‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫األزهر واإلخوان‬
‫الصراع المفترض على المرجعية‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫مع بناء النظام السياسي الجديد بعد الثورة‪ ،‬تطرح قضية مرجعية الدولة‪ ،‬بوصفها واحدة من أهم‬
‫قضايا الصراع السياسي‪ .‬وهي ليست قضية حديثة‪ ،‬فالصراع حول مرجعية الدولة‪ ،‬أو ما يعرف‬
‫بالصراع العلماني اإلسالمي‪ ،‬مستمر منذ بداية حقبة االستعمار األجنبي‪ .‬وظلت قضية المرجعية مطروحة‬
‫بقوة على الساحة السياسية‪ ،‬خاصة بعد سقوط الخالفة العثمانية‪ ،‬حيث دخلت الدول العربية واإلسالمية في‬
‫مرحلة تغ يير مرجعية الدولة‪ ،‬ومحاولة تغيير مرجعية المجتمع‪ .‬وبعد الثورة‪ ،‬تبنى مرجعية الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬تبعا للخيارات الحرة للمجتمع‪ ،‬ألن الثورة هي عملية تحرر‪ ،‬تحرر المجتمع من كل سلطة‬
‫تفرض عليه‪ ،‬ويصبح المجتمع حرا في تحديد اختياراته السياسية واالجتماعية‪ ،‬وتحديد هويته الحضارية‪،‬‬
‫والتي تصبح هوية الدولة والمجتمع‪.‬‬
‫وبعد سقوط رأس النظام‪ ،‬والدخول في مرحلة بناء النظام السياسي الجديد‪ ،‬بدأت معارك الهوية‪،‬‬
‫ألن الهوية العامة تظهر أوال في الدستور‪ .‬لهذا أصبحت معركة الدستور‪ ،‬هي معركة هوية في المقام‬
‫األول‪ ،‬ودخلت كل القوى السياسية واالجتماعية في تلك المعركة‪ ،‬ودفع باألزهر واإلخوان في صدارة‬
‫معركة الهوية‪ .‬وأراد البعض أن يكون األزهر في مواجهة اإلخوان‪ ،‬في معركة الهوية‪ ،‬أو أن يحدث‬
‫األزهر توازنا مع الحضور االجتماعي والسياسي لجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬والقوى اإلسالمية األخرى‪.‬‬
‫وأصبح الجامع األزهر في مواجهة المشهد‪ ،‬وبدأ األزهر يحدد موقعا له‪ ،‬ويتخذ مواقف‪ ،‬ويدخل‬
‫في قلب الصراع أحيانا‪ .‬فأصبح من المهم معرفة موقع األزهر بعد الثورة‪ ،‬وماذا يعني استقالل األزهر؟‬
‫وهل يقدم األزهر حماية للعلمانيين والمسيحيين؟ وماذا يعني أن يكون األزهر بيت األمة؟ وهل األزهر هو‬
‫مرجعي ة الدستور أم الشريعة؟ وهل يساند األزهر الدولة العلمانية أم اإلسالمية؟ وما حقيقة العالقة بين‬
‫األزهر واإلخوان مستقبليا؟ وما موقف اإلخوان من األزهر؟‬
‫األزهر بين عهدين‬
‫بعد الثورة‪ ،‬حدثت خلخلة داخل األزهر‪ ،‬خاصة مع انتماء شيخ األزهر للحزب الحاكم السابق قبل‬
‫تعيينه شيخا لألزهر‪ .‬كما أن األزهر لم يقف مع الثورة‪ ،‬بل كان ضمن المؤسسات الدينية‪ ،‬التي حشدها‬
‫النظام السابق‪ ،‬تحت شعارات عدة‪ ،‬منها منع الفوضى وغيرها‪ .‬ولم يكن األزهر مستقال زمن النظام‬
‫السابق‪ ،‬بل كان تابعا للسلطة التنفيذية‪ ،‬تلك التبعية التي بدأت في عهد جمال عبد الناصر‪ .‬وظهر أن الدولة‬
‫المستبدة القابضة‪ ،‬تحتاج للسيطرة على المؤسسة الدينية‪ ،‬حتى ال يخرج المجال الديني عن سيطرتها‪ .‬ولم‬
‫يحدث هذا في مصر فقط‪ ،‬بل أن األنظمة المستبدة العلمانية في الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬كانت تفرض‬
‫سيطرة على المؤسسات الدينية‪ ،‬وتجعلها تابعة للسلطة التنفيذية‪.‬‬
‫وتأكد أن الدولة القومية العلمانية‪ ،‬وألنها ال تستطيع تحييد دور الدين في المجتمعات اإلسالمية‪،‬‬
‫لذا تسيطر على المجال الديني‪ ،‬عن طريق السيطرة على المؤسسة الدينية‪ ،‬بل وتوظيف المؤسسة الدينية‬
‫لحماية النظام‪ ،‬وحماية السلطة الحاكمة‪ ،‬ومنع الخروج عليها‪ .‬وأيضا وظفت المؤسسة الدينية‪ ،‬إلكساب‬
‫الحكم غطا ًء دينيا شرعيا‪ ،‬أو منع أي خروج شرعي عليه‪ ،‬أو إدانة دينية له‪ .‬ولم يكن األزهر بعيدا عن‬
‫هذا الواقع‪ ،‬حيث بات تحت سيطرة الدولة‪ ،‬يوفر لها غطا ًء دينيا‪ ،‬ويمنع إدانة النظام دينيا‪ .‬ولم يقع األزهر‬
‫تحت هيمنة السلطة التنفيذية بإرادته‪ ،‬ولكنه لم يستطع المقاومة‪ ،‬رغم أنه قاوم االستعمار األجنبي قبل‬
‫ذلك‪ ،‬مما جعل تاريخ األزهر جزءا من تاريخ مقاومة المحتل‪ .‬ولكن االستعمار المحلي‪ ،‬المتمثل في النظم‬
‫المستبدة العلمانية‪ ،‬استطاع فرض هيمنته على األزهر‪ ،‬كما فرض هيمنته على المجتمع‪ ،‬ولم يستطع‬
‫األزهر مقاومة هذه الهيمنة‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫وهنا يبرز الفارق بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬وغيرها من الحركات اإلسالمية‬
‫الحركية‪ .‬ألن بعض الحركات اإلسالمية استطاعت مواجهة النظام المستبد‪ ،‬ورفع راية المرجعية‬
‫اإلسالمية في وجه نظم علمانية مستبدة‪ ،‬ولكن األزهر لم يستطع القيام بدور في تلك المعركة‪ ،‬وظل تحت‬
‫الهيمنة القصرية للسلطة التنفيذية‪ .‬فعندما سقطت راية المرجعية اإلسالمية من الدولة‪ ،‬أو أسقطت‪ ،‬لم‬
‫يستطع األزهر حمل تلك الراية‪ ،‬كبديل عن الدولة‪ ،‬حتى تستعاد مرة أخرى‪ ،‬ولكن الحركة اإلسالمية‪،‬‬
‫خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬استطاعت حمل راية المرجعية اإلسالمية‪ ،‬التي أسقطت عن الدولة‪،‬‬
‫حتى تظل الراية مرفوعة‪ ،‬وحتى تعود مرة أخرى للدولة‪.‬‬
‫هذه الخلفية توضح التحدي الذي واجه األزهر‪ ،‬الجامع والجامعة‪ ،‬بعد الثورة‪ .‬فلم يعد هناك من‬
‫بديل‪ ،‬إال أن يتحرر األزهر‪ ،‬ليس فقط من أي تبعية للسلطة التنفيذية‪ ،‬بل أيضا أن يتحرر من كل رواسب‬
‫المرحلة التي خضع فيها للسلطة التنفيذية‪ ،‬ويعود لدوره وفكره‪ ،‬كما كان قبل أن تفرض عليها هيمنة‬
‫الدولة القومية العلمانية‪.‬‬
‫ومن المهم أن ندرك ماذا حدث في مرحلة هيمنة الدولة العلمانية على األزهر‪ ،‬ففي هذه المرحلة‬
‫وظف األزهر سياسيا‪ ،‬ولكن ليس كل الوقت‪ ،‬واستطاع بعض شيوخ األزهر‪ ،‬التصرف وكأن األزهر‬
‫مستقل‪ .‬ولكن أحدا لم يستطع في النهاية الوقوف أمام السلطة المستبدة‪ .‬ولكن في نفس الوقت‪ ،‬فإن األزهر‬
‫لم ينتج رؤية أو فكرا جديدا يناسب السلطة المستبدة‪ ،‬أي لم يشوه ميراثه الفكري‪ ،‬بل ظل يعيد إنتاجه بعيدا‬
‫عن السياسة ‪ .‬وأكثر من هذا‪ ،‬ظهر أن مؤسسة األزهر تحتمي أحيانا بالتشدد أو التقليد‪ ،‬حتى تعيد إنتاج‬
‫ميراثها الفكري والديني‪ ،‬دون أن يتأثر بما فرض على األزهر‪ .‬فأصبح الخطاب السياسي المؤيد للسلطة‪،‬‬
‫أو الخطاب الذي يوافق هوى السلطة‪ ،‬مجرد قشرة‪ ،‬وليس رؤية‪.‬‬
‫فالذي غاب عن األزهر‪ ،‬هو دوره العملي‪ ،‬وهو أمر مهم ومؤثر‪ .‬فقد أصبح األزهر خارج الفعل‬
‫التاريخي‪ ،‬ولم يعد فاعال‪ .‬كما لم يعد األزهر فاعال ومتفاعال مع قضايا المجتمع والسياسة‪ ،‬من وجهة نظر‬
‫دينية‪ ،‬ولم يعد مدافعا عن المجتمع واألمة‪ ،‬كما كان‪ .‬لذا تغير دور األزهر‪ ،‬بسبب هيمنة السلطة العلمانية‬
‫المستبدة‪ ،‬فهل يعود لدوره الجديد؟ أم يتغير دوره مستقبليا؟‬
‫األزهر مستقال‬
‫ظهر أن استقالل األزهر‪ ،‬هو أول شروط عودة األزهر لدوره التاريخي‪ ،‬ولكن االستقالل في حد‬
‫ذاته‪ ،‬ال يحقق استعادة الدور التاريخي تلقائيا‪ ،‬ألن دور األزهر بعد الثورة‪ ،‬وعبر المراحل المختلفة‪،‬‬
‫سوف تحدده مواقف مؤسسة األزهر‪ .‬وقد تم تغيير قانون األزهر‪ ،‬في ظل حكم المجلس األعلى للقوات‬
‫المسلحة‪ ،‬مما أعاد هيئة كبار العلماء مرة أخرى‪ ،‬وأعطى لها سلطة انتخاب شيخ األزهر‪ ،‬ليصبح الشيخ‬
‫منتخبا وليس معينا من رئيس الدولة‪ ،‬وهي خطوة رمزية مهمة‪ ،‬لتحقيق استقالل األزهر‪ .‬كما أن عودة‬
‫هيئة كبار العلماء‪ ،‬تعد خطوة رمزية مهمة أيضا‪ ،‬ألن حل هيئة كبار العلماء‪ ،‬تزامن مع فرض هيمنة‬
‫السلطة التنفيذية على األزهر‪.‬‬
‫وكان من الواضح‪ ،‬أن مؤسسة األزهر مهتمة باستعادة استقاللها‪ ،‬ألنه بدون االستقالل ال يمكن أن‬
‫تستعيد دورها وتأثيرها في المجتمع‪ ،‬ولكن استقالل األزهر ليس كافيا‪ ،‬حتى يستعيد األزهر مصداقيته‬
‫ودوره بين الناس‪ ،‬وإن كان األزهر ال يمكن أن يستعيد دوره بدون أن يكون مستقال‪ .‬ولكن استقالل‬
‫األزهر‪ ،‬يعني استقالل مؤسسة األزهر عن أي سلطة أخرى‪ ،‬وال يعني استقالل شيخ األزهر‪ ،‬فاالستقالل‬
‫‪2‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫المعني هنا‪ ،‬أن يكون األزهر مؤسسة مستقلة‪ ،‬تقوم بدورها كمؤسسة رأي وعلم وتعليم ديني‪ ،‬تدافع عن‬
‫قضايا الدين والمجتمع‪.‬‬
‫ودور األزهر‪ ،‬يقوم أساسا على دور علماء األزهر‪ ،‬باعتبارهم كيانا بشريا‪ ،‬وتنظيما بشريا‪ ،‬له‬
‫دوره وعليه مسئوليات‪ ،‬لذا فإن دور األزهر‪ ،‬ال يتحقق بأي دور لشيخ األزهر‪ ،‬دون أن يظهر دور علماء‬
‫األزهر‪ .‬كما أن مصداقية األزهر‪ ،‬تتحقق عندما يبرز رأي علماء األزهر‪ ،‬الذي يلقى تأييدا منهم ويعبر‬
‫عنهم‪ ،‬ويصبح هو رأي األزهر‪ ،‬الذي يحمله علماء األزهر‪ ،‬ويدافعون عنه‪ ،‬بل ويضحون من أجل الدفاع‬
‫عنه‪ .‬وعندما يتشكل رأي األزهر‪ ،‬ومواقف علماء األزهر‪ ،‬تعبر عنها هيئة كبار العلماء‪ ،‬والتي تصبح‬
‫صوت األزهر‪ ،‬كما يعبر عنها شيخ األزهر‪ ،‬والذي يصبح صوت هيئة كبار العلماء‪.‬‬
‫أزهر أم فاتيكان‬
‫ظهرت عدة أفكار‪ ،‬تحاول أن تجمع بين مؤسسة األزهر واألوقاف واإلشراف على المساجد‪،‬‬
‫بحيث تصبح مؤسسة األزهر هي المسؤولة عن األوقاف والمساجد‪ ،‬وبذلك يصبح األزهر مثل الفاتيكان‪،‬‬
‫أي يصبح كنسية‪ ،‬وله سلطة دينية‪ ،‬حيث يدير األوقاف‪ ،‬كما يدير المساجد‪ ،‬ويحدد خطب الجمعة‪ .‬وهو ما‬
‫يجعل األزهر مؤسسة تملك سلطة دينية‪ ،‬وتتبعها كل المؤسسات الدينية‪ .‬ولكن تلك الفكرة لم تستمر‬
‫طويال‪ ،‬ألن مؤسسة األزهر‪ ،‬تدرك أنها مؤسسة علم وتعليم‪ ،‬ومؤسسة رأي‪ ،‬تؤثر على الرأي العام‪ ،‬دون‬
‫أن يكون لها سلطة على المساجد أو على المسلمين‪ .‬فهي مؤسسة تؤثر بقدر مصداقية رأيها لدى الرأي‬
‫العام المسلم‪ ،‬وليس بنا ًء على أي سلطة تملكها‪.‬‬
‫وتحويل األزهر إلى مؤسسة مثل الفاتيكان‪ ،‬أو مثل الكنيسة‪ ،‬يغير من طبيعة المنظومة اإلسالمية‬
‫تماما‪ ،‬كما يغير من معنى المرجعية اإلسالمية‪ .‬ألن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬هي مرجعية أمة‪ ،‬وال يملك أحد‬
‫سلطة باسم المرجعية اإلسالمية‪ ،‬إال األمة‪ .‬وكل الكيانات والمؤسسات اإلسالمية‪ ،‬لها دورها وتأثيرها‪،‬‬
‫بقدر ما لها من مصداقية‪ ،‬تجعلها مؤثرة على جماهير األمة‪.‬‬
‫والمرجعية الدينية‪ ،‬إما أن تكون مملوكة حصريا لسلطة دينية‪ ،‬أو تكون مرجعية ملزمة لكل‬
‫السلطات‪ ،‬دون أن يكون لجهة ما أن تتحدث باسم المرجعية حصريا‪ ،‬ودون أن تملك أي جهة سلطة دينية‪،‬‬
‫تجعلها الممثلة الوحيدة للمرجعية‪.‬‬
‫وإذا أصبح لألزهر سلطة دينية‪ ،‬وكانت الدولة قائمة على المرجعية الدينية‪ ،‬يصبح األزهر سلطة‬
‫فوق الدولة‪ ،‬أو يحدث تنازع سلطة بين األزهر والدولة‪ ،‬مثل ما حدث بين الدولة والكنيسة في الغرب‪.‬‬
‫والعلمانية ظهرت أساسا‪ ،‬بسبب السلطة الدينية للكنيسة‪ ،‬ألن المرجعية المسيحية للدولة‪ ،‬مع وجود سلطة‬
‫دينية للكنيسة ‪ ،‬يؤدي عمليا إلى سيطرة الكنيسة على الدولة‪ ،‬أو تنازع السلطة بينهما‪ .‬لذا فالعلمانية تظهر‬
‫عندما توجد سلطة دينية‪ ،‬مما يجعل من المهم تحرير الدولة من المرجعية الدينية‪ ،‬حتى ال تصبح الدولة‬
‫واقعة تحت سيطرة المؤسسة الدينية‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى وجود سلطة عليا‪ ،‬تحكم باسم الحق اإللهي‪.‬‬
‫وألن اإلسالم ال يعرف سلطة دينية‪ ،‬لذا لم تجد تلك األفكار صدى‪ ،‬بل ظهرت وتوارت‪ ،‬وأتضح‬
‫أن مؤسسة األزهر تدرك دورها التاريخي‪ ،‬وتحاول استعادة دورها‪ ،‬دون أن تخرج عن المنظومة‬
‫التاريخية للممارسة اإلسالمية‪ .‬وألن من أراد توسيع دور األزهر‪ ،‬على حساب الحركات اإلسالمية‪،‬‬
‫خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬كان يخشى أيضا من توجهات األزهر المستقبلية‪ ،‬لذا كانت تلك األفكار‬
‫‪4‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫تظهر وتختفي‪ ،‬ألنها في الواقع ال تحقق ما قصد منها‪ ،‬وهو أن يسيطر األزهر على المجال اإلسالمي‪،‬‬
‫ويحد من دور المرجعية اإلسالمية سياسيا‪ ،‬كما كان يحدث في عهد النظام السابق‪ .‬فالذي حد من دور‬
‫المرجعية اإلسالمية عمليا‪ ،‬كان النظام السياسي المستبد‪ ،‬الذي سيطر على األزهر‪ ،‬وحد من دوره‬
‫وتأثيره‪.‬‬
‫بيت األمة‬
‫حاول األزهر القيام بدور بعد الثورة‪ ،‬ومع اشتداد معركة الهوية‪ ،‬من خالل التوفيق بين القوى‬
‫والكيانات السياسية واالجتماعية‪ ،‬وظهر عنوان جديد لألزهر‪ ،‬وهو بيت األمة‪ ،‬وهو عنوان يوظف‬
‫سياسيا‪ ،‬تحت مظلة وطنية عامة‪ .‬وهنا برز دور شيخ األزهر‪ ،‬أكثر من دور األزهر نفسه كمؤسسة‪.‬‬
‫فاألزهر مؤسسة مركزية‪ ،‬وله دوره العلمي والتعليمي‪ ،‬ودوره في إرشاد الرأي العام‪ ،‬ولكنه ليس مظلة‬
‫للقوى السياسية واالجتماعية‪ .‬فمن المفروض أن يعلن األزهر رأيه في القضايا العامة‪ ،‬وفي القضايا‬
‫الوطنية‪ ،‬وفي قضايا المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ويتخذ مواقف للتعبير عن رأي األزهر في قضايا إسالمية‬
‫بعينها‪ ،‬دفاعا عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وإعالنا لرأيه اإلسالمي‪ .‬كما يفترض أن تكون مؤسسة األزهر‬
‫على تواصل مع مؤسسات أخرى‪ ،‬ومنها المؤسسات الدينية األخرى‪ ،‬أو المؤسسة المسيحية‪ .‬ولكن محاولة‬
‫جعل األزهر بمثابة مظلة للتوافق الوطني‪ ،‬فيعد أمرا جديدا‪ ،‬ولم يقنن واقعيا‪.‬‬
‫ومع ظهور توجهات شيخ األزهر‪ ،‬ودعم قوى علمانية وأطراف مسيحية له‪ ،‬أتضحت محاولة‬
‫جعل األزهر في مواجهة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ .‬وكأن حيازة األزهر‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬تسحب تلك المرجعية من جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬أو القوى اإلسالمية األخرى‪،‬‬
‫ليصبح األزهر مسيطرا على المرجعية اإلسالمية ومعناها‪.‬‬
‫وحتى يكون األزهر بيتا لألمة‪ ،‬فإن معنى ذلك أنه يقوم بدور حركي في الشارع‪ ،‬أو يقوم بدور‬
‫سياسي مباشر‪ ،‬وهذا غير ممكن وغير متاح‪ ،‬ألن األزهر يمثل مؤسسة علم ورأي‪ .‬لذا فتعبير بيت األمة‪،‬‬
‫وألنه االسم الذي أطلق على بيت سعد زغلول‪ ،‬أعطى انطباعا سياسيا‪ ،‬وكأن شيخ األزهر يريد القيام‬
‫بدور مباشر في المرحلة االنتقالية‪ ،‬ويريد القيام بدور مباشر في تشكيل النظام السياسي الجديد‪ .‬وألن هذا‬
‫الدور لم يكن له معنى محدد‪ ،‬ولم يملك األزهر كمؤسسة أدوات للقيام به‪ ،‬ظلت حركة األزهر تدور في‬
‫نطاق محاولة التوفيق بين القوى المختلفة‪ ،‬في القضايا العامة الخاصة بالمرجعية‪.‬‬
‫ولكن األزهر لم يعلن أنه يحاول التوفيق بين مختلف القوى‪ ،‬حتى يوحد مرجعية األمة‪ ،‬حول‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بل كان موقفه أقرب لفكرة تطمين القوى غير اإلسالمية‪ ،‬تجاه المرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫في محاولة لوضع تصور للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬داخل إطار مرجعية وطنية عامة‪ .‬وبهذا لم يتحدد فعال‪،‬‬
‫تصور لدى ا ألزهر كمؤسسة أو لدى شيخ األزهر‪ ،‬عن الدور الذي يمكن أن يقوم به األزهر في مسألة‬
‫المرجعية‪ ،‬ولم يتضح كيف يمكن أن يكبح األزهر الحركات اإلسالمية‪ ،‬والتي تحمل المرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫والتي يفترض أن يدافع عنها األزهر نفسه‪ .‬وهو ما أضعف من تأثير ما يقوم به األزهر من دور‪ ،‬ألن‬
‫دوره المؤثر يرتبط أساسا‪ ،‬بتبني األزهر لرؤية ينشرها بين الناس‪ ،‬ويقنع بها مختلف مكونات المجتمع‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن األزهر حاول تحقيق توافق بين مختلف مكونات المجتمع حول المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬دون طرح قضية إسالمية الدولة مباشرة‪ ،‬وحاول تطمين المتخوفين من المرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫دون أن يدخل صراحة في المشكالت المختلف حولها‪ ،‬أو التي تثير تحفظ العلمانيين والمسيحيين‪ .‬وحاول‬
‫‪5‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫األزهر‪ ،‬متمثال في شيخه‪ ،‬أن يظهر وكأنه المؤسسة الحاكمة للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬في مواجهة الحركات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬دون أن تتضح حقيقة العالقة بين الحركات اإلسالمية ومؤسسة األزهر‪ ،‬ودون أن تضح حقيقة‬
‫موقف األزهر من المشروع اإلسالمي الذي تحمله الحركات اإلسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪.‬‬
‫وكأن األزهر أصبح على مسافة واحدة من الجميع‪ ،‬وهو أمر غير واقعي وغير حقيقي‪ ،‬ألن األزهر ال‬
‫يمكن أن يكون على مسافة واحدة من المشروع اإلسالمي‪ ،‬والمشاريع الرافضة للمرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫والمشاريع العلمانية‪ ،‬أي أن األزهر ال يمكن أن يكون على مسافة واحدة من المرجعية اإلسالمية‬
‫والمرجعية العلمانية‪.‬‬
‫وثيقة األزهر‬
‫جاءت وثيقة األزهر‪ ،‬لتوضح الموقف الذي اتخذته قيادة األزهر‪ ،‬فهي حاولت التوصل إلى نص‬
‫تو فيقي‪ ،‬يوافق عليه من يحمل المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ومن يرفض تلك المرجعية أو يعاديها‪ .‬أي أن وثيقة‬
‫األزهر‪ ،‬حاولت تقديم المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بصورة يقبلها من يؤيد الحل اإلسالمي‪ ،‬ومن يؤيد الحل‬
‫العلماني‪ .‬والحقيقة أن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ليست محايدة بين تلك المشاريع‪ ،‬فهي مرجعية الحل‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وهي ضد الحل العلماني‪ .‬وكل من يوافق على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬يكون قد رفض الحل‬
‫العلماني ضمنا‪ ،‬وقبل بالمشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫لهذا جاءت وثيقة األزهر بنص مرن‪ ،‬فيه محاولة لترضية أطراف عدة‪ ،‬ولكن هذا النص‪ ،‬ال‬
‫يمكن أن يوفق بين أشياء ال عالقة بينها‪ ،‬فهو محاولة لتقديم المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بصورة يقبلها العلماني‬
‫والمسيحي‪ ،‬بحيث تكون مناسبة لمن يرفض المرجعية اإلسالمية‪ ،‬أكثر من مناسبتها لمن يحمل المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وإن وافق عليها‪ .‬وبسبب مرونة النص‪ ،‬وعدم تدقيق المعاني‪ ،‬يمكن لكل األطراف أن تقبل‬
‫النص‪ ،‬ألنه يعطي لها معنى مختلف‪ ،‬ومناسب لها‪.‬‬
‫لكن نص الوثيقة‪ ،‬لم يجعل األزهر بيتا لألمة‪ ،‬ألنه أوال لم يحاول التوفيق بين فهم المرجعية لدى‬
‫الحركات اإلسالمية‪ ،‬ولم يحاول أساسا التوفيق بين الحركات اإلسالمية‪ ،‬ووضع إطار جامع لها‪ .‬وأيضا لم‬
‫يحاول األزهر‪ ،‬متمثال في قيادته‪ ،‬تحديد األسس العامة التي ال تقوم المرجعية اإلسالمية إال بها‪ ،‬حتى‬
‫يحدد اإلطار العام للثوابت والمتغيرات في المرجعية اإلسالمية‪ .‬كما لم تكن وثيقة األزهر محاولة‪ ،‬لوضع‬
‫تعريف جامع‪ ،‬وإطار عام‪ ،‬للدولة ذات المرجعية اإلسالمية‪ .‬فوثيقة األزهر‪ ،‬هي في جوهرها‪ ،‬موجهة من‬
‫األزهر إلى الرافضين للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬حال للصراع السياسي الدائر حول المرجعية‪.‬‬
‫ولكن الوثيقة لم تقيد الحركة اإلسالمية بمعنى محدد للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ألن المرجعية اإلسالمية‬
‫ال تقيد بأي نص من خارجها‪ .‬كما أن تلك الوثيقة لم تهدأ من مخاوف الرافضين للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ألنها‬
‫لم تظهر باعتبارها وثيقة حاكمة لكل التطبيقات الخاصة بالمرجعية اإلسالمية‪ .‬كما أن الوثيقة لم توضح ما‬
‫بعدها‪ ،‬فهل ينتج عنها قيام دولة إسالمية‪ ،‬أو دولة علمانية‪ .‬واألهم من ذلك‪ ،‬أن نص الوثيقة ليس في‬
‫الحقيقة نصا أزهريا‪ ،‬وال يعبر عن لغة األزهر‪ ،‬وليس نصا يرضي جمهور علماء األزهر‪ .‬فوثيقة‬
‫األزهر‪ ،‬هي في الحقيقة وثيقة لقيادة األزهر‪ ،‬ومن أجتمع معها من القوى المختلفة‪.‬‬
‫ولهذا لم تحقق وثيقة األزهر األثر المرجو منها‪ ،‬ألن الصراع حول الهوية استمر بعدها‪ ،‬وزادت‬
‫حدته‪ ،‬ولم يكن للوثيقة إال أثر مؤقت‪ ،‬وبعد ذلك غاب أثرها‪ ،‬ألنها لم توضع في سياق تاريخي‪ ،‬يجعل لها‬
‫تأثير وفعل عملي‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫الصدام بين المؤسسة والحركة‬
‫عندما أسست الجمعية التأسيسية األولى لوضع الدستور‪ ،‬كان األزهر من ضمن الهيئات المنسحبة‬
‫منها‪ ،‬وتضامن بذلك مع العلمانيين والمسيحيين والكنيسة‪ .‬وكان موقف األزهر‪ ،‬بسبب اختيار من يمثله‬
‫منه‪ ،‬ولكن ليس من اختارته قيادات األزهر ليمثلها‪ .‬وكان موقف األزهر مختلفا عن مواقف األطراف‬
‫األخرى المنسحبة من الجمعية التأسيسية األولى‪ ،‬ألن اعتراض األزهر كان على اختيار ممثلين له‪ ،‬من‬
‫غير األسماء المقترحة منه‪ ،‬رغم أنهم من مشايخ األزهر‪ ،‬كما أعترض على عدد من يمثله‪ .‬ولكن‬
‫األطراف األخرى المنسحبة‪ ،‬كان تحتج على سيطرة تيار على تشكيل الجمعية التأسيسية‪ ،‬أي كانت تحتج‬
‫على وجود أغلبية للتيار اإلسالمي‪ .‬ورغم التباين في األسباب‪ ،‬إال أن انسحاب األزهر‪ ،‬دعم موقف القوى‬
‫األخرى‪.‬‬
‫ولكن موقف األزهر اختلف في المرة الثانية‪ ،‬عندما شكلت الجمعية التأسيسية الثانية‪ ،‬وكان فيها‬
‫ممثلي األزهر من الذين رشحهم‪ ،‬وتفاعل األزهر من خالل ممثليه بإيجابية مع عمل الجمعية التأسيسية‪،‬‬
‫ولم ينسحب منها‪ ،‬رغم أن كل األطراف التي أنسحب من الجمعية األولى‪ ،‬انسحبت مرة أخرى من‬
‫الجمعية الثانية‪ ،‬قبل انتهاء أعمالها‪ ،‬ورغم مشاركتهم في أعمال الجمعية‪ ،‬حتى الوصول إلى المسودة‬
‫األولى للدستور‪ .‬مما أظهر التباين بين موقف األزهر‪ ،‬والقوى العلمانية والكنيسة‪ .‬فالقوى المنسحبة من‬
‫الجمعية التأسيسية الثانية‪ ،‬انسحبت بسبب تخوفها من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬رغم وجود األزهر في الجمعية‬
‫التأسيسية‪ ،‬ومشاركته في تحديد وتوصيف المرجعية اإلسالمية‪ ،‬مما أكد على أن وثيقة األزهر‪ ،‬لم تستطع‬
‫حسم الخالف حول الهوية‪ ،‬ولم يستطع األزهر أيضا‪ ،‬حسم هذا الخالف‪ ،‬والوصول إلى توافق حول‬
‫المرجعية العامة للدولة والمجتمع‪.‬‬
‫والمواجهة الحادثة بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة‪ ،‬واألحزاب‬
‫اإلسالمية األخرى‪ ،‬بسبب تشكيل الجمعية التأسيسية األولى‪ ،‬ظهر منها أن الخالف يرتبط أساسا بمساحة‬
‫دور كل طرف‪ ،‬وتوصيف دور األطراف اإلسالمية المختلفة‪ ،‬كما ظهر منها محاولة األزهر لتأكيد دور‬
‫ومكانة وموضع مؤسسة األزهر‪ .‬والواضح‪ ،‬أنه ال خالف على مكانة األزهر بين القوى اإلسالمية‪ ،‬ألن‬
‫مكانة األزهر تاريخية‪ ،‬ومكانته بالنسبة للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬تاريخية أيضا‪ .‬مما جعل الخالف محصورا‬
‫في مواقف فرعية أو تفاصيل جزئية‪ ،‬ولم يصل الخالف‪ ،‬إلى خالف حول المرجعية‪.‬‬
‫هل يصبح األزهر مالذا أمنا للعلماني والمسيحي‬
‫كان من الواضح‪ ،‬أن القوى العلمانية والمسيحيين والكنيسة‪ ،‬تريد أن يكون األزهر مالذا لها في‬
‫مواجهة القوى اإلسالمية‪ ،‬بحيث يكون المرجعية الحصرية اإلسالمية‪ ،‬ويحيد بذلك دور الحركات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتأثيرها على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وتفعيلها سياسيا‪ .‬ولكن التفاعالت والمواقف المختلفة‬
‫أظهرت‪ ،‬أن موقف القوى العلمانية والكنيسة‪ ،‬مرتبط أساسا بشيخ األزهر‪ ،‬أكثر من ارتباطه بمؤسسة‬
‫األزهر‪ .‬فلم يكن لدى القوى العلمانية أو الكنيسة معرفة بمواقف األزهر كمؤسسة‪ ،‬أو تكوينه الداخلي‪،‬‬
‫وكان لديهم أيضا تخوف من مواقف مؤسسة األزهر في عهد أي شيخ آخر‪ .‬لذا كان اللجوء لألزهر‪،‬‬
‫مؤقت وغير حاسم‪ .‬وكان كل لقاء مع األزهر‪ ،‬يعقبه استمرار النزاعات مرة أخرى‪ ،‬ولجوء القوى‬
‫العلمانية ومن يؤيدها إلى وسائل أخرى‪ ،‬لتحقيق تصورهم عن النظام السياسي الجديد‪ .‬وهو ما أثر سلبا‬
‫على دور مؤسسة األزهر‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫فوثيقة األزهر‪ ،‬ورغم التوافق عليها‪ ،‬لم تعتبر وثيقة حاسمة بالنسبة للقوى العلمانية والكنيسة‬
‫واألقباط‪ ،‬مما أدى إلى اللجوء لفكرة المبادئ الدستورية الحاكمة‪ ،‬أو المبادئ فوق الدستورية‪ ،‬والتي لم‬
‫تنجح‪ .‬ورغم مشاركة األزهر للقوى العلمانية والكنيسة في االنسحاب من الجمعية التأسيسية األولى‪ ،‬إال‬
‫أن استمراره في الجمعية التأسيسية الثانية لم يكن له دور في تشجيع اآلخرين على االستمرار‪ .‬كما أن‬
‫النصوص التي وضعها األزهر في الدستور‪ ،‬خاصة نص المادة ‪ ،302‬والتي تحدد معنى مبادئ الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬لم تلقى تأييدا من القوى التي لجأت سابقا لألزهر‪ ،‬واعتبرته مالذا لها؛ بل أن القوى العلمانية‬
‫والكنيسة‪ ،‬انسحبوا أساسا بسبب نص المادة ‪ ،302‬وأيضا بسبب نص المادة ‪ ،4‬والتي جعلت هيئة كبار‬
‫العلماء‪ ،‬جهة استشارية في أمور الشريعة اإلسالمية‪ .‬مما يعني أن االنسحاب من الجمعية التأسيسية‬
‫الثانية‪ ،‬كان بسبب مواقف األزهر‪ ،‬ودوره في الدستور الجديد‪.‬‬
‫واالنسحاب اعتراضا على دور األزهر في الدستور‪ ،‬وأيضا على تعريف األزهر لمبادئ‬
‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬أضر بموقف األزهر‪ ،‬خاصة وأنه حاول أن يوازن بين القوى اإلسالمية والقوى‬
‫العلمانية‪ ،‬مما جعل بعض مواقفه تظهر وكأنها لكبح الحركات اإلسالمية‪ ،‬فإذا بالطرف غير اإلسالمي‪،‬‬
‫يضعف من موقف األزهر‪ ،‬ويضعه في موقف حرج‪.‬‬
‫ورغم هذا‪ ،‬استمرت المزايدة على األزهر‪ ،‬من القوى العلمانية‪ ،‬وحتى قوى النظام السابق‪ .‬ففي‬
‫واقعة تسمم طالب المدينة الجامعية األزهرية‪ ،‬واحتجاج الطالب على ما حدث‪ ،‬حاولت القوى العلمانية‬
‫توصيف هذا االحتجاج‪ ،‬وكأنه تطاول من جماعة اإلخوان المسلمين على األزهر‪ ،‬وقامت للدفاع عن‬
‫األزهر‪ ،‬في مواجهة جماعة اإلخوان‪ ،‬رغم أن األمر لم يتعلق أساسا بموضع األزهر‪ ،‬بقدر ما ارتبط‬
‫بواقعة أدت إلى تسمم العديد من الطالب‪.‬‬
‫وهذه المواقف المتناقضة للقوى العلمانية من األزهر‪ ،‬تبدو أنها محاولة للوقيعة بين األزهر‬
‫والحركات اإلسالمية‪ ،‬أكثر من كونها اعتراف بمرجعية األزهر‪ ،‬أو قبوال لمواقف ورؤى األزهر‪ .‬وكأن‬
‫المطلوب هو منع حدوث أي تقارب بين الحركات اإلسالمية واألزهر‪ ،‬رغم وحدة المرجعية؛ أو كأن‬
‫القوى العلمانية تخشى من التقارب بين مختلف الكيانات اإلسالمية‪ ،‬مما يعزز من دور وفاعلية المرجعية‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫فاألزهر‪ ،‬لم يكن مالذا للقوى العلمانية أو الكنيسة‪ ،‬ولكنه كان واقعيا بديال عن الحركات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬يلجأ له لتوسيع الفجوة بينه وبين الحركات اإلسالمية‪ ،‬أو إلضعاف أو احراج القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫مما يعني أن القوى التي تلجأ لألزهر‪ ،‬ال تعترف بمرجعية األزهر‪ ،‬وال تقبل تصورات األزهر كمؤسسة‬
‫عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بقدر رغبتها في توسيع نطاق المواجهة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬بضم األزهر لتلك‬
‫المعركة‪ .‬وكأن المطلوب هو دفع األزهر‪ ،‬لمعركة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬دون أن تكون القوى التي تلجأ‬
‫لألزهر‪ ،‬متقبلة لمواقفه أو رؤيته‪ ،‬أي أنها ال تحتكم لألزهر عمليا‪ ،‬ولكن تحاول جر مؤسسة األزهر‪،‬‬
‫لتكون طرفا في الصراع مع القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫بين األزهر واإلخوان واإلسالميين‬
‫بين األزهر والحركات اإلسالمية‪ ،‬وحدة المرجعية‪ ،‬واختالف المواقف زمن النظام السابق‪.‬‬
‫فاالختالف الحقيقي بين الحركات اإلسالمية واألزهر‪ ،‬يتعلق أساسا بموضع كل طرف زمن النظام‬
‫السابق‪ ،‬حيث سيطر النظام السابق على األزهر‪ ،‬واستطاع السيطرة على بعض االتجاهات اإلسالمية‪،‬‬
‫‪8‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫ول كن غالب الحركات اإلسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬لم تقع تحت سيطرة النظام السابق‪.‬‬
‫وظلت الحركات اإلسالمية تطالب بإقامة المرجعية اإلسالمية‪ ،‬في مواجهة نظام علماني متحالف مع‬
‫الغرب‪ .‬وتصدرت جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬النضال السياسي ضد النظام السابق‪ ،‬من أجل تحرير‬
‫المجتمع‪ ،‬وبناء المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫والخالف بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين قبل الثورة‪ ،‬كان مرتبطا أساسا بالموقف من‬
‫النظام السابق‪ ،‬ولم ينتج عنه أي خالف في الرؤى اإلسالمية‪ ،‬ألن مؤسسة األزهر ظلت تنتج الرؤى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬التي يحملها الموروث العلمي والتعليمي لألزهر‪ ،‬حتى وإن أصاب هذا الموروث‪ ،‬حالة جمود‪،‬‬
‫بسبب توقف تفاعل األزهر مع الحياة اليومية‪ ،‬ووقوعه تحت هيمنة نظام الحكم‪.‬‬
‫وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬تحمل رؤية إسالمية واسعة‪ ،‬تسع لما تسعه رؤية أهل السنة‬
‫والجماعة‪ ،‬وهي نفس الرؤية التي يحملها األزهر‪ .‬فالجماعة ال تفضل مذهب فقهي على آخر‪ ،‬وال تشكل‬
‫في حد ذاتها مذهبا جديدا‪ ،‬بل هي مشروع حركي إلحياء الرؤية اإلسالمية بمذاهبها المختلفة‪ ،‬وتنوعها‬
‫الداخلي‪ ،‬وهي أيضا مشروعا حركيا إلحياء المرجعية اإلسالمية للدولة والمجتمع‪ .‬وبهذا فال يوجد أي‬
‫خالف موضوعي‪ ،‬بين الرؤية العامة لجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ورؤية األزهر‪.‬‬
‫ومن جانب آخر‪ ،‬فإن فكرة أن اإلسالم دين ودولة‪ ،‬ال تخص اإلخوان فقط‪ ،‬بل هي فكرة جوهرية‬
‫في رؤية األزهر‪ ،‬الذي تقوم رؤيته على فكرة الدولة اإلسالمية‪ ،‬باعتبارها ركيزة إسالمية أساسية‪ .‬لذا فال‬
‫يوجد خالف أصال بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬والمشروع اإلسالمي الذي تعمل الجماعة‬
‫على تحقيقه حركيا‪ ،‬هو في الحقيقة المشروع اإلسالمي الذي يحمله األزهر نفسه‪.‬‬
‫ربما تظهر بعض االختالفات بين بعض القوى اإلسالمية واألزهر‪ ،‬خاصة بين بعض قوى التيار‬
‫السلفي واألزهر‪ ،‬والتي تتبنى خيارات فقهية محددة‪ ،‬وترفض خيارات أخرى‪ .‬ولكن هذا االختالف ال‬
‫يعني التناقض‪ ،‬ألن الخيارات الفقهية التي تتبناها هذه القوى‪ ،‬هي ضمن الخيارات الفقهية‪ ،‬التي تسعها‬
‫المرجعية العامة لألزهر‪.‬‬
‫فواقعيا‪ ،‬يعد األزهر والحركات اإلسالمية في مربع واحد‪ ،‬ولهم مرجعية واحدة‪ ،‬ومشروع واحد‪،‬‬
‫وكلهم كيانات إسالمية‪ ،‬تعمل من أجل بناء الدولة القائمة على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وأي اختالفات في‬
‫الرأي‪ ،‬هي ضمن ما تسعه المرجعية اإلسالمية من تعدد وتنوع‪ .‬واالختالف الحقيقي بين األزهر‬
‫والحركات اإلسالمية‪ ،‬يكمن ال في المشروع‪ ،‬بل في دور كل منهما داخل المشروع اإلسالمي‪ .‬فاألزهر‬
‫هو مؤسسة العلم والتعليم والرأي اإلسالمية‪ ،‬أما الحركات اإلسالمية‪ ،‬فهي مؤسسات حركية‪ ،‬أي حركات‬
‫اجتماعية لها مشروع للتغيير واإلصالح‪ ،‬وتعمل على أرض الواقع‪ .‬فجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬واقعيا‪،‬‬
‫تطبق رؤية األزهر على أرض الواقع‪ ،‬وتمثل الذراع الحركي للمشروع اإلسالمي‪ ،‬في حين أن األزهر‬
‫يمثل الذراع العلمي له‪.‬‬
‫لذا ال مجال أساسا للخصومة بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬وال يمكن أن يكون األزهر‬
‫كابح لدور الحركات اإلسالمية‪ ،‬وإال فقد موضعه ودوره‪ .‬وال يمكن أيضا أن يكون األزهر كابحا‬
‫للمشروع اإلسالمي‪ ،‬ألن وجوده مرتبط أساسا بالمشروع اإلسالمي‪ .‬وكل ما يمكن أن يحدث من اختالف‬
‫بين األزهر‪ ،‬وأي حركة إسالمية‪ ،‬بما في ذلك جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ال يتعدى الخالف العابر‬
‫الطبيعي‪ ،‬ألن المواقف تتباين‪ ،‬واالختالف في الرأي وارد في كل األحوال‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫فما أرادته القوى العلمانية وغيرها من األزهر‪ ،‬ال يمكن تحقيقه عمليا‪ ،‬أيا كان شخص شيخ‬
‫األزهر‪ .‬فال يمكن أن يكون األزهر‪ ،‬سببا في عرقلة المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وال يمكن أن يكون سببا في قيام‬
‫دولة علمانية بعد الثورة‪ .‬كما أن مؤسسة األزهر‪ ،‬ال يمكنها أن توسع المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بما يسمح‬
‫بتفكيك أسس تلك المرجعية‪ ،‬أو توسيعها لتقبل بما يتعارض معها‪ .‬وهو ما يعني أن ما أرادته القوى‬
‫العلمانية والكنيسة واألقباط‪ ،‬من األزهر‪ ،‬ال يمكن لمؤسسة األزهر تحقيقه أساسا‪.‬‬
‫الصراع المستحيل‬
‫الصراع بين جماعة اإلخوان المسلمين واألزهر مستحيل أساسا‪ ،‬كما أن المنافسة بينهما ليست‬
‫محتملة‪ .‬فمن تصور أن هناك تنافس على المرجعية بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬وصف‬
‫الواقع بشكل خطأ‪ ،‬وحاول أن يفترض صراعا أو تنافسا غير موجود أيضا‪ .‬مما يجعل محاوالت افتراض‬
‫تنافس بين جماعة اإلخوان المسلمين واألزهر‪ ،‬هي محاوالت وقيعة‪ ،‬تهدف أساسا إلى استنزاف القوى‬
‫والكيانات اإلسالمية‪ ،‬في صراعات داخلية‪.‬‬
‫فجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ليست مؤسسة علمية‪ ،‬كما أن األزهر ليس مؤسسة حركية‪ ،‬ووظيفة‬
‫الجماعة أنها حركة تغيير اجتماعي‪ ،‬ووظيفة األزهر أنه مؤسسة للعلم والتعليم‪ .‬ودور األزهر واقعيا‬
‫يتكامل مع دور اإلخوان‪ ،‬كما أن دور اإلخوان يتكامل مع دور األزهر‪ .‬والحقيقة‪ ،‬أن األزهر والحركة‬
‫اإلسالمية معا‪ ،‬يمثال العمل المتكامل‪ ،‬الذي يحقق استعادة المرجعية اإلسالمية‪ .‬وكل األنظمة العلمانية‬
‫المستبدة‪ ،‬سيطرة على المؤسسات الدينية التعليمية والعلمية‪ ،‬حتى تحاصر المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ثم دخلت‬
‫في حرب دموية مع الحركات اإلسالمية‪ ،‬حتى تستكمل حصارها للمرجعية اإلسالمية‪.‬‬
‫وبعد الثورة‪ ،‬لم تعد مؤسسة األزهر تحت سيطرة سلطة تنفيذية‪ ،‬وكل الحركات اإلسالمية‪ ،‬تدعم‬
‫استقالل األزهر‪ ،‬ألنها تعرف دور ومكانة األزهر‪ ،‬وتعرف أن دوره قائم على استقالله‪ ،‬وأن استقالله هو‬
‫الذي يمكنه من الدفاع عن اإلسالم وعن المرجعية اإلسالمية‪ .‬لذا فالقوى اإلسالمية أساسا‪ ،‬داعمة لألزهر‬
‫واستقالله‪ ،‬كما أن ضعف األزهر‪ ،‬يسحب من رصيد المشروع الذي تحمله القوى اإلسالمية‪ ،‬وال يضيف‬
‫لدورها شي ًء‪ .‬وكلما كان األزهر مستقال وقويا ومؤثرا‪ ،‬أصبح رصيدا مضافا للمشروع اإلسالمي‪ ،‬وهو‬
‫ما يعضد المشروع اإلسالمي الذي تحمله الحركات اإلسالمية‪.‬‬
‫وبالنسبة لجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬يعد األزهر ركيزة أساسية للمشروع اإلسالمي‪ ،‬كما أن كل‬
‫مؤسسات العلم والتعليم اإلسالمية حول العالم‪ ،‬هي ركيزة للمشروع اإلسالمي‪ .‬واستقالل األزهر‪ ،‬يدعم‬
‫مشروع اإلخوان‪ ،‬كما أن تقوية دور األزهر يدعم مشروع اإلخوان أيضا‪ ،‬وتمدد التأثير المعنوي لألزهر‪،‬‬
‫يدعم مشروع اإلخوان‪ .‬ألن المشروع اإلسالمي أساسا‪ ،‬هو مشروع أمة‪ ،‬وليس مشروع حركة‪ .‬لذا فإن‬
‫كل حركة تبنت مشروع األمة‪ ،‬أي المشروع اإلسالمي‪ ،‬تجد في كل دور آخر داعم لهذا المشروع‪ ،‬سندا‬
‫لها‪ .‬وألن المشروع اإلسالمي‪ ،‬هو مشروع أمة‪ ،‬وهو مشروع مرجعية حضارية عامة لألمة‪ ،‬لذا فهو ال‬
‫يتحقق أساسا بجهد طرف واحد‪ ،‬ولكن بحاصل تراكم جهود العديد من األطراف‪.‬‬
‫لذا لن يكون بين األزهر واإلخوان صراع‪ ،‬ولن يكون بينهما تنافس‪ ،‬ولن يكون بينهما خالف‬
‫جذري أو جوهري حول المشروع اإلسالمي‪ ،‬أو حول المرجعية اإلسالمية‪ .‬وما كان من خالف بينهما‪،‬‬
‫حدث في زمن النظام السابق‪ ،‬ألن األزهر فقد دوره وتأثيره‪ ،‬ولم تحمل الجماعة األزهر مسئولية ما حدث‬
‫له‪ ،‬بل كانت تعتبر ذلك مسئولية نظام الحكم‪.‬‬
‫‪01‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫موضع األزهر‬
‫لكن التحدي الذي يواجه األزهر‪ ،‬هو اكتشاف دوره بعد الثورة‪ ،‬وهو ليس إال دوره قبل تأميم‬
‫األزهر على يد نظام يوليو العسكري‪ ،‬وهو أيضا دور األزهر عبر العقود والقرون‪ .‬فاألزهر تاريخيا‪ ،‬هو‬
‫مؤسسة العلم والتعليم اإلسالمي‪ ،‬وهو مؤسسة الرأي اإلسالمي‪ ،‬التي تعلن رأيها للجميع‪ ،‬وتدافع عن‬
‫الحقوق‪ ،‬وتواجه الظلم‪ ،‬وتدافع عن المرجعية والهوية اإلسالمية‪ .‬وهي بهذا‪ ،‬واحدة من مكونات المنظومة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬والتي تقوم بدور العلماء‪ ،‬وهو دور مركزي في العلم اإلسالمي‪.‬‬
‫وأحيانا يبدو األزهر منخرطا في التنافس بين المؤسسات بعد الثورة‪ ،‬وهو ما يشير إلى المرحلة‬
‫التي يمر بها األزهر بعد الثورة‪ ،‬أي المرحلة الفاصلة بين موضعه المجمد قبل الثورة‪ ،‬وموضعه الجديد‬
‫الذي يتشكل بعد الثورة‪ .‬ويبدو أحيانا أن األزهر دخل في التنافس النقابي‪ ،‬كمؤسسات أخرى في الدولة‪،‬‬
‫أي التنافس الذي تحاول فيه كل مجموعة وظيفية البحث عن دورها الجديد‪ ،‬مثل مؤسسة القضاء والجيش‪.‬‬
‫ولكن الحقيقة أن دور األزهر كمؤسسة علم وتعليم‪ ،‬ليس منافسا لمؤسسات الدولة األخرى‪ ،‬كما أنه ليس‬
‫منافسا للحركات أو األحزاب اإلسالمية‪ .‬لذا فمشكلة األزهر‪ ،‬تتعلق بتوصله إلى الصيغة التي تعيد دوره‬
‫مرة أخرى‪.‬‬
‫وأهم تحدي مؤسسي يواجه األزهر‪ ،‬هو استعادته لتأثيره المعنوي على الرأي العام‪ ،‬بحيث يكون‬
‫لرأيه مصداقية وتأثير على الرأي العام اإلسالمي‪ ،‬وهي مسألة تتشكل من جديد مع الوقت‪ ،‬ومع قدرة‬
‫مؤسسة األزهر على تفعيل دورها كمؤسسة للعلم اإلسالمي‪ ،‬تدافع عن المرجعية والهوية اإلسالمية‪،‬‬
‫وتعلن رأيا إسالميا في قضايا الساعة‪ ،‬يلقى قبوال جماهيريا‪ ،‬ويقنع عامة الناس‪ ،‬أن األزهر تحرر من‬
‫مرحلة هيمنة النظام الحاكم عليه‪ ،‬وتحرر من أي قيود تفرض عليه رأيا‪ ،‬ال يعبر عن موقفه الحقيقي‪ .‬وهو‬
‫ما يستلزم أيضا‪ ،‬أن يكون لألزهر رأيا‪ ،‬يلقى قبوال واسعا داخله‪ ،‬فيصبح رأي األزهر‪ ،‬هو رأي جمهور‬
‫عمالء األزهر‪ .‬وعندما تصبح هيئة كبار العلماء‪ ،‬معبرة عن رأي جمهور علماء األزهر‪ ،‬وتتحرك بحرية‬
‫كاملة‪ ،‬وتحرر من ميراث مرحلة ما قبل الثورة‪ ،‬تكتسب مصداقية متجددة‪ ،‬ويكون لها تأثيرها‪.‬‬
‫وألن األزهر ليس مؤسسة سلطة‪ ،‬لذا فإن مكانته الحقيقية يحددها موقف الرأي العام بين المسلمين‬
‫منه‪ ،‬وبقدر ما يشعر عامة المسلمين أن األزهر يعبر عن رأي يقنعهم‪ ،‬وبقدر ما يكون هذا الرأي معبرا‬
‫عن عامة المسلمين‪ ،‬أو مقنعا لهم‪ ،‬بقدر ما يستعيد األزهر دوره المعنوي‪ ،‬وبهذا يعرف موضعه ودوره‪،‬‬
‫ويستعيد مكانته التاريخية‪.‬‬
‫األزهر في الدستور‬
‫والدستور الجديد‪ ،‬حدد مرجعية التشريع‪ ،‬وبالتالي حدد مرجعية الدولة‪ ،‬وحدد معنى مبادئ‬
‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬حسب تعريف األزهر لها‪ ،‬كما قنن استقالل األزهر‪ ،‬وقنن دوره االستشاري‪ ،‬مما‬
‫يعني أن الدستور الجديد‪ ،‬أعاد األزهر لدوره التاريخي‪ ،‬وهو ما يؤكد على أن السياسي اإلسالمي‪ ،‬لم يجد‬
‫أنه في تنافس مع األزهر‪ ،‬ولم يرى في استعادة األزهر لدوره‪ ،‬أي انتقاص لدوره؛ بل يمكن القول‪ :‬أن‬
‫السياسي اإلسالمي‪ ،‬وجد في استعادة األزهر لدوره‪ ،‬دعما له‪ ،‬وإضافة ضرورية للمشروع اإلسالمي‬
‫عامة‪ .‬ورغم التباين بين مواقف القوى اإلسالمية من األزهر‪ ،‬في بعض المواقف‪ ،‬إال إن هذا التباين‬
‫مرتبط أساسا بالمرحلة البينية التي يمر بها األزهر‪ ،‬أي المرحلة التي تفصله بين وضعه قبل الثورة‪،‬‬
‫ووضعه بعد الثورة‪ .‬وكلما تحرر األزهر من ميراث مرحلة ما قبل الثورة‪ ،‬أقترب أكثر من الحركات‬
‫‪00‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫اإلسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬واستعاد دوره‪ ،‬دون أن يكون منافسا ألحد‪ ،‬أو في صراع‬
‫مع أي كيانات إسالمية أخرى‪.‬‬
‫األزهر وقانون الصكوك‬
‫عندما اعترض األزهر على إصدار قانون الصكوك بدون الرجوع له‪ ،‬ظهر وكأنه يدافع عن‬
‫مكانته في مواجهة األحزاب اإلسالمية‪ ،‬أو ظهر وكأنه ينافس القوى السياسية اإلسالمية‪ ،‬أو ينازع‬
‫المجلس التشريعي في دوره واختصاصه‪ .‬ولكن تلك النظرة تبدو قاصرة واقعيا‪ ،‬ألن األحزاب اإلسالمية‬
‫ال يمكن أن تعتبر رأي األزهر في أي تشريع‪ ،‬انتقاصا من دورها‪ ،‬أو انتقاصا من دور المجلس التشريعي‪.‬‬
‫ولكن المشكلة تتعلق بالجانب العملي‪ ،‬فقانون الصكوك صدر بمشاركة أحد علماء األزهر‪ ،‬وهو الدكتور‬
‫نصر فريد واصل‪ ،‬والذي رأى أنه موافق للشريعة اإلسالمية‪ ،‬وبعد أن أرسل الرئيس القانون إلى هيئة‬
‫كبار العلماء‪ ،‬تأكد من رأيها أنه موافق للشريعة اإلسالمية‪ ،‬ورغم ذلك أبدت هيئة كبار العلماء رأيا‬
‫تفضيليا في بعض بنوده‪.‬‬
‫فالمشكلة ترتبط بمحاولة أي طرف توسيع دوره‪ ،‬فكلما وسعت هيئة كبار العلماء دورها‪ ،‬بحيث‬
‫تبدي رأيا في أمور ال تخالف الشريعة‪ ،‬ولكن تعبر عن تفضيالتها‪ ،‬تبدو وكأنها توسع دورها‪ ،‬وتختار بين‬
‫أمور كلها تتفق مع الشريعة حسب رؤيتها‪ .‬وعندما تصر هيئة كبار العلماء في القيام بدورها االستشاري‪،‬‬
‫رغم عدم مخالفة القانون للشريعة‪ ،‬تبدو أيضا كمن يحاول توسيع دوره‪ .‬وهي أمور قد تعقد عملية‬
‫التشريع‪ ،‬ألنها توسع مراحل وخطوات وضع التشريع بدون حاجة عملية‪ .‬ويبدو موقف األزهر أحيانا‪،‬‬
‫مثل موقف المحكمة الدستورية‪ ،‬والتي ال تحكم فقط بما يتعارض مع الدستور‪ ،‬ولكن تبدي رأيا لتعديل‬
‫أمور ال تتعارض مع الدستور‪.‬‬
‫وبالنسبة لقانون الصكوك‪ ،‬كان موقف الرئيس واضحا‪ ،‬فهو أراد التأكيد على حرصه على تفعيل‬
‫دور كل األطراف‪ ،‬وعدم تجاوز أي دور‪ ،‬حتى وإن لم تكن هناك حاجة عملية‪ .‬وهو ما ينسحب على‬
‫موقف حزب الحرية والعدالة‪ ،‬والذي يميل لحماية دور األزهر‪ ،‬حتى وإن جاء بصورة غير مبررة عمليا‪،‬‬
‫وحتى إن وجد محاولة لتوسيع دور هيئة كبار العلماء‪ .‬ألن حماية دور األزهر‪ ،‬لها األولوية‪ ،‬حتى يستعيد‬
‫دوره‪ ،‬بوصفه عمودا مهما في المشروع اإلسالمي‪ ،‬والذي يقوم على دور مركزي للعلماء‪.‬‬
‫ولن تحدث أزمة‪ ،‬إال إذا حاول األزهر‪ ،‬أو هيئة كبار العلماء‪ ،‬جعل أخذ رأيها حتمي‪ ،‬وجعل‬
‫رأيها ليس استشاريا‪ ،‬بل إلزاميا‪ .‬وهنا يكون األزهر قد أصبح مؤسسة لها سلطة دينية‪ ،‬وهو أمر إن حدث‬
‫أحيانا‪ ،‬فلن يستمر طويال‪ ،‬ألنه يحول األزهر إلى فاتيكان اإلسالم‪ ،‬وهو ما يهدم المنظومة اإلسالمية‪،‬‬
‫والتي تقوم على عدم وجود سلطة دينية أساسا‪.‬‬
‫تكامل األدوار‬
‫المرجعية اإلسالمية هي الحاكمة لكل الكيانات اإلسالمية‪ ،‬بل وحاكمة أيضا لألمة اإلسالمية‪ ،‬مما‬
‫يجعل المرجعية اإلسالمية‪ ،‬هي اإلطار الحاكم‪ ،‬والذي ينظم تكامل األدوار والتنسيق بينها‪ ،‬ويوحد الجهود‬
‫في إطار مسار عام‪ ،‬يحقق المشروع اإلسالمي‪ .‬وألن المرجعية اإلسالمية مستقرة تاريخيا‪ ،‬لذا فإن كل‬
‫الكيانات التي تنسب نفسها للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬تظل محكومة بها‪ ،‬مما يجعل كل كيان يقوم بدوره‪،‬‬

‫‪03‬‬

‫األزهر واإلخوان‪ ..‬الصراع المفترض على المرجعية‬

‫أبريل ‪3102‬‬

‫بالصورة التي تكسبه مصداقية االنتماء للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬وهو ما يحقق تكامل األدوار‪ ،‬كما يحقق‬
‫التنوع الداخلي‪.‬‬
‫لذا‪ ،‬وبحكم قواعد التاريخ‪ ،‬فإن األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬يسيران في مسار واحد‪ ،‬وما‬
‫بينهما هو تكامل في األدوار‪ ،‬واالختالف جزء من التنوع‪ ،‬أما التنافس فال محل له‪ ،‬وإن حدث‪ .‬وتكامل‬
‫األدوار يتحقق‪ ،‬عندما تستقر أدوار كل طرف‪ ،‬في ضوء أوضاع سياسية واجتماعية جديدة‪ .‬وفكرة أن‬
‫يكون األزهر كابح للحركة اإلسالمية‪ ،‬ليس واقعية‪ ،‬وإن حدثت تكون عارضة‪ .‬ومحاولة الوقيعة بين‬
‫األزهر والحركات اإلسالمية‪ ،‬للحد من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ليست محاولة واقعية‪ ،‬فإن حدث خالف‬
‫فسيكون عارضا أيضا‪.‬‬
‫ومؤسسة األزهر‪ ،‬لها من التاريخ العميق‪ ،‬الذي يعطي لها هوية وخصائص محددة‪ ،‬مما يجعلها‬
‫مع الحركة الحرة تعود إلى طبيعتها التاريخية‪ .‬وكل أثار النظم المستبدة عليها‪ ،‬زائلة‪ ،‬حتى إن تأخر‬
‫استعادة األزهر لعافيته التاريخية‪ .‬هو إذن‪ ،‬صراع وهمي بين األزهر وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬يهدف‬
‫إلى ضرب الكيانات اإلسالمية ببعضها‪ ،‬حتى تضعف كلها‪ .‬وهو صراع لم يحدث عندما كان األزهر‬
‫تحت سيطرة النظام المستبد‪ ،‬ولن يحدث في زمن الحرية بعد الثورة‪.‬‬

‫‪02‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful