You are on page 1of 42

‫ابن القيم‬

‫أبو عبد ال شمس الدين مجمد بن أبي بكر ابن ايوب بن سعد‬
‫بن حريز بن مكي زين الدين ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن‬
‫قيم الجوزية‪ .‬ولد في دمشق في شهر صفر ‪ 691‬هـ ووالده‬
‫أحد العباد الصلحاء كان قيما على المدرسة الجوزية‪،‬فعرف بها‬
‫وقيـل ـلـه ـقيـم ـالجوزيـة‪ ،‬ـواشتهرت ـبـه ـذريتـه ـوحفدتهـم ـمـن ـبعد‬
‫ذلك صار الوحد منهم يدعي بابن قيم الجوزية‪.‬‬

‫وعرف ـابـن ـقيـم ـبسـعة ـالعلـم ـوكثرة ـالعبادة ـوحسـن ـالخلق‬
‫والزهـد ـفـي ـالدنيـا‪ ،‬ـكمـا ـعرف ـأيضـا ـبالصـدع ـبالحق ـوإنكار‬
‫المنكرات ـحتـى ـأنـه ـأوذي ـبسـبب ـذلـك ـوسـجن‪.‬معه ـفـي ـقلعة‬
‫دمشق ولم يفرج عنه إلى أن توفي شيخ السلم عا‪728‬‬
‫هـ‬
‫وقد توفي ابن القيم بعد ذلك عام ‪ 751‬هـ رحمه ال رحمة‬
‫واسعة‪.‬‬

‫المنهجية‬
‫يعتمـد ـابـن ـالقيـم ـعلـى ـالقرآـن ـوالسنة ـويقدمهـا ـعلـى ـسواها‬
‫وقد أبان تبن القيم عن منهجيه في عدد منة كتبه لعل أهم‬
‫كتابه " الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" حيث‬
‫ناقـش ـفيهـا ـعددا ـمـن ـالمناهـج ـالمنحرفـة ـكتقديـم ـالعقـل ـعلى‬
‫النقل مطلقا وفي كتاب "مدارج السالكين" بحث ممتع لخص‬
‫فيـه ـالمنهـج ـالحـق ـالذي ـينبغـي ـللمسـلم ـأـن ـيسـلكه ـفـي ـذلك‬
‫‪.‬يقول فيه " التواضع للدين هو النقياد لما جاء به الرسول‬
‫صلى ـال ـعليـه ـوسـلم ـوالسـتلم ـلـه ـوالذعان ـوذلـك ـبثلثة‬
‫أشياء‪:‬‬

‫الول ‪ :‬أن ـل ـيعارض ـشيئـا ـممـا ـجاء ـبـه ـبشيـء ـمن‬
‫المعارضات ـالربعـة ـالسـارية ـفـي ـالعالـم ـالمسماة ـبالمعقول‬
‫والقياس ـوالذوق ـوالسـياسة‪ ,‬فالول ـللمنحرفيـن ـأهـل ـالكبر‬
‫من ـالمتكلميـن ـالذيـن ـعارضوا ـنصـوص ـالوحـي ـبمعقولتهم‬
‫الفاســـدة‪ ,‬وقالوا ـــإذا ـــتعارض ـــالعقـــل ـــوالنقـــل ـــقدمنا‬
‫العقل‪ .......‬والثانــي ــللمتكــبرين ــمــن ــالمنتســبين ــإلى‬
‫الفقه‪ ...‬والثالـث ـللمتكـبرين ـمـن ـالمنتسـبين ـإلـى ـالتصوف‬
‫والزهد‪ ....‬والرابــع ــللمتكــبرين ــالمنحرفيــن ــمن ــالولة‬
‫والمراء ـالجائريـن ـإذا ـتعارضـت ـعندهـم ـالشريعـة ـوالسياسة‬
‫قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة‪.‬‬

‫الثانـي ‪ :‬أن ـل ـيتهـم ـدليل ـمـن ـأدلـة ـالديـن ـبحيـث ـيظنـه ـفاسد‬
‫الدللة أو ناقص الدللة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى‬
‫منه ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن ل يجد إلى خلف النص سبيلً البتة ل بباطنه ول‬
‫بلسانه ول بفعله ول بحاله بل إذا أحس بشيء من الخلف‬
‫فهو كخلف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس أما‬
‫مصادر ابن القيم في نظراته النفسية فتعتمد على‪:‬‬

‫‪ -1‬القرآـن ـوالسـنة ـمـن ـوجهـه ـوعلـى ـتجاربـه ـوخبراته‬
‫وملحظاته من جهة أخرى كما حاول ابن القيم المزج بين‬
‫الوحـي ـومـا ـصـح ـمـن ـتجارب ـالمتصـوفة ـوتأملتهـم ـفأعطى‬
‫كتاباتـه ميزة خاصـة ـوأهـم ـكتبه ـالتي ـلها علقة بموضوعنا‬
‫هنـا ـكتابـه ـالفوائـد ـحيـث ـنجـد ـفيـه ـنظرات ـتتعلـق ـبالخواطر‬
‫وأثرها على النفس والسلوك وكتاب الروح الذي ناقش فيه‬
‫موضوع ــالروح ــبتوسـع ــوعرض ــفيـه ـعدد ـمــن ــالمذاهب‬
‫للمتصـوفة ـوالفلسـفة ـفرد ـالباطـل ـمنهـا ـوأثبـت ـمـا ـرأـى ـأنه‬
‫الحق معتمدا على القرآن‪ ،‬والسنة ‪.‬‬

‫ومنها كتاب الهجرتين وكتاب" مفتاح دار السعادة" وكتاب‬
‫" إغاثـة ـاللهفان ـفـي ـمصـايد ـالشيطان" الذي ـناقـش ـفيه‬
‫موضوع ـالقلـب ـوصـحته ـوسـقمه ـوكتاب ـ" الجواب ـالكافي‬
‫لمن سأل عند الدواء الشافي" الذي عرض فيه منهجاً في‬
‫العلج النفسي وكتاب " مدارج السالكين "التي تحدث فيه‬
‫عن أحوال النفس وتدرجها وترقيها في منازلها وكتاب تحفة‬
‫المودود ـبأحكام ـالمولود ـالذي ـيمكـن ـأـن ـيعـد ـموسـوعة ـعن‬
‫الطفل ففيه تحدث عن الطفل وما يتعلق به من أحكام فقهية‬
‫كالتسـمية ـالعقيقـة ـوالختان ـوعقـد ـفيـه ـفصـول ـعـن ـتأديب‬
‫الطفال وتربيتهم والطوار التي يمرون بها من وقت كونهم‬
‫نطفــة ـإلــى ـأــن ـيسـتقروا ـفـي ـالجنـة ـأـو ـالنار ـكما ـحوى‬
‫موضوعات قيمة عن نفسية الطفل‪.‬‬

‫السببية‬
‫قبل الحديث عن الجوانب النفسية عند ابن القيم نشير إشارة‬
‫سريعة إلى تصور ابن القيم للعلقة بين الظاهرات والحوادث‬
‫التـي ـفـي ـالوجود ـأـو ـمسـألة ـالسـببية ـيدور ـجدل ـبيـن ـبعض‬
‫المدارس ـالفكريـة ـحول ـمدى ـاسـتقلل ـسـبب ـواحـد ـللتأثير‬
‫ببعض المدارس الفكرية ترى أن من الممكن أن يوجد عامل‬
‫واحد يعزى إليه التغيير كالعامل القتصادي حيث تفسر به‬
‫بعــض ــالمدارس ــالتغيــر ــالجتماعــي ــوكثيــر ــمن ــالمدارس‬
‫الفكرية‬

‫تتجه إلى أنه ل يوجد سبب واحد مستقل بذاته يعزى إليه‬
‫الثر وابن القيم ناقش هذه المسألة في كتاب الفوائد في لفتة‬
‫من لفتاته قال ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل‬
‫بالتأثيـر ـبـل ـل ـيؤثـر ـسـبب ـالبتـة ـإل ـبانضمام ـسـبب ـآخـر ـإليه‬
‫وانتقاء ــمانــع ــيمنــع ــتأثيره ــوهذا ــفــي ــالسباب ــالمشهودة‬
‫بالعيان ـوفـي ـالسـباب ـالغائبـة ـوالسـباب ـالمعنويـة ـتأثير‬
‫الشمس في الحيوان والنبات‪.‬‬

‫فإنه موقوف على أسباب آخر من وجود محل قابل وأسباب‬
‫آخر تنضم إلى ذلك السبب أما اسبب الوحيد المستقل بالتأثير‬
‫الذي ـل ـيتوقـف ـتأثيره ـعلـى ـغيره ـفهـو ـمسـبب ـالسـباب ـعز‬
‫وجل ويربط ابن القيم هذه الحقيقة بالتوحيد فيقول ما مؤداه‬
‫إذا كان ال ـعز وجل مستقل وحده بالتأثير فل ينبغي للعباد‬
‫أن تتعلق قلوبهم بسواه فالخوف وحده والرجاء فيه وحده‪.‬‬

‫الجوانب النفسية عند ابن القيم‬
‫تعاريف النفس والروح‬
‫ناقش ابن القيم في كتابه "الروح" حقيقة النفس؟ هل هي‬
‫جزء ـمـن ـأجزاء ـالبدن ـأـو ـعرض ـمـن ـأعراضـه ـأـو ـجسم‬
‫مساكن له مودع فيه أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو‬
‫غيرهـا؟ ـوهـل ـالمارة ـواللوامـة ـوالمطمئنـة ـنفـس ـواحدة ـلها‬
‫هذه الصفات أم هي ثلث أنفس؟‬

‫أورد خمسة أقوال في ذلك وحكم عليها بالبطلن ثم قال‪:‬‬
‫السادس‪ :‬أنه جسم مخالف بالماهيه لهذا الجسم المحسوس‬
‫وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر‬
‫العضاء ـويسـري ـفيهـا ـسـريان ـالماء ـفـي ـالورد ـالدهـن ـفي‬
‫الزيتون ـوالنار ـفـي ـالفحم‪.‬فمـا ـدامـت ـهذه ـالعضاء ـصالحة‬
‫لقبول الثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك‬
‫الجسم اللطيف مشابكا لهذه العضاء وأفادها هذه الثار من‬
‫الحـس ـوالحركـة ـالراديـة ـوإذا ـفسـدت ـهذه ـالعضاء ـبسبب‬
‫استيلء الخلط الغليظة عليها‬

‫وخرجـت ـعـن ـقبول ـتلـك ـالثار ـفارق ـالروح ـالبدن ـوانفصل‬
‫إلى عالم الروح وهذا القول هو الصواب في المسألة وهو‬
‫الذي ـل ـيصـح ـغيره ـوكـل ـالقوال ـسـواه ـباطلـة ـوعليه ـدل‬
‫الكتاب ـوالسـنة ـوإجماع ـالصـحابة ـوأدلـة ـالعقـل ـوالفطرة ـثم‬
‫ساق الدلة منها قوله تعالى ‪{:‬وَ َلوْ تَرَى إِذِ الظّالِمُو نَ فِي‬
‫سكُمُ‬
‫غَمَرَاتِـ ـالْ َموْتِـ ـوَالْمَل ِئكَةُـ ـبَاسِـطُواْ ـأَيْدِيهِمْـ ـأَخْرِجُواْ ـأَنفُ َ‬
‫الْ َيوْمَـ ـتُجْ َزوْنَـ ـعَذَابَـ ـا ْلهُونِـ ‪ ...‬الـى ـقولـه ـتعالى‪ {:‬وَلَقَدْ‬
‫جِئْتُمُونَا ـفُرَادَى ـكَمَا ـخَلَقْنَاكُمْـ ـَأوّلَـ ـمَرّةٍـ} وقال ـمعلقـا ـعلى‬
‫الية‪ :‬فيها أربعة أدلة‪ :‬أحدها بسط الملئكة أيدهم لتناولها‬
‫والذي ـيتناول ـجسـم‪ ,‬الثانـي‪ :‬وصفها ـبالخراج ـوالخروج‬
‫والذي يخرج يُخرج جسم‪.‬‬

‫الثالـث‪ :‬الخبار ـعـن ـعذابهـا ـفـي ـذلـك ـاليوم ـوالذي ـيحس‬
‫بالعذاب جسم‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬الخبار عن مجيئها إلى ربها يجيء جسم‪.‬‬
‫ومن الدلة أيضا قوله صلى ال ـعليه وسلم "أن الروح إذا‬
‫قبض تبعه البصر "قال ابن القيم عن الحديث‪ :‬فيه دليلن‪:‬‬
‫أحدهما وصفه بأنه يقبض والثاني‪ :‬أن البصر يراه واستنتج‬
‫رحمـه ـال ـمـن ـالدلـة ـالتـي ـأوردهـا ـأـن ـالروح ـجسـم ـمباين‬
‫للبدن منفصل عنه مؤثر فيه‪.‬‬

‫القلب‪ :‬تحدث ابن القيم عن القلب وعن أنواع القلوب واعتنى‬
‫بهذا الموضوع عناية خاصة فخصه بمؤلف كبير هو "إغاثة‬
‫اللهفان في مصايد الشيطان" كما تناوله في كتب أخرى ولو‬
‫أن أحدا ـجمع ـما ـذكره ابن ـالقيم ـحول ـالقلـب لخرج بنظرية‬
‫متكاملة في الصحة النفسية أو في السوء النفسي‪.‬‬
‫يقسـم ـابـن ـالقيـم ـالقلوب ـإلـى ـثلثـة ـأقسـام ‪ :‬صحيح ـوميت‬
‫وسقيم‪.‬‬

‫‪ -1‬القلـب ـالصـحيح ـهـو ـالقلـب ـالسـليم ـالذي ـل ـينجـو ـإل ـمن‬
‫أتي ال به‪ ,‬كما قال سبحانه وتعالى ‪َ {:‬يوْمَ لَ يَنفَعُ مَالٌ وَلَ‬
‫بَنُونَـ ـإِلّ ـمَنْـ ـأَتَى ـالَّ ـبِقَلْبٍـ ـسَـلِيمٍ} وعرفـه ـبأنـه ـالذي ـقد‬
‫"سلم من كل شهوة تخالف أمر ال ـونهيه ومن كل شبهة‬
‫تعارض خبره فسلم من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم‬
‫غيــر ــرســوله ‪ ....‬أي ــأنــه ــالقلــب ــالســالم ــمن ــالشهوات‬
‫والشبهات‪.‬‬

‫‪ -2‬القلب الثاني ضد هذا وهو القلب الذي ل حياة به‪ ,‬فهو‬
‫ل ـيعرب ـربـه ـول ـيعبده ـبأمره ـومـا ـيحبـه ـويرضاه ‪ ,‬بل ـهو‬
‫واقـف ـمـع ـشهواتـه ـولذاذاتـه‪ ,‬ولـو ـكان ـفيهـا ـسـخط ـربه‬
‫وغضبه‪.‬‬

‫‪ -3‬القلب الثالث قلب له حياة و به علة فله مادتان تمده هذه‬
‫مرة ـوهذه ـأخرى‪ ,‬وهـو ـلمـا ـغلـب ـعليـه ـمنهمـا‪ ,‬ففيـه ـمن‬
‫محبـة ـال ـواليمان ـبـه ـوالخلص ـلـه ـوالتوكـل ـعليـه ـمـا ـهو‬
‫مادة ـحياتـه ـوفيـه ـمـن ـمحبـة ـالشهوات ـوإيثارها ـوالحرص‬
‫علـى ـتحصـيلها ـوالحسـد ـوالكـبر ـوالعجـب ـوحـب ـالعلـو ـفي‬
‫الرض بالرياسة ما هو من مادة هلكه وعبطه‪ ....‬فالقلب‬
‫الول ـحـي ـمجيـب ـليـن ـواع‪ .‬والثانـي ـيابـس ـميـت‪ ,‬والثالث‬
‫مريض فإما إلى السلمة أدنى أو إلى العطب أدنى‪.‬‬

‫فالقلب الصحيح السليم ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته‬
‫وإيثاره ـسـوى ـإدراكـه‪ ,‬فهـو ـصحيح ـالدراك ـتام ـالنقياد‬
‫والقبول له‪.‬‬
‫والقلب الميت القاسي ل يقبله ول ينقاد له‪.‬‬
‫والقلب المريض إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي‬
‫وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم‪.‬‬
‫الخواطر وعلقتها بالسلوك‪:‬‬

‫أنموذج السلوك عن ابن القيم‬
‫خاطرة__ (معالجــة) فكر ـ__ ذكرى ـ__ إرادة ـ___‬
‫الجوارح (السلوك) ___ عادة‪.‬‬
‫للخواطـر ـفـي ـسـيكولوجية ـابـن ـالقيـم ـشأـن ـكـبير ـفهي ـعنده‬
‫أصل تصرفات العبد وأعماله‪ ,‬أو هي مفتاح السلوك‪ ,‬ومبدأ‬
‫الصـحة ـالنفسـية‪ ,‬ومعالجتهـا ـوإصـلحها ـسـبيل ـإلـى ـإصلح‬
‫السلوك كما أن انحرافها سبيل إلى انحرافه لهذا اعتنى بها‬
‫في عدد من كتبه‪ ,‬منها كتاب "الفوائد" الذي صاغ فيه ما‬
‫يمكن أن يسمى بنظرية عن العلقة بين الخواطر والسلوك‪,‬‬
‫ومنهـا ـكتاب ـ"الجواب ـالكافـي" الذي ـصـاغ ـفيه ـالخطوط‬
‫العامة لمنهج في الرشاد النفسي‪.‬‬

‫يرى أبن القيم رحمه ال أن القلب ل يخلو قط من الفكر‪ ,‬إما‬
‫في ـواجـب ـآخرتـه ـومصـالحها‪ ,‬وإمـا ـفـي ـمصالح ـدنياه‬
‫ومعاشـه‪ ,‬وإمـا ـفـي ـالوسـاوس ـوالمانـي ـالباطلة ـوالمقدرات‬
‫المفروضــة ــويرى ــأــن ــلهذه ــالخواطــر ــعلقــة ــبتصرفات‬
‫النسان‪ ,‬فإذا حسنت حسن سلوكه وإذا ساءت ساء سلوكه‪,‬‬
‫وهو يشبه النفس "بالرحا" التي تدور ول تتوقف أبدا فإن‬
‫ألقى فيها حب دارت به وأخرجت الدقيق وما ينفع الناس‪,‬‬
‫وأن ألقى فيها زجاج وحصا دارت به وأخرجت ما ل يفيد أو‬
‫ما يضر‪.‬‬

‫ويرى ابن القيم أن الفكر هو مبدأ الرادة والطلب‪ ,‬ويقول‬
‫"أعلـم ـأـن ـالخطرات ـوالوسـاوس ـتؤدي ـمتعلقاتهـا ـإلـى ـالفكر‬
‫فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر فيأخذها الذكر فيؤديها إلى‬
‫الرادة ـفتأخذهـا ـفتؤديهـا ـإلـى ـالجوارح ـوالعمـل ـفتستحكم‬
‫فتصير عادة‪ .‬ويقول ابن القيم "مبدأ كل علم نظري وعمل‬
‫اختياري ـهـو ـالخواطـر ـوالفكار ـفإنهـا ـتوجـب ـالتصورات‬
‫والتصـورات ـتدعـو ـإلـى ـالرادات ـوالرادات ـتقتضي ـوقوع‬
‫الفعـل‪ ,‬وكثرة ـتكراره ـتعطـي ـالعادة‪ ,‬فصـلح ـهذه ـالمراتب‬
‫بصـلح ـالخواطـر ـوفسـادها ـبفسـادها‪ ,‬فصـلح ـالخواطـر ـبأن‬
‫تكون مراقبة لوليها وإلهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته‬
‫ومحابه”‪.‬‬

‫ويرى ـابـن ـالقيـم ـأـن ـالعبـد ـل ـيسـتطيع ـقطـع ـهذه ـالخواطر ـول‬
‫إماتتهـا ـإل ـأنـه ـيسـتطيع ـتوجيههـا ـوالتحكـم ـفـي ـمسارها ـبقوة‬
‫العقل واليمان‪.‬‬
‫ويرى ـابـن ـالقيـم ـأـن ـإصـلح ـالسـلوك ـوالعوائـد ـبإصـلح ـالصل‬
‫وهو الخواطر‪.‬‬
‫إذن ـتغييـر ـتصـورات ـالشخـص ـومـا ـهـو ـمقتنـع ـبـه ‪ -‬أو ـصلح‬
‫"الجانـب ـالمعرفـي" عنده ‪ -‬هو ـالخطوة ـالولـى ـفـي ـتغيير‬
‫عاداته وإصلح سلوكه‪ ,‬ويرى ابن القيم أن انحراف الخواطر‬
‫والفكار ـأـو ـالفسـاد ـفـي ـالجانـب ـالمعرفـي ـعنـد ـالشخـص ـأعظم‬
‫خطرا من النحراف في السلوك‪ ,‬ويضرب لهذا مثلً بأن تمني‬
‫الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من الخيانة‬
‫نفسها ولسيما إذا فرغ القلب منها بعد مباشرتها‪.‬‬

‫سيكولوجية المعصية عند ابن القيم‬
‫يرى ابن القيم رحمه ال أن للخلق حدا إذا جاوزته صارت‬
‫عدوانا‪ ,‬ومتى قصرت عنه كانت نقصا ومهانة فالغضب مثلً‬
‫له ــحــد ــوهــو ــالشجاعــة ــالمحمودة ــوالنفــة ــمــن ــالرذائل‬
‫والنقائـص‪ ,‬فإذا ـجاوز ـالغضـب ـالحـد ـتعدى ـصاحبه ـوجار‪,‬‬
‫وإذا نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل‪ ,‬ويرى ابن القيم‬
‫رحمـه ـال ـأـن ـسـبب ـالنحراف ـعـن ـالحـد ـسـواء ـبتجاوزه ـأو‬
‫بالقصـور عنه تعلـق القلـب ـبغير ال‪ ,‬فالعبد ـقد يطيع القوة‬
‫الغضبيــة ــفيظلــم ــغيره ــويتجاوز ــالجــد ‪ ,‬أو ــيطيع ــالقوة‬
‫الشهوانية فيقصر عن الحد‬

‫وأمـا ـأثـر ـالشيطان ـفـي ـانحراف ـالعبـد ـعـن ـحـد ـالعدل ـسواء‬
‫بتجاوزه ـأـو ـالقصـور ـعنـه ـفلـه ـطرق‪ :‬أولهـا ـهـو ـالتزيـد ـأو‬
‫السـراف‪ ,‬فيزيـد ـالعبـد ـعلـى ـقدر ـحاجتـه ـفي ـالمباحات‪,‬‬
‫وثانيها هو الغفلة عن ذكر ال عز وجل‪ ,‬وثالثها هو تكلف‬
‫ما ـل ـيعنيـه ـمـن ـجميـع ـالشياء‪ .‬ويرجـع ـابـن ـالقيم ـهذه‬
‫السباب الثلثة إلى سبب واحد وهو جهل العبد ربه وجهل‬
‫العبد نفسه‪.‬‬

‫أما آثار المعصية عل النفس فمنها‪:‬‬
‫أولً"‪ :‬أنها مع تكرارها تصبح هيئة راسخة يصعب إلى العبد‬
‫التخلـص ـمنهـا ـفيغدو ـأسـيراً ـلهـا ـتنازعـه ـنفسه ـإذا ـحاول‬
‫التخلص منها‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬أن المعصية تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضا فالسلوك‬
‫المنحرف يستتبع سلوكا آخر منحرفا ويفضي إليه‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة‪.‬‬
‫رابعاً‪ :‬أنهـا ـتورث ـالذل ـومهانـة ـالنفـس ـعنـد ـصاحبها ـوهذا‬
‫شعور داخلي يكون له أثر على السلوك الظاهر‪.‬‬
‫خامسـاً ‪ :‬أن ـالعاصـي ـيجـد ـوحشـة ـبينـه ـوبيـن ـال ـوبينـه ـوبين‬
‫الناس‪ .‬سادساً‪ :‬حرمان اعلم‪ ,‬فالمعصية تطفئ نور العلم‪.‬‬

‫ومن أساليب الرشاد النفسي عند ابن القيم‬
‫تراث ابن القيم عن الرشاد النفسي متنوع‪ ,‬ودراسته دراسة شاملة‬
‫سوف تكشف للباحث تفرد ابن القيم في مجال الرشاد وإبداعه‪.‬‬
‫وابـن ـالقيـم ـلـه ـأسـلوب ـشامـل ـفـي ـالرشاد ـيتناول ـجوانـب ـالسلوك‬
‫المتعددة ولعل معظم آرائه موجودة في خمسة من كتبه هي‪:‬‬
‫‪ -1‬إغاثة اللهفان وفيه تكلم عن الخطرات والوساوس وبين كيف‬
‫يستطيع العبد التخلص منها‪.‬‬
‫‪ -2‬الجواب ـالكافـي ـلمـن ـسـأل ـعـن ـالدواء ـالشافـي ـأو ـكتاب ـالداء‬
‫والدواء وعالج فيه مرض العشق وكيفية التخلص منه‪.‬‬
‫‪ -3‬طريق الهجرتين وعالج فيه معوقات السير إلى ال تعالى وكيفية‬
‫التغلب عليها‪.‬‬

‫‪ -4‬مفتاح دار السعادة وعالج فيه ما يعين العبد على العبادة‪.‬‬
‫‪ -5‬عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين‪.‬‬
‫وفي كتب ابن القيم الخرى إضافات وشرح لسلوب يحسن‬
‫الرجوع إليها ومن هذه الكتب كتاب مدارج السالكين وكتاب‬
‫الفوائد الذي شرح فيه المراحل التي يمر بها السلوك‪.‬‬
‫ولبد قبل الحديث عن طرق ابن القيم في الرشاد النفسي من‬
‫اسـتحضار ـأنموذجـه ـفـي ـالسـلوك ـوقـد ـسـبق ـالشارة ـإليه‬
‫فارجع إليه في موضعه‪ ,‬تناول ابن القيم جانب العلج بعد‬
‫وقوع ــالضطراب ــالنفســي ــوجانــب ــالوقايــة ــقبل ــوقوع‬
‫الضطراب‪ ,‬ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي‪:‬‬

‫الول‪ :‬إصـلح ـالمشاعـر ـوفـي ـهذا ـتحدث ـمحسـناً ـلمشاعر‬
‫الخيـر ـمبديـا ـلجمال ـالفضيلـة ـومقبحـا ـللنحراف ـوموضحا‬
‫شؤـم ـالمعصـية ـوسـوء ـعاقبتهـا ـوهذا ـكلـه ـمـن ـأجـل ـإصلح‬
‫مشاعر الشخص وتقويمها لن مشاعره إذا نفرت من سلوك‬
‫ابتعد هو عنه‪ ,‬وإذا مالت إلى سلوك سعى حثيثاً إليه‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬إصلح الفكار والعتقادات وفي هذا يحاول ابن القيم‬
‫أن يقنع الشخص بسلمة سلوك معين وخطأ آخر ويخاطب‬
‫في هذا عقله مقدما له الحجج العقلية وموردا الدلة النقلية‬
‫التي تؤيد صحة السلوك الذي يدعو إليه وتبين خطأ السلوك‬
‫الذي يحذر منه‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬مراقبـة ـالخواطـر ـوإصـلحها ـوالخواطـر ـعنـد ـابـن ـالقيم‬
‫مقدمـة ـللرادة ـوالعزم‪ ,‬والخواطـر ـمتـى ـاسـتقامت ـفأحبت‬
‫الخير ونفرت من الشر والخطأ وتأيد ذلك بقناعة عقلية فلن‬
‫تتحرك ـإرادتـه ـحينئـذ ـإل ـنحـو ـالخيـر ـفيعزم ـعلـى ـفعله‪,‬‬
‫والرادة ـهـي ـالمسـئولة ـعـن ـالتحكـم ـفـي ـالفكر ـالذي ـيقوم‬
‫بمعالجـة ـالخواطـر ـالعارضـة ـفـي ـالذهـن‪ ,‬والخاطرة ـمتـى ـما‬
‫عرضت في الذهن ولم يعالجها الفكر فإنها تزول ول يكون‬
‫لها أثر نفسي‪ ,‬يقول ابن القيم "فإذا دفعت (الخاطر) الوارد‬
‫عليـك ـاندفـع ـعنـك ـمـا ـبعده‪ ,‬وإـن ـقبلتـه ـصار ـفكرا ـجوالً‬
‫فاســتخدم ــالرادة ــفتســاعدك ــهــي ــوالفكــر ــعلــى ــاستخدام‬
‫الجوارح‪.‬‬

‫وانسـجاما ـمـع ـهذا ـالمنهـج ـفـي ـالرشاد ـالنفسـي ـاعتنـى ـابن‬
‫القيم بأثر الفكار والخواطر في السلوك ورأى أنها مبدأ كل‬
‫عمـل ـاختياري ـوعلـم ـنظري ـوأـن ـعلج ـالسـلوك ـيبدأ ـمنها‪,‬‬
‫ويقول ـابـن ـالقيـم ـفـي ـذلـك ـ"وأمـا ـالخطرات ـفنشأتهـا ـأصعب‬
‫فإنهــا ــمبدء ــالخيــر ــوالشــر ــومنهــا ــتتولــد ــالرادة ــوالهمم‬
‫والعزائم‪ ,‬فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه‪ ,‬وقهر هواه‬
‫ومـن ـغلبتـه ـخطراتـه ـفهواه ـونفسـه ـلـه ـأغلـب ـومـن ـاستهان‬
‫بالخطرات قادته قسراً إلى الهلكات ول تزال الخطرات تتردد‬
‫علـى ـالقلـب ـحتى ـتصـير ـمنـى ـباطلـة" كسـراب ـبقيعـة ـيحسبه‬
‫الظمآن ماء"‬

‫ومن النظريات الحديثة التي قد تتفق مع ابن القيم إلى حد ما‬
‫في ـاسـلوبه ـالعلجـي ـنظريـة ـالعلج ـالعقلنـي ـالنفعالـي ـالتي‬
‫ابتكرهـا ـ(إليـس) وملخـص ـهذه ـالنظريـة ـهـو ـأـن ـإليس ـيرى‬
‫أن ــالضطراب ــالســلوكي ــنتيجــة ــللتفكيــر ــغيــر ــالعقلني‪,‬‬
‫وعلجــه ــيكون ــبمهاجمــة ــالفكار ــوالنفعالت ــالســلبية ــأو‬
‫القاهرة ـللذات ـوذلـك ـبإعادة ـتنظيـم ـالدراك ـوالتفكيـر ـبدرجة‬
‫يصبح معها الفرد منطقياً في تفكيره وتصوراته ومشاعره‪,‬‬
‫ويرى إليس أن هف الرشاد والعلج النفسي هو أن يوضح‬
‫المرشد للفرد المسترشد أن حديثه مع ذاته أي حديث النفس‬
‫والخواطــر ــهــو ــالمصــدر ــالســاس ــللضطراب ــالنفعالي‬
‫والعلج يكون بتعليم الشخص وتعويده على التفكير المعقول‬
‫وتخليصه من ضده‪.‬‬

‫سيكولوجية الصبر‬
‫يعرف ـابـن ـالقيـم ـالصـبر ـبأنـه ـ"حبـس ـالنفـس ـعـن ـالجزع ـوالتسخط‬
‫وحبس اللسان عن الشكوى‪ ,‬وحبس الجوارح عن التشويش"‬
‫والصبر ثلث درجات‪ :‬صبر بال وصبر ل وصبر مع ال‬
‫الول ـاسـتعانة ـبـه ـسـبحانه ـول ـيلزم ـمنـه ـالعبادة ـكالمشركيـن ـالذين‬
‫يستعينون به سبحانه وتعالى في البحر فإذا نجاهم إلى البر أشركوا‪,‬‬
‫والثاني عباده له عز وجل إذ الباعث على الصبر محبة ال وإرادة‬
‫وجهـه ـوالتقرب ـإليـه ـل ـلظهار ـقوة ـالنفـس‪ ,‬والثالـث ـالصـبر ـمـع ـال‬
‫وهو دوران العبد مع مراد ال الديني منه‬

‫ومع أحكامه الدينية صابراً نفسه معها سائرا بسيرها أي قد‬
‫جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه حتى لو كان ذلك ضرر‬
‫عليـه ـأـو ـمشقـة ـفـي ـالحياة ـالدنيـا‪ ,‬وهذا ـأشـد ـأنواع ـالصبر‬
‫وأصعبها وهو صبر الصديقين‪.‬‬
‫وهذه ـالدرجـة ـالخيرة ـهـي ـأفضـل ـدرجات ـالصـبر ـوأعلها‬
‫بينما الدرجة الولى هي أدناها منزلة‪.‬‬

‫أنواع الصبر‬
‫الول‪ :‬الصـبر ـعـن ـالمعصـية ـولـه ـسـببان ـالول ـالخوف ـمن‬
‫وعيد ال وعقابه ويبعث عليه قوة اليمان بالخبر والتصديق‬
‫بمضمون‪. ,‬الثاني‪ :‬الحياء ــويبعــث ــعليــه ــقوة ــالمعرفة‬
‫ومشاهدة ـمعانـي ـالسـماء ـوالصـفات ـوالسـبب ـالثانـي ـأعلى‬
‫وأجـل‪ ,‬لنـ ـمـن ـوازعـه ـالخوف ـقلبـه ـحاضـر ـمـع ـالعقوبة‪,‬‬
‫ومـن ـوازعـه ـالحياء ـقلبـه ـحاضـر ـمـع ـال‪ ,‬والخائف ـمراع‬
‫جانــب ــنفســه ــوحمايتهــا‪ ,‬والمســتحيي ــمراع ــجانــب ــربه‬
‫وملحظ عظمته وكل المقامين من مقامات أهل اليمان‪.‬‬

‫الثاني‪ :‬الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دوما ورعايتها‬
‫إخلصاً وتحسينها علما‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬الصبر على البلء بملحظة حسن الجزاء وانتظار‬
‫الفرج وتهوين المصيبة بعد نعم ال سبحانه وتذكر ما سلف‬
‫إليه منها‪.‬‬

‫سيكولوجية الهداية‬
‫يرى ابن القيم أنه لبد للسائرين إلى ال عز وجل من المرور بأربعة‬
‫منازل هي‪:‬‬
‫اليقظة والفكرة والبصيرة والعزم‪.‬‬
‫وهذه ـالمنازل ـالربعـة ـلسـائر ـالمنازل ـكالسـاس ـللبنيان ـوعليها ـمدار‬
‫منازل ـالسـفر ـإلـى ـال ـول ـيتصـور ـالسـفر ـإليـه ـبدون ـنزولهـا ـالبتة‪,‬‬
‫وهي على ترتيب السير الحسي‪ ,‬فإن ابن القيم في وطنه ل يتأتى منه‬
‫السفر حتى يستيقظ من غفلته عن السير ثم يتبصر في أمر سفره‬
‫وخطره‪ ,‬وما فيه من المنفعة له والمصلحة‪ ,‬ثم يفكر في أهبة السفر‬
‫والتزود في إعداد عدته‪ ,‬ثم يعزم عليه‪.‬‬

‫يشبـه ـابـن ـالقيـم ـالعبـد ـفـي ـهذه ـالمنازل ـبالنائـم ـالذي ـيصحو‬
‫ويسـتيقظ ـولهذا ـيقول ـمعرفـا ـاليقظـة ـالتـي ـهي ـأول ـمنازل‬
‫العبوديـة ـ "هي ــانزعاج ــالقلــب ــلروعـة ــالنتباه ـمن ــرقدة‬
‫الغفلـة" وموجـب ـاليقظـة ـعنده ـهـو ـ"لحـظ ـالقلـب ـإلـى ـالنعمة‬
‫على اليأس من عدها‪ ,‬والوقوف على حدها‪ ,‬والتفرغ إلى‬
‫معرفة المنة بها‪ ,‬والعلم بالتقصير في حقها" وإدراك العبد‬
‫لنعم ال عز وجل وعجزة عن الوفاء بها وشكرها يوجب له‬
‫نوعيـن ـمـن ـالعبوديـة‪ :‬الول ـمحبـة ـالمنعـم ـوالخضوع ـله‬
‫سبحانه‪ ,‬والثاني إزراؤه على نفسه‪.‬‬

‫منزلة الفكرة‬
‫إذا استحكم استيقاظ العبد أوجب له ذلك الفكرة وهي "تحديق‬
‫القلب إلى جهة المطلوب التماسا له" فهي سعي القلب إلى‬
‫معرفة ما يجب عليه‪.‬‬
‫والفكرة ـثلثـة ـأنواع‪ ,‬فكرة ـتتعلـق ـبالعلـم ـوالمعرفـة ـوهي‬
‫التمييـز ـبيـن ـالحـق ـوالباطـل‪ ,‬وفكرة ـتتعلـق ـبالطلب ـوالرادة‬
‫وهي التمييز بين النافع والضار‪ ,‬تتعلق بالطريق الموصلة‬
‫إلـى ـذلـك‪ ,‬فيسـلك ـالتـي ـتوصـل ـإلـى ـمـا ـينفـع‪ ,‬ويترك ـالتي‬
‫توصل إلى ما يضر‪.‬‬

‫‪ -2‬منزلة البصيرة‬
‫إذا ـصـحت ـفكرة ـالعبـد ـأوجبـت ـلـه ـالبصـيرة‪ ,‬وهـي ـنور ـفي‬
‫القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل فل يشك فيه ول‬
‫يرتاب ويتجرد من معارضته هوى أو تقليد‪.‬‬
‫‪ -3‬منزلة العزم‬
‫وهي استجماع قوى الرادة على الفعل أي أنه بعد صحت‬
‫البصيرة للعبد أوجب ذلك له العزم على فعل ما أخبرت به‬
‫الرسل‪.‬‬

‫ويرى ـابـن ـالقيـم ـرحمـه ـال ــأـن ـترتيـب ـهذه ـالمنازل ـليس‬
‫باعتبار أن السالك يقطع منزلة ويفارقها ثم ينتقل إلى التي‬
‫تليهـا ـكمنازل ـالسـفر ـالحسـي ـ– ـهذا ـمحال ـبـل ـهـي ـمتلزمة‬
‫ومتداخلـة ـفاليقظـة ـمثلً ـتسـتمر ـمـع ـالعبـد ـفـي ـكـل ـمنزلـة ـمن‬
‫المنازل التي تليها‪.‬‬