‫الكتاب ‪ :‬النوار الساطعات ليات جامعات‬

‫تأ!ليف ‪ :‬الفقير إلى ع !فو رب'ه عبد ال!عزيز ب!ن محمد السلمان‬
‫المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض )ساب ‪2‬قا(‬

‫وجه ال والدار الخرة‬
‫طبع على ن‪B‬فقة م !ن ي‪! B‬بتغي بذلك !‬

‫منذ زمن طويل وأنا ألتمس كتاب‪2‬ا تتناسب قراءته مع عموم الناس فيما بين‬

‫خصوصا في شهر رمضان المبارك‪ ،‬وحيث أن الناس يقبلون على‬
‫العشاءين‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫تلوة كتاب ال في شهر رمضان المبارك‪ ،‬رأيت أن أكتب آيات من القرآن‬

‫شرحا وافي‪2‬ا بالمقصود من كتب المفسرين كابن جرير‪ ،‬وابن‬
‫الكريم‪ ،‬وأجمع لها ‪2‬‬
‫كثير‪ ،‬والشيخ عبدالرحمن الناصر السعدي‪ ،‬والشيخ المراغي ونحوهم‪،‬‬

‫وسميته‪» :‬النوار الساطعات ليات جامعات«‬
‫!ف ل ت‪B‬عالى‬
‫وق ‪d‬‬

‫تأ!ليف‬

‫الفقير إلى ع !فو رب'ه‬
‫عبد ال!عزيز ب!ن محمد السلمان‬
‫الجزء الول‬

‫وجه ال والدار الخرة فجزاه ال عن السلم والمسلمين‬
‫طبِع على ن‪B‬فقة م !ن ي‪! B‬بتغي بذلك !‬

‫خيرا وغفر له ولوالديه ولمن يعيد طباعته أو يع !ين عليها أو ي‪B‬تسبب لها أو يشير على م !ن يؤمل فيه‬
‫‪2‬‬
‫الخير أن يطب‪B‬عه وق ‪2‬فا ل تعالى يوزع على إخوانه المسلمين‬
‫اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫خطبة الكتاب‬
‫الحمد ل الذي تفرد بالجلل والعظمة‪ ،‬والعز والكبرياء والجمال‪ ،‬وأشكره شكر عبد معترف‬
‫بالتقصير عن شكر بعض ما أوليه من النعام والفضال‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأشهد أن‬
‫كثيرا‪.‬‬
‫محم ‪2‬دا عبده ورسوله‪ ،‬وصلى ال عليه وسلم‬
‫‪2‬‬
‫تسليما ‪2‬‬

‫وبعد‪ :‬فبما أني منذ زمن طويل وأنا ألتمس كتاب‪2‬ا تتناسب قراءته مع عموم الناس فيما بين‬

‫خصوصا في شهر رمضان المبارك‪ ،‬وحيث أن الناس يقبلون على تلوة كتاب ال في‬
‫العشاءين‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫شرحا وافي‪2‬ا بالمقصود‬
‫شهر رمضان المبارك‪ ،‬رأيت أن أكتب آيات من القرآن الكريم‪ ،‬وأجمع لها ‪2‬‬

‫من كتب المفسرين كابن جرير‪ ،‬وابن كثير‪ ،‬والشيخ عبدالرحمن الناصر السعدي‪ ،‬والشيخ المراغي‬

‫خالصا‬
‫ونحوهم‪ ،‬وسميته‪» :‬النوار الساطعات ليات جامعات«‪ ،‬وال المسئول أن يجعل عملنا‬
‫‪2‬‬

‫لوجهه الكريم‪ ،‬وأن ينفع به من قرأه ومن سمعه‪ ،‬إنه سميع قريب مجيب‪ ،‬اللهم صل على محمد‬

‫وآله وسلم‪.‬‬
‫عبدالعزيز بن محمد بن سلمان‬
‫المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض )ساب ‪2‬قا(‬

‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫ب العالمين * الر !حمن الرحيم * مالك ي‪! B‬وم الد'ين * إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين * !اهدنا‬
‫} ال!ح !مد لله ر '‬
‫صراط الم !ستقيم * صراط الذين أن!‪B‬ع !مت عل !يه !م غ !ير المغ!ضوب عل !يه !م ول الضال'ين { ‪.‬‬
‫ال '‬
‫الستعاذة‪ :‬هي اللتجاء إلى ال تعالى‪ ،‬والعتصام واللتصاق بجنابه من شر كل ذي شر‪ ،‬والعياذة‬
‫تكون لدفع الشر‪ ،‬واللياذ يكون لطلب الخير‪ ،‬ومعنى »أعوذ بال من الشيطان الرجيم«‪ :‬أي‬
‫أستجير بجناب ال من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي‪ ،‬أو يصدني عن فعل ما‬
‫أمرت به‪ ،‬أو يحثني على فعل ما نهيت عنه‪ ،‬فإن الشيطان ل يكفه عن النسان إل ال؛ ولهذا أمر‬
‫تعالى بمصانعة شيطان النس ومداراته‪ ،‬بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عما هو فيه من الذى‪،‬‬
‫وأمر بالستعاذة به من شيطان الجن؛ لنه ل يقبل رشوة ول يؤثر فيه جميل؛ لنه شرير بالطبع‪ ،‬ول‬
‫يكفه عنك إل الذي خلقه‪.‬‬

‫ض‬
‫وهذا المعنى في ثلث آيات من القرآن‪ ،‬في »سورة العراف«‪ } :‬خذ الع !فو وأ!م !ر بال!ع !رف وأ !عر !‬
‫عن الجاهلين { فهذا فيما يتعلق بمعاملة العداء من البشر‪ ،‬ثم قال‪ } :‬وإما ينزغنك من الش !يطان‬
‫يم { ‪ ،‬وقال تعالى في »سورة قد أفلح المؤمنون«‪ } :‬ا !دف !ع بالتي‬
‫ن‪! B‬زغ‪ d‬ف !‬
‫استع !ذ بالله إنه سم ‪d‬‬
‫يع عل ‪d‬‬

‫ب أعوذ بك م !ن همزات الشياطين * وأعوذ بك‬
‫أحسن السي'ئة ن !حن أ !علم بما يصفون * وقل ر '‬
‫هي !‬

‫ب أن ي !حضرون { ‪ ،‬وقال في »سورة فصلت«‪ } :‬ول ت !ستوي الحسنة ول السي'ئة ا !دف !ع بالتي هي‬
‫ر'‬
‫يم * وما ي‪B‬لقاها إل الذين صب‪B‬روا وما ي‪B‬لقاها إل‬
‫!‬
‫أحسن فإذا الذي ب‪! B‬ي‪B‬نك وب‪! B‬ي‪B‬نه عداوة‪ d‬كأنه ول ‚ي حم ‪d‬‬
‫ذو ح ‪ƒ‬‬
‫استع !ذ بالله إنه هو السميع العليم { ‪.‬‬
‫ظ عظيم * وإما ينزغنك من الش !يطان ن‪! B‬زغ‪ d‬ف !‬

‫والشيطان في لغة العرب‪ :‬مشتق من شطن إذا بعد‪ ،‬فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر‪ ،‬وبعيد عن‬
‫كل خير‪ ،‬ويقولون‪ :‬تشيطن فلن إذا فعل فعل الشياطين‪ ،‬فالشيطان مشتق من البعد على‬
‫الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ن تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطان‪2‬ا‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وكذلك‬

‫ورا { ‪.‬‬
‫جعل!نا لك 'ل نب ‪ƒ‬ي عد ‪2‬وا شياطين النس وال!ج 'ن يوحي ب‪! B‬عضه !م إلى ب‪! B‬عض ز !خرف الق !ول غر ‪2‬‬

‫وفي »مسند المام أحمد«‪ :‬عن أبي ذر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪» :-‬يا أبا ذر‪ ،‬تعوذ بال من شياطين النس والجن«‪ ،‬فقلت‪ :‬أو للنس شياطين؟ قال‪:‬‬

‫»نعم«‪.‬‬
‫والرجيم‪ :‬فعيل بمعنى م !فعول‪ ،‬أي إنه مرجوم مطرود عن الخير كله‪.‬‬

‫السورة‪ :‬طائفة من القرآن تشمل ثلث آيات فأكثر‪ ،‬لها اسم يعرف بطريق الرواية‪.‬‬
‫واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة؟ فقيل‪ :‬من البانة والرتفاع‪ ،‬فكأن القارئ ينتقل بها من‬
‫منزلة إلى منزلة‪ ،‬وقيل‪ :‬لشرفها وارتفاعها كسور البلدان‪ ،‬وقيل‪ :‬سميت سورة لكونها قطعة من‬
‫مهموزا‪ ،‬وإنما‬
‫القرآن وجزء منه مأخوذ من آسآر الناء وهي البقية‪ ،‬وعلى هذا فيكون أصلها‬
‫‪2‬‬

‫واوا لنضمام ما قبلها‪ ،‬وقيل‪ :‬لتمامها وكمالها؛ لن العرب يسمون‬
‫خففت الهمزة فأبدلت الهمزة ‪2‬‬

‫الناقة التامة سورة‪ ،‬ويحتمل أن يكون من الجمع والحاطة لياتها‪ ،‬كما يسمى سور البلد لحاطته‬

‫بمنازله ودوره‪.‬‬
‫وقد روي لهذه السورة عدة أسماء اشتهر‪ ،‬منها‪ :‬أم الكتاب‪ ،‬وأما القرآن؛ لشتمالها على مقاصد‬
‫القرآن من الثناء على ال‪ ،‬والتعبد بأمره ونهيه‪ ،‬وبيان وعده ووعيده‪ ،‬وتسمى السبع المثاني؛ لنها‬
‫تثنى في الصلة‪ ،‬ويقال لها‪ :‬الحمد‪ ،‬ويقال لها‪ :‬الصلة؛ لقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عن‬
‫ربه‪» :‬قسمت الصلة بيني وبين عبدي نصفين«‪ ،‬ويقال لها‪ :‬الشفاء؛ لما رواه الدارمي عن أبي‬
‫مرفوعا‪» :‬فاتحة الكتاب شفاء من كل سم«‪ ،‬ويقال لها‪ :‬الرقية؛ لحديث أبي سعيد في‬
‫سعيد‬
‫‪2‬‬

‫»الصحيح« حين رقى بها الرجل السليم‪ ،‬فقال له رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬وما‬

‫يدريك أنها رقية«‪.‬‬
‫وروي عن ابن عباس أنه سماها أساس القرآن‪ ،‬قيل‪ :‬لنها أصل القرآن‪ ،‬وأول سورة فيها‪ ،‬وسماها‬
‫سفيان بن عيينة بالواقية‪ ،‬وسماها يحيى بن كثير‪ :‬الكافية؛ لنها تكفي عما عداها‪ ،‬ول يكفي ما‬
‫سواها عنها‪ ،‬وسميت الفاتحة؛ لنها أول القرآن في هذا الترتيب‪ ،‬وبها تفتتح القراءة في الصلة‪.‬‬
‫وأخرج البيهقي في كتابه »الدلئل« عن أبي ميسرة‪» :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال لخديجة ‪ B‬رضي ال عنها ‪» :-‬إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء‪ ،‬فقد وال خشيت أن‬
‫يكون هذا أمرأ«‪ ،‬فقالت‪ :‬معاذ ال ما كان ال ليفعل بك‪ ،‬فوال إنك لتؤدي المانة وتصل الرحم‬

‫وتصدق«‪ ،‬ثم إنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أخبر ورقة بذلك‪ ،‬وإن ورقة أشار عليه أن يثبت‬
‫ويسمع النداء‪ ،‬وأنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لما خل ناداه الملك‪ :‬يا محمد‪ ،‬قل »بسم ال‬
‫الرحمن الرحيم‪ ،‬الحمد ل رب العالمين«‪.‬‬
‫وقد رجح هذا بأنها مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الجمال‪ ،‬ثم فصل ما أجملته بعد‪.‬‬
‫بيان هذا أن القرآن الكريم اشتمل على التوحيد‪ ،‬وعلى وعد من أخذ به بحسن المثوبة‪ ،‬ووعيد‬
‫من تجافى عنه وتركه‪ ،‬بسيئ العقوبة‪ ،‬وعلى العبادة الخالصة للمعبود التي تحيي القلوب‪ ،‬وتثبن‬
‫النفوس‪ ،‬ويزداد بها التوحيد واليمان‪ ،‬وعلى بيان سبيل السعادة الموصل إلى النعيم في الدارين‪،‬‬
‫وعلى القصص الحاوي أخبار المهتدين الذين وقفوا عند الحدود التي سنها ال لعباده‪ ،‬وفيها‬
‫سعادتهم في دنياهم وآخرتهم‪ ،‬والضالين الذين تعدوا الحدود ونبذوا الحكام الشرعية وراءهم‬
‫ظهري‪2‬ا ‪.‬‬

‫ب العالمين { ؛ له يدل‬
‫وقد حوت هذه المعاني جملة‪ ،‬فالتوحيد يرشد إلى قوله‪ } :‬ال!ح !مد لله ر '‬
‫على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له‪ ،‬وأهمها نعمة اليجاد والتربية العامة والخاصة‪،‬‬

‫ب العالمين { وقد استكمله بقوله‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين {‬
‫وذلك صريح قوله تعالى‪ } :‬ر '‬
‫وبذلك اجتث جذور الشرك التي كانت فاشية في جميع المم‪ ،‬وهي اتخاذ أولياء من دون ال‬

‫يستعان بهم على قضاء الحاجات‪ ،‬ويتقرب بهم إلى ال زلفى‪ ،‬والوعد والوعيد يتضمنهما قوله‬
‫تعالى‪ } :‬مالك ي‪! B‬وم الد'ين { إذ الدين هو الجزاء‪ ،‬وهو إما ثواب للمحسن‪ ،‬وإما عقاب للمسيء‪.‬‬
‫والعبادة تؤخذ من قوله‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين { ‪.‬‬

‫صراط الم !ستقيم { إذ معناه أنه ل تتم السعادة إل‬
‫وطريق السعادة يدل عليه قوله‪! } :‬اهدنا ال '‬
‫بالسير على ذلك الصراط القويم‪ ،‬فمن خالفه وانحرف عنه كان في شقاء مقيم‪.‬‬

‫والقصص والخبار يهدي إليها قوله‪ } :‬صراط الذين أن!‪B‬ع !مت عل !يه !م { فهو يرشد إلى أن هناك‬

‫أمما قد مضت‪ ،‬وشرع ال شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها‪ ،‬فعلينا أن نحذو حذوها‬
‫‪2‬‬
‫ونسير على سننها‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬غ !ير الم !غضوب عل !يه !م ول الضال'ين { يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان‪ :‬صنف‬

‫خرج عن الحق بعد علمه به وأعرض عنه بعد أن استباه له ورضي بما ورثه عن الباء والجداد‬

‫وهؤلء هم المغضوب عليهم‪ ،‬وصنف لم يعرف الحق أب ‪2‬دا أو عرفه على وجه مضطرب فهو في‬
‫عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط المستقيم‪ ،‬وهؤلء هم‬

‫الضالون‪.‬‬

‫»بسم ال الرحمن الرحيم«‪:‬‬
‫يرى بعض الصحابة كأبي هريرة‪ ،‬وعلي‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وبعض التابعين كسعيد بن جبير‪،‬‬
‫وعطاء والزهري‪ ،‬وابن المبارك‪ ،‬وبعض فقهاء مكة وقرائها‪ ،‬ومنهم‪ :‬ابن كثير‪ ،‬وبعض قراء الكوفة‬
‫وفقهائها‪ ،‬ومنهم‪ :‬عاصم‪ ،‬والكسائي‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد أن البسملة آية من كل سورة من سور‬
‫القرآن الكريم سوى سورة براءة‪.‬‬
‫ومن أدلتهم‪:‬‬
‫‪ -1‬ما ورد في ذلك من الحاديث‪ :‬فقد أخرج مسلم في »صحيحه« عن أنس ‪ -‬رضي ال عنه‬
‫‪ -‬أنه قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أنزلت علي آن ‪2‬فا سورة فقرأ بسم ال‬

‫الرحمن الرحيم«‪ ،‬وروى أبو داود عن ابن عباس‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان ل‬
‫يعرف انقضاء السورة حتى ينزل عليه »بسم ال الرحمن الرحيم«‪ ،‬وروى الدارقطني عن أبي هريرة‬

‫أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا قرأتم الحمد ل فاقرءوا بسم ال الرحمن‬
‫الرحيم‪ ،‬فإنها أم القرآن والسبع المثاني وبسم ال الرحمن الرحيم إحدى آياتها«‪.‬‬
‫‪ -2‬إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة مع‬
‫المر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه‪ ،‬ومن ثم لم يكتبوا آمين في آخر الفاتحة‪.‬‬
‫‪ -3‬إجماع المسلمين على أن ما بين الدفتين كلم ال تعالى والبسملة منه‪.‬‬
‫ثم اعلم وفقنا ال وإياك لما يحبه ويرضاه‪ :‬أن الفاتحة الركن الثالث من أركان الصلة التي هي‬
‫ثاني أركان السلم‪ ،‬وقد قال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب«‬
‫رواه الجماعة‪ ،‬وفي لفظ‪» :‬ل تجزي صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب« رواه الدارقطني‪.‬‬
‫وفي حديث عائشة ‪ B‬رضي ال عنها ‪ B‬قالت‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪:‬‬
‫»من صلى صلة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج« رواه أحمد وابن ماجه‪ ،‬وفي حديث أبي‬
‫هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من صلى صلة لم يقرأ فيها بفاتحة‬
‫الكتاب فهي خداج« يقولها ثلث‪2‬ا‪ ،‬الحديث رواه الجماعة إل البخاري وابن ماجه وعن أبي هريرة‬
‫»أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أمره أن يخرج فينادي‪ :‬ل صلة إل بقراءة فاتحة الكتاب‪،‬‬

‫فما زاد«‪ ،‬رواه أحمد وأبو داود‪ ،‬إذا فهمت ذلك فكيف يليق بالمسلم أن يرضي لنفسه أن يناجي‬
‫ربه بكلم ل يفهمه ول يدرك معناه‪ ،‬وقد أمر ال بتدبير القرآن ومدح الذين هم في صلتهم‬
‫خاشعون ولن يخشع ويخضع ل إذا كان ل يفهم ما يقول وال جل وعل كرم بني آدم بالعلم‬
‫والعقل على سائر الحيوانات والعاقل من يفهم ما يقول‪.‬‬
‫قال ابن الجوزي‪ :‬ومن تلبيس إبليس –لعنه ال‪ -‬على القراء أنه شغلهم تحسين القراءة والشتغال‬

‫بالشاذ طول عمرهم حتى شغلهم ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات‪ ،‬ولو تفكر هؤلء لعلموا أن‬
‫المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه‪ ،‬ثم العمل به‪ ،‬ثم القبال على ما يصلح النفس ويطهر‬
‫أخلقها‪ ،‬ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع‪.‬‬
‫وقال الحسن البصري ‪ B‬رحمه ال ‪ :-‬أنزل القرن ليعمل به‪ ،‬فاتخذ الناس تلوته عمل‪ ،2‬يعني أنه‬

‫اقتصروا على التلوة وتركوا العمل به‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫ب إن ق‪! B‬ومي اتخذوا هذا‬
‫وقال ابن كثير ‪ B‬رحمه ال ‪ B‬على قول ال تعالى‪ } :‬وقال الرسول يا ر '‬

‫ورا { ‪ :‬فمن هجرانه ترك اليمان به‪ ،‬وترك تصديقه من هجرانه‪ ،‬وترك تدبره وتفهمه‬
‫الق !رآن م !هج ‪2‬‬
‫من هجرانه‪ ،‬وترك العمل به‪ ،‬وترك امتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه‪ ،‬والعدول عنه إلى‬
‫غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلم أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه‪.‬‬
‫فتبين بذلك أنه على كل واحد من الناس أن يتدبر آيات الكتاب بقدر طاقته ل فرق بين عالم‬
‫وجاهل؛ لنه أنزله جل وعل لهداية الخلق‪ ،‬وقال جل وعل‪ } :‬ولق !د يس !رنا الق !رآن لل 'ذ !كر ف‪B‬ه !ل من‬

‫•مدكر { فعليكم أيها الخوان‪ ،‬أن تلقوا أسماعكم إلى تفسيرها‪ ،‬وإليكم أول آية منها‪:‬‬

‫} ب !سم الله الر !حمن الرحيم { ‪ :‬المشروع ذكر ال تبر‪2‬كا واستعانة وتيمن‪2‬ا‪ ،‬والمتعلق بالباء في‬

‫} ب !سم الله { مقدر إما بفعل وإما باسم‪ ،‬فأما من قدره باسم تقديره باسم ال ابتدائي؛ فلقوله‬

‫أمرا‬
‫تعالى‪ } :‬وقال !اركبوا فيها ب !سم الله م !جراها وم !رساها إن رب'ي لغف ‪d‬‬
‫ور رح ‪d‬‬
‫يم { ‪ ،‬ومن قدره بالفعل ‪2‬‬
‫اسم رب'ك الذي خلق { ‪،‬‬
‫خبرا‪ ،‬نحو‪ :‬أبدأ بسم ال‪ ،‬أو ابتدأت باسم ال؛ فلقوله‪ } :‬اق!رأ! ب !‬
‫أو ‪2‬‬

‫} الله { ‪ :‬هو المألوه المعبود المستحق لفراده بالعبادة؛ لما اتصف به من صفات اللوهية وهي‬
‫صفات الكمال‪ } ،‬الر !حمن الرحيم { ‪ :‬اسمان دالن على أنه ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي‬

‫وسعت كل شيء وعمت كل حي‪ ،‬والرحيم‪ :‬رحمة خاصة بالمؤمنين كتبها للمتقين المتبعين لنبياءه‬

‫ت كل ش !يء فسأ !كتب‪B‬ها للذين ي‪B‬ت‪B‬قون وي‪! B‬ؤتون الزكاة { اليتين‪،‬‬
‫ورسله‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ور !حمتي وسع !‬

‫يما { ‪.‬‬
‫وقال تعالى‪ } :‬وكان بال!م !ؤمنين رح ‪2‬‬

‫خالصا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من‬
‫قال ابن جرير‪ :‬معنى الحمد ل‪ :‬الشكر ل‬
‫‪2‬‬
‫خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي ل يحصيها العد ول يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح‬

‫اللت لطاعته‪ ،‬وتمكين أجسام المكلفين لداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق‬
‫وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه‪ ،‬ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه‬
‫من السباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم‪ ،‬فلربنا الحمد على ذلك‬
‫وآخرا‪.‬‬
‫كله أول‪2 2‬‬

‫وقال ‪ B‬رحمه ال ‪ :-‬ثناء أثنى به على نفسه‪ ،‬وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قولوا الحمد ل‪ ،‬قال‪ :‬وقد قيل‪ :‬إن قول القائل الحمد ل‪ :‬ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته‬
‫العلى‪ .‬اه‪.B‬‬
‫وعن جابر بن عبدال قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أفضل الذكر ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬وأفضل الدعاء الحمد ل«‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬حسن غريب‪ ،‬وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك‬
‫ رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما أنعم ال على عبد نعمة‪،‬‬‫فقال‪ :‬الحمد ل‪ ،‬إل كان إذا أعطى أفضل مما أخذ«‪ ،‬وقال القرطبي في »تفسيره«‪ ،‬وفي »نوادر‬
‫الصول«‪ :‬عن أنس‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬لو أن الدنيا بحذافيرها في يد‬
‫رجل من أمتي‪ ،‬ثم قال‪ :‬الحمد ل‪ ،‬لكان الحمد ل أفضل من ذلك«‪.‬‬
‫قال القرطبي وغيره‪ :‬أي لكان إلهامه الحمد ل أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لن ثواب الحمد‬
‫ل يفنى ونعيم الدنيا ل يبقى‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬المال وال!ب‪B‬نون زينة الحياة ال •دن!‪B‬يا وال!باقيات‬

‫الصالحات خ !ي‪d B‬ر عند رب'ك ث‪B‬واب‪2‬ا وخ !ي‪d B‬ر أمل‪. { 2‬‬

‫وفي »سنن ابن ماجه« عن ابن عمر أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬حدثهم‪» :‬أن عب ‪2‬دا‬

‫من عباد ال قال‪ :‬يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬فعضلت على‬
‫الملكين‪ ،‬فلم يدريا كيف يكتبانها! فصعد إلى ال‪ ،‬وقال‪ :‬يا ربنا‪ ،‬إن عب ‪2‬دا قال مقال ل ندري‬

‫كيف نكتبها! قال وهو أعلم بما قال عبده‪ :‬ماذا قال عبدي؟ قال‪ :‬يا رب‪ ،‬إنه قال‪ :‬لك الحمد يا‬

‫رب كما ينبغي لجلل وجهك وعظيم سلطانك‪ ،‬فقال ال لهما‪ :‬اكتباها كما قال عبدي حتى‬
‫يلقاني فأجزيه بها«‪.‬‬
‫وقال شيخ السلم ‪ B‬رحمه ال ‪ :-‬والحمد نوعان‪ :‬حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر‪،‬‬
‫وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله‪ ،‬وهذا الحمد ل يكن إل على ما هو في نفسه‬
‫مستحق للحمد‪ ،‬وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال وهي أمور وجودية‪ ،‬فإن‬
‫المور العدمية المحضة ل مدح فيها ول خير ول كمال‪ ،‬ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على‬
‫ماله من صفات الكمال‪ ،‬فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق‪ ،‬والذي منه ما يحمد عليه هو‬
‫أحق بالحمد‪ ،‬فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة‪ ،‬وهو أحق من كل محمود‪.‬‬
‫وقال ‪ B‬رحمه ال تعالى ‪ :-‬وأما أهل التوحيد الذين يعبدون ال مخلصين له الدين‪ ،‬فإن ما في‬
‫محمودا حم ‪2‬دا مطل ‪2‬قا على كل ما‬
‫قلوبهم من محبة ال ل يماثله فيها غيرها؛ ولهذا كان الرب‬
‫‪2‬‬

‫خاصا على إحسانه إلى الحامد فهذا حمد الشكر والول حمده على ما فعله‪ ،‬وكما‬
‫فعله‪ ،‬وحم ‪2‬دا ‪2‬‬

‫الرض وجعل الظ•لمات والن•ور { الية‪ ،‬وقال‪ } :‬ال!ح !مد‬
‫قال‪ } :‬ال!ح !مد لله الذي خلق السموات و !‬

‫الرض { ‪.‬‬
‫لله فاطر السموات و !‬

‫والحمد ضد الذم‪ ،‬والحمد خبر بمحاسن المحمود‪ ،‬مقرون بمحبته‪ ،‬ول يكون حمد المحمود إل‬
‫مع محبته ول ذم المذموم إل مع بغضه‪ ،‬وهو سبحانه له الحمد في الولى والخرة فل تكون‬
‫عبادة إل بحب المعبود ول يكون حمد إل بحب المحمود‪ ،‬وهو سبحانه المعبود المحمود؛‬
‫ولهذا كانت الخطب في الجمع والعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الصلين تحميده‬
‫وتوحيده‪ ،‬وأفضل الذكر‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬وأفضل الدعاء‪ :‬الحمد ل‪.‬‬
‫ب العالمين { الرب‪ :‬هو المعبود الخالق الرازق المتصرف المربي جميع‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ر '‬

‫العالمين‪ ،‬بأصناف النعم بخلقه لهم‪ ،‬وإعداده لهم اللت‪ ،‬وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي لو‬
‫فقدوهالم يكن لهم البقاء‪ ،‬فالنعم التي فيهم من ال‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وما بكم 'من ن'‪! B‬عمة فمن‬

‫الله { ‪ ،‬وترتبيته تعالى لعباده نوعان‪ :‬عامة‪ ،‬وخاصة‪ ،‬فالعامة‪ :‬خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم‬
‫لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا‪ ،‬وأما الخاصة‪ :‬تربيته لوليائه فيربيهم باليمان‬
‫ويوفقهم له ويكملهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه وحقيقتها تربية التوفيق‬
‫لكل خير والعصمة من كل شر‪ ،‬والعالمين‪ :‬جمع عالم وهو كل موجود سوى ال عز وجل‪،‬‬

‫والعالم‪ :‬جمع ل واحد له من لفظه‪ ،‬والعوالم‪ :‬أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر‪،‬‬
‫أيضا‪.‬‬
‫عالما ‪2‬‬
‫وكل قرن وجيل منها يسمى ‪2‬‬

‫} الر !حمن الرحيم { ‪ :‬تقدم الكلم عليهما بما أغنى عن إعادته‪.‬‬
‫} مالك ي‪! B‬وم الد'ين { ‪ :‬قال ابن كثير‪ :‬مالك‪ :‬مأخوذ من الملك‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬إنا ن !حن نرث‬

‫ب الناس * ملك الناس { ‪ ،‬وملك مأخوذ من‬
‫الرض وم !ن عل !ي‪B‬ها وإل !ي‪B‬نا ي‪! B‬رجعون { ‪ } ،‬ق !ل أعوذ بر '‬
‫!‬
‫الملك‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ل'من المل!ك الي‪! B‬وم لله الواحد القهار { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ق‪! B‬وله الح •ق وله المل!ك‬
‫{ ‪ ،‬وقال‪ } :‬المل!ك ي‪! B‬ومئذ الح •ق للر !حمن وكان ي‪! B‬و‪2‬ما على الكافرين عس ‪2‬يرا { وتخصيص الملك‬
‫بيوم الدين ل ينفيه عما عداه؛ لن قد تقدم الخبار بأنه رب العالمين‪ ،‬وذلك عام في الدنيا‬

‫والخرة‪ ،‬وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لنه ل يدعي أحد هنالك شيئ‪2‬ا ول يتكلم أحد إل بإذنه كما‬

‫قال تعالى‪ } :‬ي‪! B‬وم ي‪B‬قوم ال •روح وال!ملئكة ص ‪2‬فا ل ي‪B‬تكلمون إل م !ن أذن له الر !حمن وقال صواب‪2‬ا { ‪،‬‬

‫س‬
‫وقال‪ } :‬وخشعت !‬
‫الصوات للر !حمن فل ت !سمع إل ه !م ‪2‬‬
‫سا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ي‪! B‬وم يأ!ت ل تكلم ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫إل بإ !ذنه فم !ن‪B‬ه !م شق ‚ي وسعي ‪d‬د { ‪ .‬اه‪.B‬‬

‫} ي‪! B‬وم الد'ين { ‪ :‬هو يوم الجزاء والحساب على العمال‪ ،‬والتصديق الجازم بيوم الدين كلية من‬
‫كليات العقيدة السلمية‪ ،‬والنكار لذلك اليوم كفر‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وات‪B‬قوا ي‪! B‬و‪2‬ما ت‪! B‬رجعون فيه إلى‬
‫ت وه !م ل يظ!لمون { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ي‪! B‬ومئذ ي‪B‬وف'يهم الله دين‪B‬هم‬
‫الله ثم ت‪B‬وفى ك •ل ن‪! B‬فس ما كسب !‬

‫الحق وي‪! B‬علمون أن الله هو الح •ق المبين { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬وما أ !دراك ما ي‪! B‬وم الد'ين * ثم ما أ !دراك‬
‫المر ي‪! B‬ومئذ ل'له { ‪ } ،‬ي‪! B‬وم ل ينفع م ‪d‬‬
‫ال ول ب‪B‬نون‬
‫س ل'ن‪! B‬فس ش !يئ‪2‬ا و !‬
‫ما ي‪! B‬وم الد'ين * ي‪! B‬وم ل ت !ملك ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫* إل م !ن أتى الله بقل!ب سليم { إنه اليوم الذي ترى فيه السماء قد انفطرت‪ ،‬والكواكب منتثرة‪،‬‬
‫والنجوم منكدرة‪ ،‬والشمس مكورة‪ ،‬والجبال مسيرة‪ ،‬والعشار عطلت‪ ...‬إلخ‪ ،‬يوم ل يفيد المنكر‬
‫الكاذب احتياله وجحوده‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ي‪! B‬وم ت !شهد عل !يه !م أل!سنت‪B‬ه !م وأي!ديه !م و !أرجلهم بما كانوا‬

‫ي‪! B‬عملون { في ذلك اليوم يجازي ال فيه النسان على ما قدم من خير أو شر‪ ،‬فينتقم ال فيه من‬
‫الظالمين‪ ،‬ويكافئ العادلين‪ ،‬وفي ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور كمال ملكه تعالى وعدله‪،‬‬

‫وحكمته‪ ،‬وانقطاع أمك الخلئق حتى أنه يستوي في ذلك اليوم الملوك والرعايا‪ ،‬والحرار والعبيد‬
‫الصوات للر !حمن فل ت !سمع إل‬
‫كلهم مذعنون لعظمته خاضعون لعزته‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وخشعت !‬

‫س ا { وكلهم منتظرون المجازاة‪ ،‬فلهذا خص بالذكر وإل فهو المالك ليوم الدين ولغيره من‬
‫ه !م ‪2‬‬
‫اليام‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين { العبادة اسم جامع لكل ما يحبه ال ويرضاه من القوال‬
‫والعمال الظاهرة والباطنة‪ ،‬وقيل‪ :‬إن العبادة غاية الذل مع غاية الخضوع‪ ،‬والستعانة‪ :‬العتماد‬

‫على ال في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك‪ ،‬والمعنى نخصك بالعبادة‬
‫ونخصك بالستعانة‪ ،‬فل نعبد غيرك‪ ،‬عهد بين العبد وربه أن ل يعبده إل إياه‪ ،‬وإياك نستعين‪ :‬عهد‬
‫بين العبد وبين ربه أن ل يستعين بأحد غير ال‪.‬‬
‫فالول‪ :‬تبرؤ من الشرك‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬تبرؤ من الحول والقوة وتفويض إلى ال عز وجل‪.‬‬
‫وهذا المعنى في غير آية من القرآن‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬فا !عب !ده وت‪B‬وك !ل عل !يه وما رب•ك بغافل عما‬

‫ب الم !شرق‬
‫ت‪! B‬عملون { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ق !ل هو الر !حمن آمنا به وعل !يه ت‪B‬وكل!نا { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ر •‬

‫وال!م !غرب ل إله إل هو فاتخ !ذه وكيل‪ { 2‬وكذا هذه الية الكريمة‪.‬‬

‫وقال ابن كثير‪ :‬وتحول الكلم من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب‪ ،‬وهو مناسب؛ لنه لما‬
‫أثنى على ال فكأنه اقترب وحضر بين يدي ال تعالى‪ ،‬ولن الكلم إذا نقل من أسلوب إلى آخر‬

‫كان أحسن تطرية لنشاط السامع‪ ،‬وأكثر إيقاظ‪2‬ا له كما تقرر في علم المعاني‪ ،‬والمجيء بالنون في‬
‫الفعلين لقصد الخبار عن الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد‪ ،‬وقيل‪ :‬إن المقام لما كان‬

‫واستصغارا لها‪ ،‬فالمجيء بالنون لقصد التواضع‪ ،‬ل‬
‫استقصارا لنفسه‬
‫عظيما لم يستقل به الواحد‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫لتعظيم النفس‪ ،‬وقدمت العبادة على الستعانة لكون الولى وسيلة إلى الثانية‪ ،‬وتقديم الوسائل‬

‫سبب لتحصيل المطالب‪ ،‬وإطلق الستعانة لقصد التعميم‪.‬‬
‫وعن ابن عباس في قوله‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد { ‪ :‬يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا ل غيرك‪ } ،‬وإياك‬

‫ن !ستعين { على طاعتك وعلى أمورنا كلها‪ ،‬والقيام بعبادة ال‪ ،‬والستعانة به هو الوسيلة للسعادة‬
‫البدية‪ ،‬والنجاة من جميع الشرور‪ ،‬فل سبيل إلى النجاة إل بالقيام بهما‪ ،‬وإنما تكون العبادة‬

‫عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مقصود بها وجه ال‪ ،‬فبهذين‬
‫المرين تكون عبادة‪.‬‬
‫صراط الم !ستقيم { والهداية هنا الرشاد والتوفيق‪ ،‬والمعنى دلنا وأرشدنا وثبتنا‪ ،‬وقد‬
‫} !اهدنا ال '‬

‫النجدي!ن‬
‫تعدى الهداية بنفسها كما هنا فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارقنا أو أعطنا‪ } ،‬وهدي!‪B‬ناه !‬
‫اجتباه وهداه إلى صراط •م !ستقيم { ‪،‬‬
‫{ أي بينا له الخير والشر‪ ،‬وقد تعدى بإلى‪ ،‬كقوله تعالى‪! } :‬‬

‫} ف !اهدوه !م إلى صراط الجحيم { وذلك بمعنى الدللة والرشاد‪ ،‬وكذلك قوله تعالى‪ } :‬وإنك‬
‫لت‪! B‬هدي إلى صراط •م !ستقيم { وقد تعدى باللم‪ ،‬كقول أهل الجنة‪ } :‬الح !مد لله الذي هدانا‬

‫لهذا { أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهل‪.2‬‬
‫وفرق بعض المتأخرين بين معنى المتعدى بنفسه وغير المتعدي‪ ،‬فقالوا‪ :‬معنى الول‪ :‬الدللة‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬اليصال‪ ،‬وطلب الهداية من المهتدين معناه طلب الزيادة‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬والذين !اهتد !وا‬

‫زاده !م ه ‪2‬دى { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وز !دناه !م ه ‪2‬دى { ‪ ،‬وقال‪ } :‬والذين جاهدوا فينا لن‪! B‬هدي‪B‬ن‪B‬ه !م سب‪B‬لنا { ‪.‬‬

‫وقال ابن كثير‪ :‬فإن قيل‪ :‬كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلة وغيرها‪ ،‬وهو متصف‬

‫بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم ل؟‬
‫ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده ال تعالى إلى ذلك‪ ،‬فإن‬
‫فالجواب‪ :‬أن ل‪ ،‬ولول احتياجه ليل‪2 2‬‬
‫العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى ال تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره‬

‫ضرا إل ما شاء ال فأرشده إلى‬
‫وازدياده منها واستمراره عليها‪ ،‬فإن العبد ل يملك لنفسه ‪2‬‬
‫نفعا ول ‪2‬‬
‫أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعرفة والثبات والتوفيق‪ ،‬فالسعيد من وفقه ال تعالى لسؤاله‪،‬‬
‫فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه‪ ،‬ولسيما المضطر المفتقر إليه آناء الليل وأطراف‬
‫النهار‪.‬‬
‫جميعا على أن الصراط‬
‫والصراط لغة‪ :‬الطريق‪ ،‬قال ابن جرير‪ :‬أجمعت المة من أهل التأويل ‪2‬‬

‫المستقيم هو الطريق الواضح الذي ل إعوجاج فيه‪.‬‬

‫وقال ابن القيم ‪ B‬رحمه ال ‪ :-‬ول يكون الطريق صراط‪2‬ا حتى يتضمن خمسة أمور‪ :‬الستقامة‪،‬‬

‫واليصال إلى المقصود‪ ،‬والقرب‪ ،‬وسعته للمارين عليه‪ ،‬وتعيينه طري ‪2‬قا للمقصود تضمن إيصاله إلى‬

‫المقصود‪ ،‬ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته‪ ،‬وإضافته إلى المنعم عليهم‪ ،‬ووصفه بمخالفة‬

‫صراط أهل الغضب والضلل يستلزم تعيينه طري ‪2‬قا‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬إن الصراط المستقيم المذكور هنا القرآن الكريم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنه الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وصاحباه من بعده‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬السلم‪.‬‬
‫قال ابن القيم ‪-‬رحمه ال‪ :-‬والقول الجامع في تفسير الصراط المستقيم أنه الطريق الذي نصبه‬
‫ال لعباده على ألسنة رسله وجعله موصل‪ 2‬لعباده إليه ول طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية‪،‬‬

‫وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن ل إله إل ال وأن محم ‪2‬دا عبده ورسوله‪ ،‬ونكتة ذلك‬
‫وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك‪ ،‬فل يكون في قلبك موضع إل معمور بحبه‪ ،‬ول‬

‫تكون إرادة إل متعلقة بمرضاته‪ ،‬وهذا هو الحق‪ ،‬ودين الحق‪ ،‬وهو معرفة الحق والعمل به وهو‬
‫معرفة ما بعث ال به رسله والقيام به‪ ،‬فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها‪.‬‬
‫ويضاف الصراط تارة إلى ال سبحانه وتعالى؛ لنه شرعه ونصبه‪ ،‬ويضاف تارة إلى العباد؛ لنهم‬
‫أهل سلوكه‪ ،‬وهو المنسوب لهم‪ ،‬وهم المارون عليه‪ ،‬فالول وهو إضافته إلى ال كقوله تعالى‪:‬‬
‫يما { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وإنك لت‪! B‬هدي إلى صراط •م !ستقيم * صراط الله { ‪،‬‬
‫} وأن هذا صراطي م !ستق ‪2‬‬
‫والثاني كما في الفاتحة‪ ،‬فمن هدي في هذه الدار إلى صراط ال المستقيم الموصل إلى جنته‬

‫ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد واستقامته على هذا الصراط الذي نصبه ال لعباده في هذه‬
‫الدار‪ ،‬يكون ثبوت قدمه على الصراط الحسي الجسر المنصوب على متن جهنم‪ ،‬وعلى قدر‬
‫سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمر كلمح البصر‪ ،‬ومنهم من‬
‫يمر كالبرق‪ ،‬ومنهم من يمر كالريح‪ ،‬ومنهم من يمر كالفرس الجواد‪ ،‬ومنهم من يمر كركاب البل‪،‬‬
‫عدوا‪ ،‬ومنهم من يمشي مشي‪2‬ا‪ ،‬ومنهم من يزحف زح ‪2‬فا‪ ،‬ومنهم من يخطف خط ‪2‬فا‬
‫ومنهم من يعدو ‪2‬‬
‫ويلقى في جهنم‪.‬‬

‫اء وفاق‪2‬ا { ‪،‬‬
‫فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا حذو القذة بالقذة } جز ‪2‬‬
‫} ه !ل ت !جز!ون إل ما كنت !م ت‪! B‬عملون { ‪ } ،‬وما رب•ك بظلم ل'ل!عبيد { ‪.‬‬
‫مفسرا للصراط المستقيم وانتصب على أنه بدل من‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬صراط الذين أن!‪B‬ع !مت عل !يه !م { ‪2‬‬
‫الول وفائدة التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير‪ ،‬ويجوز أن يكون عطف بيان وفائدته اليضاح‪،‬‬
‫والذين أنعم ال عليهم هم المذكورون في سورة النساء‪ ،‬حيث قال ال تعالى‪ } :‬ومن يطع الله‬

‫صد'يقين وال •‬
‫شهداء والصالحين وحسن‬
‫والرسول ف !أولئك مع الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم 'من النبي'ين وال '‬

‫يما { ‪.‬‬
‫!أولئك رفي ‪2‬قا * ذلك الف !‬
‫ضل من الله وكفى بالله عل ‪2‬‬

‫وقال الضحاك عن ابن عباس‪ :‬صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك‪ ،‬وعبادتك من ملئكتك‪،‬‬
‫وأنبياءك‪ ،‬والصديقين‪ ،‬والشهداء‪ ،‬والصالحين‪ ،‬وذلك نظير قوله تعالى‪ } :‬ومن يطع الله والرسول‬
‫ف !أولئك مع الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم { الية‪ ،‬وأطلق النعام ليشمل كل إنعام‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬غ !ير المغ!ضوب عل !يه !م ول الضال'ين { ‪.‬‬

‫قال ابن كثير ‪ B‬رحمه ال ‪ :-‬والمعنى إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن‬
‫تقدم وصفهم ونعتهم‪ ،‬وهم أهل الهداية والستقامة والطاعة ل ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه‬

‫وزواجره غير صراط المغضوب عليهم‪ ،‬وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه‪ ،‬ول‬
‫صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلل ل يهتدون إلى الحق وأكد‬
‫الكلم بل؛ ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين وهما طريقة اليهود والنصارى؛ ولهذا كان الغضب‬
‫لليهود والضلل للنصارى؛ لن من علم وترك استحق الغضب بخلف من لم يعلم‪ ،‬والنصارى لما‬
‫كانوا قاصدين شيئ‪2‬ا لكن ل يهتدون إلى طريقه؛ لنهم لم يأتوا المر من بابه وهو إتباع الحق ضلوا‬
‫وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه‪ ،‬لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى‬

‫عنهم‪ } :‬من لعنه الله وغضب عل !يه { ‪ ،‬وأخص أوصاف النصارى الضلل‪ ،‬كما قال تعالى عنهم‪:‬‬
‫} ق !د ضل•وا من ق‪! B‬بل وأضل•وا كث ‪2‬يرا وضل•وا عن سواء السبيل { ‪ ،‬وبهذا جاءت الحاديث والثار‪،‬‬
‫فعن عدي بن حاتم‪ :‬قال‪ :‬جاءت خيل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فأخذوا عمتي‬
‫وناس ا‪ ،‬فلما أتوا بهم إلى رسول ال صفوا له‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬نأى الوافد‪ ،‬وانقطع الولد‪ ،‬و‬
‫‪2‬‬
‫أنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من ال عليك‪ ،‬قال‪» :‬من وافدك؟« قالت‪ :‬عدي بن‬
‫حاتم‪ ،‬قال‪» :‬الذي فر من ال ورسوله؟« قالت‪ :‬فمن علي‪ ،‬فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه‬
‫علي‪ ،‬قال‪» :‬سليه حملن‪2‬ا«‬
‫فسألته‪ ،‬فأمر لها‪ ،‬قال‪ :‬فأتتني‪ ،‬فقالت‪ :‬لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها‪ ،‬فإنه قد أتاه فلن‬
‫فأصاب منه وأتاه فلن فأصاب منه‪ ،‬فأتيته‪ ،‬فإذا عنده امرأة وصبيان‪ ،‬وذكر قربهم من النبي ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪ :‬فعرفت أنه ليس بملك ككسرى ول قيصر‪ ،‬فقال‪ :‬يا عدي‪» :‬ما‬
‫أفرك؟ أفرك أن يقال ل إله إل ال؟ فهل من إله إل ال! أفرك أن يقال ال أكبر؟ فهل شيء أكبر‬
‫من ال عز وجل!« قال‪ :‬فأسلمت فرأيت وجهه استبشر‪ ،‬وقال‪» :‬إن المغضوب عليهم اليهود‪،‬‬
‫وإن الضالين النصارى«‪ ،‬وذكر الحديث‪.‬‬

‫اب‬
‫وفي خطابه مع بني إسرائيل في سورة »البقرة« ‪ } :‬ف‪B‬باءوا بغضب على غضب ولل!كافرين عذ ‪d‬‬
‫ين { ‪ ،‬وقال في سورة المائدة‪ } :‬ق !ل ه !ل أن‪B‬ب'ئكم بش ‪ƒ‬ر 'من ذلك مثوبة‪ 2‬عند الله من لعنه الله‬
‫•مه ‪d‬‬
‫وغضب عل !يه وجعل م !ن‪B‬هم القردة وال!خنازير وعبد الطاغوت !أولئك ش ‚ر مكان‪2‬ا وأض •ل عن سواء‬
‫السبيل { ‪.‬‬

‫وفي السيرة‪ :‬عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون‬
‫الدين الحنيف‪ ،‬قالت له اليهود‪ :‬إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب‬
‫ال‪ ،‬فقال‪ :‬أنا من غضب ال أفر‪ ،‬وقالت له النصارى‪ :‬إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ‬
‫بنصيبك من سخط ال‪ ،‬فقال‪ :‬ل أستطيعه‪ ،‬فاستمر على فطرته وجانب عبادة الوثان ودين‬
‫المشركين‪ ،‬ولم يدخل مع أحد من اليهود ول النصارى‪ ،‬وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين‬
‫النصرانية؛ لنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك‪ ،‬وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه ال‬
‫بنبيه لما بعثه آمن به بما وجد من الوحي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ .-‬اه‪ .B‬بتصرف واختصار‪.‬‬
‫ومن الحكم التي تدل على اختيار هذه السورة للتكرار في كل صلة والتي ل تصح الصلة بدونها‬
‫لقادر على التيان بها‪ ،‬ما ورد في »صحيح مسلم« من حديث العلء بن عبدالرحمن مولى‬
‫الحرقة‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي هريرة‪ ،‬عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يقول ال تعالى‬
‫قسمت الصلة بيني وبين عبدي نصفين‪ ،‬فنصفها لي ونصفها لعبدي‪ ،‬ولعبدي ما سأل‪ ،‬إذا قال‬
‫ب العالمين { ‪ ،‬قال ال‪ :‬حمدني عبدي‪ ،‬وإذا قال‪ } :‬الر !حمن الرحيم { ‪،‬‬
‫العبد‪ } :‬ال!ح !مد لله ر '‬

‫قال ال‪ :‬مجدني عبدي‪ ،‬وإذا قال‪ } :‬مالك ي‪! B‬وم الد'ين { ‪ ،‬قال ال‪ :‬أثنى علي عبدي‪ ،‬وإذا قال‪:‬‬

‫} إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين { ‪ ،‬قال ال‪ :‬هذا ما بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل‪ ،‬فإذا قال‪:‬‬
‫صراط الم !ستقيم * صراط الذين أن!‪B‬ع !مت عل !يه !م غ !ير المغ!ضوب عل !يه !م ول الضال'ين { ‪،‬‬
‫} !اهدنا ال '‬
‫قال‪ :‬هذا لعبدي ولعبدي ما سأل«‪.‬‬

‫ما يؤخذ من سورة الفاتحة من الحكام‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -2‬إثبات السماء ل‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات صفة الرحمة ل‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -5‬الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم‪ ،‬ممن ينكر صفة الرحمة أو يؤولها بتأويل باطل‪.‬‬
‫‪ -6‬أنها اشتملت على حمد ال‪.‬‬
‫‪ -7‬أنها اشتملت على تمجيد ال والثناء عليه بذكر أسماء ال الحسنى المستلزمة لصفاته‪.‬‬

‫‪ -8‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -9‬أن ال هو الذي خلق المخلوقات كلها‪.‬‬
‫‪ -10‬أنه هو الذي يرزقهم‪.‬‬
‫‪ -11‬أنه هو الذي يهديهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم‪.‬‬
‫‪ -12‬البتداء بالبسملة‪.‬‬
‫‪ -13‬إثبات غنى ال‪.‬‬
‫‪ -14‬إنفراد ال بالتدبير‪.‬‬
‫‪ -15‬فقر الخلئق إلى ال‪.‬‬
‫‪ -16‬إثبات أولية ال‪.‬‬
‫‪ -17‬إثبات صفة الملك ل‪.‬‬
‫‪ -18‬إثبات الرسالة وهو من جهات عديدة‪ :‬أحدها‪ :‬كونه رب العالمين فل يليق به أن يترك‬
‫عباده سدى ل يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما‪ ،‬المأخذ الثاني لثبات‬
‫الرسالة من اسم ال وهو المألوه المعبود ول سبيل إلى معرفة عبادته إل من طريق رسله‪ ،‬والمأخذ‬
‫الثالث لثبات الرسالة من اسمه الرحمن‪ ،‬فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به‬
‫غاية كما لهم‪ ،‬المأخذ الرابع لثبات الرسالة من ذكر يوم الدين‪ ،‬فإنه اليوم الذي يدين ال به‬
‫الخلئق بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات‪ ،‬وما كان ال ليعذب‬
‫أح ‪2‬د ا قبل إقامة الحجة عليه‪ ،‬والحجة إنما قامت برسل ال وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب‪،‬‬
‫وبهم قام سوق يوم الدين‪ ،‬وسيق البرار إلى النعيم‪ ،‬والفجار إلى الجحيم‪.‬‬

‫‪ -19‬إثبات البعث‪.‬‬
‫‪ -20‬إثبات الحشر‪.‬‬
‫‪ -21‬إثبات الحساب والجزاء على العمال‪.‬‬
‫يوما معين‪2‬ا عند ال يلقى فيه كل عامل جزاء عمله‪.‬‬
‫‪ -22‬أن للدين ‪2‬‬

‫‪ -23‬أن القرآن فيه ترغيب وترهيب حيث جاء قوله تعالى‪ } :‬مالك ي‪! B‬وم الد'ين { إثر قوله‪:‬‬

‫} الر !حمن الرحيم { ‪.‬‬

‫‪ -24‬أن المصالح كلها إنما تهيأت للخلق برحمة ال وفضله وإحسانه‪.‬‬
‫‪ -25‬أن قوله تعالى‪ } :‬مالك ي‪! B‬وم الد'ين { حث على العمال والستعداد لذلك اليوم‪.‬‬
‫‪ -26‬وجوب اليمان بالجن والبعث‪.‬‬

‫‪ -27‬إن في ذلك اليوم ل يدعى أحد شيئ‪2‬ا ول يتكلم أحد إل بإذن ال‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ي‪! B‬وم‬

‫س إل بإ !ذنه { ‪.‬‬
‫يأ!ت ل تكلم ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫‪ -28‬وجوب إفراد ال بالعبادة‪.‬‬
‫‪ -29‬التبرؤ من الشرك‪.‬‬
‫‪ -30‬وجوب الستعانة بال‪.‬‬
‫‪ -31‬التبرؤ من الحول والقوة‪.‬‬
‫‪ -32‬العدول عن الغيبة إلى الخطاب؛ لن الكلم إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية‬
‫لنشاط السامع وأكثر إيقاظ‪2‬ا له‪.‬‬

‫‪ -33‬أن تقديم المعمول يفيد الحصر‪ ،‬وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه‪.‬‬
‫‪ -34‬الهتمام بتقديم حقه تعالى على حق عباده‪.‬‬
‫‪ -35‬إثبات علم ال؛ لنه الخالق الرازق لهم‪ ،‬الذي خلق النسان في أحسن تقويم ويستحيل‬
‫ذلك مع الجهل‪.‬‬
‫‪ -36‬إثبات حكمة ال لما في تربيته لهم تعالى من الحكمة جل وعل‪.‬‬
‫‪ -37‬رد على القدرية المنكرين لعلم ال‪.‬‬
‫مجازا‪.‬‬
‫‪ -38‬رد على الجبرية الذين سلبوا العبد قدرته وجعلوا فعله ‪2‬‬
‫‪ -39‬الحث على طلب الهداية‪.‬‬
‫‪ -40‬أنه ل يؤمن على النسان المؤمن الفتنة‪ ،‬فلذا أمر بتكرير طلب الهداية‪.‬‬
‫‪ -41‬أن الهداية بيد ال تعالى‪.‬‬
‫‪ -42‬أن النسان مفتقر في كل لحظة إلى معونة ال‪.‬‬
‫‪ -43‬القضاء على جذور الشرك التي كانت فاشية في جميع المم وهي اتخاذ أولياء من دون ال‬
‫يستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب لهم إلى ال زلفى‪ ،‬كما أخبر ال عن المشركين بقولهم‪:‬‬
‫} ما ن‪! B‬عبده !م إل لي‪B‬ق 'ربونا إلى الله زل!فى { ‪.‬‬
‫مستقيما‪.‬‬
‫‪ -44‬أن ل صراط‪2‬ا‬
‫‪2‬‬

‫‪ -45‬أن السعادة ل تحصل إل بالسير على ذلك الصراط القويم‪.‬‬
‫‪ -46‬أن من خالف هذا الصراط وانحرف عنه فهو في ضلل مقيم‪.‬‬
‫‪ -47‬أنه قد مضي أمم شرع ال لهم شرائع لهدايتها فاتبعها الموفقون وساروا على نهجها‪ ،‬فعلينا‬
‫أن نتبع ما جاء عن ال على ألسنة رسله‪.‬‬
‫‪ -48‬أن غير المنعم عليهم صنفان صنف خرج عن الحق بعد علمه به وأعرض عنه بعد أن‬
‫استبان له وهؤلء المغضوب عليهم‪ ،‬وصنف لم يعرفوا الحق أب ‪2‬دا أو عرفوه على وجه مضطرب‬

‫مشوش فهم في عماية تلبس الحق بالباطل وهؤلء هم الضالون‪.‬‬
‫‪ -49‬أن العمال يتوقف نجاحها على أسباب ربطتها حكمة ال بمسبباتها وجعلتها موصلة إليها‬
‫وعلى انتفاء موانع من شأنها أن تحول دونها‪ ،‬وقد أوتي النسان بما فطره ال عليه من العلم‬
‫والمعرفة كسب بعض السباب ودفع بعض الموانع بقدر استعداه الذي آتاه ال‪ ،‬فعليه أن يعمل‬
‫ويطلب من ال العانة والقبول‪ ،‬وقد وعد سبحانه بإجابة الداعي‪.‬‬
‫‪ -50‬إن في ذكر الستعانة بال إرشاد للنسان إلى أن يجب عليه أن يطلب المعونة من ال على‬
‫محمودا‪.‬‬
‫عمل له فيه كسب‪ ،‬فمن ترك الكسب فقد جانب الفطرة وأصبح‬
‫مذموما ل متوكل‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -51‬فيها إيماء إلى أن النسان مهما أوتي من حصافة الرأي وحسن التدبير وتقليب المور على‬
‫وجوهها ل يستغني عن العون اللهي ولطف ال جل وعل‪.‬‬
‫‪ -52‬أن دين ال واحد في جميع الزمان‪.‬‬
‫‪ -53‬الحث على التخلق بفاضل الخلق وعمل الخير وترك الشر‪.‬‬
‫‪ -54‬النهي عن طريق الضالين والمغضوب عليهم‪.‬‬
‫‪ -55‬الحث على حسن السوة فيما تكون به السعادة‪.‬‬
‫‪ -56‬اجتناب ما يكون طري ‪2‬قا إلى الشقاء والدمار‪.‬‬

‫‪ -57‬إن في ذكر المنعم عليهم وهم من عرف الحق واتبعه‪ ،‬والمغضوب عليهم وهم من عرفه‬
‫واتبع هواه‪ ،‬والضالين وهم من جهله ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة؛ لن انقسام الناس إلى ذلك‬
‫هو الواقع المشهود‪ ،‬وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة‪.‬‬
‫‪ -58‬إن في تخصيصه لهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي‬
‫الموجبة للفلح الدائم‪ ،‬وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر‪ ،‬فكل الخلق في نعمة‪ ،‬وهذا‬
‫فصل النزاع في مسألة‪ :‬هل ل على الكافر من نعمة أم ل؟ فالنعمة المطلق لهل اليمان ومطلق‬
‫وم‬
‫النعمة يكن للكافر والمؤمن‪ ،‬كما قال‪ } :‬وإن ت‪B‬عد•وا ن !عمت الله ل ت !حصوها إن النسان لظل ‪d‬‬
‫ار { ‪ ،‬والنعمة من جنس الحسان‪ ،‬بل هي الحسان‪ ،‬والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر‪،‬‬
‫كف ‪d‬‬
‫والمؤمن والكافر‪ ،‬وأما الحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون‪.‬‬

‫‪ -59‬التنبيه على الرفيق في الطريق المذكور‪ ،‬وأنهم هم الذين أنعم ال عليهم من النبييين‬
‫والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط‬
‫وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه‪.‬‬
‫‪ -60‬عظم شأن يوم الدين حيث خص بالذكر مع أن ال له الملك في الولى والخرة‪.‬‬

‫‪ -61‬إرشاد العباد إلى إخلص العبادة ل وتوحيده باللوهية‪.‬‬
‫‪ -62‬إرشاد العباد إلى تنزيه ال عن الشريك والنظير أو المماثل‪.‬‬
‫‪ -63‬أن ال أثنى على نفسه وافتتح كتابه بحمده ولم يأذن في ذلك لغيره‪ ،‬بل نهاهم عن ذلك‬
‫في كتابه وعلى لسان رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ } :‬فل ت‪B‬ز•كوا أن!‪B‬فسك !م هو أ !علم بمن‬

‫ات‪B‬قى { ‪ ،‬وقال –عليه الصلة والسلم‪» :-‬أحثوا في وجوه المداحين التراب« رواه المقداد‪.‬‬
‫‪ -64‬أن فيها اسم ال العظم‪ ،‬قيل‪ :‬الجللة‪ ،‬وقيل‪ :‬الرب لكثرة الدعاء بهما‪.‬‬

‫‪ -65‬رد على القدرية؛ لن النسان عندهم هو الذي يخلق أفعاله فهو غير محتاج في صدورها‬
‫عنه إلى ربه‪ ،‬وقد أكذبهم ال في هذه الية حيث سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم‪ ،‬فلو كان‬
‫المر إليهم والختيار بيدهم دون ال لما سألوه الهداية‪ ،‬ول كرروا السؤال في كل صلة‪.‬‬
‫‪ -66‬أن سورة الفاتحة مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الجمال كما تقدم بيانه‪.‬‬
‫‪ -67‬أن هذه السور تضمنت إثبات أنواع التوحيد الثلثة‪ :‬فتوحيد اللوهية يؤخذ من لفظ ال‪،‬‬
‫ب العالمين { ‪،‬‬
‫ومن قوله‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد وإياك ن !ستعين { ‪ ،‬وتوحيد الربوبية يؤخذ من قوله‪ } :‬ر '‬
‫وتوحيد السماء والصفات يؤخذ من لفظ‪ } :‬ال!ح !مد { ‪.‬‬

‫‪ -68‬تعليم العباد كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده‪ ،‬ثم ذكر‬
‫عبوديتهم وتوحيدهم‪ ،‬فهاتان وسيلتان إلى المطلوب توسل إليه بأسمائه وصفاته‪.‬‬
‫‪ -69‬دليل على رحمة ال الخاصة والمأخذ من قوله تعالى‪ } :‬الرحيم { ‪.‬‬
‫‪ -70‬إن في بناء أنعمت للفاعل استعطاف‪ ،‬فكأن الداعي يقول‪ :‬أطلب منك يا رب الهداية إذ‬
‫سبق إنعامك‪ ،‬فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء سؤلنا وسبحانه ما أكرمه‪ ،‬كيف يعلمنا‬
‫الطلب ليجود علينا بما طلبنا!‬
‫‪ -71‬الحث على التوكل على ال‪.‬‬
‫‪ -72‬أن ال ل يهمل أمر المظلومين‪ ،‬بل يستوفي حقوقهم من الظالمين في يوم الدين‪.‬‬
‫‪ -73‬إن في تكرير } الر !حمن الرحيم { بعد الذكر في البسملة ما يدل على أن العناية بالرحمة‬
‫أكثر من غيرها من المور‪ ،‬وأن الحاجة إليها أكثر فنبه سبحانه بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها‬

‫وأنه هو المتفضل بها على خلقه‪.‬‬
‫‪ -74‬أن تارك العمل بالحق بعد معرفته أولى بوصف الغضب وأحق به‪ ،‬ومن هاهنا كان اليهود‬
‫أحق به‪.‬‬
‫‪ -75‬أن الجاهل بالحق أحق باسم الضلل‪ ،‬ومن هنا وصفت النصارى به‪.‬‬
‫ومنعما‬
‫‪ -76‬أن هذه الوصاف المذكورة في سورة الفاتحة من كونه رب‪2‬ا للعالمين موج ‪2‬دا لهم ‪2‬‬

‫بالنعم كلها‪ ،‬ومال ‪2‬كا للمر كله يوم الجزاء بعد الدللة على اختصاص الحمد به في قوله‪ } :‬ال!ح !مد‬

‫لله { دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه‪ ،‬بل ل‬
‫يستحقه على الحقيقة سواه‪ ،‬فإن ترتب الحكم على هذا الوصف مشعر بعليته له‪.‬‬
‫‪ -77‬أن اللطاف والهدايات من ال ل تتناهى‪.‬‬

‫‪ -78‬أن قوله تعالى‪ } :‬صراط الذين أن!‪B‬ع !مت عل !يه !م { بدل كل من كل من المتقدم‪ ،‬وفائدته‬

‫التوكيد‪ ،‬والتنصيص على أن صراط المسلمين هو المشهود عليه الستقامة والستواء على آكد‬

‫وجه وأبلغه‪.‬‬
‫‪ -79‬أن العبد إذا قال‪ } :‬إياك ن‪! B‬عبد { حصل له الفخر‪ ،‬وذلك منزلة عظيمة‪ ،‬فربما حصل بسبب‬
‫ذلك العجب فأردف ذلك بقوله‪ } :‬وإياك ن !ستعين { ؛ ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك‬

‫العبادة‪.‬‬

‫ب العالمين { حث على اتجاه جميع الخلق إليه جل وعل والقرار‬
‫‪ -80‬إن في قوله تعالى‪ } :‬ر '‬
‫له بالسيادة المطلقة؛ لنه المربي لهم التربية العامة‪ ،‬وهو المربي لوليائه التربية الخاصة‪.‬‬

‫‪-81‬إن في القرار بذلك والعتراف به الطمئنان إلى رعاية ال الدائمة وربوبيته القائمة التي ل‬
‫تنقطع ول تفتر‪.‬‬
‫ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها‪ :‬آمين‪ ،‬ومعناها‪ :‬اللهم استجب‪ ،‬والدليل على‬
‫استحباب التأمين ما رواه المام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال‪ :‬سمعت النبي‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قرأ‪ } :‬غ !ير الم !غضوب عل !يه !م ول الضال'ين { ‪ ،‬فقال‪» :‬آمين« مد‬‫صوته‪ ،‬ولبي داود‪ :‬رفع بها صوته‪ ،‬وقال الترمذي‪ :‬هذا حديث حسن‪.‬‬

‫وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم‪ ،‬وعن أبي هريرة قال‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ إذا تل‪ } :‬غ !ير الم !غضوب عل !يه !م ول الضال'ين { قال‪» :‬آمين« حتى يسمع من يليه من الصف‬‫الول‪ ،‬رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬وزاد فيه‪ :‬فيرتج المسجد‪.‬‬

‫وعن بلل أنه قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ل تسبقني بآمين‪ ،‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫وفي »الصحيحين« عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال‪» :‬إذا أمن المام فأمنوا‪ ،‬فإنه من وافق تأمينه تأمين الملئكة غفر له ما تقدم من ذنبه«‪.‬‬
‫ولمسلم أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا قال أحدكم في الصلة آمين‬
‫والملئكة في السماء آمين‪ ،‬فوافقت إحداهما الخرى غفر له ما تقدم من ذنبه«‪ ،‬وقيل‪ :‬من وافق‬
‫تأمينه تأمين الملئكة في الزمان‪ ،‬وقيل‪ :‬في الجابة‪ ،‬وقيل‪ :‬في صفة الخلص‪.‬‬

‫مرفوعا‪» :‬إذا قال –يعني المام‪ } :-‬ول الضال'ين { فقولوا‬
‫وفي »صحيح مسلم« عن أبي موسى‬
‫‪2‬‬

‫آمين يجبكم ال«‪.‬‬
‫اللهم ارزقنا التفكر والتدبر لما تتلوه ألسنتنا من كتابك والفهم له والمعرفة بمعانيه والنظر في‬
‫عجائبه والعمل بذلك ما بقينا إنك على كل شيء قدير‪ ،‬واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع‬
‫المسلمين الحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين‪ ،‬وصلى ال على محمد وعلى آله‬
‫وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫من الدلة على التوحيد في العبادة وإثبات الرسالة‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الناس ا !عبدوا ربكم الذي خلقك !م والذين من ق‪! B‬بلكم لعلك !م ت‪B‬ت‪B‬قون‬

‫اء فأ !خرج به من الثمرات ر!زق‪2‬ا‬
‫* الذي جعل لكم !‬
‫اء وأنزل من السماء م ‪2‬‬
‫الرض فرا ‪2‬شا والسماء بن ‪2‬‬
‫ادا وأنت !م ت‪! B‬علمون * وإن كنت !م في ري!ب 'مما ن‪B‬زل!نا على ع !بدنا فأ!توا بسورة 'من‬
‫لك !م فل ت !جعلوا لله أند ‪2‬‬

‫'مث!له وا !دعوا شهداءكم 'من دون الله إن كنت !م صادقين * فإن ل !م ت‪! B‬فعلوا ولن ت‪! B‬فعلوا فات‪B‬قوا النار التي‬
‫دت لل!كافرين { ‪.‬‬
‫وقودها الناس وال!حجارة أع !‬

‫نداء‪ ،‬تكفي لسعادة النسانية‪ ،‬وهذه النداءات‬
‫قد بلغت نداءات القرآن ما يقرب من مائة وسبعين ‪2‬‬
‫أيضا على عظم‬
‫اللهية تدل على كمال العناية من ال تعالى بالناس وبعباده المؤمنين‪ ،‬وتدل ‪2‬‬

‫الهتمام بالمطلوب وبالمنادى‪ ،‬وما تركت باب‪2‬ا من أبواب الخير إل ودعت إليه‪ ،‬وما تركت باب‪2‬ا من‬
‫أبواب الشر إل وحذرت عنه‪ ،‬وإن نداء ال القوي العزيز القاهر الكبير المتعال لعباده المؤمنين‬

‫جدير بأن يهز القلوب‪ ،‬وانتباههم إلى الستماع إليه‪ ،‬وتدبر ما فيه وما يلقيه‪ ،‬إذا فهمت هذا‪،‬‬
‫فاعلم أن ال تعالى بعد أن ذكر أصناف الخلق‪ ،‬وبين أن منهم المهتدين والكافرين الذين جحدوا‬
‫أمرا‬
‫ما جاء به الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والمنافقين المذبذبين بين ذلك دعا ال وأمرهم ‪2‬‬

‫عام ا لجميعهم بأمر عام‪ ،‬وهو عبادته وحده ل شريك له‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬كل ما ورد في القرآن‬
‫‪2‬‬
‫من العبادة فمعناها التوحيد‪.‬‬

‫وقد بدأ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬دعوته بعبارة ال وحده‪ ،‬وقد كان هذا صنيع كل رسول‪ ،‬كما‬
‫اجتنبوا الطاغوت { ‪ ،‬ثم استدل‬
‫قال تعالى‪ } :‬ولق !د ب‪B‬عث!‪B‬نا في ك 'ل أمة رسول‪ 2‬أن ا !عبدوا الله و !‬

‫سبحانه على وجوب عبادته وحده بأنه ربكم الذي رباكم وربى جميع العالمين بأصناف نعمه‪ ،‬ثم‬
‫عدد جل وعل بعض نعمه المتظاهرة عليهم الموجبة لعبادته والشكر له‪ ،‬فجعل منها خلقهم بعد‬

‫العدم أحياء قادرين على العمل والكسب‪ ،‬فقال‪ } :‬الذي خلقك !م والذين من ق‪! B‬بلكم { أي إن هذا‬

‫الرب العظيم القدير المتصف بتلك الصفات التي تعلمونها هو الذي خلقكم‪ ،‬وخلق من قبلكم‪،‬‬
‫ورباكم وربى أسلفكم‪ ،‬ودبر شئونكم ووهبكم من طرق الهداية ووسائل المعرفة‪ ،‬مثل ما وهبهم‪،‬‬
‫فاعبدوه وحده‪ ،‬ول تشركوا بعبادته أح ‪2‬دا من خلقه‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬لعلك !م ت‪B‬ت‪B‬قون { أي خلقكم لتتقوه وحده‪ ،‬والتقوى‪ :‬التحرز طاعة ال عن معصيته‪ ،‬فهي‬
‫كلمة جامعة لفعل المأمورات‪ ،‬وترك المنهيات ولتعبدوه‪ ،‬كقوله‪ } :‬وما خل !قت الجن والنس إل‬

‫لي‪! B‬عبدون { ‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه اعبدوه لتتقوا‪.‬‬

‫الرض‬
‫ثم ذكر خصائص الربوبية التي تقتضي الختصاص به تعالى‪ ،‬فقال‪ } :‬الذي جعل لكم !‬
‫أرضا؛ لسعتها من قولهم‪ :‬أرضت القرحة‪ :‬إذا اتسعت‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫فرا ‪2‬شا { ‪ ،‬وإنما سميت الرض ‪2‬‬
‫لنحطاطها عن السماء‪ ،‬وكل ما سفل أرض‪ ،‬وقيل‪ :‬لن الناس يرضونها بالقدام‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫} فرا ‪2‬شا { ‪ ،‬أي بساط‪2‬ا يمكنكم أن تستقروا عليها وتفترشوها وتتصرفوا فيها‪ ،‬وتنتفعون بالبنية‬

‫والزراعة والحراثة والسلوك من محل إلى محل‪ ،‬ثم أتبع نعمة خلق الرض التي هي مسكنهم بنعمة‬

‫جعل السماء بناء وهو السقف‪ ،‬كما قال في الية الخرى‪ } :‬وجعل!نا السماء س !ق ‪2‬فا م !حفوظ‪2‬ا وه !م‬
‫ع !ن آياتها م !عرضون { ‪.‬‬
‫وإذا تأمل النسان المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه‪ ،‬فالسماء‬
‫مرفوعة كالسقف‪ ،‬والرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح‪ ،‬والنسان كمالك البيت‪ ،‬وفيه‬
‫الماء وضروب النبات المهيآت لمنافعه‪ ،‬وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه‪.‬‬
‫فيجب على النسان المسخر له هذه الشياء شكر ل تعالى عليها‪ ،‬والتفكر فيها والستدلل بها‬
‫على حكمة ل وقدرته وعظمته ووحدانيته‪ ،‬وأن ال لم يخلقها عبث‪2‬ا‪ ،‬بل لغرض صحيح ومصلحة‪،‬‬

‫ثم امتن تعالى عليهم بإنزال الماء من السماء‪ ،‬وإخراج الثمرات به رزق‪2‬ا لهم‪ ،‬وذكر إنزل الماء‪،‬‬
‫وإخراج الثمرات به ما يفتأ يتردد في مواضيع شتى من القرآن في معرض التعريض بقدرة ال‪،‬‬

‫والتذكر بنعمته كذلك‪ ،‬والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للحياء في الرض‬
‫جميعا‪ ،‬فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وجعل!نا من الماء كل ش !يء ح ‪ƒ‬ي‬
‫‪2‬‬
‫أفل ي‪! B‬ؤمنون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬والله خلق كل دابة 'من ماء { ‪.‬‬
‫وأنواعا من النبات؛ ليكون ذلك‬
‫والثمرات‪ :‬جمع ثمرة‪ ،‬والمعنى‪ :‬أخرجنا به ألوان‪2‬ا من الثمرات‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫متاع ا لكم إلى حين‪ ،‬فنبههم على قدرته وسلطانه‪ ،‬وذكره به للئه لديهم‪ ،‬وأنه هو الذي خلقهم‬
‫‪2‬‬
‫ورزقهم دون من جعلوه ن ‪2‬دا وعدل‪ 2‬من الوثان واللهة ومضمونه أنه الخالق الرزاق‪ ،‬مالك الدار‬

‫وساكنيها ورازقهم‪ ،‬فبهذا يستحق أن يعبد وحده ول يشرك به غيره؛ ولهذا زجرهم عن أن يجعلوا‬

‫أشباها ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون ال‪ ،‬وتحبونهم كما تحبون ال‪،‬‬
‫له ‪2‬‬
‫أندادا‪ ،‬أي ‪2‬‬

‫وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون‪ ،‬ل يملكون مثقال ذرة في السموات ول في الرض‪ ،‬ل‬
‫نشورا‪.‬‬
‫ينفعون ول يضرون ول يملكون موت‪2‬ا ول حياة ول ‪2‬‬
‫وقوله‪ } :‬وأنت !م ت‪! B‬علمون { المعنى وال أعلم‪ :‬أنكم تعلمون أن الصنام التي تعبدونها لم تنعم‬

‫عليكم بهذه النعم التي عددناها ول بأمثالها‪ ،‬وأنها ل تضر ول تنفع‪ ،‬وأن ال ليس له شريك ول‬
‫نظير‪ ،‬ل في الرزق والتدبير‪ ،‬ول في اللوهية والكمال‪ ،‬فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم‬

‫بذلك‪ ،‬فهذا من أعجب العجب فهذه الية جمعت بين المر بعبادة ال وحده‪ ،‬والنهي عن عبادة‬
‫ما سواه‪ ،‬وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادة ال سبحانه وبطلن عبادة ما سواه وهو ذكر‬
‫توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق‪ ،‬فإذا كان كل مقر بأنه ليس له شريك بذلك‪،‬‬
‫فكذلك فليكن القرار بأن ال ليس له شريك في عبادته‪.‬‬
‫أشار ال سبحانه وتعالى في هذه الية إلى ثلث براهين من براهين البعث بعد الموت‪:‬‬
‫البرهان الول‪ :‬خلق الناس أول‪ 2‬المشار إليه بقوله تعالى‪ } :‬ا !عبدوا ربكم الذي خلقك !م والذين من‬

‫ق‪! B‬بلك م { ؛ لن اليجاد الول أعظم برهان على اليجاد الثاني‪ ،‬وقد أوضح ذلك في آيات أخر‪،‬‬
‫كقوله‪ } :‬كما بدأ!نا أول خل!ق ن•عيده { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ق !ل ي !حييها الذي أنشأها أول مرة { ‪.‬‬

‫الرض فرا ‪2‬شا‬
‫البرهان الثاني‪ :‬خلق السموات والرض المشار إليه بقوله تعالى‪ } :‬الذي جعل لكم !‬

‫اء { لنهما من أعظم المخلوقات ومن قدر على خلق العظم‪ ،‬فهو على غيره قادر من‬
‫والسماء بن ‪2‬‬
‫باب أولى وأحرى‪ ،‬وأوضح تعالى هذا البرهان في آيات أخرى‪ ،‬كقوله سبحانه تعالى‪ } :‬لخل!ق‬

‫الرض أ !كب‪B‬ر م !ن خل!ق الناس ولكن أ !كث‪B‬ر الناس ل ي‪! B‬علمون { ‪ ،‬وكقوله‪ } :‬أو !ليس‬
‫السموات و !‬

‫الرض بقادر على أن ي !خلق مث!‪B‬لهم ب‪B‬لى وهو الخلق العليم { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫الذي خلق السموات و !‬

‫لم ي‪! B‬عي بخل!قهن بقادر على أن ي !حيي الم !وتى‬
‫لم ي‪B‬ر!وا أن الله الذي خلق السموات و !‬
‫الرض و !‬
‫} أو !‬
‫ب‪B‬لى إنه على ك 'ل ش !يء قد ‪d‬ير { ‪.‬‬

‫البرهان الثالث‪ :‬إحياء الرض بعد موتها‪ ،‬فإنه من أعظم الدلة على البعث بعد الموت المشار إليه‬
‫اء فأ !خرج به من الثمرات ر!زق‪2‬ا لك !م { ‪ ،‬وقد ذكره في آيات أخر‪،‬‬
‫في قوله‪ } :‬وأنزل من السماء م ‪2‬‬

‫ت سحاب‪2‬ا ثقال‪ 2‬س !قناه لب‪B‬لد‬
‫كقوله‪ } :‬وهو الذي ي‪! B‬رسل ال 'رياح ب !ش ‪2‬را ب‪! B‬ين يد !ي ر !حمته حتى إذا أق‪B‬ل !‬

‫مي'ت فأنزل!نا به الماء فأ !خر !جنا به من ك 'ل الثمرات كذلك ن !خرج الم !وتى لعلك !م تذكرون { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫أحياها لم !حيي‬
‫الرض خاشعة‪ 2‬فإذا أنزل!نا عل !ي‪B‬ها الماء !اهت‪B‬ز !‬
‫ت ورب !‬
‫ت إن الذي !‬
‫} وم !ن آياته أنك ت‪B‬رى !‬
‫الرض ب‪! B‬عد م !وتها وكذلك ت !خرجون { ‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫الموتى إنه على ك 'ل ش !يء قد ‪d‬ير { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وي !حيي !‬

‫الرض هامدة‪ 2‬فإذا أنزل!نا عل !ي‪B‬ها الماء‬
‫}و !‬
‫أحي‪! B‬ي‪B‬نا به ب‪B‬ل!دة‪ 2‬م !يت‪2‬ا كذلك الخروج { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وت‪B‬رى !‬

‫ت من ك 'ل ز!وج بهيج { إلى قوله‪ } :‬وأن الله ي‪! B‬ب‪B‬عث من في القبور { ‪ ،‬وقوله‪} :‬‬
‫!اهت‪B‬ز !‬
‫ت وأن!‪B‬بت !‬
‫ت ورب !‬
‫ادا وأنت !م ت‪! B‬علمون { ‪ ،‬هذا نهي معطوف على اعبدوا مرتب عليه‪ ،‬فكأنه قيل‪ :‬إذا‬
‫فل ت !جعلوا لله أند ‪2‬‬

‫وجب عليكم عبادة ربكم فل تجعلوا ل ن ‪2‬دا‪ ،‬وأفردوه بالعبادة‪ ،‬إذ ل رب لكم سواه‪ ،‬وإيقاع السم‬
‫الجليل موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات‪ ،‬وتعليل الحكم بوصف اللوهية‬

‫التي عليها يدور أمر الوحدانية‪ ،‬واستحالة الشركة‪ ،‬والستيذان باستتباعها لسائر الصفات‪ ،‬والنداد‬
‫جمع ند‪ ،‬وهو المثيل والنظير والكفؤ‪.‬‬
‫قال حسان‪:‬‬
‫ولست له بند ‪ ...‬فشركما لخيركما الفداء‬
‫أتجهوه !‬

‫وقال الخر‪:‬‬

‫ولم أك ن ‪2‬دا لل!كلبي أبتغي ‪ ...‬م !ن السؤر ما فيه لذي شنب غمس‬
‫ادا { ‪ ،‬قال‪ :‬النداد هو الشرك الخفي من‬
‫عن ابن عباس في قوله عز وجل‪ } :‬فل ت !جعلوا لله أند ‪2‬‬
‫دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل‪ ،‬وهو أن يقول‪ :‬وال وحياتك يا فلن وحياتي‪،‬‬

‫ويقول‪ :‬لول كليبة هذا لتانا اللصوص البارحة‪ ،‬ولول البط في الدار لتى اللصوص‪ ،‬وقول الرجل‬
‫لصاحبه‪ :‬ما شاء ال وشئت‪ ،‬وقول الرجل‪ :‬لو ال وفلن‪ ،‬ل تجعل فيه فلن‪2‬ا‪ ،‬هذا كله به شرك‪.‬‬

‫وفي الحديث‪ :‬أن رجل‪ 2‬قال لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬ما شاء ال وشئت‪ ،‬قال‪:‬‬

‫»أجعلتني ل ن ‪2‬دا؟«‪ ،‬وفي الحديث الخر‪» :‬نعم القوم أنتم لول أنكم تنددون‪ ،‬تقولون ما شاء ال‬
‫وشاء فلن«‪.‬‬

‫سنة يشددان في النهي عن الشرك لتخلص العقيدة نقية‪.‬‬
‫فالقرآن وال •‬

‫قال سيد قطب‪ :‬وقد ل تكون آلهة تعبد مع ال على النحو الساذج الذي يزاوله المشركون‪ ،‬فقد‬

‫تكون النداد في صور أخرى خفية قد تكون في تعليق الرجاء بغير ال في أي صورة‪ ،‬وفي‬
‫الخوف من غير ال في أي صورة‪ ،‬وفي العتقاد بنفع أو ضر في غير ال في أي صورة‪ .‬اه‪.B‬‬
‫وقوله‪ } :‬وأنت !م ت‪! B‬علمون { أي أنه ليس له شريك ول نظير ل في الخلق والرزق والتدبير‪ ،‬ول في‬

‫اللوهية والكمال‪ ،‬كما أخبر جل ثناؤه عنهم بقوله‪ } :‬ولئن سأل!ت‪B‬هم م !ن خلقه !م لي‪B‬قولن الله فأنى‬

‫ي‪! B‬ؤفكون { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وإن كنت !م في ري!ب 'مما ن‪B‬زل!نا على ع !بدنا فأ!توا بسورة { ‪.‬‬

‫وبعد أن قرر أنه ل إله إل هو‪ ،‬وبعد أن ذكر أن الناس بالنظر إلى القرآن أقسام ثلثة‪ :‬متقون‬
‫يهتدون بهديه‪ ،‬وجاحدون معاندون معرضون عن سماع حججه وبراهينه‪ ،‬ومذبذبون بين ذلك‪،‬‬
‫طلب هنا إلى الجاحدين أنهم إن كانوا في ريب مما أنزله على محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫أن يأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن استطاعوا‪ ،‬وهم فرسان البلغة‪ ،‬وعصرهم أرقى عصور‬
‫الفصاحة‪ ،‬والكلم ديدنهم‪ ،‬وبه نفاخرهم‪ ،‬ويستعينوا على ذلك بمن شاءوا من دون ال‪ ،‬فإنهم لم‬
‫يستطيعوا ذلك‪ ،‬وإن تظاهر أنصارهم وكثر أشياعهم‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬شهداءكم أعوانكم‪ ،‬وقال‬
‫قوما آخرين‪ ،‬يساعدونكم على ذلك‪ ،‬وقال مجاهد‪ :‬وادعوا‬
‫السدي عن أبي مالك‪ :‬شركاءكم‪ ،‬أي ‪2‬‬
‫شهداءكم‪ ،‬قال‪ :‬ناس يشهدون به يعني حكام الفصاحة‪.‬‬

‫وقد تحداهم ال تعالى بهذا في غير موضع من القرآن‪ ،‬فقال في »سورة القصص«‪ } :‬ق !ل فأ!توا‬

‫بكتاب 'م !ن عند الله هو !أهدى م !ن‪B‬هما أتب !عه إن كنت !م صادقين { ‪ ،‬وقال في »سورة سبحان«‪ } :‬قل‬
‫اجتمعت النس وال!ج •ن على أن يأ!توا بمث!ل هذا الق !رآن ل يأ!تون بمث!له و !لو كان ب‪! B‬عضه !م لب‪! B‬عض‬
‫لئن !‬
‫ظه ‪2‬يرا { ‪ ،‬وقال في »سورة هود«‪! } :‬أم ي‪B‬قولون اف!‪B‬ت‪B‬راه ق !ل فأ!توا بع !شر سور 'مث!له م !فت‪B‬ريات وا !دعوا‬

‫استط !عتم 'من دون الله إن كنت !م صادقين { ‪ ،‬وفي »سورة يونس«‪! } :‬أم ي‪B‬قولون اف!‪B‬ت‪B‬راه ق !ل فأ!توا‬
‫من !‬
‫استط !عتم 'من دون الله إن كنت !م صادقين { وكل هذه اليات مكية‪.‬‬
‫بسورة 'مث!له وا !دعوا من !‬

‫أيضا في المدينة‪ ،‬فقال في هذه الية‪ } :‬وإن كنت !م في ري!ب { أي شك‪' } ،‬مما‬
‫ثم تحداهم بذلك ‪2‬‬

‫ن‪B‬زل!نا على ع !بدنا { يعني محم ‪2‬دا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ } -‬فأ!توا بسورة 'من 'مث!له { يعني من مثل‬
‫القرآن‪.‬‬

‫قال مجاهد وقتادة‪ :‬واختاره ابن جرير الطبري‪ ،‬ونقله عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن‬
‫البصري‪ ،‬وأكثر المحققين‪ ،‬ورجح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين‬
‫سواء في ذلك أميهم وكتابيهم‪ ،‬وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحد آحادهم الميين‬
‫ممن ل يكتب ول يعاني شيئ‪2‬ا من العلوم‪ ،‬وبدليل قوله‪ } :‬فأ!توا بع !شر سور 'مث!له { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ل‬

‫يأ!تون بمث!له { ‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬من مثل محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬يعني من رجل أمي‬

‫مثله‪ ،‬و الصحيح الول؛ لن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح المم‪ ،‬وقد تحداهم بهذا في‬

‫مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له‪ ،‬وبغضهم لدينه‪ ،‬ومع هذا عجزوا عن ذلك؛‬
‫ولهذا قال‪ } :‬فإن ل !م ت‪! B‬فعلوا ولن ت‪! B‬فعلوا { لن لنفي التأبيد في المستقبل‪ ،‬أي ولن تفعلوا ذلك‬

‫مقدما غير خائف ول مشفق أن‬
‫أب ‪2‬دا‪ ،‬وهذه ‪2‬‬
‫جازما ‪2‬‬
‫قاطعا ‪2‬‬
‫خبرا ‪2‬‬
‫أيضا معجزة أخرى وهو أنه أخبر ‪2‬‬

‫هذا القرآن ل ي عارض بمثله أبد البدين ودهر الداهرين‪ ،‬وكذلك وقع المر لم يعارض من لدنه‬

‫إلى زماننا هذا ول يمكن‪ ،‬وأنى يتأتى ذلك لحد والقرآن كلم ال خالق كل شيء‪ ،‬وكيف يشبه‬
‫كلم الخالق كلم المخلوقين؟‬
‫ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه العجاز فنون‪2‬ا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ‪ ،‬ومن جهة‬

‫ت من لد !ن حكيم خبير { فأحكمت‬
‫ت آياته ثم ف '‬
‫صل !‬
‫أحكم !‬
‫المعنى‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬الر كت ‪d‬‬
‫اب !‬

‫ألفاظه وفصلت معانيه‪ ،‬أو بالعكس على الخلف فكل من لفظه ومعناه فصيح ل يحادي ول‬
‫يداني‪ ،‬فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء‪ ،‬وأمر بكل خير‬
‫ت كلمت رب'ك ص !دق‪2‬ا وع !دل‪ { 2‬أي صدق‪2‬ا في الخبار‪،‬‬
‫ونهى عن كل شر كما قال تعالى‪ } :‬وتم !‬

‫وعدل‪ 2‬في الحكام‪.‬‬

‫فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ول كذب ول افتراء كما يوجد في أشعار العرب‬
‫وغيرهم من الكاذيب والمجازفات التي ل يحسن شعرهم إل بها كما قيل في الشعر‪ :‬إن أعذبه‬
‫أكذبه‪ ،‬وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء‪ ،‬أو الخيل‪ ،‬أو‬
‫الخمر‪ ،‬أو في مدح شخص معين‪ ،‬أو فرس‪ ،‬أو ناقة‪ ،‬أو حرب‪ ،‬أو كائنة‪ ،‬أو مخافة‪ ،‬أو سبع‪ ،‬أو‬
‫شيء من المشاهدات المتعينة التي ل تفيد شيئ‪2‬ا إل قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو‬
‫الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح‪ ،‬ثم نجد له فيها بيت‪2‬ا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيدة‬

‫وسائرها هذر ل طائل تحته‪ ،‬وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلغة عند من يعرف‬

‫ذلك تفصيل‪ 2‬وإجمال‪ 2‬ممن فهم كلم العرب وتصاريف التعبير‪ ،‬فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في‬
‫غاية الحلوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة وسواء تكررت أم ل‪ ،‬وكلما تكررت حل وعل‪ ،‬ل‬

‫يخلق عن كثرة الرد ول يمل منه العلماء‪.‬‬
‫وإن أخذ في الوعد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات‪ ،‬فما ظنك بالقلوب‬
‫الفاهمات! وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والذان ويشوق إلى دار السلم ومجاورة عرش الرحمن‬
‫اء بما كانوا ي‪! B‬عملون { ‪،‬‬
‫س ما أ !خفي لهم 'من ق‪B‬رة أ !عين جز ‪2‬‬
‫كما قال في الترغيب‪ } :‬فل ت‪! B‬علم ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫وقال‪ } :‬وفيها ما ت !شتهيه النفس وت‪B‬ل •ذ ال !عين وأن!‪B‬ت !م فيها خالدون { ‪ ،‬وقال في الترهيب‪:‬‬

‫الرض فإذا‬
‫} أفأمنت !م أن ي !خسف بك !م جانب الب‪' B‬ر { ‪ } ،‬أأمنتم من في السماء أن ي !خسف بكم !‬

‫هي تمور * !أم أمنتم من في السماء أن ي‪! B‬رسل عل !يك !م حاصب‪2‬ا فست‪! B‬علمون ك !يف نذير { ‪ ،‬وقال في‬
‫الزجر‪ } :‬فكل‪ 2‬أخ !ذنا بذن!به { ‪ ،‬وقال في الوعظ‪ } :‬أف‪B‬رأي!ت إن مت !‪B‬عناه !م سنين * ثم جاءهم ما‬

‫كانوا يوعدون * ما أ !غنى ع !ن‪B‬هم ما كانوا يمت‪B‬عون { إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلغة التي‬
‫أعجزت جميع الفصحاء والبلغاء‪.‬‬

‫وإن جاءت اليات في الحكام والوامر والنواهي‪ ،‬اشتملت على المر بكل معروف حسن نافع‬
‫طيب محبوب‪ ،‬والنهي عن كل قبيح رذيل دني‪ ،‬كما قال ابن مسعود وغيره من السلف‪ :‬إذا‬
‫سمعت ال تعالى يقول في القرآن‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا { فأرعها سمعك فإنها خير يأمر به أو‬

‫شر ينهي عنه؛ ولهذا قال تعالى‪ } :‬يأ!مرهم بال!م !عروف وي‪! B‬ن‪B‬هاه !م عن المنكر ويح •ل لهم الطي'بات‬

‫ت عل !يه !م { الية‪.‬‬
‫صره !م وال !غلل التي كان !‬
‫ويح 'رم عل !يهم الخبائث ويضع ع !ن‪B‬ه !م إ !‬

‫وإن جاءت اليات في وصف المعاد وما فيه من الهوال‪ ،‬وفي وصف الجنة والنار وما أعد ال‬
‫فيهما لوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملذ والعذاب الليم‪ ،‬بشرت به وأنذرت‪ ،‬ودعت‬
‫إلى فعل الخير واجتناب المنكرات‪ ،‬وزهدت في الدنيا ورغبت في الخرى‪ ،‬وثبتت على الطريقة‬
‫المثلى‪ ،‬وهدت إلى صراط ال المستقيم وشرعه القويم‪ ،‬ونفت عن القلوب رجس الشيطان‬
‫الرجيم‪ .‬اه‪.B‬‬
‫دت لل!كافرين { ‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فات‪B‬قوا النار التي وقودها الناس وال!حجارة أع !‬

‫المعنى‪:‬‬

‫فإن لم تأتوا بسورة من مثله‪ ،‬وعجزتم غاية العجز‪ ،‬فهذا آية كبيرة ودليل واضح جلي على صدقه‪،‬‬
‫وصدق ما جاء به‪ ،‬فيتعين عليكم اتباعه واتقاء النار التي حطبها الناس والحجارة‪ ،‬قيل‪ :‬إنها‬
‫حجارة الكبريت؛ لنها أحر شيء إذا أحميت وأكثر التهاب‪2‬ا‪ ،‬وقيل‪ :‬جميع الحجارة وهو دليل على‬

‫عظم تلك النار‪.‬‬

‫وقال ابن مسعود‪ :‬وخصت بذلك؛ لنها تزيد على جميع الحجارة بخمسة أنواع من العذاب‪:‬‬
‫سرعة اليقاد‪ ،‬ونتن الرائحة‪ ،‬وكثرة الدخان‪ ،‬وشدة اللتصاق بالبدان‪ ،‬وقوة حرها‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬أراد بها الصنام أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة‪ ،‬كما قال‪ } :‬إنك !م وما ت‪! B‬عبدون‬

‫من دون الله حصب جهنم أنت !م لها واردون * !لو كان هؤلء آلهة‪ 2‬ما وردوها وكل‚ فيها خالدون { ‪.‬‬
‫عن العباس بن عبدالمطلب قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يظهر هذا الدين‬

‫حتى يجاوز البحار‪ ،‬وحتى يخاض البحار الخيل في سبيل ال تبارك وتعالى‪ ،‬ثم يأتي أقوام يقرؤن‬
‫القرآن فإذا قرؤه قالوا‪ :‬من أقرؤ منا؟ من أعلم منا؟«‪ ،‬ثم التفت إلى أصحابه‪ ،‬فقال‪» :‬هل ترون‬
‫في أولئك من خير؟« قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬أولئك منكم‪ ،‬وأولئك من هذه المة‪ ،‬وأولئك هم وقود‬
‫النار« أخرجه ابن المبارك‪.‬‬
‫دت لل!كافرين { معناه‪ :‬خلقت وهيئت للكافرين‪ ،‬أي لمن كان مثل ما أنتم عليه من‬
‫وقوله‪ } :‬أع !‬
‫الكفر‪ ،‬وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الية على أن النار موجودة الن؛ لقوله تعالى‪:‬‬

‫دت { أي أرصدت وهيئت‪.‬‬
‫} أع !‬

‫وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك‪ ،‬منها‪» :‬تحاجت الجنة والنار«‪ ،‬ومنها‪» :‬استأذنت النار ربها‪،‬‬

‫بعضا فأذن لها بنفسين‪ ،‬نفس في الشتاء‪ ،‬ونفس في الصيف«‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬رب أكل بعضي ‪2‬‬

‫وحديث ابن مسعود‪ :‬سمعنا وجبة‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما هذه؟ فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة‪ ،‬الن وصل إلى قعرها«‪.‬‬
‫وفي حديث صلة الخسوف‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أريناك تناولت شيئ‪2‬ا في مقامك هذا‪ ،‬ثم رأيناك‬

‫عنقودا ولو أخذته لكلتم منه ما بقيت الدنيا‪،‬‬
‫تكعكعت‪ ،‬فقال‪» :‬إني رأيت الجنة‪ ،‬فتناولت منها‬
‫‪2‬‬

‫منظرا قط أفظع‪ ،‬ورأيت أكثر أهلها النساء«‪ ،‬قالوا‪ :‬بم يا رسول ال؟‬
‫ورأيت النار فلم أر كاليوم ‪2‬‬

‫قال‪» :‬بكفرهن«‪ ،‬قيل‪ :‬يكفرن بال؟ قال‪» :‬يكفرن العشير‪ ،‬ويكفرن الحسان‪ ،‬لو أحسنت إلى‬

‫خيرا قط« متفق عليه‪.‬‬
‫إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئ‪2‬ا قالت‪ :‬ما رأيت منك ‪2‬‬

‫وفي »صحيح مسلم« من حديث أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪:‬‬

‫كثيرا«‪ ،‬قالوا‪ :‬وما رأيت يا رسول ال؟ قال‪» :‬رأيت‬
‫»لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليل‪ 2‬ولبكيتم ‪2‬‬

‫الجنة والنار«‪.‬‬

‫وفي »مسند المام أحمد«‪ ،‬و»صحيح مسلم«‪ ،‬و»السنن« من حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه‬
‫ أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬لما خلق ال الجنة والنار أرسل جبريل إلى‬‫الجنة‪ ،‬فقال‪ :‬اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لهلها‪ ،‬فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد ال‬
‫لهلها فيها فرجع‪ ،‬وقال‪ :‬بعزتك ل يسمع بها أحد إل دخلها‪ ،‬فأمر بالجنة فحفت بالمكاره‪،‬‬
‫فقال‪ :‬فارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لهلها فيها فنظر إليها‪ ،‬ثم رجع‪ ،‬فقال‪ :‬وعزتك لقد‬
‫بعضا‪ ،‬فقال‪ :‬ل يدخلها‬
‫خشيت أن ل يدخلها أحد‪ ،‬ثم أرسله إلى النار فنظر إليها يركب بعضها ‪2‬‬

‫أحد‪ ،‬فلما حفت بالشهوات‪ ،‬قال‪ :‬وعزتك لقد خشيت أن ل ينجو منها أحد إل دخلها« قال‬
‫الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وحديث‪» :‬أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت‪ ،‬ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت‪ ،‬ثم‬
‫أوقد عليها ألف سنة حتى أسودت‪ ،‬فهي سوداء مظلمة« رواه الترمذي‪.‬‬

‫وثبت في الصحيح أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬رأيت عمرو ابن لحي بن قمعة‬
‫شا على عبادة الوثان«‪.‬‬
‫يجر أمعاءه في النار؛ لنه أول من سيب السوائب‪ ،‬وحمل قري ‪2‬‬

‫مما يفهم من اليتين‪ ،‬أي قوله تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الناس ا !عبدوا ربكم الذي خلقك !م والذين من‬

‫اء { ‪:‬‬
‫ق‪! B‬بلكم لعلك !م ت‪B‬ت‪B‬قون * الذي جعل لكم !‬
‫الرض فرا ‪2‬شا والسماء بن ‪2‬‬
‫‪ -1‬لطف ال بخلقه حيث أرشدهم إلى عبادته وحده ل شريك له‪.‬‬
‫‪ -2‬المر بعبادته سبحانه‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات صفة الربوبية‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬

‫‪ -5‬إثبات صفة الخلق‪.‬‬
‫‪ -6‬إثبات صفة القدرة‪.‬‬
‫‪ -7‬إثبات صفة الحياة‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات صفة العلم‪.‬‬
‫‪ -9‬إثبات حكمة ال الذي خلق النسان في أحسن تقويم‪.‬‬
‫‪ -10‬الحث على التقوى‪.‬‬
‫‪ -11‬أن الرض مفروشة‪.‬‬
‫‪ -12‬لطف ال بخلقه إذ فرش لهم الرض وثبتها‪.‬‬
‫ظ‪.‬‬
‫‪ -13‬نعمة ال على خلقه الذي جعل لهم السماء سق ‪2‬فا محفو ‪2‬‬
‫‪ -14‬إثبات علو ال على خلقه‪.‬‬

‫‪ -15‬الرد على من أنكر صفة العلو‪ ،‬كالجهمية‪.‬‬
‫‪ -16‬عظيم نعم ال على خلقه بإنزال الماء‪.‬‬
‫‪ -17‬في الية دليل على كرم ال وجوده المتنوع‪.‬‬
‫‪ -18‬أمر العباد بالعتراف بنعمة ال‪.‬‬
‫‪ -19‬تعداد النعم للستدلل بها على وجوب عبادة ال‪.‬‬
‫‪ -20‬النهي عن عبادة غير ال‪.‬‬
‫‪ -21‬النهي عن جعل النداد ل‪.‬‬
‫‪ -22‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -23‬أن العباد مفطورون على العتراف بوجود ال‪.‬‬
‫‪ -24‬العتراف بأن ال هو الخالق لهم ومن قبلهم‪.‬‬
‫‪ -25‬إثبات أولية ال‪.‬‬
‫‪ -26‬أن المخرج للرزاق هو ال جل وعل‪.‬‬
‫‪ -27‬أنه أخرجها رزق‪2‬ا للعباد‪.‬‬

‫‪ -28‬أن العباد فقراء إلى ال‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على غنى ال‪.‬‬
‫‪ -30‬حلم ال على الكفار والعصاة الكلين لنعمة العاصين له‪.‬‬
‫‪ -31‬في الية دليل على أن ال تعالى أغنى النسان عن كل مخلوق‪.‬‬
‫‪ -32‬في الية دليل على المر باستعمال حجج العقول وإبطال ما ليس معه دليل‪.‬‬

‫‪ -33‬في الية ما يدعو النفوس الكريمة إلى محبة ال وتعظيمه وإجلله إذ النفوس مجبولة على‬
‫حب من أحسن إليها‪.‬‬
‫قال أبو الطيب‪:‬‬
‫وأحسن وجه في الورى وجه محسن ‪ ...‬وأيمن كف فيهموا كف منعم‬
‫مما يفهم من قوله تعالى‪ } :‬وإن كنت !م في ري!ب 'مما ن‪B‬زل!نا على ع !بدنا فأ!توا بسورة 'من 'مث!له وا !دعوا‬

‫شهداءكم 'من دون الله إن كنت !م صادقين * فإن ل !م ت‪! B‬فعلوا ولن ت‪! B‬فعلوا فات‪B‬قوا النار التي وقودها‬
‫دت لل!كافرين { ‪:‬‬
‫الناس وال!حجارة أع !‬

‫سنة والجماعة‪.‬‬
‫‪ -1‬أن القرآن منزل غير مخلوق كما هو اعتقاد أهل ال •‬
‫‪ -2‬رد على من قال إنه مخلوق كالمعتزلة والجهمية‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -4‬الرد على من أنكر رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -5‬الرد على من رفعه فوق منزلته كالبوصيري وأضرابه‪.‬‬
‫‪ -6‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد أو جبريل‪.‬‬
‫‪ -7‬دليل عقلي على صدق النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وصحة ما جاء به حيث تحدى‬
‫المعاندين له‪ ،‬الرادين دعوته‪ ،‬الزاعمين كذبه‪ ،‬فلم يقدروا على التيان بسورة من مثله‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -9‬إثبات النار‪ ،‬وأنها حق‪.‬‬
‫دت { ‪.‬‬
‫‪ -10‬أنها الن موجودة؛ لقوله‪ } :‬أع !‬
‫‪ -11‬أن وقودها الناس والحجارة‪.‬‬

‫‪ -12‬أنه أخبر جل وعل أنهم لن يفعلوا‪ ،‬وكان كذلك‪ ،‬فهذه معجزة وقعت‪.‬‬
‫‪ -13‬التحذير من النار‪.‬‬
‫‪ -14‬أن الذي يرجى له الهداية من الضللة هو الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضللة‬
‫فهو الحري باتباع النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذا بين له أنه كان صادق‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -15‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -16‬رد على الجهمية المنكرين لعلو ال‪.‬‬
‫‪ -17‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -18‬أنهم بعجزهم عن التيان بمثله ظهر كذبهم؛ لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا‪.‬‬
‫‪ -19‬إثبات علم ال‪ ،‬فإنه أخبر جل وعل أنهم لن يفعلوا وكان كذلك‪.‬‬

‫‪ -20‬في الية ما يدل على إن القرآن ينزل بالتدريج شيئ‪2‬ا فشيئ‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -21‬أن ال يؤيد رسله بالمعجزات‪.‬‬
‫‪ -22‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬صادق في دعواه‪.‬‬
‫‪ -23‬أن المشركين المرتابين في صدق الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬معاندين ومكابرين‪،‬‬
‫وإل كان عندما استبان عجزهم ولزمتهم الحجة أن يرجعوا إلى الحق‪.‬‬
‫‪ -24‬أن النار جزاء المعاند الكافر‪.‬‬
‫‪ -25‬دليل على عدل ال‪ ،‬وأنه ما ظلمهم‪ ،‬ولكن كانوا هو الظالمين‪.‬‬
‫‪ -26‬في الية رد على نفاة صفة العلم‪ ،‬فال أخبر أنهم لن يفعلوا‪ ،‬وكان كما قال جل وعل‬
‫وتقدس‪ ،‬عما يقوله الجهمية والقدرية ونحوهم‪.‬‬
‫‪ -27‬دليل على حلم ال‪ ،‬إذ لم يعاجلهم بالعقوبة حينما كذبوا واسترابوا‪ ،‬وقالوا‪ :‬ليس هذا من‬
‫عند ال‪.‬‬
‫‪ -28‬في الية دليل على شرف النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بإضافة عبوديته ل‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على أن مقام العبودية أسمى المقامات‪.‬‬
‫‪ -30‬في الية تهديد مخيف لمن يعجزون عن هذا التحدي‪ ،‬ثم ل يؤمنون بالحق البلج‬
‫الواضح‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫فيما أعد ال لعباده المؤمنين‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬وب '‬
‫شر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن له !م جنات ت !جري من ت !حتها‬

‫الن!‪B‬هار كلما رزقوا م !ن‪B‬ها من ثمرة 'ر!زق‪2‬ا قالوا هذا الذي رزق‪!B‬نا من ق‪! B‬بل وأتوا به متشاب ‪2‬ها وله !م فيها‬
‫اج •مطهرة‪ d‬وه !م فيها خالدون { ‪.‬‬
‫أ !زو ‪d‬‬

‫البشارة‪ :‬أول خبر يرد على النسان‪ ،‬وسمي بشارة؛ لنه يؤثر في بشرته‪ ،‬وهي ظاهرة جلده‪ ،‬فإن‬

‫شرا أثر الغم والنكماش‪ ،‬والغلب في عرف‬
‫خيرا أثر المسرة والنبساط‪ ،‬وإن كان ‪2‬‬
‫كان ‪2‬‬

‫الستعمال أن تكون البشارة في الخير والسرور مقي ‪2‬دا بالخير المبشر به وغير مقيد‪ ،‬ول يستعمل‬
‫منصوصا على الشر المبشر به‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬ب '‬
‫شر المنافقين بأن له !م‬
‫في الغم والشر إل مقي ‪2‬دا‬
‫‪2‬‬

‫يما { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ف‪B‬ب '‬
‫ش !رهم بعذاب أليم { ‪ ،‬ويقال‪ :‬بشرته وبشرته –مخفف ومشدد‪.‬‬
‫عذاب‪2‬ا أل ‪2‬‬

‫لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم ما أعد لعدائه من الشقياء الكافرين به ورسله من العذاب‬
‫والنكال‪ ،‬وكان في ذلك أبلغ التخويف والنذار عقب بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به‬
‫وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة جري‪2‬ا على السنة اللهية‪ ،‬من ش !فع الترغيب‬

‫بالترهيب‪ ،‬والوعد بالوعيد؛ لن من الناس من ل يجذبه التخويف ول يجديه‪ ،‬وينفعه اللطف‪،‬‬
‫ومنهم العكس‪ ،‬ومنهم من ل يفيد فيه إل اجتماع المرين‪ ،‬فكان وما بعده معطوف على سابقه‬
‫عطف القصة على القصة‪ ،‬والتناسب بينهما باعتبار أنها بيان لحال الفريقين المتباينين‪ ،‬وكشف‬
‫عن الوصفين المتقابلين‪ ،‬وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح قولي العلماء‪ ،‬وهو أن يذكر‬
‫اليمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه‪ ،‬أو حال السعداء ثم حال الشقياء‪ ،‬أو عكسه‪ ،‬وحاصله‬
‫ذكر الشيء ومقابله‪ ،‬وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه‪.‬‬
‫المعنى‪:‬‬
‫أخبر أيها الرسول‪ ،‬ومن قام مقامك‪ ،‬الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا المرسلين‪ ،‬وعملوا الصالحات‬
‫بجوارحهم‪ ،‬فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة أن لهم جنات‪ ...‬إلخ‪ ،‬ووصفت أعمال الخير‬
‫بالصالحات؛ لن بها تصلح أحوال أمور الدين والدنيا‪ ،‬ويزول عن العامل بالصالحات فساد‬
‫الحوال ويكون من الصالحين الذي يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته‪.‬‬
‫وقد بين الكتاب العزيز العمال الصالحة في آيات كثيرة‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬ق !د أف!‪B‬لح الم !ؤمنون *‬

‫الذين ه !م في صلته !م خاشعون * والذين ه !م عن الل !غو م !عرضون * والذين ه !م للزكاة فاعلون *‬

‫ت أي!مان‪B‬ه !م فإن‪B‬ه !م غ !ي‪B‬ر ملومين * فمن‬
‫والذين ه !م لفروجه !م حافظون * إل على أ !زواجه !م !أو ما ملك !‬
‫اب!‪B‬ت‪B‬غى وراء ذلك ف !أولئك هم العادون * والذين ه !م لماناته !م وع !هده !م راعون * والذين ه !م على‬

‫صلواته !م يحافظون * !أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الف !رد !وس ه !م فيها خالدون { ‪.‬‬

‫فقوله‪ } :‬وعملوا الصالحات { يشمل كل عمل صالح‪ ،‬فأما الجنات فجمع جنة‪ ،‬وسميت الجنة‬
‫جنة لستتار أرضها بأشجارها‪ ،‬وسمي الجن جن‪2‬ا لستتارهم‪ ،‬والجنين لستتارة في بطن أمه‪ ،‬و‬

‫الدرع جنة‪ ،‬وجن الليل إذا استتر‪ ،‬أي بشرهم أن لهم جنات‪ ،‬أي بساتين جامعة للشجار العجيبة‪،‬‬

‫والثمار النيقة‪ ،‬والظل المديد‪ ،‬والغصان والفنان‪ ،‬وبذلك صارت جنة يجتن بها داخلها‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { أي من تحت أشجارها ومساكنها وغرفها‪ ،‬ل من تحت‬

‫أرضها‪ ،‬وقد جاء في الحديث‪» :‬إن أنهارها تجري في غير أخدود«‪ ،‬روى ابن أبي الدنيا عن أنس‬
‫بن مالك‪ ،‬قال‪» :‬إنكم تظنون أن أنهار الجهة أخدود في الرض‪ ،‬ل وال‪ ،‬إنها السائحة على وجه‬

‫الرض إحدى حافتيها اللؤلؤ‪ ،‬والخر الياقوت‪ ،‬وطينه المسك الذفر«‪ ،‬ولم يبين هنا أنواع‬
‫ار 'من‬
‫ار 'من ماء غ !ير آسن وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫النهار‪ ،‬ولكن بين ذلك في »سورة محمد« في قوله‪ } :‬فيها أن!‪B‬ه ‪d‬‬

‫ار 'م !ن عسل •مص §فى { ‪ .‬قال ابن القيم ‪B‬‬
‫ار 'م !ن خ !مر لذة ل'لشاربين وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫لبن ل !م ي‪B‬ت‪B‬غي‪! B‬ر ط !عمه وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫رحمه ال ‪ B‬في أنهار الجنة‪:‬‬

‫أنهارها من غير أخدود جرت‬
‫عسل مصفى ثم ماء ثم خمر‬
‫من تحتهم تجري كما شاءوا مفجرة‬
‫وال ما تلك المواد كهذي‬
‫هذا وبينهما يسير تشابه ‪ ...‬سبحان ممسكها عن الفيضان‬
‫ثم أنهار من اللبان‬
‫وما للنهر من نقصان‬
‫لكن هما في اللفظ مجتمعان‬
‫وهو اشتراك قام بالذهان‬
‫وقوله‪ } :‬كلما رزقوا م !ن‪B‬ها من ثمرة 'ر!زق‪2‬ا قالوا هذا الذي رزق‪!B‬نا من ق‪! B‬بل { أي كلما رزقوا من الجنة‬

‫رزق‪2‬ا من بعض ثمارها‪ ،‬وفي قوله‪ } :‬هذا الذي رزق‪!B‬نا من ق‪! B‬بل { ‪ ،‬وجوه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن معناه هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا‪ ،‬قاله مجاهد وابن زيد‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن معناه هذا الذي طمعنا من قبل‪ ،‬يعني في الجنة؛ لنهم يرزقون ثم يرزقون‪ ،‬روي عن‬
‫ابن عباس والضحاك ومقاتل‪ ،‬فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها‪ ،‬ثم أتوا منها بآخر‬
‫النهار‪ ،‬قالوا‪ :‬هذا الذي رزقنا من قبل‪ ،‬يعني أطعمنا في أول النهار؛ لن لونه يشبه ذلك‪ ،‬فإذا‬

‫طعما غير طعم الول‪.‬‬
‫أكلوا منها وجدوا لها ‪2‬‬

‫وقيل‪ :‬إن ثمر الجنة إذا جنى خلفه مثله‪ ،‬فإذا رأوا ما خلف الجني اشتبه عليهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا الذي‬

‫رزقنا من قبل‪ ،‬قاله يحيى بن أبي كثير و أبو عبيدة‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وأتوا به متشاب ‪2‬ها { فيه وجوه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أنه متشابه في اللوان مختلف في الطعوم‪ ،‬قاله مجاهد وأبو العالية والضحاك والسدي‬

‫بعضا في الجودة‪ ،‬أي كلها خيار ل رديء فيه‪ ،‬قاله الحسن وابن‬
‫ومقاتل‪ .‬الثاني‪ :‬أنه يشبه بعضه ‪2‬‬

‫جريج‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬يشبه ثمر الدنيا في الخلقة والسم‪ ،‬غير أنه أحسن في المنظر والطعم‪ ،‬قاله قتادة وابن‬
‫زيد‪ ،‬وقال ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما‪ :-‬ليس في الجنة إل السامي‪ .‬قال ابن القيم ‪-‬رحمه‬
‫ال‪:-‬‬
‫متشابها في اللون‬
‫وأتوا به‬
‫‪2‬‬

‫أو أنه متشابه في السم‬
‫أو أنه وسط خيار كله‬
‫أو أنه لثمارنا ذي مشبه‬
‫لكن لبهجتها ولذة طعمها‬
‫فيلذها في الكل عند منالها‬
‫قال ابن عباس‪ :‬وما بالجنة العليا‬
‫يعني الحقائق ل تماثل هذه‬
‫يا طيب هاتيك الثمار وغرسها‬
‫وكذلك الماء الذي يسقى به‬
‫وإذا تناولت الثمار أتت‬
‫لم تنقطع أب ‪2‬دا ولم تمنع ولم‬

‫بل ذللت تلك القطوف فكيف ما‬
‫ولقد أتى أثر بأن الساق من‬
‫قال ابن عاس وهاتيك الجذوع ‪ ...‬مختلف في الطعوم فذاك ذو ألوان‬

‫مختلف في الطعوم فذاك ذو ألوان‬
‫فالفحل منه ليس ذا ثنيان‬
‫في اسم ولون ليس يختلفان‬
‫أمر سوى هذا الذي تجدان‬
‫وتلذها من قبله العينان‬
‫سوى أسماء ما تريان‬
‫وكلهما في السم متفقان‬
‫في المسك ذاك الترب للبستان‬
‫يا طيب ذاك الود للظمآن‬
‫نظيرتها فحلت دونها بمكان‬
‫تحتج إلى أن ترقى للقنوان‬
‫شئت انتزعت بأسهل المكان‬
‫ذهب رواه الترمذي ببيان‬
‫زمرد من أحسن اللوان‬

‫ثم لما ذكر مسكنهم وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم ذكر أزواجهم فوصفهن بأكمل‬
‫اج •مطهرة‪ { d‬ولم يبين هنا صفات تلك الزواج‪،‬‬
‫وصف وأوجزه وأوضحه‪ ،‬فقال‪ } :‬وله !م فيها أ !زو ‪d‬‬

‫ين * كأن‪B‬هن‬
‫ولكن بين صفاتهم الجميلة في آيات أخر‪ ،‬كقوله‪ } :‬وعنده !م قاصرات الط !رف ع ‪d‬‬
‫اء بما كانوا ي‪! B‬عملون { ‪،‬‬
‫ب‪! B‬ي ‪d‬‬
‫ض مك!نو ‪d‬ن { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وح ‪d‬‬
‫ور ع ‪d‬‬
‫ين * ك !أمثال الل• !ؤلؤ المك!نون * جز ‪2‬‬
‫اب { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وكواعب أت!‪B‬راب‪2‬ا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬كأن‪B‬هن‬
‫وقال‪ } :‬وعنده !م قاصرات الط !رف أت!‪B‬ر ‪d‬‬

‫الياقوت وال!م !رجان { ‪ ،‬وقال كذلك‪ } :‬وزو !جناهم بحور عين { ‪.‬‬

‫وقوله‪• } :‬مطهرة { لم يقل مطهرة من العيب الفلني ليشمل جميع أنواع التطهير‪ ،‬فهن مطهرات‬

‫الخلق‪ ،‬مطهرات الخلق‪ ،‬مطهرات اللسان‪ ،‬مطهرات البصار‪ ،‬وأخلقهن أنهن عرب متحببات‬

‫إلى أزواجهن بالخلق الحسن‪ ،‬وحسن التبعل‪ ،‬والدب القولي والفعلي‪ ،‬ومظهر خلقهن من الحيض‬
‫والنفاس والبول والمني والغائط والمخاط والبصاق والرائحة الكريهة‪.‬‬
‫وعن ابن عباس‪ :‬مطهرة من القذر والذى‪ ،‬وقال مجاهد‪ :‬من الحيض والغائط والبول والنخامة‬
‫والبزاق‪ ،‬وهذا حديث غريب‪.‬‬
‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬غدوة في سبيل ال أو روحة خير من‬
‫الدنيا وما فيها‪ ،‬ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الرض لضاءت ما بينهما ولملت‬
‫ريحا‪ ،‬ولنصفيها على رأسها خير من الدنيا وما فيها« رواه البخاري‪.‬‬
‫ما بينهما ‪2‬‬

‫وروي عن أم سلمة زوج النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ B -‬رضي ال عنها ‪ B‬أنها قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا‬

‫ين { ‪ ،‬قال‪ :‬العين الضخام العيون‪ ،‬شفر الحوراء‬
‫رسول ال‪ ،‬أخبرني عن قوله عز وجل‪ } :‬ح ‪d‬‬
‫ور ع ‪d‬‬
‫بمنزلة جناح النسر‪ ،‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أخبرني عن قوله عز وجل‪ } :‬كأن‪B‬هن الياقوت‬

‫وال!م !رجان { ‪ ،‬قال‪» :‬صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الصداف الذي ل تمسه اليدي«‪ ،‬قلت‪ :‬يا‬
‫ات حسا ‪d‬ن { ‪ ،‬قال‪ :‬خيرات الخلق‬
‫رسول ال‪ ،‬فأخبرني عن قول ال عز وجل‪ } :‬فيهن خ !ي‪B‬ر ‪d‬‬

‫ض مك!نو ‪d‬ن { ‪،‬‬
‫حسان الوجوه‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬فأخبرني عن قول ال عز وجل‪ } :‬كأن‪B‬هن ب‪! B‬ي ‪d‬‬

‫قال‪» :‬رقتهن كرقة الجلد الذي في داخل البيضة مما يلي القشرة«‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬فأخبرني‬

‫غمصا‬
‫عن قول ال عز وجل‪ } :‬عرب‪2‬ا أت!‪B‬راب‪2‬ا { ‪ ،‬قال‪» :‬هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز ‪2‬‬

‫شمط‪2‬ا‪ ،‬خلقهن ال بعد الكبر فجعلهن عذارى عرب‪2‬ا متعشقات متحببات أتراب‪2‬ا على ميلد واحد«‪،‬‬

‫قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال‪» :‬نساء الدنيا أفضل من الحور العين‬

‫كفضل الظهارة على البطانة«‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وبم ذلك؟ قال‪» :‬بصلتهن وصيامهن‬
‫وعبادتهن ل عز وجل وجوههن النور وأجسادهن الحرير‪ ،‬بيض اللوان خضر الثياب‪ ،‬صفر‬
‫الحلي‪ ،‬مجامرهن الدر أمشاطهن الذهب‪ ،‬يقلن أل ونحن الخالدات فل نموت أب ‪2‬دا‪ ،‬أل ونحن‬

‫الناعمات فل نبأس أب ‪2‬دا‪ ،‬أل ونحن المقيمات فل نظعن أب ‪2‬دا‪ ،‬أل ونحن الراضيات فل نسخط‬

‫أب ‪2‬د ا‪ ،‬طوبى لمن كنا له وكان لنا«‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬المرأة منا تتزوج الزوجين والثلثة والربعة‬
‫في الدنيا‪ ،‬ثم تموت فتدخل‬

‫الجنة ويدخلون معها‪ ،‬من يكون زوجها منهم؟ قال‪» :‬يا أم سلمة‪ ،‬تخير فتختار أحسنهم خل ‪2‬قا‪،‬‬

‫فتقول‪ :‬أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خل ‪2‬قا في دار الدنيا‪ ،‬فزوجينه‪ ،‬يا أم سلمة‪ ،‬ذهب حسن‬
‫الخلق بخير الدنيا والخرة« رواه الطبراني في »الكبير« و»الوسط«‪ ،‬وهذا لفظه‪.‬‬

‫قال ابن القيم ‪ B‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫فاسمع صفات عرائس الجنات ثم‬
‫حور حسان قد كملن خلئ ‪2‬قا‬

‫حتى يحار الطرف في الحسن الذي‬

‫ويقول لما أن يشاهد حسنها‬
‫والطرف يشرب من كؤس جمالها‬
‫كملت خلئقها وأكمل حسنها‬
‫والشمس تجري في محاسن وجهها‬
‫فتراه يعجب وهو موضع ذاك من‬
‫ويقول سبحان الذي ذا نعه‬
‫وكلهما مرآة صاحبه إذا‬
‫فيرى محاسن وجهه في وجهها‬
‫حمر الخدود ثغورهن للئ‬
‫والبرق يبدو حين يبسم ثغرها‬
‫ل ل ثم ذلك الثغر الذي‬
‫ريانة العطاف من ماء الشباب‬
‫لما جرى ماء النعيم بغصنها‬
‫فالورد والتفاح والرمان في‬
‫والقد منها كالقضيب اللدن في‬
‫في مغرس كالعاج تحسب أنه‬
‫ل الظهر يلحقها وليس ثديها‬
‫لكنهن كواعب ونواهد‬

‫والجيد ذو طول وحسن في بياض‬
‫يشكو الحلي بعاده فله مدى ‪ ...‬اختر لنفسك يا أخا العرفان‬
‫ومحاسن‪2‬ا من أجمل النسوان‬

‫قد ألبست فالطرف كالحيران‬

‫سبحان معطي الحسن والحسان‬
‫فتراه مثل الشارب النشوان‬
‫كالبدر ليل الست بعد ثمان‬
‫والليل تحت ذوائب الغصان‬
‫ليل وشمس كيف يجتمعان‬
‫سبحان متقن صنعة النسان‬
‫ما شاء يبصر وجهه يريان‬
‫وترى محاسنها به بعيان‬
‫سود العيون فواتر الجفان‬
‫فيضيء سقف القصر والجدران‬
‫في لثمه إدراك كل أمان‬
‫فغصنها بالماء ذو جريان‬
‫حمل الثمار كثيرة اللوان‬
‫غصن تعالى غارس البستان‬
‫حسن القوام كأوسط القضبان‬
‫عالي النقا أو واحد الكثبان‬
‫بلواحق للبطن أو بدوان‬
‫فثديهن كألطف الرمان‬
‫واعتدال ليس ذا نكران‬
‫اليام وسواس من الهجران‬
‫والمعصمان فإن تشأ شبههما‬
‫كالزبد لين‪2‬ا في نعومة ملمس‬

‫وهي العروب بشكلها وبدرها‬

‫وهي التي عند الجماع تزيد في‬
‫لط ‪2‬فا وحسن تبعل وتغنج‬

‫تلك الحلوة والملحة أوجبا‬
‫فملحة التصوير قبل غناجها‬
‫فإذا هما اجتمعا لصب وامق ‪ ...‬بسبيكتين عليهما كفان‬
‫أصداف در دورت بوزان‬
‫وتحبب للزوج كل أوان‬
‫حركاتها للعين والذنان‬
‫وتحبب تفسير ذي العرفان‬
‫إطلق هذا اللفظ وضع لسان‬
‫هي أول وهو المحل الثاني‬
‫بلغت به اللذات كل مكان‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وه !م فيها خالدون { أي دائمون ل يموتون فيها ول يخرجون منها‪ ،‬وهذا هو تمام‬
‫السعادة‪ ،‬فإنهم مع هذا النعيم المقيم آمنين من الموت والنقطاع فل آخر له ول انقضاء‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة وأبي سعيد‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪» :‬ينادي مناد إن لكم‬
‫أن تصحوا فل تسقموا أب ‪2‬دا‪ ،‬وإن لكم أن تحيوا فل تموتوا أب ‪2‬دا‪ ،‬وإن لك أن تشبوا فل تهرموا‬

‫أب ‪2‬دا‪ ،‬وإن لكم أن تنعموا فل تبأسوا أب ‪2‬دا« رواه مسلم‪.‬‬

‫وعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن أهل الجنة يأكلون فيها‪،‬‬

‫ويشربون‪ ،‬ول يتفلون‪ ،‬ول يبولون‪ ،‬ول يتغوطون«‪ ،‬قالوا‪ :‬فما بال الطعام؟ قال‪» :‬جشاء ورشح‬
‫كرشح المسك‪ ،‬يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أهل الجنة جرد مرد كحلى‪ ،‬ل‬
‫يفنى شبابهم ول تبلى ثيابهم« رواه الترمذي والدارمي‪.‬‬
‫وعن جابر قال‪ :‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أينام أهل الجنة؟ قال‪» :‬النوم أخو الموت‪ ،‬ول يموت أهل‬
‫الجنة« رواه البيهقي في »شعب اليمان«‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قلنا يا رسول ال حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال‪» :‬لبنة‬
‫ذهب‪ ،‬ولبنة فضة‪ ،‬وملطها المسك‪ ،‬وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت‪ ،‬وترابها الزعفران‪ ،‬من يدخلها‬
‫ينعم ول يبأس‪ ،‬ويخلد ل يموت‪ ،‬ول تبلى ثيابه‪ ،‬ول يفنى شبابه« الحديث رواه أحمد واللفظ له‪،‬‬
‫والترمذي‪ ،‬والبزار‪ ،‬والطبراني في »الوسط«‪ ،‬وابن حبان في »صحيحه«‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يقول ال تعالى أعددت لعبادي‬
‫الصالحين ما ل عين رأت ول أذن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر‪ ،‬واقرءوا إن شئتم } فل‬
‫س ما أ !خفي لهم 'من ق‪B‬رة أ !عين { «‪.‬‬
‫ت‪! B‬علم ن‪! B‬ف ‪d‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن أول زمرة‬

‫يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر‪ ،‬ثم الذين يلونهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة‪،‬‬
‫قلوبهم على قلب رجل واحد ل اختلف بينهم ول تباغض‪ ،‬لكل امرئ منهم زوجتان من الحور‬
‫العين يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم من الحسن‪ ،‬يسبحون ال بكرة وعشي‪2‬ا‪ ،‬ل يسقمون‬

‫ول يبولون ول يتغوطون ول يتفلون ول يتمخطون‪ ،‬آنيتهم الذهب‪ ،‬ووقود مجامرهم اللوة‪،‬‬

‫اعا في السماء« متفق‬
‫ورشحهم المسك‪ ،‬على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذر ‪2‬‬

‫عليه‪.‬‬

‫وعن أسماء بنت أبي بكر قالت‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وذكر له سدرة‬
‫المنتهى‪ ،‬قال‪» :‬يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة –أو يستظل بظلها مائة راكب شك‬
‫الراوي‪ -‬فيها فراش الذهب‪ ،‬كأن ثمرها القلل« رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث غريب‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬موضع سوط‬
‫في الجنة خير من الدنيا وما فيها« متفق عليه‪.‬‬

‫مما يفهم من الية الكريمة‪ ،‬وهي قوله تعالى‪ } :‬وب '‬
‫شر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن له !م‬
‫جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { ‪:‬‬
‫‪ -1‬البشارة من العزيز الحكيم لمن آمن وعمل صالحات بالجنات وما فيها مما تشتهيه النفس‬
‫وتلذ العين‪.‬‬
‫‪ -2‬أن أنهار الجنة جارية‪.‬‬
‫‪ -3‬أنهم يرزقون فيها من الثمار‪.‬‬
‫‪ -4‬أنه يتكرر الرزق‪.‬‬
‫‪ -5‬أنه متشابه‪.‬‬
‫‪ -6‬أن لهم فيها أزواج‪.‬‬
‫‪ -7‬أنهن مطهرات الخلق والخلق واللسان‪.‬‬
‫‪ -8‬أنهم في الجنة خالدون‪.‬‬
‫‪ -9‬أن البشارة إنما تحصل لمن جمع بين اليمان والعمل الصالح‪.‬‬

‫‪ -10‬دليل على كرم ال وجوده حيث وفقهم لذلك وجازاهم أحسن الجزاء‪.‬‬
‫‪ -11‬دليل على إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -12‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ووجه ذلك أنه هو‬
‫المبشر‪.‬‬
‫‪ -13‬أن اليمان والعمل الصالح سبب للحصول على هذه البشارة العظيمة‪.‬‬
‫‪ -14‬إثبات الجنة‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات البعث والحشر‪.‬‬
‫‪ -16‬إثبات الجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -17‬لطف ال بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلحهم‪.‬‬
‫‪ -18‬أن نعيم الجنة ل ينقطع‪.‬‬
‫‪ -19‬إثبات صفة العلم ل‪ ،‬وأن ال جل وعل‪ ،‬كما أنه يعلم الماضي فهو يعلم المستقبل‪ ،‬فأخبر‬
‫سبحانه عما سيكون من الرزاق‪.‬‬
‫‪ -20‬الحث على إقامة الصلة؛ لنها في مقدمة العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -21‬الحث على إيتاء الزكاة؛ لنها تلي الصلة‪.‬‬
‫‪ -22‬الحث على الصيام؛ لنه يلي الزكاة‪.‬‬
‫‪ -23‬الحث على الحج؛ لنه يلي الصيام‪ ،‬فهذه في طليعة العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -24‬بر الوالدين؛ لنه من العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -25‬الجهاد في سبيل ال؛ لنه منها‪.‬‬
‫‪ -26‬صلة الرحام؛ لنه كذلك‪.‬‬
‫‪ -27‬الحسان إلى اليتامى؛ لنه من العمال الصالحات‪.‬‬
‫‪ -28‬الحسان إلى المساكين‪.‬‬
‫‪ -29‬الحسان إلى الجيران‪.‬‬
‫‪ -30‬الحسان إلى ابن السبيل‪.‬‬
‫‪ -31‬الحث على العدل؛ لنه من العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -32‬إكرام الضيف؛ لنه من العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -33‬الوفاء بالعهد‪.‬‬
‫‪ -34‬أداء المانة‪.‬‬
‫‪ -35‬المر بالمعروف‪.‬‬
‫‪ -36‬النهي عن المنكر‪.‬‬

‫‪ -37‬صدقة التطوع‪.‬‬
‫‪ -38‬النصيحة ل ولكتابه ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم؛ لن هذه وما بعدها داخل في‬
‫العمال الصالحة‪.‬‬
‫‪ -39‬الكثار من تلوة القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -40‬ذكر ال؛ لنه من العمال الصالحات‪.‬‬
‫‪ -41‬الحث على الستغفار؛ لنه عمل صالح‪.‬‬
‫‪ -42‬العفو والصفح عمن أساء؛ لنه عمل صالح‪.‬‬
‫‪ -43‬الحث على الصدق في القول والفعل؛ لنه عمل صالح‪.‬‬
‫‪ -44‬المشاركة في العمال الخيرية من بناء مساجد‪ ،‬ووقف مصاحف‪ ،‬والكتب الدينية‪ ،‬ووقف‬
‫أرض مقبرة للمسلمين‪ ،‬ومياه‪ ،‬ونحو ذلك؛ لنها من العمال الصالحة إذا أريد بها وجه ال والدار‬
‫الخرة‪.‬‬
‫والعمال الصالحة من ابتغاها وجدها‪ ،‬وفيما ذكرنا كفاية‪ ،‬وال يهدي من يشاء‪ ،‬وهو أعلم‬
‫بالمهتدين‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وصل ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في إثبات الوحدانية ل وأدلتها‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬وإلهك !م إله‪ d‬واح ‪d‬د ل إله إل هو الر !حمن الرحيم * إن في خل!ق السموات‬

‫الليل والن‪B‬هار وال!فل!ك التي ت !جري في الب !حر بما ينفع الناس وما أنزل الله من‬
‫الرض وا !ختلف !‬
‫و !‬

‫صريف ال 'رياح والسحاب‬
‫الرض ب‪! B‬عد م !وتها وبث فيها من ك 'ل دابة وت !‬
‫السماء من ماء ف !‬
‫أحيا به !‬
‫ادا‬
‫الرض ليات ل'ق !وم ي‪! B‬عقلون * ومن الناس من ي‪B‬تخذ من دون الله أند ‪2‬‬
‫المسخر ب‪! B‬ين السماء و !‬

‫ب الله والذين آمنوا أش •د حب‪2‬ا ل'له و !لو ي‪B‬رى الذين ظلموا إ !ذ ي‪B‬ر!ون العذاب أن القوة لله‬
‫يحب•ون‪B‬ه !م كح '‬
‫ت بهم‬
‫جم ‪2‬يعا وأن الله شديد العذاب * إ !ذ ت‪B‬ب‪B‬رأ الذين ات•بعوا من الذين ات‪B‬ب‪B‬عوا ورأوا العذاب وت‪B‬قطع !‬
‫السباب * وقال الذين ات‪B‬ب‪B‬عوا !لو أن لنا كر‪2‬ة ف‪B‬نتب‪B‬رأ م !ن‪B‬ه !م كما ت‪B‬ب‪B‬رءوا منا كذلك يريهم الله أ !عماله !م‬
‫!‬
‫حسرات عل !يه !م وما هم بخارجين من النار { ‪.‬‬
‫قال ابن عباس في سبب نزول الية الولى‪ :‬إن كفار قريش قالوا‪ :‬يا محمد‪ ،‬صف لنا ربك‪ ،‬فنزلت‬
‫هذه الية وسورة الخلص‪.‬‬

‫المعنى‪ :‬هذا إخبار منه تعالى عن تفرده باللهية‪ ،‬وأنه ل شريك له ول عديل‪ ،‬بل هو ال الحد‬
‫الفرد الصمد الذي ل إله إل هو‪ ،‬فل يستحق العبادة إل هو‪ ،‬والشرك ضربان‪:‬‬
‫نوعا من أنواع العبادة لغير ال‪ ،‬أو يعتقد أن في‬
‫الول‪ :‬شرك في اللوهية والعبادة بأن يصرف ‪2‬‬
‫الخلق من يشارك ال‪ ،‬أو يعينه في أفعاله‪ ،‬أو يحمله على بعضها‪ ،‬ويصده عن بعض آخر‪.‬‬

‫قال ابن القيم ‪-‬رحمه ال‪:-‬‬
‫والشرك فاحذره فشرك ظاهر‬
‫وهو اتخاذ الند للرحمن أيا‬
‫يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ‪ ...‬ذا القسم ليس بقابل الزعفران‬
‫كان من حجر ومن إنسان‬
‫ويحبه كمحبة الديان‬
‫والثاني‪ :‬شرك في الربوبية بأن يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه‪ ،‬أو أخذ أحكام الدين من عبادة‬
‫سنة‪.‬‬
‫وتحليل وتحريم من غير الكتاب وال •‬

‫وقوله‪ } :‬الر !حمن الرحيم { اسمان دالن على أنه تعالى ذو رحمة واسعة وسعت كل شيء وعمت‬

‫كل حي‪ ،‬وكتبها للمتقين المقيمين الصلة المؤتون الزكاة‪ ،‬المتبعين لنبياء ال ورسوله‪ ،‬فهؤلء لهم‬

‫الرحمة المطلقة‪ ،‬ومن عداهم فله نصيب منها‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬إن في خل!ق السموات { في سبب نزولها وجوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن المشركين قالوا للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬اجعل لنا الصفا ذهب‪2‬ا إن كنت‬

‫صادق‪2‬ا‪ ،‬فنزلت هذه الية‪ ،‬حكاه السدي عن ابن مسعود وابن عباس‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬أنهم لما قالوا‪ :‬أنسب لنا ربك وصفه‪ ،‬فنزلت‪ } :‬وإلهك !م إله‪ d‬واح ‪d‬د { قالوا‪ :‬فأرنا آية‬

‫الرض { إلى قوله‪ } :‬ي‪! B‬عقلون { روي عن ابن عباس‪.‬‬
‫ذلك‪ ،‬فنزلت‪ } :‬إن في خل!ق السموات و !‬
‫والثالث‪ :‬أنه لما نزلت‪ } :‬وإلهك !م إله‪ d‬واح ‪d‬د { قال كفار قريش‪ :‬كيف يسمع الناس إله واحد؟‬

‫فنزلت هذه الية‪.‬‬

‫المعنى‪ :‬إن إنشاء السموات والرض وابتداعهما وارتفاع السماء وإمساكها بل عمد‪ ،‬ولطافتها‬
‫واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت‪ ،‬ودوران فلكها‪ ،‬ول تفاوت‪ ،‬ول اختلف‪ ،‬ول تنافر‪ ،‬ول‬
‫نقص‪ ،‬ول عيب‪ ،‬ول خلل‪ ،‬ول خروق‪ ،‬كما قال تعالى في الية الخرى في »سورة تبارك«‪ } :‬ما‬
‫ت‪B‬رى في خل!ق الر !حمن من ت‪B‬فاوت ف !ارجع البصر ه !ل ت‪B‬رى من فطور { الية‪ ،‬فكل ذلك دليل على‬
‫قدرة ال وانفراده بالخلق والتدبير‪.‬‬

‫وهذه الرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها‪ ،‬وما فيها من‬

‫اليات المشاهدة العظيمة من حيوان وأشجار ونبات وزروع وثمار‪ ،‬وما فيها من معادن ومنافع‬
‫ات‬
‫الرض قط ‪d‬ع •متجاور ‪d‬‬
‫مختلفة اللوان والطعوم والروائح والخواص‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وفي !‬
‫يل ص !ن‪B‬وا ‪d‬ن وغ !ي‪B‬ر ص !ن‪B‬وان ي !سقى بماء واحد ون‪B‬فض'ل ب‪! B‬عضها على ب‪! B‬عض‬
‫وج ‪d‬‬
‫نات 'م !ن أ !عناب وز!رع‪ d‬ونخ ‪d‬‬

‫في الكل { فكل ما فيها يدل على إنفراد ال تعالى بالخلق والتدبير‪ ،‬وبيان قدرته‪ ،‬وعظمته التي‬
‫بها خلقها وحكمته التي بها أتقنها وأحسنها ونظمها‪ ،‬وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع من‬
‫منافع الخلق ومصالحهم وضروراتهم وحاجاتهم‪ ،‬وفي ذلك أبلغ دليل على كماله‪ ،‬واستحقاقه أن‬
‫يفرد بالعبادة؛ لنفراده بالخلق والتدبير‪ ،‬والقيام بشئون عباده‪.‬‬
‫وفي اختلف الليل والنهار‪ ،‬وهو تعاقبهما على الدوام إذا ذهب هذا خلفه الخر ل يتأخر عنه‬
‫لحظة‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ل الش !مس ي‪! B‬نبغي لها أن ت !درك القمر ول الل !يل سابق الن‪B‬هار وكل‚ في ف‪B‬لك‬

‫ي !سبحون { ‪ ،‬وفي الطول والقصر‪ ،‬فتارة يطول هذا ويقصر هذا‪ ،‬وتارة يأخذ هذا من هذا ثم‬

‫يتعارضان‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬يولج الل !يل في الن‪B‬هار ويولج الن‪B‬هار في الل !يل { أي يزيد من هذا في‬
‫هذا‪ ،‬ومن هذا في هذا‪ ،‬وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح بني آدم‬

‫وحيواناتهم‪ ،‬وجميع ما على وجه الرض من أشجار ونوابت‪ ،‬كل ذلك بانتظام وتدبير وتسخير‬
‫تنهر له العقول؛ وذلك مما يدل على قدرة مصرفها وعلمه وحكمته ورحمته الواسعة ولطفه‬
‫الشامل‪ ،‬وتصريفه وتدبيره الذي تفرد به‪ ،‬وعظمته وعظمة ملكه وسلطانه‪ ،‬ومما يوجب أن يؤله‬
‫ويعبد‪ ،‬وأن يبذل الجهد في محابه ومراضيه‪ ،‬ويفرد بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء‪ ،‬وجميع‬
‫أنواع العبادة‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬فانظر إلى هاتين اليتين وما تضمناته من العبر والدللت على ربوبية ال وحكمته‪،‬‬
‫ولباسا‪ ،‬يغشي العالم فتسكن فيه الحركات‪ ،‬وتأوي الحيوانات إلى بيوتها‪،‬‬
‫كيف جعل ال سكن‪2‬ا ‪2‬‬
‫والطير إلى أوكارها‪ ،‬وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب‪ ،‬حتى إذا أخذت منه‬

‫النفوس راحتها وسباتها‪ ،‬وتطلعت إلى معايشها وتصرفها‪ ،‬جاء فالق الصباح سبحانه وتعالى بالنهار‬
‫يقدم جيشه بشير الصباح فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق‪ ،‬وكشفها عن العالم‪ ،‬فإذا هم‬
‫مبصرون‪ ،‬فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه‪ ،‬وخرجت الطيور من أوكارها‪ ،‬فيا له من‬
‫معاد ونشأة دالة على قدرة ال سبحانه على الميعاد الكبر‪ ،‬وتكرره ودوام مشاهدة النفوس له‬
‫بحيث صار عادة ومأل ‪2‬فا منعها من العتبار به والستدلل به على النشأة الثانية وإحياء الخلق بعد‬
‫موتهم‪ ،‬ول ضعف في قدرة القادر التام القدرة‪ ،‬ول قصور في حكمته ول في علمه يوجب تخلف‬

‫أيضا من آيات ال الباهرة أن يعمي عن‬
‫ذلك‪ ،‬ولكن ال يهدي من يشاء ويضل من يشاء‪ ،‬وهذا ‪2‬‬

‫هذه اليات البينة من شاء من خلقه‪ ،‬فل يهتدي بها ول يبصرها‪ ،‬وبهذا يعرف ال عز وجل‪،‬‬
‫ويشكر ويحمد‪ ،‬ويتضرع إليه ويسأل‪ .‬اه‪.B‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!فل!ك التي ت !جري في الب !حر بما ينفع الناس { ‪ :‬هي السفن والمراكب ونحوها مما‬

‫ألهم ال عباده صنعتها‪ ،‬وخلق لهم من اللت ما أقدرهم عليها وسخر لهم هذا البحر العظيم‪،‬‬

‫والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والبضائع والموال التي هي من منافع الناس‪ ،‬وبما تقوم‬
‫به مصالحهم وتنتظم به معايشهم‪.‬‬
‫وقائد السفن وسائقها الرياح التي سخرها ال لجرائها‪ ،‬فلو وقف الهواء عن السفن لظلت راكدة‬
‫ضله ولعلك !م ت !شكرون {‬
‫على وجه الماء‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬وت‪B‬رى الفل!ك مواخر فيه ولت !بت‪B‬غوا من ف !‬

‫فما أعظمها من آية وأبينها من دللة على قدرة ال ورحمته وعنايته ولطفه بخلقه‪ ،‬وذلك يوجب أن‬

‫تكون المحبة كلها له‪ ،‬والخوف والرجاء‪ ،‬وجميع أنواع العبادة والذل والخضوع‪.‬‬
‫الرض ب‪! B‬عد م !وتها { أي وفيما أنزل ال من‬
‫وقوله‪ } :‬وما أنزل الله من السماء من ماء ف !‬
‫أحيا به !‬
‫ماء‪ ،‬وهو المطر‪ ،‬وقد وصف ال سبحانه وتعالى في آية أخرى كيف ينزل‪ ،‬فقال‪ } :‬الله الذي‬

‫ي‪! B‬رسل ال 'رياح ف‪B‬تثير سحاب‪2‬ا ف‪B‬ي !بسطه في السماء ك !يف يشاء وي !جعله كس ‪2‬فا ف‪B‬ت‪B‬رى الو !دق ي !خرج م !ن‬
‫خلله { ‪.‬‬
‫قال ابن القيم ‪-‬رحمه ال‪ :-‬ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الرض من علو ليعم‬
‫بسقيه وهادها وتلواها وظرابها وآكامها ومخفضها ومرتفعها‪ ،‬ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من‬
‫ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة‪ ،‬إل إذا اجتمع في السفلى وكثر‪ ،‬وفي ذلك‬
‫فساد‪ ،‬فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها‪.‬‬
‫وقال ‪-‬رحمه ال‪ :-‬ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الرض‬
‫حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها أقلع عنها وأعقبه بالصحو‪ ،‬فهما –أعني الصحو‬
‫والغيم‪ -‬يتعاقبان على العالم؛ لما فيه صلحه‪ ،‬ولو دام أحدهما كان فيه فساده‪ ،‬فلو توالت‬
‫المطار لهلكت جميع ما على الرض‪ ،‬ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوب فأحدثت‬
‫ضروب‪2‬ا من المراض وفسد أكثر المأكل‪ ،‬وتقطعت المسالك والسبل‪ ،‬ولو دام الصحو لجفت‬
‫البدان‪ ،‬وغيض الماء‪ ،‬وانقطع معين العيون والبار والنهار والودية‪ .‬اه‪.B‬‬

‫وكل أرض ل ينزل عليها الماء من السماء‪ ،‬ول يجري فيها الماء من الرضين الممطورة تكون‬
‫خالية من النبات‪ ،‬فبنزول الماء على هذا النحو المشاهد‪ ،‬وكونه سبب‪2‬ا في حياة الحيوان والنبات‬
‫أعظم دللة على وحدانية المخترع المبدع ورحمته ولطفه بعباده‪ ،‬وقيامه بمصالحهم‪ ،‬وشدة‬

‫افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وبث فيها من ك 'ل دابة { أي وفيما بث فيها‪ :‬أي نشر وفرق في الرض من الدواب‬

‫المتنوعة المحكمة المتقنة خلقه‪ ،‬ما هو دليل لمن تأمل ذلك على قدرة ال وعظمته ووحدانيته‬
‫وعلمه وقوته وسلطانه العظيم‪ ،‬وسخرها للناس ينتفعون بها‪ ،‬فمنها ما يأكلون لحمه ويشربون من‬

‫لبنه وما يركبونه‪ ،‬ومنها ما هو ذكر ال جل وعل‪ } :‬فم !ن‪B‬ها ركوب‪B‬ه !م وم !ن‪B‬ها يأ!كلون { ومنها ما هو‬

‫ساع في مصالحهم وحراسنهم‪ ،‬ومنها ما يعتبر به‪ ،‬وغير ذلك من المنافع‪ ،‬وهو سبحانه يعلم ذلك‬

‫الرض إل على الله‬
‫كله‪ ،‬وهو القائم بأرزاق المتكفل بأقواتهم‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وما من دابة في !‬

‫ر!زق‪B‬ها وي‪! B‬علم م !ست‪B‬قرها وم !ست‪! B‬ودعها كل‚ في كتاب •مبين { ‪.‬‬

‫عقيما تارة‪،‬‬
‫وقوله‪ } :‬وت !‬
‫صريف ال 'رياح والسحاب المسخر ب‪! B‬ين السماء و !‬
‫الرض { تصريفها إرسالها ‪2‬‬

‫ونصرا وهل ‪2‬كا‪ ،‬وحارة وباردة‪ ،‬وعاصفة ولينة‪ ،‬وقيل‪ :‬تصريفها إرسالها جنوب‪2‬ا‬
‫وصرا ‪2‬‬
‫وملقحة أخرى‪2 ،‬‬
‫ريحا؛ لنها تريح‬
‫ودبورا وصب‪2‬ا‬
‫ونكباء‪ ،‬وهي التي تأتي بين مهبي ريحين‪ ،‬وسميت ‪2‬‬
‫وشمال‪2 ،2‬‬
‫‪2‬‬
‫النفوس‪.‬‬
‫قال شريح‪ :‬ما هبت ريح إل لشفاء سقيم أو لسقم صحيح‪ ،‬والبشارة في ثلث من الرياح‪ :‬في‬
‫الصبا‪ ،‬والشمال‪ ،‬والجنوب‪ ،‬أما الدبور‪ :‬فهي الريح العقيم‪ ،‬ل بشارة فيها‪ ،‬وتأمل كم سخر‬

‫للسحاب من ريح حتى أمطر‪ ،‬فسخرت له المثيرة أو ل فتثيره بين السماء والرض‪ ،‬ثم سخرت له‬
‫الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية‪ ،‬ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بينه‪،‬‬
‫ثم يجتمع بعضه إلى بعض فيصير طب ‪2‬قا واح ‪2‬دا‪ ،‬ثم سخرت الملقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح‬

‫النثى فتلقحه بالماء ثم سخرت المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث وتفرقه في الجو فل ينزل‬

‫قطرا‪ ،‬وكذلك‬
‫‪2‬‬
‫مجتمعا‪ ،‬ولو نزل جملة لهلك المساكن والحيوان والنبات‪ ،‬بل تفرقه فتجعله ‪2‬‬
‫الرياح التي تلقح الشجر والنبات‪ ،‬ولول ال ثم لولها لكانت عقيمة‪.‬‬

‫ومن منافعها سوق السفن كما مر‪ ،‬وتجفيف ما يحتاج إلى جفاف وتبريد الماء‪ ،‬وإضرام النار التي‬
‫يرد إضرامها‪.‬‬
‫وبالجملة‪ ،‬فحياة ما على الرض من نبات وحيوان بالرياح‪ ،‬فإنه لول تسخير ال لها لعباده لذوي‬
‫النبات‪ ،‬ومات الحيوان‪ ،‬وفسدت المطاعم‪ ،‬وأنتن العالم وفسد‪ ،‬أل ترى إذا ركدت الرياح كيف‬
‫يحدث الكرب والغم الذي لو دام لتلف النفوس‪ ،‬وأسقم الحيوان‪ ،‬وأمرض الصحاء‪ ،‬وأنهك‬
‫المرضى‪ ،‬وأفسد الثمار وعفن الزرع‪ ،‬وأحدث الوباء في الجو‪ .‬اه‪ B‬بتصرف‪.‬‬
‫إذا فهمت ذلك‪ ،‬فاعلم أن الذي صرفها هذا التصريف وأودع فيها من منافع العباد ما ل يستغنون‬
‫عنهن وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات‪ ،‬وتصلح البدان‪ ،‬والشجار‪ ،‬والحبوب والثمار‬

‫والنوابت‪ ،‬هو ال العزيز الحكيم الرؤوف الرحيم اللطيف بعباده‪ ،‬المستحق للعبادة وحده ل‬
‫شريك له‪ ،‬المستحق للمحبة والنابة والخضوع لعظمته‪.‬‬
‫الرض { أي وفي تسخير السحاب بين السماء‬
‫وقوله‪ } :‬والسحاب المسخر ب‪! B‬ين السماء و !‬

‫والرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير فيسوقه ال إلى حيث شاء‪ ،‬فيحيى به البلد‬

‫والعباد‪ ،‬ويروي به التلول والوهاد وينزله على الخلئق وقت حاجتهم إليه‪ ،‬فإذا كان يضربهم‬
‫أمسكه عنهم‪ ،‬فينزله رحمة ولط ‪2‬فا ويصرفه عناية‪ ،‬فما أعظم سلطانه وأغزر إحسانه وألطف امتنانه‪،‬‬
‫ومن تدبر هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات‪ ،‬وازداد تأمله للصنعة‪ ،‬وما أودع‬
‫فيها من لطائف البر والحكمة علم بذلك أنها خلقت للحق وبالحق‪ ،‬وأنها آيات دالة على ما‬
‫أخبر به عن نفسه ووحدانيته‪ ،‬وما أخبر به الرسل من اليوم الخر‪ ،‬وأنها مسخرات ليس لها تدبير‬
‫ول استعصاء على مدبرها ومسخرها ومصرفها‪ ،‬وعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه‬
‫مفتقرون‪ ،‬وإليه صامدون‪ ،‬وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات‪ ،‬فل إله إل هو‪ ،‬ول رب سواه‬
‫جل وعل وتقدس‪.‬‬
‫أخرج ابن أبي الدنيا‪ ،‬وابن مردويه عن عائشة ‪-‬رضي ال عنها‪ :-‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ لما قرأ هذه الية‪ ،‬قال‪» :‬ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها«‪.‬‬‫وفيها تعريض بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬آية تصدقه‪،‬‬
‫وتسجل عليهم بسخافة العقول‪ ،‬وإل فمن تأمل في تلك اليات العظيمات التي الواحدة منها‬
‫تكفي دليل‪ 2‬على وجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفات كماله الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى‪،‬‬

‫وجد كل‪ 2‬منها مشتمل‪ 2‬على وجوه كثيرة من الدللة على وحدانية ال وسائر صفاته‪.‬‬
‫تأمل سطور الكائنات فإنها‬

‫وقد كان فيها لو تأملت خطها ‪ ...‬من الملك العلى إليك رسائل‬
‫أل كل شيء ما خل ال باطل‬
‫ب الله والذين آمنوا أش •د‬
‫ادا يحب•ون‪B‬ه !م كح '‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ومن الناس من ي‪B‬تخذ من دون الله أند ‪2‬‬
‫حب‪2‬ا ل'له و !لو ي‪B‬رى الذين ظلموا إ !ذ ي‪B‬ر!ون العذاب أن القوة لله جم ‪2‬يعا وأن الله شديد العذاب { بعد‬
‫أن ذكر سبحانه فيما تقدم من ظواهر الكون ما يدل بعضه‪ ،‬فكيف كله! على توحيده جل وعل‪،‬‬
‫ورحمته‪ ،‬وحكمته‪ ،‬وقوته‪ ،‬وعلمه‪ ،‬وقدرته‪ ،‬أخبر أنه مع هذا الدليل الظاهر قد وجد من ل ينظر‬
‫ول يعقل تلك اليات التي أقامها‪ ،‬برهان‪2‬ا على وحدانيته فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به كل ما‬
‫في الوجود عند التأمل والتفكير‪ ،‬فاتخذ مع ال ن ‪2‬دا يعبده من الصنام كعبادة ال ويساويه به في‬

‫المحبة والتعظيم‪ ،‬والمحبة المذكورة‪ :‬هي المحبة الشركية المستلزمة للخوف والتعظيم والجلل‬
‫واليثار على مراد النفس‪ ،‬وهذه صرفها لغير ال شرك أكبر ينافي التوحيد بالكلية؛ لنها من أعظم‬
‫أنواع العبادة التي ل يجوز صرفها لغير ال‪.‬‬
‫وفي الية قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬والذين آمنوا أشد حب‪2‬ا ل من أصحاب النداد لندادهم وآلهتهم التي يحبونها‬
‫ويعظمونها من دون ال‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬والذين آمنوا أشد حب‪2‬ا ل من محبة أهل النداد ل؛ لن محبة المؤمنين خالصة ل‪،‬‬

‫ومحبة أصحاب النداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها‪ ،‬والمحبة الخالصة أشد من المشتركة بل‬

‫شك ول ريب‪.‬‬
‫فمن قال بالقول الول لم يثبت للكفار محبة ال تعالى‪ ،‬ومن قال بالقول الثاني أثبت للكفار‬
‫محبة ال تعالى‪ ،‬لكن جعلوا الصنام شركاء له في الحب‪.‬‬
‫وكان شيخ السلم يرجح القول الول‪ ،‬ويقول‪ :‬إنما ذموا بأن أشركوا بين ال وبين أندادهم في‬
‫المحبة ولم يخلصوها ل كمحبة المؤمنين له‪ ،‬وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم‪،‬‬
‫وهم في النار يقولون للهتهم وأندادهم وهي محضرة في العذاب‪ } :‬تالله إن كنا لفي ضلل •مبين‬

‫ب العالمين { ]الشعراء‪ ،[98 ،97 :‬ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في‬
‫* إ !ذ نس 'ويكم بر '‬
‫أيضا هو العدل المذكور في قوله‬
‫الخلق والربوبية‪ ،‬وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم‪ ،‬وهذا ‪2‬‬

‫تعالى‪ } :‬ثم الذين كفروا برب'ه !م ي‪! B‬عدلون { ]النعام‪ [1 :‬أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي‬
‫المحبة والتعظيم‪ ،‬وهو أصح القولين‪ .‬اه‪.B‬‬

‫وقوله‪ } :‬و !لو ي‪B‬رى الذين ظلموا إ !ذ ي‪B‬ر!ون العذاب أن القوة لله جم ‪2‬يعا وأن الله شديد العذاب { ثم‬
‫توعد ال تعالى المشركين به الظالمين لنفسهم بتدنيسها بالشرك وظلم الناس وغشهم بحملهم‬

‫على أن يحذوا حذوهم‪ ،‬ويتخذوا النداد مثلهم أي لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة ل‪،‬‬
‫ولتبينوا ضرر اتخاذهم اللهة‪ ،‬فالحكم له وحده ل شريك له وجميع الشياء تحت قهره وغلبته‬
‫وسلطانه‪ ،‬وأن ال شديد العذاب‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ف‪B‬ي‪! B‬ومئذ ل ي‪B‬ع 'ذب عذابه أح ‪d‬د * ول يوثق وثاقه‬

‫أح ‪d‬د { ‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬أنه يتبين للمشركين في ذلك اليوم ضعف أنداهم وعجزها ل كما اشتبه عليهم في‬
‫الدنيا‪ ،‬فظنوا أن لها من المر شيئ‪2‬ا‪ ،‬وأنها تقربهم إلى ال زلفى‪ ،‬كما ذكر ال عنهم بقوله‪ } :‬ما‬

‫ن‪! B‬عبده !م إل لي‪B‬ق 'ربونا إلى الله زل!فى { فخاب ظنهم وبطل سعيهم‪ ،‬وحق العذاب عليهم‪ ،‬ولم تدفع‬

‫عنهم آلهتهم شيئ‪2‬ا‪ ،‬ولم تغن عنهم مثقال ذرة كما أخبر جل وعل في الية الخرى بقوله‪:‬‬

‫ص ‪2‬را ول أنفسه !م ينصرون { ‪،‬‬
‫} أي !شركون ما ل ي !خلق ش !يئ‪2‬ا وه !م ي !خلقون * ول ي !ستطيعون له !م ن !‬
‫وقال‪ } :‬والذين ت !دعون من دونه ما ي !ملكون من قط!مير { الية‪.‬‬

‫ثم بين جل وعل حال التابعين والمتبوعين يوم القيامة يوم ينكشف الغطاء‪ ،‬ويرى الناس العذاب‬
‫السباب { ‪.‬‬
‫بأعينهم‪ ،‬فقال‪ } :‬إ !ذ ت‪B‬ب‪B‬رأ الذين ات•بعوا من الذين ات‪B‬ب‪B‬عوا ورأوا العذاب وت‪B‬قطع !‬
‫ت بهم !‬
‫المعنى‪ :‬لو يرون حين يتبرأ الرؤساء المضلون الذين اتبعوا من أتباعهم الذين أغووهم في الدنيا‪،‬‬
‫ويتنصلوا من إضللهم‪ ،‬فتتبرأ منهم الملئكة كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدونهم في الدار الدنيا‪،‬‬
‫فتقول الملئكة‪ :‬تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون‪ ،‬ويقولون‪ :‬سبحانك أنت ولينا من دونهم‪ ،‬بل‬
‫أيضا تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم‪ ،‬كما‬
‫كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون‪ ،‬والجن ‪2‬‬

‫قال تعالى‪ } :‬وم !ن أض •ل ممن ي !دعو من دون الله من ل ي !ستجيب له إلى ي‪! B‬وم القيامة وه !م عن‬

‫اء وكانوا بعبادته !م كافرين { ‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫دعائه !م غافلون * وإذا حشر الناس كانوا له !م أ !عد ‪2‬‬
‫} واتخذوا من دون الله آلهة‪ 2‬ل'يكونوا له !م ع ‪2‬زا * كل سيك!فرون بعبادته !م ويكونون عل !يه !م ض ‪2‬دا { ‪،‬‬
‫وقال إبراهيم خليل الرحمن‪ } :‬إنما اتخ !ذتم 'من دون الله !أوثان‪2‬ا مودة ب‪! B‬ينك !م في الحياة ال •دن!‪B‬يا ثم‬

‫ضا ومأ!واكم النار وما لكم 'من ناصرين { ‪.‬‬
‫ي‪! B‬وم القيامة يك!فر ب‪! B‬عضكم بب‪! B‬عض وي‪B‬ل!عن ب‪! B‬عضكم ب‪! B‬ع ‪2‬‬

‫المر إن الله‬
‫إخبارا عما سيقوله إبليس –لعنه ال‪ } :-‬وقال الش !يطان لما قضي !‬
‫وقال تعالى ‪2‬‬
‫استج !بت !م‬
‫وعدك !م و !عد الح 'ق ووعدت•ك !م فأ !خل !فتك !م وما كان لي عل !يكم 'من سل!طان إل أن دع !وتك !م ف !‬
‫صرخي إن'ي كف !رت بما أ !شر!كتموني من‬
‫صرخك !م وما أنتم بم !‬
‫لي فل ت‪B‬لوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بم !‬
‫يم { ‪ ،‬وفي »سورة سبأ« ذكر جل وعل موق ‪2‬فا من مواقف‬
‫ق‪! B‬بل إن الظالمين له !م عذ ‪d‬‬
‫اب أل ‪d‬‬

‫بعضا في حالهم التي وصلوا إليها قال‪ } :‬رب'ه !م ي‪! B‬رجع ب‪! B‬عضه !م إلى‬
‫المشركين يناقش فيه بعضهم ‪2‬‬

‫است !كب‪B‬روا‬
‫است !‬
‫است !كب‪B‬روا !لول أنت !م لكنا م !ؤمنين * قال الذين !‬
‫ضعفوا للذين !‬
‫ب‪! B‬عض الق !ول ي‪B‬قول الذين !‬

‫ضعفوا أن !حن صد !دناك !م عن الهدى ب‪! B‬عد إ !ذ جاءكم ب !ل كنتم •م !جرمين * وقال الذين‬
‫است !‬
‫للذين !‬

‫ادا‬
‫است !‬
‫است !كب‪B‬روا ب !ل مك!ر الل !يل والن‪B‬هار إ !ذ تأ!مرون‪B‬نا أن نك!فر بالله ون !جعل له أند ‪2‬‬
‫ضعفوا للذين !‬
‫!‬

‫وأس •روا الندامة لما رأوا العذاب وجعل!نا ال !غلل في أ !عناق الذين كفروا ه !ل ي !جز!ون إل ما كانوا‬

‫ي‪! B‬عملون { ‪ ،‬وفي »سورة غافر« ذكر جل وعل‪ } :‬وإ !ذ ي‪B‬تحا •جون في النار ف‪B‬ي‪B‬قول الض•عفاء للذين‬

‫است !كب‪B‬روا إنا كل‚ فيها‬
‫است !كب‪B‬روا إنا كنا لك !م ت‪B‬ب‪2 B‬عا ف‪B‬ه !ل أنتم •مغ!نون عنا نصيب‪2‬ا 'من النار * قال الذين !‬
‫!‬
‫إن الله ق !د حكم ب‪! B‬ين العباد { ‪.‬‬

‫السباب { ‪ ،‬في السباب أربعة أقوال‪:‬‬
‫وقوله‪ } :‬وت‪B‬قطع !‬
‫ت بهم !‬
‫أحدها‪ :‬أنها المودات‪ ،‬وإلى نحوه ذهب ابن عباس ومجاهد‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬أنها العمال‪ ،‬رواه السدي عن ابن مسعود وابن عباس وهو قول أبي صالح وان زيد‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنها الرحام‪ ،‬رواه ابن جريج عن ابن عباس‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬أنها تشمل جميع ذلك‪.‬‬
‫فيدخل في ذلك الصلة التي كانت بين التباع والمتبوعين في الدنيا من النساب والقرابة‬
‫والصداقة والمودة والصلت والواصر والعلقات‪ ،‬وسقطت الرياسات والقيادات التي كان‬
‫تابعا‬
‫المخدعون يتبعونها وعجزت عن وقاية أنفسها‪ ،‬فضل‪ 2‬عن غيرها‪ ،‬وانشغل كل إنسان بنفسه ‪2‬‬

‫متبوعا‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬ي‪! B‬وم يف •ر الم !رء م !ن أخيه * وأ 'مه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لك 'ل‬
‫كان أو ‪2‬‬
‫!امرئ 'م !ن‪B‬ه !م ي‪! B‬ومئذ شأ! ‪d‬ن ي‪B‬غ!نيه { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ي‪! B‬وم ل ي‪B‬غ!ني م !ول‪2‬ى عن م !ول‪2‬ى ش !يئ‪2‬ا ول ه !م ينصرون { ‪،‬‬
‫وقال‪ } :‬ي‪! B‬وم ل ينفع م ‪d‬‬
‫ال ول ب‪B‬نون * إل م !ن أتى الله بقل!ب سليم { ‪.‬‬

‫ثم أخبر تعالى عما يقوله التباع حينما عاينوا تبري الرؤساء منهم وندموا على ما فعلوا من إتباعهم‬

‫لهم في الدنيا‪ ،‬فقال‪ } :‬وقال الذين ات‪B‬ب‪B‬عوا !لو أن لنا كرة‪ 2‬ف‪B‬نتب‪B‬رأ م !ن‪B‬ه !م كما ت‪B‬ب‪B‬رءوا منا { وفي هذا‬
‫الكلم يبدو الغيظ والحنق من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة‪.‬‬

‫والمعنى‪ :‬أن التباع يتمنون لو ردوا إلى الدنيا فيتبرءوا من تبعتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة‬
‫في حقيقتها التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب‪ ،‬إنه مشهد مؤثر‪ ،‬مشهد التبرؤ والتعادي‬
‫والتخاصم بين التابعين والمتبوعين‪ ،‬وهم كاذبون في قولهم لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى‬
‫نتبرأ من هؤلء ومن عبادتهم‪ ،‬فل نلتفت إليهم‪ ،‬بل نوحد ال وحده بالعبادة‪ ،‬بل لو ردوا لكانوا‬
‫كما ذكر ال جل وعل‪ } :‬و !لو رد•وا لعادوا لما ن‪B‬هوا ع !نه وإن‪B‬ه !م لكاذبون { ‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬كذلك يريهم الله أ !عماله !م حسرات عل !يه !م { ‪ ،‬فيها أقوال‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن المراد المعاصي‪ ،‬يتحسرون عليها لما عملوها‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬أي كتبرؤ بعضهم من‬

‫بعض‪ ،‬يريهم ال أعمالهم حسرات عليهم؛ لن أعمال الكافر ل تنفعه‪.‬‬
‫وقال ابن النباري‪ :‬يريهم ال أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا رأوا المجازاة للمؤمنين‬
‫بأعمالهم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬يريهم ال مقادير الثواب التي عرضهم لها لو فعلوا الطاعات فيتحسرون عليه لما فرطوا‬
‫فيه‪.‬‬
‫والحسرة‪ :‬التلهف على الشيء الفائت‪ ،‬وقيل‪ :‬الحسرة شدة الندم والكمد‪ ،‬وهي تألم القلب‬

‫وانحساره عما يؤلمه‪ ،‬بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب‪ ،‬وهو الذي انقطعت قوته فصار‬
‫حيث ل ينتفع به‪ ،‬وأصل الحسر الكشف‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وما هم بخارجين من النار { هذا إخبار منه جل وعل أنهم فيها دائمون ل يخرجون‬
‫سنة والجماعة؛ ولقوله تعالى‪ } :‬ول ي !دخلون الجنة حتى يلج الجمل في‬
‫منها‪ ،‬وهذا قول أهل ال •‬

‫س 'م الخياط { ‪.‬‬

‫ومن الدلة قوله تعالى‪ } :‬إن الم !جرمين في عذاب جهنم خالدون * ل ي‪B‬فت‪B‬ر ع !ن‪B‬ه !م وه !م فيه‬

‫م !بلسون * وما ظل !مناه !م ولكن كانوا هم الظالمين * وناد !وا يا مالك لي‪! B‬قض عل !ي‪B‬نا رب•ك قال إنكم‬
‫صلى النار‬
‫ماكثون { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬مأ!واه !م جهنم كلما خب !‬
‫ت ز !دناه !م سع ‪2‬يرا { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬الذي ي !‬
‫الك !ب‪B‬رى * ثم ل يموت فيها ول ي !حيى { ‪ ،‬وقوله‪' } :‬من ورائه جهنم وي !سقى من ماء صديد *‬

‫ظ{‪،‬‬
‫اب غلي ‪d‬‬
‫ي‪B‬تجرعه ول يكاد يسيغه ويأ!تيه الم !وت من ك 'ل مكان وما هو بمي'ت ومن ورائه عذ ‪d‬‬

‫وقوله‪ } :‬ونذر الظالمين فيها جثي‪2‬ا { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬إن عذاب‪B‬ها كان غر ‪2‬اما { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ف‪B‬ق !د كذب!‪B‬ت !م‬
‫فس !وف يكون لز ‪2‬اما { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ل يخفف ع !ن‪B‬هم 'م !ن عذابها { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وما هم بخارجين من‬
‫يم { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ل ي‪! B‬قضى عل !يه !م ف‪B‬يموتوا { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬خالدين‬
‫النار { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وله !م عذ ‪d‬‬
‫اب •مق ‪d‬‬
‫فيها أب ‪2‬دا { ‪ ،‬وقوله‪! } :‬أولئك يئسوا من ر !حمتي { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬فذوقوا ف‪B‬لن نزيدك !م إل عذاب‪2‬ا { ‪،‬‬

‫أصحاب النار ه !م فيها خالدون { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬كلما أرادوا أن ي !خرجوا م !ن‪B‬ها م !ن غ ‪ƒ‬م‬
‫وقوله‪! } :‬أولئك !‬
‫ودا غ !ي‪B‬رها { ‪.‬‬
‫أعيدوا فيها { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬كلما نضج !‬
‫ت جلوده !م بدل!ناه !م جل ‪2‬‬
‫سنة ما ورد عن أبي سعيد قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يؤتى بالموت‬
‫ومن ال •‬
‫في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويذبح‪ ،‬ويقال‪ :‬يا أهل الجنة‪ ،‬خلود فل موت‪ ،‬ويا‬

‫أهل النار‪ ،‬خلود فل موت« رواه البخاري‪.‬‬
‫وأخرج الشيخان عن ابن عمر ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪:‬‬
‫»يدخل أهل الجنة الجنة‪ ،‬وأهل النار النار‪ ،‬ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار ل موت‪ ،‬ويا أهل‬
‫الجنة ل موت‪ ،‬كل خالد بما فيه«‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬لو قيل لهل النار إنكم‬
‫ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا‪ ،‬ولو قيل لهل الجنة إنكم ماكثون في الجنة‬
‫عدد كل حصاة في الدنيا لحزنوا‪ ،‬ولكن جعل لهم البد« أخرجه الطبراني‪ ،‬وأبو نعيم‪ ،‬وابن‬
‫مردويه‪.‬‬
‫ومما يستفاد من اليات السابقة‪:‬‬

‫‪ -1‬إثبات وحدانية ال‪.‬‬
‫‪ -2‬نفي الشريك عن ال‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات السماء ل‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات صفة الرحمة‪.‬‬
‫‪ -5‬أن في خلق السموات والرض ما يدل على إنفراد ال والتدبير‪.‬‬
‫‪ -6‬إثبات قدرة ال‪.‬‬
‫‪ -7‬دليل على عظمة ال‪.‬‬
‫‪ -8‬دليل على علم ال‪.‬‬
‫‪ -9‬دليل على لطف ال بعباده حيث دلهم على ما يعود إلى مصالحهم من معرفته وتعظيمه‪.‬‬
‫‪ -10‬إن في هذه المخلوقات ما يدل على وجوب إفراد ال بالمحبة والخضوع‪.‬‬
‫‪ -11‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -12‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -13‬دليل على حكمة ال‪.‬‬
‫‪ -14‬دليل على رحمة ال واعتنائه بخلقه‪.‬‬
‫‪ -15‬أن ال لم يهمل الخلق ولم يتركهم سدى‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على التدبر والتفكر‪.‬‬
‫‪ -17‬إقامة الحجج والبراهين على إنفراد ال بالخلق والتدبير وبيان قدرة ال‪.‬‬
‫‪ -18‬دليل على افتقار الخلئق إلى ال وشدة حاجتهم إليه وإلى لطفه بهم ورزقه لهم‪.‬‬
‫‪ -19‬دليل على كرم ال وجوده‪.‬‬
‫‪ -20‬دليل على حلم ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -21‬أن الشيء إذا ألف فقد النسان جدته وغرابته‪ ،‬كما في هذه المخلوقات التي لو لم نرها‬
‫ورأيناها فجأة لندهشنا ورأينا عجائب هذا الكون‪.‬‬
‫‪ -22‬إن الذي ينتفع بآيات ال العاقل‪.‬‬
‫‪ -23‬أن هناك من ل ينظر ول يتعقل ويحيد عن التوحيد‪.‬‬
‫‪ -24‬أن المؤمنين ل يحبون شيئ‪2‬ا حبهم ل‪ ،‬ل أنفسهم ول سواهم‪.‬‬
‫‪ -25‬أن ال خلق السباب والمسببات‪.‬‬
‫‪ -26‬إثبات الفعال الختيارية‪.‬‬

‫‪ -27‬دليل على البعث‪.‬‬
‫‪ -28‬دليل على الحشر والحساب‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على غنى ال‪.‬‬
‫‪ -30‬أن في تعاقب الليل والنهار على الدوام‪ ،‬واختلفهما في الحر والبرد‪ ،‬والتوسط والطول‬
‫والقصر‪ ،‬وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح العباد وحيواناتهم‪ ،‬وجميع ما على‬
‫وجه الرض من أشجار ونوابت ما يدل على وحدانية الباري وألوهيته وقدرته وعلمه وحكمته‬
‫ورحمته التي وسعت كل شيء وعمت كل حي‪.‬‬
‫‪ -31‬أن في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي ثقيلة كثيفة وموقرة بالثقال والرجال‬
‫ول ترسب‪ ،‬وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة بالذي ينفع الناس ما يدل على قدرة ال وقوته وعلمه‬
‫ورحمته وعنايته بخلقه‪.‬‬
‫‪ -32‬أن في ذلك ما يوجب أن تكون المحبة كلها ل والخوف والرجاء وجميع الطاعة والذل‬
‫والتعظيم‪.‬‬
‫‪ -33‬أن في إنزال الماء من السماء‪ ،‬وإحياء الرض به ما يدل على قدرة ال وحكمته ورحمته‪.‬‬
‫‪ -34‬أن فيما بث ال في الرض من الدواب ومن جميع الخلق من الناس وغيرهم آية دالة على‬
‫وحدانية ال وعلمه وحكمته ورحمته وسائر صفات كماله‪ ،‬والية في النسان أن جنسه يرجع إلى‬
‫أصل واحد وهو آدم‪ ،‬ثم ما فيهم من الختلف في الصور‪ ،‬والشكال‪ ،‬واللوان‪ ،‬واللسنة‪،‬‬
‫والطباع‪ ،‬والخلق والوصاف إلى غير ذلك‪ ،‬ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان‪.‬‬
‫‪ -35‬أن في تصريف الرياح وتدبيرها وتوجيهها على حسب إرادة ال جل وعل‪ ،‬فمرة من‬
‫الشمال‪ ،‬وأخرى من الدبور‪ ،‬وأخرى من الجنوب‪ ،‬وفي كيفيتها تارة حارة‪ ،‬وتارة باردة‪ ،‬وفي‬
‫عقما ولواقح‪ ،‬ما يدل على وحدانية ال وقدرته وعلمه وحكمته‬
‫أحوالها عاصفة ولينة‪ ،‬وفي آثارها ‪2‬‬
‫ورحمته فسبحان ال الواحد الرحمن الرحيم ل إله إل هو‪.‬‬

‫‪ -36‬أن في تذليل السحاب بين السماء والرض على خفته ولطافته وتكونه وتجمعه وحمله الماء‬
‫مطرا وتبدده في الجهات التي أرادها له خالقه ما يدل على وحدانية ال ورحمته‬
‫الكثير ثم نزوله ‪2‬‬

‫بالعباد وقدرته‪.‬‬

‫‪ -37‬أن في كل ظواهر هذا الكون عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر ويفكر ليدرك الحكم‬
‫والسرار‪ ،‬ويستدل بما فيها من التقان والحكام على قدرة مبدعها وحكمته وعلمه وعظيم‬
‫رحمته‪ ،‬وأنه المستحق للعبادة دون غيره من خلقه‪.‬‬
‫‪ -38‬أن الظالمين لو عاينوا العذاب لعلموا أن القوة ل ولتبينوا ضرر اتخاذ اللهة‪.‬‬

‫‪ -39‬أنه في ذلك اليوم يتبرأ التابع من المتبوع‪.‬‬
‫‪ -40‬أن الوصل والروابط التي كانت بين المشركين تنقطع وتنحل ويحل محلها عداوة كما يبدو‬
‫ذلك من كلم التباع‪.‬‬
‫‪ -41‬أنه في ذلك يتبين خداع المتبوعين للتباع‪.‬‬
‫‪ -42‬أن في ذلك اليوم يحصل جدال وتخاصم‪.‬‬
‫‪ -43‬أن ال يرى الكفار أعمالهم‪.‬‬
‫‪ -44‬أن الكفار يحصل لهم تحسر وندامة‪.‬‬
‫‪ -45‬أنهم دائمون في النار‪.‬‬
‫‪ -46‬إثبات النار وأنها لمن كفر بال‪.‬‬
‫‪ -47‬دليل على بقاء النار‪.‬‬
‫‪ -48‬الحث على خوف ال والخوف من أليم عقابه‪.‬‬
‫‪ -49‬أن ال جل وعل يمهل ول يهمل‪.‬‬
‫‪ -50‬في الية دللة على أنهم كانوا قادرين على الطاعة والمعصية وإل لما تحسروا‪ ،‬ففيها رد‬
‫على الجبرية‪.‬‬
‫‪ -51‬فيها رد على الجهمية ونحوهم من نفاة الصفات‪.‬‬
‫‪ -52‬دليل على إثبات صفة الكلم ل والرد على من أنكرها‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في معنى البر‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال سبحانه وتعالى‪! } :‬ليس البر أن ت‪B‬ول•وا وجوهك !م قبل الم !شرق وال!م !غرب ولكن البر م !ن آمن‬

‫بالله وال!ي‪! B‬وم الخر وال!ملئكة وال!كتاب والنبي'ين وآتى المال على حب'ه ذوي الق !ربى وال!يتامى‬

‫وال!مساكين واب!ن السبيل والسائلين وفي ال 'رقاب وأقام الصلة وآتى الزكاة وال!موفون بع !هده !م إذا‬

‫عاهدوا والصابرين في البأ!ساء والضراء وحين البأ!س !أولئك الذين صدقوا و !أولئك هم المت‪B‬قون { ‪.‬‬
‫قال ابن كثير على هذه الية‪ :‬فإن ال تعالى لما أمر المؤمنين أول‪ 2‬التوجه إلى بيت المقدس‪ ،‬ثم‬

‫حولهم إلى الكعبة شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين‪ ،‬فأنزل ال تعالى‬
‫بيان حكمته في ذلك‪ ،‬وهو أن المراد إنما هو طاعة ال عز وجل‪ ،‬وامتثال أوامره‪ ،‬والتوجيه حيثما‬
‫وجه‪ ،‬واتباع ما شرع‪ ،‬فهذا هو البر والتقوى واليمان الكامل‪ ،‬وليس في لزوم التوجه إلى جهة‬

‫المشرق أو المغرب بر ول طاعة إن لم يكن عن أمر ال وشرعه؛ ولهذا قال‪! } :‬ليس البر أن ت‪B‬ول•وا‬

‫وجوهك !م قبل الم !شرق وال!م !غرب ولكن البر م !ن آمن بالله وال!ي‪! B‬وم الخر { الية‪ ،‬كما قال في‬
‫الضاحي والهدايا‪ } :‬لن ي‪B‬نال الله لحومها ول دماؤها ولكن ي‪B‬ناله الت‪! B‬قوى منك !م { ‪.‬‬

‫وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الية‪ :‬ليس البر أن تصلوا ول تعملوا‪ ،‬فهذا حين تحول من‬

‫مكة إلى المدينة‪ ،‬ونزلت الفرائض والحدود‪ ،‬فأمر ال بالفرائض والعمل بها‪.‬‬
‫وروى الضحاك ومقاتل نحو ذلك‪.‬‬
‫وقال أبو العالية‪ :‬كانت اليهود تقبل قبل المغرب والنصارى تقبل قبل المشرق‪ ،‬فقال ال تعالى‪} :‬‬
‫!ليس البر أن ت‪B‬ول•وا وجوهك !م قبل الم !شرق وال!م !غرب { يقول هذا كلم اليمان وحقيقة العمل‪.‬‬
‫وروي عن الحسن والربيع عن أنس مثله‪.‬‬

‫وقال مجاهد‪ :‬ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة ال عز وجل‪.‬‬
‫وقال الضحاك‪ :‬ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها‪.‬‬
‫وقال الثوري‪ } :‬ولكن البر م !ن آمن بالله { الية‪ ،‬قال‪ :‬هذه النواع كلها ‪ B‬وصدق رحمه ال ‪ B‬؛‬
‫فإن من اتصف بهذه الية فقد دخل في عرى السلم كلها‪ ،‬وأخذ بمجامع الخير كله‪ ،‬وهو‬

‫اليمان بال وأنه ل إله إل هو وأنه رب كل شيء ومليكه‪ ،‬وأنه الخالق الرازق‪ ،‬المحيى المميت‪،‬‬
‫المدبر لجميع المور وأنه المستحق لن يفرد بالعبودية والذل والخضوع وجميع أنواع العبادة‪،‬‬
‫وأنه المتصف بصفات الكمال‪ ،‬المنزه عن كل عيب ونقص‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وال!ي‪! B‬وم الخر { أي ومن البر اليمان باليوم الخر‪ ،‬وهو اليمان بكل ما أخبر به ال في‬
‫كتابه أو أخبر به رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مما يكون بعد الموت‪ ،‬ويدخل في ذلك‬
‫التصديق بعذاب القبر ونعيمه‪ ،‬والبعث بعد الموت‪ ،‬والحشر‪ ،‬والحساب‪ ،‬والميزان‪ ،‬والصراط‪،‬‬
‫والحوض‪ ،‬والجنة‪ ،‬والنار‪ ،‬وما أعد ال لهلهما إجمال‪ 2‬وتفصيل‪.2‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!ملئكة { أي ومن البر اليمان بملئكة ال‪ ،‬وهو التصديق الجازم بأن ل ملئكة‬
‫موجودون مخلوقون من نور‪ ،‬وأنهم كما وصفهم ال عباده مكرمون‪ ،‬يسبحون ال والنهار ل‬
‫يفترون‪ ،‬وأنهم ل يعصون ال ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم ال‬
‫بالقيام بها أتم القيام‪ ،‬ويجب اليمان على التفصيل بمن ورد تعيينه باسمه المخصوص كجبريل‬
‫وميكائيل وإسرافيل ورضوان ومالك‪ ،‬فجبريل هو الموكل بأداء الوحي‪ ،‬وهو الروح المين‪،‬‬
‫وميكائيل هو الموكل بالقطر‪ ،‬وإسرافيل الموكل بالصور‪ ،‬ومنهم الموكل بأعمال العباد وهم الكرام‬
‫الكاتبون‪ ،‬ومنهم الموكل بحفظ العبد من بين يديه ومن خلفه وهم المعقبات‪ ،‬ومنهم الموكل‬

‫بالجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه‪ ،‬ومنهم الموكل بالنار وعذابها وهم مالك ومن معه‪ ،‬ومنهم‬
‫الموكل بفتنة القبر‪ ،‬وهم منكر ونكير‪ ،‬ومنهم حملة العرش‪ ،‬ومنهم الموكل بالنظف في الرحام‬
‫وكتابة ما يراد بها‪ ،‬ومنهم ملئكة يدخلون البيت المعمور‪ ،‬يدخله كل يوم سبعن أل ‪2‬فا ثم ل يعودون‪،‬‬
‫ومنهم ملئكة سياحون يتبعون مجالس الذكر‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬

‫ويجب التصديق بمن لم يرد تعيينه باسمه المخصوص ول تعيين نوعه المخصوص إجمال‪ ،2‬وال‬

‫أعلم بعدد الملئكة‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬كل‚ آمن بالله وملئكته { الية‪ ،‬وكما في هذه الية فجعل‬
‫اليمان هو اليمان بهذه الجملة‪ ،‬وسمي من آمن بهذه الجملة مؤمنين‪ ،‬كما جعل الكافرين من‬

‫كفر بهذه الجملة بقوله‪ } :‬ومن يك!ف !ر بالله وملئكته { الية‪ ،‬وفي حديث جبريل‪» :‬أن تؤمن بال‬

‫وملئكته وكتبه« إلخ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وال!كتاب { أي ومن البر اليمان بالكتاب‪ ،‬وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من‬
‫السماء على النبياء حتى ختمت بأشرفها‪ ،‬وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب‪ ،‬الذي‬
‫انتهى إليه كل خير‪ ،‬واشتمل على كل سعادة في الدنيا والخرة‪ ،‬ونسخ به كل ما سواه من الكتب‬
‫قبله‪ ،‬واليمان بكتب ال هو التصديق الجازم بأن ل كتب‪2‬ا أنزلها على أنبيائه ورسله‪ ،‬وهي من كلمه‬
‫حقيقة‪ ،‬وأنها نور وبرهان وهدى‪ ،‬وأن ما تضمنته حق وصدق‪ ،‬ول يعلم عددها إل ال‪ ،‬وأنه يجب‬
‫اليمان بها جملة إل ما سمي منها‪ ،‬وهي‪ :‬التوراة‪ ،‬والنجيل‪ ،‬والزبور‪ ،‬والقرآن‪ ،‬وصحف إبراهيم‬
‫وموسى‪ ،‬فيجب اليمان بهذه على التفصيل والبقية إجمال‪.2‬‬
‫ويجب مع اليمان بالقرآن وأنه منزل من عند ال اليمان بأن ال تكلم به حقيقة كما تكلم‬
‫بالكتب المنزلة على أنبيائه ورسله‪ ،‬وأنه المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف‪،‬‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬إنا ن !حن ن‪B‬زل!نا ال 'ذ !كر وإنا له لحافظون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ل يأ!تيه الباطل م !ن ب‪! B‬ين يدي!ه‬

‫يل 'م !ن حكيم حميد { ‪.‬‬
‫ول م !ن خل!فه تنز ‪d‬‬

‫ومنزلة القرآن من الكتب المتقدمة كما ذكر ال فيه‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وأنزل!نا إ !ليك الكتاب بال!ح 'ق‬
‫مص 'دق‪2‬ا ل'ما ب‪! B‬ين يدي!ه من الكتاب ومه !يمن‪2‬ا عل !يه { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وما كان هذا الق !رآن أن ي‪! B‬فت‪B‬رى من‬
‫ب العالمين { ‪.‬‬
‫صديق الذي ب‪! B‬ين يدي!ه وت‪! B‬فصيل الكتاب ل ري!ب فيه من ر '‬
‫دون الله ولكن ت !‬

‫وقوله‪ } :‬والنبي'ين { أي ومن البر اليمان بأنبياء ال‪ ،‬واليمان بهم‪ ،‬وهو التصديق الجازم بأن ل‬

‫رسل‪ 2‬أرسلهم لرشاد الخلق في معاشهم ومعادهم اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن ل يهمل‬

‫خلقه‪ ،‬بل أرسل إليهم رسل‪ 2‬مبشرين ومنذرين‪ ،‬فيجب اليمان بمن سمى ال منهم على التفصيل‬

‫وهم المذكورون في القرآن‪ ،‬وعددهم خمس وعشرون‪ ،‬وهم‪ :‬آدم‪ ،‬نوح‪ ،‬إدريس‪ ،‬صالح‪ ،‬إبراهيم‪،‬‬

‫هود‪ ،‬لوط‪ ،‬يونس‪ ،‬إسماعيل‪ ،‬إسحاق‪ ،‬يعقوب‪ ،‬يوسف‪ ،‬أيوب‪ ،‬شعيب‪ ،‬موسى‪ ،‬هارون‪ ،‬اليسع‪،‬‬
‫ذو الكفل‪ ،‬داود‪ ،‬زكريا‪ ،‬سليمان‪ ،‬إلياس‪ ،‬يحيى‪ ،‬عيسى‪ ،‬محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وعليهم أجمعين‪.‬‬
‫علما وعمل‪ ،2‬وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلق‪2‬ا‪ ،‬وأن ال تعالى‬
‫ويجب العتقاد أنهم أكمل الخلق ‪2‬‬
‫خصهم بفضائل ل يلحقهم فيها أحد‪ ،‬وبرأهم من كل خلق رذيل‪ ،‬وتجب محبتهم وتعظيمهم‪،‬‬

‫شرعا وعقل‪ ،2‬النوم والكل والشرب‬
‫ويحرم الغلو فيهم ورفعهم فوق منزلتهم‪ ،‬ويجوز في حقهم ‪2‬‬
‫والجلوس والمشي والضحك والعجب وسائر العراض البشرية التي ل تؤدي إلى نقص في‬

‫مراتبهم العلية فهم بشر يعتريهم ما يعتري سائر أفراده فيما ل علقة له بتبليغ الحكام وتمتد‬
‫إليهم أيدي الظلمة وينالهم الضطهاد‪ ،‬وقد يقتل النبياء بغير حق‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وآتى المال على حب'ه { أي أخرجه وهو محب له راغب فيه‪ ،‬نص على ذلك ابن‬
‫مسعود‪ ،‬وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف‪ ،‬كما ثبت في »الصحيحين« من حديث‬

‫مرفوعا‪» :‬أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشي الفقر«‬
‫أبي هريرة‬
‫‪2‬‬

‫وقد روى الحاكم في »مستدركه« من حديث شعبة والثوري عن منصور عن زبيدة عن مرة عن ابن‬

‫مسعود‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ } » :-‬وآتى المال على حب'ه { أن تعطيه‬
‫وأنت صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر« ثم قال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه‪.‬‬

‫يما وأس ‪2‬يرا * إنما نط!عمك !م لو !جه الله ل نريد‬
‫وقال تعالى‪ } :‬ويط!عمون الطعام على حب'ه م !سكين‪2‬ا ويت ‪2‬‬

‫ورا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬لن ت‪B‬نالوا البر حتى تنفقوا مما تحب•ون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ي‪! B‬ؤثرون‬
‫اء ول شك ‪2‬‬
‫منك !م جز ‪2‬‬
‫على أنفسه !م و !لو كان به !م خصاصة‪ { d‬نمط آخر وهو أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم‬
‫مضطرون إليه‪ ،‬وهؤلء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له‪.‬‬

‫وفي »موطأ مالك«‪ :‬أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن مسكين‪2‬ا سألها‬
‫وهي صائمة وليس في بيتها إل رغيف‪ ،‬فقالت لمولة لها‪ :‬أعطيه إياه‪ ،‬فقالت‪ :‬ليس لك ما‬

‫تفطرين عليه‪ ،‬فقالت‪ :‬أعطيه إياه‪ ،‬قالت‪ :‬ففعلت‪ ،‬قالت‪ :‬فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت –أو‬
‫إنسان‪ -‬ما كان يهدى لنا‪ ،‬شاة وكتفها‪ ،‬فدعتني عائشة‪ ،‬فقالت‪ :‬كلي من هذا‪ ،‬فهذا خير من‬
‫قرضك‪.‬‬
‫قال علماؤنا‪ :‬هذا من المال الرابح‪ ،‬والفعل الزكي عند ال تعالى‪ ،‬يعجل منه ما يشاء‪ ،‬ول ينقص‬
‫ذلك مما يدخر عنده‪ ،‬ومن ترك شيئ‪2‬ا ل لم يجد فقده‪ ،‬وعائشة في فعلها هذا ممن أثنى ال‬
‫عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬ذوي الق !ربى { وهم قرابات الرجل‪ ،‬وهم أولى من أعطى من الصدقة‪ ،‬كما ثبت في‬

‫الحديث‪» :‬الصدقة على المسكين صدقة‪ ،‬وعلى ذوي الرحم اثنتان‪ :‬صدقة‪ ،‬وصلة« فهم أولى‬
‫الناس ببرك وعطائك‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬من كان يؤمن‬
‫بال واليوم الخر فليكرم ضيفه‪ ،‬ومن كان يؤمن بال واليوم الخر فليصل رحمه‪ ،‬ومن كان يؤمن‬
‫خيرا أو ليصمت« متفق عليه‪.‬‬
‫بال واليوم الخر فليقل ‪2‬‬
‫وعنه ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رجل‪ 2‬قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني‪ ،‬وأحسن‬
‫إليهم ويسيئون إلي‪ ،‬وأحلم عنهم ويجهلون علي‪ ،‬فقال‪» :‬لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم‬

‫المل‪ ،‬ول يزال معك من ال ظهير عليهم ما دمت على ذلك« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬من أحب أن يبسط‬
‫له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه« متفق عليه‪.‬‬
‫وعنه ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪» :‬كان أبو طلحة أكثر النصار بالمدينة مال‪ 2‬من نخل‪ ،‬وكان أحب‬

‫أمواله إليه »بيرحاء« وكانت مستقبلة المسجد‪ ،‬وكان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يدخله‬

‫ويشرب من ماء فيها طيب‪ ،‬فلما نزلت هذه الية‪ } :‬لن ت‪B‬نالوا البر حتى تنفقوا مما تحب•ون { ‪،‬‬

‫وإن أحب أموالي بيرحاء وإنها صدقة ل أرجو برها وذخرها عند ال تعالى‪ ،‬فضعها يا رسول ال‬

‫حيث أراك ال‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬بخ بخ‪ ،‬ذلك مال رابح‪ ،‬ذلك مال‬
‫رابح‪ ،‬وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في القربين «‪ ،‬فقال أبو طلحة‪ :‬أفعل يا رسول‬
‫ال‪ ،‬فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمرو بن العاص‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ليس الواصل‬
‫بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها« رواه البخاري‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!يتامى { اليتيم من مات أبوه ولم يبلغ‪ ،‬فاليتامى هم الذين في الغالب ل كاسب لهم‬
‫وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب‪ ،‬وقد قال عبدالرزاق‪:‬‬
‫أنبأنا معمر عن جويبر‪ ،‬عن الضحاك‪ ،‬عن النزال بن سبرة‪ ،‬عن علي‪ ،‬عن رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل يتم بعد حلم«‪ ،‬ومن حرمته تعالى بالعباد أن أوصاهم بالحسان إلى‬
‫لح له !م‬
‫اليتامى ليصيروا كمن لم يفقد والديه‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وي !سألونك عن اليتامى ق !ل إ !‬
‫ص ‪d‬‬
‫خ !ي‪d B‬ر { ‪ ،‬وعن سهل بن سعد ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ‪ -‬وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما« رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كافل اليتيم‬

‫له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة« وأشار الراوي مالك بن أنس بالسبابة والوسطى‪ ،‬رواه‬
‫مسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!مساكين { وهم الذين أسكنتهم الحاجة فل يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم‬
‫وسكناهم فيعطون ما يدفع مسكنتهم أو يخففها‪ ،‬وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان‪ ،‬ول اللقمة‬
‫واللقمتان؛ إنما المسكين الذي يتعفف« متفق عليه‪ ،‬وفي رواية في »الصحيحين«‪» :‬ليس‬
‫المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان؛ ولكن المسكين الذي‬
‫ل يجد غنى يغنيه‪ ،‬ول يفطن به فيتصدق عليه‪ ،‬ول يقوم فيسأل الناس«‪.‬‬
‫وعنه‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬الساعي على الرملة والمساكين كالمجاهد في‬
‫سبيل ال«‪ ،‬وأحسبه قال‪» :‬وكالقائم ل يفتر‪ ،‬وكالصائم ل يفطر« متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬واب!ن السبيل { هو المسافر المنقطع به في غير بلده فيعطي ما يوصله إلى بلده‪ ،‬وكذلك‬
‫الذي يريد السفر في طاعة فيعطي ما يكفيه في ذهابه وإيابه‪ ،‬ويدخل في ذلك الضيف‪ ،‬كما قال‬

‫علي بن طلحة عن ابن عباس أنه قال‪ :‬ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين‪ ،‬وكذا قال‬
‫مجاهد‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬وأبو جعفر الباقر‪ ،‬والحسن‪ ،‬وقتادة‪ ،‬والضحاك‪ ،‬والزهري‪ ،‬والربيع بن‬
‫أنس‪ ،‬ومقاتل بن حيان‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬والسائلين { هم الذين يتعرضون للطلب لحاجة من الحوائج التي توجب السؤال كمن‬
‫ابتلى بنكبة أرش جناية أو ضريبة عليه من ولة المور‪ ،‬أو فوات نفوس بانقلب سيارة أو يسأل‬
‫الناس لتعمير المساجد أو لنشائها أو لنشاء مدارس أو معاهد لطلب العلم الشرعي أو ما هو‬
‫وسيلة إليه‪ ،‬أو لتحفيظ كلم ال وكلم رسوله أو لصلح القناطر أو الطرق للمسلمين‪ ،‬فهذا له‬
‫حق وإن كان غني‪2‬ا‪.‬‬
‫أخرج المام أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي‬
‫رضي ال عنهما‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬للسائل حق وإن جاء على‬‫فرس«‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وفي ال 'رقاب { وهم المكاتبون الذين ل يجدون ما يؤدونه في كتابتهم‪ ،‬وقيل‪ :‬عتق‬
‫النسمة وفك الرقبة‪ ،‬وقيل‪ :‬فداء السرى‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وأقام الصلة { أي أداها على أقوم وجه‪ ،‬ول يتحقق ذلك إل بالتيان بأداء أركانها‬
‫وواجباتها وخشوعها وبوجود سر الصلة وروحها‪ ،‬ومن آثاره تحلي مقيم الصلة بالخلق الفاضلة‬

‫منكرا‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬إن الصلة ت‪! B‬ن‪B‬هى عن الف !حشاء‬
‫وتباعده عن الرذائل فل يفعل فاحشة‪ 2‬ول ‪2‬‬

‫منوعا إذا ناله الخير‪ ،‬كما قال جل‬
‫جزوعا إذا مسه الضر‪ ،‬بخيل‪2 2‬‬
‫هلوعا ‪2‬‬
‫وال!منكر { ‪ ،‬ول يكون ‪2‬‬
‫وعا * إل المصل'ين‬
‫وعا * وإذا مسه الخ !ي‪B‬ر من ‪2‬‬
‫وعا * إذا مسه الش •ر جز ‪2‬‬
‫وعل‪ } :‬إن النسان خلق هل ‪2‬‬
‫* الذين ه !م على صلته !م دائمون { كما ل يخشى في ال لومة لئم ول يبالي في سبيل ال ما‬
‫يلقى من الشدائد بما ينفق من فضله ابتغاء وجه ال‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬وآتى الزكاة { يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الخلق‬
‫الدنيئة الرذيلة‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬ق !د أف!‪B‬لح من زكاها * وق !د خاب من دساها { ‪ ،‬وقول موسى‬

‫لفرعون‪ } :‬هل لك إلى أن ت‪B‬زكى * و !أهديك إلى رب'ك ف‪B‬ت !خشى { ‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬ووي! ‪d‬ل‬
‫ل'ل!م !شركين * الذين ل ي‪! B‬ؤتون الزكاة { ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال‪ ،‬كما قال سعيد بن جبير‬
‫ومقاتل بن حيان‪ ،‬ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والصناف المذكورين إنما هو التطوع‬
‫والبر والصلة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس‪» :‬إن في المال ح ‪2‬قا سوى الزكاة«‬

‫وال أعلم‪ .‬اه‪.B‬‬

‫وقوله‪ } :‬وال!موفون بع !هده !م إذا عاهدوا { أي والذين إذا عاهدوا أوفوا به‪ ،‬يعني العهود والعهد هو‬
‫اللتزام بإلزام ال أو إلزام العبد لنفسه‪ ،‬فدخل في ذلك حقوق ال كلها لكون ال ألزم بها عباده‬

‫والتزموها ودخلوا تحت عهدتها ووجب عليهم أداؤها وحقوق العباد التي أوجبها ال عليهم‪،‬‬
‫والحقوق التي التزمها العبد كاليمان والنذور ونحو ذلك‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬والصابرين في البأ!ساء والضراء { يريد بالبأساء البؤس والفقر؛ لن الفقير يحتاج إلى‬
‫الصبر من وجوه كثيرة‪ ،‬لكونه يحصل له من اللم القلبية والبدنية المستمرة ما ل يحصل لغيره‬
‫فإن تنعم الغنياء بما ل يقدر عليه تألم‪ ،‬وإن جاع أو جاع عياله تألم‪ ،‬وإن نظر إلى ما بين يديه‬
‫وما يتوهمه في المستقبل الذي يستعد له تألم‪ ،‬وإن أصابه البرد الذي ل يقدر على دفعه تألم‪،‬‬
‫فكل هذه ونحوها مصائب يؤمر بالصبر عليها والحتساب ورجاء الثواب من ال عليها‪ ،‬والمراد‬
‫بالضراء الوجع والمرض على اختلف أنواعه من حمى وقروح ووجع عضو حتى الضرس والصبع‪،‬‬
‫فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لن النفس تضعف والبدن يألم‪ ،‬وذلك في غاية المشقة على‬
‫النفوس‪ ،‬فإنه يؤمر بالصبر احتساب‪2‬ا لثواب ال تعالى‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وحين البأ!س { أي وقت القتال وجهاد العدو؛ لن الجلد يشق غاية المشقة على‬
‫النفوس ويجزع من القتل أو الجرح أو السر‪ ،‬فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتساب‪2‬ا ورجاء لثواب‬

‫ال‪ ،‬وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الشد؛ لن الصبر على المرض فوق الصبر‬
‫على الفقر‪ ،‬والصبر على القتال فوق الصبر على المرض‪.‬‬

‫وقوله‪! } :‬أولئك الذين صدقوا { أي هؤلء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في‬
‫إيمانهم؛ لنهم حققوا اليمان القلبي بالقوال والفعال فهؤلء هم الذين صدقوا وأولئك هم‬

‫المتقون؛ لنهم اتقوا بفعل هذه الخصال نار جهنم؛ لن هذه المور مشتملة على كل خصال‬
‫ولزوما؛ لن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله‪ ،‬ولن العبادات المنصوص عليها في‬
‫الخير تضمن‪2‬ا ‪2‬‬
‫هذه الية أكبر العبادات‪ ،‬ومن قام بها كان بما سواها أقوم‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد‬

‫وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يستفاد من الية الكريمة‪:‬‬
‫‪ -1‬أن المقصود العظم هو طاعة ال‪ ،‬وامتثال أوامره‪ ،‬والتوجه حيثما وجه‪ ،‬واتباع ما شرع‪.‬‬
‫‪ - 2‬أنه ليس في التوجه إلى المشرق أو المغرب بر ول طاعة‪ ،‬إن لم يكن عن أمر ال وشرعه‪.‬‬
‫‪ -3‬أن الركن الول هو اليمان بال‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -5‬وجوب اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -6‬إثبات البعث‪.‬‬
‫‪ -7‬إثبات الحشر والجزاء على العمال والجنة والنار‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات صفة الكلم ل والرد على من أنكرها‪.‬‬
‫‪ -9‬أن من البر اليمان بالملئكة‪.‬‬
‫‪ -10‬الرد على من أنكر وجودهم من الملحدة ونحوهم‪.‬‬
‫‪ -11‬أن من البر اليمان بكتب ال‪.‬‬
‫‪ -12‬أن من البر اليمان بالنبيين‪.‬‬
‫‪ -13‬الرد على من كذب النبياء‪.‬‬
‫‪ -14‬الحث على إقامة الصلة‪.‬‬
‫‪ -15‬الحث على إيتاء المال مع محبة النسان له‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على صلة الرحام‪.‬‬
‫‪ -17‬الحث على التصدق على اليتيم‪.‬‬
‫‪ -18‬الحث على الحسان إلى المساكين‪.‬‬
‫‪ -19‬الحث على الحسان إلى ابن السبيل‪.‬‬
‫‪ -20‬أن السائل يعطى وإن كان غني‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -21‬الحث على إعانة المكاتب‪.‬‬
‫‪ -22‬الحث على الوفاء بالعهد‪.‬‬

‫‪ -23‬الحث على الصبر في البأساء‪.‬‬
‫‪ -24‬الحث على الصبر في الضراء‪.‬‬
‫‪ -25‬الحث على الصبر وقت القتال‪.‬‬
‫‪ -26‬إن الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا‪.‬‬
‫‪ -27‬الحث على الصدق‪.‬‬
‫‪ -28‬الحث على التقوى‪.‬‬
‫‪ -29‬عناية ال ولطفه بخلقه حيث بين لهم ما ينفعهم ما ذكر في هذه الية‪.‬‬
‫‪ -30‬الحث على إيتاء الزكاة المفروضة‪.‬‬
‫‪ -31‬تكرير الشارة لزيادة التنويه بشأنهم‪.‬‬
‫يحا أو ضمن‪2‬ا‪ ،‬فإنها بكثرتها‬
‫‪ -32‬أن هذه الية جامعة للكمالت النسانية بأسرها دالة عليها صر ‪2‬‬
‫وتشعبها منحصرة في ثلثة أشياء‪ :‬صحة العتقاد‪ ،‬وحسن المعاشرة‪ ،‬وتهذيب النفس‪ ،‬وقد أشير‬

‫إلى الول بقوله‪ } :‬م !ن آمن { إلى } النبي'ين { وإلى الثاني بقوله‪ } :‬وآتى المال { إلى } وفي‬

‫ال 'رقاب { وإلى الثالث بقوله‪ } :‬وأقام الصلة { إلى آخرها‪ ،‬ولذلك وصف المستجمع لها‬

‫اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته للحق جل وعل‪.‬‬
‫نظرا إلى إيمانه واعتقاده‪ ،‬وبالتقوى‬
‫‪2‬‬
‫بالصدق ‪2‬‬
‫‪ -33‬الرد على الجهمية المنكرين لصفات ال‪.‬‬

‫‪ -34‬في الية رد على الجبرية القائلين إن العبد مجبور على أفعاله‪.‬‬
‫‪ -35‬إن هذه الشياء التي حث الكتاب عليها‪ ،‬وهي من محاسن السلم‪ ،‬لو أن الناس أدوها؛‬
‫لكانوا في معايشهم من خير المم ولدخل كثير من الناس في السلم لما يرون فيه من جميل‬
‫العناية الفقراء واليتام وأبناء السبيل فتوثق الصلة بين الطوائف المختلفة من المسلمين‪.‬‬
‫‪ -36‬قرن الزكاة بالصلة ذاك أن الصلة تهذيب الروح والمال قرين الروح‪ ،‬فبذله ركن عظيم من‬
‫أركان البر‪ ،‬ومن ثم أجمع الصحابة ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬على محاربة مانعي الزكاة من العرب بعد‬
‫وفاة رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬؛ لن مانعها يهدم ركن‪2‬ا من أركان السلم‪.‬‬

‫‪ -37‬الحكمة في تخصيص المواطن الثلثة بالصبر مع أن الصبر محمود في جميع الحوال؛‬
‫لن من صبر فيها كان في غيرها أصبر‪ ،‬فالفقر إذا اشتدت وطأته ضاق به الصدر وكاد يفضي إلى‬
‫الكفر‪ ،‬والضر إذا برح بالبدن أضعف الخلق والهمم‪ ،‬وفي الحرب التعرض للهلك بخوض‬
‫غمرات المنية‪ ،‬والظفر مقرون بالصبر‪ ،‬وبالصبر يحفظ الحق الذي يناضل صاحبه دونه‪ ،‬وقد ورد‬
‫أن الفرار من الزحف من الكبائر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في الصوم وفضل شهر رمضان‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫صيام كما كتب على الذين من ق‪! B‬بلك !م لعلك !م‬
‫قال تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا كتب عل !يكم ال '‬
‫يضا !أو على سفر فعدة‪' d‬م !ن أيام أخر وعلى الذين‬
‫ت‪B‬ت‪B‬قون * أي ‪2‬اما م !عدودات فمن كان منكم مر ‪2‬‬
‫يطيقونه ف !دية‪ d‬طعام م !سكين فمن تطوع خ !ي‪2 B‬را ف‪B‬هو خ !ي‪d B‬ر له وأن تصوموا خ !ي‪d B‬ر لك !م إن كنت !م ت‪! B‬علمون *‬
‫ش !هر رمضان الذي أنزل فيه الق !رآن ه ‪2‬دى ل'لناس وب‪B‬ي'‪B‬نات 'من الهدى وال!ف !رقان فمن شهد منكم‬
‫يضا !أو على سفر فعدة‪' d‬م !ن أيام أخر يريد الله بكم الي !سر ول يريد بكم‬
‫الش !هر ف‪B‬ل!يص !مه ومن كان مر ‪2‬‬

‫الع !سر ولتك!ملوا العدة ولتكب'‪B‬روا الله على ما هداك !م ولعلك !م ت !شكرون { ‪.‬‬

‫يخبر تعالى بما من به على عباده بأنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على المم السابقة؛ لنه من‬
‫الشرائع والوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان‪ ،‬ففي هذا تأكيد له وترغيب فيه وتطييب‬
‫كثيرا من الناس سهل تحملها ورغب‬
‫لنفس المخاطبين‪ ،‬فإنه عبادة شاقة والمور الشاقة إذا عمت ‪2‬‬

‫كل أحد في عملها‪.‬‬

‫ثم ذكر تعالى فائدة الصوم وحكمته‪ ،‬فقال‪ } :‬لعلك !م ت‪B‬ت‪B‬قون { أي أنه فرضه عليكم لتتقوه بترك‬

‫الشهوات؛ لن في الصيام امتثال‪ 2‬لمر ال واحتساب‪2‬ا للجر عنده فتتربى بذلك العزيمة والرادة‬
‫على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة والصبر عنها؛ لن الصيام من أكبر أسباب التقوى‬
‫وحقيقة التقوى اتخاذ ما يقي سخط ال وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وإعداد الصوم‬

‫لتقوى ال يظهر من وجوه كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬أنه يعود النسان الخشية من ربه في السر والعلن‪ ،‬إذ أن‬
‫الصائم ل رقيب عليه إل ربه‪ ،‬فإذا ترك الشهوات التي تعرض له من أكل نفيس‪ ،‬وشراب عذب‪،‬‬
‫شهرا كامل‪ ،2‬ولول ذاك لما صبر عنها وهو في أشد‬
‫وفاكهة يانعة‪ ،‬وزوجة جميلة امتثال‪ 2‬لمر ربه ‪2‬‬

‫الشوق إليها‪ ،‬فحري بمن يتكرر منه ذلك أن يتعود الحياء من ربه والمراقبة له في أمره ونهيه‪ ،‬وفي‬

‫ذلك تكميل له وضبط للنفس عن شهواتها وشدة مراقبتها لبارئها فمما اشتمل عليه الصيام في‬
‫التقوى‪ :‬أن الصائم يترك ما حرم ال عليه من الكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها‬
‫نفسه متقرب‪2‬ا بذلك إلى ال راجي‪2‬ا بتركها ثوابه‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬أن الصيام يضيق مجاري الشيطان‪ ،‬فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ ولهذا ثبت في‬

‫»الصحيحين«‪» :‬يا معشر الشباب‪ ،‬من استطاع منكم الباءة فليتزوج‪ ،‬ومن لم يستطع فعليه‬

‫بالصوم فإنه له وجاء«‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الغني إذا ذاق الجوع فربما أوجب له ذلك مواساة الفقراء‪ ،‬وهذه من خصال التقوى‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن من اعتاد الحياء من ربه والمراقبة له في أمره ونهيه في السر والعلن ل يقدم غالب‪2‬ا على‬

‫غش الناس ومخادعتهم ول على أكل أموالهم بالباطل ول على اقتراف المنكرات واجتراح‬

‫السيئات‪ ،‬وإذا ألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة النصوح‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫ف 'من الش !يطان تذكروا فإذا هم •م !بصرون { ولما للصوم من جليل‬
‫} إن الذين ات‪B‬ق !وا إذا مسه !م طائ ‪d‬‬

‫الثر في تهذيب النفس‪ ،‬جاء في الحديث‪» :‬من صام رمضان إيمان‪2‬ا واحتساب‪2‬ا غفر له ما تقدم من‬
‫ذنبه«‪ ،‬وجاء في الحديث القدسي‪» :‬كل عمل ابن آدم له إل الصوم‪ ،‬فإنه لي وأنا أجزي به«‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الصيام يفني المواد الراسبة في البدن‪ ،‬ولسيما في أجسام المترفين أولي النعم قليل‬

‫العمل‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه علج لضطراب المعدة‪ ،‬ومنها‪ :‬أنه علج للبول السكري غير الحاد‪ ،‬وأنه علج‬
‫للتهاب الكلى‪ ،‬وأنه علج للتهاب المفاصل‪ ،‬وأنه علج لمراض القلب المصحوبة بتورم‪ ،‬وأنه‬
‫علج لضغط الدم الذاتي‪ ،‬وأنه سبب لراحة المعدة‪ ،‬وأنه يجفف الرطوبات الضارة ويطهر المعاء‬
‫من السموم التي تحدثها البطنة ويذيب الشحم الذي هو شديد الخطر على القلب‪ ،‬وقد أثر عنه‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬صوموا تصحوا«‪.‬‬‫شرعا‪ :‬إمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص‪ ،‬فأما‬
‫والصوم ‪2‬‬

‫الشياء المخصوصة فهي مفسداته‪ ،‬وأما الزمن المخصوص فهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب‬

‫الشمس‪ ،‬وأما الشخص المخصوص فهو المسلم البالغ العاقل القادر غير الحائض والنفساء‪.‬‬
‫ثم لما ذكر جل وعل أنه فرض علينا الصيام بين أن المر بالصوم ليس في جميع الوقات‪ ،‬بل‬
‫أياما معدودات‪ :‬أي مقدروات معلومات‪ ،‬وهي مدة شهر رمضان‪ ،‬ففي قوله‪ } :‬م !عدودات { إشارة‬
‫‪2‬‬
‫يضا !أو على‬
‫إلى أنها قليلة في غاية السهولة‪ ،‬ثم سهل تسهيل‪ 2‬آخر‪ ،‬فقال‪ } :‬فمن كان منكم مر ‪2‬‬

‫سفر فعدة‪' d‬م !ن أيام أخر { أي فمن كان على إحدى الحالين‪ ،‬فالواجب عليه إذا أفطر القضاء بقدر‬
‫عدد اليام التي لم يصمها؛ لن كلتيهما عرضة لحتمال المشقة بالصوم‪ ،‬ومن صام رمضان وهو‬
‫مريض أو مسافر فقد أدى الفريضة‪ ،‬ومن أفطر وجب عليه القضاء‪ ،‬وبذلك كان عمل الصحابة‪،‬‬
‫فقد ورد عن حمزة بن عمرو السلمي‪ ،‬أنه قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أجد مني قوة على الصوم في‬
‫السفر‪ ،‬فهل علي جناح؟ فقال‪» :‬هي رخصة من ال فمن أخذ بها فحسن‪ ،‬ومن أحب أن يصوم‬
‫فل جناح عليه«‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد قال‪» :‬سافرنا مع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إلى مكة‪ ،‬قال‪ :‬فنزلنا‬
‫منزل‪ ،2‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إنكم قد دنوتم من عدوكم‪ ،‬والفطر أقوى‬
‫لكم« فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر‪ ،‬ثم نزلنا منزل‪ 2‬آخر‪ ،‬فقال‪» :‬إنكم تصبحوا‬

‫عدوكم وفطركم أقوى لكم‪ ،‬فأفطروا« فكانت عزمة‪ ،‬فأفطرنا ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول ال ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في السفر« رواه أحمد ومسلم وأبو داود‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪» :‬كنا نسافر مع النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فلم‬
‫يعب الصائم على المفطر ول المفطر على الصائم« رواه البخاري‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وعلى الذين يطيقونه ف !دية‪ d‬طعام م !سكين { أي ويجب فدية على الذين يتكلفون ويشق‬
‫عليهم مشقة غير محتملة وهم الشيوخ والعجائز؛ لقول ابن عباس ليست بمنسوخة‪ ،‬هو الشيخ‬

‫الكبير والمرأة الكبيرة ل يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكين‪2‬ا‪ ،‬وقيل‪ :‬كان هذا‬

‫حتما فيه مشقة عليهم درجهم‬
‫في ابتداء فرض الصيام لما كانوا غير معتادين للصيام‪ ،‬وكان فرضه ‪2‬‬

‫الرب الحكيم بأسهل طريق وخير المطيق للصوم بين أن يصوم وهو أفضل أو يطعم؛ ولهذا قال‪} :‬‬

‫حتما على المطيق وغير المطيق يفطر ويقضيه‬
‫وأن تصوموا خ !ي‪d B‬ر لك !م { ثم بعد ذلك جعل الصيام ‪2‬‬
‫في أيام أخر‪ ،‬والقول الول هو الراجح عندي‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫وروي أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم‪ ،‬فصنع جفنه من ثريد‪ ،‬فدعا ثلثين مسكين‪2‬ا فأطعمهم‪،‬‬
‫ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع الخائف على نفسه‪ ،‬فإن كان الفطر خوف‪2‬ا على الولد‬

‫فيلزم ولي الولد إطعام مسكين لكل يوم‪ ،‬وعليها القضاء‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ش !هر رمضان الذي أنزل فيه الق !رآن { يمدح سبحانه وتعالى شهر الصيام من بين سائر‬

‫الشهور بأن اختاره من بينهن لنزال القرآن الكريم‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ه ‪2‬دى ل'لناس وب‪B‬ي'‪B‬نات 'من الهدى وال!ف !رقان { هذا مدح للقرآن الذي أنزل ال هدى‬

‫لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه وبينات‪ ،‬أي ودلئل وحجج بينة واضحة جلية لمن‬

‫فهمها وتدبرها ودالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلل والرشد المخالف للغي‬
‫ورا ن‪! B‬هدي به من‬
‫ومفرق‪2‬ا بين الحق والباطل‪ ،‬و الحلل والحرام‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ولكن جعل!ناه ن ‪2‬‬

‫نشاء م !ن عبادنا { ونحو هذه الية‪ } :‬ق !ل هو للذين آمنوا ه ‪2‬دى وشفاء‪. { d‬‬

‫اب‬
‫ور وكت ‪d‬‬
‫وقوله‪ } :‬إن هذا الق !رآن ي‪! B‬هدي للتي هي أق‪!B‬وم { الية‪ ،‬وقوله‪ } :‬ق !د جاءكم 'من الله ن ‪d‬‬
‫ضوانه سبل السلم { الية‪.‬‬
‫ين * ي‪! B‬هدي به الله من ات‪B‬بع ر !‬
‫•مب ‪d‬‬
‫وقوله‪ } :‬فمن شهد منكم الش !هر ف‪B‬ل!يص !مه { هذا إيجاب للصوم على من شهد استهلل الشهر‬

‫مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان‪ ،‬وهو صحيح في بدنه بالغ عاقل قادر أن يصوم‬
‫إذا كان ‪2‬‬

‫يوما للية‪،‬‬
‫ل محالة‪ ،‬ويثبت شهر رمضان بأحد أمرين‪ :‬إما برؤية الهلل أو بإكمال شعبان ثلثين ‪2‬‬
‫وقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬صوموا لرؤيته‪ ،‬وأفطروا لرؤيته« متفق عليه‪ ،‬وعن أبي هريرة‬

‫قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته‪ ،‬فإن غم عليكم‬
‫فأكملوا عدة شعبان ثلثين«‪ ،‬وعن عائشة قالت‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يوما ثم‬
‫يتحفظ من شعبان ما ل يتحفظ من غيره‪ ،‬ثم يصوم لرؤية رمضان‪ ،‬فإن غم عليه عد ثلثين ‪2‬‬

‫صام‪ ،‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫وتثبت رؤية هلل رمضان بخير مسلم مكلف عدل؛ لحديث ابن عباس ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬أن‬
‫أعرابي‪2‬ا جاء إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪» :‬أني رأيت الهلل«‪ ،‬فقال‪» :‬أتشهد أن‬
‫ل إله إل ال؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬أتشهد أن محم ‪2‬دا رسول ال؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬فأذن في‬

‫الناس يا بلل أن تصوموا غ ‪2‬دا« رواه الخمسة‪ ،‬وصححه ابن خزيمة‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬ورجح النسائي‬

‫إرساله‪.‬‬

‫وعن ابن عمر ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬قال‪ :‬تراءى الناس الهلل‪ ،‬فأخبرت النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬أني رأيته‪ ،‬فصام وأمر الناس بصيامه‪ ،‬رواه أبو داود وصححه الحاكم‪.‬‬
‫ويستحب إذا رأى الهلل أن يقول ما ورد‪ ،‬ومنه حديث طلحة بن عبدال ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان إذا رأى الهلل‪ ،‬قال‪» :‬اللهم أهله علينا بالمن واليمان‬
‫والسلمة والسلم‪ ،‬ربي وربك ال‪ ،‬هلل رشد وخير« رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫يضا !أو على سفر فعدة‪' d‬م !ن أيام أخر { معناه‪ :‬ومن كان به مرض في‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ومن كان مر ‪2‬‬

‫بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه أو كان على سفر فله أن يفطر‪ ،‬فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره‬

‫في السفر من أيام‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬يريد الله بكم الي !سر ول يريد بكم الع !سر { أي يريد أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى‬

‫رضوانه أعظم تيسير ويسهلها أبلغ تسهيل‪ ،‬ومثله قوله تعالى‪ } :‬وما جعل عل !يك !م في الد'ين م !ن‬
‫حرج { ‪ ،‬وقد ثبت عنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه كان يرشد إلى التيسير وينهي عن التعسير‪،‬‬
‫كقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يسروا ول تعسروا‪ ،‬وبشروا ول تنفروا« وهو في الصحيح‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن الدين‬
‫يسر‪ ،‬ولن يشاد الدين أحد إل غلبه‪ ،‬فسددوا‪ ،‬وقاربوا‪ ،‬وأبشروا‪ ،‬واستعينوا بالغدوة والروحة‪،‬‬
‫وشيء من الدلجة« متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ولتك!ملوا العدة { أي ولتتموا عدة أيام الشهر‪ ،‬وعدة أيام القضاء‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ولتكب'‪B‬روا الله على ما هداك !م { أي ولتعظموا ال على ما أرشدكم إلى ما رضي به من‬
‫صوم رمضان وخصكم به دون سائر الملل‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬هو تكبير ليلة الفطر‪.‬‬

‫وروى الشافعي عن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون‬
‫بالتكبير‪ ،‬وعن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق‪ ،‬وقال المام‬
‫جميعا‪ ،‬وروى الدارقطني أن ابن عمر كان إذا غ ‪2‬دا يوم‬
‫أحمد‪ :‬كان ابن عمر يكبر في العيدين ‪2‬‬
‫الفطر ويوم الضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي المام‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ولعلك !م ت !شكرون { أي إذا قمتم بما أمركم ال به من طاعاته بأداء فرائضه وترك محارمه‬
‫وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك المستدركين لما فات بالتوبة النصوح‬

‫والنابة إلى ال‪.‬‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫سهوا وغفلة‬
‫قطعت شهور العام ‪2‬‬
‫فل رجب وفيت فيه بحقه‬

‫ول في ليالي عشر ذي الحجة الذي‬
‫فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة‬
‫وتستقبل العام الجديد بتوبة ‪ ...‬ولم تحترم فيما أتيت المحرما‬
‫متمما‬
‫ول صمت شهر الصوم ‪2‬‬
‫صوما ‪2‬‬

‫محرما‬
‫قواما ول كنت ‪2‬‬
‫مضى كنت ‪2‬‬
‫وتندما‬
‫وتبكي عليها حسرة ‪2‬‬

‫لعلك أن تمحو ها ما تقدما‬
‫ومما يستفاد من الية الكريمة‪:‬‬
‫‪ -1‬فرضية الصيام على المؤمنين‪.‬‬
‫‪ -2‬أن الصيام مفروض على من قبلنا‪.‬‬
‫‪ -3‬حكمة الصوم ليتقوا ال‪ ،‬فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب‪ ،‬وهي تؤدي هذه الفريضة‬
‫وإيثارا لرضاه‪.‬‬
‫طاعة ل ‪2‬‬

‫‪ -4‬في الية ترغيب في الفعل وتطييب للنفس‪.‬‬
‫‪ -5‬أن الصوم عبادة قديمة‪.‬‬
‫‪ -6‬أن الصيام أيامه معدودة معينات بعدد معلوم‪.‬‬
‫‪ -7‬أن في قوله تعالى‪ } :‬م !عدودات { إشارة إلى قلة مدته وأنها سهلة‪.‬‬

‫يضا فله الفطر‪.‬‬
‫‪ -8‬أن من كان مر ‪2‬‬
‫‪ -9‬أنه عليه القضاء‪.‬‬

‫‪ -10‬أنها بعدد اليام التي أفطرها‪.‬‬
‫‪ -11‬سماحة الدين السلمي‪.‬‬
‫‪ -12‬إباحة الفطر للمسافر‪.‬‬
‫‪ -13‬وجوب القضاء‪.‬‬
‫‪ -14‬أن عليه قضاء عدد اليام التي لم يصمها‪.‬‬
‫‪ -15‬أن من القواعد أن المشقة تجلب التيسير؛ لن كليهما عرضة لحتمال المشقة بالصوم‪.‬‬
‫‪ -16‬وجوب الفدية على الذين يتكلفون الصيام ويشق عليهم مشقة غير محتملة‪.‬‬
‫‪ -17‬بيان مقدار الفدية‪.‬‬
‫‪ -18‬أنها طعام مسكين مكان كل يوم‪.‬‬
‫‪ -19‬مزية شهر رمضان على غيره من الشهور لختياره لنزال القرآن‪.‬‬
‫‪ -20‬أن القرآن هدى للناس‪.‬‬
‫‪ -21‬أن آيات القرآن دلئل وحجج واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها ودالة على صحة ما جاء‬
‫به من الهدى والنور‪.‬‬
‫مقيما في البلد حين دخل شهر‬
‫‪ -22‬إيجاب الصوم على من شهد استهلل الشهر إذا كان ‪2‬‬
‫رمضان وهو صحيح في بدنه قادر على الصيام بالغ عاقل غير حائض ونفساء‪.‬‬

‫‪ -23‬عناية ال بخلقه ولطفه بهم‪.‬‬
‫‪ -24‬أن القرآن مفرق‪2‬ا بين الحق والباطل‪ ،‬والحلل والحرام‪.‬‬
‫‪ -25‬أن ال جل وعل يريد بعباده اليسر‪.‬‬

‫‪ -26‬أن ال ل يريد بهم العسر ول الحرج‪.‬‬
‫‪ -27‬المر بإتمام العدة‪.‬‬
‫‪ -28‬الحث على تعظيم ال وتكبيره‪.‬‬
‫‪ -29‬الحث على شكر ال‪.‬‬
‫‪ -30‬فيها دليل على علو ال على خلقه والمأخذ من قوله‪ } :‬أنزل فيه الق !رآن { ‪.‬‬
‫‪ -31‬أنه يجوز سرد قضاء رمضان‪ ،‬ويجوز أن يفرقه فل يتعين التتابع‪.‬‬

‫‪ -32‬تحريم الفطر في نهار رمضان على من ل عذر له ممن يجب عليه الصيام‪.‬‬
‫‪ -33‬أن ابتداء إنزال القرآن في رمضان‪.‬‬

‫جزءا منه‪.‬‬
‫‪ -34‬إطلق اسم الكل على الجزء حيث أطلق الشهر وهو اسم للكل وأراد ‪2‬‬
‫‪ -35‬إن من زاد في الطعام فهو خير له‪.‬‬

‫‪ -36‬دليل على فضل العلم؛ لن الجاهل ما يعرف ما في الصوم من المعاني المورثة للخير‬
‫والتقوى‪ ،‬كما يفهم من قوله‪ } :‬إن كنت !م ت‪! B‬علمون { ‪.‬‬

‫‪ -37‬فائدة التكرير أن ال جل ذكره ذكر في الية الولى التخيير للمريض والمسافر والمقيم‬
‫الصحيح‪ ،‬ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله‪ } :‬فمن شهد منكم الش !هر ف‪B‬ل!يص !مه { فلو اقتصر‬
‫على هذا ل احتمل أن يشمل النسخ الجميع فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر‬

‫ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه‪.‬‬
‫‪ -38‬الحث على اتقاء المعاصي‪.‬‬
‫‪ -39‬أن الصيام سبب لتقاء المعاصي؛ لنه يضعف الشهوة‪ ،‬كما قال –عليه الصيام‪» :-‬الصيام‬
‫جنة ورجاء«‪.‬‬
‫‪ -40‬في الية دليل على إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -41‬إثبات صفة الرادة ل‪.‬‬
‫‪ -42‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -43‬فضل ال على خلقه حيث هداهم وأرشدهم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنهم‪.‬‬
‫‪ -44‬يفهم من قوله‪ } :‬يريد الله بكم الي !سر ول يريد بكم الع !سر { اليماء إلى أن الفضل‬
‫الصيام إذا لم يلحق الصائم مشقة أو عسر لنتفاء علة الرخصة حينئذ‪.‬‬

‫وإليك نبذة من محاسن الصوم‪:‬‬
‫إنه بجوع بطنه يندفع جوع كثير من حواسه‪ ،‬فإذا شبع بطنه جاع عينه ولسانه ويده‪ ،‬فكأن في‬
‫تشبيع النفس تجويعها‪ ،‬وفي تجويعها تشبيعها‪ ،‬فكان هذا التجويع أولى وتقدم بعض محاسنه‪ ،‬ومن‬
‫محاسنه الموافقة مع الفقراء في مقاساة الجوع إذ في الفقراء الجوع أكثر ول يمكن إطعام كلهم‬
‫ليشبعهم فيطعم بقدر ما يقدر‪ ،‬ويصوم ويوافق جميع الفقراء في تحمل شدائد الجوع‪ ،‬فينال ثواب‪2‬ا‬
‫كثيرا مع النية الصالحة‪ ،‬ومن جملة محاسنه‪ :‬أنه مهما خل البطن عن اللقم امتل من الحكم‪ ،‬قال‬
‫‪2‬‬
‫شرا من بطن« فالمؤمن إذا خل بطنه صفا سره‪ ،‬ومن محاسنه‪:‬‬
‫‪-‬عليه السلم‪» :-‬ما ملئ وعاء ‪2‬‬

‫اكتساب مكارم الخلق؛ لن قلة الكل من محاسن الخلق لم يحمد أحد بكثرة الكل‪ ،‬بل‬
‫بقلته يحمده كل ذي دين في كل حين‪ ،‬ولم يروى عن أحد من النبياء والرسل كثرة الكل‪ ،‬ومن‬
‫محاسن الصوم‪ :‬أن ال تعالى أوجبه في حال الصحة وأباح الفطر في المرض والسفر‪ ،‬فإذا فات‬
‫الزمان لم يفت الثواب‪ ،‬ومن محاسنه‪ :‬أنه لم يشترط في القضاء أن يكون طول اليوم باليوم ول‬

‫حرارته ول برودته‪ ،‬ومن محاسنه‪ :‬أنه لم يشترط قران النية عند الشروع كما في سائر العبادات؛‬
‫لن هذا الوقت وقت نوم وغفلة قلما يقف عليه العبد فلو شرط هذا لضاق المر على الناس‬
‫فيسر المر على عباده‪ ،‬ومن جملة محاسن الشرع في باب الصوم‪ :‬إن أعقب الصوم بصدقة‬
‫جبرا لكل نقصان‪ ،‬قال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬صدقة الفطر‬
‫الفطر وجعل صدقة الفطر ‪2‬‬
‫طهرة للصائم« وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫فضل في آية الكرسي‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم ل تأ!خذه سنة‪ d‬ول ن‪! B‬و‪d‬م له ما في السموات وما في‬

‫الرض من ذا الذي ي !شفع عنده إل بإ !ذنه ي‪! B‬علم ما ب‪! B‬ين أي!ديه !م وما خل!فه !م ول يحيطون بش !يء 'م !ن‬
‫!‬
‫الرض ول ي‪B‬ئوده ح !فظهما وهو العل •ي العظيم { ‪.‬‬
‫عل!مه إل بما شاء وسع ك !رسي•ه السموات و !‬

‫هذه آية الكرسي‪ ،‬ولها شأن عظيم‪ ،‬فعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬لكل شيء سنام‪ ،‬وإن سنام القرآن البقرة‪ ،‬وفيها آية هي سيدة آي القرآن‬

‫تشبيها بسنام‬
‫سناما« سنام كل شيء أعله ‪2‬‬
‫آية الكرسي« أخرجه الترمذي‪ ،‬وقوله‪» :‬إن لكل شيء ‪2‬‬

‫البعير‪ ،‬والمراد تعظيم السورة‪ ،‬فقوله‪» :‬هي سيدة آي القرآن« أي أفضله‪ ،‬وقد صح الحديث عن‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بأنها أفضل آية في كتاب ال‪.‬‬
‫ي آية في كتاب ال‬
‫وعن أبي –هو ابن كعب‪ -‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬سأله‪» :‬أ •‬

‫مرارا‪ ،‬ثم قال أبي‪ :‬آية الكرسي‪ ،‬قال‪» :‬ليهنك العلم أبا‬
‫أعظم؟« قال ال ورسوله أعلم‪ ،‬فرددها ‪2‬‬

‫المنذر‪ ،‬والذي نفسي بيده إن لها لسان‪2‬ا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش«‪.‬‬

‫عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬وكلني رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بحفظ زكاة‬
‫رمضان‪ ،‬فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام‪ ،‬فأخذته‪ ،‬وقلت‪ :‬لرفعنك إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪ :‬دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة‪ ،‬قال‪ :‬فخليت عنه‪،‬‬
‫فأصبحت‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا أبا هريرة‪ ،‬ما فعل أسيرك البارحة؟« قال‪:‬‬
‫قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬شكا حاجة شديدة وعيال‪ 2‬فرحمته وخليت سبيله‪ ،‬قال‪» :‬أما إنه قد كذبك‬
‫وسيعود«‪ ،‬فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه سيعود‪ ،‬فرصدته‪،‬‬

‫فجاء يحثو من الطعام‪ ،‬فأخذته‪ ،‬فقلت‪ :‬لرفعنك إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪:‬‬
‫دعني فإني محتاج وعلي عيال‪ ،‬ل أعود‪ ،‬فرحمته وخليت سبيله‪ ،‬فأصبحت‪ ،‬فقال لي رسول ال‬

‫ صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا أبا هريرة‪ ،‬ما فعل أسيرك البارحة؟« قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬شكا‬‫حاجة وعيال‪ ،2‬فرحمته‪ ،‬فخليت سبيله‪ ،‬قال‪» :‬أما إنه كذبك وسيعود« فرصدته الثالثة‪ ،‬فجاء يحثو‬
‫من الطعام‪ ،‬فأخذته‪ ،‬فقلت‪ :‬لرفعنك إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهذا آخر ثلث‬
‫مرات تزعم أنك ل تعود‪ ،‬فقال‪ :‬دعني أعلمك كلمات ينفعك ال بها‪ ،‬قلت‪ :‬وما هي؟ قال‪ :‬إذا‬
‫أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي } الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { حتى تختم الية‪ ،‬فإنك لن‬
‫يزال عليك من ال حافظ‪ ،‬ول يقربك شيطان حتى تصبح‪ ،‬فخليت سبيله‪ ،‬فأصبحت‪ ،‬فقال لي‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما فعل أسيرك البارحة؟« قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬زعم أنه‬
‫يعلمني كلمات ينفعني ال بها‪ ،‬فخليت سبيله‪ ،‬قال‪» :‬ما هي؟« قلت‪ :‬قال لي إذا أويت إلى‬
‫فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الية‪ } :‬الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { وقال‬
‫ليس‪ :‬لن يزال عليك من ال حافظ‪ ،‬ول يقربك شيطان حتى تصبح‪ ،‬وكانوا أحرص شيء على‬

‫الخير‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أما إنه‬
‫صدقك‪ ،‬وهو كذوب‪ ،‬تعلم من تخاطب من ثلث ليال يا أبا هريرة؟« قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬ذاك‬
‫شيطان« كذا رواه البخاري معل ‪2‬قا‪.‬‬

‫فهذا الحديث من جملة الدلة التي يرد بها على منكري الجن‪ ،‬ومستندهم في إنكارهم أن طريق‬

‫معرفة وجود الجن هي النظر أو السمع‪ ،‬وأنهم لم يروا جن‪2‬ا ولم يسمعوا كلمهم ول حركاتهم‪ ،‬ولم‬
‫يمسوهم بأيديهم ول غيرها؛ لكن عدم السمع وعدم النظر وعدم المس أو عدم وصول غيرها من‬

‫الحواس النسانية ل يقوم دليل‪ 2‬على عدم وجود الجن ل نقل‪ 2‬ول عقل‪.2‬‬
‫أخيرا‪ ،‬فإن‬
‫أما العقل فإنه يجوز وجود كائن حي غير مرئي بالعين بدون واسطة بالمجهر المكتشف ‪2‬‬
‫المكروب كائن حي خلقه ال جل وعل‪ ،‬وهو كثير في طبقات الجو ل يمكن رؤيته‪ ،‬ويصدقون به‬

‫هم وغيرهم‪.‬‬
‫أيضا؛ لنها ليست مرئية ول‬
‫ومن لم يقر ويعتقد وجود ما غاب عن نظره وبصره لزمه إنكار الروح ‪2‬‬

‫مسموعة ول ملموسة‪ ،‬وهي حقيقة موجودة بها حياة النسان‪ ،‬ومع ذلك لم يرها أحد‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫أيضا يلزمه‬
‫} وي !سألونك عن ال •روح قل ال •روح م !ن !أمر رب'ي وما أوتيتم 'من العل!م إل قليل‪ ، { 2‬وكذلك ‪2‬‬
‫إنكار العقل مع أنه حقيقي موجود كل يؤمن به‪.‬‬

‫وأما الدليل النقلي‪ ،‬فمع الحديث المتقدم آيات قرآنية وأحاديث أخرى‪ ،‬منها قوله تعالى‪ } :‬وما‬
‫آمرا رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن يخبر‬
‫خل !قت الجن والنس إل لي‪! B‬عبدون { ‪ ،‬وقال تعالى ‪2‬‬

‫قومه أن الجن استمعوا لقراءته ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬القرآن فآمنوا به وصدقوا لما قال وتلى‪،‬‬

‫استمع ن‪B‬ف ‪d‬ر 'من الج 'ن ف‪B‬قالوا إنا سم !عنا ق‪! B‬رآن‪2‬ا‬
‫وانقادوا له كما في قوله تعالى‪ } :‬ق !ل أوحي إلي أنه !‬
‫عجب‪2‬ا * ي‪! B‬هدي إلى ال •ر !شد فآمنا به ولن ن• !شرك برب'‪B‬نا أح ‪2‬دا { اليات‪ ،‬وقال ال تعالى‪ } :‬وإ !ذ صرف!‪B‬نا‬
‫إ !ليك ن‪B‬ف ‪2‬را 'من الج 'ن ي !ستمعون الق !رآن ف‪B‬لما حضروه قالوا أنصتوا ف‪B‬لما قضي ول !وا إلى ق‪! B‬ومهم‬
‫وب ل ي‪! B‬فقهون بها‬
‫•منذرين { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ولق !د ذرأ!نا لجهنم كث ‪2‬يرا 'من الج 'ن والنس له !م ق‪B‬ل ‪d‬‬

‫وله !م أ !عي ‪d‬ن ل ي‪! B‬بصرون بها وله !م آذا ‪d‬ن ل ي !سمعون بها { الية‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬وي‪! B‬وم ي !حشره !م‬
‫است !متع ب‪! B‬عضنا بب‪! B‬عض‬
‫است !كث‪! B‬رتم 'من النس وقال !أولياؤهم 'من النس رب‪B‬نا !‬
‫جم ‪2‬يعا يا م !عشر الج 'ن قد !‬
‫ألم يأ!تك !م رس ‪d‬ل 'منك !م‬
‫وب‪B‬ل !غنا أجلنا الذي أجل!ت لنا { الية‪ ،‬وقال‪ } :‬يا م !عشر الج 'ن والنس !‬
‫صون عل !يك !م آياتي { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬إنه ي‪B‬راك !م هو وقبيله م !ن ح !يث ل ت‪B‬ر!ون‪B‬ه !م { وهذا من‬
‫ي‪B‬ق •‬

‫حكمة ال ولطفه بعباده‪ ،‬فلو كشف لنا عن حقيقتهم وسلط نظرنا المحدود على ذواتهم لما أمكن‬

‫–وال أعلم‪ -‬أن نعيش معهم‪.‬‬
‫ومن الدلة على وجودهم قوله تعالى‪ } :‬وحشر لسل !يمان جنوده من الج 'ن والنس والط !ير ف‪B‬ه !م‬
‫اجتمعت النس وال!ج •ن على أن يأ!توا بمث!ل هذا الق !رآن ل‬
‫يوزعون { ‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬قل لئن !‬
‫يأ!تون بمث!له و !لو كان ب‪! B‬عضه !م لب‪! B‬عض ظه ‪2‬يرا { ‪ ،‬وقال فيمن سخر لسليمان‪ } :‬ومن الج 'ن من ي‪! B‬عمل‬
‫ب‪! B‬ين يدي!ه بإ !ذن رب'ه { الية‪ ،‬إلى غير ذلك من اليات‪.‬‬
‫سنة فورد عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬إن عفريت‪2‬ا تفلت على البارحة‬
‫وأما ال •‬
‫ليقطع علي صلتي‪ ،‬فأمكنني ال منه‪ ،‬فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى‬

‫ب لي م !ل ‪2‬كا ل ي‪! B‬نبغي لحد‬
‫تصبحوا وتنظروا إليه‪ ،‬فذكرت قول أخي سليمان‪ } :‬ر '‬
‫ب ا !غف !ر لي وه !‬

‫'م !ن ب‪! B‬عدي { «‪.‬‬

‫مودعا‬
‫وورد أن صفية زوج النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬جاءت تزوره وهو معتكف‪ ،‬فقام معها ‪2‬‬

‫حتى بلغت باب المسجد‪ ،‬فرآه رجلن من النصار‪ ،‬فسلما عليه‪ ،‬فقال‪» :‬على رسلكما‪ ،‬إنها‬

‫صفية بنت حيي«‪ ،‬فقال‪ :‬سبحان ال يا رسول ال‪ ،‬وكبر عليهما‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪» :-‬إن الشيطان يبلغ من النسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئ‪2‬ا«‪،‬‬
‫وهذا صريح واضح في أن الشيطان يخترق الجسم البشري‪ ،‬ويسري فيه كما يسري الدم‪ ،‬ومع‬
‫خفائه فقد التزم الشيطان –لعنه ال‪ -‬في عداوته سبعة‪ :‬ثلثة في قوله تعالى‪ } :‬ولضلن‪B‬ه !م‬
‫ولمني‪B‬ن‪B‬ه !م ولمرن•‪B‬ه !م ف‪B‬ليبت'كن آذان الن!‪B‬عام ولمرن‪B‬ه !م ف‪B‬لي‪B‬غي'‪B‬رن خل!ق الله { ‪ ،‬وأربعة في قوله تعالى‪:‬‬

‫} لق‪!B‬عدن له !م صراطك الم !ستقيم * ثم لتي‪B‬ن‪B‬هم 'م !ن ب‪! B‬ين أي!ديه !م وم !ن خل!فه !م وع !ن أي!مانه !م وعن‬

‫شمائله !م ول تجد أ !كث‪B‬ره !م شاكرين { وهذا اللتزام يبين أنه عدو متظاهر بالعداوة؛ ولذلك فصل‬

‫ال عداوته باشتمالها على ثلثة أشياء‪ :‬السوء وهو متناول جميع المعاصي من القلب والجوارح‪،‬‬
‫والفحشاء وهي ما عظم جرمه وذنبه وقبحه كالكبائر التي بلغت الغاية في الفحش وذلك كاللواط‬
‫والزنا‪.‬‬
‫ومن الدلة على وجود الجن ما روى مسلم أن فتى من النصار قتل حية في بيته‪ ،‬فمات في‬
‫الحال‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن في المدينة جن‪2‬ا قد أسلموا‪ ،‬فإذا رأيتم منهم‬

‫شيئ‪2‬ا فآذنوه ثلثة أيام‪ ،‬فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه‪ ،‬فإنما هو شيطان«‪.‬‬

‫وروى مسلم في »صحيحه« عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬

‫وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ما من مولود يولد إل نخسه الشيطان إل ابن مريم وأمه«‪.‬‬
‫وروى مسلم قول النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما منكم من أحد إل وقد وكل ال به قرينه‬
‫من الجن« فرأى الصحابة أن قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عام‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وإياك –‬
‫أي حتى أنت‪-‬؟ فقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬وإياي‪ ،‬لكن ال قد أعانني عليه فأسلم‪ ،‬فل‬
‫يأمرني إل بخير«‪.‬‬
‫أيضا ما ورد عن السائب بن يزيد أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ومن الدلة ‪2‬‬
‫فوجدته يصلي‪ ،‬فجلست انتظره حتى يقضي صلته‪ ،‬فسمعت تحري ‪2‬كا في عراجين في ناحية‬

‫البيت‪ ،‬فالتفت فإذا حية فوثبت لقتلها‪ ،‬فأشار إلي أن أجلس‪ ،‬فجلست‪ ،‬فلما انصرف أشار إلى‬

‫بيت في الدار‪ ،‬فقال‪ :‬أترى هذا البيت؟ فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس‪،‬‬
‫فخرجنا مع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إلى الخندق‪ ،‬فكان ذلك الفتى يستأذن رسول‬
‫يوما‪ ،‬فقال له رسول ال‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنصاف النهار فيرجع إلى أهله‪ ،‬فاستأذنه ‪2‬‬

‫ صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خذ عليك سلحك‪ ،‬فإني أخشى عليك قريظة« فأخذ الرجل سلحه‬‫ثم رجع‪ ،‬وإذا امرأته بين البابين قائمة‪ ،‬فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به‪ ،‬فأصابته‪ ،‬فقالت‪ :‬اكفف‬
‫عليك رمحك‪ ،‬وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني؟ فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على‬
‫الفراش‪ ،‬فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في الدار‪ ،‬فاضطربت عليه‪ ،‬فما ندري‬
‫أيهما كان أسرع موت‪2‬ا الحية أم الفتى؟ قال‪ :‬فجئنا إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪،-‬‬

‫فذكرنا ذلك له‪ ،‬وقلنا‪ :‬ادع ال يحييه لنا‪ ،‬فقال‪» :‬استغفروا لصاحبكم« ثم قال‪» :‬إن بالمدينة جن‪2‬ا‬
‫قد أسلموا‪ ،‬فإذا رأيتم منهم شيئ‪2‬ا فآذنوه ثلثة أيام‪ ،‬فإن بدا لكم بعد ذلك‪ ،‬فاقتلوه فإنما هو‬

‫شيطان«‪.‬‬

‫وفي رواية عنه‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن لهذه البيوت عوامر‪ ،‬فإذا رأيتم‬

‫شيئ‪2‬ا منها فحرجوا عليها ثلث‪2‬ا‪ ،‬فإن ذهب وإل فاقتلوه‪ ،‬فإنه كافر«‪ ،‬وقال لهم‪» :‬اذهبوا فادفنوا‬

‫صاحبكم«‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا نودي بالصلة أدبر الشيطان‬
‫وله ضراط حتى ل يسمع التأذين‪ ،‬فإذا قضي النداء أقبل‪ ،‬حتى إذا ثوب بالصلة أدبر‪ ،‬حتى إذا‬
‫قضي التثويب أقبل‪ ،‬حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا«‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬ذكر عند النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬رجل نام ليلة‬
‫حتى أصبح‪ ،‬قال‪» :‬ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه – أو قال في أذنه« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬يعقد الشيطان على قافية رأس‬
‫أحدكم إذا هو نام ثلث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل‪ ،‬فارقد‪ ،‬فإن استيقظ فذكر‬
‫ال تعالى انحلت عقدة‪ ،‬فإن توضأ انحلت عقدة‪ ،‬فإن صلى انحلت عقدة كلها« الحديث متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫وروى مسلم عن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل تستنجوا بالروث‬
‫سنة الصحيحة أكل الشيطان وشربه‪ ،‬فقد‬
‫ول بالعظام‪ ،‬فإنه زاد إخوانكم من الجن« وورد في ال •‬

‫ورد‪» :‬إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليعط بيمينه‪ ،‬فإن الشيطان يأكل بشماله‬

‫وختاما فإنه ل ينكر الجن إل‬
‫ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله« وفي هذا كفاية ‪2‬‬

‫إنسان ل عقل له منسلخ عن الدين السلم بالكلية؛ لنه مكذب ل ولرسوله‪ ،‬ولما أجمع عليه‬

‫المسلمون‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد‪.‬‬
‫} الله { أي المألوه المعبود المستحق لفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الكمال ولفظ‬
‫الجللة الذي هو ال علم ذاته سبحانه‪ ،‬وهو أعرف المعارف على الطلق وكونه سبحانه مستحق‬
‫معبودا محبوب‪2‬ا لذاته إل هو وكل عمل ل‬
‫لللوهية مستلزم لصفات الكمال‪ ،‬فل يستحق أن يكون ‪2‬‬
‫يراد به وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد‪ ،‬كما قال تعالى‪! } :‬لو كان فيهما‬

‫آلهة‪ d‬إل الله لفسدتا { ‪.‬‬

‫} القي•وم { القائم بنفسه المقيم لما سواه‪ ،‬ورود أن اسم الحي القيوم السم العظم‪ ،‬فإنهما‬
‫متضامنان لصفات الكمال أعظم تضمن‪ ،‬فالصفات الذاتية ترجع إلى اسمه الحي والصفات‬

‫الفعلية ترجع إلى اسمه القيوم‪.‬‬
‫عن أسماء بنت يزيد بن السكن‪ ،‬قالت‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬في‬
‫هاتين اليتين } الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { ‪ ،‬و } الم * الله ل إله إل هو { »إن فيهما اسم‬

‫ال العظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلث سور‪ :‬البقرة‪ ،‬وآل عمران‪ ،‬وطه«‪.‬‬
‫قال هشام بن عماد الخطيب‪ :‬أما البقرة ف‪ } B‬الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { ‪ ،‬وفي آل عمران‪:‬‬

‫} الم * الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { ‪ ،‬وفي طه‪ } :‬وعنت الوجوه لل!ح 'ي القي•وم { ‪.‬‬
‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬

‫وله الحياة كمالها فلجل ذا‬
‫وكذلك القيوم من أوصافه‬
‫وكذاك أوصاف الكمال جميعها‬
‫فمصحح الوصاف والفعال‬
‫ولجل ذا جاء الحديث بأنه‬
‫اسم الله العظم اشتمل على‬
‫فالكل مرجعها إلى السمين يد ‪ ...‬ما للممات عليه من سلطان‬
‫ما للمنام عليه من غشيان‬
‫ثبتت له ومدارها الوصفان‬
‫والسماء ح ‪2‬قا ذانك الوصفان‬
‫في آية الكرسي وذي عمران‬

‫اسم الحي والقيوم مقترنان‬
‫ري ذاك ذو بصر بهذا الشأن‬
‫وقوله‪ } :‬ل تأ!خذه سنة‪ d‬ول ن‪! B‬و‪d‬م { السنة‪ :‬النعاس وهو الذي يتقدم من الفتور وانطباق العينين‪،‬‬

‫نوما‪ ،‬والنوم غشية‬
‫ويكون في الرأس من غير نوم‪ ،‬ومنه الوسنان‪ ،‬ف إذا وصل إلى القلب صار ‪2‬‬

‫ثقيلة تقع على القلب تمنعه معرفة الشياء فل يحس ول يشعر بها‪ ،‬والمعنى أنه سبحانه ل يعتريه‬

‫نقص ول غفلة ول ذهول عن خلقه‪ ،‬بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء‬
‫ول يخفى عليه خافية‪ ،‬ومن تمام القيومية أنه ل يعتريه سنة ول نوم‪ ،‬كما أنه جل وعل ل يتعب ول‬
‫يظلم ول يجهل ول يعيا‪ ،‬وهذه الشياء يجب تنزيه ال عنها كما يجب تنزيهه عن الشريك والزوجة‬
‫والولد والظهير والولي من الذل والشفيع بدون إذنه‪.‬‬
‫عن أبي موسى الشعري قال‪ :‬قام فينا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬خطيب‪2‬ا بخمس‬

‫كلمات‪ ،‬فقال‪» :‬إن ال عز وجل ل ينام‪ ،‬ول ينبغي له أن ينام‪ ،‬يخفض القسط ويرفعه‪ ،‬يرفع إليه‬

‫عمل الليل قبل عمل النهار‪ ،‬وعمل النهار قبل الليل‪ ،‬حجابه النور –وفي رواية النار‪ -‬ولو كشفه‬
‫لحرقت سبحات وجهه‪ ،‬ما انتهى إليه بصره من خلقه«‪.‬‬

‫فقوله‪ } :‬ل تأ!خذه سنة‪ d‬ول ن‪! B‬و‪d‬م { جملة مؤكدة لما قبلها مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتم‬
‫وجه إذ من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة ضعيف القيام بشئون نفسه وبشئون غيره‪.‬‬

‫الرض { هذا إخبار منه جل وعل أن الجميع عبيده وتحت‬
‫وقوله‪ } :‬له ما في السموات وما في !‬

‫الرض إل آتي الر !حمن ع !ب ‪2‬دا { ‪ } ،‬لق !د‬
‫قهره وسلطانه‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬إن ك •ل من في السموات و !‬
‫أحصاه !م وعده !م ع ‪2‬دا * وكل•ه !م آتيه ي‪! B‬وم القيامة ف‪! B‬ر ‪2‬دا { ؛ فجملة )له ما في السموات وما في‬
‫!‬

‫الرض( تأكيد ثاني لقيوميته واحتجاج على تفرده باللوهية؛ لنه تعالى خالقهما بما فيهما فما من‬

‫مخلوق في الرض ول في السماء إل ال خالقه ل خالق غيره ول رب سواه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬من ذا الذي ي !شفع عنده إل بإ !ذنه { كقوله تعالى‪ } :‬وكم 'من ملك في السموات ل ت‪! B‬غني‬

‫شفاعت‪B‬ه !م ش !يئ‪2‬ا إل م !ن ب‪! B‬عد أن يأ!ذن الله لمن يشاء وي‪! B‬رضى { ‪ ،‬وكقوله‪ } :‬ول ي !شفعون إل لمن‬
‫!ارتضى { ‪.‬‬

‫بحث المقصود منه الكلم على الشفاعة بوضوح‪:‬‬

‫الشفاعة لغة‪ :2‬الوسيلة والطلب‪ ،‬وعرفها بعضهم بأنها سؤال الخير للغير‪ ،‬وقيل‪ :‬هي السؤال في‬
‫التجاوز عن الذنوب والجرائم‪ ،‬والشفاعة تنقسم إلى قسمين‪ ،‬مثبتة‪ :‬وهي التي أثبتها ال تعالى‬

‫لهل الخلص ولها شرطان مذكوران في آية سورة النجم‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وكم 'من ملك في‬

‫السموات ل ت‪B‬غ!ني شفاعت‪B‬ه !م ش !يئ‪2‬ا إل م !ن ب‪! B‬عد أن يأ!ذن الله لمن يشاء وي‪! B‬رضى { ‪ ،‬والشرطان هما‪:‬‬
‫إذن ال للشافع أن يشفع‪ ،‬والثاني‪ :‬أن يرضي ال قوله‪ ،‬قال في »سورة طه«‪ } :‬ي‪! B‬ومئذ ل تنفع‬

‫الشفاعة إل م !ن أذن له الر !حمن ورضي له ق‪! B‬ول‪ ، { 2‬وقال في »سورة عم«‪ } :‬ي‪! B‬وم ي‪B‬قوم ال •روح‬

‫وال!ملئكة ص ‪2‬فا ل ي‪B‬تكلمون إل م !ن أذن له الر !حمن وقال صواب‪2‬ا { ‪ ،‬وأما المنفية‪ :‬فهي التي تطلب‬

‫من غير ال أو بغير إذنه أو لهل الشرك‪ ،‬قال تعالى‪' } :‬من ق‪! B‬بل أن يأ!تي ي‪! B‬و‪d‬م ل ب‪! B‬ي ‪d‬ع فيه ول خلة‪d‬‬
‫ول شفاعة‪ ، { d‬وقال‪ } :‬ما للظالمين م !ن حميم ول شفيع يطاع { ‪ ،‬وانقسم الناس في الشفاعة إلى‬
‫ثلثة أقسام‪ :‬طرفان‪ ،‬ووسط‪ ،‬فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى‪،‬‬

‫ومبتدعة هذه المة أثبتوا الشفاعة التي نفاها ال بالقرآن كما ذكر عن المشركين في كتابه بقوله‪} :‬‬
‫وي‪B‬قولون هؤلء شفعاؤنا عند الله { ‪.‬‬
‫والقسم الثاني‪ :‬الخوارج والمعتزلة أنكروا ونفوا شفاعة نبينا محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في‬
‫أهل الكبائر من أمته‪ ،‬بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع النسان بشفاعة غيره ودعائه‪ ،‬كما‬
‫أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه‪ ،‬فأنكروا الشفاعة بقوله تعالى‪' } :‬من ق‪! B‬بل أن يأ!تي ي‪! B‬و‪d‬م ل ب‪! B‬ي ‪d‬ع‬
‫فيه ول خلة‪ d‬ول شفاعة‪ { d‬وبقوله‪ } :‬ما للظالمين م !ن حميم ول شفيع يطاع { ‪.‬‬

‫سنة والجماعة فأثبتوا الشفاعة بشرطين‪ :‬إذن ال للشافع أن‬
‫القسم الثالث‪ :‬توسطوا وهم أهل ال •‬

‫يشفع‪ ،‬والثاني لمن رضي ال قوله وعمله‪ ،‬وال ل يرضى إل التوحيد‪ ،‬إذا تبين هذا فشفاعة النبي‬
‫‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ستة أنواع‪ :‬الول‪ :‬الشفاعة العظمى التي يتأخر عنها أولو العزم حتى‬

‫تنتهي إليه للراحة من الموقف وهو المقام المحمود‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬عسى أن ي‪! B‬ب‪B‬عثك رب•ك مق ‪2‬اما‬

‫ود ا { ‪ ،‬الثاني‪ :‬شفاعته لهل الجنة في دخولها‪ ،‬الثالث‪ :‬شفاعته لقوم من العصاة من أمته أن‬
‫•م !حم ‪2‬‬
‫ل يدخلوا النار‪ ،‬الرابع‪ :‬شفاعته في إخراج العصاة من أهل التوحيد من النار‪ ،‬الخامس‪ :‬شفاعته‬
‫لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم‪ ،‬السادس‪ :‬شفاعته في تخفيف العذاب عن‬
‫عمه أبي طالب‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ي‪! B‬علم ما ب‪! B‬ين أي!ديه !م وما خل!فه !م { يخبر تعالى عن علمه الواسع المحيط بكل شيء‪ ،‬فهو‬
‫إخبارا عن‬
‫سبحانه يعلم ما بين أيدي الخلئق من المور المستقبلة التي ل حد لها‪ ،‬كقوله ‪2‬‬

‫الملئكة‪ } :‬وما ن‪B‬ت‪B‬ن‪B‬زل إل ب !أمر رب'ك له ما ب‪! B‬ين أي!دينا وما خل!فنا وما ب‪! B‬ين ذلك وما كان رب•ك‬
‫نسي‪2‬ا { وحتى أنه سبحانه يعلم ويرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء‬
‫تحت الرض الغبراء‪ ،‬وحركة الذر والبعوض‪ ،‬والطيور في الهواء‪ ،‬والسمك في الماء‪ ،‬وما هو أدق‬

‫من ذلك بكثير‪ ،‬مما أرى ال خلقه وأطلعهم عليه من الميكروبات والكريات‪ ،‬ومما استأثر بعلمه‬
‫ل إله إل هو اللطيف الخبير المحيط علمه بالسابق واللحق والحالي والواجب والمستحيل‬
‫والممكن‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ول يحيطون بش !يء 'م !ن عل!مه إل بما شاء { أي ل يطلع أحد من علم ال على شيء إل‬

‫بما أعلمهم ال عز وجل وأطلعهم عليه من المور الشرعية والقدرية وهو جزء يسير ج ‪2‬دا مضمحل‬

‫في علوم البارئ ومعلوماته كما قال أعلم الخلق بربهم الرسل والملئكة‪ } :‬س !بحانك ل عل!م لنا إل‬

‫ما عل !مت‪B‬نا { ‪ ،‬وفي قصة موسى والخضر أنه جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر‬

‫نقرة‪ ،‬فقال له الخضر‪ :‬ما نقص علمي وعلمك من علم ال إل مثل ما نقص هذا العصفور من هذا‬

‫البحر‪.‬‬
‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫علما بالذي‬
‫وهو العليم أحاط ‪2‬‬

‫وبكل شيء علمه سبحانه‬

‫وكذلك يعلم ما يكون غ ‪2‬دا وما ‪ ...‬في الكون من سر ومن إعلن‬
‫فهو المحيط وليس ذا نسيان‬

‫قد كان والموجود في ذا الن‬

‫الرض { ثم أخبر سبحانه عن عظمته وجلله‪ ،‬وأن كرسيه الذي‬
‫وقوله‪ } :‬وسع ك !رسي•ه السموات و !‬

‫هو موضع القدمين ل وسع السموات والرض وما فيهما أي مل وأحاط بهما‪ ،‬وقال الضحاك عن‬
‫ابن عباس‪ :‬لو أن السموات السبع والرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في‬
‫سعة الكرسي إل بمنزلة الحلقة في المفازة‪ ،‬وعن أبي ذر الغفاري أنه سأل النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬عن الكرسي‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬والذي نفسي بيده ما‬
‫السموات السبع والرضون السبع عند الكرسي إل كحلقة ملقاة بأرض فلة‪ ،‬وإن فضل العرش‬
‫على الكرسي كفضل الفلة على تلك الحلقة« وعن عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬أتت امرأة إلى‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقالت‪ :‬ادع ال أن يدخلني الجنة‪ ،‬قال‪» :‬فعظم الرب‬
‫تبارك وتعالى‪ ،‬وقال‪ :‬إن كرسيه وسع السموات والرض‪ ،‬وإن له أطيط‪2‬ا كأطيط الرحل الجديد من‬

‫ثقله«‪ ... .‬وقوله‪ } :‬ول ي‪B‬ئوده ح !فظهما { أي ل يثقله ول يكرثه حفظ السموات والرض ومن‬

‫فيهما ومن بينهما‪ ،‬بل ذلك سهل عليه‪ ،‬يسير لديه‪ ،‬وهو القائم على كل نفس بما كسبت‪ ،‬الرقيب‬

‫على جميع الشياء‪ ،‬فل يعزب عنه شيء‪ ،‬والشياء كلها صغيرة بين يديه‪ ،‬متواضعة ذليلة صغيرة‬
‫بالنسبة إليه‪ ،‬محتاجة فقيرة إليه‪ ،‬وهو الغني الحميد الفعال لما يريد‪ ،‬الذي ل يسأل عما يفعل‬
‫وهم يسئلون‪ ،‬وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وهو العل •ي العظيم { ختم سبحانه هذه الية بهذين السمين الجليلين‪ ،‬فهو سبحانه‬
‫الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه‪ ،‬علو الذات بكونه فوق جميع الخلق على العرش‬

‫استوى‪ ،‬وعلو القدر إذ أن له كل صفة كمال‪ ،‬وله من تلك الصفة أعلها وغايتها‪ ،‬وعلو الشأن‬
‫وصفة العلو مما تواطأ عليه العقل والنقل وفطر ال الخلق على ذلك‪.‬‬
‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫وله العلو من الوجوه جميعها‬
‫كل إذا ما نابه شيء يرى‬
‫وقدرا مع علو الشأن‬
‫نحو العلو فليس يطلب خلفه ‪ ...‬ذات‪2‬ا ‪2‬‬

‫متوجها بضرورة النسان‬
‫‪2‬‬

‫وأمامه أو جانب النسان‬
‫العظيم الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء‪ ،‬وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه‬
‫وأصفيائه وملئكته فل أعظم منه ول أكبر‪.‬‬
‫قال الشيخ تقي الدين ‪ -‬رحمه ال ‪ :-‬يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى‬
‫سنة‪ ،‬ول نسبة لها إلى‬
‫الخالق تعالى في غاية الصغر كما دلت عليه النصوص من الكتاب وال •‬

‫عظمة الباري بوجه من الوجوه‪ ،‬وهي في قبضته أصغر من الخردلة في كف النسان والخليقة‬
‫مفطورة على أنها تقصد ربها في جهة العلو‪ ،‬ل تلتفت عن ذلك يمنة ول يسرة‪ ،‬وجاءت الشريعة‬
‫بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة بخلف ما عليه أهل الضلل من المشركين والصابئين من‬
‫جميعا‪ ،‬فحقيق بآية احتوت على هذه‬
‫المتفلسفة وغيرهم‪ ،‬فإنهم غيروا الفطرة في العلم والرادة ‪2‬‬
‫السماء والصفات والمعاني الجليلة أن تكون أعظم آية في كتاب ال‪ ،‬ويحق لمن قرأها بتدبر‬

‫وتفهم أن يمتلئ من اليقين والعرفان واليمان‪ ،‬وأن يكون محفوظ‪2‬ا من الشيطان الرجيم‪.‬‬

‫ما يؤخذ من الية الكريمة‪ ،‬آية الكرسي‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات اللوهية ل‪ ،‬وانفرداه بذلك‪.‬‬

‫‪ -2‬إثبات صفة الحياة وهي من الصفات الذاتية‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات صفة القيوم‪.‬‬
‫‪ - 4‬تنزيه ال عن السنة والنوم والعجز‪ ،‬لما في ذلك من المنافاة لكمال حياته وقيوميته وقدرته‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات سعة ملكه‪ ،‬وأنه تعالى له ما في السموات وما في الرض مل ‪2‬كا وخل ‪2‬قا‪ ،‬وليس له في‬
‫ذلك شريك ول منازع‪ ،‬وأن الجميع عبيده‪ ،‬وتحت قهره وسلطانه‪.‬‬

‫‪ -6‬إثبات سعة علمه‪ ،‬وأنه محيط بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها‪ ،‬وأنه ل ينسى‬
‫ول يغفل‪ ،‬ول يلهيه شأن عن شأن‪.‬‬
‫‪ -7‬اختصاصه –سبحانه‪ -‬بالتعليم‪ ،‬وأن الخلق ل يعلمون إل ما أعلمهم ال جل وعل‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات الشفاعة بإذنه؛ لقوله‪ } :‬من ذا الذي ي !شفع عنده إل بإ !ذنه { ‪.‬‬
‫‪ -9‬أن عظمة الكرسي من جملة الدلة على عظمة ال‪.‬‬
‫‪ -10‬إثبات صفة الكلم‪.‬‬
‫‪ -11‬إثبات صفة العلم ل‪.‬‬
‫‪ -12‬إثبات عظمته واقتداره‪ ،‬وأنه ل يعجزه شيء‪.‬‬
‫‪ -13‬إثبات علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -14‬الترقي في نفي النقص من الضعف إلى نفي القوى؛ لن من ل تغلبه السنة قد يغلبه النوم‬
‫لنه أقوى‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات المشيئة‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على التجاه إلى ال وحده بالعبودية والعبادة‪ ،‬فل يكون عب ‪2‬دا إل ل‪ ،‬ول يتجه‬
‫بالعبادة إل ل‪ ،‬ول يلتزم بطاعة إل طاعة ال وما يأمر به من الطاعات‪.‬‬

‫‪ -17‬أن العبادة ل يملكون العيان مل ‪2‬كا مطل ‪2‬قا‪ ،‬وإنما يملكون التصرف فيها على مقتضى‬

‫الشرع‪.‬‬
‫‪ -18‬إن يعشور النسان بأن ما في السموات وما في الرض وكل شيء ملك ل سبب لقمع‬
‫حدة الشرة والطمع والحرص والتكالب على الدنيا‪.‬‬
‫‪ -19‬أن استحضار ذلك وأن ما في يده عارية إلى أمد محدود يكسب في النفس القناعة والرضا‬
‫بما يحصل من الرزق والسماحة والجودة بالموجود‪ ،‬والزهد في الدنيا‪ ،‬والقبال على الخرة‪.‬‬
‫‪ -20‬أن العباد لم يؤتوا من العلم إل قليل‪.2‬‬
‫‪ -21‬إثبات الرد على المشركين القائلين بأن أصنامهم تشفع‪.‬‬
‫‪ -22‬الرد على القدرية القائلين بأن ال –سبحانه‪ -‬ل يعلم الشياء إل بعد وقوعها‪.‬‬
‫‪ -23‬الرد على من زعم أن الكرسي علمه أو أنه قدرته أو ملكه‪ ،‬أو نحو ذلك‪.‬‬
‫‪ -24‬أن النوم والسنة صفة نقص؛ ولهذا نزه جل وعل نفسه عنهما‪.‬‬
‫‪ -25‬تنزيه ال عن الولد والزوجة‪ ،‬والرد على من نسب ذلك إلى ال‪.‬‬
‫‪ -26‬الرد على من قال أن ما هناك سماء‪ ،‬وإنما هو فضاء‪.‬‬
‫‪ -27‬أن في السموات خلق ل ل يعلمهم إل هو جل وعل‪.‬‬
‫‪ -28‬أن الكرسي أوسع من السموات والرض‪.‬‬
‫‪ -29‬أن العباد ل يجرؤون على الشفاعة والتكلم إل بإذنه‪ ،‬وذلك لجلله وعظمته‪.‬‬
‫موضعا‬
‫‪ -30‬الخلصة أن هذه الية تمل القلب مهابة من ال وجلله وجماله حتى ل تدع‬
‫‪2‬‬

‫للغروب بالشفعاء الذين يعظمهم المغرورون ويتكلون على شفاعتهم‪ ،‬فأوقعهم ذلك في ترك‬

‫المبالة في الدين‪ ،‬فخويت قلوبهم من ذكر ال‪ ،‬وخلت من خشيته جهل‪ 2‬منها بما يجب من‬

‫معرفته‪ ،‬وأفسدت فطرتهم الهواء‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في متاع الدنيا وأن ما عند ال خير وأبقى‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬

‫ب الشهوات من الن'ساء وال!بنين وال!قناطير المقنطرة من الذهب‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬زي'ن للناس ح •‬
‫وال!فضة وال!خ !يل المسومة والن!‪B‬عام وال!ح !رث ذلك متاع الحياة ال •دن!‪B‬يا والله عنده ح !سن المآب * ق !ل‬

‫اج‬
‫أؤن‪B‬ب'ئكم بخ !ير 'من ذلك !م للذين ات‪B‬ق !وا عند رب'ه !م ج ‪d‬‬
‫نات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار خالدين فيها وأ !زو ‪d‬‬
‫ضوا ‪d‬ن 'من الله والله بص ‪d‬ير بال!عباد * الذين ي‪B‬قولون رب‪B‬نا إن‪B‬نا آمنا فا !غف !ر لنا ذنوب‪B‬نا وقنا‬
‫•مطهرة‪ d‬ور !‬
‫السحار * شهد الله أنه ل‬
‫عذاب النار * الصابرين والصادقين وال!قانتين وال!منفقين وال!م !ست‪B‬غ!فرين ب !‬
‫إله إل هو وال!ملئكة و !أولوا العل!م قائ ‪2‬ما بال!ق !سط ل إله إل هو العزيز الحكيم { ‪.‬‬

‫يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملذ‪ ،‬وهي ستة‪:‬‬
‫فأولها‪ :‬النساء‪ ،‬فبدأ بهن؛ لن الفتنة بهن أشد؛ ولنهن حبائل الشيطان‪ ،‬وفي »الصحيح« أنه ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء«‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الدنيا حلوة خضرة‪،‬‬
‫وإن ال مستخلفكم فيها‪ ،‬فينظر كيف تعملون‪ ،‬فاتقوا الدنيا‪ ،‬واتقوا النساء‪ ،‬فإن أول فتنة بني‬
‫إسرائيل كانت في النساء« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن المرأة تقبل في صورة شيطان‪،‬‬
‫وتدبر في صورة شيطان‪ ،‬إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه‪ ،‬فليعمد إلى امرأته فليواقعها‪،‬‬
‫فإن ذلك يرد ما في نفسه« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أل ل يتين رجل عند امرأة ثيب إل‬
‫ناكحا أو ذا محرم« رواه مسلم‪.‬‬
‫أن يكون ‪2‬‬

‫وعن عقبة بن عامر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إياكم والدخول على‬
‫النساء«‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أرأيت الحمو؟ قال‪» :‬الحمو الموت« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عمر‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل يخلون رجل بامرأة إل كان ثالثهما‬

‫الشيطان« رواه الترمذي‪.‬‬
‫وعن جابر‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل تلجوا على المغيبات‪ ،‬فإن الشيطان‬
‫يجري من أحدكم مجرى الدم« قلنا‪ :‬ومنك يا رسول ال؟ قال‪» :‬ومني‪ ،‬ولكن أعانني ال عليه‬
‫فأسلم« رواه الترمذي‪.‬‬
‫وأما إذا كان القصد بالنساء العفاف وكثرة الولد‪ ،‬فهذا مطلوب مرغوب فيه ومندوب إليه‪ ،‬كما‬
‫وردت بذلك الحاديث بالترغيب بالتزوج والستكثار منه‪ ،‬وأن خير هذه المة من كان أكثرها‬
‫نساء‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمرو قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الدنيا كلها متاع‪ ،‬وخير‬
‫متاع الدنيا المرأة الصالحة« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن معقل بن يسار قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬تزوجوا الودود الولود‪ ،‬فإني‬
‫مكاثر بكم النبياء يوم القيامة« رواه أبو داود والنسائي‪.‬‬
‫وعن أبي أمامة‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬ما استفاد المؤمن بعد تقوى ال‬
‫خير له من زوجة صالحة‪ ،‬إن أمرها أطاعته‪ ،‬وإن نظر إليها سرته‪ ،‬وإن أقسم عليها أبرته‪ ،‬وإن غاب‬

‫عنها نصحته في نفسها وماله« رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف‬
‫الدين‪ ،‬فليتق ال في النصف الباقي«‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا معشر‬
‫الشباب‪ ،‬من استطاع منكم الباءة فليتزوج‪ ،‬فإنه أغض للبصر‪ ،‬وأحصن للفرج‪ ،‬ومن لم يستطع‬
‫فعليه بالصوم‪ ،‬فإنه له وجاء« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن إسماعيل بن محمد بن أبي وقاص‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن جده ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من سعادة ابن آدم ثلث‪ ،‬ومن شقاوة ابن آدم ثلثة‪ ،‬من سعادة‬
‫ابن آدم‪ :‬المرأة الصالحة‪ ،‬والمسكن الصالح‪ ،‬والمركب الصالح‪ ،‬ومن شقاوة ابن آدم‪ :‬المرأة‬
‫السوء‪ ،‬والمسكن السوء‪ ،‬والمركب السوء« رواه أحمد بإسناد صحيح‪ ،‬والطبراني‪ ،‬والبزار‪،‬‬
‫والحاكم‪ ،‬وصححه إل أنه قال‪» :‬والمسكن الضيق«‪ ،‬وابن حبان في »صحيحه« إل أنه قال‪:‬‬
‫»أربع من الشقاء‪ :‬الجار السوء‪ ،‬والمرأة السوء‪ ،‬والمركب السوء‪ ،‬والمسكن الضيق«‪.‬‬
‫وقوله في الحديث الخر‪» :‬حبب إلي النساء‪ ،‬والطيب‪ ،‬وجعلت قرة عيني في الصلة«‪ ،‬وقالت‬
‫عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ :-‬لم يكن شيء أحب إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من‬
‫النساء إل الخيل‪ ،‬وفي رواية‪ :‬من الخيل إل النساء‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬البنون‪ ،‬وحبهم تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا‪ ،‬وتارة يكون لتكثير النسل‪،‬‬
‫وتكثير أمة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ممن يعبد ال وحده ل شريك له‪ ،‬فهذا محمود‬
‫ممدوح‪ ،‬كما ثبت في الحديث‪» :‬تزوجوا الودود الولود‪ ،‬فإني مكاثر بكم النبياء يوم القيامة«‪.‬‬
‫قال الناظم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫منظرا‬
‫وخير النسا من سرت الزوج ‪2‬‬

‫قصيرة ألفاظ قصيرة بيتها‬

‫عليك بذات الدين تظفر بالمنى ‪ ...‬ومن حفظته في مغيب ومشهد‬
‫قصيرة طرف العين عن كل أبعد‬
‫الودود الولود الصل ذات التعبد‬
‫ثالثها‪ :‬القناطير المقنطرة‪ ،‬وحب المال تارة يكون للفخر والخيلء‪ ،‬والتكبر على الضعفاء‪ ،‬والتجبر‬
‫على الفقراء فهذا مذموم‪ ،‬وتارة يكون لنفقته في القرابات‪ ،‬وصلة الرحام‪ ،‬والقرابات ووجوه البر‬
‫شرعا‪.‬‬
‫والطاعات‪ ،‬فهذا ممدوح محمود ‪2‬‬

‫وأما القناطير‪ :‬فجمع قنطار‪ ،‬واختلف في مقداره على أقوال حاصلها أنه المال الجزيل‪ ،‬كما قال‬

‫الضحاك وغيره‪ ،‬وقيل‪ :‬ألف دينار‪ ،‬وقيل‪ :‬اثنا عشر أل ‪2‬فا‪ ،‬وقيل‪ :‬أربعون أل ‪2‬فا‪ ،‬وقيل‪ :‬ستون أل ‪2‬فا‪،‬‬

‫وقيل‪ :‬سبعون أل ‪2‬فا‪ ،‬وقيل‪ :‬ثمانون أل ‪2‬فا‪ ،‬وقيل غير ذلك‪ ،‬والمقنطرة‪ :‬قيل المنضد بعضها فوق‬
‫بعض‪ ،‬وقيل‪ :‬المضاعفة‪ ،‬وقال السدي‪ :‬المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬من الذهب وال!فضة { وهذا التعبير يعشر بالكثرة التي تكون مظنة الفتنان والتي تشغل‬
‫القلب للتمتع بها وتستغرق في تدبيرها الوقت الكثير حتى ل يبقى بعد ذلك منفذ للشعور‬
‫بالحاجة إلى نصرة الحق و الستعداد لعمال الخرة‪ ،‬ونجد أن الغنياء في المم لدى بعثة‬
‫الرسل أول الكافر بهم المستكبرين عن دعوتهم وإن أجابوا وآمنوا‪ ،‬فهم أقل الناس عمل‪ 2‬وأكثرهم‬

‫بع ‪2‬دا عن هدي الدين‪ ،‬انظر إلى قول ال تعالى‪ } :‬سي‪B‬قول لك المخلفون من ال !عراب شغل !ت‪B‬نا‬

‫است‪B‬غ!ف !ر لنا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وكذلك ما !أرسل!نا من ق‪! B‬بلك في ق‪! B‬رية 'من نذير إل قال‬
‫!أموالنا و !أهلونا ف !‬

‫م !ت‪B‬رفوها { اليتين‪.‬‬

‫وقال‪ } :‬وذ !رني وال!مك 'ذبين !أولي الن !‪B‬عمة وم 'هل!ه !م قليل‪. { 2‬‬
‫وحب المال مما أوجع في الغرائز البشرية‪ ،‬واختلط بلحم الناس ودمهم‪ ،‬والسبب –وال أعلم‪-‬‬
‫كونه وسيلة إلى جلب الرغائب وسبيل إلى نيل اللذات والشهوات‪ ،‬ورغبات النسان غير‬
‫محدودة‪ ،‬ولذاته كثيرة‪ ،‬وكلما حصل على لذة طلب المزيد منها‪ ،‬وما وصل إلى غاية من جمع‬
‫المال‪ ،‬إل تاقت نفسه إلى ما فوقها حتى لقد يبلغ ببعضهم النهم في جمعه أن ينسى أن المال‬
‫وسيلة ل مقصد فيتفنن في الوصول إليه الفنون المختلفة والطرق التي تعن له‪ ،‬ول يبالي أمن‬
‫حلل كسب أو من حرام‪ ،‬لسيما في زمننا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل‪.‬‬
‫روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬لو‬
‫كان لبن آدم واديان من ذهب‪ ،‬لتمنى أن يكون لهما ثالث‪ ،‬ول يمل جوف ابن آدم إل التراب‪،‬‬
‫كثيرا من الناس فشغلتهم عن حقوق ال وحقوق‬
‫ويتوب ال على من تاب« ولقد عمت فتنة المال ‪2‬‬
‫خلقه وصارت أوقاتهم مستغرقة في جمعه‪ ،‬وهذا هو الفقر‪ ،‬كما قيل‪:‬‬
‫ومن ينفق الساعات في جمع ماله ‪ ...‬مخافة فقر فالذي فعل الفقر‬
‫رابعها‪ :‬الخيل المسومة‪ ،‬قيل‪ :‬هي المرعية في المروج والمسارح‪ ،‬وقيل‪ :‬هي المعدة للجهاد‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬هي الحسان‪ ،‬وقيل‪ :‬المعلمة من السومة‪ ،‬وهي العلمة‪.‬‬
‫وحب الخيل على ثلثة أقسام‪ :‬تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل ال‪ ،‬حتى إذا احتاجوا إليها‬
‫فخرا ونواء لهل السلم‪ ،‬فهذه على صاحبها وزر‪ ،‬وتارة‬
‫غزوا عليها فهؤلء يثابون‪ ،‬وتارة تربط ‪2‬‬
‫للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق ال في رقابها فهذه لصاحبها ستر‪.‬‬

‫وخامسها‪ :‬النعام‪ ،‬وهي البل والبقر والغنم‪ ،‬وهي مال أهل البادية‪ ،‬ومنها تكون ثروتها ومعايشهم‪،‬‬
‫ومرافقهم‪ ،‬وبها تفاخرهم وتكاثرهم‪ ،‬وقد امتن ال بها على عباده بقوله‪ } :‬والن!‪B‬عام خلقها لك !م‬
‫فء‪ d‬ومنافع وم !ن‪B‬ها تأ!كلون * ولك !م فيها جم ‪d‬‬
‫ال حين تريحون وحين ت !سرحون * وت !حمل‬
‫فيها د !‬
‫لم ي‪B‬ر!وا‬
‫أث!‪B‬قالك !م إلى ب‪B‬لد ل !م تكونوا بالغيه إل بش 'ق النفس إن ربك !م لرء ‪d‬‬
‫يم { ‪ ،‬وقال‪ } :‬أو !‬
‫وف رح ‪d‬‬
‫ت أي!دينا أن!‪B‬ع ‪2‬اما ف‪B‬ه !م لها مالكون { ‪.‬‬
‫أنا خل !قنا لهم 'مما عمل !‬

‫وسادسها‪ :‬الحرث‪ ،‬والحرث الزرع والنبات وعليه قوام حياة النسان والحيوان في البدو والحضر‪،‬‬

‫والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى النواع السالفة والنتفاع به أتم منها؛ لكنه أخر عنها؛ لنها لما‬
‫صادا عن الستعداد لعمال‬
‫عم الرتفاق به كانت زينته في القلوب أقل‪ ،‬وقلما يكون النتفاع به ‪2‬‬

‫مانعا من نصرة الحق‪ ،‬وهناك ما هو عام للنتفاع وعظم الفائدة في الحياة وهو الضوء‬
‫الخرة أو ‪2‬‬

‫والهواء‪ ،‬فل يستغنى عنهما الخياء ومع ذلك قلما يلتفت النسان إليهما ول يفكر في غبطتهما‬

‫وقديما قيل‪:‬‬
‫فيحمد ال ويشكره على ذلك‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫إذا ألف الشيء استهان به الفتى‬

‫نعما‬
‫كإنفاقه من عمره ومساغه ‪ ...‬فلم يره ‪2‬‬
‫بؤسا يعد ول ‪2‬‬

‫طعما‬
‫من الريق عذب‪2‬ا ل يحس له ‪2‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬ذلك متاع الحياة ال •دن!‪B‬يا { الشارة إلى ما سبق ذكره من الصناف الستة المتقدم‬

‫ذكرها مما يتمتع به الناس قليل‪ 2‬في هذه الحياة الفانية ويجعلونه وسيلة في معايشهم وسبب‪2‬ا لقضاء‬
‫شهواتهم‪ ،‬وقد زين لهم حبها في عاجل دنياهم المنغص لذاتها بالحزان والكدار‪.‬‬

‫قال بعضهم في التحذير من الغترار بالدنيا وزخرفها‪:‬‬
‫يا قوم دنياكم دار مزوقة‬
‫لها سقوف بل أس مزخرفة‬
‫كم فاتح عينه فيها تخطفه ‪ ...‬لكن لها وضعت في الرمل أركان‬
‫وكيف يبقى بغير الس بنيان‬
‫أيدي الردى قبل أن تنظم أجفان‬
‫} والله عنده ح !سن المآب { يعني حسن المرجع في الحياة الخرة التي تكون بعد موتهم وبعثهم‬
‫ففيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الخرة‪ ،‬ولما صغر تعالى الدنيا وزهد فيها في الية الولى عظم‬

‫الخرة وشرفها ورغب فيها في هذه الية‪ ،‬فقال‪ } :‬ق !ل أؤن‪B‬ب'ئكم بخ !ير 'من ذلك !م { أي‪ :‬قل يا‬

‫محمد للناس أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها ومستلذاتها‬

‫التي هي زائلة ل محالة‪ ،‬وإبهام الخبر للتفخيم ثم أخبر عن ذلك‪ ،‬فقال‪ } :‬للذين ات‪B‬ق !وا عند‬

‫نات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { أي تسير بين‬
‫رب'ه !م { وخص المتقين؛ لنهم المنتفعون بذلك‪ } :‬ج ‪d‬‬
‫جوانبها وأرجائها النهار من النواع الشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما ل‬

‫عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪ } ،‬خالدين فيها { أبد الباد ل يبغون عنها‬
‫حول‪.2‬‬
‫اج •مطهرة‪ { d‬أي من الدنس‪ ،‬والخبث‪ ،‬والذى‪ ،‬والحيض‪ ،‬والنفاس‪ ،‬والقذار‪،‬‬
‫وقوله‪ } :‬أ !زو ‪d‬‬
‫والطبائع الذميمة‪ ،‬والخلق اللئيمة‪.‬‬
‫ضوا ‪d‬ن 'من الله { أي ويحل عليهم رضوانه فل يسخط عليهم أب ‪2‬دا‪ ،‬وجاء في معنى هذه الية‬
‫} ور !‬

‫قوله تعالى‪ } :‬وعد الله الم !ؤمنين وال!م !ؤمنات جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار خالدين فيها ومساكن‬

‫ضوا ‪d‬ن 'من الله أ !كب‪B‬ر ذلك هو الف !وز العظيم { ‪.‬‬
‫طي'بة‪ 2‬في جنات ع !دن ور !‬

‫وعن أبي سعيد الخدري ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن‬
‫ال عز وجل يقول لهل الجنة‪ :‬يا أهل الجنة‪ ،‬فيقولون‪ :‬لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬هل رضيتم؟ فيقولون‪ :‬وما لنا ل نرضي يا ربنا‪ ،‬وقد أعطيتنا ما لم تعط أح ‪2‬دا من خلقك‪،‬‬

‫فيقول‪ :‬أل أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون‪ :‬وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول‪ :‬أحل عليكم‬

‫رضواني فل أسخط عليكم بعده أب ‪2‬دا« متفق عليه‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬والله بص ‪d‬ير بال!عباد { خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فييسر كل لما خلق له‪ ،‬أما أهل‬

‫السعادة فييسرهم للعمل لتلك الدار الباقية ويأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يعينهم على عبادة‬

‫ال وطاعته‪ ،‬وأما أهل الشقاوة والعراض فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة ويرضون بالحياة الدنيا‬
‫قرارا‪.‬‬
‫ويطمئنون بها ويتخذونها ‪2‬‬
‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫فصل في كلم الرب جل جلله مع أهل الجنة‬
‫أو ما علمت بأنه سبحانه‬
‫فيقول جل جلله هل أنتم‬
‫أم كيف ل نرضى وقد أعطيتنا‬
‫هل ثم شيء غير ذا فيكون أفضل‬
‫ويذكر الرحمن واحدهم بما‬
‫منه إليه ليس ثم وساطة‬
‫لكن يعرفه الذي قد ناله‬
‫ويسلم الرحمن جل جلله‬

‫وكذا يسمعهم لذي خطابه‬
‫فكأنهم لم يسمعوه قبل ذا‬
‫هذا سماع مطلق وسماعنا‬
‫وال يسمع قوله بوساطة‬

‫فسماع موسى لم يكن بوساطة ‪ ...‬ح §قا يكلم حزبه بجنان‬

‫راضون قالوا نحن ذو رضوان‬
‫ما لم ينله قط من إنسان‬
‫منه نسأله من المنان‬
‫قد كان منه سالف الزمان‬
‫توبيخا من الرحمن‬
‫ما ذاك ‪2‬‬

‫من فضله والعفو والحسان‬

‫ح ‪2‬قا عليهم وهو في القرآن‬
‫سبحانه بتلوة الفرقان‬

‫هذا رواه الحافظ الطبراني‬
‫القرآن في الدنيا فنوع ثان‬
‫وبدونها نوعان معروفان‬
‫وسماعنا بتوسط النسان‬
‫ثم وصف ال تبارك وتعالى عبادة المتقين الذين تتأثر قلوبهم بثمرات إيمانهم فتفيض ألسنتهم‬
‫بالعتراف بهذا اليمان حين الدعاء والبتهال‪ ،‬فقال‪ } :‬الذين ي‪B‬قولون رب‪B‬نا إن‪B‬نا آمنا فا !غف !ر لنا‬

‫ذنوب‪B‬نا وقنا عذاب النار { أي إن الذين اتقوا معاصي ال وتضرعوا إليه خاشعين يقولون مبتهلين‬
‫متبتلين ربنا إننا آمنا –أي بك‪ -‬وبكتابك وبرسولك فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا‪ ،‬فهؤلء يتوسلون‬
‫إلى ربهم بإيمانهم لمغفرة ذنوبهم ووقاية عذاب النار‪ ،‬وهذا من الوسائل التي يحبها ال أن يتوسل‬
‫العبد إلى ربه بما من به عليه من اليمان والعمال الصالحة إلى تكميل نعم ال عليه بحصول‬
‫الثواب الكامل واندفاع العقاب‪.‬‬
‫ثم وصفهم بصفات امتازوا بها عن غيرهم‪ ،‬وهي من أجمل الصفات‪ ،‬أولها‪ :‬الصبر الذي هو حبس‬
‫النفس على ما تكره تقريب‪2‬ا إلى ال‪ ،‬فيصبرون على طاعة ال‪ ،‬ويصبرون على أقدار ال المؤلمة‪،‬‬

‫ويصبرون عن معاصي ال‪.‬‬

‫اصبروا‬
‫وقد أمر ال بالصبر ووعد الصابرين بالجر الجزيل‪ ،‬فقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا !‬

‫وصابروا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وب '‬
‫ت كلمت رب'ك الح !سنى على بني إ !سرائيل‬
‫شر الصابرين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وتم !‬

‫أحسن ما كانوا ي‪! B‬عملون { فما من قربة إل‬
‫أجرهم ب !‬
‫بما صب‪B‬روا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ولن !جزين الذين صب‪B‬روا !‬

‫وأجرها بتقدير وحساب‪ ،‬إل الصبر ولجل كون الصوم من الصبر‪ ،‬قال ال تعالى‪» :‬الصوم لي وأنا‬

‫أجزي به«‪.‬‬
‫وفي »الصحيحين«‪ :‬من حديث أبي سعيد ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫خيرا وأوسع من الصبر«‪ ،‬وفي حديث آخر‪» :‬الصبر من اليمان‬
‫‪ -‬أنه قال‪» :‬ما أعطى أحد عطاء ‪2‬‬

‫بمنزلة الرأس من الجسد«‪.‬‬

‫الصفة الثانية‪ :‬الصدق في القوال والحوال‪ ،‬وهو استواء الظاهر والباطن وصدق العزيمة على‬
‫ص !دق وصدق به‬
‫سلوك الصراط المستقيم‪ ،‬وحسبك في بيان فضيلته قوله تعالى‪ } :‬والذي جاء بال '‬

‫!أولئك هم المت‪B‬قون * لهم ما يشاءون عند رب'ه !م ذلك جزاء الم !حسنين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين‬

‫آمنوا ات‪B‬قوا الله وكونوا مع الصادقين { ‪.‬‬

‫وفي »الصحيحين«‪ :‬عن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال‪» :‬إن الصدق يهدي إلى البر‪ ،‬وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند ال صدي ‪2‬قا«‪.‬‬

‫الصفة الثالثة‪ :‬القنوت‪ ،‬وهو المداومة على الطاعة والخبات إلى ال مع الخشوع والخضوع‪ ،‬وهو‬

‫لب العبادة وروحها‪ ،‬وبدونه تكون العبادة بل روح وشجرة بل ثمر‪.‬‬
‫الصفة الرابعة‪ :‬النفاق للمال في جميع السبل التي حث عليها الشارع سواء أكانت النفقة واجبة‬
‫جميعا مما حث الشارع عليه‪ ،‬وندب إليه‪ ،‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫أم مستحبة‪ ،‬فالنفاق في أعمال البر ‪2‬‬

‫} شهد الله أنه ل إله إل هو وال!ملئكة و !أولوا العل!م قائ ‪2‬ما بال!ق !سط ل إله إل هو العزيز‬
‫الحكيم { ‪.‬‬

‫قيل‪ :‬نزلت هذه الية في نصارى نجران‪ ،‬وقال الكلبي‪ :‬قدم حبران من أحبار الشام على النبي ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فلما أبصرا المدينة‪ ،‬قال أحدهما لصاحبه‪ :‬ما أشبه هذه المدينة بصفة‬
‫مدينة النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الذي يخرج في آخر الزمان‪ ،‬فلما دخل عليه عرفاه‬
‫بالصفة‪ ،‬فقال له‪ :‬أنت محمد؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬قال له‪ :‬وأنت أحمد؟ قال‪» :‬أنا محمد وأحمد«‪،‬‬
‫قال له‪ :‬فإنا نسألك عن شيء‪ ،‬فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك‪ ،‬فقال‪» :‬نعم«‪ ،‬قال‪ :‬فأخبرنا‬
‫عن أعظم شهادة في كتاب ال عز وجل‪ ،‬فأنزل ال تعالى هذه الية‪ ،‬فأسلم الرجلن‪.‬‬
‫هذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم الكبير المتعالي‪ ،‬ومن الملئكة الكرام وأهل العلم‬
‫على أجل مشهود عليه‪ ،‬وهو توحيد ال وقيامه بالقسط‪ ،‬وذلك يتضمن الشهادة على جميع‬

‫الشرع وجميع أحكام الجزاء‪ ،‬فإن الشرع والدين أصله وقاعدته توحيد ال وإفراده بالعبودية‪،‬‬
‫والعتراف بإنفراده بصفات العظمة والكبرياء والمجد والعز والقدرة والجلل‪ ،‬ونعوت الجود والبر‬
‫والرحمة والحسان والجمال‪ ،‬وبكماله المطلق الذي ل يحصي أحد من الخلق أن يحيط بشيء‬
‫منه أو يبلغه‪ ،‬أو يصل إلى الثناء عليه‪.‬‬
‫والعبادات الشرعية والمعاملت وتوابعها والمر والنهي كله عدل وقسط‪ ،‬ل ظلم فيه ول جور‬
‫بوجه من الوجوه‪ ،‬بل هو غاية الحكمة والحكام والجزاء على العمال الصالحة والسيئة كله‬
‫ي ش !يء أ !كب‪B‬ر شهادة‪ 2‬قل الله { فتوحيد ال ودينه وجزاءه قد‬
‫قسط وعدل‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ق !ل أ •‬

‫ثبت ثبوت‪2‬ا ل ريب فيه‪ ،‬وهي أعظم الحقائق وأوضحها‪ ،‬وقد أقام ال على ذلك من البراهين والدلة‬

‫ما ل يمكن إحصاؤه وعده‪.‬‬

‫وتضمنت الية البانة عن فضل العلم والعلماء؛ لنه تعالى خصهم بالذكر من دون البشر وقرن‬
‫شهادتهم بشهادته وشهادة ملئكته‪ ،‬وجعل شهادتهم من أكبر الدلة والبراهين على توحيده ودينه‬
‫وجزائه‪ ،‬وأنه يجب على المكلفين قبول هذه الشهادة العادلة الصادقة‪ ،‬وفي ضمن ذلك تعديلهم‪،‬‬
‫وأن الخلق تبع لهم وأنهم هم الئمة المتبوعون‪ ،‬ففي هذا من الفضل والشرف وعلو المكانة ما ل‬
‫مزيد عليه‪.‬‬
‫ومما جاء في فضل العلم والعلماء ما ورد عن أبي أمامة الباهلي‪ ،‬قال‪ :‬ذكر لرسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬رجلن أحدهما عابد والخر عالم‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»فضل العالم على العابد‪ ،‬كفضلي على أدناكم«‪ ،‬ثم قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»إن ال وملئكته وأهل السماوات والرض‪ ،‬حتى النملة في جحرها‪ ،‬وحتى الحوت ليصلون على‬
‫معلم الناس الخير« رواه الترمذي‪.‬‬
‫جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق‪ ،‬فجاء رجل‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا‬
‫وعن كثير بن قيس قال‪ :‬كنت ‪2‬‬
‫الدرداء‪ ،‬إني جئتك من مدينة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ما جئت لحاجة‪ ،‬قال‪ :‬فإني‬

‫علما سلك ال‬
‫سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬من سلك طري ‪2‬قا يطلب فيه ‪2‬‬

‫به طري ‪2‬ق ا من طريق الجنة‪ ،‬وإن الملئكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم‪ ،‬وإن العالم يستغفر له‬

‫من في السموات ومن في الرض‪ ،‬والحيتان في جوف الماء‪ ،‬وإن فضل العالم على العابد كفضل‬
‫دينارا ول‬
‫القمر ليلة البدر على سائر الكواكب‪ ،‬وإنما العلماء ورثة النبياء‪ ،‬وإن النبياء لم يورثوا ‪2‬‬

‫درهما‪ ،‬وإن ورثوا العلم‪ ،‬فمن أخذه أخذ بحظ وافر« رواه أحمد والترمذي‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬وابن‬
‫‪2‬‬
‫ماجه‪ ،‬والدارمي‪ ،‬وسماه الترمذي قيس بن كثير‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ومن سلك‬

‫علما سهل ال له به طري ‪2‬قا إلى الجنة« رواه مسلم وغيره‪.‬‬
‫طري ‪2‬قا يلتمس فيه ‪2‬‬

‫وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل‪ ،‬قال‪ :‬كان يقال العلماء ثلثة‪ :‬عالم بال‪،‬‬
‫وعالم بأمر ال‪ ،‬وعالم بال ليس بعالم بأمر ال تعالى‪ ،‬وعالم بأمر ال ليس بعالم ال‪ ،‬فالعالم بال‬
‫وبأمر ال الذي يخشى ال تعالى ويعلم الحدود والفرائض‪ ،‬والعالم بال ليس بعالم بأمر ال الذي‬
‫يخشى ال ول يعلم الحدود والفرائض‪ ،‬والعالم بأمر ال وليس بعالم بال الذي يعلم الحدود‬

‫والفرائض ول يخشى ال عز وجل‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد‪.‬‬
‫مما يفهم من اليات السابقة من »سورة آل عمران« ]اليات ‪:[17 ،16 ،15 ،14‬‬
‫‪ -1‬أن مما زين للناس حب النساء‪.‬‬
‫‪ -2‬حب البنين‪.‬‬
‫‪ -3‬حب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة‪.‬‬
‫‪ -4‬حب الخيل المسومة‪.‬‬
‫‪ -5‬أن حب هذه ل ينافي الدين إن لم يتعد صاحبها الشرع‪.‬‬
‫‪ -6‬أن ما ذكر متاع الحياة الدنيا‪.‬‬
‫‪ -7‬أن حسن المرجع في الحياة الخرة‪.‬‬
‫‪ -8‬التزهيد في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫‪ -9‬الترغيب في الخرة‪.‬‬
‫‪ -10‬إيهام الخبر للتفخيم‪.‬‬
‫‪ -11‬تخصيص المتقين؛ لنهم المنتفعون بذلك‪.‬‬
‫‪ -12‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -13‬الحث على التقوى‪.‬‬
‫‪ -14‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -15‬دليل أن الجنة في أعلى‪.‬‬
‫‪ -16‬إثبات الجنة‪.‬‬
‫‪ -17‬دليل على وجود الجنة الن وأنها مخلوقة‪.‬‬
‫‪ -18‬أن فيها أنهار‪.‬‬
‫‪ -19‬أن أنهارها تجري‪.‬‬
‫‪ -20‬أن أهل الجنة ماكثين فيها أب ‪2‬دا‪.‬‬
‫‪ -21‬دليل على بقاء الجنة‪.‬‬

‫‪ -22‬أن لهل الجنة أزواج‪.‬‬
‫‪ -23‬أن أزواجهم مطهرة من الدنس والخبث والذى والحيض والنفاس وسائر القذار‪.‬‬
‫‪ -24‬إثبات صفة الرضى‪.‬‬
‫‪ -25‬حصول رضى ال لهل الجنة جعلنا ال منهم وإخواننا المسلمين‪ ،‬ومتعنا وإياهم بالنظر إلى‬
‫وجهه الكريم‪ ،‬اللهم صل على محمد وآله‪.‬‬
‫ضوا ‪d‬ن‬
‫‪ -26‬إن رضى ال عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ور !‬
‫'من الله أ !كب‪B‬ر { ‪.‬‬
‫‪ -27‬إثبات البعث والحساب والجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -28‬إثبات علم ال‪.‬‬
‫‪ -29‬الحث على مقام المراقبة‪.‬‬
‫‪ -30‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -31‬الخوف من ال‪.‬‬
‫‪ -32‬دليل على كرم ال وجوده؛ فلهذا أعطى أهل الجنة فوق مرامهم‪ ،‬بل أعد لهم ما ل عين‬
‫رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬
‫‪ -33‬دليل على قدرة ال وأنه ل يعجزه شيء‪.‬‬
‫‪ -34‬أن المتقين المعد لهم النعيم تتأثر قلوبهم بثمرات اليمان فتفيض ألسنتهم بالعتراف بهذا‬
‫اليمان حين الدعاء والبتهال‪.‬‬
‫‪ -35‬أنهم مع أعمالهم يسألون ال مغفرة ذنوبهم‪.‬‬
‫‪ -36‬أنهم مع ذلك يسألون ال جل وعل أن يقيهم عذاب النار‪.‬‬
‫‪ -37‬دليل على البعث والحساب والجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -38‬دليل على جواز التوسل إلى ال باليمان والعمال الصالحة لمغفرة الذنوب وقصة أصحاب‬
‫الغار الثلثة مشهورة نكتفي بالرشاد إليها‪.‬‬
‫‪ -39‬أن من الصفات التي امتازوا بها عن غيرهم الصبر‪.‬‬
‫‪ -40‬أن من صفاتهم الصدق‪.‬‬
‫‪ -41‬أن من صفاتهم المداومة على الطاعة‪.‬‬
‫‪ -42‬أن من صفاتهم النفاق فيما حث الشارع عليه‪.‬‬
‫‪ -43‬أنهم مع ما تقدم من العمال الصالحة يستغفرون ال في السحار‪.‬‬
‫‪ -44‬الحث على الصبر؛ لن ال مدح من اتصف به‪.‬‬

‫‪ -45‬الحث على الصدق لما تقدم‪.‬‬
‫‪ -46‬الحث على القنوت؛ لن ال مدح من اتصف به‪.‬‬
‫‪ -47‬الحث على النفاق في مراضي ال لما سبق‪.‬‬
‫‪ -48‬الحث على الستغفار لما تقدم‪.‬‬
‫‪ -49‬تجنب الكذب‪.‬‬
‫‪ -50‬البتعاد عن البخل‪.‬‬
‫‪ -51‬البتعاد عن الذنوب‪.‬‬
‫‪ -52‬الخوف من النار‪.‬‬
‫‪ -53‬تجنب التسخط والتضجر مما يقدره ال على العبد‪.‬‬
‫‪ -54‬إثبات صفة الربوبية ل جل وعل‪.‬‬
‫‪ -55‬أن هذه أعظم شهادة‪.‬‬
‫‪ -56‬إثبات شهادة ال على وحدانيته وقيامه بالقسط وألوهيته‪.‬‬
‫‪ -57‬إثبات وحدانية ال‪.‬‬
‫‪ -58‬إثبات الملئكة‪.‬‬
‫‪ -59‬إثبات شهادتهم‪.‬‬
‫‪ -60‬الرد على من أنكرهم من الملحدة والدهريين ومن سلك مذهبهم‪.‬‬
‫‪ -61‬دليل على فضل العلم‪.‬‬
‫‪ -62‬فضل العلماء لتخصيصهم دون غيرهم وقرن شهادتهم بشهادته‪.‬‬
‫‪ -63‬وجوب قبول هذه الشهادة على المكلفين‪.‬‬
‫‪ -64‬دليل على أن الخلق تبع للعلماء المحققين المتمسكين بكتاب ال و •سنة رسوله ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪.-‬‬

‫‪ -65‬إثبات عدل ال وقيامه به‪.‬‬
‫‪ -66‬إثبات صفة العزة ل‪.‬‬
‫‪ -67‬إثبات السماء ل‪.‬‬
‫‪ -68‬إثبات حكمة ال‪.‬‬
‫‪ -69‬الرد على الجهمية ونحوهم من المنكرين لهذه الصفة ولغيرها‪.‬‬
‫‪ -70‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -71‬أن من أسمائه تعالى العزيز‪.‬‬
‫‪ -72‬أن من أسمائه تعالى الحكيم‪.‬‬

‫‪ -73‬الحث على طلب العلم الشرعي‪.‬‬
‫‪ -74‬الحث على العدل‪.‬‬
‫‪ -75‬الحث على توحيد ال‪.‬‬
‫‪ -76‬الرد على من أنكر صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -77‬الرد على المشركين‪.‬‬
‫‪ -78‬الرد على النصارى؛ لقولهم‪ } :‬إن الله ثالث ثلثة وما م !ن إله إل إله‪ d‬واح ‪d‬د { ‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في التحذير من الربا‬
‫أعوذ بال السميع العليم من الشيطان الرجيم‬
‫ضعاف‪2‬ا •مضاعفة‪ 2‬وات‪B‬قوا الله لعلك !م‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل تأ!كلوا ال 'ربا أ !‬
‫دت لل!كافرين * وأطيعوا الله والرسول لعلك !م ت‪! B‬رحمون { ‪.‬‬
‫ت‪! B‬فلحون * وات‪B‬قوا النار التي أع !‬

‫دت لل!متقين *‬
‫الرض أع !‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وسارعوا إلى م !غفرة 'من رب'ك !م وجنة ع !رضها السموات و !‬

‫ب الم !حسنين *‬
‫الذين ينفقون في السراء والضراء وال!كاظمين الغ !يظ وال!عافين عن الناس والله يح •‬
‫است‪B‬غ!فروا لذنوبه !م ومن ي‪B‬غ!فر ال •ذنوب إل‬
‫والذين إذا ف‪B‬علوا فاحشة‪! 2‬أو ظلموا أنفسه !م ذكروا الله ف !‬
‫نات ت !جري من‬
‫لم يص •روا على ما ف‪B‬علوا وه !م ي‪! B‬علمون * !أولئك جزاؤهم مغ!فرة‪' d‬من رب'ه !م وج ‪d‬‬
‫الله و !‬

‫أجر العاملين { ‪.‬‬
‫ت !حتها الن!‪B‬هار خالدين فيها ون !عم !‬

‫يقول ال تعالى ناهي‪2‬ا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعاف‪2‬ا مضاعفة‪ ،‬كما كانوا في‬

‫الجاهلية يفعلونه حيث كان الرجل منهم إذا كان له دين وحل أجله‪ ،‬قال الدائن للمدين‪ :‬إما أن‬

‫تقضي وأما أن تربي‪ ،‬فإن قضاه وإل زاده في المدة وزاد في القدر‪ ،‬وهكذا كل عام فربما تضاعف‬
‫كثيرا مضاع ‪2‬فا‪ ،‬وفي الغالب ل يفعل مثل ذلك إل معدم محتاج فهو يبذل‬
‫القليل حتى يصير ‪2‬‬

‫الزيادة؛ ليفتدي من أسر المطالبة‪ ،‬ول يزال كذلك يعلوه الدين وربما استغرق جميع موجوده‪،‬‬

‫فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه‬
‫لخيه‪ ،‬فيأكل مال أخيه بالباطل‪ ،‬ويوقعه في المشقة والضرر‪ ،‬فمن رحمته تعالى وإحسانه إلى‬
‫خلقه أن حرم الربا وآذان من لم يدعه بحربه وحرب رسوله‪ ،‬ولم يجيء مثل هذا الوعيد في كبيرة‬
‫غيره‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ات‪B‬قوا الله وذروا ما بقي من ال 'ربا إن كنتم •م !ؤمنين * فإن‬

‫ل !م ت‪! B‬فعلوا فأ!ذنوا بح !رب 'من الله ورسوله { الية‪.‬‬

‫ولعن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه‪ ،‬فعن ابن مسعود ‪-‬‬

‫رضي ال عنه ‪» :-‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لعن آكل الربا وموكله« رواه مسلم‪ ،‬زاد‬
‫الترمذي وغيره‪» :‬وشاهديه وكاتبه«‪ ،‬وعن جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪» :‬لعن رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه«‪ ،‬وقال‪» :‬هم سواء« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬اجتنبوا السبع‬
‫الموبقات‪ ،‬وذكر منها آكل الربا« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن سمرة بن جندب قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬رأيت الليلة رجلين أتياني‬
‫أخرجاني إلى أرض مقدسة‪ ،‬فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم‪ ،‬وعلى شاطئ النهر‬
‫رجل بين يديه حجارة‪ ،‬فأقبل الرجل الذي في النهر‪ ،‬فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في‬
‫فيه‪ ،‬فرده حيث كان‪ ،‬فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان«‪ ،‬فقلت‪ :‬ما‬
‫هذا؟ فقال‪» :‬الذي رأيته في النهر آكل الربا«رواه البخاري في »صحيحه«‪.‬‬
‫ثم أكد سبحانه النهي‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬وات‪B‬قوا الله لعلك !م ت‪! B‬فلحون { أي واتقوا ال فيما نهيتم عنه‬

‫وخصوصا المعاصي الكبار تجر إلى الكفر فترك‬
‫من المور ومن جملتها الربا‪ ،‬فإن المعاصي كلها‬
‫‪2‬‬
‫المعاصي ينجي النار‪ ،‬ويقي من سخط الجبار‪ ،‬وأفعال الخير والطاعة توجب رضى الرحمن‪،‬‬

‫ودخول الجنات‪ ،‬وحصول الرحمة‪.‬‬
‫دت لل!كافرين { أي ابتعدوا عن متابعة‬
‫ثم زاد سبحانه النهي تأكي ‪2‬دا‪ ،‬فقال‪ } :‬وات‪B‬قوا النار التي أع !‬
‫المرابين‪ ،‬وتعاطي ما يتعاطونه من أكل الربا الذي يفضي بآكله إلى دخول النار التي أعدها ال‬
‫للكافرين‪ ،‬وفي هذا من شديد الزجر ما ل يخفى‪ ،‬فإن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء النار إذا‬
‫علموا أنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا هذه النار كان انزعاجهم عن المعاصي أتم‪ ،‬ومن ثم روي‬
‫عن أبي حنيفة ‪-‬رحمه ال‪ -‬أنه كان يقول‪ :‬إن هذه أخوف آية في القرآن حيث أوعد ال المؤمنين‬
‫بالنار المعدة إن لم يتقوه في اجتناب محارمه‪.‬‬
‫ثم بالغ في النهي‪ ،‬فقال‪ } :‬وأطيعوا الله والرسول لعلك !م ت‪! B‬رحمون { أي أطيعوا ال والرسول بفعل‬
‫الوامر وامتثالها واجتناب النواهي لعلكم ترحمون‪ ،‬فطاعة ال وطاعة رسوله من أسباب حصول‬

‫الرحمة‪.‬‬
‫دت لل!متقين {‬
‫الرض أع !‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وسارعوا إلى مغ!فرة 'من رب'ك !م وجنة ع !رضها السموات و !‬

‫لما حذر ال تعالى عن الفعال الموجبة للعقاب ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة‬

‫الرض‬
‫إلى نيل القربات‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬وسارعوا إلى م !غفرة 'من رب'ك !م وجنة ع !رضها السموات و !‬
‫دت لل!متقين { أي بادروا وسابقوا إلى العمال الصالحة التي توجب المغفرة‪ ،‬وقال ابن عباس‬
‫أع !‬

‫ رضي ال عنهما ‪ :-‬إلى السلم‪ ،‬وروي‪ :‬إلى التوبة‪ ،‬وبه قال عكرمة‪ ،‬وقال أبو العالية‪ :‬إلى‬‫الهجرة‪ ،‬وقال الضحاك‪ :‬إلى الجهاد‪ ،‬وقال مقاتل‪ :‬إلى العمال الصالحة‪ ،‬وروي عن أنس بن‬
‫مالك‪ :‬أنها التكبيرة الولى‪.‬‬
‫استبقوا‬
‫وقد ورد في الحث على المبادرة إلى الخيرات آيات وأحاديث قال ال تعالى‪ } :‬ف !‬

‫الخ !ي‪B‬رات { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬والسابقون السابقون * !أولئك المقربون * في جنات النعيم { ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬بادروا‬

‫كافرا‪ ،‬ويمسي‬
‫بالعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم‪ ،‬يصبح الرجل مؤمن‪2‬ا ويمسي ‪2‬‬

‫كافرا‪ ،‬يبيع دينه بعرض من الدنيا«‪.‬‬
‫مؤمن‪2‬ا ويصبح ‪2‬‬

‫وعن جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رجل للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يوم أحد‪ :‬أرأيت‬

‫إن قتلت فأين أنا؟ قال‪» :‬في الجنة«‪ ،‬فألقى تمرات كن في يده‪ ،‬ثم قاتل حتى قتل‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬بادروا‬
‫هرما مفن ‪2‬دا‪ ،‬أو‬
‫فقرا منسي‪2‬ا‪ ،‬أو غنى مطغي‪2‬ا‪ ،‬أو ‪2‬‬
‫بالعمال ‪2‬‬
‫مرضا مفس ‪2‬دا‪ ،‬أو ‪2‬‬
‫سبعا‪ ،‬هل تنتظرون إل ‪2‬‬

‫مجهزا‪ ،‬أو الدجال‪ ،‬فشر غائب ينتظر‪ ،‬أو الساعة‪ ،‬فالساعة أدعوى وأمر« رواه الترمذي‪،‬‬
‫موت‪2‬ا ‪2‬‬
‫وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬

‫الرض { أي وإلى جنة عرضها السموات والرض‪ ،‬أي عرضها‬
‫وقوله‪ } :‬وجنة ع !رضها السموات و !‬

‫كعرض السموات والرض كما بينه قوله تعالى في »سورة الحديد«‪ } :‬سابقوا إلى م !غفرة 'من رب'ك !م‬
‫الرض { ؛ أي سعتها‪ ،‬وإنما ذكر العرض على المبالغة؛ لن طول‬
‫وجنة ع !رضها كع !رض السماء و !‬
‫كل شيء في الكثر والغلب أكثر من عرضه‪ ،‬يقول هذه صفة عرضها‪ ،‬فكيف طولها؟ قال‬
‫دت لل!متقين { أي هيئت‬
‫الزهري‪ :‬إنا وصف عرضها فأما طولها فل يعلم إل ال‪ ،‬وقوله‪ } :‬أع !‬

‫للمطيعين ل تعالى ولرسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة وأعمالهم‪،‬‬

‫فقال‪ } :‬الذين ينفقون في السراء والضراء { أي في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة‬
‫والمرض‪ ،‬وفي جميع الحوال‪ ،‬كما قال‪ } :‬الذين ينفقون !أموالهم بال !ليل والن‪B‬هار س ‪2‬را وعلنية‪، { 2‬‬
‫والمعنى‪ :‬إنهم ل يشغلهم أمر عن طاعة ال والنفاق في مراضيه والحسان على خلقه من‬
‫قراباتهم وغيرهم بأنواع البر‪ ،‬فأول ما ذكر من أخلقهم الموجبة للجنة ذكر السخاء‪.‬‬
‫وقد وردت أحاديث في الحث على الجود والنفاق في وجوه الخير‪ ،‬فمنها‪ :‬ما ورد عن أبي هريرة‬
‫ رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما من يوم يصبح العباد فيه‬‫إل وملكان ينزلن‪ ،‬فيقول أحدهما‪ :‬اللهم أعط منف ‪2‬قا خل ‪2‬فا‪ ،‬ويقول الخر‪ :‬اللهم أعط ممس ‪2‬كا‬

‫تل ‪2‬ف ا« متفق عليه‪ ،‬وعنه أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬قال ال تعالى‪ :‬أنفق يا ابن‬
‫آدم ينفق عليك« متفق عليه‪.‬‬

‫وعن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل حسد إل في‬
‫اثنتين‪ :‬رجل آتاه ال مال‪ 2‬فسلطه على هلكته في الحق‪ ،‬ورجل آتاه ال حكمة فهو يقضي بها‬
‫ويعلمها« متفق عليه‪ ،‬وعنه قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أيكم مال وارثه‬

‫أحب إليه من ماله؟« قالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما منا أحد إل ماله أحب إليه‪ ،‬قال‪» :‬فإن ماله ما قدم‪،‬‬
‫ومال وارثه ما أخر« رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أبي أمامة صدي بن عجلن ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :‬يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك‪ ،‬وإن تمسكه شر لك‪ ،‬ول تلم على كفاف‪ ،‬وابدأ‬‫بمن تعول‪ ،‬واليد العليا خير من اليد السفلى« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ما نقصت‬
‫صدقة من مال‪ ،‬وما زاد ال عب ‪2‬دا بعفو إل عزاء‪ ،‬وما تواضع أحد ل إل رفعه ال عز وجل« رواه‬

‫مسلم‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬السخي‬
‫قريب من ال‪ ،‬قريب من الجنة‪ ،‬قريب من الناس‪ ،‬بعيد عن النار‪ ،‬والبخيل بعيد عن ال‪ ،‬بعيد عن‬
‫الجنة‪ ،‬بعيد من الناس‪ ،‬قريب من النار‪ ،‬ولجاهل سخي أحب إلى ال من عابد بخيل«‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫يغطي بالسماحة كل عيب ‪ ...‬وكم عيب يغطيه السخاء‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫جميعا سخاؤه‬
‫ويظهر عيب المرء للناس بخله ‪ ...‬ويستره عنهم ‪2‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬وال!كاظمين الغ !يظ { أي الجارعين الغيظ عند امتلء نفوسهم منه‪ ،‬والكظم‪ :‬حبس‬

‫الشيء عند امتلئه‪ ،‬وكظم الغيظ أن يمتلئ غيظ‪2‬ا فيرده في جوفه ول يظهره‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ } :‬إذ‬

‫القلوب لدى الحناجر كاظمين { ‪.‬‬

‫وعن سهل بن معاذ بن أنس‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من كظم‬
‫غيظ‪2‬ا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه ال يوم القيامة على رءوس الخلئق حتى يخيره من أي الحور‬

‫شاء«‪.‬‬

‫وعن زيد بن أسلم عن رجل من أهل الشام‪ ،‬يقال له‪ :‬الجليل عن عم له عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال‬
‫عنه ‪ -‬في قوله‪ } :‬وال!كاظمين { أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ليس الشديد‬
‫بالصرعة‪ ،‬ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب« متفق عليه‪.‬‬
‫وفي بعض الثار يقول ال تعالى‪» :‬يا ابن آدم‪ ،‬اذكرني إذا غضبت فل أهلك فيمن أهلك« رواه‬
‫ابن أبي حاتم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رجل‪ 2‬قال للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬أوصني‪ ،‬قال‪:‬‬

‫مرارا‪ ،‬قال‪» :‬ل تغضب« رواه البخاري‪.‬‬
‫»ل تغضب« فردد ‪2‬‬

‫وعن حميد بن عبدالرحمن‪ ،‬عن رجل من أصحاب النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪ :‬قال‬
‫رجل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أوصني‪ ،‬قال‪» :‬ل تغضب« قال‪ :‬ففكرت حين قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬ما قال‪ ،‬فإذا الغضب يجمع الشر كله‪ ،‬رواه أحمد‪ ،‬ورواته محتج بهم في الصحيح‪.‬‬

‫وعن ابن عمر ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬أنه سأل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬ما يباعدني من‬
‫غضب ال عز وجل؟ قال‪» :‬ل تغضب« رواه أحمد‪ ،‬وابن حبان في »صحيحه« إل أنه قال‪ :‬ما‬
‫يمنعني‪.‬‬
‫وعن ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما من‬
‫جرعة أعظم عند ال من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه ال« ابن ماجه‪ ،‬ورواته محتج بهم في‬
‫»الصحيح«‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وال!عافين عن الناس { العفو عن الناس التجاوز عن ذنوبهم وترك مؤاخذتهم مع‬
‫القدرة على ذلك‪ ،‬يعني الصافحين عن الناس المتجاوزين عما يجوز العفو والتجاوز عنه مما ل‬
‫يؤدي إلى الخلل بحق ال تعالى‪ ،‬فيدخل في العفو عن الناس عن كل من أساء إليك بقول أو‬
‫فعل‪.‬‬
‫ول در القائل‪:‬‬
‫وإن أساء مسيء فليكن لك في ‪ ...‬عروض زلته صفح وغفران‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫حلما على الجهل يندم‬
‫وأحلم عن خلي وأعلم أنه ‪ ...‬متى أجزه ‪2‬‬

‫أيضا‪:‬‬
‫وقال ‪2‬‬

‫وما قتل الحرار كالعفو عنهم ‪ ...‬ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا‬

‫فالعفو أرقى من الكظم؛ لنه ربما كظم غيظه على الحقد والضغينة‪ ،‬وقيل‪ :‬العافين عن المملوكين‬
‫إذا أساءوا‪ ،‬والعموم أولى‪.‬‬

‫أخرج ابن جرير عن الحسن أن ال تعالى يقول يوم القيامة‪» :‬ليقم من كان له على ال تعالى أجر‪،‬‬
‫فل يقوم إل إنسان عفا«‪.‬‬
‫عزا‪ ،‬وما‬
‫وفي الحديث‪» :‬ثلث أقسم عليهن‪ :‬ما نقص مال من صدقة‪ ،‬وما زاد ال عب ‪2‬دا بعفو إل ‪2‬‬

‫تواضع أحد ل إل رفعه«‪.‬‬

‫وروى الحاكم في »مستدركه« من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن أبي طلحة‬
‫القرشي عن عبادة بن الصامت‪ ،‬عن أبي بن كعب أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪:‬‬
‫»من سره أن يشرف له البنيان‪ ،‬وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه‪ ،‬ويعط من حرمه‪ ،‬ويصل من‬
‫قطعه« ثم قال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم يخرجاه‪ ،‬وقد أورده ابن مردويه من حديث علي‬
‫وكعب بن عجرة وأبي هريرة وأم سلمة ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬بنحو ذلك‪.‬‬
‫وروي من طريق الضحاك عن ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪» :-‬إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول‪ :‬أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم‬
‫وخذوا أجوركم‪ ،‬وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة«‪.‬‬
‫ب الم !حسنين { هذا تذييل لمضمون ما قبله‪ ،‬وأل إما للجنس والمذكورون‬
‫وقوله‪ } :‬والله يح •‬
‫داخلون فيه دخول‪ 2‬أولي‪2‬ا‪ ،‬وإما للعهد وعبر عنهم بالمحسنين على ما قيل إيذان‪2‬ا بأن النعوت‬

‫المعدومة من باب الحسان‪ ،‬الذي هو التيان بالعمال على الوجه اللئق الذي هو حسنها‬
‫الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي‪ ،‬وقد فسره النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» -‬بأن تعبد ال‬
‫كأنك تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه فإنه يراك« وعبر عنهم بذلك للشارة إلى أنهم في جميع تلك‬

‫النعوت محسنون إلى الغير ل في النفاق فقط‪.‬‬
‫وأخرج البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين ‪-‬رضي ال عنهما‪ -‬جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ‬
‫للصلة‪ ،‬فسقط البريق من يدها‪ ،‬فشجه‪ ،‬فرفع رأسه إليها‪ ،‬فقالت‪ :‬إن ال تعالى يقول‪:‬‬
‫} وال!كاظمين الغ !يظ { ‪ ،‬فقال لها‪ :‬قد كظمت غيظي‪ ،‬قالت‪ } :‬وال!عافين عن الناس { قال‪ :‬قد‬
‫ب الم !حسنين { قال‪ :‬اذهبي فأنت حرة لوجه ال تعالى‪.‬‬
‫عفا ال عنك‪ ،‬قالت‪ } :‬والله يح •‬

‫ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل قوله تعالى‪ } :‬والذين‬

‫إذا ف‪B‬علوا فاحشة‪! 2‬أو ظلموا أنفسه !م { انتهى‪.‬‬

‫والحسان نوعان‪ :‬الحسان في عبادة الخالق‪ ،‬والحسان إلى المخلوق‪ ،‬فالحسان في عبادة‬
‫الخالق‪ :‬فسره النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بقوله‪» :‬أن تعبد ال كأنك تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه‬
‫فإنه يراك«‪ ،‬وأما الحسان إلى المخلوق‪ :‬فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم‪ ،‬ودفع الشر‬

‫الديني والدنيوي عنهم‪ ،‬فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر‪ ،‬وتعليم جاهلهم‪،‬‬

‫ووعظ غافلهم والنصيحة لعامتهم وخاصتهم‪ ،‬والسعي في جمع كلمتهم وإيصال الصدقات‬
‫والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم على اختلف أحوالهم وتباين أوصافهم فيدخل في ذلك بذل‬
‫الندى‪ ،‬وكف الذى واحتمال الذى كما وصف ال به المتقين في هذه اليات‪ ،‬فمن قام بهذه‬
‫المور فقد قام بحق ال وحق عبيده‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫ثم ذكر اعتذارهم من جناياتهم وذنوبهم‪ ،‬فقال‪ } :‬والذين إذا ف‪B‬علوا فاحشة‪! 2‬أو ظلموا أنفسه !م‬
‫است‪! B‬غفروا لذنوبه !م { أي إذا صدر منهم أعمال سيئة كبيرة أو صغيرة‪ ،‬بادروا إلى التوبة‬
‫ذكروا الله ف !‬
‫والستغفار وذكروا ربهم‪ ،‬وما توعد به العاصين‪ ،‬ووعد به المتقين‪ ،‬فسألوه المغفرة لذنوبهم والستر‬
‫لعيوبهم مع إقلعهم عنها وندمهم عليها وعزمهم أن ل يعودوا‪.‬‬
‫عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن رجل‪ 2‬أذنب‬

‫ذنب‪2‬ا‪ ،‬فقال‪ :‬رب أذنبت ذنب‪2‬ا فاغفره لي‪ ،‬فقال ال عز وجل‪ :‬عبدي عمل ذنب‪2‬ا‪ ،‬فعلم أن له رب‪2‬ا يغفر‬
‫الذنب ويأخذ به‪ ،‬قد غفرت لعبدي‪ ،‬ثم عمل ذنب‪2‬ا آخر‪ ،‬فقال‪ :‬رب إني عملت ذنب‪2‬ا فاغفره‪ ،‬فقال‬

‫تبارك وتعالى‪ :‬علم عبدي أن له رب‪2‬ا يغفر الذنب ويأخذ به‪ ،‬قد غفرت لعبدي‪ ،‬ثم عمل ذنب‪2‬ا آخر‪،‬‬

‫فقال‪ :‬ربي عملت ذنب‪2‬ا فاغفره لي‪ ،‬فقال عز وجل‪ :‬علم عبدي أن له رب‪2‬ا يغفر الذنب ويأخذ به‪ ،‬قد‬
‫غفرت لعبدي‪ ،‬ثم عمل ذنب‪2‬ا آخر‪ ،‬فقال‪ :‬رب إني عملت ذنب‪2‬ا‪ ،‬فاغفره‪ ،‬فقال ال عز وجل‪ :‬عبدي‬

‫علم أن له رب‪2‬ا يغفر الذنب ويأخذ به‪ ،‬أشهدكم أني قد غفرت لعبدي‪ ،‬فليعمل ما شاء« رواه مسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ومن ي‪! B‬غفر ال •ذنوب إل الله { جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها تصويب‪2‬ا لفعل التائبين‬
‫وتطيب‪2‬ا لقلوبهم وبشارة لهم بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإعلء لقدرهم بأنهم علموا أن ل مفزع‬

‫للمذنبين إل فضله وكرمه وأن من كرمه أن التائب من الذنب عنده كمن ل ذنب له‪ ،‬وأن العبد إذا‬
‫التجأ إليه وتنصل عن الذنب عنده كمن ل ذنب له‪ ،‬وأن العبد إذا التجأ إليه وتنصل عن الذنب‬

‫بأقصى ما يقدر عليه عفا عنه وتجاوز عن ذنوبه وإن جلت‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ق !ل يا عبادي الذين‬
‫أسرفوا على أنفسه !م ل ت‪! B‬قنطوا من ر !حمة الله إن الله ي‪! B‬غفر ال •ذنوب جم ‪2‬يعا إنه هو الغفور‬
‫!‬
‫الرحيم { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وهو الذي ي‪! B‬قبل الت !‪B‬وبة ع !ن عباده { ‪.‬‬

‫فرحا بتوبة عبده حين يتوب‬
‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل أشد ‪2‬‬
‫إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها‪ ،‬فأتى‬

‫شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته‪ ،‬فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده‪ ،‬فأخذ‬
‫بخطامها‪ ،‬ثم قال من شدة الفرح‪ :‬اللهم أنت عبدي وأنا ربك‪ ،‬أخطأ من شدة الفرح« رواه‬
‫مسلم‪.‬‬

‫وعن عائشة قالت‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن العبد إذا اعترف ثم تاب‪ ،‬تاب‬
‫ال عليه« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عائشة أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان يقول‪» :‬اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا‬
‫استبشروا‪ ،‬وإذا أساءوا استغفروا« رواه ابن ماجه والبيهقي في »الدعوات الكبير«‪.‬‬
‫لم يص •روا على ما ف‪B‬علوا { أي ولم يقيموا على المعصية‪ ،‬بل تابوا من ذنوبهم ورجعوا‬
‫وقوله‪ } :‬و !‬
‫إلى ال من قريب‪ ،‬ولو تكرر منهم الذنب تابوا‪.‬‬

‫وعن أبي بكر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما أصر من‬
‫استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة«‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وه !م ي‪! B‬علمون { قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي‪ :‬يعلمون أنها مصيبة‪ ،‬وقيل‪:‬‬

‫وهمن يعلمون أن الضرار ضار‪ ،‬وقال الضحاك‪ :‬وهم يعلمون أن ال يملك مغفرة الذنوب‪ ،‬وقال‬

‫الحسين بن الفضل‪ :‬وهم يعلمن أن لهم رب‪2‬ا يغفر الذنوب‪ ،‬وقيل‪ :‬وهم يعلمون أنهم إن استغفروا‬

‫ألم ي‪! B‬علموا أن الله هو ي‪! B‬قبل الت !‪B‬وبة ع !ن‬
‫غفر لهم‪ ،‬وأن من تاب تاب ال عليه‪ ،‬وهذا كقوله تعالى‪! } :‬‬
‫ورا‬
‫وءا !أو يظ!ل !م ن‪! B‬فسه ثم ي !ست‪B‬غ!فر الله يجد الله غف ‪2‬‬
‫عباده { ‪ ،‬وكقوله تعالى‪ } :‬ومن ي‪! B‬عم !ل س ‪2‬‬
‫يما { ونظائر هذا كثير ج ‪2‬دا‪.‬‬
‫رح ‪2‬‬

‫وقد ورد عن عبدال بن عمرو‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال وهو على المنبر‪:‬‬
‫»ارحموا ترحموا‪ ،‬واغفروا يغفر لكم‪ ،‬ويل لقماع القول‪ ،‬ويل للمصرين الذين يصرون على ما‬
‫فعلوا وهم يعلمون« تفرد به أحمد‪.‬‬
‫وقوله‪! } :‬أولئك جزاؤه !م { إشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في السراء‬

‫والضراء إلى آخر الكلم‪ ،‬أي هؤلء جزاؤهم على أعمالهم‪ ،‬وتوبتهم واستغفارهم مغفرة من ربهم‪،‬‬
‫أي ستر لذنوبهم وعفو من ال عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم‪ ،‬ولهم على ما أطاعوا ال‬
‫فيه من أعمالهم بالحسن منها جنات‪ ،‬وهي البساتين الجامعة للشجار العجيبة‪ ،‬والثمار النيقة‪،‬‬

‫والظلل المديدة‪ ،‬والغصان والفنان‪ ،‬وبذلك صارت جنة يجتن بها داخلها‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { أي من تحت أشجارها ومساكنها وغرفها‪ ،‬وقد جاء في‬

‫الحديث‪» :‬أن أنهارها تجري في غير أخدود«‪ ،‬وقد بين سبحانه أنواع هذه النهار في قوله تعالى‪:‬‬
‫ار 'م !ن خ !مر لذة ل'لشاربين‬
‫ار 'من لبن ل !م ي‪B‬ت‪B‬غي‪! B‬ر ط !عمه وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫ار 'من ماء غ !ير آسن وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫} فيها أن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫ار 'م !ن عسل •مص §فى { ‪.‬‬
‫وأن!‪B‬ه ‪d‬‬

‫وقوله‪ } :‬خالدين فيها { أي مقيمين ل يحولون عنها ول يبغون بها بدل‪ ،2‬ول بغير ما هم فيه من‬

‫النعيم‪.‬‬

‫أجر العاملين { المخصوص بالمدح محذوف‪ ،‬أي ونعم أجر العاملين الجنة‪ ،‬عملوا‬
‫وقوله‪ } :‬ون !عم !‬

‫موفرا‬
‫كثيرا‪ ،‬فعند الصباح يحمد القوم السري وعند الجزاء يجد العامل أجره كامل‪2 2‬‬
‫ل قليل‪ 2‬فأجروا ‪2‬‬

‫ت م !ن خ !ير •م !حض ‪2‬را { ‪.‬‬
‫} ي‪! B‬وم تجد ك •ل ن‪! B‬فس ما عمل !‬
‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬

‫فصل في صفة الجنة‬
‫فاسمع إ ‪2‬ذا أوصافها وصفات ها‬
‫هي جنة طابت وطاب نعيمها‬
‫دار السلم وجنة المأوى‬
‫فالدار دار سلمة وخطا بهم ‪ ...‬تيك المنازل ربة الركان‬
‫فنعيمها باق وليس بفان‬
‫ومنزل عسكر اليمان والقرآن‬
‫فيها سلم واسم ذي الغفران‬
‫وقال ‪-‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫فصل في أنهار الجنة‬
‫أنهارها في غير أخدود جرت‬
‫من تحتهم تجري كما شاءوا مفجرة‬
‫عسل مصفى ثم ماء ثم خمر‬
‫وال ما تلك المواد كهذه‬
‫هذا وبينهما يسير تشابه ‪ ...‬سبحان ممسكها عن الفيضان‬
‫وما للنهر من نقصان‬
‫ثم أنهار من اللبان‬
‫لكن هما في اللفظ مجتمعان‬
‫وهو اشتراك قام بالذهان‬
‫مما يفهم من اليات ]‪:[136-130‬‬
‫‪ -1‬النهي عن أكل الربا‪.‬‬
‫‪ -2‬أنه محرم‪.‬‬
‫‪ -3‬المر بالتقوى‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات اللوهية‪.‬‬

‫‪ -5‬أن التقوى سبب للفلح‪.‬‬
‫‪ -6‬المر باتقاء النار‪.‬‬
‫‪ -7‬الدليل على أن أكل الربا من الكبائر‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات وجود النار‪.‬‬
‫‪ -9‬دليل على أنها الن مخلوقة ومعدة للكفار‪.‬‬
‫‪ -10‬أنها معدة للكفار‪.‬‬
‫‪ -11‬إثبات البعث والحساب والجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -12‬والخوف والحذر من النار‪.‬‬
‫‪ -13‬سماحة الدين السلمي حيث لم يبح الربا لما فيه من القسوة واستغلل ضرورة المعوز‬
‫وحاجته‪.‬‬
‫‪ -14‬الحث على ما يوجد المحبة في القلوب‪.‬‬
‫‪ -15‬البعاد عما يوجب البغضاء‪.‬‬
‫‪ -16‬زيادة التأكيد في النهي عن الربا‪.‬‬
‫‪ -17‬في هذه الية من شديد الزجر عن الربا ما ل يخفى‪ ،‬فإن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء‬
‫المعاصي إذا علموا أنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا هذه النار كان انزعاجهم وقلقهم عن المعاصي‬
‫أتم‪ ،‬ومن ثم روي عن أبي حنيفة ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬أنه كان يقول‪ :‬إن هذه أخوف آية في القرآن‬
‫حيث أوعد ال المؤمنين بالنار العدة للكفار إن لم يتقوه في اجتناب محارمه‪.‬‬
‫ضعاف‪2‬ا •مضاعفة‪ { 2‬تنبيه على شدة شناعته بكثرة‪.‬‬
‫‪ -18‬أن في قوله‪ } :‬أ !‬

‫‪ - 19‬التنبيه على حكمة تحريم الربا‪ ،‬وأنها لما فيه من الظلم‪ ،‬وذلك أن ال أوجب إنظار المعسر‬
‫وبقاء ما في ذمته من غير زيادة‪ ،‬فإلزامه بما فوق ذلك ظلم متضاعف‪.‬‬
‫‪ -20‬المر بطاعة ال‪.‬‬
‫‪ -21‬المر بطاعة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -22‬في الية معاقبة للذين عصوا الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يوم أحد‪.‬‬
‫‪ -23‬تعقيب الوعيد بالوعد‪ ،‬ترهيب‪2‬ا عن المخالفة‪ ،‬وترغيب‪2‬ا في الطاعة‪.‬‬
‫‪ -24‬إثبات صفة الرحمة‪.‬‬

‫‪ -25‬الحث على المسارعة إلى ما هو سبب لمغفرة الذنوب‪.‬‬
‫‪ -26‬الحث على المسارعة إلى إدراك الجنة‪.‬‬
‫‪ -27‬إثبات صفة المغفرة‪.‬‬

‫‪ -28‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على إثبات الجنة‪.‬‬
‫‪ -30‬دليل على سعتها‪.‬‬
‫‪ -31‬دليل على أن الجنة الن مخلوقة‪.‬‬
‫‪ -32‬حسن التعبير عن الجنة بعرض السموات والرض؛ لنهما أوسع مخلوقات ال سبحانه فيما‬
‫يعلمه عباده‪.‬‬
‫‪ -33‬الحث على التقوى‪.‬‬
‫‪ -34‬أنها سبب لمرضات ال‪.‬‬
‫‪ -35‬أن من صفاتهم أنهم ينفقوا في السراء‪.‬‬
‫‪ -36‬أنهم ينفقون في الشدة فنفقتهم مستمرة في المنشط والمكره‪ ،‬وفي جميع الحوال‪.‬‬
‫‪ -37‬إن من صفاتهم كظم الغيظ‪.‬‬
‫‪ -38‬إن من صفاتهم العفو عن الناس‪.‬‬
‫‪ -39‬إثبات صفة المحبة ل‪.‬‬
‫‪ -40‬الحث على النفاق فيما يرضي ال سبحانه‪.‬‬
‫‪ -41‬الحث على كظم الغيظ‪.‬‬
‫‪ -42‬الحث على العفو عن الناس‪.‬‬
‫‪ -43‬الحث على الحسان‪.‬‬
‫‪ -44‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -45‬الحث على التحلي بالخلق الفاضلة‪.‬‬
‫‪ -46‬إثبات الفعال الختيارية ل‪.‬‬
‫‪ -47‬أن من صفاتهم أنهم إذا صدر منهم أعمال سيئة بادروا إلى التوبة والستغفار‪ ،‬وذكروا ربهم‬
‫وما توعد به العاصين‪.‬‬
‫‪ -48‬الحث على ذكر ال‪.‬‬
‫‪ -49‬النهي عن الفواحش؛ لنها من الذنوب العظام‪ ،‬وقد نهى ال عن قريانها‪.‬‬
‫‪ -50‬أن من صفات أولئك أنهم لم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون‪.‬‬
‫‪ -51‬أنهم يعلمون أن من تاب تاب ال عليه‪.‬‬
‫‪ -52‬الرد على الجبرية‪.‬‬
‫‪ -53‬إثبات البعث‪.‬‬
‫‪ -54‬إثبات الحساب والجزاء على العمال‪.‬‬

‫‪ -55‬أن الموصوفون بتلك الصفات جزاؤهم مغفرة من ربهم‪.‬‬
‫‪ -56‬إثبات صفة المغفرة‪.‬‬
‫‪ -57‬إثبات الربوبية الخاصة‪.‬‬
‫‪ -58‬إن الموصوفون بتلك الصفات لهم مع مغفرة الذنوب جنات‪.‬‬
‫ار 'من ماء غ !ير آسن‬
‫‪ -59‬إن فيها أنهار‪ ،‬وهي موضحة في آية أخرى في قوله تعالى‪ } :‬فيها أن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫ار 'م !ن عسل •مص §فى { الية‪.‬‬
‫ار 'م !ن خ !مر لذة ل'لشاربين وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫ار 'من لبن ل !م ي‪B‬ت‪B‬غي‪! B‬ر ط !عمه وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫‪ -60‬أنهم مقيمين فيها أب ‪2‬دا‪.‬‬

‫سنة والجماعة على أن العمال تدخل في اليمان‪.‬‬
‫‪ -61‬أن هذه اليات الكريمة من أدلة أهل ال •‬
‫‪ -62‬في الية رد على المرجئة‪.‬‬

‫‪ -63‬دليل على كرم ال وجوده‪ ،‬يوفق العبد للعمل اليسير‪ ،‬ويجزيه عليه الثواب العظيم‪.‬‬
‫‪ -64‬أنه ل يتعاظمه شيء أعطاه‪.‬‬
‫‪ -65‬لطف ال بخلقه إذ بين لهم طرق السعادة‪.‬‬
‫‪ -66‬الحث على الستغفار‪.‬‬
‫‪ -67‬أنه ل أحد يغفر الذنوب إل ال‪.‬‬
‫‪ -68‬مدح هذا الجزاء العظيم يفيد تنشيط السامع‪.‬‬
‫‪ -69‬دليل على علم ال‪.‬‬
‫‪ -70‬دليل على حكمة ال‪.‬‬
‫‪ -71‬الترغيب في العمال الصالحة للحصول على هذا الجر العظيم‪.‬‬
‫‪ -72‬في اليات ما يدعو إلى محبة ال؛ لن النفوس مجبولة على من يحسن إليها ويبذل لها‬
‫محض النصح‪ ،‬فكيف بمن إحسانه شامل للخلق كلهم في كل زمان ومكان‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في الحث على التفكر فيما خلق ال سبحانه وتعالى واستجابته –سبحانه‪ -‬لدعاء عباده المؤمنين‪،‬‬
‫وأمره لهم بالصبر‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫لولي‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬إن في خل!ق السموات و !‬
‫الرض وا !ختلف الل !يل والن‪B‬هار ليات !‬

‫الرض‬
‫الل!باب * الذين يذ!كرون الله قي ‪2‬اما وق‪B‬ع ‪2‬‬
‫ودا وعلى جنوبه !م وي‪B‬ت‪B‬فكرون في خل!ق السموات و !‬

‫رب‪B‬نا ما خل !قت هذا باطل‪ 2‬س !بحانك فقنا عذاب النار * رب‪B‬نا إنك من ت !دخل النار ف‪B‬ق !د أ !خزي!‪B‬ته وما‬

‫للظالمين م !ن أنصار * رب‪B‬نا إن‪B‬نا سم !عنا منادي‪2‬ا ي‪B‬نادي لليمان أ !ن آمنوا برب'ك !م فآمنا رب‪B‬نا فا !غف !ر لنا‬
‫ذنوب‪B‬نا وك 'ف !ر عنا سي'ئاتنا وت‪B‬وف‪B‬نا مع الب!‪B‬رار * رب‪B‬نا وآتنا ما وعدت‪B‬نا على رسلك ول ت !خزنا ي‪! B‬وم القيامة‬
‫استجاب له !م رب•‪B‬ه !م أن'ي ل أضيع عمل عامل 'منكم 'من ذكر !أو أنثى‬
‫إنك ل ت !خلف الميعاد * ف !‬
‫ب‪! B‬عضكم 'م !ن ب‪! B‬عض فالذين هاجروا وأ !خرجوا من دياره !م وأوذوا في سبيلي وقات‪B‬لوا وقتلوا لك 'فرن‬

‫ع !ن‪B‬ه !م سي'ئاته !م ول !دخلن‪B‬ه !م جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار ث‪B‬واب‪2‬ا 'م !ن عند الله والله عنده ح !سن‬
‫•‬
‫يل ثم مأ!واه !م جهنم وب !ئس المهاد *‬
‫الث‪B‬واب * ل ي‪B‬غرنك ت‪B‬قلب الذين كفروا في البلد * متاع‪ d‬قل ‪d‬‬
‫نات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار خالدين فيها ن‪B‬زل‪' 2‬م !ن عند الله وما عند‬
‫لكن الذين ات‪B‬ق !وا رب‪B‬ه !م له !م ج ‪d‬‬
‫الله خ !ي‪d B‬ر ل'لب!‪B‬رار * وإن م !ن !أهل الكتاب لمن ي‪! B‬ؤمن بالله وما أنزل إ !ليك !م وما أنزل إ !ليه !م خاشعين‬
‫لله ل ي !شت‪B‬رون بآيات الله ثمن‪2‬ا قليل‪2‬‬
‫اصبروا وصابروا ورابطوا‬
‫أجره !م عند رب'ه !م إن الله سريع الحساب * يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا !‬
‫!أولئك له !م !‬
‫وات‪B‬قوا الله لعلك !م ت‪! B‬فلحون { ‪.‬‬

‫لما بين سبحانه وتعالى أن له ملك السموات والرض عقبه ببيان الدللة على ذلك‪ ،‬فقال‪ } :‬إن‬

‫الرض { في ارتفاعها واتساعها‪ ،‬وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها‪ ،‬وما‬
‫في خل!ق السموات و !‬
‫فيهما من اليات المشاهدة العظيمة‪ :‬من كواكب سيارات‪ ،‬وثوابت وبحار وجبال وقفار‪ ،‬وأشجار‬
‫ونبات وزروع وثمار‪ ،‬وحيوان ومعادن‪ ،‬ومنافع مختلفة اللوان والطعوم والروائح والخواص‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ا !ختلف الل !يل والن‪B‬هار { أي في تعاقبهما وتقارظهما في الطول والقصر‪ ،‬فتارة يطول هذا‬
‫قصيرا‪ ،‬ويقصر الذي كان‬
‫ويقصر هذا‪ ،‬ثم يعتدلن‪ ،‬ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان ‪2‬‬

‫لولي الل!باب { أي دللت لولي‬
‫طويل‪ ،2‬وكل ذلك تقدير العزيز العليم؛ ولهذا قال‪ } :‬ليات !‬
‫العقول التامة الزكية التي تدرك الشياء بحقائقها على جلياتها‪ ،‬وليس كالصم البكم الذين ل‬

‫الرض يم •رون عل !ي‪B‬ها وه !م ع !ن‪B‬ها‬
‫يعقلون‪ ،‬الذين قال ال فيهم‪ } :‬وكأي'ن 'م !ن آية في السموات و !‬

‫م !عرضون { ‪.‬‬

‫ودا وعلى جنوبه !م { قال علي‬
‫ثم وصف تعالى أولي اللباب‪ ،‬فقال‪ } :‬الذين يذ!كرون الله قي ‪2‬اما وق‪B‬ع ‪2‬‬
‫قائما‪،‬‬
‫بن أبي طالب و ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ ،-‬والنخعي وقتادة‪ :‬هذا في الصلة يصلي ‪2‬‬

‫فإن لم يستطع فعلى جنب‪ ،‬وثبت في »الصحيحين«‪ :‬عن عمران بن حصين أن رسول ال ‪-‬‬

‫تستطع فعلى جنبك«‪.‬‬
‫قائما‪ ،‬فإن لم تستطع فقاع ‪2‬دا‪ ،‬فإن لم‬
‫!‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬صل ‪2‬‬

‫وقال سائر المفسرين‪ :‬أراد به المداومة على الذكر في عموم الحوال؛ لن النسان قل ما يخلو‬
‫من إحدى هذه الحالت الثلثة‪ ،‬نظيرة في سورة النساء‪ } :‬فإذا قض !يتم الصلة فاذ!كروا الله قي ‪2‬اما‬

‫ودا وعلى جنوبك !م { ‪ ،‬ول تنافي بين المفسرين؛ لنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه‬
‫وق‪B‬ع ‪2‬‬
‫الحوال وهم في الصلة‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬

‫وقد ورد في فضل ذكر ال عز وجل والحث عليه آيات وأحاديث كثيرة وليس بعد تلوة القرآن‬
‫الكريم عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر ال سبحانه وتعالى ورفع الحوائج بالدعية الخالصة‬
‫إليه‪ ،‬ومما يدل على فضل الذكر مع الية المتقدمة قوله تعالى‪ } :‬فاذ!كروني أذ!ك !رك !م { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫} واذ!كروا الله كث ‪2‬يرا لعلك !م ت‪! B‬فلحون { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬والذاكرين الله كث ‪2‬يرا والذاكرات أعد الله لهم‬

‫يما { ‪.‬‬
‫مغ!فرة‪ 2‬و !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬

‫وعن أبي ذر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أل أخبرك‬

‫بأحب الكلم إلى ال؟« قلت‪ :‬بلى يا رسول ال‪ ،‬أخبرني بأحب الكلم إلى ال‪ ،‬قال‪» :‬إن أحب‬
‫الكلم إلى ال‪ :‬سبحان ال وبحمده« رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي موسى قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬مثل الذي يذكر ربه والذي ل‬
‫يذكره مثل الحي والميت« رواه البخاري‪ ،‬ورواه مسلم‪ ،‬فقال‪» :‬مثل البيت الذي يذكر ال فيه‬
‫والذي ل يذكر ال فيه مثل الحي والميت«‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬يقول ال‬
‫تعالى‪ :‬أنا عند ظن عبدي بي‪ ،‬وأنا معه إذا ذكرني‪ ،‬فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن‬
‫ذكرني في مل ذكرته في مل خير منهم« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬سبق‬
‫كثيرا والذاكرات« رواه مسلم‪.‬‬
‫المفردون«‪ ،‬قالوا‪ :‬وما المفردون يا رسول ال؟ قال‪» :‬الذاكرون ال ‪2‬‬
‫الرض { أي ومن صفة أولي اللباب أن يتفكروا في‬
‫وقوله‪ } :‬وي‪B‬ت‪B‬فكرون في خل!ق السموات و !‬
‫خلق السموات والرض ويتدبروا ويفهموا ما فيهما من الحكم الدالة على وحدانية ال تعالى‬

‫وعظمته‪ ،‬وكمال قدرته‪ ،‬وعلمه‪ ،‬وحكمته‪ ،‬واختياره رحمته‪ ،‬ويتبع ذلك صدق الرسل عليهم أفضل‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وأن الكتب التي أنزلت عليهم مفصلة لحكام التشريع حاوية لكامل الداب‬
‫والخلق‪ ،‬ولما يلزم نظم المجتمع في هذه الحياة وللحساب والجزاء على العمال بدخول‬
‫الجنة والنار‪.‬‬
‫قال ابن عون‪ :‬الفكرة تذهب الغفلة‪ ،‬وتحدث للقلب الخشية‪ ،‬كما يحدث الماء للزرع النماء‪ ،‬وما‬
‫جليت القلوب بمثل الحزان‪ ،‬ول استنارت بمثل الفكرة‪ ،‬وقال الشيخ أبو سليمان الدارني‪ :‬إني‬

‫لخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إل رأيت ل فيه نعمة‪ ،‬ولي فيه عبرة‪ ،‬رواه ابن أبي‬
‫الدنيا في كتاب »التوكل والعتبار«‪ ،‬وعن الحسن البصري أنه قال‪ :‬تفكر ساعة خير من قيام ليلة‪،‬‬
‫وقال الفضيل‪ :‬قال الحسن‪ :‬الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك‪ ،‬وقال سفيان ابن عيينة‪ :‬الفكر‬
‫تفكرا‬
‫تذكرا وصمته ‪2‬‬
‫نور يدخل قلبك‪ ،‬وعن عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أنه قال‪ :‬طوبى لمن كان قيله ‪2‬‬

‫عبرا‪ ،‬وقال لقمان الحكيم‪ :‬إن طول الوحدة ألهم للفكرة‪ ،‬وطول الفكر دليل على طرق‬
‫ونظره ‪2‬‬

‫باب الجنة‪.‬‬

‫وقال وهب بن منبه‪ :‬ما طالت فكرة امرئ قط إل فهم‪ ،‬ول فهم امرؤ إل علم‪ ،‬ول علم امرؤ قط‬
‫إل عمل‪ ،‬وقال عمر بن عبدالعزيز‪ :‬الكلم بذكر ال عز وجل حسن‪ ،‬والفكرة في نعم ال أفضل‬
‫العبادة‪ ،‬وقال مغيث السود‪ :‬زوروا القبور كل يوم تفكركم وشاهدوا الموقف بقلوبكم‪ ،‬وانظروا إلى‬
‫المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار‪ ،‬وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامها وأطباقها‪.‬‬
‫ومر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة‪ ،‬فناداه‪ ،‬فقال‪ :‬يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك‬
‫فيهما معتبر‪ :‬كنز الرجال وكنز الموال‪.‬‬
‫وعن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه أتى الخربة‪ ،‬فيقف على بابها‪ ،‬فينادي بصوت‬
‫ك إل و !جهه { ‪ ،‬وقال بشر‬
‫حزين‪ ،‬فيقول‪ :‬أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه‪ ،‬فيقول‪ } :‬ك •ل ش !يء هال ‪d‬‬
‫ابن الحارث الحافي‪ :‬لو تفكر الناس في عظمة ال لما عصوه‪.‬‬

‫وقال الحسن‪ ،‬عن عامر ابن عبد قيس قال‪ :‬سمعت غير واحد ول اثنين ول ثلثة من أصحاب‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقولون‪ :‬إن ضياء اليمان –أو نور اليمان‪ -‬التفكر‪ ،‬وعن عيسى‬
‫‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أنه قال‪ :‬يا آبن آدم الضعيف‪ ،‬اتق ال حيثما كنت‪ ،‬وكن في الدنيا ضي ‪2‬فا‪،‬‬

‫واتخذ المساجد بيت‪2‬ا‪ ،‬وعلم عينيك البكاء‪ ،‬وجسدك الصبر‪ ،‬وقلبك الفكر‪ ،‬ول تهتم برزق غد‪.‬‬

‫يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك‪،‬‬
‫وعن أمير المؤمنين عمر عبدالعزيز ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنه بكى ‪2‬‬
‫فقال‪ :‬فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها‪ ،‬ما تكاد شهواتها تنقضي حتى‬

‫تكدرها مرارتها‪ ،‬ولئن لم يكن فيها عبرة إن فيها مواعظ لمن ادكر‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليثمر منهما معرفة ثالثة كاستحضار الدنيا‬
‫وصفاتها‪ ،‬والخرة وصفاتها‪ ،‬ليثمر من ذلك أيهما أحق باليثار‪ ،‬واستحضار الخلق والعمال‬
‫الصالحة والفاسدة هل وجودها خير أو عدمها‪ ،‬ثم يؤثر العاقل أنفع المرين‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫والتفكر في القرآن نوعان‪ :‬تفكر فيه ليقع على مراد الرب‪ ،‬وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى‬
‫التفكر فيه‪ ،‬وإذا تأملت ما دعا سبحانه عباده إلى التفكر فيه أوقعك على العلم به وبأسمائه‬

‫وصفاته‪ ،‬ورحمته‪ ،‬وإحسانه‪ ،‬وبره ورضاه‪ ،‬وغضبه وثوابه وعقابه‪ ،‬فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم‬
‫إلى التفكر في آياته‪ ،‬ونذكر لذلك أمثلة مما ذكرها ال سبحانه في كتابه ليستدل بها على غيره‪،‬‬
‫فمن ذلك خلق النسان‪ ،‬وقد ندب سبحانه إلى التفكر فيه‪ ،‬والنظر في غير موضع من كتابه‪،‬‬
‫كقوله تعالى‪ } :‬ف‪B‬ل!ينظر النسان مم خلق { ‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬وفي أنفسك !م أفل ت‪! B‬بصرون { ‪،‬‬

‫وقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الناس إن كنت !م في ري!ب 'من الب‪! B‬عث فإنا خل !قناكم 'من ت‪B‬راب { الية‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫} أي !حسب النسان أن ي‪! B‬ت‪B‬رك س ‪2‬دى { إلى آخر السورة‪ ،‬وساق آيات أخرى‪.‬‬

‫ثم قال‪ :‬وهذا كثير في القرآن يدعو إلى العبد إلى النظر والفكر في مبدئ خلقه ووسطه وآخره‪،‬‬

‫إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلئل على خالقه وفاطره‪ ،‬وأقرب شيء إلى النسان نفسه‪ ،‬وفيها من‬
‫العجائب الدالة على عظمة ال ما تنقضي العمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض‬
‫عن التفكر فيه‪ ،‬ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقه‪.‬‬
‫حكما ومقاصد وفوائد ل تحيط بتفاصيلها الفكار‪ ،‬وأنها‬
‫ثم لما تفكروا عرفوا أن في كل من ذلك ‪2‬‬

‫لم تخلق عبث‪2‬ا‪ } :‬رب‪B‬نا ما خل !قت هذا باطل‪ { 2‬أي ما خلقت هذا الخلق عبث‪2‬ا‪ ،‬بل لغرض صحيح‬

‫أحسنوا بال!ح !سنى { ثم ينزهونه‬
‫وحكمة ومصلحة‪ } :‬لي !جزي الذين أساؤوا بما عملوا وي !جزي الذين !‬
‫نقصا بذاته‪ ،‬فيقولون‪ } :‬س !بحانك { أي‬
‫عن العبث وخلق الباطل وكل ما ل يليق بصفاته أو يلحق ‪2‬‬

‫تنزيها لك عن كل ما ل يليق بجللك‪ ،‬بل كل خلقك حق مشتمل على حكم جليلة ومصالح‬
‫‪2‬‬

‫عظيمة‪ ،‬والنسان بعض خلقك لم يخلق عبث‪2‬ا‪ ،‬فإن لحقه الفناء وتفرقت منه الجزاء بعد مفارقة‬

‫الرواح للبدان فبقدرتك التي ل يعجزها شيء في الرض ول في السماء ستعيده في نشأة أخرى‬
‫كما بدأته في النشأة الولى فريق أطاعك واهتدى فأفلح وأدخلته الجنة بما عمل‪ ،‬وفريق حق‬

‫عليه الضللة فكب في النار بما اجترح من السيئات‪ ،‬وما عمل من الموبقات جزاء وفاق‪2‬ا‪ } ،‬وما‬

‫ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسه !م يظ!لمون { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬فقنا عذاب النار { أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل يا من هو منزه عن العيب‬
‫والنقائص والعبث قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لعمال ترضى بها عنا‪ ،‬ووفقنا لعمل‬
‫صالح تهدينا به إلى جنات النعيم‪ ،‬وتجيرنا به من العذاب الليم‪.‬‬
‫ثم قالوا‪ } :‬رب‪B‬نا إنك من ت !دخل النار ف‪B‬ق !د أ !خزي!‪B‬ته { هذا تأكيد لما نقدمه من استدعاء الوقاية من‬

‫النار منه سبحانه وبيان للسبب الذي لجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار وهو أن من أدخله‬
‫النار فقد أخزاه‪ ،‬وقيل في معنى أخزيته‪ :‬فضحته وأبعدته‪ ،‬وقيل‪ :‬أهلكته‪ ،‬وقيل‪ :‬أذللته وأهنته‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وما للظالمين م !ن أنصار { أي من هؤلء المتفكرين الذاكرين ينظرون إلى هيبة ذلك‬

‫الرب العلي الذي خلق تلك الكوان المملوءة بالسرار والحكم فيعلمون أنه ل يمكن أحد أن‬
‫ينتصر عليه وأنه ليس لمن خالف أمره فعصاه من ذي نصرة ينصره من ال فيدفع عنه عقابه أو‬
‫ينقذه من عذابه‪ ،‬وقد وصف من يدخل النار بالظلم؛ للدللة على أن سبب دخوله إياها هو ظلمه‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬رب‪B‬نا إن‪B‬نا سم !عنا منادي‪2‬ا ي‪B‬نادي لليمان أ !ن آمنوا برب'ك !م فآمنا { المنادي‪ :‬محمد ‪ -‬صلى‬
‫تعظيما لشأن هذا النداء‪ ،‬أي إنهم بعد أن عرفوا ال‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،-‬وذكره بوصف المنادي؛ ‪2‬‬
‫حق معرفته بالذكر والفكر عبروا عن وصول دعوة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إليهم‬

‫سراعا بدون تلبث‪ ،‬بهذا القول‪ ،‬وفي تقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم‬
‫واستجابتهم له ‪2‬‬
‫إلى مولهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والبتهال إلى من عودهم الحسان‬

‫والفضال‪ ،‬وفي هذا إخبار منهم بمنة ال عليهم وتبجح بنعمته‪ ،‬وتوسل إليه بذلك أن يغفر ذنوبهم‬
‫ويكفر سيئاتهم؛ ولهذا قالوا‪ } :‬فا !غف !ر لنا ذنوب‪B‬نا { أي استرها علينا ول تفضحنا بها يوم القيامة‬
‫على رؤوس الشهاد‪ } ،‬وك 'ف !ر عنا سي'ئاتنا { أي امحها بفضلك ورحمتك إيانا‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وت‪B‬وف‪B‬نا مع الب!‪B‬رار { معناه‪ :‬واقبضنا إليك في عداد البرار واحشرنا معهم‪ ،‬ففي هذا‬

‫الدعاء طلبوا من ال ثلثة أشياء‪ :‬غفران الذنوب‪ ،‬ثاني‪2‬ا‪ :‬تكفير السيئات‪ ،‬ثالث‪2‬ا‪ :‬أن تكون وفاتهم‬
‫مع البرار‪ ،‬فيتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخيرات وترك الشر الذي بتركه يكون العبد من‬

‫البرار‪ ،‬والستمرار عليه والثبات إلى الممات‪ ،‬وفي هذا رمز إلى أنهم كانوا يحبون لقاء ال‪ ،‬ومن‬
‫أحب لقاء ال أحب ال لقاءه‪ ،‬ولما ذكروا توفيق ال إياهم لليمان وتوسلهم به إلى تمام النعمة‬
‫سألوه الثواب على ذلك‪ ،‬فقالوا‪ } :‬رب‪B‬نا وآتنا ما وعدت‪B‬نا على رسلك { أي ربنا أعطنا ما وعدتنا به‬
‫على ألسنة رسلك من حسن الجزاء كالنصر في الدنيا والظهر والنعيم في الخرة من الفوز برضوان‬
‫ال وجنته‪ ،‬وفي هذا استشعار بتقصيرهم وعدم الثقة بنياتهم إل بتوفيق ال ومزيد عنايته‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ول ت !خزنا ي‪! B‬وم القيامة { أي ول تفضحنا ول تهتك سترنا يوم القيامة بإدخالنا النار‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬إنك ل ت !خلف الميعاد { في هذا دليل على ثقتهم بوعد ال وصدور هذا الدعاء منهم‬
‫مع علمهم أن ما وعدهم ال به على ألسن رسله كائن ل محالة إما أن ذلك على وجه النقطاع‬

‫إلى ال والتضرع له والتعبد‪ ،‬كما قال‪ } :‬إنك ل ت !خلف الميعاد { أو أن الكلم خرج مخرج‬

‫المسألة‪ ،‬والمراد الخير‪ :‬أي توفنا مع البرار لتؤتينا ما وعدتنا به على ألسنة رسلك‪ ،‬ول تخزنا يوم‬

‫القيامة؛ لنهم علموا أن ما وعد ال به حق ولبد أن ينجزه كما قال تعالى‪ } :‬فل ت !حسبن الله‬

‫م !خلف و !عده رسله { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬و !عد الله ل ي !خلف الله و !عده { ‪.‬‬

‫استجاب له !م رب•‪B‬ه !م { ثم عقب سبحانه دعوة المؤمنين بذكر الجابة‪ ،‬أي فاستجاب‬
‫وقوله‪ } :‬ف !‬

‫لهم ربهم دعاءهم لصدقهم في إيمانهم‪ ،‬وذكرهم‪ ،‬وتفكيرهم‪ ،‬وتنزيههم لربهم‪ ،‬وتصديقهم للرسل‬

‫وشعورهم بالضعف‪ ،‬والتقصير في الشكر واحتياجهم إلى المغفرة وتكفير السيئات‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬أن'ي ل أضيع عمل عامل 'منكم 'من ذكر !أو أنثى ب‪! B‬عضكم 'م !ن ب‪! B‬عض { ‪ :‬هذا تفسير‬

‫مخبرا أنه ل يضيع عمل عامل لديه‪ ،‬بل يوفي كل عامل بقسط عمله من‬
‫الجابة‪ ،‬أي قال لهم ‪2‬‬

‫ذكر وأنثى‪ ،‬قال مجاهد‪ :‬قالت أم سلمة‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إني أسمع ال يذكر الرجال في الهجرة ول‬

‫يذكر النساء‪ ،‬فأنزل ال تعالى هذه الية‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ب‪! B‬عضكم 'من ب‪! B‬عض { قال الكلبي‪ :‬في الدين والنصرة والموالة‪ ،‬وقيل‪ :‬كلكم من آدم‬
‫وحواء‪ ،‬وقال الضحاك‪ :‬رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة‪ ،‬كما قال‪:‬‬

‫} وال!م !ؤمنون وال!م !ؤمنات ب‪! B‬عضه !م !أولياء ب‪! B‬عض { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬فالذين هاجروا وأ !خرجوا من دياره !م { الية تتضمن تفصيل ما أجمل في قوله‪ } :‬أن'ي ل‬

‫أضيع عمل عامل { أي فالذين هاجروا من أوطانهم وتركوا دار الشرك وأتوا إلى دار اليمان‪،‬‬

‫وفارقوا الحباب والخوان والخلن والجيران وأخرجوا من ديارهم‪ ،‬أي ضايقهم المشركون بالذى‬
‫حتى ألجؤهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال‪ } :‬وأوذوا في سبيلي { أي إنما كان ذنبهم‬
‫إلى الناس أنهم آمنوا بال وحده‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ي !خرجون الرسول وإياك !م أن ت‪! B‬ؤمنوا بالله‬

‫رب'ك !م { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وما ن‪B‬قموا م !ن‪B‬ه !م إل أن ي‪! B‬ؤمنوا بالله العزيز الحميد { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وقاتلوا { أي في سبيل ال أعداء ال‪ } ،‬وقتلوا { وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في‬
‫سبيل ال فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه‪ ،‬وقد ثبت في »الصحيحين«‪ :‬أن رجل‪ 2‬قال‪ :‬يا‬

‫صابرا محتسب‪2‬ا مقبل‪ 2‬غير مدبر‪ ،‬أيكفر ال عني خطاياي؟‬
‫رسول ال‪ ،‬أرأيت إن قتلت في سبيل ال ‪2‬‬

‫قال‪» :‬نعم«‪ ،‬ثم قال‪ :‬كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قاله‪ ،‬فقال‪» :‬نعم‪ ،‬إل الذي قاله جبريل آن ‪2‬فا«؛‬
‫ولهذا قال‪ } :‬لك 'فرن ع !ن‪B‬ه !م سي'ئاته !م ول !دخلن‪B‬ه !م جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { يعني لمحونها‬
‫عنهم‪ ،‬ولتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي ولغفرنها لهم ولدخلنهم جنات تجري من تحتها‬

‫النهار‪ ،‬يعني جزءا لهم على ما عملوا وأبلوا في ال وفي سبيله‪ ،‬وهذه الجنات تجري في خللها‬
‫النهار‪ ،‬من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك‪ ،‬مما ل عين رأت ول‬
‫س ما أ !خفي لهم 'من ق‪B‬رة‬
‫أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬فل ت‪! B‬علم ن‪! B‬ف ‪d‬‬

‫اء بما كانوا ي‪! B‬عملون { ‪.‬‬
‫أ !عين جز ‪2‬‬

‫وقوله‪ } :‬ث‪B‬واب‪2‬ا 'م !ن عند الله { الثواب والمثوبة‪ :‬الجزاء‪ ،‬وأضافه إليه ونسبه إليه؛ ليدل على أنه‬
‫كثيرا‪ ،‬قال أبو الطيب‪:‬‬
‫عظيم؛ لن العظيم الكريم ل يعطي إل جزيل‪2 2‬‬

‫على قدر أهل العزم تأتي العزائم‬
‫وتعظم في عين الصغير صغارها ‪ ...‬وتأتي على قدر الكرام المكارم‬
‫وتصغر في عين العظيم العظائم‬
‫وقد وعد ال من فعل ذلك بأمور ثلثة‪ :‬محو السيئات‪ ،‬وغفران الذنوب‪ ،‬ودل على ذلك بقوله‪} :‬‬
‫لك 'فرن ع !ن‪B‬ه !م سي'ئاته !م { وذلك ما طلبوه بقولهم‪ } :‬فا !غف !ر لنا ذنوب‪B‬نا وك 'ف !ر عنا سي'ئاتنا { ‪.‬‬
‫ثاني‪2‬ا‪ :‬إعطاء الثواب العظيم‪ ،‬وهو قوله‪ } :‬ول !دخلن‪B‬ه !م جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار { بعدما‬
‫طلبوه بقولهم‪ } :‬وآتنا ما وعدت‪B‬نا على رسلك { ‪.‬‬

‫ثالث‪2‬ا‪ :‬أن يكون هذا الثواب مقرون‪2‬ا بالتعظيم والجلل‪ ،‬وهو قوله‪ } :‬عند الله { وهذا ما طلبوه‬

‫بقولهم‪ } :‬ول ت !خزنا ي‪! B‬وم القيامة { والمعنى‪ :‬لكفرن عنهم سيئاتهم ولدخلنهم الجنات‪ ،‬ولثيبهم‬

‫على ذلك ثواب‪2‬ا من عند ال وال عنده من حسن الجزاء على العمال ما ل يبلغه وصف واصف‪،‬‬

‫ول يدركه نعت ناعت مما ل عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬
‫•‬
‫يل ثم مأ!واه !م جهنم وب !ئس المهاد‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ل ي‪B‬غرنك ت‪B‬قلب الذين كفروا في البلد * متاع‪ d‬قل ‪d‬‬
‫{ بعد أن وعد ال المؤمنين بالثواب‪ ،‬وكانوا في الدنيا في فقر وشدة والكفار كانوا في رخاء ولين‬
‫عيش ذكر في هذه الية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة‪ ،‬فبين لهم حقارة ما أوتي هؤلء‬
‫الكفار المترفين من النعمة والغبطة والسرور‪ ،‬فعما قليل يزول كله عنهم ويصبحون مرتهنين‬
‫بأعمالهم السيئة‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬والذين كذبوا بآياتنا سن !ست !درجهم 'م !ن ح !يث ل ي‪! B‬علمون { ‪.‬‬

‫يل ثم مأ!واه !م جهنم وب !ئس المهاد { وهذه الية كقوله تعالى‪ } :‬ما يجادل في‬
‫وقوله‪ } :‬متاع‪ d‬قل ‪d‬‬
‫آيات الله إل الذين كفروا فل ي‪! B‬غر!رك ت‪B‬قل•ب‪B‬ه !م في البلد { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ق !ل إن الذين ي‪! B‬فت‪B‬رون‬
‫على الله الكذب ل ي‪! B‬فلحون * متاع‪ d‬في ال •دن!‪B‬يا ثم إل !ي‪B‬نا م !رجعه !م ثم نذيقهم العذاب الشديد بما‬
‫ضط •ره !م إلى عذاب غليظ { ‪ ،‬وبعد أن بين حال‬
‫كانوا يك!فرون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬نمت‪'B‬عه !م قليل‪ 2‬ثم ن !‬

‫نات ت !جري من‬
‫الكفار ومآل أمرهم ذكر عاقبة المؤمنين‪ ،‬فقال‪ } :‬لكن الذين ات‪B‬ق !وا رب‪B‬ه !م له !م ج ‪d‬‬
‫ت !حتها الن!‪B‬هار خالدين فيها ن‪B‬زل‪' 2‬م !ن عند الله وما عند الله خ !ي‪d B‬ر ل'لب!‪B‬رار { أي لكن الذين اتقوا ربهم‬
‫بفعل الطاعات وترك المنهيات لهم جنات النعيم خالدين فيها‪ ،‬ونحو الية قوله تعالى‪ } :‬فالذين‬

‫آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم { ‪ ،‬ونحو الية قوله تعالى‪ } :‬إن الذين آمنوا وعملوا‬
‫ت له !م جنات الف !رد !وس ن‪B‬زل‪ ، { 2‬والنزل‪ :‬ما يهيأ للضيف النازل‪ ،‬ففي الية إيماء‬
‫الصالحات كان !‬
‫إلى أن النازلين فيها ضيوف عند ربهم يحفهم بلطفه‪ ،‬ويخصهم بكرمه وجوده‪.‬‬

‫وقال الهروي‪ :‬نزل‪ 2‬من عند ال‪ :‬أي ثواب‪2‬ا‪ ،‬وقيل‪ :‬رزق‪2‬ا‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وما عند الله خ !ي‪d B‬ر ل'لب!‪B‬رار { أي وما عند ال من الحياة والكرامة وحسن المآب خير‬

‫للبرار مما يتقلب فيه الذين كفروا؛ لن ذلك عن قريب سيزول‪ ،‬وهو قليل من المتاع خسيس‪،‬‬

‫وما عند ال من كرامته للبرار‪ ،‬وهم أهل طاعته باق غير زائل‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬إن هذا لر!زق‪B‬نا ما‬

‫أج ‪d‬ر غ !ي‪B‬ر م !منون { ‪.‬‬
‫له من ن‪B‬فاد { ‪ ،‬وقال‪ } :‬له !م !‬

‫وعن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال عمر بن الخطاب ‪-‬‬
‫رضي ال عنه ‪» :-‬جئت فإذا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في مشربة‪ ،‬وإنه لعلى حصير‬
‫قرضا‬
‫ما بينه وبين جسده شيء‪ ،‬وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف‪ ،‬وإن عند رجليه ‪2‬‬

‫مصبورا‪ ،‬وعن رأسه أهب معلقة‪ ،‬فرأيت أثر الحصير في جنبه‪ ،‬فبكيت‪ ،‬فقال‪» :‬ما يبكيك؟«‬
‫‪2‬‬

‫فقلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول ال‪ ،‬فقال‪» :‬أما ترضى أن تكون‬

‫لهما الدنيا ولنا الخرة؟««‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وإن م !ن !أهل الكتاب لمن ي‪! B‬ؤمن بالله وما أنزل إ !ليك !م وما أنزل إ !ليه !م خاشعين لله ل‬

‫ي !شت‪B‬رون بآيات الله ثمن‪2‬ا قليل‪ { 2‬بعد أن بين جل وعل حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب‪،‬‬

‫وحال الكفار وما هيأ لهم من العقاب‪ ،‬أخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بال‬

‫حق اليمان‪ ،‬ويؤمنون بما أنزل على محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مع ما هم مؤمنون به من‬
‫الكتب المتقدمة‪ ،‬وأنهم خاشعون ل‪ ،‬أي مطيعون له‪ ،‬خاضعون متذللون بين يديه‪ ،‬ل يشترون‬
‫بآيات ال ثمن‪2‬ا قليل‪ ،2‬ول يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪،-‬‬
‫هودا أو‬
‫وذكر صفته ونعته ومبعثه‪ ،‬وصفة أمته‪ ،‬وهؤلء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم كانوا ‪2‬‬

‫نصارى‪ ،‬وقد قال في »سورة القصص«‪ } :‬الذين آت‪! B‬ي‪B‬ناهم الكتاب من ق‪! B‬بله هم به ي‪! B‬ؤمنون * وإذا‬

‫أجرهم مرت‪! B‬ين‬
‫ي‪! B‬ت‪B‬لى عل !يه !م قالوا آمنا به إنه الح •ق من رب'‪B‬نا إنا كنا من ق‪! B‬بله م !سلمين * !أولئك ي‪! B‬ؤت‪! B‬ون !‬

‫بما صب‪B‬روا { الية‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ومن ق‪! B‬وم موسى أمة‪ d‬ي‪! B‬هدون بال!ح 'ق وبه ي‪! B‬عدلون { ‪.‬‬

‫قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة‪ :‬إن هذه الية قوله تعالى‪ } :‬وإن م !ن !أهل الكتاب لمن ي‪! B‬ؤمن‬

‫بالله { نزلت في النجاشي ملك الحبشة‪ ،‬وذلك أنه لما مات نعاه جبريل ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬

‫لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في اليوم الذي مات فيه‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬لصحابه‪» :‬اخرجوا‪ ،‬فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم‪ ،‬النجاشي« فصلى كما‬
‫أربعا‪ ،‬فقال المنافقون‪ :‬يصلي على علج مات بأرض الحبشة! فأنزل‬
‫يصلي على الجنائز‪ ،‬فكبر ‪2‬‬

‫ال‪ } :‬وإن م !ن !أهل الكتاب لمن ي‪! B‬ؤمن بالله { الية‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬ل ي !شت‪B‬رون بآيات الله ثمن‪2‬ا قليل‪ { 2‬أي ل يكتمون ما بأيديهم من العلم كما فعله‬

‫أجره !م عند رب'ه !م { أي هؤلء‬
‫الطائفة المرذولة‪ ،‬بل يبذلون ذلك مجان‪2‬ا؛ ولهذا قال‪! } :‬أولئك له !م !‬
‫المتصفون بحميد الصفات‪ ،‬وجليل العمال‪ ،‬لهم ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم عند ربهم‪ ،‬الذي‬
‫رباهم بنعمه‪ ،‬وهداهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم‪ ،‬يعني مدخور ذلك لهم لديه‪ ،‬حتى يصيروا‬
‫إليه في القيامة‪ ،‬فيوفيهم ذلك إن ال سريع الحساب‪ ،‬وسرعة حسابه تعالى ذكره أنه ل يخفى عليه‬
‫شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد ما عملوها‪ ،‬فل حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك فيقع في‬
‫الحصاء إبطاء؛ فلذلك قال‪ } :‬إن الله سريع الحساب { ‪.‬‬
‫اصبروا وصابروا ورابطوا { قال الحسن‪ :‬اصبروا على دينكم ول‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا !‬
‫تدعوه لشدة ول رخاء‪ ،‬ول سراء ول ضراء‪ ،‬وأمرهم أن يصابروا الكفار‪ ،‬وأن يرابطوا المشركين‪.‬‬

‫وعن قتادة‪ :‬اصبروا على طاعة ال‪ ،‬وصابروا أهل الضللة‪ ،‬ورابطوا في سبيل ال‪ ،‬وعن ابن جريج‪:‬‬
‫اصبروا على طاعة ال‪ ،‬وصابروا أعداء ال‪ ،‬ورابطوا في سبيل ال‪.‬‬
‫اصبروا وصابروا ورابطوا { يقول‪:‬‬
‫وعن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الية } !‬
‫اصبروا على دينكم‪ ،‬وصابروا الوعد الذي وعدتكم‪ ،‬ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه‬

‫اصبروا وصابروا ورابطوا { ‪ ،‬قال‪ :‬اصبروا على الجهاد‪،‬‬
‫لدينكم‪ ،‬وعن زيد بن أسلم في قوله‪! } :‬‬

‫وصابروا عدوكم‪ ،‬ورابطوا على عدوكم‪.‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬معنى } ورابطوا { ‪ :‬أي رابطوا على الصلوات‪ ،‬أي انتظروها واحدة بعد واحدة؛ لن‬
‫المرابطة لم تكن لزمة على عهد رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫روي عن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أل أدلكم‬
‫على ما يكفر ال به الذنوب والخطايا‪ :‬إسباغ الوضوء على المكاره‪ ،‬وانتظار الصلة بعد الصلة‪،‬‬
‫فذالكم الرباط«‪.‬‬
‫وعن جابر بن عبدال ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أل‬
‫أدلكم على ما يمحو ال به الخطايا ويكفر به الذنوب؟« قالوا‪ :‬بلى يا رسول ال‪ ،‬قال‪» :‬إسباغ‬
‫الوضوء على المكروهات‪ ،‬وكثرة الخطى إلى المساجد‪ ،‬وانتظار الصلة بعد الصلة‪ ،‬فذلكم‬
‫الرباط« رواه ابن حبان في »صحيحه«‪ ،‬ورواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي‬
‫هريرة‪.‬‬
‫اصبروا‬
‫وعن داود بن صالح قال‪ :‬قال لي أبو سلمة‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬تدري في أي شيء نزلت‪! } :‬‬

‫وصابروا ورابطوا { ؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬سمعت أبا هريرة يقول‪» :‬لم يكن في زمان النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬غزو يرابط فيه‪ ،‬ولكن انتظار الصلة بعد الصلة« رواه الحاكم‪ ،‬وقال‪ :‬صحيح‬
‫السناد‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وات‪B‬قوا الله لعلك !م ت‪! B‬فلحون { أي‪ :‬واتقوا أن تخالفوا ال فيما يأمركم به؛ لكي تفلحوا‬

‫بنعيم البد‪ ،‬وقيل‪ :‬اتقوا عذاب ال بلزوم أمره واجتناب نهيه؛ لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية‪،‬‬

‫ودرك البغية‪ ،‬والوصول إلى النجاح في الطلبة‪ ،‬وذلك حقيقة الفلح‪ ،‬وهذه الية تتضمن جميع ما‬
‫اصبروا { يتناول لزوم العبادات واجتناب المحرمات‪ } ،‬وصابروا {‬
‫يتناوله المكلف؛ لن قوله‪! } :‬‬
‫يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والنس‪ ،‬وما هو أعظم منهما من جهاد النفس‪،‬‬

‫} ورابطوا { يدخل فيه الدفاع عن المسلمين‪ ،‬والذب عن الدين‪ ،‬وما ل يتم الستعداد إل به مما‬
‫علمه ال العباد في هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات‪ ،‬وقاذفات للقنابل‪ ،‬ودبابات‪،‬‬
‫ومدافع‪ ،‬ورشاشات‪ ،‬وبنادق‪ ،‬وأساطيل بحرية‪ ،‬ونحو ذلك مما صار ضروري‪2‬ا من آلت الحروب‬

‫الحديثة‪ ،‬وصار من فقدها يشبه أن يكون أعزل من السلح‪ } ،‬وات‪B‬قوا الله { يتناول النتهاء عن‬
‫جميع المناهي والزواجر والئتمار بجميع الوامر‪ ،‬ثم يتبع جميع ذلك الفلح والنجاح‪ .‬وال‬
‫أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يفهم من آيات الدرس من الية ]‪ 190‬إلى الية ‪ [200‬من سورة آل عمران‪:‬‬
‫‪ -1‬إن في خلق السموات دليل على وحدانية ال وعظمته‪ ،‬وكمال علمه وقدرته‪.‬‬
‫‪ -2‬إن في خلق الرض دليل على وحدانية ال وقدرته وعظمته‪ ،‬وكمال علمه وحكمته‪.‬‬
‫‪ -3‬إن في اختلف الليل والنهار دليل على وحدة الخالق‪ ،‬وعلمه وقدرته وحكمته‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن هذه الدلئل لولي العقول الصحيحة الخالصة عن شوائب النقص‪.‬‬
‫‪ -5‬أن من صفاتهم أن ل يغفلون عن ذكر ال في عامة أوقاتهم لطمئنان قلوبهم بذكره‪ ،‬واستغرق‬
‫سرائرهم بمراقبته‪.‬‬
‫‪ -6‬أنهم مع ذكرهم ل يتفكرون في خلق السموات والرض وما فيهما من السرار والمنافع‬
‫الدالة على العلم الكامل‪.‬‬
‫‪ -7‬أنهم مع ذكرهم ل وتفكرهم ينزهون ال عن أن يخلق السموات عبث‪2‬ا وباطل‪.2‬‬
‫‪ -8‬أنهم مع ذلك يقدسون ال ويسبحونه‪.‬‬
‫‪ -9‬أنهم مع ما تقدم يسألون ال أن يقيهم عذاب النار‪.‬‬
‫إخبارا عما قالت الملئكة‪ } :‬ومن تق‬
‫‪ -10‬أن سؤالهم هذا يتضمن سؤال الجنة‪ ،‬قال تعالى ‪2‬‬

‫السي'ئات ي‪! B‬ومئذ ف‪B‬ق !د رح !مته { ومن رحمة ال أدخله الجنة‪.‬‬

‫‪ -11‬أن في تقديمهم سؤال وقاية النار على سؤالهم الجنة ما يدل على خوفهم الشديد من‬
‫عذاب ال وتصديقهم التام بما أوعد ال به العصاة‪.‬‬
‫‪ -12‬إثبات الربوبية‪.‬‬

‫‪ -13‬التأكيد لستدعائهم الوقاية من النار؛ لقوله‪ } :‬رب‪B‬نا إنك من ت !دخل النار ف‪B‬ق !د أ !خزي!‪B‬ته { ‪.‬‬
‫‪ -14‬أن من أدخله ال النار فقد أخزاه وأذله وأهانه وأبعده‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات النار‪ ،‬وأنها لمن عصي ال‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على ذكر ال‪.‬‬
‫‪ -17‬الحث على التفكر في السموات والرض‪.‬‬
‫‪ -18‬الحث على تنزيه ال عن العبث‪.‬‬
‫‪ -19‬الحث على سؤال ال وقاية عذاب النار‪.‬‬
‫‪ -20‬دليل على أن الظالمين دخلوا النار بظلمهم‪.‬‬
‫‪ -21‬أنه ليس للظالمين من ينصرهم ويمنعهم من العذاب‪.‬‬
‫‪ -22‬أنهم بعد أن عرفوا ال تعالى حق المعرفة بالذكر والتفكر عبروا عن وصول دعوة الرسول ‪-‬‬
‫سراعا بدون تلبث بهذا القول‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إليهم‪ ،‬واستجابتهم دعوته ‪2‬‬

‫‪ -23‬أن في تصدير مقدمة الدعاء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولهم وعدم غفلتهم عنه مع‬
‫إظهار كمال الضراعة والبتهال إلى من عودهم الحسان والفضال‪.‬‬
‫‪ -24‬أن في التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بوفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط‪.‬‬
‫‪ -25‬تبججهم وسرورهم بدعوة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وسماعهم نداءه‪.‬‬
‫‪ -26‬شهادة هؤلء للرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بندائه لليمان‪.‬‬
‫‪ -27‬الحث على النداء لليمان والدعوة إلى السلم اقتداء بالمصطفى ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.‬‬‫‪ -28‬الحث على اليمان بال‪.‬‬
‫‪ -29‬أنهم امتثلوا ما أمر به هذا المنادي من اليمان‪.‬‬
‫‪ -30‬تكرير النداء لظهار التضرع والخضوع‪.‬‬
‫‪ -31‬أنهم مع ما سبق يسألون ال المغفرة لذنوبهم والتكفير لسيئاتهم‪.‬‬
‫‪ -32‬أن في ذكرهما إفادة التأكيد؛ لن اللحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب إليه‪.‬‬
‫‪ -33‬أنهم مع ما سبق يسألون ال أن يتوفاهم مع البرار‪.‬‬
‫‪ -34‬أن هذا الدعاء يتضمن التوفيق لفعل الخير وترك الشر‪ ،‬والتوفيق للستقامة والستمرار‬
‫عليها والثبات إلى الممات‪.‬‬
‫هضما للنفس‪ ،‬وحسن أدب‪ ،‬حيث قالوا مع البرار‪.‬‬
‫‪ -35‬أن في ذلك ‪2‬‬

‫‪ -36‬أنهم مع ما سبق يسألون ال أن ينجز ما وعدهم على ألسنة رسله‪ ،‬وسؤالهم ذلك مع أن‬

‫ال ل يخلف الميعاد‪ ،‬قيل‪ :‬إنه من باب اللجوء إلى ال والتذلل له والخضوع والعبودية كما أن‬
‫النبياء ‪ -‬عليهم السلم ‪. -‬‬
‫‪ -37‬دليل على أن ال استجاب دعاءهم‪.‬‬
‫‪ -38‬دليل على عدل ال وأنه ل يضيع لديه عمل عامل من ذكر أو أنثى‪.‬‬
‫‪ -39‬التفصيل لما أجمل والتعداد لبعض محاسن أفراده مع المدح والتعظيم‪.‬‬
‫‪ -40‬دليل على أن المهاجرة كانت عن قسر واضطرار‪.‬‬
‫‪ -41‬الصبر على الذى في سبيل ال اقتداء بالمهاجرين الذين هجروا أوطانهم وأهليهم وآذاهم‬
‫المشركون بسبب إسلمهم ومتابعتهم للرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -42‬الحث على الجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ -43‬طلب الشهادة للحصول على ما يرضي ال‪.‬‬
‫‪ - 44‬التنبيه لنروض أنفسنا ونختبرها‪ ،‬فإن رأيناها تحتمل الذى في سبيل ال حتى القتل‪ ،‬فلها‬
‫الرضوان من ربها‪ ،‬وإل فلنروضها حتى تصل إلى هذه المنزلة‪.‬‬
‫‪ -45‬وعد ممن ل يخلف وعده أن يدخلهم جنات تجري من تحتها النهار‪.‬‬
‫‪ -46‬إضافته إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم‪.‬‬
‫‪ -47‬في قوله‪ } :‬والله عنده ح !سن الث‪B‬واب { تأكيد لكون ذلك الثواب الذي أعطاهم من فضله‬
‫وكرمه؛ لنه جواد كريم‪.‬‬

‫‪ -48‬تسلية للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في قول ال تعالى‪ } :‬ل ي‪B‬غرنك ت‪B‬قل•ب الذين كفروا‬
‫في البلد { ‪.‬‬
‫‪ -49‬إثبات صفة الكلم‪.‬‬
‫‪ -50‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -51‬التزهيد في الدنيا وما فيها‪.‬‬
‫‪ -52‬الترغيب في الخرة‪.‬‬
‫‪ -53‬أن مصير الكفار جهنم‪.‬‬
‫‪ -54‬أنها بئس الفراش جهنم‪.‬‬
‫‪ -55‬الحث على تقوى ال‪.‬‬
‫‪ -56‬إن المتقين لهمن جنات تجري من تحتها النهار‪.‬‬
‫‪ -57‬أنهم خالدون فيها‪.‬‬
‫‪ -58‬أن ذلك النزل من عند ال‪.‬‬

‫‪ -59‬فيه إشارة إلى أن القوم ضيوف ال تعالى‪ ،‬وفي ذلك كمال اللطف بهم؛ لن النزل ما يهيأ‬
‫للضيف‪.‬‬
‫‪ -60‬أن ما عند ال خير للبرار‪.‬‬
‫‪ -61‬أن بعض أهل الكتاب جمعوا بين اليمان بال وبما أنزله على محمد ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وما أنزله على أنبيائهم‪ ،‬ل كمن قال ال فيهم‪ } :‬وما ي‪! B‬ؤمن أ !كث‪B‬رهم بالله إل وهم‬

‫•م !شركون { ‪.‬‬

‫‪ -62‬إن من صفاتهم التي تستحق المزية والشرف والخشوع‪ ،‬وهو الثمرة لليمان الصحيح‪ ،‬فإن‬
‫الخشوع أثر خشية ال في القلب‪ ،‬ومنه تفيض على المشاعر والجوارح‪.‬‬
‫‪ -63‬أن من تمام خشيتهم ل أنهم ل يشترون بآيات ال ثمن‪2‬ا قليل‪ ،2‬فل يقدمون الدنيا على‬
‫الدين‪ ،‬كما فعل أهل النحراف الذين يكتمون ما أنزل ال ويشترون به ثمن‪2‬ا قليل‪.2‬‬
‫‪ -64‬دليل على علو ال‪.‬‬

‫‪ -65‬دليل على أن ما أنزله ال على محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وما أنزل على أهل‬
‫الكتاب غير مخلوق‪ ،‬بل منزل‪.‬‬
‫‪ -66‬الرد على من قال أنه مخلوق‪.‬‬
‫‪ -67‬التيان بصيغة البعد في الشارة لليذان بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة‪.‬‬
‫‪ -68‬إن ثواب طاعتهم ربهم فيما أطاعوه فيه مدخر عند ربهم‪ ،‬قال تعالى‪! } :‬أولئك ي‪! B‬ؤت‪! B‬ون‬

‫أجرهم مرت‪! B‬ين بما صب‪B‬روا { الية‪.‬‬
‫!‬

‫‪ -69‬أن ال جل وعل سريع الحساب‪.‬‬
‫‪ -70‬إثبات البعث‪.‬‬
‫‪ -71‬إثبات الحساب‪.‬‬
‫‪ -72‬إثبات الجنة‪.‬‬
‫‪ -73‬إثبات الجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -74‬دليل على علم ال‪.‬‬
‫‪ -75‬الترهيب من المجازفة في المور‪.‬‬
‫‪ -76‬الحث على محاسبة النفس قبل حساب يوم القيامة‪.‬‬
‫‪ -77‬دليل على قدرة ال‪.‬‬
‫‪ -78‬المر بالصبر‪.‬‬
‫‪ -79‬الحث على مصابرة العداء‪ ،‬ومقاومتهم في سبيل ال‪.‬‬

‫‪ -80‬المر بالمرابطة وهو لزوم المحل الذي يخاف إتيان العدو منه‪.‬‬
‫‪ -81‬المر بتقوى ال‪.‬‬
‫‪ -82‬أن الفلح ل سبيل إليه إل بالتيان بما ذكر من الصبر والمصابرة والمرابطة واتقاء ال‪ .‬وال‬
‫أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في الحقوق العشرة‬
‫بطرا ورئاء الناس‬
‫وذم البخل والمرين به‪ ،‬وذم الذين ينفقون أموالهم ‪2‬‬

‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬

‫قال تعالى‪ } :‬وا !عبدوا الله ول ت !شركوا به ش !يئ‪2‬ا وبال!والدي!ن إ !حسان‪2‬ا وبذي الق !ربى وال!يتامى وال!مساكين‬

‫ت أي!مانك !م إن الله ل‬
‫وال!جار ذي الق !ربى وال!جار الجنب والصاحب بال!ج !نب واب!ن السبيل وما ملك !‬

‫ورا * الذين ي‪! B‬بخلون ويأ!مرون الناس بال!ب !خل ويك!تمون ما آتاهم الله من‬
‫يح •‬
‫ب من كان م !ختال‪ 2‬فخ ‪2‬‬
‫ضله وأ !عت !دنا لل!كافرين عذاب‪2‬ا •مهين‪2‬ا * والذين ينفقون !أمواله !م رئاء الناس ول ي‪! B‬ؤمنون بالله ول‬
‫ف !‬

‫بال!ي‪! B‬وم الخر ومن يكن الش !يطان له قرين‪2‬ا فساء قرين‪2‬ا * وماذا عل !يه !م !لو آمنوا بالله وال!ي‪! B‬وم الخر‬

‫يما * إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال ذرة وإن تك حسنة‪ 2‬يضاع !فها‬
‫وأنفقوا مما رزق‪B‬هم الله وكان الله به !م عل ‪2‬‬
‫يما * فك !يف إذا ج !ئ‪B‬نا من ك 'ل أمة بشهيد وج !ئ‪B‬نا بك على هؤلء شهي ‪2‬دا *‬
‫وي‪! B‬ؤت من لدن!ه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫الرض ول يك!تمون الله حديث‪2‬ا { ‪.‬‬
‫ي‪! B‬ومئذ ي‪B‬و •د الذين كفروا وعصوا الرسول !لو تسوى بهم !‬

‫الية الولى هي التي تسمى آية الحقوق العشرة‪ ،‬ومناسبة هذه الية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر‬
‫قواما‬
‫أن الرجال قوامون على النساء بتفضيل ال إياهم عليهن‪ ،‬وبإنفاق أموالهم أوضح أنه مع كونه ‪2‬‬

‫أيضا مأمور بالحسان إلى الوالدين‪ ،‬وإلى من عطفه على الوالدين‪ ،‬فجاءت حث‪2‬ا‬
‫على النساء فهو ‪2‬‬
‫ادا لمكارم الخلق‪ ،‬وأن المؤمن ل يكتفي من التكاليف الحسانية بما‬
‫على الحسان‪ ،‬واستطر ‪2‬‬

‫يتعلق بزوجته فقط‪ ،‬بل عليه غيرها من بر الوالدين وغيرهم‪ ،‬وافتتح التوصل إلى ذلك بالمر بإفراد‬

‫ال بالعابدة إذ هي مبدأ الخير الذي تترتب عليه العمال الصالحة‪ ،‬ونظيره } وإ !ذ أخ !ذنا ميثاق بني‬

‫إ !سرائيل ل ت‪! B‬عبدون إل الله وبال!والدي!ن إ !حسان‪2‬ا { ‪.‬‬
‫المفردات‪:‬‬

‫العبادة لغة‪ :‬الذل‪ ،‬وعرفها شيخ السلم‪ :‬بأنها اسم جامع لكل ما يحبه ال ويرضاه من القوال‬
‫والعمال الباطنة والظاهرة‪ .‬اه‪.B‬‬
‫ذي القربى‪ :‬صاحب القرابة من أخ‪ ،‬وعم‪ ،‬وخال وأولد‪ ،‬الجار ذي القربى‪ :‬هو الجار القريب‬
‫الجوار‪ ،‬والجانب الجنب‪ :‬هو الذي ليس له قرابة‪ ،‬والصاحب بالجنب‪ :‬قيل الرفيق في السفر‪،‬‬

‫وقيل‪ :‬الزوجة‪ ،‬وقيل‪ :‬الصاحب مطل ‪2‬قا‪ ،‬وابن السبيل‪ :‬هو الغريب الذي احتاج في بلد الغربة‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬هو الضيف‪ ،‬وما ملكت أيمانكم‪ :‬عبيدكم وإماؤكم‪.‬‬

‫المعنى‪ :‬يأمر ال تعالى عباده بعبادته وحده ل شريك له‪ ،‬فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على‬
‫خلقه في جميع الساعات والحالت فهو المستحق منهم أن يوحده ول يشركوا به شيئ‪2‬ا من‬

‫مخلوقات‪ ،‬كما قال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لمعاذ بن جبل‪» :‬أتدري ما حق ال على‬
‫العباد؟« قال‪ :‬ال ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪» :‬أن يعبدوه ول يشركوا به شيئ‪2‬ا« الحديث‪.‬‬
‫والشرك نوعان‪ :‬أكبر وأصغر‪ ،‬فالكبر‪ :‬اتخاذ الند ل بأن يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يحبه‬
‫كمحبة ال‪ ،‬أو يذبح له أو ينذر‪ ،‬أو نحو ذلك من أنواع العادة‪ ،‬وأما الصغر‪ :‬فقيل‪ :‬أنه كل‬
‫وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الكبر‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه كل ما ورد بالنص تسميته شر‪2‬كا‪ ،‬ولم يصل إلى حد‬
‫الكبر‪ ،‬وذلك كقول الرجل‪ :‬ما شاء ال وشئت‪ ،‬ولول ال وأنت‪ ،‬وكالحلف بغير ال‪.‬‬

‫قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪ :-‬وأما الشرك الصغر فكثير‪ ،‬من‪ :‬الرياء‪ ،‬والتصنيع للخلق‪ ،‬والحلف‬
‫بغير ال‪ ،‬وقول الرجل للرجل ما شاء ال وشئت‪ ،‬وهذا من ال ومنك‪ ،‬وأنا بال وبك‪ ،‬وأنا متوكل‬
‫على ال وعليك‪ ،‬ولول ال وأنت لم يكن كذا‪ ،‬وقد يكون شر‪2‬كا أكبر بحسب حال قائله ومقصده‪.‬‬

‫اه‪.B‬‬

‫ثم بعد ما أمر بعبادته وحده ل شريك له والقيام بحقه أعقبه بالمر بالقيام بحقوق العباد القرب‪،‬‬
‫فالقرب فبدأ بالوالدين‪ ،‬فقال جل وعل‪ } :‬وبال!والدي!ن إ !حسان‪2‬ا { أي أحسنوا إليهم بالقول الكريم‪،‬‬
‫والخطاب اللطيف‪ ،‬والفعل الجميل بطاعة أمرهما في غير معصية وبالنفاق عليهما‪ ،‬وإكرام من له‬

‫تعلق بهما‪ ،‬وصلة الرحم التي ل رحم لك إل بهما؛ لن ال جعلهما السبب الظاهر في وجودكم‬
‫وتربيتكم بالرحمة والخلص‪ ،‬وقد فصلت هذه الوصية في »سورة السراء«‪ ،‬يقول تعالى‪:‬‬
‫} وقضى رب•ك أل ت‪! B‬عبدوا إل إياه وبال!والدي!ن إ !حسان‪2‬ا إما ي‪! B‬ب‪B‬لغن عندك الكب‪B‬ر أحدهما !أو كلهما فل‬
‫ت‪B‬قل لهما ‪ƒ‬‬
‫ب‬
‫ض لهما جناح ال •ذ 'ل من الر !حمة وقل ر '‬
‫يما * وا !خف !‬
‫أف ول ت‪! B‬ن‪B‬ه !رهما وقل لهما ق‪! B‬ول‪ 2‬كر ‪2‬‬
‫كثيرا ما يقرن تبارك وتعالى بين حقه وحق الوالدين كما في »سورة‬
‫!ارح !مهما كما رب‪B‬ياني صغ ‪2‬يرا { ‪ ،‬و ‪2‬‬
‫لقمان«‪ } :‬أن ا !شك !ر لي ولوالدي!ك إلي المصير { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وإ !ذ أخ !ذنا ميثاق بني إ !سرائيل ل‬

‫ت‪! B‬عبدون إل الله وبال!والدي!ن إ !حسان‪2‬ا { ‪.‬‬

‫وفي »الصحيحين« عن ابن مسعود‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أي العمل أفضل؟ قال‪» :‬الصلة على‬
‫وقتها«‪ ،‬قلت‪ :‬ثم أي؟ قال‪» :‬بر الوالدين«‪ ،‬قلت‪ :‬ثم أي؟ قال‪» :‬الجهاد في سبيل ال«‪.‬‬

‫ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجل‪ 2‬قال‪ :‬يا رسول ال من أبر الناس؟ قال‪» :‬أمك«‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ثم من؟ قال‪» :‬أمك«‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪» :‬أباك‪ ،‬ثم أدناك أدناك«‪.‬‬

‫وجاء رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وقال له‪ :‬هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد‬
‫وفاتهما؟ قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬نعم‪ ،‬الصلة عليهما –أي الدعاء لهما‬
‫والستغفار لهما‪ ،-‬وإنفاذ عهدهما من بعدهما‪ ،‬وصلة الرحم التي ل توصل إل بهما‪ ،‬وإكرام‬
‫صديقهما« رواه أبو داود وابن ماجه‪ ،‬واللفظ لبي داود‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمرو بن العاص ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬أقبل رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ :‬أبايعك على الهجرة والجهاد‪ ،‬أبتغي الجر من ال تعالى‪ ،‬فقال‪» :‬هل لك‬
‫من والديك أحد حي؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬بل كلهما‪ ،‬قال‪» :‬فتبتغي الجر من ال تعالى؟« قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قال‪» :‬فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما« متفق عليه‪ ،‬وهذا لفظ مسلم‪.‬‬
‫وفي رواية لهما‪ :‬جاء رجل فاستأذنه في الجهاد‪ ،‬فقال‪» :‬أحي والداك؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬ففيهما‬
‫فجاهد«‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪،-‬‬
‫فقال‪ :‬جئت أبايعك وتركت أبوي يبكيان‪ ،‬فقال‪» :‬فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما« رواه‬
‫أبو داود‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رجل‪ 2‬من أهل اليمن هاجر إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،-‬فقال‪» :‬هل لك أحد باليمن؟« قال‪ :‬أبواي‪ ،‬قال‪» :‬أذنا لك«‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪» :‬فارجع‬

‫إليهما فاستأذنهما‪ ،‬فإن أذنا لك‪ ،‬فجاهد‪ ،‬وإل فبرهما« رواه أبو داود‪.‬‬
‫وعن جاهمة أن رجل‪ 2‬جاء إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أردت أن‬
‫أغزو وقد جئت أستشيرك‪ ،‬فقال‪» :‬هل من أم؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬فالزمها‪ ،‬فإن الجنة عند‬

‫رجليها« رواه ابن ماجه والنسائي‪ ،‬واللفظ له والحاكم‪ ،‬قال‪ :‬صحيح السناد‪ ،‬ورواه الطبراني‬
‫بإسناد جيد‪ ،‬ولفظه‪ :‬قال‪ :‬أتيت النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أستشيره في الجهاد‪ ،‬فقال النبي‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ألك والدان؟« قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬الزمهما‪ ،‬فإن الجنة تحت‬‫رجلهما«‪.‬‬
‫وعن ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬بروا آباءكم‬
‫تبركم أبناؤكم‪ ،‬وعفوا تعف نساؤكم« رواه الطبراني بإسناد حسن‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وبذي الق !ربى { أي وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين‪ ،‬ويشمل جميع‬

‫القارب‪ ،‬قربوا أو بعدوا‪ ،‬بأن يحسن إليهم بالقول والفعل‪ ،‬فإذا أدى النسان حقوق ال فحت‬
‫عقيدته وصلحت أعماله‪ ،‬وإذا قام بحقوق الوالدين صلح البيت وحسن الحال السرة‪ ،‬وإذا صلح‬
‫البيت كان قوة كبيرة‪ ،‬فإذا عاون أهله ذوي القربى الذين ينتسبون إليهم كان لكل منهم قوة أخرى‬
‫تتعاون مع هذه السرة‪ ،‬وبذا تتعاون المة جمعاء‪ ،‬وتمد يد المعونة لمن هو في حاجة إليها ممن‬
‫ذكروا‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!يتامى { اليتيم‪ :‬من مات أبوه ولم يبلغ‪ ،‬فاليتامى هم الذين ل كاسب لهم غالب‪2‬ا‪ ،‬وقد‬
‫مات آباؤهم وهم ضغفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب‪ ،‬فلهم حق على المسلمين‬

‫سواء كانوا أقارب أو غيرهم‪ ،‬ويكون ذلك بكفالتهم وبرهم وجبر قلوبهم وتأديبهم وتربيتهم أحسن‬
‫تربية في مصالح دينهم ودنياهم‪ ،‬فمن رحمته تعالى بعباده أن أوصاهم بالحسان إليهم ليصيروا‬
‫لح له !م خ !ي‪d B‬ر { ‪ ،‬وقال ‪-‬‬
‫كمن لم يفقد والديه‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وي !سألونك عن اليتامى ق !ل إ !‬
‫ص ‪d‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا« وأشار بالسبابة والوسطى وفرج‬

‫بينهما‪ ،‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أبي أمامة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬من مسح رأس‬
‫يتيم لم يمسحه إل ل كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات«‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!مساكين { هم الذين أسكنتهم الحاجة فل يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم‬
‫وسكناهم‪ ،‬فأمر ال سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الساعي على‬
‫الرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل ال« رواه البخاري ومالك وغيرهما‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ليس المسكين‬
‫بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان‪ ،‬واللقمة واللقمتان؛ لكن المسكين الذي ل يجد غنى‬
‫يغنيه ول يفطن له فيتصدق عليه« متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وال!جار ذي الق !ربى { أي الذي بينك وبينه قرابة‪ ،‬فله ثلثة حقوق‪ :‬حق القرابة‪ ،‬وحق‬
‫السلم‪ ،‬وحق الجوار‪.‬‬

‫} وال!جار الجنب { الذي ليس له قرابة فله حق الجوار‪ ،‬وقد يأنس النسان بجاره القريب أكثر‬
‫مما يأنس بالنسيب‪ ،‬فيحسن التعاون بينهما‪ ،‬وتكون الرحمة والحسان بينهما‪ ،‬فإذا لم يحسن‬
‫أحدهما إلى الخر فل خير فيهما لسائر الناس‪ ،‬فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بإهداء ما تيسر‪،‬‬
‫والصدقة‪ ،‬والدعوة‪ ،‬واللطافة به وبأولده‪ ،‬والصفح عن زلته‪ ،‬وبداءته بالسلم‪ ،‬وإظهار البشر له‪،‬‬
‫وإعانته‪ ،‬والتوسيع له في معاملته وإقراضه وعيادته‪ ،‬وتعزيته عند المصيبة‪ ،‬وتهنئته بما يفرحه‪،‬‬

‫ويستر ما انكشف له من عورة‪ ،‬ويغض بصره عن محارمه‪ ،‬ويمنع أولده من أذى أولد جاره‪ ،‬ول‬
‫يرفع صوت المذياع أو نحوه في أوقات راحتهم؛ لنه ينشأ عنه سهرهم وقلقهم‪ ،‬لسيما إذا كان‬
‫وسماعا‪ ،‬والخلصة‪ :‬أنه‬
‫ممن ل يستعمل هذه الملهي وقد عصمه منها وبغضها إليه شراء واقتناء‬
‫‪2‬‬
‫يعمل مع جاره ما استطاع من أعمال الخير وكف الذى‪ ،‬وإكرام الجار من شيم العرب قبل‬

‫سنة‪ ،‬فمن ذلك ما ورد عن ابن عمر ‪-‬‬
‫السلم‪ ،‬وزاده السلم توكي ‪2‬دا بما جاء في الكتاب وال •‬
‫رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما زال جبريل يوصيني‬

‫بالجار حتى ظننت أنه سيورثه« رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمرو قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خير الصحاب عند ال‬
‫خيرهم لصاحبه‪ ،‬وخير الجيران عند ال خيرهم لجاره« رواه الترمذي والدارمي‪ ،‬وقال الترمذي‪:‬‬
‫هذا حديث حسن غريب‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬قال رجل للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬كيف لي أن أعلم إذا أحسنت‬
‫أو إذا أسأت؟ فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت‪،‬‬
‫فقد أحسنت‪ ،‬وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت‪ ،‬فقد أسأت« رواه ابن ماجه‪ ،‬ويا للسف إننا نرى‬
‫كثيرا من الجيران في وقتنا هذا قد أهملوا العمل باليات الكريمات والحاديث التي‬
‫ونسمع أن ‪2‬‬
‫فيها التوصية بالجار بالحسان إليه فحصل منهم إساءة إلى جارهم إما بتعد على ملكه‪ ،‬وإما‬

‫بوضع أذى في بيته أو طريقه‪ ،‬وإما باشتباك معه في خصومة آلت إلى العداوة والبغضاء والسب‬
‫والشتم‪ ،‬وإما بنظر وتطلع على الجار من سطح أو نافذة أو نحو ذلك‪ ،‬أو برفع على آلة لهو نشأ‬
‫عنها سهرهم وقلقهم حتى إن بعضهم ربما ارتحل من أجل الجار المسيء إليه‪ ،‬وربما باع ملكه من‬
‫أجل إساءة جاره إليه والعياذ بال‪ ،‬وفي ذلك يقول من ابتلى بجار سوء فاضطر أن يبيع ملكه من‬
‫أجل جاره‪ ،‬وقد عوتب على ذلك‪:‬‬
‫يلومونني أن بعت بالرخص منزلي‬
‫جارا هناك ينغص‬
‫فقلت لهم كفوا الملم فإنما ‪ ...‬ولم يعلموا ‪2‬‬

‫بجيرانها تغلوا الديار وترخص‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬الصاحب بال!ج !نب { قيل‪ :‬الرفيق في السفر‪ ،‬وقيل‪ :‬الزوجة‪ ،‬وقيل‪ :‬الصاحب‬

‫مطل ‪2‬قا‪ ،‬فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلمه من مساعدة على المور التي تتعلق‬

‫بالدين والدنيا والنصح له والوفاء معه في اليسر والعسر والمنشط والمكره‪ ،‬وأن يحب له ما يحب‬

‫لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه‪ ،‬وكلما زادت الصحبة ازداد تأكد الحق‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬واب!ن السبيل { ابن السبيل هو المسافر المنقطع به في غير بلده فله حق على‬

‫المسلمين لشدة حاجته‪ ،‬وكونه في غير وطنه‪ ،‬ويكون الحساس إليه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض‬
‫مقصوده‪ ،‬وبإكرامه وتأنيسه ويشمل اللقيط‪ ،‬وال أعلم؛ لنه يستحق العناية والحسان به ويكون‬
‫ذلك بتربيته وتعليمه‪.‬‬
‫ت أي!مانك !م { أي وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم‬
‫وقول‪ } :‬وما ملك !‬

‫وبهائمكم‪ ،‬ويدخل في ذلك تحريرهم من الرق بعتقهم وحسن معاملتهم في الخدمة والقيام‬

‫بكفايتهم‪ ،‬وعدم تكليفهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما تحملوه وتأديبهم لما فيه مصلحتهم ول‬
‫يؤذون بقول ول بفعل فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه المتواضع لعباد ال المنقاد لمر‬
‫ال وشرعه الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل‪.‬‬
‫وقد روى الشيخان قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬هو إخوانكم وخولكم جعلكم ال تحت‬
‫أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ول تكلفوهم من العمل ما‬
‫يغلبهم‪ ،‬فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه«‪.‬‬
‫وقد أكد النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الوصية بهم في مرض موته‪ ،‬وكان ذلك من آخر‬
‫وصاياه‪ ،‬فقد روى أحمد والبيهقي من حديث أنس قال‪ :‬كانت عامة وصية رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬حين حضره الموت‪» :‬الصلة وما ملكت أيمانكم« وقد أوصانا تعالى بهؤلء حتى‬
‫ل يظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم ويجعلهم كالحيوانات المسخرة‪.‬‬
‫ورا {‬
‫ثم ذكر ما هو علة للمر السابق‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬إن الله ل يح •‬
‫ب من كان م !ختال‪ 2‬فخ ‪2‬‬

‫المختال المتكبر الذي تظهر آثار الكبر في حركاته وأعماله والفخور المتكبر الذي تظهر آثار‬

‫واحتقارا لغيره‪.‬‬
‫زهوا بنفسه‬
‫‪2‬‬
‫الكبر في أقواله فتجده يذكر ما يرى أنه ممتاز به عن الناس ‪2‬‬
‫والمختال الفخور مبغوض عند ال؛ لنه احتقر جميع الحقوق التي أوجبها ال للناس والتي أوجبها‬
‫لنفسه من الشعور بعظمته وكبريائه‪ ،‬فهو كالجاحد لصفات اللوهية التي ل تليق إل ال‪ ،‬فالمختال‬
‫ل يقوم بعبادة ربه حق القيام؛ لن العبادة ل تكون إل عن خشوع للقلب‪ ،‬ومن خشع قلبه‬
‫خشعت جوارحه‪ ،‬ول يقوم بحقوق الوالدين ول ذوي القربى؛ لنه ل يشعر بحق لغيره عليه‪،‬‬
‫وبالولى ل يشعر بحق لليتيم أو المسكين أو الجار قريب أو بعيد‪ ،‬فهو ل يرجى منه بر ول‬
‫إحسان وإنما يتوقع إساءة وكفران‪.‬‬
‫ضله وأ !عت !دنا لل!كافرين‬
‫وقوله‪ } :‬الذين ي‪! B‬بخلون ويأ!مرون الناس بال!ب !خل ويك!تمون ما آتاهم الله من ف !‬

‫عذاب‪2‬ا •مهين‪2‬ا { ‪ ،‬قال أكثر المفسرين‪ :‬نزلت في اليهود‪ ،‬كتموا صفة النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬ولم يبينوها للناس‪ ،‬وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم‪.‬‬

‫وقال الكلبي‪ :‬هم اليهود بخلوا أن يصدقوا ما أتاهم من صفة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يما { نزلت في جماعة من اليهود‬
‫ونعته في كتبهم‪ ،‬وقال مجاهد‪ :‬اليات الثلث إلى قوله‪ } :‬عل ‪2‬‬

‫كانوا يأتون رجال‪ 2‬من النصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم‪ :‬ل تنفقوا أموالكم فإنا نخشى‬
‫عليك الفقر‪ ،‬فأنزل ال تعالى‪ } :‬الذين ي‪! B‬بخلون ويأ!مرون الناس بال!ب !خل { ‪ ،‬والجماعة المشار‬

‫إليهم هم كردم بن زيد‪ ،‬وحيي بن أخطب‪ ،‬ورفاعة بن زيد بن التابوت‪ ،‬وأسامة بن حبيب‪ ،‬ونافع بن‬

‫أبي نافع‪ ،‬ويحيى بن عمر‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬يحتمل أن يكون المراد بالبخل كتمان العلم‪ ،‬ومنع المال؛ لن البخل في كلم العرب منع‬
‫السائل من فضل ما لديه وإمساك المقتنيات‪.‬‬
‫وفي الشرع‪ :‬البخل عبارة عن إمساك الواجب ومنعه‪ ،‬وإذا كان ذلك أمكن حمله على منع المال‬
‫ومنع العلم‪.‬‬
‫المعنى‪ :‬لما أمر جل وعل بالحسان إلى الوالدين ومن ذكر معهما أعقب ذلك ببيان من ل يفعل‬
‫ذلك وأنهما قسمان‪ :‬أحدهما‪ :‬البخيل الذي ل يقدم على إنفاق المال البتة حتى أفرط في ذلك‪،‬‬
‫وأمر بالبخل‪ ،‬والثاني‪ :‬الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ل لغرض أمر ال وطاعته‪ ،‬وقد ذم ال‬
‫تعالى القسمين بأن أعقب القسم الول بقوله‪ } :‬وأ !عت !دنا لل!كافرين { ‪ ،‬وأعقب الثاني بقوله‪:‬‬

‫} ومن يكن الش !يطان له قرين‪2‬ا فساء قرين‪2‬ا { ‪.‬‬

‫والبخل أنواع‪ :‬بخل بالمال‪ ،‬وبخل بالعلم‪ ،‬وبخل بالطعام‪ ،‬وبخل بالسلم‪ ،‬وبخل بالكلم‪ ،‬وبخل‬

‫وشرعا‪ ،‬وقد‬
‫على القارب دون الجانب‪ ،‬وبخل بالجاه‪ ،‬وكلها نقائص ورذائل مذمومة عقل‪2 2‬‬

‫جاءت أحاديث في ذم البخل ومدح السماحة‪ ،‬فمما ورد في ذم البخل عن أبي سعيد‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خصلتان ل يجتمعان في مؤمن‪ :‬البخل وسوء الخلق«‪،‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل يجتمع الشح واليمان في قلب عبد أب ‪2‬دا«‪ ،‬وفي أفراد‬
‫مسلم عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه كان يقول‪» :‬اللهم إني أعوذ بك من الجبن‬

‫والبخل«‪ ،‬وروى جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لبني‬
‫سلمة‪» :‬من سيدكم؟« قالوا‪ :‬جد بن قيس على أننا نبخله‪ ،‬قال‪» :‬وأي داء أدوأ من البخل! بل‬
‫سيدكم بشر بن البراء بن معرور«‪ ،‬وورد عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬ثلث‬
‫مهلكات‪ :‬شح مطاع‪ ،‬وهوى متبع‪ ،‬وإعجاب المرء بنفسه«‪.‬‬
‫ضله { أي مع بخلهم وأمرهم به يكتمون العلم الذي آتاهم‬
‫وقوله‪ } :‬ويك!تمون ما آتاهم الله من ف !‬
‫ال ليهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون فيكتمونه عنهم ويظهرون لهم من الباطل ما يحول‬

‫بينهم وبين الحق‪.‬‬

‫وقال بعض المفسرين‪ :‬الولى أن تكون الية عامة في كل من يبخل بأداء ما يجب عليه أداؤه‬
‫ويأمر الناس به‪ ،‬وعامة في كل من كتم فضل‪ 2‬أتاه ال تعالى من العلم وغيره من أنواع النعم التي‬

‫يجب إظهارها ويحرم كتمانها‪ ،‬وفي الحديث‪» :‬إذا أنعم ال تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى‬

‫أثرها عليه«‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن هؤلء جمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم وبين السعي في خسارة أنفسهم‬
‫وخسارة غيرهم‪ ،‬ثم بين جل وعل عاقبة أمرهم وعظيم نكالهم‪ ،‬فكما تكبروا على عباد ال ومنعوا‬
‫حقوقه وتسببوا في هلك غيرهم بأمره بالبخل وعدم الهتداء أهانهم بالعذاب الليم والخزي‬
‫الدائم‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬والذين ينفقون !أمواله !م رئاء الناس ول ي‪! B‬ؤمنون بالله ول بال!ي‪! B‬وم الخر { الرياء أصله من‬
‫الرؤية كأنه يفعل ليرى غيره‪ ،‬فالمرائي يظهر للناس خصال الخير من العبادة ونحوها؛ لحمدهم‪،‬‬

‫وفر ‪2‬ارا من ذمهم‪ ،‬كي يستولى بذلك على قلوبهم‪ ،‬فيكون له سلطان عليهم يصل به إلى لذاته‬
‫ويستعين به على تحصيل شهواته‪.‬‬

‫وهناك أمور خمسة‪ :‬مراء‪ ،‬وهو العابد الذي يظهر خصال الخير‪ ،‬ومراءي‪ ،‬وهم الناس الذين يظهر‬
‫لهم ذلك‪ ،‬ومراء به‪ ،‬وهو تلك الخصال‪ ،‬ومراء لجله‪ ،‬وهو الجاه والسلطان والمال وحب الحمد‬
‫وكراهة الذم‪ ،‬ورياء وهو قصد إظهار العبادة لذلك الغرض‪.‬‬
‫والرياء مرض من المراض النفسية الخطرة والوباء الخلقية الضارة التي تحتاج إلى علج دائم‬
‫ويقظة مستمرة‪ ،‬فل يصح للمرء أن يغفل أمره ويهمله حتى يستفحل شره ويتفاقم أمره وخطره‬
‫ويصبح داء مستعصي‪2‬ا يحبط العمال ويعرض صاحبه للشرك بال الواحد القهار‪.‬‬
‫وجاءت أحاديث في ذم الرياء‪ ،‬منها‪ :‬ما ورد عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬سمعت‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد‬
‫فأتى به فعرفه نعمته فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬قاتلت فيك حتى استشهدت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫كذبت‪ ،‬ولكنك قاتلت ليقال جريء‪ ،‬فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار‪،‬‬
‫ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن‪ ،‬فأتي به فعرفه نعمه‪ ،‬فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪:‬‬
‫تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن‪ ،‬قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك تعلمت ليقال عالم‪ ،‬وقرأت‬
‫القرآن ليقال قارئ‪ ،‬فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار‪ ،‬ورجل أوسع ال‬
‫عليه وأعطاه من أصناف المال‪ ،‬فأتي به فعرفه نعمه‪ ،‬فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬ما‬
‫تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إل أنفقت فيها لك‪ ،‬قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك فعلت ليقال جواد‪،‬‬
‫فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار« رواه مسلم‪ ،‬قال ابن رجب ‪ -‬رحمه‬

‫محضا بحيث ل يراد به سوى مرئيات‬
‫ال ‪ :-‬واعلم أن العمل لغير ال أقسام‪ ،‬فتارة يكون رياء ‪2‬‬

‫المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلتهم‪ ،‬قال ال عز وجل‪ } :‬وإذا قاموا إلى‬
‫الصلة قاموا كسالى ي‪B‬راءون الناس { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ف‪B‬وي! ‪d‬ل ل'ل!مصل'ين { الية‪ ،‬وكذا وصف ال تعالى‬

‫الكفار بالرياء المحض في قوله‪ } :‬ول تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بط ‪2‬را ورئاء الناس { وهذا‬

‫الرياء المحض ل يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلة والصيام‪ ،‬وقد يصدر في الصدقة الواجبة‬
‫والحج وغيرهما من العمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها‪ ،‬فإن الخلص فيها عزيز‪ ،‬و هذا العمل‬
‫ل يشك مسلم أنه حاط وأن صاحبه يستحق المقت من ال والعقوبة وتارة يكون العمل ل‬
‫أيضا وحبوطه‪.‬‬
‫ويشاركه الرياء‪ ،‬فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلنه ‪2‬‬
‫وفي »صحيح مسلم« عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫قال‪» :‬يقول تبارك وتعالى‪ :‬أنا أغنى الشركاء عن الشرك‪ ،‬من عمل عمل‪ 2‬أشرك معي فيه غيري‬

‫تركته وشركه« وخرجه ابن ماجه ولفظه‪» :‬فأنا منه بريء وهو للذين أشرك«‪ ،‬وخرج المام أحمد‬

‫عن سداد بن أوس‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬من صلى يرائي فقد أشرك‪ ،‬ومن‬
‫صام يرائي فقد أشرك‪ ،‬ومن تصدق يرائي فقد أشرك‪ ،‬فإن ال عز وجل يقول‪ :‬أنا خير قسيم لمن‬
‫أشرك بي شيئ‪2‬ا‪ ،‬فإن حده عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني«‪ ،‬وخرج المام‬
‫أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة‪ ،‬وكان من الصحابة قال‪ :‬قال‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا جمع ال الولين والخرين ليوم ل ريب فيه نادى مناد‬
‫من كان أشرك في عمله ل فليطلب ثوابه من غير ال عز وجل‪ ،‬فإن ال أغنى الشركاء عن‬
‫الشرك«‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن قوله تعالى‪ } :‬والذين ينفقون !أمواله !م رئاء الناس { الية‪ ،‬عطف على قوله‪:‬‬

‫} الذين ي‪! B‬بخلون { ووجه ذلك أن الولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به‪ ،‬وبكتم ما آتاهم ال‬
‫من فضله وهؤلء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء والسمعة‪ ،‬وليقال ما‬

‫أسخاهم‪ ،‬وما أجودهم‪ ،‬وما أكرمهم‪ ،‬كما يفعله من يريد الفخار والشهرة‪ ،‬وأن يتسامع الناس بأنه‬
‫سخي ويتطاول على غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه‪ ،‬مع ضمه إلى هذا النفاق الذي يعود عليه‬
‫بالضرر من عدم اليمان بال واليوم الخر‪.‬‬
‫أما معنى اليمان بال فهو العتقاد الجازم بأن ال رب كل شيء ومليكه‪ ،‬وأنه الخالق الرزاق‬
‫المحيي المميت‪ ،‬وأنه المستحق لن يفرد بالعبادة والذل والخضوع والمحبة‪ ،‬وجميع أنواع‬
‫العبادة‪ ،‬وأنه المتصف بصفات الكمال المنزه عن كل عيب ونقص‪ ،‬وأما اليمان باليوم الخر فهو‬

‫التصديق الجازم بكل ما أخبره به النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مما يكون بعد الموت‪ ،‬من فتنة‬
‫القبر وعذابه ونعيمه‪ ،‬والبعث‪ ،‬والحشر‪ ،‬والنشر‪ ،‬والصحف‪ ،‬والميزان‪ ،‬والحساب‪ ،‬والصراط‪،‬‬
‫والحوض‪ ،‬والشفاعة‪ ،‬والجنة‪ ،‬والنار وأحوالهما‪ ،‬وما أعد ال لهلهما إجمال‪ 2‬وتفصيل‪.2‬‬
‫صادرا عن إخلص وإيمان بال ورجاء ثوابه‪ ،‬بل إن هذا‬
‫ولما ذكر سبحانه وتعالى أن إنفاقهم ليس‬
‫‪2‬‬
‫من خطوات الشيطان وأعماله التي يدعو حزبه إليها ليكونوا من أصحاب السعير‪ ،‬وصدرت منهم‬

‫ألم ت‪B‬ر أنا !أرسل!نا الشياطين على الكافرين ت‪B‬ؤز•ه !م‬
‫بسبب مقارنته لهم وأزهم إليها‪ ،‬كما قال تعالى‪! } :‬‬
‫‪2‬أزا { ‪ ،‬قال‪ } :‬ومن يكن الش !يطان له قرين‪2‬ا فساء قرين‪2‬ا { القرين هنا فعيل بمعنى مفاعل‪ ،‬كالجليس‬
‫والخليط‪ ،‬أي المجالس والمخالط‪ ،‬ومنه سميت الزوجة قرينة‪ ،‬ومنه قيل لما يلز من البل والبقر‪:‬‬
‫قرينان‪ ،‬وللحبل الذي يشد به قرن‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وابن اللبون إذا ما لز في قرن ‪ ...‬لم يستطع صولة البزل القناعيس‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ومدخل رأسه لم يدنه أحد ‪ ...‬من القرينين حتى لز في القرن‬
‫والشيطان هنا جنس ل يراد به إبليس وحده‪ ،‬وهو كقوله تعالى‪ } :‬ومن ي‪! B‬عش عن ذ !كر الر !حمن‬

‫ين { ‪ ،‬والمعنى‪ :‬من يكن الشيطان قرينه وخليله‪ ،‬فبئس الصاحب‬
‫ن‪B‬قي' !‬
‫ض له ش !يطان‪2‬ا ف‪B‬هو له قر ‪d‬‬
‫وبئس الخليل الشيطان‪.‬‬

‫وفي الية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في سيرته‪ ،‬وأن الواجب اختيار القرين الصالح والبتعاد عن‬
‫اصب !ر ن‪! B‬فسك مع الذين ي !دعون‬
‫قرين السوء‪ ،‬قال ال تعالى لنبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ } :-‬و !‬
‫رب‪B‬هم بال!غداة وال!عش 'ي يريدون و !جهه ول ت‪! B‬عد ع !ي‪B‬ناك ع !ن‪B‬ه !م تريد زينة الحياة ال •دن!‪B‬يا ول تط !ع م !ن أ !غفل!نا‬
‫ق‪B‬ل!به عن ذ !كرنا وات‪B‬بع هواه وكان !أمره ف‪B‬رط‪2‬ا { ‪.‬‬

‫وعن أبي موسى ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إنما مثل‬
‫الجليس الصالح والجليس السوء‪ ،‬كحامل المسك‪ ،‬ونافخ الكير‪ ،‬فحامل المسك إما أن‬

‫يحا طيبة‪ ،‬ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك‪ ،‬وإما أن‬
‫يجذبك‪ ،‬وإما أن تبتاع منه‪ ،‬وإما أن تجد منه ر ‪2‬‬

‫ريحا خبيثة« رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫تجد منه ‪2‬‬

‫وعن أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ومثل الجليس‬

‫الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه‪ ،‬ومثل الجليس السوء‬
‫كمثل صاحب الكير‪ ،‬إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه« رواه أبو داود‪.‬‬

‫أما من هم الخيار‪ ،‬ومن هم الشرار‪ ،‬فالخيار‪ :‬هم الذين طهرت قلوبهم‪ ،‬وحسن أخلقهم‪،‬‬
‫وصلحت أعمالهم كالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه‪ ،‬وكالذين يتولون ال ورسوله‬
‫بإتباع كتاب ال و •سنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬والئتساء به في أعماله وأخلقه‪ ،‬وأما‬
‫الشرار‪ :‬فهم بخلفهم‪ ،‬كالذين يجادلون في آيات ال بالباطل ويحرفونها عن مواضعها‪،‬‬

‫إتباعا للهوى‪ ،‬وكالذين يظلمون الناس ويظلمون‬
‫ويحملونها على غير المراد منها إرواء للشهوة أو ‪2‬‬
‫أنفسهم بإهمالهم تعليمها‪ ،‬وعدم تعويدها وتمرينها على العمال الصالحة ومكارم الخلق‪،‬‬

‫وكالذين غضب ال عليهم لخبث طويتهم‪ ،‬أو فساد عقيدتهم كإلحادهم وإنكارهم البعث‪ ،‬وكالذين‬
‫ينكرون الملئكة والجن‪ ،‬وكالذين غفلت قلوبهم عن ذكر ال‪ ،‬وكالفساق الذين يعملون أنواع‬
‫المعاصي وكالمستهزئين بال وبكتابه وبرسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وبالعلماء العاملين‬
‫سنة البعيدين عن الملهي والمنكرات‪ ،‬وكالمتشبهين باليهود والنصارى ونحوه‪،‬‬
‫بالكتاب وال •‬

‫وكمحكمي القوانين‪ ،‬والمراد بمقارنتهم معاشرتهم والسكنى معهم‪ ،‬أو مجاورتهم أو الجلوس في‬

‫مجالسهم وأنديتهم والتروض معهم‪ ،‬والسفر بصحبتهم ومشاركتهم في عمل من أعمال الحياة‬
‫كتجارة أو صناعة أو زراعة أو نحو ذلك‪.‬‬
‫ولما كان النسان يحب التقليد صار يحاكي من يخالطه‪ ،‬فإن كان من أصحاب العقول الراجحة‪،‬‬
‫والفكار الصالحة‪ ،‬والخلق العالية‪ ،‬والعقائد المستقيمة‪ ،‬والعمال المجيدة سري كل ذلك في‬
‫الغالب إليه‪ ،‬بل إذا طالت الصحبة وكثرة المجالسة وحسنت العشرة وجدته قد طبع بطابعهم فل‬
‫يفترق عنهم في شيء‪ ،‬وكذا من يخالط الشرار ويقارنهم يدنسونه ويفسدون عقله‪ ،‬ويسيئون أدبه‬
‫ويعرفونه طرق الشر والفساد‪ ،‬ويعرفونه بأشكالهم من أهل الفسق والفجور‪ ،‬ويفتحون له البواب‬
‫المغلقة مما كان جاهل‪ 2‬به ومما كان غافل‪ 2‬عنه من أبواب الشرور والفساد‪ ،‬فالعاقل اللبيب الحازم‬

‫من يبحث أول‪ 2‬عن النفوس الطيبة الزكية الخيرة‪ ،‬فيساكنها‪ ،‬ويجاورها‪ ،‬ويجالسها‪ ،‬ويصاحبها‬

‫ويلزمها‪ ،‬ويبحث عن مجالسها وأنديتها فيغشي ما غشيت‪ ،‬ويذهب أنى ذهبت لتتصل روحه‬
‫وقديما قيل في‬
‫بروحها‪ ،‬فيستقي من معينها ويتأدب بآدابها ويتخلق بأخلقها‪ ،‬ويتأسى بأعمالها‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫الحث على مقارنة الخيار والبتعاد عن الشرار‪:‬‬
‫تفاخرا‬
‫واختر صديقك واصطفيه ‪2‬‬

‫واحذر مؤاخاة الدني لنه ‪ ...‬إن القرين إلى المقارن ينسب‬

‫يعدي كما يعدي الصحيح الجرب‬
‫وقال الخر‪:‬‬

‫عن المرء ل تسأل وسل عن قرينه ‪ ...‬فكل قرين بالمقارن يقتدى‬

‫يما { ‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وماذا عل !يه !م !لو آمنوا بالله وال!ي‪! B‬وم الخر وأنفقوا مما رزق‪B‬هم الله وكان الله به !م عل ‪2‬‬
‫صحيحا يظهر أثره في العمل وسلكوا الطريق‬
‫المعنى‪ :‬أي شيء يضرهم لو آمنوا بال إيمان‪2‬ا‬
‫‪2‬‬

‫الحميدة وعدلوا عن الرياء إلى الخلص واليمان بال رجاء موعوده في الدار الخرة بحسن‬
‫العمل‪ ،‬وأنفقوا في وجوه البر التي يحبها ال ويرضاها‪ ،‬وفي هذا السلوب إثارة تعجيب الناس من‬

‫حالهم إذ هم لو أخلصوا ل لما فاتهم منفعة الدنيا ولفازوا في الخرة‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬م !ن عمل‬

‫أحسن ما كانوا ي‪! B‬عملون‬
‫أجرهم ب !‬
‫صال ‪2‬حا 'من ذكر !أو أنثى وهو م !ؤم ‪d‬ن ف‪B‬لن !حيي‪B‬نه حياة‪ 2‬طي'بة‪ 2‬ولن !جزي‪B‬ن‪B‬ه !م !‬
‫فكثيرا ما يفوت المرائي ما يرمي إليه من التقرب إلى الناس‪ ،‬واحتلل قلوبهم‪ ،‬ويظفر بذلك‬
‫{ ‪2‬‬

‫المخلص الذي لم يكن من همه أن أح ‪2‬دا يعرف ما عمل فيكون الول قد رجع بخفي حنين‪ ،‬بينما‬
‫الثاني الذي هو المخلص ل فاز بسعادة الدارين الدنيا والخرة فجهله جدير بأن يتعجب منه؛‬

‫لنه جهل بال وجهل بأحوال الناس ولو آمن وأخلص ووثق بوعد ال ووعيده لكان في سعادته‪،‬‬
‫فاليمان سلوى وعوض من كل فائت‪ ،‬وفقده عرضة لليأس من كل خير‪ ،‬ومن ثم يكثر النتحار‬
‫من فاقد اليمان‪.‬‬
‫كل الذنوب فإن ال يغفرها‬
‫وكل كسر فإن ال يجبره ‪ ...‬إن شيع المرء إخلص وإيمان‬
‫وما لكسر قناة الدين جبران‬
‫وأما المؤمن فأقل ما يؤتاه في المصائب الصبر الذي يخفف وقعها على النفس وأكثره رحمة ال‬
‫التي بها تتحول النقمة إلى نعمة بما يستفيد من الختبار والتمحيص وكمال العبرة والتهذيب‪ ،‬وقد‬
‫يبتلى ال المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء ما تخالط حلوته مرارة المصيبة حتى‬
‫نادرا فهو واقع حاصل‪.‬‬
‫تغلبها‪ ،‬وقد يأنس أحيان‪2‬ا بالمصيبة لعظم رجائه وصبره‪ ،‬وهذا وإن كان ‪2‬‬
‫يما { المعنى‪ :‬أن ال جل وعل عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة وعليم‬
‫وقوله‪ } :‬وكان الله به !م عل ‪2‬‬
‫بمن يستحق التوفيق فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه للعمل الصالح الذي يرضى به عنه‪ ،‬وبمن‬

‫يستحق الخذلن والطرد عن جنابة العظم اللهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال ذرة وإن تك حسنة‪ 2‬يضاع !فها وي‪! B‬ؤت من‬

‫يم ا { نظم الكلم‪ :‬وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا‪ ،‬فإن ال ل يظلم ول يبخس ول‬
‫لدن!ه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬

‫ينقص أح ‪2‬دا من ثواب عمله‪ ،‬والمعنى‪ :‬يخبر تعالى أنه ل يظلم أح ‪2‬دا من خلقه يوم القيامة مثقال‬
‫ذرة‪ ،‬كما قال تعالى في الية الخرى‪ } :‬ومن ي‪! B‬عم !ل من الصالحات وهو م !ؤم ‪d‬ن فل يخاف ظل ‪!2‬ما‬

‫س ش !يئ‪2‬ا وإن كان مث!‪B‬قال‬
‫ول ه !‬
‫ض ‪2‬ما { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ونضع الموازين الق !سط لي‪! B‬وم القيامة فل تظ!لم ن‪! B‬ف ‪d‬‬

‫حبة 'م !ن خ !ردل أت‪! B‬ي‪B‬نا بها وكفى بنا حاسبين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ووضع الكتاب ف‪B‬ت‪B‬رى الم !جرمين م !شفقين‬

‫أحصاها ووجدوا ما عملوا‬
‫مما فيه وي‪B‬قولون يا وي!‪B‬لت‪B‬نا ما لهذا الكتاب ل ي‪B‬غادر صغيرة‪ 2‬ول كبيرة‪ 2‬إل !‬
‫صدر الناس أ !شتات‪2‬ا ل'ي‪B‬ر!وا أ !عماله !م * فمن ي‪! B‬عم !ل‬
‫حاض ‪2‬را ول يظ!لم رب•ك أح ‪2‬دا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ي‪! B‬ومئذ ي !‬
‫مث!‪B‬قال ذرة خ !ي‪2 B‬را ي‪B‬ره * ومن ي‪! B‬عم !ل مث!‪B‬قال ذرة ش ‪2‬را ي‪B‬ره { ‪.‬‬
‫وفي »الصحيحين« من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬عن‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في حديث الشفاعة الطويل‪ ،‬وفيه‪» :‬فيقول ال عز وجل‪:‬‬
‫ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار‪-‬وفي لفظ‪ :‬أدنى أدنى‬
‫كثيرا«‪ ،‬ثم يقول أبو سعيد‪ :‬اقرءوا إن‬
‫مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار‪ -‬فيخرجون خل ‪2‬قا ‪2‬‬

‫شئتم‪ } :‬إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال ذرة { ‪.‬‬

‫وقال ابن مسعود‪ :‬يؤتى بالعبد أو المة يوم القيامة‪ ،‬فينادى على رءوس الولين والخرين‪ :‬هذا‬

‫فلن بن فلن‪ ،‬من كان له حق فليأت إلى حقه‪ ،‬فتفرع المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو‬
‫أمها أو أخيها أو زوجها‪ ،‬ثم قرأ‪ } :‬إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال ذرة { فيغفر ال من حقه ما يشاء‪ ،‬ول‬

‫يغفر من حقوق الناس شيئ‪2‬ا‪ ،‬فينصب للناس‪ ،‬فيقول‪ :‬ائتوا إلى الناس حقوقهم‪ ،‬فيقول‪ :‬يا رب‬

‫فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم‪ ،‬فيقول‪ :‬خذوا من أعماله الصالحة‪ ،‬فأعطوا كل ذي حق حقه‬

‫بقدر مظلمته‪ ،‬فإن كان ولي‪2‬ا ل‪ ،‬ففضل له مثقال ذرة ضاعفها ال له حتى يدخله بها الجنة‪ ،‬ثم‬

‫قرأ‪ } :‬إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال ذرة وإن تك حسنة‪ 2‬يضاع !فها { ‪ ،‬وإن كان عب ‪2‬دا شقي‪2‬ا‪ ،‬قال الملك‪:‬‬

‫رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير‪ ،‬فيقول‪ :‬خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له‬

‫ص ‪2‬كا إلى النار‪.‬‬

‫وعن أنس أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن ال ل يظلم المؤمن حسنة يثاب‬
‫عليها الرزق في الدنيا‪ ،‬ويجزى بها في الخرة‪ ،‬وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا‪ ،‬فإذا كان يوم‬

‫القيامة لم يكن له حسنة«‪.‬‬
‫وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله‪ } :‬وي‪! B‬ؤت من لدن!ه‬
‫يما { يعني الجنة‪ ،‬نسأل ال أن يسكننا وإخواننا المسلمين الجنة‪.‬‬
‫!‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫وعن عبدال بن عمرو بن العاص‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن ال تعالى‬
‫يستخلص رجل‪ 2‬من أمتي على رءوس الخلئق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجل‪ 2‬كل مثل‬
‫مد البصر‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أتنكر من هذا شيئ‪2‬ا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول‪ :‬ل يا رب‪ ،‬فيقول‪:‬‬

‫فلك عذر؟ فيقول‪ :‬ل يا رب‪ ،‬فيقول تعالى‪ :‬بلى إن لك عندنا حسنة‪ ،‬فإنه ل ظلم عليك اليوم‪،‬‬
‫فيخرج بطاقة فيها أشهد أن ل إله إل ال وأشهد أن محم ‪2‬دا عبده ورسوله‪ ،‬فيقول‪ :‬أحضر وزنك‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬يا رب‪ ،‬ما هذه البطاقة مع هذه السجلت؟ فقال‪ :‬فإنك ل تظلم‪ ،‬فتوضع السجلت في‬
‫كفة والبطاقة في كفة‪ ،‬فطاشت السجلت‪ ،‬وثقلت البطاقة‪ ،‬ول يثقل مع اسم ال شيء« أخرجه‬
‫الترمذي‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ثم يضرب الجسر على‬
‫جهنم‪ ،‬وتحل الشفاعة‪ ،‬ويقولون‪ :‬اللهم سلم سلم«‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وما الجسر؟ قال‪:‬‬
‫»دحض مزلة فيه خطاطيف وكلليب وحسكة –تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان‪ -‬فيمر‬
‫المؤمنون كطرف العين‪ ،‬وكالبرق‪ ،‬وكالريح‪ ،‬وكالطير وكأجاود الخيل‪ ،‬و الركاب‪ ،‬فناج مسلم‪،‬‬
‫ومخدوش مرسل‪ ،‬ومكردس في نار جهنم‪ ،‬حتى إذا خلص المؤمنون من النار‪ ،‬فوالذي نفسي بيده‬
‫ما من أحد منكم بأشد مناشدة ل في استقصاء الحق من المؤمنين ل يوم القيامة لخونهم الذين‬
‫في النار –وفي رواية‪ :‬فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا‬
‫رأوا أنهمن قد نجوا في إخوانهم‪ ،‬يقولون‪ :‬ربنا كانوا يصومون معنا‪ ،‬ويصلون ويحجون‪ -‬فيقال‬
‫كثيرا قد أخذت النار إلى‬
‫لهم‪ :‬أخرجوا من عرفتم‪ ،‬فتحرم صورهم على النار‪ ،‬فيخرجون خل ‪2‬قا ‪2‬‬

‫نصف ساقيه وإلى ركبتيه‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به‪ ،‬فيقول‪ :‬ارجعوا فمن‬

‫كثيرا‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬ربنا‪ ،‬لم نذر فيها‬
‫وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خل ‪2‬قا ‪2‬‬
‫أحد ممن أمرتنا به‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير‪ ،‬فأخرجوه‪،‬‬

‫كثيرا‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أح ‪2‬دا‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ارجعوا فمن وجدتم‬
‫فيخرجون خل ‪2‬قا ‪2‬‬
‫خيرا«‪.‬‬
‫كثيرا‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬ربنا لم نذر فيها ‪2‬‬
‫في قلبه مثقال ذرة من خير‪ ،‬فأخرجوه‪ ،‬فيخرجون خل ‪2‬قا ‪2‬‬

‫وكان أبو سعيد يقول‪ :‬إن لم تصدقوني بهذا الحديث‪ ،‬فاقرءوا إن شئتم‪ } :‬إن الله ل يظ!لم مث!‪B‬قال‬

‫يما { ‪ ،‬فيقول ال تبارك وتعالى‪» :‬شفعت‬
‫ذرة وإن تك حسنة‪ 2‬يضاع !فها وي‪! B‬ؤت من لدن!ه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫الملئكة‪ ،‬وشفع النبيون‪ ،‬وشفع المؤمنون‪ ،‬ولم يبق إل أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار‬

‫خيرا قط‪ ،‬قد عادوا حمما‪ ،‬فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة‪ ،‬يقال له‪:‬‬
‫فيخرج منها ‪2‬‬
‫قوما لم يعملوا ‪2‬‬
‫نهر الحياة‪ ،‬فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل‪ ،‬أل ترونها تكن إلى الحجر أو إلى‬

‫الشجر‪ ،‬ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر‪ ،‬وما يكون منها إلى الظلم يكون أبيض؟«‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫يا رسول ال‪ ،‬كأنك ترعى بالبادية‪ ،‬قال‪» :‬فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة‬
‫هؤلء عتقاء ال الذين أدخلهم ال الجنة بغير عمل عملوه ول خير قدموه‪ ،‬ثم يقول‪ :‬أدخلوا‬

‫الجنة‪ ،‬فما رأيتموه فهو لكم‪ ،‬فيقولون‪ :‬ربنا أعطيتنا ما لم تعط أح ‪2‬دا من العالمين‪ ،‬فيقول‪ :‬لكم‬

‫عندي أفضل من هذا‪ ،‬فيقولون‪ :‬ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول‪ :‬رضاي فل أسخط عليكم‬

‫بعده أب ‪2‬دا« لفظ مسلم‪ ،‬وهو بعض حديث‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬فك !يف إذا ج !ئ‪B‬نا من ك 'ل أمة بشهيد وج !ئ‪B‬نا بك على هؤلء شهي ‪2‬دا { الستفهام معناه‬
‫التوبيخ والتقريع والتهويل‪ ،‬أي إذا كان كل قليل وكثير يجازي عليه‪ ،‬فكيف يكون حال هؤلء‬
‫المشركين والمنافقين يوم القيامة‪ ،‬وهؤلء الكافرون المختالون‪ ،‬الفخورون الباخلون‪ ،‬المرون‬
‫بالبخل‪ ،‬الذين يكتمون فضل ال‪ ،‬ول يبتغون وجه ال هؤلء هم واقفون في الساحة والرسول‬
‫عليهم شهيد‪ ،‬هؤلء هم في حضرة الخالق الذي كفروا به‪ ،‬وفي مواجهة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬الذي عصوه!! إنه لموقف رهيب ينال الكافرون فيها من المهانة والخزي والحسرة ما ال‬
‫به عليم‪ ،‬إنه لموقف اعتراف ل يفيد فيه النكار‪ ،‬ول يمكن فيه الجحد والكتمان‪.‬‬

‫الرض بنور رب'‪B‬ها ووضع الكتاب وجيء بالنبي'ين‬
‫والمراد بالشهيد‪ :‬النبياء‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وأ !شرقت !‬
‫وال •‬
‫شهداء { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وي‪! B‬وم ن‪! B‬ب‪B‬عث في ك 'ل أمة شهي ‪2‬دا عل !يهم 'م !ن أنفسه !م { ‪.‬‬
‫عن ابن مسعود قال‪ :‬قال لي رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬اقرأ علي«‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول‬

‫ال‪ ،‬أقرأ عليك‪ ،‬وعليك أنزل! قال‪» :‬نعم‪ ،‬إ ني أحب أن أسمعه من غيري«‪ ،‬فقرأت سورة النساء‬
‫حتى أتيت إلى هذه الية‪ } :‬فك !يف إذا ج !ئ‪B‬نا من ك 'ل أمة بشهيد وج !ئ‪B‬نا بك على هؤلء شهي ‪2‬دا {‬
‫إلخ‪ ،‬فقال‪» :‬حسبك الن« فإذا عيناه تذرفان‪.‬‬

‫فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة‪ ،‬وعظم تلك الحالة‪ ،‬فماذا يصنع المشهود‬
‫عليه؟ وماذا تكون حاله؟ وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه؟ اللهم سلمنا من شرور الدنيا والخرة‬
‫وجميع المسلمين‪.‬‬
‫الرض ول يك!تمون الله حديث‪2‬ا {‬
‫وقوله‪ } :‬ي‪! B‬ومئذ ي‪B‬و •د الذين كفروا وعصوا الرسول !لو تسوى بهم !‬
‫استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها‪.‬‬

‫المعنى‪ :‬أنه إذا جاء ذلك اليوم العظيم الذي يأتي فيه ال بشهيد على كل أمة يتمنى الذين كفروا‬
‫وعصوا الرسول فلم يطيعوه فيما أمرهم به من التوحيد ل عز وجل أن يصيروا تراب‪2‬ا تسوى به‬

‫الرض‪ ،‬فيكونوا وإياها سواء‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬وي‪B‬قول الكافر يا !ليتني كنت ت‪B‬راب‪2‬ا { ‪ ،‬وقيل‪ :‬إنهم‬
‫ودوا أن لم يبعثوا؛ لنهم إنما كانوا في الرض وهي مستوية عليهم‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه ودوا لو تخرقت‬

‫بهم الرض فساخوا فيها‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه لو تعدل بهم الرض‪ ،‬أي يؤخذ منهم ما عليها فدية‪.‬‬
‫} ول يك!تمون الله حديث‪2‬ا { هذا إخبار عنهم أنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ول يكتمون منه شيئ‪2‬ا‪.‬‬

‫إخبارا عن‬
‫عن سعيد بن جبير قال‪ :‬جاء رجل إلى ابن عباس‪ ،‬فقال‪ :‬سمعت ال عز وجل يقول ‪2‬‬

‫المشركين يوم القيامة أنهم قالوا‪ } :‬والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين { ‪ ،‬وقال في الية الخرى‪ } :‬ول‬

‫يك!تمون الله حديث‪2‬ا { ‪ ،‬فقال ابن عباس‪ :‬أما قولهم‪ } :‬والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين { ‪ ،‬فإنهم لما رأوا‬
‫أنه ل يدخل الجنة إل أهل السلم‪ ،‬قالوا‪ :‬تعالوا فلنجحد‪ ،‬فقالوا‪ } :‬والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين {‬

‫فختم ال على أفواههم‪ ،‬وتكلمت أيديهم وأرجلهم‪ ،‬ول يكتمون ال حديثا‪.‬‬

‫وعن سعيد بن جبير قال‪ :‬جاء رجل إلى ابن عباس‪ ،‬فقال‪ :‬أشياء تختلف علي في القرآن! قال‪ :‬ما‬
‫هو أشك في القرآن؟ قال‪ :‬ليس بالشك‪ ،‬ولكن اختلف‪ ،‬قال‪ :‬فهات ما اختلف عليك من ذلك‪،‬‬
‫لم تكن ف !ت‪B‬نت‪B‬ه !م إل أن قالوا والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ول‬
‫قال‪ :‬أسمع ال يقول‪ } :‬ثم !‬

‫لم تكن ف !ت‪B‬نت‪B‬ه !م إل أن قالوا‬
‫يك!تمون الله حديث‪2‬ا { فقد كتموا‪ ،‬فقال ابن عباس‪ :‬أما قوله‪ } :‬ثم !‬
‫والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين { فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن ال ل يغفر إل لهل السلم‪ ،‬ول‬

‫يتعاظمه ذنب أن يغفره‪ ،‬ول يغفر شر‪2‬كا‪ ،‬جحد المشركون‪ ،‬فقالوا‪ } :‬والله رب'‪B‬نا ما كنا م !شركين {‬
‫رجاء أن يغفر لهم‪ ،‬فختم ال على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‪ ،‬فعند‬

‫الرض ول يك!تمون الله حديث‪2‬ا { ‪.‬‬
‫ذلك } ي‪! B‬ومئذ ي‪B‬و •د الذين كفروا وعصوا الرسول !لو تسوى بهم !‬
‫همسا‪ ،‬وفي موطن يتكلمون‬
‫وقال الحسن‪ :‬القيامة مواقف‪ ،‬ففي موطن ل يتكلمون ول تسمع إل ‪2‬‬
‫ويكذبون ويقولون‪ :‬وال ربنا ما كنا مشركين‪ ،‬ويقولون ما كنا نعمل من سوء‪ ،‬وفي موطن يعترفون‬

‫على أنفسهم‪ ،‬وهو قوله تعالى‪ } :‬فا !عت‪B‬رفوا بذن!به !م { ‪ ،‬وفي موطن ل يتساءلون‪ ،‬وفي موطن‬

‫يسألون الرجعة‪ ،‬وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم‪ ،‬فهو قوله‪ } :‬ول‬

‫يك!تمون الله حديث‪2‬ا { ‪.‬‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬

‫مما يفهم من آيات الدرس من الية ]‪ 36‬إلى الية ‪:[40‬‬
‫‪ -1‬المر بعبادة ال وحده‪.‬‬
‫‪ -2‬النهي عن الشرك‪.‬‬
‫‪ -3‬الحث على بر الوالدين‪.‬‬
‫‪ -4‬الحث على الحسان بذوي القربى‪.‬‬
‫‪ -5‬الحث على الحسان إلى اليتامى‪.‬‬
‫‪ -6‬الحث على الحسان إلى المساكين‪.‬‬
‫‪ -7‬الحث على الحسان إلى الجار‪.‬‬
‫‪ -8‬الحث على الحسان إلى الصاحب بالجنب‪.‬‬

‫‪ -9‬الحث على الحسان إلى ابن السبيل‪.‬‬
‫‪ -10‬الحث على الحسان إلى المماليك‪.‬‬
‫‪ -11‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -12‬أن ال ل يحب كل مختال فخور‪.‬‬
‫‪ -13‬ذم البخل والمر به‪.‬‬
‫‪ -14‬النهي عن كتمان العلم‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات الفعال الختيارية‪.‬‬
‫‪ -16‬أن الفضل بيد ال‪.‬‬
‫‪ -17‬أن ال يؤتى فضله الصالح والطالح‪.‬‬
‫‪ -18‬النهي عن الكبر‪.‬‬
‫‪ -19‬أن ال أعد للكافرين عذاب‪2‬ا مهين‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -20‬النهي عن الرياء‪.‬‬
‫‪ -21‬الحث على الخلص ل‪.‬‬
‫‪ -22‬ذم ترك اليمان بال‪.‬‬
‫‪ -23‬الحث على اليمان بال‪.‬‬
‫‪ -24‬الحث على اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -25‬ذم من ل يؤمن باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -26‬الحث على اليمان بالبعث لدخوله في اليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -27‬الحث على اليمان بفتنة القبر؛ لنها داخلة في اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -28‬الحث على اليمان بالحشر لدخوله في اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -29‬الحث على اليمان بالحوض لدخوله في اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -30‬الحث على اليمان بالميزان لدخولهما باليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -31‬الحث على اليمان بالحساب لدخوله باليمان في اليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -32‬الحث على اليمان بالصراط لدخوله في اليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -33‬الحث على اليمان بالجنة لدخولها باليمان باليوم الخر‪.‬‬
‫‪ -34‬الحث على اليمان بالنار لدخولها في اليمان باليوم الخر؛ ولقوله تعالى‪ } :‬وأ !عت !دنا‬

‫لل!كافرين عذاب‪2‬ا •مهين‪2‬ا { ‪.‬‬

‫‪ -35‬التحذير من اتخاذ الشيطان قرين‪2‬ا‪.‬‬

‫‪ -36‬أن الشيطان بئس القرين‪.‬‬
‫‪ -37‬في الية إيماء إلى أن قرناء السوء يؤثرون على النسان في سيرته وعقيدته‪.‬‬
‫‪ -38‬الحث على اختيار القرين الصالح‪.‬‬
‫‪ -39‬البتعاد عن قرناء السوء‪.‬‬
‫‪ -40‬الحث على النفاق مما رزق ال‪.‬‬
‫‪ -41‬إثبات صفة العلم‪.‬‬
‫‪ -42‬أن ال هو الرزاق‪.‬‬
‫‪ -43‬أن ال ل يظلم‪.‬‬
‫‪ -44‬أنه يضاعف الحسنة‪.‬‬
‫‪ -45‬أنه يزيد في الفضل‪.‬‬
‫‪ -46‬التوبيخ على الجهل بمكان المنفعة‪ ،‬والعتقاد في الشيء على خلف ما هو عليه‪،‬‬
‫وتحريضهم على صرف الفكر لتحصيل الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما في ذلك ما هو‬
‫أجدى من تفاريق العصا وتنبيههم على أن المدعو إلى أمر ل ضرر فيه ينبغي أن يجيب احتياطي‪2‬ا‪،‬‬
‫فكيف إذا تدفقت منه المنافع‪.‬‬
‫تأثيرا أصل‪ 2‬في الفعل‪.‬‬
‫‪ -47‬الرد على الجبرية إذ ل يقال مثل ذلك لمن ل اختيار له ول ‪2‬‬
‫‪ -48‬الرد على الجهمية منكري الصفات‪.‬‬

‫‪ -49‬التوبيخ والتقريع المستفاد من الستفهام‪.‬‬
‫‪ -50‬العتبار بذلك الحكم العظيم الذي جمع أن من حكم به كامل العلم‪ ،‬كامل العدل‪ ،‬كامل‬
‫الحكمة بشهادة أزكى الخلق‪ ،‬وهم الرسل على أممهم مع إقرار المحكوم عليه‪.‬‬
‫‪ -51‬الحث على الستعداد لهول ذلك اليوم‪.‬‬
‫‪ -52‬أن ال لم يهمل الخلق ولم يتركهم سدى‪.‬‬
‫‪ -53‬إثبات صفة الكلم‪.‬‬
‫‪ -54‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد‪.‬‬
‫‪ -55‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -56‬الرد على من أنكر رسالته‪.‬‬
‫‪ -57‬أن الكفار في ذلك ينالهم الذل والخزي والمهانة‪ ،‬ويودون لو يندمجون بهذه الرض‬
‫وينطوون فر ‪2‬ارا من الخزي الذي يغمرهم‪.‬‬

‫‪ -58‬أن الكفار يعترفون في ذلك اليوم بما عملوا‪ ،‬وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما‬
‫كانوا يعملون‪.‬‬
‫‪ -59‬التحذير من معصية ال ورسوله‪.‬‬
‫‪ -60‬الحث على الكثار من الحسنات‪.‬‬
‫‪ -61‬وجوب طاعة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -62‬دليل على قدرة ال‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫في فضل أداء المانة والعدل‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬إن الله يأ!مرك !م أن ت‪B‬ؤد•وا المانات إلى !أهلها وإذا حك !متم ب‪! B‬ين الناس أن‬

‫ت !حكموا بال!ع !دل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سم ‪2‬يعا بص ‪2‬يرا * يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا أطيعوا الله‬
‫المر منك !م فإن ت‪B‬ناز !عت !م في ش !يء ف‪B‬رد•وه إلى الله والرسول إن كنت !م ت‪! B‬ؤمنون‬
‫وأطيعوا الرسول و !أولي !‬

‫أحسن تأ!ويل‪. { 2‬‬
‫بالله وال!ي‪! B‬وم الخر ذلك خ !ي‪d B‬ر و !‬

‫الية الولى‪ :‬قال القرطبي‪ :‬هذه الية من أمهات الحكام‪ ،‬تضمنت جميع الدين والشرع‪ ،‬وقد‬
‫اختلف من المخاطب بها‪ ،‬فقال علي بن أبي طالب‪ ،‬وزيد بن أسلم‪ ،‬وشهر بن حوشب‪ ،‬وابن زيد‪:‬‬

‫هذا خطاب لولة المسلمين خاصة‪ ،‬فهي للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وأمرائه‪ ،‬ثم نتناول من‬
‫بعدهم‪.‬‬
‫وقال ابن جريج وغيره‪ :‬ذلك خطاب للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬خاصة في أمر مفتاح الكعبة‬
‫حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري‪ ،‬من بني عبدالدار‪ ،‬ومن ابن عمه شيبة بن‬
‫عثمان بن أبي طلحة‪ ،‬وكانا كافرين وقت فتح مكة‪ ،‬فطلبه العباس بن عبدالمطلب لتنضاف له‬
‫سدانة البيت إلى السقاية‪ ،‬فدخل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الكعبة فكسر ما كان فيها‬
‫من الوثان وأخرج مقام إبراهيم‪ ،‬ونزل عليه جبريل بهذه الية‪ ،‬قال عمر بن الخطاب‪ :‬وخرج‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهوي قرأ هذه الية وما كنت سمعتها قبل منه‪ ،‬فدعا عثمان‬
‫وشيبة‪ ،‬فقال‪» :‬خذاها خالدة تالدة ل ينزعها منكم إل ظالم«‪.‬‬
‫وحكى مكي‪ :‬أن شيبة أراد أن ل يدفع المفتاح‪ ،‬ثم دفعه‪ ،‬وقال للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫خذه بأمانة ال‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬الية خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه‪ ،‬ويردوهن‬
‫إلى الزواج والظهر في الية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولة فيما إليهم من‬

‫المانات في قسمة الموال ورد الظلمات والعدل في الحكومات‪ ،‬وهذا اختيار الطبري‪ ،‬وتتناول‬
‫من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك‪ ،‬كالرجل يحكم في نازلة‬
‫ما ونحوه‪ ،‬والصلة والزكاة وسائر العبادات أمانة ال تعالى‪.‬‬
‫مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬القتل‬
‫روي هذا المعنى‬
‫‪2‬‬
‫في سبيل ال يكفر الذنوب كلها –أو قال كل شيء إل المانة‪ -‬والمانة في الصلة‪ ،‬والمانة في‬

‫الصوم‪ ،‬والمانة في الحديث‪ ،‬وأشد ذلك الودائع« ذكره أبو نعيم الحافظ في »الحلية«‪.‬‬
‫وممن قال إن الية عامة في الجميع البراء بن عازب‪ ،‬وابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬وأبي بن كعب‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬المانة في كل شيء‪ ،‬في الوضوء‪ ،‬والصلة‪ ،‬والزكاة‪ ،‬والجنابة‪ ،‬والصوم‪ ،‬والكيل‪ ،‬والوزن‪،‬‬
‫والودائع‪ ،‬وقال ابن عباس‪ :‬لم يرخص لمعسر ول لموسر أن يمسك المانة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا إجماع‪ ،‬وأجمعوا على أن المانات مردودة إلى أربابها البرار والفجار‪ ،‬قاله ابن‬
‫المنذر‪.‬‬
‫ووجه النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬وقولهم‪ :‬إن المشركين أهدى سبيل‪ ،‬فكان ذلك خيانة منهم‪ ،‬فاتجه الكلم إلى ذكر جميع‬‫المانات‪ ،‬فالية شاملة بنظمها لكل أمانة‪ ،‬وهي أعداد كثيرة وأمهاتها في الحكام‪ :‬الوديعة‪،‬‬
‫واللقطة‪ ،‬والرهن‪ ،‬والعارية‪.‬‬
‫وروي عن أبي بن كعب‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬أد المانة إلى‬
‫من ائتمنك‪ ،‬ول تخن من خانك« اه‪ B‬كلمه‪.‬‬
‫وقد وردت أحاديث في تعظيم شأن المانة والمر بحفظها وأدائها والتحذير من الخيانة فيها‪ ،‬من‬
‫ذلك ما ورد عن عبدال بن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬القتل في سبيل ال يكفر الذنوب كلها إل المانة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل ال‪ ،‬فيقال‪ :‬أد أمانتك‪ ،‬فيقول‪ :‬أي رب كيف وقد‬
‫ذهبت الدنيا؟ فيقال‪ :‬انطلقوا به إلى الهاوية‪ ،‬وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها‬
‫فيهوى في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه‪ ،‬فهو‬
‫يهوي في أثرها أبد البدين‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬الصلة أمانة‪ ،‬و الوضوء أمانة‪ ،‬والكيل أمانة‪ ،‬وأشياء عددها‪ ،‬وأشد ذلك الودائع‪ ،‬فقال‬
‫راوي الحديث‪ :‬فأتيت البراء بن عازب‪ ،‬فقلت‪ :‬أل ترى ما قال ابن مسعود؟ قال‪ :‬كذا‪ ،‬قال‬
‫البراء‪ :‬صدق أما سمعت ال يقول‪ } :‬إن الله يأ!مرك !م أن ت‪B‬ؤد•وا المانات إلى !أهلها وإذا حك !متم‬

‫ب‪! B‬ين الناس أن ت !حكموا بال!ع !دل { ‪.‬‬

‫وعن أنس قال‪ :‬خطبنا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل إيمان لمن ل أمانة له‪ ،‬ول‬

‫دين لمن ل عهد له« وقد ثبت في »الصحيح«‪ :‬أن من خان إذا أؤتمن ففيه خصلة من خصال‬
‫النفاق‪.‬‬
‫وعن أبي ذر قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أل تستعملني‪ ،‬قال‪ :‬فضرب بيده على منكبي‪ ،‬ثم قال‪» :‬يا‬
‫أبا ذر‪ ،‬إنك ضعيف‪ ،‬وإنها أمانة‪ ،‬وإنها يوم القيامة خزي وندامة‪ ،‬إل من أخذها بحقها وأدى الذي‬
‫عليه فيها«‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬بينما النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في مجلس يحدث القوم‪ ،‬جاء أعرابي‪،‬‬
‫فقال‪ :‬متى الساعة؟ فمضى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يحدث‪ ،‬فقال بعض القوم‪ :‬سمع ما‬
‫قال‪ ،‬فكره ما قال‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬بل لم يسمع‪ ،‬حتى إذا قضى حديثه‪ ،‬قال‪» :‬أين السائل عن‬
‫الساعة؟« قال‪ :‬ها أنا ذا يا رسول ال‪ ،‬قال‪» :‬إذا ضيعت المانة فانتظر الساعة«‪ ،‬قال‪ :‬كيف‬
‫إضاعتها؟ قال‪» :‬إذا وسد المر إلى غير أهله فانتظر الساعة« رواه البخاري‪.‬‬
‫وفي حديث حذيفة في وصفه لتسرب المانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬حديثين رأيت أحدهما‪ ،‬وأنا أنتظر الخر‪ ،‬حدثنا‪» :‬أن المانة‬
‫سنة«‪ ،‬وحدثنا عن رفعها قال‪:‬‬
‫نزلت في جذر قلوب الرجال‪ ،‬ثم علموا من القرآن‪ ،‬ثم علموا من ال •‬
‫»ينام الرجل النومة فتقبض المانة من قلبه‪ ،‬فيظل أثرها مثل أثر الوكت‪ ،‬ثم ينام النومة فتقبض‪،‬‬

‫منتبرا وليس فيه شيء‪ ،‬فيصبح‬
‫فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه ‪2‬‬

‫الناس يتبايعون‪ ،‬فل يكاد أحدهم يؤدي المانة‪ ،‬فيقال‪ :‬إن في بني فلن رجل‪ 2‬أمين‪2‬ا‪ ،‬ويقال للرجل‪:‬‬

‫ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في مثقال حبة خردل من إيمان« الحديث رواه البخاري‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬وإذا حك !متم ب‪! B‬ين الناس أن ت !حكموا بال!ع !دل { أي وأن ال يأمركم إذا حكمتم بين‬
‫الناس أن تحكموا بالعدل‪ ،‬والحكم العدل هو فصل الخصومات على ما في كتاب ال و •سنة‬

‫رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والموال والعراض‪،‬‬
‫القليل والكثير من ذلك‪ ،‬على القريب و البعيد والبر والفاجر والولي والعدو‪ ،‬والحكم بالعدل‬

‫يحتاج إلى أمور منها‪:‬‬
‫أول‪ :2‬فهم الدعوى من المدعي‪ ،‬و الجواب من المدعى عليه ليعرف موضع التنازع والتخاصم‬
‫بأدلته من الخصمين‪.‬‬

‫ثاني‪2‬ا‪ :‬خلو الحاكم من التحيز والميل إلى أحد الخصمين‪.‬‬

‫سنة أو‬
‫ثالث‪2‬ا‪ :‬معرفة الحاكم الحكم الذي شرعه ال ليفصل بين الناس على ضوئه من الكتاب وال •‬

‫الجماع‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬تولية القادرين على القيام بأعباء الحكام‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وقد أمر المسلمون بالعدل في الحكام‪ ،‬والقوال‪ ،‬والفعال‪ ،‬والخلق‪ ،‬قال ال تبارك وتعالى‪} :‬‬

‫ب‬
‫ا !عدلوا هو أق‪!B‬رب للت‪! B‬قوى { ‪ ،‬وقال‪ } :‬كونوا ق‪B‬وامين بال!ق !سط { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وأق!سطوا إن الله يح •‬
‫الم !قسطين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وإذا ق‪B‬ل!ت !م فا !عدلوا و !لو كان ذا ق‪! B‬ربى { ‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن‪ ،‬وكلتا يديه‬

‫يمين‪ ،‬الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا«‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كلكم راع‪ ،‬وكلكم‬
‫مسئول عن رعيته‪ ،‬فالمام راع وهو مسئول عن رعيته‪ ،‬والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم‪،‬‬
‫والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه‪ ،‬والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه‪ ،‬أل‬
‫فكلكم وكلكلم مسئول عن رعيته«‪.‬‬
‫ولما كانت هذه الوامر حسنة عادلة بين سبحانه وتعالى حسن العدل وأداء المانة‪ ،‬فقال‪ } :‬إن‬
‫الله نعما يعظكم به { أي نعم الشيء الذي يعظكم به من أداء المانات والحكم بين الناس‬
‫بالعدل إذ ل يعظكم إل ما فيه صلحكم وفلحكم وسعادتكم‪ ،‬ومعنى الوعظ‪ :‬المر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪ ،‬وقيل‪ :‬هو المر بالخير والنهي عن الشر‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬إن الله كان سم ‪2‬يعا بص ‪2‬يرا { أي عليكم أن تعملوا بأمر ال ووعظه‪ ،‬فإنه السميع لجميع‬
‫الصوات على اختلف اللغات وتفنن الحاجات‪ ،‬وكأنها لديه صوت واحد‪ ،‬فإذا حكمتم فهو‬

‫سميع لذلك‪ ،‬الحكم البصير الذي أحاط بصره بجميع المبصرات‪ ،‬فهو سبحانه يشاهد ويرى كل‬
‫شيء وإن خفي قريب‪2‬ا أو بعي ‪2‬دا فل تؤثر على رؤيته الستار والحواجز‪ ،‬فيرى دبيب النملة السوداء‬
‫في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء‪ ،‬ومناط عروق البعوض والذر‪ ،‬وجريان القوت والماء في‬

‫العروق والغصان‪ ،‬مهما دقت وغمضت‪ ،‬وإن أديتم المانة فهو بصير بذلك‪.‬‬
‫ثم بعدما أمر سبحانه بأداء المانة والعدل في الحكومة أمر بطاعته‪ ،‬وطاعة رسوله ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬وأمر بطاعة أولي المر‪ ،‬فقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول‬

‫المر منك !م { أي أطيعوا ال ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه‪ ،‬وأطيعوا رسوله محم ‪2‬دا ‪-‬‬
‫و !أولي !‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فإن في طاعتكم إياه طاعة لربكم‪ ،‬وذلك أنكم تطيعونه لمر ال إياكم‬

‫بطاعته‪.‬‬
‫أقوال العلماء –رحمهم ال تعالى‪ -‬في معنى قوله‪ } :‬أطيعوا الله وأطيعوا الرسول { ‪:‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬أمر من ال باتباع سنته‪ ،‬وعن عطاء في قوله‪ } :‬أطيعوا الله وأطيعوا الرسول { قال‪:‬‬
‫سنة‪ ،‬وقال ابن جرير‪ :‬والصواب من القول في ذلك أن يقال هو‬
‫طاعة الرسول اتباع الكتاب وال •‬
‫أمر من ال بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى‪ ،‬وبعد وفاته باتباع •سنته‪ ،‬وذلك أن ال عم‬

‫بالمر بطاعته ولم يخصص بذلك في حال دون حال‪ ،‬فهو على العموم حتى يخص ذلك ما يجب‬
‫التسليم له‪.‬‬
‫المر منك !م { اختلف في أولي المر‪ ،‬فللمفسرين فيه قولن‪ ،‬قال ابن عباس‬
‫وقوله‪ } :‬و !أولي !‬

‫وجابر ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ :-‬هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم‪ ،‬وهو قول‬

‫المر م !ن‪B‬ه !م‬
‫الحسن والضحاك ومجاهد‪ ،‬ودليله قوله تعالى‪ } :‬و !لو رد•وه إلى الرسول وإلى !أولي !‬
‫لعلمه الذين ي !ستنبطونه م !ن‪B‬ه !م { ‪.‬‬
‫وقال أبو هريرة‪ :‬هم المراء والولة‪ ،‬قال بعض العلماء‪ :‬وليس ببعيد على ما يعم الجميع لتناول‬
‫السم لهم؛ لن للمراء تدبير الجيش والقتال‪ ،‬وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما ل يجوز‪،‬‬
‫فال سبحانه أمر بطاعة أولي المر؛ لنه ل يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إل بطاعتهم‬
‫والنقياد لهم طاعة ل ورغبة فيما عنده‪ ،‬ولكن بشرط أن ل يأمروا بمعصية ال‪ ،‬فإن أمروا بذلك‬
‫فل طاعة لمخلوق في معصية الخالق‪ ،‬ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند المر بطاعتهم‪،‬‬
‫وذكره مع طاعة الرسول‪ ،‬فإن الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ل يأمر إل بطاعة ال‪ ،‬ومن يطعه‬
‫فقد أطاع ال‪ ،‬وأما أولوا المر فشرط المر بطاعتهم أن ل يكون في معصية‪.‬‬
‫وعن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬بعث رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬سرية‪ ،‬واستعمل‬
‫عليهم رجل‪ 2‬من النصار‪ ،‬فلما خرجوا وجد عليهم في شيء‪ ،‬فقال لهم‪ :‬أليس قد أمركم رسول ال‬
‫‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن تطيعوني؟ قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فاجمعوا إلي حطب‪2‬ا‪ ،‬ثم دعا بنار‬

‫فأضرمها فيه‪ ،‬ثم قال‪ :‬عزمت عليكم لتدخلنها‪ ،‬قال‪ :‬فقال لهم شاب منهم‪ :‬إنما فررتم إلى رسول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من النار‪ ،‬فل تعجلوا حتى تلقوا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬

‫‪ ،-‬فأخبروه‪ ،‬فقال لهم‪» :‬لو دخلتموها ما خرجتم منها أب ‪2‬دا إنما الطاعة بالمعروف«‪ ،‬أخرجاه في‬

‫»الصحيحين«‪.‬‬

‫وعن عبدال بن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره‪ ،‬ما لم يؤمر بمعصية‪ ،‬فإذا أمر بمعصية فل‬
‫سمع ول طاعة«‪.‬‬
‫وعن عبادة بن الصامت‪ ،‬قال‪» :‬بايعنا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على السمع والطاعة‬
‫كفرا‬
‫في منشطنا ومكرهنا‪ ،‬وعسرنا ويسرنا‪ ،‬وأثره علينا‪ ،‬وأن ل ننازع المر أهله‪ ،‬قال‪ :‬إل أن تروا ‪2‬‬

‫بواحا عندكم فيه من ال برهان« أخرجاه‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وفي الحديث الخر عن أنس أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬اسمعوا وأطيعوا‪،‬‬

‫وإن أمر عليك عبد حبشي كان رأسه زبيبة« رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع‪ ،‬وإن كان عب ‪2‬دا حبشي‪2‬ا‬
‫مجدوع الطراف‪ ،‬رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أم الحصين أنها سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يخطب في حجة الوداع يقول‪:‬‬
‫»ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب ال اسمعوا له وأطيعوا« رواه مسلم‪ ،‬وفي لفظ‪» :‬عب ‪2‬دا‬

‫مجدوعا«‪.‬‬
‫حبشي‪2‬ا‬
‫‪2‬‬

‫وعن أبي هريرة أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬سيليكم ولة بعدي‪ ،‬فيليكم البر ببره‪،‬‬

‫والفاجر بفجوره‪ ،‬فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق‪ ،‬وصلوا وراءهم‪ ،‬فإن أحسنوا فلكم‬
‫ولهم‪ ،‬وإن أساءوا فلكم وعليهم«‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم‬
‫النبياء كلما هلك نبي خلفه نبي‪ ،‬وأنه ل نبي بعدي‪ ،‬وسيكون خلفاء فيكثرون«‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول‬
‫ال‪ ،‬فما تأمرنا؟ قال‪» :‬أوفوا بيعه الول وأعطوهم حقهم‪ ،‬فإن ال سائلهم عما استرعاهم«‬
‫أخرجاه‪.‬‬
‫وعن ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من رأى‬
‫شبرا فيموت‪ ،‬إل مات ميتة جاهلية«‬
‫من أميره شيئ‪2‬ا فكرهه فليصبر‪ ،‬فإنه ليس أحد يفارق الجماعة ‪2‬‬

‫أخرجاه‪.‬‬

‫أيضا عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة قال‪ :‬دخلت المسجد‪ ،‬فإذا عبدال بن‬
‫وروى مسلم ‪2‬‬

‫عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة‪ ،‬والناس مجتمعون عليه‪ ،‬فأتيتهم‪ ،‬فجلست إليه‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫كنا مع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في سفر‪ ،‬فنزلنا منزل‪ ،2‬فمنا من يصلح خباءه‪ ،‬ومنا‬

‫من ينتضل‪ ،‬ومنا من هو في جشره‪ ،‬إذ نادى منادي رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪:‬‬

‫»إنه لم يكن نبي قبلي إل كان ح ‪2‬قا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم‪ ،‬وينذرهم شر ما‬

‫يعلمه لهم‪ ،‬وإن هذه المة جعلت عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلء وأمور تنكرونها‪ ،‬وتجيء‬

‫بعضا وتجيء الفتنة‪ ،‬فيقول المؤمن‪ :‬هذه مهلكتي ثم تنكشف‪ ،‬وتجيء الفتنة‪،‬‬
‫فتن يرقق بعضها ‪2‬‬
‫فيقول المؤمن‪ :‬هذه هذه‪ ،‬فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن‬

‫إماما فأعطاه صفقة يده‬
‫بال واليوم الخر‪ ،‬وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه‪ ،‬ومن بايع ‪2‬‬
‫وثمرة فؤداه فليطعه إن استطاع‪ ،‬فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الخر«‪ ،‬قال‪ :‬فدنوت منه‪،‬‬

‫فقلت‪ :‬أنشدك ال‪ ،‬أنت سمعت هذا من رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬؟ فأهوى إلى أذنيه‬
‫وقلبه بيد‪ ،‬وقال‪ :‬سمعته أذناي‪ ،‬ووعاه قلبي‪ ،‬فقلت له‪ :‬هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل‬

‫أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا‪ ،‬وال تعالى يقول‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل تأ!كلوا !أموالكم ب‪! B‬ي‪B‬نكم‬

‫يما { ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫بال!باطل إل أن تكون تجار‪2‬ة عن ت‪B‬راض 'منك !م ول ت‪! B‬قت‪B‬لوا أن!‪B‬فسك !م إن الله كان بك !م رح ‪2‬‬
‫فسكت ساعة‪ ،‬ثم قال‪ :‬أطعه في طاعة ال‪ ،‬واعصه في معصية ال‪.‬‬

‫والحاديث في هذا كثيرة‪ ،‬قال العلماء‪ :‬ولبد للمراء من خوف ال وخشيته بإجراء الشرائع‬
‫والحكام‪ ،‬واتباع كتاب ال و •سنة نبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬حتى يقع في القلوب لهم هيبة‬

‫بإذن ال فحينئذ ل يحتاجون إلى المحافظة كما يحتاج من ليس كذلك‪ ،‬روي أن كلب الروم أرسل‬

‫إلى عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬هدايا من الثياب والجبب‪ ،‬فلما دخل الرسول إلى المدينة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫»أين دار الخليفة وبناؤه؟« فقيل‪ :‬ليس له دار عظيمة كما توهمت‪ ،‬إنما له بيت صغير فدلوه عليه‬
‫صغيرا قد أسود به لطول الزمان‪ ،‬فطلبه فلم يصادفه‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه خرج إلى السوق‬
‫فأتاه‪ ،‬فوجده بيت‪2‬ا ‪2‬‬
‫نائما تحت ظل حائط قد توسد بالدرة‪،‬‬
‫لحاجته وحوائج المسلمين‪ ،‬فخرج الرسول لطلبه‪ ،‬فوجده ‪2‬‬
‫فلما رآه‪ ،‬قال‪ :‬عدلت‪ ،‬فأمنت‪ ،‬فنمت حيث شئت‪ ،‬وأمراؤنا ظلمونا فاحتاجوا إلى الحصون‬

‫والجيوش‪.‬‬
‫وفسادا‪ ،‬يدل لذلك قوله‬
‫صلحا‬
‫وعلم أن الولة إنما يكونوا على حسب أعمال الرعايا‪ ،‬وأحوالهم‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫ت أي!ديك !م وي‪! B‬عفو عن كثير { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وكذلك ن‪B‬ول'ي‬
‫تعالى‪ } :‬وما أصابكم 'من •مصيبة فبما كسب !‬

‫ضا بما كانوا يك!سبون { ‪،‬وحديث‪» :‬كما تكونوا يولى عليكم أحدكم«‪.‬‬
‫ب‪! B‬عض الظالمين ب‪! B‬ع ‪2‬‬

‫وروي أنه قيل للحجاج بن يوسف الظالم المشهور‪ :‬لم ل تعدل مثل عمر‪ ،‬وأنت قد أدركت‬
‫خلفته؟ أفلم تر عدله وصلحه؟ فقال في جوابهم‪ :‬تباذروا‪ ،‬أي كونوا كأبي ذر في الزهد والتقوى‪،‬‬

‫أتعمر لكم‪ ،‬أي أعاملكم معاملة عمر في العدل والنصاف‪.‬‬
‫وروي أن ال أوحى إلى موسى‪ :‬إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علمة رضائي‪ ،‬وإذا‬
‫استعملت شرارهم فهو علمة سخطي‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬فإن ت‪B‬ناز !عت !م في ش !يء ف‪B‬رد•وه إلى الله والرسول { هذا أمر من ال تعالى برد ما تنازع فيه‬
‫الناس من أصول الدين وفروعه إلى كتاب ال و •سنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كما قال‬

‫سنة به وشهدا له‬
‫تعالى‪ } :‬وما ا !خت‪B‬ل !فت !م فيه من ش !يء فحك!مه إلى الله { فما حكم الكتاب وال •‬

‫بالصحة فهو الحق‪ ،‬فماذا بعد الحق إل الضلل؛ ولهذا قال‪» :‬إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر«‬

‫أي ردوا الخصومات إلى كتاب ال و •سنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فتحاكموا إن كنتم‬

‫سنة‪ ،‬ول‬
‫تؤمنون ال واليوم الخر‪ ،‬فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب وال •‬

‫يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمن‪2‬ا بال ول باليوم الخر‪.‬‬

‫أحسن تأ!ويل‪ { 2‬أي التحاكم إلى كتاب ال و •سنة رسوله والرجوع إليهما في‬
‫وقوله‪ } :‬ذلك خ !ي‪d B‬ر و !‬
‫فصل النزاع خير وأحسن تأويل‪ 2‬أي وأحسن عاقبة ومآل‪ ،2‬فكل حكم سوى حكم ال فهو باطل‬

‫مردود‪ ،‬وكل حاكم بغير حكم ال وحكم رسوله‪ ،‬فهو طاغوت كافر بال‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬ومن ل !م‬
‫ي !حكم بما أنزل الله ف !أولئك هم الكافرون { وهذا عام شامل فما من قضية إل ول فيها حكم‪،‬‬
‫وقال ال تعالى‪ } :‬ما ف‪B‬رط!نا في الكتاب من ش !يء { أي ما تركنا في القرآن شيئ‪2‬ا من ضروب‬
‫الهداية التي ترسل من أجهل الرسل إل بيناه فيه‪ ،‬وقال‪ } :‬وكل ش !يء فصل!ناه ت‪! B‬فصيل‪ { 2‬فقد‬

‫ذكرت فيه أصول الدين وأحكامها وحكمها‪ ،‬والرشاد إلى استعمال القوى البدنية والعقلية التي‬

‫سخرها ال للنسان‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬الي‪! B‬وم أ !كمل!ت لك !م دينك !م وأت!م !مت عل !يك !م ن !عمتي { أي بتمام‬
‫سنة كافيين كل‬
‫النصر وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة‪ ،‬الصول والفروع؛ ولهذا كان الكتاب وال •‬
‫الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬وأنزل!نا إ !ليك ال 'ذ !كر لتب‪B‬ي'ن للناس ما ن‪' B‬زل‬

‫إ !ليه !م { المراد بالذكر القرآن‪ ،‬الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم وأمور دنياهم‬

‫الظاهرة والباطنة‪ ،‬أي لتعرفهم ما أنزل إليهم من الحكام والشرائع وأحوال القرون المهلكة‪ ،‬وتبين‬

‫لهم ما أشكل عليهم من الحكام‪ ،‬وتفصيل لهم ما أجمل بحسب مراتبهم في الستعداد والفهم‬
‫لسرار الشرائع‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ون‪B‬زل!نا عل !يك الكتاب ت !ب‪B‬يان‪2‬ا ل'ك 'ل ش !يء { الية‪.‬‬
‫قال ابن مسعود‪ :‬قد بين لنا في هذا القرآن علم كل شيء‪ ،‬وقال مجاهد‪ :‬كل حلل وحرام‪ ،‬وقال‬
‫ابن كثير‪ :‬وقول ابن مسعود أعم وأشمل‪ ،‬فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق‪،‬‬
‫وعلم ما سيأتي‪ ،‬وكل حلل وحرام‪ ،‬وما الناس إليه محتاجون في أمر دينهم ودنياهم ومعاشهم‬
‫ومعادهم‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها‪ ،‬ل يزيغ عنها بعد‬
‫إل هالك« وقال فيما صح عنه‪» :‬ما بعث من نبي إل كان ح ‪2‬قا عليه أن يدل أمته على خير ما‬

‫يعلمه لهم‪ ،‬وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم«‪.‬‬

‫مقاما فذكر بدء الخلق حتى‬
‫وقال عمر بن الخطاب‪ :‬قام فينا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪2 -‬‬
‫دخل أهل الجنة منازلهم‪ ،‬وأهل النار منازلهم‪ ،‬حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه‪ ،‬رواه‬

‫البخاري‪.‬‬
‫سنة‪ ،‬واعتاض عنهما بالقوانين الوضعية أنه كافر كفر ناقل‬
‫ولشك أن من أعرض عن الكتاب وال •‬

‫عن الملة السلمية‪ ،‬وكذلك من زعم أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى‪ ،‬أو زعم أن هدي غير محمد أفضل من هديه ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أو أحسن‪ ،‬أو زعم أنه ل يسع الناس في مثل هذه العصور إل الخروج عن‬
‫الشريعة المحمدية‪ ،‬وأنها كانت كافية في الزمن الول فقط‪ ،‬وأما في هذه الزمنة فالشريعة ل‬
‫تساير الزمن‪ ،‬ولبد من تنظيم قوانين بما يناسب الزمن‪ ،‬فل شك أن هذا العتقاد إذا صدر من‬
‫إنسان‪ ،‬فإنه قد استهان بكتاب ال و •سنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وتنقصهما ول شك‬
‫في كفره وخروجه عن الدين‪ ،‬وكذلك من زعم أنه محتاج للشريعة في علم الظاهر دون علم‬

‫الباطن‪ ،‬أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة‪ ،‬أو زعم أن النسان حر في التدين‪ ،‬وفي أي دين‬
‫يشاء من يهودية‪ ،‬أو نصرانية‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬أو أن هذه الشرائع غير منسوخة بدين محمد ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬أو استهان بدين السلم أو تنقصه أو هزل به‪ ،‬أو بشيء من شرائعه‪ ،‬أو‬
‫بمن جاء به‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يفهم من آيات الدرس ]‪:[89 ،58‬‬
‫‪ -1‬أن هذه الية من أمهات الحكام تضمنت جميع الدين والشرائع‪.‬‬
‫‪ -2‬وجوب أداء الودائع لربابها‪.‬‬
‫‪ -3‬أنها تتناول الولة فيما وكل إليهم من المانات‪ ،‬وقسمة الموال‪ ،‬ورد المظالم‪ ،‬والعدل في‬
‫الحكومات‪.‬‬
‫‪ -4‬أداء الصلة؛ لنها أمانة‪.‬‬
‫‪ -5‬أداء الزكاة؛ لنها أمانة‪.‬‬
‫‪ -6‬أداء الصوم؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -7‬أداء الحج؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -8‬المانة في الحديث بأنه يحفظه إذا استودعه‪.‬‬
‫‪ -9‬الوضوء وفق ما أمر به الشارع؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -10‬الطهارة من الجناية؛ لنها أمانة‪.‬‬
‫‪ -11‬الوفاء بالكيل؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -12‬الوفاء بالوزن؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -13‬حفظ الرهن وأداؤه؛ لنه أمانة‪.‬‬
‫‪ -14‬حفظ اللقطة؛ لنها أمانة‪.‬‬
‫‪ -15‬العارية؛ لنها أمانة‪.‬‬
‫‪ -16‬حفظ المانة؛ لنه ل يمكن تأديتها إل بحفظها‪.‬‬
‫‪ -17‬في الية وعد عظيم للمطيع‪.‬‬

‫‪ -18‬وعيد شديد للعاصي‪.‬‬
‫‪ -19‬الهتمام بأمر القضاة والولة؛ لنه فوض إليهم النظر في مصالح العباد‪.‬‬
‫‪ -20‬المر بالعدل‪ ،‬وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والموال والعراض القليل والكثير على‬
‫القريب والبعيد والبر والفاجر والولي والعدو‪.‬‬
‫‪ -21‬وجوب العدل على الحكام والولة حتى تصل الحقوق إلى أربابها كاملة غير منقوصة‪.‬‬
‫‪ -22‬فيها مدح من ال لوامره ونواهيه‪ ،‬لشتمالها على مصالح الدارين‪ ،‬ودفع مضارهما‪.‬‬
‫‪ -23‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -24‬إثبات صفة السمع ل‪.‬‬
‫‪ -25‬إثبات صفة البصر‪.‬‬
‫‪ -26‬متمسك لمن فضل السمع على البصر‪.‬‬
‫‪ -27‬أن صفة السمع غير صفة البصر إذ العطف يقتضي المغايرة‪.‬‬
‫‪ -28‬دليل على الجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على البعث والحساب‪.‬‬
‫‪ -30‬لتنبيه على مقام الحسان‪.‬‬
‫‪ -31‬أن أداء المانة يشمل أساس العتقاد‪.‬‬
‫‪ -32‬أنه يشمل أساس العبادة‪.‬‬
‫‪ -33‬أنه يشمل أساس التعامل‪.‬‬
‫‪ -34‬أنه يشمل أساس العلقات بين الناس‪ ،‬وأول أمانة ترد إلى أهلها أمانة اليمان‪.‬‬
‫‪ -35‬لطف ال بخلقه ورحمته ورأفته بهم حيث أمرهم بما فيه صلحهم‪.‬‬
‫‪ -36‬التحذير من كتمان المانة‪.‬‬
‫‪ -37‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -38‬وجوب أداء المانة إلى البر والفاجر‪.‬‬
‫‪ -39‬وجوب طاعة ال‪.‬‬
‫‪ -40‬وجوب طاعة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -41‬وجوب طاعة أولي المر في غير معصية‪.‬‬
‫‪ -42‬التحذير من معصية ال ورسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫سنة كافيان كل الكفاية في أحكام الدين أصوله وفروعه‪.‬‬
‫‪ -43‬أن الكتاب وال •‬
‫‪ -44‬تحريم الحكم بالقوانين‪.‬‬
‫‪ -45‬إثبات صفة اللوهية‪.‬‬

‫‪ -46‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -47‬الرد على من أنكر رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -48‬أن الصل الول القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -49‬أن الصل الثاني •سنة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -50‬أن المؤمن ل يقدم شيئ‪2‬ا على حكم ال‪.‬‬

‫سنة فليس بمؤمن حقيقة‪.‬‬
‫‪ -51‬في الية دليل على أن من لم يرد مسائل النزاع إلى الكتاب وال •‬
‫سنة شرط في اليمان‪.‬‬
‫‪ -52‬أن الرد إلى الكتاب وال •‬

‫سنة‬
‫‪ -53‬أن من ل يعتقد وجوب طاعة ال وطاعة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ومتابعة ال •‬

‫والحكم بالحاديث الواردة عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ل يكون مؤمن‪2‬ا بال واليوم الخر‪.‬‬

‫‪ -54‬إثبات البعث والحساب والجزاء على العمال‪.‬‬

‫‪ -55‬أن طاعة المراء واجبة إذا وافقوا الحق‪ ،‬وأما في المعصية فل‪.‬‬
‫‪ -56‬التحذير عن معصية ال‪.‬‬
‫‪ -57‬التحذير من معصية الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -58‬أن رد المتنازع فيه إلى ال والرسول خير لعباد ال‪.‬‬
‫‪ -59‬أن ذلك أحسن عاقبة ومآل‪.2‬‬
‫‪ -60‬مدح من ال للرد إلى كتابه و •سنة رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫سنة‪.‬‬
‫‪ -61‬التحذير من العراض عن الكتاب وال •‬

‫‪ -62‬أن الكتاب والسنة في كل زمان يرجع إليهما‪.‬‬
‫‪ -63‬الرشاد إلى ما هو سبب للتواصل والتوادد من العدل‪ ،‬وأداء المانات‪ ،‬وطاعة ولة المور‬
‫في غير معصية‪.‬‬
‫‪ -64‬البتعاد مما يسبب العداوة‪ ،‬والبغضاء‪ ،‬والغيبة‪.‬‬
‫‪ -65‬التحذير من الجور والظلم‪.‬‬
‫‪ -66‬التحذير من كتمان المانة‪.‬‬
‫‪ -67‬الرد على الجهمية المنكرين للصفات‪.‬‬
‫‪ -68‬إثبات صفة العلم ل‪.‬‬
‫‪ -69‬أنه إذا لم يوجد تنازع ل يجب الرد‪.‬‬
‫‪ -70‬أن في مدحه تعالى لوامره ونواهيه في قوله‪ } :‬نعما يعظكم به { مزيد لطف بالمخاطبين‬
‫واستدعائهم إلى المتثال لوامره تعالى‪.‬‬

‫‪ -71‬أن ال جل وعل يختم اليات بما يناسبها من السماء‪.‬‬
‫‪ -72‬إثبات السماء ل‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫صد'يقين‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬ومن يطع الله والرسول ف !أولئك مع الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم 'من النبي'ين وال '‬
‫وال •‬
‫يما * يا أي•‪B‬ها الذين‬
‫شهداء والصالحين وحسن !أولئك رفي ‪2‬قا * ذلك الف !‬
‫ضل من الله وكفى بالله عل ‪2‬‬
‫آمنوا خذوا ح !ذرك !م فانفروا ث‪B‬بات أو انفروا جميع ‪ِ2‬ا * وإن منك !م لم !ن ليبط'ئن فإ !ن أصاب‪! B‬تكم •مصيبة‪d‬‬
‫ض ‪d‬ل 'من الله لي‪B‬قولن كأن ل !م تكن‬
‫لم أكن معه !م شهي ‪2‬دا * ولئ !ن أصابك !م ف !‬
‫قال ق !د أن!‪B‬عم الله علي إ !ذ !‬
‫يما * ف‪! B‬لي‪B‬قات !ل في سبيل الله الذين ي !شرون‬
‫ب‪! B‬ي‪B‬نك !م وب‪! B‬ي‪B‬نه مودة‪ d‬يا !ليتني كنت معه !م فأفوز ف‪! B‬و‪2‬زا عظ ‪2‬‬
‫يما { ‪.‬‬
‫ب فس !وف ن‪! B‬ؤتيه !‬
‫الحياة ال •دن!‪B‬يا بالخرة ومن ي‪B‬قات !ل في سبيل الله ف‪B‬ي‪! B‬قت !ل !أو ي‪B‬غ!ل !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫سبب نزول هذه الية الكريمة مولى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬

‫قيل‪ :‬نزلت في ثوبان‪ ،‬وكان شديد الحب لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قليل الصبر عنه‪،‬‬
‫فأتاه ذات يوم قد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه‪ ،‬فقال له رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :‬ما غير لونك؟« فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما بي مرض ول وجع غير أني إن لم أرك استوحشت‬‫وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الخرة‪ ،‬فأخاف أن ل أراك لنك ترفع مع النبيين‪ ،‬وإني إن‬
‫دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة ل أراك أب ‪2‬دا‪ ،‬فنزلت هذه الية‪.‬‬
‫وعن سعيد بن جبير قال‪» :‬جاء رجل من النصار إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهو‬
‫محزون‪ ،‬فقال له النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا فلن مالي أراك محزون‪2‬ا؟« فقال‪ :‬يا نبي‬
‫ال‪ ،‬شيء فكرت فيه‪ ،‬فقال‪» :‬ما هو؟« قال‪ :‬نحن نغدو عليك ونروح‪ ،‬ننظر إلى وجهك‬

‫ونجالسك‪ ،‬وغ ‪2‬د ا ترفع مع النبيين‪ ،‬فل نصل إليك فلم يرد عليه النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫شيئ‪2‬ا‪ ،‬فأتاه جبريل بهذه الية‪ } :‬ومن يطع الله والرسول ف !أولئك مع الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم 'من‬
‫النبي'ين { الية‪ ،‬فبعث النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إليه فبشره«‪.‬‬

‫وقد روي هذا مرسل‪ 2‬عن مسروق‪ ،‬وعن عكرمة‪ ،‬وعامر‪ ،‬والشعبي‪ ،‬وقتادة‪ ،‬والربيع بن أنس‪ ،‬وهو‬

‫من أحسنها سن ‪2‬د ا‪ ،‬قال ابن جرير‪ :‬حدثنا المثني‪ ،‬حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه‪ ،‬عن الربيع قوله‪} :‬‬

‫ومن يطع الله { الية‪ ،‬قال‪ :‬إن أصحاب النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قالوا‪ :‬قد علمنا أن‬

‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه‪،‬‬

‫بعضا؟ فأنزل ال في ذلك‪ ،‬يعني هذه الية‪،‬‬
‫ويكف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم ‪2‬‬

‫فقال –يعني رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :--‬إن العلين ينحدرون إلى من هو أسفل‬
‫منهم فيجتمعون في رياض الجنة‪ ،‬فيذكرون ما أنعم ال عليهم‪ ،‬ويثنون عليه‪ ،‬وينزل لهم أهل‬

‫الدرجات فيسعون بما يشتهون وما يدعون به فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه«‪.‬‬
‫مرفوعا من وجه آخر عن السود عن عائشة قالت‪ :‬جاء رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫وقد روي‬
‫‪2‬‬

‫عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنك لحب إلي من نفسي‪ ،‬وأحب إلي من أهلي‪ ،‬وأحب إلي‬
‫من ولدي وأني لكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك‪ ،‬فانظر إليك وإذا ذكرت موتي‬
‫وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين‪ ،‬وإن دخلت الجنة خشيت أن ل أراك فلم‬

‫يرد عليه النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬حتى نزلت عليه‪ } :‬ومن يطع الله والرسول ف !أولئك مع‬
‫صد'يقين وال •‬
‫شهداء والصالحين وحسن !أولئك رفي ‪2‬قا { ‪.‬‬
‫الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم 'من النبي'ين وال '‬
‫وعن ربيعة بن مالك السلمي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال لي رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :‬سل«‪ ،‬فقلت‪ :‬أسألك مرافقتك في الجنة‪ ،‬فقال‪ :‬أو غير ذلك‪ ،‬فقلت‪ :‬هو ذاك‪ ،‬قال‪:‬‬‫»فأعني على نفسك بكثرة السجود« رواه مسلم‪.‬‬
‫وقال المام أحمد‪ :‬حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرنا ابن لهيعة عن عبدال ابن جعفر عن عيسى بن‬
‫طلحة عن عمرو بن مرة الجهني‪ ،‬قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ :‬يا‬
‫رسول ال‪ ،‬شهدت أن ل إله إل ال‪ ،‬وصليت الخمس‪ ،‬وأديت زكاة مالي‪ ،‬وصمت شهر رمضان‪،‬‬
‫فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين‬
‫والشهداء والصالحين يوم القيامة هكذا –ونصب أصبعيه‪ -‬ما لم يعق والديه« تفرد به أحمد‪.‬‬
‫وورد‪» :‬من قرأ ألف آية في سبيل ال كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء‬
‫والصالحين وحسن أولئك رفي ‪2‬قا«‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬التاجر الصدوق مع النبيين‪،‬‬

‫والصديقين‪ ،‬والشهداء«‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود قال‪ :‬جاء رجل إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬كيف‬
‫قوما ولم يلحق بهم؟ قال‪» :‬المرء مع من أحب« متفق عليه‪.‬‬
‫تقول في رجل أحب ‪2‬‬
‫وعن أنس أن رجل‪ 2‬قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬متى الساعة؟ قال‪» :‬ويلك‪ ،‬وما أعددت لها؟« قال‪ :‬ما‬
‫أعددت لها كثير عمل‪ ،‬إل أني أحب ال ورسوله‪ ،‬قال‪» :‬أنت مع من أحببت« قال أنس‪ :‬فما‬

‫رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد السلم فرحهم بها‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا خذوا ح !ذرك !م فانفروا ث‪B‬بات أو انفروا جميع ‪ِ2‬ا { يأمر تعالى‬

‫عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم‪ ،‬وهذا يستلزم التأهب والستعداد لتقاء الشر‪ ،‬وذلك‬
‫بأن يعرفوا حال العدو ومبلغ استعداده‪ ،‬وإذا كان للمسلمين أعداء كثيرون فعليهم أن يعرفوا ما‬
‫بينهم من وفاق وخلف ويعرفوا الوسائل لمقاومة العداء إذا هجموا‪ ،‬ويعملوا بتلك الوسائل‪،‬‬
‫ويدخل في ذلك معرفة حال العدو‪ ،‬ومعرفة أرضه وما فيها من مكامن ومواقع استراتيجية ومخازن‬
‫ذخائره ومعرفة نوع أسلحته واستعمالها‪ ،‬ومعرفة طرق العدو وما يتوقف على ذلك من معرفة‬

‫الهندسة وجر الثقال‪.‬‬
‫وعلى الجملة اتخاذ أهبة الحرب المستعملة المناسبة في كل عصر وحين من طيارات ودبابات‬
‫وبوارج مدرعة ومدافع مضادة للطائرات‪ ،‬ورشاشات وقنابل وبث العيون )قلم المرور والجواسيس(‬
‫في جميع بلد العدو ليكونوا على علم مما عسى أن يكيدوا للمسلمين من المكائد‪.‬‬
‫وكان النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والصحابة على علم بأرض عدوهم كما لهم عيون‬
‫وجواسيس يأتونهم بالخبار فقد أرسل عبدال بن جحش سنة اثنتين من الهجرة في اثني عشر‬
‫مهاجرا بعد أن دفع إليه كتاب‪2‬ا أمره أن ل ينظر فيه حتى يسير يومين‪ ،‬فلما مضي اليومان نظر‬
‫‪2‬‬

‫عبدال في كتاب رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فإذا فيه‪» :‬إذا نظرت إلى كتابي هذا فأمض‬

‫شا وتعلم لنا من أخبارهم«‪.‬‬
‫حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قري ‪2‬‬
‫وعندما علم ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بعير أبي سفيان تحمل خيرات قريش كلها إلى الشام أمر‬
‫نفرا من المسلمين أن يخرجوا إليها لعل ال أن يجعلها لهم‪ ،‬فلما اقتربوا من الصفراء بعثوا بسيس‬
‫‪2‬‬
‫بن عمرو وعدي بن الزغباء إلى بدر يستطلعان أخبار العير‪ ،‬وقد ذهب رجلن من المسلمين إلى‬

‫بدر يستشفيان ويتطلعان الخبار‪ ،‬ولما علما أسرعا إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يخبرانه بيوم قدوم العير‪.‬‬
‫وفي غزوة المريسيع عندما علم الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن الحارث ابن أبي ضرار سيد‬
‫بني المصطلق خرج في قومه ليحارب المسلمين أرسل بريدة بن الحصيب السلمي يتأكد له‬
‫المر‪ ،‬فلما لقى الحارث وعلم أخباره رجع إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقص عليه‬
‫ما سمع فما كان من رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إل ندب المسلمين للقاء بني‬
‫المصطلق‪.‬‬
‫وفي غزوة الخندق عندما علم الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن قريظة نقضت عهدها‬
‫وانضمت إلى حيي ابن أخطب عدو ال ورسوله‪ ،‬أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبدال بن‬
‫رواحة وخوات بن جبير ليعلموا أمر قريظة ويروا أن كانت على عهدها مع رسول ال ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ -‬أم خرجت عليه؟ فلما سأل هؤلء كعب بن أسد‪ ،‬وقال لهم‪ :‬ل عهد بيننا وبين‬
‫محمد‪ ،‬ول عقد انصرفوا إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يخبرونه إلى غير ذلك مما‬
‫يطول ذكره‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أنه لو فكر المسلمون في معنى هذه الية‪ ،‬وفي معنى آية النفال‪ ،‬وهي قوله تعالى‪} :‬‬
‫استط !عتم 'من ق‪B‬وة { الية؛ لعرفوا كيف يكون ل استعداد لما يستطيعون من قوة‬
‫وأعد•وا لهم ما !‬

‫ولكان الواجب عليهم أن يكونوا أول المفكرين في السلحة الحديثة الفتاكة كالذرة التي اخترعها‬

‫أعداؤهم وباهوا بها الدول التي تطنطن اليوم بقوتها وسعتها في الهلك والدمار‪ ،‬وخراب الرض‪،‬‬
‫ويهددون بها الناس‪ ،‬وكثرة التفكير في الشيء وطول المعان والبحث والتنقيب وكثرة التجارب مع‬
‫الصبر الطويل‪ ،‬وعدم الكلل والضجر لبد أن تصل بإذن ال إلى نتيجة‪.‬‬
‫ظاهرا من الحياة الدنيا واصلوا البحث وأطالوا التفكير حتى‬
‫والكفار الذي جعلهم ال يعلمون ‪2‬‬
‫وصلوا إلى الختراع لهذه السلحة الحديثة والمسلمون ليسوا أقل عقول‪ 2‬منهم‪ ،‬بل هي أقوى‬

‫صفحا عن التفكير فيما جعله ال سبب‪2‬ا لمنع البلء‬
‫وأصح ولكنهم ناموا فلم يستيقظوا وأعطوا ‪2‬‬

‫عنهم‪ ،‬فخسروا ونهشتهم الذئاب من كل جانب وطمعت فيهمن العداء وظهر مصداق وصفه ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في حديث ثوبان‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»يوشك المم أن تداعى عليكم‪ ،‬كما تداعى الكلة إلى قصعتها«‪ ،‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة نحن‬
‫يومئذ؟ قال‪» :‬بل أنتم يومئذ كثير‪ ،‬ولكنكم غثاء كغثاء السيل‪ ،‬ولينزعن ال من صدور عدوكم‬
‫المهابة منكم‪ ،‬وليقذفن في قلوبكم الوهن«‪ ،‬قال قائل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وما الوهن؟ قال‪» :‬حب‬
‫الدنيا وكراهية الموت« رواه أبو داود‪ ،‬والبيهقي في »دلئل النبوة«‪ ،‬فتأمل يا أخي‪ ،‬الحديث‬
‫العظيم وفكر فيه بدقة وانظر إلى ما فيه من معجزات باهرة تجدها مطابقة لما في مجتمعنا الحالي‬
‫غاية النطباق‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬فانفروا ث‪B‬بات أو انفروا جميع ‪ِ2‬ا { أي فانفروا جماعة إثر جماعة‪ ،‬بأن تكونوا فصائل‬
‫جميعا إذا اقتضت‬
‫كبيرا أو موقع العدو يستدعي ذلك‪ ،‬أو تنفر المة كلها ‪2‬‬
‫وفرق‪2‬ا –إذا كان الجيش ‪2‬‬
‫الحال ذلك‪ ،‬بحسب قوة العدو‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬إنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات‪ ،‬وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الطلق‬
‫بحسب حال العدو‪ ،‬وامتثال هذا المر يقتضي أن تكون المة على استعداد دائم للجهاد بأن‬
‫يتعلم كل فرد من أفراد المة فنون الحرب ويتمرن عليها‪ ،‬وأن تقتني السلح الذي تحتاج إليه في‬
‫النضال وتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وإن منك !م لم !ن ليبط'ئن { ‪ :‬التبطئة‪ :‬التأخر عن المر‪ ،‬أي ليثاقلن ويتأخرن عن الجهاد‪،‬‬
‫اختلفوا فيمن نزلت على قولين‪ ،‬أحدهما‪ :‬أنها في المنافقين كعبدال بن أبي وأصحابه‪ ،‬كانوا‬

‫يتثاقلون عن الجهاد‪ ،‬فإن لقيت السرية نكبة‪ ،‬قال من أبطأ منهم‪ :‬لقد أنعم ال علي‪ ،‬وإن لقوا‬
‫عظيما‪ ،‬هذا قول ابن عباس وابن جريج‪.‬‬
‫غنيمة‪ ،‬قال‪ :‬يا ليتني كنت معهم فأفوز ‪2‬‬
‫فوزا ‪2‬‬

‫والثاني‪ :‬أنها نزلت في المسلمين الذين قلت علومهم بأحكام الدين فثبطوا لقلة العلم ل لضعف‬

‫الدين‪ ،‬ذكره الماوردي وغيره‪.‬‬
‫فعلى الول تكون إضافتهم إلى المؤمنين بقوله‪ :‬منكم لموضع نطقهم بالسلم وجريان أحكامه‬
‫عليهم‪ ،‬وعلى الثاني تكون الضافة حقيقية‪.‬‬
‫وقال سيد قطب ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬على هذه الية‪ :‬إنها الوصية الولى للمحاربين أن يأخذوا‬
‫حذرهم‪ ،‬وأن ل يغفلوا لحظة فيؤخذوا خدعة أو بغتة‪ ،‬وأن ل يخرجوا إلى الجهاد حين يخرجون‬
‫جميعا‬
‫‪2‬‬
‫أفرادا يسهل صيدهم‪ ،‬أو فوضي يسهل أخذهم‪ ،‬إنما يخرجون جماعات منظمة‪ ،‬أو ينفرون ‪2‬‬
‫وقيادتهم واحدة‪ ،‬ول ينفر بعضهم ويتثاقل بعضهم‪ ،‬ففي التثاقل تثبيط للعزائم‪ ،‬وتوهين للخطة‪،‬‬

‫وإيقاع للضطراب في النفوس والصفوف‪ ،‬وخذوا حذركم ل من العدو الخارجي وحده‪ ،‬ولكن من‬
‫هؤلء المعوقين المبطئين المثبطين‪ ،‬سواء كانوا يبطئون أنفسهم أي يقعدون بها متثاقلين أو يبطئون‬
‫غيرهم معهم‪ ،‬وهي أشد وأنكى‪.‬‬
‫هؤلء هم بكل بواعثهم وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم‪ ،‬هؤلء هم مكشوفين للعين كما‬
‫لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر يكشف النيات والسرائر ويكشف البواعي والخواطر هؤلء كما‬
‫كانوا على عهد الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وكما يكونوا في كل زمان وفي كل مكان‪،‬‬
‫هؤلء هم الضعاف المنافقون الملتوون الذين ل يعرفون غاية أعلى من مصالحهم ول أف ‪2‬قا أعلى‬
‫من ذواتهم‪ ،‬إنهم يبطئون ويتلكئون ول يصارحون ليمسكوا العصي من الوسط كما يقولون‪ ،‬فإن‬
‫أصابت المجاهدين محنة‪ ،‬وابتلوا ذلك البلء الذي يقدر ال أن يصادف المجاهدين في ثنايا‬
‫الطريق‪ ،‬فرح المتخلفون‪ ،‬وحسبوا أن فرارهم من البلء نعمة ل يخجلون أن ينسبوها إلى ال‬
‫الذي يخالفون عن أمره‪ ،‬ويقعدون عن نصرة شريعته‪ ،‬وهي نعمة ظاهرها فيه الرحمة‪ ،‬وباطنها من‬
‫قبله العذاب هي نعمة عند من ل يدركون لماذا خلقوا ول يتطلعون إلى أفق أعلى من مواطئ‬
‫القدام في هذه الرض كالنمال‪ ،‬هي نعمة عند من ل يحسون أن البلء في طريق الجهاد لعلء‬
‫كلمة ال فضل يختص ال به من يشاء من عباده‪ .‬اه‪ B‬بتصرف‪.‬‬

‫ض ‪d‬ل 'من الله لي‪B‬قولن كأن ل !م تكن ب‪! B‬ي‪B‬نك !م وب‪! B‬ي‪B‬نه مودة‪ d‬يا !ليتني كنت معه !م‬
‫قوله‪ } :‬ولئ !ن أصابك !م ف !‬
‫يما { أي ولئن من ال عليكم وكانت الخرى‪ ،‬فانتصر المجاهدون في سبيل ال‬
‫فأفوز ف‪! B‬و‪2‬زا عظ ‪2‬‬
‫الذين خرجوا مستعدين للبلء ونالهم فضل من ال بالنصر والغنيمة والرضوان ندم المتخلف أن لم‬
‫يكن شري ‪2‬كا في معركة رابحة‪ ،‬وقال‪ :‬يا ليتني كنت معهم فأفوز كما فازوا‪ ،‬فهو قد نسي ما يجب‬

‫عليه من مديد المعونة إليكم وبذل ما يمكنه من نفس أو مال‪ ،‬ولكن ضعف إيمانه أو جبنه منعه‬

‫عن هذا إذ أن هذا التمني بعد فوات الفرصة دليل على ضعف العقل‪ ،‬وأنه ممن ل يهتم بأمر‬
‫الخرة‪ ،‬وفي قوله‪ } :‬كأن ل !م تكن ب‪! B‬ي‪B‬نك !م وب‪! B‬ي‪B‬نه مودة‪ { d‬تقريع وتوبيخ بالطف القول وأرق العبارة‪،‬‬

‫إذ أن قليل‪ 2‬من المودة كان ينبغي أن يمنع مثل هذا التمني وأن بعد هذا الحجام نعمة‪ ،‬فهذا‬

‫يشعر بأن هذا ل يرى نعمة ال على المؤمنين نعمة وفضل عليه ول ما يصيبهم من جهد وبلء‬

‫كأنه يصيبه هو مع أن القرآن يصرح بأن المؤمنين إخوة‪ ،‬والحديث يمثلهم في توادهم وتراحمهم‬
‫بعضا‪.‬‬
‫كمثل الجسد الواحد‪ ،‬وكالبنيان يشد بعضه ‪2‬‬
‫وقوله‪ } :‬ف‪! B‬لي‪B‬قات !ل في سبيل الله الذين ي !شرون الحياة ال •دن!‪B‬يا بالخرة { يشرون مضارع شرى‪،‬‬

‫ويكون بمعنى باع واشترى من الضداد‪ ،‬فإن كان بمعنى يشترون‪ ،‬فالمراد من الموصول المنافقون‬
‫أمروا بترك النفاق وأمروا بالمجاهدة مع المؤمنين‪ ،‬والفاء للتعقيب أي ينبغي بعد ما صدر منهم من‬
‫التثبيط والنفاق تركه‪ ،‬وتدارك ما فات من الجهاد بعد‪ ،‬وإن كان بمعنى يبيعون فالمراد منه‬
‫المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا الخرة أمروا بالثبات على القتال‪ ،‬وعدم اللتفات إلى تثبيط‬
‫المثبطين المبطئين‪ ،‬والفاء جواب شرط مقدر‪ ،‬أي إن بطأ هؤلء عن القتال فليقاتل المؤمنون‬
‫المخلصون الذين يؤثرون الجلة على العاجلة ويبذلون أنفسهم في طلبها‪ ،‬فإن هؤلرء الذين يوجه‬

‫إليهم الخطاب؛ لنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطنوها على جهاد العداء لما معهم من اليمان‬
‫التام المقتضي لذلك‪.‬‬
‫وأما أولئك المتثاقلون المبطئون فل يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا‪ ،‬ويكون نظير قوله تعالى‪ } :‬ق !ل‬
‫آمنوا به !أو ل ت‪! B‬ؤمنوا إن الذين أوتوا العل!م من ق‪! B‬بله إذا ي‪! B‬ت‪B‬لى عل !يه !م يخ •رون لل !ذقان سج ‪2‬دا { إلى‬
‫آخر اليات‪ ،‬وقوله‪ } :‬فإن يك!ف !ر بها هؤلء ف‪B‬ق !د وكل!نا بها ق‪! B‬و‪2‬ما ل !يسوا بها بكافرين { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫است !كب‪B‬روا فالذين عند رب'ك يسب'حون له بالل !يل والن‪B‬هار وه !م ل ي !سأمون { ‪.‬‬
‫} فإن !‬
‫ثم وعد سبحانه وتعالى من قاتل في سبيله بالجر العظيم سواء استشهد أو غلب‪ ،‬واكتفى في‬
‫الحالتين بالغاية؛ لن غاية المغلوب في القتال أن يقتل‪ ،‬وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم‪،‬‬
‫فأشرف الحالتين ما بدئ به من ذكر الستشهاد في سبيل ال‪ ،‬ويليها أن يقتل أعداء ال ودون‬
‫ذلك الظفر بالغنيمة‪ ،‬ودون ذلك أن يغزو فل يصيب ول يصاب‪.‬‬

‫ولفظ الجهاد في سبيل ال يشمل هذه الحوال‪ ،‬وفي تعقيب القتال بما ذكر تنبيه على أن‬
‫المجاهد ينبغي أن يكون همه أحد المرين‪ :‬إما إكرام نفسه بالقتل والشهادة‪ ،‬أو إعزاز الدين‬
‫وإعلء كلمة ال تعالى بالنصر‪.‬‬
‫يما { فسر الجر العظيم‪ ،‬فقيل‪ :‬إنه الجنة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه مزيد ثواب‬
‫وقوله‪ } :‬فس !وف ن‪! B‬ؤتيه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫أحياء‪ d‬عند رب'ه !م ي‪! B‬رزقون { ‪ ،‬قالوا‪ :‬لن الجنة موعود دخولها باليمان بال‬
‫من ال مثل كونهم } !‬

‫ورسله‪ ،‬والذي فسره بالجنة نظر إلى قوله تعالى‪ } :‬إن الله ا !شت‪B‬رى من الم !ؤمنين أنفسه !م و !أموالهم‬

‫س ما أ !خفي لهم 'من‬
‫بأن لهم الجنة { الية‪ ،‬قال ال تعالى عن ما أعد لهل الجنة‪ } :‬فل ت‪! B‬علم ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫اء بما كانوا ي‪! B‬عملون { ‪ ،‬وقال عز من قائل‪ } :‬يطاف عل !يهم بصحاف 'من ذهب‬
‫ق‪B‬رة أ !عين جز ‪2‬‬
‫وأ !كواب وفيها ما ت !شتهيه النفس وت‪B‬ل •ذ ال !عين وأن!‪B‬ت !م فيها خالدون { ‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬تضمن ال لمن خرج في سبيله‬
‫ل يخرجه إل جهاد في سبيلي‪ ،‬وإيمان بي‪ ،‬وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه‬

‫إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة« الحديث رواه مسلم‪.‬‬
‫وال‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يفهم من اليات المتقدمة ]‪:[74-69‬‬
‫صد'يقين‬
‫الية الولى‪ } :‬ومن يطع الله والرسول ف !أولئك مع الذين أن!‪B‬عم الله عل !يهم 'من النبي'ين وال '‬
‫وال •‬
‫شهداء والصالحين وحسن !أولئك رفي ‪2‬قا { إلى آخر اليات‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات اللوهية‪.‬‬

‫‪ -2‬الحث على طاعة ال‪.‬‬
‫‪ -3‬الحث على طاعة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -4‬بشارة لمن أطاع ال ورسوله‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -6‬الرد على من أنكر رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -7‬محبة الصحابة لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -8‬أن منزلة من أنعم ال عليهم من النبيين والصديقين‪ ...‬إلخ عالية ل يدنو منها إل من وفقه‬
‫ال‪.‬‬
‫‪ -9‬الحث على الصدق‪.‬‬
‫‪ -10‬الحث على طلب الشهادة في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ -11‬الحث على إصلح الظاهر والباطن‪.‬‬

‫‪ -12‬ثناء ال على من اتصفوا بهذه الصفات‪.‬‬
‫‪ -13‬المر بأخذ الحذر‪.‬‬
‫‪ -14‬المر بالنهوض لقتال العدو‪.‬‬
‫دفاعا فقط‪.‬‬
‫‪ -15‬الرد على من قال إن الكفار ل يقاتلون إل ‪2‬‬
‫‪ -16‬الحث على الجهاد‪.‬‬

‫‪ -17‬توبيخ وتقريع المبطئين‪.‬‬
‫‪ -18‬في الية دللة على ضعف إيمان هذا المبطئ وضعف عقله حيث رأى أن التقاعد عن‬
‫الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة‪ ،‬ولم يدر أن النعم الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة‬
‫التي بها يقوى اليمان ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران‪ ،‬ويحصل له بها عظيم الثواب‬
‫ورضى الكريم الوهاب‪.‬‬
‫‪ -19‬أن ال يبتلي عباده بالمصائب‪.‬‬
‫‪ -20‬أن الفضل بيد ال‪.‬‬
‫‪ -21‬أن المفرط في طاعة ال يندم ويتحسر‪.‬‬
‫‪ -22‬في اليتين تنبيه على أنهم ل يعدون من المنح إل الغراض الدنيوية يفرحون بما ينالون‬
‫منها‪ ،‬ول من المحن إل مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬فأما النسان إذا ما‬
‫اب!‪B‬تله رب•ه فأ !كرمه ون‪B‬عمه ف‪B‬ي‪B‬قول رب'ي أ !كرمن { الية‪.‬‬

‫جميعا ول ينفي أن هناك أعمال‪2‬‬
‫‪ -23‬على المجاهدين أن ل يخرجوا إل جماعات أو ينفرون ‪2‬‬
‫حربية تستدعي انتداب فرد أو فردين‪ ،‬ولكن التحدث هنا عن النفرة للحرب‪ ،‬والخروج العلني‬
‫للعمليات الحربية‪.‬‬
‫‪ -24‬إثبات علم ال‪.‬‬
‫‪ -25‬الرد على من أنكر صفة من صفات ال‪ ،‬أو أولها بتأويل باطل‪.‬‬
‫‪ -26‬أن في هذه الية تبيين بعض الحكام الحربية والسياسية‪.‬‬
‫‪ -27‬الحث على تعرف حال العدو‪ ،‬ومبلغ استعداده وقوته؛ لن معرفة ذلك مما به يحصل اتقاء‬
‫العدو بإذن ال‪.‬‬
‫‪ -28‬الحث على معرفة أرض العدو‪ ،‬وبلده وأسلحته؛ لن معرفة ذلك مما يحصل به اتقاء شره‪.‬‬
‫‪ -29‬اتخاذ العيون والجواسيس ضد العدو لما سبق‪.‬‬
‫‪ -30‬اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيها لما سبق‪.‬‬
‫‪ -31‬أن أخذ الحذر وفعل السباب ل ينافي التوكل على ال؛ لن المر بالحذر داخل في‬

‫القدر‪ ،‬فالمر به لندفع عنا شر العداء ل لندفع ما قدره ال‪ ،‬إذ القدر‪ :‬هو جريان المور بنظام‬
‫تأتي فيه السباب بإذن ال على قدر المسببات التي أرادها ال‪ ،‬والحذر من جملة السباب‪ ،‬فهو‬
‫عمل بمتقضى القدر ل بما يضاده‪.‬‬
‫‪ -32‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -33‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -34‬إثبات البعث‪.‬‬
‫‪ -35‬إثبات الحساب والجزاء على العمال والجنة‪.‬‬
‫‪ -36‬أن الجهاد الصحيح هو ما كان في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ -37‬الترغيب في القتال بعد المر به بذكر الثواب‪.‬‬
‫‪ -38‬ذكر الشهادة والظفر للشارة إلى أن حق المجاهد أن يوطن نفسه على أحدهما ول يخطر‬
‫بباله القسم الثالث وهو مجرد أخذ المال‪.‬‬
‫‪ -39‬جعل المبطئ من المؤمنين باعتبار الجنس أو النسب أو النتهاء إلى اليمان في الظاهر‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إن الية نزلت في عبدال بن أبي وأصحابه‪ ،‬وكان ديدونه تثبيط الناس في القتال وهو الذي‬
‫ثبطهم يوم أحد‪.‬‬
‫‪ -40‬أن ال يعلم أحوال العباد ومن يستحق منهم الثواب الجزيل بما قام به من العمال‬
‫الصالحة‪ ،‬ومن يستحق العقاب الليم بما اقترفه من الذنوب‪.‬‬
‫ض ‪d‬ل 'من الله لي‪B‬قولن كأن ل !م تكن ب‪! B‬ي‪B‬نك !م‬
‫‪ -41‬أن من فوائد أسلوب قوله تعالى‪ } :‬ولئ !ن أصابك !م ف !‬
‫تأثيرا ل يدنو من‬
‫وب‪! B‬ي‪B‬نه مودة‪ d‬يا !ليتني كنت معه !م فأفوز ف‪! B‬و‪2‬زا عظ ‪2‬‬
‫يما { ‪ ،‬أنه يؤثر في نفس سامعه ‪2‬‬
‫مثله الطعن بهجر القول إذ يدعو صاحبه إلى التأمل والتفكر في حقيقة حاله ومعاتبة نفسه‪ ،‬والتوبة‬
‫إلى ربه‪ ،‬والرجوع إلى أوامر دينه‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫صلح ب‪! B‬ين الناس‬
‫قال تعالى‪ } :‬ل خ !ي‪B‬ر في كثير 'من ن !جواه !م إل م !ن أمر بصدقة !أو م !عروف !أو إ !‬

‫يما * ومن يشاقق الرسول م !ن ب‪! B‬عد ما‬
‫ومن ي‪! B‬فع !ل ذلك اب!تغاء م !رضات الله فس !وف ن‪! B‬ؤتيه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫ت مص ‪2‬يرا * إن الله ل‬
‫صله جهنم وساء !‬
‫ت‪B‬ب‪B‬ين له الهدى وي‪B‬تب !ع غ !ي‪B‬ر سبيل الم !ؤمنين ن‪B‬ول'ه ما ت‪B‬ولى ون !‬
‫ي‪B‬غ!فر أن ي !شرك به وي‪B‬غ!فر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ي !شر !ك بالله ف‪B‬ق !د ضل ضلل‪ 2‬بعي ‪2‬دا * إن‬

‫ي !دعون من دونه إل إناث‪2‬ا وإن ي !دعون إل ش !يطان‪2‬ا مري ‪2‬دا * لعنه الله وقال لتخذن م !ن عبادك نصيب‪2‬ا‬

‫وضا * ولضلن‪B‬ه !م ولمني‪B‬ن‪B‬ه !م ولمرن•‪B‬ه !م ف‪B‬ليبت'كن آذان الن!‪B‬عام ولمرن‪B‬ه !م ف‪B‬لي‪B‬غي'‪B‬رن خل!ق الله ومن‬
‫م !فر ‪2‬‬
‫ي‪B‬تخذ الش !يطان ولي‪2‬ا 'من دون الله ف‪B‬ق !د خسر خ !سران‪2‬ا •مبين‪2‬ا * يعده !م ويمن'يه !م وما يعدهم الش !يطان‬

‫يصا { ‪.‬‬
‫ورا * !أولئك مأ!واه !م جهنم ول يجدون ع !ن‪B‬ها مح ‪2‬‬
‫إل غر ‪2‬‬
‫بيان سبب النزول‪:‬‬

‫قيل‪ :‬إن من قوله تعالى‪ } :‬إنا أنزل!نا إ !ليك الكتاب بالح 'ق لت !حكم ب‪! B‬ين الناس بما أراك الله { الية‬

‫إلى قوله تعالى‪ } :‬ومن ي !شر !ك بالله ف‪B‬ق !د ضل ضلل‪ 2‬بعي ‪2‬دا { سبب نزوله‪ :‬أن رجل‪ 2‬من النصار‬

‫درعا من جار له يقال‪ :‬قتادة بن النعمان‪،‬‬
‫يقال له‪ :‬طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث سرق ‪2‬‬
‫وكانت الدرع في جراب فيه دقيق‪ ،‬فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار‬

‫وفيها أثر الدقيق‪ ،‬ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له‪ :‬يزيد بن السمين‪ ،‬فالتمست الدرع عند‬
‫طعمة فلم توجد عنده‪ ،‬وحلف لهم‪ :‬وال ما أخذها‪ ،‬وما له بها من علم‪ ،‬فقال أصحاب الدرع‪:‬‬
‫بلى وال‪ ،‬قد أدلج علينا فأخذها‪ ،‬وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق‪ ،‬فلما أن حلف‬
‫تركوه‪ ،‬واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه‪ ،‬فقال‪ :‬دفعها إلي طعمة بن‬
‫أبيرق‪ ،‬وشهد له ناس من اليهود على ذلك‪ ،‬فقالت بنو ظفر ‪ -‬وهم قوم طعمة‪ :‬انطلقوا بنا إلى‬
‫رسول ال‪ ،‬فكلموه في ذلك‪ ،‬فسألوه أن يجادل عن صاحبهم‪ ،‬فهم رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬أن يفعل‪ ،‬فأنزل ال‪ } :‬إنا أنزل!نا إ !ليك الكتاب بال!ح 'ق { الية‪.‬‬
‫المعنى‪ :‬ل خير في كثير مما يتناجى به الناس‪ ،‬إل ما استثنى وإذا لم يكن فيه خير‪ ،‬فإما ل فائدة‬
‫فيه كفضول الكلم المباح‪ ،‬وإما شر ومضرة محضة كالكلم المحرم بجميع أنواعه‪ ،‬ثم استثنى ال‬
‫أمورا ثلثة‪ ،‬أحدها‪ ،‬فقال‪ } :‬إل م !ن أمر‬
‫تعالى من النجوى التي هي المسارة في الحديث ‪2‬‬

‫بصدقة { أي من مال أو علم أو أي نفع كان‪ ،‬وقيل‪ :‬المراد صدقة الفرض‪ ،‬وقد ورد المر‬
‫بالصدقة والحث عليها‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وأنفقوا من ما رزق‪!B‬ناكم 'من ق‪! B‬بل أن يأ!تي أحدكم الم !وت‬

‫سا إذا‬
‫ف‪B‬ي‪B‬قول ر '‬
‫ب !لول !‬
‫أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن 'من الصالحين * ولن ي‪B‬ؤخ'ر الله ن‪! B‬ف ‪2‬‬

‫ضا حسن‪2‬ا ف‪B‬يضاعفه له { ‪.‬‬
‫جاء أجلها { ‪ ،‬وقال‪ } :‬من ذا الذي ي‪! B‬قرض الله ق‪! B‬ر ‪2‬‬

‫وحث ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فعن جابر قال‪ :‬كنا في صدر النهار عند رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬فجاء قوم عراة مجتابي النمار‪ ،‬أو العباء متقلدي السيوف‪ ،‬عامتهم من مضر‪ ،‬بل‬
‫كلهم من مضر‪ ،‬فتمعر وجه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لما رأى بهم من الفاقة‪ ،‬فدخل‬
‫ثم خرج‪ ،‬فأمر بلل‪ 2‬فأذن وأقام فصلى‪ ،‬ثم خطب‪ ،‬فقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الناس ات‪B‬قوا ربكم الذي‬

‫خلقكم 'من ن‪! B‬فس واحدة { إلى آخر الية‪ } :‬إن الله كان عل !يك !م رقيب‪2‬ا { والية في الحشر‪:‬‬

‫ت لغد { تصدق رجل من ديناره‪ ،‬من درهمه‪ ،‬من ثوبه‪ ،‬من صاع‬
‫س ما قدم !‬
‫} ات‪B‬قوا الله ول!تنظ !ر ن‪! B‬ف ‪d‬‬
‫بره‪ ،‬من صاع تمره‪ ،‬حتى قال‪» :‬ولو بشق تمرة«‪ ،‬قال‪ :‬فجاء رجل من النصار بصرة كادت كتفه‬
‫تعجز عنها‪ ،‬بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من الطعام وثياب حتى رأيت وجه‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يتهلهل كأنه مذهبة‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :‬من سن في السلم سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من‬‫أجورهم شيء« الحديث رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كل سلمي من الناس عليه‬
‫صدقة‪ ،‬كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين صدقة‪ ،‬ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها‬
‫أو يرفع عليها متاعه صدقة‪ ،‬والكلمة الطيبة صدقة‪ ،‬وكل خطوة يخطوها إلى الصلة صدقة‪،‬‬
‫ويميط الذى عن الطريق«‪.‬‬
‫وعن أبي ذر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن بكل تسبيحة صدقة‪ ،‬وكل‬
‫تكبيرة صدقة‪ ،‬وكل تحميدة صدقة‪ ،‬وكل تهليلة صدقة‪ ،‬وأمر بمعروف صدقة ونهي عن المنكر‬
‫صدقة‪ ،‬وفي بضع أحدكم صدقة«‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟‬
‫قال‪» :‬أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلل كان له أجر«‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أبي موسى الشعري قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬على كل مسلم‬
‫صدقة«‪ ،‬قال‪ :‬فإن لم يجد‪ ،‬قال‪» :‬فليعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق« قالوا‪ :‬فإن لم يستطع أو‬
‫يفعل‪ ،‬قال‪» :‬فيعين ذا الحاجة الملهوف«‪ ،‬قالوا‪ :‬فإن لم يفعل‪ ،‬قال‪» :‬فيأمر بالخير«‪ ،‬قال‪ :‬فإن‬
‫لم يفعل‪ ،‬قال‪» :‬فيمسك عن الشر‪ ،‬فإنه له صدقة« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي ذر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬تبسمك في وجه أخيك صدقة‪،‬‬
‫وأمرك بالمعروف صدقة‪ ،‬ونهيك عن المنكر صدقة‪ ،‬وإرشادك الرجل في أرض الصلة لك صدقة‬
‫ونصرك الرديء البصر لك صدقة‪ ،‬وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة وإفراغك‬
‫من دلوك في دلو أخيك لك صدقة« رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث غريب‪.‬‬
‫الثاني من المور الثلثة‪ ،‬قوله‪! } :‬أو م !عروف { وهو الحسان‪ ،‬والطاعة‪ ،‬وكل ما عرف في الشرع‬

‫والعقل حسنة‪ ،‬وإذا أطلق المر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن‬

‫وأيضا ل يتم فعل الخير إل بترك الشر‪ ،‬وأما عند‬
‫المنكر ذلك؛ لن ترك المنهيات من المعروف‪2 ،‬‬

‫القتران فيفسر المعروف بفعل المأمورات‪ ،‬والمنكر بترك المنهي عنه‪ ،‬وقال مقاتل‪ :‬المعروف هنا‬
‫الفرض‪ ،‬والصحيح أنه لفظ عام يعم أعمال البر كلها‪ ،‬فعن جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪» :-‬كل معروف صدقة‪ ،‬وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق‪ ،‬وأن تفرغ من‬
‫دلوك في إناء أخيك« رواه أحمد والترمذي‪.‬‬
‫وعن أبي ذر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل تحقرن من المعروف شيئ‪2‬ا ولو‬

‫أن تلقى أخاك بوجه طلق« رواه مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬المعروف كاسمه‪ ،‬وأول ن يدخل الجنة يوم القيامة المعروف‬
‫وأهله«‪ ،‬وقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬صنائع المعروف تقي مصارع السوء«‪.‬‬
‫وقال علي –كرم ال وجهه‪ :-‬ل يزهدنك في المعروف كفر من كفره‪ ،‬فقد يشكر الشاكر بأضعاف‬
‫جحود الكافر‪ ،‬وقال الحطيئة‪:‬‬
‫من يفعل الخير ل يعدم جوائزه ‪ ...‬ل يذهب العرف بين ال والناس‬
‫قال الماوردي‪ :‬فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته‪ ،‬ويبادر به خيفة‬
‫عجزه ويتحرى الخيار الكرام كما يتحرى لزرعه الرياض الطيبة‪ ،‬وأما النذال اللئام فهم كالرض‬
‫وقديما قيل‪:‬‬
‫السبخة تمرر الماء وتفسد البذر‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫ول تصطنع إل الكرام فإنهم‬

‫منعما‬
‫ومن يتخذ عند اللئام صنيعة ‪ ...‬يجاوزن بالنعماء من كان ‪2‬‬

‫متندما‬
‫يظل على آثارها ‪2‬‬

‫وليعلم أنه من فرض زمانه‪ ،‬وغنائم إمكانه‪ ،‬ول يهمله ثقة بالقدرة عليه‪ ،‬فكم من واثق بالقدرة فاتت‬

‫ندما ومعول على مكنة فأورثت خجل‪ ،2‬كما قال الشاعر‪:‬‬
‫فأعقبت ‪2‬‬

‫ما زلت أسمع كم من واثق خجل ‪ ...‬حتى ابتليت فكنت الواثق الخجل‬
‫ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مدخورة ومغارمه مجبورة‪ ،‬فقد روي‬
‫عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬من فتح عليه باب من الخير فينتهزه‪ ،‬فإنه ل يدري‬

‫متى يغلق عنه«‪.‬‬
‫وروي عنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬لكل شيء ثمرة‪ ،‬وثمرة المعروف السراح« أي‬
‫التعجيل‪.‬‬
‫وقيل لنو شروان‪ :‬ما أعظم المصائب عندكم؟ قال‪ :‬أن تقدر على المعروف فل تصطنعه حتى‬
‫يفوت‪.‬‬
‫وقال عبدالحميد‪ :‬من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها‪.‬‬
‫قال بعض الشعراء‪:‬‬
‫إذا هبت رياحك فاغتنمها‬

‫ول تغفل عن الحسان فيها ‪ ...‬فإن لكل خافقة سكون‬
‫فما تدري السكون متى يكون‬
‫وقال أبو الفتح البستي‪:‬‬
‫أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ‪ ...‬فلن يدوم على الحسان إمكان‬
‫وقال العباس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬ل يتم المعروف إل بثلث خصال‪ :‬تعجيله‪ ،‬وتصغيره‪ ،‬وستره‪،‬‬
‫فإذا عجلته هنأته‪ ،‬وإذا صغرته عظمته‪ ،‬وإذا سترته أتممته‪ ،‬على أن ستره المعروف من أقوى‬
‫أسباب ظهوره وأبلغ دواعي نشره لما جبلت عليه النفوس من إظهار ما خفي وإعلن ما كتم‪.‬‬
‫قال سهل بن هارون‪:‬‬
‫يوما لتسأله‬
‫خل‚ إذا جئته ‪2‬‬

‫ملكت كفاه واعتذرا‬
‫ي !خفي صنائعه وال يعلمها ‪ ...‬أعطاك ما‬
‫!‬
‫إن الجميل إذا أخفيته ظهرا‬
‫ومن شرط المعروف مجانبة المتنان به‪ ،‬وترك العجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر‬
‫وإحباط الجر‪ ،‬فقد روي عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬إياكم والمتنان‬
‫بالمعروف‪ ،‬فإنه يبطل الشكر ويمحق الجر« ثم تل ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬آية البقرة‪ } :‬يا‬
‫أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل ت‪! B‬بطلوا صدقاتكم بال!م 'ن والذى { فالمان بالمال غير محمود‪ ،‬كما أنه غير‬

‫مأجور‪.‬‬

‫وفي ذلك يقول أبو الطيب‪:‬‬
‫خلصا من الذى ‪ ...‬فل الحمد مكسوب‪2‬ا ول المال باقي‪2‬ا‬
‫إذا الجود لم يرزق‬
‫‪2‬‬
‫صلح ب‪! B‬ين الناس { هذا عام في الدماء والموال والعراض والديان‪ ،‬وفي كل‬
‫وقوله تعالى‪! } :‬أو إ !‬
‫شيء يقع التداعي والختلف فيه‪ ،‬وفي كل كلم يراد به وجه ال‪ ،‬وقال تعالى في الية الخرى‪:‬‬
‫أصلحوا ذات ب‪! B‬ينك !م { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬إنما‬
‫} وال •‬
‫صل!ح خ !ي‪d B‬ر { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬فات‪B‬قوا الله و !‬
‫أصلحوا ب‪! B‬ين أخوي!ك !م { ‪.‬‬
‫الم !ؤمنون إ !خوة‪ d‬ف !‬

‫وفي الحديث الذي رواه ابن مردويه‪ :‬حدثنا محمد بن زيد بن حنيش‪ ،‬قال‪ :‬دخلنا على سفيان‬
‫الثوري نعوده‪ ،‬فدخل علينا سعيد ابن حسان‪ ،‬فقال له الثوري‪ :‬الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم‬
‫صالح ردده علي‪ ،‬فقال‪ :‬حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة‪ ،‬قالت‪ :‬قال رسول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كلم ابن آدم كله عليه ل له إل ذكر ال عز وجل‪ ،‬أو أمر‬
‫بمعروف‪ ،‬أو نهي عن منكر«‪ ،‬فقال سفيان‪ :‬أو ما سمعت ال في كتابه يقول‪ } :‬ل خ !ي‪B‬ر في كثير‬

‫صلح ب‪! B‬ين الناس { فهو هذا بعينه‪ ،‬أو ما سمعت‬
‫'من ن !جواه !م إل م !ن أمر بصدقة !أو م !عروف !أو إ !‬

‫ال يقول‪ } :‬ي‪! B‬وم ي‪B‬قوم ال •روح وال!ملئكة ص ‪2‬فا ل ي‪B‬تكلمون إل م !ن أذن له الر !حمن وقال صواب‪2‬ا { ‪،‬‬

‫صر * إن النسان لفي خ !سر * إل الذين‬
‫فهو هذا بعينه‪ ،‬أو ما سمعت ال يقول في كتابه‪ } :‬وال!ع !‬

‫آمنوا وعملوا الصالحات وت‪B‬واص !وا بال!ح 'ق وت‪B‬واص !وا بالص !بر { فهو هذا بعينه‪.‬‬

‫وعن أبي الدرداء ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أل أخبركم‬

‫بأفضل من درجة الصيام والقيام والصدقة والصلة؟« قالوا‪ :‬بلى يا رسول ال‪ ،‬قال‪» :‬إصلح ذات‬
‫البين‪ ،‬وإن فساد ذات البين هي الحالقة«‪.‬‬
‫وعن أنس‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال لبي أيوب‪» :‬أل أدلكم على تجارة؟«‬
‫قال‪ :‬بلى يا رسول ال‪ ،‬قال‪» :‬تسعى في إصلح بين الناس إذا تفاسدوا‪ ،‬وتقارب بينهم إذا‬
‫تباعدوا«‪.‬‬
‫وقال الوزاعي‪ :‬ما خطوة أحب إلى ال عز وجل من خطوة في إصلح ذات البين‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كل سلمي‬
‫من الناس عليه صدقة‪ ،‬كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الثنين صدقة« الحديث متفق عليه‪،‬‬
‫ومعنى تعدل بينهما‪ :‬تصلح بينهما بالعدل‪,.‬‬
‫وعن أم كلثوم ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬قالت‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪:‬‬
‫خيرا« متفق عليه‪ ،‬وفي رواية مسلم‬
‫خيرا أو يقول ‪2‬‬
‫»ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس‪ ،‬فينمي ‪2‬‬
‫زيادة‪ ،‬قالت‪» :‬ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إل في ثلث‪ :‬تعني الحرب‪،‬‬

‫والصلح بين الناس‪ ،‬وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها«‪.‬‬
‫وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم‪ ،‬فحبس رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وحانت الصلة‪ ،‬الحديث متفق عليه‪ ،‬إلى غير ذلك من اليات والحاديث المتضمنة للمر‬
‫بالصلح بين الناس والحث عليه‪.‬‬
‫ويراعى المصلح في الصلح ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يعدل بين المتخاصمين‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يكون الخلص باعث على الصلح‪ ،‬وإن كان له مكانة فهو بإذن ال حري بالنجاح‪.‬‬
‫والصلح بين الناس يثمر ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬إحلل اللفة مكان الفرقة بين المتنازعين‪.‬‬
‫‪ -2‬استئصال داء النزاع قبل أن يستفحل فيصعب حله‪.‬‬

‫‪ -3‬حقن الدماء التي تراق بين الطوائف المتنازعة‪.‬‬
‫‪ -4‬توفير الموال التي تنفق للوكلء والمحامين بالحق والباطل‪ ،‬وتوفير النفقات الخرى‪.‬‬
‫‪ -5‬تجنب إنكار الحقائق الذي تجر إليه الخصومات وترك شهادة الزور‪.‬‬
‫‪ -6‬تجنب المشاجرات والعتداء على الحقوق الذي قل ما يسلم منه متخاصمان‪.‬‬
‫‪ -7‬تفرغ النفوس للمصالح دل جدها وانهماكها في الكيد للخصوم‪.‬‬
‫‪ -8‬رحمة ال لعباده المصلحين والمتصالحين‪.‬‬
‫‪ -9‬صيانة الوقت عن ضياعه فيما يضر‪ ،‬أو فيما ل نفع فيه‪.‬‬
‫يما { لما ذكر جل وعل‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ومن ي‪! B‬فع !ل ذلك اب!تغاء م !رضات الله فس !وف ن‪! B‬ؤتيه !‬
‫أج ‪2‬را عظ ‪2‬‬
‫أن الخير في المذكورات المتقدمة بين أن من فعل ذلك ابتغاء وجهه تعالى ومرضاته‪ ،‬أي طلب‪2‬ا‬
‫خالصا لوجه ال تعالى نفعه‪ ،‬فصلح النية وإخلص الفؤاد‬
‫لرضاه؛ لن النسان إذا فعل ذلك‬
‫‪2‬‬

‫لرب العالمين يرفعان العمل‪ ،‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من فارق الدنيا على‬
‫الخلص ل وحده ل شريك له‪ ،‬وأقام الصلة‪ ،‬وآتى الزكاة فارقها وال عنه راض«‪ ،‬قال تعالى‪} :‬‬

‫إل اب!تغاء و !جه رب'ه ال !على ولس !وف ي‪! B‬رضى { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬إنما نط!عمك !م لو !جه الله ل نريد منك !م‬
‫ورا { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬لن ي‪B‬نال الله لحومها ول دماؤها ولكن ي‪B‬ناله الت‪! B‬قوى منك !م { ‪.‬‬
‫اء ول شك ‪2‬‬
‫جز ‪2‬‬
‫وعن عمر بن الخطاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫يقول‪» :‬إنما العمال بالنيات‪ ،‬وإنما لكل امرئ ما نوى‪ ،‬فمن كانت هجرته إلى ال ورسوله‬
‫فهجرته إلى ال ورسوله‪ ،‬ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر‬
‫إليه« الحديث متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لسعد بن أبي وقاص حينما عاده من وجع اشتد به‪» :‬وإنك لن‬
‫تنفق نفقة تبتغي بها وجه ال إل ازددت بها درجة ورفعة« الحديث متفق عليه‪.‬‬
‫ولما س ئل ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عن الرجل يقاتل شجاعة‪ ،‬ويقاتل حمية‪ ،‬ويقاتل رياء‪ ،‬أي‬
‫ذلك في سبيل ال؟ قال‪» :‬من قاتل لتكون كلمة ال هي العليا فهو في سبيل ال« والحديث في‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫والحق أن المرء ما دام قد أسلم ل وجهه وأخلص نيته ل‪ ،‬فإن حركاته وسكناته ونوماته ويقظاته‬
‫تحتسب خطوات إلى مرضاة ال‪ ،‬وقد يعجز النسان عن عمل الخير الذي يميل إلى فعله لقلة ما‬
‫في يده أو لضعف بدنه‪ ،‬ولكن ال المطلع على خبايا النفوس يرفع الحريص على الصلح إلى‬
‫مراتب المصلحين‪ ،‬والراغب في الجهاد إلى مراتب المجاهدين‪ ،‬فعن أبي موسى الشعري ‪-‬‬

‫رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا مرض العبد أو سافر كتب‬
‫مقيما« رواه البخاري‪.‬‬
‫له ما كان يعمل‬
‫‪2‬‬
‫صحيحا ‪2‬‬

‫وحدث في غزوة العسرة أن تقدم إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬رجال يريدون أن‬
‫يحملهم ليغزوا معه‪ ،‬فلم يجد النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ما يحملهم عليه‪ ،‬وهم سبعة نفر‪،‬‬
‫سموا البكائين‪ :‬معقل بن يسار‪ ،‬وصخر بن خنساء‪ ،‬وعبدال ابن كعب النصاري‪ ،‬وعلية ابن‬

‫عميرة‪ ،‬وثعلبة بن غنم‪ ،‬وعبدال بن مغفل المزني‪ ،‬فعادوا وفي حلوقهم غصة لتخلفهم عن‬
‫الميدان‪ ،‬وفيهم نزل قوله عز وجل‪ } :‬ول على الذين إذا ما أت‪! B‬وك لت !حمله !م ق‪B‬ل!ت ل أجد ما‬

‫الدمع حزن‪2‬ا أل يجدوا ما ينفقون { ‪.‬‬
‫أحملك !م عل !يه ت‪B‬ول !وا وأ !عي‪B‬ن‪B‬ه !م تفيض من !‬
‫!‬

‫ولهذا الخلص العميق الذي دل عليه الرغبة العظيمة في التضحية نوه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫أقواما ما قطعتم وادي‪2‬ا ول سيرتم‬
‫بإيمانهم وإخلصهم‪ ،‬فقال للجيش السائر معه‪» :‬إن بالمدينة ‪2‬‬

‫سيرا إل وهو معكم«‪ ،‬قالوا‪ :‬وهم بالمدينة؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬حبسهم العذر«‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وفي حديث جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬لقد خلفتم بالمدينة رجال‪ 2‬ما‬

‫قطعتم وادي‪2‬ا ول سلكتم طري ‪2‬قا إل شركوكم في الجر‪ ،‬حبسهم المرض«‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن ال ل ينظر إلى أجسامكم‪ ،‬ول إلى صوركم؛ ولكن ينظر‬

‫إلى قلوبكم« رواه مسلم‪.‬‬
‫وفي الحديث الخر‪» :‬إذا كان يوم القيامة جيء بالدنيا فيميز منها ما كان ل‪ ،‬وما كان لغير ال‬
‫رمي به في نار جهنم« رواه البيهقي‪.‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن الفضل عند ال‪ ،‬كما قال ابن القيم‪ :‬ليس بظواهر العمال‪ ،‬بل بما تقوم عليه من‬
‫حقائق اليمان‪ ،‬فهي تتفاوت في الفضل بقدر ما يكون في قلب صاحبها من الخلص واليقين‬
‫والخوف والمحبة والتذلل والخضوع حتى أن الرجلين ليكونا في صلة واحدة‪ ،‬ركوعها واحد‪،‬‬
‫وسجودها واحد‪ ،‬وأن بين صلتيهما كما بين السماء والرض‪ ،‬فإحداهما أداها صاحبها في‬
‫خشوع وخشية وإخبات ووجل‪ ،‬مجته ‪2‬دا في إحضار قلبه لهذه العبادة‪ ،‬وصلة الخر أداها‬

‫صاحبها في سهو وغفلة عن صلته‪ ،‬إنما يؤدي حركات بالجوارح وأقوال اللسان‪ ،‬وبين هاتين‬
‫الدرجتين من المراتب ما ل حصر له‪ ،‬فيكون بين ثواب هذه وتلك من الدرجات ما ل يحصيه إل‬

‫ات 'مما عملوا‬
‫ال‪ ،‬فهذا عطاء ال وفضله الذي قسمه بين عباده‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬ولك ‪ƒ‬ل درج ‪d‬‬
‫ولي‪B‬وف'‪B‬ي‪B‬ه !م أ !عماله !م وه !م ل يظ!لمون { ‪.‬‬
‫وقال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬

‫سبحان قاسم فضله بين العباد‬

‫فالفضل عند ال ليس بصورة‬
‫وتفاضل العمال يتبع ما يقوم‬
‫حتى يكون العاملن كلهما‬
‫هذا وبينهما كما بين السما‬
‫ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا‬
‫هذا عطاء الرب جل جلله ‪ ...‬فذاك مولى الفضل والحسان‬
‫العمال بل بحقائق اليمان‬
‫بقلب صاحبها من البرهان‬
‫في رتبة تبدو لنا بعيان‬
‫والرض في فضل وفي رجحان‬
‫رتب مضاعفة بل حسبان‬
‫وبذاك تعرف حكمة الرحمن‬

‫وقوله‪ } :‬ومن يشاقق الرسول م !ن ب‪! B‬عد ما ت‪B‬ب‪B‬ين له الهدى وي‪B‬تب !ع غ !ي‪B‬ر سبيل الم !ؤمنين ن‪B‬ول'ه ما ت‪B‬ولى‬

‫ت مص ‪2‬يرا { ‪.‬‬
‫صله جهنم وساء !‬
‫ون !‬

‫أيضا‪ ،‬وذلك أنه لما سرق وظهرت عليه السرقة خاف على نفسه القطع‬
‫قيل‪ :‬نزلت في طعمة ‪2‬‬
‫كافرا مرت ‪2‬دا عن الدين‪ ،‬فأنزل ال عز وجل فيه‪ } :‬ومن يشاقق‬
‫والفضيحة‪ ،‬فهرب إلى مكة ‪2‬‬

‫الرسول { المشاقة‪ :‬المعاداة والمحادة‪ ،‬أي ومن يشاقق الرسول فيسلك غير طريق الشريعة التي‬
‫جاء بها الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فصار في شق والشرع في شق‪ ،‬وذلك عن عمد منه‬
‫بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له‪ ،‬وقامت عليه الحجة‪ ،‬وقوله‪ } :‬وي‪B‬تب !ع غ !ي‪B‬ر سبيل‬

‫الم !ؤمنين { هذا ملزم للصفة الولى‪ ،‬ولكن قد تكون المخالفة لنص الشرع‪ ،‬وقد تكون لما‬

‫أجمعت عليه المة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقي ‪2‬قا‪ ،‬فإنه قد ضمنت لهم العصمة في‬

‫وتعظيما لنبيهم‪.‬‬
‫اجتماعهم من الخطأ تشري ‪2‬فا لهم‬
‫‪2‬‬

‫وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك‪ ،‬روي أن الشافعي ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬سئل عن آية في‬
‫كتاب ال تدل على أن الجماع حجة‪ ،‬فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى استخرج هذه الية‪ ،‬وهي‬
‫قوله‪ } :‬وي‪B‬تب !ع غ !ي‪B‬ر سبيل الم !ؤمنين { وذلك لن إتباع غير سبيل المؤمنين‪ ،‬وهو مفارقة الجماعة‬
‫حرام‪ ،‬فوجب أن يكون إتباع سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم واجب‪2‬ا‪ ،‬وذلك لن ال تعالى ألحق‬

‫الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين‪ ،‬فثبت بهذا أن إجماع المة حجة‪ ،‬وقوله‪} :‬‬

‫ت مص ‪2‬يرا { أي نتركه‪ ،‬وما اختاره لنفسه ونخذله‪ ،‬فل نوفقه للخير‬
‫صله جهنم وساء !‬
‫ن‪B‬ول'ه ما ت‪B‬ولى ون !‬
‫حائرا‪ ،‬ويزداد ضلل‪ 2‬إلى‬
‫لكونه رأى الحق وعلمه وتركه‪ ،‬فجزاؤه من ال عدل‪ 2‬أن يبقيه في ضلله ‪2‬‬

‫ضلله‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ف‪B‬لما زاغوا أزاغ الله ق‪B‬لوب‪B‬ه !م والله ل ي‪! B‬هدي الق !وم الفاسقين { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫صله جهنم { أي نلزمه‬
‫لم ي‪! B‬ؤمنوا به أول مرة { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ون !‬
‫} ون‪B‬قل'ب أف!ئدت‪B‬ه !م وأب!صاره !م كما !‬

‫جهنم‪ ،‬وأصله من الصلي‪ ،‬وهو لزوم النار وقت الستدفاء‪ ،‬والمصير المرجع‪ ،‬يعني وبئس المرجع‬

‫ومصيرا تمييز‪ ،‬والمخصوص بالذم‬
‫جهنم‪ ،‬وساء كبئس للذم فاعلها مستتر وجوب‪2‬ا يعود على جهنم‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫محذوف مقدر بقوله‪ :‬هي‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬إن الله ل ي‪B‬غ!فر أن ي !شرك به وي‪B‬غ!فر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ي !شر !ك بالله ف‪B‬قد‬

‫يما { ‪.‬‬
‫اف!‪B‬ت‪B‬رى إث! ‪2‬ما عظ ‪2‬‬

‫قال الكلبي‪ :‬نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه‪ ،‬وذلك أنه لما قتل حمزة كان قد جعل له على‬
‫نفسه أن يعتق فلم يوف له بذلك‪ ،‬فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه‪ ،‬فكتبوا إلى رسول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬أنا قد ندمنا على الذي صنعنا‪ ،‬وأنه ليس يمنعنا عن السلم إل أنا‬
‫سمعناك تقول وأنت بمكة‪ } :‬والذين ل ي !دعون مع الله إ ‪2‬لها آخر { اليات‪ ،‬وقد دعونا مع ال‬

‫إله ا آخر‪ ،‬وقتلنا النفس التي حرم ال وزنينا‪ ،‬فلول هذه اليات لتبعناك‪ ،‬فنزلت‪ } :‬إل من تاب‬
‫‪2‬‬

‫وآمن وعمل عمل‪ 2‬صال ‪2‬حا { اليتين‪.‬‬

‫فبعث بهما رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إليهم‪ ،‬فلما قرءوا كتبوا إليه‪ :‬إن هذا شرط شديد‬

‫صالحا‪ ،‬فنزل‪ } :‬إن الله ل ي‪! B‬غفر أن ي !شرك به وي‪! B‬غفر ما دون ذلك لمن‬
‫نخاف أن ل نعمل به عمل‪2 2‬‬

‫يشاء { ‪.‬‬

‫فبعث إليهم‪ ،‬فبعثوا إليه‪ :‬إنا نخاف أن ل نكون من أهل المشيئة‪ ،‬فنزلت‪ } :‬ق !ل يا عبادي الذين‬
‫أسرفوا على أنفسه !م ل ت‪! B‬قنطوا من ر !حمة الله إن الله ي‪! B‬غفر ال •ذنوب جم ‪2‬يعا { ‪.‬‬
‫!‬
‫فبعث إليهم‪ ،‬فدخلوا في السلم‪ ،‬ورجعوا إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقبل منهم‪ ،‬ثم‬

‫قال لوحشي‪» :‬أخبرني كيف قتلت حمزة؟«‪ ،‬فلما أخبره قال‪» :‬ويحك غيب وجهك عني‪ ،‬فلحق‬
‫وحشي بالشام‪ ،‬فكان بها إلى أن مات«‪.‬‬
‫وقال أبو مجلز‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬لما نزل قوله تعالى‪ } :‬ق !ل يا عبادي‬

‫أسرفوا على أنفسه !م { الية‪ ،‬قام رجل‪ ،‬فقال‪ :‬والشرك يا رسول ال؟ فسكت‪ ،‬ثم قام إليه‬
‫الذين !‬
‫مرتين أو ثلث‪2‬ا‪ ،‬فنزلت‪ } :‬إن الله ل ي‪B‬غ!فر أن ي !شرك به { ‪.‬‬

‫وقال مطرف بن عبدال بن الشخير‪ :‬قال ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ :-‬كنا على عهد رسول‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار‪ ،‬حتى نزلت‬
‫هذه الية‪ } :‬إن الله ل ي‪! B‬غفر أن ي !شرك به وي‪! B‬غفر ما دون ذلك لمن يشاء { ‪ ،‬فأمسكنا عن‬
‫الشهادات‪.‬‬

‫وحكي عن علي أن أرجى آية في القرآن قوله تعالى‪ } :‬وي‪B‬غ!فر ما دون ذلك لمن يشاء { ‪.‬‬

‫ب أرني ك !يف ت !حيي‬
‫وروي عن ابن عباس أن أرجى آية في القرآن قوله تعالى‪ } :‬وإ !ذ قال إب!‪B‬راهيم ر '‬
‫لم ت‪! B‬ؤمن قال ب‪B‬لى ولكن ل'يط!مئن ق‪B‬ل!بي قال فخ !ذ !أرب‪B‬عة‪' 2‬من الط !ير فص !رهن إ !ليك ثم‬
‫الم !وتى قال أو !‬

‫يم { ‪.‬‬
‫!‬
‫اجع !ل على ك 'ل جبل 'م !ن‪B‬هن ج !ز‪2‬ءا ثم ا !دعهن يأ!تينك س !عي‪2‬ا وا !عل !م أن الله عز ‪d‬يز حك ‪d‬‬

‫إذا فهمت ما سبق مما قيل إنه سبب نزول قوله تعالى‪ } :‬إن الله ل ي‪B‬غ!فر أن ي !شرك به { الية‪،‬‬
‫فاعلم أن الشرك نوعان‪ :‬أكبر‪ ،‬وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير ال كاتخاذ ند يدعوه أو‬
‫يرجوه أو يخافه أو يحبه كمحبة ال‪ ،‬أو يذبح له أو ينذر له‪ ،‬قال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬

‫والشرك فاحذره فشرك ظاهر‬
‫وهو اتخاذ الند للرحمن‬
‫يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ‪ ...‬ذا القسم ليس بقابل الغفران‬
‫أي‪2‬ا كان من حجر ومن إنسان‬
‫ويحبه كمحبة الديان‬

‫والقسم الثاني‪ :‬شرك أصغر‪ ،‬وحده بعضهم بأنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الكبر‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه‬
‫كل ما ورد بالنص تسميته شر‪2‬كا‪ ،‬ولم يصل إلى حد الكبر‪ ،‬وذلك كقول الرجل‪ :‬ما شاء وشئت‪،‬‬
‫ولول ال وأنت‪ ،‬وكالحلف بغير ال‪.‬‬

‫قال ابن القيم‪ :‬وأما الشرك الصغر فكثير‪ ،‬منه الرياء‪ ،‬والتصنع للخلق‪ ،‬والحلف بغير ال‪ ،‬وقول‬
‫الرجل‪ :‬ما شاء ال وشئت‪ ،‬وهذا من ال ومنك‪ ،‬وأنا بال وبك‪ ،‬ومالي إل ال وأنت‪ ،‬وأنا متوكل‬
‫على ال وعليك‪ ،‬ولول ال وأنت لم يكن كذا وكذا‪ ،‬وقد يكون شر‪2‬كا أكبر بحسب حال قائله‬

‫ومقصده‪.‬‬

‫وعن عائشة قالت‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الدواوين عند ال ثلثة‪ :‬ديوان ل‬
‫يعبأ ال به شيئ‪2‬ا‪ ،‬وديوان ل يترك ال منه شيئ‪2‬ا‪ ،‬وديوان ل يغفره ال‪ ،‬فأما الديوان الذي يغفره ال‬
‫فالشرك بال‪ ،‬قال ال عز وجل‪ } :‬إن الله ل ي‪B‬غ!فر أن ي !شرك به { الية‪ ،‬وقال‪ } :‬إنه من ي !شر !ك‬

‫بالله ف‪B‬ق !د حرم الله عل !يه الجنة { ‪ ،‬وأما الديوان الذي ل يعبأ ال به شيئ‪2‬ا فظلم العبد نفسه فيما‬
‫بينه وبين ال من صوم يوم تركه‪ ،‬أو صلة‪ ،‬فإن ال يغفر ذلك‪ ،‬ويتجاوز إن شاء‪ ،‬وأما الديوان‬

‫بعضا‪ ،‬القصاص ل محالة« تفرد به أحمد‪.‬‬
‫الذي ل يترك ال منه شيئ‪2‬ا فظلم العباد بعضهم ‪2‬‬

‫وعن أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬الظلم ثلثة‪ :‬فظلم ل‬

‫يغفره ال‪ ،‬وظلم يغفره ال‪ ،‬وظلم ل يترك ال منه شيئ‪2‬ا‪ ،‬فأما الظلم الذي ل يغفره ال فالشرك‪،‬‬
‫وقال‪ } :‬إن ال '‬
‫يم { ‪ ،‬وأما الظلم الذي يغفره ال فظلم العباد لنفسهم فيما بينهم‬
‫!م عظ ‪d‬‬
‫ش !رك لظل ‪d‬‬
‫بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض«‪.‬‬
‫وبين ربهم‪ ،‬وأما الظلم الذي ل يتركه فظلم العباد بعضهم ‪2‬‬

‫وقال معاوية‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬كل ذنب عسى ال أن يغفره‬

‫كافرا‪ ،‬أو الرجل يقتل مؤمن‪2‬ا متعم ‪2‬دا«‪.‬‬
‫إل الرجل يموت ‪2‬‬

‫وعن أبي أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪» :‬إن ال يقول‪ :‬يا عبدي‪ ،‬ما عبدتني‬

‫ورجوتني‪ ،‬فإني غافر لك على ما كان منك‪ ،‬يا عبدي‪ ،‬إنك إن لقيتني بقراب الرض خطايا ثم‬
‫لقيتني ل تشرك بي شيئ‪2‬ا لقيتك بقرابها مغفرة«‪.‬‬

‫والخلصة‪:‬‬

‫أول‪ :2‬أن مأذون الشرك بال من الصغائر والكبائر إنه تحت مشيئة ال‪ ،‬إن شاء غفر لصاحبه‪ ،‬وإن‬

‫شاء عذبه‪ ،‬وقد جعل ال للذنوب التي دون الشرك أسباب‪2‬ا كثيرة تمحوها‪ ،‬منها الحسنات‪ ،‬كما قال‬

‫تعالى‪ } :‬إن الحسنات ي !ذه !بن السي'ئات { ‪.‬‬

‫ثاني‪2‬ا‪ :‬المصائب‪ ،‬كما ورد عن أبي سعيد وأبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ما يصيب المؤمن من نصب ول هم ول حزن ول أذى ول غم‪ ،‬حتى الشوكة‬

‫يشاكها إل كفر ال بها من خطاياه« متفق عليه‪.‬‬
‫وفي حديث ابن مسعود‪» :‬ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إل كفر ال بها سيئاته‬
‫وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها« متفق عليه‪.‬‬
‫وفي حديث أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما يزال البلء بالمؤمن‬
‫والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى ال تعالى وما عليه خطيئة« رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث‬
‫حسن صحيح‪.‬‬
‫ثالث‪2‬ا‪ :‬عذاب القبر‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬عذاب يوم القيامة‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫خامسا‪ :‬دعاء المؤمنين بعضهم لبعض‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫سادسا‪ :‬شفاعة الشافعين يوم القيامة‪ ،‬ورحمة ال التي أحق بها أهل التوحيد واليمان‪ ،‬وهذا‬
‫‪2‬‬

‫بخلف الشرك‪ ،‬فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة وأغلق أبواب الرحمة‪ ،‬فل تنفعه‬

‫الطاعات إل مع التوحيد‪ ،‬ول تفيده المصائب شيئ‪2‬ا‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ف‪B‬ق !د ضل ضلل‪ 2‬بعي ‪2‬دا { أي‪ :‬ومن يشرك بال شيئ‪2‬ا فقد ضل عن القصد وبعد عن سبيل‬

‫الرشد ضلل‪ 2‬بعي ‪2‬دا في الغواية؛ لنه ضلل يفسد العقل‪ ،‬ويكدر صفاء الروح‪ ،‬فالشرك أعظم أنواع‬
‫الضللة وأبعدها عن الصواب والستقامة والذهاب عن الجنة مراتب أبعدها الشرك بال‪ ،‬فالشرك‬
‫أقبح الرذائل كما أن التوحيد أحسن الحسنات‪ ،‬والسيئات تتفاوت كالسبع الموبقات‪ ،‬وكأكل‬
‫الحرام‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬والنميمة‪ ،‬والغيبة‪ ،‬والكبر؛ لكن أسوأ الكل وأقبحه الشرك بال‪ ،‬ولذلك ل‬
‫يغفر كما هو مبين‪ ،‬وإنما جعل الجزاء على ما قيل هنا‪ ،‬فقد ضل ضلل‪ 2‬بعي ‪2‬دا‪ ،‬وفيما تقدم فقد‬

‫عظيما لما أن تلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما ل يشكون‬
‫إثما ‪2‬‬
‫افترى ‪2‬‬
‫في صحته من الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ووجوب إتباع شريعته‪ ،‬وما يدعو إليه من‬

‫اليمان بال تعالى‪ ،‬ومع ذلك أشركوا وكفروا‪ ،‬فصار ذلك افتراء واختلف‪2‬ا وجراءة عظيمة على ال‬

‫تعالى‪.‬‬

‫وهذه الية كانت في أناس لم يعلموا كتاب‪2‬ا‪ ،‬ول عرفوا من قبل وحي‪2‬ا‪ ،‬ولم يأتهم سوى رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بالهدى ودين الحق‪ ،‬فأشركوا بال عز وجل‪ ،‬وكفروا وضلوا مع وضوح‬
‫ألم ت‪B‬ر إلى الذين ي‪B‬ز•كون‬
‫الحجة وسطوع البرهان‪ ،‬فكان ضللهم بعي ‪2‬دا‪ ،‬ولذلك جاء بعد تلك } !‬

‫أنفسه !م { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬انظ !ر ك !يف ي‪! B‬فت‪B‬رون على الله الكذب { ‪ ،‬وجاء بعد هذه قوله تعالى‪ } :‬إن‬
‫ي !دعون من دونه إل إناث‪2‬ا { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬إن ي !دعون من دونه إل إناث‪2‬ا وإن ي !دعون إل ش !يطان‪2‬ا مري ‪2‬دا { ‪ ،‬وفي معنى الناث أربعة‬

‫أقوال‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن الناث المراد بها الموات‪ ،‬قاله ابن عباس والحسن في رواية‪ ،‬وقتادة‪ ،‬قال الحسن‪:‬‬
‫كل شيء ل روح فيه كالحجر والخشبة فهو إناث‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬والموتى كلها يخبر عنها كما‬
‫يخبر عن المؤنث تقول من ذلك الحجار تعجبني والدراهم تنفعني‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أن الناث الوثان‪ ،‬وهو قول عائشة ومجاهد‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أن الناث المراد بها اللت والعزى ومناة‪ ،‬كلهن مؤنث‪ ،‬وهذا قول أبي مالك وابن زيد‬
‫والسدي‪ ،‬وروى أبو رجاء عن الحسن‪ ،‬قال‪ :‬لم يكن حي من أحياء العرب إل ولهم صنم يسمونه‬
‫أنثى بني فلن‪ ،‬فنزلت هذه الية‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬والمعنى ما يدعون إل ما يسمونه باسم الناث‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬الملئكة‪ ،‬كانوا يزعمون أنها بنات ال‪ ،‬قاله الضحاك‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬وإن ي !دعون إل ش !يطان‪2‬ا مري ‪2‬دا { المراد بدعائهم الشيطان عبادتهم له‪ ،‬ونظيره قوله تعالى‪:‬‬

‫ألم أ !عه !د إ !ليك !م يا بني آدم أن ل ت‪! B‬عبدوا الش !يطان { ‪ ،‬وقول الخليل‪ } :‬يا أبت ل ت‪! B‬عبد‬
‫} !‬
‫الش !يطان { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬ب !ل كانوا ي‪! B‬عبدون الجن { ‪.‬‬

‫وفي الحديث الصحيح أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬تل على عدي بن حاتم الطائي قول‬
‫أحباره !م ور!هبان‪B‬ه !م !أرباب‪2‬ا 'من دون الله { ‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬لسنا نعبدهم‪،‬‬
‫ال تعالى‪ } :‬اتخذوا !‬
‫قال‪» :‬أليس يحلون لكم ما حرمه ال فتحلونه‪ ،‬ويحرمون ما أحل ال فتحرمونه؟« قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‬

‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬فتلك عبادتهم« فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير ال‪،‬‬
‫مؤثرا له على ما جاءت به الرسل فهو كافر بال‬
‫وبها اتخذوهم أرباب‪2‬ا‪ ،‬فمن اتبع تشريع الشيطان ‪2‬‬

‫عابد للشيطان متخذ الشيطان رب‪2‬ا‪ ،‬وإن سمي إتباعه للشيطان بما شاء من السماء؛ لن الحقائق‬

‫ل تتغير بإطلق اللفاظ عليها والمريد والمارد والمتمرد العاتي الخارج عن الطاعة‪ ،‬وأصل مادة )م‬
‫ر د( للملمسة والتجرد‪ ،‬ومنه صرح ممرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها ووصف الشيطان بذلك؛‬
‫إما لتجرده للشر أو لشبيهه بالملس الذي ل يعلق به شيء‪ ،‬وقيل‪ :‬لظهور شره كظهور ذقن المرد‬

‫وظهور عيدان الشجرة المرداء‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬لعنه الله { أي طرده وأبعده من رحمته وأخرجه من جواره‪ ،‬قال‪ } :‬لتخذن م !ن عبادك‬

‫مقسما على ذلك ليتخذن نصيب‪2‬ا معين‪2‬ا‬
‫وضا { يخبر تعالى عما قاله إبليس –لعنه ال‪-‬‬
‫نصيب‪2‬ا م !فر ‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫معلوم ا من عباد ال تحت غوايته‪ ،‬وفي جانب إضلله حتى يخرجهم من عبادة ال إلى الكفر‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫قال قتادة‪ :‬من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة‪ ،‬ويعضده قوله تعالى‬
‫لدم يوم القيامة‪» :‬يا آدم‪ ،‬فيقول‪ :‬لبيك وسعديك‪ ،‬فينادي بصوت إن ال يأمرك أن تخرج من‬

‫ذريتك بعث‪2‬ا إلى النار‪ ،‬فيقول‪ :‬يا رب‪ ،‬وما بعث النار؟ فيقول ال تعالى‪ :‬أخرج من كل ألف‬

‫تسعمائة وتسعة وتسعين‪ ،‬فعند ذلك تشيب الطفال من شدة الهول« أخرجه مسلم‪ ،‬فنصيب‬

‫الشيطان هو بعث النار‪ ،‬وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ولضلن‪B‬ه !م { أي ولصرفنهم عن طريق الهداية إلى طريق الغواية‪ ،‬ولمنينهم أي الماني‬

‫الباطلة‪ ،‬وأقول لهم‪ :‬ليس وراءكم بعث‪ ،‬ول نشر‪ ،‬ول جنة‪ ،‬ول نار‪ ،‬ول ثواب‪ ،‬ول عقاب‪ ،‬فافعلوا‬

‫ما شئتم‪ ،‬وقيل‪ :‬أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسرعون العمل‪ ،‬وقيل‪ :‬أمنيهم بالهواء الباطلة‬
‫الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهرتها‪ ،‬وأدعو كل‪ 2‬منهم إلى ما يميل إليه طبعه‬

‫فأصده بذلك عن الطاعة‪ ،‬وقيل‪ :‬أمنيهم أن ينالوا ما ناله المهتدون‪ ،‬وهذا هو الغرور بعينه‪ ،‬فلم‬

‫يقتصر على مجرد الضلل حتى زين لهم ما فيه من الضلل‪ ،‬وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث‬
‫عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة‪ ،‬وحسبوا أنها موجبة للجنة‪ ،‬قال ال تعالى عن اليهود‪:‬‬
‫ودا !أو نصارى تل!ك أماني•‪B‬ه !م { ‪ ،‬وقال كذلك‪ } :‬كذلك‬
‫} وقالوا لن ي !دخل الجنة إل من كان ه ‪2‬‬
‫زي‪B‬نا لك 'ل أمة عمله !م { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ق !ل ه !ل ن‪B‬نب'ئكم بال !خسرين أ !عمال‪ * 2‬الذين ضل س !عي‪B‬ه !م في‬

‫ض‬
‫الحياة ال •دن!‪B‬يا وه !م ي !حسبون أن‪B‬ه !م ي !حسنون ص !ن‪2 B‬عا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ومن ي‪! B‬عش عن ذ !كر الر !حمن ن‪B‬قي' !‬
‫ين * وإن‪B‬ه !م ليصد•ون‪B‬ه !م عن السبيل وي !حسبون أن‪B‬هم •م !هتدون { ‪.‬‬
‫له ش !يطان‪2‬ا ف‪B‬هو له قر ‪d‬‬

‫صت !م‬
‫ألم نكن معك !م قالوا ب‪B‬لى ولكنك !م ف‪B‬تنت !م أن!‪B‬فسك !م وت‪B‬رب !‬
‫وقال تعالى عن المنافقين‪ } :‬ي‪B‬نادون‪B‬ه !م !‬
‫و !ارت‪! B‬بت !م وغرت!كم المان •ي حتى جاء !أمر الله وغركم بالله الغرور { ‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ولمرن•‪B‬ه !م ف‪B‬ليبت'كن آذان الن!‪B‬عام { التبتيك في اللغة‪ :‬التقطيع‪ ،‬ومنه قول زهير‪:‬‬
‫حتى إذا ما هوت كف الوليد لها ‪ ...‬طارت وفي كفه من ريشها بتك‬

‫والمراد بتبتيك آذان النعام شق آذانها‪ ،‬وكانت الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن‪ ،‬وكان‬
‫ذكرا شقوا أذن الناقة وامتنعوا من النتفاع بها‪ ،‬ولم تطرد عن ماء ول مرعى وإذ لقيها‬
‫الخامس ‪2‬‬
‫المعيي لم يركبها‪.‬‬

‫وقال قتادة والسدي وغيرهما‪ :‬تبتيكما تشقيقها وجعلها سمة‪ ،‬وعلمة للبحيرة والسائبة والوصيلة‪،‬‬
‫فنبه ببعض ذلك على جميعه‪ ،‬وهذا نوع من الضلل يقتضي تحريم ما أحل ال أو تحليل ما حرم‬
‫ال‪ ،‬ويلتحق بذلك من العتقادات الفاسدة‪ ،‬ما هو من أكبر الضلل‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ولمرن‪B‬ه !م ف‪B‬لي‪B‬غي'‪B‬رن خل!ق الله { اختلف العلماء في هذا التغيير إلى ماذا يرجع على‬

‫أقوال‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬أن تغيير الخلق بالخصي‪ ،‬رواه عكرمة عن ابن عباس‪ ،‬وكذا روي عن ابن عمر‪ ،‬وأنس‪،‬‬
‫وسعيد بن المسيب‪ ،‬وأبي عياض‪ ،‬وقتادة‪ ،‬وأبي صالح‪ ،‬والثوري‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه التغيير بالوشم‪ ،‬وهو قول ابن مسعود والحسن في رواية‪ ،‬وفي »صحيح مسلم« النهي‬
‫عن الوشم‪ ،‬وفي لفظ‪» :‬لعن ال من فعل ذلك«‪ ،‬وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال‪» :‬لعن ال‬
‫الواشمات والمستوشمات‪ ،‬والنامصات والمتنصات‪ ،‬والمتفلجات للحسن المغيرات خلق ال عز‬
‫وجل«‪ ،‬ثم قال‪ :‬أل ألعن من لعن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهو في كتاب ال عز‬
‫وجل‪ ،‬يعني قوله‪ } :‬وما آتاكم الرسول فخذوه وما ن‪B‬هاك !م ع !نه فانت‪B‬هوا { ‪.‬‬

‫الواشمة‪ :‬هي التي تشم‪ ،‬والمستوشمة‪ :‬هي التي تطلب الوشم‪ ،‬والوشم‪ :‬أن يغرز في العضو إبرة‬

‫أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يحشى بكحل أو نوؤر فيخضر‪ ،‬والمتنمصة والنامصة‪ :‬المتنمصة‬
‫التي تأمر من يفعل لها ذلك‪ ،‬والنامصة‪ :‬التي تأخذ من شعر حاجب غيرها وترققه ليصير حسن‪2‬ا‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬التي تأخذ الشعر من وجهها بنتف أو نحوه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وفي زمننا هذا يستعملونه لزالته طريقة أخرى وهي طبخ سكر وضم أجزاء إليه ووضعه على‬
‫الخد ونحوه فيقتلع معه الشعر‪.‬‬

‫والمتفلجة التي تصنع الفلج بأسنانها إذا كانت متلصقة‪ ،‬وذلك بأن تحك ما بينهما حتى يتسع ما‬
‫بين السنان‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬إن المراد دين ال عز وجل‪ ،‬قاله ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم‬
‫النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخرساني‪ ،‬في قوله تعالى‪:‬‬
‫} ولمرن‪B‬ه !م ف‪B‬لي‪B‬غي'‪B‬رن خل!ق الله { وهذا كقوله تعالى‪ } :‬فأق !م و !جهك للد'ين حني ‪2‬فا فط!رة الله التي‬
‫أمرا أي ل تبدلوا فطرة ال‬
‫فطر الناس عل !ي‪B‬ها ل ت‪! B‬بديل لخل!ق الله { على قول من جعل ذلك ‪2‬‬

‫ودعوا الناس على فطرتهم‪ ،‬كما ثبت في »الصحيحين« عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كل مولود ولد على الفطرة‪ ،‬فأبوه يهودانه‪ ،‬أو ينصرانه‪ ،‬أو يمجسانه‬
‫جمعا هل تجدون فيها من جدعاء«‪.‬‬
‫كما تولد البهيمة بهيمة‪2 ،‬‬

‫وفي »صحيح مسلم«‪ :‬عن عياض بن حمار‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت‬

‫لهم«‪.‬‬
‫وقال بعض المفسرين‪ :‬فليغيرن خلق ال عن نهجه وصوره أو صفة ويندرج فيه ما فعل من فقء‬
‫عين فحل البل إذا طال مكثه حتى بلغ نتاج نتاجه‪ ،‬ويقال له‪ :‬الحامي ويندرج فيه خصاء العبيد‬
‫والوشم والوشر واللواطة والسحاق ونحو ذلك‪ ،‬وعبادة الشمس والقمر والنار والجحارة مثل‪،2‬‬
‫وتغيير فطرة ال التي هي السلم واستعمال الجوارح والقوي فيما ل يعود على المغير كما ل‬
‫يوجب لها من ال سبحانه زلفى‪.‬‬
‫وقال ابن زيد هو التخنث وهو أن يتشبه الرجل بالنساء في حركاتهن وكلمهن ولباسهن ونحو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومما أرى أنه يندرج في ذلك تغيير الشيب بالسواد‪ ،‬والوجه بحلق اللحية‪ ،‬وكي الوجه‪،‬‬
‫وحلق رأس المرأة أو قصه‪ ،‬ومن ذلك حلق البيض ووضع رأس صناعي أسود أو أحمر بدله أو‬
‫نحو ذلك‪ ،‬ومن ذلك نفي النساب واستلحاقها‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ومن ي‪B‬تخذ الش !يطان ولي‪2‬ا 'من دون الله ف‪B‬ق !د خسر خ !سران‪2‬ا •مبين‪2‬ا { المعنى أن من اتخذ‬

‫الشيطان ولي‪2‬ا فيتبعه ويطيعه ويترك حظه من ال لحظ الشيطان فقد خسر الدنيا والخرة‪ ،‬وتلك‬

‫خسارة ل جبر لها ول استدراك وأي خسارة أعظم وأبين ممن خسر دينه ودنياه وأوبقته معاصيه‬

‫وخطاياه فحصل له الشقاء البدي‪ ،‬وفاته النعيم السرمدي‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬من دون الله { قيد لزم؛ لنه ل يمكن أن يتخذ الشيطان ولي‪2‬ا إل إذا لم يتخذ ال ولي‪2‬ا‪،‬‬
‫ول يمكن أن يتخذ الشيطان ويتخذ ال ولي‪2‬ا؛ لنهما طريقان متباينان ل يجتمعان هدى وضلل‪،‬‬

‫وهذه الجملة الشرطية محذرة من إتباع الشيطان‪.‬‬
‫أورد المفسرون على هذه الية أسئلة وأجابوا عنها‪:‬‬
‫وضا { ‪.‬‬
‫الول‪ :‬قال إبليس لعنه ال } لتخذن م !ن عبادك نصيب‪2‬ا م !فر ‪2‬‬

‫والنصيب المفروض هو الشيء المقدر القليل‪ ،‬وقال موضع آخر‪ :‬لحتنكن ذريته إل قليل‪ ،2‬وقال‪:‬‬

‫لغوينهم أجمعين إل عبادك منهم المخلصين‪ ،‬وهذا استثناء القليل من الكثير فكيف وجه‬

‫الجمع‪ ،‬فالجواب أن الكفار الذين هم حزب الشيطان وإن كانوا أكثر من المسلمين في العدد؛‬
‫لكنهم أقل من المؤمنين في الفضل والشرف والسؤود والغلبة في الدنيا وعلو الدرجة في الخرة‬
‫وأنشدوا في هذا المعنى‪:‬‬
‫وهم القل إذا تعد عشيرة ‪ ...‬والكثرون إذا يعد السؤدد‬
‫وقيل‪ :‬إن إبليس لما لم ينل من آدم ما أراد‪ ،‬ورأى الجنة والنار وعلم أن لهذه أهل‪ 2‬ولهذه أهل‪،2‬‬
‫وضا { يعني الذين هم أهل النار‪.‬‬
‫قال‪ } :‬لتخذن م !ن عبادك نصيب‪2‬ا م !فر ‪2‬‬
‫السؤال الثاني‪ :‬من أين لبليس العلم بالعواقب حتى يقول لضلنهم ولمنينهم ولغوينهم‬

‫لحتنكن ذ 'ري‪B‬ته إل قليل‪ ، { 2‬فالجواب من‬
‫ولمرنهم‪ ،‬وقال‪ :‬ول تجد أكثرهم شاكرين‪ ،‬وقال‪! } :‬‬

‫ثلثة أوجه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن إبليس ظن أن تقع منهم هذه المور التي يريدها منهم فحصل له ما ظنه‪ ،‬ويدل لذلك‬
‫قوله تعالى‪ } :‬ولق !د صدق عل !يه !م إب!ليس ظنه فات‪B‬ب‪B‬عوه إل فري ‪2‬قا 'من الم !ؤمنين { ‪.‬‬

‫الوجه الثاني‪ :‬المعنى لجتهدن ولحرصن في ذلك‪ ،‬وليس عنده شيء من علم الغيب‪ ،‬ل هو ول‬

‫الرض الغ !يب إل الله { ‪.‬‬
‫غيره‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬ل ي‪! B‬علم من في السموات و !‬

‫الوجه الثالث‪ :‬أنه من الجائز أن يكون قد علم ذلك من الملئكة‪ ،‬بخبر من ال تعالى‪ ،‬أن أكثر‬

‫الخلئق ل يؤمنون‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬يعده !م ويمن'يه !م { المعنى أن الشيطان –لعنه ال‪ -‬يعد حزبه المواعيد الباطلة‪ ،‬والزخارف‬
‫الكاذبة‪ ،‬وأنه ل ثواب ول عقاب‪ ،‬ومن مواعيده لوليائه الفقر إذا هم أنفقوا شيئ‪2‬ا من أموالهم في‬
‫سبيل ال ويوسوس لهم أن أموالهم تنفد أو تقل ويصبحوا فقراء أذلء‪ ،‬كما أخبر تعالى بقوله‪:‬‬

‫} الش !يطان يعدكم الف !قر { الية‪ ،‬ويعدهم الغنى والثروة حين الغراء بالرباء والقمار‪ ،‬ويعد من‬
‫يغريه بالتعصب لرأيه وإيذاء مخالفيه فيه من أهل دينه للجاه والشهرة وبعد الصيت‪.‬‬

‫ومن مواعيده وأمانيه ما يوقع في قلب النسان من طول العمر والعافية‪ ،‬ونيل ما يريد من الدنيا‬
‫ومن نعيمها ولذاتها من الجاه والمال‪ ،‬وقضاء شهوات النفس‪ ،‬وكل ذلك غرور‪ ،‬فيجب على‬
‫العاقل اللبيب أن ل يلتفت إلى شيء منها فربما لم يطل عمره ولم يحصل له ما أراد منها‪ ،‬ولئن‬

‫طال عمره وحصل له مقصوده‪ ،‬فالموت ينغص عليه ما هو فيه‪ ،‬ويدخل في وعد الشيطان وتمنيته‬
‫ما يكون من أوليائه من النس‪ ،‬وهم قرناء السوء الذين يزينون للناس الضلل والمعاصي‪،‬‬
‫ويمدونهم في الطغيان‪ ،‬وينشرون مذاهبهم الفاسدة وآراءهم الضالة التي يبتغون بها الرفعة والجاه‬
‫والمال‪ ،‬ويخوف أوليائه عند مرضاة ال بكل ما يمكن مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن‬
‫فعل الخير‪ ،‬ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل‪.‬‬
‫ورا { ‪ ،‬الغرور لغة‪ :‬الخداع‪ ،‬والباطل‪ ،‬وإظهار النفع فيما فيه‬
‫وقوله‪ } :‬وما يعدهم الش !يطان إل غر ‪2‬‬
‫ظاهرا تحبه وله باطن مكروه‪ ،‬وهذا إخبار عن الواقع‪،‬‬
‫الضرر‪ ،‬قال ابن عرفة‪ :‬الغرور ما رأيت له ‪2‬‬

‫فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والخرة‪ ،‬كما غر صاحب الجنتين‬
‫ووسوس له‪ ،‬فاغتر لما رأى فيها من الزرع والثمار والشجار والنهار‪ ،‬وتوهم أنها ل تفنى ول تفرغ‬

‫ول تهلك‪ ،‬وقال‪ } :‬ما أظ •ن أن تبيد هذه أب ‪2‬دا * وما أظ •ن الساعة قائمة‪ 2‬ولئن •رد •‬
‫دت إلى رب'ي‬
‫لجدن خ !ي‪2 B‬را م !ن‪B‬ها منقلب‪2‬ا { وأخبر تعالى عن عمله مع آدم وحواء‪ ،‬فقال‪ } :‬وقال ما ن‪B‬هاكما رب•كما‬
‫ع !ن هذه الشجرة إل أن تكونا ملك !ين !أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إن'ي لكما لمن الناصحين‬
‫* فدلهما بغرور { ‪.‬‬

‫وفي »سورة الحشر« ذكر مثل الشيطان‪ ،‬وأنه يسول للنسان الكفر‪ ،‬وإذا دخل فيه تبرأ منه‪،‬‬
‫وقال‪ } :‬إن'ي أخاف الله رب العالمين { ‪.‬‬
‫ولما أجمعت قريش المسير إلى بدر ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب تبدي لهم إبليس –لعنه‬
‫ال‪ -‬في صورة سراقة بن مالك المدلجي‪ ،‬وكان من أشراف كنانة فغرهم وخدعهم‪ } ،‬وقال ل‬
‫غالب لكم الي‪! B‬وم من الناس وإن'ي ج ‪d‬‬
‫ار لك !م ف‪B‬لما ت‪B‬راءت الفئتان نكص على عقب‪! B‬يه وقال إن'ي بريء‪d‬‬

‫'منك !م إن'ي أرى ما ل ت‪B‬ر!ون { ‪.‬‬

‫ويوم القيامة إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يقوم إبليس رئيس الشياطين خطيب‪2‬ا‬
‫في محفل الشقياء من الثقلين؛ ليزيدهم حزن‪2‬ا إلى حزنهم وغبن‪2‬ا إلى غبتهم وحسرة إلى حسرتهم‪،‬‬
‫فيقول‪ } :‬إن الله وعدك !م و !عد الح 'ق ووعدت•ك !م فأ !خل !فتك !م { الية‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬وما يعدهم‬

‫ورا { ‪ ،‬فهذا ديدنه الخداع والمكر والغرور والكذب‪ ،‬وقد حذرنا ال تعالى عنه‬
‫الش !يطان إل غر ‪2‬‬
‫وأخبرنا أنه غرور‪ ،‬فقال‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الناس إن و !عد الله ح ‚ق فل ت‪B‬غرنكم الحياة ال •دن!‪B‬يا ول ي‪B‬غرنكم‬

‫أصحاب‬
‫بالله الغرور * إن الش !يطان لك !م عد ‚و فاتخذوه عد ‪2‬وا إنما ي !دعو ح !زبه ليكونوا م !ن !‬
‫السعير { ‪.‬‬

‫يصا { ‪ ،‬الشارة إلى أولياء الشيطان‪،‬‬
‫وقوله‪! } :‬أولئك مأ!واه !م جهنم ول يجدون ع !ن‪B‬ها مح ‪2‬‬

‫والمأوى‪ :‬المرجع والمستقر‪ ،‬والمحيص‪ :‬المفر والمعدل والمهرب والمخلص والمنجا‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أنه سبحانه بعد ما بين حال أولياء الشيطان‪ ،‬وما يعدهم به الشيطان ذكر عاقبتهم أي‬
‫أولئك الذين يبعث بهم الشيطان بوسوسته أو بإغواء دعاة الباطل من أوليائه‪ ،‬مرجعهم ومستقرهم‬
‫جهنم ل يجدون عنها مهرب‪2‬ا ول محي ‪2‬دا‪ ،‬إذ هم ينجذبون إليها ويتهافتون عليها تهافت الفراش على‬

‫النار‪.‬‬

‫مما يفهم من الية ‪:113‬‬
‫‪ -1‬ذم الكثير من النجوى‪.‬‬
‫‪ -2‬مدح النجوى إذا كانت لفعل خير‪.‬‬
‫‪ -3‬مدح النجوى للحث على الصدقة‪.‬‬
‫‪ -4‬مدحها إذا كانت للمر بالمعروف‪.‬‬
‫‪ -5‬مدحها إذا كانت للصلح بين الناس‪.‬‬
‫‪ -6‬الحث على الصدقة‪.‬‬
‫‪ -7‬الحث على الصلح‪.‬‬
‫‪ -8‬الحث على المر بالمعروف‪.‬‬
‫‪ -9‬أن ال ل ينهى إل عن الذي يعود على الخلق بالضرر‪.‬‬
‫‪ -10‬إن ال ل يأمر إل بما فيه الصلح‪.‬‬
‫‪ -11‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -12‬الرد على من أنكرها‪.‬‬
‫‪ -13‬لطف ال بخلقه حيث حثهم وبين لهم ما فيه صلحهم‪.‬‬
‫‪ -14‬ينبغي ترك فضول الكلم‪.‬‬
‫‪ -15‬النهي عما يورث العداوة والشقاق بين المسلمين‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على صيانة الوقت‪.‬‬
‫‪ -17‬الحث على حفظ المال إلى فيما فيه النفع‪ ،‬وهو ما ينشأ عنه الصلح الذي حث ال‬
‫عليه‪.‬‬
‫‪ -18‬الحث على إخلص العمل ل‪.‬‬
‫‪ -19‬إثبات صفة الرضى ل‪.‬‬
‫‪ -20‬إن من لم يقصد بإصلحه وجه ال ليس له أجر‪.‬‬
‫‪ -21‬إن من لم يقصد بصدقته وجه ال فليس له أجر‪.‬‬

‫‪ -22‬إن من لم يقصد بأمره بالمعروف وجه ال فليس له أجر‪.‬‬
‫‪ -23‬إن صلح النية وإخلص العمل ل يرفعان العمل‪.‬‬
‫‪ -24‬إن فصل العمال ليس بظواهرها‪ ،‬بل بما تقوم عليه من حقائق اليمان‪.‬‬
‫‪ -25‬إن ال أجرى العادة في الناس على محبة إظهار الخير والتحدث به في المل‪.‬‬
‫‪ -26‬إن الغالب أن الشر والثم هو الذي يذكر في السر والنجوى‪.‬‬
‫‪ -27‬النهي عن الرياء والسمعة‪.‬‬
‫‪ -28‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -29‬إن ال هو المعطي‪.‬‬
‫‪ -30‬دليل على جود ال وكرمه لعطائه الجر العظيم على العمل اليسير‪.‬‬
‫‪ -31‬الحث على الحسان إلى خلق ال‪.‬‬
‫‪ -32‬الرد على الجبرية‪.‬‬
‫‪ -33‬إثبات البعث والجزاء على العمال‪.‬‬
‫ما يفهم من الية الثانية‪ ،‬وهي قوله تعالى‪ } :‬ومن يشاقق الرسول م !ن ب‪! B‬عد ما ت‪B‬ب‪B‬ين له الهدى { ‪:‬‬

‫‪ -1‬تحريم مشاقة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -2‬النكار على المشاق ل ولرسوله‪.‬‬
‫‪ -33‬إن من فعل ذلك يتركه ال وما اختاره لنفسه‪.‬‬
‫‪ -4‬إن ال يلزمه جهنم‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -6‬إن جهنم بئس المرجع‪.‬‬
‫‪ -7‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -8‬الرد على من أنكر رسالته‪.‬‬
‫‪ -9‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬

‫‪ -10‬الرد على من أنكرها‪ ،‬أو قال‪ :‬إن القرآن كلم محمد‪.‬‬
‫‪ -11‬وجوب إتباع سبيل المؤمنين‪.‬‬
‫‪ -12‬التحذير من إتباع غير سبيلهم‪.‬‬
‫‪ -13‬إثبات جهنم وأنها بئس المصير‪.‬‬
‫‪ -14‬إثبات البعث والجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -15‬إن ال لم يهمل خلقه ولم يتركهم سدى‪.‬‬

‫‪ -16‬إن إجماع المؤمنين حجة‪.‬‬
‫‪ -17‬الحث على لزوم جماعة المسلمين‪.‬‬
‫‪ -18‬إثبات الفعال الختيارية ل جل وعل‪.‬‬
‫‪ -19‬أن الوعيد على من فعل ذلك بعد ما ظهر له الحق وتبين له‪ ،‬وقامت عليه الحجة‪.‬‬
‫‪ -20‬إثبات عدل ال وحكمته‪.‬‬
‫ما يفهم من اليات التي تلي آية ]‪:[120 ،119 ،118 ،117 ،116‬‬
‫‪ -1‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -2‬إثبات صفة المغفرة‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات أن الشرك ل يغفر لصاحبه‪.‬‬
‫‪ -4‬عظم ذنب الشرك وأنه أثقل الذنوب‪.‬‬
‫‪ -5‬إن ما عدا الشرك فهو تحت المشيئة‪.‬‬
‫‪ -6‬إن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة وأغلق دونه أبواب الرحمة‪.‬‬
‫‪ -7‬إن الشرك ل تفيد معه الطاعات ول المصائب‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات مشيئة ال‪.‬‬
‫تابعا لما تكون عليه النفس في الدنيا من سلمة العقيدة‪ ،‬ومقدار‬
‫‪ -9‬إن الجزاء في الخرة يكون ‪2‬‬
‫درجة الفضيلة التي يلزمها فعل الخيرات بإذن ال‪ ،‬أو فساد الفطرة وخطأ العقيدة‪ ،‬والتدنس‬

‫بالرذيلة التي يلزمها فعل السيئات‪.‬‬
‫‪ -10‬إن الناس متفاوتون فيما بين ذلك في الدرجات والدركات‪ ،‬فأخس الدركات الشرك‪ ،‬وأعل‬
‫الدرجات التوحيد‪ ،‬ولكل منهم صفات تناسبه‪.‬‬
‫‪ -11‬إن المشركين ما يدعون من دون ال إل إناث‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -12‬أن طاعة النسان لبليس عبادة له‪.‬‬
‫‪ -13‬إن إبليس –لعنه ال‪ -‬متمرد عاتي‪ ،‬خارج عن طاعة ال‪.‬‬
‫‪ -14‬دليل على سخافة عقول عابدي الناث والشياطين‪.‬‬
‫‪ -15‬إن إبليس مطرود عن رحمة أرحم الراحمين‪.‬‬
‫‪ -16‬إثبات صفة اللعن‪.‬‬
‫‪ -17‬دليل على خسة إبليس ونذالته حيث يتجاسر في هذا الكلم مع رب العالمين‪.‬‬
‫‪ -18‬دليل على أن إبليس جاد ومجتهد في السعي في إغواء بني آدم‪.‬‬
‫‪ - 19‬لطف ال ورحمته ورأفته بخلقه حيث وضح لهم ما أضمره إبليس لهم من الشر والعداوة‪.‬‬

‫‪ -20‬في الية ما يوجب الحذر والتحرز من مداخل إبليس لئل يوقع في الهلك‪.‬‬
‫‪ -21‬في الية ما يوجب على العبد محبة ال الذي دعاه إلى كل خير وحذره من كل شر‪ ،‬وقال‬
‫عز من قائل‪ } :‬أف‪B‬تتخذونه وذ 'ري‪B‬ته !أولياء من دوني وه !م لك !م عد ‚و ب !ئس للظالمين بدل‪. { 2‬‬
‫‪ -22‬أقسم إبليس –لعنه ال‪ -‬أن يستهوي فري ‪2‬قا معين‪2‬ا من عباد ال‪.‬‬

‫‪ -23‬إنه لم يقتصر على إضللهم فقط‪ ،‬بل يمنيهم الماني الباطلة‪ ،‬ويزين لهم الضلل‪.‬‬
‫‪ -24‬إن إبليس ل يألو جه ‪2‬دا في المر بتقطيع آذان النعام‪.‬‬
‫‪ -25‬إن إبليس ساع في أمر بني آدم بتغيير خلق ال‪.‬‬

‫‪ -26‬أنه ل أحد أخسر ممن اتخذ الشيطان ولي‪2‬ا من دون ال‪.‬‬
‫‪ -27‬إن ولية الرحمن ل تجتمع وولية إبليس‪.‬‬
‫‪ -28‬إثبات صفة الخلق ل‪.‬‬
‫‪ -29‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -30‬إن تغيير خلق ال طاعة للشيطان‪ ،‬فلذلك يحرم‪.‬‬
‫‪ -31‬إن إبليس يعد أولياءه المواعيد الباطلة من مواعيد الفقر لمن يريد النفاق في سبيل ال‪،‬‬
‫والموت لمن يريد الجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫‪ -32‬إن مواعيد إبليس مثل السراب‪ ،‬يعدهم الباطل ويمنيهم بالوعد الكاذب‪.‬‬
‫‪ -33‬إن مرجع الكفار جهنم‪.‬‬
‫‪ -34‬إنهم ليس لهم مفر ول مهرب عنها‪.‬‬
‫وصل ال على سيدنا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الوضوء والتيمم‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا إذا ق !مت !م إلى الصلة فا !غسلوا وجوهك !م وأي!ديك !م إلى المرافق‬

‫و !امسحوا برءوسك !م و !أرجلك !م إلى الك !عب‪! B‬ين وإن كنت !م جنب‪2‬ا فاطهروا وإن كنتم م !رضى !أو على سفر‬

‫اء ف‪B‬ت‪B‬يمموا صعي ‪2‬دا طي'ب‪2‬ا ف !امسحوا‬
‫!أو جاء أح ‪d‬د 'منكم 'من الغائط !أو لم !ستم الن'ساء ف‪B‬ل !م تجدوا م ‪2‬‬
‫بوجوهك !م وأي!ديكم 'م !نه ما يريد الله لي !جعل عل !يكم 'م !ن حرج ولكن يريد ليط 'هرك !م وليتم ن !عمته‬

‫عل !يك !م لعلك !م ت !شكرون { ‪.‬‬

‫تقدم المر بالوفاء بالعهود‪ ،‬ومن جملتها إقامة الصلة‪ ،‬ومن شرائطها الطهارة‪ ،‬تنقسم قسمين‪:‬‬
‫طهارة معنوية‪ :‬وهي الطهارة من الشرك والمعاصي‪ ،‬وطهارة حسية‪ :‬وهي المشار إليها هنا‪ ،‬هي‬
‫تنقسم إلى قسمين‪ :‬طهارة كبرى‪ ،‬وهي ما تكون عن الحدث الكبر‪ ،‬وهو ما أو جب غسل‪2‬‬
‫كخروج المني دف ‪2‬قا بلذة من غير نائم‪ ،‬ومن موجباته التقاء الختانين‪ ،‬ومن موجباته إسلم الكافر‪،‬‬
‫ومن موجباته خروج دم الحيض‪ ،‬ومن موجباته خروج دم النفاس‪ ،‬و من موجباته موت غير شهيد‬

‫معركة‪.‬‬
‫وضوءا كالخارج من‬
‫وأما الطهارة الصغرى‪ :‬فهي ما تكون عن الحدث الصغر‪ ،‬وهو ما أوجب‬
‫‪2‬‬
‫السبيلين‪ ،‬وأكل لحم الجزور‪ ،‬والردة عن السلم‪ ،‬ومس المرأة بشهوة‪ ،‬أو تمسه بها‪ ،‬ومس‬

‫الفرج باليد من دون حائل‪ ،‬وزوال العقل‪.‬‬

‫قوله تعالى‪ } :‬إذا ق !مت !م { ‪ ،‬قيل‪ :‬المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلة‪ ،‬كقوله‪ } :‬فإذا ق‪B‬رأ!ت الق !رآن‬

‫استع !ذ بالله { ]النحل‪ ،[98 :‬قيل‪ :‬وهذا كما تقول‪ :‬إذا آخيت فأخ أهل الدين والحسب‪ ،‬وإذا‬
‫ف !‬
‫مقدما‬
‫تزوجت فتزوج بذات الدين‪ ،‬وإذا أتجرت فاتجر بالبز‪ ،‬قالوا‪ :‬ويجوز أن يكون الكلم ‪2‬‬

‫ومؤخرا‪ ،‬تقديره‪ :‬إذا غسلتم وجوهكم واستوفيتم الطهور فقوموا إلى الصلة‪ ،‬والقول الول هو‬
‫‪2‬‬

‫المختار في معنى الية‪ ،‬وجمهور المسلمين على أن الطهارة ل تجب على من قام إلى الصلة إل‬

‫إذا كان محدث‪2‬ا‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬إذا قمتم إلى الصلة محدثين فاغسلوا وجوهكم‪ ...‬إلخ‪ ،‬وهذا الحكم مستفاد من السنة‬
‫العملية في الصدر الول‪ ،‬فقد روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة قال‪» :‬وكان‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يتوضأ عند كل صلة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على‬
‫خفيه‪ ،‬وصلى الصلوات بوضوء واحد‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنك فعلت شيئ‪2‬ا لم تكن‬

‫تفعله‪ ،‬فقال‪» :‬عم ‪2‬دا فعلته يا عمر««‪.‬‬

‫وروى البخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر النصاري‪ :‬سمعت أنس بن مالك يقول‪ :‬كان‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يتوضأ عند كل صلة‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬فأنتم كيف تصنعون؟ قال‪ :‬كنا‬
‫نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث‪.‬‬
‫وروى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة‪» :‬ل يقبل ال صلة أحدك إذا أحدث حتى يتوضأ«‪.‬‬
‫وفروض الوضوء المذكورة في هذه الية أربعة‪ :‬الول‪ :‬غسل الوجه‪ ،‬وهو قوله تعالى‪ } :‬فا !غسلوا‬

‫وجوهك !م { فهذا أمر منه سبحانه وتعالى بغسل الوجه‪ ،‬ومن الوجه المضمضة والستنشاق‪،‬‬

‫والغسل‪ :‬إمرار الماء على المحل حتى يسيل‪ ،‬والمسح‪ :‬أن يبل المحل بالماء من غير أن يسيل‪،‬‬

‫وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد غالب‪2‬ا إلى النازل من اللحيين والذقن طول‪ ،2‬ومن الذن‬

‫عرض ا‪ ،‬ويجب غسل اللحية وما خرج عن حد الوجه منها من الشعر المسترسل؛ أن‬
‫إلى الذن ‪2‬‬

‫اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه و المواجهة‪ ،‬و يسن تخليل الساتر للبشرة منها؛ لما ورد عن‬
‫عمرو بن عبسة‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬حدثني عن الوضوء‪ ،‬قال‪» :‬ما منكم من رجل يقرب‬
‫وضوءه فيتمضمض‪ ،‬ويستنشق إل خرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء‪ ،‬ثم إذا غسل وجهه كما‬
‫أمر ال إل خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء‪ ،‬ثم يغسل يديه إلى المرفقين إل خرت‬
‫خطايا يديه من أنامله مع الماء‪ ،‬ثم يمسح رأسه إل خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء‪،‬‬
‫ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إل خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء« أخرجه مسلم‪.‬‬
‫عن عثمان ‪ -‬رضي ال عنه ‪» :-‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان يخلل لحيته« رواه ابن‬

‫ماجه‪ ،‬والترمذي وصححه‪.‬‬
‫وعن أنس‪» :‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان إذا توضأ أخذ ك ‪2‬فا من ماء فأدخله تحت‬

‫حنكه فخلل به لحيته‪ ،‬وقال‪» :‬هكذا أمرني ربي عز وجل«« رواه أبو داود‪.‬‬

‫ويجب غسل ما في الوجه من شعر إن كان خفي ‪2‬فا والبشرة التي تحته؛ لنه خفيف ترى من تحته‪،‬‬

‫وإن كان كثي ‪2‬فا فيجب غسل ظاهره‪ ،‬ويسن تخليله؛ لن كل‪ 2‬من ظاهر الكثيف‪ ،‬وما تحت الخفيف‬
‫تحصل به المواجهة‪ ،‬فوجب غسله‪ ،‬وفي الحدث الكبر يجب إيصال الماء إلى الجلد بتبليغ‪.‬‬
‫واستدل الشافعي ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الية‪ ،‬وحجته أن‬
‫الوضوء مأمور به‪ ،‬وكل مأمور به يجب أن يكون منوي‪2‬ا‪.‬‬
‫ولما روي في »الصحيحين« من حديث عمر بن الخطاب أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال‪» :‬إنما العمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى«‪.‬‬
‫والوضوء من العمال فيجب أن يكون منوي‪2‬ا‪ ،‬وإنما قالوا‪ :‬إن الوضوء مأمور به‪ ،‬وإنه من أعمال‬

‫الدين؛ لقوله تعالى‪ } :‬وما أمروا إل لي‪! B‬عبدوا الله م !خلصين له الد'ين { والخلص‪ :‬عبارة عن النية‬
‫الخالصة‪ ،‬ومتى كانت النية خالصة معتبرة كان أصل النية في جميع العمال التي يتقرب بها إلى‬

‫معتبرا‪ ،‬ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم ال على وضوئه؛ لما ورد عن أبي هريرة‬
‫ال تعالى ‪2‬‬
‫عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل صلة لمن ل وضوء له‪ ،‬ول وضوء لمن لم يذكر‬

‫اسم ال عليه« رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‪ ،‬ويسمى خارج محل الحاجة ثم يدخل ويتوضأ‬
‫ومثله في الغسل‪.‬‬
‫ولحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله‪.‬‬
‫ويستحب أن يغسل يديه قبل إدخالهما في الناء‪ ،‬ويتأكد عند القيام من الليل؛ لما ورد عن أبي‬
‫هريرة أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا استيقظ أحدكم من منامه فل يدخل يده‬

‫في الناء حتى يغسلها ثلث مرات‪ ،‬فإنه ل يدري أين باتت يده« رواه الجماعة إل أن البخاري لم‬
‫يذكر العدد‪.‬‬
‫وفي لفظ الترمذي وابن ماجه‪» :‬إذا استيقظ أحدكم من الليل«‪.‬‬
‫وعن ابن عمر أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا استيقظ أحدكم من منامه فل يدخل‬
‫يده في الناء حتى يغسلها ثلث مرات‪ ،‬فإنه ل يدي أين باتت يده؟ أو أين طافت يده؟« رواه‬
‫الدارقطني‪ ،‬وقال‪ :‬إسناده حسن‪.‬‬
‫وعن أوس بن أوس الثقفي قال‪» :‬رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬توضأ فاستوكف‬
‫ثلث‪2‬ا‪ ،‬أي غسل كفيه« رواه أحمد والنسائي‪.‬‬

‫وعن عثمان بن عفان ‪ -‬رضي ال عنه ‪» -‬أنه دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلث مرات‪ ،‬فغسلهما‪،‬‬

‫ثم أدخل يمينه في الناء‪ ،‬فمضمض واستنثر‪ ،‬ثم غسل وجهه ثلث‪2‬ا ويديه إلى المرفقين ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم‬

‫مسح برأسه‪ ،‬ثم غسل رجليه ثلث مرات إلى الكعبين‪ ،‬ثم قال‪ :‬رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬

‫وسلم ‪ -‬توضأ نحو وضوئي هذا‪ ،‬ثم قال‪» :‬من توضأ نحو وضوئي هذا‪ ،‬ثم صلى ركعتين ل‬
‫يحدث فيهما نفسه‪ ،‬غفر ال له ما تقدم من ذنبه«« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنه دعا بوضوء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى‪ ،‬ففعل هذا‬
‫ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم قال‪ :‬هذا طهور نبي ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬رواه أحمد والنسائي‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا توضأ أحدكم‬

‫فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر« متفق عليه‪.‬‬
‫و عن العباس بن يزيد‪ ،‬عن سفيان بن عيينة‪ ،‬عن عبدال بن محمد ابن عقيل‪ ،‬عن الربيع بنت‬
‫معوذ بن عفراء‪ ،‬قال‪» :‬أتيتيها فأخرجت إلي إناء‪ ،‬فقالت‪ :‬في هذا كنت أخرج الوضوء لرسول ال‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلث‪2‬ا‪،‬‬‫ومدبرا‪ ،‬ثم يغسل رجليه«‪.‬‬
‫ثم يمضمض ويستنشق ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم يغسل يديه‪ ،‬ثم يمسح برأسه مقبل‪2 2‬‬

‫وقوله‪ } :‬وأي!ديك !م إلى المرافق { أي اغسلوا أيديكم إلى المرافق‪ ،‬والمرفق من النسان‪ :‬أعلى‬

‫الذراع‪ ،‬وأسفل العضد‪ ،‬موصل الذراع في العضد‪ ،‬ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به‪ ،‬أي يتكأ‬

‫عليه من اليد‪.‬‬
‫ذهب جمهور العلماء على وجوب إدخال المرفقين في الغسل‪ ،‬واستدلوا لذلك أن كلمة إلى هنا‬
‫بمعنى مع‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪ } :‬ول تأ!كلوا !أمواله !م إلى !أموالك !م { أي مع أموالكم‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫} ويزد!ك !م ق‪B‬وة‪ 2‬إلى ق‪B‬وتك !م { أي مع قوتكم‪ ،‬ونحوه قول امرئ القيس‪:‬‬

‫لها كفل كالدعص بلله الندى ‪ ...‬إلى حارك مثل الرتاج المضبب‬
‫س نة ما صح من حديث أبي هريرة‪» :‬أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء‪ ،‬ثم‬
‫ويعضده من ال •‬

‫غسل يديه اليمنى حتى شرع في العضد‪ ،‬ثم قال‪ :‬هكذا رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬

‫ كان يتوضأ«‪.‬‬‫وعن جابر بن عبدال قال‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذا توضأ أدار الماء على‬
‫مرفقيه‪ ،‬ولكن القاسم هذا متروك‪ ،‬وجده ضعيف‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنه ل يجب إدخال المرفقين وحجة أصحاب هذا القول أن كلمة إلى لنتهاء الغاية ومما‬
‫صيام إلى الل !يل { ولن الحد ل‬
‫خارجا عنه‪ ،‬كما في قوله‪ } :‬ثم أت •موا ال '‬
‫يجعل غاية للحكم يكون ‪2‬‬
‫يدخل في المحدود‪ ،‬فوجب أن ل يجب غسل المرفقين في الوضوء‪ ،‬والقول الول هو الذي‬

‫تطمئن إليه النفس يؤيد إجماع المة على أن من غسل المرفقين صح وضوءه‪ ،‬واختلفوا في من لم‬
‫يغسلهما هل يصح وضوءه أم ل؟‬
‫والجواب عن الحجة المتقدمة‪ :‬أن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه‪ ،‬كما في هذه‬
‫الية؛ لن المرفق من جنس اليد‪ ،‬وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه‪ ،‬كما في قوله‬
‫صيام إلى الل !يل { ؛ لن النهار من غير جنس الليل‪ ،‬فل يدخل فيه الفرض‪.‬‬
‫تعالى‪ } :‬ثم أت •موا ال '‬

‫والولى أن يبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى‪ ،‬وبالمضمضة والستنشاق قبل الوجه؛ لما ورد عن‬
‫عائشة قالت‪» :‬كان النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يعجبه التيامن في تنعله‪ ،‬وترجله‪ ،‬وطهوره‪،‬‬

‫وفي شأنه كله« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة »إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء‪ ،‬ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في‬
‫العضد‪ ،‬ثم غسل يده اليسرى«‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬و !امسحوا برءوسك !م { الباء لللصاق‪ ،‬أي إلصاق الفعل بالمفعول‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬ألصقوا‬
‫المسح برءوسكم‪ ،‬أي المسح بالماء‪ ،‬فيجب مسح جميع الرأس‪ ،‬بدليل قوله في التيمم‪:‬‬

‫} ف !امسحوا بوجوهك !م { ‪ ،‬ول يجزي مسح بعض الوجه اتفاق‪2‬ا‪ ،‬فكذا هنا إذ ل فرق؛ ولما ثبت في‬
‫»الصحيحين« عن عمرو بن يحيى المازني‪ ،‬عن أبيه‪» :‬أن رجل‪ 2‬قال لعبدال بن زيد بن عاصم‪،‬‬

‫وهو جد عمرو بن يحيى‪ ،‬وكان من أصحاب رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬هل تستطيع‬
‫أن تريني كيف كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يتوضأ؟ فقال عبدال بن زيد‪ :‬نعم‪ ،‬فدعا‬

‫بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين‪ ،‬ثم مضمض واستنشق ثلث‪2‬ا‪ ،‬وغسل وجهه ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم‬

‫غسل يديه مرتين إلى المرفقين‪ ،‬ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر‪ ،‬بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب‬

‫بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه‪ ،‬ثم غسل رجليه«‪.‬‬

‫ويجب مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما؛ لنهما من الرأس؛ لقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»الذنان من الرأس« رواه ابن ماجه‪ ،‬ولما روى عبدال بن زيد‪» :‬أنه رأى النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬يتوضأ فأخذ لذنيه ماء خلف الذي لرأسه« رواه البيهقي‪ ،‬وقال‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬و !أرجلك !م إلى الك !عب‪! B‬ين { الكعبان‪ :‬هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين‪،‬‬
‫أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين‪ ،‬يؤيده عمل النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وعمل الصحابة‬

‫وأكثر الئمة‪ ،‬فقد روى مسلم عن أبي هريرة »أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬رأى رجل‪ 2‬لم‬

‫يغسل عقبه‪ ،‬فقال‪» :‬ويل للعقاب من النار««‪.‬‬

‫وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال‪» :‬تخلف عنا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في‬
‫سفرة‪ ،‬فأدركنا وقد أرهقنا العصر‪ ،‬فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا‪ ،‬قال‪ :‬فنادى بأعلى صوته‪:‬‬
‫»ويل للعقاب من النار« مرتين«‪.‬‬
‫ولبد من الترتيب بين العضاء الربعة كما تفيده الية الكريمة‪ ،‬والعضاء المشار إليها هي‪:‬‬
‫الوجه‪ ،‬واليدين‪ ،‬ومسح الرأس‪ ،‬وغسل الرجلين‪.‬‬
‫ووجه الدللة من الية الكريمة‪:‬‬
‫أول‪ :2‬أنه جل وعل أدخل الممسوح بين مغسولين‪ ،‬وقطع النظير عن نظيره‪ ،‬والعرب ل تفعل ذلك‬
‫إل لفائدة‪ ،‬وهي الترتيب‪.‬‬

‫ثاني‪2‬ا‪ :‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ابدءوا بما بدأ ال به«‪.‬‬

‫ثالث‪2‬ا‪ :‬ما ورد عن عمرو بن عبسة‪ ،‬وتقدم عند قوله تعالى‪ } :‬فا !غسلوا وجوهك !م { ‪.‬‬

‫والسادس‪ :‬الموالة‪ ،‬وهي أن ل يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله‪ ،‬والدليل ما ورد عن‬

‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» -‬أنه رأى رجل‪ 2‬في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء‪ ،‬فأمره‬

‫بالعادة« رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫وعن عمر بن الخطاب‪» :‬أن رجل‪ 2‬توضأ فترك موضع ظفر على قدمه‪ ،‬فأبصره النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪» :‬ارجع فتوضأ ثم صل«« رواه أحمد ومسلم‪ ،‬ولم يذكر فتوضأ‪.‬‬

‫ويقوم المسح على الخفين عند لبسهما مقام غسل الرجلين‪ ،‬وقد روى ذلك خلئق ل يحصون‬
‫من الصحابة‪.‬‬
‫ومن الدلة على جواز المسح على الخفين ما ورد عن المغيرة بن شعبة قال‪» :‬كنت مع النبي ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ذات ليلة في مسير‪ ،‬فأفرغت من الداوة‪ ،‬فغسل وجهه وغسل ذراعيه‬
‫ومسح برأسه‪ ،‬ثم أهويت لنزع خفيه‪ ،‬فقال‪» :‬دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين« فمسح عليهما«‬
‫متفق عليه‪.‬‬

‫وحديث جرير‪» :‬أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه‪ ،‬فقيل له‪ :‬تفعل هكذا؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬رأيت‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بال ثم توضأ ومسح على خفيه« متفق عليه‪.‬‬
‫ومدة المسح للمقيم يوم وليلة‪ ،‬وللمسافر ثلثة أيام بلياليها؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب ‪-‬‬
‫ويوما‬
‫رضي ال عنه ‪ -‬قال‪» :‬جعل النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ثلثة أيام ولياليهن للمسافر‪2 ،‬‬

‫وليلة للمقيم –يعن ي المسح على الخفين« أخرجه مسلم‪.‬‬

‫سفرا أن ل ننزع‬
‫وعن صفوان بن عسال قال‪» :‬كان النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يأمرنا إذا كنا ‪2‬‬
‫خفافنا ثلثة أيام ولياليهن إل من جنابة‪ ،‬ولكن من غائط وبول ونوم« أخرجه النسائي والترمذي‬

‫واللفظ له‪ ،‬وابن خزيمة وصححاه‪.‬‬
‫وعن خزيمة بن ثابت‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه سئل عن المسح على الخفين‪،‬‬
‫فقال‪» :‬للمسافر ثلثة أيام ولياليهن‪ ،‬وللمقيم يوم وليلة« رواه أحمد وأبو داود والترمذي‬
‫وصححه‪.‬‬
‫ومقدار ما يمسح من الخلف أكثر ظاهره‪ ،‬أي القدم من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه؛ لما‬
‫روى البيهقي في »سننه«‪» :‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مسح على خفيه‪ ،‬وضع يده‬
‫اليمنى على خفه اليمن‪ ،‬ويده اليسرى على خفه اليسر‪ ،‬ثم مسح أعله مسحة واحدة«‪.‬‬
‫وعن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪» :‬لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخلف أولى بالمسح عن‬
‫أعله‪ ،‬ولقد رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يمسح على ظاهر خفيه« رواه أبو داود‬
‫والدارقطني‪.‬‬
‫وابتداء مدة المسح من المسح؛ لن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬جعل اليوم والليلة للمقيم‪،‬‬
‫مسحا‪ ،‬ول يمكن ذلك إل أن يجعل البتداء من وقت المسح‪.‬‬
‫والثلثة للمسافر كلها ‪2‬‬

‫وقيل‪ :‬البتداء من حدث بعد لبس على طاهر؛ لن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪:‬‬

‫يوما وليلة«‪.‬‬
‫»يمسح المسافر ثلثة أيام ولياليهن‪ ،‬والمقيم ‪2‬‬

‫وقوله‪» :‬يمسح المسافر« يعني يستبيح المسح‪ ،‬وإنما يستبيحه من حين الحدث‪ ،‬ولنه عبادة‬

‫مؤقتة فاعتبر أول وقتها من جواز فعلها كالصلة‪ ،‬وإذا لبس خ ‪2‬فا على خف وإن كان قبل الحدث‬

‫فالحكم للفوقاني‪ ،‬وإن كان بعد الحدث فالحكم للتحتاني‪ ،‬وإن لبس خ ‪2‬فا فلم يحدث حتى لبس‬
‫آخر مسح على أيهما شاء‪ ،‬فإن شاء مسح الفوقاني‪ ،‬وإن شاء مسح التحتاني‪ ،‬وإن أحدث ثم‬
‫لبس الفوقاني قبل مسح التحتاني أو بعده لم يمسح الفوقاني‪ ،‬بل الذي تحته‪.‬‬

‫وإذا مسح في سفر ثم أقام‪ ،‬أو أقام ثم سافر‪ ،‬أو شك في ابتدائه فيمسح مسح مقيم؛ لن اليقين‬
‫وما زاد لم يتحقق شرطه‪ ،‬والصل عدمه‪ ،‬وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر‪ ،‬ويصح‬
‫المسح على الجبيرة والجرح في الحدثين إلى حلها؛ لما روى جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪:‬‬
‫»خرجنا مع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في سفر‪ ،‬فأصاب رجل‪ 2‬منا حجر فشجه في‬

‫رأسه‪ ،‬ثم احتلم‪ ،‬فسأل أصحابه‪ :‬هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا‪ :‬ما نجد لك رخصة‬
‫وأنت تقدر على الماء! فاغتسل فمات‪ ،‬فلما قدمنا على رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫أخبر بذلك‪ ،‬فقال‪» :‬قتلوه قتلهم ال‪ ،‬أل سألوا إذا لم يعلموا ف إنما شفاء العي السؤال‪ ،‬إنما‬
‫كان يكفيه أن يتيمم ويعضد‪ ،‬أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها‪ ،‬ويغسل سائر جسمه««‬

‫رواه أبو داود والدارقطني‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وإن كنت !م جنب‪2‬ا فاطهروا { ‪ ،‬الجنب‪ :‬لفظ يستعمل للمفرد والمثنى والجمع‪،‬‬

‫والمذكر والمؤنث‪ ،‬المعنى‪ :‬وإن كنتم أصابتكم جنابة قبل أن تقوموا إلى صلتكم فقمتم إليها‬
‫فتطهروا منها بغسل البدن كله قبل دخولكم في صلتكم التي قمتم إليها‪.‬‬

‫شرعا؛ لما ورد عن علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫وفي معنى الجماع‪ :‬خروج المني بالحتلم فهو جنابة ‪2‬‬

‫قال‪ :‬كنت رجل‪ 2‬مذاء‪ ،‬فسألت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪» :‬في المذي‬

‫الوضوء‪ ،‬وفي المني الغسل« رواه أحمد وابن ماجه‪ ،‬والترمذي وصححه‪ ،‬ولحمد‪ :‬فقال‪» :‬إذا‬

‫حذفت الماء فاغتسل‪ ،‬فإن لم تكن حاذف‪2‬ا فل تغتسل«‪.‬‬

‫وعن أم سلمة‪» :‬أن أم سليم قالت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن ال ل يستحي من الحق‪ ،‬فهل على المرأة‬

‫الغسل إذا احتلمت؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬إذا رأت الماء«‪ ،‬فقالت أم سلمة‪ :‬وتحتلم المرأة؟ فقال‪» :‬تربت‬
‫يداك فيما يشبهها ولدها«« متفق عليه‪.‬‬
‫ومن موجبات الغسل‪ :‬التقاء الختانين؛ لما ورد عن أبي هريرة عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال‪» :‬إذا جلس بين شعبيها الربع ثم جهدها‪ ،‬فقد وجب الغسل« متفق عليه‪ ،‬ولمسلم وأحمد‪:‬‬
‫»وإن لم ينزل«‪.‬‬
‫وعن عائشة‪ :‬أن رجل‪ 2‬سأل النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عن الرجل يجامع ثم يكسل –‬

‫وعائشة جالسة‪ -‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إني لفعل ذلك أنا وهذه ثم‬

‫نغتسل« رواه مسلم‪.‬‬
‫ويشترط للغسل شروط منها‪ :‬النية؛ لحديث‪» :‬إنما العمال بالنيات«‪ ،‬ثاني‪2‬ا‪ :‬السلم‪ ،‬ثالث‪2‬ا‪:‬‬
‫سادسا‪ :‬إزالة ما يمنع وصوله البشرة‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬الماء الطهور المباح‪،‬‬
‫رابعا‪ :‬التمييز‪،‬‬
‫العقل‪2 ،‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫سهوا وجهل‪.2‬‬
‫وواجبه التسمية‪ ،‬وتسقط ‪2‬‬

‫وفرضه‪ :‬تعميم البدن بالماء‪.‬‬
‫وضوءا كامل‪ ،2‬ويروي‬
‫وصفة الغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي ويغسل يديه ثلث‪2‬ا‪ ،‬وما لوثه ويتوضأ‬
‫‪2‬‬

‫رأسه ثلث‪2‬ا ثم يغسل بقية جسده‪ ،‬ويتيامن ويدلكه ويغسل قدميه مكان‪2‬ا آخر‪.‬‬

‫فهذا الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والسنن‪ ،‬وصفة الغسل المجزي‪ :‬أن ينوي ثم‬

‫يسمي‪ ،‬ويعم بدن بالغسل مرة‪.‬‬
‫عن عائشة ‪-‬رضي ال عنها‪ -‬قالت‪» :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذا اغتسل من‬
‫الجنابة غسل يديه ثلث‪2‬ا‪ ،‬وتوضأ وضوءه للصلة‪ ،‬ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى‬
‫بشرته أفاض عليه الماء ثلث مرات‪ ،‬ثم غسل سائر جسده« متفق عليه‪.‬‬

‫وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنها قالت‪» :‬وضعت لرسول ال‬
‫‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلث‪2‬ا‪ ،‬ثم غسل فرجه‪،‬‬

‫ثم ضرب يده بالرض أو الحائط مرتين أو ثلث‪2‬ا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه‪ ،‬ثم‬
‫أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده‪ ،‬ثم تنحى فغسل رجليه‪ ،‬فأتيته بخرقة فلم يردها‪ ،‬فجعل‬

‫ينفض الماء بيده« متفق عليه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وإن كنتم م !رضى { المرضى جمع مريض‪ ،‬والمراد الذي يضر مع استعمال الماء‪،‬‬

‫مثل الجدري والحصباء وحرق النار‪ ،‬وعن ابن مسعود قال‪ :‬المريض الذي قد أرخص له في التيمم‬
‫هو الكسير والجريح‪ ،‬فإذا أصابت الجنابة الكسير اغتسل‪ ،‬والجريح ل يحل جراحته إل جراحة‬

‫ل يخشى عليها‪.‬‬
‫وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى‪ } :‬وإن كنتم م !رضى { ‪ ،‬قال‪ :‬إذا كان به جروح أو قروح‬

‫يتيمم‪ ،‬وعن جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬خرجنا في سفر فأصاب رجل‪ 2‬منا حجر فشجه في‬

‫رأسه‪ ،‬ثم احتلم‪ ،‬فسأل أصحابه‪ :‬هل تجدون لي رخصة في التيمم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما نجد لك رخصة‬

‫وأنت تقدر على الماء‪ ،‬فاغتسل‪ ،‬فمات‪ ،‬فلما قدمنا على رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫أخبر بذلك‪ ،‬فقال‪» :‬قتلوه‪ ،‬قتلهم ال‪ ،‬أل سألوا إذا لم يعلموا‪ ،‬فإن شفاء العي السؤال‪ ،‬إنما كان‬
‫يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه‪ ،‬ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده« رواه أبو‬
‫داود والدارقطني‪.‬‬
‫وقوله‪! } :‬أو على سفر { يعني أو إن كنتم مسافرين وأنت أصحاء جنب فتيمموا صعي ‪2‬دا طيب‪2‬ا عند‬

‫شرعا قضاء‬
‫فقد الماء‪ ،‬أو جاء منكم من الغائط‪ ،‬الغائط‪ :‬المكان المنخفض من الرض‪ ،‬ويراد به ‪2‬‬
‫الحاجة من بول أو غائط‪ ،‬أي إذا أحدثتم الحدث الموجب للوضوء عند إرادة الصلة ونحوها‬

‫كالطواف‪ ،‬ويسمى الحدث الصغر‪ } ،‬ف‪B‬ت‪B‬يمموا صعي ‪2‬دا طي'ب‪2‬ا { عند عدم الماء‪! } ،‬أو لم !ستم‬

‫اء ف‪B‬ت‪B‬يمموا صعي ‪2‬دا طي'ب‪2‬ا ف !امسحوا بوجوهك !م‬
‫الن'ساء { أي أو جامعتم النساء‪ } ،‬ف‪B‬ل !م تجدوا م ‪2‬‬
‫وأي!ديك !م 'م !نه { ‪.‬‬
‫ومن أدلة التيمم عند عدم الماء ما ورد عن أبي ذر‪ ،‬قال‪ :‬اجتويت المدينة فأمر لي رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بابل‪ ،‬فكنت فيها‪ ،‬فأتيت النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقلت‪ :‬هلك‬
‫أبو ذر! فقال‪» :‬ما لك؟« قال‪ :‬كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء‪ ،‬فقال‪» :‬إن الصعيد طهور‬
‫لمن لم يجد الماء عشر سنين« رواه أحمد وأبو داود والثرم‪ ،‬وهذا لفظه‪.‬‬
‫وعن عمران بن حصين‪ ،‬قال‪ :‬كنا مع رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في سفر‪ ،‬فصلى‬
‫بالناس‪ ،‬فإذا هو برجل معتزل‪ ،‬فقال‪» :‬ما منعك أن تصلي؟« قال‪ :‬أصابتني جنابة ول ماء‪ ،‬قال‪:‬‬
‫»عليك بالصعيد‪ ،‬فإنه يكفيك« متفق عليه‪.‬‬
‫ويتيمم لخوف تلف باستعمال الماء أو زيادة وجع؛ لما ورد عن عمرو بن العاص‪» :‬أنه لما بعث‬
‫في غزوة ذات السلسل‪ ،‬قال‪ :‬احتلمت في ليلة باردة‪ ،‬شديدة البرد‪ ،‬فأشفقت إن اغتسلت أن‬
‫أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلة الصبح‪ ،‬فلما قدمنا على رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬ذكروا ذلك له‪ ،‬فقال‪» :‬يا عمرو‪ ،‬وصليت بأصحابك وأنت جنب؟« فقلت‪ :‬ذكرت قول‬
‫يما { فتيممت ثم صليت‪ ،‬فضحك رسول‬
‫ال تعالى‪ } :‬ول ت‪! B‬قت‪B‬لوا أن!‪B‬فسك !م إن الله كان بك !م رح ‪2‬‬
‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ولم يقل شيئ‪2‬ا« رواه أحمد وأبو داود والدارقطني‪.‬‬

‫وكذا المريض الذي ل يجد أح ‪2‬دا يأتيه الماء ول يقدر عليه‪ ،‬وليس له خادم ول عون يعينه‪ ،‬فإذا لم‬
‫يستطع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به‪ ،‬ول يحبوا إليه تيمم وصلى‪ ،‬فإذا حلت الصلة؛‬

‫استط !عت !م { ويستبيح بالتيمم كل ما‬
‫لنه اتقى ال ما استطاع‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬فات‪B‬قوا الله ما !‬

‫يستباح بالوضوء‪ ،‬والغسل عند عدم الماء‪ ،‬أو خوف الضرر باستعماله‪ ،‬أو بالعجز عن استعماله لما‬

‫تقدم‪.‬‬
‫وصفة التيمم أن ينوي‪ ،‬ثم يسمي ويضرب الصعيد بيديه‪ ،‬ثم يمسح بهما وجهه وكفيه؛ لما ورد عن‬
‫عمار بن ياسر‪ :‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬في التيمم ضربة للوجه واليدين« رواه‬
‫أحمد وأبو داود‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أمره بالتيمم للوجه والكفين‪ ،‬رواه‬
‫الترمذي وصححه‪ ،‬وتقدم أدلة النية والتسمية في الوضوء والتيمم بدل عنه‪.‬‬
‫ومن عدم الماء والتراب‪ ،‬أو لم يتمكن من استعمالهما صلى ولم يعد؛ لما روت عائشة ‪ -‬رضي‬
‫ال عنها ‪ -‬أنها استعارت من أسماء قلدة‪ ،‬فهلكت‪ ،‬فبعث رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫رجال‪ 2‬في طلبها‪ ،‬فوجدوها‪ ،‬فأدركتهم الصلة وليس معهم ماء‪ ،‬فصلوا بغير وضوء‪ ،‬فلما أتوا رسول‬

‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬شكوا ذلك إليه‪ ،‬فأنزل ال آية التيمم‪ ،‬رواه الجماعة إل الترمذي‪.‬‬
‫ولم ينكر النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ذلك‪ ،‬ول أمرهم بالعادة‪ ،‬يدل على أنها غير واجبة‪،‬‬
‫استط !عت !م { ‪،‬‬
‫ولن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلة بعدمه كالسترة؛ ولقوله تعالى‪ } :‬فات‪B‬قوا الله ما !‬
‫ومن صلى التيمم أول الوقت ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلة والوقت باق‪ ،‬فل إعادة عليه‬

‫وصلته صحيحة؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬خرج رجلن في سفر‪ ،‬فحضرت الصلة‬
‫وليس معهما ماء فتيمما صعي ‪2‬دا طيب‪2‬ا‪ ،‬ثم وجدا الماء في الوقت‪ ،‬فأعاد أحدهما الوضوء والصلة‪،‬‬
‫ولم يعد الخر‪ ،‬ثم أتيا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فذكرا ذلك له‪ ،‬فقال للذي لم يعد‪:‬‬

‫سنة وأجزأتك صلتك«‪ ،‬وقال للذي توضأ وأعاد‪» :‬لك الجر مرتين« رواه أبو داود‬
‫»أصبت ال •‬
‫أيضا عن عطاء بن يسار عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫والنسائي‪ ،‬وقد روياه ‪2‬‬

‫ويبطل التيمم بمبطلت ما تيمم له من الطهارتين فيبطل عن وضوء بما يبطل الوضوء‪ ،‬وعن غسل‬
‫بما ينقضه من موجبات الغسل‪ ،‬ويبطل بوجود الماء لعادمه قبل الصلة‪ ،‬وأما في الصلة‪ ،‬فقيل‪:‬‬
‫يبطل تيممه وتبطل صلته لبطلن طهارته‪ ،‬فيتوضأ إن كان محدث‪2‬ا‪ ،‬ويغتسل إن كان جنب‪2‬ا‪ ،‬ويستقبل‬
‫الصلة؛ لما ورد عن أبي ذر أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن الصعيد الطيب‬
‫طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين‪ ،‬فإذا وجد الماء فليمسه بشرته‪ ،‬فإن ذلك خير«‬
‫رواه أحمد والترمذي وصححه‪.‬‬
‫طهورا عند وجود الماء‪ ،‬ودل بمنطوقه على وجوب إمساسه جلده‬
‫فدل بمفهومه على أنه ل يكون ‪2‬‬
‫عند وجوده‪ ،‬ولنه قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلة‪ ،‬وقيل‪ :‬ل تبطل‬
‫الصلة‪ ،‬واحتج القائلون بذلك بأنه وجد المبدل بعد تلبسه بمقصود غير قادر على استعمال‬
‫الماء؛ لن قدرته تتوقف على إبطال الصلة‪ ،‬وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى‪ } :‬ول ت‪! B‬بطلوا‬

‫أ !عمالك !م { ‪.‬‬

‫وقال أهل القول الول‪ :‬ول يصح قياسهم‪ ،‬فإن الصيام هو البدل نفسه‪ ،‬فنظيره إذا قدر على‬
‫الماء بعد تيممه ول خلف في بطلنه‪ ،‬ثم الفرق بينهما أن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه‬

‫لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلف مسألتنا‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬إنه غير قادر غير صحيح‪ ،‬فإن الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية‪.‬‬
‫وقولهم‪ :‬إنه منهي عن إبطال الصلة‪ ،‬قلنا‪ :‬ل يحتاج إلى إبطال الصلة‪ ،‬بل هي تبطل بزوال‬
‫الطهارة كما في نظائرها‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫ومما يبطل التيمم زوال عذر صحيح للتيمم كما لو تيمم لمرض فعوفي‪ ،‬أو لبرد فزال‪ ،‬أو جرح‬
‫تيمم له؛ لنه ضرورة فيزول بزوالها‪.‬‬

‫تنبيه‪:‬‬
‫وفي مسح يد يجب نزع خاتم ليصل التراب إلى محله من اليد‪ ،‬ول يكفي تحريكه خلف الماء‬
‫لقوة سريانه‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على سيدنا محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ما يريد الله لي !جعل عل !يكم 'م !ن حرج { أي ما يريد ليجعل عليكم فيما شرع لكم في‬

‫حرجا‪ ،‬فلهذا سهل عليكم ويسر‪ ،‬ولم يعسر‪ ،‬فأباح لكم التيمم عند المرض‬
‫هذه الية‪ ،‬وفي غيرها ‪2‬‬
‫وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم‪ ،‬وجعله في حق من شرع له‪ ،‬يقوم مقام الماء‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ولكن يريد ليط 'هرك !م { أي من الذنوب‪ ،‬والقذار‪ ،‬والرذائل‪ ،‬والعقائد الفاسدة فتكونوا‬
‫أرواحا‪.‬‬
‫نفوسا‪ ،‬وأصحهم‬
‫‪2‬‬
‫أجسادا‪ ،‬وأرقاهم ‪2‬‬
‫أنظف الناس أبدان‪2‬ا‪ ،‬وأزكاهم ‪2‬‬

‫وقوله‪ } :‬وليتم ن !عمته عل !يك !م لعلك !م ت !شكرون { أي بالترخيص لكم في التيمم عند عدم الماء‪ ،‬أو‬
‫ربما شرعه لكم من الشرائع التي شرعها لكم‪ ،‬فيجمع لكم بين طهارة البدان‪ ،‬وطهارة الرواح‪،‬‬
‫والنسان بروح وجسد‪ ،‬والصلة تطهر الروح‪ ،‬وتزكي النفس‪ ،‬فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر‪،‬‬
‫وتعود المصلي مراقبة ربه في السر والعلنية‪ ،‬وخشيته حين الساءة‪ ،‬والرجاء فيه لدى الحسان‪،‬‬
‫والطهارة التي جعلها ال شرط‪2‬ا للدخول في الصلة ومقدمة لها تطهر البدن‪ ،‬يستحسنها كل طبع‬
‫سليم وعقل مستقيم‪ ،‬فأحسن أفعال العبد المثول بين يدي خالقه الذي أوجده وأحسن أحواله‬

‫الطهور من كل دنس‪ ،‬فلو تركنا وعقولنا لغسلنا كل البدن‪ ،‬إذ هذه عبادة تقوم بكل البدن؛ لكن‬
‫ال المعبود الرحيم الودود الرءوف بالعباد من علينا فأمرنا بغسل بعض البدن في الحدث الصغر‬
‫لتكرره‪ ،‬وعفى عن الباقي‪ ،‬وأقام الطهور بالعضاء الربعة مقام جميع البدن‪ ،‬ثم أمر غسل ما ظهر‬
‫تيسيرا على العباد‪ ،‬وأمر بغسل الوجه واليدين والذراعين إلى المرفقين دون العضدين‬
‫دون ما بطن ‪2‬‬
‫والرجلين إلى الكعبين دون الساقين لستتارهما باللباس‪ ،‬وأمر بمسح الرأس دون الغسل كي ل‬

‫تبتل ثياب المتوضئ‪ ،‬ثم الطهارة بالماء من حسن التيقظ والنتباه عن الغفلة أو النوم أو بنية النوم‬
‫ما ل يخفى على عاقل‪ ،‬وأمر بغسل الوجه؛ لن السجدة ه‪ ،‬وأمر بغسل اليدين؛ لن العتماد‬
‫عليهما ومن العضاء السبعة‪ ،‬وأمر بغسل الرجلين؛ لن القيام ل بهما‪ ،‬وجعل للرأس من الطهور‬
‫نصيب‪2‬ا إذ الوجه فيه‪ ،‬وفيه مجمع المحاسن‪ ،‬وهذا من محاسن السلم‪ ،‬ثم إذا لم يقدر النسان‬

‫على الماء أو على استعماله أمر بالتيمم‪ ،‬فلما ضاق عليه المر بالماء اتسع عليه بوجود التراب‪،‬‬

‫ومخرجا‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬فإن مع الع !سر‬
‫فرجا‬
‫‪2‬‬
‫حرجا ازداد ‪2‬‬
‫وهذه •سنة ال كلما ازداد أمر عبده ‪2‬‬

‫ضطر‬
‫ي !س ‪2‬را * إن مع الع !سر ي !س ‪2‬را { ‪ ،‬وقال‪ } :‬أمن يجيب الم !‬

‫إذا دعاه { ثم في الماء أمر بأربعة أعضاء‪ ،‬وفي التيمم اكتفى بعضوين وضربتين في الحدثين؛ لن‬
‫طبعا فيتعسر عليه استعماله‬
‫طبعا‪ ،‬فل يتعسر على العبد استعماله‪ ،‬والتراب مكروه ‪2‬‬
‫الماء محبوب ‪2‬‬
‫فاكتفى بالضربتين؛ ولهذا كان التيمم عبادة‪.‬‬

‫سنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء‪ ،‬فروى المام أحمد ومسلم وأهل السنن عن‬
‫وقد وردت ال •‬
‫عقبة بن عامر‪ ،‬قال‪ :‬كانت علينا رعاية البل‪ ،‬فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت من قوله‪:‬‬

‫»ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه‪ ،‬ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل‪ 2‬عليهما بقلبه ووجه‪ ،‬إل‬

‫وجبت له الجنة«‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن‬
‫فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء« الحديث وتقدم‪.‬‬
‫وعن أبي أمامة قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من توضأ فأحسن الوضوء‪ ،‬ثم‬
‫قام إلى الصلة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه«‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يفهم من آية الدرس آية )‪ (6‬من »سورة المائدة«‪:‬‬
‫‪ -1‬إن المذكورات في الية اعتناقها والعمل بها من لوازم اليمان الذي ل يتم إل به؛ لنه تعالى‬
‫صدرها بقوله‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا { أي يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى إيمانكم‪.‬‬
‫‪ -2‬المر بالقيام إلى الصلة‪.‬‬

‫‪ -3‬التعبير بالسبب عن المسبب‪.‬‬
‫‪ -4‬المر بغسل الوجه‪ ،‬ويدخل فيه المضمضة والستنشاق بالسنة‪.‬‬
‫‪ -5‬أن الطهارة ل تجب بدخول الوقت‪ ،‬وإنما التطهر عند الصلة‪.‬‬
‫‪ - 6‬أن كل ما يطلق عليه اسم الصلة في الفرض‪ ،‬والنفل‪ ،‬وفروض الكفاية‪ ،‬وصلة الجنازة‬
‫تشترط له الطهارة‪.‬‬
‫‪ -7‬المر بغسل اليدين‪.‬‬
‫‪ -8‬أن غسل اليدين ينتهي إلى المرافق‪.‬‬
‫‪ -9‬مسح الرأس‪.‬‬
‫‪ -10‬وجوب مسح جميعه؛ لن الباء لللصاق‪.‬‬
‫‪ -11‬أنه يكفي المسح كيف كان‪ ،‬بيديه أو بإحدهما أو خرقة أو نحوها؛ لن ال أطلق المسح‬
‫ولم يقيده بصفة‪.‬‬

‫‪ -12‬أن الواجب المسح‪ ،‬فلو غسل رأسه ولم يمد يده عليه لم يكف؛ لنه لم يأت بما أمر ال‬
‫به‪.‬‬
‫‪ -13‬المر بغسل الوجهين إلى الكعبين‪.‬‬
‫‪ -14‬أن حدها إلى الكعبين‪.‬‬
‫‪ -15‬الرد على الرافضة على قراءة الجمهور‪.‬‬
‫‪ -16‬الرد على الجبرية‪.‬‬
‫‪ -17‬الشارة إلى مسح الخفين على قراءة الجر )وفي أرجلكم( وتكون كل من القراءتين محمول‪2‬‬
‫على معنى‪ ،‬فعلى قراءة النصب فيها غسلها إن كانوا مكشوفتين‪ ،‬وعلى قراءة الجر فيها مسحهما‬
‫إذا كانتا مستورتين بالخف‪.‬‬
‫‪ -18‬الترتيب بين العضاء الربعة‪ :‬أعضاء الوضوء؛ لن ال ذكرها مرتبة‪ ،‬ولدخال المسموح‬
‫الذي هو الرأس بين مغسولين‪ ،‬ول يعلم لذلك فائدة إل الترتيب‪.‬‬
‫‪ -19‬أن الترتيب خاص بالعضاء الربعة المسميات في هذه الية‪.‬‬
‫‪ -20‬المر بتجديد الوضوء عند كل صلة لتوجد صورة المأمور به‪.‬‬
‫‪ -21‬المر بالغسل من الجنابة‪.‬‬
‫‪ -22‬أنه يجب تعميم البدن بالغسل؛ لن ال أضاف التطهر للبدن ولم يخصه بشيء دون شيء‪.‬‬
‫‪ -23‬المر بغسل ظاهر شعره وباطنه في الجنابة‪.‬‬
‫‪ -24‬أن من عليه حدثان يندرج الحدث الصغر في الكبر ويكفي من هما عليه أن ينوي‪ ،‬ثم‬
‫يلمم بدنه؛ لن ال لم يذكر إل التطهر‪ ،‬ولم يذكر أنه يعيد الوضوء‪.‬‬
‫مناما‪ ،‬أو جامع ولم ينزل‪.‬‬
‫‪ -25‬أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة‪ ،‬أو ‪2‬‬

‫‪ -26‬أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بلل‪ ،2‬فإنه ل غسل عليه؛ لنه لم يتحقق من الجنابة‪.‬‬
‫‪ -27‬الحث على النظافة‪.‬‬

‫‪ -28‬أن فيما أرشد ال إليه من غسل البدن كله أو غسل الطراف ما يفيد صاحبه نشاط‪2‬ا وهمة‪،‬‬
‫ويزيل ما يعوض للجسد من الفتور والسترخاء بسبب الحدث أو غيره من العمال التي تؤثر‬

‫تأثيره‪ ،‬وبذا يقيم الصلة على وجهها‪ ،‬ويعطها حقها من الخشوع والخشية ومراقبة ال‪ ،‬إذ بلغ‬
‫النسان من هذه اللذة الجسمية غايتها بالوقاع أو النزال حصل له تهيج عصبي يعقبه فتور شديد‬
‫ول يعيد نشاطه إل الوضوء أو الغسل‪ ،‬ويسن الوضوء لمعاودة الوطء؛ لما ورد عن أبي سعيد‪ ،‬عن‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا أتى أحدكم أهله‪ ،‬ثم أراد أن يعود فليتوضأ« رواه‬
‫الجماعة إل البخاري‪ ،‬ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم‪ ،‬وزادوا‪» :‬فإنه أنشط للعود«‪.‬‬

‫‪ -29‬إن في ترك ما أرشد ال إليه من الطهارة والنظافة التي هي ركن الصحة البدنية مجلبة‬
‫للمراض والوبئة والدواء الكثيرة‪ ،‬ومن ثم نرى الطباء يشددون في أيام الوبئة والمراض‬
‫المتنقلة بإذن ال في المبالغة في النظافة‪ ،‬وجدير بالمسلمين المتمسكين بإرشادات الكتاب‬
‫أمراضا؛ لن دينهم يحث على الطهارة والنظافة‪ ،‬قال‬
‫أجساما وأقلها‬
‫سنة أن يكونوا أصح الناس‬
‫وال •‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫تعالى‪ } :‬رج ‪d‬‬
‫ال يحب•ون أن ي‪B‬تطهروا { ‪ ،‬وقال‪ } :‬وثيابك فط 'ه !ر { ‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :-‬غسل الجمعة و اجب على كل محتلم«‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الطهور شطر‬

‫اليمان« إلى غير ذلك من الدلة الدالة على نظافة البدان والثياب والمكنة‪.‬‬
‫‪ -30‬إن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء‪.‬‬
‫‪ -31‬إن من جملة أسباب التيمم السفر إذا عدم الماء‪.‬‬
‫‪ -32‬إن من جملة أسباب التيمم إتيان البول والغائط إذا عدم الماء‪ ،‬فللمرض يجوز التيمم مع‬
‫وجود الماء لحصول التضرر به‪ ،‬والباقي لعدم الماء‪.‬‬
‫‪ -33‬استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به؛ لقوله‪! } :‬أو جاء أح ‪d‬د 'منكم 'من الغائط { ‪.‬‬
‫‪ -34‬إن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض الضوء‪.‬‬
‫‪ -35‬اشتراط عدم الماء لصحة التيمم‪.‬‬
‫‪ -36‬إن مع وجود الماء لو في الصلة يبطل التيمم‪ ،‬لن ال إنما أباحه مع عدم الماء‪.‬‬
‫‪ - 37‬إنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء‪ ،‬فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه؛ لنه ل يقال‪:‬‬
‫لم يجد لمن لم يطلب‪.‬‬
‫‪ -38‬إن من وجد ماء ل يكفي إل لبعض طهارته‪ ،‬فإنه يستعمله ثم يتيمم؛ لنه اتقى ال ما‬
‫استطاع‪.‬‬
‫‪ -39‬إن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم؛ لن الماء المتغير بالطاهرات ماء‪ ،‬فيدخل‬
‫اء { ‪.‬‬
‫في قوله‪ } :‬ف‪B‬ل !م تجدوا م ‪2‬‬

‫‪ -40‬إنه لبد من نية التيمم؛ لقوله‪ } :‬ف‪B‬ت‪B‬يمموا { أي اقصدوا‪.‬‬
‫‪ -41‬لطف ال بخلقه حيث شرع لعباده التيمم عند العدم للماء أو التضرر باستعماله‪.‬‬
‫‪ -42‬دليل على سماحة الدين السلمي حيث اكتفى بالتيمم بمسح الوجه واليدين بضربة واحدة‬
‫لهما‪.‬‬
‫تيسيرا منه‬
‫‪ -43‬إن من رحمة ال أنه لم يأمر إل بغسل ما برز من العضاء في الحدث الصغر ‪2‬‬

‫تعالى‪.‬‬

‫‪ -44‬إنه ل يصح التيمم بالنجس؛ لنه ليس بطهور‪ ،‬بل من الخبيث‪.‬‬

‫‪ -45‬إن اليدين تمسحان إلى الكوع؛ لتقييد ال له بذلك‪.‬‬
‫‪ -46‬إن الية عامة في جواز التيمم لجميع الحداث‪.‬‬
‫‪ -47‬إن محل التيمم واحد في الحدث الكبر والصغر‪ ،‬وهو الوجه واليدين‪.‬‬
‫‪ -48‬إنه لو نوى من عليه حدثان )الكبر والصغر( التيمم عنهما لكفى أخ ‪2‬ذا من عموم الية‬
‫وإطلقها‪.‬‬

‫‪ -49‬إنه يجزي المسح بأي شيء كان؛ لن ال تعالى قال‪ } :‬ف !امسحوا { ولم يذكر المسموح‬

‫به‪.‬‬

‫‪ -50‬اشتراط الترتيب في طهارة التيمم؛ لن ال بدأ بالوجه قبل اليدين‪ ،‬وكما في الوضوء‪.‬‬
‫‪ -51‬دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد‪.‬‬
‫‪ -52‬إثبات الرادة ل‪.‬‬
‫‪ -53‬إن ال لم يجعل علينا في الدين حرج‪.‬‬
‫‪ -54‬إن ال يريد أن يطهر عباده من الحداث والذنوب‪.‬‬
‫‪ -55‬إن ال يريد إتمام نعمته على عباده‪.‬‬
‫‪ -56‬تعليل الحكام‪.‬‬
‫‪ -57‬الحث على شكر ال‪.‬‬
‫‪ -58‬الحث على العمل بطاعة ال‪.‬‬
‫‪ -59‬الرد على الجهمية‪.‬‬
‫‪ -60‬الحث على الشياء التي تنشط البدن وتسهل العبادة على النسان‪.‬‬
‫‪ -61‬البتعاد عن القذار والنجاء‪.‬‬
‫‪ -62‬أن نعم ال حسية ومعنوية نعمة قلوب‪ ،‬كالتوفيق للعمال الصالحة‪ ،‬والطهارة من الذنوب‬
‫الباطنة‪ ،‬ونعمة للبدان كالمأكولت والمشروبات والملبوسات والمساكن والمراكب‪.‬‬
‫‪ -63‬إن ال غني عن الخلق فل يشرع إل ما فيه الخير والمنفعة للخلق‪.‬‬
‫‪ -64‬دليل على كمال الشرائع والحكام وما يحتاجون إليه من أمر دينهم‪.‬‬
‫‪ -65‬دليل على أن كثرة النعم وذكرها يوجب مزيد الشكر من المنعم عليه والشتغال بطاعة‬
‫المنعم بها‪ ،‬والنقياد لمره وهو ال جل وعل‪.‬‬
‫‪ -66‬إثبات اللوهية ل‪.‬‬
‫‪ -67‬دليل على أن ال لم يهمل خلقه ولم يتركهم سدى‪.‬‬
‫‪ -68‬إن السفر يشمل القريب والبعيد للطلق‪.‬‬

‫‪ -69‬دليل على انتقاض وضوء اللمس للمرأة‪.‬‬
‫‪ -70‬إن القطع يغسل بقية المفروض‪.‬‬
‫‪ -71‬إن الصل في المضار أن ل تكون مشروعة؛ لقوله‪ } :‬ما جعل عل !يك !م في الد'ين م !ن‬
‫حرج { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬يريد الله بكم الي !سر ول يريد بكم الع !سر { ‪ ،‬ويدل عليه قوله –عليه الصلة‬
‫والسلم‪» :-‬ل ضرر ول ضرار في السلم«‪ ،‬وقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما رآه‬

‫أيضا‪ :‬أن دفع الضرر مستحسن في العقول‬
‫المسلمون حسن‪2‬ا فهو عند ال حسن«‪ ،‬ويدل عليه ‪2‬‬
‫السليمة‪.‬‬

‫‪ - 72‬في هذه الية ما يدعو إلى محبة ال؛ لرأفته بهم‪ ،‬وتخفيفه عليهم‪ ،‬وتعليمهم ما فيه صلح‬
‫دنياهم وأخراهم‪.‬‬
‫‪ -73‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫ومن لطائف الية الكريمة كما قال بعض المحققين‪ :‬أنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى‬
‫طهارتان أصل وبدل‪ ،‬والصل اثنان مستوعب وغير مستوعب‪ ،‬وغير المستوعب باعتبار الفعل‬
‫غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود‪ ،‬وأن آلتهما مائع وجامد‪ ،‬وموجبهما حدث‬
‫أصغر وأكبر‪ ،‬وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر‪ ،‬وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام‬
‫النعمة‪ ،‬وزاد البعض مثنيات أخر‪ ،‬فإن غير المحدود وجه ورأس‪ ،‬والمحدود يد ورجل‪ ،‬والنهاية‬
‫كعب ومرفق‪ ،‬والشكر قولي وفعلي‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على سيدنا محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬لعن الذين كفروا م !ن بني إ !سرائيل على لسان داوود وعيسى اب!ن م !ريم‬

‫ذلك بما عص !وا وكانوا ي‪! B‬عتدون * كانوا ل ي‪B‬ت‪B‬ناه !ون عن •منكر ف‪B‬علوه لب !ئس ما كانوا ي‪! B‬فعلون * ت‪B‬رى‬
‫ت له !م أنفسه !م أن سخط الله عل !يه !م وفي العذاب‬
‫كث ‪2‬يرا 'م !ن‪B‬ه !م ي‪B‬ت‪B‬ول !ون الذين كفروا لب !ئس ما قدم !‬

‫ه !م خالدون * و !لو كانوا ي‪! B‬ؤمنون بالله والنب 'ي وما أنزل إ !ليه ما اتخذوه !م !أولياء ولكن كث ‪2‬يرا 'م !ن‪B‬ه !م‬
‫فاسقون * لتجدن أشد الناس عداو‪2‬ة ل'لذين آمنوا الي‪B‬هود والذين أ !شركوا ولتجدن أق‪!B‬رب‪B‬هم مود ‪2‬ة‬
‫سيسين ور!هبان‪2‬ا وأن‪B‬ه !م ل ي !ستك!برون * وإذا‬
‫ل'لذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن م !ن‪B‬ه !م ق '‬

‫الدمع مما عرفوا من الح 'ق ي‪B‬قولون رب‪B‬نا آمنا‬
‫سمعوا ما أنزل إلى الرسول ت‪B‬رى أ !عي‪B‬ن‪B‬ه !م تفيض من !‬
‫فا !كت !ب‪B‬نا مع الشاهدين { ‪.‬‬

‫يخبر ال تعالى أنه لعن الذين كفروا من بني إسرائيل من دهر طويل أنزله على نبيه داود ‪ -‬عليه‬
‫السلم ‪ ،B‬وعلى لسان عيسى بن مريم بسبب عصيانهم ل‪ ،‬واعتدائهم على خلقه‪.‬‬
‫قال العوفي عن ابن عباس‪ :‬لعنوا في التوراة‪ ،‬وفي النجيل‪ ،‬وفي الزبور‪ ،‬وفي الفرقان‪ ،‬ثم بين‬
‫حالهم فيما كانوا يعتمدون في زمانهم‪ ،‬فقال تعالى‪ } :‬كانوا ل ي‪B‬ت‪B‬ناه !ون عن •منكر ف‪B‬علوه { أي كان‬

‫من دأبهم أن ل ينهى أحد أح ‪2‬دا عن منكر يقترفه مهما قبح وعظم ضرره‪ ،‬فيشترك بذلك المباشر‬
‫والساكت عن النهي وعن المنكر‪.‬‬

‫وذلك يدل على تهاونهم بأمر ال‪ ،‬وأن معصيته خفيفة عليهم‪ ،‬فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا‬
‫لمحارمه‪ ،‬ولغضبوا لغضبه‪ ،‬وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجب‪2‬ا للعقوبة لما فيه من‬
‫المفاسد العظيمة التي منها أن مجرد السكوت فعل المعصية‪ ،‬وإن لم يباشر الساكت‪ ،‬فإنه كما‬

‫يجب اجتناب المعصية‪ ،‬فإنه يجب النكار على من فعل المعصية؛ لقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫منكرا فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك‬
‫‪» :-‬من رأى منكم ‪2‬‬

‫أضعف اليمان« رواه مسلم‪.‬‬

‫وعن حذيفة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬والذي نفسي بيده‬
‫لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر‪ ،‬أو ليوشكن ال أن يبعث عليكم عقاب‪2‬ا منه‪ ،‬ثم تدعونه فل‬

‫يستجاب لكم« رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬

‫وأجمعت المة على وجوب المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬وفي الحديث الثابت عن أمير‬
‫المؤمنين أبي بكر الصديق ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنه خطب الناس على منبر رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪ :‬أيها الناس إنكم تقرءون هذه الية وتضعونها على غير موضعها‪ } :‬يا أي•‪B‬ها‬

‫الذين آمنوا عل !يك !م أن!‪B‬فسك !م ل يض •ركم من ضل إذا !اهتدي!‪B‬ت !م { ‪ ،‬وإني سمعت رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬إن الناس إذا رأوا المنكر‪ ،‬فلم يغيروه‪ ،‬أوشك ال أن يعمهم بعقاب‬

‫منه«‪.‬‬
‫وفي لفظ من عند رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والنسائي‪،‬‬
‫ولفظه‪ :‬إني سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬إن القوم إذا رأوا المنكر فلم‬
‫يغيروه عمهم ال بعقاب«‪ ،‬وفي رواية لبي داود‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يقول‪» :‬ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي‪ ،‬ثم يقدرون على أن يغيروا إل يوشك أن يعمهم ال منه‬
‫بعقاب«‪ ،‬وفي رواية‪» :‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم ال بعذاب‬
‫من عنده«‪.‬‬

‫وعن عبدال بن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن‬
‫أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل‪ ،‬فيقول‪ :‬يا هذا اتق ال ودع ما‬
‫تصنع‪ ،‬فإنه ل يحل لك‪ ،‬ثم يلقاه من الغد وهو على حاله‪ ،‬فل يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه‬
‫وقعيده‪ ،‬فلما فعلوا ذلك ضرب قلوب بعضهم بعض«‪ ،‬ثم قال‪ } :‬لعن الذين كفروا م !ن بني‬

‫إ !سرائيل على لسان داوود وعيسى اب!ن م !ريم ذلك بما عص !وا وكانوا ي‪! B‬عتدون * كانوا ل ي‪B‬ت‪B‬ناه !ون عن‬

‫ت له !م‬
‫•منكر ف‪B‬علوه لب !ئس ما كانوا ي‪! B‬فعلون * ت‪B‬رى كث ‪2‬يرا 'م !ن‪B‬ه !م ي‪B‬ت‪B‬ول !ون الذين كفروا لب !ئس ما قدم !‬
‫أنفسه !م { إلى قوله‪ } :‬فاسقون { ‪ ،‬ثم قال‪» :‬كل وال لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر‪،‬‬
‫قصرا‪ ،‬أو ليضربن ال‬
‫أطرا‪ ،‬ولتقصرنه على الحق ‪2‬‬
‫ولتأخذن على يد الظالم‪ ،‬ولتأطرنه على الحق ‪2‬‬
‫بقلوب بعضكم على بعض‪ ،‬ثم ليلعنكم كما لعنهم« رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث‬

‫حسن‪.‬‬
‫هذا لفظ أبي داود‪ ،‬ولفظ الترمذي‪ ،‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬لما وقعت بنو‬
‫إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا‪ ،‬فجالسوهم في مجالسهم‪ ،‬وواكلوهم‬
‫وشاربوهم‪ ،‬فضرب ال قلوب بعضهم ببعض‪ ،‬ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما‬
‫عصوا وكانوا يعتدون« فجلس رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وكان متكئ‪2‬ا‪ ،‬فقال‪» :‬ل والذي‬

‫أطرا«‪.‬‬
‫نفسي بيده‪ ،‬حتى تأطروهم على الحق ‪2‬‬

‫عميرا‪ - -‬رضي ال عنه ‪ -‬يقول‪:‬‬
‫وعن مجاهد قال‪ :‬حدثني مولى لنا أنه سمع جدي –يعني ‪2‬‬

‫سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬إن ال ل يعذب العامة بعمل الخاصة‪ ،‬حتى‬
‫يروا المنكر بين ظهرانيهم‪ ،‬وهم قادرون على أن ينكروه فل ينكرونه‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عذب ال‬

‫الخاصة والعامة«‪.‬‬
‫وعن العرس بن عميرة‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إذا عملت الخطيئة في‬
‫الرض‪ ،‬من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها‪ ،‬ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها« رواه‬
‫أبو داود‪.‬‬
‫وعن النعمان بن بشير‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬مثل المداهن في حدود‬
‫ال‪ ،‬والواقع فيها‪ ،‬مثل قوم استهموا في سفينة‪ ،‬فصار بعضهم في أسفلها‪ ،‬وصار بعضهم في‬
‫فأسا‪ ،‬فجعل ينقر أسفل‬
‫أعلها‪ ،‬فكان الذي أسفلها يمر على الذي في أعلها‪ ،‬فتأذوا به فأخذ ‪2‬‬

‫السفينة‪ ،‬فأتوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما لك؟ قال‪ :‬تأذيتم بي‪ ،‬ولبد لي من الماء‪ ،‬فإن أخذوا على يديه أنجوه‬

‫ونجوا أنفسهم‪ ،‬وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم« رواه البخاري‪.‬‬
‫وبعد أن ذكر ال لنبيه أحوال أسلفهم ذكر له أحوال حاضريهم مما يدل على رسوخ تلك‬

‫كثيرا منهم يتولون الذين كفروا من مشركي قومك‪ ،‬ويحالفونهم‬
‫الملكات فيهم‪ ،‬فقال‪» :‬ترى ‪2‬‬

‫عليك‪ ،‬ويحرضونك على قتالك وأنت تؤمن بال وبما أنزله على رسله وأنبيائه‪ ،‬وتشهد لهم بصدق‬

‫إلها واح ‪2‬دا«‪.‬‬
‫الرسالة‪ ،‬وأولئك المشركون ل يؤمنون بكتاب ال ول رسوله‪ ،‬ول يعبدون ‪2‬‬

‫وقد روي أن كعب بن الشرف وأصحابه ذهبوا إلى مكة واستجاشوا المشركين على رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ولكن لم يتم لهم ما أرادوا إذ لم يلبوا لهم دعوة ول استجابوا لهم كلمة‪.‬‬
‫وقال ابن عباس ومجاهد والحسن »منهم« يعني من المنافقين يتولون اليهود‪.‬‬
‫ت له !م أنفسه !م { أي بئس ما سولت وزينت‪ ،‬أو بئس شيئ‪2‬ا قدموه لنفسهم‬
‫وقوله‪ } :‬لب !ئس ما قدم !‬
‫في آخرتهم‪ ،‬العمال التي أوجبت سخط ال وعظيم غضبه‪ ،‬وسيجزون بها شر الجزاء‪ ،‬إذ‬

‫سيحيط بهم العذاب‪ ،‬ول يجدون عنه مصرف‪2‬ا‪ ،‬فالنجاة من العذاب‪ ،‬إنما تكون برضا ال عن‬
‫عبده‪ ،‬وهم لم يعملوا إل ما يوجب سخطه وشديد غضبه‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬و !لو كانوا ي‪! B‬ؤمنون بالله والنب 'ي وما أنزل إ !ليه ما اتخذوه !م !أولياء { أي ولو كان هؤلء‬
‫الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل يؤمنون بال والنبي‪ ،‬أي يصدقون ال ويقرون به‬

‫ويوحدونه‪ ،‬ويصدقون نبيه محم ‪2‬دا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بأنه ل نبي مبعوث‪ ،‬ورسول مرسل‪،‬‬
‫وما أنزل إليه‪ ،‬أي ويقرون بما أنزل على محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من عند ال من آي‬

‫أنصارا وأعوان‪2‬ا من دون المؤمنين؛ لن‬
‫الفرقان‪ } ،‬ما اتخذوه !م !أولياء { يعني ما اتخذوا الكفار‬
‫‪2‬‬

‫اليمان بال وبالنبي‪ ،‬وما أنزل إليه يوجب على العبد موالة ربه وموالة أوليائه‪ ،‬ومعاداة من كفر به‬

‫وعاداه ورتع في معاصيه‪ ،‬فشرط ولية ال واليمان به أن ل يتخذ أعداء ال أولياء؛ ولهذا قال‬

‫تعالى‪ } :‬ل تجد ق‪! B‬و‪2‬ما ي‪! B‬ؤمنون بالله وال!ي‪! B‬وم الخر ي‪B‬واد•ون م !ن حاد الله ورسوله و !لو كانوا آباءه !م !أو‬
‫أب!‪B‬ناءه !م !أو إ !خوان‪B‬ه !م !أو عشيرت‪B‬ه !م { الية‪.‬‬
‫استحب•وا الك !فر‬
‫وقال في آية أخرى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل ت‪B‬تخذوا آباءك !م وإ !خوانك !م !أولياء إن !‬

‫على اليمان ومن ي‪B‬ت‪B‬ولهم 'منك !م ف !أولئك هم الظالمون { وبالتالي فالحب في ال‪ ،‬والبغض في ال‬
‫أصل عظيم من أصول اليمان‪ ،‬يجب على العبد مراعاته‪ ،‬ولهذا جاء في الحديث‪» :‬أوثق عرى‬

‫اليمان الحب في ال‪ ،‬والبغض في ال«؛ ولذلك أكثر ال من ذكره في القرآن‪ ،‬قال ال تعالى‪} :‬‬
‫ل ي‪B‬تخذ الم !ؤمنون الكافرين !أولياء من دون الم !ؤمنين ومن ي‪! B‬فع !ل ذلك ف‪B‬ل !يس من الله في ش !يء إل‬

‫أن ت‪B‬ت‪B‬قوا م !ن‪B‬ه !م ت‪B‬قاة‪ { 2‬فمن يتولى الكفرة فليس من ولية ال في شيء يقع عليه اسم الولية‪ ،‬يعني‬
‫أسا‪ ،‬وهذا أمر معقول‪ ،‬فإن موالة الولي وموالة عدوه متنافيان كما تقدم‬
‫منسلخ من ولية ال ر ‪2‬‬

‫بيانه‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬ولكن كث ‪2‬يرا 'م !ن‪B‬ه !م فاسقون { هذا بيان لسباب اللفة والعلة الجامعة بينهم‪،‬‬

‫كثيرا منهم متمردون في النفاق‪ ،‬خارجون عن طاعة ال وأمره‪ ،‬ل يريدون‬
‫والمعنى وال أعلم‪ :‬ولكن ‪2‬‬
‫إل الرياسة والجاه‪ ،‬ويسعون إلى تحصيلهما من أي طريق قدروا عليه‪ ،‬ومتى سار الكثير من المة‬

‫)كثيرا( لعلمه بمن سيؤمن‪ ،‬مثل عبدال بن سلم وأصحابه‪.‬‬
‫على طريق تبعه الباقون‪ ،‬إنما قال ‪2‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬لتجدن أشد الناس عداوة‪ 2‬ل'لذين آمنوا الي‪B‬هود والذين أ !شركوا { اللم في قوله‬

‫} لتجدن { لم القسم‪ ،‬تقديره‪ :‬وال يا محمد إنك لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا بك‬
‫وصدقوك اليهود والذين أشركوا‪.‬‬
‫ووصف ال شدة عداوة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق‪ ،‬وجعلهم قرناء المشركين عبدة الصنام‬
‫في العداوة للمؤمنين‪ ،‬وذلك حس ‪2‬دا منهم للمؤمنين‪.‬‬
‫وأشد ما لقى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من العداوة واليذاء كان من يهود الحجاز في‬
‫المدينة وما حولها‪ ،‬ومن مشركي العرب‪ ،‬ولسيما مكة وما قرب منها‪ ،‬وقد كان اليهود والمشركون‬
‫مشتركين في بعض الصفات والخلق التي اقتضت عداوتهم الشديدة للمؤمنين‪ ،‬كالكبر‪ ،‬والعتو‪،‬‬
‫والبغي‪ ،‬والحسد‪ ،‬وغلبة الحياة المادية‪ ،‬والثرة‪ ،‬والقسوة‪ ،‬وضعف عاطفة الحنان والرحمة‪،‬‬
‫نوعا ما‪ ،‬وفيهم‬
‫والعصبية الجنسية‪ ،‬والحمية‪ ،‬ولكن مشركي العرب على جاهليتهم كانوا أرق قلوب‪2‬ا ‪2‬‬

‫سخاء وإيثار‪.‬‬

‫وقدم سبحانه ذكر اليهود للشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به‪ ،‬فضل‪ 2‬عما زادوا فيه‬

‫عليهم من قتل بعض النبياء و إيذاء بعض آخر‪ ،‬ووصف ال بما يتنزه عنه‪ ،‬تعالى ال عن قولهم‬

‫كبيرا‪ ،‬واستحللهم أموال غيرهم بالباطل وإفسادهم في الرض‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫علوا ‪2‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ولتجدن أق‪!B‬رب‪B‬هم مودة‪ 2‬ل'لذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى { الية‪.‬‬
‫ذكر قصة الهجرة الولى وسبب نزول هذه الية‪:‬‬

‫قال ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله‪ } :‬ولتجدن أق‪!B‬رب‪B‬هم مودة‪ 2‬ل'لذين آمنوا الذين قالوا إنا‬

‫شا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم‪ ،‬فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم‬
‫نصارى { إن قري ‪2‬‬

‫فآذوهم وعذبوهم‪ ،‬فافتتن من افتتن منهم‪ ،‬وعصم ال من شاء منهم‪ ،‬ومنع ال رسوله محم ‪2‬دا ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بعمه أبي طالب‪ ،‬فلما رأى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ما نزل‬
‫بأصحابه ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين‪ ،‬ولم يؤمر بعد بالجهاد‪ ،‬أمر أصحابه بالخروج إلى‬
‫صالحا ل يظلم‪ ،‬ول يظلم عنده أحد‪ ،‬فأخرجوا إليه حتى‬
‫أرض الحبشة‪ ،‬وقال‪» :‬إن بها مل ‪2‬كا‬
‫‪2‬‬

‫فرجا«‪.‬‬
‫يجعل ال للمسلمين ‪2‬‬

‫سرا‪ ،‬وهم‪ :‬عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول ال‬
‫فخرج إليها أحد عشر رجل‪ 2‬وأربع نسوة ‪2‬‬
‫‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬والزبير بن العوام‪ ،‬وعبدال بن مسعود‪ ،‬وعبدالرحمن بن عوف‪ ،‬وأبو‬

‫حذيفة ابن عقبة‪ ،‬وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو‪ ،‬ومصعب بن عمير‪ ،‬وأبو سلمة بن‬
‫عبدالسد‪ ،‬وزوجته أم سلمة بنت أمية‪ ،‬وعثمان بن مظعون‪ ،‬وعامر بن ربيعة‪ ،‬وامرأته ليلى بنت أبي‬
‫خيثمة‪ ،‬وحاطب بن عمرو‪ ،‬وسهيل بن بيضاء‪ ،‬فخرجوا إلى البحر‪ ،‬وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى‬
‫أرض الحبشة‪ ،‬وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪،-‬‬
‫وهذه هي الهجرة الولى‪.‬‬
‫ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب‪ ،‬وتتابع المسلمون‪ ،‬فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة‬
‫من المسلمين اثنين وثمانين رجل‪ 2‬سوى النساء والصبيان‪.‬‬

‫فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم‬
‫إليهم‪ ،‬فدخل إليه عمرو‪ ،‬وقال له‪ :‬أيها الملك‪ ،‬إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش‬
‫وأحلمها‪ ،‬وزعم أنه نبي‪ ،‬وإنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك‪ ،‬فأحببنا أن‬
‫نأتيك ونخبرك خبرك‪ ،‬وإن قومهم يسألونك أن تردهم إليهم‪ ،‬فقال‪ :‬حتى نسألهم‪ ،‬فأمر بهم‪،‬‬

‫فأحضروا‪.‬‬
‫فلما أتوا باب النجاشي‪ ،‬قالوا‪ :‬يستأذن أولياء ال‪ ،‬فقال‪ :‬ائذنوا لهم‪ ،‬فمرحب‪2‬ا بأولياء ال‪ ،‬فلما‬

‫دخلوا عليه سلموا‪ ،‬فقال الرهط من المشركين‪ :‬أيها الملك‪ ،‬أل ترى أنا قد صدقناك‪ ،‬إ نهم لم‬

‫يحيوك بتحيتك التي تحيا بها‪ ،‬فقال لهم الملك‪ :‬ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا له‪ :‬إنا‬
‫حييناك بتحية أهل الجنة‪ ،‬وتحية الملئكة‪ ،‬فقال لهم النجاشي‪ :‬ما يقول صاحبكم في عيسى‬
‫وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب‪ :‬يقول هو عبدال ورسوله‪ ،‬وكلمة ال وروح منه‪ ،‬ألقاها إلى مريم‬
‫العذراء‪ ،‬ويقول في مريم إنها العذراء البتول‪.‬‬
‫عودا من الرض‪ ،‬وقال‪ :‬وال ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا‬
‫قال‪ :‬فأخذ النجاشي ‪2‬‬
‫العود‪ ،‬فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم‪ ،‬فقال‪ :‬هل تعرفون شيئ‪2‬ا مما أنزل على صاحبكم؟‬

‫قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬اقرأوا‪ ،‬فقرأ جعفر سورة مريم‪ ،‬وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى‪ ،‬فعرفوا‬

‫سيسين ور!هبان‪2‬ا‬
‫ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق‪ ،‬فأنزل ال فيهم‪ } :‬ذلك بأن م !ن‪B‬ه !م ق '‬
‫وأن‪B‬ه !م ل ي !ستك!برون { إلى آخر اليتين‪ ،‬فقال النجاشي لجعفر وأصحابه‪ :‬اذهبوا‪ ،‬فأنتم سيوم‬
‫بأرضي‪ ،‬يعني إنكم آمنون‪.‬‬

‫فرجع عمرو وأصحابه خائبين‪ ،‬وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إلى المدينة وعل أمره وقهر أعداءه‪ ،‬وذلك في سنة ست من‬

‫الهجرة‪.‬‬
‫وكتب رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إلى النجاشي على يد عمرو ابن أمية الضمري أن‬
‫يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان‪ ،‬وكانت قد هاجرت مع زوجها ومات عنها‪ ،‬فأرسل النجاشي‬
‫جارية‪ ،‬يقال لها‪ :‬أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قد خطبها‪،‬‬
‫أوضاحا كانت لها‪ ،‬وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها‪ ،‬فأنكحها‬
‫فسرت بذلك وأعطت الجارية‬
‫‪2‬‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على صداق مبلغه أربعمائة دينار‪.‬‬

‫وكان الخاطب لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬النجاشي‪ ،‬فأرسل إليها بجميع الصداق على‬
‫دينارا فلم تأخذها‪ ،‬وقالت‪ :‬إن الملك‬
‫يد جاريته أبرهة‪ ،‬فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين ‪2‬‬

‫أمرني أن ل آخذ منك شيئ‪2‬ا‪ ،‬وقالت‪ :‬أنا صاحبة دهن الملك وثيابه‪ ،‬وقد صدقت بمحمد ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وآمنت به‪ ،‬وحاجتي إليك أن تقرئيه مني ا لسلم‪ ،‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فقالت‪ :‬قد أمر‬

‫الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود‪ ،‬وكان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ يراه عندها فل ينكره‪.‬‬‫قالت أم حبيبة‪ :‬فخرجنا إلى المدينة ورسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يحاصر خيبر‪ ،‬فخرج‬
‫من خرج إليه ممن قدم من الحبشة‪ ،‬وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ ،‬فدخلت عليه‪ ،‬فكان يسألني عن النجاشي‪ ،‬وقرأت عليه السلم من أبرهة جارية الملك‪ ،‬فرد‬‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬السلم‪ ،‬وأنزل ال عز وجل‪ } :‬عسى الله أن ي !جعل ب‪! B‬ي‪B‬نك !م‬
‫وب‪! B‬ين الذين عادي!‪B‬تم 'م !ن‪B‬هم مودة‪ { 2‬يعني أبا سفيان‪ ،‬وذلك بتزوج رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ أم حبيبة‪ ،‬ولما بلغ أبا سفيان أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬تزوج أم حبيبة‪ ،‬قال‪:‬‬‫ذلك الفحل ل يجدع أنفه‪.‬‬
‫وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ابنه أزهى في‬
‫ستين رجل‪ 2‬من أصحابه‪ ،‬وكتب إليه‪:‬‬

‫جعفرا‪،‬‬
‫»يا رسول ال‪ ،‬إني أشهد أنك رسول ال صادق‪2‬ا مصدق‪2‬ا‪ ،‬وقد باعيتك وبايعت ابن عمك ‪2‬‬
‫وأسلمت ل رب العالمين‪ ،‬وقد بعثت إليك ابني أزهى‪ ،‬وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت‪،‬‬

‫والسلم عليك يا رسول ال«‪.‬‬
‫فركبوا في سفينة في أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا‪ ،‬ووافى جعفر رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهو بخيبر‪.‬‬
‫ووافى مع جعفر سبعون رجل‪ 2‬عليهم الثياب الصوف‪ ،‬منهم اثنان وستون رجل‪ 2‬من الحبشة‪ ،‬وثمانية‬
‫من الشام‪ ،‬فقرأ عليهم رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» -‬سورة يس« إلى آخرها‪ ،‬فبكى القوم‬

‫حين سمعوا القرآن وآمنوا‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ‪-‬عليه السلم‪ ،-‬فأنزل‬
‫ال فيهم قوله‪ } :‬ولتجدن أق‪!B‬رب‪B‬هم مود ‪2‬ة ل'لذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى { يعني وفد النجاشي‬
‫الذين قدموا مع جعفر‪ ،‬وهم السبعون‪ ،‬وكانوا من أصحاب الصوامع‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬نزلت في ثمانين رجل‪ ،2‬أربعون من نصارى نجران من بني الحارث بن كعب‪ ،‬وثلثون من‬
‫الحبشة‪ ،‬وثمانية روميون من أهل الشام‪.‬‬

‫وقال قتادة‪ :‬نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ‪ -‬عليه‬
‫السلم‪ ،-‬فلما بعث محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬آمنوا به وصدقوه‪ ،‬فأثنى ال عليهم بقوله‪:‬‬
‫سيسين ور!هبان‪2‬ا وأن‪B‬ه !م‬
‫} ولتجدن أق‪!B‬رب‪B‬هم مود ‪2‬ة ل'لذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن م !ن‪B‬ه !م ق '‬
‫ل ي !ستك!برون { ‪.‬‬

‫بين سبحانه وتعالى سبب مودة النصارى للذين آمنوا‪:‬‬

‫وعبادا في الصوامع متعبدين‪ ،‬والعلم مع الزهد وكذلك العبادة‪،‬‬
‫أول‪ :2‬أن منهم علماء متزهدون‪2 ،‬‬
‫مما يلطف القلب ويرققه‪ ،‬ويزيل ما فيه من الجفاء والغلظة‪ ،‬فلذلك ل يوجد فيهم غالب‪2‬ا غلظة‬

‫اليهود وشدة المشركين‪.‬‬

‫ثاني‪2‬ا‪ :‬أنهم ل يستكبرون‪ ،‬أي ليس فيهم كبر ول عتو وامتناع عن الحق‪ ،‬وذلك موجب لقربهم من‬
‫المسلمين ومن محبتهم‪ ،‬فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر‪.‬‬

‫ثالث‪2‬ا‪ :‬أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الذي بعثه ال رحمة للعالمين ترى أعينهم تفيض من‬
‫الدمع مما عرفوا من الحق حتى يتدفق من جوانبها لكثرته‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬

‫ففاضت دموع العين مني صبابة ‪ ...‬على النحر حتى بل دمعي محملي‬
‫وخبر مستفيض‪ :‬إذ كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة‪ ،‬وهذه أحوال العلماء يبكون‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫} إن الذين أوتوا العل!م من ق‪! B‬بله إذا ي‪! B‬ت‪B‬لى عل !يه !م يخ •رون لل !ذقان سج ‪2‬دا * وي‪B‬قولون س !بحان رب'‪B‬نا إن‬
‫وعا { ‪.‬‬
‫كان و !عد رب'‪B‬نا لم !فعول‪ * 2‬ويخ •رون لل !ذقان ي‪! B‬بكون ويزيده !م خش ‪2‬‬

‫ولما ذكر تعالى النبياء المكرمين وخواص المرسلين‪ ،‬وذكر فضائلهم ومراتبهم أخبر أنهم كانوا إذا‬
‫أحسن الحديث كتاب‪2‬ا •متشاب ‪2‬ها‬
‫تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سج ‪2‬دا وبكي‪2‬ا‪ ،‬وقال‪ } :‬الله ن‪B‬زل !‬

‫مثاني ت‪! B‬قشع •ر م !نه جلود الذين ي !خش !ون رب‪B‬ه !م ثم تلين جلوده !م وق‪B‬لوب‪B‬ه !م إلى ذ !كر الله { ‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ت ق‪B‬لوب‪B‬ه !م { ‪.‬‬
‫} الذين إذا ذكر الله وجل !‬

‫ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يكون منهم من القول إثر بيان ما كان من حالهم‪ ،‬فقال‪ } :‬ي‪B‬قولون رب‪B‬نا‬

‫آمنا فا !كت !ب‪B‬نا مع الشاهدين { أي آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه‪،‬‬

‫فاكتبنا مع الشاهدين على الناس يوم القيامة من أمة محمد‪ ،‬أو مع الشاهدين بأنه حق‪ ،‬أو مع‬
‫الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس‪.‬‬
‫والول أقرب فهم يشهدون ل بالتوحيد ولرسله بالرسالة‪ ،‬وبصحة ما جاءوا به‪ ،‬ويشهدن على‬
‫المم السابقة بالتصديق والتكذيب‪ ،‬وهم عدول‪ ،‬شهادتهم مقبولة‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬وكذلك‬
‫جعل!ناك !م أمة‪ 2‬وسط‪2‬ا ل'تكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عل !يك !م شهي ‪2‬دا { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وما لنا ل ن‪! B‬ؤمن بالله { الية‪ ،‬كلم مستأنف والستفهام للستبعاد‪ ،‬أي شيء حصل لنا‬
‫حال كوننا ل نؤمن بال‪ ،‬وما جاءنا‪.‬‬

‫والمعنى‪ :‬أنهم استبعدوا انتفاء اليمان منهم مع وجود المقتضي له‪ ،‬أي وما الذي يمنعنا من‬
‫اليمان بال‪ ،‬والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا الذي ل يقبل الشك والريب‪ ،‬ونحن إذا آمنا‬
‫واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا ربنا الجنة مع القوم الصالحين‪ ،‬أليس ذلك موجب‪2‬ا للمسارعة‬

‫والنقياد لليمان وعدم التخلف عنه‪.‬‬

‫ثم بين جل وعل ما جازاهم به‪ ،‬فقال‪ } :‬فأثاب‪B‬هم الله بما قالوا جنات ت !جري من ت !حتها الن!‪B‬هار‬

‫خالدين فيها وذلك جزاء الم !حسنين { أي فجزاهم ال وأعطاهم من الثواب بما نطقت به ألسنتهم‬

‫معبرا عما في قلوبهم من خالص اليمان وصحيح العتقاد جنات وحدائق في دار النعيم تجري‬
‫‪2‬‬

‫ار 'من‬
‫ار 'من ماء غ !ير آسن وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫من تحتها النهار التي تسيل مياهها‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬فيها أن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫ار 'م !ن عسل •مص §فى { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬فل‬
‫ار 'م !ن خ !مر لذة ل'لشاربين وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫لبن ل !م ي‪B‬ت‪B‬غي‪! B‬ر ط !عمه وأن!‪B‬ه ‪d‬‬
‫س ما أ !خفي لهم 'من ق‪B‬رة أ !عين { الية‪.‬‬
‫ت‪! B‬علم ن‪! B‬ف ‪d‬‬

‫وقوله‪ } :‬وذلك جزاء الم !حسنين { أي وذلك المذكور من المر الجليل جزاء المحسنين‪ ،‬لقد‬

‫أحسنوا الستماع‪ ،‬وأحسنوا الدراك‪ ،‬وأحسنوا اليمان‪ ،‬وأحسنوا القول‪ ،‬وساروا في طريق العمل‬

‫الصالح‪ ،‬وذلك جزاء المحسنين‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫مما يفهم من آيات الدرس‪ ،‬وذكر بعض المفاسد المترتبة على ترك المر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر‪:‬‬
‫‪ -1‬لعن ال لمن كفر من بني إسرائيل‪.‬‬
‫‪ -2‬أن ذلك من أسبابه عصيانهم وظلمهم لعباد ال‪.‬‬
‫‪ -3‬أنهم كانوا يفعلون المنكر ول يبالون‪.‬‬
‫بعضا‪.‬‬
‫‪ -4‬أنهم ل ينهى بعضهم ‪2‬‬

‫‪ -5‬أن ذلك دليل على تهاونهم بأمر ال‪.‬‬
‫‪ -6‬أن معصيته خفيفة عليهم‪.‬‬

‫‪ -7‬أنهم ل يعظمونه ويقدرونه حق قدره‪ ،‬وإل لغاروا لمحارمه وغضبوا لغضبه‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات صفة اللعن‪.‬‬
‫‪ -9‬التحذير من معاصي ال‪.‬‬
‫‪ -10‬وجوب النكار على من فعل المعصية باليد‪ ،‬فإن لم يستطع فباللسان‪ ،‬فإن لم يستطع‬
‫فبقلبه‪.‬‬
‫‪ -11‬أن السكوت عن المنكر مع القدرة موجب للعقوبة‪.‬‬
‫‪ -12‬أن في السكوت عن المر بالمعروف والنهي عن المنكر مفاسد عظيمة وشرور وأضرار‬
‫ومحن وتأمل ما حصل وما يحصل‪.‬‬
‫‪ -13‬أن ذلك يجرئ الفسقة والعصاة على الكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها ويضرب على‬
‫أيديهم‪.‬‬
‫‪ -14‬أن بترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر يزداد الشر‪ ،‬وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية‪.‬‬
‫‪ -15‬أن بإهمال المر بالمعروف والنهي عن المنكر يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر‪،‬‬
‫حتى ل يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أول‪.2‬‬
‫‪ -16‬أن بترك المر بالمعروف والنهي عن المنكر يندرس العلم‪ ،‬ويكثر الجهل‪ ،‬ويفشو الزنا‪،‬‬
‫واللواط‪ ،‬والسرقة ونحوها‪.‬‬
‫‪ -17‬أن من ترك النهي عن المنكر مع طول المدة يزول قبحه من النفوس‪ ،‬ويصير عادة‬
‫للمتجرئين على المعاصي‪ ،‬ويزول سلطان الدين من قلوبهم وتترك أحكامه ورائهم ظهري‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -18‬أن يترك النهي عن المنكر وتكرارها‪ ،‬أي المنكرات‪ ،‬وصدورها من كثير من الناس‪ ،‬ربما ظن‬
‫بعض الناس أنها ليست بمعصية‪ ،‬وربما ظن أنها عبادة‪.‬‬
‫إرشادا للمؤمنين وعبرة لهم حتى ل يفعلوا فيكونوا مثلهم‪ ،‬ويحل بهم غضب‬
‫‪ -19‬أن في الية ‪2‬‬
‫ال ولعنته‪.‬‬

‫‪ -20‬جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولد النبياء‪.‬‬
‫‪ -21‬أن شرف النسب ل يمنع إطلق اللعنة في حقهم‪.‬‬
‫‪ -22‬في الية النهي عن مجالسة المجرمين‪.‬‬
‫‪ -23‬دليل على تقدم المعاصي في اليهود‪.‬‬
‫‪ -24‬النهي عن العتداء على خلق ال‪.‬‬
‫أيضا قوله تعالى‪ } :‬وات‪B‬قوا ف !ت‪B‬نة‪ 2‬ل‬
‫‪ -25‬أن عقوبة المعاصي إذا جاءت تعم‪ ،‬ويدل على ذلك ‪2‬‬

‫تصيبن الذين ظلموا منك !م خاصة‪. { 2‬‬

‫‪ -26‬رأفة ال بخلقه حيث ذكر لهم ما وقع لمن قبلهم ليحذروه‪.‬‬
‫‪ -27‬تقبيح فعلهم والتعجب منه‪.‬‬
‫‪ -28‬ذمهم على اقتراف بعض المنكرات‪.‬‬
‫‪ -29‬الرد على الجبرية النافين لفعال العباد‪.‬‬
‫‪ -30‬الرد على من قال‪ :‬إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -31‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -32‬أن الجامع بينهم وسبب ألفتهم هو الفسق‪.‬‬
‫‪ -33‬أن أشد عداوة للمؤمنين اليهود والذين أشركوا‪.‬‬
‫‪ -34‬أن اليهود أهل حسد للمؤمنين وصعبة إجابتهم إلى الحق‪.‬‬
‫‪ -35‬أن اليهود قرناء المشركين في العداوة للمؤمنين‪.‬‬
‫‪ -36‬الحث على العلم‪.‬‬
‫‪ -37‬الحث على العبادة‪.‬‬
‫‪ -38‬النهي عن الكبر‪.‬‬
‫‪ -39‬الحث على التواضع‪.‬‬
‫‪ -40‬أن في تقديم اليهود على المشركين ما يفيد تفوق اليهود على العرب فيما وصفوا به فضل‪2‬‬
‫عما امتازوا به من قتل بعض النبياء‪ ،‬وإيذاء بعض البعض الخر‪ ،‬واستحلل أكل أموال الناس‬
‫بالباطل‪ ،‬والحيل‪ ،‬والمكر‪ ،‬والخديعة‪.‬‬
‫‪ -41‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -42‬دليل على أن القرآن منزل‪ ،‬غير مخلوق‪.‬‬
‫‪ -43‬الرد على من قال إنه مخلوق كالمعتزلة والجهمية‪.‬‬
‫‪ -44‬الحث على تدر القرآن‪.‬‬
‫‪ -45‬الحث على الخشوع عند قراءة القرآن‪.‬‬
‫‪ -46‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -47‬إثبات رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -48‬الرد على من أنكر رسالته ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -49‬أن عرفان الحق سبب للخشوع إذا أراد ال‪.‬‬
‫أيضا قوله تعالى‪ } :‬سنريه !م آياتنا في الفاق وفي أنفسه !م حتى‬
‫‪ -50‬أن القرآن حق‪ ،‬يدل لذلك ‪2‬‬

‫ي‪B‬تب‪B‬ين له !م أنه الح •ق { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬ب !ل ن‪! B‬قذف بال!ح 'ق على الباطل { ‪.‬‬

‫‪ -51‬الحث على سؤال ال أن يدخله مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة‬
‫والفضائل والداب الكاملة‪.‬‬
‫‪ -52‬الترغيب في صحبة المؤمنين الصالحين‪.‬‬
‫‪ -53‬دليل على جود ال وكرمه‪ ،‬فإنه أعطى الكثير على العمل القليل الذي وفق عبده له وهو‬
‫أعلم بالمهتدين‪.‬‬
‫‪ -54‬إثبات اللوهية ل جل وعل‪.‬‬
‫‪ -55‬إثبات البعث والحشر للخلئق‪.‬‬
‫‪ -56‬إثبات الحساب والجزاء على العمال‪.‬‬
‫‪ -57‬إثبات الجنة‪.‬‬
‫‪ -58‬أن الجنة أعدها للمؤمنين الصالحين‪.‬‬
‫أنهارا‪.‬‬
‫‪ -59‬أن فيها ‪2‬‬
‫‪ -60‬أن اللسان ذا حدين إن استعمل في طاعة ال ومراضيه‪ ،‬وطابق ما في قلب صاحبه‪ ،‬بأن‬
‫كان عن إخلص ومعرفة أفلح صاحبه‪ ،‬وإن كان بضد ذلك‪ ،‬بأن استعمله في معاصي ال خسر‬
‫صاحبه خسران‪2‬ا ل يعادله خسران‪.‬‬
‫‪ -61‬أنهم خالدون في الجنة‪.‬‬
‫‪ -62‬دليل على بقاء الجنة‪.‬‬
‫‪ -63‬الحث على الحسان‪.‬‬
‫‪ -64‬مدح أمة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الذين يشهدون بالحق‪.‬‬
‫‪ -65‬أن ال جل وعل حقق رجاءهم وكتب لهم الفلح‪ ،‬أي الذين قالوا‪ } :‬رب‪B‬نا آمنا فا !كت !ب‪B‬نا مع‬

‫الشاهدين { ‪.‬‬

‫سنة يكون ثوابه الجنة‪.‬‬
‫‪ -66‬أن من أخلص في إيمانه وصديقته‪ ،‬واستقام على الكتاب وال •‬
‫‪ -67‬دليل على الفعال الختيارية‪.‬‬

‫‪ -68‬إثبات صفة العلم‪ ،‬وأنه يعلم ما تكن الصدور وما تعلن‪.‬‬
‫‪ -69‬الرد على الجهمية ونحوهم من نفاة الصفات‪.‬‬
‫‪ -70‬التحذير من تولي الذين كفروا‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫عاقبة من افترى على ال كذب‪2‬ا والدليل على قدرة ال سبحانه‬

‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬

‫لم يوح إ !ليه‬
‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬وم !ن أظ!لم ممن اف!‪B‬ت‪B‬رى على الله كذب‪2‬ا !أو قال أوحي إلي و !‬

‫ش !يء‪ d‬ومن قال سأنزل مث!ل ما أنزل الله و !لو ت‪B‬رى إذ الظالمون في غمرات الم !وت وال!ملئكة‬

‫باسطوا أي!ديه !م أ !خرجوا أنفسكم الي‪! B‬وم ت !جز!ون عذاب الهون بما كنت !م ت‪B‬قولون على الله غ !ي‪B‬ر الح 'ق‬

‫وكنت !م ع !ن آياته ت !ستك!برون * ولق !د ج !ئتمونا ف‪B‬رادى كما خل !قناك !م أول مرة وت‪B‬ر!كتم ما خول!ناك !م وراء‬

‫ظهورك !م وما ن‪B‬رى معك !م شفعاءكم الذين زع !مت !م أن‪B‬ه !م فيك !م شركاء لقد ت‪B‬قطع ب‪! B‬ي‪B‬نك !م وضل عنكم ما‬

‫ب والن‪B‬وى ي !خرج الحي من المي'ت وم !خرج المي'ت من الح 'ي‬
‫كنت !م ت‪! B‬زعمون * إن الله فالق الح '‬
‫صباح وجعل الليل سكن‪2‬ا والش !مس وال!قمر ح !سبان‪2‬ا ذلك ت‪! B‬قدير‬
‫ذلكم الله فأنى ت‪! B‬ؤفكون * فالق ال !‬
‫العزيز العليم * وهو الذي جعل لكم الن•جوم لت‪! B‬هتدوا بها في ظلمات الب‪' B‬ر وال!ب !حر ق !د فصل!نا اليات‬

‫لق !وم ي‪! B‬علمون * وهو الذي أنشأكم 'من ن‪! B‬فس واحدة فم !ست‪B‬ق ‚ر وم !ست‪! B‬ودع‪ d‬ق !د فصل!نا اليات لق !وم‬
‫ي‪! B‬فقهون { ]النعام‪.[98-93 :‬‬

‫قيل‪ :‬إن هذه اليات نزلت في عبدال بن سعد بن أبي سرح‪ ،‬وكان قد أسلم‪ ،‬وكان يكتب للنبي‬
‫عليما‬
‫عليما‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وكان إذا أملى عليه ‪2‬‬‫حكيما‪ ،‬وإذا قال‪2 :‬‬
‫‪2‬‬
‫بصيرا كتب ‪2‬‬
‫سميعا ‪2‬‬

‫رحيما‪ ،‬فلما نزلت‪ } :‬ولق !د خل !قنا النسان من سللة 'من طين { أملها عليه‬
‫حكيما كتب غفور ‪2‬‬
‫‪2‬‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فعجب عبدال من تفصيل خلق النسان‪ ،‬فقال‪ :‬تبارك ال‬

‫أحسن الخالقين‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬اكتبها‪ ،‬فهكذا نزلت«‪ ،‬فشك عبدال‪،‬‬
‫وقال‪ :‬لئن كان محمد صادق‪2‬ا؛ لقد أوحي إلي كما أوحي إليه‪ ،‬فارتد عن السلم ولحق بالمشركين‬
‫ثم رجع عبدال إلى السلم قبل فتح مكة إذ نزل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بمر‬

‫الظهران‪.‬‬
‫وقال قتادة‪ :‬نزلت في مسيلمة الكذاب وكان يسجع ويتكهن‪ ،‬فادعى النبوة وزعم أن ال أوحى‬
‫إليه وكان قد أرسل إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬رسولين‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬لهما‪» :‬أتشهدا أن مسيلمة نبي؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪» :‬لول أن الرسل ل تقتل لضربت أعناقكما«‪ ،‬وفي حديث أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول ال ‪-‬‬‫صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬بينا أنا نائم إذ أوتيت من خزائن الرض‪ ،‬فوضع في يدي سواران ذهب‬
‫فكبرا علي وأهماني‪ ،‬فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما‪ ،‬فذهبا‪ ،‬فأولتهما الكذابين الذين أنا‬
‫بينهما‪ :‬صاحب صنعاء وصاحب اليمامة« أراد بصاحب صنعاء‪ :‬السود العنسي‪ ،‬وبصاحب‬

‫اليمامة‪ :‬مسيلمة الكذاب زوج سجاح بنت المنذر التي تنبأت‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ت أنبياء ال ذكرانا‬
‫أ!‬
‫ت نبيتنا أنثى يطاف بها ‪ ...‬وأصبح !‬
‫ضح !‬
‫وقال الخر‪:‬‬

‫اب‬
‫أضم !‬
‫ت سجاح ووالها مسيلمة ‪ ...‬كذابة‪ d‬في بني الدنيا وكذ ‪d‬‬
‫المعنى‪:‬‬
‫حكما وهو تعالى برئ‬
‫يقول تعالى‪ :‬ل أحد أظلم ممن كذب على ال بأن نسب إلى ال قول‪ 2‬أو ‪2‬‬

‫منه‪ ،‬وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لن فيه من الكذب وتغيير الديان أصولها وفروعها ونسبة ذلك‬

‫إلى ال ما هو من أكبر المفاسد‪ ،‬ويدخل في ذلك ادعاء النبوة‪ ،‬وأن يوحى إليه وهو كاذب في‬
‫ذلك‪ ،‬فإنه مع كذبه على ال وجرأته عليه يوجب على الخلق أن يتبعوه ويجاهدهم على ذلك‬
‫ويستحل دماء من خالفه وأموالهم‪ ،‬ويدخل في ذلك مسيلمة الكذاب‪ ،‬والسود العنسي‪،‬‬
‫والمختار‪ ،‬وطليحة السدي الذي ادعى النبوة في بني أسد‪ ،‬ونحوهم من كل من ادعى ذلك أو‬
‫يدعيه في أي زمان ومكان‪.‬‬
‫} ومن قال سأنزل مث!ل ما أنزل الله { أي ومن أظلم ممن زعم أنه يقدر على ما يقدر ال عليه‪،‬‬
‫ويجاري في أحكامه‪ ،‬ويشرع من الشرائع كما شرعه ال‪ ،‬ويدخل في هذا كل من زعم أنه يقدر‬

‫على معارضة القرآن‪ ،‬وأنه في إمكانه أن يأتي بمثله كمن قال من المشركين‪! } :‬لو نشاء لقل!نا مث!ل‬
‫هذ ا { فقد أثر عن النضر ابن الحارث أنه كان يقول‪ :‬إن القرآن أساطير الولين‪ ،‬فهذا ظلم عظيم‪،‬‬
‫وأي ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات الناقص من كل وجه مشاركة القوي الغين الذي‬
‫له الكمال المطلق من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته‪ ،‬ولما ذم تعالى الظالمين ذكر ما‬
‫أعد لهم من العقوبة في حال الحتضار‪ ،‬ويوم القيامة؛ لشدة جرمهم وعظيم ذنبهم‪ ،‬فقال‪ } :‬و !لو‬
‫ت‪B‬رى إذ الظالمون في غمرات الم !وت { الخطاب للنبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬ثم لكل من‬
‫سمعه أو قرأه‪ ،‬أي ولو تبصر إذ يكون الظالمون سواء منهم من ذكروا في الية أو غيرهم في‬

‫غمرات الموت‪ ،‬وهي سكراته وما يتقدمها من شدائد وآلم تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء‬
‫أمرا هائل‪ 2‬وحالة ل يقدر‬
‫بالغرق‪ ،‬وما يجدونه من الهوال الفظيعة والكرب الشنيعة‪ ،‬لرأيت ‪2‬‬

‫الواصف أن يصفها‪ ،‬ول قدرة للبيان على تجلي كهنها وحقيقتها‪ } ،‬وال!ملئكة باسطوا أي!ديه !م {‬
‫أي مادوا أيديهم إلى أولئك الظالمين المحتضرين لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب‬

‫والعذاب‪ ،‬وما أشار إليه في هذه الية من العذاب صرح به في قوله‪ } :‬و !لو ت‪B‬رى إ !ذ ي‪B‬ت‪B‬وفى الذين‬

‫ضربون وجوهه !م وأ !دباره !م وذوقوا عذاب الحريق { ‪ ،‬وبين في موضع آخر أنه‬
‫كفروا الملئكة ي !‬

‫سوء { ‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫يراد ببسط اليدين التناول بالسوء‪ ،‬كقوله‪ } :‬وي‪! B‬بسطوا إ !ليك !م أي!دي‪B‬ه !م وأل!سنت‪B‬هم بال •‬

‫} لئن بسطت إلي يدك لت‪! B‬قت‪B‬لني { الية‪ ،‬ثم حكى سبحانه أمر الملئكة لهم على سبيل التقريع‬

‫والتوبيخ حين بسط أيديهم لقبض أرواحهم وقلعها وتعصيها عن الخروج من البدان‪ } ،‬أ !خرجوا‬

‫أنفسكم { أي من هذه الغمرات التي وقعتم فيها‪ ،‬أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من‬

‫العذاب‪ ،‬أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم وسلموها إلينا لنقبضها‪ ،‬وذلك أن الكافر إذا احتضر‬
‫بشرته الملئكة بالعذاب‪ ،‬والنكال‪ ،‬والغلل‪ ،‬والسلسل‪ ،‬والجحيم‪ ،‬والحميم‪ ،‬والغساق‪،‬‬
‫وغضب الرحمن فتفرق روحه في جسده وتعصى‪ ،‬وتأبى الخروج‪ ،‬فتضربهم الملئكة حتى تخرج‬

‫أرواحهم من أجسادهم } ال!ي‪! B‬وم ت !جز!ون عذاب الهون { أي اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم تلقون‬

‫عذاب الذل والهوان بعد ما كنتم فيه من الكبر والعظمة والفخر } بما كنت !م ت‪B‬قولون على الله غ !ي‪B‬ر‬

‫الح 'ق { الباء للسببية‪ ،‬أي بسبب ما كنتم تقولون مفترين على ال غير الحق‪ ،‬كقول بعضهم } ما‬

‫لم يوح إ !ليه ش !يء‪ { d‬وإنكار طائفة لما‬
‫أنزل الله على بشر 'من ش !يء { ‪ ،‬وقوله الخر‪ } :‬أوحي إلي و !‬
‫وصف ال به نفسه من الصفات واتخاذ أقوام له البنين والبنات واستكبار آخرين عن العتراف بما‬

‫احتقارا منهم للرسل –عليهم أفضل الصلة والسلم؛ ولذلك قال‬
‫أنزله من اليات على رسله‬
‫‪2‬‬

‫تعالى‪ } :‬وكنت !م ع !ن آياته ت !ستك!برون { ‪.‬‬

‫وقال ابن مسعود في قوله تعالى‪ } :‬فإن له معيشة‪ 2‬ضن ‪2‬كا { ‪ ،‬قال‪ :‬المعيشة الضنك‪ :‬هي عذاب‬

‫ضربون وجوهه !م‬
‫القبر‪ ،‬ومن الدلة قوله تعالى‪ } :‬و !لو ت‪B‬رى إ !ذ ي‪B‬ت‪B‬وفى الذين كفروا الملئكة ي !‬
‫وأ !دباره !م وذوقوا عذاب الحريق { فهذه الذاقة هي في البرزخ‪ ،‬وأولها حين الوفاة‪.‬‬

‫وفي »الصحيح« عن البراء بن عازب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬في قوله تعالى‪ } :‬ي‪B‬ثب'ت الله الذين آمنوا‬
‫بال!ق !ول الثابت في الحياة ال •دن!‪B‬يا وفي الخرة { قال‪ :‬نزلت في عذاب القبر‪ ،‬ومن الدلة قوله‬
‫تعالى‪ } :‬وإن للذين ظلموا عذاب‪2‬ا دون ذلك ولكن أ !كث‪B‬ره !م ل ي‪! B‬علمون { ‪ ،‬وقوله تعالى‪' } :‬مما‬

‫خطيئاته !م أ !غرقوا فأ !دخلوا ن ‪2‬ارا { ‪،‬وقوله تعالى في حق آل فرعون‪ } :‬النار ي‪! B‬عرضون عل !ي‪B‬ها غد ‪2‬وا‬
‫وعشي‪2‬ا { ‪.‬‬

‫وفي »الصحيحين«‪ :‬عن ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬مر النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬بقبرين‪ ،‬فقال‪» :‬إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير«‪ ،‬ثم قال‪» :‬بلى‪ ،‬إنه كبير‪ ،‬أما أحدهما‬

‫فكان ل يستتر من البول‪ ،‬وأما الخر فكان يمشي بالنميمة« الحديث متفق عليه‪.‬‬
‫وفي حديث أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪» :-‬تنزهوا من البول‪ ،‬فإن عامة عذاب القبر منه«‪ ،‬وعن زيد‬
‫بن ثابت قال‪» :‬بينما رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في حائط لبني النجار على بغلة له‪،‬‬

‫ونحن معه إذ حادت به‪ ،‬وكادت تلقيه‪ ،‬وإذا أقبر ستة أو خمسة‪ ،‬فقال‪» :‬من يعرف أصحاب هذه‬
‫القبر؟« قال رجل‪ :‬أنا‪ ،‬قال‪» :‬فمتى ماتوا؟« قال‪ :‬في الشرك‪ ،‬فقال‪» :‬إن هذه المة تبتلى في‬
‫قبورها‪ ،‬فلول أن ل تدافنوا لدعوت ال أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه« ثم أقبل‬
‫بوجهه علينا‪ ،‬فقال‪» :‬تعوذوا بال من عذاب«‪ ،‬قالوا‪ :‬نعوذ بال من عذاب القبر« الحديث رواه‬
‫مسلم‪.‬‬
‫وعن ابن عباس أنه قال لرجل‪ :‬أل أتحفك بحديث تفرح به؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬اقرأ تبارك الذي‬
‫بيده الملك‪ ،‬وعلمها أهلك‪ ،‬وجميع ولدك‪ ،‬وصبيان بيتك‪ ،‬وجيرانك‪ ،‬فإنها المنجية‪ ،‬والمجادلة‬
‫تجادل‪ ،‬أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها‪ ،‬وتطلب أن ينجيه من عذاب النار‪ ،‬وينجى بها‬
‫صاحبها من عذاب القبر‪ ،‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬لوددت أنها في قلب كل‬
‫إنسان من أمتي«‪.‬‬
‫وورد أن رجل‪ 2‬غل شملة من المغنم فجاء سهم عائر‪ ،‬فأصابه‪ ،‬فقتله‪ ،‬فقال الناس‪ :‬هنيئ‪2‬ا له الجنة‪،‬‬

‫فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬كل‪ ،‬والذي نفسي بيده‪ ،‬إن الشملة التي أخذها يوم‬

‫نارا«‪.‬‬
‫خيبر من المغانم التي لم تصبها المقاسم تشتعل عليه ‪2‬‬
‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه‬
‫أصحابه‪ ،‬وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولن ما كنت تقول في هذا الرجل –‬
‫لمحمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فأما المؤمن فيقول‪ :‬أشهد أنه عبدال ورسوله‪ ،‬فيقال‪ :‬انظر‬
‫جميعا‪ ،‬وأما المنافق والكافر‪،‬‬
‫إلى مقعدك من النار‪ ،‬قد أبدلك ال به مقع ‪2‬دا من الجنة فيراهما ‪2‬‬

‫فيقال له‪ :‬ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول‪ :‬ل أدري‪ ،‬كنت أقول ما يقول الناس‪ ،‬فيقال‪ :‬ل‬
‫دريت ول تليت‪ ،‬ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين«‬

‫متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عبدال بن عمر‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن أحدكم إذا مات‬
‫عرض عليه مقعده بالغداة والعشي‪ ،‬إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة‪ ،‬وإن كان من أهل النار‬
‫فمن أهل النار‪ ،‬فيقال‪ :‬هذا مقعدك حتى يبعثك ال إليه يوم القيامة« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬أن يهودية دخلت عليها‪ ،‬فذكرت عذاب القبر‪ ،‬فقالت لها‪:‬‬
‫أعاذك ال من عذاب القبر‪ ،‬فسألت عائشة رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عن عذاب‬
‫القبر‪ ،‬فقال‪» :‬نعم‪ ،‬عذاب القبر حق«‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فما رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬بعد صلى صلة إل تعوذ بال من عذاب القبر‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا قبر‬
‫الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان‪ ،‬يقال لحدهما‪ :‬المنكر‪ ،‬وللخر‪ :‬النكير‪ ،‬فيقولن‪ :‬ما كنت‬
‫تقول في هذا الرجل؟ فيقول‪ :‬هو عبدال ورسوله‪ ،‬أشهد أن ل إله إل ال وأن محمد عبده‬
‫اعا في سبعين‪ ،‬ثم‬
‫ورسوله‪ ،‬فيقولن‪ :‬قد كنا نعلم أنك تقول هذا‪ ،‬ثم يفسح له في قبره سبعون ذر ‪2‬‬

‫ينور له فيه‪ ،‬ثم يقال له‪ :‬نم‪ ،‬فيقول‪ :‬أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولن‪ :‬نم كنومة العروس الذي ل‬

‫يوقظه إل أحب أهله إليه حتى يبعثه ال من مضجعه ذلك‪ ،‬وإن كان مناف ‪2‬قا‪ ،‬قال‪ :‬سمعت الناس‬

‫يقولون شيئ‪2‬ا فقلت مثله‪ ،‬ل أدري‪ ،‬فيقولن‪ :‬قد كنا نعلم أنك تقول ذلك‪ ،‬فيقال للرض التئمي‬

‫عليه‪ ،‬فتلتئم عليه‪ ،‬فتختلف أضلعه‪ ،‬فل يزال فيها معذب‪2‬ا حتى يبعثه ال من مضجعه ذلك« رواه‬

‫الترمذي‪.‬‬

‫وعن البراء بن عازب عن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬يأتيه ملكان فيجلسانه‬
‫فيقولن له‪ :‬من ربك؟ فيقول‪ :‬ربي ال‪ ،‬فيقولن له‪ :‬ما دينك؟ فيقول‪ :‬ديني السلم‪ ،‬فيقولن‪ :‬ما‬
‫هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول‪ :‬هو رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فيقولن له‪ :‬وما‬
‫يدريك؟ فيقول‪ :‬قرأت كتاب ال‪ ،‬فآمنت به وصدقت فذلك قوله‪ } :‬ي‪B‬ثب'ت الله الذين آمنوا بال!ق !ول‬
‫الثابت في الحياة ال •دن!‪B‬يا وفي الخرة { «‪ ،‬قال‪» :‬فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي‪،‬‬
‫فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة‪ ،‬وافتحوا له باب‪2‬ا إلى الجنة‪ ،‬قال‪ :‬فيأتيه من روحها وطيبها‪،‬‬

‫ويفسح له فيها مد بصره«‪.‬‬

‫وأما الكافر فذكر موته‪ ،‬قال‪» :‬ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان‪ ،‬فيجلسانه‪ ،‬فيقولن‪ :‬من‬
‫ربك؟ فيقول‪ :‬هاه هاه‪ ،‬ل أدري‪ ،‬فيقولن له‪ :‬ما دينك؟ فيقول‪ :‬هاه هاه‪ ،‬ل أدري‪ ،‬فيقولن‪ :‬ما‬
‫هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول‪ :‬هاه هاه‪ ،‬ل أدري‪ ،‬فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي‬
‫فافرشوه من النار وألبسوه من النار‪ ،‬وافتحوا له باب‪2‬ا إلى النار‪ ،‬قال‪ :‬فيأتيه من حرها وسمومها‪،‬‬
‫قال‪ :‬ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلعه‪ ،‬ثم يقيض له أعمى أصم مرزبة من حديد لو‬

‫ضرب بها جبل لصار تراب‪2‬ا‪ ،‬فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إل الثقلين فيصير‬

‫ثواب‪2‬ا ثم يعاد فيه الروح« رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ليسلط على الكافر في قبره‬

‫تسعة وتسعون تنين‪2‬ا تنهشه وتلدغه‪ ،‬حتى تقوم الساعة‪ ،‬لو أن تنين‪2‬ا منها نفخ في الرض ما أنبتت‬

‫خضرا« رواه الدارمي‪ ،‬وروى الترمذي نحوه‪ ،‬وقال‪ :‬سبعون بدل تسعة وتسعون‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وعن ابن عمر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬هذا الذي تحرك له العرش‪،‬‬

‫وفتحت له أبواب السماء‪ ،‬وشهده سبعون أل ‪2‬فا من الملئكة‪ ،‬لقد ضم ضمة ثم فرج عنه« رواه‬

‫النسائي‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ولق !د ج !ئتمونا ف‪B‬رادى كما خل !قناك !م أول مرة { أي يقال يوم القيامة‪ :‬ولقد جئتمونا‬
‫وحدانا منفردين عن النداد والوثان والهل والولد والخوان‪ ،‬مجردين من الخدم والملك‬

‫والموال‪ ،‬كما خلقناكم أول مرة من بطون أمهاتهم‪ ،‬حفاة عراة غرل‪.2‬‬
‫كما قال تعالى‪ } :‬وعرضوا على رب'ك ص ‪2‬فا لق !د ج !ئتمونا كما خل !قناك !م أول مرة { أي كما بدأناكم‬
‫أعدناكم‪ ،‬وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه‪ ،‬وتقولون أئذامتنا وكنا تراب‪2‬ا ذلك بعيد‪ ،‬ويقولون‪:‬‬

‫يم { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وت‪B‬ر!كتم ما خول!ناك !م وراء ظهورك !م { يعني وتركتم الذي‬
‫} من ي !حيي العظام وهي رم ‪d‬‬
‫نقيرا ول قدمتموه‬
‫أعطيناكم وملكناكم من الموال والولد‪ ،‬فلم ينفعكم ولم تحتملوا منه ‪2‬‬

‫موجودا‪.‬‬
‫لنفسكم‪ ،‬وأشار بقوله وراء ظهوركم إلى الدنيا؛ لنهم يتركون ما خولوه‬
‫‪2‬‬

‫وثبت في »الصحيح«‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬يقول ابن آدم مالي مالي‪،‬‬

‫وهل لك من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬أو لبست فأبليت‪ ،‬أو تصدقت فأمضيت‪ ،‬وما سوى‬
‫ذلك فذاهب وتاركه للناس«‪.‬‬
‫فما تزود مما كان يجمعه‬
‫وغير نفحة أعواد تشب له ‪ ...‬سوى حنوط غداة البين في خرق‬
‫وقل ذلك من زاد لمنطلق‬
‫وقال الحسن البصري‪ :‬يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ‪ ،‬فيقول ال عز وجل‪ :‬أين ما جمعت؟‬
‫فيقول‪ :‬يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان‪ ،‬فيقول له‪ :‬يا ابن آدم ما قدمت لنفسك‪ ،‬فل يراه قدم‬
‫شيئ‪2‬ا‪ ،‬وتل هذه الية‪ } :‬ولق !د ج !ئتمونا ف‪B‬رادى كما خل !قناك !م أول مرة وت‪B‬ر!كتم ما خول!ناك !م وراء‬
‫ظهورك !م { الية‪ ،‬رواه ابن أبي حاتم‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وما ن‪B‬رى معك !م شفعاءكم الذين زع !مت !م أن‪B‬ه !م فيك !م شركاء { يقول تعالى ذكره لهؤلء‬

‫العادلين بربهم النداد يوم القيامة‪ :‬ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم في الدنيا‪ ،‬أنهم يشفعون‬

‫لكم عند ربكم يوم القيامة‪ ،‬وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون اللهة؛ لنهم‬
‫مخبرا عما قالوا‪ } :‬ما ن‪! B‬عبده !م‬
‫شفعاء يشفعون لهم عند ال‪ ،‬وأن هذه اللهة شركاء ل‪ ،‬قال تعالى ‪2‬‬
‫إل لي‪B‬ق 'ربونا إلى الله زل!فى { ‪ ،‬وقال عنهم‪ } :‬وي‪B‬قولون هؤلء شفعاؤنا عند الله { ‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬لقد ت‪B‬قطع ب‪! B‬ي‪B‬نك !م { أي لقد تقطع ما بينكم من الوصل‪ ،‬أو يكون المعنى‪ :‬لقد تقطع‬
‫المر بينكم‪ ،‬وقرئ برفع النون‪ ،‬ومعناه‪ :‬لقد تقطع وصلكم والبين من الضداد‪ ،‬يكون وصل‪2‬‬
‫هجرا‪.‬‬
‫ويكون ‪2‬‬

‫وفي الذي يزعمون أقوال‪ ،‬أحدها‪ :‬شفاعة اللهة لهم‪ ،‬وقيل‪ :‬عدم البعث والجزاء‪ ،‬وقيل‪ :‬ما‬
‫يزعمون من الربح والمن والسعادة والنجاة التي زينها لهم الشيطان‪ ،‬وحسنها في قلوبهم‪ ،‬فنطقت‬
‫بها ألسنتهم واغتروا بهذا الزعم الباطل الذي ل حقيقة له حين تبين لهم نقيض ما كانوا يزعمون‪،‬‬
‫فذهب وبطل ما كانوا يكذبون في الدنيا‪ ،‬وظهر خسرانهم لنفسهم وأهليهم وأموالهم يوم القيامة‪.‬‬
‫ب والن‪B‬وى { لما تقدم الكلم على تقرير التوحيد‪ ،‬وتقرير النبوة‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬إن الله فالق الح '‬
‫تنبيها بذلك على أن المقصود العظم هو‬
‫أردفه بذكر الدللة على كمال قدرته وعلمه وحكمته ‪2‬‬

‫معرفة ال سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله وأنه مبدع الشياء وخالقها‪ ،‬ومن كان كذلك كان‬

‫هو المستحق للعادة‪ ،‬ل هذه الصنام التي كانوا يعبدونها‪ ،‬وتعري ‪2‬فا منه خطأ ما كانوا عليه من‬

‫الشراك الذي كانوا عليه‪ ،‬والمعنى‪ :‬أن الذي يستحق العبادة دون غيره هو ال الذي ل إله إل‬

‫هو‪.‬‬
‫والفلق‪ :‬الشق‪ ،‬قال الحسن وقتادة والسدي‪ :‬معناه يشق الحبة عن السنبلة‪ ،‬والنواة عن النخلة‬
‫فيخرجها منها‪ ،‬والحب جمع حبة‪ ،‬وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة وكل‬
‫ما لم يكن له نوى‪ ،‬وقال الزجاج‪ :‬يشق الحبة اليابسة‪ ،‬والنواة اليابسة‪ ،‬فيخرج منها ورق‪2‬ا أخضر‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬أن هذا شامل كل الحبوب التي يباشر الناس زرعها‪ ،‬والتي ل يباشرونها كالحبوب التي‬

‫يبثها ال في البراري والقفار‪ ،‬فيفلق الحبوب عن الزرع والنوابت على اختلف أنواعها وأشكالها‬
‫ومنافعها‪ ،‬ويفلق النوى عن الشجار من النخيل والفواكه وغير ذلك‪ ،‬فينتفع بها الخلق من‬
‫الدميين والنعام والدواب‪ ،‬ويقتاتون وينتفعون بها بجميع أنواع المنافع التي جعلها ال في ذلك‪.‬‬
‫وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه‪ ،‬كما ورد في الحديث‪.‬‬
‫ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل ‪ -‬رضي ال عنه ‪:-‬‬
‫وأنت الذي من فضل من ورحمة‬
‫فقلت له فاذهب وهارون فادعوا ‪ ...‬بعثت إلى موسى رسول‪ 2‬مناديا‬

‫إلى ال فرعون الذي كان طاغيا‬
‫إلى أن قال‪:‬‬

‫وقول له من ينبت الحب في الثرى‬
‫ويخرج منه حبه في رؤوسه ‪ ...‬فيصبح من العشب يهتز رابيا‬
‫ففي ذاك آيات لمن كان واعيا‬
‫وقوله‪ } :‬ي !خرج الحي من المي'ت وي !خرج المي'ت من الح 'ي { في معنى ذلك ثلثة أقوال‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬إنه إخراج النسان حي‪2‬ا من النطفة وهي ميتة‪ ،‬وإخراج النطفة من النسان‪ ،‬وكذا إخراج‬

‫الفرخ من البيضة‪ ،‬وإخراج البيضة من الطائر‪ ،‬هذا قول ابن مسعود‪ ،‬وابن عباس‪ ،‬ومجاهد‪ ،‬وابن‬
‫جبير والجمهور‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬إنه إخراج الحي ‪ -‬كإخراج إبراهيم الخليل من آزر‪ -‬باليمان من الكافر الميت بالكفر‪،‬‬
‫وإخراج الكافر‪ -‬كإخراج ابن نوح من نوح‪ -‬الميت بالكفر من المؤمن الحي باليمان‪ ،‬روى نحو‬
‫هذا الضحاك عن ابن عباس‪ ،‬وهو قول الحسن وعطاء‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬إنه إخراج السنبلة الحية من الحبة الميتة‪ ،‬والنخلة الحية من النواة الميتة والنواة الميتة‬
‫من النخلة الحية‪ ،‬قاله السدي‪ ،‬وقال الزجاج‪ :‬يخرج النبات الغض من الحب اليابس‪ ،‬والحب‬
‫اليابس من النبات الحي النامي‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ذلكم الله { ‪ :‬أي فاعل هذا هو ال وحده ل شريك له‪ } ،‬فأنى ت‪! B‬ؤفكون { ‪ ،‬فكيف‬
‫تصرفون عن عبادته وتشركون به من ل يقدر على شيء من ذلك‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬إن الذين‬

‫اجتمعوا له { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬والذين ي !دعون من دون‬
‫ت !دعون من دون الله لن ي !خلقوا ذباب‪2‬ا ولو !‬

‫الله ل ي !خلقون ش !يئ‪2‬ا وه !م ي !خلقون { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬واتخذوا من دونه آلهة‪ 2‬ل ي !خلقون ش !يئ‪2‬ا وه !م‬
‫ورا { ‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ي !خلقون ول ي !ملكون لنفسه !م ض ‪2‬را ول ن‪! B‬ف ‪2‬عا ول ي !ملكون م !وت‪2‬ا ول حياة‪ 2‬ول نش ‪2‬‬
‫} والذين ت !دعون من دونه ما ي !ملكون من قط!مير { ‪.‬‬
‫صباح { الصباح مصدر سمي به الصبح‪ ،‬قال امرؤ القيس‪:‬‬
‫وقوله‪ } :‬فالق ال !‬
‫أل أيها الليل الطويل أل انجلى ‪ ...‬بصبح وما الصباح منك بأمثل‬

‫فهو سبحانه خالق الضياء والظلم‪ ،‬كما في أول السورة‪ ،‬وجعل الظلمات والنور‪ ،‬فهو يفلق ظلم‬
‫الليل عن غرة الصبح فيضيء الوجود‪ ،‬ويستنير الفق ويضمحل الظلم ويذهب الليل بسواده‬
‫وظلمه‪ ،‬ويجيء النهار بضيائه وإشراقه‪ ،‬كقوله تعالى‪ } :‬ي‪! B‬غشي الل !يل الن‪B‬هار يط!لبه حثيث‪2‬ا { فبين‬

‫تعالى قدرته على خلق الشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه‪ ،‬فذكر‬

‫أنه فالق الصباح‪ ،‬وقابل ذلك بقوله‪ } :‬وجعل الليل سكن‪2‬ا { ‪ ،‬أي يسكن إليه من يتعب بالنهار‪،‬‬

‫واسترواحا إليه من‬
‫استئناسا به‬
‫ويستأنس به لسترواحه فيه‪ ،‬وكل ما يسكن إليه الرجل ويطمئن‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫اجا ل'ت !سكنوا إل !ي‪B‬ها { ‪.‬‬
‫حبيب أو زوج‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وم !ن آياته أ !ن خلق لكم 'م !ن أنفسك !م أ !زو ‪2‬‬

‫وعن قتادة‪ :‬إن المعنى‪ :‬يسكن فيه كل طير ودابة‪ ،‬وروي نحوه عن ابن عباس ومجاهد ‪ -‬رضي‬

‫ال عنهم ‪.-‬‬
‫فالمراد حينئذ جعل الليل مسكون‪2‬ا فيه من السكون أي الهدوء والستقرار‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬

‫ضله { فالليل وقت الراحة‬
‫} ومن ر !حمته جعل لكم الل !يل والن‪B‬هار لت !سكنوا فيه ولت !بت‪B‬غوا من ف !‬

‫والسكون؛ لنه ل يتيسر فيه من الحركة وأنواع العمال ما يتيسر في النهار؛ لما خص به الليل من‬
‫الظلم‪ ،‬والنهار من البصار‪ ،‬وأكثر الحيان من النسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل‬
‫وتأوي إلى مساكنها للراحة التي ل تتم ول تكمل إل بالنوم الذي تسكن فيه الجوارح والخواطر‬
‫ببطلن حركتها الرادية كما تسكن به العضاء سكون‪2‬ا نسبي‪2‬ا‪ ،‬فتقل نبضات القلب‪ ،‬ويقل إفراز‬
‫خليا الجسم للسوائل والعصارات التي تفرزها‪ ،‬ويبطئ التنفس ويقل ضغط الدم في الشرايين‪،‬‬

‫مفقودا‪ ،‬ويستريح الجهاز العصبي لتستريح‬
‫ولسيما أول النوم‪ ،‬ويضعف الشعور حتى يكاد يكون‬
‫‪2‬‬

‫جميع العضاء‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬والش !مس وال!قمر ح !سبان‪2‬ا { أي يجريان بحساب مقدر مقنن ل يتغير ول يضطرب‪ ،‬بل‬

‫لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء‪ ،‬فيترتب على ذلك اختلف الليل والنهار طول‪2‬‬
‫ورا وقدره منازل لت‪! B‬علموا عدد‬
‫اء وال!قمر ن ‪2‬‬
‫وقصرا‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬هو الذي جعل الش !مس ضي ‪2‬‬
‫‪2‬‬

‫سنين وال!حساب { الية‪ ،‬وقال‪ } :‬ل الش !مس ي‪! B‬نبغي لها أن ت !درك القمر ول الل !يل سابق الن‪B‬هار‬
‫ال '‬
‫وكل‚ في ف‪B‬لك ي !سبحون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬والش !مس وال!قمر والن•جوم مسخرات ب !أمره { ‪.‬‬

‫وقد جمع ال في هذه الية ثلث آيات سماوية‪ ،‬كما جمع فيما قبلها ثلث آيات أرضية‪ ،‬فالية‬

‫الولى‪ :‬فلق الصبح والتذكير به للتأمل في صنع ال –الذي أتقن كل شيء‪ -‬بإفاضة النور‪ ،‬ومبدأ‬
‫زمن تقلب الحياء في القيام ومضيهم إلى ما يسروا له من العمال‪ ،‬وما ل في ذلك من حكم‬
‫وأسرار‪.‬‬
‫والية الثانية‪ } :‬جعل الليل سكن‪2‬ا { وذلك نعمة من ال ليستريح الجسم‪ ،‬وتسكن النفس‪ ،‬وتهدأ‬

‫من تعب العمل بالنهار‪.‬‬

‫والية الثالثة‪ } :‬والش !مس وال!قمر ح !سبان‪2‬ا { وذلك فضل من ال العظيم‪ ،‬فإن حاجة الناس إلى‬
‫معرفة حساب الوقات لعباداتهم ومعاملتهم وتواريخهم ل تخفى على أحد منهم‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬ذلك ت‪! B‬قدير العزيز العليم { أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي ل يمانع ول يخاف‬

‫العليم الذي أحاط علمه بكل شيء‪ ،‬فل !يعزب عن علمه مثقال ذرة في الرض ول في السماء‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬هو الذي جعل لكم الن•جوم لت‪! B‬هتدوا بها في ظلمات الب‪' B‬ر وال!ب !حر { يذكر تعالى آية أخرى‬
‫من آياته الكونية‪ ،‬ويقرنها بذكر فائدتها وهي النجوم‪ ،‬جعلها ال للناس أدلة في البر والبحر إذا‬

‫النجم ه !م ي‪! B‬هتدون { ‪.‬‬
‫ضلوا الطريق أو تحيروا‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وعلمات وب !‬
‫قال بعض السلف‪ :‬من اعتقد في هذه النجوم غير ثلث فقد أخطأ‪ ،‬وكذب على ال سبحانه‪ ،‬أن‬
‫ورجوما للشياطين‪ ،‬وعلمات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر‪ ،‬قال‬
‫جعلها ال زينة للسماء‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫القحطاني ‪ -‬رحمه ال ‪:-‬‬
‫إن النجوم على ثلثة أوجه‬
‫بعض النجوم خلقن زين‪2‬ا للسما‬

‫وكواكب تهدي المسافر في السرى ‪ ...‬فاسمع مقال الناقد الدهقان‬

‫كالدر فوق ترائب النسوان‬
‫ورجوم كل مثابر شيطان‬
‫ولما في عالم السموات من بديع الصنع وبديع النظام‪ ،‬ختم سبحانه وتعالى الية بقوله‪ } :‬ق !د‬
‫فصل!نا اليات لق !وم ي‪! B‬علمون { أي بيناها ووضحناها وميزنا كل جنس ونوع منها عن الخر بحيث‬
‫آيات ال بادية ظاهرة لقوم يعلمون بما في هذه اليات من الدللة على قدرة ال وعظمته وبديع‬

‫حكمته‪ ،‬وخص أهل العلم؛ أنهم الذين يوجه إليهم الخطاب ويطلب منهم الجواب وهم المنتفعون‬
‫باليات‪ ،‬وبعد أن ذكرنا جل وعل ببعض آياته في الرض والسماء ذكرنا بآياته في أنفسنا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫} وهو الذي أنشأكم 'من ن‪! B‬فس واحدة { ‪ ،‬المعنى‪ :‬أن ال هو الذي ابتدأ خلقكم أيها الناس‬

‫فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئ‪2‬ا‪ ،‬من نفس واحدة‪ ،‬يعني من آدم ‪ -‬عليه السلم ‪ ،B‬فهو أبو البشر‬
‫أيضا؛ لن ابتداء خلقه مريم وهي من بنات آدم‪ ،‬فثبت أن‬
‫كلهم‪ ،‬وحواء مخلوقة منه‪ ،‬وعيسى ‪2‬‬
‫جميع الخلق من آدم ‪ -‬عليه السلم ‪.B‬‬

‫وفي إنشاء جميع البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة ال‪ ،‬وعلمه‪ ،‬وحكمته‪ ،‬ووحدانيته‪،‬‬
‫وقد اختلف في المستقر والمستودع‪ ،‬فقيل‪ :‬المستقر في الصلب‪ ،‬والمستودع في الرحام‪،‬‬
‫وإنما جعل الصلب مقر النطفة‪ ،‬والرحم مستودعها؛ لن النطفة تتولد في الصلب ابتداء‪ ،‬والرحم‬
‫شبيهة بالمستودع‪ ،‬كما قيل‪:‬‬
‫وإنما أمهات الناس أوعية ‪ ...‬مستودعات وللباء أبناء‬
‫وقيل‪ :‬مستقر في الرحم ومستودع في القبر إلى أن يبعث‪ ،‬وقيل‪ :‬مستقر في بطون المهات‪،‬‬
‫ومستودع في أصلب الباء‪ ،‬وقيل‪ :‬مستقر على ظهر الرض في الدنيا‪ ،‬ومستودع عند ال في‬
‫الخرة‪ ،‬وقيل‪ :‬مستقرها أيام حياتها‪ ،‬ومستودعها حيث يموت‪ ،‬وحث يبعث‪ ،‬وقيل‪ :‬مستقر في‬
‫القبر ومستودع في الدنيا‪.‬‬
‫وأنشدوا قول لبيد‪:‬‬
‫يوما أن ترد الودائع‬
‫وما المال والهلون إل ودائع ‪ ...‬ول بد ‪2‬‬

‫وقال بعض المفسرين‪ :‬الذي يقتضيه النظر أن الستقرار والستيداع حالن يعتوران على النسان‬

‫من الظهر إلى الرحم‪ ،‬إلى الدنيا إلى القبر‪ ،‬إلى الحشر إلى الجنة أو النار‪.‬‬

‫وفي كل رتبة يحصل له استقرار واستيداع استقرار بالضافة إلى ما قبلها‪ ،‬واستيداع بالضافة إلى‬
‫ما بعدها‪ ،‬ولفظ الودية يقتضي النتقال‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ق !د فصل!نا اليات لق !وم ي‪! B‬فقهون { أي بينا ووضحنا الدلئل الدالة على التوحيد‬

‫والبراهين الواضحة والححج النيرة لقوم يفقهون غوامض الدقائق‪ ،‬ذكر سبحانه هاهنا } ي‪! B‬فقهون {‬

‫مستقرا وبعضها‬
‫وفيما قبله } ي‪! B‬علمون { ؛ لن في إنشاء النفس من نفس واحدة‪ ،‬وجعل بعضها‬
‫‪2‬‬

‫مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للهتداء‪ ،‬فناسبه ذكر الفقه لشعاره بمزيد‬
‫‪2‬‬
‫تحقيق وإمعان فكر وتدقيق نظر‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬

‫مما يفهم من آيات الدرس ]‪:[98-93‬‬
‫‪ -1‬أن ل أحد أظلم ممن افترى على ال الكذب أو قال أوحي إليه ولم يوح إليه شيء‪.‬‬
‫‪ -2‬النهي عن الظلم‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -4‬النهي عن الكذب‪.‬‬
‫‪ -5‬الوعيد الشديد للظالمين‪.‬‬
‫‪ -6‬الوعيد الشديد لمدعي النبوة كمسيلمة‪ ،‬والسود العنسي ونحوهما؛ لفترائهما على ال‪.‬‬
‫‪ -7‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -8‬أن القرآن منزل غير مخلوق‪.‬‬
‫‪ -9‬الرد على من قال إنه مخلوق كالمعتزلة والجهمية‪.‬‬
‫‪ -10‬أنه ليس في المكان التيان بمثله‪.‬‬
‫‪ -11‬دليل على شدة سكرات الموت وأهواله وكربه في حق الظالمين‪.‬‬
‫‪ -12‬إثبات الملئكة‪.‬‬
‫‪ -13‬أن للملئكة أيدي‪.‬‬
‫‪ -14‬الرد على منكري الملئكة من عمى البصائر المكذبين ل ورسوله ولما أجمع عليه‬
‫المسلمون‪.‬‬
‫‪ -15‬أن الملئكة تقبض الرواح‪.‬‬
‫‪ -16‬النهي والتحذير عن الستكبار عن آيات ال‪.‬‬
‫‪ -17‬توبيخ الكفار وتقريعهم حال النزع‪.‬‬
‫‪ -18‬دليل على شدة عذاب ال‪ ،‬وأنه ل يعذب عذابه أحد‪.‬‬
‫‪ -19‬دليل على عذاب القبر ونعيمه‪ ،‬فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إليهم إنما هو حال‬

‫النزع عند الحتضار‪ ،‬وقبيل الموت وبعده‪.‬‬
‫‪ -20‬التحذير من الفتراء على ال وعلى رسله‪.‬‬
‫‪ -21‬تقريع وتوبيخ آخر؛ لنهم صرفوا همهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه‪ ،‬وأفنوا‬
‫أعمارهم في عبادة الصنام‪ ،‬فلم يغن عنهم كل ذلك شيئ‪2‬ا في يوم القيامة‪.‬‬

‫‪ -22‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬

‫‪ -23‬الرد على من أنكر صفة الكلم‪.‬‬
‫فردا‪.‬‬
‫‪ -24‬أن النسان يأتي يوم القيامة ‪2‬‬
‫‪ -25‬أنهم يأتون عراة‪.‬‬

‫‪ -26‬أنهم يأتون يوم القيامة حفاة عزل كحالتهم الولى‪.‬‬
‫‪ -27‬إثبات صفة الخلق ل‪.‬‬
‫‪ -28‬إثبات الفعال الختيارية‪.‬‬
‫‪ -29‬أنهم يتركون ما خولهم وراء ظهورهم‪.‬‬
‫‪ -30‬تقريع آخر على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من النداد والصنام والوثان‪.‬‬
‫‪ -31‬أن ظن المشركين في آلهتهم آل إلى الخيبة‪.‬‬
‫‪ -32‬أن الصلت والوسائل والسباب التي كانت بينهم تقطع‪.‬‬
‫‪ -33‬أنه يذهب عنهم ما رجوا من الصنام والنداد‪.‬‬
‫‪ -34‬إثبات صفة الفلق‪.‬‬
‫‪ -35‬أن ال يخرج الحي من الميت وبالعكس‪.‬‬
‫‪ -36‬دليل على قدرة ال‪.‬‬
‫‪ -37‬دليل على البعث بعد الموت؛ لن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه‬
‫من التراب للحساب بل شك‪.‬‬
‫‪ -38‬أن هذه القدرة تدل بذاتها على اللوهية‪.‬‬
‫‪ -39‬أن ال هو فالق الصباح‪.‬‬
‫‪ -40‬نعمة ال بفلق الصبح‪.‬‬
‫‪ -41‬نعمة ال بجعل الليل سكن‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -42‬نعمة ال بجعل الشمس والقمر حسبان‪2‬ا‪ ،‬بهما تعرف الزمنة والوقات‪ ،‬ومدة ماضي‬
‫الوقات‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫‪ -43‬إثبات عزة ال‪.‬‬

‫‪ -44‬إثبات علم ال‪.‬‬
‫‪ -45‬دليل على حكمة ال‪.‬‬
‫‪ -46‬التنبيه على أعظم فوائد النجوم‪ ،‬وهي الهداية للطرق والمسالك والجهات التي تقصد‬
‫والقبلة‪.‬‬
‫‪ -47‬أن ال هو الذي خلق النجوم للهتداء بها‪.‬‬
‫‪ -48‬أن ال جل وعل بين اليات بيان‪2‬ا مفصل‪ 2‬لقوم يعلمون‪.‬‬
‫‪ -49‬الحث على العلم لفهم آيات ال‪.‬‬

‫‪ -50‬أن أهل الجهل والعراض عن آيات ال‪ ،‬وعن العلم الذي جاءت به الرسل ل يفيدهم‬
‫ملتبسا‪.‬‬
‫التفصيل شيئ‪2‬ا‪ ،‬ول يزيل عنهم ‪2‬‬

‫‪ -51‬أن التحير والشتباه غالب‪2‬ا ما يكون في الظلم‪.‬‬

‫‪ -52‬آية أخرى‪ ،‬وهي‪ :‬خلق البشر من نفس واحدة‪.‬‬
‫‪ -53‬دليل على قدرة ال الذي خلق الخلق من نفس واحدة‪.‬‬
‫مستقرا‪.‬‬
‫‪ -54‬لطف ال بخلقه أن جعل لهم‬
‫‪2‬‬

‫مستودعا يحفظهم فيه‪.‬‬
‫‪ -55‬لطف ال ورحمته وعنايته بخلقه حيث جعل لهم‬
‫‪2‬‬

‫‪ -56‬التعبير بالفقه هنا وفيما قبلها بالعلم؛ لن استخراج الحكم من خلق البشر يتوقف على‬
‫غوص في أعماق اليات وفطنة في استخراج دقائق الحكم‪.‬‬
‫وصل ال على محمد وآله وسلم‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫التحذير من فتنة الشيطان والمر بالعتدال وكراهية السراف‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬
‫شا ولباس الت‪! B‬قوى ذلك‬
‫اسا ي‪B‬واري س !وءاتك !م وري ‪2‬‬
‫قال ال تعالى‪ } :‬يا بني آدم ق !د أنزل!نا عل !يك !م لب ‪2‬‬

‫خ !ي‪d B‬ر ذلك م !ن آيات الله لعله !م يذكرون * يا بني آدم ل ي‪! B‬فتن‪B‬نكم الش !يطان كما أ !خرج أب‪B‬وي!كم 'من‬
‫الجنة ينزع ع !ن‪B‬هما لباسهما ليري‪B‬هما س !وءاتهما إنه ي‪B‬راك !م هو وقبيله م !ن ح !يث ل ت‪B‬ر!ون‪B‬ه !م إنا جعل!نا‬

‫الشياطين !أولياء للذين ل ي‪! B‬ؤمنون * وإذا ف‪B‬علوا فاحشة‪ 2‬قالوا وج !دنا عل !ي‪B‬ها آباءنا والله أمرنا بها ق !ل‬
‫إن الله ل يأ!مر بال!ف !حشاء أت‪B‬قولون على الله ما ل ت‪! B‬علمون * ق !ل أمر رب'ي بال!ق !سط وأقيموا وجوهك !م‬
‫عند ك 'ل م !سجد وا !دعوه م !خلصين له الد'ين كما بدأك !م ت‪B‬عودون * فري ‪2‬قا هدى وفري ‪2‬قا حق عل !يهم‬
‫الضللة إن‪B‬هم اتخذوا الشياطين !أولياء من دون الله وي !حسبون أن‪B‬هم •م !هتدون * يا بني آدم خذوا‬

‫ب الم !سرفين * ق !ل م !ن حرم زينة الله‬
‫زينتك !م عند ك 'ل م !سجد وكلوا وا !شربوا ول ت !سرفوا إنه ل يح •‬
‫التي أ !خرج لعباده والطي'بات من ال 'ر!زق ق !ل هي للذين آمنوا في الحياة ال •دن!‪B‬يا خالصة‪ 2‬ي‪! B‬وم القيامة‬
‫صل اليات لق !وم ي‪! B‬علمون { ]العراف‪.[32-26 :‬‬
‫كذلك ن‪B‬ف '‬

‫مستقرا لهما‪،‬‬
‫بعد أن ذكر سبحانه وتعالى انه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الرض‪ ،‬وجعل الرض‬
‫‪2‬‬
‫وبقاء إلى زمن مقدر في علم ال‪ ،‬وذكر أن الشيطان عدو لهما‪ ،‬أعقب ذلك بذكر ما امتن به‬

‫عليهم مما يسره لهم من اللباس الضروري واللباس الذي المقصود منه الجمال‪ ،‬وهكذا سائر‬
‫الشياء كالطعام والشراب والمراكب والمناكح ونحوها‪ ،‬قد يسر لعباده ضروريها ومكمل ذلك‪،‬‬
‫قال ابن جرير‪ :‬الرياش في كلم العرب‪ :‬الثاث وما ظهر من الثياب‪ ،‬وعن ابن عباس ومجاهد‬
‫والسدي‪ :‬أن المراد به المال‪ ،‬وقال العوفي عن ابن عباس‪ :‬الرياش‪ :‬اللباس‪ ،‬والعيش والنعيم‪،‬‬
‫وقال ابن زيد‪ :‬الريش الجمال‪.‬‬
‫وعن أبي العلء الشامي قال‪ :‬لبس أبو أمامة ثوب‪2‬ا جدي ‪2‬دا‪ ،‬فلما بلغ ترقوته‪ ،‬قال‪» :‬الحمد ل الذي‬

‫كساني ما أواري به عورتي‪ ،‬وأتجمل به في حياتي«‪ ،‬ثم قال‪ :‬سمعت عمر بن الخطاب يقول‪ :‬قال‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من استجد ثوب‪2‬ا فلبسه‪ ،‬فقال حين يبلغ ترقوته‪ :‬الحمد ل‬
‫الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي‪ ،‬ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به‪،‬‬

‫كان في ذمة ال‪ ،‬وفي جوار ال‪ ،‬وفي كنف ال حي‪2‬ا وميت‪2‬ا« رواه الترمذي وابن ماجه‪.‬‬

‫وعن أبي سعيد قال‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذا استجد ثوب‪2‬ا سماه باسمه‪:‬‬

‫رداء‪ ،‬ثم يقول‪» :‬اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه‪ ،‬أسألك خيره وخير ما صنع‬
‫عمامة أو ‪2‬‬
‫قميصا أو ‪2‬‬
‫له‪ ،‬وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له« رواه الترمذي‪.‬‬

‫قميصا بثلثة دراهم‪،‬‬
‫غلما حدث‪2‬ا فاشترى منه ‪2‬‬
‫وعن أبي مطر أنه رأى علي‪2‬ا ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أتى ‪2‬‬

‫ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين‪ ،‬يقول حين لبسه‪ :‬الحمد ل الذي رزقني من الرياش ما أتجمل‬

‫به في الناس وأواري به عورتي‪ ،‬فقيل له‪ :‬هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪ :‬هذا شيء سمعته من رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول عند‬
‫الكسوة‪» :‬الحمد ل الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس‪ ،‬وأواري به عورتي« رواه‬
‫المام أحمد‪.‬‬
‫مقصودا بالذات وإنما أنزله ال للعباد ليكون معونة لهم على‬
‫ثم بين ال تعالى لهم أن هذا ليس‬
‫‪2‬‬

‫عبادته وطاعته؛ ولهذا قال‪ } :‬ولباس الت‪! B‬قوى ذلك خ !ي‪d B‬ر { اختلف في تفسير لباس التقوى‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬هو اليمان‪ ،‬وقيل‪ :‬الحياء‪ ،‬وقيل‪ :‬السلم‪ ،‬وقيل‪ :‬العمل الصالح‪ ،‬وقيل‪ :‬خشية ال‪،‬‬

‫وقيل‪ :‬السمت الحسن في الوجه‪ ،‬وقال الكلبي‪ :‬هو العفاف‪ ،‬وقيل‪ :‬لباس التقوى لباس الورع‬
‫وارتقاء معاصي ال‪ ،‬وهو الورع نفسه والخشية من ال‪ ،‬فذلك خير لباس وأجمل من اللباس‬
‫الحسي‪ ،‬فإن لباس التقوى يستمر مع العبد ول يبلى ول يبيد‪ ،‬وهو جمال القلب والروح‪ ،‬و أما‬
‫اللباس الظاهر فغايته أن يستر العورة الظاهرة في وقت من الوقات‪ ،‬أو يكون جمال‪ 2‬للنسان‬

‫وأيضا فبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف العورة الظاهرة التي ل يضر‬
‫وليس وراء ذلك منه نفع‪2 ،‬‬

‫كشفها مع الضرورة‪ ،‬وأما بتقدير عدم لباس التقوى‪ ،‬فإنها تنكشف عورته الباطنة‪ ،‬ويناله الخزي‬

‫والفضيحة‪ ،‬قال بعضهم‪:‬‬
‫لباسا من التقى ‪ ...‬تقلب عريان‪2‬ا وإن كان كاسيا‬
‫إذا المرء لم يلبس ‪2‬‬

‫وقال الخر‪:‬‬

‫إذا أنت لم تلبس ثياب‪2‬ا من التقى ‪ ...‬عريت وإن دارى القميص قميص‬

‫وقال الخر‪:‬‬

‫وخير لباس المرء طاعة ربه ‪ ...‬ول خير فيمن كان ل عاصيا‬
‫وقوله‪ } :‬ذلك م !ن آيات الله لعله !م يذكرون { أي ذلك المتقدم ذكره من النعم بإنزال الملبس‬
‫من آيات ال الدالة على أنه الخالق‪ ،‬وعلى قدرته‪ ،‬وعلى إحسانه‪ ،‬ولطفه وفضله على بني آدم‬

‫لعلهم يذكرون‪ ،‬فيعرفون نعمته جل وعل عليهم‪ ،‬ويستعينون باللباس الظاهر على اللباس الباطن‪،‬‬
‫ويقومون بما يجب عليهم من الشكر ويتعظون فيترفعون عن القبائح ويبعدون عن فتنة الشيطان‬
‫وإبداء العورات‪.‬‬
‫تحذيرا لهم من الشيطان‪ ،‬وفائدة تكرار النداء لليذان بكمال‬
‫ثم كرر سبحانه النداء لبني آدم‬
‫‪2‬‬

‫العتناء بمضمون ما صدر به‪ ،‬فقال‪ } :‬يا بني آدم ل ي‪! B‬فتن‪B‬نكم الش !يطان كما أ !خرج أب‪B‬وي!كم 'من‬

‫الجنة ينزع ع !ن‪B‬هما لباسهما ليري‪B‬هما س !وءاتهما { ‪ ،‬يقول تعالى ذكره‪ :‬يا بني آدم‪ ،‬ل يخدعنكم‬

‫الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم‪ ،‬كما وسوس لبويكم آدم وحواء‬

‫عند اختباره إياهما فزين لهما المعصية فأطاعاه وأكل من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها‬
‫فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدعه من الجنة‪ ،‬ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس‬
‫ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لعينهما بعد أن كانت مستترة‪ ،‬وأضاف نزعه إلى‬
‫الشيطان وإن لم يباشر ذلك؛ لنه كان بسبب وسوسته‪ ،‬فأسند إليه وصيغة المضارع لستحضار‬
‫الصورة التي وقعت فيما مضى والنزع الجذب للشيء بقوة عن مقره‪ ،‬ومنه‪ } :‬تنزع الناس كأن‪B‬ه !م‬
‫أ !عجاز ن !خل •منقعر { ومنه نزع القوس‪ ،‬ويستعمل في العراض‪ ،‬ومنه نزع العداوة والمحبة من‬
‫القلب ونزع فلن كذا سلبه‪ ،‬ومنه‪ } :‬والنازعات غ !رق‪2‬ا { ؛ لنها تقلع أرواح الكفرة بشدة‪ ،‬ومنه‬

‫المنازعة وهي‪ :‬المخاصمة‪ ،‬والنزع عن الشيء‪ :‬الكف عنه‪ ،‬والنزوع‪ :‬الشتياق الشديد‪ ،‬ومنه نزع‬
‫إلى وطنه‪ ،‬واختلفوا في اللباس‪ ،‬فقيل‪ :‬الظفر‪ ،‬وقيل‪ :‬النور‪ ،‬وقيل‪ :‬التقوى‪ ،‬وقيل‪ :‬كان من ثياب‬
‫الجنة‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬ليري‪B‬هما س !وءاتهما { اللم لم كي‪ ،‬أي لكي يريهما عوراتهما‪ ،‬وقوله‪ } :‬إنه ي‪B‬راك !م هو‬

‫وقبيله م !ن ح !يث ل ت‪B‬ر!ون‪B‬ه !م { ‪ ،‬قبيله‪ :‬قيل جنوده‪ ،‬قال مجاهد‪ :‬يعني الجن والشياطين‪ ،‬وقال ابن‬
‫زيد‪ :‬قبيله نسله‪،‬ة وقيل‪ :‬جيله‪ ،‬أي إن إبليس وجنوده من شياطين الجن يرونكم ول ترونهم‪ ،‬وهي‬

‫أيضا معلوم وجودهم من هذه‬
‫أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة وجودهم كما أن الملئكة ‪2‬‬

‫الشريعة‪ ،‬ول يستنكر وجود أجسام لطيفة ج ‪2‬دا ل نراها نحن‪ ،‬من ذلك الهواء‪ ،‬جسم لطيف ل‬

‫ندركه نحن وقام البرهان على وجوه‪ ،‬فإذا يجب الحتراز من إبليس وجنوده؛ لن الضرر إذا جاء‬

‫من حيث ل يرى كان خطره أشد‪ ،‬ووجوب العناية بإتقائه أعظم كما يرى في بعض الوبئة التي‬
‫ثبت وجودها في هذا العصر بالمجهر )التليسكوب( فإنها تنفذ إلى الجسام بنقل الذباب أو‬
‫أمراضا‬
‫البعوض أو مع الطعام أو الشراب أو الهواء فتتوالد وتنمو بسرعة‪ ،‬وقد تسبب للنسان‬
‫‪2‬‬

‫مستعصية العلج كالحمى الصفراء )الملريا(‪ ،‬والتيفود‪ ،‬والتيفوس‪ ،‬والسل‪ ،‬والسرطان إلى نحو‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وفعل جنة الشياطين في أرواح البشر أعظم من فعل هذه الجنة التي يسميها الطباء الميكروبات‬
‫في الجسام‪ ،‬فكل يؤثر من حيث ل يرى فيتقى‪ ،‬والثانية‪ :‬تتقى بالسباب التي أرشد ال العباد لها‬
‫من ذلك الخذ بنصائح الطباء واستعمال الوسائل العلجية‪ ،‬والولى تتقى باللتجاء إلى ال‪،‬‬
‫سنة‪.‬‬
‫والتوكل عليه‪ ،‬والعتصام بالكتاب وال •‬

‫وقد صح تصورهم في الجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الجسام كالشيطان الذي رآه‬

‫أبو هريرة‪.‬‬
‫روى البخاري في »صحيحه« عن أبي هريرة‪ ،‬قال‪» :‬وكلني رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫بحفظ زكاة رمضان‪ ،‬فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام‪ ،‬فأخذته‪ ،‬وقلت‪ :‬لرفعنك إلى رسول ال‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪ :‬دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة‪ ،‬قال‪ :‬فخليت‬‫عنه فأصبحت‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا أبا هريرة‪ ،‬ما فعل أسيرك‬
‫البارحة؟« قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬شكا حاجة شديدة وعيال‪ 2‬فرحمته‪ ،‬فخليت سبيله‪ ،‬قال‪» :‬أما‬
‫إنه قد كذبك وسيعود«‪ ،‬فرصدته‪ ،‬فجاء يحثو من الطعام‪ ،‬فعل ذلك ثلث ليال كل ذلك‪،‬‬

‫والرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬أما إنه قد كذبك وسيعود«‪ ،‬فلما كان في الثالثة‪،‬‬

‫قلت‪ :‬لرفعنك إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهذه آخر ثلث مرات تزعم أنك ل‬
‫تعود‪ ،‬فقال‪ :‬دعني أعلمك كلمات ينفعك ال بها‪ ،‬فقلت‪ :‬وما هي؟ قال‪ :‬إذا أويت إلى فراشك‬
‫فاقرأ آية الكرسي‪ } :‬الله ل إله إل هو الح •ي القي•وم { حتى ختم قوله«‪.‬‬

‫والعفريت الذي رآه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬عن‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬إن عفريت‪2‬ا من الجن تفلت علي البارحة –أو كلمة‬
‫نحوها‪ -‬ليقطع علي الصلة‪ ،‬فأمكنني ال تبارك وتعالى منه‪ ،‬وأردت أن أربطه إلى سارية من‬

‫سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم‪ ،‬فذكرت قول أخي سليمان –عليه الصلة‬
‫ب لي م !ل ‪2‬كا ل ي‪! B‬نبغي لحد 'م !ن ب‪! B‬عدي { « فرده خاسئ‪2‬ا‪ ،‬رواه‬
‫والسلم‪ } :-‬ر '‬
‫ب ا !غف !ر لي وه !‬
‫البخاري ومسلم والنسائي‪.‬‬

‫وروى مسلم في »صحيحه«‪ :‬عن أبي الدرداء ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قام رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬يصلي فسمعناه يقول‪» :‬أعوذ بال منك« ثم قال‪» :‬ألعنك بلعنة ال« ثلث‪2‬ا‪ ،‬وبسط‬

‫يده كأنه يتناول شيئ‪2‬ا فلما فرغ من الصلة‪ ،‬قلنا‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬سمعناك تقول في الصلة شيئ‪2‬ا لم‬
‫نسمعك تقوله قبل ذلك! ورأيناك بسطت يدك! قال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن عدو ال‬
‫إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي‪ ،‬فقلت‪ :‬أعوذ بال منك ثلث مرات‪ ،‬ثم قلت‪:‬‬
‫ألعنك بلعنة ال التامة‪ ،‬فلم يستأخر ثلث مرات‪ ،‬ثم أردت أن آخذه‪ ،‬وال لول دعوة أخينا‬
‫سليمان لصبح موث ‪2‬قا يلعب به صبيان المدينة«‪.‬‬

‫وكحديث خالد بن الوليد حين سير لكسر ذي الخصلة‪ ،‬وكحديث سواد ابن قارب مع رئيه من‬
‫الجن‪ ،‬وعندما اجتمع نفر من قريش ليدخلوا دار الندوة‪ ،‬اعترضهم إبليس –لعنه ال‪ -‬في صورة‬

‫شيخ‪ ،‬قالوا له‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬شيخ من أهل نجد‪ ،‬سمعت أنكم اجتمعتم‪ ،‬فأردت أن أحضر‬
‫معكم‪ ،‬وعندما أبدى أبو جهل –لعنه ال‪ -‬رأيه‪ ،‬قال الشيخ النجدي‪ :‬هذا وال الرأي‪ ،‬القول ما‬
‫قال الفتى ل رأي غيره‪ ،‬وعندما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من‬
‫الحرب‪ ،‬فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي‪،‬‬
‫اعا‪.‬‬
‫وكان من أشراف بني كنانة‪ ،‬فقال‪ :‬أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فخرجوا سر ‪2‬‬

‫إل أن رؤيتهم في الصورة نادرة‪ ،‬كما أن الملئكة تبدوا في صور كما في حديث عمر‪» :‬بينما نحن‬

‫جلوس عند النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب« الحديث‬
‫رواه مسلم‪ ،‬وحديث الملك الذي أتى العمى والقرع والبرص‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬إنا جعل!نا الشياطين !أولياء للذين ل ي‪! B‬ؤمنون { أي قرناء وأعوان‪2‬ا‪ ،‬وقيل‪ :‬نصراء‬

‫الكفار الذين ل يوحدون ال ول يصدقون رسله‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم‬

‫ألم ت‪B‬ر أنا !أرسل!نا الشياطين على الكافرين ت‪B‬ؤز•ه !م ‪2‬أزا { ‪ ،‬وقال أبو سليمان‪:‬‬
‫كما قال تعالى‪! } :‬‬

‫جعلناهم موالين لهم‪ ،‬فعدم اليمان هو الموجب لعقد الولية بين النسان والشيطان‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬

‫} إنه !ليس له سل!طا ‪d‬ن على الذين آمنوا وعلى رب'ه !م ي‪B‬ت‪B‬وكلون * إنما سل!طانه على الذين ي‪B‬ت‪B‬ول !ونه‬
‫والذين هم به م !شركون { ‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وإذا ف‪B‬علوا فاحشة‪ 2‬قالوا وج !دنا عل !ي‪B‬ها آباءنا والله أمرنا بها { بعد أن بين عز اسمه أنه‬

‫جهل الشياطين قرناء للكافرين مسلطين عليهم متمكنين من إغوائهم‪ ،‬ذكر هنا أثر ذلك التسليط‬

‫عليهم وهو الطاعة لهم في أقبح الشياء مع عدم شعورهم بذلك القبيح‪ ،‬وفيمن عنى بهذه الية‬
‫ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬إنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة‪ ،‬والفاحشة كشف العورة‪ ،‬رواه سعيد بن جبير‪ ،‬عن‬
‫ابن عباس‪ ،‬وبه قال مجاهد وزيد بن أسلم والسدي‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬إنهمن اللذين جعلوا السائبة‪ ،‬والوصيلة‪ ،‬والحام‪ ،‬وتلك الفاحشة‪ ،‬روى هذا المعنى أبو‬
‫صالح عن ابن عباس‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬إنهم المشركون‪ ،‬والفاحشة‪ :‬الشرك‪.‬‬
‫قال الحسن وعطاء‪ :‬والظاهر وال أعلم‪ ،‬أنها تصدق على ما هو أعم من ذلك‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنهم‬
‫قبيحا متبالغ‪2‬ا في القبح اعتذروا عن ذلك بعذرين‪ :‬الول‪ :‬أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم‬
‫فعلوا ذنب‪2‬ا ‪2‬‬
‫لما وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة‪ ،‬والثاني‪ :‬أنهم مأمورون بها من جهة ال سبحانه‬

‫وكل العذرين في غاية البطلن والفساد؛ لن وجود آبائهم على القبيح ل يسوغ لهم فعله‪ ،‬والمر‬
‫من ال سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء‪ ،‬بل أمرهم بإتباع النبياء والعمل بالكتب المنزلة ونهاهم‬
‫عن مخالفتها‪ ،‬ومما نهاهم عنه فعل الفواحش‪.‬‬
‫قال قتادة‪ :‬وال ما أكره ال عب ‪2‬دا قط على معصيته ول رضيها ول أمره بها؛ ولكن رضي لكم‬

‫طاعته ونهاكم عن معصيته‪ ،‬والحاصل‪ :‬أن المرين باطلن؛ لن الول تقلي ‪2‬دا للباء‪ ،‬والثاني‪:‬‬

‫افتراء على ذي الجلل والكرام‪.‬‬

‫ولهذا رد ال عليهم سبحانه هذه النسبة بأن أمر نبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن يقول لهم‪:‬‬
‫} إن الله ل يأ!مر بال!ف !حشاء { ‪ ،‬فالفحشاء في طبيعتها‪ :‬تجاوز واعتداء على حدود ال‪ ،‬فهل يأمر‬
‫كبيرا‪ ،‬إنما الذي‬
‫ال بالعتداء على حدوده‪ ،‬حاشا وكل سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون ‪2‬‬
‫علوا ‪2‬‬

‫يأمر بالفحشاء هو الشيطان‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪ } :‬الش !يطان يعدكم الف !قر ويأ!مركم‬

‫بال!ف !حشاء { ‪.‬‬

‫ثم أنكر عليهم من وجه آخر‪ :‬أي أتسندون إلى ال ما ل تعلمون صحته‪ ،‬وهذا من تمام ما أمر‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن يقول لهم‪ ،‬وفيه من التوبيخ والتقريع أمر عظيم‪ ،‬فإن القول‬
‫قبيحا في كل شيء فكيف إذا كان في التقول على ال‪ ،‬وإن في هذه الية لعظم‬
‫بالجهل إذا كان ‪2‬‬
‫زاجر وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في الطرق المخالفة‪ ،‬فإن ذلك من القتداء بأهل‬

‫الكفر ل بأهل الحق فإنهم القائلون‪ } :‬إنا وج !دنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم •م !قتدون { ‪،‬‬

‫والقائلون‪ } :‬وج !دنا عل !ي‪B‬ها آباءنا { ‪.‬‬

‫ولما بين جل وعل أنه ل يأمر بالفحشاء وهو اسم جامع للقبائح والسيئات عقبه ببيان ما يأمر به‬

‫من القسط وهو اسم جامع لجميع الخيرات‪ ،‬فقال‪ } :‬ق !ل أمر رب'ي بال!ق !سط { أي بالعدل‬

‫والستقامة‪ } ،‬وأقيموا وجوهك !م عند ك 'ل م !سجد { ‪ ،‬قيل فيه وجوه‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن معناه توجهوا حيث ما كنتم في الصلة إلى الكعبة‪ ،‬وهذا قول مجاهد والسدي وابن‬

‫زيد‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬إذا حضرت الصلة وأنتم عند مسجد‪ ،‬فصلوا فيه ول يقولن أحدكم أصلي في مسجدي‪،‬‬
‫قاله ابن عباس والضحاك واختاره‪.‬‬
‫خالصا دون غيره‪ ،‬قاله الربيع ابن أنس‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬اجعلوا سجودكم ل‬
‫‪2‬‬

‫أمرا بالجماعة لها‪ ،‬فيكون من جملة‬
‫والرابع‪ :‬أن معناه‪ :‬اقصدوا المسجد في وقت كل صلة ‪2‬‬

‫الدلة الدالة على وجوب صلة الجماعة‪.‬‬

‫وقوله‪ } :‬وا !دعوه م !خلصين له الد'ين { هذا أمر منه تعالى بالدعاء والتضرع على وجه الخلص‪،‬‬

‫وهو شامل لدعاء المسألة‪ ،‬وهو أن يسأل النسان ربه بلسان مقاله‪ ،‬وشامل لدعاء العباد‪ ،‬وهو أن‬

‫يسأل بلسان حاله‪ ،‬كما إذا صلى‪ ،‬وزكى‪ ،‬وصام‪ ،‬وحج راجي‪2‬ا من ال الثواب‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ :‬والدعاء ثلثة أقسام‪ :‬أحدها‪ :‬أن تسأل ال بأسمائه وصفاته‪ ،‬والثاني‪ :‬أن تسأله‬
‫بحاجتك وفقرك‪ ،‬وذلك فتقول‪ :‬أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير ونحو ذلك‪،‬‬
‫والثالث‪ :‬أن تسأل حاجتك ول تذكر واح ‪2‬دا من المرين‪ ،‬والول أكمل وهذه عامة أدعية النبي ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وهذا القول قد جاء عن غير واحد من السلف‪ ،‬قال الحسن البصري‪:‬‬
‫»اللهم« مجمع الدعاء‪ ،‬وقال أبو رجاء العطادري‪ :‬إن الميم في قوله اللهم فيها تسعة وتسعون‬
‫اسما من أسماء ال تعالى‪ ،‬وقال النضر بن شميل‪» :‬من قال اللهم« فقد دعا ال بجميع أسمائه‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اه‪.B‬‬
‫قوله‪ } :‬كما بدأك !م ت‪B‬عودون { قيل‪ :‬في وجه اتصاله بما قبله وجوه‪ :‬أحدها‪ :‬أن معناه وادعوه‬

‫مخلصين فإنكم مبعوثون ومجازون‪ ،‬وإن بعد ذلك في عقولكم‪ ،‬فاعتبروا في البتداء واعلموا أنه‬
‫كما بدأكم في الخلق الول‪ ،‬فإنه يبعثكم فتعودون إليه في الخلق الثاني‪ ،‬والثاني‪ :‬أنه يتصل‬

‫بقوله‪ } :‬فيها ت !حي‪! B‬ون وفيها تموتون وم !ن‪B‬ها ت !خرجون { ‪ ،‬فقال‪ } :‬كما بدأك !م ت‪B‬عودون { أي فليس‬
‫بعثكم بأشد من ابتدائكم‪ ،‬عن الزجاج قال‪ :‬وإنما ذكره على وجه الحجاج عليهم؛ لنهم كانوا ل‬
‫يقرون بالبعث‪ ،‬والثالث‪ :‬أنه كلم مستأنف أي يعيدكم بعد الموت فيجازيكم‪.‬‬
‫قال قتادة‪ :‬بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئ‪2‬ا ثم ذهبوا ثم يعيدهم‪ ،‬كما قال‪ } :‬م !ن‪B‬ها خل !قناك !م وفيها‬

‫نعيدك !م { ‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه كما بدأكم ل تملكون شيئ‪2‬ا كذلك تبعثون يوم القيامة عن ابن عباس‪ ،‬عن‬
‫النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال‪» :‬إنكم محشورون حفاة عراة غرل«‪ ،‬ثم قرأ‪ } :‬كما بدأ!نا‬

‫أول خل!ق ن•عيده و !ع ‪2‬دا عل !ي‪B‬نا إنا كنا فاعلين { الحديث متفق عليه‪ ،‬وقيل‪ :‬معناه تبعثون على ما أنتم‬

‫عليه المؤمن على إيمانه‪ ،‬والكافر على كفره‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬هو الذي خلقك !م فمنك !م كاف ‪d‬ر‬
‫ومنكم •م !ؤم ‪d‬ن { ‪ ،‬قال ابن كثير‪ :‬ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في »صحيح البخاري«‪:‬‬
‫»فوالذي ل إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة‪ ،‬حتى ما يكون بينه وبينها إل باع أو ذراع‪،‬‬
‫فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار‪ ،‬فيدخلها‪ ،‬وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار‪ ،‬حتى‬
‫ما يكون بينه وبينها إل باع أو ذراع‪ ،‬فيسبق عليه الكتاب‪ ،‬فيعمل بعمل أهل الجنة‪ ،‬فيدخل‬
‫الجنة«‪.‬‬
‫وعن سهل بن سعد قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن العبد ليعمل فيما يرى‬
‫الناس بعمل أهل الجنة‪ ،‬وإنه من أهل النار‪ ،‬وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار‪ ،‬وهو من‬
‫أهل الجنة‪ ،‬وإنما العمال بالخواتيم«‪.‬‬
‫وعن جابر عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬تبعث كل نفس على ما كانت عليه«‬
‫وهذا الحديث رواه مسلم‪ ،‬وابن ماجه من غير وجه عن العمش به‪ ،‬ولفظه‪» :‬يبعث كل عبد على‬

‫ما مات عليه«‪.‬‬
‫وعن ابن عباس مثله‪ ،‬قلت‪ :‬ويتأيد بحديث ابن مسعود‪ ،‬قلت‪ :‬ولبد من الجمع بين هذا القول إن‬
‫كان هو المراد من الية وبين قوله تعالى‪ } :‬فأق !م و !جهك للد'ين حني ‪2‬فا فط!رة الله التي فطر الناس‬

‫عل !ي‪B‬ها { ‪.‬‬

‫وما جاء في »الصحيحين«‪ :‬عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬قال‪» :‬كل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه يهودانه‪ ،‬أو ينصرانه‪ ،‬أو يمجسانه«‪.‬‬
‫وفي »صحيح مسلم« عن عياض بن حمار قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬
‫»يقول ال تعالى‪ :‬إني خلقت عبادي حنفاء‪ ،‬فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم« الحديث‪،‬‬
‫ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال‪ ،‬وإن كان قد‬
‫فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده‪ ،‬والعلم بأنه ل إله غيره كما أخذ عليهم الميثاق بذلك‪،‬‬
‫وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقي ومنهم سعيد } هو الذي خلقك !م فمنك !م‬
‫كاف ‪d‬ر ومنكم •م !ؤم ‪d‬ن { ‪.‬‬
‫وفي الحديث‪» :‬كل الناس يغدو‪ ،‬فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها«‪ ،‬وقدر ال نافذ في بريته‪ ،‬فإنه‬

‫هو الذي قدر فهدى‪ ،‬والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى‪.‬‬
‫وفي »الصحيحين«‪» :‬فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة‪ ،‬و أما من‬
‫كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة« انتهى‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فري ‪2‬قا هدى وفري ‪2‬قا حق عل !يهم الضللة { يعني هداهم ال إلى اليمان به‪ ،‬ومعرفته‬
‫ووفقهم لطاعته وعبادته‪ ،‬وفري ‪2‬قا وجبت عليهم الضللة بما تسببوا لنفسهم وعملوا بأسباب‬
‫الغواية‪ ،‬وفيه دليل على أن الهداية والضللة من ال عز وجل‪.‬‬

‫روي عن عبدال بن عمرو بن العاص ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪» :-‬إن ال خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره‪ ،‬فمن أصابه من ذلك النور اهتدى‪،‬‬
‫ومن أخطأه ضل« أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫أما العلة في استحقاقهم للضللة فهو توليهم الشيطان عدو النسان‪ ،‬المعنى أن الذين حق عليهم‬
‫الضللة اتخذوا الشياطين نصراء وأعوان‪2‬ا وأطاعوهم فيما أمروهم به من الكفر والمعاصي‪ ،‬ومن‬

‫يتخذ الشيطان ولي‪2‬ا من دون ال فقد خسر خسران‪2‬ا مبين‪2‬ا‪ ،‬فحين انسلخوا من ولية الرحمن‬

‫واستحبوا ولية الشيطان حصل لهم النصيب الوافر من الخذلن‪ ،‬ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا‬

‫صنعا؛ لنهم انقلبت عليهم الحقائق فظنوا‬
‫أشد الخسران‪ ،‬ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون ‪2‬‬

‫الباطل ح ‪2‬قا والحق باطل‪ ،2‬وفي هذه اليات دليل على أن الوامر والنواهي تابعة للحكمة‬

‫والمصلحة حيث ذكر تعالى أنه ل يتصوران يأمر بما تستفحشه وتنكره العقول‪ ،‬وأنه ل يأمر إل‬

‫بالعدل والخلص‪ ،‬ولما تقدم ذكر ما أنعم به سبحانه على عباده من اللباس أمرهم في أثرهم‬
‫بتناول الزينة والتستر والقتصاد في المأكل والمشرب‪ ،‬فقال‪ } :‬يا بني آدم خذوا زينتك !م عند ك 'ل‬
‫م !سجد { ‪.‬‬

‫سبب نزول هذه الية‪:‬‬
‫ما ورد عن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬كان ناس من العراب يطوفون بالبيت عراة‪ ،‬حتى إن كانت المرأة‬
‫سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجوه‬
‫لتطوف بالبيت وهي عريانة‪ ،‬فتعلق على سفليها ‪2‬‬

‫الحمر عن الذباب‪ ،‬وهي تقول‪:‬‬

‫اليوم يبدو بعضه أو كله ‪ ...‬وما بدا منه فل أحله‬
‫فأنزل ال تعالى على نبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ } :-‬يا بني آدم خذوا زينتك !م عند ك 'ل‬
‫م !سجد { فأمروا بلبس الثياب‪.‬‬
‫وفي هذه الزينة المذكورة في الية أقوال‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أنه ورد في ستر العورة في الطواف‪ ،‬قاله ابن عباس والحسن في جماعة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه ورد في ستر العورة في الصلة‪ ،‬قاله مجاهد والزجاج‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنه ورد في التزين بأجمل الثياب في الجمع والعياد‪.‬‬
‫سنة يستحب التجمل عند الصلة‪ ،‬ولسيما يوم الجمعة ويوم‬
‫ولهذه الية وما ورد في معناها من ال •‬
‫العيد‪ ،‬وكذا يستحب الطيب؛ لنه من الزينة والسواك؛ لنه من تمام ذلك‪ ،‬ومن أفضل اللباس‬

‫مرفوعا قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬البسوا‬
‫البياض‪ ،‬كما ورد عن ابن عباس‬
‫‪2‬‬
‫خيرا كحالكم الثمد‪ ،‬فإنه‬
‫من ثيابكم البياض‪ ،‬فإنها من خير ثيابكم‪ ،‬وكفنوا فيها موتاكم‪ ،‬وإن ‪2‬‬

‫أيضا وأهل‬
‫يجلو البصر وينبت الشعر« هذا حديث جيد السناد رجاله على شرط مسلم‪ ،‬ولحمد ‪2‬‬
‫السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬

‫»عليكم بثياب البياض فالبسوها‪ ،‬فإنها أطهر وأطيب‪ ،‬وكفنوا فيها موتاكم«‪.‬‬
‫تميما الداري اشترى رداء بألف‪،‬‬
‫وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين‪ :‬أن ‪2‬‬

‫وكان يصلي فيه‪.‬‬

‫وقوله تعالى‪ } :‬وكلوا وا !شربوا ول ت !سرفوا { هذا أمر منه جل وعل بالكل والشرب مما رزقنا من‬

‫الطيبات‪ ،‬ونهى عن السراف‪ ،‬فل زهد في ترك مطعم ول مشرب‪ ،‬وتاركه بالمرة قاتل نفسه‪ ،‬وهو‬

‫من أهل النار‪ ،‬كما صح في الحاديث الصحيحة‪ ،‬والمقلل منه على وجه يضعف البدن ويعجز عن‬
‫القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعي على نفسه‪ ،‬وعلى من يعول مخالف لما أمر ال‬
‫به وأرشد إليه‪ ،‬والمسرف في إنفاقه على وجه ل يفعله إل أهل السفه والتبذير مخالف لما شرعه‬
‫ال لعباده‪ ،‬واقع في النهي القرآني‪ ،‬وهكذا تحريم الحلل وإحلل الحرام‪ ،‬ومن السراف بذل‬
‫المال فيما حرم ال كالزنا‪ ،‬واللواط‪ ،‬والخمر‪ ،‬وآلت اللهو‪ ،‬والصور لذوات الرواح‪ ،‬وحلق‬

‫اللحا‪ ،‬والدخان‪ ،‬ونحو هذه من المعاصي والمنكرات التي أضعفت اليمان والبدان‪ ،‬وضاعت‬
‫فيها الموال والوقات‪ ،‬نسأل ال أن يعصمنا وإخواننا المؤمنين منها‪.‬‬
‫وضابط السراف أنه إما أن يكون بزيادة على القدر الكافي والشره في المآكل والمشارب التي‬
‫تضر بالجسم‪ ،‬وإما أن يكون بزيادة الترفه والتأنق في المآكل والمشارب واللباس والمسكن‪ ،‬وإما‬
‫بتجاوز الحلل إلى الحرام‪ ،‬والمعول عليه في النفاق في كل طبقة من الناس عرف المعتدلين‬
‫فيها‪ ،‬فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرف‪2‬ا‪ ،‬وكم جر السراف إلى خراب‬
‫بيوت عامرة‪ ،‬ولسيما في المهور‪ ،‬وتجهيز العرائس‪ ،‬وهذا السرف كبير الضرر عظيم الخطر على‬

‫المم أكثر من ضرره على الفراد‪ ،‬ولسيما في البلد التي تأتي إليها أنواع الزينة من البلد‬
‫الجنبية‪ ،‬إذ تذهب الثروة إلى غير أهلها‪ ،‬وربما ذهبت إلى من يستعين بها على استذللهم‬
‫والعدوان عليهم‪ ،‬والخلصة‪ :‬أن الطعام والشراب من ضرورات الحياة الحيوانية‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬أحل ال في هذا الية الكل والشرب ما لم يكن سرف أو مخيلة‪ ،‬قال القرطبي‪:‬‬
‫وشرعا لما فيه من‬
‫فأما ما تدعو الحاجة إليه‪ ،‬وهو ما سكن الظمأ وسد الجوع فمندوب إليه عقل‪2 2‬‬

‫حفظ النفس وحراسة الحواس‪ ،‬ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لنه يضعف البدن ويميت‬
‫النفس‪ ،‬ويضعف عن العبادة‪ ،‬وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل‪ ،‬وليس لمن منع نفسه قدر‬

‫الحاجة حظ من بر ول نصيب من زهد؛ لن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثواب‪2‬ا‬
‫أجرا‪ ،‬وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين‪ ،‬فقيل‪ :‬حرام‪ ،‬وقيل‪ :‬مكروه‪.‬‬
‫وأعظم ‪2‬‬
‫قال ابن العربي‪ ،‬وهو الصحيح‪ :‬فإن قدر الشبع يختلف باختلف البلدان والزمان والسنان‬

‫والطعمان‪ ،‬ثم قيل‪ :‬في قلة الكل منافع كثيرة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فهما؛ لن البطنة كما قيل‪ :‬تذهب‬
‫جسما‪ -2 .‬أجود حفظ‪2‬ا‪ -3 .‬أزكى ‪2‬‬
‫‪ -1‬أنه يكون الرجل أصح ‪2‬‬

‫نفسا‪.‬‬
‫الفطنة‪ -4 .‬أقل ‪2‬‬
‫نوما‪ -5 .‬أخف ‪2‬‬

‫وفي كثرة الكل مضار عديدة‪ ،‬منها‪ :‬إضعاف المعدة‪ ،‬ونتن التخمة وما ينشأ عنها من العلل‬
‫والسقام والمراض المختلفة‪ ،‬فيحتاج من العلج أكثر مما يحتاج إليه المقلل من الكل‪ ،‬وقال‬
‫بعض الحكماء‪ :‬أكبر الدواء تقدير الغذاء‪.‬‬
‫وقد بين النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬هذا المعنى بيان‪2‬ا شافي‪2‬ا يغني عن كلم الطباء‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫شرا من بطنه‪ ،‬بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه‪ ،‬فإن كان ل محالة‬
‫»ما مل ابن آدم وعاء ‪2‬‬

‫فثلث لطعامه‪ ،‬وثلث لشرابه‪ ،‬وثلث لنفسه« أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب‪.‬‬

‫قال علماؤنا‪ :‬لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة‪.‬‬

‫ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق‪ ،‬فقال لعلي بن الحسين‪ :‬ليس في كتابكم من علم‬
‫الطب شيء‪ ،‬والعلم علمان‪ :‬علم الديان‪ ،‬وعلم البدان‪ ،‬فقال له علي بن الحسين‪ :‬قد جمع ال‬
‫الطب كله في نصف آية من كتابنا‪ ،‬فقال‪ :‬ما هي؟ قال‪ :‬قوله عز وجل‪ } :‬كلوا وا !شربوا ول ت !سرفوا‬

‫{ ‪ ،‬فقال النصراني‪ :‬ول يؤثر عن رسولكم شيء من الطب‪ ،‬فقال له علي بن الحسين‪ :‬جمع‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬الطب في ألفاظ يسيرة‪ ،‬قال‪ :‬ما هي؟ قال‪» :‬المعدة بيت‬
‫الداء‪ ،‬والحمية رأس كل دواء‪ ،‬واعط كل جسم ما عودته«‪ ،‬فقال النصراني‪ :‬ما ترك كتابكم ول‬
‫نبيكم لجالينوس طب‪2‬ا‪ ،‬قلت‪ :‬ويقال‪ :‬إن معالجة المرضى نصفان‪ :‬نصف دواء ونصف حمية‪ ،‬فإن‬
‫اجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح‪ ،‬وإل فالحمية به أولى‪ ،‬إذ ل ينفع دواء مع ترك الحمية‪،‬‬
‫ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء؛ ولقد قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أصل كل‬
‫دواء الحمية«‪ ،‬والمعنى بها وال أعلم‪ :‬أنها تغني عن كل دواء‪ ،‬ولذلك يقال‪ :‬إن أهل الهند جل‬
‫معالجتهم الحمية‪ ،‬يمنع المريض من الكل والشرب والكلم عدة أيام‪ ،‬فيبرأ‪.‬‬
‫وروى مسلم عن ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬الكافر‬
‫يأكل في سبعة أمعاء‪ ،‬والمؤمن يأكل في معي واحد« وهذا منه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على‬
‫التقلل من الدنيا‪ ،‬والزهد فيها‪ ،‬والقناعة بالبلغة‪.‬‬
‫وقد كانت العرب تمتدح بقلة الكل وتذم بكثرته‪ ،‬كما قال قائلهم‪:‬‬
‫تكفيه فلذة كبد أن ألم بها ‪ ...‬من الشواء ويروي شربه الغمر‬
‫وقال طبيب ينصح ابنه‪:‬‬
‫طعاما قبل هضم طعام‬
‫ل تأكلن في كل يوم إل مرة ‪ ...‬واحذر ‪2‬‬

‫وقال القحطاني‪:‬‬

‫أقل طعامك ما استطعت فإنه ‪ ...‬نفع الجسوم وصحة البدان‬
‫وقالت أم زرع في ابن أبي زرع‪ :‬ويشبعه ذراع الجفرة‪.‬‬
‫وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الكل‪:‬‬
‫فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ‪ ...‬وفرجك نال منتهى الذم أجمعا‬
‫وقال الخطابي‪ :‬معنى قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬المؤمن يأكل في معي واحد«‪ ،‬أنه يتناول‬
‫دون شبعه‪ ،‬ويؤثر على نفسه‪ ،‬ويبقى من زاده لغيره فيقنعه ما أكل‪ ،‬والتأويل الول أولى‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬ليس على عمومه؛ لن المشاهدة تدفعه‪ ،‬فإنه قد يوجد كافر أقل أكل‪ 2‬من مؤمن‪ ،‬ويسلم‬

‫الكافر فل يقل أكله ول يزيد‪ ،‬وقيل‪ :‬هو إشارة إلى معين‪.‬‬

‫ضاف النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ضيف كافر‪ ،‬يقال له إنه‪ :‬الجهجاه الغفاري‪ ،‬وقيل‪ :‬ثمامة‬
‫بن إثال‪ ،‬وقيل‪ :‬نضله بن عمرو الغفاري‪ ،‬وقيل‪ :‬بصرة بن أبي بصرة الغفاري‪ ،‬فشرب حلب سبع‬
‫شياه‪ ،‬ثم إنه أصبح‪ ،‬فأسلم‪ ،‬فشرب حلب شاة فلم يستتمه‪ ،‬فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ ذلك‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬هذا الكافر‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬‫وقيل‪ :‬إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوي على الطاعة‪ ،‬فأخذ منه قدر‬
‫مظلما بالكفر كان أكله كالبهية ترتع حتى تثلط‪ .‬اه‪ B‬بتصرف‪.‬‬
‫الحاجة‪ ،‬وحين كان ‪2‬‬
‫والخلصة‪ :‬أن ال عز وجل وعل نهى عن السراف في الكل والشرب‪ ،‬ولو لم يكن فيه إل أنه‬
‫ينشأ عنه كثرة الشرب‪ ،‬وذلك يثقل المعدة ويثبط النسان عن خدمة ال‪ ،‬والخذ بحظه من نوافل‬
‫الخير‪ ،‬فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه‪ ،‬حرم عليه‪ ،‬وكان قد أسرف‬
‫في مطعمه ومشربه‪.‬‬
‫روى أسد بن موسى من حديث عون بن جحيفة‪ ،‬عن أبيه قال‪ :‬أكلت بلحم سمين‪ ،‬فأتيت النبي‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وأنا أتجشأ‪ ،‬فقال‪» :‬أكفف عليك من جشائك يا أبا جحيفة‪ ،‬فإن أكثر‬‫جوعا يوم القيامة« فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق‬
‫شبعا في الدنيا‪ ،‬أطولهم ‪2‬‬
‫الناس ‪2‬‬
‫الدنيا‪ ،‬وكان إذا تغدى ل يتعشى‪ ،‬وإذا تعشى ل يتغدى‪.‬‬

‫يوما‪ ،‬فقال‪ :‬إياكم والبطنة‪ ،‬فإنها‬
‫وذكر ابن عبدالبر وغيره أن عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬خطب ‪2‬‬

‫مكسلة عن الصلة‪ ،‬مؤذية للجسم‪ ،‬وعليكم بالقصد في قوتكم‪ ،‬فإنه أبعد عن الشر‪ ،‬وأصح‬

‫امرءا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه‪.‬‬
‫للبدن‪ ،‬وأقوى على العبادة‪ ،‬وإن ‪2‬‬

‫وقال علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬المعدة حوض البدن‪ ،‬والعروق واردة عليها وصادرة منها‪ ،‬فإذا‬

‫صحت صدرت العروق عنها بالصحة‪ ،‬وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم‪.‬‬
‫وقال الفضيل بن عياض‪ :‬ثنتان يقسيان القلب‪ :‬كثرة الكلم‪ ،‬وكثرة الكل‪.‬‬
‫وقال لقمان لبنه‪ :‬ل تأكل شيئ‪2‬ا على شبع‪ ،‬فإنك إن تتركه للكلب‪ ،‬خير لك من أن تأكله‪.‬‬

‫إذا تقرر هذا‪ ،‬فاعلم أنه يستحب للنسان غسل يديه قبل الكل وبعده؛ لقوله ‪ -‬عليه السلم ‪:-‬‬

‫»الوضوء قبل الطعام وبعده بركة«‪ ،‬ويسمي في أول الطعام ويحمد في آخره؛ لما ورد عن عائشة‬
‫ رضي ال عنها ‪ -‬قالت‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إذا أكل أحدكم فليذكر‬‫اسم ال تعالى‪ ،‬فإن نسي أن يذكر ال تعالى في أوله‪ ،‬فليقل‪ :‬بسم ال أوله وآخره« رواه أبو داود‬
‫والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫وعن أبي أمامة أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان إذا رفع مائدته قال‪» :‬الحمد ل حم ‪2‬دا‬

‫كثيرا طيب‪2‬ا مبار‪2‬كا فيه غير مكفي‪ ،‬ول مستغني عنه ربنا« رواه البخاري‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫ول ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إل أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الكل؛ لن في رفع الصوت‬

‫منعا لهم عن الكل‪ ،‬كغسل اليدين وهم يأكلون ونحو ذلك من الفعال والشارات التي يفهم‬
‫‪2‬‬
‫منها الحث على القيام‪.‬‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫ل يبصر القوم في مغناك رفع يد‬
‫ول يكن ذاك إل بعد كفهم‬
‫فإن تقريب خدام الفتى حرضا ‪ ...‬عن الطعام إلى أن يرفع السور‬
‫أكفهم ويسير الفعل ميسور‬
‫والضيف يأكل رأي منه مخسور‬
‫طعاما‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وعن معاذ بن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من أكل ‪2‬‬

‫الحمد ل الذي أطعمني هذا‪ ،‬ورزقني من غير حول مني ول قوة‪ ،‬غفر له ما تقدم من ذنبه« رواه‬

‫أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫غلما في حجر‬
‫ويستحب أن يأكل بيمينه ومما يليه؛ لما ورد عن عمرو بن أبي سلمة‪ ،‬قال‪ :‬كنت ‪2‬‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬وكانت يدي تطيش في الصحفة‪ ،‬فقال لي رسول ال ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا غلم‪ ،‬سم ال‪ ،‬وكل مما يليك« متفق عليه‪.‬‬
‫وعن سلمة بن الكوع أن رجل‪ 2‬أكل عند النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بشماله‪ ،‬فقال‪» :‬كل‬
‫بيمينك«‪ ،‬قال‪ :‬ل أستطيع‪ ،‬قال‪» :‬ل استطعت فما رفعها إلى فيه« رواه مسلم‪.‬‬

‫ويستحب الكل من جانب الناء الذي فيه الطعام‪ ،‬والنهي عن الكل من وسطها‪ ،‬لما ورد عن‬
‫ابن عباس‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬البركة تنزل وسط الطعام‪ ،‬فكلوا من‬
‫حافتيه‪ ،‬ول تأكلوا من وسطه« رواه أبو داود والترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫ويستحب الكل بثلث أصابع‪ ،‬ولعقها؛ لما ورد عن كعب بن مالك قال‪ :‬رأيت رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يأكل بثلث أصابع‪ ،‬فإذا فرغ لعقها‪ ،‬وكما يستحب الكل باليمين‪،‬‬
‫يستحب الشرب بها لما في »صحيح مسلم« عن ابن عمر أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ قال‪» :‬إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه‪ ،‬وإذا شرب فليشرب بيمينه‪ ،‬فإن الشيطان يأكل بشماله‪،‬‬‫ويشرب بشماله«‪.‬‬
‫ومن الداب أن ل يكثر النظر إلى وجوه الكلين؛ لنه مما يحشمهم‪ ،‬ويدل على بخل الناظر‪ ،‬بل‬

‫الولى أن يبعد عنهم ويطفي النور قليل‪ 2‬ليأخذ الجائع نصيبه من الطعام‪ ،‬كما هي عادة الكرماء‪،‬‬

‫ول يتكلم على الطعام بما يستقذر من الكلم‪ ،‬ول بما يضحكهم خوف‪2‬ا عليهم من الشرق والغفلة‬
‫عن شكر ال‪ ،‬ول بما يحزنهم لئل ينغص على الكلين أكلهم‪ ،‬ول يمد يده قبل الكلين؛ لن‬

‫هذا دليل شره وجشع‪ ،‬وكان العرب يذمون المستعجل‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وإن مدت اليدي إلى الزاد لم أكن ‪ ...‬بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل‬
‫ويقول الخر‪:‬‬
‫وإني لستحيي صحابي أن يروا‬
‫وإنك مهما تعطي بطنك سؤله ‪ ...‬مكان يدي في جانب الزاد أقرعا‬
‫وفرجك نال منتهى الذم أجمعا‬
‫ول يقوم بسرعة قبل أن يقضوا نهمتهم؛ لن في ذلك إساءة أدب‪ ،‬وربما حضره فقراء فقاموا‬
‫متكبرا‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫حياء‪ ،‬ولكن إذا تأملت الذي يفعل ذلك أي القيام بسرعة وجدته غالب‪2‬ا جاهل‪2 2‬‬

‫ويكره أكل البقلة الخبيثة‪ ،‬وهي‪ :‬الثوم والبصل والكراث لكراهة ريحه‪ ،‬ولسيما في حق الرجال؛‬

‫ثوما أو بصل‪2‬‬
‫لما ورد عن جابر قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من أكل ‪2‬‬
‫فليعتزلنا‪ ،‬أو فليعتزل مسجدنا«‪ ،‬وفي رواية لمسلم‪» :‬من أكل البصل والثوم والكراث فل يقرب‬
‫مسجدنا‪ ،‬فإن الملئكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم«‪.‬‬
‫ب الم !سرفين { أي إن ال ل يحب المعتدين حده في حلل أو حرام‪ ،‬الغالين‬
‫وقوله‪ } :‬إنه ل يح •‬
‫فيما أحل ال أو حرم بإحلل الحرام وبتحريم الحلل‪ ،‬ولكن يجب أن يحلل ما أحل‪ ،‬ويحرم ما‬

‫حرم‪ ،‬وذلك العدل الذي أمر به‪.‬‬
‫قوله تعالى‪ } :‬ق !ل م !ن حرم زينة الله التي أ !خرج لعباده والطي'بات من ال 'ر!زق ق !ل هي للذين آمنوا في‬
‫صل اليات لق !وم ي‪! B‬علمون { ‪.‬‬
‫الحياة ال •دن!‪B‬يا خالصة‪ 2‬ي‪! B‬وم القيامة كذلك ن‪B‬ف '‬
‫في سبب نزولها ثلثة أقوال‪:‬‬

‫أحدها‪ :‬أن المشركين عيروا المسلمين‪ ،‬إذا لبسوا الثياب في الطواف‪ ،‬وأكلوا الطيبات‪ ،‬فنزلت‪،‬‬
‫رواه أبو صالح عن ابن عباس‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنهم كانوا يحرمون أشياء أحلها ال من الزروع وغيرها‪ ،‬فنزلت هذه الية‪ ،‬رواه ابن أبي‬
‫طلحة عن ابن عباس‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬أنها نزلت في طوافهم بالبيت عراة‪ ،‬قاله طاووس وعطاء‪ ،‬وفي } زينة الله { قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنها ستر العورة‪ ،‬فالمعنى من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنها زينة اللباس‪.‬‬

‫وفي الطيبات قولن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أنها الحلل‪ ،‬والثاني‪ :‬المستلذ‪.‬‬
‫ثم فيما عنى بها ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنها البحائر والسوائب والوصائل والحوامي‪ ،‬التي حرموها‪ ،‬قاله ابن عباس‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬أنها السمن واللبان واللحم‪ ،‬وكانوا حرموه في الحرام‪ ،‬قاله ابن زيد‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الحرث والنعام واللبان‪ ،‬قاله مقاتل‪.‬‬
‫المعنى‪:‬‬
‫يأمر ال تبارك وتعالى في هذه الية الكريمة نبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن يسأل سؤال إنكار‪:‬‬
‫من حرم زينة ال التي أخرج لعباده‪ ،‬وعلمهم طرق صنعتها بما أودع في فطرهم من حبها‪ ،‬والميل‬
‫إلى الفتنان في استعمالها‪ ،‬إذ خلقهم مستعدين لظهار بعض آياته فيما خلق في هذا العالم الذي‬
‫يعيشون فيه‪ ،‬بما أودع في غرائزها من الميل إلى البحث في كشف المجهول‪ ،‬والطلع على‬
‫خفايا المور‪ ،‬فهم ل يدعون شيئ‪2‬ا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى‪ ،‬ووجوه‬

‫ل نهاية لها‪ ،‬وغريزة حب الزينة التي أودع ال فيهم وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم السباب‬

‫في اتساع أعمال الفلحة والزراعة وضروب الصناعة‪ ،‬واتساع وسائل العمران‪ ،‬ومعرفة سنن ال‬
‫وآياته في الكوان‪ ،‬وهما ل يذمان إل بالسراف فيهما والغفلة عن الشكر ل الذي أسدى إليهم‬
‫نعمه‪ ،‬فمن تعنت وحرم ما أحل ال من الطيبات فهو مفتر على ال جل وعل‪.‬‬

‫ولهذا قال ال تعالى في الية الخرى‪ } :‬ول ت‪B‬قولوا لما تصف أل!سنتكم الكذب هذا ح ‪d‬‬
‫لل وهذا‬
‫حر ‪d‬ام ل'ت‪! B‬فت‪B‬روا على الله الكذب إن الذين ي‪! B‬فت‪B‬رون على الله الكذب ل ي‪! B‬فلحون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ق !د‬
‫اء على الله ق !د ضل•وا وما‬
‫خسر الذين ق‪B‬ت‪B‬لوا !أولده !م سف ‪2‬ها بغ !ير عل!م وحرموا ما رزق‪B‬هم الله اف!تر ‪2‬‬

‫كانوا م !هتدين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬ق !ل أرأي!‪B‬تم ما أنزل الله لكم 'من 'ر!زق فجعل!تم 'م !نه حر ‪2‬اما وحلل‪ 2‬ق !ل آلله‬

‫أذن لك !م !أم على الله ت‪! B‬فت‪B‬رون { ‪.‬‬

‫وطلبهم في موضع آخر طلب إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون لهم أن ال حرم هذا‪،‬‬
‫ونهى نبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إن شهد لهم شهود زور أن يشهد معهم‪ ،‬وهو قوله تعالى‪:‬‬
‫} ق !ل هلم شهداءكم الذين ي !شهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فل ت !شه !د معه !م { ‪.‬‬

‫والخلصة‪ :‬أن الدين السلمي يدعو إلى الكمال الروحي والسمو الخلقي مع العناية الجسم‬

‫وبالنفس‪ ،‬وما تميل إليه ما دام في حدود الحلل‪.‬‬
‫وروي عن عمر‪ :‬إذا وسع ال عليكم فوسعوا‪.‬‬

‫وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬أنه كان يلبس‬
‫كساء خز بخمسين دينار‪ ،‬يلبسه في الشتاء‪ ،‬فإذا كان في الصيف تصدق به أو باعه فتصدق‬
‫بثمنه‪ ،‬وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ممشقين‪ ،‬ويقول‪ } :‬ق !ل م !ن حرم زينة الله التي‬

‫أ !خرج لعباده { ‪.‬‬

‫وقد دلت الية الكريمة على جواز لباس الرفيع من الثياب‪ ،‬والتجمل بها في الجمع والعياد‪،‬‬

‫وعن لقاء الناس ومزاورة الخوان‪ ،‬قال أبو العالية‪ :‬كان المسلمون إذا تزاروا تجملوا‪.‬‬
‫وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها‪ ،‬وكان مالك بن دينار يلبس الثياب‬
‫العدنية الجياد‪ ،‬وكان ثوب أحمد بن حنبل يشتري بنحو الدينار‪.‬‬
‫قال أبو الفرج بن الجوزي ‪-‬رحمه ال‪ :-‬وأنا أكره لبس الفوط والمرقعات لربعة أوجه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أنه ليس من لبس السلف‪ ،‬وإنما كانوا يرقعون ضرورة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬أنه يتضمن ادعاء الفقر‪ ،‬وقد أمر النسان أن يظهر أثر نعم ال عليه‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬إظهار التزهد‪ ،‬وقد أمرنا بستره‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬أنه تشبه بهؤلء المتزحزين عن الشريعة‪ ،‬ومن تشبه بقوم فهو منهم‪.‬‬
‫وقال أبو الفرج‪ :‬وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة ل المترفعة ول الدون‪ ،‬ويتخيرون‬
‫قبيحا‪ ،‬وأما اللباس الذي‬
‫أجودها للجمعة والعيد وللقاء الخوان‪ ،‬ولم يكن تخير الجود عندهم ‪2‬‬
‫يزري بصاحبه‪ ،‬فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر‪ ،‬وكأنه لسان شكوى من ال‪ ،‬ويوجب‬

‫احتقار الملبس‪ ،‬وكل ذلك مكروه منهي عنه‪.‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬تجويد اللباس هوى النفس‪ ،‬وقد أمرنا بمجاهدتها‪ ،‬وتزين لل!خل!ق‪،‬‬
‫وقد أمرنا أن تكون أفعالنا ل‪ ،‬ل للخلق‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬ليس كل ما تهواه النفس يذم‪ ،‬وليس كل ما يتزين به للناس يكره‪ ،‬وإنما ينهى عن ذلك‬
‫إذا كان الشرع قد نهى عنه‪ ،‬أو على وجه الرياء في باب الدين‪ ،‬فإن النسان يحب أن يرى‬
‫جميل‪ ،2‬وذلك حظ النفس ل يلم فيه‪ ،‬ولهذا يسرح شعره‪ ،‬وينظر في المرآة‪ ،‬ويسوي عمامته‪،‬‬
‫ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج‪ ،‬وليس في شيء من هذا ما‬

‫يكره ول يذم‪.‬‬
‫وقد روى مكحول عن عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬قالت‪ :‬كان نفر من أصحاب رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ينتظرونه على الباب‪ ،‬فخرج يريدهم‪ ،‬وفي الدار كوة فيها ماء‪ ،‬فجعل‬
‫ينظر في الماء‪ ،‬ويسوي لحيته ورأسه‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وأنت تفعل هذا؟ قال‪» :‬نعم‪ ،‬إذا‬
‫خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه‪ ،‬فإن ال جميل يحب الجمال«‪.‬‬

‫وفي »صحيح مسلم« عن ابن مسعود‪ ،‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪» :‬ل يدخل‬
‫الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر«‪ ،‬فقال رجل‪ :‬إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسن‪2‬ا‪،‬‬
‫ونعله حسنة‪ ،‬قال‪» :‬إن ال جميل يحب الجمال‪ ،‬الكبر بطر الحق وغمط الناس«‪.‬‬
‫والحاديث في هذا المعنى كثيرة‪ ،‬تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة‪.‬‬
‫وعن خالد بن معدان‪ ،‬قال‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يسافر بالمشط‪ ،‬والمرآة‪،‬‬
‫والدهن‪ ،‬والسواك‪ ،‬والكحل‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك‪ ،‬قال‪ :‬كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يكثر دهن رأسه‪ ،‬ويسرح‬
‫لحيته بالماء‪.‬‬
‫وعن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬كانت لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مكحلة يكتحل بها عند النوم‬
‫ثلث‪2‬ا في كل عين‪.‬‬

‫قوله تعالى‪ } :‬ق !ل هي للذين آمنوا في الحياة ال •دن!‪B‬يا خالصة‪ 2‬ي‪! B‬وم القيامة { ‪.‬‬

‫قال بعض المفسرين‪ :‬خالصة نصب على الحال من لم مضمرة‪ ،‬تقديرها هي للذين آمنوا في‬

‫الحياة الدنيا مشتركة‪ ،‬وهي لهم في الخرة خالصة‪ ،‬فحذفت اللم لوضوح معناها كما تحذف‬
‫العرب أشياء ل يلبس سقوطها‪.‬‬
‫وقال المفسرون‪ :‬إن المشركين شاركوا المؤمنين في الطيبات‪ ،‬فأكلوا وشربوا ولبسوا ونكحوا‪ ،‬ثم‬
‫يخلص ال الطيبات في الخرة للمؤمنين وليس للمشركين فيها شيء‪ ،‬وقيل‪ :‬خالصة لهم من ضرر‬
‫أو إثم‪ ،‬وقرأ نافع )خالصة( بالرفع‪ ،‬قال الزجاج‪ :‬ورفعها على أنها خبر بعد خبر‪ ،‬كما تقول‪ :‬زيد‬
‫عاقل لبيب‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬قل أيها الرسول لمتك‪ :‬إن الزينة والطيبات من الرزق للذين آمنوا في الحياة الدنيا‪،‬‬
‫تبعا لهم‪ ،‬وإن لم يستحقها مثلهم‪ ،‬وهي يوم القيامة خالصة لهم‪.‬‬
‫ويشاركهم فيها غيرهم ‪2‬‬

‫وقال بعض المفسرين للية‪ :‬إن مفهومها أن من لم يؤمن بال‪ ،‬بل استعان بها على معاصيه فإنها‬
‫غير خالصة له ول مباحة‪ ،‬بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها‪ ،‬ويسأل عن النعيم يوم القيامة‪ .‬اه‪.B‬‬

‫جميعا‪ ،‬كما يدل على ذلك قوله تعالى‪:‬‬
‫وقصارى ذلك أن الدين يورث أهله سعادة الدنيا والخرة ‪2‬‬

‫} فمن ات‪B‬بع هداي فل يض •ل ول ي !شقى * وم !ن أ !عرض عن ذ !كري فإن له معيشة‪ 2‬ضن ‪2‬كا ون !حشره ي‪! B‬وم‬
‫اء غدق‪2‬ا { ذاك أن المؤمن‬
‫است‪B‬قاموا على الطريقة !‬
‫القيامة أ !عمى { ‪ ،‬وقوله‪ } :‬وأن لو !‬
‫لسق !ي‪B‬ناهم م ‪2‬‬

‫وشكرا له كلما عرف شيئ‪2‬ا من سننه وآياته في نفسه‪ ،‬أو في غيرها من الكائنات‪،‬‬
‫يزداد إيمان‪2‬ا بربه‬
‫‪2‬‬
‫ومن أهم أركان الشكر‪ :‬استعمال النعمة فيما وهبها المنعم لجله من شكر الجوارح‪ ،‬كشكر‬

‫اللسان بالثناء عليه‪ ،‬وشكر سائر العضاء‪.‬‬

‫كذلك ففي حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي والحاكم‪» :‬الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم‬
‫الصابر«‪ ،‬والسر في هذا أن الكل والشرب من الطيبات بدون إسراف هما قوام الحياة والصحة‪،‬‬
‫وهما الدعامتان اللتان يتوقف عليهما القيام بجميع العمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية‪،‬‬
‫ولهما التأثير العظيم في جودة النسل الذي حث ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على السعي في‬
‫تكثيره؛ لن به يكثر سواد المة‪.‬‬
‫والملبس النظيفة الجيدة لها فوائد‪:‬‬
‫‪ -1‬حفظ الصحة‪.‬‬
‫‪ -2‬كرامة من يتجمل بها وتوقيره وتقديره‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫تجمل بالثياب تعش حمي ‪2‬دا ‪ ...‬واجعل لباسك ما اشتهاه الناس‬

‫صل اليات لق !وم ي‪! B‬علمون { ‪ ،‬يقول تعالى ذكره‪ :‬كما بينت وفصلت لكم‬
‫قوله‪ } :‬كذلك ن‪B‬ف '‬

‫الواجب عليكم في اللباس والزينة والحلل من المطاعم والمشارب والحرام منها‪ ،‬وميزت بين‬
‫ذلك لكم أيها الناس‪ ،‬كذلك أبين جميع أدلتي وحججي‪ ،‬وإعلم حللي وحرامي لقوم يعلمون‪ ،‬ما‬

‫يبين لهم ويفقهون ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة‪.‬‬
‫مما يفهم من هذه الية الكريمة‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -2‬منة ال على بني آدم بما يسره لهم من اللباس المواري للسوأة‪.‬‬
‫‪ -3‬منة ال بما يسره من اللباس المعد للجمال‪.‬‬
‫‪ -4‬إن لباس التقوى خير لباس‪.‬‬
‫‪ -5‬إن اللباس ينقسم إلى قسمين‪ :‬لباس حسي‪ ،‬ولباس معنوي‪.‬‬
‫‪ -6‬وجوب ستر العورة‪.‬‬
‫‪ -7‬بلغة القرآن حيث أن خطابه عام لجميع أهل الزمنة من المكلفين‪.‬‬
‫‪ -8‬جواز توجيه الخطاب للمعدوم الذي سيوجد وتتكامل فيه شروط التكليف‪.‬‬
‫‪ -9‬دليل على علو ال على خلقه‪.‬‬
‫‪ -10‬إن في ذلك دللة على أن ال الخالق الرازق‪.‬‬
‫‪ -11‬دليل على قدرة ال واعتنائه ببني آدم‪.‬‬
‫‪ -12‬تعليل الحكام‪.‬‬
‫‪ -13‬الحث على التذكر والتعاظ والنزجار عن ما نهى ال عنه‪.‬‬
‫‪ -14‬دليل على إباحة لباس الزينة والرغبة في استعمالها‪.‬‬

‫‪ -15‬إن السلم دين الفطرة‪ ،‬وليس فيه ما يخالف ما تدعو الحاجة إليه‪.‬‬
‫‪ -16‬الحث على شكر ال‪.‬‬
‫‪ -17‬الشارة بالبعيد للتعظيم‪.‬‬
‫‪ -18‬الحث على خشية ال ومراقبته‪.‬‬
‫‪ -19‬لطف ال بخلقه حيث ستر عوارتهم باللباس‪.‬‬
‫‪ -20‬في الية رد على من أنكر صفة العلو‪.‬‬
‫‪ -21‬في الية رد على من أنكر صفة الكلم أو أولها بتأويل‪.‬‬
‫‪ -22‬دليل على جود ال وكرمه‪.‬‬
‫الية الثانية‪ :‬قوله‪ } :‬يا بني آدم ل ي‪! B‬فتن‪B‬نكم الش !يطان كما أ !خرج أب‪B‬وي!كم 'من الجنة ينزع ع !ن‪B‬هما‬

‫لباسهما ليري‪B‬هما س !وءاتهما إنه ي‪B‬راك !م هو وقبيله م !ن ح !يث ل ت‪B‬ر!ون‪B‬ه !م إنا جعل!نا الشياطين !أولياء‬
‫للذين ل ي‪! B‬ؤمنون { ‪.‬‬

‫مما يفهم من هذه الية الكريمة‪:‬‬

‫‪ -1‬إثبات صفة الكلم‪.‬‬
‫‪ -2‬تكرير النداء لليذان بكمال العتناء بمضمون ما صدر به‪.‬‬
‫‪ -3‬التحذير من محن الشيطان وفتنه‪.‬‬
‫‪ -4‬إن الشيطان لبني آدم عدو مبين‪.‬‬
‫‪ -5‬إن الشيطان يفتن من لم يعصمه ال منه‪.‬‬
‫‪ -6‬العتبار بالجولة الولى التي انتهت بالفتنة‪ ،‬والخروج من الجنة‪ ،‬ونزع اللباس‪ ،‬وانكشاف‬
‫السوآت‪.‬‬
‫‪ -7‬إن الشيطان هو السبب في نزع لباس آدم وحواء عنهما‪.‬‬
‫‪ -8‬التيان بصيغة المضارع لستحضار الصورة التي وقعت فيما مضى‪.‬‬
‫‪ -9‬إثبات الجن‪.‬‬
‫‪ -10‬الرد على من أنكرهم من الزنادقة والفجرة المكذبين ل وللرسول وللمؤمنين‪.‬‬
‫‪ -11‬إن الشيطان هو الذي أخرج البوين من الجنة‪.‬‬
‫‪ -12‬إنه يرانا هو وقبيله من حيث ل نراهم‪.‬‬
‫‪ -13‬وجوب الحتراز من إبليس وجنوده‪.‬‬
‫‪ -14‬إن الشيطان له أعوان يساعدونه على إغواء بني آدم‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات الجنة وأنها حق‪.‬‬

‫‪ -16‬إن الجنة موجودة‪.‬‬
‫‪ -17‬تكرير النداء في مقام الوعظ والتذكير اقتداء بالقرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -18‬تعليل الحكام‪.‬‬
‫‪ - 19‬إن الشيطان يعجز البشر‪ ،‬وليس لهم قدرة على دفع أذاه إل بمعونة ال واللتجاء إليه‪ ،‬وإل‬
‫بتذكره وتقواه‪ ،‬وال ولي المؤمنين‪.‬‬
‫‪ -20‬إن عدم اليمان هو الموجب لعقد الولية بين النسان والشيطان‪.‬‬
‫‪ -21‬إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا‪.‬‬
‫‪ -22‬تأكيد التحذير إثر تأكيد‪.‬‬
‫‪ -23‬جواز توجيه الخطاب للمعدوم الذي سيوجد؛ لن الخطاب عام للموجد وقت النزول وبعده‬
‫إلى آخر الدنيا‪.‬‬
‫‪ -24‬لطف ال بخلقه حيث حذرهم من إبليس وأعوانه‪.‬‬
‫‪ -25‬أن ل الحجة البالغة‪ ،‬ول عذر لمن اتبع عدو ال إبليس‪.‬‬
‫‪ -26‬دليل على أن الجد يسمى أب‪2‬ا وإن عل؛ لقوله‪ } :‬كما أ !خرج أب‪B‬وي!كم { ‪.‬‬

‫مما يفهم من قوله تعالى‪ } :‬وإذا ف‪B‬علوا فاحشة‪ 2‬قالوا وج !دنا عل !ي‪B‬ها آباءنا والله أمرنا بها ق !ل إن الله‬

‫ل يأ!مر بال!ف !حشاء أت‪B‬قولون على الله ما ل ت‪! B‬علمون { ‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬

‫‪ -2‬ذكر أثر من آثار ولية الشيطان للذين ل يؤمنون‪.‬‬
‫‪ - 3‬إن المشركين إذا فعلوا فعلة قبيحة ينكرها الشرع‪ ،‬ويأباها العقل السليم‪ ،‬يعتذرون بمعاذير في‬
‫غاية البطلن‪.‬‬
‫‪ -4‬إن المشركين يفترون على ال الكذب‪.‬‬
‫‪ -5‬ذم القتداء بالباء الضالين‪.‬‬
‫‪ -6‬إن ما كان يفعله المشركون من كشف العورة من الفاحشة‪.‬‬
‫‪ -7‬إن ال ل يأمر بالفحشاء‪.‬‬
‫‪ -8‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -9‬إثبات الرسالة والرد على منكرها‪.‬‬
‫‪ -10‬النكار على من قال على ال بل علم‪.‬‬
‫‪ -11‬تحريم القول على ال بل علم‪.‬‬
‫‪ -12‬إن القائل هذه المقالة ونحوها لم يقدر ال حق قدره‪.‬‬

‫‪ -13‬دليل على حلم ال‪ ،‬حيث لم يعاجل المتهورين في القول على ال‪ ،‬الكاذبين عليه‪.‬‬
‫‪ -14‬إن هذه من آفات اللسان‪.‬‬
‫‪ -15‬الحتراز من آفات اللسان‪.‬‬
‫سنة والرجوع إليهما في القليل والكثير‪ ،‬وترك ما خالفهما‪.‬‬
‫‪ -16‬وجوب إتباع الكتاب وال •‬
‫‪ -17‬رد على الحبرية حيث قالوا‪ :‬إن أفعال العباد مجاز‪.‬‬

‫‪ -18‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -19‬الرد على من قال إنه كلم ال النفسي‪.‬‬
‫قديما وحديث‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -20‬إن المشركين ل ينكرون وجود ال‪ ،‬كما يفعله الدهريون ‪2‬‬
‫} ق !ل أمر رب'ي بال!ق !سط وأقيموا وجوهك !م عند ك 'ل م !سجد وا !دعوه م !خلصين له الد'ين كما بدأك !م‬
‫ت‪B‬عودون * فري ‪2‬قا هدى وفري ‪2‬قا حق عل !يهم الضللة إن‪B‬هم اتخذوا الشياطين !أولياء من دون الله‬
‫وي !حسبون أن‪B‬هم •م !هتدون { ‪.‬‬
‫هذه الية الرابعة وفيها‪:‬‬

‫‪ -1‬إن ال أمر بالعدل والستقامة‪.‬‬
‫‪ -2‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -3‬الحث على التوجه في الصلة إلى الكعبة‪.‬‬
‫‪ -4‬الحث على الخلص‪.‬‬
‫‪ -5‬دليل على وجوب صلة الجماعة في المسجد‪.‬‬
‫‪ -6‬الحث على الدعاء على وجه الخلص‪.‬‬
‫‪ -7‬النهي عن الشرك‪.‬‬
‫‪ -8‬النهي عن الجور والظلم؛ لنه ضد ما أمر ال به‪.‬‬
‫‪ -9‬إن الدعاء ينفع‪.‬‬
‫‪ -10‬دليل على البعث‪.‬‬
‫‪ -11‬إن ال هو الذي بدأ الخلق‪.‬‬
‫‪ -12‬دليل على قدرة ال التي ل يعجزها شيء‪ ،‬الحث على التأهب لذلك اليوم والستعداد له‪.‬‬
‫‪ -13‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -14‬الرد على من أنكر هذه الصفة‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات علم ال في المستقبل‪.‬‬
‫‪ -16‬الرد على من أنكر صفة العلم كالجهمية والقدرية‪.‬‬

‫‪ -17‬قياس العادة على البتداء‪.‬‬
‫‪ -18‬إن الناس يعودون فريقين سعداء وأشقياء‪ ،‬والفريق الذي هداه ال هم المؤمنون بال‪،‬‬
‫المتبعون لنبيائه‪ ،‬والفريق الذي حقت عليه الضللة هم الكفار‪.‬‬
‫ضل !ل ف‪B‬لن‬
‫‪ -19‬إن الهداية والضلل بيد ال‪ ،‬كما قال تعالى‪ } :‬من ي‪! B‬هد الله ف‪B‬هو الم !هتد ومن ي !‬

‫تجد له ولي‪2‬ا •م !رش ‪2‬دا { ‪.‬‬

‫‪ -20‬بيان العلة وأن السبب في ذلك أنهم أطاعوا الشيطان في معصية ال‪.‬‬
‫‪ -21‬إنهم مع ضللتهم يظنون ويحسبون أنهم على هداية وحق‪.‬‬
‫‪ -22‬دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد المعاند في الكفر سواء‪.‬‬
‫‪ -23‬دليل على خطأ قول من ز عم أن ال تعالى ل يعذب أح ‪2‬دا على معصية ارتكبها‪ ،‬أو ضللة‬
‫اعتقدها إل أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب‪ ،‬ووجه الدللة‪ ،‬قوله‪ } :‬وي !حسبون { ‪،‬‬

‫والمحسبة‪ :‬الظن ل العلم‪.‬‬

‫‪ -24‬في الية رد على الجبرية؛ لن المشركين هم الذين اختاروا ولية الشيطان على ولية‬
‫الرحمن‪.‬‬
‫‪ -25‬الية فيها حجة على أهل العتزال في كون الهداية والضلل إلى ال جل وعل‪.‬‬
‫‪ -26‬في الية دليل على أن مجرد الظن والحسبان ل يكفي في صحة الدين‪ ،‬بل لبد من الجزم‬
‫والقطع؛ لنه تعالى ذم الكافرين بأنهم يحسبون كونهم مهتدين‪ ،‬ولول أن هذا الحسبان مذموم لما‬
‫ذمهم بذلك‪.‬‬
‫‪ -27‬ودلت الية على أن كل من شرع في باطل فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى أو‬
‫لم يحسب ذلك‪.‬‬
‫‪ -28‬في الية ما يدل على شدة تمردهم وعنادهم حيث لم يعترفوا على أنفسهم بالضللة‪.‬‬
‫‪ -29‬دليل على لطف ال بخلقه حيث بين لعباده أن سبب الشقاوة اتخاذ الشياطين أولياء‪.‬‬
‫‪ -30‬التحرز من الشيطان وجنوده‪.‬‬
‫هذه الية الخامسة وفيها‪:‬‬
‫‪ -1‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -2‬جواز توجيه الخطاب الذي سيوجد‪.‬‬
‫‪ -3‬في الية رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة‪.‬‬
‫‪ -4‬استحباب التجمل عند الصلة‪ ،‬ولسيما يوم الجمعة ويوم العيد‪.‬‬
‫‪ -5‬استحباب الطيب؛ لنه من الزينة‪.‬‬

‫‪ -6‬استحباب السواك؛ لنه من تمام ذلك‪.‬‬
‫‪ -7‬استحباب لبس النعال لما أخرجه ابن عدي عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خذوا زينة الصلة«‪ ،‬قالوا‪ :‬وما زينة الصلة؟ قال‪» :‬البسوا‬
‫نعالكم فصلوا فيها«‪ ،‬وأخرج ابن عساكر وغيره عن انس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬عن النبي ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال في قوله سبحانه‪ } :‬خذوا زينتك !م عند ك 'ل م !سجد‪» : { ...‬صلوا في‬

‫نعالكم«‪.‬‬

‫‪ -8‬وجوب ستر العورة في الصلة‪.‬‬
‫‪ -9‬إباحة الكل والشرب‪.‬‬
‫‪ -10‬النهي عن السراف فيهما‪.‬‬
‫‪ -11‬ل يجوز تحليل الحرام؛ أنه إسراف وتعد لحدود ال‪.‬‬
‫‪ -12‬ل يجوز تحريم الحلل؛ لنه إسراف‪.‬‬
‫‪ -13‬ل يجوز الفراط في الطعام؛ لنه يؤدي إلى التخمة التي ربما أدت إلى الموت أو المراض‬
‫الخطرة‪ ،‬وهذا نوع من السراف وقد نهى ال عنه‪.‬‬
‫‪ -14‬الصل في جميع الشياء الباحة‪ ،‬إل ما حظره الشارع‪.‬‬
‫‪ -15‬إثبات الفعال الختيارية‪.‬‬
‫‪ -16‬لطف ال بخلقه حيث أرشد إلى ما فيه صلح أبدانهم‪.‬‬
‫‪ -17‬إثبات حكمة ال‪.‬‬
‫‪ -18‬الرد على الجهمية ونحوهم من المنكرين لصفة الكلم والمحبة وسائر الصفات‪.‬‬
‫‪ -19‬في الية وعيد وتهديد لمن أسرف؛ لن من لم يحبه ال ليس بخير‪ ،‬وهو من المحرومين‬
‫الخاسرين‪.‬‬
‫مما يفهم من الية السادسة‪ ،‬وهي قوله تعالى‪ } :‬ق !ل م !ن حرم زينة الله التي أ !خرج لعباده والطي'بات‬
‫صل اليات لق !وم‬
‫من ال 'ر!زق ق !ل هي للذين آمنوا في الحياة ال •دن!‪B‬يا خالصة‪ 2‬ي‪! B‬وم القيامة كذلك ن‪B‬ف '‬
‫ي‪! B‬علمون { ‪:‬‬

‫‪ -1‬إثبات صفة الكلم ل‪.‬‬
‫‪ -2‬الرد على من أنكرها‪.‬‬
‫‪ -3‬الرد على من قال إن القرآن كلم محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -4‬النكار على من يحرم على نفسه وعلى غيره الزينة‪.‬‬
‫‪ -5‬إن الصل في المأكولت والملبوسات الحل‪ ،‬إل ما ورد الشرع بتحريمه‪.‬‬

‫يما ديني‪2‬ا على عباد ال‪ ،‬أو يوجب عليهم شيئ‪2‬ا إل بنص‬
‫‪ -6‬ل يحل لحد أن يحرم شيئ‪2‬ا تحر ‪2‬‬

‫صريح عن ال ورسوله‪.‬‬

‫‪ -7‬إن من تهجم على ذلك بأن حرم ما أحل ال‪ ،‬فقد تجرأ على ال‪ ،‬وأساء إلى عباد ال‪.‬‬
‫‪ -8‬الشارة إلى عظم شأن الدليل والبرهان في الدين‪.‬‬
‫‪ -9‬سماحة الدين السلمي‪.‬‬
‫‪ -10‬إن الملك للزينة وغيرها ل المالك لكل شيء‪.‬‬
‫‪ -11‬إن العباد ل يملكون العيان مل ‪2‬كا مطل ‪2‬قا‪ ،‬وإنما يملكون التصرف فيها على مقتضى‬

‫الشرع‪.‬‬

‫‪ -12‬إن ال هو المخرج للزينة الخالق لموادها‪ ،‬المعلم لطرق صنعها‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬الله خالق‬
‫ك 'ل ش !يء { ‪ ،‬وقال‪ } :‬والله خلقك !م وما ت‪! B‬عملون { ‪ ،‬وقال‪ } :‬والله أ !خرجكم 'م !ن بطون أمهاتك !م‬
‫ل ت‪! B‬علمون ش !يئ‪2‬ا وجعل لكم الس !مع والب!صار والف!ئدة { الية‪.‬‬
‫‪ -13‬إثبات قدرة ال‪.‬‬
‫‪ -14‬لطف ال بخلقه حيث أخرج لهم رزقهم‪.‬‬
‫‪ -15‬حلم ال حيث شملت رحمته ونعمته البر والفاجر‪ ،‬والعاصي والمطيع‪.‬‬
‫‪ -16‬إن الجميع عبيد ال‪ ،‬والعبودية نوعان‪:‬‬
‫‪ ...‬النوع الول‪ :‬عبودية لربوبيته‪ ،‬فهذه مشتركة بين سائر الخلق‪ ،‬مسلم وكافر‪ ،‬بر وفاجر‪ ،‬فكلهم‬
‫الرض إل آتي الر !حمن ع !ب ‪2‬دا { ‪.‬‬
‫عبيد مربوبون كما في آية مريم‪ } :‬إن ك •ل من في السموات و !‬

‫‪ ...‬والنوع الثاني‪ :‬عبوديته للوهيته‪ ،‬وعبادته ورحمته‪ ،‬وهي عبودية أنبيائه وأوليائه‪ ،‬والمراد هنا بآية‬

‫العراف العامة المشتركة بين الخلق‪.‬‬
‫‪ -17‬خطأ من آثر اللباس الدني وهو يقدر على اللباس العالي والمتوسط‪ ،‬ومن ترك اللحم‬
‫والفواكه مع الشهوة لها والقدرة عليها‪ ،‬خوف‪2‬ا من عارض الشهوة‪.‬‬

‫قال بعض الدباء‪:‬‬

‫أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهيت ‪ ...‬واجعل لباسك ما اشتهاه الناس‬
‫‪ -18‬إن الكفار يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا‪.‬‬
‫‪ -19‬إنها خالصة يوم القيامة للمؤمنين‪.‬‬
‫‪ -20‬إثبات القيامة والبعث‪ ،‬والحشر‪ ،‬والحساب‪ ،‬والجنة‪.‬‬
‫‪ -21‬إن ال فصل وبين ما يجب في اللباس والحلل والحرام‪ ،‬المطاعم‪ ،‬والمشارب‪.‬‬
‫‪ - 22‬إن المر يحتاج إلى العلم به وإلى معرفة ما أحل ال وما حرم ليكون الناس على بصيرة وبينة‬

‫من ذلك وعلم‪ ،‬فأما الذي حرمه ال ح ‪2‬قا‪ ،‬فليس هو الزينة المعتدلة من اللباس‪ ،‬وليس هو الطيب‬

‫من الطعام والشراب‪ ،‬بل المحرم هو السراف‪.‬‬

‫الية السابعة‪ :‬الفواحش‪ :‬جمع فاحشة‪ ،‬وهي ما عظم جرمه وذنبه‪ ،‬كالكبائر التي بلغت الغاية في‬
‫الفحش‪ ،‬وذلك كالزنا‪ ،‬واللواط‪ ،‬والكبر‪ ،‬والعجب‪ ،‬والرياء‪ ،‬والنفاق‪ ،‬والثم‪ ،‬أي ما يوجب الثم‬
‫والذل‪ ،‬فيتناول كل معصية يتسبب عنها الثم‪ ،‬والبغي بغير الحق‪ ،‬التعدي على الناس في دمائهم‬
‫وأموالهم وأعراضهم من غير أن يكون على جهة القصاص‪ ،‬والمماثلة‪ ،‬والشرك‪ :‬دعوة ال ودعوة‬
‫غيره معه‪ ،‬والسلطان‪ :‬الحجة والبرهان‪.‬‬
‫ففي هذه الية المحرمات الخمس التي اتفق على تحريمها الرسل والشرائع والكتب‪ ،‬وهي‬
‫محرمات كل أحد‪ ،‬وفي كل حال ل تباح قط‪ ...‬والمراد بالتحريم هنا التحريم الشرعي ل الكوني‬

‫لم ي‪B‬ن‪' B‬ز !ل به سل!طان‪2‬ا { أي وحرم الشرك به بأن تجعلوا ل‬
‫القدري‪ ،‬وقوله‪ } :‬وأن ت !شركوا بالله ما !‬

‫شري ‪2‬كا ما لم ينزل به سلطان‪2‬ا‪ ،‬وحرم سبحانه القول عليه بل علم في أسمائه وصفاته وشرعه‪ ،‬وأصل‬
‫الشرك والكفر‪ :‬القول على ال بل علم‪ ،‬فكل مشرك قائل على ال بل علم دون العكس‪ ،‬إذ‬

‫القول على ال بل علم‪ ،‬قد يتضمن التعطيل والبتداع في الدين فهو أعم من الشرك والشرك فرد‬
‫من أفراده‪ ،‬ورتب هذه المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش‪ ،‬ثم ثنى بما هو أشد‬
‫تحريما وهو الثم والظلم‪ ،‬ثم ثلث بما هو أعظم وهو الشرك به سبحانه‪ ،‬ثم ربع بما هو أشد‬
‫‪2‬‬
‫تحريما من ذلك كله‪ ،‬وهو القول على ال بل علم‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫وقال بعض المفسرين‪ :‬الجنايات محصورة في خمس أنواع‪:‬‬

‫‪ -1‬الجنايات على النساب وهي المرادة بالفواحش‪.‬‬
‫‪ -2‬الجنايات على العقول وهي المشار إليها بالثم‪.‬‬
‫‪ -3‬الجنايات على النفوس‪ ،‬والموال‪ ،‬والعراض‪ ،‬وإليها الشارة بالبغي‪.‬‬
‫‪ -4‬الجنايات على الديان وهي من وجهين‪ :‬إما طعن في توحيد ال‪ ،‬وإليه الشارة بقوله‪ } :‬وأن‬
‫ت !شركوا بالله { ‪.‬‬

‫‪ -5‬وإما القول في دين ال من غير معرفة وإليه الشارة بقوله‪ } :‬وأن ت‪B‬قولوا على الله ما ل‬

‫ت‪! B‬علمون { ‪.‬‬
‫وهذه الخمسة أصول الجنايات‪ ،‬وأما غيرها فهي كالفروع‪ ،‬ومناسبة ذكرها هنا ما فيها من تحريم‬
‫القول على ال بل علم‪ ،‬ومنه القول على ال في أسمائه وصفاته بل علم؛ لن القول على ال بل‬
‫تحريما؛ لن ال رتبها في الية من الدنى إلى العلى‪.‬‬
‫علم أشد من الشرك‬
‫‪2‬‬

‫وقال ابن القيم ‪ -‬رحمه ال ‪ :-‬أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلثة‪ :‬تعلق القلب بغير ال‪،‬‬
‫وطاعة القوة الغضبية‪ ،‬والقوة الشهوانية‪ ،‬وهي الشرك والظلم والفواحش‪ ،‬فغاية التعلق بغير ال‪:‬‬
‫الشرك‪ ،‬وغاية القوة الغضبية‪ :‬القتل‪ ،‬وغاية القوة الشهوانية‪ :‬الزنا؛ ولهذا جمع ال الثلثة في قوله‪:‬‬
‫} والذين ل ي !دعون مع الله إ ‪2‬لها آخر ول ي‪! B‬قت‪B‬لون الن‪! B‬فس التي حرم الله إل بال!ح 'ق ول ي‪! B‬زنون { ‪.‬‬
‫وقال الشيخ ‪ -‬رحمه ال ‪ :-‬ظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها‪ ،‬وهي محتاجة إليه‪ ،‬وذلك‬

‫فعل ما أمر ال به‪ ،‬وبفعل ما يضرها وذلك المعاصي كلها‪ ،‬كما أن ظلم الغير كذلك إما بمنح حقه‬
‫أو التعدي عليه‪ ،‬فإن ال أمر العباد بما ينفعهمن ونهاهم عما يضرهم‪ ،‬وجاء القرآن بالمر‬
‫بالصلح والنهي عن الفساد والصلح كله طاعة‪ ،‬والفساد كله معصية‪ ،‬وقد ل يعلم كثير من‬
‫الناس ذلك على حقيقته‪ ،‬فعلى المؤمن أن يعلم أن ال يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة‪،‬‬
‫وكل ما أمر ال به راجع إلى العدل‪ ،‬وكل ما نهى عنه راجع إلى الظلم‪ ،‬والظلم الذي حرمه ال‬
‫على نفسه أن يترك حسنات المحسن فل يجزيه بها أو يعاقب البريء على ما لم يفعله من‬
‫السيئات أو يعاقب هذا بذنب غيره أو يحكم بين الناس بغير القسط‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬وذلك لكمال‬
‫عدله وحمده‪ .‬اه‪.B‬‬
‫من ما يفهم من الية الكريمة‪:‬‬
‫‪ -1‬الرد على من قال إن القرآن كلم مخلوق‪.‬‬
‫‪ -2‬إثبات الربوبية‪.‬‬
‫‪ -3‬تحريم الفواحش عامة‪.‬‬
‫‪ -4‬أن الفواحش قسمان‪ :‬ظاهرة وباطنة‪.‬‬
‫‪ -5‬تحريم الثم‪.‬‬
‫‪ -6‬تحريم الزنا؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -7‬تحريم اللواط؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -8‬تحريم البغي بغير حق‪.‬‬
‫‪ -9‬إن القصاص بحق يجوز‪.‬‬
‫‪ -10‬تحريم الشرك بال‪.‬‬
‫‪ -11‬أن العلة في ذلك أنه لم ينزل به سلطان‪2‬ا‪.‬‬
‫‪ -12‬تحريم القول على ال بل علم‪.‬‬
‫‪ -13‬في الية رد على الجهمية المنكرين لصفة العلم‪.‬‬
‫‪ -14‬في الية رد على المعتزلة القائلين عليم بل علم‪.‬‬

‫‪ -15‬في الية رد على الشاعرة المنكرين لبعض الصفات‪.‬‬
‫‪ -16‬أن التحريم والتحليل إنما يكون من عند ال‪.‬‬
‫‪ -17‬شمول الشريعة لكل الحكام‪.‬‬
‫‪ -18‬الرد على من يقول بعدم كمال الشريعة السلمية‪.‬‬
‫‪ -19‬الرد على من يطالب بالقوانين الوضعية‪ ،‬والنظمة المخالفة للشرع‪.‬‬
‫‪ -20‬الرد على المشركين القائلين بأن لصنامهم ومعبوديهم شفاعة‪.‬‬
‫‪ -21‬ضرر الشرك على الخلق‪.‬‬
‫‪ -22‬إثبات صفة العلم‪.‬‬
‫‪ -23‬الرد على من أنكر صفة العلم أو أولها بتأويل باطل‪.‬‬
‫‪ -24‬إثبات صفة الكلم والرد على من أنكرها أو أولها بتأويل باطل‪.‬‬
‫‪ -25‬قيام الحجة على الخلق‪.‬‬
‫‪ -26‬تحريم السرقة؛ لنها من الفواحش‪.‬‬
‫‪ -27‬تحريم أكل الربا؛ لنه من الفواحش‪.‬‬
‫‪ -28‬تحريم أكل مال اليتيم؛ لنه من الفواحش‪.‬‬
‫‪ -29‬تحريم السحر؛ لنه من الفواحش‪.‬‬
‫‪ -30‬تحريم القذف بالزنا‪ ،‬أو اللواط؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -31‬تحريم شهادة الزور؛ لنها فاحشة‪.‬‬
‫‪ -32‬تحريم القتل؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -33‬تحريم التولي يوم الزحف؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -34‬تحريم إتيان المرأة في دبرها؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -35‬تحريم إتيان من حاضت؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -36‬تحريم سوء الظن بال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -37‬تحريم الطعن في الدين؛ لن فاحشة‪.‬‬
‫‪ -38‬تحريم سب الرسل؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -39‬أن الشرك جناية على الدين‪.‬‬
‫‪ -40‬ترتيب المحرمات الخمس‪.‬‬
‫‪ -41‬أنها حرام في كل زمان ومكان أي المحرمات الخمس‪.‬‬
‫‪ -42‬أن البغي ينقسم محرم‪ ،‬وهو ما كان بغير الحق‪ ،‬وجائز وهو ما كان بحق‪.‬‬
‫‪ -43‬تعظيم حرمة المسلم‪.‬‬

‫‪ -44‬إن الفواشح تنقسم إلى قسمين‪ :‬ظاهرة وباطنة‪ ،‬ظاهرة‪ :‬كالزنا‪ ،‬وباطنة‪ :‬كالكبر والعجب‬
‫والحسد وسوء الظن‪.‬‬
‫‪ -45‬تحريم التعدي على الناس في أبدانهم وأموالهم؛ لنه من البغي بغير الحق‪.‬‬
‫‪ -46‬إن الجنايات على النساب تعتبر من الفواحش‪.‬‬
‫‪ -47‬إن الشرك بال جناية على الدين‪.‬‬
‫أحكاما كثيرة‪.‬‬
‫‪ -48‬إن هذه الية على إيجازها حوت‬
‫‪2‬‬

‫‪ -49‬في الية ناحية اقتصادية‪ :‬ترك اللواط‪ ،‬والزنا‪ ،‬والقتل‪.‬‬
‫‪ -50‬في الية ناحية صحية ترك الزنا‪ ،‬واللواط‪ ،‬والقتل‪ ،‬والفواحش التي تبعث على الهموم‬
‫وضعف الجسم أو هلكه‪.‬‬
‫‪ -51‬في الية ناحية صحية واقتصادية ترك الخمر‪.‬‬
‫علما‪.‬‬
‫‪ -52‬دليل على عظمة ال وإنه أحاط بكل شيء ‪2‬‬
‫‪ -53‬الحث على فعل الوامر وترك النواهي‪.‬‬

‫‪ -54‬إن القول على ال بل علم أعظم من الشرك؛ لن المحرمات في الية مرتبة مبدوءة‬
‫بالسهل‪.‬‬
‫‪ -55‬في الية مناسبة لذكرها في كتاب التوحيد؛ لن ال حرم القول عليه بل علم‪ ،‬ومن ذلك‬
‫القول عليه بأسمائه وصفاته‪.‬‬
‫‪ -56‬إن القرآن شامل لجميع الديان وناسخ لها‪.‬‬
‫‪ -57‬في القرآن معجزة من المعجزات لتحقق مضار هذه التي نهى عنها‪.‬‬
‫منتشرا في جميع‬
‫‪ -58‬إن الدليل على ذلك إن لم يحرم هذه المحرمات الخمس تجد الفساد‬
‫‪2‬‬
‫أرجائه‪ ،‬وانظر ما حولك من البلدان المبيحة لذلك‪.‬‬

‫‪ -59‬لطف ال بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلح دينهم ودنياهم وأبدانهم‪.‬‬
‫‪ -60‬قيام الحجة على الخلق‪.‬‬
‫‪ -61‬الحث على الخوف من ال ومراقبته‪.‬‬
‫‪ -62‬أن أوامر ال ونواهيه في غاية الحسن‪ ،‬فل يأمر إل بخير ول ينهى إل عن شر‪.‬‬
‫‪ -63‬ناحية اجتماعية ترك البغي‪.‬‬
‫‪ -64‬دليل على رسالة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -65‬الرد على من أنكر رسالته ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -66‬دليل على البعث والحساب والجزاء على العمال‪.‬‬

‫‪ -67‬عظم حرمة المسلم وأن البغي عليه بغير حق انتهاك لما حرم ال‪.‬‬
‫‪ -68‬إن الخلق لم يقدروا ال حق قدره‪ ،‬وإل لما عصوه واقترفوا هذه المحرمات‪.‬‬
‫‪ -69‬إن علم الباطن والظاهر عند ال سواء كله يعلمه ال‪.‬‬
‫‪ -70‬إن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بلغ المة ما أمر به‪.‬‬
‫سنة أن القرآن غير مخلوق وأنه منزل‪.‬‬
‫‪ -71‬دليل لهل ال •‬
‫‪ -72‬جواز القول بالشرع عن علم‪.‬‬

‫‪ -73‬الحث على طلب العلم؛ ليسلم من القول على ال بل علم‪.‬‬
‫‪ -74‬أن ما لم يكن فاحشة فليس يدخل في المنهي عنه في الية هذه‪.‬‬
‫‪ -75‬ذم الجهل‪ ،‬والمأخذ من قوله‪ } :‬وأن ت‪B‬قولوا على الله ما ل ت‪! B‬علمون { ‪.‬‬
‫‪ -76‬اتفاق التحريم الديني الشرعي والتحريم الكوني القدري‪.‬‬

‫‪ -77‬دليل على أن الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ل ينطق عن الهوى‪ ،‬وما أتى به فهو وحي‬
‫من ال‪.‬‬
‫‪ -78‬اعتناء ال سبحانه وتعالى ولطفه برسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫‪ -79‬أن الخلق لم يتركوا بدون أوامر ونواهي‪.‬‬
‫‪ -80‬أن أفعال العباد تصدر عنهم باختيارهم وإل لما كان للمر فائدة‪.‬‬
‫‪ -81‬أن في القرآن تربية عالية وتوجيهات دينية‪.‬‬

‫‪ -82‬أن القرآن نزل بالتدريج شيئ‪2‬ا فشيئ‪2‬ا‪ ،‬والدللة من قوله‪ } :‬ي‪B‬ن‪' B‬ز !ل { ‪.‬‬
‫‪ -83‬الرد على من قال إنه نزل دفعة واحدة‪.‬‬

‫‪ -84‬بلغة القرآن وفصاحته حيث أن الية الواحدة القصيرة تحتوي على أحكام كثيرة‪.‬‬
‫وأسرارا ل يفهمها إل من وفقه ال لذلك‪ ،‬اللهم وفقنا لما وفقت له‬
‫حكما‬
‫‪2‬‬
‫‪ -85‬أن في القرآن ‪2‬‬

‫عبادك الصالحين‪.‬‬

‫‪ -86‬بيان عجز الخلق وضعفهم وضيق علمهم وسعة علم ال‪.‬‬
‫‪ -87‬دليل على علو ال على خلقه والدللة مأخوذة من قوله ينزل‪.‬‬
‫‪ -88‬إثبات اللوهية‪.‬‬
‫‪ -89‬الرد على القدرية القائلين‪ :‬إن العباد يخلقون أفعالهم؛ لنهم مكذبون ل‪.‬‬
‫‪ -90‬تحريم نسبة الولد إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -91‬تحريم نسبة الزوجة إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -92‬تحريم نسبة الفقر إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬

‫‪ -93‬تحريم نسبة البخل إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -94‬تحريم تشبيه ال بخلقه؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -95‬تحريم نفي صفات ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -96‬تحريم الحكم بالقوانين الوضعية؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -97‬تحريم نسبة الظلم إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -98‬تحريم نسبة التعب‪ ،‬أو النصب‪ ،‬أو اللغوب إلى ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -99‬تحريم الكذب على ال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫‪ -100‬تحريم إنكار البعث والحساب والجزاء على العمال؛ لنه فاحشة‪.‬‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫امتنان ال على عباده ببعثة محمد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم‬

‫قال ال تعالى‪ } :‬لق !د جاءك !م رس ‪d‬‬
‫يص عل !يكم بال!م !ؤمنين‬
‫•م حر ‪d‬‬
‫ول 'م !ن أنفسك !م عز ‪d‬يز عل !يه ما عنت !‬

‫ب الع !رش العظيم {‬
‫رء ‪d‬‬
‫يم * فإن ت‪B‬ول !وا ف‪B‬ق !ل ح !سبي الله ل إله إل هو عل !يه ت‪B‬وكل!ت وهو ر •‬
‫وف رح ‪d‬‬
‫]التوبة‪.[129 ،128 :‬‬

‫يقول تعالى ممتن‪2‬ا على عباده بما أرسل إليهم رسول‪ 2‬من أنفسهم‪ ،‬أي من جنسهم وعلى لغتهم‪.‬‬

‫والية بمعنى قوله‪ } :‬هو الذي ب‪B‬عث في ال 'مي'ين رسول‪' 2‬م !ن‪B‬ه !م { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬لق !د من الله على‬

‫الم !ؤمنين إ !ذ ب‪B‬عث فيه !م رسول‪' 2‬م !ن أنفسه !م { ‪ ،‬وقال جعفر بن أبي طالب النجاشي والمغيرة بن‬

‫شعبة لرسول كسرى‪ :‬إن ال بعث فينا رسول‪ 2‬منا نعرف نسبه وصفته‪ ،‬ومدخله ومخرجه‪ ،‬وصدقه‬

‫وأمانته‪.‬‬

‫وقال سفيان بن عيينة‪ ،‬عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى‪ } :‬لق !د جاءك !م رس ‪d‬‬
‫ول 'م !ن‬
‫أنفسك !م { ‪ ،‬قال‪ :‬لم يصبه شيء من ولدة الجاهلية‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خرجت من نكاح‪ ،‬ولم أخرج من سفاح«‪.‬‬

‫وعن علي قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬خرجت من نكاح‪ ،‬ولم أخرج من‬
‫سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي‪ ،‬ولم يمسسني من سفاح الجاهلية شيء«‪.‬‬
‫وقال ابن عباس‪ :‬ليس قبيلة من العرب إل وقد ولدت النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬قال بعض‬
‫العلماء‪ :‬يعني من مضرها وربيعتها ويمانها‪ ،‬وهم القحطانية‪ ،‬فإن آمنة لها نسب في النصار‪ ،‬وإن‬
‫كانت من قريش‪ ،‬والنصار أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ‪ ،‬فعلى هذا القول‬

‫يكون المقصود من قوله‪ } :‬لق !د جاءك !م رس ‪d‬‬
‫ول 'م !ن أنفسك !م { ترغيب للعرب في نصره واليمان‬
‫به‪ ،‬فإنه تم شرفهم بشرفه‪ ،‬وعزتهم بعزه‪ ،‬وفخرهم بفخره‪.‬‬

‫قال الشاعر‪:‬‬
‫ت برسول ال ع !دنان‬
‫وك !م أب قد عل بابن ذرى شرف ‪ ...‬كما عل !‬

‫وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والمانة‪ ،‬والصيانة والعفاف‪ ،‬وطهارة النسب‪ ،‬والخلق‬

‫الحميدة‪.‬‬
‫وعن واثلة بن السقع‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬إن ال اصطفى‬
‫شا من كنانة‪ ،‬واصطفى من قريش بني هاشم‪ ،‬واصطفاني من‬
‫كنانة من ولد إسماعيل‪ ،‬واصطفى قري ‪2‬‬

‫بني هاشم«‪.‬‬

‫عن العباس بن عبدالمطلب عم رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن‬
‫شا جلسوا يتذكرون أحسابهم بينهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬مثلك كمثل نخلة في كدية من الرض‪ ،‬فقال‬
‫قري ‪2‬‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن ال خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم‪ ،‬وخير‬

‫الفريقين‪ ،‬ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة‪ ،‬ثم تخير البيوت‪ ،‬فجعلني من خير بيوتهم‪ ،‬فأنا‬
‫نفسا‪ ،‬وخيرهم بيت‪2‬ا« أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫خيرهم ‪2‬‬

‫وقيل‪ :‬إن قوله سبحانه وتعالى‪ } :‬لق !د جاءك !م رس ‪d‬‬
‫ول 'م !ن أنفسك !م { عام‪ ،‬فيكون المعنى على هذا‬
‫القول‪ :‬لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم‪ ،‬يعني من جنسكم‪ ،‬بشر مثلكم‪ ،‬إذ لو كان من‬
‫الملئكة لم يطيقوا التلقي عنه‪ ،‬وهذا من رحمة ال بهم‪ ،‬حيث كان من جنسهم‪ ،‬ولم يقل جل‬

‫وعل جاءكم رسول منكم‪ ،‬ولكن قال‪' } :‬م !ن أنفسك !م { وهي أشد حساسية‪ ،‬وأعمق صلة‪ ،‬وأدل‬
‫على نوع الوشيجة التي تربطهم به‪ ،‬فهو بضعة من أنفسهم تتصل بهم صلة النفس بالنفس‪ ،‬وهي‬

‫أعمق وأحسن‪.‬‬
‫•م { أي يعز عليه الذي يعنت أمته ويشق عليها‪ ،‬فمن شفقته ‪-‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬عز ‪d‬يز عل !يه ما عنت !‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على أمته كراهته أشياء مخافة أن يفرض عليهم ثم ل يطيقها كثير منهم‪،‬‬

‫كما سنذكر بعضه من ذلك ما ورد عنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في حديث عائشة ‪ -‬رضي ال‬
‫عنها ‪ -‬أنه قال‪» :‬اللهم من ولي من أمر أمتي شيئ‪2‬ا فشق عليهم‪ ،‬فاشقق عليه« الحديث رواه‬

‫مسلم‪.‬‬

‫وفي حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ،-‬عن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬لول أن‬
‫أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل صلة« رواه الجماعة‪.‬‬
‫وكانت عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬تقول‪ :‬جاء ثلثة نفر إلى بيوت أزواج النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬

‫وسلم ‪ -‬يسألون عن عبادته‪ ،‬فلما أخبروا‪ ،‬كأنهم تقالوها‪ ،‬قالوا‪ :‬فأين نحن من رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬الذي غفر ال له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم‪ :‬أما أنا فأصلي الليل‬
‫أب ‪2‬د ا‪ ،‬وقال آخر‪ :‬أنا أصوم الدهر ول أفطر‪ ،‬وقال الخر‪ :‬أنا أعتزل النساء ول أتزوج أب ‪2‬دا‪ ،‬فجاء‬

‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬فقال‪» :‬أنتم الذين قلتم كذا وكذا‪ ،‬أما وال إني لخشاكم‬
‫ل وأتقاكم له‪ ،‬ولكني أصوم وأفطر‪ ،‬وأصلي وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن سنتي فليس‬

‫مني« الحديث متفق عليه‪.‬‬
‫وكان ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول لمن يشدد على نفسه‪» :‬إن لهلك عليك ح ‪2‬قا‪ ،‬وإن‬

‫لضيفك عليك ح ‪2‬قا‪ ،‬وإن لنفسك عليك ح ‪2‬قا‪ ،‬فقم ونم وصم وأفطر‪ ،‬فإنك ل تدري يطول بك‬
‫عمر فتعجز عن ذلك‪ ،‬فاكلفوا أيها الناس من العمل ما تطيقونه‪ ،‬فإن ال ل يمل حتى تملوا«‪.‬‬

‫كثيرا ما يقول لصحابه‪» :‬ما تركت شيئ‪2‬ا يقربكم إلى ال تعالى إل‬
‫وكان ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪2 -‬‬

‫وقد أمرتكم به‪ ،‬ول شيئ‪2‬ا يبعدكم عن ال أل وقد نهيتكم عنه‪ ،‬فما نهيتكم عنه فاجتنبوه‪ ،‬وما‬

‫أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم«‪.‬‬

‫جرما من سأل عن شيء لم يحرم‪ ،‬فحرم من أجل‬
‫وقد ورد في الحديث‪» :‬أعظم المسلمين ‪2‬‬

‫مسألته«‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬حين فرض الحج‪ ،‬وسأله رجل أكل عام يا رسول ال؟ قال‪» :‬ل‪،‬‬
‫ولو قلت نعم لوجبت ولم تستطيعوا«‪.‬‬
‫قوما‬
‫وكان ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬ل تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم‪ ،‬فإن ‪2‬‬

‫شددوا على أنفسهم فشدد عليهم‪ ،‬فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها‬
‫عليهم«‪.‬‬
‫ممدودا بين‬
‫قال أنس‪ :‬ودخل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مرة المسجد فرأى حبل‪2‬‬
‫‪2‬‬

‫الساريتين‪ ،‬فقال‪» :‬ما هذا؟« قالوا‪ :‬حبل لزينب‪ ،‬فإذا فترت تعلقت به‪ ،‬فقال‪» :‬ل‪ ...‬حلوه‪،‬‬

‫ليصل أحدكم نشاطه‪ ،‬فإذا فتر فليقعد‪ ،‬فإن أحب الدين ما دام صاحبه عليه وإن قل«‪.‬‬
‫وعن زيد بن ثابت أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬اتخذ حجرة‪ ،‬فصلى فيها ليالي اجتمع عليه‬
‫ناس ثم فقدوا صوته ليلة‪ ،‬فظنوا أنه نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم‪ ،‬فقال‪» :‬ما زال بكم‬
‫الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم‪ ،‬ولو كتب عليكم ما قمتم به« الحديث‬
‫متفق عليه‪.‬‬
‫ولنهيهم عن الوصال في الصوم‪ ،‬ولقد كان ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يسمع بكاء الصبي فيخفف‬
‫مخافة أن تفتن أمه‪ ،‬وقال‪» :‬فأيكم ما صلى بالناس‪ ،‬فليتجوز‪ ،‬فإن فيهم الضعيف والكبير وذا‬

‫الحاجة«‪.‬‬
‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إني لدخل في الصلة وأنا أريد إطالتها فاسمع بكاء الصبي‪،‬‬
‫فأتجوز في صلتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه«‪.‬‬
‫وبينما هو يخطب إذا برجل قائم‪ ،‬فسأل عنه‪ ،‬فقالوا‪ :‬أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ل‬
‫يقعد ول يستظل ول يتكلم ويصوم‪ ،‬فقال‪» :‬مروه فليتكلم‪ ،‬وليستظل‪ ،‬وليقعد‪ ،‬وليتم صومه«‪.‬‬
‫يص عل !يكم { أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والخروي إليكم‪،‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬حر ‪d‬‬

‫فيحب لكم الخير‪ ،‬ويسعى جهده في إيصاله إليكم‪ ،‬ويكره لكم الشر‪ ،‬ويسعى جهده في تنفيركم‬

‫عنه‪ ،‬ل يلقى ربكم في المهالك ول يدفع بكم إلى المهاوي‪ ،‬فإذا هو كلفكم الجهاد وركوب‬
‫الصعاب فما ذاك من هوان بكم عليه‪ ،‬ول بقسوة في قلبه وغلظة‪ ،‬إنما هي رحمة في صورة من‬
‫صورها‪ ،‬رحمتكم من الذل والهوان‪ ،‬ورحمة بكم من الذنب والخطيئة‪ ،‬وحرص من على أن يكون‬
‫لكم شرف حمل الدعوة‪ ،‬وحظ رضوان ال والجنة التي وعد المتقون‪ ،‬والنظر إلى وجه ال‬
‫الكريم‪.‬‬
‫وإليك نماذج من حرصه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على أمته‪ ،‬ونصحه لهم‪ ،‬وشفقته عليهم‪.‬‬
‫قال أبو ذر‪ :‬لقد توفي رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وما طائر يقلب جناحيه في السماء‬
‫علما‪.‬‬
‫إل ذكر لنا منه ‪2‬‬

‫مقاما‪ ،‬فذكر بدء الخلق‬
‫وقال عمر بن الخطاب‪ :‬قام فينا رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪2 -‬‬

‫حتى دخل أهل الجنة منازلهم‪ ،‬وأهل النار منازلهم‪ ،‬حفظ ذلك من حفظه‪ ،‬ونسيه من نسيه‪ ،‬رواه‬

‫البخاري‪.‬‬
‫وقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد بين النار إل‬
‫وقد بين لكم«‪.‬‬
‫وعن عبدال بن مسعود قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن ال لم يحرم حرمة‬
‫إل وقد علم أن سيطلعها منكم مطلع‪ ،‬إل وأني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش‬
‫أو الذباب«‪.‬‬
‫وعن ابن عباس‪ :‬أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أتاه ملكان فيما يرى النائم‪ ،‬فقعد‬
‫أحدهما عند رجليه والخر عند رأسه‪ ،‬فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه‪ :‬اضرب مثل هذا‬
‫ومثل أمته‪ ،‬فقال‪ :‬إن مثله ومثل أمته‪ ،‬كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من‬
‫الزاد ما يقطعون به المفازة‪ ،‬ول ما يرجعون به‪ ،‬فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة‪،‬‬

‫وحياضا رواء‪ ،‬تتبعوني؟ فقالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق بهم‪،‬‬
‫ياضا معشبة‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫فقال‪ :‬أرأيتم إن وردت بكم ر ‪2‬‬

‫وحياضا رواء‪ ،‬فأكلوا وشربوا وسمنوا‪ ،‬فقال لهم‪ :‬ألم ألفكم على تلك الحال‪،‬‬
‫فأوردهم معشبة‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا‪ :‬بلى‪ ،‬فقال‪ :‬فإن بين‬
‫رياضا معشبة‬
‫‪2‬‬
‫فجعلتم لي إن وردت بكم ‪2‬‬

‫وحياضا هي أروى من هذه‪ ،‬فاتبعوني‪ ،‬فقالت طائفة‪ :‬وال‬
‫رياضا هي أعشب من هذه‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫أيديكم ‪2‬‬
‫لنتبعنه‪ ،‬وقالت طائفة‪ :‬قد رضينا بهذا نقيم عليه‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬أن أعرابي‪2‬ا جاء إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫يستعينه في شيء‪ ،‬قال عكرمة‪ :‬أراه قال في دم‪ ،‬فأعطاه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫شيئ‪2‬ا‪ ،‬ثم قال‪» :‬أحسنت إليك؟« قال العرابي‪ :‬ل‪ ،‬ول أجملت‪ ،‬فغضب بعض المسلمين وهموا‬
‫أن يقوموا إليه‪ ،‬فأشار رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن كفوا‪ ،‬فلما قام رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،-‬وبلغ إلى منزله دعا العرابي إلى البيت‪ ،‬فقال‪» :‬إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك‪،‬‬
‫فقلت ما قلت« فزاده رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬شيئ‪2‬ا‪ ،‬وقال‪» :‬أحسنت إليك؟« فقال‬

‫خيرا‪ ،‬قال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إنك‬
‫العرابي‪ :‬نعم‪ ،‬فجزاك ال من أهل وعشيرة ‪2‬‬

‫جئتنا فسألتنا فأعطيناك‪ ،‬فقلت ما قلت‪ ،‬وفي نفس أصحابك عليك من ذلك شيء‪ ،‬فإذا جئت‪،‬‬

‫فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم«‪ ،‬فقال‪ :‬نعم‪ ،‬قال رسول ال ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه‪ ،‬فقال ما قال‪ ،‬وإنا قد دعوناه‬
‫خيرا‪،‬‬
‫فأعطيناه فزعم أنه قد رضي‪ ،‬كذلك يا أعرابي؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬فجزاك ال من أهل وعشيرة ‪2‬‬

‫فقال النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن مثلي ومثل هذا العرابي كمثل رجل كانت له ناقة‬
‫نفورا‪ ،‬فقال لهم صاحب الناقة‪ :‬خلوا بيني وبين ناقتي‪،‬‬
‫فشردت عليه‪ ،‬فاتبعها الناس فلم يزدها إل ‪2‬‬
‫فأنا أرفق بها وأعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الرض ودعاها حتى جاءت واستجابت‪،‬‬
‫وشد عليها رحلها‪ ،‬وإني لو أطعتكم حيث ما قال لدخل النار«‪.‬‬
‫ومن الدلة على حرصه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬على هداية الخلق مغامرته بنفسه وأهله‪ ،‬وصبره‬
‫على ما كان يلقيه عند عرضه نفسه على القبائل‪ ،‬وما أوذي به حينما ذهب إلى أهل الطائف‬
‫يدعوهم إلى ال‪ ،‬فقد خضبوا نعليه بالدماء‪ ،‬وأغروا به سفهاءهم‪.‬‬
‫ومن حرصه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه كان يذهب إلى الماكن التي تجمع الناس لتبليغهم‬
‫دعوة ال‪.‬‬
‫فقد أخرج المام أحمد عن رجل من بني مالك قال‪ :‬رأيت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫بسوق ذي المجاز يتخللها‪ ،‬يقول‪» :‬يا أيها الناس‪ ،‬قولوا ل إله إل ال تفلحوا«‪ ،‬قال‪ :‬وأبو جهل‬

‫يحثي عليه التراب‪ ،‬ويقول‪ :‬ل يغوينكم هذا عن دينكم‪ ،‬فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللت‬
‫والعزى‪ ،‬وما يلتفت إليه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪.-‬‬
‫وأخرج أحمد عن ربيعة بن عباد من بني الديل‪ ،‬وكان جاهلي‪2‬ا فأسلم‪ ،‬قال‪ :‬رأيت رسول ال ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في الجاهلية في سوق ذي المجاز‪ ،‬وهو يقول‪» :‬يا أيها الناس‪ ،‬قولوا ل‬
‫إله إل ال تفلحوا«‪ ،‬والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه‪ ،‬أحول ذو غديرتين‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫إنه صابئ كاذب‪ ،‬يتبعه حيث ذهب‪ ،‬فسألت عنه‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا عمه أبو لهب‪.‬‬
‫وعن ابن عباس قال‪ :‬لما أنزل ال } وأنذ !ر عشيرتك الق‪!B‬ربين { أتى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬الصفا فصعده‪ ،‬ثم نادى يا صباحاه‪ ،‬فاجتمع الناس إليه بين رجل يأتيه وبين رجل يبعث رسوله‪،‬‬

‫فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يا بني عبدالمطلب‪ ،‬يا بني فهر‪ ،‬أرأيتم لو أخبرتكم‬
‫أن خيل‪ 2‬بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟« قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬فإني نذير لكم‬
‫بين يدي عذاب شديد«‪ ،‬فقال أبو لهب‪ :‬تب‪2‬ا لك سائر اليوم‪ ،‬أما دعوتنا إل لهذا‪ ،‬وأنزل ال‪:‬‬

‫ت يدا أبي لهب { أخرجاه في »الصحيحين«‪.‬‬
‫} ت‪ B‬ب !‬

‫وروى مسلم عن أبي هريرة قال‪ :‬لما نزلت هذه الية‪ } :‬وأنذ !ر عشيرتك الق‪!B‬ربين { دعا رسول ال‬
‫‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فعم وخص‪ ،‬فقال‪» :‬يا معشر قريش‪ ،‬أنقذوا أنفسكم من النار‪ ،‬يا‬

‫معشر بني كعب‪ ،‬أنقذوا أنفسكم من النار‪ ،‬يا معشر بني هاشم‪ ،‬أنقذوا أنفسكم من النار‪ ،‬يا معشر‬
‫بني المطلب‪ ،‬أنقذوا أنفسكم من النار‪ ،‬يا فاطمة بنت محمد‪ ،‬أنقذي نفسك من النار‪ ،‬فإني وال‬
‫رحما سأبلها ببلها«‪.‬‬
‫ل أملك لكم من ال شيئ‪2‬ا‪ ،‬إل أن لكم ‪2‬‬
‫يم { يخبر جل وعل أن محم ‪2‬دا ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬بال!م !ؤمنين رء ‪d‬‬
‫وف رح ‪d‬‬

‫رءوف بالمؤمنين رحيم بهم‪ ،‬فهو ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬شديد الرأفة والرحمة بهم‪ ،‬أرحم بهم‬

‫مقدما على سائر حقوق الخلق‪ ،‬ومحبته‬
‫من والديهم؛ ولهذا كان حقه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪2 -‬‬
‫مقدمة على محبة الولد والوالد‪ ،‬والمال والنفس‪ ،‬وواجب على المة اليمان به وتعظيمه وتوقيره‬

‫وتعزيزه‪.‬‬

‫قال ال تبارك وتعالى‪ } :‬ق !ل إن كان آباؤك !م وأب!‪B‬ناؤك !م وإ !خوانك !م وأ !زواجك !م وعشيرتك !م و !أمو ‪d‬‬
‫ال‬

‫اق!‪B‬ت‪B‬رف!‪B‬تموها وتجارة‪ d‬ت !خش !ون كسادها ومساكن ت‪! B‬رض !ون‪B‬ها أحب إ !ليكم 'من الله ورسوله وجهاد في‬

‫سبيله ف‪B‬ت‪B‬ربصوا حتى يأ!تي الله ب !أمره { الية‪.‬‬

‫وورد أن النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان آخ ‪2‬ذا بيد عمر بن الخطاب‪ ،‬فقال‪ :‬وال يا رسول‬

‫ال لنت أحب إلي من كل شيء إل نفسي‪ ،‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ل يؤمن‬
‫أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه«‪ ،‬فقال عمر‪ :‬فأنت وال أحب إلى من نفسي‪ ،‬فقال رسول‬

‫ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬الن يا عمر«‪.‬‬
‫وقد ثبت في »الصحيح« عنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنه قال‪» :‬والذي نفسي بيده ل يؤمن‬
‫أحدكم‪ ،‬حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين«‪.‬‬
‫وعن أنس قال‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ثلث من كن فيه وجد حلوة‬
‫اليمان‪ ،‬من كان ال ورسوله أحب إليه مما سواهما« الحديث رواه مسلم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬فإن ت‪B‬ول !وا ف‪B‬ق !ل ح !سبي الله ل إله إل هو { ‪.‬‬

‫المعنى‪ ،‬وال أعلم‪ :‬فإن تولوا وأعرضوا عن اليمان بك‪ ،‬والهتداء بما جئتهم به‪ ،‬فامض على‬
‫سبيلك وامض لمرك‪ ،‬فإن ال يعينك عليهم ويكفيك أمر توليهم‪ ،‬وما يتبعه من عدواتهم وصدهم‬

‫عن سبيله‪ ،‬وقد بلغت وما قصرت‪.‬‬
‫وقوله‪ } :‬الله ل إله إل هو { أي ل معبود بحق إل هو‪ ،‬ولكلمة الخلص أركان وشروط‪ ،‬فأركانها‬
‫اثنان‪ ،‬نفي وإثبات‪ ،‬وحد النفي من الثبات ل إله أي نافي‪2‬ا جميع ما يعبد من دون ال‪ ،‬والثبات‬

‫إل ال مثبت‪2‬ا العبادة ل وحده ل شريك له في عبادته‪ ،‬كما أنه ل شريك له في ملكه‪.‬‬

‫وأما شروطها فسبعة‪ ،‬ل تصح هذه الكلمة ول تنفع قائلها إل إذا استجمعت له الشروط التي تلى‪:‬‬

‫الول‪ :‬العلم بمعناها نفي‪2‬ا وإثبات‪2‬ا‪ ،‬قال ال تعالى لنبيه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ } :-‬فا !عل !م أنه ل‬

‫إله إل الله { ‪ ،‬وقال‪ } :‬إل من شهد بال!ح 'ق وه !م ي‪! B‬علمون { بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم‪،‬‬
‫قال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬من مات وهو يعلم أن ل إله إل ال دخل الجنة«‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬اليقين‪ :‬استيقان القلب بها‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬إنما الم !ؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم‬

‫لم ي‪! B‬رتابوا { إلى قوله‪! } :‬أولئك هم الصادقون { ‪ ،‬وقوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬أشهد أن ل‬
‫!‬
‫إله إل ال‪ ,‬وأني رسول ال‪ ،‬ل يلقى ال بهما عبد غير شاك فيهما إل دخل الجنة«‪ ،‬وقال ‪-‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لبي هريرة‪» :‬من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن ل إله إل ال مستيقن‪2‬ا‬
‫بها قلبه فبشره بالجنة« كلهما في »الصحيح«‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الخلص‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬وما أمروا إل لي‪! B‬عبدوا الله م !خلصين له الد'ين { ‪ ،‬وقال‪ } :‬أل‬

‫لله الد'ين الخالص { ‪.‬‬

‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال رسول ال‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ظننت يا أبا هريرة‪ ،‬أن ل يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك‬‫لما رأيت من حرصك على الحديث‪ :‬أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال‪ :‬ل إله إل ال‬
‫خالصا من قلبه أو نفسه«‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬إن ال تعالى حرم على النار من‬
‫‪2‬‬

‫قال ل إله إل ال يبتغي بذلك وجه ال«‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول‪» :‬قال ال تعالى‪ :‬أنا‬
‫أغنى الشركاء عن الشرك‪ ،‬من عمل عمل‪ 2‬أشرك فيه معي غيري تركته وشركه« رواه مسلم‪.‬‬

‫ص !دق وصدق به !أولئك هم المت‪B‬قون { ‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬الصدق‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬والذي جاء بال '‬

‫عن ابن عباس قال‪ :‬من جاء بل إله إل ال‪ ،‬وقال‪ } :‬ف‪B‬لي‪! B‬علمن الله الذين صدقوا ولي‪! B‬علمن‬

‫الكاذبين { ‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬ما من أحد يشهد أن ل إله إل ال وأن محمد رسول ال صدق‪2‬ا‬
‫من قلبه إل حرمه ال على النار« متفق عليه‪.‬‬
‫مستقيما بها قلبه« الحديث رواه‬
‫وتقدم قوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪» :-‬يشهد أن ل إله إل ال‬
‫‪2‬‬

‫مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬للعرابي الذي علمه شرائع السلم‪» :‬أفلح إن صدق«‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬المحبة‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬فس !وف يأ!تي الله بق !وم يحب•‪B‬ه !م ويحب•ونه { ‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪» :-‬ثلث من كن فيه وجد بهن حلوة اليمان أن يكون ال ورسوله أحب إليه مما‬
‫سواهما‪ ،‬وأن يحب المرء ل يحبه إل ل« الحديث متفق عليه‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪:-‬‬

‫»ل يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه«‪.‬‬
‫ظاهرا وباطن‪2‬ا‪ ،‬قال ال تعالى‪ } :‬ومن ي !سل !م و !جهه إلى الله وهو م !حس ‪d‬ن ف‪B‬قد‬
‫السادس‪ :‬النقياد لها ‪2‬‬

‫أسلموا له { ‪ ،‬وقال ‪ -‬صلى ال‬
‫است !مسك بال!ع !روة الوث!‪B‬قى { ‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬وأنيبوا إلى رب'ك !م و !‬
‫!‬
‫تبعا لما جئت به«‪.‬‬
‫عليه وسلم ‪» :-‬ل يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ‪2‬‬

‫السابع‪ :‬القبول لها‪ ،‬فل يرد شيئ‪2‬ا من لوازمها ومقضياتها‪ ،‬قال تعالى‪ } :‬وعجبوا أن جاءهم •منذ ‪d‬ر‬
‫أيضا في‬
‫اب { إلى قوله‪ } :‬بل لما يذوقوا عذاب { ‪ ،‬وقال ‪2‬‬
‫'م !ن‪B‬ه !م وقال الكافرون هذا ساح ‪d‬ر كذ ‪d‬‬
‫احشروا الذين ظلموا وأ !زواجه !م وما كانوا ي‪! B‬عبدون { إلى قوله‪ } :‬إن‪B‬ه !م كانوا‬
‫حق من لم يقبلها‪! } :‬‬
‫إذا قيل له !م ل إله إل الله ي !ستك!برون * وي‪B‬قولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر م !جنون { ولبد من‬
‫المولة ل‪ ،‬والمعادات لجله‪.‬‬

‫قال ال عز وجل‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل ت‪B‬تخذوا الي‪B‬هود والنصارى !أولياء ب‪! B‬عضه !م !أولياء ب‪! B‬عض‬

‫ومن ي‪B‬ت‪B‬ولهم 'منك !م فإنه م !ن‪B‬ه !م { إلى قوله‪ } :‬إنما ولي•كم الله ورسوله والذين آمنوا { إلى آخر‬

‫استحب•وا الك !فر‬
‫اليات‪ ،‬وقال تعالى‪ } :‬يا أي•‪B‬ها الذين آمنوا ل ت‪B‬تخذوا آباءك !م وإ !خوانك !م !أولياء إن !‬

‫على اليمان { الية‪ ،‬وقال‪ } :‬ل تجد ق‪! B‬و‪2‬ما ي‪! B‬ؤمنون بالله وال!ي‪! B‬وم الخر ي‪B‬واد•ون م !ن حاد الله‬

‫ورسوله و !لو كانوا آباءه !م !أو أب!‪B‬ناءه !م !أو إ !خو