‫الكتاب ‪ :‬الصوفية والتصوف في ضوء الكتاب والسنة‬

‫المؤلف ‪ :‬السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي‬
‫منشورات منتديات دار اليمان‬
‫الصوفية والتصوف‬
‫في ضوء الكتاب والسنة‬
‫" يتضمن آراء العلماء المتقدمين والمعاصرين‬
‫عن‬
‫التصوف ونشأته ورجاله ومعتقداته "‬
‫تأليف‬
‫الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي‬
‫)الكويت (‬
‫الطبعة الولى‬
‫‪ 9141‬هـ ـ ‪ 1999‬م‬
‫المحتويات‪:‬‬
‫مقدة في نشأة التصوف وتعريف الصوفية‬
‫لمحة عامة على التصوف‬
‫نشأة التصوف‬
‫التصوف تعريفًا واشتقاقا‬
‫من هو الصوفي ؟‬
‫القرآن والسنة )مصدر التصوف السلمي(‬
‫عقيدة أهل التصوف‬
‫من هم الشاعرة ومن أعلم الهدى فيهم ؟!‬
‫أقوال بعض كبار العلماء في التصوف والصوفية‬
‫رأي الصوفية في التحاد والحلول‬
‫رأي الئمة الربعة في التصوف والصوفية‬
‫المزيد من شهادات الئمة وأكابر العلماء‬
‫رأي علماء السلم المعاصرين وفتاواهم في التصوف والصوفية‬
‫رد دار الفتاء المصرية‬
‫المفتي العام للجمهورية العربية السورية‬
‫وزارة الشئون السلمية والوقاف الماراتية‬
‫القيادة العامة للقوات المسلحة الردنية )مديرية الفتاء(‬
‫مفتي الجمهورية اللبنانية‬
‫جمهورية القمر التحادية )دار الفتاء(‬
‫الصوفية وحركة الحياة الشاملة‬
‫دور الصوفية في الحروب الصليبية‬
‫وفي حروب التتار وفي العصر الحديث أيضًا‬
‫جريدة "النباء " اليومية الكويتية تسأل والرفاعي يجيب‬
‫الخاتمة‬
‫نشأة التصوف وتعريف الصوفية‬

‫ليس التصوف لبس الصوف ترقعه *** ول البكاء إذا غنى المغنونا‬
‫ن و الدينا‬
‫إن التصوف أن تصفو بل كدر*** وتتبع الحق و القرآ َ‬
‫*****‬
‫اشتقاق اسم الصوفي‬
‫تنازع الناس في الصوفي واختلفوا *** فيه وظنوه مشتقًا من الصو ِ‬
‫ف‬
‫سّمي الصوفي‬
‫ولست أنحل هذا السم غير فتى *** صافى فصوفي حتى ُ‬
‫*****‬
‫وقال ) المؤلف ( غفر ال تعالى له ‪-:‬‬
‫ليس التصوف ثوبًا أنت لبسه *** تزهو به بين أصناف الدواوين‬
‫بل التصوف إيمان ومعرفة *** وخدمة لفقير أو لمسكين‬
‫وهو التهجد في الليل البهيم إذا *** نام النام ليوم الحشر والدين‬
‫وهو الجهاد جهاد النفس عن سفه *** وشهوة وألعيب الشياطين‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫نحمده ونصلي ونسلم على رسوله الكريم‬
‫وبعد‪ :‬فلقب ) الصوفية ( إذا أطلق اليوم فإنما يراد به جمهور الناس من المسلمين الذين يقلدون‬
‫أحد أئمة المذاهب الربعة ) الشافعي ومالك وأبن حنبل وأبو حنيفة ( رضوان ال تعالى عليهم‬
‫أجمعين في الفروع ‪ ،‬وعقيدتهم عقيدة السلف الصالح ومنهم من يعتنق مذهب المام أبي الحسن‬
‫الشعري ‪ ،‬وهي عقيدة عامة أهل السنة والجماعة في العالم السلمي الفسيح ‪ ،‬والتي تدرس في )‬
‫الزهر الشريف ( وغيره من المعاهد الدينية في شتى أصقاع العالم السلمي ما عدا المملكة‬
‫العربية السعودية ومعاهدها الرسمية الواقعة تحت إشراف المشايخ المقلدين للشيخ محمد بن عبد‬
‫الوهاب وأتباع دعوته المسماة " بالدعوة السلفية " ‪.‬‬
‫كما يطلق هذا اللقب ) الصوفية ( اليوم على من يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف وبالسراء‬
‫والمعراج وبهما تحتفل الدول السلمية رسميًا في ) عطلة رسمية ( كما أن هؤلءهم المستمرون‬
‫على ما كان عليه سلفهم الصالح في العالم السلمي من زيارة ) القبر النبوي الشريف ( في‬
‫المدينة المنورة قبل أو بعد أداء فريضة الحج أو العمرة الشريفة ‪ ،‬وختم القرآن في اليوم الثالث‬
‫على موتاهم واستعمال السبحة في ذكر ال تعالى وتلقين الميت وزيارة المقابر في العياد والجمع‬
‫للعتبار وإهداء ثواب القرآن الكريم لقاربهم وأرحامهم من الموتى ومن جاورهم من المسلمين‬
‫مما عليه العمل في غالب بلد المسلمين ‪ ..‬هكذا يتبين أن من ُينسبون إلى )الصوفية( ما هم إل‬
‫السواد العظم والكثرية الصامتة من المسلمين المتمسكين بالعادات والعراف الدينية التى‬
‫ورثوها عن أجدادهم وأسلفهم مما ل يتعارض مع ما أجمع عليه علماء المة وفقهاؤها من كتاب‬
‫ال تعالى وسنة المصطفى ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪ -‬وآله ‪ ,‬وقد قال النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم‬
‫ وآله ) عليكم بالسواد العظم ( رواه صاحب ) مشكاة المصابيح ( ‪ .‬هذا وقد استعنت ال تعالى‬‫في تأليف هذا الكتاب عن التصوف والصوفية لما رأيت التصوف يتعرض لهجمة شرسة ظالمة‬
‫وخاصة هذه اليام ‪ ،‬وذلك توضيحًا للحق وذبا عن أعراض أولياء ال الصالحين ودرءًا لبلدنا‬
‫عن غضب ال تعالى الذي يقول في الحديث القدسي الصحيح ‪)) :‬من عادى وليًا فقد آذنته‬
‫بالحرب(( رواه البخاري وغيره ‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى أسأل السداد والتوفيق في جهدي هذا وأن يرينا جميعًا الحق حقًا ويرزقنا‬
‫ل ويرزقنا اجتنابه ‪.‬‬
‫اتباعه ‪ ،‬والباطل باط ً‬
‫وصلى ال تبارك وتعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد ل رب العالمين ‪.‬‬
‫وكتبه راجي عفو موله الكريم‬
‫يوسف السيد هاشم االرفاعي الحسيني‬

‫لمحة عامة على التصوف ‪:‬‬
‫إن من يلقي نظرة عابرة خلل القرون الغابرة التي مضت ويرى ما خلفه السلف الصالح رضي‬
‫ال تعالى عنهم وحشرنا في زمرتهم من تأليف في كل فن من فنون العلم ‪ ،‬وفي كل جهة من‬
‫جهات الفن والحضارة التي أشعت النور على العالم بعد أن كان يربض تحت تأثير الجهل‬
‫والفوضى ليعترف بأن للسلم الفضل الول في مبعث هذه الحضارة وتثبيت دعائمها ‪ ،‬وأن‬
‫الصدر الول من الصحابة رضوان ال عليهم هم الذين حملوا العبء الكبر في نشر هذه الشريعة‬
‫السمحة وبث أسرارها في هذا الكون وتحويله من طبيعة جرداء إلى نور أبلج يضئ لكل سالك في‬
‫هذا الطريق ‪ .‬وكان للصوفية الحظ الوفر في بعث هذا العمل المشرف فكانت المدرسة النبوية‬
‫التي أخرجت أمثال ‪ :‬أبى بكر وعمر وعثمان وعلي رضي ال عنهم ‪ ،‬ثم كانت مدرسة الصحابة‬
‫التي أنجبت أمثال ‪ :‬سعيد بن المسيب والحسن البصري وطاوس اليماني وإبراهيم التيمي وسادة‬
‫ل ‪ ،‬وهم الذين كان لهم الفضل الكبر في تثبيت دعائم هذه‬
‫ل وعلمًا وعم ً‬
‫غيرهم ل يحصون فض ً‬
‫الشريعة وبهم كان تأثر الئمة الكبار أمثال ‪ :‬أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي‬
‫ال عنهم فأبو حنيفة كان تأثره الكبر بشيخه الزاهد المشهور عطاء بن أبي رباح وأمثاله كان‬
‫يقول ‪ :‬مالقيت أفضل من عطاء ‪.‬قال الشعراني في الجوبة المرضية عن شيخه شيخ السلم‬
‫زكريا النصاري أنه قال ‪ :‬يكفينا في شرف طريق القوم قول موسى للخضر عليهما الصلة‬
‫والسلم ‪ } :‬هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا { فإن موسى طلب طريق الرشاد من‬
‫ل قال ذلك وكذلك يكفينا في شرفهم أن المام‬
‫الخضر مع سعة علم موسى ومع كونه نبيًا مرس ً‬
‫أحمد بن حنبل كان إذا توقف في مسألة يسأل عنها الشيخ أبا حمزة البغدادي وقوله ‪ :‬ما تقول في‬
‫هذه المسألة يا صوفي ؟ فإذا حل أبو حمزة إشكال تلك المسألة تعجب أحمد من ذلك ‪ .‬وكان رضي‬
‫ال عنه يقول لولده عبد ال ‪ :‬يا ولدي عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلء الذين سموا أنفسهم‬
‫صوفية فإنهم‬
‫ل بأحكام دينه ‪ .‬فلما صحب أبا حمزة البغدادي وعرف أحوال القوم كان‬
‫ربما كان أحدهم جاه ً‬
‫يقول لولده ‪ )) :‬يا ولدي عليك بمجالسة هؤلء القوم فإنهم ذادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة‬
‫والخشية والزهد وعلو الهمة (( وبلغنا أن المام أبا عمرو الوزاعي طلب الصحبة لبراهيم بن‬
‫أدهم فلم يجبه إلى ذلك وقال له ‪ :‬يا عبد الرحمن ل يطير الطير إل مع شكله فرجع الوزاعي عن‬
‫طلب الصحبة لعلمه بعلو مراقي الصوفية وهذا من الوزاعي أعظم دليل على شرف الطريق‬
‫وأهلها ‪ .‬وبلغنا أن المام الشافعي رضي ال تعالى عنه كان يجالس الصوفية كثيرًا ويقول ‪ :‬يحتاج‬
‫الفقيه إلى معرفة اصطلح الصوفية ليفيدوه من العلم مالم يكن عنده ‪ .‬وقيل له مرة ‪ :‬ما الذي‬
‫استفدته من مجالسة الصوفية ؟ فقال ‪ :‬استفدت منهم شيئين قولهم ‪ :‬الوقت كالسيف إن لم تقطعه‬
‫قطعك وقولهم ‪ :‬إن لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر وسمعت شيخنا شيخ السلم زكريا‬
‫ل على شرف الطريق إذعان الئمة لهلها في كل زمان وسؤالهم الدعاء منهم في‬
‫يقول ‪ :‬يكفينا دلي ً‬
‫الشدائد دون العكس انتهى ‪ .‬فهذا شيء قليل من شرف الصوفية وفضلهم ‪ .‬أما أوصافهم فهذه نبذة‬
‫يسيرة على لسان أحد أئمتهم ‪ :‬قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغدادبسندهعن محمد بن شاذان‬
‫الرازي قال ‪ ":‬سمعت يوسف بن الحسين يقول حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل ‪ ،‬وكان‬
‫المتوكل مولعًا به يفضله على العباد والزهاد " ‪ ،‬فقا له المتوكل ‪ ":‬يا أبا الفيض صف لنا‬
‫أولياءال " ؟ فقال ذو النون ‪":‬يا أمير المؤمنين هؤلء قوم ألبسهم ال النور الساطع من محبته ‪،‬‬
‫وجللهم بالبهاء من أردية كرامته ‪ ،‬ووضع على مفارقهم ذخائر الغيوب ‪ ،‬فهي معلقة بمواصلة‬
‫المحبوب فقلوبهم إليه إليه سائرة وأعينهم إلى عظيم جلله ناظرة ‪ ،‬ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم‬
‫على كراسي طلب المعرفة بالدواء ‪ ،‬وعرفهم منابت الدواء ‪ ،‬وجعل تلميذهم أهل الورع والتقى‬
‫وضمن لهم الجابة عند الدعاء‪ ،‬وقال يا أوليائي إن أتاكم‬
‫عليل من فرقي فداووه ‪ ،‬أو مريض من إرادتي فعالجوه ‪ ،‬أو مجروح بتركي إياه فلطفوه ‪ ،‬أو فار‬
‫مني فرغبوه ‪ ،‬أو آبق مني فادعوه ‪ ،‬أو خائف مني فأمنوه أو راغب في مواصلتي فمكنوه أو‬
‫قاصد نحوي فأدوه ‪ ،‬أو جبان في متاجرتي فجرئوه ‪ ،‬أو آيس من فضلي فعدوه ‪ ،‬أو راج لحساني‬

‫فبشروه ‪،‬أو مستشرف نحوي فارشدوه ‪ ،‬أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ‪ ،‬أو ناس لحساني فذكروه‬
‫‪ ،‬وإن أستغاث بكم ملهوف فأعينوه ‪ ،‬ومن وصلكم في فواصلوه ‪ ،‬فإن غاب عنكم فافتقدوه ‪ ،‬وإن‬
‫ألزمكم جناية فاحتملوه ‪ ،‬وأنقصر في واجب حق فأتركوه ‪ ،‬وان أخطأ خطيئة فأنصحوه ‪ ،‬فإن‬
‫مرض فعودوه ‪ ،‬وإن وهبت إليكم هبة فشاطروه وإن رزقتكم فآثروه ‪ ،‬يا أوليائي لكم عاتبت ‪،‬‬
‫ولكم خاطبت ‪ ،‬وإياكم رغبت ‪ ،‬ومنكم ألوفًا طلبت ‪ ،‬لنكم بالثرة آثرت وانتخبت ن وإياكم‬
‫استخدمت واصطنعت واختصصت ‪ ،‬ل أريد استخدام الجبارين ‪ ،‬ول مطاوعة الشرهين ‪ ،‬جزائي‬
‫لكم أفضل الجزاء ‪ ،‬وعطائي لكم أوفر العطاء ‪ ،‬وبذلي لكم أغلى البذل ‪ ،‬وفضلي عليكم أكبر‬
‫الفضل ومعاملتي لكم أوفى معاملة ‪ ،‬ومطالبتي لكم أشد المطالب ‪ .‬أنا مفتش القلوب ‪ .‬انا علم‬
‫الغيوب ‪ .‬أنا ملحظ اللحظ ‪ ،‬أنا مراصد الهم ‪ ،‬أنا مشرف على الخواطر ‪ ،‬أنا العالم بأطراف‬
‫الجفون ‪ ،‬ل يفزعكم صوت جبار دوني ول مسلط سواي فمن أرادكم قسمته ‪ ،‬ومن آذاكم آذيته ‪،‬‬
‫ومن عاداكم عاديته ومن والكم واليته ‪ ،‬ومن أحسن إليكم أرضيته ‪ ،‬أنتم أوليائي وأنتم أحبائي ‪.‬‬
‫أنتم لي وأنا لكم (( ‪ .‬ويعقب الشيخ الكبر رضي ال عنه في ) روح القدس ( بعد أن أورد بعض‬
‫هذا الكلم النفيس بقوله ‪ :‬هذه أحوال العارفين يا ولي ‪ ،‬وهكذا تكون عمارة القلوب ‪ ،‬وأما أهل‬
‫زمانك فوال لو أطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى نفوسهم رأيت نفوسًا سامدة ‪ ،‬وإن نظرت إلى‬
‫ب لهية من العمارة العلوية القدسية خالية ‪,‬على عروشها خاوية ‪ ،‬آجامًا لسود‬
‫قلوبهم رأيت قلو ً‬
‫ضارية ‪ ،‬ومرابض لذئاب عاوية ‪ ،‬نسأل ال تعالى عند رؤيتهم العافية ‪ .‬أين هم‬
‫يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض حيث قال ‪ :‬ان ل لصفوة ‪ ،‬وان ل لخيرة ‪ .‬قيل يا أبا الفيض‬
‫ما علمتهم قال ‪ :‬إذا خلع العبد الراحة ‪ ،‬وأعطي المجهود في الطاعة ‪ ،‬وأحب سقوط المنزلة ثم‬
‫قال ‪:‬‬
‫منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن يهجعوا‬
‫فهموا عن الملك الكريم كلمه فهما تذل له الرقاب وتخضع‬
‫فقال له لعض من كان في مجلسه ؟ من هؤلء القوم يا أبا الفيض رحمك ال ؟ قال ‪ :‬ويحك هؤلء‬
‫قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ‪ ،‬والتراب لجنوبهم مهادا ‪ ،‬هؤلء قوم خالط القرآن لحومهم‬
‫ودماءهم فشغلهم عن الزواج ‪ ،‬وحركهم بالدلج فوضعوه على أفندتهم فأسرجت ‪ ،‬وضموه الي‬
‫صدورهم فانشرحت ‪ ،‬وتصدعت هممهم به فكدحت فجعلوه لظلمتهم سراجا ‪ ،‬ولسبيلهم منهاجا ‪،‬‬
‫ولحجتهم افلجا ‪ ،‬يفرح الناس وهم يحزنون وينام الناس ويسهرون ويفطر الناس ويصومون ‪،‬‬
‫ويأمن الناس ويخافون ‪ .‬فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون ‪ ،‬مشمرون يبادرون من الفوت‬
‫ويستعدون للموت الي آخر القصة رضي ال عنهم ورزقنا حبهم واتباعهم ‪ .‬فهذه هي بعض‬
‫أوصاف القوم رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ن‬
‫حَما ِ‬
‫عَباُد الّر ْ‬
‫قلت ‪ " :‬وهل هذه الوصاف إل كما جاء وصفهم فى كتاب ال العزيز ‪َ } :‬و ِ‬
‫جًدا‬
‫ن ِلَرّبِهْم سُ ّ‬
‫ن َيِبيُتو َ‬
‫لًما)‪َ(63‬واّلِذي َ‬
‫سَ‬
‫ن َقاُلوا َ‬
‫جاِهُلو َ‬
‫طَبُهْم اْل َ‬
‫خا َ‬
‫ض َهْوًنا َوِإَذا َ‬
‫لْر ِ‬
‫عَلى ا َْ‬
‫ن َ‬
‫شو َ‬
‫َيْم ُ‬
‫َوِقَياًما {‬
‫سورة الفرقان ‪. 64 ، 63 /‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫وصلي ال على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم‬
‫) نشأة التصوف (‬
‫إن اسم التصوف قد استحدث في القرآن الثاني ‪ ،‬ومسماه ومعناه هو الذي كان عليه النبي صلي ال‬
‫عليه وسلم وآله وأصحابه في القرن الول ‪ ،‬فكانت بواطن أصحاب النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم‬
‫ وآله على المعارف الذوقية الشهودية سواء منهم المتسبب للرزاق أو المتجرد للعبادة من أهل‬‫الصفة ‪ ،‬فأقر النبي صلي ال عليه وسلم وآله أهل الصفة على تجريدهم لما رأي منهم القوة عليه‬
‫وانتفاعهم به ‪ ،‬وأقر المتسببين علي أسبابهم لما رأي منهم التشوف للسباب وانتفاعهم بها ) ومراد‬
‫ال من الجميع ما هم عليه ‪ .‬وأن ليس في المكان أبدع مما كان ( ‪ .‬وكلهما على الجادة وعلى‬

‫التوحيد الخالص والدين الخالص والنية الخالصة ل في تجريدهم أو أسبابهم ‪ ،‬وهذا هو العلم‬
‫الرباني والكمال العقلي للنبي ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪ -‬وآله حيث كان يخاطب الناس على قدر‬
‫على عقولهم ويوجههم للعمل الصالح المصلح لهم لكمالهم أو ترقيتهم ومزيد صفائهم ‪.‬‬
‫والتصوف السلمي هو الدين الخالص والنية الخالصة ل التي قامت على مبدأ تحقيق العبودية‬
‫وتعظيم الربوبية وتحقيق عمارة البواطن بالمعارف والسرار والرضا والتوكل والخلص‬
‫وعمارة الظواهر بالعبادة والورع والتقوى ومتابعة النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و آله و سّلم ‪ -‬وآله في‬
‫أقواله وأفعاله ‪ .‬وهذا ما كان عليه النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و آله و سّلم ‪ -‬وآله وأصحابه من التحقق‬
‫بالدين ظاهرًا وباطنًا ‪ ،‬ورسوخًا في مراتب الدين الثلث ) السلم واليمان والحسان ( الواردة‬
‫في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطابوليس المراد من المسلم الموحد أن يعبد ال على‬
‫حرف ‪ ،‬والحرف على التفسير الول هو العلة وعلى التفسير الثاني الذي نحن بصدده هو الطرف‬
‫والجانب أي أن تعبد ال على واحد وهو الظاهر فقط أو الباطن فقط وهذا خروج عن جادة التوحيد‬
‫الخالص إذ من كان باطنيًا فقط كان زنديقًا شيطانًا لرفضه الشريعة والحكمة ومن كان ظاهريًا فقط‬
‫طَنُه] أي‬
‫لْثِم َوَبا ِ‬
‫ظاِهَر ا ِْ‬
‫كان فاسقًا لخلو عبادته من الصدق والخلص ‪.‬قال تعالى [ َوَذُروا َ‬
‫شُكوُر]‬
‫عَباِدي ال ّ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِم ْ‬
‫اتركوا كل إثم بما فيه من الشرك الجلي والخفي ‪ .‬وصدق ال العظيم [ َوَقِلي ٌ‬
‫‪ ،‬وإن منكم من يعبدون ال بتقوى شاملة بعيدًا عن ظاهر الثم وباطنه مع ترك الشرك جليه وخفيه‬
‫حريصين على المتابعة المحمدية بحواسهم الحسية وطاقتهم المعنوية فهؤلء هم الصوفية الذين لهم‬
‫قدم صدق عند ربهم لرسوخهم في ) مقام الحسان ( وتحققهم بأقوال النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و آله‬
‫و سّلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬وأفعاله وأحواله ‪ .‬ومجمل القول في ذلك أن هذا الحال هو الذي كان عليه أهل‬
‫القرن الول ثم الثاني ثم الثالث كما جاء في حديث الحبيب المصطفى ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪-‬‬
‫وآله ‪ ،‬ثم بعد ذلك أختلط المسلمون بغيرهم ودخلت الفلسفات الجنبية واللغات الجنبية فهب رجال‬
‫الدين السلمي لحمايته والدفاع عنه ‪ ،‬فقام كل باختصاصه يدون ويؤلف ويكتب ‪ ،‬فهب رجال‬
‫اللغة العربية فعملوا وأحسنوا ‪ ،‬وقام رجال الفقه فعملوا وأحسنوا ‪ ،‬وقام الصوليون ليدافعوا عن‬
‫عقيدة‬
‫المسلمين ‪ ،‬وقام العابدون الورعون العارفون بربهم ليبينوا للناس الدين الخالص والحال الذي كان‬
‫عليه أهل القرن الول من الرسوخ‪ ) ،‬في مقام الحسان والتحقق في الدين ظاهرًا وباطنًا ‪ ،‬وهم‬
‫رجال التصوف (‪ ،‬فكان أسم التصوف علماًًعلى هذه الطائفة القائمة على الحق الظاهرين عليه‬
‫إلى قيام الساعة ‪.‬‬
‫وكما انه في المحدثين والفقهاء وغيرهم منحرفون عن الجادة فأنال أنكر أن الصوفية منهم الغث‬
‫السمين فمنهم المتحقق ومنهم المتبرك ومنهم المتلبس المتزندق ‪ .‬قال تعالى ‪:‬‬
‫ن"‬
‫صيٌر ِبَما َيْعَمُلو َ‬
‫ل َب ِ‬
‫ل َوا ُّ‬
‫عْنَد ا ِّ‬
‫ت ِ‬
‫جا ٌ‬
‫" ُهْم َدَر َ‬
‫وعلى كل حال فالحجة قائمة وهي في الكتاب والسنة ‪ ،‬فمن ادعى أنه صوفي متحقق وخالف‬
‫الكتاب والسنة في أقواله وأفعاله فمرفوض ادعاؤه ومردود قوله وما أكثر هذا الصنف بين صفوف‬
‫المسلمين أعاذنا ال والمسلمين من شرهم ‪.‬‬
‫والن نرجع لمر كثر الحديث حوله وهو موقف الصوفية من ) وحدة الوجود والتحاد والحلول (‬
‫فأقول وبال التوفيق ‪-:‬‬
‫وحدة الوجود المشار إليها عند الصوفية المسلمين مغايرة لقول الفلسفة ووحدتهم الفكرية التي ل‬
‫تفرق بين الخالق والمخلوق والصنعة والصانع فأي كفر أعظم من هذا وأي نقص ينسب إلى ال‬
‫أعظم من ذلك ؟ تعالى ال عن ذلك علوًا كبيرا ‪ ،‬والصوفية أهل الحق براء من ذلك ‪.‬‬
‫فوحدةالوجود التي يرمز إليها بعض الصوفية أمر معنوي وعلم رباني يتعلق بتحقيق الوحدانية ل‬
‫في ذاته وصفاته وأفعاله عرفوا ذلك وتحققوا فيه بنور رباني وقد قيل فيه ) أتقوا فراسة المؤمن‬
‫فإنه ينظر بنور ال ( ‪ ،‬وعرفوا ذلك أيضًا بتحققهم بالتبعية المحمدية حيث قال ال لنبيه في كتابه ‪:‬‬
‫ن اّتَبَعِني "‬
‫صيَرٍة َأَنا َوَم ْ‬
‫عَلى َب ِ‬
‫ل َ‬
‫عو ِإَلى ا ِّ‬
‫سِبيِلي َأْد ُ‬
‫ل َهِذِه َ‬
‫" ُق ْ‬

‫‪ ...‬الية فالبصيرة المشار إليها هي الؤية القلبية والمشاهدة الباطنية لحقائق المور وبواطن‬
‫الشياء فيكتسب صاحبها علمًا ل مطمع للحصول عليه بالفكر أو بالعقل أو النظرة الحسية ‪،‬فنظر‬
‫رحمك ال إلى قوله تعالى لنبيه ‪:‬‬
‫ن اّتَبَعِني "‬
‫صيَرٍة َأَنا َوَم ْ‬
‫عَلى َب ِ‬
‫" َ‬
‫‪ ...‬الية فليس هذا النور وتلك المشاهدة القلبية خاصة بالنبي ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪ -‬وآله ولكن‬
‫يشاركه في هذا المشرب من اتبعه بحق وهم خواص أمته فمن لم يتحقق بتلك التبعية المحمدية في‬
‫القوال والفعال والحوال ‪ ،‬أو قل في ) السلم واليمان والحسان ( أو قل في )عمل الظواهر‬
‫من الوقوف عند الحدود ‪ ،‬وفي عمل البواطن من التوكل والرضا والتعلق بالمعبود ‪ ،‬وفي عمل‬
‫السرائر من الذواق والمعارف والتحقق بأسرار الوجود ( وإل فل مطمع له بالوصول إلى مراتب‬
‫الكمال ومقامات الرجال لنه مقيد بالوهم والخيال وبالنفس المارة التي تتغطرس وتتكبر فتظن‬
‫ل وما هؤلء بالنسبة للرجال الكمل من ذوي المعارف‬
‫أنها تخرق الرض وتبلغ الجبال طو ً‬
‫والسرار إل بمنزلة الصبيان ‪.‬‬
‫فليس المراد بوحدة الوجود عند هؤلء الصوفية وجودين قديمين اتحدا ول قديم وحادث اتحدا‬
‫تعالى ال عن ذلك فإنه سبحانه ل يحل في شئول يمازج شيئًا ول شئ في ذاته في خلقه ول من‬
‫خلقه في ذاته ‪ ،‬وقربه وبعده ليس كقرب الجسام وبعدها‪ ،‬ول هو محصور ول محدود ول يحمله‬
‫شئ ول هو حامل لشيء استوى على عرشه بذاته استواء يليق به ‪ ،‬مطلق في ذاته وصفاته‬
‫وأفعاله ل تقوم صفاته إل بذاته ول تفارق ذاته صفاته تنزه عن أوصاف خلقه قال تعالى ‪َ ":‬لْي َ‬
‫س‬
‫صيُر "‬
‫سِميُع الَب ِ‬
‫يٌء َوُهَو ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫َكِمْثِلِه َ‬
‫وكل من يتكلم في التصوف من غير أن يتذوقه ويتحققه وينصب نفسه قاضيًا وحاكمًا قاسيًا على‬
‫أولياء ال من رجال التصوف السلمي ويصدر حكمه فيهم بما عنده من الجهل بحقائقهم ويؤول‬
‫كلمهم الذي ل يفهم معناه على مراده هو ‪ ،‬ل على مرادهم هم إنما ذلك لخبث في طويته أو جهل‬
‫مركب أو هما معًا فل يؤخذ بقوله في شأن الصوفية والتصوف السلمي لنه جاهل بذلك إذ ليس‬
‫من اختصاصه ‪.‬‬
‫فقد قال أحد الصالحين ) إن كل من يتكلم في التصوف أو يحكم عليه من غير أن يعرف حقائقه‬
‫ويتذوق معانيه إنما هو جاهل بالتصوف والصوفية فمثله كمن رأى جرة مملؤة مغلقة ورأى النحل‬
‫يحوم حولها فحكم على ما في باطنها من تحويم النحل عليها من غير أن يتحقق بما فيها ( ‪.‬‬
‫والنحل هو الشارات والرموز التي توحي بأن هناك شيئًا ل يستطيع من يراه التعبير عنه لدقته‬
‫وغرابته بين العامة لنه من أسرار ال تعالى ‪ ،‬كما قال ابو هريرة رضي ال عنه ) حفظت عن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وعاءين من العلم أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الخر فلو بثثته‬
‫لقطعتم مني هذا البلعوم ( صحيح رواه البخاري وقال المام زين العابدين ‪-:‬‬
‫إني لكتم من علمي جواهره *** كيل يرى ذاك ذو جهل فيفتنا‬
‫وقد تقدم في هذا أبو الحسن*** إلى الحسين ووصى قبله الحسنا‬
‫يارب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا‬
‫ولستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا‬
‫وأما الشخاص الذين حكموا على ما في الجرة خطأ فهم الذينيتكلمون في التصوف بغير علم ول‬
‫تحقق ويزعمون أنه على علموان لهم يدًا على أهل ال وأوليائه وهم مخطئون لنهم لم يعرفوا‬
‫التصوف ولم يلموا بمصطلحاته ورموزه وعباراته‪.‬‬
‫وقدقال الشيخ محي الدين بن عربي في الباب ‪ 314‬من الفتوحاتالمكية ‪ " :‬لو صح أن يرقى‬
‫النسان عن إنسانيته ‪ ،‬والملك عن ملكيته ‪ ،‬ويتحد بخالقه تعالى ‪ ،‬لصح انقلب الحقائق وخرج‬
‫الله عن كونه إلهًا ‪ ،‬وصار الحق خلقًا ‪ ،‬والخلق حقًا ‪ ،‬وما وثق أحد بعلم ‪ ،‬وصار المحال‬
‫واجبًا ‪ ،‬فل سبيل إلى قلب الحقائق أبدًا " كما قال في ذلك شعرًا ‪:‬‬
‫ودع مقالة قوم قال عالمهم بأنه بالله الواحد اتحدا‬

‫التحاد محال ل يقول به إل جهول به عن عقله شرداً‬
‫وعن حقيقته وعن شريعته فاعبد إلهك ل تشرك به أحدا‬
‫فأنظر كيف ينفي التحاد والحلول بشدة ‪ ،‬فما كان في كتبه مما يوهم ذلك فهو إما مدسوس عليه ‪،‬‬
‫وإما فهم على غير حقيقته‪ ...‬فليتقال من يطلق لسانه على أهل ال تعالى ) راجع اليواقيت‬
‫والجواهر جـ ‪ 1‬ص ‪ ، ( 81- 80‬وهذا أيضًا غير ما أشار إليه الشيخ محي الدين بن عربي في‬
‫الفتوحات جـ ‪ 4‬ص ‪) 379-372‬ما قال بالتحاد إل أهل اللحاد ومن قال بالحلول فهو معلول ل‬
‫دواء له( ‪.‬‬
‫وقد قال الشيخ علوان الحموي ) ت ‪936‬هـ ( في أحكام النظر صـ ‪ 187‬ومن ذلك ما أثر من‬
‫كلم محمد بن واسع تلميذ الحسن البصري في فنائه عن الخلق بالحق ما رأيت شيئًا إل رأيت ال‬
‫فيه‪ .‬فقال معلقًا على المعنى ‪ :‬مذهب أهل الحق أن مولنا عز وجل ل يحل في شيء ‪ ،‬ول يحل‬
‫فيه شيء ‪ ،‬وكلما ورد عليك ما يوهم ظاهره الحلول فاوله ‪.‬‬
‫ومن التأويل الواعي ما قاله الشيخ أبن تيميه ‪ ) :‬في مجموعة الرسائل والمسائل صـ ‪" : ( 86‬‬
‫إذا قال قائل إل ورأيت ال فيه " ‪ ،‬أو قبله وبعده ‪ ،‬بمعنى ظهور الصانع آثار الصانع في‬
‫صنعته ‪.‬‬
‫فهذا القول صحيح ـ بل القرآن كله مبنى على هذا ‪ ،‬وهو سبحانه نور السموات والرض‬
‫أما الشيخ الهجويري )ت‪470 .‬هـ( في كتابه ) كشف المحجوب صـ ‪ (115‬تعليقًا على هذه‬
‫العبارة فقد قال ‪ " :‬إن المرأ عندما تغلبه المحبة للذات اللهية يصل إلى مرحلة ل يرى فيها‬
‫الصنع وإنما يرى الصانع " وقال أحد العارفين ‪ ) :‬أراد بهذه الرؤية الشهود ل رؤية البصر لن‬
‫الرؤية من خصائص البصر ‪ ،‬والشهود من خصائص البصيرة ( ن فليتدبر ذلك من يهاجمون‬
‫الصوفية ‪ ،‬وليتعظوا بمقولة الشيخ ابن تيمية ‪ ،‬وغيره من أهل المعرفة والبصيرة ‪.‬‬
‫فعلى كل حال سنترك كل من يطوي خبثًا وإساءة لولياء ال الذاكرين ال كثيرًا من رجال‬
‫التصوف السلمي سنتركه إلى ال يوم تنكشف الستار ‪ ،‬وتبرز السرار فيعرف حين ذلك ما‬
‫عندهم من الحقائق وما عنده من الخيال ‪ ،‬ولكن بعد أن يقطف ثمرة الخسران من القطيعة‬
‫والحرمان ويندم حين ل ينفعه الندم ‪ .‬قال عليه الصلة والسلم في شأن الذاكرين حديثًا له معناه )‬
‫ل يتحسر أهل الجنة في الجنة إل على ساعة مرت في الدنيا لم يذكروا ال فيها ( وقال تعالى ‪:‬‬
‫ب ( سورة الرعد ‪. 28 /‬‬
‫ن اْلُقُلو ُ‬
‫طَمِئ ّ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل ِبِذْكِر ا ِّ‬
‫)َأ َ‬
‫ل من أن يثوبوا إلى‬
‫فماذا نقول لمثال هؤلء إل )أنهم نيام عن الحقائق فإذا ماتوا انتبهوا( فبد ً‬
‫رشدهم ويذكروا ربهم ويصحبوا هؤلء الصادقين الذن امر ال بصحبتهم قال تعالى ‪:‬‬
‫ن"‬
‫صاِدِقي َ‬
‫ل َوُكوُنوا َمَع ال ّ‬
‫ن آَمُنوا اّتُقوا ا َّ‬
‫" َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫ل من ذلك أطلقوا ألسنتهم وأقلمهم لتمطر على الذاكرين والصالحين مطر السوء فرحماك اللهم‬
‫فبد ً‬
‫فأنت أرحم الراحمين ‪.‬‬
‫بما سبق لخص أحد المفكرين نشأة التصوف في السلم ويؤيد هذا الرأي عن نشوء التصوف ما‬
‫ذكره العلمة القشيري حيث يقول المام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في رسالته ) الرسالة‬
‫القشيرية ( ‪-:‬‬
‫) أعلموا رحمكم ال تعالى أن المسلمين بعد رسول ال ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪ -‬لم يتسم أفضلهم‬
‫في أجيالهم بتسمية علم سوى صحبة رسول ال ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪ -‬إذ ل فضيلة لهم فوقها‬
‫فقيل لهم ‪ ) ،‬الصحابة ( ‪ ،‬ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة ) التابعين (‬
‫‪ ،‬ورأوا ذلك أشرف سمة ‪ ،‬ثم قيل لمن بعدهم ) أتباع التابعين ( ‪ ،‬ثم أختلف الناس وتباينت‬
‫المراتب ‪ ،‬فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ) الزهاد والعباد ( ‪ ،‬ثم ظهرت البد‬
‫وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق أدعوا أن فيهم زهادا ‪ ،‬فانفرد خواص أهل السنة المراعون‬
‫أنفاسهم مع ال تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم ) الصوفية ( واشتهر هذا السم‬
‫لهؤلء الكابر قبل المائتين من الهجرة ‪.‬‬

‫وهكذا يتبين لنا أن التصوف نشأ مع اللسلم وولد معه ‪ ،‬لنه جزء منه وليس بشيء زائد عليه‬
‫بل هو التطبيق العملي والجانب الروحي منه ‪ ،‬وهو ل يمت بصلة إلى ما يقوله أعداء السلم عنه‬
‫أنه مأخوذ عن المم الخرى ‪ ،‬بل ما هو في واقع المر إل حال النبي ‪ -‬صّلى ال عليه و سّلم ‪-‬‬
‫وآله والقرون الثلثة الولى المشهود لها بالخيرية ‪ ،‬وما الصوفي إل المسلم الذي يكون في حاله‬
‫مع ال ومع الناس أقرب شئ إلى ما كان عليه النبي عليه الصلة والسلم وصفوة أصحابه ‪.‬‬
‫التصوف تعريفًا واشتقاقًا‪:‬‬
‫تعريف التصوف‪:‬‬
‫للتصوف تعاريف كثيرة بلغت اللفين ‪ .‬أحسنها وأجمعها هذان التعريفان ‪:‬‬
‫قال ابن عجيبة رحمه ال ‪:‬‬
‫التصوف ‪) :‬صدق التوجه إلى ال بما يرضاه ومن حيث يرضاه (‪.‬‬
‫وقال أيضًا ‪-:‬‬
‫) التصوف علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك ‪ ،‬وتصفية البوان من الرزائل‬
‫وتحليتها بأنواع الفضائل فأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة (‪.‬‬
‫ولقد كادت كتب التصوف تجمع على أنه ) صدق التوجه المشروط برضى ال سبحانه وتعالى ( ‪.‬‬
‫اشتقاق التصوف‪:‬‬
‫للتصوف عدة اشتقاقات ذكرت في كتب السادة الصوفية كالرسالة القشيرية والحياء وغيرهما ‪،‬‬
‫ل لشتقاق التصوف ‪ ،‬لكن الشيخ ابن عجيبة رحمه‬
‫ولم يتفق الصوفية على واحدة منها تكون أص ً‬
‫ال ذكر أكثرها واختار الخيرة منها ‪ ،‬وإليك نص كلمه رحمه ال ‪-:‬‬
‫واشتقاقه ـ أي التصوف إما ‪- :‬‬
‫‪ -1‬من الصفاء ‪ ،‬لن مداره على التصفية ‪.‬‬
‫‪ -2‬أو من الصفوة )الكاملين( لنه اتصاف بالكمالت ‪.‬‬
‫‪ -3‬أو من صفة المسجد النبوي ‪ ،‬لن الصوفية متشبهون بأهل الصفة في التوجه والنقطاع ‪.‬‬
‫وليس هذا اشتقاقًا وإنما هو من قبيل النسبة لهل الصفة ‪.‬‬
‫ل من الدنيا وزهدًا فيها ‪ ،‬واختاروا ذلك لنه كان‬
‫‪ -4‬أو من الصوف لن جل لباسهم الصوف تقل ً‬
‫لباس النبياء عليهم الصلة والسلم‬
‫وقد أختار ابن عجيبة رحمه ال الشتقاق الخير فقال ‪:‬‬
‫) هذا الشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة ‪ ،‬لن لباس الصوف حكم ظاهر على الظاهر ونسبتهم إلى‬
‫غيره أمر باطن ‪ ،‬والحكم بالظاهر أوفق وأقرب ( ‪.‬‬
‫من هو الصوفي ؟‬
‫ويقول الشيخ ابن عجيبة رحمه ال ‪:‬‬
‫) قال سهل التستري ‪ :‬الصوفي من صفا من الكدر وامتلء من الفكر وأنقطع إلى ال عن البش‬
‫واستوى عنده الذهب والمدر ـ أي ل رغبة له في شئ دون موله ( ‪.‬‬
‫وقال الجنيد ‪ ) :‬الصوفي كالرض يطرح عليها كل قبيح ول يخرج منها إل كل مليح ( ‪.‬‬
‫وقال أيضًا ‪ :‬الصوفي كالرض يطؤه البر والفاجر ‪ ،‬وكالسماء تظل كل شئ وكالمطر يسقي كل‬
‫شئ (‬
‫وزبدة القول ‪:‬‬
‫والحق أن التصوف تفسير ) لمقام الحسان ( الذي هو ) مقام الشهود والعيان ( ول مشاحة في‬
‫المصطلحات وإنما العبرة للحقيقة والجوهر ‪ ،‬فإذا كان إصلح الظاهر واجبًا فإصلح الباطن‬
‫أوجب لنه موضع نظر ال عز وجل ‪ ،‬وإذا كان إصلح باطن العبد وسريرته وقلبه جوهر الدين‬
‫فذلك هو التصوف ‪ ،‬ول يزيد أبدًا عن كونه إصلحًا للقلوب ‪.‬‬

‫القرآن الكريم والسنة النبوية‬
‫) مصدر التصوف السلمي (‬
‫الطرق الصوفية المنسوبة إلى أكابر الولياء ـ وبمعزل عما يلصقه بها الدعياء والمنتسبون من‬
‫الداخل أو يفتريه عليها السفهاء والمرجفون من الخارج ـ هي في حقيقتها مدارس عملية لتطبيق‬
‫المنهج السلمي الشامل ) عقيدًة وشريعًة وسلوكًا وممارسًة وصورًا حيًة ومعبرًة لما كان عليه‬
‫الصحابة والتابعون في القرون السلمية الزاهرة ( ‪ ،‬دعت إلى ال تعالى بالسلوك والتطبيق‬
‫العملى في المقام الول لحكام الشريعة وبالموعظة الحسنة وسبت أغوار النفس النسانية بكل‬
‫جوانبها السلبية واليجابية فكان التوفيق حليفها في هذا المضمار ‪ .‬ومن أقوال أعلم التصوف‬
‫وأئمته ننقل هنا مايشير إلى حقيقة ماهم عليه وما يدينون أنفسهم به ويدعون أتباعهم إليه ‪.‬‬
‫قال أبو الفيض ذو النون المصري ‪ ) :‬مدار الكلم على أربع حب الجليل وبغض القليل ‪ ،‬وأتباع‬
‫التنزيل ‪ ،‬وخوف التحويل ( ‪ ،‬القليل هنا بمعنى " ما قل من العمل الصالح " وقيل هو الدنيا لقوله‬
‫تعالى ) قل متاع الدنيا قليل ( وهو الرجح ‪.‬‬
‫وقال أبوالحسن السري المغلس السقطي ‪ ) :‬التصوف اسم لثلثة معان وهو الذي ل يطفئ نور‬
‫معرفته نور ورعه ‪ ،‬ول يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ‪ ،‬ول يتحمله علي‬
‫هتك أستار محارم ال ( ‪.‬‬
‫وقال أبو يزيد طيفور بن عيسي البسطامي ‪ ) :‬لو نظرتم الي رجل أعطي من الكرامات حتى‬
‫يرتقي في الهواء فل تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند المر والنهي وحفظ الحدود وأداء‬
‫الشريعة (‪.‬‬
‫وقال أبو الحسن أحمد بن الحواري ‪ ) :‬من عمل بل تباع سنة رسول ال صلي ال عليه وسلم‬
‫فباطل عمله ( ‪.‬‬
‫وقال أبو حفص الحداد ‪ ) :‬من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم‬
‫خواطره فل تعده في ديوان الرجال ( ‪.‬‬
‫وقال أبو القاسم الجنيد بن محمد ‪ ) :‬من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ل يقتدي به في هذا‬
‫المر لن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ( ‪.‬‬
‫وقال أبو الحسين أحمد بن حمد النوري ‪ ) :‬من رأيته يدعي مع ال حالة تخرجه عن حد العلم‬
‫الشرعي فل تقربن منه ( ‪.‬‬
‫وقال أبو سعيد أحمد بن عيسي الخراز ‪ ) :‬كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل ( ‪.‬‬
‫وقال أبو العباس احمد بن محمد بن عطاء ال السكندري ‪ ) :‬من ألزم نفسه آداب الشريعة نور ال‬
‫قلبه بنور المعرفة ‪ ،‬ول مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلي ال عليه وسلم وآله وصحبه‬
‫وسلم في أوامره وأفعاله وأخلقه ( ‪.‬‬
‫وقال أبو حمزة البغدادي البزار ‪ ) :‬من علم طريق الحق تعالي سهل عليه سلوكه ‪ ،‬ول دليل على‬
‫الطريق الي ال تعالي ال متابعة الرسول صلي ال عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله ( ‪.‬‬
‫وقال المام عبد ال بن علوي الحداد باعلوي الحسيني رحمه ال تعالى في قصيدته التائية‬
‫الكبرى ‪:‬‬
‫وما في طريق القوم بدء ول انتهاء مخالفة للشرع فاسمع وأنصت‬
‫وخل مقالت الذين تخبطوا ول تك إل مع كتاب وسنة‬
‫فثم الهدي والنور والمن من ردي ومن بدعه تخشى وزيغ وفتنه‬
‫ومتبعو حكم الكتاب وسنة هم المفلحون الفائزون بجنة‬
‫عليهم من الرحمن رضوانه الذي هو النعمة العظمي وأكبر منة‬
‫ومن حاد عن علم الكتاب وسنة فبشره في الدنيا يخزي وذله‬
‫وبشره في العقبى بسكني جهنم وحرمان جنات الخلود ورؤية‬
‫ويقول الشيخ ابن تيمية عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة في قسم ) علم السلوك ( من‬
‫فتاواه ما نصه ‪:‬‬

‫" والشيخ عبد القادر ) الجيلني رحمه ال ( ونحوه من مشائخ زمانهم أمروا بالتزام الشرع‬
‫والمر والنهي ‪ ،‬وتقديمه على الذوق والقدر ‪ ،‬وهو من أعظم المشائخ أمرًا بترك الهوى ‪،‬‬
‫والرادة النفسية ‪ ،‬فإن الخطأ في الرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه الجهة ‪ .‬فهو يأمر‬
‫ل ‪ ،‬بل يريد ما يريد الرب عز وجل ‪ ،‬إما إرادة‬
‫السالك إن ل تكون له إرادة من جهته هو أص ً‬
‫شرعية إن تبين له ذلك ‪ ،‬و إل جرى مع الرادة القدرية ‪ ،‬فهو إما مع الرب ‪ ،‬إما مع خلقه ‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه له الخلق والمر ‪ ،‬وهذه طريقة شرعية صحيحة " ‪.‬‬
‫عقيدة أهل التصوف‪:‬‬
‫بعض أعداء الصوفية المعاصرين يتهمونهم بان لهم عقائد مخالفة لعقائد المسلمين أهل السنة‬
‫والجماعة ‪ ،‬وهذه عقائد الصوفية ومعتقداتهم كما بينها الصوفي الكبير الشيخ عبد الوهاب‬
‫الشعراني في كتابه )النوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ( الطبعة الثانية ـ دار جوامع الكلم‬
‫ـ الدراسة ـ القاهرة ‪.‬‬
‫ومنها يتبين أنها مطابقة تمامًا لمعتقد أهل السنة والجماعة الموافقة للكتاب والسنة وعقيدة السلف‬
‫الصالح رضوان ال تعالى عليهم‪.‬‬
‫عقائد القوم وبيان موافقتها لعقائد أهل السنة والجماعة ‪:‬‬
‫" اعلم يا أخي أن القوم اجمعوا على أن ال تعالى إله واحد ل ثاني له ‪ ،‬منزه عن الصاحبة‬
‫والوالد ‪ ،‬مالك الملك ل شريك له ‪ ،‬صانعه ل مدبر معه ‪ ،‬موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد‬
‫يوجده ‪ ،‬بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده ‪ ،‬فالعالم كله موجود به ‪ ،‬وهو تعالى موجود بذاته ‪،‬‬
‫ل افتتاح لوجوده ‪ ،‬ول نهاية لبقائه ‪ ،‬بل وجوده مطلق مستمر ‪ ،‬قائم بنفسه ‪ ،‬ليس بجوهر فيقدر له‬
‫المكان ول بعرض فيستحيل عليه البقاء ‪ ،‬ول بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ‪ ،‬مقدس عن الجهة‬
‫والقطار مرئي بالقلوب والبصار ‪ ،‬استوى تعالى على عرشه كما قال ‪ ،‬وعلي المعنى الذي أراده‬
‫كما أن العرش وما حواه به استوى ‪ ،‬له الخرة والولي ‪ ،‬ليس له مثل معقول ول دلت عليه‬
‫العقول ‪ ،‬ل يجده زمان ‪ ،‬ول يقله مكان ‪ ،‬وهو الن على ما عليه كان خلق المتمكن والمكان ‪،‬‬
‫وأنشأ الزمان ‪ ،‬وقال أنا الواحد الحي الذي ل يؤوده حفظ المخلوقات ول ترجع إلية صفة لم يكن‬
‫عليها ول تلحقه صفة من صفات المصنوعات ‪ ،‬تعالي أن تحله الحوادث أو يحلها ‪ ،‬أو تكون قبله‬
‫أو يكون قبلها ‪ ،‬بل يقال كان ول شئ معه ‪ ،‬لن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ‪ ،‬فل‬
‫نطلق عليه تعالي ما لم يطلقه علي نفسه فإنه أطلق علي نفسه ‪ :‬الول والخر ل القبل والبعد ‪.‬‬
‫فهو القيوم الذي ل ينام ‪ ،‬والقهار الذي ل يرام ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ‪ ،‬خلق العرش‬
‫وجعله حد الستواء ‪ .‬أنشأ الكرسي وأوسعه الرض والسماء ‪ ،‬اخترع اللوح والقلم العلى ‪،‬‬
‫وأجراه كاتبًا في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ‪ .‬أبدع العالم على غير مثال سابق وخلق الخلق ‪،‬‬
‫وأخلق ما خلق‬
‫أنزل الرواح إلى الشباح أمنا ‪ ،‬وجعل هذه الشباح المنزلة إليها الرواح في الرض خلقا ‪،‬‬
‫وسخر لها ما في السموات وما في الرض جميعًا منه ‪ ،‬فل تتحرك ذرة إل عنه ‪ ،‬خلق الكل من‬
‫غير حاجة إليهم له ‪ ،‬ول موجب أوجب ذلك عليه ‪ ،‬لكن علمه بذلك سبق ‪ ،‬فل بد أن يخلق ما‬
‫عِليٌم)‪ ، ((3‬أحاط بكل شئ‬
‫يٍء َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ن َوُهَو ِبُك ّ‬
‫طُ‬
‫ظاِهُر َواْلَبا ِ‬
‫خُر َوال ّ‬
‫ل َوالْ ِ‬
‫لّو ُ‬
‫خلق ‪ .‬فهو )ُهَو ا َْ‬
‫علما ‪ ،‬وأحصى كل شئ عددًا ‪ ،‬يعلم السر وأخفى ‪ ،‬يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور كيف ل‬
‫يعلم شيئا خلقه؟‪،‬‬
‫خِبيُر "‬
‫ف اْل َ‬
‫طي ُ‬
‫ق َوُهَو الّل ِ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫ل َيْعَلُم َم ْ‬
‫" َأ َ‬
‫علم الشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما علمها ‪ ،‬فلم يزل عالما بالشياء لم يتجدد له علم‬
‫عند تجرد الشياء ‪ ،‬أتقن الشياء وأحكمها بعلمه ‪ ،‬يعلم الكليات والجزئيات على الطلق ‪ ،‬فهو‬
‫عالم الغيب والشهادة فتعالي عما يشركون ‪ ،‬فعال لما يريد فهو مريد للكائنات في عالم الرض‬
‫والسموات ‪ ،‬لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شئ حتى أراده ‪ ،‬كما أنه سبحانه ما أوجده حتى علمه ‪،‬‬
‫إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم ‪ ،‬أو يفعل المختار من ذلك الفعل ما ل يريده ‪ ،‬كما‬

