قد ذكر الصواب‪.‬‬
‫وهو قد ذكر أقوالً كثيرة لم يذكرها غيره‪ ،‬وذكر في يْتُلوه قولين‪ :‬أحدهما‪ :‬يتبعه‪ .‬والثاني‪ :‬يقرؤه‪ ،‬وهما قولن‬
‫مشهوران‪.‬‬
‫وذكر في )هـ( يتلوه قولين‪ :‬أنها ترجع إلى النبي‪ .‬والثاني‪ :‬أنها ترجع إلى القرآن‪.‬‬
‫والتحقيق‪ ،‬أنها ترجع إلى )من(‪ ،‬أو ترجع إلى البينة‪ ،‬والبينة يراد بها القرآن‪ ،‬فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن‪،‬‬
‫صا بالنبي صلي ال عليه وسلم ـ وهو القول الذي تقدم بيان فساده ـ عاد‬
‫وإذا رجع الضمير إلى )من(‪ ،‬فإن جعل مخت ً‬
‫الضمير إلى البينة‪ ،‬وإن كانت )من( تتناول كل من كان على بينة من ربه من المؤمنين ـ ورسول ال أولي المؤمنين ـ‬
‫تناول الجميع‪.‬‬
‫ومما يوضح ذلك‪ ،‬أن رسول ال جاء بالرسالة من ال‪ ،‬وهذا يختص به‪ ،‬وتصديق هذه الرسالة واليمان بها واجب‬
‫على الثقلين‪ ،‬والرسول هو أول من يجب عليه اليمان بهذه الرسالة التي أرسله ال ‪ /‬بها؛ ولهذا قال في سورة يونس‪:‬‬
‫ن ِم َ‬
‫ن‬
‫ن َأُكو َ‬
‫ت َأ ْ‬
‫ل اّلِذي َيَتَوّفاُكْم َوُأِمْر ُ‬
‫عُبُد ا ّ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َوَلـِك ْ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫ن َتْعُبُدو َ‬
‫عُبُد اّلِذي َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ك ّمن ِديِني َف َ‬
‫شّ‬
‫س ِإن ُكنُتْم ِفي َ‬
‫ل َيا َأّيَها الّنا ُ‬
‫}ُق ْ‬
‫ت َأْن َأُكوَن َأّوَل َمْن َأْسَلَم{ ]النعام‪ ،[ 14:‬إلى غير ذلك من اليات‪.‬‬
‫ي ُأِمْر ُ‬
‫ل ِإّن َ‬
‫ن{ ]يونس‪ ،[104:‬وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫اْلُمْؤِمِني َ‬

‫فهو صلى ال عليه وسلم يتعلق به أمران عظيمان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن ال‪ ،‬وهذا مختص به‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬تصديقه فيما جاء به‪ ،‬وأن ما جاء به من عند ال حق يجب اتباعه‪ ،‬وهذا يجب عليه وعلى كل أحد‪ ،‬فإنه قد‬
‫يوجد فيمن يرسله المخلوق من يصدق في رسالته‪ ،‬لكنه ل يتبعها‪ ،‬إما لطعنه في المرسل‪ ،‬وإما لكونه يعصه‪ ،‬وإن كان‬
‫سل بحق‪ ،‬فالملوك كثيًرا ما يرسلون رسولً بكتب وغيرها يبلغ الرسل رسالتهم‪ ،‬فيصدقون بها‪.‬ثم قد يكون‬
‫قد ُأْر ِ‬
‫الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره من المرسل إليهم؛ ولهذا ظن طائفة ـ منهم القاضي أبو بكر ـ أن مجرد كونه‬
‫ل ل ل يستلزم المدح‪ ،‬ثم قال‪:‬إن هذا قد يقال فيمن قبل الرسالة وبلغها‪ ،‬وفيمن لم يقبل‪،‬لكن هذا غلط‪ ،‬فإن ال ل‬
‫رسو ً‬
‫ل إل وقد اصطفاه‪َ ،‬فيَبّلغ رسالت ربه‪ .‬ورسل ال ‪/‬هم أطوع الخلق ل وأعظم إيماًنا بما بعثوا به‪،‬بخلف‬
‫يرسل رسو ً‬
‫المخلوق فإنه يرسل من يكذب عليه‪ ،‬ومن يعصيه‪ ،‬ومن ل يعتقد وجوب طاعته والخالق منزه عن ذلك‪.‬‬

‫لكن هؤلء الذين قالوا هذا‪ ،‬يجوزون على الرب أن يرسل كل أحد بكل شيء‪ ،‬ليس في العقل عندهم ما يمنع ذلك‪،‬‬
‫ل‪ ،‬كما قد‬
‫وإنما ينزهون الرسل عما أجمع المسلمون على تنزيههم عنه عندهم‪ ،‬مما ثبت بالسمع ل من جهة كونه رسو ً‬
‫ُبسط هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وبين أن هذا الصل خطأ‪.‬‬
‫سى ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ن ِلُمو َ‬
‫ولما كان هو صلي ال عليه وسلم يتعلق به المران‪ :‬في الول‪ :‬يقال‪ :‬آمنت له‪ ،‬كما قال تعالي‪َ} :‬فَما آَم َ‬
‫ت ِبُمْؤِمٍن ّلَنا{ ]يوسف‪.[17 :‬‬
‫ن{ ]التوبة‪َ} ،[61:‬وَما َأن َ‬
‫ن ِلْلُمْؤِمِني َ‬
‫ل َوُيْؤِم ُ‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ُذّرّيٌة ّمن َقْوِمِه{ ]يونس‪ ،[83 :‬وقوله‪ُ} :‬يْؤِم ُ‬

‫ل‪ :‬ما يثبت‬
‫وفي الثاني‪ :‬يقال‪ :‬آمنت بال‪ ،‬فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما جاء به‪ ،‬وال ـ تعإلى ـ ذكر هذين‪ .‬فذكر أو ً‬
‫سَوٍر ّمْثِلِه ُمْفَتَرَيا ٍ‬
‫ت‬
‫شِر ُ‬
‫ل َفْأُتوْا ِبَع ْ‬
‫ن اْفَتَراُه ُق ْ‬
‫نبوته وصدقه بقوله‪َ}:‬أْم َيُقوُلو َ‬
‫ل ُهَو{‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َوَأن ّ‬
‫ل ِبِعْلِم ا ّ‬
‫عَلُموْا َأّنَما ُأنِز ِ‬
‫جيُبوْا َلُكْم َفا ْ‬
‫سَت ِ‬
‫ن َفِإن ّلْم َي ْ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ل ِإن ُكنُتْم َ‬
‫نا ّ‬
‫طْعُتم ّمن ُدو ِ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫عوْا َم ِ‬
‫َواْد ُ‬
‫]هود‪ ،[ 14 ،13:‬كما تقدم التنبيه على ذلك‪.‬‬
‫‪/‬ولما كان الذي يمنع النسان من اتباع الرسول شيئان‪ :‬إما الجهل‪ ،‬وإما فساد القصد‪َ ،‬ذَكَر ما يزيل الجهل‪ ،‬وهو‬
‫عَماَلُهْم ِفيَها َوُهْم‬
‫ف ِإَلْيِهْم َأ ْ‬
‫حَياَة الّدْنَيا َوِزيَنَتَها ُنَو ّ‬
‫ن ُيِريُد اْل َ‬
‫ر أهل فساد القصد بقوله‪َ} :‬من َكا َ‬
‫اليات الدالة على صدقه‪ ،‬ثم َذَك َ‬
‫طٌل ّما َكاُنوْا َيْعَمُلوَن{ ]هود‪،[16 ،15 :‬‬
‫صَنُعوْا ِفيَها َوَبا ِ‬
‫ط َما َ‬
‫حِب َ‬
‫ل الّناُر َو َ‬
‫خَرِة ِإ ّ‬
‫س َلُهْم ِفي ال ِ‬
‫ن َلْي َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ن ُأْوَلـِئ َ‬
‫سو َ‬
‫خُ‬
‫ل ُيْب َ‬
‫ِفيَها َ‬
‫فهؤلء أهل فساد القصد‪.‬‬
‫فهذان المران هما المانعان للخلق من اتباع هذا الرسول‪ ،‬كما أنه في البقرة ذكر ما يوجب العلم وحسن القصد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن{ ‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬فِإن ّلْم‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ن ُكْنُتْم َ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫نا ّ‬
‫شَهَداءُكم ّمن ُدو ِ‬
‫عوْا ُ‬
‫سوَرٍة ّمن ّمْثِلِه َواْد ُ‬
‫عْبِدَنا َفْأُتوْا ِب ُ‬
‫عَلى َ‬
‫ب ّمّما َنّزْلَنا َ‬
‫}َوِإن ُكنُتْم ِفي َرْي ٍ‬
‫ت ِلْلَكاِفِريَن{ ]البقرة‪.[24 ،23 :‬‬
‫عّد ْ‬
‫جاَرُة ُأ ِ‬
‫حَ‬
‫س َواْل ِ‬
‫َتْفَعُلوْا وََلن َتْفَعُلوْا َفاّتُقوْا الّناَر اّلِتي َوُقوُدَها الّنا ُ‬
‫فلما أثبت هذين الصلين‪،‬أخذ بعد هذا في بيان اليمان به‪،‬وحال من آمن ومن كفر‪ ،‬فقال‪َ} :‬أَفَمن َكاَن َعَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{{‬
‫عَلى‬
‫ن َكَذُبوْا َ‬
‫شَهاُد َهـُؤلء اّلِذي َ‬
‫لْ‬
‫لا َ‬
‫عَلى َرّبِهْم َوَيُقو ُ‬
‫ن َ‬
‫ضو َ‬
‫ك ُيْعَر ُ‬
‫ل َكِذًبا ُأْوَلـِئ َ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن اْفَتَرى َ‬
‫ظَلُم ِمّم ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫الية ]هود‪ .[ 17:‬ثم قال‪َ}:‬وَم ْ‬
‫ل صادًقا‪،‬‬
‫ب على ال بادعاء الرسالة كاذًبا‪،‬ويتناول كل من َكّذبَ رسو ً‬
‫َرّبِهْم{ ]هود‪،[ 18:‬وهذا يتناول كل كافر ممن َكَذ َ‬
‫ب على ال‪ ،‬وهذا إنما يقع ممن فسد‪/‬قصده بحب الدنيا وإرادتها‪،‬وممن‬
‫فقال‪:‬إن ال لم يرسل هذا‪،‬ولم يأمر بهذا‪،‬فَكَذ َ‬
‫أحب الرئاسة وأراد العلو في الرض من أهل الجهل‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلي ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن ال يدني المؤمن منه يوم القيامة حتي يلقي‬
‫عليه كنفه‪ ،‬ويقول‪ :‬فعلت يوم كذا كذا وكذا‪ ،‬ويوم كذا كذا وكذا‪ ،‬فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا‬
‫أغفرها لك اليوم‪ ،‬ثم يعطي كتاب حسناته بيمينه(‪.‬‬
‫ظاِلِميَن{ ]هود‪ ،[18 :‬ثم ذكر ـ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫ل َ‬
‫ل َلْعَنُة ا ّ‬
‫عَلى َرّبِهْم َأ َ‬
‫ن َكَذُبوْا َ‬
‫شَهاُد َهـُؤلء اّلِذي َ‬
‫لْ‬
‫لا َ‬
‫وأما الكفار والمنافقون‪ ،‬فـ }َوَيُقو ُ‬
‫تعإلى ـ الذين آمنوا وعملوا الصالحات‪ ،‬ثم ذكر مثل الفريقين‪ ،‬فمن تدبر القرآن‪ ،‬وتدبر ما قبل الية وما بعدها‪،‬‬
‫وعرف مقصود القرآن؛ تبين له المراد‪ ،‬وعرف الهدي والرسالة‪ ،‬وعرف السداد من النحراف والعوجاج‪.‬‬
‫وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه‪ ،‬فهذا منشأ الغلط من الغالطين؛ ل سيما كثير ممن‬
‫طا من المفسرين المشهورين‪ ،‬فإنهم ل يقصدون معرفة معناه‪ ،‬كما‬
‫يتكلم فيه بالحتمالت اللغوية‪ .‬فإن هؤلء أكثر غل ً‬
‫يقصد ذلك المفسرون‪.‬‬
‫طا من هؤلء وهؤلء من ل يكون قصده معرفة مراد ال‪ / ،‬بل قصده تأويل الية بما يدفع خصمه عن‬
‫وأعظم غل ً‬
‫الحتجاج بها‪ ،‬وهؤلء يقعون في أنواع من التحريف ‪ ،‬ولهذا جوز من جّوز منهم أن تتأول الية بخلف تأويل‬
‫السلف‪ ،‬وقالوا‪ :‬إذا اختلف الناس في تأويل الية على قولين‪ ،‬جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث‪ ،‬بخلف ما إذا اختلفوا‬
‫في الحكام على قولين‪ ،‬وهذا خطأ‪ ،‬فإنهم إذا أجمعوا على أن المراد بالية إما هذا ‪ ،‬وإما هذا‪ ،‬كان القول بأن المراد‬
‫غير هذين القولين خلًفا لجماعهم‪ ،‬ولكن هذه طريق من يقصد الدفع ل يقصد معرفة المراد‪ ،‬وإل فكيف يجوز أن‬
‫تضل المة عن فهم القرآن‪ ،‬ويفهمون منه كلهم غير المراد‪] ،‬ويأتي[ متأخرون يفهمون المراد‪ ،‬فهذا هذا‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫فصــل‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبي{ ]النعام‪ ،[57 :‬وقوله‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫ن‬
‫ل ِإّني َ‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه{ ـ كما تقدم هو ـ كقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ن َ‬
‫وقوله‪َ} :‬أَفَمن َكا َ‬
‫عَلى ُنوٍر‬
‫سلَِم َفُهَو َ‬
‫لْ‬
‫صْدَرُه ِل ِْ‬
‫ل َ‬
‫ح ا ُّ‬
‫شَر َ‬
‫عَمِلِه َواّتَبُعوا َأْهَواءُهْم{ ]محمد‪،[14:‬وقوله‪َ} :‬أَفَمن َ‬
‫سوُء َ‬
‫ن َلُه ُ‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َكَمن ُزّي َ‬
‫َ‬
‫ك َعَلى ُهًدى ّمن ّرّبِهْم{ ]البقرة‪.[5 :‬‬
‫ّمن ّرّبه{ ]الزمر‪ ،[22 :‬وقوله‪ُ}:‬أْوَلـِئ َ‬

‫‪ /‬فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من ال‪ ،‬فاجتمع في هذا اللفظ حرف الستعلء‪ ،‬وحرف )من( لبتداء‬
‫الغاية‪ ،‬وما يستعمل فيه حرف ابتداء الغاية فيقال‪ :‬هو من ال على نوعين‪ ،‬فإنه إما أن يكون من الصفات التي ل تقوم‬
‫بنـفسها‪ ،‬ول بمخلوق‪ ،‬فهذا يكون صفة له‪ ،‬وما كان عيًنا قائمة بنفسها‪ ،‬أو بمخلوق فهي مخلوقة‪.‬‬
‫ك{ ]النعام‪،[114:‬كما قال السلف‬
‫ل ّمن ّرّب َ‬
‫ن َأّنُه ُمَنّز ٌ‬
‫ل ِمّني{ ]السجدة‪ ،[13:‬وقوله‪َ}:‬يْعَلُمو َ‬
‫ق اْلَقْو ُ‬
‫حّ‬
‫ن َ‬
‫فالول‪ :‬كقوله‪َ} :‬وَلِك ْ‬
‫‪:‬القرآن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬منه بدأ وإليه يعود‪.‬‬
‫جِميًعا ّمْنُه{ ]الجاثية‪ ،[13 :‬وقوله‪َ} :‬وَما ِبُكم ّمن ّنْعَمةٍ‬
‫ض َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫خَر َلُكم ّما ِفي ال ّ‬
‫سّ‬
‫والنـوع الثاني‪ :‬كقـولـه‪َ} :‬و َ‬
‫ل{ ]النساء‪ ،[ 79 :‬وكما يقال‪ :‬إلهام الخير وإيحاؤه من ال‪ ،‬وإلهام‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫ل{ ]النحل‪ ،[53 :‬و }ّما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫َفِم َ‬

‫الشر وإيحاؤه من الشيطان‪ ،‬والوسوسة من الشيطان‪ ،‬فهذا نوعان‪:‬‬
‫تارة يضاف باعتبار السبب‪ ،‬وتارة باعتبار العاقبة والغاية‪ .‬فالحسنات‪ :‬هي النعم‪ ،‬والسيئات‪ :‬هي المصائب كلها من‬
‫ل‪ ،‬وهـذه عقـوبة ذنب مـن نفس العـبد‪،‬‬
‫عند ال‪ ،‬لكن تلك الحسنات أنعم ال بها على العبد‪ ،‬فهي منـه‪ ،‬إحساًنا وتفضـ ً‬
‫فهي مـن نفسه باعتبار أن عمله السيئ كان ‪ /‬سببها‪ ،‬وهي عقوبة له؛ لن النفس أرادت تلك الذنوب ووسوست بها‪.‬‬
‫وتـارة يقال باعتبار حسنات العمـل وسيئاته‪،‬وما يلقي في القلب من التصورات والرادات‪ ،‬فيقال للحق‪ :‬هو من ال‬
‫ضا؛ لنها إرادته‪ ،‬كما قال عمر وابن عمر‬
‫ألهمه العبد‪ .‬ويقال للباطل‪ :‬إنه من الشيطان وسوس به‪ ،‬ومن النفس ـ أي ً‬
‫وابن مسعود ـ فيما قالوه باجتهادهم ـ‪ :‬إن يكن صواًبا فمن ال‪ ،‬وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان‪ ،‬وال ورسوله بريئان‬
‫منه‪.‬‬
‫وهذا لفظ ابن مسعود ـ في حديث بروع بنت واشق‪ ،‬قال ـ ‪ :‬إن يكن صواًبا فمن ال‪ ،‬وإن يكن خطأ فمني ومن‬
‫الشيطان ؛ لنه حكم بحكم‪ .‬فإن كان موافًقا لحكم ال فهو من ال؛ لنه موافق لعلمه وحكمه‪ ،‬فهو منه باعتبار أنه ـ‬
‫سبحانه ـ ألهمه عبده لم يحصل بتوسط الشيطان والنفس‪ ،‬وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به‪ ،‬والنفس أرادته‬
‫ووسوست به‪ ،‬وإن كان ذلك مخلوًقا فيه‪ ،‬وال خلقه فيه‪ ،‬لكن ال لم يحكم به‪ ،‬وإن لم يكن ما وقع لي من إلهام المَلك‬
‫كما قال ابن مسعود ‪ :‬إن للملك بقلب ابن آدم لمة ‪ ،‬وللشيطان لمة؛ فَلّمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق‪ ،‬ولمة‬
‫الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق فالتصديق من باب الخبر واليعاد بالخبر‪ ،‬والشر من باب الطلب والرادة ‪ .‬قال‬
‫ل َواِسٌع َعِليٌم{ ]البقرة‪.[268 :‬‬
‫ل َوا ّ‬
‫ضً‬
‫ل َيِعُدُكم ّمْغِفَرًة ّمْنُه َوَف ْ‬
‫شاء َوا ّ‬
‫حَ‬
‫ن َيِعُدُكُم اْلَفْقَر َوَيْأُمُرُكم ِباْلَف ْ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫تعالي‪} :‬ال ّ‬
‫فهذه حسنات العمل من ال ـ عز وجل ـ بهذين العتبارين‪:‬‬
‫ضا ـ من‬
‫أحدهما‪ :‬أنه يأمر بها ويحبها‪ ،‬وإذا كانت خيًرا فهو يصدقها ويخبر بها‪ ،‬فهي من علمه وحكمه‪ ،‬وهي ـ أي ً‬
‫إلهامه لعبده وإنعامه عليه‪ ،‬لم تكن بواسطة النفس والشيطان؛ فاختصت بإضافتها إلى ال مـن جهة أنها من علمه‬
‫وحكمه‪ ،‬وإن النازل بها إلى العبد ملك‪ ،‬كما اختص القرآن بأنه منه كلم‪ ،‬وقرآن مسيلمة بأنه من الشيطان‪ ،‬فإن ما‬
‫يلقيه ال في قلوب المؤمنين من اللهامات الصادقة العادلة‪ ،‬هي من وحي ال‪ ،‬وكذلك ما يريهم إياه في المنام‪ ،‬قال‬
‫عَبادة بن الصامت‪ُ :‬رْؤيا المؤمن كلم يكلم به الرب عبده في منامه‪ ،‬وقال عمر‪ :‬اقتربوا من أفواه المطيعين‪ ،‬واسمعوا‬
‫ُ‬
‫ت ِإَلى اْلَحَواِرّييَن َأْن آِمُنوْا ِبي َوِبَرُسوِ {‬
‫لي{‬
‫حْي ُ‬
‫منهم ما يقولون‪ ،‬فإنهم يتجلي لهم أمور صادقة‪ ،‬وقد قال تعالي‪َ} :‬وِإْذ َأْو َ‬
‫حْيَنا ِإَلْيِه َلُتَنّبَئّنُهم ِبَأْمِرِهْم َهـَذا{ ]يوسف‪ ،[15:‬وقال‪َ} :‬فَأْلَهَمَها‬
‫سى{ ]القصص‪َ} ،[7:‬وَأْو َ‬
‫حْيَنا ِإَلى ُأّم ُمو َ‬
‫]المائدة‪َ} ،[111:‬وَأْو َ‬
‫ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ ،[ 8 :‬على قول الكثرين‪ ،‬وهو أن المراد‪ :‬أنه ألهم الفاجرة فجورها‪ ،‬والتقية تقواها‪ ،‬فاللهام‬
‫عنده هو البيان بالدلة السمعية والعقلية‪.‬‬

‫وأهل السنة يقولون‪ :‬كل النوعين من ال‪ ،‬هذا الهدي المشترك ‪ /‬وذاك الهدي المختص‪ ،‬وإن كان قد سماه إلهاًما كما‬
‫سماه هدي‪ ،‬كما في قوله‪َ} :‬وَأّما َثُموُد َفَهَدْيَناُهْم َفاْسَتَحّبوا اْلَعَمى َعَلى اْلُهَدى{ ]فصلت‪ ،[ 17:‬وكذلك قد قيل في قوله‪:‬‬
‫}َوَهَدْيَناُه الّنْجَدْيِن{ ]البلد‪ [ 10:‬أي‪ :‬بينا له طريق الخير والشر‪ ،‬وهو هدي البيان العام المشترك‪ ،‬وقيل‪ :‬هدينا المؤمن‬
‫لطريق الخير‪ ،‬والكافر لطريق الشر؛ فعلى هذا يكون قد جعل الفجور هدي‪ ،‬كما جعل أولئك البيان إلهاًما‪.‬‬
‫وكذلك قوله‪ِ} :‬إّنا َهَدْيَناُه الّسِبيَل ِإّما َشاِكًرا َوِإّما َكُفوًرا{ ]النسان‪ ،[ 3 :‬قيل‪:‬هو الهدي المشترك‪ ،‬وهو أنه بين له الطريق‬
‫التي يجب سلوكها‪،‬والطريق التي ل يجب سلوكها‪ ،‬وقيل‪ :‬بل هـدي كـل مـن الطائفتين إلى مـا سلكه مـن السبيل }ِإّما‬
‫َشاِكًرا َوِإّما َكُفوًرا{‪.‬‬
‫ب َأِليٍم{ ]آل عمران‪ ،[21:‬وكما‬
‫شْرُهم ِبَعَذا ٍ‬
‫لكن تسمية هذا هدي قد يعتذر عنه بأنه هدي مقيد ل مطلق‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَب ّ‬
‫ق{ ]الحزاب‪ [4 :‬و }َيْأُمُر ِباْلَعْدِل{ ]النحل‪ [90:‬فهو‬
‫حّ‬
‫ل اْل َ‬
‫ت{ ]النساء‪ ،[51:‬وأنه }َيُقو ُ‬
‫غو ِ‬
‫طا ُ‬
‫ت َوال ّ‬
‫جْب ِ‬
‫ن ِباْل ِ‬
‫قال‪ُ} :‬يْؤِمُنو َ‬
‫موافق لقوله وأمره لعلمه وحكمه‪ ،‬كما أن القرآن وسائر كلمه كذلك‪ ،‬وباعتبار أنه أنعم على العبد بواسطة جنده‬
‫بالملئكة‪.‬‬
‫ويقال لضد هذا ـ وهو الخطأ ـ‪ :‬هذا من الشيطان والنفس؛ لن ال ل يقوله ول يأمر به؛ ولنه إنما َيْنُكُته في قلب‬
‫النسان ‪ /‬الشيطان‪ ،‬ونفسه تقبله من الشيطان‪ ،‬فإنه يزين لها الشيء فتطيعه فيه‪ ،‬وليس كل ما كان من الشيطان يعاقب‬
‫عليه العبد‪ ،‬ولكن يفوته به نوع من الحسنات كالنسيان‪ ،‬فإنه من الشيطان‪ ،‬والحتلم من الشيطان‪ ،‬والنعاس عند الذكر‬
‫والصلة من الشيطان‪ ،‬والصعق عند الذكر من الشيطان‪ ،‬ول إثم على العبد فيما غلب عليه‪ ،‬إذا لم يكن ذلك بقصد منه‬
‫أو بذنب‪.‬‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ك ِبَأ ّ‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبي{ ]النعام‪ [ 57:‬وشبهها ـ مما تقدم ذكره ـ من هذا الباب‪ ،‬وكذلك قوله‪َ} :‬ذِل َ‬
‫فقوله‪ِ } :‬إّني َ‬
‫ق ِمن ّرّبِهْم{ ]محمد‪،[ 3 :‬فإن المؤمنين على تصديق ما أخبر ال به‪،‬وفعل ما‬
‫حّ‬
‫ن آَمُنوا اّتَبُعوا اْل َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل َوَأ ّ‬
‫طَ‬
‫َكَفُروا اّتَبُعوا اْلَبا ِ‬

‫جْذِر قلوب الرجال( فهي تنزل في قلوب المؤمنين‬
‫أمر ال ابتداء وتبليًغا كالقرآن‪ ،‬وقد قال‪):‬إن ال أنزل المانة في َ‬
‫من نوره وهداه‪ ،‬وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق نافعة في الدنيا والخرة‪ ،‬وهو اليمان الذي هو إفضال المنعم‪،‬‬
‫وهو أفضل النعم‪.‬‬
‫ل{ ]النساء‪ ،[ 79:‬فقد دخل في ذلك نعم الدنيا كلها‪ ،‬كالعافية والرزق‪ ،‬والنصر‪،‬‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫وأما قوله‪ّ} :‬ما َأ َ‬
‫وتلك حسنات يبتلي ال العبد بها‪ ،‬كما يبتليه بالمصائب‪ ،‬هل يشكر أم ل؟ وهل يصبر أم ل؟ كما قال تعالي‪َ} :‬وَبَلْوَناُهْم‬
‫لُه َرّب ُ{‬
‫ه{‬
‫ن ِإَذا َما اْبَت َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫خْيِر ِفْتَنًة{ ]النبياء‪َ} ،[35:‬فَأّما ا ِْ‬
‫شّر َواْل َ‬
‫ت{ ]العراف‪ ،[168 :‬وقال‪َ} :‬وَنْبُلوُكم ِبال ّ‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ت َوال ّ‬
‫سَنا ِ‬
‫حَ‬
‫ِباْل َ‬
‫اليات ]الفجر‪.[15:‬‬
‫صا بال‪ ،‬كآيات النبياء‪ ،‬كما قال لموسي‪َ} :‬فَذاِن َ‬
‫ك‬
‫‪ /‬وقد يقال في الشيء‪ :‬إنه من ال وإن كان مخلوًقا إذا كان مخت ً‬
‫ك{ ]القصص‪ ،[ 32 :‬وقلب العصا حية‪ ،‬وإخراج اليد بيضاء من غير سوء مخلوق ل‪ ،‬لكنه منه لنه دل‬
‫ُبْرَهاَنانِ ِمن ّرّب َ‬

‫به وأرشد إلى صدق نبيه موسي‪ ،‬وهو تصديق منه وشهادة منه له بالرسالة والصدق‪ ،‬فصار ذلك من ال بمنزلة البينة‬
‫من ال‪ ،‬والشهادة من ال‪ ،‬وليست هذه اليات مما تفعله الشياطين والكهان‪ ،‬كما يقال‪ :‬هذه علمة من فلن‪ ،‬وهذا دليل‬
‫من فلن‪ ،‬وإن لم يكن ذلك كلًما منه‪.‬‬
‫وقد سمي موسي ذلك بينة من ال فقال‪َ}:‬قْد ِجْئُتُكم ِبَبّيَنٍة ّمن ّرّبُكْم{ ]العراف‪ ،[105:‬فقوله‪ِ}:‬بَبّيَنٍة ّمن ّرّبُكْم{‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫ك{‪.‬‬
‫ن ِمن ّرّب َ‬
‫ك ُبْرَهاَنا ِ‬
‫}َفَذاِن َ‬
‫وهذه البينة هنا حجة وآية‪ ،‬ودللة مخلوقة تجري مجري شهادة ال وإخباره بكلمه‪ ،‬كالعلمة التي يرسل بها الرجل‬
‫إلى أهله وكيله‪ ،‬قال سعيد بن جبير في الية‪ :‬هي كالخاتم تبعث به‪ ،‬فيكون هذا بمنزلة قوله‪ :‬صدقوه فيما قال‪ ،‬أو‬
‫أعطوه ما طلب‪.‬‬
‫فالقرآن والهدي منه‪ ،‬وهو من كلمه وعلمه وحكمه الذي هو قائم به غير مخلوق‪ ،‬وهذه اليات دليل على ذلك‪ ،‬كما‬
‫حُر ِمَداًدا‬
‫ن اْلَب ْ‬
‫يكتب كلمه في ‪ /‬المصاحف‪ ،‬فيكون المراد المكتوب به الكلم يعرف به الكلم‪ ،‬قال تعالي‪ُ} :‬قل ّلْو َكا َ‬
‫ت َرّبي َوَلْو ِجْئَنا ِبِمْثِلِه َمَدًدا{ ]الكهف‪.[109 :‬‬
‫ل َأن َتنَفَد َكِلَما ُ‬
‫حُر َقْب َ‬
‫ت َرّبي َلَنِفَد اْلَب ْ‬
‫ّلَكِلَما ِ‬

‫ولهذا يكون لهذه اليات المعجزات حرمة‪ ،‬كالناقة وكالماء النابع بين أصابع النبي صلي ال عليه وسلم ونحو ذلك‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ أعلم‪.‬‬
‫فصــل‬
‫ل َتَذّكُروَن{ ]هود‪17:‬ـ ‪،[24‬‬
‫شاِهٌد ّمْنُه{ الية‪،‬وما بعدها إلى قوله‪َ}:‬أَف َ‬
‫عَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َوَيْتُلوُه َ‬
‫ن َ‬
‫فى قوله تعالى‪َ}:‬أَفَمن َكا َ‬
‫ذكر ـ سبحانه ـ الفرق بين أهل الحق والباطل‪،‬وما بينهما من التباين والختلف مرة بعد مرة‪،‬ترغيًبا فى السعادة‬
‫وترهيًبا من الشقاوة‪.‬‬
‫ل ِإّنِني َلُكم ّمْنُه َنِذيٌر َوَبِشيٌر{{‬
‫لا ّ‬
‫ل َتْعُبُدوْا ِإ ّ‬
‫خِبيٍر َأ ّ‬
‫حِكيٍم َ‬
‫ن َ‬
‫ت ِمن ّلُد ْ‬
‫صَل ْ‬
‫ت آَياُتُه ُثّم ُف ّ‬
‫حِكَم ْ‬
‫ب ُأ ْ‬
‫وقد افتتح السورة بذلك فقال‪} :‬اَلر ِكَتا ٌ‬
‫]هود‪ ،[ 2 ،1 :‬فذكر أنه نذير وبشير‪ ،‬نذير ينذر بالعذاب لهل النار‪ ،‬وبشير يبشر بالسعادة لهل الحق‪.‬‬
‫عَناَها ِمْنُه ِإّنُه‬
‫حَمًة ُثّم َنَز ْ‬
‫ن ِمّنا َر ْ‬
‫سا َ‬
‫لْن َ‬
‫ن َأَذْقَنا ا ِ‬
‫ثم ذكر حال الفريقين فى السراء والضراء‪ ،‬فقال‪َ}:‬وَلِئ ْ‬

‫عِمُلوْا‬
‫صَبُروْا َو َ‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫خوٌر ِإ ّ‬
‫ح َف ُ‬
‫عّني ِإّنُه َلَفِر ٌ‬
‫ت َ‬
‫سّيَئا ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫ن َذَه َ‬
‫سْتُه َلَيُقوَل ّ‬
‫ضّراء َم ّ‬
‫ن َأَذْقَناُه َنْعَماء َبْعَد َ‬
‫س َكُفوٌر َوَلِئ ْ‬
‫َلَيُئو ٌ‬
‫جٌر َكِبيٌر{ ]هود‪ 9 :‬ـ ‪[11‬‬
‫ك َلُهم ّمْغِفَرٌة َوَأ ْ‬
‫ت ُأْوَلـِئ َ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫ال ّ‬
‫ثم ذكر بعد هذا قصص النبياء‪ ،‬وحال من اتبعهم ومن كذبهم ‪ /،‬كيف سعد هؤلء فى الدنيا والخرة‪ ،‬وشقى هؤلء فى‬
‫ك َيْوٌم ّمْشُهوٌد{ ]هود‪:‬‬
‫ك{ إلى قوله‪َ} :‬وَذِل َ‬
‫عَلْي َ‬
‫صُه َ‬
‫ن َأنَباء اْلُقَرى َنُق ّ‬
‫ك ِم ْ‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬فذكر ما جرى لهم‪ ،‬إلى قوله‪َ} :‬ذِل َ‬
‫‪100‬ـ ‪. [103‬‬
‫ب الِخَرِة{ ]هود‪ ،[103 :‬فإنه قد يقال‪:‬‬
‫عَذا َ‬
‫ف َ‬
‫خا َ‬
‫ن َ‬
‫ك لَيًة ّلَم ْ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫ثم ذكر حال الذين سعدوا‪ ،‬والذين شقوا‪ ،‬ثم قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫غاية ما أصاب هؤلء أنهم ماتوا والناس كلهم يموتون‪ ،‬وإما كونهم ُأْهِلُكوا كلهم وصارت بيوتهم خاوية‪ ،‬وصاروا‬
‫عْبَرَة يذكرون بالشر ويلعنون‪ ،‬إنما يخاف ذلك من آمن بالخرة‪ ،‬فإن لعنة المؤمنين لهم بالخرة‪ ،‬وبغضهم لهم كما‬
‫ِ‬
‫جرى لل فرعون ـ هو ـ مما يزيدهم عذاًبا‪ ،‬كما أن لسان الصدق وثناء الناس ودعاءهم للنبياء‪ ،‬واتباعهم لهم هو مما‬
‫يزيدهم ثواًبا‪.‬‬
‫فمن استدل بما أصاب هؤلء على صدق النبياء فآمن بالخرة خاف عذاب الخرة‪،‬وكان ذلك له آية‪،‬وأما من لم يؤمن‬
‫بالخرة ويظن أن من مات لم يبعث‪،‬فقد ل يبالى بمثل هذا‪ ،‬وإن كان يخاف هذا من ل يخاف الخرة‪ ،‬لكن كل من‬
‫خاف الخرة كان هذا حاله وذلك له آية‪.‬‬
‫وقد ختم السورة بقوله‪َ} :‬وُقل ّلّلِذيَن َل ُيْؤِمُنوَن اْعَمُلوْا َعَلى َمَكاَنِتُكْم ِإّنا َعاِمُلوَن{ إلى آخرها ]هود‪ ،[123 - 121 :‬كما‬
‫ل{ ]هود‪ ،[ 2 :‬فذكر التوحيد واليمان بالرسل‪ ،‬فهذا دين ال فى الولين ‪ /‬والخرين‪ ،‬قال‬
‫لا ّ‬
‫ل َتْعُبُدوْا ِإ ّ‬
‫افتتحها بقوله }َأ ّ‬
‫جْبُتم المرسلين؟‬
‫ل عنهما الولون والخرون‪ ،‬ماذا كنتم تعبدون‪ ،‬وماذا َأ َ‬
‫سَأ ُ‬
‫أبو العالية‪ :‬كلمتان ُي ْ‬
‫ي اّلِذيَن ُكنُتْم َتْزُعُموَن{ ]القصص‪:‬‬
‫شَرَكاِئ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن{ ]القصص‪ ،[65 :‬و }َأْي َ‬
‫سِلي َ‬
‫جْبُتُم اْلُمْر َ‬
‫ل َماَذا َأ َ‬
‫ولهذا قال‪َ} :‬وَيْوَم ُيَناِديِهْم َفَيُقو ُ‬
‫‪ ،[ 62‬هو الشرك فى العبادة‪ ،‬وهذان هما اليمان والسلم‪ ،‬وكان النبى صلى ال عليه وسلم يقرأ تارة فى ركعتى‬
‫ل َوَما ُأنِزَل ِإَلْيَنا{ الية ]البقرة‪ ،[136:‬فأولها‬
‫الفجر سورتى الخلص‪ ،‬وتارة بآيتى اليمان والسلم‪،‬فيقرأ قوله‪}:‬آَمّنا ِبا ّ‬
‫ل{ ]آل عمران‪:‬‬
‫لا ّ‬
‫ل َنْعُبَد ِإ ّ‬
‫سَواء َبْيَنَنا َوَبْيَنُكْم َأ ّ‬
‫ب َتَعاَلْوْا ِإَلى َكَلَمٍة َ‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫ل َيا َأْه َ‬
‫اليمان‪ ،‬وآخرها السلم‪ ،‬ويقرأ فى الثانية‪ُ}:‬ق ْ‬
‫‪ ،[ 64‬فأولها إخلص العبادة ل وآخرها السلم له‪.‬‬
‫ل ِإَلْيُكْم َوِإَلُهَنا َوِإَلُهُكْم‬
‫ل ِإَلْيَنا َوُأنِز َ‬
‫ظَلُموا ِمْنُهْم َوُقوُلوا آَمّنا ِباّلِذي ُأنِز َ‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫ي َأ ْ‬
‫ل ِباّلِتي ِه َ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫جاِدُلوا َأْه َ‬
‫ل ُت َ‬
‫وقال‪َ} :‬و َ‬
‫سِلِمي َ‬
‫ن‬
‫ن آَمُنوا ِبآَياِتَنا َوَكاُنوا ُم ْ‬
‫ن{ ]العنكبوت‪ ،[ 46:‬ففيها اليمان والسلم فى آخرها‪ ،‬وقال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫سِلُمو َ‬
‫ن َلُه ُم ْ‬
‫حُ‬
‫حٌد َوَن ْ‬
‫َوا ِ‬
‫اْدُخُلوا اْلَجّنَة َأنُتْم َوَأْزَواُجُكْم ُتْحَبُروَن{ ]الزخرف‪.[69،70 :‬‬

‫‪/‬‬

‫فصـل‬

‫ت{ ]هود‪،[ 1:‬فقد فصله بعد إحكامه‪،‬بخلف من تكلم بكلم لم يحكمه‪،‬وقد يكون‬
‫صَل ْ‬
‫ت آَياُتُه ُثّم ُف ّ‬
‫حِكَم ْ‬
‫ب ُأ ْ‬
‫وقوله تعالى‪ِ}:‬كَتا ٌ‬
‫ل الَيا ِ‬
‫ت‬
‫صُ‬
‫ك نَف ّ‬
‫فى الكلم المحكم ما لم يبينه لغيره‪،‬فهو ـ سبحانه ـ أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده‪،‬كما قال‪َ}:‬وَكَذِل َ‬
‫صْلَناُه َعَلى ِعْلٍم ُهًدى َوَرْحَمًة ّلَقْوٍم ُيْؤِمُنوَن{ ]العراف‪:‬‬
‫ب َف ّ‬
‫جْئَناُهم ِبِكَتا ٍ‬
‫ن{ ]النعام‪ ،[55:‬وقال‪َ}:‬وَلَقْد ِ‬
‫جِرِمي َ‬
‫ل اْلُم ْ‬
‫سِبي ُ‬
‫سَتِبينَ َ‬
‫َوِلَت ْ‬
‫‪ ،[ 52‬فهو ـ سبحانه ـ بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن يتكلم بل علم‪.‬‬
‫سَوٍر ّمْثلِِه‬
‫شِر ُ‬
‫ل َفْأُتوْا ِبَع ْ‬
‫ن اْفَتَراُه ُق ْ‬
‫وقد ذكر براهين التوحيد والنبوة قبل ذكـر الفرق بين أهل الحق والباطل‪ ،‬فقال‪َ} :‬أْم َيُقوُلو َ‬
‫ت{ إلـى قولـه ‪َ} :‬فَهْل َأنُتم ّمْسِلُموَن{ ]هود‪ ،[ 14 ،13:‬فلما تحداهم بالتيان بعشر سور مثله مفتريات هم وجميع‬
‫ُمْفَتَرَيا ٍ‬
‫ن‬
‫من يستطيعون من دونه‪ ،‬كان فى مضمون تحديه أن هذا ل يقدر أحد على التيان بمثله من دون ال‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬قل ّلِئ ِ‬
‫ظِهيًرا{ ]السراء‪.[88 :‬‬
‫ض َ‬
‫ضُهْم ِلَبْع ٍ‬
‫ن َبْع ُ‬
‫ن ِبِمْثِلِه َوَلْو َكا َ‬
‫ل َيْأُتو َ‬
‫ن َ‬
‫ل َهـَذا اْلُقْرآ ِ‬
‫عَلى َأن َيْأُتوْا ِبِمْث ِ‬
‫ن َ‬
‫جّ‬
‫س َواْل ِ‬
‫لن ُ‬
‫تا ِ‬
‫جَتَمَع ِ‬
‫اْ‬

‫وحينئذ‪ ،‬فعلم أن ذلك من خصائص من أرسله ال‪ ،‬وما كان ‪ /‬مختصا بنوع فهو دليل عليه؛ فإنه مستلزم له‪ ،‬وكل‬
‫ملزوم دليل على لزمه كآيات النبياء كلها‪ ،‬فإنها مختصة بجنسهم‪.‬‬
‫وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين الجنس خاتمهم ل يمكن أن يأتى به غيره‪ ،‬وكان ذلك برهاًنا بيًنا على أن ال‬
‫ك َأنَزَلُه ِبِعْلِم ِ{‬
‫ه{‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫شَهُد ِبَما َأنَز َ‬
‫ل َي ْ‬
‫نا ّ‬
‫أنزله‪ ،‬وأنه نزل بعلم ال هو الذى أخبر بخبره‪ ،‬وأمر بما أمر به‪ ،‬كما قال‪ّ} :‬لـِك ِ‬
‫الية ]النساء‪ ،[ 166:‬وثبوت الرسالة ملزوم لثبوت التوحيد‪ ،‬وأنه ل إله إل ال‪ ،‬من جهة أن الرسول أخبر بذلك‪ ،‬ومن‬
‫جهة أنه ل يقدر أحد على التيان بهذا القرآن إل ال‪ ،‬فإن من العلم ما ل يعلمه إل ال‪ ،‬إلى غير ذلك من وجوه البيان‬
‫فيه‪ ،‬كما قد بسط ونبه عليه فى غير هذا الموضع‪ ،‬ول سيما هذه السورة‪ ،‬فإن فيها من البيان والتعجيز ما ل يعلمه إل‬
‫ال‪ ،‬وفيها من المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما ل ُيَقّدر قدره إل ال‪.‬‬
‫والمقصود هنا هو الكلم على قوله‪َ} :‬أَفَمن َكاَن َعَلى َبّيَنٍة ّمن ّرّبِه َوَيْتُلوُه َشاِهٌد ّمْنُه{ ]هود‪ [17:‬حيث سأل السائل عن‬
‫عَمى عن معرفة المراد‬
‫تفسيرها‪ ،‬وذكر ما فى التفاسير من كثرة الختلف فيها‪ ،‬وأن ذلك الختلف يزيد الطالب َ‬
‫الذى يحصل به الهدى والرشاد‪ ،‬فإن ال ـ تعالى ـ إنما نزل القرآن ليهتدى به ل ليختلف فيه‪ ،‬والهدى إنما يكون إذا‬
‫عرفت معانيه‪ ،‬فإذا حصل الختلف المضاد لتلك المعانى التى ل يمكن الجمع بينه ‪ /‬وبينها لم يعرف الحق‪،‬ولم تفهم‬
‫الية ومعناها ‪ ،‬ولم يحصل به الهدى والعلم الذى هو المراد بإنزال الكتاب‪.‬‬
‫سَلِمى‪:‬حدثنا الذين كانوا ُيْقِرُئوَنَنا القرآن ـ عثمان بن عفان وعبدال بن مسعود وغيرهما ـ أنهم‬
‫قال أبو عبد الرحمن ال ُ‬
‫كانوا إذا تعلموا من النبى صلى ال عليه وسلم عشر آيات‪،‬لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميًعا‪.‬‬
‫وقال الحسن البصرى‪ :‬ما أنزل ال آية إل وهو يحب أن يعلم فى ماذا نزلت‪ ،‬وماذا عنى بها‪ .‬وقد قال تعالى‪َ} :‬أَف َ‬
‫ل‬
‫َيَتَدّبُروَن اْلُقْرآَن{]النساء‪ ،[ 82 :‬وتدبر الكلم إنما ينتفع به إذا فهم‪ ،‬وقال‪ِ} :‬إّنا َأنَزْلَناهُ ُقْرآًنا َعَرِبّيا ّلَعّلُكْم َتْعِقُلوَن{ ]الزخرف‪:‬‬

‫‪.[3‬‬
‫فالرسل تبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم‪ ،‬وعليهم أن يبلغوا الناس البلغ المبين‪ ،‬والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما‬
‫بلغه الرسل‪ ،‬والعقل يتضمن العلم والعمل‪ ،‬فمن عرف الخير والشر‪ ،‬فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقل؛ ولهذا‬
‫ل ُيَعّد عاقل إل من فعل ما ينفعه‪ ،‬واجتنب ما يضره‪ ،‬فالمجنون الذى ل يفرق بين هذا وهذا قد ُيْلِقى نفسه فى المهالك‪،‬‬
‫وقد يفر مما ينفعه‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫ن ِفيَها َما َداَم ِ‬
‫ت‬
‫خاِلِدي َ‬
‫جّنِة َ‬
‫سِعُدوْا َفِفي اْل َ‬
‫ن ُ‬
‫حُمه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬وَأّما اّلِذي َ‬
‫ل ـ َر ِ‬
‫سئ َ‬
‫وُ‬

‫ب{ ]النبياء‪.[104 :‬‬
‫ل ِلْلُكُت ِ‬
‫جّ‬
‫سِ‬
‫ي ال ّ‬
‫طّ‬
‫سَماء َك َ‬
‫طِوي ال ّ‬
‫ض{ ]هود‪ ،[108:‬وقوله تعالى‪َ} :‬يْوَم َن ْ‬
‫ت َوالَْر ُ‬
‫سَماَوا ُ‬
‫ال ّ‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫ض{ أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة‪ ،‬كما ثبت‬
‫لْر ُ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫الحمد ل‪ ،‬قال طوائف من العلماء أن قوله‪َ} :‬ما َداَم ِ‬
‫فى الصحيحين عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا سألتم ال الجنة فاسألوه الفردوس‪ ،‬فإنه أعلى الجنة‪،‬‬

‫سْقُفه عرش الرحمن(‪ ،‬وقال بعض العلماء فى قوله تعالى‪َ} :‬وَلَقْد َكَتْبَنا ِفي الّزُبوِر ِمن َبْعِد الّذْكِر َأ ّ‬
‫ن‬
‫وأوسط الجنة‪ ،‬و َ‬
‫صاِلُحوَن{ ]النبياء‪ ،[ 105:‬هى أرض الجنة‪.‬‬
‫ي ال ّ‬
‫عَباِد َ‬
‫ض َيِرُثَها ِ‬
‫لْر َ‬
‫ا َْ‬

‫وعلى هذا‪ ،‬فل منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التى هى سقف الجنة‪ ،‬إذ كل ما عل فإنه يسمى فى اللغة‬
‫سماء‪ ،‬كما يسمى السحاب سماء‪ ،‬والسقف سماء‪.‬‬
‫ل‪ ،‬واستحالت عن صورتها‪ ،‬فإن ذلك ل يوجب عدمها وفسادها‪ ،‬بل‬
‫طِوَيت وكانت كالُمْه ِ‬
‫ضا‪ ،‬فإن السموات وإن ُ‬
‫‪ /‬وأي ً‬
‫ت{ ]إبراهيم‪ ،[48 :‬وإذا‬
‫سَماَوا ُ‬
‫ض َوال ّ‬
‫لْر ِ‬
‫غْيَر ا َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ُ‬
‫لا َ‬
‫أصلها باق‪ ،‬بتحويلها من حال إلى حال‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬يْوَم ُتَبّد ُ‬
‫بدلت فإنه ل يزال سماء دائمة‪ ،‬وأرض دائمة‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة يوسف‬

‫حمُه ال ـ‪:‬‬
‫وقال شيخ السلم ـ َر ِ‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫ل ُيْفِل ُ‬
‫ح‬
‫ي ِإّنُه َ‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ل ِإّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫ل َمَعاَذ ا ّ‬
‫ك َقا َ‬
‫ت َل َ‬
‫قول يوسف صلى ال عليه وسلم لما قالت له امرأة العزيز‪َ} :‬هْي َ‬
‫ظاِلُموَن{ ]يوسف‪ ،[ 23 :‬المراد بربه فى أصح القولين هنا‪ :‬سيده‪ ،‬وهو زوجها الذى اشتراه من مصر‪ ،‬الذى قال‬
‫ال ّ‬
‫ض َوِلُنَعّلَمهُ‬
‫لْر ِ‬
‫ف ِفي ا َ‬
‫س َ‬
‫ك َمّكّنا ِلُيو ُ‬
‫خَذُه َوَلًدا{ ]يوسف‪ ،[ 21:‬قال ال تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫سى َأن َينَفَعَنا َأْو َنّت ِ‬
‫عَ‬
‫لمرأته‪َ} :‬أْكِرِمي َمْثَواُه َ‬
‫س َل َيْعَلُموَن{ ]يوسف‪.[21 :‬‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫عَلى َأْمِرِه َوَلـِك ّ‬
‫ب َ‬
‫غاِل ٌ‬
‫ل َ‬
‫ث َوا ّ‬
‫حاِدي ِ‬
‫لَ‬
‫لا َ‬
‫ِمن َتْأِوي ِ‬

‫ظاٌلٍمون‬
‫حب ّ‬
‫ي{ ؛ ولهذا قال‪} :‬إّنهٍ ل ٍيًفٌل ٍ‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫رِمي َمْثَواُه{‪ ،‬قال يوسف‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫فلما وصى به امرأته فقال لها‪َ} :‬أْك ِ‬
‫{والضمير فى‪ِ} :‬إّنُه{ معلوم بينهما‪ ،‬وهو سيدها‪.‬‬
‫‪ /‬وأما قوله تعالى‪َ} :‬لْول َأن ّرَأى ُبْرَهاَن َرّبِه{ ]يوسف‪ ،[ 24:‬فهذا خبر من ال ـ تعالى ـ أنه رأى برهان ربه‪ ،‬وربه هو‬
‫عّلَمِني َرّبي ِإّني َتَرْك ُ‬
‫ت‬
‫ال كما قال لصاحبى السجن‪َ} :‬ذِلُكَما ِمّما َ‬
‫ل{ ]يوسف‪ ،[ 37:‬وقوله‪َ} :‬رّبي{ مثل قوله لصاحب الرؤيا‪ً\} :‬ذٍكًرٌني ٌعنـّد ّرَبك { ‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ِمّلَة َقْومٍ لّ ُيْؤِمُنو َ‬
‫ك{‪.‬‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ى يوسف ذكر ربه‪َ ،‬لّما قال‪}:‬اْذُكْرِني ِ‬
‫سَ‬
‫طاُن ِذْكَر َرّبِه{ ]يوسف‪ ،[ 24 :‬قيل‪ :‬أْن ِ‬
‫شْي َ‬
‫ساهُ ال ّ‬
‫}َفَأن َ‬
‫ك{‪ ،‬قال‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫سى الذى نجا منهما ذكر ربه‪ ،‬وهذا هو الصواب‪،‬فإنه مطابق لقوله‪} :‬اْذُكْرِني ِ‬
‫وقيل‪:‬بل الشيطان َأْن َ‬
‫طاُن ِذْكَر َرّبِه{ والضمير يعود إلى القريب‪ ،‬إذا لم يكن هناك دليل على خلف ذلك؛ ولن يوسف لم‬
‫شْي َ‬
‫ساُه ال ّ‬
‫تعالى‪َ}:‬فَأن َ‬
‫ينس ذكر ربه‪ ،‬بل كان ذاكًرا لربه‪.‬‬
‫حُد اْلَقّهاُر َما‬
‫ل اْلَوا ِ‬
‫خْيٌر َأِم ا ّ‬
‫ن َ‬
‫ب ّمَتَفّرُقو َ‬
‫ن َأَأْرَبا ٌ‬
‫جِ‬
‫سْ‬
‫حَبيِ ال ّ‬
‫صا ِ‬
‫وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى اليمان بربه‪ ،‬وقال لهما‪َ} :‬يا َ‬
‫ن اْلَقّيُم‬
‫ك الّدي ُ‬
‫ل ِإّياُه َذِل َ‬
‫ل َتْعُبُدوْا ِإ ّ‬
‫ل َأَمَر َأ ّ‬
‫ل ِّ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫ن إِ ِ‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبَها ِمن ُ‬
‫لا ّ‬
‫سّمْيُتُموَها َأنُتْم َوآَبآُؤُكم ّما َأنَز َ‬
‫سَماء َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن ِمن ُدوِنِه ِإ ّ‬
‫َتْعُبُدو َ‬
‫س َل َيْعَلُموَن{ ]يوسف‪.[40 ،39 :‬‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫َوَلـِك ّ‬
‫ل َأن َيْأِتيُكَما{ ‪،‬يعنى‪:‬التأويل }َذِلُكَما ِمّما‬
‫ل َنّبْأُتُكَما ِبَتْأِويِلِه َقْب َ‬
‫طَعاٌم ُتْرَزَقاِنِه{ أى‪ :‬فى الرؤيا }ِإ ّ‬
‫ل َيْأِتيُكَما َ‬
‫وقال لهما قبل ذلك‪َ }:‬‬
‫ن َلَنا َأن‬
‫ب َما َكا َ‬
‫ق َوَيْعُقو َ‬
‫حا َ‬
‫سَ‬
‫ن َواّتَبْعتُ ِمّلَة آَبآِئـي ِإْبَراِهيَم َوِإ ْ‬
‫خَرِة ُهْم َكاِفُرو َ‬
‫ل َوُهم ِبال ِ‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ت ِمّلَة َقْوٍم ّ‬
‫عّلَمِني َرّبي ِإّني َتَرْك ُ‬
‫َ‬
‫س َل َيْشُكُروَن{ ]يوسف‪ ،[38 ،37:‬فبذا يذكر ربه ـ‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫س َوَلـِك ّ‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫عَلْيَنا َو َ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫ضِ‬
‫ك ِمن َف ْ‬
‫يٍء َذِل َ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫ك ِبا ّ‬
‫شِر َ‬
‫ّن ْ‬

‫عز وجل ـ فإن هذا مما علمه ربه؛ لنه ترك ملة قوم مشركين ل يؤمنون بال‪،‬وإن كانوا مقرين بالصانع ول يؤمنون‬
‫بالخرة‪،‬واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين ـ الذين جعلهم ال أئمة يدعون بأمره ـ إبراهيم وإسحاق ويعقوب‪،‬فذكر ربه ثم‬
‫دعاهما إلى اليمان بربه‪.‬‬
‫ي الّسْجِن َأّما َأَحُدُكَما َفَيْسِقي َرّبُه َخْمًرا{ الية ]يوسف‪ ،[41:‬ثم لما قضى تأويل‬
‫حَب ِ‬
‫صا ِ‬
‫ثم بعـد هـذا عبر الرؤيـا فقال‪َ} :‬يا َ‬
‫سى الشيطان يوسف ذكر ربه؟ وإنما‬
‫ك{ ]يوسف‪ ،[ 42:‬فكيف يكون قد َأْن َ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫الرؤيا قال للذى نجا منهما‪} :‬اْذُكْرِني ِ‬
‫أنسى الشيطان الناجى ذكر ربه‪ ،‬أى‪ :‬الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه‪ ،‬وهو أن يذكر عنده يوسف‪ .‬والذين‬

‫قالوا ذلك القول‪ ،‬قالوا‪ :‬كان الولى أن يتوكل على ال‪ ،‬ول يقول‪ :‬اذكرنى عند ربك‪ ،‬فلما نسى أن يتوكل على ربه‬
‫ضَع سنين‪.‬‬
‫جوزى ِبُلْبِثه فى السجن ِب ْ‬
‫ل{ ]يوسف‪ ،[40:‬كما أن‬
‫ل ِّ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫ك{ ما يناقض التوكل‪ ،‬بل قد قال يوسف‪ِ} :‬إ ِ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫فيقال‪ :‬ليس فى قوله‪} :‬اْذُكْرِني ِ‬
‫عنُكم‬
‫غِني َ‬
‫ب ّمَتَفّرَقٍة{ ]يوسف‪ ،[ 67 :‬لم يناقض توكله‪ ،‬بل قال‪َ} / :‬وَما ُأ ْ‬
‫ن َأْبَوا ٍ‬
‫خُلوْا ِم ْ‬
‫حٍد َواْد ُ‬
‫ب َوا ِ‬
‫خُلوْا ِمن َبا ٍ‬
‫ل َتْد ُ‬
‫قول أبيه‪َ } :‬‬
‫ت َوَعَلْيِه َفْلَيَتَوّكِل اْلُمَتَوّكُلوَن{ ]يوسف‪.[67 :‬‬
‫عَلْيِه َتَوّكْل ُ‬
‫ل َ‬
‫ل ِّ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫يٍء ِإ ِ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫نا ّ‬
‫ّم َ‬
‫صا مع توكله على غير ال‪ ،‬فإن ذلك‬
‫ضا‪ ،‬فيوسف قد شهد ال له أنه من عباده المخلصين‪ ،‬والمخلص ل يكون مخل ً‬
‫وأي ً‬
‫عّني‬
‫ف َ‬
‫صِر ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫شرك‪ ،‬ويوسف لم يكن مشرًكا ل فى عبادته ول توكله‪ ،‬بل قد توكل على ربه فى فعل نفسه بقوله‪َ} :‬وِإ ّ‬
‫ب ِإَلْيِهّن َوَأُكن ّمَن اْلَجاِهِليَن{ ]يوسف‪ ،[ 33 :‬فكيف ل يتوكل عليه فى أفعال عباده‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َكْيَدُه ّ‬
‫ظ َعِليٌم{ ]يوسف‪ ،[55 :‬فلما سأل الولية‬
‫حِفي ٌ‬
‫ض إِّني َ‬
‫لْر ِ‬
‫نا َ‬
‫خَزآِئ ِ‬
‫عَلى َ‬
‫جَعْلِني َ‬
‫ك{ ‪ ،‬مثل قوله لربه‪}:‬ا ْ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫وقوله‪}:‬اْذُكْرِني ِ‬
‫ضا للتوكل‪ ،‬ول هو من سؤال المارة المنهى عنه‪،‬فكيف يكون قوله للفتى‪} :‬اْذُكْرِني‬
‫للمصلحة الدينية لم يكن هـذا مناق ً‬
‫ضا ِللّتَوّكل وليس فيه إل مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم حاله ليتبين الحق‪ ،‬ويوسف كان من أثبت الناس‪.‬‬
‫ك{ مناق ً‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ِ‬
‫ن َرّبي ِبَكْيِدِهنّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ن َأْيِدَيُه ّ‬
‫طْع َ‬
‫لِتي َق ّ‬
‫سَوِة ال ّ‬
‫ل الّن ْ‬
‫سَأْلُه َما َبا ُ‬
‫ك َفا ْ‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫ك اْئُتوِني ِبِه{ ‪ ،‬قال‪} :‬اْر ِ‬
‫ل اْلَمِل ُ‬
‫ولهذا بعد أن طلب‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ك َفاْسَأْلُه َما َباُل الّنْسَوِة{{‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫عِليٌم{ ]يوسف‪ ،[ 50 :‬فيوسف يذكر ربه فى هذه الحال‪ ،‬كما ذكره فى تلك‪ ،‬ويقول‪} :‬اْر ِ‬
‫َ‬
‫ك{ ترك لواجب‪ ،‬ول فعل لمحرم‪ ،‬حتى يعاقبه ال على ذلك بلبثه فى السجن بضع‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫فلم يكن فى قوله له‪} :‬اْذُكْرِني ِ‬

‫سنين‪ ،‬وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلًما له‪ ،‬مع علمهم ببراءته من الذنب‪.‬‬
‫ت َلَيْسُجُنّنُه َحّتى ِحيٍن{ ]يوسف‪ ،[ 35:‬ولبثـه فى السجن كان كرامة من ال‬
‫قال ال تعالى‪ُ} :‬ثّم َبَدا َلُهم ّمن َبْعِد َما َرَأُوْا الَيا ِ‬
‫عَلْيَنا ِإّنُه‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫خي َقْد َم ّ‬
‫ف َوَهـَذا َأ ِ‬
‫س ُ‬
‫فى حقه؛ ليتم بذلك صبره وتقواه‪ ،‬فإنه بالصبر والتقـوى نـال ما نال؛ ولهذا قال‪َ}:‬أَنْا ُيو ُ‬
‫عا من‬
‫ضيُع َأْجَر اْلُمْحِسِنيَن{ ]يوسف‪ ،[ 90:‬ولو لم يصبر ويتق‪ ،‬بل أطاعهم فيما طلبوا منه جز ً‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫صِبْر َفِإ ّ‬
‫ق َوِي ْ‬
‫َمن َيّت ِ‬
‫السجن‪ ،‬لم يحصل له هذا الصبر والتقوى‪ ،‬وفاته الفضل باتفاق الناس‪.‬‬
‫لكن تنازع العلماء‪ ،‬هل يمكن الكراه على الفاحشة؟ على قولين‪:‬‬
‫قيل‪ :‬ل يمكن‪ ،‬كقول أحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهما‪ ،‬قالوا‪ :‬لن الكراه يمنع النتشار‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬يمكن‪ ،‬وهو قول مالك والشافعى‪ ،‬وابن عقيل‪ ،‬وغيره من أصحاب أحمد؛ لن الكراه ل ينافى النتشار‪ ،‬فإن‬
‫ضا‪ ،‬فالنتشار بل فعل‬
‫ن بالتزام ‪ /‬أدناهما‪ .‬وأي ً‬
‫شّرْي ِ‬
‫الكراه ل ينافى كون الفعل اختياًرا‪ ،‬بل المكره يختار دفع أعظم ال َ‬
‫جع فتباشره المرأة فتنتشر شهوته فتستدخل َذَكَرَه‪.‬‬
‫ضَ‬
‫منه‪ ،‬بل قد ُيَقّيد وُي ْ‬
‫فعلى قول الولين‪ :‬لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال‪ ،‬وعلى القول الثانى‪ :‬فقد يقال‪ :‬الحبس ليس بإكراه يبيح الزنا‪،‬‬
‫بخلف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو َيْتِلُفون بعض أعضائه‪ ،‬فالنزاع إنما هو فى هذا‪ ،‬وهم لم يبلغوا به إلى هذا‬
‫الحد‪ ،‬وإن قيل‪ :‬كان يجوز له ذلك لجل الكراه لكن يفوته الفضل‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر‪ ،‬وتبقى له شهوة وإرادة فى الفاحشة‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫ومـن قـال‪ :‬الزنـا ل يتصـور فيه الكراه‪ ،‬يقول‪ :‬فرق بين ما ل فعل له ـ كالمقيد ـ وبين من له فعل ‪ ،‬كما أن المرأة إذا‬
‫ت حتى زنت ففيه قولن‪ :‬هما روايتان عن أحمد‪،‬‬
‫ل بها الفاحشة لم تأثم بالتفاق‪ ،‬وإن ُأْكِرَه ْ‬
‫ت حتى ُفِع َ‬
‫ت َوُقّيَد ْ‬
‫جعَ ْ‬
‫ضِ‬
‫ُأ ْ‬
‫ل ِمن َبْعِد ِإْكَراِهِهّن َغُفوٌر ّرِحي ٌ{‬
‫م{‬
‫ن ا َّ‬
‫ن َفِإ ّ‬
‫لكن الجمهور يقولون ‪ :‬ل تأثم‪ ،‬وقد دل على ذلك قوله تعالى‪َ} :‬وَمن ُيْكِرهّه ّ‬
‫]النور‪ ،[ 33 :‬وهؤلء يقولون‪ :‬فعل المرأة ل يحتاج إلى انتشار‪ ،‬فإنما هو كالكراه على شرب الخمر‪ ،‬بخلف فعل‬
‫الرجل‪ ،‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫‪ /‬والمقصـود أن يوسف لم يفعل ذنًبا ذكره ال عنـه‪ ،‬وهـو ـ سبحانه ـ ل يذكر عـن أحـد مـن النبـياء ذنـًبا إل ذكر‬
‫اسـتغفاره منـه‪ ،‬ولم يـذكـر عن يوسـف اسـتغفاًرا مـن هـذه الكلمـة‪ ،‬كما لم يذكـر عنـه استغفاًرا من مقدمات الفاحشة‪،‬‬
‫ط هذا فى موضعه‪.‬‬
‫سَ‬
‫ب عليه حسنة‪ ،‬كما قد ُب ِ‬
‫فعلم أنه لم يفعل ذنًبا فى هـذا ول هـذا‪ ،‬بل َهّم هما تركه ل‪َ ،‬فُأِثْي َ‬

‫ى به صاحبه بالمصائب المكفرة‪ ،‬كما فى قولـه صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫جْوِز َ‬
‫وأمـا مـا يكفره البتـلء من السيئات‪ ،‬فذلك ُ‬
‫ب‪ ،‬ول َهّم ول حـزن‪ ،‬ول غَّم ول أذى‪ ،‬إل َكّفـر ال بـه خطاياه(‪ ،‬ولما أنزل‬
‫ص ٍ‬
‫ب ول َن َ‬
‫ص ٍ‬
‫ب المؤمـن مـن َو َ‬
‫) ما ُيصِي ُ‬
‫ال تعالى هذه الية‪َ} :‬من َيْعَمْل ُسوًءا ُيْجَز ِبِه{ ]النساء‪ ،[ 123 :‬قـال أبو بكر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬جاءت قاصمة الظهر‪،‬‬
‫صيبك اللوى؟ فذلك مما تجزون به( ]واللواء‪:‬‬
‫ىَنا لم يعمل سـوًءا؟ فقال‪) :‬ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست ُت ِ‬
‫َوَأ ّ‬
‫الشدة وضيق المعيشة[‪.‬‬
‫طاُن ِذْكَر َرّبِه{ ‪ ،‬أى‪ :‬نسى الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربـه‪ ،‬ونسى ذكر يوسف ربـه‪،‬‬
‫شْي َ‬
‫ساُه ال ّ‬
‫فتبين أن قـولـه‪َ}:‬فَأن َ‬
‫والمصـدر يضاف إلى الفاعـل والمفعول‪ ،‬ويوسف قد ذكر ربـه‪ ،‬ونسى الفتى ذكـر يوسف ربـه‪ ،‬وأنساه الشيطان أن‬
‫يذكر ربه هذا الذكر الخاص‪ ،‬فإنه وإن كان يسقى ربه خمًرا‪ ،‬فقد ل يخطر هذا الذكر بقلبه‪ ،‬وأنساه ‪ /‬الشيطان تذكير‬
‫ربه‪ ،‬وإذكار ربـه لما قـال‪} :‬اْذُكْرِني{ ‪ ،‬أمـره بإذكار ربه‪ ،‬فأنساه الشيطان إذكار ربه‪ ،‬فإذكار ربه أن يجعله ذاكًرا‪،‬‬
‫فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف‪ ،‬والذكر هو مصدر‪ ،‬وهو اسم‪ ،‬فقد يضاف من جهة كونه اسًما‪،‬فيعم هذا‬
‫كله‪،‬أى‪ :‬أنساه الذكر المتعلق بربه‪ ،‬والمضاف إليه‪.‬‬
‫جا ِمْنُهَما َواّدَكَر َبْعَد ُأّمٍة َأَنْا ُأَنّبُئُكم ِبَتْأِويِلِه‬
‫ل اّلِذي َن َ‬
‫ومما يبين أن الذى نسى ربه هو الفتى ل يوسف قوله بعد ذلك‪َ} :‬وَقا َ‬
‫َفَأْرِسُلوِن{ ]يوسف‪، [45:‬وقوله ‪َ}:‬واّدَكَر َبْعَد ُأّمٍة{ ‪ ،‬دليل على أنه كان قد نسى فادكر‪.‬‬

‫ك{ ونحو ذلك‪ ،‬وهذا كان جائًزا‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫ك{ و}اْر ِ‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫ربا فى قوله‪}:‬اْذُكْرِني ِ‬
‫سّمى السيد َ‬
‫فإن قيل‪:‬ل َرْيب أن يوسف َ‬
‫فى شرعه‪،‬كما جاز فى شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته‪ ،‬وكما جاز فى شرعه أن يؤخذ السارق عبًدا‪ ،‬وإن كان هذا‬
‫خا فى شرع محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫منسو ً‬
‫ي{ ]يوسف‪ ،[ 23:‬إن أراد به السيد فل جناح عليه‪ ،‬لكن معلوم أن ترك الفاحشة خوًفا ل‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫ت ِبِه َوَهّم ِبَها َلْول َأن ّرَأى ُبْرَهاَن َرّبِه{‪،‬‬
‫واجب ولو رضى سيدها‪ ،‬ويوسف ـ عليه السلم ـ تركها خوًفا من ال‪َ} .‬وَلَقْد َهّم ْ‬
‫ضا ـ }َر ّ‬
‫ب‬
‫صيَن{ ]يوسف‪ ،[ 24 :‬وقال يوسف ـ أي ً‬
‫خَل ِ‬
‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬
‫حَ‬
‫سوَء َواْلَف ْ‬
‫عْنُه ال ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر َ‬
‫ك ِلَن ْ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫عْنُه َكْيَدُه ّ‬
‫ن‬
‫ف َ‬
‫ب َلُه َرّبُه َفصََر َ‬
‫جا َ‬
‫سَت َ‬
‫ن َفا ْ‬
‫جاِهِلي َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن َوَأُكن ّم َ‬
‫ب ِإَلْيِه ّ‬
‫ص ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عّني َكْيَدُه ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫عوَنِني ِإَلْيِه َوِإ ّ‬
‫ي ِمّما َيْد ُ‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫جُ‬
‫سْ‬
‫ال ّ‬
‫ِإّنُه ُهَو الّسِميُع اْلَعِليُم{ ]يوسف‪ ،[ 34 ،33 :‬فدل على أنه كان معه من خوف ال ما يزعه عن الفاحشة‪ ،‬ولو رضى بها‬

‫ن‪.‬‬
‫الناس‪ ،‬وقد دعا ربه ـ عز وجل ـ أن يصرف عنه َكْيَدُه ّ‬
‫ن{ بصيغة جمع التأنيث‪ ،‬ولم يقـل‪ :‬مما‬
‫ي ِمّما َيْدُعوَنِني ِإَلْيِه{ بصيغة جمع التذكير‪ ،‬وقولـه‪َ} :‬كْيَدُه ّ‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫جُ‬
‫سْ‬
‫وقولـه‪} :‬ال ّ‬
‫يدعيننى إليـه‪ ،‬دليل على الفرق بين هـذا وهـذا‪ ،‬وأنه كان من الذكور من يدعوه مع النساء إلى الفاحشة بالمرأة‪ ،‬وليس‬
‫طَلَع على‬
‫هناك إل زوجها‪ ،‬وذلك أن زوجها كان قليل الغيرة‪ ،‬أو عديمها‪ ،‬وكان يحب امرأته ويطيعها؛ ولهذا لما ا ّ‬
‫طِئيَن{ ]يوسف‪ ،[29 :‬فلم يعاقبها‪ ،‬ولم يفرق‬
‫خا ِ‬
‫ن اْل َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ك ُكن ِ‬
‫ك ِإّن ِ‬
‫سَتْغِفِري ِلَذنِب ِ‬
‫ن َهـَذا َوا ْ‬
‫عْ‬
‫ض َ‬
‫عِر ْ‬
‫ف َأ ْ‬
‫س ُ‬
‫مراودتها قال‪ُ} :‬يو ُ‬
‫بينها وبين يوسف‪ ،‬حتى ل تتمكن من مراودته‪ ،‬وأمر يوسف أل يذكر ما جرى لحد محبة منه لمرأته‪ ،‬ولو كان فيه‬
‫غْيَرة لعاقب المرأة‪.‬‬
‫ِ‬
‫طَلَع عليها الناس من غير جهة يوسف‪ ،‬حتى تحدثت بها النسوة فى المدينة‪ ،‬وذكروا أنها‬
‫ومع هذا‪ ،‬فشاعت القصة وا ّ‬
‫ت ُكّل َواِحَدةٍ ّمْنُهّن ِسّكيًنا{ ]يوسف‪ ،[31 :‬وأمرت‬
‫ن ُمّتَكًأ َوآَت ْ‬
‫ت َلُه ّ‬
‫عَتَد ْ‬
‫ن َوَأ ْ‬
‫ت ِإَلْيِه ّ‬
‫سَل ْ‬
‫تراود فتاها عن نفسه‪ ،‬ومع هذا‪ :‬فـ }َأْر َ‬
‫سِه‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫ن اّلِذي ُلْمُتّنِني ِفيِه َوَلَقْد َراَودّتُه َ‬
‫يوسف أن يخرج عليهن؛ ليقمن عذرها على مراودته‪ ،‬وهى تقول لهن‪َ}:‬فَذِلُك ّ‬
‫صاِغِريَن{ ]يوسف‪.[23:‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َوَلَيُكوًنا ّم َ‬
‫جَن ّ‬
‫سَ‬
‫ل َما آُمُرُه َلُي ْ‬
‫صَم َوَلِئن ّلْم َيْفَع ْ‬
‫سَتْع َ‬
‫َفا َ‬
‫وهذا يدل على أنها لم تزل متمكنة من مراودته‪ ،‬والخلوة به‪ ،‬مع علم الزوج بما جرى‪ ،‬وهذا من أعظم الّدياثة ]الدياثة‪:‬‬
‫س فإنما حبس بأمرها‪ ،‬والمرأة ل تتمكن من حبسه إل بأمر الزوج‪،‬‬
‫حِب َ‬
‫الرجل الذى ل غيرة له على أهله[‪ ،‬ثم إنه لما ُ‬
‫ى هتك عرضى فحبسه‪ ،‬وحبسه لجل المرأة معاونة لها على‬
‫طّ‬
‫فالزوج هو الذى حبسه‪ .‬وقد روى أنها قالت‪ :‬هذا الِقْب ِ‬
‫مطلبها ِلدَياَثِتِه‪ ،‬وقلة غيرته‪ ،‬فدخل هو فى من دعا يوسف إلى الفاحشة‪.‬‬
‫فعلم أن يوسف لم يترك الفاحشة لجلـه‪ ،‬ول لخـوفـه منـه‪ ،‬بل قد علم يقيًنا أنه لم يكن يخاف منـه‪ ،‬وأن يوسـف لو‬
‫خْلَوَة التى هى‬
‫أعطاهـا ما طلبت‪،‬لم يكن الزوج يدرى‪،‬ولو درى فلعلـه لم يكـن ينكـر؛ فإنه قد درى بالمراودة وال ُ‬
‫مقتضية لذلك فى الغالب فلم ينكـر‪ ،‬ولو قـدر أنـه َهّم بعقوبة يوسف فكانت هى الحاكمة على الزوج القاهرة له‪ .‬وقد‬

‫قال النبى صلى ال عليه وسلم‪):‬ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن(‪ ،‬ولما راجعنه‬
‫فى إمامة الصديق قال‪):‬إنكن لنتن صواحب يوسف(‪ ،‬ولما أنشده العشى‪:‬‬
‫‪/‬وهن شر غالب لمن غلب‬
‫شّر غالب لمن غلب‪ .‬فكيف ل تغلب مثل هذا الزوج وتمنعه من عقوبة يوسف؟ وقد عهد‬
‫استعاد ذلك منه وقال‪ :‬وهن َ‬
‫الناس خلًقا من الناس تغلبهم نساؤهم‪ ،‬من نساء التتر وغيرهم‪ ،‬يكون لمرأته غرض فاسد فى فتاه‪ ،‬أو فتاها‪ ،‬وتفعل‬
‫معه ما تريد‪ ،‬وإن أراد الزوج أن يكشف أو ُيَعاِقب منعته ودفعته‪ ،‬بل وأهانته وفتحت عليه أبواًبا من الشر بنفسها‪،‬‬
‫سا برأس‪ ،‬مع كون الرجل فيه‬
‫شِمَها‪ ،‬والمطالبة بصداقها وغير ذلك‪ ،‬حتى يتمنى الرجل الخلص منها رأ ً‬
‫حَ‬
‫وأهلها و َ‬
‫غيرة فكيف مع ضعف الغيرة؟!‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫ي‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫فهذا كله يبين أن الداعى ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف ال ل خوًفا من السيد؛ فلهذا قال‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫ظاِلُموَن{ ]يوسف‪ ،[ 23:‬قيل‪:‬هذا مما يبين محاسن يوسف‪ ،‬ورعايته لحق ال وحق المخلوقين‪ ،‬ودفعه الشر‬
‫ح ال ّ‬
‫ل ُيفِْل ُ‬
‫ِإّنُه َ‬

‫بالتى هى أحسن‪ ،‬فإن الزنا بامرأة الغير فيه حقان مانعان‪ ،‬كل منهما مستقل بالتحريم‪.‬‬
‫فالفاحشة حرام لحق ال ولو رضى الزوج‪ ،‬وظلم الزوج فى امرأته حرام لحقه‪ ،‬بحيث لو سقط حق ال بالتوبة منه‬
‫فحق هذا فى امرأته ل يسقط‪ ،‬كما لو ظلمه وأخذ ماله وتاب من حق ال‪ ،‬لم يسقط ‪ /‬حق المظلوم بذلك؛ ولهذا جاز‬
‫للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها ويلعنها‪ ،‬ويسعى فى عقوبتها بالرجم‪ ،‬بخلف الجنبى‪ ،‬فإنه ل يجوز له قذفها ول‬
‫حُد إذا لم يأت بأربعة شهداء‪ ،‬فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها‪ ،‬وهو عنده أعظم من‬
‫يلعن‪ ،‬بل ُي َ‬
‫أخذ ماله‪.‬‬
‫ولهذا يجوز له قتله دفًعا عنها باتفاق العلماء‪ ،‬إذا لم يندفع إل بالقتل بالتفاق‪ ،‬ويجوز فى أظهر القولين قتله وإن اندفع‬
‫بدونه‪ ،‬كما فى قصة عمر بن الخطاب ـ رضى ال عنه ـ لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم‪ ،‬وذكر أنه وجد رجل تفخذ‬
‫ل قوله أنه قتله لذلك إذ ظهرت دلئل ذلك‪.‬‬
‫امرأته فضربه بالسيف‪ ،‬فأقره عمر على ذلك وشكره‪ ،‬وَقِب َ‬
‫وهذا كما لو اطلع رجل فى بيته‪ ،‬فإنه يجوز له أن َيْفقأ عينه ابتداء‪ ،‬وليس عليه أن ينذره‪ ،‬هذا أصح القولين‪ ،‬كما ثبت‬
‫فى الصحيحين عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬لو اطلع رجل فى بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شىء(‪،‬‬
‫وكذلك قال فى الذى عض يد غيره فنزع يده فانقلعت أسنان العاض‪.‬‬
‫وهـذا مذهب فقهاء الحديث‪ ،‬وأكثر السلف‪ ،‬وفى المسألتين نزاع ليس هذا موضعه‪ ،‬إذ المقصود أن الزانى بامرأة‬
‫غيره ظالم للزوج‪ ،‬وللزوج حق عنده؛ ولهذا ذكر النبى صلى ال عليه وسلم أن من ‪ /‬زنى بامرأة المجاهد؛ فإنه ُيَمّكن‬
‫يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء‪.‬‬
‫وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أى الذنب أعظم؟ قال‪) :‬أن تجعل ال نًدا وهو خلقك(‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫ك( فذكر الزنا بحليلة‬
‫جاِر َ‬
‫حليَلة َ‬
‫طَعَم معك(‪ ،‬قلت‪ :‬ثم أى؟ قال‪) :‬أن تزانى ب َ‬
‫ثم أى؟ قال‪) :‬أن تقتل ولدك خشية أن ُي ْ‬
‫الجار‪ ،‬فعلم أن للزوج حًقا فى ذلك‪ ،‬وكان ظلم الجار أعظم؛ للحاجة إلى المجاورة‪.‬‬
‫وإن قيـل‪:‬هـذا قـد ل ُيَمّكـن زوج المرأة أن يحترز منـه‪،‬والجار عليه حق زائد على حـق الجنبى‪ ،‬فكيف إذا ظلم فى‬
‫ضا‪ ،‬ففى هـذا من الظلم أكثر ممـا فى غـيره‪ ،‬وجـاره يجب عليـه أن يحفظ امـرأته‬
‫أهلـه والجـيران يـأمـن بعضهم بع ً‬
‫مـن غـيره‪ ،‬فكيف يفسـدهـا هو‪.‬‬
‫ل يوسف ذلك بحق‬
‫عّل َ‬
‫فلما كان الزنا بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم‪ ،‬مثل لحم الخنزير الميت‪َ ،‬‬
‫الزوج‪ ،‬وإن كان كل من المرين مانًعا له‪ ،‬وكان فى تعليله بحق الزوج فوائد‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به‪ ،‬بخلف حق ال ـ تعالى ـ فإنها ل تعرف عقوبة ال فى ذلك‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬أن المرأة قد ترتدع بذلك‪ ،‬فترعى حق زوجها‪ ،‬إما ‪/‬خوًفا وإمـا رعاية لحقه‪ ،‬فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن‬
‫هذا رعاية لحق سيده؛ فالمرأة أولى بذلك؛ لنها خائنة فى نفس المقصود منها‪ ،‬بخلف المملوك‪ ،‬فإن المطلوب منه‬
‫الخدمة‪ ،‬وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله‪.‬‬
‫ىـة من الزوج‪ ،‬فإنها تطمع فيه‬
‫خِل ّ‬
‫سَفاح ‪ ،‬بخـلف ال َ‬
‫ومنها‪ :‬أن هـذا مانع ُمْؤيس لها فـل تطمع فيـه ل بنكاح ول ِب ِ‬
‫بنكاح حلل‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنه لو علل بالزنا فقد تسعى هى فى فـراق الزوج ‪ ،‬والتزوج به ‪ ،‬فإن هـذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ؛‬
‫ولهذا إذا طلقت امرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها‪ ،‬ولو طلقها ليتزوج بها ـ كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن‬
‫عْوفٍ‪ :‬إن لى امرأتين فاختر أيتهما شئت حتى أطلقها وتتزوجها ـ لكنه بدون رضاه ل يحل‪ ،‬كما فى المسند عن‬
‫بن َ‬
‫ب امرأة على زوجها‪ ،‬ول عبًدا على مواليه( ]قوله‪ :‬خَّبب‪ :‬أى‬
‫خّب َ‬
‫النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ ) :‬ليس ِمّنا من َ‬
‫سْوِم أخيه‪ ،‬فإذا‬
‫سَتام على َ‬
‫طَبة أخيه‪ ،‬وَي ْ‬
‫خ ْ‬
‫طب الرجل على ِ‬
‫خِ‬
‫حّرَم النبي صلى ال عليه وسلم أن َي ْ‬
‫خدع وأفسد[ ‪ ،‬وقد َ‬
‫طَبِة وقبل العقد ل يحل له أن يطلب التزوج بامرأته فكيف بعد العقد‪ ،‬والدخول والصحبة ؟ !‬
‫خ ْ‬
‫كان بعد ال ِ‬
‫ن عظيم‪ ،‬وقد جرى مثل هذا‪ .‬فلما‬
‫حّرم ربما طمعت فى أن تفارق الزوج وتتزوجه‪ ،‬فإن َكْيَدُه ّ‬
‫فلو علل بأن هذا زنا َم َ‬
‫ي{ ‪ ،‬يئست من ذلك‪ ،‬وعلمت أنه يراعى حق الزوج‪ ،‬فل يزاحمه فى امرأته‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫علل بحق ‪ /‬سيده وقال‪ِ}:‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫ضا ـ فإنه‬
‫البتة‪ ،‬ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضى بالفاحشة وأباح امرأته‪ ،‬لم يكن هذا مما يبيحها لحق ال ولحقه ـ أي ً‬
‫ليس كل حق للنسان له أن يسقطه‪ ،‬ول يسقط بإسقاطه‪ ،‬وإنما ذاك فيما يباح له بذله‪ ،‬وهو ما ل ضرر عليه فى بذله‪،‬‬
‫مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع‪.‬‬
‫وأما مـا ليس له بذلـه فل يباح بإباحته‪ ،‬كما لو قال له‪ :‬علمنى السحر والكفر والكهانة‪ ،‬وأنت فى حل من إضللى‪ ،‬أو‬
‫قال له‪ِ :‬بْعنى رقيًقا وخذ ثمنى‪ ،‬وأنت فى حل من ذلك‪.‬‬
‫وكذلك إذا قـال‪ :‬افعل بى أو بابنتى أو بامرأتى أو بإمائى الفاحشة‪ ،‬لم يكن هذا مما يسقط حقه فىه بإباحته‪ ،‬فإنه ليس‬
‫ضا ـ ظلًما لهذا‬
‫له بذل ذلك‪ ،‬ومعلوم أن ال يعاقبها على الفاحشة وإن تراضيا بها‪ ،‬لكن المقصود أن فى ذلك ـ أي ً‬
‫الشخص ل يرتفع بإباحته‪ ،‬كظلمه إذا جعلـه كافـًرا أو رقيًقا‪ ،‬فـإن كونه يفعل به الفاحشة أو بأهله‪ ،‬فيه ضرر عليه ل‬
‫ل عقلى وأنت فى حل من ذلك؛ فإن النسان ل‬
‫يملك إباحته؛ كالضرر عليه فى كونه كافًرا‪ ،‬وهو كما لو قال له‪َ :‬أِز ْ‬
‫يملك بذل ذلك‪ ،‬بل هو ممنوع من ذلك‪ ،‬كما يمنع السفيه من التصرف فى ماله‪ ،‬أو إسقاط حقوقه‪ ،‬وكذلك المجنون‬
‫والصغير؛ فإن هؤلء محجور عليهم لحقهم‪.‬‬
‫خِنيِثهِ‬
‫جِنِينه أو َت ْ‬
‫‪/‬ولهذا لو أذن له الصبى أو السفيه فى أخـذ مالـه لم يكـن لـه ذلك‪ ،‬ومـن أذن لغيـره فى َتْكِفـيرِه أو َت ْ‬
‫سفـه السفـهاء‪ ،‬وهذا مثـل الربـا‪،‬فـإنـه وإن رضى به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح‬
‫والفحاش بـه وبأهلـه‪،‬فهـو مـن َأ ْ‬
‫ذلك؛لما فيه من ظلمه؛ ولهـذا لـه أن يطالبـه بما قبض منـه مـن الزيـادة‪ ،‬ول يعطيه إل رأس ماله‪ ،‬وإن كان قد بذلـه‬
‫باختياره‪،‬ولو كـان التحـريم لمجرد حق ال ـ تعالى ـ لسقط برضاه‪ ،‬ولو كان حقه إذا أسقطـه سقط لما كـان لـه‬
‫الرجـوع فى الزيـادة‪ ،‬والنسان يحـرم عليـه قتـل نفسـه أعظم مما يحـرم عليـه قتـل غيره‪ ،‬فلو قـال لغيره‪ :‬اقتلنى لم‬
‫يملك منـه أعظم ممـا يملك هـو مـن نفسـه‪.‬‬
‫جوُهُهمْ‬
‫ب ُو ُ‬
‫ولهذا يوم القيامة يتظلم من الكابر‪ ،‬وهم لم يكرهوهم على الكفر‪ ،‬بل باختيارهم كفروا‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬يْوَم ُتَقّل ُ‬
‫ن اْلَعَذا ِ‬
‫ب‬
‫ن ِم َ‬
‫ضْعَفْي ِ‬
‫ل َرّبَنا آِتِهْم ِ‬
‫سِبي َ‬
‫ضّلوَنا ال ّ‬
‫ساَدَتَنا َوُكَبَراءَنا َفَأ َ‬
‫طْعَنا َ‬
‫ل َوَقاُلوا َرّبَنا ِإّنا َأ َ‬
‫سو َ‬
‫طْعَنا الّر ُ‬
‫ل َوَأ َ‬
‫طْعَنا ا َّ‬
‫ن َيا َلْيَتَنا َأ َ‬
‫ِفي الّناِر َيُقوُلو َ‬
‫ضّلوَنا َفآِتِهْم‬
‫لُهْم َرّبَنا َهـُؤلء َأ َ‬
‫لو َ‬
‫خَراُهْم ُ‬
‫ت ُأ ْ‬
‫حّتى ِإَذا اّداَرُكوْا ِفيَها جَِميًعا َقاَل ْ‬
‫َواْلَعْنُهْم َلْعًنا َكِبيًرا{ ]الحزاب‪ 66 :‬ـ ‪ ،[68‬وقال‪َ } :‬‬
‫ن َكَفُروا َرّبَنا َأِرَنا اّلَذْي ِ‬
‫ن‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[ 38:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ل َتْعَلُمو َ‬
‫ف َوَلـِكن ّ‬
‫ضْع ٌ‬
‫ل ِ‬
‫ل ِلُك ّ‬
‫ن الّناِر َقا َ‬
‫ضْعًفا ّم َ‬
‫عَذاًبا ِ‬
‫َ‬
‫ت َأْقَداِمَنا ِلَيُكوَنا ِمَن اَْلْسَفِليَن{ ]فصلت‪.[29 :‬‬
‫ح َ‬
‫جَعْلُهَما َت ْ‬
‫س َن ْ‬
‫لن ِ‬
‫ن َوا ِْ‬
‫جّ‬
‫ن اْل ِ‬
‫لَنا ِم َ‬
‫ضّ‬
‫َأ َ‬

‫وكذلك الناس يلعنون الشيطان‪ ،‬وإن كان لم يكرههم على الذنوب ‪ / ،‬بل هم باختيارهم أذنبوا‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬هؤلء يقولون لشياطين النس والجن‪ :‬نحن لم نكن نعلم أن فى هذا علينا ضرًرا‪ ،‬ولكن أنتم زينتم لنا هذا‬
‫سْنُتُموُه حتى فعلناه‪ ،‬ونحن كنا جاهلين بالمر‪ .‬قيل‪ :‬كما نعلم أن الجاهل بما عليه فى الفعل من الضرر ل عبرة‬
‫حّ‬
‫وَ‬

‫برضاه وإذنه‪ ،‬وإنما يصح الرضاء والذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به‪ ،‬وما كان على النسان فيه ضرر راجع‬
‫ل يرضى به إل لعدم علمه‪ ،‬وإل فالنفس تمتنع بذاتها من الضرر الراجع‪.‬‬
‫ولهذا كـان مـن اشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم يعلم بحاله غير راض به‪ ،‬بل لـه الفسخ بعـد ذلك؛‬
‫كـذلك الكفـر والجنـون والفاحشـة بالهـل‪ ،‬ل يرضى بها إل مـن لم يعلم بما فيها مـن الضرر عليه‪ ،‬فإذا أذن فيها لم‬
‫يسقط حقه‪،‬بل يكون مظلوًما‪ ،‬ولو قال‪ :‬أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به كان كذًبا‪ ،‬بل هو من أجهل الناس بما‬
‫يقوله‪.‬‬
‫ولهذا لو تكلم بكلم ل يفهم معناه‪ ،‬وقال‪ :‬نويت موجبه عند ال‪ ،‬لم يصح ذلك فى أظهر القولين؛ مثل أن يقول‪) :‬بهشم(‬
‫ول يعرف معناها‪ ،‬أو يقول‪ :‬أنت طالق إن دخلت الدار وينوى موجبها ‪ /‬من العربية‪ ،‬وهو ل يعرف ذلك؛ فإن النية‬
‫والقصد والرضا مشروط بالعلم‪ ،‬فما لم يعلمه ل يرضى به‪ ،‬إل إذا كان راضًيا به مع العلم‪ ،‬ومن كان يرضى بأن‬
‫ن وُتْفَعل الفاحشة به وبأهله‪ ،‬فهو ل يعلم ما عليه فى ذلك من الضرر‪ ،‬بل هو سفيه‪ ،‬فل عبرة برضاه وإذنه‪،‬‬
‫جّ‬
‫ُيَكّفر وُي َ‬
‫بل له حق عند من ظلمه وفعل به ذلك غير ما ل من الحق‪ ،‬وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع‪.‬‬
‫ظاِلُموَن{ ]يوسف‪ ،[ 23:‬يقول‪ :‬متى أفسدت امرأته‬
‫ح ال ّ‬
‫ل ُيْفِل ُ‬
‫ي ِإّنُه َ‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ولهذا قال يوسف ـ عليه السلم ـ‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫كنت ظالًما بكل حال‪ ،‬وليس هذا جزاء إحسانه إلى‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬وإن كانوا فعلوه بتراضيهم‪ ،‬قال طاوس‪ :‬ما اجتمع‬
‫والناس إذا تعاونوا على الثم والعدوان أبغض بعضهم بع ً‬
‫ل َأْوَثاًنا ّمَوّدَة َبْيِنُكْم ِفي‬
‫ن ا ِّ‬
‫خْذُتم ّمن ُدو ِ‬
‫رجلن على غير ذات ال إل تفرقا عن تقال‪ ،‬وقال الخليل عليه السلم‪ِ} :‬إّنَما اّت َ‬
‫صِريَن{ ]العنكبوت‪،[25:‬‬
‫ضا َوَمْأَواُكُم الّناُر َوَما َلُكم ّمن ّنا ِ‬
‫ضُكم َبْع ً‬
‫ن َبْع ُ‬
‫ض َوَيْلَع ُ‬
‫ضُكم ِبَبْع ٍ‬
‫حَياِة الّدْنَيا ُثّم َيْوَم اْلِقَياَمِة َيْكُفُر َبْع ُ‬
‫اْل َ‬
‫ضا لمجرد كونه عصى ال‪ ،‬بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته‬
‫وهؤلء ل يكفر بعضهم ببعض‪ ،‬ويلعن بعضهم بع ً‬
‫لَوُموَن{]القلم‪ ،[30:‬أى‪:‬‬
‫ض َيَت َ‬
‫عَلى َبْع ٍ‬
‫ضُهْم َ‬
‫ل َبْع ُ‬
‫ريم‪َ} :‬فَأْقَب َ‬
‫صِ‬
‫من الضرر‪ .‬وقال تعالى عن أهل الجنة التى أصبحت كال ّ‬
‫ض َعُدّو ِإّل اْلُمّتِقيَن{ ]الزخرف‪.[67:‬‬
‫ضُهْم ِلَبْع ٍ‬
‫لء َيْوَمِئٍذ َبْع ُ‬
‫خّ‬
‫لِ‬
‫ضا‪ ،‬وقال‪} :‬ا َْ‬
‫يلوم بعضهم بع ً‬
‫خاّلة ]أى‪ :‬الصداقة‪ ،‬بالفتح‪ ،‬والضم لغة[ إذا كانت على غير مصلحة الثنين؛ كانت عاقبتها عدواة‪ ،‬وإنما تكون‬
‫فالُم َ‬
‫على مصلحتهما إذا كانت فى ذات ال‪ ،‬فكل منهما وإن بذل للخر إعانة على ما يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه‪،‬‬
‫ضا وتعاديا وتلعًنا‪ ،‬وكل منهما يقول للخر‪ :‬لول أنت ما فعلت أنا وحدى‬
‫فهذا التراضى ل اعتبار به‪ ،‬بل يعود تباغ ً‬
‫هذا‪َ ،‬فَهلِكى كان منى ومنك‪.‬‬
‫والرب ل يمنعهما من التباغض والتعادى والتلعن‪ ،‬فلو كان أحدهما ظالًما للخر فيه لنهى عن ذلك‪ ،‬ويقول كل‬
‫ت معى هذا‪،‬‬
‫منهما للخر‪ :‬أنت لجل غرضك أوقعتنى فى هذا‪ ،‬كالزانيين كل منهما يقول للخر‪ :‬لجل غرضك فعل َ‬
‫ت لم أفعل أنا هذا‪ ،‬لكن كل منهما له على الخر مثل ما للخر عليه؛ فتعادل‪.‬‬
‫ولو امتنع َ‬
‫ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر‪ ،‬كان الخر يتظلمه ويلعنه أكثر‪ ،‬وإن تساويا فى الطلب تقاوما‪ ،‬فإذا‬
‫رضى الزوج بالدياثة فإنما هو لرضاء الرجل أو المرأة لغرض له آخر‪ ،‬مثل أن يكون محًبا لها‪ ،‬ول تقيم معه إل‬
‫على هذا الوجه‪ ،‬فهو يقول للزانى بها‪ :‬أنت لغرضك أفسدت على امرأتى‪ ،‬وأنا إنما رضيت لجل غرضها‪ ،‬فأنت لما‬
‫أفسدت على امرأتى وظلمتنى فعلت معى ما فعلت‪.‬‬
‫‪ /‬ومن ذلك أنه لو قال‪ :‬إنى أخاف ال أن يعاقبنى ونحو ذلك؛ لقالت‪ :‬أنت إنما تترك غرضى لغرضك فى النجاة‪ ،‬وأنا‬
‫ي{ علل بحق سيده الذى يجب عليه‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫حسَ َ‬
‫سيدتك‪ ،‬فينبغى أن تقدم غرضى على غرضك‪ ،‬فلما قال‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫وعليها رعاية حقه‪.‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫ب ِإَلْيِهّن َوَأُكن ّمَن اْلَجاِهِليَن{ ]يوسف‪:‬‬
‫ص ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عّني َكْيَدُه ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫عوَنِني ِإَلْيِه َوِإ ّ‬
‫ي ِمّما َيْد ُ‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫جُ‬
‫سْ‬
‫ب ال ّ‬
‫وفى قول يوسف‪َ} :‬ر ّ‬
‫‪ [33‬عبرتان‪:‬‬

‫إحداهما‪ :‬اختيار السجن والبلء على الذنوب والمعاصى‪.‬‬
‫صَبا‬
‫والثانىة‪ :‬طلب سؤال ال ودعائه أن يثبت القلب على دينه‪ ،‬ويصرفه إلى طاعته‪ ،‬وإل فإذا لم يثبت القلب‪ ،‬وإل َ‬
‫إلى المرين بالذنوب‪ ،‬وصار من الجاهلين‪.‬‬
‫ففى هذا توكل على ال‪ ،‬واستعانة به أن يثبت القلب على اليمان والطاعة‪ ،‬وفيه صبر على المحنة والبلء والذى‬
‫الحاصل إذا ثبت على اليمان والطاعة‪.‬‬
‫ل ُيوِرُثَها َمن َيَشاء ِمْن ِعَباِدِه َواْلَعاِقَبُة ِلْلُمّتِقيَن{؛‬
‫ض ِّ‬
‫لْر َ‬
‫نا َ‬
‫صِبُروْا ِإ ّ‬
‫ل َوا ْ‬
‫سَتِعيُنوا ِبا ّ‬
‫‪ /‬إذا كقول موسى ـ عليه السلم ـ لقومه‪} :‬ا ْ‬
‫ض ِّ‬
‫ل‬
‫لْر َ‬
‫نا َ‬
‫صِبُروْا ِإ ّ‬
‫ل َوا ْ‬
‫سَتِعيُنوا ِبا ّ‬
‫سى ِلَقْوِمِه ا ْ‬
‫ل ُمو َ‬
‫ن َقا َ‬
‫ساءُهْم َوِإّنا َفْوَقُهْم َقاِهُرو َ‬
‫حِيـي ِن َ‬
‫سَت ْ‬
‫ل َأْبَناءُهْم َوَن ْ‬
‫سُنَقّت ُ‬
‫لما قال فرعون‪َ } :‬‬
‫ُيوِرُثَها َمن َيَشاء ِمْن ِعَباِدِه َواْلَعاِقَبُة ِلْلُمّتِقيَن{ ]العراف‪.[128 ،127 :‬‬
‫صَبُروْا‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫خَرِة َأْكَبُر َلْو َكاُنوْا َيْعَلُمو َ‬
‫جُر ال ِ‬
‫لْ‬
‫سَنًة َو َ‬
‫حَ‬
‫ظِلُموْا َلُنَبّوَئّنُهْم ِفي الّدْنَيا َ‬
‫ل ِمن َبْعِد َما ُ‬
‫جُروْا ِفي ا ّ‬
‫ن َها َ‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫َوَعَلى َرّبِهْم َيَتَوّكُلوَن{ ]النحل‪.[42 ،41:‬‬
‫صِبُروْا‬
‫ن{ ]يوسف‪ ،[90:‬وهـو نظـير قـولـه‪َ} :‬وِإن َت ْ‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫جَر اْلُم ْ‬
‫ضيُع َأ ْ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ومنه قول يوسف ـ عليه السلم ـ‪َ} :‬فِإ ّ‬
‫ك ِمْن َعْزِم اُلُموِر{ ]آل عمران‪:‬‬
‫ن َذِل َ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقوْا َفِإ ّ‬
‫شْيًئا{ ]آل عمران‪ ،[120:‬وقـوله‪َ} :‬وِإن َت ْ‬
‫ضّرُكْم َكْيُدُهْم َ‬
‫َوَتّتُقوْا لَ َي ُ‬
‫ف ّمَن اْلَملِئَكِة ُمَسّوِميَن{ ]آل عمران‪:‬‬
‫سِة آل ٍ‬
‫خْم َ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقوْا َوَيْأُتوُكم ّمن َفْوِرِهْم َهـَذا ُيْمِدْدُكْم َرّبُكم ِب َ‬
‫‪ ،[186‬وقوله‪َ} :‬بَلى ِإن َت ْ‬

‫‪.[125‬‬
‫فلبد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور‪ ،‬كما فعل يوسف ـ عليه السلم ـ‪ :‬اتقى ال بالعفة عن الفاحشة‪،‬‬
‫وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس‪ ،‬واستعان ال ودعاه‪ ،‬حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه‬
‫كيدهن‪ ،‬وصبر على الحبس‪.‬‬
‫ل{ ]العنكبوت‪،[10:‬وكما قال‬
‫ب ا ِّ‬
‫س َكَعَذا ِ‬
‫ل ِفْتَنَة الّنا ِ‬
‫جَع َ‬
‫ل َ‬
‫ي ِفي ا ِّ‬
‫ل َفِإَذا ُأوِذ َ‬
‫ل آَمّنا ِبا ِّ‬
‫س َمن َيُقو ُ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫‪/‬وهذا كما قال تعالى‪َ}:‬وِم َ‬
‫خَرَة َذِل َ‬
‫ك‬
‫لِ‬
‫سَر الّدْنَيا َوا ْ‬
‫خِ‬
‫جِهِه َ‬
‫عَلى َو ْ‬
‫ب َ‬
‫صاَبْتُه ِفْتَنٌة انَقَل َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِبِه َوِإ ْ‬
‫طَمَأ ّ‬
‫خْيٌر ا ْ‬
‫صاَبُه َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ف َفِإ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫عَلى َ‬
‫ل َ‬
‫س َمن َيْعُبُد ا َّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫تعالى‪َ}:‬وِم َ‬
‫س اْلَمْوَلى‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه َلِبْئ َ‬
‫ضّرهُ َأْقَر ُ‬
‫عو َلَمن َ‬
‫ل اْلَبِعيُد َيْد ُ‬
‫لُ‬
‫ضَ‬
‫ك ُهَو ال ّ‬
‫ل َينَفُعُه َذِل َ‬
‫ضّرُه َوَما َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ن اْلُمِبي ُ‬
‫سَرا ُ‬
‫خْ‬
‫ُهَو اْل ُ‬
‫س اْلَعِشيُر{ ]الحج‪ 10:‬ـ ‪ ،[ 13‬فإنه لبد من أذى لكل من كان فى الدنيا‪،‬فإن لم يصبر على الذى فى طاعة ال‪ ،‬بل‬
‫َوَلِبْئ َ‬
‫ل ِفي اْلِفْتَنِة‬
‫ل َتْفِتّني َأ َ‬
‫ل اْئَذن ّلي َو َ‬
‫اختار المعصية‪،‬كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير‪َ}.‬وِمْنُهم ّمن َيُقو ُ‬
‫طوْا{]التوبة‪.[49:‬‬
‫سَق ُ‬
‫َ‬

‫ومن احتمل الهوان والذى فى طاعة ال على الكرامة والعز فى معصية ال‪ ،‬كما فعل يوسف ـ عليه السلم ـ وغيره‬
‫من النبياء والصالحين‪ ،‬كانت العاقبة له فى الدنيا والخرة‪ ،‬وكان ما حصل له من الذى قد انقلب نعيًما وسروًرا‪،‬‬
‫كما أن ما يحصل لرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزًنا وثبوًرا‪.‬‬
‫سِهم إذ أطاع ال‪ ،‬بل آثر الحبس‬
‫حْب ِ‬
‫فيوسف صلى ال عليه وسلم خاف ال من الذنوب‪ ،‬ولم يخف من أذى الخلق و َ‬
‫والذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات‪ ،‬ونيل الرياسة والمال مع المعصية‪ ،‬فإنه لو وافق امرأة‬
‫العزيز نال الشهوة‪ ،‬وأكرمته المرأة بالمال والرياسة‪/ ،‬وزوجها فى طاعتها‪ ،‬فاختار يوسف الذل والحبس‪ ،‬وترك‬
‫الشهوة والخروج عن المال والرياسة‪ ،‬مع الطاعة على العز والرياسة والمال وقضاء الشهوة مع المعصية‪.‬‬
‫بل قدم الخوف من الخالق على الخوف من المخلوق‪ ،‬وإن آذاه بالحبس والكذب فإنها كذبت عليه؛ فزعمت أنه راودها‬
‫ثم حبسته بعد ذلك‪.‬‬
‫وقد قيل‪ :‬إنها قالت لزوجها‪ :‬إنه هتك عرضى لم يمكنها أن تقول له‪ :‬راودنى‪ ،‬فإن زوجها قد عرف القصة‪ ،‬بل كذبت‬
‫عليه كذبة تروج على زوجها‪ ،‬وهو أنه قد هتك عرضها بإشاعة فعلها‪ ،‬وكانت كاذبة على يوسف لم يذكر عنها شىًئا‪،‬‬
‫ل وآخًرا‪ ،‬كذبت عليه بأنه طلب الفاحشة‪ ،‬وكذبت عليه بأنه أشاعها‪ ،‬وهى التى طالبت وأشاعت‪ ،‬فإنها‬
‫بل كذبت أو ً‬
‫صَم{ ]يوسف‪ ،[32:‬فهذا غاية الشاعة لفاحشتها لم تستر‬
‫سَتْع َ‬
‫سِه َفا َ‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫ن اّلِذي ُلْمُتّنِني ِفيِه َوَلَقْد َراَودّتُه َ‬
‫قالت للنسوة‪َ} :‬فَذِلُك ّ‬
‫نفسها‪.‬‬

‫عن‬
‫ن فى المدينة‪} :‬اْمَرَأُة اْلَعِزيِز ُتَراِوُد َفَتاَها َ‬
‫ن قولها قد ُقْل َ‬
‫سَمْع َ‬
‫والنساء أعظم الناس إخباًرا بمثل ذلك ‪ ،‬وهن قبل أن َي ْ‬
‫ّنْفِسِه{ ]يوسف‪ ،[ 30 :‬فكيف إذا اعترفت بذلك وطلبت رفع الملم عنها؟‬

‫ب ِإَلْيِهّن{{‬
‫ص ُ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عّني َكْيَدُه ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫‪ /‬وقد قيل‪ :‬إنهن أعّنها فى المراودة‪ ،‬وعذلنه على المتناع‪ ،‬ويدل على ذلك قوله‪َ} :‬وِإ ّ‬
‫طْعَن َأْيِدَيُهّن ِإّن َرّبي ِبَكْيِدِهّن َعِليٌم{ ]يوسف‪ ،[50 :‬فدل‬
‫لِتي َق ّ‬
‫سَوِة ال ّ‬
‫ل الّن ْ‬
‫سَأْلُه َما َبا ُ‬
‫ك َفا ْ‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫]يوسف‪ ،[33 :‬وقوله }اْر ِ‬
‫سوٍء‬
‫عَلْيِه ِمن ُ‬
‫عِلْمَنا َ‬
‫ل َما َ‬
‫ش ِّ‬
‫حا َ‬
‫ن َ‬
‫سِه ُقْل َ‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫ف َ‬
‫س َ‬
‫ن ُيو ُ‬
‫ن ِإْذ َراَودّت ّ‬
‫طُبُك ّ‬
‫خ ْ‬
‫ن الملك‪َ} :‬ما َ‬
‫ن‪ ،‬وقد قال َلُه ّ‬
‫على أن هناك كيًدا َمْنُه ّ‬
‫صاِدِقيَن{ ]يوسف‪ ،[51 :‬فهن لم يراودنه لنفسهن‪ ،‬إذ‬
‫ن ال ّ‬
‫سِه َوِإّنُه َلِم َ‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫ق َأَنْا َراَودّتُه َ‬
‫حّ‬
‫ص اْل َ‬
‫ح َ‬
‫صَ‬
‫ح ْ‬
‫ن َ‬
‫ت امَْرَأُة اْلَعِزيِز ال َ‬
‫َقاَل ِ‬
‫ن المرأة على مطلوبها‪.‬‬
‫ن أع ّ‬
‫كان ذلك غير ممكن‪ ،‬وهو عند المرأة فى بيتها وتحت حجرها‪ ،‬لكن قد يك ّ‬
‫وإذا كان هذا فى فعل الفاحشة؛ فغيرها من الذنوب أعظم‪ ،‬مثل الظلم العظيم للخلق‪ ،‬كقتل النفس المعصومة‪ ،‬ومثل‬
‫لْثَم َواْلَبْغ َ‬
‫ي‬
‫ن َوا ِ‬
‫طَ‬
‫ظَهَر ِمْنَها َوَما َب َ‬
‫ش َما َ‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫الشراك بال‪ ،‬ومثل القول على ال بل علم‪ .‬قال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن{ ]العراف‪ ،[33 :‬فهذه أجناس المحرمات‬
‫عَلى ا ّ‬
‫طاًنا َوَأن َتُقوُلوْا َ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبِه ُ‬
‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬
‫شِرُكوْا ِبا ّ‬
‫ق َوَأن ُت ْ‬
‫ِبَغْيِر اْلحَ ّ‬
‫التى ل تباح بحال‪ ،‬ول فى شريعة‪ ،‬وما سواها ـ وإن حرم فى حال ـ فقد يباح فى حال‪.‬‬
‫فصـل‬
‫شارون؛‬
‫واختيار النبي صلى ال عليه وسلم له ولهله الحتباس في شعب بني هاشم بضع سنين‪ ،‬ل يَبايُعون ول ي َ‬
‫غون من الجوع‪ ،‬قد هجرهم وَقلُهم قومهم‪ ،‬وغير قومهم‪ .‬هذا أكمل من حال يوسف عليه السلم‪.‬‬
‫ضا ُ‬
‫وصبيانهم يَت َ‬
‫ل غير الحق‪ .‬يقول‪ :‬ما أرسلني ول نهي عن الشرك‪،‬‬
‫فإن هؤلء كانوا يدعون الرسول إلى الشرك‪ ،‬وأن يقول على ا ّ‬
‫ن‬
‫ت َتْرَك ُ‬
‫ك َلَقْد ِكد ّ‬
‫ل َأن َثّبْتَنا َ‬
‫ل َوَلْو َ‬
‫خِلي ً‬
‫ك َ‬
‫خُذو َ‬
‫لّت َ‬
‫غْيَرهُ َوِإًذا ّ‬
‫عَلْيَنا َ‬
‫ي َ‬
‫ك ِلتْفَتِر َ‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ن اّلِذي َأْو َ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫وقد قال تعالى‪َ} :‬وِإن َكاُدوْا َلَيْفِتُنوَن َ‬
‫خِرجو َ‬
‫ك‬
‫ض ِلُي ْ‬
‫لْر ِ‬
‫نا َ‬
‫ك ِم َ‬
‫سَتِفّزوَن َ‬
‫صيًرا َوِإن َكاُدوْا َلَي ْ‬
‫عَلْيَنا َن ِ‬
‫ك َ‬
‫جُد َل َ‬
‫ل َت ِ‬
‫ت ُثّم َ‬
‫ف اْلَمَما ِ‬
‫ضْع َ‬
‫حَياِة َو ِ‬
‫ف اْل َ‬
‫ضْع َ‬
‫ك ِ‬
‫لَذْقَنا َ‬
‫ل ِإذًا َّ‬
‫شْيًئا َقِلي ً‬
‫ِإَلْيِهْم َ‬
‫ل{ ]السراء‪ 73 :‬ـ ‪.[77‬‬
‫حِوي ً‬
‫سّنِتَنا َت ْ‬
‫جُد ِل ُ‬
‫ل َت ِ‬
‫سِلَنا َو َ‬
‫ك ِمن ّر ُ‬
‫سْلَنا َقْبَل َ‬
‫سّنَة َمن َقْد َأْر َ‬
‫ل ُ‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ك ِإ ّ‬
‫خلَف َ‬
‫ن ِ‬
‫ل َيْلَبُثو َ‬
‫ِمْنَها َوِإًذا ّ‬

‫وكان كذب هؤلء على النبي صلى ال عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف؛ فإنهم قالوا‪:‬إنه ساحر‪ ،‬وإنه كاهن‪،‬‬
‫وإنه مجنون‪ ،‬وإنه‪ُ/‬مْفَتر‪ .‬وكل واحدة من هؤلء أعظم من الزنا والقذف؛ ل سيما الزنا المستور الذي ل يدري به أحد‪.‬‬
‫فإن يوسف كذب عليه في أنه زني‪ ،‬وأنه قذفها وأشاع عنها الفاحشة؛ فكان الكذب على النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫أعظم من الكذب على يوسف‪.‬‬
‫وكذلك الكذب على أولي العزم‪ ،‬مثل نوح وموسي‪ ،‬حيث يقال عن الواحد منهم‪ :‬إنه مجنون‪ ،‬وإنه َكّذاب‪ ،‬يكذب على‬
‫حِب َ‬
‫س‬
‫ل‪ ،‬وما لقي النبي صلى ال عليه وسلم وأصحابه من أذى المشركين أعظم من مجرد الحبس‪ ،‬فإن يوسف ُ‬
‫ا ّ‬
‫سِكت عنه‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم وأصحابه كانوا يؤذون بالقوال والفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة‪.‬‬
‫وُ‬
‫وهذا معنى الحبس‪ ،‬فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه في السجن‪ ،‬بل المراد منعه من التصرف المعتاد‪ .‬والنبي صلى‬
‫سّلُم‬
‫ال عليه وسلم لم يكن له حبس‪ ،‬ول لبي بكر‪ ،‬بل أول من اتخذ السجن عمر‪ ،‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم ي َ‬
‫الغريم إلى غريمه‪ ،‬ويقول‪) :‬ما فعل أسيرك؟(‪ ،‬فيجعله أسيرًا معه‪ ،‬حتى يقضيه حقه‪ ،‬وهذا هو المطلوب من الحبس‪.‬‬
‫ل عنهم ـ منعوهم من التصرف بمكة أذى لهم‪ ،‬حتى خرج كثير منهم إلى أرض الحبشة‪،‬‬
‫والصحابة ـ رضي ا ّ‬
‫فاختاروا السكنى بين أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى بين قومهم‪ ،‬والباقون ‪ُ /‬أخرجوا من ديارهم‬
‫وأموالهم ـ أيضًا ـ مع ما آذوهم به‪ ،‬حتى قتلوا بعضهم‪ ،‬وكانوا يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه‪،‬‬
‫ضاء‪ :‬الحجارة الحامية من حر الشمس[ مكة‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫ضاء ]الّرْم َ‬
‫ويضعون الصخرة على بطن أحدهم في َرْم َ‬
‫من أنواع الذي‪.‬‬
‫ل على الكرام مع معصيته‪ ،‬كأحمد بن‬
‫وكذلك المؤمن من أمة محمد صلى ال عليه وسلم يختار الذى في طاعة ا ّ‬
‫ل غير الحق في كلمه‪ ،‬وعلى‬
‫حنبل اختار القيد والحبس والضرب على موافقة السلطان وجنده‪ ،‬على أن يقول على ا ّ‬
‫أن يقول ما ل يعلم ـ أيضًا ـ فإنهم كانوا يأتون بكلم يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة‪ ،‬فهو باطل‪ ،‬وبكلم مجمل‬

‫ل غير الحق‪ ،‬ول على أن‬
‫يحتاج إلى تفسير‪ ،‬فيقول لهم المام أحمد‪ :‬ما أدري ما هذا؟ فلم يوافقهم على أن يقول على ا ّ‬
‫ل ما ل يعلم‪.‬‬
‫يقول على ا ّ‬
‫)وقال شيخ السلم ـ رحمه ال ـ بعد كلم( ]هكذا بالصل[ ]ما بين المعقوفتين مستفاد من محقق التفسير الكبير‬
‫لبن تيمية ؛ الدكتور عبد الرحمن عميرة ‪ ،5/83‬وفي النسخة التي حققها الدكتور محمد الجليند جاء النص هكذا‪) :‬قال‬
‫شيخ السلم رحمه ال‪ :‬ثم إن يوسف‪ (...‬انظر‪. 3/274 :‬وقول ابن تيمية بعد ذلك بقليل‪ ) :‬الوجه السادس ( ينبئ‬
‫بوجود سقط من الصل[‬
‫ل فيدعه‪ ،‬فكان يوسف ممن خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى‪.‬‬
‫]يهم أحدهم[ بالذنب فيذكر مقامه بين يدي ا ّ‬
‫ثم إن يوسف ـ عليه الصلة والسلم ـ كان شابا عزًبا أسيرا في بلد العدو‪ ،‬حيث لم يكن هناك أقارب أو أصدقاء‪،‬‬
‫فيستحي منهم إذا فعل فاحشة‪ ،‬فإن كثيرًا من الناس يمنعه من مواقعة القبائح حياؤه ممن يعرفه‪ ،‬فإذا تغرب فعل ما‬
‫يشتهيه‪ ،‬وكان ـ أيضًا ـ خاليا ل يخاف مخلوقا‪ ،‬فحكم النفس المارة ـ لو كانت نفسه كذلك ـ أن يكون هو المتعرض‬
‫لها‪ ،‬بل يكون هو المتحيل عليها‪ ،‬كما جرت به عادة كثير ممن له غرض في نساء الكابر إن لم يتمكن من الدعوة‬
‫ابتداء‪ .‬فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة؛ لكان أسرع مجيب‪ ،‬فكيف إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه‪ ،‬التي‬
‫يخاف الضرر بمخالفتها ؟!‬
‫ثم إن زوجها ـ الذي عادته أن يزجر المرأة ـ لم يعاقبها‪ ،‬بل أمر ‪ /‬يوسف بالعراض‪ ،‬كما يْنَعُر الديوث‪ ،‬ثم إنها‬
‫ن َوَأُكن ّم َ‬
‫ن‬
‫ب ِإَلْيِه ّ‬
‫ن َأصْ ُ‬
‫عّني َكْيَدُه ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫عوَنِني ِإَلْيِه َوِإ ّ‬
‫ي ِمّما َيْد ُ‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫جُ‬
‫سْ‬
‫ب ال ّ‬
‫استعانت بالنساء وحبسته‪ ،‬وهو يقول‪َ} :‬ر ّ‬
‫اْلَجاِهِليَن{ ]يوسف‪.[33 :‬‬
‫فليتدبر اللبيب هذه الدواعي التي دعت يوسف إلى ما دعته‪ ،‬وأنه مع توفرها وقوتها‪ ،‬ليس له عن ذلك صارف إذا فعل‬
‫ذلك‪ ،‬ول من ينجيه من المخلوقين؛ ليتبين له أن الذي ابتلي به يوسف كان من أعظم المور‪ ،‬وأن تقواه وصبره عن‬
‫المعصية ـ حتى ل يفعلها مع ظلم الظالمين له‪ ،‬حتى ل يجيبهم ـ كان من أعظم الحسنات وأكبر الطاعات‪ ،‬وإن نفس‬
‫س َلّماَرٌة ِبالّسو ِ{‬
‫ء{‬
‫ن الّنْف َ‬
‫سي ِإ ّ‬
‫ئ َنْف ِ‬
‫يوسف ـ عليه الصلة والسلم ـ كانت من أزكى النفس‪ ،‬فكيف أن يقول‪َ} :‬وَما ُأَبّر ُ‬
‫ل يعلم أن نفسه بريئة ليست أّمارة بالسوء‪ ،‬بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء‪ ،‬والَهّم الذي وقع‬
‫]يوسف‪ [ 53:‬وا ّ‬
‫ل لتثبت له به حسنة من أعظم الحسنات التي تزكي نفسه‪.‬‬
‫كان زيادة في زكاء نفسه وتقواها‪ ،‬وبحصوله مع تركه ّ‬
‫ب{ ]يوسف‪ ،[ 52:‬إذا كان معناه ـ على ما زعموه‪ :‬أن يوسف أراد‬
‫خْنُه ِباْلَغْي ِ‬
‫ك ِلَيْعَلَم َأّني َلْم َأ ُ‬
‫الوجه السادس‪ :‬أن قوله‪َ} :‬ذِل َ‬
‫ل لم يكن هنا ما يشار إليه‪ ،‬فإنه لم‬
‫أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته ـ على قول أكثرهم‪ ،‬أو ليعلم الملك أو ليعلم ا ّ‬
‫عِلْمَنا‬
‫يتقدم من يوسف كلم يشير به إليه‪،‬ول تقدم ‪ /‬ـ أيضًا ـ ذكر عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن‪َ} :‬ما َ‬
‫َعَلْيِه ِمن ُسوٍء{]يوسف‪ ،[ 51:‬وقول امرأة العزيز‪َ}:‬أَنْا َراَودّتُه َعن ّنْفِسِه{ ]يوسف‪ ،[51:‬وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته‬
‫أول‪ ،‬ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو‪.‬‬
‫فقول القائل‪ :‬إن قوله‪} :‬ذلك{ من قول يوسف ـ مع أنه لم يتقدم منه هنا قول ول عمل ـ ل يصح بحال‪.‬‬
‫الوجه السابع‪ :‬أن المعنى على هذا التقدير ـ لو كان هنا ما يشار إليه من قول يوسف أو عمله ـ‪ :‬إن عفتي عن الفاحشة‬
‫ل‪ ،‬ورجاء لثوابه‪ ،‬ولعلمه بأن‬
‫كان ليعلم العزيز أني لم أخنه‪ ،‬ويوسف ـ عليه الصلة والسلم ـ إنما تركها خوفا من ا ّ‬
‫عْنُه‬
‫ف َ‬
‫صِر َ‬
‫ك ِلَن ْ‬
‫ن َرّبِه َكَذِل َ‬
‫ت ِبِه َوَهّم ِبَها َلْول َأن ّرَأى ُبْرَها َ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬وَلَقْد َهّم ْ‬
‫ل يراه؛ ل لجل مجرد علم مخلوق‪ .‬قال ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫صيَن{ ]يوسف‪ ،[ 24:‬فأخبر أنه رأي برهان ربه‪ ،‬وأنه من عباده المخلصين‪.‬‬
‫خَل ِ‬
‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬
‫حَ‬
‫سوَء َواْلَف ْ‬
‫ال ّ‬
‫ومن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لجل برهان من ربه‪ ،‬ولم يكن بذلك مخلصًا؛ فهذا الذي أضافوه‬
‫ل‪ ،‬بل يكون ثوابه على من عمل لجله‪.‬‬
‫إلى يوسف إذا فعله آحاد الناس لم يكن له ثواب من ا ّ‬
‫ظاِلُموَن{ ]يوسف‪.[23:‬‬
‫ح ال ّ‬
‫ل ُيْفِل ُ‬
‫ي ِإّنُه َ‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫‪/‬فإن قيل‪ :‬فقد قال يوسف أول‪ِ} :‬إّنُه َرّبي َأ ْ‬

‫قيل‪ :‬إن كان مراده بذلك سيده‪ ،‬فالمعنى‪ :‬أنه أحسن إلي‪ ،‬وأكرمني‪ ،‬فل يحل لي أن أخونه في أهله‪ ،‬فإني أكون ظالما‬
‫ل ل ليعلم هو بذلك‪.‬‬
‫ول يفلح الظالم‪ ،‬فترك خيانته في أهله خوفا من ا ّ‬
‫فإن قيل‪ :‬مراده تأتي إظهار براءتي ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب‪ ،‬فالمعلل إظهار براءته ل نفس عفافه‪.‬‬
‫جْع ِإَلى َرّب َ‬
‫ك‬
‫قيل‪ :‬لم يكن مراده بإظهار براءته مجرد علم واحد‪ ،‬بل مراده علم الملك وغيره؛ ولهذا قال للرسول‪} :‬اْر ِ‬
‫طْعَن َأْيِدَيُهّن{ ]يوسف‪ ،[ 50:‬ولو كان هذا من قول يوسف لقال‪ :‬ذلك ليعلموا أني بريء وأني‬
‫لِتي َق ّ‬
‫سَوِة ال ّ‬
‫ل الّن ْ‬
‫سَأْلُه َما َبا ُ‬
‫َفا ْ‬
‫مظلوم‪.‬‬

‫ثم هذا ل يليق أن يذكر عن يوسف؛ لنه قد ظهرت براءته‪ ،‬وحصل مطلوبه‪ ،‬فل يحتاج أن يقول ذلك لتحصيل ذلك‪،‬‬
‫وهم قد علموا أنه إنما تأخر لتظهر براءته‪ ،‬فل يحتاج مثل هذا أن ينطق به‪.‬‬
‫‪ /‬الوجه الثامن‪ :‬أن الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه من لذلك عنده قدر‪ ،‬وهذا يناسب لو كان العزيز‬
‫غيورًا‪ ،‬وللعفة عنده جزاء كثير‪ ،‬والعزيز قد ظهر عنه من قلة الغيرة وتمكين امرأته من حبسه مع الظالمين مع‬
‫ظهور براءته؛ ما يقتضي أن مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله‪ ،‬فإن النفس المارة‬
‫تقول في مثل هذا‪ :‬هذا لم يعرف قدر إحساني إليه‪ ،‬وصوني لهله‪،‬وكف نفسي عن ذلك‪ ،‬بل سّلطها ومّكنها‪.‬‬
‫فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله هذا تفعل الفاحشة‪ ،‬إما نكاية فيه ومجازاة له على‬
‫ل خائفًا‬
‫ظلمه‪ ،‬وإما إهمال له لعدم غيرته وظهور دياثته‪ ،‬ول يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إل من يعمل ّ‬
‫منه‪ ،‬وراجيًا لثوابه‪ ،‬ل من يريد تعريف الخلق بعمله‪.‬‬
‫الوجه التاسع‪ :‬أن الخيانة ضد المانة‪ ،‬وهما من جنس الصدق والكذب؛ ولهذا يقال‪ :‬الصادق المين‪ ،‬ويقال‪ :‬الكاذب‬
‫الخائن‪ .‬وهذا حال امرأة العزيز؛ فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت‪ :‬راودني؛ لكانت كاذبة وخائنة‪ ،‬فلما‬
‫صاِدِقيَن{ فأخبرت بأنه‬
‫ن ال ّ‬
‫اعترفت بأنها هي المراودة‪،‬كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه؛ ولهذا قالت‪َ} :‬وِإّنُه َلِم َ‬
‫صادق في تبرئته نفسه دونها‪.‬‬
‫ل بذلك في‬
‫‪ /‬فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والمانة‪ ،‬ولكن هو باب الظلم والسوء والفحشاء‪ ،‬كما وصفها ا ّ‬
‫ن{ ‪ .‬ولم يقل هنا‪ :‬الخائنين‪ ،‬ثم قال تعالى‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫ك‬
‫ظاِلُمو َ‬
‫ح ال ّ‬
‫ل ُيْفِل ُ‬
‫ي ِإّنُه َ‬
‫ن َمْثَوا َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ل ِإّنُه َرّبي َأ ْ‬
‫قوله تعإلى عن يوسف‪َ} :‬مَعاَذ ا ّ‬
‫صيَن{ ‪ ،‬ولم يقل‪ :‬لنصرف عنه الخيانة؛ فليتدبر اللبيب هذه الدقائق في‬
‫خَل ِ‬
‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬
‫حَ‬
‫سوَء َواْلَف ْ‬
‫عْنُه ال ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر َ‬
‫ِلَن ْ‬
‫ل تعإلى‪.‬‬
‫كتاب ا ّ‬
‫حَم‬
‫ل َما َر ِ‬
‫سوِء ِإ ّ‬
‫لّماَرةٌ ِبال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الّنْف َ‬
‫ل تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫الوجه العاشر‪ :‬أن في الكلم المحكي الذي أقره ا ّ‬

‫ن َرّبي{ ]يوسف‪ ،[ 53:‬وهذا يدل على أنه ليس كل نفس أمارة بالسوء‪ ،‬بل ما رحم ربي ليس فيه النفس المارة‬
‫ي ِإ ّ‬
‫َرّب َ‬
‫بالسوء‪.‬‬
‫وقد ذكر طائفة من الناس أن النفس لها ثلثة أحوال‪ :‬تكون أمارة بالسوء‪ ،‬ثم تكون لوامة‪ ،‬أي تفعل الذنب ثم تلوم‬
‫عليه‪ ،‬أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة‪ ،‬ثم تصير مطمئنة‪.‬‬
‫والمقصود هنا أن ما رحم ربي من النفوس ليست بأمارة ‪ ،‬وإذا كانت النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة ‪ ،‬فقد علمنا‬
‫قطعًا أن نفس امرأة العزيز من النفوس المارة بالسوء ؛ لنها أمرت بذلك مرة بعد مرة ‪ ،‬وراودت وافترت‪،‬‬
‫واستعانت بالنسوة وسجنت ‪ ،‬وهذا من ‪ /‬أعظم ما يكون من المر بالسوء‪.‬‬
‫وأما يوسف ـ عليه الصلة والسلم ـ فإن لم تكن نفسه من النفوس المرحومة عن أن تكون أّماَرة فما في النفس‬
‫مرحوم؛ فإن من تدبر قصة يوسف علم أن الذي رحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون‪ ،‬ولول‬
‫ذلك لما ذكره ال في القرآن وجعله عبرة‪ ،‬وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إل ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه‬
‫الدواعي‪ ،‬أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف‪ .‬وعلى هذا التقدير‪ :‬فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة‪ ،‬فما في‬
‫النفوس مرحومة‪ ،‬فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء‪ ،‬وهو خلف ما في القرآن‪.‬‬

‫ول يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن مسلم بن يسار]هو أبو عبد ال مسلم بن يسار البصري مولي بني أمية‪ ،‬فقيه‬
‫عا(‪ ،‬توفي سنة ‪100‬‬
‫ل عابًدا ور ً‬
‫ناسك من رجال الحديث‪ ،‬ل يفضل عليه أحد في زمانه‪ ،‬قال ابن سعد‪) :‬كان ثقة فاض ً‬
‫هـ[‪ :‬أن أعرابية دعته إلى نفسها‪ ،‬وهما في البادية؛ فامتنع وبكي‪ ،‬وجاء أخوه وهو يبكي فبكي وبكت المرأة‪ ،‬وذهبت‬
‫فنام فرأي يوسف في منامه‪ ،‬وقال‪ :‬أنا يوسف الذي هممت‪ ،‬وأنت مسلم الذي لم تهم‪ ،‬فقد يظن من يسمع هذه الحكاية‬
‫أن حال مسلم كان أكمل‪ .‬وهذا جهل لوجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة المراودة ول لها عليه حكم‪ ،‬ول لها عليه قدرة أن تكذب عليه‪ ،‬وتستعين‬
‫بالنسوة ‪ /‬وتحبسه‪ ،‬وزوجها ل يعينه ول أحد غير زوجها يعينه على العصمة‪ ،‬بل مسلم لما بكى ذهبت تلك المرأة‪،‬‬
‫ولو استعصمت لكان صراخه منها أو خوفها من الناس يصرفها عنه‪ .‬وأين هذا مما ابتلي به يوسف ـ عليه الصلة‬
‫والسلم ؟!‬
‫ل كان له به حسنة‪ ،‬ول نقص عليه‪ .‬وثبت في الصحيحين من حديث السبعة الذين‬
‫الثاني‪ :‬أن الهم من يوسف لما تركه ّ‬
‫ل رب العالمين(‬
‫ل في ظله يوم ل ظل إل ظله‪) :‬رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال‪ ،‬فقال‪ :‬إني أخاف ا ّ‬
‫يظلهم ا ّ‬
‫وهذا لمجرد الدعوة‪ ،‬فكيف بالمراودة والستعانة والحبس؟‬
‫ومعلوم أنها كانت ذات منصب‪ ،‬وقد ُذِكَر أنها كانت ذات جمال وهذا هو الظاهر‪ ،‬فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن‬
‫تكون جميلة‪ ،‬وأما البدوية الداعية لمسلم فل ريب أنها دون ذلك‪ ،‬ورؤياه في المنام وقوله‪ :‬أنا يوسف الذي هممت‪،‬‬
‫وأنت مسلم الذي لم تهم؛ غايته أن يكون بمنزلة أن يقول ذلك له يوسف في اليقظة‪ ،‬وإذا قال هذا‪ ،‬كان هذا خيرًا له‬
‫ومدحًا وثناء‪ ،‬وتواضعا من يوسف‪ ،‬وإذا تواضع الكبير مع من دونه لم تسقط منزلته‪.‬‬
‫سِه‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫الوجه الحادي عشر‪ :‬أن هذا الكلم فيه ـ مع العتراف ‪ /‬بالذنب ـ العتذار بذكر سببه‪ ،‬فإن قولها‪َ} :‬أَنْا َراَودّتُه َ‬
‫س َلّماَرٌة ِبالّسوِء{ ]يوسف‪،[53:‬‬
‫ن الّنْف َ‬
‫سي ِإ ّ‬
‫ئ َنْف ِ‬
‫ن{ ]يوسف‪ ،[ 51 :‬فيه اعتراف بالذنب‪ ،‬وقولها‪َ} :‬وَما ُأَبّر ُ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫َوِإّنُه َلِم َ‬
‫لّماَرٌة‬
‫س َ‬
‫ن الّنْف َ‬
‫راَودّتُه{ أي‪ :‬أنا مقرة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي‪ .‬ثم بينت السبب فقالت‪ِ} :‬إ ّ‬
‫إشارة تطابق لقولها‪َ}:‬أَنْا َ‬
‫سوِء{ ‪ .‬فنفسي من هذا الباب‪ ،‬فل ينكر صدور هذا مني‪ .‬ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة‪ ،‬فقالت‪ِ}:‬إ ّ‬
‫ن‬
‫ِبال ّ‬
‫َرّبي َغُفوٌر ّرِحيٌم{‪.‬‬

‫ل قد يغفر لصاحبه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فهذا كلم من يقر بأن الزنا ذنب‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫ك{ ]يوسف‪ ،[29:‬فأمره‬
‫سَتْغِفِري ِلَذنِب ِ‬
‫ن َهـَذا َوا ْ‬
‫عْ‬
‫ض َ‬
‫عِر ْ‬
‫ف َأ ْ‬
‫س ُ‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ .‬والقرآن قد دل على ذلك‪ ،‬حيث قال زوجها‪ُ} :‬يو ُ‬
‫لها بالستغفار لذنبها دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه‪ ،‬وإن كانوا مع ذلك مشركين‪ ،‬فقد كانت العرب‬
‫ل منها‪ ،‬حتى إن النبي صلى ال عليه وسلم لما بايع هند بنت عتبة بن‬
‫مشركين وهم يحرمون الفواحش‪ ،‬ويستغفرون ا ّ‬
‫ل شيًئا‪ ،‬ول تسرق ول تزني‪ .‬قالت‪ :‬أو تزني الحرة؟ وكان الزنا معروًفا عندهم‬
‫ربيعة بيعة النساء على أل تشرك با ّ‬
‫في الماء‪.‬‬
‫ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية في مقابلة الرق‪ ،‬وأصل ‪ /‬اللفظ هو العفة‪ ،‬ولكن العفة عادة من ليست أمة‪،‬‬
‫بل قد ذكر البخاري في صحيحه عن أبي رجاء العطاردي‪ ،‬أنه رأى في الجاهلية قردًا يزنى بقردة‪ ،‬فاجتمعت القرود‬
‫عليه حتى رجمته‪.‬‬
‫عا من الطير قد باض‪ ،‬فأخذ الناس بيضه‪ ،‬وجاء ببيض‬
‫وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين‪ ،‬أنه رأي في جامع نو ً‬
‫جنس آخر من الطير‪ ،‬فلما انفقس البيض خرجت الفراخ من غير الجنس‪ ،‬فجعل الذكر يطلب جنسه‪ ،‬حتى اجتمع‬
‫منهن عدد فما زالوا بالنثي حتى قتلوها‪ ،‬ومثل هذا معروف في عادة البهائم‪.‬‬
‫والفواحش مما اتفق أهل الرض على استقباحها وكراهتها‪ ،‬وأولئك القوم كانوا يقرون بالصانع مع شركهم؛ ولهذا قال‬
‫سّمْيُتُموَها َأنُتْم َوآَبآُؤُكم ّما‬
‫سَماء َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن ِمن ُدوِنِه ِإ ّ‬
‫حُد اْلَقّهاُر َما َتْعُبُدو َ‬
‫ل اْلَوا ِ‬
‫خْيٌر َأِم ا ّ‬
‫ن َ‬
‫ب ّمَتَفّرُقو َ‬
‫ن َأَأْرَبا ٌ‬
‫جِ‬
‫سْ‬
‫ي ال ّ‬
‫حَب ِ‬
‫صا ِ‬
‫لهم يوسف‪َ} :‬يا َ‬
‫س َل َيْعَلُموَن{ ]يوسف‪.[40 ،39:‬‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫ن اْلَقّيُم َوَلـِك ّ‬
‫ك الّدي ُ‬
‫ل ِإّياُه َذِل َ‬
‫ل َتْعُبُدوْا ِإ ّ‬
‫ل َأَمَر َأ ّ‬
‫ل ِّ‬
‫حْكُم ِإ ّ‬
‫ن اْل ُ‬
‫ن ِإ ِ‬
‫طا ٍ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبَها ِمن ُ‬
‫لا ّ‬
‫َأنَز َ‬

‫ل ـ سبحانه وتعإلى ـ لم يذكر عن نبي من النبياء ذنبًا إل ذكر توبته منه‪ ،‬ولهذا كان‬
‫الوجه الثاني عشر‪ :‬أن يقال‪ :‬إن ا ّ‬
‫الناس في عصمة النبياء على قولين‪ :‬إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها‪ ،‬وإما ‪ /‬أن يقولوا بالعصمة من القرار عليها؛‬
‫ل سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة‪ ،‬فإن المة متفقة على أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ‪ ،‬فإن ذلك يناقض‬
‫مقصود الرسالة‪ ،‬ومدلول المعجزة‪.‬‬
‫ل لم يذكر في كتابه عن نبي من النبياء ذنبًا إل ذكر‬
‫وليس هذا موضع بسط الكلم في ذلك‪ ،‬ولكن المقصود هنا أن ا ّ‬
‫توبته منه‪ ،‬كما ذكر في قصة آدم وموسي‪ ،‬وداود وغيرهم من النبياء‪.‬‬
‫وبهذا يجيب من ينصر قول الجمهور الذين يقولون بالعصمة من القرار على من ينفي الذنوب مطلقًا‪ ،‬فإن هؤلء من‬
‫أعظم حججهم ما اعتمده القاضي عياض وغيره‪ ،‬حيث قالوا‪ :‬نحن مأمورون بالتأسي بهم في الفعال‪ ،‬وتجويز ذلك‬
‫يقدح في التأسي؛ فأجيبوا بأن التأسي إنما هو فيما أقروا عليه‪ ،‬كما أن النسخ جائز فيما يبلغونه من المر والنهي‪،‬‬
‫وليس تجويز ذلك مانعًا من وجوب الطاعة؛ لن الطاعة تجب فيما لم ينسخ‪ ،‬فعدم النسخ يقرر الحكم‪ ،‬وعدم النكار‬
‫يقرر الفعل‪ ،‬والصل عدم كل منهما‪.‬‬
‫ل ـ تعإلى ـ عنه في القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه‪،‬أو يستغفر‬
‫ويوسف ـ عليـه الصـلة والسـلم ـ لم يذكر ا ّ‬
‫منه أصل‪.‬وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة‪ ،‬ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع‪/‬منه بعض مقدماتهـا‪،‬مثــل ما‬
‫يذكــرون أنه حل السراويل‪ ،‬وقعد منها مقعد الخاتـن ونحو هـذا‪ ،‬وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي صلى ال‬
‫ضِهم منهم‪،‬كما‬
‫غ ّ‬
‫ف كلم اليهود في النبياء و َ‬
‫عِر َ‬
‫عليه وسلم‪،‬ول مستند لهم فيه إل النقل عن بعض أهل الكتاب‪ ،‬وقد ُ‬
‫قالوا في سليمان ما قالوا‪ ،‬وفي داود ما قالوا‪ ،‬فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه‪ ،‬فكيف‬
‫نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلفه‪.‬‬
‫والقرآن قد أخبر عن يوسف من الستعصام والتقوي والصبر في هذه القضية؛ ما لم يذكر عن أحد نظيره‪ ،‬فلو كان‬
‫ل لم يذكر عنه توبة في هذا‬
‫صرا وإما تائبًا‪ ،‬والصرار ممتنع‪ ،‬فتعين أن يكون تائبًا‪ .‬وا ّ‬
‫يوسف قد أذنب؛ لكان إما ُم ِ‬
‫ول استغفارًا‪ ،‬كما ُذِكَر عن غيره من النبياء‪ ،‬فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة‪،‬‬
‫ضيُع َأْجَر اْلُمْحِسِنيَن{ ]يوسف‪.[90:‬‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫صِبْر َفِإ ّ‬
‫ق َوِي ْ‬
‫ل عنه بقوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه َمن َيّت ِ‬
‫والمساعي المشكورة‪،‬كما أخبر ا ّ‬
‫ي{‪ ،‬إنما يناسب حال‬
‫حَم َرّب َ‬
‫ل َما َر ِ‬
‫سوِء ِإ ّ‬
‫لّماَرةٌ ِبال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الّنْف َ‬
‫واذا كان المر في يوسف كذلك‪ ،‬كان ما ذكر من قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫امرأة العزيز ل يناسب حال يوسف‪ ،‬فإضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية ِفْريُة على الكتاب والرسول‪ ،‬وفيه‬
‫ل منه‪،‬‬
‫تحريف للكلم عن مواضعه‪ ،‬وفيه ‪ /‬الغتياب لنبي كريم‪ ،‬وقول الباطل فيـه بـل دليـل‪ ،‬ونسـبته إلى مـا نزهـه ا ّ‬
‫ت‪ :‬الكذب والفتراء[‪ ،‬الذين كـانوا يرمون موسي بما‬
‫ت ]الُبْه ُ‬
‫وغير مستبعد أن يكون أصل هذا مـن اليهود أهـل الُبْه ِ‬
‫ل منـه‪ ،‬فكيف بغيره مـن النبياء؟ وقد تلقي نقلهم مـن أحسـن بـه الظـن‪ ،‬وجعـل تفسير القـرآن تابعًا لهذا‬
‫برأه ا ّ‬
‫العتقاد‪.‬‬
‫ل من بعض الوجوه‪ :‬قوم أفرطوا‬
‫واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض‪ ،‬كلهما مخالف لكتاب ا ّ‬
‫ل لهم‪،‬‬
‫حّرُفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب‪،‬ومغفرة ا ّ‬
‫في دعوي امتناع الذنوب‪ ،‬حتى َ‬
‫ورفع درجاتهم بذلك‪ ،‬وقوم أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه‪ ،‬وأضافوا إليهم ذنوبًا وعيوبًا‬
‫ل عنها‪ .‬وهؤلء مخالفون للقرآن‪ ،‬وهؤلء مخالفون للقرآن‪ ،‬ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير‬
‫نزههم ا ّ‬
‫ل عليهم من النبيين والصديقين‬
‫تحريف‪ ،‬كان من المة الوسط‪ ،‬مهتديا إلى الصراط المستقيم‪ ،‬صراط الذين أنعم ا ّ‬
‫والشهداء والصالحين‪.‬‬
‫قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬اليهود مغضوب عليهم‪ ،‬والنصاري ضالون(‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى‬
‫ب لدخلتموه(‪ ،‬قالوا‪ :‬يا‬
‫ض ّ‬
‫حْذو الَقّذة بالقذة‪ ،‬حتى لو دخلوا جحر َ‬
‫سَنن من كان قبلكم َ‬
‫ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬لتتبعن َ‬
‫ل‪ ،‬اليهود والنصاري ؟ ‪ /‬قال‪) :‬فمن؟(‪ ،‬وفي الحديث الخر الذي في الصحيح‪) :‬لتأخذن أمتي مأخذ المم‬
‫رسول ا ّ‬
‫ل‪ ،‬فارس والروم؟ قال‪) :‬ومن الناس إل هؤلء ؟(‪.‬‬
‫عا بذراع( قالوا‪ :‬يا رسول ا ّ‬
‫قبلها‪ ،‬شبرًا بشبر‪ ،‬وذرا ً‬

‫ول ريب أنه صار عند كثير من الناس من علم أهل الكتاب ومن فارس والروم‪ ،‬ما أدخلوه في علم المسلمين ودينهم‬
‫وهم ل يشعرون‪ ،‬كما دخل كثير من أقوال المشركين من أهل الهند واليونان وغيرهم‪ ،‬والمجوس والفرس والصابئين‬
‫من اليونان وغيرهم في كثير من المتأخرين؛ ل سيما في جنس المتفلسفة والمتكلمة‪.‬‬
‫ودخل كثير من أقوال أهل الكتاب اليهود والنصاري في طائفة هم أمثل من هؤلء‪ ،‬إذ أهل الكتاب كانوا خيرًا من‬
‫غيرهم‪.‬‬
‫ولما فتح المسلمون البلد كانت الشام ومصر ونحوهما مملوءة من أهل الكتاب‪ ،‬النصاري واليهود‪ ،‬فكانوا يحدثونهم‬
‫عن أهل الكتاب بما بعضه حق وبعضه باطل؛ فكان من أكثرهم حديثا عن أهل الكتاب كعب الحبار‪ .‬وقد قال معاوية‬
‫ل عنه‪ :‬ما رأينا في هؤلء الذين يحدثونا عن أهل الكتاب أصدق مـن كعب‪ ،‬وإن كنا لنبلو عليه الكذب‬
‫ـ رضي ا ّ‬
‫أحيانًا‪.‬‬
‫ومعلوم أن عامة ما عند كعب أن ينقل ما وجده في كتبهم‪ ،‬ولو ‪ /‬نقل ناقل ما وجده في الكتب عن نبينا صلى ال عليه‬
‫وسلم لكان فيه كذب كثير‪ ،‬فكيف بما في كتب أهل الكتاب مع طول المدة‪ ،‬وتبديل الدين‪ ،‬وتفرق أهله‪ ،‬وكثرة أهل‬
‫الباطل فيه‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬الذين هم أعلم‬
‫وهذا باب ينبغي للمسلم أن يعتني به‪ ،‬وينظر ما كان عليه أصحاب رسول ا ّ‬
‫الناس بما جاء به‪ ،‬وأعلم الناس بما يخالف ذلك من دين أهل الكتاب والمشركين والمجوس والصابئين‪ .‬فإن هذا أصل‬
‫عظيم‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫ولهذا قال الئمة ـ كأحمد بن حنبل وغيره‪ :‬أصول السنة هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول ا ّ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ومن تأمل هذا الباب وجد كثيرًا من البدع أحدثت بآثار أصلها عنهم‪ ،‬مثل ما يروي في فضائل بقاع في الشام‪ ،‬من‬
‫الجبال والغيران‪ ،‬ومقامات النبياء ونحو ذلك‪ .‬مثل ما يذكر في جبل قاسيون‪ ،‬ومقامات النبياء التي فيه‪ ،‬وما في‬
‫إتيان ذلك من الفضيلة حتى إن بعض المفترين من الشيوخ جعل زيارة مغارة فيه ثلث مرات تعدل حجة‪ ،‬ويسمونها‬
‫مقامات النبياء‪.‬‬
‫والثار التي تروي في ذلك ل تصل إلى الصحابة ‪ ،‬وإنما هي عمن ‪ /‬دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب ‪ ،‬وإل فلو‬
‫كان لهذا أصل؛ لكان هذا عند أكابر الصحابة الذين قدموا الشام‪،‬مثل بلل بن رباح‪ ،‬ومعاذ بن جبل‪ ،‬وعبادة بن‬
‫الصامت‪ ،‬بل ومثل أبي عبيدة بن الجراح ـ أمين المة ـ وأمثالهم‪ .‬فقد دخل الشام من أكابر الصحابة أفضل ممن دخل‬
‫بقية المصار غير الحجاز‪ ،‬فلم ينقل عن أحد منهم اتباع شيء من آثار النبياء‪ ،‬ل مقابرهم ول مقاماتهم‪ ،‬فلم يتخذوها‬
‫ل عنه ـ أنه‬
‫مساجد ‪ ،‬ول كانوا يتحرون الصلة فيها‪ ،‬والدعاء عندها‪ ،‬بل قد ثبت عـن عمر بن الخطاب ـ رضـي ا ّ‬
‫ل صلى ال‬
‫كان في سفر‪ ،‬فرأي قومًا ينتابون مكانًا يصلون فيه ‪،‬فقال‪ :‬ما هذا ؟ قالوا‪ :‬هذا مكان صلى فيه رسول ا ّ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فقال‪ :‬ومكان صلى فيه رسول ا ّ‬
‫هلك من كان قبلكم بهذا‪ ،‬من أدركته الصلة فيه فليصل‪ ،‬وإل فليمض‪.‬‬
‫ولما دخل بيت المقدس وأراد أن يبني مصلى المسلمين‪ ،‬قال لكعب‪ :‬أين أبنيه؟ قال‪ :‬ابنه خلف الصخرة‪ ،‬قال‪ :‬خالطتك‬
‫ل ابن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى في ِقْبَليِه‪ ،‬ولم يذهب‬
‫يهودية يابن اليهودية‪ ،‬بل أبنيه أمامها؛ ولهذا كان عبد ا ّ‬
‫إلى الصخرة‪.‬‬
‫ل قال لها‪ :‬أنت عرشي الدني‪،‬ويقولون‪:‬من وسع كرسيه السموات والرض كيف‬
‫وكانوا يكذبون ما ينقله كعب‪ :‬إن ا ّ‬
‫تكون‪/‬الصخرة عرشه الدني؟!ولم تكن الصحابة يعظمونها‪ ،‬وقالوا‪:‬إنما بني الُقّبة عليها عبد الملك بن مروان لما كان‬
‫محاربا لبن الزبير‪،‬وكان الناس يذهبون إلى الحج فيجتمعون به عظم الصخرة؛ ليشتغلوا بزيارتها عن جهة ابن‬
‫الزبير‪ ،‬وإل فل موجب في شريعتنا لتعظيم الصخرة‪،‬وبناء الُقّبة عليها وسترها بالنطاع والجوخ‪.‬ولو كان هذا من‬
‫ل عنهم ـ أحق بذلك ممن بعدهم؛فـإن هـؤلء أصحاب رسـول ا ّ‬
‫ل‬
‫شريعتنا؛لكان عمر وعثمان ومعاوية ـ رضي ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪،‬وأعلم بسنته‪،‬وأتبع لها ممن بعدهم‪.‬‬

‫وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بل ول فتحوه‪ ،‬بل ول بنوا على قبر أحد من‬
‫النبياء مسجدًا؛ فإنهم كانوا يعلمون أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور‬
‫مساجد‪ ،‬أل فل تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك(‪.‬‬
‫ل عنه ـ فكتب إليه عمر‪ ،‬إذا كان‬
‫سَتر كتب فيه أبو موسي إلى عمر بن الخطاب ـ رضي ا ّ‬
‫ولما ظهر قبر دانيال بُت ْ‬
‫بالنهار فاحفر ثلثة عشر قبرًا‪،‬ثم ادفنه بالليل في واحد منها‪ ،‬وعّفر قبره لئل يفتتن به الناس‪،‬وقد تأملت الثار التي‬
‫تروي في قصد هذه المقامات‪ ،‬والدعاء ‪/‬عندها أو الصلة‪،‬فلم أجد لها عن الصحابة أصل‪ ،‬بل أصلها عمن أخَذ عن‬
‫أهل الكتاب‪.‬‬
‫ل به محمدًا صلى ال عليه وسلم من الكتاب والحكمة‪ ،‬ول تخلطه بغيره‪ ،‬ول‬
‫فمن أصول السلم أن تميز ما بعث ا ّ‬
‫ل ـ سبحانه ـ أكمل لنا الدين‪ ،‬وأتم علينا النعمة‪ ،‬ورضي لنا السلم دينا‪.‬‬
‫تلبس الحق بالباطل‪ ،‬كفعل أهل الكتاب‪ .‬فإن ا ّ‬
‫وقد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها‪ ،‬ل يزيغ عنها بعدي إل هالك(‪ ،‬وقال عبد ا ّ‬
‫ل‬
‫طا عن يمينه وشماله‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ل صلى ال عليه وسلم خطا‪ ،‬وخط خطو ً‬
‫ل عنه‪ :‬خط لنا رسول ا ّ‬
‫بن مسعود ـ رضي ا ّ‬
‫سَتِقيًما‬
‫طي ُم ْ‬
‫صَرا ِ‬
‫ن َهـَذا ِ‬
‫ل‪ ،‬وهذه السبل‪ ،‬على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه(‪ ،‬ثم قرأ قوله تعالى‪َ} :‬وَأ ّ‬
‫)هذا سبيل ا ّ‬
‫ق ِبُكْم َعن َسِبيِلِه{ ]النعام‪.[153 :‬‬
‫ل َفَتَفّر َ‬
‫سُب َ‬
‫ل َتّتِبُعوْا ال ّ‬
‫َفاّتِبُعوُه َو َ‬
‫وجماع ذلك بحفظ أصلين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬تحقيق ما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فل يخلط بما ليس منه من المنقولت الضعيفة‪ ،‬والتفسيرات‬
‫الباطلة‪ ،‬بل يعطي حقه من معرفة نقله‪ ،‬ودللته‪.‬‬
‫ل تعإلى ـ فيما يأمر به بني إسرائيل‪ ،‬وهو عبرة لنا‪:‬‬
‫‪ /‬والثاني‪ :‬أل يعارض ذلك بالشبهات ل رأيًا ول رواية‪ .‬قال ا ّ‬
‫طِ‬
‫ل‬
‫ق ِباْلَبا ِ‬
‫حّ‬
‫سوْا اْل َ‬
‫ل َتْلِب ُ‬
‫ن َو َ‬
‫ي َفاّتُقو ِ‬
‫ل َوِإّيا َ‬
‫شَتُروْا ِبآَياِتي َثَمنًا َقِلي ً‬
‫ل َت ْ‬
‫ل َكاِفٍر ِبِه َو َ‬
‫ل َتُكوُنوْا َأّو َ‬
‫صّدقًا ّلَما َمَعُكْم َو َ‬
‫ت ُم َ‬
‫}َوآِمُنوْا ِبَما َأنَزْل ُ‬
‫ق َوَأنُتْم َتْعَلُموَن{ ]البقرة‪ ،[ 42 ،41:‬فل يكتم الحق الذي جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول يلبس‬
‫حّ‬
‫َوَتْكُتُموْا اْل َ‬

‫بغيره من الباطل‪ ،‬ول يعارض بغيره‪.‬‬
‫ن‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[ 3 :‬وقال تعإلى‪َ} :‬وَم ْ‬
‫ل ّما َتَذّكُرو َ‬
‫ل َتّتِبُعوْا ِمن ُدوِنِه َأْوِلَياء َقِلي ً‬
‫ل ِإَلْيُكم ّمن ّرّبُكْم َو َ‬
‫ل تعالى‪}:‬اّتِبُعوْا َما ُأنِز َ‬
‫قال ا ّ‬
‫ل{ ]النعام‪.[93:‬‬
‫لا ّ‬
‫ل َما َأَنز َ‬
‫ل ِمْث َ‬
‫ل سَُأنِز ُ‬
‫يٌء َوَمن َقا َ‬
‫ش ْ‬
‫ح ِإَلْيِه َ‬
‫ي َوَلْم ُيو َ‬
‫ي ِإَل ّ‬
‫حَ‬
‫ل ُأْو ِ‬
‫ل َكِذًبا َأْو َقا َ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن اْفَتَرى َ‬
‫ظَلُم ِممّ ِ‬
‫َأ ْ‬

‫ل أنزله على فيكون قد‬
‫وهؤلء القسام الثلثة هم أعداء الرسل‪ ،‬فإن أحدهم إذا أتي بما يخالفه‪ ،‬إما أن يقول‪ :‬إن ا ّ‬
‫ل‪ ،‬فإما أن‬
‫ل‪ ،‬أو يقول‪ :‬أوحي إليه ولم يسم من أوحاه‪ ،‬أو يقول‪ :‬أنا أنشأته‪ ،‬وأنا أنزل مثل ما أنزل ا ّ‬
‫افتري على ا ّ‬
‫ل أو إلى نفسه‪ ،‬أو ل يضيفه إلى أحد‪.‬‬
‫يضيفه إلى ا ّ‬
‫وهذه القسام الثلثة هم من شياطين النس والجن‪ ،‬الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا‪ .‬قال ا ّ‬
‫ل‬
‫ك َهاِدًيا‬
‫ن َوَكَفى ِبَرّب َ‬
‫جِرِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫عُدّوا ّم َ‬
‫ي َ‬
‫ل َنِب ّ‬
‫جعَْلَنا ِلُك ّ‬
‫ك َ‬
‫جوًرا َوَكَذِل َ‬
‫ن َمْه ُ‬
‫خُذوا َهَذا اْلُقْرآ َ‬
‫ن َقْوِمي اّت َ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ل َيا َر ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل الّر ُ‬
‫تعالى‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ل‪.‬‬
‫ل أعلم‪ ،‬والحمد ّ‬
‫صيًرا{ ]الفرقان‪ ،[ 31 ،30:‬وا ّ‬
‫َوَن ِ‬

‫صيَرٍة َأَنْا َوَمِن اّتَبَعِني{ ]يوسف‪ ،[108 :‬وهل‬
‫عَلى َب ِ‬
‫ل َ‬
‫عو ِإَلى ا ّ‬
‫سِبيِلي َأْد ُ‬
‫ل َهـِذِه َ‬
‫عنُه ـ عن قوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ـ َرضي ا ّ‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬
‫الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة أم ل؟ وهل المر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في هذه الدعوة أم‬
‫ل؟ وإذا كانا داخلين أو لم يكونا‪ ،‬فهل هما من الواجبات على كل فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم ل؟ وإذا كانا‬
‫واجبين‪ ،‬فهل يجبان مطلقًا مع وجود المشقة بسببهما أم ل ؟ وهل للمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقتص من‬
‫الجاني عليه إذا آذاه في ذلك لئل يؤدي إلى طمع منه في جانب الحق أم ل؟ وإذا كان له ذلك فهل تركه أولي مطلقًا أم‬
‫ل؟‬
‫ل عنه وأرضاه ‪:‬‬
‫فأجاب ـ رضي ا ّ‬

‫ل هي الدعوة إلى اليمان به‪ ،‬وبما جاءت به رسله‪ ،‬بتصديقهم فيما أخبروا به‪،‬‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬الدعوة إلى ا ّ‬
‫وطاعتهم فيما أمروا‪ ،‬وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين‪ ،‬وإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج‬
‫البيت‪ ،‬والدعوة إلى اليمان بال‪ ،‬وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله ‪ /،‬والبعث بعد الموت‪ ،‬واليمان بالقدر خيره وشره‪،‬‬
‫والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه‪.‬‬
‫فإن هذه الدرجات الثلث التي هي‪ :‬السلم‪ ،‬واليمان‪ ،‬والحسان‪ ،‬داخلة في الدين‪ ،‬كما قال في الحديث الصحيح‪:‬‬
‫)هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم(‪ ،‬بعد أن أجابه عن هذه الثلث‪ ،‬فبين أنها كلها من ديننا‪.‬‬
‫و)الدين(‪ :‬مصدر‪ ،‬والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول‪ ،‬يقال‪ :‬دان فلن فلًنا إذا عبده وأطاعه‪ ،‬كما يقال‪ :‬دانه إذا‬
‫أذله‪ .‬فالعبد يدين ال‪ ،‬أي‪ :‬يعبده ويطيعه‪ ،‬فإذا أضيف الدين إلى العبد فلنه العابد المطيع‪ ،‬وإذا أضيف إلى ال فلنه‬
‫ل{ ]النفال‪.[39 :‬‬
‫ن الّدينُ ُكّلُه ِّ‬
‫ن ِفْتَنٌة َوَيُكو َ‬
‫ل َتُكو َ‬
‫حّتى َ‬
‫المعبود المطاع‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَقاِتُلوُهْم َ‬
‫فالدعوة إلى ال تكون بدعوة العبد إلى دينه‪ ،‬وأصل ذلك عبادته وحده ل شريك له‪ ،‬كما بعث ال بذلك رسله‪،‬وأنزل به‬
‫حْيَنا‬
‫حا َواّلِذي َأْو َ‬
‫صى ِبِه ُنو ً‬
‫ن َما َو ّ‬
‫ن الّدي ِ‬
‫ع َلُكم ّم َ‬
‫شَر َ‬
‫كتبه‪.‬قال تعالى‪َ }:‬‬
‫ل َمنْ‬
‫سَأ ْ‬
‫رُقوا ِفيِه{]الشوري‪ ،[ 13:‬وقال تعالى‪َ}:‬وا ْ‬
‫ن َولَ َتَتَف ّ‬
‫ن َأِقيُموا الّدي َ‬
‫سى َأ ْ‬
‫عي َ‬
‫سى َو ِ‬
‫صْيَنا ِبِه ِإْبَراِهيَم َوُمو َ‬
‫ك َوَما َو ّ‬
‫ِإَلْي َ‬
‫ل َأ ِ‬
‫ن‬
‫سو ً‬
‫ل ُأّمٍة ّر ُ‬
‫ن{ ]الزخرف‪ ،[ 45:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَلَقْد َبَعْثَنا ِفي ُك ّ‬
‫ن آِلَهًة ُيْعَبُدو َ‬
‫حَم ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫جَعْلَنا ِمن ُدو ِ‬
‫سِلَنا َأ َ‬
‫ك ِمن ّر ُ‬
‫سْلَنا ِمن َقْبِل َ‬
‫َأْر َ‬
‫سْلَنا ِمن َقْبِل َ‬
‫ك‬
‫ضللَُة{ ]النحل‪ ،[ 36:‬وقال تعالى‪َ}:‬وَما َأْر َ‬
‫عَلْيِه ال ّ‬
‫ت َ‬
‫حّق ْ‬
‫ن َ‬
‫ل َوِمْنُهم ّم ْ‬
‫ن َهَدى ا ّ‬
‫ت َفِمْنُهم ّم ْ‬
‫غو َ‬
‫طا ُ‬
‫جَتِنُبوْا ال ّ‬
‫ل َوا ْ‬
‫عُبُدوْا ا ّ‬
‫اْ‬
‫ِمن ّرُسوٍل ِإّل ُنوِحي ِإَلْيِه َأّنُه َل ِإَلَه ِإّل َأَنا َفاْعُبُدوِن{ ]النبياء‪.[25:‬‬

‫وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إنا معاشر النبياء ديننا واحد‪،‬‬
‫ت‪ ،‬وإن أولي الناس بابن مريم لنا‪ ،‬إنه ليس بيني وبينه نبي( ]والخوة لعلت‪ :‬هم الذين أمهاتهم‬
‫النبياء إخوة لَعل ٍ‬
‫مختلفة وأبوهم واحد‪ ،‬والمراد هنا‪ :‬أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة[ ‪ ،‬فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم‬
‫ومناهجهم‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ} :‬لُكّل َجَعْلَنا ِمنُكْم ِشْرَعًة َوِمْنَهاًجا{ ]المائدة‪.[48 :‬‬
‫فالرسل متفقون في الدين الجامع للصول العتقادية والعملية‪ ،‬فالعتقادية كاليمان بال وبرسله وباليوم الخر‪،‬‬
‫حّرَم‬
‫ل َما َ‬
‫ل َتَعاَلْوْا َأْت ُ‬
‫والعملية كالعمال العامة المذكورة في النعام والعراف‪ ،‬وسورة بني إسرائيل‪ ،‬كقوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ك َأّل َتْعُبُدوْا ِإّل ِإّياُه{ إلى آخر الوصايا‬
‫ضى َرّب َ‬
‫َرّبُكْم عََلْيُكْم{ إلى آخر اليات الثلث ]النعام‪ ،[153 - 151 :‬وقوله‪َ}:‬وَق َ‬
‫صيَن َلُه الّديَن{ ]العراف‪:‬‬
‫خِل ِ‬
‫عوُه ُم ْ‬
‫جٍد َواْد ُ‬
‫سِ‬
‫عنَد ُكلّ َم ْ‬
‫جوَهُكْم ِ‬
‫ط َوَأِقيُموْا ُو ُ‬
‫سِ‬
‫ل َأَمَر َرّبي ِباْلِق ْ‬
‫]السراء‪ ،[39 -23:‬وقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫طاًنا‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبِه ُ‬
‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬
‫شِرُكوْا ِبا ّ‬
‫ق َوَأن ُت ْ‬
‫حّ‬
‫ي ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْثَم َواْلَبْغ َ‬
‫ن َوا ِ‬
‫طَ‬
‫ظَهَر ِمْنَها َوَما َب َ‬
‫ش َما َ‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫‪ ،[29‬وقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن{ ]العراف‪.[33 :‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫َوَأن َتُقوُلوْا َ‬
‫‪ /‬فهذه المور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع‪ ،‬كعامة ما في السور المكية‪ ،‬فإن السور المكية تضمنت‬
‫الصول التي اتفقت عليها رسل ال‪ ،‬إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن ل يقر بأصل الرسالة‪ ،‬وأما السور‬
‫المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة‪ ،‬كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض‪ ،‬وكالمؤمنين الذين‬
‫آمنوا بكتب ال ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي أكمل ال بها الدين؛ كالقبلة‪ ،‬والحج‪ ،‬والصيام‪ ،‬والعتكاف‪،‬‬
‫والجهاد‪ ،‬وأحكام المناكح ونحوها‪ ،‬وأحكام الموال بالعدل كالبيع‪ ،‬والحسان كالصدقة‪ ،‬والظلم كالربا‪ ،‬وغير ذلك مما‬
‫هو من تمام الدين‪.‬‬
‫س{ لعموم الدعوة إلى الصول؛ إذ ل يدعي إلى الفرع من ل يقر‬
‫ولهذا كان الخطاب في السور المكية‪َ}:‬يا َأّيَها الّنا ُ‬
‫ط َ‬
‫ب‬
‫خو ِ‬
‫بالصل ‪ ،‬فلما هاجر النبي صلى ال عليه وسلم إلى المدينة وعز بها أهل اليمان‪ ،‬وكان بها أهل الكتاب ‪ُ ،‬‬
‫ل{ ولم ينزل بمكة‬
‫سَراِئي َ‬
‫ب{ ‪ ،‬أو }َيا َبِني ِإ ْ‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫ن آَمُنوْا{‪ ،‬وهؤلء‪َ} :‬يا َأْه َ‬
‫هؤلء وهؤلء؛ فهؤلء‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫س{ ‪ ،‬كما في سورة النساء‪ ،‬وسورة الحج وهما مدنيتان‪،‬‬
‫شيء من هذا‪ ،‬ولكن في السور المدنية خطاب‪َ} :‬يا َأّيَها الّنا ُ‬
‫وكذا في البقرة‪.‬‬
‫حْبِر ابن عباس؛لن الحكم المذكور يشمل جنس الناس‪،‬والدعوة بالسم الخاص ل تنافي الدعوة‬
‫وهذا يعَّكر على قول ال َ‬
‫ن آَمُنوْا{‪ ،‬فالدعوة‬
‫س{‪ ،‬وفي الخطاب بـ }َيا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫بالسم العام ‪ / ،‬فالمؤمنون داخلون في الخطاب بـ }َيا َأّيَها الّنا ُ‬

‫إلى ال تتضمن المر بكل ما أمر ال به‪،‬والنهي عن كل ما نهي ال عنه‪،‬وهذا هو المر بكل معروف‪،‬والنهي عن كل‬
‫منكر‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم قام بهذه الدعوة‪ ،‬فإنه أمر الخلق بكل ما أمر ال به‪ ،‬ونهاهم عن كل ما نهي ال عنه‪،‬‬
‫ن الّزَكـاَة َواّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ن َوُيْؤُتو َ‬
‫ن َيّتُقو َ‬
‫سَأْكُتُبَها ِلّلِذي َ‬
‫يٍء َف َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫سَع ْ‬
‫حَمِتي َو ِ‬
‫أمر بكل معروف‪ ،‬ونهي عن كل منكر‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وَر ْ‬
‫عِ‬
‫ن‬
‫ف َوَيْنَهاُهْم َ‬
‫ل َيْأُمُرُهم ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫جي ِ‬
‫لْن ِ‬
‫عنَدهُْم ِفي الّتْوَراةِ َوا ِ‬
‫جُدوَنُه َمْكُتوًبا ِ‬
‫ي اّلِذي َي ِ‬
‫لّم ّ‬
‫يا ُ‬
‫ل الّنِب ّ‬
‫سو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ن َيّتِبُعو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ُهم ِبآَياِتَنا ُيْؤِمُنو َ‬
‫ث{ ]العراف‪.[157 ،156 :‬‬
‫خَبآِئ َ‬
‫عَلْيِهُم اْل َ‬
‫حّرُم َ‬
‫ت َوُي َ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ل َلُهُم ال ّ‬
‫حّ‬
‫اْلُمنَكِر َوُي ِ‬
‫عًيا ِإَلى الِّ‬
‫شًرا َوَنِذيًرا َوَدا ِ‬
‫شاِهًدا َوُمَب ّ‬
‫ك َ‬
‫سْلَنا َ‬
‫ودعوته إلى ال هي بإذنه لم يشرع ديًنا لم يأذن به ال‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ} :‬إّنا َأْر َ‬
‫ن َما َلْم َيْأَذن ِبِه‬
‫ن الّدي ِ‬
‫عوا َلُهم ّم َ‬
‫شَر ُ‬
‫شَرَكاء َ‬
‫جا ّمِنيًرا{ ]الحزاب‪ ،[ 46 ،45:‬خلف الذين ذمهم في قوله‪َ} :‬أْم َلُهْم ُ‬
‫سَرا ً‬
‫ِبِإْذِنِه َو ِ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ل‬
‫ن َلُكْم َأْم َ‬
‫ل َأِذ َ‬
‫لآ ّ‬
‫ل ُق ْ‬
‫لً‬
‫حَ‬
‫حَراًما َو َ‬
‫جَعْلُتم ّمْنُه َ‬
‫ق َف َ‬
‫ل َلُكم ّمن ّرْز ٍ‬
‫لا ّ‬
‫ل َأَرَأْيُتم ّما َأنَز َ‬
‫ل{ ]الشوري‪ ،[ 21:‬وقد قال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ا ُّ‬
‫َتْفَتُروَن{ ]يونس‪.[59:‬‬
‫‪ /‬ومما يبين ما ذكرناه‪:‬أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى ال تارة‪ ،‬وتارة بالدعوة إلى سبيله‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬اْد ُ‬
‫ع‬
‫ظِة اْلَحَسَنِة{ ]النحل‪ ،[ 125 :‬وذلك أنه قد علم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر لبد فيما‬
‫عَ‬
‫حْكَمِة َواْلَمْو ِ‬
‫ك ِباْل ِ‬
‫ل َرّب َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ِإِلى َ‬

‫يدعو إليه من أمرين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬المقصود المراد‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود؛ فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى ال وتارة إلى سبيله؛ فإنه ـ سبحانه ـ‬
‫هو المعبود المراد المقصود بالدعوة‪.‬‬
‫والعبادة‪ :‬اسم يجمع غاية الحب له‪ ،‬وغاية الذل له‪ ،‬فمن ذل لغيره مع بغضه لم يكن عابًدا‪ ،‬ومن أحبه من غير ذل له‬
‫حب غاية المحبة‪ ،‬بل يكون هو المحبوب المطلق‪ ،‬الذي ل يحب شيء إل‬
‫لم يكن عابًدا‪ ،‬وال ـ سبحانه ـ يستحق أن ي َ‬
‫له‪ ،‬وأن يعظم ويذل له غاية الذل‪ ،‬بل ل يذل لشيء إل من أجله‪ ،‬ومن أشرك غيره في هذا وهذا لم يحصل له حقيقة‬
‫الحب والتعظيم‪ ،‬فإن الشرك يوجب نقص المحبة‪.‬‬
‫ل{ ]البقرة‪ [ 165 :‬أي‪ :‬أشد حًبا ل من هؤلء ‪/‬‬
‫با ّ‬
‫ح ّ‬
‫حّبوَنُهْم َك ُ‬
‫ل َأنَدادًا ُي ِ‬
‫نا ّ‬
‫خُذ ِمن ُدو ِ‬
‫س َمن َيّت ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬وِم َ‬
‫ل{]الزمر‪،[29:‬‬
‫ن َمَث ً‬
‫سَتِوَيا ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َه ْ‬
‫جٍ‬
‫سَلًما ّلَر ُ‬
‫ل َ‬
‫جً‬
‫ن َوَر ُ‬
‫سو َ‬
‫شاِك ُ‬
‫شَرَكاء ُمَت َ‬
‫ل ِفيِه ُ‬
‫جً‬
‫ل ّر ُ‬
‫ل َمَث ً‬
‫ب ا ُّ‬
‫ضَر َ‬
‫لندادهم‪ ،‬وقال تعالى‪َ } :‬‬
‫وكذلك الستكبار يمنع حقيقة الذل ل‪ ،‬بل يمنع حقيقة المحبة ل‪ ،‬فإن الحب التام يوجب الذل والطاعة‪ ،‬فإن المحب لمن‬
‫يحب مطيع‪.‬‬
‫ولهذا كان الحب درجات أعلها‪) :‬التتيم(‪ ،‬وهو‪ :‬التعبد‪ ،‬وتيم ال أي‪ :‬عبد ال؛ فالقلب المتيم هو المعبد لمحبوبه‪ ،‬وهذا‬
‫ل يستحقه إل ال وحده‪.‬‬
‫والسلم‪ :‬أن يستسلم العبد ل ل لغيره‪ ،‬كما ينبئ عنه قول‪) :‬ل إله إل ال(‪ ،‬فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك‪ ،‬ومن‬
‫لم يستسلم له فهو مستكبر‪ ،‬وكلهما ضد السلم‪ .‬والشرك غالب على النصاري ومن ضاهاهم من الضلل‬
‫والمنتسبين إلى المة‪.‬‬
‫وقد بسطنا الكلم على ما يتعلق بهذا الموضع في مواضع متعددة‪.‬‬
‫وذلك يتعلق بتحقيق اللوهية ل وتوحيده‪ ،‬وامتناع الشرك‪ ،‬وفساد السموات والرض بتقدير إله غيره‪ ،‬والفرق بين‬
‫الشرك في الربوبية والشرك في اللوهية‪ ،‬وبيان أن العباد فطروا على القرار به ومحبته وتعظيمه‪ ،‬وأن القلوب ل‬
‫تصلح إل بأن تعبد ال وحده‪ ،‬ول‪ /‬كمال لها ول صلح ول لذة ول سرور ول فرح ول سعادة بدون ذلك‪ ،‬وتحقيق‬
‫الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ال عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‪ ،‬وغير ذلك مما يتعلق بهذا‬
‫ب القرآن وزبدته‪ ،‬وبيان التوحيد‬
‫الموضع الذي في تحقيقه تحقيق مقصود الدعوة النبوية‪ ،‬والرسالة اللهية‪ ،‬وهو ُل ّ‬
‫صَمُد{ ]الخلص‪ ،[2 ،1 :‬والتوحيد القصدي العملي المذكور‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهَو ا ُّ‬
‫العلمي القولي‪ ،‬المذكور في قوله‪ُ} :‬ق ْ‬

‫في قوله تعالى‪ُ} :‬قْل َيا َأّيَها اْلَكاِفُروَن{ ]الكافرون‪ ،[ 1 :‬وما يتصل بذلك ‪ ،‬فإن هذا بيان لصل الدعوة إلى ال وحقيقتها‬
‫ومقصودها‪.‬‬
‫لكن المقصود في الجواب ذكر ذلك على طريق الجمال؛ إذ ل يتسع الجواب لتفضيل ذلك‪ ،‬وكل ما أحبه ال ورسوله‬
‫من واجب ومستحب‪ ،‬من باطن وظاهر فمن الدعوة إلى ال المر به‪،‬وكل ما أبغضه ال ورسوله من باطن وظاهر‪،‬‬
‫فمن الدعوة إلى ال النهي عنه ل تتم الدعوة إلى ال إل بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه ال‪ ،‬ويترك ما أبغضه ال‪ ،‬سواء‬
‫كان من القوال أو العمال الباطنة أو الظاهرة‪ ،‬كالتصديق بما أخبر به الرسول صلى ال عليه وسلم من أسماء ال‬
‫وصفاته‪ ،‬والمعاد وتفصيل ذلك‪ ،‬وما أخبر به عن سائر المخلوقات‪ :‬كالعرش‪ ،‬والكرسي‪ ،‬والملئكة‪ ،‬والنبياء‪،‬‬
‫وأممهم‪ ،‬وأعدائهم؛ وكإخلص الدين ل‪ ،‬وأن يكون ال ورسوله أحب إلينا مما سواهما‪ ،‬وكالتوكل عليه‪ ،‬والرجاء‬
‫لرحمته‪ / ،‬وخشية عذابه‪ ،‬والصبر لحكمه‪ ،‬وأمثال ذلك‪ ،‬وكصدق الحديث‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬والوفاء بالعهد‪ ،‬وصلة‬
‫الرحام‪ ،‬وحسن الجوار‪ ،‬وكالجهاد في سبيله بالقلب واليد واللسان‪.‬‬
‫إذا تبين ذلك‪ ،‬فالدعوة إلى ال واجبة على من اتبعه‪ ،‬وهم أمته يدعون إلى ال‪ ،‬كما دعا إلى ال‪.‬‬
‫وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به‪ ،‬ونهيهم عما ينهي عنه‪ ،‬وإخبارهم بما أخبر به؛ إذ الدعوة تتضمن المر‪ ،‬وذلك‬
‫يتناول المر بكل معروف‪ ،‬والنهي عن كل منكر‪.‬‬
‫ن ِباْلَمْعُروفِ‬
‫س َتْأُمُرو َ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ج ْ‬
‫خِر َ‬
‫خْيَر ُأّمٍة ُأ ْ‬
‫وقد وصف أمته بذلك في غير موضع‪ ،‬كما وصفه بذلك فقال تعالى‪ُ} :‬كنُتْم َ‬
‫ف َوَيْنَهْو َ‬
‫ن‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ض َيْأُمُرو َ‬
‫ضُهْم َأْوِلَياء َبْع ٍ‬
‫ت َبْع ُ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫ن اْلُمنَكِر{ ]آل عمران‪ ،[ 110:‬وقال تعالى‪َ}:‬واْلُمْؤِمُنو َ‬
‫عِ‬
‫َوَتْنَهْونَ َ‬
‫َعِن اْلُمنَكِر{ الية ]التوبة‪ ،[ 71:‬وهذا الواجب واجب على مجموع المة‪ ،‬وهو الذي يسميه العلماء‪ :‬فرض كفاية إذا قام‬

‫به طائفة منهم سقط عن الباقين؛ فالمة كلها مخاطبة بفعل ذلك‪ ،‬ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين‪ .‬قال تعالى‪:‬‬
‫ك ُهُم اْلُمْفِلُحوَن{ ]آل عمران‪.[104 :‬‬
‫ن اْلُمنَكِر َوُأْوَلـِئ َ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ف َوَيْنَهْو َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫خْيِر َوَيْأُمُرو َ‬
‫ن ِإَلى اْل َ‬
‫عو َ‬
‫}َوْلَتُكن ّمنُكْم ُأّمٌة َيْد ُ‬
‫فمجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى ال؛ ولهذا كان إجماعهم ‪ /‬حجة قاطعة‪ ،‬فأمته ل تجتمع على ضللة‪ ،‬وإذا‬
‫تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى ال وإلى رسوله‪ ،‬وكل واحد من المة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما‬
‫يقدر عليه إذا لم يقم به غيره‪ ،‬فما قام به غيره سقط عنه‪ ،‬وما عجز لم يطالب به‪ .‬وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر‬
‫عليه فعليه أن يقوم به؛ ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما ل يجب على هذا‪ ،‬وقد تقسطت الدعوة على المة بحسب ذلك‬
‫تارة‪ ،‬وبحسب غيره أخري؛ فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب‪ ،‬وهذا إلى عمل ظاهر واجب‪ ،‬وهذا إلى عمل باطن‬
‫واجب؛ فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة‪ ،‬وفي الوقوع أخري‪.‬‬
‫وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى ال تجب على كل مسلم‪ ،‬لكنها فرض على الكفاية‪ ،‬وإنما يجب على الرجل المعين من‬
‫ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره‪ ،‬وهذا شأن المر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول‪،‬‬
‫والجهاد في سبيل ال‪ ،‬وتعليم اليمان والقرآن‪.‬‬
‫وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف‪ ،‬ونهي عن المنكر‪ ،‬فإن الداعي طالب مستدع مقتض لما دعي إليه‪،‬‬
‫وذلك هو المر به؛ إذ المر هو طلب الفعل المأمور به‪ ،‬واستدعاء له ودعاء إليه‪ ،‬فالدعاء ‪ /‬إلى ال الدعاء إلى سبيله‪،‬‬
‫فهو أمر بسبيله‪ ،‬وسبيله تصديقه فيما أخبر‪ ،‬وطاعته فيما أمر‪.‬‬
‫وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين‪ ،‬وجوب فرض الكفاية‪ ،‬ل وجوب فرض العيان‪ ،‬كالصلوات‬
‫الخمس‪ ،‬بل كوجوب الجهاد‪.‬‬
‫والقيام بالواجبات‪ ،‬من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها‪،‬كما جاء في الحديث‪ :‬ينبغي لمن أمر‬
‫بالمعروف‪،‬ونهي عن المنكر‪،‬أن يكون فقيًها فيما يأمر به‪ ،‬فقيًها فيما ينهي عنه‪،‬رفيًقا فيما يأمر به‪ ،‬رفيًقا فيما ينهي‬
‫عنه‪،‬حليًما فيما يأمر به‪،‬حليما فيما ينهي عنه‪،‬فالفقه قبل المر ليعرف المعروف وينكر المنكر‪ ،‬والرفق عند المر‬
‫ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود‪،‬والحلم بعد المر ليصبر على أذي المأمور المنهي‪ ،‬فإنه كثيًرا ما يحصل‬
‫له الذى بذلك‪.‬‬

‫ك{ ]لقمان‪ ،[ 17:‬وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع‬
‫صاَب َ‬
‫عَلى َما َأ َ‬
‫صِبْر َ‬
‫ن اْلُمنَكِر َوا ْ‬
‫عِ‬
‫ف َواْنَه َ‬
‫ولهذا قال تعالى‪َ}:‬وْأُمْر ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫صِب ْ{‬
‫ر{‬
‫ك َفا ْ‬
‫سَتْكِثُر َوِلَرّب َ‬
‫ل َتْمُنن َت ْ‬
‫جْر َو َ‬
‫جَز َفاْه ُ‬
‫طّهْر َوالّر ْ‬
‫ك َف َ‬
‫ك َفَكّبْر َوِثَياَب َ‬
‫كثيرة‪ ،‬كما قال تعإلى ـ في أول المـدثر ـ‪ُ} :‬قْم َفَأنِذْر َوَرّب َ‬
‫صِبْر َعَلى َما َيُقوُلوَن{ ]المزمل‪:‬‬
‫عُيِنَنا{ ]الطور‪ ،[48:‬وقال‪َ} :‬وا ْ‬
‫ك ِبَأ ْ‬
‫ك َفِإّن َ‬
‫حْكِم َرّب َ‬
‫صِبْر ِل ُ‬
‫]المدثر‪ ،[ 7 - 2 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وا ْ‬
‫صُرَنا{ ]النعام‪ ،[34:‬وقال‪:‬‬
‫حّتى َأَتاُهْم َن ْ‬
‫عَلى َما ُكّذُبوْا َوُأوُذوْا َ‬
‫صَبُروْا َ‬
‫ك َف َ‬
‫ل ّمن َقْبِل َ‬
‫سٌ‬
‫ت ُر ُ‬
‫‪ ،[ 10‬وقال تعالى‪َ} / :‬وَلَقْد ُكّذَب ْ‬
‫ت{ ]القلم‪.[48:‬‬
‫حو ِ‬
‫ب اْل ُ‬
‫ح ِ‬
‫صا ِ‬
‫ل َتُكن َك َ‬
‫ك َو َ‬
‫حْكِم َرّب َ‬
‫صِبْر ِل ُ‬
‫}َفا ْ‬
‫ب ِمن َقْبِلُكْم‬
‫ن ُأوُتوْا اْلِكَتا َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن ِم َ‬
‫سَمُع ّ‬
‫سُكْم َوَلَت ْ‬
‫ن ِفي َأْمَواِلُكْم َوَأنُف ِ‬
‫وقد جمع ـ سبحانه ـ بين التقوي والصبر في مثل قوله‪َ}:‬لُتْبَلُو ّ‬
‫ك ِمْن َعْزِم اُلُموِر{ ]آل عمران‪ ، [186:‬والمؤمنون كانوا يدعون‬
‫ن َذِل َ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقوْا َفِإ ّ‬
‫شَرُكوْا َأًذى َكِثيرًا َوِإن َت ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫َوِم َ‬

‫إلى اليمان بال وما أمر به من المعروف ‪ ،‬وينهون عما نهي ال عنه من المنكر ‪ ،‬فيؤذيهم المشركون وأهل الكتاب ‪،‬‬
‫ك ِمْن َعْزِم اُلُموِر{ ‪ ،‬وقد قال يوسف ـ عليه السلم‬
‫ن َذِل َ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقوْا َفِإ ّ‬
‫وقد أخبرهم بذلـك قبل وقوعه ‪ ،‬وقال لهم‪َ} :‬وِإن َت ْ‬
‫ضيُع َأْجَراْلُمْحِسِنيَن{ ]يوسف‪.[90:‬‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫صِبْر َفِإ ّ‬
‫ق َوِي ْ‬
‫عَلْيَنا ِإّنُه َمن َيّت ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫خي َقْد َم ّ‬
‫ف َوَهـَذا َأ ِ‬
‫س ُ‬
‫‪َ} :‬أَنْا ُيو ُ‬
‫فالتقوي تتضمن طاعة ال‪ ،‬ومنها المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والصبر يتناول الصبر على المصائب التي‬
‫منها أذى المأمور المنهي للمر الناهي‪.‬‬
‫لكن للمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره‪ ،‬كما يدفع النسان عن نفسه الصائل‪ ،‬فإذا أراد المأمور المنهي ضربه‪،‬‬
‫أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على دفعه فله دفعه عنه؛ بخلف ما إذا وقع الذى ‪ /‬وتاب منه؛ فإن هذا مقام الصبر‬
‫والحلم‪ ،‬والكمال في هذا الباب حال نبينا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت‪ :‬ما ضرب‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بيده خادما له‪ ،‬ول امرأة‪ ،‬ول دابة‪ ،‬ول شيًئا قط‪ ،‬إل أن يجاهد في سبيل ال‪ ،‬ول نيل‬
‫منه فانتقم لنفسه إل أن تنتهك محارم ال فإذا انتهكت محارم ال لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم ل‪ ،‬فقد تضمن خلقه‬
‫العظيم أنه ل ينتقم لنفسه إذا نيل منه‪ ،‬وإذا انتهكت محارم ال لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم ل‪ ،‬ومعلوم أن أذي‬
‫ساّبه واجب باتفاق المة‪ ،‬سواء قيل‪ :‬إنه قتل لكونه‬
‫الرسول من أعظم المحرمات‪ ،‬فإن من آذاه فقد آذي ال‪ ،‬وقتل َ‬
‫ردة‪ ،‬أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حًدا من الحدود‪.‬‬
‫ن َأْه ِ‬
‫ل‬
‫والمنقول عن النبي صلى ال عليه وسلم في احتماله وعفـوه عمن كان يؤذيه كثير‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وّد َكِثيٌر ّم ْ‬
‫ل ِبَأْمِرِه{{‬
‫يا ّ‬
‫حّتى َيْأِت َ‬
‫حوْا َ‬
‫صَف ُ‬
‫عُفوْا َوا ْ‬
‫ق َفا ْ‬
‫حّ‬
‫ن َلُهُم اْل َ‬
‫سِهم ّمن َبْعِد َما َتَبّي َ‬
‫عنِد َأنُف ِ‬
‫ن ِ‬
‫سًدا ّم ْ‬
‫حَ‬
‫ب َلْو َيُرّدوَنُكم ّمن َبْعِد ِإيَماِنُكْم ُكّفارًا َ‬
‫اْلِكَتا ِ‬

‫]البقرة‪ ،[ 109:‬فالمر الناهي إذا أوذي وكان أذاه تعديا لحدود ال وفيه حق ل‪ ،‬يجب على كل أحد النهي عنه‪،‬‬
‫وصاحبه مستحق للعقوبة‪ ،‬لكن لما دخل فيه حق الدمي كان له العفو عنه‪ ،‬كما له أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير‬
‫ذلك‪ ،‬وعفوه عنه ل ‪ /‬يسقط عن ذلك العقوبة التي وجبت عليه لحق ال‪ ،‬لكن يكمل لهذا المر الناهي مقام الصبر‬
‫ك ِمْن َعْزِم اُلُموِر{ ]آل عمران‪:‬‬
‫ن َذِل َ‬
‫صِبُروْا َوَتّتُقوْا َفِإ ّ‬
‫والعفو الذي شرع ال لمثله‪ ،‬حتى يدخل في قوله تعالى‪َ} :‬وِإن َت ْ‬
‫ل ِبَأْمِرِه{‪.‬‬
‫يا ّ‬
‫حّتى َيْأِت َ‬
‫حوْا َ‬
‫صَف ُ‬
‫عُفوْا َوا ْ‬
‫‪ ،[ 186‬وفي قوله‪َ} :‬فا ْ‬
‫ثم هنا فرق لطيف‪ ،‬أما الصبر فإنه مأمور به مطلًقا‪ ،‬فل ينسخ‪ ،‬وأما العفو والصفح فإنه جعل إلى غاية‪ ،‬وهو‪ :‬أن يأتي‬
‫ال بأمره‪ ،‬فلما أتي بأمره بتمكين الرسول ونصره ـ صار قادًرا على الجهاد لولئك‪ ،‬وإلزامهم بالمعروف‪ ،‬ومنعهم‬
‫عن المنكر ـ صار يجب عليه العمل باليد في ذلك ما كان عاجًزا عنه‪ ،‬وهو مأمور بالصبر في ذلك‪،‬كما كان مأموًرا‬
‫بالصبر أول‪.‬‬
‫والجهاد مقصوده أن تكون كلمة ال هي العليا‪ ،‬وأن يكون الدين كله ل؛ فمقصوده إقامة دين ال ل استيفاء الرجل‬
‫حظه؛ ولهذا كان ما يصاب به المجاهد في نفسه وماله أجره فيه على ال؛ فإن ال اشتري من المؤمنين أنفسهم‬
‫وأموالهم‪ ،‬بأن لهم الجنة‪ ،‬حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما أتلفوه للمسلمين من الدماء والموال‪ ،‬بل‬
‫لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين‪ ،‬كان ملكا لهم عند جمهور العلماء‪ :‬كمالك وأبي حنيفة وأحمد‪ ،‬وهو‬
‫الذي مضت به سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسنة خلفائه الراشدين‪.‬‬
‫ل الحق منه‪ :‬فل ينبغي له أن يقتص منه‪،‬‬
‫‪/‬فالمر الناهي إذا نيل منه وأوذي‪ ،‬ثم إن ذلك المأمور المنهي تاب وَقِب َ‬
‫ويعاقبه على أذاه‪،‬فإنه قد سقط عنه بالتوبة حق ال كما يسقط عن الكافر إذا أسلم حقوق ال ـ تعإلى ـ كما ثبت في‬
‫الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬السلم يهدم ما كان قبله‪،‬والتوبة تهدم ما كان قبلها( ‪ ،‬والكافر إذا‬

‫أسلم هدم السلم ما كان قبله‪،‬دخل في ذلك ما اعتدي به على المسلمين في نفوسهم وأموالهم؛لنه ما كان يعتقد ذلك‬
‫حراما‪ ،‬بل كان يستحله‪ ،‬فلما تاب من ذلك غفر له هذا الستحلل‪،‬وغفرت له توابعه‪.‬‬
‫ل لذي المر الناهي كأهل البدع والهواء‪ ،‬الذين يعتقدون أنهم على حق‪ ،‬وأن المر‬
‫فالمأمور المنهي إن كان مستح ً‬
‫الناهي لهم معتد عليهم‪ ،‬فإذا تابوا لم يعاقبوا بما اعتدوا به على المر الناهي من أهل السنة‪ ،‬كالرافضي الذي يعتقد‬
‫كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك‪ ،‬فإن تاب من هذا العتقاد‪ ،‬وصار يحبهم ويتولهم لم يبق لهم عليه حق‪ ،‬بل‬
‫طا؛ لنه تابع لعتقاده‪.‬‬
‫دخل حقهم في حق ال ثبوًتا وسقو ً‬
‫ولهذا كان جمهور العلماء ـ كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أصح الروايتين‪ ،‬والشافعي في أحد القولين ـ على أن أهل‬
‫البغي المتأولين ل يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل بالتأويل‪ ،‬كما ل يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل البغي‬
‫بالتأويل باتفاق العلماء‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك أصح قولي العلماء في المرتدين‪ ،‬فإن المرتد والباغي المتأول والمبتدع كل هؤلء يعتقد أحدهم أنه على حق‪،‬‬
‫فيفعل ما يفعله متأول‪ ،‬فإذا تاب من ذلك كان كتوبة الكافر من كفره؛ فيغفر له ما سلف مما فعله متأول‪ ،‬وهذا بخلف‬
‫من يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان كالمسلم إذا ظلم المسلم‪ ،‬والذمي إذا ظلم المسلم‪ ،‬والمرتد الذي أتلف مال غيره‪،‬‬
‫وليس بمحارب بل هو في الظاهر مسلم أو معاهد‪ ،‬فإن هؤلء يضمنون ما أتلفوه بالتفاق‪.‬‬
‫فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذي المر الناهي جائز له‪ ،‬فهو من المتأولين وحق المر الناهي داخل في حق ال ـ‬
‫تعإلى ـ فإذا تاب سقط الحقان‪ ،‬وإن لم يتب كان مطلوبا بحق ال المتضمن حق الدمي‪ ،‬فإما أن يكون كافًرا‪ ،‬وإما أن‬
‫يكون فاسًقا‪ ،‬وإما أن يكون عاصيا‪ ،‬فهؤلء كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه‪ ،‬وإن كان مجتهًدا مخطًئا فهذا قد عفي‬
‫ال عنه خطأه‪ ،‬فإذا كان قد حصل بسبب اجتهاده الخطأ أذي للمر الناهي بغير حق فهو كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ‪،‬‬
‫وكان في ذلك ما هو أذي للمسلم‪ ،‬أو كالشاهد‪ ،‬أو كالمفتي‪.‬‬
‫ضُكْم‬
‫جَعْلَنا َبْع َ‬
‫فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك المجتهد المخطئ‪ ،‬كان هذا مما ابتلي ال به هذا المر الناهي‪.‬قال تعالى‪َ}:‬و َ‬
‫صيًرا{ ]الفرقان‪ ،[ 20:‬فهذا مما يرتفع عنه الثم في نفس المر‪ ،‬وكذلك ‪ /‬الجزاء على‬
‫ك َب ِ‬
‫ن َرّب َ‬
‫ن َوَكا َ‬
‫صِبُرو َ‬
‫ض فِْتَنًة َأَت ْ‬
‫ِلَبْع ٍ‬

‫وجه العقوبة‪ ،‬ولكن قد يقال‪ :‬قد يسقط الجزاء على وجه القصاص الذي يجب في العمد‪ ،‬ويثبت الضمان الذي يجب في‬
‫الخطأ‪ ،‬كما تجب الدية في الخطأ‪ ،‬وكما يجب ضمان الموال التي يتلفها الصبي والمجنون في ماله‪ ،‬وإن وجبت الدية‬
‫على عاقلة القاتل خطأ‪ ،‬معاونة له فلبد من استيفاء حق المظلوم خطأ‪ ،‬فكذلك هذا الذي ظلم خطأ‪ ،‬لكن يقال‪ :‬يفرق‬
‫ضا أو غالًبا‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن‬
‫بين ما كان الحق فيه ل‪ ،‬وحق الدمي تبع له‪ ،‬وما كان حًقا لدمي مح ً‬
‫المنكر‪ ،‬والجهاد من هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين ل يوجبون على أهل البغي ضمان ما أتلفوه لهل العدل‬
‫سًقا‪.‬‬
‫بالتأويل‪ ،‬وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفًرا ول ِف ْ‬
‫وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم‪ ،‬ولم يجهزوا على جريحهم‪ ،‬ولم يسبوا حريمهم‪ ،‬ولم يغنموا أموالهم‪ ،‬فل‬
‫يقاتلونهم على ما أتلفوه من النفوس والموال إذا أتلفوا مثل ذلك‪ ،‬أو تملكوا عليهم‪.‬‬
‫فتبين أن القصاص ساقط في هذا الموضع؛ لن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه الجر على ال‪ ،‬وهذا مما يتعلق‬
‫بحق العبد المر الناهي‪.‬‬
‫وأما قول السائل‪ :‬هل يقتص منه لئل يؤدي إلى طمع منه في‪ /‬جانب الحق؟ فيقال‪ :‬متي كان فيما فعله إفساد لجانب‬
‫الحق كان الحق في ذلك ل ورسوله‪ ،‬فيفعل فيه ما يفعل في نظيره‪ ،‬وإن لم يكن فيه أذي للمر الناهي‪.‬‬
‫والمصلحة في ذلك تتنوع؛ فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال‪ ،‬وتارة تكون المصلحة المهادنة‪ ،‬وتارة تكون‬
‫المصلحة المساك والستعداد بل مهادنة‪ ،‬وهذا يشبه ذلك‪ ،‬لكن النسان تزين له نفسه أن عفوه عن ظالمه يجريه‬
‫عليه‪ ،‬وليس كذلك‪ ،‬بل قد ثبت عن النبي صلى ال عليه وسلم في الصحيح أنه قال‪) :‬ثلث إن كنت حالفًا عليهن‪ :‬ما‬
‫زاد ال عبًدا بعفو إل عزا‪ ،‬وما نقصت صدقة من مال‪ ،‬وما تواضع أحد ل إل رفعه ال(‪.‬‬

‫ن ِإَذا‬
‫فالذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو النسان عن حقه‪ ،‬ويستوفي حقوق ال بحسب المكان‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫خِعي ]هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن السود‬
‫صُروَن{ ]الشوري‪ ،[ 39:‬قال إبراهيم الّن ْ‬
‫ي ُهْم َينَت ِ‬
‫صاَبُهُم اْلَبْغ ُ‬
‫َأ َ‬

‫بن عمرو بن ربيعة النخعي اليماني ثم الكوفي‪ ،‬وهو ابن مليكة أخت السود بن يزيد‪ ،‬كان كبير الشأن‪ ،‬كثير‬
‫المحاسن‪ ،‬توفي وله تسع وأربعون سنة‪ ،‬مات سنة ‪ 96‬هـ[ ‪ :‬كانوا يكرهون أن يستذلوا‪ ،‬فإذا قدروا عفوا‪ .‬قال تعالى‪:‬‬
‫ن{ يمدحهم‪ ،‬بأن فيهم همة النتصار للحق والحمية له؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجًزا وذل بل هذا مما‬
‫صُرو َ‬
‫}ُهْم َينَت ِ‬
‫يذم به الرجل‪ ،‬والممدوح العفو مع القدرة‪ ،‬والقيام لما يجب من نصر الحق‪ ،‬ل مع إهمال حق ال وحق العباد‪ .‬وال ـ‬
‫تعالى ـ أعلم‪.‬‬
‫حُه ‪:‬‬
‫س ال ُرو َ‬
‫وقال شيخ السلم ـ قد َ‬
‫صــل‬
‫فَـ ْ‬
‫صُرَنا{ الية ]يوسف‪ [110:‬قراءتان في هذه الية‪:‬‬
‫جاءُهْم َن ْ‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم َقْد ُكِذُبوْا َ‬
‫ل َو َ‬
‫سُ‬
‫س الّر ُ‬
‫سَتْيَأ َ‬
‫حّتى ِإَذا ا ْ‬
‫في قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫بالتخفيف والتثقيل‪ .‬وكانت عائشة ـ رضي ال عنها ـ تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف‪ ،‬كما في الصحيح عن الزهري قال‪:‬‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم َقْد ُكِذُبوْا{ مخففة قالت‪ :‬معاذ ال‪ ،‬لم تكن الرسل‬
‫أخبرني عروة عن عائشة‪ ،‬قالت له ـ وهو يسألها عن قوله‪َ} :‬و َ‬
‫س الّرُسُل{ بمن كذبهم من قومهم‪ ،‬وظنت الرسل أن أتباعهم قد‬
‫سَتْيَأ َ‬
‫حّتى ِإَذا ا ْ‬
‫تظن ذلك بربها‪ .‬قلت‪ :‬فما هذا النصر ـ } َ‬
‫كذبوهم جاءهم نصر ال عند ذلك‪ ،‬لعمري لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن‪.‬‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم‬
‫ل َو َ‬
‫سُ‬
‫س الّر ُ‬
‫سَتْيَأ َ‬
‫حّتى ِإَذا ا ْ‬
‫ج سمعت ابن أبي ُمَليَكَة يقول ‪ :‬قال ابن عباس‪َ }:‬‬
‫جَري ٍ‬
‫ضا ـ عن ابن ُ‬
‫وفي الصحيح ـ أي ً‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[214:‬فلقيت‬
‫صُر ا ّ‬
‫ن آَمُنوْا َمَعُه َمَتى َن ْ‬
‫ل َواّلِذي َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الّر ُ‬
‫حّتى َيُقو َ‬
‫َقْد ُكِذُبوْا{ ‪ ،‬خفيفة ذهب بهــا هنالك‪ ،‬وتل‪َ } :‬‬

‫عروة فذكرت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬قالت عائشة‪ :‬معاذ ال‪ ،‬وال ما وعد ال رسوله من شيء قط إل علم أنه كائن قبل أن‬
‫يكون‪ ،‬ولكن لم يزل البلء بالرسل‪ ،‬حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها‪) :‬وظنوا أنهم قد كّذبوا((‬
‫مثقلة‪.‬‬
‫فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار للمكذبين‪ ،‬وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم‪ ،‬ولكن القراءة الخري ثابتة ل‬
‫يمكن إنكارها‪ ،‬وقد تأولها ابن عباس‪ ،‬وظاهر الكلم معه‪ ،‬والية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر‪ ،‬وهو قولهم‪:‬‬
‫ل{ ‪ ،‬فإن هذه كلمة تبطيء لطلب التعجيل‪.‬‬
‫صُر ا ّ‬
‫}َمَتى َن ْ‬
‫طاُن{ ]الحج‪:‬‬
‫شْي َ‬
‫ل َما ُيْلِقي ال ّ‬
‫خ ا ُّ‬
‫سُ‬
‫طانُ ِفي ُأْمِنّيِتِه َفَين َ‬
‫شْي َ‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم َقْد ُكِذُبوْا{ قد يكون مثل قوله‪ِ} :‬إَذا َتَمّنى َأْلَقى ال ّ‬
‫وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫‪ ،[ 52‬والظن ل يراد به في الكتاب والسنة العتقاد الراجح‪ ،‬كما هو في اصطلح طائفة من أهل الكلم في العلم‪،‬‬
‫ويسمون العتقاد المرجوح وهًما‪ ،‬بل قد قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إياكم والظن‪ ،‬فإن الظن أكذب الحديث(‪ ،‬وقد‬
‫ق َشْيًئا{ ]يونس‪.[36:‬‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ل ُيْغِني ِم َ‬
‫ن َ‬
‫ظّ‬
‫ن ال ّ‬
‫قال تعالى‪َ}:‬إ ّ‬
‫‪ /‬فالعتقاد المرجوح هو ظن‪ ،‬وهو وهم‪ ،‬وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه‪ ،‬كما قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪) :‬إن ال تجاوز لمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل(‪ ،‬وقد يكون من باب الوسوسة التي هي‬
‫حرق حتى‬
‫صريح اليمان‪ ،‬كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن أحدنا ليجد في نفسه ما لن ي ّ‬
‫حَمَمة‪ ،‬أو يخر من السماء إلى الرض‪ ،‬أحب إليه من أن يتكلم به‪ .‬قال‪) :‬أو قد وجدتموه؟( قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قال‪:‬‬
‫يصير ُ‬
‫)ذلك صريح اليمان(‪ ،‬وفي حديث آخر‪ :‬إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به‪ .‬قال‪) :‬الحمد ل الذي رد كيده إلى‬
‫الوسوسة(‪.‬‬
‫فهذه المور التي هي ُتْعرض ثلثة أقسام‪:‬منها ما هو ذنب يضعف به اليمان‪ ،‬وإن كان ل يزيله‪ ،‬واليقين في القلب له‬
‫مراتب‪ ،‬ومنه ما هو عفو يعفي عن صاحبه‪ ،‬ومنه ما يكون يقترن به صريح اليمان‪.‬‬
‫ونظير هذا‪ :‬مـا في الصحيح عـن ابن شهاب عـن سعيد بن المسيب وأبي سلمـة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ت في السجن ما لبث‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬يرحم ال لوطا‪ ،‬لقد كان يأوي إلى ركن شديد‪ ،‬ولو َلِبْث ُ‬
‫طَمِئّن َقْلِبي{]البقرة‪:‬‬
‫ل َبَلى َوَلـِكن ّلَي ْ‬
‫يوسف لجبت الداعي‪ ،‬ونحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال له ربه‪َ} :‬أَوَلْم ُتْؤِمن َقا َ‬

‫‪ ،[ 260‬وقد ترك البخاري ذكر قوله‪) :‬بالشك( لما خاف فيها من توهم بعض الناس ]ذكر المام ابن تيمية أن البخاري‬
‫ترك لفظة )بالشك(‪ ،‬ولكن بالرجوع إلى صحيح البخاري وجد في أكثر من موضع إثبات لفظة ـ بالشك[‪.‬‬
‫ل َبَلى{ ولكن طلب طمأنينة قلبه‪ .‬كما قال‪َ} :‬وَلـِكن‬
‫ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمًنا كما أخبر ال عنه بقوله‪َ}:‬أَوَلْم ُتْؤِمن َقا َ‬
‫طَمِئّن َقْلِبي{ ‪ ،‬فالتفاوت بين اليمان والطمئنان سماه النبي صلى ال عليه وسلم شكا لذلك بإحياء الموتي‪ ،‬كذلك الوعد‬
‫ّلَي ْ‬

‫بالنصر في الدنيا يكون الشخص مؤمًنا بذلك‪ ،‬ولكن قد يضطرب قلبه فل يطمئن ‪ ،‬فيكون فوات الطمئنان ظنا أنه قد‬
‫كذب‪ ،‬فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد وهذه المور ل تقدح في اليمان الواجب‪ ،‬وإن كان فيها ما هو ذنب‬
‫فالنبياء ـ عليهم السلم ـ معصومون من القرار على ذلك‪ ،‬كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة والحديث‪.‬‬
‫وفي قصص هذه المور عبرة للمؤمنين بهم‪ ،‬فإنهم لبد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك‪ ،‬ول ييأسوا إذا ابتلوا بذلك‪،‬‬
‫ويعلمون أنه قد ابتلي به من هو خير منهم‪ ،‬وكانت العاقبة إلى خير‪ ،‬فليتيقن المرتاب‪ ،‬ويتوب المذنب ويقوي إيمان‬
‫ل َواْلَيْوَم اْلِخَر{{‬
‫جو ا َّ‬
‫ن َيْر ُ‬
‫سَنٌة ّلَمن َكا َ‬
‫حَ‬
‫سَوةٌ َ‬
‫ل ُأ ْ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو ِ‬
‫ن َلُكْم ِفي َر ُ‬
‫المؤمنين فبها يصح التساء بالنبياء كما في قوله‪َ} :‬لَقْد َكا َ‬
‫]الحزاب‪.[21 :‬‬
‫‪ /‬وفي القرآن من قصص المرسلين التي فيها تسلية وتثبيت؛ ليتأسي بهم في الصبر على ما كذبوا وأوذوا‪ ،‬كما قال‬
‫صُرَنا{ ]النعام‪]...[ 43:‬بياض بالصل[ ولنا؛‬
‫حّتى َأَتاُهْم َن ْ‬
‫عَلى َما ُكّذُبوْا َوُأوُذوْا َ‬
‫صَبُروْا َ‬
‫ك َف َ‬
‫ل ّمن َقْبِل َ‬
‫سٌ‬
‫ت ُر ُ‬
‫تعالى‪َ}:‬وَلَقْد ُكّذَب ْ‬
‫ب{ ]يوسف‪ ،[111 :‬وقال‪:‬‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لْوِلي ا َ‬
‫عْبَرٌة ُّ‬
‫صِهْم ِ‬
‫ص ِ‬
‫ن ِفي َق َ‬
‫لنه أسوة في ذلك ما هو كثير في القرآن؛ ولهذا قال‪َ} :‬لَقْد َكا َ‬
‫جل‬
‫سَتْع ِ‬
‫ل َت ْ‬
‫سلِ َو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫صَبَر ُأْوُلوا اْلَعْزِم ِم َ‬
‫صِبْر َكَما َ‬
‫ك{ ]فصلت‪ [ 34 :‬وقال‪َ}:‬فا ْ‬
‫ل ِمن َقْبِل َ‬
‫سِ‬
‫ل ِللّر ُ‬
‫ل َما َقْد ِقي َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫}َما ُيَقالُ َل َ‬
‫ك{ ]هود‪.[120 :‬‬
‫ت ِبِه ُفَؤاَد َ‬
‫ل َما ُنَثّب ُ‬
‫سِ‬
‫ن َأنَباء الّر ُ‬
‫ك ِم ْ‬
‫عَلْي َ‬
‫ص َ‬
‫ل ّنُق ّ‬
‫ّلُهْم{ ]الحقاف‪َ} ،[35:‬وُكـ ّ‬
‫وإذا كـان التساء بهم مشروعـا في هـذا وفي هـذا فمن المشروع التوبة من الذنب‪ ،‬والثقة بوعد ال‪،‬وإن وقع في القلب‬
‫ظن من الظنون وطلب مزيد اليات لطمأنينة القلوب‪ ،‬كما هو المناسب للتساء والقتداء دون ما كان المتبوع‬
‫معصوًما مطلًقا‪ .‬فيقول التابع‪ :‬أنا لست مـن جنسـه‪ ،‬فإنـه ل يذكر الذنب‪ ،‬فـإذا أذنب استيأس من المتابعة والقتداء‪ ،‬لما‬
‫أتي به مـن الذنب الذي يفسـد المتابعـة على القول بالعصمة‪ ،‬بخلف ما إذا قيل‪ :‬إن ذلك مجبور بالتوبة‪ ،‬فإنه تصح‬
‫معه المتابعة‪ ،‬كما قيل‪ :‬أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر‪ ،‬ومن أشبه أباه ما ظلم‪.‬‬
‫‪ /‬وال ـ تعالى ـ قص علينا قصص توبة النبياء لنقتدي بهم في المتاب‪ ،‬وأما ما ذكره ـ سبحانه ـ أن القتداء بهم في‬
‫الفعال التي أقروا عليها فلم ينهوا عنها‪ ،‬ولم يتوبوا منها‪ ،‬فهذا هو المشروع‪ .‬فأما ما نهوا عنه وتابوا منه فليس بدون‬
‫المنسوخ من أفعالهم‪ ،‬وإن كان ما أمروا به أبيح لهم‪ ،‬ثم نسخ‪ ،‬تنقطع فيه المتابعة‪ ،‬فما لم يؤمروا به أحري وأولي‪.‬‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم َقْد ُكِذُبوْا{ قد يكونوا ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الجتهاد منهم‪ ،‬فتبين المر‬
‫ضا‪ ،‬فقوله‪َ}:‬و َ‬
‫وأي ً‬
‫بخلفه‪ ،‬فهذا جائز عليهم كما سنبينه‪ ،‬فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه‪ ،‬ثم تبين المر بخلفه ظن أن ذلك كذب‪،‬‬
‫وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ما ل يجب أن يكون فيه‪.‬‬
‫فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا ل يكون‪ ،‬وسنوضح ذلك ـ إن شاء ال تعالي‪.‬‬
‫ومما ينبغي أن يعلم أنه ـ سبحانه ـ ذكر هنا شيئين‪ :‬أحدهما‪ :‬استيئاس الرسل‪ .‬والثاني‪ :‬ظن أنهم كذبوا‪ .‬وقد ذكرنا لفظ‪:‬‬
‫سل {ولم يقل‪ :‬يئس الرسل‪ ،‬ول ذكر ما‬
‫س بٍَر ٍ‬
‫سّتيّأ ّ‬
‫حّتي" إّذا \ ً‬
‫)الظن(‪،‬فأما لفظ‪):‬استيأسوا (‪ ،‬فإنه قال سبحانه‪ّ }:‬‬
‫خَذ‬
‫ن َأَباُكْم َقْد َأ َ‬
‫ل َكِبيُرُهْم َأَلْم َتْعَلُموْا َأ ّ‬
‫جّيا َقا َ‬
‫صوْا َن ِ‬
‫خَل ُ‬
‫سوْا ِمْنُه َ‬
‫سَتْيَأ ُ‬
‫استيأسوا منه‪ ،‬وهذا اللفظ قد ذكره في هذه السورة‪َ} :‬فَلّما ا ْ‬
‫ل ِلي َوُهَو َخْيُر اْلَحاِكِميَن{{‬
‫حُكَم ا ّ‬
‫ى َيْأَذنَ ِلي َأِبي َأْو َي ْ‬
‫حّت َ‬
‫ض َ‬
‫لْر َ‬
‫حا َ‬
‫ن َأْبَر َ‬
‫ف َفَل ْ‬
‫س َ‬
‫ل َما َفّرطُتْم ِفي ُيو ُ‬
‫ل َوِمن َقْب ُ‬
‫نا ّ‬
‫عَلْيُكم مّْوِثًقا ّم َ‬
‫َ‬
‫]يوسف‪.[80 :‬‬
‫وقد يقال‪ :‬الستيئاس ليس هو الياس؛ لوجوه‪:‬‬
‫ل ِلي َوُهَو‬
‫حُكَم ا ّ‬
‫ن ِلي َأِبي َأْو َي ْ‬
‫ى َيْأَذ َ‬
‫حّت َ‬
‫ض َ‬
‫لْر َ‬
‫حا َ‬
‫ن َأْبَر َ‬
‫أحدها‪ :‬أن إخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية‪ ،‬فإن قول كبيرهم‪َ} :‬فَل ْ‬
‫َخْيُر اْلَحاِكِميَن{ دليل على أنه يرجو أن يحكم ال له‪ .‬وحكمه هنا لبد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم‪ ،‬وإل فحكمه له‬

‫بغير ذلك ل يناسب قعوده في مصر لجل ذلك‪.‬‬

‫خا‬
‫شْي ً‬
‫ن َلُه َأًبا َ‬
‫وأيضا‪ ،‬فـ )اليأس(‪ :‬يكون في الشيء الذي ل يكون‪ ،‬ولم يجئ ما يقتضي ذلك‪ ،‬فإنهم قالوا‪َ}:‬يا َأّيَها اْلَعِزيُز ِإ ّ‬
‫ظاِلُموَن{ ]يوسف‪[79 ،78:‬‬
‫عنَدُه ِإّنـا ِإًذا ّل َ‬
‫عَنا ِ‬
‫جْدَنا َمَتا َ‬
‫ل َمن َو َ‬
‫خَذ ِإ ّ‬
‫ل َأن ّنْأ ُ‬
‫ل َمَعاَذ ا ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ك ِم َ‬
‫حَدَنا َمَكاَنُه ِإّنا َنَرا َ‬
‫خْذ َأ َ‬
‫َكِبيًرا َف ُ‬

‫فامتنع من تسليمه إليهم‪ .‬ومن المعلوم أن هذا ل يوجب القطع بأنه ل يسلم إليهم‪ ،‬فإنه يتغير عزمه ونيته‪ ،‬وما أكثر‬
‫تقليب القلوب‪ ،‬وقد يتبدل المر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره‪ ،‬وقد يتخلص بغير اختياره‪ ،‬والعادات قد جرت بهذا‬
‫على مثل من عنده من قال ل يعطيه‪ ،‬فقد ‪/‬يعطيه‪ ،‬وقد يخرج من يده بغير اختياره‪ ،‬وقد يموت عنه فيخرج‪ ،‬والعالم‬
‫مملوء من هذا‪.‬‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل‬
‫حا ّ‬
‫س ِمن ّرْو ِ‬
‫ل َيْيَأ ُ‬
‫ل ِإّنُه َ‬
‫حا ّ‬
‫سوْا ِمن ّرْو ِ‬
‫ل َتْيَأ ُ‬
‫خيِه َو َ‬
‫ف َوَأ ِ‬
‫س َ‬
‫سوْا ِمن ُيو ُ‬
‫سُ‬
‫حّ‬
‫ي اْذَهُبوْا َفَت َ‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬قال لهم يعقوب‪َ}:‬يا َبِن ّ‬
‫اْلَقْوُم اْلَكاِفُروَن{ ]يوسف‪ [ 87:‬فنهاهم عن اليأس من روح ال ‪ ،‬ولم ينههم عن الستيئاس‪ ،‬وهو الذي كان منهم ‪ .‬وأخبر‬

‫أنه ل ييأس من روح ال إل القوم الكافرون‪.‬‬
‫ل اْلَقْوُم‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حا ّ‬
‫س ِمن ّرْو ِ‬
‫ل َيْيَأ ُ‬
‫ضا‪ :‬وهو أنه أخبر أنه‪َ } :‬‬
‫ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو الوجه الثالث ـ أي ً‬
‫اْلَكاِفُروَن{ فيمتنع أن يكون للنبياء يأس من روح ال‪ ،‬وأن يقعوا في الستيئاس بل المؤمنون ما داموا مؤمنين ل‬

‫ييأسون من روح ال‪،‬وهذه السورة تضمنت ذكر المستيئسين‪،‬وأن الفرح جاءهم بعد ذلك؛ لئل ييأس المؤمن؛ولهذا‬
‫ب{ ]يوسف‪ [ 111:‬فذكر استيئاس الخوة من أخي يوسف‪،‬وذكر استيئاس‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لْوِلي ا َ‬
‫عْبَرٌة ُّ‬
‫صِهْم ِ‬
‫ص ِ‬
‫ن ِفي َق َ‬
‫فيها‪َ}:‬لَقْد َكا َ‬
‫الرسل‪،‬يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس‪ ،‬وما ذكرته عائشة جميًعا‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬أن الستيئاس استفعال من اليأس‪ ،‬والستفعال ‪ /‬يقع على وجوه‪ :‬يكون لطلب الفعل من الغير‪،‬‬
‫فالستخراج والستفهام والستعلم يكون في الفعال المتعدية‪ ،‬يقال‪ :‬استخرجت المال من غيري‪ ،‬وكذلك استفهمت‪،‬‬
‫ول يصلح هذا أن يكون معنى الستيئاس‪ ،‬فإن أحدا ل يطلب اليأس ويستدعيه؛ ولن استيأس‪ :‬فعل لزم ل متعد‪.‬‬
‫ويكون الستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره ‪ ،‬وهذا يكون في الفعال اللزمة كقولهم ‪ :‬استحجر الطين‪ ،‬أي‬
‫‪ :‬صار كالحجر‪.‬واستنوق الفحل ‪ ،‬أي ‪ :‬صار كالناقة‪ .‬وأما النظر فيما استيأسوا منه ‪ ،‬فإن ال ـ تعإلى ـ ذكر ذلك في‬
‫قصة إخوة يوسف حيث قال‪َ} :‬فَلّما اْسَتْيَأُسوْا ِمْنُه{‪.‬‬
‫وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه‪ ،‬بل أطلق وصفهم بالستيئاس‪ ،‬فليس لحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا‬
‫به‪ ،‬وأخبروا بكونه‪ ،‬ول ذكر ابن عباس ذلك‪.‬‬
‫ظّنوْا َأّنُهْم َقْد ُكِذُبوْا{ ل يدل على ظاهره‪ ،‬فضل عن باطنه‪ :‬أنه حصل في قلوبهم مثل تساوي الطرفين‬
‫وثبت أن قوله‪َ} :‬و َ‬
‫فيما أخبروا به‪ ،‬فإن لفظ الظن في اللغة ليقتضي ذلك‪ ،‬بل يسمي ظًنا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرا‬
‫مرجوحا في نفسه‪ .‬واسم ‪ /‬اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله وتصديقه‪ ،‬وعدم تصديقه وسكينته‬
‫وعدم سكينته‪ ،‬ليست هذه المور بمجرد العلم فقط‪ ،‬كما يحسب ذلك بعض الناس‪ ،‬كما نبهنا عليه في غير هذا‬
‫س الّرُسُل{‪.‬‬
‫سَتْيَأ َ‬
‫حّتى ِإَذا ا ْ‬
‫الموضع؛إذ المقصود هنا الكلم على قوله‪َ } :‬‬
‫فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مطلًقا‪ ،‬فمن المعلوم أن ال إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق ـ كما هو غالب‬
‫إخباراته ـ لم يقيد زمانه ول مكانه‪ ،‬ول سنته‪ ،‬ول صفته‪ ،‬فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخري لم ينزل‬
‫عليها خطاب الحق‪ ،‬بل اعتقدوها بأسباب أخري‪ ،‬كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبي صلى ال عليه وسلم لهم‬
‫أنهم يدخلون المسجد الحرام‪ ،‬ويطوفون به‪ ،‬أن ذلك يكون عام الحديبية؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم خرج معتمرا‪،‬‬
‫ورجا أن يدخل مكة ذلك العام‪ ،‬ويطوف ويسعي‪ .‬فلما استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام ـ لما صدهم المشركون‪،‬‬
‫حتى قاضاهم النبي صلى ال عليه وسلم على الصلح المشهور ـ بقي في قلب بعضهم شيء‪ ،‬حتى قال عمر للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ونطوف؟ قال‪) :‬بلي‪ .‬فأخبرتك أنك تدخله هذا العام؟( قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬
‫)فإنك داخله ومطوف( وكذلك قال له أبو بكر‪.‬‬
‫وكان أبو بكر ـ رضي ال عنه ـ أكثر علًما وإيماًنا من عمر‪ ،‬حتى تاب ‪ /‬عمر مما صدر منه‪ ،‬وإن كان عمر ـ رضي‬
‫ال عنه ـ محدًثا كما جاء في الحديث الصحيح‪ ،‬أنه قال صلى ال عليه وسلم‪) :‬قد كان في المم قبلكم محدثون‪ ،‬فإن‬
‫يكن في أمتى أحد فعمر( فهو ـ رضي ال عنه ـ المحدث الملهم‪ ،‬الذي ضرب ال الحق على لسانه وقلبه ‪ ،‬ولكن مزية‬
‫التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول‪ ،‬وعلًما وإيماًنا بما جاء به‪ ،‬درجته فوق درجته؛ فلهذا كان الصديق أفضل‬

‫ب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب‪،‬‬
‫المة‪ ،‬صاحب المتابعة للثار النبوية‪ ،‬فهو ُمَعّلٌم لعمر‪ ،‬وُمَؤّد ٌ‬
‫كما كان أبو بكر ُمَعّلًما لعمر ومؤدًبا له حيث قال له‪ :‬فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إنك آتيه ومطوف‪.‬‬
‫فبين له الصديق أن وعد النبي صلى ال عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت‪ ،‬وكونه سعي في ذلك العام وقصده ل‬
‫يوجب أن يعني ما أخبر به؛ فإنه قد يقصد الشيء ول يكون‪ ،‬بل يكون غيره‪ ،‬إذ ليس من شرط النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يكون كما قصده‪ ،‬بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده‪ ،‬كما كان‬
‫صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام‪ ،‬بخلف خبر النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فإنه صادق لبد أن يقع‬
‫ما أخبر به ويتحقق‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك ظن النبي كما قال في تأبير النخل‪) :‬إنما ظننت ظًنا فل تؤاخذوني بالظن‪ ،‬ولكن إذا حدثتكم عن ال فإني لن‬
‫أكذب على ال(‪ ،‬فاستيئاس عمر وغيره من دخول ذلك هو استيئاس مما ظنوه موعوًدا به‪ ،‬ولم يكن موعوًدا به‪.‬‬
‫ومثل هذا ل يمتنع على النبياء أن يظنوا شيًئا فيكون المر بخلف ما ظنوه فقد يظنون فيما وعدوه تعييًنا وصفات‬
‫ول يكون كما ظنوه‪ ،‬فييأسون مما ظنوه في الوعد‪ ،‬ل من تعيين الوعد‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬رأيت أن‬
‫أبا جهل قد أسلم‪ ،‬فلما أسلم خالد ظنوه هو‪ ،‬فلما أسلم عكرمة علم أنه هو(‪.‬‬
‫وروي مسلم في صحيحه؛ أن النبي صلى ال عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال‪) :‬لو لم تفعلوا هذا لصلح(‪ .‬قال‪ :‬فخرج‬
‫صا]في المطبوعة‪) :‬سبتا(‪ ،‬والمثبت من مسلم[ فمر بهم فقال‪) :‬ما لنخلكم ]في المطبوعة‪) :‬لفحلكم(‪ ،‬والمثبت من‬
‫شي ً‬
‫ص‪ :‬التمر الذي ليشتد نواه ويقوي‪ ،‬وقد ل يكون‬
‫مسلم[؟( قالوا‪ :‬قلت‪ :‬كذا وكذا‪ .‬قال‪) :‬أنتم أعلم بأمر دنياكم( ]والشي ُ‬
‫له نوي أصل[‪ .‬وروي ـ أيضا ـ عن موسي بن طلحة‪ ،‬عن أبيه طلحة بن عبيد ال‪ ،‬قال‪ :‬مررت مع رسول ال صلى‬
‫ح‪ ،‬فقال‬
‫حونه يجعلون الذكر في النثي َفَتْلَق ُ‬
‫ال عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل‪ ،‬فقال‪) :‬ما يصنع هؤلء ؟( فقال‪ :‬يَلّق ُ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬ما أظن يغني ذلك شيًئا( فأخبروا بذلك فتركوه‪ .‬فأخبر رسول ال صلى ال عليه‬
‫حّدثتكم عن ال شيئا‬
‫وسلم‪ ،‬فقال‪) :‬إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه‪ ،‬فإنني ‪ /‬ظننت ظًنا فل تؤاخذوني بالظن‪ ،‬ولكن إذا َ‬
‫فخذوا به‪ ،‬فإني لن أكذب على ال(‪.‬‬
‫ل‪،‬‬
‫فإذا كان النبي صلى ال عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن ال أن نأخذ به فإنه لن يكذب على ال‪ ،‬فهو أتقانا ّ‬
‫ل بوعد كان علينا أن نصدق به‪ ،‬وتصديقه‬
‫ل‪ ،‬فإذا أخبره ا ّ‬
‫وأعلمنا بما يتقي‪ ،‬وهو أحق أن يكون آخًذا بما يحدثنا عن ا ّ‬
‫هو به أعظم من تصديقنا‪ ،‬ولم يكن لنا أن نشك فيه‪ ،‬وهو ـ بأبي ـ أولي وأحري أل يشك فيه‪ ،‬لكن قد يظن ظًَنا‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫)إنما ظننت ظًنا فل تؤاخذوني بالظن(‪ ،‬وإن كان أخبره به مطلًقا فمستنده ظنون‪ ،‬كقوله ـ في حديث ذي اليدين ـ ‪) :‬ما‬
‫قصرت الصلة ول نسيت(‪.‬‬
‫ق ِبَنَبٍأ َفَتَبّيُنوا{{‬
‫سٌ‬
‫جاءُكْم َفا ِ‬
‫وقد يظن الشيء ثم يبين ال المر على جليته‪ ،‬كما وقــع مثل ذلك في أمور‪ ،‬كقوله تعالى‪ِ} :‬إن َ‬
‫]الحجرات‪ ،[ 6 :‬نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى ال عليه وسلم وهم أن يغزوهم لما ظن صدقه‪،‬‬
‫حتى أنزل ال هذه الية‪.‬‬
‫خآِئِني َ‬
‫ن‬
‫ل َتُكن ّلْل َ‬
‫ل َو َ‬
‫كا ّ‬
‫س ِبَما َأَرا َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫حُكَم َبْي َ‬
‫ق ِلَت ْ‬
‫حّ‬
‫ب ِباْل َ‬
‫ك اْلِكَتا َ‬
‫وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل ال فيها‪ِ}:‬إّنا َأنَزْلَنا ِإَلْي َ‬
‫صيًما{ ]النساء‪ [ 105:‬وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق ‪ ،‬وأخرجوا البريء ؛ ‪ /‬فظن النبي صلى‬
‫خ ِ‬
‫َ‬

‫ال عليه وسلم صدقهم‪،‬حتى تبين المر بعد ذلك‪ .‬وقال في حديث قصر الصلة ‪):‬لم أنس ولم تقصر( ‪ ،‬فقالوا‪:‬بلي قد‬
‫نسيت ‪ .‬وكان قد نسي ‪ ،‬فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده ‪ ،‬حتى تبين المر بعد ذلك‪ .‬وروي عنه أنه قال‪):‬إني لنسي‬
‫طْأ َ {‬
‫نا{‬
‫خَ‬
‫سيَنا َأْو َأ ْ‬
‫خْذَنا ِإن ّن ِ‬
‫ل ُتَؤا ِ‬
‫ضا‪،‬فقوله في القرآن‪َ}:‬رّبَنا َ‬
‫ن(‪ ،‬وأي ً‬
‫سّ‬
‫]في المطبوعة‪) :‬ل أنسي(‪ ،‬والمثبت من مالك[ لَ ُ‬
‫ل ِإَلْيِه ِمن ّرّبِه‬
‫ل ِبَما ُأنِز َ‬
‫سو ُ‬
‫ن الّر ُ‬
‫]البقرة‪ [ 286:‬شامل للنبي صلى ال عليه وسلم وأمته‪،‬حيث قال في صدر اليات‪}:‬آَم َ‬
‫ل َوَملِئَكِتِه َوُكُتِبِه َوُرُسِلِه{ اليتين ]البقرة‪.[286 ، 285 :‬‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ل آَم َ‬
‫ن ُك ّ‬
‫َواْلُمْؤِمُنو َ‬
‫وفي صحيح مسلم عن عبد ال بن عيسي النصاري‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس قال‪ :‬بينا جبريل قاعد عند‬
‫ضا من فوقه‪ ،‬فرفع رأسه‪ .‬فقال‪ :‬هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إل اليوم‪،‬‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم سمع َنِقي ً‬
‫سّلَم وقال‪ :‬أبشر بنورين ُأوِتيَتُهما لم يْؤَتُهما‬
‫فنزل منه ملك‪ .‬فقال‪ :‬هذا ملك نزل إلى الرض لم ينزل قط إل اليوم ‪َ ،‬ف َ‬
‫نبي قبلك‪ :‬فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة‪ .‬لن تقرأ بحرف منها إل أعطيته‪.‬‬

‫سُكْم َأْو‬
‫وفي صحيح مسلم عن آدم‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس قال‪ :‬لما نزلت هذه الية‪َ} :‬وِإن ُتْبُدوْا َما ِفي َأنُف ِ‬
‫ل{ ‪ ،‬دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله‪ ،‬فقال النبي ‪ /‬صلى ال عليه وسلم‪) :‬قولوا سمعنا‬
‫سْبُكم ِبِه ا ّ‬
‫حا ِ‬
‫خُفوُه ُي َ‬
‫ُت ْ‬
‫عَلْيَها َما‬
‫ت َو َ‬
‫سَب ْ‬
‫سَعَها َلَها َما َك َ‬
‫ل ُو ْ‬
‫سا ِإ ّ‬
‫ل َنْف ً‬
‫فا ّ‬
‫ل ُيَكّل ُ‬
‫وأطعنا وسلمنا(‪ ،‬قال‪ :‬فألقي ال اليمان في قلوبهم‪ ،‬فأنزل ال تعالى‪َ } :‬‬
‫طْأَنا{ ‪ ،‬قال‪ :‬قد فعلت‪ ،‬إلى آخر السورة ]البقرة‪ ،[ 286:‬قال‪ :‬قد فعلت‪.‬‬
‫خَ‬
‫ت{ اليات إلى قوله‪َ} :‬أْو َأ ْ‬
‫سَب ْ‬
‫اْكَت َ‬

‫وفي صحيح مسلم عـن العـلء بن عبد الرحمن عـن أبيـه عـن أبي هـريرة قال‪ :‬لما نزلت على رسول ال صلى ال‬
‫ل{ ]البقرة‪ [284:‬اشـتد ذلك‬
‫سْبُكم ِبِه ا ّ‬
‫حا ِ‬
‫خُفوُه ُي َ‬
‫سُكْم َأْو ُت ْ‬
‫ض َوِإن ُتْبُدوْا َما ِفي َأنُف ِ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َ‬
‫سَماوا ِ‬
‫ل ما ِفي ال ّ‬
‫عليه وسلم‪ِّ }:‬‬
‫على أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ثم بركوا على الركب فقالوا‪ :‬أي رسول ال‪ ،‬كلفنا من العمال ما‬
‫نطيق الصلة والصيام والجهاد والصدقـة‪ ،‬وقـد أنزلت عليك هذه الية ول نطيقها‪ .‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪) :‬أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب‪ :‬سمعنا وعصينا؟ بل قولوا‪ :‬سمعنا وأطعنا‪ ،‬غفرانك ربنا وإليك‬
‫المصير(‪ ،‬فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل ال عز وجل في أثرها‪} :‬آَمَن الّرُسوُل ِبَما ُأنِزَل ِإَلْيِه ِمن ّرّبِه{ إلى‬
‫ل َنْفًسا ِإّل ُوْسَعَها{ إلى‬
‫فا ّ‬
‫ل ُيَكّل ُ‬
‫ر{ ]البقرة‪ ،[ 285:‬فلما فعلوا ذلك نسخها ـ سبحانه ـ فأنزل ال‪َ } :‬‬
‫صي ُ‬
‫ك اْلَم ِ‬
‫قوله‪َ} :‬وِإَلْي َ‬
‫طاَقَة َلَنا ِبِه{ قال‪ :‬نعم‪ .‬إلى آخر السورة‪ .‬قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ل َ‬
‫حّمْلَنا َما َ‬
‫ل ُت َ‬
‫قوله‪َ}:‬قْبِلَنا{ ]البقرة‪ [ 286 :‬قال‪ :‬نعم‪َ} :‬رّبَنا َو َ‬
‫والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ في ‪ /‬الجتهاد‪ ،‬لكن ل يقرون عليه‪ ،‬وإذا كان في المر‬
‫والنهي فكيف في الخبر؟ وفي الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إنكم تختصمون إلي‪،‬ولعل بعضكم‬
‫أن يكون ألحن بحجته من بعض‪ ،‬وإنما أقضي بنحو مما أسمع‪،‬فأحسب أنه صادق‪،‬فمن قضيت له من حق أخيه شيًئا‬
‫فل يأخذه‪ ،‬فإنما أقطع له قطعة من النار( فنفس ما يعد ال به النبياء والمؤمنين حًقا ل يمترون فيه‪،‬كما قال تعالى في‬
‫قصة نوح‪َ}:‬وَناَدى ُنوٌح ّرّبُه{ إلى آخر الية ]هود‪.[ 45:‬ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء الشيطان المذكور في قوله‪:‬‬
‫سَتِقيٍم{ ]الحج‪52:‬ـ ‪ [ 54‬وقد تكلمنا على هذه الية في غير‬
‫ط ّم ْ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ي{ إلى قوله‪ِ }:‬‬
‫ل َنِب ّ‬
‫ل َو َ‬
‫سو ٍ‬
‫ك ِمن ّر ُ‬
‫سْلَنا ِمن َقْبِل َ‬
‫}َوَما َأْر َ‬
‫هذا الموضع‪.‬‬
‫وللناس فيها قولن مشهوران؛ بعد اتفاقهم على أن التمني هو التلوة والقرآن‪ ،‬كما عليه المفسرون من السلف كما في‬
‫ظّنوَن{ ]البقرة‪ [ 78:‬وأما من َأّول النهي على تمني القلب‪ ،‬فذاك‬
‫ل َي ُ‬
‫ن ُهْم ِإ ّ‬
‫ي َوِإ ْ‬
‫ل َأَماِن ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ن َ‬
‫قوله‪َ} :‬وِمْنُهْم ُأّمّيو َ‬
‫فيه كلم آخر‪ ،‬وإن قيل‪ :‬إن الية َتُعّم النوعين لكن الول هو المعروف المشهور في التفسير‪ ،‬وهو ظاهر القرآن‬
‫ن ِفْتَنًة‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ل َما ُيْلِقي ال ّ‬
‫جَع َ‬
‫حِكيٌم ِلَي ْ‬
‫عِليٌم َ‬
‫ل َ‬
‫ل آَياِتِه َوا ُّ‬
‫حِكُم ا ُّ‬
‫ن ُثّم ُي ْ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫ل َما ُيْلِقي ال ّ‬
‫خ ا ُّ‬
‫سُ‬
‫ومراد الية قطًعا؛ لقوله بعد ذلك‪َ} :‬فَين َ‬
‫ض{ ]الحج‪.[ 53 ،52:‬وهذا كله ل يكون في مجرد القلب إذا ‪ /‬لم يتكلم به النبي‪ ،‬لكن قد يكون في‬
‫ن ِفي ُقُلوِبِهم ّمَر ٌ‬
‫ّلّلِذي َ‬
‫ظنه الذي يتكلم به بعضه النخل ونحوها‪ ،‬وهو يوافق ما ذكرناه‪.‬‬
‫وإذا كان التمني ل بد أن يدخل فيه القول ففيه قولن‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن اللقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول‪ ،‬وهذا قول من تأول الية بمنع جواز اللقاء في كلمه‪.‬‬
‫والثاني ـ وهو الذي عليه عامة السلف ومن اتبعهم ‪ :‬أن اللقاء في نفس التلوة‪ ،‬كما دلت عليه الية وسياقها من غير‬
‫وجه‪ ،‬كما وردت به الثار المتعددة‪ ،‬ول محذور في ذلك إل إذا أقر عليه‪ ،‬فأما إذا نسخ ال ما ألقى الشيطان وأحكم‬
‫آياته فل محذور في ذلك‪ ،‬وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة‪ ،‬إل إذا أقر عليه‪.‬‬
‫ول ريب أنه معصوم في تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ‪ ،‬كما قال‪) :‬فإذا حدثتكم عن ال بشيء فخذوا به‪ ،‬فإني لن‬
‫أكذب على ال(‪ ،‬ولول ذلك لما قامت الحجة به‪،‬فإن كونه رسول ال يقتضي أنه صادق فيما يخبر به عن ال‪،‬والصدق‬
‫يتضمن نفي الكذب ونفي الخطأ فيه‪ .‬فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن ال وأقر عليه لم يكن كل ما يخبر به عن‬
‫ال‪.‬‬
‫والذين منعوا أن يقع اللقاء في تبليغه فروا من هذا‪ ،‬وقصدوا ‪ /‬خيًرا‪ ،‬وأحسنوا في ذلك‪ ،‬لكن يقال لهم‪ :‬ألقي ثم أحكم‪،‬‬
‫فل محذور في ذلك‪ .‬فإن هذا يشبه النسخ لمن بلغه المر والنهي من بعض الوجوه‪ ،‬فإنه إًذا موقن مصدق برفع قول‬
‫سبق لسانه به ليس أعظم من إخباره برفعه‪.‬‬

‫ل{ ]البقرة‪ ،[ 143:‬فظنهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه‬
‫ن َهَدى ا ّ‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫ل َ‬
‫ت َلَكِبيَرًة ِإ ّ‬
‫ولهذا قال في النسخ‪َ}:‬وِإن َكاَن ْ‬
‫من معنى الوعد‪ ،‬وهذا جائز ل محذور فيه‪ ،‬إذا لم يقروا عليه‪ .‬وهذا وجه حسن‪،‬وهو موافق لظاهر الية ولسائر‬
‫الصول من اليات والحـاديث‪ ،‬والذي يحقـق ذلك أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من باب المر والنهي‪.‬‬
‫فإذا كان من الجائز في باب المر والنهي أن يظنوا شيًئا‪ ،‬ثم يتبين المر لهم بخلفه‪ ،‬فلن يجوز ذلك في باب الوعد‬
‫والوعيد بطريق الولي والحري‪ ،‬حتى إن باب المر والنهي إذا تمسكوا فيه بالستصحاب‪ ،‬لم يقع في ذلك ظن‬
‫خلف ما هو عليه المر في نفسه‪ ،‬فإن الوجوب والتحريم الذي ل يثبت إل بخطاب إذا نفوه قبل الخطاب‪ ،‬كان ذلك‬
‫اعتقاًدا مطابًقا للمر في نفسه‪ ،‬وباب الوعد إذا لم يخبروا به قد يظنون انتفاءه‪ ،‬كما ظن الخليل جواز المغفرة لبيه‬
‫حتى استغفر له‪ ،‬ونهينا عن القتداء‪ .‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم لبي طالب‪) :‬لستغفرن لك ما لم أنه عنك(‪،‬‬
‫وحتى استأذن ربه في الستغفار لمه فلم يؤذن له ‪ /‬في ذلك‪،‬وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهي عن ذلك وكان‬
‫حِليٌم{‬
‫ي َواّلِذيَن آَمُنوْا َأن َيْسَتْغِفُروْا ِلْلُمْشِرِكيَن{ إلى قوله‪}:‬لّواٌه َ‬
‫ن ِللّنِب ّ‬
‫يرجو لهم المغفرة‪ ،‬حتى أنزل ال ـ عز وجل ‪َ} :‬ما َكا َ‬
‫عَلْيِهْم‬
‫سَواء َ‬
‫ت َأَبًدا{ الية ]التوبة‪ ،[84:‬وقال‪َ }:‬‬
‫حٍد ّمْنُهم ّما َ‬
‫عَلى َأ َ‬
‫ل َ‬
‫صّ‬
‫ل ُت َ‬
‫]التوبة‪ ،[ 113،114 :‬وقال عن المنافقين‪َ}:‬و َ‬
‫ل َلُهْم{ ]المنافقون‪ [ 6:‬فإذا كان صلى على المنافقين واستغفر لهم راجيا أن يغفر‬
‫سَتْغِفْر َلُهْم َلن َيْغِفَر ا ُّ‬
‫ت َلُهْم َأْم َلْم َت ْ‬
‫سَتْغَفْر َ‬
‫َأ ْ‬
‫لهم قبل أن يعلم ذلك‪.‬‬
‫ولهـذا سوغ العلماء أن يروي في باب الوعد والوعيد من الحاديث ما لم يعلم أنـه كـذب‪ ،‬وإن كـان ضعيف السـناد‪،‬‬
‫بخـلف بـاب المر والنهي فإنه ل يؤخذ فيه إل بما يثبت أنه صدق؛ لن بـاب الوعـد والوعيـد إذا أمكـن أن يكـون‬
‫الخبر صدقا وأمكن أن يوجـد الخبر كـذبا لم يجـز نفيـه‪ ،‬ل سيما بل علم‪ ،‬كما لم يجز الجـزم بثبـوته بـل علم‪ ،‬إذ ل‬
‫محـذور فيـه‪ .‬منابت الناس اللفظ تعيين الوعـد والوعيـد‪ ،‬فـل يجـوز منع ذلك بمنع الحديث إذا أمكن أن يكون صدقا؛‬
‫لن في ذلك إبطال لما هو حق‪ ،‬وذلك ل يجوز‪.‬‬
‫ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬حدثوا عن بني إسرائيل ‪ /‬ول حرج(‪ ،‬وهذا الباب وهو‪) :‬باب الوعد والوعيد(‪،‬‬
‫هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين‪ ،‬والصابرين‪ ،‬والمجاهدين‪ ،‬والمحسنين‪ ،‬فما أكثر من يظن من الناس أنه من‬
‫أهل الوعد‪ ،‬ويكون اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد ل في اعتقاد صدق الوعد في نفسه‪.‬‬
‫ت َكِلَمُتَنا ِلِعَباِدَنا‬
‫سَبَق ْ‬
‫شَهاُد{ ]غافر‪ ،[51:‬وقوله‪َ} :‬وَلَقْد َ‬
‫لْ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوَيْوَم َيُقوُم ا َْ‬
‫ن آَمُنوا ِفي اْل َ‬
‫سَلَنا َواّلِذي َ‬
‫صُر ُر ُ‬
‫وهذا كقوله‪ِ}:‬إّنا َلَنن ُ‬
‫اْلُمْرَسِليَن{ اليتين ]الصافات‪ ،[ 171،172:‬فقد يظن النسان في نفسه أو غيره كمال اليمان المستحق للنصر‪ ،‬وإن جند‬

‫ال الغالبون‪ ،‬ويكون المر بخلف ذلك‪.‬‬
‫وقـد يقـع مـن النصر الموعود به ما ل يظن أنه من الموعود به ‪ ،‬فالظن المخطئ‪ ،‬فهم ذلك كثير جـدا أكثر مـن باب‬
‫المـر والنهي مـع كثرة مـا وقع من الغلط في ذلك‪ ،‬وهذا مما ل يحصر الغلـط فيـه إل ال ـ تعإلى ـ وهذا عام لجميع‬
‫الدميين‪ ،‬لكن النبياء ـ صلوات ال عليهم وسلمه ـ ل يقـرون‪ ،‬بل يتبين لهم‪ ،‬وغير النبياء قـد ل يتبين لـه ذلك في‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه صلى ال عليه وسلم بتصديق الوعد ‪ /‬واليمان‪ ،‬وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى‬
‫عَد‬
‫ن َو ْ‬
‫صِبْر ِإ ّ‬
‫أن يجيء الوقت‪ ،‬ومن الستغفار لزوال الذنوب التي بها تحقيق اتصافه بصفة الوعد‪ ،‬كما قال تعالى‪َ}:‬فا ْ‬
‫ض اّلِذي َنِعُدُهْم َأْو‬
‫ك َبْع َ‬
‫ق َفِإّما ُنِرَيّن َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫عَد ا ِّ‬
‫ن َو ْ‬
‫صِبْر إِ ّ‬
‫ن{ ]الروم‪ [ 60:‬وقال تعالى‪َ} :‬فا ْ‬
‫ل ُيوِقُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫خّفّن َ‬
‫سَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫ا ِّ‬
‫ك{ الية ]غافر‪ .[ 77:‬واليات في هذا الباب كثيرة معلومة‪ .‬وال ـ تعالى ـ أعلم‪.‬‬
‫َنَتَوّفَيّن َ‬
‫‪/‬‬

‫ســورة الرعــد‬

‫ل‪:‬‬
‫حمُه ا ّ‬
‫لسلم ـ َر ِ‬
‫قال شيخ ا ِ‬
‫فصــل‬
‫ل ُشَرَكاء ُقْل َسّموُهْم{ ]الرعد‪ ،[ 33 :‬قيل‪ :‬المراد سموهم بأسماء حقيقة لها معان تستحق بها‬
‫جَعُلوْا ِّ‬
‫في قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫الشرك له والعبادة‪ ،‬فإن لم تقدروا بطل ما تدعونه‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الله‪ ،‬كالخالق والرازق‪ ،‬فإذا كانت هذه كاذبة عليها فكذلك اسم اللهة‪ ،‬وقد حام‬
‫حا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وإن كان ما قالوه صحي ً‬
‫حول معناها كثير من المفسرين‪ ،‬فما شفوا عليل ول أرووا غلي ً‬
‫س ِبَما َكَسَب ْ{‬
‫ت{‬
‫ل َنْف ٍ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ن ُهَو َقآِئٌم َ‬
‫فتأمل ما قبل الية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعني‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ يقول‪َ}:‬أَفَم ْ‬
‫]الرعد‪،[ 33:‬وهذا استفهام ‪ /‬تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم‪،‬ونفي كل معبود مع ال‪،‬الذي هو قائم على كل نفس بما‬
‫كسبت بعلمه‪ ،‬وقدرته‪ ،‬وجزائه في الدنيا والخرة‪.‬فهو رقيب عليها‪ ،‬حافظ لعمالها‪،‬مجاز لها بما كسبت من خير‬
‫وشر‪.‬‬
‫فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموهم إًذا بالسماء التي يسمي بها القائم على كل نفس بما كسبت‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ يسمي‬
‫بالحي القيوم‪ ،‬المحيي المميت‪ ،‬السميع البصير‪ ،‬الغني عما سواه‪ ،‬وكل شيء فقير إليه‪ ،‬ووجود كل شيء به‪ .‬فهل‬
‫تستحق آلهتكم اسًما من تلك السماء؟ فإن كانت آلهة حًقا فسموها باسم من هذه السماء‪ ،‬وذلك بهت بين؛ فإذا انتفي‬
‫عنها ذلك علم بطلنها كما علم بطلن مسماها‪.‬‬
‫وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة‪ ،‬وغيرها من مسمي الجمادات‪ ،‬وأسماء الحيوان التي عبدوها من‬
‫دون ال‪ ،‬كالبقر وغيرها‪ ،‬وبأسماء الشياطين الذين أشركوهم مع ال ـ جل وعل ـ وبأسماء الكواكب المسخرات تحت‬
‫أوامر الرب‪ ،‬والسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات المحتاجات‪ ،‬المدبرات‪ ،‬المقهورات‪.‬‬
‫وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا‪ ،‬فهذه أسماؤها الحق‪ ،‬وهي تبطل إلهيتها؛ لن السماء من لوازم اللهية مستحيلة‬
‫عليها‪ ،‬فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر الدلة على بطلن إلهيتها‪ ،‬وامتناع كونها شركاء ل ـ عز وجل‪.‬‬
‫ســورة الحجــر‬
‫لسلم أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلم بن تيمية الحراني ـ قدس ال روحه‪ ،‬ونور ضريحه‪ ،‬ورحمه ‪:‬‬
‫وقال شيخ ا ِ‬
‫فصــل‬
‫في آيات ثلث متناسبة متشابهة اللفظ والمعني‪ ،‬يخفي معناها على أكثر الناس ‪.‬‬
‫ك ِمَن اْلَغاِويَن{ ]الحجر‪.[42 ،41 :‬‬
‫ن اّتَبَع َ‬
‫ل َم ِ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫طا ٌ‬
‫سْل َ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫ك َ‬
‫س َل َ‬
‫عَباِدي َلْي َ‬
‫ن ِ‬
‫سَتِقيٌم ِإ ّ‬
‫ي ُم ْ‬
‫عَل ّ‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫ل َهَذا ِ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬قا َ‬
‫صُد الّسِبيِل َوِمْنَها َجآِئٌر{ ]النحل‪.[9 :‬‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫لِخَرَة َواُْلوَلى{ ]الليل‪.[12،13:‬‬
‫ن َلَنا َل ْ‬
‫عَلْيَنا َلْلُهَدى َوِإ ّ‬
‫ن َ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫‪ /‬فلفظ هذه اليات فيه أن السبيل الهادي هو على ال‪.‬‬
‫وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في الية الولي ثلثة أقوال‪ ،‬بخلف اليتين الخريين‪ ،‬فإنه لم يذكر فيهما إل قول‬
‫واحًدا‪ .‬فقال في تلك الية‪ :‬اختلفوا في معنى هذا الكلم على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه يعني بقوله هذا‪ :‬الخلص‪ .‬فالمعنى أن الخلص طريق إلى مستقيم‪ ،‬و)علي( بمعنى )إلي(‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬هذا طريق على جوازه‪ ،‬لني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم‪ .‬وهو خارج مخرج الوعيد‪ ،‬كما تقول للرجل‬
‫صاِد{ ]الفجر‪.[14 :‬‬
‫ك َلِباْلِمْر َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫تخاصمه‪ :‬طريقك علي‪ ،‬فهو كقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ط‬
‫والثالث‪ :‬هذا صراط على استقامته‪ ،‬أي‪ :‬أنا ضامن لستقامته بالبيان والبرهان‪ .‬قال‪ :‬وقرأ قتادة‪ ،‬ويعقوب‪َ):‬هَذا صِرَا ٌ‬
‫على( أي‪ :‬رفيع‪.‬‬

‫ن قبله‪ ،‬كالثعلبي‪ ،‬والواحدي‪ ،‬والبغوي‪ ،‬وذكروا قول رابًعا‪ .‬فقالوا ـ واللفظ‬
‫قلت‪ :‬هذه القوال الثلثة قد ذكرها َم ْ‬
‫للبغوي‪ ،‬وهو مختصر الثعلبي‪:‬‬
‫‪ /‬قال الحسن‪ :‬معناه صراط إلى مستقيم‪ .‬وقال مجاهد‪ :‬الحق يرجع إلي‪ ،‬وعليه طريقه ل يعرج على شيء‪.‬‬
‫وقال الخفش‪ :‬يعني على الدللة على الصراط المستقيم‪.‬‬
‫وقال الكسائي‪ :‬هذا على التهديد والوعيد‪ ،‬كما يقول الرجل لمن يخاصمه‪ :‬طريقك علي‪ ،‬أي‪ :‬ل تفلت مني‪ ،‬كما قال‬
‫صاِد{‪.‬‬
‫ك َلِباْلِمْر َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫وقيل‪ :‬معناه‪ :‬على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية‪.‬‬
‫فذكروا القوال الثلثة‪ ،‬وذكروا قول الخفش‪ :‬على الدللة على الصراط المستقيم‪ .‬وهو يشبه القول الخير‪ ،‬لكن‬
‫بينهما فرق‪ .‬فإن ذاك يقول‪ :‬على استقامته بإقامة الدلة‪ .‬فمن سلكه كان على صراط مستقيم‪ .‬والخر يقول‪ :‬على أن‬
‫ن الصراط المستقيم بنصب الدلة‪ ،‬لكن هذا جعل الدللة عليه‪،‬‬
‫أدل الخلق عليه بإقامة الحجج‪ .‬ففي كل القولين أنه َبي َ‬
‫وهذا جعل عليه استقامته ـ أي بيان استقامته ـ وهما متلزمان؛ ولهذا ـ وال أعلم ـ لم يجعله أبو الفرج قول رابًعا‪.‬‬
‫وذكروا القراءة الخري عن يعقوب وغيره‪ :‬أي‪ :‬رفيع‪ .‬قال البغوي‪ :‬وعبر بعضهم عنه‪) :‬رفيع أن ينال‪ ،‬مستقيم أن‬
‫يمال(‪.‬‬
‫‪ /‬قلت‪ :‬القول الصواب‪ :‬هو قول أئمة السلف ـ قول مجاهد ونحوه ـ فإنهم أعلم بمعاني القرآن‪ .‬لسيما مجاهد فإنه قال‪:‬‬
‫عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية‪ ،‬وأسأله عنها‪ .‬وقال الثوري‪ :‬إذا جاءك‬
‫التفسير عن مجاهد فحسبك به‪ .‬والئمة كالشافعي‪ ،‬وأحمد‪ ،‬والبخاري‪ ،‬ونحوهم‪ ،‬يعتمدون على تفسيره‪ ،‬والبخاري في‬
‫صحيحه أكثر ما ينقله من التفسيرينقله عنه‪ .‬والحسن البصري أعلم التابعين بالبصرة‪ .‬وما ذكروه عن مجاهد ثابت‬
‫عَل ّ‬
‫ي‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫جيح‪ ،‬عن مجاهد في قوله‪َ}:‬هَذا ِ‬
‫عنه‪ ،‬رواه الناس كابن أبي حاتم وغيره‪ ،‬من تفسير ورقاء‪ ،‬عن ابن أبي َن ِ‬
‫ُمْسَتِقيٌم{ ]الحجر‪ [ 41:‬الحق يرجع إلى ال‪ ،‬وعليه طريقه ل يعرج على شيء‪ .‬وذكر عن قتادة أنه فسرها على قراءته‬
‫عِلي( ـ فقال‪ :‬أي‪ :‬رفيع مستقيم‪.‬‬
‫ـ وهو يقرأ‪َ ) :‬‬
‫وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل‪ .‬فروي من طريق ورقاء‪ ،‬عن ابن أبي نجيح‪ ،‬عن مجاهد‪،‬‬
‫صُد الّسِبيِل{ ]النحل‪ ،[ 9 :‬قال‪ :‬طريق الحق على ال‪ .‬قال‪ :‬وروي عن السدي أنه قال‪ :‬السلم‪ .‬وعطاء قال‪:‬‬
‫قوله‪َ} :‬ق ْ‬
‫هي طريق الجنة‪.‬‬
‫فهذه القوال ـ قول مجاهد‪ ،‬والسدي‪ ،‬وعطاء ـ في هذه الية هي مثل قول مجاهد‪ ،‬والحسن‪ ،‬في تلك الية‪.‬‬
‫صُد الّسِبيِل{ ‪ ،‬يقول‪ :‬على ال البيان ـ أن‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وذكر ابن أبي حاتم من تفسير العوفي‪ ،‬عن ابن عباس‪ ،‬في قوله‪َ} / :‬و َ‬
‫يبين الهدي والضللة‪.‬‬
‫وذكر ابن أبي حاتم في هذه الية قولين‪ ،‬ولم يذكر في آية الحجر إل قول مجاهد فقط‪.‬‬
‫صُد الّسِبيِل { ‪ ،‬القصد‪:‬‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وابن الجوزي لم يذكر في آية النحل إل هذا القول الثاني ‪ ،‬وذكره عن الزجاج ‪ ،‬فقال‪َ}:‬و َ‬
‫صٍد‪ ،‬وقاصد‪ ،‬إذا قصد بك إلى ما تريد‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬المعني‪ :‬وعلى ال تبيين‬
‫استقامة الطريق ‪ ،‬يقال‪ :‬طريق َق ْ‬
‫الطريق المستقيم‪ ،‬والدعاء إليه بالحجج والبراهين‪.‬‬
‫وكذلك الثعلبي‪ ،‬والبغوي‪ ،‬ونحوهما‪ ،‬لم يذكروا إل هذا القول لكن ذكروه باللفظين‪.‬‬
‫قال البغوي‪ :‬يعني بيان طريق الهدي من الضللة‪ .‬وقيل‪ :‬بيان الحق باليات والبراهين‪.‬‬

‫جآِئٌر{ ‪ :‬يعني‪ :‬ومن السبيل ما هو جائر عن الستقامة معوج‪ .‬فالقصد من‬
‫قال‪ :‬والقصد‪ :‬الصراط المستقيم‪َ} ،‬وِمْنَها َ‬
‫السبيل‪ :‬دين السلم‪ ،‬والجائر منها‪ :‬اليهودية‪ ،‬والنصرانية‪ ،‬وسائر ملل الكفر‪.‬‬
‫‪ /‬قال جابر بن عبد ال‪ :‬قصد السبيل‪ :‬بيان الشرائع والفرائض‪ .‬وقال عبد ال بن المبارك‪ ،‬وسهل بن عبد ال‪ :‬قصد‬
‫سُب َ‬
‫ل‬
‫سَتِقيًما َفاّتِبُعوهُ َولَ َتّتِبُعوْا ال ّ‬
‫طي ُم ْ‬
‫صَرا ِ‬
‫ن َهـَذا ِ‬
‫ر{‪ :‬الهواء والبدع‪ .‬دليله‪ :‬قوله تعالى‪َ} :‬وَأ ّ‬
‫جآِئ ٌ‬
‫السبيل‪ :‬السنة‪َ} ،‬وِمْنَها َ‬
‫ق ِبُكْم َعن َسِبيِلِه{ ]النعام‪.[153:‬‬
‫َفَتَفّر َ‬
‫ولكن البغوي ذكر فيها القول الخر‪ ،‬ذكره في تفسير قوله تعالى‪ِ}:‬إّن عََلْيَنا َلْلُهَدى{ ]الليل‪ ،[ 12:‬عن الفراء‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫فقد ذكر القولين في اليات الثلث تبًعا لمن قبله‪ ،‬كالثعلبي وغيره‪.‬‬
‫والمهدوي ذكر في الية الولي قولين من الثلثة‪ ،‬وذكر في الثانية ما رواه العوفي‪ ،‬وقول آخر‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ي ُمْسَتِقيٌم{ ‪ ،‬أي‪ :‬على أمري وإرادتي‪ .‬وقيل‪ :‬هو على التهديد‪ ،‬كما يقال‪ :‬على طريقك وإلى‬
‫عَل ّ‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫قوله‪َ} :‬هَذا ِ‬
‫مصيرك‪.‬‬
‫صُد الّسِبيِل{ قال ابن عباس‪ :‬أي بيان الهدي من الضلل‪ .‬وقيل‪ :‬السبيل‪ :‬السلم‪َ} ،‬وِمْنَها‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وقال في قوله‪َ} :‬و َ‬
‫جآِئٌر{ أي‪ :‬ومن السبيل جائر‪ ،‬أي عادل عن الحق‪ .‬وقيل‪ :‬المعني‪ :‬وعنها جائر‪ ،‬أي‪ :‬عن السبيل‪ ،‬فـ )من( بمعنى‬
‫َ‬
‫)عن(‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬معنى قصد السبيل‪ :‬سيركم ورجوعكم‪ ،‬والسبيل واحدة بمعنى الجمع‪.‬‬
‫‪ /‬قلت‪ :‬هذا قول بعض المتأخرين ـ جعل القصد بمعنى الرادة‪،‬أي‪ :‬عليه قصدكم للسبيل في ذهابكم ورجوعكم‪ .‬وهو‬
‫كلم من لم يفهم الية‪ .‬فإن )السبيل القصد( هي‪ :‬السبيل العادلة‪،‬أي‪ :‬عليه السبيل القصد‪ .‬و)السبيل(‪:‬اسم جنس؛ ولهذا‬
‫جآِئٌر{‪ ،‬أي‪ :‬عليه القصد من السبيل‪ ،‬ومن السبيل جائر‪ .‬فأضافه إلى اسم الجنس إضافة النوع إلى‬
‫قال‪َ} :‬وِمْنَها َ‬
‫جآِئٌر{‪.‬‬
‫الجنس‪ ،‬أي‪) :‬القصد من السبيل(‪ ،‬كما تقول‪ :‬ثوب خز‪،‬ولهذا قال‪َ} :‬وِمْنَها َ‬
‫وأما من ظن أن التقدير‪ :‬قصدكم السبيل؛ فهذا ل يطابق لفظ الية ونظمها من وجوه متعددة‪.‬‬
‫وابن عطية لم يذكر في آية الحجر إل قول الكسائي‪ ،‬وهو أضعف القوال‪ ،‬وذكر المعنى الصحيح تفسـيًرا للقـراءة‬
‫الخري‪ .‬فذكر أن جماعـة مـن السلف قـرؤوا‪ ) :‬على مستقيم( مـن العلـو والرفعـة‪ .‬قال‪:‬والشارة بهذا على هذه‬
‫القراءة إلى الخلص ـ لما استثني إبليس من أخلص ـ قال ال له‪:‬هذا الخلص طريق رفيع مستقيم ل تنال أنت‬
‫بإغوائك أهله‪.‬‬
‫سَتِقيٌم{‪ .‬والشارة بهذا على هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص‪ .‬لما‬
‫ي ُم ْ‬
‫عَل ّ‬
‫قال‪ :‬وقرأ جمهور الناس‪َ } :‬‬
‫قسم إبليس هذين ‪ /‬القسمين قال ال‪ :‬هذا طريق على أي‪ :‬هذا أمر إلى مصيره‪ .‬والعرب تقول‪ :‬طريقك في هذا المر‬
‫صاِد{ ]الفجر‪ .[ 14:‬قال‪ :‬والية على هذه‬
‫ك َلِباْلِمْر َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫على فلن‪ ،‬أي‪ :‬إليه يصير النظر في أمرك‪ .‬وهذا نحو قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫القراءة خبر يتضمن وعيًدا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير ـ ل في هذه الية ول في نظيرها‪ .‬وإنما قاله الكسائي لما أشكل عليه‬
‫معنى الية الذي فهمه السلف ‪ ،‬ودل عليه السياق والنظائر‪.‬‬
‫وكلم العرب ل يدل على هذا القول‪ .‬فإن الرجل وإن كان يقول لمن يتهدده ويتوعده‪ :‬على طريقك‪ ،‬فإنه ليقول‪ :‬إن‬
‫طريقك مستقيم‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬فالوعيد إنما يكون للمسيء‪ ،‬ليكون للمخلصين‪ .‬فكيف يكون قوله هذا إشارة إلى انقسام الناس إلى غاو‬
‫ومخلص‪ ،‬وطريق هؤلء غير طريق هؤلء؟ هؤلء سلكوا الطريق المستقيم التي تدل على ال‪ ،‬وهؤلء سلكوا السبيل‬
‫الجائرة‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬فإنما يقول لغيره في التهديد‪ :‬طريقك علي‪ ،‬من ل يقدر عليه في الحال‪ ،‬لكن ذاك يمر بنفسه عليه وهو متمكن‬
‫وأي ً‬
‫منه‪ ،‬كما كان أهل ‪ /‬المدينة يتوعدون أهل مكة بأن طريقكم علينا‪ ،‬لما تهددوهم بأنكم آويتم محمًدا وأصحابه‪ .‬كما قال‬
‫أبو جهل لسعد بن معاذ ـ لما ذهب سعد إلى مكة‪ :‬ل أراك تطوف بالبيت آمًنا وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم‬
‫تنصرونهم‪ ،‬فقال‪ :‬لئن منعتني هذا لمنعنك ما هو أشد عليك منه ـ طريقك على المدينة‪ ،‬أو نحو هذا‪.‬‬
‫فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم‪ ،‬فيتمكنون حينئذ من جزائهم‪.‬‬
‫ظَنّنا َأن ّلن‬
‫ومثل هذا المعنى ل يقال في حق ال ـ تعالى ـ فإن ال قادر على العباد حيث كانوا‪ ،‬كما قالت الجن‪َ} :‬وَأّنا َ‬
‫ض{ ]العنكبوت‪.[22 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َْ‬
‫جَزُه َهَرًبا{ ]الجن‪ ،[12:‬وقال‪َ} :‬وَما َأنُتم ِبُمْعجِِزي َ‬
‫ض َوَلن ّنْع ِ‬
‫لْر ِ‬
‫ل ِفي ا َْ‬
‫جَز ا َّ‬
‫ّنع ِ‬

‫وإذا كانت العرب تقول ما ذكره‪ ،‬يقولون‪ :‬طريقك في هذا المر على فلن‪ ،‬أي‪ :‬إليه يصير أمرك‪ ،‬فهذا يطابق تفسير‬
‫مجاهد وغيره من السلف‪ ،‬كما قال مجاهد‪ :‬الحق يرجع إلى ال‪ ،‬وعليه طريقه ل يعرج على شيء‪ ،‬فطريق الحق على‬
‫سّتقيِم { كما فسرت به القراءة الخري‪.‬‬
‫صّراط على ٍم ً‬
‫ال‪ ،‬وهو الصراط المستقيم الذي قال ال فيه‪ّ } :‬هّذا ٌ‬
‫فالصراط في القراءتين هذا الصراط المستقيم الذي أمر ال المؤمنين ‪ /‬أن يسألوه إياه في صلتهم‪،‬فيقولوا‪}:‬اهِدَنـا‬
‫ضاّليَن{ ]الفاتحة‪ .[ 7 ،6:‬وهو الذي وصي به في‬
‫ل ال ّ‬
‫عَليِهْم َو َ‬
‫ب َ‬
‫ضو ِ‬
‫غيِر الَمغ ُ‬
‫عَليِهْم َ‬
‫ت َ‬
‫ن َأنَعم َ‬
‫ط اّلِذي َ‬
‫صَرا َ‬
‫ط الُمسَتِقيَم ِ‬
‫صَرا َ‬
‫ال ّ‬
‫صاُكم ِبِه َلَعّلُكْم َتّتُقوَن{ ]النعام‪.[153:‬‬
‫سِبيِلِه َذِلُكْم َو ّ‬
‫عن َ‬
‫ق ِبُكْم َ‬
‫ل َفَتَفّر َ‬
‫سُب َ‬
‫ل َتّتِبُعوْا ال ّ‬
‫سَتِقيًما َفاّتِبُعوُه َو َ‬
‫طي ُم ْ‬
‫صَرا ِ‬
‫ن َهـَذا ِ‬
‫قوله‪َ}:‬وَأ ّ‬

‫صيَن{ فتعبد العباد له بإخلص الدين له‪ :‬طريق‬
‫ك ِمْنُهُم اْلُمخَْل ِ‬
‫عَباَد َ‬
‫ل ِ‬
‫وقوله ـ هذا ـ إشارة إلى ما تقدم ذكره‪ ،‬وهو قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫طاٌن{ ]الحجر‪.[42 :‬‬
‫سْل َ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫ك َ‬
‫س َل َ‬
‫عَباِدي َلْي َ‬
‫ن ِ‬
‫يدل عليه‪ ،‬وهو طريق مستقيم؛ ولهذا قال بعده‪ِ} :‬إ ّ‬
‫وابن عطية ذكر أن هذا معني الية في تفسير الية الخري مستشهًدا به‪ ،‬مع أنه لم يذكره في تفسيرها‪ ،‬فهو بفطرته‬
‫عرف أن هذا معني الية‪ ،‬ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول‪ ،‬كأنه هو الذي اتفق أن رأي غيره قد قاله هناك‪ .‬فقال ـ‬
‫رحمه ال‪:‬‬
‫ضا ـ من أجل نعم ال ـ تعالى ـ أي‪ :‬على ال تقويم‬
‫صُد الّسِبيِل َوِمْنَها َجآِئٌر{ ]النحل‪ .[ 9 :‬وهذه ـ أي ً‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫طريق الهدي وتبيينه‪ ،‬وذلك بنصب الدلة وبعث الرسل‪ .‬وإلى هذا ذهب المتأولون‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويحتمل أن يكون المعنى‪ :‬أن من سلك السبيل القاصد فعلى ال طريقه‪ ،‬وإلى ذلك مصيره‪ ،‬فيكون هذا مثل قوله‪:‬‬
‫ي ُمْسَتِقيٌم{ ‪ ،‬وضد قول النبي صلى ال عليه وسلم )والشر ليس إليك(‪ ،‬أي‪ :‬ل يفضي إلى رحمتك‪.‬‬
‫عَل ّ‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫}َهَذا ِ‬
‫ن مستقيم قريب‪ ،‬ومنه قول الراجز‪:‬‬
‫وطريق قاصد معناه‪ :‬بي ٌ‬
‫بعيد عن نهج الطريق القاصد‬
‫قال‪ :‬واللف واللم في )السبيل( للعهد‪ ،‬وهي سبيل الشرع‪،‬وليست للجنس‪،‬ولو كانت للجنس لم يكن منها جائر‪.‬وقوله‪:‬‬
‫جآِئٌر{‪:‬يريد طريق اليهود‪،‬والنصاري‪ ،‬وغيرهم كعّباد الصنام‪.‬والضمير في )منها(‪ :‬يعود على )السبيل( التي‬
‫}َوِمْنَها َ‬
‫يتضمنها معني الية‪،‬كأنه قال‪ :‬ومن السبيل جائر‪ ،‬فأعاد عليها وإن كان لم يجر لها ذكر؛لتضمن لفظة )السبيل(‬
‫بالمعنى لها‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويحتمل أن يكون الضمير في )منها( على سبيل الشرع المذكورة‪ ،‬وتكون )من( للتبعيض‪ ،‬ويكون المراد فرق‬
‫الضللة من أمة محمد ـ كأنه قال‪ :‬ومن بنيات الطريق من هذه السبيل ومن شعبها جائر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن الصراط المستقيم فيما ابتدعوا فيه‪ .‬ول يقال‪ :‬إن ذلك من السبيل المشروعة‪.‬‬
‫ل{ هي سبيل الشرع‪ ،‬وهي سبيل الهدي‪ ،‬والصراط المستقيم‪ .‬وأنها لو كانت للجنس‬
‫سِبي ِ‬
‫صُد ال ّ‬
‫‪ /‬وأما قوله‪ :‬إن قوله‪َ} :‬ق ْ‬
‫لم يكن منها جائر‪ ،‬فهذا أحد الوجهين في دللة الية‪ ،‬وهو مرجوح‪ .‬والصحيح الوجه الخر أن )السبيل( اسم جنس‪،‬‬
‫جآِئٌر{ ‪ ،‬والضمير يعود على ما‬
‫سا قال‪َ} :‬وِمْنَها َ‬
‫ولكن الذي على ال هو القصد منها‪ ،‬وهي سبيل واحد‪ ،‬ولما كان جن ً‬
‫ذكر بل تكلف‪.‬‬

‫وقوله‪ :‬لو كان للجنس لم يكن منها جائر‪ ،‬ليس كذلك‪ .‬فإنها ليست كلها عليه‪ ،‬بل إنما عليه القصد منها‪ ،‬وهي سبيل‬
‫الهدي‪ ،‬والجائر ليس من القصد‪ .‬وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل‪ ،‬وليس كذلك‪ .‬بل إنما عليه‬
‫طي‬
‫صَرا ِ‬
‫ن َهـَذا ِ‬
‫سبيل واحدة‪ ،‬وهي الصراط المستقيم ـ هي التي تدل عليه‪ ،‬وسائرها سبل الشيطان‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَأ ّ‬
‫ق ِبُكْم َعن َسِبيِلِه{ ]النعام‪.[153:‬‬
‫ل َفَتَفّر َ‬
‫سُب َ‬
‫ل َتّتِبُعوْا ال ّ‬
‫سَتِقيًما َفاّتِبُعوُه َو َ‬
‫ُم ْ‬
‫ي ُمْسَتِقيٌم{‪.‬‬
‫عَل ّ‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫وقد أحسن ـ رحمه ال ـ في هذا الحتمال‪ ،‬وفي تمثيله ذلك بقوله‪َ} :‬هَذا ِ‬
‫وأما آية الليل ـ قوله‪ِ}:‬إّن َعَلْيَنا َلْلُهَدى{ ]الليل‪ [ 12:‬فابن عطية مّثلها بهذه الية‪ ،‬لكنه فسرها بالوجه الول فقال‪:‬‬
‫صُد‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫‪ /‬ثم أخبر ـ تعالى ـ أن عليه هدي الناس جميًعا‪ ،‬أي‪ :‬تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الدراك‪ ،‬كما قال‪َ} :‬و َ‬
‫الّسِبيِل{ ‪ ،‬ثم كل أحد يتكسب ما قدر له‪ .‬وليست هذه الهداية بالرشاد إلى اليمان‪ ،‬ولو كان كذلك لم يوجد كافر‪.‬‬

‫قلت‪ :‬وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي ـ وذكره عن الزجاج‪ .‬قال الزجاج‪ :‬إن علينا أن نبين طريق الهدي من طريق‬
‫الضلل‪.‬‬
‫وهذا التفسير ثابت عن قتادة‪ ،‬رواه عبد بن حميد‪ .‬قال‪ :‬حدثنا يونس‪ ،‬عن شيبان‪ ،‬عن قتادة‪ِ} :‬إّن َعَلْيَنا َلْلُهَدى{‪ ،‬علينا‬
‫عَلْيَنا‬
‫ن َ‬
‫بيان حلله وحرامه‪ ،‬وطاعته ومعصيته‪ .‬وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسير سعيد‪ ،‬عن قتادة في قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫َلْلُهَدى{ يقول‪ :‬على ال البيان‪ ،‬بيان حلله وحرامه‪ ،‬وطاعته ومعصيته‪.‬‬
‫لكن قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل ال به رسله وأنزل به كتبه‪ ،‬فتبين به حلله وحرامه‪ ،‬وطاعته ومعصيته‪.‬‬
‫عَلْيَنا‬
‫ن َ‬
‫ل أخر‪ .‬فقالوا ـ واللفظ للبغوي‪ِ} :‬إ ّ‬
‫وأما الثعلبي‪ ،‬والواحدي‪ ،‬والبغوي‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬فذكروا القولين وزادوا أقوا ً‬
‫َلْلُهَدى{ ‪ ،‬يعني البيان‪ .‬قال الزجاج‪ :‬علينا أن نبين طريق الهدي من طريق الضللة‪ .‬وهو قول قتادة‪ ،‬قال‪ :‬على ال بيان‬

‫حلله وحرامه‪.‬‬
‫صُد الّسِبيِل{ ‪ ،‬يقول‪ :‬من أراد ال فهو على‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫وقال الفراء‪ :‬يعني من سلك الهدي فعلى ال سبيله‪ ،‬كقوله تعالي‪َ} :‬و َ‬
‫السبيل القاصد‪.‬‬
‫ك اْلَخْيُر{ ]آل عمران‪.[26:‬‬
‫قال‪:‬وقيل معناه‪:‬إن علينا للهدي والضلل‪ ،‬كقوله‪ِ}:‬بَيِد َ‬
‫قلت‪ :‬هذا القول هو من القوال المحدثة التي لم تعرف عن السلف‪ ،‬وكذلك ما أشبهه‪ .‬فإنهم قالوا‪ :‬معناه بيدك الخير‬
‫والشر‪ ،‬والنبيصلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول‪) :‬والخير بيديك‪ ،‬والشر ليس إليك(‪.‬‬
‫وال ـ تعالى ـ خالق كل شيء‪ ،‬ليكون في ملكه إل ما يشاء‪ ،‬والقدر حق‪ .‬لكن فهم القرآن‪ ،‬ووضع كل شيء موضعه‪،‬‬
‫وبيان حكمة الرب وعدله مع اليمان بالقدر‪ ،‬هو طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان‪.‬‬
‫وقد ذكر المهدوي القوال الثلثة‪ ،‬فقال‪ :‬إن علينا للهدي ‪ /‬والضلل‪ .‬فحّذف قتادة‪ .‬المعنى‪ :‬إن علينا بيان الحلل‬
‫والحرام‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬المعنى‪ :‬إن علينا أن نهدي من سلك سبيل الهدى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هو قول الفراء‪ ،‬لكن عبارة الفراء أبين في معرفة هذا القول‪.‬‬
‫فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا اليات الثلث بأن الطريق المستقيم ل يدل إل على ال‪ .‬ومنهم من فسرها بأن‬
‫عليه بيان الطريق المستقيم‪ .‬والمعنى الول متفق عليه بين المسلمين‪.‬‬

‫وأما الثاني‪ ،‬فقد يقول طائفة‪ :‬ليس على ال شيء ـ ل بيان هذا‪ ،‬ول هذا‪ .‬فإنهم متنازعون هل أوجب على نفسه؟ كما‬
‫ن{ ]الروم‪ ،[47:‬وقوله‪َ} :‬وَما ِمن‬
‫صُر اْلُمْؤِمِني َ‬
‫عَلْيَنا َن ْ‬
‫حّقا َ‬
‫ن َ‬
‫حَمَة{ ]النعام‪ ،[54:‬وقوله‪َ}:‬وَكا َ‬
‫سِه الّر ْ‬
‫عَلى َنْف ِ‬
‫ب َرّبُكْم َ‬
‫قال‪َ}:‬كَت َ‬
‫ل ِرْزُقَها{]هود‪.[6 :‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫َدآّبٍة ِفي ا َ‬
‫وإذا كان عليه بيان الهدي من الضلل وبيان حلله وحرامه وطاعته ومعصيته‪،‬فهذا يوافق قول من يقول‪:‬إن عليه‬
‫إرسال الرسل‪،‬وإن ذلك واجب عليه‪ ،‬فإن البيان ل يحصل إل بهذا‪.‬‬
‫وهذا يتعلق بأصل آخر‪ ،‬وهو أن كل ما فعله فهو واجب منه ‪ /‬أوجبته مشيئته وحكمته‪ ،‬وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم‬
‫يكن‪ ،‬فما شاءه وجب وجوده‪ ،‬وما لم يشأه امتنع وجوده‪ .‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫ودللة اليات على هذا فيها نظر‪.‬‬
‫وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من اليات الثلث قطًعا‪،‬وأنه أرشد بها إلى الطريق المستقيم‪ ،‬وهي الطريق القصد‪،‬‬
‫وهي الهدي إنما تدل عليه ـ وهو الحق طريقه على ال ل يعرج عنه‪.‬‬
‫لكن نشأت الشبهة من كونه قال‪) :‬علينا( بحرف الستعلء‪ ،‬ولم يقل‪) :‬إلينا(‪ ،‬والمعروف أن يقال لمن يشار إليه أن‬
‫يقال‪ :‬هذه الطريق إلى فلن‪ ،‬ولمن يمر به ويجتاز عليه أن يقول‪ :‬طريقنا على فلن‪.‬‬
‫وذكر هذا المعنى بحرف الستعلء‪ .‬وهو من محاسن القرآن الذي ل تنقضي عجائبه‪ ،‬ول يشبع منه العلماء‪.‬‬
‫ح ِإَلى َرّب َ‬
‫ك‬
‫ك َكاِد ٌ‬
‫ن ِإّن َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى ال على أي طريق سلكوا‪،‬كما قال تعالي‪َ} :‬يا َأّيَها ا ِْ‬
‫صيُر{ ]آل عمران ‪ِ} ،[28 :‬إّن ِإَلْيَنا ِإَياَبُهْم{ ]الغاشية‪ ،[25:‬أي‪ :‬إلينا‬
‫ل اْلَم ِ‬
‫لِقيِه{ ]النشقاق‪،[6 :‬وقال‪َ} :‬وِإَلى ا ّ‬
‫حا َفمُ َ‬
‫َكْد ً‬
‫جُعُكْم ُثّم ُيَنّبُئُكم‬
‫سّمى ُثّم ِإَلْيِه َمْر ِ‬
‫ل ّم َ‬
‫جٌ‬
‫ضى َأ َ‬
‫حُتم ِبالّنَهاِر ُثّم َيْبَعُثُكْم ِفيِه ِلُيْق َ‬
‫جَر ْ‬
‫ل َوَيْعَلُم َما َ‬
‫مرجعهم‪ ،‬وقال‪َ} / :‬وُهَو اّلِذي َيَتَوّفاُكم ِبالّلْي ِ‬
‫ن ُثّم ُرّدوْا ِإَلى ا ّ‬
‫ل‬
‫طو َ‬
‫ل ُيَفّر ُ‬
‫سُلَنا َوُهْم َ‬
‫ت َتَوّفْتُه ُر ُ‬
‫حَدكُُم اْلَمْو ُ‬
‫جاء َأ َ‬
‫ى ِإَذا َ‬
‫حّت َ‬
‫ظًة َ‬
‫حَف َ‬
‫عَلْيُكم َ‬
‫ل َ‬
‫سُ‬
‫عَباِدِه َوُيْر ِ‬
‫ق ِ‬
‫ن َوُهَو اْلَقاِهُر َفْو َ‬
‫ِبَما ُكنُتْم َتْعَمُلو َ‬
‫خَرى َوَأن‬
‫ل َتِزُر َواِزَرةٌ ِوْزَر ُأ ْ‬
‫سى َوِإْبَراِهيَم اّلِذي َوّفى َأ ّ‬
‫ف ُمو َ‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫ق{ ]النعام‪60:‬ـ ‪ ،[62‬وقال‪َ} :‬أْم َلْم ُيَنّبْأ ِبَما ِفي ُ‬
‫حّ‬
‫لُهُم اْل َ‬
‫َمْو َ‬
‫ك اْلُمنَتَهى{ ]النجم‪ 36:‬ـ ‪ ،[42‬وقال‪َ} :‬وِإّما‬
‫ن ِإَلى َرّب َ‬
‫لْوَفى َوَأ ّ‬
‫جَزاء ا َْ‬
‫جَزاُه اْل َ‬
‫ف ُيَرى ُثّم ُي ْ‬
‫سْو َ‬
‫سْعَيُه َ‬
‫ن َ‬
‫سَعى َوَأ ّ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫سا ِ‬
‫لن َ‬
‫س ِل ِْ‬
‫ّلْي َ‬
‫ل َشِهيٌد َعَلى َما َيْفَعُلوَن{ ]يونس‪.[46 :‬‬
‫جُعُهْم ُثّم ا ّ‬
‫ك َفِإَلْيَنا َمْر ِ‬
‫ض اّلِذي َنِعُدُهْم َأْو َنَتَوّفَيّن َ‬
‫ك َبْع َ‬
‫ُنِرَيّن َ‬
‫سُنوا‬
‫حَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫جِز َ‬
‫عِمُلوا َوَي ْ‬
‫ساُؤوا ِبَما َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫جِز َ‬
‫فأي سبيل سلكها العبد فإلى ال مرجعه ومنتهاه‪ ،‬لبد له من لقاء ال }لَِي ْ‬
‫ِباْلُحْسَنى{ ]النجم‪.[31:‬‬

‫وتلك اليات قصد بها أن سبيل الحق والهدي ـ وهو الصراط المستقيم ـ هو الذي يسعد أصحابه‪ ،‬وينالون به ولية ال‬
‫عَلْيَنا‬
‫ن َ‬
‫ورحمته وكرامته فيكون ال وليهم دون الشيطان‪ .‬وهذه سبيل من عبد ال وحده وأطاع رسله؛ فلهذا قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ي ُمْسَتِقيٌم{ ‪ .‬فالهدي‪ ،‬وقصد السبيل‪ ،‬والصراط المستقيم‪ ،‬إنما يدل‬
‫عَل ّ‬
‫ط َ‬
‫صَرا ٌ‬
‫ل َهَذا ِ‬
‫ل{‪َ} ،‬قا َ‬
‫سِبي ِ‬
‫صُد ال ّ‬
‫ل َق ْ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫َلْلُهَدى{‪َ} ،‬و َ‬
‫على عبادته وطاعته ـ ل يدل على معصيته وطاعة الشيطان‪.‬‬
‫‪ /‬فالكلم تضمن معني الدللة‪ ،‬إذ ليس المراد ذكر الجزاء في الخرة‪ ،‬فإن الجزاء يعم الخلق كلهم‪ ،‬بل المقصود بيان‬
‫ما أمر ال به من عبادته وطاعته وطاعة رسله ـ ما الذي يدل على ذلك؟ فكأنه قيل‪ :‬الصراط المستقيم يدل على ال ـ‬
‫على عبادته وطاعته‪.‬‬
‫وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون‪:‬هذه الطريق على فلن‪،‬إذا كانت تدل عليه‪ ،‬وكان هو الغاية المقصود بها‪،‬‬
‫وهذا غير كونها عليه بمعني‪ :‬أن صاحبها يمر عليه‪ .‬وقد قيل‪:‬‬
‫فهــن المنـايـا أي واد سلكتــه ** عليها طريقي أو على طريقها‬
‫وهو كما قال الفراء‪ :‬من سلك الهدى فعلى ال سبيله‪.‬‬

‫فالمقصود بالسبيل هو‪ :‬الذي يدل ويوقع عليه‪ ،‬كما يقال ‪ :‬إن سلكت هذه السبيل وقعت على المقصود‪ ،‬ونحو ذلك‪،‬‬
‫وكما يقال‪ :‬على الخبير سقطت‪ .‬فإن الغاية المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع عليها ويرمي نفسه عليها‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فسالك طريق ال متوكل عليه‪ .‬فلبد له من عبادته ومن التوكل عليه‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫فإذا قيل‪ :‬عليه الطريق المستقيم‪ .‬تضمن أن سالكه عليه يتوكل‪ / ،‬وعليه تدله الطريق‪ ،‬وعلى عبادته وطاعته يقع‬
‫ويسقط‪ ،‬ل يعدل عن ذلك‪ ،‬إلى نحو ذلك من المعاني التي يدل عليها حرف الستعلء دون حرف الغاية‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ قد أخبر أنه على صراط مستقيم‪ .‬فعليه الصراط المستقيم‪ ،‬وهو على صراط مستقيم ـ سبحانه وتعالى‬
‫عما يقول الظالمون علًوا كبير ـ وال أعلم‪.‬‬
‫سورة النحل‬
‫قال شيخ السلم ـ رحمه ال ‪:‬‬
‫فصــل‬
‫اللباس له منفعتان‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬الزينة بستر السوءة‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬الوقاية لما يضر من حر أو برد أو عدو‪.‬‬
‫خُذوْا ِزيَنَتُكْم‬
‫فذكر اللباس في )سورة العراف( لفائدة الزينة‪ ،‬وهي المعتبرة في الصلة والطواف‪ ،‬كما دل عليه قوله‪ُ } :‬‬
‫ِعنَد ُكلّ َمْسِجٍد{ ]العراف‪ ،[31:‬وقال‪َ} :‬يا َبِني آَدَم َقْد َأنَزْلَنا َعَلْيُكْم ِلَباًسا ُيَواِري َسْوَءاِتُكْم َوِريًشا{ ]العراف‪ ،[62 :‬وقال‪:‬‬
‫ق{ ]العراف‪ ،[ 32:‬رًدا علي ما كانوا عليه في الجاهلية من‬
‫ن الّرْز ِ‬
‫ت ِم َ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ج ِلِعَباِدِه َواْل ّ‬
‫خَر َ‬
‫ي َأ ْ‬
‫ل اّلِت َ‬
‫حّرَم ِزيَنَة ا ّ‬
‫ل َمنْ َ‬
‫}ُق ْ‬

‫س‪ :‬قريش؛ لنهم كانوا يتشددون في دينهم وشجاعتهم‪،‬‬
‫حْم ُ‬
‫س ]ال ُ‬
‫حْم ِ‬
‫تحريم الطواف في الثياب الذي قدم بها غير ال ُ‬
‫وقيل‪ :‬كانوا ل يستظلون أيام مني ول يدخلون البيوت من أبوابها[‪ ،‬ومن أكل ما سلوه من الدهان‪.‬‬
‫عَلْيُكْم َلَعّلُكْم‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َ‬
‫سُكْم َكَذِل َ‬
‫ل َتِقيُكم َبْأ َ‬
‫سَراِبي َ‬
‫حّر َو َ‬
‫ل َتِقيُكُم اْل َ‬
‫سَراِبي َ‬
‫ل َلُكْم َ‬
‫جَع َ‬
‫‪ /‬وذكره في النحل لفائدة الوقاية في قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ُتْسِلُموَن{ ]النحل‪ ،[ 81:‬ولما كانت هذه الفائدة حيوانية طبيعية ل قَواَم للنسان إل بها جعلها مـن النعم‪ ،‬ولما كانت تلك‬

‫فائـدة كمالية قرنها بالمـر الشرعي‪ ،‬وتلك الفائدة من باب جلب المنفعة بالتزين‪ ،‬وهذه من باب دفع المضرة‪ ،‬فالناس‬
‫إلي هذه أحوج‪.‬‬
‫فأما قوله‪َ} :‬سَراِبيَل َتِقيُكُم اْلَحّر{ ‪ ،‬ولم يذكر‪) :‬البرد(‪ ،‬فقد قيل‪ :‬لن التنزيل كان بالرض الحارة فهم يتخوفونه‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫حذف الخر للعلم به‪ ،‬ويقال‪ :‬هذا من باب التنبيه؛ فإنه إذا امتن عليهم بما يقي الحر فالمتنان بما يقي البرد أعظم؛ لن‬
‫ل أن يقع فيه هكذا‪ ،‬فإن باب التنبيه والقياس كما يكون في‬
‫الحر أذي‪ ،‬والبرد بؤس‪ ،‬والبرد الشديد يقتل‪ ،‬والحر َق ّ‬
‫ل َناُر‬
‫حّر ُق ْ‬
‫ل َتنِفُروْا ِفي اْل َ‬
‫خطاب الحكام يكون في خطاب اللء وخطاب الوعد والوعيد‪ ،‬كما قلته في قوله‪َ} :‬وَقاُلوْا َ‬
‫جَهّنَم‬
‫َ‬

‫حّرا{ ]التوبة‪ [ 81:‬مثله من يقول‪ :‬ل تنفروا في البرد فإن جهنم أشد زمهريًرا‪) ،‬ومن اغبرت قدماه في سبيل ال‬
‫شّد َ‬
‫َأ َ‬
‫حرمهما ال علي النار(‪ ،‬فالوحل والثلج أعظم ونحو ذلك‪.‬‬
‫وفي الية شرع لباس جنن الحرب؛ ولهذا قرن من قرن باب اللباس والتحلي بالصلة؛ لن للحرب لباسا مختصا مع‬
‫ن ِفيَها ِمنْ‬
‫حّلْو َ‬
‫اللباس المشترك‪ ،‬وطابق قولهم اللباس والتحلي قوله‪ُ} :‬ي َ‬
‫حِريٌر{ ]الحج‪ .[ 23:‬وأحسن من هذا أنه قد تقدم ذكر وقاية البرد في أول السورة‬
‫سُهْم ِفيَها َ‬
‫ب َوُلْؤُلًؤا َوِلَبا ُ‬
‫ساِوَر ِمن َذَه ٍ‬
‫َأ َ‬
‫فٌء َوَمَناِفُع َوِمْنَها َتْأُكُلوَن{ ]النحل‪ ،[ 5 :‬فيقال‪ :‬لم فرق هذا؟ فيقال ـ وال أعلم ‪ :‬المذكور‬
‫خَلَقَها َلُكْم ِفيَها ِد ْ‬
‫لْنَعاَم َ‬
‫بقوله‪َ} :‬وا َ‬

‫في أول السورة النعم الضرورية التي ل يقومون بدونها من الكل‪ ،‬وشرب الماء الَقَراح ]الَقَراح‪ :‬الخالص من الماء‬
‫الذي لم يخالطه كافور ول حنوط[‪ ،‬ودفع البرد‪ ،‬والركوب الذي ل بد منه في النقلة‪ ،‬وفي آخرها ذكر كمال النعم‪ :‬من‬
‫الشربة الطيبة‪،‬والسكون في البيوت وبيوت الدم‪ ،‬والستظلل بالظلل‪ ،‬ودفع الحر والبأس بالسرابيل‪ ،‬فإن هذا‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َعَلْيُكْم َلَعّلُكْم ُتْسِلُمو َ{‬
‫ن{‬
‫يستغني عنه في الجملة‪ .‬ففي الول الصول‪ ،‬وفي الخر الكمال؛ ولهذا قال‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫]النحل‪.[81 :‬‬
‫ضا‪ ،‬فالمساكن لها منفعتان‪ :‬إحداهما‪ :‬السكون فيها لجل الستتار‪ ،‬فهي كلباس الزينة من هذا الوجه‪ .‬والثاني‪:‬‬
‫وأي ً‬
‫ل َجَعَل َلُكم ّمن ُبُيوِتُكْم َسَكًنا{ هذه‬
‫وقاية الذي من الشمس والمطر والريح ونحو ذلك‪ ،‬فجمع ال المتنان بهذين فقال‪َ} :‬وا ّ‬
‫ظْعِنُكْم َوَيْوَم ِإَقاَمِتُكْم{ ]النحل‪ [80:‬هذه بيوت‬
‫خّفوَنَها َيْوَم َ‬
‫سَت ِ‬
‫لْنَعاِم ُبُيوًتا َت ْ‬
‫جُلوِد ا َ‬
‫ل َلُكم ّمن ُ‬
‫جَع َ‬
‫بيوت المدر ]المدر‪ :‬القرى[ }َو َ‬
‫صَواِفَها َوَأْوَباِرَها َوَأْشَعاِرَها َأَثاًثا َوَمَتاًعا ِإَلى ِحيٍن{ ]النحل‪ ،[80:‬يدخل فيه ُأهبة البيت من البسط والوعية‬
‫ن َأ ْ‬
‫العمود }َوِم ْ‬
‫والغطية ونحوها‪ ،‬وقال‪ّ} :‬من ُبُيوِتُكْم َسَكًنا{ ‪ ،‬ولم يقل‪ :‬من المدر بيوًتا كما قال‪َ} :‬وَجَعَل َلُكم ّمن ُجُلوِد الَْنَعاِم ُبُيوًتا{ ؛ لن‬
‫السكن بيان منفعة البيت‪ ،‬فبه تظهر النعمة‪ ،‬واتخاذ ‪ /‬البيوت من المدر معتاد‪ ،‬فالنعمة بظهور أثرها؛ بخلف النعام‪،‬‬
‫فإن الهداية إلي اتخاذ البيوت من جلودها أظهر من الهداية إلي نفس اتخاذ البيوت‪.‬‬
‫لًل َوَجَعَل َلُكم ّمَن اْلِجَباِل{ ]النحل‪ ،[81:‬فالظلل يعم جميع ما يظل من‬
‫ظَ‬
‫ق ِ‬
‫خَل َ‬
‫ل َلُكم ّمّما َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َ‬
‫وأما فائدة الوقاية فقال‪َ} :‬وا ّ‬
‫العرش والفساطيط والسقوف مما يصطنعه الدميون‪ ،‬وقوله‪ّ} :‬مَن اْلجَِباِل َأْكَناًنا{ ؛ لن الجبل يكن النسان من فوقه‬
‫ويمينه ويساره وأسفل منه‪ ،‬ليس مقصوده الستظلل؛ بخلف الظلل فإن مقصودها الستظلل؛ ولهذا قرن بهذه ما‬
‫في السرابيل من منفعة الوقاية‪ ،‬فجمع في هذه الية بين وقاية اللباس المنتقل مع البدن‪ ،‬ووقاية الظلل الثابتة علي‬
‫الرض؛ ولهذا كانوا في الجاهلية يسوون بينهما في حق المحرم‪ ،‬فكما نهي عن تغطية الرأس‪ ،‬نهوه عن الدخول تحت‬
‫ظُهوِرَها{ ]البقرة‪ .[ 189 :‬وجاز للمحرم أن يستظل بالثابت من‬
‫ت ِمن ُ‬
‫ن َتْأُتْوْا اْلُبُيو َ‬
‫س اْلِبّر ِبَأ ْ‬
‫سقف حتي أنزل ال‪َ} :‬وَلْي َ‬
‫الخيام والشجر‪ ،‬وأما الشيء المنتقل معه المتصل كالمحمل‪ ،‬ففيه ما فيه لتردده بين السرابيل وبين المستقر من الظلل‬
‫والكنة‪.‬‬
‫كما أنه قبل هذه اليات ذكر أصناف الشربة من اللبن والخمر والعسل‪ ،‬وذكر في أول السورة المراكب والطعمة‪،‬‬
‫وهذه مجامع المطاعم والمشارب والملبس والمساكن والمراكب‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫قال شيخ السلم‪:‬‬

‫ق{ اليتين ]النحل‪ .[ 103 ،102:‬لفظ‪) :‬النزال( في القرآن يرد مقيًدا‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫س ِمن ّرّب َ‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫ل َنّزَلُه ُرو ُ‬
‫قوله عز وجل‪ُ} :‬ق ْ‬
‫بأنه منه كالقرآن‪ ،‬وبالنزال من السماء‪ ،‬ويراد به‪ :‬العلو كالمطر‪ ،‬ومطلًقا فل يختص بنوع‪ ،‬بل يتناول إنزال الحديد‬
‫ق{ بيان لنزول جبريل به‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫س ِمن ّرّب َ‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫من الجبال‪ ،‬والنزال من ظهور الحيوان‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬فقوله‪َ} :‬نّزَلُه ُرو ُ‬
‫من ال‪ ،‬كقوله‪َ} :‬نَزَل ِبِه الّروُح اَْلِميُن{ ]الشعراء‪ ،[ 193 :‬أي‪ :‬أنه مؤتمن ل يزيد ول ينقص‪ ،‬فإن الخائن قد يغير‬
‫الرسالة‪.‬‬
‫وفيها دللة علي أمور‪:‬‬
‫منها‪ :‬بطلن قول من زعم خلقه في جسم كالجهمية من المعتزلة وغيرهم‪،‬فإن السلف يسمون من قال بخلقه ونفي‬
‫الصفات والرؤية جهميا‪،‬فإن جهًما أول من ظهرت عنه بدعة نفي السماء والصفات وبالغ في ذلك‪،‬فله مزية المبالغة‬
‫والبتداء بكثرة إظهاره‪،‬وإن كان جعد سبقه إلي بعض ذلك‪،‬لكن المعتزلة وإن وافقوه في البعض فهم يخالفونه في مثل‬
‫مسائل اليمان والقدر وبعض الصفات‪،‬وجهم يقول‪ :‬إن ال ل ‪ /‬يتكلم‪،‬أو يتكلم مجازا‪ ،‬وهم يقولون‪:‬يتكلم حقيقة‪،‬ولكن‬
‫قولهم في المعني قوله‪،‬وهو ينفي السماء كالباطنية والفلسفة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬بطلن قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره‪ ،‬وهذا أعظم كفًرا وضلل من الذي قبله‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬إبطال قول الشعرية‪ :‬إن كلم ال معني وهذا العربي خلق ليدل عليه‪ ،‬سواء قالوا‪ :‬خلق في بعض الجسام‪ ،‬أو‬
‫ألهمه جبريل‪ ،‬أو أخذه من اللوح‪ ،‬فإن هذا لبد له من متكلم تكلم به أول‪ ،‬وهذا يوافق قول من قال‪ :‬إنه مخلوق‪ ،‬لكن‬
‫يفارقه من وجهين‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬أن أولئك يقولون‪:‬المخلوق كلم ال‪،‬وهؤلء يقولون‪ :‬إنه كلم مجاًزا‪ ،‬وهذا أشر من قول المعتزلة‪ ،‬بل هو‬
‫قول الجهمية المحضة‪ ،‬لكن المعتزلة يوافقونهم في المعني‪.‬‬
‫لبية خير منهم في الظاهر‪ ،‬لكن في‬
‫الثاني‪ :‬أنهم يقولون‪ :‬ل كلم قائم بذاته‪ ،‬والخلقية يقولون‪ :‬ل يقوم بذاته؛ فإن الُك ّ‬
‫الحقيقة لم يثبتوا كلما له غير المخلوق‪.‬‬
‫ضا‪،‬فقوله‪َ}:‬نّزَلُه{‬
‫ت اْلُقْرآَن{ ]النحل‪.[ 98:‬وأي ً‬
‫والمقصود أن الية تبطل هذا‪) ،‬والقرآن( اسم للعربي‪ ،‬لقوله‪َ} :‬فِإَذا َقَرْأ َ‬
‫ضا‪،‬قال‪َ} :‬وَلَقْد َنْعَلُم‬
‫ل َأْعَلُم ِبَما ُيَنّزُل{ ]النحل‪ ،[ 101:‬فالذي نزله ال هو الذي نزله روح القدس‪،‬وأي ً‬
‫عائد إلي قوله‪َ}:‬وا ّ‬
‫َأّنُهْم َيُقوُلوَن{الية ]النحل‪ ،[ 103:‬وهم يقولون‪ :‬إنما يَعّلم هذا القرآن العربي بشر لقوله‪ّ} :‬لَساُن اّلِذي ُيْلِحُدوَن ِإَلْيِه{ ]النحل‪:‬‬
‫‪...[ 103‬إلخ‪ ،‬فعلم أن محمًدا لم يؤلف نظما بل سمعه من روح القدس‪ ،‬وروح القدس الذي نزل به من ال‪،‬فعلم أنه‬
‫سمعه منه‪ ،‬لم يؤلفه هو‪.‬‬
‫ل{ ]النعام‪ [ 114 :‬و)الكتاب(‪ :‬اسم للقرآن بالضرورة والتفاق؛ فإنهم‬
‫صً‬
‫ب ُمَف ّ‬
‫ل ِإَلْيُكُم اْلِكَتا َ‬
‫ونظيرها قوله‪َ}:‬وُهَو اّلِذي َأَنَز َ‬
‫أو بعضهم يفرقون بين كتاب ال وكلمه‪ ،‬ولفظ )الكتاب(‪ :‬يراد به المكتوب فيه‪ ،‬فيكون هو الكلم‪ ،‬ويراد به ما يكتب‬
‫ب ّمْكُنوٍن{ ]الواقعة‪ ،[78 :‬وقوله‪َ} :‬وُنْخِرُج َلُه َيْوَم الِْقَياَمِة ِكَتاًبا َيْلَقاهُ َمنُشوًرا{ ]السراء‪ ،[13:‬وقوله ‪:‬‬
‫فيه‪ ،‬كقوله‪ِ} :‬في ِكَتا ٍ‬
‫ق{ ]النعام‪ ،[ 114 :‬إخبار مستشهد بهم‪ ،‬فمن لم يقر به منا فهم خير منه من هذا الوجه‪.‬‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ل ّمن ّرّب َ‬
‫ن َأّنُه ُمَنّز ٌ‬
‫}َيْعَلُمو َ‬
‫وهذا ل ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره‪ :‬أنه أنزل في ليلة القدر إلي بيت العزة في السماء الدنيا‪ ،‬ول ينافي أنه‬
‫مكتوب في اللوح قبل نزوله‪ ،‬سواء كتبه ال قبل أن يرسل به جبريل‪ ،‬أو بعده‪ .‬فإذا أنزل جملة إلي بيت العزة فقد كتبه‬
‫كله قبل أن ينزله‪ ،‬وال يعلم ما كان وما يكون‪ ،‬وما ل يكون لو كان كيف يكون‪ ،‬وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد‬
‫قبل أن يعملوها‪ ،‬ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها‪ ،‬فيقابل بين ‪ /‬الكتابة المتقدمة والمتأخرة فل يكون بينهما تفاوت‪،‬‬
‫هكذا قال ابن عباس وغيره‪ .‬فإذا كان ما يخلقه بائًنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه ‪ ،‬فكيف ل يكتب كلمه الذي يرسل به‬
‫ملئكته قبل أن يرسلهم؟‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬إن جبرائيل أخذه عن الكتاب‪ ،‬لم يسمعه من ال فهو باطل من وجوه‪:‬‬
‫منها‪ :‬أنه ـ سبحانه ـ كتب التوراة لموسي بيده‪ ،‬فبنو إسرائيل أخذوا كلمه من الكتاب الذي كتبه ومحمد عن جبريل‬
‫عن الكتاب فهم أعلي بدرجة‪ ،‬ومن قال‪ :‬إنه ألقي إلي جبريل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ألهمه إلهاما‪ ،‬وهذا يكون‬
‫ت ِإَلى اْلَحَواِرّييَن َأْن آِمُنوْا ِبي َوِبَرُسوِلي{ ]المائدة‪َ} ،[111 :‬وَأْوَحْيَنا ِإَلى ُأّم ُمو َ {‬
‫سى{‬
‫حْي ُ‬
‫لحاد المؤمنين‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وِإْذ َأْو َ‬
‫]القصص‪ ،[ 7 :‬فيكون هذا أعلي من أخذ محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ل ُموَسى َتْكِليًما{{‬
‫ن ِمن َبْعِدِه{ إلي قوله‪َ} :‬وَكّلَم ا ّ‬
‫ح َوالّنِبّيي َ‬
‫حْيَنا ِإَلى ُنو ٍ‬
‫ك َكَما َأْو َ‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ضا ‪ :‬فإنه ـ سبحانه ـ قال‪ِ} :‬إّنا َأْو َ‬
‫وأي ً‬
‫]النساء‪ ،[ 164 ،163 :‬وهذا يدل علي أمور‪ :‬علي أنه يكلم العبد تكليما زائًدا علي الوحي الذي هو قسيم التكليم‬
‫الخاص‪.‬‬
‫شٍر َأن‬
‫ن ِلَب َ‬
‫فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلي عام وخاص‪ ،‬فالتكليم ‪ /‬العام‪ :‬هو المقسوم في قوله‪َ} :‬وَما َكا َ‬
‫ب{ الية ]الشوري‪ .[ 51 :‬فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص‪ ،‬ل قسًما منه‪ ،‬وكذلك‬
‫جا ٍ‬
‫حَ‬
‫حًيا َأْو ِمن َوَراء ِ‬
‫ل َو ْ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ُيَكّلَمُه ا ُّ‬
‫الوحي يكون عاًما فيدخل فيه التكليم الخاص‪ ،‬كقوله‪َ} :‬فاْسَتِمْع ِلَما ُيوَحى{ ]طه‪ ،[ 13:‬ويكون قسيًما له كما في الشوري‪،‬‬

‫وهذا يبطل قول من قال‪ :‬إنه معني واحد قائم بالذت‪ ،‬فإنه ل فرق بين العام وما لموسي‪ .‬وفرق ـ سبحانه ـ في‬
‫)الشوري( بين اليحاء‪ ،‬وبين التكليم من وراء حجاب‪ ،‬وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء ‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة السراء‬
‫حَمُه ال‪:‬‬
‫وقال شيخ السلم ـ َر ِ‬

‫في الكلم علي قوله تعالي‪ُ} :‬قِل اْدُعوْا اّلِذيَن َزَعْمُتم ّمن ُدوِنِه{ اليتين ]السراء‪ ،[57 ،56:‬لما ذكر أن من السلف من‬
‫ذكر أنهم من الملئكة‪ ،‬ومنهم من ذكر أنهم من النس‪ ،‬ومنهم من ذكر أنهم من الجن‪.‬‬

‫لفظ السلف يذكرون جنس المراد من الية علي التمثيل‪ ،‬كما يقول الترجمان لمن سأله عن الخبز‪ :‬فيريه رغيًفا‪ ،‬والية‬
‫هنا قصد بها التعميم لكل ما يدعي من دون ال‪ ،‬فكل من دعا ميًتا أو غائًبا من النبياء والصالحين‪ .‬سواء كان بلفظ‬
‫الستغاثة أو غيرها‪ ،‬فقد تناولته هذه الية كما تتناول من دعا الملئكة والجن‪ ،‬ومعلوم أن هؤلء يكونون وسائط فيما‬
‫يقدره ال بأفعالهم‪ ،‬ومع هذا فقد نهي عن دعائهم‪ ،‬وبين أنهم ل يملكون كشف الضر عن الداعين ول تحويله‪ ،‬ل‬
‫يرفعونه بالكلية‪ ،‬ول يحولونه من موضع إلي موضع‪ ،‬أو من حال إلي حال‪ ،‬كتغيير صفته أو قدره؛ ولهذا قال‪َ} :‬و َ‬
‫ل‬
‫ل{ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل‪.‬‬
‫حِوي ً‬
‫َت ْ‬
‫س َيُعوُذوَن ِبِرَجاٍل ّمَن اْلِجّن َفَزاُدوُهْم َرَهًقا{ ]الجن‪ ،[6:‬كان أحدهم إذا نزل بواد‬
‫لن ِ‬
‫ن ا ِْ‬
‫ل ّم َ‬
‫جا ٌ‬
‫ن ِر َ‬
‫‪ /‬وقال تعالي‪َ} :‬وَأّنُه َكا َ‬
‫يقول‪ :‬أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه‪ ،‬فقالت الجن‪ :‬النس تستعيذ بنا‪ ،‬فزادوهم رهًقا‪ ،‬وقد نص الئمة ـ كأحمد‬
‫وغيره ـ علي أنه ل تجوز الستعاذة بمخلوق‪ ،‬وهذا مما استدلوا به علي أن كلم ال غير مخلوق‪ ،‬لما ثبت عنه صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ :‬أنه استعاذ بكلمات ال‪ ،‬وأمر بذلك‪ ،‬فإذا كان ل يجوز ذلك؛ فلن ل يجوز أن يقول‪ :‬أنت خير مستعاذ‬
‫يستعاذ به أولي‪ .‬فالستعاذة‪ ،‬والستجارة‪ ،‬والستغاثة‪ :‬كلها من نوع الدعاء‪ ،‬أو الطلب‪ ،‬وهي ألفاظ متقاربة‪.‬‬
‫ولما كانت الكعبة بيت ال الذي يدعي ويذكر عنده‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ يستجار به هناك‪ ،‬وقد يستمسك بأستار الكعبة كما‬
‫يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به‪ ،‬كما قال عمرو بن سعيد‪ :‬إن الحرم ل يعيذ عاصيا‪ ،‬ول فاًرا بدم‪ ،‬ول فاًرا‬
‫بخربة‪ .‬وفي الصحيح‪) :‬يعوذ عائذ بهذا البيت(‪.‬‬
‫والمقصود أن كثيًرا من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن‪ ،‬ول يتصور أن يقضي لهم أكثر مطالبهم‪ ،‬كما أن‬
‫ما تخبر به الشياطين من المور الغائبة يكذبون في أكثره‪ ،‬بل يصدقون في واحدة ويكذبون في أضعافها‪ ،‬ويقضون‬
‫لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها‪ / ،‬يكذبون فيما أخبروا به وأعانوا عليه‪ ،‬لفساد حال الرجال في الدين والدنيا‪،‬‬
‫ويكون فيه شبهة للمشركين‪ ،‬كما يخبر الكاهن ونحوه‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ جعل الرسول مبلًغا لمره ونهيه ووعده ووعيده‪ ،‬وهؤلء يجعلون الرسل والمشائخ يدبرون العالم‬
‫بقضاء الحاجات وكشف الكربات‪ ،‬وليس هذا من دين المسلمين‪ ،‬بل النصاري تقول هذا في المسيح وحده بشبهة‬
‫التحاد والحلول؛ ولهذا لم يقولوه في إبراهيم وموسي وغيرهم‪ ،‬مع أنهم في غاية الجهل في ذلك‪ ،‬فإن اليات التي‬
‫بعث بها موسي أعظم‪ ،‬ولو كان هذا ممكًنا لم يكن للمسيح خاصية به‪ ،‬بل موسي أحق‪.‬‬
‫ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصاري إلي أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة اللهية فل يجدون فرًقا‪ ،‬بل‬
‫أبين لهم أن ما جاء به موسي من اليات أعظم‪ ،‬فإن كان حجة في دعوي اللهية فموسي أحق‪ ،‬وأما ولدته من غير‬
‫أب فهو يدل علي قدرة الخالق‪ ،‬ل علي أن المخلوق أفضل من غيره‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة الكهف‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬

‫حديث علي ـ رضي ال عنه ـ المخرج في الصحيحين لما طرقه رسول ال صلى ال عليه وسلم وفاطمة وهما نائمان‪،‬‬
‫فقال‪) :‬أل تصليان؟(‪ ،‬فقال علي‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنما أنفسنا بيد ال إن شاء أن يمسكها‪ ،‬وإن شاء أن يرسلها‪ .‬فولي النبي‬
‫يٍء َجَدًل{ ]الكهف‪.[54 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ن َأْكَثَر َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ن ا ِْ‬
‫صلى ال عليه وسلم وهو يضرب بيده علي فخذه‪ ،‬ويعيد القول‪ ،‬ويقول‪َ} :‬وَكا َ‬
‫هذا الحديث نص في ذم من عارض المر بالقدر؛ فإن قوله‪ :‬إنما أنفسنا بيد ال إلي آخره‪ ،‬استناد إلي القدر في ترك‬
‫امتثال المر‪ ،‬وهي في نفسها كلمة حق‪ ،‬لكن ل تصلح لمعارضة المر‪ ،‬بل معارضة المر بها من باب الجدل‬
‫يٍء َجَدًل{ ‪ ،‬وهؤلء أحد أقسام القدرية وقد صنفتهم في غير هذا‬
‫ش ْ‬
‫ن َأْكَثَر َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ن ا ِْ‬
‫المذموم الذي قال ال فيه‪َ}:‬وَكا َ‬
‫الموضع‪ .‬فالمجادلة الباطلة‪]...‬بياض بالصل[‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة مــريم‬

‫حَمَُه ال‪:‬‬
‫قال شيخ السلم ـ َر ِ‬

‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫)سورة مريم( مضمونها‪ :‬تحقيق عبادة ال وحده‪ ،‬وأن خواص الخلق هم عباده‪ ،‬فكل كرامة ودرجة رفيعة في هذه‬
‫الضافة‪ ،‬وتضمنت الرد علي الغالين الذين زادوا في النسبة إلي ال حتي نسبوا إليه عيسي بطريق الولدة‪ ،‬والرد‬
‫علي المفرطين في تحقيق العبادة وما فيها من الكرامة‪ ،‬وجحدوا نعم ال التي أنعم بها علي عباده المصطفين‪.‬‬
‫ك َعْبَدُه َزَكِرّيا{ ]مريم‪،[ 2 :‬وندائه ربه نداء خفيا‪ ،‬وموهبته له يحيي‪ ،‬ثم قصة مريم وابنها‪،‬‬
‫حَمِة َرّب َ‬
‫افتتحها بقوله‪ِ} :‬ذْكُر َر ْ‬
‫ل{ ‪...‬إلخ ]مريم‪ ،[ 30:‬بين فيها الرد علي الغلة في المسيح‪ ،‬وعلي الجفاة النافين عنه ما أنعم ال به‬
‫عْبُد ا ِّ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إّني َ‬
‫عليه‪ ،‬ثم أمر نبيه بذكر إبراهيم وما دعا إليه من عبادة ال وحده‪ ،‬ونهيه أباه عن عبادة الشيطان‪ ،‬وموهبته ‪ /‬له إسحاق‬
‫ويعقوب‪ ،‬وأنه جعل له لسان صدق عليا‪ ،‬وهو الثناء الحسن‪ ،‬وأخبر عن يحيي وعيسي وإبراهيم ببر الوالدين مع‬
‫التوحيد‪ ،‬وذكر موسي ومن هبته له أخاه هارون نبيا‪ ،‬كما وهب يحيي لزكريا وعيسي لمريم وإسحاق لبراهيم‪.‬‬
‫فهذه السورة )سورة المواهب(‪ ،‬وهي ما وهبه ال لنبيائه من الذرية الطيبة‪ ،‬والعمل الصالح‪ ،‬والعلم النافع‪ ،‬ثم ذكر‬
‫ذرية آدم لجل إدريس‪َ} ،‬وِمّمْن َحَمْلَنا َمَع ُنوٍح{ ]مريم‪ [ 58:‬وهو إبراهيم‪ ،‬ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل إلي آخر القصة‪.‬‬
‫ت{الية ]مريم‪ .[ 59:‬فهذه حال المفرطين في عبادة ال‪ ،‬ثم‬
‫شَهَوا ِ‬
‫لَة َواّتَبُعوا ال ّ‬
‫صَ‬
‫عوا ال ّ‬
‫ضا ُ‬
‫ف َأ َ‬
‫خْل ٌ‬
‫ف ِمن َبْعِدِهْم َ‬
‫خَل َ‬
‫ثم قال‪َ} :‬ف َ‬
‫ن أن الجنة لمن تاب‪ ،‬وأن جنات عدن وعدها الرحمن عباده بالغيب‪ ،‬وهم أهل تحقيق العبادة‪ ،‬ثم‬
‫استثني التائبين وَبي َ‬
‫طِبْر ِلِعَباَدِتِه{ ]مريم‪.[56:‬‬
‫صَ‬
‫عُبْدُه َوا ْ‬
‫ن َتِقّيا{ ]مريم‪،[36 :‬ثم قال‪َ}:‬فا ْ‬
‫عَباِدَنا َمن َكا َ‬
‫ن ِ‬
‫ث ِم ْ‬
‫جّنُة اّلِتي ُنوِر ُ‬
‫ك اْل َ‬
‫قال‪ِ} :‬تْل َ‬
‫ثم ذكر حال منكري المعاد وحال من جعل له الولد‪ ،‬وقرن بينهما فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة‪) :‬كذبني‬
‫ف ُأْخَرُج َحّ {‬
‫يا{‬
‫سْو َ‬
‫ت َل َ‬
‫ن َأِئَذا َما ِم ّ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل ا ِْ‬
‫ابن آدم وما ينبغي له ذلك‪ ،‬وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك(‪ ،‬الحديث‪َ} .‬وَيُقو ُ‬
‫]مريم‪،[ 66 :‬ثم ذكر إقسامه علي ‪ /‬حشدهم والشياطين‪ ،‬وإحضارهم حول جهنم جثيا‪ ،‬وفيها دللة علي أن المخبر عن‬
‫خبر يحصل في المستقبل ل يكون إل بطريقين‪ :‬إما اطلعه علي الغيب‪ ،‬وهو العلم بما سيكون‪ ،‬وإما أن يكون قد اتخذ‬
‫عند الرحمن عهًدا‪ ،‬وال موف بعهده‪ ،‬فالول علم بالخبر‪ ،‬والثاني علم بالمر‪ .‬الول علم بالكلمات الكونية‪ ،‬والثاني‬
‫علم بالكلمات الدينية‪ ،‬وهذا الذي أقسم أنه يأتي يوم المعاد ما ذكر كاذب في قسمه‪ ،‬فإنه ليس له اطلع علي الغيب‪،‬‬
‫ول اتخذ عند الرحمن عهًدا‪.‬‬
‫وهذا كما قيل في إجابة الدعاء‪:‬إنه تارة يكون لصحة العتقاد‪ ،‬وهو مطابقة الخبر‪،‬وتارة لكمال الطاعة وهو موافقة‬
‫المر‪،‬كقوله‪َ} :‬فْلَيْسَتِجيُبوْا ِلي َوْلُيْؤِمُنوْا ِبي{ ]البقرة‪،[ 186:‬فذكر حال من تمني علي ال الباطل بل علم بالواقع‪ ،‬ول‬
‫اتخاذ عهد بالمشروع‪.‬‬
‫ثم ذكر حال الذين قالوا اتخذ الرحمن ولًدا‪ ،‬فنفي الولدة عن نفسه‪ ،‬ورد علي من أثبتها‪ ،‬وأثبت المودة رًدا علي مـن‬
‫أنكرها‪ ،‬فقال‪َ} :‬سَيْجَعُل َلُهُم الّرْحَمُن ُوّدا{ ]مريم‪ [ 96:‬أي‪ :‬يحبهم‪ ،‬ويحببهم إلي عباده‪ ،‬وقد وافق ذلك ما في الصحيحين‪:‬‬
‫)إذا أحب ال العبد نادى جبريل‪ :‬إني أحب فلًنا فأحبه‪ ،‬فيحبه جبريل‪ ،‬ثم ينادي في السماء‪ :‬إن ال يحب فلًنا فأحبوه‪،‬‬
‫فيحبه أهل السماء‪ ،‬ويوضع له القبول في الرض(‪ / ،‬وقال في البغض عكس ذلك‪.‬‬
‫طوِر اَْلْيَمِن َوَقّرْبَناُه َنِجّ {‬
‫يا{‬
‫ب ال ّ‬
‫جاِن ِ‬
‫حِفّيا{ ]مريم‪،[ 47 :‬وقوله في موسي‪َ} :‬وَناَدْيَناهُ ِمن َ‬
‫ن ِبي َ‬
‫وفي قول إبراهيم‪ِ} :‬إّنُه َكا َ‬
‫]مريم‪،[ 52:‬وماذكره للمؤمنين من المودة‪ :‬إثبات لما ينكره الجاحدون من محبة ال وتكليمه‪ ،‬كما في الول نفي لما‬
‫يثبته المفترون من اتخاذ الولد‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫ف َيْلَقْو َ‬
‫ن‬
‫سْو َ‬
‫ت َف َ‬
‫شَهَوا ِ‬
‫لةَ َواّتَبُعوا ال ّ‬
‫صَ‬
‫عوا ال ّ‬
‫ضا ُ‬
‫ف َأ َ‬
‫ف ِمن َبْعِدِهْم خَْل ٌ‬
‫خَل َ‬
‫عْنـُه ـ عن قوله عز وجل ‪َ} :‬ف َ‬
‫ل ـ َرضي ال َ‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬

‫َغّيا{ ]مريم‪ ،[ 59 :‬هل ذلك فيمن أضاع وقتها فصلها في غير وقتها‪ ،‬أم فيمن أضاعها فلم يصلها؟ وقوله تعالي‪:‬‬
‫لِتِهْم َساُهوَن{ ]الماعون‪ ،[ 5 ،4 :‬هل هو عن فعل الصلة‪ ،‬أو السهو فيها كما جرت‬
‫صَ‬
‫عن َ‬
‫ن ُهْم َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫صّلي َ‬
‫ل ّلْلُم َ‬
‫}َفَوْي ٌ‬
‫العادة من صلة الَغَفَلة الذين ل يعقلون من صلتهم شيًئا؟ أفتونا مأجورين‪.‬‬
‫فأجاب ـ رضي ال عنه ‪:‬‬

‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬بل المراد بهاتين اليتين من أضاع الواجب في الصلة ل مجرد تركها‪ ،‬هكذا فسرها الصحابة‬
‫لِتِهْم َساُهوَن{ ‪ ،‬فأثبت لهم صلة وجعلهم ساهين‬
‫صَ‬
‫عن َ‬
‫ن ُهْم َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫صّلي َ‬
‫ل ّلْلُم َ‬
‫والتابعون وهو ظاهر الكلم‪،‬فإنه قال‪َ}:‬فَوْي ٌ‬
‫عنها‪َ ،‬فُعِلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها‪ ،‬وقد قال طائفة من السلف‪ :‬بل هو السهو عما يجب فيها مثل ترك‬
‫الطمأنينة‪ ،‬وكل المعنيين حق‪ ،‬والية تتناول هذا وهذا‪ ،‬كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه قال‪) :‬تلك صلة المنافق ‪ ،‬تلك صلة المنافق‪ /،‬تلك صلة المنافق‪ ،‬يرقب الشمس حتي إذا كانت بين قرني شيطان‬
‫ل(‪.‬‬
‫قام فنقرها أربًعا ل يذكر ال فيها إل قلي ً‬
‫فبين النبي صلى ال عليه وسلم في هذا الحديث أن صلة المنافق تشتمل علي التأخير عن الوقت الذي يؤمر بفعلها‬
‫لَة َواّتَبُعوا‬
‫صَ‬
‫عوا ال ّ‬
‫ضا ُ‬
‫ف َأ َ‬
‫خْل ٌ‬
‫ف ِمن َبْعِدِهْم َ‬
‫خَل َ‬
‫فيه‪ ،‬وعلي النقر الذي ل يذكر ال فيه إل قليل‪ ،‬وهكذا فسروا قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫ت{ بأن إضاعتها تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها‪ ،‬وجاء في الحديث‪) :‬إن العبد إذا قام إلي الصلة‬
‫شَهَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫بطهورها وقراءتها وسجودها ـ أو كما قال ـ صعدت ولها برهان كبرهان الشمس تقول له‪ :‬حفظك ال كما حفظتني‪،‬‬
‫وإذا لم يتم طهورها وقراءتها وسجودها ـ أو كما قال ـ فإنها تلف كما يلف الثوب وتقول له‪ :‬ضيعك ال كما ضيعتني(‪.‬‬
‫قال سلمان الفارسي‪ :‬الصلة مكيال من َوّفي ُوّفي له‪ ،‬ومن طفف فقد علمتم ما قال في المطففين‪ .‬وفي سنن أبي داود‬
‫عن عمار عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن العبد لينصرف من صلته ولم يكتب له إل نصفها‪ ،‬إل ثلثها‪،‬‬
‫إل ربعها‪ ،‬إل خمسها‪ ،‬إل سدسها‪ ،‬إل سبعها‪ ،‬إل ثمنها‪ ،‬إل تسعها‪ ،‬إل عشرها(‪.‬‬
‫وقد تنازع العلماء فيمن غلب عليه الوسواس في صلته هل عليه العادة علي قولين‪.‬‬
‫لكن الئمة كأحمد وغيره علي أنه ل إعادة عليه‪ ،‬واحتجوا بما في ‪ /‬الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم أنه قال‪) :‬إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتي ل يسمع التأذين‪ ،‬فإذا قضي التأذين أقبل‪ ،‬فإذا ُثّوب‬
‫ب أقبل حتي يخطر بين المرء ونفسه‪ ،‬فيقول‪ :‬اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتي‬
‫بالصلة أدبر‪ ،‬فإذا قضي الّتْثِوي ُ‬
‫يضل الرجل لن يدري كم صلي‪ ،‬فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم(‪) .‬فقد عم بهذا الكلم ولم يأمر‬
‫أحًدا بالعادة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬عليه العادة‪ ،‬وهو قول طائفة من العلماء‪:‬من الفقهاء والصوفية من أصحاب أحمد وغيره؛ كأبي عبد ال بن‬
‫حامد وغيره لما تقدم من قوله‪ ):‬ولم يكتب له منها إل عشرها(‪.‬‬
‫والتحقيق‪ ،‬أنه ل أجر له إل بقدر الحضور‪ ،‬لكن ارتفعت عنه العقوبة التي يستحقها تارك الصلة‪ ،‬وهذا معني قولهم‪:‬‬
‫تبرأ ذمته بها‪ ،‬أي‪ :‬ل يعاقب علي الترك‪ ،‬لكن الثواب علي قـدر الحضور‪ ،‬كما قـال ابن عباس‪ :‬ليس لك مـن صلتك‬
‫إل ما عقلت منها‪ ،‬فلهذا شرعت السنن الرواتب جبًرا لما يحصل من النقص في الفرائض‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫ســورة طـه‬
‫حَمُه ال ‪:‬‬
‫لسلِم ـ َر ِ‬
‫ل شيخ ا ِ‬
‫َوَقا َ‬
‫َفصـل‬
‫)سورة طه( مضمونها تخفيف أمر القرآن وما أنزل ال ـ تعالى ـ من كتبه‪ ،‬فهي )سورة كتبه( ـ كما أن مريم )سورة‬
‫ت اْلُعَلى{ ]طه‪:‬‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ض َوال ّ‬
‫لْر َ‬
‫ق ا َْ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل ّمّم ْ‬
‫شَقى{ إلى قوله‪َ} :‬تنِزي ً‬
‫ن ِلَت ْ‬
‫ك اْلُقْرآ َ‬
‫عَلْي َ‬
‫عباده ورسله( ـ افتتحها بقوله‪َ} :‬ما َأنَزْلَنا َ‬
‫ل له‪ ،‬ومناجاته إياه‪ ،‬وتكليمه له‪ ،‬وقصته من أبلغ أمر الرسل؛ فلهذا ثنيت في‬
‫‪ .[ 4 - 2‬ثم ذكر قصة موسي‪ ،‬ونداء ا ّ‬
‫القرآن؛ لنه حصل له الخطاب والكتاب‪ ،‬وأرسل إلى فرعون الجاحد المرتاب‪ ،‬المكذب للربوبية والرسالة‪ ،‬وهذا‬
‫ب ِزْدِني ِعْلًما{ ]طه‪ ،[114 :‬ثم ذكر قصة آدم؛‬
‫أعظم الكافرين عنادًا‪ ،‬واستوفي القصة في هذه السورة إلى قوله‪ّ} :‬ر ّ‬
‫لنها أول النبوات‪.‬‬
‫وتضمنت السورة ذكر موسي وآدم لما بينهما من المناسبة مما يقتضي ‪ /‬ذكرهما‪ ،‬ولما بينهما من المناظرة‪ ،‬فإن‬
‫موسي نظير آدم في المر الذي صار لكل منهما‪ ،‬كما أن المسيح نظير آدم في الخلق‪ ،‬وقوله‪َ} :‬فِإّما َيْأِتَيّنُكم ّمّني ُهًدى‬
‫ي{ اليات ]طه‪123:‬ـ ‪ ،[ 127‬وهذا يشابه ما في القرآن في غير موضع من ذكر نبوة آدم ثم نبوة موسي‬
‫ن اّتَبَع ُهَدا َ‬
‫َفَم ِ‬

‫بعده‪ ،‬وأمر بني إسرائيل ثم أمر نبيه بالصلة التي في القرآن‪ ،‬كما جمع بين المرين بالقراءة والسجود في أول سورة‬
‫أنزلت‪ ،‬وختمها بالرسول المبلغ لكل ما أمر به‪ ،‬كما افتتحها بذكر التنزيل عليه ‪.‬‬
‫‪/‬وقال‪:‬‬
‫َفصــل‬
‫في طريقتي العلم والعمل‬
‫ص‬
‫ك َنُق ّ‬
‫شى{ ]طه‪ ،[ 44 :‬وقال في السورة بعينها‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫خَ‬
‫ل ّلّيًنا ّلَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َي ْ‬
‫ل َلُه َقْو ً‬
‫ل تعالى لموسي وهارون‪َ} :‬فُقو َ‬
‫قال ا ّ‬
‫ن َأْو‬
‫عيِد َلَعّلُهْم َيّتُقو َ‬
‫ن اْلَو ِ‬
‫صّرْفَنا ِفيِه ِم َ‬
‫عَرِبّيا َو َ‬
‫ك َأنَزْلَناهُ ُقْرآًنا َ‬
‫ك ِمن ّلُدّنا ِذْكًرا{ إلى قوله‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫ق َوَقْد آَتْيَنا َ‬
‫سَب َ‬
‫ن َأنَباء َما َقْد َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫عَلْي َ‬
‫َ‬
‫ث َلُهْم ِذْكًرا{ ]طه‪ 99 :‬ـ ‪.[113‬‬
‫حِد ُ‬
‫ُي ْ‬

‫فذكر في كل واحدة من الرسالتين العظيمتين ـ رسالة موسي ورسالة محمد ـ أن ذلك لجل التذكر أو الخشية‪ ،‬ولم يقل‪:‬‬
‫سِبي ِ‬
‫ل‬
‫ع ِإِلى َ‬
‫ليتذكر ويخشي‪ ،‬ول قال‪ :‬ليتقون ويحدث لهم ذكرًا‪ ،‬بل جعل المطلوب أحد المرين‪ ،‬وهذا مطابق لقوله‪} :‬اْد ُ‬
‫ظِة اْلَحَسَنِة{ ]النحل‪ ،[125 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫عَ‬
‫حْكَمِة َواْلَمْو ِ‬
‫ك ِباْل ِ‬
‫َرّب َ‬
‫ل لم يعصه‪ ،‬وذلك يرجع إلى تحقيق‬
‫ل عنه‪ :‬نعم العبد صهيب‪ ،‬لو لم يخف ا ّ‬
‫‪ /‬وقد قال عمر بن الخطاب ـ رضي ا ّ‬
‫صْوا‬
‫ق َوَتَوا َ‬
‫حّ‬
‫صْوا ِباْل َ‬
‫ن{ ]الفاتحة‪ ،[7 :‬وقوله‪َ} :‬وَتَوا َ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَليِهْم َو َ‬
‫ب َ‬
‫ضو ِ‬
‫غيِر الَمغ ُ‬
‫عَليِهْم َ‬
‫ت َ‬
‫ن َأنَعم َ‬
‫ط اّلِذي َ‬
‫صَرا َ‬
‫قوله‪ِ } :‬‬
‫ك ُهُم‬
‫عَلى ُهًدى ّمن ّرّبِهْم َوُأْوَلـِئ َ‬
‫ك َ‬
‫صاِر{ ]ص‪ ،[45:‬وقوله ‪ُ}:‬أْوَلـِئ َ‬
‫لْب َ‬
‫لْيِدي َوا َْ‬
‫صْبِر{ ]العصر‪ ،[3 :‬وقوله‪ُ} :‬أْوِلي ا َْ‬
‫ِبال ّ‬
‫شَقى‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َو َ‬
‫ضّ‬
‫ي َفلَ َي ِ‬
‫ن اّتَبَع ُهَدا َ‬
‫سُعٍر{ ]القمر‪ ،[47 :‬وقوله‪َ} :‬فَم ِ‬
‫ل َو ُ‬
‫لٍ‬
‫ضَ‬
‫ن ِفي َ‬
‫جِرِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[5 :‬وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫حو َ‬
‫اْلُمْفِل ُ‬
‫ضنًكا َوَنْحُشُرُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َأْعَمى{ الية ]طه‪ ،[124 ،123:‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫شًة َ‬
‫ن َلُه َمِعي َ‬
‫عن ِذْكِري َفِإ ّ‬
‫ض َ‬
‫عَر َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫َوَم ْ‬
‫وسبب ذلك أن الخير إما بمعرفة الحق واتباعه في العلم والعمل جميعًا صلح القول والعمل‪ :‬العلم والرادة‪ .‬والعلم‬
‫أصل العمل وأصل الرادة والمحبة وغير ذلك‪ ،‬وهو مستلزم له ما لم يحصل معارض مانع‪ .‬فالعلم بالحق يوجب‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ن آَياِت َ‬
‫عْ‬
‫ف َ‬
‫صِر ُ‬
‫سَأ ْ‬
‫ل فيهم‪َ } :‬‬
‫اتباعه إل لمعارض راجح‪ :‬مثل اتباع الهوي بالستكبار ونحوه‪ ،‬كحال الذين قال ا ّ‬
‫خُذوهُ‬
‫ي َيّت ِ‬
‫ل اْلَغ ّ‬
‫سِبي َ‬
‫ل َوِإن َيَرْوْا َ‬
‫سِبي ً‬
‫خُذوهُ َ‬
‫ل َيّت ِ‬
‫شِد َ‬
‫ل الّر ْ‬
‫سِبي َ‬
‫ل ُيْؤِمُنوْا ِبَها َوِإن َيَرْوْا َ‬
‫ل آَيٍة ّ‬
‫ق َوِإن َيَرْوْا ُك ّ‬
‫حّ‬
‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َ‬
‫َيَتَكّبُرو َ‬
‫ن‬
‫ك َوَلِك ّ‬
‫ل ُيَكّذُبوَن َ‬
‫ظْلًما َوعُُلّوا{ ]النمل‪ ،[14 :‬وقال‪َ} :‬فِإّنُهْم َ‬
‫سُهْم ُ‬
‫سَتْيَقَنْتَها َأنُف ُ‬
‫حُدوا ِبَها َوا ْ‬
‫جَ‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[146 :‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫سِبي ً‬
‫َ‬
‫ل َتّتِبِع‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫س ِباْل َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫حُكم َبْي َ‬
‫ض َفا ْ‬
‫لْر ِ‬
‫خِليَفًة ِفي ا َْ‬
‫ك َ‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫ن{ ]النعام‪[33 :‬؛ ولهذا قال‪َ} :‬يا َداُووُد ِإّنا َ‬
‫حُدو َ‬
‫جَ‬
‫ل َي ْ‬
‫تا ّ‬
‫ظاِلِمينَ ِبآَيا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ل{ ]ص‪ ،[26:‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ك َ‬
‫ضّل َ‬
‫اْلَهَوى فَُي ِ‬

‫فإن أصل الفطرة التي فطر الناس عليها إذا سلمت من الفساد إذا رأت الحق اتبعته وأحبته‪ .‬إذ الحق نوعان‪:‬‬
‫حق موجود‪ :‬فالواجب معرفته والصدق في الخبار عنه‪ ،‬وضد ذلك الجهل والكذب‪.‬‬
‫وحق مقصود‪ :‬وهو النافع للنسان‪ ،‬فالواجب إرادته والعمل به‪ ،‬وضد ذلك إرادة الباطل واتباعه‪.‬‬
‫ل خلق في النفوس محبة العلم دون الجهل‪ ،‬ومحبة الصدق دون الكذب‪ ،‬ومحبة النافع دون الضار‪،‬‬
‫ومن المعلوم أن ا ّ‬
‫ل فيه محبة الطعام‬
‫وحيث دخل ضد ذلك فلمعارض من هوي وكبر وحسد ونحو ذلك‪ ،‬كما أنه في صالح الجسد خلق ا ّ‬
‫والشراب الملئم له دون الضار‪ ،‬فإذا اشتهي ما يضره أو كره ما ينفعه فلمرض في الجسد‪ ،‬وكذلك ـ أيضًا ـ إذا اندفع‬
‫عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير ذلك‪ ،‬أحب القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬كما‬
‫أن ‪ /‬الجسد إذا اندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب‪ ،‬فكل واحد من وجود المقتضي وعدم الدافع‬
‫سبب للخر‪ ،‬وذلك سبب لصلح حال النسان‪ ،‬وضدهما سبب لضد ذلك‪ ،‬فإذا ضعف العلم غلب ]في المطبوعة‪:‬غلبه‬
‫والتصويب من التفسير الكبير لبن تيمية‪ ،‬تحقيق الدكتور محمد الجليند ‪ [4/344‬الهوي النسان‪ ،‬وإن وجد العلم‬
‫والهوي وهما المقتضي والدافع فالحكم للغالب‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك فصلح بني آدم‪ ،‬اليمان والعمل الصالح‪،‬ول يخرجهم عن ذلك إل شيئان‪:‬‬

‫ل‪.‬‬
‫أحدهما‪ :‬الجهل المضاد للعلم‪ ،‬فيكونون ضل ً‬
‫ضّ‬
‫ل‬
‫جِم ِإَذا َهَوى َما َ‬
‫والثاني ‪ :‬اتباع الهوي والشهوة اللذين في النفس‪ ،‬فيكونون غواة مغضوبا عليهم؛ ولهذا قال ‪َ} :‬والّن ْ‬
‫صاِحُبُكْم َوَما َغَوى{ ]النجم‪ ،[ 2 ،1 :‬وقال‪) :‬عليكم بسنتي‪ ،‬وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي‪ ،‬تمسكوا بها‪،‬‬
‫َ‬

‫وعضوا عليها بالنواجذ(‪ .‬فوصفهم بالرشد الذي هو خلف الغي‪ ،‬وبالهدي الذي هو خلف الضلل‪ ،‬وبهما يصلح‬
‫العلم والعمل جميعًا‪ ،‬ويصير النسان عالمًا عادل‪ ،‬ل جاهل ول ظالمًا‪.‬‬
‫‪ /‬وهم في الصلح على ضربين‪:‬‬
‫عي بالحكمة وهو الذي يتذكر‪ ،‬وهو الذي‬
‫تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له اتبعه وعمل به‪ ،‬فهذا هو الذي يْد َ‬
‫يحدث له القرآن ذكرًا‪.‬‬
‫عي‬
‫والثاني‪:‬أن يكون له من الهوي والمعارض ما يحتاج معه إلى الخوف الذي ينهي النفس عن الهوي؛ فهذا يْد َ‬
‫ن{‪.‬وقد قال في‬
‫شى{‪ ،‬وفي قوله‪َ} :‬لَعّلُهْم َيّتُقو َ‬
‫خَ‬
‫بالموعظة الحسنة وهذا هو القسم الثاني المذكور في قوله ‪َ} :‬أْو َي ْ‬
‫ك َفَتْخَشى{]النازعات‪17:‬ـ‬
‫ك ِإَلى َرّب َ‬
‫ك ِإَلى َأن َتَزّكى َوَأْهِدَي َ‬
‫ل َهل ّل َ‬
‫طَغى َفُق ْ‬
‫ن ِإّنُه َ‬
‫عْو َ‬
‫ب ِإَلى ِفْر َ‬
‫السورة في قصة فرعون‪} :‬اْذَه ْ‬
‫ل ِمْن ِعَباِدِه اْلُعَلَماء{]فاطر‪:‬‬
‫شى ا َّ‬
‫خَ‬
‫‪ ،[ 19‬فجمع بين التزكي والهدي والخشية‪،‬كما جمع بين العلم والخشية في قوله‪ِ}:‬إّنَما َي ْ‬
‫‪،[28‬‬
‫ن ِبِه‬
‫ظو َ‬
‫عُ‬
‫ن{ ]العراف‪،[154 :‬وفي قوله‪َ}:‬وَلْو َأّنُهْم َفَعُلوْا َما ُيو َ‬
‫ن ُهْم ِلَرّبِهْم َيْرَهُبو َ‬
‫حَمٌة ّلّلِذي َ‬
‫خِتَها ُهًدى َوَر ْ‬
‫سَ‬
‫وفي قوله‪َ}:‬وِفي ُن ْ‬
‫طا ّمْسَتِقيًما{ ]النساء‪ 66 :‬ـ ‪.[68‬‬
‫صَرا ً‬
‫ظيًما َوَلَهَدْيَناُهْم ِ‬
‫عِ‬
‫جرًا َ‬
‫لَتْيَناُهم ّمن ّلُدّنـا َأ ْ‬
‫شّد َتْثِبيًتا َوِإذًا ّ‬
‫خْيًرا ّلُهْم َوَأ َ‬
‫ن َ‬
‫َلَكا َ‬

‫وذلك لما ذكرناه من أن كل واحد من العلم بالحق الذي يتضمنه التذكر‪ ،‬والذكر الذي يحدثه القرآن‪ ،‬ومن الخشية‬
‫المانعة من اتباع الهوي سبب لصلح حال النسان‪ ،‬وهو مستلزم للخر إذا قوي على ‪ /‬ضده‪ ،‬فإذا قوي العلم والتذكر‬
‫دفع الهوي‪ ،‬وإذا اندفع الهوي بالخشية أبصر القلب وعلم‪ .‬وهاتان هما الطريقة العلمية والعملية‪ ،‬كل منهما إذا صحت‬
‫تستلزم ما تحتاج إليه من الخري‪ ،‬وصلح العبد ما يحتاج إليه ويجب عليه منهما جميعًا؛ ولهذا كان فساده بانتفاء كل‬
‫منهما‪ .‬فإذا انتفي العلم الحق كان ضال غير مهتد‪ ،‬وإذا انتفي اتباعه كان غاويا مغضوبا عليه‪.‬‬
‫ضلّ‬
‫جِم ِإَذا َهَوى َما َ‬
‫ن{ ]الفاتحة‪ ،[7:‬وقال‪َ} :‬والّن ْ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَليِهْم َو َ‬
‫ب َ‬
‫ضو ِ‬
‫غيِر الَمغ ُ‬
‫عَليِهْم َ‬
‫ت َ‬
‫ن َأنَعم َ‬
‫ط اّلِذي َ‬
‫صَرا َ‬
‫ولهذا قال‪ِ } :‬‬
‫ن َوَما‬
‫ظّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫حى{ ]النجم‪ 1 :‬ـ ‪ ،[ 4‬وقال في ضد ذلك‪}:‬ن َيّتِبُعو َ‬
‫ي ُيو َ‬
‫حٌ‬
‫ل َو ْ‬
‫ن ُهَو ِإ ّ‬
‫ن اْلَهَوى ِإ ْ‬
‫عِ‬
‫ق َ‬
‫طُ‬
‫غَوى َوَما َين ِ‬
‫حُبكُْم َوَما َ‬
‫صا ِ‬
‫َ‬
‫ن َكِثيرًا‬
‫ل{ ]القصص‪ ،[50:‬وقال‪َ} :‬وِإ ّ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن اّتَبَع َهَواُه ِبَغْيِر ُهًدى ّم َ‬
‫ل ِمّم ِ‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫س{ ]النجم‪ ،[23 :‬وقال‪َ} :‬وَم ْ‬
‫لنُف ُ‬
‫َتْهَوى ا َْ‬
‫ن‬
‫شَقى{ ]طه‪،[ 123 :‬وقال في ضده‪َ} :‬وَم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َو َ‬
‫ضّ‬
‫ل َي ِ‬
‫ي َف َ‬
‫ن اّتَبَع ُهَدا َ‬
‫عْلٍم{]النعام‪ ،[119:‬وقال‪َ} :‬فَم ِ‬
‫ضّلونَ ِبَأْهَواِئِهم ِبَغْيِر ِ‬
‫ّلُي ِ‬
‫ك ُهُم‬
‫عَلى ُهًدى ّمن ّرّبِهْم َوُأْوَلـِئ َ‬
‫ك َ‬
‫عَمى{ ]طه‪ ،[124:‬وقال‪ُ} :‬أْوَلـِئ َ‬
‫شُرُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َأ ْ‬
‫حُ‬
‫ضنًكا َوَن ْ‬
‫شًة َ‬
‫ن َلُه َمِعي َ‬
‫عن ِذْكِري َفِإ ّ‬
‫ض َ‬
‫عَر َ‬
‫َأ ْ‬
‫ل لمن قرأ‬
‫لٍل َوُسُعٍر{ ]القمر‪ ،[ 47 :‬قال ابن عباس‪ :‬تكفل ا ّ‬
‫ضَ‬
‫ن ِفي َ‬
‫جِرِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[ 5 :‬وقال في ضده‪ِ} :‬إ ّ‬
‫حو َ‬
‫اْلُمْفِل ُ‬

‫القرآن واتبع ما فيه‪ ،‬أل يضل في الدنيا‪ ،‬ول يشقي في الخرة‪.‬‬
‫فهو ـ سبحانه ـ يجمع بين الهدي والسعادة‪ ،‬وبين الضلل والشقاوة‪ / ،‬وبين حسنة الدنيا والخرة‪ ،‬وسيئة الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬ويقرن بين العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬بين العلم الطيب والعمل الصالح‪ ،‬كما يقرن بين ضديهما وهو‬
‫)الضلل(‪ ،‬و)الغي(‪ :‬اتباع الظن وما تهوي النفس‪ .‬والقرينان متلزمان عند الصحة والسلمة من المعارض‪ ،‬وقد‬
‫يتخلف أحدهما عن الخر عند المعارض الراجح‪.‬‬
‫فلهذا إذا كان في مقام الذم والنهي‪ ،‬والستعاذة‪ ،‬كان الذم والنهي لكل منهما‪ :‬من الضلل‪ ،‬والغي‪ ،‬من الجهل والظلم‪،‬‬
‫من الضلل والغضب؛ ولن كل منهما صار مكروها مطلوب العدم‪ ،‬ل سيما وهو مستلزم للخر‪ ،‬وأما في مقام‬
‫ل فقد يطلب أحدهما‪ ،‬وقد يطلب كل منهما‪ ،‬وقد يحمد أحدهما‪ ،‬وقد يحمد كل منهما؛ لن كل‬
‫الحمد والطلب ومنة ا ّ‬
‫منهما خير مطلوب محمود‪ ،‬وهو سبب لحصول الخر‪ ،‬لكن كمال الصلح يكون بوجودهما جميعًا‪ ،‬وهذا قد يحصل‬
‫له إذا حصل أحدهما ولم يعارضه معارض‪ ،‬والداعي للخلق المر لهم يسلك بذلك طريق الرفق واللين‪ ،‬فيطلب‬
‫أحدهما؛ لنه مطلوب في نفسه‪ ،‬وهو سبب للخر‪ ،‬فإن ذلك أرفق من أن يأمر العبد بهما جميعا‪ ،‬فقد يثقل ذلك عليه‪،‬‬
‫والمر بناء والنهي هدم‪ ،‬والمر هو يحصل العافية بتناول الدوية‪ ،‬والنهي من باب الحمية‪ ،‬والبناء والعافية تأتي شيئًا‬

‫بعد شيء‪ ،‬وأما الهدم فهو أعجل‪ ،‬والحمية أعم‪ ،‬وإن كان قد يحصل فيهما ‪ /‬ترتيب ـ أيضًا ـ فكيف إذا كان كل واحد‬
‫من المرين سببًا وطريقًا إلى حصول المقصود مع حصول الخر‪.‬‬
‫ث َلُهْم ِذْكًرا{ ]طه‪ ،[113:‬طلب وجود أحد‬
‫حِد ُ‬
‫ن َأْو ُي ْ‬
‫شى{ ]طه‪ ،[44 :‬وقوله‪َ} :‬لَعّلُهْم َيّتُقو َ‬
‫خَ‬
‫فقوله سبحانه‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َي ْ‬
‫المرين بتبليغ الرسالة‪،‬وجاء بصيغة‪ ) :‬لعل( تسهيل للمر ورفقًا وبيانًا؛ لن حصول أحدهما طريق إلى حصول‬
‫المقصود‪ ،‬فل يطلبان جميعًا في البتـداء؛ ولهذا جاء في الثر‪ :‬إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها‪ ،‬وإن من عقوبة‬
‫السيئة السيئة بعدها ‪ .‬ل سيما أصول الحسنات التي تستلزم سائرها‪ ،‬مثل الصدق فإنه أصل الخير‪ ،‬كما في الصحيحين‬
‫عن ابن مسعود عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر‪ ،‬وإن البر يهدي‬
‫ل صديقًا‪ ،‬وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى‬
‫إلى الجنة‪،‬ول يزال الرجل يصدق ويتحري الصدق حتى يكتب عند ا ّ‬
‫ل كذابًا(‪.‬‬
‫الفجور‪ ،‬وإن الفجور يهدي إلى النار‪ ،‬ول يزال الرجل يكذب ويتحري الكذب حتى يكتب عند ا ّ‬
‫ل ّلُك ّ‬
‫ل‬
‫ك َأِثيٍم{ ]الشعراء‪ ،[222 ،221:‬وقال‪َ} :‬وْي ٌ‬
‫ل َأّفا ٍ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫ن َتَنّز ُ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَلى َمن َتَنّز ُ‬
‫ل ُأَنّبُئُكْم َ‬
‫ولهذا قال سبحانه‪َ} :‬ه ْ‬
‫صّر ُمْسَتْكِبًرا َكَأن ّلْم َيْسَمْعَها{ ]الجاثية‪[ 8 ،7 :‬؛ ولهذا يذكر أن ‪ /‬بعض المشائخ أراد‬
‫عَلْيِه ُثّم ُي ِ‬
‫ل ُتْتَلى َ‬
‫ت ا ِّ‬
‫سَمُع آَيا ِ‬
‫ك َأِثيٍم َي ْ‬
‫َأّفا ٍ‬

‫أن يؤدب بعض أصحابه الذين لهم ذنوب كثيرة فقال‪ :‬يابني‪ ،‬أنا آمرك بخصلة واحدة فاحفظها لي‪ ،‬ول آمرك الساعة‬
‫بغيرها‪ :‬التزم الصدق وإياك والكذب‪ ،‬وتوعده على الكذب بوعيد شديد‪ ،‬فلما التزم ذلك الصدق دعاه إلى بقية الخير‬
‫ونهاه عما كان عليه‪ ،‬فإن الفاجر ل حد له في الكذب‪.‬‬
‫ل تعالى‪:‬‬
‫ل شيخ السلم تقي الدين َأحمد بن تيمية ـ َرحمُه ا ّ‬
‫‪َ /‬قا َ‬
‫َفصـل‬
‫ل على كثير من الناس‪ ،‬فإن الذي في مصاحف‬
‫شِك َ‬
‫في قوله تعالي‪ِ} :‬إْن َهَذاِن َلَساِحَراِن{ ]طه‪ ،[ 63:‬فإن هذا مما ُأ ْ‬
‫ن{ مشددة‪ ،‬وقرأ ابن كثير وحفص عن‬
‫ن{ باللف‪ ،‬وبهذا قرأ جماهير القراء‪ ،‬وأكثرهم يقرأ‪} :‬إ ّ‬
‫ن َهَذا ِ‬
‫المسلمين }ِإ ْ‬
‫ن{ مخففة‪ ،‬لكن ابن كثير يشدد نون }هذان{ دون حفص‪ ،‬والشكال من جهة العربية على القراءة‬
‫عاصم‪} :‬إ ْ‬
‫المشهورة‪ ،‬وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي‪ ،‬وأبي بكر عن عاصم‪ ،‬وجمهور القراء عليها‪ ،‬وهي أصح‬
‫القراءات لفظًا ومعني‪.‬‬
‫وهذا يتبين بالكلم على ما قيل فيها‪.‬‬
‫فإن منشأ الشكال ‪ :‬أن السم المثني يعرب في حال النصب والخفض بالياء‪ ،‬وفي حال الرفع باللف‪ ،‬وهذا متواتر‬
‫ك{‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫س ِمّما َتَر َ‬
‫سُد ُ‬
‫حٍد ّمْنُهَما ال ّ‬
‫ل َوا ِ‬
‫لَبَوْيِه ِلُك ّ‬
‫من لغة العرب ‪ /:‬لغة القرآن وغيرها في السماء المبنية‪ ،‬كقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ش{ ]يوسف‪ ،[100:‬وقال‪:‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ث{ ]النساء‪ ،[11 :‬وقال‪َ}:‬وَرَفَع َأَبَوْيِه َ‬
‫لّمِه الّثُل ُ‬
‫}َفِإن ّلْم َيُكن ّلُه َوَلٌد َوَوِرَثُه َأَبَواُه َف ُ‬
‫جاءَها‬
‫ب اْلَقْرَيِة ِإْذ َ‬
‫حا َ‬
‫صَ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ب َلُهم ّمَث ً‬
‫ضِر ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪ [ 6 :‬ولم يقل‪ :‬الكعبان‪ ،‬وقال‪َ} :‬وا ْ‬
‫جَلُكْم ِإَلى اْلَكْعَبي ِ‬
‫سُكْم َوَأْر ُ‬
‫حوْا ِبُرُؤو ِ‬
‫سُ‬
‫}َواْم َ‬
‫حِملْ ِفيَها ِمن ُك ّ‬
‫ل‬
‫ث{ ]يس‪ ،[ 14 ،13 :‬ولم يقل‪ :‬اثنان‪ ،‬وقال‪ُ} :‬قْلَنا ا ْ‬
‫ن َفَكّذُبوُهَما َفَعّزْزَنا ِبَثاِل ٍ‬
‫سْلَنا ِإَلْيِهُم اْثَنْي ِ‬
‫ن ِإْذ َأْر َ‬
‫سُلو َ‬
‫اْلُمْر َ‬
‫عَلْيِه‬
‫ت َ‬
‫شَتَمَل ْ‬
‫ن َأّما ا ْ‬
‫لنَثَيْي ِ‬
‫حّرَم َأِم ا ُ‬
‫ن َ‬
‫ل آلّذَكَرْي ِ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ن اْلَمعِْز اْثَنْي ِ‬
‫ن َوِم َ‬
‫ن اْثَنْي ِ‬
‫ضْأ ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ج ّم َ‬
‫ن{ ]هود‪ ،[40 :‬وقال‪َ} :‬ثَماِنَيَة َأْزَوا ٍ‬
‫ن اْثَنْي ِ‬
‫جْي ِ‬
‫َزْو َ‬
‫يٍء َخَلْقَنا َزْوَجْيِن{ ]الذاريات‪:‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ن{ ]النعام‪ ،[ 143 :‬ولم يقل‪ :‬اثنان‪ ،‬ول الذكران ول أنثيان‪ ،‬وقال‪َ} :‬وِمن ُك ّ‬
‫لنَثَيْي ِ‬
‫حاُم ا ُ‬
‫َأْر َ‬
‫ق اْثَنَتْيِن{ ]النساء‪ ،[ 11 :‬ولم يقل‪ :‬اثنتان‪.‬‬
‫ساء َفْو َ‬
‫ن ِن َ‬
‫‪ ،[ 49‬ولم يقل‪ :‬زوجان‪ ،‬وقال‪َ} :‬فِإن ُك ّ‬
‫ومثل هذا كثير مشهور في القرآن وغيره‪.‬‬
‫فظن النحاة أن السماء المبهمة المبنية مثل هذين واللذين تجري هذا المجري‪ ،‬وأن المبني في حال الرفع يكون‬
‫باللف‪ ،‬ومن هنا نشأ الشكال‪.‬‬
‫ن(‪ .‬وقد ذكر أن له سلفًا في هذه‬
‫ساحِرَا ِ‬
‫ن هذين َل َ‬
‫وكان أبو عمرو إمامًا في العربية‪ ،‬فقرأ بما يعرف من العربية‪ِ) :‬إ ّ‬
‫ل أن‬
‫القراءة‪ ،‬وهو الظن ‪ /‬به‪ :‬أنه ل يقرأ إل بما يرويه‪ ،‬ل بمجرد ما يراه‪ ،‬وقد روي عنه أنه قال‪ :‬إني لستحيي من ا ّ‬
‫طأ أبا عمرو في هذه القراءة‪ ،‬ومنهم‬
‫خّ‬
‫ن{؛ وذلك لنه لم ير لها وجهًا من جهة العربية‪ ،‬ومن الناس من َ‬
‫ن َهَذا ِ‬
‫أقرأ‪ِ} :‬إ ْ‬
‫الزجاج‪ ،‬قال‪ :‬ل أجيز قراءة أبي عمرو‪ ،‬خلف المصحف‪.‬‬

‫وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم المصحف‪ ،‬فاحتج لها كثير من النحاة بأن هذه لغة بني الحارث بن كعب‪ ،‬وقد‬
‫حكي ذلك غير واحد من أئمة العربية‪ .‬قال المهدوي‪ :‬بنو الحارث بن كعب يقولون‪ :‬ضربت الزيدان‪ ،‬ومررت‬
‫بالزيدان‪ ،‬كما تقول‪ :‬جاءني الزيدان‪ .‬قال المهدوي‪ :‬حكي ذلك أبو زيد‪ ،‬والخفش‪ ،‬والكسائي‪ ،‬والفراء‪ ،‬وحكي أبو‬
‫الخطاب‪ :‬أنها لغة بني كنانة‪ ،‬وحكي غيره‪ :‬أنها لغة لخثعم‪ ،‬ومثله قول الشاعر‪:‬‬
‫تزود مـنا بين أذنـاه ضربـة ** دعته إلى هاوي التراب عقيم‬
‫وقـال ابن النباري ]هو أبو عبد ال محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الشيباني‪ ،‬كاتب النشاء بديوان‬
‫ل إلى ملوك الشام‬
‫عَلت مكانته عند الخلفاء والسلطين‪ ،‬وناب في الوزارة‪ ،‬وأنفذ رسو ً‬
‫الخلفة ببغداد خمسين سنة‪َ .‬‬
‫ل أديًبا‪ ،‬ولد سنة ‪ 964‬هـ‪ ،‬وتوفي سنة ‪ 855‬هـ[‪ :‬هي لغـة لبني الحارث بن كعب وقريش‪ ،‬قال‬
‫وخراسان وكان فاض ً‬
‫الزجاج‪ :‬وحكي أبو عبيدة عن أبي الخطاب ـ وهو رأس من رؤوس الرواة ـ أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الثنين في‬
‫الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد‪ ،‬وأنشدوا‪:‬‬
‫فأطـرق إطراق الشجاع ولو يجد ** مساغا لناباه الشجاع لصمما‬
‫‪ /‬وقال‪ :‬ويقول هؤلء‪ :‬ضربته بين أذناه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬بنو الحارث بن كعب هم أهل نجران‪ ،‬ول ريب أن القرآن لم ينزل بهذه اللغة‪ ،‬بل المثني من السماء المبنية في‬
‫جميع القرآن هو بالياء في النصب والجر كما تقدمت شواهده‪ .‬وقد ثبت في الصحيح عن عثمان أنه قال‪ :‬إن القرآن‬
‫نزل بلغة قريش‪ ،‬وقال للرهط القرشيين الذين كتبوا المصحف هم وزيد‪ :‬إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش؛ فإن‬
‫القرآن نزل بلغتهم‪ ،‬ولم يختلفوا إل في حرف‪ ،‬وهو )التابوت( فرفعوه إلى عثمان‪ ،‬فأمر أن يكتب بلغة قريش‪ .‬رواه‬
‫البخاري في صحيحه‪.‬‬
‫وعن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان‪،‬وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق‪،‬‬
‫فأفزع حذيفة اختلفهم في القراءة‪ ،‬فقال حذيفة لعثمان‪ :‬يا أمير المؤمنين َأْدِرك هذه المة قبل أن يختلفوا في الكتاب‬
‫اختلف اليهود والنصاري‪ ،‬فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف‪ ،‬ثم نردها إليك‪،‬‬
‫ل بن الزبير‪ ،‬وسـعيد بن العاص‪ ،‬وعبد الرحمن بن‬
‫فأرسلت بها حفصـة إلى عثمان‪ ،‬فـأمـر زيـد بن ثابت‪ ،‬وعبـد ا ّ‬
‫الحارث بن هشام‪ ،‬فنسخوها في المصاحف‪ ،‬وقال عثمان للرهط القرشيين الثلثة‪ :‬إذا اختلفتم وزيد بن ثابت في شيء‬
‫من القرآن فاكتبوه بلسان قريش‪ / ،‬فإنما نزل بلسانهم ففعلوا‪ ،‬حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان‬
‫الصحف إلى حفصة‪ ،‬فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا‪ ،‬وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف‬
‫حّرق‪.‬‬
‫أن ي َ‬
‫وهذه الصحيفة التي أخذها من عند حفصة هي التي أمر أبو بكر وعمر بجمع القرآن فيها لزيد بن ثابت‪ ،‬وحديثه‬
‫معروف في الصحيحين وغيرهما‪ ،‬وكانت بخطه؛ فلهذا أمر عثمان أن يكون هو أحد من ينسخ المصاحف من تلك‬
‫الصحف‪ ،‬ولكن جعل معه ثلثة من قريش ليكتب بلسانهم‪ ،‬فلم يختلف لسان قريش والنصار إل في لفظ ‪) :‬التابوه(‪،‬‬
‫و)التابوت(‪ ،‬فكتوبه‪) :‬التابوت( بلغة قريش‪.‬‬
‫وهذا يبين أن المصاحف التي نسخت كانت مصاحف متعددة‪ ،‬وهذا معروف مشهور‪ ،‬وهذا مما يبين غلط من قال في‬
‫بعض اللفاظ‪ :‬إنه غلط من الكاتب‪ ،‬أو نقل ذلك عن عثمان‪ ،‬فإن هذا ممتنع لوجوه‪:‬‬
‫منها‪ :‬تعدد المصاحف‪ ،‬واجتماع جماعة على كل مصحف‪ ،‬ثم وصول كل مصحف إلى بلد كبير فيه كثير من‬
‫الصحابة والتابعين يقرؤون القرآن ويعتبرون ذلك بحفظهم‪ ،‬والنسان إذا نسخ مصحفًا غلط في بعضه عرف غلطه‬
‫بمخالفة حفظه القرآن وسائر المصاحف‪ ،‬فلو ُقّدَر أنه ‪ /‬كتب كاتب مصحفًا ثم نسخ سائر الناس منه من غير اعتبار‬
‫للول والثاني‪ ،‬أمكن وقوع الغلط في هذا‪ ،‬وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل‬
‫التواتر بأقل منهم‪ ،‬ولو ُقّدر أن الصحيفة كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة ل يكتبون إل بلسان قريش‪ ،‬ولم يكن‬
‫ن{‪ ،‬وهم يعلمون أن ذلك لحن‬
‫ن َهَذا ِ‬
‫لحنًا‪ ،‬فامتنعوا أن يكتبوه إل بلسان قريش‪ ،‬فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا‪ِ} :‬إ ْ‬
‫لَة{‪ ،‬وهم يعلمون أن ذلك لحن‪ ،‬كما زعم بعضهم‪.‬‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل يجوز في شيء من لغاتهم‪ ،‬أو‪َ} :‬واْلُمِقيِمي َ‬

‫لَة{‪ :‬قول من قال‪ :‬إنه خطأ ـ بعيد جدًا‪ ،‬لن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫قال الزجاج في قوله‪َ} :‬واْلُمِقيِمي َ‬
‫والقدوة‪ ،‬فكيف يتركون شيئًا يصلحه غيرهم‪ ،‬فل ينبغي أن ينسب هذا إليهم‪ ،‬وقال ابن النباري‪ :‬حديث عثمان ل‬
‫يصح؛ لنه غير متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا ليصلحه من بعده‪.‬‬
‫قلت‪:‬ومما يبين كذب ذلك‪ :‬أن عثمان لو قدر ذلك فيه‪ ،‬فإنما رأي ذلك في نسخة واحدة‪ ،‬فإما أن تكون جميع المصاحف‬
‫عا من الذين كتبوا‪ ،‬ومن عثمان‪ ،‬ثم من‬
‫اتفقت على الغلط‪ ،‬وعثمان قد رآه في جميعها وسكت؛ فهذا ممتنع عادة وشر ً‬
‫المسلمين الذين وصلت إليهم المصاحف ورأوا ما فيها‪ ،‬وهم يحفظون القرآن‪ ،‬ويعلمون أن فيه لحنًا ‪ /‬ل يجوز في‬
‫ل عن التلوة‪،‬وكلهم يقر هذا المنكر ل يغيره أحد‪ ،‬فهذا مما يعلم بطلنه عادة‪ ،‬ويعلم من دين القوم الذين ل‬
‫اللغة‪ ،‬فض ً‬
‫ل منكرًا ل يغيره أحد‬
‫يجتمعون على ضللة‪ ،‬بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يَدعوا في كتاب ا ّ‬
‫منهم‪ ،‬مع أنهم ل غرض لحد منهم في ذلك‪ ،‬ولو قيل لعثمان‪ :‬مر الكاتب أن يغيره؛ لكان تغييره من أسهل الشياء‬
‫عليه‪.‬‬
‫فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن في المصحف لحنًا أو غلطًا‪ ،‬وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس‬
‫قوله حجة‪ ،‬فالخطأ جائز عليه فيما قاله‪ ،‬بخلف الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرؤوه فإن الغلط ممتنع عليهم‬
‫في ذلك‪ ،‬وكما قال عثمان‪ :‬إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش‪ ،‬وكذلك قال عمر لبن مسعود‪ :‬أقرئ الناس بلغة‬
‫قريش‪ ،‬ول تقرئهم بلغة هذيل؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل‪.‬‬
‫وقوله تعالى في القرآن ‪َ} :‬وَما َأْرَسْلَنا ِمن ّرُسوٍل ِإّل ِبِلَساِن َقْوِمِه{ ]إبراهيم‪ ،[ 4 :‬يدل على ذلك‪ ،‬فإن قومه هم قريش‪ ،‬كما‬
‫ق{ ]النعام‪ ،[ 66:‬وأما كنانة‪ :‬فهم جيران قريش‪ ،‬والناقل عنهم ثقة‪ ،‬ولكن الذي ينقل ينقل‬
‫حّ‬
‫ك َوُهَو اْل َ‬
‫ب ِبِه َقْوُم َ‬
‫قال‪َ} :‬وَكّذ َ‬
‫ما سمع‪ ،‬وقد يكون سمع ذلك في السماء المبهمة المبنية‪ ،‬فظن أنهم يقولون ذلك في سائر السماء؛ بخلف من سمع‬
‫)بين أذناه(‪ ،‬و)لناباه( فإن هذا صريح في السماء التي ليست مبهمة‪.‬‬
‫‪ /‬وحينئذ‪ ،‬فالذي يجب أن يقال‪ :‬إنه لم يثبت أنه لغة قريش‪ ،‬بل ول لغة سائر العرب‪ :‬أنهم ينطقون في السماء المبهمة‬
‫إذا ثنيت بالياء‪ ،‬وإنما قال ذلك من قاله من النحاة قياسًا‪ ،‬جعلوا باب التثنية في السماء المبهمة كما هو في سائر‬
‫السماء‪ ،‬وإل فليس في القرآن شاهد يدل على ما قالوه‪ ،‬وليس في القرآن اسم مبهم مبني في موضع نصب أو خفض‬
‫ن{‪ ،‬فهذا نقل ثابت متواتر لفظًا ورسمًا‪.‬‬
‫إل هذا‪ ،‬ولفظه‪َ} :‬هَذا ِ‬
‫ط في غير هذا الموضع‪ ،‬فإن المصحف منقول بالتواتر‪،‬‬
‫سَ‬
‫ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا‪ ،‬كما قد ُب ِ‬
‫وقد كتبت عدة مصاحف‪ ،‬وكلها مكتوبة باللف‪ ،‬فكيف يتصور في هذا غلط‪.‬‬
‫وأيضًا‪ ،‬فإن القراء إنما قرؤوا بما سمعوه من غيرهم‪ ،‬والمسلمون كانوا يقرؤون )سورة طه(‪ ،‬على عهد رسول الّ‬
‫صلى ال عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي‪ ،‬وهي من أول ما نزل من القرآن‪ ،‬قال ابن مسعود‪ :‬بنو إسرائيل‬
‫ن من ِتلدي‪ .‬رواه البخاري عنه‪ .‬وهي مكية باتفاق الناس‪ ،‬قال‬
‫والكهف ومريم وطه والنبياء من الِعَتاق الَُول‪ ،‬وُه ّ‬
‫أبو الفرج وغيره‪ :‬هي مكية بإجماعهم‪ ،‬بل هي من أول ما نزل‪ ،‬وقد روي‪ :‬أنها كانت مكتوبة عند أخت عمر‪ ،‬وأن‬
‫سبب إسلم عمر كان لما بلغه إسلم أخته‪ ،‬وكانت السورة ُتْقَرأ عندها‪.‬‬
‫‪ /‬فالصحابة لبد أن قد قرؤوا هذا الحرف‪ ،‬ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرؤوه بالياء كأبي عمرو‪ ،‬فإنه لو كان كذلك‬
‫لم يقرأها أحد إل بالياء‪ ،‬ولم تكتب إل بالياء‪ ،‬فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرؤونها باللف كما قرأها الجمهور‪ ،‬وكان‬
‫الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة يقرؤون هذه السورة في الصلة وخارج الصلة‪ ،‬ومنهم سمعها‬
‫التابعون‪ ،‬ومن التابعين سمعها تابعوهم‪ ،‬فيمتنع أن يكون الصحابة كلهم قرؤوها بالياء مع أن جمهور القراء لم‬
‫يقرؤوها إل باللف‪ ،‬وهم أخذوا قراءتهم عن الصحابة‪ ،‬أو عن التابعين عن الصحابة‪ ،‬فهذا مما يعلم به قطعًا أن عامة‬
‫الصحابة إنما قرؤوها باللف كما قرأ الجمهور‪ ،‬وكما هو مكتوب‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فقد علم أن الصحابة إنما قرؤوا كما عّلمهم الرسول‪ ،‬وكما هو لغة للعرب‪ ،‬ثم لغة قريش‪ ،‬فعلم أن هذه اللغة‬
‫الفصيحة المعروفة عندهم في السماء المبهمة تقول‪ :‬إن هذان‪ ،‬ومررت بهذان‪ :‬تقولها في الرفع والنصب والخفض‬
‫باللف‪ ،‬ومن قال‪ :‬إن لغتهم أنها تكون في الرفع باللف‪ ،‬طولب بالشاهد على ذلك والنقل عن لغتهم المسموعة منهم‬
‫عْمَدُتُه القياس‪.‬‬
‫نثرًا ونظما‪ ،‬وليس في القرآن ما يشهد له‪ ،‬ولكن ُ‬

‫وحينئذ‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫عا‪ :‬أما النقل والسماع فكما ذكرناه‪ ،‬وأما‬
‫ل وسما ً‬
‫‪ /‬قياس )هذا( بغيرها من السماء غلط‪،‬فإن الفرق بينهما ثابت عق ً‬
‫ق النحاِة‪ ،‬فحكي ابن النباري وغيره عن الفراء قال‪ :‬ألف التثنية في‬
‫حّذا ِ‬
‫ن للفرق غير واحد من ُ‬
‫طَ‬
‫العقل والقياس فقد َتَف ّ‬
‫)هذان( هي ألف هذا‪ ،‬والنون فرقت بين الواحد والثنين‪ ،‬كما فرقت بين الواحد والجمع نون الذين‪ ،‬وحكاه المهدوي‬
‫وغيره عن الفراء‪ ،‬ولفظه قال‪ :‬إنه ذكر أن اللف ليست علمة التثنية‪ ،‬بل هي ألف هذا‪ ،‬فزدت عليها نونًا‪ ،‬ولم‬
‫غيْرها‪ ،‬كما زدت على الياء من الذي‪ ،‬فقلت‪ :‬الذين في كل حال‪ ،‬قال‪ :‬وقال بعض الكوفيين‪ :‬اللف في هذا مشبهة‬
‫ُأ َ‬
‫يفعلن‪ ،‬فلم تغير كما لم تغير‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقال الجرجاني ]هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي المشهور‪ ،‬واضع أصول‬
‫البلغة‪ ،‬كان من كبار أئمة اللغة العربية‪ ،‬من أهل جرجان له شعر رقيق‪ ،‬من كتبه أسرار البلغة‪ ،‬ودلئل العجاز‪،‬‬
‫وكان شافعي المذهب‪ ،‬أشعري الصول‪ ،‬توفي سنة ‪471‬هـ[‪ :‬لما كان اسمًا على حرفين أحدهما حرف مد ولين‪ ،‬وهو‬
‫كالحركة‪ ،‬ووجب حذف إحدي اللفين في التثنية لم يحسن حذف الولي؛ لئل يبقي السم على حرف واحد‪ ،‬فحذف‬
‫علم التثنية‪ ،‬وكان النون يدل على التثنية‪ ،‬ولم يكن لتغيير النون الصلية اللف وجه‪ ،‬فثبت في كل حال كما يثبت في‬
‫الواحد‪ .‬قال المهدوي‪ :‬وسأل إسماعيل القاضي ابن كيسان عن هذه المسألة فقال‪ :‬لما لم يظهر في المبهم إعراب في‬
‫الواحد ول في الجمع‪ ،‬جرت التثنية على ذلك مجري الواحد‪ ،‬إذ التثنية يجب أل تغير‪ ،‬فقال إسماعيل‪ :‬ما أحسن ما‬
‫قلت لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يؤنس به‪ .‬فقال له ابن كيسان‪ :‬فليقل القاضي ‪ /‬حتى يؤنس به‪ ،‬فتبسم !!‬
‫قلت‪ :‬بل تقدمه الفراء وغيره‪ ،‬والفراء في الكوفيين مثل سيبويه في البصريين‪ ،‬لكن إسماعيل كان اعتماده على نحو‬
‫البصريين‪ ،‬والمبرد كان خصيصًا به‪.‬‬
‫وبيان هذا القول ‪ :‬أن المفرد )ذا(‪ ،‬فلو جعلوه كسائر السماء؛ لقالوا في التثنية‪) :‬ذوان(‪ ،‬ولم يقولوا‪) :‬ذان(‪ ،‬كما قالوا‪:‬‬
‫عصوان‪ ،‬ورجوان ونحوهما من السماء الثلثية‪ ،‬و)ها( حرف تنبيه‪ ،‬وقد قالوا فيما حذفوا لمه ‪ :‬أبوان‪ ،‬فردته التثنية‬
‫إلى أصله‪ ،‬وقالوا في غير هذا‪]...‬بياض بالصل[‪ :‬ويدان وأما )ذا(‪ ،‬فلم يقولوا‪) :‬ذوان(‪ ،‬بل قالوا كما فعلوا في )ذو(‪،‬‬
‫و)ذات( التي بمعنى صاحب‪ ،‬فقالوا‪ :‬هو ذو علم‪ ،‬وهما ذوا علم‪،‬كما قال‪َ} :‬ذَواَتا َأْفَناٍن{ ]الرحمن‪ ،[48 :‬وفي اسم‬
‫ك{ ]القصص‪ ،[ 32:‬فإن )ذا( بمعنى صاحب هو اسم‬
‫ن ِمن ّرّب َ‬
‫ك ُبْرَهاَنا ِ‬
‫الشارة قالوا‪) :‬ذان(‪ ،‬و)تان(‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَذاِن َ‬
‫معرب‪ ،‬فتغير إعرابه في الرفع والنصب والجر‪ ،‬فقيل‪ :‬ذو‪ ،‬وذا‪ ،‬وذي‪.‬‬
‫وأما المستعمل في الشارة والسماء الموصولة والمضمرات هي مبنية‪ / ،‬لكن أسماء الشارة لم تفرق ل في واحده‪،‬‬
‫ول في جمعه بين حال الرفع والنصب والخفض‪،‬فكذلك في تثنيته‪ ،‬بل قالوا‪:‬قام هذا وأكرمت هذا‪ ،‬ومررت بهذا‪،‬‬
‫وكذلك هؤلء في الجمع‪ ،‬فكذلك المثني‪ ،‬قال هذان‪ ،‬وأكرمت هذان‪ ،‬ومررت بهذان‪ ،‬فهذا هو القياس فيه أن يلحق‬
‫مثناه بمفرده وبمجموعه‪ ،‬ل يلحق بمثني غيره الذي هو ـ أيضًا ـ معتبر بمفرده ومجموعه‪.‬‬
‫فالسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها ومجموعها‪ ،‬تقول‪ :‬رجل‪ ،‬ورجلن‪ ،‬ورجال‪ ،‬فهو معرب في الحوال الثلثة؛‬
‫يظهر العراب في مثناه‪ ،‬كما ظهر في مفرده ومجموعة‪.‬‬
‫فتبين أن الذين قالوا‪ :‬إن مقتضي العربية أن يقال‪) :‬إن هذين( ليس معهم بذلك نقل عن اللغة المعروفة في القرآن التي‬
‫نزل بها القرآن‪ ،‬بل هي أن يكون المثني من أسماء الشارة مبنيًا في الحوال الثلثة على لفظ واحد‪ ،‬كمفرد أسماء‬
‫الشارة ومجموعها‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فإن قيل‪ :‬إن اللف هي ألف المفرد زيد عليها النون‪ ،‬أو قيل‪ :‬هي علم للتثنية وتلك حذفت‪ ،‬أو قيل‪ :‬بل هذه‬
‫اللف تجمع هذا‪ ،‬وهذا معنى جواب ابن كيسان‪ ،‬وقول الفراء مثله في المعني‪ ،‬وكذلك قول الجرجاني‪ ،‬وكذلك قول‬
‫من قال‪ :‬إن اللف فيه ُتشبه ألف يفعلن‪.‬‬
‫‪ /‬ثم يقال‪ :‬قد يكون الموصول كذلك‪،‬كقوله‪َ} :‬والّلَذاَن َيْأِتَياِنَها ِمنُكْم{ ]النساء‪ ،[ 16:‬فإن ثبت أن لغة قريش أنهم يقولون‪:‬‬
‫رأيت الذين فعل‪ ،‬ومررت باللذين فعل‪ ،‬وإل فقد يقال‪ :‬هو باللف في الحوال الثلثة‪ ،‬لنه اسم مبني‪ ،‬واللف فيه‬
‫بدل الياء في الذين‪ ،‬وما ذكره الفراء‪ ،‬وابن كيسان وغيرهما يدل على هذا‪ ،‬فإن الفراء شبه هذا بالذين‪ ،‬وتشبيه اللذان‬

‫به أولي‪ ،‬وابن كيسان علل بأن المبهم مبني ل يظهر فيه العراب‪ ،‬فجعل مثناه كمفرده ومجموعه‪ ،‬وهذا الَعَلم يأتي في‬
‫الموصول‪.‬‬
‫يؤيد ذلك‪ ،‬أن المضمرات من هذا الجنس‪ ،‬والمرفوع والمنصوب لهما ضمير متصل ومنفصل‪ ،‬بخلف المجرور فإنه‬
‫ليس له إل متصل؛ لن المجرور ل يكون إل بحرف‪ ،‬أو مضاف ل يقدم على عامله‪ ،‬فل ينفصل عنه‪ ،‬فالضمير‬
‫المتصل في الواحد الكاف من أكرمتك ومررت بك‪ ،‬وفي الجمع أكرمتكم ومررت بكم‪ ،‬وفي التثنية زيدت اللف في‬
‫النصب والجر‪ ،‬فيقال‪ :‬أكرمتكما ومررت بكما‪ ،‬كما نقول في الرفع‪ ،‬ففي الواحد والجمع‪ :‬فعلت وفعلتم‪ ،‬وفي التثنية‪:‬‬
‫فعلتما باللف وحدها زيدت علما على التثنية في حال الرفع والنصب والجر‪ ،‬كما زيدت في المنفصل في قوله‪:‬‬
‫)إياكما( و )أنتما(‪.‬‬
‫فهذا كله مما يبين أن لفظ المثني في السماء المبنية في الحوال الثلثة نوع واحد‪ ،‬لم يفرقوا بين مرفوعه وبين‬
‫منصوبه ومجروره‪ / ،‬كما فعلوا ذلك في السماء المعربة‪ ،‬وأن ذلك في المثني أبلغ منه في لفظ الواحد والجمع‪ ،‬إذ‬
‫كانوا في الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور‪ ،‬وبين ضمير المرفوع في الواحد والمثني‪ ،‬ول يفرقون‬
‫في المثني وفي لفظ الشارة والموصول‪ ،‬ول يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره‪ ،‬ففي المثني بطريق‬
‫ل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا‪.‬‬
‫ل وحده‪،‬وصلى ا ّ‬
‫الولي‪ .‬والحمد ّ‬
‫ذكر شيخنا شيخ السلم ابن تيمية هذه المسألة في موضع آخر‪ ،‬وذكر فيها هذا العتراض‪.‬‬
‫َفصــل‬
‫ن َكَفُروا‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫وقد يْعَترض على ما كتبناه أول بأنه جاء ـ أيضًا ـ في غير الرفع بالياء كسائر السماء‪ ،‬قال تعالى ‪َ} :‬وَقا َ‬
‫س{ ]فصلت‪ ،[ 29:‬ولم يقل‪) :‬اللذان أضلنا(‪ ،‬كما قيل في اللذين‪ :‬إنه بالياء في‬
‫لن ِ‬
‫ن َوا ِْ‬
‫جّ‬
‫ن اْل ِ‬
‫لَنا ِم َ‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫َرّبَنا َأِرَنا اّلَذْي ِ‬
‫ي َهاَتْيِن{ ]القصص‪ ،[27:‬ولم يقل‪:‬‬
‫حَدى اْبَنَت ّ‬
‫ك إِ ْ‬
‫حَ‬
‫ن ُأنِك َ‬
‫ل ِإّني ُأِريُد َأ ْ‬
‫الحوال الثلثة‪ ،‬وقال تعالى في قصة موسي‪َ} :‬قا َ‬
‫صاِلًحا{ ]هود‪،[61:‬‬
‫خاُهْم َ‬
‫)هاتان(‪ ،‬و)هاتان( تبع لبنتي‪ ،‬وقد يسمي عطف بيان وهو يشبه الصفة كقوله‪َ} :‬وِإَلى َثُموَد َأ َ‬

‫لكن الصفة تكون مشتقة أو في معنى المشتق‪ ،‬وعطف ‪ /‬البيان يكون بغير ذلك كأسماء العلم‪ ،‬وأسماء الشارة‪،‬‬
‫وهذه الية نظير قوله‪ِ} :‬إْن َهَذاِن َلَساِحَراِن{ ]طه‪.[63 :‬‬
‫لَنا{ فقد يفرق بين اسم الشارة والموصول بأن اسم الشارة على حرفين‪ ،‬بخلف‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫وأما قوله‪َ} :‬أِرَنا اّلَذْي ِ‬
‫الموصول‪ ،‬فإن السم هو )اللذا( عدة حروف‪ ،‬وبعده يزاد علم الجمع‪ ،‬فتكسر الذال وتفتح النون‪ ،‬وعلم التثنية‪ ،‬ففتح‬
‫جِمَع جمع التصحيح‬
‫الذال وتكسر النون واللف‪ ،‬فقلت‪]...‬بياض بالصل[ في النصب والجر؛ لن السم الصحيح إذا ُ‬
‫سَر آخره في النصب وفي الجر وفتحت نونه‪ ،‬وإذا ُثّني فتح آخره وكسرت نونه في الحوال الثلثة‪.‬‬
‫ُك ِ‬
‫وهذا يبين أن الصل في التثنية هي اللف‪ ،‬وعلى هذا فيكون في إعرابه لغتان جاء بهما القرآن؛ تارة يجعل كاللذان‪،‬‬
‫ي َهاَتْيِن{ كان هذا أحسن من قوله‪) :‬هاتان( لما فيه من اتباع لفظ المثني‬
‫حَدى اْبَنَت ّ‬
‫وتارة يجعل كاللذين‪ ،‬ولكن في قوله‪ِ}:‬إ ْ‬
‫بالياء فيهما‪ ،‬ولو قيل‪ :‬هاتان لشبه‪]...‬بياض بالصل[‪ ،‬كما لو قيل‪) :‬إن ابنتي هاتان( فإذا جعل بالياء علم تابع مبين‬
‫عطف بيان لتمام معنى السم؛ ل خبر تتم به الجملة‪.‬‬
‫ن هذين‬
‫وأما قوله‪ِ} :‬إْن َهَذاِن َلَساِحَراِن{ فجاء اسًما مبتدأ‪ :‬اسم }إن{ ‪ /‬وكان مجيئه باللف أحسن في اللفظ من قولنا‪ِ ) :‬إ ّ‬
‫لساحران(؛ لن اللف أخف من الياء؛ ولن الخبر باللف‪ ،‬فإذا كان كل من السم والخبر باللف كان أتم مناسبة‪،‬‬
‫وهذا معنى صحيح‪ ،‬وليس في القرآن ما يشبه هذا من كل وجه وهو بالياء‪.‬‬
‫فتبين أن هذا المسموع والمتواتر ليس في القياس الصحيح ما يناقضه‪ ،‬لكن بينهما فروق دقيقة‪ ،‬والذين استشكلوا هذا‬
‫إنما استشكلوه من جهة القياس‪ ،‬ل من جهة السماع‪ ،‬ومع ظهور الفرق يعرف ضعف القياس‪.‬‬
‫حَدى اْبَنَت ّ‬
‫ي‬
‫ن{‪ ،‬وقوله‪ِ} :‬إ ْ‬
‫ن َهَذا ِ‬
‫وقد يجيب من يعتبر كون اللف في هذا هو المعروف في اللغة بأن يفرق بين قوله‪ِ} :‬إ ْ‬
‫َهاَتْيِن{ ‪ .‬أن هذا تثنية مؤنث‪ ،‬وذاك تثنية مذكر‪ ،‬والمذكر المفرد منه )ذا( باللف فزيدت فوقه نون للتثنية‪ ،‬وأما المؤنث‬
‫ي َهاَتْيِن{ تثنية )تي( بالياء‪ ،‬فكان جعلها بالياء في النصب والجر أشبه‬
‫حَدى اْبَنَت ّ‬
‫فمفرده )ذي( أو )ذه( أو )ته(‪ .‬وقوله‪ِ} :‬إ ْ‬

‫بالمفرد‪ ،‬بخلف تثنية المذكر‪ ،‬وهو )ذا( فإنه باللف‪ ،‬فإقراره باللف أنسب‪ ،‬وهذا فرق بين تثنية المؤنث وتثنية‬
‫المذكر‪ ،‬والفرق بينه وبين اللذين قد تقدم‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فهذه القراءة هي الموافقة للسماع والقياس‪ ،‬ولم يشتهر ‪ /‬ما يعارضها من اللغة التي نزل بها القرآن‪ .‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫ي َهاَتْيِن{ هو كقول النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فل يقربن‬
‫حَدى اْبَنَت ّ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إ ْ‬
‫مسجدنا‪ ،‬فإن الملئكة تتأذي مما يتأذي منه الدميون(‪ ،‬ومثله في الموصول قول ابن عباس لعمر‪ :‬أخبرني عن‬
‫ل ُهَو َمْوَلُه{ الية ]التحريم‪.[4 :‬‬
‫ن ا َّ‬
‫عَلْيِه َفِإ ّ‬
‫ظاَهَرا َ‬
‫المرأتين اللتين قال ال فيهما‪َ} :‬وِإن َت َ‬
‫آخره والحمد ل وحده‪.‬‬
‫سورة النبياء‬
‫حَمُه ال‪:‬‬
‫وقال ـ َر ِ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫ث{{‬
‫حَد ٍ‬
‫]سورة النبياء[ سورة الذكر‪،‬وسورة النبياء الذين عليهم نزل الذكر‪ ،‬افتتحها بقوله‪َ} :‬ما َيْأِتيِهم ّمن ِذْكٍر ّمن ّرّبِهم ّم ْ‬
‫الية ]النبياء‪،[2 :‬وقوله‪َ}:‬فاْسَأُلوْا َأْهَل الّذْكِر ِإن ُكنُتْم َل َتْعَلُموَن{ ]النبياء‪ ،[7 :‬وقوله }َلَقْد َأنَزْلَنا ِإَلْيُكْم ِكَتاًبا ِفيِه ِذْكُرُك ْ{‬
‫م{‬
‫]النبياء‪ ،[10:‬وقوله‪َ}:‬هَذا ِذْكُر َمن ّمِع َ‬
‫ي‬
‫ك{ ]النبياء‪ ،[50:‬وقوله‪:‬‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[48:‬وقوله‪َ} :‬وَهَذا ِذْكٌر ّمَباَر ٌ‬
‫ر َمن َقْبِلي{ ]النبياء‪ ،[24:‬وقوله‪َ}:‬وِذْكًرا ّلْلُمّتِقي َ‬
‫َوِذْك ُ‬
‫ق{ ]النبياء‪ ،[112 :‬يعنى ـ وال أعلم ـ‬
‫حّ‬
‫حُكم ِباْل َ‬
‫با ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫}َوَلَقْد كََتْبَنا ِفي الّزُبوِر ِمن َبْعِد الّذْكِر{ ]النبياء‪ ،[105:‬وقوله‪َ}:‬قا َ‬
‫ح َبْيَنَنا َوَبْي َ‬
‫ن‬
‫انصر أهل الحق‪ ،‬أو انصر الحق‪ ،‬وقيل‪ :‬افصل الحق بيننا وبين قومنا‪ ،‬وكان النبياء يقولون‪َ} :‬رّبَنا اْفَت ْ‬
‫ق{ ‪ ،‬وروى مالك عن زيد بن أسلم قال‪ :‬كان‬
‫حّ‬
‫حُكم ِباْل َ‬
‫با ْ‬
‫ق{ ]العراف‪ ،[ 89:‬وأمر محمًدا أن يقول‪َ} :‬ر ّ‬
‫حّ‬
‫َقْوِمَنا ِباْل َ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا شهد قتال قال‪] :‬رب احكم بالحق[‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة الحــج‬

‫حَمُه ال‪:‬‬
‫َوقَال الشيخ ـ َر ِ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫]سورة الحج[ فيها مكى ومدنى‪ ،‬وليلى ونهارى‪ ،‬وسفرى وحضرى‪ ،‬وشتائى وصيفى‪ ،‬وتضمنت منازل المسير إلى‬
‫ال‪ ،‬بحيث ل يكون منزلة ول قاطع يقطع عنها‪ .‬ويوجد فيها ذكر القلوب الربعة‪ :‬العمى والمريض‪ ،‬والقاسى‬
‫والمخبت الحى المطمئن إلى ال‪.‬‬
‫ن لمن َتَدّبَره‪ ،‬وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها‬
‫حَكم والمواعظ على اختصارها ما هو َبّي ٌ‬
‫وفيها من التوحيد وال ِ‬
‫عُبُدوا َرّبُكْم‬
‫جُدوا َوا ْ‬
‫سُ‬
‫ن آَمُنوا اْرَكُعوا َوا ْ‬
‫جا وصياًما‪ ،‬قد تضمن ذلك كله قوله تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫توحيًدا وصلة وزكاة وح ً‬
‫خْيَر{ كل واجب ومستحب؛ فخصص فى هذه‬
‫َواْفَعُلوا اْلَخْيَر َلَعّلُكْم ُتْفِلُحوَن { ]الحج‪،[ 77 :‬فيدخل فى قوله‪َ} :‬واْفَعُلوا اْل َ‬
‫ق ِجَهاِده{ ]الحج‪،[ 78 :‬فهذه الية وما بعدها لم تترك خيًرا إل جمعته ول شًرا‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫جاِهُدوا ِفي ا ِّ‬
‫الية وعمم‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬و َ‬

‫إل نفته‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫قال شيخ السلم‪:‬‬

‫ب َعَلْيِه َأّنُه َمن َتَوّلُه{ ]الحج‪،[4 ،3 :‬فى أثناء آيات‬
‫ن ّمِريٍد ُكِت َ‬
‫طا ٍ‬
‫شْي َ‬
‫ل َ‬
‫عْلٍم َوَيّتِبُع ُك ّ‬
‫ل ِبَغْيِر ِ‬
‫ل ِفي ا ِّ‬
‫جاِد ُ‬
‫س َمن ُي َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫قوله‪َ} :‬وِم َ‬
‫طِفِه{ إلى‬
‫ع ْ‬
‫ي ِ‬
‫ب ّمِنيٍر َثاِن َ‬
‫ل ِكَتا ٍ‬
‫ل ُهًدى َو َ‬
‫عْلٍم َو َ‬
‫ل ِبَغْيِر ِ‬
‫ل ِفي ا ِّ‬
‫جاِد ُ‬
‫س َمن ُي َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫عّقبَها بآية المعاد‪ ،‬ثم أتبعه بقوله‪َ} :‬وِم َ‬
‫المعاد و َ‬

‫ف{ ]الحج‪ 8 :‬ـ ‪ ،[ 11‬فيه بيان حال المتكلمين‪ ،‬وحال المتعبدين المجادلين بل‬
‫حْر ٍ‬
‫عَلى َ‬
‫ل َ‬
‫س َمن َيْعُبُد ا َّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫قوله‪َ} :‬وِم َ‬
‫عَبَد ال بعلم؛ ولهذا‬
‫علم‪ ،‬والعابدين بل علم‪ ،‬بل مع الشك؛ لن هذه السورة سورة الملة البراهيمية الذى جادل بعلم و َ‬
‫ل الست‪.‬‬
‫ضمنت ذكر الحج‪ ،‬وذكر الِمَل ِ‬
‫فقوله‪ :‬يجادل فى ال بل علم‪ :‬ذم لكل من جادل فى ال بغير علم‪ ،‬وهو دليل على أنه جائز بالعلم كما فعل إبراهيم‬
‫بقومه‪ ،‬وفى الولى ذم المجادل بغير علم‪ ،‬وفى الثانية بغير علم ول هدى ول كتاب منير‪.‬‬
‫وهذا ـ وال أعلم ـ من باب عطف الخاص على العام‪ ،‬أو النتقال من الدنى إلى العلى‪ ،‬ليبين أن الذى يجادل‬
‫بالكتاب أعلهم‪ ،‬ثم بالهدى‪ ،‬فالعلم اسم جامع‪ ،‬ثم منه ما يعلم بالدليل القياسى فهو أدنى أقسامه فيخص ‪ /‬باسم العلم‪،‬‬
‫وُيْفِرد ما عداه باسمه الخاص؛ فإما معلوم بالدليل القياسى‪ ،‬وهو علم النظر‪ ،‬وإما ما علم بالهداية الكشفية‪ ،‬كما‬
‫للمحدثين وللمتفرسين‪ ،‬ولسائر المؤمنين‪ ،‬وهو الهدى‪ ،‬وإما ما نزل من عند ال من الكتب وهو أعلها‪ ،‬فأعلها العلم‬
‫المأثور عن الكتب‪ ،‬ثم كشوف الولياء‪ ،‬ثم قياس المتكلمين‪ ،‬وغيرهم من العلماء‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫ل‪:‬‬
‫َوَقــا َ‬

‫سَر الّدْنَيا‬
‫خِ‬
‫جِهِه َ‬
‫عَلى َو ْ‬
‫ب َ‬
‫صاَبْتُه ِفْتَنٌة انَقَل َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ن ِبِه َوِإ ْ‬
‫طَمَأ ّ‬
‫خْيٌر ا ْ‬
‫صاَبُه َ‬
‫ن َأ َ‬
‫ف َفِإ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫عَلى َ‬
‫ل َ‬
‫س َمن َيْعُبُد ا َّ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫فى قوله تعالى‪َ}:‬وِم َ‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه‬
‫ضّرُه َأْقَر ُ‬
‫عو َلَمن َ‬
‫ل اْلَبِعيُد َيْد ُ‬
‫لُ‬
‫ضَ‬
‫ك ُهَو ال ّ‬
‫ل َينَفُعُه ذَِل َ‬
‫ضّرُه َوَما َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ن اْلُمِبي ُ‬
‫سَرا ُ‬
‫خْ‬
‫ك ُهَو اْل ُ‬
‫خَرةَ َذِل َ‬
‫لِ‬
‫َوا ْ‬
‫س اْلَعِشيُر{ ]الحج‪ 11:‬ـ ‪ ،[ 13‬فإن آخر هذه الية قد أشكل على كثير من الناس‪،‬كما قال طائفة من‬
‫س اْلمَْوَلى َوَلِبْئ َ‬
‫َلِبْئ َ‬

‫لت القرآن‪،‬وفيها أسئلة أولها‪:‬قالوا‪:‬قد قال ال تعالى‬
‫شك َ‬
‫المفسرين كالثعلبى والبغوى‪،‬واللفظ للبغوى‪،‬قال‪:‬هذه الية من ُم ْ‬
‫ضّرُه{‪ ،‬أى‪:‬ضر عبادته؛ قلت‬
‫ضّره{ ‪ ،‬أى‪:‬ل يضره ترك عبادته‪،‬وقوله‪َ}:‬لَمن َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫فى الية الولى‪َ}:‬يْد ُ‬
‫‪:‬هذا جواب‪.‬‬
‫وذكر صاحب ]الكشاف[ جواًبا غير هذا‪ :‬فقال‪ :‬فإن قلت‪ :‬الضر والنفع منتفيان عن الصنام مثبتان لهما فى اليتين‪،‬‬
‫وهذا تناقض‪ ،‬قلت‪ :‬إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم‪ ،‬وذلك أن ال سَّفه الكافر بأنه يعبد جماًدا ل يملك ضًرا ول‬
‫نفًعا‪ ،‬وهو يعتقد فيه لجهله وضلله ‪ /‬أنه يستشفع به حين يستشفع به‪ ،‬ثم قام يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه‬
‫حين رأى استضراره بالصنام ودخوله النار بعبادتها‪ ،‬ول يرى أثر الشفاعة التى ادعاها لها }َلَمن ضَّرُه َأْقَر ُ‬
‫ضّرهُ َوَما َل َينَفُعُه{ ‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫عو{ كأنه قال‪َ} :‬يْد ُ‬
‫س اْلَعِشيُر{ ]الحج‪ ،[ 13:‬أو كرر } َيْد ُ‬
‫س اْلمَْوَلى َوَلِبْئ َ‬
‫َلِبْئ َ‬
‫س اْلَمْوَلى{‪.‬‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه{ بكونه شفيًعا }َلِبْئ َ‬
‫رُه{ بكونه معبوًدا }َأْقَر ُ‬
‫ضّ‬
‫}َلَمن َ‬
‫قلت‪ :‬فقد جعل ضره بكونه معبوًدا‪ ،‬وذكر تضرره بذلك‪ .‬وفى الخرة‪.‬‬
‫ضّرُه{ قال‪ :‬ل يضره إن عصاه }َوَما َل َينَفُعُه{{‬
‫ل َي ُ‬
‫وقد قال السدى ما يتضمن الجوابين فى تفسيره المعروف‪ ،‬قال‪َ} :‬ما َ‬
‫ضّرُه{ قال‪ :‬ضره فى الخرة من أجل عبادته إياه فى الدنيا‪.‬‬
‫عو َلَمن َ‬
‫قال‪ :‬ل ينفعه الصنم إن أطاعه }َيْد ُ‬
‫قلت‪ :‬وهذا الذى ذكر من الجواب‪ :‬كلم صحيح لكن لم يبين فيه وجه نفى التناقض‪.‬‬
‫ضّرُه َوَما َل َينَفُعُه{ ‪ ،‬هو نفى لكون المدعو المعبود من دون ال يملك نفًعا أو ضًرا‪ .‬وهذا يتناول كل‬
‫ل َي ُ‬
‫فنقول‪ :‬قوله‪َ} :‬ما َ‬
‫ما سوى ‪ /‬ال من الملئكة والبشر والجن والكواكب والوثان كلها‪ ،‬فإن ما سوى ال ل يملك ل لنفسه ول لغيره ضًرا‬
‫ح َيا‬
‫سي ُ‬
‫ل اْلَم ِ‬
‫ن َمْرَيَم َوَقا َ‬
‫ح اْب ُ‬
‫سي ُ‬
‫ل ُهَو اْلَم ِ‬
‫نا ّ‬
‫ن َقاُلوْا ِإ ّ‬
‫ول نفًعا‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬فى سياق نهيه عن عبادة المسيح‪َ} :‬لَقْد َكَفَر اّلِذي َ‬
‫صاٍر ّلَقْد َكَفَر اّلِذينَ‬
‫ن َأن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫جّنةَ َوَمْأَواُه الّناُر َوَما ِلل ّ‬
‫عَليِه اْل َ‬
‫ل َ‬
‫حّرَم ا ّ‬
‫ل َفَقْد َ‬
‫ك ِبا ّ‬
‫شِر ْ‬
‫ل َرّبي َوَرّبُكْم ِإّنُه َمن ُي ْ‬
‫عُبُدوْا ا ّ‬
‫لا ْ‬
‫سَراِئي َ‬
‫َبِني ِإ ْ‬
‫ن ِإَلى ا ّ‬
‫ل‬
‫ل َيُتوُبو َ‬
‫ب َأِليٌم َأَف َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ن َكَفُروْا ِمْنُهْم َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن َلَيَمسّ ّ‬
‫عّما َيُقوُلو َ‬
‫حٌد َوِإن ّلْم َينَتُهوْا َ‬
‫ل ِإَلـٌه َوا ِ‬
‫ن ِإَلـٍه ِإ ّ‬
‫لَثٍة َوَما ِم ْ‬
‫ث َث َ‬
‫ل َثاِل ُ‬
‫َقاُلوْا ِإنّ ا ّ‬
‫ظْر َكْي َ‬
‫ف‬
‫طَعاَم ان ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫لِ‬
‫صّديَقٌة َكاَنا َيْأُك َ‬
‫ل َوُأّمُه ِ‬
‫سُ‬
‫ت ِمن َقْبِلِه الّر ُ‬
‫خَل ْ‬
‫ل َقْد َ‬
‫سو ٌ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن َمْرَيَم ِإ ّ‬
‫ح اْب ُ‬
‫سي ُ‬
‫حيٌم ّما اْلَم ِ‬
‫غُفوٌر ّر ِ‬
‫ل َ‬
‫سَتْغِفُروَنُه َوا ّ‬
‫َوَي ْ‬
‫ل ُهَو الّسِميُع اْلَعِليُم{ ]المائدة‪ 72 :‬ـ‬
‫ل َنْفًعا َوا ّ‬
‫ضّرا َو َ‬
‫ك َلُكْم َ‬
‫ل َيْمِل ُ‬
‫ل َما َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫ل َأَتْعُبُدو َ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ظْر َأّنى ُيْؤَفُكو َ‬
‫ت ُثّم ان ُ‬
‫ن َلُهُم الَيا ِ‬
‫ُنَبّي ُ‬
‫ك َلُكْم‬
‫ل َأْمِل ُ‬
‫ل ِإّني َ‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[188:‬وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫شاء ا ّ‬
‫ل َما َ‬
‫ضّرا ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫سي َنْفًعا َو َ‬
‫ك ِلَنْف ِ‬
‫ل َأْمِل ُ‬
‫‪ ،[76‬وقد قال لخاتم الرسل‪ُ} :‬قل ّ‬
‫ل ُمْرِسَل َلُه ِمن َبْعِدِه{{‬
‫ك َف َ‬
‫س ْ‬
‫ك َلَها َوَما ُيْم ِ‬
‫سَ‬
‫ل ُمْم ِ‬
‫حَمٍة َف َ‬
‫س ِمن ّر ْ‬
‫ل ِللّنا ِ‬
‫ح ا ُّ‬
‫شًدا{ ]الجن‪،[ 21:‬وقال على العموم‪َ} :‬ما َيْفَت ِ‬
‫ضّرا َولَ َر َ‬
‫َ‬
‫ضِلِه{ ]يونس‪ ،[107:‬وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل‬
‫ل َرآّد ِلَف ْ‬
‫خْيٍر َف َ‬
‫ك ِب َ‬
‫ل ُهَو َوِإن ُيِرْد َ‬
‫ف َلُه ِإ ّ‬
‫ش َ‬
‫ل َكا ِ‬
‫ضّر َف َ‬
‫ل ِب ُ‬
‫كا ّ‬
‫سَ‬
‫سْ‬
‫]فاطر‪ ،[2 :‬وقال‪َ} :‬وِإن َيْم َ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ل‬
‫سِب َ‬
‫حْ‬
‫ل َ‬
‫حَمِتِه ُق ْ‬
‫ت َر ْ‬
‫سَكا ُ‬
‫ن ُمْم ِ‬
‫ل ُه ّ‬
‫حَمٍة َه ْ‬
‫ضّرِه َأْو َأَراَدِني ِبَر ْ‬
‫ت ُ‬
‫شَفا ُ‬
‫ن َكا ِ‬
‫ل ُه ّ‬
‫ضّر َه ْ‬
‫ل ِب ُ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ن َأَراَدِن َ‬
‫ل ِإ ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫َأَفَرَأْيُتم ّما َتْد ُ‬

‫خُذ ِمن ُدوِنِه آِلَهًة ِإن‬
‫ن َأَأّت ِ‬
‫جُعو َ‬
‫طَرِني َوِإَلْيِه ُتْر َ‬
‫عُبُد اّلِذي َف َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن{ ]الزمر‪ ،[ 38:‬وقال صاحب يس‪َ} :‬وَما ِلي َ‬
‫ل اْلُمَتَوّكُلو َ‬
‫عَلْيِه َيَتَوّك ُ‬
‫َ‬
‫ت ِبَرّبُكْم َفاْسَمُعوِن{ ]يس‪ 22 :‬ـ ‪.[25‬‬
‫ن ِإّني آَمن ُ‬
‫ل ّمِبي ٍ‬
‫لٍ‬
‫ضَ‬
‫ن ِإّني ِإًذا ّلِفي َ‬
‫ل ُينِقُذو ِ‬
‫شْيًئا َو َ‬
‫عُتُهْم َ‬
‫شَفا َ‬
‫عّني َ‬
‫ن َ‬
‫ل ُتْغ ِ‬
‫ضّر ّ‬
‫حَمن ِب ُ‬
‫ن الّر ْ‬
‫ُيِرْد ِ‬
‫ل َنْفًعا{‬
‫ضّرا َو َ‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫ل َيْمِل ُ‬
‫ل َينَفُعُه{ ]الحج‪ ،[ 12 :‬نفى عام‪ ،‬كما فى قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ضّرُه َوَما َ‬
‫ل َي ُ‬
‫ل َما َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫عو ِمن ُدو ِ‬
‫وقـولـه‪َ} :‬يْد ُ‬

‫عَبَده أو لم يعبده‪ ،‬وقول من قال‪ :‬ل‬
‫]طه‪ ،[ 89:‬فهو ل يقدر أن يضر أحًدا سواء عبده أو لم يعبده‪ ،‬ول ينفع أحًدا سواء َ‬
‫عِبَد‪ ،‬ول يضر إن لم ُيْعَبد‪ ،‬بيان لنتفاء الرغبة والرهبة من جهته‪ ،‬بخلف الرب الذى يكرم عابديه‪،‬‬
‫ينفع إن ُ‬
‫ويرحمهم‪ ،‬ويهين من لم يعبده ويعاقبه‪.‬‬
‫والتحقيق‪ :‬أنه ل ينفع ول يضر مطلًقا‪ ،‬فإن ال ـ سبحانه ـ وسعت رحمته كل شىء وهو ينعم على كثير من خلقه وإن‬
‫لم يعبدوه‪ ،‬فنفعه للعباد ل يختص بعابديه‪ ،‬وإن كان فى هذا تفصيل ليس هذا موضعه‪ ،‬وما دونه ل ينفع ل من عبده‬
‫ول من لم يعبده؛ وهو ـ سبحانه ـ الضار النافع قادر على أن يضر من يشاء‪ ،‬وإن كان ما ينزله من الضر بعابديه هو‬
‫ضرّ‬
‫ل ِب ُ‬
‫كا ّ‬
‫سَ‬
‫سْ‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[ 38 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِإن َيْم َ‬
‫حِمي َ‬
‫حُم الّرا ِ‬
‫ت َأْر َ‬
‫ضّر َوَأن َ‬
‫ي ال ّ‬
‫سِن َ‬
‫رحمة فى حقهم‪ ،‬كما قال أيوب‪َ} :‬م ّ‬
‫ضّرا‬
‫ل َ‬
‫سي َنْفًعا َو َ‬
‫ك ِلَنْف ِ‬
‫ل َأْمِل ُ‬
‫ضا ـ لرسوله محمد صلى ال عليه وسلم‪ُ} :‬قل ّ‬
‫ف َلُه ِإّل ُهَو{ ]يونس‪ ،[ 107 :‬وقال ـ أي ً‬
‫ش َ‬
‫ل َكا ِ‬
‫َف َ‬
‫س{ ]البقرة‪ ،[177:‬وهو ـ‬
‫ن اْلَبْأ ِ‬
‫حي َ‬
‫ضّراء َو ِ‬
‫ساء وال ّ‬
‫ن ِفي اْلَبْأ َ‬
‫صاِبِري َ‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[ 188 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وال ّ‬
‫شاء ا ّ‬
‫ل َما َ‬
‫ِإ ّ‬
‫سبحانه ـ يحدث ما يحدثه من الضرر بمن ل يوصف بمعصية من الطفال والمجانين والبهائم؛ لما فى ذلك من‬
‫الحكمة والنعمة ‪ /‬والرحمة‪ ،‬كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع‪.‬‬
‫فإن المقصود هنا أن نفى الضر والنفع عمن سواه عام ل يجب أن يخص هذا بمن عبده‪ ،‬وهذا بمن لم يعبده‪ ،‬وإن كان‬
‫هذا التخصيص حًقا باعتبار صحيح‪ ،‬وجواب من أجاب بأن معناه ل يضر ترك عبادته‪ ،‬وضره بعبادته أقرب من‬
‫نفعه مبنى على هذا التخصيص‪.‬‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه{ ‪ ،‬فنقول أول‪:‬المنفى هو‬
‫ضّرهُ َأْقَر ُ‬
‫وإذا كان كذلك‪،‬فنقول‪:‬المنفى قدرة من سواه على الضر والنفع‪.‬وأما قوله‪َ } :‬‬
‫ضّرُه‬
‫ل َينَفُعُه{ والمثبت اسم مضاف إليه فإنه لم يقل‪ :‬يضر أعظم مما ينفع‪ ،‬بل قال‪َ}:‬لَمن َ‬
‫ضّرُه َوَما َ‬
‫ل َي ُ‬
‫فعلهم بقوله‪َ} :‬ما َ‬
‫ب ِمن ّنْفِعِه{ والشىء يضاف إلى الشىء بأدنى ملبسة‪ ،‬فل يجب أن يكون الضر والنفع المضافين من باب إضافة‬
‫َأْقَر ُ‬
‫المصدر إلى الفاعل‪،‬بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسًما‪ ،‬كما تضاف سائر السماء‪ ،‬وقد يضاف إلى محله‬
‫ل كقوله‪َ}:‬بْل َمْكُر الّلْيِل َوالّنَهاِر{ ]سبأ‪،[ 33:‬ول ريب أن بين المعبود من‬
‫وزمانه ومكانه وسبب حدوثه‪،‬وإن لم يكن فاع ً‬
‫دون ال وبين ضرر عابديه تعلق يقتضى الضافة‪ ،‬كأنه قيل‪ :‬لمن شره أقرب من خيره‪ ،‬وخسارته أقرب من ربحه‪،‬‬
‫فتدبر هذا!‬
‫ولو جعل هو فاعل الضر بهذا؛ لنه سبب فيه ل لنه هو الذى ‪ /‬فعل الضرر‪ ،‬وهذا كقول الخليل عن الصنام‪َ} :‬ر ّ‬
‫ب‬
‫س{ ]إبراهيم‪ ،[ 36 :‬فنسب الضلل إلىهن‪ ،‬والضلل هو ضرر لمن أضللنه‪ ،‬وكذلك قوله‪:‬‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن َكِثيرًا ّم َ‬
‫ضَلْل َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ِإّنُه ّ‬
‫ب{ ]هود‪ ،[ 101 :‬وهذا كما يقال‪ :‬أهلك الناس الدرهم والدينار‪ ،‬وأهلك النساء الحمران الذه َُ‬
‫ب‬
‫غْيَر َتْتِبي ٍ‬
‫}َوَما َزاُدوُهْم َ‬

‫والحرير‪ ،‬وكما يقال للمحبوب المعشوق الذى تضر محبته وعشقه‪ :‬إنه عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره‪ ،‬وإن‬
‫كان ذاك المحبوب قد ل يكون شاعًرا بحال هذا البتة‪ ،‬وكذلك يقال فى المحسود‪ :‬إنه يعذب حاسديه وإن كان ل شعور‬
‫له بهم‪.‬‬
‫وفى الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪] :‬وال ما الفقر أخشى عليكم‪ ،‬ولكن‬
‫ت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها‪ ،‬وتهلككم كما أهلكتهم[‬
‫ط ْ‬
‫سَ‬
‫ط عليكم الدنيا كما ُب ِ‬
‫سَ‬
‫أخاف أن ُتْب َ‬
‫]البخارى فى الرقاق )‪ ،( 6425‬ومسلم فى الزهد والرقائق )‪ ،(2961/6‬بلفظ فتنافسوها كما تنافسوها[ فجعل الدنيا‬
‫المبسوطة هى المهلكة لهم؛ وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها‪ ،‬وإن كانت مفعول بها ل اختيار لها‪،‬‬
‫فهكذا المدعو المعبود من دون ال الذى لم يأمر بعبادة نفسه؛ إما لكونه جماًدا‪ ،‬وإما لكونه عبًدا مطيًعا ل من الملئكة‬
‫والنبياء والصالحين من النس والجن‪ ،‬فما يدعى من دون ال هو ل ينفع ول يضر‪ ،‬لكن هو السبب فى دعاء الداعى‬
‫له‪ ،‬وعبادته إياه‪ .‬وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذى ضره‪ ،‬فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفى عنه‪ / ،‬فضرر‬
‫العابد له بعبادته يحصل فى الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وإن كان عذاب الخرة أشد‪ ،‬فالمشركون الذين عبدوا غير ال حصل لهم بسبب شركهم بهؤلء من عذاب ال فى الدنيا‬
‫ظَلْمَناُهْم َوَلـِكن‬
‫صيٌد َوَما َ‬
‫ح ِ‬
‫ك ِمْنَها َقآِئٌم َو َ‬
‫عَلْي َ‬
‫صُه َ‬
‫ن َأنَباء اْلُقَرى َنُق ّ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ماجعله ال عبرة لولى البصار‪ ،‬قال ال تعالى‪َ} :‬ذِل َ‬

‫ب{ ]هود‪،100 :‬‬
‫غْيَر َتْتِبي ٍ‬
‫ك َوَما َزاُدوُهْم َ‬
‫جاء َأْمُر َرّب َ‬
‫يٍء ّلّما َ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫عْنُهْم آِلَهُتُهُم اّلِتي َيْد ُ‬
‫ت َ‬
‫غَن ْ‬
‫سُهْم َفَما َأ ْ‬
‫ظَلُموْا َأنُف َ‬
‫َ‬
‫‪ ،[ 101‬فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم إل شًرا‪.‬‬
‫وقد قيل فى هذا‪ ،‬كما قيل فى الضر‪ .‬قيل‪ :‬ما زادتهم عبادتها‪،‬وقيل‪ :‬إنها فى القيامة تكون عوًنا عليهم فتزيدهم شًرا‪،‬‬
‫ضّدا{ ]مريم‪،[82 ،81 :‬‬
‫عَلْيِهْم ِ‬
‫ن َ‬
‫ن ِبِعَباَدِتِهْم َوَيُكوُنو َ‬
‫سَيْكُفُرو َ‬
‫ل َ‬
‫عّزا َك ّ‬
‫ل آِلَهًة ّلَيُكوُنوا َلُهْم ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫خُذوا ِمن ُدو ِ‬
‫وهذا كقوله‪َ} :‬واّت َ‬
‫ب{ ]المسد‪ ،[1 :‬وقيل‪ :‬التثبير‬
‫ب َوَت ّ‬
‫ت َيَدا َأِبي َلَه ٍ‬
‫والتتبيب‪ .‬عبر عنه الكثرون‪ :‬بأنه التخسير‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬تّب ْ‬
‫ك َوَما‬
‫جاء َأْمُر َرّب َ‬
‫يٍء ّلّما َ‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫عْنُهْم آِلَهُتُهُم اّلِتي َيْد ُ‬
‫ت َ‬
‫غَن ْ‬
‫را‪ ،‬وقوله‪َ} :‬فَما َأ ْ‬
‫والهلك‪ ،‬وقيل‪ :‬ما زادوهم إل ش ً‬
‫ب{ ]هود‪ ،[ 101 :‬فعل ماض يدل على أن هذا كان فى الدنيا‪ ،‬وقد يقال‪ :‬فالشر كله من جهتهم‪ ،‬فلم قيل‪:‬‬
‫غْيَر َتْتِبي ٍ‬
‫َزاُدوُهْم َ‬
‫فما زادوهم؟ فيقال‪ :‬بل عذبوا على كفرهم بال ولو لم يعبدوهم‪ ،‬فلما عبدوهم مع ذلك ازدادوا بذلك كفًرا وعذاًبا‪ ،‬فما‬
‫حا وخيًرا‪.‬‬
‫زادوهم إل خسارة وشًرا‪ ،‬ما زادوهم رب ً‬
‫‪/‬‬

‫سورة المؤمنون‬
‫حَمُه ال تَعالى ‪:‬‬
‫قَال شيخ السلم ـ َر ِ‬

‫ظاًما َأّنُكم ّمْخَرُجوَن{ ]المؤمنون‪، [ 35:‬طال الفصل بين أن واسمها‬
‫عَ‬
‫فى قوله تعالى‪َ}:‬أَيِعُدُكْم َأّنُكْم ِإَذا ِمّتْم َوُكنُتْم ُتَراًبا َو ِ‬
‫ن َلُه َناَر‬
‫سوَلُه َفَأ ّ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫حاِدِد ا ّ‬
‫وخبرها‪ ،‬فأعاد ]أن[ لتقع على الخبر لتأكيده بها‪ ،‬ونظير هذا قوله تعالى‪َ} :‬أَلْم َيْعَلُموْا َأّنُه َمن ُي َ‬
‫ن[ هذا قول الزجاج وطائفة‪ ،‬وأحسن من هذا أن يقال‪ :‬كل واحدة من هاتين‬
‫َجَهّنَم{ ]التوبة‪ ،[ 63:‬لما طال الكلم أعاد ]َأ ّ‬
‫ن[ على حد تأكيدها فى قول‬
‫الجملتين جملة شرطية مركبة من جملتين جزائىتىن‪َ ،‬فُأّكَدت الجملة الشرطية بـ]َأ ّ‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫إن من يدخل الكنيسة يوًما ** يـلق فيها جـــآذًرا وظـباء‬
‫ب َوَأَقاُموْا‬
‫ن ِباْلِكَتا ِ‬
‫سُكو َ‬
‫ن ُيَم ّ‬
‫ثم أكدت الجملة الجزائىة بـ ]أن[ إذ هى المقصودة‪ ،‬على حد تأكيدها فى قوله تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫صِلِحيَن{ ]العراف‪.[170 :‬‬
‫جَر اْلُم ْ‬
‫ضيُع َأ ْ‬
‫ل ُن ِ‬
‫لَة ِإّنا َ‬
‫صَ‬
‫ال ّ‬
‫ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء‪/ ،‬وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى‪ِ} :‬إّنُه َمن َيّت ِ‬
‫ق‬
‫ن[ أعيدت لطول الكلم‪ ،‬ونظيره قوله تعالى‪:‬‬
‫ضيُع َأْجَر اْلُمْحِسِنيَن{ ]يوسف‪ ،[ 90 :‬فل يقال فى هذا‪] :‬إ ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫صِبْر َفِإ ّ‬
‫َوِي ْ‬
‫ت ِفيَها َوَل َيْحيى{ ]طه‪.[74:‬‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫جَهّنَم َ‬
‫ن َلُه َ‬
‫جِرًما َفِإ ّ‬
‫ت َرّبُه ُم ْ‬
‫}ِإّنُه َمن َيْأ ِ‬

‫صَلَح َفَأّنُه َغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]النعام‪ ،[54 :‬فهما تأكيدان مقصودان‬
‫ب ِمن َبْعِدِه َوَأ ْ‬
‫جَهاَلٍة ُثّم َتا َ‬
‫سوًءا ِب َ‬
‫ل ِمنُكْم ُ‬
‫عِم َ‬
‫ونظيره‪َ} :‬أّنُه َمن َ‬
‫ب ِمن َبْعِدِه‬
‫جَهاَلٍة ُثّم َتا َ‬
‫سوًءا ِب َ‬
‫ل ِمنُكْم ُ‬
‫عِم َ‬
‫ن[ غير تأكيد‪َ}:‬من َ‬
‫حيٌم{ بـ ]أ ّ‬
‫غُفوٌر ّر ِ‬
‫لمعنيين مختلفين‪،‬أل ترى تأكيد قوله‪َ }:‬‬
‫ن[؟! وهذا ظاهر ل خفاء به‪ ،‬وهو كثير فى القرآن وكلم العرب‪.‬‬
‫صَلَح َفَأّنُه َغُفوٌر ّرِحيٌم { له بـ]َأ ّ‬
‫َوَأ ْ‬
‫وأما قوله تعالى‪َ}:‬وَما َكاَن َقْوَلُهْم ِإّل َأن َقاُلوْا رّبَنا اْغِفْر َلَنا ُذُنوَبَنا{ ]آل عمران‪،[147:‬فهذا ليس من التكرار فى شىء‪ ،‬فإن‬
‫]قولهم[‪ :‬خبر ]كان[ قدم على اسمها‪ ،‬و ]أن قالوا [‪ :‬فى تأويل المصدر‪ ،‬وهو السم‪ ،‬فهما اسم كان وخبرها‪،‬‬
‫ب َقْوِمِه ِإّل َأن َقاُلو ْ{‬
‫ا{‬
‫جَوا َ‬
‫ن َ‬
‫غِفْر َلَنا ُذُنوَبَنا{ ‪ ،‬ونظير هذا قوله تعالى‪َ} :‬وَما َكا َ‬
‫والمعنى‪ :‬وما كان لهم قول إل قول‪} :‬رّبَنا ا ْ‬
‫ل‪.‬‬
‫]العراف‪ ،[ 82:‬والجواب قول؛ وتقول‪ :‬ما لفلن قول إل قول‪] :‬ل حول ولقوة إل بال[ فل تكرار أص ً‬
‫وأما قوله تعالى‪َ} :‬وِإن َكاُنوا ِمن َقْبِل َأن ُيَنّزَل َعَلْيِهم ّمن َقْبِلِه َلُمْبِلِسيَن{ ]الروم‪ ،[ 49:‬فهى من أشكل ما أورد‪ ،‬ومما أعضل‬
‫على الناس فهمها‪ ،‬فقال كثير من أهل العراب والتفسير‪ :‬إنه على التكرير المحض والتأكيد‪ ،‬قال الزمخشرى‪ّ} :‬من‬
‫َقْبِلِه{ من باب التوكيد‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬فَكاَن َعاِقَبَتُهَما َأّنُهَما ِفي الّناِر َخاِلَدْيِن ِفيَها{ ]الحشر‪ ،[ 17 :‬ومعنى التوكيد فيه‪:‬‬
‫الدللة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وَبُعَد فاستحكم يأسهم‪ ،‬وتمادى إبلسهم‪ ،‬فكان الستبشار بذلك على قدر‬
‫اهتمامهم بذلك‪ .‬هذا كلمه‪ .‬وقد اشتمل على دعويين باطلتين‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬قوله‪ :‬إنه من باب التكرير‪.‬‬

‫والثانية‪ :‬تمثيله ذلك بقوله تعالى‪َ}:‬فَكاَن َعاِقَبَتُهَما َأّنُهَما ِفي الّناِر َخاِلَدْيِن ِفيَها{ ]الحشر‪ ،[ 17 :‬فإن ]فى[ الولى على حد‬
‫قولك‪ :‬زيد فى الدار‪ ،‬أى‪ :‬حاصل أو كائن‪ ،‬وأما الثانية‪ :‬فمعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون‪ ،‬فلما‬
‫اختلف العاملن ذكر الحرفين‪ ،‬فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدللة الخر عليه‪ ،‬ومثل هذا ل يقال له‬
‫تكرار‪ ،‬ونظير هذا أن تقول‪ :‬زيد فى الدار نائم فيها‪ ،‬أو ساكن فيها‪ ،‬ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين‪.‬‬
‫وأما قوله‪ِ} :‬من َقْبِل َأن ُيَنّزَل َعَلْيِهم ّمن َقْبِلِه{ ‪ ،‬فليس من التكرار بل تحته معنى دقيق‪ ،‬والمعنى فيه‪ :‬وإن كانوا من قبل أن‬
‫ىتان‪ :‬قبلية لنزوله مطلًقا‪ ،‬وقبلية لذلك النزول المعين أل‬
‫ينزل ‪ /‬عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين‪ ،‬فهنا َقْبِل ّ‬
‫سا لتأخره عن وقته‪ ،‬فقبل الولى‬
‫سا لعدمه مرئًيا‪ ،‬ويأ ً‬
‫ن‪ :‬يأ ً‬
‫سى ِ‬
‫يكون متقدًما على ذلك الوقت‪ ،‬فيئسوا قبل نزوله َيْأ َ‬
‫ظرف لليأس‪ ،‬وقبل الثانية ظرف المجىء والنزال‪.‬‬
‫ففى الية ظرفان معمولن‪ ،‬وفعلن مختلفان عاملن فيهما‪ ،‬وهما النزال والبلس‪ ،‬فأحد الظرفين متعلق بالبلس‪،‬‬
‫والثانى متعلق بالنزول؛ وتمثيل هذا‪ :‬أن تقول ـ إذا كنت معتاًدا للعطاء من شخص فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به‪:‬‬
‫سا‪.‬‬
‫قد كنت آي ً‬
‫سورة النور‬
‫قال الشيخ الربانى والصديق الثانى‪ ،‬إمام الئمة ومفتى المة‪ ،‬وبحر العلوم وبدر النجوم‪ ،‬وسند الحفاظ وفارس‬
‫جَمان‬
‫لمة الزمان وُتْر ُ‬
‫حد الدهر‪ ،‬وشيخ السلم وإمام الئمة العلم‪ ،‬وع ّ‬
‫المعانى واللفاظ‪ ،‬وفريد العصر وَأْو َ‬
‫عَلُم الُزّهاد وَأوحد العباد‪ ،‬وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين‪ ،‬البحر الزاخر والصارم الباتر‪ ،‬أبو العباس تقى‬
‫القرآن‪ ،‬و َ‬
‫الدين أحمد بن شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم ابن شيخ السلم مجد الدين أبى البركات عبد السلم بن أبى‬
‫محمد عبد ال بن أبى القاسم الخضر بن محمد بن الخضر على بن عبد ال بن تيمية الحرانى ـ قدس ال روحه ونور‬
‫ضريحه ورحمه ورضى عنه وأرضاه‪:‬‬
‫‪/‬‬

‫صــل‬
‫َف ْ‬

‫فى معان مستنبطة من سورة النور‬
‫ت ّلَعّلُكْم َتَذّكُروّن{ ]النور‪ ،[1:‬ففـرضها بالبينات والتقـدير‬
‫ت َبّيَنا ٍ‬
‫ضَناَها َوَأنَزْلَنا ِفيَها آَيا ٍ‬
‫سوَرٌة َأنَزْلَناَها َوَفَر ْ‬
‫قـال تعالى‪ُ }:‬‬
‫لحـدود ال التى مـن يتعد حللها إلى الحرام فقد ظلم نفسه‪ ،‬ومـن قرب مـن حـرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود‪ ،‬وبّين‬
‫فيها فرض العقوبة للزانيين مائـة جلـدة‪ ،‬وبّين فيها فريضة الشهادة على الزنا‪ ،‬وأنها أربع شهادات‪ ،‬وكذلك فريضـة‬
‫شهادة المتـلعنين كل منهما يشهـد أربع شهادات بال‪ ،‬ونهى فيها عن تعدى حـدوده فى الفروج والعراض‬
‫والعورات‪ ،‬وطاعة ذى السلطان سواء كان فى منزله أو فى وليته‪ ،‬ول يخرج ول يدخل إل بإذنه‪ ،‬إذ الحقوق نوعان‪:‬‬
‫نوع ل فل يتعدى حدوده‪ ،‬ونوع للعباد فيه أمر فل يفعل إل بإذن المالك‪ ،‬وليس لحد أن يفعل شيًئا فى حق غيره إل‬
‫بإذن ال‪ ،‬وإن لم يأذن المالك فإذن ال هو الصل‪ ،‬وإذن المالك حيث أذن ال وجعل له الذن فيه‪.‬‬
‫ولهذا ضمنها الستئذان فى المساكن والمطاعم‪ ،‬والستئذان فى‪ /‬المور الجامعة كالصلة والجهاد ونحوهما‪ ،‬ووسطها‬
‫بذكر النور الذى هو مادة كل خير وصلح كل شىء‪ ،‬وهو ينشأ عن امتثال أمر ال واجتناب نهيه‪ ،‬وعن الصبر على‬
‫سوِلِه ُيْؤِتُكْم‬
‫ل َوآِمُنوا ِبَر ُ‬
‫را‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬اّتُقوا ا َّ‬
‫ذلك‪ ،‬فإنه ضياء‪ ،‬فإن حفظ الحدود بتقوى ال يجعل ال لصاحبه نو ً‬
‫ِكْفَلْيِن ِمن ّرْحَمِتِه َوَيْجَعل ّلُكْم ُنوًرا َتْمُشوَن ِبِه َوَيْغِفْر َلُكْم{ ]الحديد‪.[28:‬‬
‫فضد النور الظلمة؛ ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين فيها بأعمال الكفار وأهل البدع والضلل‪ ،‬فقال‪َ} :‬واّلِذينَ‬
‫ل َلُه ُنوًرا َفَما َلُه‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع ِ‬
‫ج َيَدهُ َلْم َيَكْد َيَراَها َوَمن ّلْم َي ْ‬
‫خَر َ‬
‫ض ِإَذا َأ ْ‬
‫ق َبْع ٍ‬
‫ضَها َفْو َ‬
‫ت َبْع ُ‬
‫ظُلَما ٌ‬
‫ب ِبِقيَعٍة{ إلى قوله‪ُ } :‬‬
‫سَرا ٍ‬
‫عَماُلُهْم َك َ‬
‫َكَفُروا َأ ْ‬
‫ِمن ّنوٍر{ ]النور‪ ،[ 40 ،39:‬وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة‪ ،‬وظلم العبد نفسه من الظلم‪ ،‬فإن للسيئة ظلمة فى القلب‪،‬‬

‫ضا فى قلوب الخلق‪ ،‬كما روى ذلك عن ابن عباس‪.‬‬
‫صا فى الرزق‪ ،‬وبغ ً‬
‫وسواًدا فى الوجه‪ ،‬ووهًنا فى البدن‪ ،‬ونق ً‬
‫يوضح ذلك أن ال ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور‪ ،‬ومثل أعمال الكفار بالظلمة‪.‬‬

‫و]اليمان[‪ :‬اسم جامع لكل ما يحبه ال ويرضاه‪ .‬و]الكفر[‪ / :‬اسم جامع لكل ما يبغضه ال وينهى عنه‪ ،‬وإن كان ل‬
‫يكفر العبد إذا كان معه أصل اليمان وبعض فروع الكفر من المعاصى‪ ،‬كما ل يكون مؤمًنا إذا كان معه أصل الكفر‬
‫وبعض فروع اليمان ـ ولغض البصر اختصاص بالنور كما سنذكر ذلك ـ إن شاء ال تعالى ـ وقد روى أبو هريرة‬
‫عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪] :‬إن العبد إذا أذنب ُنِكَتت فى قلبه نكتة سوداء‪ ،‬فإن تاب ونزع واستغفر صقل‬
‫ل َبْل َراَن َعَلى ُقُلوِبِهم ّما َكاُنوا َيْكِسُبو َ{‬
‫ن{‬
‫قلبه‪ ،‬وإن زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه‪ ،‬فذلك ]الران[ الذى ذكر ال‪َ} :‬ك ّ‬
‫]المطففين‪ [ 14 :‬رواه الترمذى وصححه ]الران‪ :‬الطبع والتغطية والختم[‪ .‬وفى الصحيح أنه قال‪] :‬إنه ليغان على‬
‫قلبى وإنى لستغفر ال فى اليوم مائة مرة[‪ ،‬والغين‪ :‬حجاب رقيق أرق من الغيم‪ ،‬فأخبر أنه يستغفر ال استغفاًرا يزيل‬
‫الغين عن القلب‪ ،‬فل يصير نكتة سوداء كما أن النكتة السوداء إذا أزيلت ل تصير َرْيًنا‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فلو كشفتم‬
‫ظة]أى نكتة[ بيضاء‪ ،‬فكلما ازداد العبد إيماًنا ازداد قلبه بيا ً‬
‫وقال حذيفة‪ :‬إن اليمان يبدو فى القلب ُلْم َ‬
‫عن قلب المؤمن لرأيتموه أبيض مشرًقا‪ ،‬وإن النفاق يبدو منه لمظة سوداء‪ ،‬فكلما ازداد العبد نفاًقا ازداد قلبه سواًدا‪،‬‬
‫فلو كشفتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود مربًدا‪ .‬وقال صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن النور إذا دخل القلب انشرح‬
‫وانفسح( قيل‪ :‬فهل لذلك من علمة يا رسول ال؟ قال‪) :‬نعم‪ / ،‬التجافى عن دار الغرور‪ ،‬والنابة إلى دار الخلود‪،‬‬
‫والستعداد للموت قبل نزوله(‪.‬‬
‫وفى خطبة المام أحمد التى كتبها فى كتابه فى الرد على الجهمية والزنادقة قال‪] :‬الحمد ل الذى جعل فى كل زمان‬
‫فترة من الرسل بقايا من أهل العلم‪ ،‬يدعون من ضل إلى الهدى‪ ،‬ويصبرون منهم على الذى‪ ،‬يحيون بكتاب ال‬
‫الموتى‪ ،‬ويبصرون بنور ال أهل العمى‪ ،‬فكم من قتيل لبليس قد أحيوه‪ ،‬وكم من ضال تائه حيران قد هدوه‪ ،‬فما‬
‫أحسن أثرهم على الناس‪ ،‬وأقبح أثر الناس عليهم‪ ،‬ينفون عن كتاب ال تحريف الغالين‪ ،‬وانتحال المبطلين‪ ،‬وتأويل‬
‫الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة‪ ،‬وأطلقوا عنان الفتنة‪ ،‬فهم مختلفون فى الكتاب‪ ،‬مخالفون للكتاب‪ ،‬مجمعون على‬
‫مفارقة الكتاب‪ ،‬يقولون على ال‪ ،‬وفى ال‪ ،‬وفى كتاب ال بغير علم‪ ،‬يتكلمون بالمتشابه من الكلم‪ ،‬ويخدعون جُّهال‬
‫الناس بما يشبهون عليهم‪ ،‬نعوذ بال من شبه المضلين [‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد قرن ال ـ سبحانه ـ فى كتابه فى غير موضع بين أهل الهدى والضلل‪ ،‬وبين أهل الطاعة والمعصية بما‬
‫حَياء َو َ‬
‫ل‬
‫لْ‬
‫سَتِوي ا َْ‬
‫حُروُر َوَما َي ْ‬
‫ل اْل َ‬
‫ل َو َ‬
‫ظّ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل الّنوُر َو َ‬
‫ت َو َ‬
‫ظُلَما ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫صيُر َو َ‬
‫عَمى َواْلَب ِ‬
‫لْ‬
‫سَتِوي ا َْ‬
‫يشبه هذا‪ ،‬كقوله تعالى }َوَما َي ْ‬
‫صيِر َوالّسِميِع{ الية ]هود‪ ،[24 :‬وقال فى‬
‫صّم َواْلَب ِ‬
‫ل َ‬
‫عَمى َوا َ‬
‫لْ‬
‫ن َكا َ‬
‫ل اْلَفِريَقْي ِ‬
‫ت{ ]فاطر‪19:‬ـ ‪ ،[22‬وقال‪َ} :‬مَث ُ‬
‫لْمَوا ُ‬
‫ا َْ‬
‫ي اّلِذيَن آَمُنوْا{ الية ]البقرة‪ ،[257:‬وقال‪:‬‬
‫ل َوِل ّ‬
‫سَتْوَقَد َنارًا{ اليات ]البقرة‪ ،[17:‬وقال‪}:‬ا ّ‬
‫ل اّلِذي ا ْ‬
‫المنافقين‪َ}/ :‬مَثُلُهْم َكَمَث ِ‬
‫ت ِإَلى الّنوِر{ ]إبراهيم‪،[ 1:‬واليات فى ذلك كثيرة‪.‬‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫س ِم َ‬
‫ج الّنا َ‬
‫خِر َ‬
‫ك ِلُت ْ‬
‫ب َأنَزْلَناُه ِإَلْي َ‬
‫}ِكَتا ٌ‬
‫سَعى َبْي َ‬
‫ن‬
‫وهذا النور الذى يكون للمؤمن فى الدنيا على حسن عمله واعتقاده يظهر فى الخرة‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ} :‬نوُرُهْم َي ْ‬
‫َأْيِديِهْم َوِبَأْيَماِنِهْم{ الية ]التحريم‪ ،[ 8 :‬فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة‪ ،‬كما ذكره فى سورة النور عقيب أمره بغض‬
‫ل َجِميًعا َأّيَها اْلُمْؤِمُنوَن َلَعّلُكْم ُتْفِلُحوَن{ ]النور‪ ،[31 :‬وذكر ذلك بعد أمره‬
‫البصر‪ ،‬وأمره بالتوبة فى قوله‪َ} :‬وُتوُبوا ِإَلى ا ِّ‬
‫سَعى ُنوُرُهم َبْي َ‬
‫ن‬
‫ت َي ْ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫بحقوق الهلين والزواج وما يتعلق بالنساء؛ وقال فى سورة الحديد‪َ} :‬يْوَم َتَرى اْلُمْؤِمِني َ‬
‫صيُر{ ]الحديد‪12 :‬ـ ‪.[15‬‬
‫س اْلَم ِ‬
‫لُكمْ َوِبْئ َ‬
‫ي َمْو َ‬
‫َأْيِديِهْم وَِبَأْيَماِنِهم{ اليات‪،‬إلى قوله فى المنافقين‪َ} :‬مْأَواُكُم الّناُر ِه َ‬

‫فأخبر ـ سبحانه ـ أن المنافقين يفقدون النور الذى كان المؤمنون يمشون به‪ ،‬ويطلبون القتباس من نورهم فيحجبون‬
‫عن ذلك بحجاب يضرب بينهم وبين المؤمنين‪ ،‬كما أن المنافقين لما فقدوا النور فى الدنيا كان مثلهم كمثل الذى استوقد‬
‫ناًرا‪ ،‬فلما أضاءت ما حوله ذهب ال بنورهم وتركهم فى ظلمات‪ ،‬فقوله تعالى‪} :‬الّزاِنَيُة َوالّزاِني{الية ]النور‪،[2 :‬‬
‫فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من المؤمنين‪ ،‬وذلك بشهادته على نفسه‪ ،‬أو بشهادة المؤمنين عليه؛ لن‬
‫المعصية إذا كانت ظاهرة كانت عقوبتها ‪ /‬ظاهرة‪ ،‬كما جاء فى الثر‪ :‬من أذنب سًرا فليتب سًرا‪ ،‬ومن أذنب علنية‬
‫فليتب علنية‪ .‬وليس من الستر الذى يحبه ال ـ تعالى ـ كما فى الحديث‪] :‬من ستر مسلًما ستره ال[ ـ بل ذلك إذا ستر‬
‫خِفَيت لم تضر إل صاحبها‪ ،‬وإذا أعلنت فلم تنكر ضرت‬
‫كان ذلك إقراًرا لمنكر ظاهر‪ ،‬وفى الحديث‪] :‬إن الخطيئة إذا َ‬
‫العامة[‪ ،‬فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن‪.‬‬
‫ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة‪ ،‬كما روى ذلك عن الحسن البصرى وغيره؛ لنه لما أعلن ذلك استحق‬
‫عقوبة المسلمين له‪ ،‬وأدنى ذلك أن يذم عليه لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته‪ ،‬ولو لم يذم ويذكر بما فيه من‬
‫ضا ـ هو‬
‫الفجور والمعصية أو البدعة لغتر به الناس‪ ،‬وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه‪ ،‬ويزداد ـ أي ً‬

‫جرأة وفجوًرا ومعاصى‪ ،‬فإذا ذكر بما فيه انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته ومخالطته‪ ،‬قال الحسن‬
‫عا‪ ،‬و]الفجور[‪ :‬اسم جامع‬
‫البصرى‪ :‬أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كى يحذره الناس‪ ،‬وقد روى مرفو ً‬
‫لكل متجاهر بمعصية‪ ،‬أو كلم قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله‪.‬‬
‫ولهذا كان مستحًقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجوًرا أو تهتًكا‪،‬أو مخالطة لمن هذا حاله بحيث ل يبالى بطعن‬
‫الناس عليه‪ ،‬فإن‪ /‬هجره نوع تعزير له‪،‬فإذا أعلن السىئات أعلن هجره‪،‬وإذا أسر أسر هجره‪ ،‬إذ الهجرة هى الهجرة‬
‫على السيئات‪،‬وهجرة السيئات هجرة ما نهى ال عنه‪،‬كما قال تعالى‪َ}:‬والّرْجَز َفاْهُجْر{ ]المدثر‪ ،[5:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫سَتْهَزُأ ِبَها َف َ‬
‫ل‬
‫ل ُيَكَفُر ِبَها َوُي ْ‬
‫تا ّ‬
‫سِمْعُتْم آَيا ِ‬
‫ن ِإَذا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫عَلْيُكْم ِفي اْلِكَتا ِ‬
‫ل َ‬
‫ل{ ]المزمل‪ ،[10:‬وقال‪َ}:‬وَقْد َنّز َ‬
‫جِمي ً‬
‫جًرا َ‬
‫جْرُهْم َه ْ‬
‫}َواْه ُ‬
‫ث َغْيِرِه ِإّنُكْم ِإًذا ّمْثُلُهْم{ ]النساء‪.[140 :‬‬
‫حِدي ٍ‬
‫ضوْا ِفي َ‬
‫خو ُ‬
‫حّتى َي ُ‬
‫َتْقُعُدوْا َمَعُهْم َ‬
‫وقد روى عن عمر بن الخطاب‪ :‬أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر‪ ،‬وذهب به أخوه إلى أمير مصر عمرو‬
‫بن العاص ليجلده الحد‪ ،‬جلده الحد سًرا‪ ،‬وكان الناس يجلدون علنية‪ ،‬فبعث عمر بن الخطاب إلى عمرو ينكر عليه‬
‫ذلك‪ ،‬ولم يعتد عمر بذلك الجلد حتى أرسل إلى ابنه فأقدمه المدينة فجلده الحد علنية‪ ،‬ولم ير الوجوب سقط بالحد‬
‫الول‪ ،‬وعاش ابنه بعد ذلك مدة ثم مرض ومات‪ ،‬ولم يمت من ذلك الجلد‪ ،‬ول ضربه بعد الموت‪ ،‬كما يزعمه‬
‫الكّذابون‪.‬‬
‫ل{ الية ]النور‪،[ 2 :‬نهى ـ تعالى ـ عما يأمر به الشيطان فى العقوبات‬
‫ن ا ِّ‬
‫خْذُكم ِبِهَما َرْأَفٌة ِفي ِدي ِ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫صا‪ ،‬فإن هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة والرأفة‪ ،‬التى يزينها الشيطان‬
‫عموًما‪ ،‬وفى أمر الفواحش خصو ً‬
‫بانعطاف القلوب على أهل الفواحش والرأفة بهم‪ ،‬حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الفة فى الدياثة وقلة الغيرة‬
‫شَرة منكرة‪ ،‬أو رأى له محبة أو ميل وصبابة وعشًقا‪ ،‬ولو كان‬
‫عْ‬
‫إذا ‪ /‬رأى من يهوى بعض المتصلين به أو يعاشره ِ‬
‫ولده رأف به‪ ،‬وظن أن هذا من رحمة الخلق‪ ،‬ولين الجانب بهم‪ ،‬ومكارم الخلق‪ ،‬وإنما ذلك دياثة ومهانة‪ ،‬وعدم دين‬
‫وضعف إيمان‪ ،‬وإعانة على الثم والعدوان‪ ،‬وترك للتناهى عن الفحشاء والمنكر‪.‬‬
‫وتدخل النفس به فى القيادة التى هى أعظم الدياثة‪ ،‬كما دخلت عجوز السوء مع قومها فى استحسان ما كانوا يتعاطونه‬
‫من إتيان الذكران والمعاونة لهم على ذلك‪،‬وكانت فى الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط‪،‬وفى الباطن منافقة على‬
‫دين قومها‪،‬ل تقلى عملهم كما قله لوط؛ فإنه أنكره ونهاهم عنه وأبغضه‪،‬وكما فعل النسوة اللواتى بمصر مع يوسف‪،‬‬
‫عوَنِني‬
‫ي ِمّما َيْد ُ‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫جُ‬
‫سْ‬
‫ب ال ّ‬
‫فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من فعل الفاحشة معها؛ولهذا قال‪َ}:‬ر ّ‬
‫لٍل ّمِبيٍن{ ]يوسف‪.[30 :‬‬
‫ضَ‬
‫ِإَلْيِه{ ]يوسف‪ ،[33 :‬وذلك بعد قولهن‪ِ}:‬إّنا َلَنَراَها ِفي َ‬
‫ول ريب أن محبة الفواحش مرض فى القلب‪ ،‬فإن الشهوة توجب السكر‪ ،‬كما قال تعالى عن قوم لوط‪ِ} :‬إّنُهْم َلِفي‬
‫َسْكَرِتِهْم َيْعَمُهوَن{ ]الحجر‪ ،[ 72 :‬وفى الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبى هريرة عن النبى صلى ال عليه وسلم‬

‫قال‪] :‬العينان تزنيان وزناهما النظر[ الحديث إلى آخره‪ .‬فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه ‪ /‬النواع‬
‫المذكورة فى هذا الحديث؛ كالنظر‪ ،‬والستمتاع‪ ،‬والمخاطبة‪ ،‬ومنهم‪ :‬من يرتقى إلى اللمس والمباشرة‪ ،‬ومنهم‪ :‬من‬
‫يقبل وينظر‪ ،‬وكل ذلك حرام‪ ،‬وقد نهانا ال ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد‪ ،‬فكيف بما هو دون‬
‫ذلك من هجر وأدب باطن ونهى وتوبيخ وغير ذلك؟! بل ينبغى شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به النسان من‬
‫أنواع الزنا المذكورة فى هذا الحديث المتقدم وغيره‪.‬‬
‫وذلك أن المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والستمتاع بصورة ذلك المحبوب وكلمه‪ ،‬فليس دواؤه فى أن‬
‫يعطى نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك؛ لنه مريض‪ ،‬والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء‬
‫الكريه‪ ،‬فأخذتنا رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ينفعه‪ ،‬فيزداد سقمه‬
‫فيهلك‪ ،‬وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض‪ ،‬فليس الرأفة به والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات‪ ،‬ول‬
‫عِ‬
‫ن‬
‫صلََة َتْنَهى َ‬
‫ن ال ّ‬
‫يعان على ذلك‪ ،‬ول أن يمكن من ترك ما ينفعه من الطاعات التى تزيل مرضه‪ ،‬قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫اْلَفْحَشاء َواْلُمنَكِر{ ]العنكبوت‪ ،[ 45 :‬أى‪ :‬فيها الشفاء وأكبر من ذلك‪.‬‬
‫بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريًها؛ مثل الصلة وما فيها من الذكار والدعوات‪ ،‬وأن يحمى عما‬
‫يقوى داءه ويزيد علته وإن اشتهاه‪ ،‬ول يظن الظان أنه إذا حصل له استمتاع ‪ /‬بمحرم يسكن بلؤه‪ ،‬بل ذلك يوجب له‬

‫جا عظيًما‪ ،‬وزيادة فى البلء والمرض فى المآل‪ ،‬فإنه وإن سكن بلؤه وهدأ ما به عقيب استمتاعه أعقبه ذلك‬
‫انزعا ً‬
‫ضا عظيًما عسيًرا ل يتخلص منه‪ ،‬بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء الذى‬
‫مر ً‬
‫ترامى به إلى الهلك والعطب‪ ،‬ومن المعلوم أن ألم العلج النافع أيسر وأخف من ألم المرض الباقى‪.‬‬
‫وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح ال بها مرض القلوب‪ ،‬وهى من رحمة ال بعباده‪،‬‬
‫ك ِإّل َرْحَمًة ّلْلَعاَلِميَن{ ]النبياء‪ ،[107 :‬فمن ترك هذه الرحمة النافعة‬
‫سْلَنا َ‬
‫ورأفته بهم‪ ،‬الداخلة فى قوله تعالى‪َ} :‬وَما َأْر َ‬
‫لرأفة يجدها بالمريض فهو الذى أعان على عذابه وهلكه‪ ،‬وإن كان ل يريد إل الخير‪ ،‬إذ هو فى ذلك جاهل أحمق‪،‬‬
‫جّهال بمرضاهم‪ ،‬وبمن يربونه من أولدهم وغلمانهم وغيرهم فى ترك تأديبهم‬
‫كما يفعله بعض النساء والرجال ال ُ‬
‫وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر‪ ،‬ويتركونه من الخير رأفة بهم‪ ،‬فيكون ذلك سبب فسادهم‪ ،‬وعداوتهم‪ ،‬وهلكهم‪.‬‬
‫ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم فى ذلك المرض وذوقه ما ذاقوه من قوة الشهوة وبرودة القلب والدياثة‪،‬‬
‫فيترك ما أمر ال به من العقوبة‪ ،‬وهو فى ذلك من أظلم الناس وَأْدَيِثِهم فى حق نفسه ونظرائه‪ ،‬وهو بمنزلة جماعة من‬
‫المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم ‪ /‬فوجد كبيرهم مرارته فترك شربه‪ ،‬ونهى عن سقيه للباقين‪.‬‬
‫ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين محبوًبا له‪ ،‬إما أن يكون محًبا لصورته وجماله بعشق أو غيره‪ ،‬أو لقرابة‬
‫بينهما‪ ،‬أو لمودة أو لحسانه إليه‪ ،‬أو لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك‪ ،‬أو لما فى العذاب من اللم الذى يوجب رقة‬
‫القلب‪ .‬ويتأول‪] :‬إنما يرحم ال من عباده الرحماء[‪ ،‬ويقول الحمق‪] :‬الراحمون يرحمهم الرحمن‪ ،‬ارحموا من فى‬
‫الرض يرحمكم من فى السماء[ وغير ذلك‪ ،‬وليس كما قال‪ ،‬بل ذلك وضع الشىء فى غير موضعه‪ ،‬بل قد ورد فى‬
‫ضا للفواحش‪ ،‬كارًها لها ولهلها‪ ،‬ول يغضب عند رؤيتها وسماعها‬
‫الحديث‪] :‬ل يدخل الجنة ديوث[‪ ،‬فمن لم يكن مبغ ً‬
‫ل{ الية‬
‫ن ا ِّ‬
‫خْذُكم ِبِهَما َرْأَفٌة ِفي ِدي ِ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫لم يكن مريًدا للعقوبة عليها‪ ،‬فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه‪ ،‬قال تعالى‪َ}:‬و َ‬
‫]النور‪.[2 :‬‬
‫فإن دين ال هو طاعته وطاعة رسوله المبنى على محبته ومحبة رسوله‪،‬وأن يكون ال ورسوله أحب إليه مما‬
‫سواهما؛ فإن الرأفة والرحمة يحبهما ال‪،‬ما لم تكن مضيعة لدين ال‪.‬‬
‫وفى الصحيح عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪] :‬إنما يرحم ال من عباده الرحماء[‪ ،‬وقال‪] :‬ل يرحم ال من ل‬
‫حم[‪ ،‬وفى السنن‪] :‬الراحمون يرحمهم الرحمن‪ ،‬ارحموا من فى الرض‬
‫حم ل ُيْر َ‬
‫يرحم الناس[‪ ،‬وقال‪] / :‬من ل َيْر َ‬
‫يرحمكم من فى السماء[‪ .‬فهذه الرحمة حسنة مأمور بها أمر إيجاب أو استحباب‪ ،‬بخلف الرأفة فى دين ال فإنها‬
‫منهى عنها‪.‬‬
‫والشيطان يريد من النسان السراف فى أموره كلها‪ ،‬فإنه إن رآه مائل إلى الرحمة زين له الرحمة حتى ل يبغض ما‬
‫أبغضه ال‪ ،‬ول يغار لما يغار ال منه‪،‬وإن رآه مائل إلى الشدة‪ ،‬زين له الشدة فى غير ذات ال حتى يترك من‬
‫الحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به ال ورسوله‪،‬ويتعدى فى الشدة فيزيد فى الذم والبغض والعقاب‬
‫على ما يحبه ال ورسوله‪ :‬فهذا يترك ما أمر ال به من الرحمة والحسان وهو مذموم مذنب فى ذلك‪ ،‬ويسرف فيما‬
‫أمر ال به ورسوله من الشدة حتى يتعدى الحدود وهو من إسرافه فى أمره‪ .‬فالول‪ :‬مذنب‪ ،‬والثانى‪ :‬مسرف‪ ،‬وال ل‬
‫سَراَفَنا ِفي َأْمِرَنا َوَثّب ْ‬
‫ت‬
‫غِفْر َلَنا ُذُنوَبَنا َوِإ ْ‬
‫ىحب المسرفىن‪ ،‬فليقول جميًعا‪} :‬رّبَنا ا ْ‬
‫ن{ ]آل عمران‪.[147 :‬‬
‫عَلى اْلَقْوِم اْلَكاِفِري َ‬
‫صْرَنا َ‬
‫َأْقَداَمَنا وان ُ‬
‫ل َواْلَيْوِم اْلِخِر{ ]النور‪ ،[ 2 :‬فالمؤمن بال واليوم الخر يفعل ما يحبه ال ورسوله‪،‬‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إن ُكنُتْم ُتْؤِمُنو َ‬
‫وينهى عما يبغضه ال ورسوله‪ ،‬ومن لم يؤمن بال واليوم الخر فإنه يتبع هواه‪ ،‬فتارة تغلب عليه الرأفة ‪ /‬هوى‪،‬‬
‫ل{{‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن اّتَبَع َهَواُه ِبَغْيِر ُهًدى ّم َ‬
‫ل ِمّم ِ‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫وتارة تغلب عليه الشدة هوى‪ ،‬فيتبع ما يهواه فى الجانبين بغير هدى من ال }َوَم ْ‬
‫صّر على‬
‫]القصص‪ ،[ 50 :‬فإن الزنا من الكبائر‪ ،‬وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر‪ ،‬فإن أ َ‬
‫النظر أو على المباشرة صار كبيرة‪ ،‬وقد يكون الصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش‪ ،‬فإن دوام النظر بالشهوة‬
‫وما يتصل به العشق والمعاشرة والمباشرة‪ ،‬قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا ل إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء فى‬
‫صّر على صغيرة‪ ،‬وفى الحديث المرفوع‪) :‬ل صغيرة مع إصرار‪ ،‬ول كبيرة مع‬
‫الشاهد العدل‪:‬أل يأتى كبيرة‪ ،‬ول ُي ِ‬
‫استغفار(‪.‬‬

‫ح ّ‬
‫ب‬
‫حّبوَنُهْم َك ُ‬
‫ل َأنَدادًا ُي ِ‬
‫نا ّ‬
‫خُذ ِمن ُدو ِ‬
‫س َمن َيّت ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫بل قد ينتهى النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك‪ ،‬كما قال تعالى‪َ}:‬ومِ َ‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[ 165 :‬ولهذا ل يكون عشق الصور إل من ضعف محبة ال وضعف اليمان‪ ،‬وال ـ تعالى ـ إنما ذكره‬
‫ا ّ‬

‫فى القرآن عن امرأة العزيز المشركة‪،‬وعن قوم لوط المشركين‪ ،‬والعاشق المتيم يصير عبًدا لمعشوقه‪ ،‬منقاًدا له‪،‬أسير‬
‫القلب له‪.‬‬
‫وقد جمع النبى صلى ال عليه وسلم ذكر الحدود إن حالت شفاعته دون حد من حدود ال‪ ،‬فقد ضاد ال فيما رواه أبو‬
‫داود عن ابن عمر قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪] :‬من حالت شفاعته دون حد ‪ /‬من حدود ال فقد ضاد ال‬
‫س فى‬
‫فى أمره‪ ،‬ومن خاصم فى باطل وهو يعلم لم يزل فى سخط ال حتى ينزع‪ ،‬ومن قال فى مسلم ما ليس فيه حُِب َ‬
‫خَبال حتى يخرج مما قال[ ]رْدغة الخبال‪ :‬جاء تفسيرها فى الحديث أنها عصارة أهل النار‪ ،‬والرْدغة ـ‬
‫غة ال َ‬
‫َرْد َ‬
‫بسكون الدال وفتحها‪ :‬طين ووحل كثير[ ‪ ،‬فالشافع فى تعطيل الحدود مضاد ل فى أمره؛ لن ال أمر بالعقوبة على‬
‫تعدى الحدود‪ ،‬فل يجوز أن تأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصى والظلمة‪.‬‬
‫وجماع ذلك كله فيما وصف ال به المؤمنين حيث قال‪َ} :‬أِذّلٍة َعَلى اْلُمْؤِمِنيَن َأِعّزةٍ َعَلى اْلَكاِفِريَن{ ]المائدة‪ [54:‬وقال‪:‬‬
‫}َأِشّداء َعَلى اْلُكّفاِر ُرَحَماء َبْيَنُهْم{ ]الفتح‪ ،[ 29:‬فإن هذه الكبائر كلها من شعب الكفر‪ ،‬ولم يكن المسلم كافًرا بمجرد‬
‫ارتكاب كبيرة‪ ،‬ولكنه يزول عنه‬
‫اسم اليمان الواجب‪ ،‬كما فى الصحاح عنه صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن( الحديث إلى‬
‫آخره‪ .‬ففيهم من نقص اليمان ما يوجب زوال الرأفة والرحمة بهم‪ ،‬واستحقوا بتلك الشعبة من الشدة بقدر ما فيها‪ ،‬ول‬
‫منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه‪ ،‬ويعذب ويبغض من وجه آخر‪ ،‬ويثاب من وجه‪ ،‬ويعاقب‬
‫من وجه‪ ،‬فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه المران‪ ،‬خلًفا لما يزعمه الخوارج ونحوهم‬
‫من المعتزلة‪ ،‬فإن عندهم أن من استحق العذاب من أهل القبلة ل يخرج من النار‪ ،‬فأوجبوا خلود أهل التوحيد‪ .‬وقال‬
‫من استحق العذاب‪ :‬ل يستحق الثواب‪.‬‬
‫‪ /‬ولهذا جاء فى السنة‪ :‬أن من أقيم عليه الحد والعقوبات‪ ،‬ولم يأخذ المؤمنين به رأفة أن يرحم من وجه آخر فيحسن‬
‫إليه ويدعى له‪،‬وهذا الجانب أغلب فى الشريعة‪،‬كما أنه الغالب فى صفة الرب ـ سبحانه ـ كما فى الصحيحين‪) :‬إن ال‬
‫كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش‪ :‬إن رحمتى تغلب غضبي( ‪ ،‬وفى رواية‪) :‬سبقت غضبى( ‪ ،‬وقال‪َ} :‬نّب ْ‬
‫ئ‬
‫نا ّ‬
‫ل‬
‫ب َوَأ ّ‬
‫شِديُد اْلِعَقا ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫عَلُموْا َأ ّ‬
‫لِليَم{ ]الحجر‪ ،[50 ،49 :‬وقال‪}:‬ا ْ‬
‫با َ‬
‫عَذاِبي ُهَو اْلَعَذا ُ‬
‫ن َ‬
‫حيُم َو َأ ّ‬
‫عَباِدي َأّني َأَنا اْلَغُفوُر الّر ِ‬
‫ِ‬
‫َغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]المائدة‪ ،[ 98 :‬فجعل الرحمة صفة له مذكورة فى أسمائه الحسنى‪ ،‬وأما العذاب والعقاب فجعلهما من‬
‫مفعولته غير مذكورين فى أسمائه ‪.‬‬
‫غُل ْ‬
‫ظ‬
‫ن َوا ْ‬
‫جاِهِد اْلُكّفاَر َواْلُمَناِفِقي َ‬
‫ي َ‬
‫ومن هذا الباب ما أمر ال به من الغلظة على الكفار والمنافقين‪ ،‬فقال تعالى‪َ}:‬يا َأّيَها الّنِب ّ‬
‫َعَلْيِهْم{ ]التوبة‪ ،73:‬والتحريم‪ [9 :‬وقال‪َ}:‬ل َتّتِخُذوا َعُدّوي َوَعُدّوُكْم َأْوِلَياء ُتْلُقوَن ِإَلْيِهم ِباْلَمَوّدِة{ اليات‪ ،‬إلى قوله فى قصة‬
‫ل َوْحَدُه{ ]الممتحنة‪1 :‬ـ ‪ ،[ 4‬وكذلك آخر المجادلة‪ ،‬وقد ثبت فى صحيح مسلم عن الحسن‪ ،‬عن‬
‫حّتى ُتْؤِمُنوا ِبا ِّ‬
‫إبراهيم‪َ } :‬‬
‫ن بن عبد ال‪،‬عن عبادة بن الصامت‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪):‬خذوا عنى‪ ،‬قد جعل ال لهن سبيل‬
‫طا َ‬
‫حّ‬
‫ِ‬
‫‪:‬البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام‪ ،‬والثيب بالثيب جلد مائة والرجم(‪.‬‬

‫وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد أنه ‪ /‬صلى ال عليه وسلم‪ :‬اختصم إليه رجلن‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬يا‬
‫رسول ال‪ ،‬اقض بيننا بكتاب ال ‪ ،‬وقال الخر ـ وهو أفقه منه‪ :‬يارسول ال‪ ،‬اقض بيننا بكتاب ال‪ ،‬وائذن لى‪ :‬إن ابنى‬
‫كان عسيًفا على هذا‪ ،‬وإنه زنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة ووليدة‪ ،‬وإنى سألت أهل العلم فقالوا‪ :‬على ابنك جلد‬
‫مائة وتغريب عام‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬لقضين بينكما بكتاب ال‪ :‬أما المائة شاة والوليدة فرد عليك‪،‬‬
‫وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام‪ ،‬واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها‪ ،‬فاعترفت فرجمها(‪.‬‬
‫فهذه المرأة أحد من رجمه النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ورجم ـ أيضا ـ اليهوديين على باب مسجده‪ ،‬ورجم ماعز بن‬
‫مالك‪،‬ورجم الغامدية‪ ،‬ورجم غير هؤلء‪ .‬وهذا الحديث يوافق ما فى الية من بيان السبيل الذى جعله ال لهن‪ :‬وهو‬
‫جلد مائة وتغريب عام فى البكر‪ ،‬وفى الثيب الرجم‪ ،‬لكن الذى فى هذا الحديث هو الجلد والنفي للبكر من الرجال‪،‬‬
‫وأما الية ففيها ذكر المساك فى البيوت للنساء خاصة‪،‬ومن فقهاء العراق من ل يوجب مع الحد تغريًبا‪ ،‬ومنهم من‬
‫يفرق بين الرجل والمرأة‪،‬كما أن أكثرهم ل يوجبون مع رجم جلد مائة‪،‬ومنهم من يوجبهما جميًعا‪ ،‬كما فعل على‬

‫بسراحة الهمدانية حيث جلدها ثم رجمها‪ ،‬وقال‪) :‬جلدتها بكتاب ال‪ ،‬ورجمتها بسنة نبيه( ‪/‬رواه البخارى‪ .‬وعن أحمد‬
‫فى ذلك روايتان‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ ذكر فى سورة النساء ما يختص بالنساء من العقوبة بالمساك فى البيوت إلى الممات‪ ،‬أو إلى جعل‬
‫السبيل ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال‪َ}:‬والّلَذاَن َيْأِتَياِنَها ِمنُكْم َفآُذوُهَما{ ]النساء‪ ،[ 16 :‬فإن الذى يتناول الصنفين‪ ،‬وأما‬
‫المساك فيختص بالنساء‪ ،‬فالنساء يؤذين ويحبسن‪ ،‬بخلف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس؛ لن المرأة يجب أن‬
‫تصان وتحفظ بما ل يجب مثله فى الرجل؛ ولهذا خصت بالحتجاب‪ ،‬وترك إبداء الزينة‪ ،‬وترك التبرج‪ ،‬فيجب فى‬
‫حقها الستتار باللباس والبيوت ما ل يجب فى حق الرجل؛ لن ظهور النساء سبب الفتنة‪ ،‬والرجال قوامون عليهن‪.‬‬
‫وقوله‪َ}:‬فاْسَتْشِهُدوْا َعَلْيِهّن َأْرَبعًة ّمنُكْم{ ]النساء‪ ،[ 15:‬دل على شيئين‪ :‬على أن نصاب الشهادة على الفاحشة أربعة‪،‬‬
‫وعلى أن الشهداء بها على نسائنا يجب أن يكونوا منا‪ ،‬فل تقبل شهادة الكفار على المسلمين‪ ،‬وهذا ل نزاع فيه‪ ،‬وإنما‬
‫النزاع فى قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض‪ ،‬وفيه قولن عند أحمد‪ :‬أشهرهما عنده وعند أصحابه‪:‬أنها ل تقبل‪،‬‬
‫كمذهب مالك والشافعى‪ .‬والثانية‪ :‬أنها تقبل‪ ،‬اختارها أبو الخطاب من أصحاب أحمد‪ ،‬وهو قول أبى حنيفة‪ ،‬وهو أشبه‬
‫بالكتاب والسنة وقد قال النبى صلى ال عليه وسلم‪):‬لتجوز شهادة أهل ملة على أهل ملة إل ‪ /‬أمتى فإن شهادتهم‬
‫تجوز على من سواهم( فإنه لم ينف شهادة أهل الملة الواحدة بعضها على بعض‪ ،‬بل مفهوم ذلك جواز شهادة أهل‬
‫الملة الواحدة بعضها على بعض‪،‬ولكن فيه بيان أن المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم لقوله تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫ك‬
‫س{ ]البقرة‪ ،[ 143 :‬وفى آخر الحج مثلها‪.‬‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫شَهَداء َ‬
‫طا ّلَتُكوُنوْا ُ‬
‫سً‬
‫جَعْلَناُكْم ُأّمًة َو َ‬
‫َ‬
‫وقد ثبت فى صحيح البخارى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪ُ) :‬يْدعى نوح يوم القيامة‪،‬‬
‫فيقال له‪ :‬هل بلغت؟ فيقول‪ :‬نعم‪َ ،‬فُيْدعى قومه‪ ،‬فيقال‪ :‬هل بلغكم؟ فيقولون‪ :‬ما جاءنا من بشير ول نذير‪ ،‬فيقال لنوح‪:‬‬
‫من يشهد لك‪،‬فيقول‪ :‬محمد وأمته‪ ،‬فيؤتى بكم فتشهدون أنه َبّلَغ(‪ ،‬وكذلك فى الصحيحين من حديث أنس فى شهادتهم‬
‫على تلك الجنازتين‪ ،‬وأنهم أثنوا على إحداهما خيًرا‪ ،‬وعلى الخرى شًرا‪ ،‬فقال‪) :‬أنتم شهداء ال فى أرضه( الحديث‪.‬‬
‫ولهذا لما كان أهل السنة والجماعة الذىن محضوا السلم ولم يشوبوه بغيره‪ ،‬كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق‬
‫المة بخلف أهل البدع والهواء‪ ،‬كالخوارج والروافض‪ ،‬فإن بينهم من العداوة والظلم ما يخرجهم عن كمال هذه‬
‫الحقيقة التى جعلها ال لهل السنة‪ ،‬قال النبى صلى ال عليه وسلم فيهم‪) :‬يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله‪ ،‬ينفون‬
‫عنه تحريف الغالين‪ ،‬وانتحال المبطلين‪ ،‬وتأويل الجاهلين(‪.‬‬
‫ن آَمُنوْا‬
‫‪ /‬وقد استدل من جوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه الية التى فى المائدة‪ ،‬وهى قوله‪ِ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫صّيِة اْثَناِن َذَوا َعْدٍل ّمنُكْم َأْو آَخَراِن ِمْن َغْيِرُكْم{ الية ]المائدة‪ ،[106 :‬ثم قال من‬
‫ن اْلَو ِ‬
‫حي َ‬
‫ت ِ‬
‫حَدُكُم اْلَمْو ُ‬
‫ضَر َأ َ‬
‫ح َ‬
‫شَهاَدُة َبْيِنُكْم ِإَذا َ‬
‫َ‬

‫أخذ بظاهر هذه الية من أهل الكوفة‪ :‬دلت هذه الية على قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين‪ ،‬فيكون فى ذلك تنبيه‬
‫ودللة على قبول شهادة بعضهم على بعض بطريق الولى‪ ،‬ثم نسخ الظاهر ليوجب نسخ الفحوى والتنبيه‪ ،‬وهذه‬
‫الية الدالة على نصوص المام أحمد وغيره من أئمة الحديث الموافقين للسلف فى العمل بهذه الية وما يوافقها من‬
‫الحديث أوجه وأقوى‪ ،‬فإن مذهبه قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر؛ لنه موضع ضرورة‬
‫فإذا جازت شهادتهم لغيرهم فعلى بعضهم أجوز وأجوز‪.‬‬
‫طِلُع عليه الرجال‪ ،‬حتى نص‬
‫ولهذا يجوز فى الشهادة للضرورة ما ل يجوز فى غيرها‪ ،‬كما تقبل شهادة النساء فيما لَي ّ‬
‫أحمد على قبول شهادتهن فى الحدود التى تكون فى مجامعهن الخاصة‪،‬مثل الحمامات‪ ،‬والعرسات‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬فالكفار‬
‫الذين ل يختلط بهم المسلمون أولى أن تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا حكمنا بينهم‪ ،‬وال أمرنا أن نحكم بينهم‪،‬‬
‫والنبى صلى ال عليه وسلم رجم الزانيين من اليهود من غير سماع إقرار منهما‪ ،‬ول شهادة مسلم عليهما‪ ،‬ولول قبول‬
‫شهادة بعضهم على بعض لم يجز ذلك‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫ضا نزاع‪ ،‬فهل يتولى الكافر العدل فى دينه مال ولده الكافر؟ على قولين فى مذهب‬
‫‪ /‬ثم إن فى تولى مال بعضهم بع َ‬
‫أحمد وغيره‪ ،‬والصواب المقطوع به‪ :‬أن بعضهم أولى ببعض‪ ،‬وقد مضت سنة النبى صلى ال عليه وسلم بذلك وسنة‬
‫خلفائه‪ ،‬وقوله تعالى‪َ} :‬فآُذوُهَما{ أمر بالذى مطلًقا‪ ،‬ولم يذكر كيفيته وصفته ول قدره‪ ،‬بل ذكر أنه يجب إيذاؤهما‬
‫ن ا َّ‬
‫ل‬
‫ن ُيْؤُذو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل َأًذى{ ]آل عمران‪ [111 :‬وقوله‪ِ}:‬إ ّ‬
‫ضّروُكْم ِإ ّ‬
‫را‪ ،‬كقوله‪َ}:‬لن َي ُ‬
‫ولفظ‪) :‬الذى( يستعمل فى القوال كثي ً‬
‫ن ُيْؤُذو َ‬
‫ن‬
‫سُبوا { ]الحزاب‪َ} ،[58 :‬وِمْنُهُم اّلِذي َ‬
‫ت ِبَغْيِر َما اكَْت َ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ُيْؤُذو َ‬
‫سوَلُه{ ]الحزاب‪َ} ،[57 :‬واّلِذي َ‬
‫َوَر ُ‬

‫ي{ ]التوبة‪ [ 61 :‬وقول النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل أحد أصبر على أذى سمعه من ال(‪ ،‬ونظائر ذلك كثيرة‬
‫الّنِب ّ‬
‫ذكرناها فى كتاب )الصارم المسلول(‪ .‬وهذا كما قال صلى ال عليه وسلم فى شارب الخمر‪) :‬عاقبوه وآذوه( ‪ ،‬وقال‬
‫ضوْا َعْنُهَما{ ]النساء‪ [ 16 :‬والعراض هو المساك عن اليذاء‪.‬‬
‫عِر ُ‬
‫حا َفَأ ْ‬
‫صَل َ‬
‫}َفِإن َتاَبا َوَأ ْ‬
‫فالمذنب ليزال يؤذى وينهى ويوعظ ويوبخ ويغلظ له فى الكلم إلى أن يتوب ويطيع ال‪ ،‬وأدنى ذلك هجره فل يكلم‬
‫بالكلم الطيب‪ ،‬كما هجر النبى صلى ال عليه وسلم والمؤمنون الثلثة الذىن خلفوا حتى ظهرت توبتهم وصلحهم‪،‬‬
‫وهذه آية محكمة ل نسخ فيها‪ ،‬فمن أتى الفاحشة من الرجال والنساء فإنه يجب إيذاؤه بالكلم الزاجر له عن المعصية‬
‫إلى ‪ /‬أن يتوب‪ ،‬وليس ذلك محدوًدا بقدر ول صفة إل ما يكون زاجًرا له داعًيا إلى حصول المقصود وهو توبته‬
‫وصلحه‪ ،‬وقد علقه ـ تعالى ـ على هذين المرين‪ :‬التوبة‪ ،‬والصلح‪ .‬فإذا لم يوجدا فل يجوز أن يكون المر‬
‫بالعراض موجوًدا فيؤذى‪ ،‬والية دلت على وجوب اليذاء للذين يأتيان الفاحشة منا‪ ،‬ودلت على وجوب العراض‬
‫عن الذى فى حق من تاب وأصلح‪ ،‬فأما من تاب بترك فعل الفاحشة ولم يصلح‪ ،‬فقد تنازع الفقهاء هل يشترط فى‬
‫قبول التوبة صلح العمل؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره‪.‬‬
‫لَة َوآَتُواْ‬
‫صَ‬
‫جدّتُموُهْم{ إلى قوله‪َ}:‬فِإن َتاُبوْا َوَأَقاُموْا ال ّ‬
‫ث َو َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫حُرُم َفاْقُتُلوْا اْلُم ْ‬
‫شُهُر اْل ُ‬
‫لْ‬
‫خا َ‬
‫سَل َ‬
‫وهذه تشبه قوله تعالى‪َ}:‬فِإَذا ان َ‬
‫الّزَكاَة َفَخّلوْا َسِبيَلُهْم{ ]التوبة‪ ،[ 5 :‬فأمـر بقتالهم‪،‬ثم علق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح‪ :‬وهو إقام الصلة‬

‫وإيتاء الزكاة‪ ،‬مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب الكف عنهم‪ ،‬ثم إن صلوا وزكوا‪ ،‬وإل عوقبوا بعد ذلك على ترك‬
‫الفعل؛ لن الشارع فى التوبة شرع الكف عن أذاه‪ ،‬ويكون المر فيه موقوًفا على التمام‪ ،‬وكذلك التائب من الفاحشة‬
‫يشرع الكف عن أذاه إلى أن يصلح‪ ،‬فإن أصلح وجب العراض عن أذاه‪ ،‬وإن لم يصلح لم يجب الكف عن أذاه‪ ،‬بل‬
‫يجوز أو يجب أذاه‪.‬‬
‫وهذه الية مما يستدل بها على التعزير بالذى‪ ،‬والذى وإن كان ‪ /‬يستعمل كثيًرا فى الكلم فى مرتكب الفاحشة فليس‬
‫صا به‪ ،‬كما قال النبى صلى ال عليه وسلم لمن بصق فى القبلة‪) :‬إنك قد آذيت ال ورسوله( وكذلك قال فى‬
‫هو مخت ً‬
‫حق فاطمة ابنته‪) :‬يريبنى ما رابها ويؤذينى ما آذاها(‪ ،‬وكذلك قال لمن أكل الثوم والبصل‪) :‬إن الملئكة تتأذى مما‬
‫طِعْمُتْم‬
‫يتأذى منه بنو آدم(‪ ،‬وقال لصاحب السهام‪):‬خذ بنصالها لئل تؤذ أحًدا من المسلمين(‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ} :‬فِإَذا َ‬
‫ي{ ]الحزاب‪.[53 :‬‬
‫ن ُيْؤِذي الّنِب ّ‬
‫ن َذِلُكْم َكا َ‬
‫ث ِإ ّ‬
‫حِدي ٍ‬
‫ن ِل َ‬
‫سي َ‬
‫سَتْأِن ِ‬
‫ل ُم ْ‬
‫شُروا َو َ‬
‫َفانَت ِ‬
‫صَلَحا{ هل يكون من توبته اعترافه بالذنب؟ فإذا ثبت الذنب بإقراره فجحد إقراره وكذب‬
‫وقوله تعالى‪َ}:‬فِإن َتاَبا َوَأ ْ‬
‫الشهود على إقراره‪ ،‬أو ثبت بشهادة شهود‪ ،‬هل ُيَعّد بذلك تائًبا؟ فيه نزاع‪ ،‬فذكر المام أحمد أنه ل توبة لمن جحد‪،‬‬
‫وإنما التوبة لمن أقر وتاب‪ ،‬واستدل بقصة على بن أبى طالب أنه أتى بجماعة ممن شهد عليهم بالزندقة فاعترف منهم‬
‫ناس فتابوا فقبل توبتهم‪ ،‬وجحد منهم جماعة فقتلهم‪ ،‬وقد قال النبى صلى ال عليه وسلم لعائشة‪) :‬إن كنت ألممت بذنب‬
‫فاستغفرى ال وتوبى إليه‪ ،‬فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب ال عليه( رواه البخارى‪.‬‬
‫فمن أذنب سًرا فليتب سًرا‪ ،‬وليس عليه أن يظهر ذنبه‪ ،‬كما فى الحديث‪) :‬من ابتلى بشىء من هذه القاذورات فليستتر‬
‫بستر ال ‪ ، /‬فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب ال(‪ ،‬وفى الصحيح‪) :‬كل أمتى معافى إل المجاهرين‪ ،‬وإن من‬
‫المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره ال عليه فيكشف ستر ال عنه(‪ .‬فإذا ظهر من العبد الذنب فلبد من‬
‫ظهور التوبة‪ ،‬ومع الجحود ل تظهر التوبة‪ ،‬فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب؛ ولهذا كان السلف يستعملون ذلك فيمن‬
‫أظهر بدعة أو فجوًرا‪ ،‬فإن هذا أظهر حال الضالين‪ ،‬وهذا أظهر حال المغضوب عليهم‪ ،‬ومن أذاه منعه ـ مع القدرة ـ‬
‫من المامة‪ ،‬والحكم‪ ،‬والفتيا‪ ،‬والرواية‪ ،‬والشهادة‪ ،‬وأما بدون القدرة فليفعل المقدور عليه‪.‬‬
‫وقوله‪َ} :‬والّلَذاَن َيْأِتَياِنَها ِمنُكْم َفآُذوُهَما{ ]النساء‪ [ 16 :‬فأمر بإيذائهما ولم يعلق ذلك على استشهاد أربعة‪ ،‬كما علق ذلك فى‬
‫حق النساء وإمساكهن فى البيوت‪ ،‬ولم يأمر به هنا كما أمر به هناك‪ ،‬وليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد؛‬
‫لن ذلك لبد أن يكون الحكم واحًدا مثل العتاق‪ ،‬فإذا كان الحكم متفًقا فى الجنس دون النوع كإطلق اليدى في‬
‫التيمم وتقييدها فى الوضوء إلى المرافق‪ ،‬وإطلق ستين مسكيًنا فى الطعام وتقييد العتاق باليمان‪ ،‬مع أن كلهما‬
‫عبادة مالية يراد بها نفع الخلق‪ ،‬وفى ذلك نزاع بين العلماء‪.‬‬
‫سآِئُكْم‬
‫ت ِن َ‬
‫ولم يحمل المسلمون من الصحابة والتابعين المطلق على المقيد فى قوله‪َ}:‬وُأّمَها ُ‬

‫ح آَباُؤُكم‬
‫حوْا َما َنَك َ‬
‫ل َتنِك ُ‬
‫ن{ الية ]النساء‪ [ 23:‬وقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫خْلُتم ِبِه ّ‬
‫لِتي َد َ‬
‫سآِئُكُم ال ّ‬
‫جوِرُكم ّمن ّن َ‬
‫حُ‬
‫لِتي ِفي ُ‬
‫َوَرَباِئُبكُُم ال ّ‬
‫ف{ ]النساء‪ [ 22 :‬قال الصحابة والتابعون وسائر أئمة الدين‪ :‬الشرط فى الربائب خاصة‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫سَل َ‬
‫ل َما َقْد َ‬
‫ساء ِإ ّ‬
‫ن الّن َ‬
‫ّم َ‬

‫أبهموا ما أبهم ال‪ ،‬والمبهم هو المطلق‪ ،‬والمشروط فيه هو المؤقت المقيد‪ ،‬فأمهات النساء‪ ،‬وحلئل الباء والبناء‬
‫يحرمن بالعقد‪ ،‬والربائب ل يحرمن إل إذا دخل بأمهاتهن‪ ،‬لكن تنازعوا هل الموت كالدخول؟ على قولين فى مذهب‬
‫أحمد؛ وذلك لن الحكم مختلف‪ ،‬والقيد ليس متساوًيا فى العيان‪ ،‬فإن تحريم جنس ليس مثل تحريم جنس آخر يخالفه‪،‬‬
‫حا يوجب تقييد الميتة والخنزير‬
‫سا‪ ،‬فليس تقييد الدم بكونه مسفو ً‬
‫كما أن تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير لما كان أجنا ً‬
‫حا‪ ،‬وهنا القيد كون الربيبة مدخول بأمها‪ ،‬والدخول بالم ليوجد مثله فى الحليلتين وأم المرأة‪ ،‬إذ‬
‫أن يكون مسفو ً‬
‫الدخول فى الحليلة بها نفسها‪ ،‬وفى أم المرأة ببنتها‪.‬‬
‫وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على المقيد في نصب الشهادة‪ ،‬بل لما ذكر ال فى آية الدين‪:‬رجلين أو رجلً‬
‫وامرأتين‪ ،‬وفى الرجعة‪:‬رجلين‪ ،‬أقروا كل منهما على حاله؛ لن سبب الحكم مختلف وهو المال والبضع‪ ،‬واختلف‬
‫السبب يؤثر فى نصاب الشهادة‪ ،‬وكما فى إقامة الحد فى الفاحشة وفى القذف بها اعتبر فيه أربعة شهداء‪،‬فل يقاس‬
‫بذلك عقود اليمان والبضاع‪ ،‬وذكر فى حد القذف ثلثة أحكام‪ / :‬جلد ثمانين‪ ،‬وترك قبول شهادتهم أبًدا‪ ،‬وأنهم‬
‫ل َغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]النور‪ ،[5 :‬وأن التوبة ل ترفع الجلد إذا طلبه‬
‫ن ا َّ‬
‫حوا َفِإ ّ‬
‫صَل ُ‬
‫ك َوَأ ْ‬
‫ن َتاُبوا ِمن َبْعِد َذِل َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫فاسقون }ِإ ّ‬
‫المقذوف‪ ،‬وترفع الفسق بل تردد‪ ،‬وهل ترفع المنع من قبول الشهادة؟ فأكثر العلماء قالوا‪ :‬ترفعه‪.‬‬
‫جم؛ لما ثبت فى الصحيح عن ابن عباس أنه لما ذكر حديث الملعنة‬
‫وإذا اشتهر عن شخص الفاحشة بين الناس لم ُيْر َ‬
‫وقول النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن جاءت به يشبه الزوج فقد كذب عليها‪ ،‬وإن جاءت به يشبه الرجل الذى رماها‬
‫فقد صدق عليها(‪ ،‬فجاءت به على النعت المكروه‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬لول اليمان لكان لى ولها شأن(‪،‬‬
‫فقيل لبن عباس‪ :‬أهذه التى قال فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬لو كنت راجًما أحًدا بغير بينة لرجمتها؟( فقال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬تلك امرأة كانت تعلن السوء فى السلم‪ .‬فقد أخبر أنه ل يرجم أحًدا إل ببينة ولو ظهر عن الشخص السوء‪.‬‬
‫ودل هذا الحديث على أن الشبه له تأثير فى ذلك‪ ،‬وإن لم يكن بينة‪ ،‬وكذلك ثبت عنه أنه لما مر عليه بتلك الجنازة‬
‫فأثنوا عليها خيًرا إلى آخره قال‪) :‬أنتم شهداء ال فى أرضه(‪ ،‬وفى المسند عنه أنه قال‪) :‬يوشك أن تعلموا أهل الجنة‬
‫من أهل النار(‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وبم ذلك؟ قال‪) :‬بالثناء الحسن‪ ،‬والثناء السيئ(‪ .‬فقد جعل الستفاضة ‪/‬حجة وبينة‬
‫فى هذه الحكام ولم يجعلها حجة فى الرجم‪.‬وكذلك تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين فى الوصية فى السفر عند‬
‫أحمد‪ ،‬وكذلك شهادة الصبيان فى الجراح إذا أدوها قبل التفرق فى إحدى الروايتين‪ ،‬وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل‬
‫والمرأة والصبى فى لحاف أو فى بيت مرحاض‪ ،‬أو رآهما مجردين‪ ،‬أو محلولى السراويل‪ ،‬ويوجد مع ذلك ما يدل‬
‫على ذلك من وجود اللحاف قد خرج عن العادة إلى مكانهما‪ ،‬أو يكون مع أحدهما أو معهما ضوء قد أظهره فرآه‬
‫فأطفأه‪ ،‬فإن إطفاءه دليل على استخفائه بما يفعل‪ ،‬فإذا لم يكن ما يستخفى به إل ما شهد به الشاهد كان ذلك من أعظم‬
‫البيان على ما شهد به‪.‬‬
‫فهذا الباب باب عظيم النفع فى الدين‪ ،‬وهو مما جاءت به الشريعة التى أهملها كثير من القضاة والمتفقهة‪ ،‬زاعمين أنه‬
‫ل يعاقب أحد إل بشهود عاينوا‪ ،‬أو إقرار مسموع‪ ،‬وهذا خلف ما تواترت به السنة وسنة الخلفاء الراشدين‪ ،‬وخلف‬
‫ما فطرت عليه القلوب التى تعرف المعروف وتنكر المنكر‪ ،‬ويعلم العقلء أن مثل هذا ل تأباه سياسة عادلة‪ :‬فضل‬
‫صيُبوا َقْوًما ِبَجَهاَل ٍ{‬
‫ة{‬
‫ق ِبَنَبٍأ َفَتَبّيُنوا َأن ُت ِ‬
‫سٌ‬
‫جاءُكْم َفا ِ‬
‫ن آَمُنوا ِإن َ‬
‫عن الشريعة الكاملة‪ ،‬ويدل عليه قوله تعالى‪َ}:‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫]الحجرات‪ [ 6 :‬ففى الية دللت ‪:‬‬
‫ق ِبَنَبٍأ َفَتَبّيُنوا{ فأمر بالتبين عند مجىء كل فاسق بكل نبأ‪ ،‬بل من النباء ما ينهى فيه عن‬
‫سٌ‬
‫جاءُكْم َفا ِ‬
‫‪ /‬أحدها‪:‬قوله‪ِ}:‬إن َ‬
‫التبين‪ ،‬ومنها‪ :‬ما يباح فيه ترك التبين‪ ،‬ومن النباء ما يتضمن العقوبة لبعض الناس؛ لنه علل المر بأنه إذا جاءنا‬
‫فاسق بنبأ خشية أن نصيب قوما بجهالة‪ ،‬فلو كان كل من أصيب بنبأ كذلك لم يحصل الفرق بين العدل والفاسق‪ ،‬بل‬
‫هذه دللة واضحة على أن الصابة بنبأ العدل الواحد ل ينهى عنها مطلًقا‪ ،‬وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد‬
‫فى جنس العقوبات‪ ،‬فإن سبب نزول الية يدل على ذلك‪ ،‬فإنها نزلت فى إخبار واحد بأن قوًما قد حاربوا بالردة أو‬
‫نقض العهد‪.‬‬
‫وفيه ـ أيضا ـ أنه متى اقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه‪ ،‬فقد استبان المر وزال المر بالتثبت‪ ،‬فتجوز‬
‫إصابة القوم وعقوبتهم بخبر الفاسق مع قرينة إذا تبين بهما المور‪ ،‬فكيف خبر الواحد العدل مع دللة أخرى؛ ولهذا‬

‫كان أصح القولين أن مثل هذا لوث فى باب القسامة‪ ،‬فإذا انضاف أىمان المقسمين صار ذلك بينة تبيح دم المقسم‬
‫صيُبوا َقْوًما ِبَجَهاَلٍة{ فجعل المحذور هو الصابة لقوم بل علم‪ ،‬فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور‪ ،‬وهذا‬
‫عليه وقوله‪َ} :‬أن ُت ِ‬
‫ك ِبِه‬
‫س َل َ‬
‫ف َما َلْي َ‬
‫ل َتْق ُ‬
‫ن{ ]الزخرف‪ [86:‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫ق َوُهْم َيْعَلُمو َ‬
‫حّ‬
‫شِهَد ِباْل َ‬
‫ل َمن َ‬
‫هو المناط الذى دل عليه القرآن‪ ،‬كما قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ِعْلٌم{ ]السراء‪.[36 :‬‬
‫ضا‪ ،‬فإنه علل ذلك بخوف الندم‪ ،‬والندم إنما يحصل على عقوبة البرىء من الذنب‪ ،‬كما فى سنن أبى داود‪:‬‬
‫‪ /‬وأي ً‬
‫)ادرؤوا الحدود بالشبهات‪ ،‬فإن المام أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة( ‪ ،‬فإذا دار المر بين أن‬
‫يخطئ فيعاقب بريًئا‪ ،‬أو يخطئ فيعفو عن مذنب‪ ،‬كان هذا الخطأ خير الخطأين‪ .‬أما إذا حصل عنده علم أنه لم يعاقب‬
‫إل مذنًبا فإنه ل يندم‪ ،‬ول يكون فيه خطأ‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقد ذكر الشافعى وأحمد أن التغريب جاء فى السنة فى موضعين أحدهما‪:‬أن النبى صلى ال عليه وسلم قال فى الزانى‬
‫إذا لم يحصن‪) :‬جلد مائة وتغريب عام( والثانى‪:‬نفى المخنثين فيما روته أم سلمة‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫عليها وعندها مخنث‪،‬وهو يقول لعبد ال أخيها‪ :‬إن فتح ال لك الطائف غًدا أدلك على ابنة غيـلن‪ ،‬فإنها تقبل بأربع‬
‫وتدبر بثمـان فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬أخرجوهم من بيوتكم(رواه الجماعة إل الترمـذى‪ ،‬وفى روايـة فى‬
‫الصحيـح‪):‬ل يدخلن هؤلء عليكم (‪ ،‬وفى رواية‪):‬أرى هذا يعرف مثل هذا ل يدخلن عليكم بعد اليوم(‪.‬‬
‫ت‪ :‬الغامض من الرض‪ ،‬ومخنث نفاه النبى صلى ال عليه وسلم من المدينة[‪،‬‬
‫جَرْيج‪ :‬المخنث هو هيت ]الِهي ُ‬
‫قال ابن ُ‬
‫ب‪ :‬رجل مخنث نفاه النبى صلى ال عليه وسلم[‪ ،‬وزعم بعضهم أنه ماتع‬
‫وهكذا ذكره غيره وقد قيل‪ :‬إنه ِهْنب ]ِهن ُ‬
‫]ماتع‪ :‬اسم[‪ ،‬وقيل‪ :‬هوان‪ .‬وروى الجماعة إل مسلًما أن النبى صلى ال عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال ‪/،‬‬
‫والمترجلت من النساء‪ ،‬وقال‪) :‬أخرجوهم من بيوتكم‪ ،‬وأخرجوا فلًنا وفلًنا‪ ،‬يعنى‪ :‬المخنثين(‪ ،‬وقد ذكر بعضهم‬
‫أنهم كانوا ثلثة‪ :‬بهم وهيت وماتع ـ على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى‬
‫إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم ليًنا فى القول‪ ،‬وخضاًبا فى اليدى والرجل‪ ،‬كخضاب النساء ولعًبا كلعبهن‪.‬‬
‫وفى سنن أبى داود عن أبى يسار القرشى عن أبى هاشم عن أبى هريرة‪ :‬أن النبى صلى ال عليه وسلم ُأتى بمخنث‬
‫وقد خضب رجليه ويديه بالحّناء‪ ،‬فقال‪) :‬ما بال هذا؟( فقيل‪ :‬يا رسول ال يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫يا رسول ال أل نقتله‪ .‬فقال‪) :‬إنى نهيت عن قتل المصلين(‪ ،‬قال أبو أسامة حماد بن أسامة‪ :‬والنقيع‪ :‬ناحية عن المدينة‪،‬‬
‫خا‬
‫وليس بالبقيع‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه الذى حماه النبى صلى ال عليه وسلم لبل الصدقة‪ ،‬ثم حماه عمر‪ ،‬وهو على عشرين فرس ً‬
‫من المدينة‪ ،‬وقيل‪ :‬عشرين ميل‪ .‬ونقيع الخضمات موضع آخر قرب المدينة‪ ،‬وقيل‪ :‬هو الذى حماه عمر‪ .‬والنقيع‪:‬‬
‫ت(‪.‬‬
‫ضما ِ‬
‫خ َ‬
‫موضع يستنقع فيه الماء‪ ،‬كما فى الحديث‪) :‬أول جمعة جمعت بالمدينة فى نقيع اْل َ‬
‫فإذا كان النبى صلى ال عليه وسلم قد أمر بإخراج مثل هؤلء من البيوت‪ ،‬فمعلوم أن الذى يمكن الرجال من نفسه‬
‫والستمتاع به‪ ،‬وبما يشاهدونه من محاسنه‪ ،‬وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلء‪ ،‬وهو ‪ /‬أحق بالنفى من بين‬
‫أظهر المسلمين وإخراجه عنهم؛ فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء؛ لنه إذا َتشّبه بالنساء فقد تعاشره النساء‪،‬‬
‫ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن؛ ولن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء؛ ولن المرأة إذا رأت الرجل‬
‫يتخنث فقد تترجل هى وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين‪ ،‬وقد تختار هى مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة‬
‫الرجال‪.‬‬
‫وأما إفساده للرجال‪ :‬فهو أن يمكنهم من الفعل به ـ كما يفعل بالنساء ـ بمشاهدته ومباشرته وعشقه‪ ،‬فإذا أخرج من بين‬
‫الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس‪ ،‬ووجد هناك من يفعل به الفاحشة‪ ،‬فهنا يكون نفيه بحبسه فى مكان واحد‬
‫ليس معه فيه غيره‪ ،‬وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من بين الناس‪.‬‬
‫ولهذا تنازع العلماء فى نفى المحارب من الرض‪ ،‬هل هو طرده بحيث ل يأوى فى بلد‪ ،‬أو حبسه‪ ،‬أو بحسب ما يراه‬
‫المام من هذا وهذا‪ ،‬ففى مذهب أحمد ثلث روايات الثالثة أعدل وأحسن‪ ،‬فإن نفيه بحيث ل يأوى فى بلد ل يمكن‬
‫لتفرق الرعية واختلف هممهم‪ ،‬بل قد يكون بطرده يقطع الطريق‪ ،‬وحبسه قد ل يمكن؛ لنه يحتاج إلى مؤنة؛ إلى‬
‫طعام وشراب وحارس؛ ول ريب أن النفى أسهل إن أمكن ‪ / .‬وقد روى أن ِهْيًتا لما اشتكى الجوع أمره النبى صلى‬
‫ال عليه وسلم أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الخرى‪ ،‬ومعلوم أن قوله‪َ} :‬أْو ُينَفْوْا‬

‫ض{ ]المائدة‪ [ 33 :‬ل يتضمن نفيه من جميع الرض‪ ،‬وإنما هو نفيه من بين الناس‪ ،‬وهذا حاصل بطرده‬
‫لْر ِ‬
‫نا َ‬
‫ِم َ‬
‫وحبسه‪.‬‬
‫خّلُفوا‪ ،‬ول‬
‫وهذا الذى جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أى هجره‪ ،‬وليس هذا كنفى الثلثة الذىن ُ‬
‫هجره كهجرهم‪ ،‬فإنه منع الناس من مخالطتهم ومخاطبتهم حتى أزواجهم‪ ،‬ولم يمنعهم من مشاهدة الناس وحضور‬
‫مجامعهم فى الصلة وغيرها‪ ،‬وهذا دون النفى المشروع‪ ،‬فإن النفى المشروع مجموع من المرين‪ ،‬وذلك أن ال خلق‬
‫ضا على مصلحة دينهم ودنياهم‪ ،‬فمن كان بمخالطته للناس ل يحصل منه‬
‫الدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بع ًَ‬
‫عون على الدين‪ ،‬بل يفسدهم ويضرهم فى دينهم ودنياهم استحق الخراج من بينهم‪ ،‬وذلك أنه مضرة بل مصلحة؛‬
‫شّبه به‪ ،‬وسار بسيرته مع‬
‫فإن مخالطته لهم فيها فسادهم وفساد أولدهم‪ ،‬فإن الصبى إذا رأى صبيا مثله يفعل شيًئا َت َ‬
‫ساق‪ ،‬فإن الجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد‪ ،‬والضرر على النساء والصبيان والرجال‪ ،‬فيجب أن يعاقب‬
‫الُف ّ‬
‫اللوطى والزانى بما فيه تفريقه وإبعاده‪.‬‬
‫ساق ‪ ،‬وهجران من يخالط‬
‫جَران الُف ّ‬
‫وجماع الهجرة هى هجرة السيئات وأهلها‪ ،‬وكذلك هجران الدعاة إلى ‪ /‬البدع‪ ،‬وُه ْ‬
‫هؤلء كلهم أو يعاونهم‪ ،‬وكذلك من يترك الجهاد الذى ل مصلحة لهم بدونه ‪ ،‬فإنه يعاقب بهجرهم له لما لم يعاونهم‬
‫على البر والتقوى‪ ،‬فالزناة واللوطية‪ ،‬وتارك الجهاد ‪ ،‬وأهل البدع‪َ ،‬وشََرَبُة الخمر‪ ،‬هؤلء كلهم ومخالطتهم مضرة‬
‫على دين السلم‪ ،‬وليس فيهم معاونة ل على بر ول تقوى ‪ ،‬فمن لم يهجرهم كان تاركا للمأمور فاعل للمحظور ‪،‬‬
‫جْرَمهُ‪ ،‬فإن العقوبة إنما تكون‬
‫فهذا ترك المأمور من الجتماع‪،‬وذلك فعل المحظور منه‪ ،‬فعوقب كل منهما بما يناسب ُ‬
‫شَرع التعزير فى معصية ليس فيها حد‪ ،‬فإن كان فيها كفارة‬
‫على ترك مأمور أو فعل محظور‪ ،‬كما قال الفقهاء‪ :‬إنما ُي ْ‬
‫فعلى قولين فى مذهب أحمد وغيره‪.‬‬
‫قال‪ :‬وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك فإنه يفعل منه بحسب الستطاعة‪ ،‬فإذا لم‬
‫يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين‪ ،‬فإنه يجاهد من يقدر على جهاده‪ .‬وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع‬
‫المعتدين‪ ،‬فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته‪ ،‬فإذا لم يمكن النفى والحبس عن جميع الناس؛ كان النفى والحبس على‬
‫صا أو شخصين‪ ،‬فهذا هو‬
‫حسب القدرة‪ ،‬مثل أن يحبس بدار ل يباشر إل أهلها ل يخرج منها‪ ،‬أو أل يباشر إل شخ ً‬
‫الممكن‪ ،‬فيكون هو المأمور به‪ ،‬وإن أمكن أن يجعل فى مكان قد قل فيه القبيح ول يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور‬
‫به‪ ،‬فإن الشريعة جاءت بتحصيل ‪ /‬المصالح وتكميلها‪ ،‬وتعطيل المفاسد وتقليلها‪ ،‬فالقليل من الخير خير من تركه‪،‬‬
‫ودفع بعض الشر خير من تركه كله‪ ،‬وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تحبس شبيها بحالها إذا زنت‪ ،‬سواء كانت بكًرا‬
‫أو ثيًبا‪ ،‬فإن جنس الحبس مما شرع فى جنس الفاحشة‪.‬‬
‫ومما يدخل فى هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة‪ ،‬ومن وطنه إلى البصرة‪ ،‬لما سمع تشبيب‬
‫شْعِرِه؛ ليزيل جماله الذى كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من‬
‫ل قد أمر بأخذ َ‬
‫النساء به وتشبهه بهن‪ ،‬وكان أو ً‬
‫غّمه ذلك فنفاه إلى البصرة‪ ،‬فهذا لم يصدر منه ذنب ول فاحشة يعاقب عليها؛ لكن كان فى النساء‬
‫أحسن الناس وجنتين َ‬
‫من يفتتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن‪ ،‬فإن انتقاله عن وطنه مما يضعف همته وبدنه‪ ،‬ويعلم أنه معاقب‪ ،‬وهذا من باب‬
‫التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه‪ ،‬وليس من باب المعاقبة‪ ،‬وقد كان عمر ينفى فى الخمر‬
‫إلى خيبر زيادة فى عقوبة شاربها‪.‬‬
‫ومن أقوى ما يهيج الفاحشة‪ ،‬إنشاد أشعار الذين فى قلوبهم مرض من العشق‪ ،‬ومحبة الفواحش‪ ،‬ومقدماتها بالصوات‬
‫المطربة‪ ،‬فإن المغنى إذا غنى بذلك حرك القلوب المريضة إلى محبة الفواحش‪ ،‬فعندها يهيج مرضه ويقوى بلؤه‪،‬‬
‫ضا‪ ،‬كما قال بعض السلف‪ :‬الغناء ُرْقَيُة الزنا‪.‬‬
‫وإن كان القلب فى عافية من ذلك جعل فيه مر ً‬
‫‪ /‬ورقية الحية هى ما تستخرج بها الحية من جحرها‪ ،‬ورقية العين والحمة هى ما تستخرج به العافية‪ ،‬ورقية الزنا هو‬
‫ما يدعو إلى الزنا‪ ،‬ويخرج من الرجل هذا المر القبيح‪ ،‬والفعل الخبيث‪ ،‬كما أن الخمر أم الخبائث‪ ،‬قال ابن مسعود‪:‬‬
‫عَلْيِهم‬
‫ب َ‬
‫جِل ْ‬
‫ك َوَأ ْ‬
‫صْوِت َ‬
‫ت ِمْنُهْم ِب َ‬
‫طْع َ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫سَتْفِزْز َم ِ‬
‫الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل‪ ،‬وقال تعالى لبليس‪َ} :‬وا ْ‬
‫ك َوَشاِرْكُهْم ِفي اَلْمَواِل َواَلْولِد{ ]السراء‪ [ 64 :‬واستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء ـ كما قال من قال من‬
‫جِل َ‬
‫ك وََر ِ‬
‫خْيِل َ‬
‫ِب َ‬
‫السلف ـ وبغيره من الصوات؛ كالنياحة وغير ذلك‪ ،‬فإن هذه الصوات كلها توجب انزعاج القلب والنفس الخبيثة إلى‬
‫ذلك‪ ،‬وتوجب حركتها السريعة‪ ،‬واضطرابها حتى يبقى الشيطان يلعب بهؤلء أعظم من لعب الصبيان بالكرة‪،‬‬
‫والنفس متحركة‪ ،‬فإن سكنت فبإذن ال‪ ،‬وإل فهى ل تزال متحركة‪.‬‬

‫وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس ل تزال تتحرك عليه‪،‬وفى الحديث المرفوع‪):‬القلب أشد تقلًبا من القدر إذا‬
‫استجمعت غلياًنا(‪ ،‬وفى الحديث الخر‪):‬مثل القلب مثل ريشة بفلة من الرض تحركها الريح(‪ ،‬وفى صحيح‬
‫البخارى عن سالم عن ابن عمر قال‪ :‬كانت يمين رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل ومقلب القلوب(‪ ،‬وفى صحيح‬
‫مسلم عن عبد ال بن عمرو أنه سمع النبى صلى ال عليه وسلم يقول‪):‬اللهم مصرف القلـوب اصرف قلوبنا إلى‬
‫طـاعتـك(‪ ،‬وفى الترمذى ‪ /‬عـن أبى سـفيان قال‪:‬كـان رسول ال صلى ال عليه وسلم يكـثر أن يقـول‪) :‬يـا مقلب‬
‫القلوب ثبت قلبى على دينك( قال‪:‬فقلت‪ :‬ىا رسول ال‪ ،‬آمنا بك وبما جئت به‪ ،‬فهل تخاف علينا؟ قال‪):‬نعم‪ ،‬القلوب‬
‫بين إصبعين من أصابع ال يقلبها كيف يشاء(‪.‬‬
‫ك َعَلى اْلُمْؤِمِنيَن{ ]النور‪،[3 :‬‬
‫حّرَم َذِل َ‬
‫ك َو ُ‬
‫شِر ٌ‬
‫ن َأْو ُم ْ‬
‫ل َزا ٍ‬
‫حَها ِإ ّ‬
‫ل َينِك ُ‬
‫شِرَكًة َوالّزاِنَيُة َ‬
‫ل َزاِنَيًة َأو ُم ْ‬
‫حإّ‬
‫ل َينِك ُ‬
‫وقوله تعالى‪} :‬الّزاِني َ‬
‫لما أمر ال ـ تعالى ـ بعقوبة الزانيين حرم مناكحتهما على المؤمنين هجًرا لهما‪ ،‬ولما معهما من الذنوب والسيئات‪ .‬كما‬
‫جْر{ ]المدثر‪ ،[ 5 :‬وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر مثله بقوله تعالى‪ِ}:‬إّنُكْم ِإًذا ّمْثُلُهْم{ ]النساء‪:‬‬
‫جَز َفاْه ُ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬والّر ْ‬
‫ظَلُموا َوَأْزَواَجُهْم{ ]الصافات‪ [22 :‬أى‪ :‬عشراءهم وقرناءهم‬
‫ن َ‬
‫شُروا اّلِذي َ‬
‫حُ‬
‫‪ ،[ 140‬وهو زوج له‪ ،‬وقد قال تعالى‪} :‬ا ْ‬
‫وأشباههم ونظراءهم؛ ولهذا يقال‪ :‬المستمع شريك المغتاب‪.‬‬
‫ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر‪ ،‬وكان فيهم جليس لهم صائم فقال‪ :‬ابدؤوا به فى الجلد‪ ،‬ألم تسمع‬
‫ال يـقول‪َ} :‬فل َتْقُعُدوْا َمَعُهْم{ ]النساء‪ ،[ 140 :‬فإذا كان هذا فى المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم للمنكر يكون‬
‫مجالسهم مثل لهم‪ ،‬فكيف بالعشرة الدائمة؟‬
‫والزوج يقال له‪ :‬العشير‪ ،‬كما فى الحديث من حديث ابن عباس عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬رأيت النار فإذا‬
‫ن‬
‫ن الحسان( فأخبر أنه ل يفعل ذلك إل زا ٍ‬
‫ن العشير وَيْكُفْر َ‬
‫أكثر أهلها النساء ‪ /‬يكفرن(‪ ،‬قيل‪ :‬يكفرن بال؟ قال‪َ) :‬يْكفْر َ‬
‫أو مشرك‪.‬‬
‫أما المشرك‪ :‬فل إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها‪ ،‬وأما الزانى‪ :‬ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن‬
‫مشركا‪.‬‬
‫وفى الية دليل على أن الزانى ليس بمؤمن مطلق اليمان‪ ،‬وإن لم يكن كافًرا مشرًكا‪ ،‬كما فى الصحيح‪) :‬ل يزنى‬
‫عَلى‬
‫ك َ‬
‫حّرَم َذِل َ‬
‫الزانى حين يزنى وهو مؤمن(‪ ،‬وذلك أنه أخبر أنه ل ينكح إل زانية أو مشركة‪ ،‬ثم قال تعالى‪َ} :‬و ُ‬
‫اْلُمْؤِمِنيَن{ فعلم أن اليمان يمنع من ذلك ويزجر‪ ،‬وأن فاعله إما مشرك وإما زان ليس من المؤمنين الذين يمنعهم‬
‫إيمانهم من ذلك‪ ،‬وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش الرجل‪ ،‬وفى مناكحتها معاشرة الفاجرة دائًما‪ ،‬ومصاحبتها‪ ،‬وال قد‬
‫أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه‪ ،‬وهذا المعنى موجود فى الزانى‪ ،‬فإن الزانى إن لم يفسد فراش امرأته كان‬
‫ى‪ :‬من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها‪.‬‬
‫شَعِب ّ‬
‫قرين سوء لها‪ ،‬كما قال ال ّ‬
‫وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر فى دينها ودنياها‪ ،‬فنكاح الزانية أشد من جهة الفراش‪ ،‬ونكاح الزانى أشد من‬
‫جهة أنه السيد المالك الحاكم على المرأة‪ ،‬فتبقى المرأة الحرة العفيفة فى أسر الفاجر الزانى الذى ‪ /‬يقصر فى حقوقها‬
‫ويتعدى عليها‪.‬‬
‫ولهذا اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة فى الدين‪ ،‬وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة‪ ،‬واختلفوا فى صحة النكاح‬
‫بدون ذلك‪ ،‬وهما قولن مشهوران فى مذهب أحمد وغيره‪ ،‬فإن من نكح زانية مع أنها تزنى فقد رضى بأن يشترك‬
‫هو وغيره فيها‪ ،‬ورضى لنفسه بالقيادة والدياثة‪ ،‬ومن نكحت زان وهو يزنى بغيرها فهو ل يصون ماءه حتى يضعه‬
‫خْدًنا‪ ،‬فإن مقصود النكاح حفظ الماء فى‬
‫فيها؛ بل يرميه فيها وفى غيرها من البغايا‪ ،‬فهى بمنزلة الزانية المتخذة ِ‬
‫حّ‬
‫ل‬
‫المرأة‪ ،‬وهذا الرجل ل يحفظ ماءه‪ ،‬وال ـ سبحانه ـ شرط فى الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين‪ ،‬فقال‪َ} :‬وُأ ِ‬
‫صِنيَن َغْيَر ُمَساِفِحيَن{ ]النساء‪ [ 24 :‬وهذا المعنى مما ل ينبغى إغفاله؛ فإن القرآن قد‬
‫ح ِ‬
‫َلُكم ّما وََراء َذِلُكْم َأن َتْبَتُغوْا ِبَأْمَواِلُكم ّم ْ‬
‫ضَناَها{ ]النور‪.[1 :‬‬
‫سوَرٌة َأنَزْلَناَها َوَفَر ْ‬
‫ضا‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ } :‬‬
‫نصه وبينه بياًنا مفرو ً‬
‫فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم‪ ،‬وفيه آثار عن السلف‪ ،‬وإن كان الفقهاء قد‬
‫تنازعوا فيه‪ ،‬وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه‪.‬‬

‫صَنات{‪ / ،‬وزعموا أن البغى من المحصنات‪ ،‬وتلك اليات‬
‫ح َ‬
‫وقد ادعى بعضهم أن هذه الية منسوخة بقوله‪} :‬واْلُم ْ‬
‫حجة عليهم‪ ،‬فإن أقل ما فى الحصان العفة‪ ،‬وإذا اشترط فيه الحرية فذاك تكميل للعفة والحصان‪ ،‬ومن حرم نكاح‬
‫لَمِة لئل يرق ولده‪ ،‬كيف يبيح البغى التى تلحق به من ليس بولده‪ ،‬وأين فساد فراشه من رق ولده؟! وكذلك من زعم‬
‫اَ‬
‫أن النكاح هنا هو الوطء‪ ،‬والمعنى أن الزانى ل يطأ إل زانية أو مشركة‪ ،‬والزانية ل يطؤها إل زان أو مشرك‪ ،‬وهذا‬
‫أبلغ فى الحجة عليهم‪ ،‬فمن وطئ زانية أو مشركة بنكاح فهو زان‪ ،‬وكذلك من وطئها زان‪ ،‬فإن ذم الزانى بفعله الذى‬
‫هو الزنا حتى لو استكرهها أو استدخلت ذكره‪ ،‬وهو نائم كانت العقوبة للزانى دون قرينه‪ ،‬وهذه المسألة مبسوطة فى‬
‫كتب الفقه‪.‬‬
‫والمقصود قوله‪}:‬الّزاِني َل َينِكُح إّل َزاِنَيًة َأْو ُمْشِرَكًة{ ]النور‪ ،[ 3 :‬فإن هذا يدل على أن الزانى ل يتزوج إل زانية أو‬
‫مشركة‪ ،‬وأن ذلك حرام على المؤمنين‪ ،‬وليس هذا لمجرد كونه فاجًرا‪ ،‬بل لخصوص كونه زانًيا‪ ،‬وكذلك فى المرأة‬
‫ليس لمجرد فجورها‪ ،‬بل لخصوص زناها‪ ،‬بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانًيا‪ ،‬كما جعل الزوج زانًيا إذا‬
‫تزوج زانية‪ ،‬هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا‪ ،‬وإذا كانا مشركين‪ ،‬فينبغى أن يعلم ذلك‪ .‬ومضمونه أن الرجل‬
‫الزانى ل يجوز نكاحه حتى يتوب‪ ،‬وذلك بأن يوافق اشتراطه الحصان‪ ،‬والمرأة إذا كانت ‪ /‬زانية ل تحصن فرجها‬
‫عن غير زوجها‪ ،‬بل يأتيها هو وغيره‪ ،‬كان الزوج زانًيا هو وغيره يشتركون فى وطئها‪ ،‬كما تشترك الزناة فى وطء‬
‫المرأة الواحدة‪ ،‬ولهذا يجب عليه نفى الولد الذى ليس منه‪.‬‬
‫فمن نكح زانية فهو زان أى تزوجها‪ ،‬ومن نكحت زانًيا فهى زانية أى تزوجته؛ فإن كثيًرا من الزناة قصروا أنفسهم‬
‫خْدًنا وخليل له ل يأتى غيرها‪ ،‬فإن الرجل إذا كان زانًيا ل يعف امرأته‪ ،‬وإذا لم يعفها‬
‫على الزوانى فتكون المرأة ِ‬
‫تشوقت هى إلى غيره فزنت به‪ ،‬كما هو الغالب على نساء الزوانى أو من يلوط بالصبيان‪ ،‬فإن نساءه يزنين ليقضين‬
‫ضا ـ لم يعففن أنفسهن‬
‫إربهن ووطرهن‪ ،‬ويراغمن أزواجهن بذلك حيث لم يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهن‪ ،‬فهن ـ أي ً‬
‫عن غير أزواجهن؛ ولهذا يقال‪ :‬عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم‪ ،‬وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم‪ ،‬فإن الجزاء من جنس‬
‫العمل‪ ،‬وكما تدين تدان‪ ،‬ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها؛ فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية رضى بأن تزنى‬
‫امرأته‪ ،‬وال ـ تعالى ـ قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة‪ ،‬فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للخر‪ ،‬فإذا رضيت المرأة‬
‫أن تنكح زانًيا فقد رضيت عمله‪ ،‬وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية فقد رضى عملها‪ ،‬ومن رضى الزنا كان‬
‫بمنزلة الزانى‪ .‬فإن أصل الفعل هو الرادة؛ ولهذا جاء فى الثر‪ :‬من غاب عن معصية فرضيها ‪ /‬كان كمن شهدها أو‬
‫فعلها‪ ،‬وفى الحديث‪) :‬المرء على دين خليله( وأعظم الخلة خلة الزوجين‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإن ال قد جعل فى نفوس بنى آدم من الغيرة ما هو معروف‪ ،‬فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم‬
‫وأي ً‬
‫من غيرته على نفسه أن يزنى‪ ،‬فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغيًا وهو ديوث كيف يكره أن يكون هو زان؟! ولهذا لم‬
‫يوجد من هو ديوث أو قواد يعف عن الزنا‪ ،‬فإن الزانى له شهوة فى نفسه‪ ،‬والديوث ليس له شهوة فى زنا غيره‪ ،‬فإذا‬
‫لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنا ؟ فمن استحل أن يترك امرأته‬
‫تزنى استحل أعظم الزنا‪ ،‬ومن أعان على ذلك فهو كالزانى‪ ،‬ومن أقر على ذلك مع إمكان تغييره فقد رضيه‪ ،‬ومن‬
‫تزوج غير تائبة فقد رضى أن تزنى إذ ل يمكنه منعها من ذلك‪ ،‬فإن كيد النساء عظيم‪.‬‬
‫ولهذا جاز للرجل إذا أتت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها ]يعضلها‪ :‬العضل هو أن يضارها ول يحسن عشرتها؛‬
‫ليضطرها ذلك إلى الفتداء منه بمهرها الذى أمهرها[؛ لتفتدى نفسها منه‪ ،‬وهو نص أحمد وغيره؛ لنها بزناها طلبت‬
‫الختلع منه وتعرضت لفساد نكاحه‪ ،‬فإنه ل يمكنه المقام معها حتى تتوب‪ ،‬ول يسقط المهر بمجرد زناها‪ ،‬كما دل‬
‫عليه قول النبى صلى ال عليه وسلم للملعن لما قال‪ :‬مالى‪ ،‬قال‪) :‬ل مال لك عندها‪ ،‬إن كنت صادًقا عليها فهو بما‬
‫استحللت من فرجها‪ ،‬وإن كنت كاذبا عليها ‪ /‬فهو أبعد لك(؛ لنها إذا زنت قد تتوب لكن زناها يبيح له إعضالها حتى‬
‫تفتدى منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب‪.‬‬
‫وفى الغالب أن الرجل ل يزنى بغير امرأته إل إذا أعجبه ذلك الغير‪ ،‬فل يزال يزنى بما يعجبه فتبقى امرأته بمنزلة‬
‫المُعّلقة التى ل هى أيم ول ذات زوج‪ ،‬فيدعوها ذلك إلى الزنا‪ ،‬ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه‬
‫القصاص مكايدة له ومغايظة؛ فإنه ما لم يحفظ غيبها لم تحفظ غيبه‪ ،‬ولها فى بضعه حق كما له فى بضعها حق‪ ،‬فإذا‬
‫كان من العادين لخروجه عما أباح ال له لم يكن قد أحصن نفسه‪ ،‬وأيضا‪ ،‬فإن داعية الزانى تشتغل بما يختاره من‬
‫البغايا‪ ،‬فل تبقى داعيته إلى الحلل تامة‪ ،‬ول غيرته كافية فى إحصانه المرأة‪ ،‬فتكون عنده كالزانية المتخذة خِْدًنا‪.‬‬
‫وهذه معان شريفة ل ينبغى إهمالها‪.‬‬

‫وعلى هذا‪ ،‬فالمرأة المساحقة زانية كما جاء فى الحديث‪):‬زنا النساء سحاقهن(‪ .‬والرجل الذى يعمل عمل قوم لوط‬
‫بمملوك أو غيره هو زان‪ ،‬والمرأة الناكحة له زانية‪ ،‬فل تنكحه إل زانية أو مشركة؛ ولهذا يكثر فى نساء اللوطية من‬
‫تزنى بغير زوجها‪،‬وربما زنت بمن يتلوط هو به مراغمة له وقضاء لوطرها‪ ،‬وكذلك المرأة المزوجة بُمخَّنث ينكح‬
‫ل‪،‬فإنه مع الزنا صار مخنًثا ملعوًنا على نفسه للتخنيث غير‬
‫كما تنكح هى متزوجة بزان‪،‬بل هو أسوأ الشخصين حا ً‬
‫اللعنة التى تصيبه بعمل قوم لوط‪ / ،‬فإن النبى صلى ال عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط‪،‬وثبت عنه فى‬
‫الصحيح أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلت من النساء‪ ،‬وقال‪):‬أخرجوهم من بيوتكم(‪.‬‬
‫وكيف يجوز للمرأة أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره؟ فهو يؤتى كما تؤتى المرأة‪ ،‬وتضعف داعيته من‬
‫أمامه كما تضعف داعية الزانى بغير امرأته عنها‪ ،‬فإذا لم تكن له غيرة على نفسه ضعفت غيرته على امرأته‬
‫وغيرها‪ ،‬ولهذا يوجد من كان مخنًثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله‪ ،‬والمرأة إذا رضيت بالمخنث‬
‫واللوطى كانت على دينه فتكون زانية وأبلغ‪ ،‬فإن تمكين المرأة من نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه‪ ،‬فإذا‬
‫رضيت ذلك من زوجها رضيته من نفسها‪.‬‬
‫ولفظ هذه الية وهو قوله تعالى‪} :‬الّزاِني َل َينِكُح إّل َزاِنَيًة{ الية ]النور‪ ،[ 3 :‬يتناول هذا كله إما بطريق عموم اللفظ‪ ،‬أو‬
‫بطريق التنبيه وفحوى الخطاب الذى هو أقوى من مدلول اللفظ‪ ،‬وأدنى ذلك أن يكون بطريق القياس‪ ،‬كما قد بيناه فى‬
‫حد اللوطـى ونحوه‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫ت{ ]النور‪ [26 :‬فأخبر ـ تعالى ـ أن‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ن ِلل ّ‬
‫طّيُبو َ‬
‫ن َوال ّ‬
‫طّيِبي َ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫طّيَبا ُ‬
‫ت َوال ّ‬
‫خِبيَثا ِ‬
‫ن ِلْل َ‬
‫خِبيُثو َ‬
‫ن َواْل َ‬
‫خِبيِثي َ‬
‫ت ِلْل َ‬
‫خِبيَثا ُ‬
‫وقوله تعالى‪} :‬اْل َ‬
‫النساء الخبيثات للرجال الخبيثين‪ ،‬فل تكون خبيثة لطيب‪ ،‬فإن ذلك خلف الحصر ‪ ،‬فل ‪ /‬تنكح الزانية الخبيثة إل‬
‫زانًيا خبيًثا‪ ،‬وأخبر أن الطيبين للطيبات‪ ،‬فل يكون الطيب لمرأة خبيثة ‪ ،‬فإن ذلك خلف الحصر ؛ إذ قد ذكر أن‬
‫جميع الخبيثات للخبيثين‪ ،‬فل تبقى خبيثة لطيب ول طيب لخبيثة‪ .‬وأخبر أن جميع الطيبات للطيبين فل تبقى طيبة‬
‫شِر ٌ‬
‫ك‬
‫ن َأْو ُم ْ‬
‫ل َزا ٍ‬
‫حَها ِإ ّ‬
‫ل َينِك ُ‬
‫شِرَكًة َوالّزاِنَيُة َ‬
‫ل َزاِنَيًة َأْو ُم ْ‬
‫حإ ّ‬
‫ل َينِك ُ‬
‫لخبيث‪ ،‬فجاء الحصر من الجانبين موافًقا لقوله‪}:‬الّزاِني َ‬
‫ك َعَلى اْلُمْؤِمِنيَن{ ]النور‪ [ 3 :‬؛ ولهذا قال من قال من السلف‪ :‬ما بغت امرأة نبى قط‪ ،‬فإن هذه السورة نزل‬
‫حّرَم َذِل َ‬
‫َو ُ‬
‫صدرها بسبب أهل الفك وما قالوه فى عائشة ؛ ولهذا لما قيل فيها ما قيل ‪ ،‬وصارت شبهة ‪ ،‬استشار النبى صلى ال‬
‫عليه وسلم من استشاره فى طلقها قبل أن تنزل براءتها‪ ،‬إذ ل يصلح له أن تكون امرأته غير طيبة‪ .‬وقد روى أنه‪:‬‬
‫)ل يدخل الجنة ديوث( والديوث‪ :‬الذى يقر السوء فى أهله‪.‬‬
‫ولهذا كانت الغيرة على الزنا مما يحبها ال وأمر بها‪،‬حتى قال النبى صلى ال عليه وسلم‪ :‬أتعجبون من غيرة سعـد؟‬
‫لنا أغير منـه‪ ،‬وال أغير منى‪،‬من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن(؛ ولهذا أذن ال للقاذف إذا كان‬
‫زوجها أن يلعن؛ فيشهد أربع شهادات بال إنه لمن الصادقين‪،‬وجعل ذلك يدفع عنه حد القذف‪،‬كما لو أقام على ذلك‬
‫أربعة شهود؛ لنـه محتاج إلى قـذفها لجل مـا أمـر ال بـه مـن‪ /‬الغيرة؛ ولنها ظلمته بإفساد فراشه‪،‬وإن كـانت قـد‬
‫حبلت مـن الزنا فعليه اللعان لينفى عنه النسب الباطل؛ لئل يلحق به ما ليس منه‪.‬‬
‫وقد مضت سنة النبى صلى ال عليه وسلم بالتفريق بين المتلعنين‪ ،‬سواء حصلت الفرقة بتلعنهما أو احتاجت إلى‬
‫تفريق الحاكم‪ ،‬أو حصلت عند انقضاء لعان الزوج؛ لن أحدهما ملعون أو خبيث‪ ،‬فاقترانهما بعد ذلك يقتضى مقارنة‬
‫الخبيث الملعون للطيب‪ ،‬وفى صحيح مسلم عن عمران بن حصين حديث المرأة التى لعنت ناقة لها فأمر النبى صلى‬
‫ال عليه وسلم فأخذ ما عليها وأرسلت‪ ،‬وقال‪) :‬ل تصحبنا ناقة ملعونة(‪ ،‬وفى الصحيحين عنه أنه لما اجتاز بديار‬
‫ثمود قال‪) :‬ل تدخلوا على هؤلء المعذبين إل أن تكونوا باكين‪،‬فإن لم تكونوا باكين فل تدخلوا عليهم لئل يصيبكم ما‬
‫أصابهم(‪ ،‬فنهى عن عبور ديارهم إل على وجه الخوف المانع من العذاب‪.‬‬
‫وهكذا السنة فى مقارنة الظالمين والزناة‪ ،‬وأهل البدع والفجور وسائر المعاصى ‪ ،‬ل ينبغى لحد أن يقارنهم ول‬
‫يخالطهم إل على وجه يسلم به مــن عذاب ال ـ عز وجـل ـ وأقل ذلك أن يكون منكًرا لظلمهم ‪ ،‬ماقتا لهم ‪ ،‬شانئا ما‬
‫هم فيه بحسب المكان ‪ ،‬كما فى الحديث ‪) :‬من رأى منكم منكًرا فليغيره بيده ‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن لم‬
‫ل لّّلِذيَن آَمُنوا ِاْمَرَأةَ ِفْرَعْوَن{ الية ]التحريم‪،[11 :‬‬
‫ل َمَث ً‬
‫ب ا ُّ‬
‫ضَر َ‬
‫يستطع ‪/‬فبقلبه ‪،‬وذلك أضعف اليمان(‪ ،‬وقال تعالى‪َ}:‬و َ‬
‫وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الرض لصاحب مصر لقوم كفار‪.‬‬

‫وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن فى موضعين‪ :‬أحدهما‪ :‬أن يكون مكرًها عليها‪ ،‬والثانى‪ :‬أن يكون ذلك فى‬
‫مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة‪ ،‬أو أن يكون فى تركها مفسدة راجحة فى دينه‪ ،‬فيدفع أعظم المفسدتين‬
‫باحتمال أدناهما‪ ،‬وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة‪ ،‬وفى الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد‬
‫طَمِئّن ِباِليَماِن{ ]النحل‪،[106 :‬‬
‫ن ُأْكِرَه َوَقْلُبُه ُم ْ‬
‫ل َم ْ‬
‫رَه عليه‪ ،‬قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫الحاصل باحتمال أدناهما‪ ،‬وهو المر الذى ُأْك ِ‬
‫ل ِمن َبْعِد ِإْكَراِهِهّن َغُفوٌر ّرِحي ٌ{‬
‫م{‬
‫ن ا َّ‬
‫ن َفِإ ّ‬
‫عَلى اْلِبَغاء{ ]النور‪ ،[33 :‬ثم قال‪َ} :‬وَمن ُيْكِرهّه ّ‬
‫ل ُتْكِرُهوا َفَتَياِتُكْم َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ض َقاْلَوْا َأَلْم َتُك ْ‬
‫ن‬
‫لْر ِ‬
‫ن ِفي ا َ‬
‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬
‫سِهْم َقاُلوْا ِفيَم ُكنُتْم َقاُلوْا ُكّنا ُم ْ‬
‫ظاِلِمي َأْنُف ِ‬
‫ن َتَوّفاُهُم اْلَملِئَكُة َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫]النور‪ [ 33:‬وقال تعالى‪ِ}:‬إ ّ‬
‫طيُعونَ‬
‫سَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َ‬
‫ساء َواْلِوْلَدا ِ‬
‫ل َوالّن َ‬
‫جا ِ‬
‫ن الّر َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬
‫ل اْلُم ْ‬
‫صيًرا ِإ ّ‬
‫ت َم ِ‬
‫ساء ْ‬
‫جَهّنُم َو َ‬
‫ك َمْأَواُهْم َ‬
‫جُروْا ِفيَها َفُأْوَلـِئ َ‬
‫سَعًة َفُتَها ِ‬
‫ل َوا ِ‬
‫ضا ّ‬
‫َأْر ُ‬
‫ل ُتَقاِتُلو َ‬
‫ن‬
‫غُفوًرا{ ]النساء‪ 97 :‬ـ ‪ ،[99‬وقال‪َ} :‬وَما َلُكْم َ‬
‫عُفّوا َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫عْنُهْم َوَكا َ‬
‫ل َأن َيْعُفَو َ‬
‫سى ا ّ‬
‫عَ‬
‫ك َ‬
‫ل َفُأْوَلـِئ َ‬
‫سِبي ً‬
‫ن َ‬
‫ل َيْهَتُدو َ‬
‫حيَلًة َو َ‬
‫ِ‬
‫ضَعِفيَن ِمَن الّرَجاِل َوالّنَساء َواْلِوْلَداِن{ الية ]النساء‪.[75 :‬‬
‫سَت ْ‬
‫ل َواْلُم ْ‬
‫سِبيلِ ا ّ‬
‫ِفي َ‬

‫‪ /‬فقد دلت هذه الية على النهى عن مناكحة الزانى‪ ،‬والمناكحة نوع خاص من المعاشرة والمزاوجة والمقارنة‬
‫جا وصاحًبا وقريًنا وعشيًرا للخر‪ ،‬والمناكحة فى أصل اللغة‪ :‬المجامعة‪،‬‬
‫والمصاحبة؛ ولهذا سمى كل منهما زو ً‬
‫والمضامة‪ ،‬فقلوبهما تجتمع إذا عقد العقد بينهما‪ ،‬ويصير بينهما من التعاطف والتراحم ما لم يكن قبل ذلك‪ ،‬حتى تثبت‬
‫بذلك حرمة المصاهرة فى غير الربيبة لمجرد ذلك‪ ،‬والتوارث وعدة الوفاة وغير ذلك‪ ،‬وأوسط ذلك اجتماعهما خاليين‬
‫فى مكان واحد‪ ،‬وهو المعاشرة المقررة للصداق‪ ،‬كما قضى به الخلفاء‪ ،‬وآخر ذلك اجتماع المباضعة‪ ،‬وهذا وإن‬
‫اجتمع بدون عقد نكاح فهو اجتماع ضعيف‪ ،‬بل اجتماع القلوب أعظم من مجرد اجتماع البدنين بالسفاح‪.‬‬
‫ضا ـ على النهى عن مقارنة‬
‫ن{ على ذلك من جهة المعنى‪ ،‬ومن جهة اللفظ‪ ،‬ودل ـ أي ً‬
‫طّيِبي َ‬
‫ت ِلل ّ‬
‫طّيَبا ُ‬
‫ودل قوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫ظَلُموا َوَأْزَواَجُهْم{ ]الصافات‪:‬‬
‫ن َ‬
‫شُروا اّلِذي َ‬
‫حُ‬
‫الفجار ومزاوجتهم‪ ،‬كما دل على هذا غير ذلك من النصوص؛ مثل قوله‪} :‬ا ْ‬
‫شاء‬
‫ب ِلَمن َي َ‬
‫شاء ِإَناًثا َوَيَه ُ‬
‫ن َي َ‬
‫ب ِلَم ْ‬
‫‪ ،[ 22‬أى‪ :‬وأشباههم ونظراءهم‪ ،‬والزوج أعم من النكاح المعروف‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬يَه ُ‬
‫ل َزْو ٍ‬
‫ج‬
‫ت{ ]التكوير‪ ،[ 7:‬وقال‪ِ} :‬من ُك ّ‬
‫ج ْ‬
‫جُهْم ُذْكَراًنا َوِإَناًثا{ ]الشورى‪ ،[49،50 :‬وقال‪َ} :‬وِإَذا الّنُفوسُ ُزّو َ‬
‫الّذُكوَر َأْو ُيَزّو ُ‬
‫ل ِفيَها‬
‫جَع َ‬
‫ن{ ]الذاريات‪ ،[49 :‬وقال‪َ } :‬‬
‫جْي ِ‬
‫خلَْقَنا َزْو َ‬
‫يٍء َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ريٌم{ ]الشعراء‪ ،[7 :‬وقال‪َ} :‬وِمن ُك ّ‬
‫ج{ ]الحج‪ ،[ 5 :‬و }َك ِ‬
‫َبِهي ٍ‬
‫َزْوَجْيِن اْثَنْيِن{ ]الرعد‪ ،[3:‬وقال‪َ} :‬وَخَلْقَناُكْم َأْزَواًجا{ ]النبأ‪ ،[8 :‬وقال‪} :‬اْحِمْل ِفيَها ِمن ُكّل َزْوَجْيِن اْثَنْيِن{ ]هود‪،[40 :‬‬
‫وقال‪ِ} :‬إّن ِمْن َأْزَواِجُكْم َوَأْوَلِدُكْم{ ]التغابن‪.[14 :‬‬
‫وإن كان فى الية نص فى الزوجة التى هى الصاحبة وفى الولد منها‪ ،‬فمعنى ذلك فى كل مشابه ومقارن ومشارك‪،‬‬
‫ي ّمَن الّذّل{ ]السراء‪ ،[111 :‬و‬
‫ك َوَلْم َيُكن ّلُه َوِل ّ‬
‫ك ِفي اْلمُْل ِ‬
‫شِري ٌ‬
‫خْذ َوَلًدا َوَلم َيُكن ّلُه َ‬
‫ل اّلِذي َلْم َيّت ِ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫وفى كل فرع وتابع فـ }اْل َ‬
‫ك ِفي‬
‫شِري ٌ‬
‫خْذ َوَلًدا َوَلْم َيُكن ّلُه َ‬
‫ض َوَلْم َيّت ِ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫ن َنِذيًرا اّلِذي َلُه ُمْل ُ‬
‫ن ِلْلَعاَلِمي َ‬
‫عْبِدِه ِلَيُكو َ‬
‫عَلى َ‬
‫ن َ‬
‫ل اْلُفْرَقا َ‬
‫ك اّلِذي َنّز َ‬
‫}َتَباَر َ‬
‫يٍء َفَقّدَرُه َتْقِديًرا{ ]الفرقان‪.[2 ،1 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ق ُك ّ‬
‫خَل َ‬
‫ك َو َ‬
‫اْلُمْل ِ‬

‫فالمصاحبـة والمصاهـرة والمؤاخـاة ل تجوز إل مع أهل طاعة ال ـ تعالى ـ على مراد ال‪ ،‬ويدل على ذلك الحديث‬
‫الذى فى السنن‪) :‬ل تصاحب إل مؤمًنا‪ ،‬ول يأكل طعامك إل تقى(‪ ،‬وفيها‪) :‬المرء على دين خليله‪ ،‬فلينظر أحدكم من‬
‫يخالل(‪ ،‬وفى الصحيحين مـن حـديث أبى هـريرة عـن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا زنت أمة أحدكم‬
‫فليجلدها الحد‪ ،‬ثم إن زنت فليجلدهـا الحـد‪ ،‬ثم إن زنت فليبعها ولو بضفـير(‪ .‬و )الضفـير(‪ :‬الحبـل‪ ،‬وشك الراوى هل‬
‫أمر ببيعها فى الثالثة أو الرابعة‪ .‬وهذا أمر من النبى صلى ال عليه وسلم ببيع المة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو‬
‫ثلًثا ولو بأدنى مال‪ ،‬قال المام أحمد‪ :‬إن لم يبعها كان تارًكا لمر النبى صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ /‬والماء اللتى يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة ل للتمتع‪ ،‬فكيف بأمة التمتع؟ وإذا وجب إخراج المة الزانية عن‬
‫ملكه فكيف بالزوجة الزانية؟ والعبد المملوك نظير المة‪ ،‬ويدل على ذلك كله ما رواه مسلم فى صحيحه عن على بن‬
‫أبى طالب عن النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬أنه لعن من أحدث حدًثا أو آوى محدًثا(‪ .‬فهذا يوجب لعنة كل من آوى‬
‫محدًثا سواء كان إحداثه بالزنا أو السرقة أو غير ذلك‪ ،‬وسواء كان اليواء بملك يمين أو نكاح أو غير ذلك؛ لن أقل‬
‫ما فى ذلك تركه إنكار المنكر‪.‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫جَرا ٍ‬
‫ت‬
‫ت ُمَها ِ‬
‫جاءُكُم اْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫والمؤمن محتاج إلى امتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه بنكاح وغيره‪ ،‬قال تعالى‪ِ}:‬إَذا َ‬
‫ل َأْعَلُم ِبِإيَماِنِهّن{ الية ]الممتحنة‪ ،[ 10 :‬وكذلك المرأة التي زني بها الرجل‪ ،‬فإنه ل يتزوج بها إل بعد‬
‫ن ا ُّ‬
‫حُنوُه ّ‬
‫َفاْمَت ِ‬

‫التوبة في أصح القولين‪ ،‬كما دل عليه الكتاب والسنة والثار‪ ،‬لكن إذا أراد أن يمتحنها هل هي صحيحة التوبة أم ل؟‬
‫فقال عبدال بن عمر وهو المنصوص عن أحمد‪ :‬أنه يراودها عن نفسها‪ ،‬فإن أجابته لم تصح توبتها‪ ،‬وإن لم تجبه فقد‬
‫تابت‪ .‬وقالت طائفة‪ :‬هذا المتحان ‪ /‬فيه طلب الفاحشة منها‪ ،‬وقد تنقض التوبة‪ ،‬وقد تأمره نفسه بتحقيق فعل الفاحشة‬
‫ويزين لهما الشيطان ذلك؛ ول سيما إن كان يحبها وتحبه‪ ،‬وقد تقدم له معها فعل الفاحشة مرات وذاقته وذاقها‪ ،‬فقد‬
‫تنقض التوبة ول تخالفه فيما أراده منها‪.‬‬
‫ومن قال بالول قال‪ :‬المر الذي يقصد به امتحانها ل يقصد به نفس الفعل‪ ،‬فل يكون أمًرا بما نهي ال عنه‪ ،‬ويمكنه‬
‫أل يطلب الفاحشة‪ ،‬بل يَعّرض بها وينوي شيًئا آخر‪ ،‬والتعريض للحاجة جائز‪ ،‬بل واجب في مواضع كثيرة‪ ،‬وأما‬
‫نقضها توبتها فإذا جاز أن تنقض التوبة معه جاز أن تنقضها مع غيره‪ ،‬والمقصود أن تكون ممتنعة ممن يراودها‪،‬‬
‫فإذا لم تكن ممتنعة منه لم تكن ممتنعة من غيره‪.‬‬
‫وأما تزيين الشيطان له الفعل فهذا داخل في كل أمر يفعله النسان من الخير يجد فيه محبته‪ ،‬فإذا أراد النسان أن‬
‫يصاحب المؤمن‪ ،‬أو أراد المؤمن أن يصاحب أحًدا وقد ذكر عنه الفجور وقيل‪ :‬إنه تاب منه‪ ،‬أو كان ذلك مقول عنه‬
‫سواء كان ذلك القول صدقا أو كذبا؛ فإنه يمتحنه بما يظهر به بره أو فجوره وصدقه أو كذبه‪ ،‬وكذلك إذا أراد أن يولي‬
‫أحًدا ولية امتحنه؛ كما أمر عمر بن عبد العزيز غلمه أن يمتحن ابن أبي موسي لما أعجبه سمته‪ ،‬فقال له‪ :‬قد علمت‬
‫مكاني عند أمير المؤمنين فكم تعطيني إذا أشرت عليه بوليتك؟ ‪ /‬فبذل له مال عظيما‪ ،‬فعلم عمر أنه ليس ممن يصلح‬
‫للولية‪ ،‬وكذلك في المعاملت‪ ،‬وكذلك الصبيان والمماليك الذين عرفوا أو قيل عنهم الفجور وأراد الرجل أن يشتريه‬
‫بأنه يمتحنه‪ ،‬فإن المخنث كالبغي‪ ،‬وتوبته كتوبتها‪ .‬ومعرفة أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس‪ ،‬وتارة تكون‬
‫بالجرح والتعديل‪ ،‬وتارة تكون بالختبار والمتحان‪.‬‬
‫فصـل‬
‫شَهَداء‬
‫ت ُثّم َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة ُ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫وكما عظم ال الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف‪ ،‬فقال بعد ذلك‪َ}:‬واّلِذي َ‬
‫َفاْجِلُدوُهْم َثَماِنيَن{ ]النور‪ ،[ 4 :‬ثم ذكر رمي الرجل امرأته‪ ،‬وما أمر فيه من التلعن‪ ،‬ثم ذكر قصة أهل الفك‪ ،‬وبين ما‬

‫في ذلك من الخير للمقذوف المكذوب عليه‪ ،‬وما فيه من الثم للقاذف‪ ،‬وما يجب على المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن‬
‫يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير‪ ،‬ويقولون‪ :‬هذا إفك مبين؛ لن دليله كذب ظاهر‪ ،‬ثم أخبر أنه قول بل حجة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ل ُهُم اْلَكاِذُبوَن{ ]النور‪ ،[13:‬ثم أخبر أنه لول فضله عليهم‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫ك ِ‬
‫شَهَداء َفُأْوَلِئ َ‬
‫شَهَداء َفِإْذ َلْم َيْأُتوا ِبال ّ‬
‫عَلْيِه ِبَأْرَبَعِة ُ‬
‫جاُؤوا َ‬
‫ل َ‬
‫}َلْو َ‬
‫ورحمته لعذبهم بما تكلموا به‪.‬‬
‫س َلُكم ِبِه ِعْلٌم{ ]النور‪ ،[ 15 :‬فهذا بيان لسبب العذاب‪ ،‬وهو تلقي الباطل‬
‫ن ِبَأْفَواِهُكم ّما َلْي َ‬
‫سَنِتُكْم َوَتُقوُلو َ‬
‫‪/‬وقوله‪ِ} :‬إْذ َتَلّقْوَنُه ِبَأْل ِ‬
‫سِمْعُتُموُه ُقْلُتم‬
‫ل ِإْذ َ‬
‫باللسنة والقول بالفواه‪ ،‬وهما نوعان محرمان‪ :‬القول بالباطل‪ ،‬والقول بل علم‪ .‬ثم قال سبحانه‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ .[ 16 :‬فالول تحضيض على الظن الحسن‪ ،‬وهذا نهي لهم عن‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ك َهَذا ُبْهَتا ٌ‬
‫حاَن َ‬
‫سْب َ‬
‫ّما َيُكونُ َلَنا َأن ّنَتَكّلَم ِبَهَذا ُ‬
‫ظّن ِإْثٌم{ ]الحجرات‪ ،[ 12 :‬ويقول النبي صلي ال عليه‬
‫ض ال ّ‬
‫ن َبْع َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظّ‬
‫ن ال ّ‬
‫جَتِنُبوا َكِثيرًا ّم َ‬
‫التكلم بالقذف‪ .‬ففي الول قوله‪} :‬ا ْ‬
‫ت ِبَأنُفِسِهْم َخْيًرا{ ]النور‪ ،[12 :‬دليل‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫ن اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ظّ‬
‫وسلم‪) :‬إياكم والظن‪ ،‬فإن الظن أكذب الحديث(‪ ،‬وكذا قوله‪َ }:‬‬
‫على حسن مثل هذا الظن الذي أمر ال به‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلي ال عليه وسلم قال لعائشة‪) :‬ما أظن‬
‫فلنا وفلنا يدريان من أمرنا هذا شيًئا(‪ .‬فهذا يقتضي جواز بعض الظن كما احتج البخاري بذلك‪ ،‬لكن مع العلم بما‬
‫عليه المرء المسلم من اليمان الوازع له عن فعل الفاحشة‪ ،‬يجب أن يظن به الخير دون الشر‪.‬‬
‫ف َما َلْيسَ‬
‫ل َتْق ُ‬
‫وفي الية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان‪ ،‬ونهي عن أن يقول النسان ما ليس له به علم لقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ك ِبِه ِعْلٌم{ ]السراء‪ ،[ 36 :‬وال ـ تعالى ـ جعل في فعل الفاحشة والقذف من العقوبة ما لم يجعله في شيء من‬
‫َل َ‬

‫المعاصي؛ لنه جعل فيها الرجم‪،‬وقد رجم هو ـ تعالى ـ قوم ‪/‬لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة اللواط‪ ،‬وجعل‬
‫العقوبة على القذف بها ثمانين جلدة‪ ،‬والرمي بغيرها فيه الجتهاد‪ ،‬ويجوز عند بعض العلماء أن يبلغ الثمانين عند‬
‫ضلني على أبي بكر وعمر إل جلدته حد المفتري‪ .‬وكما قال عبد الرحمن بن‬
‫كثير منهم‪ ،‬كما قال على‪ :‬ل أوتي بأحد يَف ّ‬
‫عوف‪ :‬إذا شرب هذي‪ ،‬وإذا هذي افتري‪ ،‬وحد الشرب ثمانون‪ ،‬وحد المفتري ثمانون‪.‬‬
‫ب َأِليٌم ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة{ الية ]النور‪ .[19 :‬وهذا ذم‬
‫عَذا ٌ‬
‫ن آَمُنوا َلُهْم َ‬
‫شُة ِفي اّلِذي َ‬
‫حَ‬
‫شيَع اْلَفا ِ‬
‫ن َأن َت ِ‬
‫حّبو َ‬
‫ن ُي ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وقوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫لمن يحب ذلك‪ ،‬وذلك يكون بالقلب فقط ويكون مع ذلك باللسان والجوارح‪ ،‬وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها‬

‫ضا للذين‬
‫ضا‪ ،‬وإما محبة للفاحشة وإرادة لها‪ ،‬وكلهما محبة للفاحشة وبغ ً‬
‫محبة لوقوعها في المؤمنين؛ إما حسًدا أو بغ ً‬
‫آمنوا‪ ،‬فكل من أحب فعلها ذكرها‪.‬‬
‫وكره العلماء الغزل من الشعر الذي يرغب فيها‪ ،‬وكذلك ذكرها غيبة محرمة سواء كان بنظم أو نثر‪ ،‬وكذلك التشبه‬
‫بمن يفعلها منهي عنه؛ مثل المر بها‪ ،‬فإن الفعل يطلب بالمر تارة‪ ،‬وبالخبار تارة‪ ،‬فهذان المران لفجرة الزناة‬
‫اللوطية؛ مثل ذكر قصص النبياء والصالحين للمؤمنين‪ ،‬أولئك يعتبرون من الغيرة بهم‪ ،‬وهؤلء يعتبرون من‬
‫الغترار‪ ،‬فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص ‪ /‬أشباههم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة‪ ،‬ومن‬
‫ل ِبغَْيِر ِعْلٍم َوَيّتِخَذَها ُهُزًوا{ ]لقمان‪ ،[6 :‬قيل‪ :‬أراد‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ل َ‬
‫ضّ‬
‫ث ِلُي ِ‬
‫حِدي ِ‬
‫شَتِري َلْهَو اْل َ‬
‫س َمن َي ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ذلك قوله تعالى‪َ} :‬وِم َ‬
‫الغناء‪ ،‬وقيل‪ :‬أراد قصص الملوك من الكفار من الفرس‪.‬‬
‫غَبها في‬
‫ب النفوس في طاعة ال ونهاها عن معصيته من خبر أو أمر فهو من طاعته‪ ،‬وكل ما َر ّ‬
‫غ َ‬
‫وبالجملة‪ ،‬كل ما َر ّ‬
‫معصيته ونهي عن طاعته فهو من معصيته‪ ،‬فأما ذكر الفاحشة وأهلها بما يجب أو يستحب في الشريعة؛ مثل النهي‬
‫عنها وعنهم‪ .‬والذم لها ولهم‪ ،‬وذكر ما يبغضها وينفر عنها‪ ،‬وذكر أهلها مطلًقا حيث يسوغ ذلك‪ ،‬وما يشرع لهم من‬
‫الذم في وجوههم ومغيبهم؛ فهذا كله حسن يجب تارة‪ ،‬ويستحب أخري‪ ،‬وكذلك ما يدخل فيها من وصفها ووصف‬
‫أهلها من العشق على الوجه المشروع الذي يوجب النتهاء عما نهي ال عنه‪ ،‬والبغض لما يبغضه‪.‬‬
‫وهذا كما أن ال قص علينا في القرآن قصص النبياء والمؤمنين والمتقين‪ ،‬وقصص الفجار والكفار؛ لنعتبر‬
‫بالمرين؛ فنحب الولين وسبيلهم ونقتدي بهم‪ ،‬ونبغض الخرين وسبيلهم ونجتنب فعالهم‪.‬‬
‫وقد ذكر ال عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشـة ‪ /‬وعلئقها على وجـه الــذم ما فيه عبرة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫طا ِإْذ َقاَل ِلَقْوِمِه َأَتْأُتوَن اْلَفاِحَشَة َما َسَبَقُكم ِبَها ِمْن َأَحٍد ّمن اْلَعاَلِميَن{ ]العراف‪ ،[ 80 :‬إلى آخر القصة في مواضع من‬
‫}َوُلو ً‬
‫كتابه‪ .‬فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة ـ وهو رسول ال ـ بتقريعهم بها بقوله‪َ} :‬أَتْأُتوَن اْلَفاِحَشَة{ وهذا استفهام إنكار‬
‫شْهَوًة ّمن‬
‫ل َ‬
‫جا َ‬
‫ن الّر َ‬
‫ونهي‪ ،‬إنكار ذم‪ ،‬ونهي‪ ،‬كالرجل يقول للرجل‪ :‬أتفعل كذا وكذا؟ أما تتقي ال؟ ثم قال‪} :‬أ َأِئّنُكْم َلَتْأُتو َ‬
‫ُدوِن الّنَساء{ ]النمل‪ ،[ 55 :‬وهذا استفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما فيه‪ ،‬وليس هذا من باب القذف واللمز‪.‬‬
‫ط اْلُمْرَسِليَن{ ]الشعراء‪ ،[ 160 :‬إلى آخر القصة‪ ،‬فقد واجههم بذمهم وتوبيخهم على فعل‬
‫ت َقْوُم ُلو ٍ‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬كّذَب ْ‬
‫الفاحشة‪ ،‬ثم إن أهل الفاحشة توعدوهم وتهددوهم بإخراجهم من القرية‪ ،‬وهذا حال أهل الفجور إذا كان بينهم من‬
‫ينهاهم طلبوا نفيه وإخراجه‪ ،‬وقد عاقب ال أهل الفاحشة اللوطية بما أرادوا أن يقصدوا به أهل التقوي؛ حيث أمر‬
‫بنفي الزاني ونفي المخنث‪ ،‬فمضت سنة رسول ال صلي ال عليه وسلم بنفي هذا وهذا‪ ،‬وهـو ـ سبحانه ـ أخرج‬
‫المتقين من بينهم عند نزول العذاب‪.‬‬
‫سِميُع‬
‫ن ِإّنُه ُهَو ال ّ‬
‫عْنُه َكْيَدُه ّ‬
‫ف َ‬
‫صَر َ‬
‫سِه{ إلى قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫عن ّنْف ِ‬
‫وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف‪َ} :‬وَراَوَدْتُه اّلِتي ُهَو ِفي َبْيِتَها َ‬
‫طْعَن َأْيِدَيُهّن{ ]يوسف‪:‬‬
‫لِتي َق ّ‬
‫سَوِة ال ّ‬
‫ل الّن ْ‬
‫اْلَعِليُم{ ]يوسف‪32:‬ـ ‪ ،[ 34‬وما ذكره بعد ذلك فمن كلم يوسف من قوله‪َ}:‬ما َبا ُ‬

‫‪ ،[ 50‬وهذا من باب العتبار الذي يوجب انتهار النفوس عن معصية ال والتمسك بالتقوي‪ ،‬وكذلك ما بينه في آخر‬
‫ب{ ]يوسف‪.[111 :‬‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لْوِلي ا َ‬
‫عْبَرٌة ُّ‬
‫صِهْم ِ‬
‫ص ِ‬
‫ن ِفي َق َ‬
‫السورة بقوله‪َ} :‬لَقْد َكا َ‬
‫ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب سماع هذه السورة لما فيها من ذكر العشق وما يتعلق به؛ لمحبته لذلك ورغبته‬
‫في الفاحشة‪ ،‬حتي إن من الناس من يقصد إسماعها للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء‪ ،‬ويعطفون على ذلك‪ ،‬ول‬
‫يختارون أن يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهي عن ذلك‪ ،‬حتي قال بعض السلف‪ :‬كل ما حصلته في سورة‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ن‬
‫ل َيِزيُد ال ّ‬
‫ن{ ثم قال‪َ} :‬و َ‬
‫حَمٌة ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫شَفاء َوَر ْ‬
‫ن َما ُهَو ِ‬
‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫ل ِم َ‬
‫يوسف أنفقته في سورة النور‪ .‬وقد قال تعالى }َوُنَنّز ُ‬
‫ن آَمُنوْا َفَزاَدْتُهْم ِإيَماًنا َوُهْم‬
‫ل َأّيكُْم َزاَدْتُه َهـِذِه ِإيَماًنا َفَأّما اّلِذي َ‬
‫سوَرٌة َفِمْنُهم ّمن َيُقو ُ‬
‫ت ُ‬
‫ساًرا{ ]السراء‪ [82 :‬وقال‪َ} :‬وِإَذا َما ُأنِزَل ْ‬
‫خَ‬
‫ل َ‬
‫َإ ّ‬
‫ض َفَزاَدْتُهْم ِرْجًسا ِإَلى ِرْجِسِهْم َوَماُتوْا َوهُْم َكاِفُروَن{ ]التوبة‪ .[125 ،124 :‬فكل أحد يحب‬
‫ن ِفي ُقُلوِبِهم ّمَر ٌ‬
‫ن َوَأّما اّلِذي َ‬
‫شُرو َ‬
‫سَتْب ِ‬
‫َي ْ‬
‫ضا عن دفع هذه المحبة وإزالتها‪ ،‬فهو مذموم‪.‬‬
‫سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة‪ ،‬ويبغض سماع ذلك إعرا ً‬
‫ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه ترغيب في معصية ال وصد عن سبيل ال‪.‬‬

‫‪ /‬ومن هذا الباب سماع كلم أهل البدع والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية ال‪ ،‬فهذا‬
‫ف اْلَقْو ِ‬
‫ل‬
‫خُر َ‬
‫ض ُز ْ‬
‫ضُهْم ِإَلى َبْع ٍ‬
‫حي َبْع ُ‬
‫الباب تجتمع فيه الشبهات والشهوات‪ ،‬وال ـ تعالى ـ ذم هؤلء في مثل قوله‪ُ} :‬يو ِ‬
‫عَلى َمن‬
‫ل ُأَنّبُئُكْم َ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[ 224 :‬ومثل قوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫شَعَراء َيّتِبُعُهُم اْلَغاُوو َ‬
‫غُروًرا{ ]النعام‪ ،[ 112 :‬وفي مثل قوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫ُ‬
‫ل ِبَغْيرِ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ل َ‬
‫ضّ‬
‫ث ِلُي ِ‬
‫حِدي ِ‬
‫شَتِري َلْهَو اْل َ‬
‫س َمن َي ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ن{ الية ]الشعراء‪ ،[ 221:‬وما بعدها‪ ،‬ومثل قوله‪َ}:‬وِم َ‬
‫طي ُ‬
‫ل الشَّيا ِ‬
‫َتَنّز ُ‬
‫سِبي َ‬
‫ل‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ ،[ 76 :‬ومثل قوله‪َ} :‬وِإن َيَرْوْا َ‬
‫جُرو َ‬
‫ساِمًرا َتْه ُ‬
‫ن ِبِه َ‬
‫سَتْكِبِري َ‬
‫خَذَها ُهُزًوا{ ]لقمان‪ ،[6 :‬وقوله‪ُ} :‬م ْ‬
‫عْلٍم َوَيّت ِ‬
‫ِ‬
‫لْر ِ‬
‫ض‬
‫طْع َأْكَثَر َمن ِفي ا َ‬
‫ل{ ]العراف‪ ،[146:‬ومثل قوله‪َ} :‬وِإن ُت ِ‬
‫سِبي ً‬
‫خُذوُه َ‬
‫ي َيّت ِ‬
‫ل اْلَغ ّ‬
‫سِبي َ‬
‫ل َوِإن َيَرْوْا َ‬
‫سِبي ً‬
‫خُذوُه َ‬
‫ل َيّت ِ‬
‫شِد َ‬
‫الّر ْ‬
‫ل{ الية ]النعام‪.[116 :‬‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ك َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ُي ِ‬
‫طْع َأْكَثَر َمن ِفي‬
‫ومثل هذا كثير في القرآن‪ ،‬فأهل المعاصي كثيرون في العالم‪ ،‬بل هم أكثر‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِإن ُت ِ‬
‫ل{ الية‪ .‬وفي النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قول وعمل ما ل يعلمه إل ال‪،‬‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ك َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ض ُي ِ‬
‫لْر ِ‬
‫اَ‬
‫وأهلها يدعون الناس إليها‪ ،‬ويقهرون من يعصيهم‪ ،‬ويزينونها لمن يطيعهم‪ .‬فهم أعداء الرسل وأندادهم‪ ،‬فرسل ال‬
‫يدعون الناس إلى طاعة ال ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة‪ ،‬ويجاهدون عليها‪ ،‬وينهونهم عن معاصي ال‪،‬‬
‫ويحذرونهم منها بالرغبة والرهبة‪ ،‬ويجاهدون من يفعلها‪ .‬وهؤلء يدعون الناس إلى معصية ال ‪ /‬ويأمرونهم بها‬
‫ن ِباْلُمنَكِر‬
‫ض َيْأُمُرو َ‬
‫ضُهم ّمن َبْع ٍ‬
‫ت َبْع ُ‬
‫ن َواْلُمَناِفَقا ُ‬
‫بالرغبة والرهبة قول وفعل‪ ،‬ويجاهدون على ذلك قال تعالى‪} :‬اْلُمَناِفُقو َ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫ت‬
‫ن{ ]التوبة‪ ،[67:‬ثم قال‪َ}:‬واْلُمْؤِمُنو َ‬
‫سُقو َ‬
‫ن ُهُم اْلَفا ِ‬
‫ن اْلُمَناِفِقي َ‬
‫سَيُهْم ِإ ّ‬
‫ل َفَن ِ‬
‫سوْا ا ّ‬
‫ن َأْيِدَيُهْم َن ُ‬
‫ضو َ‬
‫ف َوَيْقِب ُ‬
‫ن اْلَمْعُرو ِ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫َوَيْنَهْو َ‬
‫حُمهُُم‬
‫سَيْر َ‬
‫ك َ‬
‫سوَلُه ُأْوَلـِئ َ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫نا ّ‬
‫طيُعو َ‬
‫ن الّزَكاَة َوُي ِ‬
‫لَة َوُيْؤُتو َ‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن اْلُمنَكِر َوُيِقيُمو َ‬
‫عِ‬
‫ن َ‬
‫ف َوَيْنَهْو َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ض َيْأُمُرو َ‬
‫ضُهْم َأْوِلَياء َبْع ٍ‬
‫َبْع ُ‬
‫ت{ ]النساء‪.[76 :‬‬
‫غو ِ‬
‫طا ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن َكَفُروْا ُيَقاِتُلو َ‬
‫ل َواّلِذي َ‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ن آَمُنوْا ُيَقاِتُلو َ‬
‫ل{ ]التوبة‪ ،[ 71 :‬وقال تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ا ّ‬

‫ومثل هذا في القرآن كثير‪ ،‬وال ـ سبحانه ـ قد أمرنا بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والمر بالشيء مسبوق‬
‫بمعرفته‪ ،‬فمن ل يعلم المعروف ل يمكنه المر به‪ ،‬والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته‪ ،‬فمن ل يعلمه ل يمكنه النهي‬
‫عنه‪ ،‬وقد أوجب ال علىنا فعل المعروف وترك المنكر‪ ،‬فإن حب الشيء وفعله وبغض ذلك وتركه ل يكون إل بعد‬
‫العلم بهما‪ ،‬حتي يصح القصد إلى فعل المعروف وترك المنكر‪ ،‬فإن ذلك مسبوق بعلمه‪ ،‬فمن لم يعلم الشيء لم يتصور‬
‫منه حب له ول بغض ول فعل ول ترك‪ ،‬لكن فعل الشيء والمر به يقتضي أن يعلم علًما مفصل يمكن معه فعله‬
‫والمر به إذا أمر به مفصل‪.‬‬
‫ولهذا أوجب ال على النسان معرفة ما أمر به من الواجبات؛ مثل صفة الصلة‪ ،‬والصيام‪ ،‬والحج‪ ،‬والجهاد‪ ،‬والمر‬
‫بالمعروف ‪ /‬والنهي عن المنكر‪ ،‬إذا أمر بأوصاف فل بد من العلم بثبوتها‪ ،‬فكما أنا ل نكون مطيعين إذا علمنا عدم‬
‫الطاعة فل نكون مطيعين إل إذا لم نعلم وجودها‪ ،‬بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها‪ ،‬وكون كل منهما معصية‪ ،‬فإن‬
‫الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الموال الربوية بعضها بجنسه‪ ،‬فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا‬
‫ل‪ ،‬فالنسان يحتاج إلى‬
‫المفاضلة‪ .‬وأما معرفة ما يتركه وينهي عنه فقد يكتفي بمعرفته في بعض المواضع مجم ً‬
‫معرفة المنكر وإنكاره‪ ،‬وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك‪ ،‬وإلي الجواب عما يعارض به أصحابها من الحجج‪ ،‬وإلي‬
‫دفع أهوائهم وإراداتهم‪ ،‬وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك‪ ،‬وذلك ل يكون إل بالصبر‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫صْبِر{ ] سورة العصر[‪.‬‬
‫صْوا ِبال ّ‬
‫ق َوَتَوا َ‬
‫حّ‬
‫صْوا ِباْل َ‬
‫ت َوَتَوا َ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سٍر ِإ ّ‬
‫خْ‬
‫ن َلِفي ُ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ن ا ِْ‬
‫صِر ِإ ّ‬
‫}َواْلَع ْ‬
‫وأول ذلك أن نذكر القوال والفعال على وجه الذم لها والنهي عنها وبيان ما فيها من الفساد‪ ،‬فإن النكار بالقلب‬
‫واللسان قبل النكار باليد‪ ،‬وهذه طريقة القرآن فيما يذكره ـ تعالى ـ عن الكفار والفساق والعصاة من أقوالهم وأفعالهم؛‬
‫يذكر ذلك على وجه الذم والبغض لها ولهلها وبيان فسادها وضدها والتحذير منها‪ ،‬كما أن فيما يذكره عن أهل العلم‬
‫واليمان‪ ،‬ومن فيهم من أنبيائه وأوليائه على وجه المدح والحب‪ ،‬وبيان صلحه ومنفعته‪ ،‬والترغيب فيه‪،‬وذلك نحو‬
‫شْيًئا ِإّدا‬
‫جْئُتْم َ‬
‫ن َوَلًدا َلقَْد ِ‬
‫حَم ُ‬
‫خَذ الّر ْ‬
‫ن{ ]النبياء‪َ} ،[26 :‬وَقاُلوا اّت َ‬
‫عَباٌد ّمْكَرُمو َ‬
‫ل ِ‬
‫حاَنُه َب ْ‬
‫سْب َ‬
‫ن َوَلًدا ُ‬
‫حَم ُ‬
‫خَذ الّر ْ‬
‫قوله تعالى‪َ}:‬وَقاُلوا اّت َ‬
‫ل َمن ِفي‬
‫خَذ َوَلًدا ِإن ُك ّ‬
‫ن َأن َيّت ِ‬
‫حَم ِ‬
‫ن َوَلًدا َوَما َينَبِغي ِللّر ْ‬
‫حَم ِ‬
‫عْوا ِللّر ْ‬
‫ل َهّدا َأن َد َ‬
‫جَبا ُ‬
‫خّر اْل ِ‬
‫ض َوَت ِ‬
‫لْر ُ‬
‫ق ا َْ‬
‫شّ‬
‫ن ِمْنُه َوَتن َ‬
‫طْر َ‬
‫ت َيَتَف ّ‬
‫سَماَوا ُ‬
‫َتَكاُد ال ّ‬
‫ت اْلَيُهوُد‬
‫عّدا َوُكّلُهْم آِتيِه َيْوَم اْلِقَياَمِة َفْرًدا{ ]مريم‪ 88 :‬ـ ‪َ} ،[95‬وَقاَل ِ‬
‫عّدُهْم َ‬
‫صاُهْم َو َ‬
‫ح َ‬
‫عْبًدا َلَقْد َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫حَم ِ‬
‫ل آِتي الّر ْ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ل{ اليات ]التوبة‪.[30 :‬‬
‫نا ّ‬
‫عَزْيٌر اْب ُ‬
‫ُ‬

‫وهذا كثير جًدا‪ ،‬فالذي يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم؛ إما كافر‪ ،‬وإما فاجر بحسب قوله وفعله‪ ،‬وليس منهم من هو‬
‫بعكسه‪ ،‬وليس عليه عذاب في تركه؛ لكنه ل يثاب على مجرد عـدم ذلك‪ ،‬وإنما يثاب على قصده لترك ذلك وإرادته‪،‬‬
‫وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه ل‪ ،‬وهذا العلم والقصد والبغض هو من اليمان الذي يثاب عليه‪ ،‬وهو أدني‬
‫اليمان؛ كما قال النبي صلي ال عليه وسلم‪) :‬من رأي منكم منكًرا فليغيره بيده( إلى آخره‪ ،‬وتغيير القلب يكون‬

‫بالبغض لذلك وكراهته وذلك ل يكون إل بعد العلم به وبقبحه‪ ،‬ثم بعد ذلك يكون النكار باللسان‪ ،‬ثم يكون باليد‪،‬‬
‫والنبي صلي ال عليه وسلم قال‪) :‬وذلك أضعف اليمان( فيمن رأي المنكر‪.‬‬
‫فأما إذا رآه فلم يعلم أنه منكر ولم يكرهه لم يكن هذا اليمان موجوًدا في القلب في حال وجوده ورؤيته؛ بحيث يجب‬
‫بغضه ‪ /‬وكراهته‪ ،‬والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين إذا وجدوا‪ ،‬وإذا لم يكن المنكر موجوًدا لم يجب ذلك‪،‬‬
‫ويثاب من أنكره عند وجوده‪ ،‬ول يثاب من لم يوجد عنده حتي ينكره‪ ،‬وكذلك ما يدخل في ذلك من القوال والفعال‬
‫المنكرات قد يعرض عنها كثير من الناس إعراضهم عن جهاد الكفار والمنافقين‪ ،‬وعن المر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر‪ ،‬فهؤلء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات‪ ،‬فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها‪،‬‬
‫حتي ل تكون فتنة ويكون الدين كله ل‪.‬‬
‫فتدبر هذا‪ ،‬فإنه كثيًرا ما يجتمع في كثير من الناس هذان المران بغض الكفر وأهله‪ ،‬وبغض الفجور وأهله‪ ،‬وبغض‬
‫نهيهم وجهادهم‪ ،‬كما يحب المعروف وأهله ول يحب أن يأمر به ول يجاهد عليه بالنفس والمال؛ وقد قال تعالى‪ِ} :‬إّنَما‬
‫سوِلِه ُثّم َلْم َيْرَتاُبوا‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ن آَمُنوا ِبا ِّ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ن آَباُؤُكْم‬
‫ل ِإن َكا َ‬
‫ن{ ]الحجرات‪ ،[ 15 :‬وقال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫صاِدُقو َ‬
‫ك ُهُم ال ّ‬
‫ل ُأْوَلِئ َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫سِهْم ِفي َ‬
‫جاَهُدوا ِبَأْمَواِلِهْم َوَأنُف ِ‬
‫َو َ‬
‫سوِلِه‬
‫ل َوَر ُ‬
‫نا ّ‬
‫ب ِإَلْيُكم ّم َ‬
‫ح ّ‬
‫ضْوَنَها َأ َ‬
‫ن َتْر َ‬
‫ساِك ُ‬
‫ساَدَها َوَم َ‬
‫ن َك َ‬
‫شْو َ‬
‫خَ‬
‫جاَرٌة َت ْ‬
‫ل اْقَتَرْفُتُموَها َوِت َ‬
‫شيَرُتُكْم َوَأْمَوا ٌ‬
‫عِ‬
‫جُكْم َو َ‬
‫خَواُنُكْم َوَأْزَوا ُ‬
‫َوَأْبَنآُؤُكْم َوِإ ْ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ل‬
‫جُد َقْوًما ُيْؤِمُنو َ‬
‫ل َت ِ‬
‫ن{ ]التوبة‪ ،[24 :‬وقوله‪َ } :‬‬
‫سِقي َ‬
‫ل َيْهِدي اْلَقْوَم اْلَفا ِ‬
‫ل َ‬
‫ل ِبَأْمِرِه َوا ّ‬
‫يا ّ‬
‫حّتى َيْأِت َ‬
‫صوْا َ‬
‫سِبيِلِه َفَتَرّب ُ‬
‫جَهاٍد ِفي َ‬
‫َو ِ‬
‫ن َوَأّيَدُهم‬
‫ليَما َ‬
‫ب ِفي ُقُلوِبِهُم ا ِْ‬
‫ك َكَت َ‬
‫شيَرَتُهْم ُأْوَلِئ َ‬
‫عِ‬
‫خَواَنُهْم َأْو َ‬
‫سوَلُه َوَلْو َكاُنوا آَباءُهْم َأْو َأْبَناءُهْم َأْو ِإ ْ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫حاّد ا َّ‬
‫ن َ‬
‫ن َم ْ‬
‫خِر ُيَواّدو َ‬
‫لِ‬
‫َواْلَيْوِم ا ْ‬
‫ِبُروٍح مّْنُه{ الية ]المجادلة‪.[22 :‬‬

‫وكثير من الناس‪ ،‬بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم من كراهتهم للمنكرات؛ ل سيما إذا كثرت‬
‫المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات فربما مالوا إليها تارة وعنها أخري‪ ،‬فتكون نفس أحدهم َلّواَمًة بعد أن كانت‬
‫َأّماَرًة‪ ،‬ثم إذا ارتقي إلى الحال العلى في هجر السيئات‪ ،‬وصارت نفسه مطمئنة تاركة للمنكرات والمكروهات‪ ،‬ل‬
‫تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك‪ ،‬واحتمال ما يؤذيه من القوال والفعال‪ ،‬فإن هذا شيء آخر داخل في قوله‪:‬‬
‫ل َأْو‬
‫شَيِة ا ّ‬
‫خْ‬
‫س َك َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫شْو َ‬
‫خَ‬
‫ق ّمْنُهْم َي ْ‬
‫ل ِإَذا َفِري ٌ‬
‫ب عََلْيِهُم اْلِقَتا ُ‬
‫لَة َوآُتوْا الّزَكاَة َفَلّما ُكِت َ‬
‫صَ‬
‫ل َلُهْم ُكّفوْا َأْيِدَيُكْم َوَأِقيُموْا ال ّ‬
‫ن ِقي َ‬
‫} َأَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫يٍء ّمِقيًتا{ ]النساء‪ 77 :‬ـ ‪ ،[ 85‬والشفاعة‪ :‬العانة؛ إذ المعين قد صار‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫شَيًة{ اليات‪ ،‬إلى قوله‪َ} :‬وَكا َ‬
‫خْ‬
‫شّد َ‬
‫َأ َ‬

