‫"كٌف" القرآنٌة والبحث العلمى‬

‫إن المتأمل فى كتاب هللا تعالى لن يكل أو يمل من تكرار التفكر فى آياته و التأمل فى مدلوالتها ‪ ,‬خاصة إذا كان هذا‬
‫المتفكر المتأمل يبحث عن عالقات بين الكتاب المسطور (القرآن الكريم) والكتاب المنظور (الكون البديع)‪.‬‬
‫ولذلك كانت قراءة القرآن وحفظه من أكثر العبادات التى حث عليها رسول هللا –صلى هللا عليه وسلم‪ -‬فى سنته النبوية‬
‫الشريفة مثلما قال " خيركم من تعلم القرآن وعلمه" – رواه البخارى فى صحيحه‪ -‬ولننظر لحظة فى اختيار لفظ "علًم" ولم‬
‫يختر لفظ" قرأ" أو "حفظ"‪ ,‬فلفظ "علًم" يدلل على وجود علوم فى ثنايا آيات القرآن الكريم‪ ,‬وكيف ال وهو تنزيل من هللا‬
‫العليم الحكيم " الم (‪َ )1‬ت ْن ِزٌل ُ ا ْل ِك َتا ِ‬
‫ب ََل َر ٌْ َب فٌِ ِه مِنْ َر ِّب ا ْل َعالَمٌِنَ (‪ ")2‬السجدة‪ .‬وقد ذكر اإلمام السيوطى فى كتابه‬
‫العمدة "اإلتقان فى علوم القرآن" فى عدد علوم القرآن حوالى ‪ 05‬علم‪ ,‬من التفاسير ألسباب النزول لعلوم اللغة وغيرها‪.‬‬
‫وفى حديثنا هنا نتكلم عن أحد مواطن اإلبداع فى كتاب هللا تعالى ‪ ,‬فلفت نظرى ذكر القرآن الكريم لكلمة "كيف" مراراً‬
‫وبالذات فى المواضع التى تتكلم عن اإلعجاز فى خلقه‪-‬عزوجل‪ -‬المخلوقات جميعا‪ .‬وقد قمت بحصر تكرار هذا اللفظ‬
‫فوجدته قد ذكر ‪ 26‬مرة فى كتاب هللا‪ ,‬بعضها ذكرت فى آيات هالك األمم السابقة مثل قوله تعالى " َقدْ َخلَتْ مِنْ َق ْبلِ ُك ْم‬
‫ف َكانَ َعاقِ َب ُة ا ْل ُم َك ِّذبٌِنَ "‪-13‬آل عمران ‪ ,‬وبعضها فى التعجب واستنكار بعض أقوال‬
‫س َننٌ َفسِ ٌ ُروا فًِ ْاْلَ ْر ِ‬
‫ض َفا ْن ُظ ُروا َك ٌْ َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف ٌَ ْهدِي َّللا ُ ق ْو ًما َكف ُروا َب ْع َد إٌِ َمانِ ِه ْم َو َ‬
‫سول َ َحقٌّ َو َجا َء ُه ُم ال َب ٌِّ َناتُ َوَّللا ُ َل ٌَ ْهدِي الق ْو َم‬
‫الر ُ‬
‫ش ِهدُوا أنه ه‬
‫الكافرين مثل " َك ٌْ َ‬
‫ال هظالِمٌِنَ " ‪-86‬آل عمران‪ ,‬ولكننى أخص هنا بالذكر اآليات التى ذكرت فيها هذه الكلمة فى إعجاز هللا فى خلقه مثل‪:‬‬
‫‪.1‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.4‬‬
‫‪.5‬‬
‫‪.6‬‬
‫‪.7‬‬
‫‪.8‬‬

‫سا ِك ًنا ُث هم َج َع ْل َنا ال ه‬
‫ف َم هد ال ِّظل ه َولَ ْو َ‬
‫س َعلَ ٌْ ِه َدل ًٌِل" الفرقان ‪45-‬‬
‫ش ْم َ‬
‫شا َء لَ َج َعلَ ُه َ‬
‫"أَلَ ْم َت َر إِلَى َر ِّب َك َك ٌْ َ‬
‫َّللا ُ ا ْل َخ ْلقَ ُث هم ٌُعٌِ ُدهُ إِنه َذلِ َك َعلَى ه‬
‫ئ ه‬
‫َّللاِ ٌَسِ ٌ ٌر" ‪ -19‬العنكبوت‬
‫ف ٌُ ْب ِد ُ‬
‫"أَ َولَ ْم ٌَ َر ْوا َك ٌْ َ‬
‫شأ َ َة ْاْلَخ َِر َة إِنه ه‬
‫ف َبدَأَ ا ْل َخ ْلقَ ُث هم ه‬
‫َّللاَ َعلَى ُكل ِّ َ‬
‫َّللا ُ ٌُ ْنشِ ُئ ال هن ْ‬
‫ش ًْءٍ َقدٌِ ٌر"‪-22‬‬
‫"قُلْ سِ ٌ ُروا فًِ ْاْلَ ْر ِ‬
‫ض َفا ْن ُظ ُروا َك ٌْ َ‬
‫العنكبوت‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َب ْع َد َم ْوتِ َها إِنه ذلِ َك لَ ُم ْحًٌِ ا ْل َم ْو َتى َوه َُو َعلَى ُكل ِّ َ‬
‫ش ًْءٍ قدٌِ ٌر"‬
‫ار َر ْح َم ِة ِ‬
‫ف ٌُ ْح ًٌِ ْاْل ْر َ‬
‫َّللا َك ٌْ َ‬
‫" َفا ْن ُظ ْر إِلَى آث ِ‬
‫‪ -52‬الروم‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وج" ‪-6‬ق‬
‫سمَاءِ ف ْوق ُه ْم ك ٌْ َ‬
‫"أَ َفلَ ْم ٌَ ْن ُظ ُروا إِلى ال ه‬
‫ف َبن ٌْناهَا َوز هٌناهَا َو َما ل َها مِنْ ف ُر ٍ‬
‫اب فٌِ ِه َتدْ ُرسُونَ (‪ ")37‬القلم‬
‫ف َت ْح ُكمُونَ (‪ )36‬أَ ْم لَ ُك ْم ِك َت ٌ‬
‫" أَ َف َن ْج َعل ُ ا ْل ُم ْسلِمٌِنَ َكا ْل ُم ْج ِرمٌِنَ (‪َ )35‬ما لَ ُك ْم َك ٌْ َ‬
‫ف َخلَقَ ه‬
‫ورا َو َج َعل َ ال ه‬
‫اجا (‪ ")16‬نوح‬
‫س َم َوا ٍ‬
‫س سِ َر ً‬
‫ش ْم َ‬
‫ت طِ َبا ًقا (‪َ )15‬و َج َعل َ ا ْل َق َم َر فٌِ ِهنه ُن ً‬
‫س ْب َع َ‬
‫َّللا ُ َ‬
‫"أَلَ ْم َت َر ْوا َك ٌْ َ‬
‫ف ُنصِ َبتْ (‪)19‬‬
‫ج َبا ِل َك ٌْ َ‬
‫سمَاءِ َك ٌْ َ‬
‫ف ُخلِ َقتْ (‪َ )17‬وإِلَى ال ه‬
‫" أَ َف َل ٌَ ْن ُظرُونَ إِلَى ْاْلِبِ ِل َك ٌْ َ‬
‫ف ُرفِ َعتْ (‪َ )18‬وإِلَى ا ْل ِ‬
‫سطِ َحتْ (‪ ")22‬الغاشٌة‬
‫َوإِلَى ْاْلَ ْر ِ‬
‫ف ُ‬
‫ض َك ٌْ َ‬

‫فإذا أخذنا المثال األخير و تأملنا فيه سنجد أن السؤال عن خلق اإلبل أو السماء أو الجبال أو األرض لم يكن بأداة استفهام‬
‫"لِم" فهذه أدوات استفهام جوابها معروف أو غير مهم بالنسبة الناظر‪ ,‬فكل العرب كانت تشعر تماما بأهمية وجود اإلبل‬
‫واألرض والجبال و أهمية تسخيرها لإلنسان فأصبح الجواب على السؤال "لِم" ال يحتاج إلى بحث طويل ‪ ,‬ولكن جاء‬
‫اللفظ "كيف" لماذا؟؟؟؟!!!‪ ,‬فالعرب وقتها كانوا يتعجبون من قدرتها على تحمل حرارة الصحراء حتى سمٌوها "سفينة‬
‫الصحراء"‪ ,‬ولكن ماهو تكوين الجمل ‪ ,‬وكيف تعمل أجهزة جسم الجمل حتى يستطيع أن يقوم بمهامه فى خدمة‬
‫اإلنسان‪...‬هذه أسئلة تندرج تحت السؤال عن الكيفية ‪ ,‬وهو ما يجعلنا نبحث كثيرا وكثيرا‬
‫وماذا يعنى أن نبحث كثيرا‪"......‬البحث العلمى" ‪................‬‬
‫وفى تلك اآلية يقول الشيخ سيد قطب فى كتابه "فى ظالل القرآن"‪:‬‬
‫"ٌوجه القرآن أنظار المخاطبٌن إلى تدبر خلق اْلبل وهً بٌن أٌدٌهم ‪َ ,‬ل تحتاج منهم إلى نقلة وَل علم جدٌد ‪« ..‬أَ َفل‬
‫ف ُخلِ َقتْ ؟» ‪ ..‬أفل ٌنظرون إلى خلقتها وتكوٌنها؟ ثم ٌتدبرون ‪ :‬كٌف خلقت على هذا النحو‬
‫ٌَ ْن ُظرُونَ إِلَى ْاْلِبِ ِل َك ٌْ َ‬
‫المناسب لوظٌفتها ‪ ,‬المحقق لغاٌة خلقها ‪ ,‬المتناسق مع بٌئتها ووظٌفتها جمٌعا! إنهم لم ٌخلقوها‪ .‬وهً لم تخلق نفسها‬
‫‪ ,‬فل ٌبقى إَل أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته ‪ ,‬التً تدل علٌه ‪ ,‬وتقطع بوجوده كما تشً بتدبٌره وتقدٌره‪".‬‬

‬‬ ‫فى نهاية هذا المقال أريد أن ألخص ما تم التوصل إليه فى نقطتين ‪ .‬هو خالل المقارنة بين‬ ‫شأ َ َة ْاْلَخ َِر َة إِنه ه‬ ‫ف َبدَأَ ا ْل َخ ْلقَ ُث هم ه‬ ‫َّللاَ َعلَى ُكل ِّ َ‬ ‫َّللا ُ ٌُ ْنشِ ُئ ال هن ْ‬ ‫ش ًْءٍ َقدٌِ ٌر"‪-22‬‬ ‫قوله تعالى ""قُلْ سِ ٌ ُروا فًِ ْاْلَ ْر ِ‬ ‫ض َفا ْن ُظ ُروا َك ٌْ َ‬ ‫العنكبوت وقوله تعالى " َما أَ ْ‬ ‫ض َو ََل َخ ْلقَ أَ ْنفُسِ ِه ْم َو َما ُك ْنتُ ُم هت ِ‬ ‫س َم َاوا ِ‬ ‫ضدًا" ‪-51‬‬ ‫ت َو ْاْلَ ْر ِ‬ ‫خ َذ ا ْل ُمضِ لٌِّنَ َع ُ‬ ‫شهَدْ ُت ُه ْم َخ ْلقَ ال ه‬ ‫الكهف‪ .‬وليس عن‬ ‫طريق العلم االستنباطى التخيلى ولكن عن طريق العلم التجريبى االستقرائى وهذا ما نلحظه فى قوله تعالى فى سورة‬ ‫العنكبوت ‪ .‬‬ ‫النقطة األخرى التى يمكننا االستدالل بها عن مقصد القرآن الكريم من بناء نظرية العلم التجريبى ‪ .‬ولنسأل أنفسنا سؤاال آخر ‪:‬‬ ‫أال يبحث العلم اآلن فى تلك القضية وظهرت نظريات عديدة مثل ال ‪ Big Bang‬أو االنفجار العظيم‪ .‬فنحن‬ ‫لم نعلم كيف خلق ربنا سبحانه وتعالى األنفس أو السماوات ‪ .‬وهو منهج العلم التجريبى والبحث العلمى‪.‬إلخ‪.‬فاهلل سبحانه وتعالى يحثنا على معرفة كيفية بدء الخليقة بالرغم من أننا لم نشهدها ‪ .‬أليس من المعقول أنه قد يرشد أيضا إلى علوم أخرى قادمة فى مستقبل األمم؟؟؟‬ ‫َّللا لَ َو َجدُوا فٌِ ِه ْ‬ ‫ٌِرا"‬ ‫"أَ َف َل ٌَ َتدَ هب ُرونَ ا ْلقُ ْر َآنَ َولَ ْو َكانَ مِنْ عِ ْن ِد َغ ٌْ ِر ه ِ‬ ‫اخت َِل ًفا َكث ً‬ ‫‪-82‬النساء‬ ‫أحمد بركات‬ ‫القاهرة فى ‪6500/05/60‬‬ ..‬ولكن عن طريق العلم وحده قد نجد تفسيرا لذلك ‪ .‫ومن خالل هذا المنظور نجد أن القرآن الكريم كان يؤسس لمنهج االستقراء ‪ .‬فإذا كان القرآن قد يسر‬ ‫الطريق إلى العلوم المتواجدة حاليا ‪ .‬ويمكننا أن نذكر منها ما قاله العالم "شمويل سمبرسكى"‪ Shmuel Sambursky‬فى كتابه‬ ‫"‪ "Alhazen the critique of ptolomy‬أو "نقد الحسن بن الهيثم لبطليموس"‪.‬‬ ‫الدالئل على اعتراف الغرب بفضل العلماء المسلمين وفى مقدمتهم الحسن بن الهيثم فى مسألة العلم التجريبى االستقرائى‬ ‫كثيرة‪ .‬وفى حاالت الظواهر الطبيعية تكون التجربة حية فال تحتاج إلى "صناعة التجربة" بل هى‬ ‫مشاهدة وموجودة بالفعل‪ .‬‬ ‫هذا التساؤل يجعلنا نفكر فى أن هناك مساحة من الحقائق التى لم ندركها من قبل فكانت فى عالم الغيب بالنسبة لنا ‪ .‬ثانيا أننا ينقصنا الكثير فى تدبر القرآن‪ .‬حيث أنه اختلف اختالفا كليا عن مناهج الحضارات السابقة مثل‬ ‫اإلغريق والرومان الذين كانوا يعتمدون فى األصل على االستنباط العقلى والتخيل البحت الذى أدى بهم إلى الكثير من‬ ‫الخرافات‪.‬فمن كان يبحث فى‬ ‫هذا التساؤل أليس علم الجيولوجيا و الطبيعة ‪.‬أوال أن العلوم الحديثة التجريبية تأصلت أوال من خالل‬ ‫العلوم اإلسالمية التى تشربت ذلك من القرآن الكريم‪ .‬سنجد تساؤل واضح كيف "ننظر" فى كيفية بدء الخليقة وفى نفس الوقت أن هللا عزوجل لم يشهدنا خلق السماوات‬ ‫واألرض وال حتى خلق أنفسنا!!!! ‪.‬‬ ‫هذا المنهج هو ما فتح على علماء المسلمين الباب إلى قيام الحضارة اإلسالمية بالشكل الرائع الذى نظل نتحاكى عنه حتى‬ ‫يومنا هذا والذى يعترف بفضله العديد من علماء الغرب‪ .‬ثم بعد ذلك تتم عملية المالحظة فاالستقراء (هو التحليل للمالحظات) حتى الوصول إلى نتائج‪..‬‬ ‫فيبدأ المنهج بمالحظة التجربة ‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful