You are on page 1of 49

‫موت سرير رقم ‪12‬‬

‫‪1961‬‬

‫الدهداء‬

‫إلى أختي فائزة‪...‬‬


‫إن كان في القصص ما يستحق أن يهدى إلى العزيزة فائزة‪..‬‬

‫غسان‬

‫مقدمـــــــة‬

‫جرت العادة أن يحصل التنتاج اللول ل ي كاتب على " جواز مرلور "‬
‫للقارئ‪ ...‬كلمة لقلم مشهور تتصدر الكتاب‪..‬ألو جمل موجزة على‬
‫ظهر الغل‪،‬ف‪ ،‬ألو حملة دعائية لواسعة يشترك فيها الكاتب لوالناشر‬
‫لوأصدقاء الطرفين‪ ،‬يحكون فيها كيف خلقت القصص‪ ،‬لوكيف تنزفها‬
‫القلم المجرلوح‪ ،‬لوكيف‪ ..‬لوكيف‪..‬‬
‫أتنا أؤمن أن الكتاب يجب أن يقدم تنفسه‪ ،‬لوإذا عجز عن إحراز جزء‬
‫من طموح كاتبه‪ ،‬فعلى الكاتب أن يقبل ذلك ببساطة‪ ،‬كما قبل ـ‬
‫مرات لومرا ت ـ أن يمزق قصصا ً ليعيد كتابتها‪ ..‬ألو يكتب سوادها‪..‬‬
‫لودهكذا ) فموت سرير رقم ‪ ،( 12‬أدفعها لتشق طريقها‪ ،‬إن‬
‫استطاعت أن تهتد ي إلى ألول الطريق‪ ،‬بنفسها‪ ،‬دلون " شفاعة "‬
‫لودلون " لوساطة " لودلون " جواز مرلور "‪..‬‬
‫حتى دهذه الكلمة‪ ،‬يجب أن ل تكتب لول أتنني أردت منها شرح تنقطة‬
‫لواحدة‪..‬‬
‫مجموعة القصص قسمتها إلى ةثلةثة أقسام‪ ..‬لولم يكن الهد‪،‬ف من‬
‫ذلك ملحقة التطور الزمني‪ ،‬فبعض القصص قي القسم اللول‬
‫كتبت في فترة زمنية أتت في أعقاب القصص التي كتبت في‬
‫القسم الثالث مث ً‬
‫ل‪ ..‬لولكن الهد‪،‬ف من دهذا التقسيم دهو الفصل بين‬
‫ةثلةثة أتنواع من القصص‪ ،‬إذا عجزت دهي تنفسها عن توضيح الفرق‬
‫بينها‪ ،‬فلن تستطيع دهذه الكلمة الموجزة أن تفعل‪..‬‬
‫لولبد أيضًا‪ ،‬لولو بدا ذلك غريبا بعض الشيء‪ ،‬أن أرسل عزائي إلى‬
‫العائلة المجهولة التي فجعت بموت ابنها " محمد علي اكبر " الذ ي‬
‫مات بعيدا‪ ،‬لوحيدا‪ ،‬غريبا‪ ،‬على السرير رقم ‪ ،12‬لودهو ينز‪،‬ف عرقا ً‬
‫تنبيل ً في سبيل لقمة شريفة‪..‬‬

‫غسان كنفاتني‬

‫القسم اللول‬

‫البومة في غرفة بعيدة‬


‫شيء ل يذدهب‬
‫منتصف أيار‬
‫كعك على الرصيف‬
‫في جنازتي‬
‫الرجوحة‬

‫البومة في غرفة بعيدة‬

‫كل صور عدد كاتنون اللول من المجلة الهندية "أ‪ "..‬كاتنت رائعة ‪،‬‬
‫لولكن أرلوعها بل شك صورة ملوتنة لبومة مبتلة بماء المطر ‪..‬‬
‫لوتكمن كل رلوعها في لحظة اللقطة الموفقة ‪ ،‬لوفي براعة الزالوية‬
‫‪ ..‬لوادهم من دهذا كله ‪ :‬في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة‬
‫المختبئة في ظل ليل بل قمر ‪.‬‬
‫كنت في غرفتي ‪ :‬غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه‬
‫بالوحدة لوالعزلة ‪ ..‬أرضها متسخة بألوراق ل يدر ي أحد من أين‬
‫جاءت ‪ ،‬لوالكتب تتكدس فوق طالولة ذات ةثل ث قوائم رفيعة ‪ ،‬أما‬
‫القائمة الرابعة فلقد استعملت يدا ً لمكنسة ما لبثت أن ضاعت ‪..‬‬
‫لوالملبس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ةثقوب بظهر الباب‬
‫قبل ان يرتكز تنهائيا ً في ةثقبه الحالي ‪.‬‬
‫قلت لنفسي لوأتنا أشد بصر ي إلى صورة البومة الرائعة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب أن تعلق دهذه الصورة على حائط ما ‪ ..‬فذلك يكسب الغرفة‬
‫بل شك شيئا ً من الحياة لوالمشاركة ‪...‬‬
‫‪ -‬ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير ‪ ،‬لوأطرتها‬
‫بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الشكال ‪ ،‬كان العمل‬
‫الفني ‪ ،‬إذن ‪ ،‬قد أخذ سبيله إلى الغرفة لوكان لبد أن اغبط تنفسي‬
‫على التقاط دهذه الصورة ‪.‬‬
‫عندما آلويت لفراشي في منتصف الليل فاجأتني الصورة ‪ ،‬كان‬
‫ضوء الغرفة خفيفا ً بعض الشيء ‪ ،‬لوقد يكون دهذا دهو السبب الذ ي‬
‫من اجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة ‪ ،‬كان رأس البومة‬
‫اكبر من المعتاد لوكان يشبه شكل ً رمزيا ً لقلب مفلطح بعض‬
‫الشيء ‪ ،‬أما المنقار السود فلقد كان معقوفا ً بصورة حادة حتى‬
‫ليشبه من منجل ً عريض النصل ‪ ،‬لوالعينان كاتنتا مستديرتين كبيرتين‬
‫يختفي أعلدهما تحت اتنحناءة الحاجبين الغاضبين ‪ ،‬كان في العيني‬
‫غضب لوحشي ‪ ،‬لوكاتنت النظرة – رغم ذلك – تحتو ي خوفا ً يائسا ً‬
‫مشوبا ً بتحفز بطولي لوتشبه إلى حد بعيد تنظرة إتنسان خضع فجأة‬
‫للحظة ما ‪ ،‬عليه أن يختار فيها بين أن يموت ‪ ،‬ألو أن يهرب كان‬
‫الوجه مخيفا ً لوبدا أن العيون المستديرة اللماعة باماضة حية ‪،‬‬
‫كاتنت تحدق عبر صمت الغرفة ‪ ،‬لوتخترق برعشتها الحية جمجمتي ‪،‬‬
‫لوتقول بصرير حار ‪:‬‬
‫‪ -‬أتذكر ؟ ‪ ..‬لقد التقينا مرة قبل الن‬

‫أطفأت الضوء الشاحب ‪ ،‬لودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق‬


‫الصيف اللزج ‪ ،‬لورغم ذلك ‪ ،‬فلقد كنت أرى العينين الغاضبتين‬
‫الخائفتين تخترقان الظلمة لوتحدقان في ‪ ،‬كان لوجه البومة‬
‫المتحد ي لضغط لحظة ليس فيها سوى الختيار بين الموت لوالفرار‬
‫مائل ً في رأسي كأتنني لم احول تنظر ي عنه بعيدا ً ‪ ،‬ملحاحا ً ‪ ،‬غضوبا ً‬
‫يتمسح باشمئزاز ساخر ‪ ،‬لوعبثا ً ذدهبت كافة المحالولت التي بذلتها‬
‫لسلخ الصورة عن رأسي ‪ ،‬كاتنت شيئا ً قد دخل إلى الغرفة العاريـة‬
‫‪ ،‬لوعلى إحساسي ‪ ،‬لوتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذ ي‬
‫كان ما يزال ينحدر من المنقار السود المعقو‪،‬ف ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد تقابلنا مره قبل الن ‪ ...‬اتذكر ؟ !‬

‫شعرت فجأة بأتنني أعر‪،‬ف دهذا الوجه تماما ً ‪ ،‬لوأتني أرتبط معه‬
‫بذكرى يجب أن ل تمحى ‪ ،‬تنعم ‪ ،‬أتنا أعر‪،‬ف تينك العينين الحادتين‬
‫الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة ‪..‬لكن أين تقابلن ؟‬
‫متى ؟ كيف ؟‬

‫لقد بدا كل شيء مغلفا ً بضباب متكاةثف ‪ ،‬لورغم ذلك كاتنت ةثمة‬
‫ذكرى تلتمع من بعيد ‪ ،‬إل أتنها كاتنت غامضة مغرقة في البعد ‪ ،‬دهناك‬
‫سد كثيف يحول دلون رأسي لوتلك الذكرى ‪ ،‬لوكان لبد من التذكر ‪.‬‬
‫فعينا البومة الغاضبتين تبعثان دفقة إحساس حاد في تنفسي بأتننا‬
‫قد تعارفنا قبل الن ‪ ..‬لولكن متى ؟ لوكيف ؟ لوأين ؟ ‪.‬‬

‫تنهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوم تحت تلك الوطأة‬


‫لوأضأت المصباح ةثم لوقفت أما الصورة الملوتنة ‪ :‬العيون دهي ‪ ،‬لم‬
‫تزل ‪ ،‬تطل غاضبة لواسعة مغرلوسة في الوجه المفلطح العجيب ‪.‬‬
‫لوالمنقار المعقو‪،‬ف كنصل عريض لمنجل أسود ‪ ،‬لم يزل ‪ ،‬يطبق‬
‫بعنف على ضرب من الشمئزاز الساخر ‪ ،‬لوالريش الرماد ي‬
‫الملون بحمرة لوقحة يتجمع خصل ً كصو‪،‬ف قذر بعد أن ابتل بماء‬
‫المطر ‪.‬‬

‫سقطت الذكرى ‪ ،‬بعد فترة ‪ ،‬فاصلة مدلوية صاخبة فألورةثتني دلوارا ً‬


‫مفاجئا ً ‪ ،‬لوالتمعت خلل الضباب المتكاةثف كل الشياء التي ذكرتني‬
‫بها البومة المخيفة ‪ ،‬لوبدا لي أتننا تنعر‪،‬ف بعضنا جيدا ً ‪.‬‬
‫***‬
‫كان ذلك قبل عشر سنوات على لوجه التقريب ‪ ،‬كنت في قريتي‬
‫الصغيرة التي تتساتند دلوردها كتفا ً إلى كتف فوق حاراتها الموحلة ‪،‬‬
‫أذكردها الن أشباحا ً تتلمح منذ زمن بعيد ‪ ،‬كنت طفل ً آتنذاك ‪ ،‬لوكنا‬
‫تنشهد ‪ ،‬دلون أن تنقدر على الختيار ‪ ،‬كيف كاتنت تتساقط فلسطين‬
‫شبرا ً شبرا ً لوكيف كنا تنتراجع شبرا ً شبرا ً ‪ .‬كاتنت البنادق العتيقة‬
‫في أيد ي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية ‪،‬‬
‫لوأصوات القذائف البعيدة تدلنا أن معركة تقع الن ‪ ،‬لوأن – ةثمة –‬
‫أمهات يفقدن أزلواجهن ‪ ،‬لواطفال يفقدلون آباءدهم ‪ ،‬لودهم ينظرلون‬
‫عبر النوافذ ‪ ،‬صامتين ‪ ،‬إلى ساحة الموت ‪.‬‬

‫ل اعر‪،‬ف في أ ي يوم لوقع الحد ث ‪ ،‬حتى ابي أيضا ً تنسي ذلك ‪ ،‬كان‬
‫اليوم المشؤلوم ‪ ،‬كان أكبر من أن يتسعه اسم ألو رقم ‪ ،‬لقد كان‬
‫في حد ذاته علمة من علئم الزمن الكبيرة ‪ ،‬من تلك التي توضع‬
‫في مجرى التاريخ كي يقول الناس " حد ث ذلك بعد شهر من يوم‬
‫المذبحة " ‪ ..‬مثل ً ‪ ..‬كان يوما ً من تلك اليام ل شك ‪ ،‬لوإل لكنا‬
‫حشرتناه تحت رقم الو تحت اسم ألو تحت عنوان ‪.‬‬

‫لقد بدأ الهجوم قبيل منتصف الليل لوقال أبي الشيخ لمي فيما دهو‬
‫يتنكب بندقيته الثقيلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتنه دهجوم كبير دهذه المرة ‪..‬‬
‫لولقد عرفنا ‪ ،‬تنحن الصغار من أصوات الطلقات أتنه دهناك أسلحة‬
‫جديدة لوأن دهناك دهجوما ً من تناحية أخرى لم تطرق قبل الن ‪ ..‬لوان‬
‫قنابل حارقة قد سقطت في لوسط القرية فأحرقت بيتا ً لوأطفال ‪،‬‬
‫لوحين تنظرتنا من خصاص النافذة الواطئه شادهدتنا كمن يحلم –‬
‫أشباح تنسوة منحنيات يسحبن جثثا ً إلى داخل القرية ‪ ،‬لوكان‬
‫يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوت تنشيج مخنوق ‪ :‬إحدادهن‬
‫– دهكذا كاتنت تشير أمي – فقدت زلوجها لوصموددها في آن معا ً ‪.‬‬

‫بعد ساعة من الهجوم المباغث ‪ ،‬تراجع رجالنا ‪ ،‬كاتنت جهنم قد‬


‫صعدت إلى ظهر قريتنا ‪ ،‬لوبدا لنا أن النجوم أخذت تتساقط على‬
‫بيوتنا ‪ ،‬لوقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة لوتلهث ‪:‬‬
‫‪ -‬اتنهم يقاتلون بالفؤلوس ‪..‬‬
‫لوقتال الفؤلوس لم يكن غريبا ً على رجال قريتنا ‪ ،‬فلقد كان الفأس‬
‫دهو سلح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها ‪ ،‬فكان‬
‫يحملها على كتفه زاحفا ً فوق الشواك الجافة ‪ ،‬ةثم يشادهد‬
‫المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح اتنسان راكع ‪ ،‬يرفع كلتا يديه‬
‫فوق رأسه ما لوسعه ذلك ‪ ،‬لوبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل ‪ ،‬ةثم‬
‫يهو ي الفأس ‪ ،‬لويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق ‪ ،‬لويبتلع‬
‫الظلم أتنة ممدلودة يعقبها شخير عنيف ‪ ،‬ةثم يصمت كل شيء ‪.‬‬

‫لقد بدأ قتال الفؤلوس إذن ‪ ،‬دهذا يعني أن الرجال قد تلحموا ‪ ،‬لوأن‬
‫جثثنا كثيرة قد ضاعت في خطوط العداء مطبقة أكفها بتشنج‬
‫عنيد على الفأس ‪ ،‬لواضعة أتنوفها براحة مطلقة على التراب‬
‫الطيب ‪ ،‬لومستلقية بهدلوء ‪.‬‬

‫بدأت قريتنا تنكمش ‪ ،‬لولم يعد دهناك أ ي عمل للشيوخ غير أن‬
‫يعودلوا إلى بيوتهم ‪ ،‬لولقد شادهدتنا أبي يعود منهكا ً ‪ ،‬لولكنه لم يضع‬
‫أية لحظة بل توجه لتوه على درج عتيق كان محظورا ً علينا‬
‫القتراب منه لوتنالول مسدسا ً صغيرا ً دفعه لمي بعد أن تأكد من‬
‫حشوه ‪ ،‬لوأشار لها بعينيه تجادهنا ‪ ،‬أتنا لوأخوتي ‪ ،‬لوقفل عائدا ً إلى‬
‫الشارع ‪.‬‬

‫كاتنت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ‪ ،‬فأخذت تبكي دافنة‬


‫رأسها في كفيها ‪ ،‬بينما ارتعشت أمي لودهي تحمل المسدس على‬
‫راحتها لوتتوجه إلى النافذة ‪ ،‬في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان‬
‫يفصل بيننا لوبين جيراتننا – لولم تنكن تنستعمل ذلك الباب على‬
‫الطلق – لوصاح صوت العجوز ‪ ،‬جارتنا ‪ ،‬راجفا ً ‪ _ :‬افتحوا ‪ ..‬افتحوا‬
‫‪..‬‬
‫أز الباب أزيزا ً رفيعا ً إذ سحبته أمي فاتندفع العجوز إلى الغرفة‬
‫خائفا ً ‪ ،‬لوأجال بصره فينا ‪ ،‬ةثم توجه لمي لودهمس في أذتنها كلما ً‬
‫أبدت استنكاردها له ‪ ،‬ةثم عاد فهمس بحماس اكثر‪ .‬فترددت أمي ةثم‬
‫دهزت رأسها موافقة ‪ ،‬لوأشارت إلي أن أتبع العجوز إلى بيته ‪..‬‬

‫دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفرلوشة ببسط ملوتنة ‪.‬‬
‫لوأخذت أراقبه فيما دهو يحرك ستارة ‪ ،‬لويتنالول من لورائها صندلوقا ً‬
‫صغيرا ً يضعه برفق بين ذراعي ‪ ،‬شعرت أن الصندلوق أةثقل من ما‬
‫يبدلو فتساءلت برأسي لواتاتني الجواب من فمه الدرد ‪:‬‬
‫‪ -‬دهذه قنابل كان المرحوم ابني خبأدها دهنا ‪.‬‬

‫لودهز رأسه بأسى ‪ ،‬لواتنتبهت لكلمة ) المرحوم ( التي لم تكن‬


‫تستعمل قبل ذلك في دهذه الغرفة ‪ ،‬لول في بقية الغر‪،‬ف ‪ ،‬فرالودتني‬
‫شعور بالخو‪،‬ف بينما استمر الشيخ ‪:‬‬
‫‪ -‬يوشك اليهود أن يدخلوا القرية ‪ ..‬لوإذا لوجدلوا دهذه عند ي قامت‬
‫قيامتهم !‬
‫لوتباطأت كلماته ‪ ،‬لوبدأ يحرك إصبعه في لوجهي حركة تحذير ‪:‬‬
‫‪ -‬أتنت صغير ‪ ،‬لوتستطيع أن تخترق الحديقة ‪ ..‬أريدك أن تدفن دهذا‬
‫الصندلوق في أخردها ‪ ..‬تحت شجرة التين الكبيرة ‪ ..‬ربما احتجنا له‬
‫فيما بعد ‪..‬‬

‫سرتني أن أشارك بعمل بطولي ‪ ،‬فاتندفعت إلى خارج الباب ‪،‬‬


‫لوعندما لوجدت تنفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خو‪،‬ف‬
‫ردهيب ‪ ،‬لوحدةثتني تنفسي ‪ ،‬لودهي ترتجف أن ألقي حملي الثقيل‬
‫لوأقفل عائدا ً أدراجي ‪ ،‬لكني تنبهت إلى أن أمي لشك تطل من‬
‫تنافذتها لوتشادهدتني ‪ ،‬كاتنت السماء شبه مضاءة بقنابل اللهب ‪،‬‬
‫لوكاتنت الشرارات تلتمع في الفق راسمة خطوطا ً مقطعة ً منتهي ً‬
‫ة‬
‫بضوء ساطع ‪ ،‬لوفي لحظات الصمت المخيفة التي كاتنت تتبع كل‬
‫دفقة تنار كاتنت تسمع أصوات ما تبقى من رجالنا تغني على‬
‫طريقتها في المعارك غناء يبدلو كأتنه يتصاعد من عالم آخر ‪ ،‬عالم‬
‫يموت فيه التنسان لودهو يعض على بقية الغنية الحلوة ‪ ،‬ةثم يتمها‬
‫دهناك في السماء ‪.‬‬

‫اخترقت الحديقة منحنيا ً ‪ ،‬لوكاتنت الطلقات تمس أعلى الشجر‬


‫بصفير خافت ‪ ،‬لوكاتنت التينة العجوز تنتصب في آخر الحديقة عندما‬
‫لوصلتها شعرت بحماسة غامضة ‪ ،‬لوأتنشأت أحفر في الرض‬
‫مستعينا ً بعودة صلبة ‪ ،‬لوفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندلوق‬
‫بالحفرة ‪ ،‬سمعت صيحة حادة في أعلى الشجرة ‪ ..‬لوتملكني خو‪،‬ف‬
‫أسقط ركبتي إلى الرض لوأخذت أحدق مرتجفا ً عبر الغصان ‪ ..‬ةثم‬
‫شادهدتها ‪ ،‬على ضوء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا ‪ ،‬تقف دهناك‬
‫لوتحدق إلي بعينين لواسعتين غاضبتين أخفى أعلدهما اتنحدار‬
‫الحاجب عليهما ‪ ..‬كان منقاردها معقوفا ً كمنجل اسود ذ ي تنصل‬
‫عريض ‪ ،‬لورأسها الكبير كصورة قلب رمز ي مفلطح يتمايل باتنتظام‬
‫‪ ،‬كان ريشها مبتل ً بماء المطر الذ ي اتنهمر في ألول الليل ‪ ،‬لوكان‬
‫يومض في عيوتنها ذلك الغضب المشوب بخو‪،‬ف غريب ‪ ،‬لوكاتنت‬
‫تحدق إلي عبر الظلمة ‪ ،‬تحديقا ً متواصل ً ل يرتعش ‪.‬‬

‫دهدأ الرعب في صدر ي ‪ ،‬لوعدت إلى عملي حتى إذا أكملت أتنشأت‬
‫أتنظر إلى البومة بإمعان ‪ ،‬كاتنت ما تزال على لوضعها اللول لوكان‬
‫ضوء القنابل المباغت يعطي لعيوتنها ظلل ً مرعب ً‬
‫ة ‪ ،‬لوبدت لي أتنها‬
‫مصرة على لوقوفها المتحد ي ‪ ،‬لوأتنها سو‪،‬ف تبقى رغم كل الرصاص‬
‫لوالموت‪.‬‬

‫عدت أدراجي إلى البيت ببطء لودهدلوء فلقد زايلني كل خو‪،‬ف كنت‬
‫أحسه قبل أن أرادها ‪ ..‬ةثم لم املك إل أن أتوقف دهنيهة لوأعود إلى‬
‫النظر إليها ‪ ،‬كاتنت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إتنساتني‬
‫عميق ‪ ،‬لوعلى إماضة قنبلة بعيدة ‪ ،‬شادهدت في عينيها ذلك التحد ي‬
‫الباسل ‪ ،‬الخائف بعض الشيء ‪ ،‬لولكن الصامد لضغط لحظة اختيار‬
‫لواحدة بين الفرار لوالموت ‪.‬‬

‫***‬
‫لوألوشك الصبح أن يطلع لوأتنا في لوقفتي أمام الصورة الملوتنة‬
‫الملصوقة على الحائط العار ي ‪ ..‬لقد أتنهكتني الذكرى لولكني‬
‫أحسست بارتياح غريب فجأة ‪ ،‬فهأتنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد‬
‫غيبة طويلة ! لوأين ؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة‬
‫مقيتة ‪ ،‬بعيدا ً عن قريتي التي كاتنت تعبق برائحة البطولت لوالموت‬
‫‪ ،‬لوكاتنت البومة ل تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ‪ ،‬عبر زمن‬
‫متباعد لوينحدر منقاردها المعقو‪،‬ف صرير حاد ‪:‬‬
‫‪ -‬آيه أيها المسكين ‪ ..‬دهل تذكرتني الن ؟؟ !‬

‫الكويت ‪1959 -‬‬

‫شيء ل يذدهب‬

‫القطار اللدهث يصعد الطريق الجميل إلى طهران ‪ ...‬قال لنا‬


‫مفتش القطار قبل ان تنغادر عبدان أن علينا أن تنحرس أتنفسنا‪،‬‬
‫فالطريق طويل‪ ،‬لواللصوص ينتهزلون فرصة حلول الليل‪ ..‬كي‬
‫يمارسوا طريقتهم الخاصة في الحياة ‪..‬‬
‫قررت أن ل أتنام ‪..‬فثمة كتاب ملون أستطيع أن أقرأه في الليل ‪...‬‬
‫كتاب ألفه إتنسان كان يحس أكثر من اللزم ‪ ،‬لويفهم أكثر من اللزم‬
‫‪ ...‬لومقصورتي في القطار متواضعة ‪ ..‬ايراتنية جميلة تجلس في‬
‫المقعد المقابل تفحصني كي تستكشف في اللص ‪ ،‬لم تطمئن إلي‬
‫بعد ‪ ...‬لوعجوز ‪ ،‬قد يكون أبادها ‪ ،‬سقط في النوم قبل أن يخفق‬
‫القطار بالرحلة الطويلة ‪ ...‬لوصديق دهادئ يجلس إلى جاتنبي‬
‫يستعرض الطريق ‪ ..‬أحسن ما في دهذا الصديق أتنه ل يثرةثر ‪ ،‬لوإذا‬
‫تكلم ‪ ...‬فاللغة العربية ‪..‬‬
‫أحسن طريقة كي أحرس تنفسي لومن معي ‪ ،‬كما ألوصاتنا المفتش‬
‫السمين الذ ي يعر‪،‬ف سبع كلمات عربية ‪ ،‬أن ل أتنام ‪ ...‬لقد أبدى‬
‫المفتش السمين قلقه علي ‪ ...‬فأتنا تنحيل ذلو لوجه اصفر قد ل‬
‫أستطيع أن أسهر ‪ ..‬لولكنني قلت له إتنني استطيع ‪ ..‬لولم افهم‬
‫تنكتته اليراتنية التي ضحك لها طويل ً لودهو يغمز مشيرا ً إلى الحسناء‬
‫‪ ..‬بينما احمر لوجه الخيرة ‪ ..‬لوصعدت القاطرة مع لوالددها العجوز ‪..‬‬
‫قال لي صديقي ان لوجه اليراتنية ل يعجبه بتاتا ً ‪ ..‬لوأتنها تشبه‬
‫الدكتور مصدق ‪ ..‬الذ ي لو كان امرأة لما كان بديعا ً قط‪ ...‬لودهكذا‬
‫اعتقد صديقي أتنه إذا سنح له الحديث مع الحسناء فسيكون سيد‬
‫الفرصة بل غريم ‪ ...‬بعد ان اطمأن إلى أتنه اقنعني بملحظته ‪...‬‬
‫كنت في الحقيقة لأرغب في الكلم ‪ ..‬كان الكتاب بديعا ً ‪ ..‬طباعته‬
‫اتنيقة ‪ ،‬لوصوره فذة ‪ ..‬لوكلماته ليست سوى غطاء بئر سحيق ‪ ،‬إذا‬
‫ما تمكنت من رفعه ‪ ،‬فسو‪،‬ف لن ترى القاع البعيد مطلقا ً ‪..‬‬
‫كان الكتاب يحمل اسم عمر الخيام ‪..‬‬
‫لوقيمته بالنسبة لي دهي أتنه أشير مره إلى رباعية فيع بالقلم‬
‫الرصاص ‪ ..‬لوضعتها الفتاة التي أحببتها ‪ ..‬الرباعية تقول ‪:‬‬
‫" آه أيها الحب ‪ ..‬لو أستطيع أتنا لوأتنت أن تنتفق مع القدر ‪ ..‬كي‬
‫تندمر دهذا الطابع الوحيد للعالم ‪..‬‬
‫إلى قطع صغيرة صغيرة ‪..‬‬
‫ةثم تنعيد بناءه من جديد ‪ ..‬كما تشتهي قلوبنا ‪"..‬‬
‫فتحت على تلك الصفحة دلون أن أشعر ‪ ..‬فرائحة الطريق الطويل‬
‫بدت مثيرة ‪ ..‬كاتنت الدائرة المرسومة حول الرباعية بالقلم‬
‫الرصاص تكاد ان تختفي ‪ .‬لقد مرت سنوات ةثمان على اليوم الذ ي‬
‫رسمت فيه دهذه الدائرة ‪ ..‬لورغم ذلك فأتنا لن اتنسادها مطلقا ً ‪..‬‬
‫ل أريد أن أتنام في القاطرة ‪ ..‬ل لحرس تنفسي‪ ..‬بل لستعيد‬
‫اللحظات الضبابية لما حد ث قبل ةثمان سنوات‪ ..‬لقد بدأت العتمة‬
‫تهبط ‪ ..‬لوبدا لودهلة ان صوت العجلت المنتظمة ‪ ..‬موسيقى غريبة‬
‫تدفع بهذا الراس المردهق ‪ ..‬إلى الماضي ‪..‬‬
‫***‬
‫اطمأتنت اليراتنية الحسناء أخيرا ً إلى أتنني لست لصا ً ‪ ،‬ألو لست‬
‫لصا ً خطيرا ً على القل ‪ ..‬فاستسلمت لففاءة قلقة ‪ ..‬لوبقي‬
‫صديقي يحدق في الطريق المعتم دلون أن يكف عن التحديق في‬
‫الحسن النائم أيضا ً ‪..‬‬
‫كاتنت ليلى تطلب مني أل اتنظر إليها عندما تنام ‪ ..‬كاتنت تعتقد أن‬
‫تقاطيع لوجهها تكون صادقة عندما تفقد التحكم بها ‪ ..‬لودهي ل تريد‬
‫أن أعر‪،‬ف شعوردها الحقيقي تجادهي ‪ ..‬تخا‪،‬ف أن أصبح مغرلورا ً ‪..‬‬
‫لم يكن اسمها ليلى ‪ ..‬كنت ادعودها ليلى لتنها كاتنت تدعوتني ) قيسا ً‬
‫( ‪..‬‬
‫دارتنا في حيفا لم تكن بعيدة عن داردها كثيرا ً ‪ ..‬خلف ألول منعطف‬
‫يقع على يمين دارتنا ‪ ،‬ليس عليك سوى أن تعد أربعة أبواب ةثم‬
‫تصعد بناية بيضاء إلى الطابق الثالث ‪ ،‬فستجد بيت ليلى ل محالة ‪..‬‬
‫إذا لم تكن دهذه البناية قد تهدمت بعد قصف حيفا ‪ ،‬فل شك أن‬
‫ليلى ما زالت تسكن دهناك ‪..‬‬
‫لقد خرجت من حيفا قبل أن تسقط في يد اليهود ‪ ..‬لولم امسك‬
‫بندقية في حياتي قط ‪ ..‬كان الشارع الطويل الذ ي ينصب فيه‬
‫شارعنا دهو ميداتني الوحيد ‪ ..‬كنت مشهورا ً في ذلك الشارع بأتنني‬
‫احدى علماته ‪ ،‬لوكان شباب حينا يقولون ‪ " :‬إذا اردت ان ترى‬
‫خير ي ‪ ،‬ففتش على اجمل فتاة في الشارع تجده خلفها ‪".‬‬
‫قالت لي ليلى لعد أن تعرفت عليها جيدا ً ‪ :‬أتنت رجل مائع يا خير ي‬
‫‪ ..‬لولكنك لست دهكذا في حقيقتك ‪ ..‬لولهذا أعتقد اتنني ساحبك ‪.‬‬
‫كاتنت ليلى من تنوع آخر ‪ ..‬لولكنني لم اكن اعر‪،‬ف ذلك في أيام‬
‫تعارفنا ‪ ..‬كنت أعر‪،‬ف أتنها تخفي شيئا ً ما ‪ ..‬لولكنني لم أكن اعلم ان‬
‫تلك الفتاة الناعمة ‪..‬كاتنت تقوم بعمليات تنسف ‪ ،‬يعجز عن تصوردها‬
‫رجل متوسط الشجاعة ‪ .‬لولم تقل لي ذلك مطلقا ً إل بعد الحاد ث‬
‫المؤؤلوم الذ ي لوقع ‪.‬‬
‫في الحقيقة ‪ ،‬اتنني لم اكن أعر‪،‬ف من دهو عمر الخيام ‪ ،‬لودهي التي‬
‫علمتني عنه اشياء كثيرة ‪ ..‬كنت اعجب بصور كتابه أكثر من‬
‫اعجابي برباعيته التي كنت اعتقد أتنها دهذيان إتنسان مريض بنزلة‬
‫صدرية حادة ‪..‬‬
‫الحب العنيف ‪ ،‬الذ ي كاتنت تسميه دلوامة تغوص في مستنقع ‪ ،‬لم‬
‫يستطع ان ينسيها القضية ‪ ..‬بل كاتنت تتعذب في سبيل أن تفهمني‬
‫أن حياتنا ليست شيئا ً ‪ ..‬لواتنها تبلغ ذرلوة قيمتها لو قدمت من اجل‬
‫سعادة آل‪،‬ف عيرتنا ‪...‬‬
‫لوعندما فهمت ألول رباعية من رباعيات الخيام ‪ ،‬قلت لليلى إن دهذا‬
‫الرجل إتنسان اتنهزامي ‪ ..‬كنت سعيدا ً بهذا الكتشا‪،‬ف ‪ ،‬لوقلت في‬
‫ذات تنفسي يومها أن ليلى ستكون فخورة بي ‪ ...‬لولكنها لم تقم بما‬
‫يدل على اتنها فخورة ‪ ..‬قالت لي لودهي تشير إلى الكتاب ‪" :‬‬
‫التنسان الذ ي يحس أكثر من اللزم ‪ ،‬خير من التنسان الذ ي ل‬
‫يحس بالمره ‪" ...‬‬
‫دهذا " التنسان الذ ي ل يحس بالمره " استطعت أن افهم مؤخرا ً اتنه‬
‫اتنا ‪ ..‬لولم أغضب يوم أكتشفت ذلك ‪ ..‬إذ كاتنت قصتي مع ليلى قد‬
‫اتنتهت يومذاك ‪.‬‬
‫لكن ليلى تغيرت فيما بعد ‪ ..‬إذ اتنه في الوقت الذ ي كان يناضل فيه‬
‫ض ‪ :‬آخر ‪ ،‬كان دهنالك " بعض " أخير‬
‫بعض الناس ‪ ،‬لويتفرج " بع ٌ‬
‫يقوم بدلور الخائن ‪..‬‬
‫لوبواسطة دهذا النوع الخير من الناس ‪ ،‬قبض اليهود على ليلى لودهي‬
‫تحالول القيام بعمل لم اتمكن من معرفته قط ‪ .‬لوعادت بعد تسعة‬
‫ايام كاملة ‪ ..‬لولم تستطع أن تحفظ حياتها إل بعد مجموعة ل أحد‬
‫يدر ي كيف حدةثت ‪..‬‬
‫اللحظة التي قابلتها فيها بعد عودتها من "‪ :‬الهادار " لم تزل‬
‫راسخة في ذدهني ‪ ..‬كنت اتوقع أن ارادها تبكي ‪ ،‬ألو ترتجف ‪ ..‬إذ‬
‫كنت قد سمعت من أفواه كثيرة قصص الليالي الفظيعة التي‬
‫امضتها في السجن ‪ ..‬لولكنني عندما رايتها كاتنت دهادئة دهدلوءا ً‬
‫مخيفا ً ‪ ..‬لم يعد في عينيها أ ي بريق ‪ ..‬فقط لوجه حزين صامت ‪.‬‬
‫قالت لي بصوت منخف دهادئ ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد ضاجعوتني طوال تسعة ايام ‪..‬‬
‫لم استطع أن اقول شيئا ً ‪ ..‬بل لقد خيل إلي أتنها قالت ‪ " :‬لقد كنت‬
‫اصلي طوال تسعة ايام " ‪ ..‬شعرت أن الكلمة التي يمكن أن‬
‫ألواسيها بها شيء حقير ‪ ..‬ل قرار لحقارتها أبدا ً ‪ ..‬لواتنتشلت‬
‫الموقف بكلمة أخرى ‪:‬‬
‫‪ -‬يحسن بك أن تتركني ‪ ..‬اتنا امرأة مهترئة ‪..‬‬
‫***‬
‫كان القطار قد لوصل إلى محطة تقع في ةثلث الطريق ‪ ..‬لوبدأ يئز‬
‫أزيزا ً مزعجا ً كي يقف ‪ ..‬صحت اليراتنية الحسناء لوبدأت تتزين من‬
‫جديد ‪ ،‬ما زال العجوزتنائما ً ‪ ،‬لوصديقي يحدق بالطريق لقد مرت‬
‫امامي أشجار صغيرة ‪ ...‬ةثم بدأ رصيف المحطة مضاء باتنوار بادهتة‬
‫ينسحب امام النافذة ‪...‬‬
‫على الرصيف لمحت طفل ً في السابعة من عمره تقريبا ً ‪ ،‬كاتنت‬
‫ملبسه ممزقة ‪ ،‬لولكنها تنظيفة ‪ ..‬كان يعد القاطرات باصبعه لودهي‬
‫تمر من امامه ببطء ‪ .‬كان يعد باللغة العربية ‪..‬‬
‫أشار صديقي إلى الطفل ‪ ...‬لواصغينا سوية إلى صوته الدقيق ‪.‬‬
‫‪ -‬ستة ‪ ..‬سبعة ‪ ..‬ةثماتنية ‪..‬‬
‫دهز صديقي رأسه لوقال باقتضاب ‪:‬‬
‫‪ -‬عربستان ‪...‬‬
‫لوتاسف قليل ً ‪ ،‬ةثم دهبط من القاطرة يبحث عن طعام ‪.‬‬
‫الطفل السمر جميل الطلعة ‪ ..‬كان يبيع أشياء للتسلية ‪ ،‬لولكنه بدا‬
‫أتنه تنسي لوظيفته لودهو يراقب القطار الطويل ‪ ..‬لوكان يبدلو منهكا ً ‪..‬‬
‫استدعيته إلى تنافذتي لوسالته بالعربية ‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تبيع ؟‪..‬‬
‫قال لودهو يتسلق النافذة ‪:‬‬
‫‪ -‬لوأتنا عربي أيضا ً ‪..‬‬
‫‪ -‬ماذا يشتغل لوالدك ؟‬
‫‪ -‬إتنه يبيع الصحف ‪ .‬دهناك ‪..‬‬
‫***‬
‫بدا القطار يخفق من جديد ‪ ...‬الطعام الذ ي أحضره صديقي لي ‪،‬‬
‫اكلته اليراتنية ‪ ،‬لم اكن أرغب في الكل ‪ ...‬كان الكتاب مازال‬
‫مفتوحا ً على الراعية التي يلفها خط يكاد يختفي بالقلم الرصاص ‪.‬‬
‫لوقرأت الراعية من جديد ‪ ،‬لوبصوت عالي جعل اليراتنية تتوقف‬
‫على المضغ ‪:‬‬
‫" آه أيها الحب ‪ ،‬لو استطيع اتنا لوأتنت أن تنتفق مع القدر على تدمير‬
‫دهذا الطابع البائس الوحيد للعالم إلى قطع صغيرة صغيرة ‪ ..‬ةثم‬
‫تنعيد بنالوءه من جديد كما تشتهي قلوبنا ‪" ..‬‬
‫لم أكن قد استحق ليلى ‪ ..‬كاتنت احسن مني بكثير ‪ ،‬كنت جباتنا ً ‪،‬‬
‫اخا‪،‬ف من الموت ‪ ...‬لورفضت ان احمل سلحا ً كي ادافع عن حيفا‬
‫‪ ..‬كنت في رأس الناقورة عندما قالوا ان حيفا سقطت في يد‬
‫اليهود ‪ ،‬لول أدر ي لماذا تذكرت لحظتذاك جملة قالتها ليلى قبل ان‬
‫أغادر حيفا ‪:‬‬
‫‪ -‬إتنني ل استطيع أن أتنس التسعة أيام القاسية ‪ ..‬لولكتي أريد أن‬
‫استمر في ‪ ..‬الدفاع عن حيفا ‪ ..‬اتنا أعر‪،‬ف أتنني قدمت شيئا ً أكثر‬
‫من حياتي ‪ ..‬لولكنني اريد أن اقدم حياتي تنفسها فهذا افضل ‪.‬‬
‫باستطاعتك أن تغادر حيفا ‪ ،‬أن تهرب من حيفا ‪ ..‬لولكنك يوم‬
‫سياتي لبد من ان تصحو ‪ ..‬لوتكتشف ‪ ..‬لوتندم ‪..‬‬
‫ليلى الحزينة ‪ ..‬البائسة ‪ ...‬بقيت في حيفا لورفضت ان تخرج منها‬
‫‪ ..‬لوقالت لجيراتنها عندما اتوا ليجرلودها معهم أتنها فقدت كل شيء‬
‫لول تريد أن تفقد ماضيها الجميل في حيفا الجميلة ‪ ...‬تريد أن يبقى‬
‫لها شيء ل يذدهب ‪...‬‬
‫لقد مضى زمن طويل على اليوم الذ ي خرجت فيه من حيفا ‪..‬‬
‫لواشعر اليوم أتنني لم أكن أستحق ليلى مطلقا ً ‪ ..‬بل لم أكن‬
‫أستحق حيفا تنفسها ‪ ..‬لماذا ادهتمت دهذه التنساتنة النبيلة بإتنسان‬
‫جبان مثلي ؟‪ ..‬لماذا تلحقني دهذه التنساتنة الرائعة طوال ةثماتني‬
‫سنوات ؟ لماذا تلح على رأسي كما تلح صفارة القطار قبل أن‬
‫يدلور حول المنعطف ؟‬
‫***‬
‫صحا العجوز من تنومه الطويل ‪ ..‬لوحدق بعيون ضيقة كاتنها شقوق‬
‫ارض جافة باتنحاء القاطرة ‪ ..‬لوابتسم في لوجهي ةثم دهتف بعربية‬
‫مكسرة لودهو يشير إلى الكتاب الملقي على ركبتي ‪:‬‬
‫‪ -‬عمر الخيام ؟‬
‫دهززت برأسي لوتركته يلتقط الكتاب لويتفرج على صوره ‪..‬‬
‫كان رفاقي يتهموتنني دائما ً باتنني من عشاق الخيالت ‪ .‬لوعندما‬
‫قلت لهم لوأتنا في الكويت أتنني أريد أن أذدهب ليران كي أضع باقة‬
‫لورد على قبر الخيام ‪ ..‬ضحكوا جميعهم لوقالوا ‪:‬‬
‫‪ " -‬إتنه يريد أن يعيش تجربة عنيفة يودهم تنفسه فيها أتنه يحب ! "‬
‫شعرت باتنني اتنسان ل يعيش على أرضه ‪ ،‬لوبدا لي في لحظة أن‬
‫ماضي شيء مخجل في الحقيقة ‪ ..‬ةثماتني صنوات اجتر ذكرى ليلى‬
‫كاتنها إتنساتنة صنعتها فقط لذكردها ‪ ..‬ترادها كاتنت موجودة خقا ً‬
‫إتنساتنة اسمها ليلى ؟ أم أتنني صنعتها ةثم صدقتها ؟‬
‫فتح صديقي تنافذة القاطرة ‪ ..‬فصفع لوجهي دهواء بارد ‪ ،‬لوشعرت‬
‫باللحظة تنفسها ان ليلى ل يهمها مطلقا ً أن أضع باقة لورد سخيفة‬
‫على قبر عمر الخيام ‪ ..‬كي الودهم تنفسي باتنني ضحية حب عنيف ‪..‬‬
‫لماذا أصر على الحتفاظ بكتاب الخيام ؟ إن أحدا ً ل يعر‪،‬ف الحقيقة‬
‫‪ ..‬تراتني أريد من الكتاب أن يودهم الخرين بأتنني مازلت مرتبطا ً‬
‫بحيفا ؟‬
‫أعاد العجوز كتاب عمر الخيام شاكرا ً ‪ ،‬لوحينما سقط الكتاب على‬
‫ركبتي اتنفتحت صفحاته على الرباعية المحاطة بالخط البادهت لقلم‬
‫رصاص قديم ‪..‬‬
‫" لم تستطع ليلى ان تغيرتني ‪ " ..‬شعرت دهذا بوضوح الن ‪..‬‬
‫اتنسان ل فائدة منه ‪ .‬دهذا كل شيء ‪ ...‬باقة لورد على ضريح اتنسان‬
‫ميت ‪ ..‬شيء يذدهب ‪ ،‬لقد قالت لهم أتنها تريد أن يبقى لها شيء ل‬
‫يذدهب ‪..‬‬
‫أزت العجلت لودهي تدلور حول منعطف لواسع ‪ ،‬لوصفر القطار ‪..‬‬
‫ةثمة مقبرة في الفق ‪ ،‬لوشوادهد القبور البيضاء مغرلوسة في التراب‬
‫كالقدر ‪ ..‬باردة ‪ ،‬قاسية ‪ ،‬لول تذبل ‪ ..‬ترى دهل يوجد فوق قبردها‬
‫رخامة ؟‬
‫دمشق ‪1958‬‬

‫منتصف آيار‬

‫عزيز ي ابرادهيم‬
‫لست أدر ي لمن سو‪،‬ف أرسل دهذه الرسالة ‪ .‬لقد كان عهد ي لك‬
‫ان أحمل إلى قبرك في كل منتصف آيار بعض ازدهار الحنون ‪،‬‬
‫فأتنثردها فوقه ‪ ..‬لودها قد لوصل منتصف آيار دلون أن أجد لولو زدهرة‬
‫حنون لواحدة‪ ..‬لولو لوجدتها‪ ..‬فكيف لي أن أصل إلى قبرك كي‬
‫أعطيكها ؟ ‪ ..‬لقد مضت اةثنتا عشرة سنة‪ ..‬لوأعتقد أتنك بعدت كثيرا ً‬
‫عن كل شيء‪ ..‬فكما أتنت تغور إلى أعماق الرض لوتتفتت‪ ،‬فأتنت‬
‫أيضا ً تغور في ذاكرتنا‪ ،‬لوتتلشى ملمحك‪ ،‬حتى ملمحك‪ ،‬لم أعد‬
‫أذكردها جيدًا‪ ..‬أما صوتك فلست أعر‪،‬ف كيف كان ‪ ..‬عيوتنك ‪ ،‬لم‬
‫أعد أذكر كيف كان بريقها ‪ ..‬لويصعب علي كثيرا ً أن أتصور‬
‫حركتك‪ ..‬كل الذ ي بقي منك في ذدهني ‪ .‬جسد جامد ‪ ..‬كفاه فوق‬
‫صدره ‪ ..‬لوخيط رفيع من الدم يصل بين شفتيه لوأذتنه ‪ ،‬لوأذكر _‬
‫بوضوح دهنا _ كيف حملوك لوألقوك في الحفرة بملبسك كلها ‪ ..‬ةثم‬
‫أدهالوا التراب‪ ،‬بينما مزق صمود رفاقك صوت تنحيب مجرلوح أخذ‬
‫يعلو خلفنا شيئا ً فشيئًا‪ ،‬ةثم يصمت‪...‬‬
‫لوالسؤال الن دهو‪ :‬لماذا اكتب لك ؟‪ ..‬ألم يكن الجدر بي ‪ ،‬لوقد‬
‫فشلت في حمل أزدهار الحنون الى قبرك ‪ ..‬أن استمر في الصمت‬
‫الذ ي بدأ منذ اةثنى عشرة سنة ؟ يبدلو أتنه من المستحيل ان استمر‬
‫في صمتي ‪ ...‬ان منتصف آيار يضغط على صدر ي لوكأتنه قدر‬
‫مجنون ‪ ،‬اخطأ ذات مرة ‪ ..‬فقتلك بدل أن يقتلني‪..‬‬
‫إن خيوط القصة بدأت تنحل في رأسي ‪ ..‬لواخشى أن أتنسادها ‪..‬‬
‫دهل تصدق ؟‪ .‬إتني _ حقا ً _ اخشى ان أتنسادها ! لوربما تنسيتها أتنت ‪..‬‬
‫فما الذ ي يعني منها الن ؟‪ ...‬لولكني أريد أن اساعدك ‪ ،‬لوأساعد‬
‫تنفسي في تنسج خيوطها من جديد ‪.‬‬
‫معظم القصص ليس لها بداية ‪ ..‬لولكن الغريب ان قصتنا معا ً لها‬
‫بداية لواضحة ‪ ..‬بل أكاد أقسم أن بدايتها من الوضوح بحيث‬
‫تستطيع أن تعتبردها فصل ً مستقل ً عن جريان بقية أحدا ث حياتنا ‪..‬‬
‫كان الوقت بعيد العصر بقليل‪ ،‬لوقد لوقفنا _ اتنت لوأتنا _ إلى جاتنب‬
‫الحجر الكبير الذ ي كان يشكل مقعدا ً أمام بيت جدك‪ ...‬كنا بدأتنا‬
‫التعلم على استعمال السلحة ‪ ..‬لوحتى تلك اللحظة ‪ ،‬كاتنت أدهدافنا‬
‫علب الطعمة المحفوظة الفارغة ‪ ..‬لوصفائح الزيت العتيقة ‪ .‬لوإذا‬
‫لم تني ذاكرتي استطيع أن أقول أتننا استعملنا " ضوء الكاز "‬
‫كهد‪،‬ف لرصاصنا مرتين ألو ةثلةثة ‪.‬‬
‫كان الوقت عصرا ً ‪ ..‬تنعم ‪ ،‬سو‪،‬ف اؤكد على دهذا مرة اخرى لن‬
‫الصورة ل يمكن أن تكتمل عناصردها إل إذا دخل إليها ضوء العصر ‪..‬‬
‫لقد لوقفنا إلى جاتنب الحجر الكبير ‪ ،‬ةثم سمعت صوتك ‪:‬‬
‫‪ -‬ألست تريد التنتقام ؟‬
‫لوتبعت سؤالك سلسلة من الضحكات القصيرة قبل أن أسأل‬
‫بدلور ي ‪:‬‬
‫‪ " -‬مم " ؟‬
‫لورفعت اصبعك تجاه الحائط المقابل ‪ ..‬لوأشرت إلى شيء ما ةثم‬
‫قلت لوالضحكة ما زالت تمسح كلماتك ‪:‬‬
‫‪ -‬من القط الذ ي سرق زلوج حمام من البرج ‪..‬‬
‫لوضحكت اتنا الخر ‪ ..‬لوتذكرت كيف استطاع دهذا القط الملعون أن‬
‫يصل إلى برج الحمام في الحديقة في ليلتين متتاليتين لويسرق منه‬
‫زلوجا ً من أجود الحمام الذ ي يحرص جد ي‪ ،‬لوتنحن‪ ،‬على‬
‫تربيته‪..‬لوقبل أن اصل إلى قرار سمعتك مرة اخرى‪..‬‬
‫‪ -‬سو‪،‬ف أقتله أتنا إذا خاتنتك شجاعتك ‪..‬‬
‫لورفعت بندقيتك إلى كتفك ‪ ..‬لواطلقتها ‪ ،‬لومن خلل الدخان ذ ي‬
‫الرائحة الغريبة ‪ ،‬شادهدتنا القط المسكين يقفز مذعورا ً إلى الوراء‬
‫‪ ..‬ةثم يطلق ساقيه للريح إلى سور الحديقة المجالورة‪ ،‬لويقف فوقه‬
‫متحفزا ً يحدق بعين مددهوشة إلى حيث خدشت الرصاصة جزءا ً‬
‫من الحائط العتيق‪ ..‬لست ادر ي أ ي شيطان جعلني أدهتف‪:‬‬
‫‪ -‬أخطأته ‪ ..‬سو‪،‬ف أجرب حظي ‪..‬‬
‫إتنني أذكر كيف صوبت إلى رأسه‪ ..‬لوحينما رأيته مقعيا ً على الصور‬
‫من خلل اتنفراج علمة التصويب في مقدمة بندقيتي‪ ،‬شعرت‬
‫برجفة‪ ..‬لواضطرب التصويب لفترة‪ ..‬كاتنت عيوتنه تحدق _ ماتزال‬
‫_ حواليه بجزع لوددهشة‪ ..‬بينما أخذ ذيله يضرب الرض باتنتظام‪،‬‬
‫لوأذتناه تنتصبان لوتميلن بحثا ً عن الخطر‪ ..‬لوفي لحظة ةثاتنية رايته‬
‫في منتصف علمة التصويب‪ ..‬فضغطت الزتناد ‪ ..‬لقد لطمته‬
‫الرصاصة في لوجهه ‪ ..‬فاتنقلب لوتشنجت أرجله في الهواء تتحرك‬
‫راجفة ‪ ..‬ةثم دهوى إلى جنبه لواخذ الدم يتدفق ‪..‬‬
‫لوقدتني إليه‪ ،‬لوقلبته بمقدمة سلحك‪ ..‬لودهتفت ‪..‬‬
‫‪ -‬إصابة رائعة ‪ ..‬في منتصف رأسه ‪ ..‬لقد قطعت سلسلة أفكاره ‪..‬‬

‫لولكني كنت قد بدأت اتقيأ‪ ..‬ةثم لزمت الفراش أكثر من أسبوعين‬


‫‪..‬‬
‫حينما زرتني اتنت بعد فترة ‪ ..‬سألتني ضاحكا ً‬
‫‪ -‬ماذا ؟ القط المنقط اللص ‪ ..‬يجعلك تذلو ي دهكذا ؟ ‪ .‬شيء‬
‫مضحك ! ‪ .‬ألم تعد تنفسك لخوض معارك تقتل فيها رجال ً ل قططا ً‬
‫؟‬
‫شعرت بالعار ‪ ..‬لست أدر ي كيف تكوتنت الكذبة تلك الساعة ‪.‬‬
‫‪ -‬القطط ؟ اتنت مجنون ‪ ..‬لقد كنت أقتل قططا ً بالحجارة لواتنا‬
‫طفل ؟‪ ..‬كل ما دهنالك أن كتف البندقية اتنزلق بعد الطلق ‪،‬‬
‫فلمس حلقي ‪ ..‬لودهذا دهو السبب الذ ي جعلني أتقيأ‪ .‬ةثم إتني كنت‬
‫مريضا ً من قبل‪..‬‬
‫دهل اتنطلت عليك الكدبة ؟ لست ادر ي إلى الن ‪ ..‬لولكن الذ ي‬
‫طماتنني يومها ‪ ،‬أتنك عدت إلي في المساء ‪ ..‬لودهمست في أذتني أن‬
‫أعد تنفسي لهجوم ما ‪ ..‬خلل يومين‪..‬‬
‫لوفي السيارة التي حملتنا إلى المستعمرة المجالورة ‪ ..‬كنت تغني‬
‫كالعادة ‪ ..‬بينما ما أزال أعاتني من لوطأة الحاد ث ‪ ..‬لولكزتني فجأة‬
‫ملفتا ً تنظر ي إلى الحقل لوقد بدأ آيار يعطيها لون حياة جديدة‪:‬‬
‫‪ -‬دهذا الحنون ‪ ..‬لقد كنا تنفتش داخله عن حشرات ملوتنة لطيفة‪..‬‬
‫لوكنا تنقطع ألف زدهرة حنون حمراء كي تنجد حشرة لواحدة ‪ ..‬يا‬
‫سلم ‪ ..‬سو‪،‬ف ‪ ..‬أكون سعيدا ً لو عادهدتني على أن تحمل إلى‬
‫قبر ي في كل آيار باقة حنون ‪ ..‬اتعادهدتني ؟‪..‬‬
‫‪ -‬أتنت سخيف‪ .‬لولكن إذا كان عهد ي سو‪،‬ف يسكتك فأتنني أعادهدك‬
‫‪..‬‬
‫ماتت الضحكة على شفتي‪ ،‬لوضممت بندقيتك إلى صدرك‪ ،‬لوقلت‬
‫بصوت لواه‪ ،‬لكنه عميق‪:‬‬
‫‪ -‬شكرا ً ‪...‬‬
‫لقد تنزلنا‪ ،‬عند الظهر‪ ،‬في حقول المستعمرة‪ ..‬كاتنت الخطة جريئة‬
‫لولكنها ممكنة ‪ ..‬إحتلل البيوت المتطرفة من المستعمرة ةثم‬
‫تنسفها‪ ..‬لوالعودة إلى بلدتنا من جديد ‪...‬‬
‫لولكن الذ ي حد ث كان غير ذلك ‪ ..‬لقد فاجأتنا اليهود في حقولهم‪،‬‬
‫لوتنشبت معركة ضارية‪ ..‬كنت إلى جاتنبك ‪ ..‬لوكنت اطلق تنيران‬
‫سلحي كيفما اتفق ‪ ،‬فلسنا تنرى احدا ً تنصوب عليه ‪ ..‬لوكنا – خلل‬
‫ذلك – تنستمر في الزحف بين الشواك لوالزرع ‪ ..‬دهل كنت خائفا ً‬
‫يومها ؟ لست أذكر الن ‪ ..‬لولكن ذلك اليهود ي الذ ي اتنتصب امامنا‬
‫لواقفا ً حين فجأة‪ ،‬شل تفكير ي‪ ..‬كان يحمل قنبلة يدلوية ألقادها‬
‫فوقنا ‪ ..‬لوسمعت صوتك لوالدخان يكاد يعمينا ‪:‬‬
‫‪ -‬أقتله ‪ ..‬لقد علق رصاص مشطي ‪...‬‬
‫‪ -‬لواتنجلى الدخان ‪ ..‬كان ما يزال لواقفا ً يحمل قنبلة ةثاتنية لويفتش‬
‫بين الزرع عنا ‪ ..‬لورايته من خلل علمة التوصيب يقف دهناك ‪..‬‬
‫بعيون مذعورة ‪ ..‬مرت لحظات دلون أن يستطيع أصبعي شد الزتناد‬
‫‪ ..‬كنت أرتجف ‪ ..‬لوبقي الهد‪،‬ف لواقفا ً في منطقة تصويبي ‪ ..‬كنت‬
‫اشادهده من خلل اداة التصويب ‪ ..‬لومن خلل دهذه الداة ‪ ،‬شادهدته‬
‫يكتشفك ‪ ..‬لويلقي فوقك بقنبلته الثاتنية لويولي الدبار ‪..‬‬
‫لودهكذا أرجعناك إلى بلدتنا حيث دفنوك بكامل ملبسك كما يجب ان‬
‫يدفن الشهداء ‪ ..‬لوكاتنت امك تبكي خلف رفاقك ‪ ...‬بينما أخذت أتنا‬
‫– في غمرة عار ي – ازرع التراب الند ي باقة حنون جمعنادها في‬
‫طريق عودتنا ‪.‬‬
‫لقد مر اةثنا عشر عاما ً على ذلك اليوم ‪ ...‬لواتنا ملحق من عار ي ‪..‬‬
‫كل آيار يثقل صدر ي ككابوس ل يرحم ‪..‬‬
‫لوالسؤال الذ ي يجأر في راسي ‪ ..‬دهو‪ :‬لماذا أذكرك الن‪ ..‬لوأكتب‬
‫لك ‪ ..‬أما كان الجدر بي أن استمر في صمتي ؟؟‬
‫كل ‪ ..‬أتني ل أستطيع ‪ ..‬اليام تمر ‪ ..‬لواتنت تغور في الرمل ‪..‬‬
‫لوأخشى أن أتنساك‪ ..‬إتني ل أريد أن اتنسى ‪ ،‬رغم كل العذاب الذ ي‬
‫يحمله التذكر ‪ ..‬فقد يستطيع دهذا العذاب أن يجعلني أحس يوما ً‬
‫بمدى ما دهو ضرلور ي أن اعود إلى قبرك ‪ ..‬فأتنثر فوقه بعض أزدهار‬
‫الحنون ‪..‬‬
‫لست أعر‪،‬ف مبلغ تطور ي الن ‪ ..‬دهل أستطيع أن أقتل يهوديا ً دلون‬
‫أن أرتجف ؟ لقد كبرت ‪ ..‬لوجعلتني الخيمة أشد خشوتنة ‪ ..‬لولكن‬
‫كل دهذا ل يعطيني يقينا ً ‪..‬‬
‫يقيني الوحيد ‪ ..‬دهو اتني أشعر بالعار ملتصقا ً بي حتى عظمي ‪ ..‬دهل‬
‫يكفي دهذا ؟؟ اعتقد أتنه يكفي ‪ ..‬فالقط الذ ي قتلته لم يفعل سوى‬
‫أتنه سرق زلوج حمام يأكله‪ ..‬لوكان السبب دهو جوعه حتمًا‪ ...‬اما‬
‫الن فأتنا بازاء جوع آل‪،‬ف من الرجال لوالنساء ‪ ..‬أقف معهم ألواجه‬
‫لصا ً سرق منا كل شيء ‪..‬‬
‫أيكون دهذا دهو السبب الذ ي جعلني اتنفك عن صمتي ‪ ..‬كي أزيد‬
‫التصاقي بك ؟‪ ..‬سو‪،‬ف تغفر لي اعترافي ‪ ..‬لقد اكتشفت اتنا – كما‬
‫يجب أن تكون اكتشفت اتنت منذ بعيد – كم دهو ضرلور ي أن يموت‬
‫بعض الناس ‪ ..‬من اجل أن يعيش البعض الخر ‪ ..‬اتنها حكمة قديمة‬
‫‪ ..‬ادهم ما فيها الن ‪ ..‬أتنني اعيشها ‪.‬‬

‫الكويت ‪1960‬‬

‫في جنازتي‬
‫أيتها الغالية‪...‬‬
‫ي أن اكتب لك‪..‬كل‬
‫لو أردت الحقيقة فأتنا ل اعر‪،‬ف ماذا يتعين عل ّ‬
‫الكلمات التي يمكن أن يخفقها قلم مشتاق كتبتها لك عندما كنت‬
‫دهناك‪ ,‬أما الن‪..‬فل شيء أستطيع أن ل أكرره على مسمعك‪ ..‬ماذا‬
‫أقول لك؟ أأقول كما يقول أ ي إتنسان سو ي بان حبك يجر ي دهادرا ً‬
‫في دمي كطوفان ل يلجم؟ كنت أستطيع أن أقول لك ذلك لو كان‬
‫دهذا الذ ي يجر ي في شراييني شيئا ذا قيمة‪ ..‬لولكنني في الحقيقة‬
‫ي ل قيمة له على الطلق‪:‬‬
‫إتنسان مريض‪ ..‬فالدم الذ ي يحترق ف ّ‬
‫فهو دم يليق بإتنسان عجوز‪ ,‬تنصف ميت‪ ,‬تنصف ساكن‪ ,‬ليس في‬
‫صدره سوى صناديق الماضي المقفلة‪ ,‬أما مستقبله فمجرد شمعة‬
‫تضيء آخر لهبها كي تنطفئ‪ ,‬كي ينتهي كل شيء‪..‬‬
‫كنت اعتقد‪ ,‬أيتها الغالية‪ ,‬أن اليام حين تمر سو‪،‬ف تبلسم قليل من‬
‫الجرح‪ ..‬لولكن يبدلو لي الن أتنني اشتد تهالويا كشيء افرغ من‬
‫تماسكه على حين فجأة فهو ل يعر‪،‬ف ماذا يقيمه‪ .‬أن كل يوم يحفر‬
‫في صمود ي صدعا ل يعوض‪.‬لوكل لحظة تصفع لوجهي بحقيقة أمر‬
‫من حقيقة‪ ..‬اليوم صباحا صعدت الدرج راكضا لوحين أشرفت‬
‫تنهايته أحسست بقلبي ينشد على ضلوعي لويتوتر حتى ليكاد‬
‫ينقطع‪..‬أ ي شباب دهذا؟ أ ي قيمة تبقى يا عزيزة؟ آية قيمة؟ لماذا‬
‫أسير اكثر إلى المام؟ أ ي شيء يلوح كالشبح في ظلمة سواددها‬
‫أقتم من ضمير طاغية؟ أ ي شيء أفدته من حياتي كلها‪..‬تنعم ؟ أ ي‬
‫شيء؟‬
‫لولكنني كنت أعيش من اجل غد ل خو‪،‬ف فيه‪..‬لوكنت أجوع من اجل‬
‫أن اشبع ذات يوم‪ ..‬لوكنت أريد أن اصل إلى دهذا الغد‪..‬لم يكن‬
‫لحياتي يوم ذاك أية قيمة سوى ما يعطيها المل العميق الخضر‬
‫بان السماء ل يمكن أن تكون قاسية إلى ل حدلود‪ ..‬لوبان دهذا‬
‫الطفل‪ ,‬الذ ي تكسرت على شفتيه ابتسامة الطمأتنينة‪ ,‬سو‪،‬ف‬
‫يمضي حياته دهكذا‪ ,‬ممزقا ً كغيوم تشرين‪ ,‬رماديا كألودية مترعة‬
‫بالضباب‪ ,‬ضائعا كشمس جاءت تشرق فلم تجد افقها‪..‬‬
‫لولكن السماء‪ ,‬لوالرض‪ ,‬لوكل شيء‪ ,‬كاتنوا على شكل مغاير لمال‬
‫صغيرة‪ ...‬لقد مضت قاسية بطيئة‪ ..‬لوحين كبر تسلمته عائلته كي‬
‫يعطيها اللقمة التي أعطته يوم لم يكن يستطيع أن ينتزعها‬
‫بنفسه‪ ..‬المسؤلولية شيء جميل‪ ...‬لولكن الرجل الذ ي يواجه‬
‫مسؤلولية ل يقدر على احتمالها تسلب رجولته شيئا فشيئا تحت‬
‫ضغط الطلب‪...‬كل شيء في العالم كان يقف في لوجهه‪...‬كل‬
‫إتنسان كان يصفعه‪ ,‬لوكل يوم يمر كان يبصق في لوجهه شعورا مرا‬
‫حاد المرارة بالتقصير‪.‬‬
‫لورغم ذلك‪ ...‬كنت أقول لذات تنفسي "اصبر‪ ،‬يا لولد‪ ،‬أتنت ما زالت‬
‫على أعتاب عمرك‪ ،‬لوغدًا‪ ،‬لوبعد غد‪ ،‬سو‪،‬ف تشرق شمس جديدة‪,‬‬
‫الست تناضل الن من اجل ذلك المستقبل؟ سو‪،‬ف تفخر بأتنك أتنت‬
‫الذ ي صنعته بأظافرك‪ ,‬منذ اسه اللول‪...‬إلى الخر" لوكان دهذا‬
‫المل يبرر لي ألم يومي؛ لوكنت أحدق إلى المام أدلوس على‬
‫أشواك درب جا‪،‬ف كأتنه طريق ضيق في مقبرة‪...‬‬
‫ةثم حد ث شيء جميل‪ ,‬لقد اتنشقت الغيوم المتكومة عن ضوء بعيد‪,‬‬
‫تحررت قليل من ضغط الحاجة‪ ..‬ةثم‪ ..‬ةثم تعرفت إليك‪..‬أتذكرين؟‬
‫لقد جمعتنا حفلة صغيرة‪ ,‬لوحين التقت عيوتني بعيوتنك أحسست‬
‫بمعول ينقض في صدر ي فيهدم كل المرارة التي اجترعتها طوال‬
‫طفولتي‪ ...‬كان شعرك في أرلوع فوضى‪ ,‬لوكاتنت عيوتنك مؤطرة‬
‫بسواد آسر‪ ...‬لقد لوجدت تنفسي أحدق إليك دلون لوعي لوكتبت أتنت‬
‫عن دهذه اللحظة في مذكراتك ـ التي قرأتها فيما بعد ـاتنك‬
‫استلطفت دهذا البحار الذ ي يحدق كأتنما يوشك أن يرمي مرساته‬
‫في ميناء‪...‬‬
‫لومرة بعد مرة كنت أراك فأرى تنفسي اشد التصاقا بنفسي‪ ...‬كنت‬
‫اقف أمامك كطفل يفصله عن لعبته زجاج لواجهة ملوتنة فحسب‪..‬‬
‫لوترتجف الكلمات المودهنة في حلقي ةثم تتساقط لواحدة تلو‬
‫الخرى إلى صدر ي فاسمع لها خفقا عنيفا يهز أضلعي‪ ...‬لوعرفتك‬
‫اكثر فاكثر‪ ...‬لوكتبت في مذكراتك عن تلك اليام‪..‬‬
‫” إتنني اتنتظر أن اعرفه اكثر فاكثر‪ "...‬لوكنت أتنا ل أقوى‪ ,‬بعد‪ ,‬على‬
‫كتابة أيما شيء عنك‪...‬‬
‫ةثم‪ ...‬آه أيتها العزيزة‪ ,‬لقد أحببتك بكل القوى التي تحتويها ضلوع‬
‫إتنسان يبحث عن استقرار‪ ..‬بكل خفقان القلب الذ ي تعذب طوال‬
‫عمره‪ ...‬بكل صلبة الضلع التي جاعت‪ ,‬لوتشردت لوتألمت‪ ...‬من‬
‫اجل دهذه اللحظة‪ ...‬كنت المنارة التي أشرقت على حين غرة أمام‬
‫الزلورق التائه‪ ...‬لوتنشبت بهذا اليجاد بكل ما في زتنود ي من توق‬
‫إلى الطمأتنينة‪...‬‬
‫لوكتبت لي‪ ,‬يوم ذاك‪ ,‬تقولين‪" :‬لماذا أتنا اشتاق إليك كل دهذا‬
‫الشوق‪ ,‬إذا كاتنت أتنا تعنينا تنحن الةثنين‪..‬كما اتفقنا؟"لوكنت أتنا أضم‬
‫أملى بعنف يليق به‪ .‬لوكنت أريدك‪ ..‬أريدك‪..‬بكل ما في الكلمة من‬
‫طلب‪ ..‬لودا لي أن الحياة قد ابتسمت أخيرا لوان القلعة الجهمة من‬
‫اللم‪ ,‬القلعة التي ارتفعت حجرا مرا فوق حجر مر في لوجود ي‪..‬‬
‫دهذه القلعة اطل من فوقها الن على كل دهذه السعادة‪ ..‬لوأعطاتني‬
‫دهذا التصوير رضى كا‪،‬ف‪..‬‬
‫لوغبت عنك بعيدا حيث اقتلع لقم عيشي اقتلعا‪ ..‬لودهناك‪ ,‬في ذلك‬
‫البلد البعيد الذ ي يحتو ي على كل شيء لوليس فيه أ ي شيء‪ ..‬البلد‬
‫الذ ي يعطيك كل شيء لويضن عليك بكل شيء لوفي ذلك البلد‬
‫البعيد الذ ي يتلون افقه في كل غرلوب بحرمان ممض‪ ,‬لوالذ ي‬
‫يشرق صباحه بقلق ل يرحم‪..‬دهناك‪ ,‬كنت أعيش على أمل أن‬
‫أستطيع‪ ,‬في يوم يأتيان أضع حدا لكل شيء‪ ..‬لوان أبدا معك من‬
‫جديد منذ البدء‪ ..‬لولكن القدر كان ل يريد للشراع أن يندفع في ريح‬
‫طموح لوحينما جأرت عيون الطبيب تدب إلى خبر الرعب الذ ي‬
‫يجر ي في عرلوقي‪ ,‬أحسست بالقلوع كلها تتهالوى في أعماقي‪,‬‬
‫لوسمعت قرقعة التهالو ي تدلو ي في أذتني‪ ,‬لويدلور عالمي بي حتى‬
‫يغشى عيوتني بضباب ساخن‪ ..‬لوعيون الطبيب إتمامي تكفن‬
‫مستقبلي‪ ,‬لوعرلوق جبهته العريضة تقدم تفاصيل عذاب متصل‬
‫تناشف‪.‬‬
‫لوحين عادت بي أعصابي‪ ,‬سمعت كلمات جوفاء يقيؤدها الطبيب بل‬
‫أعماق‪ ,‬كلمات عن المل‪ ,‬عن الشجاعة‪ ,‬عن العلم‪ ,‬عن‬
‫الشباب‪...‬كلمات فقدت بكل معاتنيها‪ ,‬أصبحت حرلوفها مجرد ديدان‬
‫صغيرة تلتف حول تنفسها بل مبرر‪ ...‬ما دهي الشجاعة التي يطالبني‬
‫بها الطبيب؟ أن ألواجه مستقبلت أتنا اعر‪،‬ف اتنه مشوب بالحرمان‬
‫لوالتعاسة؟ أم أن استسلم لهذا المستقبل بالقدرية التي تليق‬
‫بعجوز باع حياته كي يشتر ي أخرته كتاجر بل رأسمال؟ ما دهو المل‬
‫لوأتنا على يقين بان ل شيء يلوح في الفق‪ ...‬أ ي شباب؟ تنعم أ ي‬
‫شباب دهذا الذ ي لم يومض قط‪ ...‬الذ ي لم يعش قط‪..‬أ ي شباب؟‬
‫كم تافهة قيمة الكلمات التي يردددها الطبيب لمجرد أن كتب الطب‬
‫قالت ذلك‪.‬‬
‫لولكن الصفعة القوى أتت حينما دهبطت الدرج عائدا من عيادة‬
‫الطبيب‪ ,‬لقد تذكرتك‪ ...‬لوفي اللحظة التي لومض فيها لوجهك الحي‬
‫في عيني‪ ,‬لومضت في صدر ي صاعقة يأس سوداء‪...‬‬
‫دهل تقبل دهذه التنساتنة رجل مريضا؟ كي تنجب منه أبناء مرضى؟‬
‫دهل تقبل أن تكون ممرضة؟ أن تعيش مع شاب تنصف ميت؟‬
‫لوكاتنت اليام التي أتت ذات قسالوة أعمق‪ ..‬لقد فشلت أن أكون‬
‫بطل‪ ,‬ألو شجاعا‪ ,‬كما أرادتني الطبيب‪ ,‬لوأحسست بان الشياء‬
‫الصغيرة التي كاتنت تمل حياتي بالتفاصيل قد فقدت أدهميتها‬
‫بالنسبة لي‪ ,‬لوان اليام التي سو‪،‬ف تأتي ل تحمل في جواتنحها أ ي‬
‫خفقة جديدة لهذا القلب المسكين‪ ...‬لقد فشلت في أن امثل دلور‬
‫البطل‪ ...‬لوكان كل شيء في الحياة يتحداتني لويمتص صمود ي‬
‫لويشمخ أمام ضعفي كسد دهائل من اليأس‪...‬‬
‫أتنني امشي في جنازتي رغم اتنفي‪ ...‬كل العظات الجوفاء التي‬
‫علمتها في السنوات الماضية تبدلو لي الن فقاعات صابون سخيفة‬
‫شديدة السخافة‪ ,‬أن المرء يكون شجاعا ً طالما دهو ليس في حاجة‬
‫أ ي الشجاعة‪ ...‬لولكنه يتهالوى حينما تصبح القضية قضية‬
‫حقيقية‪...‬حينما يصبح عليه أن يفهم الشجاعة بمعنى‬
‫الستسلم‪..‬بمعنى أن يلقي جاتنبا كل ما دهو إتنساتني لويكتفي‬
‫بالتفرج‪ ,‬ل بالممارسة‪...‬‬
‫لوكنت أتنت‪ ,‬في كل طريقي إلى غرفتي‪ ,‬عذابي لودلوار ي‪ ...‬لوكنت‬
‫أحس بك تتسربين من بين ضلوعي‪ ,‬من بين أصابعي‪ ,‬لوإتنني أعض‬
‫عبثا على أمل ل يريد أن يبقى معي‪ ...‬لوكاتنت جملتك تدلو ي في‬
‫رأسي‪ ,‬جملتك التي كتبتها لي ذات يوم‪":‬لو تبدلت أفكارك‬
‫سأتركك‪ ...‬المهم سو‪،‬ف يكون فراق‪ ...‬أتفهم أتنت معنى دهذا‬
‫الرعب ؟؟ " لم يتبدل رأسي‪ ,‬أيتها العزيزة‪ ,‬لقد تبدل دمي‪ ,‬تبدل‬
‫كل شيء‪ ...‬لوأخا‪،‬ف أن اقف أمام عيوتنك‪ ,‬استجد ي حبك استجداء‬
‫إتنسان فقد أشياءه العزيزة‪ ..‬أخا‪،‬ف ـ بكل ما في دهذه الكلمة من‬
‫جبن ـ أن أتطلع إلى عيوتنك فأرى معنى من معاتني الرفض مغلفا‬
‫بالشفقة‪ ..‬سو‪،‬ف أحس بأن قدمي اتنزلقتا فوق الصخر الذ ي‬
‫أمضيت عمر ي أتسلقه بكل قوا ي‪ ..‬لوسو‪،‬ف لن يقدر الواد ي‪ ،‬قط‪،‬‬
‫أن يعيد لي لولو شيئا من الرغبة في الستمرار‪ .‬أتعرفين معنى أن‬
‫يفقد التنسان كل شيء في مدى لحظات عودته إلى داره ؟‬
‫أتعرفين معنى أن يكتشف شاب بأن حياته القاسية الجافة لم تكن‬
‫إل عبثا ً محضا ً في لحظات قصار ؟ ةثم ‪ ،‬أتفهمين معنى أن يقوم‬
‫حب ما على أعمدة من الشفقة فحسب ؟‬
‫لوتنمت تلك الليلة في زلورق جموح يناضل دلوامة بل قرار‪ ..‬لوكان‬
‫رأسي مسرحا ً لهزليات كثيرة تتعاقب دلون رباط‪ ..‬آرائي التي‬
‫كوتنتها أصبحت في حاجة لتنظيف‪ ..‬القيم التي عبدتها يجب أن‬
‫تحطم ‪ ..‬الحلم التي كوتنتها في صدر ي لم يعد لي حق امتلكها‪،‬‬
‫لوكل شيء في ماضي لوحاضر ي لومستقبلي تغلف بميوعة ذات‬
‫رائحة عفنة‪ ..‬لوبدت لي كل القيم التي لوضعها التنسان المغرلور‬
‫لحياته ليست سوى دهذيان سكران يريد أن ينسى‪..‬‬
‫لوأفكار المريض‪ ،‬حينما تجمح به تصوراته‪ ،‬أفكار مضحكة مبكية‪..‬‬
‫لقد حبست لمدى لحيظات أن اختيار ي من بين آل‪،‬ف الل‪،‬ف من‬
‫البشر لكون مريضا ً الداء الملعون المزمن عملية تقييم فذة‪ ،‬لوان‬
‫دهذا المرض لوسام من طراز تنادر يزين صدر ي من الداخل لوأتنني‬
‫أكاد اسمع رتنينه مع خفقان قلبي‪ ..‬لولكن الحقيقة كاتنت شيئا ً آخر‪..‬‬
‫لوحينما صحوت كاتنت المأساة تمتد أمام بصر ي جهمة‪ ،‬حادة‪،‬‬
‫سوداء‪ ،‬ممتدة في مستقبلي إلى ما ل تنهاية‪ ،‬تعبق بالعجز‬
‫لوالحرمان‪...‬‬
‫لماذا كنت أفكر فيك أتنت بالذات اكثر من أ ي شيء آخر ؟‪ .‬لقد بدا‬
‫لي كل شيء ممكن الحتمال‪ ،‬لولكنك أتنت كنت عذابي الخاص‬
‫الملح‪ ..‬لوكنت أريد‪ ،‬بكل قوا ي‪ ،‬أن احل دهذا اللحاح بصورة من‬
‫الصور‪ ،‬أن أتركك ادهرب‪ ...‬ألو أن التصق بك أكثر فأكثر‪ ..‬لولكن‬
‫الموقف الخائف‪ ،‬الموقف المتردد كان يقض رأسي بل رحمة‪..‬‬
‫لوبعد يوم آخر‪ ،‬لوصلت إلى قرار‪ ..‬أتنني‪ ،‬الن‪ ،‬ل أعر‪،‬ف ما الذ ي‬
‫دفعني إلى ذلك القرار‪ ،‬لقد تنسيت‪ ،‬ألو فلنقل أن الحدا ث التي‬
‫جرت فيما بعد جعلتني أتنسى‪ ..‬لولكن الشيء الذ ي اذكر أتنه كان‬
‫في رأسي حينما قررت قرار ي دهو أتنني يجب أن أكون بطل ً لولو‬
‫مرة لواحدة حقيقية‪ ..‬أن أكون لواحدا ً من ألولئك الذين ترد أسماؤدهم‬
‫في القصص بصفتهم لواجهوا مواقفهم الحادة بشجاعة فائقة‪،‬‬
‫لوصفعوا أقداردهم الخاصة بكل ما في لوسعهم من قسوة‪ ..‬لوقلت‬
‫لنفسي‪ ،‬فيا أتنا سعيد بعض الشيء بأتنني توصلت إلى قرار‪" :‬‬
‫سو‪،‬ف أسكب لها الحقيقة‪ ،‬كل الحقيقة‪ ..‬لولسو‪،‬ف تعرفه دهي أ ي‬
‫عذاب حملته لنفسي حينما قررت أن أتركها تبحث عن طريق آخر‬
‫لحياة سعيدة‪ ،‬دهي تعر‪،‬ف كم احبها‪ ..‬لولو لم تستطع أن تفهم عظم‬
‫تضحيتي الن‪ .‬فلسو‪،‬ف تعرفها في المستقبل‪ ..‬على أ ي حال‪ ..‬أتنا‬
‫ل يهمني أن تعر‪،‬ف ألو أن ل تعر‪،‬ف‪ ..‬كل ما دهنالك‪ ،‬أن ضمير ي‬
‫سو‪،‬ف يرتاح بعض الشيء‪ ،‬لوان حياتي‪ ،‬سو‪،‬ف تكسب شيئا ً من‬
‫الطمأتنينة‪ ،‬لوالقناعة‪"..‬‬
‫أتنت ل تعرفين‪ ،‬يا عزيزتي‪ ،‬كم كلفني دهذا القرار‪ ..‬فلنقل إتنني كنت‬
‫مريضا ً منهارا ً فلم أستطع أن أفهم أ ي عمل أتنا مقدم عليه‪ ..‬فلنقل‬
‫أتنني أردت أن أغوص حتى عنقي في ألوحال التحد ي المغرلور لوأتنني‬
‫أردت لنفسي أن تفقد كل شيء على الطلق طالما دهي فقدت‬
‫أدهم الشياء‪ ..‬فلنقل أتنني أردت أن أمزق كل ما في صدر ي من‬
‫بقايا المال المحتضرة لوأن دهذا التحد ي السخيف كان الطريقة‬
‫الوحيدة التي أستطيع أن أبردهن فيها لنفسي – لولو لقصر مدى‬
‫ممكن – أتنه مازال في توقي أن أتصر‪،‬ف كإتنسان‪ ..‬كأ ي إتنسان‪..‬‬
‫فلنقل أيما شيء‪ ،‬لولكن الشيء الماةثل بإصرار دهو أن قرار ي كان‬
‫تنهائيَا‪ ..‬لوأتنني‪ ،‬طوال الطريق إليك‪ ،‬كنت قابضا ً عليه في صدر ي‬
‫بكل ما في قدرتي‪ ..‬لوان ضلوعي كاتنت تنبض بقسوة‪ ،‬لولكن بل‬
‫جدلوى‪..‬‬
‫ما جرى‪ ،‬بعد‪ ،‬أتنت تعرفينه جيدا ً كيفما يعر‪،‬ف إتنسان ما لوجه عملة‬
‫ما‪ ..‬لولكنه ل يعر‪،‬ف لوجهها الخر على الطلق‪ ..‬لوكنت أتنا ذلك‬
‫الوجه الخر‪ ،‬لقد صارعت في داخلي بكل قوا ي كي أستطيع أن‬
‫أقول لك‪ ،‬ألو ألهث أمامك‪ ،‬قرار ي‪ ..‬لولكن كل شيء كان يرفض أن‬
‫يصل على حلقي‪ ..‬كنت ل اقدر أن أقف كما يقف أ ي بطل‬
‫شكسبير ي ليز‪،‬ف مأساته بجرأة القرلون الماضية‪ ..‬لوكنت ابحث‬
‫جادهدا ً عن تنافذة ادخل منها‪ ..‬عن كلمة أتعلق بها‪ ..‬عن أ ي شيء‬
‫اتكئ عليه‪ ..‬لولكنني أعطيتك في تردد ي فرصة تنادرة لتهدمي مكل‬
‫شيء‪..‬‬
‫لقد كنت أجرأ مني في أن تعترفي بان دهنالك رجل ً أخر‪ ..‬لوبأتنك‬
‫مضطرة لن ترضخي للفرص التي منحها لك‪ ..‬لوالتي لم امنحها‬
‫أتنا‪ ..‬لولكن دهل قلت لي أتنت بأن دهنالك رجل آخر حقيقة ؟ كل‪ ..‬اتنك‬
‫لم تلفظي الكلمات‪ ..‬قلتها بصراحة أقسى من أ ي كلمة لواضحة‪..‬‬
‫لوصفعتني بها قبل أن أجد الكلمة التي أحملها مأساتي‪ ،‬لواشحنها‬
‫بنبأ مرضي الحزين‪ ..‬لقد قلت كل شيء بجرأة تليق بامرأة تريد أن‬
‫تستقر‪ ..‬لوحينما غيبك الباب‪ ،‬غيبتك اليام‪ .‬لوذدهبت إلى حيث ل‬
‫ادر ي‪ ،‬لولكنني أحس‪ ..‬لولقد عذبتك اللحظة‪ ،‬دهذا شيء لواضح‬
‫لولكنك تركت كل شيء معي‪ ،‬بين الجدران العارية‪ ،‬لوذدهبت‪..‬‬
‫بدأت‪ ..‬تنسيت‪ ..‬لولم تسمعي مني ابدأ الكلمات التي زرعتها بكل‬
‫ما تبقى من كرامتي‪ .‬الكلمات التي جمعتها ليلة بعد ليلة من‬
‫لهاةثي‪ ..‬لوشجاعتي‪ ..‬لوخوفي‪ ..‬لوالتي لم يتيسر لي أن أقولها لك‪..‬‬
‫لوكنت أحدق إلى الباب العتيق بعدما أغلقته‪ ..‬كان يخيل إلي أتنني‬
‫مازلت أراك تدقين أرصفة دمشق‪ ،‬لوكنت اسمع خفقات خطواتك‬
‫بكل لوضوح‪ ،‬لولكنني كنت في القاع‪ ..‬في آخر الدلوامة‪ ..‬لقد‬
‫شعرت فورا ً أ ي شيء فقدت‪ ..‬لوفقدته رغم أتنفي‪ ..‬أتنت ل تعرفين‬
‫أتنك أضعت علي فرصتي الخيرة في أن استعيد إتنساتنيتي التي‬
‫امتصها المرض حتى آخردها‪ ..‬أتنت ل تعرفين كم حرمتني من‬
‫لوسيلتي الوحيدة التي كنت أريد أن أقنع تنفسي بأتنني ما زالت‬
‫أستطيع أن أكون شجاعًا‪ ..‬لوبدت لي كل حياتي صدفة فارغة لم‬
‫يكن لها أ ي معنى‪ ..‬لوأن أخطاء العالم كلها تلتقي عند ي‪..‬‬
‫لماذا تسرعت في العترا‪،‬ف ؟ لماذا ؟ لماذا لم تتركي لي فرصتي‬
‫الخاصة في أن أمثل آخر أدلوار ي ؟ ‪ ..‬لولكنك ل تعرفين‪ ..‬لقد حد ث‬
‫كل شيء بسرعة‪ ،‬لوأتنت الن دهناك‪ ،‬في حديقة ما‪ ،‬أن لك كل الحق‬
‫في أن تفعلي‪ ،‬لوفي أن يفعل‪ ،‬لولكن من يستطيع أن يمنعني‪ ،‬أتنا‬
‫الخر‪ ،‬من أن أحقد عليكما‪ ..‬على الجميع‪ ..‬لوعلى تنفسي ؟ من‬
‫يستطيع أن يحرمني من أن أكردهكم جميعًا‪ ..‬لوأتمنى الموت لكم‪..‬‬
‫لولي‪ ..‬لولكل شيء؟القيم لوالمثل ؟ كل‪ ،‬أتنها قيمكم لومثلكم اتنتم‪..‬‬
‫الناس الصحاء السعداء‪ ..‬أما قيمي لومثلي فهي شيء آخر‪ ..‬شيء‬
‫خاص مختلف يتناسب لوأكوام المرارة التي أعيش فوقها‪.‬‬
‫أرأيت ؟ لقد كان الفرق لحظة لواحدة فحسب‪ ..‬لو تأخرت في‬
‫اعترافك‪ ،‬لكان تغير كل شيء‪ .‬لولكن الفرصة قد ضاعت الن‪..‬‬
‫لوابتدأت أتنت تماما ً من حيث اتنتهيت أتنا‪..‬‬

‫دمشق‪1959 -‬‬
‫كعك على الرصيف‬

‫أتكون محض مصادفة غربية إتنني التقيت به‪ ,‬الن‪ ,‬في تنفس‬
‫المكان الذ ي شادهدته فيه ألول مرة؟‬

‫لقد كان مقرفصا دهناك؟ كأتنه لم يزل كذلك حتى اليوم‪ :‬بشعره‬
‫السود الخشن‪ ,‬لوعينيه اللمعتين ببريق رغبة يائسة‪ ,‬منكبا ً على‬
‫صندلوقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ‪..‬لقد استطاعت‬
‫صورته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام لواحد‪ ,‬حينما رأيته في‬
‫تلك الزالوية بالذات‪ ,‬ل لشيء غير عاد ي‪ ,‬سوى أتنني ـ أتنا تنفسي ـ‬
‫كنت احتل دهذه الزالوية قبل عشر سنوات‪ ,‬حينما كاتنت المحنة على‬
‫اشددها‪ ,‬لوكاتنت طريقتي في مسح الحذية تشابه طريقته إلى حد‬
‫بعيد‪ ,‬كان الحذاء بالنسبة لي دهو كل الكون‪:‬رأسه لوكعبه قطبان‬
‫باردان‪ ,‬لوبين دهذه القطبين كاتنت تتلخص دتنيا ي‪.‬‬

‫لوقبل عام‪ ,‬حين مررت به‪ ,‬قاءت شفتاه عرضا آليا دلون أن تنظر‬
‫عيناه إلى الحذاء‪:‬‬
‫ـ أستطيع أن أحوله إلى مرآة‪ ،‬يا سيد ي‪..‬‬
‫لوبدافع من رغبة خاصة‪ ,‬تعوضني عن شهور طويلة من السى‪,‬‬
‫ركزت قدما على حدبة الصندلوق حيث تيسير لي أن أشادهد خطا ً‬
‫عريضا ً من العرق يبلل ظهر قميصه الزرق المتسخ‪ ,‬لوكاتنت‬
‫عضلت كتفه الضامرة الصغيرة تنقبض لوتنبسط‪ ,‬لوكان رأسه يهتز‬
‫باتنتظام‪..‬‬
‫ـ دهذا حذاء رخيص‪..‬‬
‫لم أحس الدهاتنة على الطلق‪ ,‬فلقد كان شعور ي حينما كنت‬
‫أشادهد حذاء رخيصا يشابه شعوره‪ ,‬لكني لم اكن اعبر عنه بهذه‬
‫السذاجة‪ ,‬كان الحذاء الرخيص يشعرتني باقتراب غامض بيني لوبين‬
‫العالم‪ ..‬لورغم ذلك‪ ,‬فلقد رغبت في تغير الحديث‪..‬‬
‫ـ كم عمرك؟‬
‫ـ إحدى عشر سنة‪..‬‬
‫ـ فلسطيني؟‬

‫دهز رأسه فوق الحذاء‪ ,‬دلون أن يجيب‪ ,‬أحسست بأتنه يخفي شعورا‬
‫بخجل صغير‪..‬‬
‫ـ أين تسكن‬
‫ـ في المخيم‬
‫ـ مع أبيك؟‬
‫ـ ل‪ ,‬مع أمي‪..‬‬
‫ـ أتنت طالب أليس كذلك؟‬
‫ـ تنعم‪.‬‬

‫لوتنقر بإبهامه على النعل‪ ,‬ةثم طالعني بعينين صافيتين‪ ,‬باسطا ً كفه‬
‫الصغيرة تجادهي‪ ,‬لوأحسست بخيط رفيع من السى في حنجرتي‪,‬‬
‫لوتنازعي شعوران حادان‪ :‬دهل أعطيه أجرته فحسب؟ أم أزيد‬
‫عليها؟ كنت حينما أعطى اجر ي حسب استحقاقي أحس شر‪،‬ف‬
‫عملي‪ ,‬لولكنني حين كنت ألودهب دهبة ما كنت اقبلها لوشعور بالدهاتنة‬
‫يتراكم فوق سعادتي في أتنني كسبت اكثر‪...‬‬

‫لقد طواتني المنعطف مبتعدا عن تنظراته لودهي تلسع ظهر ي ذلك‬


‫أتنني أعطيته استحقاقه فحسب‪...‬لوحينما تنظرت خلفي كان قد‬
‫صر‪،‬ف تنظره عني لوتابع تحديقه إلى ارض الشارع راغبا في اصطياد‬
‫حذاء آخر‪..‬‬

‫لولكن صلتي "بحميد" لم تنته باتنتهاء دهذا المنظر‪ ..‬فبعد اقل من‬
‫شهر لواحد عينت مدرسا ً في مدارس اللجئين‪ ,‬لوحين دخلت إلى‬
‫الصف للول مرة شادهدته جالسا في المقعد اللول‪ ..‬كان شعره‬
‫السود الخشن اقصر من ذ ي قبل‪ ,‬لوكان قميصه المهترىء مجرد‬
‫محالولة فاشلة لستر عريه‪ ..‬لوكاتنت عيوتنه مازالت تلتمع ببريق‬
‫رغبة يائسة‪..‬‬
‫لقد سرتني اتنه لم يعرفني‪ ,‬لورغم اتنه من الطبيعي أن ينسى ماسح‬
‫الحذية زبائنه العابرين فلقد كنت أخشى من كل قلبي أن‬
‫يتذكرتني‪ ,‬لولو فعل لكان لوجود ي في الصف حرجا ل مهرب منه‪..‬‬
‫لوطوال درسي اللول كنت أحالول عبثا ً أن اتنتزع بصر ي عن لوجهه‬
‫المكتسي بتحفز مشوب بقلق صغير‪..‬لقد كان الصف كله مزيجا ً‬
‫من عدد كبير من أشباه حميد ‪ ,‬صغار ينتظرلون بفارغ الصبر صوت‬
‫الجرس الخير كي يشدلوا أتنفسهم إلى أزقة مترامية في مجادهل‬
‫دمشق الكبيرة يصارعون الغرلوب من اجل أن يكسبوا العشاء‪..‬‬
‫كاتنوا ينتظرلون الجرس بتوق جائع كي يتوزعوا تحت السماء‬
‫الرمادية الباردة‪ ,‬كل منهم يمارس طريقته الخاصة في الحياة‪...‬‬
‫لوكاتنوا يعودلون‪ ,‬إذ يهبط الليل إلى خيامهم ألو إلى بيوت الطين‬
‫حيث تتكدس العائلة صامتة طوال الليل إل من أصوات السعال‬
‫المخنوقة‪ ..‬كنت أحس بأتنني ادرس أطفال اكبر من أعماردهم‪..‬‬
‫اكبر بكثير‪ ,‬كل لواحد منهم كان شررا اتنبعث من احتكاكه القاسي‬
‫بالحياة القاسية‪ ..‬لوكاتنت عيوتنهم جميعهم تنوس في الصف كنوافذ‬
‫صغيرة لعوالم مجهولة‪ ,‬ملوتنة بألوان قاتمة‪ ,‬لوكاتنت شفادههم‬
‫الرقيقة تنطبق بإحكام كأتنها ترفض أن تنفرج خو‪،‬ف أن تنطلق‬
‫شتائم ل حصر لها دلون أن يستطيعوا رددها‪..‬كان الصف إذن عالما‬
‫صغيرا‪ ..‬عالما من بؤس مكوم لكنه بؤس بطل‪..‬‬

‫لوكنت أحس بينهم بشيء من الغربة‪ ..‬لوألورةثني دهذا الحساس رغبة‬


‫جامحة في أن أحالول الوصول إلى قلوبهم قدر استطاعتي‪..‬‬

‫كان حميد طفل ً متوسط الذكاء‪ ,‬لولكنه لم يكن يدرس بالمرة‪..‬‬


‫لوكنت أحالول باتصال أن ادفعه ليدرس لولكن دهذا الدفع لم يكن‬
‫يجد ي‪..‬‬
‫‪-‬حميد‪ ,‬ل تقل لي اتنك تفتح كتابا في بيتك‪ ...‬اتنك ل تدرس على‬
‫الطلق‪..‬‬
‫‪-‬تنعم يا أستاذ‬
‫‪-‬لماذا ل تدرس ؟‬
‫‪-‬لتنني أشتغل‪..‬‬
‫‪-‬تشتغل حتى متى ؟‬

‫لوتطل العيون الواسعة الحزينة فيما تأخذ الصابع الصغيرة تدلور‬


‫باضطراب طاقية متسخة‪ ..‬ةثم يهمس صوت بائس‪:‬‬
‫‪-‬حتى منتصف الليل‪ ..‬أستاذ‪ ..‬إن الخارجين من دلور السينما‬
‫يشترلون كعكي دائما إذا اتنتظرتهم‪..‬‬
‫‪-‬كعك؟ أتنت تبيع كعكا ؟‬
‫لويرد صوته بخجل دهامس‪:‬‬
‫_ تنعم يا أستاذ‪ ..‬كعك‪..‬‬
‫‪-‬لقد كنت أظن‪ ..‬ل اذدهب إلى مكاتنك‪ ..‬اذدهب!‬

‫لوطوال تلك الليلة‪ ,‬كنت أتصور المسكين الصغير يدلور حافيا في‬
‫شوارع دمشق النظيفة ينتظر خرلوج رلواد السينما‪ ..‬كنا في‬
‫تشرين‪ ,‬لوكاتنت السماء تمطر في تلك الليلة‪ ..‬لوتصورته لواقفا في‬
‫زالوية ما راعشا كريشة في زلوبعة‪ ..‬ضاما كتفيه قدر جهده إلى‬
‫بعضهما‪ ,‬لوداسا كفيه في مزق ةثوبه محدقا إلى صحن الكعك‬
‫أمامه‪ ..‬منتظرا شخصا ما يخرج من القاعة جائعا كي يشترى‬
‫كعكة‪ ..‬شخصين‪ ..‬ةثلةثة‪ ..‬لويتسع فمه بابتسامة‪ ,‬يائسة لويحدق إلى‬
‫ميازيب تشرين من جديد‪.‬‬

‫لوفى اليوم التالي‪ ..‬شادهدته في الصف‪ ,‬كان النعاس يأكل عيوتنه‪,‬‬


‫لوكاتنت رأسه تنحدر على حين فجأة إلى صدره‪ ,‬ةثم ينهضها بعجز‪.‬‬
‫‪-‬أتريد أن تنام يا حميد ؟‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬‬
‫‪-‬إذا أردت أن تنام فلسو‪،‬ف آخذك إلى غرفة المدرسين‪..‬‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬‬

‫لولكنه كان يبدلوا منهكا بصورة حادة‪ ,‬لودهكذا‪ ,‬اقتدته إلى غرفة‬
‫المدرسين‪ ,‬كاتنت غرفة عارية إل من صورة رسمها مدرس الرسم‬
‫الفاشل ببقايا ألوان الطلبة‪ ،‬لوكاتنت المقاعد الثقيلة منثورة تحت‬
‫الجدران الرطبة لوحول مائدة صغيرة تكدست عليها أكوام الدفاتر‬
‫لوالكتب‪ ,‬لقد لوقف حميد في باب الغرفة‪ ,‬مستشعرا كما يبدلوا‬
‫إحساسا غريبا‪ ,‬كان قلقا بعض الشيء‪ ,‬لوكاتنت طاقيته تدلور بين‬
‫أصابعه الصغيرة‪ ,‬لوعيوتنه تتنالوب التحديق إلي‪ ,‬لوالى الغرفة‪..‬‬
‫‪ -‬تنم على أ ي مقعد‪ ,‬سو‪،‬ف تنضع حطبا في المدفأة‪.‬‬
‫تحرك بطيئا إلى المقعد القريب‪ ,‬لوجلس فوقه تنصف جلسة‪ ,‬فيما‬
‫إلتمعت عيناه بسعادة الد‪،‬فء‪.‬‬
‫‪-‬دهل بعت كثيرا من الكعك ليلة أمس ؟‬
‫‪-‬ليس كثيرا‪..‬‬

‫كان في صوته رتنة أسى عميق‪ ,‬لوكان لوجهه يرتجف‪:‬‬


‫‪-‬لماذا ؟‬
‫‪-‬تنمت‪ ,‬تنمت أةثناء اتنتظار ي اتنتهاء الفيلم‪ ,‬لوحينما صحوت كان كل‬
‫شئ قد اتنتهى‪.‬‬
‫‪-‬تنم الن‪ ,‬سو‪،‬ف أعود إلى الصف‪.‬‬

‫لولكنني لم أعر‪،‬ف كيف أتممت درسي‪ ,‬كنت أحس بقلق غريب‪,‬‬


‫لوكنت أخشى أن أتنفجر بالبكاء أمام الطلبة‪.‬‬

‫لوفى الفرصة كان حميد يغط في تنوم عميق‪ ,‬لوكان اتنفه الصغير‬
‫مازال مزرقا من فعل البرد إل أن الدم كان قد بدأ يرد إلى لوجنتيه‪.‬‬
‫لم يسأل أحد من الساتذة أ ي سؤال‪ ,‬إذ أن حواد ث كثيرة من دهذا‬
‫الطراز كاتنت تحد ث كل يوم‪ ,‬لواكتفى الجميع برشف الشا ي‬
‫صامتين‪.‬‬

‫لوطوال اليام التالية كنت ابحث عن طريقة ادخل فيها إلى حياة‬
‫حميد دلون أن يمسه فضولي‪ ,‬لوكاتنت دهذه العملية صعبة للغاية‪ ,‬إذ‬
‫أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الحتفاظ‬
‫بمأساته الخاصة‪ ,‬لوضمها بعنف في صدره‪..‬كأتنما كان دهنالك شبه‬
‫اتفاق مشترك على أن دهذا لواجب لوضرلور ي‪..‬‬

‫إن الشياء الصغيرة‪ ,‬حينما تحد ث في لوقتها‪ ,‬يكون لها معنى اكبر‬
‫منها‪ ,‬اقصد أن دهنالك بداية صغيرة لكل حاد ث كبير‪..‬‬

‫ففي أحد اليام آتى أخي الصغر إلى المدرسة يحمل طعام الغداء‬
‫لي‪ ,‬لوحينما أعلمني خادم المدرسة بذلك‪ ,‬أرسلت حميدا إليه كي‬
‫يأخذ منه ألوعية الكل‪ .‬لوعندما عاد حميد أحسست بأتنه أدهين بكيفية‬
‫ألو بأخرى‪ ,‬لولذلك طلبت منه أن يراجعني في غرفة المدرسين‪,‬‬
‫أةثناء فرصة الغداء‪.‬‬

‫دخل حميد غرفة المدرسين قلقا كالعادة‪ ,‬كنت لوحيدا‪ ,‬لورغم ذلك‬
‫فان قلقه لم يبارحه‪ ,‬كاتنت أصابعه تدلور طاقيته باضطراب‪ ,‬لوكاتنت‬
‫عيوتنه تلتمع كعادتها‪..‬‬
‫ـ حميد‪ ,‬دهل أعجبك أخي؟‬
‫ـ اتنه يشبه أخي‪..‬‬
‫لم اكن أتصور أن الموضوع سو‪،‬ف يطرق بهذه السرعة‪...‬لولذلك‬
‫فلقد سألت متعجبا‪:‬‬
‫ـ أخوك؟ أتنني اعر‪،‬ف أن لك أختين فحسب‪..‬‬
‫ـ تنعم‪ .‬لولكن أخي مات‪..‬‬
‫ـ مات؟‪..‬‬
‫أحسست باضطراب أتنا الخر‪ ,‬فهذا الصغير يضم صدره الضامر‬
‫أسرار كبيرة‪..‬‬
‫ـ كان اصغر منك‪..‬دها؟‬
‫ـ كل‪..‬اكبر مني‪..‬‬
‫ـ كيف مات؟‬
‫لولكن حميد لم يجب‪ ,‬لوشادهدته يغالب دمعا غلبه في تنهاية المر‪,‬‬
‫لوامتل لوجهه الصغير بدمع غزير اخذ يمسحه خجل بعض الشيء‪...‬‬
‫ـ حسنا‪..‬ل تتكلم ‪..‬أتعر‪،‬ف إن أخي أتنا الخر مات؟‬
‫ـ صحيح؟‬
‫ـ تنعم‪ ..‬لقد ددهسته سيارة كبيرة‪..‬‬
‫كنت اكذب‪..‬لولكنني رغبت في أن أشارك أحزان الصغير بكيفية‬
‫ما‪..‬لوشعرت بان كذبتي أخذت طريقها السو ي إلى رأسه إذ‬
‫التمعت عيناه بأسى مفاجئ لومضى يحكي ببطء‪:‬‬
‫ـ أخي لم تددهسه سيارة‪...‬لقد كان يعمل خادما في الطابق‬
‫الرابع‪..‬لوكان سعيدا‪..‬‬
‫كان حميد يستخدم بذراعيه كي يوضح كلمه لوكاتنت دموعه تنساب‬
‫دلون أن يشعر‪..‬‬
‫ـ لقد اطل في قفص المصعد فقطع المصعد رأسه لودهو يهبط‪..‬‬
‫ـ مات؟‬

‫كان السؤال سخيفا‪ ,‬لورغم ذلك فلقد أحسست بضرلورته من اجل‬


‫أن أدهددهد قشعريرة مفاجئة تكلبت في جسد ي‪..‬لودهز حميد راس ةثم‬
‫سال فجأة‪:‬‬
‫ـ دهل قطعت السيارة راس أخيك؟‬
‫أخي؟آه‪..‬تنعم‪..‬تنعم لقد قطعت رأسه‪..‬‬
‫ـ دهل حزتنت عليه كثيرا؟‬
‫ـ تنعم‪..‬‬
‫ـ دهل تبكي عندما تتذكره؟‬
‫ـ ليس كثيرا‪...‬‬
‫ـ قل لي يا أستاذ‪ ...‬دهل لك أب؟‬
‫ـ طبعا ‪ ,‬اعني تنعم‪ ,‬لماذا؟‬

‫خطا تنحو ي لوسأل بلهفة راعشة‪:‬‬


‫ـ دهل دهو بخير؟‬
‫ـ تنعم‪..‬لماذا؟‪..‬‬

‫تكهفت عيناه بأسى فاجع لوشعرت بان للمأساة ذيول تعصر‬


‫رئتيه‪...‬لولكنني كنت على يقين بان حميد سو‪،‬ف لن يجيب على أ ي‬
‫سؤال‪...‬لقد اتنطبقت شفتاه بإحكام مصر‪..‬لويمم عيناه شطر‬
‫الحائط العار ي‪...‬كان بنطاله قصيرا ممزقا لوكان قميصه الزرق‬
‫متسخا مهترئا‪...‬لوحين شادهدتني أطالعه باستغراب لململم تنفسه‬
‫لواحمر لوجهه قليل لوازدادت سرعة الطاقية الصوفية الدلوارة بين‬
‫أصابعه‪.‬‬

‫لقد بدأت مشكلة حميد تدخل شيئا فشيئا فيما بعد‪ ,‬إلى حياتي‪.‬‬
‫كنت ل أستطيع على الطلق أن أكون عابرا في حياته‪ ,‬متفرجا إلى‬
‫مأساته‪ ,‬لومن بين عشرات المآسي التي حفل بها صفي لم تجذبني‬
‫إل عيون حميد البائسة اليائسة‪..‬صرت أفكر فيه على الدلوام‪.‬لوكثيرا‬
‫ما كنت اقرر أن أبدأ بنفسي‪ ,‬خارج المدرسة‪ ,‬بحثا متصل حول‬
‫حياة حميد‪..‬بل لقد فكرت يوما في أن ابحث عن طريقة تجعل أمر‬
‫مساعدته ماليا شيئا طبيعيا ل يحمل رائحة الدهاتنة‪..‬لولكن كل شيء‬
‫كان يدلور مجهدا حوالي‪ ,‬لوكان ينتهي إلى الفشل أمام العيون التي‬
‫تحتو ي‪ ,‬إلى جنب السى ‪ ,‬شيئا كثيرا من الكبرياء لوالتعالي‪..‬‬
‫إل أن علقتي بقضية حميد أخذت تخفت شيئا فشيئا بعد سلسلة‬
‫من الحدا ث الصغيرة جعلتني احمل تنقمة غريبة على دهذا المخلوق‬
‫الصغير‪ ,‬المقعد‪ ,‬المكوم فوق أسرار‪ ,‬ل تنتهي إلي لتبدأ‪ ,‬لول تبدأ إل‬
‫لتستمر‪..‬فلقد حد ث ذات يوم أن شكا إلي حميد أستاذا زميل أدهاتنه‬
‫إدهاتنة بالغة‪.‬لولقد قال حميد‪ ,‬يومها‪ ,‬لودهو يحدق إلي مكشرا بعض‬
‫الشيء‪:‬‬
‫ـ إتنني يتيم‪...‬لوإل لكنت استدعيت أبى‪..‬‬
‫ـ دهل‪..‬أبوك ميت؟‪..‬‬
‫قال بخجل لودهو يطأطئ رأسه‪:‬‬
‫ـ تنعم‪..‬‬
‫ـ لماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟‬
‫لم يجيب حميد على سؤالي لواكتفى بان دهز رأسه باتصال‪,.‬‬
‫لوصمت‪:‬‬
‫ـ أتنت الذ ي تصر‪،‬ف على عائلتك إذن؟‬
‫ـ تنعم‪..‬أتنا الذ ي اصر‪،‬ف‪..‬أن أمي تكسب قليل من تنظيف مخازن‬
‫لوكالة الغو ث‪..‬لولكنني أتنا اكسب اكثر‪..‬‬

‫لوصمت حميد قليل ةثم اتندفع قائل لودهو يبسط كفيه الصغيرتين‬
‫مستعينا بحركاتهما‪:‬‬
‫ـ إتنني اشتر ي كل ةثل ث كعكات بعشرة قرلوش‪..‬أبيع الكعكة‬
‫الواحدة بخمسة قرلوش‪..‬‬
‫ـ أما زلت تنام لوأتنت تنتظر خرلوج رلواد السينما؟‪..‬‬
‫ـ كل‪..‬لقد تعودت السهر‪..‬‬
‫دهل من الضرلور ي أن يعتر‪،‬ف المدرس‪ ,‬بين الفنية لوالخرى‪ ,‬بأتنه‬
‫يلجا إلى الغش كي يعين طالبا مسكينا على النجاح؟‪.‬لقد كنت أتنا‬
‫افعل ذلك‪..‬كاتنت علمات حميد جيدة على الدلوام رغم اتنه كان‬
‫متوسط المستوى‪ ,‬لكني لم اشعر قط بعدالة علماتي بقدر ما‬
‫كنت اشعر دهذه العدالة حينما كنت أسجل علمات حميد‪..‬‬

‫لولكن القضية ل تتحرج دهنا على الطلق‪ ,‬لقد بدأت تتحرج فقط‬
‫حينما أخذت اشك في سلوك دهذا "الحميد" لوفي كلمه لي‪ ,‬بل‬
‫لوفي دمعه أيضا‪..‬‬

‫لوفي عصر يوم قائظ من أيام تنهاية العام تنقل ألي تلميذ الصف أن‬
‫خادم المدرسة ضرب حميدا ضربا قاسيا حينما كان يحالول عبور‬
‫حاجز المدرسة دهاربا‪ ,‬لوحينما استدعيت الخادم إلى غرفة‬
‫المدرسين كي أعاتبه لوجدتني ألواجه رجل يتمتع بقناعة غريبة بأتنه‬
‫إتنما فعل عين الصواب‪ ,‬ضاربا عرض الحائط بكل مفادهيم التربية‬
‫النموذجية التي حالولت أن ألوضحها له‪..‬حينذاك لم أجد بدا من أن‬
‫ألواجهه بمنطقه الخاص‪:‬‬

‫‪-‬أليس حراما يا أبا سليم أن تضرب يتيما؟‬


‫جأر أبا سليم مادا رأسه تجادهي لوقد عقد ذراعيه على صدره‪:‬‬
‫‪-‬يتيم؟ إن أباه لوح‪ ,‬أكتافه تمل الدتنيا‪..‬‬
‫‪-‬حميد له أب؟‬

‫سألت متعجبا‪ ..‬فيما أتاتني تنفس الجواب مكررا بصلف‪:‬‬


‫‪-‬إن أباه لوح‪ ..‬تمل أكتافه الدتنيا‪..‬‬
‫أحسست بإدهاتنة تصفع صدر ي‪..‬لوساءتني أن يكون الصغير قد بنى‬
‫عطفي عليه فوق أكاذيب منحطة‪ ..‬شعرت بأتنني لم اكن سوى‬
‫مغفل طيب القلب لوان كل العلمات التي جعلتها تخطو من فوق‬
‫ضمير ي بارتياح تضحك في لوجهي الن بشراسة‪..‬‬

‫لوطوال الطريق إلى بيتي كاتنت كلمات أبى سليم تعرك رأسي‬
‫لويدلو ي صدادها في حنجرتي‪..‬لوكنت احد ث تنفسي زاعما لها أن‬
‫اؤلئك الملعين الصغار دهم في الحقيقة اكبر بكثير من أعماردهم‬
‫لوان الخطأ كان في أتنني عاملتهم على اتنهم أطفال فحسب‪ ,‬لقد‬
‫تغاضيت عن كوتنهم رجال صغار يستطيعون الوصول إلى ما يريدلون‬
‫بأية طريقة تخطر على بالهم‪..‬لوان لعبة حميد على أستاذه ليست‬
‫في تنظره سوى لعبة بائع كعك على زبون تنصف سكران تنتهي‬
‫بشراء كعكتين‪ ,‬ألو كعكة بسعر كعكتين ‪..‬‬

‫لورغم دهذا الكلم‪ ,‬فأتنني لم استطع أن أتخلص من شعور ي الحاد‬


‫بأتنني أدهنت على يد حميد إدهاتنة بالغة‪ ,‬لوأخذ تفكير ي يسير في‬
‫الطريق الذ ي يؤد ي إلى إيجاد اتنتقام ما‪..‬أتنني اعتقد الن بان‬
‫القضية تافهة‪ ,‬لوان تفكير ي كان اتفه‪ ,‬لولكنني لم اكن أرضى‬
‫لحظتذاك بأن أتنازل قيد أتنملة لواحدة عن حقي في أن امسح‬
‫الدهاتنة‪..‬‬

‫لولكن الذ ي حد ث فيما بعد لم يستطع أن يهددهد غضبي‪ ,‬بل على‬


‫العكس‪ ,‬لقد زاده ألوارا ً على ألوار‪..‬لواستشعرت بعددها ألما ممضا ً‬
‫ص علي طالب ةثرةثار كيف ماتت أم‬
‫يعتصر صدر ي بل دهوادة‪..‬فلقد ق ّ‬
‫حميد قبل شهور طويلة بعد أن لوضعت طفلة ميتة‪..‬‬
‫لولوجدتني أغوص في دلوامة من الكاذيب كومها حولي دهذا الحميد‬
‫الصغير ببراعة ل تكاد تصدق‪...‬‬

‫أتت تنهاية احتمالي في غداة يوم قائظ‪ ,‬كنت عائدا فيه من‬
‫المدرسة فرأيته فجأة بعد غياب طويل‪..‬‬

‫أتكون محض مصادفة غريبة أتنني التقيت به في تنفس المكان الذ ي‬


‫شادهدته فيه للول مرة؟‬
‫كان مقرفصا دهناك خلف صندلوقه الخشبي الملو ث بالددهان‪ ,‬يحدق‬
‫إلى الشارع راغبا في اصطياد حذاء ما‪...‬فيما لوقفت أتنا تنصف‬
‫مصعوق أكاد ل اصدق أتنني أرى بائع الكعك المزعوم‪ ,‬لوأحسست‬
‫بالدهاتنة تجترح حلقي‪ ,‬لوحينما استطعت أن أميز ماذا كنت افعل‬
‫لوجدتني ممسكا بياقة الصغير أدهزه بل دهوادة‪..‬لوأفح باتصال‪:‬‬
‫ـ أيها الكذاب‪..‬‬
‫رفع الصغير عيوتنه أمامي مفتوحة حتى أقصادها‪ ,‬ممزلوجا لمعاتنها‬
‫بمعنى من معاتني الخو‪،‬ف المفاجئ‪ ,‬لورأيت شفتيه تتحركان دلون‬
‫أن تستطيعا النطق بينما فشلت محالولته الصغيرة للخلص من بين‬
‫قبضتي‪..‬‬

‫لوعدت اكرر لوقد أحسست بشيء يهو ي في صدر ي أمام الصمت‬


‫اليائس‪:‬‬
‫‪-‬أيها الكذاب‪...‬‬
‫‪-‬أستاذ‪..‬‬
‫قالها باسترخاء رافعا ً إصبعه بصورة آلية لوتنظر حواليه باضطراب‬
‫ةثم اعتر‪،‬ف راجفًا‪:‬‬
‫‪-‬تنعم يا أستاذ أتنا كذاب‪ ,‬لولكن اسمع‪..‬‬
‫‪-‬ل أريد أن اسمع شيئًا‪..‬‬
‫ضاقت عيوتنه لوخيل إلى أن دمعة توشك أن تسقط لوعاد صوته‬
‫يرجف من جديد‪:‬‬
‫‪-‬اسمع يا أستاذ‪..‬‬
‫‪-‬آيها الكذاب‪...‬آتنت تعيش مع أمك‪ ...‬فليس كذلك أيها الكذاب ؟‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬كل‪..‬إن أمي ميتة لولكنني ل أستطيع أن أقول‪..‬فحينما‬
‫ماتت أمي طلب لوالد ي منا أن ل تنقول شيئا ً عن موتها‪..‬أن‬
‫تنصمت‪..‬‬

‫تراخت قبضتي لوسالت بضعة‪:‬‬


‫‪-‬لماذا ؟‬
‫‪-‬لم يكن يملك أجرة الدفن‪...‬لوكان خائفا ً من الحكومة‪ ..‬أسدلت‬
‫ذراعي إلى جنبي؛ لواستطعت آن التقط خو‪،‬ف الصغير الساذج الذ ي‬
‫استمر حتى اليوم دلون مبرر لولكنني خفت أن أكون مخدلوعا ً فعدت‬
‫أصيح‪ ,‬لولكن بليوتنة أكثر‪...‬‬

‫‪-‬لوأبوك؟ قلت لي أتنه مات‪ ...‬أليس كذلك ؟‬


‫‪-‬لم يستطع حميد أن يتماسك أكثر فأدار لوجهه إلى الحائط لوأخذ‬
‫يبكي فيما سمعت خلل تنشيجه صوته الضعيف‪:‬‬
‫‪-‬إتنه لم يمت‪ ....‬إتنه مجنون يدلور في الشارع تنصف عار‪..‬لقد جن‬
‫بعد أن شادهد رأس أخي يقطعه المصعد‪...‬‬
‫‪-‬جن؟‬
‫‪-‬تنعم‪ ...‬لقد أطل أخي داخل قفص المصعد من أجل أن يستقبل‬
‫أباه‪..‬لوشادهد أبي المنظر بأم عينيه؛ فأخذ يعدلو في الشارع‪..‬‬

‫قلت‪ ,‬مستشعرا ً الدلوار يتكلب في صدغي‪:‬‬


‫‪-‬لماذا قلت لي أتنك تبيع الكعك؟ دهل تستحي من صنعتك ؟ لتنت‬
‫تنظرات حميد ‪ ,‬لوحدق إلي بعيون شفافة قائل ً بخجل‪:‬‬
‫‪-‬ل‪ ..‬لقد كنت أبيع كعكًا‪ ,‬لوألول أمس عدت إلى دهذه الصنعة‪..‬‬
‫‪-‬لولكنك كنت تكسب كثيرا ً ؟‬
‫‪-‬تنعم‪ ,‬لولكن‪..‬‬
‫‪-‬لوعاد الرأس الصغير ينوس كعادته كلما تعرض لخجل أكبر منه‪,‬‬
‫لودق بالفرشاة على سطح الصندلوق دقات منتظمة دهامسا ً دلون أن‬
‫يرفع بصره‪..‬‬
‫‪-‬كنت أجوع آخر الليل‪...‬لوكنت آكل كعكتين ألو ةثلةثة‪.‬‬

‫لم أدر كيف أتصر‪،‬ف‪ ,‬دهممت أن أطلق ساقي للريح‪ ,‬لولكني‬


‫لوجدتني أضعف من أن أفعل‪ ..‬لوبقي الرأس الصغير بشعره السود‬
‫الخشن منحنيًا‪ ,‬لودلون أن أحس رفعت قدمي لوأركزتها على حدبة‬
‫الصندلوق‪..‬‬
‫بدأت الكفان الصغيرتان تعملن بحذق فيما أخذ الرأس الخشن‬
‫يهتز فوق الحذاء‪ ,‬ةثم لوصلني الصوت إياه قائل ً ببساطة‪:‬‬

‫‪-‬أستاذ‪ ...‬أتنت لم تغير حذاءك منذ عام‪ ...‬دهذا حذاء رخيص‪.‬‬


‫الكويت ‪1959‬‬