You are on page 1of 8

‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬

‫الجودة والرداءة في التركيب‬

‫تناول الكثير من النقاد ‪ ،‬قديما )‪(1‬وحديثا )‪ ،(2‬معايير الجودة والرداءة في التراكيب‬
‫‪:‬‬ ‫)‪( 3‬‬
‫النحوية ‪،‬وقد جمع الدكتور نعمة رحيم العزاوي ما تفرق منها ‪ ،‬وهي‬
‫‪-1‬النسياب ويعني ‪ :‬انسجام أصوات الجملة ‪ ،‬فل يتكرر فيها حرف ‪،‬أو تتقارب مخارج‬
‫الصوت تقاربا يكسب السلسلة النطقية ثقل ‪ ،‬أو تكرار أفعال معينة‪ .‬وترى الباحثة أن‬
‫التكرار ل يخص الفعال ‪ ،‬بل هو يخص السماء أيضا ‪.‬‬
‫‪-2‬موسيقى التركيب التي تتكون بالزدواج والتوازن والسجع والترصيع ‪.‬‬
‫‪-3‬الوضوح والغموض ‪.‬‬
‫‪-4‬وحدة النسجام ‪ :‬وهو يعني ‪ :‬مجيء اللفاظ في التركيب على صفة واحدة ‪.‬‬
‫ولم يخرج الباحث علي حسين عما قاله الدكتور نعمة العزاوي في مقاييس الجودة‬
‫والرداءة في التراكيب )‪.(4‬‬
‫ويمكن أن نخلص من أقوال السابقين إلى أن معايير الجودة والرداءة تدور حول‬
‫ما لم‬ ‫)‪( 5‬‬
‫انسجام اللفاظ ‪ ،‬معنى وموسيقى ومقاما ‪،‬وذلك لن النص ل يوسم بالتساق‬
‫تتضافر مستويات اللغة وقوانينها في انتاجه والذي يعنينا في هذا البحث معايير ابن جني‬
‫هي ‪:‬‬

‫النسجام الصوتي‬

‫ينظر ‪ :‬سر الفصاحة ‪ ، 87‬دلئال العجاز ‪ ، ، 46‬المثل السائار ‪. 303، 300، 292، 264 /1‬‬ ‫‪()1‬‬

‫ينظر ‪ :‬النقد اللغوي عند العرب ‪ ، 315_ 290‬وصفات الشعر في النقد الدبي عند العرب ‪. 73-44‬‬ ‫‪()2‬‬

‫ينظر ‪ :‬النقد اللغوي عند العرب ‪. 315_ 290‬‬ ‫‪()3‬‬

‫ينظر ‪ :‬صفات الشعر في النقد الدبي عند العرب ‪. 73-44‬‬ ‫‪()4‬‬

‫)التساق ( يعني ‪ :‬ترابط أجزاء النص ‪ ،‬ينظر ‪ :‬لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب ‪. 27-13‬‬ ‫‪()5‬‬