‫يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي ‪ ،‬كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة‬
‫بها ‪.‬‬
‫فما في الوجود طاعة ول عصيان ‪ ،‬ول ربح ول خسران ‪ ،‬ول عبد ول حر ‪ ،‬ول برد ول حر ‪،‬‬
‫ول حياة ول موت ‪ ،‬ول حصول ول فوت ‪ ،‬ول نهار ول ليل ‪ ،‬ول اعتدال ول ميل ‪ ،‬ول بر ول‬
‫بحر ‪ ،‬ول شفع ول وتر ‪ ،‬ول جوهر ول عرض ‪ ،‬ول صحة ول مرض ‪ ،‬ول فرح ول ترح ‪،‬‬
‫ول روح ول شبح ‪ ،‬ول ظلمه ول ضياء ‪ ،‬ول أرض ول سماء ‪ ،‬ول تركيب ول تحليل ‪ ،‬ول‬
‫كثير ول قليل ول غداة ول أصيل ‪ ،‬ول بياض ول سواد ‪ ،‬ول سهاد ول رقاد ‪ ،‬ول ظاهر ول‬
‫باطن ‪ ،‬ول متحرك ول ساكن ‪ ،‬ول رطب ول يابس ‪ ،‬ول قشر ول لب ‪ ،‬ول شئ من جميع‬
‫المتضادات المختلفة والمتماثلت ‪ ،‬إل وهو مراد للحق تعالى ‪ ،‬وكيف ل يكون مرادًا له وهو أو‬
‫جده ؟ ‪ .‬فكيف يوجد المختار ما ل يريد ؟ ‪ .‬ل راد لمره ‪ ،‬ول معقب لحكمه ‪ ،‬يؤتي الملك من‬
‫يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويضل من يشاء ‪ ،‬ويهدي من يشاء ‪،‬‬
‫ما شاء ال كان ‪ ،‬وما لم يشأ لم يكن ‪.‬‬
‫لو اجتمع الخلئق كلهم على أن يريدوا شيئًا لم يرد ال تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ‪ ،‬أو أن‬
‫يفعلوا شيئًا لم يرد ال إيجاده وأرادوا ما فعلوه ول استطاعوا ول أقدرهم عليه ‪ ،‬فالكفر واليمان‬
‫والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ‪ ،‬ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفًا بهذه الرادة‬
‫أزلً والعالم معدوم ‪ ،‬ثم أوجد العالم من غير تفكر ول تدبر ‪ ،‬بل أوجده عن العلم السابق ‪ ،‬وتعيين‬
‫الرادة المنزهة الزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان فل‬
‫مريد في الوجود على الحقيقة سواه إذ هو القائل سبحانه ‪:‬‬
‫حِكيًما "‬
‫عِليًما َ‬
‫ن َ‬
‫ل َكا َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫شاَء ا ُّ‬
‫ن َي َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫شاُءو َ‬
‫" َوَما َت َ‬
‫وأنه تعالى كما علم ما خلق ‪ ،‬وأراد فخص ‪ ،‬وقدر فأوجد ‪ ،‬كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ‪،‬‬
‫ونطق في الورى ‪،‬من العالم السفل والعلى ول يحجب سمعه البعد ‪ ،‬فهو القريب ‪ ،‬ول يحد‬
‫بصره القرب ‪ ،‬فهو البعيد ‪ ،‬يسمع كلم النفس في النفس ‪ ،‬وصوت المماسة الخفية عند اللمس ‪،‬‬
‫يرى السواد في الظلماء والماء في الماء ‪ ،‬ل يحجبه المتزاج ‪ ،‬ول الظلمات ‪ ،‬ول النور وهو‬
‫السميع البصير ‪.‬‬
‫تكلم سبحانه ‪ ،‬ل عن صمت متقدم ول سكوت متوهم ‪ ،‬بكلم قديم ازلي كسائر صفاته من علمه‬
‫وإرادته وقدرته ‪ ،‬كلم به موسى عليه الصلة والسلم ‪ ،‬سماه التنزيل والزبور والتوراة والنجيل‬
‫والقرآن ‪ ،‬من غير تشبيه ول تكييف ‪ ،‬إذ كلمه تعالى بغير لهاة ول لسان كما ان سمعه من غير‬
‫أصمخة ول آذان ‪ ،‬كما أن بصره من غير أعين ول أجفان ‪ ،‬كمت أن إرادته من غير قلب ول‬
‫جنان ‪ ،‬كما أن علمه من غير أضطرار ول نظر في برهان كما أن حياته من غير بخار تجويف‬
‫قلب حدث عن امتزاج الركان كما أن ذاته ل تقبل الزيادة ول النقصان‬
‫فسبحانه سبحانه من بعيد دان ‪ ،‬عظيم السلطان عميم الحسان جسيم المتنان ‪ ،‬كل ما سواه فهو‬
‫عن وجود فائض ‪ ،‬وفضله وعدله الباسط والقابض ‪ ،‬أكمل صنع العالم وابدعه حين أوجده‬
‫واخترعه ‪ ،‬ل شريك له في ملكه ول مدبر معه فيه إن أنعم فنعم العبد فذلك فضله ‪ ،‬وإن أبلى‬
‫فعذب فذلك عدله لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ‪ ،‬ول يتوجه عليه من سواه‬
‫حكم فيتصف بالجبر لذلك والخوف ‪ ،‬كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ومتصرف عن إرادته‬
‫وامره ‪ ،‬فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور [ أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور أو تقوم‬
‫عليها الحجة بالعلم بما تفعل ] ‪ .‬فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور ل يحكم‬
‫عدله في فضله ول فضله في عدله لقدم صفاته كلها ‪ ،‬وتنزهها عن الحدوث ‪.‬‬
‫أخرج العالم قبضتين ‪ ،‬وأوجد لهم منزلتين ‪ ،‬فقال ‪ :‬هؤلء للجنة ول أبالي وهؤلء للنار ول أبالي‬
‫ولم يعترض عليه معترض هناك إذ ل موجود كان ثم سواه فالكل تحت تصرف أسمائه ‪ ،‬فقبضة‬
‫تحت أسماء بلئه وقبضة تحت أسماء آلئه ‪ ،‬لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدًا لكان ‪ ،‬أو‬

‫شقيًا لما كان في ذلك من شان لكنه سبحانه لم يرد ذلك فكان كما أراد فمنهم الشقي ومنهم السعيد ‪،‬‬
‫هنا وفي يوم الميعاد ‪ ،‬فل سبيل إلى تبدي ما حكم عليه القدم وقد قال تعالى في حديث فرض‬
‫الصلة ‪ ":‬هي خمس وهي خمسون "‬
‫لٍم ِلْلَعِبيِد "‬
‫ظّ‬
‫ي َوَما َأَنا ِب َ‬
‫ل َلَد ّ‬
‫ل اْلَقْو ُ‬
‫قال تعالى ‪َ " :‬ما ُيَبّد ُ‬
‫وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ولم تعبر عنها عليها الفكار ول الضمائر إل بوهب إلهي‬
‫ووجود رحماني ‪ ،‬لمن أعتنى ال به من عباده ‪ ،‬وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ‪ ،‬فعلم حين أعلم‬
‫أن اللوهية أعطت هذا التقسيم ‪ ،‬وإنها من دقائق القديم فسبحان من ل فاعل سواه ‪ ،‬ول موجود‬
‫بذاته إل إياه‬
‫ن"‬
‫خَلَقُكْم َوَما َتْعَمُلو َ‬
‫ل َ‬
‫قال تعالى ‪َ " :‬وا ُّ‬
‫ن"‬
‫سَأُلو َ‬
‫ل َوُهْم ُي ْ‬
‫عّما َيْفَع ُ‬
‫ل َ‬
‫سَأ ُ‬
‫ل ُي ْ‬
‫" َ‬
‫ن"‬
‫جَمِعي َ‬
‫شاَء َلَهَداُكْم َأ ْ‬
‫جُة اْلَباِلَغُة َفَلْو َ‬
‫حّ‬
‫ل َفِلّلِه اْل ُ‬
‫" ُق ْ‬
‫وكما شهدنا ل تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية ‪ ،‬كذلك نشهد لسيدنا ومولنا محمد‬
‫ل ِبِإْذِنِه‬
‫عًيا ِإَلى ا ِّ‬
‫)‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ (-‬بالرسالة إلى جميع الناس كافة بشيرًا ونذيرا ‪َ " ،‬وَدا ِ‬
‫جا ُمِنيًرا "‬
‫سَرا ً‬
‫َو ِ‬
‫وأنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه وأدى أمانته ‪ ،‬ونصح للمة ‪ ،‬وقد‬
‫ثبن أنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ، -‬وقف في حجة الوداع على كل من حضره من التباع ‪،‬‬
‫فخطب وذكر وخوف وأنذر ووعد وأوعد ‪ ،‬وأمطر وأرعد ‪،‬وما خص بذلك التذكير أحدًا دون أحد‬
‫‪ ،‬عن إذن الواحد الصمد ثم قال ‪ :‬أل هل بلغت؟ فقالوا جميعًا ‪ :‬قد بلغت يا رسول ال ‪ ،‬فقال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ :‬اللهم فاشهد‬
‫ونؤمن بكل ما جاء به رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬مما علمنا ومما لم نعلم فمما‬
‫علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر ‪ ،‬أن الموت عن أجل مسمى عند ال إذا جاء ل يؤخر ‪ ،‬فنحن‬
‫مؤمنون بهذا إيمانًا ل ريب فيه ول شك ‪ ،‬كما آمننا وأقررنا وصدقنا أن سؤال منكر ونكير في‬
‫القبر حق ‪ ،‬وأن عذاب القبر حق ‪ ،‬والبعث من القبور حق ‪ ،‬والعرض على ال تعالى حق‬
‫والحوض حق ‪ ،‬والميزان حق ‪ ،‬وتطاير الصحف حق ‪ ،‬والصراط حق ‪ ،‬والجنة والنار حق ‪،‬‬
‫وفريقًا فى الجنة وفريقًا في السعير حق ‪ ،‬وأن كرب ذلك اليوم على طائفة حق وطائفة أخرى ل‬
‫يحزنهم الفزع الكبر حق ‪ ،‬وأن شفاعة المصطفى صلى ال عليه وسلم حق وأن شفاعة النبياء‬
‫والملئكة وصالحي المؤمنين حق ‪ ،‬وشفاعة أرحم الراحمين حق ‪ ،‬فتشفع أسماؤه من الحنان‬
‫والرحمة عند أسماء الجبروت والنقمة والعدل وكذلك نؤمن بأن إيمان أهل النار كفرعون وغيره‬
‫غير مقبول ول نافع ‪ ،‬وأن جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون‬
‫بالشفاعة حق وأن كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند ال تعالى حق ‪.‬‬
‫كذلك نؤمن بأن التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حق ‪ ،‬والتأبيد للكافرين والمشركين والمجرمين‬
‫في النار حق ‪ ،‬فهذه عقيدة القوم رضي ال عنهم أجمعين ‪ .‬وعقيدة عليها حيينا وعليها نموت ‪.‬‬
‫كما هو رجاؤنا في ال عز وجل ‪ .‬فنسأل ال من فضله أن ينفعنا بهذا اليمان ويثبتنا عليها عند‬
‫النتقال إلى الدار الحيوان ‪ .‬ويحلنا دار الكرامة والرضوان ‪ ،‬ويحول بيننا وبين دار) سرابيل أهل‬
‫القطران( ‪ ،‬ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها باليمان ‪ ،‬وممن ينقلب من الحوض وهو ريان‬
‫ويرجح له الميزان بالحسان ‪ ،‬وثبت منه على السراط القدمان ‪ .‬إنه المنعم المنان آمين اللهم‬
‫آمين ‪ ،‬اللهم آمين ) بفضل ال العظيم ورسول رحمته الكريم (‬
‫ن " سورة التوبة ‪59 /‬‬
‫غُبو َ‬
‫ل َرا ِ‬
‫سوُلُه ِإّنا ِإَلى ا ِّ‬
‫ضِلِه َوَر ُ‬
‫ن َف ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫سُيْؤِتيَنا ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سُبَنا ا ُّ‬
‫حْ‬
‫َ‬
‫فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة الشأن ‪ .،‬وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى‬
‫لك فأولى ‪ ،‬وال يتولى هداك ‪ ،‬وال يرعاك ولك يتولى ‪.‬‬
‫تلك كانت )عقيدة أهل التصوف ( كما بينها الصوفي الكبير الشيخ عبد الوهاب الشعراني صاحب‬
‫المؤلفات الكثيرة في علم الصوف ‪ ،‬وهي عندما يتدبرها المنصف يراها مطابقة تمامًا بل هي نفس‬

‫عقيدة السواد العظم ‪ ،‬أهل السنة والجماعة ‪ ،‬التي عبر عنها كل من المام الطحاوي والمام‬
‫حجة ـ السلم الغزالي ‪ ،‬وأخيراً المام عبد ال ابن علوي الحداد الحضرمي الحسيني رحمهم ال‬
‫تعالى أجمعين ‪.‬‬
‫من هم الشاعرة‪:‬‬
‫ومن أعلم الهدى فيهم ؟!‬
‫يتضح مما مر من اعتقاد الصوفية أنه اعتقاد الشاعرة غالبًا فمن هم الشاعرة ؟‬
‫يقول العلمة السيد الشيخ محمد علوي المالكي ‪:‬‬
‫يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الشاعرة ‪ ،‬ول يعرفون من هم الشاعرة ‪ ،‬ول طريقتهم في‬
‫أمر العقيدة ‪ ،‬ول يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلل أو يرميهم بالمروق من الدين واللحاد في‬
‫صفات ال ‪ .‬وهذا الجهل بمذهب الشاعرة سبب تمزق وحدة أهل السنة وتشتت شملهم حتى غدا‬
‫البعض يسلك الشاعرة ضمن طوائف أهل الضلل ‪ ،‬ولست أدرى كيف يقرن بين أهل اليمان‬
‫وأهل الضلل ؟‬
‫وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلة المعتزلة وهم الجهمية ؟‬
‫ن " سورة القلم ‪36-35 /‬‬
‫سو َ‬
‫ب ِفيِه َتْدُر ُ‬
‫ن)‪َ(36‬أْم َلُكْم ِكَتا ٌ‬
‫حُكُمو َ‬
‫ف َت ْ‬
‫" َما َلُكْم َكْي َ‬
‫الشاعرة هم أئمة أعلم الهدى من علماء المسلمين الذين مل علمهم مشارق الرض ومغاربها ‪،‬‬
‫وأطبق الناس على فضلهم ودينهم ‪ .‬هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلم علمائهم الفاضل الذين‬
‫وقفوا في وجه طغيان المعتزلة أنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الئمة العلم ‪:‬‬
‫شيخ السلم أحمد بن حجر العسقلني شيخ المحدثين بل مراء صاحب كتاب " فتح الباري على‬
‫شرح البخاري " أشعري المذهب وكتابه ل يستغنى عنه أحد من العلماء ‪.‬‬
‫شيخ علماء أهل السنة المام النوري صاحب " شرح صحيح مسلم " وصاحب المصنفات الشهيرة‬
‫أشعري المذهب ‪.‬‬
‫شيخ المفسرين المام القرطبي صاحب تفسير " الجامع لحكام القرآن " أشعري المذهب ‪.‬‬
‫شيخ السلم ابن حجر الهيثمي صاحب كتاب " الزواجر عن اقتراف الكبائر " أشعري المذهب ‪.‬‬
‫شيخ الفقه والحديث المام الحجة زكريا النصاري أشعري المذهب‬
‫المام ابن حجر العسقلني ـ صاحب فتح الباري على شرح البخاري ‪.‬‬
‫المام النسفي صاحب التفسير ‪.‬‬
‫المام الشربيني ‪.‬‬
‫أبو حيان التوحيدي صاحب تفسير " البحر المحيط " ‪.‬‬
‫المام ابن جزي صاحب " التسهيل في علوم التنزيل " ‪ ...‬الخ‬
‫المام ابن كثير صاحب التفسير ‪.‬‬
‫المام الشوكاني ‪.‬‬
‫المام ابن عطية صاحب التفسير ‪.‬‬
‫كل هؤلء من أئمة الشاعرة ‪ .‬ولو أردنا أن نعدد هؤلء العلم من المحدثين والمفسرين والفقهاء‬
‫من أئمة الشاعرة لضاق بنا الحال واحتجنا إلى مجلدات في سرد هؤلء العلماء الفاضل الذين‬
‫مل علمهم مشارق الرض ومغاربها إن من الواجب أن نرد الجميل لصحابه وأن نعرف الفضل‬
‫لهل العلم والفضل ‪ .‬الذين خدموا شريعة سيد المرسلين )من العلماء العلم( ‪ .‬وأي خير يرجى‬
‫فينا إن رمينا علماءنا وأسلفنا الصالحين بالزيغ والضلل ؟ وكيف يفتح ال علينا لنستفيد من‬
‫علومهم إذا كنا نعتقد فيها النحراف والزيغ عن طريق السلم ؟ إنني أقول ‪ :‬هل يوجد بين علماء‬
‫العصر من الدكاترة والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ السلم ابن حجر العسقلني والمام‬
‫النووي من خدمة السنة النبوية المطهرة كما فعل هذان المامان الجليلن تغمدهما ال بالرحمة‬
‫والرضوان؟ فكيف نرميهما وسائر الشاعرة بالضلل ونحن بحاجة إلى علوم هؤلء ؟ وكيف نأخذ‬
‫العلوم عنهم إذا كانوا على ضلل ؟ ‪ ،‬وقد قال المام الزهري رحمه ال ‪ :‬إن العلم دين فانظروا‬

‫عمن تأخذون دينكم ‪.‬‬
‫أفما كان يكفي أن يقول المعارض ‪ :‬إنهم رحمهم ال اجتهدوا فأخطئوا في تأويل الصفات وكان‬
‫الولى أن ل يسلكوا هذا المسلك ‪ ،‬بدل أن نرميهم بالزيغ والضلل ونغضب على من عدهم من‬
‫أهل السنة والجماعة ؟ ‪ .‬وإذا لم يكن المام النووي ‪ ،‬والعسقلني والقرطبي والفخر الرازي‬
‫والهيثمي وزكريا النصاري وغيرهم من جهابذة العلماء وفطاحل النبغاء إذا لم يكونوا من أهل‬
‫السنة والجماعة فمن أهل السنة والجماعة إذن؟‬
‫إنني أدعو مخلصًا كل الدعاة وكل العاملين في حقل الدعوة السلمية أن يتقوا ال في أمة محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم وبخاصة في أجلة علمائها وأخيار فقهائها ول خير فينا إذا لم نعرف لعلمائنا‬
‫قدرهم وفضلهم ‪.‬‬
‫وهذا محرر من ) مفاهيم يجب أن تصحح ( ‪ 38‬ـ ‪ 40‬للسيد محمد علوى المالكي ( وغيره من‬
‫المراجع الموثقة ‪.‬‬
‫أما المام محيي الدين النووي المتوفى سنة ‪ 676‬هـ فيقول في رسالته ) المقاصد السبعة في‬
‫أصول طريق التصوف ( ‪:‬‬
‫وهي خمس ‪ .‬تقوى ال في السر والعلنية ‪ .‬واتباع السنة في القوال والفعال ‪ .‬والعراض عن‬
‫الخلق في القبال والدبار ‪ .‬والرضا عن ال تعالى في القليل والكثير ‪ .‬والرجوع إلى ال في‬
‫السراء والضراء ‪.‬‬
‫) فتحقيق التقوى ( بالورع ‪ ،‬والستقامة ‪ .‬وتحقيق السنة بالتحفظ ‪ ،‬وحسن الخلق ‪ ) .‬وتحقيق‬
‫العراض ( بالصبر ‪ ،‬والتوكل ‪ ) .‬وتحقيق الرضا ( عن ال بالقناعة والتفويض ‪ ) .‬وتحقيق‬
‫الرجوع إلى ال تعالى ( بالشكر له في السراء ‪ ،‬واللجوء إليه في الضراء ‪ ).‬وأصول ذلك‬
‫خمسة ( علو الهمة‪ ،‬وحفظ الحرمة ‪ ،‬وحسن الخدمة ونفوذ العزيمة ‪ ،‬وتعظيم النعمة ‪.‬‬
‫) فمن علت همته ( ارتفعت رتبته ‪ .‬ومن حفظ حرمة ال حفظ ال حرمته ‪ .‬ومن حسنت خدمته‬
‫وجبت كرامته ‪ :‬ومن نفذت عزيمته دامت هدايته ‪ ،‬ومن عظم النعمة شكرها ‪ .‬ومن شكرها‬
‫استوجب المزيد ‪.‬‬
‫) وأصول المعاملت خمسة ( طلب العلم ‪ ،‬للقيام بالمر ‪ .‬وصحبة المشائخ والخوان للتبصر ‪.‬‬
‫وترك الرخص والتأويلت ‪ .‬للتحفظ ‪ .‬وضبط الوقات بالوراد ‪ ،‬للحضور ‪ .‬وأتهام النفس في كل‬
‫شئ ‪ .‬للخروج عن الهوى ‪ .‬والسلمة من العطب ‪.‬‬
‫ل ودينًا مما ل يرجع إلى أصل ول قاعدة ‪ ،‬وآفة‬
‫) فطلب العلم ( آفته صحبة الحداث سنًا وعق ً‬
‫الصحبة الغترار والفضول ‪ .‬وآفة ترك الرخص والتأويلت الشفقة على النفس ‪ :‬وآفة اتهام‬
‫خْذ مِْنَها‬
‫ل ُيْؤ َ‬
‫ل َ‬
‫عْد ٍ‬
‫ل َ‬
‫ل ُك ّ‬
‫ن َتْعِد ْ‬
‫النفس النس بحسن أحوالها وأستقامتها ‪ :‬وقد قال ال تعالى َوِإ ْ‬
‫سورة النعام ‪70 /‬‬
‫) وأصول ما تداوى به علل النفس ( خمسة ‪ :‬تخفيف المعدة بقلة الطعام والشراب واللجأ إلى ال‬
‫مما يعرض عند عروضه ‪ ،‬والفرار من مواقف ما يخشى الوقوع فيه ‪ ،‬ودوام الستغفار مع‬
‫الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم بأجتماع الخاطر ‪ ،‬وصحبة من يدلك على ال تعالى ‪.‬‬
‫أقوال بعض كبار العلماء في التصوف والصوفية‪:‬‬
‫قال الشيخ ) عبد القاهر البغدادي ( ‪ :‬قد أشتمل كتاب تاريخ الصوفية لبى عبد الرحمن السلمي‬
‫على زهاء ألف شيخ من الصوفيه ما فيهم واحد من أهل الهواء ‪.‬‬
‫وقال ) أحمد بن زروق ( حد التصوف ورسم وفصل بوجوه تبلغ نحو ألفين ترجع كلها لصدق‬
‫التوجه إلى ال تعالى ‪ ،‬وإنما هي وجوه فيه ) وال أعلم ( وصدق التوجه مشروط بكونه من حيث‬
‫يرضاه الحق تعالى ‪ ،‬ول يصح مشروط بدون شرط ـ‬
‫ضُه َلُكم " فلزم تحقيق اليمان‬
‫شُكُروا َيْر َ‬
‫ن َت ْ‬
‫ضى ِلِعَباِدِه اْلُكْفَر َوِإ ْ‬
‫ل َيْر َ‬
‫"َو َ‬
‫فلزم العمل بالسلم فل تصوف إل بفقه ‪ ،‬إذ ل تعرف أحكام ال الظاهرة إل منه ‪ ،‬ول فقه إل‬
‫بتصوف ‪ ،‬إذ ل عمل إل بصدق التوجه إلى ال ) ومنه قول مالك رحمه ال ( ‪ " :‬من تصوف‬

‫ولم يتفقه فقد تزندق ‪ ،‬ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ‪ ،‬ومن جمع بينهما فقد تحقق " ) محرر‬
‫من إيقاظ الهمم في شرح الحكم ‪. ( 6-5 :‬‬
‫وقال الشيخ ) عبد الوهاب الشعراني ( ‪ :‬إن طريق القوم مشيدة بالكتاب والسنة ‪ ،‬ومبينة على‬
‫سلوك أخلق النبياء والصفياء ‪ ،‬وهي ل تكون مذمومة إل إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو‬
‫الحكام ل غير ‪ ،‬وأما إذا لم تخالف فغاية الكلم أنه فهم أوتيه رجل مسلم ‪ ،‬فمن شاء فليعمل به‬
‫ومن شاء تركه ‪ ،‬ومن بقى باب للنكار إل سواء الظن بهم ‪ ،‬وحملهم على الرياء وذلك ل يجوز‬
‫شرعًا ‪ .‬فمن دقق النظر علم أنه ل يخرج شئ من علوم أهل ال تعالى عن الشريعة ‪ ،‬وكيف‬
‫تخرج علومهم عن الشريعة ‪ ،‬والشريعة هي وصلتهم إلى ال عز وجل في كل لحظة ‪ ،‬ولكن‬
‫أصل أستغراب من ل إلمام له بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة‪ ،‬وكونه لم يتبحر‬
‫في علم الشريعة ‪ ،‬وذلك قال الجنيد رحمه ال تعالى ‪ ) :‬علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة ( ردًا‬
‫على من توهم خروجه عنهما في ذلك الزمان أو غير ‪.‬‬
‫وقد أجمع القوم على أنه ل يصلح للتصدر في طريق ال عز وجل إل من تبحر في علم الشريعة‬
‫وعلم منطوقها ومفهومها وخاصها وعامها وناسخها ومنسوخها وتبحر في لغة العرب حتى عرف‬
‫مجازاتها واستعارتها ‪ .‬وغير ذلك ‪ ،‬فكل صوفي فقي ول عكس ‪.‬‬
‫وبالجملة فما أنكر أحوال الصوفية إل من جهل حالهم ‪ .‬وقال القشيري ‪ :‬لم يكن عصر في مدة‬
‫السلم وفي شيخ من هذه الطائفة إل وأئمة ذلك الوقت من العلماء قد أستسلموا لذلك الشيخ‬
‫وتواضعوا معه وتباركوا به ولول مزية وخصوصية القوم لكان المر بالعكس ) أنتهى ( )محرر‬
‫من الطبقات الكبرى المسماة بلواقح النوار في طبقات الخيار ‪:‬‬
‫‪ 4 - 1‬للشعراني ( ‪.‬‬
‫وقال الشيخ ) محمد أمين الكردي النقشبندي ( ‪:‬‬
‫فحدالتصوف هو علم يعرف به أحوال النفس محمودها ومذمومها وكيفية تطهيرها من المذموم‬
‫منها وتحليتها بالتصاف بمحمودها ‪ ،‬وكيفية السلوك والسير إلى ال تعالى والفرار إليه ‪.‬‬
‫ن " الذاريات ‪50 /‬‬
‫ل ِإّني َلُكْم ِمْنُه َنِذيٌر ُمِبي ٌ‬
‫" َفِفّروا ِإَلى ا ِّ‬
‫وثمرته تهذيب القلوب بمعرفة علم الغيوب ذوقًا ووجدانًا ‪ ،‬والنجاة في الخرة ‪ ،‬والفوز برضا ال‬
‫تعالى ‪ ،‬ونيل السعادة البدية ‪ ،‬وتنوير القلب وصفاؤه بحيث تتكشف له أمور جليلة ‪ ،‬ويشهد‬
‫ل عجيبة ‪ ،‬ويعاين ما عميت عنه بصيرة غيره ) محرر من تنوير القلوب في معاملة علم‬
‫أحوا ً‬
‫الغيوم ‪. ( 406‬‬
‫رأي الصوفية في التحاد والحلول‬
‫) استحالة الحلول والتحاد (‬
‫أ ‪ -‬الحلول ‪:‬‬
‫يقول ) المام الغزالي ( ‪ :‬المفهوم من الحلول أمران أحدهما النسبة التي بين الجسم وبين مكانه‬
‫الذي يكون فيه وذلك ل يكون إل بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك ‪،‬‬
‫والثاني النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عنه بأنه‬
‫حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا المعرض فإن كا‬
‫ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بغيره ‪ ،‬إل بطريق المجاورة الواقعة بين الجسام فل‬
‫يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب تعالى ‪.‬‬
‫ب ـ التحاد ‪:‬‬
‫وأما التحاد فذلك أيضًا أظهر بطلنًا لن قول القائل أن العبد صار هو الرب كلم متناقض في‬
‫نفسه ‪ ،‬بل ينبغي تنزه الرب سبحانه عن أن يجري إنسان في حقه بأمثال هذه المحاولت ويقول‬
‫ل مطلقًا ‪ ،‬إن قول القائل أن شيئًا صار شيئًا آخر محال على الطلق لننا نقول إذا عقل زيد‬
‫قو ً‬
‫وحده ثم قيل أن زيدًا صار عمرًا واتحد به فل يخلو عند التحاد إما أن يكون كلهما موجودين أو‬
‫كلهما معدومين أو زيدًا موجودًا وعمرو معدومًا أو بالعكس ول يمكن قسم وراء هذه الربعة ‪.‬‬

‫فإن كانا موجودين فلم يصر أحدهما عين الخر ‪ .‬بل عين كل واحد منهما موجود وإنما الغاية أن‬
‫يتحد مكانهما وذلك ل يوجب التحاد ‪ ،‬فإن العلم والرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ول‬
‫يتباين محلها ول تكون القدرة هي العلم والرادة ول يكون قد اتحدا بعضهما بالبعض ‪ .‬وإن كانا‬
‫معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شئ ‪ .‬وإن كان أحدهما معدومًا والخر موجودًا فل‬
‫اتحاد إذ ل يتحد موجود بمعدوم ‪ ،‬فالتحاد بين الشيئين مطلقًا محال وهذا جار في الذوات المتماثلة‬
‫ل عن المختلفة " فالقول في حق ال بذلك ضلل وغفلة ‪.‬‬
‫فض ً‬
‫يقول السيد أحمد الرفاعي إمام الطريقة الرفاعية في كتابه ) البرهان المؤيد ( ‪:‬‬
‫* الطريق واضح ‪ :‬صلة وصوم وحج وزكاة والتوحيد والشهادة برسالة الرسول ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬أول الركان واجتناب المحرمات ‪.‬‬
‫* ويقول الفقير ـ أي الصوفي ـ على الطريق مادام على السنة ‪ ،‬فمتى حاد عنها زل عن‬
‫الطريق ‪.‬‬
‫* كونوا مع الشرع في آدابكم كلها ظاهرًا وباطنًا ‪ .‬فإن من كان مع الشرع ظاهرًا وباطنًا كان ال‬
‫حظه ونصيبه ‪ ،‬ومن كان ال حظه ونصيبه كان من أهل مقعد صدق عند مليك مقتدر ‪.‬‬
‫* ويقول الحارس )المحاسبي ( وأبو يزيد ) البسطامي ( ـ وهما من كبار الصوفية ‪ ) -:‬الشرع ل‬
‫ينقص ول يزيد ( ويقول المام الرفاعي ) في البرهان المؤيد ( ‪ :‬قال ابن أدهم قال ‪ :‬وأبو يزيد‬
‫ل ينقص ول يزيد وقال ‪ :‬الشافعي ومالك يهدي لنجح الطرق وأقرب المسالك ‪ .‬شيدوا دعائم‬
‫الشريعة بالعلم والعمل ‪ ،‬وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم والعمل ( ‪.‬‬
‫* وقال المام الرفاعي ‪ :‬وال ـ يا هذا‪ ،‬ما ثم اتصال ول انفصال‪ ،‬ول حول ول أنتقال ‪ ،‬ول‬
‫حركة ول زوال ( ‪.‬‬
‫* ويقول نافيًا للوحدة والتحاد والحلول ‪ :‬اتبع ول تبتدع ‪ ..‬كل حقيقة خالفت الشريعة فهي‬
‫زندقة ‪.‬‬
‫ويقول الشيخ محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية في كتابه ) فقه الصلوات والمدائح النبوية‬
‫( وهو من كبار الصوفية المعاصرين ‪:‬‬
‫العقائد المنحرفة ‪:‬‬
‫ونقرر بهذا أننا نبرأ إلى ال تعالى من القول ‪ :‬باتحاد العبد بالرب بمعنى حلول الرب في العبد ‪،‬‬
‫أو فناء العبد في الرب ‪ ،‬ونبرأ إليه من القول بوحدة الوجود التي تجعل الكون هو ال وال هو‬
‫الكون ‪ ،‬ونبرأ إليه من القول ‪ :‬بالحقيقة المحمدية بمعنى أن محمدًا هو ال ‪ ،‬أو هو الكون ‪ ،‬فالمر‬
‫منه وإليه ونبرأ إلى ال من القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ‪ ،‬ومن كل فكر أو قول أو عمل ‪،‬‬
‫يخالف ظاهر الشرع الشريف ‪ ،‬ونستغفر ال ونتوب إليه ‪.‬‬
‫الشيخ الصوفي وشروط المشيخة‪:‬‬
‫قال الشيخ ) أحمد بن زروق ( ‪:‬‬
‫وشروط الشيخ الذي يلقى إليه المريد نفسه وقيادة خمسة ‪ :‬علم صحيح ‪ ،‬وذوق صريح ‪ ،‬وهمة‬
‫عالية ‪ ،‬وحالة مرضية ‪ ،‬وبصيرة نافذة ‪.‬‬
‫ومن فيه خصال من خمس خصال ل تصح مشيخته وهي ‪:‬‬
‫الجهل بالدين ‪ ،‬وإسقاط حرمة المسلمين ‪ ،‬ودخول فيما ل يعنيه ‪ ،‬واتباع الهوى في كل شئ ‪ ،‬وسؤ‬
‫الخلق من غير مبالة ‪.‬‬
‫وإن لم يكن شيخ مرشدًا أو إن وجد ناقصًا عن الشروط الخمسة ‪ ،‬أعتمد على ما كمل فيه وعومل‬
‫بالخوة في الباقي ) محرر من كتاب قوانين حكم الشراق إلى كافة الصوفية في جميع الفاق ( ‪.‬‬
‫وقال المام السيد أحمد الرفاعي في ) البرهان المؤيد ( صـ ‪:43،4‬‬
‫) عليكم بنا ‪ :‬صحبتنا ترياق مجرب البعد عنا سم قاتل ‪ .‬أي محبوبي‪ :‬تزعم أنك أكتفيت عنا‬
‫بعلمك ‪ .‬ما الفائدة من علم بل عمل ‪ .‬ما الفائدة من عمل بل إخلص ‪ .‬الخلص على حافة‬
‫طريق الخطر ‪ .‬من ينهض بك إلى العمل ‪ ،‬من يداويك من سم الرياء ‪ ،‬من يدلك على الطريق‬

‫القويم ‪ ،‬بعد الخلص ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ل تعلمون ) هكذا أنبأنا العليم الخبير‪ ،‬وقال‬
‫أيضًا ‪ ) :‬لزم أبوابنا أيها المحبوب فإن كل درجة وآونة تمضي لك في أبوابنا درجة وإنابة إلى‬
‫ال تعالى ‪ ،‬فقد صحت إنابتنا إلى ال ‪.‬‬
‫ي " سورة لقمان ‪ 15/‬انتهى‬
‫ب ِإَل ّ‬
‫ن َأَنا َ‬
‫ل َم ْ‬
‫سِبي َ‬
‫قال تعالى ‪َ " :‬واّتِبْع َ‬
‫ثم إن كل من الصاحب والمصحوب ‪ .‬إما أن يكون شيخًا وإما أن يكون أخًا ‪ ،‬وإما أن يكون‬
‫ل متشرعًا متدينًا عارفًا في أصول الطريقة‬
‫مريدًا ‪ .‬فإن كان شيخًا فينبغي أن يكون مرشدًا كام ً‬
‫وأركانها وآدابها وخلواتها وجلواتها وأذكارها وأسرارها وسلوكها مطابقًا للشرع الشريق في أقواله‬
‫وأفعاله وأحواله ‪ .‬عاريًا من الكبر ‪ ،‬والعجب ‪ ،‬والحقد والحسد لمشايخ القوم ‪ .‬والكذب ‪ .‬خاليًا من‬
‫دسائس النفس متواضعًا ذا حرمة للفقراء ‪ .‬والمشايخ والغرباء ‪ ،‬طلق اللسان في تعريف السلوك ‪،‬‬
‫ل بإجازة‬
‫يراعي المسائل في الجواب ‪ ،‬مهذب الخلق ‪ ،‬صاحب قلب ولسان ثابت قدم ‪ ،‬متسل ً‬
‫مربوطة واصلة إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪.‬‬
‫وقال سيدي السيد أحمد عز الدين الصياد الرفاعي ‪:‬‬
‫)) اعلم من تصدر للمشيخة في هذه الطريقة العلية الرفاعية فقد جلس على بساط النيابة عن شيخ‬
‫المة سيدنا السيد أحمد الرفاعي رضي ال عنه ‪ .‬فيجب عليه أن يكون عالمًا بما أمره ال ونهاه‬
‫عنه ‪ ،‬فقيهًا في المور التعبدية ‪ ،‬حسن الخلق طاهر العقيدة ‪ ،‬عارفًا بأحكام الطريقة سالكًا‬
‫ل شيخًا زاهدًا متواضعًا حمولً للثقال ‪ ،‬صاحب وجد وحال وصدق مقال ‪ ،‬ذا فراسة‬
‫مسلكًا كام ً‬
‫وطلقة لسان في تعريف أحكام الطريقة ‪ ،‬متبرئًا من عوائق الشطح ‪ ،‬طارحًا ربقة الدعوى والعلو‬
‫‪ ،‬محبًا لشيخه حافظًا شأن حرمته في حياته وبعد وفاته يدور مع الحق أين دار ‪ ،‬منصفًا في أقواله‬
‫ل على ال في جميع أحواله ‪.‬‬
‫وأفعاله ‪ ،‬متك ً‬
‫وذكر شيخنا السيد محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي في كتابه ) العقد النضيض ‪ :‬في آداب‬
‫الشيخ والمريد ( ‪ ،‬فقال ‪ :‬وينبغي أن يتصف الشيخ المسلك باثنتي عشرة صفة ‪ :‬صفتان من‬
‫حضرة ال نعالى وهما الحلم والستر ‪ .‬وصفتان من حضرة النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫وهما الرأفة والرحمة ‪ ،‬وصفتان من حضرة الصديق الكبر رضي ال تعالى عنه وهما الصدق‬
‫والتصديق وصفتان من حضرة الفاروق العظم رضي ال تعالى عنه وهما المر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر وصفتان من حضرة عثمان ذي النورين رضي ال تعالى عنه ‪ ،‬وهما الحياء‬
‫والتسليم ‪ .‬وصفتان من حضرة الكرار رضي ال تعالى عنه وهما الزهد التم والشجاعة ومتى‬
‫أتصف الشيخ بهذه الوصاف وتمكن قدمه ‪ ،‬وزكت شيمه ‪ ،‬صلح أن يكون قدوة في الطريق أ ‪.‬‬
‫هـ‬
‫وقد نقل نحو ذلك أيضًا عن حضرة السيد الشيخ عبد القادر الكيلني قدس ال سره ومن كلمه‬
‫رضي ال عنه في وصف الشيخ المرشد ‪ .‬هذه البيات الشريفات ‪:‬‬
‫إذا لم يكن للشيخ خمس فوائد ‪ .0.‬وإل فدجال يقود إلى الجهل‬
‫عليم بأحكام الشريعة ظاهرًا ‪ .0.‬ويبحث عن علم الحقيقة عن أصل‬
‫ويظهر للوراد بالبشر والقرى ‪ .0.‬ويخضع للمسكين بالقول والفعل‬
‫فهذا هو الشيخ المعظم قدره ‪ .0.‬عليم بأحكام الحرام من الحل‬
‫يهذب طلب الطريقة ونفسه ‪ .0.‬مهذبة من قبل ذو كرم كلي‬
‫وإن كان الصاحب أو المصحوب أخًا فينبغي أن يكون خادمًا لخوانه ‪ .‬واقفًا على رؤسهم بإنشراح‬
‫ل جهده في رضاهم ‪ .‬فقد قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫صدر بفرح وسرور متلذذًا بخدمتهم ‪ .‬باذ ً‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ) :‬الخادم في أمان ال مادام في خدمة أخيه المؤمن ( وقال ‪ ) :‬وال في عون‬
‫العبد ما كان العبد في عون أخيه ( وقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " خادم القوم‬
‫أعظمهم أجرًا " رواه الديلمي ‪.‬‬
‫أما شيوخ الطريقة الرفاعية فيقولون ‪-:‬‬

‫أول آداب الطريقة الرفاعية الصحبة ‪ ،‬وهي خدمة المرشد وذلك لتتطيع طباع المريد على طباع‬
‫المرشد فتتبدل أخلقه وطباعه ‪ ،‬من سؤ الخلق إلى حسن الخلق ‪ ،‬ومن الغضب إلى الحلم ‪ ،‬ومن‬
‫البخل إلى السخاء ‪ ،‬ومن الكبر إلى التواضع ومن الجفاء والغلظة إلى الوفاء والبشاشة ‪ ،‬ومن‬
‫الغدر والضرر إلى النفع والبر ومن الدعوى إلى الوقوف عند الحد ‪ ،‬ومن الشطح إلى الدب ‪،‬‬
‫ومن الخوض بالقاويل الكاذبة المكفرة التي أعتادها جماعة من أهل الزيغ كالقول بالوحدة المطلقة‬
‫وكنسبة تأثير الفعل إلى المخلوق وغير ذلك إلى الخضوع والنقهار تحت مرتبة العبدية ورد‬
‫الثار إلى المؤثر الحقيقي وهو ال تعالى ‪.‬‬
‫وليخرج المريد من ورطة الكسل إلى ساحة النشاط بالعمل ‪ ،‬وتجنب الزلل وليكون متجردًا عن‬
‫ل بكتاب ال ‪ ،‬مقتفيًا آثار‬
‫غرض نفسه ‪ ،‬ومرض طبعه ل يريد فسادًا في الرض ‪ ،‬ول علوًا عام ً‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬دائرًا مع الحق حيث دار ‪ ،‬معمدًا على ال متك ً‬
‫ل‬
‫عليه ‪ ،‬منصرفًا عن الغيار ‪ ،‬ناشرًا لواء العزم ‪ ،‬شادًا مؤزر العزيمة ‪ ،‬قريبًا من أهل الحق ‪،‬‬
‫بعيدًا عن أهل الباطل ‪ ،‬خاضعًا خاشعًا ‪ ،‬ل يرى لنفسه على غيره مزية ‪ ،‬ل تأخذه في ال لومة‬
‫لئم ‪ ،‬محبًا للعلماء معرضًا عن السفهاء ‪ ،‬غير متعزز في الطريق ‪ ،‬ل طائشًا ول فاحشًا ‪ ،‬غيورًا‬
‫في دين ال ل ينحرف عن الحق اتباعًا لهوى النفس يترقب من طرفة العين الموت ‪ ،‬ويستحي في‬
‫كل أاحواله وأفعاله من ال سبحانه ‪ ،‬يعظم أشياخه ‪ ،‬ويعرفمنزلتهم ول ينجح إلى غيرهم ‪ ،‬ويحب‬
‫القوم ويكثر الدب مع أاولياء ال جميعًا ‪ ،‬ويحد المراتب ‪ ،‬ول يغل في دين ال ‪ ،‬وينصرف عن‬
‫الغيار ثقة بال ‪ ،‬ويحب ل ‪ ،‬يستمد من مدد ال بواسطة رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫‪ ،‬ويجعل أشياخه وسائط لرسول ال ‪ ،‬عليه أفضل صلوات ال ‪ ،‬ويتخذ الصدق والجد وقوة الحزم‬
‫والعزم بضاعة في طريق ال مع سلمة الصدر ‪ ،‬وطهارة النية وهي أصل عظيم في طريقة‬
‫شيخنا ووسيلتنا إلى ال تعالى السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي ال عنه كيف ل ؟ وطريقته‬
‫طريقة المصطفى ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬وأخلقه ‪ ،‬وإن من طريقته عدم القول بتأثير‬
‫المخلوقين ‪ ،‬ورد المر في كل المور ل رب العالمين ‪ ،‬وصدق ال العظيم‬
‫شاُء َوُهَو اْلَعِزيُز‬
‫ن َي َ‬
‫صُر َم ْ‬
‫ل َين ُ‬
‫صِر ا ِّ‬
‫ن)‪ِ(4‬بَن ْ‬
‫ح اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ن َبْعُد َوَيْوَمِئٍذ َيْفَر ُ‬
‫ل َوِم ْ‬
‫ن َقْب ُ‬
‫ل الَْْمُر ِم ْ‬
‫" ِّ‬
‫حيُم " الروم ‪ . 5-4/‬انتهى‬
‫الّر ِ‬
‫وقال المام الشيخ عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه سواد العينين ‪ :‬أخبرني الشيخ العارف‬
‫أبو زكريا جمال الدين الحمصي ‪ :‬أن شيخه العارف بال الحجة القدوة المام عز الدين أحمد‬
‫الصياد سبط القطب الغوث أبي العباس السيد أحمد الرفاعي رضي ال عنهم أخبره أن جده سيدنا‬
‫السيد أحمد الكبير قال على كرسي وعظه في ) أم عبيدة ( ‪ :‬قد آن أوان زوال هذه المجالس ‪:‬‬
‫أفل يخبر الحاضر الغائب ‪ :‬من أبتدع في الطرق وأحدث في الدين وقال بالوحدة ‪ ،‬وكذب متعاليًا‬
‫على الخلق وشطح متكلفًا ‪ ،‬وتفكه فيما نقل عن القوم من الكلمات المجهولة لدينا وتطاول كاذبًا ‪،‬‬
‫وخل بإمرأة أجنبية بل حجة شرعية ‪ ،‬وطمح نظره لعراض المسلمين وأموالهم ‪ ،‬وفرق بين‬
‫الولياء بعضهم عن بعض بل وجه شرعي ‪ .‬وأعان ظالمًا ‪ ،‬وخذل مظلومًا‪ ،‬وكذب صادقًا‪،‬‬
‫وصدق كاذبًا ‪ ،‬وعمل بأعمال السفهاء ‪ ،‬وقال بأقوالهم فليس مني فأنا بريء منه في الدنيا والخرة‬
‫‪ ،‬وسيدي الشيخ منصور بريء منه والنبي عليه أفضل صلوات ال وسلمه بريء منه وال على‬
‫ما نقول وكيل ‪.‬‬
‫فما المقصود من اتخاذ شيخ وطريق ؟‬
‫يقول الشيخ محمد الهاشمي الشاذلي ) وأما إذا كانت الطريق طريق تبرك ‪ ،‬والشيخ ينقصه بعض‬
‫شروط الرشاد ‪ ،‬أو تعدد مطلوب المريد ‪ ،‬أو خالفت نية المريد همة الشيخ وتعدد الزمان أو فارق‬
‫شيخه بموت أو غيره من حوادث الزمان ‪ ،‬وكان لم يتمم سيره إلى ال في الطريق ‪ ،‬ولم يحصل‬
‫مقصودة من الطريق على يده ‪ ،‬فيجب عليه أن يواصل مطلوبة من الطريق ‪ ،‬ول يجوز أن يبقى‬
‫ل بربه ويظن أن هذا هو المقصود من‬
‫مربوطًا بالول طول عمره ‪ ،‬وإل أدى ذلك إلى موته جاه ً‬

‫الطريق ‪ .‬كل فإن المقصود من الطريق الوصول إلى المطلوب العظم ـ عز وجل ـ فطريق بل‬
‫وصول وسيلة بل غاية ‪ ،‬والطريق جعلت للسير فيها بقصد الوصول إلى مطلبه ل للمكث والقامة‬
‫ل بربه ‪ .‬والمراد بالمريد الحقيقي ‪ :‬هو الذي سلم نفسه مباشرة‬
‫فيها وإل أدى ذلك إلى موته جاه ً‬
‫بالفعل للشيخ المرشد الحي في أيام السير إلى ال تعالى ليسلك به الطريق إلى أن يقول له ‪ :‬ها‬
‫أنت وربك ) نقل من كتاب الحل السديد لما استشكله المريد ‪(7-6‬‬
‫موقف ورأي الئمة الربعة‬
‫) رضوان ال تعالى عليهم (‬
‫في التصوف والصوفية‬
‫رأي الئمة الربعة في التصوف والصوفية‪:‬‬
‫وخلفًا لما يكتب ويقال عن موقف الئمة الربعة رضوان ال تعالى عليهم من التصوف‬
‫والصوفية ‪ ،‬أثبت العارف بال تعالى الشيخ أحمد العلوي المستغانمي في كتاب ) رسالة الناصر‬
‫معروف في الذب عن التصوف( محبتهم لهم واعتقادهم فيهم ‪ ،‬فقال ‪ ) :‬أما جمهور الئمة وأكابر‬
‫الملة فجميعهم مطبقون على أن التصوف هو زبدة الدين والغاية القصوى من سنن الموحدين ‪،‬‬
‫ل أنه عبارة عن السير في ) مقام الحسان( الذي هو أحد أركان الدين الثلثة المصرح‬
‫وكفاه فض ً‬
‫بها في حديث جبريل عليه السلم ( ‪.‬‬
‫وقال ) وماذا عسى تقوله الئمة ومن لهم اطلع على أحوال قوم وهبوا أنفسهم ل وبذلوا جهده في‬
‫طاعة ال ‪ ،‬وأسسوا قوائم مجدهم على تقوى من ال إلى أن عرفوا بين الخصوص والعموم بأنهم‬
‫أهل ال وخاصته من خلقه ‪ ،‬دانو إلى ال بخالص التوجه فدانت لهم العباد وأشرقت بأنوار هداهم‬
‫النواحي والبلد ( أ‪.‬هـ‬
‫وهأنذا أذكر لكم ما صح نقله عن المجتهدين وأئمة الدين وغيرهم من الكتاب المطلعين من جهة ما‬
‫يرجع للتصوف واحترام أهله من عهد التابعين إلى يومنا هذا ‪ ،‬وبذلك تدركون كون مذهب‬
‫الصوفية مجمعًا على إعظامه واحترامه بين سائر طبقات المة إل منشذ والنادر ل حكم له ‪.‬‬
‫ونبدأ بمرجع عظيم للكل ـ في التصوف ـ ونعني به المام الحسن البصري ـ ثم نستفيض منه إلي‬
‫الئمة الربعة وأتباعهم وكرام أهل البيت وأصفياء ال لنبين آرائهم ومواقفهم من الصوفية‬
‫والتصوف ـ رضوان ال عليهم أجمعين ‪.‬‬
‫رأي المام الحسن البصري‪:‬‬
‫من ذلك ما جاء عن الحسن البصري رضي ال عنه الذي اتفق أكثر المحققين من مؤرخي السلم‬
‫علي أنه أول من فتح الكلم في مذهب التصوف ‪ ،‬وأول متصدر لنشر تعليمه بالخصوص ‪ ،‬وهذا‬
‫مما علم بالتواتر بين علماء السنة ‪ .‬قال العالمة ابن الحاج في جزئه الثاني من مدخله ما نصه ‪:‬‬
‫إن الحسن البصري رضي ال عنه هو أول من فتح الكلم في طرق القوم ‪ ،‬وهو رضيع إحدى‬
‫زوجات النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ .‬وهي أم سلمة رضي ال عنها ‪ ,‬وقد قيل ‪ :‬إن‬
‫المذهب كانت تعرف رجله باسم المتصوفة من عهده ‪ ،‬وكان الحسن يجل ويحترم المنتمين لذلك‬
‫الجناب ‪ ،‬ويشهد لهذا ما أخرجه أبو نصر عبد ال ابن علي الطوسي المتوفى سنة ‪ 378‬هـ في‬
‫كتاب ) اللمع ( قال حاكيًا عن الحسن البصري رضي ال عنه إني رأيت صوفيًا في الطواف‬
‫فأعطيته شيئًا فلم يأخذه ‪ ،‬وقال معي أربعة داونق فيكفيني ما معي ‪ ،‬وكان الحسن يذكر ذلك علي‬
‫سبيل العجاب بحال ذلك الصوفي ‪ .‬وأظنك أيها الخ ل تجهل مكانة الحسن البصري في السلم‬
‫ومنزلته بين التابعين ‪ ،‬وهذا النقل كما أنه جاء عن الطوسي جاء عن التجيبي أيضا نقله عن‬
‫) سيدي ابن عجيبة ( في شرحه ) المباحث الصلية ( ‪ ،‬مما يشهد أيضا لعظمة المتصوفة‬
‫والتصوف في نظر السلف ما يروي عن ) سيفان الثوري ( وهو من عظماء أئمة القرن الثاني‬
‫ومجتهديهم قولة لول ) أبو هشام ( الصوفي ما عرفنا دقيق الرياء ‪ .‬ومن ذلك ما ذكره عنه ) أبن‬
‫القيم الجوزيه ( في شرحه علي منازل السائرين أنه كان يقول ‪ :‬أعز الخلق خمسة انفس " عالم‬
‫زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني " ‪.‬‬

‫رأي المام مالك‪:‬‬
‫فتأمل يرحمك ال قوله لول ) أبو هشام الصوفي ( ما عرفت الرياء وهذا صريح في أخذه عن‬
‫المتصوفة واحترامه لجنابهم ثم تأمل قول ) المام مالك ( في غير ما كتاب ‪ " :‬من تصوف ولم‬
‫يتفقه فقد تزندق ‪ ،‬ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق " ‪ ,‬ومن جمع بينهما فقد تحقق ‪ ،‬نقله عنه‬
‫) التتائي في شرحه علي مقدمه ابن رشد ( ‪ ,‬وكذلك ) الشيخ زروق ( ففي القاعدة الرابعة من‬
‫قواعده قال ‪ :‬ونحن حيث تلقينا هاته القولة عن المام مالك من أوثق المصادر ‪ ,‬اتضح عندنا يقينًا‬
‫انه رحمه ال كان صوفيًا ‪ ،‬ل محبًا للصوفية فقد وإل لزمه تسلط الحكم عليه ‪ ,‬المستفاد من‬
‫صريح قوله ) ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ( برأه ال من ذلك ‪ .‬وهذه الصراحة من المام‬
‫كافيه في إعظامه لمذهب التصوف بدون الفقه باطل ‪ ,‬وخلصه القول ‪ :‬أن المام مالكًا رضي ال‬
‫عنه كان جامعًا بين التصوف والفقه ‪ .‬وهذا ل يستبعد من مقام المام ما دام التصوف عبارة عن‬
‫صدق التوجه إلى ال عز وجل ‪ .‬نعم قد يقول القائل فلماذا لم يظهر عن المام نظير ما ظهر علي‬
‫غيره من المنتمين للتصوف ) كالحارث المحاسبي ( في ذلك العصر وطبقته ؟ والجواب أن عذر‬
‫المام ) أي المام مالك رضي ال عنه( في ذلك ‪ :‬هو تفرغه وقيامه بما دعت إليه الضرورة من‬
‫لزوم حفظ القواعد الفقهية وضبط النقول الشرعية خصوصا وهو يري من نفسه الكفاءة لمر الذي‬
‫لم يتوافر لغيره غالبُا ‪ ,‬وكل ذلك ل يمنع أن يختص المام في خاصته وحد ذاته بما اختص به‬
‫غيره من خاصة المتصوفة بان تكون له المشاركة في علمهم ودقائق أسرارهم التي أمروا بعدم‬
‫إفشائها لغير أهلها ‪ ,‬وقد أثبت ذلك لنفسه حسبما نقله عنه ) أبو إسحاق الشاطبى ( في الجزء‬
‫الرابع صحيفة ‪ 361‬من كتاب ) الموافقات ( قال ‪ " :‬واخبر المالك عنه نفسه انه عنده أحاديث‬
‫ل عن‬
‫وعلوم ما تكلم فيها ول حدث بها " وقد ذكر الشيخ سحنون في تعليقه على الموطأ نق ً‬
‫القاضي عياض ‪.‬‬
‫قال ‪ ":‬وبلغ شيوخ المام مالك تسعمائة شيخ ‪ :‬ثلثمائة من التابعين ‪ ,‬وستمائة من تابعهم ممن‬
‫اختارهم لدينه وفقه وتيقظه ‪ ,‬ولزم ) ابن هرمز ( كما في المدرج ثلثة عشر سنة ‪ ,‬ويروي ست‬
‫عشرة سنة من الصباح إلي الزوال في علم قال مالك لم أبثه لحد من الناس " ‪ .‬انتهي بلفظة ‪.‬‬
‫وعليه فهل تري أيها الخ إن هذا العلم المخبر عنه هو من مدخول الفقه ‪ ,‬فما أظن إذ لو كان‬
‫كذلك لما ساخ له كتمانه حيث إن الفقه في الدين يشترك في لزوم معرفته جميع المكلفين ويجل‬
‫عن كتمانه العلماء العلم لما في طيه وكتمانه من التعرض لنقمة ال لحديث ) من كتم علمًا علمه‬
‫ال إياه ألجمه ال بلجام من النار يوم القيامة ( ‪ ،‬ولكنك تستبعد أن يكون للمام مالك من العلوم‬
‫الموروثة عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬غير ما دونه للعموم ‪ ،‬وهذا الستبعاد إنما‬
‫يتصور مع عدم الطلع على ما أشتملت عليه دفاتر السنة من النصوص المثبتة لنظير ذلك‬
‫وإليكم ما أخرجه البخاري رضي ال عنه ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ ) :‬حفظت عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫وعاءين من العلم أما أحدهما فقد بثثته فيكم وأما الخر فلو بثثته فيكم لقطعتم مني هذا البلعوم ( ‪.‬‬
‫ول شك أن هذا صريح في تأييد ما أخرجه الشاطبي وغيره عن المام مالك ‪ ،‬وليس هذا الخبر‬
‫مما ينفرد به أبو هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬ول مما ينفرد بنقله البخاري أيضًا فإن المطلع ل‬
‫تستعصي عليه النقول الصحيحة التي يستشهد بها في هذا الباب من أقوال السلف ‪ ،‬وهذا ملخص‬
‫للمام من جهة علقته بالتصوف ‪.‬‬
‫كما يشهد لذلك ما أخرجه الشعراني في ) اليواقيت والجواهر ( ‪ ،‬وغيره من الحفاظ عن ) ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما ( ‪ :‬لو قلت لكم ما أعلم من تفصيل قوله تعالى ‪:‬‬
‫لْمُر َبْيَنُهن ّ" لرجمتموني ‪ ،‬أو لقلتم إني‬
‫ل ا َْ‬
‫ن َيَتَنّز ُ‬
‫ض ِمْثَلُه ّ‬
‫لْر ِ‬
‫ن ا َْ‬
‫ت َوِم ْ‬
‫سَماَوا ٍ‬
‫سْبَع َ‬
‫ق َ‬
‫خَل َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫"ا ُّ‬
‫كافر‬
‫ويترجم عن ذلك أيضًا ما يروى عن ) المام علي زين العابدين بن الحسين ( رضي ال عنهما‬
‫حيث يقول ‪:‬‬

‫يارب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا‬
‫ولستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا‬
‫إني لكتم من علمي جواهره كي ل يرى ذاك ذو جهل فيفتتنا‬
‫وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا‬
‫وقد ذكره المام الغزالي في ) منهاج العابدين ( قلت ‪ " :‬وكل ما ورد في هذا الباب هو مصداق‬
‫ما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله أنه قال " إن‬
‫من العلم كهيئة المكنون ل يعلمه إلى العلماء بال فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بال " ‪.‬‬
‫موقف المام أبي حنيفة‪:‬‬
‫أما ما ينقل عن ) المام أبي حنيفة النعمان ( رضي ال عنه في التصوف فليس هو بأقل من‬
‫ذلك ‪ .‬ذكر ) صاحب النصرة النبوية ( وهكذا صاحب كتاب ) أهل الفتوحات والذواق ( أن‬
‫المام رحمه ال ـ كان محبًا للصوفية محترمًا لمكانتهم ولربما يوجد له من التساهل معهم ما لم‬
‫يوجد لغيره من الئمة ‪ .‬وكما ذكر ‪ :‬أنه سئل عما يفعله الصوفية في الحضرة وما يتظاهرون به ‪.‬‬
‫أهم صادقون في ذلك ؟‬
‫ل يدخلون الجنة بدفوفهم ومزاميرهم " ‪ ،‬وما قال هذا رضي ال عنه إل سدًا‬
‫فأجاب " إن ل رجا ً‬
‫لذريعة العتراض على المنتسبين إلى ال وال أعلم ‪.‬‬
‫لول تفهم أيها الخ أن غايتنا في إثبات هذا النقل النتصار لشبه الدفوف والمزامير وما يفعله‬
‫بعض الملتصقين بالقوم إنما الغرض هو أن نذكر لك كيف كان تساهل المام مع المنتسبين‬
‫للتصوف ولو مع ارتكابهم لبعض المشتبهات ‪ ،‬وهذا ما يخص أبا حنيفة رضي ال عنه‬
‫باختصار ‪.‬‬
‫موقف المام الشافعي والمام أحمد بن حنبل‪:‬‬
‫وأما ما جاء عن المام الشافعي رضي ال عنه فيزيد على ذلك بكثيرحسبما نقل عنه في غير ما‬
‫ل عن المام ‪ :‬استفدت من مجالستهم‬
‫كتب وممن تتبع ذلك المام الشعراني في غالب كتبه فقال نق ً‬
‫أمرين لم أستفدهما من مشايخ العلم ‪ :‬قولهم ‪ :‬الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك ‪ ،‬وقولهم أشغل‬
‫نفسك بالخير فإن لم تشغلها بالخير شغلتك بضده ‪ .‬ذكره النووي في ) شرح المهذب ( وقال‬
‫الشعراني ‪ :‬كثيًا ما كان الشافعي يوصي ) المام أحمد ( باحترامهم ومجالستهم أيضًا ويشهد لذلك‬
‫ما جاء في كتاب ) جامع مجالس الصوفية ( " وكانا يحضران معهم في مجالس ذكرهم فقيل لهما‬
‫ما لكما تترددان إل مثل هؤلء ؟ فقال لهم ‪ :‬إن هؤلء عندهم رأس المر كله ‪ ،‬وهو تقوى ال‬
‫ومحبته " ‪ .‬وكان الشعراني يقول ‪ :‬كفى مدحًا إذعان المام الشافعي ) لشيبان الراعي ( وكان‬
‫لذلك قصة معروفة ‪ ،‬وكذلك ذكر الشعراني إذعان المام أحمد له بعد ما ذكر عدة حكايات جرت‬
‫بينهما في مسائل علمية فلتراجعوا تلك المظان إن كانت لكم سعة من الوقت وطلبتم سعة من العلم‬
‫والوضوح ‪.‬‬
‫وبالجملة إن إذعان أئمة الجتهاد لرجال التصوفكان مشتهرًا في ذلك العصر وعلى الخص منهم‬
‫المام الشافعي رحمه ال تعالى ‪.‬‬
‫وقد ذكر الشيخ المختار الكنتي في كتابه ) جزوة النوار ( أن المام الشافعي كان كثير اللتجاء‬
‫للولياء ‪ ،‬متفانيًا في حبهم ‪ ،‬وكان يقول هم أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي إلى أن رماه بعض‬
‫المعتزلة بالرفض فقال مجيبًا لهم ‪-:‬‬
‫قالوا ترفضت غير شك ما لرفض ديني ول اعتقادي‬
‫لكن توليت غير شك خير إمام وخير هاد‬
‫إن كان حب الولي رفضًا فإنني أرفض العبادي‬
‫وقال في حب أهل البيت نظير ذلك معلنًا إجلله لهم ‪-:‬‬
‫إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلن أني رافضي‬

‫ومن المعلوم أن أئمة الصوفية معظهم من أهل البيت كالرفاعي والجيلني والدسوقي والشاذلي‬
‫وآل باعلوي في اليمن وسواهم وان آل البيت هم أئمة الئمة ‪ ،‬وهداة الحق فيها إلى ال ‪ :‬من‬
‫الصوفية الكرام وغيرهم لقول رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " تركت فيكم الثقلين ما أن‬
‫تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي ‪ :‬كتاب ال وعترتي " وفي رواية ‪ ) :‬تركت فيكم ثقلين ما إن‬
‫تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا ‪ ،‬أما الثقل الكبر ‪ :‬فهو كتاب ال تعالى ‪ :‬حبل ممدود بين السماء‬
‫والرض ‪:‬طرفه بيد ال وطرفه الخر بأيديكم ‪ ،‬وأما الثقل الثاني فعترتي أهل بيتي ‪ .‬فقد أنبأني‬
‫اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (‬
‫وحيث صار من المعلوم أن كبار أهل التصوف قديمًا وحاضرًا إنما هم الئمة من أهل البيت ‪،‬‬
‫بدءًا من إمام الئمة المام جعفر الصادق ‪ ،‬ومن بعده المام الجنيد ) وكان يسمى بسيد الطائفة ( ‪،‬‬
‫ثم المام الرفاعي فعبد القادر الجيلني ‪ ،‬وكان الشيخ أبن تيمية يجله بقوله ) قدس ال تعالى‬
‫سره ( إذا ذكره ويقدره ‪ ،‬ويستشهد بحاله من مكانةعلماء السلم الجلء ‪ ،‬كما يستشهد بأقواله‬
‫في أستقامة أهل التصوف السني ‪ .‬كما يجل المام الجنيد سيد الطائفتين ) الفقهاء والصوفية (‬
‫ومعروف الكرخي ‪ ،‬والحارث المحاسبي ‪ ،‬والسري السقطي وغيرهم ) راجع المجلد العاشر‬
‫والحادي عشر من فتاوي الشيخ ابن تيمية ( ‪ .‬ففيهما تفصيل واسع ‪ ،‬وتفضيل جليل للتصوف‬
‫والصوفية ‪ ،‬لذلك يعتبره بعض العلماء هو والشيخ أبن القيم الجوزية من الصوفية لسيرتهما‬
‫وإنصافهما منهج التصوف الحق وأهله ‪.‬‬
‫المزيد من شهادات الئمة وأكابر العلماء والحفاظ من السلف‬
‫وآرائهم حول التصوف‪:‬‬
‫للعلمة المحقق الشيخ عبد القادر عيسى كتاب سماه ) حقائق عن التصوف ( نقل فيه شهادات‬
‫وآراء أكابر العلماء والحفاظ حول التصوف والمتصوفة والصوفية ننقل بعضًا منها هنا تتميمًا‬
‫للفائدة وبغاية الختصار والنجاز ‪:‬‬
‫‪ -1‬طريقة المام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ) توفى سنة ‪ 150‬هـ (‪:‬‬
‫نقل الفقيه الحنفي الحصفكي ) صاحب كتاب الدر المختار( ‪ :‬أن أبا علي الدقاق رحمه ال تعالى‬
‫قال ‪ ) :‬أنا أخذت التصوف من الشبلي وهو من السري السقطي وهو من معروف الكرخي وهو‬
‫من داود الطائي ‪ ،‬وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي ال عنه وكل منهما أثنى عليه‬
‫وأقر بفضله ( ‪.‬‬
‫يقول ابن عابدين في ) حاشيته على الدر المختار ( عن المام أبي حنيفة رحمه ال تعالى ‪:‬‬
‫) وهو فارس هذا الميدان ‪ ،‬فإنه بنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس وقد وصفه‬
‫بذلك عامة السلف ( ‪.‬‬
‫وقال الستاذ عبد القادر عيسى ‪ ) :‬لعلك تستغرب عندما تسمع أن المام الكبير أبا حنيفة النعمان‬
‫رحمه ال تعالى ‪ ،‬يعطي الطريقة لمثال هؤلء الكابر من الولياء والصالحين من الصوفية ‪.‬‬
‫فهل تأسى الفقهاء بهذا المام فساروا على نهجه وجمعوا بين الشريعة والحقيقة لينفع ال بعلمهم‬
‫كما نفع بإمامهم العظم المام الكبير معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه ال تعالى ( أ هـ ‪.‬‬
‫‪ -2‬المام مالك بن أنس ) توفى سنة ‪ 179‬هـ ( ‪:‬‬
‫يقول المام مالك رحمه ال تعالى ‪-:‬‬
‫) من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ‪ ،‬ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ‪ ،‬ومن جمع بينهما فقد‬
‫تحقق ( ‪.‬‬
‫ل عن حاشية العلمة العدوي ‪ ،‬وشرح ) عين العلم ( للمل علي القاري " ‪.‬‬
‫" نق ً‬
‫‪ -3‬المام الشافعي ) توفى سنة ‪ 204‬هـ ( ‪:‬‬
‫ذكر الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه ال تعالى في كتابه " تأييد الحقيقة العلية "‬
‫أن المام محمد بن إدريس الشافعي رحمه ال تعالى قال ‪ ) :‬صحبت الصوفية فلم أستفد منهم‬
‫سوى حرفين ‪ ،‬وفي رواية سوى ثلث كلمات قولهم ‪ :‬الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك‬

‫وقولهم ‪ " :‬نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل " وقولهم ‪ ) :‬العدم عصمة ( أي الفقر‬
‫عصمة للمرء من الترف المفضي للسراف أو النحراف " ‪.‬‬
‫وذكر العجلوني في ) كشف الخفاء ومزيل اللباس عما أشتهر من الحاديث على ألسنة الناس ( ‪:‬‬
‫أن المام الشافعي رحمه ال تعالى قال ‪ " :‬حبب إلى من دنياكم ثلث ‪ :‬ترك التكلف ‪ ،‬وعشرة‬
‫الخلق بالتلطف ‪ ،‬والقتداء بطريق أهل التصوف " ‪.‬‬
‫‪ -4‬المام أحمد بن حنبل ) توفى سنة ‪241‬هـ ( ‪:‬‬
‫نقل المام الشيخ أمين الكردي عن المام أحمد ـ في كتابه تنوير القلوب صـ ‪ 405‬إنه كان يقول‬
‫لوالده عبد ال قبل مصاحبة الصوفية ‪ " :‬يا ولدي عليك بالحديث ‪ ،‬وإياك ومجالسة هؤلء الذين‬
‫ل بأحكام دينه ‪ ،‬فلما صحب ) أبا حمزة‬
‫سموا أنفسهم بالصوفية ‪ ،‬فإنهم ربما كان أحدهم جاه ً‬
‫البغدادي الصوفي ( ‪ ،‬وعرف أحوال القوم أصبح يقول لولده ‪ :‬يا ولدي ‪ .‬عليك بمجالسة هؤلء‬
‫القوم ‪ ،‬فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد ‪ ،‬وعلو الهمة " ‪.‬‬
‫ونقل العلمة محمد السفاريني الحنبلي رحمه ال تعالى عن )إبراهيم بن عبد ال القلنسي ( رحمه‬
‫ال تعالى ‪ :‬أن المام أحمد بن حنبل رحمه ال تعالى قال عن الصوفية ‪ :‬ل أعلم أقوامًا أفضل‬
‫منهم ‪ ...‬فقيل له ‪ :‬أنهم يستمعون ويتواجدون ‪ ...‬قال ‪ :‬دعوهم يفرحوا مع ال ساعة ‪ ،‬قيل ‪:‬‬
‫فمنهم من يموت ‪ ،‬ومنهم من يغشى عليه ‪ ...‬قال ‪ " :‬وبدا لهم من ال ما لم يكونوا يحتسبون " ‪.‬‬
‫‪ -5‬عبد القاهر البغدادي ) توفى سنة ‪ 429‬هـ ( ‪:‬‬
‫المام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر البغدادي رحمه ال تعالى صنف في مقدمة كتابه " الفرق‬
‫بين الفرق " أهل السنة والجماعة إلى ثمانية أصناف فقال عن الصوفية ‪-:‬‬
‫) والصنف السادس منهم ‪ :‬الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا ‪ ،‬وأختبروا فأعتبروا وردوا‬
‫بالمقدور وقنعوا بالميسور ‪ ،‬وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل هؤلء مسئول عن الخير والشر‬
‫‪ ،‬ومحاسب على مثاقيل الذر ‪ ،‬فأعدوا خير العداد ليوم الميعاد ‪ ،‬وجرى كلمهم في طريقتي‬
‫العبارة والشارة على سمة أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث ) ل يعلمونه رياء ول‬
‫يتركونه حياء ( دينهم التوحيد ونفي التشبيه ‪ ،‬ومذهبهم التفويض إلى ال تعالى والتوكل عليه‬
‫والتسليم لمره ‪ ،‬والقناعة لما رزقوا والعراض عن العتراض عليه‬
‫‪ -6‬المام الغزالي ) توفى سنة ‪ 505‬هـ ( ‪:‬‬
‫حجة السلم أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رحمه ال تعالى قال في كتابه ‪ " :‬المنقذ‬
‫من الضلل " ‪:‬‬
‫) وقد علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق ال تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ‪،‬‬
‫وطريقهم أصوب الطرق ‪ ،‬وأخلقهم أزكى الخلق ‪ ( ...‬أ هـ ‪.‬‬
‫‪ -7‬المام فخر الدين الرازي ) توفى سنة ‪ 606‬هـ ( ‪:‬‬
‫العلمة الكبير والمفسر الشهير المام فخر الدين الرازي رحمه ال تعالى قال في كتابه "‬
‫اعتقادات فرق المسلمين والمشركين " ‪:‬‬
‫) والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس من العلئق الجسمانية ويجتهدون أن ل يخلوا‬
‫سرهم وبالهم عن ذكر ال تعالى في سائر تصرفاتهم منطبعون على كمال الداب مع ال عز وجل‬
‫‪ ،‬وهؤلء هم خير فرق الدميين ( أ هـ ‪.‬‬
‫‪ -8‬العز بن عبد السلم ) توفى سنة ‪ 660‬هـ ( ‪:‬‬
‫سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلم ‪ .‬قال رحمه ال تعالى ‪:‬‬
‫) قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي ل تتهدم دنيا وآخرة وقعد غيرهم على‬
‫الرسوم ( قلت ‪ :‬وله كتاب في التصوف عن )النسان( كله عن التصوف وكيف يكون النسان‬
‫خليفة ال في أرضه‪ .‬أ هـ‬
‫‪ -9‬المام النووي ) توفى سنة ‪ 676‬هـ ( ‪:‬‬
‫المام محي الدين يحيى بن شرف النووي رحمه ال تعالى قال في رسالته " المقاصد " ) أصول‬

‫التصوف خمسة ( ‪-:‬‬
‫‪ -1‬تقوى ال في السر والعلنية ‪.‬‬
‫‪ -2‬اتباع السنة في القوال والفعال ‪.‬‬
‫‪ -3‬العراض عن الخلق في القبال والدبار ‪.‬‬
‫‪ -4‬الرضى عن ال في القليل والكثير ‪.‬‬
‫‪ -5‬الرجوع إلى ال في السراء والضراء أ هـ ‪.‬‬
‫‪ -10‬تاج الدين السبكي ) توفى سنة ‪ 771‬هـ ( ‪:‬‬
‫المام تاج الدين عبد الوهاب السبكي رحمه ال تعالى قال في كتاب ) مفيض النعم ومبيد النقم (‬
‫تحت عنوان ) الصوفية ( بعد شرح مستفيض وحديث عن تعاريف الصوفية ) الحاصل أنهم أهل‬
‫ال وخاصته ‪ ،‬ترتجي الرحمة بذكرهم ‪ ،‬ويستنزل الغيث بدعائهم ‪ ،‬فرضى ال عنهم وعني‬
‫بهم ‪. ( ...‬‬
‫‪11‬ـ جلل الدين السيوطي ) توفي سنة ‪911‬هـ ( ‪:‬‬
‫العلمة الشهير جلل الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه ال تعالي ‪ ،‬قال في كتابه "‬
‫تأييد الحقيقة العلية " ‪:‬‬
‫) إن التصوف في حقيقته علم شريف ‪ ،‬مداره على اتباع السنة ‪ ،‬وترك البدع ‪ ،‬والتبري من‬
‫النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها وإراداتها واختبارها ‪ ،‬والتسليم ل والرضي بقضائه وطلب‬
‫محبته واحتقار ما سواه ‪. ( ...‬‬
‫‪ 12‬ـ الشيخ محمد راغب الطباخ ) توفي سنة ‪ 1370‬هـ ( ‪:‬‬
‫العلمة الكبير والمؤرخ المعروف الستاذ محمد راغب الطباخ رحمه ال تعالي قال في كتابه "‬
‫الثقافة السلمية " ‪-:‬‬
‫) وقد تأملنا سيره الصوفية في القرون الولي من السلم ‪ ،‬فوجدنا سيرة حسنة جميلة مبينه علي‬
‫مكارم الخلق ‪ ،‬والزهد والعبادة ‪ ،‬قد قاموا في عصورهم بالواجب عليهم وإرشاد الخلق إلي‬
‫الحق والدعوة إليه ‪ ،‬وصدهم الناس عن التكالب علي الدنيا وجمع حطامها من أي وجه كان ‪ ،‬أو‬
‫السترسال في الشهوات والملذات مما يؤدي إلي النهماك في المحرمات والغفلة عن الواجبات‬
‫وما خلق النسان له ‪ ،‬وتكون نتيجة ذلك انتشار الفوضى وظهور الفساد وكثرة الهرج والمرج ( ‪.‬‬
‫وأضاف رحمه ال تعالي ‪:‬‬
‫) وإذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم نجد أن الكثير منهم قد كان للواحد منهم أتباع يعدون‬
‫باللوف من ا لمنتسبين إلي أواصر اللفة وروابط المحبة وممن تواسوا فيما بينهم وتواصوا بالحق‬
‫‪ ،‬وعطف غنيهم علي فقيرهم ‪ ،‬ورحم كبيرهم صغيرهم ‪ ،‬فأصبحوا بنعمه ال إخوانا وصاروا‬
‫كالجسد الواحد ‪ ،‬وكانوا في منتهى الطاعة والنقياد لشيخهم يقومون لقيامه ويقعدون لقعوده ‪،‬‬
‫ويمتثلون أوامره ويتبادرون لدني إشاراته ‪. ( ....‬‬
‫‪ 13‬ـ أبو الحسن الندوى ‪:‬‬
‫يقول أبو الحسن ‪ ) .‬عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ومعتمد ندوة العلماء بالهند ( في بحث‬
‫) الصوفية في الهند وتأثيرهم في المجتمع ( من كتابه " المسلمون في الهند " ‪ ) :‬إن هؤلء‬
‫الصوفية كانوا يبايعون الناس علي التوحيد والخلص واتباع السنة والتوبة عن المعاصي وطاعة‬
‫ال ورسوله ويحذرون من الفحشاء والمنكر والخلق السيئة والظلم والقسوة ويرغبونهم في‬
‫التحلي بالخلق الحسنة والتخلي عن الرذائل ‪ :‬مثل الكبر والحسد والبغضاء والظلم وحب الجاه‬
‫مع تزكيه النفس وإصلحها ‪ .‬ويعلموهم ذكر ال والنصح لعباده والقناعة واليثار وعلوة علي‬
‫هذه البيعة التي كانت رمز الصلة العميقة بين الشيخ ومريديه أنهم كانوا يعظون الناس دائمًا‬
‫ويحاولون أن يلهبوا فيهم عاطفة الحب ل سبحانه وتعالي والحنين إلي رضاه ‪ ،‬ورغبة شديدة‬
‫لصلح النفس وتغيير الحال ‪. ( ...‬‬

‫واختتم الستاذ الندوي بحثه قائل ‪:‬‬
‫) لقد كانت هناك بجهود هؤلء الصوفية أشجار كثيرة وارفة الظلل في مئات من بلد الهند‬
‫استراحت في ظلها القوافل التائهة ‪ ،‬والمسافرون المتعبون ‪ ،‬ورجعوا بنشاط جديد وحياة جديدة ‪...‬‬
‫(‪.‬‬
‫‪ 14‬ـ الشاعر ‪ :‬محمد إقبال ‪:‬‬
‫تحدث الستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه " روائع إقبال " عند زيارته للشاعر ‪ .‬فبعد أن أسهب‬
‫الشاعر إقبال في الحديث عن التصوف ورجاله ‪ ,‬والتجديد السلمي في الهند بواسطتهم ‪ ،‬قال‬
‫للستاذ أبي الحسن الندوي ‪ ...‬إنني أقول دائمًا لول وجودهم وجهادهم لبتلعت الهند وحضارتها‬
‫وفلسفتها السلم ‪. ( ...‬‬
‫وراجع للشيخ السيد الندوي كتابه القيم عن التصوف والصوفية بعنوان ) ربانية ل رهبانية ( ‪.‬‬
‫رأي تيميه وتلميذه ابن القيم‬
‫ونختم رأي الئمة الربعة وهؤلء العلماء الكرام برأي الشيخ ابن تيميه ورأي تلميذه الشيخ ابن‬
‫قيم الجوزية ‪ ،‬إذ طالما تترس بهما أعداء التصوف والصوفية ‪ ،‬وهما براء من ذلك ‪ ،‬فإنهما لم‬
‫ل ‪ ،‬بل أنكرا شطحات الصوفية كشأن أعلم التصوف‬
‫ينكرا التصوف من حيث المبدأ جمله وتفصي ً‬
‫أنفسهم المار بيانها والدليل علي ذلك أن الجزءين )العاشر والحادي عشر( من ) فتاوى ابن‬
‫تيميه ( تتناول ما سبق بيانه ‪ ،‬وقد أفرد أحد دعاة السلفية الحديثة الكاتب ) جمال غازي ( منها‬
‫رسالة بعنوان ) الصوفية والمساكين ( ذكر فيها أن الشيخ ابن تيميه قال ‪ ) :‬إن من الصوفية من‬
‫يبلغ منزلة الصديقين ( كما ورد في الجزء الحادي عشر من ) الفتاوى ( له ‪.‬‬
‫أما ) ابن القيم ( رحمه ال تعالي فقال في كتابه ) شرح منازل السائرين ( ) الصوفية ثلثة أقسام‬
‫‪ :‬صوفية الرزاق ‪ ,‬وصوفية الرسوم ‪ ،‬وصوفية الحقائق ‪ ،‬وبدع الفريقين المتقدمين يعرفها كل‬
‫من له إلمام بالسنة والفقه ‪ ...‬وإنما الصوفية صوفية الحقائق الذين خضعت لهم رؤوس الفقهاء‬
‫والمتكلمين فهم في الحقيقة علماء حكماء ( أهـ ‪.‬‬
‫فانظر رحمك ال وتأمل قوله ) فهم في الحقيقة علماء حكماء خضعت لهم رؤوس الفقهاء‬
‫والمتكلمين ( في قولة شافية وصراحة كافية في إثبات شرف القوم الصوفية علي غيرهم خصوصا‬
‫وقد قالها ابن القيم رحمه ال تعالي ‪:‬‬
‫وفي كتاب ) أصول الوصول ( يذكر الشيخ ‪ /‬محمد زكي إبراهيم عن الشيخ ابن تيميه في صفحة‬
‫‪ 330‬ما يلي ‪:‬‬
‫ابن تيميه ينصف الصوفية‬
‫يقول الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيميه السفلية وإمامهم وفقيههم في كتابه ) الفتاوى الكبرى (‬
‫بالجزء الحادي عشر ‪ ،‬وبالصحيفة السابعة عشرة ‪ ،‬ما نصه ‪ " :‬والصوفيون قد يكونون من أجل‬
‫الصديقين ‪ ،‬بحسب زمانهم ‪ ،‬فهم من أكمل صديقي زمانهم والصديق في العصر الول أكمل منهم‬
‫‪.‬‬
‫والصديقون درجات وأنواع ‪ ...‬الخ ‪ ،‬ثم يقول ‪ :‬ولجل ما يقع من كثير منهم الجتهاد والتنازع‬
‫فيه ‪ ،‬تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون‬
‫عن السنة وطائفة غالت فيهم ‪ ،‬وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد النبياء ‪ ،‬وكل طرفي هذه‬
‫المور ذميم ‪ .‬والصواب ‪ :‬أنهم مجتهدون في طاعة ال كما اجتهد غيرهم من أجل طاعة ال‬
‫ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده ‪ ،‬وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ‪ .‬وفي كل من‬
‫الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب ‪ .‬أول يتوب "أهـ ‪.‬‬
‫وهنا ننقل ) نص ( رأي الشيخ ابن تيميه ‪ ،‬في صحة كرامة الولياء من أواخر كتابه الذي سماه )‬
‫العقيدة الواسطية ( فهو يقول بالحرف الواحد ‪ :‬أيدهم ال بخوارق العادات في أنواع العلوم‬
‫والمكاشفات ‪ ،‬وبأنواع القدر والتأثيرات ) تأمل‪ ( ..‬ثم يقول ‪:‬‬
‫" والكرامات مأثورة عن أهل ال كما في سورة الكهف وسورة المائدة بالنسبة للحواريين ـ وسورة‬

‫النمل بالنسبة للذي عنده علم من الكتاب وغيرها ‪ ،‬وعن صدر هذه المة من الصحابة والتابعين ‪،‬‬
‫وسائر فرق المة ‪ ،‬وهي موجودة فيها إلي يوم القيامة " أهـ ‪.‬‬
‫وبعد ‪ .‬فهذا هو عين اعتقاد الصوفية الذي ل يعجب اليوم أتباع ابن تيميه المحدثين ‪ .‬والذين‬
‫يتجاهلون ما قرره أتباع شيخهم ‪ ،‬أو يكتمونه ‪ ,‬لغراض في أنفسهم ‪ ،‬وإل فليرجعوا إلي المجلدين‬
‫رقمي ) ‪ (11 ، 10‬من فتاوى الشيخ ابن تيميه فهما عن التصوف والصوفية ( ‪ .‬إن كانوا‬
‫يريدون الحق والرشاد ‪.‬‬
‫وإل فليمسكوا ألسنتهم عن الفتراء والتهجم علي أهل ال ‪.‬‬
‫رأي علماء السلم المعاصرين وفتاواهم في التصوف والصوفية‪:‬‬
‫هذه آراء العلماء المعاصرين ومن هم أصحاب الرأي والفتوى )في التصوف والصوفية ( ‪...‬‬
‫وكان المؤلف قد استفتاهم حول الموضوع بأسئلة خطية وجهها إليهم ثم تفضلوا بالجابة الوافية‬
‫عليها وهم ‪-:‬‬
‫‪ 1‬ـ سماحة المام الكبر الشيخ ‪ /‬محمد السيد طنطاوى شيخ الزهر الشريف ) وكان حينئذ مفتي‬
‫الديار المصرية ( ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية‬
‫‪ 3‬ـ سماحة الشيخ ‪ /‬محمد بن احمد حسن الخزرجى ـ وزير الوقاف والشئون السلمية السابق‬
‫بدولة المارات المتحدة ـ ومن كبار علمائها‬
‫‪ 4‬ـ سماحة الشيخ نوح سلمان مفتي القوات المسلحة الردنية ‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ سماحة المرحوم الشيخ ‪ /‬حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية ‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ سماحة المرحوم الشيخ ‪ /‬السيد محمد عبد الرحمن آل أبو بكر بن سالم ـ مفتي جمهورية جزر‬
‫القمر ‪.‬‬
‫وتوجهت إليهم بالسئلة التية ‪-:‬‬
‫‪ 1‬ـ ما مدي مشروعية التصوف ؟‬
‫‪ 2‬ـ ما رأي العلماء في السادة الصوفية الوائل أمثال الجنيد البغدادي ‪،‬‬
‫وبشر بن الحارث والحارث المحاسبي ‪ ،‬ومعروف الكرخي ‪،‬‬
‫والشيخ عبد القادر الجيلني ‪ ,‬والسيد أحمد الرفاعي وغيرهم من‬
‫أعلم المة ؟‬
‫‪ 3‬ـ ما حكم من يكفر جميع الصوفية أو ينسبهم إلي الشرك ؟‬
‫‪ 4‬ـ هل للصوفية عقيدة خاصة تخالف وتجفو عقيدة أهل السنة‬
‫والجماعة ؟‬
‫‪ 5‬ـ ما حكم التشهير لهم ؟‬
‫فتلقيت الردود التالية من كل منهم جزاهم ال عنا وعن السلم والحق خير الجزاء ‪.‬‬
‫رّد دار الفتاء المصرية‪:‬‬
‫كلف ـ سبحانه التصوف الحقيقي معناه ‪ :‬الحرص التام علي الكثار من ذكر ال تعالي ـ وعلي‬
‫أداء التكاليف التي كلف ـ سبحانه ـ بها عباده‪ ،‬وعلي تصفية الروح والقلب من كل ما يتنافى مع‬
‫آداب السلم وعقائده ‪ ،‬مع التقيد التام بقوله تعالي ‪:‬‬
‫ل َتْبِغ‬
‫ك َو َ‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫ن ا ُّ‬
‫سَ‬
‫حَ‬
‫ن َكَما َأ ْ‬
‫سْ‬
‫حِ‬
‫ن الّدْنَيا َوَأ ْ‬
‫ك ِم ْ‬
‫صيَب َ‬
‫س َن ِ‬
‫ل َتن َ‬
‫خَرَة َو َ‬
‫ل الّداَر الْ ِ‬
‫ك ا ُّ‬
‫"َواْبَتِغ ِفيَما آَتا َ‬
‫ن "‪ .‬سورة القصص ‪ ،‬الية ‪. 77‬‬
‫سِدي َ‬
‫ب اْلُمْف ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫ساَد ِفي الَْْر ِ‬
‫اْلَف َ‬
‫ورأي العلماء في السادة الصوفية الوائل أمثال ‪ :‬الجنيد البغدادي ‪ ،‬وبشر بن الحارث ‪ ،‬والحارث‬
‫المحاسبي ‪ ...‬وغيرهم ‪.‬‬
‫أنهم كما قرأنا عنهم ـ رجال صالحون ‪ ،‬حافظوا علي فرائض ال تعالي ‪ ،‬وعلي التحلي بمكارم‬
‫الخلق وبذلوا ما بذلوا من جهود في سبيل نشر دعوة الحق وتذكير الناس بما يجب عليهم نحو‬

‫خالقهم ‪ ,‬ونحو أنفسهم ونحو غيرهم ‪ ،‬وبنوا حياتهم علي قولة تعالي ‪:‬‬
‫ب"‪.‬‬
‫شِديُد اْلِعَقا ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫ن َواّتُقوا ا َّ‬
‫عَلى الِْْثِم َواْلُعْدَوا ِ‬
‫ل َتَعاَوُنوا َ‬
‫عَلى اْلِبّر َوالّتْقَوى َو َ‬
‫" َوَتَعاَوُنوا َ‬
‫سورة المائدة ‪. 2 /‬‬
‫وعلي قوله تعالي سبحانه وتعالي ‪:‬‬
‫ب "‪ .‬سورة الرعد ‪. 28 /‬‬
‫ن اْلُقُلو ُ‬
‫طَمِئ ّ‬
‫ل َت ْ‬
‫ل ِبِذْكِر ا ِّ‬
‫ل َأ َ‬
‫ن ُقُلوُبُهْم ِبِذْكِر ا ِّ‬
‫طَمِئ ّ‬
‫ن آَمُنوا َوَت ْ‬
‫" اّلِذي َ‬
‫وقد عاشوا حياتهم لنشر العلم والمعرفة ‪ ،‬علي حسب فهمهم واجتهادهم ‪.‬‬
‫وحكم من يكفر جميع الصوفية أو ينسبهم إلي الشرك ‪ ،‬أنه إنسان مخطئ وآثم لن تكفير من ينطق‬
‫بالشهادتين ومن لم ينكر أمرًا ثبت من الدين بالضرورة ل يجوز ول يليق بعاقل وفي الصحيحين‬
‫عن ابن عمر رضي ال تعالي عنهما قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " إذا قال‬
‫الرجل لخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ‪ ،‬فإن كان كما قال وإل رجعت عليه " وفي الصحيحين‬
‫أيضا عن أبي ذر رضي ال تعالي عنه أنه سمع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬آله يقول "‬
‫من دعا رجل بالكفر أو قال عدو ال وليس كذلك إل حار عليه " ‪ ,‬أي رجع عليه وفي حديث‬
‫ثالث ‪ " :‬بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " ‪.‬‬
‫ل نعرف للصوفية الحقيقية التي هي بمعني تطهير النفس وتزكيتها عقيدة خاصة تخالف وتجافي‬
‫عقيدة أهل السنة والجماعة ‪ ،‬لن الدعوة إلي تطهير النفس وتزكيتها ‪ ،‬من أركان عقيدة أهل السنة‬
‫والجماعة ‪ ،‬وإذا وجد أناس ينسبون أنفسهم إلي الصوفية ولكنهم يقولون أو يفعلون ما يخالف عقيدة‬
‫السلم وآدابه فالصوفية الحقيقية برئيه منهم وهم برءاء منها ‪ .‬ل يصح التشهير بالمنتسبين إلي‬
‫الطرق الصوفية الذين يؤمنون بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر والذين يحرصون علي‬
‫القتداء بالنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬في قوله وفعله ‪ ،‬والذين يأمرون بالمعروف وينهون‬
‫عن المنكر ‪ ،‬والذين يجتمعون علي طاعة ال تعالي وذكره ‪.‬‬
‫ومن يشهر بمن هؤلء حالهم فانه يكون آثما ‪ ،‬ومرتكبا لجرم عظيم يستحق عليه العقاب من ال‬
‫تعالي ‪ ،‬والشأن في المسلم الصادق أنه بيني حياته مع أخيه المسلم علي حسن الظن ل علي سوء‬
‫الظن ‪.‬‬
‫وصدق ال إذ يقول ‪:‬‬
‫ضُكْم‬
‫ب َبْع ُ‬
‫ل َيْغَت ْ‬
‫سوا َو َ‬
‫سُ‬
‫جّ‬
‫ل َت َ‬
‫ن ِإْثٌم َو َ‬
‫ظّ‬
‫ض ال ّ‬
‫ن َبْع َ‬
‫ن ِإ ّ‬
‫ظّ‬
‫ن ال ّ‬
‫جَتِنُبوا َكِثيًرا ِم ْ‬
‫ن آَمُنوا ا ْ‬
‫" َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫حيٌم " سورة‬
‫ب َر ِ‬
‫ل َتّوا ٌ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫خيِه َمْيًتا َفَكِرْهُتُموُه َواّتُقوا ا َّ‬
‫حَم َأ ِ‬
‫ل َل ْ‬
‫ن َيْأُك َ‬
‫حُدُكْم َأ ْ‬
‫ب َأ َ‬
‫ح ّ‬
‫ضا َأُي ِ‬
‫َبْع ً‬
‫الحجرات الية ‪. 12‬‬
‫كما أن من شأن المسلم الصادق أيضا أن ينصح غيره بالحكمة والموعظة الحسنة ‪ ،‬وأن يجادله‬
‫فيما يختلفان فيه من أمور ‪ ,‬بالطريقة المهذبة والتي ترضي ال تعالي ‪ ،‬هذا وبال التوفيق ‪.‬‬
‫مفتي جمهورية مصر العربية‬
‫د ‪ .‬محمد طنطاوى‬
‫إمام الزهر الشريف حاليًا‬
‫المفتي العام للجمهورية العربية السورية‬
‫ل وخلقًا وسلوكًا قويمًا مستهديًا بسنة‬
‫التصوف ‪ :‬منهج يستهدف التمسك بالقرآن الكريم قولً وعم ً‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ومتأسيًا بشريف أخلقه الكريمة ‪ .‬ولبد من معلم حاز‬
‫إجازة في التربية والسلوك ليدل المتعلم علي أمرين هامين جدًا ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬تزكية النفس المشار إليهما بقوله تعالي ‪:‬‬
‫ن َزّكاَها "‬
‫ح َم ْ‬
‫" َقْد َأْفَل َ‬
‫وكثرة ذكر ال تعالي المشار إليه بقوله تعالي ‪:‬‬
‫ت"‬
‫ل َكِثيًرا َوالّذاِكَرا ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫" َوالّذاِكِري َ‬
‫الثاني ‪ :‬معرفة الحسان المشار إلية بقول النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬أن تعبد ال‬
‫كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ‪ ،‬والذي دعا إليه القرآن بقوله تعالي ‪:‬‬

‫حيَم " ‪.‬‬
‫جِ‬
‫ن اْل َ‬
‫ن)‪َ(5‬لَتَرْو َ‬
‫عْلَم اْلَيِقي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل َلْو َتْعَلُمو َ‬
‫" َك ّ‬
‫كما أن التصوف هو اصطلح نشأ في عصر المصطلحات حين أصبح كل فن وعلم له‬
‫مصطلحات خاصة كاللغة العربية وقواعد النحو والفرائض وسائر العلوم والفنون إلي عصرنا‬
‫الحاضر تعرف بمصطلحات خاصة تمهيدا لدراسة أي علم ‪.‬‬
‫وكما يوجد في كل حرفة وكل علم وفن من ل يحسن الوصول إلي الهدف السمى ويعتبر دخيل‬
‫علي العلم أو الفن المقصود إتقانه ‪ ,‬فيأتي الفقيه في ذلك العلم أو الفن ‪ ,‬فيجلي الحقيقية وينفي‬
‫الدخلء والجهلء ليميز الخبيث من الطيب ‪.‬‬
‫كذلك التصوف ‪ ,‬منهم من يعاديه لنه ومنهم من يطعن فيه لنه عن طريق المزورين له أو‬
‫ل وسلوكًا ‪.‬‬
‫الدخلء الجهلء بحقيقته الذين شوهوه بجهلهم به علمًا وعم ً‬
‫أما التصوف بحقيقته وجوهره فسيبقي مزدانًا بالثناء عليه ممن علمه وعلم رجاله الصادقين في‬
‫حقيقة العلم ‪ ,‬ول يهاجمه إل فئتان ‪-:‬‬
‫* فئة ل تعمله وتجهل حقيقة العلم ‪ ,‬وتجهل علماءه والعارفين به ‪.‬‬
‫* وفئة تهاجم الدخلء ومات حشوا به أفكار العامة من أمور ومن‬
‫أعمال وسلوك وبدع ل يقرها الشرع الشريف ‪ ,‬ول الفكر السلمي‬
‫الصحيح ‪.‬‬
‫أو ما دسه المغرضون الحاسدون في كتب التصوف قبل أن تظهر المطابع حيث كانت المؤلفات‬
‫تكتب باليد ) أي وينسخ منها باليد كذلك ( ‪.‬‬
‫أما آثار التصوف الحقيقي فقد استبان نهجها القويم وظهر أثرها في كثير من الفتوحات السلمية‬
‫المجيدة ‪ ,‬وفي آفاق مختلقة من شعوب العالم ‪.‬‬
‫تلك التربية السلوكية الخلقية عرف رجالتها بمواقفهم البطولية في ميدان جهاد أعداء السلم ‪,‬‬
‫كما عرفت آثار التصوف بمعرفة سلوك وأخلق هؤلء الصوفية المتحققين بمعرفة ال ومحبته‬
‫وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ‪ ،‬ومن الدعاه ممن اصطفي ال وأخرج من النماذج من النباء‬
‫البرار أبناء السلم الحقيقيين عبر الجيال ‪.‬‬
‫والتاريخ أكبر شاهد علي هذه الثار الحميدة ‪ ،‬فكان أهل التصوف الحقيقي السراج المنير في‬
‫أخلقهم وأعمالهم وسلوكهم ومعاملتهم للناس ‪:‬‬
‫عِمُلوا " سورة الحقاب ‪. 19/‬‬
‫ت ِمّما َ‬
‫جا ٌ‬
‫ل َدَر َ‬
‫أية رقم " َوِلُك ّ‬
‫إذا نسب قول لحد ‪ ،‬فالمرجع ل كلمه ول قوله ‪ ،‬ولكن المرجع هو الكتاب والسنة ‪ ،‬وقد يكون‬
‫ما نسب إليهم مدسوسًا عليهم ‪ ،‬وقد قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬من أحدث‬
‫في أمرنا ما ليس منه فهو رد " ‪ .‬رواه البخاري ومسلم ‪ ،‬وفي رواية لمسلم ‪ " :‬من عمل عم ً‬
‫ل‬
‫ليس عليه أمرنا فهو رد " ‪.‬‬
‫وبذلك يتبين أن المنهج هو القرآن الكريم والسنة المشرفة وعلي ضوء ذلك يكون كل من سلك هذا‬
‫المسلك فقد تربي علي حقيقة معرفة ال ومحبته وتطبيق كتاب ال والتأسي برسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬وأخلقه المشار إليها بالقرآن الكريم ‪ ،‬فذلك ما عليه حقيقة أهل السنة‬
‫والجماعة ‪.‬‬
‫وأما التشهير والتكفير لمن ذكر فإنه يدخل تحت عنوان ) سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ( ‪،‬‬
‫نسأل ال تعالي أن يجمع كلمة المسلمين علي كتاب ال وسنته وما كان عليه سلفنا الصالح وأن ل‬
‫نحكم علي موضوع أو مبلغ خبر حتى نتحققه ونتيقنه ‪ ،‬كما قال ال تعالي ‪:‬‬
‫عَلى َما‬
‫حوا َ‬
‫صِب ُ‬
‫جَهاَلٍة َفُت ْ‬
‫صيُبوا َقْوًما ِب َ‬
‫ن ُت ِ‬
‫ق ِبَنَبٍإ َفَتَبّيُنوا َأ ْ‬
‫سٌ‬
‫جاَءُكْم َفا ِ‬
‫ن َ‬
‫ن آَمُنوا ِإ ْ‬
‫أية رقم " َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫ن " سورة الحجرات ‪. 6 /‬‬
‫َفَعْلُتْم َناِدِمي َ‬
‫أما قولكم ما رأي العلماء في السادة الصوفية الوائل أمثال ‪ ) :‬الجنيد البغدادي ‪ ،‬وبشر بن‬
‫الحارث ‪ ،‬والحارث المحاسبي ‪ ،‬ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر الجيلني ‪ ،‬والسيد احمد‬
‫الرفاعي ( ‪ ،‬وغيرهم من أعلم الئمة فمن المعلوم أن آثارهم تدل عليهم وقد قيل ‪:‬‬
‫تلك آثارنا تدل علينا *** انظروا بعدنا إلي الثار‬

‫وكما ذكرنا آنفا فقد نشر السلم علي أيديهم وعلي أيدي أتباعهم في مشارق الرض ومغاربها‬
‫ول يحاربهم ليل ونهارًا إل دعاة التبشير وعملء الستعمار ‪ ،‬ول يغمط حقهم أو يقصر في حقهم‬
‫والثناء عليهم إل من لم يدرس تاريخ الدعاة ولم يطلع علي أعمالهم وآثارهم ‪.‬‬
‫وقد أوضح ) الشيخ أبو الحسن الندوي ( رئيس ندوة العلماء في الهند وعضو المجمع العلمي‬
‫العربي بدمشق في كتابه الحديث ‪ ) ،‬رجال الفكر والدعوة في السلم ( نبذه يسيرة عن مسعاهم‬
‫الخير وآثارهم فقال في صفحة ‪ 349‬عنهم تحت عنوان ) دعاة السلم ومشاعل اليمان ( ‪:‬‬
‫" كان لهؤلء فضل كثير لنشر السلم في المصار البعيدة التي لم تغزها جيوش المسلمين أو لم‬
‫تستطع إخضاعها للحكم السلمي ‪ ،‬وانتشر بهم السلم في أفريقيا السوداء وفي أندونيسيا وجزر‬
‫المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند ‪ ،‬وفي سيبيريا وإلي شواطئ البحر المتجمد الشمالي ‪.‬‬
‫ويقول في هذا الكتاب أيضا لما فتح التتار العالم السلمي في القرن السابع الهجري وأثخنوه‬
‫ل ولم يتركوا فيه إل روحًا ضعيفة ونفسًا خافتًا ‪ ،‬وفل سيف الجهاد والمقاومة فأصبح ل‬
‫جراحًا وقت ً‬
‫يؤثر ول يعمل وأغمده المسلمون يأسًا وقنوطًا ‪ ،‬وآمن الناس بأن التتار ل يمكن إخضاعهم ‪ ،‬وأن‬
‫العالم السلمي قد كتب عليه أن يعيش تحت حكم هؤلء الهمج وأن السلم انتهي ول مستقبل‬
‫له ‪.‬‬
‫هنا قام هؤلء الدعاة المخلصون الذي ل يزال تاريخ الدعوة والصلح علي إحصائه واستقصائه ـ‬
‫يجهل كثيرا منهم قاموا يتسربون في هؤلء الطغاة من التتار يفتحون قلوبهم للسلم حتى تفتحت‬
‫له وأحبته وصاروا يدخلون في دين ال أفواجا ‪ ،‬ولم يمض علي زحفهم علي العالم السلمي‬
‫وإذللهم له كثير من الزمان حتى أسلم جلهم أو كلهم وصاروا من حمله السلم وحمله لوائه‬
‫ورايته وكان منهم فقهاء وزهاد ومجاهدون‪.‬‬
‫أما رأي العلماء في السادة الصوفية الوائل فنلخص طرفا منه ‪-:‬‬
‫أبو القاسم الجنيد بن محمد ذو الجناحين وإمام الطائفين ‪ ) :‬الفقهاء والصوفية ( كان فريد زمانه‬
‫ومن أعظم فقهاء الشريعة وأكابر أقطاب الحقيقة ‪ ،‬تفقه علي أبي ثور ‪ ،‬وتصوف علي خاله‬
‫السري السقطى ‪ ،‬قال‬
‫) المام السبكي ( في جمع الجوامع ‪ :‬ونري أن طريقة الشيخ الجنيد وصحبه طريق قوم‬
‫مستقيمين ل اعوجاج فيه لكونه جامعًا بين ) الحكام الشريعة والخلق المصفية للقلوب ( من‬
‫أعراض النفوس المارة بالسوء ومن كلم المام الجنيد قولة ‪ ) :‬علمنا ومذهبنا هذا مقيد بأصول‬
‫الكتاب والسنة ( ‪ ،‬وقال أيضا ‪ ) :‬الطريق كلها مسدودة إل علي من اقتفي أثر الرسول علية‬
‫الصلة والسلم ( ‪.‬‬
‫وقال ) عبد ال بن خفيف ( ‪ :‬اقتدوا بخمسة من شيوخنا الباقين وعد منهم ) الحارث بن أسد‬
‫المحاسبي والجنيد بن محمد ( لنهم جمعوا بين العلم والحقائق ‪ ،‬قال شيخ السلم زكريا في‬
‫شرحه ‪ ) :‬أي جمعوا بين الشريعة والحقيقة ومن جمع بينهما كلم الناس بما يقتضيه أحوالهم ( ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب ) حليلة الولياء وطبقات الصفياء ( ‪ ،‬للحافظ أبو نعيم أحمد ابن عبد ال‬
‫الصفهاني ) الجنيد بن محمد الجنيد ( ‪ :‬المربي بفنون العلم ‪ ،‬المؤيد بعيون الحلم ‪ ،‬المنور‬
‫بخالص اليقان وثابت اليمان العالم بمودع الكتاب ‪ ،‬والعامل بحكم الخطاب ‪ ،‬الموافق فيه للبيان‬
‫والصواب ‪ ،‬كان كلمه بالنصوص مربوطًا ‪ ،‬وبيانه بالدلة مبسوطًا ‪ ،‬حيث فاق أشكاله بالبيان‬
‫الشافي واعتناقه للمنهج الكافي ولزومه للعمل الوافي ( ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب ) حليلة الولياء وطبقات الصفياء ( للحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد ال شرح‬
‫أحوالهم وأقوالهم من بيان علمهم وزهدهم وتصوفهم ومواعظهم وإرشادهم المؤثرة وعباداتهم‬
‫وقيامهم الليل وتهجدهم ‪.‬‬
‫كما أوضح مكانه الشيخ عبد القادر الجيلني وأعماله في الصلح والرشاد ونصرته للسنة‬
‫الشريفة والمؤهلت العلمية التي حاز عليها بما يستبين به الحق لكل منصف ‪ ،‬مخلق ‪ ،‬باحث عن‬
‫الحقيقة ‪.‬‬

‫أما معروف الكرخي فقد ترجم له في ) حلية الولياء ( وفي )وفيات العيان ( و ) شذرات‬
‫الذهب ( و) سير أعلم النبلء ( وفي )طبقات الصوفية ( بما فيه الكفاية ‪.‬‬
‫وقال المام العلمة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقي الحنبلي المتوفى سنة ‪ 703‬هـ في كتابه‬
‫) أحسن المحاسن ( ‪ ،‬عن معروف الكرخي ‪ :‬كان قد أباده ال تعالي بالجتباء في حال الصبا ‪.‬‬
‫وقال السري السقطى بحقه ‪ :‬هذا الذي أنا فيه إنما هو من بركات معروف وكان الجنيد يقول بحق‬
‫عن السري السقطي ‪ " :‬ما رأيت أعبد ال من سري السقطي " ‪.‬‬
‫وكذا إذا نظرت إلي من تسأل عنهم تري في كتاب العلمة الشيخ أبي إسحق النف الذكر ما‬
‫يسرك ‪.‬‬
‫وجاء ف كتاب ) حليلة الولياء وطبقات الصفياء ( للحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد ال الصفهاني‬
‫المتوفي في سنة ‪ 430‬هـ نبذه عن )الحارث بن أسد المحاسبي ( بين فيها أقواله وأحواله مع ال‬
‫ونبذه يسيره عن مكانته أنقلها كما وردت ‪ ) :‬كان الحارث المحاسبي للوان الحق مشاهدا ومراقبًا‬
‫ولثار الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله مساعدًا ومصاحبًا ‪ ،‬وتصانيفه مدونه مسطورة ‪،‬‬
‫وأقواله مبوبة مشهورة ‪ ،‬وأحواله مصححة مذكورة ‪ ،‬كان في علم الصول راسخًا وراجحًا وعن‬
‫الخوض في الفضول جافيا وجانحا ‪ ،‬وللمخالفين الزائفين قامعًا ناطحًا وللمريدين والمنيبين قاب ً‬
‫ل‬
‫وناصحًا ‪.‬‬
‫ومن أقواله ‪ ) :‬العلم يورث المخالفة ‪ ,‬والزهد يورث الراحة ‪ ,‬والمعرفة تورث النابة من صحح‬
‫باطنه بالخلص والمراقبة زين ظاهرة بالمجاهدة واتباع السنة ( لقولة تعالي ‪:‬‬
‫ن)‪ " (69‬سورة العنكبوت ‪.69/‬‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ل َلَمَع اْلُم ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫سُبَلَنا َوِإ ّ‬
‫جاَهُدوا ِفيَنا َلَنْهِدَيّنُهْم ُ‬
‫ن َ‬
‫"َواّلِذي َ‬
‫ومن أقوال الجنيد ‪ ) :‬علمنا مضبوط بالكتاب والسنة ‪ ،‬ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم‬
‫يتفقه ل يقتدي به ( ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب الحلية المذكور ‪ ) :‬أبو نصر بشر بن الحارث الحافي ‪ ،‬من حياه الحق بجزيل‬
‫الفواتح وحماه عن وبيل الفوائح ( ‪.‬‬
‫ومن أقواله " لقي حكيم حكيما فقال أحدهما لصاحبه ‪ :‬ل يراك ال عندما نهاك ويفقدك عندما‬
‫أمرك " أقول لو رجعنا إلي أقوالهم وأحوالهم مع ال لرأينا العجب العجاب وفي أقوالهم الروح‬
‫والريحان والكثير الطيب ما يشرح الصدور ‪.‬‬
‫أما الشيخ ) الشيخ عبد القادر الجيلني ( ‪ :‬قال بحقه شهاب الدين السهر وردي ‪ :‬الشيخ عبد‬
‫القادر سلطان الطريق ‪.‬‬
‫وقال عبد ال القرشي ‪ :‬الشيخ عبد القادر سيد أهل زمانه عارفين وأولياء وعلماء ومشايخ ‪.‬‬
‫وقال الشيخ أحمد الرفاعي عنه ‪ :‬بح الشريعة عن يمين الشيخ عبد القادر وبحر الحقيقية عن يساره‬
‫أيهما شاء أعترف ‪.‬‬
‫وبالجماع فالشيخ عبد القادر الجيلني كان يجلس في مجلسه اللوف وكانت تكتب في مجلسه ما‬
‫يقول أربعمائة محبرة ‪.‬‬
‫لقي أكابر الشيوخ وتلقي عنهم العلوم الشريعة ‪ ,‬وأعطاه ال المواهب وأوقع له القبول والهيبة‬
‫وأظهر الحكمة من قلبه علي لسانه ‪ ،‬وقصده الطلبة من العلماء والصلحاء ‪ ،‬وانتهت إلية تربية‬
‫المريدين بالعراق وسلمت إلية أزمة المعارف ولقب بإمام الفريقين وموضح الطريقتين وتتلمذا له‬
‫خلق كثير ‪.‬‬
‫وقال له الشيخ العارف بال يوسف الهمذانى ‪ :‬يا عبد القادر ) تكلم علي الناس ( حفظت الفقه‬
‫وأصول ومسائل الخلف والنحو واللغة وتفسير القرآن ‪ ،‬فكيف ل يصح لك أن تتكلم ‪ ،‬اصعد علي‬
‫الكرسي فإني رأيت فيك عرقًا سيصير نخلة ‪.‬‬
‫وبالجماع فالشيخ المام دليل الطريقة وترجمان الحقيقة أستاذ الشيوخ ‪ ،‬قدوة العارفين وعمدة‬
‫السالكين وحصلت له المواهب وصار شيخ زمانه بل نزاع ول دفاع وانتهت إلية الرياسة في‬
‫تربية المريدين يكفي في معرفته ـ كتاب العوارف ـ المشتمل علي مكنونات المعارف ومصونات‬

‫المحاسن واللطائف المشتملة علي دور المعارف ويواقيت الحكم وما به من حياة القلوب وشفائها‬
‫من السقم للشيخ شهاب الدين أبي السهر وردى ) ص ‪. ( 570‬‬
‫أما الشيخ أحمد الرفاعي ( ولدته سنة ‪ 500‬هـ إلي وفاته سنة ‪ 578‬هـ جاء في كتاب شرح‬
‫العينيه لناظمها ) عبد ال بن علوي الحداد باعلوى ( ـ تأليف ) السيد الشريف أحمد بن زين‬
‫باعلوي ( في ترجمته مايلي ‪-:‬‬
‫تاج العارفين شيخ الشيوخ صدر المقربين قطب الولياء وإمام الصفياء أحمد أبو العباس بن أبي‬
‫الحسن الرفاعي ‪.‬‬
‫وما قاله اليافعي عفيف الدين بحقه ‪ :‬والذي أدين ال به أن السيد أحمد بن الرفاعي الشريف‬
‫ل راسخًا ووليا عظيمًا وبحرًا من بحار السنة عجاجًا ‪.‬‬
‫الفاطمي الحسيني ‪ :‬كان جب ً‬
‫وقال بتقديمه وتقدمه رجال عصره كافة ومشي أكابر من قادة عصره تحت لواء إرشاده وانتهي‬
‫إليه التواضع ومكارم الخلق وحسن التأسي والتباع للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪.‬‬
‫)وللمام السيوطي ( بيان واضح عن رفعه شأنه ‪ ،‬وبالجماع فالشيخ أحمد الرفاعي ممن عرف‬
‫ل راسخًا في الستقامة‬
‫قدره الحفاظ والعيان ‪ ،‬وانتشرت طريقته وأحرز قصب السبق ‪ ،‬وكان جب ً‬
‫علي الشريعة وفي التربية وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ‪.‬‬
‫وقد نفع ال علي يديه خلقًا ل يحصيهم إل ال وكان لخلفائه وتلميذه فضل كبير في نشر السلم ‪.‬‬
‫ومع ذلك فسير هؤلء الذين تسأل عنهم وأمثالهم مبسوطة في الكتب المطولة مثل كتاب ‪ ) :‬البداية‬
‫والنهاية ( لبن كثير ‪ ،‬وكتاب )حلية الولياء ( ‪ ،‬وكتاب ) طبقات الصوفية ( لبي عبد الرحمن‬
‫السلمي ‪ ،‬وكتابي ) طبقات الشعراني وقلئد الجواهر ( وفي كتاب ) العبودية ( لبن تيميه وفي‬
‫كثير من كتب التراجم ‪ ،‬وفي كثير من الكتب الحديثة أوسعت البحث في مختلف نواحي حياتهم ‪.‬‬
‫وما أجمل البحث عنهم بالتزام المعرفة بآثارهم ونتاج أعمالهم وشد الرحال للقطار التي عمرت‬
‫بهم ‪ ،‬وغني عن التعريف وجوب الشادة بهؤلء الفذاذ الذين ملوا الدنيا بأعمالهم النيرة وبمفاخر‬
‫مساعيهم الحميدة في لواء الدعوة إلي ال وكانوا الئمة العلم في التزامهم شرع ال جهادًا في‬
‫سبيله ودفاعًا عن دينه ‪.‬‬
‫وال الموفق ‪،،،‬‬
‫مفتي ديار الجمهورية العربية السورية‬
‫الشيخ ‪ /‬أحمد كفتارو‬
‫وزارة الشئون السلمية والوقاف بدولة المارات العربية المتحدة‪:‬‬
‫ل ‪ :‬لبد من معرفة التصوف لغًة وأصطلحًا ومن خلل أربابه وأساتذته ‪ :‬ورد في " الرسالة‬
‫أو ً‬
‫" للمام العالم أبي القاسم القشيري قوله ‪ " :‬قال الستاذ ‪ ) :‬الصفاء محمود بكل لسان وضده‬
‫الكدورة وهي مذمومة ( ‪ ) ،‬وعن أبي جحيفة قال خرج رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫متغير اللون فقال ‪) :‬ذهب صفو الدنيا وبقي الكدر فالموت اليوم تحفة لكل مسلم ( ‪.‬‬
‫قال الستاذ ‪ :‬هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة فيقال رجل صوفي وللجماعة صوفية ومن‬
‫يتوصل إلى ذلك يقال له متصوف وللجماعة المتصوفة ‪ ،‬وليس يشهد لهذا السم من حيث العربية‬
‫قياس والظهر فيه أنه كالقلب ‪ ،‬فأما قول من قال ‪ :‬أنه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف‬
‫كما يقال تقمص إذا لبس القميص ‪ ،‬فذلك وجه ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ‪ ،‬ومن قال‬
‫أنهم منسوبون إلى أصحاب الصفة فى صفة مسجد رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫فالنسبة إلى الصفة ل تجئ على نحو الصوفي ‪.‬‬
‫ومن قال إنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة ‪.‬‬
‫ثم إن هذه الصفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ ‪ ,‬استحقاق اشتقاق ‪.‬‬
‫وقد تكلم الكثيرون في التصوف ما معناه ؟ وفي الصوفي من هو ؟ فكل عبر بما وقع له‬
‫واستقصاء جميعه يخرجنا عن المقصود وسنذكر بعض مقالتهم فيه على التلويح ‪ ،‬وكما قال حجة‬
‫السلم المام الغزالي في " مقصده السني " ‪ :‬ولقد نبهت بالرمز واليماء إن كنت من أهله _‬

‫وأما أنت أيها الخ الكريم المقصود بالشرح فل أظنك إل مستبصرا بسر ال في القدر مستغنيًا عن‬
‫هذه التحويمات والتنبيهات ‪.‬‬
‫سئل أبو محمد الجريري المتوفي سنة ‪ 311‬هـ عن التصوف فقال‪ ) :‬الدخول في كل خلق سني‬
‫والخروج من كل خلق دني ( ‪.‬‬
‫وقال محمد بن على القصاب ‪ ) :‬التصوف أخلق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم‬
‫مع قوم كرام ( ‪.‬‬
‫وقال معروف الكرخي ‪ ) :‬هم أهل بين واحد ل يدخل فيهم غيرهم ‪ ،‬والصوفي كالرض يطرح‬
‫عليها كل قبيح ول يخرج منها إل كل مليح(‪.‬‬
‫ويقول أبو سعيد الخراز المتوفى سنة ‪ 268‬هـ بعد ما سئل عن الصوفي ‪ ) :‬من صفي ربه قلبه‬
‫فامتل قلبه نورًا ‪ ،‬ومن دخل في عين اللذة بذكر ال ( ‪.‬‬
‫ويقول جعفر الخلدى المتوفى في سنة ‪ 348‬هـ ‪ ) :‬الوصف طرح النفس في العبودية والخروج‬
‫من البشرية والنظر إلي الحق بالكلية ( ‪.‬‬
‫سئل الشبلى عن التصوف فقال ‪ ) :‬بدؤه معرفة ال ونهايته توحيده( ‪ ،‬ويقول الغزالى في كتابه‬
‫الخالد ) إحياء علوم الدين ( المتوفى سنة ‪ 505‬هـ ‪ ) :‬الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات‬
‫المذمومة وقطع العلئق كلها والقبال بكنه الهمة علي ال تعالي ومهما حصل ذلك كان ال‬
‫المتولي لقلب عبده المتكفل له بتنويره بأنوار العلم ‪ ،‬وإذا تولى ال أمر القلب فاضت عليه الرحمة‬
‫وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب‬
‫الغرة بلطف الرحمة وتللت فيه حقائق المور اللهية فإذا ما حصل ذلك كانت المشاهدة ( ‪.‬‬
‫حدثنا محمد بن عثمام بن كرامة حدثنا خالد بن مخل حدثنا سليمان بن بلل حدثني شريك بن عبد‬
‫ال بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬إن ال عز وجل قال ‪ ) :‬من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب‬
‫إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا‬
‫أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ‪ ،‬وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ‪ ،‬ورجله التي‬
‫يمشي بها ‪ ،‬وإن سألني لعطينه ولئن استعاذني لعيذنه ‪ ،‬وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددي‬
‫عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ( ‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث تهديد لن من حاربه ال أهلكه ‪ ،‬قال الفكهاني ‪ :‬وهو من المجاز إلى البليغ لن‬
‫من كره من أحب ال خالف ال ومن خالف ال عانده ومن عانده أهلكه ‪ ،‬وإذا ثبت هذا في جانب‬
‫المعاداة ثبت ضده في جانب المواله فمن والى أولياء ال أكرمه ال ‪.‬‬
‫وفي حديث أنس ومن أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا وهو مجاز وكناية عن نصرة العبد‬
‫وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة اللت التي يستعين بها ولذا وقع في‬
‫رواية ‪ ) :‬فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ( ‪.‬‬
‫وعن أبي عثمان الحبري أحد أئمة الصوفية مما أسنده عنه البيهقي في الزهد معنى الحديث كنت‬
‫أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الستماع وعينه في النظر ويده في اللمس ورجله في‬
‫المشي ‪.‬‬
‫وفي حديث حذيفة عن الطبراني ‪ " :‬ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين‬
‫والصديقين والشهداء في الجنة " ‪.‬‬
‫يقول ) القسطلني ( في شرحه للصحيح ومناسبة الديث للترجمة أي باب التواضع تستفاد من‬
‫لزم قوله من عادي لي وليًا لنه يقتضي الزجر عن معاداة الولياء المستلزم لموالتهم ‪ ،‬وموالة‬
‫جميع الولياء ل تأتي إل بغاية التواضع إذ منهم الشعث الغبر الذي ل يؤبه له ‪ .‬أو أن التقرب‬
‫بالنوافل ل يكون إل بغاية التواضع ل والتذلل له تعالى ‪.‬‬
‫وأما عن الرأي في السادة الصوفية فيكفي الوقوف على سلوكهم ومعرفة أحوالهم من خلل‬
‫طبقاتهم وتراجمهم وأنهم جمعوا بين الشريعة الحقيقية إذ يقول ) بن الملقن في طبقاته ( ‪ " :‬فهذه‬

‫جملة من طبقات العلم وأوتاد القطاب في كل قطر وأوان جمعتهم لهتدي بمآثرهم وأقتفي‬
‫بآثارهم رجاء أن أنظم في سلكهم فالمرء مع أحب ‪ ،‬وأحيا بذكرهم ويزول عني النصب " ‪.‬‬
‫وحينما ذكر الجنيد قال ‪ :‬أبو القاسم شيخ وقته ونسيج وحده أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه‬
‫ببغداد صحب جماعة من المشايخ ودرس الفقع على ) أبي ثور ( وكان يفتي في حلقته بحضرته‬
‫وهو أبن عشرين سنة ومن أقواله ‪ ) :‬علمة إعراض ال عن العبد أن يشغله بما ل يعنيه ( ‪.‬‬
‫وقوله " من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ل يقتدى به في هذا المر لن علمنا مقيد بالكتاب‬
‫والسنة " وقال ‪ " :‬من طلب عزًا بباطل أورثه ال ذلً بحق " ‪.‬‬
‫وقال ‪ ) :‬الدب أدبان أدب السر وأدب العلنية ‪ ،‬فالول طهارة القلب من العيوب والعلنية حفظ‬
‫الجوارح من الذنوب ( ‪.‬‬
‫وفي ذكر ) بشر الحافي ( يقول ‪ :‬أحد رجال الطريقة ومعدن الحقيقة مثل الصلحاء وأعيان‬
‫ل حتى يأمنك‬
‫الورعاء ( ‪ ،‬مناقبه جمة أفردها ابن الجوزي بالتأليف ومن أقواله ‪ ) :‬ل تكون كام ً‬
‫عدوك وكيف يكون فيك خير وأنت ل يأمنك صديقك ( ‪.‬‬
‫وقال ‪ ) :‬ان العبد إذا قصر في الطاعة سلب ما يؤنسه ( ‪ ،‬أما )معروف الكرخي ( ) فهو أحد‬
‫السادات مجاب الدعوة وقبره ظاهر يتبرك به وأهل بغداد يستسقون به ( ‪.‬‬
‫قال أبو عبد الرحمن الزهري ‪ ) :‬قبره معروف لقضاء الحوائج ( ‪ ،‬من كلمه ‪ ) :‬إذا أراد ال‬
‫بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عليه باب الفترة والكسل ( ‪.‬‬
‫وقال )السري السقطي ( سألت معروفًا عن الطائعين ل بأي شئ قدروا على الطاعة ل قال ‪:‬‬
‫) بخروج الدنيا من قلوبهم ولو كانت في قلوبهم ما صحت لهم سجدة ( ‪.‬‬
‫أما ) السيد أحمد الرفاعي ( فهو أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي الرفاعي نسبة إلى جده‬
‫السابع الحسن الصغر الذي كان يلقب برفاعة والذي ينتهي نسبه إلى ) علي بن أبي طالب كرم‬
‫ال وجهه ( ‪.‬‬
‫أستاذ الطائفة المشهور كان حقه التقديم فإنه أوحد وقته حالً وصلحًا فقيهًا شافعيًا ‪.‬‬
‫ومن كلمه ‪ ) :‬من أشتغل بما ل يعنيه فاته ما يعنيه والنس بالخلق انقطاع عن الحق والدب سنة‬
‫الفقراء ووراثة الغنياء ( ‪.‬‬
‫ل على غيرك ( ‪.‬‬
‫وسئل عن الفتوة فقال ‪ ) :‬هي الصفح من عثرات الخوان وأل ترى لنفسك فض ً‬
‫وهكذا نعلم أن التصوف له ظاهر وباطن فظاهره استعمال الدب مع الخلق بالخلق الحسنة معهم‬
‫وباطنه منازلة الحوال والمقامات مع الحق فالظاهر علمة الباطن والباطن حقيقة الظاهر أل ترى‬
‫أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لما نظر إلى المصلى وهو يعبث قال ‪- :‬‬
‫) لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ( ونختم بما قال ) أبو نصر السراج ( ‪ )) :‬أدب أهل الدنيا‬
‫بالفصاحة والبلغة وحفظ العلوم والتاريخ والشعر ‪ ،‬وأدب أهل الدين معرفة العلم به ورياضة‬
‫النفس وتأديب الجوارح وتهذيب الطباع وحفظ الحدود وترك الشهوات والمسارعة إلى‬
‫الخيرات ((‪.‬‬
‫وأدب أهل الخصوصية من أهل الدين ) حفظ القلوب ومراعاة السرار واستواء السر‬
‫والعلنية ( ‪.‬‬
‫وال ولي التوفيق ‪،،،‬‬
‫وزير الشئون السلمية والوقاف‬
‫دولة المارات العربية المتحدة‬
‫الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ حسن الخزرجي‬
‫القيادة العامة للقوات المسلحة الردنية‪:‬‬
‫مديرية الفتاء‬
‫الحمد ل رب العالمين والصلة والسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين من نوح‬
‫علي سليمان إلى أخيه في ال السيد يوسف بن السيد هاشم بن السيد أحمد الرفاعي حفظه ال تعالى‬

‫‪.‬‬
‫السلم عليكم ورحمة ال تعالى وبركاته وبعد ‪-:‬‬
‫وصلتني رسالتكم الكريمة التي تسألني فيها عن التصوف والصوفية‪ .‬وقبل أن أجيب عليها أبين‬
‫للخ الكريم أنني لست " علمة " كما ظننتني بل طالب علم ‪ ،‬ول أقول هذا تواضعًا بل هي‬
‫الحقيقة أحب بيانها حتى تكون على بينة من المر ‪ ،‬وكلمة " علمة " كبيرة علي جدًا ‪.‬‬
‫وأما الصوفية فإن مثلي ل يسأل عن مثلهم ففيهم أعلم المة المشهود لهم بالخير والزهد في الدنيا‬
‫والرغبة فيما عند ال ‪ ،‬ونحن في زمن الفتن التي يبيع فيها النسان دينه بعرض من الدنيا قليل ‪،‬‬
‫ونسأل ال حسن الختام ‪ ،‬ولكن نزولً عند رغبتكم أستعين بال وأذكر لمعاليكم ما أعتقده في‬
‫الموضوع ‪.‬‬
‫أما مدى مشروعية التصوف ‪:‬‬
‫ل معنى التصوف ‪ :‬وقد عرفه بعض علمائه بأنه ‪ :‬العمل بالعلم وقال لو أن‬
‫فيجب أن نحدد أو ً‬
‫الفقهاء عملوا بعلمهم لكفونا ‪.‬‬
‫وعرف بعضهم بأنه قله الخلق الذميمة وغرس الخلق الحميدة ‪ ،‬وهو ما يسمى بالتخلية‬
‫والتحلية ‪ ،‬وعرفه بعضهم بأنه الخلق فمن زاد في الخلق زاد في التصوف ‪ ،‬فهو بهذا أسلوب‬
‫تربوي فيه تطبيق الحكام الشرعية الظاهرة والباطنة والساليب التربوية تختلف في الطريقة‬
‫والمقصود واحد ‪ ،‬وهذا ما نجده ‪ ،‬وهذا ما نجده في كتبهم ‪ ،‬فإذا فهمناه بهذه المعاني ل يشك مسلم‬
‫بأنه خير وبركة وعمل يقتضيه السلم ‪ ،‬ول يهمنا بعد ذلك من أين جاءت كلمة " تصوف "‬
‫ل ) واتحادا ( وإباحية وسقوطًا‬
‫ولكن ل ننكر بأن البعض انحرف في فهم التصوف فجعل فيه حلو ً‬
‫ل والدفاع عنهم‬
‫للتكليف وكلمًا ل يقره السلم وهؤلء يجب التبري منهم فهم ليسوا مسلمين أص ً‬
‫دفاع عن باطل ‪ ،‬وتأويل كلمهم إقرار خفي بما يقولون ‪ ،‬وهم الذين شوهوا التصوف ولولهم لما‬
‫تجرأ أحد على ذم أهل التصوف فهم أول أعداء التصوف ‪.‬‬
‫أما المام الجنيد البغدادي ‪ ،‬والشيخ عبد القادر الجيلني والسيد أحمد الرفاعي فهم أعلم المة‬
‫وبمراجعة كتب التراجم يظهر ما كان لهم من شأن كريم وتقدير عظيم عند علماء المة‬
‫المعاصرين لهم واللحقين رضي ال عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين ‪.‬‬
‫الذي يكفر كل الصوفية وينسبهم إلى الشرك متعجل في حكمه ولو تريث لفرق بين صالحهم‬
‫وطالحهم وصادقهم والمدعي فيهم ‪ ،‬فالذم جملة خطأ والمدح جملة خطأ والتفصيل أولى ول أريد‬
‫التفصيل في ذكر الشخاص بل ذكر جملة العقائد ‪ ،‬فيقال من أعتقد كذا فهو محق ومن أعتقد كذا‬
‫ل جاهر بالضلل فيذكر ليحذر ويذكر معه الصالح ليتبع ‪.‬‬
‫فهو مبطل ‪ .‬إل أن يكون رج ً‬
‫أما عقائد أهل التصوف فهي عقائد أهل السنة والجماعة ومنهم من يسلك في فهم العقيدة مسلك‬
‫الحنابلة ومن هؤلء المام الشيخ عبد القادر الجيلني في كتابه ) الغنية ( ومنهم من يسلك مسلك‬
‫الشاعرة ومنهم المام الغزالي ‪ ،‬والحنابلة والشاعرة والسلفية من دقق في عقائدهم وجد المر‬
‫قريبًا وهو اختلف في طريقة التعبير عن الشيء الواحد أو وجهتا نظر لكل منهما ما يبررها ‪،‬‬
‫وتنزيه المولى عما ل يليق به محل اتفاق ومن أحب الخلف نفخ في هذه المسائل فكبرها ونحن‬
‫نعتقد بالجميع الخير ‪.‬‬
‫ل يجوز التشهير بالمسلمين ول الفتراء عليهم ول تصديق كل ما يقال عنهم ‪ ،‬وإذا قدمن حسن‬
‫الظن بالمسلمين اتضحت لنا المور وحملناها على محمل حسن وعندها يكون التشهير بأهل الكفر‬
‫الصراح لكي يتجنبه الناس ويحذروا المز الق التي وقعوا فيها ‪.‬‬
‫ونحن بحاجة إلى تنقية الصفوف ورصها في سبيل ذلك لبد من التفاق على نبذ الذين حرفوا‬
‫الدين وشوهوا سمعة المسلمين وعقائدهم ‪.‬‬
‫ولو توفر النصاف وتخلينا عن حب الظهور والعصبية بالباطل وتذكرنا قوله تعالى ‪:‬آية ‪ 1‬ص‬
‫‪94‬‬
‫لهان المر وأمكن التفاق لكن يبدوا أننا وصلنا إلى الزمن الذي قال عنه المصطفى ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ... ) :‬إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي‬
‫برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام(‬
‫ول شك أن الغلو من جهة يؤدي إلى التطرف من الجهة الخرى وال المستعان ‪ ،‬وقد ظلم‬
‫التصوف من طائفتين ‪ :‬الولى طائفة الذين شوهوه بأفعالهم وشطحاتهم ودعاويهم والثانية طائفة‬
‫الذين فهموه على أنه أفعال وعقائد وشطحات أولئك المشوهين فذموا كل أهل التصوف وسبوا‬
‫الصالح والطالح معًا‬
‫ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬لكن من طلب الحق بصدق هداه ال إليه‪...‬‬
‫نسأل ال أن يهدينا سواء السبيل‬
‫والسلم عليكم ورحمة ال وبركاته‬
‫نوح علي سلمان‬
‫مفتي القوات المسلحة الردنية‬
‫مفتي الجمهورية اللبنانية‪:‬‬
‫تناول كثير من العلماء والمفكرين الحديث في التصوف والصوفية وأصل هذه النسبة كما تكلموا‬
‫في منزلة بعض المتقدمين منهم والمتأخرين من اليمان والكفر ‪ ،‬وإتيان الصواب والخطأ في‬
‫أقوالهم وأفعالهم وفي طريقهم ومدي ما هي عليه من المجافاة أو الموافقة لما عليه أهل السنة‬
‫والجماعة ‪.‬‬
‫وإني إذ أجيب علي أسئلتكم المطروحة ‪ ،‬أدرك أني لن أزيد في جلء صورتها ول في توضيح‬
‫الملبسات التي حفت أو تحف بها وأن كل ما سأقوم به هو تلبية حاجة معاصرة تتطلب العودة إلي‬
‫مثل تلك المعالجات للحالت الجتماعية والسلوكية الحديثة الشبيهة بما كان لولئك المتصوفة من‬
‫سلوك ونهج ‪.‬‬
‫ل في تعابير‬
‫وقد ثبت أن لفظ " الصوفية " وما يشتق منه في المعني المستخدم فيه لم يكن متداو ً‬
‫العلماء قبيل مطلع القرن الرابع الهجري ‪ ،‬وكان قد انتشر ظل أولئك الصالحين من العاملين ومن‬
‫ذوي الرأي الحكيم والفكر السليم والرواية والدراية من الصحابة التابعين وأتباعهم ممن اقتصوا‬
‫أثرهم واتبعوهم بإحسان ‪ ،‬وكثيرًا ما كانت تقع لهم الكرامات الربانية وتظهر منهم وعليهم سيما‬
‫الولية ومظاهر النصرة من ال ‪ ،‬وليس هذا مقام سردها وبيان جللها وروعتها ‪.‬‬
‫ولم ينقل عن أحد من المؤرخين وكاتبي السير ورواتها ‪ ،‬أنهم تصوفوا أو اتخذوا لنفسهم صفة "‬
‫الصوفية " وإن كانوا سموا في سلوكهم إلي مراتب ل تداني من الخشوع لربهم والخشية منه‬
‫فكثير منهم البكاءون والراكعون الساجدون المرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون‬
‫لحدود ال الذين كانت تقشعر جلودهم وقلوبهم لذكر ال ‪.‬‬
‫وإن إمام جميعًا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬وسيد الولين والخرين ونبراس‬
‫المتقين والصالحين والسالكين ‪ ،‬لم يعرف عنه إصراره علي شئ من تلك الوصاف ‪ ،‬ول أنه‬
‫اتخذ لنفسه ما اتخذه رجال التصوف من السماء واللقاب والصور والشكال ‪ .‬اللهم إل ما تلقب‬
‫به العبادة المشروعة وإل ما أحله ال من الملبس والمظهر والوصاف والسماء ولم يقل أحد من‬
‫السابقين الولين ول أتباعهم ول من المتأخرين أن أولئك الصوفية أعرف من الرسول ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬أو من صحبه من بعده بما يقرب إلى رضوان ال ويبعد عن سخطه أو بما‬
‫يغني النفوس ويحيي القلوب من أقوال وأفعال أو من أشكال أو أساليب التعبد ‪ ،‬ول أنهم أحسن‬
‫ل‪.‬‬
‫سلوكًا أو أهدي سبي ً‬
‫من أجل هذا فإنا إذا شئنا تحديد مشروعية التصوف في السلم لم يكن بمقدورنا التغافل عن‬
‫المعاني التي طرحناها من قبل ‪ ،‬ويكون التصوف في نظرنا أسلوبًا اجتهاديًا من أساليب ممارسة‬
‫العبادة الدينية في السلم ‪ ،‬ومذهبًا من مذاهب التدين وتطبيق شرع ال وتعظيم حرمات‬
‫وشعائره ‪ ،‬والتقرب إليه بالنوافل والطاعات حتى الفوز بمحبته ورضاه ل يحيد قيد شعره عما جاء‬

‫في الكتاب أو عما بينه الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله بقوله وفعله لن من يري أن طريق‬
‫هؤلء الصوفية أو النساك هو أفضل من طريق الصحابة وتابعيهم مبتدع ومخطئ ‪ ،‬وذلك أن‬
‫طريق رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وصحابته من بعده هي طريق التوسط وهي‬
‫الطريق المثلي التي جعل ال تعالي المؤمنين عليها وبينها ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لولئك‬
‫الثلثة الذين تقالوا عبادته صلي ال عليه وسلم إلي عبادتهم عندما عزم أولهم علي صوم الدهر‬
‫كله ‪ ،‬وثانيهم علي قيام الليل كله وثالثهم علي العزوف عن النساء ‪ ،‬وإذ قال لهم ‪ " :‬إني ال‬
‫لتقاكم له وأخشاكم له ‪ ،‬ولكني أقوم الليل وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن‬
‫سنتي فليس مني " ‪ ،‬وهي الطريق الواضحة التي ثبتها ال تعالي بقول ‪:‬‬
‫طا " سورة البقرة ‪. 143 /‬‬
‫سً‬
‫جَعْلَناُكْم ُأّمًة َو َ‬
‫ك َ‬
‫" َوَكَذِل َ‬
‫وبقوله ‪:‬‬
‫طْعُتْم " سورة التغابن ‪. 16 /‬‬
‫سَت َ‬
‫ل َما ا ْ‬
‫" َفاّتُقوا ا َّ‬
‫وقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ‪.‬‬
‫هذا وإن أفضل المم أمه محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لقوله تعالي ‪:‬‬
‫ل " سورة آل‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن اْلُمنَكِر َوُتْؤِمُنو َ‬
‫عْ‬
‫ن َ‬
‫ف َوَتْنَهْو َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫س َتْأُمُرو َ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ج ْ‬
‫خِر َ‬
‫خْيَر ُأّمٍة ُأ ْ‬
‫" ُكْنُتْم َ‬
‫عمران ‪. 110/‬‬
‫وقولة ‪:‬‬
‫عَباِدَنا " سورة فاطر ‪. 23 /‬‬
‫ن ِ‬
‫طَفْيَنا ِم ْ‬
‫صَ‬
‫نا ْ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫" ُثّم َأْوَرْثَنا اْلِكَتا َ‬
‫وقد ثبت عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله قوله ‪ " :‬خير القرون القرن الذي بعثت فيه‬
‫ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " ‪.‬‬
‫وإن جمهور العلماء متفقون علي أن أفضل السابقين الولين هم الخلفاء الربعة وأن أفضلهم أبو‬
‫بكر وعمر ‪ ،‬كما اتفقت طوائف أهل السنة والجماعة علي أن أفضل الناس من أمة محمد بعد‬
‫محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله هم الخلفاء الراشدون ‪.‬‬
‫هذا وإن أفضل أولياء عند ال هو أحسنهم إدراكًا واتباعًا لما جاء به محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ل ‪ ،‬ولهذا فإن كمال الواصلين إلي مقامات الولية مستمد من اتباعهم لرسول ال‬
‫ل وعم ً‬
‫ وآله قو ً‬‫وانتهالهم من معينه الصافي علمًا وأدبًا ‪ ،‬وإن عدم حصول بعض الكشوف لحدهم ‪ ،‬أو عدم‬
‫تسخير شئ من الكونيات لهم ل يزيد أو ينقص في مرتبته عند ال ‪ ،‬ول يغير من حقيقة الواقع‬
‫شيئا لن الصالح صالح حصل له الكشف أو لم يحصل ‪ ،‬والفاسد فاسد حصل له الكشف أو لم‬
‫يحصل ‪ ،‬وإن كان مسلمًا بالسلوك عندنا أن التدين القوي والتقوى العامرة بالخشية من ال المزينة‬
‫بالسلوك الحسن والشمائل الرفيعة يمهدان لكثير من ظهور الكرامات علي المتلبس بهما وذلك طبقا‬
‫لقوله تعالي ‪:‬‬
‫ب " سورة الطلق ‪2 /‬ـ ‪. 3‬‬
‫س ُ‬
‫حتَ ِ‬
‫ث لَ َي ْ‬
‫حْي ُ‬
‫ن َ‬
‫جا)‪َ(2‬وَيْرُزْقُه ِم ْ‬
‫خَر ً‬
‫ل َلُه َم ْ‬
‫جَع ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫ن َيّت ِ‬
‫"َوَم ْ‬
‫وقوله تعالي ‪:‬‬
‫ظيِم " سورة‬
‫ل اْلَع ِ‬
‫ضِ‬
‫ل ُذو اْلَف ْ‬
‫سّيَئاِتُكْم َوَيْغِفْر َلُكْم َوا ُّ‬
‫عنُكْم َ‬
‫ل َلُكْم ُفْرَقاًنا َوُيَكّفْر َ‬
‫جَع ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ن َتّتُقوا ا َّ‬
‫" ِإ ْ‬
‫النفال‪. 29 /‬‬
‫وقوله تعالي ‪:‬‬
‫سًرا " سورة الطلق ‪. 4 /‬‬
‫ن َأْمِرِه ُي ْ‬
‫ل َلُه ِم ْ‬
‫جَع ْ‬
‫ل َي ْ‬
‫ق ا َّ‬
‫ن َيّت ِ‬
‫" َوَم ْ‬
‫‪ ...‬الخ ‪ ،‬ما هنالك من اليات الكريمة يقربان إلي ال ويهبان للعبد من مظاهر رضوان ال‬
‫وتكريمه في الحياة الدنيا ‪ ،‬ما يكن له حسابه وتقديره ‪ ،‬وحسبنا توضيحًا قوله ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وآله عن ربه في الحديث القدسي ‪ " :‬من عادي لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب‬
‫إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته‬
‫كنت سمعه الذي يسمع به ‪ ،‬وبصره الذي يبصر به ‪ ،‬ويده يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ‪،‬‬
‫فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ‪ ،‬وبي يمشي ولئن سألني لعطينه ‪ ،‬ولئن استعاذني لعيذنه‬

‫وما ترددت في شئ أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ول‬
‫بد له منه " ‪.‬‬
‫كما كان كثير من الكفار والملحدين والوثنيين الخارجين علي منهج الحق وسنن النبياء والمرسلين‬
‫والخارجين علي عقيدة السلم ومناهجه الصحيحة من عرفوا في التاريخ وفي هذا العصر الحديث‬
‫في الشرق والغرب يقع لهم أو يملكون أن يوقعوا إذا شاءوا بقدرات يملكونها فيصنعون الكثير من‬
‫الخوارق ‪ ،‬وعجائب التصرفات ‪ ،‬ومع ذلك فإن هذا ل يغير من حقيقة معتقداتهم الفاسدة شيئا ‪،‬‬
‫ولكن الفرق بين هؤلء وأولئك واضح وهو أن هؤلء تحصل لهم هذه الخوارق والعجائب‬
‫بمساعدة من قوي أرواح شريرة من الشياطين وأعوانهم ‪ ،‬وأولئك تقع لهم بفضل ال وتكريم منه ‪.‬‬
‫أحب هنا أن أذكر بأن ما سلكه بعض من نسبوا أو انتسبوا إلي الصوفية من السابقين للخيرات أو‬
‫المقتصدين ممن اختاروا هذا المذهب في تطبيق السلم عقيدة وشريعة وسلوكا ‪ ،‬لم يختاروه علي‬
‫أنه أفضل مما كان عند رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وعند صحابته ‪ ،‬بل اختاروه علي‬
‫أنه سلوك في الطريق ذاتها مع شئ من التصوف الجتهادي الذي ل يسئ طلبه ول يعدل بهم عن‬
‫أصوله وحدوده ‪.‬‬
‫وإن المغالة في الزهادة والرهبنة والقول بأن السعي وراء الكسب حرام ل يحل إل عند الضرورة‬
‫لنه ينفي التوكل أو ينقص منه )الكتساب في الرزق المستطاب لمحمد الشيبباني ‪( 18‬‬
‫والنقطاع في المغارات وأعمال الصحارى ‪ ،‬ولبس المرقعات ‪ ،‬وكشف الرؤوس ‪ ،‬وتغسيل الشعر‬
‫وحمل الحيات ‪ ،‬والنوم في المقابر وعند الضرحة والصمت الدائم ‪ ،‬ولبس الصوف والتصوف‬
‫في طاعة الشيوخ وتعظيهم أحياًء وأمواتًا إلي حد منحهم بعض امتيازات اللوهية وصفاتها ‪،‬‬
‫والوقوف في الحلقات للذكر مع الطبول وضرب الدفوف وغيرها ليست عامة إمارات صلح ‪،‬‬
‫ول وسائل طاعة وقربي إلي ال ‪ .‬بل إن بعضها قد يكون خطرا علي العقيدة وسلمتها إذ يخشى‬
‫أن يكون سببا للنحراف بها عن الحق ‪.‬‬
‫وهكذا فإن التصوف يمكن أن يكون في حدود ما شرعه ال ‪ ،‬وفي حدود ما جاء به رسول ال‬
‫ل ‪ ،‬وما لم يمكن فيه ابتداع لسلوك أو عبادة تتعارض مع‬
‫الكريم ما لم يحل حرامًا أو يحرم حل ً‬
‫نص أو مع ما اتفق عليه جمهور علماء المسلمين ‪ ،‬وما دام المتصوف مستلزمًا بالركان مقيمًا‬
‫ل للحلل ومحرمًا للحرام ‪ ،‬ومعتقدًا بصورة عامة بمنهج الرسول ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫للشعائر مح ً‬
‫وسلم ‪ -‬وآله وصحبه من بعده وتابعيهم ومن لحقوا بهم بإحسان ‪ ،‬فهو مسلم مؤمن يحسن أجره‬
‫ويطيب ثوابه ‪ ،‬وربما رقي بإيمانه وسلوكه إلي درجة الصالحين والمقربين ‪.‬‬
‫ول يمكننا أن نقول إن التصوف علي ما عليه المنتسبون إليه وعلي اختلف طرقهم مشروع علي‬
‫إطلقه ‪ ،‬لن فيه كما أشرنا من قبل ما يتفق مع السلم وما تقره شريعته ‪ ،‬وما ل يتفق وفيه ما‬
‫يرضاه وما ينكره ‪ ،‬وقد أحسن كثير من المتصوفة بالتزامهم حدود ما انزل ال وحدود آدابه ‪،‬‬
‫وغالي الكثيرون منهم أيضا وانحرفوا وضلوا وأضلوا ‪ .‬ولذلك فإنه ل بد من تناول كل طريقة‬
‫وكل صوفي وشيخ وما يحمل من فكر وعقيدة وتشريع وأدب ‪ ،‬ومناقشته في ضوء الكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬وفي ضوء ما كان عليه السابقون الولون من العتقاد والسلوك ‪.‬‬
‫وإن السادة الصوفية الوائل من أمثال الجنيد البغدادي ‪ ،‬وبشر بن الحارث والحارث بن أسد‬
‫المحاسبي ‪ ،‬ومعروف الكرخي ‪ ،‬عبد القادر الجيلنى والسيد أحمد الرفاعي ‪ ،‬وغيرهم هم من‬
‫الذين سبقوا فولجوا هذا الطريق وأخذوا أساليب المتصوفة واشتهروا بها ‪ ،‬ومع ذلك لم يقل أحد‬
‫منهم بأن لهم الحق في ابتداع ما يخرج من منهج النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وحكمه‬
‫) النبيين وسنن المرسلين ( وسنن السابقين الولين المهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان ‪،‬‬
‫وقد روي عن الفضل بن عياض أنه فسر قوله تعالي ‪:‬‬
‫ل " سوره الملك ‪. 2/‬‬
‫عَم ً‬
‫ن َ‬
‫سُ‬
‫حَ‬
‫" ِلَيْبُلَوُكْم َأّيُكْم َأ ْ‬
‫أخلصه وأصوبه ذلك لن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل ‪ ،‬وإذا كان صوابًا ولم‬

‫يكن خالصًا لم يقبل ‪ .‬والخالص أن يكون ل وحده والصواب أن يكون علي النهج الذي بينه ال‬
‫في كتابه والرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله في سنته ‪.‬‬
‫علي انه من مراجعة كتب التراجم وسير الرجال التي وضعها العلماء المنصفون المتقون ‪ ،‬لم‬
‫نطلع علي ما يعاب علي أحد من هؤلء في عقيدته أو دينه أو سلوكه وإن صاحب طبقات الولياء‬
‫‪ ،‬والرسالة القشيرية ‪ ،‬وصفوة الصفوة وغيرهم استعرضوا سيرهم وأوسعوه الحديث عن صادق‬
‫هدايتهم وحكيم أقوالهم وبعض ما كان لهم من كشوف وكرامات ‪ ،‬وقد تتبعنا بالذات ما كتبه عنهم‬
‫العلمة ابن تيميه وما نقله عن بعضهم في كتابه ) مجموع الفتاوى وكتابه الستقامة ( لما نعرفه‬
‫عنه من شدة في هذه المور وتمحيص في النظر فرأيناه ينقل عن الجنيد قوله ) علمنا هذا مقيد‬
‫بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث ل يصلح أن يتكلم في علمنا ) مجموعة‬
‫الفتاوى ‪ ، ( 595 ، 11‬ثم يصفه في موضع آخر بقوله ‪ ) :‬بخلف الجنيد فإن الستقامة‬
‫والمتابعة غالبة علية ) مجموعة الفتاوى ‪ ، ( 494‬ثم يثني عليه وعلي أمثاله من علماء وكبار‬
‫المتصوفة في معرض نقده الشديد لبن عربي ‪ ،‬فيصفهم بأنهم من مشايخ أهل الكتاب والسنة‬
‫ويدعو لهم بالرضوان من ال ذاكرًا الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبا سليمان الداراني‬
‫ومعروفًا الكرخي ‪ ،‬والحفيد بن محمد وسهل بن عبد ال التستر والشيخ عبد القادر الجيلني‬
‫والشيخ عدي والشيخ أبا مدين والشيخ أبا البيان ) مجموعة الفتاوى ‪604 /‬ج ‪ ، ( 11‬وينقل عن‬
‫سهل بن عبد ال التستر قولة ‪ ) :‬كل وجد ل يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ( ‪ ،‬وقولة ) كل‬
‫علم علي ابتداع فإنه عذاب علي النفس وكل عمل بل اقتداء فهو غش للنفس ( ) مجموعة الفتاوى‬
‫‪ ، ( 585 ،11 /‬ويتحدث عن الشيخ السيد أحمد الرفاعي فيقول ‪ ) :‬أما كشف الرؤوس وتغسيل‬
‫الشعر وحمل الحيات ‪ ،‬فليس هذا من شعار أحد من الصالحين ل من الصحابة ول التابعين ول‬
‫شيوخ المسلمين ل المتقدمين ول المتأخرين ول الشيخ أحمد الرفاعي ول غيره وإنما ابتداع هذا‬
‫بعد موت الشيخ أحمد بمدة طويلة ‪ ،‬وابتدعته طائفة انتسبت عليه فخالفوا طريق‬
‫المسلمين وخرجوا من حقائق الدين وفارقوا طرق عباد ال الصالحين ( ) مجموعة الفتاوى ‪/‬‬
‫‪ ، ( 11 /494‬ول ينجو بعض اتباعه من حملة شديدة ربما بسبب أخطاء فادحة وقع فيها بعض‬
‫من انتسبوا إلي طريقته ‪ ،‬ثم نقل عن أبي البسط أمي انه قال ‪ ) :‬لو رأيتم الرجل يطير في الهواء‬
‫ويمشي علي الماء فل تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الوامر والنواهي ( ‪.‬‬
‫وهكذا فإنه يمكننا الخلوص إلي القول بأن المذكورين الذين تسألنا عن بيان الرأي فيهم ‪ ،‬في‬
‫سلوكهم ومعتقداتهم هم من المشهود لهم أيضًا في النصراف عن الدنيويات والزهادة فيها حبًا ل‬
‫ل بآياته الربانية ‪ ،‬علي انه ل يجوز إطلق الحكم علي المتصوفين جميعهم بالكفر لمجرد‬
‫وانشغا ً‬
‫انهم متصوفون كما أنه ل يجوز إطلق الحكم عليهم جميعًا بالصلح والولية لمجرد أنهم‬
‫متصوفون بل ينبغي من خلل عرضها علي الكتاب والسنة ‪ ،‬فإن وافقتها فنعمت هي السيرة‬
‫والقوال والمعتقدات وإل فيمكن إصدار الحكم عليها وعلي صاحبها في ضوء ذلك ‪.‬‬
‫ل صالحًا بآخر سيئ ‪ ،‬ومنهم‬
‫ولقد قرأنا لكثير من هؤلء وهؤلء ‪ ،‬وتبين لنا أن منهم من خلط عم ً‬
‫ل رائعًا في النقاء الصفاء‬
‫من انحرف ‪ ،‬ومنهم من استقام حتى كان في سلوكه وعقيدته وقولة مث ً‬
‫وحسن السيرة ‪ ،‬فهم بشر ممن خلق ال ‪ ،‬وعلي الناس ‪ ،‬وأتباعهم بالذات أل ينجرفوا وراءهم‬
‫علي عمي وغير هدي ‪ ،‬بل بعد مناقشة ومحاكمة ودراسة ‪ ،‬وبخاصة عندما ينحرف أحدهم مه‬
‫هواه ‪ ،‬ويسقط في بعض مغريات النفس وأضاليل الشيطان فيقع في الكذب أو النفاق أو الحتيال‬
‫أو البتزاز ‪ ،‬ويطلب من اتباعه من المطالب ما ل يتفق مع منهج السلم وما يوردهم موارد‬
‫الزيغ والضلل مثل أن يتوجهوا إليه بالستشفاع أو الستعانة أو الدعاء كما يستغيثون بال‬
‫ويدعونه فإن مثل هذه المور هي ضروب من التغرير بالناس وتضليلهم لستغللهم وابتزازهم‬
‫يستحلون بها بعض ما حرم ال ويخرجون بها عن مناهج النبياء والمرسلين والصالحين من عباد‬
‫ال كما أن فيها انحرافًا عن العتقاد السليم وسقوطًا في متاهات الزندقة أو الشرك ‪ ،‬فقد كان‬

‫الصحابة رضوان ال عليهم يراجعون رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ويسألونه‬
‫وينصحون له ويستنصحونه ‪ ،‬وكانوا يناقش بعضهم بعضًا ويراجع بعضهم بعضًا ولذلك فإنه يلزم‬
‫من يطلع علي مثل هذه التصرفات المبادرة إلي إنكارها والتبرؤ منها ومن الداعي إليها ومن‬
‫معتقداته وسلوكه ومطالبته بالتوبة عنها والعودة إلي النهج القويم ‪ ،‬وفي حال إصراره عليها‬
‫الستعانة بأولي المر لوضع حد لذلك حسبما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء ‪ ،‬وتنبيه الغافلين إلي‬
‫فساد تلك التصرفات والمعتقدات خوفًا من انخداعهم وتأثرهم بها ‪.‬‬
‫وهكذا فإن التصوف سلوك ولكنه ل يجوز أن يخرج عن حدود ما جاء به الكتاب والسنة من عقيدة‬
‫شريعة وحكمة وأدب والمتصوفة الصالحون المخلصون من أعلم هذه المة ل يسعهم إل الخذ‬
‫بما أخذ به الولون والهتداء بهديهم ‪ ،‬وبخاصة وهم يحملون رسالة السلم وينبرون لتربية‬
‫الجيال وتعليمهم وتهذيبهم وذلك ليستمر هذا الدين منارًا للقلوب والعقول يتوارثونه كابرًا ن كابر‬
‫حتى يرث ال الرض ومن عليها وهم علي خير ما يجب ويرضي ‪.‬‬
‫وال ولي التوفيق ‪،،،‬‬
‫مفتي الجمهورية اللبنانية‬
‫حسن خالد‬
‫جمهورية القمر التحادية‬
‫دار الفتاء‬
‫الحمد ل رب العالمين والصلة والسلم على من بعثه ال هداية ورحمة للولين والخرين سيدنا‬
‫محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ـ‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فهذا ما سمح بكتابته اليراع استجابة لنداء فضيلة الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي الكويتي‬
‫في السئلة التي وجهها إلى أصحاب السماحة والفضيلة العلماء طلبًا للدلء بآرائهم فيها وهي كما‬
‫تلي ‪-:‬‬
‫تدور حملة مكثفة للتشهير بالصوفية عمومًا دون التفرقة بين الصالحين منهم والمنتسبين ونحن‬
‫نقدم إلى لجنتكم الموقرة الجابة على هذه السئلة ‪-:‬‬
‫‪ -1‬ما مدى مشروعية التصوف ؟‬
‫‪ -2‬ما رأي العلماء في السادة الصوفية الوائل أمثال الجنيد البغدادي ‪ ،‬وبشر بن الحارث‬
‫المحاسبي ‪ ،‬ومعروف الكرخي ‪ ،‬والشيخ عبد القادر الجيلني ‪ ،‬والسيد أحمد الرفاعي وغيرهم من‬
‫أعلم المة ؟‬
‫‪ -3‬ما حكم من يكفر جميع الصوفية أو ينسبهم إلى الشرك ؟‬
‫‪ -4‬هل للصوفية عقيدة خاصة تخالف وتجفو عقيدة أهل السنة والجماعة ؟‬
‫‪ -5‬ما حكم التشهير بهم ؟‬
‫الجابة ‪-:‬‬
‫أولً قبل كل شئ أود أن أذكر شيئًا من كلم العلماء في تحديد معنى كلمة الصوفية ومأخذها في‬
‫اللغة العربية ‪ ،‬فقد تفننوا في ذلك فقال بعضهم ‪ :‬إن الكلمة مأخوذة من كلمة صوفيا وهي كلمة‬
‫يونانيا معناها الحكمة ‪ ،‬وقال آخرون إنها منسوبة إلى الصفة بتشديد الفاء محل في المسجد النبوي‬
‫كان منزلً لطائفة من الصحابة انقطعوا بقلوبهم وقوالبهم لعبادة ال وهم المعنيون بقوله تعالى‬
‫مخاطبًا لرسوله العظم ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله بقوله ‪:‬‬
‫جَهُه " سورة الكهف ‪28/‬‬
‫ن َو ْ‬
‫ي ُيِريُدو َ‬
‫شّ‬
‫ن َرّبُهْم ِباْلَغَداِة َواْلَع ِ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫ك َمَع اّلِذي َ‬
‫سَ‬
‫صِبْر َنْف َ‬
‫" َوا ْ‬
‫والمعنى في نسبة الصوفية إلى هؤلء أنهم كانوا أمثلة لهم في الزهد والتخفيف من متاع الحياة‬
‫وهناك قول في الصوفية منسوب إلى قبيلة كانت منقطعة لخدمة الكعبة أسمها الصوفية ‪ ،‬وقال‬
‫جمع إن كلمة الصوفية مأخوذة من الصفاء والمصافاة وبهذه الراء يعلم أن الصوفية باعتبار‬
‫مأخذها ونسبتها كلمة دينية يراد بها معنى ديني ول يقدح في ذلك ول يعد ابتداعًا كون الصوفية‬

‫والتصوف باعتبار السم لم يكن في عهد الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬ول في عهد‬
‫الصحابة وعهد التابعين ما دامت عقيدتهم وأقوالهم وأعمالهم جارية وموافقة تمامًا لما في الكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬كما ل تعد أسماء المذاهب التي لم تكن تذكر في العهود الولى ابتداعًا في الدين‬
‫كالشاعرة والماتريدية والمذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وغيرهم ‪.‬‬
‫التصوف الذي يقول به الصوفية اصطلحًا‬
‫التصوف هو إيمان صادق في عقيدة صحيحة وعلم لما في الكتاب وما جاء في السنة المطهرة‬
‫وعبادات خالصة وأخلق كريمة ومجاهدات ورياضات لنفوسهم وتهذيب وتأديب لتباعهم بالداب‬
‫الشرعية وسلوك تطبيقي يهدي إلى ) مقام الحسان ( الذي فصله النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وآله في الحديث بقوله ‪ " :‬أن تعبد ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ‪.‬‬
‫وبهذا يتضح أن التصوف الصحيح حصيلة لتباع ما جاء في الكتاب والسنة ويتضح أيضًا إن أئمة‬
‫الصوفية هم سيدنا محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وأصحابه والتابعون ومن صار على‬
‫نهجهم واقتدى بهم في العقيد والقول والعمال كالجنيد البغدادي وبشر بن الحارث والحارث‬
‫المحاسبي ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر الجيلني والسيد أحمد الرفاعي والسيد أبي الحسن‬
‫الشاذلي وغيرهم من أعلم المة رضوان ال تعالى عليهم أجمعين ‪ ،‬ويتضح بهذا أيضًا الجواب‬
‫عما جاء في السئلة ) ما مدى مشروعية التصوف ( ‪.‬‬
‫كما يظهر جليًا للمنصف أنه ليس للسادة الصوفية عقيدة تخالف وتجافي عقيدة أهل السنة والجماعة‬
‫فمن تعرض لهم بالتكفير والتشهير ونسبة الشرك إليهم بل تفرقة بين الصادقين منهم والمدعين‬
‫الكاذبين والمشعوذين الماكرين فقد عرض نفسه للتهديد الشديد والوعيد الصارم الذي ورد عن ال‬
‫تعالى في الحديث القدسي ) من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ( رواه البخاري ‪.‬أعلن سبحانه‬
‫وتعالى بالهلك والدمار على من عادى أولياءه وحارب أحباءه لكونه عائده وحاربه ومن عاند ال‬
‫وحاربه أهلكه لنه الغالب عز وجل ولنه عزيز ذو انتقام ومن سنته جل وعلى أن ينصر‬
‫المؤمنين على أعدائهم كما قال جل وشأنه ‪:‬‬
‫ن " سورة الروم ‪47 /‬‬
‫صُر اْلُمْؤِمِني َ‬
‫عَلْيَنا َن ْ‬
‫حّقا َ‬
‫ن َ‬
‫" َوَكا َ‬
‫وقد نوه سبحانه وتعالى بالذكر للولياء الذين تجب موالتهم وتحرم معاداتهم بقوله ‪:‬‬
‫ن)‪َ(63‬لهُْم‬
‫ن آَمُنوا َوَكاُنوا َيّتُقو َ‬
‫ن)‪(62‬اّلِذي َ‬
‫حَزُنو َ‬
‫عَلْيِهْم َولَ ُهْم َي ْ‬
‫ف َ‬
‫خْو ٌ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫ن َأْوِلَياَء ا ِّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫" َأ َ‬
‫ظيُم " سورة يونس ‪/‬‬
‫ك ُهَو اْلَفْوُز اْلَع ِ‬
‫ل َذِل َ‬
‫ت ا ِّ‬
‫ل ِلَكِلَما ِ‬
‫خَرِة لَ َتْبِدي َ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوِفي الْ ِ‬
‫شَرى ِفي اْل َ‬
‫اْلُب ْ‬
‫‪64-62‬‬
‫وقسمهم تعالى في الحديث القدسي السابق الذكر في قسمين ‪ :‬القسم الول ‪ :‬المقتصدون وهو الذين‬
‫قال فيهم ‪ :‬وما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ‪ ،‬والقسم الثاني ‪ :‬هم السابقون‬
‫المقربون وهم الذين قال فيهم ‪ :‬ول يزال عبدي يقترب إلي بالنوافل أي بعد أداء ما افترضت عليه‬
‫حتى أحبه وإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ‪ ،‬ويده التي يبطش بها‬
‫ورجله التي يمشي بها إلى آخر الحديث ‪ ،‬وفي النهي والتحذير عن تشهير المسلم وسبابه قال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " رواه الطبراني عن إبن‬
‫مسعود ‪ ،‬أما الكرامات وخوارق العادات ليست من لوازم الولية ول من الدلئل عليها وجودًا‬
‫وفقدًا ‪.‬‬
‫هذا ونسأل ال تعالى القدير أن يحيينا ويميتنا ويبعثنا على دين السلم وأن يجعلنا في زمرة الذين‬
‫أنعم ال عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ‪ ،‬وآخر دعوانا أن‬
‫الحمد ل رب العالمين ـ وصلى ال على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ‪.‬‬
‫المفتي‬
‫محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ أبو بكر بن سالم‬
‫مفتي جمهورية جزر القمر السلمية‬

‫الصوفية والعلم والعمل والجهاد في سبيل ال‪:‬‬
‫الصوفية رهبان الليل وفرسان النهار‬
‫طالما سمعنا دعاوى عريضة يتهجم بها على قوم الصوفية ‪ ،‬يدعون فيها‪ :‬أنهم يتقاعسون عن‬
‫الجهاد في سبيل ال ‪ ،‬أو يترهبون وينقطعون في الزوايا يتعبدون دون عمل يبتغون به رزقهم من‬
‫فضل ال‪.‬‬
‫والحقيقة أنهم أحقاء بالوصف المشهور ‪ :‬رهبان بالليل وفرسان بالنهار ‪ ،‬بعد صحابه رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬في أتم صحبة للمثل العلى‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ومن أراد البراهين القاطعة فليراجع كتب التراث السلمي ‪ ،‬والتي‬‫سنورد منها هذا الفصل بعضها ‪ ،‬فهم أهل التضحية والفداء والرباط في سبيل ال عبر الجيال‬
‫ومنذ القرون الثلثة الولي ـ وهي قرون الخيرية العليا ـ كما جاء في حديث الحبيب المصطفي ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬خير القرون قرني ‪ ،‬ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " ـ فهم أهل‬
‫العلم والجهاد في سبيل ال عبر الجيال حتى عصرنا الحاضر ‪ ،‬الذي نذكر فيه ‪ :‬الشيخ عبد‬
‫الكريم الخطابي ‪ ،‬والشيخ عبد القادر الجزائري ‪ ،‬وعمر المختار ‪ ،‬كما للصوفية دور كبير في‬
‫حروب التتار والحروب الصليبية ورجالهم من الصوفية وأهل الفتوة في السلم ‪.‬‬
‫أما القرن الول فقد قال علقمة بن مرثد ـ المتوفى ‪ 120‬هـ ‪ " :‬انتهي الزهد إلي ثمانية من‬
‫التابعين وهم ‪ :‬عامر بم عبد ال ‪ ،‬وأويس القرني ‪ ،‬وهرم بن حيان ‪ ،‬والربيع بن خيثم ‪ ،‬وأبو‬
‫مسلم الخولني ‪ ،‬السود بن يزيد ‪ ،‬ومسروق بن الجدع ‪ ،‬والحسن البصري‪ .‬هذا وقد عدهم‬
‫العلماء أنهم من كرام التابعين الزاهدين المخلصين ‪ ،‬وأنهم أول من أسس حركة الزهد والتصوف‬
‫في السلم ‪ ،‬بعد ما زرع بذورها صحابه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬وأول من‬
‫حققوا معني ) مقام الحسان ( والصدق مع ال ‪ .‬بعد صحابه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وآله ‪ ،‬وهؤلء من كرام التابعين بإحسان ‪ ،‬وما منهم أحد إل وله قدم صدق في العلم والزهد‬
‫والجهاد والمرابطة في سبيل ال ‪ ،‬ونخص منهم ـ في بحثنًا هذا ـ المام الحسن البصري ـ لهمية‬
‫ل‪.‬‬
‫ل وحا ً‬
‫كمرجع جليل للصوفية علمًا وعم ً‬
‫المام الحسن البصري ) ‪110-21‬هـ (‬
‫الحكيم المعلم ‪ ،‬والشيخ الزاهد ‪،‬والبطل المجاهد‬
‫يعتبر المام الحسن البصري المرجع الحكيم للصوفية فما من كتاب في التصوف إل ويشير إليه‬
‫كقمة في هرم سلسلة شيوخهم ‪ ،‬ولنه تعلم على أيادي الصحابة ‪ ،‬ولسيما المام علي كرم ال‬
‫وجهه وقد ذكر ) أبن كثير ( أن الحكمة التي أوتيها الحسن والعلوم من بركة رضاعة من ثدي أم‬
‫المؤمنين أم سلمة زوجة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لعبد ال بن عباس ‪ " :‬اللهم فقهه‬
‫في الدين وعلمه التأويل " ‪ ،‬حيث كانت أمه تخرج به للصحابة وهو صغير فيدعون له وكان‬
‫يقول ‪ " :‬أدركت ‪ 70‬بدريًا وصليت خلفهم ‪ ،‬وما كان لبسهم سوى الصوف لو رأيتموهم لقلتم‬
‫مجانين ‪.‬‬
‫وقال أبو طالب المكي ) المتوفي سنة ‪386‬هـ ( ‪ :‬كان الحسن ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أول من أنهج‬
‫سبيل هذا العلم ) التصوف ( وفتق اللسنة به ‪ ،‬ونطق بمعانيه وأزهر أنواره ‪ ،‬وكشف قناعه أي‬
‫إن التصوف تفتحت أزاهيره منذ القرن الثاني ـ وإن كان هو في أنواره وحقائقه ‪ ،‬وسلوكه وهدية‬
‫من سيرة الحبيب المصطفى ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وأصحابه العلم لنه على الحقيقة‬
‫)مقام الحسان ( الذي كانوا عليه ‪.‬‬
‫أما أن ) الحسن البصري ( كان من المجاهدين في سبيل ال فقد أورد أبن سعد في الطبقات‬
‫الكبرى ) جـ ‪ 3‬صـ ‪ " ( 175‬سأل ‪ :‬هل غزوت ؟ قال ‪ :‬نعم غزوة كابل مع عبد الرحمن بن‬
‫سمرة ‪.‬‬
‫كما يعده كثيرًا من الحفاظ أنه ممن لزم الجهاد كما لزم العلم والعمل ‪ ،‬كما كان أحد الشجعان‬
‫الموصوفين في الحرب ‪.‬‬

‫كما كان من كبار الزاهدين ـ فهو القائل ‪ " :‬ما عمل بعد الجهاد في سبيل ال أفضل من نشأة الليل‬
‫"‪.‬‬
‫وهكذا شأن كرام التابعين السبعة الوائل الذين أفنى عليهم الحفاظ ونصوا على أولياتهم في‬
‫التابعين بإحسان والصادقين مع ال وأهل الحكمة والصفاء ‪ ،‬ومن المجاهين في القرن الول‬
‫والثاني ـ من قرون الخيرية ـ وفي أمة المصطفى ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ) خير أمة‬
‫أخرجت للناس ( ـ كما أشتهر هذا الشأن للرعيل الصوفي طبقة بعد طبقة عبر الجيال ‪.‬‬
‫بل ويذكر المؤرخون المنصفون أن التصوف وليد حركة الزهد والتمسك والخلص مع ال ‪،‬‬
‫وحسن القتداء بحبيبنا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وأصحابه السلف الصالح وذكروا‬
‫أنهم بالخص ) محمد بن واسع ‪ ،‬ومالك بن دينار ( ‪ ،‬ممن ترددوا على حلقة الحسن البصري ـ‬
‫حيث أذن له المام علي كرم ال وجهه ـ دون كثي غيره للعظة والدرس فتخرج في مدرسته‬
‫الكثيرون من كرام الصفياء ‪ ،‬ومنهم أيضًا عبد الواحد بن زيد القائل ‪ " :‬لكل طريق مختصر‬
‫ومختصر طريق الجنة الجهاد " ‪.‬‬
‫ونتخير لبحثنا إمامًا آخر من أئمة التصوف في القرن الخيرية الثاني ‪ ،‬ونعني به إبراهيم بن آدم‬
‫لثناء علماء المة عليه عبر الجيال ‪.‬‬
‫إبراهيم بن أدهم‪:‬‬
‫من القرن الثاني الهجري‬
‫يعد من أئمة الصوفية الروحانيين كان أبوه ملكًا ‪ ،‬ولكن البن تزهد أختيارًا وساح في البلد ‪،‬‬
‫وجعل ثغور السلم له مقامًا مرابطًا ومجاهدًا ‪ ،‬وداعيًا إلى ال ورسوله ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬رابط في الثغور وخاض‬
‫ل باس ً‬
‫يذكره ) أبن عساكر ( فيقول ‪ " :‬كان فارسًا شجاعًا ‪ ،‬ومقات ً‬
‫المعارك ضد البيزنطيين " ‪.‬‬
‫وقد أثنى على ورعه أحمد بن حنبل والوزاعي وسفيان الثوري والنسائي وغيرهم قال أبن‬
‫حيان ‪ :‬إنه خرج للشام طلبًا للحلل المحض ‪ ،‬فأقام فيها غازيًا ومرابطًا يلزم الورع الشديد والجهد‬
‫الجهيد حتى مات ‪ ،‬وحكمه في الدعوة إلى ال عز وجل مأثورة في كتب القوم وغيرهم ‪.‬‬
‫وتتلمذ على يديه وتابعه الكثير من المجاهدين البطال أما هو فقد ذكر ابن كثير وياقوت الحموي ‪:‬‬
‫أنه مات وهو قابض على قوسه متهيئًا لرمي العدو في جزيرة من بحر الروم سنة ‪ 162‬هـ ‪.‬‬
‫عبد ال بن المبارك‬
‫شهرته تغني عن الطالة ‪ :‬كان يغزو سنة ويحج سنة ‪ ،‬ويتاجر سنة ‪ ،‬وما يحصل عليه في‬
‫تجارته يوزعه على الفقراء ‪ ،‬أو يصحبهم في الحج على نفقته ‪.‬‬
‫ويقول عنه الخطيب البغدادي ‪ :‬كان الربانيين في العلم ومن المذكورين في الزهد ‪ .‬وخرج من‬
‫بغداد إلى ثغر المصيصة ) مرابطًأ ومجاهدًا ( فصحبه الصوفية ـ في قصة طويلة طريفة ‪ ،‬بسطها‬
‫تاريخ بغداد ) جـ ‪ ، 10‬ص ‪. ( 157‬‬
‫وينقل الحافظ ابن حجر العسقلني كلم الخليلي في الرشاد " لبن المبارك من الكرامات ما ل‬
‫يحصى ‪ ،‬ويقال إنه من البدال وقد صدرت تراجم الصوفية بأسمه " ‪.‬‬
‫وفي حليه الولياء ‪ :‬سئل ابن المبارك ‪ :‬من الناس ؟ قال ‪ :‬العلماء ‪ ،‬قيل‪ :‬ومن المملوك ؟ قال ‪:‬‬
‫الزهاد ز وله كتاب ) الزهد والرقائق ( ‪ ،‬وهو أول من صنف في الجهاد ويفسر قوله تعالى ‪:‬‬
‫جَهاِدِه " الحج ‪. 78/‬‬
‫ق ِ‬
‫حّ‬
‫ل َ‬
‫جاِهُدوا ِفي ا ِّ‬
‫" َو َ‬
‫أن معناها مجاهدة النفس والهوى ـ وذلك حق الجهاد ‪ ،‬وقد توفى منصرفًا من الغزو سنة ‪181‬‬
‫هوذلك باعتبار أن المجاهدة للنفس هي الجهاد الكبر ‪ ،‬وبه وحده يتم تحقيق معنى العبودية ل‬
‫بالتزام شريعته ‪ ،‬فتتحقق الخلفة عن ال وبذلك تعمر الرض ‪ ،‬ويدفع شر المفسدين فيها بالجهاد‬
‫في سبيل ال وترتفع منارة التوحيد والعلم عن ال العظيم ‪.‬‬
‫أبو سعيد الشهيد ) من أتباع ابن المبارك (‬
‫وممن أدرك عبد ال بن المبارك أبو سعيد الشهيد ‪ ،‬وكان صاحب بأس شديد ‪ ،‬استشهد بعد ما قتل‬

‫العديد من العداء الشداء وقد أنشد قبل موته ‪-:‬‬
‫أحسن بمولك يا سعيد ظنًا هذا الذي كنت له تمنى‬
‫تنحين يا حور الجنان عنا مالكن قاتلنا ول قتلنا‬
‫لكن لربنا قد اشتقنا قد علم السر وما اعلنا‬
‫ويقول الباحثون ‪ :‬ط لقد جسد الصوفية باندفاعهم إلى ميادين الجهاد الرتباط السلمي بين العبادة‬
‫والجهاد ‪ ،‬وأشاعوا في الثغور والرباطات شعورًا دينيًا خاصًا له أبعد الثر في الصمود والنصر‬
‫بشجاعتهم ‪ ،‬ودعوتهم للجنود للستبسال والصدق مع ال "‬
‫نماذج من الصوفية المجاهدين في القرن الثالث‪:‬‬
‫نلتقي في المصادر بالمئات من المتطوعين الصوفيين من القرن الثالث الهجري خاضوا الجهاد‬
‫ضد الروم ودرء خطرهم عن الشام ‪ ،‬وجزيرة الفرات ومشايخهم والشهداء من النعيم الخالد‬
‫والرضوان الكبر ومن مشاهيرهم ‪-:‬‬
‫حاتم الصم‪:‬‬
‫هو حاتم الصم ـ القدوة الرباني ـ كان يلقب بلقمان المة ـ وقد أشترك في حرب الترك ‪.‬‬
‫أبو يزيد البسطامي‪:‬‬
‫أبو يزيد البسطامي الملقب بسلطان العارفين ) توفى سنة ‪261‬هـ(جاء عنه في شذرات الذهب ـ‬
‫وفيات سنة ‪ 237‬هـ ‪.‬‬
‫" كان خلل وجوده في الثغر يحرس طيلة الليل ‪ ،‬ويرابط ويتعبد ويذكر ال ويذرف الدموع خشية‬
‫ل العظيم ‪ ،‬ويتضرع إلى ال العظيم لتمام النصر " ‪.‬ومن أقواله ‪ :‬لم أزل منذ ‪ 40‬أربعين سنة‬
‫ما استندت إلى حائط إل إلى حائط مسجد أو رباط ) في سبيل ال ( وبذلك يتجلى كيف كانوا‬
‫رهبان الليل وفرسان النهار ‪.‬‬
‫لذلك يقول ‪ :‬أقامني الحق مع المجاهدين أضرب بالسيوف في وجه العداء ‪.‬‬
‫أبو حمزة الصوفي‪:‬‬
‫يعد من أوائل من تكلم بالتصوف ببغداد مع صفاء الذكر ‪ ،‬وجمع الهمة والمحبة والشوق والقرب‬
‫والنس بذكر ال ـ وفق ما ذكره الخطيب في تاريخه ‪.‬‬
‫وهو محمد بن إبراهيم أبو حمزة الصوفي ) توفى سنة ‪ 269‬هـ ( ‪ ،‬كان عالمًا بالقرآن ‪ .‬جالس‬
‫أحمد بن حنبل ‪ ،‬وبشر بن الحارث ‪ ،‬وكان له مهر رباه يحب الغزو والجهاد عليه‪.‬‬
‫ويقول الجنيد عنه ‪ " :‬حبب إلى أبي حمزة الغزو وكان يأتي بلد الروم للمجاهدين معه وعليه‬
‫جبة صوف "‬
‫السري السقطي ) توفى سنة ‪ 253‬هـ (‪:‬‬
‫وهو من كبار الصوفية ‪ ،‬وحكى المؤرخون عنه الكثير عن المجاهدات في أرض الروم ‪.‬‬
‫ويتجلى رأيه في الجهاد في تفسيره للية الكريمة‬
‫ن"‬
‫حو َ‬
‫ل َلَعّلُكْم ُتْفِل ُ‬
‫طوا َواّتُقوا ا َّ‬
‫صاِبُروا َوَراِب ُ‬
‫صِبُروا َو َ‬
‫ن آَمُنوا ا ْ‬
‫" َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫آل عمران ‪200/‬‬
‫فقال ‪ -:‬صابروا أراد الثبات في المعركة مع الستقامة والصبر ‪.‬‬
‫قال الحسن بن البزار ‪ :‬سألت أحمد بن حنبل عن السري السقطي بعد قدومه من الرباط في الثغر‬
‫فأثنى عليه ‪.‬ومن كلمه ) من صفات الصوفي ال يتكلم بباطن علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب‬
‫والسنة (‬
‫المام الجنيد محمد أبو القاسم الخراز ) توفى سنة ‪ 297‬هـ (‪:‬‬
‫سيد الطائفتين ‪ ) :‬الفقهاء والصوفية (‬
‫وقد أجمع العلماء قاطبة علي فضلة وإمامته وتقدمه حتى عده ابن الثير ‪ ) :‬عالم الدنيا في‬
‫زمانه ( ‪.‬‬
‫وقال ابن كثير في ترجمته ‪ " :‬سمع الحديث وتفقه ولزم التعبد ففتح ال عليه بسبب ذلك علومًا‬

‫نافعة كثيرة ‪ ،‬وأمورًا لم تحصل لغيره في زمانه ‪ ،‬وكان يعرف سائر فنون العلم حتى اشتهر بلقب‬
‫) سيد الطائفتين‪ :‬الفقهاء ‪ ,‬والصوفية ( ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬الجنيد ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬سيد الطائفة إمام هدي ‪ ...‬إلي أن‬
‫وقد أثني عليه الشيخ ابن تيميه قائ ً‬
‫يقول ‪ " :‬من يخالفه فمن أهل الضلل‪ .‬وقد اشترك في الجهاد في سبيل ال يقول ‪ " :‬أرسل إلي‬
‫أمير الجيوش شيئًا من النفقة فكرهت ذلك لنفسي ففرقتها علي محاويج الغزاة ‪.‬‬
‫ومن مأثوراته ‪ ) :‬لكل أمه صفوة ‪ ،‬وصفوة هذه المة الصوفية ( ‪ ،‬ويقول ‪ :‬التصوف صفاء‬
‫المعاملة مع ال ‪ ،‬كما قال الصحابي الجليل حارثة وقد سأله الحبيب المصطفي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وآله ‪ :‬كيف أصبحت يا حارثة قال ‪ ) :‬عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت‬
‫نهاري ‪ ،‬فكأني أري عرش ربي بارزا ‪ ،‬وأهل الجنة في الجنة يتزاورون وأهل النار في النار‬
‫يتعاوون ويبكون ( ‪ ،‬فقال له رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله عرفت فالزم ‪ .‬عبد نور ال‬
‫باليمان قلبه ‪ ...‬من أراد أن ينظر إلي رجل من أهل الجنة ‪ ،‬فلينظر إلي حارثة ‪ .‬وتدبر قوله عن‬
‫سلوكه مه ال ) فأسهرت ليلي ‪ ،‬وأظمأت نهاري ( ففيهما ) مقام الحسان ( متجليًا ‪ ..‬ثم تدبر‬
‫قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬عرفت فالزم " وتقريره لصدق السلوك من عبد نور ال‬
‫باليمان قلبه ‪ ..‬والتابعون بإحسان هم أهل ذلك بتوفيق من ال العظيم ‪ ،‬وكما وصفهم ‪:‬‬
‫لًما)‪َ(63‬واّلِذي َ‬
‫ن‬
‫سَ‬
‫ن َقاُلوا َ‬
‫جاِهُلو َ‬
‫طَبُهْم اْل َ‬
‫خا َ‬
‫ض َهْوًنا َوِإَذا َ‬
‫لْر ِ‬
‫عَلى ا َْ‬
‫ن َ‬
‫شو َ‬
‫ن َيْم ُ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫حَما ِ‬
‫عَباُد الّر ْ‬
‫" َو ِ‬
‫جًدا َوِقَياًما " سورة الفرقان‪.64-63/‬‬
‫سّ‬
‫ن ِلَرّبِهْم ُ‬
‫َيِبيُتو َ‬
‫دور الصوفية في الحروب الصليبية‪:‬‬
‫الناحية الصوفية عند بطل الحروب الصليبية‬
‫نور الدين محمود زنكي‬
‫أجل لقد كان للصوفية جور بطولي كريم في الجهاد في سبيل ال في الحروب الصليبية تحت قيادة‬
‫بطل السلم والمسلمين ) نور الدين محمود زنكي ( ‪.‬‬
‫قال ابن الثير وغيره " وكان يحضر مشايخهم ويقربهم ‪ ،‬ويتواضع لهم ‪ ،‬ويجلسهم معه علي‬
‫سجادته ‪ ،‬ويسمع لحديثهم ‪.‬‬
‫وكان من المشايخ الكرام الشيخ القدوة ) حياة بن قيس الحراني ( "توفي سنة ‪ 586‬هـ " وكان‬
‫صاحب كرامات وأحوال ‪ ،‬وقد كان لتشجيعه نور الدين وقاده جيشه أثر كبير في الشجاعة‬
‫والمثابرة والنصر العزيز ‪ ،‬ومنهم ) الشيخ عماد الدين أبو الفتح حموية ( نزيل دمشق سنة ‪563‬‬
‫هـ قال عنه البغدادي ‪ ":‬لم يكن له في علم الطريقة والحقيقة نظير ‪ ،‬وقد أصدر نور الدين منشورًا‬
‫له بمشيخة الصوفية في الشام لكرامته في الجماعة وحكمته ولدوره الكبير في تربية الشباب‬
‫والرجال من أبطال السلم " ‪.‬‬
‫ومنهم ) ابن الصابوني ( الزاهد الذي مر بدمشق فسأله نور الدين القامة بها فيكون معه‬
‫ويستشيره ويأنس به فأعتذر بقصد زيارة المام الشافعي فجهزه علي مصر ‪ ،‬وأصحبه المير‬
‫) نجم الدين أيوب والد السلطان صلح الدين ( ‪.‬‬
‫وكان منهم ) الشيخ عمر المل ( ‪ ،‬يقول عنه البغدادي ‪ " :‬وهو من أئمة العارفين يزوره العلماء‬
‫ل عظيمًا في المولد النبوي الشريف ينشد فيه الشعر في مدح‬
‫والملوك في زاويته ‪ ،‬وكان يقيم حف ً‬
‫الحبيب ‪ ،‬وكان نور الدين يستشيره ويعظمه ‪.‬‬
‫وكذا السلطان ألب أرسلن‬
‫هذا وقد أثني المؤرخون علي ) السلطان السلجوقي ألب أرسلن ( صاحب موقعه ) ملذكرد (‬
‫التي انتصر المسلمون فيها علي الروم سنة ‪ 463‬هـ ‪ ،‬كما في شذرات الذهب ‪ ،‬وذكر أنه كان‬
‫يتبرك بالصوفية ول سيما ) بالشيخ أبي القاسم القشيري ) توفي سنة ‪ 485‬هـ ( وأبي نصر‬
‫محمد بن عبد ال البخاري الصوفي ( الذي أشعل حماس الجنود بخطبته قبل المعركة فكان لذلك‬
‫أثر كبير في النصر بتأييد ال العظيم ‪.‬‬
‫الناحية الصوفية عند بطل السلم‬

‫صلح الدين اليوبي ) ‪ 532‬ـ ‪ 589‬هـ (‬
‫لقد ارتبط العصر الوسيط بوصف الصلح والزهد والورع وحسن العقيدة بالصوفي في البطل‬
‫المؤيد ) صلح الدين اليوبي خليفة نور الدين محمود ( ‪ ،‬وبطل الحروب الصليبية الشهر فقد‬
‫ارتبطت صفاته بالصوفي الزاهد الورع التقي النقي بركة أهل زمانه كما يقول السبكي في‬
‫طبقاته ‪.‬‬
‫وقال عنه ابن كثير ‪ :‬كان شجاعًا كثير الصلة وله ) خانقاه بالديار المصرية ‪ ،‬أقامه للصوفية‬
‫ومثله بدمشق ( ‪ ،‬وكان نصره الكبر في فتح القدس في ‪ 27‬رجب سنة ‪ 583‬هـ بعد معركة‬
‫حطين ‪ ،‬وشهد فتحه الكثيرون من رجال التصوف من أرباب الخرق والزهد والعلم وتوقيته بهذا‬
‫اليوم العظيم في ذكري السراء والمعراج إشارة ربانية لرضوان ال علي الجيش وقائدة وهو‬
‫القائل عز وجل ‪:‬‬
‫شَهاُد " سورة غافر‪51 /‬‬
‫لْ‬
‫حَياِة الّدْنَيا َوَيْوَم َيُقوُم ا َْ‬
‫ن آَمُنوا ِفي اْل َ‬
‫سَلَنا َواّلِذي َ‬
‫صُر ُر ُ‬
‫" ِإّنا َلَنن ُ‬
‫ل عظيمًا في سماحة السلم وبني قريبًا‬
‫وقد أمر بالمحافظة علي كنيسة القيامة ‪ ،‬فضرب بذلك مث ً‬
‫منها مدرسة للفقهاء الشافعية ‪ ،‬ورباطًا لصلحاء الصوفية ليثبت للصليبين أن السلم دين السماحة‬
‫والسلم وهذا بجانب إحسانه لسراهم وإطلق سراحهم وعلج جرحاهم ‪.‬‬
‫وتاريخ السلم شاد صدق علي أدوار الصوفية في الجهاد البطولت السلمية وصدق الرباط‬
‫والحفاظ علي ثغور السلم ـ في كتائب الجيوش ‪ ،‬أو في الدعوة والرشاد في المساجد والزوايا ‪،‬‬
‫فهم بصدق كانوا ) رهبان الليل وفرسان النهار ( وكان لهم الثر الكبير في إذكاء روح الحماس‬
‫في المعارك ‪ ،‬والصبر والمصابرة في الجهاد في سبيل ال عبر الجيال _ كما يشهد بذلك سجل‬
‫التراث السلمي كله ‪ ،‬وقد أشرنا لبعضه كبرهان قاطع ‪:‬‬
‫شُكوًرا " سورة الفرقان ‪62/‬‬
‫ن َيّذّكَر َأْو َأَراَد ُ‬
‫ن َأَراَد َأ ْ‬
‫" ِلَم ْ‬
‫الرجوع الى فهرس المحتويات?‬
‫وفي حروب التتار وفي العصر الحديث أيضًا‬
‫الصوفية ) رهبان الليل وفرسان النهار (‬
‫ثم إن الحديث يطول في شأنهم بنفس المراجع السابقة وغيرها في حروب التتار يضيق عنه المقام‬
‫وإن كنا نذكر منهم المام أبو الحسن الشاذلي ورجاله الصفياء والشيخ العز بن السلم ) سلطان‬
‫العلماء ( وهو شيخ سيف الدين قطز أمير مصر والشام حينئذ وقائد موقعه ) عين جالوت ( بالشام‬
‫والتي تمت بتوقيت إلهي جليل في ‪ 27‬رمضان سنة ‪ 658‬هـ للقضاء علي التتار الذين كانوا قد‬
‫قضوا علي الخلفة العباسية سنة ‪ 656‬هـ وذلك في إشارة ربانية عظيمة علي رضوان ال علي‬
‫الجيش ورجالة وقائدة وقادته من أهل ال الذين يتم بهم وبأمثالهم استخلص العالم السلمي من‬
‫قبضة التتار بالنصر والتأييد‬
‫حِكيٌم " سورة النفال ‪10/‬‬
‫عِزيٌز َ‬
‫ل َ‬
‫ن ا َّ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫عْنِد ا ِّ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِم ْ‬
‫صُر ِإ ّ‬
‫" َوَما الّن ْ‬
‫وذلك كما تم تخليص بين المقدس والبلد السلمية من قبضة الصليبين من قبل علي يد صلح‬
‫الدين البطل الصوفي العظيم في ‪ 27‬رجب سنة ‪ 583‬هـ‬
‫شاُء َوُهَو اْلَعِزيُز‬
‫ن َي َ‬
‫صُر َم ْ‬
‫ل َين ُ‬
‫صِر ا ِّ‬
‫ن)‪ِ(4‬بَن ْ‬
‫ح اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ن َبْعُد َوَيْوَمِئٍذ َيْفَر ُ‬
‫ل َوِم ْ‬
‫ن َقْب ُ‬
‫ل الَْْمُر ِم ْ‬
‫" ِّ‬
‫حيُم " سورة الروم ‪5-4/‬‬
‫الّر ِ‬
‫بل وفي العصر الحديث قام شيوخ الصوفية بدور كبير في جهاد الستعمار والمستعمرين نذكر‬
‫منهم الشيخ عبد الكريم المغربي في المغرب ‪ ،‬والشيخ عبد القادر الجزائري في الجزائر ‪ ،‬في‬
‫مواجهة الستعمار الفرنسي ‪ ،‬في جهاد بطولي خالد هنا وهناك ‪ .‬ثم عمر المختار في مواجهة‬
‫الستعمار اليطالي ‪ ،‬وجهاده البطولي مع صحبة الكرام من الصوفية الصفياء لمدة ) ‪( 25‬‬
‫خمسة عشرون عامًا في ليبيا ‪ ,‬دوخ فيها جيوشهم جيشًا بعد جيش ‪ ،‬ومع قلة أصحابه وقلة سلحه‬
‫إل أنهم كانوا صفوة أيدهم ال بروح من عنده ‪ ،‬فصمدوا وضربوا أمثلة عليا في الجهاد الصدق‬

‫مع ال ‪ ،‬كما خلد القائد الحكيم أمثلة عليا في الكفاح ‪ ،‬بل وفي معاملة أعدائه الذين وقعوا في أسرة‬
‫كشف بها عن سماحة السلم وأنه دين الحق والسلم ‪ ،‬وقد سجلها المؤرخون بإجلل في الغرب‬
‫والشرق ‪ .‬ولقد حاول العدو إغراءه بكل وسيلة ‪ ،‬ولكن هيهات لهل ال أن يتخلوا عن واجبهم‬
‫ل في مقامه عظيمًا في بطولته ‪ ،‬صادقًا مع ربه ‪ ،‬ولول نفاد‬
‫المقدس ‪ ،‬لذلك آثر الشهادة جلي ً‬
‫ذخيرته لكان له معهم شأن آخر ‪ .‬لذلك كان انتقام العدو منه مروعًا ‪ ،‬لكنه كان استشهادا رائعًا في‬
‫ميزان الحق ليكون في المل العلى ) في مقعد صدق عند مليك مقتدر‪.‬‬
‫ك َرِفيًقا "‬
‫ن ُأْوَلِئ َ‬
‫سَ‬
‫حُ‬
‫ن َو َ‬
‫حي َ‬
‫صاِل ِ‬
‫شَهَداِء َوال ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫صّديِقي َ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ن الّنِبّيي َ‬
‫" ِم ْ‬
‫والن ـ لطالب الحق ببراهينه ـ أن يراجع باستفاضة التراث السلمي القديم ول سيما في‬
‫المصادر التي جاءت في الكتاب ‪ ،‬وفي المصادر الحديثة التي أشرنا إليها أيضًا ‪ ،‬ول سيما كتاب‬
‫السيد أسعد الخطيب ‪.‬‬
‫ففيه كفاية لم أراد أن يتغير ‪ ..‬وال تعالي ولي النعمة والتوفيق ‪.‬‬
‫جريدة "النباء " اليومية الكويتية تسأل والرفاعي المؤلف يجيب على‬
‫) شبهات حول التوصف (‬
‫حمل المحرر الستاذ مهدي عبد الستار السئلة الساخنة التالية التي تمثل معظم شبهات ) خصوم‬
‫التصوف ( إلي المؤلف حيث تمت الجابة عليها بالشكل التالي ‪-:‬‬
‫* أنتم متهمون بنشر عقيدة وحده الوجود والقول بالحقيقة المحمدية وأنه المستوى علي العرض‬
‫وقد خلقت السموات من نوره ؟‬
‫* تدعون أن إبليس كان موحدًا عابدًا وهو من أهل الجنة ؟‬
‫* أقمتم مذهبكم علي إدعاء الولية وعلم الغيب والتعلق برموز من الزنادقة استباحوا المحرمات‬
‫وأسقطوا الفرائض كالحلج وابن عربي ؟‬
‫* عطلتم فريضة الجهاد ونفرتم من العلم الشرعي ودعوتم إلي الزهد في الدنيا وعدم الزواج ؟‬
‫* دعوتم إلي تعظيم القبور والتعلق بالولياء وأحييتم مظاهر الشرك في المة ؟‬
‫* تطوفون بالضرحة وتقبلون الحديد وتستغيثون بأصحاب القبور وهذا كفر بواح ؟‬
‫* أسستم الطريقة الرفاعية ببرقمة البلبل ؟‬
‫* تسخرون الحيات والثعابين والسباع لخداع عوام الناس ‪.‬‬
‫مهدي عبد الستار‬
‫المؤلف السيد يوسف هاشم الرفاعي يرد علي التهامات‬
‫عناصر الرد ‪-:‬‬
‫* عندنا تحفظات علي المدارس الفلسفية التي أشاعت هذه ) عقيدة وحده الوجود ( وليس لهم‬
‫مجالس ول مريدون الن ‪.‬‬
‫* إبليس كان موحدًا لنه أقسم بعزة ال لكن بعصيانه أصبح إمام أهل النار ‪.‬‬
‫* نتبرأ من مقولة ابن عربي في إبليس لنها توحي بالتساهل في شأنه ‪ ،‬ول يمنع أن تكون‬
‫مدسوسة عليه ‪ ،‬كما دسوا الكثير علي المام الشعراني وغيره ‪.‬‬
‫* يوجد خلق بين التصوف الشرعي والفلسفي الذي نتبرأ من كثيرة ‪.‬‬
‫* الصوفيون الذين آثروا الخلوة تصرفهم فردى ل يحسب علي المهج ‪ ،‬فقد وجد بين العلماء من‬
‫أفتي بفتاوى باطلة فهل الشرع كله باطل ؟‬
‫* تلميذ الرفاعي والجيلني وأبي الحسن الشاذلي وقفوا في وجه الصليبين والتتار بالجهاد وأنا‬
‫أعمل بالتجارة وقد تزوجت أكثر من مره‬
‫* يوجد فهم خاطئ لعلقة الحياء بالموات سنوضحه وزيارة القبور ليست شركًا ‪.‬‬
‫* الدعاء في مراقد الصالحين مستجاب وفئة قليلة ترفض التوسل بالميت الصالح من الولياء ‪.‬‬
‫ل من منعهم أو‬
‫* نعم يوجد من يسئ بجهالة في زيارة الضرحة وعلينا أن نعلمهم الصواب بد ً‬
‫اتهامهم بالشرك وعبادة القبور ‪.‬‬

‫* نؤمن بالعلم اللدني ول نأخذ منه حكمًا شرعيًا ‪.‬‬
‫* ) برقمه البلبل ( خيال فكري أدبي للشيخ الرواس وإن وجدنا فيها ما يخالف القرآن الكريم‬
‫والسنة المطهرة تبرأنا منها ‪.‬‬
‫* يجب أن ل ننكر ) دور الصوفية في نشر السلم ( والتصوف ليس عقيدة بل زيادات في‬
‫الجوانب التعبدية في النوافل والخلق والداب في مقام ) الحسان ( ‪.‬‬
‫* ل نأكل اللحوم أيام الخلوة لنها تقسي القلوب ‪.‬‬
‫* مستعد لمناقشة علماء السلف في فكري الصوفي لشتماله علي الجوانب الروحية ول يكمل‬
‫الدين إل به ‪.‬‬
‫* الصوفية لم يخرجوا عن الشرع قيد أنمله وإن كان أصاب طريقتهم ما أصاب باقي العلوم من‬
‫الشطحات ‪.‬‬
‫وقد أجرى الحوار وسجل الجابات‬
‫الستاذ مهدي عبد الستار‬
‫خلصة الرد ‪-:‬‬
‫قد أكد السيد يوسف هاشم الرفاعي أنه ينتمي للفكر الصوفي ويتبناه ويدعو إليه مشيرا أن الصوفية‬
‫تمثل الجانب الروحي في السلم وأن الدين ل يكمل إل به ‪.‬‬
‫وأوضح أن الصوفية لم يخرجوا عن الشرع قيد أنمله وقد أصاب طرقهم ما أصاب باقي العلوم‬
‫الشرعية من الشطحات مبينًا أنه عنده بعض التحفظات علي المدارس الفلسفية التي أشاعت عقيدة‬
‫) وحده الوجود ( وأن هناك خلطًا بين ) التصوف الشرعي والتصوف الفلسفي( الذي أعلن براءته‬
‫من كثير منه مما يخالف نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ‪.‬‬
‫وأشار الرفاعي في رده عل اتهامات " النباء " إن إبليس كان موحدًا لنه أقسم بعزة ال ‪ ،‬إل أنه‬
‫أصبح إمام أهل النار لنه عصي أمر ال تعالي ‪ ،‬كما أعلن تبرأه من مقولة فيلسوف الصوفية‬
‫محيي الدين بن عربي في إبليس لنها توحي بالتساهل في عصيانه ل جل وعل ‪ .‬إن لم يكن‬
‫مدسوسة عليه ‪.‬‬
‫وبين أن هناك فهمًا خاطئًا لعلقة الحياء بالموات حيث عد زيارة القبور بأنها مشروعة وإن‬
‫صاحبها بعض الخطاء فيجب أن تصحح ول تمنع ‪ ،‬موضحا أن الدعاء في مراقد الصالحين‬
‫مستجاب وإن كان هناك من العوام من يسئ الزيارة بارتكاب الخطاء وعلينا تصحيح منهجهم ثم‬
‫تساءل عن التهم التي تلقي علي المسلمين بالكفر والمروق من الملة جزافًا دون تبصر بحقيقة‬
‫المور وأعلن استعداده لمناقشة فكره مع أي علماء السلف الذين يكفرونهم ‪ ،‬وفيما يلي نصر‬
‫الحوار‪-:‬‬
‫تفصيل الحوار ‪-:‬‬
‫نبدأ الستجواب‬
‫س ‪ :1‬يشاع أنك تنتمي للمذهب الصوفي وتتبنى مدرسة صوفية علي الطريقة الرفاعية وتدعمها‬
‫وتؤازرها في العالم السلمي ‪ ..‬فهل هذا صحيح ؟‬
‫ج ‪ :‬نعم أنتمي للفكر الصوفي والذي يعني بمفهومه السلمي مقام تزكية النفوس والربانية في‬
‫طريق ال وهو في الحقيقة ) مقام الحسان ( وهو فكر أنتمي إليه أدعو لتبنيه والعمل به ‪ .‬ونحن‬
‫كمسلمين مطالبون به لن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله بجانب تعليم أصحابه وأمته الكتاب‬
‫والحكمة كان ضمن مهمته كما ورد في القرآن الكريم ( ويزكيهم ) أي ويزكي أنفسهم ‪ ،‬أي كان‬
‫يعلمهم كيف يخلون أنفسهم من السلبيات ويحلونها بالفضائل ‪ ،‬ولدينا الدليل عندما جاء جبريل عليه‬
‫السلم يسأل الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ما السلم وما اليمان وما الحسان ؟ فكان‬
‫جوابه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله عن الحسان " أن نعبد ال كأنك تراه لم تكن تراه فإنه يراك‬
‫" ‪ ،‬أي المراقبة ل سبحانه والعلم بأنه قائم علي كل أعمالك سواء كانت دنيوية أو أخروية ‪ ،‬وأن‬
‫تتذكر أن ال سبحانه مطلع عليك وناظر إليك وهذا المفهوم للتزكية هو المفهوم المتكامل للتصوف‬
‫وهو يشمل في السلم الجانب الروحي ول يمكن أن نبتره ونقطعه من الدعوة السلمية ول‬

‫يجوز أن نهمله ول يكمل السلم إل به ‪.‬‬
‫ونستطيع القول أن التصوف هو معتقد الكثير من المسلمين عبر الجيال ‪،‬‬
‫الطرق الصوفية أو المذاهب الصوفية اتبعها أناس من أهل السنة والجماعة وغاليًا ما يكونون‬
‫تابعين لحد المذاهب الربعة المعروفة في المنهاج السلمي ‪ :‬الشافعية أو الحنابلة أو المالكية أو‬
‫الحنفية ‪ ،‬وليس لهم مذهب خارج هذه المذاهب المتفق عليها بين المسلمين وعقيدتهم هي عقيدة‬
‫أهل السنة الجماعة ‪ ،‬وفي الجملة فهم في الصول مسلمون وفي الفروع يتبعون المذاهب المتفق‬
‫عليها ويبقي الفرق فقط بمدرستهم الروحية والسلوكية أي نوعية الذكار والحزاب والوراد التي‬
‫يتعبدون ال بها لتغطية الجانب الروحي في حياتهم وهذا هو الجانب الذي يمل المسلك الصوفي ‪.‬‬
‫ويوجد تصور خاطئ عند بعض الناس فيظنون أن هناك مذاهب صوفية أو عقائد صوفية خارج‬
‫هذا الطار والمنهج ‪ ،‬وهذا تصور خاطئ فمنذ بداية السلم والمسلم الصوفي المؤمن بكتاب ال‬
‫ورسله موجود ‪ ،‬ولكنه في جانب تربية النفس اتجه للمدارس الروحية الصوفية أو ما يسمي‬
‫بمدراس الطرق الصوفية ‪ ،‬وأصحاب الطرق الصوفية علي اختلف مدارسهم كالئمة الرفاعي‬
‫والنقشنبدي والدسوقي والجيلني الشاذي والجشتي والتيجاني وآل باعلوي الحضارمة وغيرهم ‪،‬‬
‫هؤلء كانوا علماء لهم مؤلفات في بقية العلوم السلمية كالفقه والعقيدة والتفسير وكانت لهم‬
‫تجارب روحية أو تربية روحية لنفسهم في كيفية التقرب من ال سبحانه ‪ ،‬وهناك زيادة في‬
‫الجانب الروحي ) من النوافل ( يفرضونه علي أنفسهم تطوعًا علي ما فرضه ال علي كل مسلم‬
‫في تزكية النفس وتطهيرها باعتبار أن النفس البشرية لها أمراض كالكبر والعجب والرياء والنفاق‬
‫وسوء الظن ‪ ،‬وهو يريد أن يخلص نفسه منها وأن يكون محافظًا علي التهجد وقيام الليل وصلة‬
‫الضحى حريصًا علي ذكر ال تعالي كثيرًا ول يكتفي بما يقام في المسجد ثم ينسى ال إلى أن يأتي‬
‫الفرض الثاني ‪،‬أي أن الجانب التعبدي عنده فيه زيادة ‪ ،‬وغالبًا ما يكون زاهدًا أكثر منه ماديًا ‪،‬‬
‫لكن النسان ل يستغنى عن الدنيا حتى ل يعيش على صدقات الناس ‪ ،‬قد كان الولون يقولون في‬
‫ل بالثر ) أعمل لدنياك كأنك تعيش‬
‫الدنيا ‪ ) :‬اللهم أجعلها في يدي ول تجعلها في قلبي ( عم ً‬
‫أبدًا ‪ ،‬وأعمل لخرتك كأنك تموت غدًا ( ‪.‬‬
‫وهكذا أصحاب هذه المدارس ومؤسسو هذه الطرق ‪ ،‬ما هم إل صالحون من المسلمين تقربوا إلى‬
‫ال بزيادة التقوى والذكر ويعتقدون إن ما عملوه ويدعون مريديهم إليه هو ما كان عليه الرسول ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وأصحابه والصحابة كان منهم العوام والغواص ‪ ،‬بدليل إنه ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله كان يدخل المسجد فيسمع أبا بكر يدعو ال فيسأله بماذا كنت تدعوا يا أبا‬
‫بكر ؟ فيقول له كنت أقول ) اللهم إني أسألك وجهك الكريم ( ويسمع أعرابيًا آخر فيسأله وأنت‬
‫ل ( ‪ ،‬وهذا تفاوت‬
‫بماذا كنت تدعو ؟ فيقول ‪ ) :‬اللهم إني أسألك شويهة أو شاه ‪ ،‬اللهم ارزقني جم ً‬
‫بين أصحاب النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وكان الرسول عندما يدعوهم لجمع الصدقات‬
‫ل بكل ماله ويأتي آخر بنصفه وآخر بربعه وهكذا ‪.‬‬
‫يأتي أبو بكر مث ً‬
‫س ‪ : 2‬حتى وإن كان بعض هذه الزيادات والنوافل تخالف ما كان عليه النبي وأصحابه ؟‬
‫ج ‪ :‬ل ‪ ،‬فالثابت عندهم أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وأصحابه رضوان ال عليهم كانوا‬
‫يفعلونها ‪ ،‬أمثال أهل الصفة وغيرهم وبالدليل الول أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله كان‬
‫يقوم من الليل حتى تتورم قدماه وكان ل يبقى في بيته شئ من المال فيتصدق به ‪ ،‬وكان يتخفف‬
‫من الدنيا وتوفى ودرعه مرهونة عند يهودي ‪ ،‬وكان عمر بن الخطاب شديدًا على نفسه ‪ ،‬فكان‬
‫في ثوبه عدد من الرقع وهكذا علي كرم ال وجهه وعدد من الصحابة وأهل الصفة كان عملهم إما‬
‫جهاد في سبيل ال وإما التعبد والذكر والقامة في المسجد ومن هذا يمكن القول إن الصوفية لم‬
‫يخرجوا عن الشرع قيد أنملة ‪ ،‬وإنما حدث شطط عند بعض التباع وكل علم من العلوم الشرعية‬
‫دخله شئ من الشطط من أتباعه ‪ ،‬والشطط هو الخروج عن الجادة ‪ ،‬وهذه الزيادة التي قد تحدث‬

‫من التباع والمريدين ل نعتبرها حجة على المؤسسين للطرق الصوفية ‪.‬‬
‫س ‪ : 3‬فما دوركم عند المريدين الذين يزيدون ويشطحون ؟‬
‫ج ‪ :‬دورنا هو أن ننقي الدين من الشوائب وننبه إليها وإذا رأينا عند أحد من مشايخ الطرق‬
‫الصوفية شططًا نحاول أن نعرفه إن هذا ليس من الطريق ‪ ،‬لكن السلوب يختلف عندنا فل نأتي‬
‫ونتهم إنسانًا بالشرك أو البدعة أو نغلظ له في القول ونقول إنه خرج من السلم ‪ ،‬وإنما نلتزم‬
‫بالمنهج المحمدي من كتاب ال تعالى ‪ :‬آية رقم ‪ 1‬صـ ‪ 134‬سورة النحل ‪125/‬‬
‫س ‪ : 4‬مع تعدد الطرق الصوفية ‪ ...‬والتي يدعي كل منها إنه على الحق ‪ ،‬برأيك أين الصواب ؟‬
‫ج ‪ :‬المر بسيط ‪ ،‬وقد قال أئمة الطريق ‪ ،‬فقد ذكر المام أحمد الرفاعي في كتابه ) البرهان‬
‫المؤيد ( قوله ‪ ) :‬اتبع ول تبدع ( ‪ ،‬وقال ‪ ) :‬إن كل طريقة خالفت الشريعة فهي زندقة ‪ ،‬وكذلك‬
‫قول الجنيد وهو من كبار أئمة الطريق ) إن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ( ‪ ،‬ويقول البعض‬
‫) لو طار أمامك رجل في الهواء أو سار علي الماء ثم رأيته غير ملتزم بكتاب ال وسنة رسوله‬
‫فقل إنه مستدرج أو أنه ساحر ( ‪.‬‬
‫إذن اللتزام بالكتاب والسنة واجب ‪ .‬ولكن ما من علم من علوم السلمية إل ودخله الخلل ‪ ،‬وال‬
‫تعالي لم يتعهد إل ) بحفظ القرآن الكريم ( فقط ‪ ،‬فقال جل شأنه ‪:‬‬
‫ن " سورة الحجر ‪9 /‬‬
‫ظو َ‬
‫حاِف ُ‬
‫ن َنّزْلَنا الّذْكَر َوِإّنا َلُه َل َ‬
‫حُ‬
‫" ِإّنا َن ْ‬
‫أما ما عدا القرآن الكريم من العلوم الشريعة فقد تسرب إليه الوضاعون والكذابون والجهلء‬
‫والدساسون وذلك واضح في بعض التفاسير التي دخلتها السرائيليات والحاديث التي دخلت فيها‬
‫الموضوعات والمكذوبات وكذلك المر بالنسبة للتصوف الذي دخل فيه الشطاحون الذين خرجوا‬
‫ن الجادة ويقولون بعبارات ويأتون بتصرفات مخالفة للشريعة المحمدية ‪ ،‬وهؤلء نرد عليهم ‪،‬‬
‫ولكن ل نقول إن التصوف كله ضلل أو كله بدعه ‪ ،‬وهذا قول المنصفين من السلفيين كما قسم‬
‫الشيخ أحمد بن تيميه في فتاواه الصوفية إلي ثلثة أقسام ‪ :‬منهم من أوصلهم إلي درجة الصديقين‬
‫ومنهم من قال عنهم إنهم علي خير ‪ ،‬ومنهم من قال عنه إنهم علي ضلل شطحوا وضلوا ‪ ،‬وهو‬
‫لم يحارب التصوف ‪ ،‬وإنما قال فيهم بالنصاف ‪ ،‬ونحن نؤيد هذا ونقول به ونستشهد بما عليه‬
‫المسلمون الن ‪ ،‬فهل سلوكهم حجه في السلم ؟ ل ‪ ،‬وإنما نقول المسلم الذي يمشي علي الكتاب‬
‫والسنة هو الحجة علي السلم والذي ينحرف فالسلم برئ منه ‪ ،‬ولذلك أقول لو أن التصوف لم‬
‫يوجد فيه سوي الجانب الروحي في السلم لكفي ‪.‬‬
‫ولو تركنا الناس يعتمدون عل كتب الفقه فقط في همهم المحدود في القرآن الكريم وكفي فإن‬
‫القرآن يقول ‪:‬‬
‫ن " سورة المؤمنون ‪.2-1/‬‬
‫شُعو َ‬
‫خا ِ‬
‫لِتِهْم َ‬
‫صَ‬
‫ن ُهْم ِفي َ‬
‫ن)‪(1‬اّلِذي َ‬
‫ح اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫" َقْد َأْفَل َ‬
‫فمن أين نتعلم الخشوع ؟ ل يوجد في كتب الفقه ما يعلم الخشوع في الصلة ‪ ،‬لكنه يوجد في كتاب‬
‫" الحياء " للغزالي ‪ ،‬وفي كتاب " قوت القلوب " للمكي ‪ ،‬وفي كتاب " رعاية حقوق ال "‬
‫للمحاسبي ‪ ،‬إذن ل بد أن نحتاج لكتب الصوفية حتى نتعلم الخشوع كيف يحصل وكيف يكون‬
‫وبقية المهلكات والمنجيات التي جلها المام الغزالي في الحياء ‪.‬‬
‫وكذلك فالرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله يقول ‪ " :‬ل يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال‬
‫ذرة من كبر " ‪ ،‬فكيف نتعرف علي الكبر وكيف يتسرب إلي النفس ؟ وكيف نتخلص منه ؟ سنجد‬
‫هذا في كتابات المام الغزالي الذي صنف أمراض القلوب وكيفية الخلص منها ‪ ،‬ونجد أيضا من‬
‫المراض التي تفشت ) سوء الظن بالمسلمين والغيبة والنميمة ( وغيرها من المور التي حذر‬
‫منها السلم ‪ ،‬وهذه المراض استطاع أطباء القلوب هؤلء أن يبينوا كيف يكون الخلص منها ‪،‬‬
‫وهذا غير متوفر في كتب الفقه ‪ ،‬فيوجد بها أن الشح حرام ‪ ،‬لكن كيف يكون الخلص من الشح ؟‬
‫‪ ،‬هذا غير موجود بكتب الفقه ‪ ،‬لكنه متوفر في كتب الصوفية التي تسمي كتب التزكية ‪ ،‬وكتب‬
‫التربية ‪ ،‬ولقد تكلم كثير من العلماء المعاصرين أمثال الشيخ أبو الحسن الندوي عن ذلك ‪ ،‬الذي له‬

‫كتاب مشهور عنوانه "ربانية ل رهبانية " وسمي التصوف ربانية ل رهبانية ‪ ،‬ولقد قاله ال‬
‫تعالي ‪:‬‬
‫ن " سورة آل عمران ‪.79/‬‬
‫ن ُكوُنوا َرّباِنّيي َ‬
‫" َوَلِك ْ‬
‫ومعناه ل تكن مسلمًا عاديًا ‪ ،‬ولكن مسلمًا ربانيًا يعني مسلمًا عنده جانب روحاني عال ‪ ،‬أي عنده‬
‫علقة بال خاصة ‪ ،‬وكما قال ال تعالي ‪:‬‬
‫ساِب ٌ‬
‫ق‬
‫صٌد َوِمْنُهْم َ‬
‫سِه َوِمْنُهْم ُمْقَت ِ‬
‫ظاِلٌم ِلَنفْ ِ‬
‫عَباِدَنا َفِمْنُهْم َ‬
‫ن ِ‬
‫طَفْيَنا ِم ْ‬
‫صَ‬
‫نا ْ‬
‫ب اّلِذي َ‬
‫" ُثّم َأْوَرْثَنا اْلِكَتا َ‬
‫ل " سورة فاطر ‪.32/‬‬
‫ن ا ِّ‬
‫ت ِبِإْذ ِ‬
‫خْيَرا ِ‬
‫ِباْل َ‬
‫فكيف يكون سابقًا بالخيرات ول يعرف أبواب القرب من ال فيسلكها ‪ ،‬وأبواب القرب هي التي‬
‫اهتم بها الصوفية ‪ ،‬وهي الزيادات علي الفرائض ومنها النوافل في كل الواجبات من صلة‬
‫وصيام وزكاة وحج وصدقة وخدمة لخلق ال تعالي فخير الناص أنفعهم للناس ـ كما جاء في‬
‫الحديث الشريف ‪.‬‬
‫س ‪ : 5‬ظهرت في تاريخ المة السلمية عقيدة وحده الوجود ‪ ،‬والقول بالحقيقة المحمدية وأنه‬
‫المستوي علي العرش وينزل الوحي ومن نوره خلقت السموات والرض ‪ ،‬واتهم الصوفية بأنهم‬
‫وراء هذه العقيدة الفاسدة ‪ ..‬فما موقفكم من هذا الفكر ؟‬
‫ج ‪ :‬بادئ ذي بدء ل بد أن نعرف أن التصوف فيه مدرستان ‪ :‬مدرسة سلوكية ملتزمة بالكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬وهي التي تهدف إلي تصحيح سلوك المسلم بحسب ما جاء في القرآن الكريم والسنة‬
‫المطهرة ‪ ،‬وتدله علي كيفية الترب إلي ال مثل مدرسة المام الغزالي والرفاعي والجيلني‬
‫والشاذلي والدسوقي والنقشنبدي والتي يتبعها غالبية المسلمين في العالم السلمي كله وتستقطبهم‬
‫دون غيرها ‪ ،‬وهذه الطرق هي التي تلتزم بالكتاب والسنة الحقه والتي تسمي ) بالتصوف‬
‫الشرعي ( الذي يتسم بالسلوك القويم إلي ال وهذه المدارس هي التي نعتمدها ونعتقدها وندعو‬
‫إليها ‪.‬‬
‫وهناك قسم ثان من مدارس التصوف وهي التي ألحقت بالتصوف ‪ ،‬وهي المدارس التي تطلق‬
‫عليها المدارس الفلسفية أو " فلسفة التصوف" أو " مدارس الستشراقات " أو " مدارس‬
‫المعارف والفيوضات " ‪ ،‬وهذه المدارس لها رموز كبا أمثال الشيخ محيي الدين بن عربي والشيخ‬
‫عبد الكريم الجيلي والحلج وغيرهم ممن اشتهروا بفلسفة التصوف ‪ ،‬وهذه المدارس لنا تحفظات‬
‫عليها ‪ ،‬ول الحمد هذه المدارس ليس لها مريدون في عالمنا السلمي ولم يعد لم تكايا وزوايا‬
‫الن ‪ .‬وإنما هذه أفكار موجودة عند المسلمين غيرهم ممن يقرءون عنه في كتب هؤلء يدخلون‬
‫السلم بعد إطلعهم علي الفكار التي كتبها أصحاب هذه المدارس ثم تصحح أفكارها ‪ ،‬واليوم لم‬
‫يعد يحسب هؤلء علي التصوف ‪،‬حيث لم تعد هناك مجالس ذكر وزوايا للشيخ ابن عربي أو‬
‫الحلج كما هي متواصلة ومنتشرة في مجالس ذكر الشيخ الرفاعي والقادري والشاذلي ‪ ،‬وهذا يدل‬
‫علي أن هؤلء كانوا فلسفة ومفكرين ‪ ،‬وقد يكونون تأثروا بالفلسفة اليونانيين أو غيرهم ‪ ،‬إل أن‬
‫الفرق بيننا وبين غيرنا أن غيرنا من المسلمين يكفرهم ونحن ل نكفرهم لننا نخاف أن نقع تحت‬
‫قول الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " من كفر مسلمًا فقد كفر " ثم لماذا ل نكفرهم ؟ لن‬
‫هناك علماء أجلء من بينهم الشيخ عبد الوهاب الشعراني كذبوا عليه في حياته ونسخ قوم كتبه‬
‫وزوروا عليها الكثير فطبعت ونشرت ولم يعلم طابعوها وناشروها بما كتبوا ‪ ،‬وقد قال هو مره‬
‫لصحابه ‪ :‬لقد أتيت بما كتبت من النسخة الصلية وما كتب عني وعرضته علي رجال الزهر‬
‫فشهدوا لي بأن هذه الزيادات مكذوبة عليك ‪ ،‬ومنها عرفت أنه كذب علي الشيخ محيي الدين بن‬
‫عربي ‪ .‬ونحن نرجح أن هؤلء الفلسفة من الممكن أن يكذب عليهم ‪ ،‬كما أننا قد نتأول الكلم ‪،‬‬
‫ونبرره بأنه ربما لم يكن يقصد هذا المر ‪ ،‬بدليل أن في كتب ابن عربي ) ما يفهم عند وحده‬
‫الوجود ( كما يوجد فيها ) ما ينكر وحده الوجود ( ‪ ،‬فهذا التناقض يجعل‬

‫من الصعوبة الحكم عليه ‪ ،‬ونحن نسير علي ماعده القانون الحديث ) بأن الشك يؤول لصالح‬
‫المتهم ( ‪ .‬وأنت إذا رأيت شخصا يمدح إنسانًا ويذمه فل تستطيع أن تعاقبه لنه ذمه حيث اشتمل‬
‫كلمه علي النقيضين ‪.‬‬
‫ونحن ل نتبع هؤلء الفلسفة ول نعتقد في آرائهم ول نكفرهم في نفس الوقت وحتى السلف‬
‫الصالح من هذه المة وعامة المسلمين وأتباع المذاهب الربعة لم يكفروهم ‪.‬‬
‫س ‪ : 6‬هناك اتهام للصوفية أن مذهبهم قادهم إلي إدعاء الولية وعلم الغيب والتعلق ببعض‬
‫المشايخ والرموز الذين ظهرت عليهم علمات الزندقة حيث قالوا بسقوط الفرائض وإتيان‬
‫المحرمات كشرب الخمر الزنا واستباحه الكبائر أمثال الحلج وابن الفارض والعفيف التلمساني‬
‫وعبد الغني النابلسي والتيجاني ‪ .‬فما ردكم ؟‬
‫ج ‪ :‬أولً ‪ :‬إن ال تعالي يقول ‪:‬‬
‫عَلى َما َفَعْلُتْم‬
‫حوا َ‬
‫صِب ُ‬
‫جَهاَلٍة َفُت ْ‬
‫صيُبوا َقْوًما ِب َ‬
‫ن ُت ِ‬
‫ق ِبَنَبٍإ َفَتَبّيُنوا َأ ْ‬
‫سٌ‬
‫جاَءُكْم َفا ِ‬
‫ن َ‬
‫ن آَمُنوا ِإ ْ‬
‫" َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫ن " سورة الحجرات‪.6/‬‬
‫َناِدِمي َ‬
‫والرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله يقول ‪ " :‬سباب المسلم فسوق ‪ ،‬وقتاله كفر ‪ " ،‬رواه‬
‫الطبراني عن ابن مسعود ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬حتى لو سلمنا بأن بعض من ذكرتم قد شطح وانحرف فأنهم لم يكونوا بهذا القدر من السوء‬
‫والمخالفة للشرع وخاصة فيما يتصل بارتكاب الكبائر والمحرمات ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الذين يتهمون التصوف يخلطون بيم المدرستين ‪ ،‬مدرسة التصوف الشرعي السلوكي ‪،‬‬
‫ومدرسة التصوف الفلسفي التي تحسب علي التصوف لكن التصوف برئ من كثير منها ‪.‬‬
‫أما قضية ادعاء الولية وعلم الغيب فكل الولياء الكبار الذين عددناهم كالرفاعي والشاذلي‬
‫وغيرهم يحثون مريديهم علي البتعاد عن الدعوى أي الدعاء بالوصول أو ادعاء الولية وغيرها‬
‫‪ ،‬ويقولون إن الولي يتستر من الكرامة كما تتستر العذراء في خدرها ‪ ،‬وذلك لقولهم إن من يشاع‬
‫عنه الولية يصاب بالغرور وإذا أصابه الغرور فقد ينحرف عن الجادة في حين أن هذه الكرامة‬
‫عطاء من ال إليه وليس من جهده أو كسبه فمن أبداه للناس من باب الترزق به أو العيش عليه‬
‫فإنه آثم لنه استعمل نعمه ال عليه في غير محلها ‪ .‬ولكن ظهور الكرامة قد يكون رغم أنف‬
‫الولي كأن يجري ال بين الناس بعض الكرامات الظاهرة علي يديه ‪ ،‬كالنقاذ من ضيق أو‬
‫النتصار من هزيمة أو كأن يكون في عطش شديد في الصحراء فيسقيه ال ويسقي به من معه ‪،‬‬
‫ومع ذلك فبحث الكرامة وارد في الشريعة السلمية لن الكرامات ل تنكر شرعا كما يقول‬
‫صاحب الجوهرة ‪:‬‬
‫أثبتن للولياء الكرامة * ومن نفاها فانبذن كلمه‬
‫لماذا ؟ لن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وردت له معجزات ولصحابه كرامات وكما‬
‫حدث مع عمر بن الخطاب وهو علي منبر المدينة إذ صاح يا سارية الجبل الجبل ‪ ،‬فسمعه سارية‬
‫ل إلي نجاتهم وهناك الكثير ‪ ،‬كما ورد في‬
‫قائد كتيبه للمسلمين في فارس فكانت صيحة عمر سبي ً‬
‫القرآن الكريم للسيدة مريم عليها السلم ) وهي لم تكن نبية ( كرامات ولغيرها كالذي كان عنده‬
‫علم من الكتاب من مل سليمان عليه السلم وأتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه ‪ ،‬وهذا لم‬
‫يكن نبيا ‪.‬‬
‫إذن الكرامة وهي المر الخارق للعادة قد يكرم ال به عبده عند الضيق وعند الحاجة وهذا نوع‬
‫من الولية بأن ال أكرمه ‪ ،‬والصوفيون ل يتباهون بهذا المر علي الناس ول يتقصدونه ‪ ،‬ولكن‬
‫ل يمكن أن نقول إنه يجب علي الصوفية أن ينكروا الولية لن هذا ثابت في الشرع ‪ ،‬وإذا‬
‫نسبناها إلي النسان كبرت في عيوننا ‪ ،‬أما إذا نسبناها إلي ال فهي صغيرة بسيطة لن ال علي‬
‫كل شئ قدير ‪ ،‬وسبحانه وتعالي فقد أعطي عيسي عليه السلم الخلق من الطين طيرًا فينفخ فيه‬
‫فيصير طيرًا بإذن ال وإبراء الكمة والبرص وإحياء الموتى بإذن ال ‪ ،‬وإذا يكون في أمة نبينا‬
‫محمد من يكرمه ال بمثل هذا ؟ فليس هذا علي ال بكثير بشرط أن يكون هذا الذي تظهر عليه‬

‫الكرامة ملتزمًا بالكتاب والسنة وإل عددناه استدراجًا أو سحرًا ‪.‬‬
‫س ‪ : 7‬فماذا تقولون عمن يدعي وصوله لمرتبه من اليقين تسقط عنه الفرائض والواجبات ؟‬
‫ج ‪ :‬لم أجد لجلء الصوفية ولم أقرأ كتابًا في الصوفية يقول إذا وصل العابد أو الصوفي لمرتبه‬
‫معينه تسقط عند التكاليف ‪ ،‬ومن يدعي علي الصوفية هذا الكلم فليأت بدليل ‪ ،‬بهذا الكلم نسمعه‬
‫ولي عليه دليل قائم ‪ ،‬وهذه تهم تلصق بالتصوف وهي غير موجودة ل في كتبهم ول سلوك‬
‫أتباعهم ‪ .‬وأجب أن أضيف أن هناك لبسًا عند البعض مما يقوله بعض المشايخ من أنه في بداية‬
‫الطريق يشعر بالتكليف وبالمعاناة والتكلف فتفهم العبارة بغير مقصدها ‪ ،‬لن هناك منهم من قال "‬
‫عبدت ال ثلثين سنة بتكليف ثم تمتعت بها ثلثين سنة " ‪ ،‬ولكن لسوء الظن يفهم غير‬
‫المقصود ‪ ،‬فالمقصود أنه في عبادته ل ثلثين سنة عاني التكلف والمعاناة ‪ ،‬ولكن بعد ذلك صار‬
‫يشتاق للعبادة دون مجاهدة ول مشقة ول تكليف ‪ .‬فليس معني ذلك سقوط التكليف لن قدوة‬
‫الصوفية في هذا هو الحبيب المصطفي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله الذي أمره ال بالعبادة حتى‬
‫ل له ‪:‬‬
‫الوفاة قائ ً‬
‫ن " ختام سورة الحجر‬
‫ك اْلَيِقي ُ‬
‫حّتى َيْأِتَي َ‬
‫ك َ‬
‫عُبْد َرّب َ‬
‫" َوا ْ‬
‫أي الوفاة ـ ولم يسقط هذا التكليف عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله فكيف يصح لشيخ‬
‫صوفي أو مريد أن يسقط عن نفسه التكاليف فيخالف أسوته في ذلك ولو قالها صوفي لتبرأنا منه ‪.‬‬
‫س ‪ : 8‬وماذا تقولون في أقوال الحلج ابن عربي في أن إبليس موحد عابد وهو من أهل الجنة‬
‫لنه عرف الحقيقة ؟ وهل تنفون ذلك لصراحة مخالفته النصوص الصحيحة التي وردت في‬
‫القرآن والسنة وإجماع المة ؟؟؟‬
‫ج ‪ :‬الحقيقة أنني لم أقف علي شئ من هذا ‪ ،‬لكنني سمعت أن أبن عربي يقول في أحد كتبه أن‬
‫إبليس إما أن يسامحه ال أو انه سيدخل النار ثم يخرج منها لكن كون القرآن قال بصريح العبارة‬
‫أن إبليس هو إمام أهل النار وأنه سبب غوايتهم وأنه مخلد هذا ما نؤمن به ‪ ،‬أما كون إبليس كان‬
‫ن"‬
‫جَمِعي َ‬
‫غِوَيّنُهْم َأ ْ‬
‫لْ‬
‫ك َُ‬
‫موحدًا فقد استدل من قال بذلك بأن الشيطان أقسم بعزة ال فقال ‪َ " :‬فِبِعّزِت َ‬
‫سورة ‪ /‬ص ‪ .82‬وهذا معناه أنه أفضل من بعض أتباعه الذين ينكرون وجود ال تعالي كلية وهو‬
‫لم ينكروا وجود ال فكيف ينكره وقد عبد ال فتره طويلة في السماء ولكنه عصي أمر ال لما أمره‬
‫بالسجود لدم ‪ ،‬فالشيطان لم ينكر وجود ال لكنه مخلد في النار لنه عصي أمر ال وفي القرآن‬
‫ل َتَرْو َ‬
‫ن‬
‫قوله تعالي عنه متبرئًا من مشركي قريش في غزوة بدر ‪ِ" :‬إّني َبِريٌء ِمْنُكْم ِإّني َأَرى َما َ‬
‫ب " سورة النفال ‪. 48 /‬‬
‫شِديُد اْلِعَقا ِ‬
‫ل َ‬
‫ل َوا ُّ‬
‫ف ا َّ‬
‫خا ُ‬
‫ِإّني َأ َ‬
‫س ‪ : 9‬إذن تقروا أن إبليس كان موحدًا ؟‬
‫ج ‪ :‬إبليس أقسم بعزة ال لذلك لم يكن كافرًا منكرًا ل لن الكافر هو المنكر لوجود ال ‪ ،‬وإذا كان‬
‫الكافر هو العاصي ل فهو كافر فالمسائلة تتوقف علي التعريف ‪ ،‬فإن كان الكفر هو عدم اليمان‬
‫بوجود ال تعالي وإنكار ذاته فالية الشريفة تدل علي عدم النكار ‪ ،‬وإن كان المقصود بالكفر هو‬
‫ن اْكُفْر َفَلّما َكفََر َقا َ‬
‫ل‬
‫سا ِ‬
‫لن َ‬
‫ل ِل ِْ‬
‫ن ِإْذ َقا َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫عصيان الوامر فهو كافر وفي قولة تعالي ‪َ " :‬كَمَث ِ‬
‫ن " سورة الحشر ‪.16 /‬‬
‫ب اْلَعاَلِمي َ‬
‫ل َر ّ‬
‫ف ا َّ‬
‫خا ُ‬
‫ك ِإّني َأ َ‬
‫ِإّني َبِريٌء ِمْن َ‬
‫فهو كافر بمعني عصيان ال سبحانه وتعالي ‪ ،‬وقوله تعالي ‪:‬‬
‫ن " سورة ص ‪84،/‬‬
‫جَمِعي َ‬
‫ك ِمْنُهْم َأ ْ‬
‫ن َتِبَع َ‬
‫ك َوِمّم ْ‬
‫جَهّنَم ِمْن َ‬
‫ن َ‬
‫لّ‬
‫لْم َ‬
‫ق َأُقول ُ )‪َ (84‬‬
‫حّ‬
‫ق َواْل َ‬
‫حّ‬
‫ل َفاْل َ‬
‫"َقا َ‬
‫‪.85‬‬
‫فلم نقرأ في القرآن أنه أنكر وجود ال ‪ ،‬لكن كفره كان نتيجة العصيان وتحدي الذات اللهية ‪ ،‬قال‬
‫تعالي ‪:‬‬
‫سَتِقيَم " سورة العراف ‪.16/‬‬
‫ك اْلُم ْ‬
‫طَ‬
‫صَرا َ‬
‫ن َلُهْم ِ‬
‫لْقُعَد ّ‬
‫غَوْيَتِني َ‬
‫ل َفِبَما َأ ْ‬
‫" َقا َ‬
‫حشَُرّنُهْم‬
‫ك َلَن ْ‬
‫كما أنه ملعون إلي يوم الدين ‪ ،‬ويحشر مع الكافرين إلي جهنم ‪ .‬قال تعالي ‪َ" :‬فَوَرّب َ‬
‫جِثّيا " سورة مريم ‪.68/‬‬
‫جَهّنَم ِ‬
‫ل َ‬
‫حْو َ‬
‫ضَرّنُهْم َ‬
‫ح ِ‬
‫ن ُثّم َلُن ْ‬
‫طي َ‬
‫شَيا ِ‬
‫َوال ّ‬
‫وآيات أخري ولكم أحب أن أقول إن هذا الموضوع ليس مطروقًا للبحث فيه خاصة في المجالس‬

‫الصوفية والمدارس والطرق وإن كان قد مر فإنه مر في الكتب السابقة للفلسفة ‪.‬‬
‫س ‪ : 10‬هل يفهم أنكم تبرءون من قول ابن عربي في إبليس بأنه كان موحدًا وعابدًا وانه من‬
‫أهل الجنة ؟‬
‫ج ‪ :‬نعم أتبرأ من مقولة ابن عربي لنها توحي بالتساهل في أمر إبليس وتوحي بالتقليل من خطره‬
‫وتدعو النسان لن يخفف من جرم إبليس ول أدعو لمناقشة هذا الموضوع كونه موحدًا أو غير‬
‫موحد ‪ ،‬وهذا أمر نكله إلي ال سبحانه وتعالي ‪ ،‬وأركز علي جانب الغواية وأن ال تعالي قال‬
‫سِعيِر" سورة‬
‫ب ال ّ‬
‫حا ِ‬
‫صَ‬
‫ن َأ ْ‬
‫حْزَبُه ِلَيُكوُنوا ِم ْ‬
‫عو ِ‬
‫عُدّوا ِإّنَما َيْد ُ‬
‫خُذوُه َ‬
‫عُدّو َفاّت ِ‬
‫ن َلُكْم َ‬
‫طا َ‬
‫شْي َ‬
‫ن ال ّ‬
‫فيه ‪ِ " :‬إ ّ‬
‫فاطر ‪.6/‬‬
‫س ‪ : 11‬هناك اتهام آخر للمنهج الصوفي ‪ ،‬وهو تعطيل فريضة الجهاد وإهمال العلوم الشرعية‬
‫والدعوى إلي الركون وعدم السعي علي المعاش والزهد في الزواج ؟ فما ردكم ؟‬
‫ج ‪ :‬هذه التهمة أيضًا غير صحيحة لننا عندما نقرأ كتاب " نبلء السلم" للذهبي وكتب التراجم‬
‫الخرى مثل كتاب " طبقات الشافعية " و " طبقات الحنابلة " وخاصة كتاب ) البطولة والفداء‬
‫عند الصوفية ( لسعد الخطيب وقد صار حديثًا وغيرها من الكتب نلحظ ثناء علي كثير من‬
‫الصوفية ‪ ،‬وأنهم كانوا رهبانًا في الليل فرسانًا في النهار وإذا وجد أناس أفراد غلب عليهم الجانب‬
‫الروحاني فحصل منهم نوع من الخلوة والنعزال فهذا تصرف فردى ‪ ،‬فنحن الن نحكم علي‬
‫الشيوعية بنظرياتها وكتبها وأيديولوجياتها وبمثله نقول للمستشرقين ل تحكموا علي السلم بسلوك‬
‫المسلمين ‪ ،‬كذلك يجب أن يحكم علي الصوفية بما في كتبهم ‪ ،‬فهل في كتبهم من قال ‪ :‬ل تجاهدوا‬
‫؟ أما إذا وجد منهم من لم يجاهد فهناك من العلماء من لم يجاهد ‪.‬‬
‫ثم هناك من العلماء من أفتي بالباطل فهل نترك الشرع لن العالم الفلني أفتي بالباطل في‬
‫الشرع ؟ أو نقول إن الشرع فيه خطأ لفتوى أحد المفتين ؟‬
‫أريد أن أقول ‪ ) :‬ل يوجد في كتب التصوف ما يعفي من فريضة الجهاد بل إن قدوتهم أهل‬
‫الصفة كانوا رهبان الليل وفرسان النهار ‪ ..‬والنسان مادام يريد وجه ال فليس هناك مكان أفضل‬
‫من ميدان الشهادة للتقرب من ال سبحانه وتعالي ‪.‬‬
‫فإذا هذا التهام غير صحيح علما بأن عبد ال بن المبارك كان له كتاب في الزهد والمام أحمد بن‬
‫حنبل له أيضًا كتاب في الزهد ‪ ،‬ومع ذلك لم يؤثر عنهما ول عن الصوفية التخلف عن الجهاد ‪،‬‬
‫بل إن تلميذ السيد الرفاعي والشيخ عبد القادر الجيلني والشيخ أبي الحسن الشاذلي هم الذين‬
‫وقفوا في وجه الصليبين والتتار وهم الذين نازلوهم في ميادين القتال فالمناقشات حول اتهام‬
‫الصوفية بتعطيل العمل في الجهاد غير صحيح ‪ ،‬وأنا محسوب علي التصوف ولي تجارة وأبيع‬
‫وأشتري وتزوجت أكثر من مرة وأحث أصحابي علي الزواج ونقول لهم حديث الرسول ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله " شرار أمتي عزابها " وإذا رأينا إنسانًا ل يعمل نحثه علي العمل ونقل له‬
‫إن ال ل يحب العبد البطال ‪ ،‬ولذلك ل ندعو لما نسب إلينا من هذه التهم ويأتينا إخواننا من أنحاء‬
‫ل ‪ ...‬أو نقيم معهم مشاريع خيرية في بلدهم‬
‫العالم السلمي ونساعدهم علي أن يجدوا عم ً‬
‫كالمساجد والمدارس والمستشفيات ودور اليتام وغيرها وحيث تفتح لهم أبواب العلم والعمل‬
‫وحركه الحياة الناشطة ‪.‬‬
‫س ‪ : 12‬أي جهة أطلقت عليكم هذه التهمة بنظركم ؟‬
‫ج ‪ :‬بعض الطرق تري أن النسان في بداية الطريق يحتاج إلي خلوة مع نفسه لن هذا النسان‬
‫ل فيطلبون منه اعتزال الناس أسبوعًا أو أسبوعين أو ثلثة لمراجعة نفسه‬
‫ل وجاه ً‬
‫كان غاف ً‬
‫ومحاسبتها واعتزال رفقاء السوء وتغيير البيئة ‪ ،‬ول بد له من أن يجلس خاليًا بنفسه ليكثر من‬
‫الستغفار والذكر والصلة لداء الفوائت ‪ ،‬وهذه خلوة يأمر بها بعض الشيوخ لمن كان له سابقة‬
‫في البتعاد عن الشرع وخاصة من كان مبتلي بالكبائر من الذنوب فيطلبون منه نوعًا من الحمية‬
‫الدينية ونوعا من الخلوة للمراجعة والمحاسبة علي ما فات والتفكير في حقوق العباد وإرجاعها‬

‫لصحابها ‪ ،‬وقد تصل هذه لفترة شهر اقتداء بالنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله عندما كان يخلو‬
‫بنفسه في غار حراء فكان يتعبد ل لليالي ذوات العدد فهذه فترة للنقاء يغير فيها المرء سلوكه مثل‬
‫غير المسلمين ممن يريد أن يدخل السلم نأمره بأن يترك جماعته وبيئته ويغير بعض المور في‬
‫بدنه كالختان إذا لم يكن مختنًا ويغتسل ‪ ،‬ونقول له تعال وأجلس في المسجد يومًا أو يومين لتعلم‬
‫الصلة فهذا نوع من الحضانة للتربية ‪ ،‬وهذه الفترة ليست طويلة ول تفرض على كل واحد ول‬
‫يلجأ إليها كل الشيوخ وكم جاءت الوفود عند رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله فاستبقاهم‬
‫حتى يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويعيدهم معلمين لقوامهم ‪.‬‬
‫س ‪ :13‬فكيف له بصلة الجماعة وهو في الخلوة ؟‬
‫جـ ‪ :‬يأتي ليصلي الجمعة ويشهد الجماعات ثم يرجع إلى خلوته وحكمه حكم المعتكف تمامًا‬
‫والعتكاف سنة في رمضان ومستحب في غيره ‪.‬‬
‫س ‪ :14‬اهتمت الطرق الصوفية في العصور المتأخرة بدعوى الناس إلى تعظيم القبور والبناء‬
‫عليها والتعلق بالولياء وأحياء مظاهر الشرك في المة ‪ ..‬فما دوركم في النهي عن هذا الفساد‬
‫والشرك ؟‬
‫جـ‪ :‬هناك فهم خاطئ لعلقة الحياء بالموات ‪ ،‬فجمهور أهل السنة والجماعة لهم رأي في هذا‬
‫وأقلية من علماء السلف لهم رأي آخر وإن كانوا هم أصحاب الصوت العالي ‪ .‬والحق مع رأي‬
‫الجمهور فأغلب أهل العلم يرون أن النسان إذا مات لم تنقطع صلته بالعلم الدنيوي ولم تنته‬
‫حاجته لخوانه المؤمنين ‪ ،‬ولم تنته العلقة مع ال سبحانه وتعالى خاصة إن كان صالحًا وله‬
‫مكانة عند ال فإن هذه المكانة ل تنتهي بموته ‪.‬‬
‫ويرون أن زيارة الموات مستحبة وزيارة خواص الموات بشكل عام مستحبة بمعنى أن الرسول‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله قال ‪ " :‬قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور أل فزوروها فإنها تذكركم‬‫الخرة " ‪ ،‬وكان يزور البقيع ‪ ،‬فزيارة القبور في حد ذاتها ل تعتبر شركًا وورد كثير من القوال‬
‫في فضيلة زيارة قبر الوالدين والدعاء لهما ‪.‬‬
‫والموات عندنا نوعان ‪ :‬منهم من تزوره لتدعوا له فهو محتاج إليه وقد قال رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬إذا مات ابن آدم انقطع عمله إل من ثلث ‪ ...‬أو ولد صالح يدعو له ‪...‬‬
‫الخ " وقد مر أيضًا على قبرين فقال ‪ " :‬إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير وجاء بجريدة فشقها‬
‫نصفين ووضعهما على القبرين وقال ‪ :‬لعل ال يرحمهما ما لم ييبسا أي بسبب تسبيحهما " وورد‬
‫عنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله أنه كان يدعو للموتى إذا مر بالقبور ‪ ،‬ومن الموات من يكون‬
‫صالحًا إما نبي وإما ولي ‪ .‬ومن الثابت عندنا أن زيارة قبر النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله‬
‫مستحبة وقد ثبت في تفسير ) ابن كثير ( الذي يعد من ) أئمة السلفية ( عند تفسير قوله تعالى‬
‫حيًما "‬
‫ل َتّواًبا َر ِ‬
‫جُدوا ا َّ‬
‫ل َلَو َ‬
‫سو ُ‬
‫سَتْغَفَر َلُهْم الّر ُ‬
‫ل َوا ْ‬
‫سَتْغَفُروا ا َّ‬
‫ك َفا ْ‬
‫جاُءو َ‬
‫سُهْم َ‬
‫ظَلُموا َأنُف َ‬
‫" َوَلْو َأّنُهْم ِإْذ َ‬
‫‪ ،‬أن المام العتبي كان جالسًا بجوار قبر الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وجاء أعرابي‬
‫فسلم على الرسول وذكر الية وأتم " وإني جئتك مستشفعًا بك إلى ال " ‪ ،‬فأخذت المام العتبي‬
‫سنة من النوم ورأى النبي في منامه يقول له أدرك العرابي وبشره بأن ال قد غفر له ‪ ،‬فذهب‬
‫إليه العتبي وأخبره ‪ .‬ومازالت مشروعية زيارة قبر الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ثابتة‬
‫والسلم على صاحبيه أبى بكر وعمر وفي كتاب )التوسل والوسيلة لبن تيمية ( أن عبد ال بن‬
‫عمر كان إذا سافر ورجع إلى المدينة مر على قبر الرسول المصطفى ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وآله فسلم عليه وسلم على أبيه عمر وعلى أبي بكر وهذه الزيارة مستمرة عند عامة المسلمين وما‬
‫كان الصحابة والسلف الصالح ليفعلوا الشرك ول علماء المسلمين عبر الجيال حتى اليوم وما‬
‫غاب عنهم الحاديث التي يتمسك بها السلفية التي أولوها على غير ما فهمه السلف الصالح ‪ .‬كما‬
‫أننا نعتقد أن هذه الماكن المدفون فيها النبياء والولياء حري بالدعاء فيها أن يستجاب ‪ ،‬وللمام‬
‫الشوكاني قول يبين فيه أن من الماكن التي يستجاب فيها الدعاء مراقد الصالحين وقد ذكر ذلك‬
‫في كتاب " تحفة الذاكرين " ‪.‬‬

‫س ‪ :15‬لكن من هم أولئك الصالحون ؟‬
‫جـ ‪ :‬نتكلم الن عن النبياء والصحابة والولياء المتفق عليهم ل المشكوك فيهم كقبر الرسول‬
‫وأبي بكر وعمر وأهل البقيع وهؤلء ل خلف على زيارتهم بل هناك أتفاق وإجماع ماعدا مخالفة‬
‫بعض اخواننا من السلفيين المتشددين وسوف يجرنا ذلك إلى بحث مسألة التوسل والوسيلة ‪ ،‬وقد‬
‫وضع ) ابن تيمية ( كتاب " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " أقر فيها مبدأ التوسل ووضع له‬
‫قواعد وشروطًا ولم ينكره كلية بل وضع له ضوابط ‪ .‬والتوسل ينحصر في ثلثة أشياء ‪ :‬التوسل‬
‫بالعمل ‪ ،‬والتوسل بالحي ‪ ،‬والتوسل بالميت ‪.‬‬
‫فالتوسل بالعمل مشروع كأن تتوسل إلى ال بصالح أعمالك كما في حديث الغار والتوسل بالحي‬
‫مجمع عليه لن الصحابة كانوا يتوسلون به ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله بقولهم )ادع لنا يا‬
‫رسول ال ‪ ،‬استغفر لنا يا رسول ال ‪ ،‬وهكذا( ‪ .‬وقد ذم ال المنافقين الذين يستكبرون عن استغفار‬
‫الرسول لهم وأمر ال رسوله أن يصلي على المؤمنين أي يدعو لهم ‪ ،‬والرسول قال لعمر بن‬
‫الخطاب ‪ " :‬أشركنا في دعائك يا أخي " ول يزال الناس يوصي بعضهم بعضًا بالدعاء ‪ ،‬وهذا‬
‫لتوسل بالحي الصالح ‪ .‬بقي التوسل بالميت وسأل هل التوسل بالحي ينفع لذاته أم لقربه من ال ؟‬
‫لو قلنا لذاته لشركنا ‪ ،‬لكننا نقول نفعنا قربه من ال وهذا القرب للرجل الصالح لم ينته بموته كأن‬
‫أقول ) اللهم إني أسألك برضاك عن فلن أن تغفر لي ( وهذا ما نقصده بالجاه أو القرب من ال‬
‫الذي لم ينقطع الموت ‪ .‬كأن أقول ال إني أسألك بجاه رسولك أن تغفر لي ) وعندي المران‬
‫سواء ( ‪.‬‬
‫س ‪ :16‬إذا لماذا لم يتوسل عمر بن الخطاب في استسقائه بالرسول بعد وفاته وتوسل بالعباس عم‬
‫الرسول إذا كان التوسل بالموات جائزًا ؟‬
‫جـ‪ :‬قيل إن السبب في ذلك أمران ‪ :‬الول إن الستسقاء يكون خارج المسجد ويكون بمن يدعو‬
‫ويؤمن الناس على دعائه ‪ ،‬وهذا ل يتوافر في النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لنه كان خارج‬
‫المسجد وكان لبد من رجل يدعو ويؤمن الناس عليه ‪ ،‬وقيل عمر خشي أن يتوسل بالنبي ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله فل يغاثون فيكون ذلك ذريعة للشك في صدور الناس ‪ ،‬ولكن دعونا نتكلم‬
‫عن أمرين ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬الحديث يدل على التوسل بالذات لن هناك من يقول نتوسل بالدعاء وليس بالذات ‪ .‬لماذا‬
‫أو ً‬
‫أختار عمر العباس ألدعائه أم لذاته ؟ علمًا بأن في الصحابة من هو أسبق منه إسلمًا وهجرة‬
‫وكانت لعمر سوابق عظيمة في السلم وغيره من الصحابة ‪ ،‬وهذا يدل على أن التوسل ينبغي أن‬
‫ل من أهل البيت ونريد أن نقول ‪ :‬أن عمر له‬
‫يكون بشخص له صلة بالذات المحمدية فاختار رج ً‬
‫مواقف كثيرة تدل على ذلك فقد طلب من علي أن يزوجه أبنته أم كلثوم لنه سمع النبي ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله يقول ‪ " :‬كل حسب ونسب مقطوع إلى يوم القيامة إلى حسبي ونسبي "‬
‫وقال أريد أن تكون لي صلة بكم أهل البيت ‪.‬‬
‫كذلك فالتوسل بالموات المر خلفي ‪ ،‬ومادام خلفيًا فل يكفر فيه المسلم والجواز يقول به‬
‫الغلبية أي يجوز التوسل بالموات وفئة قليلة هم السلفية أو الوهابية هم الذين يرفضون ذلك ثم‬
‫إن الشهداء أحياء عند ربهم ‪ ،‬بنص القرآن الكريم قال تعالي في ) آل عمران آية ‪: ( 169/‬‬
‫اية ‪ 1‬ص ‪151‬‬
‫فكيف بالصديقين ؟ ويف بالنبياء ؟ وكيف برسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله القائل‬
‫)النبياء أحياء في قبورهم ( ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وعليهم أجمعين ‪ ،‬وفي ليلة السراء‬
‫صلى بهم ‪ ،‬ورآهم في السموات العل‬
‫أية ‪ 2‬ص ‪151‬‬
‫كما أن مسألة " الموالد " ينكرها قلة ويؤيدها الكثير من الناس ويمارسونها وكل فئة عندها دليل‬
‫فل يجوز أن نقول هذا شرك أو كفر ما دام فيه خلف ‪ ،‬كما في أمر وجه المرأة فيه خلف ‪،‬‬
‫منهم من يقول هو عورة ومنهم من يقول ل ‪ ،‬فل يمكن أن نعاقب امرأة لنها كشفت وجهها لن‬

‫المر مختلف فيه ‪.‬‬
‫س ‪ :17‬ما يحدث على أرض الواقع بالنسبة للتوسل هو غير ذلك حيث يرى العامة من الناس‬
‫يطوفون بالمقابر ويقبلون الحديد ويتمسحون بالضرحة ويستجيرون ويستغيثون بأصحابها فهل‬
‫هذا من مظاهر الشرك والكفر البواح ؟‬
‫جـ‪ :‬لو حدث خلل في إشارات المرور ونتج عن ذلك حوادث هل معنى ذلك إلغاء الشارات‬
‫والمرور كله ؟ زيارة القبور مسنونة ‪ ،‬فإذا حدث ذلك هل نمنع الزيارة أم نعلم الناس آداب الزيارة‬
‫الصحيحة ؟ فالخلف بينا وبين إخواننا أنهم يريدون أن يمنعوا الزيارة ونحن نقول ل ‪.‬بل علموا‬
‫الناس آداب الزيارة ‪ .‬نتفق معكم أن هناك من يسئ بجهله لزيارة القبور وليس كل الناس فقهاء‬
‫ومتعلمين ‪ ،‬ونقر بأن هناك جهلة يقبلون الضرحة ويستغيثون بأصحابها وهذا ل يقتضى أن نقول‬
‫إن زيارتها حرام وشرك ‪ ،‬بل يجب علينا أن نعلم الناس الصواب ‪ ،‬ثم إن كثيرًا من الناس عندما‬
‫نسأله عن سبب زيارته وتوسله بالولي ‪ ،‬يقول لنا إنه يعتقد أن صاحب القبر له جاه عند ال‬
‫وقريب من ال وبعضهم قد يسئ التعبير ‪ ،‬لكنه يرجو من ال قضاء حاجته ببركة هذا الولي ‪ ،‬فهو‬
‫ل في حديث الرجل الذي ضاعت دابته في الصحراء ونام‬
‫قد أساء التعبير وقد ساق الرسول لنا مث ً‬
‫وقال بعدما وجدها عند رأسه ) اللهم أنت عبدي وأنا ربك ( ‪ ،‬وضحك ال من مقولة الرجل ولم‬
‫يقل عنه النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله إنه كفر بمقولته هذه فأحيانًا يندهش المرء من أمر‬
‫فيعبر بخطأ عن فرحته ‪ ،‬وهؤلء الناس ل يجوز أن نلقي عليهم تهمة الشرك ولكن نقول عنهم‬
‫) جهال ( ويجب علينا أن نعلمهم ‪ ،‬بدليل أن الصحابة كانوا يرون مثل هذه المور ولم يتهموا‬
‫بعضهم البعض وكانوا يعلمون ويتعلمون ‪.‬‬
‫كما ل يجوز لنا أن نعادي الميت فهناك صلة روحية بيننا وبين الموات لنهم في عالم البرزخ‬
‫ونحن نعتقد أن القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار ‪ ،‬فهناك علقة تربطنا‬
‫بهم علمًا بأن الميت يفرح بالهدية التي تهدى له من الدعاء أو مما ترك من عمل ‪ ،‬وكذلك من‬
‫أستغفار الملئكة له في قبره ) راجع كتاب الروح لبن القيم ( وكتاب ) حادي الرواح له ( ‪.‬‬
‫ونحن مكلفون بالدعاء للميت والصلة عليه وإن كنا ل نعرفه ‪ ،‬وهذا يدل على انتفاعه بدعائي‬
‫مستمر ‪ ،‬لماذا أقول ربي أغفر لي ولوالدي والمؤمنين ؟ وال يقول لرسول رحمته ) فاعلم أنه ل‬
‫إله إل ال واستغفر لذنبك ‪ ،‬وللمؤمنين والمؤمنات وال يعلم متقلبكم ومثواكم( )محمد الية ‪( 19/‬‬
‫والرسول الحبيب يقول " أنا أولى بكل مؤمن ومؤمنة في الدنيا والخرة " وال تعالى يقول ‪:‬‬
‫سِهْم " الحزاب آية ‪6/‬‬
‫ن َأْنُف ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫ي َأْوَلى ِباْلُمْؤِمِني َ‬
‫" الّنِب ّ‬
‫وكان الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله يزور البقيع ويدعو لهله كثيرًا وكذلك فعل الصحابة‬
‫والسلف الصالح عبر الجيال حتى يومنا هذا ‪.‬‬
‫س ‪ :18‬كيف نوفق بين هذا القول وبين غضب النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لما قال له‬
‫الصحابي ) لو شاء ال ولو شئت يا رسول ال ( وقال له ‪ " :‬أتجعلني شريكًا ل " ‪.‬‬
‫جـ‪ :‬الرد على ذلك بآيات كثيرة أخرى ومنها قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن " سورة التوبة الية ‪59‬‬
‫غُبو َ‬
‫ل َرا ِ‬
‫سوُلُه ِإّنا ِإَلى ا ِّ‬
‫ضِلِه َوَر ُ‬
‫ن َف ْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫سُيْؤِتيَنا ا ُّ‬
‫ل َ‬
‫سُبَنا ا ُّ‬
‫حْ‬
‫" َ‬
‫لماذا لم يقل ‪ ) :‬سيؤتينا ال ثم رسوله ( وهناك آيات كثيرة تدل على ذلك ‪ ،‬ودعني أضرب لك‬
‫مثالً ‪ :‬لو جاءني شخص وفي قلبه نفاق وقال لي ‪:‬أنت سيد الكويت !! فإني فسوف أقول له ‪:‬‬
‫العفو أنا عبد من عباد ال فالكويت فيها أميرها وسيدها ‪ ،‬وأقول له أنا أقل مما قلت وأكبر مما في‬
‫نفسك ‪.‬‬
‫فالمقصود من قول الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ذلك ليصحح للصحابي ‪ ،‬وقال ال تعالى‬
‫في آيات كثيرة‬
‫ل"‬
‫سو َ‬
‫ل َوالّر ُ‬
‫طيُعوا ا َّ‬
‫ل َأ ِ‬
‫" ُق ْ‬
‫فلماذا نتمسك بهده الجزئيات ونترك الكثير من اليات وعلينا أن نأخذ المور بحسن نية وإن كان‬
‫البعض عنده وسوسة من الشرك حتى وصل المر بأحدهم حين سؤل عن أطراء النبي ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ -‬وآله فقال هذا شرك وهذا كفر ‪ ،‬فإن هذا مغالة وبعد برهة يسأله عمن يقول ‪ ":‬يا‬
‫صاحب الجللة "‬
‫فيجيب ‪ :‬يجوز تكريم من يستحق التكريم !! يقولون إن تقبيل اليد بدعة إذًا فقبلة الخشم ) النف (‬
‫ما حكمها ؟ فلماذا يسكتون عن هذا ويقولون بهذا ؟ فهناك العادات التي تتوارثها الجيال تختلف‬
‫عن بيئة لخرى ‪ .‬ولكن هناك سوء ظن بالمسلمين ووسوسة وهناك من الجماعات من يريد أن‬
‫يفرض الرأي الواحد وهذا يخالف العصر وطبيعته ‪.‬‬
‫س ‪ : 19‬يتهم الفكر الصوفي بأنه وراء النهي عن تعلم علوم الكتاب والسنة والتعلق بالعلم اللدني‬
‫والقول بالتلقي المباشر عن ال مثل أمور الكشف وغيرها فما هو ردكم ؟‬
‫جـ‪ :‬لم أقف على كاب من كتب الصوفية يدعوا مؤلفه مريديه لعدم تعلم العلوم الشرعية أو يزهدهم‬
‫في طلب العلم ‪.‬‬
‫وإذا وجد الشخص الذي يقول بذلك فليس من أئمة الصوفية المعتمدين فعندنا مبدأ " كل يؤخذ منه‬
‫ويرد عليه إل صاحب هذا القبر " أي النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وهي مقولة للمام‬
‫مال ‪ .‬وال تعالى يقول‬
‫ن" سورة الزمر ‪9/‬‬
‫ن لَ َيْعَلُمو َ‬
‫ن َواّلِذي َ‬
‫ن َيْعَلُمو َ‬
‫سَتِوي اّلِذي َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ل َه ْ‬
‫"ُق ْ‬
‫فكيف نقول نحن أو نحزر من العلم ‪ ،‬فأنا أشك في صحة هذا التهام لئمة الصوفية المعتمدين لو‬
‫كان حقيقة فيرد على صاحبه ول يؤخذ منه ‪ ،‬لن المسلم ل يمكن له أن يتعبد ال بغير علم ‪ ،‬وكل‬
‫ما في المر إن الخلف يتمثل في أن الصوفية يؤمنون بوجود العلم اللدني بجاب العلم الشرعي‬
‫وخصومهم ينكرون العلم اللدني ‪ ،‬ولذلك يتهون الصوفية بأنهم يؤمنون باللدني ويرفضون العلوم‬
‫الشرعية ‪ ،‬والحقيقة أن الصوفية يؤمنون بالعلمين ) الشرعي واللدني ( وغيرهم يؤمنون بالعلم‬
‫الواحد فقط ونحن نقول هناك علم شرعي معتمد وهناك علم لدني عبارة عن نور يقذفه ال في‬
‫القلب نتيجة التقوى والستقامة ‪ ،‬وهذا ثابت كما جاء في القرآن في سورة كهف عن الرجل‬
‫الصالح الخضر‬
‫عْلًما" سورة الكهف ‪95/‬‬
‫ن َلُدّنا ِ‬
‫عّلْمَناُه ِم ْ‬
‫عْنِدَنا َو َ‬
‫ن ِ‬
‫حَمًة ِم ْ‬
‫عَباِدَنا آَتْيَناُه َر ْ‬
‫ن ِ‬
‫عْبًدا ِم ْ‬
‫جَدا َ‬
‫"َفَو َ‬
‫وقد كشف ال في سورة الكهف إن هناك حكمة لظواهر الشياء وحكة أخرى لبواطنها فهي عندنا‬
‫لها تفسير ولها عند ال تفسير آخر ‪ ،‬ولكن نحن مطالبون بالعلم الشرعي ‪ ،‬أما العلم اللدني أو‬
‫الباطني فنحن نسلم به لكننا ل نتعبد ال به ول نجعله حجة على العباد ونعتبر أنه نوع من الفراسة‬
‫يهبه ال لمن يشاء مثل الرؤيا التي يستأنس بها ول يؤخذ منها حكم شرعي وال عز وجل يقول‬
‫لْلَبابِ"‬
‫ل ُأْوُلوا ا َْ‬
‫خْيًرا َكِثيًرا َوَما َيّذّكُر ِإ ّ‬
‫ي َ‬
‫حْكَمَة َفَقْد ُأوِت َ‬
‫ت اْل ِ‬
‫ن ُيْؤ َ‬
‫شاُء َوَم ْ‬
‫ن َي َ‬
‫حْكَمَة َم ْ‬
‫" ُيْؤِتي اْل ِ‬
‫سورة البقرة الية ‪269‬‬
‫ل عندما دخل رجل على عثمان بن عفان فقال لمن هم جلوس معه ‪ ) :‬أيدخل علينا الرجل‬
‫فمث ً‬
‫وأثر الزنا في عينيه ؟ ( ‪ ،‬فقال الرجل ‪ :‬أوحي بعد رسول ال ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكنها فراسة‬
‫المؤمن ‪.‬‬
‫فنحن نعتقد إن النسان الذي يستقيم مع ال ويصدق معه يجعل ال له نورًا وشفافية قد يرى بها‬
‫المور بمنظور قريب من الصواب والحكمة أي يعطي السداد والتوفيق في العمال ‪ ،‬كما نقول "‬
‫ال نور عليه " ‪ ،‬وله دليل من القرآن ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫ن ُنوٍر" سورة النور ‪40 /‬‬
‫ل َلُه ُنوًرا َفَما َلُه ِم ْ‬
‫ل ا ُّ‬
‫جَع ْ‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫"َوَم ْ‬
‫ويقول سبحانه وتعالى‬
‫خاِر ٍ‬
‫ج‬
‫س ِب َ‬
‫ت َلْي َ‬
‫ظُلَما ِ‬
‫ن َمَثُلُه ِفي ال ّ‬
‫س َكَم ْ‬
‫شي ِبِه ِفي الّنا ِ‬
‫جَعْلَنا َلُه ُنوًرا َيْم ِ‬
‫حَيْيَناُه َو َ‬
‫ن َمْيًتا َفَأ ْ‬
‫ن َكا َ‬
‫" َأَوَم ْ‬
‫ِمْنَها " سورة النعام آية ‪122‬‬
‫وفي سورة الزمر يقول ‪:‬‬
‫ن َرّبِه" سورة الزمر ‪22 /‬‬
‫عَلى ُنوٍر ِم ْ‬
‫لِم َفُهَو َ‬
‫سَ‬
‫لْ‬
‫صْدَرُه ِل ِْ‬
‫ل َ‬
‫ح ا ُّ‬
‫شَر َ‬
‫ن َ‬
‫"َأَفَم ْ‬
‫كما قال تعالى ‪:‬‬

‫لْلَبابِ "‬
‫ل ُأْوُلوا ا َْ‬
‫خْيًرا َكِثيًرا َوَما َيّذّكُر ِإ ّ‬
‫ي َ‬
‫حْكَمَة َفَقْد ُأوِت َ‬
‫ت اْل ِ‬
‫ن ُيْؤ َ‬
‫شاُء َوَم ْ‬
‫ن َي َ‬
‫حْكَمَة َم ْ‬
‫" ُيْؤِتي اْل ِ‬
‫سورة البقرة ‪269/‬‬
‫ونقول أن هناك العلم اللدني يؤتاه الخاصة من الناس ولكنه ليس حجة على العباد وهو شبيه بالعلم‬
‫الذي كان عند الرجل الذي كان مع نبي ال سليمان والذي جاء بعرش بلقيس بما لديه من علم من‬
‫الكتاب‬
‫ب " سورة النمل ‪40 /‬‬
‫ن اْلِكَتا ِ‬
‫عْلٌم ِم ْ‬
‫عْنَدُه ِ‬
‫ل اّلِذي ِ‬
‫" َقا َ‬
‫وهذا العلم كرامة للعبد الصالح من ربه تعالى ول يجب أن نفاخر به على الناس فهو هبة من ال‬
‫لمن يريد ‪ ،‬والستقامة عندنا هي عين الكرامة ‪.‬‬
‫س ‪ :19‬وماذا عن مسألة الكشف ؟‬
‫ج ‪ :‬يدخل ذلك في بحث الولية كأن نقول إنه حصل له كشف ثم جاء الكشف بعلم حقيقي أي إن‬
‫النسان إذا صدق مع ال فإن ال يتوله فيصبح مواليًا ل ويصبح وليًا من أولياء ال ‪ ،‬والصادق‬
‫يعطي من ال حكمة ونورانية كما نسمع من الكثير من الصالحين أن أحدهما يشعر بدنو أجله‬
‫ونشعر بأناس يحذرون من وقوع بعض الشياء فتقع ‪.‬‬
‫فقد حذر كثير من الصالحين من البلء الذي سيقع في الكويت قبل وقوعه ) وهو الغزو العراقي‬
‫الثم ( وقد حدث ‪ ،‬وهذه المور تعدها من المور النورانية التي تلقى في روع المؤمن وهي ظنية‬
‫الدللة وليس قطعية الدللة ‪ ،‬وتأتي نتيجة لشواهد القرآن الكريم الذي أخبرنا بأن الظالم مصيره‬
‫كذا ومن يتقي ال مصيره كذا فهذا تصديق لعلوم القرآن والجزاء الدنيوي كالجزاء الخروي بيد‬
‫ال تعالى يتم تنفيذه متى يشاء ‪.‬‬
‫فالكشف وبقية المور التي يتحدث الناس عنها من الكرامات نقول أنها حق وادعاء الناس لها‬
‫واختصاص بعض الصوفية بها أمر محتمل وجائز الوقوع ولكن يدخل فيه الكذب والجدل‬
‫والستغلل السيئ ‪ ،‬ولكنه ثابت شرعًا لهله لن هناك من الثوابت " المعجزات للنبياء‬
‫والكرمات للولياء" ‪ ،‬وكون إنسان يدعي الكرامة فهو أمر ظني غير محقق لست مطالبًا بتصديقه‬
‫‪ ،‬وقد يكون صادقًا أو كاذبًا فأصل الشيء موجود والكرام هي الشفافية والفراسة ‪ ،‬يقول الرسول ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ " :‬إن من أمتي محدثين وإن منهم لعمر " ‪ ،‬وهذا نتاج للتقوى‬
‫والستقامة وكونها عند فلن أو يدعي أنها عنده فهي دعوة موقوفة ‪ ،‬فيجوز أن يكون ذلك غرورًا‬
‫أو مباهاة ‪ ،‬لكن هل نحن نحجر على أن ال يمنح الكرامة لحد ؟ حاشى ل ‪.‬‬
‫ن َنَفاٍد " سورة ص ‪54/‬‬
‫ن َهَذا َلِرْزُقَنا َما َلُه ِم ْ‬
‫وقد قال ال تعالى ‪ِ ":‬إ ّ‬
‫ب " سورة ص ‪ 39/‬وال‬
‫سا ٍ‬
‫حَ‬
‫ك ِبَغْيِر ِ‬
‫س ْ‬
‫ن َأْو َأْم ِ‬
‫طاُؤَنا َفاْمُن ْ‬
‫عَ‬
‫وقال جل شأنه لنبيه سليمان "َهَذا َ‬
‫أعطى من البشر الكثير وخص أنبياءه بكثير من اليات والمعجزات ‪ ،‬لكن الخلف في أنه ل‬
‫يجوز للنسان أن يدعي بما لم يعطه ال له ‪ ،‬ول يجوز أن يتفاخر به على عباده ‪ ،‬كما ل يجوز‬
‫أن ننكر عطاء ال أحدًا ونتهمه بأنه دجال أو كذاب على أعتبار أنها دعوى غيبية أو باطنية فنكون‬
‫بذلك قد قتلنا الجانب الروحي في السلم ‪ ،‬وقد جعل ال اليمان بالغيب من خصائص هذه المة ‪،‬‬
‫ول يصح أن يصير المسلمين آيات قرآنهم وهم } الذين يؤمنون بالغيب { مادية بحتة ل تفسر إل‬
‫بالمحسوسات وهذا رأي المعتزلة وليس رأي أهل السنة والجماعة والكون ملئ بالسرار فكيف‬
‫بكتاب ال تعالى ؟‬
‫س ‪ : 20‬هل تأسست الطريقة الرفاعية على برقمة البلبل ؟‬
‫ج ‪ :‬قصة ) برقمة البلبل ( ظهرت على يد أحد شيوخ الطريقة المتأخرين أسمه الشيخ ) محمد‬
‫بهاء الدين الرواس ( ‪ ،‬وقد توفى من حوالي ) مائتي سنة ( كتب هذا الشيخ كتابًا تحت عنوان‬
‫"برقمة البلبل " وفي هذا الكتاب يتخيل أو يتصور أن أحد الطيور في الحرم يتكلم مع طائر‬
‫آخر ‪ ،‬وهذا يعد نوعًا من التصور الدبي كرسالة الغفران ) لبي العلء المعري ( والتي تصور‬
‫فيها أن هناك مناجاه ومحادثة بينه وبين شئ آخر ‪ ،‬وهذا أسلوب متعارف عليه في علم الدب ‪،‬‬

‫فالمهم إن السيد المام الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعية رحمه ال ولد في عام ‪ 512‬هجرية‬
‫وتوفى في عام ‪ 578‬هجرية يعني في القرن السادس الهجري ‪ ،‬أما صاحب هذا المؤلف فكان في‬
‫القرن الحادى عشر الهجري ‪ ،‬والطريقة الرفاعية أسست قبل هذا المؤلف بكثير ‪ ،‬وهذا المؤلف‬
‫صاحب كتب كثيرة ومؤلفات كبيرة في الشعر والنثر والدب والتصوف الشرعي ‪ ،‬وهو من أكثر‬
‫الملتزمين بالشرع والحرص على الشرع ومن المجددين الكبار في الطريقة الرفاعية العلية ‪ ،‬ولكن‬
‫هذا الكتاب كما أشرت جاء صورة خيالية أدبية لهذا الكاتب كمن يناجي الطلل والطيور وهذا‬
‫داخل فيما يسمى اليوم ) بأدب تشخيص الطبيعة ( وهو من أروع فنون الدب ‪.‬‬
‫س ‪ :21‬إذًا هل تعدونها شطحة من شطحات إحدى أتباع الطريقة ؟‬
‫ج ‪ :‬إذا كانت تضمنت ما يخالف الكتاب والسنة فهي شطحة ‪ ،‬أما إذا لم تحوي المخالفة للكتاب‬
‫والسنة فهي عمل أدبي بحت يجوز فيه التخيل والتصور ‪ ،‬فدعونا ندرس هذا الكتاب ونقيمه فإن‬
‫وجدنا فيه ما يخالف الكتاب والسنة تبرأنا منه وكما قلت هو ليس من مؤسسي الطريق ‪ ،‬بل هو‬
‫رجل صالح ملتزم بالكتاب والسنة ‪ ،‬وكونه شاعرًا أديبًا فله في الشعر والدب باب يتسع للجميع‬
‫ول يحجر على أحد ‪.‬‬
‫س ‪ :22‬ما هي علقة الطريقة الرفاعية بالحيات والثعابين والسباع ؟‬
‫ج ‪ :‬الطريقة الرفاعية مشهور عنها اليوم أمران ‪ :‬ضرب السلح والسيطرة على الحيات والثعابين‬
‫والحشرات السامة ‪.‬‬
‫وهذان المران لم يكونوا في عهد مؤسس الطريقة الذي لم يثبت في مجلسه أنه أستعمل فيه‬
‫السلح أو المساك بالحيات والثعابين ‪.‬‬
‫والمتأخرون من خلفاؤه حدث عندهم هذان المران ‪ ،‬وبعد وفاة السيد أحمد الرفاعي بحوالي‬
‫) مائة عام ( فتح التتار بغداد ‪ 656‬هـ وخربوها شر تخريب وقتلوا الكثير من المسلمين ‪ ،‬ومن‬
‫هنا جاء بعض خلفاء السيد الرفاعي ليثبتوا لهذه المة المادية التي ل تؤمن إل بالمحسوسات‬
‫) التتار( وبينوا لهم أن هذه القوة التي يتباهون بها يستطيع ال سبحانه أن يسخرها لهم ‪ ،‬فقاموا‬
‫أمام التتار بعمل أمور كضرب السلح والمساك بالحيات والدخول في النيران وغير ذلك من‬
‫العمال التي أوجدت رد فعل لدى التتار ‪ ،‬وكانت سببًا في دخول الكثير منهم في السلم ن‬
‫وسبب في وقف اعتداءاتهم على المسلمين آنذاك ‪ ،‬ومن هنا يمكن القول أن هذا ليس من البدع في‬
‫الدين لنه ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ‪ ،‬حيث إن إبراهيم عليه السلم‬
‫ألقي في النار فلم تضره ‪ ،‬وال سبحانه قادر أن يسخر الناس لرجل صالح من أمة محمد ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬كما حصل ذلك كرامة للصحابي ) أبي مسلم الخولني ( كما في ) صفوة‬
‫الصفوة لبن الجوزي والزاهد للمام أحمد ( وقد سخر ال النار لتباع السيد أحمد الرفاعي فكانوا‬
‫ول يزالون منهم من يدخل النار أو يحملها ول تضره ولكنه يحملها باسم ال وليس للمباهاة ‪ ،‬بل‬
‫من الكرامات ‪ ،‬كما أن الناس كانوا يستنكرون أو يستغربون أن موسى عليه السلم كان يمسك‬
‫الحية ولم تضره ‪ ،‬والن من أتباع الرفاعي من يفعل ذلك ‪ ،‬فهي معجزة لنبي ول مانع أن تتم‬
‫كرامة لولي ‪ ،‬فالشياء التي سخرها ال للنبياء فهو قادر أن يسخرها للصادقين التقياء ‪ .‬ولذلك‬
‫هذه القضية عند السادة الرفاعية يستخدمها صاحبها عند الحاجة والضرورة والتحدي ‪ ،‬وأنا‬
‫شخصيًا منهجي البتعاد عن هذه الشياء وعدم الحث عليها واستبعادها نهائيًا في مجالسي وأقول‬
‫إنها‬
‫إن جازت فهي للتحدي ‪ ،‬وقد حدث ذلك مع خبراء روس جاءوا إلى سوريا وأعلن لهم أتباع‬
‫الطريقة تحديهم في مقابل اليمان والدخول في السلم ففعلوا ذلك ‪ .‬كذلك فإن مسألة الثعابين إذا‬
‫كانت لدفع الضرر عن الناس ما بها من بأس ‪.‬‬
‫ونحن الن بحاجة ماسة لمن يثبت للناس اليمان ببعض الغيبيات لعلها توقظ ضمائر الغافلين وتقيم‬
‫الحجة على الماديين والملحدين ‪.‬‬
‫س ‪ :23‬لماذا اختارت الطريقة الرفاعية بداية خلوتها في يوم الحادي عشر من المحرم الهجري ؟‬

‫ج ‪ :‬انا لم أتأك من ذلك ‪ ،‬لكن الذي أعرفه أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪ ،‬له حديث‬
‫يحث فيه على صيام المحرم ‪ ،‬فهذا له ربط بالخلوة ‪ ،‬لنها لبد أن يصاحبها أمتناع أوتقليل من‬
‫الطعام والشراب ‪،‬‬
‫وكونه أيضًا بداية العام الهجري فتكون بداية التوبة مع السنة الجديدة وكذلك هو من الشهر الحرم‬
‫يستحب فيه العمل الصالح وفيه عاشوراء ‪ ،‬فربما تكون هذه هي السباب لجعل الخلوة تبدأ فيه ‪,‬‬
‫وإن كنت ل ألحظ تركيزًا عند المشايخ المتأخرين للطريقة علي هذا الموعد والتوقيت ‪.‬‬
‫س ‪ : 24‬ولماذا تمتنعون في الخلوة عن أكل كل ذي روح ؟‬
‫ج ‪ :‬قد يظن البعض أن هذا تشبه بالنصارى ‪ ،‬ولكن الحقيقة المتفق عليها طبيًا أن أكل اللحوم‬
‫يقسي القلب وأن أكل الخضروات فوائده أكثر والمطلوب جعل النفس منكسرة خاشعة ل بالتقليل‬
‫من أكل ذوات الروح فمعناه أن هذا النسان يردي أن يبدأ حياة جديدة ويكسر فيها شهواته ويقترب‬
‫من ال وليس المقصود بها تقليد غيرنا من أصحاب الديانات الخرى ‪.‬‬
‫س ‪ : 25‬كلمة أخيرة في نهاية الحوار ‪.‬‬
‫ج ‪ :‬أحب أن أقول إن التصوف هو الجانب الروحي في السلم فمحاربته وإنكاره تجفيف‬
‫للجوانب والمنابع الروحية في الشريعة السلمية ‪ ،‬وأنه علم من العلوم ومسلك من المسالك أصابه‬
‫ما أصاب غيره من العلوم من الشطحات ‪ ،‬ويبقي أن المريدين أيضا بشر يعتريهم ما يعتري‬
‫غيرهم ‪ ،‬وكلن هذا ل يدعونا أن نبخس الناس أشياءهم أو حقوقهم ‪ ،‬ول يجوز أن ننكر دور‬
‫الصوفية التصوف في نشر السلم في مناطق كثيرة كأفريقيا وشرق آسيا وفي بلد الغرب ‪،‬‬
‫وأحب أن أبين أن التصوف ليس عقيدة ‪ ،‬بل هو استزاده في الجانب التعبدي والروحي في العلقة‬
‫مع ال ‪ ،‬والرجل الصوفي هو مؤمن متبع للكتاب والسنة عقيدته عقيدة أهل السنة والجماعة يتعبد‬
‫ال علي أحد المذاهب الربعة ‪ ،‬ويزيد عن غيره أنه يفرض علي نفسه ) زيادة تعبد وأوراد‬
‫وطاعات ( في ) مقام الحسان ( وكما جاء في الحديث القدسي ) وما يزال عبدي يتقرب إلي‬
‫بالنوافل حتى أحبه ( كما سبق بيانه ل أكثر ول أقل ‪ ،‬وليس له مذهب يزيد عن مذاهب‬
‫المسلمين ‪ ،‬بل يزيد علي نفسه في التكاليف ليتقرب إلي ال عز وجل ‪ ،‬ولبد أن نقول إنه وللسف‬
‫الشديد ل توجد أمه يحارب بعضها بعضًا مثل المة السلمية اليوم التي فاقت غيرها من اليهود‬
‫النصارى في القتتال وتصدير النشرات والكتب في تكفير بعضنا البعض وإلقاء تهم الشرك والكفر‬
‫علي بعضنا وهذا هو سبب من أسباب تأخر المسلمين في الوقت الذي ل نوجه جهودنا لمحاربة‬
‫المنكرات ومحاولة نشر السلم في الغرب بالحكمة والموعظة الحسنة كما ينبغي ‪.‬‬
‫وأنا علي استعداد لمناقشة هذا الفكر عن طريق مناظرة علنية بيننا وبين علماء السلف لنزيح هذا‬
‫اللبس حول الصوفية والتصوف ‪ ...‬بتوفيق من ال الكريم ‪.‬‬
‫الخاتمة‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ نختم كتابنا هذا برأي قيم من ) موقف السلف الصلح من الصوفية ( كتبه ونشره الشيخ‬
‫الدكتور العلمة محمد سليمان فرج كبير الوعاظ بوزارة الوقاف الشئون السلمية والداعية‬
‫لسلم(‬
‫السلمي المعروف في دولة المارات المتحدة في مجلة الوزارة المسماة ‪) :‬منار ا ٍ‬
‫الصادرة في أبو ظبي بتاريخ ربيع الخر سنة ‪ 1412‬هـ الموافق أكتوبر ‪ 1991‬ـ العدد الرابع‬
‫السنة ) ‪. ( 17‬‬
‫‪ 2‬ـ ثم ببحث قيم للشيخ العلمة محمد بن الصديق الغماري الحسني من كتابه ) حسن التلطف في‬
‫بيان وجوب سلوك التصوف علي جميع المسلمين ( ‪.‬‬
‫حيث يقرر أن التصوف هو الصل الثالث من أصول الدين يجب علي المة القيام به ل يكتمل‬
‫الدين إل به حيث هو ) مقام الحسان ( ‪ ،‬بعد مقام اليمان ومقام السلم ‪ ،‬ويقدم لذلك ثمانية‬
‫براهين دامغة ‪.‬‬

‫أولً‪ :‬بحث الشيخ الدكتور العلمة ‪ /‬محمد سليمان فرج‬
‫موقف السلف الصالح من الصوفية‬
‫قد يخطئ كثير من الناس في الحكم علي الصوفية ويظن أنهم طائفة خارجة علي السلم وذلك‬
‫ربما يكون بحسن نية لما يسمعه ممن ل علم لهم بحقائق المور ولذلك ل بد من تجلية هذا المر‬
‫في أذهان من التبس عليهم شأنهم ‪ ،‬فأستعين بال تعالي وأتبرأ إليه من حولي وقوتي قاصدًا وجه‬
‫ال تعالي متحريًا الحق ما استطعت إلي وجهات النظر ملتمسًا العذر للباحثين عن الحقيقة في هذا‬
‫الموضوع مادام قصدهم الوصول إلي الصراط المستقيم ‪ ،‬لن صادق النية له أجر إذا كان متجردًا‬
‫من الهوى التعصب باحثًا عن الحقيقة مذعنًا لها أينما كانت وأن الهدف الساسي من هذا البحث‬
‫هو جمع كلمة المسلمين ووجدتهم وإيجاد روح المحبة والتعاون بينهم حتى نتفرغ لعدائنا‬
‫ونستجمع قوتنا لتخليص )بيت المقدس( وأرضنا السليبة ومؤازرة إخواننا المسلمين في أفغانستان‬
‫وفي كل مكان من أرض ال التي يذكر فيها اسمه لن عدونا واحد ‪ ،‬ثم إن عقيدتنا واحدة فإلهنا‬
‫واحد وديننا واحد وقبلتنا واحدة ونبينا واحد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وكتابنا واحد ‪ ،‬ول يريد‬
‫أعداؤنا منا أكثر من الخلف وضياع الوقت في الجدال وتمزيق المة حتى ننشغل بهذه المور‬
‫الكبيرة التي يجب علينا أن نجاهد من أجلها ‪.‬‬
‫وإنه من المور البديهية والمسلمات الثابتة التي ل اختلف فيها أن المسلم يجب أن يحمل حاله‬
‫علي أحسن الوجوه ‪ ،‬وأن تلتمس له المعاذير لتبرير وجهه إذا وجدنا إلي سبيل ‪ ،‬وخاصة إذا نفي‬
‫عن نفسه الباطل وأعلن ولو بصفة إجمالية أنه يريد الحق ويؤمن به ‪ ،‬وذلك يتجلى فيما قال ‪-‬‬
‫ل بعد أن نطق بالشهادة ‪) :‬أفل شققت‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لسامة ابن زيد ‪ :‬وقد قتل رج ً‬
‫عن قلبه؟( ‪ ،‬ولم يقبل تعليل أسامة بأنه قالها خوفًا من السيف‪.‬‬
‫وظل ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله يعنفه ويلومه علي ذلك مع أن حالة الرجل ونطقه بالشهادة بعد‬
‫أن تمكن منه أسامة بن زيد توحي بأنه قالها تقية بعد أن تمكن منه ‪ ,‬انتصر عليه ولكن السلم‬
‫يضع لنا منهجًا ربانيًا قوميًا ولن نخطئ في العفو خير من أن نخطئ في العقوبة وأنه يجب علينا‬
‫أن نكل بواطن المور إلي ال ونحكم للمسلم بما أعلنه عن نفسه وجعله شعاره وعنوان عقيدته‬
‫وليس لنا أن نحمل حاله علي شئ آخر مهما كانت السباب وهذه المور تنطبق علي حالة‬
‫الصوفية وما يصلنا من أقوالهم وأحوالهم ‪ ،‬فإنك لو سألت أي أحد من هؤلء القوم أو ممن ينتسب‬
‫إليهم هل هناك أدني مخالفة للكتاب والسنة يعتقدها الصوفية لجابك الجميع بشدة ويقين أنه ليس‬
‫للصوفية أي ابتداع في الدين أو مخالفة لكتاب ال وسنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪،‬‬
‫وإجماع السلف الصالح وسيرتهم ‪.‬‬
‫أتباع الكتاب والسنة ‪:‬‬
‫‪1‬ـ واليك بعض أقوال ‪ :‬يقول ) المام أبو القاسم الجنيد ( الملقب بسيد الطائفة ‪ :‬الطرق كلها‬
‫مسدودة علي الخلق إل علي من اقتفي آثار رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله وقال ‪ :‬من لم‬
‫يحفظ القرآن ويكتب الحديث ل يقتدي به في هذا المر ـ أي التصوف _ لن علمنا مقيد الكتاب‬
‫والسنة ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وقال ) سهل بن عبد ال التستري ( ‪ :‬كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ـ أي بالمعصوم ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآله فهو عيش النفس أي من هوي النفس ل يقبله ال تعالي وسهل من كبار أئمة‬
‫الصوفية ‪.‬‬
‫ل بل اتباع سنة رسول ال ‪-‬‬
‫‪ 3‬ـ وقال ) أبو العباس أحمد بن أبي الحواري ( ‪ :‬من عمل عم ً‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله فباطل عمله ‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ وقال ) أبو الحسن النوري ( ‪ :‬من رأيتموه يدعي مع ال عز وجل ما يخرجه عن حد العلم‬
‫الشرعي فل تقربوا منه ) وأبو الحسن من أئمة الصوفية ( ‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ وقال ) ابن عطاء ال السكندري ( ‪ :‬من ألزم نفسه آداب السنة نور ال قلبه بنور المعرفة ول‬
‫مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله في أوامره وأفعاله وأخلقه ‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ وقال ) أبو حمزة البغدادي ( ‪ :‬ل دليل علي الطريق إلي ال إل متابعة رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله في أحواله وأقواله وأفعاله ‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ وقال ) أبو القاسم النصر آباذي ( عالم خراسان ‪ :‬أصل التصوف ملزمه الكتاب والسنة‬
‫وترك الهواء والبدع وترك الرخص والتأويلت ‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ وقال ) حجة السلم أبو حامد الغزالي ( عن الصوفي ‪ :‬إن سالك سبيل ال قليل والمعني فيه‬
‫كثير ونحن نعرفك علمتين له‪.‬‬
‫الولي ‪ :‬لن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة علي توقيفاته إيرادًا وإصدارًا‬
‫وإقدامًا وإحجامًا إذ ل يمكن سلوك هذا السبيل إل بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها ‪.‬‬
‫والثانية ‪ :‬ل يصل فيه إل من واظب علي جملة من النوافل فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض ‪.‬‬
‫وقال ) المام التستري ( ‪ :‬أصول طريقتنا ـ أي الصوفية ـ سبعة‪ :‬التمسك بالكتاب والقتداء بالسنة‬
‫وأكل الحلل وكف الذى وتجنب المعاصي ولزوم التوبة وأداء الحقوق‪.‬‬
‫‪ 9‬ـ وقال ) أبو حفص ( أحد كبار الصوفية ‪ :‬من لم يزن أفعاله وأحوله في كل وقت بالكتاب‬
‫والسنة ولم يهتم بخواطره فل يعد في ديوان الرجال ‪.‬‬
‫‪10‬ـ وقال ) الشيخ محيي الدين بن عربي ( ‪ :‬ل يرجو الوصول من لم يتابع الرسول ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬وآله ‪.‬‬
‫‪11‬ـ ويقول ) أبو يزيد البسطامي ( ‪ :‬لو نظرتم إلي رجل أعطي من الكرامات حتى يرقي في‬
‫الهواء فل تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند المر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ‪.‬‬
‫‪12‬ـ ويقول ) أبو الحسن الشاذلي ( ‪ :‬إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة‬
‫ودع الكشف وقل لنفسك إن ال تعالي ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب‬
‫الكشف ول اللهام ول المشاهدة إل بعد عرضها علي الكتاب والسنة ‪ ،‬إلى غير ذلك من القوال‬
‫الكثيرة التي تبين أن الستقامة علي الشريعة المطهرة هي أفضل من أي كرامة وهو ما أكده أئمة‬
‫الصوفية الكرام‪.‬‬
‫أدعياء التصوف‬
‫وبناًء علي ذلك نري أن كل ما يخالف السلم في شئ فل تصح نسبته إلي الصوفية والتصوف‬
‫وإنما هو من ضللت المدعين الذين‬
‫انتسبوا للتصوف زورًا وبهتانا أو من المور المدسوسة علي كتبهم بقصد الطعن في هؤلء القوم‬
‫وتشويه صورتهم والتهجم عيهم كما حدث في كتب التفسير من السرائيليات التي تتنافى مع ما‬
‫عرف عن هؤلء المفسرين من حرص علي بيان الحق والبعد عن هذه المرويات الملفقة ‪ ،‬وكذلك‬
‫ما جاء في كتب الحديث من الحاديث الموضوعة وقام العلماء الجلء ببيانها ‪ ،‬ولذلك فإني أري‬
‫أن الهوة بينا وبين المعارضين للتصوف نشأت من اقتناعهم بأن هذه القوال الباطلة هي من صميم‬
‫آرائهم ولو أنهم وضعوا المور في نصابها نظروا نظرة فاحصه مستبصرة لوجب عليهم أل‬
‫يلصقوا هذه القوال الشنيعة بهؤلء القوم ويحسنوا الظن بهم ‪ ،‬وخاصة أنهم قد لقوا ربهم‬
‫وأصبحوا بين يدي ال تعالي وأفضوا إلي ما قدموا علية‪.‬‬
‫افتراء وكذب‬
‫وإليك بعض المثلة علي ذلك الدس والفتراء علي هؤلء القوم يقول ) الشيخ عبد الوهاب‬
‫الشعراني ( في كتابه لطائف المنن ‪ ) :‬ومما من ال تبارك وتعالي عليك صبري علي الحسدة‬
‫والعداء لما دسوا في كتبي كلمًا يخالف ظاهر الشريعة وذلك لما صنفت كتاب ‪ ) :‬البحر‬
‫المورود في المواثيق والعهود ( وكتب علية علماء المذاهب الربعة بمصر مؤيدين تسارع الناس‬
‫لكتابته فكتبوا منه نحو أربعين نسخة من نسخته وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد‬
‫زائفة ومسائل خارقة لجماع المسلمين وحكايات وسخريات عن جحا وابن الراوندي وسبكوا ذلك‬
‫في غضون الكتاب في مواضيع كثيرة حتى كأنهم المؤلف ‪ ،‬ثم أخذوا تلك الكراريس وأرسلوها‬
‫إلي سوق الكتب في يوم السوق وهو مجمع طلبة العلم فنظروا في لك الكراريس ورأوا اسمي‬

‫عليها فاشتراها من ل يخشى ال تعالي قم دار بها علي علماء جامع الزهر فأوقع ذلك فتنه‬
‫كبيرة ‪ ،‬ومكث الناس يدورون في المساجد والسواق وبيوت المراء نحو سنة وانتصر لي الشيخ‬
‫) نصر الدين اللقاني وشيخ السلم الحنبلي والشيخ شهاب الدين بن الحلبي ( كل ذلك وأنا ل‬
‫أشعر ‪ ،‬فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الزهر وأخبرني الخبر فأرسلت نسختي التي‬
‫عليها خطوط العلماء مؤيدين لي فنظروا فيها فلم يجدوا فيها شيئًا مما دسه هؤلء الحسدة ‪ ...‬الخ ‪.‬‬
‫وذلك في كتابه ‪ ) :‬لطائف المنن والخلق ( ج ‪ 2‬ص ‪ ، 190‬وقد ذكر ذلك أيضًا ) المؤرخ‬
‫الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي ( في كتابه )شذرات الذهب ج ‪ 8‬ص ‪ (374‬حيث قال ‪:‬‬
‫) وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات تخالف ظاهر الشرع وعقائد زائغة ومسائل تخالف الجماع‬
‫فخذلهم ال وأظهره ال عليهم وكان مواظبًا علي السنة مبالغًا في الورع ‪ ( ..‬الخ‪.‬‬
‫ودسوا علي الشيخ محيي الدين بن عربي‬
‫ومن ذلك يتبين واضحًا جليًا أن كل ما نراه في الكتب منسوبًا إليهم وهو مخالف للشرع كما في‬
‫) الطبقات الكبرى للشعراني ( فهو من وضع الزنادقة وقد جاء في كتاب ) حقائق عن التصوف‬
‫للشيخ عبد القادر عيسي ( ص ‪ 508‬وكذلك دسوا علي الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه ال‬
‫قال ) الشعراني ( " كان رضي ال عنه متقيدًا بالكتاب والسنة ويقول ‪ :‬كل من رمي ميزان‬
‫الشريعة من يده لحظة هلك " فقد دسوا عليه كما أخبرني بذلك ) سيدي أو طاهر المغربي ( ثم‬
‫أخرج لي نسخة الفتوحات المكية التي قابلها علي نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونية فلم ير‬
‫فيها شيئا مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات كما جاء في اليواقيت والجواهر ج‬
‫‪ 1‬ص‪. 9‬‬
‫وذكر ) العلمة ابن عابدين ( الفقيه الحنفي وصاحب أكبر موسوعة في الفقه الحنفي أن الراجح‬
‫عنده بالسنة لم ورد في كتب الشيخ محيي الدين بن عربي مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه ‪،‬‬
‫ولذلك تجد نص عبارة ) صاحب الدر المختار ج ‪ 3‬ص ‪ 303‬خ ( " لكن الذي تيقنته أن بعض‬
‫اليهود افتراها علي الشيخ قدس ال سره " بل إن ابن تيميه نفسه يعترف بالدس علي السيدة رابعة‬
‫العدوية حيث يقول ‪ ) :‬وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت الحرام إنه الصنم المعبود في‬
‫الرض فهو كذب علي رابعة المؤمنة التقية ( وذلك في كتاب مجموعة الرسائل والمسائل لبن‬
‫تيميه ج ‪ 1‬ص ‪. 80‬‬
‫كلمة الصوفية وسببها ‪:‬‬
‫ل عن أبي القاسم‬
‫وأما بالنسبة للتسيمة التي كثر حولها الخلف فنكتفي بما قاله المام الشاطبي ناق ً‬
‫القشيري في كتاب العتصام ج ‪ 1‬ص ‪ 89‬ما يلي ‪ ) :‬إنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادًا به‬
‫عن أهل البدع فذكر أن المسلمين بعد رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله لم يتسم أفاضلهم‬
‫في عصرهم باسم علم سوي الصحبة إذ ل فضيلة فوقها ثم سمي من يليهم بالتابعين ورأوا هذا‬
‫السم أشرف السماء ‪ ،‬ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين قم اختلفت الناس وتباينت المراتب فقيل‬
‫لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين ‪ :‬الزهاد والعباد قال ‪ :‬قم ظهرت البدع وادعي كل‬
‫فريق أن فيهم زهادًا وعبادًا فانفرد خواص أهل السنة المراعين أنفاسهم مع ال الحافظين قلوبهم‬
‫عن الغفلة باسم التصوف الصوفية ‪.‬‬
‫وقد ذكر الشيخ محمد الحافظ التيجاني في كتابه ‪ :‬أهل الحق ‪ :‬قال الشيخ ابن تيميه في رسالته‬
‫الصوفية والفقراء ص ‪ 18‬طبع المنار سنة ‪ 1928‬م عن اصطلح القوم ‪ :‬وهم يسيرون‬
‫بالصوفية إلي معني الصديق وأفضل الخلق بعد النبياء الصديقون ول مشاحة في الصطلح فمن‬
‫جمع بين صفاء العلم في أعلي مرتبه من الشهود الجامع لعلم اليقين وعين اليقين وصفاء العمل في‬
‫أسمي مرتبه من الخلص وصفاء الحال في ذروة الصدق والحب اللهي والمحبوبية فادعه من‬
‫الربانيين أو قل من الصديقين أو ادعه صوفيًا فل جناح عليك فالمسمي واحد وإن اختلفت‬
‫السماء ‪.‬‬
‫شهادة علماء السلم‬

‫وهذه شهادة علماء المة السلمية لمنهج التصوف والصوفية ونبدؤهم بالئمة الربعة رحمهم ال‬
‫تعالي فقد نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدار المختار ‪ :‬أن أبا علي الدقاق رخمه ال تعالي‬
‫قال ‪ :‬أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصر آباذي وقال أبو القاسم ‪ :‬أنا أخذتها من‬
‫الشبلي ‪ ،‬وهو من السري السقطي وهو من معروف الكرخي ‪ ،‬وهو من داؤد الطائي ‪ ،‬وهو أخذ‬
‫العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي ال عنه وكل منهم أثني عليه وأقر بفضله ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬صاحب‬
‫الدار معلقًا ‪ :‬فيا عجبًا لك يا أخي ! ألم يكن لك أسوه حسنة في هؤلء السادات الكبار؟ أكانوا‬
‫متهمين في هذا القرار والفتخار وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومن بعدهم‬
‫في هذا المر فلهم تبع ‪ ،‬وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع وذلك في كتاب الدر المختار ج‬
‫‪ 1‬ص ‪ 374‬وعليه حاشية ابن عابدين ‪.‬‬
‫وقال المام مالك ‪ ) :‬من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع‬
‫بينهما فقد تحقق ( وذلك في كتاب ‪) :‬الشفا للقاضي عياض( شرح مل علي القارئ ج ‪ 5‬ص‬
‫‪ 408‬وذكرها أيضا في كتابه ) عين العلم زين الحلم ( ج ‪ 1‬ص ‪ 23‬ونقلها كذلك العلمة‬
‫العدوي علي شرح المام أبي الحسن في الفقه المالكي ج ‪ 2‬ص ‪ 195‬وجاء عن المام الشافعي‬
‫قوله ‪ ) :‬حبب إلي من دنياكم ثلث ‪ :‬ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والقتداء بطريق أهل‬
‫التصوف ( وذلك في كتاب ‪) :‬كشف الخفا ومزيل اللباس فيما اشتهر من الحاديث علي ألسنه‬
‫الناس ( للعجلوني ج ‪ 1‬ص ‪ 34‬وقل العلمة محمد السفاريني الحنبلي عن إبراهيم بن عبد ال بن‬
‫حنبل قال عن الصوفية ‪ ) :‬ل أعلم أقواما أفضل منهم قيل ‪ :‬إنهم يستمعون ويتواجدون ؟ قال‬
‫دعوهم يفرحوا مع ال ساعة ( وهذا في كتاب ‪ :‬غذاء اللباب شرح منظمة الداب ج ‪ 1‬ص‬
‫‪ 120‬فهذه أقوال الئمة الربعة رحمهم ال تعالي في بيان فضل علم التصوف ومنزلة السادة‬
‫الصوفية في السلم ‪.‬‬
‫نماذج علي سبيل المثال‬
‫وقال المفسر الكبير فخر الدين الرازي في كتابه ) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ( ج ‪2‬‬
‫الباب الثامن في لحوال الصوفية ‪":‬المتصوفة قوم يشغلون بالتفكر وتجرد النفس عن العلئق‬
‫الجسمانية ويجتهدون أل يخلو سرهم وبالهم عن ذكر ال تعالي في سائر تصرفاتهم وأعمالهم ‪،‬‬
‫منطبعون علي كمال الدب مه ال تعالي ‪ ،‬وهؤلء هم خير فرق الدميين " والمام الفخر الرازي‬
‫هو من تعرف المة مكانته العلمية وفقهه ومؤلفاته وعقيدة السلمية الصحيحة ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب ) نور التحقيق ( للشيخ حامد صقر ص ‪ : 96‬قال سلطان العلماء عز الدين بن‬
‫عبد السلم رحمه ال تعالي ‪ :‬قعد القوم من الصوفية علي قواعد الشريعة التي ل تنهدم دنيا‬
‫وأخري وقعد غيرهم علي الرسوم ‪ ..‬والعز بن عبد السلم هو العالم العظيم والمجاهد الكبير‬
‫والفقيه المعروف وقد شهد له كل علماء السلم بأنه سلطان العلماء وقال الشيخ تاج الدين السبكي‬
‫عالم الصول في كتابه )مفيض النعم ومبيد النقم(‬
‫ص ‪ 199‬متحدثا عن الصوفية ‪ :‬والحاصل أنهم أهل ال وخاصته الذين ترتجي الرحمن‬
‫بذكرهم ‪ ،‬ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي ال عنهم بهم‪.‬‬
‫والمام السبكي من كبار الفقهاء وعلماء الصول المدافعين عن السنة بإجماع كثير من العلماء‬
‫وقال المام جلل الدين السيوطي في كتابه ‪ :‬تأييد الحقيقة العلية ص ‪ ) : 57‬وقد تأملت المور‬
‫التي أنكرها أهل الشرع علي الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول شئ منها وإنما يقول بها أهل‬
‫البدع والغلة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منهم ( ‪.‬‬
‫والمام السيوطي هو المحدث والمفسر والفقيه وعالم القراءات والحافظ الذي شد له الجميع ويقول‬
‫أبو العلى المودودي في كتابه )مبادئ السلم( ص ‪ ) : 114‬فليس التصوف السلمي الخالص‬
‫بشئ مستقل عن الشريعة وإنما هو القيام بأحكامها بغاية من الخلص وصفاء النية وطهارة القلب‬
‫( وأبو العلى المودودي ليس متهما بالتحيز لهؤلء الصوفية ويقول الشيخ محمد أبو زهره في‬
‫مجلة لواء السلم العدد ‪ 12‬سنة ‪ 1960‬ص ‪ ) 758‬وذلك يوجب علينا أن نتجه إلي الصوفية‬

‫كعلج أخير لوقاية الشباب من الفساد ول أعتبر أن هناك علجا أجدى من ذلك( ـ والشيخ أبو‬
‫زهره من الفقهاء المعاصرين المشهورين بالحيدة والنصاف وقد كان أستاذ الشريعة في كلية‬
‫الحقوق جامعة القاهرة‬
‫هذا وقد جاء في كتاب ‪ ) :‬العهد الوثيق لمن أراد سلوك أحسن طريق ( للشيخ محمود خطاب‬
‫السبكي مؤسس الجمعية الشريعة بمصر ص ‪ : 30‬اعلم أن التصوف المتقدم ذكره عرف أيضا‬
‫بتعاريف أخر منها ‪ ) :‬أنه الجد في السلوك إلي ملك الملوك مع الخذ بالحوط من الحكام إلي أن‬
‫قال ‪ :‬ولذا ‪ ، :‬قالوا ‪ :‬الصوفية قعدوا علي الدعائم الصلية وقف غيرهم علي الرسوم وممن هنا‬
‫فازوا فوزا عظيما وبلغوا من الكمالت ما لم يصل إليه غيرهم ‪ ،‬ولكن ل سبيل لك أيها النسان‬
‫إلي ذلك إل بمجاهدة النفس ليل ونهارا بهمة قوية ( والشيخ خطاب السبكي من الذين عرف عنهم‬
‫واشتهر بمحاربته للبدع والخرافات ‪ .‬وقال المام النووي شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب‬
‫رياض الصالحين ‪ ) :‬أصول طريق التصوف خمسة ( تقوي ال في السر والعلن ‪ ،‬واتباع السنة‬
‫في القوال والفعال ‪ ،‬والعراض عن الخلق في القبال والدبار ‪ ،‬والرضي عن ال في القليل‬
‫والكثير ‪ ،‬والرجوع إلي ال في السراء والضراء ‪ ،‬وذلك في كتابه ) المقاصد في التوحيد والعبادة‬
‫وأصول التصوف ( ص ‪ 20‬والمام النووي هو علمة عصره وحجة كبري في الفقه الشافعي‬
‫علم الحديث وجاء في كتاب الصوفية والسلفية للشيخ إبراهيم اليوسف ‪ .‬ثم تكلم ابن تيميه رحمه‬
‫ال تعالي عن المتصوفة فقال في المجلد الحادي عشر من الفتاوى الكبرى وسيرتهم وأخلقهم‬
‫كقول بعضهم ‪ :‬الصوفي من صفا من الكدر وامتل من ا لفكر ‪ .‬وهكذا إلي أن قال ابن تيميه في‬
‫ص ‪ 17‬في المجلد الحادي عشر من ) الفتاوى الكبرى ( ‪-:‬‬
‫) فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا ‪ :‬إنهم مبتدعون خارجون عن السنة ‪ ،‬ونقل عن طائفة‬
‫من الئمة في ذلك من الكلم ما هو معروف ‪ ،‬وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق‬
‫وأكملهم بعد النبياء وكل طرفي هذه المور ذميم ‪ ،‬والصواب أنهم مجتهدون في طاعة ال كما‬
‫اجتهد غيرهم من أهل ال ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده ‪ ،‬وفيهم المقتصد الذي و من أهل‬
‫اليمين ‪ ،‬وفي كل من الصنفين من قد يجتهد وفيهم من يذنب فيتوب أو ل يتوب ومن المنتسبين‬
‫إليهم من هو ظالم لنفسه وعاص لربه وقد أنتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند‬
‫المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم ( وقد تكلم ابن تيميه عن بعض أحوال المتصوفة الصادقين‬
‫كما جاء في المجلد العاشر من الفتاوى الكبرى ص ‪ 218‬فقال إن الفناء ثلثة أنواع ‪:‬‬
‫) نوع للكاملين من النبياء والولياء ‪ ،‬ونوع للقاصدين من الولياء والصالحين ونوع للمنافقين‬
‫الملحدين المشبهين ‪ ،‬الول ‪ :‬هو الفناء عن إرادة ما سوي ال بحيث ل يحب إل ال ول يعبد إل‬
‫إياه ول يتوكل إل عليه ‪ ،‬ول يطلب غيره ‪ ،‬وهو المعني الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي‬
‫يزيد البسطامي حيث قال " أريد أن ل أريد إل ما يريد " ‪.‬‬
‫وأما النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوي هذا يحصل لكثير من الساكين وذلك لفرط انجذاب‬
‫قلوبهم لذكر ال وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد ‪ ،‬وتري غير ما تقصد‬
‫‪ ،‬ول يخطر بقلوبهم غير ال ( ويراجع نص كلمه هنا إلي أن قال ‪:‬‬
‫وأما النوع الثالث ‪ :‬مما قد يسمي فناء ‪ :‬أن يشهد أن ل موجود إل ال وإن وجود الخالق هو‬
‫وجود المخلق فل فرق بين الرب والعبد فهذا فناء أهل الضلل واللحاد الواقعين في الحلول‬
‫والتحاد ( ‪ ..‬وبذلك يتضح موقف ابن تميمة من التصوف وأنه يحارب المدعين فقط ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب ) عوارف المعارف ( للسهروردي عن الصوفية ‪ ) :‬ثم إن إيثاري لهدي هؤلء‬
‫القوم ومحبتي لهم بشرف حالهم وصحة طريقهم المبينة علي الكتاب والسنة ( ‪.‬‬
‫وكذلك جاء في ) رسائل الخوان المسلمين ( عن المام الشهيد حسن البنا فقد كان أخذ الطريقة‬
‫الشاذلية من الشيخ الحصافي ويظهر ذلك جليا في أوراده ومأثوراته ‪.‬‬
‫أثر الصوفية في المجتمع‪:‬‬

‫ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه ‪ ) :‬المسلمون في الهند ( ص ‪ : 140‬إن هؤلء الصوفية‬
‫كانوا يبايعون الناس علي التوحيد والخلص واتباع السنة ‪ ..‬وقال أيضا في كتابه ‪ ) :‬روائع‬
‫إقبال ( ص ‪ 7‬ولول وجودهم لبتلعت الهند بحضارتها وفلسفتها السلم ‪.‬‬
‫والشيخ ( أبو الحسن ( ليس من يخدع بزيف من القول بل هو العالم المحقق والمجاهد الكبير ‪.‬‬
‫وقال المير ) شكيب أرسلن ( في كتابه ‪ ) :‬حاضرة العالم السلمي ( ج ‪ 2‬ص ‪ ) : 393‬وأن‬
‫أسباب هذه النهضة الخيرة ـ في أفريقيا ـ راجعة إلي التصوف والعتقاد بالولياء ( والمير‬
‫شكيب أرسلن من المجاهدين والعقلء المعروفين والمشهورين ويقول ) رشيد رضا ( في ) مجلة‬
‫المنار ( السنة الولي ص ‪ ) : 726‬لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين ل يطاولهم‬
‫فيه مطاول وهو التهذيب علمًا وخلقًا وتحققًا ( ‪ .‬والشيخ رضا لم يكن متحيزًا لهؤلء القوم بل كان‬
‫منصفًا في قوله كلمة الحق التي ل بديل عنها ‪.‬‬
‫ويقول الشيخ ) محمد عبده ( ‪ :‬ظهر التصوف في القرون الولي للسلم فكان له أثر عظيم وكان‬
‫المقصود منه في أول المر تقويم الخلق وتهذيب النفوس وترويضها بأعمال الدين وجذبها‬
‫إلية ‪ ..‬وهذا ما ذكره الشيخ علي محفوظ في كتابه ) البداع في مضار البتداع ( ـ والشيخ محمد‬
‫عبده لم يكن بالغًا في هذا القول ب قال كلمه حق لما رآه من صدق الصوفية واتباعهم للكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬وكذلك الشيخ علي محفوظ كان من المحاربين للبدع ويقول المام عبد القاهر البغدادي‬
‫في كتاب ) الفرق بين الفرق ( ص ‪ : 189‬في بيان أصناف أهل السنة والجماعة ‪ ) :‬والصنف‬
‫السادس منهم الزهاد والصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا دينهم التوحيد ونفي‬
‫التشبيه ( ‪ .‬إلي أن قال ‪ ) :‬ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال ذو الفضل العظيم ) سورة‬
‫الجمعة ‪ ( 4/‬والمام البغدادي هو من أجل العلماء قدرًا وكتابه هذا من أوثق الكتب المعتمدة ‪.‬‬
‫أئمة الحركة السلفية‬
‫وقد كتب الشيخ عبد الحفيظ المكي من علماء مكة المكرمة كتابه ‪ ) :‬موقف أئمة الحركة السلفية‬
‫من التصوف والصوفية ( ‪ ،‬وذكر أقوال الشيخ محمد عبد الوهاب وابن تيميه وان القيم وابن‬
‫رجب الحنبلي وابن كثير والحافظ الذهبي وأخيرًا ذكر رأي المام أحمد بن حنبل وقد قال في‬
‫المقدمة ‪-:‬‬
‫) وهكذا نسمع بين حين وآخر من ينادي بأن التصوف كله باطل وأن الصوفية طائفة زائفة ل‬
‫علقة له بالسلم ‪ ،‬بل إنهم أعداء للدين وأن أصلهم من اليونان أو بوذية الهند ‪ ..‬إلي آخر ذلك‬
‫من الترهات ‪ .‬وهذا أيضا مع السف الشديد باسم ) السلفية المسكينة ( ‪.‬‬
‫مع أن الواقع بخلف ذلك ‪ ،‬فان الصوفية عند أئمة الحركة السلفية وسادتهم طائفة إسلمية مثل‬
‫بقية الطوائف السلمية الخرى كالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والمجاهدين‬
‫وغيرهم ‪ ،‬فيهم المصيب والمخطئ ‪ ،‬والصالح والطالح ‪ ،‬والصلي والمزيف ولكن إذا أطلق اللفظ‬
‫فإنه يراد به دائمًا ‪ :‬الصالح والمصيب والصحيح منهم ‪ ،‬فمثل لو قلنا ‪) :‬المحدثون( فالمراد بهم‬
‫عند المجتمع ‪ :‬المحدثون الصالحون الذين حفظوا علي المة أحاديث رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وآله وخدموها وبلغوها ونشروها بالطريقة المرضية كالئمة ‪ :‬البخاري ومسلم والترمذي‬
‫وابن حجر العسقلني والسيوطي والكاندهلوي وغيرهم ( ‪.‬‬
‫) ول يراد بكلمة ) المحدثون ( مطلقًا ‪ ،‬عند أي حد ‪ ،‬أولئك ) الدجالون الكذابون الوضاعون (‬
‫المنتسبون زورًا إلي هذه الطائفة الكريمة ‪ ،‬والذين قد بين فسادهم ودجلهم أئمة الجرح التعديل في‬
‫كل عصر وزمان هذا كما هو معلوم للجميع ‪.‬‬
‫وهكذا هو الحال في الفقهاء المتكلمين والمجاهدين والمؤرخين وغيرهم من طوائف المسلمين‬
‫وهكذا يجب أن يكون المراد منهم ‪ :‬الفضيل بن عياض ومعروف الكرخي وأبو سليمان الداراني‬
‫وبشر الحافي عبد القادر الجيلني والجنيد والبغدادي وغيرهم ممن سار علي نهجهم القديم فهم‬
‫فقهاء وصوفية معًا لهتمامهم بالعلمين ‪.‬‬
‫ول يراد الصوفية البتة أولئك الدجالون المخرفون المخالفون لكتاب ال وسنة رسوله ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ -‬وآله الدخلء علي التصوف وقطاع الطريق إلي اللد والدار الخرة ‪.‬‬
‫فهذا هو قول الحق ومنهج الصدق وسلمة الفكر والنصاف التام لهؤلء الذين هم علماء المة‬
‫ومجاهدوها ولن تجد عالمًا أو مجاهدًا أو تقيًا قدم للنسانية أعظم النفع بعد التابعين إل وينطبق‬
‫عليه ذلك الوصف العظيم ( أ هـ ‪.‬‬
‫رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب‪:‬‬
‫وهذا هو رأي ) الشيخ محمد عبد الوهاب ( في ) التصوف والصوفية ( وثناؤه عليهم كما جاء في‬
‫القسم الثالث من مؤلفات المام الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء ) فتاوى ورسائل ( في الصفحة‬
‫‪ 31‬المسألة الخامسة ‪ ،‬وسئل رحمه ال عن مسائل مفيدة فأجاب ‪ ) :‬اعلم أرشدك ال أن ال‬
‫سبحانه وتعالي بعث محمدًا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله بالهدي الذي هو العلم النافع ‪ ،‬ودين‬
‫الحق الذي هو العمل الصالح ‪.‬‬
‫فإذا كان من ينتسب إلي الدين ‪ :‬منهم من يتعاني بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعاني‬
‫العبادة وطلب الخرة كالصوفية ‪ ،‬فبعث ال نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين ) أي الفقه‬
‫والتصوف ( ‪.‬‬
‫وهكذا يثبت الشيخ محمد عبد الوهاب أن الصوفية سندهم هو رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وآله وإليه ينتسبون ‪.‬‬
‫وجاء أيضًا ‪ :‬في ) محلق المصنفات ( " هذه مسائل " في صفحة ‪ 124‬قوله ‪:‬‬
‫" ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيرًا بمتابعة العلم ‪ ،‬قال بعضهم ‪ " :‬ما ترك أحد‬
‫شيئًا من السنة إل لكبر في نفسه "‪.‬‬
‫وهذا هو العلمة ابن القيم يعتبر من كبار الصوفية كما ذكر المام الحافظ ابن رجب الحنبلي في‬
‫الذيل علي طبقات الحنابلة ) الجزء الثاني ( صفحة ‪ 448‬عن ترجمة ابن القيم بقوله ‪ ) :‬وكان‬
‫عالمًا بعلم السلوك وكلم أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم ‪ ،‬له في كل فن من هذه الفنون اليد‬
‫الطولي ( ‪.‬‬
‫وجاء في كتاب ‪ ) :‬مدارج السالكين ( عن تعريف التصوف لبن القيم في الجزء الثاني من‬
‫صفحة ‪ 307‬ما نصه ‪:‬‬
‫) الدين كله خلق ‪ ،‬فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ‪ ،‬وكذلك التصوف قال الكتابي ‪:‬‬
‫التصوف ‪ :‬هو الخلق ‪ ،‬فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف ( ‪.‬‬
‫" قال أبو عبد الرحمن السلمي ‪ :‬سمعت محمد بن مخلد يقول سمعت جعفرًا يقول سمعت الجنيد‬
‫يقول ‪ ) :‬المريد الصادق غني من العلماء ( ‪ ،‬وقال أيضا ‪ :‬سمعت الجنيد يقول ‪ ) :‬إذا أراد ال‬
‫بالمريد خيرًا أوقعه إلي الصوفية ومنعه صحبه القراء ( ‪ ،‬قلت ‪ :‬إذا صدق المريد وصح عقد‬
‫صدقه مع ال ‪ ،‬فتح ال علي قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع ال ما يغنيه عن العلوم التي‬
‫هي نتائج أفكار الناس وآرائهم وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر" ‪.‬‬
‫وفي الجزء الثالث صفحة ‪ 128‬ما نصه ‪ :‬قال الشافعي رضي ال عنه ‪ :‬صحبت الصوفية فما‬
‫انتفعت منهم إل بكلمتين سمعتهم يقولون ‪ :‬الوقت سيف فإن قطعته وإل قطعك ‪ ،‬ونفسك إن لم‬
‫تشغلها بالحق وإل شغلتك بالباطل ‪ .‬قلت ‪ :‬يا لهما من كلمتين ‪ ،‬ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما علي‬
‫علو همة قائلهما ويقظته ‪ ،‬ويكفي في هذا ثناء الشافعي علي طائفة هذا قدر كلماتهم ‪.‬‬
‫المام الذهبي‬
‫وهذا هو المام الحافظ الذهبي يذكر في ترجمته للمحدثين كثيرًا من الصوفية ‪ :‬ننقل منهم ما جاء‬
‫في ) تذكرة الحافظ ( الجزء الثالث صفحة ‪ 852‬عن ) أبن العرابي ( المام الحافظ الزاهد شيخ‬
‫الحرم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي صاحب التصانيف‬
‫وكانثقة ثبتًا عارفًا ربانيًا كبير القدر بعيد الصيت ‪.‬‬
‫وكذلك في صفحة ‪ ) : 961‬غندر ( وأما غندر الثالث فهو صوفي محدث جوال ‪ ،‬لقي الجنيد‬
‫وطبقته وكتب الحديث وسكن مصر ‪.‬‬

‫وفي صفحة ‪ ) 1070‬الماليني ( الحافظ العالم الزاهد أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد‬
‫ال بن حفص النصاري الهروي الماليني الصوفي ‪ ،‬ويعرف أيضًا بطاوس الفقراء ‪ ..‬وجمع‬
‫وحصل من المسانيد الكبار شيئًا كثيرًا ‪ ،‬وكان ثقة متقنًا صاحب حديث ومن كبار الصوفية ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ ) : 1088‬عطية بن سعيد ( الحافظ شيخ السلم أبو محمد الندلسي المغربي‬
‫القفصي الصوفي ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ ) 1092‬أبو نعيم ( الحافظ الكبير محدث العصر أحمد بن عبد ال بن أحمد بن‬
‫أسحاق بن موسى بن مهران المهراني الصبهاني الصوفي ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ ) : 1170‬الكتاني ( المام المحدث مفيد دمشق ومحدثها أبو محمد عبد العزيز بن‬
‫أحمد بن محمد بن علي التميمي الدمشقي الصوفي سمع الكثير وجمع فأوعى ‪.‬‬
‫وفي الجزء الرابع صفحة ‪ ) : 1356‬الشيرازي ( المام الحافظ الرحال أبو يعقوب يوسف بن‬
‫أحمد بن إبراهيم الصوفي مفيد بغداد وشيخ الصوفية بالرباط الرجواني ‪.‬‬
‫وفي نهاية الجزء الرابع وهو الخير من تذكرة الحفاظ ما نصه ‪ :‬ولزمت الشيخ المام المحدث‬
‫مفيد الجماعة أبا الحسن علي بن مسعود بن نفيس الموصلي وسمعت منه جملة ‪ ،‬وكان دينًا خيرًا‬
‫متصوفًا متعففًا ‪.‬‬
‫وسمعت من مفيد الطلبة المحدث المام المتيقن اللغوي صفي الدين محمود بن أبي بكر الرموي‬
‫ثم القرافي الصوفي ‪.‬‬
‫وسمعت من المام المحدث الوحد الكمل فخر السلم صدر الدين إبراهيم محمد بن المؤيد بن‬
‫حموية الخرساني الجويني شيخ الصوفية ‪ .‬أهـ‬
‫وقد لحظت أن أمثال الحافظ الذهبي أيضًا له عدة مشايخ من الصوفية بل إنه ما ذكر في أحد‬
‫منهم أنه " لزمه " إل الذي وصفه منهم أنه كان " دينًا خيرًا متصوفًا متعففًا " وإليك أيضًا الحافظ‬
‫بن رجب الحنبلي في ترجمته في الذيل على طبقات الحنابلة وهو يذكر كثيرًا منهم بأنه صوفي فقد‬
‫جاء في الجزء الول صفحة ‪ 211‬في ترجمة المام أبي محمد عبد ال بن علي البغدادي ‪.‬‬
‫قال الحافظ الضياء المقدسي ‪ :‬أخبرنا أبو الفضل عبد الواحد بن سلطان ببغداد ‪ ،‬أخبرنا محمد‬
‫المقرئ ‪ ،‬أجاز لهم وأنشدنا لنفسه ‪:‬‬
‫ترك التكلف في التصوف واجب ومن المحال تكلف الفقراء‬
‫ثم إذا أمتد الظلم رأيتهم يتركعون تركع القراء‬
‫فإذا رأيت مخالفًا لفعالهم فأحكم عليه بمعظم الغواء‬
‫وذكر أيضًا الجزء الثاني صفحة ‪ 329‬إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل ) الواسطي (‬
‫الصالحي الفقيه الزاهد العابد شيخ السلم بركة الشام قطب الوقت تقي الدين أبو إسحاق ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ 351‬علي بن مسعود بن نفيس بن عبد ال الموصلي ثم الحلبي الصوفي المحدث ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ 353‬محمد بن عبد ال بن عمر بن أبي القاسم البغدادي المقرئ المحدث الصوفي‬
‫وكذلك ما ذكره أبو يعلي عن تلميذ المام أحمد بن حنبل فكثيرًا ما يثنى على بعضهم بأنه صوفي‬
‫‪ ،‬فقد ذكر المام الحافظ القاضي أبو الحسن بن أبي يعلي أبو الحسن في طبقات الحنابلة في الجزء‬
‫الول صفحة ‪ ) : 36‬أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد ‪ ،‬أبو عبد ال الصوفي سمع علي‬
‫بن الجعد وأبي نصر التمار ويحيى بن معين مع آخرين ‪ ،‬نقل عن إمامنا أشياء ‪.‬‬
‫وكذلك في صفحة ‪ 418‬يوسف بن الحسن بن علي أبو يعقوب الرازي من مشايخ الصوفية ‪ ،‬كان‬
‫كثير السفار ‪ ،‬وصحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي أبا سعيد الخراز وحكى عن ذي‬
‫النون ‪ ،‬وسمع إمامنا أحمد ‪.‬‬
‫وبذلك يتجلى واضحًا للعيان من هذه النقول التي أوردناها من كتب رجال الحديث والفقه أن كلمة‬
‫صوفي تعني أن صاحبها بلغ درجة كبيرة في التقوى ول يمكن أن يتصور أبدًا أن هؤلء الئمة‬
‫الذين قبلت المة أحكامهم على صحة الحاديث النبوية كالمام الذهبي أن يصفوا بها رجال‬
‫الحديث والفقه على إنها دخيلة على المنهج السلمي كما يدعي بعض الناس ذلك ويقولون لماذا‬

‫نسميهم صوفية وال تعالى يقول ‪:‬‬
‫ل"‬
‫ن َقْب ُ‬
‫ن ِم ْ‬
‫سِلمي َ‬
‫سّماُكْم اْلُم ْ‬
‫" ُهَو َ‬
‫فهل غاب عن هؤلء الجلء فهم هذه الية حتى يتركوا العمل بها ويطلقوها بل تبصر ورؤية ؟‬
‫إنهم علموا وتيقنوا أن إطلق هذه الكلمة ل يتعارض مع الية الشريفة ‪ .‬كما سبق أن شرح المام‬
‫الشاطبي في كتابه العتصام عن سبب هذه التسمية وبدء ظهورها وإنها وصف لقوم التزموا بكل‬
‫مبادئ السلم من العبادة والجهاد في سبيل ال والجهر بكلمة الحق كالعز بن عبد السلم الذي‬
‫شارك في جهاد التتار وأفتى ببيع المماليك وكذلك أبو الحسن الشاذلي الذي شارك في معركة‬
‫المنصورة وغيرهم كثير وذلك ليبطل القول إنهم يلتزمون بالعبادة والزهد ول يشاركون في‬
‫معترك الحياة بل هم في الحقيقة رهبان بالليل فرسان بالنهار فإطلق لفظ الصوفية كما أطلق على‬
‫الصحابة أو التابعين ولم يقتصروا على كلمة المسلمين ‪.‬‬
‫وأخيرًا بعد هذه الحجج الدامغة من أقوال العلماء الجلء الذين يعتد بشهادتهم ول يستغنى باحث‬
‫عن الستدلل بأرائهم في شتى العلوم المختلفة كالفقه والصول والتفسير والحديث ‪ .‬وهل يشك‬
‫عاقل في نسبة التصوف والصوفية إلى أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بالكتاب والسنة اللهم‬
‫إذا كان الهوى والتعصب هو الذي يحول بينه وبين البحث العلمي الصحيح والحقيقة وإنه إذا كنا‬
‫نسمع إن الصادقين من الصوفية هم كبار العلماء الذين خدموا المة بمؤلفاتهم في مختلف فروع‬
‫علوم الدين السلمي الحنيف ‪ ،‬وإذا أردنا أن ننسب أحدًا إلى السلف الصالح فلن نجد غيرهم ‪،‬‬
‫فالقول بوجود خلف بين الصوفية والسلفية غير صحيح وإنما الخلف بين من انتسبوا إلى‬
‫التصوف كذبًا وافتراء وبين غيرهم ممن يدعون النتساب إلى السلفية ‪.‬‬
‫أل فليتق ال كل مسلم باحث عن الحقيقة والحرى به أن يراجع تلك النصوص التي أوردتها من‬
‫الكتب المختلفة ليقف على حقيقة أمر هؤلء الرجال ول يسارع إلى الحم عليهم إل بعد التثبيت‬
‫والتمحيص فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها ول داعي للهجوم عليهما أم التسمية التي‬
‫كثر الخلف حولها وهل هي لقب نسبة فل مشاحة في الصطلح كما قال الشيخ أبن تيمية والذي‬
‫يعنينا هو الجوهر والمضمون وما هو عليه هؤلء القوم من عقائد وأراء ‪.‬‬
‫ونظرًا لن الموضوع يشتمل على أدلة كثيرة فسأكتفي بهذا القدر لضيق المجال وأدعو ال تعالى‬
‫أن يرزقنا الصدق في القوال والفعال وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا أتباعه ويرينا الباطل باط ً‬
‫ل‬
‫ويرزقنا اجتنابه ‪ ،‬وأن يجنبنا الزلل ويحفظنا من الزيغ والضلل إنه سميع مجيب ‪.‬‬
‫وصلى ال على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وما توفيقي إل بال عليه توكلت وإليه أنيب ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬رأي العلمة الشيخ ‪ /‬محمد الصديق الغامري الحسني‬
‫التصوف الركن الثالث في حقائق السلم ) مقام الحسان (‬
‫وقال العلمة الشيخ محمد بن الصديق الغماري التصوف الركن الثالث في حقائق دين السلم‬
‫) السلم واليمان والحسان ( والدليل على وجوب سلوك التزكية والتصوف إنه واجب محتم‬
‫وإنه ل يكمل دين المرء إل به وبيان ذلك من وجوه ‪ :‬ـ‬
‫) الوجه الول ( ‪ :‬إنه ) مقام الحسان ( الذي هو ) أحد أركان الدين الثلثة ( المبينة في حديث‬
‫جبريل الطويل ول شك أن الدين يجب أتباعه بجميع أركانه اليمان والسلم والحسان ‪.‬‬
‫وجاء في إحدى فتاوي والدي رضي ال عنه في هذا الموضوع ما نصه ‪ :‬وأما أول من أسس‬
‫الطريقة وهل ثبت تأسيسها بوحي ؟ فتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس‬
‫من الدين المحمدي إذ هي بل شك مقام الحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلثة التي جعلها‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وآله ـ بعد ما بينها واحدًا واحدًا ـ دينًا فقال " هذا جبريل جاء‬
‫يعلمكم دينكم " ‪ ،‬فغاية ما تدعوا إليه الطريقة وتشير إليه إنما هو مقام الحسان بعد تصحيح‬
‫السلم واليمان ليحرز الداخل فيها والمدعو إليها مقامات الدين الثلثة الضامنة لمحرزها والقائم‬
‫به السعادة البدية في الدنيا والخرة ‪ ،‬والضامنة أيضًا لمحرزها كمال الدين فإنه كما في الحديث‬

‫عبارة عن الركان الثلثة فمن أخل ) بمقام الحسان ( الذي هو الطريقة فدينه ناقص بل شك‬
‫لتركه ركنًا من أركان ‪ ،‬ولهذا نص المحققون علي وجوب الدخول في الطريقة وسلوك طريق‬
‫ل لسنا الن بصدد بيان‬
‫ل ونق ً‬
‫التصوف وجوبًا عينيًا ‪ ،‬واستدلوا علي الوجوب بما هو ظاهر عق ً‬
‫ذلك بالتفصيل ‪.‬‬
‫وقد بين القرآن العظيم من أحوال التصوف والطريقة ما فيه الكفاية فتكلم علي المراقبة ‪1‬‬
‫والمحاسبة ‪ 2‬والتوبة ‪ 3‬والنابة ‪ 4‬والذكر ‪ 5‬والفكر ‪ 6‬والمحبة ‪ 7‬والتوكل ‪ 8‬والرضي ‪9‬‬
‫والتسليم ‪ 10‬والزهد ‪ 11‬والصبر ‪ 12‬واليثار ‪ 13‬والصدق ‪ 14‬والمجاهدة ‪ 15‬ومخالفة‬
‫الهوى والنفس ‪ 16‬وتكلم علي النفس اللوامة والمارة والمطمئنة ‪ 17‬وعلي الولياء والصالحين‬
‫والصديقين والمؤيدين ‪ 18‬وغير هذا مما يتكلم فيه أهل التصوف والطريقة رضي ال عنهم‬
‫فاعرف وتأمل ‪ .‬أ هـ وهو نفيس جدًا ‪.‬‬
‫) الوجه الثاني ( ‪ :‬أن التصوف هو العلم الذي تكفل بالبحث عن علل النفوس وأدوائها وبيان‬
‫علجها ودوائها لتصل إلي مرتبه الكمال والفلح تدخل ضمن في قوله تعالي ‪:‬‬
‫ن َزّكاَها " سورة الشمس آيه ‪.9/‬‬
‫ح َم ْ‬
‫" َقْد َأْفَل َ‬
‫ولشك أن علج النفس من أمراضها وأدرانها أمر يوجبه الشرع القويم ويستحسنه العقل السليم ‪،‬‬
‫ولول ذلك لما كان هناك فرق بين النسان والحيوان ‪.‬‬
‫) الوجه الثالث ( ‪ :‬أن التصوف عني بتهذيب الخلق وتزكيتها ومخالفة هوى النفس والخذ‬
‫بعزائم المور والرتفاع بالنفس عن حضيض الشهوات إلى حيث تستمع بما تورثه الطاعة من لذة‬
‫روحية تصغر بجانبها كل لذة مهما عظم قدرها ‪.‬‬
‫) الوجه الرابع ( ‪ :‬أن التصوف هو خلق الصحابة والتابعين والسلف الصالح الذين أمرنا بالقتداء‬
‫بهم والهتداء بهديهم ‪.‬‬
‫وقد بين ذلك والدي رضي ال عنه في فتواه التي نقلنا منها آنفًا فقال عقب كلمه السابق ما نصه ‪:‬‬
‫وأما قولك هل أسست الطريقة بالوحي؟ ‪ ..‬الخ فجوابه يعلم مما قبله فإنها إذا كانت من الدين بل‬
‫هي أشرف أركانه كانت بوحي كما قلنا وكان الصحابة بالحالة التي بلغتنا عنهم تواترًا من‬
‫المسارعة إلى امتثال أمر ال ‪ ،‬كانوا بالضرورة أول داخل فيها وعامل بمقتضاها وذائق لسرارها‬
‫وثمراتها ولهذا كانوا على غاية ما يكون من الزهد في الدنيا والمجاهدة بأنفسهم محبة ال ورسوله‬
‫والدار الخرة والصبر واليثار والرضا والتسليم وغير ذلك من الخلق التي يحبها ال ورسوله‬
‫وتوصل إلى قربهما وهي المعبر عنها بالتصوف و الطريقة ‪.‬‬
‫وكما كانوا رضي ال عنهم على هذه الحالة الشريفة كان أتباعهم أيضًا عليها وإن كانوا دونهم فيها‬
‫وكذلك كان أتباع التباع وهلم جرا إلى أن ظهرت البدع وتأخرت العمال وتنافس الناس في الدنيا‬
‫وحييت النفوس بعد موتها فتأخرت لذلك أنوار القلوب ووقع ما وقع في الدين وكادت الحقائق تقل‬
‫وكان أبتداء ذلك في أواخر المائة الولى من الهجرة ولم يزل ذلك يزيد سنة بعد سنة إلى أن‬
‫وصل ذلك إلى حالة التخوف منها السلف الصالح على الدين فانتدب عند ذلك العلماء لحفظ هذا‬
‫الدين الشريف فقامت طائفة منهم بحفظ ) مقام السلم ( وضبط فروعه وقواعده وقامت أخرى‬
‫بحفظ ) مقام اليمان ( وضبط أصوله وقواعده على ما كان عند سلفهم الصالح وقامت أخرى‬
‫بحفظ ) مقام الحسان ( وضبط أعماله وأحواله فكان من الطائفة الولى الئمة الربعة وأتباعهم‬
‫رضي ال عنهم ) وهم الفقهاء ( فهم المهتمون بأصول أركان السلم الخمسة ‪ ،‬الصلة والزكاة‬
‫والصيام والحج بعد الشهادتين ‪.‬‬
‫وكان من الطائفة الثانية الشعري وأشياخه وأصحابه ) وهم علماء الكلم أو التوحيد ( ‪.‬‬
‫وكان من الثالثة الجنيد وأشياخه وأصحابه ) وهو الصوفية الكرام (‬
‫فعلى هذا ليس الجنيد هو المؤسس للطريقة لما ذكرناه من إنها بوحي إلهي أي ) في الكتاب ثم‬
‫السنة وعمل الرسول وأصحابة هو التطبيق الحقيقي لوحي ال العظيم ( وإنما نسبت إلى الجنيد‬
‫وغيره من الصوفية لتصديهم لحفظ قواعدها وأصولها ودعائهم للعمل بذلك عندما ظهر التأخر‬

‫عنها ولهذا السبب نفسه نسبت العقائد للشعري والفقه للئمة الربعة مع ان الجميع بوحي من ال‬
‫تعالي أهـ ‪.‬‬
‫وهو تحقيق بالغ يعلم منه ان ما يسمى الن تصوفًا وطريقة لم يتجاوز ما كان عليه الصحابة‬
‫والتابعون من الخلق الفاضلة والصفات الجميلة التي حض ال ورسوله علي التخلق بها ومدح‬
‫أصحابها في غير آيه وحديث ‪.‬‬
‫) الوجه الخامس ( ‪ :‬أن في سلوك الطريق صحبه المشايخ الكمل والقتداء بهم والهتداء بهديهم‬
‫قد أمر ال بذلك في قوله تعالي ‪:‬‬
‫أية رقم ‪ 1‬ص ‪192‬‬
‫قال المام زروق ‪ :‬والنابة ل تكون إل بعلم واضح وعمل صحيح وحال ثابت ل ينقضه كتاب‬
‫ول سنه ‪.‬‬
‫) الوجه السادس ( ‪ :‬أن سلوك الطريق ينور بصيرة الشخص ويسمو بهمته حتي ل يبقي له تعلق‬
‫إل بال ول يكون له اعتمد إل عليه فيصير موصون السر عن اللتفات إلي الخلق مرفوع الهمة‬
‫تأميلهم أكتفاء بالحق متحققًا بالحقيقة في جميع الحوال متوسمًا بالشريعة في القوال والفعال‬
‫وهذا أعلى ما يطلب من المؤمن وإليه أشار عليه الصلة والسلم بقوله لبن عباس ‪ " :‬إذا سألت‬
‫فأسأل ال وإذا استعنت استعن بال " وبايع ) ثلثة ( من الصحابة منهم ثوبان موله والصديق‬
‫صاحبه على أن ل يسألوا الناس شيئًا وذلك لرفع الهمة عن الخلق والكتفاء باللتجاء إلى الحق ‪.‬‬
‫) الوه السابع ( ‪ :‬أن في سلوك الطريق بصحبة شيخ مرشد عارف خروجًا من رعونات النفس‬
‫وحماية للمريد من كل ما يمنعه من الوصول إلى ال تعالى من أنواع الجهل والغرور ودواعي‬
‫الهوى الموقعة في ظلمة القلب وإطفاء النور ‪.‬‬
‫ولهذا قال ابن عاء ال في لطائف المنن ‪ :‬شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك‬
‫على المولى ‪ ،‬شيخك هو الذي مازال يجلو مرآة قلبك حتى تتجلى فيه أنوار ربك ونهض بك إلى‬
‫ال فنهضت إليه وسايرك حتى وصلت إليه ولزال محاذيًا لك حتى ألقاك بين يديه فزج بك في‬
‫نور الحضرة وقال ‪ :‬ها أنت وربك ‪ .‬أ هـ‬
‫وقال أيضًا ‪ :‬إنما يكون القتداء بولي دلك ال عليه وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه‬
‫فطوي عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته فألقيت إلية القياد فسلك بك سبيل الرشاد ‪ ،‬يعرفك‬
‫برعونة نفسك ‪ ،‬ويدلك علي الجمع علي ال ويعلمك الفرار عما سوي ال ‪ ،‬ويسايرك في طريقك‬
‫حتى تصل إلي ال يوقفك إلي إساءة نفسك ويعرفك بإحسان ال إليك فيفيدك معرفة إساءة نفسك‬
‫والهرب منها عدم الركون إليها ‪ ،‬ويفيدك العلم بإحسان ال إليك والقبال عليه القيام بالشكر إلية‬
‫الدوام علي مر الساعات بين يديه قال ‪ :‬فإن قلت ‪ :‬فأين من هذا وصفه ؟ لقد دللتني عل أغرب‬
‫من عنقاء مغرب !‬
‫فاعلم أنه ل يعوزك وجدان الدالين وإنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم جد صدقًا تجد مرشدًا ‪.‬‬
‫وتجد ذلك في آيتين من كتاب ال تعالي ‪ ،‬قال ال سبحانه ‪:‬‬
‫عاُه " سورة النمل ‪.62/‬‬
‫طّر ِإَذا َد َ‬
‫ب اْلُمض َ‬
‫جي ُ‬
‫ن ُي ِ‬
‫" َأّم ْ‬
‫خْيًرا َلُهْم " سورة محمد آية ‪.22/‬‬
‫ن َ‬
‫ل َلَكا َ‬
‫صَدُقوا ا َّ‬
‫وقال تعالي ‪َ " :‬فَلْو َ‬
‫فلو اضطررت إلي من يوصلك إلي ال اضطرار الظمآن إلي الماء والخائف إلي المن لوجدت‬
‫ذلك أقرب إليك من وجود طلبك لو اضطررت إلي ال اضطرار الم لولدها إذا فقدته لوجدت‬
‫الحق منك قريبا ولك مجيبا ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجه الحق بتيسير ذلك عليك ‪.‬‬
‫أ هـ ‪.‬‬
‫) الوجه الثامن ( ‪ :‬أن في سلوك الطريق الكثار من ذكر ال والستعانة بصحبة الشيخ علي ذلك‬
‫ل شك أن الذكر يصفي القلوب ويدعو إلي اطمئنانها كما قال تعالي ‪:‬‬
‫ب " سورة الرعد آيه ‪.28/‬‬
‫ن اْلُقُلو ُ‬
‫طَمِئ ّ‬
‫ل َت ْ‬
‫" َألَ ِبِذْكِر ا ِّ‬
‫فإن ال تعالي لم يقيده بحد ول شرط ول نهاية حيث قال تعالي ‪:‬‬

‫ل " سورة الحزاب آيه ‪.41/‬‬
‫صي ً‬
‫حوُه ُبْكَرًة َوَأ ِ‬
‫سّب ُ‬
‫ل ِذْكًرا َكِثيًرا)‪َ(41‬و َ‬
‫ن آَمُنوا اْذُكُروا ا َّ‬
‫"َياَأّيَها اّلِذي َ‬
‫فلهذه الوجوه التي ذكرناها وغيرها كان سلوك طريق التصوف واجبًا والنخراط في سلك أهله‬
‫أمرًا لزمًا ‪.‬‬
‫ونحن ل ننكر أنه دخل في الطريق دخلء أدعياء وجهلء أغبياء اتخذوا الطريق سلمًا لتحصيل‬
‫أغراضهم وشهوتهم وابتدعوا فيه بدعًا ما أنزل ال بها من سلطان وزعموا أنهم أهل الحقيقة يجوز‬
‫لهم ما يكون محرمًا في الشريعة وكذبوا فإن الشريعة والحقيقة صنوان وما خالفت الشرعية‬
‫الحقيقة قط إل في نظر جاهل فمثل هؤلء ليسوا من الصوفية في شئ وأول من يبرأ منهم‬
‫الصوفية ‪.‬‬
‫ومن الظلم البين أن يعترض بعض الناس بفعل هؤلء الجهلة ويجعله حجة علي التصوف‬
‫والصوفية ‪.‬‬
‫فما التصوف إل اتباع الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وما الصوفية إل قوم جاهدوا أنفسهم في ال فهداهم ال‬
‫ن " سورة العنكبوت ‪.69/‬‬
‫سِني َ‬
‫حِ‬
‫ل َلَمَع اْلُم ْ‬
‫ن ا َّ‬
‫سُبَلَنا َوِإ ّ‬
‫جاَهُدوا ِفيَنا َلَنْهِدَيّنُهْم ُ‬
‫ن َ‬
‫"َواّلِذي َ‬
‫" سبحان ربك رب العزة عما يصفون ‪ ،‬وسلم علي المرسلين والحمد ل رب العالمين " ‪.‬‬
‫وصلي ال وسلم وبارك علي سيدنا محمد سيد الولين والخرين وعلي آله وصحبه وأصفياء ال‬
‫أجمعين ‪.‬‬
‫‪ ,,,‬وال ولي النعمة والتوفيق ‪,,,‬‬
‫المراجع‬
‫ــــــــــــــــــــ‬
‫ل ‪ :‬ـ القرآن الكريم ‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ـ الصحاح والسنن ‪.‬‬
‫ثانيًا ‪ :‬المصادر العلمية ‪-:‬‬
‫‪ -1‬البرهان المؤيد ـ للمام السيد أحمد الرفاعي ‪.‬‬
‫‪ -2‬الرسالة ـ للمام عبد الكريم القشيري ‪.‬‬
‫‪ -3‬صفوة الصفوة لبن الجوزي ‪.‬‬
‫‪ -4‬إحياء علوم الدين ـ لحجة السلم الغزالي ‪.‬‬
‫‪ -5‬قوت القلوب ـ لبي طالب المكي ‪.‬‬
‫‪ -6‬رعاية حقوق ال ـ للحارث المحاسبي ‪.‬‬
‫‪ -7‬حلية الولياء ـ للمام أبو نعيم ‪.‬‬
‫‪ -8‬النوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ـ الشيخ عبد الوهاب الشعراني ‪.‬‬
‫‪ -9‬تذكرة الحفاظ ـ للحافظ الذهبي ‪.‬‬
‫‪ -10‬تاريخ السلم ـ للحافظ الذهبي ‪.‬‬
‫‪ -11‬التعرف على مذهب أهل التصوف ـ للمام الكلباذي ‪.‬‬
‫‪ -12‬تمييز الصحابة ـ للمام أبن حجر العسقلني ‪.‬‬
‫‪ -13‬تهذيب التهذيب ـ للمام أبن حجر العسقلني ‪.‬‬
‫‪ -14‬تهذيب تاريخ دمشق ‪.‬‬
‫‪ -15‬معجم البلدان ـ لياقوت الحموي ‪.‬‬
‫‪ -16‬البداية والنهاية ـ لبن كثير ‪.‬‬
‫‪ -17‬وفيات العيان ـ لبن خلكان ‪.‬‬
‫‪ -18‬المجلد العاشر والمجلد الحادي عشر ـ للشيخ أبن تيمية ‪.‬‬
‫‪ -19‬رسالة الناصر معروف في الذب عن التصوف ـ الشيخ أحمد بن مصطفى عليوه المستغانمي‬
‫‪.‬‬

‫‪ -20‬مدارج السالكين على منازل السائرين ـ لبن قيم الجوزية ‪.‬‬
‫‪ -21‬موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية ـ لعبد الحفيظ بن مالك عبد الحق‬
‫المكي ‪.‬‬
‫‪ -22‬أصول الوصول ـ للشيخ محمد زكي إبراهيم ‪.‬‬
‫‪ -23‬أصول التصوف ـ للشيخ الدكتور ‪ /‬عبد اللطيف فرفور ‪.‬‬
‫‪ -24‬ما هو التصوف ـ للشيخ أمين علء الدين النقشبندي ‪.‬‬
‫‪ -25‬حقائق التصوف ـ للشيخ عبد القادر عيسى طبعة الحلبي ‪.‬‬
‫‪ -26‬ترجمة كتاب ) عمدة السالك لبن النقيب ـ للشيخ حم كيلر ( طبعة المارات ‪.‬‬
‫‪ -27‬حسن التلطف في بيان وجوب سلوك التصوف ـ للعلمة محمد بن الصديق الغماري الحسني‬
‫‪.‬‬
‫‪ -28‬المكتوبات ـ للمام السرهندي الفاروقي النقشبندي ‪.‬‬
‫‪ -29‬أبو يزيد البسطامي ـ للشيخ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الزهر الشريف السبق ‪.‬‬
‫‪ -30‬الكواكب الدرية ‪.‬‬
‫‪ -31‬الفتح الرباني ـ للمام الشيخ عبد القادر الجيلني ‪.‬‬
‫‪ -32‬البطولة والتضحية والفداء ـ دراسة تاريخية ـ للستاذ أسعد الخطيب ـ طبعة دمشق ‪.‬‬
‫ثالثًا ‪ :‬رسائل الفتوى ـ لعلماء السلم في المة في الديار السلمية‪.‬‬
‫رابعًا ‪ :‬بحث للدكتور محمد سليمان فرج ‪.‬‬
‫خامسًا ‪ :‬بحث للعلمة الشيخ محمد الصديق الغماري ‪.‬‬
‫‪ ,,,‬وال ولي النعمة والتوفيق ‪,,,‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful