‫من أسس االجتماع السٌاسً اإلسالمً‬

‫محبة العرب من اإلٌمان‬
‫بقلم‪ :‬السفٌر محمد والً‬
‫سفٌر مصر األسبق فً الجزائر والمفكر اإلسالمً وعضو مؤسس بحزب التوحٌد العربً‬
‫فقد اقتضت إرادة هللا سبحانه وتعالى أن تكون هذه الرسالة الخاتمة معبرا عنها بالقرآن‪ ،‬وأن ٌكون القرآن عربٌا‪ ،‬وأن‬
‫ٌكون النبً الخاتم عربٌا فحكم بذلك على جمٌع المكلفٌن بقبول هذا القرآن العربً والعمل به‪ ،‬ومحبة هذا النبً العربً‬
‫واتباعه؛ وهذا ٌقتضً معرفة هذا اللسان لمعرفة هذا الدٌن إذ ال سبٌل إلى معرفة هذا الدٌن إال بضبط هذا اللسان؛‬
‫فصارت معرفته من الدٌن‪ .‬وهذا ٌقتضً من الناس كافة محبة هذا اللسان‪ ،‬كما ٌقتضً من العرب بذل جهدهم لنشر هذا‬
‫اللسان والمحافظة علٌه‪ .‬فنزول هذا القرآن بهذا اللسان تشرٌف للعرب‪ ،‬وفً نفس الوقت مسؤولٌة علٌهم ( َوإِ َّن ُه لَ ِذ ْك ٌر‬
‫ف ُت ْسأَلُونَ ) (الزخرف‪.)ٗٗ:‬‬
‫س ْو َ‬
‫لَ َك َولِ َق ْو ِم َك َو َ‬
‫ٌِن(‬
‫ح األَمٌِن ُ* َعلَى َق ْلبِ َك لِ َت ُكونَ مِنْ ا ْل ُمنذ ِِرٌن َ* ِبلِ َ‬
‫وقد وصف هللا سبحانه هذا اللسان باإلبانة ( َن َزل َ ِب ِه ال ُّرو ُ‬
‫ان َع َر ِب ًٍّ ُمبـ ٍ‬
‫س ٍ‬
‫(الشعراء‪ .)ٔ9٘ -ٔ9ٖ :‬وعبر سبحانه وتعالى عن إرادته الجازمة فً أن ٌحدث هذا القرآن أثره فً الناس وهو عربً‬
‫نز ْل َناهُ قُ ْرآ ًنا َع َربِ ًٌّا لَ َعلَّ ُك ْم َت ْعقِلُونَ ) (ٌوسف‪َ ) ،)ٕ:‬و َك َذلِ َك أَ َ‬
‫(إِ َّنا أَ َ‬
‫ص َّر ْف َنا فٌِ ِه مِنْ ا ْل َوعٌِ ِد لَ َعلَّ ُه ْم ٌَ َّتقُونَ أَ ْو‬
‫نز ْل َناهُ قُ ْرآ ًنا َع َربِ ًٌّا َو َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫صلَتْ آ ٌَا ُت ُه قُ ْرآ ًنا َع َربِ ٌّاً‬
‫ً‬
‫ٌُ ْحد ُ‬
‫اب ف ِّ‬
‫ج لَ َعلَّ ُه ْم ٌَ َّتقونَ ) (الزمر‪ِ ( ،)ٕ2 :‬ك َت ٌ‬
‫ِث لَ ُه ْم ِذ ْك ًرا) (طه‪( ،)ٖٔٔ :‬قرآ ًنا َع َربِ ٌّا َغ ٌْ َر ذِي ع َِو ٍ‬
‫لِ َق ْو ٍم ٌَ ْعلَمُـونَ ) (فصلت‪َ ( ،)ٖ:‬و َك َذلِ َك أَ ْو َح ٌْ َنا إِلَ ٌْ َك قُ ْرآ ًنا َع َر ِب ًٌّا) (الشورى‪( ،)7:‬إِ َّنا َج َع ْل َناهُ قُ ْرآ ًنا َع َر ِب ًٌّا لَ َعلَّ ُك ْم َت ْعقِلُونَ )‬
‫سا ًنا َع َر ِب ًٌّا لِ ٌُ ْنذ َِر الَّذٌِنَ َظلَ ُموا َو ُب ْ‬
‫ش َرى لِ ْل ُم ْحسِ نٌِنَ ) (األحقاف‪ .)ٕٔ:‬وأن ٌستمر أثره‬
‫صدِّقٌ لِ َ‬
‫اب ُم َ‬
‫(الزخرف‪َ ( ،)ٖ:‬و َه َذا ِك َت ٌ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫وهو عربً ( َو َك َذلِ َك أَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تَ‬
‫ِ‬
‫اق)‬
‫و‬
‫ال‬
‫و‬
‫ًِ‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫هللا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ء‬
‫ا‬
‫ج‬
‫ا‬
‫م‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫ء‬
‫ا‬
‫و‬
‫ه‬
‫أ‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ا‬
‫ٌ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ح‬
‫ه‬
‫ِنْ‬
‫ِ‬
‫ِنْ‬
‫ِنْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِنْ‬
‫ِ َ‬
‫َ َ ْ َْ َ َ َ‬
‫َْ‬
‫نز ْل َنا ُ ُ ً َ َ ِ ّ َ‬
‫َ ٍّ َ َ ٍ‬
‫(الرعد‪.)ٖ7 :‬‬
‫وعن ابن عمر قال‪" :‬إنا لقعود بفناء النبً (صلى هللا علٌه وسلم) فقال أبو سفٌان‪ :‬مثل محمد فً بنً هاشم مثل‬
‫الرٌحانة فً النتن؛ فانطلقت المرأة فأخبرت النبً (صلى هللا علٌه وسلم) فجاء ٌعرف فً وجهه الغضب فقال‪" :‬ما بال‬
‫أقوال تبلغنً عن أقوام؟ إن هللا خلق السماوات سبعا فاختار العلٌا منها وأسكنها من شاء من خلقه‪ ،‬ثم خلق الخلق؛‬
‫فاختار من الخلق بنً آدم‪ ،‬واختار من بنً آدم العرب‪ ،‬واختار من العرب مضرا‪ ،‬واختار من مضر قرٌشا‪ ،‬واختار من‬
‫قرٌش بنً هاشم‪ ،‬واختارنً من بنً هاشم؛ فأنا خٌار من خٌار فمن أحب العرب فبحبً أحبهم‪ ،‬ومن أبغض العرب‬
‫(ٔ)‬
‫فببغضً أبغضهم"‬
‫وفً الباب ما رواه الترمذي من حدٌث أبً بدر شجاع بن الولٌد عن قابوس بن أبً ظبٌان عن أبٌه عن سلمان قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا (صلى هللا علٌه وسلم)‪" :‬أٌا سلمان ال تبغضنً فتفارق دٌنك" قلت‪ٌ :‬ا رسول هللا كٌف أبغضك وبك هدانً هللا؟‬
‫قال" تبغض العرب فتبغضنً"‪ ،‬قال الترمذي‪ :‬حدٌث حسن غرٌب ال ٌعرف إال من حدٌث أبً بدر شجاع بن الولٌد؛ فقد‬
‫جعل النبً (صلى هللا علٌه وسلم) بغض العرب سببا لفراق الدٌن‪ ،‬وجعل بغضهم مقتضٌا لبغضه‪.‬‬
‫وكذلك روى أبو جعفر محمد بن عبد هللا الحافظ الكوفً المعروف بابن مطٌن حدثنا العالء بن عمر الحنفً حدثنا ٌحٌى‬
‫بن زٌد األشعري حدثنا ابن جرٌج عن عطاء عن ابن عباس قال‪ :‬قال رسول هللا (صلى هللا علٌه وسلم)" ‪:‬أحب العرب‬
‫(ٕ)‬
‫لثالث‪ :‬ألنً عربً‪ ،‬والقرآن عربً‪ ،‬ولسان أهل الجنة عربً"‪ ،‬قال الحافظ السلفً هذا حدٌث حسن‪.‬‬
‫وإنما ٌتم الكالم بأمرٌن‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬أن الذي ٌجب على المسلم أن ٌتحراه إذا نظر فً الفضائل أو تكلم فٌها‪ :‬أن ٌسلك سبٌل العاقل الذي غرضه أن‬
‫ٌعرف الخٌر وٌتحراه جهده‪ ،‬ولٌس غرضه الفخر على أحد‪ ،‬وال الغمط من أحد؛ فقد روى مسلم فً صحٌحه عن عٌاض‬
‫بن حمار المجاشعً‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول هللا (صلى هللا علٌه وسلم)" ‪:‬إنه أوحً إلى أن تواضعوا حتى ال ٌفخر أحد على‬
‫أحد‪ ،‬وال ٌبغً أحد على أحد" (ٖ)؛ فنهى سبحانه على لسان رسوله (صلى هللا علٌه وسلم) عن نوعً االستطالة على‬
‫الخلق وهً‪ :‬الفخر والبغً؛ ألن المستطٌل إن استطال بحق فقد افتخر‪ ،‬وإن استطال بغٌر حق فقد بغى؛ فال ٌحل ال هذا‬
‫وال ذاك‪.‬‬
‫وقد روى السلفً من حدٌث الحسن بن رشٌق حدثنا أحمد بن الحسن بن هارون حدثنا العالء بن سالم حدثنا قرة بن‬
‫عٌسى الواسطً حدثنا أبو بكر الهذلً عن مالك بن أنس عن الزهري عن أبً سلمة بن عبد الرحمن قال‪" :‬جاء قٌس‬
‫بن مطاطة إلى حلقة فٌها صهٌب الرومً وسلمان الفارسً وبالل الحبشً قال‪ :‬هذا األوس والخزرج قد قاموا بنصرة‬
‫هذا الرجل فما بال هؤالء؟ فقام معاذ بن جبل فأخذ بتالبٌبه ثم أتى به إلى النبً (صلى هللا علٌه وسلم) فأخبره بمقالته‬
‫فقام النبً (صلى هللا علٌه وسلم) مغضبا ٌجر رداءه حتى دخل المسجد‪ ،‬ثم نودي الصالة جامعة فصعد المنبر‬
‫فحمد هللا وأثنى علٌه‪ ،‬ثم قال‪" :‬أما بعد أٌها الناس إن الرب واحد واألب واحد والدٌن واحد وإن العربٌة لٌست ألحدكم‬

‫بأب وال أم؛ وإنما العربٌة هً اللسان فمن تكلم العربٌة فهو عربً ‪".‬فقام معاذ بن جبل؛ فقال‪ :‬بم تأمرنا فً هذا‬
‫المنافق؟ قال‪" :‬دعه إلى النار"؛ فكان قٌس ممن ارتد فقتل فً حرب الردة‪.‬‬
‫والثانً ‪ :‬أن اسم العرب والعجم قد ثار فٌه اشتباه؛ فإن اسم العجم ٌعم فً األصل كل من لٌس من العرب‪ .‬وأما اسم‬
‫العرب فقد كان فً األصل اسم لقوم جمعوا ثالثة أوصاف ‪:‬أن لسانهم كان باللغة العربٌة‪ ،‬وأنهم من أوالد العرب‪ ،‬وأن‬
‫مساكنهم كانت أرض العرب؛ وهً جزٌرة العرب التً هً من البحر األحمر إلى الخلٌج الفارسً ومن أقصى الٌمن إلى‬
‫أوائل الشام بحٌث تدخل الٌمن فً دارهم وال تدخل فٌها الشام‪ ،‬وهذه كانت أرض العرب حٌن بعثته (صلى هللا علٌه‬
‫وسلم) وقبله؛ فلما جاء اإلسالم وفتحت األمصار سكنوا سائر البالد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب‪ ،‬ثم انقسمت‬
‫هذه البالد إلى قسمٌن ‪:‬ما غلب على أهله لسان العرب حتى ال تعرف عامتهم غٌره مع ما دخل علٌه من اللحن‪ ،‬ومنها ما‬
‫العجمة كثٌرة فٌهم أو غالبة علٌهم كالترك وفارس‪ .‬وأما األنساب فقد اختلطت وأصبحت كلمة عربً تدل فقط على من‬
‫تكلم العربٌة سواء أكان من أبناء العرب أو من غٌرهم أو على من ولد فً اإلسالم ألن من ولد فً اإلسالم فقد ولد فً‬
‫دار العرب واعتاد خطابها وهكذا كان األمر؛ فقد روى الحافظ أبو طاهر السلفً بإسناده عن أبً شهاب الحناط قال‪:‬‬
‫حدثنا حبار بن موسى عن أبً جعفر محمد بن علً بن الحسٌن بن علً بن أبً طالب رضً هللا عنه قال‪" :‬من ولد فً‬
‫اإلسالم فهو عربً"‪ .‬وروى السلفً أٌضا بإسناده عن أبً هرٌرة ٌرفعه قال‪" :‬من تكلم بالعربٌة فهو عربً ومن أدرك‬
‫له اثنان فً اإلسالم فهو عربً"‪ ،‬هكذا فٌه‪ ،‬وأظنه "ومن أدرك له أبوان"؛ فهنا إن صح الحدٌث فقد علقت العربٌة فٌه‬
‫بمجرد اللسان‪ ،‬وعلقت فً النسب بأن ٌدرك أبوان فً اإلسالم‪.‬‬
‫فالعروبة إذن مفهوم ثقافً مرتبط باللغة التً هً وعاء اإلسالم؛ ولذلك أجمع الفقهاء على كراهة التخاطب بغٌر العربٌة‬
‫لمن ٌحسنها؛ ألن فً هذا ضرب من النفاق؛ فإن اللسان العربً شعار اإلسالم وأهله‪ ،‬واللغات من أعظم شعائر األمم‬
‫التً بها ٌتمٌزون‪.‬‬
‫فً ‪ٌ 9‬ولٌو ‪ٕٓٓ7‬‬
‫الهوامش‪:‬‬
‫(ٔ) الحاكم فً المستدرك‪ ،‬وأبو نعٌم فً دالئل النبوة‪ ،‬ومسلم من حدٌث وائلة بن األسقع بلفظ‪" :‬إن هللا اصطفى كنانة‬
‫من ولد إسماعٌل واصطفى قرٌشا من كنانة واصطفى من قرٌش بنً هاشم واصطفانً من بنً هاشم"‪ ،‬وأحمد‪،‬‬
‫والترمذي بلفظ‪" :‬إن هللا اصطفى من ولد إبراهٌم إسماعٌل واصطفى من ولد إسماعٌل بنً كنانة واصطفى من بنً‬
‫كنانة قرٌشا واصطفى من قرٌش بنً هاشم واصطفانً من بنً هاشم" وقال‪ :‬هذا حدٌث حسن صحٌح‪.‬‬
‫(ٕ) رواه الحاكم أٌضا فً المستدرك عن ابن عباس مرفوعا‪.‬‬
‫(ٖ) رواه كذلك عن عٌاض بن حمار‪ :‬أبو داود‪ ،‬وابن ماجه‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful