‫نقد أيديولوجيا صراع الهويات سودانيًا‬

‫هشام عمر النور‬
‫جامعة النيلين‪ /‬قسم الفلسفة‬
‫في السودان‪ ،‬الن‪ ،‬يتخذ الصراع الجتماعي قناعًا وغطههاًء أيههديولوجيًا يسههتره ليظهههر‬
‫كصراع هويات‪ .‬وهو غطاء أيديولوجي يسمح للقوى الجتماعية المسيطرة على مصههائر البلد‬
‫منذ استقللها بتجديد دمها الطبقي واستمرار سيطرتها علههى البلد موحههدة أو منقسههمة‪ .‬فالدولههة‬
‫الكولونيالية في السودان ه شأنها شأن أية دولة كولونيالية أخرى ه تعمل على إعادة إنتاج أنماط‬
‫ل من تفكيكها‪ 1،‬فتبدو رأسماليتها الكولونيالية كتجاور بين القطاع‬
‫النتاج ما قبل الرأسمالية بد ً‬
‫التقليههدي والقطههاع الحههديث؛ كمهها اصههطلح المجههال السياسههي السههوداني علههى توصههيف البلد‬
‫الجتماعي والقتصادي والسياسي‪ ،‬وهههو توصههيف مضههلل إذ يبههدو فيههه وكههأن وجههود القطههاع‬
‫التقليدي وجود عرضي رهين بتطههور البلد وتنميتههها والههذي سههيؤدي حتمهًا إلههى تمههدد القطههاع‬
‫الحديث وزوال القطاع التقليدي‪ .‬بينما القطاع الحديث في الرأسمالية الكولونياليههة يسههيطر علههى‬
‫القطاع التقليدي وتعيد الدولة الكولونيالية إنتاج الخيههر كشههرط لتبعيتههها )باللغههة القديمههة(‪ ،‬وإذا‬
‫أردنا الدقة كشرط للندماج الكولونيالي في السوق العالمي تمييزًا له عههن النههدماج الجتمههاعي‬
‫شههرت‬
‫في السوق العالمي‪ ،‬فالتطورات التي عصفت بالعالم وأّدت إلى انهيار المعسكر الشرقي أ ّ‬
‫بوضوح إلى استحالة انقسام عالم اليوم فأصبح السؤال حول الكيفية التي يندمههج بههها‪ ،‬ولههم يعههد‬
‫السوق سوى دينامية اقتصادية يمكن أن تكون ذات طابع رأسمالي ويمكن أن تكههون ذات طههابع‬
‫اجتماعي ولكن ل يمكن إلغاؤها‪.‬‬
‫المهم أن سيطرة ما يسمى بالقطاع الحههديث فههي الرأسههمالية الكولونياليههة علههى القطههاع‬
‫التقليدي )وعلى نحو دقيق أنماط النتاج ما قبل الرأسههمالي( وإعههادة إنتههاج الدولههة الكولونياليههة‬
‫للخير تمنع البلد من إكمال اندراجها في مشروع حههداثتها‪ .‬والوقههائع القتصههادية تؤكههد ذلههك‪،‬‬
‫وأصدق مثال الثروة الحيوانيههة فههي البلد‪ ،‬فعلههى الرغههم مههن أن تصههدير الماشههية إلههى السههوق‬
‫القليمي يساهم بأكثر من ‪ 300‬مليون دولر سنويًا في الدخل القومي‪ ،‬وجل هذه الماشية تأتي‬
‫من غرب البلد‪ ،‬فإن أصحاب هذه الثروة الحيوانية ما زالوا قبائل رحل تعيش حياتههها البدائيههة‬
‫ل وجنوبًا )في مساحة تزيد على مساحة فرنسا( سههعيًا وراء‬
‫منذ آلف السنين في الرتحال شما ً‬
‫الماء والكل‪.‬‬
‫وفي إطار هذا التوصيف فإن تمظهر الصراع الجتماعي كصراع هويات‪ ،‬وحتى ميله‬
‫للنحدار إلى صراع قبلي‪ ،‬هو بالضبط المنطق اليديولوجي للرأسههمالية الكولونياليههة‪ .‬فالمجههال‬
‫المعرفي والخلقي للرأسههمالية الكولونياليههة هّيههأ لظهههور المنطههق اليههديولوجي للتنههاقض بيههن‬
‫المركز الرأسمالي الكولونيالي وما يسيطر عليه ويعيد إنتاجه من هوامش أنماط النتاج ما قبههل‬
‫الرأسمالي‪ ،‬هّيأ لظهوره كصراع قومي وقبلي‪ .‬فالرتباط بين الدولههة القوميههة والرأسههمالية أمههر‬
‫معلوم وارتباط القبلية بأنماط النتاج مهها قبههل الرأسههمالية أيض هًا أمههر معلههوم‪ ،‬ولههذلك يبههدو مههن‬
‫الطههبيعي أن يتمظهههر الصههراع الجتمههاعي بيههن البرجوازيههة الكولونياليههة والقههوى الجتماعيههة‬
‫الخرى أيديولوجيًا كصراع قههومي وقبلههي‪ .‬الهويههة القوميههة ضههرورية للرأسههمالية الكولونياليههة‬
‫ضرورتها لسيدتها الرأسمالية المبريالية في مراحل تطورها المبكرة‪ ،‬ولكههن محههاولت فههرض‬
‫هذه الهوية القومية تصطدم بمجال معرفههي وأخلقههي يسههتند علههى المجتمعههات القديمههة مهها قبههل‬

‫‪1‬‬

‬هذا السههتنتاج‬ ‫النظري الخير تلخيص دقيق للتاريخ السياسي والجتماعي المعاصر للسودان‪ .‬‬ ‫وإذا كههانت الدولههة الكولونياليههة تعيههد إنتههاج أنمههاط النتههاج مهها قبههل الرأسههمالي كشههرط‬ ‫للندماج الكولونيالي ومن ثم كشرط لعادة إنتاج الرأسمالية الكولونيالية نفسها‪ ،‬فإن هذا الشرط‬ ‫يتجلى سياسيًا في كون أن القوى الجتماعية المسيطرة في السودان تنتج سلطتها في إطار مهههن‬ ‫التشتت والتجزئة والحتراب وتفشل في تقديم قيادة اجتماعية لكل أهل السودان‪ .‬ويشهههد علههى ذلههك الطههابع القههومي والقبلههي‬ ‫والجهوي للحروب الهلية والحركههات المسههلحة فههي جنههوب وغههرب وشههرق البلد‪ .‬هذه القوى مسئولة بشكل مباشر عن تشكيل ما عههرف‪ ،‬فههي الحيههاة‬ ‫السياسية والفكرية السودانية‪ ،‬بالمركزية العربية السلمية‪ ،‬وهي مركزيههة يختلههط فيههها مهها هههو‬ ‫حههد البلد تحههت سههيطرتها‪ ،‬ولكههن‬ ‫أثني بما هو ثقافي بما هو ديني لتشّكل غطههاًء أيههديولوجيا يو ّ‬ ‫وبسبب طبيعة نظامها القتصادي ه السياسي فإنها تفشل في توحيههد البلد بههل‪ ،‬وعلههى العكههس‪،‬‬ ‫تعيد إنتاج انقسامها وتجزئتها‪.‫الرأسمالية‪ ،‬مجتمعات تسودها القبيلة وتقاليدها ومعارفها‪ ،‬فيتبدى التناقض بينهما كتناقض قومي‬ ‫ينحدر باستمرار إلى تناقض قبلي‪.‬والوقائع القائمة‬ ‫الن فههي السههودان ترجمههة دقيقههة لهههذا السههتنتاج‪ .‬فأصبح الصراع صراعًا بين الهوية العربية السلمية والهوية الفريقية‪ ،‬يكتسههب طابع هًا‬ ‫دينيًا مختلطًا بما هو أثني حينًا‪ ،‬كما هو الحال في جنوب البلد)العربي السلمي ضد الفريقي‬ ‫المسيحي(‪ ،‬وطابعًا أثنيًا خالصًا حينًا آخر‪ ،‬كما هو الحال فههي الغههرب )العههرب ضههد الزرقههة(‪،‬‬ ‫وحينًا طابعًا إثنيًا وجهويًا كمهها هههو الحههال فههي الشههرق)إذ أن إحههدى الحركههتين المسههلحتين فههي‬ ‫الشرق تعتمد بالكامل على قبيلة عربية هي الرشايدة بينما الحركههة الخههرى تعتمههد علههى قبيلههة‬ ‫البجا وهي قبيلة أفريقية(‪ .‬فههالنظر للسههياق الجتمههاعي والتههاريخي لتطههور هههذه‬ ‫القوى يجعل هذا الحتمال غير قائم تاريخيًا فكههل السههمات العامههة والخصههائص المختلفههة لتلههك‬ ‫القوى سواء كانت اجتماعية أو اقتصههادية أو معرفيههة ل تؤهلههها لنتههاج مهها هههو مطلههوب منههها‬ ‫علوة على ضيق افقها وخيالها القاصر ومصههالحها الضههيقة جههدًا وغيههر المرتبطههة بالمصههلحة‬ ‫العامة‪ .‬هههذه السههمات والخصههائص تجههد أساسههها الموضههوعي فههي طريههق التطههور الرأسههمالي‬ ‫الكولونيالي الذي أوضحناه‪ .‬إن منطههق‬ ‫تطور الرأسمالية الكولونيالية في السودان ه كما هو واضح ه منطق مأزوم فاقم من أزمههة البلد‬ ‫القتصادية والجتماعية والسياسية وأوصلها إلى حائط طريقها المسههدود ولههم يعههد مهها اصههطلح‬ ‫ل تحت قمع وحشي وإرهاب واسع فانتخب‬ ‫على تسميته بالسودان القديم قادرًا على الستمرار إ ّ‬ ‫هذا المنطق المأزوم الحركة الصولية السلمية في السودان للقيام بهذه المهمة‪ ،‬فوصههلت إلههى‬ ‫السلطة بانقلبها العسكري في يونيو ‪1989‬م‪ .‬‬ ‫فالقوى الجتماعية التي حكمت السودان منذ الستقلل وأنتجت سلطتها فههي إطههار مههن‬ ‫التشتت والتجزئة والحتراب لن تستطيع أن تنتج مجددًا ما يوحد السههودان وأن تههوفر فههي ذات‬ ‫الوقت قيادة اجتماعية لكل أهل السههودان‪ .‬ولكن القمع الوحشي والرهاب الواسع ل يحههل‬ ‫أزمة التطور الرأسمالي الكولونيالي في البلد وإنما يؤدي بها إلى المزيههد مههن التفههاقم وهههو مهها‬ ‫أوصل البلد إلى حافة النهيار وعّلق مصيرها على استفتاء على حق تقرير المصير سههيجرى‬ ‫بعد سنوات قليلة من الن‪ ،‬الراجح أن ينتهي إلى تقسيم البلد إذا ما استمرت الحوال علههى مهها‬ ‫هي عليه الن ولم تتقدم أية قوى بديلة تفتح الطريههق أمههام سههودان بههديل تضههعه علههى مضههمار‬ ‫إكمال اندراجه في مشروع حداثته واللتحاق بالحياة النسانية المعاصرة‪.‬وفي سياق هذه اليديولوجيا تعّبر الهوية العربية السلمية عن‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫ولقد وقعت القوي الجتماعية البديلة في فخاخ أيديولوجيا القوى الجتماعيههة المسههيطرة‬ ‫وأنتجت أيديولوجيا الهامش‪ ،‬وهو هامش يختلط فيه أيضًا ما هو أثنههي بمهها هههو ثقههافي بمهها هههو‬ ‫ديني‪ .‬واكتملت بذلك أيديولوجيا المركز والهامش التي تسيطر علههى الحيههاة‬ ‫السياسية والفكرية في السودان‪ .

‬وهذا غير صحيح تاريخيًا واجتماعيًا‪ ،‬فالمركز به قوى اجتماعية تترابط‬ ‫ل‪ ،‬وببسههاطة‬ ‫مصالح تحررها من السيطرة مع مصالح قوى اجتماعية موجودة في الهامش‪ ،‬فمث ً‬ ‫شديدة‪ ،‬هنالك نساء وعمال ومزارعين يقع عليهم قمع اجتماعي في المركز والهامش معههًا‪ ،‬بههل‬ ‫إن النساء يتم قمعهن في الهامش من قبههل قههوى قوميههة تتحههدث عههن مسههتقبل السههودان وتقههدمه‬ ‫وتنخرط في الدعوة للسودان الجديد )كانت الصحف في السودان قد ذكرت قبل حوالي العام أن‬ ‫حكومة الجنوب التي تتولها الحركة الشعبية لتحرير السودان ستصدر قانون هًا يقيههد زيّ النسههاء‬ ‫ليلئم العراف الفريقية تجنبًا لتقليد الزياء الغربية‪ ،‬وهو أمر يكاد أن يكههون تكههرارًا لتجربههة‬ ‫الصولية مع نساء المركز(‪ .‬إنها إعادة بناء السههودان القههديم‬ ‫على أسس جديدة تتنازل فيها القوي المسيطرة عن جزء من سلطتها وثروتها تسههتدرج بههه مههن‬ ‫سيصبحون جزءًا منها لتأمين سيطرتها‪ .‬السودان الجديد ستسوده الهوية الفريقية تمامًا مثلما كانت الهوية العربيههة‬ ‫السلمية تسود السودان القديم‪ .‬صههحيح أن إعههادة البنههاء هههذه‬ ‫ستأخذ في اعتبارها المطالب القومية والجهوية ولكنها ستستجيب لها ببنههاء قههوى اجتماعيههة فههي‬ ‫الهامش تكون جزءًا من القوى الجتماعية المسيطرة في البلد‪ .‬إن تقسيم السلطة والثروة وتوزيعها إثنيًا وجهويًا مع الحفههاظ علههى أسههس النظههام‬ ‫القتصادي ه السياسي لن يغير من طبيعههة السههودان القههائم الن‪ ،‬السههودان القههديم‪ ،‬وبالتههالي لههن‬ ‫يؤدي إلههى بنههاء السههودان الجديههد‪ ،‬بههل يعنههي أن هههذا التوزيههع للههثروة والسههلطة سههيرفد القههوى‬ ‫الجتماعية المسيطرة في السودان القديم بدم إثني وجهوي جديههد يج هّدد سههيطرتها ويعيههد إنتههاج‬ ‫وقائع الظلم والغبن التاريخي ولكههن هههذه المههرة سههيتولى المههر جههزءًا مههن القههوى الجتماعيههة‬ ‫‪3‬‬ .‬رغم أن فحص الجذور القبلية لحاملي السههلح‬ ‫تكشف أن ما يوحد بينها ليس الهوية الفريقية )قبيلة الرشايدة فههي الشههرق عربيههة( كمهها أن مهها‬ ‫يوحد بينها ليس هو الديانة المسيحية أو كريم المعتقدات الفريقيههة )لن المسههلحين فههي الغههرب‬ ‫والشرق مسلمين( مما يكشف زيف أيديولوجيا المركز والهامش‪ ،‬أيديولوجيا صراع الهويات‪.‬وحتى إذا فشلت عملية إعادة البناء هذه وانتهههى المههر‬ ‫بالبلد إلى النقسام فإن ما سينتج هو السودان القديم في كل جزء من أجزائه المنفصلة‪ ،‬أي أننا‬ ‫ل من سودان قديم واحد‪.‬وبههذلك أصههبح تقسههيم‬ ‫السلطة والثروة هو مفتاح الحل السياسي للزمة في السههودان‪ ،‬وبنههاًء عليههه تههم عقههد التفاقههات‬ ‫المختلفة مع الحركات المسلحة‪ ،‬اتفاق السلم الشامل مع الحركة الشعبية لتحريههر السههودان فههي‬ ‫نيفاشا الذي أصبح أساسًا ونموذجًا لتفاق أبوجا مع حركة تحرير السههودان واتفههاق أسههمرا مههع‬ ‫جبهة الشرق‪ .‬‬ ‫إن أيديولوجيا المركز والهامش تجعل الهامش كله كتله واحدة في مقابل المركههز الههذي‬ ‫هو أيضًا كتلة واحدة‪ .‫المركز بينما تعّبر الهوية الفريقية عن الهامش‪ .‬مما يعني أن حل أزمة السودان القديم تحت تصورات أيههديولوجيا صههراع الهويههات لههن‬ ‫تؤدي بنا إلى سودان جديد وإنمهها سههتعيد إنتههاج السههودان القههديم‪ .‬والواقع أن الرؤية الصحيحة هي انه داخل الهامش توجد هوامش‬ ‫ومركز وداخل المركز أيضًا توجد هنالك هوامش ومركز وبناًء عليه فإن هههذه المقولههة مضههللة‬ ‫ول تفسر وقائع الصراع ويجب استبدالها من الناحية النظرية‪.‬وأيههديولوجيا صههراع الهويههات أو وجهههها‬ ‫الخر صراع المركز والهامش تغطي على هذا الساس القتصادي ه ه السياسههي وتعههالجه فقههط‬ ‫من زاوية أنصبة القوميههات والجهويههات المختلفههة مههن السههلطة والههثروة‪ .‬ويتضح مقدار الزيف فيهما بمقدار ما يحههولن قضههايا التحههول‬ ‫الديمقراطي والعدالة الجتماعية إلى قضايا صراع إثنههي‪ ،‬وفههي أفضههل أحههواله قضههايا صههراع‬ ‫ثقافي‪ .‬‬ ‫سننتهي إلى عدد من السودانات القديمة بد ً‬ ‫إن ما يوحد بين مختلف الحركات المسلحة هو السههاس القتصههادي ه ه السياسههي الههذي‬ ‫تقوم عليه وقائع الظلم والغبن التاريخي في السودان‪ .‬‬ ‫ونسههتطيع أن نسههتخلص مههن السههاس الجتمههاعي ليههديولوجيا صههراع الهويههات أن‬ ‫السودان الجديد والسودان القديم ه وهما مصطلحان صاغهما الفكر السياسي لحركههة الهههامش ه ه‬ ‫وجهان لعملة واحدة‪ .

‬إن السودان الجديد يجب أن يكون خروجًا على أسس السودان القههديم ومنطقههه‪،‬‬ ‫وخروجًا على أيديولوجيا صراع الهويات‪ .‬ولههن تكههون هههذه هههي المههرة الولههى فنظههام‬ ‫عمد القبههائل ومشههايخها صههارت جههزءًا مههن‬ ‫الدارة الهلية الذي خلفه المستعمر أّمن طبقة من ُ‬ ‫القوى الجتماعية المسيطرة وما زالت‪ ،‬ولكن ولن منطق تطور الرأسمالية الكولونيالية منطههق‬ ‫مأزوم فإنها تحتاج باستمرار إلى تجديههد دمههها الطبقههي‪ ،‬وقههد بلغههت هههذه المههرة نهايههة طريقههها‬ ‫المسدود ولذلك ستضطر إلى تنازلت ضخمة وإذا لم تف باستحقاقاتها فسينقسم السودان‪ ،‬وهههو‬ ‫الراجح في ضوء سلوك القوى الحاكمة الن‪.‬‬ ‫وبناءً عليه‪ ،‬فإن مفهوم الجديد يلتقي مع مفهوم التنافر وليس الهوية‪ .‬إنه مفهوم ضد الهوية ومع‬ ‫تفكير اللهوية؛ والثاني‪ :‬أن مفهوم الجديد نفى للساليب والممارسات القديمههة والتقاليههد‪ ،3‬بينمهها‬ ‫نجد الحركة الشعبية منسجمة مع الممارسات والتقاليد القديمة وبل أحيانًا تؤسههس نشههاطها علههى‬ ‫ل‪ ،‬كانت عقيدة مقاتلي الحركة كما سههيأتي ذكههره مبنيههة علههى عقيههدة مقههاتلي قبههائل‬ ‫أساسها‪ ،‬فمث ً‬ ‫)الدينكا والنوير والشلك(‪ .‬‬ ‫ل في حاجة إلى السههودان الجديههد‪ ،‬ولكههن هههذا السههودان الجديههد يجههب ألّ يكههون‬ ‫إننا فع ً‬ ‫معكوس السودان القديم أو مقلوبه لن في ذلك مجرد إعادة إنتاج للسههودان القههديم باعتمههاد ذات‬ ‫أسسه ومنطقه‪ .‬وحينها سنجد أن هنالك فرقًا سياسيًا جوهريًا‬ ‫وهههو أن القههوى المسههيطرة انتجههت سههلطتها فههي السههودان فههي إطههار مههن التشههتت والتجههزئة‬ ‫والحتراب وفشلت في أن تكون قيادة اجتماعية لكل أهل السودان ه كمهها قلنهها مههن قبههل هه بينمهها‬ ‫قوى المقاومة نجحههت ولول مههرة فههي تاريههخ السههودان فههي تههوفير قيههادة اجتماعيههة لكههل أهههل‬ ‫السودان تمثلت في شخصية جون قرنق وإن ظلت أيديولوجيا صراع الهويات خصمًا على هذه‬ ‫القيادة ولذلك اعتمدت هذه القيادة على مزايا وقدرات وشخصية جون قرنق الكارزمية ورؤيتهههه‬ ‫التي كانت ورغم ارتباطها بأيديولوجيا صههراع الهويههات تههرى السههودان الجديههد كتنههوع عرقههي‬ ‫وإثني وثقافي وديني وهو ما لم يتوفر لتيار واسع داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان ولذلك‬ ‫لم ترتبط هذه القيادة الجتماعية بالحركة ككل وإنما بشخصية قرنق بالذات‪ .‬‬ ‫ل بالتفكير النقدي‪.‬وهذا الخههروج يتههم باعتمههاد برنامههج اكمههال انههدراج‬ ‫البلد في مشروع حداثتها‪ .‬ولقد افتقد السودان‬ ‫بموته المفاجئ قائدًا فذًا استطيع أن أقول أن قيادته لكل أهل السودان كان يمكههن أن تههوفر أحههد‬ ‫أهم شروط الحفاظ على وحدة السودان وهو ما يرجههح أن مههوته لههم يكههن حههدثًا عارض هًا وإنمهها‬ ‫تضافرت عليه عوامل دولية وإقليمية وسودانية‪ .‬وهي حساسية عليها فقط أن تنظر في الوقائع وتمّيز بين من يسيطر ومههن‬ ‫يقاوم وإن وقع في فخاخ أيدولوجيا قوى السيطرة‪ .‬ومع ذلك فهذا ل يجعلنا نهمل أزمة هذه القيادة‬ ‫لنها مبنية على أسههاس ايههدولوجيا المركههز والهههامش الههتي تغّيههب البرنامههج الساسههي للحركههة‬ ‫والقوى الجتماعية التي تحاول الحركة قيادتها‪ ،‬برنامههج إكمههال إنههدراج السههودان فههي مشههروع‬ ‫الحداثة واللحاق بالحياة النسانية المعاصرة وتذهب بها إلى برنامههج آخههر تعتقههد فيههه أن هنالههك‬ ‫قوميات همشت قوميههات أخههرى وأنههه قههد حههان وقههت رفههع هههذه المظههالم‪ ،‬رغههم أن هههذا الظلههم‬ ‫والتهميههش جههاء بالسههاس نتيجههة لعههدم اكتمههال مشههروع الحداثههة بسههبب سههيطرة البرجوازيههة‬ ‫الكولونيالية‪ ،‬وبناًء على ذلك تبنت الحركة وقيادتها برنامج استبدال المركز بالهامش أو العكههس‬ ‫‪4‬‬ .‬بل أن مفهوم الجديههد ل يتلءم مههع فكههرة صههراع الهويههات ول مههع‬ ‫مفهوم الهوية لنه يقوم علههى مفهههومين أساسههيين؛ الول‪ :‬مفهههوم التنههافر‪ 2‬وعدم التصالح مع‬ ‫الواقع ويعني إننا ل نريد في تجريدنا للواقع الوصول لمفاهيم كلية تفسره بحيث يصههبح الواقههع‬ ‫ساكن غير متحرك وتغيب أية آفاق للتغيير‪ ،‬ويعني أيضًا محاولتنهها المسههتمرة لفهههم الهويههة فههي‬ ‫إطار تاريخي واجتماعي متحرك‪ ،‬مما يجعلنا دائمًا قادرين على رؤية البدائل باتجههاه مسههتقبلنا‪.‬‬ ‫وهذا لن يتوفر إ ّ‬ ‫ومع ذلك فإن نقد أيديولوجيا صراع الهويات يجب أن يتمتع بحساسية عالية ويميز بين‬ ‫الضحايا والجلدين‪ .‫المسيطرة سيكون له دم الضحايا الثنههي وجهتهههم‪ .‬ولذلك يجب أن يكون محتوى السودان الجديد وأساسه جديد حقًا‪.

‬‬ ‫إن مقولت المركز والهامش وصراع الهويات لن تؤدي لقيام دولة واحدة في السودان‬ ‫لنها تنظر إلى الصراع على أنه صراع هويات مغلقة ول يوجد ما يجمعها ومن ثم يصبح من‬ ‫المستحيل الحديث عن سودان واحد‪ ،‬والنتيجة المترتبة على ذلك استحالة قيام دولة قومية في‬ ‫ل إلى دولة قومية في السودان تعتمد على مفهوم‬ ‫السودان‪ .‬والتفكير النقدى فى هذه الرؤية يسعى إلى تجاوز مقدماتها بالتضاد‬ ‫معها بالختلف ل بالتماثل‪ ،‬مما يفتح أفق البلد على وحدتها الوطنية وتكاملها القومى‬ ‫بالنتصاف للمظالم‪ ،‬وفى ذات الوقت تأسيس حق كل فرد فى النمو فى سياق القيم الرمزية‬ ‫التى نشأ وتربى عليها وتطويرها أو التخلى عنها إذا شاء‪ .‬ولن التضاد بين هاتين المركزيتين هو تضاد تماثل فإنهما تنزعان إلى التماهى فى‬ ‫رؤية واحدة ذات وجهين‪ ،‬يسعى كل وجه إلى تأكيد الخر‪ ،‬بل إن وجود أحدهما يقتضى‬ ‫ويلزم عنه وجود الخر‪ .‬وليس المقصود هنا انكار الهويات التى يستشعرها الناس كأمر جوهرى‪ ،‬وليس‬ ‫المقصود انكار ما قد يترتب عليها من مظالم وقهر وإنما المقصود أن نقتنع بالصل‬ ‫المصطنع لهذه الهويات والصل المصطنع للعتقاد بالنتماء الى إثنية مشتركة‪ ،‬دون أن يقلل‬ ‫ذلك من قناعتنا بفاعلية العتقاد بالهوية الذى يقوم على ترابط منطقى يمكن أن يتحول إلى‬ ‫علقات شخصية أو وعى جماعى‪.‬يقوم‬ ‫هذا الموقف على إجماع النظريات السياسية المعاصرة فى السنوات الخيرة على أن"المم‬ ‫مجتمعات متخيلة" العبارة الشهيرة التى دائمًا مايتم اقتباسها من بنديكت أندرسون‬ ‫‪ Benedict Anderson‬أو هى "مصنوعات ثقافية" تشكل إدعاءاتها بالشكال‬ ‫الجوهرية للهوية الجماعية‪ ،‬كتجانس عرقى او إثنى‪ ،‬وكلغة وتاريخ ومصير مشترك‪ ،‬أو حتى‬ ‫كمعنى عام للخير‪ ،‬تشكل بناءات مصطنعة للناس الذين يحتاجونها للتأقلم والتوافق مع الشروط‬ ‫الثقافية والسياسية المتغيرة ويحتاجونها لتوليد افضل الشكال وأقواها من التضامن‬ ‫الجتماعى‪ 4.‬ولكن السؤال هل نحن في حاجة فع ً‬ ‫الهوية أم أننا في حاجة إلى دولة من نوع آخر؟ ومنعًا لللتباس فى الموقف السياسى والفكرى‬ ‫والنظرى الذى أعّبر عنه فى موضوع الهوية )وهو موضوع إستراتيجيته الساسية هى‬ ‫اللبس(‪ ،‬فلبد من البانة والوضوح حول هذا الموقف بتقرير إطاره وهيكله الساسى‪ .‫ل من استبدال السودان القديم بالجديد‪ ،‬وتلخيصًا لما سبق اعتقد أن ايدولوجيا صراع الهويات‬ ‫بد ً‬ ‫تعبر بدقة عن السياق الذي أنتج القوى القديمة في السودان‪.‬وهذا أول خلفنا مع‬ ‫أيديولوجيا صراع الهويات بنزعتيها المركزيتين‪ ،‬المركزية العربية السلمية والمركزية‬ ‫الفريقية‪ ،‬فالنزاع الراهن فى السودان ليفسره النزاع بين الهويات‪ ،‬بل إن تبّدى الصراع‬ ‫‪5‬‬ .‬وسيعتمد هذا المقال في نقده‬ ‫ليديولوجيا صراع الهويات على رؤية كل من فرانسيس دينق وجون قرنق‪.‬‬ ‫لقد أثمر هذا الصراع نتائج ُمّرة‪ :‬مركزية عربية اسلمية ومركزية أفريقية مضادة‪ .‬‬ ‫هذه الهويات ليست عوامل مفسرة وانما تحتاج للتفسير‪ .‬‬ ‫ولن هذا الموضوع شائك ومعقد وينتمى فى حياة الناس لوجدانهم وعواطفهم‬ ‫وكرامتهم ومن ثم لتصوراتهم عن أنفسهم وعن الخرين فى بلدهم وخارجها وعن بلدهم‬ ‫ذاتها‪ ،‬ولن الصراع الجتماعى تبدى تاريخيًا كصراع بين الهويات فأصبحت مصائر البلد‬ ‫معلقة بنتائجه‪ ،‬ولن تاريخ بلدنا فى ارتباطه بهذا الصراع هو تاريخ من العسف والمظالم‬ ‫ومخاضات الدم والقهر وانتهاكات الكرامة‪ ،‬فلبد من معالجة الموضوع بحساسية رفيعة تقف‬ ‫الى جانب الضحايا وتفضح الستعلء والهيمنة دون أن تقع فى الستعلء والهيمنة المضادة‪.‬ونقد‬ ‫أيديولوجيا صراع الهويات وفضحها يتطلب بالضافة إلى الكشف عن أساسها القتصادي ه‬ ‫الجتماعي يتطلب أيضًا تفكيك وتجاوز المقدمات النظرية والفكرية والسياسية للمركزيتين‬ ‫المتضادتين‪ ،‬اللتين تبدوان قائمتين على ذات المقدمات على الرغم من تضادهما ) أو بسببه فى‬ ‫الحقيقة (‪ .

‬هذه‬ ‫الستراتيجيات الجديدة تفتح الهويات على رموز وقيم رمزية من تاريخها فتستعيد المركزية‬ ‫العربية السلمية مكونها الفريقى وتنفتح المركزية الفريقية على فكرة التعددية الثقافية‬ ‫) التى تشكل الساس الحقيقى للهوية اليوم ( فيتجاوزا معا مركزيتهما العرقية والثنية الى‬ ‫استراتيجية جديدة للهوية السودانوية وهى استراتيجية ه بالضرورة ه لتؤدى الى السيطرة‬ ‫والعداوة بل تؤدى إلى المشاركة وإلى التواريخ المشتركة والمتقاطعة وإلى تجاوز التصورات‬ ‫المغلقة عن الهويات‪ .‬الشق الول على الرغم من أنه يقوم على المقدمات السابقة إ ّ‬ ‫تؤدى إليه أيضًا‪ .‬هذا الطار ستتضح تفاصيله‬ ‫فى ثنايا محاولتنا النقدية وأطروحاتها البديلة‪.‬‬ ‫أما الشق الثانى من المعالجة فيبدأ من الصل المصطنع للهوية الذى يجعل فى‬ ‫مقدورنا ان نستبدل استراتيجيات الهويات فى البلد بأخرى جديدة‪ .‬عبد ال على‬ ‫ابراهيم‪ 7‬كمحاولة لمثقفين شماليين للتخفيف من غلواء ثقافتهم العربية السلمية وتزمتها‬ ‫بإدخال مكون متخيل أفريقى عليها وفشل المشروع لنه مجرد تنويع على المركزية العربية‬ ‫انتهى برفض المركزيتيين لها كما ذهب إلى ذلك د‪ .‬‬ ‫‪6‬‬ .‬هذا التصور يتجاوز الفروعربية التى فضحها من قبل د‪ .‬‬ ‫وبناًء على ذلك فإن الموقف الذى أعبر عنه يطرح معالجة ذات شقين لزمة الهوية‬ ‫ل أن التجربة التاريخية‬ ‫فى البلد‪ .‬إن صراع الهويات ليس صراعًا‬ ‫ميتافيزيقيًا بين هويات مغلقة خارج التاريخ ذات طبائع وخصائص جوهرية وإنما هو صراع‬ ‫تاريخى‪ ،‬بمعنى أنه صراع اجتماعى وسياسى‪ ،‬أى صراع حول السلطة والثروة ولظروف‬ ‫بعينها أصبح هذا الصراع يدار على أسس من استراتيجيات الهوية‪ .‬استراتيجيات جديدات‬ ‫للهويات تدعم عملية التكامل السياسية وتبتعد عن الصراع السياسى والجتماعى‪ .‬‬ ‫كان لبد من الطالة فى إبانة إطار الموقف الذى أعبر عنه منعًا لللتباس فى أمرٍ‬ ‫ل ملتبس لكى ُيقدم القارىء على متابعة محاولتى للتفكير النقدى فى نزاع الهويات‬ ‫طابعه أص ً‬ ‫وهو على إدراك واضح بموقفى من القضية‪ .‬عبد ال‪.‬وهذا مايجب فضحه‪.‫ل مفسرًا‪ .‬إن‬ ‫كنزاع بين هويات هو الذى يحتاج الى تفسير وليصلح مطلقا أن يكون عام ً‬ ‫مجرد وجود هويات متنوعة ليصلح مطلقًا أن يكون أساسًا للنزاع بينها‪ .‬وهذا يعنى أن نفهم‬ ‫الظروف التى تدفع جماعة من الناس إلى إدراك الهوية كنواة مغلقة وصلدة ومن ثم تدفعهم‬ ‫للنسياق وراء الذين يستغلون هذا الوهم لصالحهم‪ 5.‬فأنا أعتبر نفسى على ذات السرج الذى يركبه‬ ‫د‪.‬فصراع الهويات قد قاد البلد إلى طريق مسدود ينذر بتفتيت البلد وفقدانها‬ ‫ومن ثم يجب أن نستبدل السس التى يدار عليها الصراع الجتماعى والسياسى من أسس‬ ‫استراتيجيات الهوية إلى أسس قانونية ودستورية يخضع الفراد وفقًا لها لعملية تكامل سياسية‬ ‫مع الدولة الدستورية الديمقراطية بمقتضى موافقتهم على مبادىء الدستور من منظور تفسير‬ ‫يتحدد بالفهم السياسى والخلقى للمواطنيين والثقافة السياسية للبلد بحيث ليتم اجبار أى فرد‬ ‫على عملية تكامل ثقافية تتطلب تجريده من ثقافته وتعويده على طريقة حياة وممارسات‬ ‫وعادات ثقافة اخرى‪ 6‬وكما هو واضح فإننا نستبدل عملية التكامل الثقافية‪ ،‬التى تسعى الى‬ ‫فرض ثقافة مركزية واحدة على البلد والتى خاضت فيها البلد منذ الستقلل وبلغت اقصى‬ ‫تطرفها مع نظام الجبهة السلمية‪ ،‬بعملية تكامل سياسية تفرض نظامًا ووحدة تقوم على أسس‬ ‫دستورية وقانونية تعبر عن منظور سياسى وأخلقى للمواطنيين وثقافتهم السياسية‪.‬قرنق ‪،‬معًا‪ ،‬نريد سودانًا جديدًا ولكن مع فارق أساسى وهو أننى ل أريده‬ ‫مقلوبًا عن السودان القديم وإنما سودان جديد حقًا تقوم تصورات مثقفيه ومواطنيه على‬ ‫منجزات معارف الحضارة النسانية المعاصرة وقمم فكرها الديمقراطى‪ ،‬سودان يستكمل‬ ‫اندراجه في مشروع حداثته ويحل على أساسها جميع أزماته‪ .‬فرانسيس ود‪.

‫يطرح د‪.‬قرنق ذلههك ويههرى أنههه ربمهها تغيههرت القههوى "التقليديههة" أكههثر مههن القههوى‬ ‫"الحديثة"‪13‬بسبب قابليتها للتغيير من أجل منفعتها الذاتية‪ 14.‬فرانسيس كما سنرى بعد قليل‪ ،‬وإذا لم يقع ذلك فإن مآل البلد هو النفصال‪.‬فد‪ .‬‬ ‫نشأت الهويتان المتنافستان فى الشمال والجنوب عبر مراحل متوازيههة ه ه كمهها يههرى د‪.‬صحيح أن‬ ‫القوى التقليدية إذا أرادت أن تحكم السودان فلبد من أن تغير طرائق حكمها ولكن هذا ل يعني‬ ‫‪7‬‬ .‬‬ ‫غيههر أننههي أود السههتطراد فههي ملحظههة تتعلههق بوصههف الجبهههة السههلمية والحركههة‬ ‫الشعبية بالنموذجين الكثر حداثة للهويتين العربية السلمية والفريقيههة علههى التههوالي‪ .‬فرانسيس ه عبر مرحلة انتقالية سادت خللههها الطائفيههة فههى الشههمال‪،‬‬ ‫وتوسعت آفاق التعليم الغربى التبشيرى ذى التوجه المسيحى وسط المتعلمين فى الجنوب‪ 10‬إلى‬ ‫أن انتهت الهويتان إلى النموذج الكثر حداثة في الجبهة السههلمية والحركههة الشههعبية‪ .‬‬ ‫إننا وإن كنا قد إستنتجنا هذا النفي والستبعاد لمشروع الحداثة وقههواه اسههتنتاجاً بالنسههبة‬ ‫إلى د‪ .‬فرانسيس فإن د‪ .‬إن أول‬ ‫ملحظة على هذا الوصههف هههي أنههه ينظههر إلههى التطههور السياسههي هه الجتمههاعي علههى أسههاس‬ ‫أيديولوجيا صراع الهويات وبسبب ذلك فهههو يمههوه كههل تاريخنهها السياسههي هه الجتمههاعي ليبههدو‬ ‫كصيرورة تجلي لجوهرين ميتافيزيقين مستقلين تمامًا عن بعضهما البعض‪ ،‬هما الهوية العربية‬ ‫السلمية والهوية الفريقية‪ .‬فرانسيس إنما هم‬ ‫بقيادة الجنوب مع مشاركة عناصرمن الشمال‪ 8‬إ ّ‬ ‫يعبرون عن النموذج الكثر حداثة للهوية فى الشمال تمامًا كما تعبر الحركة الشعبية لتحرير‬ ‫السودان عن النموذج الكثر حداثة للهوية فى الجنوب‪ .‬إن أيههديولوجيا صههراع الهويههات تقصههي مشههروع الحداثههة لنههها تفهههم التاريههخ‬ ‫كتجلي لجوهر واحد هو الجوهر القومي وهي بذلك تلغي التركيب والتمايز والتعددية التي هههي‬ ‫أسس مشروع الحداثة وأهم خصائصه )من المستحيل أن نطلق كلمههة "الحههديث" علههى مجتمههع‬ ‫يسعى قبل كل شههئ لن ينتظههم ويعمههل طبقهًا لههوحي إلهههي أو جههوهر قههومي(‪ 11.‬قرنق يضع إستنتاجًا يقههول أن السههودان‬ ‫القديم قد وصل إلى النهايههة وأنههه‪ ،‬الن‪ ،‬ل توجههد فرصههة لسههتمرار السههودان القههديم‪ ،‬فإمهها أن‬ ‫يتحقق السودان الجديد أو تتمزق البلد‪ 12،‬وهو إستنتاج نتفق فيه مع د‪ .‬قرنق‬ ‫يبني على هذا السههتنتاج نتيجههة تههرى أن القههوى التقليديههة يمكههن أن تلتحههق بمشههروع السههودان‬ ‫الجديد بل يرجح د‪ .‬وفههى الحههالتين تسههيطر علههى‬ ‫المجتمع علقات السرة والمصاهرة والنسب والتى على أساسها تتحدد مقامات المواطنيين‬ ‫اعتمادًا على النسب والسن والجنس )ذكر أم أنثى(‪ .‬‬ ‫فرانسيس ه وكان لكل من الهويتين مرحلة تقليدية هيمنت عليها الهياكل والقيم القبلية‪ ،‬فالشمال‬ ‫يتبع النهج السههلمى والجنههوب يتبههع التقاليههد المحليههة الفريقيههة‪ .‬وهذان النموذجان تبلوران عبر فترات‬ ‫‪9‬‬ ‫طويلة من تاريخ يحمل افتراضات عميقة الجذور‪.‬ولذلك كانت‬ ‫النتيجة الطبيعية هي أن تختفي القوى الحديثة وأهم وقائع تاريخنهها السياسههي الحههديث المرتبطههة‬ ‫بها من تاريخنا الجتماعي السياسي كما تفهمه أيديولوجيا صراع الهويات‪.‬إن هههذا‬ ‫الوصف‪ ،‬المرتبط بتمههويه تاريخنهها السياسههي هه الجتمههاعي ليبههدو كصههيرورة تجلههي للهويههتين‪،‬‬ ‫يستبعد عن هذا التاريخ مشههروع الحداثههة نفسههه وبالتههالي يسههتبعد أهههم القههوى الجتماعيههة الههتي‬ ‫ترتبط بهذا المشروع أل وهي القوى التي درجنا على تسههميتها فههي تاريخنهها السياسههي الحههديث‬ ‫بالقوى الحديثة‪ .‬قرنق يشير إليه بوضوح‪ .‬ومههن ثههم‬ ‫تطور ذلك ه كما يرى د‪ .‬قرنق‪ ،‬ولكن د‪ .‬وهذا ما نختلف فيه‪ .‬فرانسيس رؤية هى الوجه الخر من عملة وجهها الول هو المركزية‬ ‫العربية السلمية رغم أنه يرى أن المواجهة الحاسمة سوف تكون بين السلميين والعلمانيين‬ ‫ل أن السلميين عند د‪ .‬فالزعماء ينحدرون غالبًا من أسههر تحظههى‬ ‫بالهيمنة السياسية والدينية والنساء يخضههعن للرجههال وعلههى الطفههال الههبر بالوالههدين‪ .‬إن النتيجة الطبيعية التي تترتب علههى هههذا المنطههق هههو أن هههذين‬ ‫الجوهرين المستقلين لن يلتقيا أبدًا إل إذا ألغى أحدهما الخر‪ ،‬وهي النتيجة الههتي سيصههل إليههها‬ ‫د‪.

‬إن د‪ .‬‬ ‫هذا الموقف يعّبر بالضبط عن تناقض التماثل الذي يتحول فيه النقيض ويصبح متماثلً‬ ‫مع نقيضه فينتهيا إلى هويههة واحههدة‪ ،‬وهههذا مهها توصههلنا إليههه مههن قبههل‪ .‬‬ ‫إن أسس تفكير قرنق القائمههة علههى أيههديولوجيا صههراع الهويههات أدت ببسههاطة لحصههر‬ ‫التناقض بين القوى التقليدية‪ ،‬وهي قوى قومية‪ ،‬والقوى الجديدة‪ ،‬وهي طبقًا لقرنق قههوى قوميههة‬ ‫أيضًا‪ .‬قرنق يرى‬ ‫أص ً‬ ‫أن النقابة هامة جدًا بالنسبة للعمال فيما يخص أحههوالهم المعيشههية و)لكههن عنههدما يتعلههق المههر‬ ‫بالسياسة‪ ،‬فيما يتصل بالهوية‪ ،‬فهم يرجعون إلى ما أسميته "قواعدهم البدائية"(‪ 16..‬ويمضي د‪ .‬بههل إن‬ ‫د‪ ..‬قرنق باعتبار أن مجتمعاتنا تتمايز به ممهها‬ ‫‪8‬‬ .‬قرنق في منطههق أيههديولوجيا صههراع الهويههات إلههى‬ ‫نهايته‪ ،‬ويرى أن جزءًا كبيرًا من القوى التقليدية يمكنههه اللتحههاق بالسههودان الجديههد وذلههك لن‬ ‫الجبهة السلمية قد وصلت بالسودان القديم إلى نهاية طريقه المسدود‪ ،‬ومن ثههم تتحههول القههوى‬ ‫الحديثة إلى قوى تقليدية‪ .‬أن أيههديولوجيا صههراع‬ ‫الهويات تؤدي بالحركة إلى نقيض ما تريههد تحقيقههه؛ فينتهههي تحررههها إلههى سههيطرة‪ ،‬وسههودانها‬ ‫الجديد إلى السودان القديم‪ .‬وهذا المنطق ل يمكن فهمه إ ّ‬ ‫قومية فإنها يمكن أن تلتحق بمشروع السودان الجديد بعد انهيار مشروعها‪ ،‬أما القههوى الحديثههة‬ ‫فل مكان لها في هذا المشروع لنها خارج تاريخه‪ ،‬وهو ما يفسر لماذا كانت الحركههة الشههعبية‬ ‫وما زالت أكثر اقترابًا للقوى التقليدية في التجمع الوطني من القوى الحديثة‪.‬قرنق في حواره مع القههوى الحديثههة يههوجه‬ ‫ل مستنكرًا ومستفزًا جدًا لقوى التقدم والحداثة عن ماهية مظاهر الحداثة في أطروحهههاتهم‪.‬فرانسيس‪ ،‬كتج ٍ‬ ‫تصههبح القههوى الحديثههة لههدي د‪.‬فالتناقض الساسي الذي يحدد المجتمعههات فههي السههودان هههو التنههاقض القههومي‪) ،‬فحههتى‬ ‫أولئك الذين يسكنون المههدن‪ ،‬إذا هرشههت جلههدهم بأظههافرك‪ ،‬فإنههك سههتلمس "ريفيتهههم"( ‪ 15‬ولقد‬ ‫وضع المحرر "ريفيتهم" بين معقوفتين للدللة على أن معناها هو "قوميتهم" لن الكلم يههدور‬ ‫ل عن أهمية عامل القوميات بالنسبة للسودان الجديد‪ .‬إن القههوى التقليديههة نقيضههة‬ ‫لمشروع السودان الجديد كمشروع للحداثة ولذلك فهي ل يمكن أن تلتحق به‪ ،‬هي يمكن فقط أن‬ ‫تعيد إنتاج السودان القديم بشكل مختلف ومشّوه‪.‬وبههذلك‬ ‫يفهم التاريخ‪ ،‬شأنه في ذلك شأن د‪ .‬قرنههق قههوى علههى هههامش الصههراع تسههاوي تمام هًا البرجوازيههة‬ ‫الصغيرة في الماركسية لذلك أصبحت ل تؤثر في مجرى الرئيسي للصراع أو مههآلته‪ .‬‬ ‫تساؤ ً‬ ‫وهو استنكار‪ ،‬للسف‪ ،‬ينفى ما انجزته القوى الحديثة كظاهرة اجتماعية واضحة فههي السههودان‬ ‫لها إضافاتها في الحياة السودانية‪ ،‬منها ما يخص المجتمع المدني وما قام به الحههزب الشههيوعي‬ ‫على صعيد النقابات واتحادات الشباب والنساء أو ما يسميه الحزب الشيوعي السوداني بالقطاع‬ ‫الحديث‪ ،‬ومنها ما يخص مساهمتها في ترسههيخ قيههم الديمقراطيههة والعدالههة الجتماعيههة والههدور‬ ‫الحاسم الذي لعبته في صياغة البرنامج الديمقراطي الجتماعي‪ ،‬برنامج السههودان الجديههد حق هًا‪،‬‬ ‫ول يخفى تأثير هذا البرنامج على الحياة السياسية في السودان بما في ذلك تأثيره على الحركههة‬ ‫الشعبية نفسها‪.‬وهذا الكلم موجود بالنص حيههث قههال قرنههق فههي حههواره مههع القههوى‬ ‫الحديثة‪) :‬نحن نعمل معهم ]أي القوى التقليدية[ ‪ .‬المرة القادمة التي نلتقي فيها بعههد عههامين‪،‬‬ ‫يكون قد تم خللها تحرك داخل القوى "التقليدية" بينما تستمرون أنتم على هههذا المنههوال حههتى‬ ‫يحين وقت تجدون فيه القوى "التقليدية" قد أصبحت هي القوى الثورية وتصبحون أنتههم القههوى‬ ‫ل على أساس أن القوى التقليدية ولنها قوى‬ ‫"التقليدية"(‪ 18".‬ولتأكيد هذا المعنى فإن د‪ .‬والتداخل الذي يشير له د‪.‬قرنق يتجنب‪ ،‬كما يقول‪ ،‬استخدام عبهارة "حديثهة" أو "تقدميهة"‪ 17‬مما يتسق مع تصوره‬ ‫للعامل القومي كمحدد للتاريخ‪ .‫ل إذا فهمنا هذا المشروع على أساس أيديولوجيا صراع‬ ‫أنها ستلتحق بمشروع السودان الجديد إ ّ‬ ‫الهويات التي تستبعد مشروع السههودان الجديههد كمشههروع للحداثههة‪ .‬‬ ‫هذا النفي لمشروع الحداثة هو الذي جعل د‪.‬قرنق‬ ‫ل لجوهر واحد هو الجوهر القومي‪ .

‬فرانسيس يشير أحيانًا إلى الحركة‬ ‫الشعبية لتحرير السودان بإعتبارها ممثل الجنوب الذى يقود مشروعًا وطنيًا وعلمانيًا‬ ‫وديمقراطيًا فإن وطنية هذا المشروع تتجسد فى أفريقيته كما رأينا‪ ،‬أما علمانيته فتعبر عنها‬ ‫‪9‬‬ .‫يجعل التغيير ممكنًا‪ 19‬ل يشكل تفسيرًا كافيًا لمكان تحًول القوى التقليدية إلى قوى حديثة‪ ،‬بل‬ ‫إن هذا التداخل هو الذي يحتاج لتفسير ول يمكن إثباته وكأنه شيء ميتافيزيقي ل مبرر له‪ .‬إ ّ‬ ‫د‪.‬‬ ‫ولنهما وجهان لعملة واحدة فإن وجود إحداهما يستدعى وجود الخرى وهو ماقاله د‪.‬قرنق والحركة الشههعبية تعّبههر‬ ‫نظريًا عن مشروع حداثة ملتبس‪ ،‬وبالمقدمات النظرية والسههس الههتي تعتمههدها لههن تههؤدي إلههى‬ ‫سودان جديد ولذلك فإن دورًا أساسيًا يمكن أن تلعبه تلك القوى التي استنكرها د‪ .‬بينما المركزية العربية‬ ‫السلمية ترى فى الهويات الخرى محض خلء قيمى ومعرفى يجب أن تسارع الى ملئه‬ ‫بالهداية والرشاد‪ ،‬وأن رسالتها المقدسة فى حمل العالمين جميعا إليها‪ ،‬ومن ثم تقوم بتقسيم‬ ‫العالم إلى دارين فقط "دار للسلم " و" دار للحرب "‪ ،‬فكل ما ليس هى فهو عدوها‪.‬قرنههق‪ ،‬أعنههي‬ ‫القوى الحديثة‪ ،‬إذ عليها في حوارها مع الحركة الشههعبية أن تعيههد إنتههاج معرفههة تفتههح الطريههق‬ ‫للسودان الجديد‪.‬ولذلك فهما نقيضان زائفان‪ .‬أما إذا كانت الهوية غيرمتسقة مع الحقائق الموضوعية أى العرقية والثنية‬ ‫فهى إنما تعكس حالة مرضية ونظرة ذاتية مشوهة ومهزوزة‪ .‬هذا الفهم للهوية القائم على العرق‬ ‫والثنية يجعلنا نفهم التطور الممرحل للهويتين المتنافستين فى الشمال والجنوب كتجلى لهوية‬ ‫ل معبرًا عنها بالذات فى علقتها مع الهوية الخرى‬ ‫ثابتة مغلقة تتخذ فى كل مرحلة تطور شك ً‬ ‫المنافسة لها‪ ،‬ومع ذلك تظل هى هى ذات الجوهر الميتافيزيقى الذى ليتغّير مطلقًا‪.‬وينطبق نفس‬ ‫يكون وجود الجنوب عامل تحٍد متحد ‪ ،‬هذا إن لم يكن عام ً‬ ‫‪22‬‬ ‫الشىء على الجنوب لنه لول وجود الشمال لما نمت وحدة الهدف" وإذا قرأنا هذا المقتطف‬ ‫مع مقتطف آخر "فالجنوب يمثل الهوية الفريقية والشمال يرى بأنه يمثل الهوية العربية‬ ‫السلمية"‪ 23‬تكتمل لدينا صورة النقيضين اللذين يعبران عن ذات المقدمات النظرية والفكرية‬ ‫والسياسية‪ .‬فرانسيس يركز على العرق والثنية ويرى أنهما أساس الهوية على الرغم من احتواء‬ ‫تعريفه على النظرة الذاتية والثقافة‪ .‬لن النظرة الذاتية والثقافية ليمكن ان تكون أساساً للهوية‬ ‫وأنها لبد أن تكون منسجمة مع الحقائق الموضوعية التى هى دومًا عرقية وإثنية‪ ،‬لكى تكون‬ ‫صحية ومعافاة‪ .‬فرانسيس في مصطلح الهوية‪ ،‬الذى صار جوهرًا للعملية التي تكّون تاريخنا‬ ‫الجتماعي والسياسي‪ ،‬تعبيرًا عن الطريقة التى يصف أو يعّرف بها الفراد أو المجموعات‬ ‫ل أن‬ ‫ذواتهم أو تعريف الخرين لهم استنادًا على العرق‪ ،‬الثنية‪ ،‬الدين‪ ،‬اللغة أو الثقافة‪ .‬‬ ‫ول نحتاج إلى كثير عناء لنتذكر أيضًا أن الصولية السلمية ترى الهوية العربية‬ ‫السلمية كجوهر ميتافيزيقى مغلق ليتغير مطلقًا‪ .‬ول‬ ‫يمكن تقديم تفسير لهذا التداخل إل إذا تبنينا رؤية أن السههودان تكمههن أزمتههه فههي أنههه لههم يكمههل‬ ‫اندراجه في مشروع الحداثة‪ .‬‬ ‫ويرى د‪ .‬فرانسيس ترى أن الهوية العربية السلمية فى الشمال‬ ‫حالة مرضية يجب التعافى منها بالعودة الى الحقائق الموضوعية وبدراسة الجينات كدليل‬ ‫حاسم يجبر الشماليين الى العودة لحقائق العرق والثنية وبذلك يعيدون بناء هويتهم بحيث يتم‬ ‫إقصاء مكونها العربى نهائيًا وتسود البلد فقط هويتها الفريقية‪ 21.‬وكل المركزيتين تقصى إحداهما الخرى‪،‬‬ ‫فالمركزية الفريقية التي يعبر عنها د‪ .‬‬ ‫فرانسيس حرفيًا "ونرى أنه من الصعب رؤية كيفية بروز الشمال كوحدة واحدة دون أن‬ ‫ل بينا للتهديد‪ .‬ولكل ذلك فإنني اعتقد أن رؤية د‪ .‬ولذلك يهاجم فرانسيس‬ ‫الكاديميين الذين تبنوا الذاتية والثقافة كعامليين حاسميين فى تحديد الهوية ويرى أنهم قد‬ ‫عّرضوا ماهو واضح المعالم إلى الضبابية والتشويش‪ 20.‬النقيض الحقيقى هو النقيض المختلف ل النقيض‬ ‫المتماثل‪ ،‬وهو الذى يتجاوز الهوية ول يلغيها‪ .‬وإذا كان د‪ .

‬ففى افريقيا الموغلة‬ ‫فى القدم كانت التقاليد عبارة عن عمليات تطورية مستمرة متواصلة ومفتوحة‪ ،‬وجاء‬ ‫الستعمار وجمدها ه بحجة المحافظةعليها ه فى تقاليد وفلكلور بتأثيره اليديولوجى ونصوصه‬ ‫القانونية وبمحاولته لتثبيت أماكن الهالى أو توجيه هجراتهم‪ .‬‬ ‫إن تحليل د‪.‬فمبدأ الهوية‪ ،‬عند هؤلء‪ ،‬مبدأ سكونى يشكل لباب الفكر الثقافى خلل العهود‬ ‫الستعمارية‪ ،‬فالوربيون هم الذين شكلوا شيئًا جوهريًا هو اله"نحن" مقابل اله"هم" وكل‬ ‫واحد منهما مستقر تمامًا‪ .‬هذا إذا كانت‬ ‫هذه النواة عرقية أو إثنية أما إذا كانت هذه النواة المغلقة ثقافية كما تدعى أحيانًا المركزية‬ ‫العربية السلمية وتصر على اعتبار ثقافتها ككيان ثابت ومغلق على نفسه بتمثيلته وعقائده‬ ‫ورموزه‪ .‬فرانسيس يورد فى الهامش إشارات إلى تمازج القبائل النيلية بعناصر حامية‬ ‫قوقازية ويورد ملحظة بروفسير ايفانز برتشارد وشكه فى أن هنالك قبيلة أو مجموعة فى‬ ‫السودان يمكن أن تدعى أنها زنجية‪ .‬لن شخصيتها غير الزنجية وحياتها الرعوية ولدرجٍة ما‬ ‫‪25‬‬ ‫تركيب لغاتها ترجع إلى مزيج وتأثير حامى‪.‬‬ ‫ويمكن هدم هاتين المركزيتين بهدم النواة المغلقة المتضمنة فى كل منهما سواء أكانت‬ ‫هذه النواة المغلقة عرقية أوإثنية أو كانت ثقافية‪ .‬فهنالك اتفاق عام بأنه ل يوجد فى العالم عرقًا‬ ‫نقّيا‪ .‬هذه هى خبرتنا مع التجربة‬ ‫الستعمارية فى بلدنا‪ ،‬ولذلك نزعم أن الهويتين المتنافستين هما نتاج السياسات الستعمارية‬ ‫‪10‬‬ .‬إن الهوية ل تعبر عن جوهر ميتافيزيقي بل عن صيرورة تاريخية واجتماعية‬ ‫واقتصادية‪.‬‬ ‫لقد لعب الستعمار الدور الساسى فى تصليب الهويات والثقافات‪ .‬هذا النقسام يمكن أن نعود به إلى التفكير اليونانى عن البرابرة‬ ‫ولكنه أصبح علمة مميزة للثقافة المبريالية ولتلك الثقافات التى كانت تسعى إلى مقاومتها‪.‬وهنالك وفرة من المؤلفات النثربولوجية‬ ‫او التاريخية تثبت أن المجتمعات السابقة على الستعمار كانت كلها تقريبًا متعددة الثنيات‬ ‫وتضم تشكيلة كبيرة من المجموعات الثقافية‪ ،‬وأن أشكال التعبئة الجتماعية أو الدينية كانت‬ ‫تشمل إثنيات متعددة‪ ،‬وأن أفريقيا الغابرة لم تكن بالتأكيد شبكة من الثنيات‪ 26.‬‬ ‫ويخلص ادوارد سعيد إلى أن جميع الثقافات منشبكة إحداها بالخريات وليست بينها ثقافة‬ ‫منفردة ونقية محضة‪ ،‬بل كلها مهجنة‪ ،‬مولدة‪ ،‬متخالطة‪،‬متمايزة الى درجة فائقة‪ ،‬وغير‬ ‫واحدية‪ 27.‬فإذا كان أمر اختلط الشمال‬ ‫معروفًا فإن د‪ .‬فإن هذا شطط واضح لن أية ثقافة يجرى خلقها فى التأثير والتفاعل المتبادل‬ ‫وتستمر فى التغير والتبدل والتطور وفقًا لهذه العملية‪ .‬والمثلة أكثر من أن تحصى فالتاريخ‬ ‫النسانى كله شاهد على هذه العملية‪ .‬فرانسيس فى كتابه صراع الرؤى يفترض أن الثنية حقيقة موضوعية‪،‬‬ ‫بينما هى مجرد واقع يخص الوعى‪ ،‬وهو يريد أن يكون النتماء الى الثنية موروثًا ويرجع‬ ‫إلى أصول قديمة بينما هو يتغير مع الزمان والمكان‪ .‬فرانسيس‪.‬ود‪.‫المسيحية والتعليم الغربى اللذان استوعبتهما هويته الفريقية‪ ،‬أما ديمقراطيته فتعانى من مشاكل‬ ‫حقيقية فى الحركة بإعتراف د‪ .‬‬ ‫إن الحياة النسانية ل تعرف الهويات التى تنطوى على أنوية مغلقة فما من هوية إ ّ‬ ‫ل‬ ‫وقامت على تعددية ثقافية‪ ،‬فكل الثقافات هجينة كمايرى إدوارد سعيد ومفكرون نقديون‬ ‫آخرون‪ .‬فقد تأثرت عقائد الثقافة العربية السلمية بمؤثرات‬ ‫الفلسفة اليونانية حتى فى أصول فقهها الذى تأثر بالمنطق الرسطوطالى‪.‬فرانسيس نفسه يورد فى كتابه المنشور فى عام ‪1973‬م والذى ترجمه الستاذ محمد‬ ‫على جادين فى عام ‪1999‬م بعنوان " مشكلة الهوية فى السودان" أن هنالك صعوبة فى‬ ‫تحديد انتماء وهوية الشمال أو الجنوب على أساس عرقى‪ 24.‬فرانسيس نفسه‪ .‬وهذا يعنى أن مشروع الحركة الشعبية يعبر‬ ‫جوهريًا عن مركزية أفريقية بالنسبة إلى قراءتنا النقدية لرؤية د‪ .

‬‬ ‫فرانسيس هويتهم يعنى استعبادهم واسترقاقهم‪ .‬ونستطيع أن‬ ‫نستخلص من ذلك أن ظاهرة النتماء لهوية إثنية ظاهرة حديثة تمامًا‪ ،‬مرتبطة بالدولة‬ ‫‪28‬‬ ‫"المستوردة" ه بالدولة الكولونيالية ه وليست راسبًا أو إنبعاثًا جديدًا للثقافة التقليدية‪.‬فرانسيس يورد إحتمال آخر وهو التسههليم الجههدلى بههأن السههودانيين الشههماليين عرقيهها عههرب‬ ‫‪11‬‬ .‫شأنهما فى ذلك شأن سائر الهويات التى ارتبطت بالثقافة المبريالية وبمقاومتها أيضًا كما قلنا‬ ‫من قبل‪ .‬وهنالك حيثيات أخرى تدعم هذا الستنتاج من واقع خبرتنا أيضًا بالتجربة‬ ‫الستعمارية فالطائفتان الساسيتان اللتان تعبران عن هوية شمال السودان‪ ،‬فى المرحلة الثانية‬ ‫من تطورها كما يرى د‪.‬فرانسيس وهى الفكرة التى ترى أن الطابع‬ ‫الجوهرى للهوية فى الشمال هو الستيعاب‪ ،‬بينما الطابع الجوهرى للهوية فى الجنوب هو‬ ‫المقاومة‪ .‬ورغههم أن‬ ‫د‪ .‬وهو ما ل يمكن أن يصح ولكنه منطق‬ ‫المركزية والمركزية المضادة يجعلهما تتبادلن القصاء والزدراء والحتقار‪.‬وهذا الختلط هو الساس لمعظم القبائل فى وادى النيل فى شمال السودان‪ .‬فمن الطبيعى أن ترفض الهوية المغلقة النفتاح على الخر بمقاومته‬ ‫ورفضه وهو ما نجح فيه الجنوب فصار القرب إلى واقع الحال وإلى الحقائق الواقعية‪ ،‬بينما‬ ‫فشل الفريقى الشمالى ولذلك تم إستيعابه وأصبح موقفه غير منسجمًا مع إدعائه العروبة‪ .‬‬ ‫ولن رؤية د‪ .‬‬ ‫إن التصور الذى يرفض مبدأ الهوية السكونى ويرى الثقافات كهجنة وتعددية‪ ،‬يهدم‬ ‫أيضا إحدى أهم الفكار التى تقوم عليها رؤية د‪.‬يقرر د‪.‬إن وصف معظم الشماليين بأنهم ينحدرون من‬ ‫أصول عبودية ل تسنده حقائق التاريخ وإنما يسنده فقط منطق الثأر‪ .‬فرانسيس تعبر عن رد فعل لستعلء المركزية العربية‬ ‫السلمية فى الشمال بإستعلء أفريقى مضاد‪ .‬وهى حجة تسقط العبودية عن سكان‬ ‫الجنوب‪ ،‬وهو محق فى ذلك‪ ،‬ولكن لتلصقها بالشماليين‪ ،‬وهو غير محق فى ذلك‪ .‬إن هذه الفكرة تبدو فى ظاهرها وكأنها مجرد تعبير عن وقائع تاريخية‪ ،‬بينما‬ ‫القتراب النقدى منها يفضحها لنها تقوم على تصور مغلق للهوية ل ينفتح على التعدد فيصير‬ ‫ل وظاهرة غير سوية كان لبد أن تنتهى إلى حالة باثولوجية )مرضية(‬ ‫بذلك الستيعاب خل ً‬ ‫يعانى فيها الشمالى من التشوش والهتزاز فى نظرته إلى ذاته‪ .‬فكلنا يعلم أن التزاوج‬ ‫والختلط بين النوبة فى شمال السودان والعرب المهاجرين لم يكن قائما على الرق‬ ‫والعبودية‪ .‬وما يؤكد هذا الستنتاج حجة ثانوية يوردها فى‬ ‫أكثر من موضع وتعتمد على فكرة الستيعاب والمقاومة‪ .‬وسياساتها‬ ‫فى الجنوب هى التى أدت إلى تكوين هويته بتجميده فى تقاليد وفلكلور وبتأثيرها اليديولوجى‬ ‫ونصوصها القانونية التى سيطرت على حركة السكان‪ ،‬كما رأينا قبل قليل‪ .‬هذا‬ ‫التصور ل يمت بصلة بمناهج التفكير النقدى التى ترى فى العالم الهجنة والتعددية وأن إنسان‬ ‫هذا العالم يقيم هويته على التبادل والتهجين والستعداد للتأقلم‪.‬فرانسيس يسودها منطق المركزيههة والمركزيههة المضههادة فإنههها ل تههرى‬ ‫مخرجا للزمة إل بفحص صحة وشرعية إدعاء العروبههة وسههوف يوضههح ذلههك الفحههص عههدم‬ ‫وجود أساس للنقسام العرقى المفترض‪ ،‬الذى تقوم عليه مشاعر التحامههل والتمييههز‪ .‬فرانسيس دينق‪ ،‬وهما طائفتى النصار والختمية‪ ،‬هما نتاج السياسات‬ ‫الستعمارية التى أكدت شرعية امتلك الرض وحولتها إلى وثائق قانونية‪ ،‬وأقامت مؤسسات‬ ‫سياسية جديدة‪ ،‬ووزعت المصادر القتصادية‪ ،‬وحددت الوضاع الجتماعية‪ ،‬وأنشأت قيمًا‬ ‫اخلقية واقتصادية وسياسية جديدة أكسبت الدولة الكولونيالية صفة الدولة الحقيقية‪ .‬ول‬ ‫يمكن أن يتصف معظم الشماليين بأصول عبودية إل إذا كان الستيعاب الذى يصف به د‪.‬بينما يعبر فيها الجنوبى عن‬ ‫وضع صحى ومعافى‪ .‬‬ ‫فرانسيس فى هذه الحجة أن سكان الجنوب الذين بقوا فيه ترسخ لديهم الحساس بالهوية‬ ‫والكبرياء عبر مقاومتهم الظافرة ليظلوا أحرارًا من العبودية والهيمنة‪ ،‬بينما معظم الشماليين‬ ‫ينحدرون من إختلط بالعبيد من الجنوب‪ .‬‬ ‫هذه الفكرة الهامة فى رؤية د‪ .

‬قرنههق يطههرح مركزيتههه الفريقيههة علههى نحههو‬ ‫أكثر تعقيدًا‪ .‬أمهها إذا أصههر الشههماليون علههى نظرتهههم‬ ‫ل يفرضههوا إرادتهههم علههى‬ ‫الذاتية بأنهم عرب فإن النصاف والعدل يمليههان بههأنه يجههب عليهههم أ ّ‬ ‫الجنوب وإن عليهم قبول إنفصال البلد‪ 29.‬ولذلك فإن البههديل هههو الخيههار الههذى يفضههله د‪ .‬إن هههذا النقههد القاسههي للحركههة‬ ‫الشعبية لتحرير السودان رغم أنها تمثل واحدة من أكبر قههوى التغييههر فههي السههودان ضههروري‬ ‫لينفتح الفق أمام وحدة السودان ولنجاز خطوات في مشروعنا الجتماعي للتحرر‪.‫ل أن هههذا‬ ‫ولكن ما يهم هو أنه يجب عليهم الكف عن التصرفات العنصرية تجاه غير العرب‪ ،‬إ ّ‬ ‫الحتمال الخر يرد فقط كإحتمال منطقى وقياسى ه على حههد تعههبير د‪ .‬والتضليل اليديولوجي ل ينتج إ ّ‬ ‫القديم هو السودان الجديد‪ ،‬ويصير إعادة إنتاج السيطرة تحررًا‪ .‬إن قرنق يعتمد ح ً‬ ‫السودان يقوم على رابطة قومية تصهر التنوع التاريخي والمعاصر وهو بذلك يعتمد تصور أن‬ ‫الزمة في السودان أزمة صراع هويات ولكنه يرى الحل ل في تخطي وتجاوز هههذا الصههراع‬ ‫ل قوميًا مما يعيد إنتاج الزمة وأسس السههودان القههديم مجههددًا‪ .‬أمهها إذا رفضههوا ذلههك وتمسههكوا بههذلك‬ ‫المكّون من هويتهم فإن المر سينتهى إلى النفصال لنهم لن يستطيعوا أن يعملوا علههى الضههد‬ ‫من مشاعرهم العرقية الطبقية المتأصلة‪ .‬وأعتقد أنه تحت شروط هذا القصاء المتبادل بين المركزيههتين المتضههادتين‬ ‫فإن المخرج الوحيد لزمة البلد هو النفصال‪.‬بينمهها ع هّرف التنههوع المعاصههر بههأنه القوميههات والثنيههات‬ ‫والثقافات المتعددة وأن السودان به ‪ 500‬مجموعة تتحدث أكثر من مئة لغة وتعتقد في أديان‬ ‫مختلفة‪ 30.‬‬ ‫وما يؤكد ما ذهبت إليه من أن د‪ .‬فرانسيس تعّبر عن المركزية الفريقية المضههادة للمركزيههة العربيههة‬ ‫السلمية بحيث تتبادلن القصاء المتبادل فإن د‪.‬قرنههق يههرى أن وحههدة السههودان مفادههها أن الوحههدة أساسههها التنههوع التههاريخي‬ ‫والمعاصر‪ .‬فرانسيس تمضى على النحو التالى‪ :‬إن‬ ‫على الشماليين إذا أرادوا أن يحفظوا للبلد وحدتها أن يتخلوا عن مكون هههويتهم العربههى علههى‬ ‫أساس من الحقائق العرقية التى تنكر عليهم هذا المكّون‪ .‬فرانسههيس‬ ‫وهو القرار بأن هذه المشاعر ل تقههوم علههى حقههائق‪ .‬قرنق يرى تاريخ السودان كصيرورة مسههتمرة تعّبههر‬ ‫عن جوهر واحد من التنوع أن اقتراحه لحل الزمة يتمثل في صهر عناصر التنههوع التههاريخي‬ ‫والمعاصر كي ننشئ أمة سودانية ونستحدث رابطة قومية نتجاوز بههها هههذه المحليههات ونسههتفيد‬ ‫ل قوميًا للزمة في‬ ‫منها دون أن ننفي أيًا من هههذه المكونههات الخههرى‪ 31.‬إن إقصاء المكههون العربههى مههن هويههة الشههماليين هههو‬ ‫شرط وحدة البلد‪ .‬إن حجة د‪.‬إن رؤيههة‬ ‫وإنما في حله أيضًا ح ً‬ ‫‪12‬‬ .‬ورغم أن هذه الرؤية تبدو وكأنها تقرير لوقائع تاريخ السودان ولحقائق تركيبه‬ ‫ل أنها تخفههي منهجهًا يعهّزز النظههر لزمههة السههودان‬ ‫الثني والثقافي ومن ثم تبدو وكأنها بداهة إ ّ‬ ‫كأزمة صراع هويات وبالتالي تخفي الساس القتصادي ه السياسي لهذه الزمههة‪ .‬هذا الخفاء يحجههب‬ ‫الزمة من حيث هي أزمههة اكمههال معههاق لنههدراج السههودان فههي مشههروع حههداثته‪ .‬فد‪ .‬فرانسههيس هه أى أنههه ل‬ ‫يرد كخيههار عملههى وذلههك بسههبب دعههوته للسههودانيين الشههماليين بههأن يتصههرفوا بطريقههة تعكههس‬ ‫مشاعرهم العرقية الطبقية المتأصلة‪ .‬وعرف التنوع التههاريخي بههأنه الحضههارات القديمههة فههي السههودان كحضههارة كههوش‬ ‫والممالههك النوبيههة والمسههيحية والهجههرات العربيههة السههلمية والحكههم الههتركي ودولههة المهديههة‬ ‫والسههتعمار والحكومههات الوطنيههة‪ .‬إن اعتمههاد‬ ‫أيديولوجيا صراع الهويات للنظر إلى الزمههة فههي السههودان تضههليل أيههديولوجي هههو امتههداد أو‬ ‫انعكاس لتضليل أيديولوجي آخر يفرض هوية عربية إسلمية لتوحيد البلد تحت سههيطرة قههوى‬ ‫ل نتائج مضللة فيصير إعههادة إنتههاج السههودان‬ ‫اجتماعية بعينها‪ .‬‬ ‫وإذا كانت رؤية د‪.‬فهههذا المنهههج‬ ‫برؤيته لتاريخ السودان كتاريخ متصل ل انتقال فيه يرتبههط ماضههيه بحاضههره فههي التعههبير عههن‬ ‫التنوع في صيرورة مستمرة تعّبر عن جوهر واحد إنما يخفههي تطههور مجتمعههات السههودان مههن‬ ‫مجتمعات قديمة إلى مجتمعات تقليدية ثههم أخيههرًا إلههى مجتمعههات حديثههة معاقههة‪ ،‬مههن مجتمعههات‬ ‫أحادية إلى مجتمع يتمايز بالتعدد والتركيب الذي يميز الحداثة ومجتمعاتها‪ .

‬وهذا يعكس مقدار اللتباس الههذي يتسههم بههه مشههروع‬ ‫الحركة الشعبية وقائدها د‪ .‬ولذلك فان مقولة الوحدة في التنوع‬ ‫‪13‬‬ .‬إن اعتمادنا للهوية كاختلف‪ ،‬طبقًا لسههس التفكيههر الفلسههفي المعاصههر‪ ،‬يجعههل محاولههة‬ ‫إمساكنا بهويتنا الجارية في الواقع مستحيلة لنه يصعب تقديم مفهوم يتطابق معههها فههي التعههبير‬ ‫ل أنه ل يمكن التعبير عنها إل بما ل ينتمي لها‪ .‬إن السههتنتاج الههذي‬ ‫يعتمد عليه قرنق ل يوفر أية فرصة لحل أزمة السودان المتمثلة ه وفق هًا لقرنههق ه ه فههي حصههرنا‬ ‫العملية القومية في المكونات العربية السلمية وتجاهلنا للمكونات الخرى إذ أن الحل القههومي‬ ‫مهما بدا أنه قائم على النصهار والتمازج فهو كرابطة قومية أي كعلقة بيههن قوميههات سههتبرز‬ ‫فيها دائمًا علقات سلطة بين هذه القوميات ترجح بعض المكونات علههى الخههرى‪ .‬‬ ‫قرنق يستخدم هذا الستنتاج كإحدى أدوات فهمه للواقههع السههوداني‪ ،‬بينمهها السههتنتاج نفسههه هههو‬ ‫الذي يحتاج إلى التفسير‪ :‬لماذا حكمت القوى الجتماعية التي سيطرت على البلد منذ اسههتقلله‬ ‫وأنتجت سلطتها في إطار من التشتت والتجزئة والحتراب؟ إذ كان من الضروري أن تنعكههس‬ ‫تلك السلطة القائمة على التشتت أيديولوجيًا كهيمنة ومركزية قومية ودينية‪ .‬‬ ‫إن الستنتاج الساسي لقرنق هو أن السههودان القههديم القههائم علههى الظلههم وعههدم العدالههة‬ ‫وعلى الستبعاد هو السودان الذي يقوم علههى اسههتبعاد مكونههات محههددة وهههو مهها أفههرز الزمههة‬ ‫‪34‬‬ ‫الراهنة وأقام وحدة السودان علههى أسههس ومكونههات محههدودة فههي أبارتيهد الجبهههة السههلمية‪.‬قرنق لتحرير البلد‪.‬ووحههدة التنههوع‬ ‫عنها‪ .‬فالرابطة الجتماعية السياسية ل تعنههي بههأي حههال رابطههة قوميههة ول تقتضههيها‬ ‫وإن كانت لها خصوصية تاريخية واجتماعية‪ .‬فجميع ألوان الطيف‬ ‫السياسي والفكري تردد مقولة "الوحدة في التنوع‪ ،‬والتنوع في الوحدة" التي أصههبحت أكلشههيهًا‬ ‫محفوظًا تردده حتى الصولية الحاكمة في السودان )فيمهها يبههدو وكههأنه تنههاقض مههع مشههروعها‬ ‫الصولي ولكنههه ليههس كههذلك‪ ،‬كمهها سههنرى(‪ ،‬ومههع ذلههك فههإن الزمههة فههي السههودان تتفههاقم‪ .‬ويتضح اللتباس أكثر في التحليههل الههذي يههذهب‬ ‫إلى أن السودان قام منذ الستقلل على شوفينية إثنية ودينية‪ ،‬وأي شكل من الشوفينية يقود إلى‬ ‫الفاشية ومن ثم فإن ما يحدث في السودان يشبه ما حدث في إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية وما‬ ‫حههدث فههي جنههوب أفريقيهها‪ 33‬رغم أنه تشابه جزئي‪ .‬إن‬ ‫ف لتأسيس الوحههدة إذ أننهها ننظههر‬ ‫ف لحل الزمة لنه غير كا ٍ‬ ‫العتراف بالتنوع والتعدد غير كا ٍ‬ ‫للتنوع والتعدد باعتباره تنههوع وتعههدد مفههردات ذات جههوهر ميتههافيزيقى وبالتههالي معزولههة عههن‬ ‫بعضها البعض ول تجد نفسها فيما هو مختلف عنها ولذلك فإن العبارة الصحيحة هههي الوحههدة‬ ‫ليست في التنوع بل في الختلف ل بمعنى الحترام الخلقي للمختلههف بههل بمعنى التضمين‬ ‫للخر‪ .‬‬ ‫وهذا يقودونا إلى سههؤال هههام فههي حياتنهها السياسههية والثقافيههة‪ :‬هههل العههتراف بههالتنوع‬ ‫ف لحل الزمة في السودان؟ أم الكيفية الههتي نههرى بههها هههذا‬ ‫والتعدد العرقي والثقافي والديني كا ٍ‬ ‫التنوع والتعدد هي التي تحل الزمة؟ إن غالب القوى السياسية والتيارات الفكرية في السههودان‬ ‫الن تعترف بالتنوع والتعدد ولكن المشكلة تكمن في الكيفية التي تراه بها‪ .‬ورغم إحساسنا بهويتنا إ ّ‬ ‫ل تكون إل في التنوع الذي يتعرف على هويته في الخر‪ .‫قرنق للهوية رؤية ملتبسة فهو يتحدث عنههها كرابطههة قوميههة ولكنههه وفههي نفههس الصههفحة يعههود‬ ‫ليتحدث عنها كرابطة اجتماعية سياسية‪ 32‬لها خصوصية وهذه إشارة بليغة على اللتباس في‬ ‫الموضوع‪ .‬صحيح أن الفاشية والنازية والنظام‬ ‫العنصري في جنوب أفريقيا أنظمة شوفينية كمهها هههو نظههام الصههولية السههلمية فههي السههودان‬ ‫ولكن من الضروري أن نتذكر أن مقاومة هذه النظمة لم تتم على أسههاس عنصههري أو قههومي‬ ‫أو على أساس صراع الهويات بل على العكس تمت المقاومة وفهمها المقههاومون علههى اعتبههار‬ ‫أن أسسها اقتصادية ه سياسية واجتماعية‪ .‬ففي ذات الوقت الذي يركز فيه قرنق علههى قيههام دولههة قوميههة يتحههدث عههن رابطههة‬ ‫تاريخيههة لههها خصوصههية تاريخيههة واجتماعيههة وطبعهًا هههذان أمههران مختلفههان تمامهًا ول يمكههن‬ ‫المساواة بينهما‪ .‬ولههذلك فههإن‬ ‫الحل يقبع خارج الحل القومي وخارج الدولة القومية‪.

‬وهى النتيجة الطبيعية لسيطرة البنى‬ ‫التقليدية على الحياة السياسية والجتماعية والقتصادية‪.‬‬ ‫إن تجاوز أزمة البلد يكمن فى النقيض المختلف الذى يتجاوز المركزيتين معاً‬ ‫ويحولها من عوامل مفسرة إلى عوامل تحتاج إلى تفسير‪ .‬هذا النتقال يتم على أساس معرفى هو التنوير‪،‬‬ ‫كإطار نظرى تعددى عقلنى نقدى يشمل العقلنية والتجريبية والعلم الطبيعى والتربية والتعليم‬ ‫بوصفهما أدوات تغيير إجتماعى ونقد الكهنوت والنقد السياسى والجتماعى‪ ،‬ويقوم عليه‬ ‫مشروع سياسى يتكون جوهره من حقوق النسان كما تعرفها المواثيق الدولية‪ ،‬والحقوق‬ ‫المدنية والسياسية‪ ،‬والعدالة والديمقراطية والمساواة‪ .‬هذا النقيض المختلف يتمثل فى‬ ‫مهمة إكمال إندراج البلد فى مشروع حداثتها‪ .‫هي أيضا مقولة مضللة‪ ،‬مثلها مثل مقولة صراع الهويات ومثل مقولة المركز والهامش‪ ،‬ومههن‬ ‫السهل أن يستعملها الجميع لن الوحدة الموجودة فيها مجردة وحدة قائمههة علههى إجههراء تكييههف‬ ‫الحياة مع الخر المختلف ول تعني تضمين الخر المختلف في النظر إلى صيرورة هويتنا‪ ،‬أو‬ ‫على نحو أدق‪ ،‬في النظر إلى صيرورة هوية اختلفنا‪.‬وإذا كان ذلك يصح بالنسبة لتيارات الفلسفة‬ ‫المعاصرة فإنه ل يصح لمن يعتقدون في فلسفة الهوية ويرون في الهويات العامل الساسي‬ ‫المحدد للتاريخ‪.‬‬ ‫ولقد أصاب د‪ .‬وغياب هذا المشروع هو الذى يفسر تبدى‬ ‫الصراع الجتماعى والسياسى فى البلد كصراع هويات‪ .‬فرانسيس وتشير إشارة‬ ‫قوية للمركزية العرقية لديه هو إحتفائه بالصول الدينكاوية لقادة ثورة ‪ 1924‬ه وليس فى‬ ‫ذلك مشكلة فنحن أيضا نحتفى بهم وباصولهم الدينكاوية ونرى فيهم رموزا للوحدة الوطنية‬ ‫والتكامل القومى وتعزيزا لهما ه مستنتجا من ذلك أن الجنوبيين وبشكل خاص الدينكا قد قاموا‬ ‫بتصعيد الحركة الوطنية فى الشمال وأشعلوا ثورة ‪ 1924‬فى جميع أنحاء القطر‪ 35،‬وكل ذلك‬ ‫صحيح و ل غبار عليه‪ ،‬ولكن ما يثير الحيرة حقا هو أنه عندما ينتقد زين العابدين عبد التام‪،‬‬ ‫وهو أحد قادة ثورة ‪ 1924‬من الدينكا وكان له دورا بارزا فى قيادة الثورة بكل من ملكال و‬ ‫واو‪ ،‬عندما ينتقد البند الخاص بالجنوب فى الدستور المقترح للحكم الذاتى فى عام ‪1951‬‬ ‫والذى تمت صياغته لحماية مصالح الجنوبيين ولقيام وزارة خاصة بالمديريات الجنوبية وإقامة‬ ‫مجلس شئون الجنوب فإن د‪ .‬وهى مهمة تحملها قوى إجتماعية غض النظر‬ ‫عن هويتها وأصولها العرقية والثنية‪ ،‬تعمل على النتقال بالبلد من بناها التقليدية إلى بنى‬ ‫حديثة فى السياسة والقتصاد والجتماع‪ .‬فرانسيس ل يتوانى فى وصفه بأنه جنوبى مستعرب متأسلم‬ ‫ويعلق على وصفه لنفسه بأنه جنوبى بأنه تعبير غير سليم عن هويته المستوعبة‪ 36.‬وإذا‬ ‫وضعنا فى العتبار وضعية زين العابدين عبد التام التى تماثل تماما وضعية قادة ثورة‬ ‫‪ 1924‬الخرين من الدينكا فإننا ل بد أن نتساءل كيف يكون الدينكا هم الذين أشعلوا ثورة‬ ‫‪ 1924‬فى كل أنحاء القطر‪ ،‬ثم نصف ذات القادة من الدينكا بأن هويتهم مستعربة متأسلمة‬ ‫ومستوعبة ول تعبر عن الجنوبى؟!! ولكنه منطق المركزية العرقية الذى يريد أن ينسب عمل‬ ‫جليل كثورة ‪ 1924‬لعرقه لينوه بالدور الهام لعرقه فى تاريخ البلد وحركتها الوطنية وعندما‬ ‫يتناقض ذات القادة‪ ،‬الذين بسببهم تمت نسبة الثورة إلى الدينكا‪ ،‬مع مصلحة الجنوب يصبح‬ ‫هؤلء القادة مستعربون ومتأسلمون ومستوعبون ول يمثلون الجنوب وكأنما ذات النسان‬ ‫يصدر فى كل فعل من أفعاله عن هوية مختلفة‪ .‬إن ارتباط‬ ‫هاتين القوتين بالبنى التقليدية أعاقتهما وأعاقة البلد كلها من تحقيق سلمها وديمقراطيتها‬ ‫‪14‬‬ .‬فرانسيس فى وصفه للممثلين الساسيين للهويتين المتنافستين فى البلد‪:‬‬ ‫الجبهة السلمية والجبهة الشعبية لتحرير السودان‪ ،‬فقد أبان بوضوح إعتمادهما وتعبيرهما‬ ‫عن البنى التقليدية فى البلد على الرغم من وصفه لهما بأنهما أكثر النماذج حداثة‪ .‬‬ ‫وأحد التناقضات الثانوية التى ترد فى كتاب صراع الرؤى لد‪ .

‬فقبل أن يعتلى خشبة مسرح التاريخ القوميون الصرب المتطرفون وغلة‬ ‫الهوتو الروانديين بمليشياتهم المسلحة وأحلمهم وكوابيسهم المتعلقة بالهوية‪ ،‬كان قد اتضح‬ ‫غداة الحرب العالمية الولى أن طريق أوروبا القوميات والقتصاديات القومية طريق‬ ‫مسدود‪ 40.‬أى أن مبادئ الجمهورية كانت عالية التجريد لنها تجاوزت طابع علقات السلطة‬ ‫بين الحكام والمحكومين الذى كان سائدا فى العصور الوسطى وهو طابع جزئى وخصوصى‬ ‫وشخصى بين المراء والنبلء والناس الذين يعملون فى مقاطعاتهم ولذلك فهى علقة ل‬ ‫تتجاوز سياق حياتهم الخاصة‪ .‬فرانسيس وهى أن الجبهة السلمية والحركة الشعبية تعبران عن‬ ‫حركة حديثة معاقة ومشوهة بحكم نشأتها فى حاضنة تقليدية ومحافظة ونموها دون أن تتحرر‬ ‫من البنى التقليدية لمجتمعها فصارت أقرب إلى التقليد منها إلى الحداثة فى فاعليتها وممارستها‬ ‫النظرية ورؤيتها‪.‬ومن ناحية فكرية ونظرية فقد تلزم صعود‬ ‫الهوية القومية مع ظهور الجمهوريات التى قامت على مبادئ عالية التجريد‪ ،‬لنها تتجاوز‬ ‫سياق الحياة العادية وتفرض على المواطنين الفراد أن يعاملوا أنفسهم والمواطنين الخرين‬ ‫كفاعلين سياسيين لهم القدرة على إصدار أحكام فى الشئون العامة بعد التجرد من سياق حياتهم‬ ‫الخاصة‪ .‬إن إعادة إحياء تقليد المقاتل القبلى يعنى بأن القبيلة كسبت واحدة من‬ ‫قيمها المفقودة ه تماسكها الداخلى‪ ،‬الذى يتم الحفاظ عليه تقليديا بتوجيه العداوات للغرباء‬ ‫والجانب‪ .‬وننتهى من ذلك إلى‬ ‫نتيجة نختلف فيها مع د‪ .‬فرانسيس أن قوى التحديث فى الجنوب )والتى نفهم أن الحركة‬ ‫الشعبية تمثلها( قد دعمت ورسخت نظام القيم الثقافية التقليدى‪ .‬وكانت المحصلة النهائية لذلك إعادة تنشيط القبيلة بدل عن تحديث العملية‬ ‫السياسية‪ 38.‬‬ ‫إن الفارق بين الحداثة كمشروع نقدى جديد يتأسس على ما بعد الحداثة ونقدها‬ ‫والتحولت الجذرية فى العالم المعاصر وبين المشروع الذى تعبر عنه الجبهة السلمية‬ ‫والحركة الشعبية بوجهين متضادين‪ ،‬هو فارق كبير‪ .‬أما طابع علقات السلطة فى الجمهورية فهو طابع مجرد لنه‬ ‫قائم بين مواطنين يصدرون أحكاما عامة فى شئون عامة‪ ،‬ولذلك فهو طابع كلى وعام‪ .‬ومع التحولت الجذرية فى العالم المعاصر ومع ظاهرة العولمة فإن الدولة القومية‬ ‫التقليدية التى تتحدد بالقدرة على المحافظة على حكم القانون داخل حدودها عن طريق القوة‬ ‫وبالقدرة أيضا على المحافظة على هذه الحدود مستقرة بواسطة الجيش‪ ،‬هى بالضبط النوع من‬ ‫السيادة الذى أطاحت به ديناميات العولمة‪ 41.‬إن د‪ .‬ولن‬ ‫الناس كانوا قريبى العهد بعلقات السلطة ذات الطابع الشخصى والخصوصى فقد إحتاجوا إلى‬ ‫ما يعوضها لهم فى الجمهوريات الجديدة‪ .‬ومن ثم نشأت ثنائية بين الطابع الكلى والمجرد للجمهورية‬ ‫والطابع الخصوصى والمجزئ للقومية‪ .‬كما إن الدولة والحركة الشعبية وفصيلها‬ ‫العسكرى وجدت فى القيم العسكرية التقليدية إطارًا مؤسسيًا جاهزًا للتجنيد ورفع الروح‬ ‫المعنوية لدى مقاتليهم‪ .‬وهى ثنائية لم تكن مؤذية طالما كانت قومية الفراد‬ ‫‪15‬‬ .‬كما يرى د‪ .‬فالحداثة الجديدة ترى فشل الدولة القومية‬ ‫حتى فى أوروبا‪ .‬ولذلك كان صعود الهوية القومية بعد ثورات نهاية‬ ‫القرن الثامن عشر يشكل تعويضًا مؤقتًا يوفر مستويات من التكامل الجتماعى والتضامن‬ ‫الجتماعى يجسر الفجوة بين المجزئ والخصوصى وبين الكلى والعام‪ .‬فرانسيس يرى أنه مع صعود الحركة الشعبية لتحرير السودان كقوة ذات نفوذ‬ ‫ومناوئة للحكومة السلمية‪ ،‬برز بذلك تبلور اتجاهين ثوريين هامين من الشمال والجنوب من‬ ‫خضم تقليدية المجتمع السودانى وكحاضن لهما‪ 37.‬وأصبحت القومية هى‬ ‫الساس لتحول الذات إلى مواطن‪ .‬ويمكن أن نضيف إلى ذلك فيما يخص الجبهة‬ ‫السلمية إن مشروع التوحيد الدينى لديها يخرج من فكرة وحدانية الله إلى توحيد كل مناحى‬ ‫الحياة ومجالتها ومستوياتها على أساس دينى أصولى مما يجعل مشروعها ينتمى إلى القرون‬ ‫الوسطى ويتناقض جذريا مع مشروع الحداثة‪ ،‬الذى يقوم على التمييز المتنامى بين مجالت‬ ‫الحياة ومناحيها ومستوياتها‪ ،‬بحيث يتمتع كل منها بإستقللها النسبى‪ .‬وأن الحركة الشعبية تمثل‬ ‫إنصهارا لعناصر من التقليد والحداثة‪ 39.‫وعدالتها‪ .

‬وأن الحاجة إليها كانت هي حاجة الناس لها بسبب قربهم‬ ‫التاريخي من السلطة التي تنتج على أساس شخصي وحتى تقترب علقات السلطة القائمة على‬ ‫مفاهيم مجردة في الجمهورية من علقات السلطة الشخصية التي كانت قائمة في المجتمعات‬ ‫القطاعية‪ ،‬والن لم تعد هنالك حاجة لوجود روابط عرقية أو ثقافية بين الناس لكي يفهموا‬ ‫حقوقهم وواجباتهم ويناقشوا قضاياهم العامة وحقوقهم النسانية‪ ،‬بمعنى أن النسانية قد كبرت‬ ‫على هذا الطور وتخطت بمراحل عديدة وبتجربة هائلة وغنية السلطة ذات الطابع الشخصي‬ ‫والخصوصي‪ .‫لها أولوية على قومية الدولة‪ ،‬أى عندما كانت القومية تعويضًا لعلقات التضامن التى كانت‬ ‫ل عندما تم إرجاعها إلى حقائق ما قبل سياسية‬ ‫سائدة فى الماضى‪ .‬‬ ‫إن بناء الدول القومية )المة( كمقولة تاريخية استنفدت أغراضها وتجاوزها التاريخ‬ ‫النساني أو على أبواب تجاوزها‪ .‬‬ ‫لقد كانت الدولة القومية جزءًا من مشروع الحداثة الكلسيكي في بداياته ولذلك فمن‬ ‫الطبيعي أن يكون أساسها النظري والفلسفي جزءًا من الساس النظري والفلسفي لمشروع‬ ‫الحداثة الكلسيكي‪ ،‬أي جزءًا من التنوير في القرن الثامن عشر في أوربا‪ .‬فقد ساد في‬ ‫التنوير مفهوم العقل الواحد القائم على النفي والستبعاد للتعدد والختلف مما شكل أساسًا‬ ‫معرفيًا لنظام اقتصادي ه سياسي أورث النسانية كوارث عظيمة‪ ،‬مثل الستعمار والفاشية‬ ‫والنازية والشمولية‪ .‬‬ ‫ومع العولمة فقدت الختلفات القومية أهميتها فى وجه النماذج الراهنة للتأثير‬ ‫القتصادى‪ ،‬والهجرة القليمية والعالمية‪ ،‬والتطور التكنولوجى‪ ،‬وصعود التدابير والمؤسسات‬ ‫الدولية‪ ،‬وعولمة المخاطر القتصادية والبيئية‪ ،‬بحيث فقدت الدولة القومية شرعيتها تحت‬ ‫ضغط العولمة القتصادى والسياسى‪ .‬ولم تصبح القومية خطرًا إ ّ‬ ‫لشعوب شبه طبيعية‪ ،‬أى إلى شئ مستقل وسابق على تكوين الرأى السياسى التاريخى وعلى‬ ‫تكوين إرادة المواطنين أنفسهم‪ 42.‬ومن ناحية أخرى فان مفهوم القومية مفهوم مصطنع ارتبط بنشأة الجمهوريات‬ ‫كي يوفر الرابط اللزم مع الطابع الشخصي والخصوصي لعلقات السلطة السابقة ويتضح‬ ‫ل‪ ،‬نحن في‬ ‫اصطناعه من كونه نتاجًا للمخيال الجتماعي بما في ذلك الداب والفنون فمث ً‬ ‫شمال السودان وبحقائق التاريخ لسنا عربًا فقط ولكننا بالمخيال الجتماعي أقرب لسطورة‬ ‫عنترة بن شداد وامرؤ القيس من حقائق تاريخ بعانخي وترهاقا رغم أنهم جدودنا بوقائع‬ ‫التاريخ ولذلك فمن البداهة القول أن المفهوم مصطنع ول يصلح كأداة للتفسير بل يحتاج هو‬ ‫لتفسير‪.‬وهذا هو السبب الذي صارت به الهوية القومية خطرًا على‬ ‫ل من الصولية السلمية والحركة الشعبية‬ ‫وحدة السودان وشعبه لنها بالضبط تعبر عند ك ّ‬ ‫عن جوهر ميتافيزيقي سابق على الرأي السياسي وتكوين إرادة المواطنين‪.‬كما أن الناس لم يعدوا فى حاجة إلى ذلك التعويض‬ ‫المؤقت لتوفير مستويات من التكامل الجتماعى والتضامن الجتماعى إذ أمكن إستبدال الهوية‬ ‫القومية بهوية ثقافية‪ ،‬على أن يتم فهم الثقافة على نحو عريض ل على نحو خصوصى‪ ،‬بحيث‬ ‫يتوفر للفراد أشكال محددة من الخلفيات المعرفية والقاموس اللغوى والتجارب التاريخية‬ ‫المشتركة واللتزامات التفسيرية )أى المادة الخلقية( ليشكل كل ذلك شرطا لتبّنى المبادئ‬ ‫المجردة وإجراءات الدولة الدستورية الديمقراطية‪ .‬وهذا يعنى أن الساس الخلقى لستيعاب‬ ‫المواطنين الفراد فى الدولة الدستورية قد تمت تلبيته بأن ترشح المادة الخلقية فى المبادئ‬ ‫‪43‬‬ ‫المجردة للدستور الديمقراطى‪.‬وانسجامًا مع تنوير‬ ‫القرن الثامن عشر قامت الدولة القومية على أساس فلسفي للهوية يقوم على التماثل والحادية‪،‬‬ ‫متوافقًا مع الطابع العام للعقلنية ونظرية المعرفة في ذلك السياق التاريخي‪ .‬والن تتعرض العقلنية الحادية ومعها فلسفة الهوية إلى نقد جذري من‬ ‫تيارات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية التي أنتجت نقدًا عميقًا لمشروع الحداثة وحاولت نفيه‬ ‫‪16‬‬ .

‬إن أية‬ ‫حركة سياسية تسعى للتغيير تحت تصورات أيديولوجيا الهوية وإعادة إنتاج الدولة القومية‪،‬‬ ‫وإن على نحو جديد‪ ،‬إنما تقيد نفسها ومجتمعها وتكبلهما باستنتاجات تعيق تطورهما وتعيد‬ ‫بذلك إنتاج الزمة وتغلق أفق حلها‪ .‫ل أنها فشلت بسبب من عدم قدرتها على تجاوز الساس النظري والفلسفي لفلسفة‬ ‫نفيًا مطلقًا إ ّ‬ ‫الهوية؛ وأنتجت الوجه الخر لما انخرطت في نقده‪ .‬وهناك عملية تجري الن‬ ‫وتنخرط فيها قوى التغيير في العالم تتجاوز الدولة القومية وهويتها إلى الكوسموبوليتانية‬ ‫باعتبارها الصيغة الديمقراطية الجتماعية من العولمة أو العولمة ذات الطابع النساني‪ .‬‬ ‫لقد فقدت الدولة القومية والهوية القومية مشروعيتها السياسية ومشروعيتها المعرفية‬ ‫في سياق التحولت السياسية والفلسفية التي جرت في العالم‪ .‬وظهرت تيارات أخرى‪ ،‬وعلى رأسها‬ ‫مدرسة فرانكفورت وهابرماس‪ ،‬استعادت التنوير والحداثة ولكن على أسس جديدة وبدلً من‬ ‫الذهاب في اتجاه الوصول إلى عقل واحد ذي طابع علموي ذهبت إلى عقلنيات متعددة تتلءم‬ ‫مع المفاهيم الجديدة المتعلقة بمسألة الهوية التي تعتمد على التعدد والختلف وليس النسجام‬ ‫والتساق‪.‬إننا ل يمكن أن نبني مشروع تحرر على أساس الهوية‬ ‫فهي‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬ترتبط معرفيًا بأسس تفكير السيطرة وتتناقض مع فكرة الجديد مما يجعلها‬ ‫سياسيًا تعيد إنتاج السودان القديم‪ ،‬سودان السيطرة والقهر‪ .‬ونخلص من كل ذلك على أنه فى‬ ‫الوقت الذى تتخطى فيه قمم التفكير النقدى المعاصر الدولة القومية وهويتها فإن بلدنا يتهددها‬ ‫خطر التفتت بسبب أزمة هويتها‪ ،‬التى يفسرها عدم إكتمال إندراج البلد فى مشروع الحداثة‬ ‫وبالتالى غياب المشروع ذاته‪ .‬‬ ‫المراجع‬ ‫‪17‬‬ .‬إن تجربتنا التاريخية ومعارف وقيم الحياة النسانية المعاصرة‬ ‫تجعلنا ل نفقد المل بل ونبصر أفقًا لتحرر البلد وإشاعة سلمها واستعادة ديمقراطيتها‬ ‫وهزيمة مشاريع تخلفها واللتحاق بالحياة النسانية المعاصرة ومدنيتها‪.

pp.. Op Cit. in The Problems of Modernity.‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Max Pensky. p. No 1. Blackwell Publishers Ltd. Cosmopolitanism and the Solidarity Problem: Habermas on National and‬‬ ‫‪Cultural Identities.7‬‬ ‫‪ 25‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪. Adorno and Benjamin.‬فرانسيس دينق‪ ،‬مشكلة الهوية فى السودان‪ ،‬أسس التكامل القومى‪ ،‬ترجمة محمد على جادين‪ ،‬الطبعة‬ ‫الولى‪ ،‬مركز الدراسات السودانية‪ ،‬القاهرة‪1999 ،‬م‪ ،‬ص ‪. 37-38‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid.88‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪Max Pensky. Adorno and the Metaphysics of Modernism: The Problem of a‬‬ ‫‪'Postmodern' Art. p 7‬‬ ‫‪ 7‬د‪ . edited by‬‬ ‫‪Andrew Benjamin.36‬‬ ‫‪ 9‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪70‬‬ ‫‪ 10‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪28-24‬‬ ‫‪ 11‬ألن تورين‪ ،‬نقد الحداثة‪ ،‬ترجمة أنور مغيث‪ ،‬المشروع القومي للترجمة‪ ،‬المجلس العلى للثقافة‪ ،‬القاهرة‪،‬‬ ‫‪1997‬م‪ ،‬ص ‪29‬‬ ‫‪ 12‬جون قرنق‪ ،‬رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية‪ ،‬تحرير وتقديم د‪ .‬فرانسيس دينق‪ ،‬صراع الرؤى‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪400-357‬‬ ‫‪ 21‬المرجع السابق‪ ،‬نفس الصفحات‬ ‫‪ 22‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪215‬‬ ‫‪ 23‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪30‬‬ ‫‪ 24‬د‪ .16‬‬ ‫‪ 26‬جان فرانسوا بايار‪ ،‬مرجع سابق ص ‪. 2000.‬‬ ‫‪Oxford.‬عبدال على إبراهيم‪،‬الفروعبية أو تحالف الهاربين‪ ،‬فى الثقافة والديمقراطية فى السودان‪ ،‬مجموعة مقالت‪،‬‬ ‫الطبعة الثانية‪ ،‬دار المين‪ ،‬القاهرة‪1999 ،‬م‪ ،‬ص ‪. In Conestellations Volume 7.39 -33‬‬ . Routledge..‬‬ ‫مهدي عامل‪ ،‬مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الشتراكي في حركة التحرر الوطني‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬دار‬ ‫الفارابي‪ ،‬بيروت‪1980 ،‬م‪ ،‬ص ‪369-341‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Peter Osborne. London and New York.28 -15‬‬ ‫‪ 8‬د‪ .‬الواثق كمير‪ ،‬رؤية للنشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬القاهرة‪2005 ،‬م‪ ،‬ص ‪175 -174 ،150 -148‬‬ ‫‪ 13‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪166‬‬ ‫‪ 14‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪162 -161‬‬ ‫‪ 15‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪154‬‬ ‫‪ 16‬نفس الصفحة السابقة‬ ‫‪ 17‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪170‬‬ ‫‪ 18‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪167 -166‬‬ ‫‪ 19‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪169‬‬ ‫‪ 20‬د‪ . 65‬‬ ‫‪ 5‬جان فرانسوا بايار‪ ،‬أوهام الهوية‪ ،‬ترجمة‪ :‬حليم طوسون‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬دار العالم الثالث‪ ،‬القاهرة‪،1998 ،‬‬ ‫ص ‪.‬فرانسيس دينق‪،‬صراع الرؤى‪ ،‬نزاع الهويات فى السودان‪ ،‬ترجمة عوض حسن‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬مركز‬ ‫الدراسات السودانية‪ ،‬القاهرة‪ ،‬عام ‪1999‬م‪ ،‬ص ‪.‫‪ 1‬راجع الفصل الخامس )في تميز الشكل الكولونيالي من نمط النتاج الرأسمالي( من القسم الثاني‪ ،‬وهو فصل‬ ‫يصف تجدد أنماط النتاج ماقبل الرأسمالية في نمط النتاج الكولونيالي وهو ما يهتم به هذا المقال دون سائر‬ ‫الستنتاجات النظرية في هذا الفصل‪. 1991.

67‬‬ ‫‪43‬‬ ‫‪Ibid..‬فرانسيس دينق‪ ،‬صراع الرؤى‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪177-106‬‬ ‫‪ 36‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪125‬‬ ‫‪ 37‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪24‬‬ ‫‪ 38‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪214‬‬ ‫‪ 39‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪225-224‬‬ ‫‪ 40‬جان فرانسوا بايار‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.‬فرانسيس دينق‪ ،‬صراع الرؤى‪ ،‬مرجع سابق ص ‪400-399‬‬ ‫‪ 30‬جون قرنق‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪77-76 ،73‬‬ ‫‪ 31‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪77‬‬ ‫‪ 32‬المرجع السابق‪ ،‬نفس الصفحة‬ ‫‪ 33‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪80‬‬ ‫‪ 34‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪85‬‬ ‫‪ 35‬د‪ ..‫‪ 27‬إدوارد سعيد‪ ،‬الثقافة وألمبريالية‪ ،‬ترجمة‪ :‬كمال أبو ديب‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬دار الداب‪ ،‬بيروت‪1997 ،‬م‪،‬‬ ‫ص ‪.70 -69‬‬ ‫‪ 28‬جان فرانسوا بايار‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫‪ 29‬د‪ . P 67. P 74‬‬ ‫‪42‬‬ ‫‪Ibid. Ibid.8‬‬ ‫‪41‬‬ ‫‪Max Pensky.68‬‬ . P 65..