‫الطفال المهمشون قضاياهم وحقوقهم‬

‫د‪ .‬رجاء ناجي‬

‫‪1‬‬

‫ مصدر الكتاب‪:‬‬‫اليسيسكو‬
‫المنظمة السلمية للتربية والعلوم والثقافة‬
‫‪http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/AtfalMoh/Menu.htm‬‬
‫**‪ -‬هذا الكتاب منشور مجانًا على موقع اليسيسكو‪ .‬الرجاء عدم استخدامه لغراض تجارية تحت أي مسمى‬
‫كان‪-‬‬
‫اعادة النشر بواسطة ‪ :‬منظمة غاندي لحقوق النسان في الشرق الوسط و شمال افريقيا‬

‫الفهرس‬
‫تقديم‬
‫مقدمة‬
‫الفصل الول‪ :‬من هم الطفال المهمشون‬
‫أول‪ :‬الطفال اليتام‬
‫ثانيا‪ :‬الطفال الفقراء‬
‫ثالثا‪ :‬الطفال المعاقون‬
‫رابعا‪ :‬الطفال غيرالمتمدرسين‬
‫خامسا‪ :‬الطفال المشردون‬
‫سادسا‪ :‬الطفال النازحون‬
‫سابعا‪ :‬الطفال اللجئون‬
‫ثامنا‪ :‬الطفال الممزقون عائليا‬
‫تاسعا‪ :‬الطفال غير الشرعيين‬
‫عاشرا‪ :‬الطفال المتكفل بهم‬
‫حادي عشر‪ :‬الطفال المسَتوَلدون من تخصيب تقني‬
‫الفصل الثاني‪ :‬الحماية الشرعية والقانونية للطفال المهمشين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬حقوق الطفل عامة‬
‫أول‪ :‬الحق في الحياة والمجيئ إليها‬
‫ثانيا‪ :‬حق الطفل في الحرية‬
‫ثالثا‪ :‬حقوق تهم الوضعية القانونية للطفل‬
‫رابعا‪ :‬الحق في الهوية الثقافية العقائدية‬
‫خامسا‪ :‬حقوق الطفل على السرة‬
‫سادسا‪ :‬حقوق الطفل على الدولة‬
‫المبحث الثاني‪ :‬حقوق الطفل في الظروف غير العادية أو حقوق الطفل المهمش في المساواة مع الطفل العادي‬
‫أول‪ :‬حق الطفل غير الشرعي في النسب‬
‫ثانيا‪ :‬حق الطفل المحروم من السرة في أسرة بديلة‬
‫ثالثا‪ :‬حق الطفل المحروم من النفقة في مورد للعيش‬
‫رابعا‪ :‬حق الطفل المهمش في التربية و التعليم‬
‫خامسا‪ :‬حماية إضافية للطفل المحروم من الستقرار‬
‫سادسا‪ :‬حق الطفل المعاق في التغلب على العاقة‬

‫‪2‬‬

‫سابعا‪ :‬حماية خاصة للطفال المعرضين للستغلل والعتداء‬
‫ثامنا‪ :‬حقوق الطفل الجانح في إعادة تأهيله‬
‫الفصل الثالث‪ :‬برامج مناهضة التهميش بالدول السلمية‪:‬أسباب الفشل‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬عوامل مباشرة للتهميش‬
‫أول‪ :‬أسباب اليتم‬
‫ثانيا‪ :‬أسباب المية‬
‫ثالثا‪ :‬أسباب العاقة‬
‫رابعا‪ :‬أسباب الفقر‬
‫خامسا‪ :‬عوامل تزايد الطفال المتخلى عنهم والمشردين‬
‫سادسا‪ :‬الظروف الجتماعية والقتصادية كسبب رئيسي للتشرد‬
‫سابعا‪ :‬ارتفاع نسبة الولدات في الوساط غير المحظوظة‬
‫ثامنا‪ :‬النزوح في اتجاه المدن أو الدول المصنعة‬
‫تاسعا‪ :‬اللجوء والترحيل الجماعي‬
‫المبحث الثاني‪ :‬عوامل أخرى تزيد من تعقيد مشاكل التهميش‬
‫أول‪ :‬التحرج من مواجهة المشاكل وافتقاد الجرأة على إعلن الرأي‬
‫ثانيا‪ :‬العتقاد بأن الدراسات المستقبلية منافية للشرع‬
‫ثالثا‪ :‬عدم إتقان لغة الرقام‬
‫رابعا‪ :‬عدم توجه التبرعات الخيرية للميدان الجتماعي‬
‫الفصل الرابع‪ :‬استراتيجيات كفيلة بتقليص معاناة الطفال المهمشين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬برامج مستعجلة لنقاذ الطفال المهمشين‬
‫المطلب الول‪ :‬نفعية واستعجال النفاق على الطفولة‬
‫أول‪ :‬رفع الميزانيات المخصصة للطفولة‬
‫ثانيا‪ :‬التكفل الني والمستعجل بالطفال المحرومين‬
‫ثالثا‪ :‬اللتفات للطفال في زمن الحرب‬
‫رابعا‪ :‬دعوة المؤسسات غير الحكومية للمساهمة‬
‫خامسا‪ :‬إجبارية التعليم وتعليم البنات بالخصوص‬
‫المطلب الثاني‪ :‬تفعيل اللة القانونية‬
‫أول‪ :‬التصدي للمخاطر التي تهدد الطفل المهمش‬
‫ثانيا‪ :‬تقييد ممارسةالطلق وتعدد الزوجات‬
‫ثالثا‪ :‬إرفاق أحكام النفقة بالستعجال والزجر‬
‫رابعا‪ :‬صرامة إضافية لزجر الجرائم التي تمس الطفال‬
‫خامسا‪ :‬تعامل أفضل مع الحداث الجانحين‬
‫سادسا‪ :‬التصدي بحزم أكبر لظاهرة المخدرات‬
‫المبحث الثاني‪ :‬سياسات ضرورية على المدى المتوسط والبعيد‬
‫أول‪ :‬من أجل إعداد مواطنين صالحين‬
‫ثانيا‪ :‬دمج المرأة في مخططات التنمية‬
‫ثالثا‪ :‬الهتمام بالبادية‬
‫رابعا‪ :‬التركيز على السرة في برامج التنمية‬
‫خامسا‪ :‬تبني استراتيجيات عن الشباب‬
‫سادسا‪ :‬تكثيف الحوار بين المؤسسات الرسمية ومراكز البحث العلمي‬
‫سابعا‪ :‬تفعيل التعاون الجهوي‬
‫ثامنا‪ :‬شروط أساسية لنجاح المخططات‬
‫خاتمة‬
‫المصادر والمراجع‬

‫‪3‬‬

‫تقديم‬
‫تولي المنظمة السلمية للتربية والعلوم والثقافة عناية خاصة للطفل‪ ،‬باعتبار أن حسن إعداد الطفل‪ ،‬وتربيته‬
‫التربية الصالحة‪ ،‬هما خير وسيلة لتحقيق التقدم والرقي والنماء والزدهار في الحاضر والمستقبل‪ .‬وانطلقًا من‬
‫القتناع بهذه الحقيقة التي تؤكدها عبرُة التاريخ وتجربُة الواقع‪ ،‬فقد أفردت المنظمة السلمية للطفال في خطط‬
‫عملها المتتابعة‪ ،‬برامج عديدة تهدف إلى تطوير معارفهم‪ ،‬وإلى تنمية مواهبهم في رحاب الثقافة السلمية‪ .‬كما‬
‫أنها اعتنت بإعداد الدراسات والبحوث المتعلقة بالطفل‪ ،‬من حيث التعريف بحاجاته ومشكلته في البيئات‬
‫المختلفة التي يعيش فيها‪ ،‬ومن حيث توجيه المجتمع إلى حسن تربيته والعناية به‪.‬‬
‫ق الشرعية والقانونية‬
‫ويتناول هذا الكتاب الطفال المهمشون‪ :‬قضاياهم وحقوقهم[‪ ،‬بالبحث والدراسة‪ ،‬الحقو َ‬
‫لهؤلء الطفال‪ ،‬ويقدم الحلول العملية الكفيلة بتخفيف المعاناة عنهم في حياتهم التي يشقون بها‪ ،‬والتي فرض‬
‫عليهم فيها أن يعيشوا على هامش الحياة العامة في مجتمعاتهم‪.‬‬
‫ويسعد المنظمة السلمية للتربية والعلوم والثقافة‪ ،‬أن تقدم هذا الكتاب ضمن سلسلة الكتب التي تصدرها عن‬
‫ث على‬
‫شؤون الطفل‪ ،‬هادفًة من وراء إصدار هذا الكتاب‪ ،‬إلى إبراز تعاليم الدين السلمي الحنيف التي تح ّ‬
‫رعاية الطفل وتحضّ على العناية به‪ ،‬وتحفظ له حقوقه الكاملة‪ ،‬والتي تتضّمن الدعوة إلى التراحم والتعاون‪،‬‬
‫جه نحو تنشئة الطفل في مناخ يسوده العطف الجتماعي‪ ،‬وفي جّو عائلي تكتنفه الرأفة وتسوده الرحمة‪،‬‬
‫وتو ّ‬
‫حمايًة للطفال من التشرد والجنوح‪ ،‬وانقاذًا لهم من السقوط والضياع‪.‬‬
‫وتقدم المنظمة السلمية للتربية والعلوم والثقافة الشكر للمؤلفة الستاذة رجاء ناجي التي قامت بإعداد هذا‬
‫الكتاب القيم‪ ،‬وتسأل ال تعالى أن يوفقنا في خدمة أجيال أمتنا‪.‬‬
‫الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري‬
‫المدير العام للمنظمة السلمية للتربية والعلوم والثقافة‬

‫‪4‬‬

‫مقدمة‬
‫طْفل ويقصد به الناعم الرخص من كل شيء‪ .‬من ثم فالطفل في النسان هو صغيره الذي لم‬
‫من هو الطفل‪ :‬يقال ال ّ‬
‫يشتد عوده‪ .‬والطفولة هي مرحلة من عمر النسان ما بين ولدته إلى أن يصير بالغا مكتمل قادرا‪...‬‬
‫حَدث كبديل عن الطفل‪ .‬ومع أن الحدث يرادف لغويا الشاب‪ ،‬فإنه في‬
‫وفي العلوم القانونية عادة ما يستعمل لفظ ال َ‬
‫لغة القانون أخذ معنى اصطلحيا آخر له علقة وطيدة بالجنوح‪ .‬لذلك بمجرد أن نتلفظ بعبارة الحدث‪ ،‬يتبادر‬
‫للذهن الطفل أو اليافع المهمل اجتماعيًا‪ ،‬أي المهمش‪.‬‬
‫متى تنتهي الطفولة‪ :‬تلزم الشارة إلى أن هذه النقطة بالذات ظلت على مدى الزمان غير محددة بدقة‪ .‬بحيث‬
‫أعطي لتعريف الطفولة معنى واسٌع وغير محدد‪ ،‬بشكل لم ُتعَرف معه نهايتها الدقيقة‪ ،‬إلى أن أصدرت هيئة المم‬
‫المتحدة اتفاقية حقوق الطفل المؤرخة في ‪ 20‬نوفمبر ‪1989‬م‪ ،‬حيث عرفت الطفل بأنه <كل إنسان لم يتجاوز‬
‫الثامنة عشرة‪ ،‬ما لم يبلغ الرشد بموجب القانون المطبق عليه>‪.‬‬
‫من ثم يبدو أن لفظ الطفولة يستوعب كل المراحل التي يقطعها النسان منذ ولدته إلى أن يصل سن الرشد‪ .‬أي‬
‫وهو صبي‪ ،‬يافع‪ ،‬شاب‪...‬‬
‫ونحن في هذا البحث‪ ،‬عندما سنستعمل عبارة الطفل والطفولة سنحملهما المعنى ذاته‪ ،‬لكن بنوع من التحفظ‪.‬‬
‫على اعتبار أن بعض الطفال يخرجون من مرحلة الطفولة قبل الوان‪ ،‬بمقتضى الترشيد‪ ،‬كما أنهم قد ل‬
‫يخرجون منها لسباب مختلفة منها تأخر النمو الفكري والجسدي‪.‬‬
‫الطفل رجل المستقبل‪ :‬عندما نقول <طفل> نقول تلقائيا <رجل الغد>‪ .‬من هنا يأتي المثل السائد‪< :‬داخل كل طفل‬
‫يوجد رجل مستقبل>‪ .‬ومعنى هذا أن الطفولة تقتضي عناية خاصة وحماية قانونية زائدة‪ ،‬إن أردنا فعل أن نكّون‬
‫نساًء ورجال صالحين‪ .‬فحسن تكوين وتربية الطفل ليست قضية الطفل المعني فحسب وإنما قضية المجتمع الذي‬
‫سينصهر فيه و قضية المة بكاملها‪.‬‬
‫لذلك فكل الطاقات الفاعلة ملزمة بأن تسهم في توفير الجو الملئم لحسن تربية وتكوين النشء وتهييئه‬
‫لمواجهة الحياة‪ .‬ويأتي التشريع في المقام الول‪ ،‬لنه بدون إجبار قانوني ل يلتزم الكبار باحترام الواجبات‬
‫الملقاة على عاتقهم تجاه الصغار‪.‬‬
‫على رأس الحقوق التي يجب العتراف بها للطفل وحمايتها الحق في أن يعيش طفولة طبيعية‪ ،‬في حضن أسرة‬
‫توفر له الرعاية و الدفء‪ .‬فالبالغ يمكنه الستغناء عن باقي أفراد السرة‪ ،‬أما الصغير إن ُأْبِعَد عنها تعرض لكل‬
‫المخاطر المتصورة‪ ،‬المادية والمعنوية والنفسية‪.‬‬
‫وحتى عهد قريب لم يكن الطفل يشكل موضوعا مؤّرقا‪ ،‬ول الناس كانوا يهتمون بحقوقه وواجبات المجتمع‬
‫تجاهه‪ .‬لكن مع تعقد الحياة الجتماعية‪ ،‬تبعا لتحولت نمط الحياة‪ ،‬تفاقمت قضايا الطفل وبات يشكل خطرا على‬
‫نفسه وعلى المجتمع‪ ،‬كما أضحى محل اعتداءات حتى من أقربائه‪ .‬ومع اليام تعقدت البعاد الجتماعية ـ‬
‫ح الموضوع ما يستحقه‬
‫القتصادية التي يؤدي إليها تهميش الطفال‪ .‬وزاد المر خطورة بالمجتمعات التي لم تمن ِ‬
‫من عناية‪.‬‬
‫فكان أن ظهرت في المجتمعات المتقدمة بالخصوص‪ ،‬مدارس علم الجرام مرتكزة على قواعد علم حديث يعتمد‬
‫التجربة والحصاء ورصد الظواهر‪ .‬فتأكد أن عدم العتناء بالطفل في ظل المتغيرات الحديثة‪ ،‬يحوله إلى مصدر‬
‫للخطر على نفسه وعلى غيره‪ .‬وتأكد أيضا أن الطفل غير السوي يحتاج للعلج‪ ،‬للرعاية‪ ،‬لعادة التأهيل‪....‬‬
‫ثم توالت الجتهادات في الموضوع‪ ،‬واتسعت ـ موازاة مع ذلك ـ‪ ،‬لوائح حقوق الطفل‪.‬‬
‫فصدر عن هيئة المم المتحدة‪ ،‬التصريح العالمي لحقوق الطفل في ‪ 20‬نوفمبر ‪1959‬م‪ ،‬الذي ما فتئ أن أبان‬
‫عن عدم كفايته‪ ،‬مما استعجل صياغة اتفاقية حقوق الطفل في ‪ 20‬نوفمبر ‪1989‬م‪ .‬ثم تخللتهما وتلتهما اتفاقات‬
‫جزئية تهم جوانب خاصة من حقوقه منها إعلن حقوق الطفل المعاق ‪1969‬م‪ ،‬تصريح نيويرك ‪ 20‬ديسمبر‬
‫‪1971‬م بشأن حقوق المعاق ذهنيا‪ ،‬ثم ُتّوج كل ذلك بجعل سنة ‪1981‬م سنة للمعاق‪ ...‬كما صدرت اتفاقية لهاي‬
‫في ‪ 29‬ماي ‪1993‬م بشأن حقوق الطفل الُمَتبّنى‪....‬‬
‫أما السلم فكان أسبق من غيره للعناية بالطفل و تسخير كل الطاقات لتوفير حياة متوازنة‪ ،‬قادرة على إعداد‬
‫رجل مستقبل سوي صالح‪ .‬كما سنعرف ببعضها لحقا‪.‬‬
‫فكيف إذن في ظل شريعة تدعو للعناية بالطفل وتهّيئ له كل الظروف العاطفية والمادية ليعيش حياة كريمة‪ ،‬و‬
‫في ظل قانون وضعي يدعو بإلحاح للهتمام بالطفل طاقة المستقبل‪ ،‬تتحول جيوش من صغار السن في العالم‬

‫‪5‬‬

‫السلمي بأسره إلى فئات مهمشة ل تستفيد من الحقوق التي أقرها الشرع‪ ،‬ول تلك التي استلهمها ُمعّدو‬
‫القوانين الوضعية من عدالة السماء؟‬
‫ما هي أسباب انتشار ظاهرة الطفال المهمشين وعوامل ارتفاع أعدادهم؟ وما هي الحقوق التي تضمنها‬
‫المجتمعات السلمية عمليا‪ ،‬لفتيانها وفتياتها؟ وما مدى فعالية هذه الحقوق؟ هل يحتاج الوضع لحلول إضافية‬
‫غير تلك التي اقُترحت وطبقت حتى الن‪ ،‬أم أن الطفولة المحرومة َقَدٌر ل يمكن التهرب منه؟‬
‫سنحاول الجابة عن مجمل هذه التساؤلت من خلل الفصول التالية‪:‬‬
‫* الفصل الول‪ :‬من هم الطفال المهمشون‬
‫* الفصل الثاني‪ :‬الحماية الشرعية والقانونية للطفال المهمشين‬
‫* الفصل الثالث‪ :‬برامج مناهضة التهميش بالدول السلمية‪ :‬أسباب الفشل‬
‫* الفصل الرابع‪ :‬استراتيجيات كفيلة بتقليص معاناة الطفال المهمشين‬

‫‪6‬‬

‫الفصل الول‬
‫ن ُهم الطفال المهمشون‬
‫مْ‬
‫من خلل التسميات الكثيرة التي أدرجناها حتى الن‪ :‬أطفال محرومون‪ ،‬مهمشون‪ ،‬مهملون اجتماعيا‪ ،‬غير‬
‫مندمجين‪ ...‬يبدو جليا أننا نقصد بدراستنا كل الطفال من أي سن كانوا ـ قبل الرشد ـ يعانون من الحرمان أو‬
‫عدم الستقرار النفسي أو العائلي أو الجتماعي أو القتصادي أو السياسي‪....‬‬
‫فعلمات التَكّيف أو الندماج تختلف حسب المرحلة التي يجتازها الصغير‪ :‬إذ تأخذ شكل إقبال على الحياة بما‬
‫يناسبها عادة‪ ،‬كالقبال على اللعب والتعلم‪ ،‬عدم رفض اللتزام اليومي بالتمدرس‪ ،‬الستمرار فيه‪ ،‬نمو التفكير‬
‫والذكاء‪ ،‬التجاوب‪ ،‬تقبل نواميس الحياة الجتماعية‪....‬‬
‫بالمقابل فالتهميش يأخذ شكل حرمان من الطفولة ومن مباهجها‪ ،‬حرمان من التربية والتمدرس أو حرمان من‬
‫أبسط مقومات الحياة الكريمة‪ ...‬ثم يأخذ عدم التكيف عدة أبعاد تختلف بحسب السن والجنس‪ ...‬إذ قد يترجم إلى‬
‫عزوف عن الدراسة أو رسوب‪ ،‬أو هروب من المدرسة لينتهي المر في جل الحالت إلى انقطاع تام عنها‪ ،‬وقد‬
‫يأخذ شكل عصيان لوامر السرة أو الشخاص المسؤولين عن الطفل‪ ...‬ويصل التمرد مداه عندما يوجه نحو‬
‫النفس أو نحو المجتمع بكامله‪ ،‬في صورة تعاط للمخدرات‪ ،‬أو عنف ضد الطفال الخرين‪ ،‬أو سطو وانضمام‬
‫شح لن‬
‫لعصابات إجرامية‪ ،‬أو ممارسة الدعارة‪ ...‬ومع التقدم في السن يتقن الطفل عديدا من وسائل الجرام فير ّ‬
‫يصبح جانحا محترفا‪ ،‬إذا لم يجد منقذا في أي مرحلة من المراحل الصعبة التي يجتازها‪.‬‬
‫من ثم فإننا سنقوم بحصر فئات الطفال المهمشين في المجتمع نتيجة أسباب مختلفة‪ ،‬ليقيننا بأنها الطريقة‬
‫المثلى للتعريف بالطفل المهمش‪ .‬ونحدد هذه الفئات فيما يلي‪ :‬الطفال اليتام‪ ،‬الفقراء‪ ،‬المعوقون‪ ،‬غير‬
‫المتمدرسين‪ ،‬المشردون‪ ،‬النازحون‪ ،‬اللجئون‪ ،‬الممزقون عائليا‪ ،‬الطفال غير الشرعيين‪ ،‬المتكفل بهم‪ ،‬الطفال‬
‫المسَتوَلدون من تخصيب تقني‪)...‬أطفال النابيب(‪.‬‬
‫أول‪ :‬الطفال اليتام‬
‫نقصد بالطفل اليتيم كل طفل َفَقَد أحد والديه أو كليهما‪ .‬والمجتمعات السلمية تُعج باليتام وأعدادهم في تزايد‬
‫مستمر بسبب ارتفاع أسباب الوفاة التي تمس البالغين بالخصوص‪ ،‬بعد أن انضافت عوامل حديثة للعوامل‬
‫التقليدية لوفيات الكبار‪ ،‬كما سنبينه‪.‬‬
‫ومن المؤكد أن الطفل اليتيم كان‪ ،‬في ظل المجتمعات السلمية التقليدية‪ ،‬يجد السند عادة في أفراد عائلته‪ .‬أما‬
‫مع تحولت الحياة الجتماعية‪ ،‬فحصل تضييق للسرة وتباعد بين القارب‪ ،‬حتى أضحى مستحيل تخيل وجود‬
‫متكفل باليتام من بين أولئك‪.‬‬
‫ومع أن الملجئ تحاول التخفيف من حجم الزمة إل أنها ل تستوعب جميع اليتام ول تشبع كل حاجاتهم‪ ،‬كما‬
‫أنها ل تغطي كافة المناطق‪ .‬بهذه الطريقة أضحى مصير اليتيم مهددا‪ ،‬بحيث ل يجد في حالت كثيرة عائل‪ ،‬أو ل‬
‫يجد مأوى سوى الشارع‪ ،‬بكل ما يرافقه من مخاطر‪ .‬من ثم أضحى الُيتم أحد عوامل التهميش والهمال وربما‬
‫التشرد‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬الطفال الفقراء‬
‫الفقرآفة بغيضة ومنتشرة بجل القطار السلمية‪ .‬وهي ظاهرة تستوي فيها الدول التي انتهجت الرأسمالية وتلك‬
‫التي اختارت الشتراكية‪ .‬مما يدل على أن العيب ل يكمن في نظام أو آخر بقدر ما يكمن في سياسات التنمية‬
‫المنتهجة حتى الن بجل القطار‪ .‬وأن التفاوت المهول بين الفئات الجتماعية قد أفرز شرائح‪ ،‬ما تزال في تزايد‬
‫مستمر‪ ،‬من الفقراء والذين يعيشون تحت عتبة الفقر‪.‬‬
‫وغني عن البيان أن أكثر المتضررين من الفقر هم الطفال‪ ،‬الذين يحرمون بسببه من أبسط الحقوق والحماية‪.‬‬
‫فيضطرون عادة إما لمغادرة المدارس مبكرا أو لعدم ولوجها من الساس‪ .‬كما يضطرون لبدء العمل وهم في‬
‫ضا طريًا‪ ،‬أو يضطرون للتسول والتشرد والجنوح‪ ...‬ولعل هذا يكفي لبيان البعاد‬
‫سن اللعب وعودهم ما يزال غ ّ‬
‫الجتماعية ـ القتصادية للفقر‪.‬‬
‫ومن الثابت أن معظم الطفال المحالين على العدالة ينتمون للفئات الجتماعية القل حظا‪ ،‬وأن الفعال المرتكبة‬
‫من قبلهم هي في الغالب أعمال سطو أو سرقات‪ ،‬الغاية منها الحصول على مصدر للعيش‪ ،‬بدافع الفاقة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬الطفال المعاقون‬

‫‪7‬‬

‫<إن لفظ معاق يدل على كل شخص ل يملك القدرة على أن يضطلع بمفرده بكامل أو بعض متطلبات حياة‬
‫شخصية أو اجتماعية طبيعية‪ .‬وذلك بسبب نقص خلقي أو غيره‪ ،‬في قدرته الجسمية أو الذهنية>‪ .‬هذا التعريف‬
‫تبنته هيئة المم المتحدة في إعلن ‪1969‬م لحقوق الطفل المعاق )م ‪.(1‬‬
‫فالعاقة قد تكون عقلية أو جسدية أو حسية كما تكون ولدية أو مكتسبة‪ ،‬ولكل منها أسبابها‪ .‬والنتيجة أن‬
‫خلقته أو اكتمال تكوينه الجسدي أو العقلي أو النفسي‪.‬‬
‫حول دون اكتمال ِ‬
‫العاقة تحد كثيرا من طاقات الطفل وت ُ‬
‫فينتهي به المطاف للتهميش والحرمان من حظوظ الطفل السوي المتمتع بالظروف الطبيعية للنمو والرفاه و‬
‫الندماج والنتاج‪....‬‬
‫رابعا‪ :‬الطفال غير المتمدرسين‬
‫مما يؤسف له أن العالم السلمي‪ ،‬كما سنؤكد بالرقام‪ ،‬يعاني من أعلى نسب المية‪ ،‬مقارنة مع باقي دول العالم‬
‫الثالث‪ .‬وما زال حتى الن عديد من أطفاله البالغين سن التمدرس ل يلجون المدارس من الساس أو يغادرونها‬
‫بعد وقت وجيز جدا‪ ،‬خاصة بالبوادي والمناطق النائية‪ ،‬ولسيما الناث‪.‬‬
‫وإذا كان الكل يتفق على أن المجتمعات الحالية هي بصدد النتقال من مرحلة النتاج إلى مرحلة العلم‬
‫والتكنولوجيا‪ ،‬فالنتيجة الحتمية أن كل شخص لم يتسلح بالعلم مآله أن يعيش على هامش الحياة طوال عمره‪.‬‬
‫ومعلوم كذلك أن الطفل المتمدرس يقضي جل أوقاته محروسا داخل المدرسة‪ ،‬مما يحصنه ضد الرتماء في‬
‫أحضان الشوارع بكل ما يكتنفها من مخاطر‪.‬‬
‫ومن المؤكد أيضا أن المدرسة ُتَؤّمن للطفل نصيبا من التربية و التعليم يمكنانه من الفهم والدراك والندماج‬
‫ومواجهة المستقبل‪ ،‬ويحميانه من النحراف نسبيا‪ .‬كما أن برامج التعليم عادة ما ُترَفق بأنشطة موازية ُيفِرغ‬
‫فيها الطفل طاقاته المشحونة‪ ،‬فيتخلص بهذه الوسيلة من شرور الكبت والضغط النفسي الناتج عن رفض عديد‬
‫من النواميس أو عن صراع الجيال‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬الطفال المشردون‬
‫التشرد ظاهرة حديثة أفرزها التقدم الصناعي و ما رافقه من تحولت اجتماعية وتمركز في المدن الكبرى‬
‫ونشوء أحياء عشوائية وبيئات غير سليمة‪ ،‬ومن أزمات اقتصادية‪ ،‬كالبطالة وانخفاض الدخل‪....‬‬
‫وإذا كانت الدول المتقدمة قد استيقظت مبكرا على ظاهرة التشرد وحاولت معالجتها بكافة الوسائل‪ ،‬فمشكلة‬
‫المجتمعات السلمية تبدو أكثر خطورة‪ ،‬لكونها ما زالت تنظر للمشّرد بلمسؤولية ول وعي أو إدراك لخطورته‬
‫على نفسه وعلى المجتمع‪ ،‬وبدون تفهم لوضاعه‪.‬‬
‫والطفل المشرد ل تكفي في حقه عبارات <مهمل أو مهمش أو غير سوي أو غير متكيف>‪ ،‬لن وضعه في‬
‫الواقع أخطر من ذلك بكثير‪ .‬فهو يشكل في البداية خطرا على نفسه ومستقبله‪ ،‬وعندما يزداد إتقانه للجنوح‬
‫والجرام يتحول إلى خطر على المجتمع ككل‪ .‬ومعلوم أن التشرد يرافقه عادة التمرد على الضوابط الجتماعية‬
‫والقانونية‪ .‬وهو يقترن في الذهان بالتسول وتعاطي المخدرات والنحراف وتعّلم وسائل الجرام المحتَرف‪....‬‬
‫سادسا‪ :‬الطفال النازحون‬
‫إن التشرد قد يكون من نتائج النزوح أيضا‪ ،‬إنما هذا الخير له آثار أخرى بنفس الخطورة‪ ،‬لذلك يجب إفراد حيز‬
‫له‪ .‬والنزوح أو الهجرة قد يكون داخليا‪ ،‬انطلقا من نقطة معينة‪ ،‬في اتجاه نقطة أخرى بحثا عن الستقرار و‬
‫الطمأنينة و مصدر الرزق‪ ،‬وقد يكون من دولة لخرى‪ .‬وأسبابه مختلفة قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو‬
‫سياسية‪....:‬‬
‫فالمثال التقليدي للسباب القتصادية ـ الجتماعية‪ ،‬الهجرة من القرى في اتجاه المدن‪ .‬وهي الظاهرة التي ل‬
‫تسلم منها نقطة في العالم‪ ،‬إنما خطرها يزداد حدة في الدول النامية عنه في الدول المتقدمة‪ .‬ومن المعلوم أن‬
‫الطفل يعاني أكثر من غيره عند تغيير محيطه الجتماعي‪.‬‬
‫وتأخذ مظاهر عدم التكيف شكل عدم الندماج في الوسط الحضري‪ ،‬أو صورة انبهار أو رفض لنمط الحياة‬
‫الجديد أو صعوبة تقبل ثقافة المنطقة المضيفة‪ .‬ويقترن النزوح عادة بالعجز المادي‪ ،‬بسوء المسكن وببؤس‬
‫العيش‪ .‬لذلك يبدو أن مختلف أسباب ومظاهر اللتكيف تتضافر هنا‪.‬‬
‫وغني عن البيان أن الختلف‬
‫مثال آخر للنزوح ويتمثل في الهجرة نحو الدول المصنعة‪ ،‬بحثا عن العمل‪.‬‬
‫العقائدي والثقافي والختلف في نمط الحياة كثيرا ما يخلق لدى الطفل تمزقا في تكوينه‪ .‬فهو عادة ل يحتفظ‬
‫بهويته الثقافية الصلية‪ ،‬ول هو يستسلم بالكامل للثقافة الجنبية‪ ،‬مما يمزق هويته الثقافية والعقائدية‪،‬‬
‫ويعرضه للتهميش)‪.(1‬‬
‫أما العوامل السياسية فتتلخص عادة في الحروب و التطاحنات الداخلية أو المتعددة الطراف‪ .‬ولن نحتاج‬
‫لتمحيص كبير كي نستخلص أن الحروب والنعرات العرقية التي عرفها العالم في السنوات الخيرة كان معظمها‬
‫بالجنوب‪ ،‬وجزء كبير منها بالدول السلمية أو بها أطراف مسلمة‪ .‬ويكفي التمثيل بقضية فلسطين‪ ،‬جنوب‬
‫لبنان‪ ،‬أزمة الجزائر‪ ،‬الصومال‪ ،‬أفغانستان‪ ،‬البوسنة والهرسك‪ ،‬أزمة ألبانيا‪ ،‬أزمة إقليم كشمير الهندي‪ ،‬إقليم‬
‫كاراباخ‪ ...‬إلى جانب حرب الخليج التي ما زالت آثارها باديًة للعيان‪ .‬وقد نقلت لنا وسائل العلم صورا مفجعة‬

‫‪8‬‬

‫عن نزوح مليين البرياء من الطفال والعاجزين‪ ،‬بحثا عن المن أو وسيلة للعيش‪ .‬ناهيك عما خلفته وتخلفه‬
‫من اليتام والمشردين والمعاقين‪....‬‬
‫وفي جميع الحالت وأيا كان سبب الهجرة أو النزوح الجماعي‪ ،‬فالذي يؤدي أكبر الثمن هو الطفل‪ .‬يؤديه على‬
‫حْمله نحو الل تكيف مع الثقافة الجديدة‪ .‬ويؤديه‬
‫شكل اقتلع له من وسطه المألوف وحرمان من الستقرار و َ‬
‫أيضا في صورة حرمان من القوت والستقرار‪ ،‬ومن الدراسة‪....‬‬
‫سابعا‪ :‬الطفال اللجئون‬
‫هناك معاناة مشتركة بين هذه الفئة والسابقة‪ ،‬وهي الحرمان من الستقرار‪ .‬إنما الذي يميز هذه هو الحرمان‬
‫حتى من حق المواطنة‪ .‬بحيث في ظل ظروف سياسية بالمقام الول‪ ،‬واجتماعية‪ ،‬تضطر فئات كبيرة من سكان‬
‫دول الجنوب للنزوح عن موطنهم الصلي ومغادرة أوطانهم بحثا عن مكان آمن‪ ،‬وفرارا من حروب عرقية أو‬
‫أهلية أو نزاعات داخلية‪ ،‬أو إجلء لهم لطوارىء محتملة‪ ...‬وغير ذلك من السباب والعوامل التي تجبر‬
‫المواطنين على اللجوء إلى الدول المجاورة أو الدول الخرى‪.‬‬
‫ومعلوم أن العالم يعج بمليين اللجئين‪ ،‬جلهم من الجنوب‪ .‬ومعلوم هنا أيضا أن أكبر المتضررين من اللجوء‬
‫السياسي أو غيره هم الطفال‪ ،‬الذين ـ بحكم تغيير القامة ـ يجدون أنفسهم فجأة في حضن ثقافة غريبة عنهم‬
‫يصعب عليهم التعايش معها‪ .‬كما أن ظروف اللجوء عادة ما تكون مزرية‪ ،‬غير موفرة لبسط شروط الحياة‬
‫الكريمة‪ .‬فكيف يمكن لطفولة مثل هذه أل تكون محرومة اقتصاديا‪ ،‬لمتكيفة اجتماعيا‪ ،‬غير مؤهلة للمواطنة‬
‫الصالحة مستقبل؟‪.‬‬
‫ثامنا‪ :‬الطفال الممزقون عائليا‬
‫تمزق العلقات السرية قد يكون نتيجة وفاة أحد البوين أو كليهما‪ ،‬أو نتيجة انفصام الزوجية بسبب طلق أو‬
‫بسبب الهجر واليلء أو استحكام الخلف بين الزوجين‪ .‬وفي جميع الحالت فالظروف المعيشية تتحول غالبا‬
‫شّرع الزواج‪ .‬وبالتالي فحياة‬
‫إلى جحيم تذوب فيه علقات المودة والتعاطف والتكامل والستقرار التي من أجلها ُ‬
‫الطفل التي ميزتها الطبيعية بالبراءة والصفاء تتحول إلى عذاب‪ ،‬إلى حرمان من أبسط الحقوق‪ ،‬لتنتهي رحلة‬
‫العذاب هذه عادة إلى أزمات نفسية واجتماعية‪....‬‬
‫فمعلوم أن نسب الطلق والنفصال والخلفات آخذة في التفاقم في المجتمعات السلمية‪ ،‬نظرا للتحولت‬
‫الجتماعية ـ القتصادية‪ ،‬وما يرافقها من صراع بين الثقافات‪ ،‬صراع يزداد حدة في الزيجات المختلطة‪.‬‬
‫والطفل في الماضي كان يجد السند والدعم لدى أفراد أسرته ولدى المحسنين في المجتمع‪ ،‬أما مع تعقد الحياة‬
‫ضنك العيش‪ ،‬وتغلب الحياة المادية على الحياة الروحية‪ ،‬فأضحى الطفل الممزق عائليا ل يجد له‬
‫الجتماعية و َ‬
‫من ملذ سوى الشارع‪ ،‬يحتضنه‪ ،‬يتكفل به ليتعلم في ثناياه كل السلوكات الخطيرة والمهّددة لطفولته البريئة‬
‫ولمستقبله‪ ،‬والمهّددة للمجتمع‪ ،‬عندما ينتقل الطفل من براءة الطفولة إلى الجنوح والتشرد‪....‬‬
‫تاسعا‪ :‬الطفال غير الشرعيين )‪(1‬‬
‫هذه الظاهرة ليست جديدة‪ ،‬إنما الجديد فيها تفاحشها المهول ببعض المجتمعات السلمية‪ .‬فأسبابها التقليدية ما‬
‫زالت قائمة‪ ،‬وانضافت لها أسباب أخرى حديثة‪ ،‬مرّدها النفتـاح اللمحدود الذي يصل أحيانا حد النحلل‪،‬‬
‫وتزايد جرائم العرض والغتصاب‪ ...‬وزاد المر حدة مع الزمات القتصادية وتفاحش المادية‪ ،‬عندما اضطرت‬
‫عديد من الفتيات لبيع أعراضهن إما لكسب لقمة العيش أو للبحث عن الثراء والرفاهية‪....‬‬
‫وبديهي أن السلم يعتبر الزواج المجال الشرعي للتناسل‪ .‬ويلحق بالزواج القرار بالبنوة‪ ،‬كوسيلة للحاق‬
‫النسب‪ ،‬إذا توفرت شروطه و لم يكّذبه عقٌل أو عادة‪ ،‬كما سنبين لحقا‪ .‬لذلك فكل طفل ُولد خارج هذا الطار ُيعّد‬
‫غير شرعي‪ .‬وإذا كان أول حق للطفل هو الحق في النتساب لسرة‪ ،‬فالطفل غير الشرعي يأتي للدنيا محروما‬
‫ب شرعي يمنحه نسبه‪ ،‬ومن العائل وربما أيضا من الحاضن‪ .‬فعادة ترك‬
‫حتى من هذا الحق‪ ،‬محروما من أ ٍ‬
‫هؤلء الطفال بالماكن العمومية‪ ،‬أو المستشفيات معروف لدى الجميع بما يغنينا عن الثبات‪.‬‬
‫إنما النتيجة الحتمية‪ ،‬مهما اختلفت الظروف‪ ،‬أن الطفل غير الشرعي ينمو عادة عاجزا عن التكيف مع المجتمع‪،‬‬
‫بسبب ما يعانيه من أزمات نفسية ـ اجتماعية ومادية‪ ،‬أزمات تنعكس على حقه في التعليم والستقرار‪ ...‬وفي‬
‫جم كل ذلك إلى سلوك‬
‫النهاية قد ل يجد له من مأوى سوى الشارع‪ ،‬يتعلم فيه كيف يتمرد على المجتمع‪ .‬فيتر َ‬
‫ف للقيم المتعاَرف عليها‪ .‬ويلتحق بآلف الطفال الذين تجمعهم ظروف واحدة‪ ،‬هي الهمال من طرف‬
‫منا ٍ‬
‫مجتمعهم‪.‬‬
‫عاشرا‪ :‬الطفال المتكفل بهم )المتبنون(‬
‫إن لئحة الطفال المعددة أعله قد يجمعها أحيانا قاسم مشترك وهو البعاد عن السرة الحقيقية‪ .‬والمحظوظون‬
‫منهم قد يجدون أسرة أخرى تتكفل بهم‪ .‬إنما السؤال هو هل فعل يندمجون في أسرهم المستعارة‪ ،‬وهل يتحقق‬
‫لهم بالفعل كل ما يتحقق للطفل في الظروف الطبيعية؟‪.‬‬
‫الجواب السطحي سيكون هو اليجاب‪ .‬أما التحليل المعمق فيبين أن عديدا من الطفال المتَبّنين أو الُمنّزلين أو‬
‫المَتَكّفل بهم يتعرضون بدورهم لصناف من المعاناة‪ .‬ذلك أن الطفل <المتبّنى> عادة ل يحمل اسم السرة التي‬
‫تكفلت به‪ .‬وعندما يبدأ في إدراك بعض المور ل يلبث أن يطلع على واقعه الُمّر‪ ،‬فيعرف أنه ليس ابنا حقيقيا‬

‫‪9‬‬

‫للسرة التي <ينتسب> لها‪ .‬ول يخفى مقدار ما يثيره ذلك من صدمات‪ ،‬تهدد مستقبل الطفل المتبّنى‪ ...‬ناهيك عن‬
‫معاناته من نظرة الحتقار التي ينظر بها المجتمع للطفل المتبّنى عموما‪ ،‬معتبرا إياه دائما ابن زنى‪ ،‬مع أنه قد ل‬
‫يكون كذلك‪....‬‬
‫حادي عشر‪ :‬الطفال المسَتوَلدون من تخصيب تقني )أطفال النابيب(‬
‫وكأن العالم لم َتكِفه الفواج الضخمة للطفال غير الشرعيين والمتخلى عنهم‪ ،‬فاستحدث وسائل أخرى‬
‫للستيلد‪ ،‬تساهم في تكثير أعدادهم‪.‬‬
‫ومعلوم أن الدعم الطبي للنجاب ليس محرما شرعا‪ ،‬لكن بشرط أل يؤدي إلى حشر طفل غريب في أسرة ليست‬
‫له‪ ،‬وبالتالي خلط النساب‪.‬‬
‫جد بنطف مانح أجنبي‪ .‬وإذا كانت‬
‫فكثيرا ما يكون أحد الزوجين عاجزًا عن إفراز النطف اللزمة للنجاب فُيستن َ‬
‫ى عنها‪،‬‬
‫الدول الغربية عرفت وباتساع عادة التبرع بالنطف‪ ،‬فل يجب العتقاد بأن المجتمعات السلمية في منأ ً‬
‫بل إن الظاهرة بدأت تشغل حيزا آخذا في التساع‪ ،‬مما يرشح أعداد الطفال المتأتين من مني رجل غريب أو‬
‫بويضة امرأة أجنبية أو رحم مستعار‪ ،‬للرتفاع‪ .‬وعندها ستصبح الظاهرة غير مقدور عليها‪ .‬ومن ثم فأنسب حل‬
‫هو التصدي لها قبل أن تستفحل فيستعصى الداء ويعز الدواء‪.‬‬
‫حق بالطفل غير الشرعي‪ .‬وسواء أنكرته السرة التي تحتضنه أم ل‪،‬‬
‫والطفل المستولد من نطف مانح أجنبي ُيل َ‬
‫فإنه معرض لمعرفة نسبه الحقيقي‪ .‬وهو أمر ل يخلو من أزمات ل تختلف في شيء عن أزمات الطفل غير‬
‫الشرعي‪ .‬حيث يصعب التنبؤ بنوعية ردات فعله عند معرفته الحقيقة‪ ،‬ول طبيعة تمرده المحتمل‪.‬‬
‫طبيعي جدا‪ ،‬بعد الذي أوردناه‪ ،‬أن نستخلص أن كل حرمان يتعرض له الطفل يعرضه للتهميش‪ ،‬سواء كان‬
‫حرمانا من الحقوق المادية أو المعنوية‪ :‬فالحرمان من الحاضن يهدده‪ ،‬والحرمان من الطاقات الجسدية والعقلية‬
‫و الحسية أيضا يهمشه‪ ،‬وكذلك الشأن بالنسبة للحرمان من الهوية أو النسب أو السرة أو الستقرار‬
‫أوالموطن‪....‬‬
‫أما وقد حددنا من يكون الطفل المهمش‪ ،‬فيحق لنا أن نتساءل عن الحماية التي يضمنها له الشرع السلمي‬
‫والقوانين الوضعية‪ ،‬وهو ما سنحاول الجابة عنه في الفصل الموالي‪:‬‬
‫الهوامش‪:‬‬
‫)‪ (1‬إن عديدا من البحاث والدراسات قد أجريت حول الجاليات السلمية في المهجر‪ ،‬وأنشئت من أجلها هيآت‬
‫تحاول إحداث تقارب فكري بينها وبين المجتمعات الصلية أو المضيفة‪ ،‬وفهمها ومساعدتها على حل مشاكلها‪.‬‬
‫يراجع مثل‪ :‬وفاء بنفضول‪ :‬الشكالية القانونية لعودة وإعادة اندماج العمال المهاجرين المغاربة‪ :‬رسالة‬
‫ماجستير‪ ،‬كلية الحقوق‪ ،‬الرباط‪.95-1996 ،‬‬
‫)‪ (2‬للتوسع يمكن الرجوع إلى‪ :‬أحمد أجوييد‪ :‬جريمة الزنى في الشريعة السلمية والقانون المغربي‪،‬‬
‫أطروحة‪ ،‬كلية الحقوق‪ ،‬الرباط‪.85-1986 ،‬‬
‫******‬

‫‪10‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫الحماية الشرعية والقانونية للطفال المهمشين‬
‫إن المقارنة بين الشرع والقانون الوضعي لها ما يبررها‪ ،‬فالسلم دين الفطرة السليمة والمنطق والسمو‬
‫حس حضاري جعلها تنبذ كل ما تستقبحه‬
‫الفكري‪ ،‬والشعوب المتقدمة لم تقّر الحقوق إل بعد أن أضحى لها ِ‬
‫الفطرة والمنطق‪ .‬لذلك يبدو منذ الوهلة الولى‪ ،‬أن المقارنة ستكون مثمرة‪.‬‬
‫وسوف ُنَعّدُد في البداية حقوق الطفل عامة )المبحث الول(‪ ،‬لنستطيع بعدها التعرف على أي منها يفتقده الطفل‬
‫المهمش‪ ،‬وما إذا كانت وضعية هذا الخير تقتضي أن تفرد له حماية إضافية )المبحث الثاني(‪:‬‬

‫المبحث الول‪ :‬حقوق الطفل عامة‬
‫لعل الذي أعاد طرح الجدال حول حقوق الطفل هو بالساس تغير النظرة إليها‪ .‬فبينما كان ينظر لها ـ في ظل‬
‫القانون الروماني ـ كحقوق للكبار على الصغار وكسلطة أبوية‪ ،‬إذا بالية تنعكس ـ في القرن الماضي ـ فينظر‬
‫للصغار على أنهم محّل للتربية ل للسلطة‪ ،‬وعلى أنهم المستحقون أكثر للحقوق على الكبار‪ ،‬على أن الحضانة‬
‫واجبات والتزامات ل مجرد حقوق‪.‬‬
‫ويبدوأن هذه النظرة في طريقها إلى التعميم بعد أن صاغت هيئة المم المتحدة مجموعة من المواثيق‪ ،‬بشأن‬
‫حقوق الطفل التي أشرنا لبعضها‪ ...‬فصادقت دول عديدة عليها‪ ،‬متبنية بذلك الصيغة الحديثة لحقوق النسان‪.‬‬
‫وبديهي أن انضمام الدول السلمية إلى المجتمع الدولي فرض عليها احترام الحقوق التي كرستها جل القوانين‬
‫المقارنة والمواثيق الدولية‪ .‬وإن الشراكة التي تسعى إليها غالبية دول الجنوب‪ ،‬والتعاون المشترك‪ ،‬ومساعدات‬
‫الشمال‪ ،‬كلها أمور أضحت مرهونة بإثبات مدى احترام دول الجنوب للحقوق المعترف بها للمواطن‪ ،‬وفقًا‬
‫لمفاهيمها وأبعادها الدولية‪.‬‬
‫لكن نظرا لتعدد الدول السلمية‪ ،‬فالتعريف بقانون كل دولة على حدة أمٌر دقيق)‪ .(1‬من جهة أخرى فحقوق‬
‫الطفل أضحت كثيرة‪ ،‬ولئحتها لم تتوقف عن الطول‪ ،‬ودراستها المستفيضة تتطلب عدة مئات من الصفحات‪،‬‬
‫لذلك نكتفي بالتركيز على أهمها‪ .‬وسندرس فيما يلي حقوق الطفل من منظور الشرع والقانون الوضعي‪.‬‬
‫أول‪ :‬الحق في الحياة والمجيئ إليها‬
‫تعمدنا استعمال عبارة <الحق في المجيئ للحياة> لن الشرع والقانون يحميان الطفل حتى وهو جنين‪ ،‬فنقول‬
‫إن الجنين يتمتع بحق المجيئ للحياة‪ .‬وهذه الحماية تتمثل في تجريم جل الدول للجهاض‪ ،‬بتفاوت طبعا‪،‬‬
‫والموضوع يأخذ أحيانا طابعا سياسيا‪ .‬إنما المهم في المر أن حق الجنين في المجيئ للحياة موجود‪ ،‬معترف‬
‫به‪ ،‬ويتقوى كلما زاد عمره‪....‬‬
‫والحق في المجيئ للحياة الذي ابتدعته القوانين مؤخرا‪ ،‬هو في الواقع مجرد إحياٍء لما ناله الموضوع من فيض‬
‫في المناقشة في عهود السلم الزاهرة‪ .‬وقد تولى الشرع السلمي حماية حياة الجنين بشتى الوسائل‪ ،‬واعترف‬
‫له بالذمة المالية‪ ،‬الموقوفة طبعا‪ ،‬وجازى العتداء عليه بالعقاب والدية والكفارة‪....‬‬
‫فالمصدر الشرعي لحماية الجنين آيات وأحاديث حرمت القتل بغير حق‪ ،‬وتحدثت عن الخلق والتخليق)‪ .(2‬وعلى‬
‫ضوئها بذل العلماء جهودا للتعرف على بدء حياة الجنين وتطورها‪ ،‬مستعينين بما استقر عليه الطب آنذاك)‪.(3‬‬
‫ض مطلقا أيا كان عمر الجنين‪ ،‬فيما تدرج البعض الخر في التعامل معه‪ ...‬وأساس‬
‫فحّرم البعض الجها َ‬
‫الختلف تعدد مراحل التخليق‪ ،‬وتعدد اليات والحاديث في الموضوع‪...‬أما بعد نفخ الروح فالكل يجمع على‬
‫التحريم‪ ،‬ما لم يكن الجهاض ضروريا لنقاذ الم‪ .‬ونجمل مواقف الفقه فيما يلي‪:‬‬
‫) فجل المالكية والحنابلة يحرمون الجهاض منذ التخصيب‪ ،‬أي والجنين في مرحلة النطفة المشاج‪ ،‬معتبرين‬
‫التخليق يتم منذئذ‪ .‬ثم تزداد شدة التحريم بعد اليوم الربعين من التلقيح‪ .‬وسندهم آية‪} :‬إنا خلقنا النسان من‬
‫نطفة أمشاج{)‪.(1‬‬
‫حل والحرمة‪ .‬فيباح‬
‫) أما الشافعية فيحددون اليوم ‪ 42‬من التلقيح كبداية للتخليق‪ ،‬وبالتالي الحد الفاصل بين ال ّ‬
‫الجهاض قبل ذلك ويحرم بعده‪ .‬استنادا لية‪ } :‬خلق النسان من علق {)‪.(2‬‬
‫وحديث‪< :‬إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث ال ملكا فصورها وخلق سمعها وجلدها ولحمها وعظامها‪،‬‬
‫ي ربي أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك>)رواه البخاري في كتاب بدء الخلق(‪.‬‬
‫ثم يقول أ ْ‬
‫حل والحرمة‪ ،‬اليوم ‪،120‬أي أربعة أشهر بعد‬
‫) وُيعد الحنفية الكثر تسامحا‪ ،‬إذ جعلوا الحد الفاصل بين ال ّ‬
‫التلقيح‪ ،‬وهي فترة نفخ الروح‪ .‬فقبلها يجوز الجهاض لي سبب‪ ،‬وإن كان هنالك من اعتبره مكروها بعد اليوم‬

‫‪11‬‬

‫الربعين‪ .‬أما بعده فالجهاض محّرم‪ .‬وسندهم حديث‪< :‬إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما‪ ،‬ثم يكون‬
‫علقة مثل ذلك‪ ،‬ثم يكون مضغة مثل ذلك‪ ،‬ثم يبعث ال إليه ملكًا‪...‬ثم ينفخ فيه الروح‪.(3) >...‬‬
‫) ويبدو الرأي الكثر اعتمادا هو رأي المام الغزالي من الشافعية الذي أقام أحكاما متدرجة بحسب تطور‬
‫الجنين‪ .‬إذ يرى أنه عندما تستعد اللقيحة لستقبال الحياة فإفساد ذلك جناية‪ ،‬فإن صارت نطفة كانت الجناية‬
‫أفحش‪ ،‬وإن نفخت فيها الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا‪ ،‬ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد‬
‫النفصال حيا‪.(4).‬‬
‫ومما يستحق التقدير المجهود الذي قام به الفقهاء والعلماء قديما لتبيان مراحل التخليق‪ .‬بحيث انتهوا للتمييز‬
‫س ول إرادة‪ ،‬وإنما له حركة النمو‬
‫ح ّ‬
‫بين الحياة النباتية والنسانية في الجنين‪ .‬فقبل نفخ الروح ليس له برأيهم ِ‬
‫والغتذاء كالنبات‪ ،‬فلما تنفخ الروح تنضم حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه)‪.(1‬‬
‫على أن الحماية تصل ذروتها إذا ولد الطفل حيًا‪ ،‬فيكتسب لتوه الحق في الحياة‪ .‬ويتساوى بمجرد الوضع تمام‬
‫المساواة مع أية نفس بشرية‪ .‬وهنا أيضا تتعدد اليات والحاديث الناهية عن المساس بحياة الطفل خشية‬
‫صل السلف القول في جزئيات حياة الصغير سواء فيما يتعلق ببدء الحياة أو‬
‫الملق أو لي سبب آخر)‪ .(2‬وقد ف ّ‬
‫الحماية أو الجزاء أو الدية أو الكفارة )‪.(3‬‬
‫ثانيا‪ :‬حق الطفل في الحرية‬
‫إن عهد الرق وّلى فأضحى مجرد الحديث عنه ذكرى مؤلمة‪ .‬وحصل إجماع من القانون المقارن والوفاق‬
‫حّد من حرياتهم لي سبب كان ولو في زمن‬
‫الدولية )اتفاقية ‪1989‬م(‪ ،‬على تجريم كل اعتقال للطفال أو َ‬
‫الحرب‪.‬‬
‫والسلم لما جاء كانت العبودية نظاما سائدا‪ ،‬فسلك سياسة متدرجة حكيمة للقضاء عليها‪ .‬فيما كان ُبعُده‬
‫ظفت وسائل عديدة لتحرير الرقاب في زمن السلم‬
‫المستقبلي هو استئصال الظاهرة من أساسها‪ .‬ومن أجل ذلك ُو ّ‬
‫والحرب معا‪.‬‬
‫ظف تحرير الرقاب ككفارة عن عدة ذنوب‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فمعلوم أن السلم و ّ‬
‫‪ .1‬القتل الخطأ }وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إل خطأ‪ ،‬ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة‬
‫إلى أهله‪ ،‬إل أن يصدقوا‪ .‬فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن‪ ،‬فتحرير رقبة مؤمنة‪ .‬وإن كان من قوم بينكم‬
‫وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة‪ ،‬فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ال‪{...‬‬
‫)سورة النساء‪ :‬اليتان ‪ 92‬و ‪.(93‬‬
‫‪ .2‬الحنث في اليمان‪ }:‬ل يؤاخذكم ال باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عّقدتم اليمان‪ ،‬فكفارته إطعام عشرة‬
‫مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة{ )سورة المائدة‪ :‬الية ‪.(89‬‬
‫‪ .3‬الظهار‪} :‬والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة { )سورة المجادلة‪ :‬الية ‪.( 3‬‬
‫‪ .4‬الفطار المتعمد في رمضان‪ :‬إذ ورد في حديث رواه يحيى عن مالك عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬عن‬
‫أبي هريرة أن رجل أفطر في رمضان‪ ،‬فأمره رسول ال أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين‪ ،‬أو إطعام‬
‫ستين مسكينا‪)...‬أخرجه‪ :‬البخاري‪ :‬كتاب الصوم‪ ،‬مسلم‪ :‬كتاب الصيام(‪.‬‬
‫‪ .5‬كما جعل عتق الرقاب أحَد أهم أبواب إنفاق أموال الزكاة‪ ...} :‬و آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى‬
‫ت للفقراء‬
‫ن السبيل والسائلين وفي الرقاب‪) {...‬سورة البقرة‪ :‬الية ‪} ،(177‬إنما الصدقا ُ‬
‫والمساكين واب َ‬
‫والمساكين والعاملين عليها و المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب‪){...‬سورة التوبة‪ :‬الية ‪.(60‬‬
‫وذلك إلى جانب الحث على العتق من باب التصدق والحسان‪ } :‬فل اقتحم العقبة‪ .‬وما أدراك ما العقبة‪ .‬ف ّ‬
‫ك‬
‫رقبة‪) {...‬سورة البلد‪ :‬اليات ‪ 11‬و ‪12‬و ‪ ،(13‬والحاديث في الباب كثيرة )‪.(1‬‬
‫وبالمقابل وضع الشرع سياسة متناسقة لنزع فكرة السترقاق من الذهان إطلقا‪ ،‬واستبدالها بنظام الحرية‬
‫والتساوي فيها بين جميع البشر‪ ،‬وفي نفس الوقت إعادة العتبار للعبيد المحّررين‪ .‬وسوف نعود للموضوع‬
‫فنثبت المكانة التي احتلها الموالي في السلم‪.‬‬
‫وفعل أفلح النظام الشرعي في تحرير الرقاب وإحلل مبادئ الحرية محل العبودية‪ .‬فتلشت مع توالي السنين‪،‬‬
‫سْبي والغلمان و الماء‪ ...‬وبنيت أواصر الحق في الحرية‪ ،‬فأضحى حقا مكّرسا ومحميا‪،‬‬
‫عادات أسواق العبيد وال ّ‬
‫ل يجوز العتداء عليه‪ .‬وأقيمت قواعد التنشئة والتربية على أساس التساوي بين بني البشر‪ ،‬عربا وعجما‪) ،‬ل‬
‫فضل لعربي على أعجمي ول لبيض على أسود إل بالتقوى(‪ ،‬كما ورد في الحديث الصحيح‪ .‬وبالتدريج اعُتِرف‬
‫للطفل بحقه التام في حريٍة تولد كاملة مع ولدته‪ .‬فتّوج ذلك بقولة عمر بن الخطاب رضي ال عنه الشهيرة‪:‬‬
‫<متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا>‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬حقوق تهم الوضعية القانونية للطفل‬
‫يتميز النسان عن باقي المخلوقات في أنه ليعيش طبيعيا‪ ،‬يحتاج لهوية قانونية‪ .‬ومكوناتها الساسية هي السم‬
‫والنسب والجنسية‪ .‬وقد ألزمت جل القوانين البوين بتسجيل هوية الطفل في سجل رسمي‪ ،‬معتبرة كل تحريف‬
‫جّرمًا‪.‬‬
‫في الهوية ِفعل ُم َ‬

‫‪12‬‬

‫ينضاف لذلك الحق في أن تكون له أهلية للغتناء‪ ،‬والحق في ذمة مالية مستقلة ومع أن الهلية تبدأ ناقصة‪،‬‬
‫فهي تتقوى مع نمو الطفل‪ ،‬لتكتمل مع الرشد‪ .‬وخلل فترة القصور هذه يتمتع الطفل تلقائيا بالحق في أن يكون‬
‫له نائب شرعي سواء كان وليا )أي الب و الم( أو وصيا )إذا أوصى أحد الوالدين بالولية لشخص آخر( أو‬
‫المقدم )أي القاضي أو الشخص الذي ينيبه(‪ .‬وفي جميع الحالت فالنائب الشرعي يتولى رعاية الصغير وصونه‪،‬‬
‫شد‪.‬‬
‫والتصرف في أمواله‪ ،‬واتخاذ القرارات نيابة عنه‪ ،‬والتعبير عن إرادته‪ ،‬إلى أن َير ُ‬
‫والسلم هنا أيضا كان أسبق من غيره لحماية و حفظ هوية الطفل‪ .‬إذ حث على منحه اسما محّببا للنفس‪ ،‬وَمَنع‬
‫السم الفسوق والتنابز باللقاب‪} :‬ول تلمزوا أنفسكم ول تنابزوا باللقاب بئس السم الفسوق بعد اليمان{‬
‫)سورة الحجرات‪ :‬الية ‪ .( 11‬ثم أقر للطفل حق النتساب لسرته‪ ،‬وجعل ذلك واجبا دينيا ودنيويا على عاتق‬
‫الباء }ادعوهم لبائهم هو أقسط عند ال { )سورة الحزاب‪ :‬الية ‪.(5‬‬
‫حد ولده‪ .‬فلخص ذلك حديث‪:‬‬
‫لكن نظرا لصعوبة معاقبة نكران النسب‪ ،‬أقام الشرع عقوبات أخروية تلحق جا ِ‬
‫<أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ـ أي يعلم أنه من صلبه ـ احتجب ال تعالى منه وفضحه على رؤوس‬
‫الولين والخرين يوم القيامة>)أخرجه النسائي‪ :‬كتاب اليمان والنذور‪ :‬باب التغليظ في النتفاء من الولد(‪.‬‬
‫وعزز ذلك بأوامر موجهة للبناء بالنهي عن نكران البوة‪< :‬ل ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو‬
‫عى إلى غير أبيه‪ ،‬وهو يعلم أنه غير أبيه‪ ،‬فالجنة عليه حرام> )رواهما البخاري‬
‫كفر>‪ ،‬ويقابله حديث‪< :‬من اّد َ‬
‫في كتاب الفرائض‪ ،‬ومسلم في كتاب اليمان(‪.‬‬
‫وذلك إلى جانب أوامر أخرى موجهة لعامة الناس بالنهي عن الطعن في النساب‪< :‬اثنان في الناس هما بهم‬
‫ُكفٌر‪ :‬الطعن في النسب‪)>...‬رواه مسلم‪ :‬كتاب اليمان(‪ ،‬مصداقا لقوله تعالى‪} :‬والذين يؤذون المؤمنين‬
‫والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا{ )سورة الحزاب‪ :‬الية ‪.(58‬‬
‫رابعا‪ :‬الحق في الهوية الثقافية العقائدية‬
‫إن اتفاقية ‪1989‬م )بشأن حقوق الطفل( تعتبر عهدا جديدا‪ ،‬لحرصها على حماية حقوق الطفل عندما تختلف‬
‫هويته العقائدية والثقافية عن ثقافة الدولة الُمضيفة أو عن عقيدة الوالدين أو أحدهما‪ ،‬خصوصا عند‬
‫انفصالهما‪ ...‬هنا بالذات حاولت إيجاد حلول توفيقية‪ ،‬كي ل تضيع حقوق الطفل بسبب الخلفات‪.‬‬
‫كما حثت على تكييف برامج التعليم مع هوية المتمدِرس ومعتقده‪ ،‬وإغنائها بمواد تزرع فيه روح التعاون‬
‫والتسامح مع الجنس الخر ومع الشعوب والمم الخرى‪ ...‬واستلزمت كذلك احترام القليات المقيمة بالوطن‪،‬‬
‫ونبذت كل تمييز بين الطفال على أي أساس كان‪.‬‬
‫سلم فاجنح‬
‫والسلم كان السبق لقامة مبادئه على أساس احترام باقي الديانات والتعايش معها‪} :‬وإن جنحوا لل ّ‬
‫لها وتوكل على ال{ )سورة النفال‪ :‬الية ‪ ،(61‬وعدم إرغام الناس على اعتناق السلم كرها‪} :‬ل إكراه في‬
‫حكم بليغة بينت‬
‫ي{ )سورة البقرة‪ :‬الية ‪ .(256‬وقد ورد في الحاديث والثار ِ‬
‫الدين قد تبين الرشد من الغ ّ‬
‫ق الفاتحين وأن الخروج عنه كان‬
‫خل َ‬
‫بوضوح طرق التعامل مع غير المسلمين‪ ،‬وكيف أن السلم كان واجبَ و ُ‬
‫منافيا لتعاليم الدين‪.‬‬
‫بل إن حسن معاشرة غير المسلم كان أحد أعمدة نشر الدعوة وتحبيب السلم للناس وتعريفهم بخصاله‪} :‬ادع‬
‫إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة{ )سورة النحل‪ :‬الية ‪} ،(125‬ول تجادلوا أهل الكتاب إل بالتي هي‬
‫ظا غليظ القلب لنفضوا من حولك{ )سورة آل عمران‪:‬الية‬
‫أحسن{ )سورة العنكبوت‪ :‬الية ‪}(46‬ولو كنت ف ً‬
‫‪...(159‬كما أقام السلم قواعد للتعامل مع باقي المم‪ ،‬ساعيا لتحقيق المن والستقرار‪ .‬فاعتمد مبدأ المعاهدة‪،‬‬
‫بحيث حالما تعطي دولة السلم المان والعهد لقوم‪ ،‬إل واكتسب هؤلء حرمة وذمة‪ ،‬وُمِنَع العتداء عليهم أو‬
‫المساس بحقوقهم أو أموالهم‪ .‬وفي الباب أحاديث كثيرة‪ ،‬منها‪<:‬من قتل نفسا ُمَعاهدا‪ ،‬لم ُيَرح رائحة الجنة‪ ،‬وإن‬
‫ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما>)أخرجه البخاري في كتاب الديات وكتاب الجزية(‪ ،‬وفيه أيضا‪< :‬من قتل‬
‫نفسا ُمَعاهدا في غير ُكْنِهه حرم ال عليه الجنة> )أخرجه أبو داود في باب المعاهدة(‪....‬‬
‫على أن العتداء على المعاَهد ل يرتب الجزاء الخروي فحسب‪ ،‬وإنما أيضا جزاءات دنيوية‪ .‬وقد أجملت ذلك‬
‫آيات من سورة النساء‪...} :‬فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم‪ ...‬إل الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق‪ ،‬أو‬
‫صرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم‪ ...‬فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَلم‪ ،‬فما‬
‫جاؤوكم ح ِ‬
‫جعل ال لكم عليهم سبيل‪ ...‬ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة‪ ،‬ودية مسلمة إلى أهله‪ ...‬فإن كان من قوم‬
‫عدّو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة‪ ،‬وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير‬
‫رقبة مؤمنة‪...‬ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ال فتبينوا‪ ،‬ول تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا‬
‫تبتغون عرض الحياة الدنيا‪ ،‬فعند ال مغانم كثيرة{ )سورة النساء‪ :‬اليات ‪.(89-94‬‬
‫وانسجاما مع نفس المبدأ قال الرسول صلى ال عليه و سلم‪< :‬ديـة المعاهد نصف دية الحر>)رواه أبو داود‪:‬‬
‫كتاب الديات‪ ،‬باب دية الذمي(‪ .‬وكما أن لنفس المعاَهد حرمة‪ ،‬فكذلك أمواله‪ ،‬ل يصح المساس بها لكونها‬
‫متقّومة ل مستباحة‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬حقوق الطفل على السرة‬

‫‪13‬‬

‫الحق في النتساب لسرة ل يتوقف مداه عند حمل اسمها‪ ،‬وإنما يتعداه إلى مجموعة حقوق يكتسبها الطفل‬
‫بمجرد ولدته ويتحملها البوان‪ .‬وعلى رأسها حقه في البوة والمومة‪ .‬وحسب جل التشريعات الوضعية تثبت‬
‫بنوة الطفل متى كان ثمرة زواج شرعي صحيح‪ .‬إنما إنصافا للطفل يثبت النسب أيضا بالقرار أو العتراف‪ ،‬مع‬
‫تفاوت وتباين بين القوانين في طرق العتراف وحدوده‪.‬‬
‫ونذّكر بأن حق السرة في حضانة الطفل واجب ومسؤولية أكثر منه حقا‪ .‬ذلك أن اتجاه القانون المقارن‬
‫والوفاق الدولية سائر نحو تحميل السرة بواجبات الرعاية والحضانة والتربية والنفاق والتدريس والتحسيس‬
‫بالمان والدفء‪ ،‬بهدف تحقيق نفسية سوية للطفل‪.‬‬
‫نفس القواعد أقرها السلم مبكرا‪ .‬والحاديث في الباب كثيرة‪:‬‬
‫) فمنها ما يلزم الباء بحسن التربية وإعطاء المثال في سمو الخلق‪< :‬كل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه‬
‫يهودانه‪،‬أوينصرانه‪ ،‬أويمجسانه‪) >...‬رواه البخاري( ومنها ما يلزمهما بالعناية والرعاية والصحبة والمراقبة‪:‬‬
‫ب ابنك سبعا وأدبه سبعا ورافقه سبعا‪ ،‬ثم اترك له الحبل على الغارب>)‪ ...(1‬كما بينت أحاديث أخرى طرق‬
‫<َر ّ‬
‫التنشئة السليمة وأصولها‪ ،‬جاعلة من السهر على التربية عمل يفوق في أجره وثوابه كل أعمال البر‬
‫والحسان‪.‬‬
‫) وُتّوج ذلك بتحميل البوين كليهما المسؤولية عن التقصير في واجباتهما تجاه أبنائهما أو من تحت كفالتهما‬
‫ع ومسؤول عن رعيته‪ ،‬والرجل راع في أهله وهو‬
‫من الطفال‪< :‬كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته‪ ،‬المام را ٍ‬
‫مسؤول عن رعيته‪ ،‬والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها‪) >...‬رواه البخاري ومسلم(‪.‬‬
‫) والمر بالنفاق على البناء وارد في القرآن والسنة‪ ،‬كما أشرنا‪ .‬فاعتبر الشرع من أعظم الثام إضاعة‬
‫النسان حقوق من تحت كفالته‪< :‬كفى بالمرء إثما أن يضّيع من يقوت )وفي رواية‪ :‬أن يحبس عمن يملك قوته‪،‬‬
‫رواه أبو داود‪ :‬كتاب الزكاة‪ ،‬مسلم‪ :‬كتاب الزكاة‪ :‬باب فضل النفقة على العيال(‪....‬‬
‫) كما حض على طلب العلم‪<:‬طلب العلم فريضة على كل مسلم> )رواه البيهقي في شعب اليمان(‪< ،‬اطلبوا‬
‫العلم ولو بالصين>)رواه ابن عدي والبيهقي في المدخل والشعب‪ ،(.‬والحاديث والثار في الباب كثيرة‪،‬‬
‫وحسبنا التأكيد على أن الشرع يأمر بطلب العلم من المهد إلى اللحد)‪ .(2‬وبما أن الخطاب ل يمكن توجيهه للوليد‬
‫في المهد‪ ،‬فالمعنى الوحيد هو أن المر موجه للباء والولياء لتعليم من تحت كفالتهم‪.‬‬
‫) وبما أن المرأة هي المدرسة الولى التي يتعلم في أحضانها الطفل مبادئ التربية‪ ،‬فقد حرص الرسول‪#‬على‬
‫تخصيص يوم من السبوع للنساء من أجل تعليمهن‪ ،‬ثم أمرهن بتنشئة أبنائهن على المبادىء السلمية التي‬
‫حفظنها عنه‪ .‬بحيث روي أن النساء اجتمعن فعلمهن الرسول مما علمه ال ثم قال‪< :‬ما منكن امرأة تقدم بين‬
‫يديها من ولدها ثلثة‪ ،‬إل كان لها حجابا من النار> فقالت امرأة منهن‪ :‬يارسول ال؟ اثنين؟‪...‬قال‪< :‬واثنين‬
‫واثنين واثنين>)‪...(1‬‬
‫سادسا‪ :‬حقوق الطفل على الدولة‬
‫أضحى دور الحكومات أكثر فعالية من السابق‪ .‬فبدأت تترسخ في الذهان وسياسات عديد من الدول فكرة أنه‪:‬‬
‫قبل أن تكون للدولة حقوق على مواطنيها وقبل أن تْأمَل في أن يكون لها مواطنون صالحون‪ُ ،‬تلَزم بتوفير‬
‫الظروف الكفيلة بتكوين أطفال أسوياء ورجال غٍد مقتدرين‪ .‬من ثم أقرت غالبية الدول حق الطفل في التربية‬
‫والتعليم‪ ،‬في الصحة‪ ،‬في إغنائه عن العمل‪ ،‬وإذا ما اقتضى الحال أن يشتغل‪ ،‬فيلزم تحقيق ظروف عمل تلئم‬
‫نعومته‪....‬‬
‫والمسؤولية عن الرعية في السلم‪ ،‬ل تقتصر على تحقيق المن‪ ،‬وإنما تتعداه لدقائق المور‪ .‬فبمجرد الشروع‬
‫جِعل من التعليم غاية سامية‬
‫في بناء أولى أواصر الدولة السلمية‪ ،‬أقيمت بنيات تحتية كانت مثالية‪ ،‬بحيث ُ‬
‫ظفت من أجلها جميع الوسائل)‪ .(2‬حتى أبيح أن يكون تعليم القراءة والكتابة وتعليم القرآن أجرا‪ ،‬ومهرا‪،‬‬
‫ُو ّ‬
‫وفدية من السر)‪ .(3‬من جهة أخرى اعتبر تعّلم المهن والتطبيب وممارستهما فرض كفاية‪ ،‬إذا تعلمه البعض‬
‫سقط عن الباقين‪ .‬بهذه الوسائل وأخرى‪ ،‬انتشر العلم بديار السلم ولقي العلماء كثيرا من التكريم والحظوة‪.‬‬
‫وأحِدثت وسائل لتمويل العمال الجتماعية‪ ،‬منها الزكاة والوقف والصدقات والفيء‪....‬‬
‫ذلك إذن مجمل مركز عن حقوق الطفل‪ .‬يحق لنا بعده أن نتساءل عن أي منها يفتقده الطفل المهمش‪ ،‬وما إذا‬
‫كان يحتاج لعناية خاصة من المشرع‪:‬‬
‫الهوامش‬
‫)‪ (1‬لذلك نحيل من يريد التوسع فيها على المراجع الوطنية لكل بلد‪ ،‬وعلى أخرى في القانون المقارن‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫‪Travaux de l‬ص ‪Association H. CAPITANT: La Protection de l‬ص ‪Enfant: Journées‬‬
‫‪Egyptiennes: T. XXX, 1979, (702 p.); Françoise DEKHEUWER-DEFOSSEZ:‬‬
‫‪Les Droits de l‬ص ‪....(.Enfant: Que sais-je:1996 (126. p‬‬
‫جر ‪،26‬‬
‫حْ‬
‫)‪ (2‬انظر في هذا المعنى آيات كثيرة‪ :‬آل عمران ‪59‬؛ النعام ‪ ،2‬الروم ‪ ،20‬فاطر ‪ ،11‬غافر ‪ ،67‬ال ِ‬
‫المؤمنون ‪ ،14-12‬النسان ‪ 2‬؛ َيس ‪77‬؛ السجدة ‪32‬؛ عبس ‪....18‬‬

‫‪14‬‬

‫)‪ (3‬للتوسع تراجع رسالتنا لنيل شهادة الماجستير حول قتل الرأفة أو الخلص ‪ Euthanasie‬دراسة قانونية‬
‫مقارنة‪ .‬كلية الحقوق‪ ،‬الرباط‪1987،‬م‪ ،‬ص ‪192‬وما بعدها‪ ،‬محمد علي البار‪ :‬خلق الجنين بين العلم والقرآن‪:‬‬
‫القاهرة‪1980 ،‬م‪ ،‬د‪ .‬محمد حسن ربيع‪ :‬الجهاض في نظر المشرع الجنائي‪ :‬القاهرة‪ :‬دار النهضة‪1995 ،‬م‪....‬‬
‫)‪ (4‬سورة النسان‪ :‬الية ‪.2‬‬
‫)‪ (5‬سورة العلق‪ :‬الية ‪.2‬‬
‫)‪ (6‬رواه البخاري ومسلم في كتاب القدر‪....‬‬
‫)‪ (7‬أبو حامد الغزالي‪ :‬إحياء علوم الدين ‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ص‪.65 :‬‬
‫)‪ (8‬ابن القيم‪ :‬التبيان في أقسام القرآن‪ :‬ص ‪ ، 255‬وفي مثل قوله يراجع‪ :‬ابن حجر العسقلني‪ :‬فتح الباري في‬
‫شرح صحيح البخاري‪ :‬كتاب القدر‪ ،‬ج ‪ ،11‬ص ‪.481‬‬
‫)‪} (9‬ول تقتلوا أولدكم من إملق‪ ،‬نحن نرزقكم وإياهم{ )النعام ‪} ،(151‬ول تقتلوا أولدكم خشية إملق‪ ،‬نحن‬
‫خطءًا كبيرا{ )السراء ‪ }،(31‬وكذلك زين لكثير من المشركين قتَل أولدهم‬
‫نرزقهم وإياكم‪ ،‬إن قتلهم كان ِ‬
‫شركاؤهم )النعام ‪.{(137‬‬
‫)‪ (10‬للتوسع يراجع‪ :‬محمد أبو زهرة‪ :‬العقوبة في الفقه السلمي‪ ،‬نظام الدين عبد الحميد‪ :‬جناية القتل العمد‪،‬‬
‫أحمد فتحي بهنسي في مؤلفاته عن الفقه الجنائي السلمي‪....‬‬
‫)‪ (11‬يراجع في ذلك‪ ، :‬صحيح البخاري‪ :‬باب الكفارات‪ ،‬صحيح مسلم‪ :‬باب فضل العتق‪ ،‬الموطأ‪ :‬كتاب العتق‪....‬‬
‫)‪ (12‬رواه البيهقي والطبراني‪ .‬ويحمل هذا الحديث معان علمية دقيقة أثبتها العلم الحديث بحيث قابل كل مرحلة‬
‫من مراحل الطفولة بما يلئمها من أصول التنشئة‪ .‬فمعلوم أن الطفل في سنواته السبع الولى يكون بحاجة‬
‫للمداعبة والتسلية‪ ،‬ثم بعدها يحتاج للتنشئة والتعليم والتربية السليمة‪ ،‬وعندما يتمها يكون قد دخل حتما طور‬
‫المراهقة‪ ،‬بما تحمله من مخاطر‪ ،‬فيحتاج للمصاحبة والمرافقة إلى أن يجتازها‪....‬‬
‫)‪ (13‬رواه البيهقي‪.‬‬
‫)‪ (14‬رواه البخاري في كتاب العتصام بالكتاب والسنة‪ :‬باب تعليم النبي أمته من الرجال والنساء‪.‬‬
‫)‪ (15‬يضيق المجال عن ذكر اليات ولحاديث والثار الكثيرة التي وردت في مجال العلم‪ ،‬لذلك نكتفي بالحالة‬
‫عليها في كتب الفقه والحديث‪ ،‬التي أفردت في غالبها بابا أو كتابا خاصا بفضل العلم والتعّلم والتعليم‪.‬‬
‫)‪ (16‬إن كتب الفقه مليئة بالمثلة عن ذلك‪ ،‬حيث كان يطلب من السرى أن يفتدوا أنفسهم بتعليم أهل دار‬
‫السلم‪ ،‬كما أجاز الرسول و حبذ أن يكون المهر بضع آيات من القرآن يعلمها الزوج لزوجته‪....‬‬
‫*********‬

‫المبحث الثاني ‪ :‬حقوق الطفل في الظروف غير العادية أو حقوق الطفل المهمش في‬
‫المساواة مع الطفل العادي‬
‫إن القاسم المشترك بين جميع الطفال المهمشين هو عدم التكيف مع الواقع‪ .‬ومعنى هذا أن لوائح الحقوق‬
‫المعددة أعله غير كافية للجابة على احتياجاتهم وقضاياهم‪ .‬من ثم افترضنا سلفا أن اندماجهم يقتضي دراسة‬
‫خاصة لوضعية كل فئة‪ ،‬إن أردنا فعل التعرف على مصادر الحرمان‪ ،‬وترجمتها إلى حق َيلَزم التكفل به‪.‬‬
‫فما من شك في أن الستثمار في ميدان الطفولة ذو مردودية عالية على المدى المتوسط والبعيد‪ ،‬لذلك يجب‬
‫على الدول تبني برامج جريئة في الميدان‪ .‬إنما ولكون الخطط الجتماعية والسياسية والقتصادية تحتاج في‬
‫نهاية المطاف للدعم والتطبيق‪ .‬فالعماد الساسي هو اللة التشريعية‪ ،‬أي تكريس حقوق الطفل من قبل المشرع‪.‬‬
‫بمعنى أن أول خطوة هي ضرورة تكييف لوائح الحقوق مع وضعية الطفل في الظروف غير العادية‪ ،‬من أجل‬
‫تقريبه من الطفل العادي‪ ،‬وتحقيق تكيفه مع ضوابط المجتمع‪.‬‬
‫وسبق أن حددنا أهم أسباب عدم التكيف‪ ،‬وخلصنا إلى أن كل فئة تفتقد جزءا من مقومات الطفولة العادية‪ .‬من ثم‬
‫فلتحقيق احتياجها يجب العتراف لكل منها بحقها فيما ينقصها‪ .‬على أن عوامل التهميش مهما اختلفت فهي‬
‫تؤدي في الغالب إلى نفس النتائج‪ :‬الحرمان من النسب أو الهوية أو السرة أو العائل‪ ،‬من التمدرس‪ ،‬من‬
‫الستقرار‪ ،‬من حق المواطنة‪ ...‬لذلك سنحاول تركيز على ما يحتاجه الطفل المهمش من حقوق إضافية فيما‬
‫يلي‪:‬‬
‫أول ‪ :‬حق الطفل غير الشرعي في النسب‬
‫العتراف بالنسب الشرعي وحده‪ ،‬ليس المقصود منه أن يعيش الطفل غير الشرعي بدون اسم ولهوية‪ .‬فالذي‬
‫سعى إليه السلم ليس محاربة الطفال غير الشرعيين أو نبذهم‪ ،‬بل سعى لمحاربة اختلط النساب وزواج‬
‫المحارم وشيوع الفاحشة واستشراء الزنى)‪ ،(1‬أي استئصال الشر من جذوره‪.‬‬
‫حرصهم على إلحاق البن بنسب الزوج متى وجدت قرينة على‬
‫ومن خلل مطالعة اجتهادات الفقهاء يلحظ مدى ِ‬
‫اللحاق)‪ .(2‬ومن أجل ذلك توسعوا في وسائل إثبات النسب‪ ،‬وتضييق فرص إنكاره‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫) فكل طفل ولد على فراش الزوجية يعّد ابنا شرعيا ما لم يثبت العكس‪ " .‬الولد للفراش " كما اجتهد الفقهاء في‬
‫تضييق حالت ووسائل إثبات رفع النسب عن الطفل المولود على فراش الزوجية‪.‬‬
‫طرته دقيقة‪ ،‬بحيث قد تنقلب ضد الزوج المنكر لنسب ابنه إذا‬
‫) وإنكار النسب له شروط محكمة في الشرع‪ ،‬وِمس َ‬
‫لم ُيثِبت زنى زوجته أو إذا رفض الملعنة)‪ ،(3‬فيقام عليه حد القذف )يجلد ثمانين جلدة(‪ .‬وفـي جمـيع الحـالت‬
‫تحـرم عليـه‬
‫حرمة مؤبدة ـ يفرق بينه وبينها مؤبدا ـ وتتلخص أهم طرق إنكار النسب في‪ :‬اللعان‪ ،‬أو إثبات أن الطفل ولد‬
‫خارج أجل الوضع المحدد شرعا)‪. (1‬‬
‫حق عقٌل‬
‫) والستلحاق أو القرار بالبنوة ممكن‪ ،‬ول يتطلب شروطا أو شكليات معقدة‪ ،‬ويكفي أل يكذب المستل ِ‬
‫حق‬
‫حق معقول‪ ،‬وأن تكون فرصة الجماع ممكنة بين المستل ِ‬
‫أو عادة‪ ،‬أي أن يكون فارق السن بينه وبين المستل َ‬
‫حق‪ .‬وهنالك أحاديث وآثار كثيرة عن إلحاق البناء بآبائهم‪ .‬فقد روي عن عائشة رضي ال عنها‬
‫وأم المستل َ‬
‫عِهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص‪ :‬أن ابن وليدة )جارية( زمعة مني فاقبضه‬
‫عتبة بن أبي وقاص َ‬
‫قولها‪ :‬كان ُ‬
‫ي فيه‪ ،‬فقام عبُد بن زمعة‪ ،‬فقال‪ :‬أخي‬
‫عِهد إل ّ‬
‫إليك‪ ،‬قالت‪ :‬فلما كان عام الفتح أخذه سعد‪ ،‬فقال‪ :‬ابن أخي‪ ،‬قد َ‬
‫وابن وليدة أبي‪ُ ،‬ولد على فراشه‪ ،‬فتساوقا إلى النبي‪ ،#‬فقال سعد‪ :‬يارسول ال‪ ،‬ابن أخي‪ ،‬قد كان عهد إليّ فيه‪.‬‬
‫ن زمعة> ثم قال‬
‫فقال عبُد بن زمعة‪ :‬أخي وابن وليدة أبي‪ ،‬ولد على فراشه‪ .‬فقال رسول ال‪< :#‬هَو لك ياعبَد ب َ‬
‫النبي‪< :#‬الولد للفراش وللعاهر الحجر>‪ .‬ثم قال لسودة بنت زمعة )أم المؤمنين( <احتجبي منه> لما رأى من‬
‫شبهه بُعتبة بن أبي وقاص)‪ ،(2‬فما رآها حتى لقي ال عز وجل )رواه البخاري في كتاب البيوع‪ :‬باب تفسير‬
‫المشبهات وفي كتاب الفرائض‪ :‬باب‪ :‬الولد للفراش‪...‬ومسلم في كتاب الرضاع(‪.‬‬
‫ط )ُيلحق( أولد الجاهلية بمن ادعاهم في السلم‪ ،‬مستعينا‬
‫كما ثبت أن عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬كان ُيلي ُ‬
‫شَبه وتمييز الثر(‪ .‬وُنِقل عنه‬
‫بالقيافة )جمع قائف وهو الذي يتتبع الثار ويعرفها‪ ،‬والقيافة علم أو معرفة ال ّ‬
‫قوله‪< :‬ما بال رجال يطؤون ولئدهم )جواريهم(‪ ،‬ثم يعزلوهن؟ لتأتيني وليدة يعترف سّيدها أن قد َأَلّم بها‪ ،‬إل‬
‫ألحقت به ولدها‪ .‬فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا> )‪.(1‬‬
‫) كما اعُتِمد إقرار الزوج كوسيلة لللحاق ولو بعد إنكاره نسب الولد المولود على فراشه‪ ،‬أو ملعنته لزوجته‪.‬‬
‫بحيث إذا لعن زوجته أو أنكر نسب ابنها‪ ،‬ثم تراجع عن موقفه‪ ،‬طبق عليه حد القذف وُألحق به الولد شرعا‪.‬‬
‫) من جهة أخرى يكتفي الشرع ببينة السماع أوشهادة الشهود للحاق الولد بنسب شخص آخر سواء في حياته‬
‫أو بعد مماته)‪. ...(2‬‬
‫) الزواج الفاسد بسبب انعدام إحدى شرائط انعقاده‪ ،‬كانعدام الرضى أو عدم الشهاد عليه‪ ...‬يعتبر باطل‪ ،‬إل أن‬
‫الولد يلحق‪ .‬وذلك خروجا عن الصل وهو أن العقد الباطل ل يرتب أية آثار‪.‬‬
‫) الزواج بين المحارم أيضا يعتبر فاسدا‪ ،‬أي باطل ل يرتب أية آثار‪ ،‬ويفسخ بدون طلق‪ .‬إل أنه إذا تم بحسن‬
‫نية‪ ،‬أي إذا كان الزوجان جاهلين بوجود المانع الشرعي‪ ،‬فالولد يلحق بأبيه شرعا‪ ،‬رغم أن الزواج باطل‪ ،‬أي‬
‫كالعدم‪ .‬بحيث لم يرّتب عليه هذا الثر إل استثناء‪ ،‬إنقاذا لنسب الطفل‪.‬‬
‫لكن تفاديا للمغالة‪ ،‬وتوفيقا بين حق البن في النسب وحق الزوج في التخلص ممن عِلق بنسبه عدوانا‪ ،‬قوبلت‬
‫عى إلى غير أبيه‪ ،‬وهو يعلم أنه غير‬
‫الحكام الواردة أعله بأحكام أخرى لخصها الحديث المذكور سابقا‪< :‬من اّد َ‬
‫أبيه‪ ،‬فالجنة عليه حرام>‪) ،‬رواه البخاري في كتاب الفرائض‪ ،‬ومسلم في كتاب اليمان(‪ .‬وفي هذا الباب أحاديث‬
‫أخرى مماثلة‪.‬‬
‫والطفال غير الشرعيين الذين يولدون رغم كل الذي أقامه السلم من تدابير تحرزية‪ ،‬ل يجب أن يؤدوا وحدهم‬
‫ثمن تفشي الرذيلة أو اللمسؤولية‪ .‬ولنصافهم‪ ،‬أقام السلم مجموعة مبادئ تصون كرامتهم وتحدد لهم هوية‪.‬‬
‫وهذه المبادئ قابلة لن يقاس عليها في ما ينسجم مع روح العصر‪:‬‬
‫فالسلم أوجب منح الطفال غير الشرعيين أسماًء وهوية‪ .‬ومن أجل ذلك‪ ،‬وإلى جانب الخوة في الدين‪،‬‬
‫استحسن الشرع لفائدتهم حق الموالة‪ ،‬كما تلخصه آية }‪...‬فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم{‬
‫)سورة الحزاب ‪ :‬الية ‪ .(5‬ويكفي الرجوع لكتب التراث للتعرف على مدى نجاح فكرة الموالة في إدماج‬
‫عديمي النسب في المجتمعات السلمية‪ ،‬لظروف مختلفة‪...‬ونشير إلى ذلك بالحالة على العدد الهائل للموالي‬
‫الذين اشتهروا في مجال خدمة العلم والدعوةوتولوا مناصب عالية في الدولة‪. ...‬‬
‫كما أقام السلم مبدأ الرضاعة وما يترتب عليه من أواصر متينة بين الطفل الراضع والسرة المرضعة‬
‫)الحاضنة أو البديلة(‪ .‬فمعلوم أن الرضاعة ليست مجرد علقة عارضة بين الطفل والسرة‪ ،‬وإنما تترتب عليها‬
‫علقة تنسحب على مستقبل الطفل بكامله‪ .‬إذ يندمج في السرة‪ ،‬فيصبح ابنا من الرضاع للم المرضعة وزوجها‪،‬‬
‫وأخا لبنائهما‪ ،‬ل يحل التزاوج بينه وبينهما‪ .‬وهو مبدأ غاية في الحكمة‪ .‬لنه بدون تثبيت العلقة بتلك الطريقة‪،‬‬
‫ضع بالمان والستقرار والحنو‪ ...‬وكلها أحاسيس ضرورية ليعيش الطفل حياة طبيعية‪ ،‬فإن‬
‫لن يشعر الطفل المر َ‬
‫لم تكن صادقة لم يتحقق اندماج الطفل في السرة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫وبديهي أن أول خطوة لتحقيق اندماج الطفل‪ ،‬هي منحه اسما ونسبا ينسجمان مع المتعارف عليه‪ .‬وسنكتفي‬
‫بإعطاء اسم عائلي مفترض تَدّونه السلطات المعنية بسجل معد خصيصا لذلك‪ ،‬شريطة أل يكون السم المفترض‬
‫مما يخل بالداب أو يخدش مشاعر الطفل‪.‬‬
‫ولضمان عدم اختلط النساب من المستحسن أن يقّيد إلى جانب السم العائلي المفترض‪ ،‬السم الشخصي‬
‫عِرفا‪ .‬ولحمايته من اكتشاف حقيقته مبكرا‪ ،‬يمكن تسجيل اسماء مفترضة لوالديه‪.‬‬
‫الحقيقي لحد والدي الطفل إن ُ‬
‫ولنفس الغاية وحفظا لكرامته‪ ،‬نحبذ إحداث سجل خاص‪ ،‬بشرط أن يكون غاية في السرية‪ ،‬تَدّون فيه حقيقة‬
‫الطفل‪ ،‬وكل الوقائع والمعلومات المتعلقة بالظروف التي عثر عليه فيها )كتحديد مكان اللقطة‪ ،‬وما كان يحمله‬
‫من ملبس‪ .(...‬فمثل هذه المعلومات‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬تسهل عليه مستقبل‪ ،‬العثور على أسرته الحقيقية‪،‬‬
‫وتسهل على الوالدين الحقيقيين العثور عليه في أية لحظة استيقظ فيها ضميرهما وعواطفهما‪.‬‬
‫ومعلوم أن عديدا من القوانين المقارنة تسمح بمنح الطفل المتبّنى نفس اسم العائلة التي تتبناه‪ ،‬إل أن التجاه‬
‫الحالي يميل نحو التحرز حيال التبني والتضييق من منح الطفال أسماء المتبنين‪ ،‬لحفظ هوية الطفل الحقيقية‪،‬‬
‫حب منه هذا السم مستقبل‪ .‬من ذلك مثل قانون فرنسي حديث أدخل مجموعة متراصة من‬
‫وحماية له من أن ُيس َ‬
‫خل سلطان المال وحاد بالتبني عن‬
‫القواعد الكفيلة بحماية الطفل في مختلف الوضاع‪ ،‬خصوصا بعد أن تد ّ‬
‫أهدافه النبيلة )‪.(1‬‬
‫ثانيا ‪ :‬حق الطفل المحروم من السرة في أسرة بديلة‬
‫َمْنع الشرع للتبني ل يقصد به حرمان الطفل من النتساب لسرة ما حقيقية أو بديلة‪ ،‬وإنما فقط منعا لختلط‬
‫النساب‪ .‬وتوفيقا بين المرين ابتدع الشرع الرضاع والتنزيل والموالة ‪. ...‬‬
‫* فالرضاع يمّكن الطفل من الغذاء والحنان والتنشئة والسرة‪...‬إذ من آثاره خلق وشائج عائلية بينه وبين‬
‫أسرته من الرضاع‪. ...‬‬
‫* والتنزيل يعني تنزيل ابن ليس من الصلب منزلة الولد‪ ،‬وبالتالي تمتيعه بكل الحقوق التي يتمتع بها الطفل‬
‫العادي‪ ،‬مع تمييز طفيف‪ ،‬وهو عدم منحه النسب الحقيقي للمتبني‪ ،‬وأيضا جعل نصيبه من الميراث في حدود‬
‫الثلث‪. ...‬‬
‫* والموالة أخوة بين شخصين يتفقان على أن يتكفل أحدهما بالخر وأن يتوارثا‪. ...‬‬
‫فهذه الطريقة طالما حققت التكافل بين الناس عبر تاريخ السلم وتحقق اندماج الطفال المتخلى عنهم وتبوأوا‬
‫مكانات كباقي الناس‪ ...‬بدليل أن التشرد أو هجر الطفال ظواهر حديثة بالمجتعات السلمية‪.‬‬
‫والملحظ أن قوانين جل الدول السلمية‪ ،‬سكتت عن حقوق الطفال غير الشرعيين‪ ،‬خصوصا ما يتعلق‬
‫بحضانتهم أو التكفل بهم‪ ،‬أو إلزام الدولة بالتكفل بهم‪ ،‬أو تشجيع السر على احتضانهم‪ ...‬وذلك ربما لتحرجها‬
‫من ظاهرة الطفال غير الشرعيين‪ .‬فكانت النتيجة أن تزايدت أعداد الطفال المحرومين من السرة‪ ،‬في صمت‪.‬‬
‫هذا في حين تعامل معهم الشرع برحمة وتفهم‪ .‬ويمكن إجمال موقفه في كون الرسول‪#‬قْبل إقامة حد الرجم علي‬
‫الغامدية‪ ،‬دفع بابنها لرجل صالح من المسلمين ليتولى تربيته ورعايته‪ .‬وذلك إلى جانب عدد هائل من اليات‬
‫والحاديث التي تحض على إكرام اليتيم ورعايته والتكفل به وتربيته وصونه)‪ ،(1‬أيا كان سبب اليتم‪ ،‬وسواء‬
‫كان اليتيم معلوم أو مجهول الوالدين ‪.‬‬
‫وفي الثار ثبت أن عمر بن الخطاب رضي ال عنه جاءه رجل بطفل وجده منبوذا‪ ،‬فقال عمر‪< :‬ما حملك على‬
‫ح‪ .‬فقال عمر‪:‬‬
‫عريُفُه‪ :‬ياأمير المؤمنين‪ ،‬إنه رجل صال ٌ‬
‫سمة؟ قال وجدتها ضائعة فأخذتها‪ .‬فقال له َ‬
‫أخذ هذه الّن ْ‬
‫أكذلك؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فقال عمر‪ :‬اذهب فهو حّر ولك ولؤه‪ ،‬وعلينا نفقته> )الموطأ‪ :‬باب القضاء في المنبوذ(‪.‬‬
‫وروى سهل بن سعد رضي ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال‪< :#‬أنا وكافل اليتيم في الجنة‪ ،‬هكذا> وقال بإصبعيه‬
‫السبابة والوسطى‪) .‬رواه البخاري في كتاب الدب‪ :‬باب فضل من يعول يتيما(‪.‬‬
‫وإن هيئة المم المتحدة )اتفاقية ‪1989‬م( وهي بصدد تعداد لئحة الحقوق حاولت تكييفها مع الظروف الثقافية‬
‫والعقائدية لكل دولة‪ .‬فبعد أن أقرت حق الطفل في التبني‪ ،‬تحدثت عن حقه في التكفل به ـ أوتنزيله منزلة الولد ـ‬
‫كما هو في الشريعة السلمية ـ)‪ ...(1‬حاضة الحكومات على الحتفاظ بحق التدخل والمراقبة للتأكد مما إذا كان‬
‫الطفل يحظى بالرعاية والتربية‪ ...‬ثم توّلت اتفاقية لهاي )‪ 29‬ماي ‪ (1993‬تنظيم التبني خارج الوطن‪ .‬وحماية‬
‫جأ‬
‫لهويته الثقافية وعقيدته حثت على أن يحصل التبني من قبل مواطني الدولة التي ينتمي إليها الطفل‪ ...‬ول ُيل َ‬
‫للتبني خارج الوطن إل في الظروف القاهرة‪ .‬وفي هذه الحالة حثت على إنشاء لجنة اجتماعية تمر عبرها كل‬
‫ن مباشر وبدون استشارتها غير مشروع‪.‬‬
‫طلبات التبني خارج الحدود‪ ،‬معتبرة كل تب ٍ‬
‫ثالثا ‪ :‬حق الطفل المحروم من النفقة في مورد للعيش‬
‫لما جاء السلم وواجهه التباين الطبقي لم يسع إلى اجتثاث الغنى بل لمحاربة الفقر‪ .‬فحث الناس على العمل‬
‫والسعي والمواظبة‪ ،‬ونبذ التكال والخنوع جاعل من الخدمة على العيال واجبا وصدقة وحسنة تتقُدم كل أعمال‬
‫الخير‪ ،‬معتبرا اليد العليا خيرًا من اليد السفلى‪ .‬كما حارب البخل وكنز الموال‪ ،‬وأقام قواعد متراصة تكفل تداول‬
‫الثروات بين الناس‪ ،‬وعدم تكديسها في يد الغنياء‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫جد طفل بدون عائل‪ ،‬فالحكم الشرعي أن‬
‫وفي المقابل‪ ،‬إذا عجز النسان عن الكسب وضمان قوت عياله‪ ،‬أو ُو ِ‬
‫العشيرة تتكفل به‪ ...‬وإل تولى ذلك بيت المال‪ .‬فأقام الشرع نظما لتمويل أعمال التكافل )الضمان الجتماعي(‬
‫وعلى رأسها الزكاة )‪ ،(2‬أحد أركان السلم‪} :‬وفي أموالهم حق للسائل والمحروم{ )سورة الذاريات‪ :‬الية‬
‫‪ .( 19‬ثم حدد طرق إنفاقها بشكل يشمل المحرومين‪} :‬إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها‬
‫والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ال وابن السبيل‪ ،‬فريضة من ال{ )سورة التوبة‪ :‬الية‬
‫‪}،(60‬وآَتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‪) {...‬سورة البقرة ‪ :‬الية ‪....(177‬‬
‫ظُم الضمان الجتماعي الحديثة ليست غريبة عن السلم‪ ،‬وإن بدت في الواقع غريبة عن بعض‬
‫لذلك فُن ُ‬
‫المجتمعات المسلمة التي ابتعدت عن تعاليمه‪ .‬فل عجب إذن أن ينسجم ما استقرت عليه الوفاق الدولية مع‬
‫روح السلم‪.‬‬
‫فاتفاقية ‪1989‬م بشأن حقوق الطفل كرست حق الطفل في النفقة والسكان‪ ...‬مستهلة قولها‪<:‬تعترف الدول‬
‫الطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملئم لنموه البدني والعقلي والروحي‪ ...‬يتحمل الوالدان أو أحدهما أو‬
‫الشخاص الخرون المسؤولون عن الطفل‪ ...‬بتأمين ظروف عيش ملئمة لنموه‪ ...‬وتتخذ الدول الطراف‬
‫التدابير الملئمة لمساعدة الوالدين‪)...‬م ‪.(27‬‬
‫رابعا ‪ :‬حق الطفل المهّمش في التربية والتعليم‬
‫عوامل التهميش السالف سردها تجتمع في نهاية المطاف لتحرم الطفل من التمدرس‪ .‬والحرمان من التعليم‬
‫لوحده يعتبر كافيا للتهميش‪ .‬لن مستقبل الشعوب هو العلم‪ ،‬والموارد البشرية هي الثروة الساسية في عصر‬
‫المعرفة‪ .‬من ثم تبقى المية من أكبر عوائق الندماج والتقدم‪.‬‬
‫ففي الدول المتقدمة ُأرِفق حق الطفل في التمدرس بفرض نظام التعليم الجباري مع تفاوت في مستوى ومدة‬
‫الجبارية‪ .‬و تعّزز الجبار بالبنيات التحتية الضرورية والدعم المالي للسر‪ .‬ثم أرفق بعقوبات قد يكون من‬
‫ضمنها مصادرة حق السرة في حضانة الطفل‪ ...‬نفس الشيء يقال عن النشطة الموازية والتكوين المهني‪...‬‬
‫بحيث تلتزم الدولة فوق ضمان الهياكل الضرورية‪ ،‬بالمراقبة والتفتيش الفعلي للمؤسسات وسلوكات السر‪.‬‬
‫من ثم ـ لصلح الطفل غير المتكيف وإعادة تأهيله وإدماجه ـ يجب ضمان حقه في التعليم وتوفيره له بوسائل‬
‫عملية ملموسة وإيجابية‪ .‬كما يلزم الستعجال في فرض تعليمه وإعادة تأهيله‪ ،‬إنقاذًا له ولذريته‪ .‬وإذا كان لنا أن‬
‫نعود لروح السلم‪ ،‬فلن نفاجأ بوجود تعاليم حرصت على أن ينال كل طفل نصيبه من التربية السليمة والتعليم‬
‫والندماج في السرة والمجتمع‪.‬‬
‫ولضيق المجال نحيل على ما أوردناه من آيات وأحاديث وآثار‪ ،‬تجعل من طلب العلم فريضة على كل مسلم‬
‫ومسلمة‪ ،‬ل فرق بين محظوظ ومحروم‪ ،‬ذكر وأنثى‪ ،‬ودون وضع حد لسن التعّلم‪ ،‬وأحاديث أخرى تثبت إلى أي‬
‫حد اسُتِغّلت كل الوسائل لنشر العلم‪ .‬وحسبنا أن نذّكر بأن الرسول صلى ال عليه و سلم كان يفرج عن السير‬
‫لقاء تعليمه عشرة من أبناء وبنات المسلمين‪ ،‬وأن الشرع جعل تربية الولد والحسان إليه أفضل من الصدقة‬
‫ومن كل أبواب الِبر والحسان‪ .‬وفي الباب أحاديث كثيرة منها‪< :‬أكرموا أولدكم وأحسنوا أدبهم> )رواه ابن‬
‫ي أدبه‪ ،‬وإن أدب ال القرآن> )رواه الدارمي‪ :‬كتاب فضائل القرآن ‪ (1‬ومنها‪:‬‬
‫ماجة‪ :‬كتاب الدب (‪ ،‬و<‪...‬أن يؤِت َ‬
‫ب حسن>‪ ،‬و<لن يؤدب الرجل ولَده خير له من أن يتصدق بصاع> )رواهما‬
‫حل والٌد وَلَده أفضل من أد ٍ‬
‫<ما ن َ‬
‫الترمذي‪ :‬كتاب البر(‪.‬‬
‫وهيئة المم المتحدة‪ ،‬في إطار اتفاقية ‪1989‬م‪ ،‬حضت الدول على تفعيل الوسائل لضمان حق المواطنين في‬
‫التعليم‪ ،‬وتكييف برامجه مع الوساط الجتماعية ومع المعتَقدات الدينية‪ .‬حاضة على استعمال كل السبل لمحاربة‬
‫خبرات ومحاربة المية‪)...‬م ‪.(30-28‬‬
‫ترك الدراسة؛ وعلى التعاون الجهوي المشترك لتبادل ال ِ‬
‫خامسا ‪ :‬حماية إضافية للطفل المحروم من الستقرار‬
‫كثير من حالت عدم التكيف ترجع لنعدام الستقرار بسبب النزوح واللجوء والتشرد والفتقار لسرة حاضنة‬
‫والفتقاد للجنسية‪ ،‬سواء في ظروف السلم أو الحرب‪.‬‬
‫حهم كل ما‬
‫ث على التكفل بالطفال المتخلى عنهم ومن ِ‬
‫والسلم هنا أيضا كان السباق لحماية هذه الفئات‪ ،‬بأن ح ّ‬
‫يحتاجونه من عطف وحنان وتربية وتعليم‪ .‬واعتبر كل طفل مولود في دار السلم حرا‪ ،‬منتميا لها‪ ،‬له حقوق‬
‫على بيت مالها كما أسلفنا‪ .‬أما عن اللجوء فليس ثمة أبلغ من مثال المهاجرين والنصار‪ ،‬وما جاء من رموز‬
‫لدماج المهاجرين في المجتمع الجديد بشكل مثالي يلزم العتبار به‪.‬‬
‫كما أقام السلم أخلقيات للحرب والفتح منها عدم المساس بالطفل والمرأة )أي حاضنة الطفل(‪ .‬فقد روي أن‬
‫الرسول صلى ال عليه و سلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة‪ ،‬فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والولدان‬
‫)البخاري‪ :‬كتاب الجهاد والسير‪ :‬باب قتل النساء‪ ،‬ومسلم‪ :‬كتاب الجهاد والسير‪،‬باب النهي عن قتل النساء‬
‫حقْيق عن قتل النساء والولدان‪ .‬فكان رجل منهم يقول‪:‬‬
‫والصبيان‪ .(...‬كما روي عنه أنه نهى من قتلوا ابن أبي ال ُ‬
‫ت )أظهرت أمرنا( امرأة ابن أبي الحقْيق بالصياح‪ .‬فأرفع السيف عليها‪ ،‬ثم أذكر نهي رسول ال‪ ،#‬فأُكف‪،‬‬
‫ح ْ‬
‫بّر َ‬
‫ولول ذلك استرحنا منها)الموطأ‪:‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب النهي عن قتل النساء الولدان‪.(...‬‬

‫‪18‬‬

‫وروى عن المام مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل من عماله أنه‪<:‬بلغنا أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم‪<:‬اغزوا باسم ال‪ .‬في سبيل ال‪...‬تقاتلون من كفر بال‪ ،‬ل تغلوا ول‬
‫تغدروا‪ ،‬ول َتْمُثلوا‪ ،‬ول تقتلوا وليدا‪ ،‬وقل ذلك لجيوشك وسراياك> )الموطأ‪ :‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب النهي عن قتل‬
‫النساء والولدان في الغزو(‪ .‬وروي أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام‪ ،‬فخرج يمشي مع يزيد بن أبي‬
‫سفيان ـ وكان أمير ربع من تلك الرباع ـ فأوصاه قائل ‪...< :‬وإني موصيك بَعشٍر‪ :‬ل تقتلن امرأة ول صبيا ول‬
‫كبيرا هرما‪ ،‬ول تقطعن شجرا مثمرا ول تخربن عامرا‪) >...‬الموطأ‪ :‬كتاب الجهاد‪،‬باب النهي عن قتل النساء‬
‫والولدان‪.(...‬‬
‫وهيئة المم المتحدة في اتفاقية ‪1989‬م توقفت عند هذه الحالت بالذات‪ ،‬حاضة الدول الطراف على احترام‬
‫القليات)م ‪ ،(30‬ومنح الطفل اللجئ كل ما يحتاجه من مساعدات وتمتيعه بكافة الحقوق كباقي الطفال)م ‪...(22‬‬
‫‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬حق الطفل المعاق في التغلب على العاقة‬
‫هنا أيضا حمل السلم عبرا كثيرة ُيستَدل بها على ضرورة دمج المعاق في المجتمع‪ .‬ونختزل ذلك في مثال ابن‬
‫أم مكتوم الضرير‪ ،‬الذي من أجله تلقى الرسول صلى ال عليه وسلم أول وآخر عتاب إلهي‪< :‬عبس وتولى>‪.‬‬
‫حيث كان الرسول‪#‬منشغل مع سادة قريش يدعوهم لليمان‪ ،‬وإذا بابن أم مكتوم يقاطعه قائل‪ :‬يارسول ال‬
‫أقرئني مما علمك ال؛ فُيعرض عنه‪ ،‬فنزلت الية } عبس وتولى أن جاءه العمى‪. {..‬‬
‫ابن أم مكتوم هذا سيكون له شأن وسيصبح والي المدينة مرتين‪ ،‬كرمز مثالي على قدرة المعاق على التغلب‬
‫على عاهته‪ ،‬والندماج في المجتمع متى حظي بالرعاية التي يحتاجها‪ .‬فالعتاب الموجه للرسول‪#‬لم يكن الهدف‬
‫منه سوى تنبيه جميع المسلمين وحثهم على العتناء بالشخص المعاق واستثمار طاقاته‪.‬‬
‫وقد نال المعاق كثيرا من اهتمام هيئة المم المتحدة في السنوات الخيرة‪ .‬فبجانب إعلن ‪1959‬م واتفاقية‬
‫‪1989‬م‪ ،‬حيث احتل الطفل المعاق حيزا هاما‪ ،‬صدرت مجموعة أوفاق خاصة به‪ ،‬كإعلن ‪1969‬م بشأن الطفل‬
‫المعاق؛ تصريح ‪1971‬م الخاص بالمعاق ذهنيا‪ ،‬إعلن ‪1975‬م بشأن الشخاص المعاقين‪....‬‬
‫سابعا ‪ :‬حماية خاصة للطفال المعرضين للستغلل والعتداء‬
‫إن أسباب استغلل الطفل ل حدود لها‪ ،‬بسبب كونه أضعف مخلوق‪ .‬والستغلل قد يأتي من أقرب القرباء‪ ،‬كما‬
‫قد يأتي من المشّغل‪ ،‬أو من أي شخص أو عصابات إجرامية أو‪ ...‬وبذلك أضحى من واجب الدولة التدخل لرفع‬
‫الحيف عن الطفل ليس من الغرباء فحسب‪ ،‬بل حتى من ذويه‪:‬‬
‫‪ . 1‬حق الطفل في التخلص من السرة متى كان وجوده معها مضرا به‬
‫أشكال الضرر تختلف‪ ،‬فقد يكون الب أو الم غير صالحين فينعكس سلوكهما على تربية الطفل‪ ،‬وقد يمارسان‬
‫عليه أشكال من التعذيب الجسدي أو النفسي‪ ،‬وقد يحَرم من النفقة؛ أو ينفصل الزوجان ويقيم الطفل مع أحد‬
‫أبويه المتزوج بالغير‪ ...‬وفي جميع الحالت فضرر الطفل بّين ومستقبله مهدد‪.‬‬
‫ويتوجه القانون المقارن والوفاق الدولية )‪ (1‬نحو تمكين الدولة من حق التدخل لرفع الحيف عن الطفل‬
‫الضحية‪ .‬إذ حاولت التشريعات تصور الوضاع غير السليمة وإيجاد حلول لها‪ .‬وبذلك فرضت النفقة على العائل‬
‫وأوجدت طرقا للزامه بصرفها‪ ،‬وحددت الحاضن فيمن ُيْفَتَرض أنه يحرص على الطفل أكثر‪ ،‬ثم منحت الطفل‪ ،‬ـ‬
‫متى وصل سنا معينة ـ‪ ،‬حق اختيار مع من يريد أن يقيم من أبويه أو من ذويه وأجازت سحب الحضانة من‬
‫السرة‪ ،‬متى كان الب عنيفا مثل‪ ،‬أو اقترف اعتداءات جسدية أو جنسية ضد الطفال‪. ...‬‬
‫نفس الحكام السابقة تستخلص من الشرع‪ .‬وذلك بكل بساطة لن السلم يعّول كثيرا على الطفل‪ ،‬رجل‬
‫المستقبل‪ .‬والحكام في الباب كثيرة وتتكامل فيما بينها‪ .‬فعديدة هي اليات والحاديث التي أقرت حقوق الطفل في‬
‫الحضانة والنفقة‪ ،‬وحفظ أمواله وحسن تسييرها‪ ،‬كما أسلفنا‪ .‬وأخرى نهت عن العنف ضد الطفال وأوصت‬
‫بحسن المعاملة والليونة والحسان إليهم‪ ،‬وحسن التربية والتعليم والتكفل باليتام والمعوزين )‪. ...(2‬‬
‫ففي بـــــاب اليصـــــــاء بالحسـان للطفال وحسن تربيتهم وتعليمهم قواعد الدين‪ ،‬ـ بالضافة للحاديث‬
‫السابقة ـ‪ ،‬هنالك أحاديث كثيرة تبين ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الباء والولياء ‪:‬‬
‫<إنما سماهم ال أبرارًا لنهم بّروا الباء والبناء‪ .‬كما أن لوالديك عليك حقا‪ ،‬كذلك لولدك عليك حق> )رواه‬
‫البخاري في "أدب المفرد" من حديث ابن عمر(‪.‬‬
‫<رحم ال والدا أعان ولده على ِبـره> )رواه الطبراني من حديث ابن عمر()‪.(1‬‬
‫ضرب على الصلة‪>...‬‬
‫عزل فراشه‪ ،‬فإذا بلغ ثلث عشرة سنة ُ‬
‫<‪ ...‬فإذا بلغ ست سنين ُأّدب‪ ،‬فإذا بلغ تسع سنين ُ‬
‫)أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الضحايا والعقيقة(‪.‬‬
‫وبالمقابل أمر الشرع البناء ببر الوالدين وحرم العقوق وجعله درجة من درجات الشرك‪ .‬قال ال تعالى‪:‬‬
‫} وقضى ربك أل تعبدوا إل إياه وبالوالدين إحسانــا{ )سورة السراء‪ :‬الية ‪} .(23‬ووصينا النسان بوالديه‬
‫حسنا{ )سورة العنكبوت‪ :‬الية ‪} .(8‬واعبدوا ال والتشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا‪) {...‬سورة النساء‪:‬‬
‫ي العمل أحب إلى ال؟ قال‪< :‬الصلة‬
‫الية ‪ .(36‬وعن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬سألت النبي‪#‬أ ّ‬
‫ي؟ قال‪< :‬بر الوالدين>‪)...‬رواه البخاري ومسلم(‪.‬‬
‫على وقتها> قلت‪ :‬ثم أ ّ‬

‫‪19‬‬

‫‪ .2‬الحماية من الستغلل في الشغل‬
‫بقراءة التاريخ يتبين أن السلم لما جاء واجهته ظواهر متفشية‪ ،‬منها ظاهرة الغلمان والرقيق كصور لتشغيل‬
‫الطفال‪ .‬فلم يكن يملك سوى التعامل مع الواقع بتحرز في أفق احتواء الظواهر والقضاء عليها بالتدريج‪ .‬ويمكن‬
‫اختزال موقف الشرع في حديث‪< :‬لعب ابنك سبعا وأدبه سبعا وصادقه سبعا‪ >...‬حيث لمكان في هذه المدة‬
‫بكاملها للتشغيل‪ ...‬لكن إن اقتضت الظروف أن يشتغل الطفل‪ ،‬فيجب أن يتم ذلك برحمة وإشفاق على نعومته‬
‫وليونة عوده‪ ،‬فالدين المعاملة‪ ،‬والحسان يجب أن يكون في كل شيء‪. ...‬‬
‫أما تشغيل أبناء الغير فكان يتم في القديم تحت نظام السترقاق‪ ،‬لذلك جاءت اليات والحاديث حاثة على حسن‬
‫معاملة العبيد وعدم استغللهم‪ } :‬واعبدوا ال ول تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا‪ ...‬وما ملكت أيمانكم{‬
‫)سورة النساء‪ :‬الية ‪ .(36‬والحاديث كثيرة‪ ،‬نكتفي ببعضها‪:‬‬
‫ب رجل )بلل( على عهد الرسول‪ ،‬فعيره بأمه‪ ،‬فقال النبي‪<#:‬إنك امرؤ فيك جاهلية‪ .‬هم)أي‬
‫عن أبي ذر أنه سا ّ‬
‫خَوُلكم )خدمكم(‪ ،‬جعلهم ال تحت أيديكم‪ ،‬فمن كان له أخ فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما‬
‫الرقاء(إخوانكم و َ‬
‫يلبس‪ ،‬ول تكلفوهم ما يغلبهم‪ ،‬فإن كلفتموهم فأعينوهم> )رواه البخاري‪ :‬باب العتق(‪ .‬وفي كتب الصحاح‬
‫أحاديث من رواة عدة‪ ،‬تبين أن من آخر ما أوصى به الرسول صلى ال عليه وسلم لما حضره الموت‪ ،‬الحسان‬
‫للخدم‪ .‬من ذلك قوله‪<#:‬الصلة الصلة‪ ،‬اتقوا ال فيما ملكت أيمانكم> )رواه أبو داود من حديث علي‪ :‬باب‬
‫العتق(‪< .‬اتقوا ال فيما ملكت أيمانكم‪ ...‬ول تكلفوهم من العمل ما ل يطيقون‪) >...‬مفرق في عدة أحاديث(‬
‫<أطعموهم مما تأكلون‪ ...‬ول تكلفوهم ما يغلبهم‪ ،‬فإن كلفتموهم فأعينوهم> )حديث أبي ذر‪ ،‬رواه أبو داود‪:‬‬
‫كتاب العتق()‪. (1‬‬
‫والواقع أن تشغيل الطفال في سن اللعب والتسلية والتمدرس‪ ،‬ظلم اجتماعي رهيب وخرق لبسط الحقوق‪ .‬إنما‬
‫ق من مجال أمام القوانين‬
‫ونظرا لنتشار الظاهرة وفشل السياسات المنتهجة حتى الن في القضاء عليها‪ ،‬لم يب َ‬
‫المقارنة سوى محاولة احتوائها لخفض المخاطر التي تعترض الطفل)‪ .(2‬لذلك نجد جلها يقلص ساعات العمل‬
‫إلى الحد الذي ل يضره‪ ،‬ويمَنُع تشغيله في أماكن وأعمال معينة تهدد صحته أو نفسيته وأخلقه‪ .‬ووعيا من‬
‫اتفاقية ‪1989‬م بعدم فعالية القوانين الداخلية في الحد من ظاهرة تشغيل الطفال‪ ،‬حضت على حمايتهم مما‬
‫يتعرضون له من استغلل وإهانات‪ ،‬بالبلدان النامية بالخصوص‪.‬‬
‫‪ .3‬الحماية من العتداءات)‪.(3‬‬
‫الطفال أكبر ضحايا العنف‪ .‬وإذا كانت العتداءات الجسدية تبدو عادية ببعض المجتمعات‪ ،‬فإنها غالبا ما تكون‬
‫خطيرة‪ ،‬لما لها من عواقب على نفسية الطفل‪ .‬والعنف الجسدي يمارس على الطفل بالعالم الثالث من قبل‬
‫السرة‪ ،‬المدرسة‪ ،‬المشغل‪ ،‬عامة الناس‪ ...‬نظرا لنتشار العنف به‪.‬‬
‫والخطر منه العنف الجنسي‪ ،‬لما له من عواقب نفسية واجتماعية تعصف عادة بمستقبل الطفل كلية‪ .‬هذا العنف‬
‫بالذات في تزايد مستمر بالنظر للتحولت التي تعيشها المجتمعات المعاصرة‪ ،‬وما صاحبها من تفسخ خلقي‬
‫وتشرد الطفال‪ ،‬واستغللهم للدعارة وإقبال الكبار على ممارسة الجنس على الصغار‪ ،‬بسبب عقد وحشية‬
‫وطغيان المال‪ ،‬وبسبب ما تمارسه وسائل العلم وغيرها من انتهاك للداب العامة وتحريض على الدعارة‪. ...‬‬
‫والحاديث في الباب كثيرة‪ ،‬وإضافة لما أسلفناه عن الحماية التي أولها الشرع للطفل‪ ،‬نذكر الحاديث التالية‪:‬‬
‫حّرج حق الضعيفين‪ :‬اليتيم والمرأة> )رواه ابن ماجة في كتاب الدب‪ :‬باب حق اليتيم(‪ .‬ومعنى‬
‫<اللهم إني ُأ َ‬
‫أحّرج‪ :‬ألحق الحرج والثم‪ ،‬وأحّذر من ذلك‪ ،‬وأزجر زجرا أكيدا‪ .‬ومعنى الحديث أنه يحذر من كل اعتداء على‬
‫الضعفاء‪ ،‬أيا كان نوع ضعفهم‪ ،‬وأيا كان نوع العتداء‪.‬‬
‫كما أقام الشرع قواعد متكاملة تحقق حماية أكيدة للطفل ضد العتداءات الجنسية‪ .‬من ذلك أمره بعزل فراش‬
‫الطفال‪ ،‬وأمره بغض البصر ونهيه عن النظر لمحاسن الطفال سواء منهم الناث أو الذكور‪ .‬كيف ل وظاهرة‬
‫إتيان الغلمان كانت مستثرية قبل مجئ السلم‪ .‬لذلك تكرر نهي الشرع عن النظر للصبيان متى كان الهدف من‬
‫النظر الستمتاع‪ ،‬واعتبر النظر إليهم أسوأ من النظر للنساء‪ ،‬لن الثاني ينصلح بالزواج‪ ،‬والول ل سبيل‬
‫لصلحه سوى بالمتناع عن النظر‪ .‬واعُتِبر مجرد النظر لوجه الصبي بالشهوة حراما مطلقا‪ ،‬فأحرى العتداء‬
‫عليه جنسيا‪.‬‬
‫وإن هيئة المم المتحدة من جهتها‪ ،‬حضت‪ ،‬في اتفاقية ‪1989‬م على اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية فعالة‬
‫لمحاربة خطف الطفال والتجار بهم‪ ،‬وحمايتهم من العنف والستغلل الجسدي أو الجنسي ‪)...‬م ‪ 32‬ـ ‪.(36‬‬
‫ثامنا ‪ :‬حقوق الطفل الجانح في إعادة تأهيله‬
‫حتى عهد قريب كان مصير الطفل الجانح العقاب‪ .‬ومع البحث ثبت أنه من الظلم مساءلة شخص ل يتمتع‬
‫بالرادة‪ .‬آنذاك فقط بدأ الحديث عن وسائل أخرى لتقويمه‪ .‬وفي الَغرب كّلفت ظاهرة الجنوح طوال القرن الثامن‬
‫والتاسع عشر‪ ،‬أبحاثا وموارد ضخمة لفهمها وإنشاء عدة مدارس‪ .‬وانتهى المطاف إلى اعتبار الظروف‬
‫الجتماعية المسؤول الول عن الجنوح واعتبار النحراف مجرد مظهر لعدم القدرة على التكيف وتمرٍد من‬
‫حَدث على الظلم الذي تجرعه‪ .‬فحصل استقرار على أن الجانح مريض يحتاج للعلج‪ ،‬وليس مجرما يستحق‬
‫ال َ‬
‫العقاب‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫وإن ظاهرة الجنوح التي عانت منها الدول الغربية في القرن الماضي ولتزال تعاني منها‪ ،‬انتقلت للبلدان‬
‫النامية‪ ،‬بصحبة التحولت القتصادية ـ الجتماعية‪ .‬مع فرق كبير بينهما في مقدار الوعي بخطورة المشكل‪،‬‬
‫وطرق التصدي له‪.‬‬
‫واتفاقية ‪1989‬م نبهت لعدم فعالية التدابير التي تبنتها الدول‪ ،‬ول سيما الدول النامية‪ ،‬في الحد من ظاهرة‬
‫الجنوح‪ .‬فبادرت للحث على الهتمام بها أكثر‪<:‬تتخذ الدول كل التدابير لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة‬
‫الندماج الجتماعي للطفل‪ ...‬ويجري هذا التأهيل عادة في بيئة تعزز صحته>‪.‬‬
‫أما السلم فاعتمد الوقاية أكثر من العلج‪ .‬إذ حضّ على تربية الطفل أفضل تربية وتهذيب نفسه‪ ،‬وتنشئته على‬
‫احترام الذات و حفظ كرامته‪ ...‬إضافة لتدابير وقائية تهدف لتقاء التهميش وتتفادى منح الحياة لطفال يكون‬
‫مصيرهم الحرمان المفضي للجنوح‪ :‬فتحريم الزنى وحده يقلص أعداد الطفال غير الشرعيين والذين ل عائل‬
‫لهم‪ ...‬إلى جانب الدعوة لقامة الزواج على أسس متينة‪ ،‬واختيار الزوج المناسب‪ ،‬وحث من لم يستطع الباءة‬
‫على عدم التزوج‪ ،‬وبغض الطلق وحفظ صحة الم‪ ،‬والنضباط حتى في زمن الحرب‪ ،‬وتوفير بيئة اجتماعية‬
‫ملئمة والتقليص من التباين الطبقي‪ ...‬فهذه كلها أمور‪ ،‬إلى جانب أخرى‪ ،‬إذا أخذت بشمولية وطبقت كما يجب‪،‬‬
‫أثبتت مدى فعالية النظام السلمي في الحد من عوامل التهميش‪.‬‬
‫لكن تركيزنا على الوقاية يجب أل يعني أن الوسائل الوقائية تؤدي لستئصال ظواهر اللاندماج أو التهميش‬
‫بالكامل‪ ،‬بدليل أنها وجدت حتى في العهود الزاهرة للسلم‪ ،‬تحت عدة صور‪ .‬لذلك فالعلج يبقى ضروريا أيضا‪.‬‬
‫ومن أفضل العلجات التي أقامها الشرع‪ :‬نظام التكفل والتنزيل والرضاع و إيجاد أسرة بديلة صالحة ومستقرة‬
‫للطفل المحروم‪ ،‬وتربيته و تعليمه‪ ...‬بهذه الوسائل المتكاملة‪ ،‬يمكن اتقاء ردات الفعل التي تدمر عادة الحدث‬
‫جه التمرد ضده‪ .‬وفي جميع الحالت فدور الدولة ل غنى عنه للمراقبة وإيجاد البنيات التحتية‬
‫قبل أن تدمر من ُو ّ‬
‫الكفيلة بتعويض الطفل عن الحرمان‪ .‬وقد أعطينا أدلة بليغة عن البعد الجتماعي للسلم‪.‬‬
‫لكن إذا كانت قوانين الدول السلمية تكرس جزًء كبيرا من هذه الحماية‪ ،‬وكانت ظاهرة التهميش ل تزيد إل‬
‫تفاقما‪ ،‬فمعناه أن فشل الحماية يعود لسباب أخرى ربما غير تشريعية‪ ،‬يجب أن نتعرف عليها‪.‬‬
‫الهوامش‬
‫)‪ (1‬فالسلم عّول على الوقاية أكثر من العلج‪ ،‬بإقامته نظاما يحكم العلقة بين الجنسين ويشجع على الحصان‬
‫والتزاوج‪ .‬وبالمقابل عاقب الزنى والخيانة الزوجية والغتصاب‪. ...‬‬
‫))‪ 2‬راجع بعض النوازل مثل في الموطأ للمام مالك‪ :‬كتاب القضية‪ ،‬باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه‪.‬‬
‫عن أن يقسم‬
‫)‪ (3‬فلثبات زنى الزوجة يلزم التيان بأربعة شهداء‪ ،‬فإن لم يكونوا أربعة شهداء لزم الزوج المل ِ‬
‫أربع مرات أنه من الصادقين والخامسة أن لعنة ال عليه إن كان من الكاذبين ثم تقسم الزوجة بمثل ذلك‬
‫سهم‪،‬‬
‫والخامسة غضب ال عليها‪ ،‬استنادا لقوله تعالى‪ } :‬والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إل أنف ُ‬
‫فشهادة أحدهم أربع شهادات بال إنه لمن الصادقين‪ ،‬والخامسه أن لعنة ال عليه إن كان من الكاذبين‪ ،‬ويدرؤا‬
‫ب أن تشهد أربَع شهادات بال إنه لمن الكاذبين والخامسَة أن غضب ال عليها إن كان من‬
‫عنها العذا َ‬
‫الصادقين {)سورة النور‪ :‬اليات ‪ 6 :‬ـ ‪ .(9‬فإن رفض الزوج الدلء بالقسم‪ ،‬أو إذا تراجع عنه اعتبر ذلك منه‬
‫قذفا في حق زوجته‪ ،‬فيقام عليه الحد )ثمانين جلدة(‪.‬‬
‫)‪ (4‬اختلف الفقهاء في تحديد أدنى وأقصى أجل الوضع لعتبار الطفل شرعيا‪ .‬وقد ذهب بعض الفقهاء بعيدا‬
‫فحدد المدة القصوى في خمس سنوات بعد انفصام الزوجية )المالكية(‪ ،‬وحددها البعض الخر في سنة‪ ،‬وهو‬
‫الراجح‪ .‬أما أدنى الجل فلم يثر خلفا كبيرا‪ ،‬ويكاد الفقه يجمع على أنه ستة أشهر من تاريخ إبرام العقد‪ ،‬استنادا‬
‫ليات الحمل والرضاع‪} :‬وحمله وفصاله ثلثون شهرا{ )الحقاف ‪ } ،(15‬والوالدات يرضعن أولدهن حولين‬
‫كاملين {)البقرة ‪ .(233‬إذ بخصم مدة الحولين ) ‪24‬شهرا( من الثلثين شهرا يكون الفرق هو ستة أشهر‪ .‬وبناء‬
‫على ذلك اعتبرت هذه المدة أدنى أمد الحمل‪ ،‬ليولد الطفل قابل للحياة‪.‬‬
‫)‪ (5‬لكونه من غير محارمها‪ ،‬فل يحق لها رؤيته‪ ،‬بسبب ما لحظه من شبه بينه و بين عتبة بن العاص‪ ،‬ومع‬
‫ذلك اعتبره ابنا لزمعة لنه ولد على فراشه‪ ،‬وفي الشرع السلمي الولدة على فراش الزوجية قرينة على أن‬
‫الولد من الزوج ما لم يثبت العكس‪ ،‬بالدلة المحددة شرعا‪.‬‬
‫)‪ (6‬يراجع الموطأ للمام مالك‪ :‬إسعاف المبطأ برجال الموطأ للسيوطي‪ :‬باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه‪ .‬وباب‬
‫القضاء في أمهات الولد‪.‬‬
‫حق‪.‬‬
‫)‪ (7‬يراجع الموطأ في باب القضاء في ميراث الولد المستل َ‬
‫)‪F. DEKHEUWER-DEFOSSEZ : Les Droits de l (8‬ص ‪. ...Enfant, op. cit, p . 52‬‬
‫)‪ (9‬فالنفاق على اليتيم يعد أهم أبواب النفاق من الخيرات‪ ،‬وذلك في إطار ‪:‬‬
‫) الزكاة أو الصدقات‪ ،‬واليات في الباب كثيرة‪ } :‬وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين{‬
‫)البقرة ‪ } ،(177‬ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا{ )النسان ‪ } ،(8‬قل ما أنفقتم من خير‬
‫فللوالدين والقربين واليتامى والمساكين {)البقرة ‪.(215‬‬
‫أو قسمة التركة‪ } :‬وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه {)النساء ‪.(8‬‬

‫‪21‬‬

‫أو الغنائم‪} :‬واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ل خمسه و للرسول و لذي القربى واليتامى والمساكين وابن‬
‫السبيل{ )النفال ‪} ،(41‬ما أفاء ال على رسوله من أهل القرى فلله و للرسول و لذي القربى و اليتامى‬
‫والمساكين وابن السبيل{ )الحشر ‪.(7‬‬
‫) كما أوصى بالحسان لليتام‪} :‬ويسألونك عن اليتامى‪ ،‬قل إصلح لهم خير{ )البقرة ‪(2200‬؛ } ل تعبدون إل‬
‫ال وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى { )البقرة ‪} (83‬فأما اليتيم فل تقهر{ )الضحى ‪.(9‬‬
‫) واعُتبر عدم إكرام اليتيم معصية كالشرك‪ ،‬وأحد أسباب غضب ال على المم‪ } :‬أرايت الذي يكذب بالدين‪ ،‬فذلك‬
‫ع اليتيم { )الماعون ‪ } ،( 1-2‬كل‪ ،‬بل ل تكرمون اليتيم {)الفجر ‪.(17‬‬
‫الذي يد ّ‬
‫) وحرص الشرع على حماية أموال اليتامى ونظم كيفية تسييرها وتسليمها لهم إذا بلغوا الرشد‪} :‬ول تقربوا‬
‫مال اليتيم إل بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده{)النعام ‪152‬؛ السراء ‪(34‬؛ } وآتوا اليتامى أموالهم‪ ،‬ول تتبدلوا‬
‫الخبيث بالطيب{ )النساء ‪} ،(2‬وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‪ ،‬فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم‬
‫أموالهم‪ ،‬و ل تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا‪ ،‬ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف‪ ،‬فإذا‬
‫دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم‪) {،‬النساء ‪ ،(6‬كما بين شروط التزوج من يتامى النساء‪ } :‬وما يتلى عليكم‬
‫في الكتاب في يتامى النساء اللتي ل تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن‪ ،‬والمستضعفين من الولدان‬
‫وأن تقوموا لليتامى بالقسط{ )النساء ‪:(127‬‬
‫)‪ (10‬وإن كانت اتفاقية لهاي في ‪ 29‬ماي ‪1993‬مثل ل تخفي تحفظها من التبني‪ ،‬كلما تعلق المر بالدول‬
‫السلمية معتقدة أنها تحرم التبني مطلقا‪ .‬لذلك فنحن مطالبون بتنوير الرأي العام الدولي بشأن موقف السلم‬
‫الصحيح‪ ،‬من التبني وإحلله محل التصور الذي كونته عنه الثقافات الجنبية‪.‬‬
‫)‪ (11‬تكرر فرض الزكاة في أزيد من ‪ 30‬موضعا في القرآن الكريم‪ ،‬واقترنت في جلها بالصلة‪. ...‬‬
‫)‪C. NEIRINC : La Protection de la Personne de l (12‬ص ‪Enfant contre ses‬‬
‫‪.Parents,1984‬‬
‫)‪ (13‬للتوسع يراجع مثل الموطأ في كتاب‪ :‬العقيقة‪ ،‬الطلق‪ ،‬الرضاع‪ ،‬القضية؛ الحياء‪ :‬كتاب آداب النكاح‪.‬‬
‫)‪ (14‬رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب‪ ،‬من حديث علي بن أبي طالب‪ .‬ورواه النوقاني من رواية‬
‫الشعبي مرسل‪ .‬يراجع المام الغزالي‪ ،‬إحياء علوم الدين‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ص ‪.237‬‬
‫)‪ (15‬يراجع أيضا البخاري‪ :‬كتاب العتق‪ ،‬مسلم‪ :‬كتاب العتق‪ ،‬الموطأ كتاب العتق والولء‪ ،‬المام الغزالي‪ :‬إحياء‬
‫علوم الدين‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪. 239‬‬
‫)‪ (16‬انظر مثل‪ :‬الشويرجي‪ :‬رعاية الحداث في السلم والقانون المصري‪ :‬منشأة المعارف‪،‬السكندرية‪،‬‬
‫‪ 1985‬آمال جلل‪ :‬بعض الجوانب القانونية لرعاية الطفولة‪ :‬المجلة المغربية للقانون والسياسة والقتصاد‪.‬‬
‫)‪Voir ex: D. DUVAL-ARNOULD: Le Cors de l (17‬ص ‪Enfant: Paris 1994; H.‬‬
‫‪MANSEAU: L‬ص ‪abus Sexuel et l‬ص ‪institutionnalisation de la protection de la‬‬
‫‪... Jeunesse: ISBN 1990‬‬
‫********‬

‫‪22‬‬