‫‪255‬‬

219، 29 / 1‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫ينظر ‪ :‬الصاحبي ‪، 231‬وموسيقى اللغة ‪.‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫الخصائاص ‪.‬وقد أكد ابن جني ‪ ،‬في‬ ‫مواطن من خصائاصه ‪ ،‬أهمية موسيقى النص في التأثير في السامع ‪ ،‬فقال في قول‬ ‫‪:‬‬ ‫)‪( 3‬‬ ‫الشاعر‬ ‫وحديثها كالغيث يسمعه‬ ‫راعي سنين تتابعت جدبا‬ ‫فأصاخ يرجو أن يكون حيا‬ ‫ويـقول مـن فـرح هيـــا ربـا‬ ‫‪ ،‬وهذا ل يكون عن نبرة واحدة ‪ ،‬ول رزمة‬ ‫)‪(4‬‬ ‫"يعنى ‪ :‬حنين السحاب وسجره‬ ‫‪.‬‬ ‫)‪( 5‬‬ ‫مختلسة ‪ ،‬إنما يكون مع البدء فيه والرجع وتثنى الحنين على صفحات السمع "‬ ‫ينبهنا أبو الفتح على أهمية موسيقى النص في التأثير في السامع ‪ ،‬تلك الموسيقى‬ ‫المتنوعة ‪ ،‬التي تتغير ‪ ،‬فل تجري على نسق واحد فتملل ‪.‬‬ ‫‪()1‬‬ ‫لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب ‪143‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫نسب البت إلى الراعي ينظر ‪ :‬الخصائاص ‪، 219 ، 29 /1‬و لسان العرب )هيا(‪. 9-7‬‬ ‫‪()6‬‬ ‫من هذه المصطلحات ‪) :‬المزاوجة ( و) الزدواج ( و ) التزاوج ( و) المجاورة ( و) حفظ التوازن( و)المناسبة‬ ‫‪()7‬‬ ‫( و)المحاذاة ( ‪ ،‬وينظر‪ :‬موسيقى اللغة ‪.‬فالتآلف‬ ‫مرتبط بتباعد مخارج الصوات ‪ ،‬سواء في الكلمة الواحدة أو في الكلمات المتجاورة ‪،‬‬ ‫والتنافر مرتبط بتقارب المخارج )أو تماثلها(")‪ ،(2‬لذا كان من البديهي عد مقاييس جودة‬ ‫اللفظة في النسجام الصوتي ‪ -‬من حيث بعد المخارج وقربها أو تكرر مخرج الحرف نفسه‬ ‫‪،‬الذي يكسب اللفظة ثقل ‪ ،‬والناطق تعث ار بالكلم‪ ،‬بسبب إثقال الجهاز الصوتي بالشديد من‬ ‫الصوات – هي نفسها مقاييس جودة التراكيب اللغوية أو رداءتها ‪.‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫يريد بع)السجر ( ‪ :‬صوت الرعد ‪.‬‬ ‫ويعععد )الزدواج ( ظععاهرة موسععيقية تحقععق للجمععل نغمععا متناسععقا متآلفععا‪،‬عععن طريععق‬ ‫‪ ،‬الذي عقد فيه ابن جني بابا وسععمه‬ ‫)‪( 7‬‬ ‫وحدة الوزن)‪. 11-7‬‬ ‫‪256‬‬ .(6‬وبله اختلف مصطلح ) الزدواج (‬ ‫ونعني بها‪ :‬موسيقى الشعر ‪ ،‬وموسيقى اللفاظ المنفردة والمركبة في جمل منثورة ‪. ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫‪ ،‬التي تبدأ عنده من‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫ل ينكر أحد على أبي الفتح بعد باعه في الموسيقى اللغوية‬ ‫الحرف ‪ ،‬وتنتهي بالنص ‪ ،‬وقد تحدثنا في الفصول السابقة عن أهمية ائاتلف مخارج‬ ‫الحروف في اللفظة الواحدة‪،‬والحق أن هذا الئاتلف ل يقل عنه أهمية الئاتلف في الجمل‬ ‫والنص ‪ ،‬فاللفظة عبارة عن سلسلة صوتية مجتزءة من سلسل صوتية كلمية أكثر طول ‪،‬‬ ‫فالجامع بين اللفظة والجملة يكمن "في البعد الصوتي ‪ ،‬ومدى تآلفه أو تنافره ‪ .

48‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫ينظر ‪:‬الخصائاص ‪.(4‬لذا يحكم على قول رؤبة)‪:(5‬‬ ‫إني وأسطار سطرن سطرا‬ ‫لقائل يا نصر نصر نصرا‬ ‫بالفصاحة " فاعترض بالقسم بيععن اسععم إن وخبرهععا")‪،(6‬وتععرى الباحثععة أن العععتراض‬ ‫يحقق غرض التشويق ‪،‬ويستدعي جل اهتمام المستمع لمعرفة الكلم التالي للمتحدث ‪. ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫بع)باب في الجوار ( قال فيه ‪ " :‬وذلك في كلمهم على ضربين ‪ ) ،‬أحدهما ( تجاور اللفععاظ‬ ‫‪ .221-3/220‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫المصدر نفسه ‪. 243‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫‪()6‬‬ ‫الخصائاص ‪.‬‬ ‫العتراض‬ ‫العتراض بين أجزاء الجملة الواحد ة ‪ ،‬من معايير الفصاحة عنعد ابعن جن ي ‪ ،‬فنجعده‬ ‫يقول‪":‬والعتراض في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ‪ ،‬ودال علععى فصععاحة المتكلععم وقععوة‬ ‫نفسه وامتداد نفسه وقد رأيته في أشعار المحدثين ‪ ،‬وهو في شعر إبراهيم بععن المهععدى أكععثر‬ ‫منه في شعر غيره من المولدين")‪.‬ل يكون إل بعد أمن اللبس ‪. 340 / 1‬‬ ‫‪257‬‬ .‬نحععو الععتزام صععوت الظععاء فععي القافيععة والكلمععة‬ ‫‪1‬‬ ‫)(الخصائاص ‪.‬وأرى أن عععدم النظععر إلععى الحالععة العرابيععة ‪ ،‬والتضععحية بهععا لتحقيععق النسععجام‬ ‫الموسيقي ‪ .‬‬ ‫التزام الشاعر ما ل يجب ومخالفته لما يجب‬ ‫قععععد يلععععزم الشععععاعر مععععا ل يجععععب عليععععه ‪ ،‬بغيععععة إثبععععات المقععععدرة اللغويععععة بجميععععع‬ ‫أنحائاهععا‪،‬النحويععة والصععرفية والععثراء اللغععوي ‪. 341 / 1‬‬ ‫ديوانه ‪ ، 174‬والكتاب ‪ ، 2/187‬والخصائاص ‪ ، 1/340‬وشرح شواهد اليضاح ‪.‬فقععد يغيععر العربععي مععن تركيععب الجمععل ليحقععق التععوازن‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫‪ ،‬و)الخععر ( ‪ :‬تجععاور لحععوال "‬ ‫الموسيقي ‪ ،‬فالكلمة "قد تكسر أو تفتح أو تضم ل حسب موقعها العرابي من الكلم ‪ ،‬إوانما‬ ‫يحدث ذلك تبعا للكلمة الععتي قبلهععا ‪ ،‬ليحععدث بهمععا معععا المحععاذاة أو الموازنععة ")‪ ،(2‬وقععد سععاق‬ ‫ابععن جنععي أمثلععة عديععدة ذكععر فيهععا هععذا الزدواج ‪ ،‬فمععن الجععوار فععي المتصععل ‪ :‬نقععل حركععة‬ ‫العراب إلى ما قبل حرف العراب فعي الوقعف‪)،‬هعذا بكععر( ‪ ،‬ومععن الجعوار فعي المنفصعل قعول‬ ‫العرب ‪) :‬هذا جحر ضب خربب ()‪ ،(3‬فتغير حركععة العععراب لتحقيععق النسععجام الموسععيقي فععي‬ ‫الععتركيب ‪ .218 / 3‬‬ ‫موسيقى اللغة ‪.

(3‬‬ ‫إواذا ما خالف الشععاعر مععا الععتزمه ‪ ،‬أو نععوع فععي القاعععدة النحويععة ‪،‬فقععد أتععى عنععد ابععن‬ ‫جنععي بليغععا‪،‬فخععروج الشععاعر"مععن الرفععع إلععى النصععب فععي المععدح كععان أفخععر‪ ،‬لختلف تركيععب‬ ‫الجمل‪،‬واذا الزم إعرابا ضاق طريقه ولم يتسع اتساعه إذا اختلفت تراكيب الجمل ")‪،(4‬إذن كل‬ ‫إ‬ ‫مذهب له حسناته ‪ ،‬فاللتزام يعني المقدرة اللغوية ‪ ،‬والتنوع يحقق أغ ارضععا دلليععة ‪ ،‬ويوسععع‬ ‫على الشاعر ضيق القواعد النحوية‪ ،‬ونلحظ هذا في قول الشاعر )‪:(5‬‬ ‫مشي حييات كأن لم يفزعن‬ ‫ارفعن أذيال الحقي واربعن‬ ‫إن تمنع اليوم نساء تمنعن‬ ‫ففي الخصائاص يذكر قدرة الشاعر على التزام "العين وليست بواجبة")‪ ،(6‬ثم ينبه في‬ ‫الخاطريععات علععى تععرك الشععاعر صععيغة الخطععاب إلععى الغيبععة فععي )يمنعععن(‪،‬بغايععة المبالغععة ‪،‬‬ ‫فيقععول‪":‬كععذا يععروى باليععاء "يمنعععن" ‪ ،‬هععذا بعععد قععوله "إرفعععن" و"إربعععن" ‪ ،‬فععترك الخطععاب إلععى‬ ‫الغيبة‪.2/249‬‬ ‫‪258‬‬ .‬‬ ‫‪()6‬الخصائاص ‪. ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫الخيرة من الصدر في عدد من البيات الشعرية ‪،‬والتزام الشععاعر تصععغير القعوافي فعي أبيعات‬ ‫القصيدة إل النزر)‪،(1‬أو جر جميع قوافي القصيدة إل بيتععا واحععدا)‪.253-250‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫المصدر نفسه ‪.(2‬وال لععتزام لععه حكمععه ‪ ،‬كمععا‬ ‫أن للمخالفة حكمها ‪ ،‬والذي يستجيد اللتزام ويستحسنه ‪ ،‬يضعف المخالفة ويوهنها‪،‬هذا مععا‬ ‫يفرضه العقل والمنطق ‪،‬فتناقض المذهبين يتبعه تناقض الحكم عليهما‬ ‫أمععا أبععو الفتععح فنععراه يسععتجيد المععذهبين معععا ‪ ،‬فهععو مثل يعععد الععتزام الشععاعر تصععغير‬ ‫جميع قوافي القصيدة ‪ ،‬إل النزر منها ‪"،‬أفخر ما فيها ‪،‬وأدله على قوة قائالهععا ‪،‬وأنععه إنمععا لععزم‬ ‫التصععغير فععي أكععثر سععباطة وطبعععا ‪،‬ل تكلفععا وكرهععا ‪،‬أل تععرى أنععه لععو كععان ذلععك منععه تجشععما‬ ‫وصنعة لتحامي غير المصغر ليتم له غرضه ‪،‬ول ينتقض عليه ما اعتزمه")‪.‬‬ ‫ينظر‪ :‬الخصائاص ‪.‬وليس ذاك للسعة والتصرف ‪ ،‬لكن لما فيه من المبالغة ‪.238-2/235‬‬ ‫‪()1‬‬ ‫ينظر ‪ :‬المصدر نفسه ‪.70‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫الرجز لغلم من بني جذيمة ‪ ،‬ينظر ‪ :‬الخصائاص ‪ ، 2/249،3/253‬والمنصف ‪ ،3/69‬في الخاطريات ‪-69‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫‪ ،70‬رفعن ‪ ،‬ويمنع ‪.239-2/238‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫الخاطريات ‪.

2/268‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫ينظر ‪:‬المصدر نفسه ‪.2/270‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫النحل ‪.‬نعم ‪ ،‬ولو لم يكن في الطالة في بعض الحوال إل الخروج إليها عما قد ألف ومل من‬ ‫اليجاز ‪ ،‬لكان مقنعا‪،‬فإن المحبوب إذا كثر مل)‪.266‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫ينظر‪ :‬المصدر نفسه ‪.70‬‬ ‫‪()7‬‬ ‫ينظر ‪:‬الخصائاص ‪.271– 2/270‬‬ ‫‪()7‬‬ ‫‪259‬‬ . ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫ووجععععه المبالغععععة أنععععه إذا تععععرك الخطععععاب إلععععى الغيبععععة كععععان "انصععععرافا عنهععععن إلععععى‬ ‫غيرهن‪،‬فيكون أقعد في المعنى من أن يكون طريقا واحدا ‪ ،‬خطابا كله أو غيبة كله")‪.26‬‬ ‫‪()6‬‬ ‫الخصائاص ‪.‬فهذا معنى غير الول ")‪.87-1/86‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫المصدر نفسه ‪.‬وقد تزاد الجملة‪،‬ويتطوع بما ل يلزم ‪،‬لتحصيل معنى غير المعنى الول المتأتي‬ ‫قد مكر الذين من‬ ‫من الجملة نفسها ‪،‬وهذا ما يلحظه أبو الفتح في قوله تعالى ‪ :‬‬ ‫قبلهم فأتى ا بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم‬ ‫واتيهم العذاب من حيث ل يشعرون ‪،(6)‬فلو قيل‪) :‬فخر عليهم السقف ( من‬ ‫غير )من فوقهم ( لجاز أن يظن به أنه كقولك ‪ ) :‬قد خربت عليهم دارهم( وهو قول "يقال‬ ‫في العتداد على النسان بذنوبه وقبيح أفعاله …فإذا قال ) من فوقهم( زال ذلك المعنى‬ ‫المحتمل‪،‬وصار معناه أنه سقط وهم من تحته ‪.(7‬‬ ‫‪،‬قد‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫و يعد أبو الفتح اللتزام ‪ ،‬أو التطوع بما ل يجب بابا منقادا واسعا في العربية‬ ‫يعني في مواقف لغوية ‪ :‬اللفظ الزائاد في تراكيب الجمل )‪ ،(3‬ويمكننا القول ‪:‬إنه من قانون‬ ‫)لكل مقام مقال ( انطلقت السليقة العربية إلى التعبير عن المعاني المختلفة ‪ ،‬فنجد العربي‬ ‫قليل ما يطنب‪،‬وكثي ار ما يوجز ‪ ،‬لنه إلى اليجاز أميل‪ ،‬يقول أبو الفتح ‪ :‬أل ترى إلى ما في‬ ‫القرآن وفصيح الكلم من كثرة الحذوف ‪ ،‬كحذف المضاف ‪ ،‬وحذف الموصوف‪ ،‬والكتفاء‬ ‫بالقليل من الكثير‪ ،‬كالواحد من الجماعة‪ ،‬وكالتلويح من التصريح ‪،‬فهذا ونحوه يدل على‬ ‫رغبتهم فيما خف وأوجز عما طال وأمل ‪ ،‬وأنهم متى اضطروا إلى الطالة لداعي حاجة ‪،‬‬ ‫أبانوا عن ثقلها عليهم ‪ ،‬واعتدوا بما كلفوه من ذلك أنفسهم ‪ ،‬وجعلوه كالمنبهة على فرط‬ ‫عنايتهم وتمكن الموضع عندهم ‪ ،‬وأنه ليس كغيره مما ليست له حرمته‪،‬ول النفس معنية به‬ ‫‪ .(4‬‬ ‫وللطالة والطناب أغراض كثيرة ‪،‬منها ‪ :‬التوكيد والفادة ‪ ،‬نحو الفادة المستعملة‬ ‫‪ ،‬نحو‪ ) :‬قد صمنا عشرين من الشهر وبقى علينا‬ ‫)‪( 5‬‬ ‫مع "الفعال الشاقة المستثقلة "‬ ‫عشر ( ‪ .(7‬‬ ‫الخاطريات ‪.

259-258‬‬ ‫‪()1‬‬ ‫ينظر ‪ :‬البرهان في علوم القرآن ‪ ،443-442 / 2‬روح المعاني ‪.127 / 5‬‬ ‫زهر الداب ‪.‬واذا عد التوكيد من باب الطناب ‪ ،‬فهو هنا إطناب واجب ‪.‬ويمكن‬ ‫القول أيضا ‪ :‬إن في الية توكيدات متعددة تبين هلك المشركين الذين يصدون عن سبيل‬ ‫ال من أراد اتباع دين ال ‪" ،‬فراموا مغالبة ال ببناء بنوه يريدون بزعمهم الرتفاع إلى‬ ‫‪،‬وهذه التوكيدات ل بد منها للبانة عن عظمة فحش العمل‬ ‫)‪( 3‬‬ ‫السماء لحرب من فيها "‬ ‫‪.125 / 14‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫ينظر‪ :‬تفسير الطبري ‪،96/ 14‬الدر المنثور ‪.‬‬ ‫‪()6‬‬ ‫‪260‬‬ . ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫والحق أن دللة قوله تعالى ‪":‬فخر عليهم السقف" ‪،‬في الصل متنوعة لتنوع دللة‬ ‫حرف الجر )على( ‪،‬التي قد تكون فعل أو اسما أو حرفا زائادا )‪ ،(1‬فع)خر عليهم السقف من‬ ‫فوقهم( قيل ‪ :‬بمعنى‪ :‬خر عن كفرهم بال كما تقول ‪ ) :‬اشتكى فلن عن دواء شربه ( ‪،‬‬ ‫أي من أجل كفرهم ‪ .‬أو أن تكون )على( بمعنى اللم ‪،‬أي‪) :‬فخر لهم(‪،‬وقيل أيضا ‪:‬إن‬ ‫العرب ل تستعمل لفظة )على( في مثل هذا الموضع إل في الشر والمر المكروه ‪ ،‬تقول ‪:‬‬ ‫)خربت على فلن ضيعته(‪ ،‬ويقال ‪) :‬سقط عليه موضع كذا(‪ ،‬إذا كان يملكه ‪ ،‬إوان لم يكن‬ ‫من فوقه ‪ ،‬بل تحته‪،‬فدل قوله تعالى )من فوقهم ( على الفوقية الحقيقية ‪ ،‬وما أحسن هذه‬ ‫المقابلة بالفوقية بما تقدم من قوله ‪) :‬فأتى ال بنيانهم من القواعد()‪ ،(2‬لذا قوله تعالى‬ ‫‪":‬من فوقهم" ليس من باب الطناب أو الزيادة الحسنة ‪،‬بل هي ركن مهم لرسم صورة‬ ‫السقوط والنهيار الذي يأتي من كل مكان ‪ ،‬فيحيط بالكافر ويطبق عليه ليهلكه ‪ .‬‬ ‫أي حبسن عليه يشرب ألبانها في شدة الشتاء‪،‬ينظر‪ :‬لسان العرب )قصر(‪.‬‬ ‫المرتكب إ‬ ‫إذن يمكن القول‪ :‬إن التطويل والطناب ظاهرة حسنة في العربية ‪ ،‬إذا أحسن‬ ‫إحكام‬ ‫توظيفها‪ ،‬جاء في زهر الداب " إن ابتليت بمقام لبد لك فيه من الطالة فقدم‬ ‫)‪( 4‬‬ ‫البلوغ في طلب السلمة من الخطل ‪ ،‬قبل التقدم من إحكام البلوغ في شرف التجويد "‬ ‫نحو زيادة القول في أجوبة السئالة التي تطرح على المسؤول‪،‬وهذا ما يجده ابن جني في‬ ‫قول أبي دؤاد اليادي )‪:(5‬‬ ‫فقصرن )‪(6‬الشتاء بعد عليه‬ ‫وهو للذود أن يقسمن جار‬ ‫ينظر ‪ :‬دراسة في حروف المعاني الزائادة ‪. 198 /1‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫ينظر ‪:‬الكتاب ‪،1/278‬نسبه إلى عدي بن الرقاع ‪ ،‬وفي الخصائاص ‪ 2/265‬ينسبه إلى أبي دؤاد اليادي ‪،‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫وهو في ديوانه ‪ ،318‬ولسان العرب )قصر(‪.

..2/265‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫‪261‬‬ ..‬وانما العيب أن يقصر في الجواب عن مقتضى‬ ‫بقوله‪":‬وليس عيبا ؛ بل هو زائاد على المر إ‬ ‫‪.... ‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫)فقصرن الشتاء(‪ :‬جواب )كم قصرن عليه ؟ ( ‪ ،‬والقياس عند ابن جني أن يقول ‪:‬‬ ‫)ستة أشهر ( ‪ ،‬وجاز عنده "أن يكون ) الشتاء ( جوابا لع"كم" من حيث كان عددا في‬ ‫المعنى ‪ ،‬أل تراه ستة أشهر‪.....‬‬ ‫)‪( 3‬‬ ‫السؤال ؛ فأما إذا زاد عليه فالفضل معه ‪،‬واليد له "‬ ‫وترى الباحثة ‪ :‬إن استعمال الشاعر )الشتاء( بدل )ستة أشهر( ‪ ،‬أو أي عدد يمثل‬ ‫أشهر الشتاء في المناطق المختلفة من العالم ‪ ،‬ل يمكن أن نعده تطوعا ‪ ،‬كما ذهب إليه‬ ‫أبو الفتح في بيت أبي دواد‪،‬لن الجواب اللزم يؤدي إلى كسر البيت ‪،‬وهذا ما نلحظه عند‬ ‫قولنا‪:‬‬ ‫‪..‬‬ ‫الخصائاص ‪..‬يريد طول الشتاء "‬ ‫وأقول ‪ :‬إن سيبويه قد نبه على اللفاظ التي تدل على عدد معين وهذا ما نلحظه‬ ‫في قوله‪":‬ومما أجري مجرى )البد( و)الدهر( و)الليل( )والنهار( ‪):‬المحرم( و)صفر(‬ ‫و)جمادى( ‪ ،‬وسائار الشهور إلى )ذي الحجة( ؛ لنهم جعلوهن جملة واحدة لعدة اليام‬ ‫‪،‬كأنهم قالوا‪) :‬سير عليه الثلثون يوما ( ‪ .......1/277‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫الخصائاص ‪..‬‬ ‫اد‪......‬‬ ‫فقصرن ستة أشهر بعد عليه‬ ‫وهذا القول ل يعني أن التطوع بما ل يلزم غير حاصل ‪،‬بل هو كائان في المواقف‬ ‫النثرية المشابهة ‪،‬وجواب )الشتاء( لسؤال )كم قصرن ؟ ( فيه تطوع بما ل يلزم ‪ ،‬بل جدال‬ ‫‪ ،‬إذا كان الموقف نثريا ‪ ،‬فالخبار ليس عن المدة الزمنية فحسب‪ ،‬بل زاد الخبر بكيفية‬ ‫الجو الذي اعترى تلك اليام التي أوثر الفرس فيها "بلبن البل في الشتاء ‪ ،‬فصارت البل‬ ‫مقصورات عليه‪،‬ل يشركه غيره في ألبانهن ")‪ ،(4‬وهذا تطوع ظاهر ل ينكر‪..‬وافقنا أبو علي –رحمه ال – على هذا الموضع من الكتاب‬ ‫‪.‬‬ ‫)‪( 1‬‬ ‫وفسره ونحن بحلب فقال ‪:‬إل في هذا البلد فإنه ثمانية أشهر ‪ .......‬ولو قلت ‪ ) :‬شهر رمضان ( أو ) شهر ذي‬ ‫الحجة ( لكان بمنزلة ) يوم الجمعة ( و) البارحة ( و) الليلة ( ‪ ،‬ولصار جواب‬ ‫"متى"‪،‬وجميع ما ذكرت لك مما يكون على "متى" ‪ ،‬يكون مجرى على "كم" ظرفا وغير ظرف‬ ‫وجواب الشاعر بع)الشتاء( هو تطوع عند ابن جني بما ل يلزم‪،‬يحكم عليه‬ ‫)‪( 2‬‬ ‫‪".2/266‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫هامش الخصائاص ‪.2/266‬‬ ‫‪()1‬‬ ‫الكتاب ‪..

‫نقده النحو‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫‪262‬‬ .