You are on page 1of 210

‫د‪ .

‬فريد الصنصاري‬
‫من القرآن إلى العمران‬

‫سلسلة‪:‬‬

‫البيان الدعوي وظاهرة‬
‫التضخم السياسي‬
‫)صنحو بيان قرآصني للدعوة السلمية(‬

‫البيان الدعوي وظاهرة التضخم‬
‫السياسي‬
‫)صنحو بيان قرآصني للدعوة السلمية(‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله‬
‫من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا‪ .‬من يهده الله فل مضل‬
‫له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل الله‪ ،‬وحده‬
‫ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ .‬بلغ الرسالة‪،‬‬
‫وأدى المانة‪ ،‬ونصح المة‪ ،‬وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى‬
‫أتاه اليقين‪.‬‬
‫أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى‪ ،‬وخير‬
‫الهدي هدي محمد ‪ ،‬وشر المور محدثاتها‪ ،‬وكل محدثة‬
‫بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة‪ ،‬وكل ضللة في النار‪.‬‬
‫أعاذنا الله منها ومما يقرب إليها من قول أو عمل‪.‬‬
‫ثم أما بعد؛‬
‫فهذا كتابنا‪) :‬البيان الدعوي وظاهرة التضخم‬
‫السياسي( أقدمه اليوم للقراء؛ استجابة للسهام في‬
‫معالجة الشكال الحاصل في الميدان الدعوي‪) :‬علقة‬
‫السياسي بالدعوي(‪ ،‬في مشروع التجديد السلمي‪ ،‬أو‬
‫بتعبير أدق‪ :‬موقع )المسألة السياسية( من مشروع التجديد‬
‫السلمي‪.‬‬
‫وهو موضوع ما يزال جدله )الكلمي( قائما؛ منذ نشأة‬
‫الحركة السلمية‪ ،‬في صيغتها التاريخية الجديدة؛ إلى يومنا‬
‫هذا! وهو جدل قائم بين السلميين‪ ،‬فيما بينهم وبين‬
‫أنفسهم بصيغة؛ وفيما بينهم وبين العلمانيين اللدينيين‬
‫بصيغة أخرى!‬
‫ومن هنا كان هذا الكتاب يعرض للنقاش مسألة‪ ،‬هي‬
‫من الحساسية بمكان!‬
‫وحساسية الموضوع تأتيه من جهتين‪ :‬داخلية وخارجية‪.‬‬
‫فأما الداخلية‪ :‬فهي عدم الستعداد لتقبل النقد الذاتي‪ ،‬لدى‬
‫بعض قيادات الحركة السلمية ومنظريها؛ إل قليل! فما‬

‫بالك بالمقلدين والتباع! وأما الخارجية‪ :‬فهي أننا نعالج‬
‫موضوعا ل يطرقه في العادة إل المخالفون للمشروع‬
‫السلمي من اللدينيين؛ رغبة منهم في تجريد الدين من‬
‫السياسة‪ ،‬تجريد تضاد وتنافر! تكريسا لمقولتهم‬
‫المشهورة‪) :‬دع ما لله لله‪ ،‬وما لقيصر لقيصر(‪.‬‬
‫وعنوان بحثنا ناطق بما آل إليه من نتائج‪ ،‬حاصلة عن‬
‫نقد ظاهرة )التضخم السياسي( لدى )السلميين(‪.‬‬
‫سواء منها ما له علقة بنفسية الصدام السياسي؛ أو ما له‬
‫علقة بالنتفاخ السرطاني للعمل السياسي‪ ،‬في حركة‬
‫تجديد الدين في المجتمع؛ مما جعل كثيرا من جماعات‬
‫العمل السلمي ـ رافضة ومشاركة ـ أشبه ما تكون بمجرد‬
‫س إسلمي! وتلك هي أخطر لعبة‪،‬‬
‫أحزاب تقليدية ذات ن َف َف‬
‫ف س‬
‫وأكبر خدعة؛ تواجهها الدعوة السلمية المعاصرة!‬
‫فما أسهل إذن أن يتهم باحث إسلمي في هذا‬
‫الموضوع ‪ -‬من لدن السلميين أنفسهم ‪ -‬بالردة الثقافية‪،‬‬
‫والنكوص عن الختيار الجهادي‪ ،‬والركون إلى الذين ظلموا!‬
‫إل أنه لبد من البوح ههنا بحقيقة‪ :‬مفادها أن التفكير‬
‫في هذا الشكال قد شغل من وقتي وهمي زمنا‪ .‬أناقش به‬
‫ول أكتبه‪ ،‬وأعرضه ول أثبته‪ .‬وما زلت أذكر جيدا أني كلما‬
‫طرقته بين بعض أهل الشأن الدعوي وجدت نفورا‬
‫واستغرابا‪ .‬ومع ذلك؛ فلم أزل أتتبع جزئياته من النصوص‬
‫الشرعية‪ ،‬وأستقري مفرداته من الجتهادات الفقهية‪ ،‬وأبني‬
‫ت لي منه‬
‫حجاجه من الشهادات التجريبية؛ حتى انتظم ت‬
‫علي حينئذ إل أن أصوغ‬
‫َفّ‬
‫كليات‪ ،‬وأصول جامعات‪ .‬فما كان‬
‫الشكال‪ ،‬وأخوض غمار التصنيف غير آبه‪ ،‬ول ملتفت إلى‬
‫القيل والقال!‬
‫ثم لقد بقي بعد ذلك هذا الكتاب مرقونا دون نشر نحو‬
‫ثل ث سنوات‪ ،‬ولم أحاول نشره إل مرة واحدة‪ ،‬لم تتم ‪-‬‬
‫ي في ذلك من عروض وطلبات ‪ -‬والسبب‬
‫رغم ما ورد عل ي‬
‫أني كنت حريصا على المراجعة‪ ،‬ليس لفكاره من حيث‬
‫هي أفكار مجردة‪ ،‬ولكن من حيث هي حركة في الواقع‪،‬‬
‫فقد شرعت في تنزيل ذلك من خلل عمل دعوي محدود‪،‬‬
‫أشبه ما يكون بعمل التجريب‪ ،‬فلم أزل أرقب سيره‬

‫وتقلباته‪ ،‬عبر مختلف الحوال والظروف؛ حتى جاء قَفد َفرر الله‬
‫مما حد ث بالوليات المتحدة المريكية من أحدا ث‪ ،‬في‬
‫اليوم الحادي عشر من شتنبر لسنة‪2001 :‬م؛ وهي‬
‫الحدا ث التي أظهرت تحول حركة التاريخ عبر منعطفها‬
‫الجديد‪ ،‬ذلك المنعطف الذي كان قد بدأت حركته قبل ذلك‬
‫بكثير‪ ،‬مما كان يبصره أهل البصائر‪ ،‬وإنما تلك الحدا ث‬
‫جّلته لعامة الناس‪ .‬فظهر ما كان خفيا من أمر التحولت‬
‫الحضارية الكبرى‪ ،‬التي بدأت مؤشراتها القوية في الظهور‬
‫ وأقول )القوية( ‪ -‬منذ أوائل الثمانينات من القرن‬‫ف المآل من طبيعة الحال‪ .‬وكانت‬
‫الميلدي العشرين‪ .‬وع ررر َف‬
‫أحدا ث أمريكا ‪ -‬وما كان لها من انعكاسات على العالم‬
‫السلمي ‪ -‬تسجيل رسميا لبلوغ مرحلة اللعودة في موجة‬
‫التحولت‪ ،‬وفي حركة التاريخ؛ فلم يعد هناك من تردد في‬
‫معرفة إلى أين يتجه العالم!‬
‫لقد نشأ الغرب المريكي ‪ -‬أول ما نشأ ‪ -‬على فلسفة‬
‫الصراع الحضاري‪ ،‬ومنطق )البقاء للقوى(؛ إذ ت قامت‬
‫حضارته على إبادة أمة بكاملها! ولم يكن ممكنا بعد انهيار‬
‫المعسكر الشتراكي أن يستمر وجوده بغير صراع‪.‬‬
‫فالصراع هو أساس قوة اقتصاده‪ ،‬والصراع هو أساس‬
‫وحدة دولره‪ ،‬كما أنه المغذي الول لكل معاهد البحث‬
‫العلمي‪ ،‬بصورة مباشرة أو غير مباشرة! فلبد له إذن من‬
‫النخراط الكلي في صراع جديد‪ .‬وكان العالم السلمي هو‬
‫المرشح الرئيس ليقوم بذلك الدور الضحية! بناء على ما‬
‫أملته الدبيات الفلسفية المريكية‪ .‬وقد اشتهر في هذا‬
‫السياق عنوان‪) :‬صراع الحضارات()‪ .(1‬ولم يكن ذلك‬
‫ليكون في العالم السلمي؛ لول أنه يضم بين أضلعه‬
‫شيئين اثنين‪ :‬البترول‪ ،‬وفلسطين! ولكن ليس له اختيار‪،‬‬
‫فالجغرافيا قدر من أقدار الله‪ .‬فليكن إذن ذلك الوطن ‪-‬‬
‫بإنسانه وثرواته ‪ -‬هو الجواب الشافي عن حاجة الغرب‬
‫وجشعه الستعماري‪.‬‬
‫ثم انطلق المشروع )العولمي( أعنف ما يكون‪،‬‬
‫وأشرس ما يكون! فتجلى عسكريا في احتلل العراق‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫لمؤلفه المريكي‪ :‬صمويل هنتينغتون‬

‬كلهم جميعا إنما يتربون‬ ‫ويتخرجون بحق على المنهج النبوي‪ ،‬القائم على أصول‬ ‫البعثة وحيا‪ ،‬أو تجديدا للوحي‪ ،‬مما ذكرنا من قوله تعالى‪:‬‬ ‫م آَفيات رهر وَفي رَفز ي‬ ‫ة(‪.‬على شروطها وموازينها‪ .‬وبدأت أبصر في لهب‬ ‫الظروف الجديدة؛ كيف أن العالم اليوم في أشد الحاجة‬ ‫إلى النصات إلى القرآن! وكم هو تعيس هذا النسان‬ ‫الشارد بعيدا عن بصائره وحقائقه!‬ ‫وأيقنت بعد ذلك بما بدا لي من حقائق قرآنية‪ ،‬في‬ ‫إعادة تشكيل المة‪ ،‬مما قيدته في هذا الكتاب‪ ،‬ومما بدا لي‬ ‫من منهج نبوي‪ ،‬في رسم معالم )البعثة الجديدة( التي‬ ‫أحسب أن بشائرها تنطلق الن في العالم السلمي‪ ،‬وتتجه‬ ‫بقوة نحو المستقبل‪.‬فوآ َف‬ ‫م َث‬ ‫وال ت ه‬ ‫ل ل َف ر‬ ‫كارنوا ر‬ ‫في َف‬ ‫ل م‬ ‫حك ت َث‬ ‫ري َف‬ ‫ضَفل س‬ ‫َث‬ ‫خ ر‬ ‫مربي س‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫َف‬ ‫م()الجمعة‪.‫والسقوط التاريخي لبغداد!)‪ (2003‬وما استتبعه من هزات‬ ‫وزلزل بهذا البلد أو ذاك‪ ،‬وخلخلة للبنية السياسية العامة‬ ‫لكل العالم السلمي! ثم تجلى ثقافيا فيما فرض فرضا من‬ ‫مشروع تغيير برامج التعليم فيه‪ ،‬واجتماعيا في )علمنة(‬ ‫مدونة الحوال الشخصية‪ ،‬وتدمير نظام السرة السلمي!‬ ‫كل ذلك زادني يقينا فيما وصلت إليه قَفب ت ر‬ ‫ل؛ من نتائج‬ ‫بهذا الكتاب‪ ،‬في تصور طبيعة العمل السلمي‪ ،‬وأنه راجع‬ ‫بالدرجة الولى إلى ضرورة عمران الوجدان برسالة‬ ‫القرآن‪ .‬‬ ‫وهنا فقط أذنت في نشر هذا الكتاب‪ ،‬وقد ترسخت‬ ‫لدي ولله الحمد صورة السبيل القرآنية؛ لقامة الدين‪ ،‬على‬ ‫معنى )البعث( الجديد‪ ،‬وتبينت لي شروطه‪ ،‬مما ذكر الله‬ ‫سولًا‬ ‫ع َث‬ ‫في كتابه العظيم‪) :‬هروَف ال ي ر‬ ‫ذي ب َث َث‬ ‫ن َفر ر‬ ‫ث رفي ال ي‬ ‫مييي َف‬ ‫م‪ .‬‬ ‫م َف‬ ‫ب َفوال ت ر‬ ‫م ال تك رَفتا َف‬ ‫حك ت َف‬ ‫مه ر ر‬ ‫م وَفي رعَفل ي ر‬ ‫كيهر ت‬ ‫)ي َفت ترلو ع َفل َفي تهر ت‬ ‫فالنتيجة إذن؛ أن منهج بناء المة كما كان على يد رسول‬ ‫الله‪ ،‬يكون على يد وريرارثه من الدعاة المجددين والعلماء‬ .‬ي َثت تللو َث َث‬ ‫وي لَثز ك‬ ‫ب‬ ‫م آَثيات ه ه‬ ‫م ال تك هَثتا َث‬ ‫وي ل َث‬ ‫م ل‬ ‫ه ل‬ ‫عل ك ل‬ ‫ه ت‬ ‫ه ت‬ ‫من تهر ت‬ ‫ي‬ ‫م َث‬ ‫ه َث‬ ‫كي ه‬ ‫علي ت ه‬ ‫ة وَفرإن َف‬ ‫من قَفب ت ر‬ ‫ن‬ ‫ن‪َ .(3-2 :‬‬ ‫ح ر‬ ‫ح ر‬ ‫ر‬ ‫زيرز ال َف‬ ‫ما ي َفل َف‬ ‫كي ر‬ ‫قوا ب رهر ت‬ ‫مل ي‬ ‫من تهر ت‬ ‫م وَفهروَف العَف ر‬ ‫ت‬ ‫َف‬ ‫م( هم – كما في‬ ‫ح ر‬ ‫فقوله تعالى‪َ) :‬فوآ َف‬ ‫ن ر‬ ‫ما ي َفل َف‬ ‫قوا ب رهر ت‬ ‫مل ي‬ ‫من تهر ت‬ ‫ري َف‬ ‫خ ر‬ ‫أغلب التفاسير ‪ -‬أجيال المة اللحقة بعد‪ ،‬من التابعين‬ ‫وأتباعهم إلى يوم القيامة‪ .

‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .‬فما فتئت‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬مذ فتح‬ ‫الله عقلي على ميدان البحث العلمي؛ ل أنصت إل إلى‬ ‫الدليل‪ ،‬ول ألتفت إل إلى ما قامت عليه الحجة العلمية‬ ‫القاطعة‪ ،‬أو الراجحة‪ .‬‬ ‫جزء حديث رواه أحمد وأصحاب السنن الربعة‪ ،‬وابن حبان‪،‬‬ ‫وصححه اللباني في صحيح الجامع الصغير‪ ،‬رقم‪6297 :‬‬ ‫ينظر في ذلك كتابنا المطبوع‪) :‬بلغ الرسالة القرآنية(‪ ،‬وكتابنا‪:‬‬ ‫)بعثة التجديد المقبلة(‪ ،‬يطبع لحقا إن شاء الله‪.(2‬‬ ‫وكذلك حديثه المشهور الذي رواه أبو هريرة رضي الله‬ ‫عنه؛ أنه‪ ‬قال‪) :‬إن الله تعالى يبعث لهذه المة على رأس‬ ‫كل مائة سنة من يجدد لها دينها()‪ ،(1‬إلى غير ذلك من‬ ‫معالم )بعثة التجديد(‪ ،‬مما توطد العزم على تفصيله وبيانه‪،‬‬ ‫في تصانيف لحقة إن شاء الله)‪.‫المصلحين‪ ،‬وهو معنى حديثه‪) :‬العلماء ورثة النبياء()‪.‬ل يمنعني حق يبدو لي غدا‪ ،‬في بحث‬ ‫جديد أكتبه أو يكتبه غيري؛ أن أنقض أصنام الباطل مما‬ ‫دبجت بنفسي‪ ،‬وصنفت بيدي! لكن؛ متى كان الذي قد بدا‬ ‫من هذا )الجديد( راجحا بدليله الظاهر أو القاطع‪ ،‬ل بوهم‬ ‫تخيله النفس‪ ،‬وتزينه العاطفة‪ ،‬من أن هذا الكلم قد قاله‬ ‫)فلن( وما أدراك ما )فلن(! لنا نقول‪ :‬لقد آمنا ـ مذ آمنا‬ ‫بهذا الدين ـ أن كل بني آدم خطاء‪ ،‬وخير الخطائين‬ ‫التوابون‪.(3‬‬ ‫وأقول لخواننا العاملين في حقل الدعوة في كل‬ ‫مكان‪ :‬إنه لمن الواجب إعادة النظر في كثير مما كتبه‬ ‫المفكرون السلميون المعاصرون‪ ،‬وعرضه على محكين‬ ‫ققة(‪ ،‬مما سيأتي بيانه‬ ‫اثنين‪) :‬كليات الدين‪ ،‬ومناطاته المح ي‬ ‫بحول الله بهذا الكتاب؛ ذلك أن كثيرا من المفاهيم رسخت‬ ‫لدى الجيل‪ ،‬حتى صارت نوعا من العقائد‪ ،‬التي ل تقبل‬ ‫التغيير ول التبديل‪ ،‬مع أنه تبين أن بعضها يحمل من الخطأ‬ ‫أكثر بكثير مما يحمل من الصواب! وأنها مجرد اجتهادات‪،‬‬ ‫لم تصدر عمن ل ينطق عن الهوى‪ ،‬ول هي وحي يوحى!‬ ‫ولذلك فإني إذ أكتب ما أكتب؛ على استعداد كامل‬ ‫صرنا ببطلنه من له‬ ‫لشطبه ونسخه‪ ،‬والتبرؤ منه؛ إذا ما ب ي‬ ‫بصيرة في العلم والعمل‪ .

‬مع العلم أنه ل يمكن تحقيق‬ ‫الزعم بما ذهبنا إليه؛ إل ببيان هذا وذاك‪ .‬‬ .‬وقد وصلنا في التحليل إلى أن‬ ‫العل ج ليس )سياسيا( بالمعنى الضيق للكلمة‪ .‬وهو في الحقيقة‬ ‫يمثل امتدادا له‪ ،‬بل يمكنك أن تقول إنه )الجزء الثاني( منه؛‬ ‫لول ما طبع هذا الكتاب من توسع وتفصيل‪ ،‬لم يحظ به‬ ‫الكتاب الول‪ ،‬ولول ما ينتج عنه ـ لو جعلناه منه ـ من اختلل‬ ‫في التوازن الهندسي‪ ،‬لمفهوم )الجزاء( في صناعة‬ ‫التأليف‪.‬لكنها ليست‬ ‫)مفتاحا(‪ .‬‬ ‫إن كتاب الفجور السياسي قد أولى الهتمام لزمة‬ ‫الواقع الديني في المجتمع‪ ،‬وحاول أن يشخص مكامن‬ ‫الداء‪ ،‬في ملحظة تراجع التدين لدى الناس‪ ،‬وطغيان‬ ‫مظاهر الفجور‪ ،‬ليس بمعناه الطبيعي‪ ،‬ولكن بمعناه‬ ‫اليديولوجي خاصة‪ .‬أي ببيان موقع‬ ‫التشريع السياسي في السلم‪ ،‬ثم بيان موقع التصورات‬ ‫الجتهادية الإسلمية من ذلك التشريع! وهذا بالضبط ما‬ ‫حاولناه في كتابنا هذا‪ ،‬مقترحين في الخير ما حسبناه‬ ‫أصول للبيان الدعوي القرآني‪.‬فاليديولوجيا ل تواجه إل بالعقيدة!‬ ‫إل أن العجلة في إخرا ج كتيب )الفجور السياسي(؛‬ ‫بسبب ظروف اشتداد الوطأة السياسية الفاجرة على‬ ‫العمل السلمي من جهة‪ ،‬والرغبة الجامحة في التنبيه‬ ‫العاجل للعاملين في المجال السلمي لخطورة المر‪،‬‬ ‫ورغبة الخوة الناشرين في التعجيل بإخرا ج العمل؛ كل ذلك‬ ‫جعلني أبخس )التصور السياسي( في المنظومة التشريعية‬ ‫السلمية حقه‪ ،‬وأبخس نقد التصورات الجتهادية لدى‬ ‫السلميين المعاصرين حقَفّها أيضا؛ بالنظر إلى مقاييس‬ ‫أصول التشريع السلمي‪ .‬فالخيار المفتاحي‬ ‫للقضية ليس في المسألة السياسية‪ .‬ثم القتراحات الدعوية التي يمكن‬ ‫اعتمادها لعل ج الوضع‪ .‬وإنما هو‬ ‫)دعوي( بالمعنى السلمي الشامل‪ .‬وإن كانت هي في حد‬ ‫ذاتها وسيلة‪ ،‬بل من الوسائل المهمة‪ .‬رغم أن )الفجور( هو‬ ‫في الصميم )إيديولوجيا( كما بيناه هناك‪ .‫ثم إن هذا الكتاب‪ ،‬هو الذي كنا قد وعدنا به قراءنا‬ ‫الفاضل‪ ،‬في كتاب )الفجور السياسي(‪ .

‬فكلهما يفقد طبيعته الدعوية الكلية‪ ،‬وإن ادعى‬ ‫عكس ذلك في أدبياته الحركية؛ وذلك بسبب الطبيعة‬ ‫اليومية المتسارعة للحد ث السياسي من جهة‪ ،‬وبسبب‬ .‬إنه محاولة‬ ‫للعودة بها من جديد إلى القرآن‪ :‬رسالة رب الكون إلى‬ ‫الناس في هذه الرض‪ .‫وأذكر ههنا حقيقة للتاريخ‪ :‬ذلك أن ما قيدته في كتيب‬ ‫)الفجور السياسي( من أفكار كنت قد أنذرت به قبل‬ ‫نشره‪ ،‬في إطار الحركة السلمية بالمغرب‪ ،‬مذ تقلدت‬ ‫مسؤولية طلبية‪ ،‬خلل مرحلتين من تاريخ العمل‬ ‫السلمي‪ ،‬فلم أفتأ أنذر بأن طبيعة المعركة قد تغيرت‪ ،‬وأن‬ ‫الميدان قد دخله خصم جديد‪ ،‬ل قرب َف َف‬ ‫ل للسلميين‬ ‫المعاصرين به‪ ،‬وأنه من الضروري تحويل التجاه إلى الثغر‬ ‫الجديد‪ ،‬لكن مع السف ‪ -‬وأقول مع السف ‪ -‬لم يستطع‬ ‫بعض إخواننا التخلي عن بريق الشعارات الزائفة؛ فأتى الله‬ ‫بنيانهم من القواعد! فكان عمر المد الطلبي بالجامعة‬ ‫المغربية أقصر بكثير من عمر المد اليساري بها! مع أن‬ ‫امتداد الصحوة السلمية في المجتمع العام في تزايد يبشر‬ ‫بالخير‪ ،‬رغم شراسة العدو الجديد!)‪(2‬‬ ‫إن )البيان الدعوي القرآني( هو محاولة لتلمس موقع‬ ‫)المفتاح( في المسألة السلمية التجديدية‪ .‬فهما عندي في هذا السياق وجهان لعملة‬ ‫واحدة‪ .‬ثم صارت إلى تقديس مقولت فكرية‬ ‫اجتهادية‪ ،‬كان لها دورها الفقهي في زمانها ومكانها‪ ،‬فتغير‬ ‫الزمان وربما حتى المكان‪ ،‬ولكن كثيرا من السلميين لم‬ ‫يغيروا تلك المقولت؛ فأصبحت بين أيديهم أوثانا تعبد من‬ ‫دون الله! حلت نصوصها محل القرآن‪ ،‬وحلت شروحها‬ ‫محل السنة!‬ ‫إن الختيار السلمي القاصر على الشأن السياسي‬ ‫ة ـ وأقول‪) :‬القاصر( بمعنى حصر العمل السلمي‬ ‫ممارس ً‬ ‫في الشأن السياسي ـ يسلب النسان التفكير الكلي‪ ،‬سواء‬ ‫في ذلك الختيار السياسي الصدامي‪ ،‬أو الختيار السياسي‬ ‫المشارك‪ .‬لقد أتى على قطاعات من الحركة‬ ‫السلمية ـ ليست بالقليل ـ حين من الدهر نسيت فيه كتاب‬ ‫الله تعالى‪ ،‬وهجرته هجرانا غريبا‪ ،‬وهي التي انطلقت منه‬ ‫أول ما انطلقت‪ .

‬‬ ‫ولقد حاولنا جهد المستطاع أن نعتمد السلوب‬ ‫الحواري الهادئ‪ ،‬والمنهج التحليلي الستدللي في النفي‬ ‫والثبات‪ ،‬بعيدا عن )عاطفة النتماء التنظيمي(‪ ،‬بل ساعين‬ ‫وراء الدليل‪ ،‬مستبصرين به في الرأي والترجيح‪.‬ويكون النحراف! إنني أطالب بالعودة إلى النص‬ ‫الرسالي للسلم مرة أخرى‪ ،‬عودة وجدانية تعبدية عميقة‪،‬‬ ‫لكنها ـ طبعا ـ عودة تدبرية‪ ،‬واعية فقيهة‪ ،‬ل حرفية ظاهرية‬ ‫ذات منهج تجزيئي‪ ،‬ل تدرك من قواعد العلم إل أشباحها‬ ‫وأشكالها‪ ،‬تلهج بالنصوص الجزئية دون الخذ بالمقاصد‬ ‫الكلية‪ ،‬ودون العتصام بقواعد الستدلل في الحجا ج‬ ‫والثبات‪ .‬وتشويه للعمل الدعوي‪ ،‬بل تحريف له‬ ‫وتضليل!‬ ‫ولذلك فإن الحركة تبعد يوما بعد يوم عن المنطلقات؛‬ ‫ويحصل النزلق إلى التصورات الوهمية والممارسات‬ ‫الوهمية‪ .‬‬ ‫وهذا أخطر! ذلك أن علقة السياسي بالديني في السلم ـ‬ ‫كما سترى بدليله بحول الله ـ هي علقة الجزئي بالكلي؛‬ ‫وإذن فإن تدبير الكلي الديني من خلل الجزئي السياسي‬ ‫هو قلب للميزان‪ .‬إن لدينا ههنا مأساة تتأرجح بين إفراط وتفريط؛‬ ‫فيدخل بذلك كثير من العاملين للسلم في جدل عقيم‪،‬‬ ‫مَفلة!‬ ‫وتبقى )الرسالة القرآنية( بل َف‬ ‫ح َف‬ ‫فكان أن بينت ‪ -‬من خلل هذا الكتاب ‪ -‬أن بين هذا‬ ‫وذاك يمكن تلمس مفتاح التجديد الديني؛ منهجا وممارسة‪:‬‬ ‫إنه )الرسالة القرآنية( في بساطتها العميقة‪ ،‬ووضوحها‬ ‫الجميل‪.‬‬ ‫فلست أدري إلى أي حد سيتسع صدر القارئ‬ ‫)المنتمي( لتقبل هذا النقد؟ ثم إلى أي حد يمكنه الستماع‬ ‫إلى الخطاب ـ أي خطاب ـ بأذن )اللمنتمي(؟ إل انتماءه‬ ‫للسلم دين الله الحق!‬ ‫ولست أدري ـ بعد هذا وذاك ـ إلى أي حد يكون‬ ‫بمقدورنا التمييز بين الدين كأصول وكليات‪ ،‬ونصوص‬ ‫قطعيات‪ ،‬وبين الدين كفهوم ونظريات‪ ،‬واجتهادات‬ ‫وتأويلت؟‬ ..‫انقلب الموازين التصورية لدى العاملين من جهة أخرى‪.

(89:‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فهذه هي قصة هذا الكتاب‪ ،‬ولقد قسمناه ‪ -‬بناء‬ ‫على ما ذكر ‪ -‬إلى مقدمة‪ :‬وهي ما نحن فيه‪ ،‬تلتها أربعة‬ ‫فصول‪ ،‬كانت كما يلي‪:‬‬ ‫الفصل الول‪ :‬في الحركة السلمية والبيان الدعوي‪:‬‬ ‫بينا فيه أول‪ :‬ما )الحركة السلمية(؟ ثم ما علقة الحركة‬ ‫السلمية بالبيان الدعوي؟‬ ‫الفصل الثاني‪ :‬وكان في بيان الحكام السياسية في‬ ‫مراتب التشريع السلمي‪ .‬ودرسنا فيه مراتب التشريع‬ .‬من شتى‬ ‫أنواع السباب التي تدل على تلك )الحيلة النفسية(‬ ‫المستهلكة‪ ،‬لحظة العجز عن ممارسة الحوار العلمي‬ ‫المتبصر‪ ،‬وذلك بوضع صاحب البرهان‪ ،‬ورافع راية‬ ‫الستدلل في قفص التهام؟ ولكن إلى متى؟ وها كل‬ ‫تجربة مهما اعتقد الناس من )قداستها( يفضحها محك‬ ‫التجارب‪ :‬الزمن الكاشف والتدافع الجتماعي!‬ ‫ألم يان للحركات السلمية أن تنصت إلى )الرأي‬ ‫الخر( من ذاتها ومن غيرها؟ فمن ذا قدير على الزعم بأنه‬ ‫يمتلك الحقيقة كلها إل متأله جبار؟‬ ‫لجل ذلك ونحوه كتبنا هذا الكتاب‪ ،‬تحدونا الغيرة على‬ ‫هذا الدين‪ ،‬والرغبة في النصح لله ولرسوله وللمؤمنين‪،‬‬ ‫عسى أن نحد ث فرجة ترشح ببعض النور في )صخرة‬ ‫الكهف(؛ نرجو أن نعذر بها إلى الله )يوم ل ينفع مال ول‬ ‫بنون إل من أتى الله بقلب سليم()الشعراء‪.‬إلخ‪ (.‬إلخ‪ ..‫ثم لست أدري ـ بعد ذلك كله ـ إلى أي حد يكون‬ ‫بمقدورنا التوسط بين الغلو المتسيب في تأويل النصوص‪،‬‬ ‫بل قواعد ول أدوات‪ ،‬والغلو في أخذها على ظاهرها بل‬ ‫اجتهاد ول استنباط‪ ،‬وتنزيلها على نوازل بل نظر في )مآل(‬ ‫ول )تحقيق لمناط(؟‬ ‫ألم يان للحركات السلمية أن تستجيب للحوار‬ ‫الهادئ‪ ،‬داخليا وخارجيا‪ ،‬وتدع أسلوب التهام )اليديولوجي(‬ ‫الذي كنا ننعاه على التجاهات الماركسية في السابق‪،‬‬ ‫كأسلوب )للتخلص السهل( من الرأي الخر؛ برمي صاحبه‬ ‫)بالتخاذل‪ ،‬والجبن‪ ،‬والعمالة للمخابرات‪ ،‬والنحياز إلى‬ ‫النظام‪ ،‬والركون إلى الذين ظلموا‪..

‬بينما القرآن الكريم يعرض منهجا آخر‪ ،‬مختلفا‬ ‫تماما عن المنهجين المذكورين‪ ،‬وإن بدا بينهما من تشابه؛‬ ‫ضي ل علقة له بجوهره‪ .‫السلمي على العموم‪ ،‬ثم المرتبة التشريعية للحكام‬ ‫السياسية بعد ذلك على الخصوص‪.‬ال َفوتَفلى فال َفوتَفلى‪.‬ثم عرجنا على إشكال آخر متعلق‬ ‫بذلك‪ ،‬هو محاولة تبين أسباب الظاهرة التي سميناها‬ ‫)نفسية الصدام السياسي( لدى بعض الحركات السلمية‬ ‫المعاصرة‪.‬فالول إصلحي مشارك‪ ،‬والثاني عدمي صدامي‪.‬‬ ‫وكل ذلك متأثر – كما سترى بحول الله ‪ -‬في أصوله‬ ‫بالدبيات السياسية الحديثة‪ ،‬وبحركات التغيير التي ظهرت‬ ‫في أوروبا‪ .‬وقد‬ ‫رجونا بذلك وضع مقاييس تعصم العمل السلمي من‬ ‫)التضخم السياسي(‪ ،‬سواء كان تضخما صداميا‪ ،‬أو‬ ‫مشاركا؛ بما يضمن سلمة التعبد من آفة التعود! فالحركة‬ ‫السلمية اليوم مصابة بداء )التضخم( في المجال‬ ‫السياسي؛ ولذلك فهي تتأرجح في التعاطي للعمل‬ ‫السلمي بين منهجين اثنين‪ :‬المنهج النقدي‪ ،‬والمنهج‬ ‫النقضي‪ .‬‬ ‫تماما كما تسري الروح في كل خليا الجسم‪ ،‬وكما يسري‬ ‫الماء في كل أغصان الشجرة‪ ،‬انطلقا من الجذور إلى‬ ‫جذعها‪ ،‬ثم إلى سائر أفنانها ووريقاتها‪.‬فتمتد الحياة اليمانية‬ ‫ر‬ ‫م المنهج بقواعده – إلى كل‬ ‫بصورة تلقائية – إذا أ ت‬ ‫حك ر َف‬ ‫المجالت‪ ،‬بما في ذلك المجال السياسي‪ .‬‬ .‬ودرسنا فيه طبيعة الجتهاد السياسي السلمي‬ ‫على العموم‪ ،‬وذلك من خلل قضايا معينة من الفقه‬ ‫السياسي السلمي القديم‪ ،‬وأخرى من الفقه السياسي‬ ‫السلمي المعاصر‪ .‬‬ ‫والفصل الثالث‪ :‬كان في الجتهاد السياسي‬ ‫السلمي‪ ،‬ونفسية الصدام لدى الحركة السلمية‬ ‫المعاصرة‪ .‬إن المنهج القرآني منهج‬ ‫فهو ع َفَفر ر‬ ‫مرر حياة النسان بصناعة الوجدان‪ ،‬وببناء‬ ‫تربوي عمراني‪ ،‬ي َفعت ر‬ ‫النسيج الجتماعي؛ بناء تربويا تعبديا‪ .‬‬ ‫ثم كان الفصل الرابع‪ ،‬الذي حاولنا فيه صياغة معالم‬ ‫أولية؛ لصول )البيان القرآني( للدعوة السلمية‪ .

(4‬بخاتمة تلخص ما أحسب أنه نتائج‪.‬ثم أغلقنا ملف هذا‬ ‫البحث ‪ -‬إلى حين)‪ .‬‬ ‫وكان تمام تبييضه بمكناسة‬ ‫الزيتون‪/‬المغرب‪ ،‬مساء الخميس‪ 19 :‬ربيع‬ ‫الثاصني لعام ‪1424‬هـ‪ ،‬الموافق لـ‬ ‫‪18/06/2003‬م‬ ‫بعدما كان الفراغ من تسويده يوم الربعاء‬ ‫‪16‬جمادى الولى‪1421 :‬هـ‪ ،‬الموافق لـ‬ ‫‪16/08/2000‬م‪.‬‬ ‫يعتبر كتابنا )بلغ الرسالة القرآنية( تفصيل لما أجملناه في هذا‬ ‫الفصل‪.‫وعليه؛ فقد حاولنا عرض ملمح البيان القرآني في هذا‬ ‫الفصل؛ من خلل القضايا الثل ث التية‪ :‬بعث الرسالة‬ ‫القرآنية‪ ،‬والدعوة إلى الله ل إلى التنظيم‪ ،‬ثم قضية التجديد‬ ‫الديني ومراتب الولويات الدعوية‪ .‬‬ ‫‪4‬‬ .‬‬ ‫وكتبه عبد ربه‪ ،‬راجي عفوه وغفرانه‪ :‬فريد بن الحسن‬ ‫النصاري الخزرجي غفر الله له ولوالديه ولكافة‬ ‫المسلمين‪.‬‬ ‫والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل‪.

‬إذ بسبب إهماله؛ شطت كثير‬ ‫من الكتابات في الموضوع بعيدا عن مبتغاها!‬ ‫ولبد قبل الجواب من تقرير حقيقة جوهرية‪ ،‬ل يختلف عليها‬ ‫اثنان‪ ،‬ننطلق منها؛ لبناء الستدلل‪ ..‬‬ ‫إن )بيان الحركة السلمية( هو كل صور الوجود‬ ‫)العددي‪/‬الحركي(‪ ،‬وما ينتج عن هذا الوجود من كل أشكال‬ .‬إلخ‪ .‬‬ ‫بمعنى أن كل فعل في الوجود بني على )قصد( ما؛ هو‬ ‫تعبير ما؛ عن شيء ما! أو هو باصطلح علماء الصول‬ ‫والكلم )بيان(‪ .‬والبيان ليس مقصورا على جانب اللغة‬ ‫فحسب؛ بل هو شامل لكل تعبير )دللي( بالمعنى‬ ‫)السيميائي( للكلمة‪.‫الفصل الول‪ :‬الحركة السلمية والبيان الدعوي‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬ما الحركة السلمية؟‬ ‫أول مفهوم يجب أن نضبطه قبل البدء في أي‬ ‫استدلل‪ ،‬أو تحليل لهذا الموضوع؛ هو تحديد‪ :‬ما )الحركة‬ ‫السلمية(؟‬ ‫فهذا سؤال ضروري‪ ..‬كل ذلك ونحوه‬ ‫مشمول بمعنى )البيان(‪.‬بدءا بوجودها العددي والتنظيمي؛ إلى خطابها‬ ‫اللغوي الطبيعي ـ بتعبير اللسانيين المحدثين ـ إلى سائر‬ ‫أشكال التعبير الوجودي الخرى‪ ،‬من برامج تربوية ودعوية‪،‬‬ ‫وأعمال اجتماعية‪ ،‬وتحركات سياسية‪ ،‬أو نضالية‪ ،‬ومخيمات‬ ‫تأطيرية‪ ،‬ومسيرات جماهيرية ‪.‬‬ ‫)فبيان( الحركة السلمية بهذا المعنى هو‪ :‬كل خطاب‬ ‫وجودي تقصد الحركة أن توصله إلى الخر بوعي أو بغير‬ ‫وعي‪ .‬مما يتعلق بذاتها الفعلية‪ ،‬وسائر وسائلها التعبيرية‬ ‫المختلفة‪ .‬وهي‪ :‬أن ما اصطلح‬ ‫عليه اليوم بـ)الحركة السلمية( هو )بيان وجودي( أول‪.

‬‬ ‫إنه كل ما يدل على )وجودها( كحركة في المجتمع‪.‬أي‬ ‫تنزيل الصورة على الواقع بحثا في المسمى؛ عن طبيعة‬ ‫دللة السم‪ ،‬وحقيقة )البيان(‪ ،‬وفك رموزه التعبيرية‪.‬‬ ‫ولنشرع الن في )تحقيق المناط(! بتعبير الصوليين‪ .‫الفعل الديني‪ ،‬والثقافي‪ ،‬والجتماعي‪ ،‬والسياسي‪ ،‬عموما‪.‬‬ ‫فإذا كان البيان الحركي السلمي )دا ل‬ ‫ل(‪ .‬فما )المدلول(؟‬ ‫أو بعبارة أخرى بسيطة‪ :‬ما الحركة السلمية؟‬ ‫هل هي فعل تعبير لشعوري عن تهميش تنموي وسياسي؛‬ ‫أم أنها تعبير عن تحول حقيقي في بنية المجتمع‪ ،‬ومسار‬ ‫التاريخ؟‬ ‫وهل هي مجرد تجمع بشري مصلحي‪ ،‬اجتمع باجتماع‬ ‫المصالح والهواء وسيتفرق بتفرقها‪ ،‬أم أنها تبلور اجتماعي‬ ‫لوجدان تعبدي ديني‪ ،‬ظهر في صورة )جمعية( لسباب‬ ‫معينة‪ ،‬تماما كما ظهرت من قبل الجماعات الصوفية في‬ ‫التاريخ؛ فصارت جزءا من بنية المجتمع قرونا؟‬ ‫ثم هل هي تعبير ديني محض‪ ،‬له مواقف سياسية؛ أم أنها‬ ‫تعبير سياسي محض له صبغة دينية؟‬ ‫هل هي ظاهرة )رفرقية( فعل‪ ،‬كظاهرة الفرق الكلمية ذات‬ ‫العمق السياسي‪ ،‬التي ظهرت في فجر تاريخ السلم؛ أم‬ ‫أنها كظاهرة الفرق الصوفية التي تبلورت فيما بعد؟ أم هي‬ ‫ظاهرة جديدة تماما ل هي بهذه ول بتلك؟ استجابة لقانون‬ ‫)التغير(‪ ،‬على حد تعبير الحكماء الوائل‪ ،‬في المقولة‬ ‫المشهورة‪) :‬ل يمكنك أن تسبح في النهر مرتين(؟‬ ‫هل هي حركة )إسلموية( تستغل الدين فعل؛ للوصول إلى‬ ‫مآرب شخصية‪ ،‬وأهداف مادية‪ ،‬ككثير من الحزاب‬ ‫والجمعيات؛ أم أنها إحياء لنظام حركة التحرر الوطني‪،‬‬ ‫الذي فجرته التناقضات‪ ،‬وتجاوزه الواقع التاريخي؟‬ ‫هل هي حركة عميلة مأجورة تستجيب لتحريك أجنبي؛ أم‬ ‫أنها حركة وطنية‪ ،‬وتعبير عن ضمير المة؛ عما عجزت عن‬ ‫التعبير عنه الدول والحكومات في زمن النهيار والهزيمة؟‬ ‫وأخيرا‪ :‬هل الحركة السلمية المعاصرة ظاهرة مرضية‪،‬‬ ‫تهدد تماسك المجتمع ووحدته واستقراره؛ يجب نقضها‬ .

‫ومحاربتها‪ ،‬أم هي ظاهرة صحية إيجابية‪ ،‬يجب تسديدها‬
‫وترشيدها؟‬
‫ت‬
‫تلك أسئلة تعبر عن مواقف مختلفة ومتناقضة‪ ،‬نقل ر‬
‫مضامينها؛ بل حتى بعض عباراتها؛ من هنا وهناك‪ ،‬مما أجاب‬
‫به دارسون منتمون ومستقلون‪ ،‬وعبر عنه كتاب‬
‫وصحافيون وزعماء‪ ،‬مختلفون ثقافة‪ ،‬وانتماء سياسيا‬
‫وأيديولوجيا‪ ..‬إنها ـ كما رأيت ـ تعبير عن مواقف‪ ،‬تتقارب‬
‫إلى درجة الئتلف حينا‪ ،‬وتختلف إلى درجة التناقض حينا‬
‫آخر!‬
‫لكننا ههنا‪ ،‬قبل أن نخوض في الموضوع‪ ،‬نقرر ما يلي‪:‬‬
‫ أول‪ :‬إنه لمن الزعم الباطل‪ ،‬والك رتبر العلمي؛ أن يدعي‬‫باحث امتلك الجابة القاطعة والشاملة في الن نفسه؛ عن‬
‫السؤال المفهومي التعريفي‪) :‬ما الحركة السلمية؟( من‬
‫باب التعريف بكل مقاصدها الدللية في آن واحد‪ ،‬على‬
‫سبيل الشمول والجمال‪ .‬من )أربكان إلى طالبان!( كما‬
‫يقولون‪ .‬أي من أقصى مظاهر انفتاحها واندماجها إلى‬
‫أقصى درجات التزامها أو انزوائها! وإذن؛ يكون أبعد ما‬
‫يكون من الدقة‪.‬‬
‫ ثانيا‪ :‬إن الحركة السلمية ظاهرة معقدة جدا! تحمل في‬‫بنيتها الجتماعية و)وعيها الجمعي(؛ الترا ث بشقيه‪ :‬الديني‬
‫والفكري‪ ،‬وكذا التاريخ السلمي ببعده السياسي‬
‫والجتماعي‪ ،‬كما تحمل في بنيتها )الحاضر( و)تراثه الجديد(‬
‫بآلمه وآماله! ثم إنها بعد ذلك ذات أحلم وأشواق في‬
‫)استشراف المستقبل(!‬
‫إنها كائن حي إذن! وكفى بالدراسة والتحليل صعوبة‪،‬‬
‫وخطورة‪ ،‬ثم نسبية؛ أن يكون الموضوع المدروس )كائنا‬
‫حيا(! وأن يكون أول ما يدرس منه )البيان(! بكل ما يحمله‬
‫من )قصدية(‪ ،‬ظاهرة وباطنة؛ شعورية ولشعورية!‬
‫من هنا إذن؛ سنكون مجبرين على البحث عن شيء واحد‬
‫أساسا‪ ،‬ربما أغنانا عن التنقيب عن )تعريف جامع مانع(‪.‬‬
‫وذلك بأن نشتغل بالبحث عما يسمى )بمفتاح الشخصية(‬
‫لهذه الظاهرة‪ .‬أو بلغة المناطقة‪ :‬بالبحث عن )الفصل(‪ ،‬أي‬
‫العنصر المميز للجوهر في التعريف‪ .‬وغاية ما وضعت له‬

‫التعريفات في القديم والحديث هو التمييز‪ .‬بأي صورة‬
‫كانت! )بالفصول( أو )بالخواص( أو )بالعراض(‪ .‬ومنها‬
‫جميعا كان يبنى التعريف )الجامع المانع( الذي هو‪) :‬الحد(‪.‬‬
‫ومعلوم أن أعلى درجات التعريف في الحدود والرسوم‪ :‬ما‬
‫اعتمد فيه على )الفصل( أول‪ .‬أي المميز الجوهري‪ ،‬ل‬
‫العَفَفرضي فحسب‪.‬‬
‫ ثالثا‪ :‬لقد حاول كثير من الدارسين )تفسير( الحركة‬‫السلمية المعاصرة‪ ،‬من حيث هي )بيان وجودي(؛‬
‫تفسيرات شتى‪ .‬وذلك قصد إخضاعها للدراسة والمقارنة‬
‫والحكم والستنتا ج؛ خدمة لمصالح مختلفة‪ ،‬تتباين أهدافها‬
‫ما بين الحاجة العلمية المجردة؛ والحاجة الوطنية القومية؛‬
‫إلى الحاجة التجارية النفعية؛ إلى الحاجة المنية الداخلية‪،‬‬
‫والمخابراتية الخارجية‪...‬إلخ‪.‬‬
‫ونحن هنا إذ نورد نصوص أولئك جميعا؛ ل عبرة لنا بكل‬
‫ذلك‪ ،‬رغم ما قد يتركه )القصد( في البحث العلمي من آثار‪،‬‬
‫على مستوى التعريف بالظواهر وإشكالتها‪ ،‬والتوجيه‬
‫للحلول!‬
‫وإنما العبرة عندنا متعلقة بالخطابات المفهومية‪ ،‬ودللتها‬
‫السياقية‪ ،‬كما تقتضيها قواعد فهم النصوص‪ ،‬ليس إل‪.‬‬
‫ذلك أن تعريف الحركة السلمية من حيث هي )بيان‬
‫وجودي(‪ ،‬قد انبنى لدى أغلب الدارسين على ما يمكن‬
‫تسميته بـ)التعريف بالعلة(‪ .‬إذ تفسير الظواهر بعللها ـ إذا‬
‫كان ناجحا ـ يكون أمكن في التحكم فيها وتوجيهها‪ .‬ومن هنا‬
‫وجدنا من أرجع )البيان السلمي الحركي( إلى أسباب‬
‫اقتصادية بحتة‪ ،‬ومن أرجعها إلى أسباب سياسية بحتة‪ ،‬ثم‬
‫من أرجعها إلى أسباب وطنية‪ ،‬وآخرون أرجعوها إلى‬
‫أسباب اجتماعية‪/‬نفسية بحتة‪ ،‬أو إلى أسباب )ديموغرافية(‬
‫بحتة‪ ،‬وآخرون أرجعوها إلى )أسباب اقتصادية‪ ،‬وسياسية‪،‬‬
‫وطبقية‪ ،‬وتاريخية( هكذا على الجمال‪.‬‬
‫وإليك طائفة من هذه التعريفات والتعليلت التي حاول‬
‫مجموعة من الباحثين تفسير الظاهرة بها‪:‬‬
‫أول‪ :‬لبد من التنبيه إلى أن كثيرا من هؤلء الباحثين‬
‫يدرسون ظاهرة )التطرف( أو )العنف(؛ على سبيل أنها‬

‫ترادف معنى )الحركة السلمية(! هكذا على الجمال‪ ،‬دون‬
‫تفصيل في كون )التطرف( ظاهرة أخص من الظاهرة‬
‫السلمية عامة‪ .‬أو ربما تم الجمع في الظاهرة بين ما هو‬
‫إسلمي وما هو ليس كذلك؛ بحجة أن العنف والتطرف‬
‫ظاهرة واحدة‪ ،‬أيا كان! فمثل‪ :‬هذا الباحث المغربي الدكتور‬
‫محمد سبيل إذ يدرس ظاهرة )التطرف( يخلط فيها؛ بين ما‬
‫هو إسلمي وبين ما هو يساري على اعتبار أن )التطرف(‬
‫عنده ظاهرة ترجع إلى أسباب واحدة! يكون النفجار‬
‫)الديمغرافي( فيها العامل الحاسم في تولدها؛ باعتبار ما‬
‫ينتج عنه من اختلل التوازن الجتماعي‪ .‬قال‪) :‬لعل من باب‬
‫الدقة أن نقول‪ :‬إن العامل الديمغرافي )‪ (...‬ليس هو‬
‫السبب المباشر المولد لحركات التطرف اليساري أو‬
‫الديني‪ ،‬بل هو الرضية المناسبة لتولد هذه الحركات‪ ،‬وذلك‬
‫بما يتولد عنه من اختلل في التوازن الجتماعي()‪.(3‬‬
‫ثم يفصل القول بذلك حاسما‪ ،‬فيقول‪) :‬وبذلك تتحول‬
‫الديمغرافيا من مجرد معامل كمي محايد إلى معامل كيفي‬
‫فاعل وحاسم في توليد التطرف السياسي المصبوغ‬
‫بالصبغة الدينية()‪.(4‬‬
‫في حين يرجع الدكتور حسن أوريد إلى التاريخ السياسي‬
‫السلمي‪ ،‬محاول أن ينظر إلى الظاهرة السلمية الحركية‪،‬‬
‫من خلل ظاهرة )الفرق السلمية(‪ ،‬التي نشأت في خضم‬
‫الخلف الذي حصل في صدر تاريخ السلم‪ ،‬حول قضية‬
‫الخلفة‪ ،‬مستعمل نوعا من )قياس الشبه(‪ ،‬بين الظاهرتين‪،‬‬
‫باعتبار أن السباب المولدة لهذه هي عين السباب المولدة‬
‫لتلك‪ :‬قال‪) :‬إن التاريخ السلمي يعلمنا أن الحركات‬
‫السلمية التي تنشط الن هي شبيهة بالفرق السلمية‬
‫التي ظهرت منذ فجر السلم‪ ،‬وكانت ذات سياسة معلنة‬
‫وغير معلنة‪ ،‬عن وعي وعن غير وعي‪ .‬وتتحكم في بروزها‬
‫أسباب اقتصادية وسياسية وطبقية وتاريخية أيضا‪ .‬فلئن‬
‫كان لهذه الحركات مسوغ وجود لسباب اجتماعية‬
‫واقتصادية وثقافية؛ فليس لها أن تزعم امتلك الحقيقة‬
‫المطلقة()‪.(5‬‬

‫ويذهب الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق‬
‫المعاصر في جامعة السربون في باريس مذهبا آخر تماما؛‬
‫وذلك حينما اعتبر الحركة السلمية امتدادا لحركة‬
‫المقاومة الوطنية‪ ،‬تجلت في حلة جديدة! بل رأى أن‬
‫صراعها مع القوى العلمانية‪ ،‬المتنفذة في مراكز السلطة‬
‫في العالم العربي اليوم‪ ،‬هو نوع من الصراع بينها وبين‬
‫)تحالف الفئات السائدة‪ ،‬المستفيدة من نظام التوزيع‬
‫والحكم الراهن ماديا(‪ .‬يقول‪:‬‬
‫)يمثل المشروع السلمي في عمقه الحقيقي ـ في نظري‬
‫ـ الحلم بإعادة إحياء نظام حركة التحرر الوطني الذي‬
‫فجرته التناقضات وتجاوزه الواقع التاريخي‪ .‬وهو يواجه‬
‫ظروفا تاريخية‪ ،‬إقليمية وعالمية‪ ،‬جديدة ومختلفة‪ ،‬ومنافية‬
‫تماما؛ مما يجعله يظهر وكأنه سباحة ضد التيار‪ .‬وهو‬
‫بالضرورة معرض ـ إذا أراد البقاء في مركز الصدارة‬
‫والهيمنة ـ إلى الختيار بين تجاوز نفسه ونظرته الجتماعية‬
‫والستراتيجية والتاريخية‪ ،‬أي إلى ثورة داخل الثورة‪ .‬تمكنه‬
‫من بلورة ممارسة نظرية وعملية من طبيعة عالمية‪ ،‬أو‬
‫الندرا ج في الستراتيجية الدولية للحتفاظ بنصيب من‬
‫المشاركة في السيادة والسلطة‪ .‬أما المشروع الثاني‬
‫]العلماني[ فهو ليس في الواقع إل مشروع الدولة‬
‫النفتاحية القديم مع تدعيم أسسه القمعية والتبعية‪ .‬فهو ل‬
‫يعني شيئا آخر سوى التسليم للسوق وللقوى الرأسمالية‬
‫العالمية(!)‪(6‬‬
‫وقال موضحا طبيعة الصراع‪) :‬إننا في اعتقادي أمام‬
‫مواجهة‪ ،‬ينتظم فيها من الجهة الولى؛ معسكر محافظ‪،‬‬
‫مكون من تحالف الفئات السائدة المستفيدة من نظام‬
‫التوزيع والحكم الراهن ماديا‪ ،‬أي فئات تتراوح بين المافيات‬
‫الكبرى والمنتفعين الصغار‪ ،‬من فساد النظام‪ .‬مرورا بقسم‬
‫كبير من الطبقات الوسطى والنخب القومية أو اليسارية‪،‬‬
‫التي نجحت في تغيير موقعها الطبقي في العقود الثلثة أو‬
‫الربعة الماضية‪ .‬وتسعى بجميع الوسائل إلى عدم‬
‫السقوط‪ ،‬وتتبع من أجل ذلك استراتيجية قائمة على‬
‫اللتفاف حول السلطة‪ ،‬ومملتها واتباع سياسة انتهازية‪،‬‬

‬مثلما أساءت الدولة نفسها التعبير عن سلطتها؛‬ ...‫ووصولية بشكل واسع ومكشوف‪ .‬وهو أمر قلما تتطرق إليه الدراسات‪ ،‬وذلك‬ ‫من حيث إن الدين قابل للتأويلت و)القراءات( في اتجاه‬ ‫العنف‪ .(8‬‬ ‫وهو وإن كان يبرئ الدين كنصوص؛ فإنه يؤمن بأنه )ليس‬ ‫من شك في أن الجراحة الحداثوية‪ ،‬التي أخضعت الجتماع‬ ‫العربي المعاصر لعملية قيصرية معقدة؛ تركت جراحاتها‬ ‫عميقة في جسمه‪ :‬لم تنجح في زرع ثمراتها فيه على نحو‬ ‫خصيب شامل )‪ (..‬بل هم أهل رأي في الشؤون العامة أساؤوا‬ ‫التعبير‪ .‬إن بعض‬ ‫ما يجري من تحولت مذهلة في النظام الجتماعي وفي‬ ‫نسق القيم؛ يبعث على استفزاز المشاعر الدينية للناس()‬ ‫‪.‬وفي الجهة المقابلة‬ ‫يقف التحالف الثاني المعارض المكون من جمهور واسع‬ ‫ومتنافر من سكان الحياء الفقيرة الذين كانوا ضحية نموذ ج‬ ‫التنمية القائم‪ ،‬ومن النخب المهمشة والمستبعدة من‬ ‫النظام السياسي لعقود طويلة!()‪(7‬‬ ‫بينما ذهب الستاذ عبد الله بلقزيز إلى أن أسباب العنف‬ ‫السياسي السلمي متعددة‪ ،‬وهي عنده من أغلب ما ذكر‪.‬قال‪) :‬لئن كانت تنظيمات العنف السياسي في‬ ‫الوطن العربي في معظمها تنظيمات إسلمية؛ فبسبب أن‬ ‫الدين ـ مقروءا ومؤول على نحو من النحاء ـ مثل هو أيضا‬ ‫عامل من العوامل المساعدة على جنوح بعض السياسة‬ ‫إلى الخذ بأسلوب العنف()‪.‬‬ ‫إل أن المهم عندي مما قال؛ هو أنه اعتبر )السبب الديني(‬ ‫واحدا من بينها‪ .‬وما زالت تتعرض لمقاومة نفسية‬ ‫وثقافية‪ ،‬بالغة الضراوة من قبل قسم عظيم من المجتمع‪:‬‬ ‫ما برح يتواصل مع مخزونه الثقافي المورو ث )‪ (..(9‬‬ ‫ومن هنا يستنتج أن )الظاهرة ليست نتيجة انحراف في‬ ‫سلوك قسم من المجتمع يحتا ج إلى إعادة تصويب‪،‬‬ ‫وترويض بالعصا لخرا ج العفريت! )عفريت العنف( من‬ ‫الجسم كما تستخر ج الرواح في جلسات السحرة‬ ‫والمشعوذين! والذين يمارسون العنف السياسي ليسوا‬ ‫مجرد مجرمين عصاة خارجين عن القانون‪ ،‬ويجب إلحاق‬ ‫العقاب بهم‪ .

‬‬ ‫ولكنه في الحلول مال إلى كون‪) :‬الديمقراطية‪ ،‬والتنمية‪،‬‬ ‫والعدالة الجتماعية‪ ،‬والتجديد الثقافي؛ هي عناوين‬ ‫الستراتيجية البديلة التي ننشد‪ :‬استراتيجية تحرير المجال‬ ‫السياسي من العنف()‪.‬وليست امتدادا لحركية السلم‬ ‫المتجددة عبر التاريخ؛ محاول بذلك عزل الصحوة السلمية‬ ‫عن أصولها التدينية‪ ،‬ومفاتيحها التعبدية‪ .(13‬‬ ‫إل أننا نجد الباحث المريكي‪/‬السوري النصراني )ريتشارد‬ ‫هرير دكمجيان( ـ بصورة نادرة ـ قد حاول أن يربط‬ ‫الظاهرة بأصول السلم وطبيعته التجديدية‪ ،‬معتبرا إياها‬ .‬وكما يقول ميشيل كامو‪:‬‬ ‫إننا نراهن على عدم الخلط بين ظاهرة سياسية دينية نابعة‬ ‫من الظروف المحيطة بها‪ ،‬وبين ثقافة راسخة منذ أكثر من‬ ‫ألف سنة()‪..‬وبهذا المعنى نستطيع أن‬ ‫نفسر الدعوة الحالية إلى الدمج بين الدين والسياسة‪ ،‬أو‬ ‫الدين والحكم في العالم السلمي )‪ (..‬فل بد أن يفسر‬ ‫ذلك في ضوء التخلف الشامل‪ ،‬الذي طرأ على العالم‬ ‫السلمي والعالم العربي‪ ،‬في هذا العقد الخير على وجه‬ ‫التخصيص()‪.‬يقول بصريح‬ ‫العبارة في كتابه )السلم السياسي(‪) :‬من الممكن أن‬ ‫نكون مسلمين دون أن نكون إسلميين )بمعنى النتماء إلى‬ ‫تيار السلم السياسي( ورغم أن هذا التمييز الولي بدهي؛‬ ‫فإن عددا كبيرا من الناس يجهله‪ .‬‬ ‫يقول في كتابه )الصحوة السلمية في ميزان العقل(‪) :‬في‬ ‫البداية يكون التجاه إلى الشمول هو السائد‪ ،‬وبقدر ما‬ ‫يتحقق التطور والتقدم في المجتمع؛ يتراجع هذا الشمول‪،‬‬ ‫وتفرض متغيرات الحياة نفسها‪ .‫وعلى ذلك فالظاهرة هذه ـ وهي ظاهرة اجتماعية ـ‬ ‫تستدعي نمطا آخر من المقاربة الفكرية‪ ،‬والعملية‪(10)(.(11‬‬ ‫أما الباحث العربي القومي الدكتور فؤاد زكريا فقد حسم‬ ‫تفسير الصحوة السلمية ككل؛ باعتبارها نتيجة حتمية‬ ‫لحالة التخلف العام الذي تشهده البلد العربية والسلمية‪.(12‬‬ ‫بينما أرجعها الباحث الفرنسي فرانسوا بوركا إلى أنها‬ ‫)ظاهرة سياسية دينية نابعة من الظروف المحيطة بها(‪،‬‬ ‫أفرزتها أسباب طارئة‪ .

‫نوعا من الستمرار الطبيعي لحالة المقاومة‪ ،‬التي يبثها‬ ‫الدين السلمي في التاريخ‪ ،‬كلما حلت الزمات بالمة‪..(16‬‬ ‫وهكذا نجد أغلب التعليلت والتحليلت‪ ،‬التي تحاول تقديم‬ ‫نوع من التفسير للظاهرة الحركية السلمية‪ ،‬كنوع من‬ ‫التعريف ـ بطريق أو بأخرى ـ تختلف احتمالتها ما بين‬ ‫الجذور التاريخية الولى للمسألة السياسية في السلم‪،‬‬ ‫إلى آخر الطوارئ الظرفية المعاصرة‪ ،‬و)النفجارات‬ ‫الديمغرافية(‪ ،‬وأحوال )التخلف(‪ ،‬وردود الفعل )الحداثية(‬ ‫و)العولمية(! والقوال في ذلك كله تميل تارة إلى‬ ‫)مفتاحية( هذا السبب؛ وتارة أخرى إلى )مفتاحية( ذاك!‬ ‫وليس لنا أمام هذا كله إل أن نعتمد منهج )السبر والتقسيم(‬ ‫ـ على طريقة علماء أصول الفقه ـ للبحث عن )العلة(‬ ‫المعرفة للحكم‪ ،‬ثم البحث في أوصاف الظاهرة كما هي‬ .‬‬ ‫وأنها دورة من دوراته التاريخية المتسلسلة منذ عصر النبي‬ ‫)صل الله عليه وسلم( إلى يومنا هذا‪ ،‬واسما إياها بأنها‬ ‫)انبعا ث إسلمي(‪ ..‬فالحق أن العلقة العلية بين الضطرابات‬ ‫الروحية والجتماعية ـ السياسية‪ ،‬والنبعا ث الصولي كانت‬ ‫نمطا يتكرر عبر التاريخ السلمي()‪.‬يقول‪) :‬إن انبعا ث الروح السلمي في‬ ‫الوضاع الحالية ظاهرة معقدة؛ لنها في الوقت نفسه ذات‬ ‫طبيعة روحية واجتماعية واقتصادية وسياسية‪ .‬وما جرى‬ ‫عليه الغرب نفسه من وضع الصولية السلمية تحت عنوان‬ ‫)التعصب( وبالخط الحمر؛ لمما يؤدي بشكل فريد إلى‬ ‫الخلل في مجال تحليل نزيه‪ ،‬ومتوازن للموضوع()‪،(14‬‬ ‫إلى أن يقول‪) :‬يمكننا أن ننظر إلى الدورة المعاصرة من‬ ‫النبعا ث السلمي كدور يتوافق مع الظهور الدوري‬ ‫لحركات الحياء السلمي في أوقات الزمات‪ ،‬منذ عصر‬ ‫النبي )صل الله عليه وسلم( )‪ (.‬وإن الصوليين‬ ‫السلميين المعاصرين يرون أنفسهم فعل‪ ،‬خلفاء مباشرين‬ ‫وأتباعا مقلدين‪ ،‬للقادة الماضين‪ ،‬ولحركات النبعا ث‬ ‫والتجديد()‪ (15‬ثم يحكم بصورة واضحة بأن )ما در ج عليه‬ ‫أصوليو العصر الحاضر من النظر إلى التاريخ السلمي‬ ‫على أنه دورات من النحطاط والنبعا ث‪ ،‬له نصيب كبير من‬ ‫الصدق التاريخي‪ .

‬هكذا على الطلق؛‬ ‫يؤدي إلى عدم )الفصل( وإلى عدم )التمييز( ـ بالمعنى‬ ‫المنطقي للكلمتين ـ أي إلى إبهام )الفصول الجوهرية(‬ ‫التي بها يتعرف على جوهر الذات‪ ،‬وإلى إبهام الصفات التي‬ ‫بها تعرف العراض الخاصة؛ فيبقى التعريف في دائرة‬ ‫المجهول! فكل ذلك إذن؛ ضرب من التعميم والتعويم‪ ،‬ل‬ ‫يفيد في تحديد الظاهرة شيئا! وبيان ذلك كما يلي‪:‬‬ ‫أل ترى أن هذه السباب عينها هي التي يفسر بها أغلب‬ ‫هؤلء الدارسين وغيرهم )كل شيء(؟ نعم! وأي شيء في‬ ‫المجتمع ل يرجع إلى )أسباب اقتصادية‪ ،‬أو سياسية‪ ،‬أو‬ ‫ديمغرافية‪ ،‬أو ثقافية‪ ،‬أو اجتماعية‪ ،‬أو تاريخية‪ ،‬أو طبقية ‪.‬وكان أولى لهم أن يبدؤوا به‪ .‬بل الدين من حيث هو ثوابت وكليات‪ ،‬وأصول‬ ‫قطعيات‪ ،‬غير قابلة للتأويل! أعني ما يسميه الفقهاء‬ ‫)بالمعلوم من الدين بالضرورة(‪ ،‬من المبادئ الكبرى‬ ‫المتواترة بالتواتر الجتماعي‪ ،‬كتواتر اللغة المستعملة في‬ ‫المجتمع‪ .‬‬ ‫أول؛ إن إرجاع ظاهرة )الصحوة السلمية( إلى أسباب‬ ‫اقتصادية‪ ،‬أو سياسية‪ ،‬أو ديمغرافية‪ ،‬أو ثقافية‪ ،‬أو‬ ‫اجتماعية‪ ،‬أو تاريخية‪ ،‬أو طبقية ‪ .‬‬ ‫ثانيا‪ :‬كل شيء بحثوه في هذه الظاهرة )الدينية( إل الدين‬ ‫نفسه! ول أقول‪ :‬الدين من حيث هو نصوص جزئية‪ ،‬قابلة‬ ‫للتأويل‪ .‬وهو منهج تجريبي‬ ‫)محايد( كما هو معلوم‪.‬سواء اعتقدوا أن‬ ‫)إسلمية( الظاهرة مبدئية أو توسلية؛ ففي جميع الحوال‪،‬‬ ‫ل يجوز في منطق العلم إغفال بحث الدين بهذا العتبار‪ ،‬أي‬ ‫)كليات( النصوص الشرعية ـ ل مجرد نصوص جزئية ـ كان‬ ‫يجب أن نتساءل عن هذه الكليات‪ :‬أقابلة هي لهذا‬ ‫المعطى؛ أم ل؟ وما حدود ذلك؟ وكيف؟‬ ..‬إلخ‪ ..‬‬ ‫إلخ(؟‬ ‫أين )الفصل( كما يقول المناطقة‪ ،‬الذي به يتميز المعرف‬ ‫عن غيره تميزا جوهريا؟ إذا كانت تلك السباب ونحوها‬ ‫صالحة لتعليل كل شيء في المجتمع!‬ ‫إذن؛ هذا التعليل ل يقود إلى )تعريف(‪ ،‬ول إلى )حد( لمن‬ ‫يرغب في الحد‪..‫في الواقع؛ )لتحقيق المناط( عليها‪ ..

‬فإن للجتماع من‬ ‫القوة ما ليس للفتراق‪ .‬قال‪) :‬الدلة‬ ‫المعتبرة هنا‪ :‬المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت‬ ‫على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع‪ .‬ل يشك فيه إل شاك في أصل الدين‬ ‫)‪ (.‬فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد‬ ‫العلم فهو الدليل المطلوب‪ .‬‬ ‫بل هو كالعلم بشجاعة علي رضي الله عنه‪ ،‬وجود حاتم‪،‬‬ ‫المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما‪.‬وإذا تكاثرت على الناظر الدلة عضد بعضها بعضا‪،‬‬ .‬‬ ‫ومن هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس‪ ،‬كالصلة‬ ‫والزكاة وغيرها قطعا! وإل فلو استدل مستدل على وجوب‬ ‫الصلة بقوله تعالى‪) :‬أقيموا الصلة( أو ما أشبه ذلك؛ لكان‬ ‫في الستدلل بمجرده نظر من أوجه‪ .‬لكن حف بذلك من‬ ‫الدلة الخارجية والحكام المترتبة‪ ،‬ما صار به فرض الصلة‬ ‫ضروريا في الدين‪ .‬وهو شبيه بالتواتر المعنوي‪..‬ولجله أفاد التواتر القطع‪ ،‬وهذا‬ ‫نوع منه‪ .‫ربما كانت في بعض الحيان ـ وأقول‪ :‬في بعض الحيان ـ‬ ‫الرغبة في تجريد الحركة السلمية من الشرعية الدينية‬ ‫سببا في إلغاء العامل الديني من العتبار! إن تحقيق القول‬ ‫في هذا الشكال‪ ،‬أعني مقتضى الكليات الشرعية في‬ ‫تفسير ظاهرة الصحوة السلمية هو مناط المبحث الثاني‪..‬‬ ‫ولقد أجمع الصوليون أنه إذا تواتر )مفهوم( منهما؛ تواترا‬ ‫كليا استقرائيا‪ ،‬ل لفظيا فحسب؛ كان )أصل( من أصول‬ ‫الدين العتقادية‪ ،‬أو العملية‪ ،‬و)كلية( من كلياته‬ ‫الستقرائية‪ ،‬وقاعدة من قواعده العامة‪ ،‬كما قرره إمام‬ ‫المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله‪ .‬‬ ‫المبحث الثاصني‪ :‬في الطبيعة )الدعوية( للحركة‬ ‫السلمية‪:‬‬ ‫ونحن نزعم أن لنا دعوى في ذلك سنقدمها‪ ،‬كتفسير‬ ‫)مفتاحي( تعريفي لظاهرة الحركة السلمية؛ ولكن‪:‬‬ ‫لنتفق أول‪ :‬على أننا ل نلغي أيا مما ذكر‪ ،‬من أسباب وعلل‪،‬‬ ‫في تفسير الظاهرة السلمية الحركية‪ ،‬من حيث هي‬ ‫ظاهرة اجتماعية‪ ،‬بشرية‪ ،‬على درجة معينة سيأتي بيانها‪.‬‬ ‫ولنتفق ثانيا‪ :‬على أن الدين السلمي )نصوص(‪ ،‬بغض‬ ‫النظر عن )الفهوم(‪ ،‬وأن هذه النصوص إما قرآن وإما سنة‪.

‬‬ ‫وثبوت )الدليل( بالقطع شرط في صحته )أصل(‪ ،‬وإل فل‪.‬وكون كل ذلك )في‬ ‫صورة قوانين محكمة( يعني أنها مهيأة للعمال الجتهادي‪،‬‬ ‫استنباطا‪ ،‬ونقدا‪ ،‬وحجاجا‪ ..(18‬‬ ‫ومن هنا أيضا؛ قررنا في دراسة سابقة عنه؛ أن )الصول(‬ ‫عنده‪) :‬هي الدلة الكلية الثابتة قطعا‪ ،‬إما بالذات أو‬ ‫بالمعنى‪ ،‬في صورة قوانين محكمة؛ لفادة الفقه‪.(17‬‬ ‫ومن هنا كان عنده )المراد بالصول‪ :‬القواعد الكلية()‪.(19‬‬ ‫وى؛ قبل الستدلل عليها؛ فنقول‬ ‫ولنقدم الن صياغة الدع َف‬ ‫بحول الله‪:‬‬ ‫إن الدين السلمي بطبيعته )الوجودية‪/‬التعبدية( ينتج ـ‬ ‫بشكل تلقائي ـ ظاهرة )التجديد الديني(‪ ،‬أو )الحركة‬ ‫السلمية(‪ ،‬أو )الصحوة السلمية(‪ ،‬أو )الدعوة إلى الله(‪،‬‬ ‫أو )إقامة الدين(‪ ،‬أو )إحياء السنة وإماتة البدعة( وهي‬ ‫عندي ألفاظ وأسماء لمسمى واحد‪ ،‬مهما اختلفت‬ .‬‬ ‫فالصول إذن؛ هي‪ :‬تلك المصادر والكليات الولى للفقه‪،‬‬ ‫التي ل يتصور فيها تخلف‪ ،‬ول حولها اختلف! وإن كان؛‬ ‫فليس بهذا المعنى المتحد ث عنه ههنا‪ ،‬بل بالمعنى الجزئي‬ ‫ل الكلي()‪.‬إلخ؛ لشموليتها‪ ،‬وحاكميتها‬ ‫المحكمة‪ ،‬غير القابلة للتبديل‪ ،‬أو التغيير‪ ،‬أو النسخ‪ ،‬أو‬ ‫التخلف )‪..‬‬ ‫وكون ذلك )بالذات أو بالمعنى(‪ :‬يعني أن )الصول( إما‬ ‫)ذاتية( كالكتاب والسنة‪ ،‬وإما )معنوية( كالجماع والقياس‪،‬‬ ‫ورفع الضرر‪ ،‬ورفع الحر ج‪ ،‬وسد الذرائع‪ ،‬وغيرها من‬ ‫)الكليات الستقرائية القطعية(‪ ،‬التي ل مادة لها في‬ ‫صورتها الكلية‪ ،‬وإنما هي )معان( مبثوثة في الولى‪،‬‬ ‫ينتظمها الستقراء في صورة قطعية‪ ..‬‬ ‫والشرح الولي لهذا التعريف يقتضي أن )الصول(‬ ‫منحصرة في )الدلة( المنطلق منها لستنباط الحكم‬ ‫الشرعي‪ ،‬بشرط أن يراعى فيها المفهوم الكلي ل الجزئي‪،‬‬ ‫كالنظر إلى )الكتاب( أو)السنة(‪ ،‬من حيث إنهما )كل(‪ ،‬ل‬ ‫من حيث خصوص آية كذا‪ ،‬أو حديث كذا‪..‫فصارت بمجموعها مفيدة للقطع‪ ،‬فكذلك المر في مآخذ‬ ‫الصول()‪.(.

‬مجيبا عن السئلة الوجودية‬ ‫الخالدة‪) :‬من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟(‪ .‬‬ ‫إنه يجب ـ لفهم هذه الظاهرة ـ أن نفهم أمرين أساسين‬ ‫من طبيعة هذا الدين‪ ،‬هما بمثابة )المقدمتين( لها‪ ،‬باصطلح‬ ‫المناطقة‪:‬‬ ‫المر الول‪ :‬هو أن السلم دين )وجودي(‪ ،‬لكن طبعا؛ ليس‬ ‫بالمعنى الذي جاءت به الفلسفة الفرنسية لمصطلح‬ ‫)وجودية(‪ ،‬مع )جان بول سارتر( ومدرسته‪ .‬والثاني مبني على الول‪ ..‬‬ ‫إن القرآن ـ كما سيأتي تفصيله في الفصل الرابع من هذا‬ ‫البحث‪ ،‬بحول الله ـ جاء بأمرين‪ :‬الول‪ :‬تفسير الوجود‪،‬‬ ‫والثاني‪ :‬ربط النسان بوظيفته داخل هذا الوجود؛ ومن هنا‬ ‫وجوديته‪ .‬ومن هنا كان كل التدين ـ إيمانا وعمل ـ‬ ‫حركة وجودية بهذا المعنى‪ .‬أي أن قابلية النسان‬ ‫للشتغال التعبدي راجعة إلى ما قدم له القرآن الكريم من‬ ‫تفسير وجودي‪ .‬وإنما‬ ‫)وجوديته( بمعنى‪ :‬أنه يقدم تفسيرا خاصا للوجود‪ ،‬ويضع‬ ‫النسان في موقع معين منه‪ .‬وإذن؛ فإن المسلم يستجيب‬ ‫بعمق )وجودي( لما يمليه عليه منطق إيمانه ـ كما فهمه ـ‬ ‫استجابة وجدانية‪ ،‬يكون من الصعب معها ـ إن لم يكن من‬ ‫المستحيل ـ ثنيه‪ ،‬أو ردعه عما يفعله أو يعتقده صحيحا كان‬ .‬إلى غير ذلك من اللفاظ السبابية‪ ،‬التي‬ ‫يزخر بها القاموس العلماني اللديني‪ ،‬ويعتمدها في معالجة‬ ‫قضية )التجديد الديني(‪..‫التنزيلت والتجليات! فالسماء والمصطلحات تنتجها‬ ‫ثقافات‪ ،‬تماما كالسماء )الخرى( لظاهرة التجديد الديني‪،‬‬ ‫التي أنتجها )الخر( ـ والتي ل تخلو من اتهام بقصد أو بغير‬ ‫قصد ـ من أمثال )السلم السياسي(‪ ،‬و)الصولية(‪،‬‬ ‫و)السلموية(‪ ،‬أو )السلمانية( و)التطرف الديني(‪،‬‬ ‫و)الظلمية(‪ .‬ومن هنا كانت )أوامره‬ ‫ونواهيه( ـ عند من يؤمن به ـ ذات قداسة مطلقة‪.‬إنه بقدر‬ ‫ما يمل القلب سكينة وطمأنينة ـ بالمعنى اليماني ـ وينفي‬ ‫عنه القلق النفسي‪ ،‬الناتج عن تأمل الموت والحياة‬ ‫والمصير؛ فإنه يملؤه حيرة تدبرية وتفكرية تؤول إلى‬ ‫الخضوع التعبدي‪ ،‬عند تأمل بحر الغيب الذي إليه يرجع‬ ‫تفسير هذا العالم الوجودي‪ .‬كل‪ .

‬‬ ‫هذا المعنى الساري في كل العمال التعبدية‪ ،‬العتقادية‬ ‫والعملية‪ .‬فهي موجودة على كل حال في الوعي الجمعي‬ ‫السلمي‪ .‬ذلك أن‬ ‫القرآن الكريم والسنة النبوية يسكنان الوجدان التاريخي‬ .‬ففي جميع الحوال التدين في‬ ‫السلم ذو طبيعة وجدانية إصلحية ظهرت في الوجود أو‬ ‫خفيت‪ .‬وهي منشأ‬ ‫)الكلية الدعوية( في الطبيعة الدينية السلمية‪ .‬من حيث‬ ‫إنه يبني كل قضاياه العقدية والتشريعية على كلية كبرى‬ ‫هي‪) :‬الصلح( للناس وبين الناس‪ .‬متبعين‬ ‫لماء جاء به عن الله‪ .‬وهو الشق الثاني للعقيدة السلمية‪،‬‬ ‫أو كما يسميه علماء التوحيد )توحيد التباع(‪ .‬سواء كان ذلك بمنطق‬ ‫الدعوة إلى الله عموما‪ ،‬أو بمنطق المر بالمعروف والنهي‬ ‫عن المنكر خصوصا‪ ،‬وسواء كان ذلك من داخل البيئة‬ ‫السلمية‪ ،‬أو )دار السلم( باصطلح الفقهاء‪ ،‬أو كان من‬ ‫خارجها أي )دار الحرب(‪ .‬وذلك أنه جاء إلى الناس على أنه‬ ‫رسول يحمل )رسالة(‪ .‬‬ ‫هذه دعوى؛ فكيف الستدلل عليها؟‬ ‫إن مرجع ذلك استقراء النصوص الشرعية التي يتدين بها‬ ‫الناس‪ ،‬ويخضعون لها بالقوة أو بالفعل‪ ،‬على سبيل الرتباط‬ ‫)الوجودي‪/‬التعبدي( بهذا الدين كما فسرناه‪ .‬وإنما بالمعنى‬ ‫)الرسالي( العقدي‪ .‬ولو على المستوى اللشعوري‪.‬بدءا بالصلة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؛‬ ‫وانتهاء بالجهاد في سبيل الله‪ ،‬الذي يخوض غمار التدافع‬ ‫القتالي!‬ ‫فالسلم ـ بطبيعته ـ دين )حركي( غير )سكوني(‪ .‬أي الذي به‬ ‫يتم عنوان السلم ـ بعد شهادة أن )ل إله إل الله( ـ فنشهد‬ ‫أننا نتلقى ذلك بشهادة أن )محمدا رسول الله(‪ .‬ليس‬ ‫بالمعنى المسيحي التبشيري للكلمة‪ ،‬كل‪ .‬وهذا أمر يجعل المسلم )مكلفا( ـ‬ ‫بالصطلح الفقهي ـ بتحمل )تكاليف( الدين )الرسالية(‪.‫أم خطأ! ولك أن تقرأ تاريخ الديان السماوية عبر التاريخ‪،‬‬ ‫وما خاضه المتدينون في سبيلها من جهاد دام! معرضين‬ ‫أنفسهم للتعذيب والتقتيل!‬ ‫والمر الثاني‪ :‬هو أن السلم دين )دعوي( بامتياز‪ .

(81 :‬‬ .‫للمسلمين‪ ،‬رغم ما قد يكون من انحطاط في مستوى‬ ‫التدين لديهم‪ ،‬في عصر ما‪ ،‬أو مكان ما‪.‬وهذا المعنى‬ ‫كثير جدا‪ ،‬نذكر منه أمثلة‪ ،‬من مثل قوله تعالى على سبيل‬ ‫التقرير‪) :‬كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف‬ ‫وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله()آل عمران‪.‬أولئك سيرحمهم‬ ‫الله‪ .‬‬ ‫أما استقراء القرآن الكريم؛ فقد تواتر فيه مفهوم الصلح‪،‬‬ ‫والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬بألفاظ متعددة‪،‬‬ ‫ومساقات مختلفة‪ ،‬لكنها جميعها مجمعة على أن مفهوم‬ ‫)الصلح( عبادة من العبادات المقرونة بالصلة والزكاة‪،‬‬ ‫وسائر الشعائر التعبدية العينية أو الكفائية‪ .‬‬ ‫يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪ ،‬ويقيمون الصلة‪،‬‬ ‫ويؤتون الزكاة‪ ،‬ويطيعون الله ورسوله‪ .‬إن الله عزيز حكيم()التوبة‪ (72:‬وقال تعالى‪) :‬ل خير‬ ‫في كثير من نجواهم إل من أمر بصدقة أو معروف أو‬ ‫إصلح بين الناس‪ .(114:‬‬ ‫ووصف الله بني إسرائيل بما لعنهم؛ فقال سبحانه‪) :‬كانوا‬ ‫ل يتناهون عن منكر فعلوه‪ .(113:‬‬ ‫وقال في حق مسلمة أهل الكتاب‪) :‬يومنون بالله واليوم‬ ‫الخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون‬ ‫في الخيرات وأولئك من الصالحين()آل عمران‪.‬لبيس ما كانوا يفعلون(‬ ‫)المائدة‪.‬وبشر المومنين()التوبة‪.(39:‬‬ ‫وذكر طائفة من خصال الصلح فقال عز وجل‪) :‬التائبون‬ ‫العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون‬ ‫المرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود‬ ‫الله‪ .(113:‬‬ ‫وأيضا‪) :‬والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض‪.(104 :‬وقال سبحانه‪) :‬الذين‬ ‫إن مكناهم في الرض أقاموا الصلة وءاتوا الزكاة وأمروا‬ ‫بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة المور()الحج‪.‬ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله‬ ‫فسوف نؤتيه أجرا عظيما()النساء‪.(110:‬‬ ‫وقوله تعالى على سبيل المر‪) :‬ولتكن منكم أمة يدعون‬ ‫إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك‬ ‫هم المفلحون()آل عمران‪ .

(125:‬والقرآن مليء بهذا المعنى لفظا‬ ‫ومفهوما؛ حتى إنك تجده منبثا في كل أصل وفرع‪ ،‬من‬ ‫أصول الدين وفروعه‪ ،‬بصورة أو بأخرى‪.‬ويكفي‬ ‫أن نعلم أنه قد تواتر وجوب )المر بالمعروف والنهي عن‬ ‫المنكر(‪ ،‬كما قررناه في كتابنا )الفجور السياسي()‪(20‬؛‬ ‫حتى كان منه )معنى كلي استقرائي(‪ ،‬تراكمت جزئياته‬ ‫بشتى الروايات الصحيحة عن النبي‪ .‫وقال في شرط النجاة من الهلك‪) :‬وما كان ربك ليهلك‬ ‫القرى بظلم وأهلها مصلحون()هود‪(117:‬‬ ‫وقال حكاية عن لقمان في وصيته لبنه‪) :‬يا بني أقم الصلة‬ ‫وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك! إن‬ ‫ذلك من عزم المور()لقمان‪(16:‬‬ ‫وقال في عموم الدعوة إلى الله‪) :‬ومن أحسن قول ممن‬ ‫دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين(‬ ‫ي أدعوا إلى الله على‬ ‫)فصلت‪ (32:‬وأيضا‪) :‬قل هذه سبيل َف‬ ‫بصيرة أنا ومن اتبعني()يوسف‪ (108:‬ومثلها‪) :‬ادع إلى‬ ‫سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي‬ ‫أحسن()النحل‪ .‬وذلك في مثل قوله‬ ‫عليه الصلة والسلم فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان‪ ،‬إذ‬ ‫قال‪) :‬والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن‬ ‫المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده‪ ،‬ثم‬ ‫لتدعنه فل يستجيب لكم()‪ ،(21‬وأيضا ما رواه جرير بن عبد‬ ‫الله عنه‪ ‬أنه قال‪) :‬ما من قوم ريعمل فيهم بالمعاصي‪ ،‬هم‬ ‫أعز وأكثر ممن يعمله‪ ،‬ثم لم يغيروه؛ إل عمهم الله تعالى‬ ‫بعقاب منه!()‪ ،(22‬وعن أبي بكر الصديق أنه‪ ‬قال‪) :‬إن‬ ‫الناس إذا رأوا المنكر‪ ،‬ول يغيرونه أوشك أن يعمهم الله‬ ‫بعقابه!()‪ (23‬وقال‪) :‬إن من أمتي قوما يعطون مثل‬ ‫أجور أولهم‪ :‬ينكرون المنكر!()‪ ،(24‬وعن أبي سعيد‬ ‫الخدري أن النبي‪ ‬قال‪) :‬إن الله تعالى ليسأل العبد يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬حتى يسأله ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟‬ ‫ت‬ ‫فإذا لقن الله العبد حجته قال‪ :‬يا رب رجوتك وفَفَفرقت ر‬ .‬‬ ‫وأما السنة؛ فبحرها زاخر )بالتدين الدعوي( إذ يصعب جدا‬ ‫حصر النصوص في ذلك‪ ،‬أو إحصاؤها؛ لكثرتها واستفاضتها‪،‬‬ ‫وتفرقها على كثير من البواب والتراجم الحديثية‪ .

‫الناس()‪ (25‬وكذا حديث أبي سعيد الخدري أنه‪ ‬قال‪:‬‬ ‫)من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه‬ ‫فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف اليمان()‪ .(26‬ثم قوله‬ ‫مَفلت الخطيئة في الرض‪ ،‬كان من شهدها‬ ‫‪) :‬إذا ع ر ر‬ ‫فكرهها كمن غاب عنها‪ ،‬ومن غاب عنها فرضيها كان كمن‬ ‫شهدهها()‪ ،(27‬وعن حذيفة بن اليمان أن النبي‪ ‬قال‪:‬‬ ‫)تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا‪ ،‬فأي‬ ‫قلب أشربها نكتت فيها نكتة سوداء‪ ،‬وأي قلب أنكرها نكتت‬ ‫فيه نكتة بيضاء‪ ،‬حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا‪ ،‬ل‬ ‫تضره فتنة ما دامت السماوات والرض! والخر أسود َف‬ ‫خيا! ل يعرف معروفا ول ينكر منكرا‪ ،‬إل ما‬ ‫ج ي‬ ‫م َف‬ ‫مترَفبدا كالكوز ر‬ ‫ر‬ ‫أشرب من هواه!()‪.‬فمن له الحق في‬ ‫إعلن الجهاد؟ ومتى وكيف؟ هذا هو الشكال‪ .(28‬‬ ‫)والحاديث في هذا المعنى وشبهه‪ ،‬من وجوب النصح للمة‬ ‫أئمتها‪ ،‬وعامتها‪ ،‬ولكل مسلم؛ ل تكاد تنحصر‪ ،‬فهو معنى‬ ‫استقرائي قطعي‪ ،‬إذ يشكل قوة معنوية متواترة‪ ،‬وكلية في‬ ‫أعلى مراتب الكليات!()‪(29‬‬ ‫ثم إن فريضة الجهاد في سبيل الله ـ كمبدأ ـ تشكل كلية‬ ‫من كليات السلم‪ ،‬من حيث إنها قائمة على قصد رفع راية‬ ‫)ل إله إل الله‪ ،‬وأن محمدا رسول الله(‪ ،‬والتمكين لدين الله‬ ‫في الرض‪ ،‬والدفاع عن بيضة السلم‪ .‬أي في كيفية التنزيل والتطبيق على خصوص‬ ‫معين من الزمان والمكان والعلن‪ .‬هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين‪ ،‬منطوقا‬ ‫ومفهوما من نصوص الكتاب والسنة‪ .‬‬ ‫ونصوص الجهاد في سبيل الله مستفيضة وافرة في الكتاب‬ ‫والسنة‪ .‬وإنما شرع القتال‬ ‫في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا‪ ،‬ويكون الدين‬ ‫كله لله‪ .‬فبغض النظر عن سورتي النفال والتوبة ـ وهما‬ .‬ونحن هنا‬ ‫إنما الغرض عندنا إثبات هذا المعنى‪ :‬البعد الدعوي للجهاد‬ ‫في سبيل الله؛ لبيان حجم هذه الكلية في الدين‪ :‬الدعوة‬ ‫إلى الله‪ ،‬ومدى إسهامها في تشكيل الوجدان الديني‬ ‫للمسلمين‪ ،‬عبر التاريخ‪.‬وإنما الشكال‬ ‫والخلف قد يحصل في ما يتعلق )بتحقيق المناط( فيه‪،‬‬ ‫ليس إل‪ .

(33)(193:‬‬ .‬‬ ‫وأما المام مسلم فقد ترجم في صحيحه بابا سماه‪) :‬باب‬ ‫جواز الغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة السلم‪ ،‬من‬ ‫غير تقدم العلم بالغارة()‪(31‬‬ ‫وأما الفقه فإليك بعض النماذ ج مما فهمه علماء المة‪:‬‬ ‫قال فقيه المالكية في عصره القاضي أبو بكر ابن العربي‬ ‫المعافري)ت‪543:‬هـ(‪ :‬في تفسير قول الله تعالى‪):‬وقاتلوا‬ ‫في سبيل الله الذين يقاتلونكم‪ ،‬ول تعتدوا إن الله ل يحب‬ ‫المعتدين()البقرة‪ (190:‬قال‪) :‬وذلك لن المقصود أول كان‬ ‫أهل مكة؛ فتعينت البداية بهم وبكل من عرض دونهم أو‬ ‫عاونهم‪ .‬و)السير(‪ :‬ـ بكسر السين‬ ‫وفتح الياء ـ جمع سيرة‪ .‬ابتداء من سورة البقرة حتى‬ ‫سور المفصل! أما كتب السنة فل يكاد يخلو كتاب من كتبها‬ ‫مما يترجم له عند المحدثين )بكتاب الجهاد والسير(‪ ،‬كما‬ ‫عند البخاري ومسلم وغيرهما‪ .‬وهي إشارة إلى أن السيرة النبوية‬ ‫تكاد تكون قائمة كلها على تاريخ الغزوات والسرايا؛ مما‬ ‫يدل على الحضور القوي جدا لهذا المعنى في الدين‪.‬ولقد عقد المام‬ ‫البخاري في كتاب الجهاد والسير ـ من صحيحه ـ بابا‪،‬‬ ‫ترجمته كما يلي‪) :‬باب‪ :‬الجهاد ماض مع البر والفاجر؛ لقول‬ ‫النبي‪" :‬الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم‬ ‫القيامة"()‪ ،(30‬فقوله‪) :‬مع البر والفاجر( يعني مع المام‬ ‫الصالح ومع المام الفاجر سواء‪ ،‬كل أولئك يمضي الجهاد‬ ‫تحت إمرتهم‪.‫سورتان عسكريتان في القرآن بامتياز ـ نجد المر بالجهاد‬ ‫في سبيل الله ـ بمعنى القتال ـ منبثا في كثير من سور‬ ‫القرآن الكريم لفظا ومفهوما‪ .‬فلما فتح الله تعالى مكة؛ كان القتال لمن يلي‬ ‫ممن كان يؤذي؛ حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع‬ ‫الفاق‪ ،‬ول يبقى أحد من الكفرة‪ ،‬وذلك متماد إلى يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬ممتد إلى غاية هي قول النبي‪) :‬الخيل معقود‬ ‫في نواصيها الخير إلى يوم القيامة‪ :‬الجر والغنيمة()‪(32‬؛‬ ‫وذلك لبقاء القتال؛ وذلك لقوله تعالى‪) :‬وقاتلوهم حتى ل‬ ‫تكون فتنة ويكون الدين لله(()البقرة‪.‬‬ ‫والجهاد فريضة مستمرة الوجوب إلى يوم القيامة‪ ،‬بإجماع‬ ‫علماء المصار‪ ،‬كما سترى بحول الله‪ .

‬وهذا عندي‬ ‫صحيح؛ لنه قد تقدم أن الجهاد فرض يتكرر على الكفاية‪..(216:‬وقول النبي‪) :‬من‬ ‫مات ولم يغز ولم يحد ث به نفسه؛ مات على شعبة من‬ ‫نفاق()‪.(35‬وذكر‬ ‫نصوصا من القرآن والسنة نذكر منها قول الله تعالى‪:‬‬ ‫ب عليكم القتا ر‬ ‫ل وهو كره لكم‪ .(34‬وإنما )يتعين( حسب‬ ‫الطوارئ‪ ،‬كما أنه قد يكون جائزا للفرد في حالة تحقق‬ ‫فرض الكفاية بغيره‪.‬‬ ‫فأما الحالة الولى‪ :‬حيث يكون الجهاد فرضا في الجملة‪،‬‬ ‫فهي حالة الصل التي تقدم فرض القتال فيها على الكفاية‪،‬‬ ‫وذلك ما لم يعرض عارض ينقل الفرض إلى التعيين!‬ ‫فواجب على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداء‪،‬‬ ‫وجهادهم على اليمان‪ ،‬ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى‬ ‫يقهروهم ويضطروهم إلى أوكس الحوال؛ المرة بعد‬ ‫المرة‪ .‬قال بعض العلماء‪ :‬وأقله مرة في العام‪ .‬وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله‬ ‫يعلم وأنتم ل تعلمون()البقرة‪ .‬وقد روى الجماع على ذلك ابن رشد‬ ‫الحفيد في بداية المجتهد)‪ .‫ثم فصلت كتب الفقه في أحوال وجوب الجهاد‪ ،‬بين‬ ‫الكفائية والعينية‪ ،‬ثم الندب‪ ،‬على أن الصل المجمع عليه ـ‬ ‫من حيث المبدأ ـ هو الوجوب الكفائي‪ ،‬الذي يجب أن تقوم‬ ‫به المة في مجملها‪ .‬‬ ‫قال محمد بن عيسى بن أصبغ‪ ،‬الفقيه المالكي‪ ،‬المعروف‬ ‫بابن المناصف)ت‪620:‬هـ(‪ ،‬في كتابه )النجاد في أبواب‬ ‫الجهاد(؛ مترجما أحكام الجهاد في الصيغة التالية‪) :‬فصل‬ ‫في بيان فرض الجهاد‪ ،‬وتفصيل أحكامه على العيان‪ ،‬وعلى‬ ‫الكفاية‪ ،‬وما هو من ذلك نفل بحسب الحوال()‪ .‬‬ ‫ولم يجعل الله تعالى لذلك على مر العصار غاية يتعقبها‬ ‫الكف‪ ،‬إل بأحد أمرين‪ :‬إما أن يدخلوا في السلم‪ ،‬وإما أن‬ ‫يؤدوا الجزية‪ ،‬على خلف فيمن تقبل الجزية منهم! )‪(.‬وعسى أن تكرهوا شيئا‬ ‫)ك رت ر َف‬ ‫وهو خير لكم‪ .(36‬‬ ‫ثم قال مفصل‪) :‬فإذا تقرر ذلك فللقيام بالجهاد من حيث‬ ‫الحاجة‪ ،‬والستغناء‪ ،‬ثلثة أحوال‪ :‬حال يكون فيها الجهاد‬ ‫فرضا في الجملة على الكفاية‪ ،‬وحال يكون فيها فرضا على‬ ‫العيان‪ ،‬وحال يكون فيها نفل‪..‬‬ .

.‬فإذا قيم بذلك سقط‬ ‫الفرض‪.‬‬ ‫وأما الحالة الثانية‪ :‬حيث يتعين فرض الجهاد؛ فهو إذا أظل‬ ‫العدو بلدا‪ ،‬أو جانبا من ثغور المسلمين مقاتل لهم‪ ،‬فيتعين‬ ‫فرض الجهاد حينئذ؛ على كل واحد ممن هنالك من‬ ‫المسلمين‪ ،‬في خاصته وعلى قدر طاقته‪ ،‬إلى أن تقع‬ ‫الكفاية‪ ،‬ويحصل الستقلل بقتال العدو ودفعه‪ .‬والدليل على صحة ذلك قوله تعالى‪:‬‬ ‫)وتعاونوا على البر والتقوى ول تعاونوا على الثم والعدوان(‬ ‫)المائدة‪ (2:‬وقوله تعالى‪) :‬ولن يجعل الله للكافرين على‬ ‫المومنين سبيل()النساء‪ (141:‬فمن ترك دفاع كافر عن‬ ‫مؤمن؛ تثاقل‪ ،‬من غير عذر يسقط به عنه القيام؛ فقد ترك‬ ‫المعاونة على البر والتقوى‪ ،‬وجعل للكافرين سبيل على‬ ‫المؤمنين! وقد نفى الله تعالى ذلك أن يكون من الشرع؛‬ ‫ففعل ذلك معصية وتعد لحدود الله تعالى!)‪ (.(38‬‬ ‫قال‪) :‬وأما الحالة الثالثة‪ :‬فهي ما وراء القيام بالفريضة في‬ ‫الحالتين المتقدمتين‪ ،‬فمن جاهد بعد ذلك‪ ،‬وقد قيم بفرض‬ ‫الكفاية‪ ،‬وتم الدفاع عن المسلمين؛ فهو له نافلة‪ ،‬وفيه‬ ‫فضل كثير وأجر عظيم()‪.(37‬‬ ‫قال‪) :‬وقال كثير من أهل العلم‪ ،‬في حد الداء لوجوب‬ ‫القيام بفرض الجهاد‪ :‬هو أن يدفع العدو وتمحى الثغور‪،‬‬ ‫ويستظهر على أهل دار الحرب‪ ..‬فإن قصر‬ ‫عدد من هنالك أو قوتهم عن دفاعهم؛ وجب كذلك على كل‬ ‫من صاقبهم وقرب منهم‪ ،‬من المسلمين‪ ،‬إعانتهم والنفير‬ ‫إليهم‪ ،‬ثم كذلك أبدا؛ إن غارهم العدو؛ حتى يعم الفرض‬ ‫جميع المسلمين! )‪ (.‬وذلك مما ل‬ ‫يعرف فيه خلف!()‪.‬‬ ‫)ويكون الدين كله لله()النفال‪ ..(39‬‬ .(39:‬وقال تعالى‪) :‬قاتلوا‬ ‫الذين ل يومنون بالله ول باليوم الخر ول يحرمون ما حرم‬ ‫الله ورسورله‪ ،‬ول يدينون دين الحق‪ ،‬من الذين أوتوا الكتاب؛‬ ‫حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون()التوبة‪ (29:‬فدل‬ ‫ذلك كله على أنه مهما بقي من الكفار يمكن التوصل إليه؛‬ ‫فواجب على المسلمين قتالهم‪ ،‬حتى يسلموا أو يؤدوا‬ ‫الجزية إن كانوا من أهلها()‪.‫قال الله سبحانه‪) :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة( أي‪ :‬شرك‪..

‬‬ ‫وبناء على كل ما ذكر من نصوص وفهوم؛ كانت حركة‬ ‫التجديد الديني‪ ،‬والدعوة‪ ،‬والجهاد‪ ،‬مستمرة عبر التاريخ‬ ‫السلمي‪.‫وما ذكره ابن المناصف هنا‪ ،‬إنما هو خلصة لما ورد في‬ ‫أغلب أمهات كتب الفقه‪ .‬ولكن‬ ‫مع ذلك يبقى التدين هو جوهر الظاهرة‪ ،‬حتى ولو في‬ ‫صورتها المنحرفة! هذا هو صلب القضية‪ .‬‬ ‫إن حركات الوعي السلمي‪ ،‬في العمق‪ ،‬إنما كانت‪ ،‬وما‬ ‫تزال تعيش وجدانيا‪ ،‬على هذا الرصيد الديني الضخم‪ ،‬من‬ ‫المقاصد التعبدية للعمل الصلحي‪ ،‬بشتى أنواعه‪ ،‬وتستمد‬ ‫منه بوعي أو بغير وعي‪ .‬فانظر تفاصيله إن شئت في أي‬ ‫منها‪.‬ل بمعنى انبثاقها من الحد ث السياسي‬ .‬‬ ‫والظواهر الجتماعية ل تفسر برصد آحاد الشخاص‪ ،‬إل‬ ‫على سبيل الستقراء؛ لقامة كليتها!‬ ‫ثم إن ظاهرة التجديد الديني المعاصرة‪ ،‬أو الحركات‬ ‫السلمية‪ ،‬ليست وليدة اليوم فحسب ـ مهما بدا من أخذها‬ ‫بأسباب العصر في وسائلها ـ بل هي سلسلة ممتدة في‬ ‫تاريخ السلم‪ .‬وهذا هو مفتاحها‪.‬مهما اختلفت التنزيلت‪ ،‬بين‬ ‫التشدد واللين‪ ،‬ومهما تباينت التفسيرات‪ ،‬أو حتى أخطأت!‬ ‫سواء في الفهم‪ ،‬أو في تحقيق المناط والتكييف العصري!‬ ‫فالصلب لديها جميعا واحد‪ :‬هو التعبد‪ ،‬والتأثم من ترك‬ ‫واجب الدعوة إلى الله‪ ،‬أو واجب المر بالمعروف والنهي‬ ‫عن المنكر‪ ،‬أو واجب إحياء )الفريضة الغائبة(!‬ ‫ل تقل لي‪ :‬فلن أو علن إنما تحرك في هذا المجال لحاجة‬ ‫في نفسه قضاها! لنا ل نتكلم هنا عن فلن ول علن وإنما‬ ‫نتكلم عن ظاهرة اجتماعية شاملة‪ ،‬وعن وعي كلي! ومثل‬ ‫هذا ل يرجع فيه إلى آحاد الناس‪ ،‬ول إلى جزئيات البرامج‬ ‫والتصورات! فمهما كان من أمر أي أحد؛ فما كان له أن‬ ‫يتسرب إلى هذا المجال‪ ،‬ول أن يندس فيه؛ ثم )ينجح( فيه‪،‬‬ ‫ويحسب عليه؛ لول القابلية التدينية الموجودة بالصالة عند‬ ‫الناس؛ للتعبد بهذا العمل! وإذن يمكن لي شخص أن‬ ‫يستغل عاطفتهم التدينية‪ ،‬وينشئ ما شاء من آراء‬ ‫وتصورات‪ ،‬قد تشط بعيدا عن المقاصد الصلحية‪ .

‬‬ ‫إن الحركة السلمية المعاصرة‪ ،‬هي امتداد ـ على مستوى‬ ‫الوجدان المشكل لجوهرها ـ )لصلحية( جيل الصحابة‪ ،‬ثم‬ ‫جيل التابعين وتابعيهم‪ ،‬من أمثال الحسن البصري‪ ،‬وأبي‬ ‫قلبة الجرمي‪ ،‬وأبي العالية الرياحي‪ ،‬وعبد الله بن المبارك‪،‬‬ ‫والفضيل بن عياض‪ ،‬وسعيد بن جبير‪ ،‬وشعبة بن الحجا ج‪،‬‬ ‫وفقهاء المدينة السبعة‪ :‬سعيد بن المسيب‪ ،‬وعمرو بن‬ ‫الزبير‪ ،‬والقاسم بن محمد‪ ،‬وخارجة بن زيد‪ ،‬وأبي بكر بن‬ ‫عبد الرحمن‪ ،‬وسليمان بن يسار‪ ،‬وعبيد الله بن عبد الله‪.‬‬ ‫إن الرصيد الديني الذي كانت تتغذى منه الحركات‬ ‫الصلحية عبر التاريخ؛ هو نفسه الذي ما يزال مصدر‬ ‫التغذية للحركات المعاصرة‪ .‬‬ ‫هؤلء الذين شكلوا مرجع الفقه المالكي‪ ،‬وأساس )عمل‬ ‫أهل المدينة(‪ ،‬لدى المام مالك‪ ،‬وكذا المام الزهري‪،‬‬ ‫وربيعة الرأي‪ ،‬ويحيى بن سعيد القطان‪ ،‬ويحيى بن معين‪،‬‬ .‬ولكنه في العمق‬ ‫دائما‪ ،‬سيبقى عمل دينيا‪ ،‬مهما كان من سوء الفهم‪ ،‬أو سوء‬ ‫التصرف فيه! والدين هو الدين‪ :‬بواعث الفعال فيه واحدة‬ ‫عبر التاريخ! وهي بكل بساطة‪ :‬التعبد بفعل الواجب‪ ،‬وإبراء‬ ‫الذمة منه‪ ،‬والتأثم بتركه؛ رغبا ورهبا! تلك هي حقيقة‬ ‫اليمان‪ ،‬من حيث هو‪) :‬إيمان(‪.‬تماما كما تغير‬ ‫اللباس عند الناس‪ ،‬وتحول السيف لدى المقاتل إلى بندقية‬ ‫رشاشة‪ ،‬أو )أوتوماتيكية( أو أي سلح جديد‪.‬هذا شيء‬ ‫طبيعي‪ ،‬كما تغيرت مظاهره وتجلياته‪ .‬وإنما الذي تغير هو المظاهر‬ ‫الوسلية‪ ،‬والشكال البيانية‪ ،‬والهداف الجرائية‪ ،‬الظرفية‪،‬‬ ‫ل الهداف التدينية المقاصدية الكبرى‪ .‬ل أقل ول أكثر‪.‬وتغيب‬ ‫عنا الحقيقة‪.‬‬ ‫إن المظاهر التنظيمية‪ ،‬والبرمجة‪ ،‬وسائر أشكال التنظيم‬ ‫الحديثة لدى الحركات السلمية‪ ،‬ل يجوز أن تكون هي‬ ‫المنظار الذي ننظر من خلله إليها؛ لننا حينئذ سنخطئ في‬ ‫فهمها‪ .‬‬ ‫نعم تغيرت البواعث المباشرة للعمل الصلحي‪ .‬فنقطع صلتها بامتدادها الديني التاريخي‪ .‫الخلفي حول الخلفة والمامة‪ ،‬بل بمعنى العمل التديني‬ ‫المحض‪ ،‬المستمر في هذه المة‪ ،‬كاستمرار الصلة والزكاة‬ ‫والصيام والحج‪ .

‬ويلحق به تلميذه‬ ‫المشهور المام ابن القيم رحمهم الله أجمعين‪.‬‬ ‫ثم جاء بعد ذلك الئمة الذين حملوا لواء الصلح‪ ،‬على‬ ‫الصعيدين العلمي والجتماعي‪ ،‬كالمام أبي حامد‬ ‫الغزالي)ت‪505:‬هـ(‪ ،‬والمام عبد الرحمن بن الجوزي)ت‪:‬‬ ‫‪596‬هـ(‪ ،‬وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلم)ت‪:‬‬ ‫‪660‬هـ( إلى مجدد القرن الثامن الهجري في المشرق‪،‬‬ ‫تقي الدين أحمد بن تيمية)ت‪728:‬هـ(‪ ،‬الذي ما زالت‬ ‫تجربته التاريخية‪ ،‬وكتبه؛ تشكل إلهاما نموذجيا لحركة‬ ‫التجديد الديني في العصر الحاضر‪ .‬ولذلك فقد‬ ‫حفل به زعماء الصلح المعاصرون‪ ،‬من أمثال الشيخ‬ ‫محمد عبده‪ ،‬الذي أوصى تلمذته بدراسة كتبه‪ ،‬والشيخ‬ ‫رشيد رضا الذي حقق كتاب العتصام استجابة لهذه‬ ‫الوصية‪ ،‬وكذلك فعل الشيخ عبد الله دراز بشرحه لكتاب‬ ‫الموافقات! وما تزال كتبه اليوم ـ على قلتها ـ مصدرا‬ ‫للفكر الصلحي التجديدي‪ ،‬لدى كثير من أصحاب التجارب‬ ‫الصلحية في العالم السلمي‪.‫مرورا بأئمة الفقه الكبار‪ ،‬وعلماء المصار كالمام أبى‬ ‫حنيفة النعمان‪ ،‬والمام مالك بن أنس‪ ،‬والمام الشافعي‪،‬‬ ‫والمام أحمد بن حنبل‪ ،‬والمام الليث بن سعد‪ ،‬والمام‬ ‫الوزاعي‪ ،‬والمام الطبري‪..‬‬ ‫حتى كان عصر المام محمد بن عبد الوهاب المتوفى‪):‬‬ ‫‪1206‬هـ( الذي قاد حركة جهادية ما تزال آثارها حاضرة في‬ ‫الوعي الديني الصلحي بقوة إلى اليوم! حيث كان الدعاة‬ ‫المتأثرون بسلفية محمد بن عبد الوهاب يجوبون دول‬ ‫العالم السلمي مبشرين بوضع بذور لحركة إصلحية‬ ..‬إلخ‪ .‬وأنا‬ ‫زعيم أنك لو استقريت طبقات الفقهاء والمحدثين؛ لوجدت‬ ‫لكل إمام منهم باعا في الصلح والتجديد‪ ،‬لكن كل‬ ‫بطريقته وحسب اجتهاده‪.‬‬ ‫ثم مجدد القرن الثامن في المغرب‪ ،‬إمام غرناطة الشهير‬ ‫أبو إسحاق الشاطبي‪ ،‬صاحب الموافقات والعتصام)ت‪:‬‬ ‫‪790‬هـ(‪ ،‬الذي شكل هو أيضا منعطفا تاريخيا مهما جدا في‬ ‫تاريخ الصلح العلمي والجتماعي في السلم‪ .‬‬ ‫ثم جاء بعد ذلك المام السيوطي‪ ،‬وغيره كثير‪.

‬إلخ‪.‫تطورت في كثير من المواقع إلى حركة تجديدية شاملة!‬ ‫كما وقع في المغرب بالذات‪ ،‬إذ أذكر شخصيا كيف كانت‬ ‫دروس الدكتور تقي الدين الهللي الصلحية‪ ،‬وأمثاله من‬ ‫علماء السلفية بالمغرب‪ ،‬مغذية للوعي الديني الحركي‬ ‫الذي انطلق فيما بعد في صور حديثة تماما! كحركة‬ ‫الشبيبة السلمية وغيرها‪ ،‬وإنما كان هو وتلمذته من أمثال‬ ‫الشيخ محمد زحل‪ ،‬والدكتور القاضي برهون‪ ،‬والستاذ‬ ‫علل العمراني؛ هم المؤطرين لهذه الحركة على المستوى‬ ‫الفكري والتصوري‪..‬فالعلة في العمق‬ ‫واحدة‪ :‬إشباع الرغبة التدينية بالقيام بالدعوة إلى الله‬ ‫وتجديد الدين في النفس والمجتمع‪ .‬وكأن الكل يضع أمام‬ ‫ناظريه قول النبي‪) :‬ل تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر‬ ‫الله ل يضرهم من خذلهم‪ ،‬ول من خالفهم؛ حتى يأتي أمر‬ ‫الله وهم ظاهرون على الناس()‪ ،(40‬وقوله عليه السلم‪:‬‬ ‫)إن الله تعالى يبعث لهذه المة على رأس كل مائة سنة‬ ‫من يجدد لها دينها()‪ (41‬ونحو ذلك من النصوص التي بينا‬ ‫أنها تشكل كلية قطعية من أصول التدين في السلم‪ .‬ومن الصعوبة بمكان‬ ‫الزعم بالقطيعة )البستمولوجية( بين حركات الصلح‬ ‫الديني عبر التاريخ‪ ،‬مهما بدا من تطور في الشكال‬ ‫والساليب‪ ،‬وتجديد في الصيغ والمناهج‪ .‬فلبد‬ ‫إذن من أن يكون لها أثر اجتماعي‪ ،‬كما للصلة والصيام‬ ‫والزكاة والحج في حياة المسلمين!‬ ‫وليست حركة التصوف في نظري ـ بغض النظر عما وقعت‬ ‫فيه من انحراف )وساطي( في مرحلتها الطرقية‬ .‬‬ ‫ومن المام محمد بن عبد الوهاب‪ ،‬إلى المام جمال الدين‬ ‫الفغاني‪ ،‬ومحمد عبده‪ ،‬ورشيد رضا‪ ،‬ومحب الدين‬ ‫الخطيب‪ ،‬والمام حسن البنا‪ ،‬ومحمد إلياس الكندهلوي‬ ‫بالهند‪ ،‬والستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بتركيا‪..‬ثم ما تفرع عن‬ ‫هؤلء وأولئك‪ ،‬من حركات تجديدية بهذه الصيغة أو تلك‪،‬‬ ‫عبر مختلف دول العالم السلمي‪ .‬كل ذلك كان بعضه‬ ‫متصل ببعض‪ ،‬وبعضه ملهما لبعض‪ .‬‬ ‫رغم اختلف التوجهات والجتهادات والمظاهر والتجليات‪،‬‬ ‫ومستويات الوعي الديني بين هذا وذاك‪ .

‬فمن قطع حلقاتها‪ ،‬فلن يظفر بالصورة‬ ‫الشاملة السليمة‪.‬‬ ‫إنها سلسلة واحدة‪ .‬‬ ‫وتلك قصة أخرى‪.‬بدءا بالمام‬ ‫الحار ث بن أسد المحاسبي‪ ،‬والمام الجنيد‪ ،‬حتى المام‬ ‫الغزالي وما تفرع عنهم بعد ذلك من أشكال طرقية شطت‬ ‫بها البدع في كثير من الحوال بعيدا عن ضوابط الدين‪.‬‬ ‫إن حركة الصحوة السلمية الحديثة إذن؛ تعبير اجتماعي‬ ‫عن مكنون المجتمع الديني‪ :‬إنها )بيان دعوي(‪ .‬‬ ‫لقد كان أولى بالذين ذهبوا بعيدا في التأويلت والتحليلت‪،‬‬ ‫وتعمقوا فيما ل عمق له‪ ،‬ثم تسطحوا فيما له عمق؛ أن‬ ‫ينظروا إلى هذه المعطيات النصية‪ ،‬والتاريخية‪ ،‬في تفسير‬ ‫الحركة السلمية المعاصرة! وإذ يضل التحليل يضل الفهم؛‬ ‫وإذن يضل كل شيء بعد ذلك‪ :‬الحوار‪ ،‬والمراجعة‪،‬‬ ‫والتصحيح!‬ ‫إن الحركة السلمية لم تظهر من فراغ‪ ،‬ول هي كأي حركة‬ ‫يسارية راديكالية أو معتدلة‪ ،‬تتعلق بأسباب ديمغرافية أو‬ ‫اقتصادية‪ ،‬أو طبقية‪ ،‬أو سياسية‪ ،‬بالمعنى الميكافيلي لكلمة‬ ‫)سياسة(‪ .‬إنني أعتقد أن أغلب الدارسين للحركة السلمية‬ ‫في حاجة شديدة إلى دراسة السلم كنصوص‪ ،‬وإلى تعميق‬ ‫النظر في الطبيعة الدينية للمجتمع السلمي‪ ،‬وإلى طبيعة‬ ‫هذا الدين من حيث هو عبادة حركية ل سكونية! إن الدين‬ ‫في السلم ل علقة له بالمدلول النفسي لكلمة )‪(Religion‬‬ ‫الفرنسية أو النجليزية! ذلك أن المصطلح الغربي ههنا لن‬ ‫يستطيع التخلص من الظلل الكنسية‪ ،‬التي طبعت اللفظ‬ ‫على المستوى النفسي‪ ،‬بسبب الممارسة التاريخية للدين‬ ‫هناك‪ .‬وتعبير‬ .‫المتأخرة)‪ (42‬ـ إل شكل من أشكال الرغبة في تجديد‬ ‫الدين ـ على مستوى القصد ـ وحمل أمانة الصلح‬ ‫الوجداني للمجتمع‪ ،‬والنتداب لتربية العامة‪ .‬وما كان لها من قتامة نفسية في النظر إلى الكون‬ ‫واستقذار الحياة! إن مفهوم )الدين( في السلم قائم على‬ ‫نفسية حركية إصلحية‪ ،‬تنظر بإيجاب إلى الكون والحياة‪،‬‬ ‫وتتفاعل معهما ـ بصورة تلقائية ـ على أساس عمراني‬ ‫إصلحي‪ ،‬مرجعه مبدأ المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.

‬ولعلماء أصول الفقه قاعدة مشهورة‬ ‫تنبئ عن طبيعة التشريع السلمي‪ .‬كما أنه المكلف شرعا‬ ‫بالذب عن حمى الدين وأهله‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن‬ ‫المنكر‪ .‬فإذا حلت النازلة‪ ،‬أو الظاهرة‪ ،‬من‬ ‫النحراف عن الدين‪ ،‬أو الستهزاء به فكريا أو سلوكيا؛ أو‬ ‫خرم قواعده العامة على المل‪ ،‬وإعلن ذلك في الرأي‬ ‫العام‪ ،‬وإقحامه في كل ناد وكل مؤسسة وكل الوساط؛‬ ‫كان لبد أن يفجر السلم ـ وهو الدين ذو المخزون النقدي‬ ‫كما رأيت ـ كان لبد أن يفجر تعبيرا ما‪ ،‬بصورة ما‪ ،‬من جهة‬ ‫ما‪ ،‬في المجتمع الذي يتدين به!‬ ‫وبيان ذلك‪ :‬أنه إذا كان المام‪ ،‬أو السلطان‪ ،‬أو الملك‪ ،‬أو‬ ‫رئيس الدولة‪ ،‬هو المكلف ـ بصفته على رأس دولة مسلمة‬ ‫ـ بإنفاذ شعائر الدين في المؤسسات‪ ،‬والتشريعات‪ ،‬وحماية‬ ‫السلوك الديني العام في المجتمع من الشذوذ والنحراف‪،‬‬ ‫وعدم السماح بإذاية الوجدان الديني الجتماعي‪ ،‬الذي هو‬ ‫جوهر )كينونة( الدولة السلمية‪ .‫اضطراري؛ فما كان لها إل أن تكون؛ إذ غاب من يعبر عن‬ ‫الدين وقت الحاجة‪ .‬ثم إنه مكلف ـ قبل ذلك وبعده ـ بإتاحة المكان‬ ‫لشباع الرغبة الفطرية عند الناس‪ ،‬في ممارسة التدين كما‬ ‫هو في السلم‪ ،‬ل كما يريده هو! وإل فإنهم سيشبعونها كما‬ ‫أرادوا هم! ولكن في المشارب التي قد تنحو إلى الغلو؛‬ ‫بسبب ما يلحق نفسية المحروم من ردود أفعال متشنجة‬ ‫وغالية!‬ ‫قلت‪ :‬إذا كان ذلك كذلك؛ وكان )الجهاز الداري الحاكم(‬ ‫برمته هو أول المتخاذلين‪ ،‬في إنفاذ الشريعة‪ ،‬والمر‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فمن الطبيعي أن تتفجر‬ ‫الرغبة الوجدانية التدينية‪ ،‬المتعلقة بهذا الجانب في‬ ‫المجتمع‪ ،‬فترى من يعلن الجهاد في غير محله‪ ،‬وينزله على‬ ‫غير منزله! بل يجعل هدفه هو هذا الجهاز الحاكم نفسه! ثم‬ ‫لما يرى المسلمون ـ بعين التدين العام ـ من كلف شرعا‬ ‫بحماية التدين كسلوك اجتماعي هو أول من ينقضه! أو‬ ‫يستهتر بالقيم الدينية والخلق السلمية! أو يدعو إلى‬ .‬منطوقها أنه‪) :‬ل يجوز‬ ‫تأخير البيان عن وقت الحاجة(‪ .‬ومعنى وقت الحاجة‪ :‬هو‬ ‫وقت العمل به‪ .

(43‬‬ ‫وها هي ذي تجارب نشهدها في الواقع المعاصر‪ ،‬حيث‬ ‫تصدر للزعامة والفتوى في أمور الدين من أباح دماء‬ ‫المسلمين! فلما لجأ أهل السلطان إلى أصحاب القرآن؛ لم‬ ‫ينفع دواؤهم في ذلك شيئا؛ لن من سموا علماء لم يبق‬ ‫فيهم من صفة العالم إل جبته! وإذن كانت النتيجة أن سار‬ ‫المجتمع مع )فتاوى( غيرهم إلى الضلل البعيد!‬ ‫إن رغبة التدين في الناس ـ مهما قد يبدو عليها من ضمور‬ ‫وفتور ـ طاقة متدفقة مثل الماء‪ ،‬متى تحبسه في اتجاه‬ ‫يتسرب ـ بصورة تلقائية ـ في اتجاه آخر قد ل تحمد عقباه!‬ ‫فإذن؛ يمكن الن أن نقول‪ :‬إن الحركة السلمية باختصار‪:‬‬ ‫هي رغبة طبيعية في التدين أول‪ ،‬كما جاءت به أصول‬ ‫السلم‪ ،‬لكن مع شيء من الحساس ـ ثانيا ـ بالحرمان!‬ ‫مما جعلها تصطبغ في بعض مظاهرها وتجلياتها بطابع )رد‬ ‫الفعل(‪ .‬‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫هوامش الفصل الول‪:‬‬ ‫)‪ (1‬رواه أبو داود والحاكم‪ ،‬والطبراني في الوسط‪ ،‬وأبو‬ ‫عمرو الداني في كتاب السنن‪ ،‬وصححه اللباني في‬ ‫)ص‪ .‬ص(= صحيح الجامع الصغير‪(1874 :‬‬ .‬ج‪.‬وذلك ما سوف نفصل القول فيه خلل الفصول‬ ‫التية من هذا البحث بحول الله‪.‫)حداثة( تقصد إلى التنصل من عقيدة السلم وشريعة‬ ‫السلم؛ فإنه من الطبيعي حينئذ أن ترى من ينتدب نفسه‬ ‫للقيام بالدفاع عن العقيدة والتدين العام! وهو يشعر في‬ ‫ذلك أنما يدافع عن نفسه بإبراء الذمة عند ربه‪ ،‬وحماية‬ ‫هويته!‬ ‫ثم إذا كانت السلطة قد قزمت دور العلماء‪ ،‬وفرغت جبة‬ ‫العالم من هيبته؛ فإن النتيجة أن الناس سيفقدون الثقة في‬ ‫أقواله وأفعاله؛ وإذن ـ وهذه هي المصيبة ـ سيظهر من‬ ‫يزعم لنفسه المامة العلمية بالباطل! ويصدق على‬ ‫المجتمع حينئذ قول النبي‪) :‬إن الله تعالى ل يقبض العلم‬ ‫انتزاعا ينتزعه من العباد‪ ،‬ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛‬ ‫حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهال؛ فسئلوا؛‬ ‫فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا!()‪.

‫)‪(2‬للحركة الطلبية السلمية الذكية حظ كبير في العودة‬ ‫إلى الجامعة المغربية؛ لكن بشروط جديدة ومنهج جديد‪.1974‬‬ ‫)‪ (24‬رواه أحمد وصححه اللباني في )ص‪ .37‬‬ ‫)‪ (18‬الموافقات‪.‬ورواه باختلف في اللفظ أبو داود‬ ‫والترمذي وابن ماجه‪ .13:‬‬ ‫)‪ (6‬حوار الدولة والدين‪.‬ج‪.‬‬ ‫)‪ (3‬النزعات الصولية والحداثة‪137:‬‬ ‫)‪ (4‬النزعات الصولية والحداثة‪139:‬‬ ‫)‪ (5‬السلم والغرب والعولمة‪.49:‬‬ ‫)‪ (10‬العنف والديمقراطية‪56:‬‬ ‫)‪ (11‬العنف والديمقراطية‪63:‬‬ ‫)‪ (12‬الصحوة السلمية في ميزان العقل‪31 :‬‬ ‫)‪ (13‬السلم السياسي لفرانسوا بوركا‪28 :‬‬ ‫)‪ (14‬الصولية في العالم العربي‪26:‬‬ ‫)‪ (15‬الصولية في العالم العربي‪28:‬‬ ‫)‪ (16‬الصولية في العالم العربي‪30:‬‬ ‫)‪ (17‬الموافقات‪1/36:‬ـ ‪.‬ص( رقم‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫فظروف العالم ـ رغم سوادها ـ هي لصالحها إن هي‬ ‫أحسنت القراءة‪ ،‬وأحسنت التنزيل؛ وإل فل حظ للغوغاء‬ ‫في عالم الترتيب‪.3/97:‬‬ ‫)‪ (19‬المصطلح الصولي عند الشاطبي للباحث‪ :‬ن‪.‬ص(‪.‬‬ ‫)‪ (20‬الفجور السياسي‪ :‬المقدمة الرابعة من‪ 27 :‬إلى ‪.5749:‬‬ ‫)‪ (23‬رواه أحمد‪ .‬ص(‬ ‫برقمي‪ 1973 :‬و ‪.‬ج‪.36‬‬ ‫)‪ (21‬رواه أحمد والترمذي وحسنه اللباني في‪:‬‬ ‫)ص‪ .2224‬‬ .‬ج‪.‬وصححه اللباني )ص‪ .‬ج‪.‬‬ ‫المعجم‪):‬مصطلح الصول(‪.‬وصححه‬ ‫اللباني في )ص‪ .175:‬‬ ‫)‪ (7‬حوار الدولة والدين‪.174:‬‬ ‫)‪ (8‬العنف والديمقراطية‪48:‬‬ ‫)‪ (9‬العنف والديمقراطية‪.‬ص(= صحيح الجامع الصغير‪ ،‬برقم‪7070 :‬‬ ‫)‪ (22‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان‪ .

4/427:‬‬ ‫)‪ (31‬الباب الول من كتاب الجهاد والسير‪.‬‬ ‫)‪ (27‬رواه أبو داود عن العرس بن عميرة‪ ،‬وحسنه اللباني‬ ‫في )ص‪ .‬‬ ‫)‪ (37‬النجاد في أبواب الجهاد‪18 :‬ـ ‪.98‬‬ ‫)‪ (43‬متفق عليه‪.22:‬‬ ‫)‪ (40‬متفق عليه‪ .‫)‪ (25‬رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان وصححه اللباني في‬ ‫)ص‪ .‬ج‪.21‬‬ ‫)‪ (39‬النجاد‪.599‬‬ ‫)‪ (42‬التوحيد والوساطة في التربية الدعوية للمؤلف‪:‬‬ ‫‪ 2/58‬إلى ‪.‬وله صيغ أخرى متقاربة صحيحة‪ ،‬رواها‬ ‫كل من البخاري ومسلم والمام أحمد‪ ،‬والترمذي وأبي‬ ‫داود‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬والحاكم‪ ،‬عن عدد من‬ ‫الصحابة‪.‬‬ ‫)‪ (32‬متفق عليه‬ ‫)‪ (33‬أحام القرآن‪.1/145:‬‬ ‫)‪ (34‬بداية المجتهد‪1/651:‬‬ ‫)‪ (35‬النجاد في أبواب الجهاد‪.‬‬ ‫)‪ (41‬رواه أبو داود والحاكم‪ ،‬والبيهقي‪ .‬وصححه اللباني‬ ‫في )ص‪ .‬ص(‪ ،1874:‬وفي السلسلة الصحيحة‪ :‬رقم‪:‬‬ ‫‪.18:‬‬ ‫)‪ (36‬رواه مسلم‪.28 :‬‬ ‫)‪ (30‬صحيح البخاري الباب رقم‪ (687):‬ج‪.‬‬ ‫ــــــــــ نهاية الفصل الول‪.‬ج‪.‬‬ .‬ج‪.‬ص( رقم‪.19‬‬ ‫)‪ (38‬النجاد‪20:‬ـ ‪.689 :‬‬ ‫)‪ (28‬رواه مسلم‪.1818 :‬‬ ‫)‪ (26‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫)‪ (29‬الفجور السياسي‪.‬ص( رقم‪.

‬إنه الشكال الذي تباينت في‬ ‫الجواب عنه الختيارات الدعوية‪ ،‬والجتهادات الصلحية‪،‬‬ ‫طيلة القرن الماضي إلى حدود هذه المرحلة من القرن‬ ‫الحاضر! )‪14/15‬هـ(‪.‫الفصل الثاصني‪ :‬الكحكام السياسية في مراتب‬ ‫التشريع السلمي‪:‬‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫لعل إشكال )من أين نبدأ؟( هو السؤال الول والساس في‬ ‫المجال الدعوي الصلحي‪ .‬‬ ‫من أين نبدأ؟ من القمة أم من القاعدة؟ من الشعب أم من‬ ‫الدولة؟‬ ‫أو بعبارة أخرى‪ :‬ما العمل المفتاحي للصلح؟ العمل‬ ‫السياسي أم العمل الديني الشعبي؟ أم هما معا؟ وإذا كان‬ .

‬فمفهوم )السياسة( و)الدولة(‬ ‫و)الحكم( مصطلحات ذات مدلولت حديثة في الفكر‬ ‫السياسي المعاصر‪ ،‬وإن كان استعمالها كألفاظ قديما في‬ ‫كتب علم الكلم‪ ،‬والسياسة الشرعية‪ ،‬والفقه‪ ،‬والقضاء‪،‬‬ ‫والتاريخ‪ ،‬لكن طبعا بدللت فقهية أو قضائية أو عمرانية ـ‬ ‫على حد تعبير ابن خلدون ـ مختلفة تماما عن السياق‬ ‫السياسي المعاصر‪ .‬‬ ‫ومن هنا فإن كثيرا من المشتغلين بالصلح الدعوي قد‬ ‫تداخلت لديهم هذه المصطلحات تداخل‪ ،‬مما أدى إلى‬ ‫الخلط بين الستعمال القديم لها والستعمال المحد ث‪،‬‬ ‫فكان ذلك سببا في نشوء فهوم للصلح الديني مبنية على‬ ‫أصول موهومة! ومقولت غريبة عن مقاصد الشريعة‪،‬‬ ‫وقواعد التشريع!‬ ‫ثم كان من ذلك كله أن تكونت مذاهب إصلحية حديثة‪ ،‬قد‬ ‫تتقارب‪ ،‬وقد يذهب بها الختلف والتضارب مذاهب شتى!‬ ‫إن مقولة )الدولة السلمية( ـ بناء على ذلك ـ صارت‬ ‫مفرق طريق بين كثير من الحركات والتوجهات السلمية‬ ‫اليوم‪ .‬من بين من يجعلها هدفا من إقامة الدين‪ ،‬ومن‬ ‫يجعلها وسيلة لقامة الدين‪ ،‬ومن يجعلها نتيجة لذلك فقط‪،‬‬ ‫ل هدفا ول وسيلة!‬ ‫فالذين يجعلونها هدفا قسمان‪ :‬الول‪ :‬قوم يسلكون إليها‬ ‫عبر ذاتها‪ ،‬أي المراهنة على النقلبات والثورات‪ ،‬أو الزحف‬ ‫والقومة باصطلح آخر! والثاني‪ :‬قوم يسلكون إليها عبر‬ ‫المجتمع السياسي‪ ،‬أي عبر صناديق القتراع النتخابي‬ ‫الديموقراطي‪ .‬أضف إلى ذلك أن سقوط الخلفة‬ ‫السلمية مع العثمانيين‪ ،‬وظهور الدولة القطرية في العالم‬ ‫السلمي‪ ،‬بالمفهوم الستعماري الحديث‪ ،‬جعل من‬ ‫الشكال المذكور قضية جديدة على الفكر السلمي تماما؛‬ ‫إذ لم تكن الحاجة قد دعت إليها من قبل؛ ولذلك لم تظهر‬ ‫بالشكل الذي برزت به اليوم‪.‬والهدف عندهم في نهاية المطاف واحد‪:‬‬ .‫لبد من الجمع بينهما فلي منهما تكون الولوية‪ ،‬عند‬ ‫المزاحمة والموازنة؟‬ ‫تلك أسئلة ما كان لها أن تنشأ في الفكر السلمي إل حديثا؛‬ ‫نظرا لحداثة الشكال‪ .

‬‬ ‫وأما الذين يعتبرون )الدولة السلمية( نتيجة فقط؛ فيلغونها‬ ‫من الحساب مطلقا عند وضع البرنامج الدعوي! ويسلكون‬ ‫مسلك الصلح الديني الشعبي على أساس أن صلح‬ ‫الدولة إنما هو نتيجة طبيعية لصلح المجتمع‪.‬‬ ‫وأما الذين يرونها وسيلة لقامة الدين ـ من حيث هو علقة‬ ‫تعبدية بين العبد وربه‪ ،‬على المستوى الفردي والجتماعي ـ‬ ‫فغالب أمرهم أنهم يلتقون مع الوائل في جانب واحد ـ رغم‬ ‫اختلف التصورات ـ وهو مسلك المشاركة السياسية‬ ‫النتخابية‪ ،‬قصد التمكن من توفير فضاء ديني أوسع‬ ‫للمجتمع‪ .‬هذا هو الغالب‪ ،‬لكن ربما سلكوا ـ عند الضرورة ـ‬ ‫المسلك الثوري أيضا! مع العلم أنهم إنما يتوسلون بذلك‬ ‫إلى إصلح تدين الناس بناء على مقولة‪) :‬إن الله ليزع‬ ‫بالسلطان ما ل يزع بالقرآن!(‪.‬‬ ‫وتحت كل مذهب من هذه فروع اجتهادية واختيارات أخرى‬ ‫يصعب حصرها‪.‬‬ ‫تبين إذن أن الشكال )السياسي( بالمعنى الحديث للكلمة‬ ‫هو محل النزاع الذي ينبغي )تحريره( بتعبير الفقهاء؛ لتبين‬ ‫طبيعة المنها ج الدعوي الصلحي‪ ،‬بالنظر إلى النصوص‬ ‫الشرعية ومقاصدها الكلية من جهة؛ وكذا الحاجات‬ ‫التنزيلية المعاصرة من جهة ثانية‪.‬سوء اعتبرناه هو الوسيلة الساس أو هو الغاية‬ ‫الساس!‬ ‫من هنا ـ ونحن نسعى إلى معالجة القضية في إطار السلم‬ ‫)الكتاب والسنة( ـ كان علينا أول أن نتبين موقع المسألة‬ .‬فالعبرة‬ ‫عندنا ههنا إنما هي اختبار صحة القول )بالمفتاحية(‪ ،‬أي‬ ‫كون العمل السياسي هو المفتاح الساس لي إصلح‬ ‫إسلمي‪ .‬‬ ‫فبكل هدوء‪ ،‬وبعيدا عن منطق )أنا الفرقة الناجية( ـ في‬ ‫معالجة القضية الصلحية‪ ،‬لدى حركات التجديد الديني‬ ‫الجتهادي ـ نتساءل من جديد‪ :‬إلى أي حد يمكن القول‬ ‫)بمفتاحية( العمل السياسي في الصلح والتجديد؟ سواء‬ ‫لدى من يعتبره غاية في نفسه أو وسيلة لغيره‪ .‫هو إقامة الدولة السلمية التي هي ـ حسب هذا الجتهاد ـ‬ ‫قصد الشارع الساس من الستخلف في الرض‪.

‬‬ ‫فقد ورد تشريع كل ذلك في القرآن أساسا‪ .‬نسوقها )مقدمة( علمية ـ بالمعنى‬ ‫المنطقي للكلمة ـ بين يدي هذه )القضية(؛ لتحديد )نتيجة(‬ ‫المرتبة التشريعية للحكام السياسية في السلم‪.‫السياسية في نصوص الشريعة ومقاصدها أول؛ لتحديد‬ ‫طبيعة التصور السلمي لها من جهة‪ ،‬وحجم ما تشغلة من‬ ‫مساحة في كلياتها الشرعية من جهة ثانية‪ .‬ولمعرفة هذا لبد من معرفة قاعدة‬ ‫تشريعية أساس لتصنيف أحكام الشريعة‪ ،‬ومعرفة‬ ‫أولوياتها‪ ،‬ومراتبها‪ .‬‬ ‫وذلك أن علماء أصول الفقه‪ ،‬منذ القديم‪ ،‬قد نبهوا إلى‬ ‫قاعدة تشريعية عظيمة‪ ،‬متعلقة )بمراتب التشريع(‪.‬‬ ‫ومفادها أن ما كان من أصول الدين العتقادية أو العملية‪،‬‬ ‫إنما يكون أصل تشريعه في القرآن‪ .‬من مثل قوله‬ ‫تعالى في الواجبات‪) :‬وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة()البقرة‪:‬‬ ‫‪ ،(109‬وقوله‪) :‬كتب عليكم الصيام()البقرة‪ ،(182:‬وقوله‪:‬‬ ‫)ولله على الناس حج البيت()آل عمران‪ ،(97:‬ونحو قوله‬ ‫سبحانه في المحرمات‪) :‬وذروا ما بقي من الربا()البقرة‪:‬‬ ‫‪) ،(277‬وأحل الله البيع وحرم الربا()البقرة‪ ،(274:‬وقوله‬ ‫تعالى‪) :‬إنما الخمر والميسر والنصاب والزلم رجس من‬ ‫عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون()المائدة‪،(92:‬‬ ‫وقوله‪) :‬ول تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيل(‬ .‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬في مراتب التشريع السلمي‪:‬‬ ‫إن الدراسة الصولية )نسبة إلى علم أصول الفقه( لطبيعة‬ ‫التشريع السياسي في السلم‪ ،‬يجب أن تقوم أول وقبل‬ ‫كل شيء؛ على معرفة الواقع التشريعي للحكام السياسية‬ ‫في الكتاب والسنة‪ .‬ول يترك منه للسنة إل‬ ‫ما كان من قبيل البيان والتفصيل‪ ،‬من توضيح الهيآت وبيان‬ ‫الكيفيات‪ .‬ولمعرفة ذلك‬ ‫لبد من بيان المرتبة التشريعية للحكام السياسية في‬ ‫الدين أول‪ ،‬فقها وأصول‪.‬وذلك شأن اليمان بالله واليوم الخر‪ ،‬والصلة‬ ‫والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات‪ ،‬وكذا شأن الربا‪،‬‬ ‫والخمر‪ ،‬والميسر‪ ،‬والزنى‪ ،‬وأكل الميتة والدم ولحم‬ ‫الخنزير وما ذبح على النصب؛ من المحرمات‪ ،‬ونحو هذا‬ ‫وذاك‪.

‬‬ ‫فل ينبغي أن يعتقد بناء على هذا أن بعض الصول الدينية‬ ‫التشريعية قد أهملت من القرآن لتتولى السنة تشريعها‪.‬إلخ الحديث()‪َ ،(2‬فّ‬ ‫وكيفية الصيام‪ ،‬وقال في الحج وهو يحج بالمسلمين في‬ ‫حجة الوداع‪) :‬يا أيها الناس خذوا عني مناسككم()‪ (3‬ونحو‬ ‫هذا وذاك كثير‪ ،‬وإنما قصدنا التمثيل لطريقة السنة في‬ ‫التعامل مع أصول التشريع وكلياته‪ ،‬من البيان والتفصيل‪.(172 :‬إلى غير ذلك‬ ‫من أصول الواجبات والمحرمات في الدين‪ .‫)السراء‪ ،(32:‬وقوله‪) :‬إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم‬ ‫الخنزير وما أهل به لغير الله()البقرة‪ .‬‬ ‫وعليه؛ فإنه ل يترك للسنة من التشريع إل ما كان بمنزلة‬ ‫الفروع والجزئيات‪ ،‬وبيان الكيفيات‪ ،‬ل الصول والكليات‪.‬وذلك كأحاديث إيجاب الصلة والزكاة‬ ‫والصيام والحج بالسنة‪ ،‬فإنما هو من قبيل التأكيد‪ ،‬ل‬ ‫التأسيس‪.‬‬ ‫فهذا مما يخالف قصد الشارع‪ ،‬وطبيعة التشريع السلمي‪،‬‬ ‫وقواعده الكلية الستقرائية‪ .‬فل حكم شرعي مما‬ ‫هو مقصود أصالة من الدين إل وأصله التشريعي في‬ ‫القرآن‪...‬‬ ‫وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا‪ ،‬من الواجبات‬ ‫والمحرمات‪ ،‬فإنه ل يكون من الصول والكليات‪ ،‬وإنما هو‬ .‬فإنما شأن السنة في مثل‬ ‫هذه المور بيان الهيآت التنزيلية والكيفيات التطبيقية‪ ،‬من‬ ‫مثل قوله عليه الصلة والسلم‪) :‬صلوا كما رأيتموني‬ ‫أصلي()‪ ،(1‬وحديث المسيء صلته المشهور‪ ،‬وفيه‪:‬‬ ‫)والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني! فقال‪ :‬إذا‬ ‫قمت إلى الصلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم‬ ‫وبين‪ ‬مقادير الزكاة وأنصبتها‪،‬‬ ‫اركع‪ .‬‬ ‫فإذا وجدت من السنة ما هو كذلك ـ ولم يكن بيانا تطبيقيا‬ ‫ول تفصيليا ـ فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع ل تأسيس‬ ‫التشريع! فل حكم من الكليات التشريعية إل وتجد في‬ ‫كتاب الله أصله الول‪ .‬دل على ذلك الستقراء التام لصول‬ ‫الشريعة وفروعها‪ .‬فإن الله تعالى‬ ‫إنما أنزل كتابه ليكون أصل التشريع الول بل منازع‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪) :‬ما فرطنا في الكتاب من شيء()النعام‪ ،(39:‬أي‬ ‫من أصول التشريع وكليات الحكام‪ .

‬وإنما للسنة المرتبة الثانية‪،‬‬ ‫فما اقتصر على تشريعه فيها ـ ولم يكن من قبيل البيان‬ ‫والتفصيل ـ كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية‪،‬‬ ‫بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن‪ .‫من الفروع والجزئيات‪ ،‬بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من‬ ‫التشريع‪ .‬وإنما يكون حينئذ من الوسليات‬ ‫والتبعيات‪ ،‬ولذلك وكله إلى الجتهاد! وفي مثل هذا قال‬ ‫علماء أصول الفقه‪) :‬السكوت في معرض الحاجة بيان!()‬ ‫‪(4‬‬ ‫وقد نص المام الشافعي رحمه الله ـ بإجمال ـ في رسالته‬ ‫على ما فصلناه من ترتيب تشريعي‪ ،‬فقال‪) :‬ما أنزل الله‬ ‫من جمل فرائضه‪ :‬في أن عليهم صلة وزكاة وحجا على‬ ‫من أطاقه‪ ،‬وتحريم الزنا والقتل وما أشبه هذا‪ .(6‬فقوله رحمه الله‪) :‬أبان رسول الله‬ ‫عن الله معنى ما أراد بها( إشارة إلى أن وظيفة السنة‬ .‬وذلك كأحاديث النهي عن كل ذي ناب من‬ ‫السباع‪ ،‬وكل ذي مخلب من الطير‪ ،‬وذوات السموم‪ ،‬ونحو‬ ‫ذلك‪.‬وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل من‬ ‫الواجبات والمحرمات جميعا‪ .‬قال‪ :‬وقد‬ ‫كانت لرسول الله في هذا سننا)‪ (5‬ليست نصا في القرآن‪،‬‬ ‫أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها‪ .‬وهذه هي المرتبة الولى من‬ ‫التشريع‪ .‬‬ ‫إذن فالصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون‬ ‫منصوصا عليه في الكتاب‪ .‬ومن أخطأ هذه‬ ‫القاعدة الصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!‬ ‫وأما ما سكتت عنه النصوص جميعا من الكتاب والسنة‪،‬‬ ‫وأحيل على الجتهاد‪ ،‬فإنما هو من المرتبة التشريعية‬ ‫الثالثة! أي من حيث قصد الشارع إليها‪ ،‬وليس فقط من‬ ‫حيث هي مسألة اجتهادية! وبين العتبارين فرق بالنظر‬ ‫الصولي الدقيق! أعني أن إهمال الشارع أمرا بعدم النص‬ ‫عليه في الصلين‪ :‬الكتاب والسنة‪ ،‬مع وجود المقتضي‬ ‫للتشريع‪ ،‬ل يكون نسيانا ول غفلة‪ ،‬وإنما تشريعا! أي أن‬ ‫الشارع قد قصد إلى إغفال ذلك قصدا‪ ،‬ولم يكن عنده‬ ‫بالمقصود أصالة من الدين‪ .‬وتكلم‬ ‫المسلمون في أشياء من فروعها‪ ،‬لم يسن رسول الله فيها‬ ‫سنة منصوصة()‪ .

‬‬ ‫وبمراعاة هذا المعنى امتنع عند الشافعي أن تنسخ السنة‬ ‫الصحيحة الكتاب؛ لن كلم الله ل ينسخه إل كلم الله‪ .‬وإنما هي تبع‬ ‫للكتاب‪ ،‬بمثل ما نزل نصا‪ ،‬ومفسرة معنى ما أنزل الله منه‬ ‫جمل!()‪ (9‬ثم قال‪) :‬فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير‬ ‫إنزاله ل يكون إل بقرآن مثله!()‪.‬وله رحمه الله نص أوضح في التشريع‬ ‫القضائي يبين هذه المراتب الثل ث‪ ،‬قال‪) :‬ومن ينازع ممن‬ ‫بعد رسول الله رد المر إلى قضاء الله‪ ،‬ثم قضاء رسوله؛‬ ‫فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما‪ ،‬ول في واحد‬ ‫منهما؛ ردوه قياسا على أحدهما()‪.‬وهذا أصل عظيم من الدين وقاعدة‬ ‫جليلة من التشريع‪ ،‬ل يقود عدم اعتبارها إل إلى المهالك‪.‬وهذا قصد الصوليين بقاعدتهم‬ ‫المشهورة‪) :‬رتبة السنة التأخر عن الكتاب في العتبار()‬ ‫‪.‬كما هو مفهوم من نص‬ ‫الشافعي المذكور‪ .‬وقوله بعد‪) :‬وتكلم المسلمون في‬ ‫أشياء من فروعها( يعني الجتهاد‪ ،‬وأنت ترى أن التشريع‬ ‫فيه سماه )فروعا(‪ .‬ولو استويا لجاز عنده أن تنسخ‬ ‫السنة الكتاب! وهو ما نفاه قطعا! وتأخر السنة عن الكتاب‬ ‫بهذا المعنى يستوي فيه كونها مفسرة للكتاب ومنشئة‬ .(10‬‬ ‫فقوله هذا نص في أن السنة متأخرة عن الكتاب رتبة ل من‬ ‫حيث مصدرية التشريع لعمل المجتهد فحسب‪ ،‬ولكن أيضا‬ ‫من حيث القيمة التشريعية المتعلقة بالحكام التكليفية‬ ‫الواردة في كل منهما‪ .(8‬‬ ‫والمقصود بالرتبة هنا ليس مجرد الترتيب في المصدرية‬ ‫التشريعية بالنسبة لعمل المجتهد؛ وإنما الرتبة التشريعية‬ ‫التي عليها تنبني قيمة الحكم المشرع له‪ .(7‬‬ ‫فقوله‪) :‬ثم قضاء رسوله( دال على الترتيب كما هو عند‬ ‫أهل اللغة في معنى )ثم(‪ .‫البيان كما قدمناه‪ .‬فليس ما شرعه‬ ‫الشارع بنص الكتاب مساويا لما شرعه بنص السنة‪ ،‬ول هذا‬ ‫مساويا لما شرعه بالجتهاد‪ .‬ولذلك كانت رتبتها التشريعية بالنسبة‬ ‫إلى الكتاب التأخير‪ .‬قال‬ ‫س َف‬ ‫خ ما نسخ من الكتاب‬ ‫رحمه الله‪) :‬وأبان لهم أنه إنما ن َف َف‬ ‫بالكتاب‪ .‬وأن السنة ل ناسخة للكتاب‪ .

.‬أل وإن‬ ‫ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله()‪(11‬؛ لنا نقول‪ :‬هذا‬ ‫الحديث )سياقه الصيل( إنما هو في ذم من أنكر الستدلل‬ ‫بالسنة جملة وتفصيل! ل في ذم من َفرَفّتبها حيث رتبها الله‬ ‫ورسوله‪ .‬وهو ـ بالضافة إلى‬ ‫كونه إمام الصوليين ـ من أول العلماء الذين شنوا الحرب‬ ‫العلمية على الطوائف التي أهملت الستدلل بالسنة‬ ‫قصدا‪ .‬وما ورد بالمدينة من‬ ‫التشريع إنما هو كالفروع الجزئية بالنسبة إلى ما شرع‬ ‫بمكة! فكان من الواجب على الفقيه المجتهد أن يفهم‬ ‫الجزئيات منزلة على وزان الكليات‪ .‬والدليل على ذلك أن معنى‬ ‫الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي‪ ،‬كما أن‬ ‫المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه‪ .‬وهو ما ل يقول‬ ‫به إل جاهل أو مغرض‪.‬قال‬ ‫رحمه الله‪) :‬المدني من السور ينبغي أن يكون منزل في‬ ‫الفهم على المكي )‪ (..‬وذلك هو موضوع الحديث المذكور‪ .‬قال إمام المقاصد أبو‬ ‫إسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه )الموافقات(‪) :‬إن‬ ‫المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الحكام‬ ‫الكلية والقواعد الصولية في الدين على غالب المر()‪.(12‬‬ ‫وبما أن الجزئي ل يفهم إل في إطار كليه ـ كما قدمنا ـ‬ ‫وجب إرجاع المدني في الفهم إلى الصول المكية‪ .‫لحكام جديدة‪ .‬دل على‬ ‫ذلك‪ :‬الستقراء!()‪ (13‬ومعلوم أن الستقراء عنده ـ كما‬ ‫هو عند غيره ـ يدل على القطع!‬ .‬‬ ‫بل إن العلماء قد نصوا على ما هو أدق من ذلك‪ :‬وهو أن‬ ‫الصول التشريعية كلها‪ ،‬والكليات الدينية عامتها؛ قد تم‬ ‫النص عليها في السور المكية‪ .‬وهذا مطلب دقيق المعنى‪ ،‬عزيز المأخذ‬ ‫فتأمله!‬ ‫ل يقال‪ :‬بل إن السنة مساوية للكتاب في الرتبة التشريعية‬ ‫بدليل الحديث الصحيح الوارد عن النبي‪ ،‬والذي نصه‪:‬‬ ‫)يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته يحد ث بحديث من‬ ‫حديثي فيقول‪ :‬بيننا وبينكم كتاب الله‪ ،‬فما وجدنا فيه من‬ ‫حلل استحللناه‪ ،‬وما وجدنا فيه من حرام حرمناه‪ .‬كما‬ ‫رأيت من نصوص الشافعي رحمه الله‪ .‬وهو ما أجمع العلماء على القول به وفهمه‪ .

‬ولذلك كانت ظنية كلها‪ ،‬بل ل‬ ‫محل للقطع فيها البتة! وكانت محل خلف في الغالب‪،‬‬ ‫ومجال قبول ورد‪ ،‬ومتسعا للنظر المتجدد أبدا!‬ ‫ثم إن مما يلحق بهذه القاعدة الترتيبية الكلية قاعدتين‪:‬‬ ‫ـ الولى‪ :‬مفادها )أن ما كان مقصودا للشارع أصالة كان‬ ‫تشريعه تصريحا ل تلميحا(‪ .‬‬ ‫وأما الحكام الجتهادية فهي آخرهن رتبة من حيث الصالة‬ ‫التشريعية‪ ،‬والقوة التكليفية‪ ..‬وكان أولها‪ :‬اليمان بالله ورسوله واليوم‬ ‫الخر‪ .‬ثم تبعه ما هو من الصول العامة‪ ،‬كالصلة‪ ،‬وإنفاق‬ ‫المال وغير ذلك‪ .‬وما أشبه ذلك كله‬ ‫تكميل للصول الكلية()‪.(14‬‬ ‫وهذا الكلم مفيد في بيان أن الحكام القرآنية نفسها‬ ‫ليست سواء‪ ،‬ول هي على وزان واحد! فمن أخل بالجزئي‬ ‫ل يكون من حيث الوزر كمن أخل بالكلي‪ .‬قال رحمه الله‪) :‬اعلم أن القواعد الكلية هي‬ ‫الموضوعة أول‪ ،‬والتي نزل بها القرآن على النبي‪ ‬بمكة‪.‬ثم‬ ‫الحكام الجتهادية المستنبطة منهما‪ .‬ومن هنا لزم عند الصوليين‬ ‫)أن تكون التكاليف العتقادية والعملية مما يسع المي‬ ‫تعقلها؛ ليسعه الدخول تحت حكمها!()‪ (15‬ولذلك سمى‬ ‫الشارع أصول الواجبات والمحرمات بأسمائها صراحة‬ .‫وبيان هذا المعنى ـ عند الشاطبي ـ على التفصيل‪ ،‬منزل‬ ‫على شواهده كثير‪ ،‬نختار منه التمثيل التالي‪ ،‬إذ بالمثال‬ ‫يتضح المقال‪ .‬تماما ككون من‬ ‫أنكر البعث ليس سواء مع من زنى أو سرق دون أن ينكر‬ ‫ما أنكره الول‪ .‬ثم لما خر ج رسول الله‪ ‬إلى المدينة‪ ،‬واتسعت ر‬ ‫السلم‪ ،‬كملت هنالك الصول الكلية على تدريج‪ ،‬كإصلح‬ ‫ذات البين‪ ،‬والوفاء بالعقود‪ ،‬وتحريم المسكرات‪ ،‬وتحديد‬ ‫الحدود‪ ،‬التي تحفظ المور الضرورية‪ ،‬وما يكملها ويحسنها‪،‬‬ ‫ورفع الحر ج بالتخفيفات والرخص‪ .‬وإن كان الفعلن كلهما وزرا موزورا‪،‬‬ ‫وخطئا كبيرا!‬ ‫فبناء على كل ما تقدم من تأصيل؛ تترتب أحكام القرآن‬ ‫الكلية أول‪ ،‬ثم أحكامه الجزئية‪ ،‬ثم أحكام السنة‪ ..‬ونهى عن كل ما هو كفر‪ ،‬أو تابع للكفر‬ ‫خطة‬ ‫)‪ (.‬هكذا على العموم‪.‬‬ ‫ثم تبعها أشياء بالمدينة‪ ،‬كملت بها تلك القواعد التي وضع‬ ‫أصلها بمكة‪ .

‬‬ ‫وإنما العبرة عندنا ههنا التعريف الكلي بالقاعدة؛ للبناء‬ ‫عليها فيما سيأتي من أحكام وتصورات‪ ..‬إلخ‪ .‬ل يختلف فيها اثنان ول يتناطح عليها‬ ‫كبشان! وإنما قد يحصل الخلف في )تحقيق مناطها( ل في‬ ‫دللتها‪ .‬أي عند تحديد بعض أفرادها الجزئية عند التطبيق‬ ‫العملي‪ ،‬ل في دللتها الكلية على مجموع الجزئيات‪ .‬ولذلك أيضا كانت القاعدة الترجيحية‬ ‫عند التعارض‪ :‬أن )ل عبرة بالدللة في مقابلة التصريح()‬ ‫‪.‬وأما تتبع الجزئيات‪،‬‬ ‫فليس هذا محله‪.‬‬ ‫قب رّية( دال‬ ‫فالمقصود إذن؛ أن تسمية الشارع لمسميات )ل َف َف‬ ‫على القصد الصيل لتشريع أحكامها بذاتها! فمثل‪ :‬ل‬ ‫يستوي تحريم الخنزير‪ ،‬مع تحريم السباع وذوات السموم‪،‬‬ ‫الوارد في السنة‪ ،‬لمن يقول بتحريمها بدل كراهتها؛ فبغض‬ ‫النظر عما أسلفنا من تأخر الرتبة التشريعية للسنة عن‬ ‫الكتاب‪ ،‬وأن ما كان منصوصا عليه بالكتاب آكد مما نص‬ ‫عليه في السنة؛ فإن التصريح العباري باسم )الخنزير(‪ ،‬قد‬ ‫حصر التحريم الغليظ في حيوان معين! وبقي تحريم ما‬ ‫سواه على العموم والجمال في مدلول السباع وذوات‬ ‫السموم‪ .(16‬‬ ‫فكان أن أوجب شهادة )أل إله إل الله وأن محمد رسول‬ ‫الله(‪ ،‬وحددها في صيغ عبارية واضحة معلومة‪ ،‬وأوجب‬ ‫الصلة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام‪.‬وكل هذه وأضرابها‬ ‫عبارات ذات دللت واضحة‪ ،‬وأسماء على مسميات‬ ‫معلومة لغة أو عرفا‪ .‬‬ ‫كما حرم ما حرم من المحرمات بالسم الصريح كالزنى‪،‬‬ ‫والسرقة‪ ،‬وقتل النفس بغير حق‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬وأكل‬ ‫الميتة‪ ،‬والدم‪ ،‬ولحم الخنزير‪.‫ن عنها إيماء أو إشارة! ولذلك كانت أقوى‬ ‫وعبارة‪ ،‬ولم ي رك َف ّ‬ ‫طرق الدللة الصولية‪) :‬المعنى العباري( قبل )المعنى‬ ‫الشاري(‪ ،‬كما كان )المنطوق( أولى من )المفهوم(‬ ‫باصطلح الصوليين‪ ..‬إذ لو كان شيء منها‬ ‫مقصودا بالتحريم على درجة تحريم الخنزير؛ لنص عليه‬ ‫الشارع في القرآن باسمه‪ ،‬كما نص على الخنزير نصا! وما‬ .‬وهذا معنى تشريعي لطيف‪ .‬وهذا‬ ‫معلوم في علم الصول‪ ،‬منصوص على قواعده عند أهله‪.

(17‬‬ ‫الثانية‪ :‬مما يلحق بالقاعدة الترتيبية الكلية )أن كل ما كان‬ ‫مقصودا للشارع بالصالة فصل تشريعه تفصيل( أي فصله‬ ‫نصا‪ ،‬ولم يكد يترك منه للجتهاد إل قليل! قال عز وجل‪:‬‬ ‫)وقد فصل لكم ما حرم عليكم()النعام‪ (119:‬وقال‬ ‫ر‬ ‫ت من لدن حكيم‬ ‫سبحانه‪) :‬الر‪ .‬كتا ب‬ ‫صل َف ت‬ ‫م ت‬ ‫ب أحك ر َف‬ ‫ت آياته ثم فر ي‬ ‫خبير()هود‪ .‬وهو شأن أحكام )العادات التي يشهد لها‬ ‫الطبع(؛ ولذلك ل يتأكد الطلب عليها‪ ،‬ل بتحديد مقاديرها‪،‬‬ ‫ول ببيان هيآت تنزيلها على آحادها‪ .‬وكذا سائر المحرمات بالكتاب جاء تفصيلها الكامل‬ ‫بالسنة‪.‬إذ كل ذلك يوكل إلى‬ ‫نظر المجتهد‪.‬فجعل الفرض والحرام لما ثبت‬ ‫بالقرآن‪ ،‬وما دون ذلك لما ثبت بالسنة‪ .‬وهذا معنى ـ من‬ ‫حيث القصد ـ متفق عليه بين فقهاء المصار‪ ،‬وإن اختص أبو‬ ‫حنيفة بتمييزه باصطلحات خاصة)‪.‬‬ ‫وأما حيث ل تجد التفصيل ل بالكتاب ول بالسنة‪ ،‬وإنما‬ ‫مجملت تشريعية‪ ،‬أو عمومات قرآنية أو سنية؛ فمعناه أن‬ ‫ذلك الحكم قد أحيل تفصيله على الجتهاد‪ ،‬وأنه تشريع من‬ ‫الدرجة الثالثة‪ .‬‬ ‫وإذا ثبت هذا؛ فقد تقرر أن مراتب التشريع‪ ،‬وقوة الحكام‬ ‫الشرعية‪ ،‬مبنية على أولوية القصد التشريعي لما نص عليه‬ ‫في القرآن أول‪ ،‬ثم ما نص عليه في السنة ثانيا‪ ،‬ثم ما ترك‬ ‫للجتهاد ثالثا‪ ،‬وأن ما عبر عنه صراحة وعبارة؛ أولى مما‬ ‫عبر عنه كناية وإشارة!‬ ‫ومن ملحظة هذا المعنى فرق أبو حنيفة بين الفرض‬ ‫والواجب‪ ،‬وبين الحرام‪ ،‬والمكروه كراهة تحريم‪ ،‬ثم‬ ‫المكروه كراهة تنزيه‪ .‫أهمله إل لمعنى‪ ،‬هو ما قررناه من أن السكوت في معرض‬ ‫البيان بيان! والسكوت مستويات ومراتب‪ ،‬فقد يكون‬ ‫سكوتا بإطلق‪ ،‬وقد يكون سكوتا عن تعيين‪ ،‬وهذا منه‪.‬‬ .(1:‬وذلك شأن أحكام أركان السلم جملة فقد‬ ‫فصلتها السنة النبوية تفصيل‪ ،‬وكذلك كثير من الحكام‬ ‫المقصودة للشارع بالصالة‪ ،‬كأحكام الزوا ج والطلق‪،‬‬ ‫والميرا ث‪ ،‬وسائر أحكام السرة‪ ،‬فهذه قد فصلها القرآن‬ ‫تفصيل‪ .

‬والظلم والفحشاء‪ ،‬والمنكر‪ ،‬والبغي‪ ،‬ونقض‬ ‫العهد؛ في المنهيات()‪ (19‬وذلك بالضبط شأن الحكام‬ ‫السياسية كما سترى‪..‬‬ ‫وعليه ـ وهذه هي نتيجة الستدلل ـ فإن ما كان في‬ ‫الشريعة السلمية أولى بالتشريع ـ حسب القواعد‬ ‫المؤصلة لما ذكرـ كان هو الولى بالتدين والتعبد! بمعنى أن‬ ‫ما كان أولى بالتشريع كان أدخل في دين الله‪ ،‬وكان من‬ ‫أولوياته ومقاصده العظمى‪ ،‬وما لم يكن كذلك كان من‬ ‫وسائله وتوابعه ليس إل! وأما ما لم يكن من هذه ول تلك‪،‬‬ ‫أي ل هو مما يدخل في الرتبة التشريعية الولى‪ ،‬ول الثانية‪،‬‬ ‫ول الثالثة؛ فليس من دين الله ل أصالة ول تبعا!‬ ‫ـــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫هوامش المبحث الول من الفصل الثاني‪:‬‬ ‫)‪ (1‬رواه البخاري‪.‬‬ ..‬وهذا‬ ‫القسم أكثر ما تجده في المور العادية التي هي معقولة‬ ‫المعنى‪ ،‬كالعدل والحسان‪ ،‬والعفو‪ ،‬والصبر‪ ،‬والشكر؛ في‬ ‫المأمورات‪ .‬أل ترى أنه لم يوضع في هذه الشياء على‬ ‫المخالفة حدود معلومة؟()‪(18‬‬ ‫وقال في موطن آخر‪) :‬كل دليل شرعي ثبت في الكتاب‬ ‫ن ول ضابط مخصوص؛‬ ‫مطلقا غير مقيد‪ ،‬ولم ريجعل له قانو ب‬ ‫فهو راجع إلى معنى معقول‪ ،‬ورك ر َف‬ ‫ل إلى نظر المكلف‪ ..‬‬ ‫)‪ (4‬مجلة الحكام العدلية‪ 1/24 :‬ن‪ .‬وصيغة مسلم‪:‬‬ ‫)لتأخذوا عني مناسككم!( بلم المر‪.‬فقد يكتفي الشارع في طلبه بمقتضى‬ ‫الجبلة الطبيعية‪ ،‬والعادات الجارية‪ ،‬فل يتأكد الطلب تأكد‬ ‫غيره )‪ (.‫قال أبو إسحاق الشاطبي‪) :‬ما كان شاهد الطبع خادما له‪،‬‬ ‫ومعينا على مقتضاه‪ ،‬بحيث يكون الطبع النساني باعثا على‬ ‫مقتضى الطلب )‪ (.‬‬ ‫)‪ (2‬متفق عليه‬ ‫)‪ (3‬رواه مسلم والبيهقي واللفظ له‪ ..‬ورواه أحمد‪ ،‬وابن‬ ‫خزيمة‪ ،‬وأبو داوود والنسائي والطبراني‪ .‬أيضا‪ :‬أصول‬ ‫الشاشي‪1/262:‬‬ ‫)‪ (5‬رجح محقق الرسالة الشيخ أحمد شاكر أن نصب‬ ‫)سننا( لغة شاذة‪.

‫)‪ (6‬الرسالة‪158:‬ـ ‪.2/88 :‬‬ ‫)‪ (16‬مجلة الحكام العدلية‪1/17 :‬‬ ‫)‪ (17‬شرح القواعد الفقهية للزرقا‪.3/46 :‬‬ ‫ـــــــــــــــ‬ ‫المبحث الثاصني‪ :‬في المرتبة التشريعية للكحكام‬ ‫السياسية‪:‬‬ ‫نقصد بالحكام السياسية‪ :‬كل التشريعات المتعلقة بتدبير‬ ‫الشؤون العامة للدولة‪ .‬وصححه‬ ‫اللباني في صحيح الجامع الصغير‪.‬على المستوى الدستوري والداري‬ ‫والتنفيذي‪.‬‬ ‫فهذا كله قائم على معنى أساس‪ :‬هو إقامة مؤسسة‬ ‫المامة الكبرى‪ ،‬أو الخليفة‪ ،‬أو أمير المؤمنين‪ ،‬أو الملك‪ ،‬أو‬ ‫رئيس الدولة‪ .‬‬ .141:‬‬ ‫)‪ (18‬الموافقات‪3/130 :‬ـ ‪.132‬‬ ‫)‪ (19‬الموافقات‪.‬وعندما نقول )مؤسسة المامة( فإننا نعني‬ ‫بذلك كل ما يدخل في مفهوم )السلطة( من حكومة‬ ‫ووزارات وإدارات‪ ،‬مما يمثل ـ بصورة ما ولو كانت تبعية ـ‬ ‫الخليفة أو الملك‪ ،‬أو الرئيس‪ ،‬ويتصرف باسمه‪ .8186 :‬‬ ‫)‪ (12‬الموافقات‪3/114 :‬‬ ‫)‪ (13‬الموافقات‪3/406 :‬‬ ‫)‪ (14‬الموافقات‪3/102 :‬ـ ‪103‬‬ ‫)‪ (15‬الموافقات‪.159‬‬ ‫)‪ (7‬الرسالة‪81 :‬‬ ‫)‪ (8‬الموافقات للشاطبي‪4/7:‬‬ ‫)‪ (9‬الرسالة‪106 :‬‬ ‫)‪ (10‬الرسالة‪108 :‬‬ ‫)‪ (11‬رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن المقداد‪ .‬‬ ‫وهذا هو ما سماه الفقهاء قديما )بالحكام السلطانية( على‬ ‫حد تعبير الماوردي)ت‪450:‬هـ()‪ ،(1‬أو )السياسة الشرعية(‬ ‫على حد تعبير شيخ السلم ابن تيمية )ت‪728:‬هـ()‪(2‬‬ ‫وتلميذه ابن القيم )ت‪751:‬هـ()‪ ،(3‬وغيرهم‪.‬وذلك شأن‬ ‫)الحكومة( كلها ـ بمعناها الحديث ـ وما يدخل تحتها من‬ ‫أجهزة إدارية وتنفيذية‪.

‬‬ ‫وهو ما ينظمه في عصرنا )الفقه الدستوري( و)المالي(‬ ‫و)الداري(‪ ،‬و)الدولي(‪ .‬‬ ‫وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علقاتها الخارجية‪.‬فقديما قال المام أبو المعالي الجويني )ت‪:‬‬ ‫‪476‬هـ(‪) :‬المامة‪ :‬رياسة تامة‪ ،‬وزعامة عامة‪ ،‬تتعلق‬ ‫بالخاصة والعامة‪ ،‬في مهمات الدين والدنيا‪ .‬وهذا هو الذي نعنيه باسم‪ :‬الفقه‬ ‫السياسي‪ ،‬أو السياسة الشرعية()‪(5‬‬ ‫وهذا الكلم ونحوه مستفاد من تعريف القدمين )للمامة‬ ‫الكبرى أو الخلفة( وما تتطلبه من نظم ومهام‪ ،‬ولكن ـ في‬ ‫الوقت نفسه ـ بالنظر إلى الواقع السياسي المعاصر للدول‬ ‫والحكومات‪ .(4)(.‬‬ ‫فتدبير هذه الشؤون‪ ،‬والنظر في أسسها‪ ،‬ووضع قواعدها‬ ‫بما يتفق وأصول الشرع‪ :‬هو السياسة الشرعية‪.(7‬ويقول‬ ‫الدكتور حسن صعب معرفا )القانون السياسي(‪) :‬القانون‬ .‬مهمتها حفظ‬ ‫الحوزة ورعاية الرعية‪ ،‬وإقامة الدعوة بالحجة والسيف‪،‬‬ ‫وكف الخيف والحيف‪ ،‬والنتصاف للمظلومين من‬ ‫الظالمين‪ ،‬واستيفاء الحقوق من الممتنعين‪ ،‬وإيفائها على‬ ‫المستحقين‪(6)(..‫يقول الستاذ عبد الوهاب خلف رحمه الله‪) :‬السياسة‬ ‫الشرعية‪ :‬هي تدبير الشؤون العامة للدولة السلمية‪ ،‬بما‬ ‫يكفل تحقيق المصالح‪ ،‬ودفع المضار‪ ،‬مما ل يتعدى حدود‬ ‫الشريعة وأصولها الكلية )‪ (.‬والمراد بالشؤون العامة‬ ‫للدولة‪ :‬كل ما تتطلبه حياتها من نظم‪ ،‬سواء أكانت‬ ‫دستورية أم مالية‪ ،‬أم تشريعية‪ ،‬أم قضائية‪ ،‬أم تنفيذية‪..‬‬ ‫ومفهوم )السياسة الشرعية( ليس ببعيد عما يدرس في‬ ‫)علم السياسة( بمعناه المعاصر‪ ،‬وما هو مسطر في‬ ‫مسمى )القانون السياسي( يقول مارسيل بريلو‪) :‬تؤكد‬ ‫النسيكلوبيديا الكبيرة أن السياسية‪ :‬هي بالتمام )فن حكم‬ ‫الدولة( لذلك يمكن تعريف علم السياسة‪ :‬بعلم حكم‬ ‫الدول‪ ،‬أو دراسة المبادئ التي تشكل الحكومات وتديرها‬ ‫في علقاتها بالمواطنين وبالدول الخرى()‪ .‬‬ ‫ويقول الدكتور يوسف القرضاوي معرفا )فقه السياسة‬ ‫الشرعية(‪) :‬ويشمل كذلك علقة الفرد بالدولة‪ ،‬أو علقة‬ ‫الحاكم بالمحكوم‪ ،‬أو الراعي بالرعية‪ ،‬أو السلطة بالشعب‪.

(10‬‬ ‫لكن كتب السياسة الشرعية نفسها تختلف أيضا فيما بينها؛‬ ‫باختلف تفاصيل مباحثها حسب تطور التجربة التاريخية‪،‬‬ ‫والكسب السياسي للدولة السلمية القديمة‪ .‬ونعني‪ :‬العلقات بين السلطة والمواطنين‪ ،‬أو‬ ‫الرعايا()‪ (8‬ويقول‪ :‬معرفا )النظام السياسي(‪) :‬النظام‬ ‫السياسي‪ :‬هو مجموعة المؤسسات التي تتوزع بينها آلية‬ ‫التقرير السياسي()‪.‫السياسي‪ :‬هو مجموعة القوانين التي تحدد النظم‬ ‫الحكومية‪ .(9‬‬ ‫إل أن مصطلح )السياسة الشرعية( قد يكون ـ في بعض‬ ‫الحيان ـ أوسع مفهوما من حيث الستعمال لدى القدماء‬ ‫من معنى )فن حكم الدولة(‪ ،‬فقد يطلق ويراد به ـ بالضافة‬ ‫إلى الحكام السلطانية ـ )فن القضاء‪ ،‬وطرائق الكشف عن‬ ‫الجاني‪ ،‬وتبين المدعى من المدعى عليه!( وقد تقتصر‬ ‫دللته على هذا الخير ـ أي القضاء ـ كما هو موضوع كتاب‬ ‫)الطرق الحكمية في السياسة الشرعية( لبن القيم‪ ،‬مثل‪.‬‬ ‫إل أن الشكال موضوع البحث الن هو‪ :‬تبين المرتبة‬ ‫التشريعية للحكام السياسية في السلم‪ ،‬من حيث هي‬ ‫)أحكام سلطانية( أو )فن حكم الدولة(‪.‬‬ ‫ونغامر ابتداء بتقديم الدعوى قبل أدلتها! فنقول‪ :‬إن‬ ‫)الحكام السياسية( ـ بهذا المعنى ـ لم تنل من التشريع‬ ‫السلمي ـ في الغالب ـ إل المرتبة الثالثة!‬ .‬‬ ‫والناظر في كتب السياسة الشرعية والحكام السلطانية‬ ‫في الترا ث السلمي عموما؛ يجد أنها تشمل كل ما آل إليه‬ ‫المر من مفهوم علم السياسة والقانون السياسي حديثا‪.‬‬ ‫لكنها وإن شملت كل ذلك من حيث )الكليات( فإنها تختلف‬ ‫عنه من حيث تفاصيل المباحث؛ بسبب اقتصار المفاهيم‬ ‫الجديدة على ما هو وضعي )دنيوي( دون ما هو شرعي‬ ‫)ديني(‪ ،‬بينما السياسة الشرعية جامعة بين الدين والدنيا‪،‬‬ ‫كما سبق في تعريف الجويني للمامة‪ ،‬وكما قال قبله‬ ‫الماوردي بما هو أصرح منه وأوضح‪) :‬المامة موضوعة‬ ‫لخلفة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا()‪.‬كما سنبين‬ ‫بعد بحول الله‪.

.‬إلخ‪ .‬ويكفي ـ لتتبين حقيقة ما أقول ـ أن ترجع إلى‬ ‫كتب مثل )أحكام القرآن( لبن العربي المعافري المالكي‪،‬‬ ‫والجامع لحكام القرآن للقرطبي المالكي أيضا‪ ،‬وأحكام‬ ‫القرآن للجصاص الحنفي‪ ،‬وأحكام القرآن للكيا الهراسي‬ ‫الشافعي‪ ،‬كل ذلك في القرآنيات‪ ..‬إلخ‪.‫بينما أغلب القوانين التشريعية التي هي مادة بناء الدولة‬ ‫موجودة في القرآن والسنة والجتهاد‪ ،‬مجملة ومفصلة‪ ،‬أي‬ ‫البنية التشريعية التحتية للدولة‪ ،‬إن صح التعبير‪ ..‬وأما الحديثيات فهي أكثر‬ ‫من ذلك ضخامة وعددا‪ ،‬منها الستذكار لبن عبد البر‬ ‫المطبوع في ثلثين مجلدا! وسبل السلم للصنعاني‪ ،‬ونيل‬ ‫الوطار للشوكاني‪.(11‬‬ ‫ففروع القانون العام ـ باستثناء ما سبق استثناؤه! ـ ابتداء‬ ‫من القانون الجنائي‪ ،‬وما يتعلق به من بحث في أنواع‬ ‫الجريمة وأقسامها‪ ،‬وبحث في العقوبات ومقاديرها‬ ‫وأشكالها‪ ،‬والقانون المالي بموارده ونفقاته‪ ،‬والقانون‬ ‫الدولي العام وما يتعلق به من أحكام السلم والحرب‬ ‫والحياد‪ ،‬وكذا فروع القانون الخاص‪ ،‬ابتداء من القانون‬ ‫المدني‪ ،‬والتجاري‪ ،‬وقانون العمل‪.‬لكن‬ ‫القوانين التشريعية الكفيلة بـتنظيم )فن حكم الدولة(‬ ‫وإدارتها‪ ،‬أعني القوانين الدستورية والدارية‪ ،‬فهذه ليس لها‬ ‫من النصوص التشريعية إل النزر اليسير جدا! وإنما مجالها‬ ‫الجتهاد المحض!‬ ‫والمقصود بالبنية التشريعية التحتية للدولة‪ :‬كل مواد‬ ‫القانون المنظمة للدولة والمجتمع‪ ،‬سواء كانت من أقسام‬ ‫القانون الخاص‪ ،‬أو أقسام القانون العام‪ ،‬بتعبير الحقوقيين‬ ‫المعاصرين)‪.‬‬ ‫ثم علوة على ذلك فإن كتب الفقه السلمي الضخمة قد‬ ‫استغرقت من التشريع التفصيلي ـ بغض النظر عن‬ ‫العبادات ـ الشيء الكثير في أبواب العادات‪ ،‬والمعاملت‪،‬‬ ‫من مثل أحكام السرة‪ ،‬كتفاصيل الزوا ج والطلق والر ث‪،‬‬ ‫وأحكام البيوع والعقود والتصرفات‪ ،‬وأحكام الصرف‪،‬‬ .‬كل ذلك وما هو‬ ‫لحق به؛ قد نص الشارع السلمي على أصوله‪ ،‬وكثير من‬ ‫تفاصيله‪ ،‬في القرآن والسنة‪ ،‬نصوصا تختلف بين إجمال‬ ‫وتفصيل‪ ..

(13‬‬ .‬‬ ‫ويكفي أن تنظر في مثل هذا وزيادة ـ في المذهب المالكي‬ ‫ـ كتاب البيان والتحصيل لبن رشد الجد‪ ،‬والمقدمات‬ ‫الممهدات له أيضا‪ ،‬والذخيرة للمام القرافي‪ ،‬وبداية‬ ‫المجتهد ونهاية المقتصد لبن رشد الحفيد‪ ،‬والمبسوط في‬ ‫الفقه الحنفي‪ ،‬والمغني لبن قدامة في الفقه الحنبلي‪،‬‬ ‫وكتاب الم للشافعي‪ ،‬والمحلى لبن حزم الظاهري‪....‫والقراض‪ ،‬والجارة‪ ،‬والكراء‪ ،‬والشركات‪ ،‬وسائر المعاملت‬ ‫الزراعية كالمساقاة والمغارسة والمزارعة‪ .‬‬ ‫إل بابا واحدا ووحيدا‪ :‬هو باب المامة الكبرى وأحكامها‬ ‫الصلية‪ ،‬المتعلقة بمنصب الخليفة‪ ،‬ومؤسسة الخلفة‬ ‫وهيكل الدولة‪ ،‬وشكل السلطة‪ ،‬وهو المسمى اليوم‬ ‫)بالقانون الدستوري(‪ .‬وكذا أحكام‬ ‫القسمة‪ ،‬والشفعة‪ ،‬والرهون‪ ،‬والحجر‪ ،‬والتفليس‪ ،‬والصلح‬ ‫والكفالة والوكالة‪ ،‬والوديعة واللقطة‪ ،‬والغصب والضمان‬ ‫والطوارئ‪ ،‬والستحقاق والهبات‪ ،‬والوصايا‪ ،‬والقضاء‪،‬‬ ‫والجنايات والعقوبات‪ ،‬وكذا أحكام الجهاد وتفصيل الحرب‬ ‫والسلم والصلح والهدنة‪.‬‬ ‫نظرة هنا أو هناك‪ ،‬في هذا المذهب أو ذاك‪ ،‬إلى أمهات‬ ‫الفقه السلمي؛ كافية لتصاب بالذهول من كثرة ما فرع‬ ‫وفصل في هذه البواب جميعا!‬ ‫كل ذلك دال بالقطع على أن السلم قد وضع الطار العام‬ ‫لقيام الدولة! ـ بمعناها الشامل ـ وذلك بتشريع العمومات‬ ‫فيما تحتا ج فيه إلى عمومات‪ ،‬وتشريع الخصوصات فيما‬ ‫تحتا ج فيه إلى خصوصات‪.‬إلخ‪(12).‬أو بعبارة أخرى‪ :‬الحكام السياسية‬ ‫بالمعنى الحديث للكلمة‪ ،‬أي )فن حكم الدولة(‪ ،‬هذا وحده‬ ‫لم ينل من التشريع القرآني إل مجملت نادرة! ومن‬ ‫التفسير السني إل إشارات عابرة! ومن الجتهاد الفقهي إل‬ ‫النزر اليسير!‬ ‫أما كتب الحكام السلطانية‪ ،‬أو السياسة الشرعية؛ فلم‬ ‫تعرف سبيلها إلى التأليف ـ على المشهور ـ إل بعد عصور‬ ‫الجتهاد‪ ،‬وبداية عصور التقليد على الحياة السلمية‪ ،‬على‬ ‫حد تعبير الدكتور يوسف القرضاوي)‪.‬إلخ‪..

(14‬‬ ‫و)الفقه السياسي( من حيث هو )فقه( راجع إلى معنى‬ ‫التشريع؛ وأما من حيث هو )سياسي( فراجع إلى أحكام‬ ‫نظام الحكم‪ ،‬وطرائق بنائه وإدارته‪ .‬ذلك أن‬ ‫القانون الدستوري‪) :‬يشتمل على مجموع القواعد‬ .‬وقد لحظنا خلو الجيال‬ ‫الولى‪ :‬القرن الول والثاني والثالث والرابع من مثل هذه‬ ‫التصانيف!‬ ‫ويكفي أن تعد ببليوغرافيا لعلم من العلوم على رؤوس‬ ‫الصابع لتعلم قلة ما صنف فيه؛ ولذلك فقد )لحظ كثير من‬ ‫العلماء والباحثين أن )الفقه السياسي( لم يأخذ حقه في‬ ‫البحث والتعميق والجتهاد‪ ،‬كما أخذ سائر أنواع الفقه‬ ‫الخرى()‪.‫فمن أقدم ما صنف في هذا المجال كتاب الحكام‬ ‫السلطانية للماوردي المتوفى سنة‪450:‬هـ أي خلل‬ ‫النصف الول من القرن الخامس الهجري! والحكام‬ ‫السلطانية أيضا لبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة‪:‬‬ ‫‪458‬هـ ثم غيا ث المم لمام الحرمين أبي المعالي الجويني‬ ‫المتوفى سنة‪476:‬هـ‪ ،‬ثم السياسة الشرعية في إصلح‬ ‫الراعي والرعية لشيخ السلم تقي الدين أحمد بن تيمية‬ ‫المتوفى سنة‪728 :‬هـ‪ ،‬والطرق الحكمية في إصلح‬ ‫الراعي والرعية لتلميذة ابن قيم الجوزية المتوفى سنة‪:‬‬ ‫‪751‬هـ وكتاب تحرير الحكام في تدبير أهل السلم لبن‬ ‫جماعة المتوفى سنة‪749:‬هـ‪ ،‬ثم كتاب معيد النعم ومبيد‬ ‫النقم‪ ،‬لتا ج الدين عبد الوهاب بن السبكي المتوفى سنة‪:‬‬ ‫ل المناصب‬ ‫‪771‬هـ‪ ،‬وبعد ذلك كتاب نقد الطالب ل رَفزغ َف ر‬ ‫لشمس الدين محمد بن طولون الصالحي الدمشقي‬ ‫المتوفى سنة‪953:‬هـ وهذا إنما هو نقل حرفي لغلب‬ ‫مباحث )كتاب معيد النعم ومبيد النقم( لتا ج الدين عبد‬ ‫الوهاب ابن السبكي!‬ ‫ثم جاءت كتب المعاصرين مثل الشيخ عبد الوهاب خلف‬ ‫والدكتور يوسف القرضاوي‪ ،‬والدكتور فتحي الدريني‬ ‫وغيرهم‪ .‬وهو بالضبط ما يعنونه‬ ‫اليوم بالقانون الدستوري والقانون الداري‪ .‬ولكن العبرة عندنا هنا بيان حجم حضور هذا‬ ‫الموضوع في الفقه القديم‪ .

(19‬‬ ‫وما كانوا ليختلفوا هذا الختلف الشديد؛ لو كان هناك من‬ ‫النصوص التشريعية‪ ،‬القرآنية والحديثية‪ ،‬في المسألة‬ ‫السياسية والدستورية ما ـ ل أقول يرفع الخلف بإطلق؛‬ ‫ولكن ـ يجمع المذاهب على أصول كلية‪ ،‬وأحكام رئيسية‪،‬‬ ‫كما هو الشأن في أغلب التشريع السلمي في العبادات‬ ‫والعادات‪ .(16‬‬ ‫وهذه هي الحلقة لمفقودة من نصوص التشريع السلمي‪:‬‬ ‫القرآن والسنة!‬ ‫فلماذا؟‬ ‫ذلك هو أصل الدعوى وأساس الشكال‪ ،‬وقضية الدرس‬ ‫بهذا البحث!‬ ‫وهو واحد من أهم قضايا الختلف الحاصل اليوم بين‬ ‫فصائل الحركة السلمية المعاصرة‪ ،‬تماما كما كان قديما‬ ‫بين فرقاء الفرق السلمية ومذاهب علم الكلم! فهل‬ ‫التاريخ يعيد نفسه فعل؟‬ ‫حتى إن مؤرخ المذاهب الكلمية المام الشهرستاني قال‬ ‫بنوع من المبالغة‪) :‬وأعظم خلف بين المة خلف المامة‪،‬‬ ‫سل سيف في السلم على قاعدة دينية مثل ما سل‬ ‫إذ ما ر‬ ‫على المامة في كل زمان!()‪ (17‬وعقد مؤرخ العلوم عبد‬ ‫الرحمن ابن خلدون فصل في المسألة بعنوان‪) :‬الفصل‬ ‫السادس والعشرون في اختلف المة في حكم هذا‬ ‫المنصب وشروطه()‪ ،(18‬وقال الدكتور محمد مهدي‬ ‫شمس الدين‪ ،‬بلغة معاصرة‪) :‬ما اختلف المسلمون في‬ ‫شيء اختلفهم في نظام الحكم في السلم وفي طبيعة‬ ‫هذا النظام!()‪.‬كما‬ ‫تبين العلقة بين الفراد وحقوق هؤلء تجاهها()‪.‫والمؤسسات القانونية‪ ،‬التي تحدد نظام الحكم في الدولة‪،‬‬ ‫كما يشتمل على القواعد الساسية التي تبين طبيعة‬ ‫السلطات العامة‪ ،‬وتوزيع الختصاصات فيما بينها()‪،(15‬‬ ‫كما )يشمل القانون الداري مجموع القواعد القانونية التي‬ ‫تنظم عمل السلطة الدارية ونشاطها في أداء مهامها‪ .‬ولنحقق ذلك على مناطاته حتى تراه بحول الله!‬ ‫أما القرآن فقد أجمع السابقون واللحقون على خلوه من‬ ‫نصوص مخصوصة بالشأن السياسي‪ ،‬ما عدا آيتي الشورى‪:‬‬ .

(159:‬وأمرهم شورى‬ ‫بينهم()الشورى‪.‬وفي أحسن الحوال قد‬ ‫تكون دالة عليه )ظاهرا(‪ .‫)وشاورهم في المر()آل عمران‪) .‬‬ ‫بل إن من المفسرين من نحا بها منحا )التشاور الفقهي(؛‬ ‫لتحصيل التفاق في الجتهاد على الحكم الشرعي‪ ،‬بما‬ ‫يشبه )الجماع(‪ .‬وإنما هي دالة عليه )إجمال( و)إطلقا(‪،‬‬ ‫وهو واحد من مقتضياتها ليس إل‪ .(35:‬‬ ‫واليتان مع ذلك ليستا )نصا( على الشورى بالمعنى‬ ‫السياسي إطلقا! وعندما أقول‪) :‬نصا( فبالمعنى الصولي‬ ‫العلمي للكلمة! أي‪) :‬العبارة الدالة على معنى واحد ل‬ ‫يحتمل التأويل(‪ .‬‬ ‫قال ـ بعد أن ذكر المعنى الول‪ :‬وهو أن مشاورة النبي‪‬‬ ‫لهم إنما هي لتأليف قلوبهم على الدين ليس إل!‪) :‬وقال‬ ‫آخرون‪ :‬إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره‬ ‫بمشاورتهم فيه‪ ،‬مع إغنائه بتقويته إياه‪ ،‬وتدبيره أسبابه عن‬ ‫آرائهم؛ ليتبعه المؤمنون من بعده‪ ،‬فيما حزبهم من أمر‬ ‫دينهم‪ ،‬ويستنوا بسنته في ذلك‪ ،‬ويحتذوا المثال الذي رأوه‬ ‫يفعله في حياته‪ ،‬من مشاورته في أموره ـ مع المنزلة التي‬ ‫هو بها من الله ـ أصحابه وأتباعه في المر‪ ،‬ينزل بهم من‬ ‫أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬فيتشاوروا بينهم‪ ،‬ثم يصدروا عما اجتمع‬ ‫عليه ملؤهم؛ لن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم‬ ‫متبعين الحق في ذلك؛ لم يخلهم الله عز وجل من لطفه‪،‬‬ ‫وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه‪ .‬فأما آية )آل عمران( فتلك إلى‬ ‫الدللة )الظاهرة( أقرب؛ لنها وردت في سياق الشأن‬ ‫العسكري واتخاذ قرار الحرب! وهذه قضية لها صلة‬ ‫بالتدبير السياسي فعل‪ ،‬إل أنه ل قرينة تصرفها عن إرادة‬ ‫غير المسألة السياسية بالشورى! ولذلك كانت ظاهرة في‬ ‫معناها هذا فقط‪ ،‬إذ يمكن أن تفيد المر بالشورى في كل‬ ‫شأن هام ولو لم يكن سياسيا؛ لن )المر(‪ :‬هو الشأن‬ ‫الهام‪ ،‬والخطب العظيم‪.‬ولقد نقل شيخ المفسرين أبو جعفر‬ ‫الطبري )ت‪ (210:‬نحو ذلك عمن سبقه من أهل التفسير‪.(20‬‬ .‬قالوا‪ :‬وذلك نظير‬ ‫قوله عز وجل الذي مدح به أهل اليمان‪) :‬وأمرهم شورى‬ ‫بينهم()‪.

‬والذين استجابوا‬ ‫لربهم وأقاموا الصلة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم‬ ‫ينفقون( اليات‪ .‬خاصة وأن‬ ‫الية وردت في سياق دال بالصالة على أوصاف التدين‬ ‫العام‪ ..‫وأما آية سورة الشورى المذكورة آنفا؛ فهي إلى الدللة‬ ‫العامة أقرب‪ ،‬ول يجوز قصر اللفظ العام على بعض أفراده‬ ‫ـ كما هو معلوم في الصول ـ بغير مخصص معتبر‪ .(231:‬‬ ‫ولم يرد للشورى ومشتقاتها ـ بعد ذلك ـ ذكر في القرآن؛‬ ‫عدا هذه المواطن الثلثة! وهذه ـ بحد ذاتها ـ دللة أخرى‬ ‫هامة‪ .‬إلخ‪ .‬قال عز وجل‪:‬‬ ‫)فإن أرادا فصال عن تراض منهما وتشاور فل جناح عليهما(‬ ‫)البقرة‪.‬‬ ‫كيف ينص القرآن على أصول الواجبات‪ ،‬من الصلوات‬ ‫والزكوات والصيام والحج‪ ،‬وينص على المحرمات من‬ ‫المطعومات والمشروبات‪ ،‬بل ينص على المندوبات‪ ،‬من‬ ‫الذكار والعمرات والصدقات ونوافل الصلة‪.‬وقصرها على الدللة السياسية )تحكم(!‬ ‫وإنما هذه واحدة من أفرادها‪ ،‬ليس إل! ولذلك كان التشاور‬ ‫في الطلق جزءا من مقاصدها بهذا العتبار‪ .‬مما هو‬ ‫مقصود له أصالة أو تبعا‪ ،‬وينص على أحكام الر ث والسرة‬ ‫مفصلة تفصيل؛ ثم ل ينص بعد ذلك على أحكام السياسة؛‬ ‫كيف يصح ذلك إل أن تكون هذه الحكام غير مقصودة له‬ ‫أصالة على القل؟ إن قول العكس يحتا ج من قائله إلى‬ ‫نقض هذا الستدلل! وبيان سر غياب النص التشريعي‬ ‫القرآني! وخلوه من أي حكم صريح في شأن اعتبره‬ ‫بعضهم )أصل( من أصول الدين! وما كان لصول الدين إل‬ .‬وذلك قوله تعالى‪) :‬والذين يجتنبون كبائر الثم‬ ‫والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون‪ .‬ولذلك‬ ‫فإن الية ـ كما هي تسمية السورة بأكملها بـ)الشورى( ـ‬ ‫دالة على امتداح الشورى في كل أمر ذي بال‪ ..‬إذ كيف تكون الحكام السياسية مقصودة للشارع‬ ‫بالصالة‪ ،‬ول يكون لها من التشريع القرآني سوى هاتين‬ ‫الشارتين؟ هذا خلف! وهو في الن نفسه مخالف لمنهج‬ ‫التشريع السلمي‪ ،‬وقواعده الكلية‪ ،‬كما بيناه في المبحث‬ ‫الول من هذا الفصل‪.

‬‬ ‫بالمعنى البلغي‪ .‬ومعنى )أحاديث الفتن(‬ ‫ـ باصطلح المحدثين ـ الخبار النبوية التي تحد ث فيها‬ ‫الرسول صلى الله عليه عما سيقع بعده من حواد ث إلى ما‬ ‫بين يدي الساعة‪ .‬‬ ‫ومعلوم أنما أحاديث الفتن في غالبها أخبار‪ ،‬ل إنشاءات‪.‫أن تكون نصوصا قرآنية‪ .(21‬‬ ‫وهذا حديث مشهور‪ ،‬متداول لدى كثير من أبناء الحركات‬ ‫السلمية اليوم‪ ،‬يستدلون به على فساد الوضع السياسي‬ ‫المعاصر‪ ،‬و)يؤصلون( به للثورة ضده والزحف عليه! وهو‬ ‫حديث بالنسبة للنظر العلمي الصولي ل يؤصل لشيء من‬ ‫ذلك! ـ ول يلزم من هذا أننا ندافع عن هذا السلطان أو ذاك‬ ‫ـ وإنما القصد تمحيص الدليل والستدلل؛ حتى إذا قامت‬ .‬ومن ذلك أحوال الخلفة والملك‪.‬فأصول العقيدة السلمية ل تؤخذ‬ ‫إل بالتواتر‪ ،‬كما هو معلوم عند جمهور العلماء‪.‬ولو ورد التشريع‬ ‫في صيغة الجملة الخبرية لكان بمعنى النشاء‪ ،‬كما هو في‬ ‫قوله تعالى‪) :‬كتب عليكم الصيام()البقرة‪ (183:‬أي بمعنى‪:‬‬ ‫صوموا!‬ ‫ومن أشهر ما ورد في الشأن السياسي‪ ،‬من الحديث‬ ‫النبوي؛ قوله‪) :‬تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون‪،‬‬ ‫ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة على‬ ‫منها ج النبوة‪ ،‬فتكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا‬ ‫شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم يكون ملكا عاضا‪ ،‬فتكون ما شاء الله أن‬ ‫تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون ملكا‬ ‫جبريا‪ ،‬فتكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء أن‬ ‫يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة على منها ج النبوة‪ ،‬ثم سكت()‪.‬‬ ‫ومشكلة الستدلل بالسنة لدى بعض السلميين اعتمادهم‬ ‫في كثير من الحوال على الحاديث الضعيفة والموضوعة‪،‬‬ ‫بل في بعض الحيان على الخرافات! ونحن قد آلينا على‬ ‫أنفسنا أل نورد في بحثنا هذا ـ وكل بحث كتبناه أو نكتبه ـ إل‬ ‫ما صح سنده إن شاء الله‪.‬‬ ‫وأما السنة ـ وهي محل البيان والتفصيل ـ فلم تفصل من‬ ‫المر شيئا! بل إن أغلب ما ورد فيها من أحاديث عن الشأن‬ ‫السياسي؛ هو من )أحاديث الفتن(‪ .‬والحكام الشرعية إنما تؤخذ من‬ ‫)النشاء( ل من )الخبر( بالمعنى المذكور‪ .

‬‬ ‫وبهذا المنطق أكد ابن تيمية رحمه الله‪) :‬أن شوب الخلفة‬ ‫بالملك جائز في شريعتنا‪ ،‬وأن ذلك ل ينافي العدالة‪ ،‬وإن‬ ‫كانت الخلفة المحضة أفضل()‪..‬‬ .‬متفق عليه( قال رحمه الله مستدل على‬ ‫ملك( ويتضمنه‪:‬‬ ‫أن اسم )الخلفة( يشمل معنى )ال ر‬ ‫)والدليل على أن النبي‪ ‬إنما أوقع عليهم اسم الخلفة‬ ‫بمعنى الملك في غير خلفة النبوة قوله في الحديث‬ ‫الصحيح )‪) :(.‬‬ ‫إذ ل نص على أن هذا النظام أو ذاك هو من الخلفة‪ ،‬أو من‬ ‫الملك العاض‪ ،‬أو الملك الجبري‪ ،‬فالتعيين والتنزيل إذن‬ ‫محض اجتهاد! وليس من نص الحديث‪.‬وإنما الدللة الصولية لهذا الحديث ـ بكل مراتبها‬ ‫الممكنة ـ هي مجرد وصف خبري لما سيكون عليه الحال‬ ‫بعد النبي‪ ،‬من أمر الخلفة والملك إلى ما شاء الله! فهو‬ ‫إذن من أحاديث الفتن‪ .‬‬ ‫والثالثة‪ :‬أن )الدللة العبارية( تدل على أن كل من الملك‬ ‫العاض والجبري داخل في مفهوم )الخلفة( لكن ل على‬ ‫منها ج النبوة‪ ..‬‬ ‫والثانية‪ :‬فإن الحديث في حاجة إلى الجتهاد المتعلق‬ ‫بـ)تحقيق المناط( بتعبير الصوليين‪ ،‬أي التنزيل على معين‪....‬قال‪) :‬ثم تكون خلفة على منها ج النبوة‪،‬‬ ‫فتكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها‪،‬‬ ‫ثم تكون ملكا عاضا‪ .‬هذه واحدة‪..‬ثم تكون ملكا جبريا( فواضح جدا ـ‬ ‫لمن يعقل في قواعد العربية ـ أن الضمير المستتر في‬ ‫)تكون( يعود على لفظ )الخلفة(‪ .‬فالخلفة هي التي تكون‬ ‫تارة على منها ج النبوة‪ ،‬وتارة ملكا عاضا‪ ،‬وتارة جبريا‪.‬ل من نصوص التشريع‪ .‫الحجة والبرهان عندنا قامت بقوة‪ ،‬وألزمت نتيجتها حكما‬ ‫وإقناعا‪ .(22‬‬ ‫وقال تلميذه ابن القيم في شرح حديث سيأتي تفصيله‪،‬‬ ‫وطرفه هو‪) :‬ل يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا‬ ‫عشر خليفة‪)(.‬من أنكر‬ ‫برئ‪ ،‬ومن أمسك سلم‪ ،‬ولكن من رضي وتابع!()‪(23‬‬ ‫ولهذا التفسير ما يؤكده من النصوص الصحيحة‪ ،‬وستأتي‬ ‫بحول الله‪.‬سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما‬ ‫يقولون‪ ،‬ويفعلون ما يؤمرون‪ ،‬وسيكون من بعدهم خلفاء‬ ‫يعملون بما ل يقولون‪ ،‬ويفعلون ما ل يؤمرون‪ .

‬فلنصغ إذن إلى الدلة‬ ‫من كل الطرفين! ولنحقق المر على كل الحتمالين! وإنما‬ ‫الترجيح ما رجع إلى أقوى الدللتين‪ ،‬وأظهر الوجهين‪ .‬‬ ‫والخامسة‪ :‬أن بعض نصوص أحاديث الفتن قد أتبع بملحق‬ ‫إنشائية تأمر ـ رغم ذلك ـ بالسمع والطاعة لخلفة الملك‬ ‫العاض والجبري! ولم يرد ما يأمر بالعصيان إل قليل! وكان‬ ‫أولى بمن )يؤصل( بأحاديث الفتن للثورة والزحف أن‬ ‫يذكرها جميعا! ولو كان منصفا لرجع ـ في أضعف الحوال ـ‬ ‫إلى القاعدة الصولية‪) :‬ما احتمل واحتمل سقط به‬ ‫الستدلل!(‪.‬‬ ‫ولسنا بعد ذلك ممن يقبل جور السلطان‪ ،‬ومفاسد‬ ‫الطغيان؛ فل تعجلن علينا! فإنه ل علم مع العجلة‪.‬‬ ‫قد يسمو حتى درجة الصديقين كأبي بكر‪ ،‬وقد ينحط حتى‬ ‫درجة الفجار كالحجا ج بن يوسف الثقفي! ولكن ل يجوز‬ ‫تكفيره! وبين الدرجتين مراتب تختلف بين السمو‬ ‫والنحطاط‪ ،‬وصفة السلمية باقية لصاحبها على كل حال‪.‬ومنها قوله عليه السلم‪:‬‬ ‫)يكون عليكم أمراء من بعدي‪ ،‬يؤخرون الصلة‪ ،‬فهي لكم‪،‬‬ ‫وهي عليهم‪ ،‬فصلوا معهم ما صلوا بكم القبلة()‪.‬قد تسمو حتى تكون على منها ج النبوة‪ ،‬وقد‬ ‫تنحط حتى تكون ملكا عاضا أو جبريا‪ ،‬ولكنها )خلفة( في‬ ‫نهاية المطاف! وهذا قياسه النسان المسلم في إسلمه‪.‬ول‬ ‫يمنعنك رأي اشتهر من مراجعة قول البشر! هذا هو العدل‬ ‫في العلم كما هو في القضاء‪.‫والرابعة‪ :‬أن الخلفة ـ بناء على ما أصلت ـ )تجربة بشرية(‬ ‫غير معصومة‪ .‬وإنما نزين‬ ‫واجهات البحث العلمي‪ ،‬إن شاء الله‪ ،‬غير المتأثر بعاطفة‬ ‫حزبية‪ ،‬أو )نجومية( إعلمية سياسية‪ .(24‬‬ ‫ومن أعجب ما ورد من الحديث الصحيح حديث حذيفة بن‬ ‫اليمان الطويل الذي طرفه‪) :‬كان الناس يسألون عن الخير‬ .‬‬ ‫ولسنا هنا بصدد تزيين واجهات هذا النظام أو ذاك! فمن‬ ‫يعرفنا يدرك أنا برآء من مثل هذا‪ ،‬والحمد لله‪ .‬‬ ‫هذا على عقيدة أهل السنة والجماعة‪ ،‬اللهم إل إذا اعتبرنا‬ ‫عقيدة الخوار ج في تكفير مرتكب الكبيرة؛ فهذا شأن آخر‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬فأكثر النصوص الحديثية في هذا السياق‪ ،‬تجرى على‬ ‫غير الهوى الثوري‪ ،‬أو الزحفي‪ .

(25‬‬ ‫ثم أيضا قوله‪) :‬أل إني أوشك أن أدعى فأجيب‪ ،‬فيليكم‬ ‫عمال من بعدي‪ ،‬يقولون ما يعلمون‪ ،‬ويعملون بما يعرفون‪،‬‬ ‫وطاعة أولئك طاعة‪ .‬فتلبثون كذلك دهرا‪ ،‬ثم يليكم عمال‬ ‫من بعدهم‪ ،‬يقولون ما ل يعلمون‪ ،‬ويعملون ما ل يعرفون‪،‬‬ ‫فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم؛ فأولئك قد‬ ‫هلكوا وأهلكوا! خالطوهم بأجسادكم‪ ،‬وزايلوهم بأعمالكم‪،‬‬ ‫واشهدوا على المحسن بأنه محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه‬ ‫مسيء!()‪ .‬وليس في هذا النص إل ما يدل على‬ ‫وجوب المهادنة للسلطان الجائر! وأصرح منه قوله‪) :‬إنه‬ ‫ستكون فرقة واختلف فإذا كان كذلك فاكسر سيفك‪،‬‬ ‫واتخذ سيفا من خشب‪ ،‬واقعد في بيتك حتى تأتيك يد‬ ‫خاطئة‪ ،‬أو ميتة قاضية()‪.(26‬فقوله‪) :‬فمن ناصحهم( ل يعني النصيحة‬ ‫الصالحة‪ ،‬وإنما المقصود‪ :‬ناصحهم بمعنى دلهم على‬ ‫مسالك ما يشتهون من غواية‪ .‬‬ ‫وسسب ذلك الفقه؛ إنما هو ما أجمعوا عليه من حرمة نزع‬ ‫اليد من الطاعة للمراء‪ ،‬ولو كانوا ظلمة وفساقا! رعيا‬ .‬‬ ‫قلت‪ :‬يا رسول الله صفهم لنا! قال‪:‬‬ ‫هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا‬ ‫قلت‪ :‬يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟‬ ‫قال‪ :‬تلتزم جماعة المسلمين وإمامهم‪ ،‬تسمع وتطيع‬ ‫المير‪ ،‬وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك‪ ،‬فاسمع وأطع!()‪.‬‬ ‫ثم إن كليات السلم في وجوب النصح للئمة شاهدة على‬ ‫هذا التأويل الصحيح‪ .‫وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يلحقني( فتحد ث رسول‬ ‫الله‪ ‬عن )فتنة عمياء صماء‪ ،‬عليها دعاة على أبواب‬ ‫جهنم‪ ،‬من أجابهم إليها قذفوه فيها‪.‬فهو المعنى السلبي للنصح‪.‬‬ ‫والدال على ذلك القرينة الظاهرة من قوله بعد‪) :‬فأولئك‬ ‫قد هلكوا وأهلكوا!( فهذا صارف للفظ الول عن ظاهره‪.(27‬‬ ‫ومن هنا كان الفقه الذي أجمع عليه فقهاء المصار ـ كما‬ ‫سنبينه في الفصل الثالث بحول الله ـ هو‪ :‬عدم جواز‬ ‫الخرو ج على السلطان المسلم‪ ،‬مهما كان شأنه في الدين‬ ‫بين القوة واللين! ومهما كانت صيغة بيعته بين ولية العهد‪،‬‬ ‫وشورى أهل الحل والعقد‪.

‬ومن قاتل تحت راية ع ر ي‬ ‫قرتل فقتلة جاهلية! ومن‬ ‫يدعو إلى عصبة‪ ،‬أو ينصر عصبة؛ ف ر‬ ‫خر ج على أمتي يضرب ب َفيرها وفاجَفرها‪ ،‬ول يتحاشا من‬ ‫مؤمنها‪ ،‬ول يفي لذي عهد عهده‪ ،‬فليس مني ولست منه!()‬ ‫‪(32‬‬ ‫وسأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله‪ ،‬فقال‪):‬يا نبي‬ ‫الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم‪ ،‬ويمنعونا‬ .‬قالوا يا‬ ‫رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال‪) :‬تؤدون‬ ‫الحق الذي عليكم‪ ،‬وتسألون الله الذي لكم!()‪(30‬‬ ‫وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي‪ ‬قال‪) :‬يكون بعدي‬ ‫أئمة ل يهتدون بهداي‪ ،‬ول يستنون بسنتي‪ ،‬وسيقوم فيهم‬ ‫رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس(‪ .‬قال‪:‬‬ ‫قلت‪ :‬كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال‪:‬‬ ‫)تسمع وتطيع للمير وإن ضرب ظهرك‪ ،‬وأخذ مالك‪،‬‬ ‫فاسمع وأطع!()‪.‬ولهم في ذلك أحاد ث صحيحة مليحة‪ ،‬تواتر‬ ‫معناها تواترا كليا! وإليك منها أمثلة‪ ،‬لن نسوقها إل مما‬ ‫خرجه الشيخان‪ :‬البخاري ومسلم‪ ،‬أو أحدهما!‬ ‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال‪) :‬عليك السمعر‬ ‫َف‬ ‫والطاع ر‬ ‫ة في عسرك ويسرك‪ ،‬ومنشطك ومكرهك‪ ،‬وأث َفَفرةس‬ ‫عليك!()‪ .(29‬‬ ‫وقال‪) :‬إنها ستكون بعدي أ َفث َفَفرة ب وأمور تنكرونها‪ .‫للمصلحة الراجحة المتمثلة في اجتماع كلمة المسلمين‪،‬‬ ‫من جهة؛ ولتأخر رتبة الحكام السياسية في التشريع‬ ‫السلمي من جهة أخرى‪ ،‬وقيام الدين على ما سواها‪ ،‬كما‬ ‫بيناه قبل بأدلته‪ .(28‬فمعنى )أثرة عليك(‪ :‬تفضيل السلطان غيرك‬ ‫عليك‪ ،‬من أهله وعشيرته‪ ،‬أو ممن يواليه! فهو يؤثرهم‬ ‫عليك رغم استحقاقك أنت ما ل يستحقون هم!‬ ‫وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‪) :‬دعانا رسول‬ ‫الله‪ ،‬فبايعناه‪ ،‬فكان فيما أخذ علينا‪ :‬أن بايعنا على السمع‬ ‫َف‬ ‫والطاعة في منشطنا ومكرهنا‪ ،‬وعسرنا ويسرنا وأث َفَفرةس‬ ‫علينا‪ ،‬وأن ل ننازع المر أهله! ـ قال‪ :‬إل أن تروا كفرا بواحا‬ ‫عندكم من الله فيه برهان()‪.(31‬‬ ‫قال‪) :‬من خر ج من الطاعة وفارق الجماعة فمات؛ مات‬ ‫ميةس يغضب لعصبة‪ ،‬أو‬ ‫ميتة جاهلية‪ .

‬‬ .‬‬ ‫ومثل هذه النصوص ـ نصوص السمع والطاعة ـ هي أغلب‬ ‫ما ورد في أحاديث الفتن السياسية‪ ،‬ولو استقيناها لخرجنا‬ ‫عن غرض هذا الكتاب‪.(35‬‬ ‫وقال النووي في شرح مسلم ‪) :‬وهذه الحاديث في الحث‬ ‫على السمع والطاعة‪ ،‬في جميع الحوال؛ وسببها اجتماع‬ ‫كلمة المسلمين؛ فإن الخلف سبب لفساد أحوالهم‪ ،‬في‬ ‫دينهم ودنياهم()‪.(33‬‬ ‫ر‬ ‫ح ي‬ ‫وعن عوف بن مالك رضي الله عنه‪ ،‬عن رسول الله‪،‬‬ ‫قال‪) :‬خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم‪ ،‬ويصلون‬ ‫عليكم وتصلون عليهم‪ .‬وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم‬ ‫ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنونهم ويلعنونكم ـ قيل‪ :‬يا رسول الله أفل‬ ‫ننابذهم بالسيف؟ ـ فقال‪ :‬ل! ما أقاموا فيكم الصلة‪ .‫حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه‪ ،‬ثم‬ ‫سأله في الثانية‪ ،‬أو في الثالثة‪ ،‬فجذبه الشعث بن قيس‪،‬‬ ‫فقال رسول الله‪) :‬اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما‬ ‫ملوا‪ ،‬وعليكم ما حملتم()‪.(36‬‬ ‫ولي ههنا كلمة بعد سرد هذه الحاديث الصحاح‪ :‬وهي أنه‬ ‫كان على الذين يسوقون أحاديث الفتن‪ ،‬ويختارون منها ما‬ ‫يناسب مأربهم من الخرو ج على الحكام؛ أن يسوقوا هذه‬ ‫أيضا! ويقوموا ـ بعد عرض هذه على تلك ـ بما يقوم به‬ ‫الفقيه من الجتهاد والترجيح؛ لنفهم كيف تم إبطال العمل‬ ‫بما صح من البخاري ومسلم! تما كما أبطلنا ما ساقه‬ ‫)فقهاء الخرو ج( من فهمهم لحديث‪) :‬الخلفة على منها ج‬ ‫النبوة(‪.‬فهذا ابن حجر العسقلني قد رأى ـ في الفتح ـ‬ ‫)وجوب طاعة المام الذي انعقدت له البيعة‪ ،‬والمنع من‬ ‫الخرو ج عليه‪ ،‬ولو جار في حكمه‪ ،‬وأنه ل ينخلع بالفسق()‬ ‫‪.‬وإذا‬ ‫رأيتم من ولتكم شيئا تكرهونه‪ ،‬فاكرهوا عمله‪ ،‬ول تنزعوا‬ ‫يدا من طاعة!()‪(34‬‬ ‫ثم إن خلصة ما وصل إليه فقهاء الحديث وشراحه من‬ ‫المتأخرين‪ ،‬إنما كان زبدة ما أجمع عليه علماء المصار من‬ ‫المتقدمين‪ .

‬فمن‬ ‫نابذهم نجا‪ ،‬ومن اعتزلهم سلم‪ ،‬ومن خالطهم هلك()‪.(39‬فالثنا عشر خليفة هذه ـ إذا تتبعنا حرفية‬ ‫النص على المستوى التاريخي ـ كلهم ـ ما عدا الربعة‬ ‫الوائل ـ من خلفاء بني أمية وبعض بني العباس‪ .‬‬ ‫ومع ذلك أقول‪ :‬إن مثل هذه الحاديث يصعب جدا من‬ ‫الناحية العلمية‪ ،‬والتاريخية؛ أن تنزل على مناطات بعينها‪،‬‬ .(110 :‬كلها تعابير دالة على‬ ‫قررلوب رهر ت‬ ‫الستمرار‪.(38‬‬ ‫ثم ما رأيك ـ بعد هذا كله ـ في حديث صحيح مليح‪ ،‬بل متفق‬ ‫عليه؛ ينقض ظواهر كل ما سبق ذكره من أحاديث! وعلى‬ ‫رأسها حديث )الخلفة على منها ج النبوة(! قال رسول الله‬ ‫‪) :‬ل يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر‬ ‫خليفة‪ ،‬كلهم تجتمع عليه المة‪ ،‬كلهم من قريش‪ ،‬ثم يكون‬ ‫الهر ج!()‪ .‬وقد‬ ‫تحولت الخلفة حينئذ إلى )ملك(!‬ ‫ولقد حاول أحدهم في مناقشة لي معه أن يذهب إلى أن‬ ‫ ج‬ ‫)الثني عشر خليفة( قد يتواردون من غير تتابع؛ حتى ي ر ت‬ ‫خرر َف‬ ‫خلفاَفء المويين والعباسيين من الحصاء! قلت‪ :‬كل! هذا‬ ‫تأويل باطل! بل صيغة الخطاب اللغوي حيث تستعمل فيه‬ ‫عبارة‪) :‬ل يزال( تدل على الستمرار والتتابع! ول دللة فيها‬ ‫ن‬ ‫على النقطاع‪ .(118:‬‬ ‫خل َف َف‬ ‫ك َف‬ ‫م ت‬ ‫من ير ر‬ ‫خت َفل ر ر‬ ‫قه ر ت‬ ‫ح َف‬ ‫ن إ رل ي َف‬ ‫ر‬ ‫في َف‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬ل َف ي َفَفزا ر‬ ‫ة رفي‬ ‫ذي ب َفن َفوتا رريب َف ً‬ ‫م ال ر‬ ‫ل ب رن تَفيان رهر ر‬ ‫م(الية )التوبة‪ .(37‬وأحيانا قد تجد‬ ‫بعض الحاديث في مثل هذه المور تشير إلى جواز نوع من‬ ‫)الرجاء السياسي( الذي يمارسه البعض‪ ،‬وهو‪ :‬العتزال‬ ‫مطلقا! قال‪) :‬سيكون أمراء تعرفون وتنكرون‪ .‬وذلك كما في قوله تعالى‪) :‬وَفل َف ي َفَفزارلو َف‬ ‫ك وَفل رذ َفل ر َف‬ ‫م َفرب م َف‬ ‫م()هود‪.‬فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن‬ ‫أدركتهم كيف أفعل؟ قال‪ :‬تسألني يا ابن أم عبد كيف‬ ‫تفعل؟ ل طاعة لمن عصى الله!()‪ .‫نعم هناك نصوص أخرى قليلة‪ ،‬وصحيحة أيضا‪ ،‬تدل على‬ ‫نفي الطاعة عمن كانت هذه أوصافهم من المراء‪ ،‬مثل ما‬ ‫رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي‪ ،‬قال‪) :‬سيلي‬ ‫أموركم بعدي رجال يطفئون السنة‪ ،‬ويعملون بالبدعة‪،‬‬ ‫ويؤخرون الصلة عن مواقيتها‪ .

‬‬ ‫إن أحاديث الفتن ليست أبدا محل التشريع إنما محله‬ ‫معروف لدى علماء أصول الفقه‪ .‬وإنما التشريع متعلق‬ ‫بتصرفاته‪ ‬بغير المامة‪ .‬أما أحاديث الفتن فل علقة لها بهذا‬ ‫كله إل تبعا! وإنما هي كالحديث عن )أشراط الساعة‬ ‫وأماراتاها( فائدتها حفظ التدين الفردي من الفتن‬ ‫المتوقعة‪.‬أل وهو النصوص القرآنية‬ ‫الواضحة الصريحة‪ ،‬ونصوص السنة المرة الناهية! القولية‬ ‫والفعلية والتقريرية‪ .‬وأن )التصرفات بالمامة( هي تصرفات مصلحية؛‬ ‫لسياسة أناس في زمان معين ومكان معين‪ ،‬ل تلزم‬ ‫غيرهم؛ فل علقة لها بالتشريع‪ .‬قال المام شهاب الدين القرافي‬ .‬‬ ‫ول يقر عاقل أن يسكت الشرع عن تشريع الحكام‬ ‫السياسية لتستنبط بعسر شديد من أحاديث الفتن!‬ ‫أين نصوص وجوب تنصيب المام أو الخليفة؟ أين نصوص‬ ‫شكل الشورى وقواعدها ونواقضها؟ أين نصوص تحريم‬ ‫الملك أو إيجابه؟ أين نصوص تقسيم السلط وتصريفها؟‬ ‫أين نصوص مدة الترأس والستخلف بين العمر وبعض‬ ‫السنوات؟ أين نصوص الوزارات وحدود وظائفها؟ أين وأين‬ ‫وأين؟‬ ‫وقد يقال‪ :‬ـ على سبيل العتراض ـ إن إمامة النبي‪ ‬في‬ ‫زمانه‪ ،‬هي نفسها تشريع سياسي‪ .‬أليس هو المبلغ عن‬ ‫الله؟ والجواب‪ :‬أن علماء التشريع السلمي منذ القديم‬ ‫فرقوا في تصرفات النبي‪ ،‬بين التصرفات بالمامة‪،‬‬ ‫والتصرفات بالرسالة‪ ،‬والتصرفات بالفتيا‪ ،‬والتصرفات‬ ‫بالقضاء‪ .‫ووقائع بذاتها‪ ،‬ثم تفسر تفسيرا حرفيا! تماما كما صنعت‬ ‫الشيعة الاثنا عشرية بالحديث المذكور!‬ ‫وليس معنى ذلك – مرة أخرى ‪ -‬أننا نؤصل ههنا لطاعة‬ ‫الطواغيت‪ ،‬ممن أعلن كفره صراحة‪ ،‬وعا ث فسادا في‬ ‫البلد والعباد! كل ول كرامة! وإنما القصد بيان حجم إشكال‬ ‫المسألة السياسية في السلم؛ عسى أن نفقه باب‬ ‫الخرو ج الدعوي من النفق‪ ،‬ونضع أيدينا على المفتاح‬ ‫الحقيقي لتجديد الدين في المة‪.

‬‬ ‫بل الحاكم من حيث هو حاكم‪ :‬ليس له إل النشاء‪ .‬فصارت السلطنة العامة التي هي‬ ‫حقيقة المامة مباينة للحكم من حيث هو حكم‪.‬ل سيما الحاكم‬ ‫]أي‪ :‬القاضي[ الذي ل قدرة له على التنفيذ‪ ،‬كالحاكم‬ ‫الضعيف القدرة على الملوك الجبابرة‪ ،‬بل ينشئ في نفسه‬ ‫اللزام على ذلك الملك العظيم‪ ،‬ول يخطر له السعي في‬ ‫تنفيذه‪ ،‬لتعذر ذلك عليه‪.‬والكلم إنما هو في‬ ‫الحقائق‪(40)(.‬وأما قوة‬ ‫التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما‪ .‬‬ ‫وهذا ليس داخل في مفهوم الفتيا‪ ،‬ول الحكم‪ ،‬ول الرسالة‪،‬‬ ‫ول النبوة؛ لتحقق الفتيا بمجرد الخبار عن حكم الله تعالى‬ ‫بمقتضى الدلة‪ ،‬وتحقق الحكم ]يعني‪ :‬القضائي[ بالتصدي‬ ‫لفصل الخصومات دون السياسة العامة‪ .‬فقد يفوض إليه التنفيذ‪،‬‬ ‫وقد ل يندر ج في وليته‪ .‬‬ ‫ومن هنا يتبين لك أن أحكام القانون الدستوري غائبة من‬ ‫النصوص القرآنية والحديثية‪ ،‬إل قليل! ومن زعم غير ذلك‬ ‫فلياتنا بسلطان مبين!‬ ‫حتى إن العلماء لما أرادوا الستدلل على وجوب تنصيب‬ ‫المام ـ وهو أعلى حكم تشريعي في القانون الدستوري ـ‬ ‫لم يجدوا ول نصا واحدا يمكن أن يعتمد )نصا( باصطلحهم!‬ ‫فاعتمدوا دليل الجماع! قال المام الماوردي‪) :‬وعقدها‬ ‫لمن يقوم بها في المة واجب بالجماع()‪ ،(41‬وقال المام‬ ‫الجويني بعد ذلك مفصل‪ ،‬ومبينا‪) :‬والقواطع ثلثة‪ :‬نص في‬ ‫كتاب الله تعالى ل يتطرق إليه التأويل‪ ،‬وخبر متواتر عن‬ ‫الرسول )صلى الله عليم وسلم( ل يعارض إمكان الزلل‬ .‫)ت‪684:‬هـ(‪ ،‬في كتابه القيم )الحكام في تمييز الفتاوى‬ ‫من الحكام(‪:‬‬ ‫)وأما تصرفه‪ ‬بالمامة؛ فهو وصف زائد على النبوة‪،‬‬ ‫والرسالة‪ ،‬والفتيا‪ ،‬والقضاء؛ لن المام‪ :‬هو الذي فوضت‬ ‫إليه السياسة العامة في الخلئق‪ ،‬وضبط معاقد المصالح‪،‬‬ ‫ودرء المفاسد‪ ،‬وقمع الجناة‪ ،‬وقتل الطغاة‪ ،‬وتوطين العباد‬ ‫في البلد‪ ،‬إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس‪.‬‬ ‫أما إمام لم تفوض إليه السياسة العامة فغير معقول‪ ،‬إل‬ ‫على سبيل إطلق المامة عليه مجازا‪ .

(43‬‬ ‫إن فراغ النص الشرعي من هذا الحكم بالذات هو ما‬ ‫يسميه الصوليون بـ)المسكوت عنه(‪ .‬‬ ‫ول يكاد يخلو كتاب من كتب السياسية الشرعية من قياس‬ ‫ضعيف‪ ،‬يستعملونه للدللة على وجوب تنصيب المام وهو‬ ‫البناء على علة الجتماع في حديث السفر‪ ،‬حيث يقول‬ ‫النبي عليه الصلة والسلم‪) :‬إذا خر ج ثلثة في سفر‬ ‫فليؤمروا أحدهم()‪.‬ول مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في‬ ‫تفاصيل المامة! والخبر المتواتر ]يعني من السنة[ معوز‬ ‫أيضا! فآل مآل الطلب في تصحيح المذهب إلى الجماع!()‬ ‫‪ (42‬وقوله‪) :‬في تصحيح المذهب( يعني في )المامة(‪..‬والجماع يفيد القطع كما هو معلوم في‬ ‫الصول‪ ،‬وكما بين ذلك الجويني في كلمه المستدل به‬ ‫قبل‪.‬وذلك أساس الخلفة‬ ‫السلمية في أعلى مستوياتها‪ .‫روايته ونقله‪ ،‬ول تقابل الحتمالت متنه وأصله‪ ،‬وإجماع‬ ‫منعقد‪..‬فعدم التشريع في هذا السياق تشريع! وذلك كما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫ـ أول‪ :‬لبد من التقرير ابتداء أن أقوى أدلة وجوب تنصيب‬ ‫الخليفة أو المام هو الجماع! بغض النظر عن اختلفهم في‬ ‫تعيين هذا أو ذاك‪ ،‬فالعبرة في الجماع هنا‪ :‬التواطؤ على‬ ‫وجوب التنصيب‪ .‬‬ ‫على أساس )كلي( واحد‪ :‬هو حفظ مقاصد الشريعة‬ ‫الضرورية والحاجية والتحسينية‪ .‬‬ ‫)‪ (.‬والثاني‪:‬‬ ‫قاعدة أصولية جليلة القدر ـ سبق إيرادها ـ نص عليها أبو‬ .‬والمسكوت عنه‬ ‫مصطلح دال على أن )السكوت( هنا مقصود شرعا لحكم‬ ‫تشريعي‪ .‬ولذلك كان موكول‬ ‫إلى المسلمين أن يطوروا نظام الحكم على حسب‬ ‫متطلبات الزمان وأهله! ويكيفوه حسب مقتضيات العصر‪.‬‬ ‫ـ ثانيا‪ :‬إن سكوت الشارع عن ذلك )نصا( إنما هو تشريع ـ‬ ‫كما أسلفنا ـ يستفاد منه حكمان شرعيان‪ :‬أحدهما إحالة‬ ‫هذا المر كله على الجتهاد‪ ،‬نظرا لرتباطه بالعادات‬ ‫والجتماع البشري العمراني أساسا‪ .‬وتتفاوت مراتبها في‬ ‫)السلمية( على حسب درجة الخدمة أو عدمها‪ .

‫إسحاق الشاطبي رحمه الله‪ ،‬وهي قوله‪) :‬ما كان شاهد‬ ‫الطبع خادما له ومعينا على مقتضاه بحيث يكون الطبع‬ ‫النساني باعثا على مقتضى الطلب )‪ (.(44‬وطلب الرياسة أمر مجبول عليه النسان بدليل‬ ‫الستقراء التاريخي والمشاهدة‪ .‬أهمها‪ :‬وجود )المقتضي للكلم(‪ ..‬‬ ‫ثم إنه ل يسمى السكوت الشرعي )سكوتا( إل بشروط‬ ‫علمية‪ .‬‬ ‫وإنما نورد قوله الحكم في المسألة وهو المولع بالقطعيات‬ ‫في أصول الفقه وأصول الدين‪ :‬قال رحمه الله‪) :‬وليست‬ ‫المامة من قواعد العقائد!()‪(47‬‬ ‫إن )سكوت الشرع( عن المر يفيد أحد أمرين‪ :‬إما تركه‬ ‫على مقتضى الباحة‪ ،‬والبراءة الصلية‪ .‬وهذا منه؛ لنه ثبت بالجماع‪ ،‬وبميل‬ ‫الطبع الجتماعي؛ أن الشأن السياسي ل يمكن أن يغيب‬ ‫عن المجتمع البشري المنظم‪ ..‬وهذا معلوم في‬ .‬وهذا معتقد جمهور أهل السنة والجماعة وغيرهم‬ ‫من الفرق‪ .‬وهو ضرورة من ضرورات‬ ‫الجتماع البشري والعمراني‪ ،‬على حد تعبير ابن خلدون‪.‬وإما إحالته على‬ ‫الجتهاد الشرعي‪ ..‬فقد يكتفي‬ ‫الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية‪ ،‬والعادات‬ ‫الجارية؛ فل يتأكد الطلب تأكد غيره )‪ (.‬‬ ‫ـ ثالثا‪ :‬في أن من أهم معاني )السكوت الشرعي( عن‬ ‫المر‪ :‬عدم اعتباره من الصول الدينية العقدية‪ ،‬ول‬ ‫التعبدية‪ .‬ومن هنا أحيل تنصيب‬ ‫الخليفة على الجتهاد‪.‬وإنما شذ عن هذا الشيعة وحدهم! يقول الشيخ‬ ‫مهدي شمس الدين‪) :‬فأهل السنة والخوار ج والمرجئة‬ ‫والجمهور العظم من المعتزلة والزيدية من الشيعة‬ ‫اعتبروا المامة فرعا من فروع الدين()‪ ،(45‬ونقل بعد ذلك‬ ‫كلما لحد أئمتهم جاء فيه‪) :‬نعتقد أن المامة أصل من‬ ‫أصول الدين‪ ،‬ل يتم اليمان إل بالعتقاد بها()!()‪ (46‬قلت‪:‬‬ ‫وهذا غلو في الدين‪ ،‬وشذوذ عن مقتضيات النصوص‬ ‫والجماع! فلو صح لكفر كل مسلمي العالم عدا هذه‬ ‫الفرقة من الشيعة! ولذلك فقد اشتد إمام الحرمين‬ ‫الجويني في الرد على الشيعة بعبارات قاسية لن نوردها‪.‬أل ترى أنه لم‬ ‫يوضع في هذه الشياء على المخالفة حدود معلومة؟()‬ ‫‪ ..

‬وقال‪ ‬في‬ ‫الحديث الصحيح‪) :‬إن بالحبشة ملكا ل يظلم عنده أحد!()‬ ‫‪ .‬وهو أصل جامع من أصول السلم بل فيه كل ما‬ ‫هو مسمى )دين( في السلم‪ ،‬إل الشأن السياسي! وما‬ ‫فيه من كليات السلم‪ ،‬واليمان‪ ،‬والحسان‪ ،‬وما تعلق بها؛‬ .‬ونشأت‬ ‫الحضارة العربية على أنقاض ممالك اليمن‪ ،‬بل لقد هاجر‬ ‫النبي‪ ‬إلى المدينة وقبيلتا الوس والخزر ج على وشك‬ ‫تنصيب )عبد الله بن أبي( ملكا عليهم! وأمر قبل ذلك‬ ‫بالهجرة إلى الحبشة وهي دولة ملكية‪ .‬بل قد استشرى الخلف حتى صار إلى ما عرف‬ ‫في التاريخ بالفتن السياسية!‬ ‫فهل كان الشارع غفل عن هذه المسألة؟ طبعا كل! فهذا‬ ‫وحي من الله ذي الجلل والكمال على نبي معصوم!‬ ‫ودواعي ذلك كانت حاضرة في العالم آنئذ بقوة إل أن‬ ‫الشارع )سكت( عن المسألة! والسكوت بهذا العتبار‬ ‫تشريع‪ :‬مفاده أن قصد الشارع أل يكون فيها تشريع‬ ‫منصوص‪ .‬والمقصود )بالمقتضي(‪ :‬وجود الدواعي‬ ‫للتشريع نصا‪ ،‬ثم ل ينص عليه! والدواعي في مسألتنا أكثر‬ ‫من أن تحصى‪ ،‬فقد جاء السلم بين دولتين عظيمتين‪:‬‬ ‫المبراطورية الفارسية والمبراطورية البيزنطية‪ .‬أي‬ ‫كما يقول العلماء في قاعدتهم‪ :‬من باب )ما ل يتم الواجب‬ ‫إل به فهو واجب(‪.‬كما في حديث جبريل المشهور الذي رواه عمر بن‬ ‫الخطاب‪ .‬ولذلك‬ ‫ل تكون بالنسبة لجوهر الدين من حيث هو )دين( إل وسيلة‪،‬‬ ‫ل ركنا ول غاية‪ .(48‬ثم إنه بمجرد وفاة النبي‪‬؛ حد ث ما حد ث بين‬ ‫الصحابة من الخلف‪ ،‬في المسألة السياسية‪ ،‬في سقيفة‬ ‫بني ساعدة! فكل هذا ونحوه قاطع في وجود المقتضي‬ ‫للتشريع النصي الصريح‪ ،‬ولكن مع ذلك ل نص يمكن القطع‬ ‫بدللته على ما نحن فيه‪ ،‬ولو كان لرتفع الخلف منذ‬ ‫اللحظة الولى عند نزول أول نازلة من هذا القبيل على‬ ‫المسلمين‪ .‬‬ ‫ـ رابعا‪ :‬وعليه؛ فإن العبادات المحضة هي أصول السلم‬ ‫وأركانه اليمانية والعملية‪ ،‬مما رنص عليه في الكتاب‬ ‫والسنة‪ .‬ووجوبها إنما هو من الوجوب الوسلي‪ .‫)أصول الفقه(‪ .‬وأن تحال على الجتهاد البشري المحض‪ .

‬‬ ‫ثم قال‪) :‬يا عمر أتدري من السائل؟( قلت‪ :‬الله ورسوله‬ ‫أعلم‪ .‬قال صدقت‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫فأخبرني عن الحسان!‬ ‫قال‪) :‬أن تعبد الله كأنك تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه فإنه يراك(‬ ‫قال‪ :‬فأخبرني عن الساعة!‬ ‫قال‪) :‬ما المسؤول عنها بأعلم من السائل(‪ ،‬قال‪ :‬فأخبرني‬ ‫عن أماراتها!‬ ‫ة ربتها وأن ترى الحفاة العراة‪ ،‬العالة‪،‬‬ ‫قال‪):‬أن تلد الم ر‬ ‫رعاء الشاء‪ ،‬يتطاولون في البنيان!( ثم انطلق فلبثت مليا‪.(49‬‬ ‫فالعبارة الخيرة دالة بعمومها على أن ما ذكر في الحديث؛‬ ‫هو كل الدين! لدللة النكرة المضافة إلى الضمير )دينكم(‬ ‫على الستغراق والشمول‪ .(50‬‬ .‬قال‪) :‬فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم()‪.‬والمتأمل في نص الحديث يجد‬ ‫أن مآل الدين فيه إنما هو العمل‪ ،‬وأن أهم العمال فيه إنما‬ ‫هي )الصلة( كما سيأتي بعد‪ ،‬مفصل بأدلته في الفصل‬ ‫الرابع‪ ،‬إن شاء الله)‪.‬فعجبنا له يسأله ويصدقه‪ ،‬قال‪ :‬فأخبرني عن‬ ‫اليمان!‬ ‫قال‪) :‬أن تؤمن بالله‪ ،‬وملئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم‬ ‫الخر‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره وشره(‪ .‫هي معان متواترة في الدين مقطوع بصحتها! فقد تواطأت‬ ‫النصوص القرآنية والخبار النبوية‪ ،‬على أنها أصول الدين‬ ‫الكلية‪ ،‬اعتقادا وعمل؛ ولذلك كان هذا الحديث ـ كما قلت ـ‬ ‫جامعا لكل الدين! ونصه هو‪:‬‬ ‫عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‪:‬‬ ‫)بينما نحن جلوس عند رسول الله‪ ‬ذات يوم‪ ،‬إذ طلع‬ ‫علينا رجل شديد بياض الثياب‪ ،‬شديد سواد الشعر‪ ،‬ل يرى‬ ‫عليه أثر السفر‪ ،‬ول يعرفه منا أحد‪ ،‬حتى جلس إلى النبي‬ ‫‪ ،‬فأسند ركبتيه إلى ركبتيه‪ ،‬ووضع كفيه على فخذيه‪،‬‬ ‫وقال يا محمد أخبرني عن السلم!‬ ‫فقال رسول الله‪) :‬السلم‪ :‬أن تشهد أن ل إله إل الله‪،‬‬ ‫وأن محمدا رسول الله‪ ،‬وتقيم الصلة‪ ،‬وتؤتي الزكاة‪،‬‬ ‫وتصوم رمضان‪ ،‬وتحج البيت إن استطعت إليه سبيل( قال‪:‬‬ ‫صدقت‪ .

‬فمن‬ ‫نكث فإنما ينكث على نفسه‪ .‬يد الله فوق أيديهم‪ .‬ولقد يشهد لذلك استدلل الصحابة في شأن أبي‬ ‫بكر رضي الله عنه باستخلفه في الصلة على استخلفه‬ ‫في السياسة‪ ،‬في قولهم‪ :‬ارتضاه رسول الله‪ ‬لديننا أفل‬ ‫نرضاه لدنيانا؟ فلول أن الصلة أرفع من السياسة لما صح‬ ‫القياس!()‪ (51‬ونقل هذا عنه ـ بصورة حرفية ـ سيد صديق‬ ‫حسن خان القنوجي المتوفى سنة‪1307) :‬هـ( في كتابه‬ ‫)إكليل الكرامة في بيان مقاصد المامة()‪.‬والنصوص في هذا متواترة المعنى‪ .(54‬ولم يوص بشيء من أمور السياسة‬ ‫إل السمع والطاعة كما رأيت قبل! وكتب عمر بن الخطاب‬ ‫إلى عماله يقول‪) :‬إن أهم أمركم عندي الصلة! من حفظها‬ ‫أو حافظ عليها؛ حفظ دينه‪ ،‬ومن ضيعها فهو لما سواها‬ ‫أضيع!()‪ .‬ومن أوفى بما عاهد الله عليه‬ ‫فسنوتيه أجرا عظيما()سورة الفتح‪(10:‬‬ .‬ولم يثبت‬ ‫شيء من ذلك للسياسة ووظائفها‪ ،‬بهذا العموم‪ ،‬وبهذه‬ ‫القوة! قال عليه الصلة والسلم‪) :‬أول ما يحاسب به العبد‬ ‫يوم القيامة الصلة! فإن صلحت صلح له سائر عمله‪ ،‬وإن‬ ‫فسدت فسد سائر عمله!()‪ ،(53‬فكأنه عليه الصلة‬ ‫والسلم اختزل الدين كله في الصلة! حتى إنه كان من‬ ‫آخر وصاياه‪) :‬الصلة َف وما ملكت أيمانكم! الصلة َف وما‬ ‫ملكت أيمانكم!()‪ .(55‬فهؤلء عمال القاليم‪ ،‬وهياكل الدولة‪ ،‬كانت‬ ‫الصلة أهم )أمرهم(!‬ ‫وأما أحاديث البيعة من مثل قوله‪) :‬من خلع يدا من‬ ‫طاعة‪ ،‬لقي الله يوم القيامة ل حجة له! ومن مات وليس‬ ‫في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية!()‪ (56‬فهذه )بيعة‬ ‫السلم(‪ ،‬ل بيعة السلطان! وذلك قول الله عز وجل‪) :‬إن‬ ‫الذين يبايعونك إنما يبايعون الله‪ .‫ومن هنا كانت إمامة الصلة عند الله أرفع من الملك في‬ ‫خصوصه! ولذلك قال عبد الرحمن بن خلدون في سياق‬ ‫عرض )خطط( الخلفة بمقدمته‪ ،‬أي وظائفها ومهامها‬ ‫المندرجة تحتها‪) :‬فأما إمامة الصلة فهي أرفع هذه الخطط‬ ‫كلها‪ ،‬وأرفع من الملك بخصوصه المندر ج معها تحت‬ ‫الخلفة‪ .(52‬‬ ‫ولذلك كانت الصلة هي صمام المان‪ ،‬وميزان التدين في‬ ‫السلم‪ .

‬وقد تواتر عن النبي‪ ‬أن )السلم( هو‪:‬‬ ‫شهادة أل إله إل الله‪ ،‬وأن محمدا رسول الله‪ ،‬وإقام‬ ‫الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصيام رمضان‪ ،‬وحج البيت لمن‬ ‫استطاع إليه سبيل‪..(58‬‬ ‫وأما بخصوص قوله تعالى‪) :‬إن الذين يبايعونك‪ .‬‬ ‫كما كانت )بيعة النساء( قريبا من ذلك‪ ،‬فقد ترجم البخاري‬ ‫في صحيحه‪) :‬باب بيعة النساء( وقال مسلم‪) :‬باب كيفية‬ ‫بيعة النساء( وأخر ج كلهما في ذلك عن عائشة رضي الله‬ ‫عنها قالت‪) :‬كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله‬ ‫يمتحن بقول الله عز وجل‪) :‬يا أيها النبيء إذا جاءك‬ ‫المؤمنات يبايعنك على أل يشركن بالله شيئا ول يسرقن ول‬ ‫يزنين( الية‪] ...‬‬ ‫وهذه المور التي هي )أركان السلم( ليست مرتبطة‬ ‫بإقامة الخليفة ول حتى إنشاء الدولة؛ ارتباط السبب‬ ‫بمسببه والعلة بمعلولها‪ .‫وأغلب أهل الحديث ترجموا لذلك في مصنفاتهم بلفظ‪:‬‬ ‫)باب بيعة السلم(‪ ،‬وقد ذكر البخاري في ترجمة )شعيث‬ ‫بن عاصم بن حصين بن مشمت( )أن أباه حصينا حدثه أنه‬ ‫وفد إلى النبي‪ ،‬وبايعه بيعة السلم()‪ .‬الية( فقد‬ ‫ذكرها البخاري في صحيحه تتمة لترجمة )باب من نكث‬ ‫بيعة( وأخر ج في ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال‪) :‬جاء‬ ‫أعرابي إلى النبي‪ ‬فقال‪ :‬بايعني على السلم! فبايعه‬ ‫على السلم‪ ،‬ثم جاء الغد محموما‪ ،‬فقال‪ :‬أقلني! فأبى‪،‬‬ ‫فلما ولى قال‪ :‬المدينة كالكير تنفي خبثها‪ ،‬وتنصع طيبها()‬ ‫‪ (59‬وإنما كانوا يبايعون على الصلة والصيام وعدم الشرك‬ ‫وترك الزنى‪ ،‬وأشياء كثيرة من أصول الشريعة وفروعها‪..‬قال‪) :‬فنصب‬ ‫المام عند المكان واجب()‪.‬حتى قالت‪ [:‬وكان رسول الله‪ ‬إذا أقررن‬ ‫بذلك من قولهن؛ قال لهن‪ :‬انطلقن فقد بايعتكن!()‪.(61‬‬ .(60‬‬ ‫ذلك ما كان يسمى في عهد الصحابة والتابعين‪ :‬بـ)بيعة‬ ‫النساء( في خصوص النساء‪ ،‬و)بيعة السلم( في عموم‬ ‫الرجال والنساء‪ .‬ولذلك ربط الجويني رحمه الله‬ ‫حكم وجوب تنصيب الخليفة )بالمكان(‪ .(57‬وقد ورد‬ ‫المصطلح المذكور في سنن البيهقي ومعجم الطبراني‪،‬‬ ‫وقال النسائي في سننه‪) :‬باب البيعة على السلم()‪.

‬أي جاءت نتيجة طبيعية تلقاء قيامه‪.‬كل ذلك عندما تلتزمه الدولة‪ ،‬كقيم عليا‬ ‫تحافظ عليها‪ ،‬وتقدسها؛ يكون بمعنى الدين بالنسبة إليها؛‬ ‫فل دولة إذن إل ولها دين‪ .‬‬ ‫وأما جهله بالدولة؛ فلنه علم ضرورة أيضا؛ أنه ل دولة‬ ‫قامت في الواقع إل وهي مستندة إلى خلفية إيديولوجية‬ ‫معينة‪ ،‬تقوم مقام الدين! فالشتراكية‪ ،‬والعلمانية‪،‬‬ ‫والليبيرالية‪ ..‬بل إن المسوغ الول لقيام الدولة‬ ‫إنما هو ما تتضمنه من مذهبية تصورية للعقد الجتماعي‪.‬‬ ‫نعم؛ ل خلف في أن قيام الدولة السلمية مطلب شرعي‬ ‫ضروري؛ لتحقيق مناطات الحكام الشرعية المتعلقة‬ ‫بالمؤسسات كالقضاء‪ ،‬والجهاد‪ ،‬والحسبة‪ ،‬وحماية التدين‬ ‫العام في المجتمع‪ ،‬ول خلف في أن الذي يقول بفصل‬ ‫الدين عن الدولة جاهل بالدين‪ ،‬وجاهل بالدولة معا!‬ ‫فأما جهله بالدين؛ فلنه قد علم من الدين بالضرورة‪ ،‬أن‬ ‫أحكامه العامة؛ ل تقوم ـ على المستوى الجتماعي ـ إل‬ ‫بالدولة‪ ،‬كالتشريع الجنائي‪ ،‬والقضائي‪ ،‬والجتماعي‪،‬‬ ‫والقتصادي‪ ،‬والعسكري‪ ،‬وسائر أشكال المعاملت المالية‪.‬إلخ‪ .‬وإما أن ترجع‬ ‫إلى غيره؛ فتكون بذلك مناقضة لنفسها!‬ ‫ومن هنا كان من يقول بالفصل بينهما جاهل بهما معا!‬ ‫إل أن ذلك ل ينبغي أن يقودنا إلى الغلو ـ في رد الفعل ـ‬ ‫لنجعل الدولة هي كل الدين! والسياسة هي غاية رب‬ ‫العالمين من إرسال المرسلين! وإنما الحق أن الدولة )آلة(‬ ‫من آلت الدين‪ ،‬إن لم يكن بها دعوة ً كان بغيرها؛ حتى إذا‬ ‫استوى هو في الناس إسلما وإيمانا؛ كانت هي به‪ ،‬وجاءت‬ ‫على شرطه‪ ..‫هذا هو السلم المتواتر عن الرسول وصحابته الكرام‪.‬‬ ‫وذلك أساس بيعة الطاعة الدينية لله ولرسوله عليه الصلة‬ ‫والسلم‪.‬‬ ‫وبمجرد أن يعلن في الدستور أن دين )الدولة( السلم؛‬ ‫فقد التزمت هذه المؤسسة ‪ -‬شكليا ‪ -‬بكل ما يقتضيه هذا‬ ‫الدين‪ .‬‬ ‫وإنما الدين قضية وجودية كبرى‪ ،‬تتعلق بكينونة النسان في‬ ‫الوجود‪ ،‬ومذهبية شاملة في الخلق والمنشأ‪ ،‬والمحيا‬ .‬فإما أن ترجع إذن إلى ما دبجته في دستورها؛‬ ‫فتكون دولة إسلمية بالفعل‪ ،‬كما هي بالقوة‪ .

.‬ومن هنا كان من الخطأ في‬ ‫المنهج السلمي الدعوي أن تختزل الدعوة السلمية ‪ -‬كل‬ ‫الدعوة السلمية ‪ -‬في )برصنامج سياسي(!‬ ‫أصول الفقه السياسي ضابط لتصريف الفقه‬ ‫الدعوي‪:‬‬ ‫إل أنه لبد – بعد هذا وذاك‪ -‬من تحقيق أمر هام في الشأن‬ ‫الدعوي وعلقته بالسياسي‪ ،‬وهو‪ :‬أن تمام العمل الدعوي‬ ‫ونجاحه رهين بضبط ما يمكن تسميته بـ)أصول الفقه‬ ‫السياسي(‪ ،‬ومتوقف على حسن توظيف كلياته وقواعده‪،‬‬ ‫في تنزيل أحكام الدعوة السلمية المعاصرة‪ ،‬في النفس‬ ‫وفي المجتمع‪ .‬ولبي إسحاق الشاطبي كلمة رفيعة جدا في مثل‬ ‫هذا السياق‪ ..‫والممات‪ ،‬ثم المآل والمصير‪ .‬‬ ‫وصحيح أنك ل تجد هذا المعنى مدونا ‪ -‬بهذا اللفظ‪) :‬أصول‬ ‫الفقه السياسي( ‪ -‬في كتب الترا ث؛ ولكن كتب )علم‬ ‫أصول الفقه( عموما كفيلة بمدك بمادة هذه الصناعة في‬ ‫كلياتها‪ ،‬من مثل قواعد تحقيق المناط‪ ،‬وقواعد اعتبار‬ ‫المآلت‪ ،‬والضوابط المنهجية للفتوى؛ مما يضبط تغير‬ ‫المكان والزمان والنسان‪ .‬وإن لم‬ ‫يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو‬ ‫الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية!()‬ ‫‪(62‬‬ .‬ثم ما تجب مراعاته من ذلك‬ ‫في ترتيب الخطوات والمراحل الدعوية؛ وما ل تجب‬ ‫مراعاته‪ .‬وضابطه أصنك تعرض مسألتك على الشريعة‪،‬‬ ‫فإن صحت في ميزاصنها؛ فاصنظر في مآلها بالنسبة‬ ‫إلى كحال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى‬ ‫مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول‪ ،‬فإن‬ ‫قبلتها فلك أن تتكلم فيها‪ ،‬إما على العموم إن‬ ‫كاصنت مما تقبلها العقول على العموم‪ ،‬وإما على‬ ‫الخصوص إن كاصنت غير لقئقة بالعموم‪ .‬سواء كان ذلك على المستوى المحلي‪ ،‬أو‬ ‫القليمي‪ ،‬أو الدولي‪.‬يقول رحمه الله‪) :‬قد فرض العلماء مسائل‪،‬‬ ‫مما ل يجوز الفتيا بها‪ ،‬وإن كانت صحيحة في نظر الفقه!‬ ‫)‪ (.

‬بل‬ ‫هو أمر مقصود بالتبع‪ ،‬وليس بالصالة في تجديد العمران‬ ‫الديني للمجتمع‪.1415/1994 :‬‬ ‫)‪ (2‬عنوان كتاب ابن تيمية‪) :‬السياسة الشرعية في إصلح‬ ‫الراعي والرعية( وهو أيضا مطبوع متداول‪ .‬وبهذا كان‬ ‫مصدرا من مصادر فقه الدعوة السلمية‪ .‬الثانية‪.‬ن‪ .‬ولذلك رأينا أن )البرنامج السياسي( – بما هو علم‬ ‫جزئي‪ -‬ليس هو المفتاح الساس لبعثة التجديد السلمي‪.‬ومن ظن أن‬ ‫العالم السلمي قطعة معزولة‪ ،‬أو بالحرى يمكن عزلها عن‬ ‫السياسة الدولية؛ فهو ما يزال يعيش خار ج التاريخ!‬ ‫ـــــــ‬ ‫هوامش المبحث الثاني من الفصل الثاني‪:‬‬ ‫)‪ (1‬عنوان كتاب الماوردي‪) :‬الحكام السلطانية والوليات‬ ‫الدينية( مطبوع متداول‪ .‬مثل‪ :‬طبعة‬ .‬مثل‪ :‬طبعة دار الكتاب العربي‬ ‫بيروت‪ .‬فالول فقه جزئي تطبيقي‪،‬‬ ‫والثاني كليات وقواعد‪ .‬ن‪ .‬بمعنى أن )البرنامج السياسي( ما‬ ‫هو إل عنصر جزئي من عناصر )أصول الفقه السياسي(‪،‬‬ ‫كنسبة فقه المواريث مثل إلى مجموع الفقه‪ ،‬بل إلى كلي‬ ‫أصوله‪ .‫ومن ههنا فنحن نفرق بين )البرنامج السياسي(‬ ‫و)أصول الفقه السياسي(‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫أما الثاني ‪ -‬أعني فقه الكليات السياسية‪ ،‬أو أصول‬ ‫الفقه السياسي ‪ -‬فهو منهج معرفة سنن التحولت‪ ،‬وسنن‬ ‫التوقعات والمآلت‪ ،‬فيما يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات‪،‬‬ ‫على المستوى المحلي والقليمي والعالمي‪ .‬‬ ‫وهو ما اصطلح عليه اليوم بـ)المشاركة السياسية( في‬ ‫المجال الحزبي؛ سواء كانت )مساندة( أو )معارضة(‪ .

‬ط‪ .1/22:‬أما قوله في النص‪) :‬في كل‬ ‫زمان!( بهذا الطلق؛ فهذه منه مبالغة تعقبها شيخ السلم‬ ‫تقي الدين بن تيمية رحمه الله في كتابه "منها ج السنة‬ ‫النبوية" حيث قال‪) :‬وأما قوله‪" :‬الخلف الرابع في المامة‪:‬‬ ‫وأعظم خلف بين المة خلف المامة؛ إذ ما سل سيف‬ ‫في السلم على قاعدة دينية مثل ما سل على المامة في‬ ‫كل زمان؛ فالجواب‪ :‬أن هذا من أعظم الغلط! فإنه ‪ -‬ولله‬ ‫الحمد ‪ -‬لم يسل سيف على خلفة أبي بكر ول عمر ول‬ ‫عثمان‪ ،‬ول كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في المامة‪،‬‬ ‫فضل عن السيف‪ ،‬ول كان بينهم سيف مسلول على شيء‬ ‫من الدين( منها ج السنة النبوية لبن تيمية‪ .19:‬‬ ‫)‪ (15‬مدخل لدراسة القانون‪.‬‬ .17:‬‬ ‫)‪ (5‬السياسة الشرعية للقرضاوي‪15:‬‬ ‫)‪ (6‬غيا ث المم‪15:‬‬ ‫)‪ (7‬علم السياسة لمارسيل بريلو‪12:‬سلسلة‪) :‬زدني‬ ‫علما(‪.62:‬‬ ‫)‪ (17‬الملل والنحل‪ .‬مثل‪ :‬طبعة دار إحياء‬ ‫العلم‪ .‬فهارس بداية المجتهد لبن رشد مثل‪.70‬‬ ‫)‪ (12‬ن‪ .‬بيروت‪.‬ن‪ .‬الثانية‪1411 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1991‬م‪.58:‬‬ ‫)‪ (10‬الحكام السلطانية‪29 :‬‬ ‫)‪ (11‬مدخل لدراسة القانون د‪.‬المغرب‪ .6/324 :‬لكن‬ ‫قطعا كان النزاع حول المامة دمويا مع السف في أزمنة‬ ‫تالية‪.‫دار الفاق الجديدة‪ .‬‬ ‫)‪ (8‬علم السياسة للدكتور حسن صعب‪21:‬‬ ‫)‪ (9‬نفسه‪.20:‬‬ ‫)‪ (14‬السياسة الشرعية للقرضاوي‪.61:‬‬ ‫)‪ (16‬نفسه‪ :‬مدخل لدراسة القانون‪.‬خالد عبد الله عيد‪ 59 :‬ـ‬ ‫‪.‬‬ ‫)‪ (4‬السياسة الشرعية لخلف‪.‬‬ ‫)‪ (13‬السياسة الشرعية للقرضاوي‪.‬‬ ‫)‪ (3‬عنوان كتاب ابن القيم‪) :‬الطرق الحكمية في السياسة‬ ‫الشرعية( وهو مطبوع متداول ‪.

‬‬ ‫)‪ (24‬رواه أبو داود عن قبيصة بن وقاص‪ .‬ص(‪.‬وصححه اللباني‬ ‫في )ص‪ .8148:‬‬ ‫)‪ (25‬من حديث طويل جمعه اللباني بزيادات للبخاري‬ ‫ومسلم وأبي عوانة وغيرهم‪ ،‬كلها صحيحة‪ .‬ص( رقم‪.‬وصححه‬ ‫اللباني في السلسلة الصحيحة رقم‪.2/138:‬‬ ‫)‪ (38‬رواه ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس‪ .457:‬‬ ‫)‪ (27‬رواه أحمد والترمذي‪ .‬‬ ‫)‪ (35‬فتح الباري ‪13/71‬ـ ‪.191:‬‬ ‫)‪ (19‬نظام الحكم‪.11/244:‬‬ ‫والحديث رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة‬ ‫مرفوعا‪ ،15/41 :‬والهيثمي في موارد الظمآن‪،1/374:‬‬ ‫وروى مسلم نحوه عن أم سلمة مرفوعا‪.5:‬‬ ‫)‪ (22‬مجموع الفتاوى‪.‬‬ ‫)‪ (33‬رواه مسلم‪.‬وحسنه اللباني في‪:‬‬ ‫)ص‪ .‬‬ ‫)‪ (29‬متفق عليه‪.7:‬‬ ‫)‪ (20‬جامع البيان للطبري‪ :‬م ‪ /3‬ج ‪4/152‬ـ ‪.153‬‬ ‫)‪ (21‬رواه أحمد‪ ،‬والبزار‪ ،‬والطبراني في الوسط‪ .‫)‪ (18‬المقدمة‪.2739:‬‬ ‫)‪ (26‬رواه الطبراني في الوسط‪ ،‬والبيهقي في الزهد‬ ‫الكبير‪ .‬‬ .35/26 :‬‬ ‫)‪ (23‬حاشية ابن القيم على سنن أبي داود‪.‬‬ ‫)‪ (31‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫)‪ (32‬متفق عليه‪.‬‬ ‫)‪ (34‬رواه مسلم‪.‬كما‬ ‫رواه مسلم عن أم سلمة‪.‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‪.‬‬ ‫)‪ (30‬متفق عليه‪.‬ج‪.‬السلسلة‬ ‫الصحيحة‪.72‬‬ ‫)‪ (36‬شرح النووي‪12/465:‬ـ ‪.‬قال اللباني‪ :‬وإسناده جيد على شرط مسلم‪.‬ج‪.2392:‬‬ ‫)‪ (28‬رواه مسلم ‪.466‬‬ ‫)‪ (37‬رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني في‬ ‫الكبير‪ .‬‬ ‫السلسلة الصحيحة‪.

420‬‬ ‫)‪ (43‬رواه أبو داود وأبو عوانة في صحيحه‪ ،‬وحسنه اللباني‬ ‫في السلسلة الصحيحة‪.34 :‬وهذا ما ذهب إليه قبله المام‬ ‫الشافعي في الرسالة‪419:‬ـ ‪.‬ج‪.‬‬ ‫)‪ (40‬الحكام في تمييز الفتاوي من الحكام‪.1322:‬‬ ‫)‪ (44‬الموافقات‪3/130:‬ـ ‪.132‬‬ ‫)‪ (45‬نظام الحكم‪.: 7/188‬‬ ‫)‪ (49‬رواه مسلم‪.‬ص( أرقام‪ ،2571 :‬و ‪ ،2572‬و‬ ‫‪ ،2573‬و ‪.‬ص(‪ .‬وأخرجه عن أم سلمة كل من أحمد وابن ماجه‪،‬‬ ‫كما أخرجه الطبراني عن ابن عمر‪ .‬ج‪.3873:‬‬ .101 :‬‬ ‫)‪ (47‬غيا ث المم‪.‬ج‪.‬وصححه اللباني في‬ ‫)ص‪ .‬ص(‪.2573:‬وقد أخر ج نحوه بوجه‬ ‫صحيح أيضا كل من أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عن‬ ‫أبي هريرة مرفوعا‪ ،‬كما أخرجه عن تميم الداري كل من‬ ‫أحمد وأبي داود وابن ماجه والحاكم‪ ،‬وأخر ج نحوه عن ابن‬ ‫مسعود أيضا المام النسائي‪ .38 :‬‬ ‫)‪ (53‬رواه الطبراني في الوسط‪ ،‬والضياء عن أنس‬ ‫وصححه اللباني )ص‪ .219 :‬‬ ‫)‪ (52‬إكليل الكرامة‪.‬ص‪ .105:‬‬ ‫)‪ (41‬الحكام السلطانية‪.100 :‬‬ ‫)‪ (46‬نظام الحكم‪.‫)‪ (39‬متفق عليه‪.‬‬ ‫)‪ (50‬ن‪ .‬شرح الحديث مفصل أيضا في كتابنا‪ :‬الفجور‬ ‫السياسي‪.34 :‬‬ ‫)‪ (48‬سنن البيهقي‪ ،9/9 :‬والسيرة النبوية لبن هشام‪:‬‬ ‫‪ ،2/164‬وتاريخ الطبري‪ ،1/557 :‬وسير أعلم النبلء‪:‬‬ ‫‪ ،1/208‬وذكره ابن حجر في فتح الباري على سبيل الجزم‬ ‫به مرفوعا إلى النبي‪.‬وكل ذلك مرفوعا إلى النبي‬ ‫‪ ‬بوجه صحيح‪) .23:‬‬ ‫)‪ (51‬مقدمة ابن خلدون‪.29 :‬‬ ‫)‪ (42‬غيا ث المم‪ .2574‬‬ ‫)‪ (54‬أخرجه عن أنس كل من أحمد والنسائي وابن ماجه‬ ‫وابن حبان‪ .

‬‬ .‬‬ ‫)‪ (61‬غيا ث المم‪.‫)‪ (55‬رواه مالك في الموطأ بسند صحيح‪ ،‬كما رواه‬ ‫البيهقي‪ ،1/445:‬وعبد الرزاق في مصنفه‪،1/536:‬‬ ‫والطحاوي في شرح معاني الثار‪.‬‬ ‫)‪ (57‬تاريخ البخاري‪(4/271 :‬‬ ‫)‪ (58‬سنن النسائي‪.1/193:‬‬ ‫)‪ (56‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫)‪ (60‬متفق عليه واللفظ لمسلم‪.191-4/190 :‬‬ ‫ـــــــ نهاية الفصل الثاني‪.15:‬‬ ‫)‪ (62‬الموافقات‪.8/108:‬‬ ‫)‪ (59‬رواه البخاري‪.

‬‬ ‫كيف تتم بيعة المام؟ ـ بعد إجماعهم على حكم‬ ‫الوجوب ـ هل يكفي الواحد والثلثة أم لبد من‬ ‫إجماع؟‬ ‫ثم كيف يتم التعيين والختيار؟ بالشورى أم بالعهد؟‬ ‫والشورى هل هي شورى المة بأكملها؛ أم شورى‬ ‫أهل الحل والعقد فقط؟‬ ‫ثم الشورى بعد ذلك ـ سواء بهذا الشكل أو ذاك ـ‬ ‫هل يكفي فيها التغليب )غلبة الصوات(؛ أم لبد من‬ ‫إجماع فيها أيضا؟‬ ‫وإذا تعين السلطان وتمت له البيعة؛ هل يكون‬ ‫حكمه فرديا أم لبد من شورى حكومية وشعبية؟‬ .‬واختلفوا فيما دون ذلك‬ ‫اختلفا شديدا! لما للموضوع من طبيعة اجتهادية‪ ،‬ل‬ ‫نص فيها من ناحية؛ ولما للمسألة )السياسية( من‬ ‫حساسية عصبية من ناحية أخرى‪.‫الفصل الثــالث‪ :‬الجتهــاد السياســي الســلمي‬ ‫والنفســية الصــدامية لــدى الحركــة الســلمية‬ ‫المعاصرة‪:‬‬ ‫المبحــــث الول‪ :‬فــــي الجتهــــاد السياســــي‬ ‫السلمي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ في الفقه السياسي السلمي القديم‪:‬‬ ‫لم يتفق الفقهاء المسلمون على شيء في المسألة‬ ‫السياسية‪ ،‬عدا حكم )وجوب( تنصيب الخليفة‪ ،‬الثابت‬ ‫عندهم بالجماع كما رأيت‪ .

‬إلخ‪.‬‬ ‫أسئلة كثيرة في المسألة السياسية ل تكاد تنتهي!‬ ‫معلوم قطعا أن الفقهاء ـ قدماءهم ومحدثيهم ـ إنما‬ ‫أجابوا عن بعضها بالجتهاد المحض! إذ ما عدا المر‬ ‫القرآني بالشورى ـ وقد رأيت ما فيه من مقال ـ‬ ‫ثم إجماع الصحابة على تنصيب المام؛ ل تجد شيئا‬ ‫من النصوص والجماعات تعول عليه في المسألة‬ ‫السياسية! فإنما هو الرأي والرأي الخر‪ ،‬كما يعبرون‬ ‫اليوم!‬ ‫ومحاكمة الناس إلى رأي معين )تحكم(! وقد علمت‬ ‫أن )الجتهاد ل ينقض باجتهاد()‪ (1‬كما تقرر في‬ ‫الصول؛ لظنية المرين كليهما‪.‬إلخ‪..‬‬ ‫ولبيان الطبيعة الجتهادية الموغلة في )الستدلل‬ ‫بالرأي( بقواعد المصالح المرسلة‪ ،‬والستحسان ـ‬ ‫بمفهومه المالكي خاصة ـ والعرف؛ فإننا نورد أبرز‬ ‫القضايا السياسية التي هي مدار الفكر السياسي‬ ‫لدى الفقهاء قديما وحديثا‪ ،‬مبينين ـ بحول الله ـ‬ ‫علل الختلف بين الفقهاء؛ حتى ترى بعينك أن المر‬ ‫السياسي في السلم ل يخر ج عن نطاق الفكر‬ ‫الجتهادي المحض‪ ،‬وأنه أبعد ما يكون عن موارد‬ ‫النصوص‪ :‬ظواهرها وقواطعها‪ .‫وإذا كانت هناك شورى من هذا النوع؛ أتكون ملزمة‬ ‫أم معلمة؟‬ ‫والعهد هل يكون ملزما للناس أم أنه متوقف على‬ ‫رضاهم؟ يعني هل العهد )صوت( من الصوات ورأي‬ ‫من الراء تجوز مخالفته ونقضه؛ أم أنه قرار ل‬ ‫يناقش‪ ،‬وأمر مطاع ل رجعة فيه؟‬ ‫ثم ما أشكال التنزيل السياسي المناسبة لهذا الزمان‬ ‫وأهله؟ أو بعبارة القدماء‪ :‬ما صور )تحقيق المناط(‬ ‫للشأن السياسي عامة‪ ،‬ومسألة الشورى منه خاصة؟‬ ‫‪.‬وذلك عبر المسائل‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫ـ أول‪ :‬فقد اختلفوا في أصل مسلك بيعة الخليفة أو‬ ‫السلطان‪ :‬فذهب قوم إلى أنه بالنص! وهم الشيعة‬ ..

‬وما‬ ‫رمي واحد منهما بأنه خالف شرع الله؛ لنه توخى‬ ‫المصلحة‪ ،‬واجتهد ما استطاع()‪(2‬‬ ‫ولنعد إلى التاريخ! فاعتمادا على هذا الواقع التاريخي‬ ‫سطر القدماء مسالك التولية ـ حسب الخلف ـ في‬ ‫ثل ث طرق‪ :‬العهد والشورى والنص‪.‬قال رحمه الله‪) :‬كيف‬ ‫اختصصتم وأنتم الذلون القلون بهذا الخبر دون‬ ‫مخالفيكم؟ وكيف انحصر هذا النبأ فيكم مع استواء‬ ‫الكافة في بذل كنه المجهود في الطلب والتشمير؟‬ .‬بل أنكر مسألة )النص( مطلقا ل‬ ‫لصالح الشيعة ول لصالح السنة؛ مستعمل كافة الدلة‬ ‫الشرعية والحجا ج العقلي‪ .‬فاجتهاد‬ ‫أحدهما غير اجتهاد صاحبه‪ .‬واجتهادهما معا غير ما‬ ‫فعل الرسول‪‬؛ لنه لم يستخلف واحدا كما فعل‬ ‫أبو بكر‪ ،‬ولم يترك الشورى لستة كما فعل عمر‪ .‬قال‬ ‫الماوردي)ت‪450:‬هـ(‪) :‬والمامة تنعقد من وجهين‪:‬‬ ‫أحدهما باختيار أهل العقد والحل‪ .‬‬ ‫فأما جمهور أهل السنة فقد جعلوها في مسلكين‬ ‫اثنين‪ :‬العهد وشورى أهل الحل والعقد‪ .‫في شأن علي بن أبي طالب‪ ،‬وبعض أهل السنة‬ ‫في شأن أبي بكر الصديق! وذهب قوم إلى أنه‬ ‫بالشورى بين أهل الحل والعقد‪ ،‬وذهب آخرون إلى‬ ‫أنه بعهد المام على سبيل الوصية والتعيين!‬ ‫وسبب الخلف بينهم هو في الحقيقة راجع إلى‬ ‫انعدام النص الشرعي‪ ،‬كحكم مرجوع إليه على كل‬ ‫حال! وما أدق قراءة الستاذ عبد الوهاب خلف‬ ‫رحمه الله لهذا الشكال التاريخي؛ إذ بين أن المر‬ ‫إنما هو اجتهاد في اجتهاد! قال رحمه الله‪) :‬اجتهد أبو‬ ‫بكر فاستخلف على المسلمين عمر‪ .‬والثاني‪ :‬بعهد المام‬ ‫من قبل()‪.(3‬‬ ‫وأما مسألة النص؛ فإن إمام الحرمين الجويني المام‬ ‫السني الشافعي)ت‪476:‬هـ(‪ ،‬قد رد على الشيعة ردا‬ ‫عنيفا في شأن مسألة الوصية بالنص الشرعي على‬ ‫علي بن أبي طالب‪ .‬واجتهد عمر ولم‬ ‫يستخلف واحدا‪ ،‬وترك المر شورى بين ستة‪ .

(5‬‬ ‫ويثور الخلف عند القول بشورى أهل الحل والعقد‪:‬‬ ‫متى تصبح البيعة شرعية؟ هل ببيعة الواحد والثنين؟‬ ‫أم لبد من إجماعهم وإجماع غيرهم؟ أم تكفي غلبة‬ ‫المبايعين عددا؟‬ ‫ويجيب الجويني مرة أخرى مبينا ـ أول ـ أن‪:‬‬ ‫)الجماع ليس شرطا في عقد المامة بالجماع!()‪.‫)‪ (..‬فإن أبا بكر خليفة رسول الله‪ ،‬لما عهد‬ ‫إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ووله المامة‬ ‫بعده؛ لم ي رب تد ر أحد من صحب رسول الله‪ ‬نكيرا‪ .‬ثم‬ ‫اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في‬ ‫إثبات المامة في حق المعهود إليه المولى!()‪.‬ولو ساغ اختصاص قيام أقوام بدرك خبر شائع‬ ‫مستفيض ذائع؛ لجاز أن يختص بالعلم بأن في‬ ‫ف مخصوصون مع‬ ‫القاليم بلدة تسمى‪) :‬بغداد( طوائ ر‬ ‫تماثل الكافة في البحث عن المسالك والقاليم‬ ‫والممالك!‬ ‫وبم تنكرون على من يزعم أنه عليه السلم نص‬ ‫على أبي بكر نصا منتشرا في القطار‪ ،‬مطبقا‬ ‫للخطط والديار؟ ولسنا نذكر ذلك للختيار واليثار‪،‬‬ ‫ولكن المذاهب الفاسدة والمطالب الحائدة إذا‬ ‫تعارضت تناقضت وترافضت! وبقي الحق المبين‪،‬‬ ‫والمنهج المتين أبلج لئحا لهل السترشاد‪ ،‬وطاحت‬ ‫مسالك العناد()‪(4‬‬ ‫ورغم ذلك لم يمنعه إنكار مسلك النص من النبي‪‬؛‬ ‫أن يقول قاطعا بشرعية العهد! ما دام ذلك قد‬ ‫حصل الجماع عليه من لدن الصحابة في شأن عهد‬ ‫أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما‪ .(7‬ثم قال‪:‬‬ ‫)فالوجه عندي في ذلك أن يعتبر في البيعة حصول‬ ..‬قال‪) :‬وأصل‬ ‫تولية العهد ثابت قطعا مستند إلى إجماع حملة‬ ‫الشريعة‪ .(6‬‬ ‫بمعنى أن المة أجمعت على أن البيعة تتم للمام‬ ‫من غير اشتراط للجماع عليه؛ وذلك لستحالته في‬ ‫هذا المر خاصة! بل قد اختلفوا من جواز بيعة‬ ‫الواحد إلى الاثنين فالربعة فالربعين)‪ .

.‬وما خاطب‬ ‫أحد منهم سلطان زمانه إل بلقب )أمير المؤمنين(!‬ .(9‬‬ ‫واشتهر ذلك من مذهب من ل يتهم بممالة ول‬ ‫مداهنة لسلطان‪ ،‬من علماء استفاض ورعهم‪،‬‬ ‫واشتهرت عدالتهم وإمامتهم في الدين‪ ،‬كالحسن‬ ‫البصري وربيعة الرأي والمام الزهري‪ ،‬ثم فقهاء‬ ‫المصار الكبار كأبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس‬ ‫والشافعي وأحمد بن حنبل‪ ،‬والليث بن سعد‪،‬‬ ‫والوزاعي‪ .‬كلهم عاشوا مع ملوك عصورهم من بني‬ ‫أمية وبني العباس‪ ،‬ناصحين ومؤازرين‪ ،‬ولم يؤثر عن‬ ‫أحد منهم قول يفيد إبطال العهد السري‪ ،‬أو الفتاء‬ ‫بجواز الخرو ج عن طاعتهم ونقض بيعتهم‪ ..‬‬ ‫فإذ ذاك تثبت المامة()‪ .‬والعادة محكمة‪ ،‬كما تقول القاعدة‪.(8‬وهذا هو منطق )الغلبية(‬ ‫بالمعنى )الديموقراطي( الحديث تقريبا‪.‬حتى إن ولية العهد‬ ‫تطورت من إطلقها الذي تركها عليه عمر بن‬ ‫الخطاب رضي الله عنه إلى ولية )أسرية( مع بني‬ ‫أمية فبني العباس! ولم يثر ضد ذلك أحد من‬ ‫العلماء‪ ،‬ول أثر عن أحد من أئمة المذاهب إنكاره!‬ ‫بل كان هناك شبه )إجماع سكوتي( ـ على حد تعبير‬ ‫الصوليين ـ على جواز ذلك‪ ،‬بل كان تصريح وتبشير‬ ‫بفقه جديد‪ ،‬بدأ يظهر في المة؛ مراعاة )لما جرت‬ ‫عليه العادة(‪ .‬‬ ‫وهكذا صار الفقه السياسي السلمي يقوم على‬ ‫تأصيل الحكام بناء على عمومات الكتاب والسنة‪،‬‬ ‫ومجملتهما‪ ،‬وبناء على النوازل السياسية التي كان‬ ‫للخلفاء الراشدين فيها اجتهاد‪ .‫مبلغ من التباع والنصار والشياع‪ ،‬تحصل بهم شوكة‬ ‫ظاهرة‪ ،‬ومنعة قاهرة‪ ،‬بحيث لو فرض ثوران خلف‬ ‫لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع المام! فإذا‬ ‫تأكدت البيعة وتأطدت بالشوكة والَفعدد والرعدد )‪(.‬‬ ‫فصار هذا الفقه السياسي الجديد يترجم له بتراجم‬ ‫منها‪ :‬قولهم بـقاعدة‪) :‬جواز إمامة المفضول مع وجود‬ ‫الفاضل(‪ ،‬التي قال بها جمهور علماء السنة وطائفة‬ ‫الزيدية من الشيعة)‪.

‬ومهما استعملت‬ ‫استعمال رديئا فإن صاحبها والمفتخر بحيازتها‪ ،‬يبتلى‬ ‫من الضرورة بصفة المتغلبين‪ ،‬ويعد بقاؤه فضيحة‬ ‫لزمانه!()‪.‬‬ ‫أي لرتقى إلى درجة الخلفة الراشدة‪ .‬وإل كان‬ ‫)خليفة( وكفى! ومن هنا إجماعهم على )إمامة( عمر‬ ‫بن عبد العزيز )الملك الموي(‪ ،‬وإلحاقهم إياه‬ ‫بالخلفاء الراشدين في المفهوم!‬ ‫ولقد وجدنا نصا عزيزا تشد إليه الرحال‪ ،‬للمام أبي‬ ‫الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى سنة‪):‬‬ ‫‪381‬هـ( قال فيه‪) :‬فمن الواجب أن نعلم يقينا أن‬ ‫صناعة الملك والسياسة؛ مهما استعملت استعمال‬ ‫حسنا؛ فإن المعتنق لها والمستقل بأعبائها؛ يصير ل‬ ‫محالة مجتلبا لشرف المامة‪ ،‬ويصير خليفة الله ـ‬ ‫تعالى جده ـ في استصلح الخليقة‪ .(10‬‬ ‫وفرق القاضي أبو بكر بن العربي المعافري)ت‪:‬‬ ‫‪543‬هـ(‪ ،‬في كتاب العواصم‪ ،‬بنوع من الجتهاد‬ ‫الحذر؛ تفريقا لطيفا بين الخلفة والملك‪ ،‬من غير‬ ‫ذم لحدهما‪ .‬قال في سياق خلفة معاوية رضي الله‬ ‫عنه‪ ،‬منتقدا من ذم الملك لذاته وصنيع معاوية فيه‪:‬‬ ‫ب في الولية‪ :‬خلفة‪ ،‬ثم‬ ‫)ويحتمل أن تكون مرات ر‬ ‫ملك‪ ،‬فتكون ولية الخلفة للربعة‪ ،‬وتكون ولية‬ ‫الملك لبتداء معاوية‪ .‫وإنما كان ذلك منهم اجتهادا ومراعاة لفقه الولويات‬ ‫من جلب المصالح ودرء الفتن!‬ ‫بل صار الفقه إلى أن )الملك( جزء من معنى‬ ‫)الخلفة( وإن لم يجمع كل خصائصها‪ ،‬كما هو الحال‬ ‫في )الخلفة الراشدة( التي هي مثال الخلفة‬ ‫السلمية‪ ،‬ولو صلح أمر الملك العهدي لصار كذلك‪.‬وقد قال الله في داود ـ وهو‬ ‫خير من ك ّ‬ ‫ل معاوية ـ )وآتاه الله الملك والحكمة(‬ ‫)البقرة‪ (251:‬فجعل النبوة ملكا‪ ،‬فل تلتفتوا إلى‬ ‫أحاديث ضعف سندها ومتنها!()‪(11‬‬ ‫ولذلك قال المام القرافي‪ ،‬فقيه المالكية في عصره‬ ‫)ت‪684:‬هـ(؛ متحدثا عن )ولية العهد(‪) :‬ويعقدها‬ .

‬فقد‬ ‫صار الملك يندر ج تحت الخلفة إذا كان إسلميا‪،‬‬ ‫ويكون من توابعها()‪ .(13‬‬ ‫وهذا الفقه هو الذي أرخ له العلمة ابن خلدون‬ ‫بقوله‪) :‬لما تبين أن حقيقة الخلفة نيابة عن صاحب‬ ‫االشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا )‪ (.‬ففي‬ ‫كتاب المام القرافي)ت‪ 684:‬هـ( المسمى‪) :‬الحكام‬ ‫في تمييز االفتاوى من الحكام( نجد نموذجا لتصور‬ ‫اجتهادي فقهي‪ ،‬لنظام الحكم وهيكلته‪ ،‬العامة‬ ‫مستفادة من التجربة التاريخية‪ ،‬أكثر مما هي‬ .‬وإنما نحن نختبر الفقه السياسي‬ ‫السلمي بين النصية والجتهاد؛ حتى نتبين مدى‬ ‫)علمية( من علق التدين وصلحه بموقف معين في‬ ‫المسألة السياسية! كأنها أولى الوليات ورأس‬ ‫الجهاديات!‬ ‫ومن هنا صار فقه الحكام السلطانية أكثر )عرفية(‪،‬‬ ‫كلما تقدم الزمان بالتجربة السياسية للمسلمين‪ .‬بل هي قد تفيده‬ ‫وتقتضيه! كما بينا قبل في أحاديث الخلفة والملك!‬ ‫ونؤكد من جديد أننا لسنا هنا لضفاء الشرعية‬ ‫الدينية على وضع سياسي معين‪ ،‬فنحن في غنى عن‬ ‫ذلك والحمد لله‪ ..‫المام لمن يريد‪ ،‬فيكون إماما للمسلمين بعده‪ ،‬كما‬ ‫فعل الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب‬ ‫رضي الله عنه()‪.(14‬وقوله أيضا‪) :‬واعلم أن‬ ‫الشرع لم يذم الملك لذاته‪ ،‬ول حظر القيام به‪،‬‬ ‫وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه‪ ،‬من القهر والظلم‬ ‫والتمتع باللذات!()‪..(12‬‬ ‫ومن هنا قال ابن تيمية كما ذكرنا قبل ـ وهو العالم‬ ‫)الثائر( بلغة اليوم‪ ،‬الذي قضى سجينا ـ مقررا‪) :‬أن‬ ‫شوب الخلفة بالملك جائز في شريعتنا‪ ،‬وأن ذلك ل‬ ‫ينافي العدالة‪ ،‬وإن كانت الخلفة المحضة أفضل()‬ ‫‪.(15‬‬ ‫وما أحسب أن هذا الفقه كان ينشأ في المة‪،‬‬ ‫ويحصل عليه شبه هذا الجماع؛ لو أن النصوص‬ ‫كانت واضحة أو ظاهرة في منعه‪ .

‬‬ ‫فأسرد من ذلك خمس عشرة رتبة()‪.(16‬‬ ‫ثم ذكر‪ :‬الرتبة الولى في المامة الكبرى‪ .‬قال ابن بشير من أصحابنا‪ :‬يجوز‬ ‫التفويض في جميع المور للوزير‪ ،‬ويختص المام عنه‬ ‫بثلثة أحكام‪:‬‬ ‫‪1‬ـ ل يعقد ولية العهد‪ ،‬ويعقدها المام لمن يريد‪،‬‬ ‫فيكون إماما للمسلمين بعده‪ ،‬كما فعل الصديق‬ ‫رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه‪.‫مستفادة من النصوص الشرعية‪ .‬وخلصة ذلك فيما يلي‪ :‬فأما‬ ‫الثالثة فهي ولية المارة على البلد وبعض القاليم‪.‬‬ ‫‪2‬ـ ول يستعفي من الولية‪ ،‬وللمام الستعفاء من‬ ‫المامة‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ول يعزل من قلده المام‪ .‬‬ ‫ثم الوزراء أقسام ثلثة‪ .‬أعلها‪ :‬وزير التفويض‪ ،‬ويليه‪:‬‬ ‫وزير التنفيذ‪ ،‬وأدناها وزير الستشارة‪ (17)(.‬قال رحمه الله‪:‬‬ ‫)الولية لها طرفان وواسطة‪ :‬فأعلها الخلفة التي‬ ‫هي المامة الكبرى‪ ،‬وأدناها التحكيم الذي يكون من‬ ‫جهة المتنازعين‪ ،‬وبين هذين الطرفين وسائط كثيرة‪.‬إل أن المام‬ ‫القرافي ـ وهو الصولي الفقيه ـ يقدم لنا ذلك في‬ ‫كتاب جامع بين الفقه والصول؛ مما يعني أن‬ ‫المسألة السياسية في السلم قد وكلت فعل إلى‬ ‫الجتهاد المحض‪ .‬والثانية‪:‬‬ ‫)الوزارة للمامة‪ .‬إلخ‬ ‫من أشكال الصياغة الفقهية للقضايا‪ ،‬قد يوهم أنما‬ ‫هو يستنبط من النصوص الشرعية‪ ،‬وإنما هو في‬ ‫الواقع يستنبط بمنهج )الستصلح( القائم على اعتبار‬ ‫المصالح الواقعية في ضوء مقاصد الشريعة العامة‬ ‫ليس إل! فهذه أحكام مصدرها الغالب إنما هو‬ ‫)العرف السياسي( إن صح التعبير!‬ ‫ويوغل التفكير الجتهادي عنده في العرفية؛ عند ذكر‬ ‫الرتبة الثالثة وما بعدها‪ ..‬ويسمى هذا الوزير‬ ‫وزير تفويض‪.‬فهذه التي‬ ‫يسميها )أحكاما( كقوله في النص السابق‪) :‬ويختص‬ ‫المام عنه بثلثة أحكام( والتعبير بالجواز وعدمه‪.‬‬ ..

‬الرابعة عشرة‪:‬‬ ‫ولية ال َف‬ ‫ولية التنفيذ‪ ،‬كصرف النفقات إلى مستحقيها‪.‬‬ ‫الخامسة عشرة‪ :‬ولية التقويم والترجمان والكاتب‬ ‫ونحو ذلك)‪.‬ونكرر القول‪ :‬لو كان ثمة تشريع نصي‬ ‫في هذا المجال مهما قل؛ لما لجأ الفقهاء‬ ‫ن‬ ‫والسلطين إلى هذا القتراض المصطلحي! ولك ّ‬ ‫للتشريع السلمي قصدا آخر في هذا المجال خاصة‪:‬‬ .‬الثامنة‪ :‬نواب القضاة‪.‬‬ ‫وفي هذه المرحلة انتشر استعمال المصطلح‬ ‫السياسي الفارسي ل العربي؛ مما يدل على‬ ‫)القتراض( الفكري الذي آل إليه الشأن السياسي‬ ‫في السلم‪ .‬الثانية‬ ‫عشرة‪ :‬ولية جباة الصدقة يعني الزكاة‪ .‬السابعة‪ :‬ولية المظالم‪ .‬إل أن مرجعه في كل هذا وذاك؛ إنما هو‬ ‫المبادئ المصلحية العامة‪.‫والرابعة‪ :‬وزير المير المولى على القطر‪ .‬العاشرة‪ :‬الوليات الجزئية‪،‬‬ ‫المستفادة من القضاة وغيرهم‪ ،‬كمن تولى العقود‬ ‫والفسوخ في النكحة فقط‪ .‬السادسة‪ :‬ولية‬ ‫القضاء‪ .‬الحادية عشرة‪ :‬الولية‬ ‫المستفادة من آحاد الناس‪ ،‬وهي التحكيم‪ .‬ولذلك حمل كتاب )معيد النعم(‬ ‫كثيرا من النقد لدولة )المماليك( أكثر مما حمل من‬ ‫التأصيل‪ .‬‬ ‫التاسعة‪ :‬ولية الحسبة‪ .‬والخامسة‪:‬‬ ‫المارة الخاصة على تدبير الجيوش‪ .(18‬‬ ‫فإن ما ذكره القرافي ههنا في كتابه هذا‪ ،‬إنما هو‬ ‫)استصلح( لواقعه السياسي‪ ،‬أو بعبارة اليوم‪) :‬أسلمة(‬ ‫له!‬ ‫ولو تقدمنا في التاريخ السلمي قليل‪ ،‬فيما بعد‬ ‫عصر القرافي)ق‪7:‬هـ( إلى القرن الثامن الهجري‪،‬‬ ‫الذي عاش فيه المام تا ج الدين عبد الوهاب بن‬ ‫السبكي)‪771‬هـ(‪ ،‬مؤلف كتاب )معيد النعم ومبيد‬ ‫النقم(؛ لكان الشأن السياسي معه أكثر عرفية‪ ،‬إلى‬ ‫درجة أن يصبح مصطدما في بعض الحيان مع بعض‬ ‫الحكام الشرعية! ومعلوم أن العرف محكم ما لم‬ ‫يصادم نصا شرعيا‪ .‬الثالثة عشرة‪:‬‬ ‫خترص‪ ،‬أي حرز مقادير الثمار‪ .

‬ل أحد يماري في هذا‪ ،‬ولكن ل أحد كان‬ ‫يماري أيضا في أنهم )خلفاء( إل الشيعة ـ من غير‬ ‫الزيدية ـ وتلك قصة أخرى‪ .‬فمن وظائف‬ ‫السلطان تجنيد الجنود‪ ،‬وإقامة فرض الجهاد لعلء‬ ‫كلمة الله‪ ،‬فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين؛‬ ‫ليكون رئيسا آكل شاربا مستريحا‪ .‬‬ ‫فالمام ابن السبكي رحمه الله ـ رغم المنهج النقدي‬ ‫الذي اعتمده في كتابه ـ ل يفرق في كلمه عن‬ ‫)المامة( بين الخليفة والملك‪ .‬وقد بينا أن )الرشد( عندهم إنما هو )مثال(‬ ‫الخلفة‪ .‬بل لينصر الدين‬ ‫ويعلي الكلمة!()‪(19‬‬ ‫ثم هو بعد ذلك مباشرة يسرد وظائف السلطة‬ ‫وهياكل الدولة ـ بمنهج نقدي إصلحي ـ بما يدل‬ ‫قطعا على قبوله بالشكال الواقعة والنظم القائمة‬ ‫منها لكن بشرط إقامة العدل ليس إل‪ .‬فهما عنده واحد‪ ،‬كما‬ ‫هو الشأن عند سابقيه‪ .‬ونحن ننبه على‬ ‫مهمات أهملها الملوك‪ ،‬أو قصروا فيها‪ .‬إذ اندمجت الخلفة في‬ ‫الملك‪ .‫هو ما فصلنا قبل من تبعية المسألة السياسية وعدم‬ ‫أصالتها الدينية‪ ،‬بالنسبة إلى أصول السلم العقدية‬ ‫والتعبدية‪.‬كما كان واقع )الخلفاء( بدءا ببني أمية فبني‬ ‫العباس‪ ،‬كما بيناه‪ ،‬بل نكير أحد من علماء السلم‬ ‫المعتبرين! وإنما خصوا )الرشد( بالخلفاء الربعة‬ ‫الوائل‪ ،‬وقد يضاف إليهم عمر بن عبد العزيز‬ ‫الموي‪ .‬بينما كل ما ذكره ـ‬ ‫أو أغلبه على القل ـ من أشكال حكومية‪ ،‬ومظاهر‬ .‬وأن التجارب التاريخية الخرى صورها نازلة‬ ‫عنها‪ .‬ليس هذا مجال تفصيلها‪.‬‬ ‫قال ابن السبكي‪) :‬السلطان أعني المام العظم‪،‬‬ ‫وقد أكثر الفقهاء في باب المامة‪ ،‬وقد أفرد كثيرون‬ ‫منهم الحكام السلطانية بالتأليف‪ .‬ومعنى هذا‬ ‫عندي أنه ل اعتراض عنده كفقيه على صور توزيع‬ ‫السلطة ونظام الحكم؛ إل أن يتنزل كل ذلك على‬ ‫مواقع العدل‪ ،‬والإنصاف للرعية‪ .

(21‬‬ ‫وهكذا نخلص إلى أن فقه السياسة الشرعية ـ من‬ ‫حيث هو فقه الحكام الدستورية والدارية في الدولة‬ ‫ـ كان في أغلبه مستسقى من التجربة التاريخية‬ .‬وهذه مركبة من كلمة عربية‪) :‬دواة( وأخرى‬ ‫فارسية‪):‬دار( وهو المحافظ أو الممسك بشيء ما‪،‬‬ ‫المعتني به‪ ،‬ومعنى هذا المركب‪ :‬الناطق الرسمي‬ ‫عن السلطان‪ ،‬الذي يبلغ عنه كافة المناشير‪ ،‬ويرفع‬ ‫إليه كافة العرائض! قال ابن السبكي‪) :‬فمن حقه‬ ‫الستئذان على ذي الحاجة وإنهاء ظلمته‪ ،‬وأل يتركه‬ ‫على البواب‪ ،‬ل يجد ملجأ إلى الدخول على الملك()‬ ‫‪.‬و)المهمندار(‬ ‫وهو كذلك فارسي‪ ،‬معناه‪ :‬المتولي بشأن سفراء‬ ‫الملوك الخرين عند السلطان‪ .‬وبتقدير أل يكون شيء من ذلك؛‬ ‫فل يخفى ما في وضعه على هذا الوجه من الكبر‪،‬‬ ‫والخيلء‪ .(20‬‬ ‫وهكذا سار المر عند ابن السبكي في كتابه‬ ‫المذكور‪ ،‬في استصلح الوظائف السلطانية‪،‬‬ ‫والمهمات الحكومية‪ ،‬من مثل‪) :‬الخازندار( وهو‬ ‫فارسي‪ ،‬معناه‪ :‬متولي الخزينة المالية‪ .‬ومن آدابه أل يضع‬ ‫النعل على البساط‪ ،‬وغيره مما يطؤه الناس‪،‬‬ ‫بأرجلهم حفاة‪ ،‬وربما لقاه وجه مصل‪ ،‬وربما كانت‬ ‫نجاسة في النعل‪ .‬‬ ‫دون أن ينقد أصل الوظيفة أو يعترض على المهمة؛‬ ‫حتى إنه ذكر أسوء وظائف السلطانية في زمانه‪،‬‬ ‫وهو )البشمقدار( فقال رحمه الله منتقدا ومؤصل‪ ،‬ل‬ ‫ناقضا‪) :‬وهو من أقبح البدع؛ لنه موضوع لحمل نعل‬ ‫المير! وذلك من الرعونة والحمق‪ .‬وهو في كل‬ ‫ذلك يتحد ث عن آداب هذا وذاك وماله وما عليه‪.‫)سلطانية(؛ منقول عن أمم )دار الحرب(‪ ،‬ومقترض‬ ‫من الحضارات الخرى!‬ ‫فبعد حديثه عن نواب السلطان؛ تحد ث عن آداب‬ ‫)الدوادار(‪ .‬فإذا كان لبد من بشمقدار‪ ،‬فل أقل من أن‬ ‫يضع نعل المير موضع نعال الخلق!()‪.‬و)الطبردار( ومعناه‪:‬‬ ‫حامل السلح بين يدي الملك لحمايته‪ .

‬والرأي ـ كل الرأي ـ قابل للخطأ والصواب‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ في الفقه السياسي السلمي المعاصر‪:‬‬ ‫واليوم‪ ،‬يواجه الفكر السلمي المعاصر نموذ ج الدولة‬ ‫الحديثة‪ ،‬بكل تعقيداتها السياسية والدستورية والدارية‬ ‫والقتصادية‪ ،‬وارتباطاتها الخارجية المعقدة! وما كان‬ ‫أدق تعبير الستاذ منير شفيق إذ جعل عنوان كتابه‪:‬‬ ‫)السلم ومواجهة الدولة الحديثة!()‪ (22‬ذلك أن‬ ‫المفكر السلمي اليوم يبحث في الترا ث فل يجد ـ‬ ‫على مستوى النصوص ـ إل عمومات )الشورى(‬ ‫القابلة لي فهم‪ ،‬ولي تنزيل! ول يجد على مستوى‬ ‫الفقه السياسي إل مثل ما بيناه من )أحكام‬ ‫سلطانية( مرتبطة بالتاريخ الذي كان!‬ ‫فكان أن تفرق السلميون في ذلك أحزابا ومذاهب‪،‬‬ ‫كما تفرق الذين من قبلهم‪ .‫للخلفة السلمية‪ .‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فهل يجعل مثل هذا محل نزاع‪ ،‬تزهق في‬ ‫سبيله الرواح؟ وتقطع دونه العناق؟ ل أحسب أن‬ ‫أحدا يجعله كذلك إل جاهل بطبيعة الدين‪ ،‬أو‬ ‫متعصب لجتهاد سياسي خاص! ول حق له عندئذ أن‬ ‫يتكلم باسم الدين الكلي‪ ،‬وإنما حقه أن يتكلم باسم‬ ‫)رأي(‪ .‬فمن كافر بالديموقراطية‬ ‫كنظام للحكم‪ ،‬ناسب لها إلى )الطاغوتية(‪،‬‬ ‫و)الجاهلية(؛ فل يقابلها إل بالرفض والنكار‪ ،‬غاية‬ ‫ووسيلة! إلى مؤمن بها إيمانه بالشورى القرآنية‪ ،‬إذ‬ ‫هما عنده اسمان لمسمى واحد! ثم إلى مؤمن بها‬ ‫كأداة ـ فقط ـ من أدوات الشورى‪ ،‬ل ككل‬ ‫الشورى! فإلى مستعمل لها على أنها من إكراهات‬ .‬والدارس له ل يكاد يتمحض له‬ ‫من الحكام السياسية‪ ،‬الراجعة فيه إلى إشكال‬ ‫شرعي ديني؛ غير حكم منصب الخليفة! ل ما دون‬ ‫ذلك من مقتضيات المامة والخلفة وسائر هياكل‬ ‫الدولة‪ ،‬وقنوات تصريف السياسة العامة للدولة؛ لن‬ ‫كل ذلك ـ كما ذكرنا ـ من )المسكوت عنه شرعا(‪،‬‬ ‫المحال على الجتهاد الفقهي؛ لما ذكرناه من أسباب‪.

(40:‬وقوله عز وجل في آيات المائدة‬ ‫الثل ث‪:‬‬ ‫ـ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الكافرون( )المائدة‪(44:‬‬ .‫الواقع‪ ،‬ومخلفات الجاهلية‪ ،‬التي يجب تجاوزها‪ ،‬ولكن‬ ‫بعد العبور عليها! فالسياسة حرب‪ ،‬و)الحرب خدعة(!‬ ‫فأين الفقه من كل ذلك؟‬ ‫كانت البدايات الولى لنهضة الفكر السلمي‬ ‫المعاصر‪ ،‬قائمة ـ في الغالب ـ على رفض كل ما‬ ‫هو غربي من النظم‪ ،‬والفلسفات‪ ،‬والرؤى‪ ،‬سواء في‬ ‫المجال السياسي‪ ،‬أو التشريعي‪ ،‬أو القتصادي‪ ،‬أو‬ ‫الجتماعي‪ .‬ولم‬ ‫يكن الشكال الشرعي وحده هو العامل الساس في‬ ‫إثارة هذه القضايا؛ بقدر ما كانت )نفسية( الرفض‬ ‫المتأثرة بالسلوك الديني إزاء الوضاع القائمة‪،‬‬ ‫وهيمنة الظلم الداري الرسمي بشتى أصنافه‬ ‫السياسية والجتماعية؛ هي المشكلة لتلك النفسيات‬ ‫الرافضة‪.‬‬ ‫ومرة أخرى ظهر الحتجا ج بآيات )الحكم( ـ لكن في‬ ‫سياق حضاري جديد ـ لبناء تصور مذهبي في الحياة‬ ‫السياسية‪ .‬فقد بنى مشروعه الفكري على مفهوم‬ ‫)الجاهلية( بدللته الجديدة عنده‪ ،‬المتفلتة من الحصر‬ ‫التاريخي‪ ،‬والممتدة في المظاهر الجتماعية العامة‪،‬‬ ‫الممكن توفرها في أي مكان وأي زمان‪ .‬وذلك من مثل قوله تعالى‪) :‬إن الحكم إل‬ ‫لله()يوسف‪ .‬وكان الدخول إلى البرلمان‪ ،‬والعمل‬ ‫النقابي‪ ،‬أو المشاركة السياسية في إطار هذا الحزب‬ ‫أو ذاك؛ يثير جدل )فقهيا( في الوساط السلمية‪ .‬‬ ‫ولقد كان المفكر السلمي الكبير الستاذ أبو العلى‬ ‫المودودي رحمه الله؛ من أوائل السلميين‬ ‫المجددين‪ ،‬الذين صاغوا نظرية متكاملة في الرفض‬ ‫السلمي‪ .‬ومن هنا‬ ‫فقد كان فكره السياسي مؤطرا بهذه الرؤية؛ إذ‬ ‫أنتج مصطلح )الحاكمية( كعلة للقياس‪ ،‬لتصنيف النظم‬ ‫في المجال السياسي والتشريعي‪.

..‬قال رحمه الله في سياق إدانته‬ ‫للنظم السياسية والجتماعية الغربية‪) :‬إن العالم‬ ‫يعيش اليوم كله في )جاهلية( من ناحية الصل الذي‬ ‫تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها )‪ (.‬فإن الحاكم الحقيقي هو الله‪ ،‬والسلطة‬ ‫الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده )‪ (.‬ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لثرت‬ ‫كلمة‪" :‬الثيوقراطية الديموقراطية" أو "الحكومة اللهية‬ ‫الديموقراطية" لهذا الطراز من نظام الحكم؛ لنه قد‬ ‫دخل فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة()‪.(24‬‬ ‫وقد تابعه الستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله في‬ ‫هذا التصور‪ ،‬بناء‪ ،‬وتركيبا‪ ،‬واصطلحا‪ ،‬واستنتاجا‪ ..‬ولم‬ ‫يكد يختلف عنه إل في الصياغة الدبية‪ ،‬والتنزيل‬ ‫السياسي القليمي‪ .‬إن الدولة‬ ‫السلمية )‪ (..‬فل يصح إطلق كلمة‬ ‫الديموقراطية على نظام الدولة السلمية‪ ..(23‬‬ ‫ثم قال مستنتجا‪) :‬ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو‬ ‫حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من‬ ‫الحاكمية‪ .47:‬‬ ‫قال المودودي معلقا‪) :‬فهذه اليات تصرح بأن‬ ‫الحاكمية لله وحده وبيده التشريع وليس لحد ـ وإن‬ ‫كان نبيا ـ أن يأمر وينهى؛ من غير أن يكون له‬ ‫سلطان من الله()‪....‬بل أصدق‬ ‫منها تعبيرا كلمة الحكومة اللهية أو الثيوقراطية‪) :‬‬ ‫‪ (Theo-cracy‬ولكن الثيوقراطية الروبية تختلف عنها‬ ‫الحكومة اللهية )الثيوقراطية السلمية( اختلفا كليا!‬ ‫)‪ (.‬هذه الجاهلية‬ ‫تقوم على أساس العتداء على سلطان الله في‬ .‬ليست ديموقراطية )‪ (Democracy‬فإن‬ ‫الديموقراطية عبارة عن منها ج للحكم تكون السلطة‬ ‫فيه للشعب جميعا‪ ،‬فل تغير فيه القوانين‪ ،‬ول تبدل‬ ‫إل برأي الجمهور‪ ،‬ول تسن إل حسب ما توحي‬ ‫إليهم عقولهم )‪ (...‫ـ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الظالمون( )المائدة‪(45:‬‬ ‫ــ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الفاسقون( المائدة‪.

‬‬ ‫إنها تسند الحاكمية إلى البشر؛ فتجعل بعضهم لبعض‬ ‫أربابا()‪) .‬فهي ـ وإن لم تعتقد‬ ‫بألوهية أحد إل الله ـ تعطي أخص خصائص اللوهية‬ ‫لغير الله‪ ،‬فتدين بحاكمية غير الله()‪(28‬‬ ‫و)جاهلية( المجتمع عنده‪ ،‬مفهوم ينطبق على الحكام‬ ‫والمحكومين معا! كما قرره بوضوح‪ ،‬مستشهدا بقول‬ ‫الله عز وجل‪) :‬ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا‬ ‫بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن‬ ‫يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به‬ ‫]إلى قوله‪ [:‬فل وربك ل يؤمنون حتى يحكموك فيما‬ ‫شجر بينهم ثم ل يجدوا في أنفسهم حرجا مما‬ ‫قضيت ويسلموا تسليما()النساء‪60:‬ـ‪ (65‬وإنما استدل‬ ‫رحمه الله بذلك على )جاهلية( الشعوب السلمية؛‬ ‫من حيث إنها تتحاكم إلى غير شرع الله‪ ،‬في نظم‬ ‫حياتها‪ ،‬القائمة في إطار الدولة‪ ،‬والنظام السياسي‬ ‫الحاكم)‪..‬‬ .‬قال رحمه الله‪) :‬يدخل في‬ ‫إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم‬ ‫لنفسها أنها "مسلمة"! )‪ (..(25‬وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في‬ ‫إطار )المجتمع الجاهلي( جميع المجتمعات القائمة‬ ‫اليوم في الرض فعل!()‪.(29‬‬ ‫وكان أن صار لهذين المفكرين السلميين الكبيرين‬ ‫مدرسة في الفكر السلمي الحديث‪ ،‬ترفض‬ ‫)الديمقراطية( شكل ومضمونا‪ ،‬من حيث إنها قائمة‬ ‫على معنى تشريعي يتناقض مع مفهوم )الحاكمية(‬ ‫كما فهماها‪.‫الرض‪ ،‬وعلى أخص خصائص اللوهية‪ ،‬وهي الحاكمية‪.(26‬‬ ‫ثم يهاجم الغرب الذي )لم يعد لديه ما يقنع ضميره‬ ‫باستحقاقه للوجود؛ بعدما انتهت "الديمقراطية" فيه‬ ‫إلى ما يشبه الفلس!()‪(27‬‬ ‫بل إن العالم السلمي نفسه يدخل في مفهوم‬ ‫)الجاهلية( من حيث إنه اعتمد نظما اجتماعية‬ ‫مستوردة تلتقي جميعها رغم اختلفها في كونها‬ ‫تحتكم إلى غير الله‪ .

‬وإذا‬ ‫تعين هذا‪ ،‬فإن موقف السلم من هذه المجتمعات‬ ‫الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة‪ :‬إنه يرفض‬ ‫العتراف بإسلمية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها‬ ‫في اعتباره!()‪ ..‬‬ ‫ذلك أنه وهو يحكم على المجتمع يستحضر بالدرجة‬ ‫الولى )النظام( السياسي الحاكم‪ ..‬وبعضها يجعل الحاكمية‬ ‫الفعلية لغير الله‪ ،‬ويشرع ما يشاء ثم يقول لما‬ ‫يشرعه من عند نفسه‪ :‬هذه شريعة الله! )‪ (..‬ثم انتقد من ظن أن المودودي‬ ‫وسيد قطب هما أول من ابتدع ذلك‪(31).(30‬وهو رحمه الله ـ كما سبق بيانه‬ ‫ـ يدخل في مفهومه )للمجتمع( عموم الناس! ويجمع‬ ‫الكل ـ النظام السياسي والشعب ـ تحت حكم‬ ‫)الجاهلية(!‬ ‫ولقد حاول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله أن‬ ‫يرفع هذا الشكال بنوع من التوفيق بين ما قاله‬ ‫هذان العالمان وبين ما جاء في الفكر الصولي‬ ‫الفقهي القديم‪ ،‬من مباحث حول )الحكم الشرعي(‬ ‫وما يتعلق فيه بـ)الحاكم(‪ ،‬وإجماعهم على أن الحاكم‬ ‫هو الله عز وجل‪ .‫وظاهر أن مفهوم )الحاكمية( عند الستاذين‪ :‬أبي‬ ‫العلى المودودي وسيد قطب‪ ،‬قد جمع بين ما هو‬ ‫تشريعي قضائي؛ وما هو سياسي سلطوي في‬ ‫مفهوم )التوحيد(؛ وصار الموضوع عندئذ قضية من‬ ‫قضايا أصول الدين‪ ،‬ل من فروعه! والحقيقة أن‬ ‫الجمع بين السياسي والتشريعي في القول )بأصولية(‬ ‫المفهوم عقديا؛ هو الذي أدى إلى نوع من الشكال‬ ‫والضطراب في الفهم والممارسة الدعوية المبنية‬ ‫على هذا التفسير‪ .‬إلى درجة القول )بجاهلية(‬ ‫المجتمعات السلمية الحاضرة! كما رأينا مع الستاذ‬ ‫الشهيد سيد قطب رحمه الله‪..‬‬ .‬قال رحمه الله‪:‬‬ ‫)وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة )علمانيته(‬ ‫وعدم علقته بالدين أصل‪ ،‬وبعضها يعلن أنه )يحترم‬ ‫الدين( ولكنه يخر ج الدين من نظامه الجتماعي أصل‪،‬‬ ‫ويقول‪ :‬إنه ينكر )الغيبية( )‪ (.

.‬‬ ‫وهذا مبحث سياسي‪ ،‬ل علقة له بأصول الفقه!‬ ‫والقرضاوي نفسه واقع في هذا الشكال إذ جمع بين‬ ‫المرين دون تبين! قال حفظه الله‪) :‬المامة‪ ،‬أو‬ ‫الحكم بما أنزل الله‪ ،‬هو من الفروع‪ ،‬ولكن اعتقاد‬ ‫وجوبه ولزومه واليمان بالحتكام إلى ما أنزل الله‬ ‫في كتابه‪ ،‬ومتابعة رسوله؛ هو من الصول يقينا‪،‬‬ ‫ومن صميم اليمان()‪.‬فأي علقة بين )المامة(‬ ‫و)الحكم بما أنزل الله(؟ إل أن تكون الولى وسيلة‬ ‫للثانية! بينما تعبير القرضاوي ظاهر في المرادفة‬ ‫بينهما‪ .(32‬‬ ‫ثم قال مستنتجا‪) :‬الحاكمية اللهية جزء من عقيدة‬ ‫التوحيد السلمي()‪.‬إل أنهم محكومون‬ ‫ـ كرها ـ بسلطة ل تتخذ السلم منهاجا تشريعيا‬ .(33‬‬ ‫كيف يكون المر الواحد من الفروع ومن الصول‬ ‫في الوقت نفسه؟ هذا خلف!‬ ‫إن المشكل بدأ من قوله حفظه الله‪) :‬المامة‪ ،‬أو‬ ‫الحكم بما أنزل الله‪.‬وهذا هو عين الشكال! ذلك أن التفصيل فيه‬ ‫حل المشكل‪ :‬وهو أن المامة التي هي رياسة الدولة‬ ‫فرع من الفروع‪ ،‬بإجماع كل المذاهب الفقهية‬ ‫والكلمية‪ ،‬عدا الشيعة‪ ،‬كما بيناه قبل‪ ..‬وهذا هو الذي بحثه الصوليون قديما‪.‬‬ ‫و)الحاكم( بمعنى رئيس الدولة‪ ،‬أو الخليفة أو المام‪.‬إلخ‪ (.‫قلت‪ :‬بل بين المفهومين بون شاسع! أعني بين‬ ‫مباحث )الحاكم( كما جاء في مصنفات علم أصول‬ ‫الفقه‪ ،‬ومفهوم )الحاكمية( كما عرضها المودودي‬ ‫وسيد قطب‪ .‬ذلك أن الشكال في دللة اللفظ على‬ ‫سبيل الشتراك على معنيين اثنين! الول‪ :‬الحاكم‬ ‫بمعنى الشارع‪ .‬بينما ل يشك‬ ‫عاقل في أن الحكم بما أنزل الله‪ ،‬هو من صميم‬ ‫أصول الدين فعل! والجمع بينهما يؤدي حتما إلى‬ ‫الخلط بين الفروع والصول‪ ،‬وإلى القول )بجاهلية(‬ ‫العالم السلمي المعاصر! بينما المسلمون مسلمون‪.‬‬ ‫هذا هو المذهب الحق ما داموا يشهدون )أن ل إله‬ ‫إل الله‪ ،‬وأن محمدا رسول الله(‪ .

‬وربما أيضا عدم التحري من تسرب رد‬ ‫الفعل النفسي إزاء الظلم السياسي والجتماعي‬ ‫الغالب على وضع العالم السلمي‪.‬ولقد قبل الله عز وجل إسلم )النجاشي( وهو‬ ‫على رأس دولة الحبشة النصرانية ملكا! ولما توفي؛‬ ‫صلى عليه رسول الله‪ ‬صلة الغائب! فقال للصحابة‬ ‫الكرام‪) :‬إن أخاكم النجاشي قد مات؛ فقوموا فصلوا‬ ‫عليه!()‪ (34‬فل يكون إذن القول بجاهلية من كان‬ ‫في مثل وضعه‪ ،‬سواء كان حاكما أو محكوما أو‬ ‫موظفا في دوائر الدولة العليا؛ إل غلوا في الدين؛‬ ‫سببه عدم التفريق بين ما هو من الصول وما هو‬ ‫من الفروع‪ .‬‬ ‫ففي معنى التشريع والقضاء قال عز وجل‪) :‬فل‬ ‫وربك ل يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم‬ .‫للدولة‪ .‬‬ ‫وما عدا هذا وما في معناه‪ ،‬فإنه يصعب إطلق‬ ‫الكفر على من لم يطبق الشريعة حاكما كان أو‬ ‫محكوما‪ .‬فمن أنكر حق الله في التشريع‪ ،‬أو‬ ‫الكافر‪ :‬المن ر‬ ‫رفض التحاكم إلى شريعته باعتبار أنها غير صالحة‬ ‫لذلك؛ فإنما هذا فعل يكون متمردا على الله! كما‬ ‫تمرد عليه من قبل إبليس اللعين! وبذلك يكون منكرا‬ ‫لخاصية من خصائص الربوبية‪ .‬وكيف يجوز أن نسحب )مذهب الدولة( على‬ ‫المواطنين؟ بل كيف يجوز أن نسحبه حتى على كثير‬ ‫من العاملين في الدولة والمنخرطين في وظائفها‬ ‫السياسية والدارية؟ والمسألة اعتقادية بحتة! و)إنما‬ ‫العمال بالنيات(!‬ ‫والحق أن من لم يحكم بما أنزل الله ل يكفر إل‬ ‫على فرض أنه يفعل ذلك إنكارا للدين أصل! فإن‬ ‫فعل ذلك؛ تهاونا‪ ،‬أو خوفا من جهة أخرى أقوى منه؛‬ ‫فهذا أقصى ما يقال فيه‪ :‬إنه عاص‪ ،‬ل كافر! وإنما‬ ‫كر‪ .‬فقد يتجاوز عنه إذا كان مكرها على ما هو‬ ‫فيه‪ .‬لكن كل في سياقه الخاص ولم يخلط بينها‪.‬وهو الكفر عينه‪.‬‬ ‫وإن القرآن الكريم قد استعمل مادة )حكم( بعدة‬ ‫معان‪ :‬منها التشريع‪ ،‬والقضاء‪ ،‬والحكمة‪ ،‬والقدر‬ ‫اللهي‪ .

.‬وذلك هو مبدأ الشكال‪..(79:‬والمفسرون على أن‬ ‫الحكم في اليتين هو بمعنى )الحكمة(‪ .‬‬ ‫وما أدق تعليق الدكتور محمد عمارة على ذلك إذ‬ ‫قال‪ :‬إنهم قد )اشتقوا "حاكمية" الله سبحانه وتعالى‬ ‫من مصطلح )الحكم(؛ ظانين أن القرآن‪ ،‬ومن ثم‬ ‫الفكر السياسي السلمي‪ ،‬يستخدمان مصطلح‬ ‫)الحكم(؛ للدللة على النظام السياسي والسلطة‬ ‫السياسية العليا في المجتمع؛ على حين أن أغلب‬ ‫الستخدامات القرآنية لهذا المصطلح واردة بمعنى‬ ‫)القضاء( والفصل في المنازعات‪ ،‬وبمعنى الحكمة أي‬ .(36‬‬ ‫والقارئ لنصوص المودودي وسيد رحمهما الله‪ ،‬وكذا‬ ‫ما ذكرناه عن القرضاوي من مرادفة بين )المامة(‬ ‫و)الحكم بما أنزل الله(؛ يدرك أنهم جميعا ل يفرقون‬ ‫بين المفهومين في استعمال كلمة )حكم( أو‬ ‫)حاكمية(‪ .‬قال أبو جعفر‬ ‫م" يعني‪ :‬ويعلمه فصل الحكمة()‪.‬‬ ‫بينما قد يرد الحكم بمعنى )الحكمة( ل التشريع أو‬ ‫القضاء‪ .‬ول خلف في أن هذا‬ ‫راجع إلى أصول الدين فعل‪.(35‬‬ ‫والح ت‬ ‫ر‬ ‫الطبري‪") :‬‬ ‫ك َف‬ ‫ول دللة في القرآن )للحكم( على المعنى السياسي‪،‬‬ ‫أي )السلطة(‪ .‬الية‪) .‫ل يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا‬ ‫تسليما()النساء‪ ،(65:‬وقال سبحانه‪) :‬ومن لم يحكم‬ ‫بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون()المائدة‪.‬قال الدكتور‬ ‫حسن مصعب‪) :‬وكلمة "الحكم"‪ :‬تعني عندئذ في كل‬ ‫جماعة من الجماعات‪ :‬السلطة المنظمة‪ ،‬ومؤسسة‬ ‫القيادة والكراه()‪.‬آل عمران‪ .(22:‬ونحوه قوله‬ ‫تعالى‪) :‬ما كان لبشر أن يأتيه الله الكتاب والحكم‬ ‫والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون‬ ‫الله(‪.‬وهذا إنما هو من الفروع‪ .‬وما أحسب إل أنه حاد ث‪ .‬قال عز وجل في‬ ‫حق يوسف‪) :‬ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما‬ ‫وكذلك نجزي المحسنين()يوسف‪ .(44:‬‬ ‫ونحو هذا كثير‪ ،‬وهو الغلب على استعمال هذا‬ ‫اللفظ في القرآن الكريم‪ .

‬وهذا‬ ‫العنوان وحده دال على التحامل! والكتاب بالمناسبة‬ ‫سباب والشتائم لمذاهب الفقهاء والمفكرين‬ ‫مليء بال ّ‬ ‫السلميين! خال من التحقيق والتوثيق! وإنما هو‬ ‫مجموعة من )التذوقات( و)النطباعات( تزعم لنفسها‬ ‫العلمية والنقدية!‬ .(38‬‬ ‫ولقد غالى قوم آخرون في إنكار )الحاكمية( اللهية‪،‬‬ ‫حتى بالمعنى التشريعي! ـ مستغلين غلو بعض‬ ‫السلميين ـ فأنكروا بذلك حقا عظيما من حقوق‬ ‫الرب عز وجل‪ ،‬وخاصية كبرى من خصائص الربوبية‬ ‫فعل!‬ ‫وإنما يقول بذلك أحد شخصين‪ :‬إما جاهل بالدين‬ ‫وباللغة العربية! وإما متحامل على السلم‪ ،‬رافض له‬ ‫عقيدة وشريعة! لن من أنكر حق الله التشريعي‬ ‫فقد أنكر الشريعة وخاصية الحاكمية في الربوبية‪،‬‬ ‫وهي كلية من كليات العقيدة وأصول الدين‪.‫الفقه والعلم والنظر العقلي‪ .‬‬ ‫ومن أغرب ما قرأت في ذلك ما كتبه )رئيس‬ ‫محكمة أمن الدولة( المصري‪ ،‬محمد سعيد‬ ‫العشماوي‪ ،‬في كتابه )السلم السياسي(‪ .‬لكن‬ ‫بفعل الحتكاك الحضاري مع ثقافة المستع ر‬ ‫مكمن الخطر هو فيما حد ث من إسقاط للمفهوم‬ ‫الدخيل على اللفظ في سياقه الشرعي؛ فأدى إلى‬ ‫ما أدى إليه من مواقف وأحكام)‪.‬وبذلك الفهم استعمل في الفقه‬ ‫السلمي بمختلف مذاهبه إلى حدود العصر الحديث؛‬ ‫مما يدل على أن الدللة السياسية للمصطلح دخيلة‬ ‫وليست بأصيلة‪ ،‬وأنها إنما تسربت إلى الفكر‬ ‫السلمي المعاصر كما تسربت كثير من المفاهيم؛‬ ‫مر‪ .(37‬‬ ‫قلت‪ :‬هو كما قال‪ ،‬فإنما استقرت دللة )الحكم( في‬ ‫تاريخ التشريع السلمي على معنى )القضاء(‪ .‬ول علقة لها بالخلفة‬ ‫أو المامة‪ ،‬أو ما نسميه نظام الحكم في أدبنا‬ ‫السياسي الحديث()‪.‬فتلك‬ ‫نتيجة استقرائية؛ لمن تتبع نصوص الشريعة وفقهها‪،‬‬ ‫كتابا وسنة واجتهادا‪ .

.65:‬وقوله‬ ‫سبحانه‪) :‬إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين‬ ‫الناس بما أراك الله( النساء‪.‬ل توجد إل حيثما يوجد نبي‪،‬‬ ‫ول نبي بعد محمد‪.(39‬أي‬ ‫أن الحكم المسند إلى الله إنما هو بالمعنى القدري‬ ‫الكوني‪ ،‬من باب )القضاء والقدر(‪ ،‬ل بمعنى التشريع‬ ‫الحقيقي! وكيف يفسر العشماوي هذه الترسانة‬ ‫التشريعية التي تمل القرآن والسنة‪ ،‬في المجالت‬ ‫الجنائية والقتصادية والجتماعية والسرية؟‬ ‫والجواب‪ :‬كان أن لجأ إلى التحريف الصارخ! زاعما‬ ‫أنه إنما يمارس )التأويل(! وهاك الدليل! فقد أورد‬ ‫قول الله عز وجل‪ ،‬مما يستشهد به الدارسون على‬ ‫)الحاكمية التشريعية( ‪) :‬فل وربك ل يؤمنون حتى‬ ‫يحكموك فيما شجر بينهم ثم ل يجدوا في أنفسهم‬ ‫حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما(النساء‪ ..‫قال‪) :‬إن الحكم لله بالقوة والمشيئة والقضاء‪،‬‬ ‫والحكم للناس في الحقيقة والواقع والرادة()‪ .‬فهاتان اليتان من اليات التي‬ ‫تخاطب النبي‪ ‬وحده وتختص به دون غيره()كذ!()‬ ‫‪(40‬‬ ‫ويضيف‪) :‬فحكومة النبي‪ ‬ـ إن صح تجاوزا أن‬ ‫تسمى حكومة؛ لنها بالتعبير القرآني‪) :‬إمارة( حكومة‬ ‫من نوع خاص جدا )‪ (.(41)(‬‬ ‫فأول‪ :‬ل وجود لعبارة‪) :‬إمارة( في القرآن إطلقا!‬ ‫وخطؤه في مثل هذه ـ إن لم يكن كذبا متعمدا ـ‬ ‫هو من الغرائب!‬ ‫ثانيا‪ :‬إنه بقوله هذا يخالف إجماع المة‪ ،‬من الصحابة‬ ‫أجمعين‪ ،‬والتابعين‪ ،‬وتابعي التابعين‪ ،‬حتى فقهاء‬ ‫المصار من شتى المذاهب‪ ،‬على اختلفها!‬ ‫ثالثا‪ :‬قوله هذا قاض بأن )الحكومة( التي أنشأها‬ ‫الخلفاء الراشدون ومن بعدهم؛ ضلل في ضلل!‬ .105 :‬‬ ‫فقال العشماوي معلقا‪) :‬وهذا الستشهاد خطأ وخطر!‬ ‫فضل عن أنه يكشف عن طوية القادة‪ ،‬وطبيعة‬ ‫عقليتهم ونفسيتهم‪ .

59:‬‬ ‫م الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله‬ ‫ـ )أفحك َف‬ ‫حكما لقوم يوقنون؟( المائدة‪ ..‬فإن كان هذا خصوصا‬ ‫فأين الدليل؟‬ ‫خامسا‪ :‬إذا كان يظن بزعمه أن هاتين اليتين‬ ‫خاصتان بالنبي‪‬؛ فكيف يقول فيما ورد فيه ضمير‬ ‫الجمع الدال صراحة على الخطاب الجماعي‪ ،‬وهو‬ ‫أكثر ما في القرآن من هذا المجال؟ حتى كان‬ ‫استقراؤه مفيدا للقطع واليقين! وكلية من كليات‬ ‫الدين! وإليك بعض نماذجه‪:‬‬ ‫ـ )ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون‬ ‫إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم‬ ‫وهم معرضون( آل عمران‪.‫رابعا‪ :‬زعمه هذا بأن هاتين اليتين خاصتان بالنبي‪،‬‬ ‫باعتبار أن الخطاب موجه إليه وحده من حيث إنه‬ ‫مبني على ضمير المخاطب المفرد؛ مخالف للقاعدة‬ ‫الصولية المجمع عليها‪) :‬ما خوطب به النبي‪ ‬كان‬ ‫خطابا لمته إل ما خصه الدليل( والعشماوي زعم‬ ‫خصوص هاتين اليتين بالنبي‪ .‬‬ ‫لماذا لم يرجع العشماوي ـ ول مرة واحدة ـ إلى‬ ‫مناهج الستنباط الفقهي‪ ،‬وقواعد الستدلل الصولي‪،‬‬ ‫وإلى ضوابط التفسير بالمأثور‪ ،‬أو بالرأي ما شاء!‬ ‫لماذا؟ لنها ـ ببساطة ـ جميعها ضده! ولقد صرح‬ ‫بذلك تصريحا! قال تحت عنوان‪:‬‬ .23 :‬‬ ‫ـ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الكافرون( المائدة‪44:‬‬ ‫ـ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الظالمون( المائدة‪45:‬‬ ‫ـ )ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬ ‫الفاسقون( المائدة‪47:‬‬ ‫ـ )ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل‬ ‫إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى‬ ‫الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به‪ ..‬ويريد الشيطان‬ ‫أن يضلهم ضلل بعيدا( النساء‪. 52:‬ونحو ذلك كثير‪!.

(43‬‬ ‫وسار على هذا الرأي بصورة أكثر وضوحا أغلب‬ ‫مفكري )الجيل الثاني( للحركة السلمية ـ إن صح‬ ‫التعبير ـ من أمثال الدكتور حسن الترابي‪ ،‬والستاذ‬ ‫راشد الغنوشي‪ ،‬والدكتور أحمد الريسوني وغيرهم‪.‬‬ ‫فتكونت من كل هؤلء وأمثالهم مدرسة أخرى في‬ ‫الفكر السلمي المعاصر تتبنى الديمقراطية كمرادف‬ ‫للشورى‪ ،‬أو كآلية من آلياتها التقنية‪ .‬‬ ‫وكذلك تضافرت الدلة على أن الرياسة العليا في‬ ‫الحكومة السلمية ليست حقا لقريش‪ ،‬ول لغير‬ ‫قريش()‪.‬قال عبد الوهاب خلف رحمه‬ ‫الله ـ وهو الصولي الفقيه ـ ‪) :‬والناظر في آيات‬ ‫الكتاب الكريم‪ ،‬وصحاح السنة يتبين أن الحكومة‬ ‫السلمية دستورية‪ ،‬وأن المر فيها ليس خاصا بفرد‪،‬‬ ‫وإنما هو للمة ممثلة في أولي الحل والعقد؛ لن‬ ‫الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم )‪(.‬فل‬ ‫يجوز معارضته بهذا النهج()كذا!()‪(42‬‬ ‫إذن؛ فماذا بعد الحق إل الضلل؟‬ ‫س ب‬ ‫ط بين طرفين‪ :‬الول تجهيل من لم‬ ‫وإنما الحق وَف َف‬ ‫يحكم بما أنزل الله وتكفيره بإطلق‪ ،‬والثاني‪ :‬إنكار‬ ‫الحكم بما أنزل الله بإطلق!‬ ‫بينما كان ـ قبل هؤلء جميعا ـ علماء أزهريون‬ ‫يميلون إلى )دستورية( الدولة السلمية بالمعنى‬ ‫الديموقراطي للكلمة‪ ..‬‬ ‫ولعل التجربة السياسية المحلية التي خاضها هؤلء‪،‬‬ ‫وكذا التطورات السياسية الدولية؛ كان لها أكبر الثر‬ ‫في هذا التحول الذي حصل في منهج التفكير‬ ‫السلمي لدى الجيل الثاني‪ ،‬الذي دخل السياسة‬ ‫تجربة حية‪ ،‬وعرك آلمها وآمالها‪ ،‬على عكس الجيل‬ ..‬فمارست نوعا‬ ‫من النقد للمدرسة السابقة‪.‫)التطرف والفقهاء( ما نصه‪:‬‬ ‫)ومن أجل ما سلف بيانه وغيره فإن تيار التطرف‬ ‫يبدو متوافقا مع منطق الفقهاء مسايرا منهجهم‪ .

‫الول الذي بقي في حدود )النظر(‪ ،‬باعتبار أن‬
‫مرحلته كانت مرحلة إعداد وتنظير‪.‬‬
‫ولقد تفرغ الدكتور حسن الترابي ـ وهو السلمي‬
‫الحقوقي‪ ،‬الخبير في القانون الدستوري‪ ،‬صاحب‬
‫التجربة السودانية المشهورة ـ للتأصيل لمفهوم‬
‫)الديمقراطية( باعتبارها عين الشورى السلمية‪ ،‬بل‬
‫لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى محاولة‬
‫إثبات أن الديمقراطية إنما هي امتداد للشورى‪ ،‬هذه‬
‫التي تطورت في شكل الديمقراطية بفعل الحتكاك‬
‫الحضاري‪ ،‬بين العالم السلمي والغرب )التلميذ(‬
‫للتجربة السلمية في القرون الوسطى!‬
‫قال‪) :‬كان كل الذي عرفه التاريخ الول من‬
‫الديموقراطية المباشرة ممارسات سياسية لم‬
‫يستوعبها تنظير دستوري إل في نهاية القرون‬
‫الوسطى! حيث اكتشف الفكر الروبي قاعدة‬
‫دستورية يعبر بها عن أساس نظري للديموقراطية‪.‬‬
‫وأحسب أنهم إنما تلقوا تلك النظرية التأصيلية‬
‫للديموقراطية بأثر التصال بالفقه السلمي‬
‫السياسي‪ .‬وكان ذلك الفقه قد عرف جوهر‬
‫الديموقراطية‪ ،‬أو حكم الشعب )‪ (...‬فكان الجماع‬
‫عند المسلمين هو أصل السلطة الرضية()‪.(44‬‬
‫ومن هنا جزم الدكتور الترابي بأن )المعاني التي‬
‫تقتضيها الشورى وتؤسس عليها الديموقراطية معاني‬
‫منبثة في الدين كله‪ .‬وقد حاولنا أن نناسب بين‬
‫الديموقراطية والشورى لئل يكون في اختلف اللغة‬
‫ما يوهم باختلف المعنى!()‪(45‬‬
‫وعلى نهجه سار )تلميذه( ـ ولو نظريا ـ الستاذ‬
‫راشد الغنوشي صاحب التجربة السلمية التونسية‪.‬‬
‫قال في حواره المشهور مع قصي صالح الدرويش‪،‬‬
‫مجيبا عن سؤال محر ج للغاية‪ ،‬ونصه كما يلي‪) :‬بعض‬
‫الذين يحاربون الديمقراطية باسم السلم‪ ،‬يعتبرون‬
‫أن الديموقراطية مناقضة للسلم(‪ ،‬فقال بكل‬
‫وضوح‪) :‬أخشى أن ل يكون هؤلء على فهم دقيق ل‬

‫للديموقراطية ول للسلم! أو لحدهما فقط‪ .‬هم‬
‫يختزلون ويبسطون القضايا المعقدة )‪ (...‬فماذا في‬
‫قيم السلم ـ إذا فقهت ـ ما يتناقض مع‬
‫الديموقراطية إذا أحسن فهمها؟ وهي ل تعدو كونها‬
‫جهازا للتعبير عن إرادة الشعب في شكل قرار )‪(...‬‬
‫إنها جهاز يعطينا أدوات لتحقيق التداول على السلطة‬
‫دون إراقة للدماء‪ ،‬ويكون جهازا لسن السياسات‬
‫العامة‪ ،‬ولتوزيع السلطة على نحو يجنبها الحتكار‬
‫والنفراد‪ ،‬ويتيح المعارضة السلمية لها()‪.(46‬‬
‫ويقول أحد أبرز الزعماء المنظرين للتجربة اليرانية‪،‬‬
‫الممارسين لها على أعلى مستوى! الرئيس اليراني‬
‫)الصلحي(‪ ،‬الدكتور محمد خاتمي‪) :‬لقد اقتنعنا‬
‫بالديموقراطية كإنتا ج بشري‪ ،‬ومن الطبيعي أن يكون‬
‫كل أمر بشري هدفا للنقد()‪.(47‬‬
‫وأما المفكر المغربي الستاذ المجاهد عبد السلم‬
‫ياسين حفظه الله‪ ،‬فقد اضطرب في شأن‬
‫الديمقراطية خلل كتابه )الشورى والديمقراطية(؛‬
‫ربما بسبب )غربية( المصطلح‪ ،‬وغرابته عن التعبير‬
‫القرآني‪ ،‬وما لذلك من دللت ـ على القل ـ على‬
‫المستوى النفسي‪ ،‬كما تشير بعض عباراته التية‪.‬‬
‫ونظرا للسلوب العاطفي الجارف‪ ،‬الذي دبج به كتابه‬
‫المذكور ‪ -‬كعادته في أغلب كتاباته ‪ -‬فإنه يصعب‬
‫على الباحث أن يجد لدى الستاذ حكما قاطعا‬
‫واضحا ودقيقا؛ في المسألة إل بعد ثلثمائة وتسع‬
‫صفحات‪ ،‬من كتاب مجموع صفحاته‪ :‬ثلثمائة واثنتان‬
‫وسبعون صفحة!)‪(48‬‬
‫قال‪) :‬مطلوب الشورى ـ صريح الشورى ـ ينهض من‬
‫عمق إيمان المؤمنين وإسلم المسلمين‪ ،‬بذرة شجرة‬
‫طيبة‪ ،‬أصلها ثابت وفرعها في السماء‪ .‬ثمارها بركة‬
‫على المة‪ ،‬لما اكتنفها في نباتها وبسوقها وإزهارها‬
‫ق‪) :‬وأمرهم شورى بينهم(‪.‬‬
‫وإثمارها سيا ر‬
‫تسمي نظام حكمك ما شئت‪ ،‬وتخر ج عن سياق‬
‫القرآن والسنة‪ ،‬وتستنبت نظاما )ديمقراطيا( تتناغم‬

‫بأحلمه النخبة الحاكمة نفاقا‪ ،‬والنخبة المثقفة ملقا‬
‫م شجرة‪ ،‬وإذا بالثمرة نواة‬
‫وإملقا‪ ،‬فإذا بالنبتة َفوهت ر‬
‫تضيرس‪ ،‬وإذا بالليث الديمقراطي هرا مقلم الظفار‪،‬‬
‫أليفا يتحكك ويشخر في حجم الحاكم()‪ (49‬فهذا كلم‬
‫أقرب إلى الشعر منه إلى النثر؛ بله السلوب‬
‫العلمي الهادئ‪ .‬ما نستطيعه إزاءه إنما هو منهج‬
‫التحليل الدبي المدرسي؛ لنقول‪ :‬إن الفكرة العامة‬
‫للنص؛ أن المؤلف يرفض الديموقراطية كأسلوب‬
‫للحكم السياسي‪.‬‬
‫لكنك ل تلبث إل قليل حتى تقرأ كلمه الذي ل يعدو‬
‫أن يكون )رفعا للحر ج( ‪ -‬بتعبير الفقهاء – عن‬
‫الديموقراطية‪ .‬قال‪) :‬ل بأس من المسلم الغيور أن‬
‫يبحث عن نهج إسلمي للديمقراطية‪ .‬ول بأس أن‬
‫يظن مسلم ـ وهو يبحث عن حقيقة محجوزة ـ أن‬
‫الديمقراطية هي الشورى حقا)!( ل مشاحة في‬
‫اللفاظ كما يقول فقهاؤنا‪ .‬ل مشاحة في اللفاظ لو‬
‫لم يتعلق المر بالوضوح والتوضيح)!(()‪ .(50‬هكذا ل‬
‫تستطيع أن تثبت هل هو يقبل الديمقراطية أم أنه‬
‫يرفضها!‬
‫ولعل المشكلة في تصور فضيلة الستاذ عبد السلم‬
‫ياسين راجعة إلى أنه يرفض )النظام السياسي(‬
‫برمته؛ دكتاتوريا كان أم ديمقراطيا! لن القضية ذات‬
‫الولوية الولى عنده‪ ،‬هي ـ بالدرجة الولى ـ السعي‬
‫لقامة )الخلفة السلمية(‪ .‬فإذن؛ مهما يحاول النظام‬
‫أن )يتدمقرط(؛ فسيبقى في جميع الحوال بعيدا عن‬
‫مفهوم )الخلفة الراشدة( التي هي )على منها ج‬
‫النبوة( كما تصورها الستاذ‪ .‬والتي هي الشكل الوحيد‬
‫للحكم السياسي الذي يعترف )بإسلميته( كما سترى‪.‬‬
‫إذ كل تجارب الخلفة ما بعد العهد الراشدي‪ ،‬ل‬
‫علقة لها عنده حتى بمجرد لفظ )الخلفة(‪ .‬وإنما‬
‫كان تسميتها كذلك – عنده ‪ -‬مجرد )كذب(!‬
‫يقول الستاذ عبد السلم ياسين‪) :‬أريد أن أحدثكم‬
‫إن شاء الله في رسالتي هاته عن أفق عملنا‬

‫الموفق بفضل الله ومنته‪ ،‬واضعا المنها ج النبوي في‬
‫مكان الضوء الكاشف لما نتطلع إليه من مستقبل‬
‫الخلفة على منها ج النبوة()‪ .(51‬ويقول أيضا في‬
‫سياق التخطيط لقامة هذه الخلفة‪) :‬فما هي الصيغة‬
‫أو الصيغ التي ينبغي لجند الله أن يتبنوها للتقدم‬
‫بحركتهم؟ ما هو الخط السياسي‪ ،‬أو المسالك‬
‫السياسية‪ ،‬التي من شأنها أن تتقدم بنا إلى أن‬
‫نصل إلى الحكم‪ ،‬وإلى أن نبني الخلفة على منها ج‬
‫النبوة؟()‪(52‬‬
‫إن المشروع )الياسيني( منبن على تصور مضاد لما‬
‫أصلناه من )فروعية( المسألة السياسية في السلم‬
‫والصلح الديني‪ .‬لذلك فهو يعلن بصراحة أن‬
‫مشروعه يضع )الوصول إلى الحكم( غاية إصلحية‪،‬‬
‫كما رأيت‪ ،‬لنه السبيل الساس عنده لقامة الخلفة‬
‫السلمية على منها ج النبوة‪ .‬ومعتمد الستاذ في كل‬
‫ذلك حديث النبي‪ ‬في الخلفة‪ ،‬الذي بينا قبل بما‬
‫فيه الكفاية ـ في المبحث الثاني من الفصل الثاني‬
‫ـ أنما هو واحد من أحاديث الفتن‪ ،‬التي ل علقة لها‬
‫بالتشريع‪ ،‬والذي ل دللة له على مراد الستاذ من‬
‫التأصيل )لقومته(‪ ،‬ول لتحقيق مناطها! والحديث هو‬
‫قوله‪) :‬تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون‪،‬‬
‫ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة‬
‫على منها ج النبوة‪ ،‬فتكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم‬
‫يرفعها إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون ملكا عاضا‪،‬‬
‫فتكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء‬
‫الله أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون ملكا جبريا‪ ،‬فتكون ما شاء‬
‫الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم‬
‫تكون خلفة على منها ج النبوة‪ ،‬ثم سكت()‪(53‬‬
‫قال الستاذ معلقا بعد إيراد هذا الحديث‪ :‬إنه‬
‫)الحديث الذي اتخذناه محورا لتفكيرنا ومرشدا‬
‫لخطواتنا()‪.(54‬‬
‫والشكال‪ ،‬كل الشكال ههنا‪ :‬هو أن الستاذ – حفظه‬
‫الله ‪ -‬جعل هذا الحديث محور تفكيره‪ ،‬وأساس‬

‫مشروعه الصلحي! مع أنا بينا ـ قبل‪ ،‬بما يقطع‬ ‫الشك ـ أن المسألة السياسية برمتها ليست أصل‬ ‫في الدين‪ ،‬ول محورا من كلياته! فكيف يجعل ما هو‬ ‫)فرع( )أصل( للتفكير ومحورا للصلح؟ هذا قلب‬ ‫لميزان الولويات في السلم!‬ ‫ومما يوضح أكثر أن الستاذ يؤصل لمشروعه بما ل‬ ‫يصح؛ أنه حاول الستدلل على مصطلح )قومة( ـ‬ ‫وإنما هو مصطلح من نتا ج التاريخ السياسي‪ ،‬ل‬ ‫النص الشرعي ـ بآية من القرآن ل تدل على‬ ‫مراده‪ ،‬ل بالدللة العبارية الصلية ول التبعية‪ ،‬ول‬ ‫بالدللة الشارية‪ ،‬ول اليمائية‪ ،‬ول القتضائية‪ ،‬ول‬ ‫بالمفهوم الموافق ول المخالف‪ ،‬ول بأي طريق من‬ ‫الطرق الستقرائية التي أصلها علماء أصول الفقه‬ ‫في مسالك استنباط الحكام الشرعية‪ .(19):‬‬ ‫فتكون قومتنا على منها ج النبوة()‪ (55‬كذا!‬ ‫فأي علقة بين هذا وذاك؟‬ ‫)إنه لما "قام" عبد الله يدعوه(‪ :‬أتعني )ثار(؟ لقد‬ ‫ع ررلم لدى المفسرين‪ ،‬ولدى من عنده أدنى علم‬ ‫بفقه اللغة العربية؛ أن )قام( هذه إنما هي )العزمة(‬ ‫الدعوية‪ ،‬و)العزم( على الخير بإطلق‪ ،‬وأنها من قبيل‬ ‫م‬ ‫قوله تعالى عن أصحاب الكهف‪) :‬وَفَفرب َفط تَفنا ع َفَفلى قررلوب رهر ت‬ ‫ت َف‬ ‫إ رذ ت َث‬ ‫من‬ ‫موا فَف َف‬ ‫ض َفلن ن يد تع روَف ر‬ ‫ماَفوا ر‬ ‫قارلوا َفرب مَفنا َفر م‬ ‫ب ال ي‬ ‫س َف‬ ‫قا ل‬ ‫ت َفوالتر ر‬ ‫شط َف ً‬ ‫قد ت قرل تَفنا إ رًذا َف‬ ‫طا()الكهف‪ ،(14:‬وقوله‬ ‫ردون رهر إ رل َفًها ل َف َف‬ ‫عظ ر ر‬ ‫حد َفةس َفأن ت َث ل‬ ‫تعالى‪) :‬قر ت‬ ‫مث تَفنى‬ ‫وا ر‬ ‫ما أ َف ر‬ ‫موا ل رل يهر َف‬ ‫قو ل‬ ‫ل إ رن ي َف‬ ‫كم ب ر َف‬ ‫حب ر ر‬ ‫ذيبر‬ ‫م ت َفت َف َف‬ ‫صا ر‬ ‫ن هروَف إ ريل ن َف ر‬ ‫جن يةس إ ر ت‬ ‫من ر‬ ‫كم ي‬ ‫فك يرروا َف‬ ‫وَففرَفراَفدى ث ر ي‬ ‫ما ب ر َف‬ ‫لي ر‬ ‫ب َف‬ ‫ن ي َفد َفيت ع َف َف‬ ‫د()سبأ‪ (46:‬وقوله سبحانه‪:‬‬ ‫دي س‬ ‫ش ر‬ ‫ذا س‬ ‫كم ب َفي ت َف‬ ‫)وَفَفأن ت َث ل‬ ‫ن‬ ‫ما ت َف ت‬ ‫ن َف‬ ‫فعَفرلوا ت ر‬ ‫س ر‬ ‫مى ربال ت ر‬ ‫خي ترس فَفإ ر ي‬ ‫ق ت‬ ‫ط وَف َف‬ ‫موا ت ل رل تي َفَفتا َف‬ ‫قو ل‬ ‫م ت‬ ‫ه َف‬ ‫ما()النساء‪ .‬وذلك قوله‪:‬‬ ‫)أستعمل كلمة )قومة( بدل )ثورة( تأصيل للنهضة‬ ‫واليقظة والتعبئة والعداد والزحف‪ .(127:‬فأين المفهوم‬ ‫كا َف‬ ‫ن ب رهر ع َفرلي ً‬ ‫الل ّ َف‬ ‫السياسي الذي أراده الستاذ هنا؟ إنما هذا يدل على‬ ‫أن محاولة البحث في القرآن عما يخدم المشروع‬ .‬على مثال قوله‬ ‫تعالى‪) :‬وإنه لما قام عبد الله يدعوه( الجن‪.

‬قال‪) :‬ماذا كان أثر‬ ‫نقض الحكم على سائر عرى السلم؛ حتى تتالى‬ ‫التفتت في عقلنا وأخلقنا ومروءتنا وآدميتنا‪ ،‬من‬ ‫جراء إصابة المقتل من ديننا؟ هذا إن شاء الله )‪(..‬‬ ‫ثم بنى على ذلك كله تصورا كبيرا‪ ،‬ونظريات تاريخية‬ ‫وإصلحية‪ ،‬حكم بها على تاريخ السلم كله‪ ،‬ورهن‬ ‫الصلح والتجديد الديني الشامل بإصلح )الحكم(!‬ ‫طبعا كما فهمه بناء على ما ذكر‪ .‬وأولهن‬ ‫نقضا الحكم‪ ،‬وآخرهن الصلة()‪ .‬وهو ليس كذلك‪ ،‬بل هو‬ ‫القضاء! والدليل استقراء المصطلح في الكتاب‬ ‫والسنة‪..‬‬ ‫والعرب لم تعرف ذلك في لغتها قط‪ ،‬كما لم يعرفه‬ ‫التشريع السلمي في اصطلحه! والحديث هو قول‬ ‫رسول الله‪) :‬لتنقضن عرى السلم عروة عروة‪،‬‬ ‫كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها‪ .(56‬ثم قال الستاذ‬ ‫معلقا بعد إيراده الحديث‪) :‬لنزداد يقينا بأن الحكم قد‬ ‫فسد في عهد مبكر جدا()‪(57‬؛ ظنا منه أن )الحكم(‬ ‫هنا هو رئاسة الدولة‪ .‫السياسي ـ بهذه الصورة ـ إنما هو بحث عن‬ ‫سراب!‬ ‫ولقد حاول فضيلته الشيء نفسه في الحديث النبوي‬ ‫مرة أخرى؛ فأورد نصا ل علقة له بمراده‪ ،‬حيث‬ ‫جاء لفظ )الحكم( بدللته )القضائية( كما بيناها قبل؛‬ ‫ففهم من ذلك الحكم بدللته السياسية المحدثة‪.‬‬ ‫أوان إعادة العرى إلى شدها؛ بإعادة الحكم إلى‬ ‫نصابه الشرعي)!(()‪(58‬‬ ‫بل لقد تعدى ذلك كله ‪ -‬بجرأته المعهودة ؛ وبناء‬ ‫على فساد )الحكم( كما فهمه دائما! ‪ -‬إلى محاولة‬ ‫)إصلح( ما ل تخصص له فيه من العلوم الشرعية‪،‬‬ ‫وإنما هي معلومات استقاها من خلل قراءات عابرة‬ ‫أو كما سماها )نظرات في الفقه والتاريخ(! قال في‬ ‫سياق غياب الحكم العادل والشورى‪) :‬كيف الطلب‬ ‫لكل ذلك؟ من يطلب؟ وممن يطلب ومع من‬ ‫يطلب؟ وضد من يطلب؟ أسئلة ما طرحها‪ ،‬وأنى له‪،‬‬ .

.‬يردد ويفرع بعناد‬ ‫وتبلد‪ ،‬وكأن الدين حاكم سلطانه في بلد المسلمين‪،‬‬ ‫و)العادات( مستقرة حيث تركها الولون آمنة من‬ ‫عاديات الزمن‪) ،‬والمعاملت( منتظمة على ما قرروه‪.‬‬ ‫وإنما )الحفظ( في الترا ث الفقهي والصولي هو‬ ‫بدللة أخرى تماما! إنها الدللة القرآنية‪ ،‬ذات العمق‬ ‫الغيبي التعبدي‪ ،‬والواردة في قول الله تعالى‪) :‬إنا‬ ‫نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون()الحجر‪ .‬‬ ‫يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله‪) :‬تكاليف‬ ‫الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق‪ .‬والحفظ لها يكون بأمرين‪ :‬أحدهما ما‬ ‫يقيم أركانها ويثبت قواعدها‪ ،‬وذلك عبارة عن‬ ‫مراعتها من جانب الوجود‪ .(60‬فقوله‪) :‬مراعاتها من‬ ‫جانب الوجود(‪ :‬هو بمعنى إنشاء الوسائل التي من‬ ‫شأنها أن توجدها‪ ،‬كإنزال الكتاب‪ ،‬وبعث الرسول‪،‬‬ ‫والدعوة إلى السلم‪ ،‬والجهاد في سبيل الله‪ ،‬والمر‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والتشريع لكل ما‬ .‬والثاني ما يدرأ عنها‬ ‫الختلل الواقع أو المتوقع فيها‪ ،‬وذلك عبارة عن‬ ‫مراعاتها من جانب العدم()‪ .‫من يردد عبارات الجداد الداعية إلى حفظ المقاصد‬ ‫الخمس الضرورية‪ :‬حفظ الدين‪ ،‬حفظ النفس‪ ،‬حفظ‬ ‫العقل‪ ،‬حفظ النسل‪ ،‬حفظ المال‪ .(9:‬فكان‬ ‫بذلك )الحفظ( لمقاصد الشريعة؛ دال على )اليجاد(‬ ‫بمعنى التشريع والتجديد؛ كما هو دال على )الصون(‪.‬وهذه‬ ‫المقاصد ل تعدو ثلثة أقسام‪ :‬أحدها أن تكون‬ ‫ضرورية‪ ،‬والثاني أن تكون حاجية‪ ،‬والثالث أن تكون‬ ‫تحسينية )‪ (.‬‬ ‫تحفظ على ماذا إذن يا فقيه وتحافظ؟()‪(59‬‬ ‫ولقد علم أهل العلم بأصول الفقه ومقاصد الشريعة‪،‬‬ ‫أن مفهوم )الحفظ( الذي ذكره الصوليون ليس بهذا‬ ‫المعنى الغربي الوافد‪ ،‬الذي فهمه الستاذ عبد‬ ‫السلم ياسين؛ إسقاطا على موافقات الشاطبي)ت‪:‬‬ ‫‪790‬هـ(‪ ،‬والذي له مدلول سياسي محض‪ ،‬والذي هو‬ ‫راجع إلى توصيف )إيديولوجي(‪ ،‬وتقسيم )طبقي(‬ ‫)مانوي( يقسم المجتمع إلى )محافظين( و)ثوريين(‪..

‬والمسألة الديمقراطية‬ ‫خاصة‪.‫يضمن إقامة تلك المصالح‪ .‬فالنص واضح فيما ذهبنا‬ ‫إليه من معنى )الحفظ(؛ فدخل في ذلك ما أراده‬ ‫الستاذ ياسين من معنى )الطلب(‪ ،‬وزيادة!‬ ‫ويؤسفنا أن نخالف فضيلة الستاذ عبد السلم ياسين‬ ‫– ومخالفة مثله ثقيلة علينا – في دللة مصطلح‬ ‫)الحكم( كما جاء في النصوص الشرعية‪ ،‬وما تفرع‬ ‫عنه من مفاهيم في الترا ث السلمي؛ لنقول‪ :‬إن‬ ‫بناء النظريات ذات البرا ج والهرام؛ على السس‬ ‫المفهومية الباطلة لن يكون إل باطل!‬ ‫تلك جولة سريعة في الفكر السياسي السلمي‬ ‫المعاصر؛ تبينا منها مدى )الجتهادية( الغالبة عليه‪،‬‬ ‫الراجعة إلى استصلح العرف والقوانين الدستورية‪،‬‬ ‫بل )الرأيتية( الحتمالية التي تبدو عليه في تعامله‬ ‫مع المسألة السياسية عامة‪ .‬‬ ‫هكذا إذن؛ تبدو المسألة السياسية في الفكر‬ ‫السلمي المعاصر‪ :‬من النقيض إلى النقيض تماما!‬ ‫ونعود إلى ما بدأنا به؛ فنقول‪ :‬لم يكن ذلك ليكون؛‬ ‫لول أن الشارع أراد أن يجعل )الشأن السياسي( في‬ ‫الدين من التبعيات التشريعية ل الصليات‪ ،‬فتركه‬ ‫لمحض الجتهاد‪ .‬ومن هنا كان أولى بالصواب ما‬ ‫خلص إليه الدكتور فتحي الدريني في بحثه عن‬ ‫)خصائص التشريع السلمي في السياسة والحكم(؛‬ ‫إذ قال‪) :‬لم يعين التشريع السياسي السلمي نظاما‬ ‫محددا للشورى السياسية في انتخاب رئيس الدولة‪.‬‬ ‫وهذا ما عرضناه مشاهدا بأدلته بهذا البحث‪.‬‬ ‫وما رسمه فقهاء السياسة المسلمون من أشكال‬ ‫لها‪ ،‬وطرائق لتنفيذها إنما كان بمحض الجتهاد‬ ‫بالرأي!()‪(61‬‬ ‫وإلى مثله ذهب الدكتور خاتمي‪ ،‬في قوله‪) :‬وفيما‬ ‫يتعلق بمسألة الدولة؛ فإن الدين قد حدد الطوابط‬ ‫الساسية والطار العام‪ ،‬وأما الحكومة فأمر مرجعه‬ ‫إلى الناس‪(62)(.‬‬ .

155:‬‬ ‫)‪ (11‬العواصم من القواصم‪207:‬ـ‪210‬‬ ‫)‪ (12‬الحكام في تمييز الفتاوي عن الحكام‪.39 :‬‬ ‫)‪ (9‬غيا ث المم‪.65‬‬ ‫)‪ (6‬غيا ث المم‪37:‬‬ ‫)‪ (7‬غيا ث المم‪37 :‬‬ ‫)‪ (8‬غيا ث المم‪.‬ذلك مجال التدين‬ ‫الصيل الذي لم يختلف عليه المسلمون في التاريخ‬ ‫كله‪ ،‬إل اختلفا مشروعا في جزئيات الفقه ل يضر‬ ‫بالدين وأهله‪ ،‬وإل فإن ذلك هو محط الجماع‬ ‫بالجماع‪ ،‬والمعلوم من الدين بالضرورة‪ .11:‬‬ ‫)‪ (3‬الحكام السلطانية‪.163 :‬‬ ‫)‪ (13‬مجموع الفتاوى‪.20:‬‬ ‫)‪ (5‬غيا ث المم‪64 :‬ـ‪.‫وبعد‪ ،‬فهل هذا موضوع يستحق أن ينقسم عليه‬ ‫الناس في الدين‪ ،‬شيعا وأحزابا؛ معتقدين أنهم‬ ‫يتدينون به لله؟‬ ‫ولعل الله عز وجل؛ إنما جعل الشأن السياسي من‬ ‫التبعيات؛ لعلمه سبحانه بأنه مجال النقسام؛ فوجه‬ ‫التدين إلى مجالت أخرى بالصالة‪ ،‬مجالت غير قابلة‬ ‫للنقسام بطبيعتها‪ ،‬ابتداء بتوحيد الوجهة لله في‬ ‫شهادة أن )ل إله إل الله وأن محمدا رسول الله(‬ ‫فإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وحج‬ ‫البيت من استطاع إليه سبيل‪ .77 :‬‬ ‫)‪ (10‬العلم بمناقب السلم‪.33:‬‬ ‫)‪ (4‬غيا ث المم‪.‬تلك هي‬ ‫)أركان السلم(‪ ،‬وأصول العبادات التي شرعت؛‬ ‫ليكون التدين مبنيا عليها‪ ،‬وترك الشارع السياسة؛‬ ‫لتكون من باب الوسليات الخادمة للدين‪ ،‬ل ركنا من‬ ‫أركان الدين!‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫هوامش المبحث الول من الفصل الثالث‪:‬‬ ‫)‪ (1‬شرح القواعد الفقهية‪.155 :‬‬ ‫)‪ (2‬السياسية الشرعية لخلف‪.35/26 :‬‬ .

176‬‬ ‫)‪ (19‬معيد النعم ومبيد النقم‪16 :‬ـ‪.35‬‬ ‫)‪ (25‬معالم في الطريق‪.164‬‬ ‫)‪ (18‬الحكام‪ 163 :‬إلى ‪.36 :‬‬ ‫)‪) (22‬السلم ومواجهة الدولة الحديثة( للستاذ منير‬ ‫شفيق‪ .91:‬‬ ‫)‪ (29‬معالم في الطريق‪.89 :‬‬ ‫)‪ (27‬معالم في الطريق‪.1/60:‬‬ ‫)‪ (16‬الحكام‪.‬الثالثة‪1412 :‬هـ‪1992/‬م‪.92 :‬‬ ‫)‪ (30‬معالم في الطريق‪92 :‬ـ‪.17‬‬ ‫)‪ (20‬معيد النعم‪.‬واختيار مصطلح‬ ‫الخلفة بدل الملك للدللة على رئاسة الدولة‬ ‫السلمية اختيار موفق مبني على مقاصد بينة‬ ‫الصلح‪ ،‬ولكن ذلك ل يعني أبدا أن مصطلح الملك‬ ‫يقابله ويضاده( تطور الدولة السلمية‪.3:‬‬ ‫)‪ (28‬معالم في الطريق‪.163:‬‬ ‫)‪ (17‬الحكام‪163:‬ـ‪.‫)‪ (14‬المقدمة‪218:‬ـ‪.219‬‬ ‫)‪ (15‬المقدمة‪.‬ولذلك فقد قال الستاذ‬ ‫الباحث حسن بوكبير في رسالته‪) :‬تطور الدولة‬ ‫السلمية فكرة وبنية من الهجرة إلى منتصف خلفة‬ ‫عثمان(‪ ،‬بعد استقراء لعدد كبير من النصوص‬ ‫والقوال‪ .25:‬‬ ‫)‪ (21‬معيد النعم‪.8:‬‬ ‫)‪ (26‬معالم في الطريق‪.‬‬ ‫)‪ (23‬نظرية السلم وهديه في السياسة والقانون‬ ‫والدستور‪31:‬ـ‪32‬‬ ‫)‪ (24‬نفسه‪33:‬ـ‪.‬قال‪) :‬وخلصة القول‪ :‬فالملك كالخلفة ل‬ ‫يدلن على الصلح ول على الفساد‪ .93‬‬ ‫)‪ (31‬السياسة الشرعية للقرضاوي‪.‬نشر )الناشر للطباعة والنشر( ودار البراق‬ ‫للنشر بتونس‪ .192:‬‬ ‫وتلك نتيجة استقرائية لنصوص الشرع من جهة؛‬ ‫ولقوال الفقهاء‪ ،‬والتجربة السياسية السلمية في‬ ‫التاريخ من جهة أخرى‪ .‬ط‪ .18:‬‬ .

22:‬‬ ‫)‪ (46‬راشد الغنوشي‪) :‬حوارات قصي صالح‬ ‫الدرويش(‪70 :‬ـ‪.1/62:‬‬ ‫)‪ (39‬السلم السياسي‪.17‬‬ ‫)‪ (33‬السياسة الشرعية للقرضاوي‪.6:‬‬ ‫)‪ (42‬السابق‪.53:‬‬ ‫)‪ (43‬السياسة الشرعية لخلف‪.18 :‬‬ ‫)‪ (34‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫الطبعة الولى‪.7‬‬ .53:‬‬ ‫)‪ (48‬ن‪ .1996:‬‬ ‫)‪ (49‬الشورى والديمقراطية‪6:‬ـ‪.35:‬‬ ‫)‪ (38‬وذلك أيضا ما قرره الستاذ الباحث حسن‬ ‫بوكبير في بحثه )تطور الدولة السلمية( بعد دراسة‬ ‫مستفيضة للنصوص؛ منبها إلى خطورة ما قد ينجم‬ ‫عن ذلك من تصورات وممارسات‪ .33 :‬‬ ‫)‪ (40‬السلم السياسي‪.‬‬ ‫)‪ (35‬جامع البيان‪:‬م‪ /3‬ج‪.6 :‬‬ ‫)‪ (45‬السابق‪.‬‬ ‫وانبنى على هذه النظرية صرح كبير من الحكام عن‬ ‫المجتمع والدولة‪ ،‬وربطا كل هذا بالعتقاد والتوحيد!(‬ ‫تطور الدولة السلمية فكرة وبنية من الهجرة إلى‬ ‫منتصف خلفة عثمان‪.71‬‬ ‫)‪ (47‬الدين والدولة للدكتور خاتمي‪.21:‬‬ ‫)‪ (37‬الدولة السلمية لمحمد عمارة‪.3/324‬‬ ‫)‪ (36‬علم السياسة للدكتور حسن صعب‪.46:‬‬ ‫)‪ (41‬السابق‪.28:‬‬ ‫)‪ (44‬الشورى والديموقراطية للترابي‪.‬قال‪) :‬يكون كل‬ ‫من أبي العلى المودودي وسيد قطب ومن حذا‬ ‫حذوهما؛ قد حمل مصطلح الحكم في القرآن معنى‬ ‫غير مقصود من الشارع؛ إذ أنهما أصل لنظريتهما‬ ‫)الحاكمية لله( باليات التي شددت على وجوب‬ ‫الحكم بما أنزل الله والتي جعلت الحكم لله وحده‪.‫)‪ (32‬السياسة الشرعية‪16:‬ـ‪.‬كتاب الشورى والديمقراطية لعبد السلم‬ ‫ياسين‪ ،‬في طبعة )مطبوعات الفق بالدار البيضاء(‪.

309 :‬‬ ‫)‪ (51‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.50:‬‬ ‫ـــــــــــــــــــ‬ ‫المبحـــث الثـــاصني‪ :‬فـــي الحركـــة الســـلمية‬ ‫المعاصرة وصنفسية الصدام السياسي‪:‬‬ ‫عندما يصبح )الموقف السياسي( ـ وإنما هو اجتهاد‬ ‫محض كما قررناه ـ هو المقياس الذي عليه يصنف‬ ‫مستوى التدين‪ ،‬لدى هذه الحركة السلمية أو تلك؛‬ ‫يكون ذلك دال بالقطع على )النحراف( عن المعنى‬ ‫السلمي للدين والتدين!‬ ‫تلك كانت نتيجة البحث في الفصول السابقة‪.‬ذلك مدروسا في بحثنا‪:‬‬ ‫)مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات للشاطبي(‪:‬‬ ‫مادة )قصد(‪.‬كما صححه اللباني في صحيح الترغيب‬ ‫والترهيب‪) :‬رقم‪(571:‬‬ ‫)‪ (57‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.46:‬‬ ‫)‪ (59‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.‬‬ ‫وإذن؛ نتساءل‪ :‬إذا كان الدين ـ من حيث هو نصوص‬ ‫وتشريع ـ ل يعير للعمل السياسي في إطار التعبد ـ‬ ‫وإنما الدين تعبد ـ إل هامشا تبعيا غير أصيل؛ فكيف‬ ‫)تسيس( العمل السلمي المعاصر في كثير من‬ ‫صوره؛ حتى كانت له ردود أفعال ذات طابع عنيف‪،‬‬ .427:‬‬ ‫)‪ (62‬الدين والدولة للدكتور خاتمي‪.3:‬‬ ‫)‪ (52‬المنها ج النبوي‪.‬‬ ‫)‪ (61‬خصائص التشريع السلمي في السياسة‬ ‫والحكم‪.5:‬‬ ‫)‪ (54‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.‫)‪ (50‬نفسه‪.10:‬‬ ‫)‪ (56‬رواه أحمد وابن حبان في صحيحه‪ ،‬والحاكم‬ ‫وصححه‪ .3:‬‬ ‫)‪ (55‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.2/8:‬ثم ن‪ .76:‬‬ ‫)‪ (60‬الموافقات‪ .411:‬‬ ‫)‪ (53‬رواه أحمد والبزار والطبراني في الوسط‬ ‫وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة رقم‪.30:‬‬ ‫)‪ (58‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.

‬وهي كما‬ ‫يلي‪) :‬الموقف السياسي يقود إلى الصلة! والصلة‬ ‫تقود إلى الموقف السياسي! وأعني بهذه المقولة‬ ‫النقدية‪ :‬أن الدعوة إلى التدين ـ بهذا المنطق ـ‬ ‫دعوة قائمة عمليا على التعبئة لموقف سياسي‬ ‫معين! كما أن ذلك الموقف السياسي ـ من جهة‬ ‫ثانية ـ يصوغ التدين في صورة معينة! كل ذلك في‬ ‫نهاية المطاف يقدم الصورة الجتماعية للتدين على‬ ‫أنه )حركة احتجاجية( أكثر مما هو )حركة تعبدية(‪،‬‬ ‫بالمعنى الحقيقي للكلمة!()‪(1‬‬ .‬وإنما استشكالنا مبني على كونه يعتمد‬ ‫العمل السياسي هدفا وغاية‪ .‬حتى صار رهانه ـ كل‬ ‫رهانه ـ على )الحل السياسي(! ثم يكون بعد ذلك‬ ‫مستعدا للنخراط في العنف الثوري سياسيا أول‪ ،‬ثم‬ ‫فعليا فيما بعد؛ لن الفكر الثوري هو الذي يصنع‬ ‫)نفسية( العمل الثوري‪ ،‬والقابيلة لرد الفعل العنيف‬ ‫بصورة أو بأخرى‪ .‬حتى صار مقياس‬ ‫التدين عنده مبنيا على مدى ما يضمره الفرد من‬ ‫مواقف سياسية ضد هذا النظام‪ ،‬أو ضد تلك‬ ‫الحكومة‪ ،‬أو ربما ضد المجتمع بأكمله! فيفقد بذلك‬ ‫توازنه على ما قررناه في الفصول السابقة من هذا‬ ‫البحث‪.‫على شاكلة )العنف الثوري( الوارد في الدبيات‬ ‫الماركسية؟‬ ‫إن تساؤلنا هذا ليس بمعنى استشكال كون العمل‬ ‫السلمي قد انخرط في العمل السياسي‪ ،‬وصار له‬ ‫وجود على الساحة النتخابية‪ ،‬أو ـ في بعض الحيان‬ ‫ـ حتى على المستوى الداري للدولة‪ ،‬في هذا البلد‬ ‫أو ذاك‪ .‬‬ ‫ويتم اختزال التدين ـ كل التدين ـ في المقولة‬ ‫النقدية التي قعدناها في كتاب لنا من قبل‪ .‬كلما توفرت الظروف العامة لرد‬ ‫فعل ما!‬ ‫إن عمل إسلميا كهذا معناه أن )تسيسه( قد مسه‬ ‫في جوهره‪ ،‬واصطبغت حقيقته الوجودية به‪ ،‬على‬ ‫حساب المعاني الدينية التعبدية‪ .

(79‬وما فتئ النبي‪ ‬يحذر أمته من )الغلو(‪ ،‬من‬ ‫مثل قوله عليه السلم‪) :‬إياكم والغلو في الدين! فإنما‬ ‫هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين!()‪.(2‬‬ ‫و)الغلو( يعني‪ :‬المبالغة في تضخيم بعض الجوانب في‬ ‫الدين على حساب أخرى؛ تصورا‪ ،‬أو ممارسة‪ ،‬أو‬ ‫هما معا! من مثل قلب ما هو مندوب إلى ما هو‬ ‫واجب! أو ما هو مكروه إلى ما هو حرام! أو ما هو‬ ‫وسيلة إلى ما هو غاية! كل ذلك ونحوه يعبر عنه‬ ‫إسلميا بالغلو في الدين‪ .‬أو بلغة اليوم‪) :‬التطرف(!‬ ‫لكننا نحن سنستعمل هنا؛ لدراسة هذه الظاهرة؛‬ ‫العبارة السلمية؛ لسلميتها من جهة‪ ،‬ولدقتها‪،‬‬ ‫وبراءتها من جهة أخرى!‬ ‫ذلك أن مصطلح )التطرف( هذا التعبير السياسي‬ ‫المعاصر‪ ،‬استعمل أول لنقد ظاهرة )العنف(‪ ،‬والنزوع‬ ‫الستئصالي‪ ،‬بشتى أنواعه الفكرية‪ ،‬والنفسية‪،‬‬ ‫والجتماعية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والعرقية‪ ،‬لدى الدول‪،‬‬ .‬‬ ‫إن هذه الظاهرة هي المسماة في التعبير القرآني‬ ‫والحديثي بـ)الغلو( أو )الغلو في الدين(‪ .‬‬ ‫ولذلك عبرنا عن هذا المبحث بما قرأت‪) :‬الحركة‬ ‫السلمية المعاصرة ونفسية الصدام السياسي(‪.‫كما أن ذلك يطبع الوجدان النفسي للمنخرطين في‬ ‫إطاره‪ ،‬والمتعاطفين معه؛ بنوع من القتامة القابلة‬ ‫للشتعال؛ حتى ليتوهم الفرد أن الدين إنما هو هذا‪:‬‬ ‫الحتجا ج بشتى الشكال‪ ،‬وما سواه فإنما هو لعب‬ ‫ولهو!‬ ‫هذا هو جوهر الشكال!‬ ‫إذن يمكن الن ـ قبل الدخول في التحليل‬ ‫والستدلل ـ صياغة الدعوى‪ :‬وهي أن الصدام‬ ‫السياسي الذي يطبع عمل بعض الحركات السلمية‬ ‫إن هو إل )نفسية( معينة‪ ،‬تكونت في ظروف ما‪.‬قال عز‬ ‫وجل‪) :‬يا أهل الكتاب ل تغلو في دينكم ول تقولوا‬ ‫على الله إل الحق()النساء‪ (170:‬وقال سبحانه‪) :‬قل‬ ‫يا أهل الكتاب ل تغلو في دينكم غير الحق()المائدة‪:‬‬ ‫‪ .

‬وذلك هو ما يمكن تسميته ب‪:‬‬ ‫ـ الطبيعة الوجدانية للتدين‪:‬‬ ‫ذلك أن التدين في حقيقته الجوهرية تجربة وجدانية‪.‬كما‬ ‫أنه من الخطأ أيضا الفصل بينهما على سبيل‬ ‫القطيعة )البستمولوجية( التامة!‬ ‫فل هذه إذن ول تلك! وهذا هو وجه الصعوبة!‬ ‫قبل الدخول في السباب‪ ،‬والعلل الوجودية للغو؛ لبد‬ ‫من تقرير حقيقة هامة‪ ،‬قلما انتبه إليها أحد! ربما‬ ‫بسبب النزعة التهامية التي تعمي كثيرا من‬ ‫الدراسات في هذا المجال‪ .‬ذلك أن )الغلو في الدين(‬ ‫يرجع في )قابليته الوجودية( للطبيعة الوجدانية للدين‬ ‫أول‪ .‬‬ ‫إن )الغلو( كظاهرة دينية؛ له أسباب‪ ،‬وخصوصيات‪،‬‬ ‫ومكونات متداخلة ومعقدة جدا! وإنه لمن التبسيط‬ ‫و)التسطيح(‪ ،‬والكسل الفكري؛ أن تفسر تفسيرات‬ ‫اقتصادية‪ ،‬أو )ديموغرافية(‪ ،‬أو سياسية محضة‪ .‬كما‬ ‫أنه من التبسيط‪ ،‬والتسطيح؛ أن يتم الخلط بينه‬ ‫وبين )حركة التدين( الدعوية العامة في المجتمع‪ .‬‬ ‫وهو ممارسة على خط رفيع فاصل بين الحقيقة‬ ‫والخيال‪ ،‬أو بين العلم والسطورة! فالمنطلق الول‬ .‬وهذه الحقيقة أحسب أنها هي‬ ‫المعطى الول‪ ،‬الذي تتوالد فيه سائر )النفسيات(‬ ‫الغالية في الدين‪ .‬ولو لم يكن المر كذلك لما حذر القرآن والسنة‬ ‫من )الغلو في الدين(‪ .‫والطوائف‪ ،‬والفراد‪ ،‬وكذا الحركات ذات الطابع‬ ‫الجتماعي العام‪.‬‬ ‫لكن استعماله )السياسي( اليوم‪ ،‬صار دال فقط على‬ ‫إدانة الحركات السلمية دون سواها‪ ،‬ودون تمييز‬ ‫بين هذا التوجه أو ذاك‪ ،‬ول بين هذا التصور أو ذاك؛‬ ‫حتى صار المر‪ :‬كأن هذه العبارة ـ في الحقيقة ـ‬ ‫إنما المقصود بها كل سلوك )ديني(! بالمعنى‬ ‫السلمي للكلمة‪ ،‬أو بعبارة أخرى‪ :‬السلم نفسه!‬ ‫وإذن نحن أمام مصطلح )إيديولوجي(‪ ،‬ل أمام‬ ‫مصطلح علمي محايد!‬ ‫إذن؛ فلندعه جانبا‪.

‬فأما القرار فهو التصور‬ ‫الذهني الراجع إلى العتراف العقلي بحقائق الدين‬ ‫العقدية‪ .‬أما العقل فل دخل له في‬ ‫الغيب‪ ،‬إل من باب القرار بالعجز عن الدراك!‬ ‫هذا‪ ،‬وإن كان الغيب غيبا‪ ،‬والخرافة خرافة‪ ،‬من‬ ‫حيث الجوهر والواقع لكل المرين‪ .‬‬ ‫ومن هنا كان التدين ـ من حيث هو )إيمان( ـ يسهل‬ ‫ـ عند فقدان المنهج ـ أن ينجر من )الغيب( إلى‬ ‫)الخرافة(! ومن )الحقيقة( إلى )السطورة(! باعتبار أن‬ ‫الفاصل بين المرين ـ من حيث الشكل والظاهر ـ‬ ‫إنما هو الثبوت بالنقل‪ .‬ذلك الكتاب ل ريب‬ ‫فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب(اليات)البقرة‪:‬‬ ‫‪1‬ـ‪(2‬‬ ‫فالمسألة إذن )إيمان(‪.‬كل ذلك غيب‪ .‫للدين‪ ،‬والساس العمودي الذي عليه يقوم‪ ،‬إنما هو‬ ‫مفهوم )الغيب(‪ .‬نؤمن بها‬ ‫كما وردت‪ .‬فتلك عقيدة‬ ‫منقولة بالتواتر‪ ،‬أصولها وفروعها‪ ،‬انطلقا من اليمان‬ ‫بالله ذاتا وصفات؛ إلى اليمان بالبعث والحساب‬ ‫والجنة والنار‪ .‬قال عز وجل‪) :‬الم‪ .‬فأما‬ ‫الرسل والكتب؛ فحقيقة اليمان بهما راجعة إلى‬ ‫اليمان بظاهرة )الوحي(‪ ،‬وهي غيب مطلق! وأما‬ ‫باقي الركان فهي أوغل في الغيبية‪.‬قد أفلح من زكاها وقد خاب من‬ ‫دساها()الشمس‪7:‬ـ‪.‬فأركان اليمان الستة‪ ،‬التي هي‬ ‫مقومات العقيدة السلمية؛ كلها إيمان بالغيب‪ ،‬بدءا‬ ‫باليمان بالله فملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‬ ‫والقدر خيره وشره حلوه ومره‪ .‬وأما التجربة فهو الممارسة اليومية للدين‬ ‫على المستوى النفسي‪ .‬عقيدة غيبية نؤمن بها نحن‬ ‫المسلمين‪ ،‬بأنها كذلك هي في علم الله‪ .‬‬ ‫واليمان إقرار وتجربة‪ .(10‬‬ .‬وهو الذي ورد في الحاديث‬ ‫والثار أنه يبلى ويتجدد ويزيد وينقص؛ لنه مرتبط‬ ‫بالشعور والوجدان‪ .‬وهو مجال )التزكية( الدينية‬ ‫بالمعنى القرآني التربوي‪) :‬ونفس وما سواها فألهما‬ ‫فجورها وتقواها‪ .

‫بل إن قول‪) :‬ل إله إل الله( كما فصلناه في كتابنا‬ ‫)جمالية الدين( إنما مرجعه إلى معنى قلبي وجداني‪.‬نعم قلت‪:‬‬ ‫)الوجداني(؛ لنها ـ ببساطة ـ كذلك وردت في‬ ‫سياقها القرآني الصيل‪..‬ولفظ )الله( فرد في اللغة‪ ،‬فل يجمع‬ ‫ول يتعدد‪.‬‬ ‫ذلك أن شهادة أن ))ل إله إل الله( ـ إذ يقولها العبد‬ ‫مستشعرا دللتها اللطيفة ـ كلمة )قلبية( مدارها على‬ ‫وصف حال‪ ،‬والعتراف بذوق صفات الكمال والجلل!‬ ‫إنها تعبير عن الخضوع الوجداني التام لله‪ .‬السم الجامع لكل السماء الحسنى والصفات‬ ‫اللهية العلى‪ .‬إلخ‪ .‬إنها علقة‬ ‫المتلء الوجداني‪ ،‬الذي يفيض به قلب العبد المعبر‬ ‫بها حقا وصدقا!‬ ‫ذلك أن كلمة )إله( في أصل الستعمال اللغوي كلمة‬ ‫قلبية‪ ،‬وجدانية‪ ،‬كما ذكرنا‪ .‬يحبس في الخيمة وتترك‬ ‫أمه في المرعى‪ ،‬حتى إذا طال به الحال ذكر أمه؛‬ ‫وأخذه الشوق والحنين إليها ـ وهو حديث عهد‬ .‬وحقيقة تلك‬ ‫العلقة هي ما يهمنا في هذا البحث‪ ..‬أصلها قول العرب‪) :‬أل ر َف‬ ‫أ َفَفلهًا( إذا ناح شوقا إلى أمه‪ .‬أعني أنها لفظ من‬ ‫اللفاظ الدالة على أحوال القلب‪ ،‬كالحب‪ ،‬والبغض‪،‬‬ ‫والفرح‪ ،‬والحزن‪ ،‬والسى‪ ،‬والشوق‪ ،‬والرغبة‪،‬‬ ‫ت‬ ‫ه الفصي ر‬ ‫ل ي َفأَفله‬ ‫والرهبة‪ .‬تقومان بدور البناء والتركيب اللغوي؛‬ ‫للنفي والثبات‪ ،‬الذي يربط نوع العلقة في قلب‬ ‫المؤمن بين الصفة‪) :‬إله( والسم‪) :‬الله(‪ .‬‬ ‫ولو تأملت هذه العبارة في اللغة‪ ،‬لوجدتها تقوم على‬ ‫لفظين أساسين‪ ،‬هما مدار السلم كله‪) :‬الله(‬ ‫و)الله(‪.‬‬ ‫فأما )الله( فهو لفظ الجلل‪ ،‬السم العلم على الذات‬ ‫اللهية‪ .‬والفصيل‪ :‬ابن الناقة إذا‬ ‫فطم‪ ،‬وفصل عن الرضاع‪ .‬‬ ‫وأما )الله( فهو لفظ وصف‪ ،‬يدل على معنى شعوري‬ ‫قلبي؛ ولذلك فهو يتعدد‪ ،‬إذ يجمع على )آلهة(‪ .‬وأما‬ ‫باقي العبارات في )ل إله إل الله( فهي )ل( النافية‪،‬‬ ‫و)إل( الحاصرة‪ .

‬يقال‪ :‬وَفل َفهَف ت‬ ‫فهي ت َفل ر ر‬ ‫ه‪ :‬إذا اشتد وجدها على ولدها‪.‬‬ ‫ت إليه ت َفل ر ر‬ ‫ه إليه‪ ..‬إذ‬ ‫على فلن اشتد جزعي عليه! مثل وَفل رهت ر‬ ‫)الله( في هذا السياق اللغوي هو‪ :‬ما يمل القلب‪،‬‬ ‫ويأخذ بمجامع الوجدان؛ إلى درجة النقياد له‬ ‫والخضوع! قال عز وجل‪) :‬أفرأيت من اتخذ إلهه‬ ‫هواه()الجاثية‪.‬وأصله ورله ي َفوتَفله ولها‪ ..‬تفرد سبحانه بهذا السم‪،‬‬ ‫ل يشركه فيه غيره‪ .‬وإذا قلت‪:‬‬ ‫ه‬ ‫)الله(؛ لم ينطلق إل عليه سبحانه وتعالى )‪ (..‬‬ ‫ن يأله‪ :‬ع َفَفبد )‪(.‬‬ ‫وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد‪ ،‬أو‬ ‫الحزن‪ ،‬أو الخوف‪ .‬‬ ‫وناقة وال ر ب‬ ‫وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين‪) :‬أله( و)وله( هو‬ ‫على معان قلبية‪ ،‬ترجع في مجملها إلى التعلق‬ ..‬وقد أل رهت ر‬ ‫ت‪ .‫بالرضاع ـ فناح‪ ،‬وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء!‬ ‫فيقولون‪ :‬أله الفصيل! فأمهه إذن ههنا هي )إلهه(‪،‬‬ ‫ومنه قول الشاعر‪:‬‬ ‫ف **‬ ‫ت إليها والركائب ورقّ ب‬ ‫** أل رهت ر‬ ‫جاء في اللسان‪) :‬اسم )الله( ل يجوز فيه )الله( ول‬ ‫يكون إل محذوف الهمزة‪ .(3)((.(22:‬‬ ‫والراجح فعل أن )أله( هو من )وله(؛ لن مدار كل‬ ‫المادتين على معاني القلب؛ فأبدلت من الواو همزة‪.(4‬و)الوله(‪ :‬هو الجنون‬ ‫الحاصل بسبب الحب الشديد‪ ،‬أو الحزن الشديد‪..(5)(..‬والوله‪ :‬ذهاب العقل لفقدان‬ ‫ميله‪ :‬هي التي فقدت ولدها‬ ‫الحبيب )‪] (.‬و[ ناقة ر‬ ‫ه أي تحن إليه )‪(.‬فإذا قيل‪) :‬الله(؛ انطلق على‬ ‫الله سبحانه وعلى ما يعبد من الصنام‪ .‬ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء‪:‬‬ ‫الله محبوب الشياء كلها()‪ .‬‬ ‫يقال‪ :‬امرأة ولوه‪ :‬إذا أحبت حتى جنت‪ ،‬أو إذا ثكلت؛‬ ‫فحزنت حتى جنت! قال ابن منظور‪) :‬الوله‪ :‬الحزن‪.‬‬ ‫قال الراغب الصفهاني‪) :‬أَفله فل ب‬ ‫وقيل‪ :‬أصله روله فأبدل من الواو همزة‪ ،‬وتسميته‬ ‫بذلك؛ لكون كل مخلوق والها نحوه‪ ،‬إما بالتسخير‬ ‫فقط كالجمادات والحيوانات‪ ،‬وإما بالتسخير والرادة‬ ‫كبعض الناس‪ ..‬وأل ر َف‬ ‫ت‬ ‫َف‬ ‫ت‬ ‫يأَفله ألها‪ :‬إذا تحير‪ ..

‬فيكون قول المؤمن‪) :‬ل إله‬ ‫إل الله( تعبيرا عما يجده في قلبه من تعلق بربه‬ ‫تعالى‪ .‬أي‪ :‬ل محبوب إل الله‪ ،‬ول مرهوب إل الله‪،‬‬ ‫ول يمل عليه عمارة قلبه وجدا إل الله‪ .‬‬ ‫هذا معطى أساس لفهم )النفسية الغالية في الدين(‪.‬ومن هنا كانت شهادة‬ ‫)أل إله إل الله( من اللطافة بمكان‪ ،‬بحيث ل تدرك‬ ‫على تمام حقيقتها إل ذوقا!()‪ (6‬ولو تتبعت الممارسة‬ ‫الدينية في سائر تفاصيل السلم؛ لوجدتها جميعها‪،‬‬ ‫وبدون استثناء ـ بما فيها القتال في سبيل الله ـ‬ ‫عمل )وجدانيا(! وقد فصلنا هذا في الكتاب المذكور‬ ‫تفصيل‪ ،‬ل يبقى معه مجال للشك في الطبيعة‬ ‫الوجدانية للتدين‪ ،‬فراجعه هناك إن شئت‪.‫الوجداني والمتلء بالحب‪ .(249:‬تماما كما أن مقدارا‬ ‫معينا من )الجبن( ضروري للنسان كي يعيش؛ وإل‬ ‫مد يده لي ثعبان سام؛ فلدغه فمات! فالدين يعتمد‬ ‫)قدرا( معينا من التوجيه العاطفي الوجداني‬ ‫للمتدينين؛ قصد النخراط بصورة إيجابية في العمل‬ ‫الديني‪.‬‬ ‫وهذا أمر ضروري للدين وللحياة! فلول العامل‬ ‫الوجداني في الدين لما استجاب أحد للقتال في‬ ‫سبيل الله‪ ،‬ولما غامر أحد بالدفاع عن وطنه‬ ‫وعرضه! قال عز وجل‪) :‬ولول دفاع الله الناس‬ ‫بعضهم ببعض لفسدت الرض ولكن الله ذو فضل‬ ‫على العالمين()البقرة‪ .‬‬ ‫وبإغفاله يتم إغفال المجهر الحقيقي‪ ،‬الذي به يتم‬ .‬إنه أشبه ما‬ ‫يكون بذلك الفصيل الصغير‪ ،‬الذي ناح شوقا إلى‬ ‫أمه‪ ،‬إذ أحس بألم الفراق‪ ،‬ووحشة البعد! إن المسلم‬ ‫إذ )يشهد( أل إله إل الله‪ ،‬يقر شاهدا على قلبه أنه‬ ‫ل يتعلق إل بالله رغبة ورهبة وشوقا ومحبة‪ .‬وتلك‬ ‫لعمري )شهادة( عظيمة وخطيرة! لنها إقرار واعتراف‬ ‫بشعور‪ ،‬ل يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إل‬ ‫الله‪ ،‬ثم الشاهد نفسه! ومعاني القلب ل تحد‬ ‫بعبارات‪ ،‬ول تحصرها إشارات‪ .

‬من حيث قابلية النفس النسانية‬ ‫للنزوع العاطفي إلى )الغلو(؛ استمدادا للزيادة في‬ ‫اليمان‪.‬ثم استفحلت بعد بأشكال شتى!‬ ‫ففي الحديث الصحيح الذي رواه أنس رضي الله‬ ‫عنه قال‪) :‬جاء ثلثة رهط إلى بيوت أزوا ج النبي‬ ‫صلى يسألون عن عبادة النبي‪ ،‬فلما أخبروا كأنهم‬ ‫تقالوها‪ ،‬وقالوا‪ :‬أين نحن من النبي‪‬؛ وقد غفر له‬ ‫ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم‪ :‬أما أنا‬ ‫فأصلي الليل أبدا‪ ،‬وقال الخر‪ :‬وأنا أصوم الدهر أبدا‬ ‫ول أفطر‪ ،‬وقال الخر‪ :‬وأنا أعتزل النساء فل أتزو ج‬ ‫أبدا‪ .‬وإذن يكون النجراف‬ ‫والنحراف! وإنما مظاهر )الغلو( التي عرفها التصوف‬ ‫في تاريخ السلم من حيث هو تجربة وجدانية‬ ‫بالدرجة الولى؛ راجعة إلى ما قررناه من هذا‬ ‫المعنى‪ .‬فجاء رسول الله‪ ‬إليهم فقال‪) :‬أنتم الذين قلتم‬ ‫كذا وكذا؟ أما والله إني لخشاكم لله وأتقاكم له‪،‬‬ ‫لكني أصوم وأفطر‪ ،‬وأصلي وأرقد‪ ،‬وأتزو ج النساء‪،‬‬ ‫فمن رغب عن سنتي فليس مني!(()‪ (7‬ومثل هذا‬ ‫المعنى في السنة كثير‪.‬‬ ‫فإذا كان )اليمان( من حيث هو أرضية وجدانية‪ ،‬قابلة‬ ‫لظهور الغلو بمجالها؛ فإن ذلك ل يحصل ـ في‬ ‫العادة الغالبة ـ بصورة تلقائية أو عشوائية غير‬ ‫مفسرة؛ إل بوجود أسباب مفجرة لهذا النزوع‪ .‬وبوادر ذلك كانت بادية منذ عهد الصحابة‬ ‫رضوان الله عليهم‪ .‫النظر السليم إلى الظاهرة الدينية عموما‪ ،‬وظاهرة‬ ‫الغلو بصفة خاصة!‬ ‫ذلك أن إطلق العنان للتجربة الوجدانية؛ قد يؤدي‬ ‫إلى تجاوز النصوص‪ ،‬التي هي حدود الله‪ ،‬لضبط‬ ‫فيض الوجدان الديني‪ .‬‬ ‫إذن هذا المعطى أصل مشترك‪ ،‬بين سائر أشكال‬ ‫التدين بإطلق‪ .‬‬ ‫من هنا إذن يجب أن ننطلق في دراسة ظاهرة‬ ‫)الغلو في الدين(‪.‬ذلك‬ ‫أن الدين ـ من حيث هو أحكام شرعية ـ محمي‬ .

‬فالموضوع إذن متشابك جدا‬ ‫ومعقد جدا‪ ،‬لكننا كلما وقفنا على أمر مشترك‬ ‫الدللة نبهنا عليه؛ حتى ل يتم الخلط بين الدعوة‬ ‫السلمية المعاصرة‪ ،‬باعتبارها مظهرا سليما من‬ ‫مظاهر التدين؛ وبين ظاهرة الغلو المرضية‪.‬ولن تجد لسنة الله تبديل()الحزاب‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫نورد إذن أهم علل الغلو الديني في العصر الحديث؛‬ ‫بناء على ما استقرأناه عبر ملحظاتنا الشخصية‪ ،‬من‬ ‫خلل تجربتنا المتواضعة في صفوف الحركة‬ ‫السلمية‪ ،‬لكثر من عشرين سنة‪ .‬وإن كان له صلة به من وجه‪.‬‬ ‫لكن السباب والعلل الضاغطة‪ ،‬قد تولد ظواهر غير‬ ‫مرغوبة لهذا التصور أو ذاك‪ .‫كما بينا بنصوص قطعية الدللة والثبوت في منع‬ ‫الغلو والتحذير منه‪.‬ول ظاهرة اجتماعية أو‬ ‫إنسانية إل ومن ورائها أسباب‪) .‬فهذا موضوع آخر تماما‪ ،‬وأشمل‬ ‫بكثير مما نحن فيه‪ .‬وأنا أعترف أنها‬ ‫مدة قليلة جدا بالنسبة لدارس في هذا الموضوع‪.‬‬ ‫لكن لبد قبل البدء من تقرير أمر هام‪ .‬‬ ‫ولكننا ندرس الموضوع من خلل مصادر أخرى‪،‬‬ ‫)وثائقية(‪ ،‬للحركة السلمية‪ ،‬ومن خلل احتكاكنا‬ .‬سنة الله في الذين‬ ‫خلوا من قبل‪ .(62‬‬ ‫ونحن إذ نحاول أن نستعرض )علل( الغلو في الدين‪،‬‬ ‫لدى بعض السلميين اليوم‪ ،‬فإنما نقوم برصد‬ ‫تطورات الواقع الذي كان له أثر نفسي على‬ ‫)الوجدان اليماني( الحساس! إن إثارة العاطفة‬ ‫الوجدانية‪ ،‬والشعور اليماني‪ ،‬أمر يؤدي إلى‬ ‫اشتعالهما والتهابهما! وإذ ذاك فل ضمانة أل يشتط‬ ‫التدين في متاهات الغلو؛ استجابة للفاعل المؤثر من‬ ‫هذه العلة أو تلك‪.‬‬ ‫لكننا قد نقرر بعض تلك السباب التاريخية؛ لكونها‬ ‫تطورت بصورة ما‪ ،‬إلى أن صارت علة من علل‬ ‫)الغلو في الدين(‪ .‬وهو أننا هنا‬ ‫ل نؤرخ لسباب ظهور الحركة السلمية من حيث‬ ‫هي حركة دعوية‪ .

‬‬ .‬وكان أبرزها أثرا هزيمة ‪1967‬م‪ ،‬ثم إحراق‬ ‫المسجد القصى سنة‪1969:‬م‪ .‬ثم‬ ‫من خلل ما نقلناه )سماعا صحيحا(‪ ،‬من شهادات‬ ‫الرواد المؤسسين للدعوة السلمية‪ ،‬بهذا المكان أو‬ ‫ذاك‪ .‬بل تعدى المر إلى الإتيان بهم من جبهات‬ ‫القتال‪ ،‬واللقاء بهم في السجون! شاع هذا المر‬ ‫أيضا وكان له أثر سلبي على القريب والبعيد‪ .‫بتجارب مختلفة‪ ،‬لهذه الحركة أو تلك‪ ،‬داخل المغرب‬ ‫وخارجه‪ ،‬وقراءاتنا لما وصل أيدينا من مذكرات‬ ‫الدعاة السلميين في العالم العربي والسلمي‪ .‬‬ ‫قلت‪ :‬أحسب أن )أهم( علل الغلو الديني ـ ول نقطع‬ ‫بعدم وجود غيرها ـ في العصر الحديث هي كما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ نفسية رد الفعل على تأسيس الدولة العبرية‬ ‫بفلسطين‪ ،‬ثم الهزائم العسكرية للدول العربية في‬ ‫مواجهتها‪ .‬نذكره حين نذكره بسنده في محله إن شاء‬ ‫الله‪.‬ولعل هذا الثر كان‬ ‫عاما في العالم السلمي لما للقدس من قداسة‬ ‫في السلم‪ .‬حتى إن المغاربة ـ وهم أبعد المواقع‬ ‫جغرافيا عما يسمى بدول المواجهة ـ قد ارتجوا‬ ‫لحد ث الحراق ارتجاجا! وقد )حدثنا( أستاذنا الدكتور‬ ‫الشاهد البوشيخي حفظه الله‪ ،‬أنه قد شاع بين‬ ‫المغاربة حينها أن الناس لن يتمكنوا من الحج بعدها!‬ ‫ظنا منهم أن المد الستعماري الصهيوني سيقطع‬ ‫طريق الحج بالحتلل‪ .‬فكان لذلك أثر في نشأة‬ ‫الجمعيات الحركية السلمية بالمغرب‪ ،‬وإذكاء حماس‬ ‫ما قد نشأ منها في تلك المرحلة‪.‬وبدأ‬ ‫يهيء النفس لرد فعل ما‪.‬‬ ‫إل أن الغلو لم يكن لينشأ بين الناس بعد؛ لول‬ ‫تقاعس النظمة العربية الحاكمة آنئذ عن إعلن‬ ‫الجهاد‪ .‬بل قد شاعت خيانة بعض الحكام‪ ،‬ومنعهم‬ ‫للمتطوعين من الشعب أن يقاتلوا الستعمار‬ ‫الصهيوني‪ .

‬فمن الخطأ‬ ‫الشنيع فصل علقة التأثير والتأثر بين البلدان العربية‬ ‫والسلمية عموما‪ ،‬كلما تعلق المر بالشأن الديني!‬ ‫فالذين يعتقدون أن )إسلم المغرب( ل علقة له‬ ‫)بإسلم أفغانستان( مثل هم واهمون! ولنا في ذلك‬ ‫أدلة واقعية وتجارب مشاهدة!‬ ‫فقد حدثنا أستاذنا الفقيه المالكي‪ ،‬عالم القرويين‬ ‫الكبير‪ ،‬الستاذ الحا ج عبد الكريم الدوادي رحمه الله‬ ‫أنه كان من الذين وقعوا على العريضة التي رفعت‬ ‫إلى الرئيس جمال عبد الناصر؛ للغاء الحكم بالعدام‬ ‫في حق الستاذ سيد قطب رحمه الله‪ .‬فقال‬ ‫مما قال‪) :‬أصابتنا قطرة من قطرات دماء سيد‬ .‬ثم إعدام الستاذ المفسر الشهيد سيد‬ ‫قطب‪ ،‬رحمهم الله أجمعين‪.‬أي )عنف الدولة( أو‬ ‫)إرهاب الدولة( في معالجة قضية الحركات السلمية‪،‬‬ ‫ببعض البلد العربية‪ .‬وكان الزعيم‬ ‫المغربي الستاذ علل الفاسي رحمه الله من وراء‬ ‫جمع التوقيعات على العريضة‪ .‬بدءا باغتيال المام الشهيد حسن‬ ‫البنا‪ ،‬وإعدام الستاذ الشهيد عبد القادر عودة‪،‬‬ ‫صاحب كتاب التشريع الجنائي في السلم‪ ،‬ورفاقه‬ ‫المجاهدين‪ .‬ولما كان قدر الله‬ ‫أسبق بالشهادة ارتج الناس بالمغرب! ولقد حدثنا‬ ‫أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله أن‬ ‫ذلك كان له أثر كبير إلى جانب إحراق المسجد‬ ‫القصى في إلهاب الحماس للعمل السلمي‬ ‫بالمغرب عموما! فكيف إذن تريد أن يكون عمل‬ ‫إسلمي كان فيه نوع من رد الفعل عن حاد ث‬ ‫)إعدام(؟!‬ ‫ولقد سمعت الستاذ عبد الفتاح مورو ـ الرجل‬ ‫الثاني )سابقا( في حركة النهضة التونسية ـ يتحد ث‬ ‫عن أسباب نشأة الحركة السلمية في تونس‪ .‬‬ ‫ورغم أن كل ذلك كان بمصر؛ فإنه ل يعني أن ل‬ ‫علقة له بسائر البلد العربية والسلمية‪ .‫‪ 2‬ـ الظلم السياسي الدموي‪ ،‬الذي مارسته النظمة‬ ‫الحاكمة المستبدة‪ ،‬على الدعاة‪ .

‫قطب رحمه الله!()‪ (8‬وكذلك عبر الستاذ عبد رب‬ ‫الرسول سياف القائد السبق للجهاد الفغاني بنفس‬ ‫المعنى!)‪(9‬‬ ‫إضافة إلى ذلك فقد أدى إعدام سيد قطب إلى‬ ‫نشر سائر مؤلفاته في كل مكان بالعالم! عربية‬ ‫ومترجمة‪ ،‬بدءا باللغات الروبية الكبيرة النجليزية‬ ‫والفرنسية‪ .‬بل لقد )بلغني( ـ على حد‬ ‫تعبير المام مالك رحمه الله ـ أن من القيادات من‬ ‫كان يفكر في إشعال الثورة بالمغرب!‬ ‫‪ 3‬ـ ظلم النظام العالمي )المريكي( للشعوب‬ ‫السلمية‪ :‬خاصة بعد أحدا ث نيويورك الشهيرة‪) :‬‬ ‫‪11‬شتنبر‪2002‬م(‪ ،‬حيث دشنت أمريكا مرحلة جديدة‬ ‫من حربها للعالم السلمي‪ ،‬فانتقلت من أسلوب‬ ‫المناولة والوكالة‪ ،‬إلى أسلوب المباشرة والغزو‪،‬‬ ‫والمبادرات العشوائية‪ .‬واستضعاف النظمة العربية‬ ‫ذاتها إلى جانب شعوبها؛ فتولت بنفسها وظيفة‬ ‫التدمير للبلد والعباد‪ ،‬في أكثر من قطر إسلمي‪..‬إلى اللغات الشرقية من تركية وغيرها؛‬ ‫حتى لغة )المليو( بأندنوسيا وماليزيا! ولقد أدى ذلك‬ ‫إلى قراءات خاطئة لهذه المؤلفات‪ .‬ففضل عن كونها‬ ‫ل تخلو من نفسية )العتقال التعسفي الظالم( كما‬ ‫بيناه قبل‪ ،‬فإن نصوصا عدة مما كتبه رحمه الله قد‬ ‫فهمت على غير مراده! منها مثل مفهوم )العزلة‬ ‫الشعورية( التي تحد ث عنها في فصل )جيل قرآني‬ ‫فريد(‪ ،‬من كتابه )معالم في الطريق( الذي كان ـ‬ ‫في مرحلة من المراحل ـ دستور العمل السلمي‬ ‫في أغلب دول العالم! فكان أن تطور المفهوم‬ ‫المذكور إلى القول بـ)التكفير والهجرة(!‬ ‫ومن المثلة الغريبة على ترابط الشأن السلمي‪ ،‬أن‬ ‫أحدا ث سوريا سنة ‪1982‬م مما كان من صراع‬ ‫النظام السوري مع تنظيم الخوان المسلمين‪،‬‬ ‫بشقيه‪ :‬التنظيم الدولي والطلئع؛ كان له رجع في‬ ‫صفوف الطلبة السلميين بالمغرب‪ ،‬وهم وقتئذ قلئل‬ ‫)مرحلة العمل السري(‪ ..‬‬ .

‬إلخ؛ كانت‬ ‫له ـ وستكون له ـ عواقبه الكبيرة المؤثرة في‬ ‫مسار التاريخ البشري‪ .‬هكذا بل مقدمات ول ممهدات! ثم‬ ‫على ذلك يبني نظرية الثورة و)ديكتاتورية‬ ‫البروليتاريا(!‬ ‫ولقد وصلت شخصيا إلى مرحلة الطلب بالجامعة‬ ‫المغربية سنة‪1981 :‬م‪ ،‬وهي في أو ج إلحاديتها!‬ ..‬رغم الملبسات السياسية‬ ‫المختلفة بين هذا البلد أو ذاك‪ .‫وليس خافيا أن الظلم يولد رد الفعل الشديد ولو‬ ‫على مدى بعيد! وما أحسب أن )أدولف هتلر( وفكره‬ ‫)النازي( إل وليد الستضعاف والتقسيم الذي مورس‬ ‫على ألمانيا من قبل!‬ ‫وإن التذبيح الذي يمارسه العالم الغربي الروبي‬ ‫والمريكي‪/‬الصهيوني على المسلمين في العالم‪،‬‬ ‫بصورة مباشرة أو غير مباشرة‪ ،‬كما في فلسطين‪،‬‬ ‫وأفغانستان‪ ،‬والعراق‪ ،‬والسودان‪ ،‬وليبيا‪ ،‬والصومال‪،‬‬ ‫والبوسنة والهرسك‪ ،‬وألبانيا‪ ،‬والشيشان‪.‬ولكن الناس ل يعرفون إل‬ ‫شيئا واحدا‪ :‬هو أن الغرب ـ )أمريكا وأروبا واليهود( ـ‬ ‫يقتّل المسلمين! ويقصف كل من لم يرضخ لنزواته‬ ‫الستعمارية‪ ،‬وتطرفه العقدي! ورغم أن للمسلمين‬ ‫الحق في الدفاع عن أنفسهم‪ ،‬أو الحتفاظ بحق الرد‬ ‫في الوقت المناسب؛ إل أن ذلك ـ داخليا ـ من أكبر‬ ‫المغذيات للتجاهات الغالية أيضا‪ ،‬في التعامل مع‬ ‫القضايا المحلية‪ ،‬وعملية الصلح الجتماعي‪ ،‬في‬ ‫البلدان السلمية والعربية‪...‬‬ ‫‪ 4‬ـ رد الفعل المنافس للمد الماركسي‪:‬‬ ‫كان انطلق الماركسية في العالم السلمي؛ انطلقا‬ ‫)أيديولوجيا( متحمسا محموما‪ .(10‬وإني أذكر جيدا وأنا في‬ ‫مرحلة الطفولة‪ ،‬كيف أن أحد المعلمين من أهل‬ ‫قريتنا بالجنوب؛ جاء يبشر بأن الله ـ سبحانه وتعالى‬ ‫ـ غير موجود!‪ .‬لم يكن يراعي ل‬ ‫حرمات‪ ،‬ول مقدسات‪ ،‬ول حتى أولويات! على رأي‬ ‫الدكتور حسن حنفي)‪ .‬فشأن العراق مثل‬ ‫هو غير شأن البوسنة‪ .

‬وذلك أن‬ ‫الحتكاك الذي حصل بين الثوريين الماركسيين‬ ‫والثوريين السلميين أدى إلى نوع من الرغبة في‬ ‫)التجاوز( للماركسية‪ ،‬في سبقها إلى ما كان يبدو‬ ‫ساعتها )إيجابية ثورية( وهو رفض النظمة الملكية‬ ‫الحاكمة‪ .‬فكان القول بالتكفير لكل النظمة والحكم‬ ‫عليها بـ)الردة(؛ تحقيقا لنوع من السبق‪ ،‬للفكر‬ ‫الثوري الماركسي‪ ،‬الذي ل يملك أن يكفر‪ ،‬ول أن‬ ‫يجد مرتدا! بل صارت الماركسية مساوية للنظمة‬ ‫الحاكمة في )جاهليتها(!‬ ‫ولقد كان القطاع الطلبي بالجامعة ميدانا واضحا‬ ‫للتنافس )اليديولوجي( السافر‪ ،‬فخطباء السلميين‬ ‫من الطلبة خاصة‪ ،‬ل يستطيعون أن ينكروا أن‬ ‫الرغبة النفسية في تحدي )الرفض( اليساري‪ ،‬كانت‬ .‫والسلميون حينئذ قلة قليلة جدا يخافون أن‬ ‫يتخطفهم الناس! كان التحدي الماركسي مستفزا‬ ‫وصارخا! فكثير من الطلبة )الرفاق( يجهرون بالفطار‬ ‫عمدا نهار رمضان! على مرأى جميع الطلبة بالحياء‬ ‫الجامعية! وكذلك كان حال بعض الساتذة الجامعيين‬ ‫مع السف!‬ ‫لم يكن حينها أحد يجرؤ على النطق بـ)بسم الله‬ ‫الرحمن الرحيم( بأي مرفق من مرافق الحرم‬ ‫الجامعي! وعندما غامر مجموعة من الطلبة‬ ‫السلميين‪ ،‬في أواخر السبعينات من القرن العشرين‬ ‫الميلدي ـ وهم ساعتها في مرحلة العمل السري ـ‬ ‫بإعلن الذان بالحرم الجامعي بمدينة فاس المغربية؛‬ ‫صارت قنينات الخمر وأعقاب السجائر تتساقط على‬ ‫المؤذن‪ ،‬من الطوابق العليا للحي الجامعي!‬ ‫كان ذلك إيذانا للعد العكسي لحركة الماركسية‬ ‫بالمجتمع المغربي! وبداية للمد السلمي! ومن هنا لم‬ ‫تستطع البداية السلمية أن تتخلص من نفسية رد‬ ‫الفعل ضد الماركسية الملحدة الثائرة!‬ ‫وكان لذلك عليها أثر نفسي هو‪:‬‬ ‫النفسية الثورية التكفيرية ضد النظمة‪ .

‬بل‬ ‫أعلم أن بعض المفكرين )اليساريين( ونشطاء بعض‬ ‫الحزاب الماركسية اللينينية؛ قد تحولوا إلى التجاه‬ .‬فإذا بأصحاب العمائم الذين كانوا‬ ‫إلى المس القريب يعتقد أنهم جملة من الدراويش؛‬ ‫يديرون جزءا من السياسة العالمية بدهاء فائق!‬ ‫وإذا بالهتمام العالمي والمريكي خاصة يتحول إلى‬ ‫دراسة هذا النموذ ج‪ :‬إسلم الحركات السلمية عامة‪،‬‬ ‫والسلم الشيعي خاصة! فكان أن توالد في هذه‬ ‫المرحلة عدد من المصطلحات السياسية‬ ‫واليديولوجية؛ لوصف )الدعوة السلمية(؛ فكانت‪:‬‬ ‫)الصولية(‪ ،‬وكان )السلم السياسي(‪ ،‬و)التطرف(‪،‬‬ ‫و)الظلمية(!‪...‬إلخ‪ .‬مما يرجع حينا ـ لدى بعض‬ ‫الدارسين ـ إلى إشكال علمي اصطلحي‪ ،‬ولدى‬ ‫آخرين إلى رغبة أيديولوجية سافرة في إدانة‬ ‫السلم‪ ،‬ليس إل!‬ ‫لكن التحدي اليراني للسياسة المريكية من جهة‪،‬‬ ‫وظهور حزب الله فيما بعد على الساحة اللبنانية من‬ ‫جهة ثانية‪ ،‬كأداة فاعلة بقوة في الشأن السياسي‬ ‫بالمنطقة العربية؛ وما سببه من قلق فعلي للدولة‬ ‫العبرية؛ كل ذلك كان في صالح فلسفة الرفض‬ ‫السلمي‪ .‬رغم تعدد التجاهات واختلف مواقعها‪ .‫تصنع جزءا من فلسفة الرفض السلمي! وعليه؛ فقد‬ ‫تعمق استمرار التقسيم )المانوي( للناس بين )رافض(‬ ‫للنظام‪ ،‬و)عميل( للنظام! تقسيم كان إلى تقليد‬ ‫النزعة اليسارية أقرب منه إلى موقف إسلمي‬ ‫مدروس!‬ ‫‪ 5‬ـ التأثر بالفكر الشيعي )الثورة اليرانية أول‪،‬‬ ‫وحزب الله اللبناني فيما بعد(‪ :‬فقد كان للثورة‬ ‫اليرانية )‪1979‬م( أثر كبير على الحركات السلمية‬ ‫في العالم! إذ أسقطت نظاما من أعتى النظمة في‬ ‫المنطقة المحمية أمريكيا! وقدمت للعالم نموذجا‬ ‫جديدا من )التدين( على مستوى الدولة‪ ،‬ولغة أخرى‬ ‫في مجال السياسة‪ .

(12‬‬ ‫ومن هنا تعاطفه الكبير مع البكاء الحزين للشيعة‬ ‫الروافض عبر التاريخ‪ ،‬ونقمته الظاهرة على بني أمية‬ ‫الذين كانوا أول من حاد عن مفهوم )الخلفة على‬ ‫منها ج النبوة(‪ ،‬الذي يشكل العمود الساس للرؤية‬ ‫السياسية لدى الستاذ ياسين‪ .‬‬ ‫فقد كتب أحد السلميين التونسيين كتابه ذا العنوان‬ ‫المثير‪) :‬ثم اهتديت!()‪ (11‬أي بعدما تشيع؛ للدللة ـ‬ ‫بمفهوم المخالفة ـ على أنه كان من قبل ـ وهو‬ ‫المسلم السني المالكي ـ )ضال(!‪ .‬والحجة‬ ‫النفسية دائما هي التحدي اليراني للهيمنة المريكية‪،‬‬ ‫والمقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله الشيعي‬ ‫للدولة العبرية‪ ،‬وبالمقابل‪ :‬التخاذل )السني ـ زعموا ـ(‬ ‫المتمثل في الدول العربية عامة!‬ ‫وبالمغرب كان الستاذ عبد السلم ياسين ل يخفي‬ ‫إعجابه البالغ بالثورة اليرانية الشيعية‪ ،‬بل تبنيه‬ ‫لمنهجها العام ومضمونها الفكري إلى درجة التقليد‬ ‫كما سترى‪ .‫السلمي؛ بسبب التأثر النفسي بالثورة اليرانية‪،‬‬ ‫ومعارك حزب الله!‬ ‫إل أنه من المعلوم أن القاسم المشترك بين الرفض‬ ‫الثوري اليراني وحزب الله اللبناني ـ ثم الرفض‬ ‫النظامي السوري فيما بعد ـ هو أنهم جميعا شيعة!‬ ‫وكان لهذا أثر بارز على الفكر السياسي لبعض‬ ‫الحركات السلمية من غير الشيعة‪ ..‬فعلى مستوى‬ ‫الفراد نشطت حركة التشيع خاصة بالمغرب العربي‪..‬ومن هنا أيضا إدانته‬ .‬فيقول بصراحة‪) :‬نرى أن مستقبل السلم‬ ‫رهين باستيعابنا لدرس إيران()‪.‬ثم )اهتدى(!‬ ‫وتشيع عدد من الشباب الذين التحقوا بإيران من‬ ‫هذا البلد العربي أو ذاك‪ ،‬بل صار التشيع نوعا من‬ ‫)الموضة السياسية( التي يثبت بها النسان لنفسه‬ ‫وللخرين نوعا من الوجود‪ ،‬الذي حرم منه سياسيا‬ ‫أو اجتماعيا‪ ،‬أو هما معا؛ حتى إنه يمكنك القول‪ :‬إن‬ ‫المتشيعين الشباب ينطلقون من )الكوجيطو‬ ‫الديكارتي(‪) :‬أنا شيعي إذن أنا موجود!(‪ .

(14‬‬ ‫إدانة صريحة واضحة لهل السنة والجماعة على‬ ‫الجمال فيما ذهبوا إليه من حكم شرعي‪ ،‬كان أقرب‬ ‫إلى الجماع منه إلى رأي مذهبي مجرد‪ ،‬سماه‬ ‫الستاذ ياسين ‪ -‬مع السف ‪) -‬التفافا حول الحاكم(‬ ‫و)خضوعا(!‬ ‫ثم يبين بصراحة سرا من أسرار نجاح الثورة‬ ‫الشيعية بإيران فيقول‪) :‬ثم إن توفيق الله لخوتنا‬ ‫الشيعة أن ربطوا غضب الشعب بمثال حي هو مثال‬ ‫المام الحسين عليه السلم الذي غضب على حكم‬ ‫يزيد الفاسد‪ ،‬وعرفوا كيف يعرضون قضية السلم‬ ‫الن على شاشة الحساسية الشيعية لمأساة كربلء()‬ ‫‪...‬من المسلمين من‬ ‫يرفض‪ ،‬بعينين مغمضتين عن التاريخ وحقائقه وعن‬ ‫الوحي وتعاليمه معا؛ أن يكون قد حد ث انكسار‪ ،‬أو‬ ‫أن يكون الحكم قد فسد‪ .‬‬ ‫ومثل ذلك قوله أيضا‪ :‬يجب )فهم كيف نشأت‬ ‫الصراعات المذهبية بين طوائف الشيعة والرافضين‬ ‫للحكم القائم؛ وبين أهل السنة والجماعة الملتفين‬ ‫حوله)!( لماذا التف هؤلء‪ ،‬ولماذا رفض أولئك؟()‪.‫الواضحة للفكر السياسي السني عبر التاريخ! قال‬ ‫متسائل تساؤل إنكار‪) :‬كيف انحدرت من أجيال أهل‬ ‫السنة تقاليد الرضوخ للحاكم أيا كان؟ منذ النكسار‬ ‫التاريخي‪ ،‬وكيف انحدرت في أجيال الشيعة تقاليد‬ ‫رفض الرضوخ للحاكم؟ )‪ (.‬قال‪) :‬والقومة‬ ‫النموذجية قومة المام الحسين رضي الله عنه()‪.(15‬‬ ‫فكان إذن أن تأثر الستاذ )برمزية( الحسين الثورية‪،‬‬ ‫باعتبارها نموذجا )للقومة( المنشودة‪ ،‬تماما على غرار‬ ‫الفكر الشيعي الرافضي‪ ،‬متمثل في النموذ ج اليراني‬ ‫كما رأيت‪ ،‬والنص منه واضح في هذا‪ .‬والسنة خضعوا والشيعة‬ ‫ثاروا!()‪ (13‬كذا!‪.(16‬‬ ‫ومثل مرة )للقومة( ضد الخلفة السلمية؛ خلفة ما‬ ‫بعد الخلفة الراشدة؛ فقال‪) :‬مثل قومة الحسين بن‬ ‫علي رضي الله عنهما الدموية()‪ ،(17‬على اعتبار أن‬ .

(18‬هكذا حكم ـ بكل سهولة ـ على‬ ‫تاريخ‪ ،‬هو أوغل في الغموض‪ ،‬ولم يزل محط حر ج‬ ‫وخلف بين العلماء عبر الجيال‪ .‬فانطلت الكذبة على‬ ‫الجيال)!(()‪ .‬ولطول ما فصل وكرر من تعاطف مع‬ ‫جد ر أن حاول ـ بعد ـ إخرا ج‬ ‫)المأساة( الشيعية؛ لم ي ر ت‬ ‫بعض فقهاء المصار‪ ،‬بالزعم أن لهم )ميل ومساندة(‬ ‫للقائمين من آل البيت‪ ،‬موظفا ما تعرض له بعض‬ ‫هؤلء الئمة من البتلاء؛ لسباب يرى أنما هي‬ ‫لكونهم اعتبروا بيعة العباسيين غير شرعية! وإنما قال‬ ‫ما قال بعد عرض لئحة للثائرين من آل البيت صدر‬ ‫بها كلمه فقال‪) :‬واجه المام الحسين رضي الله عنه‬ ‫وقاتل‪ ،‬واجه زيد بن علي وقاتل‪ ،‬واجه محمد النفس‬ ‫الزكية‪ ،‬وإدريس أخوه وإبراهيم ويحيى من بعده‬ ‫وقاتلوا‪ .‬وعذب والي‬ ‫المدينة مالكا لما أفتى مالك الناس بأن طلق‬ ‫المكره ل يجوز‪ ،‬وكان المنصور يكره الناس على‬ ‫البيعة‪ ،‬ويحلفهم بطلق أزواجهم إن هم لم يفوا‬ ‫بالبيعة‪ ..(19‬‬ ‫وعلى فرض صحة ما ذهب إليه الستاذ عبد السلم‬ ‫ياسين من تفسير )سياسي‪/‬شيعي( لما وقع للمامين‬ ‫أبي حنيفة ومالك من ابتلء‪ ،‬فإنه يفيد أن الصل هو‬ ‫المذهب الشيعي‪ ،‬وإنما هؤلء الئمة )مساندون( ليس‬ ..‬وما ذلك إل لن مالكا رحمه الله كان يرى‬ ‫أن تلك البيعة فاسدة()‪.‬‬ ‫عذب ابن هبيرة المام أبا حنيفة لما رفض أن يتقلد‬ ‫القضاء لبي جعفر المنصور العباسي؛ لنه يرى في‬ ‫بيعته شيئا‪ ،‬كان يراها غير شرعية‪ ...‬كان هؤلء جميعا من آل البيت‪ ،‬وكان لئمة‬ ‫المسلمين أبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله‬ ‫عنهم ميل‪ ،‬بل مساندة فعلية لهؤلء القائمين )‪(.‬ولكن النبهار بالثورة‬ ‫اليرانية قاده إلى تبني الرواية الشيعية وحدها فقط!‬ ‫فكان لذلك كله أثر بالغ في تلميع صورة النموذ ج‬ ‫اليراني الشيعي‪ ،‬وتسفيه الفكر السياسي السني كما‬ ‫رأيت‪ .‫تسميتها )بالخلفة(‪ ،‬إنما فعله ـ على حد تعبيره ـ‬ ‫))المؤرخون( الرسميون )‪ (.

‫إل! مع أن العلم يحتم إثبات )ميلهم( المزعوم للشيعة‬
‫الروافض بالدليل التاريخي الثابت! فمن أين لنا أن‬
‫مالكا رحمه الله )كان يرى أن تلك البيعة فاسدة(؟‬
‫هذا تأويل بغر دليل‪ .‬وإنما حد ما يفيده النص إبطال‬
‫طلق المكره‪ ،‬وتعليل ذلك بموقف سياسي معين‬
‫يحتا ج إلى برهان‪ .‬خاصة وأنه يتعلق بالحكم على نية‬
‫المفتي‪ ،‬والنية غيب‪ ،‬ل تعلم إل بتعبير صريح من‬
‫صاحبها!‬
‫ثم إن استقراء النصوص الشرعية‪ ،‬والفكر السياسي‬
‫السني ـ كما رأينا في الفصول السابقة ـ وكذا‬
‫الوقائع التاريخية؛ كل ذلك يثبت أن الموقف الذي‬
‫اتخذه علماء السنة من السلطة الموية والعباسية‬
‫حتى العثمانية كان )فقها( ‪ -‬بالمعنى الدقيق للكلمة ‪-‬‬
‫ولم يكن خضوعا ول خنوعا!‬
‫ومن هنا كان فكر الستاذ ياسين الثوري تقليدا‬
‫ظاهرا ـ بشكل إرادي أو لإرادي ـ لنموذ ج الثورة‬
‫اليرانية‪ ،‬حتى في بعض تفاصيلها! قال‪) :‬هذا المام‬
‫الخميني قاد عميلة التنفيذ في إبانها‪ ،‬فكانت قوة‬
‫جند الله قد استكملت العداد‪ ،‬وكان لها من الحجم‬
‫والتغلغل في الشعب ما ضمن لها‪ ،‬بعد توفيق الله‪،‬‬
‫النصر()‪ .(20‬ومن هنا أيضا قرر )أن مستقبل السلم‬
‫رهين باستيعابنا لدرس إيران!()‪ (21‬كذا!‬
‫إن تأثير النموذ ج اليراني في المشروع الياسيني كان‬
‫حاضرا حتى في أدق تفاصيله! من ذلك مثل‬
‫الستشراف التصوري ـ على طريقة )الرأيتية(‬
‫الفقهية! ـ لمستقبل الحزاب السياسية‪ ،‬في )مغرب‬
‫ما بعد القومة(! إن )السيناريو( الذي رسمه هو‬
‫بالضبط المآل الذي آل إليه الحزب الشيوعي‬
‫اليراني بعد الثورة الخمينية! حيث تمت محاكمة‬
‫زعيم الحزب‪ ،‬واعترف بكل ما نسب إليه من تهم‪،‬‬
‫وصرح في التلفزيون اليراني بأنه يستحق أقسى‬
‫العقوبات! وهكذا كان يحاكم نفسه بنفسه؛ على‬
‫القل كما عرضت ذلك وسائل العلم اليرانية! لقد‬

‫كانت الصورة حديثة العهد في ذهني في اليام‬
‫الولى من الثورة الخمينية عندما نشر بعد ذلك‬
‫الستاذ عبد السلم ياسين ـ بمجلة )الجماعة( التي‬
‫كان يصدرها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات‬
‫ـ تصوره لمستقبل الحزاب السياسية بالمغرب بعد‬
‫)القومة(؛ مقلدا بصورة حرفية )سيناريو( حل الحزب‬
‫الشيوعي بإيران!‬
‫قال متسائل ومجيبا في الن نفسه‪) :‬ما مصير‬
‫الحزاب المتعددة بعد القومة؟ أنسمح لكل ناعق أن‬
‫متر الغربان؟‬
‫ص ر‬
‫يستمر في نعيقه؟ أم رن ت‬
‫)‪ (...‬إننا إن أوقفنا بعد القومة كل الحزاب من غيرنا‬
‫ل نربي بذلك الشعب‪ ،‬بل نعطي للخصوم فرصة‬
‫ذهبية ليمكروا في الخفاء‪ ،‬ويترقبوا وقتا يبرزون فيه‬
‫معارضة من تحت‪.‬‬
‫الوسيلة لطفاء الفتيل‪ ،‬وسحب المبادرة منهم‪ :‬هي‬
‫أن نفسح المجال لكل مخالف‪ ،‬ونسمح له أن يقترح‬
‫اقتراحاته حتى يفتضح‪ .‬وأظن أن ماضي الحزاب في‬
‫بلدنا وحده كاف ليفضحها‪ ،‬ويعيبها في عين الشعب‬
‫عيبا ل تلفي له‪ ،‬يوم يكتشف تحت مجهر القومة‬
‫خستها وجرائمها‪ .‬نترك كل زاعم يفضح نفسه‬
‫بنفسه‪(22)(.‬‬
‫إن الثورة اليرانية قد صارت نموذجا جذابا‪ ،‬لكل‬
‫إسلمي يمتلك نفسية صدامية‪ .‬حتى إن المضمون‬
‫العقدي لتلك الثورة ـ رغم ما فيه من انحراف‬
‫خطير‪ ،‬ومناقضة للفكر العقدي السني ـ قد صار‬
‫أقرب إلى وجدان بعض الشباب السلمي في‬
‫المغرب السني! الذي بدأ فعل يدخل ـ ولو جزئيا ـ‬
‫مرحلة القبال على التشيع كعقيدة! وهو الذي كان‬
‫مرفوضا من لدن أهل السنة والجماعة بالمغرب‪،‬‬
‫على امتداد قرون التاريخ السلمي‪ ،‬رغم محاولته‬
‫التاريخية الفاشلة!‬
‫ذ ج( للثورة‬
‫ولقد أسهم انتشار مثل هذا التفكير )المنم ر‬
‫اليرانية؛ في إشاعة التعاطف مع الفكر الشيعي حتى‬

‫على المستوى العقدي كما رأيت‪ ،‬والنتقاص من‬
‫شأن معاوية رضي الله عنه؛ ثم أهل السنة‬
‫والجماعة بعد‪ ،‬بل وصل إلى حد التشكيك في صحيح‬
‫المام البخاري ‪ -‬على عادتهم ‪ -‬والطعن في روايات‬
‫أبي هريرة وجل الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬بل القول‬
‫بردة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما! إلى غير ذلك‬
‫من السفه المراهق الذي عرف في تاريخ الروافض!‬
‫وذلك كله أذكى نار البغض للنظمة الملكية ـ من‬
‫حيث هي ملكية ـ بناء على رؤية سياسية‪ ،‬غذاها‬
‫الحماس للثورة اليرانية‪ ،‬وما لقته من نجاح في‬
‫إسقاط نظام الشاه‪ ،‬وكذا الحماس لحزب الله‬
‫اللبناني‪ ،‬وما كان له من أثر في إرباك قواعد اليهود‬
‫بالجنوب اللبناني‪ .‬وتلك قصة أخرى ليس هذا مجال‬
‫تفصيلها‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ التأثر بالجهاد الفغاني‪ :‬رغم أن الجهاد الفغاني ـ‬
‫في مرحلته الولى ضد الروس ـ قد آل إلى ما آل‬
‫إليه من فشل في إقامة الدولة السلمية‬
‫بأفغانستان؛ لسباب داخلية وخارجية‪ ،‬ليس هنا مجال‬
‫تفصيلها؛ فإن الفكر السلمي الدعوي قد تأثر عالميا‬
‫بهذا النموذ ج‪ .‬وذلك ببروز التجاه السلمي المنادي‬
‫بالحل العسكري في إصلح البلد والعباد! ونشطت‬
‫تنظيمات الجهاد في عدد من الدول العربية‬
‫والسلمية‪ ،‬ومعلوم أن ذلك قد صحبه في بعض‬
‫الحيان تفكير )غال( خطير! إذ لبد ـ من أجل إقناع‬
‫النفس بتقتيل المسلمين من الشعب والدولة ـ من‬
‫أحكام )شرعية( وفتاوى )فقهية(؛ لتغطية هذه‬
‫التصرفات والقتناع بها نفسيا‪ .‬فكان إذن أن تطور‬
‫)الغلو( إلى تكفير كل من رضي بالخنوع تحت ظل‬
‫الدولة )الجاهلية(‪ ،‬ولم )يهاجر(! ولقد أدى هذا الفكر‬
‫إلى اغتيال دعاة إسلميين في بعض البلدان العربية‬
‫بأيدي )المجاهدين(؛ لنهم أفتوا بحرمة قتل الناس‪،‬‬
‫أو امتنعوا من )الهجرة(! ويسهل حينئذ تطبيق )الحكم‬
‫الشرعي( عليهم ـ كما فهموه ـ من قوله تعالى‪:‬‬

‫)والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من‬
‫شيء حتى يهاجروا( النفال‪ ،72:‬ثم قوله سبحانه‪) :‬فل‬
‫تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن‬
‫تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ول تتخذوا‬
‫منهم وليا ول نصيرا(النساء‪ .89:‬بل لقد سمعت ممن‬
‫أثق به أن شيئا مما حد ث في بعض الدول العربية‬
‫من قتل للطفال؛ كان بموجب الية الكريمة التي‬
‫استدل بها الخوار ج من قبل‪) :‬إنك إن تذرهم يضلوا‬
‫عبادك ول يلدوا إل فاجرا كفارا(! نوح‪.29:‬‬
‫نعم‪ ،‬لقد أسهم الجهاد الفغاني فعل في صناعة‬
‫نفسية إيجابية لدى كثير من الناس؛ لكنها ـ مع‬
‫السف ـ صرفت في بعض الحيان في غير التجاه‬
‫الصحيح‪ ،‬وأدت أحيانا أخرى إل غلو شديد‪ ،‬في الفكر‬
‫والممارسة!‬
‫‪ 7‬ـ تدهور الوضعية الجتماعية‪:‬‬
‫مما يكاد يجمع عليه الدارسون أن الوضعية‬
‫الجتماعية للنسان تسهم في صناعة فكره ومواقفه‬
‫السياسية‪ .‬وهذا حق ل مراء فيه‪ .‬لكن البعض قد‬
‫يغالي هو أيضا؛ فيجعل ذلك هو العامل الوحيد‪ ،‬أو ـ‬
‫في أحسن الحوال ـ العامل الرئيس؛ في صناعة‬
‫التوجه السياسي أو الثقافي للنسان‪ .‬وهذا غلو أيضا‬
‫كما قلت‪ ،‬خاصة إذا صيغ بنوع من التعميم غير‬
‫المتحري‪ ،‬والمتحفظ! إل أن ظاهرة )الغلو( تنشط‬
‫غالبا ـ وأقول غالبا ـ في الوساط الجتماعية‬
‫الفقيرة جدا‪ ،‬المهمشة اقتصاديا وسياسيا‪ .‬ولذلك تجد‬
‫فيها التيارات الغالية نوعا من الترويح النفسي‪،‬‬
‫كتعبير لشعوري عن العتزاز بإعلن النتماء لحركة‬
‫رافضة! ثم النخراط في استعراض العضلت‪ ،‬كنوع‬
‫من العل ج النفسي اللشعوري للحساس بالحباط‬
‫والظلم الجتماعي والسياسي‪.‬‬
‫ومن هنا غالبا ما يميل التيار )الغالي( إلى تنظيم‬
‫المظاهرات‪ ،‬أو المشاركة فيها؛ لستعراض العضلت‪،‬‬
‫وإظهار القوة في المسيرات‪ ،‬والمخيمات العددية‬

‫الضخمة‪ ،‬وإطلق التصريحات النارية! ذات الصبغة‬
‫)العلنية( ل )العلمية(! والدخول في منافسات مع‬
‫الحركات الخرى من خلل المزايدة في المسألة‬
‫السياسية‪ ،‬والرغبة في التفرد بالمبادرات الرافضة!‬
‫وتجاوز المستوى النقدي )العادي(‪ ،‬الذي تمارسه‬
‫الحركات السلمية التي تحمل رؤية إصلحية هادئة‪.‬‬
‫كل ذلك سعيا إلى اكتساب نوع من البريق‬
‫الجتماعي‪ ،‬الذي يغري عادة الفئات الجتماعية‬
‫الفقيرة؛ فتتحول النظرية السلمية ـ بغير قصد ـ‬
‫إلى )نظرية ثورية( تسعى إلى تحقيق العدل‬
‫الجتماعي في قضية توزيع الثورة ليس إل‪ .‬فيزداد‬
‫المخلص‬
‫رّ‬
‫الغراء العددي واللتفاف الشعبي حول‬
‫الجتماعي للبلد والعباد‪ .‬ويتضاعف الغلو حينئذ‬
‫ليمارس نوعا من النرجسية والذاتية في تمجيد‬
‫الذات التنظيمية‪ .‬واعتبار الرأي الجتهادي الخاص؛ هو‬
‫الحق الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من‬
‫خلفه‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ الجهل بالسلم‪ ،‬وغياب التوجيه الفقهي للحركات‬
‫السلمية‪:‬‬
‫إن الخطأ التاريخي الذي مارسه بعض العلماء ـ‬
‫بإيعاز في كثير من الحيان من النظمة الحاكمة ـ‬
‫الخطأ المتمثل في النخراط في محاربة شباب‬
‫الصحوة السلمية؛ قد أدى إلى قطيعة بين الصحوة‬
‫السلمية التجديدية الحيائية؛ وعلماء المة! مما نتج‬
‫عنه بناء علقة الشك والرتياب وفقدان الثقة بين‬
‫الطرفين‪ .‬لكن الخاسر في النهاية كان هو مصلحة‬
‫البلد ومشروع الصلح السلمي! إذ تفرغ الشباب‬
‫للدعوة السلمية بل زاد علمي ول توجيه فقهي! ولم‬
‫يعيروا في كثير من الحيان الهتمام إلى فتوى هذا‬
‫الفقيه أو ذاك‪ ،‬باعتبار أنما هو عالم من )علماء‬
‫السلطان(!‬
‫وكان التجرؤ من الشباب المتحمس‪ ،‬على توظيف‬
‫النصوص الشرعية‪ ،‬دون فقهها‪ ،‬ول معرفة مناهج‬

‬ص( رقم‪،(2680:‬‬ ‫والسلسلة الصحيحة‪ ،‬رقم‪.‬‬ ‫)‪ (10‬كان يقول في دروسه التي ألقاها علينا بكلية‬ ‫الداب بفاس في بداية الثمانينات‪) :‬إن الماركسية‬ ‫تقوم بدور جيل لم يأت بعد! وذلك سبب فشلها(‪.‬‬ ‫)‪ (8‬من محاضرة له مسجلة بشريط فيديو‪.‬‬ ‫)‪ (9‬من حوار له قديم بمجلة المجتمع الكويتية‪.1420/1999 :‬‬ ‫)‪ (12‬المنها ج النبوي‪.418:‬‬ ‫)‪ (13‬نظرات في الفقه والتاريخ‪28:‬ـ‪.‬‬ ‫)‪ (7‬رواه البخاري‪.‫تنزيلها‪ ،‬على هذه النازلة أو تلك‪ ،‬وأنى لهم ذلك وهو‬ ‫مما تفنى دونه العمار؟ ويزحف دونه وهن المشيب‬ ‫على نضارة الشباب! وكان استصدار فتاوى ما أنزل‬ ‫الله بها من سلطان! وظفت لتكفير هذا الحاكم أو‬ ‫ذاك‪ .(1283):‬‬ ‫)‪ (3‬لسان العرب‪ :‬مادة )أله(‪.29‬‬ ‫)‪ (14‬نظرات في الفقه والتاريخ‪.‬الفصل الول في جمالية التوحيد‪.419:‬‬ .69:‬‬ ‫)‪ (2‬رواه أحمد‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والحاكم‪،‬‬ ‫وصححه اللباني في )ص‪ .‬ج‪.‬ولقد كان ـ فعل ـ غياب العلماء عن القافلة‬ ‫الدعوية زيادة في وتيرة الغلو فيها‪.‬‬ ‫)‪ (5‬لسان العرب‪ :‬مادة )وله(‪.27:‬‬ ‫)‪ (15‬المنها ج النبوي‪.‬‬ ‫فتأمل!‬ ‫)‪ (11‬كتاب )ثم اهتديت( واحد من كتب المدعو‬ ‫التجاني التونسي‪ ،‬وقد رد عليه الستاذ خالد‬ ‫العسقلني بكتاب واف شاف‪ ،‬عنونه بما يليق‬ ‫بصاحبه حقا‪ ،‬إذ سماه‪) :‬بل ضللت!( نشر دار المل‬ ‫للنشر والتوزيع بالقاهرة‪.‬‬ ‫ــــــــــــــــــــــــــ‬ ‫هوامش المبحث الثاني من الفصل الثالث‪:‬‬ ‫)‪ (1‬الفجور السياسي والحركة السلمية بالمغرب‬ ‫للمؤلف‪.‬‬ ‫)‪ (4‬المفردات في غريب القرآن‪ :‬مادة )أله(‪.‬‬ ‫)‪ (6‬جمالية الدين‪ .

‬‬ .‬الذي أنزله على‬ ‫رسوله الكريم محمد بن عبد الله ليبلغه إلى‬ ‫العالمين‪ .‬فجاءت السنة بيانا لذلك المتن؛ قول‬ ‫وعمل‪ .7:‬‬ ‫نظرات في الفقه والتاريخ‪.‬ذلك أن الرسول‪) ‬كان خلقه‪ :‬القرآن()رواه‬ ‫مسلم(‪ .446:‬‬ ‫نظرات في الفقه والتاريخ‪.‬وأن هذه الرسالة لها متن‪ :‬هو القرآن‬ ‫العظيم‪ ،‬كلم الله رب العالمين‪ .‬‬ ‫الفصل الرابع‪ :‬صنحو بيان قرآصني للدعوة‬ ‫السلمية‪ :‬لماذا؟ وكيف؟‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫جاء وصف )البيان الدعوي( هنا )بالقرآني( على‬ ‫سبيل النسبة إلى القرآن؛ اعتمادا على مبدأ أساس‪،‬‬ ‫مفاده أن السلم كله ـ من حيث هو دين ودعوة ـ‬ ‫إنما مرجعه إلى أنه )رسالة( الله رب العالمين إلى‬ ‫الناس أجمعين‪ .‫)‪(16‬‬ ‫)‪(17‬‬ ‫)‪(18‬‬ ‫)‪(19‬‬ ‫)‪(20‬‬ ‫)‪(21‬‬ ‫)‪(22‬‬ ‫ـــــــ‬ ‫المنها ج النبوي‪.23:‬‬ ‫المنها ج النبوي‪.418:‬‬ ‫المنها ج النبوي‪.‬فالدعوة إذن هي تعريف بالمضامين الكبرى‬ ‫لتلك الرسالة‪ :‬القرآن العظيم‪ ،‬وتجديد القراءة لها‬ ‫تدبرا وتفكرا‪ ،‬وإيمانا وعمل‪.418:‬‬ ‫المنها ج النبوي‪.7:‬‬ ‫نظرات في الفقه والتاريخ‪.‬فالدعوة المحمدية إذن كانت قائمة على‬ ‫تبليغ القرآن‪ .413/414:‬‬ ‫نهاية الفصل الثالث‪.

‬إن‬ ‫)اليمان( الذي تحتاجه المة اليوم ليس إيمان‬ ‫)العتقاد المجرد(‪ .‬والثاني‪ :‬الحاجات الدعوية للبلد‬ ‫والعباد من جهة ثانية‪ ،‬في إطار تجدد الزمان‬ ‫والمكان‪.‬‬ ‫ولكن اليمان الذي هي في أمس الحاجة إليه؛ إنما‬ ‫هو إيمان الشعور بـ)السلمية(‪ ،‬أي الوعي بخصوصية‬ ‫)الهوية( الدينية السلوكية للمجتمع المسلم‪ ،‬على‬ .‬‬ ‫إن المجتمع السلمي اليوم مهدد في عقيدته‪ ،‬ل من‬ ‫حيث هي مبادئ وتصورات؛ ولكن من حيث هي‬ ‫سلوك اجتماعي‪ ،‬يحفظ هويته من الضياع‪ !...‬فهذا ل خوف عليه ول ضرر؛ لن‬ ‫زمن اللحاد ـ كظاهرة سياسية وثقافية ـ قد ولى‪.‬‬ ‫ذلك أن الملحظ المتتبع لنشاط الحركة السلمية‬ ‫يلحظ أنها قد فترت فتورا على المستوى الدعوي‬ ‫العام‪ ..‬لقد استهلكتها أنشطتها الداخلية‪ ،‬ووظائفها‬ ‫الدارية الذاتية‪ ،‬الراجعة إلى مشاكل التسيير لدوائر‬ ‫الحركة‪ ،‬وكذا اهتماماتها السياسية‪ ،‬سواء بالنخراط‬ ‫المشارك‪ ،‬أو بالنخراط الرافض! فكل موقف في‬ ‫السياسة يجر إلى مهمات‪ ،‬وتبعات‪ ،‬وانشغالت جدلية‬ ‫وإعلمية ل تنتهي!‬ ‫ومن هنا قلنا عند حديثنا عن الحركة السلمية‬ ‫بالمغرب‪) :‬إن مشكلة الحركة السلمية بالمغرب هي‬ ‫كونها قد استدرجت فعل لتلعب خار ج حلبة الصراع!‬ ‫وهي تعتقد أنها في صلب الحلبة تعارك وتبارز! إن‬ ‫الختيار بين المواجهة السياسية والتصعيد الرافض‬ ‫من جهة؛ وبين المشاركة السياسية النقدية من جهة‬ ‫أخرى؛ ليس هو الكفيل بوضع الحركة السلمية على‬ ‫سكة الطريق!)‪ (.‫ومن هنا فإنه لصياغة بيان قرآني للدعوة السلمية؛‬ ‫لبد من محاولة رصد أمرين‪ ،‬الول‪ :‬الطبيعة القرآنية‬ ‫للدعوة السلمية من جهة‪ ،‬وهو ما سيأتي مفصل‬ ‫بأدلته بحول الله‪ .‬فإذن؛ بؤرة الصراع هي )تدين‬ ‫المجتمع(‪ ،‬بما لكلمة )مجتمع( من معنى شمولي‪،‬‬ ‫بشريا ومؤسسيا‪(1)(.

‬وذلك بأن )تتخندق( مع التدين من حيث هو‬ ‫تدين‪ ،‬وتحارب من خلل الشعب ل من خلل ذاتها‪،‬‬ ‫كما تفعل بعض التنظيمات ذات النزعة الستعراضية!‬ ‫إن دخول المعركة بشكل تنظيمي انفرادي لشعبي؛‬ ‫يعني فرض العزلة الذاتية على التنظيم‪ ،‬اجتماعيا‬ ‫ومؤسسيا! فتخسر )الدعوة السلمية( بذلك المعركة!‬ ‫خطأ كبير قاتل؛ أن تعرض الحركة السلمية )التدين(‬ ‫للناس على أنه )جماعة كذا أو كذا(! إن ذلك يعني‬ ‫شيئا واحدا‪ :‬هو أن المنخرطين والمتعاطفين إنما‬ ‫ينخرطون ويتعاطفون؛ لخدمة )قضية الحركة( من‬ ‫حيث هي اجتهاد معين‪ ،‬أكثر من كونهم ينخرطون‬ ‫لخدمة )قضية السلم( و)الهوية الدينية( للمجتمع!‬ ‫وذلك انحراف آخر عن المعركة الحقيقية‪ ،‬وشرود‬ ‫خار ج حلبة الصراع )العولمي( الجديد!‬ ‫إني أحسب أن كثيرا من التنظيمات السلمية‬ ‫الحديثة تضرب في التيه!‬ ‫إننا باختصار في حاجة إلى )بعثة إسلمية جديدة(!‬ ‫)بعثة(!‪ .‬وإنما يمكن لها أن تواجهها‬ ‫فعل إن أدركت طبيعة المعركة وموقعها هي منها‬ ‫بالضبط‪ ..‫المستوى الفردي والمؤسسي‪ .‬إننا في حاجة جديدة‬ ‫إلى إعادة وضع السؤال‪ ،‬الذي وضعه الستاذ فتحي‬ ‫يكن‪ ،‬عنوانا لكتابه المشهور في الدبيات الدعوية‪:‬‬ ‫)ماذا يعني انتمائي للسلم؟(‬ ‫إن )ماذا يعني انتمائي للسلم؟( يجب أن يطرح‬ ‫اليوم بمفهوم أوسع‪ ،‬ومضمون أعمق‪ .‬يقوم أساسا‬ ‫على بعث شعور ديني شامل؛ وإحساس بالرغبة‬ ‫الجتماعية التلقائية في التدين‪ ،‬من غير تقييد‬ ‫بالضرورة بإطار تنظيمي ضيق!‬ ‫إن )العولمة( الشاملة لن تواجهها تنظيمات محدودة‬ ‫في المجتمع كما وكيفا! وإن كانت تقوم بدور قيادي‬ ‫توجيهي على الجمال‪ .‬هكذا! بما لهذا المصطلح من إيحاءات قرآنية‬ ‫وسنية! مما يستفاد من قول الله عز وجل‪) :‬هو الذي‬ ‫بعث في الميين رسول منهم يتلو عليهم آياته‬ .

.‬ومن هنا ارتبطت الدللة‬ ‫البعثية؛ بالحيائية في القرآن الكريم والسنة النبوية‪.‬من )يجدد( لها‬ ‫)دينها(!( إن ما وضعناه بين قوسين من‬ ‫المصطلحات الرئيسية في هذا الحديث؛ يتضمن‬ ‫مفاهيم أساسية في فهم العمل الديني‪ ،‬من حيث‬ ‫هو )دعوة(‪ .‫ويزكيهم‪ ،‬ويعلمهم الكتاب والحكمة‪ ،‬وإن كانوا من‬ ‫قبل لفي ضلل مبين()الجمعة‪ (2:‬وقوله سبحانه‪) :‬فَفإ رَفذا‬ ‫ت‬ ‫ي ر‬ ‫ر‬ ‫س َف‬ ‫ديد‬ ‫م ر‬ ‫ش ر‬ ‫َف‬ ‫ما ب َفعَفث تَفنا ع َفل َفي تك ر ت‬ ‫جاء وَفع تد ر أولهر َف‬ ‫عَفباًدا لَفنا أوترلي ب َفأ س‬ ‫س(الية )السراء‪ ،(5:‬وكذا قول النبي‪) :‬إن الله تعالى‬ ‫يبعث لهذه المة على رأس كل مائة سنة من يجدد‬ ‫لها دينها!()‪(2‬‬ ‫إن مفهوم )البعث( ـ إلى جانب دللته على الرسال‬ ‫ـ دال على )إحياء( الموات‪ .‬يدعو الدعاة بموجبها إلى تجديد إيماني‬ ‫شامل‪ ،‬من خلل )النتصاب( للمامة الدعوية‪ ،‬على‬ ‫حد تعبير المام أبي إسحاق الشاطبي‪ .‬كما في قوله‬ ‫رحمه الله‪) :‬واجب على العالم المجتهد النتصاب‪،‬‬ ‫والفتوى على الطلق()‪ .‬فالولى هي‪ :‬عملية تجديد‬ .‬ولكن المعنى‬ ‫الصيل قائم أساسا؛ على معنى )البعثة( للمة! )إن‬ ‫الله تعالى )يبعث( لهذه )المة( )‪ (.‬‬ ‫وعليه؛ فإنه يمكن تحديد الملمح العامة للمشروع‬ ‫الدعوي السلمي ـ من حيث هو )بعث( أو )إحياء( ـ‬ ‫في العناصر التالية‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬تجديد البعثة والمضمون‬ ‫)الوجودي( للدين‪:‬‬ ‫إن )تجديد( الدين‪ ،‬الذي تحد ث عنه النبي‪‬؛ إنما هو‬ ‫راجع إلى تجديد الوجدان الديني لدى المسلمين‪،‬‬ ‫أكثر مما هو راجع إلى تجديد قضاياه‪ ،‬وإن كان‬ ‫شيء من ذلك قد يكون مقصودا بالتبع‪ .(4‬‬ ‫إن )البعثة( الدينية تضطلع بوظيفتين كبيرتين‪ :‬وظيفة‬ ‫مفهومية‪ ،‬وأخرى وجدانية‪ .‬وهذا من أشد المواضع‬ ‫على العالم المنتصب!()‪.(3‬وقوله عن سلوك الصحابة‬ ‫في تتبع سنة الرسول‪) :‬وكانوا يبحثون عن أفعاله‪،‬‬ ‫كما كانوا يبحثون عن أقواله‪ ..

‬إنه جاء أصالة؛‬ ‫ليقدم أجوبة عما يسمى بالسئلة الخالدة‪ :‬من أين؟‬ .‬قال‪ :‬فإني نذير لكم بين يدي عذاب‬ ‫شديد! قال أبو لهب‪ :‬تبا لك‪ .‬ما جمعتنا إل لهذا؟ ثم‬ ‫قام فنزلت‪" :‬تبت يدا أبي لهب وتب"()‪.‫الوعي بالمفاهيم الدينية على مستوى الفهم‪ .‬فكان لذلك بشيرا‬ ‫ونذيرا‪ .‬إلخ‪ .‬ونحن ل ننفي أن يكون لها بكل ذلك‬ ‫شأن‪ .‬أي من حيث‬ ‫هو متعلق بتفسير موقع النسان من الوجود‪ ،‬ودوره‬ ‫فيه‪ ،‬ثم مآله الذي هو آئل إليه‪ .‬والثانية‬ ‫هي‪ :‬عملية تجديد الحساس بها على مستوى‬ ‫الوجدان‪ ،‬أو القلب؛ مما يرسخ الشعور بالنتماء‬ ‫للسلم حقا؛ وبذلك يكون مشروع التجديد أكثر‬ ‫قابلية للتوغل في البنية الجتماعية للمجتمع‪ .‬هذه هي حقيقة الدعوة السلمية‪ ،‬قبل أن‬ ‫تكون مشروعا سياسيا‪ ،‬أو )حل( اقتصاديا‪ ،‬أو رؤية‬ ‫اجتماعية‪..‬وهذا في‬ ‫حد ذاته أكبر الحصون في بناء الذات من جديد‪،‬‬ ‫وحفظها من ريح )العولمة(‪ ،‬بل تمكينها من‬ ‫جهة ومنتجة‪ ،‬ل‬ ‫المشاركة العالمية المتميزة‪ ،‬مو ي‬ ‫مستهلكة فحسب!‬ ‫إن محمدا بن عبد الله عندما دعا ـ أول ما دعا ـ‬ ‫إلى الله علنا؛ خطب في الناس بأنه نذير لهم بين‬ ‫يدي عذاب شديد! رغبة في إحدا ث هزة وجدانية‪،‬‬ ‫فيما يتعلق بضرورة التفكير الجدي في المصير‬ ‫الوجودي للنسان!‬ ‫ذلك أن النبي‪ ‬إنما كان يدعو الناس إلى معنى‬ ‫غيبي‪ :‬هو النظر إلى )اليوم الخر(‪ .(5‬‬ ‫فالسلم دين )وجودي( بالدرجة الولى‪ .‬ولكن يجب أن نفهم أن الكلمات الولى‬ ‫للسلم ـ قرآنا وسنة ـ إنما كانت أمرا بالنذارة!‬ ‫فمن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال‪) :‬لما‬ ‫نزلت )وأنذر عشيرتك القربين( خر ج رسول الله‪‬‬ ‫حتى صعد الصفا‪ ،‬فهتف‪ :‬يا صباحا! فقالوا‪ :‬من هذا؟‬ ‫فاجتمعوا إليه‪ ،‬فقال‪) :‬أرأيتم إن أخبرتكم أن خيل‬ ‫تخر ج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا‪ :‬ما‬ ‫جربنا عليك كذبا‪ ..

(4‬‬ ‫تلك آيات بينات‪ ،‬تدل على أن التقوى إنما هي‬ ‫التفاعل الوجداني )بالغيب( أصوله وفروعه؛ إيمانا‬ ‫يفيض عمل تعبديا؛ يصل العبد بالله!‬ ‫إن )الوجودية( الدينية في السلم‪ ،‬قائمة على قضية‬ ‫)الخلق(‪ ،‬التي بمقتضاها خوطب النسان خطاب‬ ‫تكليف‪ .‫وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ أسئلة كلها تضرب في‬ ‫عمق )الغيب(!‬ ‫ولذلك كان )اليمان بالغيب( أول صفات المتقين! قال‬ ‫عز وجل‪) :‬ألم‪ .‬‬ ‫وهذه مقدمة لبد من إثباتها أول؛ للبناء عليها‪ .‬‬ ‫وما أنزل من قبلك‪ .‬فكم يشعر إذن بالفزع إذ يتخيل أنه‬ ‫كان يمكن أل يكون! تماما كما أمكن أن يكون قد‬ ‫كان!‬ ‫ومن هنا تعظم حاجة المخلوق إلى الخالق‪ :‬واهب‬ ‫الخلق والحياة؛ رغبة من النسان الفاني في‬ .‬أولئك على‬ ‫هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون()البقرة‪1:‬ـ‪.‬وبالخرة هم يوقنون‪ .‬والذين يومنون بما أنزل إليك‪.‬ومن هنا كان يجب أن تنطلق الدعوة‬ ‫السلمية‪ ،‬كما انطلقت ـ أول ما انطلقت ـ مع‬ ‫محمد بن عبد الله‪.‬وبيان‬ ‫ذلك كما يلي‪:‬‬ ‫إن قضية النسان في هذا الوجود‪ :‬هي أنه لم يكن‬ ‫ثم كان!‬ ‫كيف إذن؛ ولماذا؟ تلك هي القضية!‬ ‫القضية التي أرقت النسان منذ كان! ولم تزل‬ ‫إشكال غامضا‪ ،‬من غوامض الشكالت‪ ،‬لدى سائر‬ ‫اتجاهات الفكر الفلسفي‪ ،‬في القديم والحديث‪ ،‬سواء‬ ‫منها المؤمنة والجاحدة‪.‬‬ ‫إن النسان‪ ،‬عندما يشعر أنه مخلوق لخالق؛ يجد‬ ‫رغبة ملحة في البحث عن هذا الخالق؛ ليعرف‬ ‫مصدر وجوده‪ .‬ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى‬ ‫للمتقين‪ ،‬الذين يومنون بالغيب‪ ،‬ويقيمون الصلة‪،‬‬ ‫ومما رزقناهم ينفقون‪ .‬فالوجود النساني‪ :‬هو النعمة الولى‬ ‫المهداة للنسان‪ .

‫استمرار الخلق والحياة‪ .‬إذ ما كان الرب )ربا( إل‬ .‬إن أول كلمة يفرض منطق‬ ‫الشياء أن يتفوه بها المخلوق‪ ،‬بمجرد شعوره‬ ‫بالحياة‪ :‬هي حمدا وشكرا لواهب الحياة! ولم تكن‬ ‫فاتحة القرآن ـ كتاب رب العالمين إلى الناس‬ ‫أجمعين ـ إل ابتداء بـ)الحمد لله رب العالمين(!‬ ‫يقرؤها المسلم في صلته كل يوم سبع عشرة مرة‬ ‫على القل!‬ ‫ولم تكن ـ قبل ذلك ـ أول كلمة نطق بها آدم عليه‬ ‫السلم إل )حمدا لله(‪.(6‬‬ ‫إن قضية )الخلق( هي الساس الذي خاطب به رب‬ ‫العالمين النسان؛ ليطلب منه أداء حق الخالقية‬ ‫عليه! فهو الذي كان بعد أن لم يكن! فإذن يجب أن‬ ‫يؤدي حق الكينونة!‬ ‫والقرآن الكريم إنما جاء لمرين‪:‬‬ ‫ـ الول تفسير معضلة الوجود‪ ،‬وموقع النسان منها‪.‬‬ ‫وإنه فعل لمن عجيب أمر الله الكوني سبحانه‪ ،‬أن‬ ‫تكون أول كلمة نطق بها آدم عليه السلم بعد نفخ‬ ‫الروح فيه‪ :‬هي )الحمد لله رب العالمين(! فقد حد ث‬ ‫رسول الله‪ ‬أصحابه يوما‪ ،‬قال‪) :‬لما نفخ الله في‬ ‫آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس‪ ،‬فقال‪" :‬الحمد‬ ‫لله رب العالمين" فقال له تبارك وتعالى‪" :‬يرحمك‬ ‫الله"()‪.‬‬ ‫ـ والثاني‪ :‬بيان الوظيفة المنوطة بالنسان من حيث‬ ‫أذن له أن يكون عنصرا من عناصر هذا الوجود!‬ ‫ومن هنا قلنا إن السلم دين وجودي! فأي بشر‬ ‫على وجه الرض ليس في حاجة إلى تفسير معضلة‬ ‫الوجود؟ وأي بشر على وجه الرض في غنى عن‬ ‫معرفة دوره كإنسان فيه؟ إل أن يكون كالنعام أو‬ ‫أضل سبيل!‬ ‫وإن هذا المر ليشكل أعظم )كلية استقرائية قطعية(‬ ‫من كليات أصول الدين! فهي أساس )توحيد‬ ‫الربوبية(‪ ،‬الذي عليه انبنى )توحيد اللوهية(‪ ،‬كما هو‬ ‫معروف عند علماء العقيدة‪ .

(2‬‬ ‫من هنا إذن قلنا‪ :‬إن الخطاب القرآني بالتكليف إنما‬ ‫كان مبنيا على هذا الساس‪ :‬أداء حق الخالقية! فقد‬ ‫بنى سبحانه قصة الخلق النساني على قصة الخلق‬ ‫الكوني؛ فكان ذلك أساس التكليف والستخلف في‬ ‫الرض! ثم رتب سبحانه قصة الدين كله على قصة‬ ‫الخلق النساني! وقد فصل الله عز وجل ذلك في‬ ‫مواطن عديدة‪ ،‬وسور عديدة من القرآن الكريم‪،‬‬ ‫على رأسها سورة البقرة‪:‬‬ ‫فتدبر قوله عز وجل‪) :‬يا أيها الناس اعبدوا ربكم‬ ‫الذي خلقكم والذين من قبلكم؛ لعلكم تتقون‪ ،‬الذي‬ ‫جعل لكم الرض فراشا والسماء بناء وأنزل من‬ ‫السماء ماء فأخر ج به من الثمرات رزقا لكم؛ فل‬ ‫تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون‪ .‬وإن كنتم في ريب‬ ‫مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله‪ ،‬وادعوا‬ ‫شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين‪ .‬‬ ‫وتلك هي خلصة الدين‪ ،‬كل الدين‪.‬فإن لم‬ ‫تفعلوا ـ ولن تفعلوا ـ فاتقوا النار التي وقودها‬ ‫الناس والحجارة! أعدت للكافرين‪ .‬فهذه إن شئت فقل‪ :‬هي القرآن كله!‬ ‫وليس بعيدا عن هذا حكمة الخالق العظيم؛ في أن‬ ‫تكون الصفة الولى‪ ،‬التي ذكرت للرب‪ ،‬في أول ما‬ ‫نزل من القرآن؛ هي‪ :‬أنه )الذي خلق(‪ ،‬هكذا على‬ ‫العموم؛ لستغراق كل الخلق! ثم بعد ذلك‪) :‬خلق‬ ‫الإنسان( على الخصوص! وذلك قوله تعالى‪) :‬اقرأ‬ ‫باسم ربك الذي خلق‪ .‬خلق النسان من علق()العلق‪:‬‬ ‫‪1‬ـ‪.(253‬هذا‬ ‫عدا اللفاظ ـ من غير المشتق ـ الدالة على‬ ‫المفهوم‪ .‬وبشر الذين آمنوا‬ ‫وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها‬ .‬‬ ‫ولقد بلغ عدد المواطن في القرآن الكريم‪ ،‬التي ورد‬ ‫بها مشتق من مشتقات مادة )خلق( التي بمعنى‬ ‫)الخلق(‪ ،‬ثلثة وخمسين ومائتي موطن! )‪ .‫من حيث كونه )خالقا(؛ ومن ثم استحق سبحانه أن‬ ‫يكون )إلها( يعبد من دون العالمين‪.

‫النهار‪ .‬وهم فيها خالدون‪)(.‬هو‬ ‫الذي خلق لكم ما في الرض جميعا‪ ،‬ثم استوى إلى‬ ‫السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم‪.‬‬ ‫وهيأ له أسباب العلم ليكون إمام المخلوقات ـ إن‬ ‫صلح واستقام على الطاعة ــ في طريق السير إلى‬ ‫الله الواحد الحد سبحانه وتعالى‪.‬ولهم فيها‬ ‫أزوا ج مطهرة‪ .(56:‬وهذه آية مفيدة للحصر‪ .(1:‬‬ ‫ومثله قوله تعالى‪) :‬وما خلقت الجن والنس إل‬ ‫ليعبدون()الذاريات‪ .(29‬‬ ‫فهذه اليات الكريمات لخصن قصة الخلق‪ ،‬والتكليف‬ ‫الرباني للنسان ابتداء‪ ،‬من حيث هو مخلوق سخرت‬ ‫له المخلوقات جميعا لخدمته؛ عسى أن يتفرغ هو‬ ‫للخلفة التعبدية‪ .‬وأتوا به متشابها‪ .‬البقرة‪20:‬ـ‪(24‬‬ ‫إلى قوله تعالى‪) :‬كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا‬ ‫فأحياكم؟ ثم يميتكم‪ ،‬ثم يحييكم‪ ،‬ثم إليه ترجعون‪ .‬قال سبحانه‪) :‬يا أيها الناس‬ ‫اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها‬ ‫زوجها وبث منهما رجال كثيرا ونساء()النساء‪.‬كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا؛ قالوا هذا‬ ‫الذي رزقنا من قبل‪ .‬الذي خلق الموت والحياة‬ .‬‬ ‫وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الرض خليفة؛‬ ‫قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء‪،‬‬ ‫ي أعلم ما‬ ‫ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إن َف‬ ‫ل تعلمون()البقرة‪28:‬ـ‪.‬‬ ‫وهكذا يرتبط في القرآن ـ بصفة مطردة ـ المر‬ ‫الرباني بالعبادة؛ بالتذكير بصفة الله الراجعة إلى‬ ‫اسمه تعالى‪) :‬الخالق(‪ ،‬إذ تلك نعمته الولى على‬ ‫عبده‪) :‬الذي خلقكم( كما قرأت في سورة البقرة‪،‬‬ ‫وكما هو أيضا في غيرها‪ .‬أي‬ ‫أن الغاية الكلية من خلق الخليقة إنما هو العبادة‪،‬‬ ‫وهو مفيد أن ذلك إنما هو بمقتضى نعمة )خلقها(!‬ ‫ومثله قوله سبحانه‪) :‬تبارك الذي بيده الملك وهو‬ ‫على كل شيء قدير‪ .‬فجاءه المر بالعبادة التي هي حق‬ ‫خَفلق له! أي‬ ‫الله عليه‪ ،‬من حيث إنه تعالى خلقه و َف‬ ‫خلقه بذاته ونفسه‪ ،‬وخلق له ما يخدمه من الكائنات‪.

‬فكسونا‬ ‫العظام لحما‪ .‬قال عز وجل‪) :‬إن في خلق‬ ‫السماوات والرض واختلف الليل والنهار ليات لولى‬ ‫اللباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى‬ ‫جنوبهم‪ ،‬ويتفكرون في خلق السماوات والرض‪ :‬ربنا‬ .‬ثم خلقنا النطفة علقة‪.‬ثم‬ ‫جعلناه نطفة في قرار مكين‪ .‬ول يفكر في مرحلة )ما قبل الماضي؟(‬ ‫من وجوده هو بالذات! ولكن الله ينبهه بإشارة‬ ‫عظيمة إلى ذلك؛ فيقول سبحانه في آية تقشعر‬ ‫الجلود من تدبرها‪) :‬هل أتى على النسان حين من‬ ‫الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟ إنا خلقنا النسان من‬ ‫نطفة أمشا ج؛ نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا‪ .‬ما ترى في خلق الرحمن‬ ‫من تفاوت‪ .‬الذي‬ ‫خلق سبع سماوات طباقا‪ .‬فارجع البصر هل ترى من فطور ثم‬ ‫ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو‬ ‫حسير()الملك‪1:‬ـ‪.(3‬‬ ‫أما عندما يهتدي العبد إلى ربه؛ فيكون عالم الخلق‬ ‫هو المسلك التفكري‪ ،‬الذي يسلكه إلى ربه‪ ،‬ويعبده‬ ‫به؛ تسبيحا وتنزيها‪ .‬‬ ‫فخلقنا العلقة مضغة‪ .(4‬‬ ‫فخلق النسان‪ :‬نعمة وجودية كبرى‪ ،‬يبوء بها النسان‬ ‫لرب النسان! أي‪ :‬بموجبها وجب أن يخضع النسان‬ ‫لخالق النسان‪ ،‬خضوع العبد لسيده! ومن هنا كان‬ ‫ذلك التفصيل العلمي الدقيق‪ ،‬في القرآن‪ ،‬لمراحل‬ ‫خلق النسان وأطواره؛ بما يؤكد قصد الشارع‬ ‫الصيل‪ ،‬في إبراز هذا المر )كوثيقة( تدين النسان‬ ‫كلما فكر في الباق عن ربه الذي خلقه! وهو قوله‬ ‫سبحانه‪) :‬ولقد خلقنا النسان من سللة من طين‪ .‫ليبلوكم أيكم أحسن عمل وهو العزيز الغفور‪ .‬فخلقنا المضغة عظاما‪ .‬إنا هديناه‬ ‫السبيل إما شاكرا وإما كفورا!()النسان‪1:‬ـ‪.‬ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله‬ ‫أحسن الخالقين()المومنون‪12:‬ـ‪.(14‬‬ ‫ومن ثم أيضا ي رذ َف ّ‬ ‫ن المخلوقَف‬ ‫كر الرب الخالقر النسا َف‬ ‫بمرحلة )ما قبل عمره(! وهي مرحلة قلما يفكر فيها‬ ‫ابن آدم! فإنما يفكر ـ عادة ـ في ماضيه‪ ،‬وحاضره‪،‬‬ ‫ومستقبله‪ .

(22‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬ويقول النسان‪ :‬أإذا ما مت لسوف‬ ‫أخر ج حيا؟ أو ل يذكر النسان أنا خلقناه من قبل‬ ‫ولم يك شيئا؟()مريم‪.(191‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬قل سيروا في الرض فانظروا كيف‬ ‫بدأ الخلق!()العنكبوت‪.(82‬‬ ‫ومن هنا إذن كان )توحيد الخالقية( أعظم أصول‬ ‫توحيد الربوبية كما ذكرنا‪ .‬وقد تواترت آيات القرآن‬ ‫الكريم في ذلك تواترا لفظيا ومعنويا؛ حتى كان‬ ‫بذلك جوهر توحيد الربوبية ـ كل توحيد الربوبية ـ‬ ‫إنما هو توحيد الخالقية!‬ .‬‬ ‫إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له‪ :‬كن؛ فيكون!‬ ‫فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون(‬ ‫)يس‪76:‬ـ‪.(116:‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬أو لم ير النسان أنا خلقناه من‬ ‫نطفة فإذا هو خصيم مبين! وضرب لنا مثل ـ ونسي‬ ‫خلقه ـ قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل‪:‬‬ ‫يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم!‬ ‫الذي جعل لكم من الشجر الخضر نارا فإذا أنتم‬ ‫منه توقدون‪َ .‫ما خلقت هذا باطل‪ ،‬سبحانك؛ فقنا عذاب النار()آل‬ ‫عمران‪190:‬ـ‪.(19:‬‬ ‫وأما عندما يكفر العبد بربه الخالق‪ ،‬ويشرد في‬ ‫العصيان بعيدا عن باب خدمته وعبادته؛ فإنما يكون‬ ‫قد أنكر جميل النعمة الولى‪ :‬الخلق؛ ولذلك وجدنا‬ ‫القرآن ل يفتأ يذكر بها في هذا السياق خاصة! وهو‬ ‫منطوق قول الله تعالى‪) :‬قتل النسان ما أكفره! من‬ ‫أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره‪ ،‬ثم السبيل‬ ‫يسره‪ ،‬ثم أماته فأقبره‪ ،‬ثم إذا شاء أنشره()عبس‪:‬‬ ‫‪17‬ـ‪.(26:‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا؛ وأنكم‬ ‫إلينا ل ترجعون؟()المؤمنون‪.‬فأوَف ليس الذي خلق السماوات والرض‬ ‫بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلق العليم‪.

(53:‬له‬ ‫وحده دون سواه‪ .‬ضعف الطالب والمطلوب‪ .‬فأروني ماذا خلق‬ ‫الذين من دونه! بل الظالمون في ضلل مبين(‬ ‫)لقمان‪ .(72‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق‬ ‫ثم يعيده؟ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى‬ ‫توفكون؟()يونس‪.‫لقد كان القرآن حاسما صارما في الحكم بتفرد‬ ‫الواحد الحد )بالخلق(‪ ،‬كصناعة وجودية! فقال تعالى‬ ‫على سبيل التحدي‪) :‬هذا خلق الله‪ .(17:‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا‬ ‫له! إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا‬ ‫ولو اجتمعوا له! وإن يسلبهم الذباب شيئا ل‬ ‫يستنقذوه منه‪ .(129:‬وأما )خالق( ـ منكرة‬ ‫ومعرفة ـ فل! فإنما هي لله وحده من دون‬ ‫العالمين! ولذا كان قوله سبحانه‪) :‬أل له الخلق‬ ‫والمر! تبارك الله رب العالمين()العراف‪ .(18:‬‬ ‫وقوله سبحانه‪) :‬أفمن يخلق كمن ل يخلق؟ أفل‬ ‫تذ ي ّ‬ ‫كرون؟()النحل‪.(92:‬‬ ‫ولذلك أيضا لم يجز أن يتسمى أحد من خلقه‬ ‫)خالقا(‪ ،‬ول أن يوصف به‪ .‬مع أنه جاز أن يوصف‬ ‫العبد ببعض أسمائه الحسنى‪ ،‬على سبيل التنكير؛‬ ‫فقال ـ مثل ـ في وصف رسوله محمد‪) :‬بالمومنين‬ ‫رؤوف رحيم()التوبة‪ .(34:‬‬ .(10:‬وقال في هذا النوع من التوحيد خاصة‪:‬‬ ‫)ما اتخذ الله من ولد‪ .‬إن الله لقوي عزيز()الحج‪71:‬ـ‪.(24:‬‬ ‫وتضافر معنى تفرد الخالق بصفة )الخلق( في‬ ‫القرآن؛ بما يقطع بحرمة وصف أحد من خلقه بها‪.‬‬ ‫فمن ذلك قوله سبحانه‪) :‬أم جعلوا لله شركاء خلقوا‬ ‫كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل الله خالق كل‬ ‫شيء وهو الواحد القهار()الرعد‪.‬وما كان معه من إله إذا‬ ‫لذهب كل إله بما خلق‪ ،‬ولعل بعضهم على بعض!‬ ‫سبحان الله عما يصفون()المؤمنون‪.‬ما قدروا‬ ‫الله حق قدره‪ .‬قال عز من قائل‪) :‬هو الله الخالق‬ ‫البارئ المصور له السماء الحسنى()الحشر‪.

..‬وسريته‬ ‫ليست في حقيقته العلمية أو المفهومية‪ .‬بل هو بهذا‬ ‫العتبار أمر واضح جدا في القرآن والسنة‪ ،‬وما‬ ‫ينبغي أن يكون في هذا الدين من حيث هو تكاليف‬ ‫لعامة الناس )أسرار( تعبدية! وإنما )السرية( المقصودة‬ ‫هنا هي على المستوى النفسي خاصة‪ .‬وهنا يكمن سر )وجودية( هذا‬ ‫خلقه‪ ،‬من حيث خل َف َف‬ ‫الدين‪ .‬إلخ‪ .‬‬ ‫وأما )المفهوم( فيكاد ـ كما قلنا ـ يكون هو القرآن‬ ‫كله! فكل معاني الربوبية‪ ،‬والملك‪ ،‬والنعام‪ ،‬والبتلء‪،‬‬ ‫والنشاء‪ ،‬والعادة‪ ،‬والمصير‪.‫هذا عن )الخلق( من حيث هو )مصطلح( قرآني‪.‬وهو ما رواه البخاري بسنده عن عمر بن‬ ‫الخطاب رضي الله عنه قال‪) :‬قام فينا النبي‪‬‬ ‫مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة‬ ‫منازلهم وأهل النار منازلهم‪ .‬‬ ‫إن ثمة )سرا( مهما جدا من أسرار التعبد‪ .‬‬ .‬حفظ ذلك من حفظه‬ ‫ونسيه من نسيه()‪(4/543‬‬ ‫وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على احتفاء‬ ‫الدين بقضية الخلق‪ ،‬كأساس لحق الله السابق على‬ ‫قهم‪ .‬وإن إحياء هذا المعنى في النفوس لهو أساس‬ ‫معنى تجديد الدين‪ .‬كل ذلك وما في‬ ‫معناه إنما هو من مفهوم الخلق! فهو لذلك من‬ ‫أعظم الكليات القرآنية‪ ،‬وأوسعها!‬ ‫وأما السنة ـ وهي موطن البيان والتفصيل ـ فقد‬ ‫كان النبي‪ ‬يفصل ما أجمله القرآن من أمر الخلق‪.‬‬ ‫وقد زخرت كتب السنن بذلك؛ حتى إن المام‬ ‫البخاري رحمه الله ترجم في صحيحه لكتاب سماه‪:‬‬ ‫)كتاب بدء الخلق( جعل فيه سبعة عشر بابا‪ ،‬لكل‬ ‫باب أحاديثه! ولنقتطف منها حديثا واحدا جامعا مانعا‬ ‫في ذلك‪ .‬وهذا هو الذي‬ ‫قد يغفل عنه كثير من الناس! وبيان ذلك‪ :‬أن من‬ ‫أهم أسباب القبال على الدين‪ ،‬أو الدبار عنه ـ إن‬ ‫لم يكن أهمها على الإطلق ـ )الحساس بالربوبية(‪.‬الذي يقتضي أول ما يقتضي‬ ‫تجديد العهد اللهي‪ ،‬في الوعي والوجدان النسانيين‪،‬‬ ‫وإحيائه في النفس والمجتمع‪.

‬من مثل )وجدان حلوة اليمان(‬ ‫المتحد ث عنه في الحديث النبوي الشريف‪ ،‬كما في‬ ‫قوله‪) :‬ثل ث من كن فيه وجد حلوة اليمان‪ :‬أن‬ ‫يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما‪ ،‬وأن يحب‬ ‫المرء ل يحبه إل لله‪ ،‬وأن يكره أن يعود في الكفر‬ ‫بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يلقى في النار(‬ ‫)متفق عليه(‪ .‫وأقول )الحساس( بمعنى )الوجدان(‪ ،‬وليس )العلم(‬ ‫بها فقط! فالعلم هو الشرط الول‪ .‬‬ ‫وبيانها كما يلي‪:‬‬ ‫إذا كان العلماء قد شرحوا توحيد الربوبية‪ :‬بأنه‬ ‫القرار بتفرد الخالق سبحانه وتعالى في ملكه‬ ‫للعالمين‪ ،‬وإسناد كل شيء له )خالق كل شيء؛‬ ‫فاعبدوه!()النعام‪ (102:‬ومن هنا سيادته على خلقه‬ ‫أجمعين‪ ،‬أمرا وتقديرا‪ ،‬وخلقا‪ ،‬وتدبيرا‪ .‬أي حق الرب الذي قد‬ ‫خلق؛ على كل ما ـ ومن ـ خلق‪ .‬‬ ‫فكم من مدرك ذهني غير مدرك بالوجدان‪ .‬فتعظيم الربوبية مؤد ـ‬ .‬بيد أن لنا ههنا‬ ‫نكتة إيمانية‪ ،‬أو لطيفة دعوية‪ :‬هي )سر( المسألة‪.‬وهذا ما فصلوه‬ ‫في معنى‪) :‬توحيد اللوهية(‪ .‬قلت‪ :‬فإن‬ ‫اعتقاد ذلك يجب أن يتبع باستحضار دائم على‬ ‫مستوى الوجدان‪ ،‬حيث ينمو في النفس الشعور‬ ‫بالعبودية لله الواحد القهار؛ الذي هو مقتضى‬ ‫المخلوقية وزكاتها‪ ،‬كما أنه مقتضى الخالقية وحقها!‬ ‫ومن هنا كان المر الوارد في القرآن للناس بالعبادة‬ ‫قائما على هذا الساس‪ .‬لكنه يجب أن‬ ‫يتبع بالحساس‪ .‬وضعف هذا الشعور‬ ‫في النفس والمجتمع مؤد بالضرورة إلى ضعف‬ ‫التدين ثم النقطاع عنه‪.‬‬ ‫والمقصود )بالحساس بالربوبية(‪ :‬استشعار توحيد‬ ‫الربوبية كما فصله علماء التوحيد‪ .‬وهنا‬ ‫تكمن المشكلة!‬ ‫إن )الحساس بالربوبية( على المستوى النفسي سر‬ ‫من أسرار التعبد‪ ،‬من حيث هو إقبال وإدبار‪ ،‬أو‬ ‫شرة وفترة‪ ،‬أو قبض وبسط‪ .‬فالحلوة أمر ذوقي شعوري‪ ،‬ل علمي‪.

‬‬ ‫إن إحساس الناس اليوم بمخلوقيتهم ضعيف جدا!‬ ‫وهذا هو أساس الدعوة إلى الله‪ ،‬الله الخالق‬ ‫للنسان وللعوالم أجمعين‪ .‬قال عز‬ ‫وجل‪) :‬ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات‬ ‫ومن في الرض‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬والنجوم‪،‬‬ ‫والجبال‪ ،‬والشجر‪ ،‬والدواب‪ ،‬وكثير من الناس؟ وكثير‬ ‫حق عليه العذاب!()الحج‪ (18:‬فالقرآن الكريم يعرض‬ ‫الوجود كله عرضا متناسقا في سيره نحو خالقه‪.‬كل شيء؛ دائر‬ ‫في فلك الله الواحد الحد‪ .‬إن عناصر الوجود كلها ـ إل‬ ‫من استثنى الله من العصاة ومردة الجن والنس ـ‬ ‫تسير إلى ربها الخالق لها سير شوق وتوق إلى‬ ‫مصدر النور والحياة‪ ..‫بإذن الله ـ إلى تعظيم اللوهية؛ ولذلك قال تعالى‬ ‫كما ذكرنا‪) :‬خالق كل شيء؛ فاعبدوه!(‪ .‬‬ ‫ومن هنا وجدنا القرآن ل يفتأ يذكر بهذه الحقيقة‬ ‫العظمى‪ :‬الخوة الكونية والتناسق في توحيد السير‬ ‫إلى الله بين مختلف عناصر الطبيعة والخلق‪ .‬وإنما يبقى جزء من هذا‬ .‬وذلك كمال‬ ‫الدين‪.‬فالدعوة‪ :‬نداء للشاردين عن‬ ‫وجهة الكون الواحدة الموحدة‪ :‬الله رب العالمين! إن‬ ‫الكافر أو الفاسق أو العاصي‪ ،‬أو كل من شذ عن‬ ‫فلك الحق؛ هو ـ بالضرورة ـ في خصام مع عناصر‬ ‫الكون جميعا! من حيث كونها كلها موحدة لسيرها‬ ‫بمداراتها وأفلكها‪ ،‬وهو وحده شارد في فوضى‬ ‫الضلل‪ ،‬ل يفتأ يصطدم مداره المختل بمداراتها‬ ‫المنتظمة‪ ،‬المصطفة‪ ،‬في سعيها إلى الرب العظيم‪،‬‬ ‫الملك الحق‪ ،‬القدوس السلم؛ مصطفة في صفوف‪،‬‬ ‫تماما كصفوف الصلة في المعنى التعبدي‪.‬إنها العودة‬ ‫إلى نسق المدار‪ ،‬حيث تدور الفلك بأجرامها سيرا‬ ‫إلى الله الواحد الحد‪ .‬ودعوة الناس إلى الله هي‬ ‫دعوة لهم ليعودوا إلى سرب العابدين‪ .‬‬ ‫فكل الرضين‪ ،‬وكل الجرام‪ ،‬وكل الكواكب والنجوم‪،‬‬ ‫وكل السماوات‪ ،‬وكل المدارات‪ ،‬وكل ما هنا وهنالك‪،‬‬ ‫على امتداد هذا الملكوت؛ كل شيء‪ .

(41:‬‬ ‫ت بمخلوقيتها حق‬ ‫فهذه المخلوقات الوجودية ع َفَفرفَف ت‬ ‫الخالقية؛ فسارت إلى الله خالقها طوعا‪ ،‬كما هي‬ ‫سائرة إليه قهرا‪ .‫النسان‪ ،‬وقبيل الشيطان‪ ،‬هم الذين يمارسون شذوذا‬ ‫وشرودا؛ بتمزيق وحدة الوجهة نحو الخالق العظيم!‬ ‫وفي مشهد متفرد من مشاهد الخوة الكونية‪،‬‬ ‫المؤلفة بين عناصر شتى من هذا الوجود؛ نجد نوعا‬ ‫من هذا التناسق الكوني في مشهد عجيب لداود‬ ‫عليه السلم‪ ،‬إذ يسجد لربه في موكب متسق‬ ‫التغريد والتجويد! من الجبال والطيور كأنهم جميعا‬ ‫صف من صفوف الصلة‪ .‬قال سبحانه‪) :‬أفغير دين الله‬ ‫تبغون؟ وله أسلم من السماوات والرض طوعا‬ ‫وكرها‪ ،‬وإليه ترجعون()آل عمران‪ .‬وإنما يدخل الجنة‬ ‫من يدخلها ـ بإذن الله ـ جزاء على سيره الختياري‬ ‫ل القهري أو الكرهي‪.(82:‬وقال سبحانه‪:‬‬ ‫)ولله يسجد من في السماوات والرض طوعا‬ ‫وكرها‪ ،‬وظلرلهم بالغدو والصال()الرعد‪ .‬‬ .‬قال تعالى‪) :‬وسخرنا مع‬ ‫داود الجبال يسبحن والطير()النبياء‪ ،(79:‬وقال‬ ‫سبحانه‪) :‬إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي‬ ‫والاشراق والطير محشورة كل له أواب()سورة‪ :‬ص‪:‬‬ ‫‪17‬ـ ‪ (18‬وقال عز وجل‪) :‬يا جبال أوبي معه والطير(‬ ‫)سبأ‪) ،(10:‬وإن من شيء إل يسبح بحمده ولكن ل‬ ‫تفقهون تسبيحهم()السراء‪ (44 :‬و)ك ل‬ ‫ل قد علم صلته‬ ‫وتسبيحه!()النور‪.(10:‬‬ ‫إن حقيقة الربوبية وما تقتضيه من ألوهية هو المعنى‬ ‫الذي يجب على الداعي أن يقوم )بتحسيسه( للناس‪،‬‬ ‫)وتذويقهم( إياه؛ حتى يتحركوا في السير إلى الله‬ ‫طائعين‪ ،‬كما هم سائرون إليه تعالى )كارهين(‪،‬‬ ‫بمعنى مقهورين بقدر الله الكوني‪ .(16:‬وقال عز‬ ‫من قائل‪) :‬ثم استوى إلى السماء وهي دخان‪ ،‬فقال‬ ‫لها وللرض ايتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين(‬ ‫)فصلت‪.

‬هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى؛ فإن‬ ‫ذلك قد دس في القلوب نوعا من )الوثنية الخفية(؛‬ ‫فقد صار المنتمون ـ في اللشعور التنظيمي ـ‬ ‫يقيمون نوعا من )قياس الشبه( بين جماعتهم وبين‬ ‫السلم! فصار الداخل إلى هذه الجماعة أو تلك‬ ‫كأنما قد دخل في السلم‪ ،‬ومن بقي خارجها فكأنما‬ ‫بقي خار ج السلم! وكثير من الناس ل يصرحون بهذا‬ ‫المنطق‪ ،‬لكنهم يمارسونه عمليا؛ إذ صار )الولء‬ ‫والبراء( مبنيا على مقياس النتماء! مما يدل فعل‬ ‫على أن )الجماعة التنظيمية( ـ من حيث هي إطار‬ ‫وشعار ـ قد احتلت مكان السلم من قلوبهم‪ .‬هذه حقيقة شرعية واجتماعية ل مراء فيها‪،‬‬ ‫وسنة من سنن الله في الكون وفي المجتمع‪ .‫ومن هنا كانت دعوة الناس إلى الله )دعوة إلى‬ ‫الله(‪ .‬فمن وجد‬ ‫الله حقا؛ فقد وجد الهدى كله‪) .‬لكن‬ ‫من تلبيس إبليس على بعض الدعاة المنتمين إلى‬ ‫جماعات منظمة هو أنهم صاروا ـ من حيث يدرون‬ ‫أو ل يدرون ـ يدعون إلى النخراط في عملهم‬ ‫التنظيمي على أنه دعوة إلى )الله(! مما أدى إلى‬ ‫انحصار العمل السلمي ـ من حيث أرادوا توسعته ـ‬ ‫في دائرة الذين لديهم استعداد تنظيمي من الناس‪،‬‬ ‫وقليل ما هم‪ .‬وهذا‬ ‫انحراف عقدي خطير!‬ .(119:‬ولكن ذلك لن يتم إل بشرط‬ ‫أساس‪ :‬هو مضمون المبحث الثاني‪ ،‬الذي نصوغه كما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫المبحث الثاصني‪ :‬الدعوة إلى الله؛ ل إلى‬ ‫الكحزاب والهيآت‪:‬‬ ‫)التنظيم( – بمعناه الداري ‪ -‬للعمل الدعوي وأصحابه؛‬ ‫ضرورة من ضرورات كل عمل‪ ،‬يريد أن يشتغل في‬ ‫المجتمع‪ .‬فكان له بذلك عليهم حق العبودية‪ .‬قل إن هدى الله هو‬ ‫الهدى()البقرة‪ .‬ثم‬ ‫كان عليهم بذلك تلبية نداء الفطرة الكامن في‬ ‫مواجيدهم الحائرة‪ ،‬أو الغافلة‪ ،‬أو الضالة‪ .‬أي ـ كما بينا قبل ـ إلى حق الله عليهم من‬ ‫حيث خلقهم‪ .

‬وإنما‬ ‫المقصود أن الدعوة يجب أن تستقل عن التنظيم‬ ‫من حيث هي دعوة إلى الله أساسا‪ .‬كل‪ ،‬فإنما هو من )الوسليات الدعوية( ليس‬ ‫إل‪ .‬إنه‬ ‫يحد ث بصورة تلقائية‪) ،‬بقدر الحاجة(‪ .‬والمشكلة اليوم‬ ‫في التنظيمات الدعوية‪ ،‬أن )الموارد البشرية(‬ ‫المنتمية إليها هي بحجم فائض عن الحاجة! لكنها ل‬ ‫تدعو إلى الله‪ ،‬إل قليل قليل! إنها تمارس بانتمائها‬ .‬إن‬ ‫)التدين العام( هو الفضاء الوسع الذي يحتضن العمل‬ ‫السلمي بصورة تلقائية ويدعمه ويسنده‪ ،‬ويمده‬ ‫بأسباب القوة‪ ،‬في مواجهة المنكر‪ .‫ثم إن السلم اليوم ـ كما هو قديما ـ ليس في‬ ‫حاجة إلى رص الناس كل الناس في تنظيم معين‪.‬بما للكلمة من جمالية‪ ،‬وتجرد‪ .‬فالله جلت عظمته هو غاية‬ ‫كل مخلوق اهتدى إليه تعالى في هذا العالم‪ .‬إنه هو )رأيه‬ ‫العام(! لكنه لن يطمع يوما ما أن يكون جزءا‬ ‫تنظيميا منه! فهذا خطأ شرعي‪ ،‬ومحال اجتماعي!‬ ‫خطأ شرعي لن الدعوة يجب أن تكون هي الغاية‬ ‫الكبرى من الوجود التنظيمي‪ .‬الدعوة إلى‬ ‫الله‪ :‬دعوة إلى ربط القلوب به سبحانه وتعالى وحده‬ ‫دون سواه‪ .‬بمعنى أن‬ ‫التنظيم يجب أن يكون في خدمة الدعوة ل العكس‪،‬‬ ‫كما هو حاصل في كثير من الحيان اليوم!‬ ‫إن الدعوة إلى الله يجب أن تتم على أنها )دعوة‬ ‫إلى الله(‪ .‬ول حجر في الوسائل المصلحية‪ ،‬ول توقيف‪ .‬دعوة إلى الغتراف من منابع اليمان‬ ‫الصافية‪ ،‬دون شوب‪ ،‬أو لو ث من هذا التنظيم أو‬ ‫ذاك!‬ ‫ولو كان بعض نشطاء الحركات السلمية فعل‬ ‫يعقلون؛ لدركوا أن الوسط المتدين كلما ازداد‬ ‫اتساعا؛ ازدادت )السلمية( ـ التي هي غاية‬ ‫)الحركات السلمية( ـ في البلد تمكنا واتساعا‪ .‬وإنما‬ ‫نمو التنظيم يكون بغير حرص أصحابه عليه‪ .‬‬ ‫وليس معنى هذا أني أقول ببدعية التنظيم أو‬ ‫تحريمه‪ .‬فإذن يجب أن يدعو‬ ‫التنظيم إلى الله أصالة‪ .

‬وذلك قوله سبحانه‪) :‬وإذا سألك‬ ‫عبادي عني فإني قريب‪ .‫نوعا من القناع اللشعوري بإفراغ الذمة من الواجب‬ ‫الديني! ـ زعموا ـ مما يشعرها بنوع من الطمئنان‬ ‫الواهم على المصير الخروي! فصار النتماء‬ ‫التنظيمي‪ ،‬في كثير من الحيان‪ ،‬أشبه ما يكون ـ‬ ‫على المستوى النفسي ـ بصكوك الغفران البابوية!‬ ‫إن الدعوة إلى الله‪ :‬دعوة إلى الله وكفى!‬ ‫إن الله عز وجل يقول بصريح النص‪) :‬ومن أحسن‬ ‫قول ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من‬ ‫المسلمين()فصلت‪ .‬إذ الدعوة إلى ذات الله تعالى‪ ،‬دعوة إلى‬ ‫عبادته بالمعنى التوحيدي الوجداني الصافي‪ .(33:‬القضية إذن فيمن )دعا إلى‬ ‫الله(! وما أرفع هذا التعبير القرآني وأجمله! )دعا إلى‬ ‫الله( ألم يكن ممكنا أن يكون مثل‪) :‬دعا إلى‬ ‫السلم( أو )دعا إلى هدى(؟ كما هو التعبير في‬ ‫بعض الحاديث؟)‪ (7‬ولكنه هنا‪) :‬دعا إلى الله( تصريحا‬ ‫بضرورة التجرد من كل الوسائط والشياخ والبدال‪،‬‬ ‫وسائر اللقاب والشعارات والشكال!‬ ‫الدعوة إلى الله‪ :‬دعوة إلى ذاته سبحانه وتعالى‪ .‬بل‬ ‫وسيط‪ ...‬وهذا‬ ‫واضح بنص القرآن‪ .‬فليستجيبوا لي وليومنوا ب َف‬ ‫)البقرة‪(185:‬‬ ‫إن هذه الية الكريمة هي مفتاح المنهج القرآني في‬ ‫الدعوة إلى الله‪) ،‬وإذا سألك عبادي عني فإني‬ ‫قريب‪ (.‬فل ينبغي‬ ‫أن يحضر بعد الدللة عليه وجود لي شيء‪ ،‬سوى‬ ‫الله سبحانه وتعالى! ولو كان هذا الداعي هو محمد‬ ‫رسول الله‪ .‬إن المسألة َفتَفعرّبدر توحيدس خالص! ل‬ ‫تعليم وتفقيه في حاجة إلى معلم أو فقيه‪ .‬أجيب دعوة الداعي إذا‬ ‫ي لعلهم يرشدون(‬ ‫دعان‪ .‬إن على الداعية أن يقود الناس إلى هذه‬ ‫الحقيقة العظيمة‪ ،‬ويتركهم بباب الله‪ ،‬فسيجدون‬ ‫الباب مفتوحا‪ ،‬والرب مرحبا! لن )العبادة( من حيث‬ ‫هي خضوع قلبي قبل أن تكون أفعال بدنية؛ إنما‬ ‫هي علقة مباشرة بين العباد المخبتين‪ ،‬التائبين‪،‬‬ .

..‫العابدين‪ ،‬والرب الملك‪ ،‬العظيم‪ ،‬الَفبر‪ ،‬الرحيم‪ ....‬لم يقل‪) :‬فقل لهم(‪ :‬إني قريب‪.‬إنها آية عجيبة‪ .‬آية تسكب في‬ ‫قلب المؤمن النداوة الحلوة‪ ،‬والود المؤنس‪ ،‬والرضى‬ ‫المطمئن‪ ،‬والثقة واليقين‪ ..‬‬ ‫‪(8‬‬ ‫وقد فصلنا هذا المعنى في كتابنا جمالية الدين‪) :‬ذلك‬ ‫أن الطريقة الغالبة في السؤال والجواب في‬ ‫القرآن ـ كما قرره علماء القرآن ـ أن يجيب الله‬ ‫عز وجل على أسئلة الناس بقوله تعالى لنبيه محمد‬ ‫‪) :‬قل(؛ إمعانا في ترسيخ نبوته‪ ،‬ورسالته إلى‬ ‫الناس‪ ،‬معلما ومربيا ورسول! وتلك خلصة )عقيدة‬ ‫التباع( في شهادة‪) :‬أن محمدا رسول الله(‪ ،‬وهو‬ ‫أغلب أسلوب القرآن في هذا الشأن‪ .‬وذلك نحو قوله‬ ‫تعالى‪) :‬يسألونك عن الهلة قل هي مواقيت للناس‬ ‫والحج()البقرة‪ (189:‬وقوله عز وجل‪) :‬يسألونك عن‬ ‫الشهر الحرام قتال فيه‪ ،‬قل قتال فيه كبير()البقرة‪:‬‬ ‫‪ (215‬وقوله أيضا‪) :‬يسألونك عن الخمر والميسر قل‬ ‫فيهما إثم كبير ومنافع للناس()البقرة‪ (217:‬وفي الية‬ ‫نفسها قوله سبحانه‪) :‬ويسألونك ماذا ينفقون قل‬ ‫العفو(‪ ،‬وكذا قوله تعالى‪) :‬ويسألونك عن اليتامى قل‬ ‫إصلح لهم خير()البقرة‪ (218:‬ومثله‪) :‬ويسألونك عن‬ ‫المحيض قل هو أذى()البقرة‪ (220:‬ثم قوله‪) :‬يسألونك‬ ‫عن النفال قل النفال لله والرسول()النفال‪(1:‬‬ ‫وقوله‪) :‬ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر‬ ‫ربي()السراء‪ (85:‬وقوله‪) :‬يسألك الناس عن الساعة‬ .‬فما‬ ‫للتنظيمات والحركات وهذا الشأن الذي لم يكن حتى‬ ‫للنبياء؟‬ ‫ولقد التقط الستاذ سيد قطب رحمه الله منها‬ ‫لطائف من َفرتوح الله فقال‪) :‬إضافة العباد إليه‪ ،‬والرد‬ ‫المباشر عليهم منه‪ ..‬ويعيش منها المؤمن في‬ ‫جناب رضي‪ ،‬وقربى ندية‪ ،‬وملذ أمين وقرار مكين‪)(.‬‬ ‫إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد‬ ‫السؤال‪ :‬قريب‪ (.) .

‬فليستجيبوا لي وليومنوا ب َف‬ ‫فإنما دور الداعي هنا أن يدعو الناس إلى ربهم‪،‬‬ ‫فإذا استجابوا؛ فيكفي أن يقول لهم في هذا المجال‬ ‫ن!()‪ (10‬كما قال النبي‪ ‬في‬ ‫خاصة‪) :‬حولها ن رد َفن تد ر ر‬ ‫حكمته البالغة!‬ ‫إن الدعوة إلى الله هي دعوة إلى اليمان بكل‬ ‫معانيه القرآنية‪ .(9‬‬ ‫وهذا هو الدور الول للدعاة اليوم! الدللة على الله‪،‬‬ ‫ل على التنظيمات والجمعيات والرسوم والشكال!‬ ‫فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع‬ ‫وانفصل‪ ..(63:‬ونحو ذلك‬ ‫كثير جدا‪ ،‬فل داعي للطالة‪.‫قل إنما علمها عند الله()الحزاب‪ ..‬أجيب دعوة الداعي إذا‬ ‫ي لعلهم يرشدون(‪..‬‬ ‫أما هؤلء فإنهم الن يسألون عن الله ذاته سبحانه‪،‬‬ ‫ل عن كيف يعبدونه! يسألون عن باب رضاه! إنه‬ ‫سؤال محبة وشوق ووجدان!()‪.‬إن التنظيم أو الحزب ـ سمه ما شئت!‬ ‫تعددت اللقاب والدور واحد! ـ يمكنه أن يدعو إلى‬ ‫مشروعه الجتهادي في السياسة‪ ،‬أو النقابة‪ ،‬أو‬ ‫الدارة أو القتصاد‪ .‬‬ ‫وإنما المهم عندنا هنا أن خلو هذه الية )وإذا سألك‬ ‫عبادي عني‪ (.‬وهذا مجال ل دخل للجتهاد البشري‬ ‫فيه؛ فوجب أن ينقطع الدور الدعوي فيه عند حدود‬ ‫الستجابة؛ ويشرع بعد ذلك في ما يخدم ذلك من‬ ‫التعليم والتكوين‪ .‬لكن الدعوة إلى التدين العام‬ ‫يجب أن تكون دعوة إلى الله وكفى! فالله قريب‬ ‫من كل من أحب السلوك إليه تعالى‪ .‬‬ ‫دعان‪ .‬من لفظ )قل( يدل على خصوص‬ ‫السؤال التي من )العباد(؛ ذلك أنهم هنا يسألون عن‬ ‫)معبودهم( ل عن كيف يعملون في أمور الدين! إذ‬ ‫أن قضايا العقيدة‪ ،‬والفقه‪ ،‬والحكام شأن الرسول‬ ‫المعلم‪ ،‬الذي بعث ليعلم الناس كيف يعبدون الله‪.‬واليمان إنما هو تعلق القلب بالله‬ ‫عز وجل بالغيب‪ .‬أما وأن يكون واسطة بين العبد‬ .‬ل حاجة له‬ ‫في لقب )جمعوي(‪ ،‬ول صك غفراني! )وإذا سألك‬ ‫عبادي عني فإني قريب‪ ..

‬‬ ‫فهذه القواعد الثل ث‪ ،‬ضرورية في كل ملة‪ ،‬على‬ ‫لسان كل رسول‪ .‬فأزر ّ‬ ‫الممالك كلها عليه‪ ..‬قال‪) :‬والرسل من أولهم إلى خاتمهم ـ‬ ‫صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين ـ أرسلوا بالدعوة‬ ‫إلى الله‪ ،‬وبيان الطريق الموصل إليه‪ ،‬وبيان حال‬ ‫المدعوين بعد وصولهم إليه‪.‬وهذا مقصود الدعوة‪ ،‬وزبدة‬ ‫الرسالة!‬ ‫القاعدة الثانية‪ :‬تعريفهم بالطريق الموصل إليه‪ .‬وهو‪:‬‬ ‫امتثال أمره‪ ،‬واجتناب نهيه‪ ،‬واليمان بوعده ووعيده‪.‬وينظرون إليه من فوق سماواته‪،‬‬ ‫على عرشه‪ ،‬يكلم ملئكته‪ ،‬ويدبر أمر مملكته‪،‬‬ ‫ويسمع أصوات خلقه‪ ،‬ويرى أفعالهم‪ ،‬وحركاتهم‪،‬‬ ‫ويشاهد بواطنهم‪ ،‬كما يشاهد ظواهرهم‪ .‬‬ .‬يأمر وينهى‪،‬‬ ‫ويرضى ويغضب‪ ،‬ويحب ويسخط‪ ،‬ويضحك من‬ ‫قنوطهم‪ ،‬وقرب رغَفيره‪ ،‬ويجيب دعوة مضطرهم‪،‬‬ ‫ويغيث ملهوفهم‪ ،‬ويعين محتاجهم‪ ،‬ويجير كسيرهم‪،‬‬ ‫ويغني فقيرهم‪ ،‬ويميت ويحيي‪ ،‬ويمنع ويعطي‪ ،‬يؤتي‬ ‫الحكمة من يشاء‪ ،‬مالك الملك‪ ،‬يؤتي الملك من‬ ‫يشاء‪ ،‬وينزع الملك ممن يشاء‪ ،‬ويعز من يشاء‪،‬‬ ‫ويذل من يشاء‪ ،‬بيده الخير‪ ،‬وهو على كل شيء‬ ‫مة المور كلها بيده‪ ،‬ومدار تدبير‬ ‫قدير )‪ (.‬فعّرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه‬ ‫وصفاته وأفعاله‪ ،‬تعريفا مفصل؛ حتى كأن العباد‬ ‫يشاهدونه سبحانه‪ ..‬وهو‬ ‫صراطه المستقيم‪ ،‬الذي نصبه لرسله وأتباعهم‪ .‫وربه؛ حتى يشعر العبد أن تعبده في إطار هذا‬ ‫التنظيم أفضل من تعبده في إطار ذاك؛ كما هو‬ ‫حاصل اليوم‪ ،‬مع السف؛ فذلك هو النحراف عينه!‬ ‫ولذلك قلنا وما زلنا نقول لخواننا في الحركات‬ ‫السلمية‪) :‬إنه يجب تأميم الدعوة إلى الله(!‬ ‫ولقد لخص العالم الرباني المام ابن القيم رحمه‬ ‫الله‪ ،‬معنى )الدعوة إلى الله( في نص نفيس تشد‬ ‫إليه الرحال‪ .

‬ولذلك كان‬ ‫اليمان قائما على إثبات التوحيد لله رب العالمين‪.‬‬ ‫من حيث كان هو مفتاح السر الكبير في طريق‬ ‫معرفة هذا الوجود‪ ،‬وكيفية إسناده لخالقه تعالى‪.‬نقتطف منها ما يلي‪ :‬قال‬ ‫رحمه الله‪ :‬إن )السير العظيمَف‪ :‬سمر التوحيد!()‪(12‬؛ إذ‬ ‫)التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود!()‪(13‬‬ ‫ومن هنا كان )أساس السلم هو التوحيد الخالص()‬ ‫‪ (14‬فالتوحيد هو المسلك الساس الذي يقود إلى‬ .‬وفي ذلك يجد المؤمن راحة وأي راحة‪ .‬فلم يزد ابن‬ ‫القيم على أن لخص لنا ذلك في هذه الكلمات؛‬ ‫تقريبا وتفسيرا‪.‬وهو ما‬ ‫تضمنه اليوم الخر من الجنة والنار‪ .‬وإذ ل باقي إل الله عز وجل‪ ،‬وإذ‬ ‫)كل من عليها فان()الرحمن‪ (24:‬بالقرآن والعيان؛‬ ‫فإن النسان يشعر بحاجة شديدة إلى الله الباقي؛‬ ‫ليتعلق بأسباب رحمته تعالى وبنور بقائه‪ .‬وبذلك أمرت‪ .‫القاعدة الثالثة‪ :‬تعريف الحال بعد الوصول‪ .‬وأنا أول المسلمين()النعام‪.‬إنها‬ ‫راحة النفس التواقة إلى معرفة )السر( الكوني‬ ‫الوجودي‪ ،‬الذي تعلم علم اليقين أنه عند الله وحده‬ ‫دون سواه‪ .‬‬ ‫ولقد كان للستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في‬ ‫هذا المقام كلمات مشرقة‪ .(11‬‬ ‫وإنما هذه هي كليات الدين الكبرى‪ .‬‬ ‫وجامع ذلك قول الله سبحانه‪) :‬قل إن صلتي‬ ‫ي لله رب العالمين‪ .(6:‬والنسان المتفكر‬ ‫في الوجود يجد نفسه محاطا بعالم من السرار‬ ‫والغوامض‪ .‬كما قررها‬ ‫القرآن الكريم‪ ،‬وفصلتها السنة النبوية‪ .‬قال سبحانه‪) :‬قل أنزله الذي يعلم السر‬ ‫في السماوات والرض()الفرقان‪ .‬وما قبل ذلك‬ ‫من الحساب‪ ،‬والحوض‪ ،‬والميزان والصراط()‪.(165:‬‬ ‫إن إسناد كل شيء إلى الله عز وجل‪ :‬العبادة‬ ‫والحياة والموت‪ ،‬يعني إسناد كل الوجود البشري إليه‬ ‫تعالى‪ .‬إل أن أعقدها بالنسبة إليه وأشدها عليه‪:‬‬ ‫سر الموت والحياة! وذلك من حيث إنه يكره الفناء‬ ‫ويعشق البقاء‪ .‬ل شريك‬ ‫ونسكي ومحيايت وممات ر‬ ‫له‪ .

(15‬‬ ‫ذلك أن )التوحيد الحقيقي‪ (.‬وبالمحيا والممات‪ .‬بالصلة وبالعتكاف‪ .‫الله‪ ،‬ويهب القلب طمأنينة السير بين مسالك الحياة‬ ‫والموت‪ ..‬وبذلك أمرت‪ .‬إنها‬ ‫تسبيحة )التوحيد( المطلق‪ ،‬والعبودية الكاملة‪ ،‬تجمع‬ ‫الصلة والعتكاف والمحيا والممات‪ ،‬وتلخصها لله‬ ..(165:‬‬ ‫قال سيد قطب رحمه الله في تفسيرها‪) :‬إنه التجرد‬ ‫الكامل لله‪ ،‬بكل خالجة في القلب‪ ،‬وبكل حركة في‬ ‫الحياة‪ .‬قال بديع الزمان‪) :‬التوحيد‬ ‫الحقيقي‪ :‬وهو اليمان بيقين أقرب ما يكون إلى‬ ‫الشهود‪ ،‬بوحدانيته سبحانه؛ )‪ (.‬ل شريك له‪ .(16‬‬ ‫من هنا كانت الدعوة إلى الله في جوهرها دعوة‬ ‫إلى التوحيد الحق‪ ،‬حيث ل وسائط تنظيمية ول‬ ‫شعارية انتمائية‪ ،‬ول أوثان‪ ،‬ول أشياخ‪ ،‬ول أوتاد‪ ،‬ول‬ ‫أبدال‪ ،‬وإنما هنالك الله الواحد القهار! فالدعوة إليه‬ ‫تعالى‪ :‬دعوة إلى توحيد الوجهة إليه‪ ،‬اعتقادا وعبادة؛‬ ‫حتى تحصل الغاية من الخلق‪ ،‬التي هي جماع‬ ‫مقاصد النبياء والرسل‪ ،‬المحجة البيضاء التي ل يزيغ‬ ‫عنها إل هالك‪ :‬وصل الخلق بالخالق‪ ،‬وصل خضوع‬ ‫وإخبات مطلق‪ ،‬مما ذكرنا ـ قبل ـ من قوله تعالى‪:‬‬ ‫ي لله رب‬ ‫)قل إن صلتي ونسكي ومحيايت وممات ر‬ ‫العالمين‪ .‬فالتوحيد الحقيقي‪ :‬إنما هو‬ ‫حكم وتصديق‪ ،‬وإذعان وقبول‪ ،‬بحيث يمكن المرء‬ ‫من أن يهتدي إلى ربه من خلل كل شيء‪ ،‬ويمكنه‬ ‫من أن يرى في كل شيء السبيل المنورة التي‬ ‫توصله إلى خالقه الكريم‪ ،‬فل يمنعه شيء قط عن‬ ‫سكينة قلبه واطمئنانه‪ ،‬واستحضاره لمراقبة ربه!()‬ ‫‪.‬وأنا أول‬ ‫المسلمين()النعام‪.‬بالشعائر‬ ‫التعبدية‪ ،‬وبالحياة الواقعية‪ ،‬وبالممات وما وراءه‪ .‬إنه البلسم الرباني لداء الغفلة والحيرة‬ ‫والشعور المرضي بالعبثية‪ ..) :‬هو أسمى من مجرد‬ ‫المعرفة التصورية بكثير‪ .‬إيمانا يهب لصاحبه‬ ‫الطمئنان الدائم‪ ،‬وسكينة القلب؛ لرؤيته آية قدرته‪،‬‬ ‫وختم ربوبيته‪ ،‬ونقش قلمه على كل شيء()‪..

‬بل يجب أن يدعو إلى‬ ‫ما هو عليه من صفات‪ ،‬بها انتسب إلى مجتمع‬ ‫المسلمين! ولذلك قال‪) :‬وقال‪ :‬إنني من المسلمين(‬ ‫على سبيل الندما ج في المجتمع بصلحه الذي‬ ‫انتصب به داعيا إلى الله‪ ،‬ل أن يتميز )بخروجه( أو‬ ‫)تكفيره( أو )تجهيله(! بل يتميز بتواضعه ومشاركته‬ ‫للمة في الحق‪ ،‬وإعانته لها على دفع الباطل‪..‬وبذلك أمرت(‪ ..‬القوام المهيمن‪ ،‬المتصرف‬ ‫المربي‪ ،‬الموجه الحاكم للعالمين‪ ..‬في )إسلم( كامل‪،‬‬ ‫ل يستبقي في النفس‪ ،‬ول في الحياة بقية؛ ل يعبدها‬ ‫لله‪ ،‬ول يحتجز دونه شيئا‪ ،‬في الضمير‪ ،‬ول في‬ ‫الواقع‪) ..(17‬‬ ‫فأي لو ث )حركي انتمائي( يكدر صفو هذا الجمال؛ ل‬ ‫يكون ـ في أحسن أحواله ـ إل شركا خفيا! ول‬ ‫أقصد ـ مرة أخرى ـ أن العمل الدعوي التنظيمي‬ ‫بدعة من البدع‪ ،‬وإنما القصد أن الممارسة الدعوية‬ ‫الصادرة عنه؛ ل يجوز ـ بأي حال من الحوال ـ أن‬ ‫تنبني على قصد التلبيس النتمائي للمة‪ ،‬في طريق‬ ‫التعبد الخالص‪ ،‬ودللة الخلق على الخالق‪ .‬فما أهلك‬ ‫التنظيمات السلمية ـ في كثير من الحيان ـ إل‬ ‫التنابز بالسماء واللقاب‪ ،‬والنتصار للشعارات‬ ‫والقطاب!‬ ‫وإذن؛ ألم يان للحركات السلمية أن تنطلق في‬ ‫)دعوتها(؛ داعية إلى الله! ثم داعية إلى الله! ثم‬ ‫داعية إلى الله‪ .‬لله )رب العالمين(‪ ..‫وحده‪ .‬‬ ‫ومن هنا يكون الداعية إلى الله‪ ،‬إنما يقود المجتمع‬ ‫من داخله‪ ،‬ل من خارجه! وما أحكمها كلمة ما فتئ‬ ‫الدكتور أحمد الريسوني)‪ (18‬يجيب بها؛ متى سئل‬ .(33:‬‬ ‫هكذا‪) :‬وعمل صالحا وقال‪ :‬إنني من المسلمين(؛ حتى‬ ‫ل يكون ممن يقول ول يفعل‪ .‬فسمعت وأطعت‪) :‬وأنا أول‬ ‫المسلمين()‪.‬دعوة خالصة لله! فإنما قال الله عز‬ ‫من قائل‪) :‬ومن أحسن قول ممن دعا إلى الله‬ ‫وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين()فصلت‪.

‬الحجرات‪ .‬قال رحمه الله‪:‬‬ ‫سل‪ .‬إن الله‬ ‫ل يهدي القوم الكافرين()المائدة‪ .‬‬ ‫المبحث الثالث‪ :‬بعث الرسالة القرآصنية‪:‬‬ ‫ونجيب ـ ضمنه ـ عن سؤال ضروري‪ :‬لماذا كان‬ ‫وصف البيان الدعوي بـ)القرآني(؟‬ ‫ذلك أن تجديد الدين يعني )بعثة( جديدة‪ .‬فكان‬ ‫كتاب الله بين يديه هو )متن الرسالة( التي كلف‬ ‫بتبليغها إلى الناس‪ .‬‬ ‫فيقول‪) :‬يميزنا عدم التميز(‪.(69:‬وقال سبحانه‪:‬‬ ‫)محمد رسول الله(الية‪) .‬‬ ‫ومن هنا كانت حقيقة الدعوة السلمية‪ :‬تبليغ القرآن‬ ‫للناس‪ .‬وهذه هي الطبيعة‬ ‫الصيلة للقرآن الكريم‪ :‬الرسالية!‬ ‫ولبن القيم في ذلك كلم جيد جدا‪ .(29:‬وقال عز‬ ‫وجل‪) :‬قل إني لن يجيرني من الله أحد ب ولن أجد‬ ‫من دونه ملتحدا إل بلاغا من الله ورسالته()الجن‪22:‬‬ ‫ـ‪.‬بشيرا ونذيرا للعالمين‪ .‬وإنما بعث‬ ‫محمد‪ ‬بالقرآن الكريم‪ .‫من لدن شباب الحركة السلمية‪) :‬ما الذي يميزنا؟(‪.(23‬‬ ‫هذا هو جوهر الوظيفة المحمدية‪ .‬فإن قيل‪ :‬إن القرآن اليوم قد بلغ إلى العالم‬ ‫بأسره؛ فيلزم عن ذلك أن الدعوة قد استنفدت‬ ‫أغراضها! قلت‪ :‬ليس التبليغ المقصود مجرد إيصال‬ ‫النص وحسب! ولكنه تبليغ مفاهيم اليمان به إلى‬ .‬فإذا لم‬ ‫)فإن حقيقة الرسالة‪ :‬تبليغ كلم المر ر‬ ‫م كلم فماذا يبلغ الرسول؟ بل كيف يعقل‬ ‫يكن ث َف ي‬ ‫كونه رسول؟ ولهذا قال غير واحد من السلف‪ :‬من‬ ‫أنكر أن يكون الله متكلما‪ ،‬أو يكون القرآن كلمه؛‬ ‫فقد أنكر رسالة محمد‪ ،‬بل ورسالة جميع الرسل‪،‬‬ ‫التي حقيقتها‪ :‬تبليغ كلم الله تبارك وتعالى‪(19)(.‬والله يعصمك من الناس‪ .‬ومن هنا فإنما كان تعامله‪ ‬مع‬ ‫القرآن من حيث هو )رسالة( بالدرجة الولى‪ ،‬يحمل‬ ‫الهداية إلى العالمين! وبذلك سمي محمد‪) :‬رسول(‪،‬‬ ‫على سبيل التكليف؛ فقال له الله عز وجل‪) :‬يا أيها‬ ‫الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك! وإن لم تفعل‬ ‫فما بلغت رسالته‪ .

‬وإذ يعرضه على الناس‬ ‫كذلك؛ فإنه يكون وقعه كأنما يسمعونه لول مرة!‬ ‫لنهم يسمعونه ويرونه حركة تفيض بالحياة! تلك هي‬ ‫)البعثة( حقا في تجديد الدين‪ ،‬وإل فالقرآن هو‬ ‫القرآن والسلم هو السلم‪ ،‬ولكن القلوب هي التي‬ ‫كلت وعميت؛ لما طال عليها المد‪ ،‬وتفرقت بها‬ ‫الهواء! قال عز وجل‪) :‬ألم يان للذين آمنوا أن‬ ‫تخشع قلوبهم لذكر الله‪ ،‬وما نزل من الحق‪ ،‬ول‬ ‫يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؛ فطال عليهم‬ ‫المد؛ فقست قلوبهم‪ ،‬وكثير منهم فاسقون!()الحديد‪:‬‬ ‫‪.‬الذي يجد ما يجد من لذة القرآن‪،‬‬ ‫الخرل ر‬ ‫ر‬ ‫فيعب منه بل انقطاع‪ ،‬ما يروي مواجيده‪ ،‬وينير‬ ‫بصيرته‪ ،‬ويعمر قبله؛ فإذا به ل ينطق إل بهدي‬ ‫القرآن ول يتحرك إل بنوره‪ .‬فالداعية‬ ‫إذن مبلغ متفاعل متأثر ل مردد للنص أو مستظهر‬ ‫له وكفى! كل! إن الدعوة القرآنية‪ :‬أن تنزل إلى‬ ‫الناس بمفاهيم القرآن في العقيدة والعبادة‬ ‫والسلوك‪ ،‬تبشر وتنذر به‪ ،‬تاليا له ومستشهدا به!‬ ‫فهو حجة الله على عباده‪ .‬فحينئذ يكون القرآن‬ ‫متحركا من خللك‪ .‬فيراه الناس فيك ـ كما يسمعونه‬ ‫منك ـ سلوكا ومواقف! وتلك إذن )تلوته حق تلوته(‪،‬‬ ‫كما قال عز وجل‪) :‬الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق‬ ‫تلوته أولئك يومنون به‪ .(120:‬ولذلك فعندما سئلت عائشة‬ ‫رضي الله عنها عن خلق النبي‪‬؛ قالت‪) :‬كان خلقه‬ ‫القرآن()‪.‫الناس‪ ..‬ومن يكفر به فأولئك هم‬ ‫الخاسرون!()البقرة‪ .(20‬‬ ‫ق الحي‪ .‬اليمان من حيث هو إحساس ووجدان‪ ،‬وبقدر‬ ‫درجة اليمان وفيض الوجدان يكون التبليغ‪ .‬ينزل‬ ‫عليهم مرة أخرى من جديد! عبر )بعثة( تحيي فيهم‬ ‫كل موات! ينزل عليهم؛ عبر الدعاة إلى الله‪ ،‬الدعاة‬ ‫الربانيين‪ ،‬المتفاعلين به‪ ،‬المستمدين لنوره‪،‬‬ ‫والمتكلمين بمفاهيمه‪ .‬يتنزل سورة سورة وآية آية؛‬ .(15‬‬ ‫إن الناس في حاجة شديدة إلى القرآن الكريم‪ .

‬يجب أن يثيروا حركة‬ ‫واسعة للتنقيب فيه عن معادنه‪ ،‬والبحث عن درره‬ ‫وأسراره! لمعرفة مقاصد الرسالة فيم أرسلت؟‬ ‫ولمه؟‬ ‫إن أغلب المسلمين اليوم ل يعرفون القرآن! نعم ها‬ ‫هو ذا المصحف في كل مكان؛ ولكن قل من يعرف‬ ‫)القرآن(! ومن هنا وجب على الدعاة أن يقوموا‬ ‫بالتعريف به! فمن عرف القرآن عرف الله؛ ووصل‬ ‫إلى غاية )الرسالة(! ومعرفة الله هي القضية‬ ‫الوجودية الكبرى‪ .‬فيا حسرة‬ ‫على الناس! لو علموا‪ :‬ما القرآن!‪) ..‬وهي أساس مشكلة المسلمين‬ ‫اليوم! )أفل يتدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها؟(‬ ‫)محمد‪ .‬لو أنزلنا هذا‬ ‫القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية‬ ‫الله‪ .(24:‬وقلب مقفل مغلق لن يرى من الفاق‬ ‫شيئا! سيبقى في حدود )أشيائه(‪ ،‬تافه الشعور‬ ‫والحساس حتى يموت‪ ،‬كما تموت البهائم! ل يدري‬ ‫من حقائق وجوده شيئا!‬ ‫والقرآن هو )السر العظم( في هذا الدين‪ ..‬إلخ!‬ ‫يجب أن يكون هو حديثهم الذي ل يسأمون منه‪،‬‬ ‫واشتغالهم الذي ل يفترون عنه‪ .(21:‬‬ ‫إن القرآن رسالة‪ .‬والدعوة إلى الله إنما هي تبليغ‬ ‫هذه الرسالة‪ ..‬‬ ‫المر ر‬ ‫وإنما تتحدد قيمة الرسالة بتحديد قيمة )المرسل(؛‬ .‫يتنزل على نوازلهم‪ ،‬وقضاياهم‪ ،‬وسائر شؤونهم‬ ‫النفسية والجتماعية‪ ،‬يتحرك به الدعاة في كل‬ ‫مكان‪ ،‬على أنه‪) :‬رسالة الله( إليكم! أنتم أيها الناس!‬ ‫فردا فردا‪ ،‬وأسرة أسرة‪ ،‬ومؤسسة مؤسسة‪.‬وتلك المثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون(‬ ‫)الحشر‪.‬وإل فل تبليغ! وكل داعية خال‬ ‫من الحرارة الوجدانية تجاه القرآن هو آلة معطلة‬ ‫مقفلة غير صالحة للتبليغ!‬ ‫ويتصور في )الرسالة( ـ أي رسالة ـ أربعة أركان‪:‬‬ ‫س ر‬ ‫ل‪ ،‬والرسول‪ ،‬والمرسل إليه‪ ،‬ومتن الرسالة‪.‬وإنما يتم )التبليغ( بإتمام اليصال إلى‬ ‫المحل المرسل إليه‪ .

‬ثم يجب أن تكون الكلمة المعروضة على‬ ‫الناس؛ تدور حوله وترجع إليه‪ .‬‬ ‫بهذا العتبار يجب أن يتلقى القرآن الكريم؛ وإذن‬ ‫يكون له في النفس شأن آخر!‬ ‫إن محمدا بن عبد الله لم يكن يملك قبل )البعثة(‬ ‫شيئا؛ حتى قضى الله )بإحياء( الرض بعد موتها؛‬ ‫فأرسل إليه وهو بغار حراء بضواحي مكة أن‪):‬إقرأ!(‬ ‫فقال سبحانه‪) :‬إقرأ باسم ربك الذي خلق(اليات‬ ‫)العلق‪ .‫ولذلك فقد جرت العادة البشرية أن المرسل إليه‬ ‫ينظر في الرسالة ـ أول ما ينظر ـ إلى‪) :‬من‬ ‫أرسلها؟( أي إلى المرسل‪ ،‬من هو؟ إذ بمعرفة الجهة‬ ‫المرسلة تتحدد قيمة الرسالة المتوصل بها‪.(4:‬فنزل إلى‬ ‫المجتمع البشري يبشر وينذر بالحقيقة القرآنية‬ ‫الكبرى! معتصما بتوجيهات الرحمن مما نزل عليه في‬ ‫بيان أصول دعوته‪ ،‬من قوله تعالى‪) :‬يا أيها المدثر!‬ ‫قم فأنذر! وربك فكبر! وثيابك فطهر! والرجز فاهجر!‬ ‫ول تمنن تستكثر! ولربك فاصبر!( )المدثر‪1:‬ـ‪.‬إن الدعوة يجب أن تحمل )كلمة الله(‬ ‫إلى الناس كما نزلت‪ .(1:‬ومنذ ذلك الحين ومحمد بن عبد الله‬ ‫يحمل )عزم( الرسالة ومهمة التبليغ الثقيلة‪) :‬إنا‬ ‫سنلقي عليك قول ثقيل( )المزمل‪ .‬باعتباره أساس‬ ‫التدين‪ ،‬ومادة السلم الولى في الربط بالله‬ ‫والهداية إليه‪ .(7‬‬ ‫ومن حينها وهو صلى الله عليه يعتمد القرآن أساسا‪:‬‬ ‫فهو متن الرسالة‪ ،‬وهو الحجة‪ ،‬وهو الدليل‪ ،‬وهو‬ ‫الصاحب‪ ،‬وهو النيس‪ ،‬وهو الدواء وهو الشفاء بإذن‬ ‫الله‪.‬‬ ‫إن القرآن لبد أن ينزل من جديد إلى الناس في‬ ‫المجتمع‪ ،‬يطرق البواب والمؤسسات‪ ،‬ويدخل البيوت‪،‬‬ ‫مثل النور الذي يتدفق ـ عند الشروق ـ برفق إلى‬ ‫كل فج وواد‪ .‬بل تبديل‪ ،‬ول تغيير‪ ،‬ول حذف‪،‬‬ ‫ول إضافة‪ .‬أليس هو متن الرسالة؟ إذن يجب أن‬ ‫يبلغ!‬ .

‬فمن أشهر ما روي‬ .‬فتأمل!‬ ‫إن للقرآن تأثيرا خاصا‪ .‬فقد روي‬ ‫عنه أنه قال‪) :‬خرجت أبغي رسول الله‪ ‬قبل أن‬ ‫أسلم‪ ،‬فوجدته قد سبقني إلى المسجد‪ ،‬فقمت‬ ‫خلفه‪ ،‬فاستفتح سورة الحاقة‪ ،‬فجعلت أعجب من‬ ‫تأليف القرآن‪ ،‬قال فقلت‪ :‬هذا والله شاعر كما قالت‬ ‫قريش! قال‪ :‬فقرأ‪) :‬إنه لقول رسول كريم وما هو‬ ‫بقول شاعر قليل ما تؤمنون( قلت‪ :‬كاهن‪ .‫ومن هنا ما كان عليه الصلة والسلم يدعو‬ ‫الناس إل به وإليه! يعرضه على كل باد‪ ،‬ويقرؤه في‬ ‫كل ناد؛ حتى آمن به من آمن‪ ،‬وكفر به من كفر‪.‬‬ ‫فقد جاء في قصة إسلم أبي ذر الغفاري رضي الله‬ ‫عنه ـ في نص طويل ـ لما قدم مستخفيا على‬ ‫النبي‪ :‬أنه دخل عليه )فسمع قوله وأسلم مكانه!()‬ ‫‪(22‬‬ ‫ومهم جدا ـ في هذا السياق ـ أن نعرف أثر القرآن‬ ‫أيضا؛ فيمن لم يسلم من العرب الذين عرضه عليهم‬ ‫رسول الله‪ ،‬وأسمعهم إياه‪ .(21‬‬ ‫وأضراب هذه الرواية كثير في قصص إسلم‬ ‫الصحابة‪ ،‬مما أورده ابن هشام في السيرة وغيره‪.‬قال‪) :‬ول‬ ‫بقول كاهن قليل ما تذكرون تنزيل من رب‬ ‫العالمين( إلى آخر السورة‪ .‬وهذه‬ ‫حقيقة كبرى تواترت روايتها بالمعنى تواترا استقرائيا‪،‬‬ ‫من حواد ث شتى‪ .‬قال‪ :‬فوقع السلم من‬ ‫قلبي كل موقع()‪.‬‬ ‫وتبين الحق من الباطل‪ .‬‬ ‫وما زالت قصة إسلم عمر بن الخطاب رضي الله‬ ‫عنه مثال عجيبا لمحورية القرآن الدعوية‪ .‬لو تنبه إليه الناس اليوم؛‬ ‫لكفاهم مؤونة )البرمجة( الدعوية الثقيلة والبطيئة‪،‬‬ ‫ورتابة التخطيط التربوي العقيم! إن قصص إسلم‬ ‫الصحابة الوائل لجديرة بالتأمل‪ ،‬والتدبر‪ ،‬سواء ممن‬ ‫أسلم على يدي الرسول‪‬؛ أو من أسلم على يدي‬ ‫سفرائه‪.‬فما أسلم أغلب من أسلم‬ ‫من المسلمين حينها إل بعد سماع القرآن‪ .

‬‬ ‫فتأثر به أثرا بالغا ولم يسلم! فعن ابن عباس رضي‬ ‫الله عنهما‪) :‬أن الوليد بن المغيرة جاء رسول الله‪،‬‬ ‫فقرأ عليه القرآن‪ ،‬فكأنه رقد له‪ ،‬فبلغ ذلك أبا جهل‬ ‫فأتاه فقال‪ :‬يا عم‪ ،‬إن قومك يريدون أن يجمعوا لك‬ ‫م؟ قال‪ :‬ليعطوكه‪ ،‬فإنك أتيت محمدا‬ ‫مال‪ .‬فقال له‬ ‫ما قال‪ ،‬ثم قال له رسول الله‪) :‬أفرغت؟ قال‪:‬‬ ‫نعم‪ .(23‬‬ ‫ومن أشهر الروايات في ذلك أيضا‪ ،‬وأطرفها؛ قصة‬ ‫الوليد بن المغيرة إذ عرض عليه النبي‪ ‬القرآن‪.‬فقال ل َف‬ ‫لتعرض ما قبله‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فقل فيه قول يبلغ قومك أنك منكر له!‬ ‫قال‪ :‬وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف‬ ‫بالشعار مني‪ ،‬ول أعلم برجزه‪ ،‬ول بقصيده مني‪ ،‬ول‬ ‫بأشعار الجن‪ .‬‬ ‫قال‪ :‬قد علمت قريش أني من أكثرها مال‪.‬يأثره عن غيره؛ فنزلت‪):‬ذرني‬ ‫ومن خلقت وحيدا‪ ،‬وجعلت له مال ممدودا‪ ،‬وبنين‬ ‫شهودا‪ ،‬ومهدت له تمهيدا(()‪(24‬‬ ‫وكذلك كان سفراء النبي‪ ‬في تبليغ الرسالة؛ اقتداء‬ ‫به عليه السلم يعرضون السلم من خلل القرآن‬ ‫كما كان شأن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم‪،‬‬ ‫عندما هاجرا إلى المدينة‪ ،‬قبل رسول الله‪،‬‬ ‫يدعوان الناس إلى السلم بالقرآن مبلغين رسالت‬ .‬قال‪ :‬فقال رسول الله‪) :‬حم‪ .‫في ذلك مثل‪ :‬قصة مفاوضة قريش للنبي عليه‬ ‫السلم‪ ،‬عبر رسولها أبي الوليد عتبة بن ربيعة‪ .‬والله ما يشبه الذي يقول شيئا من‬ ‫هذا! والله إن لقوله الذي يقول لحلوة‪ ،‬وإن عليه‬ ‫لطلوة‪ ،‬وإنه لمثمر أعله‪ ،‬ومغدق أسفله‪ ،‬وإنه ليعلو‬ ‫ول يعلى عليه‪ ،‬وإنه ليحطم ما تحته!‬ ‫قال‪ :‬ل يرضى عنك قومك حتى تقول فيه‪.‬تنزيل من‬ ‫الرحمن الرحيم( حتى بلغ )فإن أعرضوا فقل أنذرتكم‬ ‫صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود(()‪.‬‬ ‫قال‪ :‬قف عني حتى أفكر فيه‪ ،‬فلما فكر‪ ،‬قال‪ :‬إن‬ ‫هذا إل سحر يؤثر‪ .‬إذ‬ ‫كلمه في أن يكف عن تسفيه أحلم الكفار‪ .

‬ثم قال‪ :‬ما أحسن هذا الكلم وأجمله! كيف‬ ‫تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟()‪.‫الله من خلل كلمات الله‪ ،‬فعن البراء بن عازب‬ ‫رضي الله عنه قال‪) :‬أول من قدم علينا من أصحاب‬ ‫النبي‪ ‬مصعب بن عمير وابن أم مكتوم‪ ،‬فجعل‬ ‫يقرئاننا القرآن!()‪(25‬‬ ‫ومما روي عن مصعب بن عمير إذ جاء به أسعد بن‬ ‫زرارة إلى حائط بني ظفر‪ ،‬فجعل يقرئ الناس‬ ‫القرآن‪ ،‬فقصده كل من أسيد بن حضير‪ ،‬وسعد بن‬ ‫معاذ‪ ،‬كل على حدة‪ .‬فقال فيما يذكر عنهما‪ :‬والله لعرفنا‬ ‫في وجهه السلم قبل أن يتكلم‪ ،‬في إشراقه‬ ‫وتسهله‪ .(26‬‬ ‫فهذه النصوص ـ ونحوها في كتب السير والمغازي‬ ‫كثير ـ كلها تثبت أمرا مشتركا واحدا‪ :‬هو أن مدار‬ ‫الدعوة السلمية في زمانه‪‬؛ كان هو القرآن‬ ‫الكريم‪ .‬‬ ‫والحركة التي ل تحتفل بالقرآن احتفال‪ ،‬ول تتداوله‬ ‫في خطابها ودعوتها‪ ،‬تداو َف‬ ‫ل تدبر وتفقه‪ ،‬ول تجعله‬ ‫من أولى أولوياتها في خطاب الناس‪ ،‬ودعوتهم إلى‬ ‫الله؛ حركة بعيدة عن الصبغة القرآنية‪ ،‬والسنة النبوية‬ .‬قال‪ :‬أنصفت‪،‬‬ ‫ثم ركز حربته وجلس إليهما‪ ،‬فكلمه مصعب بالسلم‬ ‫وقرأ عليه القرآن‪ .‬وكلهما سيد قومه‪ .‬وكلهما‬ ‫مشرك على دين قومه‪ .‬ذلك أنه هو متن الرسالة كما ذكرنا‪،‬‬ ‫وموضوع التبليغ من رب العالمين؛ إلى العالمين!‬ ‫إن حديث الرسول‪) :‬إن العلماء ورثة النبياء()‪(27‬‬ ‫واضح في هذه المسألة‪ .‬ذلك أن وظيفة النبياء هي‬ ‫تجديد الدين بالوحي‪ ،‬كما أن وظيفة العلماء هي‬ ‫تجديد الدين بالعلم‪ ،‬وإنما علم العلماء مورو ث عن‬ ‫الوحي؛ فالعلماء إذن امتداد للنبياء بهذا المعنى‪.‬وإنما كانا يريدان طرد‬ ‫الرجلين من الحائط‪ ،‬فكان كلهما يقول لمصعب‬ ‫وأسعد بن زرارة‪) :‬ما جاء بكما إلينا تسفهان‬ ‫ضعفاءنا؟ اعتزلنا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة!‬ ‫فقال له مصعب‪ :‬أوَف تجلس فتسمع‪ ،‬فإن رضيت أمرا‬ ‫قبلته؛ وإن كرهته كف عنك ما تكره‪ .

(79:‬ورحم الله‬ ‫سو َف‬ ‫ال تك رَفتا َف‬ ‫م ت َفد ترر ر‬ ‫كنت ر ت‬ ‫ب وَفب ر َف‬ ‫الشيخ محمد الغزالي! فقد كانت له كلمات تشد إليها‬ ‫الرحال! قال في مثل ما نحن فيه من سياق‪:‬‬ ‫)القرآن هو القرآن‪ .‬‬ ‫ومعلوم أن كثيرا من الحركات السلمية اليوم قد‬ ‫صار خطابها يشدو خار ج سرب القرآن! والخطير في‬ ‫المر؛ أنه قد يكون ذلك بسبب انشغالها عن كلم‬ ‫الله؛ بكلم أشياخها‪ ،‬وأقطابها‪ .‬فمن أخطأ القرآن فقد‬ ‫أخطأ المفتاح!‬ ‫وإنما يؤخذ القرآن بمنهج القرآن‪ ،‬الذي تجمعه هذه‬ ‫ما ر‬ ‫كن ر‬ ‫ن‬ ‫الية العظيمة‪) :‬وَفَفلـ ر‬ ‫مو َف‬ ‫م ت رعَفل ي ر‬ ‫كنت ر ت‬ ‫ن ب ر َف‬ ‫كورنوا ت َفريبان رييي َف‬ ‫ما ر‬ ‫ن()آل عمران‪ .‬‬ ‫والقرآن هو مفتاحها الساس‪ .(33‬ولعمري تلك هي القضية!‬ ‫إصننا في كحاجة شديدة إلى مدرسة قرآصنية في‬ ‫فقه الدين وفقه الدعوة‪ ،‬تقوم على إعادة‬ ‫العتبار لكتاب الله بين المسلمين أول‪،‬‬ ‫باعتباره أساس الخطاب اللهي للصنسان!‬ ‫وباعتباره الوثيقة الولى التي تتضمن هندسة‬ ‫العمران السلمي لبناء النفس والمجتمع‪.‬فبدل أن تدعو إلى‬ .‬لكن ‪ -‬إلى الن! ‪ -‬أين‬ ‫المتدبرون؟()‪ .‬والدعوة إنما مجالها النفس النسانية‪.‬إنه ل شيء أقدر‬ ‫من القرآن على بناء النسان! عقيدة وعبادة وسلوكا‬ ‫اجتماعيا‪ .‫في الدعوة إلى الله؛ وذلك واحد من السباب‬ ‫الرئيسة في انحصار خطابها في دائرة محدودة‬ ‫ومغلقة؛ لن القرآن وحده هو الذي يفتح أبواب‬ ‫النفس والفاق! وهو وحده الكفيل بربط القلوب‬ ‫بالله! قال رسول الله‪) :‬كتاب الله هو حبل الله‬ ‫الممدود من السماء إلى الرض!()‪ (28‬ألم يقل الله‬ ‫عز وجل‪) :‬إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم(‬ ‫)السراء‪(9:‬؟ )التي هي أقوم( في الدعوة كما في‬ ‫الدين!‬ ‫إن على الداعية أن يخر ج إلى الناس حامل كتاب‬ ‫الله‪ ،‬رسالة إليهم‪ ،‬يخاطبهم بها في كل شؤونهم؛‬ ‫عسى أن يهدي الله به من يشاء‪ .

‬وليس‬ ‫مقدمة من مقدماته وإنما هو نتيجة من نتائجه! ول‬ ‫هو عمل مفتاحي في المشروع السلمي الشامل‪،‬‬ ‫وإنما هو وسيلة تبعية من وسائله‪ ..‬عنها يجب أن‬ ‫تتفرع سائر العمال والقوال‪.‬‬ ‫وذلك أن الدين ـ كل الدين ـ )صلة(‪ .‬‬ ‫وتفصيل ذلك هو كالتي‪:‬‬ ‫وذلك أن العمل السياسي‪ ،‬والصلح الدستوري‬ ‫والقانوني ـ كما سبق بيانه ـ ليس أصل من أصول‬ ‫العمل الدعوي‪ ،‬وإنما هو فرع من فروعه‪ .‬ومن هنا كانت‬ ‫)الدعوة إلى الله( هذا المفهوم الذي صار منتقصا ـ‬ ‫مع السف الشديد ـ لدى بعض السلميين الذين‬ .(25‬‬ ‫المبحث الرابع‪ :‬التجديد الديني ومراتب‬ ‫الولويات الدعوية‪:‬‬ ‫وى‪ ،‬نحددها ابتداء‪،‬‬ ‫ننطلق في هذا المبحث من دع َف‬ ‫قبل الستدلل عليها؛ وهي كما يلي‪:‬‬ ‫العمل السلمي التجديدي‪ :‬إنما هو عمل للدين قبل‬ ‫الدولة‪ ،‬وطلب للقرآن قبل السلطان‪.‬ومن‬ ‫هنا كانت الصلة ـ باعتبارها الرمز الول للتعبد ـ هي‬ ‫مركز المشروع الدعوي السلمي‪ .‫ربها تدعو إلى ذاتها وأعتابها! وتلك إذن وثنية من‬ ‫الوثنيات الباطنة! كما قد يكون ذلك بسبب اعتقادها‬ ‫بضرورة )تجديد الخطاب(؛ فتجدد كل شيء حتى‬ ‫تجدد ثوابتها! وتلك علمانية من العلمانيات الخفية!‬ ‫وإذن؛ يضيع الخطاب القرآني بينهما!‬ ‫ذلك هو القرآن‪ .‬ذلك هو الحياة! )يا أيها الذين آمنوا‬ ‫استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم!‬ ‫واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه! وأنه إليه‬ ‫تحشرون! واتقوا فتنة ل تصيبن الذين ظلموا منكم‬ ‫خاصة! واعلموا أن الله شديد العقاب!()النفال‪24:‬ـ‬ ‫‪.‬نعرضهما مندمجين‪.‬‬ ‫ونسلك في الستدلل على ذلك مسلكين اثنين‪:‬‬ ‫أحدهما شرعي‪ ،‬والخر اجتماعي‪ .‬أي أن الدين‬ ‫)كلية كبرى( والعنصر المفتاحي لها هو‪ :‬الصلة‪ .

‬هذه حقيقة مهمة جدا‪ ،‬فمن أخطر أخطاء‬ ‫العمل السلمي المعاصر الوقوع في َث‬ ‫شَثر ك‬ ‫تحزيب السلم! إن )المشاركة السياسية( مفهوم‬ ‫له صيغ متعددة لتحقيق مناطه في مجال التدافع‬ ‫السياسي‪ ،‬أصحها وأقربها إلى الحق ما ضمن‬ ‫المحافظة على الجوهر التعبدي للعمل السياسي‪،‬‬ ‫والعمق الدعوي لخطابه ومواقفه؛ هدفا ووسيلة‪،‬‬ ‫وضمن الستيعاب الجتماعي الكلي‪ ،‬الذي ل يلغي ‪-‬‬ ‫بطبيعته الرسالية والتنظيمية ‪ -‬المنتمين إلى سائر‬ ‫الهيآت السياسية والجتماعية‪ .(34‬‬ ‫إن السلم دين أول‪ ،‬ودولة ثانيا! وإنما الدولة إطار‬ ‫لضمان شمولية التدين في المجتمع‪ .‬إ ر ي‬ ‫حو َف‬ ‫صال ر ر‬ ‫عَفباد ريَف ال ي‬ ‫ن اتلتر َف‬ ‫ر‬ ‫ل َفب َفَفل ً‬ ‫ن( )النبياء‪105:‬ـ‪.‫اندست )العلمانية( في لشعورهم؛ هو الجوهر‬ ‫الحقيقي لوظيفة العمل السلمي‪ .‬ومن هنا وجب‬ ‫أن نضع في العتبار أن هياكل الدولة الحديثة‪،‬‬ .‬إن للحركات السلمية أن تمارس‬ ‫حقها في التعبير السياسي‪ ،‬وتدفع في اتجاه إقامة‬ ‫الدين على هذا المستوى بالشروط الدعوية التي‬ ‫قوامها قول الله تعالى‪) :‬ول تستوي الحسنة ول‬ ‫السيئة‪ .‬إن ذلك يتحدد حسب‬ ‫طبيعة المكان والزمان والنسان‪ ،‬وحسب الظروف‬ ‫الدولية والمحلية‪ .(106‬‬ ‫غا ل ي َف‬ ‫قوتم س َف‬ ‫عاب ر ر‬ ‫دي َف‬ ‫فإذا صح ذلك في التصور والممارسة؛ فل مانع‬ ‫بعده أن تشارك هذه الحركة أو تلك في العمل‬ ‫السياسي‪ ،‬ولكن دائما بصفتها دعوة‪ ،‬ل عمل سياسيا‬ ‫مجردا‪ ،‬كسائر السياسات العارية التي خربت البلد‬ ‫والعباد! ومشاركتها قد ل تكون بالضرورة بنفسها‬ ‫ودعاتها‪ .‬وما يلقاها إل الذين صبروا‬ ‫وما يلقاها إل ذو حظ عظيم()فصلت‪33:‬ـ‪.‬وهو المفهوم الذي‬ ‫يجب أن يحكم كل اختيار‪ ،‬وكل مشاركة‪ ،‬في‬ ‫السياسة‪ ،‬أو النقابة‪ ،‬أو الثقافة‪ ،‬أو ما شئت بعد!‬ ‫من‬ ‫وذلك قول الله عز وجل‪) :‬وَفل َف َف‬ ‫قد ت ك َفت َفب تَفنا رفي اليزربورر ر‬ ‫ب َفعتد ر الذ يك تر أ َف ي َف‬ ‫ن رفي هَف َف‬ ‫ذا‬ ‫ض ي َفررث رَفها ر‬ ‫ن‪ .‬ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه‬ ‫عداوة كأنه ولي حميم‪ .

‬وينفي عنها بعد ذلك‬ ‫المناقضات الصريحة للتشريع السلمي‪ ،‬القطعي‬ ‫الدللة والثبوت‪.‬‬ ‫وإنها والله غاية عالية‪ ،‬ولكنها لن تدرك حقيقة‬ ‫الدراك؛ إل بإيجاد شعب يقبل ذلك أول! ومستعد‬ ‫لحمايته بدمه ورزقه! وإن شعبا ل يصبر على نقص‬ ‫في الموال والنفس والثمرات في سبيل دينه لهو‬ ‫شعب ما يزال في حاجة إلى تربية ودعوة! وما‬ ‫أوهم من يظن بأن هؤلء الناس قد بلغوا ذلك فعل!‬ ‫وهذه )النفسية الستهلكية( على الطريقة الغربية ل‬ ‫تزداد إل شرها‪ ،‬وتحكما في الناس! بمن فيهم‬ ‫السلميون أنفسهم في كثير من الحيان‪ ،‬وفي أشد‬ ‫مواقعهم الغالية والمتشددة! إن الذي ما يزال غير‬ ‫قادر على المتناع عن شرب )الكوكاكول( ـ مثل ـ‬ ‫والمتناع عن المنافسة في تجهيز الصالونات‪ ،‬واتخاذ‬ ‫المتكآت؛ لن يكون كلمه في الخلفة والستخلف إل‬ ‫أضغا ث أحلم‪ ،‬وأماني من الوهام! إن المة اليوم ما‬ ‫ما تبن جدرانه‬ ‫تزال بعيدة عن إدراك سقف‪ ،‬ل ّ‬ ‫وقوائمه بعد! ورحم الله ابن عطاء الله السكندري‬ ‫ما نطق به من الحكمة‪ ،‬إذ قال‪) :‬ما ترك من‬ ‫ل ر َف‬ ‫د ث في الوقت؛ غير ما‬ ‫ح ر‬ ‫الجهل شيئا من أراد أن ي ر ت‬ ‫أظهره الله فيه!()‪ (29‬فتأمل!‬ ‫َف‬ ‫ن‬ ‫م ت َفَفر إ رَفلى ال ي ر‬ ‫واقرأ قول الله عز وجل ثم تدبر‪) :‬أل َف ت‬ ‫ذي َف‬ ‫َف‬ ‫َف‬ ‫صل َفة َف َفوآرتوا ت اليز َف‬ ‫رقي َف‬ ‫ما‬ ‫م كر م‬ ‫كاة َف فَفل َف ي‬ ‫م وَفأرقي ر‬ ‫فوا ت أي تد ري َفك ر ت‬ ‫ل ل َفهر ت‬ ‫موا ت ال ي‬ ‫قَفتا ر‬ ‫خ ت‬ ‫خ َف‬ ‫س ك َف َف‬ ‫م ي َف ت‬ ‫شي َفةر‬ ‫م ال ت ر‬ ‫شوت َف‬ ‫ك رت ر َف‬ ‫من تهر ت‬ ‫ريقب ي‬ ‫ب ع َفل َفي تهر ر‬ ‫ن الينا َف‬ ‫ل إ رَفذا فَف ر‬ .‬كما أن‬ ‫القوانين الوضعية ـ رغم ما فيها من مناقضات‬ ‫للحكام الشرعية ـ هي في مجملها قابلة‬ ‫)للستصلح( الشرعي‪ .‬وذلك بتأصيل نصوصها تأصيل؛‬ ‫يربط مصدريتها التشريعية الولى بالمجمع عليه ـ‬ ‫إسلميا ـ من أصول المنهجية التشريعية‪ :‬الكتاب‬ ‫والسنة‪ ،‬والجماع‪ ،‬ثم الجتهاد‪ .‬وإنما هي في حاجة‬ ‫إلى )استصلح(‪ ،‬بتعبير علماء أصول الفقه‪ .‫ومكوناتها على الجمال‪ ،‬مقبولة إسلميا‪ ،‬من حيث‬ ‫المبدأ‪ ،‬في كلياتها على العموم‪ .

‬فههنا زلت‬ ‫أقدام‪ ،‬وانزلقت أفهام! وإنما تؤخذ المور في فقه‬ ‫المراحل ـ كما تؤخذ في الفقه ـ بمقاصدها‪ ،‬وعللها‪ .‬‬ .‬حيث إن من جزئيات أحكام المراحل ما‬ ‫ينبني على )علة متعدية(‪ ،‬ومنه ما ينبني على )علة قاصرة‬ ‫على الصل( ـ بتعبير الصوليين ـ ل تقبل قياسا ول‬ ‫تعميما! ولذلك كان تعدية القول بالمرحلية إلى أحكام‬ ‫الشرع من الصول القواطع؛ كتأجيل العمل بتحريم‬ ‫الخمر‪ ،‬من حيث إنه لم يحرم إل في إطار الدولة‬ ‫السلمية بالمدينة المنورة؛ جهل فظيعا بمعنى المرحلية‬ ‫وفقهها‪.‬‬ ‫وأحسب أن المشكل ليس ههنا‪ ،‬فالمرحلية حقيقة قطعية‬ ‫في تاريخ الدعوة السلمية النبوية‪ ،‬بل هي سنة من سنن‬ ‫الله في الخلق والتكوين‪ ،‬بدءا بخلق الجرام الكبرى في‬ ‫الفضاءات؛ حتى خلق النسان وسائر دقائق المخلوقات‪.‬‬ ‫إن المركحلية ليست فقها لكحكام الشريعة‪ ،‬وإصنما‬ ‫هي فقه لكحكام الدعوة‪ .‬إصنها‬ ‫منهج في الدعوة‪ ،‬وليست منهجا في الفتوى ‪-‬‬ ‫بالمعنى الفقهي الصطلكحي لكلمة )فتوى( ‪-‬‬ ‫والخلط بينهما ضرب في التيه! فتأمل!‬ ‫وهذه حقيقة كثيرا ما يغفل عنها المنظرون للدعوة‬ ‫والعمل السلميين‪.(77:‬‬ ‫ن ات ي َف‬ ‫مو َف‬ ‫قى وَفل َف ت رظ تل َف ر‬ ‫ل ي َف‬ ‫م ر‬ ‫إنها مراحل دعوية واضحة بينة‪ ،‬لمن له بصر بالسيرة‪،‬‬ ‫وخبرة بمنهج القرآن في عرض وقائعها‪ ،‬وصنع مدارجها‪.‬‬ ‫ويدور اليوم جدل بين السلميين حول ما يسمى بـ)فقه‬ ‫المراحل(‪ ،‬أو )المرحلية( في المجال الدعوي؛ بين متبن‬ ‫لها على )ظاهرية( حرفية؛ ومنكر لها جملة وتفصيل‪.‬‬ ‫وإنما المشكل هو في فقه )تحقيق مناطاتها(‪ .‫قَفتا َف‬ ‫خ ت‬ ‫الل ّهر أ َفوت أ َف َف‬ ‫ول‬ ‫شد ي َف‬ ‫شي َف ً‬ ‫ت ع َفل َفي تَفنا ال ت ر‬ ‫م ك َفت َفب ت َف‬ ‫ة وَفَفقارلوا ت َفرب يَفنا ل ر َف‬ ‫ل ل َف ت‬ ‫َف‬ ‫مَفتاع ر الد ين تَفيا قَفرلي ب‬ ‫ب قر ت‬ ‫خي تبر‬ ‫خَفرة ر َف‬ ‫أ َف ي‬ ‫ل َفوال ر‬ ‫خترت َفَفنا إ رَفلى أ َف‬ ‫ل َف‬ ‫ري س‬ ‫ج س‬ ‫ل قَف ر‬ ‫ن فَفرتي ً‬ ‫ل()لنساء‪.‬وإنما‬ ‫النطلق في كل ذلك من طبيعة النص الشرعي من جهة؛‬ ‫ومن طبيعة الواقع والظرف العام من جهة أخرى‪ ،‬فيؤخذ‬ ‫من كل ذلك ما يناسب الشرع والناس‪ ،‬مما علته قائمة‬ ‫وحاجته واضحة‪ .‬وبينهما فرق كبير‪ .

.‬هذا معلوم‬ ‫من الدين بالضرورة‪ ..‬إلخ‪ .‬أي من حيث هي‬ ‫انتماء حضاري‪ .‬ل بالمعنى السلوكي العارض‪.‬بيد أن المر ـ فيما نذهب إليه‬ ‫ـ في هذا الطرح أن المستويات المذكورة ونحوها ل‬ ‫تستوي في سلم الولويات من الناحية الدعوية‬ ‫خاصة‪ .‬إننا لسنا من الذين يقومون بتجزيء‬ ‫الدين‪ ،‬ويجعلون منه ما لله لله‪ ،‬وما لقيصر لقيصر‪.‬لها أصول اعتقادية وأخرى عملية‪،‬‬ ‫وفروع شتى بين هذه وتلك‪ ،‬تمتد من الفعال القلبية‬ ‫الوجدانية؛ إلى الفعال العقلية الذهنية؛ إلى أعمال‬ ‫العبادات الفردية؛ إلى السلوك الجتماعي في سائر‬ ‫مجالت الحياة‪ ،‬الجتماعية‪ ،‬والقتصادية‪ ،‬والحقوقية‪،‬‬ ‫والسياسية‪.‬وبيان ذلك هو كما يلي‪:‬‬ ‫إن الصحوة السلمية المباركة‪ ،‬الممتدة على عرض‬ ‫العالم السلمي اليوم‪ ،‬تواجه في كثير من البلدان‬ .‬ويجمع ذلك كله ما يعرف لدى‬ ‫العلماء بـ)أمهات الفضائل وأمهات الرذائل(‪ ،‬أي‬ ‫كليات الخير والشر‪.‬‬ ‫والمؤسف جدا هو أن هذه الحقيقة تغيب عن كثير‬ ‫من الدعاة اليوم أفرادا وجماعات؛ غير آبهين بالخطر‬ ‫المحدق بهم وبمشروعهم‪ ،‬أل وهو الحصار الخلقي‬ ‫الذي ل تفتأ المؤسسات الدولية والمحلية المعادية‬ ‫للمشروع السلمي تضربه على الشعوب السلمية‬ ‫في كل مكان‪ .‫إن أكبر تحد تواجهه المة اليوم ـ وضمنها حركات‬ ‫الدعوة السلمية نفسها ـ على مستوى التدين‬ ‫الصرف؛ هو التحدي الخلقي! بالمعنى )السلمي(‬ ‫لكلمة )أخلق(‪ ،‬كما سيأتي بيانه‪ .‬‬ ‫والدين كلية كبرى‪ .‬‬ ‫وإنما الشأن في السلم أن الكل لله‪ .‬‬ ‫ولدي ههنا نص ثمين‪ ،‬يتضمن حكمة بالغة؛ لحد المجددين‬ ‫المعاصرين‪ ،‬هو الستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه‬ ‫الله‪ ،‬يقول‪) :‬إن نسبة الأخلق والعبادة وأمور الخرة‬ ‫والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة ‪ ،‬بينما‬ ‫نسبة السياسة ل تتجاوز الواحد بالمائة()‪ (30‬قلت‪ :‬فإن لم‬ ‫تصدق؛ فبيننا وبينك الستقراء‪.

‬ذلك أن الحركة الدعوية قد تخطئ سلم‬ ‫الولويات فتهتم بالثقافي أو السياسي على حساب‬ ‫الخلقي‪ ،‬فتتقوقع داخل ذاتها وتحاصر نفسها بنفسها‪،‬‬ ‫بسبب أن الطبقة المثقفة أو المسيسة‪ ،‬هي عموما‬ ‫محدودة محصورة‪ ،‬بينما يمتد وحش الانحلل الخلقي‬ ‫والتفسخ الجتماعي ينهش جسد المجتمع‪ ،‬ويضرب‬ ‫بنية التدين فيه؛ بصناعة رأي عام‪ ،‬ينفر من الخطاب‬ ‫الديني‪ ،‬ويميل إلى النغماس في الشهوات‪ ،‬والملذات‬ ‫العفنة المخدرة!‬ ‫إن المجتمع المتدين بطبعه‪ ،‬أو القابل للتدين‪ ،‬الذي‬ ‫ل يمنعه من ذلك إل غبار الغفلة والنسيان‪ ،‬أو‬ ‫الكسل العام؛ هو مجتمع مناصر للمشروع السلمي‬ ‫الدعوي بالقوة‪ ،‬وإن لم يكن كذلك بالفعل! فل يحتا ج‬ ‫حينئذ إل لخطاب دعوي منبري يستنهض العاطفة‬ ‫الدينية الكامنة فيه‪ ،‬ويمسح عنها غبار الغفلة‪ .‫من لدن خصوم الدين وأهله‪ .‬أما إذا‬ ‫تعرض مجتمع ما إلى وابل التضليل الخلقي‬ ‫والتفسيق الجتماعي؛ حتى غرق في شهواته إلى‬ ‫الذقان‪ ،‬وسكر بها حتى الثمالة؛ فإن الذان حينئذ لن‬ ‫تكون مولية أي اهتمام للدين وأهله‪ ،‬ول لما يحمله‬ ‫مشروع الصلح الدعوي من خير للناس في الدنيا‬ ‫والخرة! وذلك بسبب )الران( الذي أصم البصيرة‪،‬‬ ‫وأعمى الحساس الجماعي‪ ،‬فل هو يرى أو يسمع إل‬ ‫ما يدغدغ غرائزه الحيوانية ويشبع فجوره الكاسر!‬ ‫قال سبحانه‪) :‬كل بل ران على قلوبهم ما كانوا‬ ‫يكسبون()المطففين‪.‬وأن الوسائل‬ ‫الدموية التي تنهكها في بعض الحيان‪ ،‬أو بعض‬ ‫المواقع؛ لم تكن لتنهكها لول هبوط مستوى التدين‪،‬‬ ‫والوعي به‪ ،‬لدى عموم الشرائح الجتماعية المحيطة‬ ‫بها‪ .‬وقد استقرينا‬ ‫بالمشاهدة والمتابعة‪ ،‬أن أخطر ما يؤثر سلبا في‬ ‫حركة التدين في المجتمعات؛ إنما هو الفساد الخلقي‬ ‫المسلط عليها من كل حدب وصوب‪ .(14:‬‬ .

‬ومن هنا يكون الحصار‬ ‫الحقيقي والخطير للمشروع الدعوي السلمي!‬ .‫وقد رأينا دعوات إسلمية خفتت في بعض البلدان‬ ‫العربية‪ ،‬إلى درجة الندثار‪ ،‬ولم يكن السبب هو‬ ‫تسلط الحصار السياسي عليها‪ ،‬وإن كان حاصل‪،‬‬ ‫وإنما كان السبب الحقيقي والعميق أن رصيدها على‬ ‫مستوى التدين الشعبي صفر مع السف! أعني أنه‬ ‫لو كانت هذه الدعوات ذات بعد اجتماعي شامل‪،‬‬ ‫يحمل خطابا تدينيا بسيطا لعموم الناس‪ ،‬ل خطابا‬ ‫سياسيا صرفا فحسب‪ ،‬أو خطابا أكاديميا ضيقا؛ لكان‬ ‫لها رصيد شعبي حقيقي‪ ،‬لن يسلمها أبدا لي عدو‬ ‫مهما كانت الظروف‪ ،‬حتى وإن تم القضاء على‬ ‫شكلها التنظيمي الداري‪ ،‬فإنه لن يتم القضاء على‬ ‫امتدادها الطبيعي في المجتمع‪ ،‬أل وهو التدين‬ ‫وجذوره العميقة‪ .‬ولن يستطيع أحد حصارها في‬ ‫الناس‪ .‬‬ ‫إن بعض العاملين للسلم المخلصين لدعوته يغترون‬ ‫بالوجه السياسي المحارب للمشروع السلمي‪،‬‬ ‫فيجعلون ذلك أساس المعركة ورأس الولويات‬ ‫الدعوية في أوطانهم‪ ،‬بينما غالبا ما يخفي ذلك‬ ‫الوجه خطة أخطر من ذلك وأدهى‪ ،‬هي تقويض‬ ‫صرح الشعور الديني‪ ،‬لدى مختلف الشرائح الشعبية‬ ‫في البلد السلمية‪ .‬وذلك هو رأسمال الدعوة السلمية في كل‬ ‫زمان ومكان‪ ،‬أعني استجابة الناس لرغبة التعبد لله‬ ‫الواحد القهار‪.‬وذلك بضرب البنية الخلقية‬ ‫التحتية‪ ،‬التي هي أساس قيام السرة المسلمة‪،‬‬ ‫حيث استمرار المحافظة على بيضة التدين في‬ ‫المجتمع وتلقينها للجيال‪ ،‬من خلل الخطاب التربوي‬ ‫البسيط‪ ،‬الذي تمارسه المهات والباء‪ ،‬فإذا انهدم‬ ‫ذلك وتخلت السرة المسلمة عن وظيفتها الدعوية‬ ‫التلقائية‪ ،‬ومارست نقيض ذلك‪ ،‬بإشاعة التحلل‬ ‫الخلقي‪ ،‬وتنشئة الجيل عليه؛ فإنه لن يكون مآله إل‬ ‫احتقار السلوك الديني‪ ،‬والستهانة بأي خطاب يحمل‬ ‫قيما ذات ظلل مؤمنة تائبة‪ .

‬وإنما الضرب الحقيقي للمشروع السلمي هو‬ ‫الضرب البنيوي الخلقي‪ ،‬الذي ينتزع العاطفة الدينية‬ ‫الصيلة‪ ،‬من الشعور الشعبي العام‪ ،‬بسبب الحرب‬ ‫العلمية المدمرة للخلق العامة‪ ،‬في الناس‪ ،‬وفي‬ ‫السرة بشكل خاص! مما يؤدي في نهاية المطاف‬ ‫إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا! وتلك هي‬ ‫علمة النهيار الشامل للمجتمع‪) :‬وإذا أردنا أن نهلك‬ ‫قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول‬ ‫فدمرناها تدميرا()السراء‪(16:‬‬ ‫ولقد علمت أن غاية الحدود والتعازير في السلم‬ ‫إنما هي منع الفاحشة أن تشيع في المجتمع‪،‬‬ ‫وتنتشر؛ حتى تصبح عرفا جاريا‪) :‬إن الذين يحبون أن‬ ‫تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في‬ ‫الدنيا والخرة والله يعلم وأنتم ل تعلمون()النور‪(19:‬‬ ‫وليس الهدف هو القضاء عليها بالتمام والكمال‪ ،‬لن‬ ‫الطبيعة البشرية ناقصة أبدا‪ ،‬وحد الزنا كاف للدللة‬ ‫على ما نقول‪ ،‬إذ ل يقام إل بشهادة أربعة شهداء‬ ‫متطابقة أقوالهم في تحديد الزمان والمكان والحال!‬ ‫وهو في غاية التعذر‪ ،‬بل هو أقرب إلى المستحيل‬ ‫في بيئة يعم فيها الحياء والخلق العام‪ .‬وإنما القصد‬ ‫إذن منع التعارف على المنكر والنبساط إليه!‬ ‫ومن هنا نرى أن أولى الولويات الدعوية للمشروع‬ ‫السلمي المعاصر إنما هي الدعوة الخلقية بالمعنى‬ ‫التعبدي الشامل لكلمة )أخلق( انطلقا من قول‬ ‫الرسول عليه الصلة والسلم )إنما بعثت لتمم صالح‬ ‫الخلق()‪ (31‬حتى إنه‪ ‬أناط الفضلية اليمانية بها‪،‬‬ ‫قال عليه الصلة والسلم‪) :‬أفضل المؤمنين أحسنهم‬ .‫أما سائر أشكال الحصار السياسية والعسكرية‬ ‫وأضراب ذلك‪ ،‬مهما كانت بشاعته‪ ،‬فقد أثبتت‬ ‫التجارب التاريخية أنه ل يؤثر في مسيرة الدعوة‬ ‫السلمية‪ ،‬إل تأثيرا ظرفيا‪ ،‬قد ل يتعدى سنوات‬ ‫تحصيها اليد الواحدة‪ ،‬ثم تقوم الصحوة السلمية‬ ‫أصلب مراسا‪ ،‬وأشد عودا‪ ،‬وأشمل اكتساحا للبلد‬ ‫والعباد‪ .

..‬أي ما يمكن اعتباره أولوية دعوية؛ بالقبض‬ ‫عليه والتمسك به؛ يمكن أن نمسك بناصية الدين‬ ‫في السلوك العام‪ ،‬ونغرس جواهره في المجتمع‬ ‫حتى يمكن بذلك صناعة مجتمع متدين على الحقيقة‬ ‫ل يتأثر ـ ول يمكن أن يتأثر ـ سلوكه الديني؛ بأي‬ ‫تهديد‪ ،‬أو ترغيب‪ ،‬أو حصار اقتصادي أو سياسي‪،‬‬ ‫يرمي إلى تحليله من جوهره الذي هو الدين!‬ ‫ومعرفة الجواهر والعراض في الشرع‪ ،‬ل تمكن إل‬ ‫من خلل الرجوع إلى نصوص الشرع ذاته‪ .‬‬ ‫لكننا في حاجة ماسة إلى بيان‪ :‬ما الصلة؟‬ ‫إن مفهوم )الصلة( فــي الســلم قــد ضــاعت‬ ‫دللتــه ـ مــع الســف الشــديد ـ فــي غمــرة‬ ‫الصنحراف التاريخي‪ ،‬الذي وقع للمة‪ .‬ومن هنا‬ ‫وجب البعث والتجديد‪.‬‬ ‫إن الصلة هي كحركــة المجتمــع المســلم‪ ،‬كــل‬ ‫كحركتــه! ل يخــرج عــن معناهــا أي مجــال مــن‬ ‫مجـــالته‪ :‬التجاريـــة‪ ،‬والصـــناعية‪ ،‬والثقافيـــة‪،‬‬ ‫والنقابية‪ ،‬والسياســية‪.‬بيــد أن منطلقهــا‬ .‫خلقا()‪ (32‬وتفسير هذين الحديثين هو قول عائشة‬ ‫رضي الله عنها لما سئلت عن خلقه‪ ‬فقالت‪) :‬كان‬ ‫خلقه القرآن()‪ (33‬وحينما تحيلنا عائشة رضي الله‬ ‫عنها على القرآن الكريم؛ فمعنى ذلك أنها تحيلنا‬ ‫على الدين كله! إل أننا إذ ننظر إلى الدين بمعناه‬ ‫الشامل نجد أن له أركانا‪ ،‬وشروطا‪ ،‬وخصائص كلية‬ ‫وأخرى جزئية‪ ،‬كما أن له أصول وفروعا‪.‬إلــخ‪ .‬إن الناظر‬ ‫في السلم من حيث هو )خلق( يجد أن كل‬ ‫المظاهر الخلقية العتقادية والعملية فيه‪ ،‬راجعة في‬ ‫التحقيق إلى أصل واحد هو )الصلة(!‬ ‫إن الصلة هي العنصر المفتاحي الساس للدين!‬ ‫فكليات الخير جميعها راجعة إلى معنى الصلة‪،‬‬ ‫وكليات الشر جميعها تنتفي بالصلة‪.‬‬ ‫أعني أنه يمكن تبين ما هو ع َفَفرض وما هو جوهر من‬ ‫الدين‪ .

‬إصنها تصنع المجتمع وتصنع‬ ‫الدولة؛ لكن لو تجرد لها دعاة مهرة‪ ،‬خبراء‬ ‫في الدين والدصنيا!‬ ‫فالصلة في السلم هي جماع الدين والتدين؛ وسيلة‬ ‫وغاية‪ .‬وهي الساس الذي ينطلق منه المسلم في‬ ‫ترقية مستواه التعبدي وإحسانه‪ ،‬وهي باب الدعوة‬ ‫إلى الله وهي في نهاية المطاف جوهر الدين‬ ‫وشعاره‪ ،‬فهي إذن الشكل والمضمون‪ ،‬لنها الجوهر‬ ‫الساس الذي ترجع إليه سائر العراض!‬ ‫وليس من قبيل الصدفة أن تكون النصوص القرآنية‬ ‫والحديثية داعية إلى الصلة‪ ،‬على أنها القاعدة‬ ‫الساس من عمارة الدين‪ ،‬والقلب النابض من‬ ‫جسده! من مثل قوله تعالى‪) :‬الذين إن مكناهم في‬ ‫الرض أقاموا الصلة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف‬ ‫ونهوا عن المنكر ولله عاقبة المور()الحج‪ (39:‬فكانت‬ ‫هي غاية التمكين في الرض‪ ،‬وهي سبب الرضى‬ ‫اللهي )وكان يأمر أهله بالصلة والزكاة وكان عند‬ ‫ربه مرضيا()مريم‪ ،(55:‬كما كان تركها هو سبب‬ ‫الضياع والضلل‪) :‬فخلف من بعدهم خلف أضاعوا‬ ‫الصلة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا()مريم‪:‬‬ ‫‪.‬‬ .‬قال‪:‬‬ ‫)بين الرجل وبين الكفر ـ وفي رواية لمسلم "وبين‬ ‫الشرك والكفر" ـ ترك الصلة()‪ .(59‬‬ ‫وهي لذلك كله فاصل ما بين المسلم وغير المسلم‬ ‫في الظاهر‪ ،‬كما في الحديث النبوي الشريف‪ .‬‬ ‫إن الصلة تصنع الصنسان الفرد‪ ،‬وتصنع‬ ‫الصنسان المؤسسة‪ .‬فمــن المســجد تشــرق‬ ‫شمسها على كل مكان‪.(34‬وقد صح عنه‪‬‬ ‫أيضا‪) :‬العهد الذي بيننا وبينهم الصلة فمن تركها فقد‬ ‫كفر!()‪ (35‬إلى غير ذلك من نصوص الشرع القرآنية‬ ‫والحديثية‪ ،‬التي يدل استقراؤها على كلية قطعية في‬ ‫الدين‪ ،‬مفادها أن الصلة هي الدين‪ ،‬فمن ل صلة‬ ‫له فإنه ل دين له! وهذا معلوم من الدين بالضرورة‪.‫الول‪ :‬هــو المســجد‪ .

‫ومن هنا وجب على الدعاة إلى الله في المجتمعات‬ ‫السلمية المعاصرة ـ خاصة التي شردت كثيرا عن‬ ‫الهدي الرباني ـ أن تكون الصلة هي المرجع الول‪،‬‬ ‫والمعتمد الساس‪ ،‬الذي يجاهدون تحت لوائه‪،‬‬ ‫ويتحركون باسمه؛ قصد إعادة المجتمع إلى أصله‬ ‫التعبدي‪ ،‬وطبيعته التدينية‪ .‬‬ ‫وإنما الصلة هي القيمة الكبرى التي منها يمكن‬ ‫تنفيذ المشروع الدعوي السلمي في المجتمع‪ ،‬سواء‬ ‫من حيث هو أفراد‪ ،‬أو من حيث هو بنيات وعلقات!‬ ‫فأمهات الفضائل كلها‪ ،‬من كل أخلق الخير‪ ،‬وأمهات‬ ‫الرذائل كلها‪ ،‬من كل أخلق الشر؛ كل ذلك‪ ،‬الطريق‬ ‫الواضحة والمعبدة‪ ،‬التي يمكن من خللها‪ ،‬التمكين‬ ‫لما ذكر في الوجدان الجتماعي إنما هي الصلة‪،‬‬ ‫أساس منهج التدين‪ ،‬وعمود المنها ج النبوي حقا في‬ ‫الصلح الجتماعي‪ ،‬والتجديد الديني‪.‬فإذا تم لهم ذلك؛ كان ما‬ ‫سواه أسهل وأيسر‪ ،‬ولو كان ذلك السوى متعلقا‬ ‫بأعقد المشاريع السياسية‪ ،‬وأدق البرامج أوالمشكلت‬ ‫القتصادية‪ ،‬لن القابلية للتدين حاصلة في المجتمع‬ ‫ابتداء؛ بسبب عمق الشعور الديني الذي تغرسه‬ ‫الصلة في النفوس وقد صدق الله عز وجل إذ قال‪:‬‬ ‫)إن الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله‬ ‫أكبر والله يعلم ما تصنعون()العنكبوت‪(45:‬‬ ‫ذلك أن الصلة من حيث هي فضاء كلي‪ ،‬وثقافة‬ ‫شاملة؛ تؤطر النسان المسلم على مدار اليوم‬ ‫والليلة‪ ،‬بطريقة ل ينافسها فيها أي إعلم مهما قوي‬ ‫واشتد‪ ،‬كما تؤطره على مستوى خطب الجمعة‪،‬‬ ‫ودروس الوعظ والرشاد بالمساجد وغيرها؛ بما‬ ‫يضمن ـ ليس استمرار التدين فحسب؛ ولكن ـ رقيه‬ ‫أيضا وتطوره! وهذا كاف ـ وحده ـ للدللة على‬ ‫أهمية الصلة في المشروع الصلحي الديني‪ ،‬للذين‬ ‫يرومون تمتين بنية التدين في المجتمع حقا!‬ ‫أعطني مجتمعا متدينا؛ أعطك دولة إسلمية! بالمعنى‬ ‫السياسي لكلمة )دولة(‪.‬‬ .

‬فعجبنا له يسأله ويصدقه!‬ ‫قال‪ :‬فأخبرني عن اليمان! قال‪) :‬أن تؤمن بالله‬ ‫وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وتؤمن بالقدر‬ ‫خيره وشره(‪ .‬‬ ‫ثم انطلق فلبثت مليا‪ .‬‬ ‫فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬ ‫قال‪) :‬بينما نحن جلوس عند رسول الله‪ ‬ذات يوم‪،‬‬ ‫إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب‪ ،‬شديد سواد‬ ‫الشعر‪ ،‬ل يرى عليه أثر السفر‪ ،‬ول يعرفه منا أحد‪،‬‬ ‫حتى جلس إلى النبي‪ ، ‬فأسند ركبتيه إلى ركبتيه‪،‬‬ ‫ووضع كفيه على فخذيه‪ ،‬وقال يا محمد! أخبرني عن‬ ‫السلم!‬ ‫فقال رسول الله‪) :‬السلم أن تشهد أن ل إله إل‬ ‫الله‪ ،‬وأن محمدا رسول الله‪ ،‬وتقيم الصلة وتؤتي‬ ‫الزكاة‪ ،‬وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه‬ ‫سبيل( قال‪ :‬صدقت‪ .‫وهنا أسوق الحديث النبوي الجامع المانع الذي سيق‬ ‫أساسا لبيان منهج الدين والتدين‪ ،‬أل وهو حديث‬ ‫جبريل المشهور‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فأخبرني عن الساعة‪ ،‬قال‪) :‬ما المسؤول عنها‬ ‫بأعلم من السائل(‪ ،‬قال‪ :‬فأخبرني عن أماراتها‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫ة ربتها وأن ترى الحفاة العراة‪ ،‬العالة‪،‬‬ ‫)أن تلد الم ر‬ ‫رعاء الشاء يتطاولون في البنيان(‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فأخبرني عن الحسان‪ ،‬قال‪) :‬أن تعبد الله كأنك‬ ‫تراه‪ ،‬فإن لم تكن تراه فإنه يراك(‪.‬ثم قال‪) :‬يا عمر أتدري من‬ ‫السائل؟( قلت‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ .‬قال‪) :‬فإنه جبريل‬ ‫أتاكم يعلمكم دينكم(()‪(36‬‬ ‫فالناظر في هذا الحديث العظيم يجد أنه يقوم على‬ ‫أساس فعلي واحد هو الصلة! أل ترى أن )السلم(‬ ‫كما هو في سياق الحديث المذكور قائم على‬ ‫الركان الخمسة؟ وأن هذه الركان الخمسة ل ظاهر‬ ‫فيها تمام الظهور إل الصلة‪ ،‬وذلك لشعاريتها الكبرى‬ ‫مي يرتها القوية في الدين‪ .‬قال صدقت‪.‬ومعتمدنا في هذا التحليل‬ ‫وع َفل َف ر‬ ‫هو أن السلم هنا ورد بمعنى الشعائر الظاهرة‪،‬‬ .

‬والعمل هنا هو السلم كما ترى‪ ،‬أعني‬ ‫الركان العملية الخمسة!‬ ‫أما الحسان فإنه ليس شيئا خارجا عن مفهوم‬ ‫السلم واليمان وإنما هو حقيقة الجمع بينهما على‬ ‫مه وزينه‬ ‫التمام والكمال‪ ،‬فكلما ) َف‬ ‫ح َفي‬ ‫ن( المررء إسل َف‬ ‫س َف‬ ‫باليمان كان أكثر قربا من الله حتى يكون في‬ ‫عبادته إياه كأنه يراه! وتزيين السلم باليمان هو‬ ‫تعميق الشعور أثناء القيام بالعبادات الخمس بالمعتقد‬ ‫الغيبي‪ ،‬الذي هو المرجعية الكلية في التصور‬ ‫السلمي للكون والنسان والحياة والمصير‪ .‬فالمصلي‬ ‫مثل وهو يعب من معين اليمان بالله وملئكته وكتبه‬ ‫ورسله واليوم الخر والقدر‪ ،‬هو المصلي حقيقة‪،‬‬ ‫وبقدر ما يكون امتلء القلب بتلك المعاني بقدر ما‬ ‫تسمو العبادة إلى مقام الحسان!‬ ‫فآل أمر الحسان واليمان كليهما إلى الساس الول‬ ‫الذي هو السلم! أي العمل‪ .(37‬‬ .‫والصور العملية في الدين‪ ،‬بدليل أن اليمان كما هو‬ ‫في السياق ذاته إنما ينطبق على المعتقد‪ ،‬وهو أمر‬ ‫باطن ل يرى ول ينكشف في المجتمع إل من خلل‬ ‫الشعائر التعبدية‪ ،‬التي هي عين السلم بالمفهوم‬ ‫المذكور! فل قيمة لليمان إن لم يترجم إلى الواقع‬ ‫العملي في صورة السلم‪ ،‬كما أنه ل قيمة للسلم‬ ‫إن لم يبن على أصل اليمان‪ ،‬ولكن محاكمة إيمان‬ ‫الفراد متعذر؛ لنا أمرنا أن نحكم بالظاهر والله‬ ‫يتولى الباطن‪ ،‬هذا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى إنما‬ ‫تكون محاكمة إيمان النسان تبعا لعمله وليس‬ ‫العكس‪ .‬وهذا هو النكتة في‬ ‫سؤاله عن الساعة! وهو أمر غير عملي؛ لنه )ما‬ ‫المسؤول عنها بأعلم من السائل!( فكان النبي‪‬‬ ‫يربي أصحابه على قاعدة قعدها العلماء بعد‪ ،‬من‬ ‫حيث الصيغة؛ بناء على هذا النص وأمثاله مفادها‪ :‬أن‬ ‫)كل علم ليس تحته عمل فهو باطل( كما قرره‬ ‫شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله)‪.

‬‬ .‫ولن المارات هي من العلمات المنشطة في السير‬ ‫فقد رخص في تعلمها ومعرفتها!‬ ‫فنعود إذن إلى أساسنا الذي هو عصمتنا وهو‬ ‫السلم‪ ،‬أي العمل بالركان الخمسة بالقصد الول‪.‬‬ ‫وقد قلت‪ :‬إن العمل بها قائم على ركنية الصلة‬ ‫أساسا‪ ،‬وذلك للنصوص القرآنية والحديثية السالف‬ ‫ذكرها وأمثالها‪ ،‬وهي كثيرة جدا‪ ،‬ولكون الصلة هي‬ ‫الشعار العملي العلى والظهر‪ ،‬الممثل لشخصية‬ ‫السلم في النفس والمجتمع كما قررت‪ ،‬وهذا بيانه‬ ‫هو كما يلي‪:‬‬ ‫أل ترى أن الركن الول الذي هو )شهادة أن ل إل‬ ‫الله وأن محمدا رسول الله( يرجع في المآل إلى‬ ‫الصل العتقادي؟ أي منطلق النتماء إلى السلم‬ ‫ومفتاحه الكلي‪ ،‬وإنما هو إقرار قلبي قبل أن يكون‬ ‫لفظيا؟ وإن كان سيق هنا مساق )القول والعلن(‪،‬‬ ‫ثم إن لفظيته ـ من الناحية العملية ـ ليست واجبة‬ ‫على التكرار‪ ،‬ومعلوم أن الداخل إلى السلم من‬ ‫الكفار والمشركين إنما يكفيه أن ينطق بها مرة‬ ‫واحدة فيكون بها مسلما أبدا حتى يقر بعكسها أو‬ ‫يأتي بما ينقضها من القوال والفعال! فإن لم يصدر‬ ‫منه شيء من ذلك كان تكراره لها نافلة‪ ،‬ليس إل‪.‬ثم هي فوق ذلك ل‬ ‫تجب إل مرة في الحول! وليست عبادة يومية‬ ‫مستمرة‪ ،‬فظهورها قليل جدا‪ ،‬وشعاريتها الجتماعية‬ ‫غير مستمرة‪ ،‬ول يعني هذا التقليل من قيمتها ول‬ ‫من أي ركن من أركان السلم‪ ،‬فمعلوم أن أبا بكر‬ ‫رضي الله عنه قاتل مانعيها! وإنما العبرة عندنا ههنا‬ ‫شيء آخر وهو بيان أولوية الصلة عمليا من الناحية‬ ‫الدعوية أساسا‪.‬‬ ‫أما إيتاء الزكاة فهو عبادة محدودة ل تجب إل على‬ ‫الغنياء وليست عامة في كل مكلف بالعين؛ لنها‬ ‫متعلقة بالنصاب ل بذمة المكلف من حيث هو‬ ‫مكلف! ولهذا وجبت في مال الصبي والمجنون ـ إذا‬ ‫بلغ النصاب ـ وهما غير مكلفين‪ .

‬بل‬ ‫إن الشارع أوجبها على المقاتل وهو يقاتل تحت‬ ‫ظلل السيوف والحراب‪ ،‬أو قل تحت ضخ الرصاص‬ ‫والصواريخ! بل قد يعجز المرء عن الوضوء والتيمم‬ ‫كليهما فل تسقط عنه رغم ذلك حسب ما ذهب إليه‬ ‫الجمهور)‪ (38‬ما دام عقله حاضرا!‬ ‫الصلة هذه العبادة الكلية الشاملة في الدين هي‬ ‫أساس الدين!‬ ‫وقد كتب العلماء القدماء منهم والمحدثون في‬ ‫قيمتها وأثرها في النفس والمجتمع بما ل يدع مجال‬ ‫للشك في أنها أم العبادات‪ ،‬ورأس الكليات‪ .‬وإن‬ ‫مجتمعا حسنت فيه الصلة لهو مجتمع قد أسلم‬ ‫ناصيته لله رب العالمين‪ ،‬فل خوف عليه بعد ذلك‬ ‫من ضلل المضلين‪ ،‬ول استفزاز الشياطين‪ .‫أما فرض الصيام فهو ـ رغم عموم متعلقه التكليفي‬ ‫ـ شهر واحد في السنة‪ ،‬وأما الحج فهو أقلها جميعا؛‬ ‫لنه مرة في العمر وعلى المستطيع إليه سبيل‬ ‫فقط!‬ ‫فتبقى الصلة إذن هي تلك العبادة الوحيدة‪ ،‬الدائمة‪،‬‬ ‫والمستمرة‪ ،‬والعامة‪ ،‬في كل مكلف بالعين‪ ،‬ل‬ ‫تسقط أبدا إل على الفاقد عقله والحائض والنفساء‬ ‫فإذا زالت هذه الموانع تعلق الفرض بالذمة من‬ ‫جديد! وقد رخص الشارع في قصر الصلة‪ ،‬والجمع‬ ‫بين الصلتين في صور مختلفة ولسباب مختلفة‪ ،‬ولم‬ ‫يرخص في إسقاطها أبدا إل فيما سبق ذكره من‬ ‫موانع منضبطة بوقت معلوم وحال معلوم‪ ،‬ولو أن‬ ‫سجينا قيد من يديه ورجليه إلى سارية‪ ،‬أو كرسي‪،‬‬ ‫أو نحوهما‪ ،‬لما سقطت عنه‪ ،‬ما دام عقله حاضرا‬ ‫معه! وإنما له أن يصليها إيماء بالعين‪ ،‬أو إشارة‬ ‫بالرأس‪ ،‬أو كيفما استطاع حسب وضعه وأمنه‪ .‬وكل‬ ‫محاولة للفساد حينئذ؛ يمكن ردها ومحقها‪ ،‬بأقل‬ ‫نداء‪ ،‬أو أدنى خطاب‪ ،‬من رجل صالح مصلح‪ ،‬يبثه‬ ‫في الناس؛ منبها على خطورة هذا السلوك أو ذاك‪،‬‬ ‫أو داعيا إلى هذا المر‪ ،‬أو ذاك! لن المجتمع الذي‬ .

‬إ ر ي‬ ‫حو َف‬ ‫صال ر ر‬ ‫ال ي‬ ‫دي َف‬ ‫‪ .‫يحني جبهته خاشعا لله الواحد القهار؛ ل يمكن أن‬ ‫يصغي لغير أمره‪ ،‬ول أن يقتدي بغير هديه سبحانه‬ ‫وتعالى‪.‬قال سبحانه‪:‬‬ ‫من ب َفعتد ر الذ يك تر أ َف ي َف‬ ‫)وَفل َف َف‬ ‫ض ي َفررث رَفها ر‬ ‫قد ت ك َفت َفب تَفنا رفي اليزربورر ر‬ ‫ن اتلتر َف‬ ‫عَفباد ريَف‬ ‫ر‬ ‫ذا ل َفب َفَفل ً‬ ‫ن رفي هَف َف‬ ‫ن( )النبياء‪105:‬ـ‬ ‫غا ل ي َف‬ ‫قوتم س َف‬ ‫عاب ر ر‬ ‫ن‪ .(106‬هكذا يرتفع التقرير المؤكد بكل أدوات التوكيد في‬ ‫ذا ل َفب َفَفل ً‬ ‫ن رفي هَف َف‬ ‫ن!( تلك حقيقة المنهج‬ ‫غا ل ي َف‬ ‫قوتم س َف‬ ‫عاب ر ر‬ ‫الية‪) :‬إ ر ي‬ ‫دي َف‬ ‫الصلحي في السلم يرفعها القرآن عاليا في السماء بيانا‬ ‫وإعلنا؛ )لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد()ق‪:‬‬ ‫‪ (37‬فاقرأها وأعدها وتدبر!‬ .‬وإلى تدين‬ ‫السياسة بغض النظر عن تدين أهلها! وتدبر معي‬ ‫هذه الحقيقة العجيبة المبصرة فيما أوردناه قبل ـ ول‬ ‫نمل أبدا من تكراره ـ من قول الله جل وعل‪ ،‬الذي‬ ‫يعلم حقيقة دينه وكيف تقام قواعده‪ .‬فلست هنا‬ ‫بصدد الدفاع عن برمجة تفصيلية لتجديد الدين في‬ ‫البلد السلمية‪ ،‬وإنما أنا هنا بصدد الدفاع عن حقيقة‬ ‫واحدة هي‪ :‬أن تدين المجتمع‪ ،‬هو البدء السليم لكل‬ ‫مشروع دعوي‪ ،‬وهو صمام المان الذي يحميه من‬ ‫الخطار كلها‪ .‬كما أن بحثي هذا إنما هو تحذير من‬ ‫تكرار التجربة الخاسرة التي تنطلق إلى تدين‬ ‫المؤسسات قبل العمل على تدين الفراد‪ .‬وليس معنى هذا عندي أن‬ ‫المشروع السياسي السلمي‪ ،‬أو القتصادي‪ ،‬أو‬ ‫نحوهما‪ ،‬يجب أن يتأخر العمل له كل!‬ ‫وإنما القصد أن ذلك كله ل يمكن أن يتم إل‬ ‫على أرضية اجتماعية متدينة‪ ،‬فسواء تأخر هذا أو‬ ‫زامن العمل للتدين الجتماعي وواكبه‪ ،‬فالمهم هو‬ ‫حصوله ابتداء‪ ،‬والبناء عليه في كل شيء‪ .‬‬ ‫وهنالك فقط يمكنك أيها الداعي إلى الخير يمكن لك‬ ‫أن تدعو إلى أي مشروع آخر‪ ،‬يرتقي بالمجتمع في‬ ‫مراتب التعبد والتدين‪ ،‬من أمور سياسية أو اقتصادية‬ ‫أو اجتماعية‪ ،‬مما هو معلوم أنه ل يكمل إسلم‬ ‫المجتمع ـ من حيث هو علقات ومؤسسات‪ ،‬ل من‬ ‫حيث هو أفراد ـ إل به‪ .

‫ولذلك كانت الصلة أول عمل فرض في السلم ـ‬ ‫بعد الشهادتين ـ ولقد مضى على المسلمين بمكة‬ ‫زمن وهم ل يقومون بشيء من أعمال الدين غيرها‪.‬‬ ‫قال‪ :‬قلت‪ :‬فما هذا الذي يصنع؟ قال‪ :‬يصلي‪ .(39‬‬ ‫وذكر ابن هشام‪) :‬أن النبي وأصحابه كانوا إذا‬ ‫حضرت الصلة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلتهم‬ ‫عن قومهم‪(40)(.‬قال‪ :‬قلت‪:‬‬ ‫من هذه المرأة؟ قال‪ :‬هذه امرأته خديجة بنت خويلد‪.‬فتأمل!‬ ‫ولدينا نص طريف يحكي مظاهر السلم الولى‪ ،‬في‬ ‫مشهد مبكر جدا‪ ،‬من مشاهد المسلمين‪ ،‬وهم يومئذ‬ ‫نحو ثلثة نفر! ل أقل ول أكثر! فعن عفيف الكندي‬ ‫رضي الله عنه قال‪) :‬كنت امرءا تاجرا‪ ،‬فقدمت‬ ‫الحج‪ ،‬فأتيت العباس بن عبد المطلب؛ لبتاع منه‬ ‫بعض التجارة‪ ،‬وكان امرءا تاجرا‪ ،‬فوالله إني لعنده‬ ‫بمنى إذ خر ج رجل من خباء قريب منه‪ ،‬فنظر إلى‬ ‫الشمس‪ ،‬فلما رآها مالت‪ ،‬قام يصلي‪ ،‬ثم خرجت‬ ‫امرأة من ذلك الخباء الذي خر ج ذلك الرجل منه‪،‬‬ ‫فقامت خلفه تصلي‪ ،‬ثم خر ج غلم حين ناهز الحلم‬ ‫من ذلك الخباء‪ ،‬فقام معه يصلي‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فكان عفيف ـ وهو ابن عم الشعث بن قيس ـ‬ ‫يقول‪ :‬ـ وأسلم بعد فحسن إسلمه ـ لو كان الله‬ ‫رزقني السلم يومئذ؛ فأكون ثانيا مع علي بن أبي‬ ‫طالب!()‪.‬‬ .‬‬ ‫قال‪ :‬فقلت‪ :‬من هذا الفتى؟ قال‪ :‬هذا علي بن أبي‬ ‫طالب ابن عمه‪.‬وعليه‬ ‫انبنت إقامة سائر المؤسسات الخرى‪ .‬وهو‬ ‫يزعم أنه نبي‪ ،‬ولم يتبعه على أمره إل امرأته وابن‬ ‫عمه هذا الفتى‪ .‬‬ ‫قال‪ :‬فقلت للعباس‪ :‬يا عباس ما هذا؟ قال هذا‬ ‫محمد بن أخي عبد الله بن عبد المطلب‪ .‬‬ ‫حتى إذا كانت للمسلمين بالمدينة المنورة دولة كان‬ ‫المسجد هو أول مؤسسة من مؤسساتها‪ .‬وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز‬ ‫كسرى وقيصر‪.

‬‬ ‫ومات النبي ‪ ‬وهو يوصي‪) :‬الصلة َف وما ملكت‬ ‫أيمانكم! الصلة َف وما ملكت أيمانكم!()‪ (42‬وبقيت‬ ‫كلمته‪ ‬الجامعة المانعة قاضية على ما سواها‪:‬‬ ‫)واعلموا أن خير أعمالكم الصلة()‪.‬ومن هنا كان تطبيق‬ ‫الحكام الدعوية رهينا بمعرفة تحقيق مناطاتها أيضا‪.‬وكان المسجد بفضاءاته العظيمة هو‬ ‫الطار الشامل ـ على المستوى النفسي والحركي ـ‬ ‫لكل الفعل السلمي؛ دعوة ً ودولة‪.‬الذي صار‬ ‫بعد ذلك منطلق جميع القرارات والحركات لبناء‬ ‫سائر مؤسسات الدولة‪ ،‬واستكمال هياكلها‪.‬‬ .‬‬ ‫وإل فهي معرضة لخبط العشواء في الليلة الظلماء‪.‬‬ ‫ولكن ذلك كله ل يتم إل باكتساب وعي سياسي‬ ‫ناضج؛ لنه قد ع ررلم أن أحكام الشريعة ـ سواء منها‬ ‫الفردية أو الجماعية ـ ل تتحقق في الواقع إل بفقه‬ ‫دقيق لما يسمى في علم أصول الفقه بعلم )تحقيق‬ ‫المناط(‪ ،‬أي معرفة طبيعة المحل الذي يجب أن‬ ‫يتنزل عليه الحكم الشرعي‪ .‫ولقد بقيت الصلة بعد ذلك هي الشعار العملي‬ ‫الول للمسلمين حتى كان بناء الدولة السلمية‬ ‫بالمدينة المنورة ببناء المسجد النبوي‪ (41).‬‬ ‫هذا أمر ل ينكره إل من لم يحط بسنن الله‬ ‫الجتماعية في السابقين واللحقين‪.(43‬‬ ‫ومن أجمل الكلمات التي أرويها عن المفكر‬ ‫الفرنسي المسلم رجاء جارودي‪ ،‬في محاضرة له‬ ‫عن المدينة السلمية العتيقة‪ ،‬وجمالية هندستها‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫)كل الدروب تؤدي إلى المسجد؛ وكل المساجد تؤدي‬ ‫إلى الصلة(!‬ ‫لقد كانت الصلة إذن هي النواة العملية الولى‬ ‫للدين كل الدين‪ .‬‬ ‫وإنما فقه تحقيق المناطات الدعوية ـ في الحقيقة ـ‬ ‫هو الوعي السياسي‪ ،‬أو الفقه السياسي‪ ،‬الكفيل‬ ‫بجعل الحركة السلمية على وعي دقيق وشامل‬ ‫بالزمان وأهله‪ ،‬إقليميا وعالميا‪ ،‬فتتخذ الخطوة‬ ‫المناسبة في الوقت المناسب وفي المحل المناسب‪.

‬وإنما هو وسيلة تابعة‪ ،‬وفرع‬ ‫خادم‪ ،‬وآلة استبصار مهمة‪ ،‬بل ضرورية؛ لتحقيق‬ .‬فكانت سنته‪ ‬مسلكا عمليا‬ ‫يهدي إلى الله‪ ،‬ومرجعا يرجع بالناس إلى القرآن‪:‬‬ ‫رسالة الله إلى العالمين‪ .‬وأن عبادته‬ ‫تعالى حركة شاملة في النفس والمجتمع‪ .‬والقرآن هو جوهر الرسالة‬ ‫ة وغاي ً‬ ‫مظاهرها وسيل ً‬ ‫الربانية التي تضمنت كل ذلك؛ إذ بمقتضاه نشهد أن‬ ‫محمدا رسول الله‪ .‫وببيان هذا فإنه ل يلزم من إنكارنا لعدم مفتاحية‬ ‫العمل السياسي في المشروع الدعوي السلمي‬ ‫إهمال التفكير السياسي‪ ،‬أو العمل السياسي مطلقا‪.‬وله ـ بمقتضى ذلك ـ حق على‬ ‫عباده‪ :‬أن يعبدوه ول يشركوا به شيئا‪ .‬‬ ‫ة‪.(32:‬‬ ‫خاتمة‪:‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فقد تبين؛ انطلقا من النصوص الشرعية‪،‬‬ ‫وقواعد الستنباط من جهة؛ ومن التجارب الجتماعية‪،‬‬ ‫ونتائجها الستقرائية من جهة ثانية‪ ،‬ثم من الشهادات‬ ‫البشرية وخبراتها العملية من جهة ثالثة؛ أن مفتاح‬ ‫العمل الدعوي السلمي رهين ـ أول وقبل أي شيء‬ ‫ـ بتحقيق )إسلميته( في نفسه! أي أنه لبد من‬ ‫مراجعة )التصورات( و)المفاهيم(‪ ،‬و)المناهج( وسائر‬ ‫الوسائل‪ ،‬التي تتبناها هذه الجماعة أو تلك‪ ،‬أو‬ ‫يعرضها هذا المفكر أو ذاك؛ كمشروع لتجديد الدين‪،‬‬ ‫وإقامته في المجتمع‪ .‬‬ ‫فخلصة البيان القرآني للدعوة السلمية أنه‪ :‬عمل‬ ‫لتجديد اليمان في النفس والمجتمع‪ ،‬عقيدة تقوم‬ ‫على التعرف على الله والتعريف به‪ ،‬ربا خالقا له‬ ‫السماء الحسنى‪ .‬ذلك الحق إن شاء الله‪،‬‬ ‫)فماذا بعد الحق إل الضلل()يونس‪.‬‬ ‫ة ورتب ً‬ ‫وإنما قصدنا أن نضعه حيث يستحق وظيف ً‬ ‫والله الموفق للصواب‪.‬الصلة أبرز‬ ‫ة‪ .‬وذلك من خلل النظر في‬ ‫القضايا الساسية التية‪:‬‬ ‫ـ أول‪ :‬أن العمل السياسي ليس أصل من أصول‬ ‫الدين ول التدين‪ ،‬وليس هو ـ بناء على ذلك ـ أصل‬ ‫من أصول الدعوة‪ .

‬‬ .‬وهو‬ ‫مترجم عن القرآن في قوله تعالى‪) :‬إن خير من‬ ‫استأجرت القوي المين()القصص‪ (26:‬وقوله سبحانه‪:‬‬ ‫)قال اجعلني على خزائن الرض إني حفيظ عليم(‬ ‫)يوسف‪ .‬‬ ‫فالضبط‪ :‬مشير إلى القوة‪ ،‬والعدالة هي المانة‪ .(72:‬وهو الذي كان بعد في‬ ‫قوله تعالى‪) :‬وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في‬ ‫الرض خليفة()البقرة‪.‬وإنما‬ ‫القوة شقها الثاني الذي ينبني عليها‪ .‬فالزمة اليوم في انعدام )الرادة(‬ ‫للسعي فعل إلى الخذ بأسباب )القوة(‪ .‬ومن هنا نسبية كثير من الدبيات‬ ‫الصادرة عنها في هذا الخصوص‪.‬ومن هنا فقد كان من أخطر‬ ‫أخطاء الحركات السلمية‪ :‬الوقوع في َف‬ ‫شَفرك تحزيب‬ ‫السلم!‬ ‫ـ ثانيا‪ :‬أن الحركة السلمية‪ ،‬في كثير من أحوالها؛‬ ‫تأثرت في فهمها للنصوص؛ )بإكراهات( الظروف‬ ‫التاريخية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬واليديولوجية السائدة في بيئتها‬ ‫وزمانها‪ .‫مناطات العمل الدعوي‪ .‬ومن هنا حضور الجانب النفسي كرد فعل‬ ‫)لإرادي( في معالجة المشروع السلمي الدعوي‬ ‫والتنظير له‪ .‬‬ ‫ـ ثالثا‪ :‬أن الزمة الحاصلة في المجتمعات السلمية‬ ‫رغم تعدد تجلياتها واختلف مظاهرها‪ ،‬إنما هي أزمة‬ ‫)أمانة(! فجانب )القوة( ـ وإن كان النقص فيه فظيعا‬ ‫جدا ـ ليس هو أساس الزمة اليوم‪ ،‬وإنما هو نتيجة‬ ‫لغياب المانة‪ .(29:‬‬ ‫فكانت )المانة( عنوان الستخلف في الرض‪ .(55:‬والحفظ هنا بمعنى المانة‪.‬ولذلك تواتر عند‬ ‫علماء المة مفهوم )الضبط والعدالة(‪ ،‬باعتبارهما‬ ‫صفتين جوهريتين في كمال الشخصية المسلمة‪.‬وانعدام‬ ‫)الرادة( إنما هو أزمة أمانة! ولقد ذكر الله تعالى‬ ‫في القرآن الكريم مفهوم )الستخلف( النساني في‬ ‫الرض فسماه )أمانة(‪ ،‬وذلك قوله سبحانه‪) :‬إنا‬ ‫عرضنا المانة على السماوات والرض والجبال فأبين‬ ‫أن يحملنها‪ ،‬وأشفقن منها‪ ،‬وحملها النسان إنه كان‬ ‫ظلوما جهول()الحزاب‪ .

‬والعمل للدين قبل الدولة‪.‬‬ .‬‬ ‫ومخاطبة الوجدان الوجودي لدى النسان بذلك‪ .‬‬ ‫أل هل بلغت؟ اللهم فاشهد!‬ ‫والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات‪ ،‬وآخر دعوانا‬ ‫أن الحمد لله رب العالمين‪.‬كما‬ ‫هو الشأن في الخطاب الدعوي القرآني‪.‬‬ ‫وكتبه عبد ربه‪ ،‬راجي عفوه وغفرانه‪ :‬فريد بن‬ ‫الحسن النصاري الخزرجي السجلماسي غفر الله له‬ ‫ولوالديه ولكافة المسلمين‪.‬‬ ‫ ج ـ احترام مراتب الولويات في المنها ج الدعوي‬ ‫كما هي مرتبة في التشريع السلمي‪ ،‬وذلك بطلب‬ ‫القرآن قبل السلطان‪ .‬‬ ‫ب ـ تجديد الوعي برسالية القرآن الكريم كخطاب‬ ‫إلهي لكل الناس بشكل فردي وجماعي‪.‬‬ ‫وعدم الفتتان بالوسائل عن الغايات‪.‬‬ ‫وهذا من أشد أزماتها على المستوى العملي! ذلك‬ ‫أن مسألة المانة يفترض أنه الشيء الذي يمكن‬ ‫اعتباره )تخصص( الحركة السلمية!‬ ‫ـ رابعا‪ :‬أن منطلق الحل كامن في امتلك الشجاعة‬ ‫والجرأة على قبول النقد الموضوعي‪ ،‬وممارسة مبدأ‬ ‫)المحاسبة( السلمي‪ ،‬أو بتعبير اليوم )النقد الذاتي(؛‬ ‫لتحرير الفكر والوجدان السلميين مما تبين ـ بعد‬ ‫البحث الهادئ المخلص ـ أنه مجرد )رد فعل نفسي(‬ ‫أو )غلو في الدين( ل أقل ول أكثر‪ ،‬ل )يقينيات( ـ‬ ‫كما قد نعتقد ـ من أصول المشروع السلمي!‬ ‫ـ خامسا‪ :‬أن أصول تجديد الدين الذي هو غاية كل‬ ‫مشروع إسلمي من حيث هو مشروع )اجتماعي( ـ‬ ‫بالمعنى الشمولي للكلمة ـ قائمة أساسا على‬ ‫القضايا الثل ث المفصلة قبل‪:‬‬ ‫أ ـ تحرير مفهوم )الدعوة إلى الله( مما شابه من‬ ‫دسائس شركية خفية‪ ،‬وإخلص الوجهة فيه إلى الله‪.‫والشكال الخطير بالنسبة لنا ههنا أن الحركة‬ ‫السلمية لم تنجح نجاحا حقيقيا في تحقيق )المانة(‬ ‫في ذاتها‪ ،‬ول في التبشير بها كقيمة دينية كبرى‪.

‬‬ ‫ــــــــ‬ ‫هوامش الفصل الرابع‪:‬‬ ‫)‪ (1‬الفجور السياسي للمؤلف‪.‬‬ ‫)‪ (8‬في ظلل القرآن‪.‬‬ ‫يوم الربعاء ‪16‬جمادى الولى‪1421 :‬هـالموافق ل‬ ‫‪16/08/2000‬م‪.2159 :‬‬ ‫)‪ (7‬نحو قوله‪) :‬من دعا إلى هدى كان له من‬ ‫الجر مثل أجور من تبعه‪ ،‬ل ينقص من أجورهم‬ ‫شيئا‪ .‬وصححه اللباني‬ ‫في )ص‪ .‬ج‪.‫وكان الفراغ من تسويده بمكناسة الزيتون‪/‬المغرب‪.‬والحديث صححه اللباني في‬ ‫)ص‪ .‬فقال له‬ ‫رسول الله‪) :‬حولها نددن!( والقصة بكاملها رواها‬ ‫أبو داود وابن ماجه‪ .599‬‬ ‫)‪ (3‬الموافقات‪4/256 :‬‬ ‫)‪ (4‬الموافقات‪.‬‬ ‫)‪ (6‬أخرجه ابن حبان والحاكم‪ .‬الحديث( رواه مسلم‪.‬ص(‪ ،1874:‬وفي السلسلة الصحيحة‪ :‬رقم‪:‬‬ ‫‪..‬‬ ‫)‪ (10‬ذلك جواب النبي‪ ،‬للرجل‪ ،‬الذي جاء يتصنت‬ ‫عليه ما يقول في سجوده من الدعاء؛ فلما لم يفلح‬ ‫في التقاط العبارات؛ لسريتها؛ حاول مع معاذ بن‬ ‫جبل فلم يفلح أيضا فطلب بيان ذلك من رسول‬ ‫الله‪ ‬قائل‪) :‬أما وإني ل أحسن دندنتك ول دندنة‬ ‫معاذ( فسأله النبي ما يقول هو في سجوده‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار‪ .‬المبحث الول من الفصل‬ ‫الثالث‪ :‬في جمالية )النتساب( التعبدي‪..‬ج‪.‬وصححه اللباني في‬ ‫سلسلته الصحيحة رقم‪.67:‬‬ ‫)‪ (2‬رواه أبو داود والحاكم‪ ،‬والبيهقي‪ .‬ص( رقم‪.349‬‬ ‫)‪ (12‬كليات رسائل النور‪ :‬المكتوبات‪2/482 :‬‬ ‫)‪ (13‬كليات رسائل النور‪ :‬اللمعات‪3/553 :‬‬ .1/173 :‬‬ ‫)‪ (9‬جمالية الدين للمؤلف‪ .4/250 :‬‬ ‫)‪ (5‬متفق عليه‪.3163:‬‬ ‫)‪ (11‬مدار ج السالكين‪3/348:‬ـ‪.

.‬‬ ‫وإسنادها كل رجاله ثقات‪ .‬وقال‪ :‬صحيح على‬ ‫شرط البخاري‪ .1/70:‬‬ ‫)‪ (20‬رواه مسلم‪.64:‬‬ ‫)‪ (24‬من حديث أخرجه البخاري‪.‬القصة مفصلة في صحيح السيرة النبوية‪:‬‬ ‫‪106‬ـ‪ .‬ولم يخرجاه‪ .‬وشريح بن عبيد الذي‬ ‫أرسل هذه القصة ثقة( صحيح السيرة النبوية‪.‬‬ ‫)‪ (21‬رواه الطبراني في الوسط‪ .80:‬‬ ‫)‪ (22‬متفق عليه‪ ،‬واللفظ للبخاري‪.‫)‪ (14‬كليات رسائل النور‪ :‬المكتوبات‪.‬‬ ‫)‪ (25‬رواه الحاكم في المستدرك‪ .58:‬‬ ‫)‪ (26‬ن‪ .‬‬ ‫)‪ (23‬أخرجه أبو يعلى في مسنده‪ ،‬وابن هشام في‬ ‫السيرة‪ ،‬والبيهقي في الدلئل وأبو نعيم في دلئل‬ ‫النبوة‪ ،‬وابن أبي شيبة في المصنف‪ ،‬وعبد بن حميد‪،‬‬ ‫والحاكم في المستدرك وصححه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.1241‬‬ ‫)‪ (18‬ل يلزم من استشهادنا بأقوال فضيلة الدكتور‬ ‫أحمد الريسوني أننا نبرئ )حركة التوحيد والصلح(‬ ‫مما انتقدناه على الحركة السلمية في خصوص هذا‬ ‫السياق‪.4/197 :‬‬ ‫)‪ (16‬الشعاعات‪4/197 :‬‬ ‫)‪ (17‬في ظلل القرآن‪3/1240 :‬ـ‪.‬وهذه الرواية التي ذكرت أقرب‬ ‫الروايات إلى الصحة‪ ،‬ومع ذلك فهي مرسلة‪.‬ذلك‬ ‫مفصل في )صحيح السيرة النبوية( لبراهيم العلي‪.2/419 :‬‬ ‫)‪ (15‬كليات رسائل النور‪ :‬الكلمات‪ ..‬قال الستاذ إبراهيم العلي‪:‬‬ .1/326 :‬ن‪ .‬‬ ‫وحسنه الستاذ إبراهيم العلي في صحيح السيرة‬ ‫النبوية‪.‬ووافقه الذهبي‪ .‬ن‪ .‬‬ ‫)‪ (19‬مدار ج السالكين‪.‬مثله‬ ‫أيضا في‪ :‬اللمعات‪ 3/553 :‬والشعاعات‪.‬قال الشيخ إبراهيم‬ ‫العلي معلقا على هذه الرواية‪) :‬وأما الروايات الخرى‬ ‫في إسلم عمر فلم أجد فيها رواية صحيحة غير‬ ‫مطعون فيها )‪ (.107‬أخرجه ابن إسحاق‪ ،‬والطبري‪ ،‬والطبراني‪،‬‬ ‫والبيهقي بطرق مختلفة‪ .

‬‬ ‫)‪ (34‬رواه الجماعة إل البخاري والنسائي‪.‬ج‪.‬‬ ‫)‪ (35‬رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان‬ ‫والحاكم عن بريدة وصححه اللباني في )ص‪ .‬ص( رقم‪.‬وذكره‬ ‫الحافظ في الصابة‪ ،‬وعزاه للبغوي وأبي يعلى‪،‬‬ ‫ورواه الطبري في تاريخه‪ ،‬والبخاري في التاريخ‬ ‫الكبير‪ ،‬وابن عبد البر في الستيعاب‪ .‬ص‪:‬‬ ‫‪(4143‬‬ ‫)‪ (36‬رواه مسلم‪.1/337 :‬‬ ‫)‪ (39‬رواه أحمد‪ ،‬والحاكم في المستدرك‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫صحيح السناد‪ ،‬ولم يخرجاه‪ .107:‬‬ ‫)‪ (27‬جزء حديث رواه أحمد والربعة وابن حبان‬ ‫بسند صحيح كما في صحيح الجامع الصغير‪.31:‬‬ ‫)‪ (30‬كليات رسائل النور‪ :‬صيقل السلم‪446 :‬‬ ‫)‪ (31‬رواه ابن سعد والبخاري في الدب المفرد‪،‬‬ ‫والحاكم والبيهقي في شعب اليمان‪ .‬‬ ‫)‪ (37‬تلك قاعدة مستخلصة من المقدمتين السابعة‬ ‫والثامنة من المقدمات العلمية الثل ث عشرة لكتاب‬ ‫الموافقات‪ .1/247:‬‬ .‬انظر الموافقات‪ 1/60:‬إلى ‪.‬ج‪.‬‬ ‫)‪ (28‬ينظر تخريجه في الصحيحة‪2024:‬‬ ‫)‪ (29‬شرح الحكم العطائية للشرنوبي‪.‬ذلك مفصل في كتاب‬ ‫"السيرة النبوية الصحيحة" للستاذ إبراهيم العلي‪:‬‬ ‫‪.‬وقال ابن عبد‬ ‫البر‪ :‬حديث حسن جدا‪).‬وقد تردد هذا المعنى عند الشاطبي‬ ‫كثيرا‪ .‬ج‪.‬ن‪ .‬ص( رقم‪2349 :‬‬ ‫)‪ (32‬رواه ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر وصححه‬ ‫اللباني في )ص‪ .‫)فيكون الحديث بمجموع هذه الطرق حسنا( صحيح‬ ‫السيرة النبوية‪.‬وصححه اللباني‬ ‫في )ص‪ .77‬‬ ‫)‪ (38‬نيل الوطار‪.‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وابن‬ ‫سعد في الطبقات‪ ،‬والنسائي في الخصائص‪ .(53‬‬ ‫)‪ (40‬ابن هشام‪.1128 :‬‬ ‫)‪ (33‬رواه مسلم‪.

‬وانظر بعده‬ ‫الفهارس‪.‬ج‪.‫)‪ (41‬صحيح السيرة‪131:‬ـ‪.‬‬ ‫)‪ (43‬رواه أحمد‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والدارمي‪،‬‬ ‫والبيهقي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والبزار‪ ،‬والطبراني‪ ،‬وصححه‬ ‫ابن عبد البر في التمهيد‪ 14/121‬والحافظ في الفتح‪:‬‬ ‫‪ .‬‬ .‬ص‪.4/108‬واللباني في )ص‪ .132‬‬ ‫)‪ (42‬سبق تخريجه بالفصل الثاني‪.(952 :‬‬ ‫ــــــــــ نهاية الفصل الرابع والخاتمة‪ .

‬الثانية‪.‬‬ ‫نشر مكتب المطبوعات السلمية بحلب سوريا‪ .‬نشر تانسيفت ودار العالم الثالث‪ ،‬مطبعة‬ ‫النجاح الجديدة‪ ،‬الدار البيضاء‪1994 :‬‬ ‫ـ السلم والغرب والعولمة‪ .‬الدار البيضاء‪.‬‬ ‫بيروت‪1416:‬هـ‪1996/‬م‪.‬ط‪ .‬‬ .‬نصر حامد‬ ‫أبو زيد‪ .1416/1995:‬‬ ‫ـ أحكام القرآن لبي بكر محمد بن عبد الله‪،‬‬ ‫المعروف بابن العربي المعافري)ت‪543:‬هـ( تحقيق‬ ‫محمد عبد القادر عطا‪ .‬تأليف فرانسوا‬ ‫بوركا‪ ،‬ترجمة د‪ .‬للمام شهاب الدين أحمد بن إدريس‬ ‫القرافي)ت‪684:‬هـ(‪ .‬حسن أوريد‪ .‬الثانية‪ .‬الثانية‪:‬‬ ‫‪.‬طبع‬ ‫دار البشائر السلمية‪ .‬‬ ‫ـ السلم السياسي للمستشار محمد سعيد‬ ‫العشماوي‪ ،‬رئيس محكمة أمن الدولة بمصر‪ .1991:‬مطبعة النجاح‬ ‫الجديدة‪ .1999‬مطبعة النجاح الجديدة‪ :‬الدار البيضاء‪.‬نشر دار الكتب العلمية‪.‫لقئحة المصادر والمراجع‬ ‫ـ القرآن الكريم‬ ‫ـ الحكام السلطانية والوليات الدينية لبي الحسن‬ ‫علي بن محمد بن حبيب البصوري الماوردي )ت‪:‬‬ ‫‪450‬هـ( نشر دار الكتاب العربي بيروت‪ .‬ط‪ .‬اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة‪.‬‬ ‫ـ السلم السياسي صوت الجنوب‪ .1415/1994‬‬ ‫ـ الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكام‪ ،‬وتصرفات‬ ‫القاضي والمام‪ .‬بيروت‪ .‬ط‪.‬نشر‬ ‫)موفم( للنشر‪ .‬منشورات‬ ‫الزمن )سلسلة كتاب الجيب‪ (6:‬ط‪ .‬لورين زكري‪ ،‬مراجعة د‪ .‬الولى‪ :‬سبتمبر‪:‬‬ ‫‪ .

‬ط‪ .‬ط‪ .‫ـ السلم ومواجهة الدولة الحديثة للستاذ منير‬ ‫شفيق‪ .‬‬ ‫ـ الصولية في العالم العربي تأليف ريتشارد هرير‬ ‫دكمجيان‪ ،‬ترجمة وتعليق عبد الوار ث سعيد‪ .‬‬ .‬ط‪.‬تحت إشراف‬ ‫الدكتور عبد السلم الهراس‪ .‬‬ ‫دار الكتب العلمية بيروت‪ .‬بل ذكر لمكان للطبع‪ ،‬ول لي‬ ‫جهة مسؤولة!‬ ‫ـ النجاد في أبواب الجهاد لمحمد بن عيسى بن‬ ‫أصبغ الزدي المعروف بابن المناصف)‪620‬هـ( )دراسة‬ ‫وتحقيق( رسالة مرقونة تقدم بها الدكتور قاسم عزيز‬ ‫الوزاني لنيل دكتوراه الدولة في الدراسات السلمية‬ ‫من كلية الداب بمكناس‪/‬المغرب‪ .‬الثالثة‪1412 :‬هـ‪1992/‬م‪.‬السنة الجامعية‪1417 :‬ـ‬ ‫‪1418‬هـ الموافق للسنة الميلدية‪1997 :‬ـ ‪.‬نشر )الناشر للطباعة والنشر( ودار البراق‬ ‫للنشر بتونس‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫الخامسة‪1407 :‬هـ‪1987/‬م‪.‬‬ ‫ـ التاريخ الكبير للمام البخاري‪ ،‬نشر دار الكتب‬ ‫العلمية بيروت‪1407 :‬هـ‪1986/‬م‪.‬‬ ‫ـ أصول الشاشي لبي علي أحمد بن محمد بن‬ ‫إسحاق الشاشي‪ .‬‬ ‫ـ تخريج الفروع على الصول للمام شهاب الدين‬ ‫محمود بن أحمد الزنجاني )‪656‬هـ( تحقيق الدكتور‬ ‫محمد أديب صالح‪ .‬مؤسسة الرسالة بيروت‪ .‬نشر دار‬ ‫الوفاء ـ المنصورة‪ ،‬مصر‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫ـ العتصام لبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي‬ ‫)‪790‬هـ(‪ .1998‬‬ ‫ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لبي الوليد محمد بن‬ ‫أحمد بن رشد الحفيد‪ ،‬اعتنى بتخريج أحاديثه طه‬ ‫عبد الرؤوف سعد‪ ،‬دار الجيل بيروت‪ .‬أولى‪:‬‬ ‫‪1409‬هـ‪1989/‬م‪.‬‬ ‫ـ إكليل الكرامة في بيان مقاصد المامة تأليف سيد‬ ‫صديق حسن خان القنوجي )ت‪1307:‬هـ( مطبوع‬ ‫سنة‪1411:‬هـ‪1990/‬م‪ .‬ضبطه وصححه الستاذ أحمد عبد الشافي‪.‬نشر دار الكتاب العربي‪1402 :‬هـ‪.‬الثانية‪1411 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1991‬م‪.‬الثالثة‪1412 :‬هـ‪1992/‬م‪.

‬‬ ‫ـ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود‪ ،‬دار الكتب‬ ‫العلمية بيروت‪ ،‬ط‪ .‬‬ ‫منشورات الفرقان )سلسلة الحوار‪ (10:‬الدار البيضاء‪.‬‬ ‫ـ الدين والدولة للدكتور محمد خاتمي‪ .‬دار الشروق القاهرة‪ .48‬الطبعة الولى سنة‪1416 :‬هـ‪1995/‬م‪.‬الثانية‪1415 :‬هـ‪.‬ط‪.‬ط‪.‬‬ ‫ـ حوار الدين والدولة‪ :‬سمير أمين وبرهان غليون‪.‬ط‪ .‬الولى‪.‬الولى‪:‬‬ ‫‪1402‬هـ‪1982/‬م‪.‬‬ ‫المغرب‪.‬جامعة محمد‬ ‫الخامس(‪ .‬أعدها الباحث حسن بوكبير‪ .‬ط‪ .‬خلل السنة الجامعية‪1419 :‬ـ‪1420‬هـ‪/‬‬ ‫‪1998‬ـ‪1999‬م‪ .‬ضمن سلسلة )كتاب المة( القطرية‪.1996 :‬‬ ‫ـ خصائص التشريع السلمي في السياسة والحكم‬ ‫للدكتور فتحي الدريني‪ .‬‬ ‫ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن للمام أبي جعفر‬ ‫محمد بن جرير الطبري‪ .1998:‬‬ ‫ـ راشد الغنوشي )حوارات قصي صالح الدرويش(‪.‫ـ تطور الدولة السلمية فكرة وبنية من الهجرة إلى‬ ‫منتصف خلفة عثمان‪) .‬‬ ‫الولى‪.‬مؤسسة الرسالة‪ .‬نشر وزارة الوقاف والشؤون السلمية‬ ‫بدولة قطر‪ .‬‬ ‫ـ الدولة السلمية بين العلمانية والسلطة الدينية‬ ‫للدكتور محمد عمارة‪ .‬‬ .1408/1988‬‬ ‫ـ جمالية الدين‪ ،‬تأليف فريد النصاري )تحت الطبع(‪.‬‬ ‫العددان‪47:‬و‪ .‬‬ ‫المركز الثقافي العربي الدار البيضاء‪/‬بيروت‪ .‬تحت‬ ‫إشراف الدكتور محمد الروكي‪.‬الولى بالبيضاء‪ .‬‬ ‫الولى‪1409:‬هـ‪1988/‬م‪.‬تأليف فريد‬ ‫النصاري‪ .‬نشر دار الفكر‪ ،‬بيروت‪:‬‬ ‫‪.‬القاهرة‪ .‬نشر الدار‬ ‫العالمية للكتب والنشر‪ .‬‬ ‫ـ التوحيد والوساطة في التربية الدعوية‪ .‬رسالة جامعية مرقونة( قدمت‬ ‫لنيل دبلوم الدراسات العليا )ماجستير( في الدراسات‬ ‫السلمية من كلية الداب بالرباط‪) .1993:‬دار قرطبة‪ :‬الدار البيضاء‪.‬‬ ‫ط‪ .

‬ط‪.‬ج‪.‬العلمة الدكتور يوسف القرضاوي‪ .‬نشر‬ ‫مؤسسة الرسالة بيروت‪ .1416/1996:‬‬ ‫ـ السياسة الشرعية في إصلح الراعي والرعية لتقي‬ ‫الدين أبي العباس أحمد بن تيمية‪ .1409/1989 :‬دار القلم دمشق‪.‬ط‪ .‬ط‪ .‬الثانية‪1411 :‬هـ‪1991/‬م‪.‬ط‪.‬‬ ‫ـ السياسة الشرعية للستاذ عبد الوهاب خلف‪ .‬الولى‪1985 :‬م‪.‬ط‪ .‬المغرب‪ .‬‬ ‫ـ الشورى والديمقراطية للدكتور حسن الترابي‪.‬‬ ‫الولى‪.‬ط‪.‬الولى بالبيضاء‪ .‬تحقيق‬ ‫الشيخ أحمد شاكر‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫ـ شرح الحكم العطائية للشرنوبي‪.‬‬ ‫ـ سلسة الحاديث الصحيحة للعلمة محمد ناصر‬ ‫الدين اللباني‪ .‬المغرب‪.‬‬ ‫بيروت‪/‬دمشق‪ .1993:‬دار قرطبة‪ :‬الدار‬ ‫البيضاء‪ .‬الولى‪.‬ط‪ .‬ط‪.‬‬ ‫ـ الشورى والديمقراطية للستاذ عبد السلم ياسين‪.‬دار القلم بيروت‪ .‬ط‪ .‬دار الفكر بيروت‪.‬‬ ‫نشر مطبوعات الفق‪ :‬الدار البيضاء‪ .1996:‬‬ ‫ـ )ص‪ .‬للمام أبي عبد الله محمد بن‬ ‫إسماعيل البخاري‪ .‬‬ ‫ـ الصحوة السلمية في ميزان العقل‪ ،‬تأليف د‪ .‫ـ الرسالة للمام محمد بن إدريس الشافعي‪ .‬‬ ‫الولى‪1419 :‬هـ‪1998/‬م‪.‬تأليف‬ ‫محمد ناصر الدين اللباني‪ .‬الثالثة‪1408 :‬هـ‪1988/‬م‪.‬نشر‬ ‫مكتبة وهبة بالقاهرة‪ .‬دار الفاق‬ ‫الجديدة‪ .‬شرح وتحقيق الشيخ قاسم‬ ‫الشماعي الرفاعي‪ .‬‬ ‫ـ السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة‬ ‫ومقاصدها‪ .‬‬ ‫ـ شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا‪ .‬ص(= صحيح الجامع الصغير وزيادته‪ .‬‬ ‫الثانية‪ .‬فؤاد‬ ‫زكريا‪ ،‬نشر دار التنوير‪ ،‬بيروت‪ .‬الخامسة‪1413 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1993‬م‪.‬مطبعة المدني بمصر‪ .‬الولى‪:‬‬ ‫‪1407‬هـ‪1987/‬م‪.‬نشر مكتبة المعرف الرياض‪ .‬نشر المكتب السلمي‪.‬‬ ‫ـ صحيح البخاري‪ .‬‬ ‫منشورات الفرقان )سلسلة الحوار‪ (13:‬الدار البيضاء‬ ‫المغرب‪ .‬‬ .

‬الطبعة‬ ‫الثانية‪1416 :‬هـ‪1996/‬م‪.‬الثالثة‪.‬الولى‪1412 :‬هـ‪1991/‬م‪.‬ط‪ .‬‬ ‫نشر دار النفائس للنشر والتوزيع‪ ،‬الردن‪ .‬‬ ‫منشورات الزمن )سلسلة كتاب الجيب‪ (2:‬ط‪ .‬تحقيق‬ ‫محمد ناصر الدين اللباني‪ .‬الثامنة‪.‬سلسلة زدني علما( منشورات عويدات‬ ‫بيروت باريس‪ .‬ط‪ .‬دار الكتب العلمية بيروت‪ .‬‬ ‫ـ العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة‬ ‫بعد وفاة النبي‪ ،‬للقاضي أبي بكر بن العربي‬ ‫المعافري )ت‪543:‬هـ( تحقيق وتعليق محب الدين‬ ‫الخطيب‪ ،‬نشر مكتبة أسامة بن زيد بيروت لبنان‪:‬‬ ‫‪1399‬هـ‪1979/‬م‪.‬‬ ‫ـ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لشمس‬ ‫الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية )‪751‬هـ(‬ ‫دار إحياء العلم‪ .‬‬ ‫ـ صحيح مسلم‪ ،‬للمام أبي الحسين مسلم بن‬ ‫الحجا ج النيسابوري‪ .‬‬ ‫ـ غيا ث المم في التيا ث الظلم )المعروف بالغياثي(‬ ‫لمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله‬ ‫الجويني )ت‪478:‬هـ(‪ .‬ط‪ .‬ط‪.‬‬ ‫منشورات الفرقان الدار البيضاء‪) .‬دار‬ ‫العلم للمليين بيروت‪ .1983:‬‬ ‫ـ العنف والديمقراطية للستاذ عبد الله بلقزيز‪.‬‬ ‫دار الحديث بالقاهرة‪ .‬‬ ‫ـ صحيح السيرة النبوية للستاذ الشيخ إبراهيم العلي‪.‫ـ صحيح الترغيب والترهيب للحافظ المنذري‪ .‬ط‪ .1999:‬مطبعة النجاح الجديدة‪ :‬الدار البيضاء‪.‬فريد النصاري‪.‬سلسلة‪ :‬اخترت لكم‬ .‬‬ ‫بيروت‪ .‬‬ ‫دراسة في التدافع الجتماعي‪ .‬‬ ‫ـ الفجور السياسي والحركة السلمية بالمغرب‪.‬نشر المكتب السلمي‪.‬بيروت‪.‬تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي‪.‬‬ ‫ـ علم السياسة تأليف الدكتور حسن صعب‪ .‬الثانية‪1406 :‬هـ‪1986/‬م‪.‬‬ ‫الولى‪1417:‬هـ‪1997/‬م‪.1985:‬‬ ‫ـ علم السياسة‪ ،‬تأليف مارسيل بريلو ترجمة محمد‬ ‫برجاوي‪) .‬الولى‪:‬‬ ‫مايو‪ .

‬ط‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬أوفست دار المعرفة بيروت‪1395 :‬هـ‪1975/‬م‪.‬‬ ‫تحقيق نجيب هواويني‪.‬الولى‪1421 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ـ مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلفة‬ ‫الراشدة‪ .‬تأليف سعيد بن علي بن وهف‬ ‫القحطاني‪ .‬الطبعة العاشرة‪1401 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪.‬نشر دار‬ ‫الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة‪1387 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1967‬م‪.‬‬ ‫مطبعة سفير بالرياض‪ .‬‬ ‫طبعة دار الشروق‪ .‬المملكة العربية السعودية‪.‬مطبوع على هامش الفصل‬ ‫في الملل والهواء والنحل لبن حزم الظاهري‪ .‬ط‪ .‬ط‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫ـ كليات رسائل النور تأليف بديع الزمان سعيد النورسي‬ ‫ترجمة إحسان قاسم الصالحي‪ ،‬نشر دار ) سوزلر ( للنشر‪،‬‬ ‫فرع القاهرة ط ‪ 2‬بمصر ‪ 1412‬هـ‪ /‬الموافق ‪ 1992‬م‪.‬‬ ‫ـ كتاب العلم بمناقب السلم لبي الحسن محمد‬ ‫بن يوسف العامري المتوفى‪381):‬هـ( تحقيق ودراسة‬ ‫بقلم الدكتور أحمد عبد الحميد غراب‪ .‬جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم‬ ‫وابنه محمد‪ .‬بيروت‪ .2000‬‬ ‫ـ الفصل في الملل والنحل لبي الفتح محمد بن‬ ‫عبد الكريم الشهرستاني‪ .‫رقم‪ (3:‬مطبعة النجاح الجديدة‪ .‬مكتبة المعارف بالرباط‪ ،‬المغرب‪.‬بيروت‪ .‬دار النفائس‪ .‬نشر كرخانه تجارت كتب‪.‬السادسة‪1407 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1987‬م‪.‬‬ ‫ـ مجموع فتاوى شيخ السلم المام تقي الدين بن‬ ‫تيمية‪ .‬‬ .‬الثانية‪ :‬ربيع الول ‪1417‬هـ‪1996/‬م‪.‬‬ ‫ـ مجلة الحكام العدلية‪ .1981‬‬ ‫ـ قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلل‪ ،‬في‬ ‫ضوء الكتاب والسنة‪ .‬‬ ‫ولقد اعتمدنا فيها على ما يلي‪) :‬الشعاعات‪،‬‬ ‫والكلمات‪ ،‬واللمعات‪ ،‬والمكتوبات‪(.‬‬ ‫ـ في ظلل القرآن للستاذ سيد قطب رحمه الله‪.

‬بيروت‪ .‬الثانية‪.‬نشر‬ ‫دار المعرفة‪ .‬السادسة‪1399:‬هـ‪1989/‬م‪.‬‬ ‫ـ المشاركة السياسية في فقه شيخ السلم ابن‬ ‫تيمية‪ .‬الرابعة‪.‬نشر المؤسسة الدولية‬ ‫للدراسات والنشر‪ .‬ط‪ .‬‬ ‫الولى‪.‬‬ .‬‬ ‫ـ معالم في الطريق للستاذ سيد قطب‪ .‬مصر‪ .‬‬ ‫ـ مدارسة حول العمل السياسي من منظور شرعي‬ ‫للدكتور صلح الصاوي منشورات )رسائل الصحوة‪:‬‬ ‫رقم‪ (1‬مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء‪ .‬ط‪ .‬نشر دار القلم‪ .29:‬الطبعة الولى‪:‬‬ ‫‪ .1415/1995 :‬‬ ‫ـ الموافقات للمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى‬ ‫الشاطبي)ت‪790:‬هـ( بشرح الشيخ عبد الله دراز‪ .‫ـ مدار ج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين‬ ‫للمام ابن القيم تحقيق محمد حامد الفقي‪ .1983 :‬‬ ‫ـ مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن محمد بن‬ ‫خلدون‪ .1395/1975 :‬‬ ‫ـ النزعات الصولية والحداثة للدكتور محمد سبيل‬ ‫)سلسلة المعرفة للجميع‪ .‬الرابعة‪1415 :‬هـ‪/‬‬ ‫‪1995‬م‪.‬ط‪ .2000:‬‬ ‫ـ نظام الحكم والدارة في السلم للمام آية الله‬ ‫محمد مهدي شمس الدين‪ .‬ط‪.‬ط‪ .‬توزيع‬ ‫دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء‪ .‬سعد الدين العثماني‪ .‬ط‪.‬المغرب‪.1418/1999‬مطبعة قرطبة الدار البيضاء‪.‬بيروت‪ .‬الرابعة‪1981:‬م‪.‬إعداد وتقديم د‪ .‬رقم‪ (13:‬منشورات‬ ‫رمسيس‪ :‬فبراير‪/‬مارس‪.‬‬ ‫ـ معيد النعم ومبيد النقم‪ ،‬لتا ج الدين عبد الوهاب‬ ‫السبكي )ت‪771:‬هـ( نشر دار الحداثة بيروت‪ .‬ط‪ .‬نشر دار البشير للثقافة والعلوم‬ ‫السلمية‪ .‬‬ ‫الولى‪1997 :‬م‪.‬بيروت‪ .‬منشورات‬ ‫الفرقان‪ ،‬سلسلة الحوار‪ .‬طبع دار‬ ‫الشروق بيروت‪ .‬‬ ‫ـ المنها ج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للستاذ عبد‬ ‫السلم ياسين‪ .

‬نشر دار البشير للثقافة والعلوم السلمية‪.1980/‬‬ ‫ل المناصب لشمس الدين محمد‬ ‫ـ نقد الطالب ل رَفزغ َف ر‬ ‫بن طولون الصالحي الدمشقي )ت‪953:‬هـ( حققه‬ ‫محمد أحمد دهمان‪ ،‬وخالد محمد دهمان‪ .‫ـ نظرات في الفقه والتاريخ للستاذ عبد السلم‬ ‫ياسين‪ .‬‬ ‫ـــــ‬ ‫فهرس المحتويات‬ ‫مقدمة‪:‬‬ ‫الفصل الول‪ :‬الحركة السلمية والبيان‬ ‫الدعوي‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬ما الحركة السلمية؟‬ ‫المبحث الثاني‪ :‬في الطبيعة )الدعوية( للحركة‬ ‫السلمية‪:‬‬ ‫الفصل الثاصني‪ :‬الكحكام السياسية في مراتب‬ ‫التشريع السلمي‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬مراتب التشريع السلمي‪:‬‬ ‫المبحث الثاني‪ :‬المرتبة التشريعية للحكام السياسية‪:‬‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬الجتهاد السياسي السلمي‬ ‫وصنفسية الصدام لدى الحركة السلمية‬ ‫المعاصرة‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬الجتهاد السياسي السلمي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ في الفقه السياسي السلمي القديم‪:‬‬ ‫‪ 2‬ـ في الفقه السياسي السلمي المعاصر‪:‬‬ ‫المبحث الثاني‪ :‬الحركة السلمية المعاصرة ونفسية‬ ‫الصدام السياسي‪:‬‬ .‬نشر مركز‬ ‫جمعة الماجد‪ ،‬دبي‪ .‬طبع دار الفكر المعاصر بيروت‪ .‬‬ ‫مصر‪ .‬مؤسسة الرسالة بيروت‪1400 :‬هـ‪.‬ط‪ .‬‬ ‫الولى‪1412 :‬هـ‪1992/‬م‪.‬المارات العربية المتحدة‪ .‬الثانية‪.‬وراجعه نزار‬ ‫أباظة‪ .1415 :‬‬ ‫ـ نظرية السلم وهديه في السياسة والقانون‬ ‫والدستور‪ .‬لبي العلى المودودي‪ .‬ط‪.‬ترجمة جليل حسن‬ ‫الصلحي‪ .

‬‬ .‫الفصل الرابع‪ :‬صنحو بيان )قرآصني( للدعوة‬ ‫السلمية‪):‬لماذا؟ وكيف؟(‪:‬‬ ‫المبحث الول‪ :‬بعث الرسالة القرآنية‪:‬‬ ‫المبحث الثاني‪ :‬الدعوة إلى الله؛ ل إلى التنظيم‪:‬‬ ‫المبحث الثالث‪ :‬التجديد الديني ومراتب الولويات‬ ‫الدعوية‪:‬‬ ‫خاتمة‪:‬‬ ‫لئحة المصادر والمراجع‬ ‫فهرس المحتويات‬ ‫ـــــــــــ نهاية الكتاب بحمد الله وتوفيقه‪.