‫تعليم جديد لعصر جديد‬

‫بماذا نبدأ ؟‬
‫برصد المستقبل كما هو‪ ،‬أم بالحديث عن أحلمنا و آمالنا ؟ ‪.‬‬
‫المسألة في تطلعنا إلى الغد تكون أشبه ما تكون بموضوع الرصاد الجوية ‪ .‬هناك فارق بين أن‬
‫نعتمد على القراءة العلمية لرجال الرصاد الجوية‪ ،‬بالنسبة لحوال الطقس غدا‪ ،‬حّتى نستعد‬
‫لمواجهته بما يلزم‪ ،‬و بين أن نتمّنى أن يجيء الطقس لطيفا‪ ،‬أو دافئا‪ ،‬وفقا لمصالحنا ‪ .‬نحن نتابع‬
‫تقارير الرصاد لكي نستعد للغد بما يناسبه‪ ،‬سواء أحببنا ما يأتي به أم ل ‪ ..‬و هذا هو حالنا مع التفكير‬
‫المستقبلي و الرؤية المستقبلية‪ ،‬مع فارق أّنه في الحالة الخيرة‪ ،‬يكون للحلم دورها النسبي‪ ،‬في‬
‫الترتيب المناسب ‪.‬‬
‫منظور عين الطائر‬
‫دات‪ ،‬استطاعت قلة من الريادات المسـتقبلية أن تخرج من‬
‫المسـتج‬
‫غرابة‬
‫و‬
‫وة التغّيرات‪،‬‬
‫ّ‬
‫رغم ق ّ‬
‫قبضة الخريطة المرسومة على الم ّ‬
‫خ البشري‪ ،‬و المسيطرة على مسار تفكيره‪ ،‬و أن تصل إلى فهم‬
‫حقيقة و حجم التغّيرات الطارئة‪ ،‬و مداها ‪..‬عرفت انعكاساتها على حياتنا التية في جمـيع مجالتها‪،‬‬
‫التكنولوجية و القتصادية و الجتماعية و السياسية ‪ .‬بفضل طبيعة فكرها البتكاري‪ ،‬استطاعت هذه‬
‫القّلة في شرق العالم و غربه‪ ،‬أن ترتفع فوق الدراك المباشر‪ ،‬لكي ترى أحداث اليوم من منظور‬
‫ور البشري ‪.‬‬
‫عين الطائر‪ ،‬وسط السياق التاريخي للتط ّ‬
‫جوهر هذه الرؤية الثاقبة‪ ،‬قاد إلى نظرة للتاريخ البشري تتجاوز تاريخ الممالك و الحروب‪ ،‬و سير‬
‫الملوك و الرؤساء‪ ،‬و تقوم على فهم الموجات الحضارية الكبرى‪ ،‬أو النماط الساسية التي تعاقبت‬
‫على نسق حياة البشر‪ ،‬منذ أن عاشوا معا في جماعات مستقّرة ‪ .‬و كان تركيزهم على ثلث موجات‬
‫حضارية كبرى‪ ،‬هي‪:‬‬
‫* عصر الزراعة ‪.‬‬
‫* عصر الصناعة ‪.‬‬
‫* عصر المعلومات ‪ ،‬الذي ما زلنا نعيش بداياته الولى ‪.‬‬
‫م ما في تلك الرؤية المستقبلية‪ ،‬هو اكتشاف أن التكنولوجيا الساسية‪ ،‬المحددة‬
‫أه ّ‬
‫لنوع العمل السائد في عصر ما‪ ،‬هي ما يحدد لذلك المجتمع معظم أوضاعه الجتماعية‬
‫و القتصادية و السياسية ‪ ..‬و هي التي ترسى أسس القيم و المبادئ و العقائد التي‬
‫يأخذ بها ذلك المجتمع ‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫التعليم على مّر العصور‬

‫من القنص إلى الزراعة‬
‫نشأت أول موجة حضاري كبرى عندما انتقل النسان من القنص و الرعي‪ ،‬و تعّلم أن يزرع‪ ،‬و‬
‫ينتظر حّتى يجني ثمار ما زرع ‪ ..‬أي عندما قام المجتمع الزراعي‪ ،‬و الذي استمر على وجه الرض‬
‫مروا مصر و بابل‪ ،‬و الصين و‬
‫لكثر من عشرة آلف سنة ‪ ..‬ومع كل الختلفات بين البشر الذين ع ّ‬
‫الهند‪ ،‬و و اليونان و أمريكا الجنوبية ‪..‬مع كل التباين في العقائد السماوية و غير السماوية التي أخذت‬
‫بها هذه الشعوب‪ ،‬فإن أسس المجتمع الزراعي ظّلت هي السائدة ‪..‬‬
‫سنجد نفس السرة الكبيرة التي تعمل كوحدة إنتاجية استهلكية واحدة‪ ،‬و سنجد السيادة البوية‬
‫للسرة و المجتمع‪ ،‬و ارتباط النسان بالطبقة التي ولد لكي يجد نفسه فردا فيها ‪ ..‬سنجد نفس علقة‬
‫النسان بالرض التي ولد عليها‪ ،‬و نفس العلقة بين الحاكم و المحكوم ‪.‬‬
‫وره‬
‫كان الطفل في المجتمع الزراعي يش ّ‬
‫ب في قرية بطيئة التغيير‪ ،‬مقيما تص ّ‬
‫للواقع وفقا للصور التي يتل ّ‬
‫قاها من‬
‫مصادر محدودة ضعيفة‪ ،‬معّلم القرية أو رجل الدين ) الكّتاب عندنا أخيرا (‪ ،‬أو رأس‬
‫القرية‪ ،‬و أساسا يتل ّ‬
‫قاها من عائلته ‪ ..‬القليل جدا من أهل القرية هو من أتيح له أن‬
‫ونها الطفل في القرية‪ ،‬كانت‬
‫يرى مدينة أخرى ‪ ..‬و النتيجة‪ ،‬أن صورة العالم التي يك ّ‬
‫د‪.‬‬
‫محدودة و ضّيقة إلى أبعد ح ّ‬
‫الزلزال الكبير ‪..‬‬

‫ول‬
‫ثم حدث الزلزال الكبير في حياة البشر ‪ ..‬مع اختراع اللة البخارية‪ ،‬و بداية التح ّ‬
‫من حياة الزراعة إلى حياة الصناعة ‪.‬‬
‫تغّيرت أسس التي قامت عليها المجتمعات الزراعية‪ ،‬و نشأت أسس جديدة نابعة من طبيعة‬
‫ولت إلى أسرة صغيرة‪ ،‬من أبوين‬
‫العمل الصناعي ‪..‬السرة الكبيرة التي عرفها المجتمع الزراعي تح ّ‬
‫و ثلثة أبناء على الكثر‪ ،‬حّتى يسهل عليها أن تغّير موقعها وفقا لتغير موقع العمل الصناعي ‪ ..‬و مع‬
‫م‬
‫ما أتاح النتاج على نطاق واسع للغاية‪ ،‬و من ث ّ‬
‫ظهور الطاقة الميكانيكية‪ ،‬ثم الكهروميكانيكية‪ ،‬م ّ‬
‫استهلك مناظر‪ ،‬ثم قيام السوق بمعناها المعاصر للربط بين النتاج و الستهلك ‪.‬‬
‫كذلك انتزعت من السرة الزراعية الكبيرة واجباتها التقليدية‪ ،‬كالتعليم و التمريض و رعاية‬
‫المسنين و العاجزين‪ ،‬و أوكلت إلى مؤسسات متخصصة تتو ّ‬
‫قد الحياة الجديدة و‬
‫لها ‪ .‬و نتيجة لتع ّ‬
‫خم عملية اتخاذ القرار‪ ،‬قام شكل جديد للممارسة السياسية‪ ،‬هو ديموقراطية التمثيل النيابي ‪,‬‬
‫تض ّ‬
‫ّ‬
‫بالضافة إلى هذا كله‪ ،‬نشأت مبادئ و عقائد اقتضتها الحياة الصناعية‪ ،‬كالتوحيد‬
‫القياسي أو النمطية‪ ،‬و المركزية‪ ،‬و التركيز الشديد في مناطق النتاج الصناعي و‬
‫الخدمات الملحقة بها‪ ،‬و التزامن الشديد الذي تقتضيه العمليات الصناعية‪ ،‬و التخصص‬
‫الشديد في العلوم و النتاج و الخدمات ‪.‬‬
‫لقد حاول عصر الصناعة أن يحيل البشر إلى آحاد متطابقة‪ ،‬يسهل تشغيلها على خطوط التجميع و‬
‫في المكاتب‪ ،‬و يمكن دائما التعامل معها و التنبؤ بردود فعلها ‪ .‬و قد نجح في هذا إلى حد ّ كبير‪ ،‬رغم‬
‫تناقضه مع الطبيعة البشرية ‪.‬‬
‫و من المؤسسات التي اعتمدت عليها الحياة الصناعية‪ ،‬المؤسسة التعليمية‬
‫الجماهيرية‪ ،‬التي أبدعها فكر عصر الصناعة ‪.‬‬
‫المدرسة ‪ -‬المصنع‬
‫مما لخدمة اقتصاد‬
‫مص‬
‫كان‬
‫المجتمعات‪،‬‬
‫التعليم الذي عرفناه‪ ،‬و الذي مازال مأخوذا به في كثير من‬
‫ّ‬
‫عصر الصناعة‪ ،‬و طبيعة العمل فيه ‪ .‬فمع خروج معظم العمل من الحقل و البيت‪ ،‬كان من الضروري‬
‫خض هذا عن هيكل مركزي آخر من هياكل المجتمع‬
‫إعداد البناء للعمل في المصنع ‪ .‬و قد تم ّ‬
‫الصناعي‪ ،‬أل وهو التعليم الجماعي‪ ،‬أو الجماهيري ‪ .‬و أقيمت المدارس على شكل مصانع تنتج‬
‫قن التلميذ أساسيات القراءة و الكتابة و‬
‫التلميذ ‪ .‬و كانت مهمة التعليم العام الجماعي أن يل ّ‬
‫الحساب‪ ،‬و شيئا من التاريخ و الموضوعات الخرى ‪ .‬على اعتبار أن هذا هو غاية ما يحتاجه النسان‬
‫ليصبح قادرا على نوع و مستوى العمل السائد في المصنع أو المكتب ‪.‬‬
‫مية ‪.‬‬
‫لكن خلف هذا المنهج الظاهر‪ ،‬كان هناك منهج خفي أكثر أه ّ‬
‫مة ‪:‬‬
‫من ـ و ما يزال ـ في معظم المجتمعات‪ ،‬ثلثة دروس ها ّ‬
‫ذلك المنهج الخفي تض ّ‬
‫التدريب على اللتزام بالمواعيد ‪.‬‬
‫•‬
‫طاعة الرئيس ‪.‬‬
‫•‬
‫ود على العمل المتكّرر ‪.‬‬
‫التع‬
‫•‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مال‬
‫مال أشياء لم يكن يعرفها العامل الزراعي ‪ ..‬يتطلب ع ّ‬
‫فالعمل في المصنع يتطلب من الع ّ‬
‫دد‪ ،‬خصوصا أولئك الذين يعملون على خطوط التجميع ‪ .‬كما‬
‫يصلون إلى عملهم في الوقت المح ّ‬
‫قون التعليمات من رؤسائهم‪ ،‬وفقا للتسلسل الوظيفي‪ ،‬فيطيعونها دون تساؤل أو‬
‫مال يتل ّ‬
‫يتطّلب ع ّ‬
‫استفسار ‪ .‬و يحتاج إلى رجال و نساء على استعداد للعمل كعبيد لللة أو المكتب‪ ،‬يقومون بالعمل‬
‫المتكّرر‪ ،‬ك ّ‬
‫مر ‪.‬‬
‫ل يوم‪ ،‬على مدار حياتهم‪ ،‬دون احتجاج أو تذ ّ‬
‫التعليم النمطي الجماهيري‬
‫و هكذا‪ ،‬شاع التعليم النمطي الجماهيري‪ ،‬الذي عرفناه‪ ،‬و ما زلنا نأخذ به حّتى ‪ ،‬و الذي يستهدف ‪:‬‬
‫• تعويد التلميذ على العمل المتكّرر‪ ،‬كوسيلة للستيعاب ‪ .‬و تقسيم المعارف إلى جزئيات متفّرقة‪،‬‬
‫صل إلى الكّليات ‪.‬‬
‫يتل ّ‬
‫قاها التلميذ واحدة بعد الخرى‪ ،‬دون أن يطلب منه ـ أو يتاح له ـ الربط بينها‪ ،‬للتو ّ‬
‫ي محاولة من جانبه للخروج عن هذه اللية‪ ،‬أو‬
‫و خضوع التلميذ للية تل ّ‬
‫قي المعلومات‪ ،‬و رفض أ ّ‬
‫ابتكار سبيل آخر للوصول إلى المعلومات ‪.‬‬
‫• تعويد التلميذ على طاعة الرؤساء‪ ،‬ابتداء من زميله مسئول الفصل ) اللفة (‪ ،‬إلى أستاذه و معلمه‪،‬‬
‫إلى ناظر المدرسة ‪ ..‬و تعويده على تنفيذ الوامر الصادرة إليه‪ ،‬دون السماح له بمناقشتها ‪.‬‬
‫م‬
‫صة‪ ،‬ث ّ‬
‫• تعويد التلميذ على النضباط زمنيا‪ ،‬من خلل برنامج العمل اليومي‪ ،‬الذي يبدأ بجرس‪ ،‬ث ّ‬
‫مح ّ‬
‫سخ‬
‫جرس‪ ،‬ثم راحة ‪ ..‬و هكذا حّتى نهاية اليوم الدراسي ‪ .‬هذا‪ ،‬بالضافة إلى التوقيتات العامة‪ ،‬التي تر ّ‬
‫النمطية عند التلميذ‪ ،‬مثل طابور الصباح‪ ،‬و تحّية العلم‪ ،‬و النشيد الجماعي ‪.‬‬
‫المخطط الخفي‬

‫ظل هذا هو التعليم المثل على امتداد ما يزيد عن قرنين من عمر عصر الصناعة ‪ .‬و إذا كان هذا‬
‫التعليم قد شاع في المجتمعات الصناعية لفائدته في إعداد العمالة اللزمة للعمل الصناعي‪ ،‬فإّنه قد‬
‫شاع عندنا‪ ،‬و عند غيرنا من الدول التي خضعت لستعمار الدول الصناعية‪ ،‬نتيجة لرغبة المستعمر‬
‫في فرض نظمه على الشعوب التي يستعمرها‪ ،‬حّتى يسهل عليه تحقيق الفائدة الكبر من استعماره‬
‫‪.‬‬
‫عندنا‪ ،‬و في الكثير من الدول العربية‪ ،‬قامت خبرات رجال التعليم على هذا النوع من التعليم‪،‬‬
‫باعتباره الشكل الطبيعي المقبول للعملية التعليمية ‪ .‬و ل أعتقد أن أحد من أقطاب التعليم في مصر‬
‫كان يدرك الهداف الحقيقية للتعليم الجماهيري الذي فرضه عصر الصناعة ‪ .‬و إنصافا لهم‪ ،‬نقول أن‬
‫ورة‪ ،‬لم يكونوا يدركون المخطط الخفي الذي‬
‫الكثير من كبار رجال التعليم في الدول الصناعية المتط ّ‬
‫قام عليه ذلك التعليم ‪.‬‬
‫كالعادة‪ ،‬جرى اكتشاف هذا‪ ،‬عندما تلحقت موجات ثورة المعلومات‪ ،‬في النصف الثاني من القرن‬
‫الماضي ‪ .‬لقد اكتشـف المف ّ‬
‫كرون و الخبراء أشياء كثيرة ‪ ..‬اكتشـفوا أن النظم الدارية لعصر‬
‫الصناعـة لم تعد نافعة‪ ،‬و كذلك نظـام الديموقراطية النيابية‪ ،‬و القتصاد الصناعي بشقيه الشتراكي‬
‫و الرأسمالي‪ ،‬و التعليم النمطي الجماهيري‪ ،‬و العلم الجماهيري ‪ ..‬اكتشفوا ذلك عند مراقبة تدهور‬
‫ما يقتضي‬
‫الداء المتواصل للنظمة التي كانت تنجح دائما‪ ،‬و الهبوط الذي ل يتوّقف في النمو‪ ،‬م ّ‬
‫ول ‪.‬‬
‫سرعة البحث عن سّر هذا التح ّ‬
‫* * *‬
‫حياة جديدة للبشر‬
‫بفضل مجموعة من المفكرين و العلماء ـ من الشرق و الغرب ـ أمكن الوصول إلى رؤية شاملة‬
‫لمستقبل حياة جديدة للبشر‪ ،‬أطلق عليه في أّول المر مجتمع ما بعد الصناعة ‪ .‬لقد أيقن هؤلء أننا‬
‫نمضي إلى نظام جديد للحياة‪ ،‬يختلف كثيرا عن نظامي الحياة الزراعية و الصناعية ‪ .‬و اكتشفوا أن‬
‫النظم التي نجحت في عصر الصناعة‪ ،‬لن يكتب لها النجاح في النظام الجديد الذي يقوم على أسس‬
‫و مبادئ تختلف كثيرا عن نظيراتها في عصر الصناعة ‪.‬‬
‫من واقع دراسة المجتمع الجديد‪ ،‬اّتفق الجميع على تسميته بمجتمع المعلومات‪ ،‬باعتبار أن‬
‫المعلومات هي رأس المال الهم فيه ‪ .‬و دون الدخول هنا في العوامل التي قادت إلى انقضاء عصر‬
‫الصناعة‪ ،‬و سيادة عصر المعلومات‪ ،‬سنر ّ‬
‫ولت الساسية‪ ،‬التي تتيح لنا التعّرف‬
‫كز على بعض التح ّ‬
‫على أسس التعليم الجديد‪ ،‬الذي يمليه واقع مجتمع المعلومات ‪:‬‬
‫وع و التباين و احترام الختلف‪ (2) ،‬من المركزية إلى‬
‫)‪ (1‬من النمطية و الجماهيرية إلى التن ّ‬
‫اللمركزية و النظام الشبكي‪ (3) ،‬من العمل الجسدي إلى العمل العقلي و المعرفي‪ (4) ،‬من‬
‫الديموقراطية النيابية إلى ديموقراطية المشاركة‪ (5) ،‬من التزامن المحكم‪ ،‬إلى الزمن المتكّيف‪(6) ،‬‬
‫من التعليم النمطي‪ ،‬إلى التعليم الشخصي و الذاتي المستمر‪ (7) ،‬من التخطيط قصير المدى‪ ،‬إلى‬
‫صص الضّيق‪ ،‬إلى المعرفة الشاملة‪ (9) ،‬من السعي إلى الضخامة و‬
‫الرؤية المستقبلية‪ (8) ،‬من التخ ّ‬
‫النهايات العظمى‪ ،‬إلى شعار الصغير أجمل ‪.‬‬
‫لكي نتعّرف على النظم التعليمية الجديدة في مجتمع المعلومات‪ ،‬يجب أن نحدد مواصفات‬
‫النسان المنسجم مع الحياة في عصر المعلومات‪ ،‬و الذي يستطيع الستفادة من ك ّ‬
‫ل ما تتيحه الحياة‬
‫في مجتمع المعلومات‪ ،‬ثم نبني على ذلك السس الجديدة للنظم التعليمية في هذا المجتمع ‪.‬‬
‫عدم جدوى الصلح ‪..‬‬
‫بداية يجب أن نفّرق بين أمرين ‪ :‬إصلح التعليم الحالي‪ ،‬و العودة به إلى المستوى‬
‫الذي كان عليه منذ نصف قرن مثل‪ ،‬و بين إعادة بناء النظم التعليمية عندنا‪ ،‬على‬
‫أساس احتياجات مجتمع المعلومات الذي يسود العالم بأكمله يوما بعد يوم ‪ .‬الصلح‪،‬‬
‫هو أضعف اليمان‪ ،‬لنه ل يغني عن إعادة البناء على السس الجديدة‪ ،‬و الذي هو‬
‫السبيل إلى حمايتنا من مواجهة كابوس البطالة الشاملة بعد عقد أو عقدين من‬
‫الزمان ‪.‬‬
‫كل ما نسمعه من محاولت إصلح التعليم‪ ،‬من بناء المدارس الجديدة‪ ،‬و القلل من‬
‫عدد التلميذ في الفصل‪ ،‬و الرتفاع بمستوى المعّلم‪ ،‬و القضاء على ظاهرة الدروس‬
‫الخصوصية‪ ،‬و تحسين مستوى الكتاب المدرسي‪ ،‬و وضع معايير محددة لجـودة‬
‫التعليم‪ ..‬يدخل تحت بند إصلح نظام التعـليم الذي استحدثه صالح القتصاد الصناعي ‪.‬‬
‫أي أننا نسعى إلى إصلح نظام تعليمي ل ينفع في إعداد أجيال تعيش و تعمل في‬
‫عصر المعلومات ‪.‬‬

‫هدف التعليم هو‪ :‬إعداد النسان المتوافق مع عصره ‪ .‬لهذا‪ ،‬كان من الضروري أن‬
‫نعرف طبيعة العصر الذي نمضي إليه‪ ،‬و أن نتعّرف على مؤشراته‪ ،‬حّتى نستطيع أن‬
‫نستنبط نوع النظام التعليمي الذي يفيد في إعداد ذلك النسان المتوافق معه ‪.‬‬
‫إنسان مجتمع المعلومات‬
‫ول الساسية‬
‫التح‬
‫مؤشرات‬
‫بعض‬
‫نطرح‬
‫دون الدخول في تفاصيل يطول شرحها‪ ،‬يكفينا هنا أن‬
‫ّ‬
‫الراهنة‪ ،‬والتي تساعدنا على رسم صورة إنسان مجتمع المعلومات‪ ،‬و التي‪-‬كما سنرى‪ -‬تختلف‬
‫اختلفا كبيرا عن صورة إنسان عصر الصناعة التي صاغتها عقائده و مبادئه ‪.‬‬
‫ول الحالية‪ ،‬تسارع تد ّ‬
‫فق المعلومات و المعارف و التكنولوجيات‬
‫من أهم مؤشرات التح ّ‬
‫دلت غير مسبوقة ‪ .‬ثم مؤشر سيادة العمل العقلى و تراجع العمالة العضلية‪ ،‬التي‬
‫بمع ّ‬
‫كانت أساس عمالة الصناعة ‪ .‬وكذلك انقضاء النمطية أو الجماهيرية أو القولبة التي‬
‫وع و التباين و الختلف في كل‬
‫ي‪ ،‬والندفاع نحو التن ّ‬
‫فرضتها الحياة الصناعية على كل ش ْ‬
‫ي أيضا ‪ .‬و من المؤشرات الهامة‪ ،‬فقدان البيروقراطية لجدواها‪ ،‬كأساس رئيسي‬
‫ش ْ‬
‫لتنظيم العمل و البشر‪ ،‬و ظهور أشكال تنظيمية جديدة‪ ،‬تتوافق مع أسلوب الحياة‬
‫الجديدة التي يوّفرها مجتمع المعلومات ‪.‬‬
‫و سنرى فيما يلي‪ ،‬كيف ترسم هذه المؤشرات صورة النسان المتوافق مع مجتمع المعلومات‪،‬‬
‫والقادر على العمل المنتج الفّعال فيه ‪.‬‬
‫متفــرد ‪ ..‬غير نمطي‬
‫نجاح النمطية و القولبة و التوحيد القياسي في عصر الصناعة‪ ،‬قاد إلى محاولة تطبيق هذه القولبة‬
‫على البشر‪ ،‬رغم تناقضها مع الطبيعة البشرية ‪ .‬و لكن نتيجة لتدّفق المعلومات و المعارف‪ ،‬تباين‬
‫البشر واختلفت مشاربهم‪ ،‬و تنوعت مطالبهم من الحياة ‪.‬‬
‫صة‪ ،‬الذي ل‬
‫الخا‬
‫برؤيته‬
‫ز‬
‫المعت‬
‫ذاتيته‪،‬‬
‫على‬
‫الحريص‬
‫فمجتمع المعلومات يستفيد أكثر من النسان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يرضى أن يكون صورة مكّررة من الخرين ‪ .‬هو الذي ينفتح على المعارف و المعلومات‪ ،‬ليختار‬
‫دد‬
‫ورة‪ ،‬التي تتيح له تج ّ‬
‫ونات ثقافته ‪ .‬و هو القادر على التعامل مع التكنولوجيات اللكترونية المتط ّ‬
‫مك ّ‬
‫معارفه ‪.‬‬
‫مف ّ‬
‫كر ‪ ..‬ناقد ‪ ..‬مبتكر‬
‫نتيجة للتغّيرات الجذرية المتسارعة التي يمّر بها العالم‪ ،‬يكون على إنسان المعلومات أن يكون‬
‫قادرا على النظرة الناقدة‪ ،‬لكل ما استقر من فروض و آراء‪ ،‬ممارسا للتفكير الناقد‪ ،‬الذي يستدعي‪:‬‬
‫التعّرف على الفتراضات و المسّلمات التي تقوم عليها الفكار‪ ،‬لكي يمتحن صلحيتها في الظروف‬
‫دة ‪ .‬و يكتشف السياق الذي خرجت منه‪ ،‬و مدى مصداقية ذلك السياق الحالي ‪ .‬و يكون قادرا‬
‫المستج ّ‬
‫على استكشاف بدائل جديدة لما يسود حياته ‪.‬‬
‫و نتيجة لنفس هذه التغّيرات‪ ،‬و انقضاء جدوى العتماد على السوابق‪ ،‬عليه أن يكون قادرا على‬
‫النظر إلى الشياء بعين جديدة‪ ،‬ممارسـا للبتكار‪ ،‬خاصة بعد انكماش العمل اليدوي الروتيني‬
‫المتكرر‪ ،‬و إيكاله إلى الكمبيوتر و الروبوت‪ ،‬و شيوع العمل العقلي في جميع المجالت ‪.‬‬
‫قادر على التعليم الذاتي الدائم‬
‫دد دائم ‪ .‬و إنسان مجتمع المعلومات ل يقف تحصيله للمعارف عند حد‬
‫المعارف في حالة تج ّ‬
‫جل عليها في‬
‫الشهادة التي حصل عليها ‪ .‬و في هذا يقال أن شهادة الطبيب أو المهندس‪ ،‬سيس ّ‬
‫المستقبل تاريخ انتهاء صلحّيتها‪ ،‬فل يتاح له أن يمارس مهنته إل ّ إذا واصل التحصيل طوال سنوات‬
‫عمله ‪ .‬و بهذا‪ ،‬تصبح الحياة سلسلة من التعلم و التدريب و إعادة التدريب ‪ .‬و هو يعتمد على ذاته في‬
‫ور التكنولوجيات المعلوماتية و تكنولوجيات الّتصال ‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬مستفيدا من تط ّ‬
‫إيجــابي ‪ ..‬متعـــاون‬
‫البيروقراطـية‪ ،‬أو التنظيم الهرمي لتسلسل الرئاسات‪ ،‬فقد مصداقيته‪ ،‬و أصبح السبيل إلى‬
‫الفشل والمشاكل المتوالدة ‪ .‬و بدأ ظهور أشكال تنظيمية جديدة للعمل‪ ،‬تعتمد على هبوط نسبة‬
‫كبيرة من القرارات التي كانت تنفرد بها القيادات‪ ،‬إلى الوحدات القاعدية‪ ،‬شبه المستقّلة ‪.‬‬
‫و لهذا‪ ،‬يكون إنسان المستقبل إيجابيا‪ ،‬قادرا على ح ّ‬
‫ل المشاكل‪ ،‬و على اّتخاذ القرارات ‪ .‬و في‬
‫دية التي يفرضها التنظيم الجديد للعمل‪ ،‬يجب أن يكون إنسان المعلومات قادرا على التعاون‬
‫إطار الن ّ‬
‫مع أفراد مجموعته‪ ،‬و مع المجموعات الخرى داخل المؤسسة و خارجها ‪.‬‬
‫تعليم مجتمع المعلومات‬
‫ور إطار النظم التعليمية الجديدة‪،‬‬
‫من واقع مواصفات إنسان مجتمع المعلومات‪ ،‬يمكننا أن نتص ّ‬
‫المتوافقة مع احتياجات و اقتصاد هذا المجتمع ‪.‬‬

‫وفقا لخصائص إنسان عصر المعلومات التي أوردناها ‪ ،‬يمكننا أن نستنبط طبيعة التعليم التي‬
‫تناسب هذا العصر ‪ ..‬و هذا النسان ‪ ..‬و التي تشير إلى‪:‬‬
‫• تعليم يساعد على التفّرد‪ ،‬و يناهض القولبة‪ ،‬و محاولة جعل الفراد آحادا‬
‫متراصة متشابهة ‪.‬‬
‫• تعليم خالق للمعرفة‪ ،‬يحض على التفكير و البتكار‪ ،‬و يحارب التبعية النمطية و‬
‫التلقين ‪.‬‬
‫• تعليم يستفيد من دخول الجيال إلى كل منابع المعلومات و المعارف‪ ،‬بل قيود‬
‫أو وصاية ‪.‬‬
‫• تعليم يناهض كل ما هو جماهيري‪ ،‬من رواسب نظم عصر الصناعة‪ ،‬و يحترم‬
‫الفروق بين الفراد ‪.‬‬
‫وع الشديد الذي استحدثه تد ّ‬
‫فق‬
‫• تعليم ل يضع قيدا على العقيدة‪ ،‬و يحترم التن ّ‬
‫ض الفرد على‬
‫المعلومات و المعارف في عقائد البشر و تو ّ‬
‫جهاتهم‪ ،‬ويح ّ‬
‫اليمان بأن اختلفه عن الخرين‪ ،‬هو مصدر ثراء له و للخرين ‪.‬‬
‫مع دخول الكمبيوتر‪ ،‬و الدارة الرقمية‪ ،‬و الروبوت‪ ،‬إلى المصنع و المكتب‪ ،‬و قيامها بجميع العمال‬
‫العضلية الروتينية التي كان يقوم بها إنسان عصر الصناعة‪ ،‬و التي لم تكن تحتاج إل ّ إلى القليل من‬
‫خل من عناصر الضعف البشري ‪ ..‬لم‬
‫التفكير و الدراسة ‪ ..‬قيامها بذلك بطريقة أفضل و أكمل‪ ،‬دون تد ّ‬
‫يبق للنسان سوى العمل العقلي البتكاري ‪ ..‬لهذا‪،‬اقتضى المر العتماد على نظام تعليمية جديدة‪،‬‬
‫ما كّنا و ما زلنا نأخذ به‪ ،‬من بين هذه الختلفات ‪:‬‬
‫تختلف كثيرا ع ّ‬
‫) ‪ ( 1‬من التلقين‪ ،‬إلى التفكير و البتكار ‪:‬‬
‫الكمبيوتر و الروبوت نجح في توّلي معظم العمال الروتينية في المصنع و المكتب‪ ،‬و بشكل‬
‫وق عن الداء البشري‪ ،‬فلم يبق للبشر سوى العمل العقـلي أو المعـرفي‪ ،‬الذي يقتضي التفكـير‪،‬‬
‫متف ّ‬
‫و القدرة على ح ّ‬
‫ل المشاكل‪ ،‬بالبحث عن بدائل الحلول‪ ،‬و اختيار الحل الوفق للظروف‪ ،‬ثم تطبيقه و‬
‫ول الساسي في النظام التعليمي المناسب لعصر المعلومات ‪ .‬من تعليم‬
‫متابعة أدائه ‪ .‬و هذا هو التح ّ‬
‫جع على التفكير‪ ،‬و البحث عن الحلول‪ ،‬و‬
‫يقف عند حد تلقين المعلومات المحدودة‪ ،‬إلى تعليم يش ّ‬
‫يحض على البتكار و البداع ‪ .‬نحن ننتقل من تعليم عصر الصناعة الذي كان يعمد إلى تلقين التلميذ‪،‬‬
‫و حشو رؤوسهم بشتات المعلومات‪ ،‬و بعض التقنيات‪ ،‬إلى تعليم يستهدف خلق المعارف و التدريب‬
‫المتواصل ‪.‬‬
‫) ‪ ( 2‬بيئة تعليمية مفتوحة ‪:‬‬
‫ول البيئة التعليمية المغلقة الحالية‪ ،‬إلى بيئة تعليمية مفتوحة‪ ،‬تعتمد على شبكات المعرفة‬
‫ستتح ّ‬
‫اللكترونية‪ ،‬التي تعطي أهمية أكبر للقدرات الشخصية ‪ .‬البيئة التعليمية الجديدة‪ ،‬تنهي احتكار‬
‫المدرسة للعملية التعليمية‪ ،‬و تفتح الباب أمام ممارسة التعليم في البيوت‪ ،‬و في المؤسسات‬
‫فل بجانب منه ‪.‬‬
‫القتصادية التي ستتك ّ‬
‫) ‪ ( 3‬من التعليم النمطي‪ ،‬إلى الشخصي ‪:‬‬
‫النظام التقليدي النمطي الجماهيري‪ ،‬النابع من عقلية و احتياجات عصر الصناعة‪ ،‬يحل محّله نظام‬
‫جديد يقوم على أساس اعتبار قدرة الفرد و اختياراته ‪ .‬و هذا يعني أّنه في مكان نظام التعليم الحالي‪،‬‬
‫دم إلى‬
‫الذي يجري تقسيمه على أساس العمار‪ ،‬يقوم نظام جديد يسمح لقدرات الفراد بالتق ّ‬
‫دمة‪ ،‬بصرف النظر عن العمر ‪.‬‬
‫مستويات متق ّ‬
‫) ‪ ( 4‬التعليم على مدى الحياة ‪:‬‬
‫التعـليم العام لعصر الصناعة يقوم على تعليم إجباري‪ ،‬بالضافة إلى فرص قليلة للتعليم العلى و‬
‫هل لدخول‬
‫الحرفي ‪ .‬و كان التعليم ينتهي عادة بالحصول على شهادة إتمام الدراسة‪ ،‬التي تؤ ّ‬
‫الوظائف و مجالت العمل ‪.‬‬
‫مع تسارع المعلومات و المعارف‪ ،‬و تغّير النظريات‪ ،‬و هبوط علوم و صعود علوم جديدة‪ ،‬تنشأ‬
‫ضرورة اعتماد الدارس‪ ،‬أيا كان عمره‪ ،‬على التكنولوجيات اللكترونية الحديثة‪ ،‬لمتابعة ما يحدث‬
‫صصه بشكل خاص ‪ .‬و هذا يجعل تعليم عصر المعلومات عملية ممتدة على‬
‫بشكل عام‪ ،‬و في فرع تخ ّ‬
‫مدى حياة الفرد ‪.‬‬
‫) ‪ ( 5‬التعليم الذاتي ‪:‬‬
‫يساعد على التعليم الدائم المتواصل‪ ،‬مبدأ التعليم الذاتي الذي يأخذ به عصر المعلومات ‪ .‬و هو ما‬
‫يوّفره الكمبيوتر‪ ،‬و غير ذلك من التكنولوجيات اللكترونية ‪ .‬لقد أصبح بإمكان الفرد أن يعّلم نفسه‪،‬‬
‫صة بالكمبيوتر‪ ،‬الذي يقوم باختبار‬
‫على مدى مراحل عمره‪ ،‬اعتمادا على البرامج التعليمية الخا ّ‬

‫الدارس‪ ،‬عند مراحل معينة‪ ،‬للتثّبت من استيعابه‪ ،‬تمهيدا لعادة الدرس‪ ،‬أو النتقال إلى الدرس‬
‫التالي ‪.‬‬
‫ما هي المشكلة ؟‬
‫ول في تعليمنا‪ ،‬من التلقين‬
‫ما هي الصعوبة التي تواجهنا عند محاولتنا تحقيق التح ّ‬
‫و النقل‪ ،‬إلى التفكير و العقل ؟‬
‫تكمن الصعوبة في أن حياتنا كّلها تمضي في مصر وفق اعتماد النقل و التلقين‪ ،‬من المهد إلى‬
‫اللحد‪ ،‬و كراهية التفكير الناقد الذي قد يجترئ على الثوابت‪ ،‬في البيت و الشارع و المدرسة و‬
‫الجامعة و الحكومة بكل أجهزتها ‪ ..‬و كذلك ضعف قدراتنا في مجال التفكير البتكاري‪ ،‬الذي يصبح‬
‫في مجتمع المعلومات ممارسة جماهيرية ‪.‬‬
‫و لكي نفهم أبعاد هذه المشكلة الكبرى‪ ،‬التي يعجز عن إدراكها معظم من يخططون للتعليم‪ ..‬علينا‬
‫أن نفهم أبعاد التفكير الناقد‪ ،‬و التفكير البتكاري‪ ،‬الذي نقول بحتميتهما في مرحلة النتقال من نمط‬
‫الحياة الصناعية‪ ،‬إلى نمط الحياة المعرفية ‪.‬‬
‫و ل بد هنا من التنبيه إلى أن هذا التحول لن يتم في هدوء ‪ ..‬و أنه سيلقى مقاومة مستميتة من‬
‫ما بدافع التخّلف و الستناد إلى مرجعيات تاريخية‬
‫جميع العناصر الحريصة على بقاء الوضاع الحالية‪ ،‬إ ّ‬
‫منقضية‪ ،‬أو بدافع الحتفاظ بالسلطات و المنافع الحالية‪ ،‬أو بمجّرد العجز عن الرؤية البتكارية ‪.‬‬
‫التفكير الناقـد ‪..‬‬
‫في اختصار شديد‪ ،‬سأطرح هنا أبعاد التفكير الناقد‪ ،‬حّتى نرى معا إذا كان من الممكن تعميمه‪ ،‬في‬
‫تعليمنا أول‪ ،‬ثم في جميع مجالت حياتنا بعد ذلك‬
‫دل‬
‫تب‬
‫التي‬
‫و‬
‫الماضي‪،‬‬
‫القرن‬
‫منتصف‬
‫منذ‬
‫العالم‬
‫بها‬
‫ر‬
‫يم‬
‫في زمن التغّيرات الجذرية الشاملة‪ ،‬كالتي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما استقّر من شئون حياتنا الجتماعية و القتصادية و السياسية ‪ ..‬في هذا الزمن‪ ،‬نفقد القدرة على‬
‫الستناد إلى الخبرات السابقة‪ ،‬ونحتاج إلى إبداء حرص شديد في تناولنا للفكار و المعاني و الوضاع‪،‬‬
‫اعتمادا على حصيلتنا السابقة‪ ،‬و دون اختبار جديد لمدى مصداقية ما أخذنا به‪ ،‬و ما زلنا نأخذ به ‪.‬‬
‫ب أساسا على ‪ :‬امتحان الفتراضات التي تقوم عليها أفكارنا و نظرياتنا‬
‫التفكير الناقد‪ ،‬ينص ّ‬
‫وعقائدنا‪ ..‬ثم التعّرف على السياق الذي خرجت منه تلك الفكار و النظريات و العقائد‪ ،‬لنرى إذا ما‬
‫كان ذلك السياق متفق مع سياق حياتنا الحالي‪ ،‬و المستقبلي ‪ ..‬و من عناصر التفكير الناقد ‪:‬‬
‫ديها ‪:‬‬
‫) ‪ ( 1‬التعّرف على الفتراضات و تح ّ‬
‫من أهم أسس التفكير الناقد‪ ،‬محاولة التعّرف على الفتراضات التي يقوم عليها تفكيرنا‪ ،‬و‬
‫تتأسس عليها ضروب سلوكنا ‪ ..‬و ذلك تمهيدا لمتحانها و التحقق من مدى سلمتها و اتفاقها مع‬
‫الواقع المعاصر ‪ .‬نحن هنا نتساءل بالنسبة لكل ما نأخذه مأخذ التسليم‪ ،‬و نعتبره من المور البديهية‪،‬‬
‫سواء في تنظيم العمل‪ ،‬أو في علقاتنا مع الخرين‪ ،‬أو في الساس الذي يقوم عليه التزامنا‬
‫السياسي و العقائدي ‪.‬‬
‫) ‪ ( 2‬النتباه إلى السياق الذي تخرج منه الفتراضات ‪:‬‬
‫مع اكتشاف الفتراضات التي تحكم عاداتنا‪ ،‬و سلوكنا‪ ،‬و مداركنا‪ ،‬و فهمنا للمور‪ ،‬و تفسيرنا للعالم‬
‫من حولنا ‪ ..‬مع حدوث ذلك نصبح أكثر إدراكا لتأثير السياق الذي تنبع منه تلك الفتراضات ‪..‬و ممارس‬
‫التفكير الناقد‪ ،‬يعلم أن الممارسات و التصرفات و الترتيبات الجتماعية ل تكون بل سياق يحكمها ‪.‬‬
‫ور و امتحان البدائل ‪:‬‬
‫) ‪ ( 3‬تص ّ‬
‫من المور الساسية في التفكير الناقد‪ ،‬القدرة على تخّيل الحتمالت‪ ،‬و امتحان البدائل المختلفة‬
‫للطرق الحالية التي يلتزم بها الفرد في تفكيره و في حياته ‪ .‬عندما يتحقق الفرد من أن العديد من‬
‫أفكاره و تصرفاته تنبع من افتراضات ل تناسب الحياة الراهنة‪ ،‬ينشغل باكتشاف و امتحان طرق‬
‫جديدة للتفكير و التصّرف‪ ،‬واعيا بأهمية أثر السياق في تشكيل كل ما يعتبره عاديا و طبيعيا ‪.‬‬
‫) ‪ ( 4‬التش ّ‬
‫ملي ‪:‬‬
‫كك التأ ّ‬
‫عندما نكتشف بدائل جديدة لما رسخ في تفكيرنا و سلوكنا‪ ،‬نصبح أكثر تشككا في ك ّ‬
‫ل ما اعتدنا أن‬
‫نطلق عليه تعبير " الحقيقة النهائية "‪ ،‬أو " التفسير الكامل " ‪ .‬و هذا النوع من التشكك يطلق عليه‬
‫مل و‬
‫ملي ‪ ..‬و هو ل يعني التشكك من أجل الرفض‪ ،‬و لكن التشكك من أجل التأ ّ‬
‫اسم التشكك التأ ّ‬
‫سك بممارسة ما‪ ،‬أو العتماد على‬
‫التم‬
‫أن‬
‫يدرك‬
‫ملي‪،‬‬
‫التأ‬
‫التشكك‬
‫ممارس‬
‫‪.‬‬
‫المصداقية‬
‫التثّبت من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بنية ما‪ ،‬لزمن طويل‪ ،‬ل يعني أنها النسب لجميع الزمان‪ ،‬و بالتحديد للحظة الراهنة ‪ .‬كما أن مجّرد‬
‫قبول الفكرة من أعداد كبيرة‪ ،‬ل يعفينا من امتحانها على أرض الواقع الراهن‪ ،‬ثم قبولها أو رفضها و‬
‫خض عنه ذلك المتحان ‪.‬‬
‫استبدالها‪ ،‬وفقا لما يتم ّ‬
‫البتكار ‪ ..‬ضرورة عند اقتحام المستقبل‬

‫دد بإيجاز ثماني نقاط أساسية‪ ،‬تّتصل بالتفكير البتكاري الذي ندعو‬
‫و قد يكون من المفيد أن نح ّ‬
‫إلى الخذ به في مواجهة المشاكل الناشئة عن التغيير الدائم الذي نعيشه‪ ،‬و عند السعي إلى بناء‬
‫الهياكل الجديدة في حياتنا‪ ،‬التي يفرضها دخولنا إلى مجتمع المعلومات ‪.‬‬
‫البتكار الذي نعنيه ‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫دد الذي يحسن أن نّتفق‬
‫البتكار الذي نعنيه‪ ،‬و الذي يّتصل بالتعامل مع المستقبل‪ ،‬له معناه المح ّ‬
‫عليه بداية‪ ،‬و الذي يختلف عن الستخدام السائد لكلمتي "البتكار" و "البداع" في مجال النتاج‬
‫الدبي والفني ‪.‬‬
‫ّ‬
‫من ‪ :‬الوصول إلى الجديد غير المسبوق‪ ،‬الذي تكون له قيمته و‬
‫يتض‬
‫عنه‬
‫لم‬
‫نتك‬
‫الذي‬
‫البتكار‬
‫ّ‬
‫فائدته‪ ،‬والذي ينضوي على تغيير للمفاهيم و المدارك ‪.‬‬
‫بهذا‪ ،‬يخرج عن نطاق بحثنا‪ ،‬العمل الفوضوي أو التخريبي‪ ،‬الذي يأتي بأوضاع جديدة غير مسبوقة‪،‬‬
‫لكّنها غير ذات قيمة‪ ،‬و ل يحدث تغييرا في المفاهيم و المدارك ‪.‬‬
‫كذلك يخرج عنه‪ ،‬النتاج الفّني و الدبي‪ ،‬الذي يأتي عادة بغير المسبوق‪ ،‬و الذي تكون له فائدته‬
‫وقيمته‪ ،‬لكّنه في أغلب الحالت ل يحدث تغييرا في المفاهيم و المدارك ) و إن كان بعض النتاج‬
‫صية تغيير المفاهيم‪ ،‬مثال ذلك بيكاسو و سيد درويش ( ‪.‬‬
‫الفني والدبي تتح ّ‬
‫قق فيه خا ّ‬
‫البتكار و التغّيرات الجذرية الحالية ‪.‬‬
‫)‪(2‬‬
‫الثابت أّننا نمضي إلى شكل جديد لحياة البشر‪ ،‬يختلف كثيرا عن أشكال الحياة التي عرفناها طوال‬
‫عصر الزراعة‬
‫الذي امتد ّ إلى عشرة آلف سنة‪ ،‬و من بعده عصر الصناعة الذي استمر لما يزيد عن قرنين من‬
‫الزمان ‪.‬‬
‫عند التعامل مع الواقع الجديد الذي تفرضه التغّيرات الحالية و القادمة‪ ،‬لن يجدينا العتماد على‬
‫الفكار أو النظريات أو المبادئ أو العقائد النابعة من عصري الزراعة و الصناعة ‪ .‬لن تفيدنا الخبرات‬
‫التقليدية‪ ،‬و السوابق المجّربة‪ ،‬لّنها ل تصلح للتعامل مع نظام الحياة الجديد الذي يسود عصر‬
‫المعلومات‪.‬‬
‫مية العتماد على التفكير البتكاري ‪ :‬في فهم حقيقـة ما هو حادث‪ ،‬و في محـاولة‬
‫هنا‪ ،‬تتجّلى أه ّ‬
‫دي لحل المشاكل المتفاقمة و غير المسبوقة‪ ،‬ثم أخيرا عند التفكير في عمليات إعادة البناء‬
‫التص ّ‬
‫الشاملة في جميع المجالت ‪.‬‬
‫مة ‪.‬‬
‫العا‬
‫الممارسة‬
‫إلى‬
‫)‪(3‬البتكار‪ ،‬من الصفوة‬
‫ّ‬
‫العمل في عصر الزراعة‪ ،‬و الصناعة أيضا‪ ،‬كان عمل بسيطا‪ ،‬له طبيعة روتينية عضلية‪ ،‬ل يقتضي‬
‫الكثير من التفكير‪ ،‬و ل يحتاج من العامل في الحقل أو المكتب أو المصنع أن يبتكر ‪ .‬لذلك‪ ،‬كان‬
‫البتكار من عمل الصفوة أو النخبة المتمّيزة‪ ،‬عند المستويات العليا من هرم التسلسل الوظيفي ‪.‬‬
‫ورات التكنولوجية الحالية )الكمبيوتر و الروبوت( سحبت من مجالت العمل ك ّ‬
‫ل ما هو روتيني‬
‫التط ّ‬
‫وعضلي‪ ،‬فسادت الحاجة إلى العمالة العقلية أو المعرفية ‪.‬‬
‫العامل العقلي في مجتمع المعلومات‪ ،‬يف ّ‬
‫دى لحل المشكلت المّتصلة بعمله ‪ .‬و خلل‬
‫كر و يتص ّ‬
‫صص للصفوة‪ ،‬إلى‬
‫ول البتكار من تخ ّ‬
‫بحثه عن الحل المناسب يكون عليه أن يبتكر ‪ .‬و هكذا‪ ،‬يتح ّ‬
‫ممارسة عامة يشارك فيها الجميع ‪.‬‬
‫)‪(4‬الذكاء ‪ ..‬و البتكار ‪.‬‬
‫من بين الوهام الشائعة عن البتكار أّنه صنعة الذكياء فقط ‪ .‬و من ثم يكون على أصحاب معامل‬
‫سط أو المنخفض أل ّ يحاولوا ممارسة التفكير البتكاري ‪ .‬و حقيقة المر‪ ،‬أّنه ل يوجد‬
‫الذكاء المتو ّ‬
‫ارتباط طردي بين الذكاء و البتكار ‪ .‬بل أن أصحاب معاملت الذكاء العالية غالبا ما يحجمون عن‬
‫مل و التخمين و النطق بأفكار جديدة قد توصف بأّنها طائشة ‪ .‬الذكاء إمكانية من‬
‫خوض تجربة التأ ّ‬
‫إمكانيات العقل البشري‪ ،‬تعتمد على نشاط بعض النزيمات‪ ،‬التي تسمح بردود فعل عقلية أسرع‪ ،‬و‬
‫دل أسرع في الرصد ‪.‬‬
‫بمع ّ‬
‫العلقة بين الذكاء و البتكار‪ ،‬كالعلقة بين السيارة و سائقها ‪ .‬و السيارة القوية تفقد تمّيزها مع‬
‫السائق غير المدّرب !‪ .‬كما أّنه ليس من الضروري أن يكون الشخص متمّيز الذكاء لكي يمارس‬
‫التفكير البتكاري ‪.‬‬
‫)‪(5‬العقل البشري ليس مبتكرا بطبيعته ‪.‬‬
‫مم‬
‫مص‬
‫المخ‬
‫‪.‬‬
‫الترتيب‬
‫ذاتي‬
‫معلوماتي‬
‫كنظام‬
‫المخ‪،‬‬
‫لكي نفهم هذا‪ ،‬يجب أن نفهم طبيعة عمل‬
‫ّ‬
‫بحيث يقيم نماذج و أنماطا للعالم المحيط بنا‪ ،‬ثم يلتزم بعد ذلك بهذه النماذج و النماط ‪ ..‬هكذا يتم‬
‫الدراك عادة عند النسان ‪.‬‬

‫ولو أن المر سار على غير ذلك‪ ،‬لصبحت الحياة مستحيلة ‪ .‬الم ّ‬
‫خ البشري يستهدف جعلنا قادريـن‬
‫على البقاء‪ ،‬و مواجهة الحياة في ك ّ‬
‫ل لحظة‪ ،‬و ل يستهدف أن نكون ابتكاريين ‪.‬و من هنا تجئ أهمية‬
‫مد على البتكار‪ ،‬و العتماد على آلّيات خاصة للتفكير البتكاري ‪.‬‬
‫التدرب المتع ّ‬
‫)‪(6‬آلّيات الخروج من خريطة العقل التقليدية ‪.‬‬
‫ما دام العقل البشري ليس ابتكاريا بطبيعته‪ ،‬نضطر إلى البحث عن آلّيــات أو حيل للفكاك من‬
‫التخطيـط التقليدي المحفور فيه ‪ .‬و من بين اللّيات الشائعة‪ ،‬ما يعرف باسم "العصف الذهني"‪ ،‬و‬
‫التي تعتمد على إطلق سيل من الفكار الغريبة‪ ،‬و رّبما المجنونة‪ ،‬على أمل أن يصيب أحدها الهدف ‪.‬‬
‫إل ّ أن الذي يحدث في مجال البتكار يختلف عن هذا تماما ‪ .‬فالعصف الذهني‪ ،‬يفتقد ما يجب‬
‫مد ـ في التفكير البتكاري ـ يتيح للفرد أن يخرج عن المسالك التقليدية‬
‫تح ّ‬
‫مد ‪ .‬التع ّ‬
‫ققه من قصد و تع ّ‬
‫في عقله‪ ،‬من أجل اكتشاف مسالك جديدة‪ ،‬أكثر نفعا في التعامل مع الواقع الجديد ‪.‬‬
‫* * *‬
‫ملحظات ضرورية‬
‫يجدر بنا ‪ ،‬كّلما ف ّ‬
‫كرنا في إعادة بناء جانب من جوانب حياتنا‪ ،‬أن نّتفق على بعض‬
‫ضوابط التفكير ‪:‬‬
‫أأولا ‪ :‬في زمن ألثبات ألنسبي أأو ألتغيرأت ألمحدودة‪ ،‬كالتي تحدث خلال سيادة مبادئ ألصناعة مثلا‪ ،‬يكون من ألممكن ألتفكير في إأصلاح‬
‫أأو إأعادة بناء أأي مجال من مجالات حياتنا‪ ،‬دون ألالتفاف إألى ما يجري في ألمجالات ألأاخرى‪ ،‬باعتبار خضوع مختلف مجالات ألحياة‬
‫لنفس ألمبادئ و ألعقائد ألوأضحة للصناعة ‪ ..‬فيمكنا إأصلاح ألتعليم أأو إأعادة بناء أأوضاعه وفقا للأاسس ألسائدة‪ ،‬دون خوف من تناقض ذلك‬
‫مع صالح ألاقتصاد ألصناعي ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬لكن في زمن التغيرات الجذرية المتسارعة‪ ،‬كالتي يمر بها البشر حاليا‪ ،‬في‬
‫انتقالهم من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات‪ ،‬و قبل أن تستقّر العلقات‬
‫النسبية بين مختلف مجالت الحياة‪ ،‬ل يجوز لنا أن نف ّ‬
‫كر في إعادة بناء التعليم ـ مثل ـ‬
‫دون أن نرى أثر ذلك على باقي مجالت الحياة الجتماعية و القتصادية و السياسية‪،‬‬
‫من خلل إرسائنا للرؤية المستقبلية لمصر‪ ،‬اعتمادا على أمرين أساسيين ‪:‬‬
‫) ‪ ( 1‬رؤية مستقبلية شاملة لمبادئ و أسس مجتمع المعلومات‪ ،‬أي الهدف الذي‬
‫نسعى الوصول إليه ‪.‬‬
‫) ‪ ( 2‬الخريطة الحقيقية المينة للواقع المصري الراهن‪ ،‬أي الرض التي ننطلق منها ‪.‬‬
‫و هذا يعني واقع النسان المصري الفعلي‪ ،‬على سّلم تتابع الموجات الحضارية‪ ،‬من‬
‫زراعة إلى صناعة إلى معلومات ‪ .‬أي نسبة سيادة العقلية الزراعية‪ ،‬إلى شيوع العقلية‬
‫الصناعية‪ ،‬إلى مدى اقترابنا من العقلية المعلوماتية ‪ ) .‬و ما نطلق عليه العقلية‪ ،‬ينبع‬
‫من مدى سيادة تكنولوجيات كل عصر من هذه العصور ( ‪.‬‬
‫ثالثا ‪:‬عندما تتو ّ‬
‫فر هذه القاعدة المعرفية‪ ،‬يمكن النتقال إلى الستراتيجية العامة‬
‫لعادة البناء في مصر‪ ،‬التي تنبع منها مختلف الخطط النوعية طويلة المدى و قصيرة‬
‫المدى‪ ،‬و تتحدد أولويات الحركة و التطبيق ‪.‬‬
‫) لكي يكون هذا أكثر وضوحا‪ ،‬نقول ـ على سبيل المثال ـ أّنه لو بقي التعليم المصري على حاله‬
‫الراهن‪ ،‬و في نفس وقت تحّركنا اقتصاديا للعمل وفق مقتضيات عصر المعلومات‪ ،‬فستكون النتيجة‬
‫بطالة شاملة‪ ،‬لننا سنخّرج عمالة عضلية‪ ،‬كانت قد تصلح للحياة في المجتمع الصناعي‪ ،‬و غير‬
‫مطلوبة لمجتمع المعلومات‪ ،‬بينما نفتقر إلى العمالة العقلية البتكارية التي يطلبها العمل في عصر‬
‫المعلومات ‪ ..‬و العكس صحيح ‪ .‬لو بدأنا إعادة بناء التعليم على أسس العمالة التي يحتاجها مجتمع‬
‫المعلومات‪ ،‬دون أن نعيد بناء اقتصادنا في نفس الوقت‪ ،‬سيقود ذلك أى بطالة معكوسة ( ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬عندما نتكّلم عن إعادة بناء التعلـيم‪ ،‬أو أي شيء آخـر ‪ ،‬يجب أن نتذ ّ‬
‫كر أهمية‬
‫الفهم الجيد لقوانيـن ومبادئ‬
‫و عقائد المجتمع الذي تمضي إليه البشرية‪ ،‬ذلك الفهم الذي تنبع منه الرؤية‬
‫المستقبلية الشاملة‪ ،‬و ل نعمد إلى الغرق في الحلم و الماني و تصورات المدن‬
‫دا للعبودية و‬
‫الفاضلة ‪ ..‬فالثورة الصناعية‪ ،‬و احتياجات اقتصادها‪ ،‬هو الذي وضع ح ّ‬
‫ق‪ ،‬و عملية شراء النسان لخيه النسان‪ ،‬و ليس أحلم البشر أو ثورة سبارتاكوس‬
‫الر ّ‬
‫‪..‬‬
‫خامسا ‪ :‬مواصفات التعليم الذي يساعد على بناء إنسان عصر المعلومات‪ ،‬ل يتح ّ‬
‫قق‬
‫بالشكل المناسب ما لم ندعمه أساسا بأمرين ‪:‬‬

‫) ‪ ( 1‬إعلم مختلف عن العلم الجماهيري الذي ورثناه عن عصر الصناعة‪ ،‬يتناسب مع‬
‫ول من النقل إلى إعمال العقل‪ ،‬و من النسياق و النقياد إلى التفكير‬
‫إنسان يتح ّ‬
‫الناقد و البتكاري ‪ ..‬إنسان الكمبيوتر و النترنيت‪ ،‬الذي يعتّز باختلفه عن الخرين‪ ،‬و‬
‫يستطيع أن يصنع الدوائر التي ينشط من خللها ‪.‬‬
‫) ‪ ( 2‬ممارسة سياسية‪ ،‬تتيح للفرد أن يشارك في اتخاذ القرار‪ ،‬بنفسه دون أن ينيب‬
‫مة إلى القاعدة ‪ .‬و‬
‫من هبوطا متدّرجا في مسئولية اتخاذ القرار‪ ،‬من الق ّ‬
‫عنه أحد‪ ،‬تتض ّ‬
‫رفع القيود عن نشاط المجتمع المدني‪ ،‬الذي يعتبر خير تدريب على ديموقراطية‬
‫المشاركة ‪.‬‬
‫* * *‬
‫من ك ّ‬
‫دي لعادة بناء التعليم في مصر‪ ،‬يتجاوز قدرات‬
‫ل ما سبق‪ ،‬يّتضح لنا إن التص ّ‬
‫وزراء التعليم‪ ،‬و رجال الوزارة‪ ،‬و العاملين في حقل التعليم ‪ ..‬و أيضا يتجاوز كل ما‬
‫صة ما يصدر عن أمانة السياسات بالحزب‬
‫يصدر عن الحزاب المصرية‪ ،‬و بصفة خا ّ‬
‫الوطني ‪ ..‬و يتجاوز اجتهادات الكّتاب في الجرائد و المجلت‪ ،‬و على شاشات‬
‫التلفزيون‪ ..،‬لمن ل يعرف لماذا ؟ ‪ ..‬عليه أن يقرأ هذه الصفحات من جديد ‪..‬‬
‫ه ّ‬
‫ل بّلغـت ‪ ..‬اللهم فاشـهد ‪..‬‬
‫راجي عنايــت‬
‫القاهرة ـ يونيو ‪2008‬‬
‫‪renayat@gmail.com‬‬
‫التعلــيم‪ :‬بين الزراعة و الصناعة و المعلومات‬
‫مجتمع المعلومات‬
‫مجتمع الصناعة‬
‫مجتمع الزراعة‬
‫بيئة تعليمية مفتوحة‬
‫مة‬
‫العا‬
‫المدرسة‬
‫الســــــرة‪،‬‬
‫مصــــادر‬
‫ّ‬
‫الجبارية‪ ،‬و العلم ) كمبيوتر‪+‬إنترنيت (‬
‫و رجل الديــن‬
‫المعلومــات‬
‫الجماهيري‬
‫) الكـــّتاب (‬
‫و المعـارف‬
‫على مــدى الحياة‬
‫زمن التعليم‬
‫في بدايــات‬
‫المــــدى‬
‫و الشهادات عليها‬
‫الجباري‬
‫الطفولــــة‬
‫الزمنـــي‬
‫تاريخ صلحــية‬
‫و ما يضيفه العلم‬
‫و الصــــبا‬
‫الجماهيري‬
‫النمطي‬
‫شخصي و ذاتي‬
‫إلزامي‪ ،‬تلقيني‪،‬‬
‫مبدئـــي‬
‫و غير نمطي‪،‬‬
‫ما يكفي للقيام‬
‫إختيــاري‬
‫نوعيةالتعلـيم‬
‫إبتــــكاري‪،‬‬
‫بالعمل العضلي‬
‫محـــدود‬
‫خالق للمعرفة‬
‫البسيط في‬
‫المصنع و المكتب‬
‫إعمال العقل‪ ،‬و‬
‫التدريب على‬
‫مة‬
‫معلومات عا ّ‬
‫ممارسة التفكير‬
‫العمل الروتيني و‬
‫بسيطة‬
‫هــــدف‬
‫الناقـــد‪،‬‬
‫و خـــبرات حرفّية على طاعة الوامر‪،‬‬
‫التعلــــيم‬
‫و التفكير البتكاري‬
‫و احترام تسلسل‬
‫في الحياة‬
‫و العتماد على‬
‫الرئاســات‬
‫الزراعــية‬
‫التكنولوجيا‬
‫المعلوماتية‬
‫راجي عنايــت‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful