‫مجموع فتاوى ابن تيمية – ‪ – 16‬المجلد السادس عشر‬

‫)التفسير(‬
‫شيخ السلم تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫•‬

‫سـوَرة الّزَمــر‬
‫ُ‬
‫سَنُه{‬
‫حَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ل َفَيّتِبُعو َ‬
‫ن اْلَقْو َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـــل في السماع‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫سَلَكُه َيَناِبيعَ{‬
‫سَماء َماء َف َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫لَ َأنَز َ‬
‫نا ّ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬أَلْم َتَر َأ ّ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫سِهْم{‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫ت َوَمن‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق َمن ِفي ال ّ‬
‫صِع َ‬
‫صوِر َف َ‬
‫خ ِفي ال ّ‬
‫سئل شيخ السلم ـ رحمه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬وُنِف َ‬
‫‪o‬‬
‫ل{‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ِفي ا َْ‬
‫سورة الشورى‬
‫ن{‬
‫عَلى َرّبِهْم َيَتَوّكُلو َ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫خْيٌر َوَأْبَقى ِلّلِذي َ‬
‫ل َ‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى‪َ} :‬وَما ِ‬
‫‪o‬‬
‫سورة الزخرف‬
‫سَوّدا َوُهَو‬
‫جُهُه ُم ْ‬
‫ل َو ْ‬
‫ظّ‬
‫ل َ‬
‫ن َمَث ً‬
‫حَم ِ‬
‫ب ِللّر ْ‬
‫ضَر َ‬
‫حدُُهم ِبَما َ‬
‫شَر َأ َ‬
‫َفصــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وِإَذا ُب ّ‬
‫‪o‬‬
‫ظيٌم{‬
‫َك ِ‬
‫سورة الحَقاف‬
‫حَمًة{‬
‫سى ِإَماًما َوَر ْ‬
‫ب ُمو َ‬
‫سئل شيخ السلم عن تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫‪o‬‬
‫سورة ق‬
‫ل ِمن ّمِزيٍد{‬
‫ل َه ْ‬
‫ت َوَتُقو ُ‬
‫ل ِ‬
‫ل اْمَت َْ‬
‫جَهّنَم َه ِ‬
‫ل ِل َ‬
‫سئل ـ رحمه ال ـ عن تفسير قوله تعالى‪َ} :‬يْوَم َنُقو ُ‬
‫ُ‬
‫‪o‬‬
‫سورة المجادلة‬
‫ت{‬
‫جا ٍ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َدَر َ‬
‫ن آَمُنوا ِمنُكْم َواّلِذي َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫فصـــــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬يْرَفِع ا ُّ‬
‫‪o‬‬
‫سورة الطلق‬
‫ب{‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫جَعل ّلُه َم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وَمن َيّت ِ‬
‫‪o‬‬
‫ب{‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫جَعل ّلُه َم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وَمن َيّت ِ‬
‫‪o‬‬
‫حريم‬
‫سـوَرة الت ْ‬
‫ُ‬
‫حا{‬
‫صو ً‬
‫ل َتْوَبًة ّن ُ‬
‫ن آَمُنوا ُتوُبوا ِإَلى ا ِّ‬
‫ل ـ رحَمُه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها الِّذي َ‬
‫سِئ َ‬
‫َُ‬
‫‪o‬‬
‫سـورة الملك‬
‫خِبيُر{‬
‫ف اْل َ‬
‫طي ُ‬
‫ق َوُهَو الّل ِ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫تفسير قوله تعالى‪َ} :‬أ َ‬
‫‪o‬‬
‫سـوَرة الَقلم‬
‫ُ‬
‫فصــل في تفسير سورة ]ن[‬
‫‪o‬‬
‫خيِه َوُأّمِه َوَأِبيِه{‬
‫ن َأ ِ‬
‫فصــل في كلم جماعة من الفضلء في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬يْوَم َيِفّر اْلَمْرُء ِم ْ‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة التْكوير‬
‫ُ‬
‫ت{‬
‫ب ُقِتَل ْ‬
‫ي َذن ٍ‬
‫ت ِبَأ ّ‬
‫سِئَل ْ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وِإَذا اْلَمْوُؤودَةُ ُ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫ن{‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫ل َر ّ‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاُؤو َ‬
‫قول لشيخ السلم‪ :‬في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وَما َت َ‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة العلى‬
‫ُ‬
‫فصـــل فيما قاله ابن ُفوَرك ـ في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق السفرائيني يحكي ما جرى له‬
‫‪o‬‬
‫صـل في كون ابن ُفوَرك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـل في وصف ال نفسه بالعلو‪ ،‬وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫َفصل في الذين يصفون ال تعالى بالعلو والسفول‬
‫‪o‬‬
‫َفصـل في تفسير معنى ]العلى[‬
‫‪o‬‬
‫ضا ـ تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال‬
‫فصــــل في المر بتسبيح ال يقتضي ـ أي ً‬
‫‪o‬‬
‫له‬
‫سّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{‬
‫ق َف َ‬
‫خَل َ‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫‪o‬‬
‫سّوى{‬
‫ق َف َ‬
‫خَل َ‬
‫فصــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في إذا خلق ال المخلوق فسواه‪ ،‬فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في تفسير قوله ـ سبحانه ـ‪َ} :‬واّلِذي َقدَّر َفَهَدى{‬
‫‪o‬‬

‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫حَوى{‬
‫غَثاء َأ ْ‬
‫جَعَلُه ُ‬
‫عى َف َ‬
‫ج اْلَمْر َ‬
‫خَر َ‬
‫فصـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬واّلِذي َأ ْ‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬فَذّكْر ِإن ّنَفَعتِ الّذْكَرى{‬
‫‪o‬‬
‫شى{‬
‫خَ‬
‫سَيّذّكُر َمن َي ْ‬
‫فصـــل في تفسير قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫‪o‬‬
‫ب{‬
‫ب ّمِني ٍ‬
‫جاء ِبَقْل ٍ‬
‫ب َو َ‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫شيَ الّر ْ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫فصـل في الكلم على قوله تعالى‪َ} :‬م ْ‬
‫‪o‬‬
‫شى{‬
‫خَ‬
‫َفصــل في قوله تعالى ـ في قصة فرعون ـ‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َي ْ‬
‫‪o‬‬
‫ب{‬
‫ل َمن ُيِني ُ‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وَما َيَتَذّكُر ِإ ّ‬
‫‪o‬‬
‫ل بتذكره‬
‫فصـل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر ا ّ‬
‫‪o‬‬
‫حَيى{‬
‫ل َي ْ‬
‫ت ِفيَها َو َ‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫صَلى الّناَر اْلُكْبَرى ُثّم َ‬
‫شَقى اّلِذي َي ْ‬
‫لْ‬
‫جّنُبَها ا َْ‬
‫فصــل في قوله تعالى‪َ} :‬وَيَت َ‬
‫‪o‬‬
‫ل عليهما ـ في أمور‬
‫ل ـ سبحانه ـ بين إبراهيم وموسى ـ صلى ا ّ‬
‫فصـل في جمع ا ّ‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم ا ّ‬
‫ل‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة الَغاشية‬
‫ُ‬
‫شَيِة {‬
‫ث اْلَغا ِ‬
‫حِدي ُ‬
‫ك َ‬
‫ل َأَتا َ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة الَبلد‬
‫ُ‬
‫ن َوَهَدْيَناُه‬
‫شَفَتْي ِ‬
‫ساًنا َو َ‬
‫ن َوِل َ‬
‫عْيَنْي ِ‬
‫جَعل ّلُه َ‬
‫سلم ـ َرحمه ال‪ :‬في قوله تعالى‪َ} :‬أَلْم َن ْ‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫َقول َ‬
‫‪o‬‬
‫ن{‬
‫جَدْي ِ‬
‫الّن ْ‬
‫صـــل في إذا كان الضلل في القدر حصل ـ تارة ـ بالتكذيب بالقدر والخلق‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة الَعَلق‬
‫ُ‬
‫صـــل في بيان أن الرسول صلى ال عليه وسلم أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـــل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـــل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة العراض والستدلل بها على حدوث الجسام‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫ل‪ ،‬وتارة مفص ً‬
‫ل‬
‫صـــل في ذكر ال لخلق النسان تارة مجم ً‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫ن َما َلْم َيْعَلْم{‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫عّلَم ا ِْ‬
‫عّلَم ِباْلَقَلِم َ‬
‫لْكَرُم اّلِذي َ‬
‫ك ا َْ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صـــل في كون الرسول صلى ال عليه وسلم هدى ورحمة للعالمين‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫لْكَرُم{‬
‫صــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬ا َْ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫ق{‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫صـــل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في نسيان النسان‬
‫‪o‬‬
‫ق{‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫فـصـل في تفسير قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫‪o‬‬
‫َفصــل في إثبات صفات الكمال ل‬
‫‪o‬‬
‫ق{‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫فصـل في قوله تعالى‪ِ} :‬با ْ‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في أول آية نزلت من القرآن‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في أن أعظم الصول معرفة النسان بما نعت ال به نفسه‬
‫‪o‬‬
‫فصـل في تنازع العلماء في إثبات الفعال اللزمة ل كالستواء والمجيء‬
‫‪o‬‬
‫صــل في تبيين الرسـول صلى ال عليه وسلم الصول الموصلة إلى الحق‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صــل في ما ينبغي أن يعرف‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫صــل في أن ما جاء به الرسول هو من علم ال‬
‫َف ْ‬
‫‪o‬‬
‫فصـــل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة‬
‫‪o‬‬
‫فصــل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة‬
‫‪o‬‬
‫حّتى َتْأِتَيهُُم‬
‫ن َ‬
‫ن ُمنَفّكي َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ب َواْلُم ْ‬
‫ل اْلِكَتا ِ‬
‫ن َأْه ِ‬
‫ن كََفُروا ِم ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬لْم َيُك ِ‬
‫‪o‬‬
‫اْلَبّيَنُة{‬
‫جاءْتُهُم اْلَبّيَنُة{‬
‫ل ِمن َبْعِد َما َ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِكَتا َ‬
‫ق اّلِذي َ‬
‫فصـــل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وَما َتَفّر َ‬
‫‪o‬‬
‫سورة التكاثر‬
‫فصـــل في تفسير سورة ]التكاثر[‬
‫‪o‬‬
‫سورة الُهَمَزة‬
‫ل ُهَمَزٍة ّلَمَزٍة{‬
‫ل ّلُك ّ‬
‫فصـل في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وْي ٌ‬
‫‪o‬‬
‫سورة الكوثر‬
‫قول شيخ السلم ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬في تفسير سورة الكوثر‬
‫‪o‬‬
‫سوَرة الكاِفرون‬
‫ُ‬

‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫‪o‬‬
‫•‬

‫ل َيا َأّيَها اْلَكاِفُرونَ{‬
‫َفصــل في تفسير سورة }ُق ْ‬
‫صـل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد‬
‫َف ْ‬
‫ن{‬
‫ل َيا َأّيَها اْلَكاِفُرو َ‬
‫َفصـل في النزاع في قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ن{‬
‫ل َيا َأّيَها اْلَكاِفُرو َ‬
‫َفصـل في نظير القول في‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ن{ في مجيء الخطاب فيـها بـ ]مــا[‬
‫عُبُد َما َتْعُبُدو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل َيا َأّيَها اْلَكاِفُرو َ‬
‫فصــل في }ُق ْ‬
‫سَورة َتّبت‬
‫ُ‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الحمد ل وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبى بعده‪.‬‬
‫ســوَرة الّزَمــر‬
‫ُ‬
‫س ال ُروحه‪:‬‬
‫حَمد بن تيمية ـ قّد َ‬
‫سلم أ ْ‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫َقال َ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫قد قال تعالى‪} :‬اّلِذيَن َيْسَتِمُعوَن اْلَقْوَل َفَيّتِبُعوَن َأْحَسَنُه{ ]الزمر‪ ،[ 18 :‬والمراد بالقـول‪ :‬القرآن‪ ،‬كما فسره بذلك سلف المة‬
‫ت آَباءُهُم اَْلّوِليَن{ ]المؤمنون‪ ،[68 :‬واللم لتعريف القول‬
‫جاءُهم ّما َلْم َيْأ ِ‬
‫ل َأْم َ‬
‫وأئمتها‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬أَفَلْم َيّدّبُروا اْلَقْو َ‬
‫المعهود؛ فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه‪ ،‬وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وبيّنا فساد قول‬
‫من استدل بهذه على سماع الغناء وغيره‪ ،‬وجعلها عامة‪ .‬وبينا أن تعميمها في كل قول باطل بإجماع المسلمين‪.‬‬
‫وهنا سؤال مشهور‪ ،‬وهو أنه قال‪َ} :‬يْسَتِمُعوَن اْلَقْوَل َفَيّتِبُعوَن َأْحَسَنُه{ ]الزمر‪ ،[18:‬فقد قسم القول إلى حسن وأحسن‪،‬‬
‫والقرآن كله متبع‪ ،‬وهذا حجتهم‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬الجواب من ثلثة أوجه‪ :‬إلزام‪ ،‬وحل‪:‬‬
‫ح ِمن ُك ّ‬
‫ل‬
‫لْلَوا ِ‬
‫ل ِإَلْيُكم ّمن ّرّبُكم{ ]الزمر‪ ،[ 55 :‬ومثل قوله‪َ} :‬وَكَتْبَنا َلُه ِفي ا َ‬
‫ن َما ُأنِز َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫الول‪ :‬أن هذا مثل قوله‪َ} :‬واّتِبُعوا َأ ْ‬
‫ك َيْأُخُذوْا ِبَأْحَسِنَها{ ]العراف‪ ،[145 :‬فقد أمر المؤمنين باتباع أحسن‬
‫خْذَها ِبُقّوٍة َوْأُمْر َقْوَم َ‬
‫يٍء َف ُ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ّلُك ّ‬
‫صي ً‬
‫ظًة َوَتْف ِ‬
‫عَ‬
‫يٍء ّموْ ِ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬

‫ما أنزل إليهم من ربهم‪ ،‬وأمر بنى إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة‪ ،‬وهذا أبلغ من تلك الية؛ فإن تلك إنما فيها مدح‬
‫باتباع الحسن‪ ،‬ول ريب أن القرآن فيه الخبر والمر بالحسن والحسن‪ ،‬واتباع القول إنما هو العمل بمقتضاه‪،‬‬
‫سن الكلم بالنسبة‬
‫حْ‬
‫ق بين ُ‬
‫ومقتضاه فيه حسن وأحسن‪ ،‬ليس كله أحسن‪ ،‬وإن كان القرآن في نفسه أحسن الحديث؛ َفَفْر ٌ‬
‫سنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر عنه‪.‬‬
‫حْ‬
‫إلى غيره من الكلم‪ ،‬وبين ُ‬
‫ك ُهْم ُأْوُلوا‬
‫ل َوُأْوَلِئ َ‬
‫ن َهَداُهُم ا ُّ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سَنُه ُأْوَلِئ َ‬
‫حَ‬
‫ل َفَيّتِبُعونَ َأ ْ‬
‫ن اْلَقْو َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫عَباِد اّلِذي َ‬
‫شْر ِ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن يقال‪ :‬إنه قال‪َ} :‬فَب ّ‬
‫ب{ ]الزمر‪ ،[ 18 ،17 :‬والقرآن تضّمن خبًرا وأمًرا‪ ،‬فالخبر عن البرار والمقربين‪ ،‬وعن الكفار والفجار؛ فل‬
‫لْلَبا ِ‬
‫ا َْ‬

‫ريب أن اتباع الصنفين حسن‪ / ،‬واتباع المقربين أحسن‪ ،‬والمر يتضمن المر بالواجبات والمستحبات‪ .‬ول ريب أن‬
‫القتصار على فعل الواجبات حسن‪ ،‬وفعل المستحبات معها أحسن‪ .‬ومن اتبع الحسن فاقتدى بالمقربين‪ ،‬وتقرب إلى‬
‫ال بالنوافل بعد الفرائض‪ ،‬كان أحق بالبشرى‪.‬‬
‫ك َيْأُخُذوْا ِبَأْحَسِنَها{ ]العراف‪،[145 :‬‬
‫ل ِإَلْيُكم ّمن ّرّبُكم{ ]الزمر‪َ} ،[55 :‬وْأُمْر َقْوَم َ‬
‫ن َما ُأنِز َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فقوله‪َ} :‬واّتِبُعوا َأ ْ‬
‫ضا ـ أمر بذلك‪ ،‬لكن المر َيُعّم أمر اليجاب والستحباب‪ ،‬فهم مأمورون بما في ذلك من واجب أمر إيجاب‪،‬‬
‫هو ـ أي ً‬
‫ن َوِإيَتاء ِذي‬
‫سا ِ‬
‫حَ‬
‫لْ‬
‫ل َوا ِ‬
‫ل َيْأُمُر ِباْلَعْد ِ‬
‫نا ّ‬
‫وبما فيه من مستحب أمر استحباب‪ ،‬كما هم مأمورون مثل ذلك في قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ف{ ]العراف‪ ،[ 157 :‬والمعروف يتناول القسمين‪ .‬وقوله‪َ} :‬واْفَعُلوا‬
‫اْلُقْرَبى{ ]النحل‪ .[ 90 :‬وقوله ‪َ} :‬يْأُمُرُهم ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫اْلَخْيَر َلَعّلُكْم ُتْفِلُحوَن{ ]الحج‪ ،[ 77 :‬وهو يعم القسمين‪ .‬وقوله‪} :‬اْرَكُعوا َواْسُجُدوا{ ]الحج‪ ،[ 77 :‬وأمثال ذلك‪.‬‬
‫حمُه ال‪:‬‬
‫‪ /‬وَقال َر ِ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫في السماع‬

‫أصل السماع الذى أمر ال به‪ :‬هو سماع ما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم؛ سماع فقٍه وَقُبول؛ ولهذا انقسم‬
‫الناس فيه أربعة أصناف‪:‬صنف معرض ممتنع عن سماعه‪،‬وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى‪ ،‬وصنف فقهه‬
‫ولكنه لم يقبْله‪ ،‬والرابع الذى سمعه سماع فقه وقبول‪.‬‬
‫فالول‪ :‬كالذين قال فيهم‪َ} :‬وَقاَل اّلِذيَن َكَفُروا َل َتْسَمُعوا ِلَهَذا اْلُقْرآِن َواْلَغْوا ِفيِه َلَعّلُكْم َتْغِلُبوَن{ ]فصلت‪.[26 :‬‬
‫سَمعُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ِبَما َ‬
‫ل اّلِذي َيْنِع ُ‬
‫ن َكَفُروْا َكَمَث ِ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫والصنف الثاني‪ :‬من سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وَمَث ُ‬
‫عَلى ُقُلوِبِهْم َأِكّنًة َأن‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫ك َو َ‬
‫سَتِمُع ِإَلْي َ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[ 171 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِمْنُهم ّمن َي ْ‬
‫ل َيْعِقُلو َ‬
‫ي َفُهْم َ‬
‫عْم ٌ‬
‫صّم ُبْكٌم ُ‬
‫عاء َوِنَداء ُ‬
‫ل ُد َ‬
‫ِإ ّ‬
‫ن{‬
‫لّوِلي َ‬
‫طيُر ا َ‬
‫سا ِ‬
‫ل َأ َ‬
‫ن َهَذآ ِإ ّ‬
‫ن َكَفُروْا ِإ ْ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ك َيُقو ُ‬
‫جاِدُلوَن َ‬
‫ك ُي َ‬
‫جآُؤو َ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫ل ُيْؤِمُنوْا ِبَها َ‬
‫ل آَيٍة ّ‬
‫َيْفَقُهوُه َوِفي آَذاِنِهْم َوْقًرا َوِإن َيَرْوْا ُك ّ‬
‫ت َتْهِدي‬
‫ك َأَفَأن َ‬
‫ظُر ِإَلْي َ‬
‫ن َوِمنُهم ّمن َين ُ‬
‫ل َيْعِقُلو َ‬
‫صّم َوَلْو َكاُنوْا َ‬
‫سِمُع ال ّ‬
‫ت ُت ْ‬
‫ك َأَفَأن َ‬
‫ن ِإَلْي َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫]النعام‪ ،[ 25 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِمْنُهم ّمن َي ْ‬
‫ن{ ]يونس‪ 42 :‬ـ ‪ ،[ 44‬وقال تعالى‪َ} :‬وِإَذا‬
‫سُهْم َيظِْلُمو َ‬
‫س َأنُف َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫شْيًئا َوَلـِك ّ‬
‫س َ‬
‫ظِلُم الّنا َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫صُرو َ‬
‫ل ُيْب ِ‬
‫ي َوَلْو َكاُنوْا َ‬
‫اْلُعْم َ‬
‫عَلى ُقُلوِبِهْم َأِكّنًة َأن َيْفَقُهوُه َوِفي آَذاِنِهْم َوْقًرا َوِإَذا‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫سُتوًرا َو َ‬
‫جاًبا ّم ْ‬
‫حَ‬
‫خَرِة ِ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ك َوَبْي َ‬
‫جَعْلَنا َبْيَن َ‬
‫ن َ‬
‫ت اْلُقرآ َ‬
‫َقَرْأ َ‬
‫ظاِلُمو َ‬
‫ن‬
‫ل ال ّ‬
‫جَوى ِإْذ َيُقو ُ‬
‫ك َوِإْذ ُهْم َن ْ‬
‫ن ِإَلْي َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ن ِبِه ِإْذ َي ْ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫عَلُم ِبَما َي ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫حُ‬
‫عَلى َأْدَباِرِهْم ُنُفوًرا ّن ْ‬
‫حَدُه َوّلْوْا َ‬
‫ن َو ْ‬
‫ك ِفي اْلُقْرآ ِ‬
‫ت َرّب َ‬
‫َذَكْر َ‬
‫ي َما‬
‫سَ‬
‫عْنَها َوَن ِ‬
‫ض َ‬
‫عَر َ‬
‫ت َرّبِه َفَأ ْ‬
‫ظَلُم ِمّمن ُذّكَر ِبآَيا ِ‬
‫ن أَ ْ‬
‫حوًرا{ ]السراء‪ 45:‬ـ ‪ ،[ 47‬وقال تعالى‪َ} :‬وَم ْ‬
‫سُ‬
‫ل ّم ْ‬
‫جً‬
‫ل َر ُ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ِإن َتّتِبُعو َ‬
‫ت َيَداُه ِإّنا َجَعْلَنا َعَلى ُقُلوِبِهْم َأِكّنًة َأن َيْفَقُهوُه َوِفي آَذاِنِهْم َوْقًرا َوِإن َتْدُعُهْم ِإَلى اْلُهَدى َفَلن َيْهَتُدوا ِإًذا َأَبًدا{ ]الكهف‪.[57 :‬‬
‫َقّدَم ْ‬

‫وقوله‪َ} :‬أن َيْفَقُهوُه{ يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد العربية‪ ،‬ومن فهم ذلك لكن لم يْعَلم نفس المراد‬
‫في الخارج وهو‪] :‬العيان[‪ ،‬و]الفعال[‪ ،‬و]الصفات[ المقصودة بالمر والخبر؛ بحيث يراها ول يعلم أنها مدلول‬
‫ضا من جنسه ول يعلم أنه داخل فيه‪ ،‬وقال تعالى‪/ :‬‬
‫الخطاب‪ :‬مثل من يعلم وصًفا مذموًما ويكون هو متصًفا به‪ ،‬أو بع ً‬
‫ضوَن{ ]النفال‪:‬‬
‫سَمَعُهْم َلَتَوّلوْا ّوُهم ّمْعِر ُ‬
‫لسَْمَعُهْم َوَلْو َأ ْ‬
‫خْيًرا ّ‬
‫ل ِفيِهْم َ‬
‫عِلَم ا ّ‬
‫ن َوَلْو َ‬
‫ل َيْعِقُلو َ‬
‫ن َ‬
‫صّم اْلُبْكُم اّلِذي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عنَد ا ّ‬
‫ب ِ‬
‫شّر الّدَوا ّ‬
‫ن َ‬
‫}ِإ ّ‬
‫ن َقاُلوا‬
‫ل َتُكوُنوْا َكاّلِذي َ‬
‫ن َو َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫عْنُه َوَأنُتْم َت ْ‬
‫ل َتَوّلْوا َ‬
‫سوَلُه َو َ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫طيُعوْا ا ّ‬
‫ن آَمُنوْا َأ ِ‬
‫‪ ،[ 23 ،22‬قال ذلك بعد قوله‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ل ِفيِهْم َخْيًرا ّلْسَمَعُهْم{ لم يرد به مجرد إسماع الصوت‬
‫عِلَم ا ّ‬
‫ن{ ]النفال‪ ،[21 ،20 :‬فقوله‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫سِمْعَنا وَُهْم َ‬
‫َ‬
‫لوجهين‪:‬‬
‫جاَركَ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫حٌد ّم َ‬
‫ن َأ َ‬
‫أحدهما‪ :‬أن هـذا السماع لبـد منـه ول تقـوم الحجـة على المدعوين إل بـه‪ ،‬كما قـال‪َ} :‬وِإ ْ‬
‫ل ُثّم َأْبِلْغُه َمْأَمَنُه{ ]التوبة‪ ،[6 :‬وقال‪} :‬لنذركم به ومن بلغ{ ]النعام‪ ،[91 :‬وقال‪َ} :‬وَما ُكّنا ُمَعّذِبي َ‬
‫ن‬
‫لَم ا ّ‬
‫سَمَع َك َ‬
‫جْرُه حَّتى َي ْ‬
‫َفَأ ِ‬
‫ث َرُسوًل{ ]السراء‪.[15 :‬‬
‫حّتى َنْبعَ َ‬
‫َ‬

‫والثاني‪:‬أنه وحده ل ينفع؛ فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم‪ ،‬بخلف إسماع الفقه‪،‬‬
‫فإن ذلك هو الذى يعطيه ال لمن فيه خير‪ ،‬وهذا نظير ما في الصحيحين عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬من‬
‫ُيِرِد ال به خيًرا ُيَفّقْهه في الدين( وهذه الية والحديث يدلن على أن من لم يحصل له السماع الذى يفقه معه القول‪،‬‬
‫فإن ال لم يعلم فيه خيًرا ولم يرد به خيًرا‪ ،‬وأن من علم ال فيه خيًرا أو أراد به خيًرا فل بد أن يسمعه ويفقهه؛ إذ‬
‫الحديث قد بّين أن كل من يرد ال به خيًرا يفقهه؛ فالول مستلزم للثانى‪ ،‬والصيغة عامة‪ ،‬فمن لم يفقهه لم يكن داخ ً‬
‫ل‬
‫في العموم‪ ،‬فل يكون ال ‪ /‬أراد به خيًرا‪ ،‬وقد انتفي في حقه اللزم فينتفي الملزوم‪.‬‬
‫حوًيا‪ ،‬وهو ملزوم وسبب‪،‬فيقتضى أن‬
‫طا ن ْ‬
‫ل ِفيِهْم َخْيًرا ّلْسَمَعُهْم{ ‪ ،‬بّين أن الول شرط للثانى؛شر ً‬
‫عِلَم ا ّ‬
‫وكذلك قوله‪َ}:‬وَلْو َ‬
‫كل من علم ال فيه خيًرا أسمعه هذا السماع‪ ،‬فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيًرا‪ ،‬فتدبر كيف وجب هذا‬
‫السماع‪،‬وهذا الفقه‪،‬وهذا حال المؤمنين‪،‬بخلف الذين يقولون بسماع ل فقه معه‪،‬أو فقه ل سماع معه أعنى هذا السماع‪.‬‬
‫ضوَن{ ‪ ،‬فقد يشكل على كثير من الناس؛ لظنهم أن هذا السماع المشروط هو‬
‫سَمَعُهْم َلَتَوّلوْا ّوُهم ّمْعِر ُ‬
‫وأما قوله‪َ} :‬وَلْو َأ ْ‬
‫السماع المنفي في الجملة الولى‪ ،‬الذي كان يكون لو علم فيهم خيًرا‪ ،‬وليس في الية ما يقتضى ذلك‪ ،‬بل ظاهرها‬
‫ل ِفيِهْم َخْيًرا ّلْسَمَعُهْم{‪،‬‬
‫عِلَم ا ّ‬
‫سَمَعُهْم{ عائد إلى الضميرين في قوله‪َ}:‬وَلْو َ‬
‫وباطنها ينافي ذلك؛فإن الضمير في قوله‪َ} :‬وَلْو َأ ْ‬
‫وهؤلء قد دل الكلم على أن ال لم يعلم فيهم خيًرا‪ ،‬فلم يسمعهم؛ إذ ]لو[ يدل على عدم الشرط دائًما‪ ،‬وإذا كان ال ما‬
‫علم فيهم خيًرا‪ ،‬فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون‪ ،‬بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا‪ ،‬وهم الصنف الثالث‪.‬‬

‫ودلت الية على أنه ليس لكل من سمع وفقه يكون فيه خير‪ ،‬بل ‪ /‬قد يفقه ول يعمل بعلمه فل ينتفع به‪ ،‬فل يكون فيه‬
‫ضا ـ على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير‪ ،‬فإنه هو الذى ينتفع به‪ ،‬فأما من ليس ينتفع به فل‬
‫ت ـ أي ً‬
‫خيًرا‪ .‬ودّل ْ‬
‫يطلب تفهيمه‪.‬‬
‫ن َهاُدواْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫والصنف الثالث‪ :‬من سمع الكلم وفقهه‪ ،‬لكنه لم يقبله ولم يطع أمره؛ كاليهود الذين قال ال فيهم‪ّ} :‬م َ‬
‫سِمْعَنا‬
‫ن َوَلْو َأّنُهْم َقاُلوْا َ‬
‫طْعًنا ِفي الّدي ِ‬
‫سَنِتِهْم َو َ‬
‫عَنا َلّيا ِبَأْل ِ‬
‫سَمٍع َوَرا ِ‬
‫غْيَر ُم ْ‬
‫سَمْع َ‬
‫صْيَنا َوا ْ‬
‫ع َ‬
‫سِمْعَنا َو َ‬
‫ن َ‬
‫ضِعِه َوَيُقوُلو َ‬
‫عن ّمَوا ِ‬
‫حّرُفونَ اْلَكِلَم َ‬
‫ُي َ‬
‫ل{ ]النساء‪ ،[46 :‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ل ِبُكْفِرِهْم َف َ‬
‫خْيًرا ّلُهْم َوَأْقَوَم َوَلِكن ّلَعَنُهُم ا ّ‬
‫ن َ‬
‫ظْرَنا َلَكا َ‬
‫سَمْع َوان ُ‬
‫طْعَنا َوا ْ‬
‫َوَأ َ‬
‫ن{ إلى قوله‪َ} :‬وِمْنُهْم‬
‫عَقُلوُه َوُهْم َيْعَلُمو َ‬
‫حّرُفوَنُه ِمن َبْعِد َما َ‬
‫ل ُثّم ُي َ‬
‫لَم ا ّ‬
‫ن َك َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ق ّمْنُهْم َي ْ‬
‫ن َفِري ٌ‬
‫ن َأن ُيْؤِمُنوْا َلُكْم َوَقْد َكا َ‬
‫طَمُعو َ‬
‫}َأَفَت ْ‬
‫ي{ ]البقرة‪ [75-78:‬أي تلوة‪.‬‬
‫ل َأَماِن ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ن َ‬
‫ُأّمّيو َ‬
‫ل َ‬
‫ل‬
‫سَراِئي َ‬
‫ق َبِني ِإ ْ‬
‫خْذَنا ِميَثا َ‬
‫فهؤلء من الصنف الول الذين يسمعون ويقرؤون ول يفقهون‪ ،‬أو يعقلون ـ إلى قوله‪َ} :‬وِإْذ َأ َ‬
‫ت َوَأّيْدَناُه‬
‫ن َمْرَيَم اْلَبّيَنا ِ‬
‫سى اْب َ‬
‫عي َ‬
‫ل َوآَتْيَنا ِ‬
‫سِ‬
‫ب َوَقّفْيَنا ِمن َبْعِدهِ ِبالّر ُ‬
‫سى اْلِكَتا َ‬
‫ساًنا{ إلى قوله‪َ} :‬وَلَقْد آَتْيَنا ُمو َ‬
‫حَ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ل َوِباْلَواِلَدْي ِ‬
‫لا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫َتْعُبُدو َ‬
‫ل ِبُكْفِرِهْم‬
‫ف َبل ّلَعَنُهُم ا ّ‬
‫غْل ٌ‬
‫ن َوَقاُلوْا ُقُلوُبَنا ُ‬
‫سَتْكَبْرُتْم َفَفِريًقا َكّذْبُتْم َوَفِريًقا َتْقُتُلو َ‬
‫سُكُم ا ْ‬
‫ل َتْهَوى َأنُف ُ‬
‫ل ِبَما َ‬
‫سو ٌ‬
‫جاءُكْم َر ُ‬
‫س َأَفُكّلَما َ‬
‫ح اْلُقُد ِ‬
‫ِبُرو ِ‬
‫ل{ ‪ ،‬وقـال في‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ل ِبُكْفِرِهْم َف َ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[ 88 - 83 :‬كما ‪ /‬قال في تلك الية‪َ} :‬وَلِكن ّلَعَنُهُم ا ّ‬
‫ل ّما ُيْؤِمُنو َ‬
‫َفَقِلي ً‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن‬
‫عَلْيَها ِبُكْفِرِهْم َف َ‬
‫ل َ‬
‫طَبَع ا ّ‬
‫ل َ‬
‫ف َب ْ‬
‫غْل ٌ‬
‫ق َوَقْوِلِهْم ُقُلوُبَنا ُ‬
‫حّ‬
‫لْنِبَياء ِبَغْيِر َ‬
‫ل َوَقْتِلِهُم ا َ‬
‫تا ّ‬
‫ضِهم ّميَثاَقُهْم َوُكْفِرِهم َبآَيا ِ‬
‫النساء‪َ} :‬فِبَما َنْق ِ‬
‫ظيًما{ ]النساء‪ ،[ 156 ،155 :‬إلى آخر القصة‪ ،‬فأخبر بذنوبهم التى استحقوا‬
‫عِ‬
‫عَلى َمْرَيَم ُبْهَتاًنا َ‬
‫ل َوِبُكْفِرِهْم َوَقْوِلِهْم َ‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ِإ ّ‬
‫ف{ ‪.‬‬
‫غْل ٌ‬
‫بها ما استحقوه‪ ،‬ومنها قولهم‪ُ}:‬قُلوُبَنا ُ‬
‫عَلْيَها‬
‫ل َ‬
‫طَبَع ا ّ‬
‫ل{‪ ،‬و } َ‬
‫َفُعِلم أنهم كاذبون في هذا القول‪ ،‬قاصدون به المتناع من الواجب؛ ولهذا قال‪َ}:‬بل ّلَعَنُهُم ا ّ‬
‫ِبُكْفِرِهْم{ ‪،‬فهى وإن سمعت الخطاب وفقهـته ل تقبله ول تؤمن به‪ ،‬ل تصديًقا له ول طاعة‪ ،‬وإن عرفوه كما قال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫غُلف( ـ بالتحريك ـ فجمع‬
‫ف{ جمع أغلف‪ .‬وأما ) ُ‬
‫غْل ٌ‬
‫ب َيْعِرُفوَنُه َكَما َيْعِرُفوَن َأْبَناءُهْم{ ]البقرة‪ ،[ 146 :‬فـ } ُ‬
‫آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬

‫غلف‪ ،‬والقلب الغلف بمنزلة القلف‪ .‬فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون في ذلك‪ ،‬واللعنة‪ :‬البعاد عن الرحمة‪ ،‬فلو عملوا‬
‫به لرحموا؛ ولكن لم يعملوا به‪ ،‬فكانوا مغضوًبا عليهم ملعونين‪ ،‬وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه‪َ ،‬وفِقه كلم‬
‫ل‪.‬‬
‫الرسل ولم يكن موافًقا له بالقرار تصديًقا وعم ً‬
‫ل ِإَلى‬
‫سِمُعوْا َما ُأنِز َ‬
‫والصنف الرابع‪ :‬الذين سمعوا سماع ِفْقه وقبول‪ ،‬فهذا هو السماع المأمور به‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َ‬
‫جّ‬
‫ن‬
‫ن اْل ِ‬
‫سَتَمَع َنَفٌر ّم َ‬
‫ي َأّنُه ا ْ‬
‫ي ِإَل ّ‬
‫حَ‬
‫ل ُأو ِ‬
‫ق{]المائدة‪ ،[ 83 :‬وقال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫عَرُفوْا ِم َ‬
‫ن الّدْمِع ِمّما َ‬
‫ض ِم َ‬
‫عُيَنُهْم َتِفي ُ‬
‫ل َتَرى َأ ْ‬
‫سو ِ‬
‫الّر ُ‬
‫ك َنَفًرا‬
‫صَرْفَنا ِإَلْي َ‬
‫حًدا{ ]الجن‪ ،[ 2 ،1 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِإْذ َ‬
‫ك ِبَرّبَنا َأ َ‬
‫شِر َ‬
‫شِد َفآَمّنا ِبِه َوَلن ّن ْ‬
‫جًبا َيْهِدي ِإَلى الّر ْ‬
‫عَ‬
‫سِمْعَنا ُقْرآًنا َ‬
‫َفَقاُلوا ِإّنا َ‬
‫ل ِمن َبْعِد‬
‫سِمْعَنا ِكَتاًبا ُأنِز َ‬
‫ن َقاُلوا َيا َقْوَمَنا ِإّنا َ‬
‫ي َوّلْوا ِإَلى َقْوِمِهم ّمنِذِري َ‬
‫ضَ‬
‫صُتوا َفَلّما ُق ِ‬
‫ضُروُه َقاُلوا َأن ِ‬
‫ح َ‬
‫ن َفَلّما َ‬
‫ن اْلُقْرآ َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫جنّ َي ْ‬
‫ن اْل ِ‬
‫ّم َ‬
‫ل{ اليات ]الحقاف‪ ،[31 - 29 :‬وقال‬
‫ي ا ِّ‬
‫عَ‬
‫جيُبوا َدا ِ‬
‫سَتِقيٍم َيا َقْوَمَنا َأ ِ‬
‫ق ّم ْ‬
‫طِري ٍ‬
‫ق َوِإَلى َ‬
‫حّ‬
‫ن َيَدْيِه َيْهِدي ِإَلى اْل َ‬
‫صّدًقا ّلَما َبْي َ‬
‫سى ُم َ‬
‫ُمو َ‬
‫لْذَقاِن ُسّجًدا َوَيُقوُلوَن ُسْبَحاَن َرّبَنا ِإن َكاَن َوْعُد َرّبَنا َلَمْفُعوًل{الية‬
‫ن ِل َ‬
‫خّرو َ‬
‫عَلْيِهْم َي ِ‬
‫ن ُأوُتوْا اْلِعْلَم ِمن َقْبِلِه ِإَذا ُيْتَلى َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ت َعَلْيِهْم آَياُتُه َزاَدْتُهْم ِإيَماًنا{{‬
‫ت ُقُلوُبُهْم َوِإَذا ُتِلَي ْ‬
‫جَل ْ‬
‫ل َو ِ‬
‫ن ِإَذا ُذِكَر ا ّ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫]السراء‪ ،[ 108 ،107 :‬وقال تعالى‪ِ} :‬إّنَما اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ن آَمُنوْا َفَزاَدْتُهْم ِإيَماًنا َوُهْم‬
‫ل َأّيُكْم َزاَدْتُه َهـِذِه ِإيَماًنا َفَأّما اّلِذي َ‬
‫سوَرٌة َفِمْنُهم ّمن َيُقو ُ‬
‫ت ُ‬
‫]النفال‪ ،[ 2 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وِإَذا َما ُأنِزَل ْ‬
‫ض َفَزاَدْتُهْم ِرْجًسا ِإَلى ِرْجِسِهْم َوَماُتوْا َوهُْم َكاِفُروَن{ ]التوبة‪ ،[125 ،124 :‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ن ِفي ُقُلوِبِهم ّمَر ٌ‬
‫ن َوَأّما اّلِذي َ‬
‫شُرو َ‬
‫سَتْب ِ‬
‫َي ْ‬
‫ل ُهَو ِلّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ساًرا{ ]السراء‪ ،[82 :‬وكذلك قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫خَ‬
‫ل َ‬
‫ن َإ ّ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ل َيِزيُد ال ّ‬
‫ن َو َ‬
‫حَمٌة ّلْلُمْؤِمِني َ‬
‫شَفاء َوَر ْ‬
‫ن َما ُهَو ِ‬
‫ن اْلُقْرآ ِ‬
‫}َوُنَنّزلُ ِم َ‬
‫س َوُهًدى‬
‫ن ّللّنا ِ‬
‫عًمى{ ]فصلت‪ ،[44 :‬ومثله قوله‪َ} :‬هـَذا َبَيا ٌ‬
‫عَلْيِهْم َ‬
‫ن ِفي آَذاِنِهْم َوْقٌر َوُهَو َ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن َ‬
‫شَفاء َواّلِذي َ‬
‫آَمُنوا ُهًدى َو ِ‬
‫صاِئُر ِللّنا ِ‬
‫س‬
‫ن{ ]آل عمران‪ ،[ 138 :‬فالبيان يعم كل من فقهه‪ ،‬والهدى والموعظة للمتقين‪،‬وقوله‪} :‬هََذا َب َ‬
‫ظٌة ّلْلُمّتِقي َ‬
‫عَ‬
‫َوَمْو ِ‬
‫ب َل َرْيبَ ِفيِه ُهًدى ّلْلُمّتِقيَن{ ]البقرة‪.[2 ،1 :‬‬
‫ك اْلِكَتا ُ‬
‫ن{ ]الجاثية‪ ،[20:‬وقوله‪} :‬الم َذِل َ‬
‫حَمٌة ّلَقْوِم ُيوِقُنو َ‬
‫َوُهًدى َوَر ْ‬

‫وهنا لطيفة ُتزيل إشكالً يفهم هنا‪ :‬وهو أنه ليس من شرط هذا المتقى المؤمن أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل‬
‫ل ممتنع؛ إذ ل يكون مؤمًنا متقًيا من لم يسمع شيئـًـا من القرآن‪ .‬وثانًيا‪ :‬أن الشرط إنما يجب‬
‫سماع القرآن‪ ،‬فإن هذا أّو ً‬
‫أن يقارن المشروط‪ ،‬ل يجب أن يتقدمه تقدًما زمانًيا‪ ،‬كاستقبال القبلة في الصلة‪ .‬وثالًثا‪ :‬أن المقصود أن ُيَبّين شيئان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن النتفاع به بالهتداء والتعاظ والرحمة هو ـ وإن كان موجًبا له ـ لكن لبد مع الفاعل من القابل؛ إذ الكلم‬
‫ل يؤثر فيمن ل يكون قابل له‪ ،‬وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم‪ ،‬وهذا حال كل كلم‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬أن ُيبّين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون‪ ،‬ويستدل بعدم الهتداء به على عدم اليمان والتقوى‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬المتعلمون لكتاب ُبقراط هم الطباء‪ ،‬وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه؛ بل بتعلمه وكما يقال‪ :‬كتاب سيبويه كتاب‬
‫عظيم المنفعة للنحاة‪ ،‬وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه‪ ،‬وكما يقال‪ :‬هذا مكان موافق للّرماة والّركاب ]الّركاب‪ :‬البل‬
‫التى يسار عليها[‬
‫حمُه ال‪:‬‬
‫سلم ـ َر ِ‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫‪َ /‬قال َ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫صَفّرا‬
‫ج َفَتَراُه ُم ْ‬
‫خَتِلًفا َأْلَواُنُه ُثّم َيِهي ُ‬
‫عا ّم ْ‬
‫ج ِبِه َزْر ً‬
‫خِر ُ‬
‫ض ُثّم ُي ْ‬
‫لْر ِ‬
‫سَلَكُه َيَناِبيَع ِفي ا َْ‬
‫سَماء َماء َف َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫ل َأنَز َ‬
‫ن ا َّ‬
‫قال ال تعالى‪َ} :‬أَلْم َتَر َأ ّ‬
‫ب{ ]الزمر‪.[21 :‬‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لْوِلي ا َْ‬
‫ك َلِذْكَرى ُِ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫طاًما ِإ ّ‬
‫حَ‬
‫جَعُلُه ُ‬
‫ُثّم َي ْ‬

‫فأخبر ـ سبحانه ـ أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع‪ ،‬والينابيع‪ :‬جمع يْنبوع‪ ،‬وهو منبع الماء‪ ،‬كالعين والبئر‪ .‬فدل‬
‫القرآن على أن ماء السماء تنبع منه الرض‪ ،‬والعتبار يدل على ذلك‪ ،‬فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع‪ ،‬وإذا‬
‫ت‪.‬‬
‫ل َقّل ْ‬
‫قّ‬
‫وماء السماء ينزل من السحاب‪ ،‬وال ينشئه من الهواء الذى في الجو‪ ،‬وما يتصاعد من البخرة‪.‬‬
‫ضا ـ معلوًما بالعتبار‪ ،‬فإن الماء قد ينبع من‬
‫وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء‪ ،‬ول هذا ـ أي ً‬
‫بطون الجبال‪ / ،‬ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء‪ ،‬والبخرة وغيرها من الْهوية قد تستحيل‪ ،‬كما إذا أخذ إناء‬
‫فوضع فيه ثلج‪ ،‬فإنه يبقى ما أحاط به ماء‪ ،‬وهو هواء استحال ماء‪ ،‬وليس ذلك من ماء السماء‪َ ،‬فُعِلم أنه ممكن أن‬
‫جَزم بأن جميع المياه من ماء السماء‪ ،‬وإن كان غالبها من ماء السماء‪.‬‬
‫يكون في الرض ماء ليس من السماء‪ ،‬فل ُي ْ‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫سلم تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلم بن تيمية الحرانى ـ قدس ال روحه‪:‬‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫‪/‬وَقال َ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫حيُم‬
‫جِميًعا ِإّنُه ُهَو اْلَغُفوُر الّر ِ‬
‫ب َ‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حَمةِ ا ِّ‬
‫طوا ِمن ّر ْ‬
‫ل َتْقَن ُ‬
‫سِهْم َ‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫ل َيا ِ‬
‫في قوله تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫َوَأِنيُبوا ِإَلى َرّبُكْم َوَأْسِلُموا َلُه { ]الزمر‪ .[ 54 ،53 :‬وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الية في حق التائبين‪ ،‬وأما آيتا‬
‫ك ِلَمن َيَشاء{ ]النساء‪ ،[116 ،48 :‬فل يجوز أن تكون في حق‬
‫ن َذِل َ‬
‫ك ِبِه َوَيْغِفُر َما ُدو َ‬
‫شَر َ‬
‫ل َيْغِفُر َأن ُي ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫النساء‪ ،‬قوله‪ِ} :‬إ ّ‬

‫ضا ـ بنصوص القرآن واتفاق‬
‫التائبين‪ ،‬كا يقوله من يقوله من المعتزلة‪ ،‬فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك ـ أي ً‬
‫ص فيها الشرك بأنه ل يغفره‪ ،‬وما‬
‫خ ّ‬
‫المسلمين‪ .‬وهذه الية فيها تخصيص وتقييد‪ ،‬وتلك الية فيها تعميم وإطلق‪ ،‬هذه َ‬
‫ك ِلَمن َيَشاء{ ‪.‬‬
‫ن َذِل َ‬
‫عداه لم يجزم بمغفرته‪ ،‬بل عّلقه بالمشيئة فقال‪َ} :‬وَيْغِفُر َما ُدو َ‬
‫ضا ـ على‬
‫‪ /‬وقد ذكرنا ـ في غير موضع ـ أن هذه كما َتُرّد على الوعيدّية من الخـوارج والمعتزلة‪ ،‬فهى َتُرّد ـ أي ً‬
‫المرجئة الواقفية‪ ،‬الذين يقولون‪ :‬يجوز أن يعذب كل فاسق فل يغفر لحد‪ ،‬ويجوز أن يغفر للجميع‪ ،‬فإنه قد قال‪:‬‬
‫ك ِلَمن َيَشاء{ فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور لكن لمن يشاء‪ ،‬فلو كان ل يغفره لحد بطل قوله‪:‬‬
‫ن َذِل َ‬
‫}َوَيْغِفُر َما ُدو َ‬
‫ك{ ‪ ،‬ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله‪ِ} :‬لَمن َيَشاء{‪ ،‬فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هى‬
‫ن َذِل َ‬
‫}َوَيْغِفُر َما ُدو َ‬
‫لمن يشاء‪ ،‬دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك‪ ،‬لكنها لبعض الناس‪.‬‬
‫عّذب‪ ،‬وهذا مذهب الصحابة والسلف والئمة‪ ،‬وهو القطع بأن بعض‬
‫غِفر له لم ُيعّذب‪ ،‬ومن لم ُيْغَفر له ُ‬
‫وحينئذ‪ ،‬فمن ُ‬
‫عصاة المة يدخل النار وبعضهم يغفر له‪ ،‬لكن هل ذلك على وجه الموازنة والحكمة‪ ،‬أو ل اعتبار بالموازنة؟ فيه‬
‫قولن للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم‪ ،‬بناء على أصل الفعال اللهية‪ ،‬هل يعتبر فيها الحكمة والعدل؟‬
‫ضا‪ ،‬فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة‪ ،‬كما قد بسط في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وأي ً‬

‫ب َجِميًعا{ ]الزمر‪،[53:‬‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حَمِة ا ِّ‬
‫طوا ِمن ّر ْ‬
‫ل َتْقَن ُ‬
‫سِهْم َ‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫والمقصود هنا أن قوله‪َ}:‬يا ِ‬
‫حل لحد أن يقنط من ‪ /‬رحمة ال وإن‬
‫ظَمت الذنوب وكثرت‪ ،‬فل َي ِ‬
‫عُ‬
‫ن َ‬
‫فيه نهى عن القنوط من رحمة ال ـ تعالى‪ ،‬وإ ْ‬
‫ظَمت ذنوبه‪ ،‬ول أن ُيَقّنط الناس من رحمة ال‪ .‬قال بعض السلف‪ :‬إنّ الفقيه ـ كل الفقيه ـ الذى ل ُيْؤِيس الناس من‬
‫عُ‬
‫َ‬
‫جّريهم على معاصى ال‪.‬‬
‫رحمة ال‪ ،‬ول ُي َ‬
‫والقنوط يكون بأن يعتقد أن ال ل يغفر له‪ ،‬إما لكونه إذا تاب ل يقبل ال توبته ويغفر ذنوبه‪ ،‬وإما بأن يقول‪ :‬نفسه ل‬
‫تطاوعه على التوبة‪ ،‬بل هو مغلوب معها‪ ،‬والشيطان قد استحوذ عليه‪ ،‬فهو ييأس من توبة نفسه‪ ،‬وإن كان يعلم أنه إذا‬
‫تاب غفر ال له‪ ،‬وهذا يعترى كثيًرا من الناس‪ .‬والقنوط يحصل بهذا تارة‪ ،‬وبهذا تارة‪ ،‬فالول‪ :‬كالراهب الذى أفتى‬
‫ل على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن ال يقبل توبته‪.‬‬
‫ل به مائة‪ ،‬ثم ُد ّ‬
‫قاتل تسعة وتسعين أن ال ل يغفر له‪ ،‬فقتله وَكّم َ‬
‫طا كثيرة‪ ،‬ويقال له‪ :‬لها شروط كثيرة‪ ،‬يتعذر عليه فعلها‪،‬‬
‫والحديث في الصحيحين ‪ .‬والثاني‪ :‬كالذى يرى للتوبة شرو ً‬
‫فييأس من أن يتوب‪.‬‬
‫وقد تنازع الناس في العبد‪ :‬هل يصير في حال تمتنع منه التوبة إذا أرادها؟ والصواب الذى عليه أهل السنة‬
‫ضا مغصوبة‪،‬‬
‫والجمهور‪ :‬أن التوبة ممكنة من كل ذنب‪ ،‬وممكن أن ال يغفره‪ ،‬وقد فرضوا في ذلك من توسـط أر ً‬
‫حى‪ ،‬فكيف ما تحرك قتل بعضهم؟! فقيل‪ :‬هذا ل طريق له إلى التوبة‪ .‬والصحيح‪ :‬أن هذا إذا تاب‪ ،‬قبل‬
‫جْر َ‬
‫ومن توسط َ‬
‫ال توبته‪.‬‬
‫حّقه ليس منهًيا عنه ول محّرًما‪،‬‬
‫‪ /‬أما من توسط الرض المغصوبة‪ ،‬فهذا خروجه بنية تخلية المكان وتسليمه إلى مست ِ‬
‫بل الفقهاء متفقون على أن من غصب داًرا وترك فيها قماشه وماله‪ ،‬إذا أمر بتسليمها إلى مستحقها فإنه يؤمر‬
‫ل إخلئها‪.‬‬
‫جِ‬
‫لْ‬
‫صّرف فيها‪ ،‬لكنه َ‬
‫بالخروج منها‪ ،‬وبإخراج أهله وماله منها‪ ،‬وإن كان ذلك نوع َت َ‬
‫والمشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه‪ ،‬وإن كان فيه مرور فيه‪ ،‬ومثل هذا حديث العرابى المّتَفق على صحته‬
‫لّما بال في المسجد فقام الناس إليه‪ ،‬فقال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل ُتْزِرموه(‪ ،‬أى ل تقطعوا عليه بوله‪ ،‬وأمرهم‬
‫أن يصبوا على بوله دلًوا من ماء‪ ،‬فهو لما بدأ بالبول كان إتمامه خيًرا من أن يقطعوه‪ ،‬فيلوث ثيابه وبدنه‪ ،‬ولو زنا‬
‫ل يطأ‬
‫رجل بامرأة ثم تاب لنزع‪ ،‬ولم يكن مذنًبا بالنزع‪ ،‬وهل هو وطء؟ فيه قولن‪ :‬هما روايتان عن أحمد‪ .‬فلو حلف أ ّ‬
‫امرأته بالطلق الثلث‪ ،‬فالذين يقولون‪ :‬إنه يقع به الطلق الثلث إذا وطئها تنازعوا‪ :‬هل يجوز له وطؤها؟ على‬
‫قولين‪ :‬هما روايتان عن أحمد‪ .‬أحدهما‪ :‬يجوز كقول الشافعى‪ .‬والثاني‪ :‬ل يجوز كقول مالك‪ ،‬فإنه يقول‪ :‬إذا َأجْز َ‬
‫ت‬
‫جّوزه للضرورة‪ ،‬ل يجوزه ابتداء‪ ،‬وذلك يقول‪ :‬النزع‬
‫الوطء لزم أن يباشرها في حال النزع وهى محرمة‪ ،‬وهذا إنما ُي َ‬
‫ليس بمحرم‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك الذين يقولون‪ :‬إذا طلع عليه الفجر وهو مولج فقد جامع‪ ،‬لهم في النزع قولن‪ :‬في مذهب أحمد وغيره‪ .‬وأما‬
‫على ما نصرناه فل يحتاج إلى شىء من هذه المسائل‪ ،‬فإن الحالف إذا حنث يكفر يمينه ول يلزمه الطلق الثلث‪ ،‬وما‬
‫جَماع فل بأس به‪ ،‬لقوله‪}:‬حتى{‬
‫فعله الناس حال التبّين من َأْكل و َ‬
‫والمقصود أنه ل يجوز أن يقنط أحد‪ ،‬ول ُيَقّنط أحًدا من رحمة ال‪ ،‬فإن ال نهى عن ذلك‪ ،‬وأخبر أنه يغفر الذنوب‬
‫جميًعا‪.‬‬
‫ب َجِميًعا{ ]الزمر‪ ،[ 53 :‬معه عموم على وجه الخبار‪ ،‬فدل أن ال يغفر كل ذنب؛‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ن ا َّ‬
‫فإن قيل‪ :‬قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ومعلوم أنه لم ُيِرْد أن من أذنب من كافر وغيره فإنه يغفر له‪ ،‬ول يعذبه ل في الدنيا ول في الخرة‪ ،‬فإن هذا خلف‬
‫ب بذنوبه‪،‬‬
‫عّذ َ‬
‫المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والجماع‪ ،‬إذ كان ال أهلك أمًما كثيرة بذنوبها‪ ،‬ومن هذه المة من ُ‬
‫عا في الدنيا قبل الخرة‪.‬‬
‫إما قدًرا‪ ،‬وإما شر ً‬
‫شّرا‬
‫ل َذّرٍة َ‬
‫ل ِمْثَقا َ‬
‫خْيًرا َيَرُه َوَمن َيْعَم ْ‬
‫ل َذّرةٍ َ‬
‫ل ِمْثَقا َ‬
‫جَز ِبِه{ ]النساء‪ ،[123 :‬وقال‪َ}:‬فَمن َيْعَم ْ‬
‫سوًءا ُي ْ‬
‫ل ُ‬
‫وقد قال تعالى‪َ} :‬من َيْعَم ْ‬
‫َيَرُه{ ]الزلزلة‪ ،[ 8 ،7 :‬فهذا يقتضى أن هذه الية ليست على ظاهرها؛ بل المراد أن ال قد يغفر الذنوب جميًعا‪ .‬أى‪:‬‬

‫ذلك مما قد يفعله أو أنه يغفره لكل تائب‪ ،‬لكن يقال‪َ :‬فِلَم أتى بصيغة الجزم والطلق في موضع التردد والتْقييد؟ قيل‪:‬‬
‫بل ‪ /‬الية على مقتضاها‪ ،‬فإن ال أخبر أنه يغفر جميع الذنوب‪ ،‬ولم يذكر أنه يغفر لكل مذنب‪ ،‬بل قد ذكر في غير‬

‫ل َلُهْم{ ]محمد‪:‬‬
‫ل ُثّم َماُتوا َوُهْم ُكّفاٌر َفَلن َيْغِفَر ا ُّ‬
‫ل ا ِّ‬
‫عن سَِبي ِ‬
‫صّدوا َ‬
‫ن َكَفُروا َو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫را‪ ،‬فقال‪ِ}:‬إ ّ‬
‫موضع أنه ل يغفر لمن مات كاف ً‬
‫‪.[34‬‬
‫ل َلُهْم{ ]المنافقون‪،[6 :‬لكن هذا اللفظ العام‬
‫سَتْغِفْر َلُهْم َلن َيْغفَِر ا ُّ‬
‫ت َلُهْم َأْم َلْم َت ْ‬
‫سَتْغَفْر َ‬
‫عَلْيِهْم َأ ْ‬
‫سَواء َ‬
‫وقال في حق المنافقين‪َ } :‬‬
‫في الذنوب هو مطلق في المذنبين‪ ،‬فالمذنب لم يتعرض له بنفي ول إثبات‪ ،‬لكن يجوز أن يكون مغفوًرا له‪ ،‬ويجوز أل‬
‫صّر على ما يناقضها‪ ،‬لم ُيْغَفر له‪.‬‬
‫غِفر له‪ ،‬وإن َأ َ‬
‫ن أتى بما يوجب المغفرة ُ‬
‫يكون مغفوًرا له؛ إ ْ‬
‫وأما جنس الذنب فإن ال يغفره في الجملة؛ الكفر والشرك وغيرهما‪ ،‬يغفرها لمن تاب منها‪ ،‬ليس في الوجود ذنب ل‬
‫يغفره الرب تعالى‪ ،‬بل ما من ذنب إل وال تعالى يغفره في الجملة‪.‬‬
‫وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم اليات نفًعا‪ ،‬وفيها رد على طوائف؛ رد على من يقول‪ :‬إن الداعى إلى البدعة ل‬
‫ت؟(‪ ،‬وهذا يقوله طائفة ممن‬
‫تقبل توبته‪ ،‬ويحتجون بحديث إسرائىلى‪ ،‬فيه‪):‬أنه قيل لذلك الداعية‪ :‬فكيف بمن أضلل َ‬
‫ينتسب إلى السنة والحديث‪ ،‬وليسوا من العلماء بذلك‪،‬كأبى على الهوازى وأمثاله‪،‬ممن ل يميزون بين ‪ /‬الحاديث‬
‫الصحيحة والموضوعة‪،‬وما يحتج به وما ل يحتج به‪ ،‬بل َيْروون كل ما في الباب محتجين به‬
‫وقد حكى هذا طائفة قول في مذهب أحمد أو رواية عنه‪ ،‬وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته‬
‫كما تقبل توبة الداعى إلى الكفر‪ ،‬وتوبة من فتن الناس عن دينهم‪.‬‬
‫سَهْيل بن عمرو‪ ،‬وصفوان بن أمية‪،‬‬
‫وقد تاب قادة الحزاب مثل‪ :‬أبى سفيان بن حرب‪ ،‬والحارث بن هشام‪ ،‬و ُ‬
‫عْكِرمة بن أبى جهل‪ ،‬وغيرهم بعد أن ُقِتل على الكفر ـ بدعائهم ـ من قتل‪ ،‬وكانوا من أحسن الناس إسلًما وغفر ال‬
‫وِ‬
‫ف{ ]النفال‪ .[ 38 :‬وعمرو بن العاص كان من أعظم الدعاة‬
‫سَل َ‬
‫ن َكَفُروْا ِإن َينَتُهوْا ُيَغَفْر َلُهم ّما َقْد َ‬
‫لهم‪ .‬قال تعالى‪ُ} :‬قل ِلّلِذي َ‬
‫ج ّ‬
‫ب‬
‫إلى الكفر واليذاء للمسلمين‪ ،‬وقد قال له النبى صلى ال عليه وسلم لما أسلم‪) :‬يا عمرو‪ ،‬أما علمت أن السلم َي ُ‬
‫ما كان قبله؟( ‪.‬‬
‫ب{ ]السراء‪،[57 :‬‬
‫سيَلَة َأّيُهْم َأْقَر ُ‬
‫ن ِإَلى َرّبِهُم اْلَو ِ‬
‫ن َيْبَتُغو َ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫وفي صحيح البخارى عن ابن مسعود في قوله‪ُ} :‬أوَلـِئ َ‬
‫سا من الجن‪ ،‬فأسلم أولئك الجن‪ ،‬والنس يعبدونهم ‪ .‬ففي هذا أنه لم يضر الذين‬
‫قال‪ :‬كان ناس من النس يعبدون نا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫أسلموا عبادة غيرهم بعد السلم لهم‪ ،‬وإن كانوا هم أضلوهم أو ً‬
‫ضا‪ ،‬فالداعى إلى الكفر والبدعة‪ ،‬وإن كان أضل غيره‪ ،‬فذلك الغير ُيَعاَقب على ذنبه؛ لكونه َقِبل من هذا واتبعه‪،‬‬
‫‪ /‬وأي ً‬
‫وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم القيامة‪ ،‬مع بقاء أوزار أولئك عليهم‪ ،‬فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره‬
‫جل إضللهم‪ ،‬وأما هم فسواء تاب أو لم يتب‪ ،‬حالهم واحد‪ ،‬ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما‬
‫ول ما حمله هو ل ْ‬
‫كان عليه من الدعاء إلى الهدى‪ ،‬كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع‪ ،‬وصاروا دعاة إلى السلم والسنة‪ .‬وسحرة‬
‫فرعون كانوا أئمة في الكفر ثم أسلموا وختم ال لهم بخير‪.‬‬
‫ومن ذلك توبة قاتل النفس‪ .‬والجمهور على أنها مقبولة‪ .‬وقال ابن عباس‪ :‬ل تقبل‪ .‬وعن أحمد روايتان‪ .‬وحديث قاتل‬
‫التسعة والتسعين في الصحيحين دليل على قبول توبته‪ ،‬وهذه الية تدل على ذلك‪ .‬وآية النساء إنما فيها وعيد في‬
‫صَلْوَن َسِعيًرا{ ]النساء‪ ،[10 :‬ومع هذا‬
‫سَي ْ‬
‫طوِنِهْم َناًرا َو َ‬
‫ن ِفي ُب ُ‬
‫ظْلًما ِإّنَما َيْأُكُلو َ‬
‫ل اْلَيَتاَمى ُ‬
‫ن َأْمَوا َ‬
‫ن َيْأُكُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫القرآن كقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫فهذا إذا لم يتب ‪ .‬وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق الناس‪ ،‬فبأى وجه يكون وعيد القاتل لحًقا به‬
‫وإن تاب؟ هذا في غاية الضعف‪ ،‬ولكن قد يقال‪ :‬ل تقبل توبته بمعنى أنه ل يسقط حق المظلوم بالقتل‪ ،‬بل التوبة تسقط‬
‫طاِلُبه بحقه‪ ،‬وهذا صحيح في جميع حقوق الدميين حتى الدْين‪ ،‬فإن في الصحيحين عن النبى ‪/‬‬
‫حق ال‪ ،‬والمقتول ُم َ‬
‫طاه من حسنات القاتل‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ؛ أنه قال‪) :‬الشهيد يغفر له كل شىء إل الدْين( لكن حق الدمى ُيْع َ‬
‫فمن تمام التوبة‪ ،‬أن يستكثر مـن الحسنات حتى يكـون له ما يقابل حق المقتول‪ ،‬ولعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم‬
‫الذنـوب بعـد الكـفر‪ ،‬فل يكـون لصاحبـه حسنات ُتَقاِبل حق المقتـول‪ ،‬فلبد أن يبقى له سيئات يعذب بها‪ ،‬وهذا الذى‬
‫قاله قد يقع من بعض الناس‪ ،‬فيبقى الكلم فيمن تاب وأخلص‪،‬وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم‪ ،‬هل يجعل عليه‬
‫جب‬
‫ل حديث ابن عباس‪ ،‬لكن هذا كله ل ينافي ُمو ِ‬
‫حَم ُ‬
‫من سىئات المقتول ما يعذب به؟ وهذا موضع دقيق‪ ،‬على مثله ُي ْ‬

‫الية‪ ،‬وهو أن ال تعالى يغفر كل ذنب؛ الشرك‪ ،‬والقتل‪ ،‬والزنا‪ ،‬وغير ذلك من حيث الجملة‪ ،‬فهى عامة في الفعال‬
‫مطلقة في الشخاص‪.‬‬
‫جل؛ إذ قد‬
‫ث َوَجدّتُموُهْم{ ]التوبة‪،[ 5 :‬عام في الشخاص مطلق في أحوال‪ ...‬الْر ُ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ومثل هذا قوله ‪َ} :‬فاْقُتُلوْا اْلُم ْ‬
‫تكون مستورة بالخف واللفظ لم يتعرض إلى الحوال‪.‬‬
‫ل ِفي َأْوَلِدُكْم{ ]النساء‪ ،[ 11 :‬عام في الولد‪ ،‬عام في الحوال؛ إذ قد يكون الولد مواِفًقا‬
‫صيُكُم ا ّ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ُ} :‬يو ِ‬
‫في الدين ومخالًفا‪ ،‬وحًرا وعبًدا‪ .‬واللفظ لم يتعرض إلى الحوال‪.‬‬
‫ب{ ]الزمر‪ ،[ 53 :‬عام في الذنوب مطلق في أحوالها‪ ،‬فإن الذنب قد يكون صاحبه تائًبا منه‪،‬‬
‫وكذلك قوله‪َ}:‬يْغِفُر الّذُنو َ‬
‫وقد يكون مصًرا‪ ،‬واللفظ لم يتعرض لذلك‪ ،‬بل الكلم يبين أن الذنب يغفر في حال دون حال‪،‬فإن ال أمر بفعل ما ُتْغَفر‬
‫ل َأن َيْأِتَيُكُم اْلَعَذا ُ‬
‫ب‬
‫سِلُموا َلُه ِمن َقْب ِ‬
‫به الذنوب‪،‬ونهى عما به يحصل العذاب يوم القيامة بل مغفرة‪،‬فقال‪َ} :‬وَأِنيُبوا ِإَلى َرّبُكْم َوَأ ْ‬
‫سَرَتى عَلى‬
‫حْ‬
‫س َيا َ‬
‫ل َنْف ٌ‬
‫ن َأن َتُقو َ‬
‫شُعُرو َ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُكُم الَعَذابُ َبْغَتًة َوَأنُتْم َ‬
‫ل ِإَلْيُكم ّمن ّرّبُكم ّمن َقْب ِ‬
‫ن َما ُأنِز َ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ن َواّتِبُعوا َأ ْ‬
‫صُرو َ‬
‫ل ُتن َ‬
‫ُثّم َ‬
‫ن ِلي َكّرًة‬
‫ب َلْو َأ ّ‬
‫ن َتَرى اْلَعَذا َ‬
‫حي َ‬
‫ل ِ‬
‫ن َأْو َتُقو َ‬
‫ن اْلُمّتِقي َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ل َهَداِني َلُكن ُ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل َلْو َأ ّ‬
‫ن َأْو َتُقو َ‬
‫خِري َ‬
‫سا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت َلِم َ‬
‫ل َوِإن ُكن ُ‬
‫ب ا ِّ‬
‫جن ِ‬
‫ت ِفي َ‬
‫َما َفّرط ُ‬
‫ت ِمَن اْلَكاِفِريَن{ ]الزمر‪[59 - 54 :‬‬
‫ت َوُكن َ‬
‫سَتْكَبْر َ‬
‫ت ِبَها َوا ْ‬
‫ك آَياِتي َفَكّذْب َ‬
‫جاءْت َ‬
‫ن َبَلى َقْد َ‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫ن مِ َ‬
‫َفَأُكو َ‬

‫سا لم يغفر لها‪ ،‬كالتى كذبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين‪ ،‬ومثل هذه‬
‫فهذا إخبار أنه يوم القيامة ُيعّذب نفو ً‬
‫الذنوب غفرها ال لخرين لنهم تابوا منها‪.‬‬
‫ضآّلوَن{ ]آل عمران‪،[90 :‬‬
‫ك ُهُم ال ّ‬
‫ل َتْوَبُتُهْم َوُأْوَلـِئ َ‬
‫ن َكَفُروْا َبْعَد ِإيَماِنِهْم ُثّم اْزَداُدوْا ُكْفًرا ّلن ُتْقَب َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫فإن قيل‪ :‬فقد قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ل{ ]النساء‪:‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل ِلَيْهِدَيُهْم َ‬
‫ل ِلَيْغِفَر َلُهْم َو َ‬
‫نا ّ‬
‫ن آَمُنوْا ُثّم َكَفُروْا ُثّم آَمُنوْا ُثّم َكَفُروْا ُثّم اْزَداُدوْا ُكْفًرا ّلْم َيكُ ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وقال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫‪[ 137‬؟ قيل‪ :‬إن القرآن قد بّين توبة الكافر‪ ،‬وإن كان قد ارتد ثم عاد إلى السلم في غير موضع‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬كْيفَ‬
‫عَلْيِهمْ‬
‫ن َ‬
‫جَزآُؤُهْم َأ ّ‬
‫ك َ‬
‫ن ُأْوَلـِئ َ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ل َيْهِدي اْلَقْوَم ال ّ‬
‫ل َ‬
‫ت َوا ّ‬
‫جاءُهُم اْلَبّيَنا ُ‬
‫ق َو َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫سو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫شِهُدوْا َأ ّ‬
‫ل َقْوًما َكَفُروْا َبْعَد ِإيَماِنِهْم َو َ‬
‫َيْهِدي ا ّ‬
‫ن ال‬
‫حوْا َفِإ ّ‬
‫صَل ُ‬
‫ك َوَأ ْ‬
‫ن َتاُبوْا ِمن َبْعِد َذِل َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل ُهْم ُين َ‬
‫ب َو َ‬
‫عْنُهُم اْلَعَذا ُ‬
‫ف َ‬
‫خّف ُ‬
‫ل ُي َ‬
‫ن ِفيَها َ‬
‫خاِلِدي َ‬
‫ن َ‬
‫جَمِعي َ‬
‫س َأ ْ‬
‫ل َواْلَملِئَكِة َوالّنا ِ‬
‫َلْعَنَة ا ّ‬
‫ل{ أى‪ :‬إنه ل يهديهم مع كونهم مرتدين ظالمين؛ ولهذا‬
‫ف َيْهِدي ا ّ‬
‫حيٌم { ]آل عمران‪ ،[89 - 86 :‬وقوله ‪َ} :‬كْي َ‬
‫غُفوٌر ّر ِ‬
‫َ‬
‫ل‪ ،‬ل يحصل له الهدى إلى أى دين ارتد‪.‬‬
‫ظاِلِميَن{ ‪ ،‬فمن ارتد عن دين السلم لم يكن إل ضا ً‬
‫ل َيْهِدي اْلَقْوَم ال ّ‬
‫ل َ‬
‫قال‪َ} :‬وا ّ‬

‫والمقصود أن هؤلء ل يهديهم ال ول يغفر لهم إل أن يتوبوا‪.‬‬
‫ل ِمن َبْعِد إيَماِنِه ِإّل َمْن ُأْكِرَه{ ]النحل‪ ،[ 106 :‬ومن كفر بال من بعد إيمانه من غير‬
‫وكذلك قال في قوله‪َ} :‬من َكَفَر ِبا ّ‬
‫ك ِمن َبْعِدَها َلَغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]النحل‪:‬‬
‫ن َرّب َ‬
‫صَبُروْا ِإ ّ‬
‫جاَهُدواْ َو َ‬
‫جُروْا ِمن َبْعِد َما ُفِتُنوْا ُثّم َ‬
‫ن َها َ‬
‫ك ِلّلِذي َ‬
‫ن َرّب َ‬
‫إكراه فهو مرتد‪ ،‬قال‪ُ} :‬ثّم ِإ ّ‬
‫‪.[110‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ في آل عمران ذكر المرتدين‪ ،‬ثم ذكر التائبين منهم‪ ،‬ثم ذكر من ل تقبل توبته‪،‬ومن مات كافًرا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حِدِهم‬
‫ن َأ َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن َكَفُروْا َوَماُتوْا َوُهْم ُكّفاٌر َفَلن ُيْقَب َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ضآّلو َ‬
‫ك ُهُم ال ّ‬
‫ل َتْوَبُتُهْم َوُأْوَلـِئ َ‬
‫ن َكَفُروْا َبْعَد ِإيَماِنِهْم ُثّم اْزَداُدوْا ُكْفًرا ّلن ُتْقَب َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫}ِإ ّ‬
‫صِريَن{ ]آل عمران‪ .[ 91 ،90:‬وهؤلء الذين ل تقبل‬
‫ب َأِليٌم َوَما َلُهم ّمن ّنا ِ‬
‫عَذا ٌ‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫ض َذَهًبا َوَلِو اْفَتَدى ِبِه ُأْوَلـِئ َ‬
‫لُء الْر ِ‬
‫ّم ْ‬

‫ل؛ قيل‪ :‬لنفاقهم‪،‬وقيل‪ / :‬لنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه‪ ،‬وقيل‪ :‬لن تقبل توبتهم‬
‫توبتهم قد ذكروا فيهم أقوا ً‬
‫بعد الموت‪ ،‬وقال الكثرون‪ ،‬كالحسن وقتادة وعطاء الخراسانى والسدى‪ :‬لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت‪،‬‬
‫ن َوُهْم‬
‫ن َيُموُتو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن َو َ‬
‫ت ال َ‬
‫ل ِإّني ُتْب ُ‬
‫ت َقا َ‬
‫حدَُهُم اْلَمْو ُ‬
‫ضَر َأ َ‬
‫ح َ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫ت َ‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن َيْعَمُلو َ‬
‫ت الّتْوَبُة ِلّلِذي َ‬
‫س ِ‬
‫فيكون هذا كقوله‪َ} :‬وَلْي َ‬
‫ُكّفاٌر{ ]النساء‪.[18 :‬‬
‫ل{ ]النساء‪:‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل ِلَيْهِدَيُهْم َ‬
‫ل ِلَيْغِفَر َلُهْم َو َ‬
‫نا ّ‬
‫ن آَمُنوْا ُثّم َكَفُروْا ُثّم آَمُنوْا ُثّم َكَفُروْا ُثّم اْزَداُدوْا ُكْفًرا ّلْم َيُك ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وكذلك قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫‪ ،[ 137‬قال مجاهد وغيره من المفسرين‪ :‬ازدادوا كفًرا ثبتوا عليه حتى ماتوا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وذلك لن التائب راجع عن الكفر‪ ،‬ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفًرا بعد كفر‪ ،‬فقوله‪ُ} :‬ثّم اْزَداُدوْا{ بمنزلة‬
‫قول القائل‪ :‬ثم أصروا على الكفر‪ ،‬واستمروا على الكفر‪ ،‬وداموا على الكفر‪ ،‬فهم كفروا بعد إسلمهم ثم زاد كفرهم ما‬
‫نقص‪ ،‬فهؤلء لتقبل توبتهم‪ ،‬وهى التوبة عند حضور الموت؛ لن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب‬

‫ل عن‬
‫صر إلى حين المعاينة‪ ،‬فما بقى له زمان يقع لنقص كفره فض ً‬
‫ورجع عن كفره‪ ،‬فلم يزدد‪ ،‬بل نقص؛ بخلف الُم ِ‬
‫هدمه‪.‬‬
‫ل ِلَيْغِفَر َلُهْم{ ‪ ،‬وذكر أنهم ‪ /‬آمنوا ثم كفروا‪ ،‬ثم آمنوا ثم كفروا‪ ،‬ثم ازدادوا كفًرا‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫نا ّ‬
‫وفي الية الخرى قال‪ّ} :‬لْم َيُك ِ‬
‫غِفَر له كفره‪ ،‬فإذا كفر بعد ذلك ومات كافًرا حبط إيمانه‪ ،‬فعوقب بالكفر الول والثاني‪ ،‬كما في‬
‫لن المرتد إذا تاب ُ‬
‫عِمْلنا في الجاهلية؟ فقال‪) :‬من أحسن في السلم لم‬
‫الصحيحين عن ابن مسعود قال‪ :‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أنؤاخذ بما َ‬
‫يؤاخذ بما عمل في الجاهلية‪ ،‬ومن أساء في السلم ُأخذ بالول والخر(‪ ،‬فلو قال‪ :‬إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا‬
‫ن َكَفُروْا َبْعَد ِإيَماِنِهْم ُثّم اْزَداُدوْا ُكْفًرا ّلن‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫را لم يكن ال ليغفر لهم‪ ،‬كان هؤلء الذين ذكرهم في آل عمران فقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫كف ً‬
‫ُتْقَبَل َتْوَبُتُهْم{ ]آل عمران‪ ،[ 90 :‬بل ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك‪ ،‬وهو المرتد التائب‪ ،‬فهذا إذا كفر وازداد‬
‫ضا‪ ،‬فلو آمنوا‪ ،‬ثم كفروا‪ ،‬ثم آمنوا‪ ،‬ثم كفروا‪ ،‬ثم آمنوا‪ ،‬لم يكونوا قد ازدادوا كفًرا فل‬
‫كفًرا لم ُيْغَفْر له كفره السابق أي ً‬
‫يدخلون في الية‪.‬‬
‫والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته‪ ،‬أو قبول توبة الزنديق‪ ،‬فذاك إنما هو في الحكم الظاهر؛ لنه ل‬
‫سِهْم َ‬
‫ل‬
‫عَلى َأنُف ِ‬
‫سَرُفوا َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫يوثق بتوبته‪ ،‬أما إذا ُقّدر أنه أخلص التوبة ل في الباطن فإنه يدخل في قوله‪َ} :‬يا ِ‬
‫ب َجِميًعا ِإّنُه ُهَو اْلَغُفوُر الّرِحيُم{ ]الزمر‪.[53 :‬‬
‫ل َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫حَمِة ا ِّ‬
‫طوا ِمن ّر ْ‬
‫َتْقَن ُ‬
‫عا ول قدًرا‪ ،‬والعقوبات التى تقام من حّد‪،‬‬
‫ونحن حقيقة قولنا أن التائب ل يعذب ل في الدنيا ول في الخرة‪ / ،‬ل شر ً‬
‫أو تعزير‪ ،‬إما أن يثبت سببها بالبينة‪ ،‬مثل قيام البينة بأنه زنا أو سرق أو شرب‪ ،‬فهذا إذا أظهر التوبة لم يوثق بها‪،‬‬
‫ولو ُدِرئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد‪ ،‬فإنه كل من تقام عليه البينة يقول‪ :‬قد ُتبت‪ ،‬وإن كان تائًبا في الباطن‪ ،‬كان الحد‬
‫مكفًرا‪ ،‬وكان مـأجوًرا على صبره‪ ،‬وأمـا إذا جـاء هـو بنفسه فـاعترف وجـاء تائًبا‪ ،‬فهـذا ل يجب أن يقام عليه الحد‬
‫في ظاهر مذهب أحمد‪ ،‬نص عليه في غير موضع‪ ،‬وهى من مسائل التعليق‪ ،‬واحتج عليها القاضى بعدة أحاديث‪.‬‬
‫ى‪ ،‬فْأقيمت الصلة( يدخل في هذا؛ لنه جاء تائًبا‪ ،‬وإن شهد على نفسه كما‬
‫وحديث الذى قال‪) :‬أصبت حًدا فأقمه عل ّ‬
‫ل تركتموه؟( ‪ .‬والغامدية‬
‫شهد به ماعز والغامدية واختار إقامة الحد أقيم عليه‪ ،‬وإلّ فل‪ ،‬كما في حديث ماعز‪) :‬فه ّ‬
‫ردها مرة بعد مرة‪.‬‬
‫فالمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا‪ ،‬ولكن هو إذا طلب ذلك أقيم عليه‪ ،‬كالذى يذنب سًرا‪ ،‬وليس على‬
‫أحد أن يقيم عليه حًدا‪ ،‬لكن إذا اختار هو أن يعترف ويقام عليه الحد‪ ،‬أقيم‪ ،‬وإن لم يكن تائًبا‪ ،‬وهذا كقتـل الذى ينغمس‬
‫س لغفر‬
‫في العدو هو مما يرفع ال به درجته كما قال النبى صلى ال عليه وسلم‪) :‬لقد تابت توبة لو تابها صاحب َمْك ٍ‬
‫له‪ ،‬وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها ل؟( ‪.‬‬
‫وقد قيل في ماعز‪ :‬إنه رجع عن القرار‪ ،‬وهذا هو أحد القولين ‪ /‬فيه في مذهب أحمد وغيره‪ ،‬وهو ضعيف‪ ،‬والول‬
‫أجود‪ .‬وهؤلء يقولون‪ :‬سقط الحد لكونه رجع عن القرار‪.‬ويقولون‪ :‬رجوعه عن القرار مقبول‪ .‬وهو ضعيف‪ ،‬بل‬
‫ق بين من أقّر تائًبا‪ ،‬ومن أقّر غير تائب‪ ،‬فإسقاط العقوبة بالتوبة ـ كما دلت عليه النصوص ـ أولى من إسقاطها‬
‫َفْر ٌ‬
‫بالرجوع عن القرار‪ ،‬والقرار شهادة منه على نفسه‪ ،‬ولو قبل الرجوع لما قام حد بإقرار‪ ،‬فإذا لم تقبل التوبة بعد‬
‫القرار مع أنه قد يكون صادًقا‪ ،‬فالرجوع الذى هو فيه كاذب َأْوَلى‪.‬‬
‫آخره‪ ،‬والحمد ل رب العالمين‪ ،‬وصلى ال على سيدنا محمد‪ ،‬وآله وسلم تسليًما كثيًرا إلى يوم الدين‪.‬‬
‫شاء‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَمن ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق َمن ِفي ال ّ‬
‫صِع َ‬
‫صوِر َف َ‬
‫خ ِفي ال ّ‬
‫وسئل شيخ السلم ـ رحمه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬وُنِف َ‬
‫ل{{‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَمن ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل{ ]الزمر‪ ،[ 68 :‬قال المفسرون‪ :‬مات من الفزع وشدة الصوت }َمن ِفي ال ّ‬
‫ا ُّ‬

‫أخبرنا أبو الفتح محمد بن على الكوفي الصوفي‪ ،‬أنا أبو الحسن على بن الحسن التميمي‪ ،‬ثنا محمد بن إسحاق الرملي‪،‬‬
‫عياش‪ ،‬عن عمر بن محمد‪ ،‬عن زيد بن أسلم عن أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة ـ رضي‬
‫ثنا هشام بن عمار‪ ،‬ثنا إسماعيل بن َ‬
‫ت‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق َمن ِفي ال ّ‬
‫صِع َ‬
‫صوِر َف َ‬
‫خ ِفي ال ّ‬
‫ال عنه ـ عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أنه سأل جبريل عن هذه الية‪َ} :‬وُنِف َ‬
‫صَعَقهم؟ قال‪ :‬هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش‪ .‬وهذا‬
‫ل{ ‪ ،‬من الذي لم يشأ ال أن ي ْ‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫َوَمن ِفي ا َْ‬
‫قول سعيد بن جبير‪ ،‬وعطاء وابن عباس‪ .‬وقال مقاتل والسدي والكلبي‪ :‬هو جبريل وميكائيل‪ ،‬وإسرافيل‪ ،‬وملك‬
‫ن{ ما يقال لهم‪ ،‬وما‬
‫ظُرو َ‬
‫الموت‪ُ} .‬ثّم ُنِفَخ ِفيِه ُأْخَرى َفِإَذا ُهم ِقَياٌم{ ]الزمر‪ [ 68 :‬يعني‪ :‬الخلق كلهم قيام على أرجلهم }َين ُ‬

‫صُعوق‪ ،‬هل يطلق على الموت في حق‬
‫يؤمرون به‪ .‬هذا كلم الواحدي في كتاب ]الوسيط[ َبيُنوا لنا ‪ /‬حقيقة ال ّ‬
‫المذكورين؟ وحقيقة الستثناء؟‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫عْزراِئيل ملك الموت‪ .‬وروي في ذلك‬
‫الحمد ل الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتي الملئكة‪ ،‬وحتي ِ‬
‫حديث مرفوع إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ .‬والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك‪ ،‬وقدرة ال‬
‫عليه‪ ،‬وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم‪ ،‬ممن زعم أن الملئكة هي العقول والنفوس‪،‬‬
‫وأنه ل يمكن موتها بحال‪ ،‬بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم‪.‬‬
‫ل َولَ‬
‫عْبًدا ّ‬
‫ن َ‬
‫ح َأن َيُكو َ‬
‫سي ُ‬
‫ف اْلَم ِ‬
‫سَتنِك َ‬
‫والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملئكة عبيد مدبرون‪ ،‬كما قال سبحانه‪ّ} :‬لن َي ْ‬
‫خَذ‬
‫جِميًعا{ ]النساء‪ ،[ 172 :‬وقـال تعالى‪َ} :‬وَقاُلوا اّت َ‬
‫شُرُهْم ِإَليِه َ‬
‫حُ‬
‫سَي ْ‬
‫سَتْكِبْر َف َ‬
‫عَباَدِتِه َوَي ْ‬
‫ن ِ‬
‫عْ‬
‫ف َ‬
‫سَتنِك ْ‬
‫ن َوَمن َي ْ‬
‫اْلَملِئَكُة اْلُمَقّرُبو َ‬
‫ل ِلَم ِ‬
‫ن‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شفَُعو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫ن َيْعَلُم َما َبْي َ‬
‫ل َوُهم ِبَأْمِرِه َيْعَمُلو َ‬
‫سِبُقوَنُه ِباْلَقْو ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َ‬
‫عَباٌد ّمْكَرُمو َ‬
‫ل ِ‬
‫حاَنُه َب ْ‬
‫سْب َ‬
‫حَمنُ َوَلًدا ُ‬
‫الّر ْ‬
‫ل ِلَمن‬
‫ن ا ُّ‬
‫ل ِمن َبْعِد َأن َيْأَذ َ‬
‫شْيًئا ِإ ّ‬
‫عُتُهْم َ‬
‫شَفا َ‬
‫ل ُتْغِني َ‬
‫ت َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ك ِفي ال ّ‬
‫ضى { ]النبياء‪ ،[ 28 - 26 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَكم ّمن ّمَل ٍ‬
‫اْرَت َ‬
‫ضى{ ]النجم‪.[26 :‬‬
‫شاء َوَيْر َ‬
‫َي َ‬

‫وال ـ سبحانه وتعالى ـ قادر على أن يميتهم ثم يحييهم‪ ،‬كما هو قادر ‪/‬علي إماتة البشر والجن‪ ،‬ثم إحيائهم‪ ،‬وقد قال‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه َوُهَو َأْهَوُن َعَلْيِه{ ]الروم‪ .[ 27 :‬وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى ال‬
‫خْل َ‬
‫سبحانه‪َ} :‬وُهَو اّلِذي َيْبَدُأ اْل َ‬
‫عليه وسلم ـ من غير وجه وعن غير واحد من أصحابه ـ أنه قال‪) :‬إن ال إذا تكلم بالوحي أخذ الملئكة غشي( وفي‬
‫رواية‪) :‬إذا سمعت الملئكة كلمه صعقوا( وفي رواية‪) :‬سمعت الملئكة كجر السلسلة على صفوان‪ ،‬فيصعقون‪،‬فإذا‬
‫ع عن قلوبهم قالوا‪:‬ماذا قال ربكم؟ قالوا‪:‬الحق‪،‬فينادون‪:‬الحق‪ ،‬الحق(‪.‬‬
‫ُفّز َ‬
‫صُعوق الغشي جاز عليهم‬
‫صُعوق الغشي‪ ،‬فإذا جاز عليهم ُ‬
‫فقد أخبر في هذه الحاديث الصحيحة أنهم يصعقون ُ‬
‫صُعوق الغشي هو مثل صعوق موسي ـ عليه السلم‬
‫جوزون ل هذا ول هذا‪ ،‬و ُ‬
‫صعوق الموت‪ ،‬وهؤلء المتفلسفة ل ي َ‬
‫صِعًقا{ ]العراف‪.[143 :‬‬
‫سى َ‬
‫خّر مو َ‬
‫جَعَلُه َدّكا َو َ‬
‫ل َ‬
‫جَب ِ‬
‫جّلى َرّبُه ِلْل َ‬
‫ـ قال تعالى‪َ} :‬فَلّما َت َ‬
‫والقرآن قد أخبر بثلث َنْفخات‪:‬‬
‫شاء‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَمن ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ع َمن ِفي ال ّ‬
‫صوِر َفَفِز َ‬
‫خ ِفي ال ّ‬
‫زع‪ :‬ذكرها في سورة النمل في قوله‪َ} :‬وَيْوَم ُينَف ُ‬
‫نفخة الَف َ‬
‫ل{ ]النمل‪.[87 :‬‬
‫ا ُّ‬
‫ل ُثّم ُنِف َ‬
‫خ‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َمن َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَمن ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ق َمن ِفي ال ّ‬
‫صِع َ‬
‫صوِر َف َ‬
‫خ ِفي ال ّ‬
‫ونفخة الصعق والقيام‪ :‬ذكرهما في قوله‪َ} :‬وُنِف َ‬
‫ظُروَن{ ]الزمر‪.[68 :‬‬
‫خَرى َفِإَذا ُهم ِقَياٌم َين ُ‬
‫ِفيِه ُأ ْ‬

‫وأما الستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين‪ ،‬فإن الجنة ليس فيها موت‪ ،‬ومتناول لغيرهم‪ ،‬ول يمكن‬
‫الجزم بكل من استثناه ال‪ ،‬فإن ال أطلق في كتابه‪.‬‬
‫صعقون يوم القيامة‪ ،‬فأكون أول من يفيق‪ ،‬فأجد‬
‫وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن الناس ي ْ‬
‫موسي آخًذا بساق العرش‪ ،‬فل أدري هل أفاق قبلي‪ ،‬أم كان ممن استثناه ال؟(‪ ،‬وهذه الصعقة قد قيل‪ :‬إنها رابعة‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬إنها من المذكورات في القرآن‪ ،‬وبكل حال النبي صلى ال عليه وسلم قد توقف في موسي هل هو داخل في‬
‫الستثناء فيمن استثناه ال أم ل؟‬
‫فإذا كان النبي صلى ال عليه وسلم لم يجزم بكل من استثناه ال لم يمكنا أن نجزم بذلك‪ ،‬وصار هذا مثل العلم بقرب‬
‫الساعة‪ ،‬وأعيان النبياء‪ ،‬وأمثال ذلك مما لم يخبر به‪ ،‬وهذا العلم ل ينال إل بالخبر‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫وصلي ال على محمد وآله وصحبه وسلم تسليم‬
‫‪/‬‬

‫سورة الشورى‬

‫وقال الشيخ ـ رحمه ال‪:‬‬
‫صَبَر‬
‫{ إلي قوله‪َ} :‬وَلَمن َ‬
‫ن{‬
‫عَلى َرّبِهْم َيَتَوّكُلو َ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫خْيٌر َوَأْبَقى ِلّلِذي َ‬
‫ل َ‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫ت بعض ما يتعلق بقوله تعالى‪َ} :‬وَما ِ‬
‫قد كتْب ُ‬
‫حهم على النتصار تارة وعلى الصبر أخرى‪.‬‬
‫ك َلِمْن َعْزِم اُْلُموِر{ ]الشورى‪ ،[ 43 - 36 :‬فمَد َ‬
‫ن َذِل َ‬
‫غَفَر ِإ ّ‬
‫َو َ‬

‫حَمَدهم على هذه الصفات؛ من اليمان والتوكل‪ ،‬ومجانبة الكبائر‪ ،‬والستجابة لربهم‪ ،‬وإقام‬
‫والمقصود هنا أن ال لما َ‬
‫ل على أن‬
‫الصلة‪ ،‬والشتوار في أمرهم‪ ،‬وانتصارهم إذا أصابهم البغي‪ ،‬والعفو والصبر‪ ،‬ونحو ذلك ـ كان هذا دلي ً‬
‫ضد هذه الصفات ليس محموًدا‪ ،‬بل مذموًما‪ ،‬فإن هذه الصفات مستلزمة لعدم ضدها؛ فلو كان ضدها محموًدا لكان‬
‫عدم المحمود محموًدا‪ ،‬وعدم المحمود ل يكون محموًدا إل أن يخلفه ما هو محمود؛ ولن حمدها والثناء عليها طلب‬
‫لها وأمر بها‪ ،‬ولو أنه أمر استحباب‪ ،‬والمر بالشيء نهي عن ضده قصًدا أو لزوما‪ ،‬وضد النتصار العجز‪ ،‬وضد‬
‫جَزع كما نجده في حال كثير من الناس‪ ،‬حتي بعض المتدينين إذا ظلموا‬
‫جَزع؛ فل خير في العجز ول في ال َ‬
‫الصبر ال َ‬
‫أو ‪ /‬أرادوا منكًرا فل هم ينتصرون ول يصبرون؛ بل يعجزون ويجزعون‪.‬‬
‫وفي سنن أبي داود‪ ،‬من رواية عوف بن مالك‪ :‬أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى ال عليه وسلم فقال المقضي عليه‪:‬‬
‫حسبي ال ونعم الوكيل‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن ال يلوم على العجز‪ ،‬ولكن عليك بالكيس‪ ،‬فإذا غلبك أمر‬
‫فقل‪ :‬حسبي ال ونعم الوكيل(‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬المؤمن‬
‫ل خير‪ ،‬احرص على ما ينفعك واستعن بال ول تعجز‪ ،‬وإن‬
‫القوي خير وأحب إلى ال من المؤمن الضعيف وفي ُك ّ‬
‫غلبك أمر فل تقل‪ :‬لو أني فعلت لكان كذا وكذا‪ ،‬ولكن قل‪ :‬قدر ال وما شاء فعل‪ ،‬فإن لو تفتح عمل الشيطان(‪ .‬ل‬
‫تعجز عن مأمور ول تجزع من مقدور‪.‬‬
‫ومن الناس من يجمع كل الشرين؛ َفَأَمر النبي صلى ال عليه وسلم بالحرص على النافع والستعانة بال‪ ،‬والمر‬
‫يقتضي الوجوب‪ ،‬وإل فالستحباب‪ .‬وَنَهي عن العجز‪ ،‬وقال‪) :‬إن ال يلوم على العجز(‪ ،‬والعاجز ضد الذين هم‬
‫ينتصرون‪ ،‬والمر بالصبر والنهي عن الجزع معلوم في مواضع كثيرة‪.‬‬
‫وذلك لن النسان بين أمرين‪ :‬أمر ُأِمَر بفعله‪ ،‬فعليه أن يفعله ‪ /‬ويحرص عليه‪ ،‬ويستعين ال ول يعجز‪ ،‬وأمر أصيب‬
‫به من غير فعله‪ ،‬فعليه أن يصبر عليه ول يجزع منه؛ ولهذا قال بعض العقلء ـ ابن المقفع أو غيره ـ المر أمران‪:‬‬
‫أمر فيه حيلة فل تعجز عنه‪ .‬وأمر ل حيلة فيه ل تجزع منه‪ .‬وهذا في جميع المور‪ ،‬لكن عند المؤمن الذي فيه حيلة‬
‫هو ما أمر ال به وأحبه له‪ ،‬فإن ال لم يأمره إل بما فيه حيلة له؛ إذ ل يكلف نفسا إل وسعها‪ ،‬وقد أمره بكل خير فيه له‬
‫حيلة‪ ،‬وما ل حيلة فيه هو ما أصيب به من غير فعله‪.‬‬
‫سّيَئِة َف َ‬
‫ل‬
‫جاء ِبال ّ‬
‫شُر َأْمَثاِلَها َوَمن َ‬
‫عْ‬
‫سَنِة َفَلُه َ‬
‫حَ‬
‫جاء ِباْل َ‬
‫واسم الحسنات والسيئات يتناول القسمين‪ ،‬فالفعال مثل قوله تعالى‪َ} :‬من َ‬
‫ُيْجَزى ِإّل ِمْثَلَها{ ]النعام‪ ،[160 :‬ومثل قوله تعالى‪ِ}:‬إْن َأْحَسنُتْم َأْحَسنُتْم َِلنُفِسُكْم َوِإْن َأَسْأُتْم َفَلَها{ ]السراء‪ ،[7 :‬ومثل قوله‪:‬‬
‫طيـَئُتُه{ ]البقرة‪،[81 :‬‬
‫خِ‬
‫ت ِبِه َ‬
‫ط ْ‬
‫حا َ‬
‫سّيَئًة َوَأ َ‬
‫ب َ‬
‫س َ‬
‫سّيَئٌة ّمْثُلَها{ ] الشورى‪ ،[ 40 :‬ومثل قوله تعالى‪َ} :‬بَلى َمن َك َ‬
‫سّيَئٍة َ‬
‫جَزاء َ‬
‫}َو َ‬
‫ت َلَعّلُهْم َيْرِجُعوَن{ ]العراف‪ .[168 :‬إلى آيات‬
‫سّيَئا ِ‬
‫ت َوال ّ‬
‫سَنا ِ‬
‫حَ‬
‫والمصائب المقدرة خيرها وشرها مثل قوله‪َ} :‬وَبَلْوَناُهْم ِباْل َ‬

‫كثيرة من هذا الجنس‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة الزخرف‬

‫وقـال‪:‬‬
‫َفصــل‬
‫ن‬
‫ب اْب ُ‬
‫ضِر َ‬
‫ظيٌم{ ]الزخرف‪ ،[17 :‬يشبه قوله‪َ} :‬وَلّما ُ‬
‫سَوّدا َوُهَو َك ِ‬
‫جُهُه ُم ْ‬
‫ل َو ْ‬
‫ظّ‬
‫ل َ‬
‫ن َمَث ً‬
‫حَم ِ‬
‫ب ِللّر ْ‬
‫ضَر َ‬
‫حُدُهم ِبَما َ‬
‫شَر َأ َ‬
‫قوله‪َ} :‬وِإَذا ُب ّ‬
‫صُموَن{ ]الزخرف‪،[58 ،57 :‬‬
‫خ ِ‬
‫ل ُهْم َقْوٌم َ‬
‫ل َب ْ‬
‫جدَ ً‬
‫ل َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫ضَرُبوُه َل َ‬
‫خْيٌر َأْم ُهَو َما َ‬
‫ن َوَقاُلوا َأآِلَهُتَنا َ‬
‫صّدو َ‬
‫ك ِمْنُه َي ِ‬
‫ل ِإَذا َقْوُم َ‬
‫َمْرَيَم َمَث ً‬

‫ضرب المثل أنهم جعلوا المسيح ابنه‪ ،‬والملئكة بناته‪ ،‬والولد يشبه أباه‪ ،‬فجعلوه ل شبيًها‬
‫فيشبه ـ وال أعلم ـ أن يكون َ‬
‫عِبَد من دون ال‪.‬‬
‫ل للهتهم؛ لنه ُ‬
‫ونظيًرا‪ ،‬أو يكون المعني في المسيح‪ :‬أنه َمَث ٌ‬

‫فعلي الول‪ :‬يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وهم النصارى والمشركون‪ ،‬وعلى الثاني‪ :‬يكون ضاربه هو الذي‬
‫ب َجَهّنَم{ ]النبياء‪ ،[ 98 :‬فلما قال ابن الّزَبعَري‪ :‬لخصمن محمًدا‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫ح َ‬
‫ل َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عارض به قوله‪ِ} :‬إّنُكْم َوَما َتْعُبُدو َ‬
‫ضَرُبوُه َلكَ ِإّل َجَدًل{‪َ ،‬فُعِلم‬
‫فعارضه بالمسيح وناقضه به‪ ،‬كان قد ضربه مثل قاس اللهة عليه‪ ،‬ويترجح هذا بقوله‪َ} :‬ما َ‬
‫أنهم هم الذين ‪ /‬ضربوه ل النصارى‪.‬‬
‫ل[ يقال على الصل وعلى الفرع‪ ،‬و]المثل[ يقال على المفرد ويقال على الجملة التي هي القياس‪ ،‬كما قد‬
‫فإن ]الَمَث َ‬
‫ذكرت فيما تقدم أن ضرب المثل هو القياس؛ إما قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد‪ ،‬وإما قياس الشمول فيكون‬
‫سا‪ ،‬كما بينته في غير هذا الموضع‪ ،‬من جهة مطابقة المعاني الذهنية للعيان‬
‫ل كتسميته قيا ً‬
‫تسميته ضرب مث ٍ‬
‫الخارجية ومماثلتها لها‪ ،‬ومن جهة مطابقة ذلك المفرد المعين للمعني العام الشامل للفراد‪ ،‬ولسائر الفراد؛ فإن الذهن‬
‫يرتسم فيه معني عام يماثل الفرد المعين‪ ،‬وكل فرد يماثل الخر‪ ،‬فصار هذا المعني يماثل هذا‪ ،‬وكل منهما يماثل‬
‫المعني العام الشامل لهما‪.‬‬
‫سا‪ ،‬فإن الضرب‪ :‬الجمع‪ ،‬والجمع في القلب واللسان‪ ،‬وهو العموم‬
‫وبهذا ـ وال أعلم ـ سمي ضرب مثل وسمي قيا ً‬
‫ظا‪ ،‬فإذا ضرب مثل فقد صيغ عموًما مطابًقا‪ ،‬أو‬
‫والشمول‪ ،‬فالجمع والضرب والعموم والشمول في النفس معني ولف ً‬
‫صيغ مفـرًدا مشابًها‪ ،‬فتدبر هـذا فإنه حسن ـ إن شاء ال‪.‬‬
‫ل؛ لن المتكلم جمع مثل في نفسه ونفس‬
‫ل صوره المخبر في النفس‪ ،‬فهو ضرب ‪َ /‬مَث ٍ‬
‫ولك أن تقول‪ :‬كل إخبار بَمَث ٍ‬
‫المستمع بالخبر المطابق للُمخِبر‪ ،‬فيكون المثل هو الخبر وهو الوصف‪ ،‬كقوله‪ّ} :‬مَثُل اْلَجّنِة اّلِتي ُوِعَد اْلُمّتُقوَن{ ]الرعد‪:‬‬
‫ب َمَثٌل َفاْسَتِمُعوا َلُه{ ]الحج‪.[73:‬‬
‫ضِر َ‬
‫‪ ،[35‬وقوله‪ُ } :‬‬
‫ط هـذا اللفظ واشتماله على محاسن الحكام والدلة قد ذكرته في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫سُ‬
‫وَب ْ‬
‫‪/‬‬

‫سورة الحَقاف‬

‫ب ُموَسى ِإَماًما َوَرْحَمًة{{ ]الحقاف‪ ،[ 12 :‬فقال‪ :‬ما سمعنا ـ بنص القرآن‬
‫سأل رجل آخر عن قوله تعالى‪َ} :‬وِمن َقْبِلِه ِكَتا ُ‬
‫والحديث ـ أن ما قبل كتابنا إل النجيل‪ ،‬فقال الخر‪ :‬عيسي إنما كان تبًعا لموسي‪ ،‬والنجيل إنما فيه توسع في‬
‫الحكام‪ ،‬وتيسير مما في التوراة‪ ،‬فأنكر عليه رجل وقال‪ :‬كان لعيسي شرع غير شرع موسي‪ ،‬واحتج بقوله‪ِ} :‬لُك ّ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو ُ‬
‫ل ِإّني َر ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن َمْرَيَم َيا َبِني ِإ ْ‬
‫سى اْب ُ‬
‫عي َ‬
‫ل ِ‬
‫جا{ ]المائدة‪ ،[ 48 :‬قال‪ :‬فما الحكم في قوله‪َ} :‬وإِْذ َقا َ‬
‫عًة َوِمْنَها ً‬
‫شْر َ‬
‫جَعْلَنا ِمنُكْم ِ‬
‫َ‬
‫جة‪.‬‬
‫حّ‬
‫ي ِمَن الّتْوَراِة{ ]الصف‪[ 6 :‬؟ فقال‪ :‬ليست هذه ُ‬
‫ن َيَد ّ‬
‫صّدًقا ّلَما َبْي َ‬
‫ِإَلْيُكم ّم َ‬
‫فأجاب شيخ السلم ـ رحمه ال‪:‬‬
‫ض اّلِذي ُحّرَم َعَلْيُكْم{ ]آل عمران‪َ ،[50 :‬فُعِلَم أنه أحل‬
‫ل َلُكم َبْع َ‬
‫حّ‬
‫لِ‬
‫قد أخبر ال في القرآن أن عيـسي قال لــهم‪َ} :‬و ُِ‬
‫ب َواْلِحْكَمَة َوالّتْوَراَة َواِلنِجيَل{{‬
‫عّلَمه التوراة والنجيل بقوله‪َ} :‬وُيَعّلُمُه اْلِكَتا َ‬
‫البعض دون الجميع‪ ،‬وأخبر عن المسيح أنه َ‬
‫]آل عمران‪.[48 :‬‬
‫ومـن المعلوم أنـه لـول أنه ُمّتِبـٌع لبعض ما في التوراة لم يكن َتَعّلُمها ‪ /‬له منة‪ ،‬أل تري أنا نحـن لم نؤمـر بحفـظ‬
‫التـوراة والنجيـل‪ ،‬وإن كان كثيرا من شرائع الكتابين يوافق شـريعـة القـرآن‪ ،‬فهـذا وغيره يبين ما ذكره علماء‬
‫المسلمين من أن النجيل ليس فيه إل أحكام قليلـة‪ ،‬وأكثر الحكام يّتِبـُع فيها مـا في التوراة؛وبهذا يحصل التغاير بين‬
‫الشرعتين‪.‬‬
‫ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلوتها‪ ،‬كما يحفظون النجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن‪ ،‬قال‪:‬‬
‫إن هذا والذي جاء به موسي ليخرج من مشكاة واحدة‪ ،‬وكذلك ورقة بن نوفل‪ ،‬قال للنبي صلى ال عليه وسلم ـ لما‬
‫ذكر له النبي صلى ال عليه وسلم ما يأتيه قال ـ‪ :‬هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسي‪.‬‬

‫عنِدَنا َقاُلوا‬
‫ن ِ‬
‫ق ِم ْ‬
‫حّ‬
‫جاءُهُم اْل َ‬
‫سى{ ]الحقاف‪ ،[ 30 :‬وقال تعالى‪َ} :‬فَلّما َ‬
‫ل ِمن َبْعِد ُمو َ‬
‫سِمْعَنا ِكَتاًبا ُأنِز َ‬
‫وكذلك قالت الجن‪ِ} :‬إّنا َ‬
‫ظاَهَرا{ ]القصص‪ [48 :‬أي‪ :‬موسي ومحمد‪،‬‬
‫ن َت َ‬
‫حَرا ِ‬
‫سْ‬
‫ل َقاُلوا ِ‬
‫سى ِمن َقْب ُ‬
‫ي ُمو َ‬
‫سى َأَوَلْم َيْكُفُروا ِبَما ُأوِت َ‬
‫ي ُمو َ‬
‫ل َما ُأوِت َ‬
‫ي ِمْث َ‬
‫ل ُأوِت َ‬
‫َلْو َ‬

‫ظاَهَرا{ أي‪ :‬التوراة والقرآن‪.‬‬
‫ن َت َ‬
‫حَرا ِ‬
‫سْ‬
‫وفي القراءة الخرى‪ِ } :‬‬
‫سى ُنوًرا َوُهًدى‬
‫جاء ِبِه ُمو َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫ل اْلِكَتا َ‬
‫ن َأنَز َ‬
‫ل َم ْ‬
‫يٍء ُق ْ‬
‫ش ْ‬
‫شٍر ّمن َ‬
‫عَلى َب َ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫ق َقْدِرِه ِإْذ َقاُلوْا َما َأنَز َ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫وكذلك قال‪َ} :‬وَما َقَدُروْا ا ّ‬
‫ق اّلِذي َبْيَن َيَدْيِه{ ]النعام‪ ،[ 92 ،91 :‬فهذا ـ وما أشبهه مما فيه اقتران‬
‫صّد ُ‬
‫ك ّم َ‬
‫ب َأنَزْلَناُه ُمَباَر ٌ‬
‫س{ إلى قوله‪َ} :‬وَهـَذا ِكَتا ٌ‬
‫ّللّنا ِ‬

‫التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر ـ يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الصل‪ ،‬والنجيل َتَبٌع لها في كثير من‬
‫الحكام‪ ،‬وإن كان مغايًرا لبعضها‪.‬‬
‫جي َ‬
‫ل‬
‫لن ِ‬
‫ل الّتْوَراَة َوا ِ‬
‫ن َيَدْيِه َوَأنَز َ‬
‫صّدًقا ّلَما َبْي َ‬
‫ق ُم َ‬
‫حّ‬
‫ك اْلِكَتابَ ِباْل َ‬
‫عَلْي َ‬
‫ل َ‬
‫ر النجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله‪َ} :‬نّز َ‬
‫فلهذا يذَْك ُ‬
‫س َوَأنَزَل اْلُفْرَقاَن{ ]آل عمران‪ ،[3 ،2 :‬وقال‪َ} :‬وْعًدا َعَلْيِه َحّقا ِفي الّتْوَراةِ َواِلنِجيِل َواْلُقْرآِن{ ]التوبة‪:‬‬
‫ل ُهًدى ّللّنا ِ‬
‫ِمن َقْب ُ‬

‫‪ ،[ 111‬فيذكر الثلثة تارة‪ ،‬ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة؛ لسر‪ ،‬وهو‪ :‬أن النجيل من وجه‪ :‬أصل‪ ،‬ومن وجه‪:‬‬
‫تبع؛ بخلف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه‪ ،‬بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب‪ ،‬وإن كان موافًقا‬
‫للتوراة في أصول الدين‪ ،‬وكتبه من الشرائع‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة ق‬

‫ت َوَتُقوُل َهْل ِمن مِّزيٍد{{ ]ق‪ ،[30 :‬ما المزيد ؟‬
‫ل ِ‬
‫ل اْمَت َْ‬
‫جَهّنَم َه ِ‬
‫ل ِل َ‬
‫سئل ـ رحمه ال ـ عن قوله‪َ} :‬يْوَم َنُقو ُ‬
‫ُ‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫ل للزيادة‪ .‬والصحيح‪ :‬أنها تقول‪ّ} :‬هل ٌمن ّمٌزيد { على سبيل‬
‫حَتَم ٌ‬
‫قد قيل‪ :‬إنها تقول‪َ} :‬هْل ِمن ّمِزيٍد{ أي‪ :‬ليس في ُم ْ‬
‫الطلب‪ ،‬أي‪ :‬هل من زيادة تزاد في؟ والمزيد ما يزيده ال فيها من الجن والنس‪ ،‬كما في الصحيحين عن أبي هريرة‬
‫عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬ل تزال جهنم يلْقي فيها وتقول‪ :‬هل من مزيد؟ حتي يضع رب العزة فيها‬
‫قدمه(‪ .‬ويروي‪) :‬عليها قدمه َفينزِوي بعضها إلى بعض وتقول‪ :‬قط قط(‪.‬‬
‫فإذا قالت‪ :‬حسبي حسبي‪ ،‬كانت قد اكتفت بما ُأْلِقي فيها‪ ،‬ولم تقل بعد ذلك‪ :‬هل من مزيد‪ ،‬بل تمتلئ بما فيها لنزواء‬
‫جّنة والناس أجمعين‪ ،‬وهي‬
‫ضيُقها على من فيها لسعتها‪ ،‬فإنه قد وعدها ليملنها ‪ /‬من ال ِ‬
‫بعضها إلى بعض‪ ،‬فإن ال ي َ‬
‫واسعة فل تمتلئ حتي يضيقها على من فيها‪.‬‬
‫قال‪) :‬وأما الجنة‪ :‬فإن ال ينشئ لها خلًقا فيدخلهم الجنة(‪ .‬فبين أن الجنة ل يضيقها ـ سبحانه ـ بل ينشئ لها خلًقا‬
‫فيدخلهم الجنة؛ لن ال يدخل الجنة من لم يعمل خيًرا؛ لن ذلك من باب الحسان‪ .‬وأما العذاب بالنار‪ :‬فل يكون إل‬
‫لمن عصي‪ ،‬فل يعذب أحًدا بغير ذنب‪ .‬وال أعلم ‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة المجادلة‬

‫وقال شيخ السلم ـ رحمه ال‪:‬‬
‫فصـــــل‬
‫ت{ ]المجادلة‪ ،[11 :‬خص ـ سبحانه ـ َرْفَعه بالقدار‬
‫جا ٍ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َدَر َ‬
‫ن آَمُنوا ِمنُكْم َواّلِذي َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬يْرَفِع ا ُّ‬
‫لِئَكُة َوُأْوُلواْ‬
‫ل ُهَو َواْلَم َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َأّنُه َ‬
‫شِهَد ا ّ‬
‫والدرجات الذين أوتوا العلم واليمان‪ ،‬وهم الذين استشهد بهم في قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫ط{ ]آل عمران‪.[18 :‬‬
‫سِ‬
‫اْلِعْلِم َقآِئًَما ِباْلِق ْ‬
‫ك ِمن‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم اّلِذي ُأنِز َ‬
‫رون ما أنزل إلى الرســول‪ ،‬هــو الحق بقوله تعالى‪َ} :‬وَيَرى اّلِذي َ‬
‫وأخبر أنهم هم الذين ي َ‬
‫جا ٍ‬
‫ت‬
‫ل على أن َتَعّلم الحجة والقيام بها يرفع درجات من يرفعها‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬نْرَفُع َدَر َ‬
‫ق{ ]سبأ‪ ،[ 6 :‬فد ّ‬
‫حّ‬
‫ك ُهوَ اْل َ‬
‫ّرّب َ‬
‫ّمن ّنَشاء{ ]يوسف‪.[76 :‬‬

‫قال زيد بن أسلم‪ :‬بالعلم‪َ .‬فَرفُع الدرجات والقدار على قدر معاملة القلوب بالعلم واليمان‪ ،‬فكم ممن يختم القرآن في‬
‫اليوم مرة أو مرتين‪ ،‬وآخر ل ينام الليل‪ ،‬وآخر ل يفطر‪ ،‬وغيرهم أقل عبادة ‪ /‬منهم‪ ،‬وأرفع قدًرا في قلوب المة‪ ،‬فهذا‬
‫ُكْرز بن َوبَرة ]هو كرز بن وبرة الحارثي‪ ،‬أبو عبد ال‪ ،‬تابعي‪ ،‬من أهل الكوفة‪ ،‬يضرب به المثل في التعبد‪ ،‬دخل‬
‫جرجان غازيا مع يزيد بن المهلب سنة ‪98‬هـ‪ .‬ثم سكنها‪ ،‬وتوفي بها سنة ‪728‬م[‪ ،‬وَكْهَمس‪ ،‬وابن طارق‪ ،‬يختمون‬
‫القرآن في الشهر تسعين مرة‪ ،‬وحال ابن المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم في القلوب أرفع‪.‬‬
‫وكذلك ترى كثيًرا ممن لبس الصوف‪ ،‬ويهجر الشهوات‪ ،‬ويتقشف‪ ،‬وغيره ممن ل يدانيه في ذلك من أهل العلم‬
‫صها من شهوات‬
‫خُلو َ‬
‫واليمان أعظم في القلوب‪ ،‬وأحلي عند النفوس‪ ،‬وما ذاك إل لقوة المعاملة الباطنة وصفائها‪ ،‬و ُ‬
‫النفوس‪ ،‬وأكدار البشرية‪ ،‬وطهارتها من القلوب التي تكدر معاملة أولئك‪ ،‬وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم بما جاء به‬
‫الرسول‪،‬وكمال تصديقه في قلوبهم‪ ،‬ووده ومحبته‪ ،‬وأن يكون الدين كلــه ل‪ ،‬فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما‬
‫ن ِبَما ُأنِز َ‬
‫ل‬
‫حو َ‬
‫ب َيْفَر ُ‬
‫ن آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬
‫جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وابتهاجها وسرورها‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ك َفْلَيْفَرُحوْا{ الية ]يونس‪ .[ 58 :‬ففضل ال ورحمته‪:‬‬
‫حَمِتِه َفِبَذِل َ‬
‫ل َوِبَر ْ‬
‫لا ّ‬
‫ضِ‬
‫ل ِبَف ْ‬
‫ك{ ]الرعـد‪ ،[ 36 :‬وقال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ِإَلْي َ‬
‫القرآن واليمان‪ ،‬من فرح به فقد فرح بأعظم َمفُروح به‪ ،‬ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير‬
‫موضعه‪.‬‬
‫فإذا استقر في القلب‪ ،‬وتمكن فيه العلم بكفايتـه لعبـده‪ ،‬ورحمته له‪ ،‬وحلمه عـنده‪ ،‬وبره به‪ ،‬وإحسانه إليه على الدوام‪،‬‬
‫حب بكل محبوب سواه‪ ،‬فل يزال مترقيا ‪ /‬في درجات العلو والرتفاع‬
‫أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل ُم ِ‬
‫بحسب رقيه في هذه المعارف‪.‬‬
‫هذا في باب معرفة السماء والصفات‪ .‬وأما في باب فهم القرآن فهو دائم التفكر في معانيه‪ ،‬والتدبر للفاظه‪،‬‬
‫واستغنــائه بمعانــي القــرآن وحكمه عن غيره من كلم الناس‪ ،‬وإذا سمع شيًئا من كلم الناس وعلومهم عرضــه‬
‫على القرآن‪ ،‬فإن شـهد له بالتزكية َقِبَله‪ ،‬وإل رده‪ ،‬وإن لم يشهد له بقبول ول رد وقفه‪ ،‬وهمته عاكفــة على مراد ربه‬
‫من كلمه‪.‬‬
‫ب به أكثُر الناس من العلوم عن حقائق القرآن‪ ،‬إما بالوسوسة في خروج حروفه‪ ،‬وترقيقها‪،‬‬
‫ج َ‬
‫حِ‬
‫ول يجعل همته فيما ُ‬
‫وتفخيمها‪ ،‬وإمالتها‪ ،‬والنطق بالمد الطويل‪ ،‬والقصير‪ ،‬والمتوسط‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬فإن هذا حائل للقلوب‪ ،‬قاطع لها عن فهم‬
‫مراد الرب من كلمه‪ ،‬وكذلك شغل النطق بـ }أأنذرتهم{‪ ،‬وضم الميم من }عليهم{ ووصلها بالواو‪ ،‬وكسر الهاء أو‬
‫ضمها ونحو ذلك‪ .‬وكذلك مراعاة النغم‪ ،‬وتحسين الصوت‪.‬‬
‫وكذلك تتبع وجوه العراب‪ ،‬واستخراج التأويلت المستكرهة‪ ،‬التي هي باللغاز والحاجي أشبه منها بالبيان‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس‪ ،‬ونتائج أفكارهم‪.‬‬
‫وكذلك تأويل القرآن على قول من َقّلَد دينه أو مذهبه‪ ،‬فهو يتعسف بكل طريق‪ ،‬حتي يجعل القرآن تبًعا لمذهبه‪ ،‬وتقوية‬
‫ل محجوبون بما لديهم عن فهم مراد ال من كلمه في كثير من ذلك أو أكثره‪.‬‬
‫لقول إمامه‪ ،‬وك ّ‬
‫وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره‪ ،‬أنه غير كاف في معرفة التوحيد‪ ،‬والسماء والصفات‪ ،‬وما يجب ل وينزه‬
‫عنه‪ ،‬بل الكافي في ذلك‪ :‬عقول الحيارى والُمَتَهّوكين ]المتهوكون‪ :‬المتحيرون[ الذين كل منهم قد خالف صريح‬
‫القرآن مخالفة ظاهرة‪ .‬وهؤلء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب ال تعالى‪ .‬وال ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سورة الطلق‬

‫وقــال‪:‬‬
‫فصــل‬
‫ب{ ]الطلق‪ ،[ 3 ،2 :‬فقـد بين فيها‪ :‬أن المتقي يـدفع ال‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫جَعل ّلُه َم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫وأما قوله‪َ} :‬وَمن َيّت ِ‬
‫عنـه المضرة‪ ،‬بما يجعلـه لـه من المخرج‪ ،‬ويجلب له مـن المنفعـة‪ ،‬بما ييسـره له مـن الرزق‪ ،‬والرزق اسم لكل ما‬

‫يغَتذي به النسان‪ ،‬وذلك يعم رزق الدنيا ورزق الخـرة‪ .‬وقـد قـال بعضهم‪ :‬مـا افتقـر تقي قـط‪ ،‬قالـوا‪ :‬ولم؟ قـال‪ :‬لن‬
‫ب{ ‪.‬‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫جَعل ّلُه َم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫ال يقول‪َ} :‬وَمن َيّت ِ‬
‫وقول القائل‪ :‬قد نري من يتقي وهو محروم‪ .‬ومن هو بخلف ذلك وهو مرزوق‪.‬‬
‫فجوابه‪:‬أن الية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث ل يحتسب‪،‬ولم تدل على أن غير المتقي ل يرزق‪ ،‬بل لبد لكل‬
‫ل ِرْزُقَها{ ]هود‪ [ 6:‬حتي ‪ /‬إن ما يتناوله العبد من‬
‫عَلى ا ّ‬
‫ل َ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫لْر ِ‬
‫مخلوق من الرزق‪ ،‬قال ال تعالى‪َ}:‬وَما ِمن َدآّبٍة ِفي ا َ‬
‫الحرام هو داخل في هذا الرزق‪ ،‬فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة‪ ،‬ويرزقون رزقا حسًنا‪ ،‬وقد ل يرزقون إل‬
‫بتكلف‪ ،‬وأهل التقوي يرزقهم ال من حيث ل يحتسبون‪،‬ول يكون رزقهم بأسباب محرمة‪،‬ول يكون خبيًثا‪ ،‬والّتِقي ل‬
‫يحرم ما يحتاج إليه من الرزق‪ ،‬وإنما يحَمى من فضول الدنيا‪ ،‬رحمة به وإحساًنا إليه‪،‬فإن توسيع الرزق قد يكون‬
‫مضرة على صاحبه‪ ،‬وتقديره يكون رحمة لصاحبه‪.‬‬
‫ل َرّبي َأَهاَن ِ‬
‫ن‬
‫عَلْيِه ِرْزَقُه َفَيُقو ُ‬
‫لهُ َفَقَدَر َ‬
‫ن َوَأّما ِإَذا َما اْبَت َ‬
‫ل َرّبي َأْكَرَم ِ‬
‫لُه َرّبُه َفَأْكَرَمُه َوَنّعَمُه َفَيُقو ُ‬
‫ن ِإَذا َما اْبَت َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬فَأّما ا ِْ‬
‫ل{ ]الفجر‪ [ 17 - 15 :‬أي‪ :‬ليس المر كذلك‪ ،‬فليس كل من وسع عليه رزقه يكون مكرًما‪ ،‬ول كل من ُقِدَر عليه‬
‫َك ّ‬

‫رزقه يكون مهاًنا‪ ،‬بل قد يوسع عليه رزقه إملء واستدراجا‪ ،‬وقد يقدر عليه رزقه حماية وصيانة له‪ ،‬وضيق الرزق‬
‫على عبد من أهل الدين قد يكون لما له من ذنوب وخطايا‪ ،‬كما قال بعض السلف‪ :‬إن العبد َليحَرم الرزق بالذنب‬
‫يصيبه‪ ،‬وفي الحديث عن النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من أكثر الستغفار جعل ال له من كل هم فرجا‪ ،‬ومن كل‬
‫ضيق مخرجا‪ ،‬ورزقه من حيث ل يحتسب(‪.‬‬
‫وقد أخبر ال تعالى أن الحسنات يذِهبن السيئات‪ ،‬والستغفار سبب للرزق والنعمة‪ ،‬وأن المعاصي سبب للمصائب‬
‫ضَلُه{ ]هود‪ 1:‬ـ‬
‫ل َف ْ‬
‫ضٍ‬
‫ل ِذي َف ْ‬
‫ت ُك ّ‬
‫خِبيٍر{ إلى قوله‪َ} :‬وُيْؤ ِ‬
‫حِكيٍم َ‬
‫ن َ‬
‫ت ِمن ّلُد ْ‬
‫صَل ْ‬
‫ت آَياُتُه ُثّم ُف ّ‬
‫حِكَم ْ‬
‫ب ُأ ْ‬
‫والشدة‪ ،‬فقال تعالى‪}/:‬اَلر ِكَتا ٌ‬
‫ت َوَيْجَعل ّلُكْم َأْنَهاًرا{ ]نوح‪ 10 :‬ـ ‪ ،[12‬وقال‬
‫جَعل ّلُكْم جَّنا ٍ‬
‫غّفاًرا{ إلى قوله‪َ} :‬وَي ْ‬
‫ن َ‬
‫سَتْغِفُروا َرّبُكْم ِإّنُه َكا َ‬
‫‪ ،[ 3‬وقال تعالى‪} :‬ا ْ‬
‫ل اْلُقَرى آَمُنوْا‬
‫ن َأْه َ‬
‫غَدًقا ِلَنْفِتَنُهْم ِفيِه{ ]الجن‪ ،[ 17 ،16 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَلْو َأ ّ‬
‫سَقْيَناُهم ّماء َ‬
‫لْ‬
‫طِريَقِة َ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫سَتَقاُموا َ‬
‫تعالى‪َ}:‬وَأّلِو ا ْ‬
‫ن{ ]العراف‪،[96 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَلْو‬
‫سُبو َ‬
‫خْذَناُهم ِبَما َكاُنوْا َيْك ِ‬
‫ض َوَلـِكن َكّذُبوْا َفَأ َ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت ّم َ‬
‫عَلْيِهم َبَرَكا ٍ‬
‫حَنا َ‬
‫َواّتَقوْا َلَفَت ْ‬
‫جِلِهم{ ]المائدة‪ ،[ 66 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَما‬
‫ت َأْر ُ‬
‫ل ِإَليِهم ّمن ّرّبِهْم لَكُلوْا ِمن َفْوِقِهْم َوِمن َتحْ ِ‬
‫ل َوَما ُأنِز َ‬
‫جي َ‬
‫لن ِ‬
‫َأّنُهْم َأَقاُموْا الّتْوَراَة َوا ِ‬
‫عَناَها‬
‫حَمًة ُثّم َنَز ْ‬
‫ن ِمّنا َر ْ‬
‫سا َ‬
‫لْن َ‬
‫ن َأَذْقَنا ا ِ‬
‫عن َكِثيٍر{ ]الشورى‪ ،[ 30:‬وقال تعالى‪َ} :‬وَلِئ ْ‬
‫ت َأْيِديُكْم َوَيْعُفو َ‬
‫سَب ْ‬
‫صيَبٍة َفِبَما َك َ‬
‫صاَبُكم ّمن ّم ِ‬
‫َأ َ‬
‫ك{ ]النساء‪،[79 :‬‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫س َكُفوٌر{]هود‪ ،[9 :‬وقال تعالى‪ّ}:‬ما َأ َ‬
‫ِمْنُه ِإّنُه َلَيُئو ٌ‬
‫طا ُ‬
‫ن‬
‫شْي َ‬
‫ن َلُهُم ال ّ‬
‫ت ُقُلوُبُهْم َوَزّي َ‬
‫س ْ‬
‫عوْا َوَلـِكن َق َ‬
‫ضّر ُ‬
‫جاءُهْم َبْأسَُنا َت َ‬
‫ن َفَلْول ِإْذ َ‬
‫عو َ‬
‫ضّر ُ‬
‫ضّراء َلَعّلُهْم َيَت َ‬
‫ساء َوال ّ‬
‫خْذَناُهْم ِباْلَبْأ َ‬
‫وقال تعالى‪َ}:‬فَأ َ‬
‫َما َكاُنوْا َيْعَمُلوَن{ ]النعام‪.[43 ،42:‬‬
‫وقد أخبر ال ـ تعالى ـ في كتابه‪ :‬أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات؛ فالحسنات هي النعم‪ ،‬والسيئات هي المصائب؛‬
‫صّباًرا شكوًرا‪ .‬وفي الصحيح عـن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬والذي نفسي بيده! ل يقضي ال‬
‫ليكون العبد َ‬
‫للمؤمن قضاًء إل كان خيًرا له‪ ،‬وليس ذلك لحد إل للمؤمن‪ ،‬إن أصابته سـراء شكر‪ ،‬فكان خيًرا له‪ ،‬وإن أصابته‬
‫ضراء صبر‪ ،‬فكان خيًرا له(‪.‬‬
‫ضا‪:‬‬
‫وقال ـ أي ً‬
‫فصــل‬
‫ل َباِلُغ َأْمِرِه َقْد‬
‫ن ا َّ‬
‫سُبُه ِإ ّ‬
‫حْ‬
‫ل َفُهَو َ‬
‫عَلى ا ِّ‬
‫ل َ‬
‫ب َوَمن َيَتَوّك ْ‬
‫س ُ‬
‫حَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا َوَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫جَعل ّلُه َم ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫قال ال تعالى‪َ} :‬وَمن َيّت ِ‬
‫يٍء َقْدًرا{ ]الطلق‪ [ 3 ،2 :‬قد روي عن أبي ذر عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬لو أخذ الناس‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِلُك ّ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫َ‬

‫جا{ عن بعض السلف‪ :‬أي من كل ما ضاق علي الناس‪ ،‬وهذه الية مطابقة‬
‫خَر ً‬
‫كلهم بهذه الية لكفتهم(‪ ،‬وقوله‪َ} :‬م ْ‬
‫ك َنْسَتِعيُن{ ]الفاتحة‪ [ 5 :‬الجامعة لعلم الكتب اللهية كلها؛ وذلك أن التقوي هي العبادة المأمور‬
‫ك َنْعُبُد وِإّيا َ‬
‫لقوله‪ِ} :‬إّيا َ‬
‫بها‪ ،‬فإن تقوي ال وعبادته وطاعته أسماء متقاربة متكافئة متلزمة‪ ،‬والتوكل عليه هو الستعانة به‪،‬فمن يتقي ال‬
‫ن{‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فاْعُبْدُه َوَتَوّكْل َعَلْيِه{ ]هود‪ ،[123:‬وقال‪:‬‬
‫سَتِعي ُ‬
‫ك َن ْ‬
‫ك َنْعُبُد{‪ ،‬ومن يتوكل علي ال مثال‪} :‬وِإّيا َ‬
‫مثال‪ِ} :‬إّيا َ‬
‫ب{ ]الشوري‪.[10 :‬‬
‫ت َوِإَلْيِه ُأِني ُ‬
‫عَلْيِه َتَوّكْل ُ‬
‫ك َأَنْبَنا{ ]الممتحنة‪ ،[4 :‬وقال‪َ } :‬‬
‫ك َتَوّكْلَنا َوِإَلْي َ‬
‫عَلْي َ‬
‫}َ‬

‫ثم جعل للتقوي فائدتين‪ :‬أن يجعل له مخرجا‪ ،‬وأن يرزقه من ‪ /‬حيث ل يحتسب‪ .‬والمخرج هو موضع الخروج‪ ،‬وهو‬
‫الخروج‪ ،‬وإنما يطلب الخروج من الضيق والشدة‪ ،‬وهذا هو الفرج والنصر والرزق‪َ ،‬فَبين أن فيها النصر والرزق‪،‬‬
‫ف{ ]قريش‪[ 4 :‬؛ ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬وهل تنصرون‬
‫خْو ٍ‬
‫ن َ‬
‫ع َوآَمَنُهم ّم ْ‬
‫جو ٍ‬
‫طَعَمُهم ّمن ُ‬
‫كما قال‪َ} :‬أ ْ‬
‫وترزقون إل بضعفائكم؟ بدعائهم‪ ،‬وصلتهم‪ ،‬واستغفارهم( هذا لجلب المنفعة‪ ،‬وهذا لدفع المضرة‪.‬‬
‫وأما التوكل َفَبين أن ال حسبه‪ ،‬أي‪ :‬كافيه‪ ،‬وفي هذا بيان التوكل علي ال من حيث أن ال يكفي المتوكل عليه‪ ،‬كما‬
‫ف َعْبَدُه{ ]الزمر‪ [ 36 :‬خلفا لمن قال‪ :‬ليس في التوكل إل التفويض والرضا‪ .‬ثم إن ال بالغ أمره‪،‬‬
‫ل ِبَكا ٍ‬
‫س ا ُّ‬
‫قال‪َ} :‬أَلْي َ‬
‫يٍء َقْدًرا{ ]الطلق‪ [3 :‬وقد فسروا الية بالمخرج من ضيق الشبهات بالشاهد‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ل ِلُك ّ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع َ‬
‫ليس هو كالعاجز‪َ} ،‬قْد َ‬
‫الصحيح‪ ،‬والعلم الصريح‪ ،‬والذوق‪ ،‬كما قالوا‪ :‬يعلمه من غير تعليم َبشٍَر‪ ،‬ويفطنه من غير تجربة‪ ،‬ذكره أبو طالب‬
‫ل َيْجَعل ّلُكْم ُفْرَقاًنا{ ]النفال‪ [ 29:‬أنه نور يفرق به بين الحق والباطل‪ ،‬كما قالوا‪:‬‬
‫المكي‪ ،‬كما قالوا في قوله‪َ}:‬إن َتّتُقوْا ا ّ‬
‫لِم‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫صْدَرُه ِل ِ‬
‫ح َ‬
‫شَر ْ‬
‫ل َأن َيْهِدَيُه َي ْ‬
‫را‪ ،‬والية تعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق الباطن‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬فَمن ُيِرِد ا ّ‬
‫بص ً‬
‫صّعُد ِفي الّسَماء{ ]النعام‪ ،[125 :‬وتعم ذوق الجساد وذوق القلوب‪ ،‬من‬
‫جا َكَأّنَما َي ّ‬
‫حَر ً‬
‫ضّيًقا َ‬
‫صْدَرُه َ‬
‫ل َ‬
‫جَع ْ‬
‫ضّلُه َي ْ‬
‫َوَمن ُيِرْد َأن ُي ِ‬
‫العلم واليمان‪ ،‬كما قيل مثل ذلك في قوله‪َ} :‬وِمّما َرَزْقَناُهْم ُينِفُقوَن{ ]البقرة‪ ،[3 :‬وكما قال‪َ} :‬أنَزَل ِمَن الّسَماء َ {‬
‫ماء{‬
‫]النعام‪ ،[ 99 :‬وهو القرآن واليمان‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫حريم‬
‫سـوَرة الت ْ‬
‫ُ‬

‫صوًحا{{ ]التحريم‪ [8 :‬هل هذا اسم رجل‬
‫ل َتْوَبًة ّن ُ‬
‫ن آَمُنوا ُتوُبوا ِإَلى ا ِّ‬
‫ل ـ رحَمُه ال ـ عن قوله تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫سِئ َ‬
‫و َُ‬
‫حا{؟‬
‫صو ً‬
‫كان علي عهد النبي صلى ال عليه وسلم أم ل؟ وإيش معنى قوله‪ّ} :‬ن ُ‬
‫فأجاب‪:‬‬
‫الحمد ل‪ ،‬قال عمر بن الخطاب ـ رضي ال عنه ـ وغيره من الصحابة والتابعين ـ رضي ال عنهم ‪ :‬التوبة النصوح‪:‬‬
‫أن يتوب من الذنب ثم ل يعود إليه‪ ،‬و)نصوح( هي صفة للتوبة‪ ،‬وهي مشتقة من النصح والنصيحة‪.‬‬
‫خُلوص‪ .‬يقال‪ :‬فلن ينصح لفلن‪ ،‬إذا كان يريد له الخير إرادة خالصة ل غش فيها‪ ،‬وفلن يغشه‪ ،‬إذا‬
‫وأصل ذلك هو ال ُ‬
‫عَلى‬
‫ل َ‬
‫ضَعَفاء َو َ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫س َ‬
‫كان باطنه يريد السوء‪ ،‬وهو يظهر إرادة الخير كالدرهم المغشوش‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ّ} :‬لْي َ‬
‫صَدهم‬
‫ل َوَرُسوِلِه{ ]التوبة‪ [91 :‬أي‪ :‬أخلصوا ل ورسوله َق ْ‬
‫حوْا ِّ‬
‫صُ‬
‫ج ِإَذا َن َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫ن َما ُينِفُقو َ‬
‫جُدو َ‬
‫ل َي ِ‬
‫ن َ‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫ل َ‬
‫ضى َو َ‬
‫اْلَمْر َ‬
‫وحّبهم‪ .‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح ‪) / :‬الدين النصيحة‪ ،‬ثلثا( قالوا‪ :‬لمن يا رسول ال؟ قال‪:‬‬
‫)ل‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله‪ ،‬ولئمة المسلمين‪ ،‬وعامتهم(‪.‬‬
‫ب مسلم‪:‬‬
‫ل عليهن قل ُ‬
‫سن النية‪ ،‬وإخلص القصد؛ ولهذا قال صلى ال عليه وسلم‪) :‬ثلث ليِغ ّ‬
‫حْ‬
‫فإن أصل الدين هو ُ‬
‫إخلص العمل ل‪ ،‬ومناصحة ولة المور‪ ،‬ولزوم جماعة المسلمين‪ ،‬فإن دعوتهم‪ ،‬تحيط من ورائهم( أي‪ :‬هذه‬
‫الخصال الثلث ليحقد عليها قلب مسلم بل يحبها ويرضاها‪.‬‬
‫فالتوبة النصوح‪ :‬هي الخالصة من كل غش‪ ،‬وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه‪ ،‬فمن‬
‫خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى الذنب‪ ،‬فهذه التوبة النصوح‪ ،‬وهي واجبة بما أمر ال ـ تعالى‪ ،‬ولو تاب العبد‬
‫ضا‪ .‬وليجوز للمسلم إذا‬
‫ل ال توبته الولي‪ ،‬ثم إذا عاد استحق العقوبة‪ ،‬فإن تاب‪ ،‬تاب ال عليه أي ً‬
‫ثم عاد إلى الذنب‪َ ،‬قِب َ‬
‫صّر‪ ،‬بل يتوب‪ ،‬ولو عاد في اليوم مائة مرة‪ ،‬فقد روي المام أحمد في مسنده‪ ،‬عن علي‪ ،‬عن النبي‬
‫تاب‪ ،‬ثم عاد أن ي ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن ال يحب العبد المفّتن التواب(‪ ،‬وفي حديث آخر‪) :‬ل صغيرة مع إصرار‪ ،‬ول كبيرة‬
‫مع استغفار(‪ ،‬وفي حديث آخر‪) :‬ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة(‪.‬‬
‫‪ /‬ومن قال من الجهال‪ :‬إن ]نصوح[ اسم رجل كان على عهد النبي صلى ال عليه وسلم‪ُ ،‬أِمر الناس أن يتوبوا كتوبته‪،‬‬
‫فهذا رجل مفتر كذاب‪ ،‬جاهل بالحديث والتفسير‪ ،‬جاهل باللغة ومعاني القرآن‪ ،‬فإن هذا امرؤ لم يخلقه ال تعالى‪ ،‬ول‬
‫كان في المتقدمين أحد اسمه نصوح‪ ،‬ول ذكر هذه القصة أحد من أهل العلم‪ ،‬ولو كان كما زعم الجاهل‪ ،‬لقيل‪ :‬توبوا‬
‫حا{ والنصوح‪ :‬هو التائب‪ .‬ومن قال‪ :‬إن المراد بهذه الية رجل‪ ،‬أو امرأة‬
‫صو ً‬
‫إلى ال َتْوبَة نصوح‪ ،‬وإنما قال‪َ} :‬تْوَبًة ّن ُ‬

‫اسمه نصوح‪ ،‬وإن كان علي عهد عيسي أو غيره‪ ،‬فإنه كاذب‪ ،‬يجب أن يتوب من هذه‪ ،‬فإن لم يتب وجبت عقوبته‬
‫بإجماع المسلمين‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سـورة الملك‬

‫حمُه ال تعالى ‪:‬‬
‫وقال َر ِ‬
‫ف اْلَخِبيُر{{ ]الملك‪ ،[ 14 :‬دلت علي علمه بالشياء من وجوه تضمنت‬
‫طي ُ‬
‫ق َوُهَو الّل ِ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬أ َ‬
‫البراهين المذكورة لهل النظر العقلي‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنـه خالق لها‪ ،‬والخلق هـو البـداع بتقـدير‪ ،‬فتضمن تقـديرها في العلم قبـل تكوينها‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه مستلزم للرادة والمشيئة؛ فيلزم تصور المراد‪ .‬وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنها صادرة عنه‪ ،‬وهو سببها التام‪ ،‬والعلم بالصل يوجب العلم بالفرع‪ ،‬فعلمه بنفسه‪ ،‬يستلزم علم كل ما‬
‫يصدر عنه‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أنه لطيف يدرك الدقيق‪ ،‬خبير يدرك الخفي‪ ،‬وهذا هو المقتضي للعلم بالشياء‪ ،‬فيجب وجود المقتضي لوجود‬
‫السبب التام‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سـوَرة الَقلم‬
‫ُ‬

‫حمُه ال ‪:‬‬
‫لم ـ َر ِ‬
‫لس َ‬
‫وقال شيخ ا ِ‬
‫فصــل‬
‫ق[‪ ،‬الذي هو جماع الدين الذي بعث ال به محمدا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال ال تعالى‬
‫خُل ِ‬
‫سورة ]ن[‪ :‬هي سورة ]ال ُ‬
‫عييَنَة‪ ،‬وأخذه أحمد عن ابن عيينة‪.‬‬
‫ظيٍم{ ]القلم‪ [ 4 :‬قال ابن عباس‪ :‬علي دين عظيم‪ .‬وقاله ابن ُ‬
‫عِ‬
‫ق َ‬
‫خُل ٍ‬
‫ك َلَعلى ُ‬
‫فيها‪َ} :‬وِإّن َ‬
‫ق ألفاظ متقاربة المعني في الذات‪ ،‬وإن تنوعت في الصفات‪ ،‬كما قيل في لفظ الدين‪ :‬فهذا دينه‬
‫خُل َ‬
‫فإن الدين والعادة وال ُ‬
‫أبًدا وديني‪.‬‬
‫وجمع بعض الزنادقة بينهما في قوله‪:‬‬
‫ح ول ذّم‬
‫ق واحـــد ** مـا فيـه مــــن مـد ٍ‬
‫سٌ‬
‫مــا الَْمـُر إل َن ْ‬
‫صت ** والطبــــع والشارع بالحـكــِم‬
‫صـ َ‬
‫خ ّ‬
‫وإنمــا العـادة قـد ُ‬
‫]ن[‪ :‬أقسم ـ سبحانه ـ بالقلم وما يسطرون؛فإن القلم به يكون الكتاب الساطر للكلم‪ ،‬المتضمن للمر والنهي والرادة‪،‬‬
‫سم عليه‪:‬‬
‫سب المْق َ‬
‫والعلم المحيط بكل شيء‪ ،‬فالقسام وقع بقلم التقدير ومسطوره‪ ،‬فتضمن أمرين عظيمين ُتَنا ِ‬
‫أحدهما‪ :‬الحاطة بالحوادث قبل كونها‪ ،‬وأن من علم بالشيء قبل كونه أبلغ ممن علمه بعد كونه‪ ،‬فإخباره عنه أحكم‬
‫وأصدق‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن حصوله في الكتابة والتقدير يتضمن حصوله في الكلم والقول والعلم من غير عكس؛ فإقسامه بآخر‬
‫المراتب العلمية يتضمن أولها من غير عكس‪ ،‬وذلك غاية المعرفة واستقرار العلم إذا صار مكتوبا‪ .‬فليس كل معلوم‬
‫مقول‪ ،‬ول كل مقول مكتوبا‪ ،‬وهذا يبين لك حكمة الخبار عن القدر السابق بالكتاب دون الكلم فقط‪ ،‬أو دون العلم‬
‫فقط‪.‬‬

‫ك َلَعلى‬
‫ن{ ]القلم‪َ} ،[3 :‬وِإّن َ‬
‫غْيَر َمْمُنو ٍ‬
‫جًرا َ‬
‫لْ‬
‫ك َ‬
‫ن َل َ‬
‫ن{ ]القلم‪َ} ،[2 :‬وِإ ّ‬
‫جُنو ٍ‬
‫ك ِبَم ْ‬
‫ت ِبِنْعَمِة َرّب َ‬
‫سم عليه ثلث جمل‪َ} :‬ما َأن َ‬
‫والمْق َ‬
‫ظيٍم{ سلب عنه النقص الذي يقدح فيه‪ ،‬وأثبت له الكمال المطلوب في الدنيا والخرة‪ ،‬وذلك أن الذي أتي به إما‬
‫عِ‬
‫ق َ‬
‫خُل ٍ‬
‫ُ‬

‫ل‪ ،‬وإذا كان باطل فإما أن يكون مع العقل أو عدمه‪ ،‬فهذه القسام الممكنة في نظائر هذا‪.‬‬
‫أن يكون حًقا أو باط ً‬
‫‪ /‬الول‪ :‬أن يكون باطل ول عقل له‪ ،‬فهذا مجنون ل ذم عليه ول يتبع‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يكون باطل وله عقل‪ ،‬فهذا يستحق الذم والعقاب‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن يكون حًقا مع العقل‪ ،‬فنفي عنه الجنون أّول‪ ،‬ثم أثبت له الجر الدائم الذي هو ضد العقاب‪ ،‬ثم بين أنه علي‬
‫ظَم الحق الذي هو عليه بعد أن نفي عنه البطلن‪.‬‬
‫عَ‬
‫خلق عظيم‪ ،‬وذلك يبين ِ‬
‫ضا‪ ،‬فالناس نوعان‪ :‬إما معذب‪ ،‬وإما سليم منه‪ .‬والسليم ثلثة أقسام‪ :‬إما غير مكلف‪ ،‬وإما مكلف قد عمل صالحًـا‪:‬‬
‫وأي ً‬
‫سم السعداء‪ ،‬وهذا غاية كمال‬
‫مقتصًدا‪ ،‬وإما سابق بالخيرات‪ .‬فجعل القسم مرتًبا علي الحوال الثلثة ليبين أنه أفضل ِق ْ‬
‫السابقين بالخيرات‪ ،‬وهذا تركيب بديع في غاية الحكام‪.‬‬
‫طِع اْلُمَكّذِبيَن{ اليات ]القلم‪ [ 8 :‬؛ فتضمن أصلين‪:‬‬
‫ل ُت ِ‬
‫ثم قال‪َ} :‬ف َ‬
‫أحدهما‪ :‬أنه نهاه عن طاعة هذين الضربين‪ ،‬فكان فيه فوائد‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن النهي عن طاعة المرء‪ ،‬نهي عن التشبه به بالولى‪ ،‬فل ‪ /‬يطاع المكذب والحلف‪ ،‬ول يعمل بمثل عملهما‪،‬‬
‫خُلقِ الناقص أبلغ في‬
‫طِع اْلَكاِفِريَن َواْلُمَناِفِقيَن{ ]الحزاب‪ [ 1 :‬وأمثاله‪ ،‬فإن النهي عن قبول قول من يأمر بال ُ‬
‫ل ُت ِ‬
‫كقوله‪َ} :‬و َ‬
‫الزجر من النهي عن التخلق به‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ذلك أبلغ في الكرام والحترام‪ ،‬فإن قوله‪ :‬لتكذب‪ ،‬ول تحلف‪ ،‬ول تشتم‪ ،‬ول تهمز‪ ،‬ليس هو مثل قوله‪ :‬ل‬
‫سا بهذه الخلق؛ لما فيه من تشريفه وبراءته‪.‬‬
‫تطع من يكون متلب ً‬
‫ومنها‪ :‬أن الخلق مكتسبة بالمعاشرة؛ ففيه تحذير عن اكتساب شيء من أخلقهم بالمخالطة لهم‪ ،‬فليأخذ حذره‪ ،‬فإنه‬
‫محتاج إلى مخالطتهم لجل دعوتهم إلى ال ـ تعالى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنهم يْبُدون مصالح فيما يأمرون به‪ ،‬فل تطع من كان هكذا ولو أبداها‪ ،‬فإن الباعث لهم علي ما يأمرون به هو‬
‫ضي للمر فاسًدا‪ ،‬لم يقبل من المر‪ ،‬فإن المر مداره علي‬
‫ما في نفوسهم من الجهل والظلم‪ ،‬وإذا كان الصل المْقَت ِ‬
‫العلم بالمصلحة وإرادتها‪ ،‬فإذا كان جاهل لم يعلم المصلحة‪ ،‬وإذا كان الخلق فاسًدا لم يردها؛ وهذا معني بليغ‪.‬‬
‫‪ /‬الصل الثاني‪ :‬أنه ذكر قسمين‪ :‬المكذبين‪ ،‬وذوي الخلق الفاسدة‪ ،‬وذلك لوجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن المأمور به هو اليمان والعمل الصالح‪ ،‬فضده التكذيب والعمل الفاسد‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن المؤمنين مأمورون بالتواصي بالحق‪ ،‬والتواصي بالصبر‪ ،‬فكما أنا مأمورون بقبول هذه الوصية‬
‫واليصاء بها‪ ،‬فقد نهينا عن قبول ضدها‪ ،‬وهو التكذيب بالحق والترك للصبر‪ ،‬فإن هذه الخلق إنما تحصل لعدم‬
‫صَبُروا{ ]فصلت‪[35 :‬‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫الصبر‪ ،‬والصبر ضابط الخلق المأمور بها؛ ولهذا ختم السورة به‪ ،‬وقال‪َ}:‬وَما ُيَلّقاَها ِإ ّ‬
‫فكان في سورة العصر ما َبين هنا‪ ،‬فنهاه عن طاعة الذي في خسر‪ ،‬ضد الذي للمؤمنين المرين بالحق والصبر‪،‬‬
‫والذي في خسر هو الكذاب المهين‪ ،‬فهو تارك للحق والصبر‪.‬‬
‫الصل الثالث‪ :‬أن صلح النسان في العلم النافع والعمل الصالح‪ ،‬وهو الَكِلم الطيب الذي يصعد إلى ال‪ ،‬والعمل‬
‫ن ِإّنُه‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫حَمَلَها ا ِْ‬
‫الصالح جماع العدل‪ ،‬وجماع ما نهي ال عنه الناس هو الظلم‪ ،‬كما قرر في غير هذا‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ظُلوًما َجُهوًل{ ]الحزاب‪.[ 72:‬والتكذيب بالحق صادر إما عن جهل‪،‬وإما عن ظلم وهو الجاحد‪ /‬المعاند‪ ،‬وصاحب‬
‫ن َ‬
‫َكا َ‬

‫الخلق الفاسدة إنما يوقعه فيها أحد أمرين‪ :‬إما الجهل بما فيها وما في ضدها فهذا جاهل‪ ،‬وإما الميل والعدوان وهو‬
‫الظلم‪ ،‬فل يفعل السيئات إل جاهل بها‪ ،‬أو محتاج إليها متلذذ بها وهو الظالم‪ ،‬فنهاه عن طاعة الجاهلين والظالمين‪.‬‬

‫حا‪ ،‬بل يريدون منه‬
‫وقوله‪َ} :‬وّدوا َلْو ُتْدِهُن{ الية ]القلم‪ [ 9 :‬أخبر أنهم يحبون إْدَهاَنه ليدهنوا‪ ،‬فهم ل يأمرونه نص ً‬
‫الدهان‪ ،‬ويتوسلون بإدهاِنه إلى إدهانهم‪ ،‬ويستعملونه لغراضهم في صورة الناصح؛ وذلك لما نشأ من تكذيبهم‬
‫بالحق‪ ،‬فإنه لم يبق في قلوبهم غاية ينتهون إليها من الحق؛ ل في الحق المقصود‪ ،‬ول الحق الموجود‪ ،‬ل خبًرا عنه‪،‬‬
‫ول أمًرا به‪ ،‬ول اعتقاًدا‪ ،‬ول اقتصاًدا‪.‬‬
‫عا من الخلق الفاسدة‬
‫ف ّمِهيٍن{ ]القلم‪ [ 10:‬إلخ‪ ،‬ذكر أربع آيات كل آيتين جمعت نو ً‬
‫ل ٍ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫طْع ُك ّ‬
‫ل ُت ِ‬
‫ثم قال‪َ} :‬و َ‬
‫المذمومة‪ ،‬وجمع في كل آية بين النوع المتشابه خبًرا وطلًبا‪ ،‬فالحلف مقرون بالمهين؛ لن الحلف هو كثير الحلف‪،‬‬
‫وإنما يكون علي الخبر أو الطلب‪ ،‬فهو إما تصديق أو تكذيب‪ ،‬أو حض أو منع‪ ،‬وإنما يكثر الرجل ذلك في خبره إذا‬
‫جا إلى الناس‪ ،‬فهو من أذل‬
‫احتاج أن يصدق ويوثق بخبره‪ .‬ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب في العهد‪ ،‬محتا ً‬
‫ن {‪ :‬حلف في أقواله‪ ،‬مهين في أفعاله‪.‬‬
‫ف ّمِهي ٍ‬
‫ل ٍ‬
‫حّ‬
‫الناس } َ‬
‫‪ /‬وأما الهماز المشاء بنميم‪ :‬فالهمز أقوي من اللمز وأشد ـ سواء كان همز الصوت أو همز حركة ـ ومنه‪] :‬الَهْمزُة[‪:‬‬
‫وهي نبرة من الحلق مثل التهوع‪ ،‬ومنه الهمز بالعقب‪ ،‬كما في حديث زمزم‪) :‬أنه َهَمَز جبريل بعقبه( والفعال‪ :‬مبالغة‬
‫في الفاعل‪ ،‬فالهماز‪ :‬المبالغ في العيب نوعا وقدًرا‪ .‬القدرة من صورة اللفظ‪ ،‬وهو الفعال‪ ،‬والنوع من مادة اللفظ وهو‬
‫الهمزة‪ ،‬والمشاء بنميم هو من العيب‪ ،‬ولكنه عيب في القفا‪ ،‬فهو عيب الضعيف العاجز‪ ،‬فذكر العياب بالقوة‪ ،‬والعياب‬
‫ف‪ ،‬والعياب في مشهد‪ ،‬والعياب في مغيب‪.‬‬
‫بالضع ِ‬
‫وأما }مَّناٍع ّلْلَخْيِر ُمْعَتٍد َأِثيٍم{ ]القلم‪ [ 12 :‬فإن الظلم نوعان‪ :‬ترك الواجب وهو منع الخير‪ ،‬وَتَعٍد علي الغير وهو‬
‫المعتدي‪ .‬وأما الثيم مع المعتدي فكقوله‪َ} :‬وَل َتَعاَوُنوْا َعَلى اِلْثِم َواْلُعْدَواِن{ ]المائدة‪.[2 :‬‬
‫ل الّزنيم‪ :‬فهو الجبار‪ ،‬الفظ الغليظ‪ ،‬الذي قد صار من شدة تجبره وغلظه معروفا بالشر‪ ،‬مشهوًرا به‪ ،‬له َزَنمة‬
‫وأما العُُت ّ‬
‫كَزَنَمة الشاة‪.‬‬
‫ويشبه ـ وال أعلم ـ أن يكون الحلف المهين الهماز المشاء بنميم من جنس واحد‪ ،‬وهو في القوال وما يتبعها من‬
‫الفعال‪ ،‬والمّناع المعتدي الثيم العتل الزنيم من جنس‪ ،‬وهو في الفعال وما يتبعها من القوال‪ .‬فالول‪ :‬الغالب على‬
‫جانب العراض‪ ،‬والثاني‪ :‬الغالب على ‪ /‬جانب الحقوق في الحوال والمنافع ونحو ذلك‪.‬ووصفه بالظلم والبخل‬
‫ب َمن َكاَن ُمْخَتاًل َفُخوًرا اّلِذيَن َيْبَخُلوَن{ الية ]النساء‪.[37 ،36 :‬‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫والكبر‪ ،‬كما في قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ضا‪ ،‬فإن ال جعل‬
‫سَم في الخرة وفي الدنيا أي ً‬
‫طوِم{ ]القلم‪ ،[ 16 :‬فيه إطلق يتضمن الَو ْ‬
‫خْر ُ‬
‫عَلى اْل ُ‬
‫سُمُه َ‬
‫سَن ِ‬
‫وقوله‪َ } :‬‬
‫سيًما‪ ،‬وجعل للفاجرين سيما‪ ،‬قال تعالى‪ِ} :‬سيَماُهْم ِفي ُوُجوِهِهم ّمْن َأَثِر الّسُجوِد{ ]الفتح‪ ،[29 :‬وقال يظهر‪:‬‬
‫للصالحين ِ‬
‫}َوَلْو َنَشاء َلَرْيَناَكُهْم َفَلَعَرْفَتُهم ِبِسيَماُهْم{ الية ]محمد‪ .[ 30 :‬فجعل الرادة والتعريف بالسيما الذي يدرك بالبصر معلًقا‬
‫علي المشيئة‪ ،‬وأقسم علي التعريف في لحن القول‪ ،‬وهو الصوت الذي يدرك بالسمع‪ ،‬فدل علي أن المنافقين لبد أن‬
‫يعرفوا في أصواتهم وكلمهم الذي يظهر فيه لحن قولهم‪،‬وهذا ظاهر َبين لمن تأمله في الناس‪ ،‬من أهل الفراسة في‬
‫القوال وغيرها مما يظهر فيها من النواقض والفحش وغير ذلك‪.‬‬
‫وأما ظهور ما في قلوبهم علي وجوههم فقد يكون وقد ل يكون‪ ،‬ودل علي أن ظهور ما في باطن النسان علي فلتات‬
‫حات وجهه؛ لن اللسان ترجمان القلب‪ ،‬فإظهاره لما َأَكّنه َأوَكد؛ ولن دللة اللسان‬
‫صْف َ‬
‫لسانه أقوي من ظهوره علي َ‬
‫ضل ـ كابن قتيبة‬
‫ل من َف ّ‬
‫ضَ‬
‫قالية‪ ،‬ودللة الوجه حالية‪ ،‬والقول أجمع وأوسع للمعاني التي في القلب من الحال؛ ولهذا َف ّ‬
‫وغيره ـ السمَع علي البصر‪.‬‬
‫‪ /‬والتحقيق أن السمع أوسع‪،‬والبصر أخص وأرفع‪ ،‬وإن كان إدراك السمع أكثر‪ ،‬فإدراك البصر أكمل؛ ولهذا أقسم أنه‬
‫سَم‬
‫لبد أن يدركهم بسمعه‪ ،‬وأما إدراكه إياهم بالبصر بسيماهم فقد يكون وقد ل يكون‪ .‬فأخبر ـ سبحانه ـ أنه لبد أن ي ِ‬
‫صاحب هذه الخلق الخبيثة علي خرطومه‪ ،‬وهو أنفه الذي هو عضوه البارز‪ ،‬الذي يسبق البصر إليه عند مشاهدته؛‬
‫عهم الناس اتقاء شرهم وفحشهم؛ فإن‬
‫ظَلَمة‪ ،‬الذين َوَد َ‬
‫جَرة ال ّ‬
‫لتكون السيما ظاهرة من أول ما يري‪ ،‬وهذا ظاهر في الَف َ‬
‫لهم سيما من شر يعرفون بها‪ .‬وكذلك الفسقة وأهل الريب‪.‬‬

‫وقوله‪ِ} :‬إّنا َبَلْوَناُهْم{ إلخ ]القلم‪ ،[ 17 :‬فيه بيان حال البخلء‪ ،‬وما يعاقبون به في الدنيا قبل الخرة من تلف الموال‪،‬‬
‫إما إغراقا‪ ،‬وإما إحراقا‪ ،‬وإما نهًبا‪ ،‬وإما مصادرة‪ ،‬وإما في شهوات الغي‪ ،‬وإما في غير ذلك مما يعاقب به البخلء‪،‬‬
‫خْيِر{ ]القلم‪ ،[12 :‬وهو أحد نوعي الظلم‪،‬‬
‫ع ّلْل َ‬
‫الذين يمنعون الحق‪ .‬وليس إقدام في صنايع المعروف‪ ،‬وهو قوله‪َ} :‬مّنا ٍ‬
‫ل الَغني‬
‫طُ‬
‫طاِغيَن{ ]القلم‪ ،[ 31 :‬وكما قال صلى ال عليه وسلم‪َ) :‬م ْ‬
‫كما أخبروا به عن نفوسهم في قولهم‪َ} :‬يا َوْيَلَنا ِإّنا ُكّنا َ‬
‫ظلم(‪.‬‬
‫سر‬
‫وتضمن عقوبة الظالم المانع للحق‪،‬أو متعدي الحق‪،‬كما يعاقب ال مانع الزكاة وهو مناع الخير‪ ،‬وآكل الربا والمي ِ‬
‫‪:‬الذي هو أكل المال بالباطل‪ ،‬وكل منهما أخبر ال في كتابه أنه يعاقبه بنقيض ‪ /‬قصده‪،‬فهنا‪:‬أخبر بعقوبة تارك‬
‫الحقوق‪،‬وفي البقرة‪ :‬بعقوبة المرابي‪ ،‬وهذه العقوبة تتناول من يترك هذا الواجب‪ ،‬وفعل هذا المحرم من المحتالين‪،‬كما‬
‫حيل الربوية‪،‬من العقوبات والمثلت‪.‬‬
‫شاَهد في أهل منع الحقوق المالية‪،‬وال ِ‬
‫أخبر في هذه السورة‪،‬وكما هو الم َ‬
‫فإنه ـ سبحانه ـ إذا أنعم علي عبد بباب من الخير‪ ،‬وأمره بالنفاق فيه فبخل‪ ،‬عاقبه بباب من الشر‪ ،‬يذهب فيه أضعاف‬
‫عي إلى‬
‫خرة‪ ،‬ثم أْتَبَع ذلك بعقوبة المتكبر الذي هو من نوع العتل الزنيم‪ ،‬الذي يد َ‬
‫ما بخل به‪ ،‬وعقوبته في الخرة مّد َ‬
‫السجود والطاعة فيأبي‪ ،‬ففيها عقوبة تارك الصلة‪ ،‬وتارك الزكاة؛ فتارك الصلة‪ :‬هو المعتدي الثيم‪ ،‬العتل الزنيم‪.‬‬
‫وتارك الزكاة‪ :‬الظالم البخيل‪.‬‬
‫ك{ ]القلم‪ ،[48:‬وذلك نص في الصبر‬
‫حْكِم َرّب َ‬
‫صِبْر ِل ُ‬
‫وختمها بالمر بالصبر‪ ،‬الذي هو جماع الخلق العظيم في قوله‪َ} :‬فا ْ‬
‫علي ما يناله من أذي الخلق‪ ،‬وعلي المصائب السماوية‪ .‬والصبر علي الول أشد‪ ،‬وصاحب الحوت ذهب مغاضبا‬
‫صاِرِهْم{ إلخ ]القلم‪ [51 :‬فآخرها منعطف علي‬
‫ك ِبَأْب َ‬
‫ن َكَفُروا َلُيْزِلُقوَن َ‬
‫لربه لجل المر السماوي؛ ولهذا قال‪َ} :‬وِإن َيَكاُد اّلِذي َ‬
‫ك ِبَمْجُنوٍن{ ]القلم‪ ،[2 :‬وقوله‪َ} :‬وَيُقوُلوَن ِإّنُه َلَمْجُنوٌن{ ]القلم‪ ،[51 :‬والزلق بالبصر‬
‫ت ِبِنْعَمِة َرّب َ‬
‫أول ما في قوله‪َ} :‬ما َأن َ‬
‫‪:‬هو الغاية في البغض‪ ،‬والغضب‪ ،‬والذي‪ .‬فالصبر ‪ /‬علي ذلك نوع من الحلم‪،‬وهو احتمال أذي الخلق‪ ،‬وفي ذلك ما‬
‫يدفع كيدهم وشرهم‪.‬‬
‫وما ذكره في قصة أهل الجنة من أمر السخاء والجود‪ ،‬وما ذكره هنا من الحلم والصبر‪ :‬هو جماع الخلق الحسن‪ ،‬كما‬
‫ضّراء{ الية ]آل عمران‪ ،[134 :‬كما قيل‪:‬‬
‫سّراء َوال ّ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ن ُينِفُقو َ‬
‫جمع بينهما في قوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ســيُر‬
‫كي ِ‬
‫عَليـ َ‬
‫ساَد في قومه الفتى ** َوَكـوُنـك إيـــاه َ‬
‫ل َ‬
‫بحلٍم َوَبْذ ٍ‬
‫فالحسان إلى الناس بالمال والمنفعة واحتمال أذاهم‪ ،‬كالسخاء المحمود‪ ،‬كما جمع بينهما في قوله‪} :‬اْلَعْفَو َوْأُمْر ِباْلُعْر ِ‬
‫ف‬
‫ض َعِن اْلَجاِهِليَن{ ]العراف‪ ،[ 199 :‬ففي أخذه العفو من أخلقهم احتمال أذاهم‪ ،‬وهو نوعان‪ :‬ترك ما لك من‬
‫عِر ْ‬
‫َوَأ ْ‬

‫الحق عليهم‪ ،‬فأخذ العفو‪ :‬أل تطلب ما تركوه من حقك‪ ،‬وأل تنهاهم فيما تعدوا فيه الحد فيك‪ ،‬وإذا لم تْأُمْرهم ولم َتْنَههم‬
‫فيما يتعلق‪.‬‬
‫‪ /‬وقال‪:‬‬
‫هذه تفسير آيات أشكلت حتي ل يوجد في طائفة من كتب التفسير إل ما هو خطأ فيها‪.‬‬
‫حاَر فيها كثير‪ ،‬والصواب المأثور عن السلف؛ قال مجاهد‪ :‬الشيطان‪ .‬وقال‬
‫ن{ ]القلم‪َ ،[ 6 :‬‬
‫منها‪ :‬قوله‪ِ} :‬بَأيّيُكُم اْلَمْفُتو ُ‬
‫الحسن‪ :‬هم أولي بالشيطان من نبي ال‪َ .‬فَبين المراد‪ ،‬فإنه يتكلم علي اللفظ كعادة السلف في الختصار مع البلغة‬
‫وفهم المعني‪ .‬وقال الضحاك‪ :‬المجنون‪ ،‬فإن من كان به الشيطان ففيه الجنون‪ .‬وعن الحسن‪ :‬الضال‪ .‬وذلك أنهم لم‬
‫يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي‪ ،‬بل لن النبي صلى ال عليه وسلم خالف أهل العقل في نظرهم‪ ،‬كما يقال‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫عْق ٌ‬
‫ما لفلن َ‬
‫ضاّلوَن{ ]المطففين‪ ،[32 :‬ومثله في هذه المة كثير‬
‫لء َل َ‬
‫ن َهُؤ َ‬
‫ومثل هذا رموا به أتباع النبياء كقوله‪َ} :‬وِإَذا َرَأْوُهْم َقاُلوا ِإ ّ‬
‫يسخرون من المؤمنين‪ ،‬ويرمونهم بالجنون والعظائم التي هم أولي بها منهم‪ .‬قال الحسن‪ :‬لقد رأيت رجال لو‬
‫رأيتموهم لقلتم‪ :‬مجانين‪ ،‬ولو رأوكم لقالوا‪ :‬هؤلء شياطين‪ ،‬ولو رأوا خياركم لقالوا‪ :‬هؤلء ل خلق لهم‪ ،‬ولو رأوا‬

‫شراركم‪ :‬لقالوا‪ :‬هؤلء قوم ل يؤمنون ‪ /‬بيوم الحساب‪ .‬وهذا كثير في كلم السلف‪ ،‬يصفون أهل زمانهم وما هم عليه‬
‫من مخالفة من تقدم‪ ،‬فما الظن بأهل زماننا؟!‬
‫ب اَْلِشُر{{‬
‫ن اْلَكّذا ُ‬
‫غًدا ّم ِ‬
‫ن َ‬
‫سَيْعَلُمو َ‬
‫والذين لم يفهموا هذا قالوا‪ :‬الباء‪ :‬زائدة‪ ،‬قاله ابن قتيبة وغيره‪.‬وهذا كثير كقوله‪َ } :‬‬
‫ن‬
‫خُرو َ‬
‫سَ‬
‫خُر ِمنُكْم َكَما َت ْ‬
‫سَ‬
‫خُروْا ِمّنا َفِإّنا َن ْ‬
‫سَ‬
‫ن{ اليات ]الشعراء‪ِ } .[221 :‬إن َت ْ‬
‫طي ُ‬
‫شَيا ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫عَلى َمن َتَنّز ُ‬
‫ل ُأَنّبُئُكْم َ‬
‫]القمر‪َ} ،[26 :‬ه ْ‬
‫ب{ الية ]هود‪.[39 ،38 :‬‬
‫عَذا ٌ‬
‫ن َمن َيْأِتيِه َ‬
‫ف َتْعَلُمو َ‬
‫سْو َ‬
‫َف َ‬
‫‪/‬وقـال‪:‬‬
‫فصــل‬
‫ولجماعة من الفضلء كلم في قوله تعالى‪َ} :‬يْوَم َيِفّر اْلَمْرُء ِمْن َأِخيِه َوُأّمِه َوَأِبيِه{ ]عبس‪ِ ،[35 ،34 :‬لَم ابتدأ بالخ ومن‬
‫سئِلت عن هذا قلت‪ :‬إن البتداء يكون في كل مقام بما يناسبه‪ ،‬فتارة‪ :‬يقتضي البتداء‬
‫عادة العرب أن يْبَدأ بالهم؟ فلما ُ‬
‫بالعلي‪ ،‬وتارة‪ :‬بالدني‪ ،‬وهنا‪ :‬المناسبة تقتضي بالبتداء بالدني؛ لن المقصود بيان فراره عن أقاربه‪ .‬مفصل‪ ،‬شيًئا‬
‫ل‪ ،‬لم يكن في ذكر البعد فائدة طائلة‪ ،‬فإنه يعلم أنه إذا فر من القرب‪ ،‬فر من البعد‪،‬‬
‫بعد شيء‪ ،‬فلو ذكر القرب أو ً‬
‫ل منه إلى القرب‪ ،‬فقيل أول‪َ} :‬يْوَم َيِفّر اْلَمْرُء ِم ْ‬
‫ن‬
‫ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة‪ ،‬فابتدئ بنفي البعد متنق ً‬
‫َأِخيِه{ ]عبس‪ ،[ 34 :‬فعلم أن َثّم شدة توجب ذلك‪ ،‬وقد يجوز أن يفر من غيره‪ ،‬ويجوز أل يفر‪ ،‬فقيل‪َ} :‬وُأّمِه َوَأِبيِه{‬
‫]عبس‪ ،[ 35:‬فُعُِلم أن الشدة أكبر من ذلك‪،‬بحيث توجب الفرار من البوين‪.‬‬
‫حَبِتِه َوَبِنيِه{ ]عبس‪َ ،[ 36 :‬فُعِلم أنها طامة بحيث توجب الفرار ‪ /‬مما ليفر منهم إل في غاية الشدة‪،‬‬
‫صا ِ‬
‫ثم قيل‪َ} :‬و َ‬
‫وهي الزوجة والبنون‪ ،‬ولفظ صاحبته أحسن من زوجته‪.‬‬
‫طَعاُم‬
‫ك{ ]البقرة‪ ،[196 :‬وقوله‪َ} :‬فَكّفاَرُتُه ِإ ْ‬
‫سٍ‬
‫صَدَقٍة َأْو ُن ُ‬
‫صَياٍم َأْو َ‬
‫قلت‪ :‬فهذا في الخبر‪ ،‬نظيره في المر قوله‪َ}:‬فِفْدَيٌة ّمن ِ‬
‫طِعُموَن َأْهِليُكْم َأْو ِكْسَوُتُهْم{ ]المائدة‪ ،[ 89 :‬فإن الواجبات نوعان علي الترتيب‪ ،‬فيقدم فيه‬
‫ط َما ُت ْ‬
‫سِ‬
‫ن َأْو َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ساِكي َ‬
‫شَرِة مَ َ‬
‫عَ‬
‫َ‬

‫العلي فالعلي‪ ،‬كما في كفارة الظهار والقتل واليمين‪ ،‬وعلي التخيير فابتدأ فيها بأخفها؛ ليبين أنه كان مجزيا ل نقص‬
‫فيه‪ ،‬وإن ذكر العلي بعده للترغيب فيه‪ :‬ل لليجاب‪ ،‬فانتقال القلب من العمل الدني إلى العلي أولي من أن يؤَمَر‬
‫بالعلي ثم يذكر له الدني فيزدريه القلب‪.‬‬
‫ولهذا لما ذكر في جزاء الصيد العلي ابتداء كان لنا في ترتيبه روايتان‪ ،‬وإذا نصرنا المشهور قلنا‪ :‬قدم فيه العلي؛‬
‫صَياًما{ ]المائدة‪.[95 :‬‬
‫ك ِ‬
‫ل َذِل َ‬
‫عْد ُ‬
‫ن َأو َ‬
‫ساِكي َ‬
‫طَعاُم َم َ‬
‫لن الدني بقدرته في قوله‪َ} :‬أْو َكّفاَرٌة َ‬
‫ولهذا لما ابتدأ بالثقل في حدود المحاربين لم يكن عندنا علي التخيير‪ ،‬ول علي الترتيب‪ ،‬بل بحسب الجرائم‪ ،‬وليس‬
‫في لفظ الية ما يقتضي التخيير كما يتوهمه طائفة من الناس‪ ،‬فإنه لم يقل الواجب أو الجزاء هذا ‪ /‬أو هذا أو هذا‪ ،‬كما‬
‫ك{ ]البقرة‪ ،[196 :‬وإنما قال‪ :‬إنما جزاؤهم‬
‫سٍ‬
‫صَدَقٍة َأْو ُن ُ‬
‫صَياٍم َأْو َ‬
‫قال‪ :‬فكفارته هذا أو هذا أو هذا‪ ،‬وكما قال‪َ} :‬فِفْدَيٌة ّمن ِ‬
‫هذا أو هذا أو هذا‪ ،‬فالكلم فيه نفي وإثبات؛ تقديره‪ :‬ما جزاؤهم إل أحد الثلثة‪ ،‬كما قال في آية الصدقات‪ِ} :‬إّنَما‬
‫ت ِلْلُفَقَراء َواْلَمَساِكيِن{ ]التوبة‪ ،[ 60 :‬أي‪ :‬ما هي إل لهؤلء‪.‬‬
‫صَدَقا ُ‬
‫ال ّ‬
‫وقد تقرر أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكور ما نفاه عن غيره‪ ،‬فلما نفي الجواز لغير الصناف‪ ،‬أثبت الجواز ل‬
‫الوجوب ول الستحقاق‪ ،‬كما فهمه من اعتقد وجوب الستيعاب من ظاهر الخطاب‪ ،‬وهنا‪ :‬نفي أن يكون ما سوي أحد‬
‫هذه جزاء‪ ،‬فأثبت أن يكون جزاء المحارب أحد هذه العقوبات‪ .‬والمحاربون جملة ليسوا واحًدا‪ ،‬فظهر الفرق بين هذه‬
‫الية وبين اليتين من وجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن المحاربين ذكروا باسم الجمع‪ ،‬ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي توزيع الفراد علي الفراد‪ ،‬فلو قيل‪ :‬جزاء‬
‫المعتدين إما القتل وإما القطع‪ ،‬وإما الجلد‪ ،‬وإما الصلب‪ ،‬وإما الحبس‪ ،‬لم يقتض هذا التخيير في كل معتد بين هذه‬
‫العقوبات‪ ،‬بل توزيع العقوبات علي أنواعهم‪ ،‬كذلك إذا قيل‪ :‬جزاء المحاربين كذا‪ ،‬أو كذا‪ ،‬أو كذا‪ ،‬أو كذا‪ ،‬بخلف‬
‫ضا َأْو َعَلى َسَفٍر َفِعّدٌة{ ]البقرة‪.[184 :‬‬
‫ن ِمنُكم ّمِري ً‬
‫قوله‪} :‬فكفارته{‪ ،‬وقوله‪َ} :‬فَمن َكا َ‬

‫‪ /‬الثاني‪ :‬أن المقصود نفي جواز ما سوي‪ ،‬وإثبات ضده‪ ،‬وهي جواز المذكور في الجملة‪ ،‬وذلك أعم من أن يكون‬
‫مخيًرا أو معيًنا‪ ،‬بخلف ما إذا لم يكن المقصود إل مجرد الثبات‪ ،‬فإن إثباته بصيغة التخيير يدل عليه‪ .‬وهذا معروف‬
‫صم المدعي‪) :‬شاهداك أو يمينه(‪ ،‬وفي‬
‫خ ْ‬
‫في مواد الثبات المحض‪ ،‬أو مواد الحصر‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم لل َ‬
‫لفظ‪) :‬ليس لك منه إل ذلك(‪ ،‬فحصر طريق الحق‪ ،‬وليس الغرض التخيير‪.‬‬
‫وكذلك يقال‪ :‬الواجب في القتل القصاص أو الدية‪ ،‬ول تصح الصلة إل بوضوء أو تيمم‪ ،‬ول بد يوم الجمعة من‬
‫الظهر أو الجمعة‪ ،‬ول يترك في دار السلم إل مسلم أو معاهد‪ ،‬وسبب ذلك‪ :‬أنه إذا كان بعض المقصود الذي دل‬
‫عليه اللفظ نفس ما سوي المور المذكورة‪ ،‬كان مدلوله إثباتا يقتضي النفي‪ ،‬وهو الوجود المشترك من هذه المور‪،‬‬
‫والقدر المشترك بينهما أعم من أن يكون معينا أو مخيًرا‪ .‬وأما إذا أثبتت ابتداء فلو لم تكن مخيرة بل معينة‪ ،‬ولم يدل‬
‫سا‪.‬‬
‫اللفظ عليه كان تلبي ً‬
‫الوجه الثالث‪ :‬وهو لطيف أن يقال‪ :‬مفهوم ]أو[ إثبات التقسيم المطلق‪ ،‬كما قلنا‪ :‬إن الواو مفهومها التشريك المطلق‬
‫بين المعطوف والمعطوف عليه‪ ،‬فأما الترتيب‪ :‬فل ينفيه ول يثبته؛ إذ الدال ‪ /‬علي مجرد المشترك ليدل علي المميز‪.‬‬
‫فكذلك ]أو[‪ :‬هي للتقسيم المطلق‪ ،‬وهو ثبوت أحد المرين مطلقا‪ ،‬وذلك أعم من أن يثبت علي سبيل التخيير بينه وبين‬
‫الخر‪ ،‬أو علي سبيل الترتيب‪ ،‬أو علي سبيل التوزيع‪ ،‬وهو ثبوت هذا في حال‪ ،‬وهذا في حال‪ ،‬كما أنهم قالوا‪ :‬هي في‬
‫الطلب يراد بها الباحة تارة‪ ،‬كقولهم‪َ :‬تَعّلم النحو أو الفقه‪ ،‬والتخيير أخري‪ ،‬كقولهم‪ :‬كل السمك أو اللبن‪ ،‬وأرادوا‬
‫بالباحة جواز الجمع‪ ،‬وهي في نفسها تثبت القدر المشترك‪ ،‬وهو أحد الثنين‪ .‬إما مع إباحة الخر أو حظره‪ ،‬فل تدل‬
‫عليه بنفسها‪ ،‬بل من جهة المادة الخاصة؛ ولهذا جمعنا بين القتل والصلب‪ ،‬وبينه وبين القطع علي رواية‪ ،‬فإن ]أو[ ل‬
‫تنفي ذلك‪ ،‬فإذا كان حرف أو يدل علي مجرد إثبات أحد المذكورات‪ ،‬فهنا مسلكان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن يقال‪ :‬إذا كانت في مادة اليجاب أفادت التخيير‪ ،‬وإذا كانت في مادة الجواز أفادت القدر المشترك‪ ،‬كما هو‬
‫مشهور عن النحاة المتكلمين في معاني الحروف أنهم يقولون‪ :‬يراد بها؛ تارة‪ :‬الذن في أحد الشيئين مع حظر الخر‪،‬‬
‫وتارة‪ :‬الذن في أحدهما وإن ضم إليه الخر‪ ،‬كما ذكروه من المثلة‪.‬‬
‫وحينئٍذ‪ ،‬فهذه الية في مادة الجواز؛ لن المنفي هو الجواز‪ ،‬فيكون ‪ /‬الُمْثَبت هو الجواز كما ذكرناه في آية الصدقات‪،‬‬
‫بخلف آية الكفارة‪ ،‬فإنها في مادة الوجوب‪.‬‬
‫المسلك الثاني‪ :‬أن يقال‪ :‬ل فرق بين المادتين‪ ،‬الجواز والوجوب‪ ،‬بل وفي الوجوب قد يباح الجمع‪ ،‬كما لو كفر‬
‫بالجميع مع الغني‪ ،‬لكن يقال‪ :‬دللتها في الجميع علي التفريق المطلق ضد دللة ]الواو[‪.‬‬
‫ثم إن لم يدل دليل علي ترتيب ول تعيين‪ ،‬جاز فعل كل واحد من الخصال‪ ،‬لعدم ما يدل علي التعيين والترتيب‪ ،‬ل‬
‫حِريُر َرَقَبٍة{ ]النساء‪ ،[ 92 :‬فإن الرقبة المعينة يجزي عتقها‪ ،‬كثبوت القدر‬
‫للدليل المنافي لذلك‪ ،‬كما في قوله‪َ} :‬فَت ْ‬
‫ل دليل علي التعيين‪ ،‬والترتيب‪ ،‬قلنا به‪،‬‬
‫ل علي نفس المعين‪ ،‬وإن َد ّ‬
‫المشترك فيها‪ ،‬وعدم ما يوجب المعين‪ ،‬ل لدليل َد ّ‬
‫كما نقول بتقييد المطلق‪ ،‬وليس تقييد المطلق رفًعا لظاهر اللفظ‪ ،‬بل ضم حكم آخر إليه‪ ،‬وهذا مسلك حسن في هذا‬
‫الموضع ونظائره‪ ،‬فإنه يجب الفرق بين ما يثبته اللفظ وبين ما ينفيه‪ ،‬فإذا قلنا في المحاربين بالتعيين لدليل خبري أو‬
‫قياسي‪ ،‬كان كالقول بالترتيب في الوضوء‪ ،‬واليمان في الرقبة ونحوهما‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سوَرة التْكوير‬
‫ُ‬

‫حمُه ال‪:‬‬
‫لم ـ َر ِ‬
‫وقال شيخ الس َ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫ت{ ]التكوير‪ ،[ 9 ،8 :‬دليل علي أنه ل يجوز قتل النفس إل بذنب منها‪ ،‬فل يجوز‬
‫ب ُقِتَل ْ‬
‫ي َذن ٍ‬
‫ت ِبَأ ّ‬
‫سِئَل ْ‬
‫قوله‪َ} :‬وِإَذا اْلَمْوُؤوَدُة ُ‬
‫قتل الصبي والمجنون؛ لن القلم مرفوع عنهما‪ ،‬فل ذنب لهما‪ ،‬وهذه العلة ل ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل‬
‫صبيان أهل الحرب‪ ،‬وأما العلة المشتركة بينهم وبين النساء فكونهم ليسوا من أهل القتال علي الصحيح الذي هو قول‬
‫الجمهور‪ ،‬أو كونهم يصيرون للمسلمين‪.‬‬

‫فأما التعليل بهذا وحده في الصبي فل‪ ،‬والية تقتضي ذم قتل كل من ل ذنب له من صغير وكبير‪ ،‬وسؤالها توبيخ‬
‫طاٍن َرِجيٍم{ ]التكوير‪ ،[25 - 19 :‬هو‬
‫شْي َ‬
‫ل َ‬
‫ل َكِريٍم{ إلى قوله‪َ} :‬وَما ُهَو ِبَقْو ِ‬
‫سو ٍ‬
‫ل َر ُ‬
‫قاتلها‪ ،‬وقوله في السورة‪ِ} :‬إّنُه َلَقْو ُ‬
‫جبريل وهو نظير ما في سورة الشعراء‪ ،‬أنه تنزلت به الملئكة ل الشياطين؛ بخلف الفك ونحوه‪ ،‬فإنه تنزل به‬
‫الشياطين‪ ،‬فوقع الفرق بين النبي صلى ال عليه وسلم والّفاك والشاعر والكاهن‪ ،‬وبين الملك والشيطان‪ ،‬والعلماء‬
‫ورثة النبياء ‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫وقال شيخ السلم‪:‬‬

‫ب اْلَعاَلِميَن{ ]التكوير‪ ،[ 29:‬أخبر أن مشيئتهم موقوفة علي مشيئته‪ ،‬ومع‬
‫ل َر ّ‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاُؤو َ‬
‫في قوله تعالى‪َ}:‬وَما َت َ‬
‫هذا‪ ،‬فل يوجب ذلك وجود الفعل منهم ؛ إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين‪ ،‬ول يقع الفعل منهم حتي يشاؤه منهم‪ ،‬كما في‬
‫ل{ ]المدثر‪ ،[ 56 ،55 :‬ومع هذا‪ ،‬فلبد من إرادة الفعل منهم حتي‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاء َذَكَرُه َوَما َيْذُكُرو َ‬
‫قوله تعالى‪َ} :‬فَمن َ‬
‫يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم‪.‬‬
‫فهنا أربع إرادات‪ :‬إرادة البيان‪ ،‬وإرادة المشيئة‪ ،‬وإرادة الفعل‪ ،‬وإرادة العانة‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫سوَرة العلى‬
‫ُ‬
‫وقال الشيخ ـ رحمه ال ‪:‬‬
‫فصـــل‬
‫قال ابن ُفوَرك ـ في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق السفرائيني يحكي ما جرى له ـ قال‪ :‬وجرى في كلم السلطان‪:‬‬
‫أليس تقول إنه يري ل في جهة؟ فقلت‪) :‬نعم‪ ،‬يرى ل في جهة‪ ،‬كما أنه لم يزل يرى نفسه ل في جهة‪ ،‬ول من جهة‪،‬‬
‫ضا‪) :‬المرئيات المعقولة فيما بيننا‬
‫ويراه غيره على ما يرى ورأى نفسه‪ .‬والجهة ليست بشرط في الرؤية(‪ .‬وقلت ـ أي ً‬
‫هكذا نراها في جهة ومحل‪ .‬والقضاء بمجرد المعهود ل يمكن دون السير والبحث؛ لنا كما ل نري إل في جهة‬
‫ومحل‪ ،‬كذلك لم نر إل متلوًنا ذا قدر وحجم يحتمل المساحة‪ ،‬والثقل‪ ،‬ول يخلو من ‪ /‬حرارة ورطوبة أو يبوسة‪ ،‬إذا لم‬
‫ضا ل يقبل التثنية والتأليف وغير ذلك‪ ،‬ومع هذا فل عبرة بشيء من هذا(‪.‬‬
‫يكن عر ً‬
‫قال‪ :‬ثم بلغني أن السلطان ذلك اليوم والليلة وثاني يوم‪ ،‬يكرر على نفسه في مجلسه‪ :‬كيف يعقل شيء ل في جهة؟ وما‬
‫شغل القلب في أول المر وتربي عليه فإن قلعه صعب‪ ،‬وال المعين‪ .‬غير أنه َفِرحت الكرامية بما كان منه في ذلك‪.‬‬
‫فلما رجعت إلى البيت فإذا أنا برقعة فيها مكتوب‪] :‬الستاذ ـ أدام ال سلمته ـ على مذهبه أن الباري ليس في جهة‪،‬‬
‫فكيف يري ل في جهة؟[‪.‬‬
‫فكتبت‪:‬خبر الرؤية صحيح‪ .‬وهي واجبة كما بشرهم النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفيه دللة على أن ال يري ل في‬
‫جهة؛ لنه صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ل تضامون في رؤيته(‪ ،‬ومعناه‪:‬ل تضمكم جهة واحدة في رؤيته‪،‬فإنه ل في‬
‫جهة‪.‬وكلًما طويل من كل وجه ملت ظهر الرقعة وبطنها منه‪.‬‬
‫فلما ُرّدت إليه‪ ،‬أنفذها إلى حاكم البلد‪ ،‬وهو أبو محمد الناصحي‪ ،‬واستفتاه فيما قلته‪ ،‬فجمع قوًما من الحنفية‪،‬‬
‫والكرامية‪ ،‬فكتب هو ـ أعزك ال‪ :‬بأن من قال بأن ال ل يري في جهة مبتدع ضال‪ ،‬وكتب أبو حامد المعتزلي مثله‪،‬‬
‫وكتب إنسان بسطامي مؤدب في دار ‪ /‬صاحب الجيش مثله‪ ،‬فردوا عليه‪ ،‬فأنفذ إلى ما في ذلك المحضر الذي فيه‬
‫خطوطهم‪ ،‬وكتب إلى رقعة وقال فيها‪ :‬إنهم كتبوا هكذا‪ .‬فما تقول في هذه الفتاوى؟‬
‫فقلت‪ :‬إن هؤلء القوم يجب أن يسألوا عن مسائل الفقه التي يقال فيها بتقليد العامي للعالم؛فأما معرفة الصول‬
‫والفتاوى فيها فليس من شأنهم‪،‬وهم يقولون‪:‬إنا ل نحسن ذلك‪.‬‬
‫ل يري من غير معاينة ومواجهة‪ .‬قول انفردوا به دون سائر طوائف المة‪ ،‬وجمهور العقلء‬
‫قلت‪ :‬قول هؤلء‪ :‬إن ا ّ‬
‫على أن فساد هذا معلوم بالضرورة‪.‬‬

‫والخبار المتواترة عن النبي صلى ال عليه وسلم ترد عليهم‪ ،‬كقوله في الحاديث الصحيحة‪) :‬إنكم سترون ربكم كما‬
‫ترون الشمس والقمـر ل تضارون في رؤيتـه( ‪ ،‬وقوله ـ لما سأله الناس ـ‪ :‬هل نري ربنا يوم القيامة؟ قال‪) :‬هل ترون‬
‫الشمس صحًوا ليس دونها سحاب؟( قالوا‪ :‬نعم‪) .‬وهل ترون القمر صحًوا ليس دونه سحاب؟( قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قال‪) :‬فإنكم‬
‫ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر( ‪.‬‬
‫فشبه الرؤية بالرؤية‪ ،‬ولم يشبه المرئي بالمرئي؛ فإن الكاف ـ حرف ‪ /‬التشبيه ـ دخل على الرؤية‪ .‬وفي لفظ للبخاري‪:‬‬
‫)يرونه عياًنا(‪ .‬ومعلوم أنا نري الشمس والقمر عياًنا مواجهة‪ ،‬فيجب أن نراه كذلك‪ ،‬وأما رؤية ما ل نعاين ول‬
‫نواجهه فهذه غير متصورة في العقل‪ ،‬فضل عن أن تكون كرؤية الشمس والقمر‪.‬‬
‫حّذاُقهم إلى إنكار الرؤية‪ ،‬وقالوا‪ :‬قولنا هو قول المعتزلة في الباطن؛ فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف‬
‫ولهذا‪ ،‬صار ُ‬
‫ونحو ذلك مما ل ننازع فيه المعتزلة‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬إن الخبر يدل على أنهم يرونه ل في جهة‪ ،‬وقوله‪) :‬ل تضامون(؛ معناه‪ :‬ل تضمكم جهة واحدة في رؤيته‪،‬‬
‫فإنه ل في جهة‪ ،‬فهذا تفسير للحديث بما ل يدل عليه‪ ،‬ول قاله أحد من أئمة العلم‪ ،‬بل هو تفسير منكر عقل وشرعا‬
‫ولغة‪.‬‬
‫فإن قوله‪) :‬ل تضامون(‪ ،‬يروي بالتخفيف‪ ،‬أي‪ :‬ل يلحقكم ضيم في رؤيته‪ ،‬كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن‬
‫كالهلل‪ ،‬فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يري‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ يتجلي تجلًيا ظاهًرا‪ ،‬فيرونه كما تري‬
‫الشمس والقمر بل ضيم يلحقكم في رؤيته‪ ،‬وهذه الرواية المشهورة‪.‬‬
‫وقيل‪) :‬ل تضاّمون(‪ ،‬بالتشديد‪ ،‬أي‪ :‬ل ينضم بعضكم إلى بعض‪ / ،‬كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلل‪.‬‬
‫وكذلك‪) :‬تضارون(‪ ،‬و )تضاّرون(‪.‬‬
‫فإما أن يروي بالتشديد ويقال‪) :‬ل تضاّمون(‪ ،‬أي ل تضمكم جهة واحدة‪ ،‬فهذا باطل؛ لن التضام انضمام بعضهم إلى‬
‫بعض‪ ،‬فهو ]تفاعل[‪ ،‬كالتماس‪ ،‬والتراد‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وقد يروي‪) :‬ل تضاّمون( بالضم والتشديد‪ ،‬أي‪ :‬ل يضام بعضكم‬
‫ضا‪.‬‬
‫بع ً‬
‫ضا‪ ،‬ليس هو أن شيًئا آخر ل يضمكم‪ ،‬فإن هذا المعني ل‬
‫وبكل حال‪ ،‬فهو من ]التضام[ الذي هو مضامة بعضهم بع ً‬
‫يقال فيه‪) :‬ل تضامون(‪ ،‬فإنه لم يقل‪ :‬ل يضمكم شيء‪.‬‬
‫ثم يقال‪ :‬الراؤون كلهم في جهة واحدة على الرض‪،‬وإن قدر أن المرئي ليس في جهة‪ ،‬فكيف يجوز أن يقال‪ :‬ل‬
‫تضمكم جهة واحدة‪،‬وهم كلهم على الرض ـ أرض القيامة ـ أو في الجنة‪ ،‬وكل ذلك جهة‪ ،‬ووجودهم نفسهم ل في‬
‫جهة ومكان ممتنع حسا وعقل‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬هو يري ل في جهة فكذلك يراه غيره‪ .‬فهذا تمثيل باطل‪ ،‬فإن النسان يمكن أن يري بدنه‪ ،‬ول يمكن أن‬
‫ل‪.‬‬
‫يري غيره‪ ،‬إل أن يكون بجهة منه‪ ،‬وهو أن يكون أمامه‪ ،‬سواء كان عالًيا أو ساف ً‬
‫خَرق له العادة فيرى من خلفه‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إني لراكم من بعدي(‪ ،‬وفي رواية‪) :‬من‬
‫‪ /‬وقد ُت ْ‬
‫ل لبصر من ورائي كما‬
‫بعد ظهري(‪ ،‬وفي لفظ للبخاري‪) :‬إني لراكم من ورائي(‪ ،‬وفي لفظ في الصحيحين‪):‬إني وا ّ‬
‫أبصر من بين يدي(‪ ،‬لكن هم بجهة منه‪ ،‬وهم خلفه‪ ،‬فكيف تقاس رؤية الرائي لغيره على رؤيته لنفسه؟‬
‫ثم تشبيه رؤيته هو برؤيتنا نحن تشبيه باطل‪ ،‬فإن بصره يحيط بما رآه بخلف أبصارنا‪.‬‬
‫وهؤلء القوم‪ ،‬أثبتوا ما ل يمكن رؤيته‪ ،‬وأحبوا نصر مذهب أهل السنة والجماعة والحديث‪ ،‬فجمعوا بين أمرين‬
‫متناقضين‪ ،‬فإن ما ل يكون داخل العالم ول خارجه ول يشار إليه يمتنع أن يري بالعين لو كان وجوده في الخارج‬
‫ممكًنا‪ ،‬فكيف وهو ممتنع؟ وإنما يقدر في الذهان من غير أن يكون له وجود في العيان‪ ،‬فهو من باب الوهم والخيال‬
‫الباطل‪.‬‬

‫سَرْتها المعتزلة‪ ،‬لكن عند‬
‫صاُر{ ]النعام‪ ،[103 :‬كما َف ّ‬
‫لْب َ‬
‫ل ُتْدِرُكُه ا َ‬
‫ولهذا فسروا ]الدراك[ بالرؤية في قوله‪ّ } :‬‬
‫المعتزلة‪ :‬هذا خرج مخرج المدح فل يري بحال‪ ،‬وهؤلء قالوا‪ :‬ل يَري في الدنيا دون الخرة‪.‬‬
‫والية تنفي الدراك مطلًقا دون الرؤية كما قال ابن كلب‪ / ،‬وهذا أصح‪.‬وحينئذ‪ ،‬فتكون الية دالة على إثبات الرؤية‪،‬‬
‫وهو أنه يَري ول يْدَرك‪ ،‬فيري من غير إحاطة ول حصر‪ ،‬وبهذا يحصل المدح‪ ،‬فإنه وصف لعظمته أنه ل تدركه‬
‫أبصار العباد وإن رأته‪ ،‬وهو يدرك أبصارهم‪ .‬قال ابن عباس ـ وعكرمة بحضرته ـ لمن عارض بهذه الية‪):‬ألست‬
‫تري السماء؟(‪ ،‬قال‪) :‬بلي(‪ ،‬قال‪) :‬أفكلها تري؟(‪.‬‬
‫يٍء ّمْن ِعْلِمِه ِإّل ِبَما َشاء{ ]البقرة‪ ،[ 255 :‬وهؤلء يقولون‪ :‬علمه شيء واحد ل يمكن أن‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫وكذلك قال‪َ} :‬و َ‬
‫يحاط بشيء منه دون شيء‪ ،‬فقالوا‪ :‬ول يحيطون بشيء من معلومه‪ .‬وليس المر كذلك‪ ،‬بل نفس العلم جنس يحيطون‬
‫منه بما شاء‪ ،‬وسائره ل يحيطون به‪.‬‬
‫عْلًما{ ]طه‪ ،[ 110 :‬والراجح من القولين أن الضمير عائد إلى‪َ} :‬ما‬
‫ن ِبِه ِ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫وقال‪َ} :‬يْعَلُم َما َبْي َ‬
‫َبْيَن َأْيِديِهْم َوَما َخْلَفُهْم{ ‪ ،‬وإذا لم يحيطوا بهذا علًما‪ ،‬وهو بعض مخلوقات الرب‪ ،‬فإن ل يحيطوا علما بالخالق أولي‬
‫عاٍد َوَثُموَد‬
‫ح َو َ‬
‫ن ِمن َقْبِلُكْم َقْوِم ُنو ٍ‬
‫ل ُهَو{ ]المدثر‪ ،[13 :‬وقال‪َ} :‬أَلْم َيْأِتُكْم َنَبُأ اّلِذي َ‬
‫ك ِإ ّ‬
‫جُنوَد َرّب َ‬
‫وأحري‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وَما َيْعَلُم ُ‬
‫ت َفَرّدوْا َأْيِدَيُهْم ِفي َأْفَواِهِهْم{ الية ]إبراهيم‪.[9 :‬‬
‫سُلُهم ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫جاءْتُهْم ُر ُ‬
‫ل َ‬
‫لا ّ‬
‫ل َيْعَلُمُهْم ِإ ّ‬
‫ن ِمن َبْعِدِهْم َ‬
‫َواّلِذي َ‬

‫صاُر{ ]النعام‪ ،[ 103 :‬أي‪ :‬ل تحيط به‪ ،‬دل على أنه ‪ /‬يوصف بنفي الحاطة به مع إثبات‬
‫لْب َ‬
‫ل ُتْدِرُكُه ا َ‬
‫فإذا قيل‪ّ } :‬‬
‫الرؤية‪ .‬وهذا ممتنع على قول هؤلء‪ ،‬فإن هذا إنما يكون بزعمهم فيما ينقسم‪ ،‬فيري بعضه من بعض‪ ،‬فتكون هناك‬
‫رؤية بل إدراك وإحاطة‪ ،‬وعندهم‪ :‬ل يتصور أن يري إل رؤية واحدة متماثلة‪ ،‬كما يقولونه في كلمه‪ :‬إنه شيء واحد‬
‫ل يتبعض ول يتعدد‪ .‬وفي اليمان به‪ :‬إنه شيء واحد ل يقبل الزيادة والنقصان‪.‬‬
‫وأما الدراك والحاطة الزائد على مطلق الرؤية‪ ،‬فليس انتفاؤه لعظمة الرب عندهم‪ ،‬بل لن ذاته ل تقبل ذاك كما‬
‫قالت المعتزلة‪ :‬إنها ل تقبل الرؤية‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فهم والمعتزلة ل يريدون أن يجعلوا للبصار إدراًكا غير الرؤية‪ ،‬سواء أثبتت الرؤية أو نفيت‪ ،‬فإن هذا يبطل‬
‫وأي ً‬
‫قول المعتزلة بنفي الرؤية‪ ،‬ويبطل قول هؤلء بإثبات رؤية بل معاينة ومواجهة‪.‬‬
‫صـل‬
‫َف ْ‬
‫هذا‪ ،‬مع أن ابن ُفوَرك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين‪ ،‬وكذلك المجيء والتيان‪ ،‬موافقًة لبي الحسن‪،‬‬
‫فإن هذا قوله‪ ،‬وقول متقدمي أصحابه‪.‬‬
‫‪ /‬فقال ابن ُفَورك ـ فيما صنف في أصول الدين‪ :‬فإن سألت الجهمية عن الدللة على أن القديم سميع بصير‪ ،‬قيل لهم‪:‬‬
‫قد اتفقنا على أنه حي تستحيل عليه الفات‪ ،‬والحي إذا لم يكن مأووًفا بآفات تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات‬
‫كان سميًعا بصيًرا‪.‬‬
‫وإن سألت فقلت‪ :‬أين هو؟‪ ،‬فجوابنا‪ :‬إنه في السماء‪ ،‬كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك‪ ،‬فقال عز من قائل‪َ} :‬أَأِمنُتم‬
‫ّمن ِفي الّسَماء{ ]الملك‪ ،[ 16 :‬وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه‪ .‬وأنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم‬

‫ل؟ لقالوا‪ :‬إنه في السماء‪ ،‬ولم ينكروا لفظ السؤال بـ ]أين[؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم سأل الجارية‬
‫فقلت‪ :‬أين ا ّ‬
‫التي عرضت للعتق فقال‪) :‬أين ال؟(‪ ،‬فقالت‪ :‬في السماء مشيرة بها‪ .‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬اعتقها‪ ،‬فإنها‬
‫مؤمنة(‪ .‬ولو كان ذلك قول منكًرا لم يحكم بإيمانها‪ ،‬ولنكره عليها‪ .‬ومعني ذلك أنه فوق السماء؛ لن ]في[‪ :‬بمعني‬
‫ض{ ]التوبة‪ ،[ 2 :‬أي‪ :‬فوقها‪.‬‬
‫لْر ِ‬
‫حوْا ِفي ا َ‬
‫سي ُ‬
‫ل تعالى‪َ} :‬ف ِ‬
‫فوق‪ ،‬قال ا ّ‬
‫قال‪ :‬وإن سألت‪] :‬كيف هو؟[‪ ،‬قلنا له‪] :‬كيف[ سؤال عن صفته ـ وهو ذو الصفات العلى ـ هو العاِلم الذي له العلم‪،‬‬
‫شبه شيًئا‪ ،‬ول يشبهه شيء‪.‬‬
‫والقادر ‪ /‬الذي له القدرة‪ ،‬والحي الذي له الحياة‪ ،‬الذي لم يزل منفرًدا بهذه الصفات ل ي ْ‬

‫قلت‪ :‬فهذا الكلم هو موافق لما ذكره الشعري ]هو أبو الحسن على بن إسماعيل بن إسحاق‪ ،‬من نسل الصحابي أبو‬
‫موسي الشعري توفي عام ‪423‬هـ‪ ،‬وكان مولده سنة ‪072‬هـ[ في كتاب ]البانة[‪ ،‬ولما ذكره ابن كلب كما حكاه عنه‬
‫ابن فورك‪ ،‬لكن ابن كلب يقول‪ :‬إن العلو والمباينة من الصفات العقلية‪ ،‬وأما هؤلء فيقولون‪ :‬كونه في السماء صفة‬
‫خبرية كالمجيء والتيان‪ ،‬ويطلقون القول بأنه بذاته فوق العرش‪ ،‬وذلك صفة ذاتية عندهم‪.‬‬
‫والشعري يبطل تأويل من تأول الستواء بمعني الستيلء والقهر‪ ،‬بأنه لم يزل مستولًيا على العرش وعلى كل شيء‪،‬‬
‫والستواء مختص بالعرش‪ ،‬فلو كان بمعني الستيلء لجاز أن يقال‪ :‬هو مستو على كل شيء وعلى الرض وغيرها‪.‬‬
‫ل عليها‪ .‬ولما اتفق المسلمون على أن الستواء مختص بالعرش‪ ،‬فهذا الستواء الخاص ليس‬
‫كما يقال‪ :‬إنه مستو ٍ‬
‫بمعني الستيلء العام‪ ،‬وأين للسلطان جعل الستواء بمعني القهر والغلبة‪ ،‬وهو الستيلء؟‬
‫ل أعلم ـ أن يكون اجتهاده مختلًفا في هذه المسائل كما اختلف اجتهاد غيره‪ ،‬فأبو المعالي كان يقول‬
‫فيشبه ـ وا ّ‬
‫بالتأويل‪ ،‬ثم حرمه‪ ،‬وحكي إجماع السلف على تحريمه‪ ،‬وابن عقيل له أقوال مختلفة‪ ،‬وكذلك ‪ /‬لبي حامد‪ ،‬والرازي‪،‬‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫ومما يبين اختلف كلم ابن فورك أنه في مصنف آخر قال‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬أين هو؟ قيل‪ :‬ليس بذي كيفية فنخبر عنها‬
‫إل أن يقول‪] :‬كيف صنعه؟[‪ ،‬فمن صنعه أنه يعز من يشاء ويذل من يشاء‪ ،‬وهو الصانع للشياء كلها‪.‬‬
‫فهنا أبطل السؤال عن الكيفية‪ ،‬وهناك‪ :‬جوزه‪ ،‬وقال‪ :‬الكيفية هي الصفة‪ ،‬وهو ذو الصفات‪ ،‬وكذلك السؤال عن‬
‫الماهية‪ ،‬قال في ذلك المصنف‪ :‬وإن سألت الجهمية فقالت‪ :‬ما هو؟‪ ،‬يقال لهم‪] :‬ما[ يكون استفهاًما عن جنس أو صفة‬
‫ل عن صفته فهو العلم‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والكلم والعزة‪ ،‬والعظمة‪.‬‬
‫في ذات المستفهم‪ .‬فإن أردت بذلك سؤا ً‬
‫وقال في الخر‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬حدثونا عن الواحد الذي تعبدونه ما هو؟ قيل‪ :‬إن أردت بقولك‪ :‬ما جنسه؟ فليس بذي‬
‫جنس‪ ،‬وإن أردت بقولك‪ :‬ماهو؟ أي‪ :‬أشيروا إليه حتي أدركه بحواسي‪ ،‬فليس بحاضر للحواس‪ ،‬وإن أردت بقولك‪:‬‬
‫ل‪،‬‬
‫ماهو؟ أي‪ :‬دلوني عليه بعجائب صنعته وآثار حكمته‪ ،‬فالدللة عليه قائمة‪ .‬وإن أردت بقولك‪ :‬ما اسمه؟ فنقول‪ :‬هو ا ّ‬
‫الرحمن‪ ،‬الرحيم‪ ،‬القادر‪ ،‬السميع‪ ،‬البصير‪.‬‬
‫‪ /‬وهو في هذا المصنف أثبت أنه على العرش بخلف ما كان عليه قبل العرش‪ ،‬فقال‪ :‬فإن قال‪ :‬فحدثونا عنه أين كان‬
‫قبل أن يخلق؟ قيل‪] :‬أين؟[ تقتضي مكاًنا‪ ،‬والمكنة مخلوقات‪ ،‬وهو ـ سبحانه ـ لم يزل قبل الخلق والماكن‪ ،‬ل في‬
‫مكان ول يجرى عليه وقت ول زمان‪.‬‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪.[5 :‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫فإن قال‪ :‬فعلى ما هـو اليوم؟ قيـل له‪ :‬مستٍو على العـرش كما قال ـ سبحانه‪} :‬الّر ْ‬
‫وقال‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬لم يزل الباري قادًرا عالًما حًيا سميًعا بصيًرا؟ قيل‪:‬نعم‪ ،‬فإن قال‪ :‬فلم أنكرتم أن يكون لم يزل‬
‫خالًقا؟ قيل له‪ :‬إن أردت بقولك‪:‬لم يزل خالقا‪ .‬أي‪ :‬لم يزل الخلق معه في قدمه‪ ،‬فهذا خطأ‪ ،‬لن معني الخلق أنه لم يكن‬
‫ثم كان‪ .‬فكيف يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجوًدا‪ ،‬وإن أردت بقولك أن الخالق لم يزل وكان قادًرا على أن يخلق‬
‫الخلق‪ ،‬فكذلك نقول‪ :‬لن الخالق لم يزل والخلق لم يكن ثم كان‪ ،‬وقد كان لم يزل قادًرا على أن يخلق الخلق‪ ،‬فهذا‬
‫الجواب‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإن قيل‪ :‬إذا قلتم إنه الن خالق فما أنكرتم أن يكون لم يزل خالًقا؟ قيل له‪ :‬ل يلزم ذلك‪ ،‬وذلك أنـه الن مستٍو‬
‫على ‪ /‬عرشـه‪ ،‬فـل يجب أن يكون لم يـزل مستوًيا على عرشه‪ ،‬فكذلك ما قلناه يناسبه‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬الستواء منه فعل‪ ،‬ويستحيل أن يكون الفعل لم يزل‪ ،‬قال‪ :‬قيل‪ :‬والخلق منه فعل‪ ،‬ويستحيل أن يكون الخلق‬
‫لم يزل‪.‬‬
‫فهذا الكلم ليس إل ببيان الذين يقولون‪ :‬إنه استوي على العرش بعد أن لم يكن‪ ،‬ويقولون بقدم صفة التكوين والخلق‪،‬‬
‫وأنه لم يزل خالًقا‪ ،‬فألزمهم‪ :‬أنا نقول في الخلق ما نقوله نحن وأنتم في الستواء‪ .‬وهذا جواب ضعيف من وجوه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أنه في الحقيقة ليس عنده أنه استوي بعد أن لم يكن‪ ،‬كما قد بحثه مع السلطان‪ ،‬بل هو الن كما كان‪ ،‬فل يصح‬
‫القياس عليه‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه قد سلم أنه لم يزل قادًرا على أن يخلق الخلق‪ ،‬وهذا يقتضي إمكان وجود المقدور في الزل‪ ،‬فإنه إذا كان‬
‫المقدور ممتنًعا لم تكن هناك قدرة‪ ،‬فكيف يجعله لم يزل قادًرا مع امتناع أن يكون المقدور لم يزل ممكًنا؟ بل المقدور‬
‫عنده كان ممتنًعا ثم صار ممكًنا بل سبب حادث اقتضي ذلك‪.‬‬
‫‪ /‬الثالث‪ :‬أن قوله‪ :‬لن معني الخلق أنه لم يكن ثم كان‪ ،‬فكيف يكون ما لم يكن ثم كان لم يزل موجوًدا؟ فيقال‪ :‬بل كل‬
‫ل وحده‪.‬وإذا قيل‪:‬لم يزل خالًقا‪ ،‬فإنما يقتضي قدم نوع‬
‫مخلوق فهو محدث مسبوق بعدم نفسه‪ ،‬وما ثم قديم أزلي إل ا ّ‬
‫الخلق‪ ،‬و]دوام خالقيته[ ل يقتضي قدم شيء من المخلوقات‪ ،‬فيجب الفرق بين أعيان المخلوقات الحادثة بعد أن لم‬
‫تكن‪ ،‬فإن هذه ل يقول عاقل إن منها شيًئا أزلًيا‪ ،‬ومن قال بقدم شيء من العالم ـ كالفلك أو مادته ـ فإنه يجعله مخلوقا‬
‫بمعني أنه كان بعد أن لم يكن‪ ،‬ولكن إذ أوجده القديم‪.‬‬
‫ل خالًقا‪ ،‬ودوام خالقيته من لوازم وجوده‪ .‬فهذا ليس قول بقدم شيء من المخلوقات‪ ،‬بل هذا متضمن‬
‫ولكن لم يزل فعا ً‬
‫لحدوث كل ما سواه‪ .‬وهذا مقتضي سؤال السائل له‪.‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬أن يقال‪ :‬العرش حادث‪ ،‬كائن بعد أن لم يكن‪ ،‬لم يزل مستوًيا عليه بعد وجوده‪ ،‬وأما الخلق‪ :‬فالكلم في‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫نوعه‪ ،‬ودليله على امتناع حوادث ل أول لها‪ ،‬قد عرف ضعفه‪ .‬وا ّ‬
‫وكان ابن ُفوَرك ـ في مخاطبة السلطان ـ قصد إظهار مخالفة الَكّرامية‪ ،‬كما قصد بنيسابور القيام على المعتزلة في‬
‫استتابتهم‪ ،‬وكما َكّفَرهم عند ‪ /‬السلطان‪ ،‬ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الجتهاد‪ ،‬بل ابتدع‬
‫بدعة وعادي من خالفه فيها أو َكّفره‪ ،‬فإنه هو ظلم نفسه‪.‬‬
‫وأهل السنة والعلم واليمان يعلمون الحق‪ ،‬ويرحمون الخلق؛ يتبعون الرسول فل يبتدعون‪ .‬ومن اجتهد فأخطأ خطأ‬
‫يعذره فيه الرسول عذروه‪ ،‬وأهل البدع ـ مثل الخوارج ـ يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه‪ ،‬وهؤلء‬
‫ل بباطل‪.‬‬
‫ضا مبتدع‪ ،‬فيرد بدعة ببدعة‪ ،‬وباط ً‬
‫كل منهم يرد بدعة الخرين‪ ،‬ولكن هو أي ً‬
‫سا بعد مجلس هو من هذا الباب‪ .‬فإن المعتزلة والَكّراِمية يقولون‬
‫وكذلك ما حكاه من مناظراتهم له عند الوزير‪ ،‬مجل ً‬
‫ضا كذلك ـ يقول حًقا وباطل موافقة لبي الحسن‪ ،‬وأبو الحسن سلك في‬
‫حًقا وباطل‪ ،‬وسنة وبدعة‪ ،‬كما أنه هو ـ أي ً‬
‫مسألة السماء‪ ،‬والحكام‪ ،‬والقدر‪ ،‬مسلك الجهم بن صفوان‪ ،‬مسلك المجبرة ومسلك غلة المرجئة‪ ،‬فهؤلء قدرية‬
‫مجبرة‪ ،‬والمعتزلة قدرية نافية‪ ،‬فوقع بينهم غاية التضاد في مسائل التعديل والتجويز ونحوها‪.‬‬
‫ل يحب الكلم بعلم وعدل‪ ،‬ويكره الكلم بجهل وظلم‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬القضاة ثلثة‪ :‬قاضيان‬
‫وا ّ‬
‫في النار وقاض ‪ /‬في الجنة؛ رجل قضي للناس على جهل فهو في النار‪ ،‬ورجل علم الحق وقضي بخلفه فهو في‬
‫النار‪ .‬ورجل علم الحق وقضي به فهو في الجنة(‪.‬‬
‫عْلمٌ‬
‫ك ِبِه ِ‬
‫س َل َ‬
‫ف َما َلْي َ‬
‫ل َتْق ُ‬
‫وقد حرم ـ سبحانه ـ الكلم بل علم مطلًقا‪ ،‬وخص القول عليه بل علم بالنهي‪ ،‬فقال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ظَهَر ِمْنَها‬
‫ش َما َ‬
‫ح َ‬
‫ي اْلَفَوا ِ‬
‫حّرَم َرّب َ‬
‫ل ِإّنَما َ‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[ 36 :‬وقال تعالى‪ُ} :‬ق ْ‬
‫سُؤو ً‬
‫عْنُه َم ْ‬
‫ن َ‬
‫ك َكا َ‬
‫ل ُأولـِئ َ‬
‫صَر َواْلُفَؤاَد ُك ّ‬
‫سْمَع َواْلَب َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ِإ ّ‬
‫ل َما َل َتْعَلُموَن{ ]العراف‪.[33:‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫طاًنا َوَأن َتُقوُلوْا َ‬
‫سْل َ‬
‫ل ِبِه ُ‬
‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬
‫شِرُكوْا ِبا ّ‬
‫ق َوَأن ُت ْ‬
‫حّ‬
‫ي ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْثَم َواْلَبْغ َ‬
‫ن َوا ِ‬
‫طَ‬
‫َوَما َب َ‬
‫عِدُلوْا ُهَو‬
‫ل َتْعِدُلوْا ا ْ‬
‫عَلى َأ ّ‬
‫ن َقْوٍم َ‬
‫شَنآ ُ‬
‫جِرَمّنُكْم َ‬
‫ل َي ْ‬
‫سطِ َو َ‬
‫شَهَداء ِباْلِق ْ‬
‫ل ُ‬
‫ن ِّ‬
‫وأمر بالعدل على أعداء المسلمين‪ ،‬فقال‪ُ} :‬كوُنوْا َقّواِمي َ‬
‫ب ِللّتْقَوى{ ]المائدة‪.[8 :‬‬
‫َأْقَر ُ‬

‫صـل‬
‫َف ْ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ وصف نفسه بالعلو‪ ،‬وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم؛ لنه من صفات الكمال‪،‬كما مدح نفسه‬
‫بأنه العظيم‪،‬والعليم‪،‬والقدير‪ ،‬والعزيز‪ ،‬والحليم‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وأنه الحي ‪ /‬القيوم‪ ،‬ونحو ذلك من معاني أسمائه الحسني‪،‬‬
‫فل يجوز أن يتصف بأضداد هذه‪.‬‬

‫فل يجوز أن يوصف بضد الحياة والقيومية والعلم والقدرة‪ ،‬مثل الموت والنوم والجهل والعجز والّلُغوب‪ .‬ول بضد‬
‫العزة وهو الذل‪ ،‬ول بضد الحكمة وهو السفه‪.‬‬
‫فكذلك‪ ،‬ل يوصف بضد العلو وهو السفول‪ ،‬ول بضد العظيم وهو الحقير‪ ،‬بل هو ـ سبحانه ـ منزه عن هذه النقائص‬
‫المنافية لصفات الكمال الثابتة له‪ ،‬فثبوت صفات الكمال له ينفي اتصافه بأضدادها‪ ،‬وهي النقائص‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ ليس كمثله شيء فيما يوصف به من صفات الكمال‪.‬‬
‫فهو منزه عن النقص المضاد لكماله‪ ،‬ومنزه عن أن يكون له مثل في شيء من صفاته‪ ،‬ومعاني التنزيه ترجع إلى‬
‫صَمُد{ ]الخلص‪:‬‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهَو ا ُّ‬
‫هذين الصلين‪ ،‬وقد دل عليهما سورة الخلص التي تعدل ثلث القرآن بقوله‪ُ}:‬ق ْ‬
‫‪ ،[ 2 ،1‬فاسمه ]الصمد[‪ :‬يجمع معاني صفات الكمال‪ ،‬كما قد بسط ذلك في تفسير هذه السورة وفي غير موضع‪ ،‬وهو‬
‫كما في تفسير ابن أبي طلحة‪ ،‬عن ابن عباس؛ أنه المستوجب لصفات السؤدد‪ ،‬العليم ‪ /‬الذي قد كمل في علمه‪ ،‬الحكيم‬
‫الذي قد كمل في حكمته‪ ،‬إلى غير ذلك مما قد بين‪.‬‬
‫حٌد{‬
‫وقوله‪] :‬الحد[ يقتضي أنه ل مثل له ول نظير }َوَلْم َيُكن ّلُه ُكُفًوا َأ َ‬

‫ل تعالى به نفسه من الصفات السلبية‪ ،‬فل بد أن يتضمن معني ثبوتيا‪،‬‬
‫وقد ذكرنا في غير موضع أن ما وصف ا ّ‬
‫فالكمال هو في الوجود والثبوت‪،‬والنفي مقصوده نفي ما يناقض ذلك‪ ،‬فإذا نفي النقيض الذي هو العدم والسلب لزم‬
‫ثبوت النقيض الخر الذي هو الوجود والثبوت‪.‬‬
‫وبينا هذا في آية الكرسي وغيرها مما في القرآن‪ ،‬كقوله‪َ}:‬ل َتْأُخُذُه ِسَنٌة َوَل َنْوٌم{ ‪ ،‬فإنه يتضمن كمال الحياة والقيومية‬
‫ل ِبَما‬
‫عْلِمِه ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫يءٍ ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل ِبِإْذِنِه{ ]البقرة‪ ،[ 255:‬يتضمن كمال الملك‪ .‬وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫عْنَدُه ِإ ّ‬
‫شَفُع ِ‬
‫‪.‬وقوله‪َ}:‬من َذا اّلِذي َي ْ‬
‫َشاء{ ]البقرة‪ ،[ 255 :‬يقتضي اختصاصه بالتعليم دون ما سواه‪.‬‬
‫سَنا ِمن‬
‫ظُهَما{ ]البقرة‪َ} ،[255 :‬وَما َم ّ‬
‫حْف ُ‬
‫ل َيُؤوُدُه ِ‬
‫والوحدانية‪ :‬تقتضي الكمال‪ ،‬والشركة‪ :‬تقتضي النقص‪ .‬وكذلك قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ب َعْنُه ِمْثَقاُل َذّرٍة{ ]سبأ‪ .[ 3 :‬وأمثال ذلك مما هو مبسوط‬
‫ل َيْعُز ُ‬
‫صاُر{ ]النعام‪َ } ،[103 :‬‬
‫لْب َ‬
‫ل ُتْدِرُكُه ا َ‬
‫ب{ ]ق‪ّ } ،[38 :‬‬
‫ّلُغو ٍ‬

‫في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫‪ /‬والمقصود هنا أن علوه من صفات المدح اللزمة له‪ .‬فل يجوز اتصافه بضد العلو البتة؛ ولهذا قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم في الحديث الصحيح‪) :‬أنت الول فليس قبلك شيء‪ ،‬وأنت الخر فليس بعدك شيء‪ ،‬وأنت الظاهر فليس‬
‫فوقك شيء‪ ،‬وأنت الباطن فليس دونك شيء(‪ ،‬ولم يقل‪] :‬تحتك[‪ ،‬وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬فالمخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه السلف ل يجعلونه متصفا بالعلو دون السفول‪ ،‬بل إما أن‬
‫يصفوه بالعلو والسفول أو بما يستلزم ذلك‪ ،‬وإما أن ينفوا عنه العلو والسفول‪ .‬وهم نوعان‪.‬‬
‫فالجهمية القائلون بأنه بذاته في كل مكان‪ ،‬أو بأنه ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬ل يصفونه بالعلو دون السفول‪ .‬فإنه إذا‬
‫كان في مكان فالمكنة منها عال وسافل‪ ،‬فهو في العالي عال‪ ،‬وفي السافل سافل‪ .‬بل إذا قالوا‪ :‬إنه في كل مكان‪.‬‬
‫فجعلوا المكنة كلها محال له‪ ،‬ظروفا وأوعية‪ ،‬جعلوها في الحقيقة أعلى منه‪ .‬فإن المحل يحوي الحال‪ ،‬والظرف‬
‫والوعاء يحوي المظروف الذي فيه‪ ،‬والحاوي فوق المحوي‪.‬‬
‫والسلف والئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا‪ :‬إنه فوق العرش‪ / ،‬وإنه في السماء فوق كل شيء‪ ،‬ل يقولون إن هناك‬
‫شيئا يحويه أو يحصره‪ ،‬أو يكون محل له أو ظرفا ووعاًء ـ سبحانه وتعالى عن ذلك ـ بل هو فوق كل شيء‪ ،‬وهو‬
‫مستغن عن كل شيء‪ ،‬وكل شيء مفتقر إليه‪ .‬وهو عال على كل شيء‪ ،‬وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته‬
‫وقدرته‪ .‬وكل مخلوق مفتقر إليه‪ ،‬وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق‪.‬‬
‫وما في الكتاب والسنة من قوله‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي الّسَماء{ ]الملك‪ ،[ 16 :‬ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن ]السماء[ هي‬
‫صّلَبّنُكْم ِفي‬
‫ل َ‬
‫سّماء {‪ ،‬بمعنى‪] :‬على السماء[‪ ،‬كما قال‪َ} :‬و َُ‬
‫نفس المخلوق العالي؛ العرش فما دونه‪ ،‬فيقولون‪ :‬قوله }ٌفي ب ّ‬
‫ض{ ]النحل‪ ،[36 :‬أي‪] :‬على‬
‫لْر ِ‬
‫سيُروْا ِفي ا َ‬
‫ل{ ]طه‪ ،[ 71 :‬أي‪] :‬على جذوع النخل[‪ ،‬وكما قال‪َ} :‬ف ِ‬
‫خِ‬
‫ع الّن ْ‬
‫جُذو ِ‬
‫ُ‬

‫سّماء {‪ ،‬أي‪) :‬في العلو‬
‫الرض[‪ .‬ول حاجة إلى هذا‪ ،‬بل‪] ،‬السماء[ اسم جنس للعالي ل يخص شيئا‪ .‬فقوله‪ٌ} :‬في ب ّ‬
‫دون السفل(‪ .‬وهو العلى العلى‪ ،‬فله أعلى العلو‪ ،‬وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره العلى العلى سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫والقائلون بأنه في كل مكان هو عندهم في المخلوقات السفلية القذرة الخبيثة‪ ،‬كما هو في المخلوقات العالية‪ .‬وغلة‬
‫هؤلء التحادية الذين يقولون‪] :‬الوجود واحد[‪ ،‬كابن عربي الطائي صاحب ]فصوص ‪ /‬الحكم[‪ ،‬و]الفتوحات‬
‫المكية[‪ ،‬يقولون‪ :‬الموجود الواجب القديم هو الموجود المحدث الممكن‪.‬‬
‫ولهذا قال ابن عربي في ]فصوص الحكم[‪:‬‬
‫]ومن أسمائه الحسني ]العلي[‪ .‬على من‪ ،‬وما ثم إل هو؟ وعن ماذا‪ ،‬وما هو إل هو؟ فعلوه لنفسه‪ ،‬وهو من حيث‬
‫سّمي ]محدثات[‪ :‬هي العلية لذاتها وليست إل هو[‪.‬‬
‫الوجود عين الموجودات‪ ،‬فالُم َ‬
‫إلي أن قال‪:‬‬
‫]فالعلي لنفسه هو الذي يكون له جميع الوصاف الوجودية والنسب العدمية‪ ،‬سواء كانت محمودة عرفا وعقل‬
‫ل[‪.‬‬
‫ل وشرعا‪ .‬وليس ذلك إل المسمي ا ّ‬
‫وشرعا‪ ،‬أو مذمومة عرفا وعق ً‬
‫فهو عنده الموصوف بكل ذم‪ ،‬كما هو الموصوف بكل مدح‪.‬‬
‫وهؤلء يفضلون عليه بعض المخلوقات‪ ،‬فإن في المخلوقات ما يوصف بالعلو دون السفول كالسماوات‪ .‬وما كان‬
‫موصوفا بالعلو دون السفول كان أفضل مما ل يوصف بالعلو‪ ،‬أو يوصف بالعلو والسفول‪.‬‬
‫وقد قال فرعون‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم اَْلْعَلى{ ]النازعات‪ .[ 24 :‬قال ابن عربي‪:‬‬
‫‪ /‬ولما كان فرعون في منصب التحكم والخليفة بالسيف‪ ،‬جاز في العرف الناموسي أن قال‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم اَْلْعَ {‬
‫لى{‬
‫]النازعات‪ ،[ 24:‬أي‪ :‬وإن كان أن الكل أربابا بنسبة ما‪ ،‬فأنا العلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم‪ .‬ولما علمت‬
‫ضي َهِذهِ اْلَحَياَة الّدْنَيا{ ]طه‪:‬‬
‫ض ِإّنَما َتْق ِ‬
‫ت َقا ٍ‬
‫ض َما َأن َ‬
‫السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه‪ ،‬بل أقروا له بذلك وقالوا له‪َ} :‬فاْق ِ‬
‫‪ [ 72‬فالدولة لك‪ .‬فصح قول فرعون‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم اَْلْعَلى{ ]النازعات‪.[24 :‬‬
‫ل عاليا‪ ،‬فضل عن أن يكون هو‬
‫فبهـذا وأمثاله يصححون قـول فرعـون‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم اَْلْعَلى{ ‪ ،‬وينكـرون أن يكون ا ّ‬
‫العلى‪ ،‬ويقولون‪ :‬على من يكون أعلي‪ ،‬أو‪ :‬عما ذا يكون أعلي؟‬
‫وهكذا سائر الجهمية يصفون بالعلو ـ على وجه المدح ـ ما هو عال من المخلوقات‪ ،‬كالسماء‪ ،‬والجنة‪ ،‬والكواكب‪،‬‬
‫ونحو ذلك‪ .‬ويعلمون أن العالي أفضل من السافل‪ ،‬وهم ل يصفون ربهم بأنه العلى‪ ،‬ول العلي‪ ،‬بل يجعلونه في‬
‫السافلت كما هو في العاليات‪.‬‬
‫والجهمية الذين يقولون‪ :‬ليس هو داخل العالم ول خارجه‪ ،‬ول يشار إليه البتة‪ ،‬هم أقرب إلى التعطيل والعدم‪ ،‬كما أن‬
‫أولئك أقرب إلى الحلول والتحاد بالمخلوقات‪ .‬فهؤلء يثبتون موجوًدا لكنه في الحقيقة المخلوق ل الخالق‪ ،‬وأولئك‬
‫ينفون فل يثبتون وجوًدا البتة‪ ،‬لكنهم ‪ /‬يثبتون وجود المخلوقات‪ ،‬ويقولون‪ :‬إنهم يثبتون وجود الخالق‪.‬‬
‫وإذا قالوا‪ :‬نحن نقول‪ :‬هو عال بالقدرة أو بالقدر‪ ،‬قيل‪ :‬هذا فرع ثبوت ذاته وأنتم لم تثبتوا موجوًدا يعرف وجوده‬
‫فضل عن أن يكون قادًرا أو عظيم القدر‪.‬‬
‫ل قبل خلق المكنة والمخلوقات موجوًدا‪ ،‬وهو الن على ما عليه كان لم يتغير‪ ،‬ولم يكن هناك فوق‬
‫وإذا قالوا‪ :‬كان ا ّ‬
‫شيء ول عالًيا على شيء فذلك هو الن‪ ،‬قيل‪ :‬هذا غلط‪ ،‬ويظهر فساده بالمعارضة ثم بالحل وبيان فساده‪.‬‬

‫أما الول‪ :‬فيلزمهم أل يكون الن عالًيا بالقدرة ول بالقدر كما كان في الزل‪ .‬فإنه إذا قدر وجوده وحده فليس هناك‬
‫موجود يكون قادًرا عليه ول قاهًرا له ول مستولًيا عليه‪ ،‬ول موجودا يكون هو أعظم قدًرا منه‪.‬‬
‫فإن كان مع وجود المخلوقات لم يتجدد له علو عليها كما زعموا‪ ،‬فيجب أن يكون بعدها ليس قاهًرا لشيء ول مستولًيا‬
‫عليه‪ ،‬ول قاهًرا لعباده‪ ،‬ول قدره أعظم من قدرها‪ .‬وإذا كانوا يقولون ـ هم وجميع العقلء ـ إنه مع وجود المخلوق‬
‫يوصف بأمور إضافية ل يوصف ‪ /‬بها إذا قدر موجوًدا وحده علم أن التسوية بين الحالين خطأ منهم‪.‬‬
‫وقد اتفق العقلء على جواز تجدد النسب والضافات مثل المعية‪ ،‬وإنما النزاع في تجدد ما يقوم بذاته من المور‬
‫الختيارية‪ .‬وقد بين في غير هذا الموضع أن النسب والضافات مستلزمة لمور ثبوتية‪ ،‬وأن وجودها بدون المور‬
‫الثبوتية ممتنع‪.‬‬
‫سا فتحول المتحول عن يمينه ـ بعد أن كان عن شماله قيل‪ :‬إنه عن شماله‪ .‬فقد تجدد من هذا فعل‬
‫والنسان إذا كان جال ً‬
‫به تغيرت النسبة والضافة‪ .،‬وكذلك من كان تحت السطح فصار فوقه‪ ،‬فإن النسبة بالتحتية والفوقية تجدد لما تجدد‬
‫فعل هذا‪.‬‬
‫وإذا قيـل‪ :‬نفس السقف لم يتغـير قيل‪ :‬قـد يمنع هـذا‪ ،‬ويقال‪ :‬ليس حكمـه إذا لم يكن فوقـه شيء كحكمـه إذا كـان فوقـه‬
‫شيء‪ .‬وإذا قيل عن الجالس‪ :‬إنه لم يتغير‪ ،‬قيل‪ :‬قد يمنع هـذا‪ ،‬ويقال‪ :‬ليس حكمـه إذا كـان الشخص عـن يساره كحكمه‬
‫إذا كان عن يمينه‪ ،‬فإنـه يحجب هـذا الجانب ويـوجب مـن التفات الشخص وغـير ذلك مـا لم يكن قبل ذلك‪.‬‬
‫وكذلك من تجدد له أخ أو ابن أخ بإيلد أبيه أو أخيه‪ ،‬قد وجد هنا أمور ثبوتية‪ .‬وهذا الشخص يصير فيه من العطف‬
‫والحنو على هذا الولد المتجدد ما لم يكن قبل ذلك‪ ،‬وهي الرحم والقرابة‪.‬‬
‫‪ /‬وبهذا يظهر الجواب الثاني‪ ،‬وهو أن يقال‪:‬‬
‫العلو والسفول ـ ونحو ذلك ـ من الصفات المستلزمة للضافة‪ ،‬وكذلك الستواء‪ ،‬والربوبية‪ ،‬والخالقية‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬فإذا‬
‫كان غيره موجوًدا‪ ،‬فإما أن يكون عالًيا عليه وإما أل يكون‪ ،‬كما يقولون هم‪ :‬إما أن يكون عالًيا عليه بالقهر أو بالقدر‬
‫أو ل يكون‪ ،‬خلف ما إذا قدر وحده‪ ،‬فإنهم ل يقولون‪ :‬إنه حينئذ قاهر‪ ،‬أو قادر أو مستول عليه‪ ،‬فل يقال‪ :‬إنه عال‬
‫طا بالغير‪ ،‬وكذلك علو القدر‪ ،‬قيل‪ :‬وكذلك علو ذاته مازال عالًيا‬
‫عليه‪ .‬وإن قالوا‪) :‬إنه قادر وقاهر( كان ذلك مشرو ً‬
‫بذاته لكن ظهور ذلك مشروط بوجود الغير‪ .‬واللزامات مفحمة لهم‪.‬‬
‫وحقيقة قولهم‪ :‬إنه لم يكن قادًرا في الزل ثم صار قادًرا‪ .‬يقولون‪ :‬لم يزل قادًرا مع امتناع المقدور‪ ،‬وإنه لم يكن الفعل‬
‫ممكًنا فصار ممكنا‪ .‬فيجمعون بين النقيضين‪.‬‬
‫َفصل‬
‫ضا ـ في كل مكان‪ ،‬والذين يقولون‪ :‬إذا‬
‫وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول‪ ،‬فالذين يقولون‪ :‬هو فوق العرش وهو ـ أي ً‬
‫نزل كل ليلة فإنه ‪ /‬يخلو منه العرش‪ ،‬أو غيره من المخلوقات أكبر منه‪ ،‬ويقولون‪ :‬ل يمتنع أن يكون الخالق أصغر‬
‫من المخلوق‪ ،‬كما يقول شيوخهم‪ :‬إنه ل يمتنع أن يكون الخالق أسفل من المخلوق‪ ،‬فهؤلء ل يصفونه بأنه أكبر من‬
‫كل شيء‪ ،‬بل ول هو ـ على قولهم ـ الكبير المتعال‪ ،‬ول هو العلى العظيم‪.‬‬
‫وقد بسط الرد على هؤلء في )مسألة النزول( لما ذكر قول أئمة السنة مثل حماد بن زيد ]هو أبو إسماعيل حماد بن‬
‫درهم الزدي الجهضمي‪ ،‬شيخ العراق في عصره‪ ،‬من حفاظ الحديث الموجودين‪ ،‬يعرف بالزرق‪ ،‬أصله من سبي‬
‫سجستان‪ ،‬مولده ووفاته في البصرة‪ ،‬يحفظ أربعة آلف حديث‪ .‬خرج حديثه الئمة الستة[‪ ،‬وإسحق بن راهويه‪،‬‬
‫وغيرهما‪) :‬إنه ينزل ول يخلو منه العرش( ذكر قول من أنكر ذلك من المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة‪،‬‬
‫ل‪ .‬وهؤلء في مقابلة الذين ينفون النزول‪.‬‬
‫وَبين فساد قولهم شرعا وعق ً‬
‫وإذا قيـل‪ :‬حـديث النزول ونحـوه ظاهـره ليس يحتمـل التأويـل‪ ،‬فهـذا صحيـح إذا أريـد بالظاهـر ما يظهر لهؤلء‬
‫ونحوهم‪ ،‬من أنه ينزل إلى أسفل فيصير تحت العرش كما يـنزل النسـان مــن سطـح داره إلى أسـفـل وعلى قــول‬

‫ل عما يقول الظالمون علًوا‬
‫هـؤلء ول يبقي حينئـذ العلى ول العلى‪ ،‬بل يكـون تـارة أعلى وتـارة أسفل ـ تعالى ا ّ‬
‫كبيًرا‪.‬‬
‫وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام‪ ،‬ومن نزوله ‪ /‬إلى الرض لما خلقها‪ ،‬ومن نزوله لتكليم‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم َواْلَملِئَكُة{ ]البقرة‪:‬‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫موسي‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬كله من باب واحد‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬ه ْ‬
‫ي‬
‫ك َأْو َيْأِت َ‬
‫ي َرّب َ‬
‫ل َأن َتْأِتيُهُم اْلَملِئَكُة َأْو َيْأِت َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪ ،[22 :‬وقوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫‪ ،[210‬وقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ك{ ]النعام‪ .[ 158 :‬والنفاة المعطلة ينفون المجيء والتيان بالكلية‪ ،‬ويقولون‪ :‬ما‬
‫ت َرّب َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫ك َيْوَم َيْأِتي َبْع ُ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫َبْع ُ‬
‫َثّم إل ما يحدث في المخلوقات‪ ،‬والحلولية يقولون‪ :‬إنه يأتي ويجيء بحيث يخلو منه مكان ويشغل آخر‪ ،‬فيخلو منه ما‬
‫فوق العرش ويصير بعض المخلوقات فوقه‪ .‬فإذا أتي وجاء لم يصر على قولهم العلى العلى‪ ،‬ول كان هو العلى‬
‫العظيم‪ ،‬ل سيما إذا قالوا‪ :‬إنه يحويه بعض المخلوقات فتكون أكبر منه ـ سبحانه وتعالى عما يقول هؤلء وهؤلء علًوا‬
‫عظيما‪.‬‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬أَأِمنُتم ّمن ِفي الّسَماء{ ]الملك‪ ،[ 16 :‬إن كان قد قال أحد‪ :‬إنه في جوف السماء فهو شٌر قول من هؤلء‪،‬‬
‫ل معيًنا منسوبا إلى علم حتي أحيكه قول‪.‬‬
‫ولكن هذا ما علمت به قائ ً‬
‫ومن قال‪ :‬إنه في السماء فمراده أنه في العلو‪ ،‬ليس مراده أنه في جوف الفلك‪ ،‬إل أن بعض الجهال يتوهم ذلك‪ .‬وقد‬
‫ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ‪.‬‬
‫‪ /‬الظاهر ول ريب أنه محمول على خلف هذا التفاق؛ لكن هذا هو الذي يظهر لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا‬
‫القول ويـسمعونه‪ ،‬أو هو مدلول اللفظ في اللغة‪ ،‬هو مما ل يسلم لهم‪ ،‬كما قد يبسط في مواضع‪.‬‬
‫ل{ ]النمل‪ ،[65 :‬فاستثني نفسه‪ ،‬والعالم }َمن ِفي‬
‫ل ا ُّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ض اْلَغْي َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل َيْعَلُم َمن ِفي ال ّ‬
‫وقد قال تعالى‪ُ} :‬قل ّ‬
‫ض{ ‪ .‬ول يجوز أن يقال‪ :‬هذا استثناء منقطع؛ لن المستثني مرفوع‪ ،‬ولو كان منقطًعا لكان منصوبا‪.‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ل(‪.‬‬
‫والمرفوع على البدل‪ ،‬والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ‪ ،‬كأنه قال‪) :‬ل يعلم الغيب إل ا ّ‬
‫ض{‪.‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫فيلزم أنه داخل في‪َ} :‬من ِفي ال ّ‬

‫وقد قدمنا أن لفظ )السماء( يتناول كل ما سما‪ ،‬ويدخل فيه السموات‪ ،‬والكرسي‪ ،‬والعرش‪ ،‬وما فوق ذلك؛ لن هذا في‬
‫جانب النفي‪ ،‬وهو لم يقل هنا‪ :‬السموات السبع‪ ،‬بل عم بلفظ‪) :‬السموات(‪ .‬وإذا كان لفظ )السماء( قد يراد به السحاب‪،‬‬
‫ويراد به الفلك‪ ،‬ويراد به ما فوق العالم‪ ،‬ويراد به العلو مطلًقا‪ ،‬فـ )السموات(‪ :‬جمع )سماء(‪ ،‬وكل من فيما يسمي‬
‫ل‪.‬‬
‫ضا( ل يعلم الغيب إل ا ّ‬
‫)سماء(‪ ،‬وكل من فيما يسمي )أر ً‬
‫‪ /‬وهو ـ سبحانه ـ قال‪ُ} :‬قل ّل َيْعَلُم َمن{‪ ،‬ولم يقل‪] :‬ما[‪ ،‬فإنه لما اجتمع ما يعقل وما ل يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه بـ‬
‫ل‪.‬‬
‫]من[ لتكون أبلغ‪ ،‬فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة ل يعلم أحد منهم الغيب إل ا ّ‬
‫ظِهُر َعَلى َغْيِبِه َأَحًدا{ ]الجن‪ .[ 26 :‬والغيب المقيد ما‬
‫ل ُي ْ‬
‫وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه‪َ} :‬ف َ‬
‫علمه بعض المخلوقات من الملئكة أو الجن أو النس وشهدوه‪ ،‬فإنما هو غيب عمن غاب عنه‪ ،‬ليس هو غيًبا عمن‬
‫شهده‪ .‬والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا‪ ،‬فيكون غيًبا مقيًدا‪ ،‬أي‪ :‬غيًبا عمن غاب عنه من المخلوقين‪ ،‬ل‬
‫عمن شهده‪ ،‬ليس غيًبا مطلًقا غاب عن المخلوقين قاطبة‪.‬‬
‫ب َوالّشَهاَدِة{ ]الزمر‪ ،[ 46 :‬أي عالم ما غاب عن العباد مطلًقا ومعيًنا وما شهدوه‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ يعلم‬
‫عاِلَم اْلَغْي ِ‬
‫وقوله‪َ } :‬‬
‫ذلك كله‪.‬‬
‫والنفاة للعلو ـ ونحوه من الصفات ـ معترفون بأنه ليس مستندهم خبر النبياء‪ ،‬ل الكتاب‪ ،‬ول السنة‪ ،‬ول أقوال‬
‫السلف‪ ،‬ول مستندهم فطرة العقل وضرورته‪ ،‬ولكن يقولون‪ :‬معنا النظر العقلي‪ .‬وأما أهل السنة المثبتون للعلو‬
‫ل التي فطر العباد عليها وضرورة العقل‪ ،‬ومع نظر‬
‫فيقولون‪ :‬إن ذلك ثابت بالكتاب والسنة والجماع‪ ،‬مع فطرة ا ّ‬
‫العقل واستدلله‪.‬‬

‫‪ /‬لكن‪ ،‬الذين يقولون بأنه ينزل ول يبقي فوق العرش‪ ،‬وأنه يكون في جوف المخلوقات‪ ،‬ونحو هـؤلء‪ ،‬قـد يقولون‪ :‬إن‬
‫مستندهم في ذلك السمع‪ ،‬وهو ما فهموه من القرآن‪ ،‬أو من الحاديث الصحيحة أو غير الصحيحة‪ ،‬أو من أقوال‬
‫السلف وهم أخطؤوا من حيث نظروا ـ اقتصروا على فهمه من نص واحد‪،‬كفهمهم من حديث النزول ـ ولم يتدبروا‬
‫مافي الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ينافي أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه‪.‬‬
‫ضا ـ دللة النص‪ ،‬مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الخر بأن الليل يختلف‪ ،‬فيكون ليل‬
‫ويتدبروا ـ أي ً‬
‫أهل المشرق ونصفه وثلثه الخر قبل ذلك في المغرب بقريب من يوم‪ ،‬فيلزم على قولهم أنه ل يزال تحت العرش‪،‬‬
‫وهو قد أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والرض‪ .‬وما ذكروه ينافي استواءه على العرش‪ ،‬وأنه ليس‬
‫فوق العرش‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫َفصـل‬
‫]العلى[‪ :‬على وزن أفعل التفضيل‪ ،‬مثل الكرم‪ ،‬والكبر‪ ،‬والجمل؛ ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلملما قال أبو‬
‫سفيان‪ / :‬اعل هبل! اعل هبل! فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬أل تجيبونه؟( قالوا‪ :‬وما نقول؟ قال‪) :‬قولوا ‪ :‬ا ّ‬
‫ل‬
‫ل أكبر(‬
‫لْكَرُم{ ]العلق‪ ،[ 3 :‬بخلف ما إذا قيل‪) :‬ا ّ‬
‫ك ا َْ‬
‫أعلى وأجل!(‪ .‬وهو مذكور بأداة التعريف ]العلى[ مثل‪َ} :‬وَرّب َ‬
‫فإنه منكر‪.‬‬
‫ولهذا معنى يخصه يتميز به؛ ولهذا معنى يخصه يتميز به‪ ،‬كما بين العلو‪ ،‬والكبرياء‪ ،‬والعظمة‪ ،‬فإن هذه الصفات وإن‬
‫كانت متقاربة‪ ،‬بل متلزمة‪ ،‬فبينها فروق لطيفة؛ ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم فيما يروى عن ربه تعالى‪:‬‬
‫)العظمة إزاري والكبرياء ردائي‪ ،‬فمن نازعني واحًدا منهما عذبته(‪ ،‬فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء‪ ،‬وهو أعلى من‬
‫الزار‪.‬‬
‫ولهذا كان شعائر الصلة‪ ،‬والذان‪ ،‬والعياد والماكن العالية‪ ،‬هو التكبير‪ ،‬وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلم‬
‫ل أكبر‪ ،‬كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى ال عليه‬
‫ل‪ ،‬وا ّ‬
‫ل‪ ،‬ول إله إل ا ّ‬
‫بعد القرآن؛ سبحان ال‪ ،‬والحمد ّ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ل أعظم(‪ .‬ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلة ل تنعقـد إل‬
‫ولم يجئ في شيء من الثر بدل قول‪) :‬ال أكبر(‪) ،‬ا ّ‬
‫طُهور‪،‬‬
‫ل أعظم( لم تنعقد به الصلة لقول النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬مفتاح الصلة ال ّ‬
‫بلفظ التكبير‪ .‬فلو قال‪) :‬ا ّ‬
‫وتحريمها التكبير‪ ،‬وتحليلها التسليم(‪ .‬وهذا ‪ /‬قول مالك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وأبي يوسف‪ ،‬وداود‪ ،‬وغيرهم‪ .‬ولو أتى‬
‫ل‪ ،‬لم تنعقد به الصلة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬والحمد ّ‬
‫بغير ذلك من الذكار‪ ،‬مثل سبحان ا ّ‬
‫ولن التكبير مختص بالذكر في حال الرتفاع‪ ،‬كما أن التسبيح مختص بحال النخفاض‪ ،‬كما في السنن عن جابر بن‬
‫ل صلى ال عليه وسلمإذا علونا كبرنا‪ ،‬وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلة على ذلك‪.‬‬
‫ل قال‪ :‬كنا مع رسول ا ّ‬
‫عبد ا ّ‬
‫سَم َرّبكَ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫ظيِم{ ]الواقعة‪ ،[ 96 ، 74 :‬قال‪) :‬اجعلوها في ركوعكم(‪ ،‬ولما نزل‪َ } :‬‬
‫ك اْلَع ِ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫ح ِبا ْ‬
‫سّب ْ‬
‫ولما نزل قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫اَْلْعَلى{ ]العلى‪ ،[ 1 :‬قال‪) :‬اجعلوها في سجودكم(‪ .‬وثبت عنه أنه كان يقول في ركوعه‪) :‬سبحان ربي العظيم(‪ ،‬وفي‬

‫سجوده‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ .‬ولم يكن يكبر في الركوع والسجود‪.‬‬
‫لكن قد كان يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل‪ ،‬كما ثبت في الصحيحين عن عائشة‪ ،‬أنه صلى ال عليه وسلمكان يقول‬
‫حْمِد َرّب َ‬
‫ك‬
‫ح ِب َ‬
‫سّب ْ‬
‫في ركوعه وسجوده‪) :‬سبحانك اللهم ربنا وبحمدك‪ ،‬اللهم اغفر لى( ‪ ،‬يتأول القرآن‪ ،‬أى‪ :‬يتأول قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫َواْسَتْغِفْرُه ِإّنُه َكاَن َتّواًبا{ ]النصر‪ .[ 3 :‬فكان يجمع بين التسبيح والتحميد‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك قد كان يقرن بالتسبيح في الركوع والسجود التهليل‪ ،‬كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت‪ :‬افتقدت النبي‬
‫صلى ال عليه وسلمذات ليلة‪ .‬فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه‪ ،‬فتحسست‪ ،‬ثم رجعت‪ ،‬فإذا هو راكع أو ساجد يقول‪:‬‬
‫)سبحانك وبحمدك‪ ،‬ل إله إل أنت(‪ .‬فقلت‪ :‬بأبي أنت وأمى! إنى لفي شأن وإنك لفي شأن‪.‬‬

‫ففي هـذه الحـاديث كلها أنـه كان يسـبح في الركـوع والسجود‪ ،‬لكن قد يقرن بالتسبيـح التحميـد والتهليل‪ ،‬وقـد يقـرن‬
‫به الدعاء‪ .‬ولم ينقل أنه كبر في الركوع والسجود‪.‬‬
‫وأمـا قراءة القرآن فيهما فقد ثبت عنه أنه قال‪) :‬إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكًعا وسـاجـًدا(‪ ،‬رواه مـسلم مـن حـديث‬
‫ضا ـ محلـه‬
‫ل فـل يتلى إل في حـال الرتفاع‪ ،‬والتكبير ـ أي ً‬
‫على‪ ،‬ومـن حـديث ابن عباس‪ .‬وذلك أن القـرآن كـلم ا ّ‬
‫حال الرتفاع‪.‬‬
‫وجمهور العلماء على أنه يشرع التسبيح في الركوع والسجود‪ ،‬وروى عن مالك‪ :‬أنه كره المداومة على ذلك لئل يظن‬
‫وجوبه‪ .‬ثم اختلفوا في وجوبه‪ .‬فالمشهور عن أحمد‪ ،‬وإسحق‪ ،‬وداود‪ ،‬وغيرهم‪ :‬وجوبه‪ .‬وعن أبي حنيفة‪ ،‬والشافعي‪:‬‬
‫استحبابه‪.‬‬
‫والقائلون بالوجوب‪ ،‬منهم من يقول‪ :‬يتعين‪) :‬سبحان ربي العظيم( ‪ /‬و)سبحان ربي العلى(‪ ،‬للمر بهما‪ ،‬وهو قول‬
‫كثير من أصحاب أحمد‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬بل يذكر بعض الذكار المأثورة‪.‬‬
‫والقـوى‪ :‬أنه يتعـين التسبيح‪ ،‬إما بلفظ )سبحان(‪ ،‬وإما بلفظ )سبحانك(‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وذلك أن القـرآن سماها‪:‬‬
‫ل‪) :‬قرآًنا(‪.‬‬
‫حا(‪ ،‬فدل على وجوب التسبيح فيها‪ ،‬وقد بينت السـنة أن محـل ذلك الركـوع والسجود‪ ،‬كما سماها ا ّ‬
‫)تسبي ً‬
‫عا[‪ ،‬وبينت السنة علة ذلك ومحله‪.‬‬
‫وقد بينت السنة أن محل ذلك القيـام‪ .‬وسماها‪] :‬قياًما[ و]سجوًدا[ و]ركو ً‬
‫وكذلك التسبيح ـ يسبح في الركوع والسجود‪ .‬وقد نقل عن النبي صلى ال عليه وسلمأنه كان يقول‪) :‬سبحان ربي‬
‫العظيم( و)سبحان ربي العلى(‪ ،‬وأنه كان يقول‪) :‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬اللهم اغفر لي(‪ ،‬و )سبحانك وبحمدك‪ ،‬ل‬
‫إله إل أنت(‪ .‬وفي بعض روايات أبي داود‪) :‬سبحان ربي العظيم وبحمده(‪ ،‬وفي استحباب هذه الزيادة عن أحمد‬
‫ل صلى ال عليه وسلمكان يقول في ركوعه وسجوده‪) :‬سبوح‬
‫روايتان‪ .‬وفي صحيح مسلم عن عائشة؛ أن رسول ا ّ‬
‫قدوس‪ ،‬رب الملئكة والروح(‪ .‬وفي السنن أنه كان يقول‪) :‬سبحان ذى الجبروت‪ ،‬والملكوت‪ ،‬والكبرياء‪ ،‬والعظمة(‪.‬‬
‫فهذه كلها تسبيحات‪.‬‬
‫‪ /‬والمنقول عن مالك أنه كان يكره المداومة على ذلك‪ .‬فإن كان كراهة المداومة على ‪) :‬سبحان ربي العلى‬
‫والعظـيم(‪ ،‬فله وجه‪ ،‬وإن كان كراهة المداومة على جنس التسبيح‪ ،‬فـل وجـه لـه‪ ،‬وأظنـه الول‪ .‬وكـذلك المنقول عنه‬
‫إنما هـو كراهة المـداومـة على ‪) :‬سبحان ربي العظيم(؛ لئل يظن أنها فرض؛وهذا يقتضي‪ :‬أن مالًكا أنكر أن تكون‬
‫ضا واجًبا‪.‬‬
‫فر ً‬
‫وهذا قوى ظـاهر‪ ،‬بخلف جنس التسبيح‪ ،‬فإن أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جًدا‪ .‬وقد علم أنه صلى ال عليه‬
‫وسلمكان يداوم على التسبيح بألفاظ متنوعة‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬اجعلوها في ركوعكم وفي سجودكم( يقتضي أن هذا محل لمتثال هذا المر‪ ،‬ل يقتضي أنه ل يقال إل هي‬
‫مع ما قد ثبت أنه كان يقول غيرها‪.‬‬
‫والجمع بين صيغتي تسبيح بعيد‪ ،‬بخلف الجمع بين التسبيح‪ ،‬والتحميد‪ ،‬والتهليل والدعاء‪ .‬فإن هذه أنواع‪ ،‬والتسبيح‬
‫نوع واحد فل يجمع فيه بين صيغتين‪.‬‬
‫ل‪،‬ول‬
‫ل‪ ،‬والحمـد ّ‬
‫ضا‪ ،‬قـد ثبت في الصحيـح أنه قال‪) :‬أفضل الكلم بعد القرآن ‪ /‬أربع وهن من القـرآن‪ :‬سبحان ا ّ‬
‫وأي ً‬
‫ل أكـبر (‪ .‬فهذا يقتضي أن هـذه الكلمات أفضـل من غيرهـا‪.‬فإن جعل التسبيح نوعا واحًدا‪ ،‬فـ )سبحان‬
‫ل وا ّ‬
‫إلـه إل ا ّ‬
‫ل( أفضل بهذا الحديث‪.‬‬
‫ل( و)سبحان ربي العلى( سـواء‪ ،‬وإن جعـل متفاضـل فـ )سبـحان ا ّ‬
‫ا ّ‬
‫ظيِم{ ]الواقعة‪ ،[74،96 :‬أمر بتسبيح ربه‪،‬‬
‫ك اْلَع ِ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫ح ِبا ْ‬
‫سّب ْ‬
‫عَلى{ ]العـلى ‪ [1:‬و }َف َ‬
‫لْ‬
‫ك ا َْ‬
‫سَم َرّب َ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫ضا‪ ،‬فقـولـه ‪َ } :‬‬
‫وأي ً‬
‫ل وبحمده سبحانك اللهم وبحمدك‪ .‬فقـد سبح ربه العلى والعظيم‪ .‬فإن ا ّ‬
‫ل‬
‫ليس أمًرا بصيغة معينة‪ .‬فإذا قال سبحان ا ّ‬
‫ل[‪ ،‬يتناول معانى سائر السماء بطريق التضمن‪ ،‬وإن كان التصريح بالعلو‬
‫هو العلى‪ ،‬وهو العظيم‪ ،‬واسمه ]ا ّ‬
‫ل[ أعظم من اسمه ]الرب[‪ .‬وفي صحيح مسلم‬
‫والعظمة ليس هو فيه‪ .‬ففي اسمه ]ال[ التصريح باللهية‪ ،‬واسمه ]ا ّ‬

‫ل لملئكته أو لعباده؛‬
‫ل صلى ال عليه وسلمسئل‪ :‬أى الكلم أفضل؟ فقال ‪) :‬ما اصطفي ا ّ‬
‫عن أبي ذر أن رسول ا ّ‬
‫ل وبحمده(‪.‬‬
‫سبحان ا ّ‬
‫فالقيام فيه التحميد‪.‬و في العتدال من الركوع‪،‬وفي الركوع والسجود‪ :‬التسبيح‪ ،‬وفي النتقال‪ :‬التكبير‪ ،‬وفي القعود‬
‫‪:‬التشهد‪ ،‬وفيه التوحيد‪ .‬فصارت النواع الربعة في الصلة‪.‬‬
‫ضا ـ فيها التحميد والتوحيد‪ .‬فالتحميد والتوحيد ركن يجب في القراءة‪ .‬والتكبير ركن في الفتتاح‪.‬‬
‫‪ /‬والفاتحة ـ أي ً‬
‫والتشهد الخر ركن في القعود كما هو المشهور عن أحمد‪ .‬وهو مذهب الشافعي‪ ،‬وفيه التشهد المتضمن للتوحيد‪.‬‬
‫يبقى التسبيح‪ .‬وأحمد يوجبـه في الركوع والسجـود‪ .‬وروى عنـه أنـه ركـن‪ .‬وهـو قــوى لثبـوت المــر بــه في‬
‫صا ول‬
‫القـرآن والسـنة‪ .‬فكـيف يـوجـب الصـلة على النبي صلى ال عليه وسلمولم يجئ أمـر بها في الصـلة خصـو ً‬
‫حا[؟ وكل ما سميت به الصلة من‬
‫يـوجب التسبـيح مـع المـر بـه في الصلة‪ ،‬ومع كون الصلة تسمى ]تسبي ً‬
‫حا[‪.‬‬
‫ضا ]تسبي ً‬
‫عا[‪ ،‬و]سجوًدا[‪ ،‬و]قراءة[‪ ،‬وسميت أي ً‬
‫أبعاضها فهو ركن فيها‪ ،‬كما سميت ]قياًما[‪ ،‬و]ركو ً‬
‫ولم يأت عن النبي صلى ال عليه وسلمما ينفي وجوبه في حال السهو كما ورد في التشهد الول أنه لما تركه سجد‬
‫للسهو‪ ،‬لكن قد يقال‪ :‬لما لم يأمر به المسىء في صلته دل على أنه واجب ليس بركن‪ .‬وبسط هذه المسألة له موضع‬
‫آخر‪.‬‬
‫والمقصود هنا أن التسبيح قد خص به حال النخفاض‪ ،‬كما خص حال الرتفاع بالتكبير‪ .‬فذكر العبد في حال‬
‫انخفاضه وذله ما يتصف به ‪ /‬الرب مقابل ذلك‪ .‬فيقول في السجود‪ :‬سبحان ربي العلى‪ ،‬وفي الركوع‪ :‬سبحان ربي‬
‫العظيم‪.‬‬
‫ى على كـل‬
‫و]العلى[ يجمع معانى العلـو جميعها‪ ،‬وأنـه العلى بجمـيع معانى العلـو‪ .‬وقـد اتفق الناس على أنـه عل ّ‬
‫ضُهْم َعَلى َبْع ٍ{‬
‫ض{‬
‫ل َبْع ُ‬
‫ق َوَلَع َ‬
‫خَل َ‬
‫ل ِإَلٍه ِبَما َ‬
‫ب ُك ّ‬
‫شيء بمعنى أنـه قاهـر له‪ ،‬قادر عليه‪ ،‬متصرف فيه‪ ،‬كما قال‪ِ} :‬إًذا ّلَذهَ َ‬
‫]المؤمنون‪.[91 :‬‬
‫خرَ‬
‫ل ِإَلًها آ َ‬
‫ل َمَع ا ّ‬
‫جَع ْ‬
‫ل َت ْ‬
‫وعلى أنه عال عن كل عيب ونقص ‪ ،‬فهو عال عن ذلك ‪ ،‬منزه عنه‪،‬كما قال تعالى ‪َ} :‬و َ‬
‫صّرْفَنا‬
‫ظيًما َوَلَقْد َ‬
‫عِ‬
‫ل َ‬
‫ن َقْو ً‬
‫ن اْلَملئَِكِة ِإَناًثا ِإّنُكْم َلَتُقوُلو َ‬
‫خَذ ِم َ‬
‫ن َواّت َ‬
‫صَفاُكْم َرّبُكم ِباْلَبِني َ‬
‫حوًرا َأَفَأ ْ‬
‫جَهّنَم َمُلوًما ّمْد ُ‬
‫َفُتْلَقى ِفي َ‬
‫سِبي ً‬
‫ل‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫ن ِإًذا ّ‬
‫ن َمَعُه آِلَهٌة َكَما َيُقوُلو َ‬
‫ل ُنُفوًرا ُقل ّلْو َكا َ‬
‫ن ِلَيّذّكُروْا َوَما َيِزيُدُهْم ِإ ّ‬
‫ِفي َهـَذا اْلُقْرآ ِ‬
‫عُلّوا َكِبيًرا{ ]السراء‪ 39 :‬ـ ‪ ،[ 43‬فقرن تعاليه عن ذلك بالتسبيح‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫عّما َيُقوُلو َ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫ُ‬
‫ن الِّ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫عَلى َبْعضٍ ُ‬
‫ضُهْم َ‬
‫ل َبْع ُ‬
‫ق َوَلَع َ‬
‫خَل َ‬
‫ل ِإَلٍه ِبَما َ‬
‫ب ُك ّ‬
‫ن ِإَلٍه ِإًذا ّلَذَه َ‬
‫ن َمَعُه ِم ْ‬
‫ل ِمن َوَلٍد َوَما َكا َ‬
‫خَذ ا ُّ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬ما اّت َ‬
‫جّد َرّبَنا َما‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ ، [ 92 ،91 :‬وقـالت الجـن‪َ} :‬وَأّنُه َتَعاَلى َ‬
‫شِرُكو َ‬
‫عّما ُي ْ‬
‫شَهاَدِة َفَتَعاَلى َ‬
‫ب َوال ّ‬
‫عاِلِم اْلَغْي ِ‬
‫ن َ‬
‫صُفو َ‬
‫عّما َي ِ‬
‫َ‬
‫صاِحَبًة َوَل َوَلًدا{ ]الجن‪.[3 :‬‬
‫خَذ َ‬
‫اّت َ‬
‫‪ /‬وفي دعاء الستفتاح‪) :‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬وتبارك اسمك‪ ،‬وتعالى جدك(‪ .‬وفي الصحيحين أنه كان يقول في‬
‫آخر استفتاحه‪) :‬تباركت وتعاليت‪ ،‬أستغفرك وأتوب إليك(‪.‬‬
‫فقد بين ـ سبحانه ـ أنه تعالى عما يقول المبطلون وعما يشركون‪ .‬فهو متعال عن الشركاء والولد‪ ،‬كما أنه مسبح عن‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وتعاليه ـ سبحانه ـ عن الشريك هو تعاليه عن السمى ‪ ،‬والند ‪ ،‬والمثل فل يكون شيء مثله‪.‬‬
‫وقد ذكروا من معانى العلو الفضيلة‪ ،‬كما يقال‪ :‬الذهب أعلى من الفضة‪ .‬ونفي المثل عنه يقتضي أنه أعلى من كل‬
‫ل اْلحَْمُد‬
‫شيء فل شيء مثله‪ .‬وهو يتضمن أنه أفضل وخير من كل شيء‪ ،‬كما أنه أكبر من كل شيء‪ .‬وفي القرآن‪ُ}:‬ق ِ‬
‫ق َأَفل َتَذّكُروَن{{‬
‫خُل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق َكَمن ّ‬
‫خُل ُ‬
‫ن{ ]النمل‪ ،[ 59 :‬ويقول‪َ} :‬أَفَمن َي ْ‬
‫شِرُكو َ‬
‫خْيٌر َأّما ُي ْ‬
‫ل َ‬
‫طفي آ ُّ‬
‫صَ‬
‫نا ْ‬
‫عَباِدِه اّلِذي َ‬
‫عَلى ِ‬
‫سلٌَم َ‬
‫ل َو َ‬
‫ِّ‬
‫ل َأن ُيْهَدى{ ]يونس‪ ،[35 :‬وقالت السحرة‪:‬‬
‫ي ِإ ّ‬
‫ق َأن ُيّتَبَع َأّمن لّ َيِهّد َ‬
‫حّ‬
‫ق َأ َ‬
‫حّ‬
‫]النحل‪ ، [ 17 :‬ويقول }َأَفَمن َيْهِدي ِإَلى اْل َ‬
‫ل خَْيٌر َوَأْبَقى{ ]طه‪.[73 :‬‬
‫}َوا ُّ‬

‫ض َأّمن‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َمن َيْرُزُقُكم ّم َ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ يبين أن المعبودين دونه ليسوا مثله في مواضع‪ ،‬كقوله‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ل َأَف َ‬
‫ل‬
‫ل َفُق ْ‬
‫نا ّ‬
‫سَيُقوُلو َ‬
‫لْمَر َف َ‬
‫ي َوَمن ُيَدّبُر ا َ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ج اْلَمّي َ‬
‫خِر ُ‬
‫ت َوُي ْ‬
‫ن اْلَمّي ِ‬
‫ي ِم َ‬
‫حّ‬
‫ج اْل َ‬
‫خِر ُ‬
‫صاَر َوَمن ُي ْ‬
‫سْمَع والَْب َ‬
‫ك ال ّ‬
‫َيْمِل ُ‬
‫سُقوْا َأّنُهْم َ‬
‫ل‬
‫ن َف َ‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫ك َ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ت َكِلَم ُ‬
‫حّق ْ‬
‫ك َ‬
‫صَرُفونَ َكَذِل َ‬
‫ل َفَأّنى ُت ْ‬
‫لُ‬
‫ضَ‬
‫ق ِإلّ ال ّ‬
‫حّ‬
‫ق َفَماَذا َبْعَد اْل َ‬
‫حّ‬
‫ل َرّبُكُم اْل َ‬
‫ن َفَذِلُكُم ا ّ‬
‫َتّتُقو َ‬
‫شَرَكآِئُكم ّمن‬
‫ل ِمن ُ‬
‫ل َه ْ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه َفَأّنى ُتْؤَفُكو َ‬
‫خْل َ‬
‫ل َيْبَدُأ اْل َ‬
‫لا ّ‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه ُق ِ‬
‫خْل َ‬
‫شَرَكآِئُكم ّمن َيْبَدُأ اْل َ‬
‫ل ِمن ُ‬
‫ل َه ْ‬
‫ن ُق ْ‬
‫ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن‬
‫ف َتحُْكُمو َ‬
‫ل َأن ُيْهَدى َفَما َلكُْم َكْي َ‬
‫ي ِإ ّ‬
‫ل َيِهّد َ‬
‫ق َأن ُيّتَبَع َأّمن ّ‬
‫حّ‬
‫ق َأ َ‬
‫حّ‬
‫ق َأَفَمن َيْهِدي ِإَلى اْل َ‬
‫حّ‬
‫ل َيْهِدي ِلْل َ‬
‫لا ّ‬
‫ق ُق ِ‬
‫حّ‬
‫َيْهِدي ِإَلى اْل َ‬
‫ن{ ]يونس‪.[36 - 31 :‬‬
‫عَليٌم ِبَما َيْفَعُلو َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫شْيًئا ِإ ّ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن لَ ُيْغِني ِم َ‬
‫ظّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ظّنا َإ ّ‬
‫ل َ‬
‫َوَما َيّتِبُع َأْكَثُرُهْم ِإ ّ‬
‫ن َوَما‬
‫سّرو َ‬
‫ل َيْعَلُم َما ُت ِ‬
‫حيٌم َوا ّ‬
‫ل َلَغُفوٌر ّر ِ‬
‫نا ّ‬
‫صوَها ِإ ّ‬
‫ل ُتحْ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َوِإن َتُعّدوْا ِنْعَمَة ا ّ‬
‫ق َأَفل َتَذّكُرو َ‬
‫خُل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق َكَمن ّ‬
‫خُل ُ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬أَفَمن َي ْ‬
‫ت َغْيُر َأْحَياء َوَما َيْشُعُروَن َأّياَن ُيْبَعُثوَن{ ]النحل‪،[21 - 17 :‬‬
‫ن َأْموا ٌ‬
‫خَلُقو َ‬
‫شْيًئا َوُهْم ُي ْ‬
‫ن َ‬
‫خُلُقو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ن َواّلِذي َ‬
‫ُتْعِلُنو َ‬

‫ق‬
‫سًنا َفُهَو ُينِف ُ‬
‫يٍء َوَمن ّرَزْقَناُه ِمّنا ِرْزًقا حَ َ‬
‫ش ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ل َيْقِدُر َ‬
‫عْبًدا ّمْمُلوًكا ّ‬
‫ل َ‬
‫ل َمَث ً‬
‫با ّ‬
‫ضَر َ‬
‫وكذلك قوله في أثناء السورة‪َ } :‬‬
‫يٍء‬
‫ش ْ‬
‫ى َ‬
‫عَل َ‬
‫ل َيْقِدُر َ‬
‫حُدُهَما َأْبَكُم َ‬
‫ن َأ َ‬
‫جَلْي ِ‬
‫ل ّر ُ‬
‫ل َمَث ً‬
‫با ّ‬
‫ضَر َ‬
‫ن َو َ‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ل َأْكَثُرُهْم َ‬
‫ل َب ْ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫ن اْل َ‬
‫سَتُوو َ‬
‫ل َي ْ‬
‫جْهًرا َه ْ‬
‫سّرا َو َ‬
‫ِمْنُه ِ‬
‫ط ّمسَْتِقيٍم{ ]النحل‪:‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫عَلى ِ‬
‫ل َوُهَو َ‬
‫سَتِوي ُهَو َوَمن َيْأُمُر ِباْلَعْد ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫خْيٍر َه ْ‬
‫ت ِب َ‬
‫ل َيْأ ِ‬
‫جهّه َ‬
‫عَلى َمْولُه َأْيَنَما ُيَو ّ‬
‫ل َ‬
‫َوُهَو كَ ّ‬
‫‪.[76 ،75‬‬
‫فهو ـ سبحانه ـ يبين أنه هو المستحق للعبادة دون ما يعبد من دونه ‪ / ،‬وأنه ل مثل له‪ .‬ويبين ما اختص به من صفات‬
‫الكمال وانتفائها عما يعبد من دونه‪ .‬ويبين أنه يتعالى عما يشركون وعما يقولون من إثبات الولد والشركاء له‪.‬‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[ 42 :‬وهم كانوا يقولون إنهم يشفعون‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫ن ِإًذا ّ‬
‫ن َمَعُه آِلَهٌة َكَما َيُقوُلو َ‬
‫وقال‪ُ} :‬قل ّلْو َكا َ‬
‫لهم‪ ،‬ويتقربون بهم‪.‬‬
‫لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه‪ ،‬فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة‪ ،‬وهذا نوع من الشرك‪ .‬فلهذا قال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ل‬
‫ك اّلِذيَن َيْدُعوَن ِمن ُدوِنِه الّشَفاَعَة{ ]الزخرف‪ ،[ 86 :‬فالشفاعة ل يملكها أحد غير ال‪.‬‬
‫َيْمِل ُ‬

‫ل{ ]السراء‪ ،[42 :‬يقول لُبتَغت الحوائج‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫كما روى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‪ِ} :‬إًذا ّ‬
‫ل{ ‪ :‬لبتغوا التقرب إليه مع أنه ليس كما يقولون‪ .‬وعن‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫من ال‪ .‬وعن معمر‪ ،‬عن قتادة‪ّ } :‬‬
‫سعيد‪ ،‬عن قتادة‪ّ} :‬لْو َكاَن َمَعُه آِلَهٌة َكَما َيُقوُلوَن{ ]السراء‪ ،[ 42 :‬يقول‪ :‬لو كان معه آلهة إًذا لعرفوا له فضله ومزيته‬
‫عليهم ولبتغوا إليه ما يقربهم إليه‪ .‬وروى عن سفيان الثورى‪ :‬لتعاطوا سلطانه‪.‬‬
‫ل إلى أن يزيلوا ملكه‪ ،‬والهذلي ضعيف‪.‬‬
‫وعن أبي بكر الهذلى‪،‬عن سعيد بن جبير‪ :‬سبي ً‬
‫‪ /‬فقد تضمن العلو الذى ينعت به نفسه في كتابه أنه متعال عما ل يليق به من الشركاء والولد‪ ،‬فليس كمثله شيء‪.‬‬
‫وهذا يقتضي ثبوت صفات الكمال له دون ما سواه‪.‬‬
‫وأنه ل يماثله غيره في شيء من صفات الكمال‪ ،‬بل هو متعال عن أن يماثله شيء‪ .‬وتضمن أنه عال على كل ما‬
‫سواه‪ ،‬قاهر له‪ ،‬قادر عليه‪ ،‬نافذة مشىئته فيه‪ ،‬وأنه عال على الجميع فوق عرشه‪ .‬فهذه ثلثة أمور في اسمه ]العلي[‪.‬‬
‫خْلَقه له‪ ،‬وذلك يستلزم ثبوت الكمال‪.‬‬
‫وإثبات علوه ـ علوه على ما سواه‪ ،‬وقدرته عليه وقهره ـ يقتضي ربوبيته له‪ ،‬و َ‬
‫وعلوه عن المثال يقتضي أنه ل مثل له في صفات الكمال‪.‬‬
‫وهذا وهذا يقتضي جميع ما يوصف به في الثبات والنفي‪ .‬ففي الثبات يوصف بصفات الكمال‪ ،‬وفي النفي ينزه عن‬
‫النقص المناقض للكمال‪ ،‬وينزه عن أن يكون له مثل في صفات الكمال‪ .‬كما قد دلت على هذا وهذا سورة الخلص‪:‬‬
‫صَمُد{ ]الخلص‪.[2 ،1 :‬‬
‫ل ال ّ‬
‫حٌد ا ُّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ل ُهَو ا ُّ‬
‫}ُق ْ‬
‫ن َمَعُه‬
‫وتعاليـه عـن الشركـاء يقتضي اختصاصـه باللهية‪ ،‬وأنه ل يستحق ‪ /‬العبادة إل هو وحده‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬قل ّلْو َكا َ‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[ 42 :‬أي‪ :‬وإن كـانوا ـ كما يقولون ـ يشفعون عنده بغير إذنه‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫ن ِإًذا ّ‬
‫آِلَهٌة َكَما َيُقوُلو َ‬

‫ويقربونكم إليه بغير إذنـه فهـو الرب واللـه دونهم‪ ،‬وكانـوا يبتغون إليه سبيل بالعبادة له والتقرب إليه‪ .‬هـذا أصح‬

‫ل{ ]النسان‪ ،[30 ،29 :‬وقال‪ِ} :‬إّنُه‬
‫شاء ا ُّ‬
‫ل َأن َي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاُؤو َ‬
‫ل َوَما َت َ‬
‫سِبي ً‬
‫خَذ ِإَلى َرّبِه َ‬
‫شاء اّت َ‬
‫ن َهِذِه َتْذِكَرٌة َفَمن َ‬
‫القولين‪ .‬كما قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ب{ ]السراء‪.[57 :‬‬
‫سيَلَة َأّيُهْم َأْقَر ُ‬
‫ن ِإَلى َرّبِهُم اْلَو ِ‬
‫ن َيْبَتُغو َ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫شاء َذَكَرُه{ ]المدثر‪ ،[55 ،54 :‬وقال‪ُ}:‬أوَلـِئ َ‬
‫َتْذِكَرٌة فََمن َ‬

‫عُلّوا َكِبيًرا{ ]السراء‪ ،[ 43 :‬فتعالى عن أن يكون معه إله غيره‪ ،‬أو أحد يشفع‬
‫ن ُ‬
‫عّما َيُقوُلو َ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫ثم قال‪ُ } :‬‬
‫عنده إل بإذنه‪ ،‬أو يتقرب إليه أحد إل بإذنه‪ .‬فهذا هو الذى كانوا يقولون‪.‬‬
‫ولم يكونوا يقولون‪ :‬إن آلهتهم تقدر أن تمانعه أو تغالبه‪ .‬بل هذا يلزم من فرض إله آخر يخلق كما يخلق‪ ،‬وإن كانوا هم‬
‫ضُهْم َعَلى َبْع ٍ{‬
‫ض{‬
‫ل َبْع ُ‬
‫ق َوَلَع َ‬
‫خَل َ‬
‫ل ِإَلٍه ِبَما َ‬
‫ب ُك ّ‬
‫ن ِإَلٍه ِإًذا ّلَذَه َ‬
‫ن َمَعُه ِم ْ‬
‫ل ِمن َوَلٍد َوَما َكا َ‬
‫خَذ ا ُّ‬
‫لم يقولوا ذلك‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ما اّت َ‬
‫]المؤمنون‪.[91 :‬‬
‫فقد تبين أن اسمه ]العلى[ يتضمن اتصافه بجميع صفات الكمال‪ ،‬وتنزيهه عما ينافيها من صفات النقص‪ ،‬وعن أن‬
‫يكون له مثل‪ ،‬وأنه ل إله إل هو ول رب سواه‪.‬‬
‫فصــــل‬
‫ضا ـ تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له‪ ،‬فإن التسبيح يقتضي التنزيه‬
‫والمر بتسبيحه يقتضي ـ أي ً‬
‫والتعظيم‪ ،‬والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها‪ .‬فيقتضي ذلك تنزيهه‪ ،‬وتحميده‪ ،‬وتكبيره‪ ،‬وتوحيده‪.‬‬
‫قال ابن أبي حاتم‪ :‬حدثنا أبي‪ ،‬ثنا ابن نفيل الحرانى‪ ،‬ثنا النضر بن عربي‪ ،‬قال‪ :‬سأل رجل ميمون بن مهران ]هو أبو‬
‫أيوب ميمون بن مهران الرقى‪ ،‬فقيه من القضاة‪ ،‬كان مولى لمرأة بالكوفة وأعتقته‪ ،‬فنشأ فيها ثم استوطن الرقة من‬
‫بلد الجزيرة الفراتية‪ ،‬فكان عالم الجزيرة وسيدها‪ ،‬واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها وقضائها‪ ،‬وكان ثقة‬
‫في الحديث كثير العبادة‪ ،‬توفي عام ‪ 711‬هـ[ عن )سبحان ال(‪ .‬فقال‪) :‬اسم يعظم ال به ويحاشى به من السوء(‪.‬‬
‫غياث‪ ،‬عن حجاج عن ابن أبي ُمَلْيَكة‪ ،‬عن ابن عباس قال‪] :‬سبحان[‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ج‪ ،‬ثنا حفص بن ِ‬
‫شّ‬
‫لَ‬
‫وقال‪ :‬حدثنا أبو سعيد ا َ‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[1 :‬قال‪:‬‬
‫سَرى ِبَعْبِدهِ َلْي ً‬
‫ن اّلِذي َأ ْ‬
‫حا َ‬
‫سْب َ‬
‫تنزيه ال نفسه من السوء‪ .‬وعن الضحاك عن ابن عباس في قوله‪ُ } :‬‬
‫عجب‪ .‬وعن أبي الشهب‪ ،‬عن الحسن قال‪] :‬سبحان[‪ :‬اسم ل يستطيع الناس أن ينتحلوه‪.‬‬
‫وقد جاء عن غير واحد من السلف مثل قول ابن عباس‪ :‬أنه ‪ /‬تنزيه نفسه من السوء‪ .‬وروي في ذلك حديث مرسل‪.‬‬
‫وهو يقتضي تنزيه نفسه من فعل السيئات‪ ،‬كما يقتضي تنزيهه عن الصفات المذمومة‪.‬‬
‫ونفي النقائص يقتضي ثبوت صفات الكمال‪ ،‬وفيها التعظيم كما قال ميمون بن ِمْهران‪) :‬اسم يعظم ال به ويحاشى به‬
‫من السوء(‪ .‬وروى عبد بن حميد‪ :‬حدثنا أبو نعيم‪ ،‬ثنا سفيان‪ ،‬عن عثمان بن عبد ال بن َمْوَهب‪ ،‬عن موسى بن طلحة‬
‫خلَد‪ ،‬عن‬
‫قال‪ :‬سئل النبي صلى ال عليه وسلم عن التسبيح‪ ،‬فقال‪) :‬إنزاهه عن السوء(‪ .‬وقال‪ :‬حدثنا الضحاك بن َم ْ‬
‫شبيب عن عكرمة‪ ،‬عن ابن عباس‪ :‬سبحان ال‪ ،‬قال‪ :‬تنزيهه‪.‬‬
‫حدثنا كثير بن هشام‪ ،‬ثنا جعفر بن ُبْرقان‪ ،‬ثنا يزيد بن الصم قال‪ :‬جاء رجل إلى ابن عباس فقال‪ :‬ل إله إل ال‪،‬‬
‫نعرفهــا أنه ل إله غيــره‪ ،‬والحمد ل‪ ،‬نعرفها أن النعم كلها منه وهو المحمود عليها‪ ،‬وال أكبر‪ ،‬نعرفها أنه ل شيء‬
‫أكبر منه‪ ،‬فما سـبحان ال؟ فقال ابن عباس‪ :‬وما ينكر منها؟ هي كلمة رضيها ال لنفسه‪ ،‬وأمر بها ملئكته‪ ،‬وفزع‬
‫إليها الخيار من خلقه‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫فصــل‬

‫ق َفَسّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ .[ 3 ،2 :‬العطف يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فيما‬
‫خَل َ‬
‫قوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫ذكر وأن بينهما مغايرة إما في الذات وإما في الصفات‪.‬‬
‫س َواّلِذيَن َأْشَرُكوا{ ]الحج‪.[17 :‬‬
‫جو َ‬
‫صاَرى َواْلَم ُ‬
‫ن َوالّن َ‬
‫صاِبِئي َ‬
‫ن َهاُدوا َوال ّ‬
‫ن آَمُنوا َواّلِذي َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وهو في الذات كثير‪ ،‬كقوله‪ِ} :‬إ ّ‬

‫وأما في الصفات فمثل هذه الية‪.‬فإن الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى‪ ،‬لكن هذا السم والصفة ليس هو ذاك السم‬
‫ب{ إلى قوله‪}:‬واّلِذي َ‬
‫ن‬
‫ن ِباْلَغْي ِ‬
‫ن ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن{ ]الحديد‪،[3:‬ومثله قوله‪}:‬اّلِذي َ‬
‫طُ‬
‫ظاِهُر َواْلَبا ِ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫لِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫لّو ُ‬
‫والصفة‪،‬ومثله قوله‪ُ}:‬هَو ا َْ‬
‫ن ِبَما ُأنِز َ‬
‫ل‬
‫ن ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن ِفي اْلِعْلِم ِمْنُهْم َواْلُمْؤِمُنو َ‬
‫خو َ‬
‫ن الّراسِ ُ‬
‫ك{ ]البقرة‪،[4 ،3:‬وقوله‪ّ}:‬لـِك ِ‬
‫ل ِمن َقْبِل َ‬
‫ك َوَما ُأنِز َ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن ِبَما ُأنِز َ‬
‫ُيْؤِمُنو َ‬
‫خِر{ ]النساء‪ ،[162:‬وقوله‪َ}:‬قْد َأْفَل َ‬
‫ح‬
‫ل َوالَْيْوِم ال ِ‬
‫ن ِبا ّ‬
‫ن الّزَكاَة َواْلُمْؤِمُنو َ‬
‫لَة َواْلُمْؤُتو َ‬
‫صَ‬
‫ن ال ّ‬
‫ك َواْلُمِقيِمي َ‬
‫ل ِمن َقْبِل َ‬
‫ك َوَما ُأنِز َ‬
‫ِإَلي َ‬
‫ن ُهْم‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ل اْلُمصَّلي َ‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ 1:‬ـ ‪ ،[3‬وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ضو َ‬
‫ن الّلْغِو ُمْعِر ُ‬
‫عِ‬
‫ن ُهْم َ‬
‫ن َواّلِذي َ‬
‫شُعو َ‬
‫خا ِ‬
‫لِتِهْم َ‬
‫صَ‬
‫ن ُهْم ِفي َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ق ّمْعُلوٌم{ اليات ]المعارج‪ 22:‬ـ ‪.[24‬‬
‫حّ‬
‫ن ِفي َأْمَواِلِهْم َ‬
‫ن َواّلِذي َ‬
‫لِتِهْم َداِئُمو َ‬
‫صَ‬
‫عَلى َ‬
‫َ‬
‫ت{ اليات ]الحزاب‪ ،[35 :‬فإنه من صدق وصبر ولم يسلم ولم‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ِ‬
‫ت َواْلُمْؤِمِني َ‬
‫سِلَما ِ‬
‫ن َواْلُم ْ‬
‫سِلِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫يؤمن لم يكن ممن أعد ال لهم مغفرة وأجًرا عظيًما‪.‬‬
‫لُم اْلُمْؤِمُن اْلُمَهْيِمُن{ ]الحشر‪،[23 :‬‬
‫سَ‬
‫س ال ّ‬
‫ك اْلُقّدو ُ‬
‫ل ُهَو اْلَمِل ُ‬
‫ل ِإَلَه ِإ ّ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫را ما تأتى الصفات بل عطف‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬هَو ا ُّ‬
‫وكثي ً‬
‫س{ ]الناس‪ 1 :‬ـ ‪.[3‬‬
‫س ِإَلِه الّنا ِ‬
‫ك الّنا ِ‬
‫س َمِل ِ‬
‫ب الّنا ِ‬
‫عوُذ ِبَر ّ‬
‫ل َأ ُ‬
‫وقوله‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ش اْلَمِجيُد َفّعاٌل ّلَما ُيِريُد{ ]البروج‪14 :‬ـ ‪ .[16‬ولو كان‬
‫را بعد خبر‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وُهَو اْلَغُفوُر اْلَوُدوُد ُذو اْلَعْر ِ‬
‫وقد تجيء خب ً‬
‫]فعال[ صفة‪ ،‬لكان معرًفا‪ ،‬بل هو خبر بعد خبر‪ .‬وقوله‪ُ} :‬هَو اَْلّوُل َواْلِخُر{ ]الحديد‪ ،[3 :‬خبر بعد خبر‪ ،‬لكن بالعطف‬
‫بكل من الصفات‪.‬‬
‫وأخبار المبتدأ قد تجيء بعطف وبغير عطف‪ .‬وإذا ذكر بالعطف كان كل اسم مستقل بالذكر‪ ،‬وبل عطف يكون الثاني‬
‫من تمام الول بمعنى‪ .‬ومع العطف ل تكون الصفات إل للمدح والثناء‪ ،‬أو للمدح‪ ،‬وأما بل عطف فهو في النكرات‬
‫للتمييز‪ ،‬وفي المعارف قد يكون للتوضيح‪.‬‬
‫ف بكل صفة من هذه الصفات‪ ،‬وُمِدح‬
‫ص َ‬
‫ق َفَسّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى َواّلِذي َأْخَرَج اْلَمْرَعى{ ]العلى‪ُ ،[ 4 - 2 :‬و ِ‬
‫خَل َ‬
‫‪ /‬و}اّلِذي َ‬
‫ى عليه بها‪ .‬وكانت كل صفة من هذه الصفات مستوجبة لذلك‪.‬‬
‫بها‪ ،‬وأُْثِن َ‬
‫فصــل‬
‫ق َفَسّوى{ ]العلى‪ ،[ 2 :‬فأطلق الخلق والتسوية ولم يخص بذلك النسان‪ ،‬كما أطلق قوله بعد‬
‫خَل َ‬
‫قال تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫}َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ [ 3 :‬لم يقيده‪ .‬فكان هذا المطلق ل يمنع شموله لشيء من المخلوقات‪ .‬وقد بين موسى ـ عليه‬
‫يٍء َخْلَقُه ُثّم َهَدى{ ]طه‪.[50 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫طى ُك ّ‬
‫عَ‬
‫السلم ـ شموله في قوله‪َ} :‬رّبَنا اّلِذي َأ ْ‬
‫ك{ ]النفطار‪.[7 ،6 :‬‬
‫ك َفَعَدَل َ‬
‫سّوا َ‬
‫ك َف َ‬
‫خَلَق َ‬
‫ك اْلَكِريِم اّلِذي َ‬
‫ك ِبَرّب َ‬
‫غّر َ‬
‫ن َما َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫وقد ذكر المقيد بالنسان في قوله‪َ} :‬يا َأّيَها ا ِْ‬
‫ق اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫ك‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫وقد ذكر المطلق والمقيد في أول ما نزل من القرآن‪ ،‬وهو قوله‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ]العلق‪.[5 - 1 :‬‬

‫وفي جميـع هـذه اليات ـ مطلقها ومقيدها والجامع بين المطلق والمقيد ـ قـد ذكر خلقه‪ ،‬وذكر هدايته وتعليمه بعد‬
‫ق َفَسّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ / . [ 3 ،2 :‬لن جميع المخلوقات خلقت‬
‫خَل َ‬
‫الخلق‪ ،‬كما قال في هذه السورة‪} :‬اّلِذي َ‬
‫لغاية مقصودة بها‪ ،‬فلبد أن تهدى إلى تلك الغاية التي خلقت لها‪ .‬فل تتم مصلحتها وما أريدت له إل بهدايتها لغاياتها‪.‬‬
‫وهذا مما يبين أن ال خلق الشياء لحكمة وغاية تصل إليها‪ ،‬كما قال ذلك السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلء‪.‬‬
‫وقالت طائفة ـ كجهم وأتباعه‪ :‬إنه لم يخلق شيًئا لشيء‪ ،‬ووافقه أبو الحسن الشعرى ومن اتبعه من الفقهاء ـ أتباع‬
‫الئمة‪ .‬وهم يثبتون أنه مريد‪ ،‬وينكرون أن تكون له حكمة يريدها‪.‬‬
‫ط الكلم على فســاد قول‬
‫سَ‬
‫وطائفة من المتفلسفة يثبتون عنايته وحكمته‪ ،‬وينكــرون إرادتــه‪ .‬وكلهمــا تناقض‪ .‬وقد ُب ِ‬
‫هؤلء في غير هذا الموضــع‪ ،‬وأن منتهاهم جحد الحقائق‪.‬‬

‫فإن هذا يقول‪ :‬لو كان له حكمة يفعل لجلها لكان يجب أن يريد الحكمة وينتفع بها‪ ،‬وهو منزه عن ذلك‪ .‬وذاك يقول‪:‬‬
‫لو كان له إرادة لكان يفعل لجر منفعة؛ فإن الرادة ل تعقل إل كذلك‪ .‬وأرسطو وأتباعه يقولون‪ :‬لو فعل شيًئا لكان‬
‫الفعل لغرض‪ ،‬وهو منزه عن ذلك‪.‬‬
‫‪ /‬فيقال لهؤلء‪ :‬هذه الحوادث المشهودة‪ ،‬ألهـا محــدث أم ل؟ فــإن قالــوا‪ :‬ل‪ ،‬فهو غاية المكابرة‪ .‬وإذا جوزوا حدوث‬
‫الحوادث بل محدث فتجويزهـا بمحـدث ل إرادة له أولى‪.‬‬
‫وإن قالوا‪ :‬لها محدث‪ ،‬ثبت الفاعل‪ .‬وإذا ثبت الخالق المحدث فإما أن يفعل بإرادة أو بغير إرادة‪ .‬فإن قالوا‪ :‬يفعل بغير‬
‫ضا مكابرة‪ .‬فإن كل حركة في العالم إنما صدرت عن إرادة‪.‬‬
‫إرادة كان ذلك أي ً‬
‫سرّية‪،‬وإما إرادية؛ لن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك‪ ،‬أو من سبب خارج‪.‬‬
‫فإن الحركات إما طبعية‪ ،‬وإما َق ْ‬
‫وما كان منها فإما أن يكون مع الشعور‪ ،‬أو بدون الشعور‪ .‬فما كان سببه من خارج فهو القسرى‪ ،‬وما كان سببه منها‬
‫بل شعور فهو الطبعي‪ ،‬وما كان مع الشعور فهو الرادى‪ .‬فالقسري تابع للقاسر‪ ،‬والذي يتحرك بطبعه‪ ،‬كالماء‬
‫والهواء والرض‪ ،‬هو ساكن في مركزه‪ ،‬لكن إذا خرج عن مركزه قسًرا طلب العودة إلى مركزه‪ ،‬فأصل حركته‬
‫القسر‪.‬ولم تبق حركة أصلية إل الرادية‪ .‬فكل حركة في العالم فهي عن إرادة‪.‬‬
‫فكيف تكون جميع الحوادث والحركات بل إرادة؟‬
‫ضا‪ ،‬فإذا جوزوا أن تحدث الحوادث العظيمة عن فاعل غير مريد فجواز ذلك عن فاعل مريد أولى‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫‪ /‬وإذا ثبت أنه مريد قيل‪ :‬إما أن يكون أرادها لحكمة‪،‬وإما أن يكون أرادها لغير حكمة‪ .‬فإن قالوا لغير حكمة‪ ،‬كان‬
‫مكابرة‪ .‬فإن الرادة ل تعقل إل إذا كان المريد قد فعل لحكمة يقصدها بالفعل‪.‬‬
‫ل مريًدا لحكمة أولى بالجواز‪.‬‬
‫ل مريًدا بل حكمة َفَكْوُنه فاع ً‬
‫ضا‪ ،‬فإذا جوزوا أن يكون فاع ً‬
‫وأي ً‬
‫وأما قولهم‪ :‬هذا ل يعقل إل في حق من ينتفع‪ ،‬وذلك يوجب الحاجة‪ ،‬وال منزه عن ذلك‪ .‬فـإن أرادوا أنه يوجب‬
‫احتياجه إلى غيره أو شيء من مخلوقاته فهو ممنوع وباطل‪ ،‬فإن كل مـا سواه محتاج إليه من كل وجه‪.‬وهو الصمد‬
‫جا إلى‬
‫الغنى عن كل ما سواه وكل ما سواه محتاج إليه‪،‬وهو القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه‪ .‬فكيف يكون محتا ً‬
‫غيره؟‬
‫ضا حاصلة بمشيئته فهذا ل محذور فيه‪ ،‬بل هو الحق‪.‬‬
‫وإن أرادوا أنه تحصل له بالخلق حكمة هي أي ً‬
‫وإذا قالوا‪ :‬الحكمة هي اللذة‪ ،‬قيل‪ :‬لفظ ]اللذة[ لم يرد به الشرع‪ ،‬وهو موهم ومجمل‪ .‬لكن جاء الشرع بأنه ]يحب[ ‪ ،‬و‬
‫]يرضى[ ‪ ،/‬و]يفرح بتوبة التائبين[‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬فإذا أريد ما دل عليه الشرع والعقل فهو حق‪.‬‬
‫وإن قالوا‪ :‬الحكمة إما أن تراد لنفسها أو لحكمة‪ ،‬قيل‪ :‬المرادات نوعان ما يراد لنفسه‪ ،‬وما يراد لغيره‪ .‬وقد يكون‬
‫الشيء غاية وحكمة بالنسبة إلى مخلوق وهو مخلوق لحكمة أخرى‪ .‬فلبد أن ينتهي المر إلى حكمة يريدها الفاعل‬
‫لذاتها‪.‬‬
‫والمعتزلة ـ ومن وافقهم‪ ،‬كابن عقيل وغيره ـ تثبت حكمة ل تعود إلى ذاته‪ .‬وأما السلف؛ فإنهم يثبتون حكمة تعود‬
‫إلىه‪ ،‬كما قد بين في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫ق َفَسّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ [3 ،2:‬والتسوية‪ :‬جعل الشيئين سواء‪ ،‬كما‬
‫خَل َ‬
‫والمقصود هنا ذكر قوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫سَواء{‬
‫صيُر{ ]فاطر‪ ،[19 :‬وقوله تعالى‪َ} :‬تَعاَلْوْا ِإَلى َكَلَمٍة َسَواء{ ]آل عمران‪ ،[64 :‬و } َ‬
‫عَمى َواْلَب ِ‬
‫لْ‬
‫سَتِوي ا َْ‬
‫قال‪َ} :‬وَما َي ْ‬
‫وسط؛ لنه معتدل بين الجوانب‪.‬‬
‫وذلك أنه لبد في الخلق والمر من العدل‪ .‬فلبد من التسوية بين المتماثلين‪ ،‬فإذا فضل أحدهما فسد المصنوع‪ ،‬كما في‬
‫مصنوعات العباد إذا بنوا بنياًنا فلبد من التسوية بين الحيطان‪ ،‬إذ لو رفع حائط على ‪ /‬حائط رفًعا كثيًرا فسد‪ .‬ولبد‬

‫من التسوية بين جذوع السقف‪ ،‬فلو كان بعض الجذوع قصيًرا عن الغاية وبعضها فوق الغاية فسد‪ .‬وكذلك إذا بنى‬
‫صف فوق صف لبد من التسوية بين الصفوف‪ ،‬وكذلك الدرج المبنية‪ .‬وكذلك إذا صنع لسقي الماء جداول ومساكب‬
‫فلبد من العدل والتسوية فيها‪ .‬وكذلك إذا صنعت ملبس للدميين فلبد من أن تكون مقدرة على أبدانهم ل تزيد ول‬
‫تنقص‪ .‬وكذلك ما يصنع من الطعام لبد أن تكون أخلطـه على وجه العتدال‪ ،‬والنار التي تطبخه كذلك‪ .‬وكذلك‬
‫السفن المصنوعة‪.‬‬
‫ولهذا قال ال لداود‪َ} :‬وَقّدْر ِفي الّسْرِد{ ]سبأ‪ ،[ 11 :‬أي‪ :‬ل تدق المسمار فيقلق‪ ،‬ول تغلظه فيفصم‪ ،‬واجعله بقدر‪.‬‬
‫فإذا كان هذا في مصنوعات العباد ـ وهي جزء من مصنوعات الرب ـ فكيف بمخلوقاته العظيمة التي ل صنع فيها‬
‫للعباد‪ ،‬كخلق النسان وسائر البهائم‪ ،‬وخلق النبات‪ ،‬وخلق السموات والرض والملئكة‪.‬‬
‫ن‬
‫حَم ِ‬
‫ق الّر ْ‬
‫خْل ِ‬
‫طَباًقا ّما َتَرى ِفي َ‬
‫ت ِ‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫سْبَع َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫را ما له من فروج‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫خَلقه وجعله مستدي ً‬
‫فالفلك الذي َ‬
‫صُر َخاًِسا َوُهَو َحِسيٌر{ ]الملك‪ ،[4 ،3 :‬وقال‬
‫ك اْلَب َ‬
‫ب ِإَلْي َ‬
‫ن َينَقِل ْ‬
‫صَر َكّرَتْي ِ‬
‫جِع اْلَب َ‬
‫طوٍر ُثّم اْر ِ‬
‫ل َتَرى ِمن ُف ُ‬
‫صَر َه ْ‬
‫جِع اْلَب َ‬
‫ت َفاْر ِ‬
‫ِمن َتَفاوُ ٍ‬
‫ف َبَنْيَناَها َوَزّيّناَها َوَما َلَها ِمن ُفُروٍج{{‬
‫سَماء َفْوَقُهْم َكْي َ‬
‫ظُروا ِإَلى ال ّ‬
‫ك{ ]الذاريات‪ ،[ 7 :‬وقال‪َ} / :‬أَفَلْم َين ُ‬
‫حُب ِ‬
‫ت اْل ُ‬
‫سَماء َذا ِ‬
‫تعالى‪َ} :‬وال ّ‬

‫]ق‪.[6 :‬‬
‫فهو ـ سبحانه ـ سواها كما سوى الشمس والقمر وغير ذلك من المخلوقات‪ ،‬فعدل بين أجزائها‪ .‬ولو كان أحد جانبى‬
‫جا لكان فيها فروج‪ ،‬وهي الفتوق والشقوق‪ ،‬ولم يكن سواها‪ ،‬كمن بنى قبة ولم يسوها‪ .‬وكذلك لو‬
‫ل أو خار ً‬
‫السماء داخ ً‬
‫جعل أحد جانبيها أطول أو أنقص‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫فالعدل والتسوية لزم لجميع المخلوقات والمصنوعات‪ .‬فمتى لم تصنع بالعدل والتسوية بين المتماثلين وقع فيها‬
‫الفساد‪.‬‬
‫سّوى{ ـ قال‪ :‬سوى خلقهن وهذا‬
‫ق َف َ‬
‫خَل َ‬
‫ق َفَسّوى{ ]العلى‪ .[ 2 :‬قال أبو العالية ـ في قوله‪َ } :‬‬
‫خَل َ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ }اّلِذي َ‬
‫ت ِفي َيْوَمْيِن{ ]فصلت‪.[12 :‬‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫سْبَع َ‬
‫ن َ‬
‫ضاُه ّ‬
‫كما قـال تعالى‪َ} :‬فَق َ‬
‫فصـــل‬
‫ثم إذا خلق المخلوق فسوى‪ ،‬فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد‪ .‬فلبد أن يهدى بعد ذلك إلى ما خلق له‪.‬‬
‫‪ /‬وتلك الغاية لبد أن تكون معلومة للخالق‪ .‬فإن العلة الغائية هي أول في العلم والرادة‪ ،‬وهي آخر في الوجود‬
‫والحصول‪.‬‬
‫ولهذا كان الخالق لبد أن يعلم ما خلق‪ .‬فإنه قد أراده‪ ،‬وأراد الغاية التي خلقه لها‪ ،‬والرادة مستلزمة للعلم‪ .‬فيمتنع أن‬
‫يريد الحى ما ل شعور له به‪.‬‬
‫عِلمه وأراده‪ ،‬وقدر في نفسه ما يصنعه‪ ،‬والغاية التي ينتهي إليها‪ ،‬وما الذي‬
‫والصانع إذا أراد أن يصنع شيًئا فقد َ‬
‫يوصله إلى تلك الغاية‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ قدر وكتب مقادير الخلئق قبل أن يخلقهم‪ ،‬كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬قدر ال مقادير الخلئق قبل أن يخلق السموات والرض بخمسين ألف سنة‪،‬‬
‫وكان عرشه على الماء(‪.‬‬
‫صْين‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬كان ال ولم يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه‬
‫ح َ‬
‫وفي البخارى عن عمران بن ُ‬
‫على الماء‪ ،‬وكتب في الذكر كل شيء‪ ،‬وخلق السموات والرض(‪ ،‬وفي رواية‪) :‬ثم خلق السموات والرض(‪.‬‬

‫‪ /‬فقد قدر ـ سبحانه ـ ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء إلى يوم القيامة‪ ،‬كما في السنن عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬أول ما خلق ال القلم‪ ،‬فقال‪ :‬اكتب‪ .‬فقال‪ :‬ما أكتب؟ فقال‪ :‬اكتب ما يكون إلى يوم‬
‫القيامة(‪.‬‬
‫وأحاديث تقديره ـ سبحانه ـ وكتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جًدا‪.‬‬
‫يٍء َخَلْقَناهُ ِبَقَدٍر{ ]القمر‪ ،[ 49 :‬فقال‪ :‬قال ابن عباس‪ :‬إن‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫روى ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه ســئل عن قوله‪ِ} :‬إّنا ُك ّ‬
‫ال قدر المقادير بقدرته ودبر المور بحكمته‪ ،‬وعلم ما العباد صائرون إليه‪ ،‬وما هو خالق وكائن من خلقه‪ ،‬فخلق ال‬
‫لذلك جنة وناًرا‪ ،‬فجعل الجنة لوليائه وعرفهم وأحبهم وتولهم ووفقهم وعصمهم‪ ،‬وترك أهل النار استحوذ عليهم‬
‫إبليس وأضلهم وأزلهم‪.‬‬
‫فخلق لكل شيء ما يشاكله في خلقه ـ ما يصلحه من رزقه في بر أو في بحر ـ فجعل للبعير خلًقا ل يصلح شيء من‬
‫خلقه على غيره من الدواب‪ .‬وكذلك كل دابة خلق ال له منها ما يشاكلها في خلقها‪ ،‬فخلقه مؤتلف لما خلقه له غير‬
‫مختلف‪.‬‬
‫قال ابن أبي حاتم‪ :‬ثنا أبي‪ ،‬ثنا يحيى بن زكريا بن ِمْهَران القزاز ‪ / ،‬نا حبان بن عبيد ال قال‪ :‬سألت الضحاك عن هذه‬
‫يٍء َخَلْقَناُه ِبَقَدٍر{ ]القمر‪ ،[ 49 :‬قال الضحاك‪ :‬قال ابن عباس‪ ،‬فذكره‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫الية }ِإّنا ُك ّ‬
‫سنان‪ ،‬عن عاصم عن الحسن قال‪ :‬من كذب بالقدر فقد كذب بالحق‪ .‬خلق‬
‫ج‪ ،‬ثنا طلحة بن ِ‬
‫شّ‬
‫وقال‪ :‬حدثنا أبو سعيد ال َ‬
‫ل‪ ،‬وقدر رزًقا‪ ،‬وقدر مصيبة‪ ،‬وقدر بلء‪ ،‬وقدر عافية‪ .‬فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن‪.‬‬
‫ال خلًقا‪ ،‬وأجل أج ً‬
‫جَرْيح‪ ،‬عن عطاء بن أبي رباح قال‪:‬‬
‫شجاع الجزرى‪ ،‬عن عبد الملك بن ُ‬
‫وقال‪ :‬حدثنا الحسن بن عرفة‪ ،‬ثنا مروان بن ُ‬
‫أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه‪ ،‬فقلت له‪ :‬قد تكلم في القدر‪ .‬فقال‪ :‬أو قد فعلوها؟ قلت‪:‬‬
‫يٍء َخَلْقَناُه ِبَقَدٍر{ ]القمر‪ [49 ،48 :‬أولئك شرار هذه‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫سَقَر ِإّنا ُك ّ‬
‫س َ‬
‫نعم‪ .‬قال‪ :‬فوال ما نزلت هذه الية إل فيهم‪ُ} :‬ذوُقوا َم ّ‬
‫المة‪ ،‬فل تعودوا مرضاهم‪ ،‬ول تصلوا على موتاهم‪ .‬إن رأيت أحًدا منهم فقأت عينيه بأصبعى هاتين‪.‬‬
‫حّدانى‪ ،‬نا حبان بن عبيد ال‬
‫ضا‪ :‬حدثنا على بن الحســين بن الجنيــد‪ ،‬حدثنــا ســهل الخيــاط‪ ،‬ثنا أبو صالح ال ُ‬
‫وقال أي ً‬
‫ب ّمن َقْبِل َأن ّنْبَرَأَها{ ]الحديد‪:‬‬
‫ل ِفي ِكَتا ٍ‬
‫سُكْم ِإ ّ‬
‫ل ِفي َأنُف ِ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر ِ‬
‫صيَبٍة ِفي ا َْ‬
‫ب ِمن ّم ِ‬
‫صا َ‬
‫قال‪ :‬سألت ‪ /‬الضحاك عن قوله‪َ} :‬ما َأ َ‬
‫‪ .[ 22‬قال‪ :‬قال ابن عباس‪ :‬إن ال خلق العرش فاستوى عليه‪ ،‬ثم خلق القلم فأمره ليجــرى بإذنه ـ وعظم القلم كقدر ما‬
‫طر أو نبات أو نفس أو‬
‫بين السماء والرض ـ فقال القلم‪ :‬بما يارب أجرى؟ فقال‪) :‬بما أنا خالق وكائن في خلقى ‪ .‬من َق ْ‬
‫أثر ـ يعنى به العمل ـ أو رزق أو أجل(‪ .‬فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة‪ .‬فأثبته ال في الكتاب المكنون عنده‬
‫تحت العرش‪.‬‬
‫فصـــل‬
‫فقوله ـ سبحانه ـ‪َ} :‬واّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ ،[ 3 :‬يتضمن أنه َقّدر ما سيكون للمخلوقات‪ ،‬وهداها إليه‪ .‬علم ما يحتاج‬
‫إليه الناس والدواب من الرزق‪ ،‬فخلق ذلك الرزق وسواه‪ ،‬وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق‪ .‬وهدى غيره‬
‫من الحياء أن يسوق إليه ذلك الرزق‪.‬‬
‫وخلق الرض‪ ،‬وَقّدر حاجتها إلى المطر‪ ،‬وَقّدر السحاب وما يحمله من المطر‪ .‬وخلق ملئكة هداهم ليسوقوا ذلك‬
‫السحاب إلى تلك الرض ‪ /‬فيمطر المطر الذي قدره‪ .‬وَقّدر ما نبت بها من الرزق‪ ،‬وَقّدر حاجة العباد إلى ذلك الرزق‪.‬‬
‫وهداهم إلى ذلك الرزق‪ ،‬وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم‪.‬‬
‫عا من تقديره وهدايته‪ :‬فروى ابن جرير‪ ،‬وابن أبي حاتم‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬بالسناد الثابت عن‬
‫وقد ذكر المفسرون أنوا ً‬
‫مجاهد في قوله‪َ} :‬قّدَر َفَهَدى{ ‪ ،‬قال‪ :‬النسان للشقاوة والسعادة‪ ،‬وهدى النعام لمراتعها‪.‬‬
‫وكذلك رواه عبد بن حميد في تفسيره‪ ،‬قال‪ :‬هدى النسان للسعادة والشقاوة‪ ،‬وهدى النعام لمراتعها‪.‬‬

‫وقال‪ :‬حدثنا يونس‪ ،‬عن شيبان عن قتادة‪َ} :‬واّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ‪ ،‬قال‪ :‬ل وال! ما أكره ال عبًدا على معصية قط ول‬
‫على ضللة‪ ،‬ول رضيها له ول أمره‪ ،‬ولكن رضى لكم الطاعة فأمركم بها‪ ،‬ونهاكم عن معصيته‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قتادة ذكر هذا عند هذه الية ليبين أن ال قدر ما قدره من السعادة والشقاوة‪ ،‬كما قال الحسن وقتادة‪ ،‬وغيرهما‬
‫من أئمة المسلمين‪ ،‬فإنهم لم يكونوا متنازعين‪ .‬فما سبق من سبق تقدير ال‪ ،‬وإنما كان نزاع بعضهم في الرادة وخلق‬
‫الفعال ‪.‬‬
‫‪ /‬وإنما نازع في التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة كابن عمر‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫وذكر قتادة أن ال لم يكره أحًدا على معصية‪ .‬وهذا صحيح‪ ،‬فإن أهل السنة المثبتين للقدر متفقون على أن ال ل يكره‬
‫أحًدا على معصية كما يكره الوالى والقاضى وغيرهما للمخلوق على خلف مراده ـ يكرهونه بالعقوبة والوعيد‪ .‬بل‬
‫هو سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله‪ ،‬وهو خالق كل شيء‪.‬‬
‫وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول الَقَدرّية‪ ،‬وأنه لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر‪ ،‬حتى قيل‪ :‬إن مالكا كره‬
‫لمعمر أن يروى عنه التفسير لكونه اتهم بالقدر‪.‬‬
‫وهذا القول حق‪ ،‬ولم يعرف أحد من السلف قال‪ :‬إن ال أكره أحًدا على معصية‪.‬‬
‫بل أبلغ من ذلك أن لفظ ]الجبر[ منعوا من إطلقه‪ ،‬كالوزاعى ‪ .‬والثورى‪ ،‬والزبيدى‪ ،‬وعبد الرحمن بن مهدى‪،‬‬
‫وأحمد بن حنبل‪ ،‬وغيرهم‪ .‬نهوا عن أن يقال‪ :‬إن ال جبر العباد‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن هذا بدعة في الشرع‪ ،‬وهو مفهم للمعنى‬
‫الفاسد‪.‬‬
‫سّنة جاءت بـ]جبل[‪ ،‬ولم تأت بـ]جبر[‪ ،‬فإن النبي صلى ال عليه وسلم قال لشج عبد‬
‫‪ /‬قال الوزاعى وغيره‪ :‬إن ال ّ‬
‫ت عليهما؟ قال‪) :‬بل خلقين‬
‫جِبْل ُ‬
‫ت بهما أم خلقين ُ‬
‫خّلق ُ‬
‫خلُقين يحبهما ال‪ ،‬الحلم والناة(‪ .‬فقال‪ :‬أخلقين َت َ‬
‫القيس‪) :‬إن فيك ل ُ‬
‫جبلت عليهما(‪ .‬قال‪ :‬الحمد ل الذي جبلني على خلقين يحبهما ال‪.‬‬
‫وقال الُزَبْيدي وغيره‪ :‬إنما يجبر العاجز ـ يعنى الجبر الذي هو بمعنى الكراه ـ كما تجبر المرأة على النكاح‪ ،‬وال‬
‫أجل وأعظم من أن يجبر أحًدا يعنى أنه يخلق إرادة العبد فل يحتاج إلى إجباره‪.‬‬
‫فالُزَبيدي وطائفة نفوا ]الجبر[ وكان مفهومه عندهم هذا‪.‬‬
‫وأما الوزاعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬فكرهوا أن يقال‪] :‬جبر[‪ ،‬وأن يقال‪] :‬لم يجبر[؛ لن ]الجبر[ قد يراد به‬
‫الكراه‪ ،‬وال ل يكره أحًدا‪.‬‬
‫وقد يراد به أنه خالق الرادة‪ ،‬كما قال محمد بن كعب‪ :‬الجبار هو الذي جبر العباد على ما أراد‪ .‬و]الجبر[ بهذا المعنى‬
‫صحيح‪.‬‬
‫وقول مجاهد في قوله‪َ} :‬قّدَر َفَهَدى{ هدى النسان للسعادة والشقاوة‪ ،‬يبين أن هذا عنده مما دخل في قوله‪َ} :‬قّدَر‬
‫َفَهَدى{ ‪ / ،‬أي‪ :‬هدى السعداء إلى السعادة التي قدرها‪ ،‬وهدى الشقياء إلى الشقاء الذي قدره‪.‬‬
‫وهكذا قال مجاهد في قوله‪ِ}:‬إّنا َهَدْيَناُه الّسِبيَل{ ]النسان‪ ،[ 3 :‬قال‪ :‬السعادة والشقاوة‪.‬‬
‫وقال عكرمة‪ :‬سبيل الهدى‪ .‬رواهما عبد بن حميد‪.‬‬
‫ن{ ]البلد‪ ،[ 10 :‬قال‪ :‬الشقاوة والسعادة‪.‬‬
‫جَدْي ِ‬
‫وكذلك روى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‪َ} :‬وَهَدْيَناُه الّن ْ‬
‫ن{ ‪ ،‬أي‪ :‬الخير والشر‪ .‬رواه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫جَدْي ِ‬
‫وقد قال هو وجماهير السلف‪َ} :‬وَهَدْيَناُه الّن ْ‬
‫وروى عن على بن أبي طالب‪ ،‬وابن عباس في إحدى‪ ...‬وشقيق بن سلمة‪ ،‬وأبي صالح‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬والحسن‪ ،‬ومحمد‬

‫سانى‪ ،‬وعمرو ابن قيس‬
‫خَرا َ‬
‫طاء ال ُ‬
‫عَ‬
‫سَنان الرازى‪ ،‬والضحاك‪ ،‬و َ‬
‫حبيل بن سعيد‪ ،‬وابن ِ‬
‫شَر ْ‬
‫بن كعب‪ ،‬وعكرمة‪ ،‬و ُ‬
‫لئى‪ ،‬نحو ذلك‪.‬‬
‫الم ُ‬
‫وروى عن محمد بن كعب الُقَرظى قال‪ :‬الحق والباطل‪.‬‬
‫‪ /‬وهذا كلم مجمل فيه ما هو متفق عليه‪ ،‬وهو أنه يبين للناس ما أرسله من الرسل‪ ،‬ونصبه من الدلئل واليات‪،‬‬
‫وأعطاهم من العقول ـ طريق الخير والشر ـ كما في قوله‪َ} :‬وَأّما َثُموُد َفَهَدْيَناُهْم{ ]فصلت‪.[17 :‬‬
‫حا إلى أن يسعد بذلك‪،‬‬
‫وأما إدخال الهدى الذي هو اللهام في ذلك‪ ،‬بمعنى أنه هدى المؤمن إلى أن يؤمن ويعمل صال ً‬
‫وهدى الكافر إلى ما يعمله إلى أن يشقى بذلك‪ ،‬فهذا منهم من يدخله في الية‪ ،‬كمجاهد وغيره ويدخله في قوله‪ِ} :‬إّنا‬
‫َهَدْيَناُه الّسِبيَل{ ]النسان‪. [ 3 :‬وعكرمة وغيره يخرجون ذلك عن معنى هذه الية وإن كانوا مقرين بالقدر‪.‬‬
‫جد الخير والشر جميًعا‪ ،‬أي َبّين له طريق الخير والشر‪.‬‬
‫ومن قال‪َ) :‬هَدى(‪ ،‬بمعنى َبّين فقط‪ ،‬فقد هدى كل عبد إلى ُن ُ‬
‫ومن أدخل في ذلك السعادة والشقاوة يقول‪ :‬في هذا تقسيم‪ ،‬أى‪ :‬هذه الهداية عامة مشتركة‪ ،‬وخص المؤمن بهداية إلى‬
‫جد الشر‪.‬‬
‫جد الخير‪ ،‬وخص الكافر بهداية إلى َن ْ‬
‫َن ْ‬
‫ومن لم يدخل ذلك في الية قد يحتجون بحديث من مراسيل الحسن قال‪ُ :‬ذِكر لنا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫جدان؛ نجد الخير‪ ،‬ونجد الشر‪ .‬فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير؟(‪.‬‬
‫كان يقول‪) :‬يأيها الناس‪ ،‬إنما هما الّن ْ‬
‫ى‪ ،‬بل سماه ضلل‪ ،‬وال امتن بأنه ُهًدى‪.‬‬
‫‪ /‬ويحتجون بأن إلهام الفاجر طريق الفجور لم يسمه هد ً‬
‫صَرا ِ‬
‫ط‬
‫وقد يجيب الخر بأن يقول‪ :‬هو ل يدخل في الهدى المطلق‪ ،‬لكن يدخل في الهدى المقيد‪ ،‬كقوله‪َ} :‬فاْهُدوُهْم ِإَلى ِ‬
‫ب َأِليٍم{ ]آل عمران‪ ،[21 :‬ولفظ اليمان فقال‪:‬‬
‫شْرُهم ِبَعَذا ٍ‬
‫حيِم{ ]الصافات‪ ،[ 23 :‬وكما في لفظ البشارة‪ ،‬قال‪َ} :‬فَب ّ‬
‫جِ‬
‫اْل َ‬
‫ت{ ]النساء‪.[51 :‬‬
‫غو ِ‬
‫طا ُ‬
‫ت َوال ّ‬
‫جْب ِ‬
‫}ُيْؤِمُنونَ ِباْل ِ‬

‫وهذان القولن في قوله‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ [ 8 :‬قيل‪ :‬هو البيان العام‪ ،‬وقيل‪ :‬بل ألهم الفاجر الفجور‬
‫والتقى التقوى‪.‬‬
‫وهذا في تلك الية أظهر‪ ،‬لن اللهام استعماله مشهور في إلهام القلوب‪ ،‬ل في التبين الظاهر الذي تقوم به الحجة‪.‬‬
‫خَزاعى ]هو حصين بن عبيد‪ ،‬والد عمران بن حصين الخزاعى‪ ،‬روى‬
‫وقد علم النبي صلى ال عليه وسلم حصيًنا ال ُ‬
‫عا في إسلمه‪ ،‬وفي الدعاء[ لما أسلم أن يقول‪) :‬اللهم‪ ،‬ألهمني رشدي‪ ،‬وقني‬
‫عنه ابنه عمران بن حصين حديًثا مرفو ً‬
‫شر نفسي(‪ .‬ولو كان اللهام بمعنى البيان الظاهرلكان هذا حاصل للمسلم والكافر‪.‬‬
‫قال ابن عطية‪ :‬و}سّوى{ معناه عدل وأتقن حتى صارت المور مستوية‪ ،‬دالة على قدرته ووحدانيته‪.‬‬
‫وقرأ جمهور القراء }قّدر{ بتشديد الدال‪ ،‬فيحتمل أن يكون ‪ /‬من الَقَدر والقضاء‪ ،‬ويحتمل أن يكون من التقدير‬
‫والموازنة بين الشياء‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هما متلزمان؛ لن التقدير الول يسمى تقديًرا؛ لن ما يجرى بعد ذلك يجرى على قدره‪ ،‬فهو موازن له‬
‫ومعادل له‪.‬‬
‫سائي وحده بتخفيف الدال‪ ،‬فيحتمل أن يكون بمعنى القدرة‪ .‬ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقرأ الِك َ‬
‫قلت‪ :‬وهذا قول الكثرين؛ أنهما بمعنى واحد‪.‬‬

‫قال ابن عطية‪ :‬وقوله }فهدى{ ‪ ،‬عام لوجوه الهدايات في النسان والحيوان‪ .‬وقد خصص بعض المفسرين أشياء من‬
‫الهدايات‪ ،‬فقال الفّراء‪ :‬معناه هدى وأضل‪ ،‬واكتفي بالواحد لدللتها على الخرى‪ .‬قال‪ ،‬وقال مقاتل‪ ،‬والكلبي‪ :‬هدى إلى‬
‫ص الثدي‪ .‬وقال مجاهد‪ :‬هدى الناس للخير والشر‪،‬‬
‫وطء الذكور للناث‪ .‬وقيل‪ :‬هدى المولود عند وضعه إلى َم ّ‬
‫والبهائم للمراتع‪.‬‬
‫قال ابن عطية ‪ :‬وهذه القوال مثالت ‪ ،‬والعموم في الية أصوب في كل تقدير وفي كلهداية‪.‬‬
‫ج بن الجوزي هذه القوال وغيرها‪ ،‬فذكر ‪ /‬سبعة أقوال‪َ :‬قّدر السعادة والشقاوة‪ ،‬وهدى للرشد‬
‫وقد ذكر أبو الَفَر ِ‬
‫والضللة‪ ،‬قاله مجاهد‪ .‬وقيل‪ :‬جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه‪ ،‬قاله عطاء‪ .‬وقيل‪ :‬قدر مدة الجنين في الرحم ثم‬
‫هداه للخروج‪ ،‬قاله السدى‪ .‬وقيل‪ :‬قدرهم ذكراًنا وإناًثا‪ ،‬وهدى الذكور لتيان الناث‪ ،‬قاله مقاتل وقيل‪ :‬قدر فهدى‬
‫جاج‪ .‬وقيل‪ :‬قدر الرزاق وهدى إلى طلبها؛ وقيل‪،‬‬
‫وأضل‪ ،‬فحذف ]وأضل[؛ لن في الكلم ما يدل عليه‪ ،‬حكاه الّز ْ‬
‫قدر الذنوب فهدى إلى التوبة‪ ،‬حكاهما الثعلبي‪.‬‬
‫قلت‪ :‬القول الذي حكاه الزجاج هو قول الَفّراء‪ ،‬وهو من جنس قوله‪ :‬إن نفعت وإن لم تنفع‪ ،‬ومن جنس قوله‪ :‬سرابيل‬
‫تقيكم الحر والبرد‪ .‬وقد تقدم ضعف مثل هذا؛ ولهذا لم يقله أحد من المفسرين‪.‬‬
‫والقوال الصحيحة هي من باب المثالت‪ ،‬كما قال ابن عطية‪.‬‬
‫وهكذا كثير من تفسير السلف؛ يذكرون من النوع مثال لينبهوا به على غيره‪ ،‬أو لحاجة المستمع إلى معرفته‪ ،‬أو‬
‫س َشِديٍد{ ]الفتح‪[16 :‬‬
‫ن ِإَلى َقْوٍم ُأْوِلي َبْأ ٍ‬
‫عْو َ‬
‫سُتْد َ‬
‫لكونه هو الذي يعرفه‪ ،‬كما يذكرون مثل ذلك في مواضع كثيرة‪ ،‬كقوله‪َ } :‬‬
‫ظاِلٌم‬
‫حّبوَنُه{ ]المائدة‪ ،[54 :‬وقوله‪َ} :‬فِمْنُهْم َ‬
‫حّبُهْم َوُي ِ‬
‫ل ِبَقْوٍم ُي ِ‬
‫ف َيْأِتي ا ّ‬
‫سْو َ‬
‫ن ِمْنُهْم{ ]الجمعة‪ ،[3 :‬وقوله‪َ}:‬ف َ‬
‫خِري َ‬
‫‪ ،‬وقوله‪َ} :‬وآ َ‬
‫ت{ ]فاطر‪.[32 :‬‬
‫خْيَرا ِ‬
‫ق ِباْل َ‬
‫ساِب ٌ‬
‫صٌد َوِمْنُهْم َ‬
‫سِه وَِمْنُهم ّمْقَت ِ‬
‫ّلَنْف ِ‬
‫سُكْم‬
‫شُهوٍد{ ]البروج‪ ،[ 3 :‬وغير ذلك‪ .‬وقوله‪َ}:‬وِفي َأنُف ِ‬
‫شاِهٍد َوَم ْ‬
‫شْفِع َواْلَوْتِر{ ]الفجر‪ ،[ 3 :‬و }َو َ‬
‫‪ /‬وكذلك تفسير‪َ} :‬وال ّ‬
‫صُروَن{ ]الذاريات‪ ،[ 21 :‬وأمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال‪.‬‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫َأَف َ‬

‫ل وكان سبب نزولها ـ ل‬
‫ومن ذلك قولهم‪ :‬إن هذه الية نزلت في فلن وفلن‪ ،‬فبهذا يمثل بمن نزلت فيه ـ نزلت فيه أو ً‬
‫يريدون به أنها آية مختصة به‪ ،‬كآية اللعان‪ ،‬وآية القذف‪ ،‬وآية المحاربة‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬ل يقول مسلم إنها مختصة بمن‬
‫كان نزولها بسببه‪.‬‬
‫واللفظ العام وإن قال طائفة‪ :‬إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي هو سببه ـ لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على‬
‫شخص واحد من ذلك النوع‪.‬‬
‫فل يقول مسلم‪ :‬إن آية الظهار لم يدخل فيها إل أوس بن الصامت‪ ،‬وآية اللعان لم يدخل فيها إل عاصم بن عدى‪ ،‬أو‬
‫هلل بن أمية‪ :‬وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إل كفار قريش؛ ونحو ذلك‪ ،‬مما ل يقوله مسلم ول عاقل‪.‬‬
‫فإن محمًدا صلى ال عليه وسلم قد عرف ـ بالضطرار ـ من دينه أنه مبعوث إلى جميع النس والجن‪ ،‬وال تعالى‬
‫خاطب بالقرآن جميع ‪ /‬الثقلين‪ ،‬كما قال‪ُ}:‬لنِذَرُكم ِبِه َوَمن َبَلَغ{ ]النعام‪ .[ 19:‬فكل من بلغه القرآن من إنسى وجنى فقد‬
‫خوف‪ ،‬والمخوف‪ :‬هو العذاب ينزل بمن عصى أمره ونهيه‪.‬‬
‫أنذره الرسول به‪ .‬والنذار هو‪ :‬العلم بالم َ‬
‫فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن أنه إن لم يطعه وإل عذبه ال تعالى‪ ،‬وأنه إن أطاعه أكرمه ال تعالى‪.‬‬
‫وهو قد مات‪ ،‬فإنما طاعته باتباع ما في القرآن مما أوجبه ال وحرمه‪ ،‬وكذلك ما أوجبه الرسول وحرمه بسنته‪ .‬فإن‬
‫ن َما ُيْتَلى ِفي ُبُيوِتُك ّ‬
‫ن‬
‫القرآن قد بين وجوب طاعته‪ ،‬وبّين أن ال أنزل عليه الكتاب والحكمة‪ ،‬وقال لزواج نبيه‪َ} :‬واْذُكْر َ‬
‫ل َواْلِحْكَمِة{ ]الحزاب‪.[34 :‬‬
‫ت ا ِّ‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ِم ْ‬
‫فصـــل‬

‫ثم قال‪َ} :‬واّلِذي َأْخَرَج اْلَمْرَعى َفَجَعَلُه ُغَثاء َأْحَوى{ ]العلى‪.[5 ،4 :‬‬
‫هو ـ سبحانه ـ لما ذكر قوله‪َ} :‬قّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ ،[ 3 :‬دخل في ذلك ما قدره من أرزاق العباد والبهائم وهداهم‬
‫إليها‪ ،‬فهدى من يأتى بها إليهم‪ .‬وذلك من تمام إنعامه على عباده‪ ،‬كما جاء في الثر؛ إن ال يقول ‪ ) / :‬إني والجن‬
‫والنس لفي نبأ عظيم؛ أخلق ويعبدون غيري‪ ،‬وأرزق ويشكرون سواي(‪.‬‬
‫وهذا المعنى قد روى في قوله‪َ} :‬وَتْجَعُلوَن ِرْزَقُكْم َأّنُكْم ُتَكّذُبوَن{ ]الواقعة‪ ،[ 82:‬أي‪ :‬تجعلون شكركم وشكر ربكم التكذيب‬
‫طَر الناس على عهد النبي‬
‫بإنعام ال‪ ،‬وإضافة الرزق إلى غيره كالنواء‪ ،‬كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال‪ُ :‬م ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬أصبح من الناس شاكر‪ ،‬ومنهم كافر قالوا‪ :‬هذه رحمة ال‪،‬‬
‫ن ِرْزَقُكْم َأّنُكْم‬
‫جَعُلو َ‬
‫جوِم{ حتى بلغ }َوَت ْ‬
‫ل ُأْقسُِم ِبَمَواِقِع الّن ُ‬
‫وقال بعضهم‪ :‬لقد صدق نوء كذا وكذا(‪ ،‬قال‪ :‬فنزلت هذه الية }َف َ‬
‫ُتَكّذُبوَن{ ]الواقعة‪.[82 - 75 :‬‬
‫وفي صحيح مسلم‪ ،‬عن أبي هريرة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ما أنزل ال من السماء من بركة إل‬
‫أصبح فريق من الناس بها كافرين؛ ينزل ال الغيث فيقولون‪ :‬الكوكب كذا وكذا ( ‪ .‬وفي رواية‪) :‬بكوكب كذا وكذا(‪.‬‬
‫شْيم‪ ،‬عن أبي‬
‫وروى ابن المنذر في تفسيره‪ :‬ثنا محمد بن على ـ يعني الصائغ ـ ثنا سعيد ـ هو ابن منصور ـ ثنا ُه َ‬
‫جَبْير‪ ،‬عن ابن عباس أنه كان يقرأ‪) :‬وتجعلون شكركم أنكم تكذبون( ‪ / ،‬يعني‪ :‬النواء‪ .‬وما مطر‬
‫بشر‪ ،‬عن سعيد بن ُ‬
‫قوم إل أصبح بعضهم كافًرا‪ ،‬وكانوا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا‪ ،‬فأنزل ال‪َ} :‬وَتْجَعُلوَن ِرْزَقُكْم َأّنُكْم ُتَكّذُبوَن{ ]الواقعة‪:‬‬
‫‪.[28‬‬
‫عْكرمة‪ ،‬في قول ال‪َ} :‬وَتْجَعُلوَن ِرْزَقُكْم َأّنُكْم ُتَكّذُبوَن{ ‪ ،‬قال‪ :‬تجعلون‬
‫سانى‪ ،‬عن ِ‬
‫خَرا َ‬
‫وروى ابن أبي حاتم‪ ،‬عن عطاء ال ُ‬
‫رزقكم من عند غير ال تكذيًبا‪ ،‬وشكًرا لغيره‪.‬‬
‫لكن قوله‪َ} :‬واّلِذي َأْخَرَج اْلَمْرَعى{ ]العلى‪ ،[ 4:‬خص به إخراج المرعى‪ ،‬وهو ما ترعاه الدواب‪ ،‬وذكر أنه جعله غثاء‬
‫أحوى‪ ،‬وهذا فيه ذكر أقوات البهائم‪ ،‬لكن أقوات الدميين أجل من ذلك‪ ،‬وقد دخلت هي وأقوات البهائم في قوله‪َ} :‬قّدرَ‬
‫َفَهَدى{ ]العلى‪.[3 :‬‬
‫ضا‪ ،‬فالذي يصير غثاء أحوى لم تقتت به البهائم‪ ،‬وإنما تقتات به قبل ذلك‪ .‬فهو ـ وال أعلم ـ خص هذا بالذكر لنه‬
‫وأي ً‬
‫مثل الحياة الدنيا‪.‬‬
‫إذ كانت هذه السورة تضمنت أصول اليمان؛ اليمان بال واليوم الخر‪ ،‬واليمان بالرسل والكتب التي جاؤوا بها‪،‬‬
‫وذلك يتضمن اليمان بالملئكة‪ .‬وفيها العمل الصالح الذي ينفع في الخرة‪ ،‬والفاسد الذي يضر فيها‪.‬‬
‫‪ /‬فذكر ـ سبحانه ـ المرعى ما ذكره من الخلق والهدى ليبين مآل بعض المخلوقات‪ ،‬وأن الدنيا‪ ،‬هذا مثلها‪.‬‬
‫ط ِبِه‬
‫خَتَل َ‬
‫سَماء َفا ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫حَياةِ الّدْنَيا َكَماء َأنَزْلَناُه ِم َ‬
‫ل اْل َ‬
‫ب لَُهم ّمَث َ‬
‫ضِر ْ‬
‫وقد ذكر ال ذلك في الكهف‪ ،‬ويونس‪ ،‬والحديد‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وا ْ‬
‫يٍء ّمْقَتِدًرا{ ]الكهف‪.[45 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ُك ّ‬
‫ل َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ح َوَكا َ‬
‫شيًما َتْذُروُه الّرَيا ُ‬
‫ح َه ِ‬
‫صَب َ‬
‫ض َفَأ ْ‬
‫لْر ِ‬
‫ت ا َْ‬
‫َنَبا ُ‬
‫خَذتِ‬
‫ى ِإَذا َأ َ‬
‫حّت َ‬
‫لْنَعاُم َ‬
‫س َوا َ‬
‫ل الّنا ُ‬
‫ض ِمّما َيْأُك ُ‬
‫لْر ِ‬
‫تا َ‬
‫ط ِبِه َنَبا ُ‬
‫خَتَل َ‬
‫سَماء َفا ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َكَماء َأنَزْلَناُه ِم َ‬
‫ل اْل َ‬
‫وقال تعالى‪ِ} :‬إّنَما َمَث ُ‬
‫صُ‬
‫ل‬
‫ك ُنَف ّ‬
‫س َكَذِل َ‬
‫لْم ِ‬
‫ن ِبا َ‬
‫صيًدا َكَأن ّلْم َتْغ َ‬
‫ح ِ‬
‫جَعْلَناَها َ‬
‫ل َأْو َنَهاًرا َف َ‬
‫عَلْيَهآ َأَتاَها َأْمُرَنا َلْي ً‬
‫ن َ‬
‫ن َأْهُلَها َأّنُهْم َقاِدُرو َ‬
‫ظّ‬
‫ت َو َ‬
‫خُرَفَها َواّزّيَن ْ‬
‫ض ُز ْ‬
‫لْر ُ‬
‫اَ‬
‫ط ّمْسَتِقيٍم{ ]يونس‪.[25 ،24 :‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫شاء ِإَلى ِ‬
‫لِم َوَيْهِدي َمن َي َ‬
‫سَ‬
‫عو ِإَلى َداِر ال ّ‬
‫ل َيْد ُ‬
‫ن َوا ّ‬
‫ت ِلَقْوٍم َيَتَفّكُرو َ‬
‫الَيا ِ‬
‫ب اْلُكّفاَر َنَباُتُه ُثّم‬
‫ج َ‬
‫عَ‬
‫ث َأ ْ‬
‫غْي ٍ‬
‫ل َ‬
‫لِد َكَمَث ِ‬
‫لْو َ‬
‫ل َوا َْ‬
‫لْمَوا ِ‬
‫خٌر َبْيَنُكْم َوَتَكاُثٌر ِفي ا َْ‬
‫ب َوَلْهٌو َوِزيَنٌة َوَتَفا ُ‬
‫حَياُة الّدْنَيا َلِع ٌ‬
‫عَلُموا َأّنَما اْل َ‬
‫وقال تعالى‪} :‬ا ْ‬
‫ضَواٌن َوَما اْلَحَياُة الّدْنَيا ِإّل َمَتاُع اْلُغُروِر{ ]الحديد‪:‬‬
‫ل َوِر ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫شِديٌد َوَمْغِفَرٌة ّم َ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خَرِة َ‬
‫لِ‬
‫طاًما َوِفي ا ْ‬
‫حَ‬
‫ن ُ‬
‫صَفّرا ُثّم َيُكو ُ‬
‫ج َفَتَراُه ُم ْ‬
‫َيِهي ُ‬

‫‪.[20‬‬
‫صيٌد{ ]هود‪.[100 :‬‬
‫ح ِ‬
‫ك ِمْنَها َقآِئٌم َو َ‬
‫عَلْي َ‬
‫صُه َ‬
‫ن َأنَباء اْلُقَرى َنُق ّ‬
‫ك ِم ْ‬
‫وقد جعل إهلك المهلكين حصاًدا لهم‪ ،‬فقال‪َ} :‬ذِل َ‬

‫ت َفَلُهْم َأْجٌر َغْيُر َمْمُنوٍن{ ]التين‪:‬‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ساِفِلي َ‬
‫ل َ‬
‫سَف َ‬
‫ن َتْقِويٍم ُثّم َرَدْدَناُه َأ ْ‬
‫سِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي َأ ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫خَلْقَنا ا ِْ‬
‫وقال‪َ} :‬لَقْد َ‬
‫‪.[6 - 4‬‬
‫فقوله‪َ} :‬واّلِذي َأْخَرَج اْلَمْرَعى َفَجَعَلُه ُغَثاء َأْحَوى{ ]العلى‪ ،[ 5 ،4 :‬هو مثل للحياة الدنيا‪ ،‬وعاقبة الكفار‪ ،‬ومن اغتر‬
‫بالدنيا‪ ،‬فإنهم يكونون في نعيم وزينة وسعادة‪ ،‬ثم يصيرون إلى شقاء في الدنيا والخرة‪ ،‬كالمرعى الذي جعله غثاء‬
‫أحوى‪.‬‬
‫فصـــل‬
‫صَلى الّناَر اْلُكْبَرى{ ]العلى‪.[12 - 9 :‬‬
‫شَقى اّلِذي َي ْ‬
‫لْ‬
‫جّنُبَها ا َْ‬
‫شى َوَيَت َ‬
‫خَ‬
‫سَيّذّكُر َمن َي ْ‬
‫ت الّذْكَرى َ‬
‫قوله‪َ} :‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬كقوله‪َ}:‬فِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪.[55:‬‬
‫فقوله‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬و]إن[ هي الشرطية‪.‬‬
‫وقوله‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫‪ /‬وحكى الماوردي ]هو أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردى أقضى قضاة عصره‪ ،‬ولد بالبصرة عام‬
‫‪463‬هـ‪ ،‬وانتقل إلى بغداد‪ ،‬وولى القضاء في أيام القائم بأمر ال العباسى‪ ،‬وكان يميل إلى مذهب العتزال‪ ،‬ووفاته‬
‫ببغداد عام ‪054‬هـ‪ ،‬من كتبه‪] :‬أدب الدنيا والدين[ و ]الحكام السلطانية[ وغيرها[ أنها بمعنى ]ما[‪ .‬وهذه تكون ]ما[‬
‫المصدرية‪ ،‬وهي بمعنى الظرف‪ ،‬أي‪ :‬ذكر ما نفعت‪ ،‬ما دامت تنفع‪ .‬ومعناها قريب من معنى الشرطية‪.‬‬
‫ت ِبَمُلوٍم‬
‫عْنُهْم َفَما َأن َ‬
‫ل َ‬
‫وأما إن ظن ظان أنها نافية فهذا غلط َبّين‪ .‬فإن ال ل ينفي نفع الذكرى مطلًقا وهو القائل‪َ} :‬فَتَو ّ‬
‫ن{ ‪....‬‬
‫َوَذّكْر َفِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪ [ 55 ،54 :‬ثم قال‪} :‬اْلُمْؤِمِني َ‬

‫ت الّذْكَرى{ ‪ :‬إن قبلت الذكرى‪ .‬وعن مقاتل‪ :‬فذكر وقد نفعت الذكرى‪.‬‬
‫وعن‪َ} ...‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫وقيل‪ :‬ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع‪ .‬قاله طائفة‪َ ،‬أْولُهم الفراء‪ ،‬واتبعه جماعة‪ ،‬منهم النحاس‪ ،‬والزهراوى‪،‬‬
‫حدى‪ ،‬والَبَغوى ولم يذكر غيره‪ .‬قالوا‪ :‬وإنما لم يذكر الحال الثانية كقوله‪َ}:‬سَراِبيَل َتِقيُكُم اْلَحّر{ ]النحل‪، [81 :‬‬
‫والوا ِ‬
‫وأراد الحر والبرد‪.‬‬
‫وإنما قالوا هذا؛ لنهم قد علموا أنه يجب عليه تبليغ جميع الخلق وتذكيرهم سواء آمنوا أو كفروا‪ .‬فلم يكن وجوب‬
‫طٍر{ ]الغاشية‪:‬‬
‫صْي ِ‬
‫عَلْيِهم ِبُم َ‬
‫ت َ‬
‫س َ‬
‫ت ُمَذّكٌر ّل ْ‬
‫صا بمن ‪ /‬تنفعه الذكرى‪ ،‬كما قال في الية الخرى‪َ} :‬فَذّكْر ِإّنَما َأن َ‬
‫التذكير مخت ً‬
‫ل ِذْكٌر‬
‫ن َوَما ُهَو ِإ ّ‬
‫جُنو ٌ‬
‫ن ِإّنُه َلَم ْ‬
‫ن{ ]الزخرف‪،[44 :‬وقال‪َ} :‬وَيُقوُلو َ‬
‫سَأُلو َ‬
‫ف ُت ْ‬
‫سْو َ‬
‫ك َو َ‬
‫ك َوِلَقْوِم َ‬
‫‪ ،[22 ،21‬وقال‪َ} :‬وِإّنُه َلِذْكٌر ّل َ‬
‫ّلْلَعاَلِميَن{ ]القلم‪ ،[52 ،51 :‬وقال‪ِ} :‬لَيُكوَن ِلْلَعاَلِميَن َنِذيًرا{ ]الفرقان‪.[1 :‬‬
‫وهذا الذي قالوه له معنى صحيح‪ ،‬وهو قول الَفّراء وأمثاله‪ ،‬لكن لم يقله أحد من مفسرى السلف؛ ولهذا كان أحمد بن‬
‫حا حتى رأيت كتابه في معاني القرآن‪.‬‬
‫سب الفّراء رجل صال ً‬
‫حَ‬
‫حنبل ينكر على الفراء وأمثاله ما ينكره‪ ،‬ويقول‪ :‬كنت أ ْ‬
‫وهذا المعنى الذي قالوه‪ ،‬مدلول عليه بآيات ُأخر‪ .‬وهو معلوم بالضطرار من أمر الرسول‪ ،‬فإن ال بعثه ُمَبّلغا وُمَذّكرا‬
‫لجميع الثقلين؛ النس والجن‪.‬لكن ليس هو معنى هذه الية‪.‬‬
‫ت ٍمنٌذٍر ّمن ّيخّشاّها{ ]النازعات‪،[54 :‬‬
‫عيِد{ ]ق‪ ،[45 :‬وقوله‪} :‬إّنّما ّأن ّ‬
‫ف َو ِ‬
‫خا ُ‬
‫ن َمن َي َ‬
‫بل معنى هذه يشبه قوله‪َ} :‬فَذّكْر ِباْلُقْرآ ِ‬
‫شاء ِمنُكْم َأن‬
‫ن ِلَمن َ‬
‫ل ِذْكٌر ّلْلَعاَلِمي َ‬
‫ن ُهَو ِإ ّ‬
‫ب{ ]يس‪ ،[11 :‬وقوله‪ِ} :‬إ ْ‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن اّتَبَع الّذْكَر َو َ‬
‫وقوله‪ِ} :‬إّنَما ُتنِذُر َم ِ‬
‫َيْسَتِقيَم{ ]التكوير‪.[28 ،27 :‬‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[2 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫فالقرآن جاء بالعام والخاص‪ .‬وهذا كقوله‪ُ} :‬هًدى ّلْلُمّتِقي َ‬
‫‪ /‬وسبب ذلك أن التعليم والتذكير والنذار والهدى ـ ونحو ذلك ـ له فاعل‪ ،‬وله قابل‪ .‬فالمعلم المذكر ُيعَّلم غيره‪ ،‬ثم ذلك‬
‫الغير قد يتعلم ويتذكر‪ ،‬وقد ل يتعلم ول يتذكر‪ .‬فإن َتعّلم وتذكر فقد تم التعليم والتذكير‪ ،‬وإن لم يتعلم ولم يتذكر فقد‬

‫عّلّمته فما تعلم‪َ ،‬وَذّكرته فما تذكر‪ ،‬وأمرته فما‬
‫وجد أحد طرفيه‪ ،‬وهو الفاعل‪ ،‬دون المحل القابل‪ .‬فيقال في مثل هذا‪َ :‬‬
‫أطاع‪.‬‬
‫وقد يقال‪] :‬ما علمته وما ذكرته[؛ لنه لم يحصل تاًما ولم يحصل مقصوده‪ ،‬فينفي لنتفاء كماله وتمامه‪ .‬وانتفاء فائدته‬
‫بالنسبة إلى المخاطب السامع وإن كانت الفائدة حاصلة للمتكلم القائل المخاطب‪.‬‬
‫ص بالتذكير والنذار ـ ونحوه ـ المؤمنون؛ فهم مخصوصون بالتام النافع الذي سعدوا به‪ .‬وحيث عمم؛‬
‫خ ّ‬
‫فحيث ُ‬
‫فالجميع مشتركون في النذار الذي قامت به الحجة على الخلق سواء قبلوا أو لم يقبلوا‪.‬‬
‫وهذا هو الهدى المذكور في قوله‪َ}:‬وَأّما َثُموُد َفَهَدْيَناُهْم َفاْسَتَحّبوا اْلَعَمى َعَلى اْلُهَدى{ ]فصلت‪ ،[17 :‬فالهدى هنا هو البيان‬
‫والدللة والرشاد العام المشترك‪ .‬وهو كالنذار العام والتذكير العام‪ .‬وهنا قد هدى المتقين وغيرهم‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِلُك ّ‬
‫ل‬
‫َقْوٍم َهاٍد{ ]الرعد‪.[7 :‬‬
‫ط الُمسَتِقيَم{ ]الفاتحة‪ ،[ 6 :‬فالمطلوب الهدى الخاص ‪ /‬التام الذي يحصل معه الهتداء‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫صَرا َ‬
‫وأما قوله‪}:‬اهِدَنــــا ال ّ‬
‫ل َيْهِدي َمن‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫لَلُة{ ]العراف‪ ،[30:‬وقوله‪َ} :‬فِإ ّ‬
‫ضَ‬
‫عَلْيِهُم ال ّ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[2 :‬وقوله‪َ} :‬فِريًقا َهَدى َوَفِريًقا َ‬
‫}ُهًدى ّلْلُمّتِقي َ‬
‫لِم{ ]المائدة‪ ،[ 16 :‬وهذا كثير في القرآن‪.‬‬
‫سَ‬
‫ل ال ّ‬
‫سُب َ‬
‫ضَواَنُه ُ‬
‫ن اّتَبَع ِر ْ‬
‫ل َم ِ‬
‫ل{ ]النحل‪ ،[37 :‬وقوله‪َ} :‬يْهِدي ِبِه ا ّ‬
‫ضّ‬
‫ُي ِ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫س‬
‫ن َوُتنِذَر ِبِه َقْوًما ّلّدا{ ]مريم‪ ،[97 :‬وقال تعالى‪َ}:‬أَكا َ‬
‫شَر ِبِه اْلُمّتِقي َ‬
‫ك ِلُتَب ّ‬
‫ساِن َ‬
‫سْرَناُه ِبِل َ‬
‫وكذلك النذار‪ ،‬قد قال‪َ} :‬فِإّنَما َي ّ‬
‫س{ ]يونس‪.[2 :‬‬
‫ن َأنِذِر الّنا َ‬
‫ل ّمْنُهْم َأ ْ‬
‫جٍ‬
‫حْيَنا ِإَلى َر ُ‬
‫ن َأْو َ‬
‫جًبا َأ ْ‬
‫عَ‬
‫َ‬

‫ب{ ]يس‪:‬‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن اّتَبَع الّذْكَر َو َ‬
‫شاَها{ ]النازعات‪ِ} ،[45 :‬إّنَما ُتنِذُر َم ِ‬
‫خَ‬
‫ت ُمنِذُر َمن َي ْ‬
‫وقال في الخاص‪ِ} :‬إّنَما َأن َ‬
‫‪ [ 11‬فهذا النذار الخاص‪ ،‬وهو التام النافع الذي انتفع به المنذر‪ .‬والنذار هو العلم بالمخوف‪َ ،‬فَعِلَم المخّوف‬
‫فخاف‪ ،‬فآمن وأطاع‪.‬‬
‫وكذلك التذكير عام وخاص‪.‬فالعام‪:‬هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد‪،‬وهذا يحصل بإبلغهم ما أرسل به من الرسالة‪ .‬قال‬
‫ي ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ن{ ]ص‪ ،[ 87 ،86 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَما ِه َ‬
‫ل ِذْكٌر ّلْلَعاَلِمي َ‬
‫ن ُهَو ِإ ّ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ن اْلُمَتَكّلِفي َ‬
‫جٍر َوَما َأَنا ِم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عَلْيِه ِم ْ‬
‫سَأُلُكْم َ‬
‫ل َما َأ ْ‬
‫تعالى‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ِذْكَرى ِلْلَبَشِر{ ]المدثر‪ ،[31 :‬وقال تعالى‪ِ}:‬إْن ُهَو ِإّل ِذْكٌر ّلْلَعاَلِميَن{ ]التكوير‪.[27:‬ثم قال‪ِ} :‬لَمن َشاء ِمنُكْم َأن َيْسَتِقي َ{‬
‫م{‬
‫]التكوير‪ ،[ 28 :‬فذكر العام والخاص‪.‬‬
‫‪ /‬والتذكر هو الذكر التام الذي يذكره المذّكر به وينتفع به‪.‬‬
‫ث ِإّل اْسَتَمُعوُه َوُهْم َيْلَعُبوَن َلِهَيًة ُقُلوُبُهْم{ ]النبياء‪،[3 ،2 :‬‬
‫حَد ٍ‬
‫وغير هؤلء قال تعالى فيهم‪َ} :‬ما َيْأِتيِهم ّمن ِذْكٍر ّمن ّرّبِهم ّم ْ‬
‫ضيَن{ ]الشعراء‪ ،[5 :‬فقد أتاهم وقامت به الحجة‪،‬‬
‫عْنُه ُمْعِر ِ‬
‫ل َكاُنوا َ‬
‫ث ِإ ّ‬
‫حَد ٍ‬
‫ن ُم ْ‬
‫حَم ِ‬
‫ن الّر ْ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وَما َيْأِتيِهم ّمن ِذْكٍر ّم َ‬
‫سَمَعُهْم‬
‫سَمَعُهْم َوَلْو َأ ْ‬
‫لْ‬
‫خْيًرا ّ‬
‫ل ِفيِهْم َ‬
‫عِلَم ا ّ‬
‫ولكن لم يصغوا إليه بقلوبهم فلم يفهموه‪ ،‬أو فهموه فلم يعملوا به‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫ضوَن{ ]النفال‪.[23 :‬‬
‫َلَتَوّلوْا ّوُهم ّمْعِر ُ‬
‫سَيّذّكُر َمن‬
‫ت الّذْكَرى َ‬
‫والخاص هو التام النافع‪ ،‬وهو الذي حصل معه تذكر لمدكر‪ ،‬فإن هذا ذكرى كما قال‪َ} :‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫َيْخَشى َوَيَتَجّنُبَها اَْلْشَقى{ ]العلى‪ ،[ 11 - 9 :‬أي يجنب الذكرى‪ ،‬وهو إنما جنب الذكرى الخاصة‪.‬‬
‫حّتى‬
‫ن َ‬
‫وأما المشترك الذي تقوم به الحجة فقد ذكر هو وغيره بذلك وقامت الحجة عليهم‪ .‬وقد قال تعالى‪َ} :‬وَما ُكّنا ُمَعّذِبي َ‬
‫ل ُحّجٌة َبْعَد الّرُسِل{ ]النساء‪ ،[ 165 :‬وقال عن أهل النار‪:‬‬
‫عَلى ا ّ‬
‫س َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ل َيُكو َ‬
‫ل{ ]السراء‪ ،[15 :‬وقال‪ِ} :‬لَئ ّ‬
‫سو ً‬
‫ث َر ُ‬
‫َنْبَع َ‬
‫يٍء{ ]الملك‪ ،[9 ،8 :‬وقال‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جاءَنا َنِذيٌر َفَكّذْبَنا َوُقْلَنا َما َنّز َ‬
‫خَزَنُتَها َأَلْم َيْأِتُكْم َنِذيٌر َقاُلوا َبَلى َقْد َ‬
‫سَأَلُهْم َ‬
‫ج َ‬
‫ي ِفيَها َفْو ٌ‬
‫}ُكّلَما ُأْلِق َ‬
‫صوَن َعَلْيُكْم آَياِتي َوُينِذُروَنُكْم ِلَقاء َيْوِمُكْم َهـَذا َقاُلوْا َشِهْدَنا َعَلى َأنُفِسَنا{{‬
‫ل ّمنُكْم َيُق ّ‬
‫سٌ‬
‫س َأَلْم َيْأِتُكْم ُر ُ‬
‫لن ِ‬
‫ن َوا ِ‬
‫جّ‬
‫شَر اْل ِ‬
‫تعالى‪َ} :‬يا َمْع َ‬

‫]النعام‪.[130 :‬‬
‫وأما تمثيلهم ذلك بقوله‪َ} :‬سَراِبيَل َتِقيُكُم اْلَحّر{ ]النحل‪ ،[ 81 :‬أي‪ :‬وتقيكم البرد فعنه جوابان‪:‬‬

‫ق به الحكم بخلف هذا الموضع‪ .‬فإنه إذا علق المر بشرط وكان مأموًرا به‬
‫عّل َ‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ليس هناك حرف شرط ُ‬
‫ل للسامع‪.‬‬
‫ل للفائدة وإضل ً‬
‫ل للكلم تقلي ً‬
‫في حال وجود الشرط كما هو مأمور به في حال عدمه‪ ،‬كان ذكر الشرط تطوي ً‬
‫وجمهور الناس على أن مفهوم الشرط حجة‪ ،‬ومن نازع فيه يقول‪ :‬سكت عن غير المعلق‪ ،‬ل يقول‪ :‬إن اللفظ دل على‬
‫المسكوت كما دل على المنطوق‪ .‬فهذا ل يقوله أحد‪.‬‬
‫حّر{ على بابه‪ ،‬وليس في الية ذكر البرد‪ .‬وإنما يقول‪] :‬إن المعطوف محذوف[ هو الفّراء‬
‫الثاني‪ :‬أن قوله‪َ} :‬تِقيُكُم اْل َ‬
‫وأمثاله ممن أنكر عليهم الئمة حيث يفسرون القرآن بمجرد ظنهم وفهمهم لنوع من علم العربية عندهم‪ ،‬وكثيًرا ل‬
‫يكون ما فسروا به مطابًقا‪.‬‬
‫وليس في الكلم ما يدل على ذكر البرد‪ ،‬ولكن ال ذكر في ‪ /‬هذه السورة إنعامه على عباده‪ ،‬وتسمى ]سورة النعم[‪،‬‬
‫فذكر في أولها أصول النعم التي لبد منها ول تقوم الحياة إل بها‪ ،‬وذكر في أثنائها تمام النعم‪.‬‬
‫فٌء َوَمَناِفُع{ ]النحل‪.[5 :‬‬
‫خَلَقَها َلُكْم ِفيَها ِد ْ‬
‫لْنَعاَم َ‬
‫وكان ما يقي البرد من أصول النعم‪ ،‬فذكر في أول السورة في قوله‪َ} :‬وا َ‬
‫فالدفء ما يدفئ ويدفع البرد‪.‬‬
‫والبرد الشديد يوجب الموت بخلف الحر‪ .‬فقد مات خلق من البرد بخلف الحر‪ ،‬فإن الموت منه غير معتاد؛ ولهذا‬
‫قال بعض العرب‪ :‬البرد بؤس‪ ،‬والحر أذى‪.‬‬
‫خَل َ‬
‫ق‬
‫ل َلُكم ّمّما َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َ‬
‫فلما ذكر في أثنائها تمام النعم ذكر الظلل وما يقى الحر‪ ،‬وذكر السلحة وما يقى القتل‪ ،‬فقال‪َ} :‬وا ّ‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َعَلْيُكْم َلَعّلُكْم ُتْسِلُموَن{{‬
‫سُكْم َكَذِل َ‬
‫ل َتِقيُكم َبْأ َ‬
‫سَراِبي َ‬
‫حّر َو َ‬
‫ل َتِقيُكُم اْل َ‬
‫سَراِبي َ‬
‫ل َلُكْم َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َأْكَناًنا َو َ‬
‫جَبا ِ‬
‫ن اْل ِ‬
‫ل َلُكم ّم َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َو َ‬
‫لً‬
‫ظَ‬
‫ِ‬
‫ك ُيِتّم ِنْعَمَتُه َعَلْيُكْم َلَعّلُكْم ُتْسِلُموَن{ ‪.‬‬
‫ىن ذلك في هذه اليات‪ ،‬فقال‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫]النحل‪ ،[ 81 :‬فذكر أنه يتم نعمته كما َب ّ‬

‫وفرق بين الظلل والكنان؛ فإن الظلل يكون بالشجر ‪ /‬ونحوه مما يظل ول يكن‪ ،‬بخلف ما في الجبال من الغيران‪،‬‬
‫فإنه يظل ويكن‪.‬‬
‫فهذا في المكنة‪ ،‬ثم قال في اللباس‪َ} :‬وَجَعَل َلُكْم َسَراِبيَل َتِقيُكُم اْلَحّر َوَسَراِبيَل َتِقيُكم َبْأَسُكْم{ ]النحل‪ ،[81 :‬فهذا في اللباس‪.‬‬
‫واللباس والمساكن كلهما تقى الناس ما يؤذيهم من حر وبرد وعدو‪ ،‬وكلهما تسترهم عن أعين الناظرين‪.‬‬
‫ظْعِنُكْم‬
‫خّفوَنَها َيْوَم َ‬
‫سَت ِ‬
‫لْنَعاِم ُبُيوًتا َت ْ‬
‫جُلوِد ا َ‬
‫ل َلُكم ّمن ُ‬
‫جَع َ‬
‫سَكًنا َو َ‬
‫ل َلُكم ّمن ُبُيوِتُكْم َ‬
‫جَع َ‬
‫ل َ‬
‫وفي البيوت خاصة يسكنون‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وا ّ‬
‫َوَيْوَم ِإَقاَمِتُكْم{ ]النحل‪ [ 80 :‬فلما ذكر البيوت المسكونة امتن بكونه جعلها سكًنا يسكنون فيها من تعب الحركات‪ .‬وذكر‬

‫أنه جعل لهم بيوًتا أخرى يحملونها معهم وَيسَتخّفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم‪ ،‬فذكر البيوت الثقيلة التي ل تحمل‬
‫والخفيفة التي تحمل‪.‬‬
‫فتبين أن ما مثلوا به حجة عليهم‪.‬‬
‫ت الّذْكَرى{ ]العلى‪ ،[ 9 :‬ـ كما قال مفسرو السلف والجمهور ـ على بابها‪ ،‬قال الحسن البصرى‪ :‬تذكرة‬
‫فقوله‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫للمؤمن‪ ،‬وحجة على الكافر‪.‬‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬ل يمنـع كون الكافر يبلغ القـرآن لوجوه‪:‬‬
‫‪ /‬وعلى هـذا فقـوله تعالى‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫ت الّذْكَرى{ لم‬
‫ر{ ‪ ،‬وهذا مطلق بتذكير كل أحد‪ .‬وقوله‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫أحدها‪ :‬أنه لم يخص قوًما دون قوم‪ ،‬لكن قال‪َ} :‬فَذّك ْ‬
‫يقل‪] :‬إن نفعت كل أحد[ بل أطلق النفع‪ .‬فقد أمر بالتذكير إن كان ينفع‪.‬‬
‫والتذكير المطلق العام ينفـع‪ .‬فإن مـن الناس مـن يتذكـر فينتفع بـه‪ ،‬والخر تقـوم عليـه الحجـة ويستحق العـذاب على‬
‫ضا؛ ولنه بتذكيره تقوم عليه الحجة‪ ،‬فتجوز عقوبته بعد هذا‬
‫ذلك‪ ،‬فيكـون عـبرة لغيره‪ ،‬فيحصل بتذكيره نفع أي ً‬
‫بالجهاد وغيره‪ ،‬فتحصل بالذكرى منفعة‪.‬‬

‫فكل تذكير ذكر به النبى صلى ال عليه وسلم للمشركين حصل به نفع في الجملة‪ ،‬وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه‬
‫واعتبروا به وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم الحجة‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬فعلى هذا كل تذكير قد حصل به نفع‪ ،‬فأي فائدة في التقييد؟‬
‫ل‪،‬وهو ما لم ُيؤمر به‪.‬وذلك كمن أخبر ال أنه ل يؤمن‪ ،‬كأبى لهب‪ ،‬فإنه بعد أن أنزل ال‬
‫‪ /‬قيل‪ :‬بل منه ما لم ينفع أص ً‬
‫ب{ ]المسد‪ ،[ 3 :‬فإنه ل يخص بتذكير بل يعرض عنه‪.‬‬
‫ت َلَه ٍ‬
‫صَلى َناًرا َذا َ‬
‫سَي ْ‬
‫قوله‪َ } :‬‬
‫ت ِبَمُلوٍم{ ]الذاريات‪،[54 :‬‬
‫عْنُهْم َفَما َأن َ‬
‫ل َ‬
‫وكذلك كل من لم يصغ إليه ولم يستمع لقوله‪ ،‬فإنه يعرض عنه‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَتَو ّ‬
‫ثم قال‪َ}:‬وَذّكْر َفِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪ ، [ 55 :‬فهو إذا بلغ قوًما الرسالة فقامت الحجة عليهم‪ ،‬ثم امتنعوا‬
‫من سماع كلمه أعرض عنهم‪ .‬فإن الذكرى حينئذ ل تنفع أحًدا‪.‬‬
‫وكذلك من أظهر أن الحجة قامت عليه وأنه ل يهتدى فإنه ل يكرر التبليغ عليه‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن المر بالتذكير أمر بالتذكير التام النافع‪ ،‬كما هو أمر بالتذكير المشترك‪.‬‬
‫وهذا التام النافع يخص به المؤمنين المنتفعين‪ .‬فهم إذا آمنوا ذكرهم بما أنزل‪ ،‬وكلما أنزل شىٌء من القرآن ذكرهم به‪،‬‬
‫ويذكرهم بمعانيه‪ ،‬ويذكرهم بما نزل قبل ذلك‪.‬‬
‫ت ِمن َقْسَوَرٍة{ ]المدثر‪ 49 :‬ـ ‪ .[51‬فإن هؤلء‬
‫سَتنِفَرةٌ َفّر ْ‬
‫حُمٌر ّم ْ‬
‫ن َكَأّنُهْم ُ‬
‫ضي َ‬
‫ن الّتْذِكَرِة ُمْعِر ِ‬
‫عِ‬
‫بخلف الذين قال فيهم‪َ} :‬فَما َلُهْم َ‬
‫ل يذكرهم كما يذكر المؤمنين إذا كانت الحجة قد قامت عليهم وهم معرضون عن التذكرة ل يسمعون‪.‬‬
‫عَلْيكَ‬
‫صّدى َوَما َ‬
‫ت َلهُ َت َ‬
‫سَتْغَنى َفَأن َ‬
‫نا ْ‬
‫ك َلَعّلُه َيّزّكى َأْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى َأّما َم ِ‬
‫عَمى َوَما ُيْدِري َ‬
‫لْ‬
‫جاءُه ا َْ‬
‫س َوَتَوّلى َأن َ‬
‫عَب َ‬
‫ولهذا قال‪َ } :‬‬
‫ت َعْنُه َتَلهي{ ]عبس‪ 1 :‬ـ ‪ ،[ 10‬فأمره أن ُيقبل على من جاءه يطلب أن‬
‫شى َفَأن َ‬
‫خَ‬
‫سَعى َوُهَو َي ْ‬
‫ك َي ْ‬
‫جاء َ‬
‫ل َيّزّكى َوَأّما َمن َ‬
‫َأ ّ‬
‫يتزكى وأن يتذكر‪ .‬وقال‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى{ إلى قوله‪َ} :‬قْد َأْفَلَح َمن َتَزّكى{ ]العلى‪ 10 :‬ـ ‪ ،[14‬فذكر التذكر والتزكى‪،‬‬

‫كما ذكرهما هناك‪ .‬وأمره أن يقبل على من أقبل عليه دون من أعرض عنه‪ ،‬فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذاك‪.‬‬
‫را يخصهم به غير التبليغ العام الذي تقوم به الحجة‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَتَو ّ‬
‫ل‬
‫فيكون مأموًرا أن يذكر المنتفعين بالذكرى تذكي ً‬
‫ت ِبَمُلوٍم َوَذّكْر َفِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ‪.‬‬
‫عْنُهْم َفَما َأن َ‬
‫َ‬

‫ل{ ]السراء‪ ،[ 110 :‬وفي الصحيحين عن ابن عباس‪ :‬قال‪:‬‬
‫سِبي ً‬
‫ك َ‬
‫ن َذِل َ‬
‫ت ِبَها َواْبَتِغ َبْي َ‬
‫خاِف ْ‬
‫ل ُت َ‬
‫ك َو َ‬
‫لِت َ‬
‫صَ‬
‫جَهْر ِب َ‬
‫ل َت ْ‬
‫وقال‪َ} :‬و َ‬
‫كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا قرأ القرآن سمعه المشركون‪ ،‬فسّبوا القرآن ومن أنزل عليه ومن جاء به‪ ،‬فقال‬
‫عا يكون ضرره‬
‫ال له‪ :‬ول تجهر به فيسمعه المشركون‪ ،‬ول تخافت ‪ /‬به عن أصحابك‪ .‬فنهي عن أن يسمعهم إسما ً‬
‫أعظم من نفعه‪.‬‬
‫وهكذا كل ما يأمر ال به لبد أن تكون مصلحته راجحة على مفسدته‪ .‬والمصلحة هي المنفعة‪ ،‬والمفسدة هي المضرة‪.‬‬
‫فهو إنما يؤمر بالتذكير إذا كانت المصلحة راجحة‪ ،‬وهو أن تحصل به منفعة راجحة على المضرة‪ .‬وهذا يدل على‬
‫حا‪.‬‬
‫حا فهو منهي عما يجلب ضرًرا راج ً‬
‫الوجه الول والثاني‪ .‬فحيث كان الضرر راج ً‬
‫والنفع أعم في قبول جميعهم‪ ،‬فقبول بعضهم نفع‪ ،‬وقيام الحجة على من لم يقبل نفع‪ ،‬وظهور كلمه حتى يبلغ البعيد‬
‫نفع‪ ،‬وبقاؤه عند من سمعه حتى بلغه إلى من لم يسمعه نفع‪ .‬فهو صلى ال عليه وسلم ما ذّكَر قط إل ذكرى نافعة‪ ،‬لم‬
‫حا‪.‬‬
‫يذكر ذكرى قط يكون ضررها راج ً‬
‫وهذا مذهب جمهور المسلمين من السلف والخلف؛ أن ما أمر ال به لبد أن تكون مصلحته راجحة ومنفعته راجحة‪.‬‬
‫وأما ما كانت مضرته راجحة‪ ،‬فإن ال ل يأمر به‪.‬‬

‫وأما جَْهم ـ ومن وافقه من الجبرية ـ فيقولون‪ :‬إن ال قد يأمر بما ليس فيه منفعة ول مصلحة البتة‪ ،‬بل يكون ضرًرا‬
‫ضا إذا فعله ‪ /‬المأمور به‪ ،‬وقد وافقهم على ذلك طائفة من متأخرى أتباع الئمة ممن سلك مسلك المتكلمين ـ أبى‬
‫مح ً‬
‫الحسن الشعري وغيره ـ في مسائل الَقَدر‪ ،‬فنصر مذهب جهم والجبرية‪.‬‬
‫ت الّذْكَرى{ ]العلى‪ .[9 :‬فلبد أن‬
‫رى{ يتناول التذكر والتذكير‪ .‬فإنه قال‪َ} :‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫الوجه الثالث‪ :‬أن قوله‪ } :‬الّذْك َ‬
‫يتناول ذلك تذكيره‪.‬‬
‫ثم قال‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى َوَيَتَجّنُبَها اَْلْشَقى{ ]العلى‪ .[ 11 ،10 :‬والذي يتجنبه الشقى هو الذي فعله من يخشى‪ ،‬وهو‬
‫التذكر‪ .‬فضمير الذكرى هنا يتناول التذكر‪ ،‬وإل فمجرد التذكير الذي قامت به الحجة لم يتجنبه أحد‪.‬‬
‫لكن قد يراد بتجنبها أنه لم يستمع إليها ولم يصغ‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ل َتْسَمُعوا ِلَهَذا اْلُقْرآِن َواْلَغْوا ِفيِه{ ]فصلت‪ .[26 :‬والحجة‬
‫قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الستماع والتدبر‪ ،‬ل بنفس الستماع‪ .‬ففي الكفار من تجنب سماع القرآن‬
‫واختار غيره‪ ،‬كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم‪ ،‬وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا‪ ،‬كما‬
‫قال‪} :‬سََيّذّكُر َمن َيْخَشى{ ‪.‬‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬فقد يراد بالذكرى نفس ‪ /‬تذكيره ـ تذكر أو لم يتذكر ـ وتذكيره نافع ل محالة كما‬
‫فلما قال‪َ} :‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫تقدم‪ ،‬وهذا يناسب الوجه الول‪.‬‬
‫وقد ذكر بعضهم أن هذا يراد به توبيخ من لم يتذكر من قريش‪ ،‬قال ابن عطية‪ :‬اختلف الناس في معنى قوله‪َ} :‬فَذّكْر ِإن‬
‫حاس‪ ،‬والّزْهَراوى‪ :‬معناه‪ :‬وإن لم تنفع‪ .‬فاقتصر على السم الواحد لدللته على‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ :‬فقال الَفّراء‪ ،‬والن ّ‬
‫ّنَفَع ِ‬

‫الثاني‪.‬‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬اعتراض بين الكلمين على جهة التوبيخ لقريش‪ .‬أي‪ :‬إن نفعت‬
‫حّذاق‪ :‬قوله }ِإن ّنَفَع ِ‬
‫قال‪ :‬وقال بعض ال ُ‬
‫الذكرى في هؤلء الطغاة العتاة‪ .‬وهذا كنحو قول الشاعر‪:‬‬
‫لقد أسمعت لو ناديت حيا ** ولكــن ل حيـاة لمـن تنادى‪.‬‬
‫وهذا كله كما تقول لرجل‪] :‬قل لفلن واعذله إن سمعك[‪ ،‬إنما هو توبيخ للمشار إليه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا القائل هو الزمخشري‪ ،‬وهذا القول فيه بعض الحق‪ .‬لكنه أضعف من ذاك القول من وجه آخر‪ .‬فإن مضمون‬
‫هذا القول أنه مأمور بتذكير من ل يقبل ول ينتفع بالذكرى دون من يقبل‪ ،‬كما قال‪] :‬إن نفعت الذكرى في هؤلء‬
‫الطغاة العتاة[‪ ،‬وكما أنشده في البيت‪.‬‬
‫‪ /‬ثم البيت الذي أنشده خبر عن شخص خاطب آخر‪ .‬فيقول‪ :‬لقد أسمعت ـ لو كان من تناديه حيا ـ وهذا كقوله‪ِ} :‬إنّ‬
‫عاء ِإَذا‬
‫صّم الّد َ‬
‫سِمعُ ال ّ‬
‫ل ُت ْ‬
‫سِمُع اْلَمْوَتى َو َ‬
‫ل ُت ْ‬
‫ك َ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[6 :‬وقوله‪ِ} :‬إّن َ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫عَلْيِهْم َأَأنَذْرَتُهْم َأْم َلْم ُتنِذْرُهْم َ‬
‫سَواٌء َ‬
‫ن َكفَُروْا َ‬
‫اّلِذي َ‬
‫صّم الّدَعاء ِإَذا َما ُينَذُروَن{ ]النبياء‪ .[45 :‬فهذا‬
‫سَمُع ال ّ‬
‫ل َي ْ‬
‫ي َو َ‬
‫حِ‬
‫ل ِإّنَما ُأنِذُرُكم ِباْلَو ْ‬
‫ن{ ]النمل‪ ،[80 :‬وقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫َوّلْوا ُمْدِبِري َ‬

‫يناسب معنى البيت‪ ،‬وهو خبر خاص‪.‬‬
‫ن َمن‬
‫صا‪ ،‬فالمؤمنون أحق بالتخصيص‪ ،‬كما قال‪َ} :‬فَذّكْر ِباْلُقْرآ ِ‬
‫وأما المر بالنذار فهو مطلق عام‪ ،‬وإن كان مخصو ً‬
‫صا بمن ل يسمع‪.‬‬
‫ف وَِعيِد{ ]ق‪ ،[45 :‬وقال‪َ} :‬وَذّكْر َفِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪ .[ 55 :‬ليس المر مخت ً‬
‫خا ُ‬
‫َي َ‬

‫كيف وقد قال بعد ذلك‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى َوَيَتَجّنُبَها اَْلْشَقى{ ‪ ،‬فهذا الذي يخشى هو ممن أمره بتذكيره ‪ ،‬وهو ينتفع‬
‫بالذكرى‪ .‬فكيف ل يكون لهذا الشرط فائدة إل ذم من لم يسمع؟‬
‫وأما قول القائل‪] :‬قل لفلن واعذله إن سمعك[‪ ،‬فهذا وأمثاله يقوله الناس لمن يظنون أنه ل يقبل ولكن يرجون قبوله‪.‬‬
‫فهم يقصدون توبيخه على تقدير الرد‪ ،‬ل على تقدير القبول‪ .‬فيقولون‪]:‬قل له إن كان يسمع منك[‪ ،‬و]قل له إن كان‬
‫يقبل[‪ ،‬و]انصحه إن ‪ /‬كان يقبل النصيحة[‪ ،‬وهو كله من هذا الباب‪ .‬فهو أمر بالنصيحة التامة المقبولة ـ إن كان‬
‫يقبلها‪ ،‬وأمر بأصل النصح ـ وإن رده‪ ،‬وذم له على هذا التقدير‪.‬‬

‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬أمر بتذكير كل أحد‪ ،‬فإن انتفع كان تذكره تاًما نافًعا‪ ،‬وإل حصل أصل التذكير‬
‫وكذلك قوله‪َ}:‬فَذّكْر ِإن ّنَفَع ِ‬
‫الذي قامت به الحجة ‪ ،‬ودل ذلك على ذمه واستحقاقه التوبيخ‪.‬‬
‫ن َمن‬
‫ت الّذْكَرى{ ‪ ،‬ولم يقل‪] :‬ذكر من تنفعه الذكرى فقط[‪ ،‬كما في قوله‪َ}:‬فَذّكْر ِباْلُقْرآ ِ‬
‫مع أنه ـ سبحانه ـ إنما قال‪ِ} :‬إن ّنَفَع ِ‬
‫ف وَِعيِد{ ]ق‪ ،[ 45 :‬فهناك المر بالتذكير خاص‪.‬‬
‫خا ُ‬
‫َي َ‬

‫صا كخطاب القرآن بـ]يا أيها الناس[‪ ،‬وهو عام‪ ،‬وبـ]يا أيها الذين آمنوا[ ‪ ،‬خاص لمن آمن بالقرآن‪.‬‬
‫وقد جاء عاًما وخا ً‬
‫فهناك قال‪َ}:‬فِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪ ،[55 :‬وهنا قال‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى َوَيَتَجّنُبَها اَْلْشَقى{ ‪ .‬ولم يقل ]سينتفع‬
‫من يخشى[‪ .‬فإن النفع الحاصل بالتذكير أعم من تذكر من يخشى‪.‬‬
‫فإنه إذا ذكر قامت الحجة على الجميع‪ .‬والشقى الذي تجنبها حصل بتذكيره قيام الحجة عليه واستحقاقه لعذاب الدنيا‬
‫والخرة‪.‬‬
‫حَكم ومنافع هي نعم على عباده‪ .‬فكل ما يقضيه ال تعالى هو من نعمته على عباده؛ ولهذا يقول ـ عقب‬
‫‪ /‬وفي ذلك ل ِ‬
‫ي آَلء َرّبُكَما ُتَكّذَباِن{ ]الرحمن‪.[13 :‬‬
‫تعديد ما يذكره ـ‪َ} :‬فِبَأ ّ‬
‫ك َتَتَماَرى{ ]النجم‪ ،[55 :‬فإهلكهم‬
‫لء َرّب َ‬
‫يآ َ‬
‫ولما ذكر ما ذكره في سورة ]النجم[ وذكر إهلك مكذبى الرسل قال‪َ} :‬فِبَأ ّ‬
‫من آلء ربنا‪ .‬وآلؤه نعمه التي تدل على رحمته‪ ،‬وعلى حكمته‪ ،‬وعلى مشيئته‪ ،‬وقدرته‪ ،‬وربوبيته ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ومن نفع تذكير الذي يتجنبها أنه لما قامت عليه الحجة واستحق العذاب خف بذلك شر عن المؤمنين‪ ،‬فإن ال يهلكهم‬
‫بعذاب من عنده أو بأيديهم‪.‬وبهلكه ينتصر اليمان وينتشر‪ ،‬ويعتبر به غيره‪ ،‬وذلك نفع عظيم‪.‬‬
‫ضا ـ يتعجل موته فيكون أقل لكفره‪ .‬فإن ال أرسل محمًدا رحمة للعالمين‪ ،‬فبه تصل الرحمة إلى كل أحد‬
‫وهو ـ أي ً‬
‫بحسب المكان‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإن الذي يتجنبها بتجنبه استحق هذا الوعيد المذكور‪ ،‬فصار ذلك تحذيًرا لغيره من أن يفعل مثل فعله‪ .‬قال‬
‫وأي ً‬
‫لِخِري َ{‬
‫ن{‬
‫ل ِل ْ‬
‫سَلًفا َوَمَث ً‬
‫جَعْلَناُهْم َ‬
‫خْلَفَها{ ]البقرة‪ ،[ 66 :‬وقال تعالى عن فرعون‪َ} :‬ف َ‬
‫ن َيَدْيَها َوَما َ‬
‫ل ّلَما َبْي َ‬
‫جَعْلَناَها َنَكا ً‬
‫تعالى‪َ} :‬ف َ‬
‫ب{ ]يوسف‪.[111 :‬‬
‫لْلَبا ِ‬
‫لْوِلي ا َ‬
‫عْبَرٌة ُّ‬
‫صِهْم ِ‬
‫ص ِ‬
‫ن ِفي َق َ‬
‫]الزخرف‪ [ 56 :‬وقال تعالى‪َ} :‬لَقْد َكا َ‬
‫فصـــل‬
‫وقوله‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى{ ]العلى‪ ،[ 10 :‬يقتضى أن كل من يخشى يتذكر‪ .‬والخشية قد تحصل عقب الذكر‪ ،‬وقد‬
‫شى{ مطلق‪.‬‬
‫خَ‬
‫تحصل قبل الذكر‪ ،‬وقوله‪َ} :‬من َي ْ‬
‫ومن الناس من يظن أن ذلك يقتضى أنه لبد أن يكون قد خشى أولً حتى يذكر‪ ،‬وليس كذلك‪ .‬بل هذا كقوله‪ُ} :‬هًدى‬
‫ف َوِعيِد{ ]ق‪:‬‬
‫خا ُ‬
‫ن َمن َي َ‬
‫شاَها{ ]النازعات‪ ،[45 :‬وقوله‪َ} :‬فَذّكْر ِباْلُقْرآ ِ‬
‫خَ‬
‫ت ُمنِذُر َمن َي ْ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[2 :‬وقوله‪ِ}:‬إّنَما َأن َ‬
‫ّلْلُمّتِقي َ‬
‫ب{ ]يس‪.[11 :‬‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن اّتَبَع الّذْكَر َو َ‬
‫‪ ،[45‬وقوله‪ِ} :‬إّنَما ُتنِذُر َم ِ‬
‫شَ‬
‫ي‬
‫خِ‬
‫ن اّتَبَع الّذْكَر َو َ‬
‫وهو إنما خاف الوعيد بعد أن سمعه‪ ،‬لم يكن وعيد قبل سماع القرآن ‪ ،‬وكذلك قوله‪ِ} :‬إّنَما ُتنِذُر َم ِ‬
‫ب{ ‪ ،‬وهو إنما اتبع الذكر وخشى الرحمن بعد أن أنذره الرسول‪.‬‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫الّر ْ‬

‫وقد ل يكونون خافوها قبل النذار‪ ،‬ول كانوا متقين قبل سماع ‪ /‬القرآن‪ ،‬بل به صاروا متقين‪.‬‬
‫وهذا كما يقول القائل‪ :‬ما يسمع هذا إل سعيد‪ ،‬وإل مفلح‪ ،‬وإل من رضى ال عنه‪ .‬وما يدخل في السلم إل من هداه‬
‫ال‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬وإن كانت هذه الحسنات والنعم تحصل بعد السلم وسماع القرآن‪.‬‬
‫س َوُهًدى َوَرْحَمٌة ّلَقْوِم ُيوِقُنوَن{ ]الجاثية‪.[20 :‬‬
‫صاِئُر ِللّنا ِ‬
‫ومثل هذا قوله‪َ} :‬هَذا َب َ‬

‫شَقى{ ]العلى‪ ،[ 11 :‬وإنما يشقى بتجنبها‪.‬‬
‫جّنُبَها الَْ ْ‬
‫وقد قال في نظيره‪َ} :‬وَيَت َ‬
‫وهذا كما يقال‪ :‬إنما يحذر من يقبل‪ ،‬وإنما ينتفع بالعلم من عمل به‪.‬‬
‫فمن استمع القرآن فآمن به وعمل به صار من المتقين الذين هو هدى لهم‪ .‬ومن لم يؤمن به ولم يعمل به لم يكن من‬
‫المتقين‪ ،‬ولم يكن ممن اهتدى به‪.‬‬
‫بل هو كما قال ال تعالى‪ُ} :‬قْل ُهَو ِلّلِذيَن آَمُنوا ُهًدى َوِشَفاء َواّلِذيَن َل ُيْؤِمُنونَ ِفي آَذاِنِهْم َوْقٌر َوُهَو َعَلْيِهْم َعًمى{ ]فصلت‪،[44 :‬‬
‫ولم يرد أنهم كانوا مؤمنين‪ ،‬فلما سمعوه صار هدى وشفاء‪ ،‬بل إذا سمعه الكافر فآمن به صار في حقه هدى وشفاء‪،‬‬
‫وكان من المؤمنين به بعد سماعه‪.‬‬
‫ل ِمن َبْعِد ِميَثاِقِه‬
‫عْهَد ا ِّ‬
‫ن َ‬
‫ضو َ‬
‫ن َينُق ُ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫سِقي َ‬
‫ل اْلَفا ِ‬
‫ل ِبِه ِإ ّ‬
‫ضّ‬
‫ل ِبِه َكِثيًرا َوَيْهِدي ِبِه َكِثيًرا َوَما ُي ِ‬
‫ضّ‬
‫‪ /‬وهذا كقوله في النوع المذموم‪ُ}:‬ي ِ‬
‫صَل{ ]البقرة‪ ،[ 27 ،26 :‬ول يجب أن يكونوا فاسقين قبل ضللهم‪ ،‬بل من سمعه فكذب به‬
‫ل ِبِه َأن ُيو َ‬
‫ن َما َأَمَر ا ُّ‬
‫طُعو َ‬
‫َوَيْق َ‬

‫صار فاسًقا وضل‪.‬‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫سِقي َ‬
‫وسعد بن أبى وقاص ـ وغيره ـ أْدخلوا في هذه الية أهل الهواء كالخوارج‪ .‬وكان سعد يقول‪ :‬هم من }اْلَفا ِ‬
‫صَل{ ولم يكن على‪ ،‬وسعد‪ ،‬وغيرهما من الصحابة يكفرونهم‪.‬‬
‫ل ِبِه َأن ُيو َ‬
‫ن َما َأَمَر ا ُّ‬
‫طُعو َ‬
‫ل ِمن َبْعِد ِميَثاِقِه َوَيْق َ‬
‫عْهَد ا ِّ‬
‫ضونَ َ‬
‫َينُق ُ‬

‫ضّل ِبِه ِإّل اْلَفاِسِقيَن{‪.‬‬
‫وسعد أدخلهم في هذه الية لقوله‪َ} :‬وَما ُي ِ‬
‫وهم ضلوا به بسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه وتأويله على غير ما أراد ال‪ .‬فتمسكوا بمتشابهه‪ ،‬وأعرضوا عن‬
‫محكمه‪ ،‬وعن السنة الثابتة التي تبين مراد ال بكتابه‪ .‬فخالفوا السنة وإجماع الصحابة مع ما خالفوه من محكم كتاب‬
‫ال تعالى‪.‬‬
‫ن َفّرُقوْا‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫شاَبَه ِمْنُه اْبِتَغاء اْلِفْتَنِة َواْبِتَغاء َتْأِويِلِه{ ]آل عمران‪ِ} ،[7 :‬إ ّ‬
‫ن َما َت َ‬
‫ولهذا أدخلهم كثير من السلف في الذين }َفَيّتِبُعو َ‬
‫ِديَنُهْم وََكاُنوْا ِشَيًعا{ ]النعام‪ ،[159 :‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬

‫والمقصود الية‪ .‬وقد دلت على أن كل من يخشى فلبد أن ‪ /‬يتذكر‪ .‬فقد يتذكر فتحصل له بالتذكر خشية‪ ،‬وقد يخشى‬
‫فتدعوه الخشية إلى التذكر‪.‬‬
‫وهذا المعنى ذكره قتادة؛ فقال‪ :‬وال! ما خشى ال عبٌد قط إل ذكره‪.‬‬
‫ضا له ولهله إل شقيا َبين الشقاء‪.‬‬
‫شَقى{‪ ،‬قال قتادة‪ :‬فل وال! ل يتنكب عبد هذا الذكر زهًدا فيه وبغ ً‬
‫جّنُبَها الَْ ْ‬
‫}َوَيَت َ‬
‫والخشية في القرآن مطلقة تتناول خشية ال وخشية عذابه في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ت ُمنِذُر َمن َيْخَشاَها{ ]النازعات‪:‬‬
‫ك ُمنَتَهاَها ِإّنَما َأن َ‬
‫ت ِمن ِذْكَراَها ِإَلى َرّب َ‬
‫ساَها ِفيَم َأن َ‬
‫ن ُمْر َ‬
‫عِة َأّيا َ‬
‫سا َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عِ‬
‫ك َ‬
‫سَأُلوَن َ‬
‫قال ال تعالى‪َ} :‬ي ْ‬
‫‪.[45 - 42‬‬
‫ف َوِعيِد{ ]ق‪.[45 :‬‬
‫خا ُ‬
‫ن َمن َي َ‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬فَذّكْر ِباْلُقْرآ ِ‬
‫ن آَمُنوا‬
‫ن ِبَها َواّلِذي َ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِبَها اّلِذي َ‬
‫جُ‬
‫سَتْع ِ‬
‫ب َي ْ‬
‫عَة َقِري ٌ‬
‫سا َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ك َلَع ّ‬
‫ن َوَما ُيْدِري َ‬
‫ق َواْلِميَزا َ‬
‫حّ‬
‫ب ِباْل َ‬
‫ل اْلِكَتا َ‬
‫ل اّلِذي َأنَز َ‬
‫وقال تعالى‪} :‬ا ُّ‬
‫ق{ ]الشورى‪.[18 ،17 :‬‬
‫حّ‬
‫ن َأّنَها اْل َ‬
‫شِفُقونَ ِمْنَها َوَيْعَلُمو َ‬
‫ُم ْ‬

‫ب الّسُموِم{ ]الطور‪.[27 ،26 :‬‬
‫عَذا َ‬
‫عَلْيَنا َوَوَقاَنا َ‬
‫ل َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫ن َفَم ّ‬
‫شِفِقي َ‬
‫ل ِفي َأْهِلَنا ُم ْ‬
‫وقال‪َ} :‬قاُلوا ِإّنا ُكّنا َقْب ُ‬
‫فصـل‬

‫ب{ ]ق‪.[33 :‬‬
‫ب ّمِني ٍ‬
‫جاء ِبَقْل ٍ‬
‫ب َو َ‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫الكلم على قوله‪َ} :‬م ْ‬
‫وفي هذه الية قال‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى{ ]العلى‪.[10 :‬‬
‫وقال في قصة فرعون‪َ} :‬فُقوَل َلُه َقْوًل ّلّيًنا ّلَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َيْخَشى{ ]طه‪ ،[ 44 :‬فعطف الخشية على التذكر‪.‬‬
‫وقال‪ّ} :‬لَمْن َأَراَد َأن َيّذّكَر َأْو َأَراَد ُشُكوًرا{ ]الفرقان‪.[62 :‬‬
‫ك َلَعّلُه َيّزّكى أَْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى{ ]عبس‪.[4 ،3 :‬‬
‫وفي قصة الرجل الصالح المؤمن العمى قال‪َ} :‬وَما ُيْدِري َ‬
‫ي اْلَكِبيِر ُهَو اّلِذي ُيِريُكْم آَياِتِه‬
‫ل اْلَعِل ّ‬
‫حْكُم ِّ‬
‫ك ِبِه ُتْؤِمُنوا َفاْل ُ‬
‫شَر ْ‬
‫حَدُه َكَفْرُتْم َوِإن ُي ْ‬
‫ل َو ْ‬
‫ي ا ُّ‬
‫عَ‬
‫وقال في ]حم[ المؤمن‪َ} :‬ذِلُكم ِبَأّنُه ِإَذا ُد ِ‬
‫ب{‪.‬‬
‫ل َمن ُيِني ُ‬
‫ب{ ]غافر‪ ،[13 ،12 :‬فقال‪َ} :‬وَما َيَتَذّكُر ِإ ّ‬
‫ل َمن ُيِني ُ‬
‫سَماء ِرْزًقا َوَما َيَتَذّكُر ِإ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َلُكم ّم َ‬
‫َوُيَنّز ُ‬
‫خُلوَها‬
‫ب اْد ُ‬
‫ب ّمِني ٍ‬
‫جاء ِبَقْل ٍ‬
‫ب َو َ‬
‫حَمن ِباْلَغْي ِ‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫ظ َم ْ‬
‫حِفي ٍ‬
‫ب َ‬
‫ل َأّوا ٍ‬
‫ن ِلُك ّ‬
‫عُدو َ‬
‫‪ /‬والنابة جعلها مع الخشية في قوله‪َ} :‬هَذا َما ُتو َ‬
‫ك َيْوُم اْلُخُلوِد{ ]ق‪32 :‬ـ ‪.[34‬‬
‫لٍم َذِل َ‬
‫سَ‬
‫ِب َ‬

‫ل لبد أن يرجوه ويطمع في رحمته‪ ،‬فينيب إليه ويحبه‪ ،‬ويحب عبادته وطاعته‪ .‬فإن ذلك هو‬
‫وذلك لن الذي يخشى ا ّ‬
‫الذي ينجيه مما يخشاه‪ ،‬ويحصل به ما يحبه‪.‬‬
‫والخشية ل تكون ممن قطع بأنه معذب؛ فإن هذا قطع بالعذاب‪ ،‬يكون معه القنوط‪ ،‬واليأس‪ ،‬والبلس‪ .‬ليس هذا خشية‬
‫وخوفا‪.‬‬
‫ظاِلِميَن ُمْشِفِقيَن ِمّما َكَسُبوا َوُهَو َواِقٌع ِبِهْم{ ]الشورى‪:‬‬
‫وإنما يكون الخشية والخوف مع رجاء السلمة؛ ولهذا قال‪َ} :‬تَرى ال ّ‬
‫‪.[22‬‬
‫حَمن‬
‫ي الّر ْ‬
‫شَ‬
‫خِ‬
‫ن َ‬
‫ظ َم ْ‬
‫حِفي ٍ‬
‫ب َ‬
‫ل َأّوا ٍ‬
‫ن ِلُك ّ‬
‫عُدو َ‬
‫غْيَر َبِعيٍد َهَذا َما ُتو َ‬
‫ن َ‬
‫جّنُة ِلْلُمّتِقي َ‬
‫ت اْل َ‬
‫ل‪ ،‬كما قال‪َ}:‬وُأْزِلَف ِ‬
‫ل ينيب إلى ا ّ‬
‫فصاحب الخشية ّ‬
‫ك َيْوُم اْلُخُلوِد{ ]ق‪ .[ 34 - 31 :‬وهذا يكون مع تمام الخشية والخوف‪.‬‬
‫لٍم َذِل َ‬
‫سَ‬
‫خُلوَها ِب َ‬
‫ب اْد ُ‬
‫ب ّمِني ٍ‬
‫جاء ِبَقْل ٍ‬
‫ب َو َ‬
‫ِباْلَغْي ِ‬

‫فأما في مباديها‪ ،‬فقد يحصل للنسان خوف من العذاب والذنب ‪ /‬الذي يقتضيه‪ ،‬فيشتغل بطلب النجاة والسلم‪،‬‬
‫ويعرض عن طلب الرحمة والجنة‪.‬‬
‫وقد يفعل مع سيئاته حسنات توازيها وتقابلها‪ ،‬فينجو بذلك من النار ول يستحق الجنة‪ ،‬بل يكون من أصحاب‬
‫العراف‪ .‬وإن كان مآلهم إلى الجنة فليسوا ممن ُأْزلفت لهم الجنة ـ أي‪ :‬قربت لهم ـ إذ كانوا لم يأتوا بخشية ا ّ‬
‫ل‬
‫والنابة إليه‪ .‬واستجمل بعد ذلك‪.‬‬
‫َفصــل‬
‫ك َلَعّلُه َيّزّكى َأْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى{{‬
‫شى{ ]طه‪ ،[44 :‬وقوله‪َ} :‬وَما ُيْدِري َ‬
‫خَ‬
‫وأما قوله ـ في قصة فرعون ـ‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َي ْ‬
‫]عبس‪ ،[ 4 ،3 :‬فل يناقض هذه الية؛ لنه لم يقل في هذه الية ]سيخشى من يذكر[‪ ،‬بل َذَكَر أن كل من خشى فإنه‬
‫يتذكر؛ إما أن يتذكر فيخشى ـ وإن كان غيره يتذكر فل يخشى‪ ،‬وإما أن تدعوه الخشية إلى التذكر‪ .‬فالخشية مستلزمة‬
‫للتذكر‪ .‬فكل خاش متذكر‪.‬‬
‫ل فهو عالم‪ .‬هذا منطوق‬
‫ل ِمْن ِعَباِدِه اْلُعَلَماء{ ]فاطر‪ ،[ 28:‬فل يخشاه إل ‪ /‬عالم‪ .‬فكل خاش ّ‬
‫شى ا َّ‬
‫خَ‬
‫كما قال تعالى‪ِ}:‬إّنَما َي ْ‬
‫الية‪.‬‬
‫ل فهو‬
‫ل‪ ،‬كما دل غيرها على أن كل من عصى ا ّ‬
‫وقال السلف وأكثر العلماء‪ :‬إنها تدل على أن كل عالم فإنه يخشى ا ّ‬
‫جاهل‪.‬‬

‫ل ِلّلِذيَن َيْعَمُلوَن الّسَوَء ِبَجَهاَلٍُة{ ]النساء‪ ،[17 :‬فقالوا‬
‫عَلى ا ّ‬
‫كما قال أبو العالية‪ :‬سألت أصحاب محمد عن قوله‪ِ} :‬إّنَما الّتْوَبُة َ‬
‫صري‪ ،‬وغيرهم من العلماء التابعين ومن بعدهم‪.‬‬
‫ل فهو جاهل[‪ .‬وكذلك قال مجاهد‪ ،‬والحسن الَب ْ‬
‫لي‪] :‬كل من عصى ا ّ‬
‫وذلك أن الحصر في معنى الستثناء‪ ،‬والستثناء من النفي إثبات عند جمهور العلماء‪ .‬فنفي الخشية عمن ليس من‬
‫العلماء؛ وهم العلماء به الذين يؤمنون بما جاءت به الرسل‪ ،‬يخافونه‪.‬‬
‫ن{‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ن َ‬
‫ن َواّلِذي َ‬
‫ن َيْعَلُمو َ‬
‫سَتِوي اّلِذي َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َه ْ‬
‫حَمَة َرّبِه ُق ْ‬
‫جو َر ْ‬
‫خَرَة َوَيْر ُ‬
‫لِ‬
‫حَذُر ا ْ‬
‫جًدا َوَقاِئًما َي ْ‬
‫سا ِ‬
‫ل َ‬
‫ت آَناء الّلْي ِ‬
‫ن ُهَو َقاِن ٌ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬أّم ْ‬

‫ل بن‬
‫ل فليس من العلماء‪ ،‬بل من الجهال‪ ،‬كما قال عبد ا ّ‬
‫]الزمر‪ .[ 9 :‬وأثبتها للعلماء‪ .‬فكل عالم يخشاه‪ .‬فمن لم يخش ا ّ‬
‫شعبي‪] :‬أيها العالم![ فقال‪] :‬إنما العالم من‬
‫ل[‪ .‬وقال رجل لل ّ‬
‫ل جه ً‬
‫ل علًما‪ ،‬وكفي ‪ /‬بالغترار با ّ‬
‫مسعود‪] :‬كفي بخشية ا ّ‬
‫ل![‪.‬‬
‫يخشى ا ّ‬
‫فكذلك قوله‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى{ ]العلى‪ ،[ 10 :‬يقتضى أن كل من يخشاه فلبد أن يكون ممن تذكر‪ .‬وقد ذكر أن‬
‫الشقى يتجنب الذكرى‪ ،‬فصار الذي يخشى ضد الشقى‪ .‬فلذلك يقال‪) :‬كل من تذكر خشى(‪.‬‬
‫والتحقيق أن التذكر سبب الخشية‪ ،‬فإن كان تاًما أوجب الخشية؛ كما أن العلم سبب الخشية‪ ،‬فإن كان تاًما أوجب‬
‫الخشية‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬فقوله في قصة فرعون‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َيْخَشى{ ]طه‪ ،[ 44 :‬جعل ذلك نوعين لما في ذلك من الفوائد‪:‬‬
‫ل إليه‪ .‬فهذا التذكر يدعوه‬
‫ل خالقه‪ ،‬وليس هو إلًها ورّبا كما ذكر‪ ،‬وذكر إحسان ا ّ‬
‫أحدها‪ :‬أنه إذا تذكر أنه مخلوق وأن ا ّ‬
‫ل ل يعذبه‪.‬‬
‫ل وتوحيده وإنعامه عليه‪ .‬فيقتضى اليمان والشكر‪ ،‬وإن قدر أن ا ّ‬
‫إلى اعترافه بربوبية ا ّ‬
‫فإن مجرد كون الشيء حًقا ونافًعا يقتضى طلبه وإن لم يخف ضرًرا ‪ /‬بعدمه‪ .‬كما يسارع المؤمنون إلى فعل‬
‫التطوعات والنوافل لما فيها من النفع ـ وإن كان ل عقوبة في تركها ـ كما يحب النسان علوما نافعة ـ وإن لم يتضرر‬
‫بتركها ـ وكما قد يحب محاسن الخلق ومعالى المور لما فيها من المنفعة واللذة في الدنيا والخرة ـ وإن لم يخف‬
‫ضرًرا بتركها‪.‬‬
‫ل وتوحيده وإحسانه إليه‪ ،‬ويقتضى شكره ّ‬
‫ل‬
‫ل وتذكر إحسانه إليه فهذا قد يوجب اعترافه بحق ا ّ‬
‫فهو إذا تذكر آلء ا ّ‬
‫وتسليم قوم موسى إليه ـ وإن لم يخف عذاًبا ـ فهذا قد حصل بمجرد التذكر‪.‬‬
‫ل به من عذاب الدنيا والخرة‪ ،‬فإن هذا الخوف قد‬
‫شى{‪ .‬ونفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده ا ّ‬
‫خَ‬
‫قال‪َ} :‬أْو َي ْ‬
‫يحمله على الطاعة والنقياد ولو لم يتذكر‪.‬‬
‫وقد يحصل تذكر بل خشية‪ ،‬وقد يحصل خشية بل تذكر‪ ،‬وقد يحصلن جميعا ـ وهو الغلب ـ قال تعالى‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر‬
‫َأْو َيْخَشى{‪.‬‬

‫ضا‪َ ،‬فِذْكر النسان يحصل بما عرفه من العلوم قبل هذا‪ ،‬فيحصل بمجرد عقله‪ ،‬وخشيته تكون بما سمعه من‬
‫وأي ً‬
‫الوعيد‪ .‬فبالول يكون ممن له قلب يعقل به‪ ،‬والثاني يكون ممن له أذن يسمع بها‪.‬‬
‫شا َفَنّقُبوا ِفي‬
‫طً‬
‫شّد ِمْنُهم َب ْ‬
‫ن ُهْم َأ َ‬
‫‪ /‬وقد تحصل الذكرى الموجبة للخير بهذا وبهذا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَكْم َأْهَلْكَنا َقْبَلُهم ّمن َقْر ٍ‬
‫ب َأْو َأْلَقى الّسْمَع َوُهَو َشِهيٌِد{ ]ق‪.[37 ،36 :‬‬
‫ن َلُه َقْل ٌ‬
‫ك َلِذْكَرى ِلَمن َكا َ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫ص ِإ ّ‬
‫حي ٍ‬
‫ل ِمن ّم ِ‬
‫لِد َه ْ‬
‫اْلِب َ‬

‫الفائدة الثانية‪ :‬أن التذكر سبب الخشية‪ ،‬والخشية حاصلة عن التذكر‪ .‬فََذَكَر التذكر الذي هو السبب‪ ،‬وَذَكَر الخشية التي‬
‫ب َأْو َأْلَقى الّسْمَع َوُهَو َشِهي ٌ{‬
‫د{‬
‫ن َلُه َقْل ٌ‬
‫ك َلِذْكَرى ِلَمن َكا َ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫هى النتيجة ـ وإن كان أحدهما مستلزما للخر ـ كما قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫سيُروا ِفي‬
‫سِعيِر{ ]الملك‪ ،[10 :‬وقـــال‪َ} :‬أَفَلْم َي ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫ل َما ُكّنا ِفي َأ ْ‬
‫سَمُع َأْو َنْعِق ُ‬
‫]ق‪ ،[ 37 :‬وكما قال أهل النار‪َ} :‬لْو ُكّنا َن ْ‬
‫ب اّلِتي ِفي الصُّدوِر{ ]الحج‪:‬‬
‫صاُر َوَلِكن َتْعَمى اْلُقُلو ُ‬
‫لْب َ‬
‫ل َتْعَمى ا َْ‬
‫ن ِبَها َفِإّنَها َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن ِبَها َأْو آَذا ٌ‬
‫ب َيْعِقُلو َ‬
‫ن َلُهْم ُقُلو ٌ‬
‫ض َفَتُكو َ‬
‫لْر ِ‬
‫ا َْ‬
‫‪ [ 46‬فكل من النوعين يحصل به النجاة لنه مستلزم للخر‪.‬‬

‫فالذي يسمع ما جاءت به الرسل ـ سمًعا يعقل به ما قالوه ـ ينجو‪ .‬وإل فالسمع بل عقل ل ينفعه‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِمْنُهم ّمن‬
‫ل َعَلى ُقُلوِبِهْم{ ]محمد‪ ،[16 :‬وقال‪:‬‬
‫طَبَع ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ل آِنًفا ُأْوَلِئ َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َماَذا َقا َ‬
‫ك َقاُلوا ِلّلِذي َ‬
‫عنِد َ‬
‫ن ِ‬
‫جوا ِم ْ‬
‫خَر ُ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫ك َ‬
‫سَتِمُع ِإَلْي َ‬
‫َي ْ‬
‫صّم َوَلْو َكاُنوْا َل َيْعِقُلوَن{ ]يونس‪ ،[42 :‬وقال‪ِ} :‬إّنا َأنَزْلَناُه ُقْرآًنا َعَرِبّيا ّلَعّلُكْم َتْعِقُلوَن{{‬
‫سِمُع ال ّ‬
‫ت ُت ْ‬
‫ك َأَفَأن َ‬
‫ن ِإَلْي َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫}َوِمْنُهم ّمن َي ْ‬

‫]يوسف‪.[2 :‬‬
‫جاءَنا‬
‫‪ /‬وكذلك العقل بل سمع لما جاءت به الرسل ل ينفع‪ .‬وقد اعترف أهل النار بمجيء الرسل فقالوا‪َ} :‬قاُلوا َبَلى َقْد َ‬
‫يٍء{ ]الملك‪.[9 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫ل ا ُّ‬
‫َنِذيٌر َفَكّذْبَنا َوُقْلَنا َما َنّز َ‬

‫ب َيْعِقُلوَن ِبَها َأْو آَذاٌن َيْسَمُعو َ{‬
‫ن{‬
‫ن َلُهْم ُقُلو ٌ‬
‫ض َفَتُكو َ‬
‫لْر ِ‬
‫سيُروا ِفي ا َْ‬
‫وكذلك الْمَعتِبرين بآثار المَعّذبين الذين قــال فيهم‪َ} :‬أَفَلْم َي ِ‬
‫]الحــج‪ .[ 46 :‬إنمــا ينتفعـــون إذا سمعوا أخبار المعذبين المكذبين للرســل والناجــين الذيــن صدقوهــم‪ ،‬فســمعوا‬
‫قول الرسل وصدقوهم‪.‬‬
‫ضا ـ سبب للتذكر كما تقدم‪ .‬فكل منهما قد يكون سبًبا للخر‪ .‬فقد يخاف النسان فيتذكر‪،‬‬
‫الفائدة الثالثة‪ :‬أن الخشية ـ أي ً‬
‫وقد يتذكر المور المخوفة فيطلب النجاة منها‪ ،‬ويتذكر ما يرجو به النجاة منها فيفعله‪.‬‬
‫ل ِمْن ِعَباِدِه اْلُعَلَماء{ ]فاطر‪ [28 :‬؟‬
‫شى ا َّ‬
‫خَ‬
‫فإن قيل‪ :‬مجرد ظن المخوف قد يوجب الخوف‪ ،‬فكيف قال‪ِ}:‬إّنَما َي ْ‬
‫قيل‪ :‬النفس لها هوى غالب قاهر ل يصرفه مجرد الظن‪ ،‬وإنما يصرفه العلم بأن العذاب واقع ل محالة‪ .‬وأما من كان‬
‫س َعِن اْلَه َ {‬
‫وى{‬
‫ف َمَقاَم َرّبِه َوَنَهى الّنْف َ‬
‫خا َ‬
‫ن َ‬
‫يظن أن العذاب يقع ول يوقن بذلك فل يترك هواه؛ ولهذا قال‪َ} :‬وَأّما َم ْ‬
‫]النازعات‪.[40 :‬‬
‫حُ‬
‫ن‬
‫ظّنا َوَما َن ْ‬
‫ل َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظّ‬
‫عُة ِإن ّن ُ‬
‫سا َ‬
‫ب ِفيَها ُقْلُتم ّما َنْدِري َما ال ّ‬
‫ل َرْي َ‬
‫عُة َ‬
‫سا َ‬
‫ق َوال ّ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫عَد ا ِّ‬
‫ن َو ْ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫‪ /‬وقال تعالى في ذم الكفار‪َ} :‬وِإَذا ِقي َ‬
‫ِبُمْسَتْيِقِنيَن{ ]الجاثية‪ ،[ 32 :‬ووصف المتقين بأنهم بالخرة يوقنون‪.‬‬

‫ولهذا أقسم الرب على وقوع العذاب والساعة‪ ،‬وأمر نبيه أن يقسم على وقوع الساعة وعلى أن القرآن حق‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ل َبَلى َوَرّبي‬
‫عُة ُق ْ‬
‫سا َ‬
‫ل َتْأِتيَنا ال ّ‬
‫ن َكَفُروا َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن{ ]التغابن‪ ،[7 :‬وقال‪َ} :‬وَقا َ‬
‫ل َبَلى َوَرّبي َلُتْبَعُث ّ‬
‫ن َكَفُروا َأن ّلن ُيْبَعُثوا ُق ْ‬
‫عَم اّلِذي َ‬
‫}َز َ‬
‫ق{ ]يونس‪.[53 :‬‬
‫حّ‬
‫ل ِإي َوَرّبي ِإّنُه َل َ‬
‫ق ُهَو ُق ْ‬
‫حّ‬
‫ك َأ َ‬
‫سَتنِبُئوَن َ‬
‫َلَتْأِتَيّنُكْم{ ]سبأ‪ ،[3 :‬وقال‪َ} :‬وَي ْ‬

‫فصـل‬
‫ب{ ]غافر‪ ،[ 13 :‬فهو حق كما قال‪ .‬فإن المتذكر إما أن يتذكر ما يدعو إلى‬
‫ل َمن ُيِني ُ‬
‫وأما قوله تعالى‪َ} :‬وَما َيَتَذّكُر ِإ ّ‬
‫الرحمة والنعمة والثواب كما يتذكر النسان ما يدعوه إلى السؤال فينيب‪ ،‬وإما أن يتذكر ما يقتضى الخوف والخشية‬
‫فلبد له من النابة حينئذ لينجو مما يخاف‪.‬‬
‫ك ِإَلى‬
‫ك ِإَلى َأن َتَزّكى َوَأْهِدَي َ‬
‫ل َهل ّل َ‬
‫شى{‪ / .‬وكذلك قال له موسى }َفُق ْ‬
‫خَ‬
‫ولهذا قيل في فرعون‪ّ} :‬لَعّلُه َيَتَذّكُر{ فينيب‪َ} ،‬أْو َي ْ‬
‫ك َفَتْخَشى{ ]النازعات‪ ،[ 19 ،18 :‬فجمع موسى بين المرين لتلزمهما‪.‬‬
‫َرّب َ‬

‫ك َلَعّلُه َيّزّكى َأْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى{ ]عبس‪ .[ 4 ،3:‬فذكر النتفاع بالذكرى‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫وقال في حق العمى‪َ}:‬وَما ُيْدِري َ‬
‫}َوَذّكْر َفِإّن الّذْكَرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِنيَن{ ]الذاريات‪.[55 :‬‬
‫والنفع نوعان‪ :‬حصول النعمة‪ ،‬واندفاع النقمة‪ .‬ونفس اندفاع النقمة نفع وإن لم يحصل معه نفع آخر‪ ،‬ونفس المنافع‬
‫التي يخاف معها عذاب نفع‪ ،‬وكلهما نفع‪ .‬فالنفع تدخل فيه الثلثة‪ ،‬والثلثة تحصل بالذكرى‪ ،‬كما قال تعالى }َوَذّكْر‬
‫ك َلَعّلُه َيّزّكى َأْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الذّْكَرى{‪.‬‬
‫ن{ ‪ ،‬وقال‪َ} :‬وَما ُيْدِري َ‬
‫ن الّذكَْرى َتنَفُع اْلُمْؤِمِني َ‬
‫َفِإ ّ‬
‫وأما ذكر التزكي مع التذكر فهو كما ذكر في قصة فرعون الخشية مع التذكر‪ .‬وذلك أن التزكي هو اليمان والعمل‬
‫صّلى{ ]العلى‪:‬‬
‫سَم َرّبِه َف َ‬
‫ح َمن َتَزّكى َوَذَكَر ا ْ‬
‫الصالح الذي تصير به نفس النسان زكية‪ ،‬كما قال في هذه السورة‪َ} :‬قْد َأْفَل َ‬

‫ل ّمْنُهْم‬
‫سو ً‬
‫ن َر ُ‬
‫ث ِفي الُّْمّيي َ‬
‫ساَها{ ]الشمس‪ ،[ 10 ،9 :‬وقال ‪ُ} :/‬هَو اّلِذي َبَع َ‬
‫ب َمن َد ّ‬
‫خا َ‬
‫ح َمن َزّكاَها َوَقْد َ‬
‫‪ ،[15 ،14‬وقال‪َ}:‬قْد َأْفَل َ‬
‫َيْتُلو َعَلْيِهْم آَياِتِه َوُيَزّكيِهْم{ ]الجمعة‪ ،[2 :‬وقال‪َ} :‬وَوْيٌل ّلْلُمْشِرِكيَن اّلِذيَن َل ُيْؤُتوَن الّزَكاَة{ ]فصلت‪،[7 ،6 :‬وقال موسى‬
‫ك َفَتْخَشى{ ]النازعات‪.[19 ،18:‬‬
‫ك ِإَلى َرّب َ‬
‫ك ِإَلى َأن َتَزّكى َوَأْهِدَي َ‬
‫لفرعون‪َ} :‬هل ّل َ‬

‫وعطف عليه‪َ} :‬أْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى{ ‪ ،‬لوجوه‪:‬‬
‫عَلْيِهْم آَياِتِه‬
‫أحدها‪ :‬أن التزكي يحصل بامتثال أمر الرسول ـ وإن كان صاحبه ل يتذكر علوًما عنه ـ كما قال‪َ} :‬يْتُلو َ‬
‫ب َواْلِحْكَمَة{ ‪ .‬فالتلوة عليهم والتزكية عام لجميع المؤمنين‪،‬‬
‫حْكَمَة{ ‪ ،‬ثم قال‪َ} :‬وُيَعّلُمُهُم اْلِكَتا َ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫َوُيَزّكيِهْم َوُيَعّلُمُهُم اْلِكَتا َ‬

‫وتعليم الكتاب والحكمة خاص ببعضهم‪ .‬وكذلك التزكي عام لكل من آمن بالرسول‪ ،‬وأما التذكر فهو مختص لمن له‬
‫علوم يذكرها‪ ،‬فعرف بتذكره ما لم يعلمه غيره من تلقاء نفسه‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن قوله‪َ} :‬أْو َيّذّكُر َفَتنَفَعُه الّذْكَرى{ ]عبس‪ [ 4 :‬يدخل فيه النفع‪ ،‬قليله وكثيره‪ ،‬والتزكي أخص من ذلك‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن التذكر سبب التزكي‪ ،‬فإنه إذا تذكر خاف ورجا‪ ،‬فتزكى‪ .‬فذكر الحكم وذكر سببه‪ .‬ذكر العمل وذكر العلم‪،‬‬
‫وكل منهما مستلزم للخر‪.‬‬
‫‪ /‬فإنه ل يتزكى حتى يتذكر ما يسمعه من الرسول‪ ،‬كما قال‪َ} :‬سَيّذّكُر َمن َيْخَشى{ ]العلى‪ .[ 10 :‬فلبد لكل مؤمن من‬
‫خشية وتذكر‪.‬‬
‫وهو إذا تذكر فإنه ينتفع‪ ،‬وقد تتم المنفعة‪ ،‬فيتزكى‪.‬‬
‫ضا ـ نحو هذه الوجوه‪.‬‬
‫وقوله‪ّ} :‬لَمْن َأَراَد َأن َيّذّكَر َأْو َأَراَد ُشُكوًرا{ ]الفرقان‪ ،[ 62 :‬فيه ـ أي ً‬
‫ل على نعمه وإن لم يخف‪ ،‬والتذكر قد يقتضى الخشية‪.‬‬
‫فإن الشاكر قد يشكر ا ّ‬
‫ضا‪ ،‬فإن التذكر يقتضي الخوف من العقاب وطلب الثواب فيعمل للمستقبل‪ ،‬والشكر على النعم الماضية‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫ل عليه‪ ،‬فهو سبب للشكر‪ .‬تذكر السبب والمسبب‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالتذكر تذكر علوم سابقة‪ ،‬ومنها تذكر نعم ا ّ‬
‫وأي ً‬
‫ضا‪ ،‬فإن الشكر يقتضى المزيد من النعم‪ ،‬والتذكر قد يكون لهذا‪ ،‬وقد يكون خوفا من العذاب‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫وقد يكون المر بالعكس‪ ،‬فالشاكر قد يشكر الشكر الواجب لئل يكون كفوًرا فيعاقب على ترك الشكر بسلب النعمة‬
‫ل لمن أطاعه فيطيعه طلًبا لرحمته‪.‬‬
‫وعقوبات أخر‪ / ،‬والمتذكر قد يتذكر ما أعده ا ّ‬
‫ضا‪ ،‬فالتذكر قد يكون لفعل الواجبات التي يدفع بها العقاب‪ ،‬والشكور يكون للمزيد من فضله‪ ،‬كما في الصحيحين‬
‫وأي ً‬
‫ل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟‬
‫أن النبي صلى ال عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه‪ .‬فقيل له‪ :‬أتفعل هذا وقد غفر ا ّ‬
‫فقال‪) :‬أفل أكون عبًدا شكوًرا؟(‪.‬‬
‫سَتْعَتب(‪ .‬فالمؤمن‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ل يتمنين أحُدُكم الموت‪ :‬إما محسن فيزداد إحسانا‪ ،‬وإما مسيًئا فلعله أن ُي ْ‬
‫دائًما في نعمة من ربه تقتضى شكًرا‪ ،‬وفي ذنب يحتاج إلى استغفار‪.‬‬
‫وهو في سيد الستغفار يقول‪) :‬أبوء لك بنعمتك علي‪ ،‬وأبوء بذنبي‪ ،‬فاغفر لي‪ ،‬فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت(‪.‬‬
‫ك{ ]النساء‪ ،[79 :‬فما أصابه من الحسنات‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫وقد علم تحقيق قوله‪ّ} :‬ما َأ َ‬
‫ل فتقتضى شكًرا‪ ،‬وما أصابه من المصائب فبذنوبه تقتضى تذكًرا لذنوبه يوجب توبة واستغفاًرا‪.‬‬
‫هى نعم ا ّ‬

‫شُكوًرا{]الفرقان‪ ،[ 62 :‬فيتوب‪ /‬ويستغفر من ذنوبه‪َ} ،‬أْو َأَراَد‬
‫ن َأَراَد َأن َيّذّكَر َأْو َأَراَد ُ‬
‫خْلَفًة ّلَم ْ‬
‫ل َوالّنَهاَر ِ‬
‫ل }الّلْي َ‬
‫وقد جعل ا ّ‬
‫ل عليه‪.‬‬
‫ل‪ ،‬فهو نعمة ا ّ‬
‫ُشُكوًرا{ ]الفرقان‪ ،[ 62 :‬لربه على نعمه‪ .‬وكل ما يفعله ال بالعبد من نعمة‪ ،‬وكل ما يخلفه ا ّ‬

‫فكلما نظر إلى ما فعله ربه شكر‪ ،‬وإذا نظر إلى نفسه استغفر‪.‬‬
‫والتذكر قد يكون تذكر ذنوبه وعقاب ربه‪ .‬وقد يدخل فيه تذكر آلئه ونعمه‪ ،‬فإن ذلك يدعو إلى الشكر‪ .‬قال تعالى‪:‬‬
‫ل َعَلْيُكْم{ ]آل عمران‪ ،[ 103 :‬في غير موضع‪ ،‬فقد أمر بذكر نعمه‪ .‬فالمتذكر يتذكر نعم ربه‪ ،‬ويتذكر‬
‫}َواْذُكُروْا ِنْعَمَة ا ّ‬
‫ذنوبه‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فهو ذكر الشكور؛ لنه مقصود لنفسه‪ ،‬فإن الشكر ثابت في الدنيا والخرة‪ .‬وذكر التذكر؛ لنه أصل‬
‫وأي ً‬
‫ل ـ سبحانه ـ أعلم‪.‬‬
‫للستغفار‪ ،‬والشكر‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬فذكر المبدأ وذكر النهاية‪ .‬وهذا المعنى يجمع ما قيل‪ .‬وا ّ‬

‫فصـل‬
‫ل بتذكره‪ ،‬كما قال‪َ} :‬أَوَلْم ُنَعّمْرُكم ّما َيَتذَّكُر ِفيِه َمن َتَذّكَر َوَجاءُكُم الّنِذيُر{ ]فاطر‪ ،[37 :‬أى‬
‫والتذكر اسم جامع لكل ما أمر ا ّ‬
‫قامت الحجة عليكم بالنذير الذي جاءكم‪ ،‬وبتعميركم عمًرا يتسع للتذكر‪.‬‬
‫حْكَمِة{‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيُكْم ّم َ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيُكْم َوَما َأنَز َ‬
‫ل َ‬
‫تا ّ‬
‫‪ /‬وقد أمر ـ سبحانه ـ بذكر نعمه في غير موضع‪ ،‬كقوله‪َ} :‬واْذُكُروْا ِنْعَم َ‬

‫]البقرة‪.[231 :‬‬
‫جوَهُكمْ‬
‫ث َما ُكنُتْم َفَوّلوْا ُو ُ‬
‫حْي ُ‬
‫حَراِم َو َ‬
‫جِد اْل َ‬
‫سِ‬
‫شطَْر اْلَم ْ‬
‫ك َ‬
‫جَه َ‬
‫ل َو ْ‬
‫ت َفَو ّ‬
‫ج َ‬
‫خَر ْ‬
‫ث َ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫والمطلوب بذكرها شكرها‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِم ْ‬
‫سْلَنا ِفيُكْم‬
‫ن َكَما َأْر َ‬
‫عَلْيُكْم َوَلَعّلُكْم َتْهَتُدو َ‬
‫لِتّم ِنْعَمِتي َ‬
‫شْوِني َو ُ‬
‫خَ‬
‫شْوُهْم َوا ْ‬
‫خَ‬
‫ل َت ْ‬
‫ظَلُموْا ِمْنُهْم َف َ‬
‫ن َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫جٌة ِإ ّ‬
‫حّ‬
‫عَلْيُكْم ُ‬
‫س َ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ل َيُكو َ‬
‫طَرُه ِلَئ ّ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫شُكُروْا ِلي َو َ‬
‫ل‬
‫ن َفاْذُكُروِني َأْذُكْرُكْم َوا ْ‬
‫حْكَمَة َوُيَعّلُمُكم ّما َلْم َتُكوُنوْا َتْعَلُمو َ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫عَلْيُكْم آَياِتَنا َوُيَزّكيُكْم َوُيَعّلُمُكُم اْلِكَتا َ‬
‫ل ّمنُكْم َيْتُلو َ‬
‫سو ً‬
‫َر ُ‬
‫َتْكُفُروِن{ ]البقرة‪.[152 - 150 :‬‬
‫عِزيٌز‬
‫سُكْم َ‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ل ّم ْ‬
‫سو ٌ‬
‫جاءُكْم َر ُ‬
‫ل ّمنُكْم{ يتناول كل من خوطب بالقرآن‪ .‬وكذلك قولـه‪َ} :‬لَقْد َ‬
‫سو ً‬
‫سْلَنا ِفيُكْم َر ُ‬
‫وقـوله‪َ} :‬كَما َأْر َ‬
‫ف ّرِحيٌم{ ]التوبة‪ .[ 128 :‬فالرسول من أنفس من خوطب بهذا الكلم‪ ،‬إذ هى‬
‫ن َرُؤو ٌ‬
‫عَلْيُكم ِباْلُمْؤِمِني َ‬
‫ص َ‬
‫حِري ٌ‬
‫عِنّتْم َ‬
‫عَلْيِه َما َ‬
‫َ‬

‫كاف الخطاب‪.‬‬
‫ولما خوطب به ـ أول ـ قريش‪ ،‬ثم العرب‪ ،‬ثم سائر المم‪ ،‬صار يخص ويعم بحسب ذلك‪.‬‬
‫ف{ ]قريش‪ .[ 2 ،1 :‬وقوله‪َ} :‬وِإّنُه َلِذْكٌر ّل َ‬
‫ك‬
‫صْي ِ‬
‫شَتاء َوال ّ‬
‫حَلَة ال ّ‬
‫لِفِهْم ِر ْ‬
‫ش ِإي َ‬
‫ف ُقَرْي ٍ‬
‫ل ِ‬
‫لي َ‬
‫شا كقوله‪ِ } :‬‬
‫وفيه ما يخص قري ً‬
‫ك{ ]الزخرف‪.[44 :‬‬
‫َوِلَقْوِم َ‬

‫ث ِفي اُْلّمّييَن َرُسوًل مّْنُهْم َيْتُلو َعَلْيِهْم آَياِتِه{ ]الجمعة‪ ،[2 :‬والميون‬
‫وفيه ما يعم العرب ويخصهم‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬هَو اّلِذي َبَع َ‬
‫يتناول العرب قاطبة دون أهل الكتاب‪.‬‬
‫ثم قـال‪َ} :‬وآَخِريَن ِمْنُهْم َلّما َيْلَحُقوا ِبِهْم{ ]الجمعة‪ .[ 3 :‬فهـذا يتناول كـل مـن دخـل في الســلم ـ بعـد دخـول العـرب فيـه‬
‫ـ إلى يـوم القيامـة‪ ،‬كما قـال ذلك مقاتـل بـن حيان ]هو أبو بسطام مقاتل بن حيان النبطى البلخى الخراز‪ ،‬مولى بكر‬
‫بن وائل‪ ،‬وثقه ابن معين وأبو داود‪ ،‬وقال النسائى‪ :‬ليس به بأس‪ ،‬مات قبل الخمسين ومائة تقريًبا[‪ ،‬وعبد الرحمن بن‬
‫زيد‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫ن ِمْنُهْم{ ؛ أى‪ :‬في الدين دون النسب‪ ،‬إذ لو كانوا منهم في النسب لكانوا من الميين‪.‬‬
‫خِري َ‬
‫فإن قوله‪َ} :‬وآ َ‬
‫ك ِمنُكْم{ ]النفال‪.[75 :‬‬
‫جاَهُدوْا َمَعُكْم َفُأْوَلـِئ َ‬
‫جُروْا َو َ‬
‫ن آَمُنوْا ِمن َبْعُد َوَها َ‬
‫وهذا كقوله تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬

‫وقد ثبت في الصحيح أن هذه الية لما نزلت سئل النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪) :‬لو كان اليمان معلًقا بالثريا‬
‫لتناوله رجال من أبناء فارس(‪ .‬فهذا يدل على دخول هؤلء ـ ل يمنع دخول غيرهم من المم‪.‬‬
‫ل َعَلى اْلُمؤِمِنيَن ِإْذ َبَعثَ ِفيِهْم َرُسوًل ّمْن َأنُفِسِهْم{ ]آل عمران‪،[164 :‬‬
‫نا ّ‬
‫وإذا كانوا هم منهم فقد دخلوا في قوله‪َ} :‬لَقْد َم ّ‬
‫فالمنة على جميع المؤمنين ـ عربهم وعجمهم‪ ،‬سابقهم ولحقهم ـ والرسول منهم؛ لنه إنسى مؤمن‪ .‬وهو من العرب‬
‫أخص؛ لكونه عربيا جاء بلسانهم‪ ،‬وهو من قريش أخص‪.‬‬
‫ل َأْتَقاُكْم{ ]الحجرات‪:‬‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫ن َأْكَرَمُكْم ِ‬
‫والخصوص يوجب قيام الحجة‪ ،‬ل يوجب الفضل‪ ،‬إل باليمان والتقوى لقوله‪ِ}:‬إ ّ‬
‫‪.[13‬‬
‫ولهذا كان النصار أفضل من الطلقاء من قريش‪ ،‬وهم ليسوا من ربيعة ول مضر‪ ،‬بل من قحطان‪.‬‬
‫وأكثر الناس على أنهم من ولد هود‪ ،‬ليسوا من ولد إبراهيم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنهم من ولد إسماعيل؛ لحديث أسلم لما قال‪) :‬ارموا‪ ،‬فإن أباكم كان رامًيا(‪ ،‬وأسلم من خزاعة‪ ،‬وخزاعة من ولد‬
‫إبراهيم‪.‬‬
‫وفي هذا كلم ليس هذا موضعه؛ إذ المقصود أن النصار أبعد نسبا من كل ربيعة ومضر مع كثرة هذه القبائل‪ .‬ومع‬
‫هذا هم أفضل من جمهور قريش‪ ،‬إل من السابقين الولين من المهاجرين ـ وفيهم قرشي وغير قرشي‪.‬‬
‫ومجموع السابقين ألف وأربعمائة غير مهاجرى الحبشة‪.‬‬
‫شا‪ ،‬والعـرب‪ ،‬ثم يعـم سـائر البشر؛ لن القرآن خطاب لهـم‪.‬‬
‫جاءُكْم{ ]التوبة‪ [ 128 :‬يخص قري ً‬
‫‪ /‬فقـوله‪َ} :‬لَقْد َ‬
‫والرسـول مـن أنفسهم‪ ،‬والمعنى ليس بملك ل يطيقون الخذ منـه‪ ،‬ول جني‪.‬‬
‫شَر‬
‫ثم يعم الجن؛ لن الرسول أرسل إلى النس والجن‪ ،‬والقرآن خطاب للثقلين‪ ،‬والرسول منهم جميًعا‪ ،‬كما قال‪َ} :‬يا َمْع َ‬
‫س َأَلْم َيْأِتُكْم ُرُسٌل ّمنُكْم{ ]النعام‪ ،[ 130 :‬فجعل الرسل التي أرسلها من النوعين مع أنهم من النس‪.‬‬
‫لن ِ‬
‫ن َوا ِ‬
‫جّ‬
‫اْل ِ‬

‫فإن النس والجن مشتركون ـ مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين ـ فإنهم يأكلون ويشربون‪ ،‬وينكحون‬
‫وينسلون‪ ،‬ويغتذون وينمون بالكل والشرب‪ .‬وهذه المور مشتركة بينهم‪ .‬وهم يتميزون بها عن الملئكة‪ ،‬فإن‬
‫الملئكة ل تأكل ول تشرب‪ ،‬ول تنكح ول تنسل‪.‬‬
‫فصار الرسول مع أنفس الثقلين‪ ،‬باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تميزوا به عن الملئكة‪ ،‬حتى كان الرسول مبعوًثا‬
‫إلى الثقلين دون الملئكة‪.‬‬
‫ل‬
‫تا ّ‬
‫سِهْم{ ]آل عمران‪ ،[ 164 :‬هو كقوله‪َ} :‬واْذُكُروْا ِنْعَم َ‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ل ّم ْ‬
‫سو ً‬
‫ث ِفيِهْم َر ُ‬
‫ن ِإْذ َبَع َ‬
‫عَلى اْلُمؤِمِني َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫وكذلك قوله‪َ} :‬لَقْد َم ّ‬
‫عَلْيُكْم آَياِتَنا َوُيَزّكيُكْم‬
‫ل ّمنُكْم َيْتُلو َ‬
‫سو ً‬
‫سْلَنا ِفيُكْم َر ُ‬
‫حْكَمِة{ ] البقرة‪ ،[231 :‬وقوله‪َ} :‬كَما َأْر َ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عَلْيُكْم ّم َ‬
‫ل َ‬
‫عَلْيُكْم وََما َأنَز َ‬
‫َ‬
‫ب َواْلِحْكَمَة َوُيَعّلُمُكم ّما َلْم َتُكوُنوْا َتْعَلُموَن{ ]البقرة‪.[151 :‬‬
‫َوُيَعّلُمُكُم اْلِكَتا َ‬

‫ثم قال‪َ} :‬فاْذُكُروِني َأْذُكْرُكْم َواْشُكُروْا ِلي َوَل َتْكُفُروِن{ ]البقرة‪ ،[ 152 :‬والمقصود أنه أمر بذكر النعم وشكرها‪.‬‬
‫عَلْيُكْم{ ]البقرة‪ [ 40:‬ـ في غير موضع ـ وقال للمؤمنين‪َ} :‬واْذُكُروْا ِإْذ ُكنُتْم‬
‫ت َ‬
‫ي اّلِتي َأْنَعْم ُ‬
‫ل اْذُكُروْا ِنْعَمِت َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫وقال‪َ}:‬يا َبِني ِإ ْ‬
‫ل َفَكّثَرُكْم{ ]العراف‪ ،[ 86 :‬فذكر النعم من الذكر الذي أمروا به‪.‬‬
‫َقِلي ً‬
‫ب ِإْبَراِهيَم{ ]مريم‪َ} ،[41 :‬واْذُكْر ِفي اْلِكَتابِ‬
‫ومما أمروا به تذكرة قصص النبياء المتقدمين‪ ،‬كما قال‪َ} :‬واْذُكْر ِفي اْلِكَتا ِ‬
‫س{ ]مريم‪ ،[56 :‬وقال‪َ} :‬واْذُكرْ‬
‫ب ِإْدِري َ‬
‫ل{ ]مريم‪َ} ،[54 :‬واْذُكْر ِفي اْلِكَتا ِ‬
‫عي َ‬
‫سَما ِ‬
‫ب ِإ ْ‬
‫موسى{ ]مريم‪َ} ،[51 :‬واْذُكْر ِفي اْلِكَتا ِ‬
‫ب{ ]ص‪َ} ،[45 :‬واْذُكْر ِإْسَماِعيَل َواْلَيَسّع{ ]ص‪:‬‬
‫ق َوَيْعُقو َ‬
‫حَ‬
‫سَ‬
‫عَباَدَنا إْبَراِهيَم َوِإ ْ‬
‫لْيِد{ ]ص‪َ} ،[17 :‬واْذُكْر ِ‬
‫عْبَدَنا َداُووَد َذا ا َْ‬
‫َ‬

‫‪.[48‬‬

‫صٍة ِذْكَرى الّداِر{ ]ص‪.[46 :‬‬
‫خاِل َ‬
‫صَناُهم ِب َ‬
‫خَل ْ‬
‫ومما أمروا به تذكرة ما وعدوا به من الثواب والعقاب‪ .‬قال تعالى‪ِ} :‬إّنا َأ ْ‬
‫سْو َ‬
‫ف‬
‫ت َل َ‬
‫ن َأِئَذا َما ِم ّ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل ا ِْ‬
‫ل التي يستدلون بها على قدرته وعلى المعاد‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وَيُقو ُ‬
‫‪ /‬ومما أمروا بتذكره آيات ا ّ‬
‫ك َشْيًئا{ ]مريم‪.[67 ،66 :‬‬
‫ل َوَلْم َي ُ‬
‫خَلْقَناُه ِمن َقْب ُ‬
‫ن َأّنا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل َيْذُكُر ا ِْ‬
‫ج حَّيا َأَو َ‬
‫خَر ُ‬
‫ُأ ْ‬

‫ل{ ]إبراهيم‪ ،[ 5 :‬وهى تتناول أيام نعمه وأيام نقمه ليشكروا ويعتبروا‪.‬‬
‫وقد قال لموسى‪َ} :‬وَذّكْرُهْم ِبَأّياِم ا ّ‬
‫صّباٍر َشُكوٍر{ ]إبراهيم‪ .[ 5 :‬فإن ذكر النعم يدعو إلى الشكر‪ ،‬وذكر النقم يقتضى‬
‫ل َ‬
‫ت ّلُك ّ‬
‫ك لَيا ٍ‬
‫ن ِفي َذِل َ‬
‫ولهذا قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫الصبر على فعل المأمور وإن كرهته النفس‪ ،‬وعن المحظور وإن أحبته النفس؛ لئل يصيبه ما أصاب غيره من النقمة‪.‬‬
‫فصــل‬
‫ت ِفيَها َوَل َيْحَيى{ ]العلى‪ ،[13 - 11 :‬وقد ذكر في سورة‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫صَلى الّناَر اْلُكْبَرى ُثّم َ‬
‫شَقى اّلِذي َي ْ‬
‫لْ‬
‫جّنُبَها ا َْ‬
‫وقوله‪َ} :‬وَيَت َ‬
‫ب َوَتَوّلى{ ]الليل‪.[16 - 14 :‬‬
‫شَقى اّلِذي َكّذ َ‬
‫لْ‬
‫ل ا َْ‬
‫لَها ِإ ّ‬
‫صَ‬
‫ل َي ْ‬
‫ظى َ‬
‫الليل قوله‪َ} :‬فَأنَذْرُتُكْم َناًرا َتَل ّ‬
‫وهذا الصلي قد فسره النبي صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح ‪ /‬الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدرى قال‪:‬‬
‫ن نا ٌ‬
‫س‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم ل يموتون فيها ول يحيون‪ ،‬ولك ْ‬
‫ضَبائَر‬
‫ن بالشفاعة‪ ،‬فجىء بهم َ‬
‫أصابتهم النار بذنوبهم ـ أو قال‪ :‬بخطاياهم ـ فأماتهم إماتة‪ ،‬حتى إذا كانوا فحًما ُأِذ َ‬
‫سْيل(‪ .‬فقال‬
‫حِميل ال ّ‬
‫ضَبائَر َفُبّثوا على أنهار الجنة‪ ،‬ثم قيل‪ :‬يا أهل الجنة أفيضوا عليهم‪ .‬فينبتون نبات الحبة تكون في َ‬
‫َ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم قد كان بالبادية‪.‬‬
‫رجل من القوم‪ :‬كأن رسول ا ّ‬
‫وفي رواية ذكرها ابن أبي حاتم فقال‪ :‬ذكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث‪ ،‬ثنا أبي‪ ،‬ثنا سليمان التيمي‪ ،‬عن أبي‬
‫ت ِفيَها َوَل َيْحَيى{ ‪ ،‬فقال النبي‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫ل صلى ال عليه وسلم خطب‪ ،‬فأتى على هذه‪َ } :‬‬
‫نضرة‪ ،‬عن أبي سعيد‪ :‬أن رسول ا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪) :‬أما أهلها الذين هم أهلها‪ ،‬فل يموتون فيها ول يحيون‪ .‬وأما الذين ليسوا من أهل النار‪ ،‬فإن النار‬
‫شّفُعون‪ ،‬فيؤتى بهم إلى نهر يقال له‪ :‬الحياة‪ ،‬أو الحيوان‪ ،‬فينبتون كما ينبت‬
‫شَفُعون فيهم َفُي َ‬
‫تميتهم‪ ،‬ثم يقوم الشفعاُء َفَي ْ‬
‫سْيل(‪.‬‬
‫حِميل ال ّ‬
‫الُغَثاء في َ‬
‫فقد بين النبي صلى ال عليه وسلم أن هذا الصلي لهل النار الذين هم أهلها‪ ،‬وأن الذين ليسوا من أهلها فإنها تصيبهم‬
‫ل يميتهم فيها حتى يصيروا فحًما‪ ،‬ثم يشفع فيهم فيخرجون ويؤتى ‪ /‬بهم إلى نهر الحياة فينبتون كما‬
‫بذنوبهم‪ ،‬وأن ا ّ‬
‫تنبت الحبة في حميل السيل‪.‬‬
‫وهذا المعنى مستفيض عن النبي صلى ال عليه وسلم ـ بل متواتر ـ في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من‬
‫حديث أبي سعيد‪ ،‬وأبي هريرة‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫وفيها الرد على طائفتين‪ :‬على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون‪) :‬إن أهل التوحيد يخلدون فيها(‪ ،‬وهذه الية حجة‬
‫عليهم‪ ،‬وعلى من حكى عنه من غلة المرجئة‪) :‬أنه ل يدخل النار من أهل التوحيد أحد(‪.‬‬
‫فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخولها تكذيب لهؤلء وأولئك‪.‬‬
‫ل من أهل التوحيد أحًدا النار[ كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة‪،‬‬
‫خل ا ّ‬
‫وفيه رد على من يقول‪] :‬يجوز أل ُيْد ِ‬
‫ومرجئة أهل الكلم المنتسبين إلى السنة ـ وهم الواقفة من أصحاب أبي الحسن وغيرهم ـ كالقاضي أبي بكر وغيره‪.‬‬
‫فإن النصوص المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد وخروجهم‪.‬‬
‫ن حكى عن مقاتل بن‬
‫والقول بـ ]أن أحًدا ل يدخلها من أهل التوحيد[‪ ،‬ما أعلمه ثابًتا عن شخص معين فأحكيه عنه‪ ،‬لك ْ‬
‫سليمان‪ / ،‬وقال‪ :‬احتج من قال ذلك بهذه الية‪.‬‬
‫جيُبوا بجوابين‪:‬‬
‫وقد ُأ ِ‬

‫أحدهما‪ :‬جواب طائفة‪ ،‬منهم الزجاج‪ ،‬قالوا‪ :‬هذه نار مخصوصة‪.‬‬
‫ب تلك النار جاز أن يدخل‬
‫جّن َ‬
‫جّنُبَها الَْْتَقى{ ]الليل‪ ،[ 17 :‬ل يبقى فيه كبير وعد‪ ،‬فإنه إذا ُ‬
‫سُي َ‬
‫لكن قوله بعدها‪َ} :‬و َ‬
‫غيرها‪.‬‬
‫وجواب آخرين قالوا‪ :‬ل يصلونها صلى خلود‪ .‬وهذا أقرب‪.‬‬
‫وتحقيقه أن الصلي ـ هنا ـ هو الصلي المطلق‪ ،‬وهو المكث فيها‪ ،‬والخلود على وجه يصل العذاب إليهم دائًما‪.‬‬
‫فأمـا مـن دخـل وخـرج فـإنه نـوع مـن الصلي‪ ،‬ليس هو الصلي المطلق ل سيما إذا كان قد مـات فيها والنار لم تأكله‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫كله‪ ،‬فـإنه قـد ثبت أنها ل تأكـل مواضـع السجـود‪ .‬وا ّ‬
‫فصـل‬
‫ن َهَذا َلِفي‬
‫ل عليهما وعلى سائر المرسلين ـ في أمور‪ ،‬مثل قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ل ـ سبحانه ـ بين إبراهيم وموسى ـ صلى ا ّ‬
‫جمع ا ّ‬
‫ف ِإْبَراِهيَم َوُموَسى{ ]العلى‪.[19 ،18 :‬‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫لوَلى ُ‬
‫حفِ ا ُْ‬
‫صُ‬
‫ال ّ‬

‫ل؟ قال‪) :‬مائة كتاب وأربعة كتب؛ ثلثين صحيفة‬
‫ل‪ ،‬كم كتاًبا أنزل ا ّ‬
‫‪ /‬وفي حديث أبي ذر الطويل‪ ،‬قلت‪ :‬يارسول ا ّ‬
‫على شيث‪ ،‬وخمسين على إدريس‪ ،‬وعشر على إبراهيم‪ ،‬وعشر على موسى قبل التوراة‪ .‬وأنزل التوراة‪ ،‬والنجيل‪،‬‬
‫ح َمن‬
‫والزبور‪ ،‬والفرقان(‪ .‬وقال في الحديث‪ :‬فهل عندنا شيء مما في صحف إبراهيم؟ فقال‪] :‬نعم[ وقرأ قوله‪َ} :‬قْد َأْفَل َ‬
‫ف ِإْبَراِهيَم َوُموَسى{{‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫لوَلى ُ‬
‫ف ا ُْ‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫ن َهَذا َلِفي ال ّ‬
‫خْيٌر َوَأْبَقى ِإ ّ‬
‫خَرُة َ‬
‫لِ‬
‫حَياَة الّدْنَيا َوا ْ‬
‫ن اْل َ‬
‫ل ُتْؤِثُرو َ‬
‫صّلى َب ْ‬
‫سَم َرّبِه َف َ‬
‫َتَزّكى َوَذَكَر ا ْ‬
‫]العلى‪.[19 - 14 :‬‬
‫فإن التزكي هو التطهر والتبرك بترك السيئات الموجب زكاة النفس‪ ،‬كما قال‪َ} :‬قْد َأْفَلَح َمن َزّكاَها{ ]الشمس‪ ،[9 :‬ولهذا‬
‫تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة وتارة بالنظافة والماطة‪ .‬والتحقيق أن الزكاة تجمع بين المرين‪ :‬إزالة الشر‪،‬‬
‫وزيادة الخير‪ .‬وهذا هو العمل الصالح‪ ،‬وهو الحسان‪.‬‬
‫صّلى{{‬
‫سَم َرّبِه َف َ‬
‫ل‪ ،‬وعبادته وحده ل شريك له‪ ،‬الذي هو أصل اليمان‪ .‬وهو قوله‪َ} :‬وَذَكَر ا ْ‬
‫وذلك ل ينفع إل بالخلص ّ‬
‫ل بينها في القـرآن في مواضـع‪ ،‬مثل قوله في أول البقــرة‪ُ} :‬هًدى‬
‫فهذه الثلث‪ ،‬قد يقال‪ :‬تشبه الثلث التي يجمـع ا ّ‬
‫صلََة‬
‫ن{ ]البقرة‪ .[ 3 ،2 :‬ومثـل قولـه‪َ} / :‬فِإن َتاُبوْا َوَأَقاُموْا ال ّ‬
‫صلَة َوِمّما َرَزْقَناُهْم ُينِفُقو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ب َوُيِقيُمو َ‬
‫ن ِباْلَغْي ِ‬
‫ن ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ّلْلُمّتِقي َ‬
‫لَة َوآَتُوْا الّزَكاَة َفِإْخَواُنُكْم ِفي الّديِن{ ]التوبة‪.[11 :‬‬
‫صَ‬
‫سِبيَلُهْم{ ]التوبة‪َ} .[5 :‬فِإن َتاُبوْا َوَأَقاُموْا ال ّ‬
‫خّلوْا َ‬
‫َوآَتُوْا الّزَكاَة َف َ‬

‫صاِلًحا‪ {...‬الية ]البقرة‪ ،[62 :‬وقوله‪:‬‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫خِر َو َ‬
‫ل َواْلَيْوِم ال ِ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن آَم َ‬
‫وقد يقال‪ :‬تشبه الثنتين المذكورتين في قوله‪َ} :‬م ْ‬
‫}َوَمْن َأْحَسُن ِديًنا ّمّمْن َأْسَلَم َوْجَهُه ل َوُهَو ُمْحِسٌن{ ]النساء‪.[125 :‬‬
‫لكـن ـ هنا ـ التزكي في اليـة أعم مـن النفاق‪ ،‬فإنـه ترك السـيئات الذي أصلـه بترك الشرك‪.‬‬
‫عَلْيِهْم‬
‫ن الّزَكاَة{ ]فصلت‪ ،[7 ،6 :‬وقال‪َ} :‬يْتُلو َ‬
‫ل ُيْؤُتو َ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫ل ّلْلُم ْ‬
‫فأول التزكي التزكي من الشرك‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَوْي ٌ‬
‫آَياِتِه َوُيَزّكيِهْم{ ]آل عمران‪.[164 :‬‬
‫ن اّتَقى{ ]النجم‪ ،[32 :‬وقال‪َ} :‬أَلْم َتَر‬
‫عَلُم ِبَم ِ‬
‫سُكْم ُهَو َأ ْ‬
‫ل ُتَزّكوا َأنُف َ‬
‫والتزكي من الكبائر‪ ،‬الذي هو تمام التقوى‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ف َ‬
‫ل{ ]النساء‪ ،[ 49 :‬فعلم أن التزكية هو الخبار بالتقوى‪.‬‬
‫ن َفِتي ً‬
‫ظَلُمو َ‬
‫ل ُي ْ‬
‫شاء َو َ‬
‫ل ُيَزّكي َمن َي َ‬
‫لا ّ‬
‫سُهْم َب ِ‬
‫ن َأنُف َ‬
‫ن ُيَزّكو َ‬
‫ِإَلى اّلِذي َ‬

‫طّهُرُهْم َوُتَزّكيِهم ِبَها{ ]التوبة‪.[103 :‬‬
‫صَدَقًة ُت َ‬
‫ن َأْمَواِلِهمْ َ‬
‫خْذ ِم ْ‬
‫ومنه التزكي بالطهارة‪ ،‬وبالصدقة والحسان‪ ،‬كما قال‪ُ } :‬‬
‫ل‪ ،‬و]الصلة[‪ / :‬العمل‪ ،‬فقد يذكر اسم ربه من ل‬
‫صّلى{ ]العلى‪ ،[ 15 :‬قد يعنى به اليمان با ّ‬
‫سَم َرّبِه َف َ‬
‫و}َوَذَكَر ا ْ‬
‫يصلي‪.‬‬

‫ل أعلم ـ قدم التزكي في هذه الية‪.‬‬
‫ومن الفقهاء من يقول‪ :‬هو ذكر اسمه في أول الصلة؛ ولهذا ـ وا ّ‬
‫وكان طائفة من السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلة العيد يتأولون بهذه الية‪ .‬وكان بعض السلف ـ أظنه يزيد بن‬
‫أبي حبيب ـ ]هو أبو رجاء يزيد بن سويد الزدي بالولء المصري‪ ،‬مفتي أهل مصر في صدر السلم‪ ،‬وأول من‬
‫أظهر علوم الدين والفقه بها‪ ،‬قال الليث‪ :‬يزيد عالمنا وسيدنا‪ ،‬كان نوبًيا أسود‪ ،‬أصله من دنقلة‪ ،‬وفي ولدته للزد‬
‫ظا للحديث‪ ،‬توفي سنة ‪ 821‬هـ[ يستحب أن يتصدق أمام كل صلة؛ لهذا المعنى‪.‬‬
‫ونسبته إليهم أقوال‪ ،‬وكان حجة حاف ً‬
‫حْر{ ]الكوثر‪ ،[ 2 :‬وقدم التزكي على الصلة في قوله‪َ}:‬قْد‬
‫ك َواْن َ‬
‫ل ِلَرّب َ‬
‫صّ‬
‫ولما قدم ال الصلة على النحر في قوله‪َ} :‬ف َ‬
‫صّلى{ ]العلى‪ [ 15 ،14 :‬كانت السنة أن الصدقة قبل الصلة في عيد الفطر‪ ،‬وأن الذبح‬
‫سَم َرّبِه َف َ‬
‫ح َمن َتَزّكى َوَذَكَر ا ْ‬
‫َأْفَل َ‬

‫بعد الصلة في عيد النحر‪.‬‬
‫ن‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫ب َ‬
‫صَياُم َكَما ُكِت َ‬
‫عَلْيُكُم ال ّ‬
‫ب َ‬
‫ل يقول }ُكِت َ‬
‫ل أعلم ـ أن يكون الصوم من التزكي المذكور في الية‪ .‬فإن ا ّ‬
‫ويشبه ـ وا ّ‬
‫ِمن َقْبِلُكْم َلَعّلُكْم َتّتُقوَن{ ]البقرة‪ .[ 183 :‬فمقصود الصوم التقوى‪ ،‬وهو من معنى التزكي‪.‬‬

‫ل صلى ال عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة‬
‫وفي حديث ابن عباس‪) :‬فرض رسول ا ّ‬
‫ك متقدم على صلة العيد‪.‬‬
‫للمساكين (‪ / .‬فالصدقة من تمام طهرة الصوم‪ .‬وكلهما تز ٍ‬
‫حَياَة الّدْنَيا‬
‫ن اْل َ‬
‫ل ُتْؤِثُرو َ‬
‫ل به من اليمان والعمل الصالح‪ .‬وفي قوله‪َ} :‬ب ْ‬
‫فجمعت هاتان الكلمتان الترغيب فيما أمر ا ّ‬
‫َواْلِخَرُة َخْيٌر َوَأْبَقى{ ‪ ،‬اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫حا‬
‫صاِل ً‬
‫ل َ‬
‫عِم َ‬
‫خِر َو َ‬
‫ل َواْلَيْوِم ال ِ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن آَم َ‬
‫ن َم ْ‬
‫صاِبِئي َ‬
‫صاَرى َوال ّ‬
‫ن َهاُدوْا َوالّن َ‬
‫ن آَمُنوْا َواّلِذي َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وهذه الصول المذكورة في قوله‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ف َعَلْيِهْم َوَل ُهْم َيْحَزُنوَن{ ]البقرة‪.[62 :‬‬
‫خْو ٌ‬
‫ل َ‬
‫عنَد َرّبِهْم َو َ‬
‫جُرُهْم ِ‬
‫َفَلُهْم َأ ْ‬
‫عنَدُه‬
‫ل َوَأْكَدى َأ ِ‬
‫طى َقِلي ً‬
‫عَ‬
‫ت اّلِذي َتَوّلى َوَأ ْ‬
‫ضا ـ‪َ} :‬أَفَرَأْي َ‬
‫ف ِإْبَراِهيَم َوُموَسى{ ‪ ،‬وقال ـ أي ً‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫لوَلى ُ‬
‫ف ا ُْ‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫ن َهَذا َلِفي ال ّ‬
‫وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫سَعى‬
‫ل َما َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫سا ِ‬
‫لن َ‬
‫س ِل ِْ‬
‫خَرى َوَأن ّلْي َ‬
‫ل َتِزُر َواِزَرٌة ِوْزَر ُأ ْ‬
‫سى َوِإْبَراِهيَم اّلِذي َوفي َأ ّ‬
‫ف ُمو َ‬
‫ح ِ‬
‫صُ‬
‫ب َفُهَو َيَرى َأْم َلْم ُيَنّبْأ ِبَما ِفي ُ‬
‫عْلُم اْلَغْي ِ‬
‫ِ‬
‫ف ُيَرى ُثّم ُيْجَزاُه اْلَجَزاء اَْلْوفي { ]النجم‪ 33 :‬ـ ‪.[41‬‬
‫سْو َ‬
‫سْعَيُه َ‬
‫ن َ‬
‫َوَأ ّ‬
‫ن ِمنَ‬
‫حِنيًفا َوَما َكا َ‬
‫ن اّتِبْع ِمّلَة ِإْبَراِهيَم َ‬
‫ك َأ ِ‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ل تعالى‪ُ} :‬ثّم َأْو َ‬
‫ضا‪ ،‬فإن إبراهيم صاحب الملة وإمام المة‪ .‬قال ا ّ‬
‫وأي ً‬
‫ن ِديًنا‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫سُه{ ]البقرة‪ ،[130 :‬وقال‪َ} :‬وَم ْ‬
‫سِفَه َنْف َ‬
‫ل َمن َ‬
‫عن ّمّلِة ِإْبَراِهيَم ِإ ّ‬
‫ب َ‬
‫غ ُ‬
‫ن{ ]النحل‪ ،[123 :‬وقال‪َ} :‬وَمن َيْر َ‬
‫شِرِكي َ‬
‫اْلُم ْ‬
‫ل َحِنيًفا{ ]النحل‪:‬‬
‫ن ُأّمًة َقاِنًتا ِّ‬
‫ن ِإْبَراِهيَم َكا َ‬
‫حِنيًفا{ ]النساء‪ [125 :‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن واّتَبَع ِمّلَة ِإْبَراِهيَم َ‬
‫سٌ‬
‫حِ‬
‫جَهُه ل َوُهَو ُم ْ‬
‫سَلَم َو ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ّمّم ْ‬
‫س ِإَماًما{ ]البقرة‪.[124 :‬‬
‫ك ِللّنا ِ‬
‫عُل َ‬
‫جا ِ‬
‫‪ ،[120‬وقال‪ِ} :‬إّني َ‬

‫وموسى صاحب الكتاب والكلم والشريعة‪ ،‬الذي لم ُيَنّزل من السماء كتاب أهدى منه ومن القرآن‪.‬‬
‫ك{{‬
‫ب َأنَزْلَناُه ُمَباَر ٌ‬
‫سى ُنوًرا{ إلى قوله‪َ} :‬وَهـَذا ِكَتا ٌ‬
‫جاء ِبِه ُمو َ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫ل اْلِكَتا َ‬
‫ن َأنَز َ‬
‫ل َم ْ‬
‫ولهذا قرن بينهما في مواضع‪ ،‬كقوله‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ل ُهَو َأْهَدى ِمْنُهَما{ ]القصص‪،48 :‬‬
‫عنِد ا ِّ‬
‫ن ِ‬
‫ب ّم ْ‬
‫ل َفْأُتوا ِبِكَتا ٍ‬
‫ن{ إلى قوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫حَرا ِ‬
‫سْ‬
‫]النعام‪ ،[ 92 ،91 :‬وقوله‪َ}:‬قاُلوا ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ن‬
‫ل َأَرَأْيُتْم ِإن َكا َ‬
‫ن َيَدْيِه{ ]الحقاف‪ ،[30 :‬وقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫صّدًقا ّلَما َبْي َ‬
‫سى ُم َ‬
‫ل ِمن َبْعِد ُمو َ‬
‫سِمْعَنا ِكَتاًبا ُأنِز َ‬
‫‪ ،[49‬وقول الجن‪ِ} :‬إّنا َ‬
‫ل َوَكَفْرُتم ِبِه َوَشِهَد َشاِهٌد ّمن َبِني ِإْسَراِئيَل َعَلى ِمْثِلِه{ ]الحقاف‪ ،[ 10:‬وقول النجاشي‪] :‬إن هذا والذي جاء به موسى‬
‫عنِد ا ِّ‬
‫ِ‬
‫ليخرج من مشكاة واحدة[‪.‬‬
‫ل{ ]النساء‪،[125 :‬‬
‫خِلي ً‬
‫ل ِإْبَراِهيَم َ‬
‫خَذ ا ّ‬
‫سى َتْكِليًما{ ]النساء‪ ،[164 :‬وفي إبراهيم‪َ} :‬واّت َ‬
‫ل ُمو َ‬
‫وقيل في موسى‪َ}:‬وَكّلَم ا ّ‬
‫ل وحده‪ ،‬والعبادة غاية الحب والذل‪ .‬وموسى صاحب الكتاب والكلم‪.‬‬
‫وأصل الخلة عبادة ا ّ‬
‫خّلة إبراهيم وتكليم موسى‪.‬‬
‫ولهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة ُ‬
‫ولما نبغت البدع الشركية في هذه المة أنكر ذلك الجعد بن درهم ‪ /‬فقتله المسلمون لما ضحى به أمير العراق خالد بن‬
‫ل لم يتخذ إبراهيم خليل ولم‬
‫ح بالجعد بن درهم‪ ،‬إنه زعم أن ا ّ‬
‫ل ضحاياكم ـ فإنى مض ّ‬
‫ل وقال‪) :‬ضحوا ـ تقبل ا ّ‬
‫عبد ا ّ‬
‫يكلم موسى تكليًما(‪ .‬ثم نزل فذبحه‪.‬‬

‫ل نبيه صلى ال عليه وسلم بعثه إلى أهل الرض‪ ،‬وهم في الصل صنفان‪ :‬أميون وكتابيون‪ ،‬والميون‬
‫ولما بعث ا ّ‬
‫خّزان بيته‪ ،‬وعلى بقايا من شعائره‪ .‬والكتابيون أصلهم كتاب موسى‪ ،‬وكل‬
‫كانوا ينتسبون إلى إبراهيم‪ ،‬فإنهم ذريته‪ ،‬و ُ‬
‫الطائفتين قد بدلت وغيرت‪ ،‬فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها‪ ،‬وجاء بالكتاب المهيمن‪ ،‬المصدق لما بين يديه‪ ،‬المبين‬
‫لما اختلف فيه وما حرف وكتم من الكتاب الول‪.‬‬
‫فصـل‬
‫ل‪.‬‬
‫ل‪ ،‬وعبادته وحده ل شريك له‪ ،‬ومخاصمة من كفر با ّ‬
‫وإبراهيم وموسى قاما بأصل الدين‪ ،‬الذي هو القرار با ّ‬
‫ل َأَنا‬
‫ت َقا َ‬
‫حِيـي َوُيِمي ُ‬
‫ي اّلِذي ُي ْ‬
‫ل ِإْبَراِهيُم َرّب َ‬
‫ك ِإْذ َقا َ‬
‫ل اْلُمْل َ‬
‫ن آَتاُه ا ّ‬
‫ج ِإْبَراِهيَم ِفي ِرّبِه َأ ْ‬
‫حآ ّ‬
‫ل فيه‪َ} :‬أَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫فأما إبراهيم فقال ا ّ‬
‫ظاِلِميَن{{‬
‫ل َيْهِدي اْلقَْوَم ال ّ‬
‫ل َ‬
‫ت اّلِذي َكَفَر َوا ّ‬
‫ب َفُبِه َ‬
‫ن اْلَمْغِر ِ‬
‫ت ِبَها ِم َ‬
‫ق َفْأ ِ‬
‫شِر ِ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫س ِم َ‬
‫شْم ِ‬
‫ل َيْأِتي ِبال ّ‬
‫نا ّ‬
‫ل ِإْبَراِهيُم َفِإ ّ‬
‫ت َقا َ‬
‫حِيـي َوُأِمي ُ‬
‫ُأ ْ‬

‫]البقرة‪.[258 :‬‬
‫ل بأخذ أربعة من الطير‪.‬‬
‫ل عنه أنه طلب منه إرادة إحياء الموتى‪ ،‬فأمره ا ّ‬
‫وذكر ا ّ‬
‫ل واليوم الخر‪.‬‬
‫فقرر أمر الخلق والبعث‪ ،‬المبدأ والمعاد‪ ،‬اليمان با ّ‬
‫وهما اللذان يكفر بهما ـ أو بأحدهما ـ كفار الصابئة والمشركين من الفلسفة ونحوهم الذين بعث الخليل إلى نوعهم‪.‬‬
‫عّلة‪ ،‬وأكثرهم ينكرون‬
‫فإن منهم من ينكر وجود الصانع؛ وفيهم من ينكر صفاته‪ ،‬وفيهم من ينكر خلقه ويقول‪ :‬إنه ِ‬
‫إحياء الموتى‪ .‬وهم مشركون يعبدون الكواكب العلوية والصنام السفلية‪.‬‬
‫ل عليه ـ رد هذا جميعه‪ .‬فقرر ربوبية ربه كما في هذه الية‪ .‬وقرر الخلص له ونفي الشرك كما‬
‫والخليل ـ صلوات ا ّ‬
‫في سورة النعام وغيرها‪ .‬وقرر البعث بعد الموت‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ل له خلي ً‬
‫ل له‪ ،‬باتخاذ ا ّ‬
‫ل‪ ،‬ومحبة ا ّ‬
‫واستقر في ملته محبته ّ‬
‫ل ُيْغِني‬
‫صُر َو َ‬
‫سَمُع َولَ ُيْب ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ت ِلَم َتْعُبُد َما َ‬
‫‪ /‬ثم إنه ناظر المشركين بعبادة من ل يوصف بصفات الكمال‪ .‬فقال لبيه‪َ} :‬يا َأَب ِ‬
‫ن َأْو‬
‫عو َ‬
‫سَمُعوَنُكْم ِإْذ َتْد ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َه ْ‬
‫ن َقا َ‬
‫عاِكِفي َ‬
‫ل َلَها َ‬
‫ظّ‬
‫صَناًما َفَن َ‬
‫ن َقاُلوا َنْعُبُد َأ ْ‬
‫شْيًئا{ ]مريم‪ .[ 24 :‬وقال لبيه وقومه‪َ} :‬ما َتْعُبُدو َ‬
‫ك َ‬
‫عن َ‬
‫َ‬
‫ض ُ‬
‫ت‬
‫ن َوِإَذا َمِر ْ‬
‫سِقي ِ‬
‫طِعُمِني َوَي ْ‬
‫ن َواّلِذي ُهَو ُي ْ‬
‫خَلَقِني َفُهَو َيْهِدي ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫ل َر ّ‬
‫عُدّو ّلي ِإ ّ‬
‫ن{ إلى قوله‪َ}:‬فِإّنُهْم َ‬
‫ضّرو َ‬
‫َينَفُعوَنُكْم َأْو َي ُ‬
‫َفُهَو َيْشِفيِن َواّلِذي ُيِميُتِني ُثّم ُيْحِييِن{ ]الشعراء‪ ،[81 - 70 :‬إلى آخر الكلم‪.‬‬
‫ن{ ]النعام‪ ،[79 :‬وقال‪ِ} :‬إّنِني َبَراء ّمّما‬
‫ن اْلُمشِْرِكي َ‬
‫حِنيًفا َوَما َأَنْا ِم َ‬
‫ض َ‬
‫لْر َ‬
‫ت َوا َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫طَر ال ّ‬
‫ي ِلّلِذي َف َ‬
‫جِه َ‬
‫ت َو ْ‬
‫جْه ُ‬
‫وقال‪ِ}:‬إّني َو ّ‬
‫طَرِني َفِإّنُه َسَيْهِديِن َوَجَعَلَها َكِلَمًة َباِقَيًة ِفي َعِقِبِه َلَعّلُهْم َيْرِجُعوَن{ ]الزخرف‪.[28 - 26 :‬‬
‫ل اّلِذي َف َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫َتْعُبُدو َ‬

‫ل‪ ،‬والرد‬
‫ل وحده ل شريك له‪.‬وهو السلم العام‪ ،‬والقرار بصفات الكمال ّ‬
‫فإبراهيم دعا إلى الفطرة‪.‬وهو عبادة ا ّ‬
‫على من عبد من سلبها‪.‬‬
‫يٍء َفي‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َ‬
‫عَلى ا ّ‬
‫خفي َ‬
‫ن َوَما َي ْ‬
‫خِفي َوَما ُنْعِل ُ‬
‫ك َتْعَلُم َما ُن ْ‬
‫فلما عابهم بعبادة من ل علم له ول يسمع ول يبصر قال‪َ} :‬رّبَنا ِإّن َ‬
‫ق ِإنّ َرّبي َلَسِميُع الّدَعاء{ ]إبراهيم‪.[39 ،38 :‬‬
‫حَ‬
‫سَ‬
‫ل َوِإ ْ‬
‫عي َ‬
‫سَما ِ‬
‫عَلى اْلِكَبِر ِإ ْ‬
‫ب ِلي َ‬
‫ل اّلِذي َوَه َ‬
‫حْمُد ِّ‬
‫سَماء اْل َ‬
‫ل ِفي ال ّ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر ِ‬
‫اَ‬
‫ن َوِإَذا‬
‫سِقي ِ‬
‫طِعُمِني َوَي ْ‬
‫ن َواّلِذي ُهَو ُي ْ‬
‫خَلقَِني َفُهَو َيْهِدي ِ‬
‫‪ /‬ولما عابهم بعبادة من ل يغنى شيًئا فل ينفع ول يضر قال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫طيَئِتي َيْوَم الّديِن{ ]الشعراء‪.[82 - 78 :‬‬
‫خِ‬
‫طَمُع َأن َيْغِفَر ِلي َ‬
‫ن َواّلِذي َأ ْ‬
‫حِيي ِ‬
‫ن َواّلِذي ُيِميُتِني ُثّم ُي ْ‬
‫شِفي ِ‬
‫ت َفُهَو َي ْ‬
‫ض ُ‬
‫َمِر ْ‬

‫فإن النسان يحتاج إلى جلب المنفعة لقلبه وجسمه‪ ،‬ودفع المضرة عن ذلك‪ .‬وهو أمر الدين والدنيا‪.‬‬
‫فمنفعة الدين الهدى‪ ،‬ومضرته الذنوب‪ ،‬ودفع المضرة المغفرة؛ ولهذا جمع بين التوحيد والستغفار في مواضع‬
‫متعددة‪.‬‬

‫ومنفعة الجسد الطعام والشراب‪ ،‬ومضرته المرض‪ ،‬ودفع المضرة الشفاء‪.‬‬
‫وأخبر أن ربه يحيى ويميت‪ ،‬وأنه فطر السموات والرض‪ ،‬وإحياؤه فوق كماله بأنه حى‪.‬‬
‫وأنه فطر السموات والرض‪ ،‬يقتضي إمساكها وقيامها الذي هو فوق كماله بأنه قائم بنفسه‪ ،‬حيث قال عن النجوم‪} :‬ل‬
‫ب الِفِليَن{ ]النعام‪.[76 :‬‬
‫ح ّ‬
‫ُأ ِ‬

‫ل من‬
‫فإن الفل هو الذي يغيب تارة ويظهر تارة‪ ،‬فليس هو قائًما على ‪ /‬عبده في كل وقت‪ .‬والذين يعبدون ما سوى ا ّ‬
‫الكواكب ونحوها ويتخذونها أوثاًنا يكونون في وقت البزوغ طالبين سائلين‪ ،‬وفي وقت الفول ل يحصل مقصودهم‬
‫ول مرادهم‪ ،‬فل يجتلبون منفعة ول يدفعون مضرة‪ ،‬ول ينتفعون إذ ذاك بعبادة‪.‬‬
‫ل من النقص‪ ،‬وَبّين ما لربه فاطر السموات والرض من الكمال بأنه الخالق‪،‬‬
‫َفَبّين ما في اللهة التي تعبد من دون ا ّ‬
‫الفاطر‪ ،‬العليم‪ ،‬السميع‪ ،‬البصير‪ ،‬الهادى‪ ،‬الرازق‪ ،‬المحيى‪ ،‬المميت‪.‬‬
‫ك َأن َ‬
‫ت‬
‫حْكَمَة َوُيَزّكيِهْم ِإّن َ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ك َوُيَعّلُمُهُم اْلِكَتا َ‬
‫عَلْيِهْم آَياِت َ‬
‫وسمى ربه بالسماء الحسنى الدالة على نعوت كماله‪ ،‬فقال‪َ} :‬يْتُلو َ‬
‫ك َغُفوٌر ّرِحيٌم{ ]إبراهيم‪ ،[36 :‬وقال‪:‬‬
‫صاِني َفِإّن َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫حِكيُم{ ]البقرة‪.[ 129 :‬وقال‪َ} :‬فَمن َتِبَعِني َفِإّنُه ِمّني َوَم ْ‬
‫الَعِزيُز ال َ‬
‫حِفّيا{ ]مريم‪ ،[ 47 :‬فوصف ربه بالحكمة والرحمة المناسب لمعنى الخلة‪ ،‬كما قال‪ِ} :‬إّنُه‬
‫ن ِبي َ‬
‫ك َرّبي ِإّنُه َكا َ‬
‫سَتْغِفُر َل َ‬
‫سَأ ْ‬
‫}َ‬
‫َكاَن ِبي َحِفّيا{‪.‬‬
‫عَلى{ ]النازعات‪ ،[24 :‬و }َما‬
‫لْ‬
‫وموسى ـ عليه السلم ـ خاصم فرعون الذي جحد الربوبية والرسالة وقال‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم ا َْ‬
‫ت َلُكم ّمْن ِإَلٍه َغْيِري{ ]القصص‪ ،[ 38 :‬وقصته في القرآن مثناة مبسوطة ل يحتاج هذا الموضع إلى بسطها‪.‬‬
‫عِلْم ُ‬
‫َ‬

‫ل ونفي الشرك‪.‬‬
‫ضا ـ أمر الربوبية وصفات الكمال ّ‬
‫وقرر ـ أي ً‬
‫جلً‬
‫عْ‬
‫حِلّيِهْم ِ‬
‫ن ُ‬
‫سى ِمن َبْعِدِه ِم ْ‬
‫خَذ َقْوُم ُمو َ‬
‫ل لهم صفات النقص التي تنافي اللوهية فقال‪َ} :‬واّت َ‬
‫‪ /‬ولما اتخذ قومه العجل َبّين ا ّ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[148 :‬وقال‪َ}:‬فَقاُلوا َهَذا ِإَلُهُكْم َوِإَلُه‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫خُذوُه َوَكاُنوْا َ‬
‫ل اّت َ‬
‫سِبي ً‬
‫ل َيْهِديِهْم َ‬
‫ل ُيَكّلُمُهْم َو َ‬
‫خَواٌر َأَلْم َيَرْوْا َأّنُه َ‬
‫سًدا ّلُه ُ‬
‫جَ‬
‫َ‬
‫ن َرّبُكُم‬
‫ل َيا َقْوِم ِإّنَما ُفِتنُتم ِبِه َوِإ ّ‬
‫ن ِمن َقْب ُ‬
‫ل َلُهْم َهاُرو ُ‬
‫ل َنْفًعا َوَلَقْد َقا َ‬
‫ضّرا َو َ‬
‫ك َلُهْم َ‬
‫ل َيْمِل ُ‬
‫ل َو َ‬
‫جُع ِإَلْيِهْم َقْو ً‬
‫ل َيْر ِ‬
‫ن َأ ّ‬
‫ل َيَرْو َ‬
‫ي َأَف َ‬
‫سَ‬
‫سى فََن ِ‬
‫ُمو َ‬
‫الّرْحَمُن{ ]طه‪.[90 - 88 :‬‬

‫فوصفه بأنه وإن كان قد صوت صوتا هو خوار فإنه ل يكلمهم‪ ،‬ول يرجع إليهم قول‪ ،‬وأنه ل يهديهم سبيل‪ ،‬ول يملك‬
‫لهم ضًرا ول نفًعا‪.‬‬
‫شْيًئا َوُهْم‬
‫ق َ‬
‫خُل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َما َ‬
‫شِرُكو َ‬
‫صا ـ فقال‪َ} :‬أُي ْ‬
‫ل ـ سبحانه ـ على لسان محمد في الشرك ـ عموًما وخصو ً‬
‫وكذلك ذكر ا ّ‬
‫صاِمُتونَ‬
‫عْوُتُموُهْم َأْم َأنُتْم َ‬
‫عَلْيُكْم َأَد َ‬
‫سَواء َ‬
‫ل َيّتِبُعوُكْم َ‬
‫عوُهْم ِإَلى اْلُهَدى َ‬
‫ن َوِإن َتْد ُ‬
‫صُرو َ‬
‫سُهْم َين ُ‬
‫ل َأنُف َ‬
‫صًرا َو َ‬
‫ن َلُهْم َن ْ‬
‫طيُعو َ‬
‫سَت ِ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َو َ‬
‫خَلُقو َ‬
‫ُي ْ‬
‫ن ِبَها َأْم‬
‫شو َ‬
‫طُ‬
‫ن ِبَها َأْم َلُهْم َأْيٍد َيْب ِ‬
‫شو َ‬
‫ل َيْم ُ‬
‫جٌ‬
‫ن َأَلُهْم َأْر ُ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫جيُبوْا َلُكْم ِإن ُكنُتْم َ‬
‫سَت ِ‬
‫عوُهْم َفْلَي ْ‬
‫عَباٌد َأْمَثاُلُكْم َفاْد ُ‬
‫ل ِ‬
‫نا ّ‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫ن اّلِذينَ َتْد ُ‬
‫ِإ ّ‬
‫ظُروِن{ ]العراف‪.[195 - 191 :‬‬
‫ل ُتن ِ‬
‫ن َف َ‬
‫شَرَكاءُكْم ُثّم ِكيُدو ِ‬
‫عوْا ُ‬
‫ل اْد ُ‬
‫ن ِبَها ُق ِ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ن ِبَها َأْم َلُهْم آَذا ٌ‬
‫صُرو َ‬
‫ن ُيْب ِ‬
‫عُي ٌ‬
‫َلُهْم َأ ْ‬

‫‪ /‬واستفهم ـ استفهام إنكار وجحود ـ لطرق الدراك التام وهو السمع والبصر‪ .‬والعمل التام وهو اليد والرجل‪ ،‬كما أنه‬
‫ـ سبحانه ـ لما أخبر فيما روى عنه رسوله عن أحبابه المتقربين إليه بالنوافل فقال‪) :‬ول يزال عبدى يتقرب إل ّ‬
‫ي‬
‫بالنوافل حتى أحبه‪ .‬فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره الذي يبصر به‪ ،‬ويده التي يبطش بها‪ ،‬ورجله التي‬
‫يمشى بها(‪.‬‬
‫فصـل‬
‫ل وسلمه عليهم أجمعين ـ يثبتون ما أثبتوه من‬
‫وأهل السنة والجماعة المتبعون لبراهيم وموسى ومحمد ـ صلوات ا ّ‬
‫ل‪ ،‬ومحبته‪ ،‬ورحمته‪ ،‬وسائر ما له من السماء الحسنى والمثل العلى‪.‬‬
‫تكليم ا ّ‬

‫ب{ ]ص‪ ،[34 :‬وقال‪:‬‬
‫سًدا ُثّم َأَنا َ‬
‫جَ‬
‫سّيِه َ‬
‫عَلى ُكْر ِ‬
‫ل قال‪َ} :‬وَأْلَقْيَنا َ‬
‫وينزهونه عن مشابهة الجساد التي ل حياة فيها‪ ،‬فإن ا ّ‬
‫ل َجَسًدا َلُه ُخَواٌر{ ]طه‪ ،[88 :‬فوصف الجسد بعدم الحياة‪،‬‬
‫جً‬
‫عْ‬
‫طَعاَم{ ]النبياء‪ .[ 8 :‬وقال‪ِ } :‬‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َيْأُكُلو َ‬
‫سًدا ّ‬
‫جَ‬
‫جَعْلَناُهْم َ‬
‫}َوَما َ‬
‫فإن الموتان ل يسمع‪ ،‬ول يبصر‪ ،‬ول ينطق‪ ،‬ول يغني شيًئا‪.‬‬
‫وأما أهل البدع والضللة ـ من الجهمية ونحوهم ـ فإنهم سلكوا ‪ /‬سبيل أعداء إبراهيم وموسى ومحمد‪ ،‬الذين أنكروا أن‬
‫ل محمًدا‪ ،‬واتخذه خليل كما اتخذ إبراهيم خليل‪ ،‬ورفعه‬
‫ل كلم موسى تكليما واتخذ إبراهيم خليل‪ .‬وقد كلم ا ّ‬
‫يكون ا ّ‬
‫فوق ذلك درجات‪.‬‬
‫ظّنُه َكاِذًبا{{‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫ن ِلي َ‬
‫ن اْب ِ‬
‫وتابعوا فرعون الذي قال‪َ} :‬يا َهاَما ُ‬
‫]غافر‪ ،[37 ،36 :‬وتابعوا المشركين الذين }َوِإَذا ِقيَل َلُهُم اْسُجُدوا ِللّرْحمَِن َقاُلوا َوَما الّرْحَمُن َأَنْسُجُد ِلَما َتْأُمُرَنا{ ]الفرقان‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ ،[ 60‬واتبعوا الذين ألحدوا في أسماء ا ّ‬
‫فهم يجحدون حقيقة كونه الرحمن‪ ،‬أو أنه يرحم‪ ،‬أو يكلم‪ ،‬أو يود عباده أو يودونه‪ ،‬أو أنه فوق السموات‪ .‬ويزعمون أن‬
‫ل بخلقه‪.‬‬
‫من أثبت له هذه الصفات فقد شبهه بالجسام الحسية‪ ،‬وهى الحيوان كالنسان وأن هذا تشبيه ّ‬
‫فهم قد شبهوه بالجساد الميتة فيما هو نقص وعيب‪ ،‬وتشبيه دلت الكتب اللهية والفطرة العقلية أنه عيب ونقص‪ ،‬بل‬
‫يقتضي عدمه‪.‬‬
‫وأما أهل الثبات‪،‬فلو فرض أن فيما قالوه تشبيها ما‪،‬فليس هو تشبيها بمنقوص معيب‪ ،‬ول هو في صفة نقص أو‬
‫عيب‪،‬بل في غاية ما يعلم أنه الكمال‪،‬وإن لصاحبه الجلل والكرام‪.‬‬
‫‪ /‬فصار أهـل السنة يصفونه بالوجود وكمال الوجود‪ ،‬وأولئك يصفونه بعدم كمال الوجود‪ ،‬أو بعـدم الوجود بالكليـة‪.‬‬
‫فهم ممثلـة معطلـة؛ ممثلة في العقـل والشـرع‪ ،‬معطلـة في العقل والشرع‪.‬‬
‫أما في العقل؛ فلنهم مثلوه بالعدم والجساد الموتان‪.‬‬
‫وأما في الشرع‪ ،‬فإنهم مثلوا ما جاءت به الرسل من صفاته بنفس صفات المخلوقات ـ وإن كان هذا التمثيل الذي‬
‫ل من تمثيلهم الذي ادعوه‪.‬‬
‫ادعوا أنه معنى النصوص أقل تـمثي ً‬
‫وأما تعطيلهم في العقل‪ ،‬فإنه تعطيل للصفات؛ تعطيل مستلزم لعدم الذات؛ ولهذا ألجئ كثير منهم إلى نفي الذات‬
‫بالكلية‪ ،‬وصاروا على طريقة فرعون؛ ل يقرون إل بوجود المخلوقات‪ ،‬وإن كانوا قد ينافقون فيقرون بألفاظ ل معنى‬
‫لها‪ ،‬أو بعبادات ل معبود لها‪.‬‬
‫ل مـن المعانى وحرفوا الكلم عـن مواضعه‪ ،‬أو قالوا‪ :‬نحن‬
‫وأمـا تعطيلهم للشـرع‪ ،‬فـإنهم جحدوا مـا في كتب ا ّ‬
‫كالميين ل نعلم الكتاب إل أمانى‪ ،‬أو‪ :‬قلوبنا غلف‪.‬‬
‫عوَنا ِإَلْيِه َوِفي آَذاِنَنا َوْقٌر َوِمن‬
‫وقالوا ـ ِلما جاء به الرسول من الكتاب والسنة ـ نظير ما قالته الكفار‪ُ} / :‬قُلوُبَنا ِفي َأِكّنٍة ّمّما َتْد ُ‬
‫ب َما َنْفَقُه َكِثيًرا ّمّما َتُقوُل{ ]هود‪.[91 :‬‬
‫شَعْي ُ‬
‫ب{ ]فصلت‪ [5 :‬و}َقاُلوْا َيا ُ‬
‫جا ٌ‬
‫حَ‬
‫ك ِ‬
‫َبْيِنَنا َوَبْيِن َ‬

‫وهكذا قال هؤلء‪ :‬ل نفقه كثيًرا مما يقول الرسول‪ ،‬وقالوا كما قال الذين يستمعون للرسول‪ ،‬فإذا خرجوا من عنده‬
‫}َقاُلوا ِلّلِذيَن ُأوُتوا اْلِعْلَم َماَذا َقاَل آِنًفا{ ]محمد‪.[16 :‬‬
‫عَلى ُقُلوِبِهْم َأِكّنةً‬
‫جَعْلَنا َ‬
‫سُتوًرا َو َ‬
‫جاًبا ّم ْ‬
‫حَ‬
‫خَرِة ِ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ل ُيْؤِمُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ك َوَبْي َ‬
‫جَعْلَنا َبْيَن َ‬
‫ن َ‬
‫ت اْلُقرآ َ‬
‫وصاروا كالذين قيل فيهم‪َ} :‬وِإَذا َقَرْأ َ‬
‫ك ِفي اْلُقْرآِن َوْحَدُه َوّلْوْا َعَلى َأْدَباِرِهْم ُنُفوًرا{ ]السراء‪.[46 ،45 :‬‬
‫ت َرّب َ‬
‫َأن َيْفَقُهوُه َوِفي آَذاِنِهْم َوْقًرا َوِإَذا َذَكْر َ‬

‫ل وعن تدبر‬
‫ل عن أعداء الرسل‪ ،‬من نفي فقههم وتكذيبهم‪ ،‬تجد بعض ذلك فيمن أعرض عن ذكر ا ّ‬
‫فتدبر ما ذكره ا ّ‬
‫طا مستقيًما‪.‬‬
‫ل يهدينا صرا ً‬
‫كتابه‪ ،‬واتبع ما تتلوه الشياطين وما توحيه إلى أوليائها‪ ،‬وا ّ‬

‫ولهذا كانت هذه الجهمية المعطلة المشابهون للكفار والمشركين من الصابئة وغيرهم‪ ،‬الجاحدة لوجود الصانع أو‬
‫صفاته‪ ،‬ترمى أهل العلم واليمان والكتاب والسنة‪ ،‬تارة بأنهم يشبهون اليهود؛ لما في التوراة ‪ /‬وكتب النبياء من‬
‫ل‪ ،‬وتارة بأنهم يشبهون النصارى لما أثبتته النصارى من‬
‫الصفات‪ ،‬ولما ابتدعه بعض اليهود من التشبيه المنفي عن ا ّ‬
‫صفة الحياة والعلم‪ ،‬ولما ابتدعته من أن القانيم جواهر‪ ،‬وأن أقنوم الكلمة اتحد بالناسوت‪.‬‬
‫وهذا الرمي موجود في كلمهم قبل المام أحمد بن حنبل وفي زمنه‪ ،‬وهو موجود في كلمه وكلم أصحابه‪ ،‬حكاية‬
‫ذلك ذكره في كتاب‪] :‬الرد على الجهمية والزنادقة[‪ ،‬وأنهم قالوا‪] :‬إذا أثبتم الصفات فقد قلتم بقول النصارى[‪َ ،‬وَرّد‬
‫ذلك‪ .‬وفي مسائله‪ :‬أن طائفة قالوا له‪ :‬من قال‪] :‬القرآن غير مخلوق‪ ،‬أو هو في الصدور[ فقد قال بقول النصاري‪.‬‬
‫وهكذا الجهمية ترمي الصفاتية بأنهم يهود هذه المة‪ .‬وهذا موجود في كلم متقدمى الجهمية ومتأخريهم‪ ،‬مثل ما ذكره‬
‫ل محمد بن عمر الرازي الجهمي الجبري‪ ،‬وإن كان قد يخرج إلى حقيقة الشرك وعبادة الكواكب والوثان‬
‫أبو عبد ا ّ‬
‫في بعض الوقات‪ ،‬وصنف في ذلك كتابه المعروف في السحر وعبادة الكواكب والوثان‪ .‬مع أنه كثيًرا ما يحرم ذلك‬
‫وينهى عنه متبًعا للمسلمين وأهل الكتب والرسالة‪.‬‬
‫وينصر السلم وأهله في مواضع كثيرة‪ ،‬كما يشكك أهله ويشكك غير ‪ /‬أهله في أكثر المواضع‪ .‬وقد ينصر غير أهله‬
‫في بعض المواضع‪ .‬فإن الغالب عليه التشكيك والحيرة‪ ،‬أكثر من الجزم والبيان‪.‬‬
‫وهؤلء لهم أجوبة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن مشابهة اليهود والنصارى ليست محذوًرا إل فيما خالف دين السلم‪ ،‬ونصوص الكتاب والسنة‪ ،‬والجماع‪.‬‬
‫جا من مشكاة واحدة‪.‬‬
‫وإل فمعلوم أن دين المرسلين واحد‪ ،‬وأن التوراة والقرآن خر ً‬
‫شاِهٌد ّمن َبِني‬
‫شِهَد َ‬
‫ل َوَكَفْرُتم ِبِه َو َ‬
‫عنِد ا ِّ‬
‫ن ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ل َأَرَأْيُتْم ِإن َكا َ‬
‫ل بأهل الكتاب في غير موضع‪ ،‬حتى قال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫وقد استشهد ا ّ‬
‫ِإْسَراِئيلَ َعَلى ِمْثِلِه َفآَمَن َواْسَتْكَبْرُتْم{ ]الحقاف‪.[10 :‬‬

‫ل‪،‬وهو من حكمة إقرارهم بالجزية‪ .‬فيفرح بموافقة‬
‫فإذا أشهد أهل الكتاب على مثل قول المسلمين كان هذا حجة ودلي ً‬
‫المقالة المأخوذة من الكتاب والسنة لما يأثره أهل الكتاب عن المرسلين قبلهم‪ .‬ويكون هذا من أعلم النبوة‪ ،‬ومن حجج‬
‫الرسالة‪ ،‬ومن الدليل على اتفاق الرسل‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن المشابهة التي يدعونها ليست صحيحة‪ .‬فإن أهل السنة ‪ /‬ل يوافقون اليهود والنصارى فيما ابتدعوه من‬
‫الدين والعتقاد؛ ولهذا قلت في بيان فساد قول ابن الخطيب‪ :‬إنه لم يفهم مقالة أهل الحديث والسنة من الحنبلية‬
‫وغيرهم‪ ،‬ولم يفهم مقالة النصارى‪ ،‬وأوضحت ذلك في موضعه‪ ،‬كما بين المام أحمد الفرق بين مقالة أهل السنة‬
‫وبين مقالة النصارى المبتدعة‪ ،‬وكما يبين الفرق بين مقالة أهل السنة ومقالة اليهود المبتدعة‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أنه إذا فرض مشابهة أهل الثبات لليهود أو النصارى‪ ،‬فأهل النفي والتعطيل مشابهون للكفار والمشركين من‬
‫النصارى وغيرهم‪ .‬ومعلوم قطًعا أن مشابهة أهل الكتابين خير من مشابهة من ليس من أهل الكتاب‪ ،‬من الكفار‬
‫بالربوبية والنبوات ونحوهم؛ ولهذا قيل‪ :‬المشبه أعشى‪ ،‬والمعطل أعمى‪.‬‬
‫ولهذا فرح المؤمنون على عهد النبي صلى ال عليه وسلم بانتصار النصارى على المجوس‪ ،‬كما فرح المشركون‬
‫ل أعلم‪.‬‬
‫بانتصار المجوس على النصارى‪ .‬فتدبر هذا‪ ،‬فإنه نافع في مواضع‪ ،‬وا ّ‬
‫ولهذا كان المعتزلة ونحوهم من القدرية مجوس هذه المة‪.‬‬
‫وهم يجعلون الصفاتية نصارى المة ويميلون إلى اليهود لموافقتهم ‪ /‬لهم في أمور كثيرة أكثر من النصارى‪ ،‬كما‬
‫يميل طائفة من المتصوفة والمتفقرة إلى النصارى أكثر من اليهود‪.‬‬

‫فإذا كان الصفاتية إلى النصارى أقرب وضدهم إلى المجوس والمشركين أقرب تبين أن الصفاتية أتباع النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم وأصحابه الذين فرحوا بانتصار الروم النصارى على فارس المجوس‪ ،‬وأن المعطلة هم إلى المشركين‬
‫أقرب‪ ،‬الذين فرحوا بانتصار المجوس على النصارى‪.‬‬
‫سوَرة الَغاشية‬
‫ُ‬
‫سلم‪:‬‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫وَقال َ‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫صَلى َناًرا َحاِمَيًة ُتْسَقى ِمْن َعْيٍن آِنَيٍة{ ]الغاشية‪ ،[5 - 1 :‬فيها‬
‫صَبٌة َت ْ‬
‫عاِمَلٌة ّنا ِ‬
‫شَعٌة َ‬
‫خا ِ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ َ‬
‫شَيِة ُو ُ‬
‫ث اْلَغا ِ‬
‫حِدي ُ‬
‫ك َ‬
‫ل َأَتا َ‬
‫قوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫قولن‪:‬‬
‫عّباد الكفار‬
‫أحدهما‪ :‬أن المعنى وجوه في الدنيا خاشعة‪ ،‬عاملة ناصبة‪ ،‬تصلى يوم القيامة ناًرا حامية‪،‬ويعنى بها ُ‬
‫عّباد البدود ]الُبدود‪ :‬جمع ُبّد‪ ،‬والُبّد‪ :‬الصنم الذي يعبد[‪ ،‬وربما ُتؤولت في أهل البدع كالخوارج‪.‬‬
‫كالرهبان‪،‬و ُ‬
‫والقول الثاني‪ :‬أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع‪ ،‬أى‪ :‬تذل وتعمل وتنصب‪ ،‬قلت‪ :‬هذا هو الحق لوجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه‪ ،‬أى‪ :‬وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية‪ .‬وعلى الول‪:‬‬
‫ل يتعلق إل ‪ /‬بقوله‪} :‬تصلى{‪ .‬ويكون قوله‪}:‬خاشعة{ صفة للوجوه قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبى متعلق‬
‫بصفة أخرى متأخرة‪ ،‬والتقدير‪ :‬وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى ناًرا حامية‪ .‬والتقديم والتأخير على خلف‬
‫الصل‪ ،‬فالصل إقرار الكلم على نظمه وترتيبه ل تغيير ترتيبه‪.‬‬
‫ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة‪ ،‬أما مع اللبس فل يجوز؛ لنه يلتبس على المخاطب‪ ،‬ومعلوم أنه ليس‬
‫هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير‪ ،‬بل القرينة تدل على خلف ذلك‪ ،‬فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب‬
‫طب بفهمه تكليف لما ل يطاق‪.‬‬
‫خلف البيان‪ ،‬وَأْمر المخا َ‬
‫سْعِيَها‬
‫عَمٌة ِل َ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ ّنا ِ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن ال قد ذكر وجوه الشقياء ووجوه السعداء في السورة‪ ،‬فقال بعد ذلك‪ُ} :‬و ُ‬
‫ضَيٌة ِفي َجّنٍة َعاِلَيٍة{ ]الغاشية‪ ،[ 10 - 8 :‬ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة ل في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح‪،‬‬
‫َرا ِ‬

‫فالواجب تشابه الكلم وتناظر القسمين ل اختلفهما‪ ،‬وحينئذ‪ ،‬فيكون الشقياء وصفت وجوههم بحالها في الخرة‪.‬‬
‫ظّن َأن ُيْفَعَل ِبَها َفاِقَرٌة{ ]القيامة‪:‬‬
‫سَرةٌ َت ُ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ َبا ِ‬
‫ظَرٌة َوُو ُ‬
‫ضَرٌة ِإَلى َرّبَها َنا ِ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ ّنا ِ‬
‫الثالث‪ :‬أن نظير هذا التقسيم قوله‪ُ} :‬و ُ‬
‫ك ُهُم اْلَكَفَرُة اْلَفَجَر ُ{‬
‫ة{‬
‫غَبَرٌة َتْرَهُقَها َقَتَرةٌ ُأْوَلِئ َ‬
‫عَلْيَها َ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ َ‬
‫شَرٌة َوُو ُ‬
‫سَتْب ِ‬
‫حَكٌة ّم ْ‬
‫ضا ِ‬
‫سِفَرٌة َ‬
‫جوٌه َيْوَمِئٍذ ّم ْ‬
‫‪ ،[25 - 22‬وقوله‪ُ} :‬و ُ‬
‫]عبس‪ ،[ 42 - 38 :‬وهذا كله وصف للوجوه لحالها في الخرة ل في الدنيا‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن وصف الوجوه بالعمال ليس في القرآن‪ ،‬وإنما في القرآن ذكر العلمة‪ ،‬كقوله‪ِ} :‬سيَماُهْم ِفي ُوُجوِهِهم{{‬
‫ن َكَفُروا اْلُمنَكَر‬
‫جوِه اّلِذي َ‬
‫ف ِفي ُو ُ‬
‫سيَماُهْم{ ]محمد‪ ،[30 :‬وقوله‪َ} :‬تْعِر ُ‬
‫لَرْيَناَكُهْم َفَلَعَرْفَتُهم ِب ِ‬
‫شاء َ‬
‫]الفتح‪ ،[92 :‬وقوله‪َ} :‬وَلْو َن َ‬
‫طوَن ِباّلِذيَن َيْتُلوَن َعَلْيِهْم آَياِتَنا{ ]الحج‪ ،[ 72 :‬وذلك لن العمل والنصب ليس قائًما بالوجوه فقط‪ ،‬بخلف السيما‬
‫سُ‬
‫ن َي ْ‬
‫َيَكاُدو َ‬
‫والعلمة‪.‬‬
‫صَبٌة{ ]الغاشية‪ ،[ 3 ،2 :‬لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم‪ ،‬فإن‬
‫عاِمَلٌة ّنا ِ‬
‫شَعٌة َ‬
‫خا ِ‬
‫الخامس‪ :‬أن قوله‪َ } :‬‬
‫هذا إلى المدح أقرب‪ ،‬وغايته أنه وصف مشترك بين عّباد المؤمنين وعّباد الكفار‪ ،‬والذم ل يكون بالوصف المشترك‪،‬‬
‫ولو أريد المختص‪ ،‬لقيل‪ :‬خاشعة للوثان ـ مثل ـ عاملة لغير ال‪ ،‬ناصبة في طاعة الشيطان‪ ،‬وليس في الكلم ما‬
‫صا بالكفار‪ ،‬ول كونـه مـذمـوًما‪ .‬وليس في القـرآن ذم لهذا الوصف مطلًقا‪،‬ول وعيد‬
‫يقتضى كون هـذا الوصف مخت ً‬
‫عليه‪َ،‬فحَْمُله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن‪.‬‬
‫‪ /‬السادس‪ :‬أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار ول موجب للتخصيص‪ ،‬فإن الذين ل يتعبدون من الكفار أكثر‪،‬‬
‫وعقوبة فساقهم في دينهم أشد في الدنيا والخرة‪ ،‬فإن من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها وأدى الواجبات‬

‫المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع ال إلًها آخر‪ ،‬ويقتلون النفس التي حرم ال إل بالحق ويزنون‪.‬‬
‫فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب‪.‬‬
‫السابع‪ :‬أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنسك ابتداء‪ ،‬ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة وليس في الخطاب‬
‫تقييد كان هذا سعًيا في إصلح الخطاب بما لم يذكر فيه‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫سوَرة الَبلد‬
‫ُ‬
‫سلم ـ َرحمه ال‪:‬‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫َقال َ‬

‫قوله تعالى‪َ} :‬أَلْم َنْجَعل ّلُه َعْيَنْيِن َوِلَساًنا َوَشَفَتْيِن َوَهَدْيَناُه الّنْجَدْيِن{ ]البلد‪ ،[10 - 8 :‬الهداية محلها القلب‪ ،‬وهذه العضاء‬
‫الثلثة التي هى دائمة الحركة والكسب‪ ،‬إما للنسان‪ ،‬وإما عليه‪ ،‬بخلف ما يتحرك من داخل فإنه ل يتعلق به ثواب‬
‫ول عقاب‪ ،‬وبخلف بقية العضاء الظاهرة‪ ،‬فإن السكون أغلب‪ ،‬وحركتها قليلة بالنسبة إلى هذه‪ ،‬وهذه الثلثة التي‬
‫يروى عن عيسى ابن مريم ـ عليه السلم ـ أنه قال‪ :‬من كان صمته فكًرا‪ ،‬ونطقه ذكًرا‪ ،‬ونظره عبرة‪ .‬وفي حديث عند‬
‫ابن أبي حاتم في صفة النبي صلى ال عليه وسلم أنه كان كثير الصمت‪ ،‬دائم الفكر‪ ،‬متواصل الحزان‪ ،‬فالصمت‬
‫والفكر للسان والقلب‪ ،‬وأما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو اللم على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن‬
‫ذلك منهي عنه‪ ،‬ولم يكن من حاله‪ ،‬وإنما أراد به الهتمام والتيقظ لما يستقبله من المور‪ ،‬وهذا مشترك بين القلب‬
‫والعين‪.‬‬
‫ضا في الصحيحين حديث ابن عباس أنه كان إذا قام من الليل يصلى ينظر إلى السماء‪ ،‬ويقرأ اليات العشر‬
‫‪ /‬وفيه أي ً‬
‫ضا ـ‬
‫من أواخر سورة آل عمران‪ ،‬فيجمع بين الذكر والنظر والفكر‪ ،‬فالنظر‪ ،‬أى‪ :‬نظر القلب ونظر العين‪ ،‬والذكر ـ أي ً‬
‫لبد مع ذكر اللسان من ذكر القلب‪.‬‬
‫ولما كان النظر مبدأ‪ ،‬والذكر منتهى؛ لن النظر يتقدم الدراك‪ ،‬والعلم والذكر يتأخر عن الدراك والعلم؛ ولهذا كان‬
‫المتكلمة في النظر المقتضى للعلم‪ ،‬وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر على آلة الذكر‪،‬وختم بهداية‬
‫الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر‪.‬‬
‫وذكر ـ سبحانه ـ اللسان والشفتين؛ لنهما العضوان الناطقان‪ .‬فأما الهواء والحلق والنطع واللهوات والسنان فمتصلة‬
‫حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة غيرها من أجزاء الحنك‪ ،‬فأما اللسان والشفتان فمنفصلة‪ .‬ثم الشفتان لما‬
‫كانا النهاية حمل الحروف الجوامع‪ :‬الباء‪ ،‬والفاء‪ ،‬والميم‪ ،‬والواو‪.‬‬
‫فأما الباء والفاء فهما الحرفان السببيان‪ ،‬فإن الباء أبًدا تفيد اللصاق والسبب‪ ،‬وكذلك الفاء تفيد التعقيب والسبب؛‬
‫وبالسباب تجتمع المور بعضها ببعض‪.‬‬
‫‪ /‬وأما الميم والواو فلهما الجمع والحاطة‪ ،‬أل ترى أن الميم ضمير لجمع المخاطبين في النواع الخمسة‪ :‬ضميرى‬
‫الرفع والنصب المتصلين والمنفصلين‪ ،‬وضمير الخفض في مثل قوله‪] :‬أنتم[ و]علمتم[ و]إياكم[ و]علمكم[ و]بكم[‬
‫طب‪ ،‬أو غائب‪ ،‬واحد أو‬
‫ضا‪ .‬والمضمر أيا كان‪ ،‬إما متكلم‪ ،‬أو مخا َ‬
‫وضمير لجمع الغائبين في النواع الخمسة ـ أي ً‬
‫اثنان أو جمع‪ ،‬مرفوع أو منصوب أو مجرور‪ .‬فقد أحاطت بالجميع مطلًقا‪ .‬أما الجمع المطلق فبنفسها‪ ،‬وأما الجمع‬
‫المقدر باثنين فبزيادة علم التثنية‪ ،‬وهو اللف في مثل أنتما وعلمتما‪ ،‬وكذلك الباقى‪.‬‬
‫ولهذا زيدت الواو في الجمع المطلق فقيل‪ :‬عليهموا‪ ،‬وأنتموا‪ ،‬كما زيدت اللف في التثنية‪ ،‬ومن حذفها حذفها تخفيًفا؛‬
‫ولن ترك العلمة علمة‪ ،‬فصارت الميم مشتركة‪ ،‬ثم الفارق اللف أو عدمها مع الواو‪.‬‬
‫وأما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل قالوا ونحوها‪ ،‬وأما المتصلة مثل إياكم وهم‪ ،‬فعلى اللغتين‪ ،‬فلما‬
‫صارت الواو تمام المضمر المرفوع المنفصل‪ ،‬والياء تمام المؤنث‪ ،‬صارت للمؤنث ـ مطلًقا ـ في جميع أحواله؛ لنه‬
‫تلو المذكر‪ ،‬والمفرد مذكره ومؤنثه قبل المثنى والمجموع‪ ،‬فإن المفرد قبل المركب‪ ،‬ثم اللف صارت علم التثنية‬
‫مطلًقا في المظهر والمضمر كما أن الواو علم لجمع المذكر‪ ،‬وجعل الياء علمى النصب والجر ‪ /‬في المظهر من‬

‫المثنى والمجموع؛ لن المظهر قبل المضمر وأقوى منه‪ ،‬فكانت أحق أن تكون فيه من اللف‪ ،‬فحين ما كان أقوى‬
‫كانت الواو‪ ،‬وحين ما كان أوسط كان الياء‪.‬‬
‫وأما الجموع الظاهرة‪ ،‬فالواو هى علم الجمع المذكر الصحيح‪ ،‬كما أن اللف علم التثنية؛ ولهذا ينطق بها حيث ل‬
‫إعراب‪ ،‬لكن في حال النصب والخفض قلبتا يائين لجل الفرق‪ ،‬وذلك لن السماء الظاهرة لها الغيبة دون الخطاب‬
‫في جميع العربية؛ وذلك لن الواو أقوى حروف العلة‪ ،‬والضمة بعضها‪ ،‬وهى أقوى الحركات‪ ،‬لما فيها من الجمع‪،‬‬
‫وكونها آخًرا‪ ،‬فجعلت للجمع واللف أخف حروف العلة‪ ،‬فجعلت للثنين؛ لن الياء كانت قد صارت للمؤنث في‬
‫المفرد المرفوع الذي هو الصل في قولك‪]...‬بياض بالصل[‪ ،‬وجاءت الميم في مثل‪ :‬اللهم إشعار بجميع السماء؛‬
‫وذلك لن حرف الشفة لما كان جامًعا للقوة من مبدأ مخارج الحروف إلى منتهاها بمنزلة الخاتم الخر‪ ،‬الذي حوى ما‬
‫في المتقدم وزيادة كان جامًعا لقوى الحروف‪ ،‬فجعل جامًعا للسماء مظهرها ومضمرها وجامًعا بين المفردات‬
‫والجمل‪ ،‬فالواو والفاء عاطفان‪ ،‬والفاء رابطة جملة بجملة‪.‬‬
‫ولما كانت النون قريبة من الفيهة فهى أنفية‪ ،‬جعلت لجمع المؤنث ؛ ‪ /‬لنه دون جمع المذكر‪ ،‬وثنى العينين والشفتين؛‬
‫ب‬
‫طا بالقلب من العينين؛ ولهذا جمع بينهما في قوله‪َ} :‬وُنَقّل ُ‬
‫لن العينين هما ربيئة القلب‪ ،‬وليس من العضاء أشد ارتبا ً‬
‫ت اْلُقُلو ُ‬
‫ب‬
‫صاُر َوَبَلَغ ِ‬
‫لْب َ‬
‫ت ا َْ‬
‫غ ْ‬
‫صاُر{ ]النور‪َ} ،[37 :‬وِإْذ َزا َ‬
‫لْب َ‬
‫ب َوا َْ‬
‫ب ِفيِه اْلُقُلو ُ‬
‫صاَرُهْم{ ]النعام‪َ} ،[110 :‬تَتَقّل ُ‬
‫َأْفِئَدَتُهْم َوَأْب َ‬
‫صاُرَها َخاِشَعٌِة{ ]النازعات‪ ،[ 9 ،8:‬ولن كليهما له النظر‪ ،‬فنظر القلب‬
‫جَفٌة َأْب َ‬
‫ب َيْوَمِئٍذ َوا ِ‬
‫جَر{ ]الحزاب‪ُ} ،[10:‬قُلو ٌ‬
‫حَنا ِ‬
‫اْل َ‬
‫الظاهر بالعينين والباطن به وحده‪ ،‬وكذلك اللسان هو الذكر والشفتان أنثاه‪.‬‬
‫سوَرة الشْمس‬
‫‪ُ /‬‬
‫سلم أحمد بن تيمية ـ قدس ال روحه‪:‬‬
‫شْيخ ال ْ‬
‫َقال َ‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫لَها َوالّلْيلِ ِإَذا َيْغَشاَها{ ]الشمس‪ 1 :‬ـ ‪ .[ 4‬وضمير التأنيث‬
‫جّ‬
‫لَها َوالّنَهاِر ِإَذا َ‬
‫حاَها َواْلَقَمِر ِإَذا َت َ‬
‫ضَ‬
‫س َو ُ‬
‫شْم ِ‬
‫في قوله تعالى‪َ} :‬وال ّ‬
‫شاَها{‪ ،‬لم يتقدم ما يعود عليه إل الشمس‪ ،‬فيقتضى أن النهار يجلى الشمس‪ ،‬وأن الليل يغشاها‪،‬‬
‫لَها{ و}َيْغ َ‬
‫جّ‬
‫في } َ‬
‫و)التجلية(‪ :‬الكشف والظهار‪ ،‬و)الغشيان(‪ :‬التغطية واللبس‪ .‬ومعلوم أن الليل والنهار ظرفا الزمان‪ ،‬والفعل إذا‬
‫أضيف إلى الزمان فقيل‪ :‬هذا الزمان أو هذا اليوم يبرد‪ ،‬أو يبرد أو ينبت الرض‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فالمقصود أن ذلك يكون‬
‫فيه‪ ،‬كما يوصف الزمان بأنه عصيب‪ ،‬وشديد‪ ،‬ونحس‪ ،‬وبارد‪ ،‬وحار‪ ،‬وطيب‪ ،‬ومكروه‪ .‬والمراد وصف ما فيه‪ .‬فكون‬
‫ل وموصوًفا هو بحسب ما يليق به‪ ،‬كل شيء بحسبه‪.‬‬
‫الشيء فاع ً‬
‫‪ /‬فالنهار يجلى الشمس‪،‬والليل يغشاها‪ ،‬وإن كان ظهور الشمس هو سبب النهار‪ ،‬ومغيبها سبب الليل‪ .‬وقد ذكر ذلك‬
‫سْمَكَها‬
‫سَماء َبَناَها َرَفَع َ‬
‫ها{‪ ،‬فأضاف الضحى إليها‪ .‬والضحى يعم النهار كله‪ ،‬كما قال‪َ} :‬أِم ال ّ‬
‫حا َ‬
‫ضَ‬
‫س َو ُ‬
‫شْم ِ‬
‫بقوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫ضَحى َوالّلْيِل ِإَذا َسَجى{ ]الضحى‪.[2 ،1 :‬‬
‫حاَها{ ]النازعات‪ .[ 29: 27 :‬وقال‪َ} :‬وال ّ‬
‫ضَ‬
‫ج ُ‬
‫خَر َ‬
‫ش َلْيَلَها َوَأ ْ‬
‫ط َ‬
‫غَ‬
‫سّواَها َوَأ ْ‬
‫َف َ‬
‫س َوَما َسّواَها َفَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ 5 :‬ـ ‪.[8‬‬
‫حاَها َوَنْف ٍ‬
‫طَ‬
‫ض َوَما َ‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوَما َبَناَها َوا َْ‬
‫وقوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫س وتسوية ال إياها‪.‬‬
‫فقد قيل‪ :‬إن ]ما[ مصدرية‪ ،‬والتقدير‪ :‬والسماء وبناء ال إياها‪ ،‬والرض وطحو ال إياها‪ ،‬ونف ٍ‬
‫لبد من ذكر الفاعل في الجملة‪ ،‬ل يصلح أن يقدر المصدرـ هنا ـ مضاًفا إلى الفعل فقط‪ ،‬فيقال‪] :‬وبنائها[؛ لن الفاعل‬
‫ضا‪ .‬فلبد‬
‫حاَها{ فإن الفعل لبد له من فاعل في الجملة‪،‬ومفعول ـ أي ً‬
‫طَ‬
‫مذكور في الجملة في قوله‪َ} :‬وَما َبَناَها{‪َ}،‬وَما َ‬
‫أن يكون في التقدير الفاعل والمفعول‪.‬لكن إذا كانت مصدرية‪،‬كانت ]ما[ حرًفا ليس فيها ضمير‪ ،‬فيكون ضمير الفاعل‬
‫في ]بناها[ عائًدا على غير مذكور‪ ،‬بل إلى معلوم‪ ،‬والتقدير‪ :‬والسماء وما بناها ال‪ ،‬وهذا خلف الصل‪ ،‬وخلف‬
‫الظاهر‪.‬‬
‫‪ /‬والقول الثاني‪ :‬أنها موصولة‪،‬والتقدير‪ :‬الذي بناها‪ ،‬والذي طحاها‪ ،‬و]ما[‪ ،‬فيها عموم وإجمال‪ ،‬يصلح لما ل يعلم‪،‬‬
‫طا ّ‬
‫ب‬
‫حوا ّما ّ‬
‫عُبُد{ ]الكافرون‪ ،[3 ،2:‬وقوله‪ّ} :‬فانك ٍ‬
‫ن َما َأ ْ‬
‫عاِبُدو َ‬
‫ل َأنُتْم َ‬
‫ن َو َ‬
‫عُبُد َما َتْعُبُدو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ولصفات من يعلم كقوله تعالى‪َ }:‬‬
‫ّلكم ٌَمّن الٌَنّساءٌ{ ]النساء‪.[3 :‬‬

‫ق الّذَكَر َواُْلنَثى{ ]الليل‪.[3 :‬‬
‫خَل َ‬
‫وهذا المعنى يجيء في قوله‪َ} :‬وَما َ‬
‫سَم بالفاعل‪ ،‬يتضمن القسام بفعله‪،‬‬
‫ضا‪ .‬فإن الَق َ‬
‫وهذا المعنى كما أنه ظاهر الكلم وأصله هو أكمل في المعنى ـ أي ً‬
‫بخلف القسام بمجرد الفعل‪.‬‬
‫صّفا‬
‫ت َ‬
‫صاّفا ِ‬
‫ضا‪ ،‬فالقسام التي في القرآن ـ عامتها ـ بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة‪ .‬يقسم بنفس الفعل‪،‬كقوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫وأي ً‬
‫ت{‬
‫ل ِ‬
‫سَ‬
‫عات{ِ ]النازعات‪َ} ،[1 :‬واْلُمْر َ‬
‫ت ِذْكًرا{ ]الصافات‪ 1 :‬ـ ‪ ،[ 3‬وكقوله‪َ} :‬والّناِز َ‬
‫جًرا َفالّتاِلَيا ِ‬
‫ت َز ْ‬
‫جَرا ِ‬
‫َفالّزا ِ‬

‫]المرسلت‪ ،[1 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ض{ ]الذاريات‪،[23 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫سَماء َوا َْ‬
‫ب ال ّ‬
‫وهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬تارة يقسم بنفس المخلوقات‪ ،‬وتارة بربها وخالقها‪ ،‬كقوله‪َ} :‬فَوَر ّ‬
‫ق الّذَكَر َواُْلنَثى{ ]الليل‪ ،[ 3 :‬وتارة يقسم بها وبربها‪.‬‬
‫خَل َ‬
‫وكقوله‪َ} :‬وَما َ‬
‫وفي هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله‪ ،‬وأقسم بمخلوق دون فعله‪ ،‬فأقسم بفاعله‪.‬‬
‫لَها َوالّلْيِل ِإَذا َيْغَشاَها{ ]الشمس‪ 1 :‬ـ ‪ ،[4‬فأقسم بالشمس‬
‫جّ‬
‫لَها َوالّنَهاِر ِإَذا َ‬
‫حاَها َواْلَقَمِر ِإَذا َت َ‬
‫ضَ‬
‫س َو ُ‬
‫شْم ِ‬
‫‪ /‬فإنه قال‪َ} :‬وال ّ‬
‫س َواْلقََمُر{ ]فصلت‪:‬‬
‫شْم ُ‬
‫ل َوالّنَهاُر َوال ّ‬
‫ن آَياِتِه الّلْي ُ‬
‫والقمر والليل والنهار‪ ،‬وآثارها وأفعالها‪ ،‬كما فرق بينهما في قوله‪َ} :‬وِم ْ‬
‫ك َيْسَبُحوَن{ ]النبياء‪ ،[ 33 :‬فإنه بأفعال هذه المور وآثارها تقوم مصالح بنى آدم وسائر‬
‫ل ِفي َفَل ٍ‬
‫‪ ،[37‬وقال‪ُ} :‬ك ّ‬
‫الحيوان‪.‬‬
‫حاَها{‪ ،‬ولم يقل‪] :‬ونهارها[ ول ]ضيائها[ لن ]الضحى[ يدل على النور والحرارة جميًعا‪،‬‬
‫ضَ‬
‫س َو ُ‬
‫شْم ِ‬
‫وقال‪َ} :‬وال ّ‬
‫وبالنوار والحرارة تقوم مصالح العباد‪.‬‬
‫ها{‪َ} ،‬وَنْف ٍ‬
‫س‬
‫حا َ‬
‫طَ‬
‫ل‪ ،‬فذكر فاعلها‪ ،‬فقال‪َ} :‬وَما َبَناَها{‪َ} ،‬وَما َ‬
‫ثم أقسم بالسماء والرض‪ ،‬وبالنفس‪ ،‬ولم يذكر معها فع ً‬
‫َوَما َسّواَها{‪.‬‬

‫فلم يصلح أن يقسم بفعل النفس‪ ،‬لنها تفعل البر والفجور وهو ـ سبحانه ـ ل يقسم إل بما هو معظم من مخلوقاته‪ .‬لكن‬
‫ذكر في ضمير القسم أنه خالق أفعالها بقوله‪َ} :‬وَما َسّواَها َفَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ .[ 8 ،7 :‬فإذا كان قد بين أنه‬
‫خالق فعل العبد الذي هو أظهر الشياء فعل واختياًرا وقدرة فلن يكون خالق فعل الشمس‪ ،‬والقمر والليل‪ ،‬والنهار‪،‬‬
‫بطريق الولى والحرى‪.‬‬
‫‪ /‬وأما السماء والرض‪ ،‬فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى يقسم بها إل ما يظهر من الشمس‪ ،‬والقمر‪،‬‬
‫والليل‪ ،‬والنهار‪.‬‬
‫والسماء والرض أعظم من الشمس والقمر والليل والنهار‪ ،‬والنفس أشرف الحيوان المخلوق‪ ،‬فكان القسم بصانع هذه‬
‫المور العظيمة مناسًبا‪ ،‬وكان إقسامه بصانعها تنبيًها على أنه صانع ما فيها من الشمس والقمر والليل والنهار‪.‬‬
‫فتضمن الكلم القسام بصانع هذه المخلوقات‪ ،‬وبأعيانها‪ ،‬وما فيها من الثار والمنافع لبنى آدم‪.‬‬
‫سم بالنفس‪ ،‬التي هى آخر المخلوقات‪ ،‬فإن ال خلق آدم يوم الجمعة آخر المخلوقات‪ ،‬وبين أنه خالق جميع‬
‫وختم الَق َ‬
‫أفعالها‪ ،‬ودل على أنه خالق جميع أفعال ما سواها‪.‬‬
‫وهـو ـ سبحانـه ـ مع ما ذكر من عموم خلقه لجميع الموجودات على مراتبها حتى أفعال العبد المنقسمـة إلى التقـوى‬
‫والفجـور وبين انقسـام الفعـال إلى الخـير والشـر‪ ،‬وانقسام الفاعلين إلى مفلح وخائب‪ ،‬سعيد وشقى‪ .‬وهذا يتضمن‬
‫المر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد‪ .‬فكان في ذلك رد على القدرية المجوسية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه‬
‫جا بقضائه وقدره‪.‬‬
‫وإلهامه‪ ،‬وعلى القدرية المشركية‪ ،‬الذين يبطلون أمره ونهيه‪ ،‬ووعده ووعيده احتجا ً‬

‫ب َمن َدّساَها{ ]الشمس‪ :[ 10 ،9 :‬إن الضمير عائد إلى ]ال[‪ ،‬أي‪) :‬قد أفلح‬
‫خا َ‬
‫ح َمن َزّكاَها َوَقْد َ‬
‫‪ /‬وقد قيل في قوله‪َ}:‬قْد َأْفَل َ‬
‫من زكاها ال‪ ،‬وقد خاب من دساها ال‪ ،‬وهذا مخالف للظاهر‪ ،‬بعيد عن نهج البيان الذي ألف عليه القرآن‪ ،‬إذ كان‬
‫الحسن‪] :‬قد أفلحت من زكاها ال‪ ،‬وقد خابت من دساها[‪ ،‬وهذا ضعيف‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فقوله‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ‪ ،‬بيان للقدر‪ ،‬فل حاجة إلى ذكره مرة ثانية عقب ذلك في مثل هذه السورة‬
‫وأي ً‬
‫القصيرة‪.‬‬
‫ولهذا لم يذكر عن النبي صلى ال عليه وسلم في إثبات القدر إل هذه الية دون الثانية‪ ،‬كما في صحيح مسلم عن أبي‬
‫السود الدؤلى ]هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلى الكنانى‪ ،‬واضع علم النحو‪ ،‬كان معدوًَدا من الفقهاء‬
‫والعيان والمراء والشعراء والفرسان مـن التابعين‪ ،‬رسـم له على بن أبي طـالب شيًئا من أصول النحو فكتب فيه‬
‫أبو السود‪ ،‬وأخذه عنه جماعة‪ ،‬سكن البصرة في خلفة عمر‪ ،‬وولى إمارتها في أيام على‪ ،‬وكان قد شهد صفين‪،‬‬
‫ضَ‬
‫ى‬
‫مات بالبصرة عام ‪69‬هـ[ قال‪ :‬قال لى عمران بن حصين‪ :‬أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه‪ ،‬أشيء ُق ِ‬
‫عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق‪ ،‬أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم‪ ،‬وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت‪ :‬بل شيء‬
‫عا شديًدا وقلت‪ :‬كل شيء خلق‬
‫قضى عليهم‪ ،‬ومضى عليهم‪ .‬قال‪ :‬فقال‪ :‬أفل يكون ذلك ظلًما؟ قال‪ :‬ففزعت من ذلك فز ً‬
‫ال وملك يده فل يسأل عما يفعل وهم يسألون‪ .‬فقال لى‪ :‬يرحمك ال‪ :‬إنى لم أرد بما سألتك إل لحرز عقلك‪ .‬فإن‬
‫رجلين من مزينة أتيا رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه‬
‫أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر ‪ /‬قد سبق‪ ،‬أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال‪:‬‬
‫جوَرَها‬
‫سّواَها َفَأْلَهَمَها ُف ُ‬
‫س َوَما َ‬
‫)ل‪ ،‬بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم(‪ ،‬وتصديق ذلك في كتاب ال ـ عز وجل ـ‪َ} :‬وَنْف ٍ‬
‫َوَتْقَواَها{ ‪ .‬فبين النبي صلى ال عليه وسلم أن تصديق ما أخبر به من القضاء قوله‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{‪.‬‬
‫والذي في الحديث هو القدر السابق من علم ال وكتابه وكلمه‪ ،‬وهذا إنما تنكره غالية القدرية‪ .‬وأما الذي في القرآن‬
‫فهو خلق ال أفعال العباد وهذا أبلغ‪ .‬فإن القدرية المجوسية تنكره‪.‬‬
‫فالذي في القرآن يدل على ما في الحديث وزيادة‪ ،‬ولهذا جعله النبي صلى ال عليه وسلم مصدًقا له‪ .‬وذلك من وجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه إذا علم أن ال هو الملهم للفجور والتقوى ـ ولم يكن في ذلك ظلم كما تقوله القدرية البليسية‪ ،‬ول مخالفة‬
‫للمر والنهي والوعد والوعيد كما تقوله القدرية المشركية ـ فالقرار بأن ال كتب ذلك وقدره قبل وجوده مما ل نزاع‬
‫فيه عند النسان من جهة القدر‪ .‬ولهذا قد أقر بالقدر السابق جمهور القدرية الذين ينكرون خلق الفعال‪ .‬ولم يثبت أحد‬
‫من القدرية أن ال خالق أفعال العباد‪ ،‬وينكره من جهة القدر أن ال خالق ذلك‪.‬‬
‫‪ /‬الوجه الثاني‪ :‬أنه إذا ثبت أن ال خالق فعل العبد‪ ،‬وأنه الملهم الفجور والتقوى‪ ،‬كان ذلك من جملة مصنوعاته‪،‬‬
‫والشبهة التي عرضت للقدرية ـ التي سأل المزنيان للنبى صلى ال عليه وسلم ـ إنما هى في أعمال العباد التي عليها‬
‫الثواب والعقاب خاصة‪ ،‬ولم ينكروا من جهة القدر أن ال قدر ما يخلقه هو قبل وجوده‪ .‬وإنما أنكر من أنكر منهم إذا‬
‫اشتبه أمر أفعال العباد‪.‬‬
‫وهؤلء يقولون‪:‬إن ال يقدر المور قبل وجودها إل أفعال العباد والسعادة والشقاوة فإن ذلك ل ينبغى أن يعلمه حتى‬
‫يكون؛لن أمر المير بما يعلم أن المكلف ل يطيعه فيه‪،‬بل يكون ضرًرا عليه‪ ،‬مستقبح عندهم‪ .‬وقد حكى طوائف من‬
‫المصنفين في أصول الفقه وغيرهم الخلف في ذلك عن المعتزلة‪ .‬وقالوا‪ :‬يجوز أن ال يأمر العبد بما يعلم أنه ل‬
‫يفعله‪ ،‬خلًفا للمعتزلة؛ لن في جنس المعتزلة من يخالف في ذلك وأكثرهم ل يخالف في ذلك؛ وإنما يخالف فيه طائفة‬
‫منهم‪.‬‬
‫فإذا كـان القرآن قـد أثبت أنه الملهم للنفس فجورها وتقـواها كان ذلك مـن جملة مفعولته‪ .‬فل تبقى شبهة القدرية أنه‬
‫قدر ذلك قبل وجوده‪ ،‬كما ل شبهة عندهم في تقديره لما يخلقه من العيان والصفات‪.‬‬
‫وأما من أنكر تقديره العلم من منكرة الصفات أو بعضها فأولئك ‪ /‬لهم مأخذ آخر‪ ،‬ليس مأخذهم أمر الصفات‪.‬‬

‫الوجه الثالث‪ :‬أنه قد كان ألهم الفجور والتقوى‪ ،‬وهو خالق فعل العبد‪ .‬فلبد أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫ق{ ]الملك‪ ،[ 14 :‬لن الفاعل المختار يريد ما يفعله‪ ،‬والرادة مستلزمة لتصور المراد‪ .‬وذلك هو العلم‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫}َأ َ‬
‫بالمراد المفعول‪.‬‬
‫وإذا كـان خلقه للشيء مستلزًما لعلمه بـه‪ ،‬فذلك أصل القدر السابق وما علمه ال ـ سبحانه ـ بقوله وبكتبه فل نزاع فيه‪.‬‬
‫وهذا َبّين في جميع الشياء في هذا وغيره‪.‬‬
‫فإنه ـ سبحانه ـ إذا ألهم الفجور والتقوى فالملهم إن لم يميز بين الفجور والتقوى‪ ،‬ويعلم أن هذا الفعل الذي يريد أن‬
‫يفعله هذا فجور‪ ،‬والذي يريد أن يفعله هذا تقوى‪ ،‬لم يصح منه إلهام الفجور والتقوى‪.‬‬
‫فظهر بهذا حسن مـا ذكره النبي صلى ال عليه وسلم من تصديق الية لما أخبر به النبي صلى ال عليه وسلم من‬
‫القدر السابق‪.‬‬
‫وقوله ـ سبحانه‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ ،[ 8 :‬كما يدل على القدر يدل على الشرع‪ .‬فإنه لو قال‪] :‬فألهمها‬
‫أفعالها[‪ ،‬كما يقول الناس‪] / :‬خالق أفعال العباد[‪ ،‬لم يكن في ذلك تمييز بين الخير والشر‪ ،‬والمحبوب والمكروه‪،‬‬
‫والمأمور به والمنهي عنه‪ ،‬بل كان فيه حجة للمشركين ـ من المباحية والجبرية ـ الذين يدفعون المر والنهي‪،‬‬
‫والحسن والقبح؛ فإنه خلق أفعال العباد‪ .‬فلما قال‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ ،[8 :‬كان الكلم تفريًقا بين الحسن‬
‫المأمور به والقبيح المنهي عنه‪ ،‬وأن الفعال منقسمة إلى حسن وسيئ‪ ،‬مع كونه ـ تعالى ـ خالق الصنفين‪.‬‬
‫وهذه طريقة القرآن ـ في غير موضع ـ يذكر المؤمن والكافر وأفعالهما الحسنة والسيئة‪ ،‬ووعده ووعيده‪ ،‬ويذكر أنه‬
‫ضّل َمن َيَشاء َوَيْهِدي َمن َيَشاء{ ]فاطر‪ ،[8 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫خالق الصنفين‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬ي ِ‬
‫وهذا الصل ضلت فيه الجبرية والقدرية‪:‬‬
‫فإن القدرية المجوسية قالوا‪ :‬إن الفعال تنقسم إلى حسن وقبيح لصفات قائمة بها‪ ،‬والعبد هو المحدث لها بدون قدرة‬
‫ال وبدون خلقه‪.‬‬
‫فقالت الجبرية‪ :‬بل العبد مجبور على فعله‪ ،‬والجبر حق يوجب وجود أفعاله عند وجود السباب التي يخلقها ال‪،‬‬
‫حا لمعنى يقوم به‪.‬‬
‫وامتناع وجودها عند عدم شيء من السباب‪ .‬وإذا كان مجبوًرا يمتنع أن يكون الفعل حسًنا أو قبي ً‬
‫‪ /‬وهذه طريقة أبي عبد ال الرازي ونحوه من الجبرية النافين لنقسام الفعل في نفسه إلى حسن وقبيح‪ .‬والولى طريقة‬
‫صرى ونحوه من القدرية القائلين بأن فعل العبد لم يحدثه إل هو‪ ،‬والعلم بذلك ضرورى أو نظرى‪ ،‬وأن‬
‫أبي الحسين الَب ْ‬
‫الفعل ينقسم في نفسه إلى حسن وقبيح‪ ،‬والعلم بذلك ضرورى‪.‬‬
‫وأبو الحسين هو إمام المتأخرين من المعتزلة‪ ،‬وله من العقل والفضل ما ليس لكثر نظرائه‪ ،‬لكن هو قليل المعرفة‬
‫بالسنن‪ ،‬ومعانى القرآن‪ ،‬وطريقة السلف‪.‬‬
‫وهو وأبو عبد ال الرازي في هذا الباب في طرفي نقيض‪ ،‬ومع كل منهما من الحق ما ليس مع الخر‪ .‬فأبو الحسين‬
‫حَدث الممكن إلى مرجح‬
‫يدعى أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضرورى‪ ،‬والرازي يدعى أن العلم بأن افتقار الفعل الم ْ‬
‫يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه ضرورى كذلك‪ ،‬بل كلهما صادق فيما ذكره من العلم الضرورى‪.‬‬
‫ثم يعتقد كل فريق أن هذا العلم الضرورى يبطل ما ادعاه الخر من الضرورة‪ ،‬وليس المر كذلك‪ .‬بل كلهما صادق‬
‫فيما ذكره من العلم الضرورى ومصيب في ذلك‪ ،‬وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الخر من الحق‪ ،‬فإنه ل منافاة‬
‫حَداث ممكن الوجود ـ بمشيئة ال تعالى‪.‬‬
‫حِدًثا لفعله‪ ،‬وكون ‪ /‬هذا ال ْ‬
‫بين كون العبد ُم ْ‬
‫ولهذا كان مذهب أهل السنة المحضة أن العبد فاعل لفعله حقيقة‪ ،‬كما ادعاه أبو الحسين من الضرورة‪ ،‬ل يقولون‪:‬‬
‫ليس بفاعل حقيقة‪ ،‬أو ليس بفاعل‪ ،‬كما يقوله المائلون إلى الجبر مثل طائفة أبي عبد ال الرازي‪ .‬يقولون مع ذلك‪ :‬إن‬

‫ل حقيقة‪ ،‬وهو خالق أفعال العباد‪ ،‬كما يقوله أهل الثبات من‬
‫ال هو الخالق لهذا الفاعل ولفعله‪ ،‬وهو الذي جعله فاع ً‬
‫الشعرية ـ طائفة الرازي وغيرهم ـ ل كما يقوله القدرية ـ مثل أبي الحسين وطائفته ـ إن ال لم يخلق أفعال العباد‪.‬‬
‫ولهذا نص الئمة ـ كالمام أحمد‪ ،‬ومن قبله من الئمة كالوزاعى وغيره ـ على إنكار إطلق القول بالجبر نفًيا‬
‫ن لفظ ]الجبر[ فيه اشتراك وإجمال‪ .‬فإذا قيل‪:‬‬
‫وإثباًتا‪ ،‬فل يقال‪] :‬إن ال جبر العباد[‪ ،‬ول يقال‪] :‬لم يجبرهم[‪ .‬فإ ّ‬
‫]جبرهم[‪ ،‬أشعر بأن ال يجبرهم على فعل الخير والشر بغير اختيارهم‪ ،‬وإذا قيل‪] :‬لم يجبرهم[‪ ،‬أشعر بأنهم يفعلون‬
‫ما يشاؤون بغير اختياره‪ ،‬وكلهما خطأ‪ .‬وقد بسطنا القول في هذا في غيرهذا الموضع‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن هذين الفريقين اعتقدوا تنافي القدر والشرع‪ ،‬كما اعتقد ذلك المجوس والمشركون‪ ،‬فقالوا‪ :‬إذا‬
‫حا عليه عقاب‪ .‬ثم قالت القدرية‪ :‬لكن الفعل‬
‫كان خالًقا للفعل امتنع ‪ /‬أن يكون الفعل في نفسه حسًنا له ثواب‪ ،‬أو قبي ً‬
‫منقسم‪ ،‬فليس خالًقا للفعل‪ .‬وقالت الجبرية‪ :‬لكنه خالق‪ ،‬فليس الفعل منقسًما‪.‬‬
‫ولكن الجبرية المِقّرون بالرسل ُيِقّرون بالنقسام من جهة أمر الشارع ونهيه فقط‪ ،‬ويقولون‪ :‬له أن يأمر بما شاء ل‬
‫جل معنى فيه‪ ،‬ويقولون في خلقه وفي أمره جميًعا‪ :‬يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد‪.‬‬
‫لْ‬
‫لمعنى فيه‪ ،‬وينهى عما يشاء ل َ‬
‫شاء‬
‫وأما من غلب عليه رأى أو هوى‪ ،‬فإنه ينحل عن ربقة الشارع إذا عاين الجبر‪ ،‬ويقولون ما يقوله المشركون‪َ} :‬لْو َ‬
‫يٍء{ ]النعام‪.[148 :‬‬
‫ش ْ‬
‫حّرْمَنا ِمن َ‬
‫ل َ‬
‫ل آَباُؤَنا َو َ‬
‫ل َما َأشَْرْكَنا َو َ‬
‫ا ّ‬

‫ومن أقر بالشرع‪ ،‬والمر والنهي‪ ،‬والحسن والقبح‪ ،‬دون القدر وخلق الفعال ـ كما عليه المعتزلة ـ فهو من القدرية‬
‫المجوسية الذين شابهوا المجوس‪ .‬وللمعتزلة من مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر‪.‬‬
‫ومن أقر بالقضاء والقدر‪ ،‬وخلق الفعال وعموم الربوبية‪ ،‬وأنكر المعروف والمنكر‪ ،‬والهدى والضلل‪ ،‬والحسنات‬
‫والسيئات‪ ،‬ففيه شبه من المشركين والصابئة‪.‬‬
‫‪ /‬وكان الجهم بن صفوان ـ ومن اتبعه كذلك ـ لما ناظر أهل الهند‪ ،‬كما كان المعتزلة ‪ -‬كذلك ـ لما ناظروا المجوس ـ‬
‫الفرس ـ والمجوس أرجح من المشركين‪.‬‬
‫فإن من أنكر المر والنهي‪ ،‬أو لم يقر بذلك‪ ،‬فهو مشرك صريح كافرـ أكفر من اليهود والنصارى والمجوس‪ -‬كما‬
‫يوجد ذلك في كثير من المتكلمة والمتصوفة ـ أهل الباحة ونحوهم‪.‬‬
‫ولهذا لم يظهر هؤلء ونحوهم في عصر الصحابة والتابعين لقرب عهدهم بالنبوة‪ ،‬وإنما ظهر أولئك القدرية‬
‫المجوسية؛ لن مذهبهم فيه تعظيم للمر والنهي والثواب والعقاب‪ .‬فهم أقرب إلى الكتاب والسنة والرسول والدين من‬
‫هؤلء المعطلة للمر والنهي فإن هؤلء من شر الخلق‪.‬‬
‫وأما القدرية الْبِليسية‪ ،‬فهم الذين يقرون بوجود المر والنهي من ال‪ ،‬ويقرون ـ مع ذلك ـ بوجود القضاء والقدر منه‪،‬‬
‫لكن يقولون‪ :‬هذا فيه جهل وظلم‪ .‬فإنه بتناقضه يكون جهل وسفًها‪ ،‬وبما فيه من عقوبة العبد بما خلق فيه يكون ظلًما‪.‬‬
‫ض َوُلْغِوَيّنُهْم َأْجَمِعيَن{ ]الحجر‪ ،[39 :‬فأقر بأن ال أغواه‪ ،‬ثم‬
‫لْر ِ‬
‫ن َلُهْم ِفي ا َ‬
‫لَزّيَن ّ‬
‫غَوْيَتِني ُ‬
‫وهذا حال إبليس‪ ،‬فإنه قال‪ِ} :‬بَمآ َأ ْ‬
‫جعل ذلك عنده داعًيا يقتضى أن يغوى هو ذرية آدم‪.‬‬
‫خْلِقه وأمره‪ ،‬وعارض النص بالقياس‪ .‬ولهذا يقول بعض السلف‪ :‬أول من‬
‫وإبليس هو أول من عادى ال‪ ،‬وطغى في َ‬
‫قاس إبليس‪ .‬فإن ال أمره بالسجود لدم‪ ،‬فاعترض على هذا المر بأنى خير منه‪ ،‬وامتنع من السجود‪ .‬فهو أول من‬
‫عادى ال‪ ،‬وهو الجاهل الظالم؛ الجاهل بما في أمر ال من الحكمة‪ ،‬الظالم باستكباره الذي جمع فيه بين بطر الحق‬
‫وغمط الناس‪.‬‬
‫ثم قوله لربه‪] :‬فبما أغويتني لفعلن[‪ ،‬جعل فعل ال ـ الذي هو إغواؤه له ـ حجة له‪ ،‬وداعًيا إلى أن يغوى ابن آدم‪.‬‬
‫ل نفسه‬
‫ضا‪ .‬فقاس نفسه على ربه‪ ،‬وَمّث َ‬
‫ن منه في فعل ال وأمره‪َ ،‬وْزعم منه أنه قبيح‪ ،‬فأنا أفعل القبيح ـ أي ً‬
‫وهذا طَْع ٌ‬
‫بربه‪.‬‬

‫ولهذا كان مضاهًيا للربوبية‪ ،‬كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن إبليس ينصب‬
‫عرشه على البحر‪ ،‬ثم يبعث سراياه‪ ،‬فأعظمهم فتنة أقربهم إليه منزلة‪ .‬فيجىء الرجل فيقول‪ :‬مازلت به حتى فعل كذا‪.‬‬
‫ثم يجيء الخر فيقول‪ :‬مازلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته‪ ،‬فيلتزمه ويدنيه منه‪ ،‬ويقول‪ :‬أنت أنت(‪.‬‬
‫‪ /‬والقدرية قصدوا تنزيه ال عن السفه‪ ،‬وأحسنوا في هذا القصد‪ .‬فإنه ـ سبحانه ـ ُمَقّدسٌ عما يقول الظالمون ـ من‬
‫ل‪ .‬لكن ضاق ذرعهم‪ ،‬وحصل عندهم نوع جهل اعتقدوا معه أن هذا التنزيه ل‬
‫عْد ٌ‬
‫حَكٌم‪َ ،‬‬
‫إبليس وجنوده ـ علًوا كبيًرا‪َ ،‬‬
‫يتم إل بأن يسلبوه قدرته على أفعال العباد‪ ،‬وخلقه لها‪ ،‬وشمول إرادته لكل شيء‪ .‬فناظروا إبليس وحزبه في شيء‪،‬‬
‫واستحوذ عليهم إبليس من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وهذا من أعظم آفات الجدال في الدين بغير علم أو بغير الحق وهو الكلم الذي ذمه السلف‪ ،‬فإن صاحبه يرد باط ً‬
‫ل‬
‫بباطل وبدعة ببدعة‪.‬‬
‫فجاء طوائف ممن ناظرهم من أهل الثبات؛ ليقرروا أن ال خالق كل شيء‪ ،‬ما شاء ال كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وأنه‬
‫على كل شيء قدير‪ ،‬فضاق ذرعهم وعلمهم‪ ،‬واعتقدوا أن هذا ل يتم إن لم ننكر محبة ال ورضاه‪ ،‬وما خص به بعض‬
‫الفعال دون بعض من الصفات الحسنة والسيئة وننكر حكمته ورحمته‪ ،‬فيجوز عليه كل فعل‪ ،‬ل ينزه عن ظلم ول‬
‫غيره من الفعال‪.‬‬
‫سا ـ ومال هؤلء إلى الرجاء‪ ،‬كما مال الولون‬
‫وزاد قوم في ذلك‪ ،‬حتى عطلوا المر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد ـ رأ ً‬
‫إلى الوعيد‪ .‬فقالت الوعيدية‪ / :‬كل فاسق خالد في النار ل يخرج منها أبًدا‪ ،‬وقالت الخوارج‪ :‬هو كافر‪ .‬وغالية المرجئة‬
‫سا ـ كما يفعله طوائف من التحادية‪،‬‬
‫أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة‪ .‬ومن صرح بالكفر أنكر الوعيد في الخرة ـ رأ ً‬
‫والمتفلسفة‪ ،‬والقرامطة‪ ،‬والباطنية‪ .‬وكان هؤلء الجبرية المرجئة أكفر بالمر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد‪ ،‬من المعتزلة‬
‫الوعيدية القدرية‪.‬‬
‫وأما مقتصدة المرجئة الجبرية‪ ،‬الذين يقرون بالمر والنهي‪ ،‬والوعد والوعيد‪ ،‬وأن من أهل القبلة من يدخل النار‪،‬‬
‫فهؤلء أقرب الناس إلى أهل السنة‪.‬‬
‫ت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبًيا أنا‬
‫وقد روى الترمذى عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ُ) :‬لِعَن ْ‬
‫آخرهم(‪.‬‬
‫لكن المعتزلة من القدرية‪ ،‬أصلح من الجبرية والمرجئة ونحوهم في الشريعة ـ علمها وعملها‪ .‬فكلمهم في أصول‬
‫الفقه وفي اتباع المر والنهي‪ ،‬خير من كلم المرجئة من الشعرية وغيرهم‪ .‬فإن كلم هؤلء في أصول الفقه قاصر‬
‫جًدا‪ ،‬وكذلك هم مقصرون في تعظيم الطاعات والمعاصى‪ .‬ولكن هم في أصول الدين أصلح من أولئك‪ ،‬فإنهم يؤمنون‬
‫من صفات ال وقدرته وخلقه بما ل يؤمن به أولئك‪ .‬وهذا الصنف أعلى‪.‬‬
‫‪ /‬فلهذا كانت المرجئة في الجملة خيًرا من القدرية‪ ،‬حتى إن الرجاء دخل فيه الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم‪،‬‬
‫بخلف العتزال‪ .‬فإنه ليس فيه أحد من فقهاء السلف وأئمتهم‪.‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫فإذا كان الضلل في القدر حصل ـ تارة ـ بالتكذيب بالقدر والخلق‪ ،‬وتارة بالتكذيب بالشرع والوعيد‪ ،‬وتارة بتظليم‬
‫الرب‪ ،‬كان في هذه السورة رًدا على هذه الطوائف كلها‪.‬‬
‫فقوله تعالى‪َ} :‬فَأْلَهَمَها ُفُجوَرَها َوَتْقَواَها{ ]الشمس‪ ،[ 8 :‬إثبات للقدر بقوله‪َ} :‬أْلَهَمَها{‪ ،‬وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور‬
‫والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هى الفاجرة والمتقية‪ ،‬وإثبات للتفريق بين الحسن والقبيح‪ ،‬والمر والنهي‪ ،‬بقوله‪:‬‬
‫جوَرَها َوَتْقَواَها{‪.‬‬
‫}ُف ُ‬

‫لحِ‬
‫ب َمن َدّساَها{ ]الشمس‪ ،[ 10 ،9 :‬إثبات لفعل العبد‪ ،‬والوعد والوعيد ِبَف َ‬
‫خا َ‬
‫ح َمن َزّكاَها َوَقْد َ‬
‫وقوله ـ بعد ذلك‪َ} :‬قْد َأْفَل َ‬
‫ن َزّكى نفسه وخيبة من دساها‪ .‬وهذا صريح في الرد على القدرية والمجوسية‪ ،‬وعلى الجبرية للشرع أو لفعل العبد‪،‬‬
‫َم ْ‬
‫وهم المكذبون بالحق‪.‬‬
‫س َوَما َسّواَها{ ]الشمس‪ ،[ 7 :‬والتسوية‪ :‬التعديل‪ .‬فبين أنه‬
‫‪ /‬وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله‪َ}:‬وَنْف ٍ‬
‫عادل في تسوية النفس التي ألهمها فجورها وتقواها‪.‬‬
‫وذكر ـ بعد ذلك ـ عقوبة من كذب رسله وطغى‪ ،‬وأنه ل يخاف عاقبة انتقامه ممن خالف رسله‪ ،‬ليبين أن من كذب‬
‫بهذا أو بهذا‪،‬فإن ال ينتقم منه ول يخاف عاقبة انتقامه‪ ،‬كما انتقم من إبليس وجنوده‪،‬وأن تظلمه من ربه وتسفيهه له‬
‫إنما يهلك به نفسه ولن يضر ال شيًئا‪.‬‬
‫)فإن العباد لن يبلغوا ضر ال فيضروه‪ ،‬ولن يبلغوا نفعه فينفعوه‪ ،‬ولو أن أولهم وآخرهم‪ ،‬وإنسهم وجنهم‪ ،‬كانوا على‬
‫أتقى قلب رجل منهم‪ ،‬ما زاد ذلك في ملكه شيًئا‪ ،‬ولو أن أولهم وآخرهم‪ ،‬وإنسهم وجنهم‪ ،‬كانوا على أفجر قلب رجل‬
‫منهم‪ ،‬ما نقص ذلك من ملكه شيًئا(‪.‬‬
‫حُزَر عقله‪) :‬هل يكون ذلك ظلًما؟(‪ ،‬فذكر أن ذلك ليس‬
‫ولهذا لما سأل عمران بن حصين أبا السود الدؤلى عن ذلك لَي ْ‬
‫منه ظلًما‪ ،‬وخاف من قوله‪ُ} :‬سْبَحاَنُه َوَتَعاَلى َعّما َيُقوُلوَن ُعُلّوا َكِبيًرا{ ]السراء‪ ،[ 43 :‬وذكر حديث النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬واستشهاده بهذه الية‪.‬‬
‫وقـد تبين أن القدرية الخائضين بالباطل‪ ،‬إما أن يكونوا ُمَكّذبين لما ‪ /‬أخبر به الرب من خلقه أو أمـره‪ ،‬وإمـا أن يكونوا‬
‫ل ِلَكِلَماِتِه َوُهَو‬
‫ل ُمَبّد ِ‬
‫ل ّ‬
‫عْد ً‬
‫صْدًقا َو َ‬
‫ك ِ‬
‫ت َرّب َ‬
‫ت َكِلَم ُ‬
‫مظلمين له في حكمه‪ .‬وهو ـ سبحانه ـ الصادق العدل‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَتّم ْ‬
‫الّسِميُع اْلَعِليُم{ ]النعام‪ .[ 115 :‬فإن الكلم إما إنشاء وإما إخبار‪ .‬فالخبار صدق‪ ،‬ل كذب‪ ،‬والنشاء ـ أمر التكوين‬
‫وأمر التشريع ـ عدل‪ ،‬ل ظلم‪ .‬والقدرية المجوسية كذبوا بما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدين‪ ،‬والبليسية‬
‫جعلوه ظالًما في مجموعهما‪ ،‬أو في كل منهما‪.‬‬
‫وقد ظهر ـ بذلك ـ أن المفترقين المختلفين من المة إنما ذلك بتركهم بعض الحق الذي بعث ال به نبيه وأخذهم باطلً‬
‫يخالفه‪ ،‬واشتراكهم في باطل يخالف ما جاء به الرسول‪ .‬وهو من جنس مخالفة الكفار للمؤمنين كما قال تعالى‪ِ} :‬تْل َ‬
‫ك‬
‫ل َيْفَعُل َما ُيِريُد{ ]البقرة‪.[253 :‬‬
‫نا ّ‬
‫ل َما اْقَتَتُلوْا َوَلـِك ّ‬
‫شاء ا ّ‬
‫ض{ إلى قوله‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫عَلى َبْع ٍ‬
‫ضُهْم َ‬
‫ضْلَنا َبْع َ‬
‫ل َف ّ‬
‫سُ‬
‫الّر ُ‬
‫ظا مما ذكروا به فألقى بينهم العداوة والبغضاء‪،‬‬
‫فـإذا اشتركوا في باطـل خالفـوا به المؤمنـين المتبعـين للرسـل نسوا ح ً‬
‫واختلفوا فيما بينهم في حق آخر جاء به الرسول‪ ،‬فآمن هـؤلء ببعضه وكفـروا ببعضه‪ ،‬والخـرون يؤمنـون بما كفـر‬
‫بـه هـؤلء ويكفرون بما يؤمن به هؤلء‪.‬‬
‫وهنا كل الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة‪ .‬وهذا شأن عامة ‪ /‬الفتراق والختلف في هذه المة وغيرها‪.‬‬
‫وهذا من ذلك‪ .‬فإنهم اشتركوا في أن كون الرب خالًقا لفعل العبد ينافي كون فعله منقسًما إلى حسن وقبيح‪ .‬وهذه‬
‫المقدمة اشتركوا فيها ـ جدل ـ من غير أن تكون حًقا في نفسها أو عليها حجة مستقيمة‪.‬‬
‫وهى إحدى المقدمتين التي يعتمدها الرازي في مسألة التحسين والتقبيح‪ .‬فإنه اعتقد في ]محصوله[ وغيره على أن‬
‫حا‪.‬‬
‫حا‪ ،‬فل يكون شيء من أفعال العباد قبي ً‬
‫العبد مجبور على فعله‪ ،‬والمجبور ل يكون فعله قبي ً‬
‫حّرْمَنا ِمن‬
‫ل َ‬
‫ل آَباُؤَنا َو َ‬
‫شَرْكَنا َو َ‬
‫ل َما َأ ْ‬
‫شاء ا ّ‬
‫وهذه الحجة بنفي ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل‪ ،‬الذين قالوا‪َ} :‬لْو َ‬
‫يٍء{ ]النعام‪ ،[ 148 :‬فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ما لم يحرمه ال من الطيبات بإثبات القدر‪.‬‬
‫ش ْ‬
‫َ‬

‫لكن هؤلء الذين يحتجون بالجبر على نفي الحكام‪ ،‬إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه‪ .‬ولهذا لم‬
‫يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين‪ ،‬وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين‪.‬‬

‫لكن يوجد في المتكلمين والمتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى ‪ /‬يكفروا ـ حينئذ ـ بالمر والنهي والوعد والوعيد‬
‫والثواب والعقاب‪ ،‬إما قول‪ ،‬وإما حال وعمل‪ .‬وأكثر ما يقع ذلك في الفعال التي توافق أهواءهم‪ ،‬يطلبون بذلك إسقاط‬
‫اللوم والعقاب عنهم‪ ،‬ول يزيدهم ذلك إل ذًما وعقاًبا كالمستجير من الرمضاء بالنار‪.‬‬
‫فإن هذا القول ل يطرد العمل به لحد‪ ،‬إذ ل غنى لبنى آدم ـ بعضهم من بعض ـ من إرادة شيء والمر به‪ ،‬وبغض‬
‫شيء والنهي عنه‪ .‬فمن طلب أن يسوى بين المحبوب والمكروه‪ ،‬والمرضى والمسخوط‪ ،‬والعدل والظلم‪ ،‬والعلم‬
‫والجهل‪ ،‬والضلل والهدى‪ ،‬والرشد والغى‪ ،‬فإنه ل يستمر على ذلك أبًدا‪ .‬بل إذا حصل له ما يكرهه ويؤذيه فر إلى‬
‫دفع ذلك‪ ،‬وعقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي في ذلك‪.‬‬
‫فهم من أظلم الخلق في تفريقهم بين القبيح من الظلم والفواحش منهم ومن غيرهم‪ ،‬وممن يهوونه ومن ل يهوونه‪،‬‬
‫واحتجاجهم بالقدر لنفسهم دون خصومهم‪.‬‬
‫وتجد أحدهم عند فعل ما يحمد عليه يغلب على قلبه حال أهل القدر‪ ،‬فيجعل نفسه هو المحِدث لذلك دون ال‪ ،‬وينسى‬
‫نعمة ال عليه ‪ /‬في إلهامه إياه تقواه‪ .‬وهذا من أظلم الخلق‪ ،‬كما قال أبو الفرج ابن الجوزى‪ :‬أنت عند الطاعة قدرى‪،‬‬
‫وعند المعصية جبرى‪ ،‬أى مذهب وافق هواك تمذهبت به‪.‬‬
‫وأهل العدل ضد ذلك‪ .‬إذا فعلوا حسنة شكروا ال عليها؛ لعلمهم بأن ال هو الذي حبب إليهم اليمان وزينه في قلوبهم‪،‬‬
‫سَتْغَفُروْا ِلُذُنوِبِهْم‬
‫ل َفا ْ‬
‫سُهْم َذَكُروْا ا ّ‬
‫ظَلُموْا َأْنُف َ‬
‫شًة َأْو َ‬
‫حَ‬
‫ن ِإَذا َفَعُلوْا َفا ِ‬
‫وأنه هو الذي كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان‪َ} ،‬واّلِذي َ‬
‫صّروْا َعَلى َما َفَعُلوْا َوُهْم َيْعَلُموَن{ ]آل عمران‪.[135 :‬‬
‫ل َوَلْم ُي ِ‬
‫لا ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫َوَمن َيْغِفُر الّذُنو َ‬
‫سَنا‬
‫ظَلْمَنا َأنُف َ‬
‫حيُم{ ]البقرة‪ ،[37 :‬وقال‪َ} :‬رّبَنا َ‬
‫ب الّر ِ‬
‫عَلْيِه ِإّنُه ُهَو الّتّوا ُ‬
‫ب َ‬
‫ت َفَتا َ‬
‫فاتبعوا أباهم حيث أذنب‪َ} :‬فَتَلّقى آَدُم ِمن ّرّبِه َكِلَما ٍ‬
‫َوِإن ّلْم َتْغِفْر َلَنا َوَتْرَحْمَنا َلَنُكوَنّن ِمَن اْلَخاِسِريَن{ ]العراف‪.[23 :‬‬

‫ى وأبوء بذنبي(‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬سيد الستغفار أن يقول‪:‬‬
‫ويقول أحدهم‪) :‬أبوء لك بنعمتك عل ّ‬
‫العبد اللهم‪ ،‬أنت ربي‪ ،‬ل إله إل أنت‪ .‬خلقتنى وأنا عبدك‪ ،‬وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت‪ ،‬أعوذ بك من شر ما‬
‫صنعت‪ .‬أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى‪ .‬فاغفر لى‪ ،‬فإنه ل يغفر الذنوب إل أنت(‪ .‬وكان في الحديث الصحيح ـ‬
‫ضا‪) :‬إن ال تعالى يقول‪ :‬يا عبادى‪ ،‬إنما هى أعمالكم ترد ‪ /‬عليكم‪ ،‬فمن وجد خيًرا فليحمد ال‪ ،‬ومن وجد شًرا فل‬
‫أي ً‬
‫ك{ ]النساء‪:‬‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفمِ َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫يلومن إل نفسه(‪ .‬ويقولون بموجب قوله تعالى‪ّ} :‬ما َأ َ‬
‫‪.[79‬‬
‫قال ابن القيم ـ رحمه ال ـ‪:‬‬
‫ذكر ـ سبحانه ـ في هذه السورة ثمود دون غيرهم من المم المكذبة فقال شيخ السلم أبو العباس تقى الدين ابن تيمية‪:‬‬
‫هذا ـ وال أعلم ـ من باب التنبيه بالدنى على العلى‪ .‬فإنه لم يكن في المم المكذبة أخف ذنًبا وعذاًبا منهم‪ ،‬إذ لم يذكر‬
‫عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد‪ ،‬ومدين‪ ،‬وقوم لوط‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫خَلَقُهْم ُهَو‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ا َّ‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة َأَوَلْم َيَرْوا َأ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫ق َوَقاُلوا َم ْ‬
‫حّ‬
‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫لْر ِ‬
‫سَتْكَبُروا ِفي ا َْ‬
‫عاٌد َفا ْ‬
‫ولهذا لما ذكرهم وعاًدا قال‪َ} :‬فَأّما َ‬
‫َأَشّد ِمْنهُْم ُقّوًة َوَكاُنوا ِبآَياِتَنا َيْجَحُدوَن{ ]فصلت‪َ} ،[15 :‬وَأّما َثُموُد َفَهَدْيَناُهْم َفاْسَتَحّبوا اْلَعَمى َعَلى اْلُهَدى{ ]فصلت‪.[17 :‬‬

‫وكذلك إذا ذكرهم مع المم المكذبة لم يذكر عنهم ما يذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والعمال السيئة‪ ،‬كاللواط‪،‬‬
‫وبخس المكيال والميزان‪ ،‬والفساد في الرض‪ ،‬كما في سورة هود‪ ،‬والشعراء وغيرهما‪ .‬فكان في قوم لوط ـ مع‬
‫الشرك ـ إتيان الفواحش التي ‪ /‬لم يسبقوا إليها؛ وفي عاد ـ مع الشرك ـ التجبر‪ ،‬والتكبر‪ ،‬والتوسع في الدنيا‪ ،‬وشدة‬
‫البطش‪ ،‬وقولهم‪َ}:‬مْن َأَشّد ِمّنا ُقّوًة{ ‪ ،‬وفي أصحاب مدين ـ مع الشرك ـ الظلم في الموال‪ .‬وفي قوم فرعون الفساد في‬
‫الرض‪ ،‬والعلو‪.‬‬
‫وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم‪ .‬فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي ل يقوم لها شيء‪ ،‬وعذب‬
‫قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم‪ .‬فجمع لهم بين الهلك‪ ،‬والرجم بالحجارة من السماء‪ ،‬وطمس‬

‫البصار‪ ،‬وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها‪ ،‬والخسف بهم إلى أسفل سافلين‪ .‬وعذب قوم شعيب بالنار التي‬
‫أحرقتهم‪ ،‬وأحرقت تلك الموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان‪.‬‬
‫وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة‪ ،‬فماتوا في الحال‪ .‬فإذا كان هذا عذابه لهؤلء وذنبهم ـ مع الشرك ـ عقر الناقة التي جعلها‬
‫ال آية لهم‪ ،‬فمن انتهك محارم ال‪ ،‬واستخف بأوامره ونواهيه‪ ،‬وعقر عباده وسفك دماءهم‪ ،‬كان أشد عذاًبا‪.‬‬
‫ومن اعتبر أحوال العالم قديًما وحديًثا‪ ،‬وما يعاقب به من يسعى في الرض بالفساد‪ ،‬وسفك الدماء بغير حق‪ ،‬وأقام‬
‫الفتن‪ ،‬واستهان بحرمات ال‪ ،‬علم أن النجاة في الدنيا والخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون‪.‬‬
‫سوَرة الَعَلق‬
‫ُ‬
‫وَقال الشيخ ـ رحمه ال ‪:‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫في بيان أن الرسول صلى ال عليه وسلم أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين وهي الدلة العقلية الدالة على ثبوت‬
‫عا‪.‬‬
‫الصانع وتوحيده‪ ،‬وصدق رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعلى المعاد إمكاًنا ووقو ً‬
‫وقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ هذا الصل غير مرة‪ ،‬وأن الرسول صلى ال عليه وسلم بين الدلة العقلية والسمعية التي‬
‫ل تخالف بعض ما‬
‫يهتدى بها الناس إلى دينهم‪ ،‬وما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والخرة‪ ،‬وأن الذين ابتدعوا أصو ً‬
‫ل وسمًعا‪ ،‬كما قد بسط في غير موضع‪ .‬وبين أن كثيًرا من‬
‫جاء به هي أصول دينهم‪ ،‬ل أصول دينه‪ .‬وهي باطلة عق ً‬
‫المنتسبين إلى العلم والدين قاصرون أو مقصرون في معرفة ما جاء به من الدلئل ‪ /‬السمعية والعقلية‪.‬‬
‫ل تخالف ما جاء به من هذا وهذا‪.‬‬
‫فطائفة قد ابتدعت أصو ً‬
‫وطائفة رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه‪،‬وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلمتهم من بدعة أولئك‪.‬ولكن هم ـ مع ذلك ـ‬
‫لم يتبعوا السنة على وجهها‪ ،‬ول قاموا بما جاء به من الدلئل السمعية والعقلية‪.‬بل الذي يخبر به من السمعيات مما‬
‫يخبر به عن ربه وعن اليوم الخر‪ ،‬غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به‪ .‬بل قــد يقولــون مع هذا إنه‬
‫نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به؛ لن ذلك عندهم هو تأويل المتشابه الذي ل يعلمـه إل ال‪.‬‬
‫وأما الدلة العقلية فقد ل يتصورون أنه أتى بالصول العقلية الدالة على ما يخبر به‪ ،‬كالدلة الدالة على التوحيد‬
‫ل‪ ،‬ول يعرف أدلته‪ .‬بل قد يظن أن ما يستدل به ـ كالستدلل بخلق‬
‫والصفات‪ .‬ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا مجم ً‬
‫النسان على حدوث جواهره ـ هو دليل الرسول‪.‬‬
‫وكثير من هؤلء يعتقدون‪ :‬أن في ذلك ما ل يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد‪،‬وحسن التوحيد والعدل والصدق‪ ،‬وقبح‬
‫الشرك والظلم‪/‬والكذب‪ .‬والقرآن يبين الدلة العقلية الدالة على ذلك‪ .‬وينكر على من لم يستدل بها‪ .‬ويبين أنه بالعقل‬
‫يعرف المعاد‪ ،‬وحسن عبادته وحده وحسن شكره‪ .‬وقبح الشرك‪ ،‬وكفر نعمه‪ ،‬كما قد بسطت الكلم على ذلك في‬
‫مواضع‪.‬‬
‫وكثير من الناس يكون هذا في فطرته وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين على طريقة النفاة‬
‫الجبرية ـ أتبــاع جهم‪ .‬وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون ـ يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم‬
‫عى‪.‬‬
‫الِبْد ِ‬
‫وقد ذكر أبو عبد ال ـ ابن الجد العلى ـ أنه سمع أبا الفرج ابن الجوزي ينشد في مجلس وعظه البيتين المعروفين‪:‬‬
‫سلـه ** وجاحمة النار لم ُتضـــرم‬
‫ث لــم تـأتـنا ُر ْ‬
‫هب البعـ ُ‬
‫ق ** حياُء العباد مــن المْنِعـم؟‬
‫حـ ِ‬
‫أليـس مـن الـواجـب المسَت َ‬

‫فقد صرح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم‪.‬‬
‫وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق ولو لم يكن وعيد‪ ،‬ول ‪ /‬رسالة أخبرت بجزاء‪ .‬وهو يبين ثبوت الوجوب‬
‫والستحقاق وإن قدر أنه ل عذاب‪.‬‬
‫وهذا فيـه نزاع قـد ذكرناه في غير هذا الموضع‪ ،‬وبينا أن هذا هو الصحيح‪ .‬ونتيجة فعـل المنهي انخفاض المنزلة‬
‫وسلب كثير مـن النعم التي كان فيها وإن كان ل يعاقب بالضرر‪.‬‬
‫ويبين أن الوجوب والستحقاق ُيْعلم بالبديهة‪ .‬فتارك الواجد وفاعل القبيح وإن لم ُيَعّذب باللم كالنار فيسلب من النعم‬
‫وأسبابه ما يكون جزاءه‪ .‬وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها ـ أن يسلبها‪ .‬فالشكر قيد النعم‪ ،‬وهو موجب للمزيد‪.‬‬
‫والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب‪ ،‬وقبل ذلك ُيْنقص النعمة ول يزيد‪.‬‬
‫خَلْقَنا‬
‫مع أنه لبد من إرسال رسول يســتحق معه النعيم أو العذاب‪ ،‬فإنــه مــا ثم دار إل الجنة أو النار‪.‬قال تعالى‪َ}:‬لَقْد َ‬
‫ت َفَلُهْم َأْجٌر َغْيُر َمْمُنوٍن{ ]التين‪،[6 - 4:‬وهذا‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ساِفِلي َ‬
‫ل َ‬
‫سَف َ‬
‫ن َتْقِويٍم ُثّم َرَدْدَناُه َأ ْ‬
‫سِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي َأ ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ا ِْ‬

‫مبسوط في مواضع‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن بيان هذه الصول وقع في أول ما أنزل من القرآن‪ .‬فإن أول ما أنزل من القرآن‪} :‬اْقَرْأ ِباْسِم َرّب َ{‬
‫ك{‬
‫]العلق‪ ،[ 1 :‬عند جماهير ‪ /‬العلماء‪ .‬وقد قيل‪َ} :‬يا َأّيَها اْلُمّدّثُر{ ]المدثر‪ ،[ 1 :‬روى ذلك عن جابر‪ .‬والول أصح‪ .‬فإن ما‬
‫ك{ نزلت عليه وهو في غار حراء‪ ،‬وأن‬
‫سِم َرّب َ‬
‫في حديث عائشة الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫]المدثر[ نزلت بعد‪.‬‬
‫وهذا هو الذي ينبغى‪ .‬فإن قوله‪} :‬اْقَرْأ{ أمر بالقراءة‪ ،‬ل بتبليغ الرسالة‪ ،‬وبذلك صار نبًيا‪ .‬وقوله‪ُ} :‬قْم َفَأنِذْر{ ]المدثر‪:‬‬
‫‪ ،[ 2‬أمر بالنذار‪ ،‬وبذلك صار رسولً منذًرا‪.‬‬
‫ففي الصحيحين من حديث الزهرى‪ ،‬عن عروة‪ ،‬عن عائشة قالت‪ :‬أول ما بدئ به رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫ب إليه الخلء‪ ،‬فكان يأتى غار‬
‫حّب َ‬
‫الوحي الرؤيا الصادقة في النوم‪ .‬فكان ل يرى رؤيا إل جاءت مثل فلق الصبح‪ .‬ثم ُ‬
‫حراء فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك‪ .‬ثم يرجع إلى خديجة فيتزود‬
‫لمثلها‪ ،‬حتى جاءه الحق وهو في غار حراء‪.‬‬
‫فجاءه الملك فقال‪) :‬اقرأ(‬
‫قال‪) :‬ما أنا بقارئ(‬
‫قال‪) :‬فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد‪ ،‬ثم أرسلني فقال‪ :‬اقرأ(‬
‫فقلت‪) :‬ما أنا بقارئ(‬
‫)فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال‪ :‬اقرأ(‪.‬‬
‫فقلت‪) :‬ما أنا بقارئ(‬
‫ق اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫ك‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫)فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد‪ ،‬ثم أرسلني فقال‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ( ]العلق‪.[5 - 1 :‬‬

‫فرجع بها رسول ال صلى ال عليه وسلم يرجف فؤاده‪ .‬فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‪) :‬زملوني‪ .‬زملوني(‬
‫فزملوه حتى ذهب عنه الروع‪.‬‬
‫فقال لخديجة ـ وأخبرها الخبر‪) :‬لقد خشيت على نفسي(‬

‫فقالت له خديجة‪ :‬كل‪ ،‬وال‪ ،‬ل يخزيك ال أبًدا؛ إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتقرى الضيف‪ ،‬وتكسب المعدوم‪،‬‬
‫وتعين على نوائب الحق‪.‬‬
‫فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد ‪ /‬العزى ـ ابن عم خديجة‪ .‬وكان امرأ تنصر في‬
‫خا كبيًرا قد عمي‪.‬‬
‫الجاهلية‪ ،‬وكان يكتب الكتاب العبرى‪ ،‬فيكتب من النجيل بالعربية ما شاء ال أن يكتب‪ ،‬وكان شي ً‬
‫فقالت له خديجة‪ :‬يا بن عم‪ ،‬اسمع من ابن أخيك‪.‬‬
‫فقال له ورقة‪ :‬يا بن أخى‪ ،‬ماذا ترى؟‬
‫فأخبره رسول ال صلى ال عليه وسلم خبر ما رأى‪.‬‬
‫عا! ليتنى أكون حًيا إذ يخرجك قومك!‬
‫فقال له ورقة‪ :‬هذا الناموس الذي أنزل على موسى‪ .‬يا ليتنى فيها جذ ً‬
‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪) :‬أو مخرجي هم؟(‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إل عودى‪.‬وإن يدركنى يومك أنصرك نصًرا مؤزًرا‪.‬‬
‫ثم لم ينشب ورقة أن توفي‪ ،‬وَفَتر الوحي‪.‬‬
‫قال ابن شهاب الزهرى‪ ،‬سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن‪ ،‬قــال‪ :‬أخبرنى جابر بن عبد ال أنه سمع رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم يحدث ‪ /‬عن َفْتَرة الوحي‪) :‬فبينما أنا أمشى سمعت صوًتا فرفعت بصرى قبل السماء‪ ،‬فإذا الملك الذي‬
‫ت‪ :‬أى ذعرت[ حتى هويت إلى الرض‪ .‬فجئت‬
‫جِئْث ُ‬
‫جِئْثت ] ُ‬
‫جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والرض‪ ،‬ف ُ‬
‫جْر{(‬
‫جَز َفاْه ُ‬
‫أهلى فقلت‪ :‬زملونى‪ ،‬زملونى‪ ،‬فزملونى‪ .‬فأنزل ال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اْلُمدّّثُر ُقْم َفَأنِذْر{ إلى قوله‪َ} :‬والّر ْ‬
‫]المدثر‪.[5 - 1 :‬‬
‫فهذا يبين أن ]المدثر[ نزلت بعد تلك الَفْتَرة‪ ،‬وأن ذلك كان بعـد أن عاين الملك الذي جاءه بحراء ـ أول ـ فكان قد رأى‬
‫الملك مرتين‪.‬‬
‫وهذا يفسر حديث جابر الذي روى من طريق آخر كما أخرجاه من حديث يحيى بن أبي كثير‪ ،‬قال‪:‬سألت أبا سلمة بن‬
‫ك اّلِذي َخَل َ{‬
‫ق{‬
‫سِم َرّب َ‬
‫عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن‪.‬قال‪َ}:‬يا َأّيَها اْلُمّدّثُر{ ]المدثر‪ .[ 1 :‬قلت‪:‬يقولــون‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫]العلق‪ .[ 1 :‬فقال أبو سلمة‪:‬سألت جابر بن عبد ال عن ذلك وقلت له مثل ما قلت‪،‬فقال جابر‪ :‬ل أحدثك إل ما حدثنا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ـ قال‪) :‬جاورت بحراء‪ ،‬فلما قضيت جوارى هبطت فنوديت‪ ،‬فنظرت عن يمينى فلم‬
‫أر شيًئا‪ ،‬ونظرت عن شمالى فلم أر شيًئا‪،‬ونظرت أمامى فلم أر شيًئا‪ ،‬ونظرت خلفي فلم أر شيًئا‪ .‬فرفعت رأسى‬
‫ى ماًء بارًدا‪ ،‬فدثروني وصبوا علي ماًء بارًدا(‪ / .‬قال‪) :‬فنزلت‪:‬‬
‫فرأيت شيًئا‪ .‬فأتيت خديجة فقلت‪ :‬دثرونى وصبوا عل ّ‬
‫ك َفَكّبْر{ ( ]المدثر‪.[3 - 1 :‬‬
‫}َيا َأّيَها اْلُمّدّثُر ُقْم َفَأنِذْر َوَرّب َ‬
‫فهذا الحديث يوافق المتقدم‪ ،‬وإن ]المدثر[ نزلت بعد أن هبط من الجبل وهو يمشى‪ ،‬وبعد أن ناداه الملك ـ حينئذ‪ .‬وقد‬
‫بين في الرواية الخرى أن هذا الملك هو الذي جاءه بحراء‪ ،‬وقد بينت عائشة أن }اْقَرْأ{ نزلت حينئذ في غار حراء‪.‬‬
‫لكن كأنه لم يكن علم أن }اًقرأ{ نزلت ـ حينئذ‪ ،‬بل علم أنه رأى الملك قبل ذلك‪ ،‬وقد يراه ول يسمع منه‪ .‬لكن في‬
‫حديث عائشة زيادة علم‪ ،‬وهو أمره بقراءة }اْقَرْأ{‪.‬‬
‫وفي حديث الزهرى أنه سمى هذا ]َفْتَرة الوحي[‪ ،‬وكذلك في حديث عائشة ]َفْتَرة الوحي[‪ .‬فقد يكون الزهري روى‬
‫حديث جابر بالمعنى‪ ،‬وسمى ما بين الرؤيتين ]فترة الوحي[ كما بينته عائشة‪ ،‬وإل فإن كان جابر سماه ]فترة الوحي[‬
‫فكيف يقول‪ :‬إن الوحي لم يكن نزل؟‬

‫وبكل حال‪ ،‬فالزهري عنده حديث عروة‪ ،‬عن عائشة‪ ،‬وحديث أبي سلمة‪ ،‬عن جابر وهو أوسع علًما وأحفظ من يحيى‬
‫بن أبي كثير لو اختلفا‪ .‬لكن يحيى ذكر أنه سأل أبا سلمة عن الولى‪ ،‬فأخبر جابر بعلمه‪ ،‬ولم يكن علم ما نزل قبل‬
‫ذلك‪ ،‬وعائشة أثبتت وبينت‪.‬‬
‫‪ /‬واليات ـ آيات ]اقرأ[ و]المدثر[ ـ تبين ذلك‪ ،‬والحديثان متصادقان مع القرآن ومع دللة العقل على أن هذا الترتيب‬
‫هو المناسب‪.‬‬
‫ن َما َلْم‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫عّلَم ا ِْ‬
‫عّلَم ِباْلَقَلِم َ‬
‫لْكَرُم اّلِذي َ‬
‫ك ا َْ‬
‫ق اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫وإذا كان أول ما أنزل }اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫َيْعَلْم{ ]العلق‪ 1 :‬ـ ‪ ،[ 5‬ففي الية الولى إثبات الخالق ـ تعالى‪ ،‬وكذلك في الثانية‪.‬‬

‫وفيها وفي الثانية الدللة على إمكان النبوة‪ ،‬وعلى نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ق{‪ .‬فذكر الخلق مطلًقا‪ ،‬ثم خص خلق‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق{ ‪ ،‬ثم قال‪َ }:‬‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫أما الولى؛ فإنه قال‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫النسان أنه خلقه من علق‪.‬وهذا أمر معلوم لجميع الناس‪،‬كلهم يعلمون أن النسان يحدث في بطن أمه‪،‬وأنه يكون من‬
‫علق‪.‬وهؤلء بنو آدم‪.‬‬
‫ن{ هو اسم جنس يتناول جميع الناس‪ ،‬ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين‪ .‬فإن المقصود بهذه الية‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫وقوله‪} :‬ا ِْ‬
‫بيان الدليل على الخالق ـ تعالى‪ ،‬والستدلل إنما يكون بمقدمات ‪ /‬يعلمها المستدل‪ .‬والمقصود بيان دللة الناس‬
‫وهدايتهم‪ ،‬وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق‪.‬‬
‫فأما خلق آدم من طين‪ ،‬فذاك إنما علم بخبر النبياء‪ ،‬أو بدلئل ُأخر‪ .‬ولهذا ينكره طائفة من الكفار ـ الدهرية وغيرهم ـ‬
‫الذين ل يقرون بالنبوات‪.‬‬
‫وهذا بخلف ذكر خلقه في غير هذه السورة‪ .‬فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة‪ ،‬وهذه السورة أول ما نزل‪ ،‬وبها تثبت‬
‫النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر‪ ،‬بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة‪ ،‬والخبار المتواترة لمن لم ير العلق‪.‬‬
‫عَلَقة[‪ ،‬وهي القطعة الصغيرة من الدم؛ لن ما قبل ذلك كان‬
‫وذكر ـ سبحانه ـ خلق النسان من العلق ـ وهو جمع ] َ‬
‫عَلَقة‪.‬‬
‫نطفة‪ ،‬والنطفة قد تسقط في غير الرحم كما يحتلم النسان‪ ،‬وقد تسقط في الرحم ثم يرميها الرحم قبل أن تصير َ‬
‫عِلم أنها صارت علقة ليخلق منها النسان‪.‬‬
‫فقد صار مبدأ لخلق النسان‪ ،‬و ُ‬
‫س َذِل َ‬
‫ك‬
‫لنَثى َأَلْي َ‬
‫ن الّذَكَر َوا ُْ‬
‫جْي ِ‬
‫ل ِمْنُه الّزْو َ‬
‫جَع َ‬
‫سّوى َف َ‬
‫ق فَ َ‬
‫خَل َ‬
‫عَلَقًة َف َ‬
‫ن َ‬
‫ي ُيْمَنى ُثّم َكا َ‬
‫طَفًة ّمن ّمِن ّ‬
‫ك ُن ْ‬
‫وقد قال في سورة القيامة‪َ} :‬أَلْم َي ُ‬
‫ي اْلَمْوَتى{ ]القيامة‪ ،[ 40 - 37 :‬فهنا ذكرهذا على إمكان النشأة الثانية التي تكون من التراب؛ ولهذا‬
‫حِي َ‬
‫ِبَقاِدٍر عََلى َأن ُي ْ‬
‫طَفٍة{ ]الحج‪ ،[5 :‬ففي القيامة‬
‫ب ُثّم ِمن ّن ْ‬
‫خَلْقَناُكم ّمن ُتَرا ٍ‬
‫ث َفِإّنا َ‬
‫ن اْلَبْع ِ‬
‫ب ّم َ‬
‫س ِإن ُكنُتْم ِفي َرْي ٍ‬
‫قال في موضع آخر‪َ} :‬يا َأّيَها الّنا ُ‬

‫استدل بخلقه من نطفة‪ ،‬فإنه معلوم لجميع الخلق‪ .‬وفي الحج ذكر خلقه من تراب‪ ،‬فإنه قد علم بالدلة القطعية‪ .‬وذكر‬
‫أول الخلق أدل على إمكان العادة‪.‬‬
‫وأما هنا‪ ،‬فالمقصود ذكر ما يدل على الخالق تعالى ابتداء فذكر أنه خلق النسان من علق‪ ،‬وهو من العلقة ـ الدم‪،‬‬
‫غْيرِ‬
‫خّلَقٍة َو َ‬
‫ضَغٍة ّم َ‬
‫يصير مضغة‪ ،‬وهو قطعة لحم كاللحم الذي يمضغ بالفم‪ ،‬ثم تخلق فتصور‪ ،‬كما قال ـ تعالى ـ }ُثّم ِمن ّم ْ‬
‫ُمَخّلَقٍة ّلُنَبّيَن َلُكْم{ ]الحج‪ [ 5:‬ـ فإن الرحم قد يقذفها غير مخلقة‪ .‬فبين للناس مبدأ خلقهم‪ ،‬ويرون ذلك بأعينهم‪.‬‬
‫وهذا الدليل ـ وهو خلق النسان من علق ـ يشترك فيه جميع الناس‪ .‬فإن الناس هم المستدلون‪ ،‬وهم أنفسهم الدليل‬
‫صُروَن{ ]الذاريات‪ ،[21 :‬وقال‪:‬‬
‫ل ُتْب ِ‬
‫سُكْم َأَف َ‬
‫والبرهان والية‪ .‬فالنسان هوالدليل وهو المستدل‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِفي َأنُف ِ‬
‫خِلُقوا ِم ْ‬
‫ن‬
‫ق{ ]فصلت‪ .[ 53 :‬وهذا كما قال في آية أخرى‪َ} :‬أْم ُ‬
‫حّ‬
‫ن َلُهْم َأّنُه اْل َ‬
‫حّتى َيَتَبّي َ‬
‫سِهْم َ‬
‫ق َوِفي َأنُف ِ‬
‫لَفا ِ‬
‫سُنِريهِْم آَياِتَنا ِفي ا ْ‬
‫}َ‬
‫يٍء َأْم ُهُم اْلَخاِلُقوَن{ ]الطور‪.[35 :‬‬
‫ش ْ‬
‫غْيِر َ‬
‫َ‬
‫‪ /‬وهو دليل يعلمه النسان من نفسه‪ ،‬ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بنى جنسه‪ .‬فيستدل به على المبدأ‬
‫ك َشْيًئا{ ]مريم‪:‬‬
‫ل َوَلْم َي ُ‬
‫خَلْقَناُه ِمن َقْب ُ‬
‫ن َأّنا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل َيْذُكُر ا ِْ‬
‫حّيا َأَو َ‬
‫ج َ‬
‫خَر ُ‬
‫ف ُأ ْ‬
‫سْو َ‬
‫ت َل َ‬
‫ن َأِئَذا َما ِم ّ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل ا ِْ‬
‫والمعاد‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَيُقو ُ‬

‫ل َمّرٍة َوُهَو ِبُكلّ‬
‫شَأَها َأّو َ‬
‫حِييَها اّلِذي َأن َ‬
‫ل ُي ْ‬
‫ي َرِميٌم ُق ْ‬
‫ظامَ َوِه َ‬
‫حِيي اْلِع َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫ل َم ْ‬
‫خْلَقُه َقا َ‬
‫ي َ‬
‫سَ‬
‫ل َوَن ِ‬
‫ب َلَنا َمَث ً‬
‫ضَر َ‬
‫‪ ،[ 67 ،66‬وقال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ق َعِليٌم{ ]يس‪.[79 ،78 :‬‬
‫خْل ٍ‬
‫َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ن‬
‫عاِقًرا َوَقْد َبَلْغ ُ‬
‫ت اْمَرَأِتي َ‬
‫لٌم َوَكاَن ِ‬
‫غَ‬
‫ن ِلي ُ‬
‫وكذلك قال زكريا لما تعجب من حصول ولد ـ على الكبر ـ فقال‪َ} :‬أّنى َيُكو ُ‬
‫ك َشْيًئا{ ]مريم‪ ،[ 9 ،8 :‬ولم يقل‪) :‬إنه أهون عليه( كما‬
‫ل َوَلْم َت ُ‬
‫ك ِمن َقْب ُ‬
‫خَلْقُت َ‬
‫ن َوَقْد َ‬
‫ي َهّي ٌ‬
‫عَل ّ‬
‫ك ُهَو َ‬
‫ل َرّب َ‬
‫ك َقا َ‬
‫ل َكَذِل َ‬
‫اْلِكَبِر عِِتّيا َقا َ‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه َوُهَو َأْهَوُن َعَلْيِه{ ]الروم‪.[27 :‬‬
‫خْل َ‬
‫قال في المبدأ والمعاد‪َ} :‬وُهَو اّلِذي َيْبَدُأ اْل َ‬

‫ق{ ]العلق‪ ،[1 :‬فأطلق الخلق الذي يتناول‬
‫خَل َ‬
‫ق{ ]العلق‪ ،[ 2 :‬بعد أن قال‪} :‬اّلِذي َ‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫وقال ـ سبحانه ـ } َ‬
‫خَلق{‪َ.‬‬
‫ل في قوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫كل مخلوق‪ ،‬ثم عين خلق النسان فكان كلما يعلم حدوثه داخ ً‬
‫وذكر بعد الخلق التعليم ـ الذي هو التعليم بالقلم‪ ،‬وتعليم النسان ما لم يعلم‪ .‬فخص هذا التعليم الذي يستدل به على‬
‫إمكان النبوة‪.‬‬
‫سَم َرّب َ‬
‫ك‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫ولم يقل ـ هنا‪] :‬هدى[‪ ،‬فيذكر الهدى العام المتناول للنسان ‪ /‬وسائر الحيوان‪ ،‬كما قال في موضع آخر‪َ } :‬‬
‫يٍء َخْلَقُه ُثّم َهَدى{{‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫طى ُك ّ‬
‫عَ‬
‫سّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ 1 :‬ـ ‪ ،[ 3‬وكما قال موسى }َرّبَنا اّلِذي َأ ْ‬
‫ق َف َ‬
‫خَل َ‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫لْ‬
‫ا َْ‬

‫]طه‪[ 50:‬؛ لن هذا التعليم الخاص يستلزم الهدى العام‪ ،‬ول ينعكس‪ .‬وهذا أقرب إلى إثبات النبوة‪ ،‬فإن النبوة نوع من‬
‫التعليم‪.‬‬
‫وليس جعل النسان نبًيا بأعظم من جعله الَعَلَقة إنساًنا‪ ،‬حًيا‪ ،‬عالًما‪ ،‬ناطًقا‪ ،‬سميًعا‪ ،‬بصيًرا‪ ،‬متكلًما‪ ،‬قد علم أنواع‬
‫المعارف‪ ،‬كما أنه ليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته‪ .‬والقادر على المبدأ كيف ل يقدر على المعاد؟ والقادر على‬
‫هذا التعليم كيف ل يقدر على ذاك التعليم وهو بكل شيء عليم‪ ،‬ول يحيط أحد من علمه إل بما شاء؟‬
‫عا من المعلمين‪ .‬فيتناول تعليم الملئكة‬
‫عّلَم ِباْلَقَلِم{‪،‬فأطلق التعليم والمعلــم‪ ،‬فلـم يخـص نو ً‬
‫وقال ـ سبحانه ـ أول‪َ } :‬‬
‫وغيرهم من النس والجـن‪ ،‬كمـا تنــاول الخلـق لهم كلهم‪.‬‬
‫وذكر التعليم بالقلم؛ لنه يقتضى تعليم الخط‪،‬والخط يطابق اللفظ وهو البيان والكلم‪ .‬ثم اللفظ يدل على المعانى‬
‫المعقولة التي في القلب فيدخل فيه كل علم في القلوب‪.‬‬
‫وكل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة في الخارج عن الذهن‪ ،‬ثم ‪ /‬يتصوره الذهن والقلب‪ ،‬ثم يعبر عنه اللسان‪ ،‬ثم يخطه‬
‫القلم‪ .‬فله وجود عينى‪ ،‬وذهنى‪ ،‬ولفظى‪ ،‬ورسمى‪ .‬وجود في العيان‪ ،‬والذهان‪ ،‬واللسان‪ ،‬والبنان‪ .‬لكن الول هو هو‪،‬‬
‫وأما الثلث‪ ،‬فإنها مثال مطابق له‪ .‬فالول هو المخلوق‪ ،‬والثلثة معلمة‪ .‬فذكر الخلق والتعليم ليتناوب المراتب‬
‫ك اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ]العلق‪:‬‬
‫ق اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫الربع‪ ،‬فقال‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫‪ 1‬ـ ‪.[5‬‬
‫ط هذا في‬
‫سَ‬
‫وقد تنازع الناس في الماهيات هل هي مجعولة أم ل؟ وهل ماهية كل شيء زائدة على وجوده؟ كما قد ُب ِ‬
‫غير هذا الموضع وبين الصواب في ذلك‪ ،‬وأنه ليس إل ما يتصور في الذهن‪ ،‬ويوجد في الخارج‪.‬‬
‫فإن أريد الماهية ما يتصور في الذهن‪ .‬وبالوجود ما في الخارج‪ ،‬أو بالعكس‪ ،‬فالماهية غير الوجود إذا كان ما في‬
‫العيان مغايًرا لما في الذهان‪.‬‬
‫وإن أريد بالماهية ما في الذهن‪ ،‬أو الخارج‪ ،‬أو كلهما‪ ،‬وكذلك بالوجود‪ ،‬فالذي في الخارج من الوجود هو الماهية‬
‫الموجودة في الخارج وكذلك ما في الذهن من هذا هو هذا‪ ،‬ليس في الخارج شيئان‪:‬‬
‫‪ /‬وهو ـ سبحانه ـ علم ما في الذهان وخلق ما في العيان‪ ،‬وكلهما مجعول له‪ .‬لكن الذي في الخارج جعله جعل‬
‫عّلَم‬
‫عّلَم ِباْلَقَلِم َ‬
‫لْكَرُم اّلِذي َ‬
‫ق{‪ ،‬وهو }ا َْ‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫سانَ ِم ْ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫خلقًيا‪ .‬والذي في الذهن جعله جعل تعليمًيا‪ .‬فهو الذي } َ‬
‫اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{‪.‬‬

‫عّلَم ِباْلَقَلِم{ يدخل فيه تعليم الملئكة الكاتبين‪ ،‬ويدخل فيه تعليم كتب الكتب المنزلة‪ .‬فعلم بالقلم أن يكتب كلمه‬
‫وقوله‪َ }:‬‬
‫الذي أنزله كالتوراة والقرآن‪،‬بل هو كتب التوراة لموسى‪.‬‬
‫وكون محمد كان نبًيا أمًيا هو من تمام كون ما أتى به معجًزا خارًقا للعادة‪ ،‬ومن تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل‬
‫طُلوَن{ ]العنكبوت‪ ،[48 :‬فغيره يعلم‬
‫ب اْلُمْب ِ‬
‫لْرَتا َ‬
‫ك ِإًذا ّ‬
‫طُه ِبَيِميِن َ‬
‫خّ‬
‫ل َت ُ‬
‫ب َو َ‬
‫ت َتْتُلو ِمن َقْبِلِه ِمن ِكَتا ٍ‬
‫تعليم‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَما ُكن َ‬
‫ما كتبه غيره‪ ،‬وهو علم الناس ما يكتبونه‪ ،‬وعلمه ال ذلك بما أوحاه إليه‪.‬‬
‫جنّ‬
‫س َواْل ِ‬
‫لن ُ‬
‫تا ِ‬
‫جَتَمَع ِ‬
‫نا ْ‬
‫وهذا الكلم الذي أنزل عليه هو آية وبرهان على نبوته‪ ،‬فإنه ل يقدر عليه النس والجن‪ُ} .‬قل ّلِئ ِ‬
‫سوَرٍة‬
‫ل َفْأُتوْا ِب ُ‬
‫ن اْفَتَراُه ُق ْ‬
‫ظِهيًرا{ ]السراء‪َ} ،[88 :‬أْم َيُقوُلو َ‬
‫ض َ‬
‫ضُهْم ِلَبْع ٍ‬
‫ن َبْع ُ‬
‫ن ِبِمْثِلِه َوَلْو َكا َ‬
‫ل َيْأُتو َ‬
‫ن َ‬
‫ل َهـَذا اْلُقْرآ ِ‬
‫عَلى َأن َيْأُتوْا ِبِمْث ِ‬
‫َ‬
‫سَوٍر ّمْثِلِه ُمْفَتَرَيا ٍ‬
‫ت‬
‫شِر ُ‬
‫ن{ ]يونس‪ ،[ 38 :‬وفي الية الخرى‪َ} :‬فْأُتوْا ِبَع ْ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ل ِإن ُكنُتْم َ‬
‫نا ّ‬
‫طْعُتم ّمن ُدو ِ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫عوْا َم ِ‬
‫ّمْثِلِه َواْد ُ‬
‫ل َأنُتم‬
‫ل ُهَو َفَه ْ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َوَأن ّ‬
‫ل ِبِعْلِم ا ّ‬
‫عَلُموْا َأّنَما ُأنِز ِ‬
‫جيُبوْا َلُكْم َفا ْ‬
‫سَت ِ‬
‫ن َفِإن ّلْم َي ْ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ل ِإن ُكنُتْم َ‬
‫نا ّ‬
‫طْعُتم ّمن ُدو ِ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫عوْا َم ِ‬
‫َواْد ُ‬
‫ّمْسِلُموَن{ ]هود‪.[14 ،13 :‬‬

‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫وقد بسطنا في غير هذا الموضع طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة وأن كل طريق تتضمن ما يخالف السنة فإنها‬
‫باطلة في العقل كما هي مخالفة للشرع‪.‬‬
‫والطريق المشهورة ـ عند المتكلمين ـ هو الستدلل بحدوث العراض على حدوث الجسام‪.‬‬
‫وقد بينا الكلم على هذه في غير موضع‪،‬وأنها مخالفة للشرع والعقل‪ .‬وكثير من الناس يعلم أنها بدعة في الشرع‪ ،‬لكن‬
‫ل يعلم فسادها في العقل‪ .‬وبعضهم يظن أنها صحيحة في العقل والشرع‪ ،‬وأنها طريقة إبراهيم الخليل ـ عليه السلم ـ‬
‫وقد بين فساد هذا في غير موضع‪.‬‬
‫ظار ـ مثبتة الصفات ـ أرادوا ‪ /‬سلوك سبيل السنة ولم يكن عندهم إل هذه الطريق‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن طائفة من الُن ّ‬
‫فاستدلوا بخلق النسان‪ ،‬لكن لم يجعلوا خلقه دليل كما في الية‪ ،‬بل جعلوه مستدل عليه‪ .‬وظنوا أنه يعرف بالبديهة‬
‫والحس حدوث أعراض النطفة‪ .‬وأما جواهرها فاعتقدوا أن الجسام كلها مركبة من الجواهر المنفردة‪ ،‬وأن خلق‬
‫النسان وغيره إنما هو إحداث أعراض في تلك الجواهر بجمعها وتفريقها‪ ،‬ليس هو إحداث عين‪.‬‬
‫فصاروا يريدون أن يستدلوا على أن النسان مخلوق‪ .‬ثم إذا ثبت أنه مخلوق قالوا‪ :‬إن له خالًقا‪.‬‬
‫واستدلوا على أنه مخلوق بدليل العراض‪ ،‬وأن النطفة والعلقة والمضغة ل تنفك من أعراض حادثة‪ ،‬إذ كان عندهم‬
‫جواهر تجمع تارة وتفرق أخرى‪ ،‬فل تخلو عن اجتماع وافتراق‪ ،‬وهما حادثان‪ .‬فلم يخل النسان عن الحوادث‪ ،‬وما‬
‫لم يخل من الحوادث فهو حادث لمتناع حوادث ل أول لها‪.‬‬
‫حا كثيرة‪ .‬وكذلك‬
‫وهذه هي الطريقة التي سلكها الشعرى في‪) :‬اللمع في الرد على أهل البدع(‪ ،‬وشرحه أصحابه شرو ً‬
‫في‪] :‬رسالته إلى أهل الثغر[‪ .‬وذكر قوله تعالى‪َ} :‬أَفَرَأْيُتم ّما ُتْمُنوَن َأَأنُتْم َتْخُلُقوَنُه َأْم َنْحُن اْلَخاِلُقوَن{ ]الواقعة‪،[59 ،58 :‬‬
‫فاستدل على أن النسان مخلوق بأنه مركب من الجواهر التي ل تخلو من اجتماع وافتراق‪ ،‬فلم تخل من الحوادث‪،‬‬
‫فهي حادثة‪.‬‬
‫وهذه الطريقة هي مقتضية من كون الجسام كلها كذلك‪.‬‬
‫وتلك هي الطريقة المشهورة التي يسلكها الجهمية‪ ،‬والمعتزلة‪ ،‬ومن اتبعهم من المتأخرين المنتسبين إلى المذاهب‬
‫الربعة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة‪ ،‬ومالك‪ ،‬والشافعى‪ ،‬وأحمد‪ ،‬كما ذكرها القاضى‪ ،‬وابن عقيل‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫وذكرها أبو المعالى الجوينى‪ ،‬وصاحب ]التتمة[‪ ،‬وغيرهما‪ .‬وذكرها أبو الوليد الباجى ]هو أبو الوليد سليمان بن خلف‬
‫ى لمالكى الندلسى الباجى‪ ،‬من علماء الندلس‪ ،‬صنف كتًبا كثيرة منها ـ المنتقى ـ‬
‫بن سعد بن أيوب بن وارث الّتجىب ّ‬
‫وهو أحد أئمة المسلمين‪ ،‬توفي بالمرية ليلة الخميس بين العشاءين ‪ 19‬رجب سنة ‪474‬هـ ودفن بالّرباط على ضفة‬

‫البحر[‪ ،‬وأبو بكر بن العربي‪ ،‬وغيرهما‪ .‬وذكرها أبو منصور الماتريدي‪ ،‬والصابونى ]هو أبو عثمان إسماعيل بن‬
‫عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل الصابوني الحافظ الواعظ المفسر‪ ،‬لقبه أهل السنة فيها ـ أى في بلد خراسان ـ‬
‫بشيخ السلم‪ ،‬ولد عام ‪ ،373‬ومات في نيسابور عام ‪449‬هـ‪ ،‬يجيد الفارسية إجادته العربية‪ ،‬له كتاب ـ عقيدة‬
‫السلف[‪ .‬وغيرهما‪.‬‬
‫لكن هؤلء الذين استدلوا بخلق النسان فرضوا ذلك في النســان ظًنا أن هــذه طريقة القرآن‪ .‬وطولوا في ذلك ودققوا‬
‫حتى استدلوا على كون عين النسان وجواهره مخلوقة‪ ،‬لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة العقل إنما هو حدوث‬
‫أعراض‪ ،‬ل حدوث جواهر‪ .‬وزعموا أن كل ما يحدثــه ال من السحاب‪ ،‬والمطر‪ ،‬والــزرع‪ ،‬والثمــر‪ ،‬والنسان‬
‫ضا‪ ،‬وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها‪.‬‬
‫والحيوان‪ ،‬فإنما يحدث فيه أعرا ً‬
‫‪ /‬وزعموا أن أحًدا ل يعلم حدوث غيره من العيان بالمشاهدة‪ ،‬ول بضرورة العقل‪ ،‬وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما‬
‫استدلوا‪ .‬فقالوا‪ :‬هذه أعراض حادثة في جواهر‪ ،‬وتلك الجواهر لم تخل من العراض لمتناع خلو الجواهر من‬
‫العراض‪.‬‬
‫ثم قالوا‪ :‬وما لم يخل من الحوادث فهو حادث‪.‬‬
‫وهذا بنوه على أن الجسام المركبة من الجواهر المنفردة التي ل تقبل القسمة‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن الجسام ل يستحيل بعضها‬
‫إلى بعض‪.‬‬
‫وجمهور العقلء من السلف‪ ،‬وأنواع العلماء‪ ،‬وأكثر النظار‪ ،‬يخالفون هؤلء فيما يثبتون من الجوهر الفرد‪ ،‬ويثبتون‬
‫استحالة الجسام بعضها إلى بعض‪ ،‬ويقولون بأن الرب ل يزال يحدث العيان‪ ،‬كما دل على ذلك القرآن‪.‬‬
‫عا‪ ،‬وهي مكابرة للعقل فإن كون النسان مخلوًقا محدًثا كائًنا بعد أن لم يكن‬
‫ولهذا كانت هذه الطريق باطلة عقل وشـر ً‬
‫أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس‪ .‬وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن‪ ،‬وأن عينه حدثت كما قال‬
‫ك َشْيًئا{ ]مريم‪:‬‬
‫ل َوَلْم َي ُ‬
‫خَلْقَناهُ ِمن َقْب ُ‬
‫ن َأّنا َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ل َيْذُكُر ا ِْ‬
‫شْيًئا{ ]مريم‪ ،[ 9 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أَو َ‬
‫ك َ‬
‫ل َوَلْم َت ُ‬
‫ك ِمن َقْب ُ‬
‫خَلْقُت َ‬
‫تعالى‪َ} :‬وَقْد َ‬
‫‪.[67‬‬
‫ل‪.‬‬
‫حا‪ .‬فكيف إذا كان باط ً‬
‫ليس هذا مما يستدل عليه‪ ،‬فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحي ً‬
‫وقولهم‪ :‬إن الحادث أعراض فقط‪ ،‬وإنه مركب من الجواهر الفردة‪ ،‬قولن باطلن ل يعلم صحتهما‪ .‬بل يعلم‬
‫بطلنهما‪.‬‬
‫ق{ ]العلق‪:‬‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ويعلم حدوث جوهر النسان وغيره من المادة التي خلق منها‪ ،‬وهي العلق كما قال‪َ } :‬‬
‫‪.[2‬‬
‫حا لم يكن معلوًما إل بأدلة دقيقة ل تكون هي أصل الدين‬
‫حا‪ .‬ولو كان صحي ً‬
‫وكونه مركًبا من جواهر فردة ليس صحي ً‬
‫الذي هو مقدمات أولية‪ .‬فإن تلك المقدمات يجب أن تكون بينة أولية‪ ،‬معلومة بالبديهة‪.‬‬
‫فطريقهم تضمن جحد المعلوم‪ ،‬وهو حدوث العيان الحادثة‪ ،‬وهذا معلوم للخلق؛ وإثبات ما ليس بمعلوم‪ ،‬بل هو‬
‫باطل‪ ،‬وأن الحداث لها إنما هو جمع وتفريق للجواهر‪ ،‬وأنه إحداث أعراض فقط‪.‬‬
‫ولهذا كان استدللهم بطريقة الجواهر والعراض على هذا الوجه مما أنكره عليهم أئمة الدين‪ ،‬وبينوا أنهم مبتدعون‬
‫ل‪ ،‬كما بسط كلم السلف والئمة عليهم في غير هذا الموضع‪ ،‬إذ هو كثير‪.‬‬
‫عا وعق ً‬
‫في ذلك‪ ،‬بل ‪ /‬بينوا ضللهم شر ً‬
‫ق{ ]العلق‪ .[ 2 :‬وهؤلء جاؤوا إلى هذا المعلوم‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫فالقرآن استدل بما هو معلوم للخلق من أنه‪َ } :‬‬
‫فزعموا أنه غير معلوم‪ ،‬بل هو مشكوك فيه‪ .‬ثم زعموا أنهم يذكرون الدليل الذي به يصير معلوًما‪ .‬فذكروا دليل باطلً‬
‫ل يدل على حدوثه‪ ،‬بل يظن أنه دليل وهو شبهة‪ ،‬ولها لوازم فاسدة‪.‬‬

‫فأنكـروا المعلـوم بالعقل‪ ،‬ثم الشرع‪ ،‬واّدعوا طريًقا معلومة بالعقل وهي باطلة في العقل‪ ،‬والـشرع‪ .‬فضاهـوا الذيـن‬
‫ب الّسِعيِر{ ]الملك‪.[10 :‬‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫ل َما ُكّنا ِفي َأ ْ‬
‫سَمُع َأْو َنْعِق ُ‬
‫قال ال فيهم‪َ} :‬لْو ُكّنا َن ْ‬
‫وكذلك في إثبات النبوات وإمكانها‪ ،‬وفي إثبات المعاد وإمكانه‪ ،‬عدلوا عن الطريق الهادية ـ التي توجب العلم اليقينى‬
‫التي هدى ال بها عباده ـ إلى طريق تورث الشك والشبهة والحيرة‪ .‬ولهذا قيل‪ :‬غاية المتكلمين المبتدعين الشك‪،‬‬
‫وغاية الصوفية المبتدعين الشطح‪.‬‬
‫ثم لها لوازم باطلة مخالفة للعقل والشرع‪ ،‬فألزموا لوازمها التي أوجبت لهم السفسطة في العقليات‪ ،‬والقرمطة في‬
‫السمعيات‪ .‬وتكلموا ‪ /‬في دلئل النبوة والمعاد‪ ،‬ودلئل الربوبية بأمور‪ ،‬وزعموا أنها أدلة وهي عند التحقيق ليست‬
‫بأدلة‪ .‬ولهذا يطعن بعضهم في أدلة بعض‪.‬‬
‫وإذا استدلوا بدليل صحيح فهو مطابق لما جاء به الرسول وإن تنوعت العبارات‪.‬‬
‫ولهذا قد يستدل بعضهم بدليل ـ إما صحيح وإما غير صحيح ـ فيطعن فيه آخر‪ ،‬ويزعم أنه يذكر ما هو خير منه‪،‬‬
‫ويكون الذي يذكره دون ما ذكره ذاك‪ .‬وهذا يصيبهم كثيًرا في الحدود‪ ،‬يطعن هؤلء في حد هؤلء‪ ،‬ويذكرون حًدا‬
‫مثله أو دونه‪.‬‬
‫وتكون الحدود كلها من جنس واحد‪ ،‬وهي صحيحة إذا أريد بها التمييز بين المحدود وغيره‪ .‬وأما من قال‪ :‬إن الحدود‬
‫تفيد تصوير ماهية المحدود‪ ،‬كما يقوله أهل المنطق‪ ،‬فهؤلء غالطون ضالون‪ ،‬كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وإنما الحد ُمعّرف للمحدود‪ ،‬ودليل عليه‪ ،‬بمنزلة السم‪ ،‬لكنه يفصل ما دل عليه السم بالجمال‪ ،‬فهو نوع من الدلة‪،‬‬
‫كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫إذ المقصود ـ هنا ـ التنبيه على الفرق بين الطريق المفيــد للعلم واليقين ـ كالتي بينها القرآن ـ وبين ما ليس كذلك من‬
‫ل‪.‬‬
‫عا وعق ً‬
‫طرق أهل البدع الباطلة شر ً‬
‫‪/‬‬

‫صـــل‬
‫َف ْ‬

‫وهؤلء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة العراض والستدلل بها على حدوث الجسام اضطربوا كثيًرا‪،‬كما قد‬
‫ضا ـ صريح العقل ويكابر‪،‬‬
‫بسط في مواضع‪.‬ولبد لكل منهم مع مخالفته للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف ـ أي ً‬
‫فيكون ممن ل يسمع ول يعقل‪.‬‬
‫ل فقد يستلزم أموًرا باطلة ظاهرة البطلن‪ .‬وصاحبه يريد إثبات تلك اللوازم‪ ،‬فيظهر‬
‫فإن القول له لوازم‪ ،‬فإذا كان باط ً‬
‫مخالفته للحس والعقل‪.‬‬
‫كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة وقالوا‪ :‬إن الحركات في نفسها ل تنقسم إلى سريع وبطىء‪ ،‬إذ كانت الحركة عندهم‬
‫منقسمة كانقسام المتحرك‪ ،‬وكذلك الزمان وأجزاء الزمان‪ .‬والحركة والمتحرك عندهم واحد ل ينقسم فإذا كان‬
‫المتحركان سواء وحركة أحدهما أسرع قالوا‪ :‬إنما ذاك لتخلل السكنات‪ .‬وادعوا أن الرحا والدولب وكل مستدير إذا‬
‫تحرك فإن زمان حركة المحيط والطوق الصغير واحد مع كثرة أجزاء المحيط‪ ،‬فيجب أن تكون حركتها أكثر‪ ،‬فيكون‬
‫ظام( ]هو أبو إسحاق‬
‫زمانها أكثر‪ ،‬وليس هو بأكثر‪ / ،‬فاّدعوا أنها تنفك ثم تتصل‪ .‬وهذه مكابرة من جنس )طفرة الّن ّ‬
‫إبراهيم بن سيار بن هانئ البصرى النظام‪ ،‬مــن أئمة المعتــزلة قــال الجاحــظ‪ :‬الوائل يقولون‪ :‬في كل سنة رجل ل‬
‫نظير له‪ ،‬فإن صح ذلك فأبو إسحاق من هؤلء الضلل وصدق فيما قال ـ رأس الفرقة النظامية ـ قد ألفت كتب في‬
‫الرد على ضلله وكفــره‪ ،‬وفي لســان الميزان‪ :‬أنه متهم بالزندقــة[‪.‬‬
‫وكذلك الذين قالوا‪ :‬بأن العرض ل يبقى زمانين خالفوا الحس وما يعلمه العقلء بضرورة عقولهم‪ .‬فإن كل أحد يعلم‬
‫أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا اللون‪ .‬وكذلك لون السماء‪ ،‬والجبال‪ ،‬والخشب‪ ،‬والورق‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬

‫ومما ألجأهم إلى هـذا‪ ،‬ظنهم أنهما لو كانـا باقيين لم يمكـن إعـدامهما‪ ،‬فـإنهم حـاروا في إفناء ال الشـياء إذا أراد أن‬
‫يفنيها‪ ،‬كما حـاروا في إحداثها‪ .‬وحيرتهم في الفـناء أظهـر‪ .‬هـذا يقول‪ :‬يخلق فناء ل في محل‪ ،‬فيكون ضًدا لها‪ ،‬فتفنى‬
‫بضدها‪ .‬وهذا يقول‪ :‬يقطع عنها العراض مطلًقا‪ ،‬أو البقاء الذي ل تبقى إل به‪ ،‬فيكون فناؤها لفوات شرطها‪.‬‬
‫ومن أسباب ذلك ظنهم‪ ،‬أو ظن من ظن منهم‪ ،‬أن الحوادث ل تحتاج إلى ال إل حال إحداثها‪ ،‬ل حال بقائها‪ ،‬وقد قالوا‪:‬‬
‫إنه قادر على إفنائها‪ .‬فتكلفوا هذه القوال الباطلة‪.‬‬
‫وهؤلء ل يحتجون على بقاء الرب بافتقار العالم إليه‪ ،‬بل بأنه قديم‪ ،‬وما وجب قدمه امتنع عدمه‪ .‬وإل فالباقى حال‬
‫بقائه ل يحتاج إلى الرب عندهم‪.‬‬
‫‪ /‬وهؤلء شر من الذين سألوا موسى‪ :‬هل ينام ربك؟ فضرب ال لهم المثل بالقارورتين لما أرق موسى ليالى‪ ،‬ثم أمره‬
‫بإمساك القارورتين فلما أمسكهما غلبه النوم فتكسرتا‪ .‬فبين ال له لو أخذته سنة أو نوم لتدكدك العالم‪.‬‬
‫وعلى رأى هؤلء‪ :‬لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقى‪ .‬لكن منهم من يقول‪ :‬هو محتاج إلى إحداث العراض متوالية؛‬
‫لن العرض عنده ل يبقى زمانين‪ .‬فمن هذا الوجه يقول‪ :‬إذ لو أخذته سنة أو نوم لم تحدث العراض التي تبقى بها‬
‫الجسام‪ ،‬ل لن الجسام في نفسها مفتقرة إليه في حال بقائها عنده‪.‬‬
‫وكذلك يقولون‪ :‬إن الرادة ل تتعلق بالقديم‪ ،‬ول بالباقى‪ .‬وكذلك القدرة عندهم ل تتعلق بالباقى‪ ،‬ول العجز يصح أن‬
‫يكون عجًزا عن الباقى والقديم عندهم؛ لن العجز عندهم إنما يكون عجًزا عما تصح القدرة عليه‪.‬‬
‫وهؤلء يقولون‪ :‬علة الفتقار إلى الخالق مجرد الحدوث‪ .‬وآخرون من المتفلسفة يقولون‪ :‬هو مجرد المكان‪ ،‬ويّدعون‬
‫أن القديم الزلي الذي لم يزل ول يزال هو مفتقر إلى الصانع‪ .‬فهذا يدعى أن الباقى المحدث ل يفتقر‪ ،‬وهذا يدعى أن‬
‫الباقى القديم يفقتر وكل القولين ‪ /‬فاسد‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫والحـق أن كل ما سوى ال حادث‪ ،‬وهو مفتقر إليه دائًما‪ .‬وهو يبقيه ويعدمه‪،‬كما ينشئه ويحدثـه‪ ،‬كما يحدث الحوادث‬
‫من التراب وغيره ثم يفنيها ويحيلها إلى التراب وغيره‪.‬‬
‫وهـؤلء ادعى كثير منهم أن كـل مـا سوى ال يعدم ثم يعاد‪ ،‬وبعضهم قال‪ :‬هذا ممكن‪ ،‬لكنه موقوف على الخبر‪،‬‬
‫والخبر لم يتعرض لذلك بنفي ول إثبات‪ .‬وهذا هو المعاد عندهم‪.‬‬
‫وهذا لم يـأت بـه كتاب ول سنة‪ ،‬ول دل عليه عقل‪ .‬بل الكتاب والسنة يبين أن ال يحيل العالم من حال إلى حـال‪ ،‬كما‬
‫يشـق السماء‪ ،‬ويجعـل الجبال كالعهـن‪ ،‬ويكـور الشمس‪ ،‬إلى غير ذلك مما أخـبر ال في كتابـه ـ لم يخـبر أن جميع‬
‫الشياء تعدم ثم تعاد‪.‬‬
‫ثم منهم من يقول‪ :‬إنها تعدم بعد ذلك لمتناع وجود حوادث ل آخر لها‪ ،‬كما تقوله الجهمية‪ .‬وهذا مما أنكره عليهم‬
‫السلف والئمة‪ ،‬كما قد ذكر في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫وهؤلء إنما قالوا هذا طرًدا لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما وجب أن يكون له ابتداء وجب أن يكون له‬
‫انتهاء‪ ،‬كما قد بسط هذا وبين فساد هذا الصل‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫صـــل‬
‫َف ْ‬

‫ن ُثمّ‬
‫طي ٍ‬
‫لَلٍة ّمن ِ‬
‫سَ‬
‫ن ِمن ُ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫خَلْقَنا ا ِْ‬
‫ل‪ ،‬وتارة يذكره مفصل‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وَلَقْد َ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ تارة يذكر خلق النسان مجم ً‬
‫خرَ‬
‫خْلًقا آ َ‬
‫شْأَناُه َ‬
‫حًما ُثّم َأن َ‬
‫ظاَم َل ْ‬
‫سْوَنا اْلِع َ‬
‫ظاًما َفَك َ‬
‫عَ‬
‫ضَغَة ِ‬
‫خَلْقَنا اْلُم ْ‬
‫ضَغًة َف َ‬
‫خَلْقَنا اْلَعَلَقَة ُم ْ‬
‫عَلَقًة َف َ‬
‫طَفَة َ‬
‫خَلْقَنا الّن ْ‬
‫ن ُثّم َ‬
‫طَفًة ِفي َقَراٍر ّمِكي ٍ‬
‫جَعْلَناُه ُن ْ‬
‫َ‬
‫ن ُثّم‬
‫ك َلَمّيُتو َ‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ .[ 14 -12 :‬ثم ذكر المعادين الصغر والكبر‪ ،‬فقال‪ُ} :‬ثّم ِإّنُكْم َبْعَد َذِل َ‬
‫خاِلِقي َ‬
‫ن اْل َ‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ك ا ُّ‬
‫َفَتَباَر َ‬
‫ِإّنُكْم َيْوَم اْلِقَياَمِة ُتْبَعُثوَن{ ]المؤمنون‪.[16 ،15 :‬‬

‫ومن الناس من يقول‪ :‬لم دخلت لم التوكيد في الموت ـ وهو مشاهد ـ ولم تدخل في البعث ـ وهو غيب ـ فيحتاج إلى‬
‫التوكيد؟ وذلك ـ وال أعلم ـ أن المقصود بذكر الموت والبعث هو الخبار بالجزاء والمعاد‪ ،‬وأول ذلك هو الموت‪ .‬فنبه‬
‫على اليمان بالمعاد‪ ،‬والستعداد لما بعد الموت‪.‬‬
‫وهو إنما قال‪] :‬تبعثون[ ـ فقط ـ ولم يقل‪]:‬تجازون[‪ ،‬لكـن قـد علـم أن البعث للجزاء‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬ففيه تنبيه على قهر النسان وإذلله‪ .‬يقول‪ :‬بعـد هـذا ‪ /‬كـله إنك تموت‪ ،‬فترد إلى أسفل سافلين‪ ،‬إل الذين‬
‫وأي ً‬
‫حا ِ‬
‫ت‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ساِفِلي َ‬
‫ل َ‬
‫سَف َ‬
‫ن َتْقِويٍم ُثّم َرَدْدَناُه َأ ْ‬
‫سِ‬
‫حَ‬
‫ن ِفي َأ ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫خَلْقَنا ا ِْ‬
‫آمنـوا وعملوا الصالحات‪ ،‬كما قال‪َ} :‬لَقْد َ‬
‫َفَلُهْم َأْجٌر َغْيُر َمْمُنوٍن{ ]التين‪.[6 - 4 :‬‬
‫جاِر‬
‫ب الُف ّ‬
‫ن ِكَتا َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫وهذا الرد هو بالموت‪ .‬فإنه يصير في أسفل سافلين‪ ،‬إل الذين آمنوا وعملوا الصالحات‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ك ّ‬
‫ب اَْلْبَراِر َلِفي ِعّلّييَن{ ]المطففين‪.[18 :‬‬
‫ن ِكَتا َ‬
‫ن{ ]المطففين‪ ،[7 :‬وقال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫جي ٍ‬
‫سّ‬
‫َلِفي ِ‬

‫ن{ قولن؛ قيل‪ :‬الهرم‪ .‬وقيل‪ :‬العذاب بعد الموت‪ ،‬وهذا هو الذي دلت عليه الية قطًعا‪ .‬فإنه‬
‫ساِفِلي َ‬
‫ل َ‬
‫سَف َ‬
‫وفي قوله‪َ} :‬أ ْ‬
‫جعله في أسفل سافلين إل المؤمنين‪ .‬والناس نوعان‪ :‬فالكافر بعد الموت يعذب في أسفل سافلين‪ ،‬والمؤمن في عليين‪.‬‬
‫وأما القـول الول ففيه نظـر‪ .‬فـإنـه ليس كل مـن سـوى المؤمنـين يهـرم فيـرد إلى أسـفل سافلـين‪ .‬بل كثـير مـن الكفار‬
‫يمـوت قبـل الهـرم‪ ،‬وكثير مـن المؤمنـين يهـرم‪ ،‬وإن كان حـال المؤمـن في الهـرم أحسـن حال مـن الكافـر‪ ،‬فكذلك‬
‫في الشباب حـال المؤمـن أحسن من حال الكافر فجعل الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه بالكفار‬
‫ضعيف‪.‬‬
‫ضا ـ ‪ /‬ضعيف‪ .‬فإن المنقطع ل يكون في الموجب‪،‬‬
‫ولهذا قال بعضهم‪ :‬إن الستثناء منقطع على هذا القول‪ ،‬وهو ـ أي ً‬
‫ضا ـ فالمنقطع ل يكون الثاني منه بعض‬
‫ولو جاز هذا لجاز لكل أحد أن يدعى في أى استثناء شاء أنه منقطع‪ .‬وأي ً‬
‫الول‪ ،‬والمؤمنون بعض نوع النسان‪.‬‬
‫وقد فسر ذلك بعضهم ـ على القول الول ـ بأن المؤمن يكتب له ما كان يعمله إذا عجز‪ .‬قال إبراهيم النخعى‪ :‬إذا بلغ‬
‫المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب ال له ما كان يعمل‪ ،‬وهو قوله‪َ} :‬فَلُهْم َأْجٌر َغْيُر َمْمُنوٍن{ ]التين‪ .[6:‬وقال ابن‬
‫قتيبة‪ :‬المعنى‪ِ} :‬إّل اّلِذيَن آَمُنوا{ ]التين‪ [ 6:‬في وقت القوة والقدرة فإنهم في حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن‬
‫الطاعات‪ .‬فإن ال يعلم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو يجرى لهم أجر ذلك‪.‬‬
‫ضا ـ ثابت في حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض أو سفر‪ ،‬كما في الصحيحين عن أبي موسى‪ ،‬عن‬
‫فيقال‪ :‬وهذا ـ أي ً‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إذا مرض العبد أو سافر كتب ال له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم(‪.‬‬
‫وفسره بعضهم بما روى عن ابن عباس أنه قال‪ :‬من قرأ القرآن فإنه ل يرد إلى أرذل العمر‪ .‬فيقال‪ :‬هذا مخصوص‬
‫بقارئ القرآن‪ ،‬والية استثنت الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء قرؤوا القرآن أو لم ‪ /‬يقرؤوه‪ ،‬وقد قال النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم في الحديث الصحيح‪) :‬مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الترجة طعمها طيب وريحها طيب‪ ،‬ومثل‬
‫المؤمن الذي ل يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ول ريح لها(‪.‬‬
‫صا بالنسان‪،‬بل غيره من الحيوان إذا كبر هرم‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فيقال‪ :‬هرم الحيوان ليس مخصو ً‬
‫وأي ً‬
‫ضا‪ ،‬فالشيخ ـ وإن ضعف بدنه ـ فعقله أقوى من عقل الشاب‪ .‬ولو قدر أنه ينقص بعض قواه فليس هذا رًدا إلى‬
‫وأي ً‬
‫ضْعًفا َوَشْيَبًة{ ]الروم‪،[54 :‬‬
‫ل ِمن َبْعِد ُقّوةٍ َ‬
‫أسفل سافلين‪ .‬فإنه ـ سبحانه ـ إنما يصف الهرم بالضعف كقوله‪ُ} :‬ثّم جََع َ‬
‫ق{ ]يس‪ ،[ 68 :‬فهو يعيده إلى حال الضعف‪ .‬ومعلوم أن الطفل ليس هو في أسفل‬
‫خْل ِ‬
‫سُه ِفي اْل َ‬
‫ن ُنَعّمْرُه ُنَنّك ْ‬
‫وقوله‪َ} :‬وَم ْ‬
‫سافلين‪ ،‬فالشيخ كذلك وأولى‪.‬‬
‫ك اَلْسَفلِ ِمَن الّناِر{{‬
‫ن ِفي الّدْر ِ‬
‫ن اْلُمَناِفِقي َ‬
‫وإنما في أسفل سافلين من يكون في سجين‪ ،‬ل في عليين‪،‬كما قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫]النساء‪.[145 :‬‬

‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ]التين‪ .[ 7 :‬فإنه يقتضى ارتباط هذا بما قبله لذكره بحرف الفاء‪ .‬ولو كان‬
‫ومما يبين ذلك قوله‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫المذكور إنما هو رده إلى الهرم دون ما بعد الموت لم يكن هناك تعرض للدين والجزاء‪ ،‬بخلف ‪ /‬ما إذا كان المذكور‬
‫أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن المصلح‪ .‬فإن هذا يتضمن الخبر بأن ال يدين العباد بعد الموت ـ‬
‫فيكرم المؤمنين ويهين الكافرين‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ أقسم على ذلك بأقسام عظيمة ـ بالتين والزيتون‪ ،‬وطور سينين‪ ،‬وهذا البلد المين‪ .‬وهي‬
‫وأي ً‬
‫المواضع التي جاء منها محمد‪ ،‬والمسيح‪ ،‬وموسى‪ ،‬وأرسل ال بها هؤلء الرسل مبشرين ومنذرين‪.‬‬
‫سام ل يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل أحد‪ ،‬بل على المور الغائبة التي تؤكد بالقسام‪ .‬فإن إقسام ال‬
‫وهذا الْق َ‬
‫هو على أنباء الغيب‪.‬‬
‫وفي نفس المقسم به ـ وهو إرسال هؤلء الرسل ـ تحقيق للمقسم عليه ـ وهو الثواب والعقاب بعد الموت ـ لن الرسل‬
‫أخبروا به‪.‬‬
‫ضا ـ الجزاء في الدنيا‪ ،‬كإهلك من أهلكهم من الكفار‪ .‬فإنه ردهم إلى أسفل سافلين بهلكهم في الدنيا‪.‬‬
‫وهو يتضمن ـ أي ً‬
‫وهو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت المعاصى‪ ،‬كمن رد في الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه‪.‬‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ـ أى بالجزاء ـ يتناول جزاءه على العمال في الدنيا‪ ،‬والبرزخ‪ ،‬والخرة‪ .‬إذ كان قد‬
‫‪ /‬وقوله‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫أقسم بأماكن هؤلء المرسلين الذين أرسلوا باليات البينات الدالة على أمر ال ونهيه‪ ،‬ووعده ووعيده ـ مبشرين لهل‬
‫حا كان‬
‫اليمان‪ ،‬منذرين لهل الكفر‪ ،‬وقد أقسم بذلك على أن النسان بعد أن جعل في أحسن تقويم إن آمن وعمل صال ً‬
‫له أجر غير ممنون‪ ،‬وإل كان في أسفل سافلين‪.‬‬
‫فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلء الرسل الذين أقسم بأماكنهم‪ .‬والقسام بمواضع محنهم تعظيم لهم‪ .‬فإن موضع‬
‫النسان إذا عظم لجله كان هو أحق بالتعظيم‪ .‬ولهذا يقال في المكاتبات‪] :‬إلى المجلس‪ ،‬والمقر ـ ونحو ذلك ـ السامي‪،‬‬
‫والعالي[‪ ،‬ويذكر بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه‪.‬‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ]التين‪ ،[ 7 :‬دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع التكذيب بالدين‪.‬‬
‫فلما قال‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫ك{ قولن‪ .‬قيل‪ :‬هو خطاب للنسان‪ ،‬كما قال مجاهد وعكرمة‪ ،‬ومقاتل‪ ،‬ولم يذكر البغوى غيره‪ .‬قال‬
‫وفي قوله‪ُ} :‬يَكّذُب َ‬
‫عكرمة‪ ،‬يقول‪ :‬فما يكذبك بعد بهذه الشياء التي فعلت بك‪ .‬وعن مقاتل‪ / :‬فما الذي يجعلك مكذًبا بالجزاء‪ ،‬وزعم أنها‬
‫عّياش بن أبي ربيعة‪.‬‬
‫نزلت في َ‬
‫والثاني أنه خطاب للرسول ـ وهذا أظهر ـ فإن النسان إنما ذكر مخبًرا عنه لم يخاطب‪ .‬والرسول هو الذي أنزل عليه‬
‫صْدَر َ{‬
‫ك{‬
‫ك َ‬
‫ح َل َ‬
‫شَر ْ‬
‫ك َوَما َقَلى{ ]الضحى‪ ،[3 :‬وقوله‪َ} :‬أَلْم َن ْ‬
‫ك َرّب َ‬
‫عَ‬
‫القرآن‪ ،‬والخطاب في هذه السور له‪ ،‬كقوله‪َ} :‬ما َوّد َ‬
‫ك{ ]العلق‪.[1:‬‬
‫سِم َرّب َ‬
‫]الشرح‪ ،[1 :‬وقوله‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫ح ِإَلى َرّب َ‬
‫ك‬
‫ك َكاِد ٌ‬
‫ن ِإّن َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ك اْلَكِريِم{ ]النفطار‪َ} ،[6 :‬يا َأّيَها ا ِْ‬
‫ك ِبَرّب َ‬
‫غّر َ‬
‫ن َما َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫والنسان إذا خوطب‪ ،‬قيل له‪َ} :‬يا َأّيَها ا ِْ‬
‫َكْدًحا{ ]النشقاق‪.[6 :‬‬

‫ك َكاِدٌح{‪ .‬وعلى قول‬
‫ن ِإّن َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ضا‪ ،‬فبتقـدير أن يكون خطاًبا للنسان يجب أن يكون خطاًبا للجنس‪ ،‬كقوله‪َ} :‬يا َأّيَها ا ِْ‬
‫وأي ً‬
‫هؤلء؛إنما هو خطاب للكافر خاصة ـ المكذب بالدين‪.‬‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ ،‬أى يجعلك كاذبًـا‪ ،‬هذا هو المعروف من لغة العرب‪ .‬فإن استعمال َكّذب غيره‪،‬‬
‫ضا‪ ،‬فإن قوله‪ُ} :‬يَكّذُب َ‬
‫وأي ً‬
‫أى‪ :‬نسبه إلى الكذب وجعله كاذًبا مشهور‪ ،‬والقرآن مملوء من هذا‪ .‬وحيث ذكر ال تكذيب المكذبين للرسل‪ ،‬أو‬
‫التكذيب بالحق ونحو ذلك‪ ،‬فهذا مراده‪.‬‬
‫ب به‬
‫ب والمَكّذ َ‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ .‬فذكر المكذب بالدين ـ فذكر المَكّذ َ‬
‫‪ /‬لكن هذه الية فيها غموض من جهة كونه قال‪ُ} :‬يَكّذُب َ‬
‫جميًعا‪ .‬وهذا قليل ـ جاء نظيره في قوله‪َ} :‬فَقْد َكّذُبوُكم ِبَما َتُقوُلوَن{ ]الفرقان‪ [ 19 :‬ـ فأما أكثر المواضع فإنما يذكر‬

‫ت َقْوُم ُنوٍح اْلُمْرَسِليَن{ ]الشعراء‪[ 105 :‬؛ وإما الُمَكّذب به‪ ،‬كقوله‪َ} :‬بْل َكّذُبوا ِبالّساَعِة{{‬
‫أحدهما ـ إما الُمَكّذب‪ ،‬كقوله‪َ} :‬كّذَب ْ‬
‫]الفرقان‪.[11 :‬‬
‫وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل‪.‬‬
‫ك{‪ :‬فما يجعلك مكذًبا‪.‬‬
‫ومن هنا اشتبهت هذه الية على من جعل الخطاب فيها للنسان‪ ،‬وفسر معنى قوله‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫وعبارة آخرين‪ :‬فما يجعلك كذاًبا‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬وقال جمهور من المفسرين‪ :‬المخاطب النسان الكافر‪ ،‬أي ما الذي‬
‫يجعلك كذاًبا بالدين ـ تجعل ل أنداًدا‪ ،‬وتزعم أن ل بعث ـ بعد هذه الدلئل؟‬
‫قلت‪ :‬وكل القولين غير معروف في لغة العرب‪ ،‬أن يقول‪] :‬كذبك‪ ،‬أي‪ :‬جعلك مكذًبا[‪ ،‬بل ]كذبك‪ :‬جعلك كذاًبا[‪.‬‬
‫وإذا قيل‪] :‬جعلك كذاًبا[‪ ،‬أى‪ :‬كاذًبا فيما يخبر به‪ ،‬كما جعل الكفار الرسل كاذبين فيما أخبروا به فكذبوهم‪ ،‬وهذا‬
‫يقول‪ / :‬جعلك كاذًبا بالدين‪ ،‬فجعل كذبه أنه أشرك وأنه أنكر المعاد‪ ،‬وهذا ضد الذي ينكر‪.‬‬
‫ذاك جعله مكذًبا بالدين‪ ،‬وهذا جعله كاذًبا بالدين‪ .‬والول فاسد من جهة العربية‪ ،‬والثاني فاسد من جهة المعنى‪ .‬فإن‬
‫الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر‪ .‬والكافر كذب به‪ ،‬لم يكذب هو به‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فل يعرف في المخبر أن يقال‪] :‬كذبت به[‪ ،‬بل يقال‪] :‬كذبته[‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫ضا‪ ،‬فالمعروف في ]كذبه[‪ ،‬أي نسبه إلى الكذب‪ ،‬ل أنه جعل الكذب فيه‪ .‬فهذا كله تكلف ل يعرف في اللغة‪ ،‬بل‬
‫وأي ً‬
‫المعروف خلفه‪ .‬وهو لم يقل‪] :‬فما يكذبك[‪ ،‬ول قال‪] :‬فما كذبك[‪.‬‬
‫ولهذا كان علماء العربية على القول الول‪ .‬قال ابن عطية‪ :‬واختلف في المخاطب بقوله‪} :‬فما يكذبك{‪ ،‬فقال قتادة‪،‬‬
‫والفراء‪ ،‬والخفش‪ :‬هو محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال ال له‪] :‬فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث ـ‬
‫وهو الدين ـ بعد هذه العبرة التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت[؟‬
‫قال‪ :‬ويحتمل أن يكون الدين على هذا التأويل جميع شرعه ودينه‪.‬‬
‫ك َبْعُد‬
‫‪ /‬قلت‪ :‬وعلى أن المخاطب محمد صلى ال عليه وسلم في المعنى قولن‪ :‬أحدهما قول قتادة‪ ،‬قال‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫ِبالّديِن{ ‪ ،‬أى‪ :‬استيقن‪ ،‬فقد جاءك البيان من ال‪ .‬وهكذا رواه عنه ابن أبي حاتم بإسناد ثابت‪.‬‬

‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ ،‬أى استيقـن مع مـا جـاءك من ال أنه أحكم الحاكمـين‪ .‬فالخطاب للنبى‬
‫وكذلك ذكـره المْهَدوى‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقـال‪ :‬معناه عـن قتادة‪ .‬قال‪ :‬وقيل المعنى‪ :‬فما يكذبك أيها الشاك ـ يعنى الكفار ـ في قدرة ال؟‬
‫أى شيء يحملك على ذلك بعد ما تبين لك من قدرته؟ قال‪ :‬وقال الفراء‪:‬فمن يكذبك بالثواب والعقاب؟ وهو اختيار‬
‫الطبرى‪.‬‬
‫قلت‪:‬هـذا القـول المنقـول عـن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن يكون الخطاب للنبى صلى ال عليه وسلم‪،‬كما‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ عنى به النبي‬
‫روى الناس ـ ومنهم ابن أبي حاتم ـ عن الثورى‪ ،‬عن منصور قال‪:‬قلت لمجاهد‪َ}:‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫صلى ال عليه وسلم؟ قال‪:‬معاذ ال! عنى به النسان‪.‬‬
‫ك{‪ ،‬أى‪ :‬استيقن‪ ،‬ول تكـذب‪ .‬فإنـه لو‬
‫وقـد أحسن مجاهـد في تنزيـه النبي صلى ال عليه وسلم أن يقال له‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫قيـل له‪] :‬ل تكذب[ ‪ /‬لكان هذا من جنس أمره باليمان والتقوى‪ ،‬ونهيه عما نهي ال عنـه‪ .‬وأمـا إذا قيـل‪َ}:‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫ك‬
‫ق ِبِه{ ]الزمر‪:‬‬
‫صّد َ‬
‫ق َو َ‬
‫صْد ِ‬
‫جاء ِبال ّ‬
‫ن{ ‪ ،‬فهو لم يكذب بالدين‪ ،‬بل هو الذي أخبر بالدين وصــدق به‪ ،‬فهو }َواّلِذي َ‬
‫َبْعُد ِبالّدي ِ‬
‫ظا ومعنى‪.‬‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ؟ فهذا القول فاسد لف ً‬
‫‪ ،[ 33‬فكيف يقال له‪َ}:‬ما ُيَكّذُب َ‬

‫حا فيه‪ ،‬بل يحتمل أن يكون أراد به خطاب النسان‪ .‬فإنه قال‪:‬‬
‫ل بالسناد عن قتادة ليس صري ً‬
‫واللفظ الذي رأيته منقو ً‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ ،‬قال‪) :‬استيقن‪ ،‬فقد جاءك البيان(‪ .‬وكل إنسان مخاطب بهذا‪ .‬فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى‬
‫}َفَما ُيكَّذُب َ‬
‫صحيح‪.‬‬
‫لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى ال عليه وسلم وعلى هذا فهذا المعنى باطل‪ .‬فل يقال للرسول‪] :‬فأى‬
‫شيء يجعلك مكذًبا بالدين؟[ وإن ارتأت به النفس‪ ،‬لن هذا فيه دلئل تدل على فساده‪ .‬ولهذا استعاذ منه مجاهد‪.‬‬
‫خَفش‪ ،‬وغيرهما‪ .‬وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري‪ ،‬وغيره من‬
‫والصواب ما قاله الَفّراء‪ ،‬وال ْ‬
‫العلماء كما تقدم‪.‬‬
‫وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء‪ ،‬فقال‪ :‬إنه خطاب ‪ /‬للنبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمعنى‪ :‬فمن يقدر‬
‫على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا خلقنا النسان على ما وصفنا‪ ،‬قاله الفراء‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأما ]الدين[ فهو الجزاء‪ .‬قلت‪ :‬وكذلك قال غير واحد‪ ،‬كما روى ابن أبي حاتم عن النضر بن عربي‪َ} :‬فَما ُيَكّذُبكَ‬
‫َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ ،‬أي‪ :‬بالحساب‪.‬‬

‫ل ِبَأْحَكِم اْلَحاِكِميَن{ ]التين‪،[8 :‬‬
‫س ا ُّ‬
‫ومن تفسير العوفي عن ابن عباس‪ :‬أي بحكم ال‪ .‬قلت‪ :‬قال‪] :‬بحكم ال[ لقوله‪َ} :‬أَلْي َ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ يحكم بين المصدق بالدين والمكذب به‪.‬‬
‫وعلى هذا‪ ،‬قوله‪َ} :‬فَما{ وصف للشخاص‪ .‬ولم يقل‪] :‬فمن[؛ لن ]ما[ يراد به الصفات دون العيان‪ ،‬وهو المقصود‪،‬‬
‫س َوَما‬
‫ن{ ]الكافرون‪ ،[2 :‬وقوله‪َ} :‬وَنْف ٍ‬
‫عُبُد َما َتْعُبُدو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ساء{ ]النساء‪ ،[3:‬وقوله‪َ } :‬‬
‫ن الّن َ‬
‫ب َلُكم ّم َ‬
‫طا َ‬
‫حوْا َما َ‬
‫كقوله‪َ} :‬فانِك ُ‬
‫َسّواَها{ ]الشمس‪ .[ 7 :‬كأنه قيل‪ :‬فما المكذب بالديــن بعد هــذا؟ أى‪ :‬من هــذه صفته ونعته‪ ،‬هو جاهل ظالم لنفسـه‪،‬وال‬
‫يحكـم بين عبــاده فيما يختلفــون فيه مــن هذا النبأ العظيم‪.‬‬
‫وقوله‪ّ} :‬بعد {‪ ،‬قد قيل‪ :‬إنه ]بعد ما ذكر من دلئل الدين[‪.‬‬
‫‪ /‬وقد يقال‪ :‬لم يذكر إل الخبار به‪ ،‬وأن الناس نوعان‪ :‬في أسفل سافلين‪ ،‬ونوع لهم أجر غير ممنون؟‬
‫فقد ذكر البشارة والنذارة‪ ،‬والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين‪.‬‬
‫فمن كذبك بعد هذا‪ ،‬فحكمه إلى ال أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك تبليغه‪.‬‬
‫ب َقْوُلُهْم َأِئَذا ُكّنا‬
‫ج ٌ‬
‫ب َفَع َ‬
‫ج ْ‬
‫ك{ ليس نفًيا للتكذيب‪ ،‬فقد وقع‪ .‬بل قد يقال‪ :‬إنه تعجب منه‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وِإن َتْع َ‬
‫وقوله‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫ق َجِديٍد{ ]الرعد‪.[5 :‬‬
‫خْل ٍ‬
‫ُتَراًبا َأِئّنا َلِفي َ‬

‫وقد يقال‪ :‬إن هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه‪ ،‬كما يقال‪] :‬من فلن؟[ و]من يقول هذا إل جاهل؟[‪ .‬لكنه‬
‫ذكره بصيغة ]ما[ فإنها تدل على صفته‪ ،‬وهي المقصودة‪ ،‬إذ ل غرض في عينه‪ .‬كأنه قيل‪] :‬فأي صنف وأي جاهل‬
‫يكذبك بعد بالدين؟ فإنه من الذين يردون إلى أسفل سافلين[‪.‬‬
‫ل ِبَأْحَكِم اْلَحاِكِميَن{ ]التين‪ ،[ 8 :‬يدل على أنه الحاكم بين المكذب بالدين والمؤمن به‪ .‬والمر في ذلك له ـ‬
‫س ا ُّ‬
‫وقوله‪َ} :‬أَلْي َ‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪ /‬والقرآن ل تنقضي عجائبه‪ .‬وال ـ سبحانه ـ بين مراده بياًنا أحكمه‪ ،‬لكن الشتباه يقع على من لم يرسخ في علم‬
‫الدلئل الدالة‪ .‬فإن هذه السورة وغيرها فيها عجائب ل تنقضي‪.‬‬
‫ب والدين المَكّذب به جميًعا‪ .‬فإن السورة‬
‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ]التين ‪ [ 7‬ذكر فيه الرسول المَكّذ َ‬
‫منها‪ :‬أن قوله‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫تضمنت المرين‪ .‬تضمنت القسام بأماكن الرسل المبينة لعظمتهم‪ ،‬وما أتوا به من اليات الدالة على صدقهم الموجبة‬
‫لليمان‪ .‬وهم قد أخبروا بالمعاد المذكور في هذه السورة‪.‬‬

‫ن َكَفُروا َأن ّلن‬
‫عَم اّلِذي َ‬
‫وقد أقسم ال عليه كما يقسم عليه في غير موضع‪ ،‬وكما أمر نبيه أن يقسم عليه في مثل قوله‪َ} :‬ز َ‬
‫ُيْبَعُثوا ُقْل َبَلى َوَرّبي َلُتْبَعُثّن{ ]التغابن‪ ،[7 :‬وقوله‪َ} :‬وَقاَل اّلِذيَن َكَفُروا َل َتْأِتيَنا الّساَعُة ُقْل َبَلى َوَرّبي َلَتْأِتَيّنُكْم{ ]سبأ‪.[3 :‬‬

‫ك َبْعُد ِبالّديِن{ ‪ ،‬وال ـ سبحانه ـ أعلم‪.‬‬
‫فلما تضمنت هذا وهذا ذكر نوعي التكذيب‪ ،‬فقال‪َ} :‬فَما ُيَكّذُب َ‬
‫ن آَمُنوا‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ضا‪ ،‬فإنه ل ذنب له في ذلك‪ ،‬والقرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء على ذنوبه؛ ولهذا قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫وأي ً‬
‫صْوا‬
‫ق َوَتَوا َ‬
‫حّ‬
‫صْوا ِباْل َ‬
‫ت َوَتَوا َ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫ن آَمُنوا َو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سٍر ِإ ّ‬
‫خْ‬
‫ن َلِفي ُ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ن ا ِْ‬
‫ت{ ]التين‪،[6 :‬كما قال‪ِ}:‬إ ّ‬
‫حا ِ‬
‫صاِل َ‬
‫عِمُلوا ال ّ‬
‫َو َ‬
‫صْبِر{ ]العصر‪.[2،3 :‬‬
‫ِبال ّ‬

‫لكن ـ هنا ـ ذكر الخسر فقط‪ ،‬فوصف المستثنين بأنهم تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر مع اليمان والصلح‪ .‬وهناك‬
‫حا‬
‫ذكر أسفل سافلين‪ ،‬وهو العذاب‪ ،‬والمؤمن المصلح ل يعذب‪ ،‬وإن كان قد ضيع أموًرا خسرها‪ ،‬لو حفظها لكان راب ً‬
‫غير خاسر‪ .‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫ل ومفص ً‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أنه ـ سبحانه ـ يذكر خلق النسان مجم ً‬
‫ل َوُكنُتْم َأْمَواًتا َفَأْحَياُكمْ ُثّم ُيِميُتُكْم ُثّم ُيْحِييُكْم ُثّم ِإَلْيِه ُتْرَجُعوَن{ ]البقرة‪،[82 :‬‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ف َتْكُفُرو َ‬
‫وتارة يذكر إحياءه‪ ،‬كقوله تعالى‪َ} :‬كْي َ‬
‫ت{ ]البقرة‪.[258 :‬‬
‫حِيـي َوُيِمي ُ‬
‫ي اّلِذي ُي ْ‬
‫وهو كقول الخليل ـ عليه السلم‪َ} :‬رّب َ‬
‫فإن خلق الحياة ولوازمها وملزوماتها أعظم وأدل على القدرة‪ ،‬والنعمة‪ ،‬والحكمة‪.‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫ك اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ]العلق‪ .[ 5 - 3 :‬سمى ووصف نفسه بالكرم‪ ،‬وبأنه‬
‫قوله‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫الكرم‪ ،‬بعد إخباره أنه خلق؛ ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة‪ ،‬كما قال في موضع‬
‫يٍء‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫طى ُك ّ‬
‫عَ‬
‫سّوى َواّلِذي َقّدَر َفَهَدى{ ]العلى‪ ،[ 3 ،2 :‬وكما قال موسى ـ عليه السلم ـ‪َ} :‬رّبَنا اّلِذي َأ ْ‬
‫ق َف َ‬
‫خَل َ‬
‫آخر‪} :‬اّلِذي َ‬
‫َخْلَقُه ُثّم َهَدى{ ]طه‪ ،[ 50 :‬وكما قال الخليل ـ عليه السلم ـ‪} :‬اّلِذي َخَلَقِني َفُهَو َيْهِديِن{ ]الشعراء‪.[78 :‬‬
‫حيِم{‬
‫ن الّر ِ‬
‫حمـ ِ‬
‫ن{‪ ،‬ثم قال‪ } :‬الّر ْ‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫فالخلق يتضمن البتداء‪ ،‬والكرم تضمن النتهاء‪ ،‬كما قال في أم القرآن‪َ} :‬ر ّ‬
‫]الفاتحة‪.[2 ،1 :‬‬
‫ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد‪ .‬ل يراد به مجرد العطاء‪ ،‬بل العطاء من تمام معناه‪ ،‬فإن الحسان إلى‬
‫الغير تمام المحاسن‪ .‬والكرم كثرة الخير ويسرته‪.‬‬
‫ولهذا قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬ل تسموا العنب الَكْرم‪ ،‬فإنما الَكْرم قلب المؤمن(‪.‬‬
‫سا‪ ،‬ويعصر فيتخذ منه أنواع‪.‬‬
‫‪ /‬وهم سموا العنب ]الَكْرم[ ؛ لنه أنفع الفواكه ـ يؤكل رطًبا‪ ،‬وياب ً‬
‫وهو أعم وجوًدا من النخل؛ يوجد في عامة البلد‪ ،‬والنخل ل يكون إل في البلد الحارة؛ ولهذا قال في رزق النسان‪:‬‬
‫غْلًبا‬
‫ق ُ‬
‫حَداِئ َ‬
‫ل َو َ‬
‫خً‬
‫ضًبا َوَزْيُتوًنا َوَن ْ‬
‫عَنًبا َوَق ْ‬
‫حّبا َو ِ‬
‫شّقا َفَأنَبْتَنا ِفيَها َ‬
‫ض َ‬
‫لْر َ‬
‫شَقْقَنا ا َْ‬
‫صّبا ُثّم َ‬
‫صَبْبَنا اْلَماء َ‬
‫طَعاِمِه َأّنا َ‬
‫ن ِإَلى َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ظِر ا ِْ‬
‫}َفْلَين ُ‬
‫َوَفاِكَهًة َوَأّبا ّمَتاًعا ّلُكْم َوَِلْنَعاِمُكْم{ ]عبس‪ 24 :‬ـ ‪.[32‬‬

‫ق َوَأْعَناًبا{ ]النبأ‪.[32 ،31 :‬‬
‫حَداِئ َ‬
‫ن َمَفاًزا َ‬
‫ن ِلْلُمّتِقي َ‬
‫فقدم العنب‪ .‬وقال في صفة الجنة‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ومع هذا نهي النبي صلى ال عليه وسلم عن تسميته بالكرم وقال‪) :‬الَكْرُم قلب المؤمن(‪ .‬فإنه ليس في الدنيا أكثر ول‬
‫أعظم خيًرا من قلب المؤمن‪.‬‬
‫ض َكْم َأنَبْتَنا ِفيَها ِمن ُكّل َزْوٍج َكِريٍم{ ]الشعراء‪:‬‬
‫لْر ِ‬
‫والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬أَوَلْم َيَرْوا ِإَلى ا َْ‬
‫‪ ،[ 7‬قال ابن قتيبة‪ :‬من كل جنس حسن‪ .‬وقال الزجاج‪ :‬الزوج النوع‪ ،‬والكريم المحمود‪ .‬وقال غيرهما‪ِ} :‬من ُكّل َزْو ٍ{‬
‫ج{‬

‫صنف وضرب‪َ} ،‬كِريٍم{ حسن‪ ،‬من النبات مما يأكل الناس والنعام‪ .‬يقال‪] :‬نخلة كريمة[‪ ،‬إذا طاب حملها‪ ،‬و]ناقة‬
‫كريمة[‪ ،‬إذا كثر لبنها‪.‬‬
‫شْعبي‪ :‬الناس من نبات الرض‪ ،‬فمن دخل الجنة فهو كريم‪ ،‬ومن دخل النار فهو لئيم‪.‬‬
‫‪/‬وعن ال ّ‬
‫ل َأْتَقاُكْم{{‬
‫عنَد ا ِّ‬
‫ن َأْكَرَمُكْم ِ‬
‫والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على ال يكرمه‪ ،‬وفيهم من يهينه‪ .‬قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ل َيْفَعلُ َما َيَشاء{ ]الحج‪.[18 :‬‬
‫ن ا َّ‬
‫ل َفَما َلُه ِمن ّمْكِرٍم ِإ ّ‬
‫ن ا ُّ‬
‫]الحجرات‪ ،[ 13 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَمن ُيِه ِ‬
‫وقال النبي صلى ال عليه وسلم لمعاذ بن جبل‪) :‬وإياك وكرائم أموالهم‪ ،‬واتق دعوة المظلوم‪ ،‬فإنه ليس بينها وبين ال‬
‫حجاب(‪ .‬وكرائم الموال‪ :‬التي تكرم على أصحابها لحاجتهم إليها وانتفاعهم بها من النعام وغيرها‪.‬‬
‫وهوـ سبحانه ـ أخبر أنه الكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها‪ .‬فدل على أنه الكرم وحده‪ ،‬بخلف ما لو قال‪] :‬وربك‬
‫لْكَرُم{ يدل على الحصر‪.‬‬
‫أكرم[‪ .‬فإنه ل يدل على الحصر‪ ،‬وقوله‪} :‬ا َْ‬
‫ولم يقل‪] :‬الكرم من كذا[‪ ،‬بل أطلق السم ليبين أنه الكرم مطلًقا غير مقيد‪ .‬فدل على أنه متصف بغاية الكرم الذي ل‬
‫شيء فوقه ول نقص فيه‪.‬‬
‫ت به‬
‫ك اَْلْكَرُم{ ]العلق‪ ،[ 3 :‬على ‪ /‬جهة التأنيس‪ ،‬كأنه يقول‪ :‬امض لما ُأِمْر َ‬
‫قال ابن عطية‪ :‬ثم قال له تعالى‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫وربك ليس كهذه الرباب‪ ،‬بل هو الكرم الذي ل يلحقه نقص‪ ،‬فهو ينصرك ويظهرك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد قال بعض السلف‪] :‬ل يهدين أحدكم ل ما يستحي أن يهديه لكريمه‪ ،‬فإن ال أكرم الكرماء[‪ .‬أى‪ :‬هو أحق‬
‫من كل شيء بالكرام‪ ،‬إذ كان أكرم من كل شيء‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ ذو الجلل والكرام‪ .‬فهو المستحق لن ُيجل‪ ،‬ولن ُيكرم‪ .‬والجلل يتضمن التعظيم‪ ،‬والكرام‬
‫يتضمن الحمد والمحبة‪.‬‬
‫وهذا كما قيل في صفة المؤمن‪ :‬إنه رزق حلوة ومهابة‪.‬‬
‫وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من رآه بديهة هابه‪ ،‬ومن خالطه معرفة أحبه(‪.‬‬
‫وهذا لنه ـ سبحانه ـ له الملك وله الحمد‪.‬‬
‫ن أن أهل السنة يصفونه بالقدرة اللهية‪ ،‬والحكمة‪ ،‬والرحمة‪ .‬وهم‬
‫وقد بسط الكلم على هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وَبّي َ‬
‫الذين يعبدونه ويحمدونه‪ ،‬وأنه يجب أن يكون هو المستحق لن يعبد دون ما سواه والعبادة تتضمن غاية الذل وغاية‬
‫الحب‪.‬‬
‫‪ /‬وأن المنكرين لكونه يحب من الجهمية ومن وافقهم حقيقة قولهم‪ :‬أنه ل يستحق أن يعبد‪ ،‬كما أن قولهم‪ :‬إنه يفعل بل‬
‫حكمة ول رحمة‪ ،‬يقتضي أنه ل ىحمد‪.‬‬
‫فهم إنما يصفونه بالقدرة والقهر‪ .‬وهذا إنما يقتضي الجلل ـ فقط ـ ل يقتضي الكرام‪ ،‬والمحبة‪ ،‬والحمد‪ .‬وهو ـ‬
‫ئ َوُيِعيُد{ ]البروج‪ ،[13 ،12 :‬ثم قال‪َ} :‬وهَُو اْلَغُفوُر اْلَوُدوُد‬
‫شِديٌد ِإّنُه ُهَو ُيْبِد ُ‬
‫ك َل َ‬
‫ش َرّب َ‬
‫ط َ‬
‫ن َب ْ‬
‫سبحانه ـ الكرم‪ .‬قال تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ش اْلَمِجيُد َفّعاٌل ّلَما ُيِريُد{ ]البروج‪ ،[16 - 14 :‬وقال شعيب‪َ} :‬واْسَتْغِفُروْا َرّبُكْم ُثّم ُتوُبوْا ِإَلْيِه ِإّن َرّبي َرِحيٌم َوُدو ٌ{‬
‫د{‬
‫ُذو اْلَعْر ِ‬
‫]هود‪.[90 :‬‬
‫ف نفسه بأنه الذي خلق‪ ،‬وبأنه الكرم‪ .‬والجهمية ليس عندهم إل كونه خالًقا ـ مع تقصيرهم في‬
‫ص َ‬
‫وفي أول ما نزل‪َ :‬و َ‬
‫إثبات كونه خالًقا ـ ل يصفونه بالكرم‪،‬ول الرحمة‪ ،‬ول الحكمة‪.‬‬

‫وإن أطلقوا ألفاظها فل يعنون بها معناها‪ ،‬بل يطلقونها لجل مجيئها في القرآن‪ ،‬ثم يلحدون في أسمائه ويحرفون الكلم‬
‫عن مواضعه‪ .‬فتارة يقولون‪ :‬الحكمة هي القدرة‪ ،‬وتارة يقولون‪ :‬هي المشيئة‪ ،‬وتارة يقولون‪ :‬هي العلم‪.‬‬
‫وأن الحكمة ـ وإن تضمنت ذلك واستلزمته ـ فهي أمر زائد ‪ /‬على ذلك‪ .‬فليس كل من كان قادًرا أو مريًدا كان حكيًما‪،‬‬
‫ول كل من كان له علم يكون حكيًما‪ ،‬حتى يكون عامل بعلمه‪.‬‬
‫ضا ـ‪ :‬القول الصواب‪ .‬فتتناول القول السديد‪ ،‬والعمل‬
‫قال ابن ُقَتيَبة وغيره‪ :‬الحكمة هي العلم والعمل به‪ ،‬وهي ـ أي ً‬
‫المستقيم الصالح‪.‬‬
‫والرب ـ تعالى ـ أحكم الحاكمين‪ ،‬وأحكم الحكماء‪.‬‬
‫والحكام الذي في مخلوقاته دليل على علمه‪ .‬وهم مع سائر الطوائف يستدلون بالحكام على العلم‪ ،‬وإنما يدل إذا كان‬
‫الفاعل حكيًما يفعل لحكمة‪.‬‬
‫وهم يقولون‪ :‬إنه ل يفعل لحكمة‪ ،‬وإنما يفعل بمشيئة تخص أحد المتماثلين بل سبب يوجب التخصيص‪ .‬وهذا مناقض‬
‫للحكمة‪ ،‬بل هذا سفه‪.‬‬
‫ل َفَيْدَمُغُه َفِإَذا‬
‫طِ‬
‫عَلى اْلَبا ِ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ف ِباْل َ‬
‫ل َنْقِذ ُ‬
‫ن َب ْ‬
‫عِلي َ‬
‫خْذَناُه ِمن ّلُدّنا ِإن ُكّنا َفا ِ‬
‫لّت َ‬
‫خَذ َلْهًوا ّ‬
‫وهو قد نزه نفسه عنه في قوله‪َ}:‬لْو َأَرْدَنا َأن ّنّت ِ‬
‫صُفوَن{ ]النبياء‪.[18 ،17 :‬‬
‫ل ِمّما َت ِ‬
‫ق َوَلُكُم اْلَوْي ُ‬
‫ُهَو َزاِه ٌ‬

‫ل‪ ،‬وأن ذلك ظن الذين كفروا‪.‬‬
‫وقد أخبر أنه إنما خلق السموات والرض وما بينهما بالحق‪ ،‬وأنه ‪ /‬لم يخلقهما باط ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ك ُسًدى{ ]القيامة‪ ،[36 :‬أي‪ :‬مهم ً‬
‫ن َأن ُيْتَر َ‬
‫سا ُ‬
‫لن َ‬
‫ب ا ِْ‬
‫س ُ‬
‫حَ‬
‫عَبًثا{ ]المؤمنون‪ ،[115 :‬وقال‪َ} :‬أَي ْ‬
‫خَلْقَناُكْم َ‬
‫سْبُتْم َأّنَما َ‬
‫حِ‬
‫وقال‪َ} :‬أَف َ‬
‫ل ُيْؤَمر ول ُيْنهي‪ .‬وهذا استفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب‪.‬‬
‫جّوُز ذلك عليه‪ ،‬ول تنزهه عن فعل‪ ،‬وإن كان من منكرات الفعال‪ .‬ول تنعته بلوازم كرمه‪،‬‬
‫جِبرة ُت َ‬
‫والجهمية الم ْ‬
‫ورحمته‪ ،‬وحكمته‪ ،‬وعدله؛ فيعلم أنه يفعل ما هو اللئق بذلك‪ ،‬ول يفعل ما يضاد ذلك‪.‬‬
‫بل تجوز كل مقدور أن يكون‪ ،‬وأل يكون‪ ،‬وإنما يجزم بأحدهما لجل خبر سمعي‪ ،‬أو عادة مطردة‪ ،‬مع تناقضهم في‬
‫الستدلل بالخبر ـ أخبار الرسل وعادات الرب ـ كما بسط هذا في مواضع‪ ،‬مثل الكلم على معجزات النبياء‪ ،‬وعلى‬
‫إرسال الرسل‪ ،‬والمر والنهي‪ ،‬وعلى المعاد‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬مما يتعلق بأفعاله وأحكامه الصادرة عن مشيئته‪ .‬فإنها‬
‫صادرة عن حكمته وعن رحمته‪ ،‬ومشيئته مستلزمة لهذا وهذا‪ ،‬ل يشاء إل مشيئة متضمنة للحكمة‪ ،‬وهو أرحم بعباده‬
‫من الوالدة بولدها‪ ،‬كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬ل أرحم بعباده من‬
‫الوالدة بولدها(‪.‬‬
‫‪ /‬فهم في الحقيقة ل يقرون بأنه الكرم‪.‬‬
‫والرادة التي يثبتونها لم يدل عليها سمع ول عقل‪ ،‬فإنه ل تعرف إرادة ترجح مراًدا على مراد بل سبب يقتضي‬
‫الترجيح‪ .‬ومن قال من الجهمية والمعتزلة‪ :‬إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الخر بل مرجح‪ ،‬فهو مكابر‪.‬‬
‫وتمثيلهم ذلك بالجائع إذا أخذ أحد الرغيفين‪ ،‬والهارب إذا سلك أحد الطريقين‪ ،‬حجة عليهم‪ ،‬فإن ذلك ل يقع إل مع‬
‫رجحان أحدهما‪ ،‬إما لكونه أيسر في القدرة‪ ،‬وإما لنه الذي خطر بباله وتصوره‪ ،‬أو ظن أنه أنفع‪ ،‬فلبد من رجحان‬
‫أحدهما بنوع ما؛ إما من جهة القدرة‪ ،‬وإما من جهة التصور والشعور‪ .‬وحينئذ‪ ،‬يرجح إرادته‪ ،‬والخر لم يرده‪ .‬فكيف‬
‫ح إرادة هذا على إرادة ذاك بل مرجح؟ وهذا ممتنع يعرف‬
‫جَ‬
‫جح؟ أو أنه َر ّ‬
‫حت أحدهما بل ُمَر ّ‬
‫جَ‬
‫يقال‪ :‬إن إرادته َر ّ‬
‫امتناعه من تصوره حق التصور‪.‬‬
‫ولكن لما تكلموا في مبدأ الخلق بكلم ابتدعوه ـ خالفوا به الشرع والعقل ـ احتاجوا إلى هذه المكابرة‪ ،‬كما قد بسط في‬
‫غير هذا الموضع‪ ،‬وبذلك تسلط عليهم الفلسفة من جهة أخرى‪ .‬فل للسلم نصروا‪ ،‬ول للفلسفة كسروا‪.‬‬

‫ل‪ ،‬فلبد من حدوث أمر‬
‫‪ /‬ومعلوم بصريح العقل أن القادر إذا لم يكن مريًدا للفعل ول فاعل‪ ،‬ثم صار مريًدا فاع ً‬
‫اقتضى ذلك‪.‬‬
‫والكلم ـ هنا ـ في مقامين‪ :‬أحدهما‪ :‬في جنس الفعل والقول‪ .‬هل صار فاعل متكلًما بمشيئته بعد أن لم يكن‪ ،‬أو ما زال‬
‫فاعل متكلًما بمشيئته‪ .‬وهذا مبسوط في مسائل الكلم والفعال في مسألة القرآن وحدوث العالم‪.‬‬
‫والثانى‪ :‬إرادة الشيء المعين وفعله‪ ،‬كقوله تعالى‪ِ} :‬إّنَما َأْمُرُه ِإَذا َأَراَد َشْيًئا َأْن َيُقوَل َلُه ُكْن َفَيُكوٍُن{ ]يس‪ ،[82 :‬وقوله‪:‬‬
‫حقّ‬
‫سُقوْا ِفيَها َف َ‬
‫ك َقْرَيًة َأَمْرَنا ُمْتَرِفيَها َفَف َ‬
‫جا َكنَزُهَما{ ]الكهف‪ ،[82:‬وقوله‪َ} :‬وِإَذا َأَرْدَنا َأن ّنْهِل َ‬
‫خِر َ‬
‫سَت ْ‬
‫شّدُهَما َوَي ْ‬
‫ن َيْبُلَغا َأ ُ‬
‫ك َأ ْ‬
‫}َفَأَراَد َرّب َ‬
‫ل َمَرّد َلُه{ ]الرعد‪ ،[11 :‬وقوله‪َ} :‬وِإن‬
‫سوًءا َف َ‬
‫ل ِبَقْوٍم ُ‬
‫ل َفَدّمْرَناَها َتْدِميًرا{ ]السراء‪ ،[16 :‬وقوله‪َ} :‬وِإَذا َأَراَد ا ّ‬
‫عَلْيَها اْلَقْو ُ‬
‫َ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ل‬
‫ن ِمن ُدو ِ‬
‫عو َ‬
‫ل َأَفَرَأْيُتم ّما َتْد ُ‬
‫ضِلِه{ ]يونس‪ ،[107:‬وقوله‪ُ} :‬ق ْ‬
‫ل َرآّد ِلَف ْ‬
‫خْيٍر َف َ‬
‫ك ِب َ‬
‫ل ُهَو َوِإن ُيِرْد َ‬
‫ف َلُه ِإ ّ‬
‫ش َ‬
‫ل َكا ِ‬
‫ضّر َف َ‬
‫ل ِب ُ‬
‫كا ّ‬
‫سَ‬
‫سْ‬
‫َيْم َ‬
‫ت َرْحَمِتِه{ ]الزمر‪.[38 :‬‬
‫سَكا ُ‬
‫ن ُمْم ِ‬
‫ل ُه ّ‬
‫حَمٍة َه ْ‬
‫ضّرِه َأْو َأَراَدِني ِبَر ْ‬
‫ت ُ‬
‫شَفا ُ‬
‫ن َكا ِ‬
‫ل ُه ّ‬
‫ضّر َه ْ‬
‫ل ِب ُ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ن َأَراَدِن َ‬
‫ِإ ْ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ إذا أراد شيًئا من ذلك فللناس فيها أقوال‪:‬‬
‫قيل‪ :‬الرادة قديمة أزلية واحدة‪ ،‬وإنما يتجدد تعلقها بالمراد‪ / ،‬ونسبتها إلى الجميع واحدة‪ ،‬ولكن من خواص الرادة‬
‫أنها تخصص بل مخصص‪ .‬فهذا قول ابن كلب‪ ،‬والشعرى‪ .‬ومن تابعهما‪.‬‬
‫وكثير من العقلء يقول‪ :‬إن هذا فساده معلوم بالضطرار‪ ،‬حتى قال أبو البركات‪ :‬ليس في العقلء من قال بهذا‪.‬‬
‫وما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلم‪ ،‬وبطلنه من جهات‪ :‬من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك‪،‬‬
‫ومن جهة أنه جعل الرادة تخصص لذاتها‪ ،‬ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيًئا حدث حتى تخصص أو‬
‫ل تخصص‪ .‬بل تجددت نسبة عدمية ليست وجوًدا‪،‬وهذا ليس بشيء‪ ،‬فلم يتجدد شيء‪ .‬فصارت الحوادث تحدث‬
‫وتتخصص بل سبب حادث‪ ،‬ول مخصص‪.‬‬
‫والقول الثانى‪ :‬قول من يقول بإرادة واحدة قديمة مثل هؤلء‪ ،‬لكن يقول‪ :‬تحدث عند تجدد الفعال إرادات في ذاته‬
‫بتلك المشيئة القديمة‪ ،‬كما تقوله الكّرامية وغيرهم‪.‬‬
‫وهـؤلء أقرب مـن حيث أثبتـوا إرادات الفعال‪ .‬ولكـن يلزمهم مـا لزم أولئك من حيث أثبتوا حـوادث بـل سبب‬
‫صص‪ ،‬وجعلـوا تلك الرادة واحـدة تتعلق بجميـع الرادات الحـادثـة‪ / ،‬وجعلـوها ـ‬
‫خ ّ‬
‫حـادث‪ ،‬وتخصيصات بـل ُم َ‬
‫ضا ـ تخصص لذاتها‪،‬ولم يجعلـوا عنـد وجـود الرادات الحادثـة شـيًئا حـدث حتى تخصص تلك الرادات الحـدوث‪.‬‬
‫أي ً‬
‫والقول الثالث‪ :‬قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الرادة به‪ .‬ثم إما أن يقولوا بنفي الرادة‪ ،‬أو يفسرونها بنفس‬
‫المر والفعل‪ ،‬أو يقولوا بحدوث إرادة ل في محل كقول البصريين‪.‬‬
‫ضا ـ فسادها‪.‬‬
‫وكل هذه القوال قد علم ـ أي ً‬
‫والقول الرابع‪ :‬أنه لم يزل مريًدا بإرادات متعاقبة‪ ،‬فنوع الرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ يقدر الشياء ويكتبها‪ ،‬ثم بعد ذلك يخلقها‪ .‬فهو إذا قدرها علم ما سيفعله‪ ،‬وأراد فعله في الوقت‬
‫المستقبل‪ ،‬لكن لم يرد فعله في تلك الحال‪ ،‬فإذا جاء وقته أراد فعله فالول عزم‪ ،‬والثاني قصد‪.‬‬
‫وهل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولن‪ :‬أحدهما المنع‪ ،‬كقول القاضي أبي بكر‪ ،‬والقاضي أبي يعلى‪ .‬والثاني الجواز‪،‬‬
‫ت َفَتَوّكْل َعَلى ال( ‪ ،‬بالضم‪ .‬وفي الحديث ‪ /‬الصحيح من حديث أم‬
‫عَزْم ُ‬
‫وهو أصح‪ .‬فقد قرأ جماعة من السلف‪َ) :‬فِإَذا َ‬
‫سلمة‪) :‬ثم عزم ال لي(‪ .‬وكذلك في خطبة مسلم‪) :‬فعزم لي(‪.‬‬
‫وسواء سمى ]عزًما[ أو لم يسم‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ إذا قدرها‪ ،‬علم أنه سيفعلها في وقتها‪ ،‬وأراد أن يفعلها في وقتها‪ .‬فإذا‬
‫جاء الوقت فلبد من إرادة الفعل المعين‪ ،‬ونفس الفعل‪ ،‬ولبد من علمه بما يفعله‪.‬‬

‫ثم الكلم في علمه بما يفعله هل هو العلم المتقدم بما سيفعله؟ وعلمه بأن قد فعله هل هو الول؟ فيه قولن معروفان‪.‬‬
‫والعقل والقرآن يدل على أنه قدر زائد‪ ،‬كما قال‪} :‬لنعلم{ في بضعة عشر موضًعا‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬إل لنرى‪.‬‬
‫وحينئذ‪ ،‬فإرادة المعين تترجح لعلمه بما في المعين من المعنى المرجح لرادته‪ .‬فالرادة تتبع العلم‪.‬‬
‫وكون ذلك المعين متصًفا بتلك الصفات المرجحة‪ ،‬إنما هو في العلم والتصور‪ ،‬ليس في الخارج شيء‪.‬‬
‫ومن هنا غلط من قال‪] :‬المعدوم شيء[‪ ،‬حيث أثبتوا ذلك المراد في الخارج‪ .‬ومن لم يثبته شيًئا في العلم‪ ،‬أو كان ليس‬
‫عنده إل إرادة ‪ /‬واحدة وعلم واحد‪ ،‬ليس للمعلومات والمرادات صورة علمية عند هؤلء‪ .‬فهؤلء نفوا كونه شيًئا في‬
‫العلم والرادة‪ ،‬وأولئك أثبتوا كونه شيًئا في الخارج‪.‬‬
‫وتلك الصورة العلمية الرادية حدثت بعد أن لم تكن‪ .‬وهي حادثة بمشيئته وقدرته‪ ،‬كما ُيحدث الحوادث المنفصلة‬
‫بمشيئته وقدرته‪ .‬فيقدر ما يفعله‪ ،‬ثم يفعله‪.‬‬
‫فتخصيصها بصفة دون صفة‪ ،‬وقدر دون قدر هو للمور المقتضية لذلك في نفسه‪ .‬فل يريد إل ما تقتضى نفسه‬
‫إرادته بمعنى يقتضي ذلك‪ ،‬ول يرجح مراًدا على مراد إل لذلك‪.‬‬
‫ول يجوز أن يرجح شيًئا لمجرد كونه قادًرا‪ .‬فإنه كان قادًرا قبل إرادته‪ ،‬وهو قادر على غيره‪ .‬فتخصيص هذا بالرادة‬
‫ل يكون بالقدرة المشتركة بينه وبين غيره‪.‬‬
‫صص‪ ،‬بل إنما يريد المريد أحد الشيئين دون‬
‫ل ـ على مثل بل ُمخَ ّ‬
‫صص ـ مث ً‬
‫خ ّ‬
‫ضا ـ أن تكون الرادة ُت َ‬
‫ول يجوز ـ أي ً‬
‫الخر لمعنى في المريد والمراد‪ ،‬لبد أن يكون المريد إلى ذلك أميل‪ ،‬وأن يكون في المراد ما أوجب رجحان ذلك‬
‫الميل‪.‬‬
‫‪ /‬والقرآن والسنة تثبت القدر‪ ،‬وتقدير المور قبل أن يخلقها‪ ،‬وأن ذلك في كتاب‪ ،‬وهذا أصل عظيم يثبت العلم والرادة‬
‫لكل ما سيكون ويزيل إشكالت كثيرة ضل بسببها طوائف في هذا المكان ـ في مسائل العلم والرادة‪.‬‬
‫فاليمان بالقدر من أصول اليمان‪ ،‬كما ذكره النبي صلى ال عليه وسلم في حديث جبريل‪ ،‬قال‪) :‬اليمان أن تؤمن‬
‫بال وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬وبالبعث بعد الموت‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره وشره(‪ .‬وقد تبرأ ابن عمر ـ وغيره من‬
‫الصحابة ـ من المكذبين بالقدر‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬فطائفة من أهل الكلم ـ وغيرهم ـ ل تثبت القدر إل علًما أزلًيا وإرادة أزلية فقط‪ .‬وإذا أثبتوا الكتابة قالوا‪:‬‬
‫إنها كتابة لبعض ذاك‪.‬‬
‫وأمـا مـن يقـول‪ :‬إنه قـدرهـا حينئذ‪ ،‬كما في صحيح مسلم‪ ،‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬عـن النبي صلى ال عليه وسلم أنـه‬
‫ط‬
‫سَ‬
‫قـال‪) :‬قدر ال مقادير الخلئق قبل أن يخلق السموات والرض بخمسين ألف سنة‪ ،‬وكان عرشه على الماء(‪ ،‬فقد ُب ِ‬
‫الكلم على ذلك في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫لّ‬
‫ن‬
‫لْم َ‬
‫ب{ ]العراف‪ ،[167 :‬وقوله‪َ } :‬‬
‫سوَء اْلَعَذا ِ‬
‫سوُمُهْم ُ‬
‫عَلْيِهْم ِإَلى َيْوِم اْلِقَياَمِة َمن َي ُ‬
‫ن َ‬
‫ك َلَيْبَعَث ّ‬
‫ن َرّب َ‬
‫‪ /‬وهو كقوله‪َ} :‬وِإْذ َتَأّذ َ‬
‫ك َلَكاَن ِلَزاًما َوَأَجٌل ُمَسّمى{ ]طه‪،[129 :‬‬
‫سَبَقتْ ِمن ّرّب َ‬
‫ل َكِلَمٌة َ‬
‫ن{ ]ص‪ ،[85 :‬وقوله‪َ} :‬وَلْو َ‬
‫جَمِعي َ‬
‫ك ِمْنُهْم َأ ْ‬
‫ك َوِمّمن َتِبَع َ‬
‫جَهّنَم ِمن َ‬
‫َ‬
‫صوُروَن َوِإّن ُجنَدَنا لَُهُم اْلَغاِلُبوَن{ ]الصافات‪ 171:‬ـ ‪ ،[173‬وقوله‪:‬‬
‫ن ِإّنُهْم َلُهُم اْلَمن ُ‬
‫سِلي َ‬
‫ت َكِلَمُتَنا ِلِعَباِدَنا اْلُمْر َ‬
‫سَبَق ْ‬
‫وقوله‪َ} :‬وَلَقْد َ‬
‫ظيٌم{ ]النفال‪.[68 :‬‬
‫عِ‬
‫ب َ‬
‫عَذا ٌ‬
‫خْذُتْم َ‬
‫سُكْم ِفيَما َأ َ‬
‫ق َلَم ّ‬
‫سَب َ‬
‫ل َ‬
‫نا ّ‬
‫ب ّم َ‬
‫ل كَِتا ٌ‬
‫}ّلْو َ‬

‫والكتاب ـ في نفسه ـ ل يكون أزلًيا‪ .‬وفي حديث رواه حماد بن سلمة‪ ،‬عن الشعث ابن عبد الرحمن الجرمي‪ ،‬عن أبي‬
‫ِقلبة‪ ،‬عن أبي الشعث الصنعانى‪ ،‬عن شداد بن أوس؛ أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن ال كتب كتاًبا قبل‬
‫أن يخلق السموات والرض بألفي سنة أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة(‪ ،‬رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬غريب‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا‪.‬‬

‫وكثير من الكتب المصنفة في أصول الدين والكلم‪ ،‬يوجد فيها القوال المبتدعة دون القول الذي جاء به الكتاب‬
‫والسنة‪.‬‬
‫فالشهرستاني ]هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد‪ ،‬الشهرستاني من فلسفة السلم كان إماًما في علم الكلم‬
‫وأديان المم ومذاهب الفلسفة‪ ،‬يلقب بالفضل‪ ،‬ولد في شهرستان عام ‪ ،479‬وانتقل إلى بغداد عام ‪510‬هـ‪ ،‬فأقام‬
‫ثلث سنين وعاد إلى بلده فتوفي بها عام ‪548‬هـ‪ ،‬من كتبه ]الملل والنحل[‪ ،‬و]نهاية القدام في علم الكلم[ وغيرهما[‬
‫ل ليس فيها القول الذي دل عليه‬
‫ـ مع تصنيفه في الملل والنحل ـ يذكر في مسألة الكلم ‪ /‬والرادة وغيرهما أقوا ً‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وإن كان بعضها أقرب‪.‬‬
‫وَقْبلـه أبو الحسـن كتابـه في اختلف المصلين من أجمع الكتب‪ ،‬وقد استقصي فيه أقاويـل أهـل البـدع‪ .‬ولما ذكر قول‬
‫ل‪ ،‬غير مفصل‪ .‬وتصرف في بعضه‪ ،‬فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم من غير أن يكون‬
‫أهل السنة والحديث ذكره مجم ً‬
‫ذلك منقولً عن أحد منهم‪.‬‬
‫لب‪.‬‬
‫وأقرب القوال إليه قول ابن ُك ّ‬
‫فأمـا ابن كـلب‪ ،‬فقـوله مشـوب بقـول الجهميـة‪ ،‬وهـو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية‪،‬وكذلك مذهب‬
‫الشعرى في الصفات وأما في القدر واليمان فقوله قول جهم‪.‬‬
‫وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال‪ :‬وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب‪ ،‬فهو أقرب ما ذكره‪.‬‬
‫وبعضه ذكره عنهم على وجهه‪ ،‬وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر‪ ،‬إذ كان هو‬
‫نفسه يعتقد صحة تلك الصول‪.‬‬
‫وهو يحب النتصار لهل السنة والحديث وموافقتهم فأراد أن ‪ /‬يجمع بين ما رآه من رأى أولئك‪ ،‬وبين ما نقله عن‬
‫هؤلء؛ ولهذا يقول فيه طائفة‪ :‬إنه خرج من التصريح إلى التمويه‪ .‬كما يقوله طائفة‪ :‬إنهم الجهمية الناث‪ ،‬وأولئك‬
‫الجهمية الذكور‪.‬‬
‫وأتباعه الذين عرفوا رأيه في تلك الصول‪ ،‬ووافقوه أظهروا من مخالفة أهل السنة والحديث ما هو لزم لقولهم‪ ،‬ولم‬
‫يهابوا أهل السنة والحديث ويعظموا ويعتقدوا صحة مذاهبهم كما كان هو يرى ذلك‪.‬‬
‫والطائفتان ـ أهل السنة والجهمية ـ يقولون‪ :‬إنه تناقض‪ ،‬لكن السنى يحمد موافقته لهل الحديث ويذم موافقته للجهمية‪،‬‬
‫والجهمى يذم موافقته لهل الحديث ويحمد موافقته للجهمية‪.‬‬
‫ل من متقدميهم‪ .‬وهي مواضع دقيقة‪ ،‬يغفر ال‬
‫ولهذا كان متأخرو أصحابه ـ كأبي المعالى ونحوه ـ أظهر تجهًما وتعطي ً‬
‫لمن أخطأ فيها بعد اجتهاده‪.‬‬
‫لكن الصـواب مـا أخبر به الرسـول‪ ،‬فل يكون الحق في خلف ذلك ـ قط ـ وال أعلم‪.‬‬
‫ومن أعظم الصول التي دل عليها القرآن في مواضع كثيرة جًدا‪ ،‬وكذلك الحاديث‪ ،‬وسائر كتب ال‪ ،‬وكلم السلف‪،‬‬
‫وعليها تدل ‪ /‬المعقولت الصريحة‪ ،‬هو إثبات الصفات الختيارية‪ ،‬مثل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلًما يقوم بذاته‪،‬‬
‫وكذلك يقوم بذاته ِفْعُله الذي يفعله بمشيئته‪.‬‬
‫فإثبات هذا الصل يمنع ضلل الطوائف الذين كذبوا به‪ ،‬والقرآن والحديث مملوء‪ ،‬وكلم السلف والئمة مملوء من‬
‫إثباته‪.‬‬
‫فالحق المحض؛ ما أخبر به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فل يكون الحق في خلف ذلك‪ .‬لكن الهدى التام يحصل‬
‫بمعرفة ذلك وتصوره‪ .‬فإن الختلف تارة ينشأ من سوء الفهم ونقص العلم‪ ،‬وتارة من سوء القصد‪.‬‬

‫والناس يختلفون في العلم والرادة ـ في تعدد ذلك وإيجاده‪.‬‬
‫ومعلوم أن ما يقوم بالنفس من إرادة المور‪ ،‬ل يمكن أن يقال فيه‪ .‬العلم بهذا هو العلم بهذا‪ ،‬ول إرادة هذا هو إرادة‬
‫هذا‪ .‬فإن هذا مكابرة وعناد‪.‬‬
‫وليس تمييز العلم عن العلم‪ ،‬والرادة عن الرادة‪ ،‬تمييًزا مع انفصال أحدهما عن الخر‪ .‬بل نفس الصفات المتنوعة ـ‬
‫كالعلم ‪ ،/‬والقدرة‪ ،‬والرادة ـ إذا قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض‪ ،‬بل محل هذا هو محل هذا‪ ،‬كالطعم‬
‫جة الواحدة وأمثالها من الفاكهة وغيرها‪.‬‬
‫واللون والرائحة القائمة بالَْتُر ّ‬
‫فإذا قيل‪]:‬هي علوم وإرادات[‪ ،‬لم ينفصل هذا عن هذا بفصل حسي‪ ،‬بل هو نوع واحد قائم بالنفس‪ .‬وإذا علم هذا بعد‬
‫علمه بذلك فقد زاد هذا النوع وكثر ـ وإن شئت قلت‪ :‬عظم‪ .‬فل يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية‪.‬‬
‫بل يقال‪] :‬علم كثير‪ ،‬وعلم عظيم[ بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته وشرف معلومه‪ ،‬ونحـو ذلك‪ ،‬كما قال النبي صلى‬
‫ي اْلَقّيوُم{ ]البقرة‪:‬‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫ال عليه وسلم لبي بن كعب‪] :‬أتدري أي آية من كتاب ال معك أعظم؟[ قال‪ } :‬ا ّ‬
‫ك العلم‪ ،‬أبا المنذر![‪.‬‬
‫‪ .[ 255‬فقال‪ِ] :‬لَيْهِن َ‬
‫ظم حلمك‪.‬‬
‫وكتب سلمان إلى أبي الدرداء‪ :‬ليس الخير أن يكثر مالك وولدك‪ ،‬ولكن الخير أن يكثر علمك َوْيْع ُ‬
‫وانضمام العلم إلى العلم‪ ،‬والرادة إلى الرادة‪ ،‬والقدرة إلى القدرة‪ ،‬هو شبيه بانضمام الجسام المتصلة‪ ،‬كالماء إذا‬
‫زيد فيه ماء‪ ،‬فإنه يكثر قدره‪ .‬لكن هو كم متصل ل منفصل‪ ،‬بخلف الدراهم‪.‬‬
‫‪ /‬فإذا قيل‪] :‬تعددت العلوم والرادات[ فهو إخبار عن كثرة قدرها وأنها أكثر وأعظم مما كانت‪ ،‬ل أن هناك معدودات‬
‫منفصلة كما قد يفهم بعض الناس‪.‬‬
‫ك ِمَن اْلِعْلِم{ ]آل عمران‪:‬‬
‫جاء َ‬
‫ك ِفيِه ِمن َبْعِد َما َ‬
‫جَ‬
‫حآ ّ‬
‫ن َ‬
‫ولهذا كان العلم اسم جنس‪ .‬فل يكاد يجمع في القرآن‪ ،‬بل يقال‪َ} :‬فَم ْ‬
‫طُهو ً {‬
‫را{‬
‫سَماء َماء َ‬
‫ن ال ّ‬
‫‪ ،[ 61‬فيذكر الجنس‪ ،‬كذلك الماء‪ ،‬ليس في القرآن ذكر مياه‪ ،‬بل إنما يذكر جنس الماء‪َ} :‬وَأنَزْلَنا ِم َ‬
‫]الفرقان‪ ،[48 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫والعلم يشبه بالماء‪ ،‬كقوله صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب‬
‫ل اَلْمَثاَل{ ]الرعد‪:‬‬
‫با ّ‬
‫ضِر ُ‬
‫ك َي ْ‬
‫ت َأْوِدَيٌة ِبَقَدِرَها{ إلى قوله‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫ساَل ْ‬
‫سَماء َماء َف َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫ضا‪ .....‬الحديث(‪ .‬وقد قال‪َ} :‬أنَز َ‬
‫أر ً‬
‫‪.[17‬‬
‫ومـاخلقه الرب تعالى فإنه يراه‪ ،‬ويسمع أصوات عباده‪ .‬والمعدوم ل يرى باتفاق العقلء‪.‬‬
‫والسالمية ـ كأبي طالب المكي وغيره ـ لم يقولوا‪ :‬إنه يرى قائًما بنفسه‪ ،‬وإنما قالوا‪ :‬يراه الرب في نفسه ـ وإن كان هـو‬
‫معدوًما في ذات الشيء المعدوم‪ .‬فهم يجعلون الرؤية لما يقوم بنفس العالم من صورته العلمية ‪ /‬ما هو عدم محض‪.‬‬
‫وهم ـ وإن كانوا غلطوا في بعض ما قالوه فلم يقولوا‪ :‬إن العدم المحض الذي ليس بشيء يرى ـ فإن هذا ل يقوله‬
‫عاقل‪ .‬وفي الحقيقة إذا رؤى شيء فإنما رؤى مثاله العلمى‪ ،‬ل عينه‪.‬‬
‫وأبو الشيخ الصبهانى لما ذكرت هذا المسألة َأَمَر بالمساك عنها‪.‬‬
‫فقبل أن يوجد لم يكن يرى‪ ،‬وبعد أن يعدم ل يرى‪ ،‬وإنما يرى حال وجوده‪ .‬وهذا هو الكمال في الرؤية‪.‬‬
‫عَمَلُكْم‬
‫ل َ‬
‫سَيَرى ا ّ‬
‫عَمُلوْا َف َ‬
‫لا ْ‬
‫وكذلك سمع أصوات العباد هو عند وجودها‪ ،‬ل بعد فنائها‪ ،‬ول قبل حدوثها‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬وُق ِ‬
‫ف َتْعَمُلوَن{ ]يونس‪.[14 :‬‬
‫ظَر َكْي َ‬
‫ض ِمن َبْعِدِهم ِلَنن ُ‬
‫لْر ِ‬
‫ف ِفي ا َ‬
‫لِئ َ‬
‫خَ‬
‫جَعْلَناُكْم َ‬
‫ن{ ]التوبة‪ [105 :‬وقال‪ُ} :‬ثّم َ‬
‫سوُلُه َواْلُمْؤِمُنو َ‬
‫َوَر ُ‬

‫صـــل‬
‫َف ْ‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم بعثه ال ـ تعالى ـ هدى ورحمة للعالمين‪ .‬فإنه كما أرسله بالعلم والهدى‪ ،‬والبراهين‬
‫العقلية والسمعية‪ ،‬فإنه أرسله بالحسان إلى الناس‪ ،‬والرحمة لهم بل عوض‪ ،‬وبالصبر على أذاهم ‪ /‬واحتماله‪ .‬فبعثه‬
‫بالعلم‪ ،‬والكرم‪ ،‬والحلم‪ ،‬عليم هاد‪ ،‬كريم محسن‪ ،‬حليم صفوح‪.‬‬
‫صيُر الُموُر{{‬
‫ل َت ِ‬
‫ل ِإَلى ا ِّ‬
‫ض َأ َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوَما ِفي ا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ل اّلِذي َلُه َما ِفي ال ّ‬
‫ط ا ِّ‬
‫صَرا ِ‬
‫سَتِقيٍم ِ‬
‫ط ّم ْ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ك َلَتْهِدي ِإَلى ِ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬وِإّن َ‬
‫ط اْلَعِزيِز‬
‫ن َرّبِهْم ِإَلى صَِرا ِ‬
‫ت ِإَلى الّنوِر ِبِإْذ ِ‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫س ِم َ‬
‫ج الّنا َ‬
‫خِر َ‬
‫ك ِلُت ْ‬
‫ب َأنَزْلَناُه ِإَلْي َ‬
‫]الشورى‪ .[ 53 ،52 :‬وقال تعالى‪ِ} :‬كَتا ٌ‬
‫جَعْلَناُه ُنوًرا‬
‫ن َوَلِكن َ‬
‫ليَما ُ‬
‫ل ا ِْ‬
‫ب َو َ‬
‫ت َتْدِري َما اْلِكَتا ُ‬
‫ن َأْمِرَنا َما ُكن َ‬
‫حا ّم ْ‬
‫ك ُرو ً‬
‫حْيَنا ِإَلْي َ‬
‫ك َأْو َ‬
‫حِميِد{ ]إبراهيم‪ .[ 1 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫اْل َ‬
‫ّنْهِدي ِبِه َمْن ّنَشاء ِمْن ِعَباِدَنا{ ]الشورى‪ .[ 52 :‬ونظائره كثيرة‪.‬‬
‫ل{ ]سبأ‪.[47:‬‬
‫عَلى ا ِّ‬
‫ل َ‬
‫ي ِإ ّ‬
‫جِر َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫جٍر َفُهَو َلُكْم ِإ ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫سَأْلُتُكم ّم ْ‬
‫ل َما َ‬
‫جٍر{ ]الفرقان‪.[57 :‬وقال‪ُ}:‬ق ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫عَلْيِه ِم ْ‬
‫سَأُلُكْم َ‬
‫ل َما َأ ْ‬
‫وقال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫وقال‪ُ}:‬قل ّل َأْسَأُلُكْم َعَلْيِه َأْجًرا{ ]النعام‪ .[ 90 :‬فهو يعلم ويهدى ويصلح القلوب ويدلها على صلحها في الدنيا والخرة‬
‫بل عوض‪.‬‬
‫جٍر{ ]الشعراء‪ .[ 109 :‬ولهذا قال أصحاب يس‪َ} :‬يا َقْوِم اّتِبُعوا‬
‫ن َأ ْ‬
‫عَلْيِه ِم ْ‬
‫سَأُلُكْم َ‬
‫وهذا نعت الرسل كلهم‪ ،‬كل يقول‪َ} :‬وَما َأ ْ‬
‫اْلُمْرَسِليَن اّتِبُعوا َمن ّل َيْسَأُلُكْم َأْجًرا َوُهم ّمْهَتُدوَن{ ]يس‪.[21 ،20 :‬‬

‫صيَرٍة َأَنْا َوَمِن اّتَبَعِني{ ]يوسف‪.[108 :‬‬
‫عَلى َب ِ‬
‫ل َ‬
‫عو ِإَلى ا ّ‬
‫سِبيِلي َأْد ُ‬
‫ل َهـِذِه َ‬
‫وهذه سبيل من اتبعه‪ ،‬كما قال‪ُ} :‬ق ْ‬
‫طِ‬
‫ل‬
‫س ِباْلَبا ِ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫ن َأْمَوا َ‬
‫ن َلَيْأُكُلو َ‬
‫حَباِر َوالّرْهَبا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫ن َكِثيًرا ّم َ‬
‫‪ /‬وأما المخالفون لهم‪ ،‬فقد قال عن المنتسبين إليهم مع بدعة‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ل{ ]التوبة‪ .[ 34 :‬فهؤلء أخذوا أموالهم ومنعوهم سبيل ال‪ ،‬ضد الرسل فكيف بمن هو شر من‬
‫لا ّ‬
‫سِبي ِ‬
‫عن َ‬
‫ن َ‬
‫صّدو َ‬
‫َوَي ُ‬

‫هؤلء من علماء المشركين‪ ،‬والسحرة‪ ،‬والكهان؟ فهم أوكل لموالهم بالباطل‪ ،‬وأصد عن سبيل ال من الحبار‬
‫والرهبان‪.‬‬
‫ن َأْقَرَبُهْم ّمَوّدًة‬
‫جَد ّ‬
‫ن{ ‪ ،‬فليس كلهم كذلك‪ ،‬بل قال في موضع آخر‪َ} :‬وَلَت ِ‬
‫حَباِر َوالّرْهَبا ِ‬
‫لْ‬
‫نا َ‬
‫ن َكِثيًرا ّم َ‬
‫وهو ـ سبحانه ـ قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ك ِبَأّن ِمْنُهْم ِقّسيِسيَن َوُرْهَباًنا َوَأّنُهْم َل َيْسَتكِْبُروَن{ ]المائدة‪.[82 :‬‬
‫صاَرى َذِل َ‬
‫ن َقاُلَوْا ِإّنا َن َ‬
‫ن آَمُنوْا اّلِذي َ‬
‫ّلّلِذي َ‬

‫ضِنيٍن{ ]التكوير‪ .[ 24 :‬وفيها قراءتان‪ .‬فمن قرأ‪] :‬بظنين[‪ ،‬أي‪ :‬ما‬
‫ب ِب َ‬
‫عَلى اْلَغْي ِ‬
‫وقد قال في وصف الرسول‪َ} :‬وَما ُهَو َ‬
‫ن{‪ ،‬أى‪ :‬ما هو ببخيل‪ ،‬ل يبذله إل بعوض‪،‬‬
‫ضِني ٍ‬
‫هو بمتهم على الغيب‪ ،‬بل هو صادق أمين فيما يخبر به‪ .‬ومن قرأ‪} :‬بِ َ‬
‫كالذين يطلبون العوض على ما ىعلمونه‪.‬‬
‫فوصفه بأنه يقول الحق فل يكذب‪ ،‬ول يكتم‪ .‬وقد وصف أهل الكتاب بأنهم يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيًرا‪،‬‬
‫ل‪.‬‬
‫وأنهم يشترون به ثمًنا قلي ً‬
‫‪ /‬ومع هذا وهذا قد أمده بالصبر على أذاهم‪ ،‬وجعله كذلك يعطيهم ما هم محتاجون إليه غاية الحاجة ـ بل عوض‪ ،‬وهم‬
‫يكرهونه ويؤذونه عليه‪.‬‬
‫وهـذا أعظم مـن الذي يبذل الدواء النافـع للمرضي‪ ،‬ويسقيهم إيـاه بـل عـوض ـ وهـم يؤذونه ـ كما يصنع الب‬
‫الشفيق‪ .‬وهو أب المؤمنين‪.‬‬
‫س{ ]آل عمران‪ ،[ 110 :‬قـال أبو هريرة‪ :‬كنتم خير الناس للناس؛‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ج ْ‬
‫خِر َ‬
‫خْيَر ُأّمٍة ُأ ْ‬
‫وكـذلك نعت أمـته بقـوله‪ُ} :‬كنُتْم َ‬
‫تأتون بهم في السلسل حتى تدخلوهم الجنة فيجاهدون‪ ،‬يبذلون أنفسهم وأموالهم لمنفعة الخلق وصلحهم‪ ،‬وهم‬
‫يكرهون ذلك لجهلهم‪ ،‬كما قال أحمد في خطبته‪:‬‬
‫الحمـد ل الذي جعـل ـ في كل زمان َفْتَرة من الرسل ـ بقايا من أهل العلم يدعون مـن ضـل إلى الهدى‪ ،‬ويصبرون‬
‫صرون ـ بنـور ال ـ أهـل العمى‪ .‬فكم مـن قتيـل لبليس قد أحيوه‪،‬‬
‫منهم على الذى‪ ،‬يحيون ـ بكتاب ال ـ الموتى‪ ،‬وُيَب ّ‬
‫وكم من ضال تائه قـد هـدوه! فما أحسن أثرهم على الناس‪ ،‬وأقبح أثر الناس عليهم!‪ .‬إلى آخر كلمه‪.‬‬

‫فهـذا هـذا‪ ،‬والحمد ل حمـًدا كثـيًرا طيًبا مبارًكا فيـه‪ .‬وهـو ـ سبحانـه ـ يجـزي الناس بأعمالهم‪ ،‬وال في عون العبـد‬
‫مـا كـان العبـد في عـون أخيه ‪ /‬فهو ينعم على الرسول بإنعامـه جزاء على إحسانهم‪ ،‬والجميـع منـه‪ .‬فهـو الرحمن‬
‫الرحيم‪ ،‬الجواد الكريم‪ ،‬الحنان المنان‪ ،‬له النعمـة وله الفضل‪ ،‬وله الثناء الحسن‪ ،‬وله الحمد حمًدا كثيًرا طيًبا مبارًكا‬
‫فيه‪.‬‬
‫وهـو ـ سبحانـه ـ يحب معالى الخـلق‪ ،‬ويكـره سفسافها‪ .‬وهـو يحب البصر النافـذ عنـد ورود الشبهات‪ ،‬ويحب‬
‫ضا ـ‪ :‬وقـد يحب الشجاعـة ولو على قتـل الحيات‪ ،‬ويحب السماحـة‬
‫العقـل الكامل عند حلول الشهوات‪ .‬وقد قيل ـ أي ً‬
‫ولو بكـف مـن تمـرات‪.‬‬
‫والقرآن أخبر أنه يحب المحسنين‪ ،‬ويحب الصابرين‪ .‬وهذا هو الكرم والشجاعة‪.‬‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫وقوله‪} :‬الَْْكَرُم{‪ ،‬يقتضي اتصافه بالكرم في نفسه‪ ،‬وأنه الكرم وأنه محسن إلى عباده‪ .‬فهو مستحق للحمد لمحاسنه‬
‫وإحسانه‪.‬‬
‫ل وَأن ُيْكَرم‪ ،‬كما يقال‪ :‬إنه }َأْهلُ‬
‫جَ‬
‫ل أن ُي َ‬
‫لِل َواِْلْكَراِم{ ]الرحمن‪ .[ 27 :‬فيه ثـلثـة أقـوال؛ قيل‪ :‬أْه ٌ‬
‫جَ‬
‫وقـوله‪ُ} :‬ذو اْل َ‬
‫ل في نفسه‪ ،‬وأن يكرم أهل وليته وطاعته‪ .‬وقيل‪:‬‬
‫جّ‬
‫ل أن ُي َ‬
‫الّتْقَوى{ ]المدثر‪ ،[ 56 :‬أي‪ :‬المستحق لن ‪ُ /‬يّتَقى‪ .‬وقيل‪َ :‬أْه ٌ‬
‫ل في نفسه وأهل أن يكرم‪.‬‬
‫جّ‬
‫أهل أن ُي َ‬
‫طأبي الحتمالت الثلثة‪ ،‬ونقل ابن الجوزي كلمه فقال‪ :‬قال أبو سليمان الخطابي‪ :‬الجلل مصدر الجليل‪،‬‬
‫ذكر الخَ ّ‬
‫يقال‪ :‬جليل بين الجللة والجلل‪ .‬والكرام مصدر أكرم‪ ،‬يكرم‪ ،‬إكراًما‪ .‬والمعنى‪ :‬أنه يكرم أهل وليته وطاعته‪ ،‬وأن‬
‫ل ويكرم‪ ،‬ول يجحد ول يكفر به‪ ،‬قال‪ :‬ويحتمل أن يكون المعنى‪َ :‬يْكِرم أهل وليته ويرفع درجاتهم‪.‬‬
‫جّ‬
‫ال يستحق أن ُي َ‬
‫لْكَراِم{‪ :‬يكرم أنبياءه وأولياءه بلطفه ـ مع‬
‫ل{‪ :‬العظمة والكبرياء }َوا ِْ‬
‫لِ‬
‫جَ‬
‫قلت‪ :‬وهذا الذي ذكره البغوى فقال‪ُ}:‬ذو اْل َ‬
‫جلله وعظمته‪.‬‬
‫طابي‪ :‬وقد يحتمل أن يكون أحد المرين ـ وهو الجلل ـ مضاًفا إلى ال بمعنى الصفة له‪ ،‬والخر مضاًفا إلى‬
‫قال الخ ّ‬
‫العبد بمعنى الفعل‪ ،‬كقوله تعالى‪ُ} :‬هَو َأْهُل الّتْقَوى َوَأْهُل اْلَمْغِفَرِة{ ]المدثر‪ ،[ 56 :‬فانصرف أحد المرين إلى ال وهو‬
‫المغفرة‪ ،‬والخر إلى العباد وهي التقوى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬القول الول هو أقربها إلى المراد‪ ،‬مع أن الجلل ـ هنا ـ ‪ /‬ليس مصدر جل جلل‪ ،‬بل هو اسم مصدر أجل‬
‫ل‪ ،‬كقول النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إن من إجلل ال إكرام ذي الشيبة المسلم‪ ،‬وحامل القرآن‪ ،‬غير الغالى فيه‬
‫إجل ً‬
‫ل‬
‫ول الجافي عنه‪ ،‬وإكرام ذى السلطان المقسط(‪ .‬فجعل إكرام هؤلء من جلل ال‪ ،‬أى‪ :‬من إجلل ال‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وا ُّ‬
‫ض َنَباًتا{ ]نوح‪ .[ 17 :‬وكما يقال‪ :‬كّلمه كلًما‪ ،‬وأعطاه عطاء‪ ،‬والكلم والعطاء اسم مصدر التكليم‬
‫لْر ِ‬
‫ن ا َْ‬
‫َأنَبَتُكم مّ َ‬
‫والعطاء‪.‬‬
‫والجلل ُقِرن بالكرام‪ ،‬وهو مصدر المتعدى‪ ،‬فكذلك الكرام‪.‬‬
‫جّلوا ال أن تقولوا كذا‪ .‬وفي حديث موسى‪ :‬يا رب‪ ،‬إني أكون على الحال التي أجلك أن أذكرك‬
‫ومن كلم السلف‪َ :‬أ ِ‬
‫عليها‪ .‬قال‪) :‬اذكرني على كل حال(‪.‬‬
‫وإذا كان مستحًقا للجلل والكرام لزم أن يكون متصًفا في نفسه بما يوجب ذلك‪،‬كما إذا قال‪ :‬الله هـو المستحق لن‬
‫ُيْؤَله‪،‬أى‪ :‬يعبد‪ ،‬كان هو في نفسه مستحًقا لما يوجب ذلك‪ .‬وإذا قيل‪ُ} :‬هَو َأْهُل الّتْقَوى{ ‪ ،‬كان هو في نفسه متصًفا بما‬
‫يوجب أن يكون هو المتقى‪.‬‬
‫ومنـه قـول النبي صلى ال عليه وسلم ـ إذا رفـع رأسـه مـن الركوع بعـد ‪ /‬ما يقول‪) :‬ربنا ولك الحمد(‪) :‬ملء‬
‫السموات‪ ،‬وملء الرض‪ ،‬وملء ما بينهما‪ ،‬وملء ما شئت من شيء بعد‪ ،‬أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد ـ وكلنا‬

‫جد(‪ .‬أي‪ :‬هو مستحق لن يثنى عليه‬
‫جد منك ال ِ‬
‫لك عبد ـ اللهم ل مانع لما أعطيت‪ ،‬ول معطى لما منعت‪ ،‬ول ينفع ذا ال ِ‬
‫وتمجد نفسه‪.‬‬
‫والعباد ل يحصـون ثناء علـيه‪ ،‬وهـو كما أثنى على نفسـه‪ ،‬كذلك هـو أهل أن يجل وأن يكـرم‪ .‬وهـو ـ سبحانه ـ يجل‬
‫نفسه ويكرم نفسه‪ ،‬والعباد ل يحصون إجلله وإكرامه‪.‬‬
‫ك َوَلُه اْلَحْمُد{ ]التغابن‪ .[1 :‬فله‬
‫والجلل من جنس التعظيم‪ ،‬والكرام من جنس الحب والحمد وهذا كقوله‪َ} :‬لُه اْلُمْل ُ‬
‫الجلل والملك‪ ،‬وله الكرام والحمد‪.‬‬
‫والصلة مبناها على التسبيح في الركوع والسجود‪ ،‬والتحميد والتوحيد في القيام والقعود‪ ،‬والتكبير في النتقالت‪ ،‬كما‬
‫سّبحَنا‪ ،‬فوضعت الصلة على‬
‫قال جابر‪ :‬كنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكنا إذا علونا كبرنا‪ ،‬وإذا هبطنا َ‬
‫ذلك‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫ت أن أقرأ القرآن راكًعا أو‬
‫وفي الركوع يقول‪) :‬سبحان ربي العظيم(‪ .‬وقال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬إنى ُنِهي ُ‬
‫ن أن يستجاب لكم(‪.‬‬
‫ساجًدا‪ .‬أما الركوع فعظموا فيه الرب‪ ،‬وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء‪ ،‬فَقِم ٌ‬
‫وإذا رفع رأسه حمد فقال‪) :‬سمع ال لمن حمده‪ ،‬ربنا ولك الحمد(‪ .‬فيحمده في هذا القيام‪ ،‬كما يحمده في القيام الول إذا‬
‫قرأ أم القرآن‪.‬‬
‫فالتحميد والتوحيد مقدم على مجرد التعظيم؛ ولهذا اشتملت الفاتحة على هذا؛ أولها تحميد‪،‬وأوسطها تمجيد‪،‬ثم في‬
‫الركوع تعظيم الرب‪،‬وفي القيام يحمده‪،‬ويثنى عليه‪ ،‬ويمجده‪.‬‬
‫حَمد وُيْعَبد‪ ،‬ولبد ـ مع ذلك ـ من‬
‫فدل على أن التعظيم المجرد‪ ،‬تابع لكونه محموًدا وكونه معبوًدا‪ .‬فإنه يحب أن ُي ْ‬
‫التعظيم‪ ،‬فإن التعظيم لزم لذلك‪.‬‬
‫وأما التعظيم‪ ،‬فقد يتجرد عن الحمد والعبادة على أصل الجهمية‪ .‬فليس ذلك بمأمور به‪ ،‬ول يصير العبد به ل مؤمًنا‪،‬‬
‫ول عابًدا‪ ،‬ول مطيًعا‪.‬‬
‫وأبو عبد ال بن الخطيب الرازى يجعل الجلل للصفات السلبية‪ ،‬والكرام للصفات الثبوتية‪ ،‬فيسمى هذه ]صفات‬
‫لِل َواِْلْكَراِم{{‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫الجلل[‪ ،‬وهذه ]صفات الكرام[‪ .‬وهذا اصطلح له‪ ،‬وليس المراد هذا في قوله‪َ} / :‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫لِل َواِْلْكَراِم { ]الرحمن‪.[78 :‬‬
‫جَ‬
‫ك ِذي اْل َ‬
‫سُم َرّب َ‬
‫كا ْ‬
‫]الرحمن‪ ،[27 :‬وقوله‪َ} :‬تَباَر َ‬
‫وهو في مصحف أهل الشام‪] :‬تبارك اسم ربك ذو الجلل والكرام[‪ .‬وهي قراءة ابن عامر‪ ،‬فالسم نفسه يذوى‬
‫بالجلل والكرام‪ .‬وفي سائر المصاحف ـ وفي قراءة الجمهور‪} :‬ذي الجلل{‪ ،‬فيكون المسمى نفسه‪.‬‬
‫لِل َواِْلْكَراِم{ ‪ .‬فالمذوى وجهه ـ سبحانه ـ وذلك يستلزم أنه هو ذو الجلل‬
‫جَ‬
‫ك ُذو اْل َ‬
‫جُه َرّب َ‬
‫وفي الولى‪َ} :‬وَيْبَقى َو ْ‬
‫والكرام‪ .‬فإنه إذا كان وجهه ذا الجلل والكرام‪ ،‬كان هذا تنبيًها‪ ،‬كما أن اسمه إذا كان ذا الجلل والكرام كان تنبيًها‬
‫على المسمى‪.‬‬
‫وهذا يبين أن المراد‪ :‬أنه يستحق أن ُيجل وُيكرم‪.‬‬
‫فـإن السم نفسـه يسـبح ويذكر ويـراد بذلك المسمـى‪.‬والسـم نفسـه ل يفعـل شـيًئا‪ ،‬ل إكرامًـا ول غـيره؛ ولهـذا ليس‬
‫في القـرآن إضافـة شيء مـن الفعـال والنعـم إلى السـم‪.‬‬
‫ك{ ‪ ،‬ونحو ذلك‪ .‬فإن اسم ال مبارك تنال معه البركة‪.‬‬
‫سُم َرّب َ‬
‫كا ْ‬
‫عَلى{ ]العلى‪َ} ،[1 :‬تَباَر َ‬
‫لْ‬
‫ك ا َْ‬
‫سَم َرّب َ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫ولكن يقال‪َ } :‬‬
‫ك اَْلْعَلى{ ‪ ،‬قال‪) :‬اجعلوها في‬
‫سَم َرّب َ‬
‫حا ْ‬
‫سّب ِ‬
‫والعبد يسبح اسم ربه العلى فيقول‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ .‬ولما نزل قوله‪َ } :‬‬
‫سجودكم(‪ ،‬فقالوا‪) :‬سبحان ربي العلى(‪.‬‬

‫فكذلك كان النبي صلى ال عليه وسلم ل يقول‪) :‬سبحان اسم ربي العلى(‪ .‬لكن قوله‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ ،‬هو‬
‫عوْا‬
‫ن َأّيا ّما َتْد ُ‬
‫حَمـ َ‬
‫عوْا الّر ْ‬
‫ل َأِو اْد ُ‬
‫عوْا ا ّ‬
‫ل اْد ُ‬
‫تسبيح لسمه يراد به تسبيح المسمى‪ ،‬ل يراد به تسبيح مجرد السم‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬ق ِ‬
‫َفَلُه اَلسَْماء اْلُحْسَنى{ ]السراء‪ .[ 110:‬فالداعى يقول‪] :‬يا ال[‪] ،‬يا رحمن[‪ ،‬ومراده المسمى‪ .‬وقوله‪َ} :‬أّيا ّما{‪ ،‬أى‬
‫السمين تدعوا‪ ،‬ودعاء السم هو دعاء مسماه‪.‬‬
‫وهذا هو الذي أراده من قال من أهل السنة‪:‬إن السم هو المسمى‪ .‬أرادوا به أن السم إذا دعي وذكر يراد به المسمى‬
‫‪.‬فإذا قال المصلى‪]:‬ال أكبر[‪ ،‬فقد ذكر اسم ربه‪،‬ومراده المسمى‪.‬‬
‫لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة في الخارج‪.‬فإن فساد هذا ل يخفي على من تصوره‪،‬ولو كان كذلك كان‬
‫من قال‪] :‬ناًرا[‪ ،‬احترق لسانه‪ .‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫والمقصود أن الجلل والكرام مثل الملك والحمد‪ ،‬كالمحبة والتعظيم‪ ،‬وهذا يكون في الصفات الثبوتية والسلبية‪ .‬فإن‬
‫كل سلب فهو متضمن ‪ /‬للثبوت‪ .‬وأما السلب المحض فل مدح فيه‪.‬‬
‫وهذا مما يظهر به فساد قول من جعل أحدهما للسلب والخر للثبات‪ ،‬ل سيما إذا كان من الجهمية الذين ينكرون‬
‫محبته‪ ،‬ول يثبتون له صفات توجب المحبة والحمد‪ ،‬بل إنما يثبتون ما يوجب القهر‪ ،‬كالقدرة‪ .‬فهؤلء آمنوا ببعض‬
‫وكفروا ببعض‪ ،‬وألحدوا في أسمائه وآياته بقدر ما كذبوا به من الحق‪ ،‬كما بسط هذا في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫صـــل‬
‫َف ْ‬
‫ك اَْلْكَرُم{ ]العلق‪.[3 :‬‬
‫ق{ ]العلق‪ ،[1 :‬وقوله‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫قوله تعالى في أول ما أنزل‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫ذكر في الموضعـين بالضافـة التي توجب التعريف‪ ،‬وأنه معـروف عند المخاطبـين‪ ،‬إذ الرب ـ تعالى ـ معروف عند‬
‫العبد بدون الستدلل بكونه خلق‪ .‬وأن المخلوق مع أنه دليل وأنه يدل على الخالق‪ ،‬لكن هو معروف في الفطرة قبل‬
‫هذا الستدلل؛ ومعرفته فطرية‪ ،‬مغروزة في الفطرة‪ ،‬ضرورية‪ ،‬بديهية‪ ،‬أولية‪.‬‬
‫رْأ{ وإن كان خطاًبا للنبى صلى ال عليه وسلم أول‪ ،‬فهو ‪ /‬خطاب لكل أحد‪ ،‬سواء كان قوله‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫ك‬
‫وقوله‪} :‬اْق َ‬
‫اَْلْكَرُم{ هـو خطاب للنسـان مطلًقـا‪ ،‬والنبى صلى ال عليه وسلم أول مـن سمع هـذا الخطاب‪ ،‬أو من النوع‪ ،‬أو هو‬

‫صا‪ ،‬كما قد قيــل في نظائــر ذلك‪.‬‬
‫خطاب للنبى صلى ال عليه وسلم خصو ً‬
‫ك{ ]النساء‪ ،[ 79 :‬قيل‪ :‬خطاب له‪ ،‬وقيل‪ :‬خطاب‬
‫سَ‬
‫سّيَئٍة َفِمن ّنْف ِ‬
‫ك ِمن َ‬
‫صاَب َ‬
‫ل َوَما َأ َ‬
‫نا ّ‬
‫سَنٍة َفِم َ‬
‫حَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صاَب َ‬
‫مثل قوله‪ّ} :‬ما َأ َ‬
‫للجنس‪ ،‬وأمثال ذلك‪ .‬فإنه وإن قيل‪ :‬إنه خطاب له‪ ،‬فقد تقرر أن ما خوطب به من أمر ونهي فالمة مخاطبة به ما لم‬
‫يقـم دليل التخصيص‪.‬‬
‫ك{ ]يونس‪ ،[94 :‬يتناول‬
‫ب ِمن َقْبِل َ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ن َيْقَرُؤو َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫سَأ ِ‬
‫ك َفا ْ‬
‫ك ّمّما َأنَزْلَنا ِإَلْي َ‬
‫شّ‬
‫ت ِفي َ‬
‫وبهذا يبين أن قوله تعالى‪َ} :‬فِإن ُكن َ‬
‫غيره‪ ،‬حتى قال كثير من المفسرين‪ :‬الخطاب لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والمراد به غيره‪ .‬أي‪ :‬هم الذين أريد‬
‫منهم أن يسألوا ِلَما عندهم من الشك‪ ،‬وهو لم يرد منه السؤال إذ لم يكن عنده شك‪.‬‬
‫ول شك أن هذا ل يمنع أن يكون هو مخاطًبا ومراًدا بالخطــاب‪ ،‬بل هذا صريــح اللفـظ‪ ،‬فل يجوز أن يقال‪ :‬إن‬
‫الخطاب لم يتناولــه‪ .‬ولن ليس في الخطــاب أنـه أمر بالسؤال مطلًقا‪ ،‬بل أمر به إن كان عنده شك‪ ،‬وهذا ل يوجب أن‬
‫يكون عنـده شك‪ .‬ول أنـه أمـر بـه ‪ /‬مطلًقا‪ ،‬بل أمر بـه إن كـان هــذا موجـوًدا‪ ،‬والحكـم المعلق بشــرط عـدم عنـد‬
‫عدمه‪.‬‬
‫طِع‬
‫ل ُت ِ‬
‫ن{ ]البقرة‪ ،[147 :‬وفي قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ن ِمنَ اْلُمْمَتِري َ‬
‫ل َتُكوَن ّ‬
‫ك َف َ‬
‫ق ِمن ّرّب َ‬
‫حّ‬
‫وكذلك كثير من المفسيرين يقول في قوله‪} :‬اْل َ‬
‫اْلَكاِفِريَن َواْلُمَناِفِقيّن{ ]الحزاب‪ ،[ 48 :‬ونحو ذلك‪ :‬إن الخطاب لرسول صلى ال عليه وسلم والمراد به غيره‪ .‬أي‪ :‬غيره‬

‫قد يكون ممتريا ومطيًعا لولئك فنهي‪ ،‬وهو ل يكون ممترًيا ول مطيًعا لهم‪.‬‬

‫ضا ـ مخاطب بهذا‪ ،‬وهو منهي عن هذا‪ .‬فال ـ سبحانه ـ قـد نهاه عما حرمـه‬
‫ولكن بتقدير أن يكون المر كذلك فهو ـ أي ً‬
‫مـن الشرك‪ ،‬والقـول عليه بـل علم‪ ،‬والظلم‪ ،‬والفواحش‪ .‬وينهي ال له عن ذلك وطاعته ل في هذا استحق عظيم‬
‫الثواب‪ ،‬ولول النهي والطاعة لما استحق ذلك‪.‬‬
‫ول يجب أن يكون المأمور المنهي ممن يشك في طاعته ويجوز عليه أن يعصى الرب‪ ،‬أو يعصيه مطلًقا ول يطيعه‪،‬‬
‫بل ال أمر الملئكة مع علمه أنهم يطيعونه‪ ،‬ويأمر النبياء مع علمه أنهم يطيعونه‪ ،‬وكذلك المؤمنون كل ما أطاعوه‬
‫فيه قد أمرهم به مع علمه أنهم يطيعونه‪.‬‬
‫‪ /‬ول يقال‪ :‬ل يحتاج إلى المر‪ ،‬بل بالمر صار مطيًعا مستحًقا لعظيم الثواب‪.‬‬
‫ولكن النهي يقتضي قدرته على المنهي عنه‪ ،‬وأنه لو شاء لفعله‪ ،‬ليثاب على ذلك إذا تركه‪ .‬وقد يقتضي قيام السبب‬
‫الداعى إلى فعله فينهي عنه‪ ،‬فإنه بالنهي وإعانة ال له على المتثال يمتنع مما نهي عنه إذا قام السبب الداعى له إليه‪.‬‬
‫وكذلك قد قيل في قوله‪َ} :‬سْل َبِني ِإْسَراِئيَل{ ]البقرة‪ :[ 211 :‬إنه أمر للرسول‪ ،‬والمراد به هو والمؤمنون‪ .‬وقيل‪ :‬هو أمر‬
‫لكل مكلف‪.‬‬
‫ل َتْقَهْر َوَأّما‬
‫ب{ ]العلق‪ ،[19 :‬وقوله‪َ} :‬فَأّما اْلَيِتيَم َف َ‬
‫جْد َواْقَتِر ْ‬
‫سُ‬
‫فقوله في هذه السورة‪} :‬اْقَرْأ{ ‪ ،‬كقوله في آخرها‪َ} :‬وا ْ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ل‬
‫ل ُقِم الّلْي َ‬
‫ث{ ]الضحى‪ 9 :‬ـ ‪ ،[ 11‬هذا متناول لجميع المة‪ .‬وقوله‪َ} :‬يا َأّيَها اْلُمّزّم ُ‬
‫حّد ْ‬
‫ك َف َ‬
‫ل َتْنَهْر َوَأّما ِبِنْعَمِة َرّب َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ساِئ َ‬
‫ال ّ‬
‫ل{ ]المزمل‪ ،[ 2 ،1 :‬فإنه كان خطابا للمؤمنين كلهم‪.‬‬
‫َقِلي ً‬

‫وكذلك قوله‪َ} :‬يا َأّيَها اْلُمّدّثُر ُقْم َفَأنِذْر{ ]المدثر‪ [ 2 ،1 :‬لما ُأِمَر بتبليغ ما أنزل إليه من النذار‪ .‬وهذا فرض على الكفاية‪.‬‬
‫طآِئَفٌة ّلَيَتَفّقُهوْا ِفي‬
‫ل ِفْرَقٍة ّمْنُهْم َ‬
‫ل َنَفَر ِمن ُك ّ‬
‫فواجب على المة أن يبلغوا ما أنزل إليه وينذروا كما أنذر‪ .‬قال تعالى‪َ} :‬فَلْو َ‬
‫الّديِن َوِلُينِذُروْا َقْوَمُهْم ِإَذا َرَجُعوْا ِإَلْيِهْم َلَعّلُهْم َيْحَذُروَن{ ]التوبة‪ [122 :‬والجن لما سمعوا القرآن‪َ} ،‬وّلْوا ِإَلى َقْوِمِهم ّمنِذِري َ{‬
‫ن{‬
‫]الحقاف‪.[29 :‬‬
‫ك{ ‪ ،‬عرف ربه الذي هو مأمور أن يقرأ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬فكل إنسان في قلبه معرفة بربه‪ .‬فإذا قيل له‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫باسمه‪ ،‬كما يعرف أنه مخلوق‪ ،‬والمخلوق يستلزم الخالق ويدل عليه‪.‬‬
‫وقد بسط هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وبين أن القرار والعتراف بالخالق فطرى ضرورى في نفوس الناس‪ ،‬وإن‬
‫كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة‪ .‬وهذا قول جمهور الناس‪،‬‬
‫حّذاق النظار‪ ،‬أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة‪ ،‬وتارة بالنظر‪ .‬كما اعترف بذلك غير واحد من أئمة‬
‫وعليه ُ‬
‫المتكلمين‪.‬‬
‫ضا ـ تدل على أنه ليس النظر أول واجب‪ ،‬بل أول ما أوجب ال على نبيه صلى ال عليه وسلم‪} :‬ا اْقَرْأ‬
‫وهذه الية ـ أي ً‬
‫ك{‪ ،‬لم يقل‪] :‬انظر واستدل حتى تعرف الخالق[‪.‬‬
‫سِم رَّب َ‬
‫ِبا ْ‬
‫وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة‪ ،‬فكان المبلغون مخاطبين بهذه الية قبل كل شيء ولم يؤمروا فيها بالنظر‬
‫والستدلل‪.‬‬
‫وقد ذهب كثير من أهل الكلم إلى أن اعتراف النفس بالخالق وإثباتها له‪ ،‬ل يحصل إل بالنظر‪.‬‬
‫صا‪ ،‬وهو النظر في العراض‪ ،‬وأنها لزمـة للجسام‪ ،‬فيمتنع وجود الجسام‬
‫‪ /‬ثم كثير منهم جعلوا ذلك نظـًرا مخصو ً‬
‫بدونها‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وما ل يخلو عن الحوادث‪ ،‬أو ما ل يسبق الحوادث فهو حادث‪.‬‬

‫ثم منهم من اعتقد أن هذه المقدمة بينة بنفسها‪ ،‬بل ضرورية‪ ،‬ولم يميز بين الحادث المعين والمحدود وبين الجنس‬
‫المتصل شيًئا بعد شيء؛ إما لظنه أن هذا ممتنع‪ ،‬أو لعدم خطوره بقلبه‪ .‬لكن‪ ،‬وإن قيل هو ممتنع‪ ،‬فليس العلم بذلك‬
‫بديهًيا‪.‬‬
‫وإنما العلم البديهي أن الحادث الذي له مبدأ محدود كالحادث والحوادث المقدرة من حين محدود فتلك ما ليسبقها فهو‬
‫حادث‪ .‬وما ل يخلو منها لم يسبقها فهو حادث‪ .‬فإنه إذا لم يسبقها كان معها أو متأخًرا عنها‪ .‬وعلى التقديرين فهو‬
‫حادث‪.‬‬
‫وأما إذا قدر حوادث دائمة شيًئا بعد شيء‪ ،‬فهذا إما أن يقال‪ :‬هو ممكن‪ ،‬وإما أن يقال‪ :‬هو ممتنع‪ .‬لكن العلم بامتناعه‬
‫يحتاج إلى دليل‪ ،‬ولم ُتْعَلم طائفة معروفة من العقلء قالوا‪ :‬إن العلم بامتناع هذا بديهي ضرورى‪ ،‬ول يفتقر إلى دليل‪.‬‬
‫‪ /‬بل كثير من الناس ل يتصور هذا تصوًرا تاًما‪ ،‬بل متى تصور الحادث قدر في ذهنه مبـدأ‪ ،‬ثم يتقدم في ذهنـه شيء‬
‫قبـل ذلك‪ ،‬ثم شيء قبل ذلك‪ ،‬لكـن إلى غايــات محــدودة بحسب تقدير ذهنه‪ ،‬كما يقدر الذهن عدًدا بعد عدد‪ ،‬ولكن كل‬
‫ما يقدره الذهن فهو منته‪.‬‬
‫ومن الناس من إذا قيل له‪] :‬الزل[ أو‪] :‬كان هذا موجوًدا في الزل[‪ ،‬تصور ذلك‪ .‬وهذا غلط‪ ،‬بل ]الزل[ ما ليس له‬
‫أول‪ ،‬كما أن ]البد[ ليس له آخر‪ ،‬وكل ما يومئ إليه الذهن من غاية فـ ]الزل[ وراءها‪ .‬وهذا لبسطه موضع آخر‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن هؤلء الذين قالوا‪ :‬معرفة الرب ل تحصل إل بالنظر‪ ،‬ثم قالوا‪ :‬ل تحصل إل بهذا النظر‪ ،‬هم من‬
‫أهل الكلم ـ الجهمية القدرية ومن تبعهم‪ .‬وقد اتفق سلف المة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على‬
‫خطأ هؤلء في إيجابهم هذا النظر المعين‪ ،‬وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه‪ .‬إذ قد علم بالضطرار من دين‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم أنه لم يوجب هذا على المة ول أمرهم به‪ ،‬بل ول سلكه هو ول أحد من سلف المة في‬
‫تحصيل هذه المعرفة‪.‬‬
‫ثم هذا النظر ـ هذا الدليل ـ للناس فيه ثلثة أقوال‪:‬‬
‫‪ /‬قيل‪ :‬إنه واجب‪ ،‬وإن المعرفة موقوفة عليه‪ ،‬كما يقوله هؤلء‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬بل يمكن حصول المعرفة بدونه‪،‬لكنه طريق آخر إلى المعرفة‪ .‬وهذا يقوله كثير من هؤلء ممن يقول بصحة‬
‫هــذه الطريقــة لكن ل يوجبها؛ كالخطأبي والقاضى أبي يعلى‪ ،‬وأبي جعفر السمنانى ـ قاضى الموصل شيخ أبي الوليد‬
‫الباجي ـ وكان يقول‪ :‬إيجاب النظر بقية بقيت على الشيخ أبي الحسن الشعري من العتزال‪.‬وهؤلء الذين ل يوجبون‬
‫هذا النظر‪.‬‬
‫سْمناني‪ ،‬وابن حزم وغيرهما‪.‬‬
‫ومنهم من ل يوجب النظر مطلقا كال ّ‬
‫طأبي‪ ،‬وأبي الَفَرج المْقِدسي‪.‬‬
‫ومنهم من يوجبه في الجملة‪ ،‬كالخ ّ‬
‫والقاضى أبـو يعلى يقول بهذا تارة‪ ،‬وبهذا تارة‪ ،‬بل ويقول تارة بإيجاب النظر المعين‪ ،‬كما يقوله أبو المعالى وغيره‪.‬‬
‫ثم من الموجبين للنظر من يقول‪ :‬هو أول الواجبات‪ ،‬ومنهم من يقول‪ :‬بل المعرفة الواجبة به‪ ،‬وهو نزاع لفظى‪ .‬كما‬
‫أن بعضهم قال‪ :‬أول الواجبات القصد إلى النظر‪ ،‬كعبارة أبي المعالى‪ .‬ومن هؤلء من قال‪ :‬بل الشك المتقدم كما قاله‬
‫أبو هاشم‪.‬‬
‫وقد بسط الكلم على هذه القوال وغيرها في موضع آخر‪ / ،‬وبين أنها كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع‬
‫ضا‪.‬‬
‫السلف والئمة‪ ،‬بل وباطلة في العقل ـ أي ً‬
‫وهذه الية مما يستدل به على ذلك‪ ،‬فإن أول ما أوجب ال على رسوله وعلى المؤمنين هو ما ُأمر به في قوله‪} :‬اْقَرْأ‬
‫ق{‪.‬‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫ِبا ْ‬

‫والذين قالوا‪ :‬المعرفة ل تحصل إل بالنظر‪ ،‬قالوا‪ :‬لو حصلت بغيره لسقط التكليف بها‪ ،‬كما ذكر ذلك القاضى أبو‬
‫بكر‪ ،‬وغيره‪.‬‬
‫فيقال لهم‪ :‬وليـس فيما قص ال علينا من أخبار الرسل أن منهم أحًدا أوجبها‪ ،‬بل هي حاصلة عند المم جميعهم‪ .‬ولكن‬
‫أكثر الرسل افتتحوا دعوتهم بالمر بعبادة ال وحده دون ما سواه كما أخبر ال عن نوح‪ ،‬وهود‪ ،‬وصالح‪ ،‬وشعيب‪،‬‬
‫وقومهم كانوا مقرين بالخالق لكن كانوا مشركين يعبدون غيره‪ ،‬كما كانت العرب الذين بعث فيهم محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫غْيِري َفَأْوِقْد ِلي َيا َهاَما ُ‬
‫ن ِإَلٍه َ‬
‫ت َلُكم ّم ْ‬
‫عِلْم ُ‬
‫لُ َما َ‬
‫ومن الكفار من أظهر جحود الخالق‪ ،‬كفرعون حيث قال‪َ} :‬يا َأّيَها اْلَم َ‬
‫ظّنُه ِمَن اْلَكاِذِبيَن{ ]القصص‪ ،[38 :‬وقال‪َ} :‬أَنا َرّبُكُم اَْلْعَلى{{‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلُع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫حا ّلَعّلي َأ ّ‬
‫صْر ً‬
‫جَعل ّلي َ‬
‫ن َفا ْ‬
‫طي ِ‬
‫ال ّ‬
‫ن ِلي‬
‫ن اْب ِ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[29 :‬وقال‪َ} :‬يا َهاَما ُ‬
‫جوِني َ‬
‫ن اْلَمسْ ُ‬
‫ك ِم َ‬
‫جَعَلّن َ‬
‫لْ‬
‫غْيِري َ‬
‫ت ِإَلًها َ‬
‫خْذ َ‬
‫ن اّت َ‬
‫]النازعات‪ ،[ 24 :‬وقال لموسى‪َ} :‬لِئ ِ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا{ ]غافر‪.[37 ،36 :‬‬
‫لُ‬
‫سى َوِإّني َ‬
‫طِلَع ِإَلى ِإَلِه ُمو َ‬
‫ت َفَأ ّ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫سَبا َ‬
‫ب َأ ْ‬
‫سَبا َ‬
‫لْ‬
‫حا ّلَعّلي َأْبُلُغ ا َْ‬
‫صْر ً‬
‫َ‬
‫عْونَ‬
‫ن َقْوَم ِفْر َ‬
‫ظاِلِمي َ‬
‫ت اْلَقْوَم ال ّ‬
‫ن اْئ ِ‬
‫سى َأ ِ‬
‫ك ُمو َ‬
‫ومع هذا‪ ،‬فموسى أمره ال أن يقول ما ذكره ال في القرآن‪ ،‬قال‪َ} :‬وِإذْ َناَدى َرّب َ‬
‫ن َقالَ‬
‫ف َأن َيْقُتُلو ِ‬
‫خا ُ‬
‫ب َفَأ َ‬
‫ي َذن ٌ‬
‫عَل ّ‬
‫ن َوَلُهْم َ‬
‫ل ِإَلى َهاُرو َ‬
‫سْ‬
‫ساِني َفَأْر ِ‬
‫ق ِل َ‬
‫طِل ُ‬
‫ل َين َ‬
‫صْدِري َو َ‬
‫ق َ‬
‫ضي ُ‬
‫ن َوَي ِ‬
‫ف َأن ُيَكّذُبو ِ‬
‫خا ُ‬
‫ب ِإّني َأ َ‬
‫ل َر ّ‬
‫ل َيّتُقونَ َقا َ‬
‫َأ َ‬
‫ك ِفيَنا َوِليًدا‬
‫ل َأَلْم ُنَرّب َ‬
‫ل َقا َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ل َمَعَنا َبِني ِإ ْ‬
‫سْ‬
‫ن َأْر ِ‬
‫ب اْلَعاَلِمينَ َأ ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل ِإّنا َر ُ‬
‫ن َفُقو َ‬
‫عْو َ‬
‫ن َفْأِتَيا ِفْر َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ل َفاْذَهَبا ِبآَياِتَنا ِإّنا َمَعُكم ّم ْ‬
‫َك ّ‬
‫خْفُتُكْم‬
‫ت ِمنُكْم َلّما ِ‬
‫ن َفَفَرْر ُ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل َفعَْلُتَها ِإًذا َوَأَنا ِم َ‬
‫ن َقا َ‬
‫ن اْلَكاِفِري َ‬
‫ت ِم َ‬
‫ت َوَأن َ‬
‫ك اّلِتي َفَعْل َ‬
‫ت َفْعَلَت َ‬
‫ن َوَفَعْل َ‬
‫سِني َ‬
‫ك ِ‬
‫عُمِر َ‬
‫ن ُ‬
‫ت ِفيَنا ِم ْ‬
‫َوَلِبْث َ‬
‫ب اْلَعاَلِميَن{{‬
‫را وجحًدا‪َ} :‬وَما َر ّ‬
‫ب ِلي َرّبي ُحْكًما َوَجَعَلِني ِمَن اْلُمْرَسِليَن { ]الشعراء‪ .[ 21 - 10 :‬قال فرعون إنكا ً‬
‫َفَوَه َ‬
‫ل َرّبُكْم َوَر ّ‬
‫ب‬
‫ن َقا َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ل َت ْ‬
‫حْوَلُه َأ َ‬
‫ن َ‬
‫ل ِلَم ْ‬
‫ن َقا َ‬
‫ض َوَما َبْيَنُهَما إن ُكنُتم ّموِقِني َ‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫]الشعراء‪ ،[23 :‬قال موسى‪َ}:‬ر ّ‬
‫ب َوَما َبْيَنُهَما { اليات ]الشعراء‪ 24 :‬ـ ‪.[28‬‬
‫ق َواْلمَْغِر ِ‬
‫شِر ِ‬
‫ب اْلَم ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫جُنو ٌ‬
‫ل ِإَلْيُكْم َلَم ْ‬
‫سَ‬
‫سوَلُكُم اّلِذي ُأْر ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫آَباِئُكُم الَّْوِلي َ‬

‫ب اْلَعاَلِميَن{ ‪ ،‬هو سؤال عن ماهية الرب‪ ،‬كالذي يسأل عن حدود‬
‫‪ /‬وقد ظن بعض الناس أن سؤال فرعون }َوَما َر ّ‬
‫الشياء فيقول‪ :‬ما النسان؟ ما الملك؟ ما الجنى؟ ونحو ذلك‪ .‬قالوا‪ :‬ولما لم يكن للمسؤول عنه ماهية‪ ،‬عدل موسى عن‬
‫ض{ ‪ .‬وهذا قول قاله بعض المتأخرين وهو باطل‪.‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫الجواب إلى بيان ما يعرف به وهو قوله‪َ} :‬ر ّ‬
‫حد‪ ،‬لم يسأل عن ماهية رب أقر بثبوته‪ ،‬بل كان منكًرا له جاحًدا؛ ولهذا قال‬
‫جْ‬
‫فإن فرعون إنما استفهم استفهام إنكار و َ‬
‫ظّنُه َكاِذًبا{‪ .‬فاستفهامه‬
‫لُ‬
‫ن{ ]الشعراء‪ ،[29 :‬وقال‪َ} :‬وِإّني َ‬
‫جوِني َ‬
‫سُ‬
‫ن اْلَم ْ‬
‫ك ِم َ‬
‫جَعَلّن َ‬
‫لْ‬
‫غْيِري َ‬
‫ت ِإَلًها َ‬
‫خْذ َ‬
‫ن اّت َ‬
‫في تمام الكلم‪َ} :‬لِئ ِ‬
‫كان إنكاًرا وجحًدا‪ ،‬يقول‪ :‬ليس للعالمين رب يرسلك‪ ،‬فمن هو هذا؟ إنكاًرا له‪.‬‬
‫فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين‪ ،‬وأن آياته ظاهرة بينة ل يمكن معها جحده‪ .‬وأنكم إنما تجحدون‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ب ال ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫ل َهـُؤلء ِإ ّ‬
‫ت َما َأنَز َ‬
‫عِلْم َ‬
‫بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم‪ ،‬كما قال موسى في موضع آخر لفرعون‪َ} :‬لَقْد َ‬
‫عاِقَبُة‬
‫ن َ‬
‫ظْر َكْيفَ َكا َ‬
‫عُلّوا َفان ُ‬
‫ظْلًما َو ُ‬
‫سُهْم ُ‬
‫سَتْيَقَنْتَها َأنُف ُ‬
‫حُدوا ِبَها َوا ْ‬
‫جَ‬
‫صآِئَر{ ]السراء‪ ، [ 102 :‬وقال ال تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ض َب َ‬
‫لْر ِ‬
‫َوا َ‬
‫اْلُمْفِسِديَن{ ]النمل‪.[14 :‬‬
‫‪ /‬ولم يقل فرعون‪ :‬ومن رب العالمين؟ فإن ]من[ سؤال عن عينه يسأل بها من عرف جنس المسؤول عنه أنه من أهل‬
‫عرف إنه جاء من عند إنسان‪ :‬من أرسلك؟‬
‫العلم وقد شك في عينه‪ ،‬كما يقال لرسول ُ‬
‫وأما ]ما[ فهي سؤال عن الوصف‪ .‬يقول‪ :‬أى شيء هو هذا؟ وما هو هذا الذي سميته رب العالمين؟ ـ قال ذلك منكًرا‬
‫له جاحًدا‪.‬‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ب ال ّ‬
‫فلما سأل ـ جحدا ـ أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر‪ ،‬وأظهر من أن ُيشك فيه ويرتاب‪ .‬فقال‪َ} :‬ر ّ‬
‫ض َوَما َبْيَنُهَما إن ُكنُتم ّموِقِنيَن{‪.‬‬
‫لْر ِ‬
‫َوا َْ‬

‫ولم يقل‪] :‬موقنين بكذا وكذا[‪ ،‬بل أطلق‪ ،‬فأى يقين كان لكم بشيء مـن الشـياء‪ ،‬فأول اليقين اليقين بـهذا الرب‪ ،‬كما‬
‫ك{ ]إبراهيم‪[10 :‬‬
‫شّ‬
‫ل َ‬
‫قالت الرسل لقومهم‪َ}:‬أِفي ا ّ‬

‫وإن قلتم‪ :‬ل يقين لنا بشيء من الشياء‪ ،‬بل سلبنا كل علم‪ ،‬فهذه دعوى السفسطة العامة‪ ،‬ومدعيها كاذب ظاهر الكذب‪.‬‬
‫فإن العلوم من لوازم كل إنسان‪ ،‬فكل إنسان عاقل لبد له من علم؛ ولهذا ‪ /‬قيل في حد ]العقل[‪ :‬إنه علوم ضرورية‪،‬‬
‫وهي التي ل يخلو منها عاقل‪.‬‬
‫فلما قال فرعون‪ِ} :‬إّن َرُسوَلُكُم اّلِذي ُأْرِسَل ِإَلْيُكْم َلَمْجُنوٌن{ ]الشعراء‪ ،[ 27 :‬وهذا من افتراء المكذبين على الرسول ـ لما‬
‫خرجوا عن عاداتهم التي هي محمودة عندهم نسبوهم إلى الجنون‪ .‬ولما كانوا مظهرين للجحد بالخالق‪ ،‬أو للسترابة‬
‫سوَلُكُم‬
‫ن َر ُ‬
‫والشك فيه‪ .‬هذه حال عامتهم ودينهم‪ ،‬وهذا عندهم دين حسن‪ ،‬وإنما إلههم الذي يطيعونه فرعون‪ ،‬قال‪ِ} :‬إ ّ‬
‫ن{‬
‫جُنو ٌ‬
‫ل ِإَلْيُكْم َلَم ْ‬
‫سَ‬
‫اّلِذي ُأْر ِ‬
‫ب َوَما َبْيَنُهَما ِإن ُكنُتْم‬
‫ق َواْلَمْغِر ِ‬
‫شِر ِ‬
‫ب اْلَم ْ‬
‫فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع‪ ،‬وأنتم أحق بهذا الوصف فقال‪َ} :‬ر ّ‬
‫ن{‬
‫َتْعِقُلو َ‬

‫ل أن من أيقن بشيء فهو‬
‫فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية‪ ،‬وأعظمها في الفطرة القرار بالخالق‪ .‬فلما ذكر أو ً‬
‫موقن به‪ ،‬واليقين بشيء هو من لوازم العقل‪ ،‬بين ـ ثانًيا ـ أن القرار به من لوازم العقل‪.‬‬
‫ضا ـ‬
‫ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه‪ ،‬فإن لم يعمل به صاحبه قيل‪ :‬إنه ليس لـه عقـل‪ .‬ويقال ـ أي ً‬
‫ضا ـ يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به العمل بهذا‬
‫لمـن لم يتبع مـا أيقـن بـه‪ / :‬إنـه ليس له يقين‪ .‬فـإن اليقين ـ أي ً‬
‫العلم‪ .‬فل يطلق‪] :‬الموقن[ إل على من استقر في قلبه العلم والعمل‪.‬‬
‫وقوم فرعون لم يكن عندهم اتباع لما عرفوه‪،‬فلم يكن لهم عقل ول يقين‪ .‬وكلم موسى يقتضي المرين‪ :‬إن كان لك‬
‫يقين فقد عرفته‪ ،‬وإن كان لك عقل فقد عرفته‪ .‬وإن ادعيت أنه ل يقين لك ول عقل لك‪ ،‬فكذلك قومك‪ ،‬فهذا إقرار منكم‬
‫بسلبكم خاصية النسان‪.‬‬
‫ومن يكون هكذا‪ ،‬ل يصلح له ما أنتم عليه من دعوى اللهية‪ .‬مع أن هذا باطل منكم‪ ،‬فإنكم موقنون بـه‪ ،‬كمـا قــال‬
‫ظْلًما َوُعُلّوا{ ]النمل‪.[14 :‬‬
‫سُهْم ُ‬
‫سَتْيَقَنْتَها َأنُف ُ‬
‫حُدوا ِبَها َوا ْ‬
‫جَ‬
‫تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ولكم عقل تعرفونه به‪ ،‬ولكن هـواكم يصدكم عن اتباع موجب العقل‪ ،‬وهو إرادة العلو في الرض والفساد‪ .‬فأنتم ل‬
‫ب الّسِعيِر{ ]الملك‪ ،[10 :‬وقال‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫ل َما ُكّنا ِفي َأ ْ‬
‫سَمُع َأْو َنْعِق ُ‬
‫عقل لكم بهذا العتبار‪ ،‬كما قال أصحاب النار‪َ} :‬لْو ُكّنا َن ْ‬
‫ل{ ]الفرقان‪.[44 :‬‬
‫سِبي ً‬
‫ل َ‬
‫ضّ‬
‫ل ُهْم َأ َ‬
‫لْنَعاِم َب ْ‬
‫ل َكا َْ‬
‫ن ُهْم ِإ ّ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ن َأْو َيْعِقُلو َ‬
‫سَمُعو َ‬
‫ن َأْكَثَرُهْم َي ْ‬
‫ب َأ ّ‬
‫س ُ‬
‫حَ‬
‫تعالى عن الكفار‪َ} :‬أْم َت ْ‬
‫طاُعوُه ِإّنُهْم َكاُنوا َقْوًما َفاِسِقيَن{ ]الزخرف‪ [54 :‬والخفيف‪ :‬هو السفيه‬
‫ف َقْوَمُه َفَأ َ‬
‫خ ّ‬
‫سَت َ‬
‫قـال تعالى عـن فرعـون وقومـه‪َ} :‬فا ْ‬
‫الذي ل يعمل بعلمه‪ ،‬بل يتبع هواه‪ .‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أنه ليس في الرسل من قال ـ أول ما دعا قومه ـ‪ :‬إنكم مأمورون بطلب معرفة الخالق‪ ،‬فانظروا‬
‫واستدلوا حتى تعرفوه‪ .‬فلم يكلفوا ـ أول ـ بنفس المعرفة‪ ،‬ول بالدلة الموصلة إلى المعرفة‪ ،‬إذ كانت قلوبهم تعرفه‬
‫وتقر به‪ ،‬وكل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬لكن عرض للفطرة ما غّيرها‪ ،‬والنسان إذا ذكر ذكر ما في فطرته‪.‬‬
‫ولهذا قال ال في خطابه لموسى‪َ}:‬فُقوَل َلُه َقْوًل ّلّيًنا ّلَعّلُه َيَتَذّكُر َأْو َيْخَشى{ ]طه‪،[44 :‬ما في فطرته من العلم الذي به‬
‫شى{ ما ينذره به من‬
‫خَ‬
‫يعرف ربه‪،‬ويعرف إنعامه عليه‪،‬وإحسانه إليه‪،‬وافتقــاره إليه‪ ،‬فذلك يدعوه إلى اليمان‪َ}،‬أْو َي ْ‬
‫العذاب‪،‬فذلك ـ أيضا ـ يدعوه إلى اليمان‪.‬‬
‫ظِة اْلَحَسَنِة{ ]النحل‪ ،[ 125 :‬فالحكمة تعريف الحق‪ ،‬فيقبلها من قبل‬
‫عَ‬
‫حْكَمِة َواْلَمْو ِ‬
‫ك ِباْل ِ‬
‫ل َرّب َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ع ِإِلى َ‬
‫كما قال تعالى‪ } :‬اْد ُ‬
‫الحق بل منازعة‪ .‬ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب والترهيب‪.‬‬
‫فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى اتباعه؛ فإن الحق محبوب في الفطرة‪ ،‬وهو أحب إليها‪ .‬وأجل فيها‪ ،‬وألذ عندها من‬
‫الباطل الذي ل حقيقة له؛ فإن الفطرة ل تحب ذاك‪.‬‬

‫‪ /‬فإن لم يدعه الحق والعلم به خوف عاقبة الجحود والعصيان‪ ،‬وما في ذلك من العذاب فالنفس تخاف العذاب‬
‫بالضرورة‪ .‬فكل حى يهرب مما يؤذيه بخلف النافع‪.‬‬
‫فمن الناس من يتبع هواه‪ ،‬فيتبع الدنى دون العلى‪ .‬كما أن منهم من يكذب بما خوف به‪ ،‬أو يتغافل عنه‪ ،‬حتى يفعل‬
‫ما يهواه‪ .‬فإنه إذا صدق به واستحضره لم يبعث نفسه إلى هواها‪ ،‬بل لبد من نوع من الغفلة والجهل حتى يتبعه؛‬
‫ولهذا كان كل عاص ل جاهل‪ ،‬كما قد بسط هذا في مواضع‪.‬‬
‫ك{ ‪ ،‬فيه تنبيه على أن الرب معروف عند المخاطبين‪ ،‬وأن الفطر‬
‫سِم َرّب َ‬
‫إذ المقصود ـ هنا ـ التنبيه على أن قوله‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫مقرة به‪.‬‬
‫ظُهوِرِهْم ُذّرّيَتُهْم َوَأْشَهَدُهْم َعَلى َأنُفِسِهْم{ الية ]العراف‪ ،[172 :‬كما قد‬
‫ك ِمن َبِني آَدَم ِمن ُ‬
‫خَذ َرّب َ‬
‫وعلى ذلك‪ ،‬دل قوله‪َ} :‬وِإْذ َأ َ‬
‫بسط الكلم عليها في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫ك{ ]إبراهيم‪ ،[ 10 :‬هو نفي‪ ،‬أى ليس في ال شك‪ .‬وهو استفهام تقرير يتضمن تقرير‬
‫شّ‬
‫ل َ‬
‫وكذلك قول الرسل‪َ} :‬أِفي ا ّ‬
‫المم على ما هم مقرون به من أنه ليس في ال شك‪ ،‬فهذا استفهام تقرير‪.‬‬
‫جَعل لُّه‬
‫ك{ ]الشرح‪َ} ،[1 :‬أَلْم َن ْ‬
‫صْدَر َ‬
‫ك َ‬
‫ح َل َ‬
‫شَر ْ‬
‫را‪ ،‬كقوله‪َ} :‬أَلْم َن ْ‬
‫‪ /‬فإن حرف الستفهام إذا دخل على حرف النفي كان تقري ً‬
‫َعْيَنْيِن{ ]البلد‪َ} ،[8 :‬أَلْم َيْأِتِهْم َنَبُأ اّلِذيَن ِمن َقْبِلِهْم{ ]التوبة‪ ،[ 70 :‬ومثله كثير‪ .‬بخلف استفهام فرعون‪ ،‬فإنه استفهام إنكار‪،‬‬

‫ل تقرير؛ إذ ليس هناك إل أداة الستفهام فقط‪ ،‬ودل سياق الكلم على أنه إنكار‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬إذا كانت معرفته‪ ،‬والقرار به ثابًتا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك كثير من النظار ـ نظار المسلمين وغيرهم‬
‫ـ وهم َيّدعون أنهم الذين يقيمون الدلة العقلية على المطالب اللهية؟‪.‬‬
‫فيقال أول‪ :‬أول من عرف في السلم بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلم الذي اتفق السلف على ذمه ـ من الجهمية‬
‫والقدرية‪ .‬وهم عند سلف المة من أضل الطوائف وأجهلهم‪ .‬ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين الذين‬
‫يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية‪ .‬فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الصل عن‬
‫علماء المسلمين‪ ،‬وليس كذلك‪ ،‬إنما صدر أول عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن النسان قد يقوم بنفسه من العلوم والرادات وغيرها من الصفات ما ل يعلم أنه قائم بنفسه‪ ،‬فإن قيام الصفة‬
‫بالنفس غير ‪ /‬شعور صاحبها بأنها قامت به‪ .‬فوجود الشيء في النسان وغيره غير علم النسان به‪.‬‬
‫وهذا كصفات بدنه‪ ،‬فإن منها ما ل يراه كوجهه وقفاه‪ .‬ومنها ما يراه إذا تعمد النظر إليه كبطنه وفخذه وعضديه‪ .‬وقد‬
‫يكون بهما آثار من خيلن وغير خيلن‪ ،‬وغير ذلك من الحوال‪ ،‬وهو لم يره ولم يعرفه‪ ،‬لكن لو تعمد رؤيته لرآه‪.‬‬
‫ومن الناس من ل يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى‪ ،‬أو غير ذلك‪.‬‬
‫كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها‪ ،‬وبعضها ل يعرفه‪ .‬لكن لو تعمد تأمل حال نفسه لعرفه‪ .‬ومنها ما ل يعرفه ولو‬
‫تأمل لفساد بصيرته وما عرض لها‪.‬‬
‫والذي يبين ذلك‪ :‬أن الفعال الختيارية ل تتصور إل بإرادة تقوم بنفس النسان‪ .‬وكل من فعل فعل اختيارًيا ـ وهو‬
‫يعرفه ـ فلبد أن يريده‪ ،‬كالذي يأكل ويشرب ويلبس وهو يعرف أنه يفعل ذلك‪ ،‬فلبد أن يريده‪ .‬فالفعل الختياري‬
‫يمتنع أن يكون بغير إرادة‪ .‬وإذا تصور الفعل الذي يفعله وقد فعله لزم أن يكون مريًدا له وقد تصوره‪ .‬وإذا كان مريًدا‬
‫له وقد تصوره امتنع أل يريد ما تصوره وفعله‪.‬‬
‫ظهر‪ ،‬فمن الممتنع أن يصلى الظهر ـ وهو يعلم هذا لم ينسه ـ ول يريد صلة‬
‫‪ /‬فالنسان‪ ،‬إذا قام إلى صلة يعلم أنها ال ّ‬
‫الظهر‪.‬‬
‫وكذلك الصيام إذا تصور أن غًدا من رمضان ـ وهو مريد لصوم رمضان ـ امتنع أل ينوي صومه‪.‬‬

‫وكذلك إذا أهل بالحج ـ وهو يعلم أنه مهل به ـ امتنع أل يكون مريًدا للحج‪.‬‬
‫وكذلك الوضـوء إذا علم أنه يتوضـأ للصـلة ـ وهو يتوضأ ـ امتنع أل يكون مريًدا للوضوء‪ .‬ومثل هذا كثير؛ نجد خلًقا‬
‫ظا‪ ،‬ويشكون في وجودها مرة بعد مرة‪،‬‬
‫كثيًرا من العلماء ـ دع العامية ـ يستدعون النية بألفاظ يقولونها ويتكلفون ألفا ً‬
‫ويخرجون إلى ضرب من الوسوسة التي يشبه أصحابها المجانين‪.‬‬
‫والنية‪ :‬هي الرادة‪ ،‬وهي القصد‪ ،‬وهي موجودة في نفوسهم لوجودها في نفس كل من يصلى في ذلك المسجد‬
‫والجامع‪ ،‬ومن توضأ في تلك المطهرة‪ .‬أولئك يعلمون هذا من نفوسهم ولم يحصل لهم وسواس‪ ،‬وهؤلء ظنوا أن النية‬
‫لم تكن في قلوبهم ـ يطلبون حصولها من قلوبهم‪.‬‬
‫‪ /‬وهم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب‪ ،‬وإنما الفرض وجود الرادة في القلب ـ وهي موجودة ـ ومع هذا يعتقدون‬
‫أنها ليست موجودة‪ .‬وإذا قيل لحدهم‪] :‬النية حاصلة في قلبك[ لم يقبل لما قام به من العتقاد الفاسد المناقض لفطرته‪.‬‬
‫وكذلك حب ال ورسوله موجود في قلب كل مؤمن‪ ،‬ل يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا كان مؤمًنا‪ .‬وتظهر علمات حبه ل‬
‫ولرسوله إذا أخذ أحد يسب الرسول ويطعن عليه‪ ،‬أو يسب ال ويذكره بما ل يليق به‪ .‬فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما‬
‫يغضب لو سب أبوه وأمه‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ،‬فكثير من أهل الكلم والرأى أنكروا محبة ال‪ ،‬وقالوا‪ :‬يمتنع أن يكون محًبا أو محبوًبا‪ ،‬وجعلوا هذا من‬
‫أصول الدين‪ ،‬وقالوا‪ :‬خلًفا للحلولية‪ ،‬كأنه لم يقل بأن ال يحب إل الحلولية‪ .‬ومعلوم‪ :‬أن هذا دين النبياء والمرسلين‪،‬‬
‫والصحابة والتابعين‪ ،‬وأهل اليمان أجمعين‪ .‬وقد دل على ذلك الكتاب والسنة‪ ،‬كما قد بسطناه في مواضع‪.‬‬
‫فهذه المحبة ل ورسوله موجودة في قلوب أكثر المنكرين لها‪ ،‬بل في قلب كل مؤمن ـ وإن أنكرها لشبهة عرضت له‪.‬‬
‫‪ /‬وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلء‪ .‬فإن هؤلء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا‪ :‬معرفته ل تحصل إل‬
‫بالنظر‪ ،‬فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته‪ ،‬ومحبته‪.‬‬
‫ثم قد يكون ذلك النكار سبًبا إلى امتناع معرفة ذلك في نفوسهم وقد يزول عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة‬
‫ب اّلِتي ِفي‬
‫صاُر َوَلِكن َتْعَمى اْلُقُلو ُ‬
‫لْب َ‬
‫ل َتْعَمى ا َْ‬
‫والمحبة ـ فإن الفطرة قد تفسد ـ فقد تزول‪ ،‬وقد تكون موجودة ول ترى }َفِإّنَها َ‬
‫صُدوِر{ ]الحج‪.[46 :‬‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫ن َأْكَثَر الّنا ِ‬
‫ن اْلَقّيُم َوَلِك ّ‬
‫ك الّدي ُ‬
‫ل َذِل َ‬
‫ق ا ِّ‬
‫خْل ِ‬
‫ل ِل َ‬
‫ل َتْبِدي َ‬
‫عَلْيَها َ‬
‫س َ‬
‫طَر الّنا َ‬
‫ل اّلِتي َف َ‬
‫طَرَة ا ِّ‬
‫حِنيًفا ِف ْ‬
‫ن َ‬
‫ك ِللّدي ِ‬
‫جَه َ‬
‫وقد قال تعالى‪َ} :‬فَأِقْم َو ْ‬
‫لَة َوَل َتُكوُنوا ِمَن اْلُمْشِرِكيَن{ ]الروم‪.[31 ،30 :‬‬
‫صَ‬
‫ن ِإَلْيِه َواّتُقوُه َوَأِقيُموا ال ّ‬
‫ن ُمِنيِبي َ‬
‫َيْعَلُمو َ‬

‫وفي الصحيحين‪ ،‬عن النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪] :‬كل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه يهودانه وينصرانه‬
‫طرََة‬
‫ويمجسانه‪ ،‬كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء‪ ،‬هل تحسون فيها من جدعاء[‪ ،‬ثم يقول أبو هريرة‪ :‬اقرؤوا إن شئتم‪ِ} :‬ف ْ‬
‫س َعَلْيَها{ ]الروم‪.[30 :‬‬
‫طَر الّنا َ‬
‫ل اّلِتي َف َ‬
‫ا ِّ‬
‫والفطرة تستلزم معرفة ال‪ ،‬ومحبته‪ ،‬وتخصيصه بأنه أحب الشياء ‪ /‬إلى العبد ـ وهو التوحيد‪ .‬وهذا معنى قول‪] :‬ل‬
‫إله إل ال[‪ ،‬كما جاء مفسًرا‪) :‬كل مولود يولد على هذه الملة(‪ ،‬وروى‪] :‬على ملة السلم[‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم‪ ،‬عن عياض بن حمار؛ أن النبى صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬يقول ال تعالى‪ :‬إنى خلقت عبادى‬
‫ت لهم‪ ،‬وَأَمَرْتُهْم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا(‪.‬‬
‫حَلْل ُ‬
‫ت عليهم ما َأ ْ‬
‫حْرَم ْ‬
‫حنفاء‪ ،‬فاجتالتهم الشياطين‪َ ،‬و َ‬
‫فأخبر أنه خلقهم حنفاء‪ ،‬وذلك يتضمن معرفة الرب‪ ،‬ومحبته‪ ،‬وتوحيده‪ .‬فهذه الثلثة تضمنتها الحنيفية‪ ،‬وهي معنى‬
‫قول‪) :‬ل إله إل ال(‪.‬‬

‫ت َوَفْرُعَها ِفي الّسَماء{ ]إبراهيم‪ ،[24 :‬فيها إثبات معرفته‬
‫صُلَها َثاِب ٌ‬
‫طّيَبٍة َأ ْ‬
‫جرٍة َ‬
‫شَ‬
‫فإن في هذه الكلمة الطيبة التي هي }َك َ‬
‫والقرار به‪ .‬وفيها إثبات محبته‪ ،‬فإن الله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوًها؛ وهذا أعظم ما يكون من المحبة‪.‬‬
‫وفيها أنه ل إله إل هو‪ .‬ففيها المعرفة‪ ،‬والمحبة‪ ،‬والتوحيد‪.‬‬
‫وكل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬وهي الحنيفية التي خلقهم عليها‪ .‬ولكن أبواه يفسدان ذلك ـ فيهودانه‪ ،‬وينصرانه‪،‬‬
‫ويمجسانه‪ ،‬ويشركانه‪.‬‬
‫‪ /‬كذلك يجهمانه ـ فيجعلنه منكًرا لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته وتوحيده‪ .‬ثم المعرفة يطلبها بالدليل‪ ،‬والمحبة‬
‫ينكرها بالكلية‪ .‬والتوحيد المتضمن للمحبة ينكره من ل يعرفه‪ ،‬وإنما ثبت توحيد الخلق‪ ،‬والمشركون كانوا ُيقرون بهذا‬
‫التوحيد وهذا الشرك‪.‬‬
‫فهما ُيشّركانه‪ ،‬وُيهودانه‪ ،‬وُينصرانه‪ ،‬وُيمجسانه‪ .‬وقد بسط الكلم على هذا الحديث وأقوال الناس فيه في غير هذا‬
‫الموضع‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬مما يبين أن النسان قد يخفي عليه كثير من أحوال نفسه‪ ،‬فل يشعر بها‪ .‬إن كثيًرا من الناس يكون في نفسه‬
‫حب الرياسة كامن ل يشعر به‪ ،‬بل إنه مخلص في عبادته وقد خفيت عليه عيوبه‪ ،‬وكلم الناس في هذا كثير مشهور؛‬
‫ولهذا سميت هذه‪] :‬الشهوة الخفية[‪.‬‬
‫قال شداد بن أوس‪ :‬يا بقايا العرب‪ ،‬إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية‪ .‬قيل لبي داود السجستاني‪ :‬ما‬
‫الشهوة الخفية؟ قال‪ :‬حب الرياسة‪ .‬فهي خفية تخفي على الناس‪ ،‬وكثيًرا ما تخفي على صاحبها‪.‬‬
‫بل كذلك حب المال والثروة‪ ،‬فإن النسان قد يحب ذلك ول يدرى‪ .‬بل نفسه ساكنة ما دام ذلك موجوًدا‪ ،‬فإذا فقده ظهر‬
‫من ‪ /‬جزع نفسه وتلفها ما دل على المحبة المتقدمة‪ .‬والحب مستلزم للشعور‪ ،‬فهذا شعور من النفس بأمور وجب لها‪.‬‬
‫والنسان قد يخفي ذلك عليه من نفسه‪ .‬ل سيما والشيطان يغطى على النسان أموًرا‪.‬‬
‫عن ّرّبِهْم َيْوَمِئٍذ‬
‫ل ِإّنُهْم َ‬
‫ن َك ّ‬
‫سُبو َ‬
‫عَلى ُقُلوِبِهم ّما َكاُنوا َيْك ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َرا َ‬
‫ل َب ْ‬
‫ضا ـ تبقى ريًنا على قلبه قال تعالى‪َ} :‬ك ّ‬
‫وذنوبه ـ أي ً‬
‫ّلَمْحُجوُبوَن{ ]المطففين‪ . [ 15 ،14 :‬وفي الترمذى وغيره عن القعقاع بن حكيم‪ ،‬عن أبي صالح‪ ،‬عن أبي هريرة؛ عن‬

‫النبى صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء‪ .‬فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه‪،‬‬
‫ل َبْل َراَن َعَلى ُقُلوِبِهم ّما َكاُنوا َيْكِسُبوَن{( قال الترمذى‪:‬‬
‫وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه‪ .‬فذلك الران الذي قال ال‪َ} :‬ك ّ‬
‫حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫ل ّما ُيْؤِمُنوَن{ ]البقرة‪[88 :‬‬
‫ل ِبُكْفِرِهْم َفَقِلي ً‬
‫ف َبل ّلَعَنُهُم ا ّ‬
‫غْل ٌ‬
‫ومنـه قولــه تعالــى‪َ} :‬وَقاُلوْا ُقُلوُبَنا ُ‬
‫صُروَن{ ]العراف‪.[102:‬فالمتقون إذا أصابهم هذا‬
‫ن َتَذّكُروْا َفِإَذا ُهم ّمْب ِ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ف ّم َ‬
‫طاِئ ٌ‬
‫سُهْم َ‬
‫ن اّتَقوْا ِإَذا َم ّ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫وقـال‪ِ}:‬إ ّ‬
‫الطيف الذي يطيف بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ذلك‪ ،‬فيزول الطيف ويبصرون الحق الذي كان معلوًما‪،‬ولكن‬
‫الطيف يمنعهم عن رؤيته‪.‬‬
‫صُروَن{ ]العراف‪ .[202 :‬فإخوان ‪ /‬الشياطين تمدهم الشياطين في‬
‫ل ُيْق ِ‬
‫ي ُثّم َ‬
‫خَواُنُهْم َيُمّدوَنُهْم ِفي اْلَغ ّ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬وِإ ْ‬
‫صٍروّن{ ‪ ،‬ل تقصر الشياطين عن المدد والمداد‪ ،‬ول النس عن الغى‪ .‬فل يبصرون مع ذلك الغى ما‬
‫غيهم‪ٍ} ،‬ثّم ل ٍيًق ٌ‬
‫هو معلوم لهم‪ ،‬مستقر في فطرهم‪ ،‬لكنهم ينسونه‪.‬‬
‫ولهذا كانت الرسل إنما تأتى بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها‪ ،‬وتقويته‪ ،‬وإمداده‪ ،‬ونفي المغير للفطرة‪ .‬فالرسل بعثوا‬
‫بتقرير الفطرة وتكميلها‪ ،‬ل بتغيير الفطرة وتحويلها‪ ،‬والكمال يحصل بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة‪.‬‬
‫فصـل‬

‫سوا‬
‫ن َن ُ‬
‫ل َتُكوُنوا َكاّلِذي َ‬
‫وهذا النسيان ـ نسيان النسان لنفسه ولما في نفسه ـ حصل بنسيانه لربه ولما أنزله‪ .‬قال تعالى‪َ } :‬و َ‬
‫ل َفَنِسَيُهْم{ ]التوبة‪،[67 :‬‬
‫سوْا ا ّ‬
‫ن{ ]الحشر‪ ،[ 19 :‬وقال تعالى في حق المنافقين‪َ} :‬ن ُ‬
‫سُقو َ‬
‫ك ُهُم اْلَفا ِ‬
‫سُهْم ُأْوَلِئ َ‬
‫ساُهْم َأنُف َ‬
‫ل َفَأن َ‬
‫ا َّ‬
‫ك اْلَيْوَم ُتنَسى{ ]طه‪.[126 :‬‬
‫سيَتَها َوَكَذِل َ‬
‫ك آَياُتَنا َفَن ِ‬
‫ك َأَتْت َ‬
‫وقال‪َ} :‬كَذِل َ‬

‫ل َفَأنَساُهْم َأنُفَسُهْم{ ‪ ،‬يقتضي أن نسيان ال كان سبًبا لنسيانهم أنفسهم‪ ،‬وأنهم لما نسوا ال‬
‫سوا ا َّ‬
‫ن َن ُ‬
‫ل َتُكوُنوا َكاّلِذي َ‬
‫وقوله‪َ } :‬و َ‬
‫عاقبهم بأن أنساهم أنفسهم‪.‬‬
‫‪ /‬ونسيانهم أنفسهم يتضمن إعراضهم وغفلتهم وعدم معرفتهم بما كانوا عارفين به قبل ذلك من حال أنفسهم‪ ،‬كما أنه‬
‫يقتضي تركهم لمصالح أنفسهم‪ .‬فهو يقتضي أنهم ل يذكرون أنفسهم ذكًرا ينفعها ويصلحها‪ ،‬وأنهم لو ذكروا ال‬
‫لذكروا أنفسهم‪.‬‬
‫وهذا عكس ما يقال‪] :‬من عرف نفسه عرف ربه[‪ .‬وبعض الناس يروى هذا عن النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وليس‬
‫هذا من كلم النبى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول هو في شيء من كتب الحديث‪ ،‬ول يعرف له إسناد‪.‬‬
‫ولكن يروى في بعض الكتب المتقدمة ـ إن صح ـ )يا إنسان‪ ،‬اعرف نفسك‪ ،‬تعرف ربك(‪ .‬وهذا الكلم سواء كان‬
‫معناه صحيحا أو فاسًدا ل يمكن الحتجاج بلفظه‪ ،‬فإنه لم يثبت عن قائل معصوم‪ .‬لكن إن فسر بمعنى صحيح عرف‬
‫صحة ذلك المعنى‪ ،‬سواء دل عليه هذا اللفظ أو لم يدل‪.‬‬
‫ل َفَأنَساُهْم َأنُفَسُهْم{ ‪ .‬فهو يدل على أن نسيان الرب‬
‫سوا ا َّ‬
‫ن َن ُ‬
‫ل َتُكوُنوا َكاّلِذي َ‬
‫وإنما القول الثابت ما في القرآن‪ ،‬وهو قوله‪َ } :‬و َ‬
‫موجب لنسيان النفس‪.‬‬
‫وحينئذ‪،‬فمن ذكر ال ولم ينسه‪ ،‬يكون ذاكًرا لنفسه‪،‬فإنه لو ‪ /‬كان ناسيا لها ـ سواء ذكر ال أو نسيه ـ لم يكن نسيانها‬
‫مسببا عن نسيان الرب‪.‬فلما دلت الية على أن نسيان النسان نفسه مسبب عن نسيانه لربه‪ ،‬دل على أن الذاكر لربه ل‬
‫يحصل له هذا النسيان لنفسه‪.‬‬
‫والذكر يتضمن ذكر ما قد علمه‪ ،‬فمن ذكر ما يعلمه من ربه ذكر ما يعلمه من نفسه‪ .‬وهو قد ولد على الفطرة التي‬
‫تقتضى أنه يعرف ربه ويحبه ويوحده‪ .‬فإذا لم ينس ربه الذي عرفه‪ ،‬بل ذكره على الوجه الذي يقتضي محبته‬
‫ومعرفته وتوحيده‪ ،‬ذكر نفسه‪ ،‬فأبصر ما كان فيها قبل من معرفة ال ومحبته وتوحيده‪.‬‬
‫وأهل البدع ـ الجهمية ونحوهم ـ لما أعرضوا عن ذكر ال ـ الذكر المشروع الذي كان في الفطرة وجاءت به الشرعة‪،‬‬
‫الذي يتضمن معرفته ومحبته وتوحيده ـ نسوا ال من هذا الوجه‪ .‬فأنساهم أنفسهم من هذا الوجه‪ ،‬فنسوا ما كان في‬
‫أنفسهم من العلم الفطري‪ ،‬والمحبة الفطرية‪ ،‬والتوحيد الفطري‪.‬‬
‫سُهْم{‪ ،‬أى‪ :‬حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا‬
‫ساُهْم َأنُف َ‬
‫ل{‪ ،‬أي‪ :‬تركوا أمر ال } َفَأن َ‬
‫سوْا ا ّ‬
‫وقد قال طائفة من المفسرين‪َ} :‬ن ُ‬
‫لها خيًرا‪ ،‬هذا لفظ طائفة ـ منهم البغوى ـ ولفظ آخرين ـ منهم ابن الجوزي ـ ‪ :‬حين لم يعملوا بطاعته‪ .‬وكلهما قال‪:‬‬
‫ل{ أى‪ :‬تركوا أمر ال‪.‬‬
‫سوْا ا ّ‬
‫}َن ُ‬
‫‪ /‬ومثل هذا التفسير يقع كثيًرا في كلم من يأتى بمجمل من القول يبين معنى دلت عليه الية ول يفسرها بما يستحقه‬
‫من التفسير‪ .‬فإن قولهم‪] :‬تركوا أمر ال[‪ .‬هو تركهم للعمل بطاعته‪ ،‬فصار الول هو الثاني‪ .‬وال ـ سبحانه ـ قال‪:‬‬
‫ل َفَأنَساُهْم َأنُفَسُهْم{ ]الحشر‪ ،[ 19 :‬فهنا شيئان‪ :‬نسيانهم ل‪ ،‬ثم نسيانهم لنفسهم الذي عوقبوا به‪.‬‬
‫سوا ا َّ‬
‫ن َن ُ‬
‫ل َتُكوُنوا َكاّلِذي َ‬
‫} َو َ‬
‫فإن قيل‪ :‬هذا الثاني هو الول لكنه تفصيل مجمل‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وَكم ّمن َقْرَيٍة َأْهَلْكَناَها َفَجاءَها َبْأُسَنا َبَياًتا َأْو ُهْم َقآِئُلو َ{‬
‫ن{‬
‫سوا ا َّ‬
‫ل‬
‫]العراف‪ ،[ 4:‬وهذا هو هذا‪ ،‬قيل‪ :‬هو لم يقل‪] :‬نسوا ال فنسوا حظ أنفسهم[ حتى يقال‪ :‬هذا هو هذا‪ ،‬بل قال‪َ }:‬ن ُ‬
‫َفَأنَساُهْم َأنُفَسُهْم{ ‪ ،‬فثم إنساء منه لهم أنفسهم‪ .‬ولو كان هذا هو الول لكان قد ذكر ما يعذرهم به‪ ،‬ل ما يعاقبهم به‪.‬‬
‫ل{‪ ،‬أي‪ :‬تركوا العمل بطاعته‪ ،‬فهو الذي أنساهم ذلك‪ .‬ومعلوم فساد هذا الكلم‬
‫سوْا ا ّ‬
‫فلو كان الثاني هو الول لكان‪َ} :‬ن ُ‬
‫ظا ومعنى‪.‬‬
‫لف ً‬

‫ساُهْم{ العمل بطاعته‪ ،‬أى‪ :‬تذكرها‪ ،‬لكان أقرب‪ ،‬ويكون النسيان الول‬
‫ل{‪ ،‬أى‪ :‬نسوا أمره‪َ } ،‬فَأن َ‬
‫سوْا ا ّ‬
‫ولو قيل‪َ} :‬ن ُ‬
‫على بابه‪ .‬فإن من نسى نفس أمر ال لم يطعه‪.‬‬
‫‪ /‬ولكن هم فسروا نسيان ال بترك أمره‪ .‬وأمره الذي هو كلمه ليس مقدوًرا لهم حتى يتركوه‪ ،‬إنما يتركون العمل به‪،‬‬
‫فالمر بمعنى المأمور به‪.‬‬
‫ضا ـ ضعيف‪،‬‬
‫إل أن يقال‪ :‬مرادهم بترك أمره هو ترك اليمان به‪ .‬فلما تركوا اليمان أعقبهم بترك العمل‪ .‬وهذا ـ أي ً‬
‫فإن اليمان الذي تركوه إن كان هو ترك التصديق ـ فقط ـ فكفي بهذا كفًرا وذنًبا‪ .‬فل تجعل العقوبة ترك العمل به‪ ،‬بل‬
‫هذا أشد‪ .‬وإن كان المراد بترك اليمان‪ ،‬ترك اليمان تصديًقا وعمل‪ ،‬فهذا هو ترك الطاعة كما تقدم‪.‬‬
‫وهؤلء أتوا من حيث أرادوا أن يفسروا نسيان العبد بما قيل في نسيان الرب‪ ،‬وذاك قد فسر بالترك‪ .‬ففسروا هذا‬
‫بالترك‪ .‬وهذا ليس بجيد‪ ،‬فإن النسيان المناقض للذكر جائز على العبد بل ريب‪ .‬والنسان يعرض عما أمر به حتى‬
‫ينساه‪ ،‬فل يذكره‪ .‬فل يحتاج أن يجعل نسيانه ترًكا مع استحضار وعلم‪.‬‬
‫وأما الرب تعالى فل يجوز عليه ما يناقض صفات كماله ـ سبحانه وتعالى ـ وفي تفسير نسيانه الكفار بمجرد الترك‬
‫نظر‪.‬‬
‫ل{‪ ،‬ول‬
‫سوْا ا ّ‬
‫ك آَياُتَنا َفَنِسيَتَها{ ]طه‪ / . [ 126 :‬أي‪ :‬تركت العمل بها‪ .‬وهنا قال‪َ} :‬ن ُ‬
‫ك َأَتْت َ‬
‫ثم هذا قيل في قوله تعالى‪َ} :‬كَذِل َ‬
‫يقال في حق ال‪] :‬تركوه[‪.‬‬
‫فـصـل‬
‫ق{ ]العلق‪ ،[ 2 ،1 :‬بيــان لتعريفــه بما قد عرف من الخلق عموًما‪ ،‬وخلق النسان‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫قوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫صا‪ ،‬وإن هذا مما تعرف به الفطــرة كما تقدم‪.‬‬
‫خصو ً‬
‫ثم إذا عرف أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق ل يكون إل قادًرا‪ .‬بل كل فعل يفعله فاعل‪ ،‬ل يكون إل بقوة‬
‫وقدرة‪ ،‬حتى أفعال الجمادات‪ .‬كهبوط الحجر والماء وحركة النار هو بقوة فيها‪ .‬وكذلك حركة النبات هي بقوة فيه‪.‬‬
‫وكذلك فعل كل حى من الدواب وغيرها هو بقوة فيها‪ .‬وكذلك النسان وغيره‪.‬‬
‫والخلق أعظم الفعال‪ ،‬فإنه ل يقدر عليه إل ال‪ ،‬فالقدرة عليه أعظم من كل قدرة‪ ،‬وليس لها نظير من قدر المخلوقين‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالتعليم بالقلم يستلزم القدرة‪ .‬فكل من الخلق والتعليم يستلزم القدرة‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫‪ /‬وكذلك كل منهما يستلزم العلم‪.‬فإن المعلم لغيره يجب أن يكون هو عالًما بما علمه إياه‪ ،‬وإل فمن الممتنع أن يعلم‬
‫ضا ـ‬
‫غيره ما ل يعلمه هو‪ .‬فمن علم كل شيء ـ النسان غيره ـ ما لم يعلم‪ ،‬أولى أن يكون عالًما بما عّلَمه‪ .‬والخلق ـ أي ً‬
‫ف اْلَخِبيُر{ ]الملك‪ .[14 :‬وذلك من جهة أن الخلق يستلزم‬
‫طي ُ‬
‫ق َوُهَو الّل ِ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫يستلزم العلم‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬أ َ‬
‫الرادة‪ .‬فإن فعل الشيء على صفة مخصوصة ومقدار مخصوص دون ما هو خلف ذلك ل يكون إل بإرادة‬
‫تخصص هذا عن ذاك‪ .‬والرادة تستلزم العلم‪ .‬فل يريد المريد إل ما شعر به وتصور في نفسه‪ ،‬والرادة بدون‬
‫الشعور ممتنعة‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فنفس الخلق ـ خلق النسان ـ هو فعل لهذا النسان الذي هو من عجائب المخلوقات‪ .‬وفيه من الحكام والتقان‬
‫وأي ً‬
‫ما قد بهر العقول‪ .‬والفعل المحكم المتقن ل يكون إل من عالم بما فعل‪ .‬وهذا معلوم بالضرورة‪.‬‬
‫فالخلق يدل على العلم من هذا الوجه‪ ،‬ومن هذا الوجه‪.‬‬
‫ف اْلَخِبيُر{ ‪ .‬وهو بيان ما في المخلوقات من لطف الحكمة التي تتضمن إيصال‬
‫طي ُ‬
‫وقد قال في سورة الملك }َوُهَو الّل ِ‬
‫ف ّلَما َيَشاء{ ]يوسف‪ .[100 :‬وهذا‬
‫طي ٌ‬
‫ن َرّبي َل ِ‬
‫المور إلى غاياتها بألطف الوجوه‪ ،‬كما قال يوسف ـ عليه السلم ـ‪ِ} :‬إ ّ‬
‫يستلزم العلم بالغاية المقصودة‪ ،‬والعلم بالطريق الموصل وكذلك الخبرة‪.‬‬

‫وبسط هذا يطول‪ ،‬إذ المقصود ـ هنا ـ التنبيه على ما في اليات التي هي أول ما أنزل‪.‬‬
‫ثم إذا ثبت أنه قادر عالم‪ ،‬فذلك يستلزم كونه حًيا‪ .‬وكذلك الرادة تستلزم الحياة‪.‬‬
‫والحي إذا لم يكن سميًعا بصيًرا متكلًما‪ ،‬كان متصًفا بضد ذلك من العمى والصمم والخرس‪ ،‬وهذا ممتنع في حق‬
‫الرب ـ تعالى‪ .‬فيجب أن يتصف بكونه سميًعا بصيًرا متكلًما‪.‬‬
‫والرادة؛ إما أن تكون لغاية حكيمة‪ ،‬أو ل‪ .‬فإن لم تكن لغاية حكيمة كانت سفًها‪ ،‬وهو منزه عن ذلك‪ ،‬فيجب أن يكون‬
‫حكيما‪.‬‬
‫وهو إما أن يقصد نفع الخلق والحسان إليهم‪ ،‬أو يقصد مجرد ضررهم وتعذيبهم‪ ،‬أو ل يقصد واحًدا منهما‪ ،‬بل يريد‬
‫ما يريد سواء كان كذا أو كذا‪ .‬والثاني شرير ظالم يتنزه الرب عنه‪ ،‬والثالث سفيه عابث‪ .‬فتعين أنه ـ تعالى ـ رحيم‪،‬‬
‫كما أنه حكيم‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫‪/‬‬

‫َفصــل‬

‫إثبات صفات الكمال له طرق‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬ما نبهنا عليه من أن الفعل مستلزم للقدرة ولغيرها‪ .‬فمن النظار من يثبت أول القدرة‪ ،‬ومنهم من يثبت أول‬
‫العلم‪ ،‬ومنهم من يثبت أول الرادة‪ ،‬وهذه طرق كثير من أهل الكلم‪.‬‬
‫وهذه يستدل عليها بجنس الفعل‪ ،‬وهي طريقة من ل يميز بين مفعول ومفعول‪ ،‬كجهم ابن صفوان ومن اتبعه‪.‬‬
‫وهؤلء ل يثبتون حكمة‪ ،‬ول رحمة‪ ،‬إذ كان جنس الفعل ل يستلزم ذلك‪.‬لكن هم أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم‬
‫‪.‬وكذلك تثبت بالفعل النافع الرحمة‪،‬وبالغايات المحمودة الحكمة‪.‬‬
‫ولكن هم متناقضون في الستدلل بالحكام والتقان على العلم؛ إذ كان ذلك إنما يدل إذا كان فاعل لغاية يقصدها‪.‬‬
‫وهم يقولون‪ :‬إنه يفعل ل لحكمة‪ ،‬ثم يستدلون بالحكام على العلم‪ ،‬وهو تناقض‪.‬‬
‫كما تناقضوا في المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبى‪ ،‬إما ‪ /‬للعلم الضرورى بذلك‪ ،‬وإما لكونه لو لم تدل‬
‫لزم العجز‪ .‬وهي إنما تدل إذا كان الفاعل يقصد إظهارها ليدل بها على صدق النبياء‪ .‬فإذا قالوا‪ :‬إنه ل يفعل شيًئا‬
‫لشيء تناقضوا‪.‬‬
‫وأما الطريق الخرى في إثبات الصفات وهي‪ :‬الستدلل بالثر على المؤثر‪ ،‬وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬طريقة قياس الولى‪ ،‬وهي الترجيح والتفضيل‪ ،‬وهو أن الكمال إذا ثبت للمحدث الممكن المخلوق‪ ،‬فهو‬
‫للواجب القديم الخالق أولى‪.‬‬
‫والقرآن يستدل بهذه‪ ،‬وهذه‪ ،‬وهذه‪.‬‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة{ ]فصلت‪ ،[ 15 :‬قال ال تعالى‪َ} :‬أَوَلْم َيَرْوا َأ ّ‬
‫ن‬
‫ن َأ َ‬
‫فالستدلل بالثر على المؤثر أكمل‪ ،‬كقوله تعالى‪َ}:‬وَقاُلوا َم ْ‬
‫ل اّلِذي َخَلَقُهْم ُهَو َأَشّد ِمْنُهْم ُقّوًة{ ]فصلت‪.[15 :‬‬
‫ا َّ‬

‫وهكذا‪ ،‬كل ما في المخلوقات من قوة وشدة تدل على أن ال أقوى وأشد‪ ،‬وما فيها من علم يدل على أن ال أعلم‪ ،‬وما‬
‫فيها من علم وحياة يــدل على أن ال أولى بالعلم والحياة‪.‬‬
‫‪ /‬وهذه طريقة يقر بها عامة العقلء‪ ،‬حتى الفلسفة يقولون‪ :‬كل كمال في المعلول فهو من العلة‪.‬‬

‫سُكْم َهل ّلُكم‬
‫ن َأنُف ِ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ب َلُكم ّمَث ً‬
‫ضَر َ‬
‫ى{ ]النحل‪ ،[ 60 :‬ومثل قوله‪َ } :‬‬
‫عَل َ‬
‫لْ‬
‫لا َ‬
‫ل اْلَمَث ُ‬
‫وأما الستدلل بطريق الولى فكقوله‪َ } :‬و ِّ‬
‫ت َأْيَماُنُكم ّمن ُشَرَكاء ِفي َما َرَزْقَناُكْم َفَأنُتْم ِفيِه َسَواء َتَخاُفوَنُهْم َكِخيَفِتكُْم َأنُفَسُكْم{ ]الروم‪ ،[28 :‬وأمثال ذلك مما يدل‬
‫ّمن ّما مََلَك ْ‬

‫على أن كل كمال ل نقص فيه يثبت للمحدث المخلوق الممكن فهو للقديم الواجب الخالق أولى من جهة أنه أحق‬
‫بالكمال؛ لنه أفضل‪.‬‬
‫وذاك من جهة أنه هو جعله كامل وأعطاه تلك الصفات‪.‬‬
‫واسمه ]العلي[ يفسر بهذين المعنيين؛ يفسر بأنه أعلى من غيره قدًرا‪ ،‬فهو أحق بصفات الكمال‪ .‬ويفسر بأنه العالى‬
‫عليهم بالقهر والغلبة‪ ،‬فيعود إلى أنه القادر عليهم وهم المقدورون‪ .‬وهذا يتضمن كونه خالًقا لهم ورًبا لهم‪.‬‬
‫وكلهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء‪ ،‬فل شيء فوقه‪ ،‬كما قال النبى صلى ال عليه وسلم‪] :‬أنت الول فليس قبلك‬
‫شيء‪ ،‬وأنت الخر فليس بعدك شيء‪ .‬وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‪ ،‬وأنت الباطن فليس دونك شيء[‪.‬‬
‫‪ /‬فل يكون شيء قبله‪ ،‬ول بعده‪ ،‬ول فوقه‪ ،‬ول دونه‪ ،‬كما أخبر النبى صلى ال عليه وسلم وأثنى به على ربه‪ .‬وإل‬
‫صا‪ ،‬وكان ذلك أعلى منه‪.‬‬
‫فلو قدر أنه تحت بعض المخلوقات‪ ،‬كان ذلك نق ً‬
‫وإن قيـل‪ :‬إنه ل داخـل العالم ول خارجــه‪ ،‬كـان ذلك تعطيـل لـه‪ ،‬فهو منزه عن هذا‪.‬‬
‫وهـذا هـو العلي العلى‪ ،‬مع أن لفـظ ]العلي[ و ]العلـو[‪ ،‬لم يستعمـل في القـرآن عند الطلق إل في هذا ـ وهو‬
‫مستلزم لذينك ـ لم يستعمل في مجرد القدرة‪ ،‬ول في مجرد الفضيلة‪.‬‬
‫ولفـظ ]العلو[ يتضمـن الستـعلء‪ ،‬وغير ذلك من الفعال إذا عـدى بحرف الستعلء دل على العـلو‪ ،‬كقـوله‪ُ} :‬ثّم‬
‫ش{ ]الحـديد‪ [ 4 :‬فهو يـدل على علـوه على العرش‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫اْ‬

‫والسلف فسروا ]الستواء[ بما يتضمن الرتفاع فوق العرش‪ ،‬كما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية في‬
‫سَتَوى{ قال‪ :‬ارتفع‪ .‬وكذلك رواه ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم ـ رواه من حديث آدم بن أبي إياس‪ ،‬عن‬
‫قوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫سَتَوى{‪ ،‬قال‪ :‬ارتفع‪.‬‬
‫أبي جعفر‪ ،‬عن أبي الربيع‪ ،‬عن أبي العالية‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ش{ ‪ :‬عل على العرش‪ .‬ولكن يقال‪] :‬عل على كذا[‪،‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫‪ /‬وقـال البخاري‪ :‬وقـال مجاهـد في قولـه‪ُ}:‬ثّم ا ْ‬
‫عُلّوا‬
‫ن ُ‬
‫عّما َيُقوُلو َ‬
‫حاَنُه َوَتَعاَلى َ‬
‫سْب َ‬
‫و]عل عن كذا[ وهذا الثاني جاء في القرآن في مواضع‪،‬لكن بلفظ ]تعالى[ كقوله‪ُ }:‬‬
‫ن{ ]المؤمنون‪ ،[29 :‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫شِرُكو َ‬
‫عّما ُي ْ‬
‫شَهاَدِة َفَتَعاَلى َ‬
‫ب َوال ّ‬
‫عاِلِم اْلَغْي ِ‬
‫َكِبيًرا{ ]السراء‪َ } ،[ 43 :‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن كل واحد من ذكر أنه خلق‪ ،‬وأنه الكرم الذي علم بالقلم‪ ،‬يدل على هاتين الطريقتين من إثبات‬
‫الصفات‪ ،‬كما دلنا على الطريقة الولى ـ طريقة الستدلل بالفعل‪.‬‬
‫لْكَرُم{‪ ،‬يقتضي أنه أفضـل مـن غيره في الكرم‪ ،‬والكرم اسم جامع لجميع المحاسن‪ .‬فيقتضي أنه أحق‬
‫فإن قـوله‪} :‬ا َْ‬
‫بجميع المحامد‪ ،‬والمحامد هي صفات الكمال فيقتضي أنه أحق بالحسان إلى الخلق والرحمة‪ ،‬وأحق بالحكمة‪ ،‬وأحق‬
‫بالقدرة‪ ،‬والعلم والحياة‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫ق{ فـإن الخـالـق قـديـم أزلى‪ ،‬مستغـن بنفســه‪ ،‬واجب الوجود بنفسه‪ ،‬قيوم‪ .‬ومعلوم أنه أحق‬
‫خَل َ‬
‫وكذلك قـولــه‪َ } :‬‬
‫بصفات الكمال من المخلوق المحدث الممكن‪.‬‬
‫فهذا من جهة قياس الولى‪ .‬ومن جهة الثر‪ ،‬فإن الخالق لغيره ‪ /‬الذي جعله حًيا عالًما قادًرا سميًعا بصيًرا‪ ،‬هو أولى‬
‫بأن يكون حيا عالًما قديًرا سميًعا بصيًرا‪.‬‬
‫ضا ـ‬
‫و}اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ]العلق‪ 3 :‬ـ ‪ . [ 5‬فجعله عليًما‪ ،‬والعليم ل يكون إل حًيا‪ .‬وكرمه ـ أي ً‬
‫أن يكون قديًرا سميًعا بصيـًرا‪ .‬والكرم الذي جعل غيره عليًما هو أولى أن يكون عليًما‪ .‬وكذلك في سائر صفات‬
‫الكمال والمحامد‪.‬‬

‫فهذا استدلل بالمخلوق الخاص‪ ،‬والول استدلل بجنس الخلق؛ ولهذا دل هذا على ثبوت الصفات بالضرورة من غير‬
‫تكلف‪ ،‬وكذلك طريقة التفضيل والولى‪ ،‬وأن يكون الرب أولى بالكمال من المخلوق‪.‬‬
‫وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرهم كالنصارى‪ ،‬فإنهم أثبتوا أن ال قائم بنفسه حتى‬
‫يتكلم بهذه الطريق‪ ،‬لكن سموه ]جوهًرا[‪ ،‬وضلوا في جعل الصفات ثلثة‪ ،‬وهي القانيم‪.‬‬
‫فقالوا‪ :‬وجدنا الشياء تنقسم إلى جوهر وغير جوهر‪ ،‬والجوهر أعلى النوعين‪ ،‬فقلنا‪ :‬هو جوهر‪ .‬ثم وجدنا الجوهر‬
‫ينقسم إلى حى وغير حي‪ ،‬ووجدنا الحى أكمل‪ ،‬فقلنا‪ :‬هو حي‪ .‬ووجـدنا الحى ينقسـم إلى‪ :‬ناطق وغير ناطق‪ ،‬فقلنا‪ :‬هو‬
‫ناطق‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال‪ :‬إن الشياء تنقسم إلى قادر وغير قادر‪ ،‬والقادر أكمل‪ .‬وقد بسط ما في‬
‫كلمهم من صواب وخطأ في الكتاب الذي سميناه‪] :‬الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح[‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ التنبيه على دللة هذه الية ـ وهذه اليات التي هي أول ما نزل ـ على أصول الدين‪.‬‬
‫وقوله‪َ} :‬عّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ‪ ،‬يدل على قدرته على تعليم النسان ما قد عّلَمه‪ ،‬مع كون جنس النسان فيه أنواع من‬
‫عّلَم‬
‫را على ذلك التعليم فقدرته على تعليم النبياء ما علمهم أولى وأحرى‪ .‬وذلك يدخل في قوله‪َ } :‬‬
‫النقص‪ .‬فإذا كان قاد ً‬
‫اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ‪ ،‬فإن النبياء من الناس‪.‬‬
‫فقد دلت هذه اليات على جميع الصول العقلية‪ ،‬فإن إمكان النبوات هو آخر ما يعلم بالعقل‪.‬‬
‫وأما وجود النبيــاء وآياتهم‪ ،‬فيعلم بالسمع المتواتــر‪ ،‬مع أن قولــه‪َ} :‬عّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{‪ ،‬يدخل فيه إثبات تعليمه‬
‫للنبيــاء ما عّلمهم‪ ،‬فهي تــدل على المكان والوقــوع‪.‬‬
‫‪ /‬وقد ذكرنا ـ في مواضع ـ أن تنزيهه يرجع إلى أصلين‪:‬‬
‫تنزيهه عن النقص المناقض لكماله‪ .‬فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل على تنزهه عن النقص المناقض لكماله‪.‬‬
‫وهذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل‪ ،‬بخلف ما قال طائفة من المتكلمين إن ذلك ل يعلم إل بالسمع‪.‬‬
‫وقد بينا في ـ غير هذا الموضع ـ أن الطرق العقلية التي سلكوها من الستدلل بالعراض على حدوث الجسام ل‬
‫تدل على إثباته‪ ،‬ول على إثبات شيء من صفات الكمال‪ ،‬ول على تنزهه عن شيء من النقائص‪ .‬فليس عند القوم ما‬
‫يحيلون به عنه شيًئا من النقائص‪.‬‬
‫وهم معترفون بأن الفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلف الصفات‪ .‬لكن طريقهم في الصفات فاسد متناقض‪ ،‬كما‬
‫قد بسط في غير هذا الموضع‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال‪.‬‬
‫والقرآن مملوء بإثبات هذين الصلين ـ بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل‪ ،‬وتنزيهه عن التمثيل ـ سبحانه‬
‫وتعالى ـ عما يقول الظالمون علًوا كبيًرا‪.‬‬
‫فصـل‬
‫ق{ ]العلق‪ ،[1 :‬وقوله‪َ} :‬عّلَم ِباْلَقَلِم َعّلَم اِْلنَساَن َما َلْم َيْعَلْم{ ]العلق‪ ،[5 ،4 :‬يدل على إثبات‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫وقوله‪ِ}:‬با ْ‬
‫أفعاله وأقواله‪.‬‬

‫ق اِْلنَساَن َعّلَمُه اْلَبَياَن{ ]الرحمن‪- 1 :‬‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫عّلَم اْلُقْرآ َ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫فالخلق فعلـه‪ ،‬والتعليم يتنـاول تعليم مـا أنزلـه‪ ،‬كما قـال‪} :‬الّر ْ‬
‫‪ ،[ 4‬وقولـه‪ِ} :‬باْلَقَلِم{ يتناول تعليم كلمه الذي يكتب بالقلم‪ .‬ونزولـه في أول السـورة التي أنزل فيها كـلمـه‪ ،‬وعلم‬
‫جا فيه‪.‬‬
‫نبيـه كلمه الذي يكتب بالقلم دليل على شمول الية لذلك‪ ،‬فإن سبب اللفظ المطلق والعام لبد أن يكون مندر ً‬
‫وإذا دل على أنه خلق وتكلم‪.‬‬
‫ن{‪ .‬ومعلوم ـ بالعقل وبالخطاب ـ أن النسان المخلوق غير خلق الرب له‪ ،‬وكذلك خلقه لغيره‪.‬‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫وقد قال‪َ } :‬‬
‫والذين نازعوا في ذلك إنما نازعوا لشبهة عرضت لهم‪ ،‬كما قد ذكر بعد هذا وفي مواضع‪ .‬وإل فهم ل يتنازعون أن‬
‫]خلق[ فعل له مصدر ـ يقال‪ :‬خلق ـ يخلق ـ خلًقا‪ .‬والنسان مفعول المصدر ـ ]المخلوق[ ليس هو المصدر‪.‬‬
‫‪ /‬ولكن قـد يطلق لفظ المصدر على المفعول‪ ،‬كما يقال‪] :‬درهم ضرب المير[‪ .‬ومنه قولـه‪} :‬هذا خلق ال{ ]لقمان‪:‬‬
‫‪ ،[ 11‬والمراد هناك‪ :‬هـذا مخلـوق ال‪ .‬وليس الكلم في لفـظ ]خلـق[ المـراد بـه ]المخلـوق[‪ ،‬بـل في لفــظ ]الخـلق[‬
‫س َواِحَدٍة{{‬
‫ل َكَنْف ٍ‬
‫ل َبْعُثُكْم ِإ ّ‬
‫خْلُقُكْم َو َ‬
‫المـراد بــه ]الفعــل[ الـذي يسمي المصـدر‪ ،‬كما يقال‪ :‬خلق ـ يخلق ـ خلًقا‪ ،‬وكقوله‪ّ} :‬ما َ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫ت‬
‫ق ال ّ‬
‫خْل َ‬
‫شَهدّتُهْم َ‬
‫ق{ ]الزمر‪ ،[6 :‬وقولـه‪َ} :‬ما َأ ْ‬
‫خْل ٍ‬
‫خْلًقا ِمن َبْعِد َ‬
‫ن ُأّمَهاِتُكْم َ‬
‫طو ِ‬
‫خُلُقُكْم ِفي ُب ُ‬
‫]لقـمان‪ ،[28 :‬وقـولـه‪َ}:‬ي ْ‬
‫ق َأنُفِسِهْم{ ]الكهف‪.[51:‬‬
‫خْل َ‬
‫ل َ‬
‫ض َو َ‬
‫لْر ِ‬
‫َوا َْ‬
‫وإذا كان الخلق فعله فهو بمشيئته‪ ،‬إذ يمتنع أن يكون فعله بغير مشيئة‪ .‬وما كان بالمشيئة‪ ،‬امتنع قدم عينه‪ ،‬بل يجوز‬
‫قدم نوعه‪.‬‬
‫وإذا كان الخلق للحادث لبد له من مؤثر تام أوجب حدوثه لزم أنه لم يزل متصًفا بما يقوم به من المور الختيارية‪،‬‬
‫لكن إن يثبت أنه كان قبل هذا المخلوق مخلوق آخر ثبت أنه متصف بخلق بعد خلق‪.‬‬
‫وكذلك الكـلم‪ ،‬هـو متكلم بمشيئته‪ .‬ويمتنع أل يكون متكلًما ثم يصير متكلًما لوجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه سلب لكماله‪ ،‬والكلم صفة كمال‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه يمتنع حدوث ذلك‪ .‬فإن من ل يكون متكلًما يمتنع ‪ /‬أن يجعل نفسه متكلًما‪ ،‬ومن ل يكون عالًما يمتنع أن‬
‫يجعل نفسه عالًما‪ ،‬ومن ل يكون حًيا يمتنع أن يجعل نفسه حًيا‪ .‬فهذه الصفات من لوازم ذاته‪.‬‬
‫وكذلك من ل يكون خالًقا يمتنع أن يجعل نفسه خالًقا‪ .‬فإنه إذا لم يكن قادًرا على أن يخلق فجعله نفسه خالقة أعظم؛‬
‫فيكون هذا ممتنًعا بطريق الولى‪ ،‬فإن جعل نفسه خالقة يستلزم وجود المخلوق‪.‬‬
‫ل‪ ،‬كان هو الخالق لما يفعله النسان‪ .‬فلو جعل نفسه خالقة كان هو الخالق‬
‫ولهذا لما كان قادًرا على جعل النسان فاع ً‬
‫لما جعلها تخلقه‪.‬‬
‫فإذا فرض أنه يمتنع أن يكون خالًقا في الزل امتنع أن يجعل نفسه خالقة بوجه من الوجوه‪ .‬ويلزم من القول بامتناع‬
‫الفعل عليه في الزل امتناعه دائًما‪ .‬وقد دلت الية على أنه خلق‪ .‬فعلم أنه ما زال قادًرا على الخْلق‪ ،‬ما زال يمكنه أن‬
‫ق‪ ،‬وما زال الخْلق ممكًنا مقدوًرا‪ .‬وهذا يبطل أصل الجهمية‪.‬‬
‫خُل َ‬
‫َي ْ‬
‫بل وإذا كان قادًرا عليه فالموجب له ليس شيًئا بائًنا من خارج‪ ،‬بل هو من نفسه‪ .‬فيمتنع أن يجعل نفسه مريدة بعد أن‬
‫لم تكن‪ ،‬فيلزم أنه ما زال مريًدا قادًرا‪ .‬وإذا حصلت القدرة والرادة‪ ،‬وجب وجود المقدور‪.‬‬
‫‪ /‬وأهل الكلم الذين ينازعون في هذا يقولون‪ :‬لم يزل قادًرا على ما سيكون‪.‬‬
‫فيقال لهم‪ :‬القدرة ل تكون إل مع إمكان المقدور‪ ،‬إذا كانت القدرة دائمة‪ ،‬فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور دائًما؟ وهم‬
‫يقولون‪ :‬ل‪ ،‬بل المكان ـ إمكان الفعل ـ حادث‪ .‬وهذا يناقض إثبات القدرة‪ ،‬وإن قالوا‪ :‬بل المكان حاصل‪ ،‬تبين أنه لم‬
‫يزل الفعل ممكنا فثبت إمكان وجود ما ل يتناهي من مقدور الرب‪.‬‬

‫وحينئذ‪ ،‬فإذا كان لم يزل قادًرا‪ ،‬والفعل ممكًنا‪ ،‬وهذا الممكن قد وجد‪ ،‬فما ل يزال‪ ،‬فالموجب لوجود جنس المقدور‪ ،‬ـ‬
‫كالرادة ـ مثل‪ ،‬إما أن يكون وجودها في الزل ممتنًعا‪ ،‬فيلزم امتناع الفعل‪ ،‬وقد بينا أنه ممكن‪.‬‬
‫ل عن أن تكون موجودة‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬إذا كان وجودها ممتنًعا‪ ،‬لم يزل ممتنًعا؛ لنه ل شيء هناك يجعلها ممكنة‪ ،‬فض ً‬
‫وأي ً‬
‫ومعلوم أن وجودها بعد أن لم تكن‪ ،‬لبد له من موجب‪ .‬وإذا كان وجودها في الزل ممكًنا‪ ،‬فوجود هذا الممكن ل‬
‫يتوقف على غير ذاته‪ ،‬وذاته كافية في حصوله‪ .‬فيلزم أنه لم يزل مريًدا‪.‬‬
‫وهكذا في جميع صفات الكمال متي ثبت إمكانها في الزل‪ ،‬لزم ‪ /‬وجودها في الزل‪ .‬فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة‪،‬‬
‫إذ ليس في الزل شيء سوي نفسه يوجب وجودها‪ .‬فإذا كانت ممكنة والمقتضي التام لها نفسه لزم وجوبها في الزل‪.‬‬
‫ل؛ إذ ل مقتضي لهذه الشياء إل ذاته‪ ،‬وذاته‬
‫وهذا مما يدل على أنه لم يزل حًيا‪ ،‬عليًما‪ ،‬قديًرا‪ ،‬مريًدا‪ ،‬متكلًما فاع ً‬
‫وحدها كافية في ذلك‪ .‬فيلزم قدم النوع‪ ،‬وأنه لم يزل متكلًما إذا شاء‪ ،‬لكن أفراد النوع تحصل شيًئا بعد شيء بحسب‬
‫المكان والحكمة‪.‬‬
‫ولهـذا قد بين في مواضـع أنه ليس في نفس المر ممكن يستوي طرًفا وجوده وعدمه‪ ،‬بل إمـا أن يحصـل المقتضي‬
‫لوجـوده فيجب‪ ،‬أو ل يحصـل فيمتنـع‪ .‬فما اتصف بـه الرب‪ ،‬فاتصافه به واجب‪ .‬وما لم يتصف به‪،‬فاتصافه به ممتنع‪.‬‬
‫وما شاء‪،‬كان ووجب وجوده‪ .‬وما لم يشأ‪ ،‬لم يكن وامتنع وجوده‪ .‬فالممكن مع مرجحه التام واجب وبدونه ممتنع‪.‬‬
‫ك اَْلْكَرُم اّلِذي َعّلَم ِباْلَقَلِم{ ]العلق‪1 :‬‬
‫ق{ وفي قوله‪} :‬اْقَرْأ َوَرّب َ‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫ق ا ِْ‬
‫خَل َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫ففي قوله تعالى‪} :‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫ـ ‪ ،[ 4‬دللة على ثبوت صفات الكمال له‪ ،‬وأنه لم يزل متصًفا بها‪.‬‬
‫ل َعِزيًزا َحِكيًما{ ]النساء‪ ،[158:‬ونحوه‪،‬كما ذكره البخاري‬
‫نا ّ‬
‫وأقـوال السلف في ذلك كثـيرة‪ .‬وبهذا فسـروا قولـه‪َ} :‬وَكا َ‬
‫ل‪ ،{..‬كأنه كان شيء ثم‬
‫نا ّ‬
‫في صحيحه عن ابن عباس ـ ورواه ابن أبي حاتم من عدة طرق ـ لما قيل له‪ :‬قوله‪َ} :‬وَكا َ‬
‫مضى؟ فقال ابن عباس‪ :‬هو سمى نفسه بذلك ولم يزل كذلك‪.‬‬
‫هذا لفظ ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن المنهال‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس‪ .‬فقال‬
‫ابن عباس‪ :‬كذلك كان ولم يزل‪.‬‬
‫ومن رواية عمرو بن أبي قيس‪ ،‬عن ُمطّرف‪ ،‬عن الِمْنهال‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪ ،‬عن ابن عباس‪ .‬قال‪ :‬أتاه رجل فقال‪:‬‬
‫ن{‪ ،‬فإنه لم يزل ول يزال‪ ،‬و }ُهَو‬
‫ل‪ ،{...‬كأنه شيء كان؟ فقال ابن عباس‪ :‬أما قوله‪َ} :‬كا َ‬
‫نا ّ‬
‫سمعت ال يقول‪َ} :‬وَكا َ‬
‫يٍء َعِليٌم{ ]الحديد‪.[3 :‬‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َوُهَو ِبُك ّ‬
‫طُ‬
‫ظاِهُر َواْلَبا ِ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫لِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫لّو ُ‬
‫ا َْ‬
‫جّمع بن يحيي‪ ،‬عن عمه‪ ،‬عن ابن عباس‪ .‬قال‪ ،‬قال يهودي‪ :‬إنكم تزعمون أن‬
‫ومن رواية عبد الرحمن بن َمْغراء عن ُم َ‬
‫ال كان عزيًزا حكيًما‪ ،‬فكيف هو اليوم؟ فقال ابن عباس‪ :‬إنه كان في نفسه عزيًزا حكيًما‪.‬‬
‫وهذه أقوال ابن عباس تبين أنه لم يزل متصًفا بخبر ]كان[‪ ،‬ول ‪ /‬يزال كذلك‪ ،‬وأن ذلك حصل له من نفسه‪ .‬فلم يزل‬
‫متصًفا في نفسه إذا كان من لوازم نفسه‪ ،‬ولهذا ل يزال لنه من نفسه‪.‬‬
‫ضا ـ‪ :‬لم يزل ال متكلًما إذا شاء‪.‬‬
‫وقال أحمد بن حنبل‪ :‬لم يزل ال عالًما‪ ،‬متكلًما‪ ،‬غفوًرا‪ .‬وقال ـ أي ً‬
‫فصـــل‬
‫طا دللة أتم من هذا‪.‬‬
‫وكما أنه أول آية نزلت من القرآن تدل على ذلك‪ ،‬فأعظم آية في القرآن تدل على ذلك‪ ،‬لكن مبسو ً‬
‫وهي آية الكرسي‪ ،‬كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى ال عليه وسلم قال لبي بن كعب‪) :‬يا أبا المنذر‪ ،‬أتدري أي‬
‫ك العلم‪ ،‬أبا المنذر!(‪.‬‬
‫ي اْلَقّيوُم{ ]البقرة‪،[ 552 :‬فقال‪ِ) :‬لَيْهِن َ‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫آية في كتاب ال معك أعظم؟( فقال‪} :‬ا ّ‬

‫ل َر ّ‬
‫ب‬
‫حْمُد ّ‬
‫ل{‪ ،‬وهو أعظم من قوله‪} :‬ربك{ ولهذا افتتح به أعظم سورة في القرآن فقال‪}:‬اْل َ‬
‫وهنا افتتحها بقوله‪} :‬ا ّ‬
‫اْلَعاَلِميَن{ ]الفاتحة‪.[2 :‬‬

‫ي اْلَقّيوُم{ ‪ ،‬إذا كان المشركون قد اتخذوا إلًها غيره وإن قالوا بأنه الخالق‪ .‬ففي قوله‪:‬‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫‪ /‬وقال‪}:‬ا ّ‬
‫ق{ لم يذكر نفي خالق آخر إذ كان ذلك معلوًما‪ .‬فلم يثبت أحد من الناس خالًقا آخر مطلًقا خلق كل شيء وخلق‬
‫خَل َ‬
‫} َ‬
‫النسان وغيره‪ ،‬بخلف اللهية‪.‬‬
‫شوا‬
‫ن اْم ُ‬
‫ل ِمْنُهْم َأ ِ‬
‫ق اْلَم َُ‬
‫طَل َ‬
‫ن{ ]النبياء‪ ،[ 68 :‬وقال تعالى‪َ} :‬وان َ‬
‫عِلي َ‬
‫صُروا آِلَهَتُكْم ِإن ُكنُتْم َفا ِ‬
‫حّرُقوُه َوان ُ‬
‫قـال تعالى‪َ} :‬قاُلوا َ‬
‫ل ِإّنَما ُهَو‬
‫شَهُد ُق ْ‬
‫خَرى ُقل لّ َأ ْ‬
‫ل آِلَهًة ُأ ْ‬
‫ن َمَع ا ّ‬
‫ن َأ ّ‬
‫شَهُدو َ‬
‫يٌء ُيَراُد{ ]ص‪ ،[ 6 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أِئّنُكْم َلَت ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن َهَذا َل َ‬
‫عَلى آِلَهِتُكْم ِإ ّ‬
‫صِبُروا َ‬
‫َوا ْ‬
‫ل{ ]السراء‪.[42 :‬‬
‫سِبي ً‬
‫ش َ‬
‫لْبَتَغْوْا ِإَلى ِذي اْلَعْر ِ‬
‫ن إًِذا ّ‬
‫ن َمَعُه آِلَهٌة َكَما َيُقوُلو َ‬
‫ِإَلـٌه َواحٌِد{ ]النعام‪ ،[ 19 :‬وقال تعالى‪ُ} :‬قل ّلْو َكا َ‬

‫فابتغوا معه آلهة أخري‪ ،‬ولم يثبتوا معه خالًقا آخر‪.‬‬
‫ي اْلَقّيوُم{ ‪ .‬ذكره في ثلثة مواضع من القرآن‪ ،‬كل موضع فيه أحد أصول‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫فقال في أعظم اليات‪} :‬ا ّ‬
‫الدين الثلثة؛ وهي التوحيد‪ ،‬والرسل‪ ،‬والخرة‪.‬‬
‫ن َكّذُبوْا‬
‫ل َتّتِبْع َأْهَواء اّلِذي َ‬
‫هذه التي بعث بها جميع المرسلين‪ ،‬وأخبر عن المشركين أنهم يكفرون بها في مثل قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ِبآَياِتَنا َواّلِذيَن َل ُيْؤِمُنوَن ِبالِخَرِة َوُهم ِبَرّبِهْم َيْعِدُلوَن{ ]النعام‪.[150 :‬‬

‫ي اْلَقّيوُم{ ‪ ،‬قرنها بأنه ل إله إل هو‪.‬‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ل ِإَلـَه ِإ ّ‬
‫ل َ‬
‫‪ /‬فقال هنا‪} :‬ا ّ‬
‫س َوَأنَزَل اْلُفْرَقاَن{{‬
‫ل ُهًدى ّللّنا ِ‬
‫ل ِمن َقْب ُ‬
‫جي َ‬
‫لن ِ‬
‫ل الّتْوَراَة َوا ِ‬
‫ن َيَدْيِه َوَأنَز َ‬
‫صّدًقا ّلَما َبْي َ‬
‫ق ُم َ‬
‫حّ‬
‫ب ِباْل َ‬
‫ك اْلِكَتا َ‬
‫عَلْي َ‬
‫ل َ‬
‫وزاد في آل عمران‪َ} :‬نّز َ‬
‫]آل عمران‪ ،[ 4 ،3 :‬وهذا إيمان بالكتب والرسل‪.‬‬
‫عْلًما‬
‫ن ِبِه ِ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫ل َيْعَلُم َما َبْي َ‬
‫ي َلُه َقْو ً‬
‫ضَ‬
‫ن َوَر ِ‬
‫حَم ُ‬
‫ن َلُه الّر ْ‬
‫ن َأِذ َ‬
‫ل َم ْ‬
‫عُة ِإ ّ‬
‫شَفا َ‬
‫ل َتنَفُع ال ّ‬
‫وقال في طه‪َ} :‬يْوَمِئٍذ ّ‬
‫ظْلًما{ ]طه‪ 109 :‬ـ ‪.[111‬‬
‫ل ُ‬
‫حَم َ‬
‫ن َ‬
‫ب َم ْ‬
‫خا َ‬
‫ي اْلَقّيوِم َوَقْد َ‬
‫حّ‬
‫جوُه ِلْل َ‬
‫ت اْلُو ُ‬
‫عَن ِ‬
‫َو َ‬

‫فصــل‬
‫خَل َ‬
‫ق‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ومن أعظم الصول معرفة النسان بما نعت ال به نفسه من الصفات الفعلية‪ ،‬كقوله في هذه السورة‪ } :‬اّلِذي َ‬
‫ق{ ]العلق‪ ،[ 2 ،1 :‬و ]الخلق[ مذكور في مواضع كثيرة‪ ،‬وكذلك غيره من الفعال‪ .‬وهو نوعان‪:‬‬
‫عَل ٍ‬
‫ن َ‬
‫سانَ ِم ْ‬
‫لن َ‬
‫ا ِْ‬
‫خَلَقُكْم ُثّم َرَزَقُكْم ُثّم ُيِميُتُكْم ُثّم‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫فعل متعدإلى مفعول به‪ .‬مثل ]خلق[‪ ،‬فإنه يقتضي مخلوًقا‪ ،‬وكذلك ]رزق[‪ ،‬كقوله‪} :‬ا ُّ‬
‫يٍء{ ]الروم‪ ،[ 40 :‬وكذلك الهدي‪ ،‬والضلل‪ ،‬والتعليم والبعث‪ ،‬والرسال‬
‫ش ْ‬
‫ل ِمن َذِلُكم ّمن َ‬
‫شَرَكاِئُكم ّمن َيْفَع ُ‬
‫ل ِمن ُ‬
‫حِييُكْم َه ْ‬
‫ُي ْ‬

‫والتكليم‪.‬‬
‫ت{ ]البقرة‪،[29 :‬‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫سْبَع َ‬
‫ن َ‬
‫سّواُه ّ‬
‫ن{ ]فصلت‪َ} ،[12 :‬ف َ‬
‫ت ِفي َيْوَمْي ِ‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫سْبَع َ‬
‫ن َ‬
‫ضاُه ّ‬
‫وكذلك ما أخبر به من قوله‪َ} :‬فَق َ‬
‫سَماء َماء‬
‫ن ال ّ‬
‫ل ِم َ‬
‫سَماء ِبَناء َوَأنَز َ‬
‫شا َوال ّ‬
‫ض ِفَرا ً‬
‫لْر َ‬
‫ل َلُكُم ا َ‬
‫جَع َ‬
‫سَماء َبَنْيَناَها ِبَأْيٍد{ ]الذاريات‪ ،[47 :‬وقوله‪} :‬اّلِذي َ‬
‫وقوله‪َ} :‬وال ّ‬
‫سَماء ِبَناء‬
‫ض َقَراًرا َوال ّ‬
‫لْر َ‬
‫ل َلُكُم ا َْ‬
‫جَع َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ت ِرْزًقا ّلُكْم{ ]البقرة‪ ،[ 22 :‬وقوله في الية الخري‪} :‬ا ُّ‬
‫ن الّثَمَرا ِ‬
‫ج ِبِه ِم َ‬
‫خَر َ‬
‫َفَأ ْ‬
‫ت{ ]غافر‪ [ 64 :‬وهذا في القرآن كثير جًدا‪.‬‬
‫طّيَبا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫صَوَرُكْم َوَرَزَقُكم ّم َ‬
‫ن ُ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫صّوَرُكْم َفَأ ْ‬
‫َو َ‬
‫ن ِإلّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ش{ ]الحديد‪َ} ،[4 :‬ه ْ‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سَماء{ ]البقرة‪ُ} ،[29 :‬ثّم ا ْ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫والفعال اللزمة‪ ،‬كقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ك{{‬
‫ت َرّب َ‬
‫ض آَيا ِ‬
‫ي َبْع ُ‬
‫ك َأْو َيْأِت َ‬
‫ي َرّب َ‬
‫ل َأن َتْأِتيُهُم اْلَملِئَكُة َأْو َيْأِت َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫ن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪َ} ،[210 :‬ه ْ‬
‫ل ّم َ‬
‫ظَل ٍ‬
‫ل ِفي ُ‬
‫َأن َيْأِتَيهُُم ا ّ‬
‫صّفا{ ]الفجر‪.[22 :‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫]النعام‪ ،[158 :‬وقوله‪َ} :‬و َ‬

‫فأما النوع الول‪ :‬فالمسلمون متفقون على إضافتهإلى ال‪ ،‬وأنه هو الذي يخلق ويرزق‪ ،‬ليس ذلك صفة لشيء من‬
‫مخلوقاته‪.‬‬

‫لكن هل قام به فعل هو الخلق‪ ،‬أو الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق؟ وهذا فيه قولن لمن يثبت اتصافه‬
‫بالصفات‪ .‬فأما ‪/‬من ينفي الصفات من الجهمية والمعتزلة‪ ،‬فهم ينفون قيام الفعل به بطريق الولي‪.‬‬
‫لكن منهم من يجعل الخلق غير المخلوق‪ ،‬ويجعل الخلق إما معني قام بالمخلوق‪ ،‬أو المعاني المتسلسلة‪ ،‬كما يقـوله‬
‫ُمَعّمر بن عباد‪ ،‬أو يجعل الخلق قائًما ل في محـل‪ ،‬كقـول بعضهم‪ :‬إنه قول‪] :‬كن[ ل في محل‪ .‬وقول البصريين‪ :‬إنه‬
‫إرادة ل في محل‪ .‬وهذا فرار منهم عن قيام الحوادث به‪ ،‬مع أن منهم من يلتزم ذلك‪ ،‬كما التزمه أبو الحسين وغيره‪.‬‬
‫والجمهور المثبتون للصفات هم في الفعال على قولين‪:‬‬
‫منهم من يقول‪ :‬ل يقوم به فعل‪ ،‬وإنما الفعل هو المفعول‪ .‬وهذا قول طائفة منهم الشعري ومن وافقه من أصحابه‬
‫وغير أصحابه‪ ،‬كابن عقيل وغيره‪ ،‬وهو أول قولي القاضي أبي يعلي‪.‬‬
‫وهؤلء يقسمون الصفاتإلى ذاتية‪ ،‬ومعنوية‪ ،‬وفعلية‪ .‬وهذا تقسيم ل حقيقة له‪ .‬فإن الفعال عندهم ل تقوم به فل يتصف‬
‫بها‪ ،‬لكن يخبر عنه بها‪.‬‬
‫وهذا التقسيم يناسب قول من قال‪ :‬الصفات هي الخبار التي ‪ /‬يخبر بها عنه‪ ،‬ل معاني تقوم به‪ ،‬كما تقول ذلك‬
‫الجهمية والمعتزلة‪ .‬فهؤلء إذا قالوا‪ :‬الصفات تنقسم إلى ذاتية وفعلية‪ ،‬أرادوا بذلك ما يخبر به عنه من الكلم تارة‬
‫يكون خبًرا عن ذاته‪ ،‬وتارة عن المخلوقات ليس عندهم صفات تقوم به‪ .‬فمن فسر الصفات بهذا أمكنه أن يجعلها ثلثة‬
‫أقسام؛ ذاتية ومعنوية وفعلية‪.‬‬
‫وأما من كان مراده بالصفات ما يقوم به؛ فهذا التقسيم ل يصلح على أصلهم‪ ،‬ولكن أخذوا التقسيم عن أولئك وهم‬
‫مخالفون لهم في المراد بالصفات‪.‬‬
‫وهذا التقسيم موجود في كلم أبي الحسن ومن وافقه‪ ،‬كالقاضي أبي يعلى‪ ،‬وأبي المعالي‪ ،‬والباجي وغيرهم‪.‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬إنه تقوم به الفعال‪ .‬وهذا قول السلف وجمهور مثبتة الصفات‪.‬‬
‫ذكر البخاري في كتاب ]خلق أفعال العباد[‪ :‬أن هذا إجماع العلماء‪ ،‬خالق‪ ،‬وخلق‪ ،‬ومخلوق‪ .‬وذكره البغوي قول أهل‬
‫السنة‪ ،‬وذكره أبو نصر محمد بن إسحاق الكلباذي في كتاب ]التعرف بمذاهب التصوف[‪ ،‬أنه قول الصوفية‪ .‬وهو‬
‫قول الحنفية مشهور عندهم يسمونه ‪] /‬التكوين[‪ .‬وهو قول الَكّراِمية‪ ،‬والهشامية‪ ،‬ونحوهما وهو قول القدماء من‬
‫أصحاب مالك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد‪ .‬وهو آخر قولي القاضي أبي يعلي‪.‬‬
‫ثم إذا قيل‪ :‬الخلق غير المخلوق‪ ،‬وإنه قائم بالرب‪ ،‬فهل هو خلق قديم لزم لذات الرب مع حدوث المخلوقات‪ ،‬كما‬
‫يقوله أصحاب أبي حنيفة وغيرهم؟ أو هم خلق حادث بذاته ـ حدث لما حدث جنس المخلوقات؟ أم خلق بعد خلق؟‬
‫على ثلثة أقوال‪.‬‬
‫وهذا أو هذا هو الذي عليه أئمة السنة والحديث وجمهورهم‪ .‬وهو قول طوائف من أهل الكلم ـ من الكرامية‬
‫والهشامية‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫ل يقوم بذاته[‪.‬‬
‫فمن قال‪] :‬إنه يتكلم بمشيئته واختياره كلًما يقوم بذاته‪ ،‬يمكنه أن يقول‪ :‬إنه يفعل باختياره ومشيئته فع ً‬
‫والذين يقولون بقيام المور الختيارية بذاته‪ ،‬منهم من يصحح دليل العراض والستدلل به على حدوث الجسام‪،‬‬
‫كالكرامية‪ ،‬ومتأخري الحنفية‪ ،‬والمالكية‪ ،‬والحنبلية‪ ،‬والشافعية‪ .‬ومنهم من ل يصححه‪ ،‬كأئمة السلف‪ ،‬وأئمة السنة‬
‫والحديث‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬والبخاري وغيرهم‪.‬‬
‫‪ /‬وهذه المسألة يعبر عنها بــ ]مسألة التأثير[ هل هو أمر وجودي أم ل؟ وهل التأثير زائد على المؤثر والثر أم ل؟‬
‫وكلم الرازي في ذلك مختلف‪ ،‬كما قد بسط الكلم على ذلك في مواضع‪.‬‬

‫وعمدة الذين قالوا‪ :‬إن الخلق هو المخلوق‪ ،‬والتأثير هو وجود الثر‪ ،‬لم يثبتوا زائًدا أن قالوا‪ :‬لو كان الخلق والتأثير‬
‫زائًدا على ذات المخلوق والثر‪ ،‬لكان إما أن يقوم بمحل أو ل‪ ،‬والثاني باطل‪ ،‬فإن المعاني ل تقوم بأنفسها‪ .‬وهذا رد‬
‫على طائفة من المعتزلة قالوا‪ :‬يقوم بنفسه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وإذا قام بمحل‪ ،‬فإما أن يقوم بالخالق أو بغيره‪ ،‬والثاني باطل‪ ،‬لنه لو قام بغيره‪ ،‬لكان ذلك الغير هو الخالق‪ ،‬ل‬
‫هو‪ .‬وهذا رد على طائفة ثانية يقولون‪ :‬إنه يقوم بالمخلوق‪.‬‬
‫وإذا قام بالخالق‪ ،‬فإما أن يكون قديًما أو محدًثا‪ ،‬ولو كان قديًما‪ ،‬للزم قدم المخلوق‪ ،‬فإن الخلق والمخلوق متلزمان‬
‫‪.‬فوجود خلق بل مخلوق ممتنع‪ ،‬وكذلك وجود تأثير بل أثر‪.‬‬
‫وإن كان محدًثا‪ ،‬فهو باطل لوجهين؛ أحدهما‪ :‬أنه يلزم قيام الحوادث به‪ .‬والثاني‪ :‬أن ذلك الخلق الحادث يفتقرإلى خلق‬
‫آخر ويلزم التسلسل‪ .‬ومعمر بن عباد التزم التسلسل‪ ،‬وجعل للخلق خلًقا‪ ،‬وللخلق خلًقا‪ /،‬لكن ل في ذات ال‪ ،‬وجعل‬
‫ذلك في وقت واحد‪.‬‬
‫فهذه عمدة هؤلء‪ .‬وكل طائفة تخالفهم‪ ،‬منعت مقدمة من مقدمات دليلهم‪.‬‬
‫فمن جّوز أن يقوم بنفسه‪ ،‬أو بالمخلوق‪ ،‬منع تينك المقدمتين‪ .‬وأما الجمهور فكل أجاب بحسب قوله‪.‬‬
‫منهم من قال‪ :‬بل الخلق والتكوين قديم‪ ،‬كما أن الرادة ـ عندكم ـ قديمة‪ .‬ومع القول بقدمها لم يلزم تقدم المراد‪ ،‬كذلك‬
‫الخلق والتكوين قديم‪ ،‬ول يلزم تقدم المخلوق‪ .‬وهذا لزم للكلبية من الشعرية وغيرهم ل جواب لهم عنه‪.‬‬
‫لكن ل يلزم من نفي قدم إرادة معينة‪ ،‬بل نفي قدم الرادة‪ ،‬كما يقوله الجهمية والمعتزلة‪ .‬أو يقول بقدم نوع الرادة‪،‬‬
‫كما يقوله أئمة أهل الحديث ومن وافقهم من الفلسفة والمتكلمين وغيرهم‪.‬‬
‫لكن صاحب هذا القول يقال له‪ :‬التكوين القديم إما أن يكون بمشيئته‪ ،‬وإما أل يكون بمشيئته‪ .‬فإن كان بغير مشيئته لزم‬
‫أن يكون قد خلق الخلق بل مشيئته‪ .‬وإن كان بمشيئته‪ ،‬لزم أن يكون القديم مراًدا‪ .‬وهذا باطل‪ .‬ولو صح لمكن كون‬
‫العالم قديًما ـ مع كونه مخلوًقا ـ ‪ /‬بخلق قديم بإرادة قديمة‪ .‬ومعلوم أن هذا باطل‪ .‬ولهذا كان كل من قال‪] :‬القرآن قديم[‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬تكلم بغير مشيئته وقدرته‪.‬‬
‫فالمفعول المراد ل يكون إل حادًثا‪ ،‬وكذلك الفعل المراد ل يكون إل حادًثا‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فهؤلء المنازعون لهم يقولون‪ :‬الرادة مستلزمة للمراد‪ ،‬والخلق مستلزم للمخلوق‪ .‬وما ذكر حجة على‬
‫وأي ً‬
‫هؤلء‪ ،‬وهؤلء‪ .‬فإن الرادة والخلق من المور الضافية‪ ،‬وثبوت إرادة بل مراد وخلق بل مخلوق ممتنع‪ .‬لكن‬
‫المنازع يقول‪ :‬توجد الرادة والخلق‪ ،‬ويتأخر المراد المخلوق‪.‬‬
‫فيقال لهؤلء‪ :‬تقولون‪ :‬توجد الرادة‪،‬أو الخلق مع الرادة‪ ،‬ول يوجد ل المراد ول المخلوق‪ .‬ثم بعد ذلك بما ل يتناهي‬
‫من تقدير الوقات يوجد المراد المخلوق من غير سبب‪ .‬وهذا معلوم البطلن في بداية العقول‪ .‬فإن الرادة أو الخلق‬
‫كان موجوًدا مع القدرة‪ .‬فإن كان هذا مؤثًرا تاًما استلزم وجود الثر‪ ،‬ولزم وجود الثر عند وجود المؤثر التام‪.‬‬
‫فإن الثر ]ممكن[‪ ،‬والممكن يجب وجوده عند وجود المرجح ‪ /‬التام‪ ،‬إذ لو لم يكن كذلك‪ ،‬كان جائًزا بعد وجود‬
‫المرجح يقبل الوجود والعدم‪ ،‬وحينئذ‪ ،‬فيفتقرإلى مرجح‪ .‬وهذا يستلزم التسلسل‪ .‬ول ينقطع التسلسل إل إذا وجد‬
‫المرجح التام الموجب‪.‬‬
‫وهنا تنازع الناس‪،‬فقالت طائفة ـ مثل محمد بن الهيصم الكرامي ومحمود الخوارزمي ـ‪ :‬يكون الممكن أولي بالوقوع‬
‫لكن ل ينتهيإلى حد الوجوب‪.‬‬
‫وقال أكثر المعتزلة والشعرية‪ :‬بل ل يصير أولي ولكن القادر‪ ،‬أو القادر المريد‪ ،‬يرجح أحد المتماثلين بل مرجح‪.‬‬

‫وآخرون عرفوا أن هذا لزم فاعترفوا بأنه عند وجود المرجح التام‪ ،‬يجب وجود الثر‪ ،‬وعند الداعي التام مع القدرة‪،‬‬
‫يجب وجود الفعل‪ ،‬كما اعترف بذلك أبو الحسين البصري‪ ،‬والرازي‪ ،‬والطوسي وغيرهم‪ .‬وكثير من قدماء المتكلمين‬
‫يقولون بالرادة الموجبة‪ ،‬وأن الرادة تستلزم وجود المراد‪.‬‬
‫والمتفلسفة أوردوا هذا على المتكلمين‪ ،‬لكن بأن الثر يقارن وجود التأثير فيكون معه بالزمن‪.‬‬
‫وكثير من الناس ل يعرف إل هذا القول‪ ،‬وذاك القول ‪ /‬كالرازي وغيره‪ ،‬فيبقون حياري في هذا الصل العظيم الذي‬
‫هو من أعظم أصول العلم والدين والكلم‪.‬‬
‫وقد بسطنا الكلم على هذا في غير موضع‪ ،‬وبينا أن قولً ثالًثا هو الصواب الذي عليه أئمة العلم‪.‬وهو أن التأثير التام‪،‬‬
‫يستلزم وجود الثر عقبه ؛ ل معه في الزمان‪،‬ول متراخًيا عنه‪.‬‬
‫طا‪ .‬ويلزم قولهم من‬
‫فمن قال بالتراخي من أهل الكلم فقد غلط‪ ،‬ومن قال بالقتران ـ كالمتفلسفة ـ فهم أعظم غل ً‬
‫المحالت ما قد بيناه في مواضع‪.‬‬
‫وأما هذا القول فعليه يدل السمع والعقل‪ .‬قال ال تعالى‪ِ} :‬إّنَما َأْمُرُه ِإَذا َأَراَد َشْيًئا َأْن َيُقوَل َلُه ُكْن َفَيُكوُن{ ]يس‪،[82 :‬‬
‫والعقلء يقولون‪] :‬قطعته فانقطع‪ ،‬وكسرته فانكسر[‪ ،‬و]طلق المرأة فطلقت‪ ،‬وأعتق العبد فعتق[‪ .‬فالعتق والطلق‬
‫يقعان عقب العتاق والتطليق ـ ل يتراخي الثر‪ ،‬ول يقارن‪ .‬وكذلك النكسار والنقطاع مع القطع والكسر‪.‬‬
‫ن‪َ .‬فَتَكّونه عقب تكوين ال‬
‫وهذا مما يبين أنه إذا وجد الخلق‪ ،‬لزم وجود المخلوق عقبه‪ ،‬كما يقال‪ :‬كون ال الشيء َفَتَكّو َ‬
‫ـ ل مع التكوين‪ ،‬ول متراخيا‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك الرادة التامة مع القدرة تستلزم وجود المراد المقدور‪.‬‬
‫فهو يريد أن يخلق‪ ،‬فيوجد الخلق بإرادته وقدرته‪ .‬ثم الخلق يستلزم وجود المخلوق‪ ،‬وإن كان ذلك الخلق حادًثا بسبب‬
‫آخر يكون هذا عقبه‪ .‬فإنما في ذلك وجود الثر عقب المؤثر التام‪ ،‬والتسلسل في الثار‪ .‬وكلهما حق‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وأما المخلوق‪ ،‬فل يكون إل بائًنا عنه ـ ل يقوم به مخلوق‪.‬‬
‫بل نفس الرادة مع القدرة تقتضي وجود الخلق‪ ،‬كما تقتضي وجود الكلم‪.‬‬
‫ول يفتقر الخلقإلى خلق آخر‪ ،‬بل يفتقرإلى ما به يحصل ـ وهو الرادة المتقدمة وإذا خلق شيًئا أراد خلق شيء آخر‪.‬‬
‫وما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪.‬‬
‫ومن قال‪ :‬إن الخلق حادث ـ كالهشامية والكرامية ـ قال‪ :‬نحن نقول بقيام الحوادث‪.‬‬
‫ول دليل على بطلن ذلك‪ .‬بل العقل والنقل‪ ،‬والكتاب والسنة وإجماع السلف‪ ،‬يدل على تحقيق ذلك‪ ،‬كما قد بسط في‬
‫موضعه‪.‬‬
‫‪ /‬ول يمكن القول بأن ال يدبر هذا العالم إل بذلك‪ ،‬كما اعترف بذلك أقرب الفلسفةإلى الحق‪ ،‬كأبي البركات صاحب‬
‫]المعتبر[ وغيره‪.‬‬
‫وأما قولهم‪ :‬يلزم أن للخلق خلًقا آخر‪ ،‬فقد أجابهم من يلتزم ذلك ـ كالكرامية وغيرهم ـ بأنكم تقولون‪ :‬إن المخلوقات‬
‫ل‪ .‬وحينئذ‪ ،‬فالقول بحدوث الخلق الذي تحصل به المخلوقات بل حدوث‪ ،‬سبب‬
‫المنفصلة تحدث بل حدوث سبب أص ً‬
‫أقربإلى العقل والنقل‪.‬‬
‫وهذا جواب لزم على هذا التقدير ـ تقدير قيام المور الختيارية‪.‬‬

‫حَدًثا[‪ ،‬كالكلم الذي يتكلم به ـ القرآن‪ ،‬أو غيره ـ يقولون‪ :‬هو‬
‫والكرامية يسمون ما قام به ]حادًثا[‪ ،‬ول يسمونه ]ُم ْ‬
‫حادث‪ ،‬ويمنعون أن يقال‪ :‬هو محدث؛ لن ]الحادث[ يحدث بقدرته ومشيئته كــ ]الفعل[‪ .‬وأما ]المحدث[ فيفتقرإلى‬
‫إحداث‪ ،‬فيلزم أن يقوم بذاته إحداث غير المحدث‪ ،‬وذلك الحداث يفتقرإلى إحداث‪ ،‬فيلزم التسلسل‪.‬‬
‫وأما غير الكرامية من أئمة الحديث والسنة والكلم‪ ،‬فيسمون ذلك ]محدًثا[‪ ،‬كما قال‪َ} :‬ما َيْأِتيِهم ّمن ِذْكٍر ّمن ّرّبِهم‬
‫ث{ ]النبياء‪ / ،[ 2 :‬وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إن ال يحدث من أمره‬
‫حَد ٍ‬
‫ّم ْ‬

‫ما يشاء‪ ،‬وإن مما أحدث أن ل تكلموا في الصلة(‪ .‬والذي أحدثه هو النهي عن تكلمهم في الصلة‪.‬‬
‫وقولهم‪] :‬إن المحدث يفتقر إلى إحداث‪ ،‬وهلم جًرا[‪ ،‬هذا يستلزم التسلسل في الثار‪ ،‬مثل كونه متكلًما بكلم بعـد كلم‪،‬‬
‫وكلمات ال ل نهاية لها‪ ،‬وأن ال لم يزل متكلًما ـ إذا شاء‪ .‬وهذا قول أئمة السنة‪ ،‬وهو الحق الذي يدل عليه النقل‬
‫والعقل‪.‬‬
‫وكذلك أفعاله‪ ،‬فإن الفعل والكلم صفة كمال‪ .‬فإن من يتكلم أكمل ممن ل يتكلم‪ ،‬ومن يخلق أكمل ممن ل يخلق‪ .‬قال‬
‫ق َأَفل َتَذّكُروَن{ ]النحل‪.[17 :‬‬
‫خُل ُ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق َكَمن ّ‬
‫خُل ُ‬
‫تعالى‪َ} :‬أَفَمن َي ْ‬
‫وحينئذ‪ ،‬فهو مازال متصًفا بصفات الكمال‪ .‬منعوًتا بنعوت الكرام والجلل‪.‬‬
‫وبهذا تزول أنواع الشكال‪ ،‬ويعلم أن ما أخبرت به الرسل عن ال من أصدق القوال‪ ،‬وأن دلئل العقول ل تدل إل‬
‫على ما يوافق أخبار الرسول‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬نشأ الغلط من جهل كثير من الناس بما أخبر به الرسـول ‪ /‬وسلوكهم أدلة برأيهم ظنوها عقلية وهي جهلية‪.‬‬
‫ق َبِعيٍد{ ]البقرة‪.[176 :‬‬
‫شَقا ٍ‬
‫ب َلِفي ِ‬
‫خَتَلُفوْا ِفي اْلكَِتا ِ‬
‫نا ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫فغلطوا في الدلئل السمعية والعقلية‪ ،‬فاختلفوا‪َ} .‬وِإ ّ‬
‫وقد بسط الكلم على هذا في مواضع ـ في مسألة الكلم والفعال ـ وذكر ما تيسر من كلم السلف والئمة في هذ‬
‫الصل‪ .‬والمقصود هنا التنبيه على مآخذ القوال‪.‬‬
‫جَعْلَناُه ُقْرآًنا‬
‫وهذا الموضع مما بينه أئمة السنة كالمام أحمد وغيره‪ .‬فتكلم في ]الرد على الجهمية [ على قوله‪ِ} :‬إّنا َ‬
‫ت َوالّنوَر{ ]النعام‪ ،[1 :‬وقد‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫جَع َ‬
‫عَرِبّيا{ ]الزخرف‪ ،[ 3 :‬وبين أن ]الجعل[ من ال قد يكون ]خلًقا[ كقوله‪َ} :‬و َ‬
‫َ‬
‫ل ليس بخلق[‪ ،‬وقوله‪ِ} :‬إّنا َجَعْلَناُه ُقْرآًنا َعَرِبّيا{ ‪ ،‬من هذا الباب‪.‬‬
‫يكون ]فع ً‬

‫وذلك أن الخلق ـ ونحوه من الفعال التي ليست خلًقا‪ ،‬مثل تكلمـه بالقـرآن وغيره‪ ،‬وتكلمه لموسي وغيره‪ ،‬ومثل‬
‫النزول‪ ،‬والتيان والمجيء‪ ،‬ونحو ذلك ـ فهذه إنما تكون بقدرته ومشيئته‪ ،‬وبأفعال ُأخر تقوم بذاته ليست خلًقا‪.‬‬
‫وبهذا يجيب البخاري وغيره من أئمة السنة للكرامية إذا قالوا‪] :‬المحدث لبد له من إحداث؟[‪ ،‬فيقول‪] :‬نعم‪ ،‬وذلك‬
‫الحداث ‪ /‬فعل ليس بخلق[‪ .‬و ]التسلسل[ نلتزمه‪.‬‬
‫فإن التسلسل الممتنع هو وجود المتسلسلت في آن واحد؛ كوجود خالق للخالق وخالق للخالق‪ ،‬أو للخلق خلق وللخلق‬
‫خلق‪ ،‬في آن واحد‪ .‬وهذا ممتنع من وجوه؛ منها وجود ما ل يتناهي في آن واحد وهذا ممتنع مطلًقا‪ ،‬ومنها أن كل ما‬
‫ذكر يكون ]محدًثا[ ل ]ممكًنا[‪ ،‬وليس فيها موجود بنفسه ينقطع به التسلسل‪ ،‬وإًذا كان أولي بالمتناع‪.‬‬
‫بخلف ما إذا قيل‪] :‬كان قبل هذا الكلم كلم‪ ،‬وقبل هذا الفعل فعل[ جائز عند أكثر العقلء ـ أئمة السنة‪ ،‬وأئمة‬
‫الفلسفة‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫ل‪ .‬وهو مثل قولنا‪] :‬تكلم به[‪ .‬وهو معني قوله‪ِ} :‬إّنا‬
‫فإذا قيل‪] :‬هذا الكلم المحدث أحدثه في نفسه[‪ ،‬كان هذا معقو ً‬
‫َجَعْلَناُه قُْرآًنا َعَرِبّيا{ ‪،‬أي‪ :‬تكلمنا به عربيا‪ ،‬وأنزلناه عربيا‪.‬‬

‫وكذلك فسره السلف كإسحاق بن راهويه‪ ،‬وذكره عن مجاهد قال‪َ} :‬جَعْلَناُه ُقْرآًنا َعَرِبّيا{ ‪ :‬قلناه عربيا‪ ،‬ذكره ابن أبي حاتم‬
‫في تفسيره‪ ،‬عن إسحاق بن راهويه قال‪ :‬ذكر لنا عن مجاهد وغيره من التابعين }ِإّنا َجَعْلَناهُ ُقْرآًنا َعَرِبّيا{‪ :‬إنا قلناه‬

‫ووصفناه‪ .‬وذكره ‪ /‬عن أحمد بن حنبل‪ ،‬عن الشجعي‪ ،‬عن سفيان الثوري في قوله‪َ} :‬جَعْلَناُه ُقْرآًنا َعَرِبّيا{‪ :‬بيناه قرآًنا‬
‫عربًيا‪.‬‬
‫والنسان يفرق بين تكلمه وتحركه في نفسه‪ ،‬وبين تحريكه لغيره‪ .‬وقد احتج سفيان بن عيينة ـ وغيره من السلف ـ‬
‫على أنه غير مخلوق بأن ال خلق الشياء بـ]كن[‪ .‬فلو كانت ]كن[ مخلوقة لزم أن يكون خلق مخلوًقا بمخلوق‪ ،‬فيلزم‬
‫التسلسل الباطل‪.‬‬
‫وذلك أنه إذا لم يخلق إل بــ ]كن[‪ ،‬فلو كانت ]كن[ مخلوقة‪ ،‬لزم أل يخلق شيًئا‪ .‬وهو الدور الممتنع‪ .‬فإنه ل يخلق شيًئا‬
‫حتي يقول‪] :‬كن[‪ ،‬ول يقول‪] :‬كن[ حتي يخلقها‪ ،‬فل يخلق شيًئا‪ .‬وهذا تسلسل في أصل التأثير والفعل‪ ،‬مثل أن يقال‪:‬‬
‫ل يفعل حتي يفعل‪ ،‬فيلزم أل يفعل؛ ول يخلق حتي يخلق‪ ،‬فيلزم أل يخلق‪.‬‬
‫وأما إذا قيل‪ :‬قال‪] :‬كن[‪ ،‬وقبل ]كن[ ]كن[‪ ،‬وقبل ]كن[ ]كن[‪ ،‬فهذا ليس بممتنع‪ .‬فإن هذا التسلسل في آحاد التأثير‪ ،‬ل‬
‫في جنسه‪ .‬كما أنه في المستقبل يقول‪] :‬كن[ بعد ]كن[‪ ،‬ويخلق شيًئا بعد شيء إلى غير نهاية‪.‬‬
‫فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه‪ ،‬وخلقه فعله القائم به‪ ،‬وذلك إنما يكون بقدرته ومشيئته‪.‬‬
‫‪ /‬وإذا قيل‪ :‬هذا الفعل القائم به يفتقرإلى فعل آخر يكون هو المؤثر في وجوده ـ غير القدرة والرادة ـ فإنه لو كان‬
‫مجرد ذلك كافيا كفي في وجود المخلوق فلما كان لبد له من خلق‪ ،‬فهذا الخلق أمر حادث بعد أن لم يكن‪ ،‬وهو فعل‬
‫قائم به‪ .‬فالمؤثر التام فيه يكون مستلزًما له مستعقًبا له‪ ،‬كالمؤثر التام في وجود الكلم الحادث بذاته‪.‬‬
‫والمتكلم من الناس إذا تكلم‪ ،‬فوجود الكلم ـ لفظه ومعناه ـ مسبوق بفعل آخر‪ .‬فلبد من حركة تستعقب وجود الحروف‬
‫التي هي الكلم‪ .‬فتلك الحركة هي التي تجعل الكلم عربًيا أو عجميا‪ ،‬وهـو فعـل يقوم بالفاعل‪ .‬وذلك الجعـل الحـادث‬
‫ضا‪.‬‬
‫حـدث بمـؤثر تـام قبله ـ أي ً‬
‫وذات الرب هي المقتضية لذلك كله‪ ،‬فهي تقتضي الثاني بشرط انقضاء الول‪ ،‬ل معه‪ .‬واقتضاؤها للثاني فعل يقوم‬
‫بها بعد الول‪ .‬وهي مقتضية لهذا التأثير وهذا التأثير‪.‬‬
‫ثم هذا التأثير ـ وكل تأثير ـ هو مسبب عما قبله‪ ،‬وشرط لما بعده‪ .‬وليس في ذلك شيء مخلوق وإن كانت ]حادثة[‪.‬‬
‫وإن قال قائل‪ :‬أنا أسّمي هذا ]خلًقا[‪ ،‬كان نزاعه لفظيا‪ ،‬وقيل له‪ :‬الذين قالوا‪] :‬القرآن مخلوق[‪ ،‬لم يكن مرادهم هذا‪،‬‬
‫ول رد السلف والئمة هذا‪ .‬إنما ردوا قول من جعله مخلوًقا بائًنا عن ال‪ ،‬كما قال ‪ /‬المام أحمد‪ :‬كلم ال من ال ليس‬
‫بائًنا عنه‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬القرآن كلم ال غير مخلوق منه بدأ‪.‬‬
‫ن آَتْيَناُهُم اْلِكَتا َ‬
‫ب‬
‫قال أحمد‪ :‬منه بدأ هو المتكلم به لم يبدأ من مخلوق‪ ،‬كما قال من قال‪ :‬إنه مخلوق‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫ق{ ]النعام‪.[114:‬‬
‫حّ‬
‫ك ِباْل َ‬
‫ل ّمن ّرّب َ‬
‫ن َأّنُه ُمَنّز ٌ‬
‫َيْعَلُمو َ‬

‫ولهذا ل يقول أحد‪ :‬إنه خلق نزوله‪ ،‬واستواءه‪ ،‬ومجيئه‪ .‬وكذلك تكليمه لموسي‪ ،‬ونداؤه له ـ ناداه وكلمه بمشيئته‬
‫وقدرته‪ .‬والتكليم فعل قام بذاته‪ ،‬وليس هو الخلق‪ ،‬كما أن النسان إذا تكلم‪ ،‬فقد فعل كلًما وأحدث كلًما‪ ،‬ولكن في‬
‫نفسه‪ ،‬ل مبايًنا له‪.‬‬
‫ضا ـ على مذهب السلف والئمة‪.‬‬
‫ولهذا كان الكلم صفة فعل‪ ،‬وهو صفة ذات ـ أي ً‬
‫ومن قال‪ :‬إنه مخلوق يقول‪ :‬إنه صفة فعل‪ ،‬ويجعل الفعل بائًنا عنه‪ ،‬والكلم بائًنا عنه‪ .‬ومن قال‪:‬صفة ذات يقول‪ :‬إنه‬
‫يتكلم بل مشيئته وقدرته‪.‬‬

‫ومذهب السلف‪ :‬أنه يتكلم بمشيئته وقدرته‪ ،‬وكلمه قائم به‪ .‬فهو صفة ‪ /‬ذات وصفة فعل‪ .‬ولكن الفعل ـ هنا ـ ليس هو‬
‫الخلق‪ ،‬بل كما قال المام أحمد‪ :‬الجعل جعلن؛ جعل هو خلق‪ ،‬وجعل ليس بخلق‪.‬‬
‫وهذا كله يستلزم قيام الفعال بذاته‪ ،‬وأنها تنقسمإلى قسمين‪ :‬أفعال متعدية كالخلق‪ ،‬وأفعال لزمة كالتكلم والنزول‪.‬‬
‫والسلف يثبتون النوعين ـ هذا وغيره‪.‬‬
‫ل ـ ففي ]الكلم[ الفعل الذي هو‬
‫وأما جعل القرآن عربيا ـ وإن كان متعديا في صناعة العربية بمعني أنه نصب مفعو ً‬
‫ل بالمفعول الذي هو ]الكلم[ ـ كلهما قائم بالمتكلم‪.‬‬
‫]التكلم[ متص ً‬
‫ل حسًنا[‪ .‬فقد يراد بـ ]القول[ المصدر فقط‪ ،‬وقد يراد به ]الكلم[‬
‫ولهذا قد يراد بالمفعول المصدر‪ .‬إذا قلت‪] :‬قال قو ً‬
‫فقط فيكون المفعول‪ ،‬وقد يراد به المجموع فيكون مفعولً به ومصدًرا‪.‬‬
‫وكذلك ]القـرآن[ هـو في الصل ]قرأ قرآًنا[‪ ،‬وهـو الفعـل والحـركة‪ ،‬ثم سـمي الكـلم المقروء ]قرآًنا[‪ .‬قال تعالى في‬
‫الول‪ِ} :‬إّن َعَلْيَنا َجْمَعُه َوُقْرآَنُه َفِإَذا َقَرْأَناُه َفاّتِبْع ُقْرآَنُه{ ]القيامة‪ ،[ 18 ،17 :‬وقال في الثاني‪ِ} :‬إّن َهـَذا اْلُقْرآَن{ ]السراء‪:‬‬
‫‪.[9‬‬
‫وقد بسط هذا في غير هذا الموضع‪ ،‬وبين أن التلوة والقراءة في ‪ /‬الصل مصدر ]تل تلوة‪ ،‬وقرأ قراءة‪ ،‬كالقرآن[‪،‬‬
‫لكن يسمي به الكلم كما يسمي بالقرآن‪ .‬وحينئذ‪ ،‬فتكون القراءة هي المقروء‪ ،‬والتلوة هي المتلو‪.‬‬
‫وقد يراد بالتلوة‪ ،‬والقراءة‪ :‬المصدر الذي هو الفعل‪ ،‬فل تكون القراءة والتلوة هي المقروء المتلو‪ ،‬بل تكون‬
‫مستلزمة له‪.‬‬
‫وقد يراد بالتلوة والقراءة مجموع المرين‪ ،‬فل تكون هي المتلو؛ لن فيها الفعل‪ ،‬ول تكون مباينة مغايرة للمتلو؛ لن‬
‫المتلو جزؤها‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬إذا أريد بالقراءة والمقروء شيء واحد معين‪ ،‬مثل قراءة الرب ومقروءه‪ ،‬أو قراءة العبد ومقروءه‪ .‬وأما إذا أريد‬
‫بالقراءة قراءة العبد وهي حركته‪ ،‬وبالمقروء صفة الرب‪ ،‬فل ريب أن حركة العبد ليست صفة الرب‪.‬‬
‫ولكن هذا تكلف‪ .‬بل قراءة العبد مقروءه كمقروئه‪ .‬وقراءته للقرآن إذا عني بها نفس القرآن‪ ،‬فهي مقروءه‪ .‬وإن عني‬
‫بها حركته‪ ،‬فليست مقروءه‪ .‬وإن عني بها المران فل يطلق أحدهما‪.‬‬
‫ولهذا كان من المنتسبين إلى السنة من يقول‪ :‬القراءة هي المقروء‪ .‬ومنهم من يقول‪ :‬القراءة غير المقروء‪ .‬ومنهم من‬
‫ل يطلق واحًدا ‪ /‬منهما‪ .‬ولكل قول وجه من الصواب عند التصور التام والنصاف‪ .‬وليس فيها قول يحيط بالصواب‪،‬‬
‫بل كل قول فيه صواب من وجه وقد يكون خطأ من وجه آخر‪.‬‬
‫والبخاري إنما يثبت خلق أفعال العباد ـ حركاتهم وأصواتهم‪ .‬وهذه القراءة هي فعل العبد يؤمر به وينهي عنه‪ .‬وأما‬
‫الكلم نفسه‪ ،‬فهو كلم ال‪ .‬ولم يقل البخاري‪ :‬إن لفظ العبد مخلوق ول غير مخلوق كما نهي أحمد عن هذا وهذا‪.‬‬
‫والذي قال البخاري إنه مخلوق من أفعال العباد وصفاتهم‪ ،‬لم يقل أحمد ول غيره من السلف إنه غير مخلوق‪ ،‬وإن‬
‫سكتوا عنه؛ لظهور أمره‪ ،‬ولكونهم كانوا يقصدون الرد على الجهمية‪.‬‬
‫والذي قال أحمد إنه غير مخلوق ـ هو كلم ال ل صفة العباد ـ لم يقل البخاري إنه مخلوق‪.‬‬
‫ولكن أحمد كان مقصوده الرد على من يجعل كلم ال مخلوًقا إذا بلغ عن ال‪ ،‬والبخاري كان مقصوده الرد على من‬
‫يقول‪ :‬أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة‪.‬‬
‫وكل القصدين صحيح ل منافاة بينهما‪ .‬وقد بين ذلك ابن قتيبة في ‪ /‬مسألة اللفظ‪ ،‬ولكن المنحرفونإلى أحد الطرفين‬
‫ينكرون على الخر‪ .‬وال ـ سبحانه ـ أعلم‪.‬‬

‫فصـل‬
‫وأما الفعال اللزمة ـ كالستواء والمجيء ـ فالناس متنازعون في نفس إثباتها؛ لن هذه ليس فيها مفعول موجود‬
‫يعلمونه حتي يستدلوا بثبوت المخلوق على الخلق‪ ،‬وإنما عرفت بالخبر‪ .‬فالصل فيها الخبر‪ ،‬ل العقل‪.‬‬
‫ولهذا كان الذين ينفون الصفات الخبرية ينفونها ـ ممن يقول‪] :‬الخلق غير المخلوق[‪ .‬وممن يقول‪] :‬الخلق هو‬
‫المخلوق[ ومن يثبت الصفات الخبرية من الطائفتين يثبتها‪.‬‬
‫والذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولن‪:‬‬
‫منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدي بجعلها أموًرا حادثة في غيرها‪ .‬وهذا قول الشعري‪ ،‬وأئمة أصحابه ومن‬
‫وافقهم‪ ،‬كالقاضي أبي يعلي‪ ،‬وابن الزاغوني‪ ،‬وابن عقيل في كثير من أقواله‪.‬‬
‫فالشعري يقول‪ :‬الستواء فعل فعله في العرش‪،‬فصار به ‪ /‬مستويا على العرش‪ .‬وكذلك يقول في التيان‪ ،‬والنزول‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬هذه الفعال ليست من خصائص الجسام‪ ،‬بل توصف بها الجسام والعراض‪،‬فيقال‪] :‬جاءت الحمى‪ ،‬وجاء‬
‫البرد‪ ،‬وجاء الحر[‪ .‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ضا ـ قول القاضي أبي بكر‪ ،‬والقاضي أبي يعلى‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬
‫وهذا ـ أي ً‬
‫وحملوا ما روي عن السلف‪ ،‬كالوزاعي وغيره‪ ،‬أنهم قالوا في النزول‪ :‬يفعل ال فوق العرش بذاته‪ ،‬كما حكاه‬
‫القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر‪ ،‬وكما حكوه عن الشعري وغيره‪ ،‬كما ذكر في غير موضع من كتبه‪.‬‬
‫ولكن عندهم هذا من الصفات الخبرية‪ .‬وهذا قول البيهقي وطائفة وهو أول قولي القاضي أبي يعلي‪.‬‬
‫وكل من قال‪ :‬إن الرب ل تقوم به الصفات الختيارية‪ ،‬فإنه ينفي أن يقوم به فعل شاءه سواء كان لزًما أو متعدًيا‪ .‬لكن‬
‫ل قديًما كمن يقول بالتكوين‪ .‬وبهذا فإنه يقول‪ :‬ذلك القديم قام به بغير مشيئته‪ ،‬كما يقولون في‬
‫من أثبت من هؤلء فع ً‬
‫إرادته القديمة‪.‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬أنها كما دلت عليه أفعال تقوم بذاته بمشيئته ‪ /‬واختياره‪ ،‬كما قالوا مثل ذلك في الفعال المتعدية‪ .‬وهذا‬
‫قول أئمة السنة‪ ،‬والحديث‪ ،‬والفقه‪ ،‬والتصوف‪ ،‬وكثير من أصناف أهل الكلم‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫وعلي هذا‪ ،‬ينبني نزاعهم في تفسير قوله‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{ ]البقرة‪.[29 :‬‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪.[210 :‬‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫وقوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫ش{ ]يونس‪ ،[3 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫وقوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫فمن نفي هذه الفعال يتأول إتيانه بإتيان أمره أو بأسه‪ ،‬والستواء على العرش بجعله القدرة والستيلء‪ ،‬أو بجعله‬
‫علو القدر‪.‬‬
‫فإن الستواء للناس فيه قولن‪ :‬هل هو من صفات الفعل أو الذات؟ على قولين‪:‬‬
‫والقائلون بأنه صفة ذات‪ ،‬يتأولونه بأنه قدر على العرش‪ .‬وهو مازال قادًرا‪ ،‬ومازال عالي القدر؛ فلهذا ظهر ضعف‬
‫هذا القول من وجوه‪:‬‬
‫ش{ فأخبر أنه استوي بحرف ]ثم[‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫منها‪ :‬قوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ل على فعل‪ ،‬فقال‪ :‬خلق ثم استوى‪.‬‬
‫‪ /‬ومنها‪ :‬أنه عطف فع ً‬

‫ومنها‪ :‬أن ما ذكروه ل فرق فيه بين العرش وغيره‪ ،‬وإذا قيل‪ :‬إن العرش أعظم المخلوقات‪ ،‬فهذا ل ينفي ثبوت ذلك‬
‫ظيِم{ ]النمل‪ ،[ 26 :‬لما ذكر ربوبيته للعرش لعظمته‪ ،‬والربوبية عامة‪ ،‬جاز أن‬
‫ش اْلَع ِ‬
‫ب اْلَعْر ِ‬
‫لغيره‪ ،‬كما في قوله ‪َ} :‬ر ّ‬
‫ب ُموَسى َوَهاُرو َ{‬
‫ن{‬
‫ن َر ّ‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫يقال‪] :‬رب السموات والرض وما بينهما‪ ،‬ورب العرش العظيم[‪ ،‬ويقال‪ِ} :‬بَر ّ‬
‫]الشعراء‪.[48 ،47 :‬‬
‫والستواء مختص بالعرش ـ باتفاق المسلمين ـ مع أنه مستول مقتدر على كل شيء من السماء والرض وما بينهما‪.‬‬
‫فلو كان استواؤه على العرش هو قدرته عليه‪ ،‬جاز أن يقال‪ :‬على السماء والرض وما بينهما‪.‬‬
‫وهذا مما احتج به طوائف‪،‬منهم الشعري‪ .‬قال‪ :‬في إجماع المسلمين على أن الستواء مختص بالعرش دليل على‬
‫فساد هذا القول‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإنه مازال مقتدًرا عليه من حين خلقه‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫ومنها‪ :‬كون لفظ ]الستواء[ في لغة العرب يقال على القدرة أو علو القدر ممنوع عندهم‪ .‬والستعمال الموجود في‬
‫الكتاب والسنة وكلم العرب يمنع هذا‪ ،‬كما قد بسط في موضعه‪.‬‬
‫وتكلم على البيت الذي يحتجون به‪:‬‬
‫ف ودم مهراق‬
‫شٌر على العراق ** من غير سي ٍ‬
‫‪ /‬ثم استوي ِب ْ‬
‫حا‪ ،‬لم يكن فيه حجة‪ .‬فإنهم لم يقولوا‪ :‬استوى عمر على العراق لما فتحها‪ ،‬ول استوي عثمان على‬
‫وأنه لو كان صحي ً‬
‫خراسان‪ ،‬ول استوى رسول ال صلى ال عليه وسلم على اليمن‪.‬‬
‫وإنما قيل‪ :‬هذا البيت ـ إن صح ـ في بشر بن مروان لما دخل العراق واستوى على كرسي ملكها‪ .‬فقيل هذا كما يقال‪:‬‬
‫جلس على سرير الملك‪ ،‬أو تخت الملك‪ ،‬ويقال‪ :‬قعد على الملك‪ ،‬والمراد هذا‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فاليات الكثـيرة والحـاديث الكثيرة وإجماع السلف يـدل على أن ال فـوق العرش‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫وأي ً‬
‫وأما الذين قالوا‪ :‬الستواء صفة فعل‪ ،‬فهؤلء لهم قولن هنا ـ على ما تقدم ـ‪ :‬هل هو فعل بائن عنه لن الفعل بمعني‬
‫المفعول‪ ،‬أم فعل قائم به يحصل بمشيئته وقدرته ـ‪:‬‬
‫الول‪ :‬قول ابن ُكلب‪ ،‬ومن اتبعه كالشعري وغيره‪ .‬وهو قول القاضي‪ ،‬و ابن عقيل‪ ،‬وابن الزاغوني‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫‪ /‬والثاني‪ :‬قول أئمة أهل الحديث والسنة‪ ،‬وكثير من طوائف الكلم‪ ،‬كما تقدم‪.‬‬
‫ولهذا صار للناس فيما ذكر ال في القرآن من الستواء والمجيء ونحو ذلك ستة أقوال‪:‬‬
‫طائفة يقولون‪ :‬تجري على ظاهرها‪ ،‬ويجعلون إتيانه من جنس إتيان المخلوق‪ ،‬ونزوله من جنس نزولهم‪ .‬وهؤلء‬
‫المشبهة الممثلة‪ ،‬ومن هؤلء من يقول‪ :‬إذا نزل خل منه العرش‪ ،‬فلم يبق فوق العرش‪.‬‬
‫ي ٌ{‬
‫ء{‬
‫ش ْ‬
‫س َكِمْثِلِه َ‬
‫وطائفة يقولون‪ :‬بل النصوص على ظاهرها اللئق به‪ ،‬كما في سائر ما وصف به في نفسه‪ ،‬وهو }َلْي َ‬
‫ل يليق بجلله‪ ،‬وكذلك يأتي إتياًنا يليق‬
‫]الشوري‪ ،[ 11 :‬ل في ذاته‪ ،‬ول في صفاته‪ ،‬ول في أفعاله‪ .‬ويقولون‪ :‬نزل نزو ً‬
‫بجلله‪ .‬وهو عندهم ينزل ويأتي ولم يزل عالًيا وهو فوق العرش‪ ،‬كما قال حماد بن زيد‪ :‬هو فوق العرش يقرب من‬
‫خلقه كيف شاء‪ .‬وقال إسحاق بن راهويه‪ :‬ينزل ول يخلو منه العرش‪ .‬ونقل ذلك عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى‬
‫مسدد‪.‬‬
‫وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته هو قول علماء أهل الحديث ‪ ،‬وهو الذي حكاه أبو عمر ابن عبد البر عنهم‪ ،‬وهو قول‬
‫عامة القدماء من أصحاب أحمد ‪ ،‬وقد صرح به ابن حامد وغيره‪.‬‬

‫‪ /‬والول ـ نفي قيام المور الختيارية ـ‪ :‬هو قول التميمي موافقة منه لبن كلب‪ ،‬وهو قول القاضي أبي يعلى‬
‫وأتباعه‪.‬‬
‫وطائفتان يقولن‪ :‬بل ل ينزل ول يأتي‪ ،‬كما تقدم‪ ،‬ثم منهم من يتأول ذلك‪ ،‬ومنهم من يفوض معناه‪.‬‬
‫ل بهذا‪ .‬ومنهم من ل يزيد على تلوة القرآن‪.‬‬
‫وطائفتان واقفتان‪ ،‬منهم من يقول‪ :‬ما ندري ما أراد ا ّ‬
‫وعامة المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف‪ ،‬يبطلون تأويل من تأول ذلك بما ينفي أن يكون هو المستوي التي‪ ،‬لك ْ‬
‫ن‬
‫ل بهذا‪.‬‬
‫كثير منهم يرد التأويل الباطل ويقول‪ :‬ما أعرف مراد ا ّ‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هذا مما نهي عن تفسيره‪ ،‬أو مما يكتم تفسيره‪.‬‬
‫ومنهم من يقرره كما جاءت به الحاديث الصحيحة والثار الكثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين‪.‬‬
‫قال أبو محمد البغوي الحسين بن مسعود الفّراء الملقب بـ ]محيي السنة[ في تفسيره‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{ ]البقرة‪:‬‬
‫‪ :[ 29‬قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف‪ :‬أي ارتفع إلى السماء‪ .‬وقال الفراء‪ ،‬وابن كيسان ‪ / ،‬وجماعة من‬
‫النحويين‪ :‬أي أقبل على خلق السماء‪ .‬وقيل‪ :‬قصد‪.‬‬
‫وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي في تفسيره‪ .‬قال‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{ ‪ ،‬أي ‪ :‬عمد إلى خلقها‪.‬‬
‫وكذلك هو يرجح قول من يفسر التيان بإتيان أمره‪ ،‬وقول من يتأول الستواء‪ .‬وقد ذكر ذلك في كتب أخري‪ ،‬ووافق‬
‫بعض أقوال ابن عقيل‪ .‬قال‪ :‬ابن عقيل له في هذا الباب أقوال مختلفة وتصانيف يختلف فيها رأيه واجتهاده‪.‬‬
‫ش{ ]يونس‪ :[ 3 :‬قال الَكْلبي‪ ،‬ومقاتل‪ :‬استقر‪ .‬وقال أبو عبيدة‪ :‬صعد‪.‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫وقال البغوي في تفسير قوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫وأولت المعتزلة الستواء بالستيلء‪.‬‬
‫ل بل كيف يجب على الرجل اليمان به ويكل العلم فيه إلى‬
‫وأما أهل السـنة فيقولون‪ :‬السـتواء على العـرش صفـة ّ‬
‫ش اْسَتَوى{ ]طه‪ ،[5 :‬كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫ن َ‬
‫حَم ُ‬
‫ل‪ .‬وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله‪} :‬الّر ْ‬
‫ا ّ‬
‫حضاء ]هو‪ :‬العرق[‪ ،‬ثم قال‪ :‬الستواء غير مجهول‪ ،‬والكيف غير معقول‪ ،‬واليمان به واجب‪،‬‬
‫ملًيا‪ ،‬وعله الّر َ‬
‫والسؤال عنه بدعة‪ ،‬وما أراك إل ضال‪ .‬ثم أمر به فأخرج‪.‬‬
‫ل بن المبارك‪ ،‬وغيرهم من‬
‫‪ /‬قال‪ :‬روي عن سفيان الثوري‪ ،‬والوزاعي‪ ،‬والليث بن سعد‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫علماء السنة في هذه اليات التي جاءت في الصفات المتشابهة‪ :‬أمروها كما جاءت بل كيف‪.‬‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪ :[ 210 :‬الوَلي في هذه الية ـ وفيما شاكلها ـ أن‬
‫ل ِفي ُ‬
‫ل َأن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظُرو َ‬
‫ل َين ُ‬
‫وقال في قوله‪َ} :‬ه ْ‬
‫ل منزه عن سمات الحدث‪ .‬على ذلك مضت أئمة السلف‬
‫ل‪ ،‬ويعتقد أن ا ّ‬
‫يؤمن النسان بظاهرها‪ ،‬ويكل علمها إلى ا ّ‬
‫وعلماء السنة‪.‬‬
‫قال الَكْلبي‪ :‬هذا من المكتوم الذي ل يفسر‪.‬‬
‫سَتَوى{‪ :‬استقر‪ .‬ففسر ذاك‪ ،‬وجعل هذا من المكتوم الذي ل يفسر؛‬
‫قلت‪ :‬وقد حكي عنه أنه قال في تفسير قوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫لن ذاك فيه وصفه بأنه فوق العرش‪ ،‬وهذا فيه إتيانه في ظلل من الغمام‪.‬‬
‫قال البغوي‪ :‬وكان مكحول ]هو أبو عبد ال مكحول بن أبي مسلم بن شاذل‪ ،‬الهذلي‪ ،‬فقيه الشام في عصره‪ ،‬من حفاظ‬
‫الحديث‪ ،‬ورحل في طلب الحديث إلى العراق فالمدينة وطاف كثيًرا واستقر في دمشق‪ ،‬وتوفي بها عام ‪211‬هـ[‬
‫ل بن المبارك‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬والليث بن سعد‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬يقولون‬
‫والزهري‪ ،‬والوزاعي‪ ،‬ومالك‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫ل به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته‬
‫فيه وفي أمثاله‪ :‬أمروها كما جاءت بل كيف‪ .‬قال سفيان بن عيينة‪ :‬كل ما وصف ا ّ‬
‫ل ورسوله‪.‬‬
‫والسكوت عنه؛ ليس لحد أن يفسره إل ا ّ‬

‫‪ /‬وهذه الية أغمض من آية الستواء؛ ولهذا كان أبو الفرج يميل إلى تأويل هذا وينكر قول من تأول الستواء‬
‫بالستيلء‪.‬‬
‫شا[ وقلما يجمع العرش إل في‬
‫قال في تفسيره‪ :‬قال الخليل بن أحمد‪] :‬العرش[‪ :‬السرير‪ ،‬وكل سرير للملك يسمى ]عر ً‬
‫الضطرار‪.‬‬
‫شا[ لرتفاعه‪ .‬قلت‪:‬‬
‫قلت‪ :‬وقد روي ابن أبي حاتم عن أبي َرْوق‪ ،‬عن الضحاك‪ ،‬عن ابن عباس قال‪ :‬يسمي ]عر ً‬
‫ت{ ]النعام‪:‬‬
‫شا ٍ‬
‫غْيَر َمْعُرو َ‬
‫ت َو َ‬
‫شا ٍ‬
‫ن{ ]العراف‪ ،[137 :‬وقوله‪ّ} :‬مْعُرو َ‬
‫شو َ‬
‫والشتقاق يشهد لهذا‪ ،‬كقوله‪َ} :‬وَما َكاُنوْا َيْعِر ُ‬
‫‪ ،[ 141‬وقول سعد‪ :‬وهذا كافر بالعرش‪ .‬ومقعد الملك يكون أعلى من غيره‪ .‬فهذا بالنسبة إلى غيره عال عليه‪،‬‬
‫ل فاسألوه‬
‫وبالنسبة إلى ما فوقه هو دونه‪ .‬وفي الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال‪) :‬إذا سألتم ا ّ‬
‫الفردوس‪ ،‬فإنه أعلى الجنة‪ ،‬وأوسط الجنة‪ ،‬وسقفه عرش الرحمن(‪ .‬فدل على أن العرش أعلى المخلوقات‪ ،‬كما بسط‬
‫في مواضع أخر‪.‬‬
‫قال أبو الَفَرج‪ :‬واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والسلم‪ .‬قال أمية بن أبي الصلت‪:‬‬
‫ل فهو للمجــد أهــل ** ربنا في الســـماء أمسـي كبيـــرا‬
‫مجـدوا ا ّ‬
‫‪ /‬بالبنـاء العلى الذي سبق الــنا ** س وسوى فوق السماء سريـــًرا‬
‫جعا ل ينالــه بصــر العيـ ** ـن تري دونـه الملئك صــورا‬
‫شْر َ‬
‫شْرجَُع‪ :‬السرير[‬
‫]ال ّ‬
‫قلت‪ :‬يريد أنه ذكره من العرب من لم يكن مسلًما ـ أخذه عن أهل الكتاب‪ .‬فإن أمية ـ ونحوه ـ إنما أخذ هذا عن أهل‬
‫الكتاب‪ ،‬وإل فالمشركون لم يكونوا يعرفون هذا‪.‬‬
‫قال أبو الَفَرج ابن الجوزي‪ ،‬وقال كعب‪ :‬إن السموات في العرش كقنديل معلق بين السماء والرض‪.‬‬
‫قال‪ :‬وإجماع السلف منعقد على أل يزيدوا على قراءة الية‪ .‬وقد شذ قوم فقالوا‪ :‬العرش بمعني الُمْلك‪ .‬وهو عدول عن‬
‫الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الثر‪ .‬ألم يسمعوا قوله‪َ} :‬وَكاَن َعْرُشُه عََلى اْلَماء{ ]هود‪ ،[7 :‬أفتراه كان الُمْلك على‬
‫الماء؟‬
‫قال‪ :‬وبعضهم يقول‪ :‬استوى بمعني استولي‪ ،‬ويستدل بقول الشاعر‪:‬‬
‫شر على العراق ** مـن غــير ســيف ودم مهــراق‬
‫حتي استوى ِب ْ‬
‫ضا‪:‬‬
‫وقال الشاعر أي ً‬
‫‪ /‬قد قلما استوى بفضلهما جميـ ** ـًعا على عرش الملـوك بغير زور‬
‫قال‪ :‬وهو منكر عند الّلَغويين‪ .‬قال ابن العرابي‪ :‬إن العرب ل تعلم استوى بمعني استولى‪ ،‬ومن قال ذلك فقد أعظم‪.‬‬
‫ل ـ سبحانه وتعالى ـ لم يزل‬
‫قال‪ :‬وإنما يقال بـ ]استولى فلن على كذا[ إذا كان بعيًدا عنه غير متمكن ثم تمكن منه‪ ،‬وا ّ‬
‫مستولًيا على الشياء‪.‬‬
‫والبيتان ل يعرف قائلهما‪ ،‬كذا قال ابن فارس اللغوي‪ .‬ولو صحا لم يكن حجة فيهما لما بينا من الستيلء من لم يكن‬
‫ل من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة !‪.‬‬
‫مستولًيا ـ نعوذ با ّ‬

‫ش{ ]يونس‪.[3 :‬‬
‫عَلى اْلَعْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫سَماء{ ]البقرة‪ ،[29 :‬وأنكر تأويل }ُثّم ا ْ‬
‫سَتَوى ِإَلى ال ّ‬
‫قلت‪ :‬فقد تأول قوله‪ُ} :‬ثّم ا ْ‬
‫ظلٍَل{ ]البقرة‪ ،[210 :‬كان جماعة من السلف‬
‫ل ِفي ُ‬
‫وهو في لفظ ]التيان[ قد ذكر القولين‪ .‬فقال‪ :‬قوله‪َ} :‬أن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫يمسكون عن مثل هذا‪ .‬وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال‪ :‬المراد به قدرته وأمره‪ .‬قال‪ :‬وقد بينه في قوله‪:‬‬
‫ك{ ]النحل‪.[33 :‬‬
‫ي َأْمُر َرّب َ‬
‫}َأْو َيْأِت َ‬
‫قلت‪ :‬هذا الذي ذكره القاضي وغيره أن حنبل نقله عن ‪ /‬أحمد في كتاب‪] :‬المحنة[؛ أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم‬
‫المحنة لما احتجوا عليه بقوله‪) :‬تجيء البقرة وآل عمران(‪ ،‬قالوا‪ :‬والمجيء ل يكون إل لمخلوق‪ .‬فعارضهم أحمد‬
‫ك{ ]النعام‪ ،[ 158 :‬وقال‪ :‬المراد بقوله‪) :‬تجيء البقرة وآل عمران(‪:‬‬
‫ي َرّب َ‬
‫ك{ ]الفجر‪َ} ،[22 :‬أْو َيْأِت َ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫بقوله‪َ} :‬و َ‬
‫ك{‪ :‬أمره وقدرته‪.‬‬
‫جاء َرّب َ‬
‫ثوابهما‪ ،‬كما في قوله‪َ} :‬و َ‬
‫وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل‪ .‬فإنه ل ريب أنه خلف النصوص المتواترة عن أحمد في منعه من تأويل‬
‫هذا‪ ،‬وتأويل النزول‪ ،‬والستواء‪ ،‬ونحو ذلك من الفعال‪.‬‬
‫ولهم ثلثة أقوال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬والمروذي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إن هذا غلط من حنبل ‪ ،‬انفرد به دون الذين ذكروا عنه المناظرة‪ ،‬مثل صالح‪ ،‬وعبد ا ّ‬
‫لل ]هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون‬
‫فإنهم لم يذكروا هذا‪ .‬وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة‪ ،‬كالخ ّ‬
‫الخلل‪ ،‬مفسر عالم بالحديث واللغة‪ ،‬من كبار الحنابلة‪ ،‬من أهل بغداد‪ ،‬قال الذهبي‪ :‬جامع علم أحمد ومرتبه‪ ،‬من كتبه‪:‬‬
‫شاقل‪ :‬هذا غلط من حنبل ل‬
‫]تفسير الغريب[‪ ،‬و]طبقات أصحاب ابن حنبل[ وغيرهما[ وصاحبه‪ .‬قال أبو إسحاق ابن َ‬
‫شك فيه‪.‬‬
‫وكذلك ُنِقل عن مالك رواية أنه تأول‪) :‬ينزل إلى السماء الدنيا(‪ :‬أنه ينزل أمره‪ .‬لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو‬
‫كذاب باتفاقهم ‪ .‬وقد رويت من وجه آخر لكن السناد مجهول‪.‬‬
‫والقول الثاني‪ :‬قال طائفة من أصحاب أحمد‪ :‬هذا قاله إلزاما للخصم ‪ /‬على مذهبه لنهم في يوم المحنة لما احتجوا‬
‫ل{‪ ،‬أي‪:‬‬
‫عليه بقوله‪) :‬تأتي البقرة وآل عمران( أجابهم بأن معناه‪ :‬يأتي ثواب البقرة وآل عمران‪ ،‬كقوله‪َ} :‬أن َيأِْتَيُهُم ا ّ‬
‫أمره وقدرته‪ ،‬على تأويلهم‪ ،‬ل أنه يقول بذلك‪ .‬فإن مذهبه ترك التأويل‪.‬‬
‫والقول الثالث‪ :‬أنهم جعلوا هذا رواية عن أحمد‪ ،‬وقد يختلف كلم الئمة في مسائل مثل هذه‪ ،‬لكن الصحيح المشهور‬
‫غوني وغيره‪ ،‬وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول‬
‫عنه رد التأويل‪ .‬وقد ذكر الروايتين ابن الزا ُ‬
‫عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا‪.‬‬
‫ورواية التأويل فسر ذلك بالعمد والقصد‪ ،‬لم يفسره بالمر والقدرة كما فسروا }ُثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{‪.‬‬
‫فعلى هذا في تأويل ذلك ـ إذا قيل به ـ وجهان‪.‬‬
‫غوني‪ ،‬والقاضي أبو يعلى‪ ،‬ونحوهما ـ وإن كانوا يقولون بإمرار المجيء والتيان على ظاهره ـ فقولهم في‬
‫وابن الزا ُ‬
‫ضا ـ يمنع تأويل النزول والتيان والمجيء‪ ،‬ويجعله من الصفات‬
‫ذلك من جنس قول ابن ُكلب ‪ ،‬والشعري‪ .‬فإنه ـ أي ً‬
‫الخبرية‪ ،‬ويقول‪ :‬إن هذه الفعال ل تستلزم الجسام‪ ،‬بل يوصف بها غير الجسام‪ .‬وكلم ابن الزاغوني في ‪ /‬هذا‬
‫النوع وفي استواء الرب على العرش هو موافق لقول أبي الحسن نفسه‪.‬‬
‫هذا قولهم في الصفات الخبرية الواردة في هذه الفعال‪.‬‬
‫وأما علو الرب نفسه فوق العالم فعند ابن ُكلب أنه معلوم بالعقل‪ ،‬كقول أكثر المثبتة‪ ،‬كما ذكر ذلك الخطابي‪ ،‬وابن‬
‫غوني‪ ،‬وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى‪ ،‬وكان القاضي أول يقول بقول‬
‫عبد البر‪ ،‬وغيرهما‪ .‬وهو قول ابن الزا ُ‬
‫الشعري‪ :‬أنه من الصفات الخبرية‪ .‬وهذا قول القاضي أبي بكر‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬ونحوهما‪.‬‬

‫وأما أبو المعالي الجويني وأتباعه‪ ،‬فهؤلء خالفوا الشعري وقدماء أصحابه في الصفات الخبرية‪ ،‬فلم يثبتوها‪ .‬لكن‬
‫منهم من نفاها فتأول الستواء بالستيلء‪ ،‬وهذا أول قولي أبي المعالي؛ ومنهم من توقف في إثباتها ونفيها‪ ،‬كالرازي‪،‬‬
‫والمدي‪ ،‬وآخر قولي أبي المعالي المنع من تأويل الصفات الخبرية‪ ،‬وذكر أن هذا إجماع السلف‪ ،‬وأن التأويل لو كان‬
‫غا أو محتوما‪ ،‬لكان اهتمامهم به أعظم من اهتمامهم بغيره‪.‬‬
‫مسو ً‬
‫ل{ ]آل عمران‪،[7 :‬‬
‫لا ّ‬
‫فاستدل بإجماعهم على أنه ل يجوز التأويل‪ ،‬وجعل الوقف التام على ‪ /‬قوله‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫ظامية في الركان السلمية[‪.‬‬
‫ذكر ذلك في‪] :‬الن ّ‬
‫وهذه طريقة عامة المنتسبين إلى السنة ـ يرون التأويل مخالًفا لطريقة السلف‪ .‬وقد بسط الكلم على هذا في غير هذا‬
‫ل{ ‪ ،‬وأن كل القولين حق‪.‬‬
‫لا ّ‬
‫الموضع‪ ،‬وذكر لفظ ]التأويل[ وما فيه من الجمال‪ ،‬والكلم على قوله‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫ل‪ .‬ومن قال‪ :‬إن‬
‫ل‪ ،‬فأراد به ما يؤول إليه الكلم من الحقائق التي ل يعلمها إل ا ّ‬
‫فمن قال‪ :‬ل يعلم تأويله إل ا ّ‬
‫الراسخين في العلم يعلمون التأويل‪ ،‬فالمراد به تفسير القرآن الذي بينه الرسول والصحابة‪.‬‬
‫وإنما الخلف في لفظ ]التأويل[ على المعنى المرجوح‪ ،‬وأنه حمل اللفظ على الحتمال المرجوح دون الراجح لدليل‬
‫يقترن به‪ .‬فهذا اصطلح متأخر‪ ،‬وهو التأويل الذي أنكره السلف والئمة ـ تأويلت أهل البدع‪.‬‬
‫وكذلك يقول أحمد في ]رده على الجهمية[ ‪ :‬الذين تأولوا القرآن على غير تأويله‪ .‬وقد تكلم أحمد على متشابه القرآن‬
‫وفسره كله‪.‬‬
‫‪ /‬ومنه تفسير متفق عليه عند السلف‪ ،‬ومنه تفسير مختلف فيه‪.‬‬
‫جد أبو عبد ال في تفسيره من جنس ما ذكره البغوي‪ ،‬ل من جنس ما ذكره ابن الجوزي‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وقد ذكر ال َ‬
‫أما التيان المنسوب إلى ال‪ ،‬فل يختلف قول أئمة السلف‪ ،‬كمكحول والزهري والوزاعي‪ ،‬وابن المبارك‪ ،‬وسفيان‬
‫الثوري‪ ،‬والليث بن سعد‪ ،‬ومالك بن أنس‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وأتباعهم‪ ،‬أنه يمر كما جاء‪ .‬وكذلك ما شاكل ذلك مما‬
‫جاء في القرآن‪ ،‬أو وردت به السنة‪ ،‬كأحاديث النزول‪ ،‬ونحوها‪ .‬وهي طريقة السلمة ومنهج أهل السنة والجماعة ـ‬
‫يؤمنون بظاهرها ويكلون علمها إلى ال ويعتقدون أن ال منزه عن سمات الحدث‪ .‬على ذلك مضت الئمة خلًفا بعد‬
‫ل َوالّراِسُخوَن ِفي اْلِعْلِم َيُقوُلوَن آَمّنا ِبِه{ ]آل عمران‪. [7 :‬‬
‫لا ّ‬
‫سلف‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫ظَلٍل ّمَن اْلَغَماِم{ ]البقرة‪ .[ 210 :‬هذا من المكتوم الذي ل يفسر‪ ،‬وذكر ما‬
‫ل ِفي ُ‬
‫وقال ابن السائب في قوله‪َ} :‬أن َيْأِتَيُهُم ا ّ‬
‫طابي في هذا‪.‬‬
‫خّ‬
‫يشبه كلم ال َ‬
‫فإن قيل‪] :‬كيف يقع اليمان بما ل يحيط من يدعي اليمان به علما بحقيقته؟[‪ ،‬فالجواب‪ :‬كما يصح اليمان بال ‪،/‬‬
‫وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم الخر‪ ،‬والنار والجنة‪ .‬ومعلوم أنا ل نحيط علما بكل شيء من ذلك على جهة‬
‫التفصيل‪ ،‬وإنما ُكّلفنا اليمان بذلك في الجملة‪ .‬أل تري أنا ل نعـرف عـدة من النبياء وكثيًرا من الملئكة‪ ،‬ول نحيط‬
‫بصفاتهم‪ ،‬ثم ل يقدح ذلك في إيماننـا بهــم؟ وقد قـال النبي صلى ال عليه وسلم في صفة الجنة‪) :‬يقول ال تعالى‪:‬‬
‫أعددت لعبادي الصالحين ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر(‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ل ريب أنه يجب اليمان بكل ما أخبر به الرسول وتصديقه فيما أخبر به‪ ،‬وإن كان الشخص لم يفقه بالعربية ما‬
‫قال ول فهم من الكلم شيًئا‪ ،‬فضل عن العرب‪ .‬فل يشترط في اليمان المجمل العلم بمعني كل ما أخبر به؛ هذا ل‬
‫ريب فيه‪.‬‬
‫فكـل مـن اشتبه عليـه آيـة مـن القـرآن‪ .‬ولم يعرف معناها‪ ،‬وجب عليه اليمان بها‪ ،‬وأن يكل علمها إلى ال في قـول‪:‬‬
‫]ال أعلم[‪ .‬وهـذا متفـق عليـه بين السلف والخلف‪ .‬فما زال كثير من الصحابة يمر بآية ولفظ ل يفهمه فيؤمن به وإن‬
‫لم يفهم معناه‪.‬‬

‫لكـن‪ ،‬هل يكون في القرآن مـا ل يفهمـه أحـد مـن الناس‪ .‬بـل ول الرسـول‪ ،‬عنـد مـن يجعـل التأويـل هـو ]معنى‬
‫اليـة[ ويقـول‪ :‬إنه ل ‪ /‬يعلمـه إل ال؟ فيلـزم أن يكـون في القـرآن كـلم ل يفهمه ل الرسـول‪ ،‬ول أحـد مـن المة‪،‬‬
‫بـل ول جبريل‪ .‬هـذا هـو الذي يلـزم على قـول مـن يجعل معاني هذه اليات ل يفهمه أحد من الناس‪.‬‬
‫وليس هذا بمنزلة ما ذكر في الملئكة‪ ،‬والنبيين‪ ،‬والجنة‪ .‬فإنا قد فهمنا الكلم الذي خوطبنا به‪ ،‬وأنه يدل على أن هناك‬
‫جُنوَد‬
‫نعيًما ل نعلمه‪ .‬وهذا خطاب مفهوم‪ ،‬وفيه إخبارنا أن من المخلوقات ما ل نعلمه ـ وهذا حق ـ كقوله‪َ} :‬وَما َيْعَلُم ُ‬
‫ل{ ]السراء‪ .[85 :‬فهذا فيه إخبارنا‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ك ِإلّ ُهَو{ ]المدثر‪ ،[ 31 :‬وقوله لما سألوه عن الروح‪َ} :‬وَما ُأوِتيُتم ّمن اْلِعْلِم ِإ ّ‬
‫َرّب َ‬
‫بأن ل مخلوقات ل نعلمها‪ ،‬أو نعلم جنسهم ول نعلم قدرهم‪ ،‬أو نعلم بعض صفاتهم دون بعض‪.‬‬
‫وكل هذا حق‪ ،‬لكن ليس فيه أن الخطاب المنزل الذي أمرنا بتدبره ل يفقه ول يفهم معناه ل الرسول ول المؤمنون‪.‬‬
‫ن{ ]الزخرف‪ ،[3 :‬وقال‪َ} :‬أَف َ‬
‫ل‬
‫عَرِبّيا ّلَعّلُكْم َتْعِقُلو َ‬
‫جَعْلَناُه ُقْرآًنا َ‬
‫فهذا هو المنكر الذي أنكره العلماء‪ .‬فإن ال قال‪ِ} :‬إّنا َ‬
‫جوا ِم ْ‬
‫ن‬
‫خَر ُ‬
‫حّتى ِإَذا َ‬
‫ل{ ]المؤمنون‪ ،[68 :‬وقال‪َ } :‬‬
‫ب َأْقَفاُلَها{ ]محمد‪ ،[24:‬وقال‪َ} :‬أَفَلْم َيّدّبُروا اْلَقْو َ‬
‫عَلى ُقُلو ٍ‬
‫ن َأْم َ‬
‫َيَتَدّبُرونَ اْلُقْرآ َ‬
‫ل َعَلى ُقُلوِبِهْم{ ]محمد‪.[16 :‬‬
‫طَبَع ا ُّ‬
‫ن َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫ل آِنًفا ُأْوَلِئ َ‬
‫ن ُأوُتوا اْلِعْلَم َماَذا َقا َ‬
‫ك َقاُلوا ِلّلِذي َ‬
‫عنِد َ‬
‫ِ‬
‫وفرق بين ما لم يخبر به أو أخبرنا ببعض صفاته دون بعض ـ فما ‪ /‬لم يخبر به ل يضرنا أل نعلمه ـ وبين ما أخبرنا‬
‫به‪ .‬وهو الكلم العربي الذي جعل هدي وشفاء للناس‪ .‬وقال الحسن‪:‬ما أنزل ال آية إل وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت‬
‫وما عني بها‪ .‬فكيف يكون في مثل هذا الكلم ما ل يفهمه أحد قط؟‬
‫وفرق بين أن يقال‪] :‬الرب هو الذي يأتي إتياًنا يليق بجلله[‪ ،‬أو يقال‪] :‬ما ندري‪ ،‬هل هو الذي يأتي أو أمره‪ .‬فكثير‬
‫من ل يجزم بأحدهما‪ ،‬بل يقول‪ :‬اسكت‪ ،‬فالسكوت أسلم[‪.‬‬
‫ول ريب أنه من لم يعلم فالسكوت له أسلم‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسلم‪) :‬من كان يؤمن بال واليوم الخر فليقل‬
‫خيًرا أو ليصمت(‪ .‬لكن هو يقول‪ :‬إن الرسول وجميع المة كانوا ـ كذلك ـ ل يدرون هل المراد به هذا أو هذا‪ ،‬ول‬
‫الرسول كان يعرف ذلك‪ .‬فقائل‪ :‬هذا مبطل متكلم بما ل علم له به‪ .‬وكان يسعه أن يسكت عن هذا ـ ل يجزم بأن‬
‫الرسول والئمة كلهم جهال يجب عليهم السكوت كما يجب عليه‪.‬‬
‫ثم إن هذا خلف الواقع‪ ،‬فأحاديث النبي صلى ال عليه وسلم وكلم السلف في معني هذه الية ونظائرها كثير‬
‫مشهور‪ .‬لكن قال على ـ رضي ال عنه ـ‪) :‬حدثوا الناس بما يعرفون‪ ،‬ودعوا ما ينكرون‪ .‬أتحبون أن يكذب ال‬
‫ورسوله؟(‪ .‬وقال ابن مسعود‪] :‬ما من ‪ /‬رجل يحدث قوًما حديًثا ل تبلغه عقولهم إل كان فتنة لبعضهم[‪.‬‬
‫وإذا قال‪ :‬بل كان من السلف من يجزم بأن المراد هو إتيانه نفسه‪ ،‬فهذا جزم بأنهم عرفوا معناها وبطلن القول‬
‫الخر‪ ،‬لم يكونوا ساكتين حيارى‪ .‬ول ريب أن مقدوره ومأموره مما يأتي أيضا‪ ،‬ولكن هو يأتي كما أخبر عن نفسه‬
‫إتياًنا يليق بجلله‪.‬‬
‫حا‪ .‬وإذا كان الخطاب والكلم مما ل يفهم أحد معناه ـ ل الرسول‪ ،‬ول‬
‫فإذا قيل‪ :‬ل نعلم كيفية الستواء‪ ،‬كان هذا صحي ً‬
‫جبريل‪ ،‬ول المؤمنون ـ لم يكن مما يتدبر ويعقل‪ .‬بل مثل هذا عبث‪ ،‬وال منزه عن العبث‪.‬‬
‫ثم هذا يلزمهم في الحاديث‪ ،‬مثل قوله‪) :‬ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء(‪ .‬أفكان الرسول يقول هذا الحديث ونحوه وهو‬
‫ل يفقه ما يقول ول يفهم له معني؟ سبحان ال! هذا بهتان عظيم‪ ،‬وقدح في الرسول‪ ،‬وتسليط للملحدين‪ .‬إذا قيل‪ :‬إن‬
‫نفس الكلم الذي جاء به قد كان ل يفهم معناه قالوا‪ :‬فغيره من العلوم العقلية أولي أل يفهم معناه‪.‬‬
‫والكلم إنما هو في صفات الرب‪،‬فإذا قيل‪ :‬إن ما أنزل عليه من ‪ /‬صفات الرب لم يكن هو ول غيره يفهمه‪ ،‬وهو كلم‬
‫أمي عربي ينزل عليه‪ ،‬قيل‪ :‬فالمعاني المعقولة في المور اللهية أولي أل يكون يفهمها‪.‬وحينئذ‪،‬فهذا الباب لم يكن‬
‫موجوًدا في رسالته‪ ،‬ول يؤخذ من جهته ـ ل من جهة السمع‪،‬ول من جهة العقل‪ .‬قالت الملحدة‪:‬فيؤخذ من طريق‬
‫غيره‪.‬‬

‫فإذا قال لهم هؤلء ‪ :‬هذا غير ممكن لحد‪ ،‬منعوا ذلك وقالوا‪ :‬إنما في القرآن أن ذلك الخطاب ل يعلم معناه إل ال‪.‬‬
‫لكن من أين لكم أن المور اللهية ل تعلم بالدلة العقلية التي يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب والخبر؟‬
‫والملحدة يقولون‪ :‬إن الرسل خاطبت بالتخييل‪ ،‬وأهل الكلم يقولون‪ :‬بالتأويل‪ ،‬وهؤلء الظاهرية يقولون‪ :‬بالتجهيل‪.‬‬
‫وقد بسط الكلم على خطأ الطوائف الثلث‪ ،‬وبين أن الرسول قد أتي بغاية العلم والبيان الذي ل يمكن أحًدا من البشر‬
‫أن يأتي بأكمل مما جاء به صلى ال عليه وسلم تسليما‪ .‬فأكمل ما جاء به القرآن‪ ،‬والناس متفاوتون في فهم القرآن‬
‫تفاوًتا عظيما‪.‬‬
‫وقول ابن السائب‪ :‬إن هذا من المكتوم الذي ل يفسر‪ ،‬يقتضي أن له تفسيًرا يعلمه العلماء ويكتمونه‪.‬‬
‫‪ /‬وهذا على وجهين؛ إما أن يريد أن يكتم شيء مما بينه الرسول صلى ال عليه وسلم عن جميع الناس فهذا من‬
‫الكتمان المجرد الذي ذم ال عليه‪ .‬وهذه حال أهل الكتاب‪ .‬وعاب الذين يكتمون ما بينه للناس من البينات والهدي من‬
‫ل{ ]البقرة‪.[140:‬‬
‫نا ّ‬
‫عنَدُه ِم َ‬
‫شَهاَدًة ِ‬
‫ظَلُم ِمّمن َكَتَم َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫بعد ما بينه للناس في الكتاب‪ .‬وقال‪َ} :‬وَم ْ‬
‫وهذه حال أهل الكتاب في كتمان ما في كتابهم من اللفاظ يتأولها بعضهم‪ .‬ويجعلها بعضهم متشابها‪ .‬وهي دلئل على‬
‫نبوة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬فإن ألفاظ التوراة والنجيل وسائر كتب النبياء ـ وهي بضع وعشرون‬
‫كتابا عند أهل الكتاب ـ ل يمكنهم جحد ألفاظها‪ ،‬لكن يحرفونها بالتأويل الباطل‪ ،‬ويكتمون معانيها الصحيحة عن‬
‫ي{ ]البقرة‪.[78 :‬‬
‫ل َأَماِن ّ‬
‫ب ِإ ّ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫ل َيْعَلُمو َ‬
‫ن َ‬
‫عامتهم‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وِمْنُهْم ُأّمّيو َ‬
‫فمن جعل أهل القرآن كذلك‪ ،‬وأمرهم أن يكونوا فيه أميين ل يعلمون الكتاب إل تلوة‪ ،‬فقد أمرهم بنظير ما ذم ال عليه‬
‫أهل الكتاب‪.‬‬
‫سل التميمي إنما ضربه عمر؛ لنه قصد باتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله‪ .‬وهؤلء الذين عابهم‬
‫عْ‬
‫صبيغ بن َ‬
‫و َ‬
‫ال في كتابه لنهم ‪ /‬جمعوا شيئين؛ سوء القصد‪ ،‬والجهل‪ .‬فهم ل يفهمون معناه ويريدون أن يضربوا كتاب ال بعضه‬
‫ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة والشك‪ .‬وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬إذا رأيتم الذين‬
‫يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم ال فاحذروهم(‪.‬‬
‫فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ليوقع الفتنة ـ وهي الشك والريب ـ في القلوب‪ ،‬كما روي أنه خرج‬
‫على القوم وهم يتجادلون في القدر‪ ،‬هؤلء يقولون‪ :‬ألم يقل ال كذا؟ وهؤلء يقولون‪ :‬ألم يقل ال كذا؟ فكأنما فقئ في‬
‫وجهه حب الرمان‪ ،‬ثم قال‪) :‬أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب ال بعضه ببعض ؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه(‪.‬‬
‫فكل من اتبع المتشابه على هذا الوجه فهو مذموم‪ .‬وهو حال من يريد أن يشكك الناس فيما علموه لكونه وإياهم لم‬
‫يفهموا ما توهموا أنه يعارضه‪ .‬هذا أصل الفتنة ـ أن يترك المعلوم لغير معلوم‪ .‬كالسفسطة التي تورث شبها يقدح بها‬
‫فيما علم وتيقن‪ .‬فهذه حال من يفسد قلوب الناس وعقولهم بإفساد ما فيها من العلم والعمل ـ أصل الهدي‪ ،‬فإذا شككهم‬
‫فيما علموه بقوا حيارى‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم قد أتي باليات البينات الدالة على ‪ /‬صدقه‪ ،‬والقرآن فيه اليات المحكمات اللتي هي‬
‫أم الكتاب قد علم معناها وعلم أنها حق‪،‬وبذلك يهتدي الخلق وينتفعون‪.‬‬
‫فمن اتبع المتشابه ابتغي الفتنة وابتغي تأويله ـ والول قصدهم فيه فاسد‪ ،‬والثاني ليسوا من أهله‪ ،‬بل يتكلمون في‬
‫تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا من الراسخين في العلم‪.‬‬
‫وإنما الراسخ في العلم الذي رسخ في العلم بمعني المحكم‪ ،‬وصار ثابتا فيه ل يشك ول يرتاب فيه بما يعارضه من‬
‫المتشابه‪ ،‬بل هو مؤمن به‪ ،‬قد يعلمون تأويل المتشابه‪.‬‬
‫وأما من لم يرسخ في ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد بالمتشابه ما يناقض المحكم‪ ،‬فل يعلم‬
‫معني المتشابه‪ ،‬إذ لم يرسخ في العلم بالمحكم‪ .‬وهو يبتغي الفتنة في هذا وهذا‪ .‬فهذا يعاقب عقوبة تردعه‪ ،‬كما فعل‬
‫صِبيغ‪.‬‬
‫عمر ب َ‬

‫وأما من قصده الهدي والحق‪ ،‬فليس من هؤلء‪ .‬وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معاني اليات الدقيقة‪ ،‬وقد سأل‬
‫ل َواْلَفْتُح{ ]النصر‪ ،[ 1 :‬فذكروا ظاهر لفظها‪ .‬ولما فسرها ابن عباس بأنها إعلم‬
‫صُر ا ِّ‬
‫جاء َن ْ‬
‫أصحابه عن قوله‪ِ} :‬إَذا َ‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم بقرب وفاته قال‪ :‬ما أعلم منها إل ما تعلم‪.‬‬
‫‪ /‬وهذا باطن الية الموافق لظاهرها‪ .‬فإنه لما أمر بالستغفار عند ظهور الدين‪ ،‬والستغفار يؤمر به عند ختام‬
‫العمال‪ ،‬وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة‪ ،‬علموا أنه إعلم بقرب الجل مع أمور ُأخر‪ .‬وفوق كل ذي علم‬
‫عليم‪.‬‬
‫والستدلل على الشيء بملزوماته‪ .‬والشيء قد يكون له لزم‪ ،‬وللزمه لزم‪ ،‬وهلم جرا‪ .‬فمن الناس من يكون أفطن‬
‫بمعرفة اللوازم من غيره‪ ،‬يستدل بالملزوم على اللزم‪ .‬ومن الناس من ل يتصور اللزم‪ ،‬ولو تصوره لم يعرف‬
‫الملزوم‪ ،‬بل يقول‪ :‬يجوز أن يلزم‪ ،‬ويجوز أل يلزم؛ ويحتمل‪ ،‬ويحتمل‪ .‬وتردد الحتمال هو من عدم العلم‪ ،‬وإل‬
‫فالواقع هو أحد أمرين‪ .‬فحيث كان احتمال بل ترجيح كان لعدم العلم بالواقع وخفاء دليله‪ ،‬وغيره قد يعلم ذلك ويعلم‬
‫دليله‪.‬‬
‫ومن ظن أن ما ل يعلمه هو ل يعلمه غيره‪ ،‬كان من جهله‪ .‬فل ينفي عن الناس إل ما علم انتفاؤه عنهم‪ ،‬وفوق كل ذي‬
‫علم عليم أعلم منه‪ ،‬حتي ينتهي المر إلى ال تعالى‪ .‬وهذا قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫ثم إنهم يقولون‪ :‬المأثور عن السلف هو السكوت عن الخوض في ‪ /‬تأويل ذلك‪ ،‬والمصير إلى اليمان بظاهره‪،‬‬
‫والوقوف عن تفسيره؛ لنا قد نهينا أن نقول في كتاب ال برأينا‪ ،‬ولم ينبهنا ال ورسوله على حقيقة معني ذلك‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬أما كون الرجل يسكت عما ل يعلم‪ ،‬فهذا مما يؤمر به كل أحد‪ .‬لكن هذا الكلم يقتضي أنهم لم يعلموا معني‬
‫ك ل يعلم ما أريد بالية‪.‬‬
‫الية وتفسيرها وتأويلها‪ .‬وإذا كان لم يتبين لهم‪ ،‬فمضمونه عدم علمهم بذلك‪ ،‬وهو كلُم شا ٍ‬
‫ثم إذا ذكر لهم بعض التأويلت‪ ،‬كتأويل من يفسره بإتيان أمره وقدرته‪ ،‬أبطلوا ذلك بأن هذا يسقط فائدة التخصيص‪.‬‬
‫وهذا نفي للتأويل وإبطال له‪.‬‬
‫ل{ ]آل عمران‪ ،[ 7 :‬أثبتوا تأويل ل يعلمه إل ال وهم ينفون جنس التأويل‪.‬‬
‫لا ّ‬
‫فإذا قالوا مع ذلك‪َ} :‬وَما َيْعَلُم َتْأِويَلُه ِإ ّ‬
‫ونقول‪ :‬ما الحامل على هذا التأويل البعيد؟ وقد أمكن بدونه أن نثبت إتيانا ومجيًئا ل يعقل كما يليق به‪ ،‬كما أثبتنا ذاًتا‬
‫لها حقيقة ل تعقل‪ ،‬وصفات من سمع وبصر وغير ذلك ل تعقل‪ .‬ولنه إذا جاز تأويل هذا‪ ،‬وأن ُنَقّدر مضمًرا محذوًفا‬
‫من قدرة أو عذاب ونحو ذلك‪ ،‬فما منعكم من تأويل قوله‪) :‬ترون ربكم( كذلك؟‬
‫‪ /‬وهذا كلم في إبطال التأويل وحمل للفظ على ما دل عليه ظاهره على ما يليق بجلل ال‪.‬‬
‫ضا‪ .‬كيف ينفي جنس التأويل ويثبت‬
‫فإذا قيل مع هذا‪ :‬إن له تأويل ل يعلمه إل ال وأريد بالتأويل هذا الجنس‪ ،‬كان تناق ً‬
‫له تأويل ل يعلمه إل ال‪.‬‬
‫فُعِلم أن التأويل الذي ل يعلمه إل ال‪ ،‬ل يناقض حمله على ما دل عليه اللفظ‪ ،‬بل هو أمر آخر يحقق هذا ويوافقه‪ ،‬ل‬
‫يناقضه ويخالفه كما قال مالك‪ :‬الستواء معلوم والكيف مجهول‪.‬‬
‫وإذا كان كذلك‪ ،‬أمكن أن من العلماء من يعلم من معني الية ما يوافق القرآن لم يعلمه غيره‪ ،‬ويكون ذلك من‬
‫تفسيرها‪ .‬وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم‪،‬كمن يعلم أن المراد بالية مجيء ال قطًعا ل شك في ذلك‬
‫لكثرة ما دل عنده على ذلك‪.‬ويعلم ـ مع ذلك ـ أنه العلي العلى يأتي إتياًنا تكون المخلوقات محيطة به وهو تحتها‪ .‬فإن‬
‫هذا مناقض لكونه العلي العلى‪.‬‬
‫والجد العلى أبو عبد ال ـ رحمه ال ـ قد جري في تفسيره على ما ذكر من الطريقة‪ .‬وهذه عادته وعادات غيره ‪/ .‬‬
‫غوني‪:‬‬
‫غوني ‪ ،‬فقال‪ :‬قال الشيخ على بن عبيد ال الزا ُ‬
‫وذكر كلم ابن الزا ُ‬

‫وقد اختلف كلم إمامنا أحمد في هذا المجيء هل يحمل على ظاهره‪ ،‬وهل يدخل التأويل؟ على روايتين‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬أنه يحمل على ظاهره من مجيء ذاته‪ .‬فعلى هذا يقول‪ :‬ل يدخل التأويل‪ ،‬إل أنه ل يجب أن يحمل مجيئه‬
‫بذاته إل على ما يليق به‪ .‬وقد ثبت أنه ل يحمل إثبات مجيء هو زوال وانتقال يوجب فراغ مكان وشغل آخر من جهة‬
‫أن هذا يعرف بالجنس في حق المحدث الذي يقصر عن استيعاب المواضع والمواطن؛ لنها أكبر منه وأعظم‪ ،‬يفتقر‬
‫مجيئه إليها إلى النتقال عما قرب إلى ما بعد‪.‬‬
‫وذلك ممتنع في حق الباري ـ تعالى ـ لنه ل شيء أعظم منه‪ ،‬ول يحتاج في مجيئه إلى انتقال وزوال؛ لن داعي ذلك‬
‫وموجبه ل يوجد في حقه‪ .‬فأثبتنا المجيء صفة له ومنعنا ما يتوهم في حقه ما يلزم في حق المخلوقين؛ لختلفهما في‬
‫صّفا{ ]الفجر‪.[22 :‬‬
‫صّفا َ‬
‫ك َ‬
‫ك َواْلَمَل ُ‬
‫جاء َرّب َ‬
‫الحاجة إلى ذلك‪ .‬ومثله قوله‪َ} :‬و َ‬
‫ومثله الحديث المشهور الذي رواه عامة الصحابة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪) :‬ينزل ال إلى السماء الدنيا كل‬
‫ليلة حين يبقي ثلث ‪ /‬الليل الخر‪ ،‬فيقول‪ :‬من يدعوني فأستجيب له‪ ،‬من يسألني فأعطيه‪،‬من يستغفرني فأغفر له(‪.‬‬
‫فنحن نثبت وصفه بالنزول إلى سماء الدنيا بالحديث ول نتأول ما ذكروه ول نلحقه بنزول الدميين الذي هو زوال‬
‫وانتقال من علو إلى أسفل‪ .‬بل نسلم للنقل كما ورد‪ ،‬وندفع التشبيه لعدم موجبه‪ ،‬ونمنع من التأويل لرتفاع نسبته‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهذه الرواية هي المشهورة والمعمول عليها عند عامة المشائخ من أصحابنا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله‪ ،‬فهذا أمر ضروري متفق عليه بين‬
‫علماء السنة ومن له عقل‪ .‬فإن الصفات والفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة‪ .‬فـإذا كانت ذاته مباينـة لسائر الـذوات‪،‬‬
‫ليسـت مثلها‪ ،‬لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها‪ .‬ونسبة صفاته إلى ذاته‪ ،‬كنسبة صفة‬
‫كل موصوف إلى ذاته‪ .‬ول ريب أنه العلي العلى العظيم‪ ،‬فهو أعلى من كل شيء‪ ،‬وأعظم مـن كـل شيء‪ .‬فل يكون‬
‫نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقـات تحيط بـه أو تكون أعظم منه وأكبر‪ .‬هذا ممتنع‪.‬‬
‫وأما لفظ ]الزوال[ و]النتقال[ فهذا اللفظ مجمل‪ ،‬ولهذا كان ‪ /‬أهل الحديث والسنة فيه على أقوال‪.‬‬
‫فعثمان بن سعيد الدارمي وغيره‪ ،‬أنكروا على الجهمية قولهم‪ :‬إنه ل يتحرك‪ ،‬وذكروا أثًرا أنه ل يزول‪ ،‬وفسروا‬
‫حّ‬
‫ي‬
‫حا ـ لم يكن حجة لهم؛ لنه في تفسير قوله‪} :‬اْل َ‬
‫الزوال بالحركة‪ .‬فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الثر ـ إن كان صحي ً‬
‫اْلَقّيوُم{ ]البقرة‪ ،[ 255 :‬ذكروا عن ثابت‪ :‬دائم باق ل يزول عما يستحقه‪ ،‬كما قال ابن إسحاق‪ :‬ل يزول عن مكانته‪.‬‬
‫ش{ ‪ :‬استقر‪ ،‬ويقول‪ُ} :‬ثّم اْسَتَوى ِإَلى الّسَماء{‪:‬‬
‫عَلى اْلعَْر ِ‬
‫سَتَوى َ‬
‫قلت‪ :‬والَكْلبي بنفسه الذي روي هذا الحديث هو يقول‪} :‬ا ْ‬
‫صعد إلى السماء‪.‬‬
‫وأما ]النتقال[ فابن حامد وطائفة يقولون‪ :‬ينزل بحركة وانتقال‪ .‬وآخرون من أهل السنة ـ كالتميمي من أصحاب أحمد‬
‫ـ أنكروا هذا وقالوا‪ :‬بل ينزل بل حركة وانتقال‪ .‬وطائفة ثالثة‪ ،‬كابن بطة وغيره ـ يقفون في هذا‪.‬‬
‫وقد ذكر القوال الثلثة القاضي أبو يعلى في كتاب ]اختلف الروايتين والوجهين ونفي اللفظ بمجمله[‪.‬‬
‫والحسن في هذا الباب‪ ،‬مراعاة ألفاظ النصوص‪ ،‬فيثبت ما ‪ /‬أثبت ال ورسوله باللفظ الذي أثبته‪ ،‬وينفي ما نفاه ال‬
‫ورسوله كما نفاه‪ .‬وهو أن يثبت النزول‪ ،‬والتيان‪ ،‬والمجيء‪ ،‬وينفي المثل‪ ،‬والسمي‪ ،‬والكفؤ‪ ،‬والند‪.‬‬
‫وبهذا يحتج البخاري وغيره على نفي المثل‪ .‬يقال‪ :‬ينزل نزول ليس كمثله شيء‪ ،‬نزل نزول ل يماثل نزول المخلوقين‬
‫ـ نزول يختص به‪ ،‬كما أنه في ذلك وفي سائر ما وصف به نفسه ليس كمثله شيء في ذلك‪ .‬وهو منزه أن يكون نزوله‬
‫كنزول المخلوقين‪ ،‬وحركتهم‪ ،‬وانتقالهم‪ ،‬وزوالهم مطلًقا ـ ل نزول الدميين ول غيرهم‪.‬‬
‫فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل‪ ،‬زال وصفه بالعلو وتبدل إلى وصفه بالسفول‪ ،‬وصار غيره أعلى منه‪.‬‬

‫والرب ـ تعالى ـ ل يكون شيء أعلى منه قط‪ ،‬بل هو العلي العلى ول يزال هو العلي العلى مع أنه يقرب إلى عباده‬
‫ويدنو منهم‪ ،‬وينزل إلى حيث شاء‪ ،‬ويأتي كما شاء‪ .‬وهو في ذلك العلي العلى‪ ،‬الكبير المتعالى‪ ،‬على في دنوه‪ ،‬قريب‬
‫في علوه‪.‬‬
‫فهذا ـ وإن لم يتصف به غيره ـ فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا وهذا‪ .‬كما يعجز أن يكون هو الول والخر‪،‬‬
‫والظاهر والباطن‪.‬‬
‫خّراز‪ :‬بم عرفت ال؟ قال‪] :‬بالجمع بين النقيضين[‪ .‬وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق‬
‫‪ /‬ولهذا قيل لبي سعيد ال َ‬
‫الخلق‪ ،‬كما أجتمع له أنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها من العيان والفعال ـ مع ما فيها من الخبث ـ وأنه‬
‫عدل‪،‬حكيم‪ ،‬رحيم‪ .‬وأنه يمكن من مكنه من عباده من المعاصي مع قدرته على منعهم‪ ،‬وهو في ذلك حكيم عادل‪ .‬فإنه‬
‫أعلم العلمين‪ ،‬وأحكم الحاكمين‪ ،‬وخير الفاتحين‪ ،‬يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم‪.‬‬
‫ن َأْمِر َرّبي َوَما ُأوِتيُتم‬
‫ح ِم ْ‬
‫فأل يحيطوا علما بما هو أعظم في ذلك أولي وأحري‪ .‬وقد سألوا عن الروح فقيل لهم‪} :‬الّرو ُ‬
‫ل{ ]السراء‪ .[ 85 :‬وفي الصحيحين‪ ،‬أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور في البحر‪) :‬ما نقص‬
‫ل َقِلي ً‬
‫ّمن اْلِعْلِم ِإ ّ‬

‫علمي وعلمك من علم ال إل كما نقص هذا العصفور من هذا البحر(‪.‬‬
‫ل َ‬
‫ل‬
‫ضا لما علم من صفاته الكاملة‪ ،‬فهذا ينفي عنه جنسه‪ ،‬كما قال‪} :‬ا ّ‬
‫فالذي ينفي عنه وينزه عنه‪ ،‬إما أن يكون مناق ً‬
‫ت{ ]الفرقان‪،[58 :‬‬
‫ل َيُمو ُ‬
‫ي اّلِذي َ‬
‫حّ‬
‫عَلى اْل َ‬
‫ل َ‬
‫ل َنْوٌم{ ]البقرة‪ ،[255 :‬وقال‪َ} :‬وَتَوّك ْ‬
‫سَنٌة َو َ‬
‫خُذُه ِ‬
‫ل َتْأ ُ‬
‫ي اْلَقّيوُم َ‬
‫حّ‬
‫ل ُهَو اْل َ‬
‫ِإَلـَه ِإ ّ‬

‫فجنس السنة‪،‬والنوم‪ ،‬والموت‪ ،‬ممتنع عليه‪ ،‬ل يجوز أن يقال في شيء من هذا‪) :‬إنه يجوز عليه كما يليق بشأنه(؛ لن‬
‫صا في كماله‪.‬‬
‫هذا الجنس يوجب نق ً‬
‫‪ /‬وكذلك ل يجوز أن يقال‪ :‬هو يكون في السفل‪ ،‬ل في العلو‪ ،‬وهو سفول يليق بجلله‪ ،‬فإنه ـ سبحانه ـ العلي العلى ل‬
‫يكون ـ قط ـ إل عالًيا‪ ،‬والسفول نقص هو منزه عنه‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬وأنت الباطن فليس دونك شيء( ‪ ،‬ل يقتضي السفول إل عند جاهل ل يعلم حقيقة العلو والسفول‪ ،‬فيظن أن‬
‫السموات ‪ -‬وما فيها ‪ -‬قد تكون تحت الرض إما بالليل وإما بالنهار ـ وهذا غلط ـ كمن يظن أن ما في السماء من‬
‫المشرق يكون تحت ما فيها مما في المغرب‪ .‬فهذا ـ أيضا ـ غلط‪ .‬بل السماء ل تكون قط إل عالية على الرض وإن‬
‫طا بالرض فهو العإلى على الرض علًوا حقيقيا من كل جهة‪ .‬وهذا مبسوط في مواضع‪.‬‬
‫كان الفلك مستديًرا محي ً‬
‫والنوع الثاني‪ :‬أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته‪ ،‬فاللفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة‬
‫في الثبات تثبت‪ .‬والتي جاءت بالنفي تنفي‪ .‬واللفاظ المجملة كلفظ ]الحركة[ و]النزول[ و]النتقال[ يجب أن يقال‬
‫فيها‪ :‬إنه منزه عن مماثلة المخلوقين من كل وجه‪ ،‬ل يماثل المخلوق ـ ل في نزول‪ ،‬ول في حركة‪ ،‬ول انتقال ول‬
‫زوال‪ ،‬ول غير ذلك‪.‬‬
‫وأما إثبات هذا الجنس‪ ،‬كلفظ ]النزول[‪ ،‬أو نفي‪/‬مطلًقا كلفظ ]النوم[ و]الموت[‪ ،‬فقد يسلك كلهما طائفة تنتسب إلى‬
‫السنة‪.‬‬
‫ل‪ ،‬تليق به‪ ،‬كالنزول والتيان اللئق به‪.‬‬
‫والمثبتة يقولون‪ :‬نثبت حركة‪ ،‬أو حركة وانتقال‪ ،‬أو حركة وزوا ً‬
‫والنفاة يقولون‪ :‬بل هذا الجنس يجب نفيه‪.‬‬
‫جّوز عليه أن يقوم به شيء من الحوال المتجددة‪ .‬وهذه طريقة‬
‫ثم منهم من ينفي جنس ذلك في حقه بكل اعتبار‪ ،‬ول ي َ‬
‫لبية ومن اتبعهم ممن ينتسب إلى السنة والحديث‪.‬‬
‫الُك ّ‬
‫ومنهم من ل ينفي في ذلك ما دل عليه النص‪ ،‬ول ينفي هذا الجنس مطلًقا بما ذكروه من أنه ل تقوم به الحوادث لما قد‬
‫علم باليات والسنة والعقل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته‪ ،‬وأنه يحب عبده المؤمن إذا اتبع رسوله‪ ،‬إلى غير ذلك من‬
‫المعاني التي دل عليها الكتاب والسنة‪ .‬بل ينفي ما ناقض صفات كماله‪ ،‬وينفي مماثلة مخلوق له‪ .‬فهذان هما اللذان‬
‫يجب نفيهما‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫صا وحدوثا فالرب‬
‫وكذلك إذا قال القائل‪ :‬ال يجب تنزيهه عن سمات الحدث‪ ،‬أو‪/‬علمات الحدث‪ ،‬أو كل ما أوجب نق ً‬
‫منزه عنه‪ ،‬فهذا كلم حق معلوم متفق عليه‪.‬‬
‫لكن الشأن فيما تقول النافية‪ :‬إنه من سمات الحدث‪ ،‬وآخرون ينازعونهم ـ ل سيما والكتاب والسنة تناقض قولهم ‪-‬‬
‫قالت الجهمية‪ :‬إن قيام الصفات به‪ ،‬أو قيام الصفات الختيارية‪ ،‬هو من سمات الحدث‪ .‬وهذا باطل عند السلف وأئمة‬
‫السنة‪ ،‬بل وجمهور العقلء‪ .‬بل ما ذكروه يقتضي حدوث كل شيء‪ .‬فإنه ما من موجود إل وله صفات تقوم به‪ ،‬وتقوم‬
‫به أحوال تحصل بالمشيئة والقدرة‪ .‬فإن كان هذا مستلزما للحدوث‪ ،‬لزم حدوث كل شيء‪ ،‬وأل يكون في العالم شيء‬
‫ضا‪.‬‬
‫قديم‪ .‬وهذا قد بسط في مواضع أي ً‬
‫وسمات الحدث التي تستلزم الحدوث مثل افتقار إلى الغير‪ .‬فكل ما افتقر إلى غيره‪ ،‬فإنه محدث‪ ،‬كائن بعد أن لم يكن‪.‬‬
‫والرب منزه عن الحاجة إلى ما سواه بكل وجه‪ .‬ومن ظن أنه محتاج إلى العرش‪ ،‬أو حملة العرش‪ ،‬فهو جاهل ضال‪،‬‬
‫بل هو الغني بنفسه‪ ،‬وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه‪ .‬وهو الصمد الغني عن كل شيء‪ ،‬وكل ما سواه يصمد إليه‬
‫ض ُكّل َيْوٍم ُهَو ِفي َشْأٍن{ ]الرحمن‪.[29 :‬‬
‫لْر ِ‬
‫ت َوا َْ‬
‫سَماَوا ِ‬
‫سَأُلُه َمن ِفي ال ّ‬
‫محتاجا إليه‪َ} :‬ي ْ‬
‫‪ /‬ومن سمات الحدث النقائص‪ ،‬كالجهل‪ ،‬والعمى‪ ،‬والصمم‪ ،‬والبكم‪ ،‬فإن كل ما كان كذلك‪ ،‬لم يكن إل محدًثا؛ لن‬
‫القديم الزلي منزه عن ذلك؛ لن القديم الزلي متصف بنقيض هذه الصفات‪ ،‬وصفات الكمال لزمة له‪ .‬واللزم يمتنع‬
‫زواله إل بزوال الملزوم‪ .‬والذات قديمة أزلية‪ ،‬واجبة بنفسها‪ ،‬غنية عما سواها‪ ،‬يستحيل عليها العدم والفناء بوجه من‬
‫الوجوه‪ .‬فيستحيل عدم لوازمها‪ ،‬فيستحيل اتصافها بنقيض تلك اللوازم‪ .‬فل يوصف بنقيضها إل المحدث‪ ،‬فهي من‬
‫سمات الحدث المستلزمة لحدوث ما اتصف بها‪.‬‬
‫صا فالرب منزه عنه[‪ .‬والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم‬
‫وهذا يدخل في قول القائل‪] :‬كل ما استلزم حدوًثا أو نق ً‬
‫لحدوث المتصف به‪ ،‬والحدوث مستلزم للنقص اللزم للمخلوق‪ .‬فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره‪ ،‬كائن بعد أن لم‬
‫يكن ل يعلم إل ما علم‪ ،‬ول يقدر إل ما أقدر‪ ،‬وهو محاط به مقدور عليه‪.‬‬
‫ضا ـ ملزوم لها‪ ،‬فحيث‬
‫فهذه النقائص اللزمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث‪،‬حيث كان حدوث كانت‪ .‬والحدوث ـ أي ً‬
‫كان محدث كانت هذه النقائص‪.‬‬
‫صا أو حدوًثا فالرب منزه عنه[ حق‪/.‬والحدوث والنقص اللزم للمخلوق متلزمان‪ .‬والرب منزه‬
‫فقولنا‪] :‬ما استلزم نق ً‬
‫عن كل منهما من جهتين‪ :‬من جهة امتناعه في نفسه‪ .‬ومن جهة أنه مستلزم للخر ـ وهو ممتنع في نفسه ـ فكل منهما‬
‫دليل ومدلول عليه باعتبارين‪ :‬على أن الرب منزه عنه‪ ،‬وعن مدلوله الذي هو لزمه‪.‬‬
‫والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم الحدوث والنقص اللزم للمخلوق‪ .‬وقولى‪] :‬اللزم[‪ ،‬ليعم جميع المخلوقين‪،‬‬
‫وإل فمن النقائص ما يتصف بها بعض المخلوقين دون بعض‪ .‬فتلك ليست لزمة لكل مخلوق‪.‬‬
‫والرب منزه عنها ـ أيضًـا ـ لكن إذا نزه عن النقص اللزم لكل مخلوق فعن ما يختص به بعض المخلوقين أولى‬
‫وأحرى‪ .‬فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص‪ ،‬فالخالق أولى بتنزيهه عنه‪ .‬وهذه طريقة ]الولى[ كما دل عليها القرآن‬
‫في غير موضع‪.‬‬
‫وقد ذكرنا في جواب ]المسائل التدمرية[ الملقب بـ ]تحقيق الثبات للسماء والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر‬
‫والشرع[؛ أنه ل يجوز الكتفاء ـ فيما ينزه الرب عنه ـ على عدم ورود السمع والخبر به فيقال‪ :‬كل ماورد به الخبر‬
‫أثبتناه‪ ،‬وما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه‪ .‬وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر‪ /.‬بل هذا غلط لوجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن عدم الخبر هو عدم دليل معين‪ ،‬والدليل ل ينعكس‪ ،‬فل يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفًيا في‬
‫نفس المر‪ .‬ول أسماء سمى بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده‪ .‬فكما ل يجوز الثبات إل بدليل ل يجوز النفي‬
‫إل بدليل‪ .‬ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فل يتكلم في ال بل علم‪.‬‬

‫الثانى‪ :‬أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها‪ ،‬ول بأنه منزه عنها‪ ،‬لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها‪.‬‬
‫فالصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه السمع والعقل‪.‬‬
‫وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه‪ ،‬وإل سكتنا عنه‪ .‬فل نثبت إل بعلم ول ننفي إل بعلم‪.‬‬
‫ونفي الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر‪ .‬وهي غلط إل إذا كان الدليل لزًما‬
‫له‪ .‬فإذا عدم اللزم‪ ،‬عدم الملزوم‪.‬‬
‫وأما جنس الدليل‪ ،‬فيجب فيه الطرد‪ ،‬ل العكس‪ .‬فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه‪ ،‬ول ينعكس‪.‬‬
‫‪ /‬فالقسام ثلثة‪ :‬ما علم ثبوته ُأثبت‪ ،‬وما علم انتفاؤه نفي‪ ،‬وما لم يعلم نفيه ول إثباته سكت عنه‪ .‬هذا هو الواجب‪.‬‬
‫والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته‪.‬‬
‫ومن لم يثبت ما أثبته إل باللفاظ الشرعية التي أثبتها‪ ،‬وإذا تكلم بغيرها استفسر واستفصل‪ ،‬فإن وافق المعنى الذي‬
‫ظا ومعنى‪ .‬وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقى‪.‬‬
‫أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعى‪ ،‬فقد اعتصم بالشرع لف ً‬
‫لكن ينبغي أن تعرف الدلة الشرعية إسناًدا ومتًنا‪ .‬فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه‪ ،‬فينبغي أن يعرف وجوه دللته‪ .‬والسنة‬
‫ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب‪.‬‬
‫ظم السنة والشرع‪ ،‬وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة ـ‬
‫فإن طائفة ـ ممن انتسب إلى السنة‪ ،‬وع ّ‬
‫جمعوا أحاديث وردت في الصفات‪ ،‬منها ما هو كذب معلوم أنه كذب‪ ،‬ومنها ما هو إلى الكذب أقرب‪ ،‬ومنها ما هو‬
‫إلى الصحة أقرب‪ ،‬ومنها متردد‪ .‬وجعلوا تلك الحاديث عقائد‪ ،‬وصنفوا مصنفات‪ .‬ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت‬
‫عليه تلك الحاديث‪.‬‬
‫وبإزاء هؤلء المكذبين بجنس الحديث ومن يقول عن أخبار ‪ /‬الصحيحين وغيرها‪ :‬هذه أخبار آحاد ل تفيد العلم‪.‬‬
‫وأبلغ من هؤلء من يقول‪ :‬دللة القرآن لفظية سمعية‪ ،‬والدللة السمعية اللفظية ل تفيد اليقين‪ .‬ويجعلون العمدة على ما‬
‫يدعونه من العقليات‪ ،‬وهي باطلة فاسدة‪ ،‬منها ما يعلم بطلنه وكذبه‪.‬‬
‫ضا ـ قد يكفرون من خالف ذلك‪ ،‬كما فعل أولئك‪ .‬وكل الطريقين باطل ولو لم يكفر مخالفه‪ .‬فإذا كفر‬
‫وهؤلء ـ أي ً‬
‫مخالفه صار من أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها‪ ،‬كما فعلت الخوارج وغيرهم‪.‬‬
‫وقد بسط في غير هذا الموضع؛ أن الدلة التي توجب العلم ل تناقض قط‪ .‬ول يناقض الدليل العقلى الذي يفيد العلم‬
‫للدليل السمعى الذي يفيد العلم قط‪ ،‬كما قد بينا ذلك في كتاب ]درء تعارض العقل والنقل[‪.‬‬
‫وهذه الحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى في كتاب ]إبطال التأويل[‪ ،‬مثل ما ذكر في حديث المعراج حديًثا‬
‫ل عن أبي عبيدة ]أن محمًدا رأى ربه[‪.‬‬
‫طوي ً‬
‫وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه‪ ،‬يَكّفرون من خالفهم لما ‪/‬ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة‪ ،‬كما فعل‬
‫أبو الحسن على بن شكر‪ ،‬فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة‪ ،‬وقد يكون مخطًئا فيه‪ ،‬إما لحتجاجه‬
‫بأحاديث ضعيفة‪ ،‬أو بأحاديث صحيحة لكن ل تدل على مقصوده‪ .‬وما أصاب فيه من السنة ل يجوز تكفير كل من‬
‫خالف فيه‪ .‬فليس كل مخطئ كافًرا ل سيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع المة‪ ،‬كما قد بسط هذا في مواضع‪.‬‬
‫وكذلك أبو علي الهوازي له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين‪.‬‬
‫وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن َمْنَده ]هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الصبهاني‪،‬‬
‫حافظ مؤرخ‪ ،‬جليل القدر‪ ،‬واسع الرواية‪ ،‬وصنف كتًبا كثيرة‪ ،‬ولد عام ‪ 383‬وتوفي ‪470‬هـ بأصبهان‪ .‬قال الذهبى‪ :‬له‬
‫محاسن‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه حاطب ليل يروى الغث والثمين[ مع أنه من أكثر الناس حديثًـا‪ ،‬لكن يروى شيًئا كثيًرا من‬

‫الحاديث الضعيفة‪ ،‬ول يميز بين الصحيح والضعيف‪ .‬وربما جمع باًبا وكل أحاديثه ضعيفة‪ ،‬كأحاديث أكل الطين‬
‫وغيرها‪ .‬وهو يروى عن أبي علي الهوازي‪.‬‬
‫وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدى فبنى على ذلك عقائد باطلة‪ ،‬وادعى أن ال يرى في‬
‫الدنيا عياًنا‪ .‬ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم‪ .‬وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع‪ ،‬كما فعلت‬
‫الخوارج‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬حديث عبد ال بن خليفة المشهور‪ ،‬الذي يروى عن عمر‪ /‬عن النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد رواه أبو‬
‫عبد ال محمد بن عبد الواحد المقدسى في ]مختاره[‪.‬‬
‫وطائفة من أهل الحديث ترده لضطرابه‪ ،‬كما فعـل ذلك أبو بكر السماعيلي‪ ،‬وابن الجوزي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬لكن أكثر أهل‬
‫السنة قبلوه‪.‬‬
‫وفيه قال‪] :‬إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والرض‪ ،‬وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع ـ أو فما‬
‫حل الجديد براكبه[‪.‬‬
‫ىِئط به أطيط الّر ْ‬
‫يفضل منه إل قدر أربعة أصابع ـ وإنه َل َ‬
‫ولفظ ]الطيط[ قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود في السنن‪ .‬وابن عساكر عمل فيه جزًءا‪ ،‬وجعل‬
‫عمدة الطعن في ابن إسحاق‪..‬والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد‪ ،‬وأبي داود وغيرهما‪ ،‬وليس فيه إل ما له شاهد‬
‫من رواية أخرى‪ .‬ولفظ ]الطيط[ قد جاء في غيره‪.‬‬
‫وحديث ابن خليفة رواه المام أحمد وغيره مختصًرا‪ ،‬وذكر أنه حدث به وكيع‪.‬‬
‫لكن كثير ممن رواه رووه بقوله‪] :‬إنه ما يفضل منه إل أربع أصابع‪ ،‬فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع[ واعتقد‬
‫غوني‪ ،‬ونحوهما‪ ،‬صحة هذا اللفظ‪ ،‬فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر ل يحصل عليه‬
‫القاضي‪ ،‬وابن ‪ /‬الّزا ُ‬
‫الستواء‪ .‬وذكر عن ابن العايذ أنه قال‪ :‬هو موضع جلوس محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره‪ ،‬ولفظه‪] :‬وإنه ليجلس عليه‪ ،‬فما يفضل منه قدر أربع أصابع[‬
‫بالنفي‪.‬‬
‫فلو لم يكن في الحديث إل اختلف الروايتين ـ هذه تنفي ما أثبتت هذه‪ .‬ول يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أراد الثبات‪ ،‬وأنه يفضل من العرش أربع أصابع ل يستوى عليها الرب‪ .‬وهذا معنى غريب ليس له‬
‫قط شاهد في شيء من الروايات‪ .‬بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر‪ .‬وهذا باطل‪ ،‬مخالف للكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬وللعقل‪.‬‬
‫ضا ـ أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه‪ .‬فما عظم الرب إل‬
‫ويقتضي ـ أي ً‬
‫بالمقايسة بمخلوق‪ ،‬وهو أعظم من الرب‪ .‬وهذا معنى فاسد‪ ،‬مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل‪.‬‬
‫فإن طريقة القرآن في ذلك؛ أن يبين عظمة الرب‪ ،‬فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته‪ .‬فيذكر عظمة المخلوقات ويبين‬
‫أن الرب أعظم منها‪.‬‬
‫‪ /‬كما في الحديث الخر الذي في سنن أبي داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وغيرهما ـ حديث الطيط ـ لما قال العرأبي‪ :‬إنا نستشفع‬
‫بال عليك‪ ،‬ونستشفع بك على ال ـ تعالى ـ فسبح رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه‪،‬‬
‫ثم قال‪] :‬ويحك! أتدرى ماتقول؟ أتدرى ما ال؟ شأن ال أعظم من ذلك‪ .‬إن عرشه على سمواته هكذا[ ـ وقال بيده مثل‬
‫القبة ـ‪] :‬وإنه لىئط به أطيط الرحل الجديد براكبه[‪.‬‬
‫فبين عظمة العرش‪ ،‬وأنه فوق السموات مثل القبة‪ .‬ثم بين تصاغره لعظمة ال‪ ،‬وأنه يئط به أطيط الرحل الجديد‬
‫براكبه‪ .‬فهذا فيه تعظيم العرش‪ ،‬وفيه أن الرب أعظم من ذلك‪ .‬كما في الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪:‬‬

‫]أتعجبون من غيرة سعد؟ لنا أغير منه‪ ،‬وال أغير منى[‪ .‬وقال‪] :‬ل أحد أغير من ال‪ .‬من أجل ذلك حرم الفواحش ما‬
‫ظهر منها وما بطن[ ومثل هذا كثير‪.‬‬
‫وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي‪ ،‬وأنه ذكر عظمة العرش‪ ،‬وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه‬
‫كله ل يفضل منه قدر أربعة أصابع‪ .‬وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء النسان‪ ،‬كما يقدر في الميزان‬
‫قدره فيقال‪ :‬ما في السماء قدر كف سحاًبا‪ .‬فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع‪ ،‬وأصغر ما عندهم ‪ /‬الكف‪.‬‬
‫ل َ‬
‫ل‬
‫نا ّ‬
‫فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما في السماء قدر كف سحاًبا‪ ،‬كما يقولون في النفي العام‪ِ} :‬إ ّ‬
‫طِميٍر{ ]فاطر‪ ،[13 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫ن ِمن ِق ْ‬
‫ل َذّرٍة{ ]النساء‪ ،[40 :‬و}َما َيْمِلُكو َ‬
‫ظِلُم ِمْثَقا َ‬
‫َي ْ‬
‫فبين الرسـول أنه ل يفضل من العرش شيء‪ ،‬ول هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به‪ ،‬وهو أربع أصابع‪ .‬وهذا‬
‫معنى صحيح موافق للغة العرب‪ ،‬وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وموافق لطريقة بيان الرسول‪،‬له شواهد‪ .‬فهو‬
‫الذي يجزم بأنه في الحديث‪.‬‬
‫ومن قال‪] :‬ما يفضل إل مقدار أربع أصابع[‪ ،‬فما فهموا هذا المعنى‪ ،‬فظنوا أنه استثنى‪ ،‬فاستثنوا‪ ،‬فغلطوا‪ .‬وإنما هو‬
‫توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام‪ .‬وإل فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية‪ ،‬وتلك الصابع‬
‫أصابع من الناس‪ ،‬والمفهوم من هذا أصابع النسان‪ .‬فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟‬
‫صاُر{ ]النعام‪:‬‬
‫لْب َ‬
‫ل ُتْدِرُكُه ا َ‬
‫والعرش صغير في عظمة ال ـ تعالى‪ .‬وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله‪ّ } :‬‬
‫‪ ،[ 103‬لمعناه شواهد تدل على هذا‪ .‬فينبغي أنا نعتبر الحديث‪ ،‬فنطابق بين الكتاب والسنة‪ .‬فهذا هذا وال أعلم‪.‬‬
‫‪ /‬قال‪ :‬حدثنا أبو ُزْرعة‪ ،‬ثنا ِمْنجاب بن الحارث‪ ،‬أنبأ بشر بن عمارة‪ ،‬عن أبي روق‪ ،‬عن عطية العوفي‪ ،‬عن أبي سعيد‬
‫صاَر{ ]النعام‪،[103 :‬‬
‫لْب َ‬
‫كا َ‬
‫صاُر َوُهَو ُيْدِر ُ‬
‫لْب َ‬
‫ل ُتْدِركُُه ا َ‬
‫الخدرى‪ ،‬عن رسول ال صلى ال عليه وسلم في قوله تعالى‪ّ } :‬‬
‫قال‪) :‬لو أن الجن والنس والشياطين والملئكة ـ منذ خلقوا إلى أن فنوا ـ صفوا صًفا واحًدا ما أحاطوا بال أبًدا(‪.‬‬
‫طِوّيا ٌ‬
‫ت‬
‫ت َم ْ‬
‫سماَوا ُ‬
‫ضُتُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َوال ّ‬
‫جِميًعا َقْب َ‬
‫ض َ‬
‫لْر ُ‬
‫وهذا له شواهد‪ ،‬مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى‪َ} :‬وا َْ‬
‫ِبَيِميِنِه{ ]الزمر‪ ،[ 67 :‬قال ابن عباس‪ :‬ما السموات السبع والرضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إل كخردلة في‬

‫يد أحدكم‪.‬‬
‫ش َوَمْن َحْوَلُه{ ]غافر‪.[7 :‬‬
‫ن اْلَعْر َ‬
‫حِمُلو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫ومعلوم أن العرش ل يبلغ هذا‪ ،‬فإن له حملة وله حول‪ ،‬قال تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬
‫وهذا قد بسط في موضع آخر في ]مسألة الحاطة[ وغيرها‪ .‬وال أعلم‪.‬‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫فالرسـول صلى ال عليه وسلم بين الصول الموصلة إلى الحق ‪ /‬أحسن بيان‪ ،‬وبين اليات الدالة على الخالق ـ‬
‫سبحانه ـ وأسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته العليا‪ ،‬ووحدانيته‪ ،‬على أحسن وجه‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬
‫صلوا أصول تناقض الحق‪ .‬فلم يكفهم أنهم‬
‫وأما أهل البدع ـ من أهل الكلم والفلسفة ونحوهم ـ فهم لم يثبتوا الحق‪ ،‬بل أ ّ‬
‫صلوا أصول تناقض الحق‪ ،‬ورأوا أنها تناقض ما جاء به الرسول صلى ال عليه‬
‫لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أ ّ‬
‫وسلم‪ ،‬فقدموها على ما جاء به الرسول‪.‬‬
‫ثم تارة يقولون‪ :‬الرسول جاء بالتخييل‪ ،‬وتارة يقولون‪ :‬جاء بالتأويل‪ ،‬وتارة يقولون‪ :‬جاء بالتجهيل‪.‬‬
‫فالفلسفة ـ ومن وافقهم أحياًنا ـ يقولون‪ :‬خاطب الجمهور بالتخييل ـ لم يقصد إخبارهم بالمر على ما هو عليه‪ ،‬بل‬
‫أخبرهم بخلف ما المر عليه ليتخيلوا ما ينفعهم‪ .‬وهذا قول من يعرف بأنه كان يعرف الحق‪ ،‬كابن سينا وأمثاله‪،‬‬
‫ويقولون‪ :‬الذي فعله من التخييل غاية ما يمكن‪.‬‬

‫خّيل‪ ،‬كما يقوله الفارأبي وأمثاله‪ .‬ويجعلون الفيلسوف أفضل من النبي‪،‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬لم يعرف الحق‪ ،‬بل َتخّيل و َ‬
‫ويجعلون النبوة من جنس المنامات‪.‬‬
‫‪ /‬وأما أكثر المتكلمين فيقولون‪ :‬بل لم يقصد أن يخبر إل بالحق‪ ،‬لكن بعبارات ل تدل وحدها عليه‪ ،‬بل تحتاج إلى‬
‫التأويل ليبعث الهمم على معرفته بالنظر والعقل‪ ،‬ويبعثها على تأويل كلمه ليعظم أجرها‪.‬‬
‫والملحدة يسلكون مسلك التأويل ويفتحون باب القرمطة‪ ،‬وهؤلء يجوزون التأويل مع الخاصة‪.‬‬
‫وأما أهل التخييل فيقولون‪ :‬الخاصة قد عرفوا أن مراده التخييل للعامة‪ ،‬فالتأويل ممتنع‪.‬‬
‫والفريقان يسلكون مسلك إلجام العوام عن التأويل‪ ،‬لكن أولئك يقولون‪ :‬لها تأويل يفهمه الخاصة‪.‬‬
‫ضا ـ ل يرى تأويل العمال كالقرامطة‪،‬‬
‫وهي طريقة الغزالى في ]اللجام[‪ .‬استقبح أن يقال‪ :‬كذبوا للمصلحة‪ .‬وهو ـ أي ً‬
‫بل تأويل الخبر عن الملئكة وعن اليوم الخر‪ .‬وكذلك طائفة من الفلسفة ترى التأويل في ذلك‪ .‬وهذا مخالف لطريقة‬
‫أهل التخييل‪.‬‬
‫وقد ذكر الغزالى هذا عنهم في ]الحياء[ لما ذكر إسرافهم في التأويل‪ ،‬وذكره في مواضع‪ ،‬كما حكى كلمه في‬
‫]السبعينية[ وغيرها‪.‬‬
‫‪ /‬والقسم الثالث‪ :‬الذين يقولون‪ :‬هذا ل يعلم معناه إل ال‪ ،‬أو له تأويل يخالف ظاهره ل يعلمه إل ال‪ .‬فهؤلء يجعلون‬
‫الرسول وغيره غير عالمين بما أنزل ال‪ .‬فل يسوغون التأويل؛ لن العلم بالمراد عندهم ممتنع‪ .‬ول يستجيزون القول‬
‫بطريقة التخييل لما فيها من التصريح بكذب الرسول‪ .‬بل يقولون‪ :‬خوطبوا بما ل يفهمونه؛ ليثابوا على تلوته‬
‫ضا على رأى المجبرة الذين يجوزون التعبد بما ل نفع‬
‫واليمان بألفاظه ـ وإن لم يفهموا معناه‪ .‬يجعلون ذلك تعبًدا مح َ‬
‫فيه للعامل‪ ،‬بل يؤجر عليه‪.‬‬
‫والكلم على هؤلء وفساد قولهم مذكور في مواضع‪ .‬والمقصود ـ هنا ـ أن الذي دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول‬
‫يناقض ما أخبر به الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو ظاهر ما أخبر به الرسول‪ .‬وقد بسط الكلم على رد هذا في‬
‫مواضع‪ ،‬وبين أن العقل ل يناقض السمع‪ ،‬وأن ما ناقضه فهو فاسد‪ .‬وبين بعد هذا أن العقل موافق لما جاء به‬
‫الرسول‪ ،‬شاهد له‪ ،‬ومصدق له‪.‬‬
‫ل يقال‪ :‬إنه غير معارض فقط‪ ،‬بل هو موافق مصدق‪ ،‬فأولئك كانوا يقولون‪ :‬هو مكذب مناقض‪ .‬بين ـ أول ـ أنه ل‬
‫يكذب ول يناقض‪ ،‬ثم بين ـ ثانيًـا ـ أنه مصدق موافق‪.‬‬
‫‪ /‬وأما هؤلء فيبين أن كلمهم الذي يعارضون به الرسول باطل ل تعارض فيه‪ .‬ول يكفي كونه باطل ل يعارض‪ ،‬بل‬
‫ضا ـ مخالف لصريح العقل‪ .‬فهم كانوا يدعون أن العقل يناقض النقل‪.‬‬
‫هو ـ أي ً‬
‫فيبين أربع مقامات‪ :‬أن العقل ل يناقضه‪ .‬ثم يبين أن العقل يوافقه‪ .‬ويبين أن عقلياتهم التي عارضوا بها النقل باطلة‪.‬‬
‫ضا ـ أن العقل الصريح يخالفهم‪.‬‬
‫ويبين ـ أي ً‬
‫ثم ل يكفي أن العقل يبطل ما عارضوا به الرسول‪ ،‬بل يبين أن ما جعلوه دليل على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه‪.‬‬
‫فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع‪ ،‬وإن كانوا يظنون أنهم يثبتون بها الصانع‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن كلمهم الذي زعموا أنهم أثبتوا به الصانع إنما يدل على نفي الصانع وتعطيله‪ .‬فل يكفي فيه أنه‬
‫باطل لم يدل على الحق‪ ،‬بل دل على الباطل الذي يعلمون هم وسائر العقلء أنه باطل‪.‬‬
‫ضا ـ هي‪] :‬ترتيب الصول في مخالفة‬
‫ولهذا كان يقال في أصولهم‪] :‬ترتيب الصول في تكذيب الرسول[‪ .‬ويقال ـ أي ً‬
‫الرسول والمعقول[‪ .‬جعلوها أصول للعلم بالخالق‪ ،‬وهي أصول تناقض العلم به‪ .‬فل يتم العلم بالخالق إل مع اعتقاد‬
‫ق بين الصل والدليل المستلزم للعلم بالرب‪ ،‬وبين المناقض المعارض للعلم بالرب‪.‬‬
‫نقيضها‪ .‬وَفْر ٌ‬

‫‪ /‬فالمتفلسفة يقولون‪ :‬إنهم أثبتوا واجب الوجود‪ .‬وهم لم يثبتوه‪ ،‬بل كلمهم يقتضي أنه ممتنع الوجود‪ .‬والجهمية‬
‫والمعتزلة ونحوهم يقولون‪ :‬إنهم أثبتوا القديم المحدث للحوادث‪ ،‬وهم لم يثبتوه‪ ،‬بل كلمهم يقتضي أنه ما ثم قديم‬
‫أصل‪ .‬وكذلك الشعرية والَكّرامية وغيرهم ممن يقول‪ :‬إنه أثبت العلم بالخالق‪ ،‬فهم لم يثبتوه‪ ،‬لكن كلمهم يقتضي أنه‬
‫ما َثّم خالق‪.‬‬
‫ظهرها هؤلء ـ واجب الوجود‪ ،‬والقديم‪ ،‬والصانع أو الخالق‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫وهذه السماء الثلثة هي التي ُي ْ‬
‫ثم إنـه من المعلوم ـ بضرورة العقل ـ أنه ل بد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلى محدث للحوادث‪ .‬فإذا‬
‫كان هذا معلوًما بالفطرة والضرورة والبراهين اليقينية‪ ،‬وكانت أصولهم التي عارضوا بها الرسول تناقض هذا‪ ،‬دل‬
‫ل‪.‬‬
‫على فسادها جملة وتفصي ً‬
‫وقد ذكرنا ـ في مواضع ـ أن القرار بالصانع فطرى ضروري مع كثرة دلئله وبراهينه‪.‬‬
‫ونقول ـ هنا ـ‪ :‬ل ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب‪ ،‬والمطر والزرع‪ ،‬والشجر‪ ،‬والشمس‪ ،‬وحدوث النسان‬
‫وغيره من الحيوان ‪ / ،‬وحدوث الليل والنهار‪ ،‬وغير ذلك‪ .‬ومعلوم ـ بضرورة العقل ـ أن المحَدث لبد له من ُمحِدث‪،‬‬
‫ث محِدث‪ ،‬وللمحِدث محِدث‪ ،‬إلى غير غاية‪ .‬وهذا يسمى تسلسل‬
‫وأنه يمتنع تسلسل المحدثات بأن يكون للمحَد ِ‬
‫المؤثرات والعلل‪ ،‬والفاعلية‪ ،‬وهو ممتنع باتفاق العقلء ‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪ ،‬وذكر ما أورد عليه من‬
‫الشكالت‪ .‬حتى ذكر كلم المدي‪ ،‬والَْبَهَرى ]هو أبو بكر محمد بن عبد ال بن محمد بن صالح التميمى البهرى‪،‬‬
‫شيخ المالكية في العراق‪ ،‬له تصانيف في شرح مالك والرد على مخالفيه منها ]الرد على المزني[ و]الصول[‪،‬‬
‫وغيرها كثير‪ ،‬وكان ثقة أميًنا مستوًرا‪ ،‬وانتهت إليه الرياسة في مذهب مالك[ مع كلم الرازي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫مع أن هذا بديهي ضرورى في العقول‪ ،‬وتلك الخواطر من وسوسة الشيطان‪ .‬ولهذا أمر النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫العبد ـ إذا خطر له ذلك ـ أن يستعيذ بال منه‪ ،‬وينتهي عنه‪ .‬فقال‪] :‬يأتى الشيطان أحدكم فيقول‪ :‬من خلق كذا؟ من خلق‬
‫كذا؟ فيقول‪ :‬ال‪ .‬فيقول‪ :‬فمن خلق ال؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بال ولينته[‪.‬‬
‫ث‪ .‬فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت كان احتياجها إلى المحِدث أولى‪.‬‬
‫حِد ٍ‬
‫ث الواحد ل يحدث إل بم ْ‬
‫حَد َ‬
‫ومعلوم أن الم ْ‬
‫ث ل يحتاج إلى غيره‪ ،‬بل هو قديم أزلي بنفسه ـ‬
‫وكلها محَدَثات‪ ،‬فكلها محتاجة إلى محِدث‪ .‬وذلك ل يزول إل بمحد ٍ‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ث لبد له من قديم‪ ،‬فيلزم وجود القديم على التقديرين‪ ،‬كان برهاًنا‬
‫ث‪ ،‬والمحَد ُ‬
‫وإذا قيل‪ :‬إن الموجود إما قديم وإما محَد ٌ‬
‫حا ‪/،‬وكذلك إذا قيل‪ :‬إما ممكن وإما واجب‪ ،‬وبين الممكن بأنه المحدث كان من هذا الجنس‪.‬‬
‫صحي ً‬
‫ل‪ .‬فإنه على هذا التقدير ل‬
‫وأما إذا فسر الممكن بما يتناول القديم‪ ،‬كما فعل ابن سينا وأتباعه كالرازي‪ ،‬كان هذا باط ً‬
‫يمكن إثبات الممكن المفتقر إلى الواجب ابتداء‪ ،‬والدليل ل يتم إل بإثبات هذا ابتداء‪ .‬وإنما يمكن ذلك في أن المحَدث‬
‫لبد له من محِدث‪ .‬فإن هذا تشهد أفراده وتعلم بالعقل كلياته‪.‬‬
‫وأما إثبات قديم أزلي ممكن‪ ،‬فهذا مما اتفق العقلء على امتناعه‪ .‬وابن سينا وأتباعه وافقوا على امتناعه‪ ،‬كما ذكروه‬
‫في المنطق تبًعا لسلفهم‪ ،‬لكن تناقضوا أول‪ .‬فسلفهم وهم يقولون‪ :‬الممكن العامى والخاصى الذي يمكن وجوده وعدمه‬
‫ل يكون إل حادًثا‪ ،‬ل يكون ضرورًيا‪ ،‬وكل ما كان قديًما أزلًيا فهو ضروري عندهم‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬الموجود؛ إما أن يكون مخلوًقا وإما أل يكون مخلوًقا‪ ،‬والمخلوق لبد له من موجود غير مخلوق‪،‬‬
‫فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬الموجود؛إما غنى عن غيره‪ ،‬وإما فقير إلى غيره‪ ،‬والفقير المحتاج إلى غيره ل تزول حاجته وفقره‬
‫إل بغنى عن غيره‪/،‬فيلزم وجود الغنى عن غيره على التقديرين‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬الحي؛ إما حى بنفسه‪ ،‬وإما حى حياته من غيره‪ ،‬وما كانت حياته من غيره فذلك الغير أولى بالحياة‪،‬‬
‫فيكون حًيا بنفسه‪ ،‬فثبت وجود الحي بنفسه على التقديرين‪.‬‬

‫وكذلك إذا قيل‪ :‬العالم؛ إما عالم بنفسه‪ ،‬وإما عالم علمه غيره‪ ،‬ومن علم غيره فهو أولى أن يكون عالًما‪ ،‬وإذا لم يتعلم‬
‫من غيره كان عالًما بنفسه‪ ،‬فثبت وجود العالم بنفسه على التقديرين الحاصرين‪ ،‬فإنه ل يمكن سوى هذين التقديرين‬
‫والقسمين‪.‬‬
‫فإذا كان ل يمكن إل أحدهما‪ ،‬وعلى كل تقدير العالم بنفسه موجود والحي بنفسه موجود‪ ،‬والغنى بنفسه موجود‪،‬‬
‫والقديم الواجب بنفسه موجود‪ ،‬لزم وجوده في نفس المر وامتناع عدمه في نفس المر‪ ،‬وهو المطلوب‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬القادر؛ إما قادر بنفسه‪ ،‬وإما قادر قّدره غيره‪ ،‬ومن أقدر غيره فهو أولى أن يكون قادًرا‪ .‬وإذا لم تكن‬
‫قدرته من غيره‪ ،‬كانت قدرته من لوازم نفسه‪ ،‬فثبت وجود القادر بنفسه الذي قدرته من لوازم نفسه‪ ،‬وعلمه من لوازم‬
‫نفسه‪ ،‬وحياته من لوازم نفسه‪ ،‬على كل تقدير‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك الحكيم إما أن يكون حكيًما بنفسه‪ ،‬وإما أن تكون حكمته من غيره‪ .‬ومن جعل غيره حكيًما‪ ،‬فهو أولى أن‬
‫يكون حكيًما‪ ،‬فيلزم وجود الحكيم بنفسه على التقديرين‪.‬‬
‫جَعله رحيًما‪ .‬ومن جعل غيره رحيًما فهو‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬الرحيم؛ إما أن تكون رحمته من نفسه‪ ،‬وإما أن يكون غيره َ‬
‫أولى أن يكون رحيًما وتكون رحمته من لوازم نفسه‪ ،‬فثبت وجود الرحيم بنفسه الذي رحمته من لوازم نفسه على‬
‫التقديرين‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬الكريم المحسن؛ إما أن يكون كرمه وإحسانه من نفسه وإما أن يكون من غيره‪ .‬ومن جعل غيره كريًما‬
‫محسًنا فهو أولى أن يكون كريًما محسًنا وذلك من لوازم نفسه‪ .‬وفي الصحيح عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه رأى‬
‫امرأة من السبي إذا رأت طفل أرضعته رحمة له‪ ،‬فقال‪) :‬أترون هذه طارحة ولدها في النار؟( قالوا‪ :‬ل‪ ،‬يا رسول‬
‫ال! فقال‪) :‬ل أرحم بعباده من هذه بولدها(‪.‬‬
‫فبين أن ال أرحم بعباده من أرحم الوالدات بولدها‪ .‬فإنه من جعلها رحيمة أرحم منها‪.‬‬
‫لْكَرُم{ ]العلق‪ ،[ 3 :‬وقولنا‪] :‬ال أكبر[ ‪ /‬فإنه ـ سبحانه ـ أرحم الراحمين‪ .‬وخير‬
‫ك ا َْ‬
‫وهذا مما يدل علىه قوله‪َ} :‬وَرّب َ‬
‫الغافرين‪ ،‬وخير الفاتحين‪ ،‬وخير الناصرين‪ ،‬وأحسن الخالقين‪ ،‬وهو نعم الوكيل‪ ،‬ونعم المولى‪ ،‬ونعم النصير‪.‬‬
‫وهذا يقتضي حمًدا مطلًقا على ذلك‪ ،‬وأنه كافي من توكل عليه‪ ،‬وأنه يتولى عبده تولًيا حسًنا‪ ،‬وينصره نصًرا عزيًزا‪.‬‬
‫وذلك يقتضي أنه أفضل وأكمل من كل ما سواه‪ ،‬كما يدل على ذلك قولنا‪] :‬ال أكبر[‪.‬‬
‫وكذلك إذا قيل‪ :‬المتكلم السميع البصير إما أن يكون متكلًما سميًعا بصيًرا بنفسه‪ ،‬وإما أن يكون غيره جعله سميًعا‬
‫بصيًرا‪ ،‬متكلًما‪.‬ومن جعل غيره متكلًما سميًعا بصيًرا‪ ،‬فهو أولى أن يكون متكلًما سميًعا بصيًرا‪ ،‬وإل كان المفعول‬
‫أكمل من الفاعل‪ ،‬فإن هذه صفات كمال‪.‬‬
‫وكذلك يقال‪ :‬العادل؛ إما أن يكون عادل بنفسه‪ .‬والصادق؛ إما أن يكون صادًقا بنفسه‪ ،‬وإما أن يكون غيره جعله‬
‫ل‪.‬‬
‫ل‪ ،‬فهو أولى أن يكون صادًقا عاد ً‬
‫ل‪ .‬ومن جعل غيره صادًقا عاد ً‬
‫صادًقا عاد ً‬
‫فهذه كلها طرق صحيحة بينة‪.‬‬
‫ضا ـ ظالم كاذب‪ ،‬وأهل السنة يقولون‪ :‬إنه جعل‬
‫ض هذا بأن يقال‪ :‬من جعل غيره ظالًما أو كاذًبا فهو ـ أي ً‬
‫فإن قيل‪ُ :‬يَعاَر ُ‬
‫غيره كذلك ‪/،‬وليس هو كذلك ـ سبحانه‪ ،‬قيل‪ :‬هذا باطل من وجهين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنه ليس كل من جعل غيره على صفة ـ أى صفة كانت ـ كان متصًفا بها‪ ،‬بل من جعل غيره على صفة من‬
‫صفات الكمال فهو أولى باتصافه بصفة الكمال من مفعوله‪.‬‬

‫صا‪ .‬فالقادر يقدر أن يعجز غيره ول يكون‬
‫صا أن يكون هو ناق ً‬
‫وأما صفات النقص‪ ،‬فل يلزم إذا جعل الجاعل غيره ناق ً‬
‫ل‪ .‬والسميع‬
‫جّهل غيره ول يكون جاه ً‬
‫عاجًزا‪ .‬والحي يمكنه أن يقتل غيره ويميته ول يكون ميًتا‪ .‬والعالم يمكنه أن ُي َ‬
‫والبصير والناطق يمكنه أن يعمى غيره‪ ،‬ويصمه‪ ،‬ويخرصه‪ ،‬ول يكون هو كذلك‪.‬‬
‫فل يلزم ـ حينئذ ـ أن من جعل غيره ظالًما وكاذًبا أن يكون كاذًبا وظالًما؛ لن هذه صفة نقص‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬الكاذب والظالم قد يلزم غيره بالصدق والعدل أحياًنا‪ ،‬قيل‪ :‬هو لم يجعله صادًقا وعالًما وإنما أمره بذلك‪ ،‬وهو‬
‫فعل ذلك بنفسه‪ .‬ولم نقل‪ :‬كل من أمر غيره بشيء كان متصًفا بما أمر به غيره‪.‬‬
‫صا ‪ /‬فقتله هذا القاتل من غير جرم يعلمه كان ظالًما‪،‬‬
‫الثانى‪ :‬أن الظلم أمر نسبى إضافي‪ ،‬فمن أمر غيره أن يقتل شخ ً‬
‫وإن كان ذلك المر إنما أمره به لكونه قد قتل أباه والمأمور لم يفعله لذلك‪ .‬فلو فعله بطريق النيابة لم يكن ظالًما‪ .‬فإن‬
‫كان له معه غرض فقتله ظلًما‪ ،‬ولكن المر كان مستحًقا لقتله‪.‬‬
‫وكذلك من أمر غيره بماهو كذب من المأمور كأمر يوسف للمؤذن أن يقول‪َ} :‬أّيُتَها اْلِعيُر ِإّنُكْم َلَساِرُقوَن{ ]يوسف‪،[70 :‬‬
‫يوسف ـ عليه السلم ـ قصد‪ :‬إنكم لسارقون يوسف من أبيه‪ ،‬وهو صادق في هذا‪ .‬والمأمور قصد‪ :‬إنكم لسارقون‬
‫الصواع‪ ،‬وهو يظن أنهم سرقوه‪ ،‬فلم يكن متعمًدا للكذب‪ ،‬وإن كان خبره كذًبا‪.‬‬
‫والرب ـ تعالى ـ ل تقاس أفعاله بأفعال عباده‪ .‬فهو يخلق جميع ما يخلقه لحكمة ومصلحة‪ ،‬وإن كان بعض ما خلقه فيه‬
‫قبح‪ ،‬كما يخلق العيان الخبيثة ـ كالنجاسات وكالشياطين ـ لحكمة راجحة‪ ،‬وبسط هذا له موضع آخر‪.‬‬
‫والمقصود ـ هنا ـ أن دلئل إثبات الرب كثيرة جًدا‪ .‬وهؤلء الذين يزعمون أن المعقول يعارض خبر الرسول ـ الذين‬
‫يقولون إنهم أثبتوا واجب الوجود‪ ،‬أو القديم‪ ،‬أو الصانع ـ هم لم يثبتوه‪ ،‬بل حججهم تقتضى نفيه وتعطيله‪ ،‬فهم نافون‬
‫له‪ .‬ل مثبتون له‪ .‬وحججهم باطلة في‪/‬العقل‪ ،‬ل صحيحة في العقل‪.‬‬
‫والمعرفة بال ليست موقوفة على أصولهم‪ .‬بل تمام المعرفة موقوف على العلم بفساد أصولهم ـ وإن سموها ]أصول‬
‫العلم والدين[ ـ فهي ]أصول الجهل وأصول دين الشيطان ل دين الرحمن[‪ .‬وحقيقة كلمهم‪] :‬ترتيب الصول في‬
‫ب الّسِعيِر{ ]الملك‪ ،[10 :‬فمن‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫ل َما ُكّنا ِفي َأ ْ‬
‫سَمُع َأْو َنْعِق ُ‬
‫مخالفة الرسول والمعقول[‪ ،‬كما قال أصحاب النار‪َ} :‬لْو ُكّنا َن ْ‬
‫خالف الرسول فقد خالف السمع والعقل ـ خالف الدلة السمعية والعقلية‪.‬‬
‫ل على واجب الوجود‪.‬‬
‫أما القائلون بواجب الوجود‪ ،‬فقد بينا في غير موضع أنهم لم يقيموا دلي ً‬
‫وأن الرازي لما تبع ابن سينا‪ ،‬لم يكن في كتبه إثبات واجب الوجود‪ .‬فإنهم جعلوا وجوده موقوًفا على إثبات ]الممكن[‬
‫الذي يدخل فيه القديم‪ .‬فما بقى يمكن إثبات واجب الوجود ـ على طريقهم ـ إل بإثبات ممكن قديم‪ ،‬وهذا ممتنع في‬
‫بديهة العقل واتفاق العقلء‪ .‬فكان طريقهم موقوًفا على مقدمة باطلة في صريح العقل‪ .‬وقد اتفق العقلء على بطلنها‪،‬‬
‫فبطل دليلهم‪ .‬ولهذا كان كلمهم في ]الممكن[ مضطرًبا غاية الضطراب‪.‬‬
‫ولكن أمكنهم أن يستدلوا على أن المحدث لبد له من قديم‪ ،‬وهو‪/‬واجب الوجود‪ .‬ولكن قد أثبتوا قديًما ليس بواجب‬
‫الوجود‪ .‬فصار ما أثبتوه من القديم يناقض أن يكون هو رب العالمين؛ إذ أثبتوا قديًما ينقسم إلى واجب وإلى غير‬
‫واجب‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فالواجب الذي أثبتوه قالوا‪ :‬إنه يمتنع اتصافه بصفة ثبوتية‪ .‬وهذا ممتنع الوجوب‪،‬ل ممكن الوجوب‪ ،‬فضل‬
‫وأي ً‬
‫عن أن يكون واجب الوجود‪ ،‬كما قد بسط هذا في مواضع‪ ،‬وبين أن الواجب الذي يدعونه يقولون‪ :‬إنه ل يكون ل‬
‫صفة ول موصوًفا البتة‪ .‬وهذا إنما يتخيل في الذهان ل حقيقة له في العيان‪.‬‬
‫والواجب إذا فسر بمبدع الممكنات فهو حق‪ ،‬وهو اسم للذات المتصفة بصفاتها‪ .‬وإذا فسر بالموجود بنفسه الذي ل‬
‫فاعل له فالذات واجبة والصفات واجبة‪ .‬وإذا فسر بما ل فاعل له ول محدث‪ ،‬فالذات واجبة والصفات ليست واجبة‪.‬‬
‫وإذا فسر بما ليس صفة ول موصوًفا فهذا باطل ل حقيقة له‪ .‬بل هو ممتنع الوجود‪ ،‬ل ممكن الوجود‪ ،‬ول واجب‬
‫الوجود‪ .‬وكلما أمعنوا في تجريده عن الصفات‪ ،‬كانوا أشد إيغال في التعطيل‪ ،‬كما قد بسط في مواضع‪.‬‬

‫وأما الذين قالوا إنهم أثبتوا القديم ـ من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم من الشعرية والَكراية الذين استدلوا‬
‫بحدوث العراض‪/‬ولزومها للجسام‪ ،‬وامتناع حوادث ل أول لها‪ ،‬على حدوث الجسام ـ فهؤلء لم يثبتوا الصانع؛‬
‫لما عرف من فساد هذا الدليل حيث ادعوا امتناع كون الرب متكلًما بمشيئته أو فّعال لما يشاء‪ .‬بل حقيقة قولهم امتناع‬
‫كونه لم يزل قادًرا‪ .‬وأدلتهم على هذا المتناع قد ذكرت مستوفاة في غير هذا الموضع‪ ،‬وذكر كلمهم هم في بيان‬
‫بطلنها‪.‬‬
‫وأما كونهم عطلوا الخالق‪ ،‬فلن حقيقة قولهم أن من لم يزل متكلًما بمشيئته فهو محدث‪ ،‬فيلزم أن يكون الرب محدًثا‪،‬‬
‫ل قديًما‪ .‬بل حقيقة أصلهم أن ما قامت به الصفات والفعال فهو محدث‪ ،‬وكل موجود فل بد له من ذلك‪ ،‬فيلزم أن‬
‫يكون كل موجود محدًثا‪ .‬ولهذا صرح أئمة هذا الطريق ـ الجهمية والمعتزلة ـ بنفي صفات الرب‪ ،‬وبنفي قيام الفعال‬
‫وسائر المور الختيارية بذاته؛ إذ هذا موجب دليلهم‪ .‬وهذه الصفات لزمة له‪ ،‬ونفي اللزم يقتضي نفي الملزوم‪.‬‬
‫فكان حقيقة قولهم نفي الرب وتعطيله‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬والفعال ونحوها حوادث‪ .‬فقالوا‪ :‬الرب ينزه عن أن تقوم به العراض والحوادث‪.‬‬
‫وهم يسمون الصفات أعرا ً‬
‫فإن ذلك مستلِزم أن يكون جسًما‪ .‬قالوا‪ :‬وقد أقمنا الدليل على حدوث كل جسم‪ .‬فإن‪/‬الجسم ل ينفك من العراض‬
‫المحدثة ول يسبقها‪ ،‬وما لم ينفك عن الحوادث ولم يسبقها فهو حادث‪.‬‬
‫وقد قامت الدلة السمعية والعقلية على مذهب السلف‪،‬وأن الرب لم يزل متكلًما إذا شاء‪ ،‬فيلزم على قولهم أنه لم يسبق‬
‫الحوادث ولم ينفك عنها‪ .‬ويجب على قولهم كونه حادًثا‪.‬‬
‫فالصل الذي أثبتوا به القديم هو نفسه يقتضي أنه ليس بقديم‪ ،‬وأنه ليس في الوجود قديم‪ .‬كما أن أولئك أصلهم يقتضي‬
‫أنه ليس بواجب بذاته‪،‬وأنه ليس في الوجود واجب بذاته‪.‬‬
‫والطريق التي قالوا بها يثبت الصانع مناقضة لثبات الصانع‪ .‬وإذا قالوا‪ :‬ل يمكن العلم بالصانع إل بها‪ ،‬كان الحق أن‬
‫يقال‪ :‬بل ل يمكن تمام العلم بالصانع إل مع العلم بفسادها‪.‬‬
‫ولهذا كان كل من أقر بصحتها قد كذب بعض ما أخبر به الرسول مما هو من لوازم الرب‪ ،‬ونفي اللزم يقتضي نفي‬
‫الملزوم‪.‬‬
‫والذين زعموا أنهم يحتجون به على حدوث الجسام من جنس ما زعم أولئك أنهم يحتجون به على إمكان الجسام‪.‬‬
‫وكل منهما باطل‪ / .‬ومقتضاه حدوث كل موجود وإمكان كل موجود‪ ،‬وأنه ليس في الوجود قديم ول واجب بنفسه‪.‬‬
‫ض َلُه‬
‫ن ُنَقّي ْ‬
‫حَم ِ‬
‫عن ِذْكِر الّر ْ‬
‫ش َ‬
‫ضّلٌة‪ ،‬ل هادية‪ .‬لكن كما قال ال تعالى‪َ} :‬وَمن َيْع ُ‬
‫فأصولهم تناقض مطلوبهم‪ .‬وهي طريقة ُم ِ‬
‫صّدوَنُهْم َعِن الّسِبيِل َوَيْحَسُبوَن َأّنُهم ّمْهَتُدوَن{ ]الزخرف‪.[37 ،36 :‬‬
‫ن َوِإّنُهْم َلَي ُ‬
‫طاًنا َفُهَو َلُه َقِري ٌ‬
‫شْي َ‬
‫َ‬

‫وأما الذين يقولون‪ :‬نثبت الصانع والخالق‪ ،‬ويقولون‪ :‬إنا نسلك غير هذه الطريق‪ ،‬كالستدلل بحدوث الصفات على‬
‫الرب‪ .‬فإن هذه تدل عليه من غير احتياج إلى ما التزمه أولئك‪ .‬والرازي قد ذكر هذه الطريق‪.‬‬
‫وأما الشعرى نفسه‪ ،‬فلم يستدل بها‪ .‬بل ]في اللمع[‪ ،‬و]رسالته إلى الثغر[‪ ،‬استدل بالحوادث على حدوث ما قامت به‪،‬‬
‫كما ذكره في النطفة بناء على امتناع حوادث ل أول لها‪ .‬ثم جعل حدوث تلك الجواهر التي ذكر أنه دل على حدوثها‬
‫هو الدليل على ثبوت الصانع‪ .‬وهذه الطريق باطلة‪ ،‬كما قد بين‪.‬‬
‫وأما تلك فهي صحيحة‪ ،‬لكن أفسدوها من جهة كونهم جعلوا ‪ /‬الحوادث المشهود لهم حدوثها هي العراض فقط‪ ،‬كما‬
‫قد بينا هذا في مواضع‪.‬‬
‫ثم يقال‪ :‬هؤلء يثبتون خالًقا ل خلق له‪.‬وهذا ممتنع في بداية العقول‪ ،‬فلم يثبتوا خالًقا‪.‬‬
‫ضا ـ‬
‫والَكّرامية‪ ،‬وإن كانوا يقولون‪ :‬الخلق غير المخلوق‪ ،‬فهم يقولون بحدوث الخلق بل سبب يوجب حدوثه‪ .‬وهذا ـ أي ً‬
‫ممتنع‪ .‬فما أثبتوا خالًقا‪.‬‬

‫ضا‪ ،‬فهؤلء وهؤلء يقولون‪ :‬الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره هو إرادة قديمة أزلية‪ .‬فالَكّرامية‬
‫وأي ً‬
‫يقولون‪ :‬هي المخصص لما قام به وما خلقه‪ .‬وهؤلء عندهم لم يقم به شيء يكون مراًدا‪ ،‬بل يقولون‪ :‬هي المخصص‬
‫لما حدث‪.‬‬
‫والطائفتان ومن وافقهم يقولون‪ :‬تلك الرادة قديمة أزلية لم تزل على نعت واحد‪ ،‬ثم وجدت الحوادث بل سبب أصل‪.‬‬
‫ل على مثل‪ ،‬ومن شأنها أن تتقدم على المراد تقدًما ل أول له‪ .‬فوصفوا الرادة‬
‫ويقولون‪ :‬من شأنها أن تخصص مث ً‬
‫بثلث صفات باطلة يعلم بصريح العقل أن الرادة ل تكون هكذا‪ .‬وهي المقتضية للخلق والحدوث‪ ،‬فإذا أثبتت فل‬
‫خلق ول حدوث‪.‬‬
‫‪ /‬وكذلك القدرة التي أثبتوها وصفوها بما يمتنع أن يكون قدرة‪ ،‬وهي شرط في الخلق‪ .‬فإذا نفوا شرط الخلق‪ ،‬انتفي‬
‫الخلق‪ ،‬فلم يبق خالًقا‪ ،‬فالذي وصفوا به الخالق يناقض كونه خالًقا‪ ،‬ليس بلزم لكونه خالًقا‪ .‬وهم جعلوه لزًما‪ ،‬ل‬
‫ضا‪.‬‬
‫مناق ً‬
‫أما الرادة‪ ،‬فذكروا لها ثلثة لوازم‪ ،‬والثلثة تناقض الرادة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬إنها تكون ول مراد لها‪ ،‬بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول حالها‪ .‬وهذا معلوم الفساد ببديهة‬
‫العقل‪ .‬فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل‪ ،‬فالمتقدم كان عزًما على الفعل‪ ،‬وقصًدا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل‬
‫في الحال‪ .‬بل إذا فعل فلبد من إرادة الفعل في الحال‪ .‬ولهذا يقال‪ :‬الماضى عزم‪ .‬والمقارن قصد‪ .‬فوجود الفعل بمجرد‬
‫عزم من غير أن يتجدد قصد من الفاعل ممتنع‪ .‬فكان حصول المخلوقات بهذه الرادة ممتنًعا لو قدر إمكان حدوث بل‬
‫ضا ـ ممتنع في نفسه؟ فصار المتناع من جهة الرادة‪ ،‬ومن جهة تعينت بما هو ممتنع في‬
‫سبب‪ ،‬فكيف وذاك ـ أي ً‬
‫نفسه‪.‬‬
‫ل على مثل‪ :‬فهذا مكابرة‪ ،‬بل ل تكون الرادة إل لما ترجح وجوده على عدمه عند‬
‫الثانى‪ :‬قولهم‪ :‬إن الرادة ترجح مث ً‬
‫الفاعل‪ .‬إما لعلمه بأنه أفضل‪ ،‬أو لكون محبته له أقوى‪ .‬وهو إنما يترجح في العلم لكون ‪/‬عاقبته أفضل‪ .‬فل يفعل أحد‬
‫شيًئا بإرادته إل لكونه يحب المراد‪ ،‬أو يحب ما يؤول إليه المراد بحيث يكون وجود ذلك المراد أحب إليه من عدمه‪،‬‬
‫ل يكون وجوده وعدمه عنده سواء‪.‬‬
‫ضا ـ باطل‪ .‬بل متى حصلت القدرة التامة‬
‫الثالث‪ :‬أن الرادة الجازمـة يتخلف عنها مرادها مع القدرة‪ ،‬فهذا ـ أي ً‬
‫والرادة الجازمة وجب وجود المقـدور‪ ،‬وحيث ل يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الرادة التامة‪ .‬والرب ـ تعالى‬
‫ـ ما شاء كان‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن‪.‬‬
‫س ُهَداَها{ ]السجدة‪،[13 :‬‬
‫ل َنْف ٍ‬
‫لَتْيَنا ُك ّ‬
‫شْئَنا َ‬
‫را لم يفعلها‪ ،‬كما قال‪َ} :‬وَلْو ِ‬
‫وهو يخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أمو ً‬
‫ل َما اْقَتَتُلوْا{ ]البقرة‪ .[ 253 :‬فبين أنه لو شاء ذلك لكان‬
‫شاء ا ّ‬
‫حَدًة{ ]هود‪َ} ،[118 :‬وَلْو َ‬
‫س ُأّمًة َوا ِ‬
‫ل الّنا َ‬
‫جَع َ‬
‫ك َل َ‬
‫شاء َرّب َ‬
‫}َوَلْو َ‬
‫قادًرا عليه‪ .‬لكنه ل يفعله؛ لنه لم يشأه؛ إذ كان عدم مشىئته أرجح في الحكمة مع كونه قادًرا عليه لو شاءه‪.‬‬
‫وقد بسط الكلم على ما يذكرونه في القدرة والرادة ـ هم وغيرهم ـ في غير هذا الموضع‪ .‬وأن من هؤلء من يقول‬
‫‪:‬إنما يقدر على المور المباينة له دون الفعال القائمة بنفسه‪،‬كما يقول ذلك المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من‬
‫الشعرية وغيرهم‪.‬ومنهم من يقول‪ :‬بل يقدر على ما يقوم به من الفعال‪ ،‬وعلى ما هو باين عنه‪ ،‬كما يحكى عن‬
‫الَكّرامية‪.‬‬
‫ي َبَناَن ٍُ{‬
‫ه{‬
‫سّو َ‬
‫عَلى َأن ّن َ‬
‫ن َ‬
‫‪ /‬والصواب الذي دل عليه القرآن والعقل؛ أنه يقدر على هذا وهذا‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬بَلى َقاِدِري َ‬
‫ق السَّماَوا ِ‬
‫ت‬
‫خَل َ‬
‫س اّلِذي َ‬
‫ي اْلَمْوَتى{ ]القيامة‪ ، [ 40 :‬وقال }َأَوَلْي َ‬
‫حِي َ‬
‫عَلى َأن ُي ْ‬
‫ك ِبَقاِدٍر َ‬
‫س َذِل َ‬
‫]القيامة‪ ،[4 :‬وقال‪َ} :‬أَلْي َ‬
‫ب ِبِه َلَقاِدُروَن{ ]المؤمنون‪ ،[18 :‬وهذا كثير في‬
‫عَلى َذَها ٍ‬
‫ق ِمْثَلُهم{ ]يس‪ ،[81 :‬وقال‪َ} :‬وِإّنا َ‬
‫خُل َ‬
‫ن َي ْ‬
‫عَلى َأ ْ‬
‫ض ِبَقاِدٍر َ‬
‫لْر َ‬
‫َوا َْ‬
‫القرآن ـ أكثر من النوع الخر‪.‬‬
‫فإن ما قاله الَكّرامية والهشامية أقرب إلى العقل والنقل مما قالت الجهمية ومن وافقهم‪ ،‬وإن كان ـ فيما حكوه عنهم ـ‬
‫خطأ من جهة نفيهم القدرة على المور المباينة‪.‬‬

‫وال ـ تعالى ـ قد أخبر أنه على كل شيء قدير‪ .‬وفي الصحيحين عن النبي صلى ال عليه وسلم أنه قال لبي مسعود ـ‬
‫ك اّلِذي‬
‫ن َأْو ُنِرَيّن َ‬
‫ك َفِإّنا ِمْنُهم ّمنَتِقُمو َ‬
‫ن ِب َ‬
‫لما رآه يضرب غلمه ـ‪] :‬ل أقدر عليك منك على هذا[‪ .‬وفي القرآن‪َ} :‬فِإّما َنْذَهَب ّ‬
‫َوَعْدَناُهْم َفِإّنا َعَلْيِهم ّمْقَتِدُروَن{ ]الزخرف‪ ،[42 ،41 :‬وبسط هذا له مواضع أخر‪.‬‬
‫فجميع ما أخبر به الرسول صلى ال عليه وسلم هو لزم في نفس المر‪ .‬وكل ما أثبته من صفات الرب فهو لزم‪.‬‬
‫وإذا قدر عدمه لزم عدم الملزوم‪ .‬فنفي ما أخبر به الرسول مستلزم للتعطيل‪.‬‬
‫لكن من ذلك ما يظهر بالعقل مع تفاوت الناس في العقل‪ ،‬ومنه‪/‬ما يكفي فيه مجرد خبر الرسول‪ .‬فإن ما أخبر به‬
‫الرسول فهو حق‪ .‬وكل ما أثبت للرب فهو لزم الثبوت‪ ،‬وما انتفي عنه فهو لزم النتفاء فإذا قدر عدم اللزم لزم عدم‬
‫الملزوم‪.‬‬
‫لكن هذا كله لزم المذهب‪ ،‬وهو يدل على بطلنه‪ .‬ولزم المذهب ل يجب أن يكون مذهًبا‪ ،‬بل أكثر الناس يقولون‬
‫ل ول يلتزمون لوازمها‪ .‬فل يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقًدا للتعطيل‪ .‬بل يكون معتقًدا‬
‫أقوا ً‬
‫للثبات‪ ،‬ولكن ل يعرف ذلك اللزوم‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فإذا كانت أصولهم التي بنوا عليها إثبات الصانع باطلة‪ ،‬لم يلزم أن يكونوا هم غير مقرين بالصانع‪ ،‬وإن كان‬
‫وأي ً‬
‫هذا لزًما من قولهم‪ .‬إذا قالوا‪ :‬إنه ل يعرف إل بهذه الطريق‪ ،‬وقد ظهر فساده‪ ،‬لزم أل يعرف‪ .‬لكن هذا اللزوم يدل‬
‫على فساد هذا النفي‪ ،‬ول يلزم أل يكونوا هم مقرين بالصانع لما قد بيناه في غير موضع أن القرار بالصانع‪،‬‬
‫ومعرفته‪ ،‬ومحبته‪ ،‬وتوحيده فطري‪ ،‬يكون ثابًتا في قلب النسان‪ ،‬وهو يظن أنه ليس في قلبه‪.‬‬
‫ولهذا كان عامة هؤلء مقرين بالصانع‪ ،‬معترفين به‪ ،‬قبل أن يسلكوا هذه الطريق النظرية‪ ،‬سواء كانت صحيحة أو‬
‫باطلة‪ .‬وهذا ‪ /‬أمر يعرفونه من أنفسهم‪ .‬فعلم أنه ل يلزم من عدم سلوك هذه الطريق عدم المعرفة‪ .‬وقد اعترف كثير‬
‫منهم بذلك‪ ،‬كما قد بيناه في مواضع‪.‬‬
‫سْلك طريقة‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬إن الطريق النظرية التي يسلكها زادته بصيرة وعلًما‪ .‬كما يقوله ابن حزم وغيره‪ .‬وهو َ‬
‫العراض‪.‬‬
‫وكثير من الناس يقول‪ :‬إن هذه الطريق لم تفدهم إل شكا وريًبا وفطرة هؤلء أصح‪ ،‬فإنها طرق فاسدة‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬لم يحصل لى بها شيء ـ ل علم ول شك‪ .‬وذلك أنها لم تحصل له علًما ول سلمها‪ ،‬فلم يتبين له‬
‫صحتها ول فسادها‪.‬‬
‫ومن الناس من ل يفهم مرادهم بها‪ .‬وأكثر أتباعهم ل يفهمونها‪ ،‬بل يتبعونهم تقليًدا وإحساًنا للظن بهم‪.‬‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫ومما ينبغي أن يعرف؛ أنا ل نقول‪ :‬إن الشيء ل يعرف إل بإثبات جميع لوازمه‪ .‬هذا ل يقوله عاقل‪ ،‬بل قد تعرف‬
‫عامة الشياء وكثير‪/‬من لوازمها ل تعرف‪ ،‬وقد يعلم المسلمون أن الرب على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يشاء‪ ،‬وهم‬
‫ل يعرفون كثيًرا من لوازم القدرة والمشيئة‪ .‬لكن أهل الستقامة كما ل يعرفون اللوازم فل ينفونها‪ ،‬فإن نفيها خطأ‪.‬‬
‫وأما عدم العلم بها كلها فهذا لزم لجميع الناس ـ فسبحان من أحاط بكل شيء علًما‪ ،‬وأحصى كل شيء عدًدا‪ .‬وما‬
‫طو َ‬
‫ن‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫خْلَفُهْم َو َ‬
‫ن َأْيِديِهْم َوَما َ‬
‫شاء{ ]البقرة‪ ،[255 :‬وهو ـ سبحانه ـ }َيْعَلُم َما َبْي َ‬
‫ل ِبَما َ‬
‫عْلِمِه ِإ ّ‬
‫ن ِ‬
‫يٍء ّم ْ‬
‫ش ْ‬
‫ن ِب َ‬
‫طو َ‬
‫حي ُ‬
‫ل ُي ِ‬
‫سواه }َو َ‬
‫ِبِه ِعْلًما{ ]طه‪.[110 :‬‬
‫ولكن المقصود بيان أن المخالفين للرسول صلى ال عليه وسلم ـ ولو في كلمة ـ لبد أن يكون في قولهم من الخطأ‬
‫بحسب ذلك‪ .‬وأن الدلة العقلية والسمعية المنقولة عن سائر النبياء توافق ما جاء به الرسول صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وتناقض ما يقوله أهل البدع المخالفون للكتاب والسنة‪.‬‬

‫وإذا قالوا‪ :‬إن العقل يخالف النقل‪ ،‬أخطؤوا في خمسة أصول‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن العقل الصريح ل يناقضه‪.‬‬
‫الثانى‪ :‬أنه يوافقه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ما يدعونه من العقل المعارض ليس بصحيح‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن ما ذكروه من المعقول المعارض هو المعارض للمعقول الصريح‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن ما أثبتوا به الصول كمعرفة البارى وصفاته ل يثبتها‪ ،‬بل يناقض إثباتها‪.‬‬
‫صــل‬
‫َف ْ‬
‫وذلك أن ما جاء به الرسول هو من علم ال‪ .‬فما أخبر به عن ال‪ ،‬فال أخبر به‪ ،‬وهوـ سبحانه ـ يخبر بعلمه ـ يمتنع أن‬
‫يخبر بنقيض علمه وما أمر به فهو من حكم ال‪ .‬وال عليم حكيم‪.‬‬
‫شِهيًدا{ ]النساء‪ ،[ 166 :‬وقال تعالى‪َ} :‬أْم‬
‫ل َ‬
‫ن َوَكفي ِبا ّ‬
‫شَهُدو َ‬
‫ك َأنَزَلُه ِبِعْلِمِه َواْلَملِئَكُة َي ْ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫شَهُد ِبَما َأنَز َ‬
‫ل َي ْ‬
‫نا ّ‬
‫قال تعالى‪ّ} :‬لـِك ِ‬
‫عَلُموْا َأّنَما‬
‫جيُبوْا َلُكْم َفا ْ‬
‫سَت ِ‬
‫ن َفِإن ّلْم َي ْ‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ل ِإن ُكنُتْم َ‬
‫طْعُتم ّمن ُدونِ ا ّ‬
‫سَت َ‬
‫نا ْ‬
‫عوْا َم ِ‬
‫ت َواْد ُ‬
‫سَوٍر ّمْثِلِه ُمْفَتَرَيا ٍ‬
‫شِر ُ‬
‫ل َفْأُتوْا ِبَع ْ‬
‫ن اْفَتَراُه ُق ْ‬
‫َيُقوُلو َ‬
‫ل َوَأن ّل ِإَلـَه ِإّل ُهَو َفَهْل َأنُتم ّمْسِلُموَن{ ]هود‪.[14 ،13 :‬‬
‫ل ِبِعْلِم ا ّ‬
‫ُأنِز ِ‬

‫وقوله‪َ} :‬أنَزَلُه ِبِعْلِمِه{‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬أنزله وفيه علمه‪ .‬وقال أبو سليمان الدمشقى‪ :‬أنزله من علمه‪ .‬وهكذا ذكر‬
‫غيرهما‪.‬‬
‫وهذا المعنى مأثور عن السلف‪ ،‬كما روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال‪ :‬أقرأنى أبو عبد الرحمن القرآن‪.‬‬
‫وكان إذا أقرأ أحدنا القرآن قال‪ :‬قد أخذت علم ال‪ ،‬فليس أحد اليوم أفضل منك إل بعمل‪ ،‬ثم يقرأ‪َ} :‬أنَزَلُه ِبِعْلِمِه َواْلَملِئكَُة‬
‫ل{ ‪ ،‬قالوا‪ :‬أنزله وفيه علمه‪.‬‬
‫ل ِبِعْلِم ا ّ‬
‫عَلُموْا َأّنَما ُأنِز ِ‬
‫شِهيًدا{ وكذلك قالوا في قوله تعالى }َفا ْ‬
‫ل َ‬
‫شَهُدونَ َوَكفي ِبا ّ‬
‫َي ْ‬
‫‪ /‬قلت‪ :‬الباء قد تكون للمصاحبة‪ ،‬كما تقول‪ :‬جاء بأسياده وأولده‪ .‬فقد أنزله متضمًنا لعلمه‪ ،‬مستصحًبا لعلمه‪ .‬فما فيه‬
‫من الخبر هو خبر بعلم ال‪ .‬وما فيه من المر فهو أمر بعلم ال‪ ،‬بخلف الكلم المنزل من عند غير ال‪ .‬فإن ذلك قد‬
‫يكون كذبا وظلًما كقرآن مسيلمة‪ ،‬وقد يكون صدقا لكن إنما فيه علم المخلوق الذي قاله فقط‪ ،‬لم يدل على علم ال ـ‬
‫تعالى ـ إل من جهة اللزوم‪ .‬وهو