‫ل منه‪،‬‬
‫شفًعا للمعان‪ ،‬فكل من أعان على بر أو تقوي كان له نصيب منه‪ ،‬ومن أعان على الثم والعدوان كان له ِكْف ٌ‬
‫وهذا حال الناس فيما يفعلونه بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم من العانة على البر والتقوي‪ ،‬والعانة على الثم والعدوان‪،‬‬
‫حْذَرُكْم َفانِفُروْا‬
‫خُذوْا ِ‬
‫ن آَمُنوْا ُ‬
‫ومن ذلك الجهاد بالنفس والمال على ذلك من الجانبين‪ ،‬كما قال تعالى قبل ذلك‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ضِعيًفا{ ]النساء‪71 :‬ـ ‪.[76‬‬
‫ن َ‬
‫ن َكا َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ن َكْيَد ال ّ‬
‫جِميًعا{ إلى قوله‪ِ } :‬إ ّ‬
‫ت َأوِ انِفُروْا َ‬
‫ُثَبا ٍ‬
‫‪ /‬ومن هنا يظهر الفرق في السمع والبصر‪ :‬من اليمان وآثاره‪ ،‬والكفر وآثاره‪ ،‬والفرق بين المؤمن البر وبين الكافر‬
‫والفاجر‪ ،‬فإن المؤمنين يسمعون أخبار أهل اليمان فيشهدون رؤيتهم على وجه العلم والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم‬
‫ولخبارهم وآثارهم‪ ،‬كرؤية الصحابة النبي صلي ال عليه وسلم‪ ،‬وسمعهم لما بلغه عن ال‪ ،‬والكافر والمنافق يسمع‬
‫صاِرِهْم َلّما َسِمُعوا الّذْكَر{ ]القلم‪:‬‬
‫ك ِبَأْب َ‬
‫ن َكَفُروا َلُيْزِلُقوَن َ‬
‫ويري على وجه البغض والجهل‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِإن َيَكاُد اّلِذي َ‬
‫عَلْيِه ِم َ‬
‫ن‬
‫ي َ‬
‫شّ‬
‫ظَر اْلَمْغ ِ‬
‫ك َن َ‬
‫ن ِإَلْي َ‬
‫ظُرو َ‬
‫ض َين ُ‬
‫ن ِفي ُقُلوِبِهم ّمَر ٌ‬
‫ت اّلِذي َ‬
‫ل َرَأْي َ‬
‫حَكَمٌة َوُذِكَر ِفيَها اْلِقَتا ُ‬
‫سوَرٌة ّم ْ‬
‫ت ُ‬
‫‪ ،[51‬وقال‪َ} :‬فِإَذا ُأنِزَل ْ‬
‫با ّ‬
‫ل‬
‫صّموْا ُثّم َتا َ‬
‫ن{ ]هود‪ ،[20 :‬وقال‪َ}:‬فَعُموْا َو َ‬
‫صُرو َ‬
‫سْمَع َوَما َكاُنوْا ُيْب ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫طيُعو َ‬
‫سَت ِ‬
‫ت{ ]محمد‪ ،[20 :‬وقال‪َ} :‬ما َكاُنوْا َي ْ‬
‫اْلَمْو ِ‬
‫خّروا‬
‫ت َرّبِهْم َلْم َي ِ‬
‫ن ِإَذا ُذّكُروا ِبآَيا ِ‬
‫صّموْا َكِثيٌر ّمْنُهْم{ ]المائدة‪ ،[ 71 :‬وقال تعالى في حق المؤمنين‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫عُموْا َو َ‬
‫عَلْيِهْم ُثّم َ‬
‫َ‬
‫ضيَن{ ]المدثر‪ ،[49 :‬واليات في هذا‬
‫ن الّتْذِكَرةِ ُمْعِر ِ‬
‫عِ‬
‫عْمَياًنا{ ]الفرقان‪ ،[ 73:‬وقال في حق الكفار‪َ} :‬فَما َلُهْم َ‬
‫صّما َو ُ‬
‫عَلْيَها ُ‬
‫َ‬
‫كثيرة جًدا‪.‬‬
‫حَياِة الّدنَيا ِلَنْفِتَنُهْم‬
‫جا ّمْنُهْم َزْهَرَة اْل َ‬
‫ك ِإَلى َما َمّتْعَنا ِبِه َأْزَوا ً‬
‫عْيَنْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتُمّد ّ‬
‫وكذلك النظر إلى زينة الحياة الدنيا فتنة‪ ،‬فقال تعالى‪َ}:‬و َ‬
‫لُدُهْم{ الية ]التوبة‪ ، [55 :‬وقال‪ُ } :‬قل‬
‫ل َأْو َ‬
‫ك َأْمَواُلهُْم َو َ‬
‫جْب َ‬
‫ل ُتْع ِ‬
‫خْيٌر َوَأْبَقى{ ]طه‪ ،[131 :‬وفي التوبة‪َ} :‬ف َ‬
‫ك َ‬
‫ق َرّب َ‬
‫ِفيِه َوِرْز ُ‬
‫ك َعْنُهْم ُتِريُد ِزيَنَة اْلَحَياةِ الّدْنَيا{ ]الكهف‪ ،[28:‬وقال‪:‬‬
‫عْيَنا َ‬
‫ل َتْعُد َ‬
‫صاِرِهْم{ الية ]النور‪ ،[30 :‬وقال‪َ} :‬و َ‬
‫ن َأْب َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫ن َيُغ ّ‬
‫ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫ض{ ]يونس‪،[101 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل انظُُروْا َماَذا ِفي ال ّ‬
‫ت{اليات ]الغاشية‪ ،[17:‬وقال‪ُ}:‬ق ِ‬
‫خِلَق ْ‬
‫ف ُ‬
‫ل َكْي َ‬
‫لِب ِ‬
‫ن ِإَلى ا ِْ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫}َأَف َ‬
‫ض{ الية ]سبأ‪ ،[9 :‬وكذلك قال الـشيطان‪ِ} :‬إّني َأَرى َما َ‬
‫ل‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوا َْ‬
‫ن ال ّ‬
‫خْلَفُهم ّم َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫وقال‪َ} :‬أَفَلْم َيَرْوا ِإَلى َما َبْي َ‬

‫ل{ الية‬
‫ك َقِلي ً‬
‫ل ِفي َمَناِم َ‬
‫ن{ اليات ]الشعراء‪ ،[61 :‬وقال‪ِ}:‬إْذ ُيِريَكُهُم ا ّ‬
‫جْمَعا ِ‬
‫ن{ ]النفال‪ ،[48 :‬وقال‪َ } :‬فَلّما َتَراءى اْل َ‬
‫َتَرْو َ‬
‫]النفال‪.[43 :‬‬
‫فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولهلها منهي عنه‪ ،‬والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية‬
‫على وجه التفكر والعتبار مأمور به مندوب إليه‪ .‬وأما رؤية ذلك عند الجهاد والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
‫لدفع شر أولئك وإزالته فمأمور به‪ ،‬وكذلك رؤية العتبار شرعا في الجملة‪ ،‬فالعين الواحدة ينظر إليها نظرا مأموًرا‬
‫به؛ إما للعتبار‪ ،‬وإما لبغض ذلك والنظر إليه لبغض الجهاد منهي عنه‪ ،‬وكذلك الموالة والمعاداة؛ وقد تحصل للعبد‬
‫فتنة بنظر منهي عنه وهو يظن أنه نظر عبرة‪ ،‬وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة‪ ،‬كالذين قال ال تعالى فيهم‪:‬‬
‫}َوِمْنُهم ّمن َيُقوُل اْئَذن ّلي َوَل َتْفِتّني{ الية ]التوبة‪ ،[ 49 :‬فإنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلي ال عليه وسلم‬
‫ل ِفي اْلِفْتَنِة‬
‫أن يتجهز لغزو الروم فقال‪ :‬إني مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم فائذن لي في القعود‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬أ َ‬
‫طٌة ِباْلَكاِفِريَن{ ]التوبة‪.[49 :‬‬
‫حي َ‬
‫جَهّنَم َلُم ِ‬
‫ن َ‬
‫طوْا َوِإ ّ‬
‫سَق ُ‬
‫َ‬
‫‪ /‬فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول‪ ،‬وأما ما يكون من الفعل بالجوارح‪ ،‬فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع‬
‫الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا‪ ،‬بل يكون عذابه أشد‪ ،‬فإن ال قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع‬
‫الفاحشة بالعذاب الليم في الدنيا والخرة‪ ،‬وهذه المحبة قد ل يقترن بها قول ول فعل‪ ،‬فكيف إذا اقترن بها قول أو‬
‫فعل؟ بل على النسان أن يبغض ما أبغضه ال من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا‪ ،‬ومن رضي‬
‫شَرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط‪ ،‬فإن ذلك ل يقع من المرأة؛ لكنها لما‬
‫حِ‬
‫شَر معهم‪ ،‬كما ُ‬
‫حِ‬
‫عمل قوم ُ‬
‫رضيت فعلهم عمها العذاب معهم‪.‬‬
‫فمن هذا الباب‪ ،‬قيل‪ :‬من أعان على الفاحشة وإشاعتها؛ مثل الَقّواد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة؛ لجل ما‬
‫شَرَبة الخمر‪ ،‬وضمان‬
‫يحصل له من رياسة أو سحت يأكله‪ ،‬وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك؛ مثل المغنين‪ ،‬و َ‬
‫الجهات السلطانية وغيرها‪ ،‬فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة؛ ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين‪ ،‬بخلف ما إذا‬
‫كانت قليلة خفيفة خفية‪ ،‬ول خلف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية ال وينهي عن طاعته منهي عنه محرم‪،‬‬
‫ل َأْكَبُر{ ]العنكبوت‪ ،[45 :‬أي‪:‬‬
‫شاء َواْلُمنَكِر َوَلِذْكُر ا ِّ‬
‫حَ‬
‫ن اْلَف ْ‬
‫عِ‬
‫لَة َتْنَهى َ‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫بخلف عكسه فإنه واجب ‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫إن ما فيها من طاعة ال وذكره وامتثال أمره أكبر من ذلك‪.‬‬
‫لِة{ ]المائدة‪ ،[ 91 :‬أي‪ :‬يوقعهم ذلك في معصيته التي هي‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ل َو َ‬
‫عن ِذْكِر ا ّ‬
‫صّدُكْم َ‬
‫‪ /‬وقال في الخمر والميسر‪َ}:‬وَي ُ‬
‫العداوة والبغضاء‪ ،‬وهذا من أعظم المنكرات التي تنهي عنه الصلة‪ ،‬والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر كما هو‬
‫الواقع‪ ،‬فإن شارب الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلل كان أو حراما‪ ،‬فال ـ تعالى ـ لم يذكر الجماع؛ لن الخمر ل‬
‫تدعو إلى الحرام بعينه من الجماع‪ ،‬فيأتي شارب الخمر ما يمكنه من الجماع‪ ،‬سواء كان حلل أو حراًما‪ ،‬والسكر‬
‫يزيل العقل الذي كان يميز السكران به بين الحلل والحرام‪ ،‬والعقل الصحيح ينهي عن مواقعة الحرام‪ ،‬ولهذا يكثر‬
‫شارب الخمر من مواقعة الفواحش ما ل يكثر من غيرها حتي ربما يقع على ابنته وابنه ومحارمه‪ ،‬وقد يستغني‬
‫بالحلل إذا أمكنه‪ ،‬ويدعو شرب الخمر إلى أكل أموال الناس بالباطل‪ :‬من سرقة‪ ،‬ومحاربة‪ ،‬وغير ذلك؛ لنه يحتاج‬
‫إلى الخمر وما يستتبعه من مأكول وغيره من فواحش وغناء‪.‬‬
‫ظِهُر أسرار الرجال حتي يتكلم شاربه بما في باطنه‪ ،‬وكثير من الناس إذا أرادوا استفهام ما في قلوب‬
‫وشرب الخمر ي ْ‬
‫الرجال من السرار يسقونهم الخمر‪ ،‬وربما يشربون معهم ما ل يسكرون به‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالخمر تصد النسان عن علمه وتدبيره ومصلحته في معاشه ومعاده‪ ،‬وجميع أموره التي يدبرها برأيه‬
‫وأي ً‬
‫عن‬
‫صّدُكْم َ‬
‫وعقله‪ ،‬فجميع المور التي تصد ‪ /‬عنها الخمر من المصالح وتوقعها من المفاسد داخلة في قوله تعالى‪َ} :‬وَي ُ‬
‫لِة{ ]المائدة‪.[91 :‬‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ل َو َ‬
‫ِذْكِر ا ّ‬
‫وكذلك‪ ،‬إيقاع العداوة والبغضاء هي منتهي قصد الشيطان؛ ولهذا قال النبي صلي ال عليه وسلم‪) :‬أل أنبئكم بأفضل‬
‫من درجة الصلة والصيام والصدقة والمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟( قالوا‪ :‬بلي يا رسول ال‪ ،‬قال‪) :‬إصلح‬
‫ذات البين‪ ،‬فإن إفساد ذات البين هي الحالقة‪ ،‬ل أقول ‪ :‬تحلق الشعر‪ ،‬ولكن تحلق الدين(‪.‬‬

‫وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الفواحش والظلم وغير ذلك من الذنوب توقع العداوة والبغضاء‪ ،‬وأن كل عداوة أو‬
‫بغضاء فأصلها من معصية ال‪ ،‬والشيطان يأمر بالمعصية ليوقع فيما هو أعظم منها‪ ،‬ول يرضي بغاية ما قدر على‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالعداوة والبغضاء شر محض ل يحبها عاقل؛ بخلف المعاصي فإن فيها لذة كالخمر والفواحش؛ فإن النفوس‬
‫وأي ً‬
‫تريد ذلك‪ ،‬والشيطان يدعو إليها النفوس حتي يوقعها في شر ل تهواه ول تريده ‪ ،‬وال ـ تعالى ـ قد بين ما يريده‬
‫ن‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫ل َتّتِبُعوا ُ‬
‫ن آَمُنوا َ‬
‫الشيطان بالخمر والميسر ولم يذكر ما يريده النسان ‪ ،‬ثم قال في سورة النور‪َ}:‬أّيَها اّلِذي َ‬
‫طا ِ‬
‫ن‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫ل َتّتِبُعوْا ُ‬
‫شاء َواْلُمنَكِر{ ]النور‪ / ،[ 21:‬وقال في سورة البقرة‪َ} :‬و َ‬
‫حَ‬
‫ن َفِإّنُه َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫َوَمن َيّتِبْع ُ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن{ ]البقرة‪ ،[169 ،168 :‬فنهي عن اتباع‬
‫عَلى ا ّ‬
‫شاء َوَأن َتُقوُلوْا َ‬
‫حَ‬
‫سوِء َواْلَف ْ‬
‫ن ِإّنَما َيْأُمُرُكْم ِبال ّ‬
‫عُدّو ّمِبي ٌ‬
‫ِإّنُه َلُكْم َ‬
‫خطواته ـ وهو اتباع أمره بالقتداء والتباع ـ وأخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر والسوء والقول على ال بل علم‪،‬‬
‫ل{ ]البقرة‪ ،[268 :‬فالشيطان يعد الفقر‬
‫ضً‬
‫ل َيِعُدُكم ّمْغِفَرًة ّمْنُه َوَف ْ‬
‫شاء َوا ّ‬
‫حَ‬
‫ن َيِعُدُكُم اْلَفْقَر َوَيْأُمُرُكم ِباْلَف ْ‬
‫طا ُ‬
‫شْي َ‬
‫وقال فيها‪} :‬ال ّ‬
‫ويأمر بالفحشاء والمنكر والسوء‪ ،‬وال يعد المغفرة والفضل‪،‬ويأمر بالعدل والحسان وإيتاء ذي القربي ‪ ،‬وينهي عن‬
‫خَبآِئ َ‬
‫ث‬
‫عَلْيِهُم اْل َ‬
‫حّرُم َ‬
‫ت َوُي َ‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ل َلُهُم ال ّ‬
‫حّ‬
‫عنِ اْلُمنَكِر َوُي ِ‬
‫ف َوَيْنَهاُهْم َ‬
‫الفحشاء والمنكر والبغي‪ ،‬وقال عن نبيه‪َ} :‬يْأُمُرُهم ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ف َوَيْنَهْوَن َعِن اْلُمنَك ِ{‬
‫ر{‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫عَلْيِهْم{ ]العراف‪ ،[ 157 :‬وقال عن أمته‪َ} :‬يْأُمُرو َ‬
‫ت َ‬
‫ل اّلِتي َكاَن ْ‬
‫لَ‬
‫غَ‬
‫لْ‬
‫صَرُهْم َوا َ‬
‫عْنُهْم ِإ ْ‬
‫ضُع َ‬
‫َوَي َ‬
‫]التوبة‪.[71 :‬‬
‫وذكر مثل ذلك في مواضع كثيرة‪ .‬فتارة يخص اسم المنكر بالنهي‪ ،‬وتارة يقرنه بالفحشاء‪ ،‬وتارة يقرن معهما البغي‪،‬‬
‫ن َأَمرَ‬
‫ل َم ْ‬
‫جَواُهْم ِإ ّ‬
‫خْيَر ِفي َكِثيٍر ّمن ّن ْ‬
‫ل َ‬
‫وكذلك المعروف‪ :‬تارة يخصه بالمر‪ ،‬وتارة يقرن به غيره كما في قوله تعالى‪ّ } :‬‬
‫س{ ]النساء‪ ،[ 114 :‬وذلك لن السماء قد يكون عمومها وخصوصها بحسب‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ح َبْي َ‬
‫لٍ‬
‫صَ‬
‫ف َأْو ِإ ْ‬
‫صَدَقٍة َأْو َمْعُرو ٍ‬
‫ِب َ‬
‫الفراد والتركيب؛ كلفظ الفقير والمسكين‪ ،‬فإن أحدهما إذا أفرد كان عاًما لما يدلن عليه عند القتران؛ بخلف‬
‫ضا‪ ،‬فقد يعطف‬
‫اقترانهما فإنه يكون معني كل ‪ /‬منهما ليس هو معني الخر‪ ،‬بل أخص من معناه عند الفراد‪ ،‬وأي ً‬
‫على السم العام بعض أنواعه على سبيل التخصيص‪ ،‬ثم قد قيل‪ :‬إن ذلك المخصص يكون مذكوًرا بالمعني العام‬
‫والخاص‪.‬‬
‫فإذا عرف هذا‪ ،‬فاسم )المنكر( يعم كل ما كرهه ال ونهي عنه وهو المبغض‪،‬واسم )المعروف( يعم كل ما يحبه الّ‬
‫ويرضاه ويأمر به‪ ،‬فحيث أفردا بالذكر فإنهما يعمان كل محبوب في الدين ومكروه‪ ،‬وإذا قرن المنكر بالفحشاء فإن‬
‫الفحشاء مبناها على المحبة والشهوة‪ ،‬و)المنكر( هو الذي تنكره القلوب‪ ،‬فقد يظن أن ما في الفاحشة من المحبة‬
‫يخرجها عن الدخول في المنكر‪ ،‬وإن كانت مما تنكرها القلوب فإنها تشتهيها النفوس‪ ،‬و)المنكر( قد يقال‪ :‬إنه يعم‬
‫معني الفحشاء‪ ،‬وقد يقال‪ :‬خصت لقوة المقتضي لما فيها من الشهوة‪ ،‬وقد يقال‪ :‬قصد بالمنكر ما ينكر مطلقا والفحشاء‬
‫لكونها تشتهي وتحب‪ ،‬وكذلك )البغي( قرن بها؛ لنه أبعد عن محبة النفوس‪.‬‬
‫ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس عذاب صاحب الفحشاء‪ ،‬ومنشؤه من قوة الغضب‪ ،‬كما أن الفحشاء‬
‫منشؤها عن قوة الشهوة‪ ،‬ولكل من النفوس لذة بحصول مطلوبها‪ ،‬فالفواحش والبغي مقرونان بالمنكر‪ ،‬وأما الشراك‬
‫ل بل علم فإنه منكر ‪ /‬محض ليس في النفوس ميل إليهما؛ بل إنما يكونان عن عناد وظلم‪ ،‬فهما منكر‬
‫والقول على ا ّ‬
‫وظلم محض بالفطرة‪.‬‬
‫فهذه الخصال فساد في القوة العلمية والعملية‪ ،‬فالصلة تنهي عن الفحشاء والمنكر‪ ،‬ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه‬
‫يأمر بالفحشاء والمنكر‪ ،‬سواء كان الضمير عائدًا إلى الشيطان‪ ،‬أو إلى من يتبع خطوات الشيطان‪ ،‬فإن من أتي‬
‫الفحشاء والمنكر سواء‪ ،‬فإن كان الشيطان أمره فهو متبعه مطيعه عابد له‪ ،‬وإن كان التي هو المر فالمر بالفعل‬
‫أبلغ من فعله‪ ،‬فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه‪.‬‬
‫ومن الفحشاء والمنكر استماع العبد مزامير الشيطان‪ ،‬والمغني هو ُمَؤّذُنه الذي يدعو إلى طاعته‪ ،‬فإن الغناء ُرْقيُة‬
‫ل َما َ‬
‫ل‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َ‬
‫شاء َأَتُقوُلو َ‬
‫حَ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل بل علم }ُق ْ‬
‫الزنا‪ ،‬وكذلك من اتباع خطوات الشيطان القول على ا ّ‬
‫َتْعَلُموَن{ ]العراف‪ ،[ 28 :‬وهذه حال أهل البدع والفجور‪ ،‬وكثير ممن يستحل مؤاخاة النساء والمردان وإحضارهم‬
‫في سماع الغناء‪ ،‬ودعوي محبة صورهم ل‪ ،‬وغير ذلك مما فتن به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين‪.‬‬

‫ثم إنه ـ سبحانه ـ نهي المظلوم بالقذف أن يمنع ما ينبغي له فعله من الحسان إلى ذوي قرابته‪ ،‬والمساكين‪ ،‬وأهل‬
‫ل لهم فليعفوا وليصفحوا وليغفروا‪ ،‬ول ريب أن صلة‬
‫التوبة‪ ،‬وأمره بالعفو ‪ /‬والصفح؛ فإنهم كما يحبون أن يغفر ا ّ‬
‫الرحام واجبة‪ ،‬وإيتاء المساكين واجب‪ ،‬وإعانة المهاجرين واجب‪ ،‬فل يجوز ترك ما يجب من الحسان للنسان‬
‫بمجرد ظلمه وإساءته في عرضه‪ ،‬كما ل يمنع الرجل ميراثه وحقه من الصدقات والفيء بمجرد ذنب من الذنوب‪،‬‬
‫وقد يمنع من ذلك لبعض الذنوب‪.‬‬
‫وفي الية دللة على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي الرحام ـ الذين ل يرثون بفرض ول تعصيب ـ فإنه قد ثبت‬
‫طح بن أثاثة‪ ،‬وكان أحد الخائضين‬
‫سَ‬
‫في الصحيح عن عائشة في قصة الفك أن أبا بكر الصديق حلف أل ينفق على ِم ْ‬
‫ل من ذوي القربي الذين نهي عن ترك‬
‫طح بنت خالة أبي بكر‪ ،‬وقد جعله ا ّ‬
‫سَ‬
‫في الفك في شأن عائشة‪ ،‬وكانت أم ِم ْ‬
‫إيتائهم‪ ،‬والنهي يقتضي التحريم‪ ،‬فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجبًا؛ لن الحلف على ترك الجائز‬
‫جائز ‪.‬‬
‫َفصــل‬
‫جْلَدًة{ ]النور‪ ،[ 4 :‬وقال فيها‪َ} :‬واّلِذينَ‬
‫ن َ‬
‫جِلُدوُهْم َثَماِني َ‬
‫شَهَداء َفا ْ‬
‫ت ُثّم َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة ُ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ل تعالى}َواّلِذي َ‬
‫قال ا ّ‬
‫عَلْيِه‬
‫جاُؤوا َ‬
‫ل َ‬
‫جْلَدًة{ ]النور‪ ،[4 :‬وقال فيها‪َ}:‬لْو َ‬
‫ن َ‬
‫جِلُدوُهْم َثَماِني َ‬
‫شَهَداء َفا ْ‬
‫جُهْم{ ]النور‪ُ} / ،[6 :‬ثّم َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة ُ‬
‫ن َأْزَوا َ‬
‫َيْرُمو َ‬
‫ِبَأْرَبَعِة شَُهَداء{ ]النور‪ ، [ 13 :‬فذكر عدد الشهداء وأطلق صفتهم‪ ،‬ولم يقيدهم بكونهم منا ول ممن نرضي ول من ذوي‬

‫العدل‪ ،‬كما قيد صفة الشهداء في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫ولهـذا تنازع العلماء‪،‬هـل شـهادة الربعـة التي يجب بها الحـد على الزاني‪ ،‬مثـل شهادة أهل الفسوق والعصيان‬
‫وغيرهم؟ هل تدرأ الحد عن القاذف؟ على قولين في مذهب أحمد‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنها تدرأ الحد عن القاذف وإن لم توجب حد الزنا على المقذوف‪ ،‬كشهادة الزوج على امرأته أربع شهادات‬
‫ل‪ ،‬فإن ذلك يدرأ حد القذف ول يجب الحد على امرأته لمجرد ذلك؛ لنها تدفع العذاب عنها بشهادتها أربع شهادات‪،‬‬
‫با ّ‬
‫ولو لم تشهد فهل تحد أو تحبس حتي تقر أو تلعن أو يخلي سبيلها؟ فيه نزاع مشهور بين العلماء‪ ،‬فل يلزم من درء‬
‫الحد عن القاذف وجوب حد الزنا على المقذوف؛ فإن كلهما حد‪ ،‬والحدود ُتْدَرأ بالشبهات‪ ،‬والربع شهادات للقاذف‬
‫شْبَهة قوية‪ ،‬ولو اعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلثًا ُدِرئ الحد عن القاذف‪ ،‬ولم يجب الحد عنها عند أكثر‬
‫ُ‬
‫العلماء‪ ،‬ولو كان المقذوف غير محصن ـ مثل أن يكون مشهورًا بالفاحشة ـ لم يحد قاذفه حد القذف‪ ،‬ولم يحد هو حد‬
‫الزنا لمجرد الستفاضة‪ / ،‬وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد‪ ،‬وقد اعتبر نصاب حد الزنا بأربعة شهداء‪.‬‬
‫وكذلك تعتبر صفاتهم‪ ،‬فل يقام حد الزنا على مسلم إل بشهادة مسلمين‪،‬لكن يقال‪ :‬لم يقيدهم بأن يكونوا عدول‬
‫ن َذَوا‬
‫شَهَداء{ ]البقرة‪ ،[ 282 :‬وقال في آية الوصية‪} :‬اْثَنا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِم َ‬
‫ضْو َ‬
‫مرضيين‪ ،‬كما قيدهم في آية الدين بقوله‪ِ} :‬مّمن َتْر َ‬
‫ل{ ]الطلق‪ ،[2 :‬فقد أمرنا‬
‫شَهاَدةَ ِّ‬
‫ل ّمنُكْم َوَأِقيُموا ال ّ‬
‫عْد ٍ‬
‫ي َ‬
‫شِهُدوا َذَو ْ‬
‫ل ّمنُكْم{ ]المائدة‪ ،[ 106 :‬وقال في آية الرجعة‪َ}:‬وَأ ْ‬
‫عْد ٍ‬
‫َ‬
‫ل به بقوله‪َ}:‬يا‬
‫ل ـ سبحانه ـ بأن نحمل الشهادة المحتاج إليها لهل العدل والرضا‪ ،‬وهؤلء هم الممتثلون ما أمرهم ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ل َتّتِبُعواْ‬
‫ل َأْوَلى ِبِهَما َف َ‬
‫غِنّيا َأْو َفَقيًرا َفا ّ‬
‫ن َ‬
‫ن ِإن َيُك ْ‬
‫لْقَرِبي َ‬
‫ن َوا َ‬
‫سُكْم َأِو اْلَواِلَدْي ِ‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫ل َوَلْو َ‬
‫شَهَداء ِّ‬
‫ط ُ‬
‫سِ‬
‫ن ِباْلِق ْ‬
‫ن آَمُنوْا ُكوُنوْا َقّواِمي َ‬
‫َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ل َتْكُتُموْا‬
‫ن َذا ُقْرَبى{ ]النعام‪ ،[152 :‬وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫عِدُلوْا َوَلْو َكا َ‬
‫اْلَهَوى َأن َتْعِدُلوْا{ الية ]النساء‪ ،[135:‬وفي قوله‪َ}:‬وِإَذا ُقْلُتْم َفا ْ‬
‫ب الّشَهَداء ِإَذا َما ُدُعوْا{ ]البقرة‪ ،[282 :‬وقوله ‪َ} :‬واّلِذيَن ُهم ِبَشَهاَداِتِهْم َقاِئُموَن{{‬
‫ل َيْأ َ‬
‫شَهاَدَة{ ]البقرة‪ ،[283 :‬وقوله‪َ}:‬و َ‬
‫ال ّ‬

‫ل فيحصل مقصود الذي استشهده‪.‬‬
‫]المعارج‪ ،[ 33 :‬فهم يقومون بالشهادة بالقسط ّ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن كون شهادتهم مقبولة مسموعة‪ ،‬لنهم أهل العدل والرضا‪ .‬فدل على وجوب ذلك في القبول والداء‪،‬‬
‫ق ِبَنَبٍأ َفَتَبّيُنوا{ الية ]الحجرات‪ ،[6 :‬لكن هذا نص في‬
‫سٌ‬
‫جاءُكْم َفا ِ‬
‫وقد نهي ـ سبحانه ـ عن قبول شهادة الفاسق بقوله‪ِ} :‬إن َ‬
‫أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره‪ / ،‬وأما الفاسقان فصاعدًا فالدللة عليه تحتاج إلى مقدمة أخري‪ ،‬وما ذكروه‬
‫من عدد الشهود ل يعتبر في الحكم باتفاق العلماء في مواضع‪ ،‬وعند جمهورهم قد يحكم بل شهود في مواضع عند‬
‫ل صلي ال عليه وسلم فإنه قضي بشاهد‬
‫النكول والرد ونحو ذلك‪ ،‬ويحكم بشاهد ويمين كما مضت سنة رسول ا ّ‬
‫ل صلي ال عليه‬
‫ويمين‪ ،‬رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة‪ ،‬ورواه مسلم من حديث ابن عباس‪) :‬أن رسول ا ّ‬
‫ل لم يعتبر عند الداء هذا القيد‪ :‬ل في آيـة الزنا ول‬
‫وسلم قضي بشاهد ويمين( ورواه غيرهما‪ ،‬ويدل على هذا أن ا ّ‬
‫ت ُثّم َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن َأْرَبعًة ّمنُكْم{ ]النساء‪ ،[15 :‬وقال‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫عَلْيِه ّ‬
‫شِهُدوْا َ‬
‫سَت ْ‬
‫في آية القذف‪،‬بل قال‪َ}:‬فا ْ‬

‫ُشَهَداء{ ]النور‪ ، [ 4 :‬وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد؛ ولم يأمر به عند خبر الفاسقين‪ ،‬فإن خبر الثنين‬
‫يوجب من العتقاد ما ل يوجبه خبر الواحد؛ ولهذا قال العلماء‪ :‬إذا استراب الحاكم في الشهود َفّرَقُهم وسألهم عن‬
‫مكان الشهادة وزمانها وصفتها وتحملها‪ ،‬وغير ذلك مما يتبين به اتفاقهم واختلفهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬وَل َتْقَبُلوا َلُهْم َشَهاَدًة َأَبًدا{ ]النور‪ ،[ 4 :‬فهذا نص في أن هؤلء القذفة ل تقبل لهم شهادة أبدًا‪ ،‬واحدًا كانوا‬
‫أو عددًا‪ ،‬بل لفظ الية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل؛ لن الية نزلت في أهل الفك باتفاق أهل العلم والحديث‬
‫والفقه والتفسير‪ ،‬وكان الذين قذفوا ‪ /‬عائشة عددًا‪ ،‬ولم يكونوا واحدًا لما رأوها قد قدمت ]في[ صحبة صفوان ابن‬
‫سَلمي بعد قفول العسكر‪ ،‬وكانت قد ذهبت تطلب قلدة لها عدمت ‪ ،‬فرفع أصحاب الهودج هودجها معتقدين‬
‫طل ال ّ‬
‫المَُع ّ‬
‫خّلفَ وراء الجيش‪،‬‬
‫أنها فيه لخفتها ولم تكن فيه‪ ،‬فلما رجعت لم تجد أحدًا من الجيش فمكثت مكانها‪ ،‬وكان صفوان قد َت َ‬
‫فلما رآها أعرض بوجهه عنها‪ ،‬وأناخ راحلته حتي ركبتها‪ ،‬ثم ذهب بها إلى العسكر‪ ،‬فكانت خلوته بها للضرورة‪ ،‬كما‬
‫يجوز للمرأة أن تسافر بل محرم للضرورة‪ ،‬كسفر الهجرة؛ مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ُمَعيط مهاجرة‬
‫وقصة عائشة‪.‬‬
‫وقد دلت الية على أن القاذفين ل تقبل شهادتهم مجتمعين ول متفرقين‪.‬‬
‫طح بن ُأَثاَثة‬
‫سَ‬
‫ودلت ـ أيضًا ـ على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور؛ فإنه كان من جملتهم ِم ْ‬
‫حْمَنُة بنت جحش وغيرها‪ ،‬ومعلوم أنه لم يرد النبي صلي‬
‫وحسان بن ثابت كما في الصحيح عن عائشة‪ ،‬وكان منهم ِ‬
‫ال عليه وسلم ول المسلمون بعده شهادة أحد منهم؛ لنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها‪ ،‬ومن لم يتب حينئذ فإنه‬
‫ل عن قطع صلتهم ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لستفاض‬
‫كافر مكذب بالقرآن‪ ،‬وهؤلء ما زالوا مسلمين‪ ،‬وقد نهي ا ّ‬
‫ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة‪ ،‬وقصة عائشة كانت أعظم من قصة المغيرة‪ ،‬لكن من ‪ /‬رد شهادة القاذف‬
‫بعد التوبة قد يقول‪ :‬أرد شهادة من حد في القذف وهؤلء لم يحدوا‪.‬‬
‫والولون يجيبون بأجوبة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه قد روي في السنن أن النبي صلي ال عليه وسلم حد أولئك‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن‪ ،‬وهم ل يقولون به كما هو مقرر في موضعه‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه‪ ،‬وقالوا‪ :‬قد يكون القاذف صادقًا وقد يكون كاذبًا‪ ،‬فإعراض المقذوف عن‬
‫طلب حد القذف قد يكون لصدق القاذف‪ ،‬فإذا طلب الحد ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه‪ ،‬ومعلوم أن الذين‬
‫ل هو الذي برأها بكلمه الذي أنزله من فوق سبع‬
‫قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد؛ فإن ا ّ‬
‫سموات يتلي‪ ،‬فإذا كانت شهادتهم بعد توبتهم مقبولة‪ ،‬فشهادة غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولي بالقبول‪،‬‬
‫وقصة عمر بن الخطاب التي حكم فيها بين المهاجرين والنصار في شأن المغيرة ‪ ،‬لما شهد عليه ثلثة بالزنا وتوقف‬
‫الرابع عن الشهادة فجلد أولئك الثلثة‪ ،‬ورد شهادتهم دليل على الفصلين جميعًا‪ ،‬كما دلت قصة عائشة على قبول‬
‫شهادتهم بعد التوبة والجلد‪ ،‬لن اثنين من الثلثة تابا فقبل عمر ‪ /‬والمسلمون شهادتهما‪ ،‬والثالث‪ :‬وهو أبو بكرة مع‬
‫كونه من أفضلهم لم يتب‪ ،‬فلما لم يتب لم يقبل المسلمون شهادته‪ ،‬وكان من صالحي المسلمين‪ ،‬وقد قال عمر‪ :‬تب أْقَبلُ‬
‫شهادتك‪ ،‬لكن إذا كان القرآن قد بين أن الَقَذَفِة إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدًا‪ ،‬ثم قال بعد ذلك‪َ} :‬وُأْوَلِئ َ‬
‫ك‬
‫ك ُهُم اْلَفاِسُقوَن{ وصف ذم لهم زائد على ما ذكره من‬
‫ن َتاُبوا { ]النور‪ ،[5 ،4 :‬فمعلوم أن قوله‪َ}:‬وُأْوَلِئ َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫سُقو َ‬
‫ُهُم اْلَفا ِ‬
‫رد شهادتهم‪.‬‬
‫وأما تفسير )العدالة( المشروطة في هؤلء الشهداء‪ :‬فإنها الصلح في الدين والمروءة‪ ،‬والصلح في أداء الواجبات‪،‬‬
‫سه‬
‫جّمله ويَزيُنه واجتناب ما يَدّن َ‬
‫وترك الكبيرة‪ ،‬والصرار على الصغيرة ‪ .‬و)الصلح في المروءة(‪ :‬استعمال ما ي َ‬
‫ويشينه‪ ،‬فإذا وجد هذا في شخص كان عدل في شهادته‪ ،‬وكان من الصالحين البرار‪ .‬وأما أنه ل يستشهد أحد في‬
‫ل وسنة رسوله ما يدل على‬
‫وصية أو رجعة في جميع المكنة والزمنة حتي يكون بهذه الصفة‪ ،‬فليس في كتاب ا ّ‬
‫ذلك‪ ،‬بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها‪ ،‬ومن كان كذلك كان من‬
‫ل المتقين‪.‬‬
‫أولياء ا ّ‬

‫ل وحقوق‬
‫ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها‪ ،‬بل قد يجب على النسان من حقوق ا ّ‬
‫ل ـ تعالى ـ مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا‪ ،‬ومع ذلك لم يجعلوه قادحا‬
‫عباده ما ل يحصيه ‪ /‬إل ا ّ‬
‫في عدالته؛ إما لعدم استشعار كثرة الواجبات‪ ،‬وإما للتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات‪ ،‬وليس المر كذلك‬
‫في الشريعة‪ ،‬وبالجملة‪ ،‬هذا معتبر في باب الثواب والعقاب‪ ،‬والمدح والذم‪ ،‬والموالة والمعاداة وهذا أمر عظيم‪.‬‬
‫وأما قول من يقول‪ :‬الصل في المسلمين العدالة فهو باطل‪ ،‬بل الصل في بني آدم الظلم والجهل‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫ظُلوًما َجُهوًل{ ]الحزاب‪ .[ 72 :‬ومجرد التكلم بالشهادتين ل يوجب انتقال النسان عن الظلم‬
‫ن َ‬
‫ن ِإّنُه َكا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫حَمَلَها ا ِْ‬
‫}َو َ‬
‫والجهل إلى العدل‪.‬‬
‫و)باب الشهادة(‪ :‬مداره على أن يكون الشهيد مرضيًا أو يكون ذا عدل‪ ،‬يتحري القسط والعدل في أقواله وأفعاله‬
‫والصدق في شهادته وخبره‪ ،‬وكثيرًا ما يوجد هذا مع الخلل بكثير من تلك الصفات‪ ،‬كما أن الصفات التي اعتبروها‬
‫كثيرًا ما توجد بدون هذا‪ ،‬كما قد رأينا كل واحد من الصنفين كثيرًا‪ ،‬لكن يقال‪ :‬إن ذلك مظنة الصدق والعدل‬
‫والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلمة لها؛ فإن النبي صلي ال عليه وسلم قال في الحديث المتفق على صحته‪:‬‬
‫)عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر‪ ،‬والبر يهدي إلى الجنة( الحديث إلى آخره‪.‬‬
‫‪/‬فالصدق مستلزم للبر كما أن الكذب مستلزم للفجور‪ ،‬فإذا وجد الملزوم وهو تحري الصدق وجد اللزم وهو البر‪،‬‬
‫وإذا انتفي اللزم وهو البر انتفي الملزوم وهو الصدق‪ ،‬وإذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللزم‪ ،‬وإذا‬
‫انتفي اللزم وهو الفجور انتفي الملزوم وهو الكذب‪ ،‬فلهذا استدل بعدم بر الرجل على كذبه‪ ،‬وبعدم فجوره على‬
‫صدقه‪.‬‬
‫فالعدل الذي ذكره الفقهاء من انتفي فجوره‪ ،‬وهو إتيان الكبيرة والصرار على الصغيرة‪ ،‬وإذا انتفي ذلك فيه انتفي‬
‫عِدَم بره‪ ،‬وإذا عدم بره عدم صدقه‪ ،‬ودللة هذا الحديث مبنية على‬
‫كذبه الذي يدعوه إلى هذا الفجور‪ ،‬والفاسق هو من ُ‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫أن الداعي إلى البر يستلزم البر‪ ،‬والداعي إلى الفجور يستلزم الفجور‪ .‬فالخطأ كالنسيان‪ ،‬والعمد كالكذب‪ .‬وا ّ‬
‫وقال شيخ السلم ـ رحمه ال‪:‬‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[23 :‬في‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خَرِة َوَلُهْم َ‬
‫لِ‬
‫ت ُلِعُنوا ِفي الّدْنَيا َوا ْ‬
‫ت اْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ت اْلَغاِف َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫في قوله تعالي‪ِ} :‬إ ّ‬
‫طرده الكلم على ما يتعلق بهذه الية وغيرها فقال‪ :‬وأما الجواب المفصل فمن ثلثة أوجه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن هذه الية في أزواج النبي صلى ال عليه وسلم خاصة في قول كثير من أهل العلم‪ ،‬فروي هشيم عن العوام‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫بن حوشب‪ ،‬ثنا شيخ من بني كاهل‪ ،‬قال‪ :‬فسر ابن عباس ‪) :‬سورة النور( فلما أتي على هذه الية‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ت{ إلى آخر الية ]النور‪ ،[ 32 :‬قال‪ :‬هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ت اْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ت اْلَغاِف َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫اْلُم ْ‬
‫ت ُثّم‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫خاصة‪ ،‬وهي مبهمة ليس فيها توبة‪ ،‬ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل ال له توبة‪ ،‬ثم قرأ‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫صَلُحوا{ ]النور‪ ،[5 ،4 :‬فجعل لهؤلء توبة ولم يجعل‬
‫ك َوَأ ْ‬
‫ن َتاُبوا ِمن َبْعِد َذِل َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫شَهَداء{ إلى قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة ُ‬
‫لولئك توبة‪ ،‬قال‪ :‬فهّم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسره‪.‬‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫راش‪ ،‬عن العوام‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس‪ِ} :‬إ ّ‬
‫خَ‬
‫‪ /‬وقال أبو سعيد الشج‪ :‬حدثنا عبد ال بن ِ‬
‫ت{ نزلت في عائشة خاصة‪ ،‬واللعنة في المنافقين عامة‪ ،‬فقد بين ابن عباس أن هذه الية إنما نزلت‬
‫ل ِ‬
‫ت اْلَغاِف َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫اْلُم ْ‬

‫فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين؛ لما في قذفهن من الطعن على رسول ال صلى ال عليه وسلم وعيبه‪ ،‬فإن قذف‬
‫المرأة أذى لزوجها‪ ،‬كما هو أذى لبنها؛ لنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه‪ ،‬فإن زنا امرأته يؤذيه أذى‬
‫عظيًما؛ ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت‪ ،‬ودرأ الحد عنه باللعان‪ ،‬ولم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال‪ ،‬ولعل‬
‫ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف‪.‬‬
‫ولهذا ذهب المام أحمد في إحدي الروايتين المنصوصتين عنه‪ :‬إلى أن من قذف امرأة محصنة كالمة والذمية‪ ،‬ولها‬
‫زوج أو ولد محصن حّد لقذفها‪ ،‬لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين‪ ،‬والرواية الخري عنه وهي قول‬
‫الكثرين أنه ل حد عليه؛ لنه أذى لهما ل قذف لهما‪ ،‬والحد التام إنما يجب بالقذف‪ ،‬وفي جانب النبي صلى ال عليه‬

‫وسلم أذي‪ ،‬كقذفه‪ ،‬ومن يقصد عيب النبي صلى ال عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق‪ ،‬وهذا معني قول ابن عباس‪:‬‬
‫اللعنة في المنافقين عامة‪.‬‬
‫صيف ‪ /‬قال‪ :‬سألت سعيد بن جبير‪ ،‬فقلت‪ :‬الزنا أشد أو‬
‫خ ِ‬
‫شج عن َ‬
‫لَ‬
‫وقد وافق ابن عباس جماعة‪ ،‬فروي المام أحمد وا َ‬
‫ت ُلِعُنوا‬
‫ت اْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ت اْلَغاِفلَ ِ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫قذف المحصنة؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬بل الزنا‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬فإن ال ـ تعالي ـ يقول‪ِ}:‬إ ّ‬
‫ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة{ ]النور‪ ،[ 23 :‬فقال‪ :‬إنما كان هذا في عائشة خاصة‪ ،‬وروي أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه‬
‫ت ُلِعُنوا ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة{ ‪ ،‬فقال‪ :‬هذه الية لمهات المؤمنين خاصة‪،‬‬
‫ت اْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ت اْلَغاِف َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن َيْرُمو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫الية‪ِ}:‬إ ّ‬
‫وروي الشج بإسناده عن الضحاك في هذه الية‪ ،‬قال‪ :‬هن نساء النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقال معمر عن الكلبي‪:‬‬
‫عِني بهذه الية أزواج النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأما من رمي امرأة من المسلمين فهو فاسق‪ ،‬كما قال ال ـ‬
‫إنما ُ‬
‫تعالي ـ أو يتوب‪.‬‬
‫ل ِ‬
‫ت‬
‫ت اْلَغاِف َ‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ووجه هذا‪ ،‬أن لعنة ال في الدنيا والخرة ل تستوجب بمجرد القذف‪ ،‬فتكون اللم في قوله‪} :‬اْلُم ْ‬
‫ت{ لتعريف المعهود‪ ،‬والمعهود هنا أزواج النبي صلى ال عليه وسلم؛ لن الكلم في قصة الفك‪ ،‬ووقوع من‬
‫اْلُمْؤِمَنا ِ‬

‫وقع في أم المؤمنين عائشة‪ ،‬أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك‪.‬‬
‫ويؤيد هذا القول‪:‬أن ال ـ سبحانه ـ رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلت مؤمنات‪ ،‬وقال في أول السورة‪:‬‬
‫ت ُثّم َلْم َيْأُتوا ِبَأْرَبَعِة ُشَهَداء َفاْجِلُدوُهْم َثَماِنيَن َجْلَدًة{ الية ]النور‪ ، [4:‬فرتب الحد ورد الشهادة‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫}َواّلِذينَ َيْرُمو َ‬
‫والفسق على مجرد قذف المحصنات‪،‬فلبد أن يكون ‪ /‬المحصنات الغافلت المؤمنات لهن مزية على مجرد‬
‫المحصنات؛ وذلك ـ وال أعلم ـ لن أزواج النبي صلى ال عليه وسلم مشهود لهن باليمان؛ لنهن أمهات المؤمنين ‪،‬‬
‫وهن أزواج نبيه في الدنيا والخرة‪،‬وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر اليمان‪.‬‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[11:‬فتخصيصه متولي كبره‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ولن ال ـ سبحانه ـ قال في قصة عائشة‪َ}:‬واّلِذي َتَوّلى ِكْبَرُه ِمْنُهْم َلُه َ‬
‫سُكْم ِفي َما‬
‫خَرِة َلَم ّ‬
‫لِ‬
‫حَمُتُه ِفي الّدْنَيا َوا ْ‬
‫عَلْيُكْم َوَر ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[ 14:‬فعلم أن العذاب العظيم ل يمس كل من قذف‪ ،‬وإنما يمس متولي كبره فقط‪ ،‬وقال‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ضُتْم ِفيِه َ‬
‫َأَف ْ‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[ 23 :‬فعلم أن الذي رمي أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫هنا‪} :‬وََلُهْم َ‬
‫ضا ـ موافقة‬
‫وتولي كبر الفك‪ ،‬وهذه صفة المنافق ابن أبي ـ وال أعلم ـ أنه على هذا القول تكون هذه الية حجة ـ أي ً‬
‫ن صاحبه في الدنيا والخرة؛ ولهذا‬
‫لتلك الية‪ ،‬لنه لما كان َرْمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى ال عليه وسلم ُلِع َ‬
‫قال ابن عباس‪ :‬ليس فيها توبة؛ لن مؤذي النبي صلى ال عليه وسلم ل تقبل توبته‪ ،‬أو يريد إذا تاب من القذف حتي‬
‫يسلم إسلًما جديًدا‪ ،‬وعلي هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو بعد العلم بأنهن‬
‫أزواجه في الخرة‪ ،‬فإنه ما بغت امرأة نبي قط‪.‬‬
‫‪ /‬ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ما خرجاه في الصحيحين في حديث الفك عن عائشة‬
‫قالت‪ :‬فقام رسول ال صلى ال عليه وسلم فاستعذر من عبد ال بن أبي بن سلول‪ .‬قالت‪ :‬فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ـ وهو على المنبر ‪) :‬يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي‪ ،‬فوال ما علمت‬
‫ل ما علمت عليه إل خيًرا‪ ،‬وما كان يدخل على أهلي إل معي( فقام سعد بن معاذ‬
‫على أهلي إل خيًرا‪ ،‬ولقد ذكروا رج ً‬
‫النصاري فقال‪ :‬أنا أعذرك منه يا رسول ال‪ ،‬إن كان من الوس ضربنا عنقه‪ ،‬وإن كان من إخواننا من الخزرج‬
‫حا ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد بن‬
‫ل صال ً‬
‫أمرتنا ففعلنا أمرك‪ ،‬فقام سعد بن عبادة ـ وهو سيد الخزرج وكان رج ً‬
‫معاذ‪ :‬لعمر ال ل تقتلنه ول تقدر على قتله‪ ،‬فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ‪ ،‬فقال لسعد بن عبادة‪:‬‬
‫كذبت لعمر ال لنقتلنه‪ ،‬فإنك منافق تجادل عن المنافقين‪ ،‬قالت‪ :‬فثار الحيان الوس والخزرج حتي هموا أن يقتتلوا‪،‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم قائم على المنبر‪ ،‬فلم يزل رسول ال صلى ال عليه وسلم يخفضهم حتي سكتوا‬
‫وسكت‪ .‬وفي رواية أخري صحيحة أن هذه الية في أزواج رسول ال صلى ال عليه وسلم خاصة‪.‬‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ويقول آخرون‪ :‬يعني أزواج المؤمنين عامة‪ ،‬وقال أبو سلمة‪ :‬قذف ‪ /‬المحصنات من الموجبات‪ ،‬ثم قرأ‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ت{ الية ]النور‪،[ 23 :‬وعن عمر بن قيس قال‪ :‬قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة‪ ،‬رواهما الشج‪،‬‬
‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫َيْرُمو َ‬

‫وهذا قول كثير من الناس‪.‬‬

‫صا بنفس‬
‫ووجهه ظاهر الخطاب‪ ،‬فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه؛ إذ ل موجب لخصوصه‪ ،‬وليس هو مخت ً‬
‫السبب بالتفاق؛ لن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى ال عليه وسلم داخل في العموم‪ ،‬وليس هو من السبب؛‬
‫ولنه لفظ جمع والسبب في واحدة هنا؛ ولن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل‪ ،‬فإن عامة اليات نزلت‬
‫بأسباب اقتضت ذلك‪ ،‬وقد علم أن شيًئا منها لم يقصر على سببه‪ ،‬والفرق بين اليتين‪ :‬أنه في أول السورة ذكر‬
‫العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق‪ ،‬وهنا ذكر العقوبة الواقعة من ال ـ سبحانه ـ‬
‫وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم‪ ،‬وقد روي عن النبي صلى ال عليه وسلم من غير وجه وعن أصحابه‪) :‬إن‬
‫قذف المحصنات من الكبائر(‪ ،‬وفي لفظ في الصحيح‪) :‬قذف المحصنات الغافلت المؤمنات(‪.‬‬
‫ثم اختلف هؤلء فقال أبو حمزة الّثَمالي‪ :‬بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم عهد ‪ ،‬فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى المدينة ‪ /‬مهاجرة قذفها المشركون‬
‫من أهل مكة‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنما خرجت تفجر‪ ،‬فعلي هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذًفا يصدهن به عن اليمان‪ ،‬ويقصد‬
‫بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن السلم‪ ،‬كما فعل كعب بن الشرف‪ ،‬وعلي هذا فمن فعل ذلك فهو كافر‪ ،‬وهو‬
‫بمنزلة من سب النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إنها نزلت زمن العهد‪ ،‬يعني ـ وال أعلم ـ‪ :‬أنه عني بها مثل أولئك المشركين المعاهدين‪ ،‬وإل فهذه الية نزلت‬
‫ليالي الفك ‪ ،‬وكان الفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق‪ ،‬والهدنة كانت بعد ذلك بسنين‪ ،‬ومنهم من أجراها على‬
‫ظاهرها وعمومها؛ لن سبب نزولها قذف عائشة‪ ،‬وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق‪ ،‬وسبب النزول لبد أن يندرج في‬
‫العموم؛ ولنه ل موجب لتخصيصها‪.‬‬
‫والجواب على هذا التقدير‪ :‬أنه ـ سبحانه ـ قال هنا‪ُ} :‬لِعُنوا ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة{ ]النور‪ ،[ 23 :‬على بناء الفعل للمفعول ولم‬
‫ل ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة{ ]الحزاب‪ ،[57 :‬وإذا لم‬
‫سوَلُه َلَعَنُهُم ا ُّ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫ن ُيْؤُذو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫سّم اللعن‪ ،‬وقال في الية الخري‪ِ} :‬إ ّ‬
‫يَ‬
‫يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير ال من الملئكة والناس‪ ،‬وجاز أن يلعنهم ال في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت‪،‬‬
‫وجاز أن ال يتولي لعنة بعضهم وهو من كان قذفه طعًنا في الدين‪ ،‬ويتولي خلقه لعنة الخرين‪ ،‬وإذا كان اللعن‬
‫مخلوًقا فلعنه قد يكون بمعني ‪ /‬الدعاء عليهم‪ ،‬وقد يكون بمعني أنهم يبعدونهم عن رحمة ال‪.‬‬
‫ويؤيد هذا‪ ،‬أن الرجل إذا قذف امرأته تلعنا وقال الزوج في الخامسة‪:‬لعنة ال عليه إن كان من الكاذبين‪ ،‬فهو يدعو‬
‫ن حاجه في المسيح بعد ما جاءه من‬
‫على نفسه إن كان كاذًبا في القذف أن يلعنه ال‪ ،‬كما أمر ال رسوله أن يباهل َم ْ‬
‫العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة ال على الكاذبين‪ ،‬فهذا مما يلعن به القاذف‪ ،‬ومما يلعن به أن يجلد‪ ،‬وأن ترد شهادته‪،‬‬
‫ويفسق‪ ،‬فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن المن والقبول‪ ،‬وهي من رحمة ال‪ ،‬وهذا بخلف من أخبر ال أنه لعنه‬
‫في الدنيا والخرة‪ ،‬فإن لعنة ال له توجب زوال النصر عنه من كل وجه‪ ،‬وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين‪.‬‬
‫ل ِفي الّدْنَيا َواْلِخَرِة َوَأَعّد َلُهْم َعَذاًبا ّمِهيًنا{ ]الحزاب‪،[57 :‬‬
‫سوَلُه َلَعَنُهُم ا ُّ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫ن ُيْؤُذو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ومما يؤيد الفرق أنه قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن َما آَتاُهُم‬
‫ل َوَيْكُتُمو َ‬
‫خِ‬
‫س ِباْلُب ْ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ن َوَيْأُمُرو َ‬
‫خُلو َ‬
‫ن َيْب َ‬
‫ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إل في حق الكفار‪ ،‬كقوله‪}:‬الِّذي َ‬
‫ل َأَعّد ِلْلَكاِفِريَن َعَذاًبا ّمِهيًنا{ ]النساء‪:‬‬
‫نا ّ‬
‫حْذَرُكْم ِإ ّ‬
‫خُذواْ ِ‬
‫عَذاًبا ّمِهيًنا{ ]النساء‪ ،[37 :‬وقوله‪َ} :‬و ُ‬
‫ن َ‬
‫عَتْدَنا ِلْلَكاِفِري َ‬
‫ضِلِه َوَأ ْ‬
‫ل ِمن َف ْ‬
‫ا ّ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ب‬
‫ن{ ]البقرة‪ِ }،[90 :‬إّنَما ُنْمِلي َلُهْم ِلَيْزَداُدوْا ِإْثًما َوَلْهُم َ‬
‫ب ّمِهي ٌ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ن َ‬
‫ب َوِلْلَكاِفِري َ‬
‫ض ٍ‬
‫غ َ‬
‫عَلى َ‬
‫ب َ‬
‫ض ٍ‬
‫‪ ،[102‬وقوله‪َ}:‬فَبآُؤوْا ِبَغ َ‬
‫شْيًئا‬
‫ن آَياِتَنا َ‬
‫عِلَم ِم ْ‬
‫ن{ ]الحج‪َ} ،[57 :‬وِإَذا َ‬
‫عَذابٌ ّمِهي ٌ‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫ن َكَفُروا َوَكّذُبوا ِبآَياِتَنا َفُأْوَلِئ َ‬
‫ن{ ]آل عمران‪َ} ،[178 :‬واّلِذي َ‬
‫ّمِهي ٌ‬
‫خُذوا‬
‫ن{ ]المجادلة‪} ،[5 :‬اّت َ‬
‫ب ّمِهي ٌ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ن َ‬
‫ت َوِلْلَكاِفِري َ‬
‫ت َبّيَنا ٍ‬
‫ن{ ]الجاثية‪َ} ،[9 :‬وَقْد َأنَزْلَنا آَيا ٍ‬
‫ب ّمِهي ٌ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫خَذَها ُهُزًوا ُأْوَلِئ َ‬
‫اّت َ‬
‫ب ّمِهيٌن{ ]المجادلة‪.[16 :‬‬
‫عَذا ٌ‬
‫ل َفَلُهْم َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫صّدوا َ‬
‫جّنًة َف َ‬
‫َأْيَماَنُهْم ُ‬
‫ب ّمِهيٌن{ ]النساء‪ ،[14 :‬فهي ـ وال‬
‫عَذا ٌ‬
‫خاِلًدا ِفيَها َوَلُه َ‬
‫خْلُه َناًرا َ‬
‫حُدوَدُه ُيْد ِ‬
‫سوَلُه َوَيَتَعّد ُ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫صا ّ‬
‫وأما قوله تعالي‪َ} :‬وَمن َيْع ِ‬
‫أعلم ـ فيمن جحد الفرائض واستخف بها‪ ،‬على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له‪.‬‬
‫ظيٌم{ ]النفال‪:‬‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خْذُتْم َ‬
‫سُكْم ِفيَما َأ َ‬
‫ق َلَم ّ‬
‫سَب َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ب ّم َ‬
‫ل ِكَتا ٌ‬
‫وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيًدا للمؤمنين في قوله‪ّ} :‬لْو َ‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[14 :‬وفي‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ضُتْم ِفيِه َ‬
‫سُكْم ِفي َما َأَف ْ‬
‫خَرِة َلَم ّ‬
‫لِ‬
‫حَمُتُه ِفي الّدْنَيا َوا ْ‬
‫عَلْيُكْم َوَر ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫‪ ،[68‬وقوله‪َ}:‬وَلْو َ‬
‫عّد‬
‫عَلْيِه َوَلَعَنُه َوَأ َ‬
‫ل َ‬
‫با ّ‬
‫ض َ‬
‫غ ِ‬
‫ظيٌم{ ]المائدة‪ ،[ 33 :‬وفي القاتل‪َ} :‬و َ‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خَرِة َ‬
‫ي ِفي الّدْنَيا َوَلُهْم ِفي ال ِ‬
‫خْز ٌ‬
‫ك َلُهْم ِ‬
‫المحارب‪َ} :‬ذِل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ل‬
‫عن َ‬
‫سوَء ِبَما صََددّتْم َ‬
‫ل َقَدٌم َبْعَد ُثُبوِتَها َوَتُذوُقوْا اْل ّ‬
‫ل َبْيَنُكْم َفَتِز ّ‬
‫خً‬
‫خُذوْا َأْيَماَنُكْم َد َ‬
‫ل َتّت ِ‬
‫ظيًما{ ]النساء‪ ،[93:‬وقوله‪َ}:‬و َ‬
‫عِ‬
‫عَذاًبا َ‬
‫َلُه َ‬
‫ل َفَما َلُه ِمن ّمْكِرٍم{ ]الحج‪ ،[18 :‬وذلك لن الهانة‬
‫ن ا ُّ‬
‫ظيٌم{ ]النحل‪ ،[94 :‬وقد قال سبحانه‪َ}:‬وَمن ُيِه ِ‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ل َوَلُكْم َ‬
‫ا ّ‬

‫إذلل وتحقير وخزي‪ ،‬وذلك قدر زائد على ألم العذاب‪ ،‬فقد يعذب الرجل الكريم ول يهان‪ ،‬فلما قال في هذه الية‪:‬‬
‫}َوَأَعّد َلُهْم َعَذاًبا ّمِهيًنا{ ]الحزاب‪ ،[ 75 :‬علم أنه من جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين‪ ،‬ولما قال هناك‪:‬‬
‫ظي ٌ{‬
‫م{‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ضُتْم ِفيِه َ‬
‫سُكْم ِفي َما َأَف ْ‬
‫ظيٌم{ ]النور‪ ،[ 23 :‬جاز أن يكون من جنس العذاب في قوله‪َ} :‬لَم ّ‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫}َوَلُهْم َ‬
‫]النور‪.[14 :‬‬
‫ضا أنه ـ سبحانه ـ قال هناك‪َ}:‬وَأَعّد َلُهْم َعَذاًبا ّمِهيًنا{ ]الحزاب‪ ،[57 :‬والعذاب إنما أعد للكافرين؛‬
‫ومما يبين الفرق أي ً‬
‫فإن جهنم لهم خلقت؛ لنهم لبد أن يدخلوها‪ ،‬وما هم منها بمخرجين‪ ،‬وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا‬
‫ت ِلْلَكاِفِريَن{ ]آل‬
‫عّد ْ‬
‫غفر ال لهم‪ ،‬وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين‪ ،‬قال سبحانه‪َ} :‬واّتُقوْا الّناَر اّلِتي ُأ ِ‬
‫عمران‪ ،[ 131 :‬فأمر ـ سبحانه ـ المؤمنين أل يأكلوا الربا وأن يتقوا ال‪ ،‬وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين‪ ،‬فعلم‬
‫أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي‪ ،‬مع أنها معدة للكافرين ل لهم‪.‬‬
‫ولذلك جاء في الحديث‪) :‬أما أهل النار الذين هم أهلها‪ ،‬فإنهم ل يموتون فيها ول يحيون‪ ،‬وأما أقوام لهم ذنوب‬
‫فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم ال منها( ]والسفع‪ :‬علمة تغير ألوانهم‪ .‬يقال‪ :‬سفعت الشيء إذا جعلت عليه‬
‫علمة‪ ،‬يريد أثًرا من النار[‬
‫وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء‪ ،‬وإن كان يدخلها البناء بعمل آبائهم‪ ،‬ويدخلها قوم‬
‫بالشفاعة‪ ،‬وقوم بالرحمة‪ ،‬وينشئ ال لما فضل منها خلًقا آخر في الدار الخرة فيدخلهم إياها؛ وذلك لن الشيء إنما‬
‫يعد لمن يستوجبه ويستحقه‪ ،‬ولمن هو أولي الناس به‪ ،‬ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪/‬وقال شيخ السلم ‪:‬‬
‫فصـــل‬
‫عَلى َأْهِلَها{ إلى قوله‪ُ} :‬قل ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن‬
‫سّلُموا َ‬
‫سوا َوُت َ‬
‫سَتْأِن ُ‬
‫حّتى َت ْ‬
‫غْيَر ُبُيوِتُكْم َ‬
‫خُلوا ُبُيوًتا َ‬
‫ل َتْد ُ‬
‫ن آَمُنوا َ‬
‫قال ال تعالي‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫صاِرِهْم{ ]النور‪ 27 :‬ـ ‪ ،[ 30‬وقد ثبت عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إنما جعل الستئذان من‬
‫ن َأْب َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫َيُغ ّ‬

‫أجل النظر(‪ .‬والنظر المنهي عنه هو نظر العورات ونظر الشهوات وإن لم تكن من العورات‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ ذكر الستئذان على نوعين‪ :‬ذكر في هذه الية أحدهما‪ ،‬وفي اليتين في آخر السورة النوع الثاني‪،‬‬
‫حُلَم ِمنُكْم‬
‫ن َلْم َيْبُلُغوا اْل ُ‬
‫ت َأْيَماُنُكْم َواّلِذي َ‬
‫ن َمَلَك ْ‬
‫سَتْأِذنُكُم اّلِذي َ‬
‫ن آَمُنوا ِلَي ْ‬
‫وهو استئذان الصغار والمماليك‪ ،‬كما قال تعالي‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫عَلْيِهْم‬
‫ل َ‬
‫عَلْيُكْم َو َ‬
‫س َ‬
‫ت ّلُكْم َلْي َ‬
‫عْوَرا ٍ‬
‫ث َ‬
‫ل ُ‬
‫شاء َث َ‬
‫لةِ اْلِع َ‬
‫صَ‬
‫ظِهيَرِة َوِمن َبْعِد َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ِثَياَبُكم ّم َ‬
‫ضُعو َ‬
‫ن َت َ‬
‫حي َ‬
‫جِر َو ِ‬
‫لِة اْلَف ْ‬
‫صَ‬
‫ل َ‬
‫ت ِمن َقْب ِ‬
‫ث َمّرا ٍ‬
‫ل َ‬
‫َث َ‬
‫ُجَناٌح َبْعَدُهّن{ ]النور‪ ،[ 58 :‬فأمر باستئذان الصغار والمماليك حين الستيقاظ من النوم‪ ،‬وحين إرادة النوم ‪ / ،‬وحين‬
‫ت ّلُكْم{ ‪.‬‬
‫عْوَرا ٍ‬
‫ث َ‬
‫ل ُ‬
‫القائلة ]وقت القيلولة[؛ فإن في هذه الوقات تبدو العورات‪ ،‬كما قال تعالي‪َ} :‬ث َ‬

‫وفي ذلك ما يدل على أن المملوك الممّيز‪ ،‬والمميز من الصبيان‪ :‬ليس له أن ينظر إلى عورة الرجل‪ ،‬كما ل يحل‬
‫للرجل أن ينظر إلى عورة الصبي والمملوك وغيرهما‪.‬‬
‫ح َبْعَدُه ّ‬
‫ن‬
‫جَنا ٌ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيُكْم َو َ‬
‫س َ‬
‫وأما دخول هؤلء في غير هذه الوقات بغير استئذان‪ ،‬فهو مأخوذ من قوله تعالي‪َ} :‬لْي َ‬
‫ض { ]النور‪ ،[ 58 :‬وفي ذلك دللة على أن الطوافين يرخص فيهم ما ل يرخص في غير‬
‫عَلى َبْع ٍ‬
‫ضُكْم َ‬
‫عَلْيُكم َبْع ُ‬
‫طّواُفونَ َ‬
‫َ‬

‫الطوافين عليكم والطوافات‪ ،‬والطواف من يدخل بغير إذن كما تدخل الهرة‪ ،‬وكما يدخل الصبي والمملوك‪ ،‬وإذا كان‬
‫هذا في الصبي المميز فغير المميز أولي‪.‬‬
‫ويرخص في طهارته‪ ،‬كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في الصبيان والهرة وغيرهم‪ :‬أنهم‬
‫إن أصابتهم نجاسة أنها تطهر بمرور الريق عليها‪ ،‬ول تحتاج إلى غسل؛ لنهم من الطوافين‪ ،‬كما أخبر به الرسول‬
‫في الهرة مع علمه أنها تأكل الفأرة‪ ،‬ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ]السنانير‪ :‬الهر‪ ،‬والنثي سنورة[‪ ،‬ليقال‪:‬‬
‫طهر فمها بورودها الماء‪ ،‬فعلم أن طهارة هذه الفواه ل تحتاج إلى غسل‪ ،‬فالستئذان في أول السورة قبل دخول ‪/‬‬
‫البيت مطلًقا‪ ،‬والتفريق في آخرها لجل الحاجة‪ ،‬لن المملوك والصغير طواف يحتاج إلى دخول البيت في كل ساعة‬
‫فشق استئذانه‪ ،‬بخلف المحتلم‪.‬‬

‫جِميًعا َأّيَها‬
‫ل َ‬
‫ك َأْزَكى{ الية‪ ،‬إلى قوله‪َ} :‬وُتوُبوا ِإَلى ا ِّ‬
‫جُهْم َذِل َ‬
‫ظوا ُفُرو َ‬
‫حَف ُ‬
‫صاِرِهْم َوَي ْ‬
‫ن َأْب َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫ن َيُغ ّ‬
‫وقال تعالي‪ُ} :‬قل ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫اْلُمْؤِمُنوَن َلَعّلُكْم ُتْفِلُحوَن{ ]النور‪ ،[ 31 ،30 :‬فأمر ال ـ سبحانه ـ الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج‪ ،‬كما‬

‫ل يبدين زينتهن إل لبعولتهن ومن استثناه ال ـ تعالي ـ في‬
‫صا بالستتار‪ ،‬وأ ّ‬
‫أمرهم جميًعا بالتوبة‪ ،‬وأمر النساء خصو ً‬
‫الية‪ ،‬فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة‪ ،‬فهذا ل جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر‪ ،‬فإن هذه‬
‫لبد من إبدائها‪ ،‬وهذا قول ابن مسعود وغيره‪ ،‬وهو المشهور عن أحمد‪ .‬وقال ابن عباس‪ :‬الوجه واليدين من الزينة‬
‫الظاهرة‪ ،‬وهي الرواية الثانية عن أحمد‪ ،‬وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره‪.‬‬
‫وأمر ـ سبحانه ـ النساء بإرخاء الجلبيب لئل يعرفن ول يؤذين‪ ،‬وهذا دليل على القول الول‪ ،‬وقد ذكر عبيدة‬
‫السلماني ]هو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي‪ ،‬الفقيه‪ ،‬أسلم في عام فتح مكة بأرض إلى من‪ ،‬ول صحبة‬
‫له‪ ،‬برع في الفقه وكان ثبًتا في الحديث‪ ،‬وهاجر إلى المدينة في زمان عمر‪ .‬وحضر كثيًرا من الوقائع‪ ،‬وكان يوازي‬
‫حا في القضاء توفي في سنة ‪72‬هـ[ وغيره‪ :‬أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلبيب من فوق رؤوسهن حتي‬
‫شري ً‬
‫حِرمة تنهي عن النتقاب والقفازين‪ ،‬وهذا‬
‫ل يظهر إل عيونهن لجل رؤية الطريق‪ ،‬وثبت في الصحيح‪ :‬أن المرأة الُم ْ‬
‫مما يدل على أن النقاب ‪ /‬والقفازين كانا معروفين في النساء اللتي لم يحرمن‪ ،‬وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن‪.‬‬
‫ن ِمن‬
‫خِفي َ‬
‫ن ِلُيْعَلَم َما ُي ْ‬
‫جِلِه ّ‬
‫ن ِبَأْر ُ‬
‫ضِرْب َ‬
‫ل َي ْ‬
‫وقد نهي ال ـ تعالي ـ عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره‪ ،‬فقال‪َ} :‬و َ‬
‫ضِرْبَن ِبُخُمِرِهّن َعَلى ُجُيوِبِهّن{ فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن‬
‫ن{ ]النور‪ ،[31 :‬وقال‪َ}:‬وْلَي ْ‬
‫ِزيَنِتِه ّ‬
‫وأرخينها على أعناقهن‪ .‬و ]الجيب[‪ :‬هو شق في طول القميص‪ .‬فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت‬
‫عنقها‪ ،‬وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها‪ ،‬والرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت‪ ،‬فأما إذا كانت في البيت فل‬
‫تؤمر بذلك‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح‪ :‬أن النبي صلى ال عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه‪ :‬إن أرخي عليها‬
‫الحجاب فهي من أمهات المؤمنين‪ ،‬وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه‪ ،‬فضرب عليه الحجاب‪ ،‬وإنما‬
‫ضرب الحجاب على النساء لئل تري وجوههن وأيديهن‪.‬‬

‫والحجاب مختص بالحرائر دون الماء‪ ،‬كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى ال عليه وسلم وخلفائه أن‬
‫الحرة تحتجب والمة تبرز‪ ،‬وكان عمر ـ رضي ال عنه ـ إذا رأى أمة مختمرة ضربها‪ ،‬وقال أتتشبهين بالحرائر‪ ،‬أي‬
‫ع ]اللكاع‪ :‬المرأة اللئيمة[‪ ،‬فيظهر من المة رأسها ويداها ووجهها‪.‬‬
‫َلكا َ‬
‫ن‬
‫سَتْعِفْف َ‬
‫ت ِبِزيَنٍة َوَأن َي ْ‬
‫جا ٍ‬
‫غْيَر ُمَتَبّر َ‬
‫ن َ‬
‫ن ِثَياَبُه ّ‬
‫ضْع َ‬
‫ح َأن َي َ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ن ُ‬
‫عَلْيِه ّ‬
‫س َ‬
‫حا َفَلْي َ‬
‫ن ِنَكا ً‬
‫جو َ‬
‫ل َيْر ُ‬
‫لِتي َ‬
‫ساء ال ّ‬
‫ن الّن َ‬
‫عُد ِم َ‬
‫‪ /‬وقال تعالي‪َ} :‬واْلَقَوا ِ‬
‫َخْيٌر ّلُهّن{ ]النور‪ ،[ 60 :‬فرخص للعجوز التي ل تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فل تلقي عليها جلبابها ول تحتجب‪،‬‬

‫وإن كانت مستثنةة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها‪ ،‬كما استثني التابعين غير أولي الربة من الرجال‬
‫في إظهار الزينة لهم‪ ،‬لعدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة‪ ،‬وكذلك المة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي‬
‫من جلبابها وتحتجب‪ ،‬ووجب غض البصر عنها ومنها‪.‬‬
‫وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الماء ول ترك احتجابهن وإبداء زينتهن‪ ،‬ولكن القرآن لم يأمرهن بما‬
‫أمر الحرائر‪ ،‬والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر‪ ،‬ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام‪ ،‬بل كانت عادة‬
‫المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الماء‪ ،‬واستثني القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجاًبا‪،‬‬
‫واستثني بعض الرجال وهم غير أولي الربة‪ ،‬فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم‪ ،‬لعدم الشهوة في هؤلء وهؤلء‪،‬‬
‫فأن يستثني بعض الماء أولي وأحري‪ ،‬وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها‪.‬‬
‫وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف‪ ،‬لم يجز ‪ /‬إبداء الزينة الخفية له‪،‬فالخطاب خرج عاما‬
‫على العادة‪ ،‬فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره‪ ،‬فإذا كان في ظهور المة والنظر إلى ها فتنة وجب المنع من‬
‫ذلك‪ ،‬كما لو كانت في غير ذلك‪ ،‬وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء‪،‬لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي‬
‫الرجل فتنة للرجال؛ لكان المر بالغض للناظر من بصره متوجًها‪،‬كما يتوجه إلى ه المر بحفظ فرجه‪ ،‬فالماء‬
‫والصبيان إذا كن حساًنا تختشي الفتنة بالنظر إلى هم كان حكمهم كذلك‪،‬كما ذكر ذلك العلماء‪.‬‬
‫قـال المروزي ‪ :‬قلت لبي عبد ال ـ يعني أحمد بن حنبل ‪ :‬الرجـل ينظـر إلى المملـوك‪ ،‬قال‪ :‬إذا خـاف الفتنـة لم‬
‫ينظـر إلى ه‪ ،‬كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلء‪ ،‬وقـال المروزي‪ :‬قلت لبي عبد ال‪ :‬رجـل تاب‪ ،‬وقال‪ :‬لو‬
‫ضِرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصيـة إل أنـه ل يـدع النظـر‪ ،‬فقال‪ :‬أي توبة هذه؟! قال جرير‪ :‬سألت رسول‬
‫ُ‬

‫ال صلى ال عليه وسلم عـن نـظـرة الفجـأة فقـال‪) :‬اصرف بصـرك(‪ ،‬وقـال ابن أبي الـدنيا‪ :‬حـدثني أبي وسـويد‬
‫قـال‪ :‬حـدثني إبراهيم بن ِهَـراسة‪ ،‬عن عثمان بن صالح‪ ،‬عن الحسن بن ذكـوان‪ ،‬قال‪ :‬ل تجالسـوا أولد الغنياء‪،‬‬
‫فـإن لهم صـوًرا كصور النساء‪ ،‬وهم أشـد فتنـة من العذاري‪.‬‬
‫وهذا الستدلل والقياس والتنبيه بالدني على العلي‪ ،‬وكان يقال ‪ / :‬ل يبيت الرجل في بيت مع الغلم المرد‪ ،‬وقال‬
‫ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سهل الصعلوكي‪ ،‬قال‪ :‬سيكون في هذه المة قوم يقال لهم‪ :‬اللوطيون على ثلثة‬
‫أصناف‪ :‬صنف ينظرون‪ ،‬وصنف يصافحون‪ ،‬وصنف يعملون ذلك العمل‪ ،‬وقال إبراهيم النخعي‪ :‬كانوا يكرهون‬
‫مجالسة الغنياء وأبناء الملوك‪ ،‬وقال‪ :‬مجالستهم فتنة إنما هم بمنزلة النساء‪ .‬ووقفت جارية لم ير أحسن وجًها منها‬
‫على بشر الحافي فسألته عن باب حرب‪ ،‬فدلها‪ ،‬ثم وقف عليه غلم حسن الوجه فسأله عن باب حرب‪ ،‬فأطرق رأسه‪،‬‬
‫فرد عليه الغلم السؤال فغمض عينيه‪ ،‬فقيل له‪ :‬يا أبا نصر‪ ،‬جاءتك جارية فسألتك فأجبتها‪ ،‬وجاءك هذا الغلم فسألك‬
‫فلم تكلمه‪ ،‬فقال‪ :‬نعم‪ .‬يروي عن سفيان الثوري أنه قال‪ :‬مع الجارية شيطان‪ ،‬ومع الغلم شيطانان‪ ،‬فخشيت على‬
‫نفسي شيطانيه‪.‬‬
‫وروي أبو الشيخ القزويني بإسناده عن بشر أنه قال‪ :‬احذروا هؤلء الحداث‪ ،‬وقال فتح الموصلي‪ :‬صحبت ثلثين‬
‫خا كانوا يعدون من البدال كلهم أوصاني عند مفارقتي له‪ :‬اتق صحبة الحداث ‪ ،‬اتق معاشرة الحداث‪ .‬وكان‬
‫شي ً‬
‫سفيان الثوري ل يدع أمرد يجالسه‪ ،‬وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع‪ ،‬فاحتال هشام فدخل في‬
‫طا‪ ،‬فقال‬
‫غمار الناس مستتًرا بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر حديًثا‪ ،‬فأخبر بذلك مالك فضربه ستة عشر سو ً‬
‫هشام‪ :‬ليتني سمعت ‪ /‬مائة حديث وضربني مائة سوط‪ ،‬وكان يقول‪ :‬هذا علم إنما أخذناه عن ذوي اللحي والشيوخ فل‬
‫يحمله عنا إل أمثالهم‪ ،‬وقال يحيي بن معين‪ :‬ما طمع أمرد أن يصحبني ول أحمد بن حنبل في طريق‪.‬‬
‫وقال أبو على الروذباري ]هو أبو على أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور الروذباري‪ ،‬الزاهد المشهور الشافعي‪،‬‬
‫ظا للحاديث عارًفا بالطريقة‪ ،‬له تصانيف كثيرة‪ ،‬وأصله من بغداد‪ ،‬وسكن بمصر وصحب‬
‫كان فقيًها نحويا حاف ً‬
‫الجنيد حتي صار أحد أئمة الوقت وشيخ الصوفية‪ ،‬توفي بمصر سنة ‪322‬هـ[‪ :‬قال لي أبو العباس أحمد بن المؤدب‪ :‬يا‬
‫أبا علي‪ ،‬من أين أخذ صوفية عصرنا هذا النس بالحداث وقد تصحبهم السلمة في كثير من المور؟ فقال‪ :‬هيهات‬
‫قد رأينا من هو أقوي منهم إيماًنا إذا رأي الحدث قد أقبل نفر منه كفراره من السد‪ ،‬وإنما ذاك على حسب الوقات‬
‫التي تغلب الحوال على أهلها فيأخذها تصرف الطباع‪ ،‬ما أكثر الخطأ‪ ،‬ما أكثر الغلط! قال الجنيد بن محمد‪ :‬جاء‬
‫رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلم أمرد حسن الوجه‪ ،‬فقال له‪ :‬من هذا الفتي؟! فقال الرجل‪ :‬ابني‪ ،‬فقال‪ :‬ل تجئ به‬
‫معك مرة أخري‪ ،‬فلمه بعض أصحابه في ذلك‪ ،‬فقال أحمد‪ :‬على هذا رأينا أشياخنا‪ ،‬وبه أخبرونا عن أسلفهم‪.‬‬
‫وجاء حسن بن الرازي إلى أحمد ومعـه غلم حسـن الوجـه‪ ،‬فتحدث معه ساعـة‪ ،‬فلما أراد أن ينصرف قـال لـه أحمد‪:‬‬
‫يا أبا علي‪ ،‬ل تمش مع هذا الغلم في طريق‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا عبد ال‪ ،‬إنـه ابن أختي‪ ،‬قال‪ :‬وإن كـان ل يأثم الناس فيك‪،‬‬
‫سيـب قال‪ :‬إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى الغلم المرد فاتهمـوه‪،‬‬
‫وروي ابن الجوزي بإسناده عـن ‪ /‬سعـيد بن الم ُ‬
‫وقـد روي في ذلك أحـاديث مسـندة ضعيفـة‪ ،‬وحديث مرسل أجود منها‪ ،‬وهو مـا رواه أبو محمـد الخلل‪ ،‬ثنا عمر بن‬
‫شاهين‪ ،‬ثنا محمد بن أبي سعيد المقري‪ ،‬ثنا أحمـد بن حماد المصيصي‪ ،‬ثنا عباس بن مجوز‪ ،‬ثنا أبو أسامة‪ ،‬عن‬
‫جالد‪ ،‬عن سعيد‪ ،‬عن الشعبي قال‪ :‬قدم وفد عبد القيس على رسول ال صلى ال عليه وسلم وفيهم غلم أمرد ظاهر‬
‫ُم َ‬
‫الوضاءة‪ ،‬فأجلسه النبي صلى ال عليه وسلم وراء ظهره‪ ،‬وقال‪) :‬كانت خطيئة داود في النظر( هذا حديث منكر‪.‬‬
‫وأما المسندة فمنها ما رواه ابن الجوزي بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬من نظر إلى‬
‫غلم أمرد بريبة حبسه ال في النار أربعين عاًما(‪ ،‬وروي الخطيب البغدادي بإسناده عن أنس عن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬ل تجالسوا أبناء الملوك‪ ،‬فإن النفس تشتاق إلى هم ما ل تشتاق إلى الجواري العواتق(‪ ،‬إلى‬
‫غير ذلك من الحاديث الضعيفة‪.‬‬
‫وكذلك المرأة مع المرأة‪ ،‬وكذلك محارم المرأة‪ :‬مثل ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله‬
‫محرًما‪ :‬متي كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الحتجاب بل وجب‪ .‬وهذه المواضع التي أمر ال ـ تعالي ـ‬
‫ك َأْزَكى َلُهْم{ ]النور‪ [ 30 :‬فقد تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك‬
‫الحتجاب فيها مظنة الفتنة‪ ،‬ولهذا قال تعالي‪َ}/ :‬ذِل َ‬
‫لكن هذا أزكي‪ ،‬وإذا كان النظر والبروز قد انتفي فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة‬
‫بالنظر‪ ،‬كان ترك النظر والحتجاب أولي بالوجوب‪ ،‬ول زكاة بدون حفظ الفرج من الفاحشة‪ ،‬لن حفظه يتضمن‬

‫حفظه عن الوطء به في الفروج والدبار ودون ذلك‪ ،‬وعن المباشرة ومس الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إلى ه‪،‬‬
‫فعليه أن يحفظ فرجه عن نظر الغير ومسه‪.‬‬
‫ولهذا قال صلى ال عليه وسلم في حديث َبْهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬عوراتنا ما نأتي‬
‫منها وما نذر‪ ،‬فقال‪) :‬احفظ عورتك إل من زوجتك أو ما ملكت يمينك( قال‪ :‬فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال‪:‬‬
‫حيا منه من الناس(‪ .‬وقد‬
‫سَت ْ‬
‫)إن استطعت أل يرينها أحد فل يرينها(‪ ،‬قال‪ :‬فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال‪) :‬فال أحق أن ي ْ‬
‫ل في شعار واحد‪.‬‬
‫ل الرج َ‬
‫نهي النبي صلى ال عليه وسلم أن تباشر المرأُة المرأَة في شعار واحد‪ ،‬وأن يباشر الرج ُ‬
‫ونهي عن المشي عراة‪ .‬ونهي عن أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل‪ ،‬وأن تنظر المرأة إلى عورة المرأة‪ .‬وقال‪) :‬من‬
‫كان يؤمن بال واليوم الخر فل يدخل الحمام إل بمئزر(‪ .‬وفي رواية‪) :‬من كان يؤمن بال واليوم الخر من إناث‬
‫أمتي فل تدخل الحمام إل بمئزر(‪.‬‬
‫‪ /‬وقـال العلماء‪ :‬يرخص للنساء في الحمام عنـد الحاجة‪ ،‬كما يرخص للرجال مع غض البصر وحفظ الفرج‪ ،‬وذلك‬
‫مثل أن تكون مريضة أو نفساء‪ ،‬أو عليها غسل ل يمكنها إل في الحمام‪ .‬وأما إذا اعتادت الحمام وشق عليها تركه‬
‫فهل يباح لها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره‪ :‬أحدهما‪ :‬ل يباح‪ ،‬والثاني‪ :‬يباح‪ ،‬وهو مذهب أبي حنيفة واختاره‬
‫ابن الجوزي‪.‬‬
‫وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى المحرمات فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس‪،‬‬
‫فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه‪ ،‬وقد ذكر ـ سبحانه ـ غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الستئذان‪ ،‬وذلك أن‬
‫ن‬
‫ل َلُكم مّ َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َو َ‬
‫لً‬
‫ظَ‬
‫ق ِ‬
‫خَل َ‬
‫ل َلُكم ّمّما َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َ‬
‫البيوت سترة كالثياب التي على البدن‪ ،‬كما جمع بين اللباسين في قوله تعالي‪َ} :‬وا ّ‬
‫اْلِجَباِل َأْكَناًنا َوَجَعَل َلُكْم َسَراِبيَل َتِقيُكُم اْلَحّر َوَسَراِبيَل َتِقيُكم َبْأَسُكْم{ ]النحل‪ ،[ 81 :‬فكل منهما وقاية من الذى الذي يكون‬
‫سموًما مؤذيا كالحر والشمس والبرد‪ ،‬وما يكون من بني آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك‪.‬‬
‫وقد ذكر في أول )سورة النحل( أصول الّنعم‪ ،‬وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من المهلكات‪ ،‬وذكر في أثنائها تمام الّنعم‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َعَلْيُكْم َلَعّلُكْم ُتْسِلُموَن{ ]النحل‪ ،[81 :‬وفي الصحيحين عن أبي‬
‫وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫هريرة‪ :‬أنه سمع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪) :‬إذا اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له فخذفته بحصاة ففقأت عينه‬
‫ل يخذف‪،‬‬
‫ما كان عليك من جناح(‪ .‬وهذا الخاص يفسر العام الذي في الصحيح عن عبد ال بن ُمَغّفل‪ :‬أنه رأي رج ً‬
‫قال‪ :‬ل تخذف‪ ،‬فإن رسول ال صلى ال عليه وسلم نهي عن الخذف‪ ،‬وقال‪) :‬إنه ل يصاد به صيد ول ينكأ به عدو‪،‬‬
‫ل اطلع في حجرة في باب النبي صلى ال‬
‫ولكنها تكسر السن وتفقأ العين(‪ .‬وفي الصحيحين عن سهل بن سعد‪ :‬أن رج ً‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ومع النبي صلى ال عليه وسلم مدري يحك بها رأسه‪ ،‬فقال‪) :‬لو أعلم أنك تنظر إلى لطعنت به في عينك؛‬
‫إنما جعل الستئذان من أجل البصر(‪.‬‬
‫وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل؛ لن الناظر معتد بنظره فيدفع كما يدفع سائر البغاة‪ ،‬ولو كان‬
‫المر كما قالوا؛ لدفع بالسهل فالسهل‪ .‬ولم يجز قلع عينه ابتداء إذا لم يذهب إل بذلك‪ ،‬والنصوص تخالف ذلك؛ فإنه‬
‫أباح أن تخذفه حتي تفقأ عينه قبل أمره بالنصراف‪ ،‬وكذلك قوله‪) :‬لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك( ‪ ،‬فجعل‬
‫حا للطعن في العين‪ ،‬ولم يذكر المر له بالنصراف‪ ،‬وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك‪،‬‬
‫نفس النظر مبي ً‬
‫حيث جني هذه الجناية على حرمة صاحب البيت فله أن يفقأ عينه بالحصا والمدري‪.‬‬
‫ش{ ]العراف‪ ، [ 33 :‬وفي قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ل‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫‪ /‬والنظر إلى العورات حرام ‪ ،‬داخل في قوله تعالي‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ش{ ]النعام‪ ، [ 151 :‬فإن الفواحش وإن كانت ظاهـرة في المباشرة بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك مـن‬
‫ح َ‬
‫َتْقَرُبوْا اْلَفَوا ِ‬
‫الملمسة والنظـر وغير ذلك‪ ،‬وكما في قصة لوط‪َ}:‬أَتْأُتوَن اْلَفاِحَشَة َما َسَبَقُكم ِبَها ِمْن َأَحٍد ّمن اْلَعاَلِميَن{ ]العراف‪،[80 :‬‬
‫ضا ـ‬
‫صُروَن{ ]النمل‪ ،[54 :‬وقوله‪َ} :‬تْقَرُبوْا الّزَنى ِإّنُه َكاَن َفاِحَشًة{ ]السراء‪ ، [32 :‬فالفاحشة ـ أي ً‬
‫شَة َوَأنُتْم ُتْب ِ‬
‫حَ‬
‫ن اْلَفا ِ‬
‫}َأَتْأُتو َ‬
‫تتناول كشف العورة وإن لم يكن في ذلك مباشرة‪ ،‬كما قال تعالي‪َ} :‬وِإَذا َفَعُلوْا َفاِحَشًة َقاُلوْا َوَجْدَنا َعَلْيَها آَباءَنا{ ]العراف‪:‬‬

‫س فإنهم‬
‫‪ ،[ 28‬وهذه الفاحشة هي طوافهم بالبيت عراة ‪ ،‬وكانوا يقولون ‪ :‬ل نطوف بثياب عصينا ال فيها‪ ،‬إل الحُْم َ‬
‫كانوا يطوفون في ثيابهم ‪ ،‬وغيرهم إن حصل له ثياب من الحمس طاف فيها وإل طاف عرياًنا ‪ ،‬وإن طاف بثيابه‬
‫حرمت عليه فألقاها‪ ،‬فكانت تسمي لقاء ‪ ،‬وكذلك المرأة إذا لم يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها ويدها الخري‬
‫على دبرها وطافت وتقول‪:‬‬

‫اليوم يبدو بعضه أو كله ** وما بــدا منــه فل أحلــه‬
‫طَن{ ]العراف‪،[33 :‬‬
‫ظَهَر ِمْنَها َوَما َب َ‬
‫ش َما َ‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫وقد سمي ال ذلك فاحشة‪ ،‬وقوله في سياق ذلك‪ُ} :‬ق ْ‬
‫شا‪ ،‬فكشف‬
‫ضا ـ وإبداءها‪ ،‬ويؤكد ذلك أن إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمي فحشاء وَتَفحّ ً‬
‫يتناول كشف العورة ـ أي ً‬
‫العضاء والفعل للبصر ككشف ذلك للسمع‪ / ،‬وكل واحد من الكشفين يسمي وصًفا‪ ،‬كما قال عليه السلم‪) :‬ل تنعت‬
‫المرأُة المرأَة لزوجها حتي كأنه ينظر إليها(‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن يصف فلًنا وثوب يصف البشرة‪ ،‬ثم إن كل واحد من‬
‫إظهار ذلك للسمع والبصر يباح للحاجة‪ ،‬بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إل بذلك‪ ،‬كقول النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم لماعز‪) :‬أنكتها(‪ ،‬وكقوله‪) :‬من تعزي بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ول تكنوا(‪.‬‬
‫والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتتناول إظهار الفعل وأعضاءه‪ ،‬وهذا كما أن ذلك يتناول ما فحش وإن‬
‫ل{ ]النساء‪:‬‬
‫سِبي ً‬
‫ساء َ‬
‫شًة َوَمْقًتا َو َ‬
‫حَ‬
‫ن َفا ِ‬
‫ف ِإّنُه َكا َ‬
‫سَل َ‬
‫ل َما َقْد َ‬
‫ساء ِإ ّ‬
‫ن الّن َ‬
‫ح آَباُؤُكم ّم َ‬
‫حوْا َما َنَك َ‬
‫ل َتنِك ُ‬
‫كان بعقد نكاح‪ ،‬كقوله تعالي‪َ} :‬و َ‬
‫‪ ،[ 22‬فأخبر أن هذا النكاح فاحشة‪ ،‬وقـد قيـل‪ :‬إن هـذا من الفواحش الباطنة‪ ،‬فظهر أن الفاحشة تتناول العقود الفاحشة‪،‬‬
‫ساء{ يتناول العقد والوطء‪ ،‬وفي قوله‪َ} :‬ما‬
‫ح آَباُؤُكم ّمنَ الّن َ‬
‫حوْا َما َنَك َ‬
‫ل َتنِك ُ‬
‫كما تتناول المباشرة بالفاحشة ‪ ،‬فإن قوله‪َ} :‬و َ‬
‫طَن{ ]العراف‪ ،[ 33 :‬عموم لنواع كثيرة من القوال والفعال‪ ،‬وأمر ـ تعالي ـ بحفـظ الفرج مطلًقا‬
‫ظَهَر ِمْنَها َوَما َب َ‬
‫َ‬
‫ت َأْيَماُنُهْم َفِإّنُهْم‬
‫جِهْم أْو َما َمَلَك ْ‬
‫عَلى َأْزَوا ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظو َ‬
‫حاِف ُ‬
‫جِهْم َ‬
‫ن ُهْم ِلُفُرو ِ‬
‫جُهْم{ ]النور‪ ،[30 :‬وبقوله‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ظوا ُفُرو َ‬
‫حَف ُ‬
‫بقوله‪َ} :‬وَي ْ‬
‫ت{ ]الحزاب‪ ،[35 :‬فحفظ الفرج مثل‬
‫ظا ِ‬
‫حاِف َ‬
‫جُهْم َواْل َ‬
‫ن ُفُرو َ‬
‫ظي َ‬
‫حاِف ِ‬
‫ن{ اليات ]المؤمنون‪ ،[6 ،5 :‬وقال‪َ} :‬واْل َ‬
‫غْيُر َمُلوِمي َ‬
‫َ‬
‫ل{ ]التوبة‪ ،[ 112 :‬وحفظها هو صرفها عما ل يحل‪.‬‬
‫حُدوِد ا ّ‬
‫ن ِل ُ‬
‫ظو َ‬
‫حاِف ُ‬
‫قوله‪َ} :‬واْل َ‬
‫‪/‬وأما البصار فلبد من فتحها والنظر بها‪،‬وقد يفجأ النسان ما ينظر إليه بغير قصد‪ ،‬فل يمكن غضها مطلًقا؛ ولهذا‬
‫صَواَتُهْم‬
‫ن َأ ْ‬
‫ضو َ‬
‫ن َيُغ ّ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫أمر ـ تعالي ـ عباده بالغض منها‪ ،‬كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته‪ .‬وأما قوله تعالي‪ِ}:‬إ ّ‬
‫ل{ الية ]الحجرات‪ ،[ 3:‬فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلًقا‪ ،‬فهم مأمورون بذلك في مثل‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو ِ‬
‫عنَد َر ُ‬
‫ِ‬
‫ذلك ينهون عـن رفـع الصوت عنـده صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأمـا غض الصوت مطلًقا عند رسـول ال ـ صلي ال عليه‬
‫وآله وسلم ـ فهو غض خاص ممدوح‪ ،‬ويمكن العبد أن يغض صوته مطلًقا في كل حال‪ ،‬ولم يؤمر العبد به‪ ،‬بل يؤمر‬
‫ك{ ]لقمان‪ ،[19 :‬فإن الغض‬
‫صْوِت َ‬
‫ض ِمن َ‬
‫ض ْ‬
‫غ ُ‬
‫برفع الصوت في مواضع؛ إما أمر إيجاب أو استحباب؛ فلهذا قال‪َ} :‬وا ْ‬
‫في الصوت والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه‪ ،‬فبالسمع يدخل القلب‪ ،‬وبالصوت يخرج منه‪ ،‬كما جمع‬
‫العضوين في قوله‪َ}:‬أَلْم َنْجَعل ّلُه َعْيَنْيِن َوِلَساًنا َوَشَفَتْيِن{ ]البلد‪ ،[ 9 ،8 :‬فبالعين والنظر يعرف القلب المور‪ ،‬واللسان‬
‫والصوت يخرجان من عند القلب المور‪ ،‬هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه‪ ،‬وهذا ترجمانه‪.‬‬
‫طّهُرُهْم َوُتَزّكيِهم ِبَها{ ]التوبة‪:‬‬
‫صَدَقًة ُت َ‬
‫ن َأْمَواِلِهْم َ‬
‫خْذ ِم ْ‬
‫طَهُر{ ]البقرة ‪ ، [ 232 :‬وقال‪ُ } :‬‬
‫ثم قال تعالي‪َ} :‬ذِلُكْم َأْزَكى َلُكْم َوَأ ْ‬
‫طِهيًرا{ ]الحزاب‪ [ 33 :‬وقال في آية الستئذان ‪:/‬‬
‫طّهَرُكْم َت ْ‬
‫ت َوُي َ‬
‫ل اْلَبْي ِ‬
‫س َأْه َ‬
‫ج َ‬
‫عنُكُم الّر ْ‬
‫ب َ‬
‫ل ِلُيْذِه َ‬
‫‪ ،[103‬وقال‪ِ} :‬إّنَما ُيِريُد ا ُّ‬
‫طَهُر ِلُقُلوِبُكْم َوُقُلوِبِه ّ{‬
‫ن{‬
‫ب َذِلُكْم َأ ْ‬
‫جا ٍ‬
‫حَ‬
‫سَأُلوُهنّ ِمن َوَراء ِ‬
‫جُعوا ُهَو َأْزَكى َلُكْم{ ]النور‪ [28:‬وقال‪َ}:‬فا ْ‬
‫جُعوا َفاْر ِ‬
‫ل َلُكُم اْر ِ‬
‫}َوِإن ِقي َ‬
‫طَهُر{ ]المجادلة‪ .[ 12 :‬وقال النبي صلى ال عليه‬
‫خْيٌر ّلُكْم َوَأ ْ‬
‫ك َ‬
‫صَدَقًة َذِل َ‬
‫جَواُكْم َ‬
‫ي َن ْ‬
‫ن َيَد ْ‬
‫]الحزاب‪ [53 :‬وقال‪َ}:‬فَقّدُموا َبْي َ‬
‫وسلم‪) :‬اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد(‪ ،‬وقال في دعاء الجنازة‪) :‬واغسله بماء وثلج وبرد‪ ،‬ونقه‬
‫من خطاياه كما ينقي الثوب البيض من الدنس(‪.‬‬
‫فالطهارة ـ وال أعلم ـ هي من الذنوب التي هي رجس‪ ،‬والزكاة تتضمن معني الطهارة التي هي عدم الذنوب‪ ،‬ومعني‬
‫النماء بالعمال الصالحة‪ :‬مثل المغفرة والرحمة‪ ،‬ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب‪ ،‬ومثل عدم الشر وحصول‬
‫س{ ]التوبة‪ [28 :‬وقال‪:‬‬
‫ج ٌ‬
‫ن َن َ‬
‫شِرُكو َ‬
‫الخير‪ ،‬فإن الطهارة تكون من الرجاس والنجاس‪ ،‬وقد قال تعالي‪ِ} :‬إّنَما اْلُم ْ‬
‫طا ِ{‬
‫ن{‬
‫شْي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَم ِ‬
‫ن َ‬
‫س ّم ْ‬
‫ج ٌ‬
‫لُم ِر ْ‬
‫لْز َ‬
‫ب َوا َ‬
‫صا ُ‬
‫لن َ‬
‫خْمُر َواْلَمْيسُِر َوا َ‬
‫لوّثان { ]الحج‪ ،[03 :‬وقال‪ِ} :‬إّنَما اْل َ‬
‫نا ّ‬
‫س ٌم ّ‬
‫ج ّ‬
‫}ّفاجّتنٍبوا بٌَر ً‬
‫س{ ]التوبة‪.[95 :‬‬
‫ج ٌ‬
‫عْنُهْم ِإّنُهْم ِر ْ‬
‫ضوْا َ‬
‫عِر ُ‬
‫]المائدة‪ ،[ 90 :‬وقال عن المنافقين‪َ} :‬فَأ ْ‬
‫جوُهم‬
‫خِر ُ‬
‫ث{ ]النبياء‪ ،[ 74 :‬وقال اللوطية عن لوط وأهله‪َ} :‬أ ْ‬
‫خَباِئ َ‬
‫ل اْل َ‬
‫ن اْلَقْرَيِة اّلِتي َكاَنت ّتْعَم ُ‬
‫جْيَناُه ِم َ‬
‫وقال عن قوم لوط‪َ} :‬وَن ّ‬
‫طّهُروَن{ ]العراف‪ ،[ 82 :‬قال مجاهد‪ :‬عن أدبار الرجال‪ ،‬ويقال في دخول الغائط‪ :‬أعوذ بك من‬
‫س َيَت َ‬
‫ّمن َقْرَيِتُكْم ِإّنُهْم ُأَنا ٌ‬

‫الخبث والخبائث‪ ،‬ومن الرجس النجس الخبيث ‪ /‬المخبث‪ ،‬وهذه النجاسة تكون من الشرك والنفاق والفواحش والظلم‬
‫ونحوها‪ ،‬وهي ل تزول إل بالتوبة عن ترك الفاحشة وغيرها‪ ،‬فمن تاب منها فقد تطهر‪ ،‬وإل فهو متنجس وإن اغتسل‬
‫بالماء من الجنابة فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة‪ ،‬ول يرفع عنه نجاسة الفاحشة التي قد تنجس بها قلبه وباطنه‪ ،‬فإن‬
‫تلك نجاسة ل يرفعها الغتسال بالماء‪ ،‬وإنما يرفعها الغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى الممات‪.‬‬

‫وهذا معني ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره‪ :‬ثنا سويد بن سعيد‪ ،‬ثنا مسلم بن خالد‪ ،‬عن إسماعيل بن كثير‪ ،‬عن مجاهد‪،‬‬
‫سا‪.‬‬
‫قال‪ :‬لو أن الذي يعمل ـ يعني عمل قوم لوط ـ اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الرض لم يزل نج ً‬
‫ض أندلسي‪،‬‬
‫ورواه ابن الجوزي‪ ،‬وروي القاسم بن خلف ]هو أبو عبيد قاسم بن خلف بن فتح بن عبد ال بن جبير‪ ،‬قا ٍ‬
‫من علماء المالكية‪ ،‬ولد وتفقه في قرطبة‪ ،‬ولي قضاء بلنسية وطرطوسة زماًنا‪ ،‬له كتاب )في التوسط بين مالك وابن‬
‫القاسم( فيما خالف به ابن القاسم مالًكا‪ ،‬ولد سنة ‪ ،312‬وتوفي سجيًنا سنة ‪378‬هـ[ في كتاب ]ذم اللواط[ بإسناده عن‬
‫الفضيل بن عياض أنه قال‪ :‬لو أن لوطيا اغتسل بكل قطرة نزلت من السماء للقي ال غير طاهر‪ .‬وقد روي أبو محمد‬
‫عا‪ .‬وحديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود‪ :‬اللوطيان لو اغتسل بماء‬
‫الخلل عن العباس الهاشمي ذلك مرفو ً‬
‫البحر لم يجزهما إل أن يتوبا ‪ ،‬ورفع مثل هذا الكلم‪ ،‬وإنما هو معروف من كلم السلف‪.‬‬
‫وكذلك روي عن أبي هريرة وابن عباس قال‪ :‬خطبنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال في خطبته‪) :‬من نكح‬
‫ل‪ :‬حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتي يدخله ال نار جهنم‪،‬‬
‫امرأة في دبرها ‪ /‬أو غلًما ‪ ،‬أو رج ً‬
‫ويحبط ال عمله‪ ،‬ول يقبل منه صرًفا ول عدل‪ ،‬ويجعل في تابوت من نار‪ ،‬ويسمر عليه بمسامير من حديد‪ ،‬فتشك‬
‫تلك المسامير في وجهه وجسده( قال أبو هريرة‪ :‬هذا لمن لم يتب‪ ،‬وذلك أن تارك اللواط متطهر كما دل عليه القرآن‪،‬‬
‫سا‪ ،‬فإن ضد الطهارة النجاسة‪ ،‬لكن النجاسة أنواع مختلفة تختلف أحكامها‪.‬‬
‫ففاعله غير متطهر من ذلك فيكون متنج ً‬
‫ومن هاهنا غلط بعض الناس من الفقهاء‪ ،‬فإنهم لما رأوا ما دل عليه القرآن من طلب طهارة الجنب بقوله‪َ}:‬وِإن ُكنُتْم‬
‫سا‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة‪ :‬أن النبي صلى ال‬
‫طّهُروْا{ ]المائدة‪ ،[ 6 :‬قالوا‪:‬فيكون الجنب نج ً‬
‫جُنًبا َفا ّ‬
‫ُ‬

‫عليه وسلم قال‪) :‬إن المؤمن ل ينجس(‪ .‬لما انخنس منه وهو جنب‪ ،‬وكره أن يجالسه‪ ،‬فهذه النجاسة التي نفاها النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم هي نجاسة الطهارة بالماء التي ظنها أبو هريرة‪ ،‬والجنابة تمنع الملئكة أن تدخل بيًتا فيه جنب‪،‬‬
‫وقال أحمد‪ :‬إذا وضع الجنب يده في ماء قليل أنجس الماء‪ ،‬فظن بعض أصحابه أنه أراد النجاسة الحسية‪ ،‬وإنما أراد‬
‫الحكمية‪ ،‬فإن الفرع ل يكون أقوي من الصل‪ ،‬ول يكون الماء أعظم من البدن‪ ،‬بل غايته أن يقوم به المانع الذي قام‬
‫بالبدن‪ ،‬والجنب ظاهره ممنوع من الصلة‪ ،‬فيكون الماء كذلك طاهًرا ل يتوضأ به للصلة‪.‬‬
‫‪/‬وأما الزكاة فهي متضمنة النماء والزيادة كالزرع‪ ،‬وإن كانت الطهارة قد تدخل في معناها‪ ،‬فإن الشيء إذا تنظف مما‬
‫حَمُتُه َما َزَكا‬
‫عَلْيُكْم َوَر ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫يفسده زكي ونما وصلح وزاد في نفسه‪ ،‬كالزرع ينقي من الدغل‪ ،‬قال ال تعالي‪َ}:‬وَلْو َ‬
‫س{ ]الكهف‪ ،[74 :‬وقال‪َ} :‬قْد َأْفَل َ‬
‫ح‬
‫سا َزِكّيًة ِبَغْيِر َنْف ٍ‬
‫ت َنْف ً‬
‫ل َأَقَتْل َ‬
‫شاء{ ]النور‪َ} ،[21 :‬قا َ‬
‫ل ُيَزّكي َمن َي َ‬
‫ن ا َّ‬
‫حٍد َأَبًدا َوَلِك ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫ِمنُكم ّم ْ‬
‫َمن َزّكاَها{ ]الشمس‪ ،[9 :‬وقال‪َ} :‬فاْرِجُعوا ُهَو َأْزَكى َلُكْم{ ]النور‪ ،[ 28 :‬فإن الرجوع عمل صالح يزيد المؤمن زكاة‬
‫طَهُر ِلُقُلوِبُكْم َوُقُلوِبِهّن{ ]الحزاب‪ ،[ 53 :‬فإن ذلك مجانبة لسباب الريبة‪ ،‬وذلك من نوع مجانبة‬
‫وطهارة‪ ،‬وقال‪َ} :‬ذِلُكْم َأ ْ‬
‫الذنوب والبعد عنها ومباعدتها‪ ،‬فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين‪.‬‬
‫ك َأْزَكى َلُهْم{ ]النور‪ [30 :‬ـ‬
‫جُهْم َذِل َ‬
‫ظوا ُفُرو َ‬
‫حَف ُ‬
‫صاِرِهْم َوَي ْ‬
‫ن َأْب َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫ن َيُغ ّ‬
‫وأما الية التي نحن فيها ـ وهي قوله‪ُ} :‬قل ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫فالغض من البصر وحفظ الفرج يتضمن البعد عن نجاسة الذنوب‪ ،‬ويتضمن العمال الصالحة التى يزكو بها النسان‪،‬‬
‫وهو أزكى‪ ،‬والزكاة تتضمن الطهارة؛ فإن فيها معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات؛ ولهذا تفسر تارة بالطهارة‬
‫ن َأْمَواِلِهْم‬
‫خْذ ِم ْ‬
‫وتارة بالزيادة والنماء‪ ،‬ومعناها يتضمن المرين‪ ،‬وإن كان قرن الطهارة معها فى الذكر مثل قوله‪ُ } :‬‬
‫طّهُرُهْم َوُتَزّكيِهم ِبَها{ ]التوبة‪ ،[ 103:‬فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب‪ ،‬وتوجب الزكاة التى هى العمل‬
‫صَدَقًة ُت َ‬
‫َ‬
‫الصالح‪ ،‬كما أن الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم ‪ / ،‬وهما يكونان باجتناب الذنوب وحفظ الجوارح‪،‬‬
‫ل َمَع اّلِذيَن اّتَقوْا ّواّلِذيَن ُهم ّمْحِسُنو َ{‬
‫ن{‬
‫نا ّ‬
‫ويكونان بالتوبة والصدقة التى هى الحسان‪ ،‬وهذان هما التقوى والحسان و }ِإ ّ‬
‫]النحل‪.[128 :‬‬
‫ل ‪ :‬ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال‪) :‬الجوفان‪ :‬الفم‬
‫سِئ َ‬
‫وقد روى الترمذى وصححه أن النبى صلى ال عليه وسلم ُ‬
‫ل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال‪):‬تقوى ال وحسن الخلق( فيدخل فى تقوى ال حفظ الفرج‬
‫سِئ َ‬
‫والفرج( ‪ ،‬و ُ‬
‫وغض البصر‪ ،‬ويدخل فى حسن الخلق الحسان إلى الخلق والمتناع من إيذائهم‪ ،‬وذلك يحتاج إلى الصبر‪ ،‬والحسان‬
‫صْوا ِباْلَمْرَحَمِة{ ]البلد‪.[17:‬‬
‫صْبِر َوَتَوا َ‬
‫صْوا ِبال ّ‬
‫إلى الخلق يكون عن الرحمة ‪ ،‬وال تعالى يقول‪َ}:‬وَتَوا َ‬
‫ل عََلْيُكْم َوَرْحَمُتُه َما َزَكا ِمنُكم ّمْن َأَحٍد َأَبًدا{ ]النور‪:‬‬
‫ل ا ِّ‬
‫ضُ‬
‫ل َف ْ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ ذكر الزكاة هنا‪ ،‬كما قدمها فى قوله‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫‪ ،[ 21‬فإن اجتناب الذنوب يوجب الزكاة التى هى زوال الشر وحصول الخير‪ ،‬والمفلحون‪ :‬هم الذين أدوا الواجبات‬
‫ب ِفيِه ُهًدى ّلْلُمّتِقيَن{ اليات ]البقرة‪:‬‬
‫ل َرْي َ‬
‫ب َ‬
‫ك اْلِكَتا ُ‬
‫وتركوا المحرمات‪ ،‬كما وصفهم فى أول سـورة البقـرة فقال‪} :‬الم َذِل َ‬

‫‪ ،[2 ،1‬وقال‪َ} :‬قْد َأْفَلَح َمن َزّكاَها{ ]الشمس‪ ،[ 9 :‬فإذا كان قد أخبر أن هؤلء مفلحون‪ ،‬وأخبر أن المفلحين هم المتقون‪:‬‬
‫صلَة َوِمّما َرَزْقَناُهْم ُينِفُقوَن{ ]البقرة‪ ،[ 3 :‬وأخبر أن من َزّكى نفسه فهو مفلح؛ دل ذلك‬
‫ن ال ّ‬
‫ب َوُيِقيُمو َ‬
‫ن ِباْلَغْي ِ‬
‫ن ُيْؤِمُنو َ‬
‫}اّلِذي َ‬
‫على أن ‪/‬الزكاة تنتظم المور المذكورة فى أول سورة البقرة‪.‬‬
‫ل ُتَزّكوا َأنُفَسُكْم ُهَو َأْعَلُم ِبَمِن اّتَقى{ ]النجم‪ ،[32:‬فالتزكية‬
‫سُهْم{ ]النساء‪ ،[49 :‬وقوله‪َ} :‬ف َ‬
‫ن َأنُف َ‬
‫ن ُيَزّكو َ‬
‫وقوله‪َ} :‬أَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫من العباد لنفسهم هى إخبارهم عن أنفسهم بكونها زاكية واعتقاد ذلك؛ لنفس جعلها زاكية‪ ،‬وقال تعالى عن إبراهيم‪:‬‬
‫عَلى‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫حْكَمَة َوُيَزّكيِهْم{ ]البقرة‪ ،[129 :‬وقال‪َ} :‬لَقْد َم ّ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ك َوُيَعّلُمُهُم اْلِكَتا َ‬
‫عَلْيِهْم آَياِت َ‬
‫ل ّمْنُهْم َيْتُلو َ‬
‫سو ً‬
‫ث ِفيِهْم َر ُ‬
‫}َرّبَنا َواْبَع ْ‬
‫ث ِفي اُْلّمّييَن َرُسوًل ّمْنُهْم{ الية ]الجمعة‪ ،[2:‬فامتن ـ سبحانه ـ‬
‫ن{ الية ]آل عمران‪ ،[164 :‬وقال‪ُ}:‬هَو اّلِذي َبَع َ‬
‫اْلُمؤِمِني َ‬
‫على العباد بإرساله فى عدة مواضع‪،‬فهذه أربعة أمور أرسله بها‪:‬تلوة آياته عليهم‪ ،‬وتزكيتهم‪ ،‬وتعليمهم الكتاب‬
‫والحكمة‪.‬‬
‫ظُكم ِبِه{ ]البقرة‪،[231 :‬‬
‫حْكَمِة َيِع ُ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيُكْم ّم َ‬
‫ل َ‬
‫وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله‪َ} :‬وَما َأنَز َ‬
‫ل َواْلِحْكَمِة{ ]الحزاب‪ ،[ 34 :‬وذلك أن التلوة عليهم وتزكيتهم أمر عام‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن َما ُيْتَلى ِفي ُبُيوِتُك ّ‬
‫وقوله‪َ} :‬واْذُكْر َ‬
‫لجميع المؤمنين؛ فإن التلوة هى تبليغ كلمه ـ تعالى ـ إليهم وهذا لبد منه لكل مؤمن‪ ،‬وتزكيتهم هو جعل أنفسهم‬
‫زكية بالعمل الصالح الناشئ عن اليات التى سمعوها وتليت عليهم‪ ،‬فالول سمعهم‪ ،‬والثانى طاعتهم‪ ،‬والمؤمنون‬
‫يقولون‪ :‬سمعنا وأطعنا‪ .‬الول علمهم والثانى عملهم‪ ،‬واليمان قول وعمل‪ ،‬فإذا سمعوا آيات ال وعوها بقلوبهم‬
‫صّم ُبْكٌم‬
‫عاء َوِنَداء ُ‬
‫ل ُد َ‬
‫سَمُع ِإ ّ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ِبَما َ‬
‫ل اّلِذي َيْنِع ُ‬
‫ن َكَفُروْا َكَمَث ِ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫وأحبوها وعملوا بها‪ ،‬ولم يكونوا كمن قال فيهم‪َ} :‬وَمَث ُ‬
‫ي َفُهْم َل َيْعِقُلوَن{ ]البقرة‪ ،[ 171 :‬وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين‪.‬‬
‫عْم ٌ‬
‫ُ‬
‫شّد ُكْفًرا َوِنَفاًقا‬
‫ب َأ َ‬
‫عَرا ُ‬
‫لْ‬
‫ت{ ]المجادلة‪ ،[ 11 :‬وقال فى ضدهم‪} :‬ا َ‬
‫جا ٍ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َدَر َ‬
‫ن آَمُنوا ِمنُكْم َواّلِذي َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫وال قال‪َ}:‬يْرَفِع ا ُّ‬
‫ل وذلك ضد اليمان‬
‫ل َعَلى َرُسوِلِه{ ]التوبة‪ ،[ 97 :‬فأخبر أنهم أعظم كفًرا ونفاًقا وجه ً‬
‫لا ّ‬
‫حُدوَد َما َأنَز َ‬
‫ل َيْعَلُموْا ُ‬
‫جَدُر َأ ّ‬
‫َوَأ ْ‬

‫والعلم‪ ،‬فاستماع آيات ال والتزكى بها أمر واجب على كل أحد‪ ،‬فإنه لبد لكل عبد من سماع رسالة سيده التى أرسل‬
‫بها رسوله إليه‪ ،‬وهذا هو السماع الواجب الذى هو أصل اليمان‪ ،‬ولبد من التزكى بفعل المأمور وترك المحظور‪،‬‬
‫فهذان لبد منهما‪.‬‬
‫وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية‪ ،‬ل يجب على كل أحد بعينه أن يكون عالًما بالكتاب‪ :‬لفظه ومعناه‪،‬‬
‫عالًما بالحكمة جميعها‪ ،‬بل المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم‪ ،‬كما هم مخاطبون بالجهاد‪ ،‬بل وجوب‬
‫ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد‪ ،‬فإنه أصل الجهاد‪ ،‬ولوله لم يعرفوا علم يقاتلون؛ ولهذا كان قيام الرسول‬
‫والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد‪ ،‬فالجهاد سنام الدين‪ ،‬وفرعه وتمامه‪ ،‬وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه‪،‬‬
‫ومقصود الرسالة فعل الواجبات والمستحبات جميًعا‪ ،‬ول ريب أن استماع كتاب ال واليمان به وتحريم حرامه‬
‫ن آَتْيَناُهُم‬
‫وتحليل حلله‪ .‬والعمل بمحكمه واليمان بمتشابهه واجب ‪ /‬على كل أحد‪ ،‬وهذا هو التلوة المذكورة فى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ك ُيْؤِمُنوَن ِبِه{ ]البقرة‪ ،[ 121 :‬فأخبر عن الذين يتلونه حق تلوته أنهم يؤمنون به‪ ،‬وبه قال‬
‫لَوِتِه ُأْوَلـِئ َ‬
‫ق ِت َ‬
‫حّ‬
‫ب َيْتُلوَنُه َ‬
‫اْلِكَتا َ‬
‫ق ِجَهاِدِه{ ]الحج‪،[78:‬‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫جاِهُدوا ِفي ا ِّ‬
‫لَوِتِه{ كقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ق ِت َ‬
‫حّ‬
‫سلف المة من الصحابة والتابعين وغيرهم‪ ،‬وقوله‪َ } :‬‬
‫ق ُتَقاِتِه{ ]آل عمران‪.[102:‬‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫و}اّتُقوْا ا ّ‬
‫وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فل يجب على كل أحد‪ ،‬لكن يجب على العبد أن يحفظ‬
‫من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه‪ ،‬وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن؟ فيه خلف‪ ،‬ولكن‬
‫هذه المعرفة الحكمية التى تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التى علمها النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫أصحابه وأمته‪ ،‬بل ذلك ل يكون إل بمعرفة حدود ما أنزل ال على رسوله من اللفاظ والمعانى والفعال والمقاصد‪،‬‬
‫ول يجب هذا على كل أحد‪.‬‬
‫ل ُتَزّكوا َأنُفَسُكْم ُهَو َأْعَلُم ِبَمِن اّتَقى{ ]النجم‪ ،[ 32 :‬دليل على أن الزكاة هى التقوى‪ ،‬والتقوى تنتظم‬
‫وقوله تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫المرين جميًعا‪ ،‬بل ترك السيئات مستلزم لفعل الحسنات؛ إذ النسان حارث ُهَمام‪ ،‬ول يدع إرادة السىئات وفعلها إل‬
‫بإرادة الحسنات وفعلها‪ ،‬إذ النفس ل تخلو عن الرادتين جميًعا‪ ،‬بل النسان بالطبع مريد فعال‪ ،‬وهذا دليل على أن هذا‬
‫يكون سببه ‪ /‬الزكاة والتقوى التى بها يستحق النسان الجنة‪ ،‬كما فى صحيح البخارى عن النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫أنه قال‪) :‬من تكفل لى بحفظ ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة(‪.‬‬

‫ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة‪ ،‬والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال الشر‪ ،‬فإذا حصل الخير وزال الشر ـ من‬
‫العلم والعمل ـ حصل له نور وهدى ومعرفة وغير ذلك‪ ،‬والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية وغير ذلك‪ .‬هذا لمن‬
‫ضا ـ قدرة وسلطاًنا‪ ،‬وهذه صفات الكمال‪ :‬العلم‪،‬‬
‫ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك ـ أي ً‬
‫والعمل‪ ،‬والقدرة‪ ،‬وحسن الرادة‪ ،‬وقد جاءت الثار بذلك‪ ،‬وأنه يحصل لمن غض بصره نور فى قلبه ومحبة‪ ،‬كما‬
‫ب عن عبد ال ـ وهو ابن المبارك ـ أنا يحيى بن أيوب‪ ،‬عن‬
‫عّتا َ‬
‫جرب ذلك العالمون العاملون‪ .‬وفى مسند أحمد حدثنا َ‬
‫حر‪ ،‬عن على بن يزيد‪ ،‬عن القاسم‪ ،‬عن أبى أمامة‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ما من مسلم‬
‫عبيد ال بن َز ْ‬
‫ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إل أخلف ال له عبادة يجد حلوتها(‪.‬‬
‫ورواه أبو بكر ابن النبارى فى أماليه من حديث ابن أبى مريم‪ ،‬عن يحيى بن أيوب به‪ ،‬ولفظه‪) :‬من نظر إلى امرأة‬
‫فغض بصره عند أول دفعة رزقه ال عبادة يجد حلوتها(‪.‬وقد رواه أبو نعيم فى الحلية ‪ / :‬حدثنا أبى‪ ،‬حدثنا إبراهيم‬
‫بن محمد بن الحسن‪ ،‬حدثنا محمد ابن يعقوب‪ :‬قال‪ :‬حدثنا أبو اليمان‪ ،‬حدثنا أبو مهدى سعيد بن سنان‪ ،‬عن أبى‬
‫الزاِهّرية‪ ،‬عن ُكَثير بن ُمّرَة‪ ،‬عن ابن عمر قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬النظرة الولى خطأ‪ ،‬والثانية‬
‫عمد‪ ،‬والثالثة تدبر‪ ،‬نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس‪ ،‬من تركه خشية ال ورجاء ما عنده‬
‫أثابه ال ـ تعالى ـ بذلك عبادة تبلغه لذتها(‪ ،‬رواه أبو جعفر الخرائطى فى كتاب )اعتلل القلوب( ثنا على بن حرب‪،‬‬
‫جَبلة‪ ،‬عن حذيفة بن‬
‫حارب بن ِدثار‪ ،‬عن َ‬
‫ىم‪ ،‬ثنا عبد الرحمن بن إسحاق ‪ ،‬عن ُم ِ‬
‫ش ْ‬
‫ثنا إسحاق بن عبد الواحد‪ ،‬ثنا ُه َ‬
‫اليمان قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس‪ ،‬من تركه خوًفا من‬
‫ال أثابه ال إيماًنا يجد حلوته فى قلبه(‪.‬‬
‫لل من حديث عبد الرحمن بن إسحاق‪ ،‬عن النعمان بن سعد‪ ،‬عن على‪ ،‬وفيه ذكر السهم‪.‬‬
‫خّ‬
‫وقد رواه أبو محمد ال َ‬
‫ورواه أبو نعيم‪ :‬ثنا عبد ال بن محمد ـ هو أبو الشيخ ـ ثنا ابن عفير‪ ،‬قال‪ :‬ثنا شعيب بن سلمة‪ ،‬ثنا عصمة بن محمد‪،‬‬
‫عن موسى ـ يعنى ابن عقبة ـ عن القاسم بن محمد‪ ،‬عن عائشة قالت‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬ما من عبد‬
‫ف بصره عن محاسن امرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إل أدخل ال قلبه عبادة يجد حلوتها(‪ ،‬وروى ابن أبى‬
‫َيُك ّ‬
‫سّيب‪ ،‬ثنا عبد ال‪ ،‬قال‪ :‬حدثنى الحسن‪ ،‬عن مجاهد قال‪ :‬غض‬
‫الفوارس من طريق ‪ /‬ابن الجوزى‪ ،‬عن محمد بن الُم َ‬
‫البصر عن محارم ال يورث حب ال‪ .‬وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث يونس بن عبيد‪ ،‬عن عمرو بن سعيد‪،‬‬
‫عة بن عمرو بن جرير‪ ،‬عن جده جرير بن عبد ال البجلى قال‪ :‬سألت رسول ال صلى ال عليه وسلم عن‬
‫عن أبى ُزْر َ‬
‫نظر الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى‪ .‬ورواه المام أحمد‪ ،‬عن هشيم‪ ،‬عن يونس به‪ ،‬ورواه أبو داود والترمذى‬
‫ضا ـ وقال الترمذى‪ :‬حسن صحيح‪ .‬وفى رواية قال‪) :‬أطرق بصرك(‪ ،‬أى‪ :‬انظر إلى الرض‪،‬‬
‫والنسائى من حديثه ـ أي ً‬
‫والصرف أعم‪ ،‬فإنه قد يكون إلى الرض أو إلى جهة أخرى‪.‬‬
‫شِرىك‪ ،‬عن ربيعة الىادى‪ ،‬عن عبد ال بن َبِريدة‪ ،‬عن‬
‫وقال أبو داود‪ :‬حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى‪ ،‬حدثنا َ‬
‫أبيه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم لعلى‪) :‬يا على‪ ،‬ل تتبع النظـرة النظرة‪ .‬فإن لك الولى وليست لك‬
‫شِريك‪ ،‬وقال‪ :‬غريب ل نعرفه إل من حديثه‪ ،‬وفى الصحيح عن أبى سعيد قال‪:‬‬
‫الخرى( ورواه الترمذى من حديث َ‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬إياكم والجلوس على الطرقات(‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما لنا بد من مجالسنا نقعد‬
‫فيها‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه(‪ ،‬قالوا‪ :‬وما حق الطريق ‪ /‬يا رسول ال؟‬
‫قال‪) :‬غض البصـر‪ ،‬وكف الذى‪ ،‬ورد السـلم‪ ،‬والمر بالمعروف والنهى عن المنكر(‪ ،‬وروى أبو القاسم البغوى‬
‫عن أبى أمامة قال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪) :‬اكفلوا لى سًتا أكفل لكم الجنة‪ :‬إذا حدث أحدكم فل‬
‫يكذب‪ ،‬وإذا اؤتمن فل يخن‪ ،‬وإذا وعد فل يخلف‪ .‬غضوا أبصاركم‪ ،‬وكفوا أيديكم‪ ،‬واحفظوا فروجكم(‪.‬‬
‫فالنظر داعية إلى فساد القلب‪ .‬قال بعض السلف‪ :‬النظر سهم سم إلى القلب؛ فلهذا أمر ال بحفظ الفروج‪ ،‬كما أمر‬
‫بغض البصار التى هى بواعث إلى ذلك‪ ،‬وفى الطبرانى من طريق عبيد ال بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة‬
‫عا‪) :‬لتغضن أبصاركم‪ ،‬ولتحفظن فروجكم‪ ،‬ولتقيمن وجوهكم‪ ،‬أو لتكسفن وجوهكم(‪ ،‬وقال الطبرانى‪ :‬حدثنا‬
‫مرفو ً‬
‫أحمد بن زهير التسترى‪ ،‬قال‪ :‬قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرى‪ :‬حدثنا يحيى بن أبى كثير‪ ،‬حدثنا‬
‫هزيم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق‪ ،‬عن القاسم بن عبد الرحمن‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم‪ ،‬فمن تركه من مخافة ال أبدله ال إيماًنا يجد حلوته‬
‫فى قلبه(‪ ،‬وفى حديث أبى هريرة الصحيح عن النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬زنا العينين النظر(‪ ،‬وذكر الحديث رواه‬
‫ن فعل ذلك فى‬
‫البخارى تعليًقا ومسلم مسنًدا‪ ،‬وقد كانوا ينهون ‪ /‬أن يحد الرجل بصره إلى المردان‪ ،‬وكانوا يتهمون مَ ْ‬
‫دينه‪.‬‬

‫وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه ل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الجانب من الرجال بشهوة ول بغير شهوة أصل‪.‬‬
‫حْكًما‬
‫شّدُه آَتْيَناُه ُ‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬وأما النور والعلم والحكمة‪،‬فقد دل عليه قوله ـ تعالى ـ فى قصة يوسف‪َ} :‬وَلّما َبَلَغ َأ ُ‬
‫ك َنْجِزي اْلُمْحِسِنيَن{ ]يوسف‪ ،[ 22 :‬فهى لكل محسن‪ .‬وفى هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر‬
‫عْلًما وََكَذِل َ‬
‫َو ِ‬

‫وحفظ الفرج‪ ،‬وأمره بالتوبة مما ل بد منه أن يـدرك ابـن آدم من ذلك‪ .‬وقـال أبـو عبـد الرحمــن السلمى ]هو أبو عبد‬
‫الرحمن بن الحسين بن محمد بن موسى الزدى السلمى النيسابورى‪ ،‬من علماء المتصوفة‪ .‬إمام حافظ محدث شيخ‬
‫خراسان‪ ،‬بلغت تصانيفه مائة أو أكثر‪ ،‬منها‪] :‬حقائق التفسير[ و]طبقات الصوفية[ وغيرها‪ ،‬ولد سنة ‪325‬هـ‪ ،‬ومات‬
‫فى شهر شعبان سنة ‪ 412‬هـ‪ ،‬وكانت جنازته مشهودة[ سمعت أبا الحسين الَوّراق يقول‪ :‬من غض بصره عن محرم‬
‫أورثه ال بذلك حكمة على لسانه يهتدى بها‪ ،‬ويهدى بها إلى طريق مرضاته؛ وهذا لن الجزاء من جنس العمل؛ فإذا‬
‫كان النظر إلى محبوب فتركه ل عوضه ال ما هو أحب إليه منه‪ ،‬وإذا كان النظر بنور العين مكروًها أو إلى مكروه‬
‫عّمَر‬
‫ض بصره عن المحارم‪ ،‬و َ‬
‫غ ّ‬
‫فتركه ل‪ ،‬أعطاه ال نوًرا فى قلبه وبصًرا يبصر به الحق‪ .‬قال شاه الكرمانى‪ :‬من َ‬
‫ف نفسه عن الشهوات‪ ،‬لم تخطئ له فراسة‪.‬‬
‫عّوَد نفسه أكل الحلل‪ ،‬وَك ّ‬
‫باطنِه ِبدوام المراقبة‪ ،‬وظاهره باتباع السنة‪ ،‬و َ‬
‫ح علم الرجل فعرف الحق وعمله واتبع الحق‪ ،‬صار زكًيا تقًيا مستوجًبا للجنة‪.‬‬
‫صُل َ‬
‫وإذا َ‬
‫ضالـة بن جبير‪ ،‬سمعت أبـا‬
‫عّباُد‪ ،‬حدثنا َف َ‬
‫‪ /‬ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوى‪ :‬حدثنا طالوت بن َ‬
‫أمامة يقـول‪ :‬سمعت رسـول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪) :‬اكفلوا لى بست أكفـل لكم الجنـة‪ :‬إذا حـدث أحـدكم فل‬
‫يكذب‪ ،‬وإذا اؤتمن فل يخن‪ ،‬وإذا وعد فل يخلف‪ ،‬غضـوا أبصاركم‪ ،‬وكفـوا أيديكم‪ ،‬واحفظوا فروجكم(‪ .‬فقد كفل‬
‫بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال‪ ،‬فالثلثـة الولى تبرئـة مـن النفاق‪ ،‬والثلثـة الخـرى تبرئـة من الفسوق‪،‬‬
‫والمخاطبون مسلمون‪ ،‬فإذا لم يكن منافًقا كان مؤمًنا‪ ،‬وإذا لم يكن فاسًقا كان تقًيا فيستحق الجنة‪ .‬ويوافق ذلك ما رواه‬
‫صْهَبان‪ ،‬حدثنى‬
‫ابن أبى الدنيا‪ :‬حدثنا أبو سعيد المدنى‪ ،‬حدثنى عمر بن سهل المازنى‪ ،‬قال‪ :‬حدثنى عمر بن محمد بن ُ‬
‫سَلىم‪ ،‬عن أبى هريرة قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬كل عين باكيــة يوم القيامة إل عينا‬
‫صفوان بن ُ‬
‫غضت عن محارم ال‪ ،‬وعينا سهرت فى سبيل ال‪ ،‬وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية ال(‪.‬‬
‫ك ِإَلى َما َمّتْعَنا ِبِه َأْزَواًجا ّمْنُهْم َزْهَرَة اْلَحَياِة الّدنَيا ِلَنْفِتَنُهْم ِفيِه{ ]طه‪ ،[131 :‬يتناول النظر إلى‬
‫عْيَنْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتُمّد ّ‬
‫وقوله سبحانه‪َ} :‬و َ‬
‫الموال واللباس والصور وغير ذلك من متاع الدنيا‪ :‬أما اللباس والصور فهما اللذان ل ينظر ال إليهما‪ ،‬كما فى‬
‫صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى ال عليه وسلم قال ‪) / :‬إن ال ل ينظر إلى صوركم ول إلى أموالكم‪،‬‬
‫وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم(‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ} :‬وَكْم َأْهَلْكَنا َقْبَلُهم ّمن َقْرٍن ُهْم َأْحَسُن َأَثاًثا َوِرْئًيا{ ]مريم‪ ،[74 :‬وذلك أن‬
‫ال يمتع بالصور كما يمتع بالموال‪ ،‬وكلهما من زهرة الحياة الدنيا‪ ،‬وكلهما يفتن أهله وأصحابه‪ ،‬وربما أفضى به‬
‫إلى الهلك دنيا وأخرى‪.‬‬
‫والهلكى رجلن‪ :‬فمستطيع وعاجز‪ ،‬فالعاجز‪ :‬مفتون بالنظر ومد العين إليه‪ ،‬والمستطيع‪ :‬مفتون فيما أوتى منه‪ ،‬غارق‬
‫قد أحاط به ما ل يستطيع إنقاذ نفسه منه‪ .‬وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافًقا أو فاسًقا كما يعجبه‬
‫عَلْيِهْم‬
‫حٍة َ‬
‫صْي َ‬
‫ل َ‬
‫ن ُك ّ‬
‫سُبو َ‬
‫حَ‬
‫سّنَدٌة َي ْ‬
‫ب ّم َ‬
‫ش ٌ‬
‫خُ‬
‫سَمْع ِلَقْوِلِهْم َكَأّنُهْم ُ‬
‫ساُمُهْم َوِإن َيُقوُلوا َت ْ‬
‫جَ‬
‫ك َأ ْ‬
‫جُب َ‬
‫المسموع منهم‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َرَأْيَتُهْم ُتْع ِ‬
‫ل{ ]المنافقون‪ ،[ 4 :‬فهذا تحذير من ال ـ تعالى ـ من النظر إليهم واستماع قولهم‪ ،‬فل ينظر‬
‫حَذْرُهْم َقاَتَلُهُم ا ُّ‬
‫ُهُم اْلَعُدّو َفا ْ‬
‫إليهم ول يسمع قولهم‪ ،‬فإن ال ـ سبحانه ـ قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم‪ ،‬وأن قولهم يعجب السامعين‪.‬‬
‫س َمن‬
‫ن الّنا ِ‬
‫سّنَدٌة{ ‪ ،‬فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬وِم َ‬
‫ب ّم َ‬
‫ش ٌ‬
‫خُ‬
‫ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله‪َ} :‬كَأّنُهْم ُ‬
‫ت ّلْلُمَتَوّسِميَن{{‬
‫ك لَيا ٍ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا{ الية ]البقرة‪ ،[ 204 :‬وقد قال تعالى فى قصة قوم لوط‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ك َقْوُلُه ِفي اْل َ‬
‫جُب َ‬
‫ُيْع ِ‬

‫]الحجر‪ ،[ 75 :‬والتوسم من السمة‪ ،‬وهى العلمة‪ ،‬فأخبر ‪ /‬ـ سبحانه ـ أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين‪.‬‬
‫ك لَيا ٍ‬
‫ت‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫وفى الترمذى عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬اتقوا فراسة المؤمن‪ ،‬فإنه ينظر بنور ال( ثم قرأ‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ّلْلُمَتَوّسِميَن{ ‪ .‬فدل ذلك على أن من اعتبر بما عاقب ال به غيره من أهل الفواحش كان من المتوسمين‪.‬‬
‫وأخبر ـ تعالى ـ عن اللوطية أنه طمس أبصارهم‪ ،‬فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس البصار‪ ،‬كما قد عرف ذلك‬
‫فيهم وشوهد منهم ‪ ،‬وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لفعالهم إعطاء النوار‪ ،‬وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب‬
‫غض البصار‪ .‬وأما القدرة والقوة التى يعطيها ال لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف‪ ،‬كما جاء‪ :‬إن الذى‬
‫يترك هواه يفرق الشيطان من ظله‪ .‬وفى الصحيح أن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ليس الشديد بالصرعة‪ ،‬إنما‬

‫الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب( وفى رواية‪ :‬أنه مر بقوم يخذفون حجًرا‪ ،‬فقال‪) :‬ليس الشدة فى هذا‪ ،‬وإنما الشدة‬
‫ظا ثم يكظمه ل( أو كما قال‪.‬‬
‫فى أن يمتلئ أحدكم غي ً‬
‫وهذا ذكره فى الغضب؛ لنه معتاد لبنى آدم كثيًرا‪ ،‬ويظهر للناس‪ .‬وسلطان الشهوة يكون فى الغالب مستوًرا عن‬
‫أعين الناس‪ ،‬وشيطانها خاف‪ ،‬ويمكن فى كثير من الوقات العتياض بالحلل عن ‪ /‬الحرام‪ ،‬وإل فالشهوة إذا اشتعلت‬
‫ضِعيًفا{ ]النساء‪ ،[ 28 :‬أى‪ :‬ضعىفا عن النساء‬
‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫قا ِ‬
‫خِل َ‬
‫واستولت قد تكون أقوى من الغضب‪ ،‬وقد قال تعالى ‪َ} :‬و ُ‬
‫طاَقَة َلَنا ِبِه{ ]البقرة‪ ،[286 :‬ذكروا منه العشق‪ ،‬والعشق يفضى بأهله‬
‫ل َ‬
‫حّمْلَنا َما َ‬
‫ل ُت َ‬
‫ل يصبر عنهن‪ ،‬وفى قوله }َرّبَنا َو َ‬
‫ضا ـ وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لهل الطاعة‬
‫إلى المراض والهلك‪ ،‬وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك ـ أي ً‬
‫عَلْيُكم ّمْدَراًرا‬
‫سَماء َ‬
‫ل ال ّ‬
‫سِ‬
‫سَتْغِفُروْا َرّبُكْم ُثّم ُتوُبوْا ِإَلْيِه ُيْر ِ‬
‫التائبين إلى ال فى مواضع كثيرة‪ ،‬كقوله فى سورة هود‪َ} :‬وَيا َقْوِم ا ْ‬
‫حَزُنوا َوَأنُتُم‬
‫ل َت ْ‬
‫ل َتِهُنوا َو َ‬
‫ن{ ]المنافقون‪َ} ،[8 :‬و َ‬
‫سوِلِه َوِلْلُمْؤِمِني َ‬
‫ل اْلِعّزُة َوِلَر ُ‬
‫َوَيِزْدُكْم ُقّوًة ِإَلى ُقّوِتُكْم { ]هود‪،[52:‬وقوله‪َ}:‬و ِّ‬
‫اَلْعَلْونَ ِإن ُكنُتم ّمْؤِمِنيَن { ]آل عمران‪.[139 :‬‬
‫وإذا كان الذى قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى ال عنه‪ ،‬يجعل ال له من النور والعلم‬
‫حْم حول السيئات‪ ،‬ولم ُيِعْرها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها؟!‬
‫والقوة والعزة ومحبة ال ورسوله‪ ،‬فما ظنك بالذى لم َي ُ‬
‫بل هو يجاهد فى سبيل ال أهلها ليتركوا السيئات فهل هذا وذاك سواء؟ بل هذا له من النور واليمان والعزة والقوة‬
‫والمحبة والسلطان والنجاة فى الدنيا والخرة أضعاف أضعاف ذاك‪ ،‬وحاله أعظم وأعلى‪ ،‬ونوره أتم وأقوى‪ ،‬فإن‬
‫السيئات تهواها النفوس‪ ،‬ويزينها الشيطان‪ ،‬فتجتمع فيها الشبهات والشهوات‪.‬‬
‫فإذا كان المؤمن قد حبب ال إليه اليمان وزينه فى قلبه‪ ،‬وَكّره ‪ /‬إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن‬
‫شهوات الغى بحب ال ورسوله وما يتبع ذلك‪ ،‬وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى‪ ،‬وأعطاه ال من القوة والقدرة‬
‫ما أيده به‪ ،‬حيث دفع بالعلم الجهل‪ ،‬وبإرادة الحسنات إرادة السيئات‪ ،‬وبالقوة على الخير القوة على الشر فى نفسه‬
‫ضا ـ حتى يدفع جهله بالظلم‪ ،‬وإرادته السيئات بإرادة‬
‫فقط‪ ،‬والمجاهد فى سبيل ال يطلب فعل ذلك فى نفسه وغيره ـ أي ً‬
‫الحسنات ونحو ذلك‪.‬‬
‫جاَهُدوا ِبَأْمَواِلِهْم‬
‫سوِلِه ُثّم َلْم َيْرَتاُبوا َو َ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ن آَمُنوا ِبا ِّ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫والجهاد تمام اليمان وسنام العمل‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ}:‬إّنَما اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫س{ الية ]آل عمران‪:‬‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ج ْ‬
‫خِر َ‬
‫خْيَر ُأّمٍة ُأ ْ‬
‫ن{ ]الحجرات‪ ،[15 :‬وقال‪ُ} :‬كنُتْم َ‬
‫صاِدُقو َ‬
‫ك ُهُم ال ّ‬
‫ل ُأْوَلِئ َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫سِهْم ِفي َ‬
‫َوَأنُف ِ‬
‫‪ ،[110‬وقال‪َ} :‬أَجَعْلُتْم ِسَقاَيَة اْلَحاّج{ الية ]التوبة‪ ،[ 19 :‬فكذلك يكون هذا الجزاء فى حق المجاهدين‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫}َواّلِذيَن َجاَهُدوا ِفيَنا َلَنْهِدَيّنُهْم ُسُبَلَنا{ ]العنكبوت‪ ،[ 69 :‬فهذا فى العلم والنور‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَلْو َأّنا َكَتْبَنا َعَلْيِهْم َأِن اْقُتُلوْا َأنُفَسُكْم{{‬
‫ضا‪ ،‬وهو من الجهاد‪ ،‬والخروج من‬
‫طا ّمْسَتِقيًما{ ] النساء ‪ 66 :‬ـ ‪ ،[ 68‬فقتل النفوس هو قتل بعضهم بع ً‬
‫صَرا ً‬
‫إلى قوله‪ِ } :‬‬

‫ديارهم هو الهجرة‪ ،‬ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيًرا لهم وأشد تثبيًتا‪،‬ففى الية‬
‫أربعة أمور‪:‬الخير المطلق‪ ،‬والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة‪ ،‬والجر العظيم‪ ،‬وهداية الصراط المستقيم‪ .‬وقال تعالى‪:‬‬
‫صُرُه{ إلى قوله‪َ}:‬عاِقَبُة اُْلُموِر{ ]الحج‪:‬‬
‫ل َمن َين ُ‬
‫ن ا ُّ‬
‫صَر ّ‬
‫ت َأْقَداَمُكْم { ]محمد‪ ،[7 :‬وقال‪َ} :‬وَلَين ُ‬
‫صْرُكْم َوُيَثّب ْ‬
‫ل َين ُ‬
‫صُروا ا َّ‬
‫}ِإن َتن ُ‬
‫ل َوَل َيَخاُفوَن َلْوَمَة لِئٍم{ ]المائدة‪.[54 :‬‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ِفي َ‬
‫جاِهُدو َ‬
‫‪ [41 ،40‬وقال‪ُ}:‬ي َ‬
‫وأما أهل الفواحش الذين ل يغضون أبصارهم ول يحفظون فروجهم‪ ،‬فقد وصفهم ال بضد ذلك‪ :‬من السكرة‪ ،‬والعمه‪،‬‬
‫والجهالة‪ ،‬وعدم العقل‪ ،‬وعدم الرشد‪ ،‬والبغض‪ ،‬وطمس البصار‪ ،‬هذا مع ما وصفهم به من الخبث‪ ،‬والفسوق‪،‬‬
‫والعدوان‪ ،‬والسراف‪ ،‬والسوء ‪ ،‬والفحش ‪ ،‬والفساد‪ ،‬والجرام ‪ ،‬فقال عن قوم لوط ‪َ} :‬بْل َأنُتْم َقْوٌم َتْجَهُلوَن{ ]النمل‪:‬‬
‫س ِمنُكْم َرُجٌل ّرِشيٌد{ ]هود‪:‬‬
‫ن{ ]الحجر‪ ،[72 :‬وقال‪َ}:‬أَلْي َ‬
‫سْكَرِتِهْم َيْعَمُهو َ‬
‫ك ِإّنُهْم َلِفي َ‬
‫‪ ،[ 55‬فوصفهم بالجهل‪ ،‬وقال }َلَعْمُر َ‬
‫ف َكا َ‬
‫ن‬
‫ظُروا َكْي َ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[81 :‬وقال‪َ} :‬فان ُ‬
‫سِرُفو َ‬
‫ل َأنُتْم َقْوٌم ّم ْ‬
‫عُيَنُهْم{ ]القمر‪ ،[37 :‬وقال‪َ} :‬ب ْ‬
‫سَنا َأ ْ‬
‫طَم ْ‬
‫‪ ،[78‬وقال‪َ} :‬ف َ‬
‫طُعو َ‬
‫ن‬
‫ل َوَتْق َ‬
‫جا َ‬
‫ن الّر َ‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[74 :‬وقال‪َ}:‬أِئّنُكْم َلَتْأُتو َ‬
‫سِقي َ‬
‫سْوٍء َفا ِ‬
‫ن{ ]النمل‪ ،[69 :‬وقال‪ِ}:‬إّنُهْم َكاُنوا َقْوَم َ‬
‫جِرِمي َ‬
‫عاِقَبُة اْلُم ْ‬
‫َ‬
‫صْرِني َعَلى اْلَقْوِم اْلُمْفِسِديَن{ إلى قوله‪ِ} :‬بَما َكاُنوا َيْفُسُقوَن{ ]العنكبوت‪ 29 :‬ـ‬
‫ن ِفي َناِديُكُم اْلُمنَكر{ إلى قوله‪}:‬ان ُ‬
‫ل وََتْأُتو َ‬
‫سِبي َ‬
‫ال ّ‬
‫ك ِلْلُمْسِرِفيَن{ ]الذاريات‪.[34 :‬‬
‫عنَد َرّب َ‬
‫سّوَمًة ِ‬
‫‪ ،[34‬وقوله‪ُ} :‬م َ‬
‫صـل‬
‫َف ْ‬
‫ل َجِميًعا َأّيَها اْلُمْؤِمُنوَن َلَعّلُكْم ُتْفِلُحوَن{ ]النور‪ ،[ 31 :‬فوائد جليلة‪ ،‬منها‪ :‬أن أمره‬
‫فى قوله فى آخر الية‪َ} :‬وُتوُبوا ِإَلى ا ِّ‬
‫لجميع المؤمنين بالتوبة فى هذا السياق تنبيه على أنه ل يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التى هى ترك غض البصر‬

‫وحفظ الفرج‪ ،‬وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك‪ ،‬فمستقل ومستكثر‪ ،‬كما فى الحديث‪) :‬ما من أحد من بنى آدم إل أخطأ‬
‫أو َهّم بخطيئة إل يحيى بن زكريا(‪.‬وذلك ل يكون إل عن نظر‪ ،‬وفى السنن عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قـال‪:‬‬
‫)كل بنى آدم خطـاء‪ ،‬وخير الخطـائين التوابـون(‪ ،‬وفى الصحيـح عن أبى ذر عن النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬يقول‬
‫ال تعالى‪ :‬يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميًعا ول أبالى‪ ،‬فاستغفرونى أغفر لكم(‪.‬‬
‫وفى الصحيحين عن ابن عباس قال‪ :‬ما رأيت شىًئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة‪ :‬إن النبى صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪) :‬إن ال كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك ل محالة‪ ،‬فزنا العينين النظر‪ ،‬وزنا اللسان النطق( الحديث‬
‫إلى آخره‪ .‬وفيه‪) :‬والنفس ‪ /‬تتمنى ذلك وتشتهى‪ ،‬والفرج يصدق ذلك أو يكذبه( أخرجه البخارى تعليًقا من حديث‬
‫طاووس عن أبى هريرة‪ .‬ورواه مسلم من حديث سهيل بن أبى صالح‪ ،‬عن أبيه عن أبى هريرة‪ ،‬عن النبى صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪) :‬كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك ل محالة‪ :‬العينان زناهما النظر‪ ،‬والذنان زناهما‬
‫الستماع‪ ،‬واللسان زناه الكلم‪ ،‬واليدان زناهما البطش‪ ،‬والرجلن زناهما الخطا‪ ،‬والقلب يهوى ويتمنى‪ ،‬ويصدق ذلك‬
‫الفرج أو يكذبه(‪ ،‬وقد روى الترمذى حديًثا واستغربه عن ابن عباس فى قوله‪ِ} :‬إّل الّلَمَم{ ]النجم‪ ،[32 :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن تغفر اللهم تغفر جًما‪ ،‬وأى عبد لك ل ألما(‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون بالتوبة‪ ،‬وإنما أمروا بها لتقبل‬
‫صَدَقا ِ{‬
‫ت{‬
‫خُذ ال ّ‬
‫عَباِدِه َوَيْأ ُ‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫ل الّتْوَبَة َ‬
‫ل ُهَو َيْقَب ُ‬
‫نا ّ‬
‫منهم‪ ،‬فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬يْعَلُمواْ َأ ّ‬
‫ت َوَيْعَلُم َما َتْفَعُلوَن{ ]الشورى‪ ،[25 :‬وسواء‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫عَباِدِه َوَيْعُفو َ‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫ل الّتْوَبَة َ‬
‫]التوبة‪ ،[ 104 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وُهَو اّلِذي َيْقَب ُ‬
‫كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها ـ كإتيان ذوات المحارم‪ ،‬وعمل قوم لوط أو غير ذلك ـ وسواء تاب الفاعل أو‬
‫المفعول به فمن تاب تاب ال عليه‪ ،‬بخلف ما عليه طائفة من الناس فإنهم إذا رأوا من عمل من هذه الفواحش شيًئا‬
‫أيسوه من رحمة ال‪ ،‬حتى يقول ‪ /‬أحدهم‪ :‬من عمل من ذلك شيًئا ل يفلح أبًدا‪ ،‬ول يرجون له قبول توبة‪ ،‬ويروى عن‬
‫على أنه قال‪ :‬منا كذا ومنا كذا‪ ،‬والمعفوج ]المعفوج‪ :‬مأخوذ من الَعْفج‪ ،‬وهو أن يفعل الرجل بالغلم فعل قوم لوط‪،‬‬
‫حا ولو تاب‪ ،‬مع كونه مسلًما مقًرا بتحريم ما‬
‫وربما يكنى به عن الجماع[ ليس منا‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن هذا ل يعود صال ً‬
‫فعل‪.‬‬
‫ويدخلون فى ذلك من استكره على فعل شىء من هذه الفواحش‪ ،‬ويقولون‪ :‬لو كان لهذا عند ال خير ما سلط عليه من‬
‫عا‬
‫عا وكرًها‪ ،‬وكما يفعل بأجراء أهل الصناعات طو ً‬
‫فعل به مثل هذا واستكرهه‪ ،‬كما يفعل بكثير من المماليك طو ً‬
‫ن َأَرْد َ‬
‫ن‬
‫عَلى اْلِبَغاء ِإ ْ‬
‫ل ُتْكِرُهوا َفَتَياِتُكْم َ‬
‫ها‪ ،‬وكذلك من فى معناهم من صبيان الكتاتيب وغيرهم‪ ،‬ونسوا قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫وكر ً‬
‫ل ِمن َبْعِد ِإْكَراِهِهّن َغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]النور‪ ،[33 :‬وهؤلء قد ل يعلمون‬
‫ن ا َّ‬
‫ن َفِإ ّ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوَمن ُيْكِرهّه ّ‬
‫ض اْل َ‬
‫عَر َ‬
‫صًنا ّلَتْبَتُغوا َ‬
‫ح ّ‬
‫َت َ‬
‫صورة التوبة‪ ،‬وقد يكون هذا حال وعمل لحدهم‪ ،‬وقد يكون اعتقاًدا‪ ،‬فهذا من أعظم الضلل والغى‪ ،‬فإن القنوط من‬
‫رحمة ال بمنزلة المن من مكر ال ـ تعالى ـ وحالهم مقابل لحال مستحلى الفواحش‪ ،‬فإن هذا أمن مكر ال بأهلها‪،‬‬
‫وذاك قنط أهلها من رحمة ال‪ ،‬والفقيه كل الفقيه هو الذى ل يؤيس الناس من رحمة ال‪ ،‬ول يجرئهم على معاصى‬
‫ال‪.‬‬
‫وهذا فى أصل الذنوب الرادية نظير ما عليه أهل الهواء والبدع ‪ /‬فإن أحدهم يعتقد تلك السيئات حسنات فيأمن مكر‬
‫ب َجِميًعا ِإّنُه ُهَو اْلَغُفوُر الّرِحي ُ{‬
‫م{‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ال‪ ،‬وكثير من الناس يعتقد أن توبة المبتدع ل تقبل‪ ،‬وقد قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫]الزمر‪ ،[ 53 :‬وفى الصحيحين عن أبى موسى الشعرى قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يسمى لنا نفسه‬
‫أسماء‪ ،‬فقال‪) :‬أنا محمد‪ ،‬وأنا أحمد‪ ،‬والُمَقّفى‪ ،‬والحاشر‪ ،‬ونبى التوبة‪ ،‬ونبى الرحمة(‪ ،‬وفى حديث آخر‪) :‬أنا نبى‬
‫الرحمة وأنا نبى الملحمة(‪ .‬وذلك أنه بعث بالملحمة‪ ،‬وهى‪ :‬المقتلة لمن عصاه‪ ،‬وبالتوبة لمن أطاعه‪ ،‬وبالرحمة لمن‬
‫صدقه واتبعه‪ ،‬وهو رحمة للعالمين‪ ،‬وكان من قبله من النبياء ل يؤمر بقتال‪.‬‬
‫سى‬
‫ل ُمو َ‬
‫وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات شديدة‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِإْذ َقا َ‬
‫ب َعَلْيُكْم{ ]البقرة‪:‬‬
‫عنَد َباِرِئُكْم َفَتا َ‬
‫خْيٌر ّلُكْم ِ‬
‫سُكْم َذِلُكْم َ‬
‫ل َفُتوُبوْا ِإَلى َباِرِئُكْم َفاْقُتُلوْا َأنُف َ‬
‫جَ‬
‫خاِذُكُم اْلِع ْ‬
‫سُكْم ِباّت َ‬
‫ظَلْمُتْم َأنُف َ‬
‫ِلَقْوِمِه َيا َقْوِم ِإّنُكْم َ‬

‫‪ ،[ 54‬وقد روى عن أبى العالية وغيره‪ :‬أن أحدهم كان إذا أصاب ذنًبا أصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه‪،‬‬
‫جُر‬
‫سَتْغَفُروْا ِلُذُنوِبِهْم{ إلى قوله‪َ} :‬وِنْعَم َأ ْ‬
‫ل َفا ْ‬
‫سُهْم َذَكُروْا ا ّ‬
‫ظَلُموْا َأْنُف َ‬
‫شًة َأْو َ‬
‫حَ‬
‫ن ِإَذا َفَعُلوْا َفا ِ‬
‫فأنزل ال فى حق هذه المة‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ظَلُموْا َأْنُفَسُهْم{‪ ،‬والظلم يتناول الفاحشة وغيرها‬
‫ن{ ]آل عمران‪ ،[ 136 ،135 :‬فخص الفاحشة بالذكر مع قوله‪َ } :‬‬
‫اْلَعاِمِلي َ‬
‫تحقيًقا لما ذكرناه ‪ /‬من قبول التوبة من الفواحش مطلًقا‪ :‬من اللذين يأتيانها من الرجال والنساء جميًعا‪.‬‬

‫وفى الصحيح عن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن ال يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار‪ ،‬ويبسط يده بالنهار‬
‫ليتوب مسىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها(‪،‬وفى الصحيح عنه أنه قال‪) :‬من تاب قبل طلوع الشمس من‬
‫ضا ـ أنه قال‪) :‬ل تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة‪ ،‬ول تنقطع التوبة حتى‬
‫مغربها تاب ال عليه(‪ ،‬وفى السنن عنه ـ أي ً‬
‫تطلع الشمس من مغربها(‪ ،‬وعنه صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬قال الشيطان‪ :‬وعزتك يارب ل أبرح أغوى بنى آدم ما‬
‫دامت أرواحهم فى أجسادهم‪ ،‬فقال الرب ـ تعالى ‪ :‬وعزتى وجللى وارتفاع مكانى ل أزال أغفر لهم ما استغفرونى(‪،‬‬
‫وعن أبى ذر قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬يقول ال‪:‬ىابن آدم‪ ،‬إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك‬
‫على ما كان منك ول أبالى‪ ،‬ابن آدم‪ ،‬لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ول أبالى‪ ،‬ابن آدم‪ ،‬لو‬
‫لقيتنى بقراب الرض خطىئة ثم لقيتنى ل تشرك بى شًئا لتيتك بقرابها مغفرة(‪.‬‬
‫والذى يمنع توبة أحد هؤلء إما بحاله وإما بقاله‪ ،‬ول يخلو من أحد أمرين‪ :‬أن يقول‪ :‬إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته‪،‬‬
‫وإما أن ‪ /‬يقول أحدهم‪ :‬ل يتوب ال على أبًدا‪ ،‬أما الول فباطل بكتاب ال وسنة نبيه وإجماع المسلمين‪ ،‬وإن كان قد‬
‫تكلم بعض العلماء فى توبة القاتــل وتوبــة الداعى إلى البـدع‪ ،‬وفى ذلك نـزاع فى مذهب أحمد‪ ،‬وفى مذهـب مالك ـ‬
‫ضا ـ فى توبة الزنديق‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ضا ـ نزاع ذكره صاحب التمثيل والبيان فى )الجامع( وغيره‪ ،‬وتكلموا ـ أي ً‬
‫أى ً‬
‫فهم قد يتنازعون فى كون التوبة فى الظاهر تدفع العقوبة‪ :‬إما لعدم العلم بصحتها‪ ،‬وإما لكونها ل تمنع ما وجب من‬
‫الحد‪ ،‬ولم يقل أحد من الفقهاء‪ :‬إن الزنديق ونحوه إذا تاب فيما بينه وبين ال توبة صحيحة لم يتقبلها ال منه‪ ،‬وأما‬
‫القاتل والمضل فذاك لجل تعلق حق الغير به‪ ،‬والتوبة من حقوق العباد لها حال آخر‪ ،‬وليس هذا موضع الكلم فيها‬
‫وفى تفصيلها‪ ،‬وإنما الغرض أن ال يقبل التوبة من كل ذنب‪ ،‬كما دل عليه الكتاب والسنة‪.‬‬
‫صا ما علمت أحًدا نازع فى التوبة منها‪ ،‬والزانى والمزنى به مشتركان فى ذلك إن تابا تاب ال‬
‫والفواحش خصو ً‬
‫صا من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره ال فى قصة قوم لوط‪ ،‬فإنهم كانوا يفعلون‬
‫عليهما‪ ،‬ويبين التوبة خصو ً‬
‫الفاحشة بعضهم ببعض‪ ،‬ومع هذا فقد دعاهم جمىعهم إلى تقوى ال والتوبة منها‪ ،‬فلو كانت توبة المفعول به أو غيره‬
‫ل َأِمي ٌ‬
‫ن‬
‫سو ٌ‬
‫ن ِإّني َلُكْم َر ُ‬
‫ل َتّتُقو َ‬
‫ط َأ َ‬
‫خوُهْم ُلو ٌ‬
‫ل َلُهْم َأ ُ‬
‫ن ِإْذ َقا َ‬
‫سِلي َ‬
‫ط اْلُمْر َ‬
‫ت َقْوُم ُلو ٍ‬
‫ل تقبل لم يأمرهم بما ل يقبل‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬كّذَب ْ‬
‫طيُعوِن{ ]الشعراء‪ ،[ 163 -160:‬فأمرهم بتقوى ال المتضمنة لتوبتهم من هذه الفاحشة‪ ،‬والخطاب وإن كان‬
‫ل َوَأ ِ‬
‫َفاّتُقوا ا َّ‬
‫للفاعل فإنه إنما خص به‪ ،‬لنه صاحب الشهوة والطلب فى العادة‪ ،‬بخلف المفعول به‪ ،‬فإنه لم تخلق فيه شهوة لذلك‬
‫فى الصل‪ ،‬وإن كانت قد تعرض لـه لمـرض طارئ‪ ،‬أو أجـر يأخـذه من الفاعل‪ ،‬أو لغرض آخر‪ .‬وال ـ سبحانه‬
‫وتعالى ـأعلم ‪.‬‬
‫خِبيٌر ِبَما‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ك َأْزَكى َلُهْم ِإ ّ‬
‫جُهْم َذِل َ‬
‫ظوا ُفُرو َ‬
‫حَف ُ‬
‫صاِرِهْم َوَي ْ‬
‫ن َأْب َ‬
‫ضوا ِم ْ‬
‫ن َيُغ ّ‬
‫ل شيخ السلم عن قوله تعالى‪ُ} :‬قل ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫سِئ َ‬
‫ُ‬
‫‪/‬‬
‫ظَهَر ِمْنَها{ الية ]النور‪،[31 ،30 :‬‬
‫ل َما َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ن ِزيَنَتُه ّ‬
‫ل ُيْبِدي َ‬
‫ن َو َ‬
‫جُه ّ‬
‫ن ُفُرو َ‬
‫ظَ‬
‫حَف ْ‬
‫ن َوَي ْ‬
‫صاِرِه ّ‬
‫ن َأْب َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ضَ‬
‫ض ْ‬
‫ت َيْغ ُ‬
‫صَنُعونَ َوُقل ّلْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫َي ْ‬

‫والحديث عن النبى صلى ال عليه وسلم فى ذكر زنا العضاء كلها‪ ،‬وماذا على الرجل إذا مس يد الصبى المرد‪،‬‬
‫فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم ل؟ وما على الرجل إذا جاءت إلى عنده المردان‪ ،‬ومد يده إلى هذا وهذا‬
‫ويتلذذ بذلك‪ ،‬وما جاء فى التحريم من النظر إلى وجه المرد الحسن؟ وهل هذا الحديث المروى‪ :‬أن النظر إلى الوجه‬
‫المليح عبادة صحيح أم ل؟ وإذا قال أحد‪ :‬أنا ما أنظر إلى المليح المرد لجل شىء‪ ،‬ولكنى إذا رأيته قلت‪ :‬سبحان ال!‬
‫تبارك ال أحسن الخالقين! فهل هذا القول صواب أم ل؟ أفتونا مأجورين‪.‬‬
‫فأجاب ـ قدس ال روحه‪ ،‬ونور ضريحه‪ ،‬ورحمه ورضى عنه‪ ،‬ونفع بعلومه وحشرنا فى زمرته ‪:‬‬
‫‪ /‬الحمد ل‪ ،‬إذا مس المرد لشهوة ففيه قولن فى مذهب أحمد وغيره‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء‪ ،‬وهو المشهور فى مذهب مالك‪ ،‬وذكره القاضى أبو يعلى فى )شرح‬
‫المذهب(‪ ،‬وهو أحد الوجهين فى مذهب الشافعى‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬أنه ل ينقض‪ ،‬وهو المشهور من مذهب الشافعى‪ .‬والقول الول أظهر‪،‬فإن الوطء فى الدبر يفسد العبادات‬
‫التى تفسد بالوطء فى القبل‪ ،‬كالصيام والحرام والعتكاف‪ ،‬ويوجب الغسل كما يوجبه هذا‪ ،‬فتكون مقدمات هذا فى‬
‫باب العبادات كمقدمات هذا‪ ،‬فلو مس المرد لشهوة وهو محرم فعليه دم‪ ،‬كما عليه لو مس أجنبية لشهوة‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫مس المرد لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة فى نقض الوضوء‪.‬‬

‫ل لذلك‪.‬‬
‫والذى ل ينقض الوضوء بمسه يقول‪ :‬إنه لم يخلق مح ً‬
‫فيقال‪:‬ل ريب أنه لم يخلق لذلك‪ ،‬وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات‪ ،‬لكن هذا القدر لم يعتبر فى بعض الوطء‪،‬‬
‫فلو وطئ فى الدبر تعلق به ما ذكر من الحكام‪ ،‬وإن كان الدبر لم يخلق محل ‪ /‬للوطء‪،‬مع أن نفرة الطباع عن الوطء‬
‫فى الدبر أعظم من نفرتها عن الملمسة‪ ،‬ونقض الوضوء باللمس يراعى فيه حقيقة الحكمة‪ ،‬وهو أن يكون المس‬
‫لشهوة عند الكثرين ـ كمالك وأحمد وغيرهما ـ يراعى كما يراعى مثل ذلك فى الحرام والعتكاف وغير ذلك‪.‬‬
‫وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم‪ ،‬حتى لو مس بنته وأخته وأمه لشهوة انتقض وضوؤه؛‬
‫فكذلك من المرد‪.‬‬
‫وأما الشافعى وأحمد فى رواية فيعتبر المظنة‪ ،‬وهو أن النساء مظنة الشهوة‪ ،‬فينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو‬
‫بغير شهوة؛ ولهذا ل ينقض مس المحارم‪ ،‬لكن لو مس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة‪ .‬وكذلك إذا‬
‫مس المرد لشهوة‪ ،‬والتلذذ بمس المرد ـ كمصافحته ونحو ذلك ـ حرام بإجماع المسلمين‪ ،‬كما يحرم التلذذ بمس‬
‫ذوات المحارم والمرأة الجنبىة‪ ،‬كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطى أعظم من عقوبة الزنا بالجنبية‪ ،‬فيجب‬
‫قتل الفاعل والمفعول به‪ ،‬سواء كان أحدهما محصًنا أو لم يكن‪ ،‬وسواء كان أحدهما مملوًكا للخر‪ ،‬أو لم يكن‪ ،‬كما‬
‫جاء ذلك فى السنن عن النبى صلى ال عليه وسلم وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم‪ ،‬وقتله بالرجم‪ ،‬كما‬
‫قتل ال قوم لوط؛ وبذلك جاءت الشريعة فى قتل الزانى أنه بالرجم‪ ،‬فرجم النبى صلى ال عليه وسلم ماعز بن مالك‪،‬‬
‫والغامدية‪ ،‬واليهوديين‪/،‬والمرأة التى أرسل إليها أنيسا‪ ،‬وقال‪) :‬اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها( فرجمها‪.‬‬
‫والنظر إلى وجه المرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم‪،‬والمرأة الجنبية بالشهوة‪ ،‬سواء كانت الشهوة شهوة‬
‫الوطء أو كانت شهوة التلذذ بالنظر‪،‬كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الجنبية‪:‬كان معلوًما لكل أحد أن هذا حرام‪،‬‬
‫فكذلك النظر إلى وجه المرد باتفاق الئمة‪.‬‬
‫وقول القائل‪ :‬إن النظر إلى وجه المرد عبادة‪ ،‬كقوله‪ :‬إن النظر إلى وجوه النساء الجانب والنظر إلى محارم الرجل‬
‫كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة‪ .‬ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة‪.‬‬
‫ل َما َ‬
‫ل‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َ‬
‫شاء َأَتُقوُلو َ‬
‫حَ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل َأَمَرَنا ِبَها ُق ْ‬
‫عَلْيَها آَباءَنا َوا ّ‬
‫جْدَنا َ‬
‫شًة َقاُلوْا َو َ‬
‫حَ‬
‫قال ال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َفَعُلوْا َفا ِ‬
‫َتْعَلُموَن{ ]العراف‪.[28 :‬‬
‫ومعلوم أنه قد يكون فى صور النساء الجنبيات وذوات المحارم من العتبار والدللة على الخالق من جنس ما فى‬
‫صور المردان‪ ،‬فهل يقول مسلم‪ :‬إن للنسان أن ينظر على هذا الوجه إلى صور النساء ـ نساء العالمين وصور‬
‫محارمه ـ ويقول‪ :‬إن ذلك عبادة؟ بل من جعل مثل هذا ‪ /‬النظر عبادة فإنه كافر مرتد‪ ،‬يجب أن يستتاب فإن تاب وإل‬
‫قتل‪.‬‬
‫وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة‪ ،‬أو جعل تناول يسير الخمر عبادة‪ ،‬أو جعل السكر من الحشيشة‬
‫عبادة‪ ،‬فمن جعل المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة‪ ،‬أو جعل شيًئا من المحرمات التى يعلم تحريمها فى دين السلم‬
‫ل َأَمَرَنا ِبَها‬
‫عَلْيَها آَباءَنا َوا ّ‬
‫جْدَنا َ‬
‫شًة َقاُلوْا َو َ‬
‫حَ‬
‫ضاٍه به للمشركين }َوِإَذا َفَعُلوْا َفا ِ‬
‫عبادة‪ :‬فإنه يستتاب‪ ،‬فإن تاب وإل قتل‪ .‬وهو ُم َ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن{ ]العراف‪ ،[ 28 :‬وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َ‬
‫شاء َأَتُقوُلو َ‬
‫حَ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ُق ْ‬
‫عراة‪ ،‬وكانوا يقولون‪ :‬ل نطوف فى الثياب التى عصينا ال فيها‪ ،‬فهؤلء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب‬
‫ثياب المعصية‪ .‬وقد ذكر ال عنهم ما ذكر‪ ،‬فكيف بمن جعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة؟‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ قد أمر فى كتابه بغض البصر‪ .‬وهو نوعان‪ :‬غض البصر عن العورة‪ .‬وغضه عن محل الشهوة‪.‬‬
‫فالول‪ :‬كغض الرجل بصره عن عورة غيره‪ ،‬كما قال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل ينظر الرجل إلى عورة‬
‫الرجل‪ ،‬ول المرأة إلى عورة المرأة(‪ .‬ويجب على النسان أن يستر عورته‪ ،‬كما قال لمعاوية بن حيدة‪) :‬احفظ‬
‫عورتك إل من زوجتك‪ ،‬أو ما ملكت يمينك( ‪ / ،‬قلت‪ :‬فإذا كان أحدنا مع قومه؟ قال‪) :‬إن استطعت أن ل تريها أحًدا‬
‫فل يرينها(‪ ،‬قلت‪ :‬فإذا كان أحدنا خالًيا؟ قال‪) :‬فال أحق أن يستحىا منه من الناس(‬

‫ويجوز كشفها بقدر الحاجة‪ ،‬كما تكشف عند التخلى‪ ،‬وكذلك إذا اغتسل الرجل وحده ـ بحيث يجد ما يستره ـ فله أن‬
‫يغتسل عرياًنا‪ ،‬كما اغتسل موسى عرياًنا‪ ،‬وأيوب‪ ،‬وكما فى اغتسال النبى صلى ال عليه وسلم يوم الفتح‪ ،‬واغتساله‬
‫فى حديث ميمونة‪.‬‬
‫وأما النوع الثانى من النظر ـ كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الجنبية‪ :‬فهذا أشد من الول‪ ،‬كما أن الخمر أشد‬
‫ل لها كان عليه التعزير؛ لن‬
‫من الميتة والدم ولحم الخنزير‪ ،‬وعلى صاحبها الحد‪ ،‬وتلك المحرمات إذا تناولها مستح ً‬
‫هذه المحرمات ل تشتهيها النفوس كما تشتهى الخمر‪ .‬وكذلك النظر إلى عورة الرجل ل يشتهى كما يشتهى النظـر‬
‫إلى النساء ونحوهن‪ .‬وكذلك النظر إلى المرد بشهوة هو من هذا الباب‪ ،‬وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك‪ ،‬كما اتفقوا‬
‫على تحريم النظر إلى الجنبية وذوات المحارم بشهوة‪.‬‬
‫والخالق ـ سبحانه ـ ُيسّبح عند رؤية مخلوقاته كلها‪ ،‬وليس خلق المرد بأعجب فى قدرته من خلق ذى اللحية‪ ،‬ول‬
‫خلق النساء بأعجب فى ‪ /‬قدرته من خلق الرجال؛ فتخصيص النسان بالتسبيح بحال نظره إلى المرد دون غيره‬
‫كتخصيصه بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل ؛ وما ذاك لنه أدل على عظمة الخالق عنده؛ ولكن لن الجمال‬
‫يغير قلبه وعقله ‪ ،‬وقد يذهله ما رآه ‪ ،‬فيكون تسبيحه لما حصل فى نفسه من الهوى ‪ ،‬كما أن النسوة لما رأين يوسف‪:‬‬
‫ك َكِريٌم{ ]يوسف‪.[31 :‬‬
‫ل َمَل ٌ‬
‫ن َهـَذا ِإ ّ‬
‫شًرا ِإ ْ‬
‫ل َما َهـَذا َب َ‬
‫ش ِّ‬
‫حا َ‬
‫ن َ‬
‫ن َوُقْل َ‬
‫طْعنَ َأْيِدَيُه ّ‬
‫}َوَق ّ‬
‫وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن ال ل ينظر إلى صوركم وأموالكم‪ ،‬وإنما ينظر إلى‬
‫قلوبكم وأعمالكم(‪ .‬فإذا كان ال ل ينظر إلى الصور والموال‪ ،‬وإنما ينظر إلى القلوب والعمال‪ ،‬فكيف يفضل‬
‫ك ِإَلى َما مَّتْعَنا ِبِه َأْزَواًجا ّمْنُهْم َزْهَرةَ اْلَحَياةِ الّدنَيا ِلَنْفِتَنُهْم ِفي ِ{‬
‫ه{‬
‫عْيَنْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتُمّد ّ‬
‫الشخص بما لم يفضله ال به‪ .‬وقد قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫حٍة‬
‫صْي َ‬
‫ل َ‬
‫ن ُك ّ‬
‫سُبو َ‬
‫حَ‬
‫سّنَدٌة َي ْ‬
‫ب ّم َ‬
‫ش ٌ‬
‫خُ‬
‫سَمْع ِلَقْوِلِهْم َكَأّنُهْم ُ‬
‫ساُمُهْم َوِإن َيُقوُلوا َت ْ‬
‫جَ‬
‫ك َأ ْ‬
‫جُب َ‬
‫]طه‪ ،[ 131 :‬وقال فى المنافقين‪َ}:‬وِإَذا َرَأْيَتُهْم ُتْع ِ‬
‫ل{ ]المنافقون‪.[4 :‬‬
‫حَذْرُهْم َقاَتَلُهُم ا ُّ‬
‫عَلْيِهْم ُهُم اْلَعُدّو َفا ْ‬
‫َ‬
‫فإذا كان هؤلء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم‪ ،‬لما فيهم من البهاء والرواء‪ ،‬والزينة الظاهرة‪ ،‬وليسوا ممن‬
‫ينظر إليه لشهوة‪ ،‬قد ذكر ال عنهم ما ذكر‪ ،‬فيكف بمن ينظر إليه لشهوة؟‬
‫‪ /‬وذلك أن النسان قد ينظر إليه لما فيه من اليمان والتقوى‪،‬وهنا العتبار بقلبه وعمله ل بصورته‪،‬وقد ينظر إليه لما‬
‫فيه من الصورة الدالة على المصور فهذا حسن‪ .‬وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه‪ ،‬كما ينظر إلى الخيل‬
‫ضا ـ إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرئاسة‬
‫والبهائم‪ ،‬وكما ينظر إلى الشجار والنهار‪ ،‬والزهار؛فهذا ـ أي ً‬
‫ك ِإَلى َما َمّتْعَنا ِبِه َأْزَواًجا ّمْنُهْم َزهَْرةَ اْلَحَياِة الّدنَيا ِلَنْفِتَنُهْم ِفيِه{ ]طه‪.[131:‬‬
‫عْيَنْي َ‬
‫ن َ‬
‫ل َتُمّد ّ‬
‫والمال فهو مذموم بقوله‪َ} :‬و َ‬
‫وأما إن كان على وجه ل ينقص الدين‪ ،‬وإنما فيه راحة النفس فقط‪ :‬كالنظر إلى الزهار‪ ،‬فهذا من الباطل الذى ل‬
‫يستعان به على الحق‪.‬‬
‫وكل قسم من هذه القسام متى كان معه شهوة كان حراًما بل ريب‪ ،‬سواء كانت شهوة تمتع بالنظر أو كان نظًرا‬
‫بشهوة الوطء‪ ،‬وفرق بين ما يجده النسان عند نظره إلى الشجار والزهار‪ ،‬وما يجده عند نظره إلى النسوان‬
‫والمردان‪.‬‬
‫فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعى‪ ،‬فصار النظر إلى المردان ثلثة أقسام‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬ما تقترن به الشهوة‪ .‬فهو محرم بالتفاق‪.‬‬
‫‪ /‬والثانى‪ :‬ما يجزم أنه ل شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن‪ ،‬وابنته الحسنة‪ ،‬وأمه الحسنة‪ ،‬فهذا ل يقترن‬
‫به شهوة إل أن يكون الرجل من أفجر الناس‪ ،‬ومتى اقترنت به الشهوة حرم‪ .‬وعلى هذا نظر من ل يميل قلبه إلى‬
‫المردان‪ ،‬كما كان الصحابة وكالمم الذين ل يعرفون هذه الفاحشة‪ ،‬فإن الواحد من هؤلء ل يفرق من هذا الوجه بين‬
‫نظره إلى ابنه وابن جاره وصبى أجنبى‪ ،‬ل يخطر بقلبه شىء من الشهوة؛ لنه لم يعتد ذلك‪ ،‬وهو سليم القلب من قبل‬
‫ذلك‪ ،‬وقد كانت الماء على عهد الصحابة يمشين فى الطرقات مكشفات الرؤوس‪ ،‬ويخدمن الرجال مع سلمة‬

‫القلوب‪ ،‬فلو أراد الرجل أن يترك الماء التركيات الحسان يمشين بين الناس فى مثل هذه البلد والوقات‪ ،‬كما كان‬
‫أولئك الماء يمشين كان هذا من باب الفساد‪.‬‬
‫وكذلك المردان الحسان‪ ،‬ل يصلح أن يخرجوا فى المكنة والزقة التى يخاف فيها الفتنة بهم إل بقدر الحاجة‪ ،‬فل‬
‫يمكن المرد الحسن من التبرج‪ ،‬ول من الجلوس فى الحمام بين الجانب‪ ،‬ول من رقصه بين الرجال‪ ،‬ونحو ذلك مما‬
‫فيه فتنة للناس‪ ،‬والنظر إليه كذلك‪.‬‬
‫وإنما وقع النزاع بين العلماء فى )القسم الثالث( من النظر‪ ،‬وهو‪ :‬النظر إليه بغير شهوة‪ .‬لكن مع خوف ثورانها‪ ،‬ففيه‬
‫وجهان فى ‪ /‬مذهب أحمد‪ ،‬أصحهما وهو المحكى عن نص الشافعى وغيره أنه ل يجوز‪ .‬والثانى‪ :‬يجوز‪ ،‬لن الصل‬
‫عدم ثورانها‪ ،‬فل يحرم بالشك بل قد يكره‪ .‬والول هو الراجح‪ ،‬كما أن الراجح فى مذهب الشافعى وأحمد أن النظر‬
‫إلى وجه الجنبية من غير حاجة ل يجوز‪ ،‬وإن كانت الشهوة منتفية‪ ،‬لكن لنه يخاف ثورانها‪ ،‬ولهذا حرم الخلوة‬
‫بالجنبية‪ ،‬لنه مظنة الفتنة‪ .‬والصل أن كلما كان سببًا للفتنة فإنه ل يجوز‪ ،‬فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم‬
‫يعارضها مصلحة راجحة‪.‬‬
‫ولهذا كان النظر الذى قد يفضى إلى الفتنة محرما‪ ،‬إل إذا كان لحاجة راجحة‪ ،‬مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما‪،‬‬
‫فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة‪ .‬وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فل يجوز‪ .‬ومن كرر النظر إلى‬
‫المرد ونحوه وأدامه‪ ،‬وقال‪ :‬إنى ل أنظر لشهوة كذب فى ذلك‪ ،‬فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج معه إلى النظر‪ ،‬لم يكن‬
‫النظر إل لما يحصل فى القلب من اللذة بذلك‪.‬‬
‫ل صلى ال عليه‬
‫وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره‪ ،‬كما ثبت فى الصحاح عن جرير‪ ،‬قال‪ :‬سألت رسول ا ّ‬
‫ل عنه‪ :‬يا على‪ ،‬ل تتبع النظرة‬
‫وسلم عن نظر الفجأة‪ ،‬قال‪) :‬اصرف بصرك(‪ ،‬وفى السنن أنه قال لعلى ـ رضى ا ّ‬
‫النظرة‪ ،‬فإنما لك الولى وليست لك الثانية(‪.‬‬
‫وفى الحديث الذي فى المسند وغيره‪) :‬النظر سهم مسموم من سهام إبليس(‪ ،‬وفيه‪) :‬من نظر إلى محاسن امرأة ثم‬
‫ل قلبه حلوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة( أو كما قال‪.‬‬
‫غض بصره عنها أورث ا ّ‬
‫ولهذا يقال‪ :‬إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها‪ :‬كالمرأة‪ ،‬والمرد الحسن‪ ،‬يورث ذلك ثلث‬
‫فوائد جليلة القدر‪:‬‬
‫ل خيرًا منه‪ ،‬والنفس‬
‫ل عوضه ا ّ‬
‫ل‪ ،‬فإن من ترك شيئًا ّ‬
‫أحدها‪ :‬حلوة اليمان ولذته التي هى أحلى وأطيب مما تركه ّ‬
‫تحب النظر إلى هذه الصور‪ ،‬ل سيما نفوس أهل الرياضة والصفا‪ ،‬فإنه يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور‪،‬‬
‫حتى تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه‪ ،‬كما يصرعه السبع‪.‬‬
‫ولهذا قال بعض التابعين‪ :‬ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه‪ .‬وقال‬
‫بعضهم‪ :‬اتقوا النظر إلى أولد الملوك‪ ،‬فإن فتنتهم كفتنة العذارى‪ .‬وما زال أئمة العلم والدين ـ كأئمة الهدى وشيوخ‬
‫الطريق ـ يوصون بترك صحبة الحداث‪ ،‬حتى يروى عن فتح الموصلى أنه قال‪ :‬صحبت ثلثين من ‪ /‬البدال كلهم‬
‫ل إل ابتله بصحبة هؤلء النتان‪.‬‬
‫يوصينى عند فراقه بترك صحبة الحداث‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬ما سقط عبد من عين ا ّ‬
‫ثم النظر يولد المحبة‪ ،‬فيكون علقة‪ ،‬لتعلق القلب بالمحبوب‪ ،‬ثم صبابة‪ ،‬لنصباب القلب إليه‪ ،‬ثم غراما؛ للزومه‬
‫ل‪ ،‬فيبقى القلب عبدًا‬
‫ل‪ :‬عبد ا ّ‬
‫للقلب‪ .‬كالغريم الملزم لغريمه‪ ،‬ثم عشقًا‪ ،‬إلى أن يصير تتيما‪ ،‬والمتيم‪ :‬المعبد‪ ،‬وتيم ا ّ‬
‫لمن ل يصلح أن يكون أخا ول خادما‪.‬‬
‫ل‪ ،‬الذين فيهم نـوع مـن الشـرك‪ ،‬وإل فأهل الخلص‪ ،‬كما قال الّ‬
‫وهذا إنما يبتلى به أهل العراض عن الخلص ّ‬
‫صيَن{ ]يوسف‪ ،[24 :‬فامرأة‬
‫خَل ِ‬
‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬
‫ن ِ‬
‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬
‫حَ‬
‫سوَء َواْلَف ْ‬
‫عْنُه ال ّ‬
‫ف َ‬
‫صِر َ‬
‫ك ِلَن ْ‬
‫تعالى فى حق يوسف عليه السلم‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء‪ ،‬ويوسف ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬مع عزوبته‪ ،‬ومراودتها‬
‫غِوَيّنُهْم‬
‫لْ‬
‫ل‪ ،‬تحقيقًا لقوله‪َ}:‬و ُ‬
‫ل بإخلصه ّ‬
‫له‪ ،‬واستعانتها عليه بالنسوة‪ ،‬وعقوبتها له بالحبس على العفة‪ :‬عصمه ا ّ‬

‫ك ِم َ‬
‫ن‬
‫ن اّتَبَع َ‬
‫ل َم ِ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫طا ٌ‬
‫سْل َ‬
‫عَلْيِهْم ُ‬
‫ك َ‬
‫س َل َ‬
‫عَباِدي َلْي َ‬
‫ن ِ‬
‫ن{ ]الحجر‪ ،[ 40 ،39 :‬قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫صي َ‬
‫خَل ِ‬
‫ك ِمْنُهُم اْلُم ْ‬
‫عَباَد َ‬
‫ل ِ‬
‫جَمِعينَ ِإ ّ‬
‫َأ ْ‬
‫اْلَغاِويَن{ ]الحجر‪ ، [ 42 :‬و)الغى(‪ :‬هو اتباع الهوى‪.‬‬

‫وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى‪ ،‬ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة ـ كابن سينا وذويه‪ ،‬أو من الفرس‪،‬‬
‫جّهال المتصوفة ـ فإنهم أهل ضلل‪ ،‬فهم مع مشاركة اليهود فى الغى‪ ،‬والنصارى فى‬
‫كما يذكر ‪ /‬عن بعضهم من ُ‬
‫الضلل‪ :‬زادوا على المتين فى ذلك‪ ،‬فإن هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه‪ ،‬وتهذيب أخلقه‪ ،‬أو‬
‫للمعشوق من السعى فى مصالحه‪ ،‬وتعليمه وتأديبه وغير ذلك‪ ،‬فمضرة ذلك أضعاف منفعته‪ ،‬وأين إثم ذلك من نفعه‬
‫؟!‬
‫وإنما هذا كما يقال‪ :‬إن فى الزنا منفعة لكل منهما بما يحصل له من اللذة والسرور‪ ،‬ويحصل لها من الجعل وغير‬
‫ل ِفيِهَما ِإْثٌم َكِبيٌر َوَمَناِفُع‬
‫ذلك‪ ،‬وكما يقال‪ :‬إن فى شرب الخمر منافع بدنية ونفسية‪ .‬وقال تعالى فى الخمر والميسر‪ُ} :‬ق ْ‬
‫س َوِإْثُمُهَمآ َأْكَبُر ِمن ّنْفِعِهَما{ ]البقرة‪ ،[ 219 :‬وهذا قبل التحريم‪ ،‬دع مـا قاله عند التحريم وبعده‪ ،‬فإن التعبد بهذه‬
‫ِللّنا ِ‬
‫لْثِم‬
‫ظاِهَر ا ِ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬وَذُروْا َ‬
‫الصور هو من جنس الفـواحش‪ ،‬وباطنه من باطن الفواحش‪ ،‬وهو من باطن الثم‪ .‬قال ا ّ‬
‫طَن{ ]العراف‪ ،[33 :‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ش َما ظََهَر ِمْنَها َوَما َب َ‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫طَنُه{ ]النعام‪ ،[ 120 :‬وقـال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫َوَبا ِ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن { ]العراف‪:‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ن َ‬
‫شاء َأَتُقوُلو َ‬
‫حَ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل َأَمَرَنا ِبَها ُق ْ‬
‫عَلْيَها آَباءَنا َوا ّ‬
‫جْدَنا َ‬
‫شًة َقاُلوْا َو َ‬
‫حَ‬
‫}َوِإَذا َفعَُلوْا َفا ِ‬
‫‪.[28‬‬
‫وليس بين أئمة الدين نزاع فى أن هذا ليس بمستحق‪ ،‬كما أنه ليس بواجب‪ ،‬فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج‬
‫عن إجماع المسلمين‪ ،‬واليهود والنصارى‪ ،‬بل وعّما عليه عقلء بنى آدم من جميع المم‪ ،‬وهو ‪ /‬ممن اتبع هواه بغير‬
‫ن{ ]القصص‪ ،[ 50 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَأّما‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ل َيْهِدي اْلَقْوَم ال ّ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن اّتَبَع َهَواُه ِبَغْيِر ُهًدى ّم َ‬
‫ل ِمّم ِ‬
‫ضّ‬
‫ن َأ َ‬
‫ل}َوَم ْ‬
‫هدى من ا ّ‬
‫ل َتّتِبِع اْلَهَوى‬
‫ي اْلَمْأَوى{ ]النازعات‪ ،[ 41 ،40 :‬وقال تعالى ‪َ} :‬و َ‬
‫جّنَة ِه َ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن اْلَهَوى َفِإ ّ‬
‫عِ‬
‫س َ‬
‫ف َمَقاَم َرّبِه َوَنَهى الّنْف َ‬
‫خا َ‬
‫ن َ‬
‫َم ْ‬
‫ب{ ]ص‪.[26 :‬‬
‫سا ِ‬
‫حَ‬
‫سوا َيْوَم اْل ِ‬
‫شِديٌد ِبَما َن ُ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ل َلُهْم َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ن َ‬
‫ضّلو َ‬
‫ن َي ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ك َ‬
‫ضّل َ‬
‫َفُي ِ‬ <