‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬
‫مقدمـــة‬
‫باعتبارها‬
‫أول ً الفينومينولوجيا‬
‫لمذهب فى المنطق‬
‫‪:‬‬
‫ثانيا ً الموضوعات المشتركة بين المنطق‬
‫الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬
‫‪:‬‬

‫مقدمة‬

‫‪ - 1‬أصل الحكم الحملى‬
‫‪ - 2‬المقولت‬
‫‪ - 3‬الظاهر والماهية‬

‫ثالثا ً المسلمة الساسية للمنطق الهيجلى‪:‬‬
‫وحدة الفكرة والوجود‬
‫‪:‬‬
‫باعتباره‬
‫الهيجلى‬
‫رابعا ً المنطق‬
‫فينومينولوجيا‬
‫‪:‬‬
‫خاتمـــة‬

‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬

‫مقدمـــة ‪:‬‬
‫الفينومينولوجيــا عنــد هيجــل وهوســرل مــا هــى إل منهــج‬
‫موصل إلى نظرية فى المنطق‪ .‬أدرك هيجل بعد أن خــرج عــن‬
‫الخط الفكرى لشلنج منــذ ســنة ‪ 1803‬أن المــذهب الفلســفى‬
‫يجب أن يوضع فى صورة نظرية فــى المنطــق‪ ،‬بمعنــى نظريــة‬
‫تضــع المقــول‪،‬ت‪ ،‬الــتى ينظــر إليهــا علــى أنهــا إبســتمولوجية‬
‫وأنطولوجية فى نفــس الــوقت‪ ،‬فــى صــورة نســق اســتنباطى‪.‬‬
‫لكن الستنباط عملية فكرية تقوم بها الذا‪،‬ت العارفة فــى حيــن‬
‫يريد هيجل من منطقه أن يكون ترتيبه أنطولوجيًا ؛ وكــان الحــل‬
‫الذى قدمه هو الجدل‪ ،‬ذلك لن الجدل المنظـور إليـه علــى أنـه‬
‫أنطولوجى يحدث فى الوجود ذاتـه هـو الطريقـة الـتى يتـم بهـا‬
‫توالد المقول‪،‬ت مــن بعضــها علــى المســتوى النطولــوجى‪ ،‬إنــه‬
‫الستنباط الخاص بالمنطق النطولوجى الهيجلى‪ .‬ومثلما كانت‬
‫” فينومينولوجيا الـروح “ مقدمـة لمـذهب هيجـل فـى المنطـق‬
‫الجــدلى‪ ،‬كــانت فينومينولوجيــا هوســرل مقدمــة لمــذهبه فــى‬
‫المنطق والذى أسماه ” المنطق الخــالص “ فــى البدايــة فــى ”‬
‫أبحاث منطقية “ ثم أسماه ” المنطــق الترانســندنتالى “ إبتــداًء‬
‫من سنة ‪ 1920‬مع بداية ظهور محاضرا‪،‬ت ” التركيب المنفعــل‬
‫والفعال “ ‪ Lectures on Passive and Active Synthesis‬وحتى وضع‬
‫هوسرل نظريته المنطقية فــى ” المنطــق الصــورى والمنطــق‬
‫الترانسندنتالى “ سنة ‪.1929‬‬
‫فبعد أن أسهب هيجل وهوسرل فى شــرح الفينومينولوجــا‬
‫يكتشف الدارس لفكرهما أن الفينومينولوجيا ليست هى الغاية‬
‫النهائيــة وليســت المــذهب بــل مجــرد منهــج لبنــاء نظريــة فــى‬
‫المنطــق‪ ،‬المنطــق الفلســفى بــالطبع‪ .‬إن المــذهب الفلســفى‬
‫الحقيقى لدى هيجل وهوسرل هو نظرية فلسفية فى المقول‪،‬ت‬
‫وفى المنطق الفلسفى‪.‬‬

‫أول ً ‪ -‬الفينومينولوجيا باعتبارها مقدمــة لمــذهب فــى‬
‫المنطق ‪:‬‬
‫يتفق هوسرل مع تمييز كانط للمنطق إلــى منطــق خــالص‬
‫‪- 193 -‬‬

‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬

‫ومنطق تطبيقى‪ ،‬وخاصة فكــرة المنطــق الخــالص عنــد كــانط‪،‬‬
‫وهذا باعتباره فكــرة فقــط‪ ،‬فكــرة منطــق ينطبــق علــى جميــع‬
‫الموضوعا‪،‬ت أو المضامين بصفة عامة ل مجرد منطق صــورى‪،‬‬
‫منطق يكــون أساسـا ً للمنطــق الصــورى نفســه وهــو المنطــق‬
‫الترانسندنتالى عند كانط‪ .‬لكن ل يوافق هوســرل علــى نظريــة‬
‫كانط الخاصة فى هــذا المنطــق الترانســندنتالى‪ .‬والحقيقــة أن‬
‫المنطق الهوسرلى به جوانب عديدة فى إتفاق تام مع المنطق‬
‫الترانسندنتالى الكانطى دون أن يدرى‪ ،‬وأكبر دليــل علــى ذلــك‬
‫أن هوســرل ســوف يعيــد تســمية منطقــه الخــالص بــالمنطق‬
‫الترانسندنتالى بعد ذلك‪.‬‬
‫صــحيح أن هوســرل فــى البحــاث المنطقيــة يســعى إلــى‬
‫العثور على منطق باعتباره نظرية فى العلم‪ ،‬إل أنه لم يتوصــل‬
‫إلى هذا المنطــق إل فــى كتــابه ” المنطــق الصــورى والمنطــق‬
‫الترانســندنتالى “‪ .‬نظريــة العلــم لــديه هــى إذن نظريــة فــى‬
‫المنطق‪ ،‬وهو نفس ما نجده فى المثالية اللمانية‪ ،‬وكانط كذلك‬
‫فى صورة المنطق الترانسندنتالى‪ .‬إن الترجمـة النجليزيـة للــ‬
‫‪ Wissenschaftlehre‬غيــر دقيقــة‪ ،‬فهــى تــترجم ‪Theory of science‬‬
‫وليس ‪ .Doctrine of science‬كذلك فإن المنطق الهيجلى هو الخر‬
‫نظريــة فــى العلــم‪ ،‬لكنــه يتعــدى ذلــك ويصــبح نســق العلــم‪.‬‬
‫والختلف كبير بين نظرية العلــم ونســق العلــم‪ .‬نظريــة العلــم‬
‫كما يفهمها هوسرل ذا‪،‬ت وظيفة كانطية‪ ،‬فهــى الســاس ‪Grund‬‬
‫والشرط القبلى وشرط إمكان العلم‪ ،‬أما نسق العلم فهو ليس‬
‫مجـــــــــــــــــــــــــــــــــرد أســـــــــــــــــــــــــــــــــاس‬
‫أو شرط قبلى أو شرط إمكان بل يحتوى فى داخله على العلم‬
‫نفســـــــــــــه‪ ،‬ليـــــــــــــس صـــــــــــــورة العلـــــــــــــم‬
‫أو شكله بل مضمونه كذلك‪.‬‬
‫ومثلمـــا حـــول كـــانط المنطـــق الصـــورى إلـــى منطـــق‬
‫ترانســـدنتالى‪ ،‬يحـــول هوســـرل المنطـــق الصـــورى إلـــى‬
‫فينومينولوجيــا فــى الكتــاب الــذى يحمــل نفــس العنــوان‪ ،‬وهــو‬
‫يحاول فيه ” إانزال المنطق الصورى إالى عالم الشعور وتحويل الصور القبلية الخالصة إالى‬
‫‪- 194 -‬‬

‬أما انتقال هوسرل فهو بعيد بعض الشــئ‪ . Op. Cit..‬فمــا‬ ‫العلقة القويــة بيــن المنطــق الصــورى والفينومينولوجيــا حــتى‬ ‫ينتقل بسهولة من الول إلى الثانى ؟ لقــد كــانت العلقــة قويــة‬ ‫بيـن الحكـام والمقـول‪،‬ت ولـذلك سـهلت لكـانط النتقـال‪ ،‬أمـا‬ ‫المنطق الصــورى والفينومينولوجيــا فل علقــة مباشــرة وقويــة‬ ‫بينهما‪ . 268.‬ويقول هوسرل‪ ” :‬إان المعنى الأأصيل هنا هو أان البصيرة المنطقية إالى‬ ‫المبادئ‪ ،‬البصيرة التى ترجع إالى الفكرة الخالصة عن أاى معرفة ممكنة أاو منهج فى المعرفة‪ ،‬تسبق‬ ‫المنهج المستخدم بالفعل والتشكيل الفعلى للعلم ‪ .‬أما أنه يقوم بهذا النتقــال بطريقــة غيــر فينومينولوجيــة‬ ‫فيعنى أنه يأخذ صور القضايا والحكــام مــن المنطــق الصــورى‬ ‫ويملها بمضمون فينومينولوجى‪ ،‬إنــه بــذلك لــم يثبــت ضــرورة‬ ‫الفينومينولوجيا بل وضع أساسا ً جديدا ً للمنطق الصورى‪.(2‬‬ ‫ذحذذذذذيح لل إإنذتذاذذج ذ‬ ‫للتشذكذذذذذيل ذالص‬ ‫باعتبارهذاذذذ معذيذاذذراً ذ‬ ‫ذ‬ ‫ذاتهذذذ‬ ‫ذبسذذذذذذذاجة‪ ،‬لأ ذيجذبذذذذذ أان ذتحذدذذذذذد ذذا‬ ‫يتضــح هنــا الجــانب الكــانطى القــوى لــدى هوســرل ومــن أول‬ ‫صفحة فى الكتاب‪ ،‬فالبصيرة الخالصة فى الفكرة الخالصة عن‬ ‫أى معرفة ممكنة هى ذاتها مجال البحث الترانســندنتالى الــذى‬ ‫يبحث فى شروط إمكان علم ما‪ .‬إنــه يفعــل مثلمــا فعــل‬ ‫كانط ويبدأ بالمنطق الصورى ويتوصل منه إلــى مــا يريــد‪ ،‬لكــن‬ ‫كانط كان من السهل عليه القيام بهذا النتقال‪ ،‬لنه انتقال مــن‬ ‫الحكام إلى المقول‪،‬ت‪ ،‬أو من وظيفة الحكم إلى وظيفة الفهم‪،‬‬ ‫وهـــو انتقـــال مشـــروع لنـــه بيـــن موضـــوعا‪،‬ت متشـــابهة‬ ‫وإبستمولوجية‪ ..‬‬ ‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic. P.195 -‬‬ ‫)(‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ . P.(1‬إنه بذلك ل يتوصل من المنطق الصورى إلى‬ ‫الفينومينولوجيا بطريقة فينومينولوجية‪ .‬‬ ‫‪. Op. 1.‬فى حين أان واقعة وجود منهج وعلم نشأا‬ ‫العلمذىذذذذ “)‪. Cit.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫قوالب للشعور “)‪ .‬‬ ‫يذهب هوسرل فى المنطق الترانسدنتالى إلــى أن البدايــة‬ ‫الحقيقية للعلم هى مــع تأســيس أفلطــون للمنطــق‪ ،‬لنــه عــن‬ ‫طريق المنطق يستطيع المرء أن يقيــس مــا لــديه مــن معرفــة‬ ‫علــى مبــادئ أولــى ويــرى مــا إذا كــانت تشــكل علمــا ً أم ل‪،‬‬ ‫وتستجيب للشروط المنطقية ولما يجب أن يكــون عليــه العلــم‬ ‫أم ل‪ .‬بل إن هوســرل يتطــرف فــى‬ ‫كـــــــــــانطيته ويقـــــــــــول إن واقعـــــــــــة وجـــــــــــود‬ ‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic.

196 -‬‬ .‬‬ ‫كــان الشــغل الشــاغل لهوســرل طــوال مراحــل تطــوره‬ ‫الفكــرى هــو وضــع نظريــة فــى المنطــق‪ ،‬وهــو يتوصــل إلــى‬ ‫الفينومينولوجيا من أبحاثه المنطقية‪ ،‬ويستمر فى وضع نظريــة‬ ‫فــى المنطــق الترانســندنتالى فــى مواجهــة نظريــة المنطــق‬ ‫الصورى فى الفترة الثانية من تطوره الفكرى‪ ،‬ويــترك لنــا فــى‬ ‫النهاية مخطوطه عن الخبرة والحكم يطبق فيه المنهج‬ ‫الفينومينولــوجى علــى موضــوعا‪،‬ت منطقيــة‪ .‬وهذا الصرار هــو نفســه مــا‬ ‫يجعله مواجها ً لهيجل‪ ،‬ذلك لن هيجل قــد رفــض نفــس طريقــة‬ ‫التفكيــر لــدى كــانط‪ :‬تعلــم الســباحة قبــل القفــز إلــى المــاء‪،‬‬ ‫ومحاولة البحث فى شروط المعرفة قبل ممارسة المعرفة‪.‬هوســرل بــذلك‬ ‫يعيد فتح مجال البحث فى الشــروط القبليــة للمعرفــة وللعلــم‪،‬‬ ‫وهو فى نفس الوقت ينقد النزعة الوضــعية الــتى تأخــذ حقيقــة‬ ‫وجود العلم الطبيعى ومناهجه على أنه كاف بحد ذاته فى تبرير‬ ‫ذاته وفى استيفاء متطلبا‪،‬ت وشروط العلم وما يجــب أن يكــون‬ ‫عليه ؛ هوسرل ل يعترف بهذه الطريقة الوضعية فى التعامل مع‬ ‫العلم القائم ويصر على ضرورة البحــث فــى شــروطه القبليــة‪،‬‬ ‫وقياسه وفقا ً لفكرة العلم القبلية‪ .‬أمــا هيجــل فــإن‬ ‫منطقه الجدلى هو مذهبه‪ ،‬كما كان المنطق هو شغله الشــاغل‬ ‫منذ يينا‪ ،‬ففى يينا وضع هيجل أول منطق له ظل يعدل فيه حتى‬ ‫وصل إلى علم المنطق فى هايدلبرج‪ ،‬ول ننسى أن‬ ‫الفينومينولوجيا ذاتها مقدمة للمذهب‪ ،‬أى لعلم المنطق‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫علم ما ل تجعــل منــه معيــارا ً لى علــم آخــر أو نشــاط أو إنتــاج‬ ‫علمى طالما لم يخضع هذا العلم القائم للقياس علــى المبــادئ‬ ‫الخالصــة‪ ،‬أى القبليــة‪ ،‬أو الشــروط الضــرورية القبليــة للعلــم‪.‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلى أن المنطق ل يمكنه أن يعتمد على‬ ‫علم النفس‪ ،‬أو على أى علــم آخــر‪ ،‬ذلــك لن أى علــم يفــترض‬ ‫قوانين المنطق مسبقا ً ويسلم بصــحتها‪ ،‬ولــذلك فل يمكــن لى‬ ‫علم أن يكون أساسا ً للمنطق‪ ،‬لننا بذلك نقع فى دائــرة‪ ،‬فعلــم‬ ‫‪.‬‬ ‫وحتى واقعة وجود منهج مستخدم بالفعل ل تبرر إتخاذه معيــارا ً‬ ‫للحكم على بقية العلوم أو على المعرفة ذاتها‪ .

‬لمــاذا‬ ‫يريد أن يصل هوسرل إلى منطق خالص ؟ ليصل إلى العمومية‬ ‫والشمول والكليــة‪ ،‬إنــه يعتقــد أن الضــرورة واليقيــن والصــدق‬ ‫تكمن فيما هو عام وشامل وكلى‪ .(1‬‬ ‫وعلى ذلك يذهب هوسرل إلى أن أساس المنطق يجب أن‬ ‫يكون هو نفسه منطق ل أى علم آخر‪ . 96.‬والمنطق الخــالص هــذا ســوف يــدرس الحكــم‬ ‫والقياس والمفاهيم والقضايا باعتبارهــا أفعــال ً معرفيــة لــوعى‬ ‫بــالمعنى الفينومينولــوجى)‪ ،(2‬وبــذلك يكــون متجــاوزا ً النزعــة‬ ‫النفسية ويشكل أساسا ً لجميع العلوم‪.‬‬ ‫‪Ibid: P.‬وهو هنا كانطى وأفلطــونى‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫النفس الذى يراد له أن يكون أساسا ً للمنطق يفــترض قــوانين‬ ‫المنطق وصحتها كأساس له)‪.‬لكن كيف يكون المنطق‬ ‫أساسا ً لذاته ؟ يذهب هوسرل إلى أن المنطق الذى دخــل فــى‬ ‫صراع مع النزعة السيكولوجية وحاولت هذه النزعــة أن تضــمه‬ ‫تحت علم النفس هو المنطق الصورى‪ ،‬وبالتالى فالمطلوب هو‬ ‫العثور على أساس لهذا المنطق الصورى وهو المنطق الخالص‬ ‫بتعبير هوسرل‪ .‬‬ ‫إن أول مبحث فى البحاث المنطقية هــو مقدمــة للمنطــق‬ ‫الخــالص‪ .‬ومــن هنــا فــإن المنطــق الهيجلــى هــو‬ ‫السعى نحو الكلى العينى ل المجرد‪.‬هذه الشياء ل يمكن أن تكون نتيجة تجريد‪ . 95.197 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬فهو يذهب إلى أن هــذا المنطــق عنــدما يكــون أســاس‬ ‫التمييز بين الصحة واللصحة‪ ،‬وعندما يكون أساس التمييز بيــن‬ ‫‪Ibid: P.‬فــالعينى وحــده هــو الصــدق والشــمول والضــرورة ل‬ ‫المجرد الصورى الفارغ‪ .‬‬ ‫ويــأتى هوســرل بمزيــد مــن التوضــيح بخصــوص منطقــه‬ ‫الجديد‪ .‬‬ ‫أمــا هيجــل فلــه مفهــوم مختلــف تمام ـا ً عــن الصــدق واليقيــن‬ ‫والضرورة‪ .‬‬ ‫‪.‬يســعى‬ ‫هوسرل نحو الكلــى المجــرد‪ ،‬أمــا هيجــل فيســعى نحــو الكلــى‬ ‫العينــى‪ .‬مــا هــو هــذا المنطــق الخــالص ؟ هــل هــو منطــق‬ ‫ترانسندنتالى على شاكلة كانط ؟ الحقيقــة أنــه يحمــل تشــابها ً‬ ‫كبيرًا‪ ،‬لكنه ليس بأى حــال مــن الحــوال منطقيـا ً جــدليًا‪ .

‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬

‫ما يكون علم ـا ً ومــا ل يكــون‪ ،‬وعنــدما يكــون معياري ـًا‪ ،‬فســوف‬
‫يصبح تكنولوجيا للعلم)‪ .(1‬أى سوف يصبح أداة ل مجرد معيار أو‬
‫قانون‪ ،‬سوف يصبح أورجانون‪ ،‬أداة للحصول علــى المعرفــة ل‬
‫مجرد معيار يقيس مشــروعية معرفــة موجــودة بالفعــل‪ .‬يــأتى‬
‫هوسرل هنا بفكرة خطيرة‪ ،‬وهى أن نظرية العلم عنــدما تصــل‬
‫بالفعل إلى أن تكون معيارا ً وقانونا ً ومشــرعًا‪ ،‬فمــا المــانع لن‬
‫تكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون أداة‬
‫أو أورجانونا ً أو تكنولوجيا كما قال ؟ ليس هناك مانع‪ .‬ومــن هنــا‬
‫سوف يتوصل هوسرل إلـى منهجـه الفينومينولـوجى الـذى هـو‬
‫أورجانون‪ ،‬أداة لتحصيل المعرفة ولصناعة العلم ل مجرد محك‬
‫أو معيار أو قانون‪ .‬والحقيقة أن هوسرل هنا يتعدى كانط الــذى‬
‫اقتصر على استخدام الفلسفة الترانسندنتالية باعتبارها قانونــا ً‬
‫ومعيارا ً فقط‪ .‬هذا بالضافة إلى أن هوسرل يريــد مــن منطقــه‬
‫أن يكـــون إنشـــائيا ً ‪ Constitutive‬ل مجـــرد تنظيميـــا ً ‪.Regulative‬‬
‫الفينومينولوجيا التى سوف تظهر لديه بعــد ذلــك ســوف تكــون‬
‫إنشائية‪.‬‬
‫يذهب هوسرل فى المنطق الترانسندنتالى إلى أن فحصــه‬
‫للمنطق الصورى والنطولوجيا الصورية كشف عن أن مجالهما‬
‫هو مجال القبلية الصورية‪ .‬ويتساءل هل هذه القبليــة الصــورية‬
‫كافية لتأسيس نظرية فــى العلــم ؟‪ .‬ويجيــب بــالنفى‪ ،‬لن ذلــك‬
‫يتطلب أيضا ً قبليــة ماديــة‪ ،‬قبليــة مضــمون‪ .‬وإذا كــانت القبليــة‬
‫الصورية تحدد ما يجب أن يكون عليه شكل الحكم وكيف يكون‬
‫صادقا ً أو صحيحا ً من حيث الشـكل‪ ،‬فــإن تأســيس نظريـة فـى‬
‫العلــم فــى حاجــة إلــى قبليــة ماديــة‪ ،‬ويســميها هوســرل قبليــة‬
‫تركيبية فى مقابل القبلية الصورية التى هى تحليلية)‪ .(2‬والقبلية‬
‫المادية التركيبية هذه هى الــتى تحــدد الشــروط القبليــة لكــون‬
‫الموضوع موضوعًا‪ ،‬أو لكون الشئ موضوعًا‪ :‬كيف يظهر الشئ‬
‫على أنه موضوع‪ .‬ويذهب هوسرل إلى أن هناك شروطا ً قبليــة‬
‫تحــدد ذلــك وتحــدد )بلغــة الفكــار( كــون الشــئ معطــى لنــا‬
‫‪Husserl: Logic Investigations, Vol. I, Op. Cit., P. 72.‬‬
‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic, P. 149 - 150.‬‬

‫‪- 198 -‬‬

‫)‪(1‬‬
‫)‪(2‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬

‫كموضــوع‪ .‬والواضــح هنــا الطــار الكــانطى الــذى يتحــرك فيــه‬
‫هوسرل‪ ،‬ذلك لنه عاد مرة أخرى إلى القبلية التركيبية موضوع‬
‫دراســة كــانط للحكــم التركيــبى القبلــى‪ ،‬وهــو أيضـا ً يميــز بيــن‬
‫القبلية التحليلية والقبلية التركيبية تماما ً مثل كانط الذى ســبق‬
‫وأن ميــز بيــن الحكــم التحليلــى والتركيــبى‪ .‬إن مــدخل كــانط‬
‫وهوسرل للمنطق الترانسنتالى متطابق‪.‬‬
‫وفى إطار التفاق العام بيــن هوســرل وكــانط حــول البــدء‬
‫بالبحث فى قبلية الحكم التركيبى يقــول هوســرل عــن القبليــة‬
‫التركيبية‪ ” :‬إان سؤالنا يتعلق بقبلية جديدة‪ ،‬قبلية تركيبية ‪ ...‬قبلية مادية وبالأأخص قبلية‬
‫مادية كلية ‪ universal‬تربط جميع ميادين القبلية المادية المنفصلة فى كلية ‪ totality‬واحدة‬
‫وبكلمات أاخرى نحن نسأال‪ :‬أالأ يعد كل موجود ‪ ...‬فى الأأساس موجوداً فى عالم من الوجود ؟‬
‫أالأ يعد كل موجود ممكن ‪ ...‬شيئًا ينتمى إالى عالم من الوجود الممكن ؟ وبالمثل أالأ تعد كل‬
‫قبلية مادية شيئًا ينتمى إالى قبلية كلية‪ ،‬أاى القبلية التى تحدد الشكل المادى الممكن لعالم ممكن‬
‫من الموجودات ؟ يبدو بالتالى أاننا يجب أان نسعى نحو أانطولوجيا مادية‪ ،‬أانطولوجيا )بالمعنى‬
‫أولهـاــ أن‬
‫ـ‬
‫أرسذذذطذذذذى( “)‪ .(1‬يتضــح مــن هــذا النــص عــدة أشــياء‪،‬‬
‫ال أ ذ‬
‫الفينومينولوجيا سوف تكون هى أداة البحث النطولوجى هــذا‪،‬‬
‫وثانيها أن هوسرل ينتقل على نحو صريح من البستمولوجيا‬
‫إلى النطولوجيا‪ ،‬من المعنى البســتمولوجى الكــانطى للقبلــى‬
‫إلى المعنى النطولوجى‪ ،‬لن القبلى لــديه ســوف يكــون قبلي ـا ً‬
‫أنطولوجيًا‪ ،‬أى ما يحدد وجود الموجودا‪،‬ت فى عالم وجــودى‪ ،‬أو‬
‫إطار أنطولوجى‪ ،‬وثالثها أن هذا النص يعد توسيعا ً للبحث‬
‫الفينومينولوجى من البستمولوجيا إلى النطولوجيا‪ ،‬ورابعها‬
‫أن هوسرل قد وجـد أن المنظـور الفينومينولـوجى يــدفعه إلــى‬
‫تجــاوز البســتمولوجيا إلــى النطولوجيــا تمامــا ً مثــل هايــدجر‬
‫ومعنى ذلك أن هايدجر لم يكــن أول مــن نقــل الفينومينولوجيــا‬
‫إلــى مجــال البحــث النطولــوجى بــل إن هوســرل هــو البــادئ‪،‬‬
‫وخامسها أن هوسرل بعد أن كان يعتقد فى أن الفينومينولوجيا‬
‫مقتصرة علــى البحــث البســتمولوجى اكتشــف إنطــواء وجهــة‬
‫النظــر الفينومينولوجيــة علــى البعــد النطولــوجى بالضــرورة‪،‬‬
‫وهــذه هـى نفـس النتيجـة الـتى توصـل إليهــا هيجـل وهايـدجر‪.‬‬
‫‪Ibid: P. 150.‬‬

‫‪- 199 -‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪1‬‬

‫الفصل الثامن‬

‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬

‫الحقيقة أن الفينومينولوجيا عند الثلثة هى الجسر الرابــط بيــن‬
‫البستمولوجيا والنطولوجيا‪ .‬لكن الفــرق بيــن هيجـل وهايــدجر‬
‫من ناحية وهوسرل من ناحيــة أخــرى أن المجــال النطولــوجى‬
‫عند هوسرل مقتصر على الموجودا‪،‬ت فقط ول يمتد إلى الذا‪،‬ت‬
‫العارفة‪ ،‬الذا‪،‬ت العارفــة عنــد هوســرل مقتصــرة علــى الجــانب‬
‫البستمولوجى فقط‪ ،‬ووضعها إبستمولوجى فقط ول يمتــد بهــا‬
‫هوســرل إلــى المجــال النطولــوجى‪ ،‬عكــس هيجــل وهايــدجر‬
‫اللذان أدركا أن توســع الفينومينولوجيــا حــتى تمتــد لتصــل إلــى‬
‫النطولوجيا يأتى معه بالضرورة توسيعا ً لمجال دراســة الــذا‪،‬ت‬
‫إلى بعدها النطولــوجى أيضـًا‪ .‬الفــرق الكــبير بينهمــا أن هيجــل‬
‫وهايدجر يبحثان فى النطولوجيــا مــن منطلــق أنطولوجيــا عــن‬
‫الــذا‪،‬ت النســانية‪ ،‬فــى حيــن أن أنطولوجيــا هوســرل ل تــزال‬
‫ساذجة لنها لم تستطع أن تدرك الموقف النطولــوجى للــذا‪،‬ت‬
‫الباحثــة فــى أنطولوجيــا الموجــودا‪،‬ت‪ .‬إنــك كــى تبحــث فــى‬
‫النطولوجيا يجب أن تكون أنت نفسك فى موقــف أنطولــوجى‬
‫معيــن‪ ،‬أنــت تبحــث وتتمكــن مــن البحــث فــى النطولوجيــا لن‬
‫موقفك هــو موقــف أنطولــوجى ل إبســتمولوجى‪ ،‬أنــت الوجــود‬
‫الذى يبحــث عــن معنــى الوجــود ومعنــى الموجــودا‪،‬ت الخــرى‪،‬‬
‫يبحث عن معنى وجوده بالذا‪،‬ت‪ .‬أما هوســرل فل يــزال يكشــف‬
‫فكره عن ثنائية بين البستمولوجيا والنطولوجيا‪ ،‬ل يزال يعتقــد‬
‫أن الموقــف البســتمولوجى للبــاحث الفينومينولــوجى المنقــى‬
‫عــن طريــق البوخيــة والــردود هــو الــذى يمكنــه مــن البحــث‬
‫النطولــوجى‪ ،‬وهــو فــى النهايــة موقــف إبســتمولوجى متميــز‬
‫وخاص جدا ً يمكنه من البحث النطولوجى‪ .‬أما هيجل وهايــدجر‬
‫فيذهبان إلى أن أى موقــف إبســتمولوجى ليــس كافي ـا ً للبحــث‬
‫النطولوجى‪ ،‬لكى تمارس البحث النطولوجى يجب أن تنطلــق‬
‫من موقف وأرضية أنطولوجيــة لن أى أرضــية إبســتمولوجية ل‬
‫تكفى لذلك‪ ،‬ولهذا الســبب نقــد هايــدجر هوســرل لنــه يــدرس‬
‫النطولوجيــا مــن أرضــية إبتســمولوجية‪ ،‬ولنفــس الســبب نقــد‬
‫هيجل فخته لنه مثل هوسرل يــدرس النطولوجيــا مــن موقــف‬
‫إبســـتمولوجى يتمثـــل فـــى حـــدس عقلـــى شـــبيه بالبوخيـــة‬
‫الهوسرلى تماما ً مثل هوسرل‪ .‬وهنا ل يزال التشــابه والتــوازى‬
‫‪- 200 -‬‬

‬والحقيقة أن المنطق يقوم بوظيفة مشــابهة فهــو الخــر‬ ‫نظرية العلم‪ ،‬لكن هوسرل أراد البحــث عــن مــا قبــل المنطــق‬ ‫الصورى‪ ،‬عن النظرية الســابقة عليــه‪ ،‬عــن نظريــة تبحــث فــى‬ ‫الخــبرا‪،‬ت الســابقة علــى المنطــق‪ ،‬أى المؤديــة إلــى تحديــد‬ ‫المقولى والمعنوى والحكم‪ ،‬وهذا هو ما تفعله الفينومينولوجيــا‪،‬‬ ‫إنها أساس المنطق الصورى‪ . Op.(1‬وهــذه الخــبرة هــى الخــرى فعــل معرفــى‬ ‫ـ‬ ‫ـبـــرة‬ ‫الخ‬ ‫ـ‬ ‫حياتى‪ ،‬وهى حدس ماهوى ومقولى‪ . 44. 98. P.‬‬ ‫وقد نظر هوســرل إلــى الفينومينولوجيــا علــى أنهــا نظريــة‬ ‫العلم‪ .‬‬ ‫‪Hegel: System of Ethical Life.‬يقــول هايــدجر إن الســؤال الولــى والول‬ ‫والكثر أساســية وأصــالة هــو وجــود الــذا‪،‬ت الباحثــة فــى وجــود‬ ‫الموجودا‪،‬ت ل وجود هذه الموجودا‪،‬ت ذاتها‪.201 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬ومــن هــذا التحليــل أيضـا ً نســتطيع‬ ‫معرفة سبب إصرار هايــدجر علــى التحــول مــن الونطــى إلــى‬ ‫النطولوجى‪ ،‬أى من وجود الموجودا‪،‬ت إلـى الوجـود النسـانى‪،‬‬ ‫لن أنطولوجيــا هوســرل هــى الــتى اقتصــر‪،‬ت علــى وجــود‬ ‫الموجودا‪،‬ت وأهملت الوجود النسانى‪ ،‬وجود الذا‪،‬ت الباحثة فى‬ ‫وجــود الموجــودا‪،‬ت‪ .‬فإذا عدنا إلــى هيجــل فــى‬ ‫هذا السياق وجدناه هو الخر يبحث عن أصول الحدس والتصور‬ ‫وخاصة فى محاضرات نسق الحياة الخلقية)‪ ،(2‬ويجد أن هناك‬ ‫أصل ً حياتيا ً سابقا ً على النقسام إلى حدس وتصــور‪ ،‬وهــو هنــا‬ ‫متقدم على هوسرل‪ ،‬ذلك لن هوسرل ينظر إلى الحدس علــى‬ ‫‪Husserl: Experience and Judgment.‬‬ ‫يقــول هوســرل فــى المنطــق الترانســدنتالى إن الفلســفة‬ ‫ليســت غيــر نســق المنطــق بمــا هــو نظريــة النظريــا‪،‬ت ومبــدأ‬ ‫معقوليتهــا الكليــة ؛ وهــذا التصــريح هــو بالضــبط مــا يقربــه مــن‬ ‫هيجل‪ ،‬ذلك لنه يحمل نفس النظــرة للفلســفة‪ ،‬إذ أن فلســفته‬ ‫هى مذهب المنطق الجدلى‪. Cit.‬‬ ‫‪.‬وما هو سابق علــى المقولــة هــو‬ ‫فعل معرفى يتعرف على المقولة قبل أن يسميها ويضــعها فــى‬ ‫صورة مفهومية‪ ،‬هــو الحــدس المقــولى‪ ،‬ومــا هــو ســابق علــى‬ ‫الحكــم هــو خــبرة ســابقة علــى الحكــم يدرســها هوســرل فــى‬ ‫والحكـمــ)‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫بين فخته وهوســرل قائمـًا‪ . Cit. Op. P.

‬ويتناول هيجل الحكــم التركيــبى القبلــى‬ ‫ويذهب إلى أنه يعبر عن وحــدة أصــلية بيــن الحــدس والتصــور‪،‬‬ ‫أساسها وحدة الفكــر والوجــود‪ ،‬أو أن الفكــر نمــط مــن أنمــاط‬ ‫الوجود‪ ،‬أو شكل أنطولوجى‪.‬‬ ‫فى الفلسفة الولى فى الروح يعالج هيجل تطــور الــروح أو‬ ‫تجلياتهـــا فـــى أربعـــة مســـتويا‪،‬ت‪ :‬الكلم ‪ Speech‬والداة ‪Tool‬‬ ‫والملكية والعائلة‪ ،‬وأخيرا ً الشعب‪ ،‬والمســتويا‪،‬ت الثلثــة الولــى‬ ‫يســميها هيجــل بــالمفهوم الشــكلى أو الصــورى للــوعى‪ .‬وفــى‬ ‫المســتوى الول يعالــج هيجــل الكلم‪ ،‬ويقــول إن أول إنتــاج أو‬ ‫تجلى للروح يكون فى الوعى‪ ،‬وهذا الــوعى يقصــد بــه الــذاكرة‬ ‫والكلم‪ ،‬وتحــت الكلم يعالــج هيجــل ثلثــة عناصــر‪ :‬الحــدس‬ ‫والخيــال والــذاكرة باعتبارهــا مكونــا‪،‬ت بنيــة الــوعى فــى هــذه‬ ‫المرحلــة‪ .‬الملحــظ أن هيجــل يســمى هــذا‬ ‫الجزء من محاضراته الفلسفة الولى فى الروح‪ ،‬أى ميتافيزيقــا‬ ‫الروح‪ ،‬أى المعالجة الولية والمبدئيــة للــروح قبــل تحولهــا إلــى‬ ‫روح موضوعى اجتماعى‪ .‬والملحــظ أنــه يعالــج هــذه العناصــر تحــت مســتوى‬ ‫الكلم ؛ مستوى الكلم إذن هو التعبير عن المقــولى فــى صــورة‬ ‫مفهوم‪ ،‬وعناصر الحدس والذاكرة والخيال هــى المراحــل الــتى‬ ‫تســبق التعــبير عــن المقــولى‪ ،‬المراحــل الســابقة علــى وضــع‬ ‫المقولى فى صورة مفهوم وتسميته أو الكلم عنه‪ ،‬فلكى نتكلم‬ ‫عــن المقــولى يجــب أن يكــون كلمنــا مســبوقا ً بحــدس وخيــال‬ ‫وذاكرة‪ ،‬وهى نفس العناصر التى تناولهــا هوســرل وذهــب إلــى‬ ‫أنها هى السابقة على الحمل وعلى وضع المقــولى فــى صــورة‬ ‫مفهوم‪ .‬ل تهمنا المستويا‪،‬ت الخرى مثل الداة التى يعالــج فيهــا‬ ‫الرغبــة والعمــل‪ ،‬والملكيــة والســرة والشــعب لنهــا ل تنتمــى‬ ‫لمجال المقارنة مع هوســرل‪ .202 -‬‬ .‬والملحظ أن هذا الجـزء هـو الصـورة‬ ‫الولى لفينومينولوجيا الروح وكان يطلق عليها هيجـل فــى هــذه‬ ‫الفترة الفلسفة الولى فــى الــروح أو ميتافيزيقــا الــروح‪ ،‬أى أن‬ ‫نفس العناصر التى تناولها هوسرل تناولها هيجل تحــت مســمى‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫أنه الولى والسابق على التصور أو المفهوم ويضع تراتبا ً منهما‬ ‫وتدرجا ً معينًا‪ ،‬فى حين أن هيجل يرد الثنيــن إلــى وحــدة قبليــة‬ ‫سابقة على النقسام‪ .

‬‬ ‫إذا فحصنا محاضرا‪،‬ت هيجل سنجد أنه قدم محاضرا‪،‬ت فــى‬ ‫سنوا‪،‬ت ‪ 1803‬و ‪ 1805‬فــى المنطــق والميتافيزيقــا‪ ،‬حــتى أن‬ ‫الشراح يميزون فى مخطوطاته منطقا ً خاص ـا ً هــو منطــق يينــا‬ ‫الــذى هــو أســاس المنطــق الكــبير‪ .‬هيجــل إذن كــان يكتــب‬ ‫الفينومينولوجيا وفى ذهنه وفى أوراقــه منطــق يينــا‪ ،‬ونســتطيع‬ ‫أن نلحظ فى نص الفينومينولوجيا هذا الحضور القوى لمقول‪،‬ت‬ ‫منطــق يينـا‪ .‬هيجـل إذن كــان يصـف المقـول‪،‬ت والحركــة بينهـا‬ ‫وصفا ً فينومينولوجيًا‪ ،‬تماما ً مثلما كان هوسرل يكتــب الفكــار‪،‬‬ ‫وفــى ذهنــه البحــاث المنطقيــة‪ .‬ما‬ ‫يقوله هيجل عن الحدس والخيال والذاكرة هنا هو صــورة أوليــة‬ ‫لفينومينولوجيا الروح‪ ،‬ولهذا أهميته فى المقارنة مع هوسرل‪.‬‬ ‫هذا الجزء من المحاضرا‪،‬ت هــو معالجــة للخــبرة الســابقة علــى‬ ‫الحمل وعلى المفهوم وعلــى المقولــة وعلــى الفكــر التصــورى‬ ‫كله ؛ نتوصل من معالجة هيجل هذه إلى أنه ينظــر إلــى مــا قبــل‬ ‫المقولى على أنه متطــور ومتقــدم فــى مراحــل نحــو المقــولى‬ ‫والمفهومى‪ ،‬فى حيــن ل تعــرف معالجــة هوســرل أى تطــور أو‬ ‫تقدم‪ ،‬وجنيالوجيا المنطــق عنــده هــى دراســة لصــل المنطــق‪،‬‬ ‫وأصل التفكيــر المفهــومى التصــورى ل دراســة للمراحــل الــتى‬ ‫تطور انطلقا ً منها‪ ،‬ليست دراسة لمراحل فى الخبرة متطــورة‬ ‫ومتقدمة تصــل فــى نهايتهــا إلــى التفكيــر التصــورى‪ ،‬ومعــالجته‬ ‫تســبح فــى عــالم الماهيــا‪،‬ت وتســتبعد التاريخيــة فــى حيــن أن‬ ‫التاريخية داخلة فى صميم هذا الجزء مــن معالجــة هيجــل‪ ،‬كمــا‬ ‫هـــى داخلـــة فـــى صـــميم معـــالجته لنفـــس العناصـــر فـــى‬ ‫الفينومينولوجيا‪.‬‬ ‫إن الموضوعا‪،‬ت المعالجة فى الفينومينولوجيا الهيجلية هى‬ ‫نفســها المعالجــة فــى علــم المنطــق‪ ،‬مثــل الوجــود الخــالص‬ ‫‪.203 -‬‬ .‬إن الحركــة النطولوجيــة بيــن‬ ‫المقول‪،‬ت والتى اكتشفها هيجل فى منطــق يينــا يصــفها وصــفا ً‬ ‫فينومينولوجيا ً باعتبارها لحظا‪،‬ت يمر بها الوعى‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الفلســفة الولــى فــى الــروح‪ ،‬ثــم تناولهــا بصــورة أخــرى فــى‬ ‫فينومينولوجيا الروح‪ ،‬ثم بصورة ثالثة فى الموسوعة‪ .

‬إلــخ‪ .Ground‬وهنا يتشابه مع منطــق هوســرل‬ ‫وأهدافه فى البحاث المنطقية‪ ،‬فمقدمــة هــذه البحــاث بعنــوان‬ ‫مقدمة لمنطق خالص‪ ،‬وهذا المنطق الخالص يريد منه هوسرل‬ ‫أن يكون أساس كل العلوم بمــا فيهــا الرياضــيا‪،‬ت)‪ . Cit.‬‬ ‫‪. Op.‬الفينومينولوجيــا تصــف حركــة الــوعى‬ ‫بين المقول‪،‬ت‪ ،‬انتقال الوعى من مقولة إلى أخرى‪ ،‬أما المنطق‬ ‫فيصف انتقال المقول‪،‬ت فيما بين بعضها البعــض فــى اســتقلل‬ ‫عـــن أى وعـــى ؛ ولـــذلك نســـتطيع القـــول إن المنطـــق هـــو‬ ‫فينومينولوجيــا للمقــول‪،‬ت نفســها‪ ،‬فينومينولوجيــا أنطولوجيــة‪،‬‬ ‫وهى هنا تختلف عن نفس مسمى هايدجر‪ ،‬أما الفينومينولوجيــا‬ ‫فهى منطق للوعى‪.204 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ . Cit.‬وهـذا العمـوم‬ ‫والشمول يجعل لزاما ً على منطق هيجــل أن يفســر الرياضــيا‪،‬ت‬ ‫ذاتها ويمدها بالساس ‪ .‬‬ ‫لكن يبدو أن هوسرل تخلى عن مشروع المنطق الخـالص هـذا‪،‬‬ ‫أو بمعنى أصح وجد مجال ً آخر لتأسـيس المعرفـة والعلـوم وهـو‬ ‫المجال الفينومينولوجى ومجــال الــوعى وخــبرته‪ .. I. Op.‬هوســرل إذن‬ ‫يسير عكس التجاه الذى سار فيه هيجل‪ ،‬فهو يسير مــن نظريــة‬ ‫‪Hegel: Science of Logic. Vol. P. Vol. P.. 128.‬‬ ‫‪Husserl: Logical Investigations.(1‬الملحظ كذلك أن هيجل يعلــن فــى‬ ‫بداية الكتاب أن الفلسفة ل يمكن أن تأخذ منهجها من علم آخـر‪،‬‬ ‫فلنها أعم وأشمل وأسبق وهى الولى فــإن أخــذها للمنهــج مــن‬ ‫الرياضيا‪،‬ت مثل ً ل يجعلها أولى ويجعلها تحت هذا العلم ل فــوقه‪.‬‬ ‫منطق هيجل إذن أعـم وأشـمل مـن الرياضـيا‪،‬ت‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫اللمتوسط والشئ وخواصه والسلب المتعيــن ‪ . 82.‬منطــق هيجـل بــوجه‬ ‫خاص متجاوز للرياضيا‪،‬ت)‪ .(2‬هنــاك إذن‬ ‫وحدة فى الهدف فيما يتعلــق بــالمنطق لــدى هيجــل وهوســرل‪.‬‬ ‫ويذكر هيجل فى علم المنطق أن المنطق باعتباره حركة‬ ‫الفكر ومضمونه فــإنه يتجــاوز الرياضــيا‪،‬ت‪ . I.‬وليــس‬ ‫هذا وحسب بل إن هيجل يصف النتقال من مقولة إلــى اخــرى‬ ‫فى الثنين معًا‪ ،‬لكنه فــى الفينومينولوجيــا يصــف هــذا النتقــال‬ ‫بالنسبة للوعى‪ ،‬يصف الوعى بالحركة من مقولــة إلــى أخــرى‪،‬‬ ‫أما فى المنطق فهو يصف حركــة المقــول‪،‬ت بيــن بعضــها وفــى‬ ‫ذاتها وتوالدها من ذاتها‪ .

‬لمــاذا شــعر هيجــل أنــه بحاجــة إلــى‬ ‫فينومينولوجيــــا كمقدمــــة لفلســــفة فــــى المنطــــق ؟ لن‬ ‫الفينومينولوجيا هى التى يســتطيع فيهــا تمهيــد الــوعى العــادى‬ ‫للفلسفة المثالية‪ ،‬وهــى الــتى يســتطيع تقــديم مثــال بهــا علــى‬ ‫التفكيــر الجـدلى‪ ،‬ذلـك لن توضـيح الطريقــة الجدليــة بدراسـة‬ ‫جدل الــوعى أســهل مــن تقــديم جــدل منطقــى دفعــة واحــدة‪.(2)1812‬‬ ‫‪(1) H.‬فبدل ً من أن يحرر‬ ‫مخطوطا‪،‬ت منطق يينا وينشرها فــى كتــاب وتكــون بــذلك هــى‬ ‫مــذهبه أو مــذهب المنطــق علــى القــل‪ ،‬انشــغل هيجــل فــى‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .‬‬ ‫وإذا بحثنا فى العلقة بين المنطــق والفينومينولوجيــا عنــد‬ ‫هيجل فسوف نكتشــف أن الفينومينولوجيــا تقــع بيــن صــيغتين‬ ‫مختلفتين للمنطق لدى هيجل‪ .‬‬ ‫‪. S. 26 .‬الصيغة الولى هــى محاضــرا‪،‬ت‬ ‫المنطق والميتافيزيقا سنة ‪ ،1804 .1803‬والصيغة الثانية‬ ‫هى كتاب علم المنطق الذى ظهر جزؤه الول ســنة ‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫فــى المنطــق إلــى الفينومينولوجيــا‪ .‬ولم يعد هيجل إلى الشتغال على المنطــق إل‬ ‫بعد الفينومينولوجيا بسنوا‪،‬ت إذ نشر المجلد الول من علم‬ ‫المنطق سنة ‪ .‬‬ ‫‪(2) Robert Pippin: Hegel's Idealism. 175. Harris: Hegel's Development: Night Thoughts.1812‬لقد رأى هيجل أنه فى حاجة إلى‬ ‫فينومينولوجيــا كمقدمــة للمــذهب‪ ،‬ولــذلك كــانت هــى أولــى‬ ‫مؤلفــاته وســابقة علــى المنطــق فــى حيــن أن المنطــق هــو‬ ‫النشــغال الول لــه‪ .‬‬ ‫فالفكر الجدلى أوضح وأكثر قبول ً فى الفينومينولوجيا‪. The Satisfaction of Self‬‬ ‫‪Consciousness.205 -‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ . P.27.‬‬ ‫قام هيجل فى سنوا‪،‬ت ‪ 1803‬و ‪ 1805‬بكتابة منطــق يينــا‪،‬‬ ‫وهو منطق أولــى فــى مرحلــة العــداد‪ ،‬لكــن هــذا المنطــق‪ ،‬أو‬ ‫مخطوطاته فى هــذه الســنوا‪،‬ت)‪ (1‬لــم تتحــول إلــى كتــاب ولــم‬ ‫ينشرها هيجل‪ ،‬بل قام بعدها مباشرة بالشتغال علــى مشــروع‬ ‫آخر وهو فينومينولوجيا الروح‪ .‬أمــا هيجــل فيســير مــن‬ ‫الفينومينولوجيا إلى نظريـة فـى المنطـق‪ ،‬لكـن هـذا ل يمنـع أن‬ ‫هوسرل يعود إلى المنطق مرة أخرى وذلك فـى كتـابه المنطـق‬ ‫الصورى والمنطق الترانسندنتالى‪. P.

‬‬ ‫منطق هيجل يهتم بالشكل والمضمون معًا‪ ،‬لكن هــذا المنطــق‬ ‫فــى حاجــة إلــى توضــيح أن التعــارض والتنــاقض بيــن الشــكل‬ ‫والمضمون مجرد ظاهر وليس حقيقيـًا‪ ،‬وإلــى توضــيح العتمــاد‬ ‫المتبــادل بينهمــا والحركــة الجدليــة الــتى تنتجهمــا مع ـا ً وتنتــج‬ ‫تعارضــهما أيض ـا ً ثــم وحــدتهما بعــد ذلــك‪ ،‬وهــذا مــا تقــوم بــه‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬فهى ” تبدأ “ أو تتبع ” حركة الوعى من‬ ‫التعارض الخام الولى بينه وبين الموضوع وحتى المعرفة‬ ‫المطلقة‪ .‬‬ ‫إن فينومينولوجيا الروح هى تبرير وبرهنة وإقامة الحجة‬ ‫للمنطق وذلك باعتراف هيجل نفسه فى المنطق‪ ،‬وبهذا‬ ‫المعنى تكون الفينومينولوجيا مقدمة للمذهب أو للمنطق‪ ،‬فهى‬ ‫مقدمة فلســفية أو منطقيــة بمعنــى إقامتهــا للبرهــان والحجــة‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫ولوقوع الفينومينولوجيا بين صيغتين للمنطق دللة هامــة‪ ،‬هــى‬ ‫أن الفينومينولوجيــا بــذلك لــن تكــون مقدمــة لمــذهب غيــر‬ ‫معروف‪ ،‬لم يبدأ فيه هيجل أو تتضح معالمه وتفاصيله لديه بعد‬ ‫وقت كتابة الفينومينولوجيا‪ ،‬بل هى بذلك سوف تكــون مقدمــة‬ ‫لمــذهب معــروف بالتفصــيل‪ ،‬وهــى أيضــا ً المــوازى الثقــافى‬ ‫التاريخى الروحى لمذهب المنطق‪ ،‬تماما ً مثــل فينومينولوجيــا‬ ‫هوســرل‪ .206 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬والملحظ أن العمال الفينومينولوجية‬ ‫لهوسرل تحتــل موقع ـا ً زمني ـا ً وســيطا ً بيــن صــياغا‪،‬ت مختلفــة‬ ‫لنظرية فى المنطق‪ ” ،‬فالفكار “ و ” التأمل‪،‬ت “ و ” الزمــة “‬ ‫تقــع فــى مرحلــة وســطى أو مراحــل وســطى كــثيرة بيــن ”‬ ‫البحاث المنطقية “ و ” المنطق الترانسندنتالى “ و ” التجربة‬ ‫والحكم “‪. 59. Vol. P.(1‬‬ ‫والفينومينولوجيا عند هيجل ضرورية بالنســبة لمــذهبه فــى‬ ‫‪Hegel: Science of Logic.‬إن مجــئ فينومينولوجيــا هيجــل بعــد محاضــرا‪،‬ت‬ ‫المنطق يشير إلى أن الفينومينولوجيا هى مقدمة لنظرية فــى‬ ‫المنطــق مكتوبــة بعــد كتــابه النظريــة نفســها تمامــا ً مثــل‬ ‫فينومينولوجيا هوسرل‪ . I.‬وهذه العملية تسير عبر جميع أشكال العلقة بين‬ ‫الفكر وموضوعه “)‪.‬‬ ‫‪.

207 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .1‬أصل الحكم الحملى ‪:‬‬ ‫يذهب هوسرل فى ” الخبرة والحكم “ إلى أنه سوف‬ ‫يبحث فى أصــل ‪ Origin‬الحكــم الحملــى‪ ،‬والحكــم الحملــى أو‬ ‫التوكيــدى ‪ apophantic‬يحتــل مكانــة مركزيــة فــى المنطــق‬ ‫الصورى‪ ،‬وهذا المنطق الصورى تنطــو تحتــه رياضــيا‪،‬ت عامــة‬ ‫‪ Mathesis universalis‬وهو متمم للنطولوجيا الصورية التى هى‬ ‫نظريــة عــن الشــئ بعامــة وعــن أشــكاله المشــتقة‪ ،‬أى عــن‬ ‫تصورا‪،‬ت مثــل الموضــوع والملكيــة والعلقــة والتعــدد ‪ .‬ومــا‬ ‫‪Hegel: Phenomenology of Spirit.. 18.(1‬الفينومينولوجيــا إذن داخلــة فــى صــميم‬ ‫مشروع هيجــل النطولــوجى وفــى صــميم كشــفه عــن طبيعــة‬ ‫الوجود‪ ،‬فل يمكــن البــدء فــى معالجــة الوجــود باعتبــاره حركــة‬ ‫جدلية وتطورا ً وصراعا ً بين نقائض إل بالنتقال من الفهــم إلــى‬ ‫العقــل‪ ،‬وهــو النتقــال الــذى تقــوم بــه الفينومينولوجيــا‪ ،‬وبهــذا‬ ‫المعنــى فالفينومينولوجيــا مقدمــة للمــذهب‪ ،‬أو للمنطــق‪ .‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬الموضوعا‪،‬ت المشتركة بيــن المنطــق الجــدلى‬ ‫والمنطق الترانسندنتالى ‪:‬‬ ‫‪ . P.‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق‪ ،‬وبالنسبة لنطولوجيــا هيجــل بــوجه خــاص‪ ،‬وذلــك لن‬ ‫الفهم يدرك الوجود باعتباره ثابتا ً ومحــددًا‪ ،‬باعتبــاره فــى هويــة‬ ‫مع ذاته ومختلفا ً عما يغايره‪ ،‬أى مختلف عمــا يخــالفه ويختلــف‬ ‫عنه‪ ،‬ومبدؤه هو مبدأ الهوية‪ :‬أ هــى أ ول يمكــن أن تكــون ل أ أو‬ ‫شيئا ً آخر غير أ‪ .‬كيف يتم ذلك ؟ يوضح هيجل فى الفينومينولوجيــا‬ ‫كيفية حدوث ذلك‪ ،‬فوظيفتها تتمثل فــى نقــل الــوعى المباشــر‬ ‫من مستوى الفهم إلى مستوى العقل‪ ،‬ومن مستوى النعكــاس‬ ‫إلى مستوى التأمل)‪ .‬هذا هو بعد واحد فقط مــن الوجــود وليــس هــو‬ ‫الوجود كله‪ ،‬ليس هو الوجــود فــى كليتــه ‪ ..Totality‬ولكــى نــدرك‬ ‫الوجود فى كليته ونكشف عن أبعاده الخرى وما به مــن حركــة‬ ‫وجدل وتناقض يجب أن نرتفع فوق مستوى الفهـم ونصــل إلـى‬ ‫مرتبة العقل‪ .‬إنهــا‬ ‫مقدمــة للمنطــق لنهــا تقــوم بهــذا النقــل علــى المســتوى‬ ‫النطولوجى‪.‬‬ ‫‪.

‬نلحظ أيضا ً أن هوسرل يعترف بأنه من الممكن أن‬ ‫يكون للبعد النطولوجى والبستمولوجى للمقول‪،‬ت أصــل واحــد‪،‬‬ ‫أو وحدة واحدة‪ ،‬وهذا ما يقربه من هيجل أيضا ً فى فلسفته فــى‬ ‫الهوية الصلية ويبعدهما معا ً عن كانط الذى نظر إلى المقــول‪،‬ت‬ ‫نظرة ذاتية‪ ،‬باعتبارها مجرد أشكال قبلية للخبرة وليست لهــا أى‬ ‫حقيقــة موضــوعية‪ ،‬أى ليســت هــى الشــكال الــتى توجــد بهــا‬ ‫الموضوعا‪،‬ت على الحقيقة‪ .(2‬‬ ‫‪Husserl: Experience and Judgment.‬‬ ‫‪.‬الحقيقة أن هوسرل لم يتناول البعاد النطولوجيــة لهــذه‬ ‫المقول‪،‬ت ولم يوضح كيفيــة ارتبــاط بعــدها النطولــوجى ببعــدها‬ ‫البستمولوجى أو المنطقى‪ ،‬وهيجل هو الذى قام بذلك فى علم‬ ‫المنطق‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫شابه ذلك‪.‬ومعنــى ذلــك‬ ‫بالنسبة لهوسرل أن ” النشاط المنطقى موجود أاصلإً فى مستويات )أاعمق( لم ينتبه‬ ‫إاليها المنطق التقليدى‪ ،‬كما أان أاشكال المنطق التقليدى تبدأا فى مستوى أاعلى نسبيًا )أاى بالنسبة‬ ‫للمستوى الأأعمق الذى اكتشفه هوسرل( لكن هذه المستويات الأأدنى هى التى نجد فيها‬ ‫الأفتراضات الخفية التى على أاساسها يستند معنى وشرعية التعيين الذاتى للمستويات الأأعلى “)‪.‬‬ ‫الملحــظ فــى هــذا الحــديث أن موضــوعا‪،‬ت الشــئ والموضــوع‬ ‫والملكية والعلقة والتعدد هى المقول‪،‬ت التى يتناولها هيجل فــى‬ ‫علم المنطق بمنهجه الجدلى‪ ،‬ولذلك فهذه الموضــوعا‪،‬ت ســوف‬ ‫تشــكل نقطــة النطلق فــى المقارنــة بيــن المنطقيــن‪ . P.‬ويستشهد هوسرل على حــديثه هنــا‬ ‫بفقرة من المنطق الترانسندنتالى يقول فيها إن الملكيــة تصــف‬ ‫شكل ً أنطولوجيا ً يأتى ظهوره الول فى الحكم وحينما يتم تحوله‬ ‫السمى ‪ Nominalized‬يتحول إلى محمول أو شكل حملى‪ ،‬وكذلك‬ ‫الحــال بالنســبة للتعــدد ‪ Plaural‬وبــاقى المقــول‪،‬ت‪ .‬ويذكر هوسرل أن هــذه الموضــوعا‪،‬ت كــانت تعالــج‬ ‫فــى كل المجــالين معــًا‪ :‬المنطــق الصــورى والنطولوجيــا‬ ‫الصورية)‪ .(1‬ويقول هوسرل إننا ل يمكن أن نبحث فى العلقــا‪،‬ت‬ ‫المعقـــــــــــــــــدة بينهمـــــــــــــــــا وتجانســـــــــــــــــهما‬ ‫أو حتى وحدتهما الداخليــة وفقـا ً لختلف وجهــا‪،‬ت النظــر فقــط‪،‬‬ ‫ذلك لن مثل هذا البحث يتطلب بحثا ً فى نطــاق مجاليهمــا مع ـًا‪. 13. 12.‬‬ ‫‪Ibid: P.‬أمــا‬ ‫الملحظة الثانية فهى أن هوسرل يعترف بأن هذه الموضــوعا‪،‬ت‬ ‫مشتركة بين المنطق والنطولوجيا‪ ،‬وهذا هو بالضــبط مــا يقــوله‬ ‫هيجل‪ .208 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .

209 -‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪3‬‬ ..‬‬ ‫وهذا ما يقرب هوسرل من هيجل الذى أعلن فى بداية المنطق‬ ‫عن موضوعية المقول‪،‬ت وأنطولوجيتها‪.‬فمن الضرورى أان يكون الموجود معطى مسبقًا بحيث يمكن أان يصبح موضوعًا‬ ‫لحكذمذذذذ “)‪ .‬لكن إاذا كان السعى نحو المعرفة موجهًا‬ ‫نحو ما هو موجود‪ ،‬وإاذا كان المقصود هو تشكيل فى حكم لما هو عليه الوجود وكيفيته‪ ،‬فإان‬ ‫الموجود يجب أان يكون معطى مسبقاً‪ .Pregiveness‬ويقــول هوســرل أن الموضــوع‬ ‫يعطى كما هو على حقيقته للوعى ل مجرد تصور أو تمثيل عنه‪،‬‬ ‫بل الموضوع نفسه‪ ،‬وهذا هو مصدر وسند موضوعية المعرفــة‪،‬‬ ‫وإل نكــون قــد رجعنــا مــرة أخــرى إلــى نزعــة كانطيــة تقصــر‬ ‫المعرفة على الظاهر وعلى تصــوراتنا عــن العــالم فــى حيــن ل‬ ‫تكون لدينا معرفة حقيقية بالعالم فى ذاته‪ .‬هناك نتيجة أخرى مترتبــة‬ ‫على حديث هوسرل هنا‪ ،‬وهى أن الطابع المقولى الــذى يظهــر‬ ‫به الموضوع للوعى سيكون هو الطابع المقولى لوجوده‪ ،‬نمــط‬ ‫وجوده ذاته‪ ،‬أى أن المقولى سوف يكون نمط وجود الموضــوع‬ ‫وأســـلوب إدراك الـــذا‪،‬ت لـــه‪ ،‬أى ســـوف تكـــون المقـــول‪،‬ت‬ ‫موضوعية‪ ،‬أنطولوجية ل إبستمولوجية فقط كمــا ذهــب كــانط‪.‬لكن معرفة ماذا ؟ ‪ ..‬‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫كما يذهب هوسرل إلــى أن الحكــم هــو إنجــاز‬ ‫للوعى وفيه تنشأ كــل تشــكيل‪،‬ت الحكــم وكــل تعــبيرا‪،‬ت عمليــة‬ ‫المعرفة ‪ .Cognition‬ويقول هوسرل‪ ” :‬إان نشاط الحكم يخدم السعى نحو‬ ‫المعرفة‪ .‬هوسرل هنــا يخــرج‬ ‫عن كانط‪ ،‬وهو فى نفس الوقت يدخل مجال النطولوجيــا‪ ،‬لن‬ ‫إعطاء الموضوع ذاته للوعى يفــترض أن تكــون هنــاك مســاواة‬ ‫أنطولوجية بين الموضوع والوعى‪ ،‬فالوعى يدرك الموضوع كما‬ ‫هو فى حقيقته النطولوجية‪ ،‬والموضوع يقدم نفسه للوعى كما‬ ‫هو فى وضعه النطولوجى الحقيقى‪ .‬‬ ‫‪Achievement‬‬ ‫ويقــول هوســرل إن المنطــق الصــورى لــم يكــن يهتــم إل‬ ‫بشروط الوضوح الــذاتى لعمليــة الحكــم‪ ،‬أمــا شــروط الوضــوح‬ ‫‪Ibid: P..‬وبما أان فعل الحكم يتطلب شيئًا كامنًا من قبل أان يمارس‬ ‫عليه الحكم ‪ .‬معرفة ما هو موجود‪ .(3‬ويـذهب هوسـرل بعـد ذلـك إلـى أن الحكـم كـى يكـون‬ ‫ذ‬ ‫صحيحا ً فل يكفى أن يحقق قواعــد صــورية بــل يجــب أيض ـا ً أن‬ ‫يحقـــق قواعـــد أو متطلبـــا‪،‬ت فـــى نمـــط العطـــاء المســـبق‬ ‫للموضوعا‪،‬ت ذاتهــا ‪ . 19..

‬وهذا يذكرنا بهيجــل‬ ‫فى جانبين‪ :‬الجانب الول فى ” ال إأيمان والمعرفة “ عندما كان يبحث‬ ‫عن أصل أو الهوية الصلية للحدس والتصــور‪ ،‬وللصــل القبلــى‬ ‫للحكم التركيبى عند كانط‪ ،‬والجانب الثانى فى المنطق عنــدما‬ ‫كان ينتقل مــن القضــية ونقيضــها إلــى المركــب الــذى هــو فــى‬ ‫الحقيقة الصل الذى تفرعت عنه القضية ونقيضها‪ .(1‬‬ ‫يســمى هوســرل بحثــه فــى الوضــوح الــذاتى للموضــوع‬ ‫المعطى قبل الحكم حركة تراجعية ‪ ،(2)Retrogression‬وذلك لنــه‬ ‫يبدأ بالحكم والموضوع والمحمول فيه عائـدا ً إلـى الـوراء‪ ،‬إلـى‬ ‫نمط العطاء الذاتى للموضوع قبل الحكم‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن هوســرل متهــم بالمثاليــة الذاتيــة فــى‬ ‫بعض جوانب من فلسفته‪ ،‬إل أن هذه التهمة تنتفــى عنــه فــى ”‬ ‫التجربة والحكم “ ‪ ،‬ذلك لنه وحسب الفقرا‪،‬ت السابقة يبحث فى‬ ‫أصل الحكم الحملى ويوحد فــى هــذا البحــث بيــن النطولوجيــا‬ ‫‪Ibid: P.28.‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلى أن كل حكم يختــص بموضــوع فــرد‬ ‫‪ individual‬أيا ً كان نوع هذا الحكم‪ ،‬ولذلك فــإن أول نظريــة فــى‬ ‫الكشف الفينومينولوجى عن تكوين الحكم ستكون نظرية فــى‬ ‫العطـــاء القبلـــى ‪ Prepredicatative‬أو قبليـــة الحمـــل لهـــذه‬ ‫الموضوعا‪،‬ت الفرديــة)‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الــذاتى للموضــوعا‪،‬ت المعطــاة قبــل الحكــم فلــم يعرفهــا‪ ،‬أمــا‬ ‫الفينومينولوجيــا فهــى الــتى تهتــم بــذلك‪ ،‬وخاصــة الدراســة‬ ‫الفينومينولوجية لتكوين ‪ Genisis‬فعل الحكم)‪. 22. 21.‬‬ ‫‪Ibid: P.210 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .(3‬واســتخدامه لقبليــة الحمــل لــه دللــة‬ ‫بالنســبة لهيجــل‪ ،‬ذلــك لن قبليــة الحمــل كــانت هــى نفــس‬ ‫الموضوع الذى ناقشه هيجل فى الجزء المتعلــق بكــانط فــى ”‬ ‫ال إأيمان والمعرفة “ ‪. 27 .‬فالصيرورة‬ ‫على سبيل المثال هى الواقع العينى القائم والحادث أمامنا‪ ،‬أما‬ ‫الوجود والعدم فهما تجريدا‪،‬ت من الصيرورة التى هى المقولــة‬ ‫العينية‪ ،‬وبذلك يكون المركب هو الكلى العينى‪.

‬هل تغيير الحكــم يــأتى بإعــادة‬ ‫النظر فى الموضوع المعطى قبليا ً أم فـى الـوعى بـه ؟ منطــق‬ ‫الحجة لدى هوسرل يقول بالعودة مــرة أخــرى إلــى الموضــوع‪،‬‬ ‫لكــن هيجــل يقــول بــالنظر إلــى الــوعى بــه كمــا يــذهب فــى‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫يقول هوسرل‪ ” :‬الموضوعات حاضرة دائمًا لنا ومعطاة قبليًا فى تعيين بسيط قبل‬ ‫أان ندخل فى أاى فعل معرفى‪ .(1‬الحقيقــة أن هــذه مغالطــة مــن هوســرل‪ ،‬ذلــك لن‬ ‫المعطى قبليا ً يمكن أن يكون تعيينا ً حسيا ً غير حقيقى كما أثبت‬ ‫هيجل فى الفينومينولوجيا‪ ،‬أو إدراكا ً حسيا ً يتم تجاوزه هو الخر‬ ‫نحو الفهم والعقل‪ .‬والحقيقة أن هذا الحديث ل ينطبــق إل علــى‬ ‫فينومينولوجيا هوسرل فقط‪ ،‬ذلك لن الموضــوع معطــى قبلي ـا ً‬ ‫للوعى الفينومينولوجى فقط‪ ،‬وعى هوسرل‪ ،‬كما أن الموضــوع‬ ‫حاضر ومعطى قبلي ـا ً باعتبــاره موضــوعا ً فينومينولوجي ـا ً فقــط‪.211 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬المعالجة‬ ‫الجدليــة هــى أيضــا ً فينومينولوجيــة أكــثر مــن فينومينولوجيــة‬ ‫‪Ibid: P.‬نلحــظ أن التشــابه القــوى مــع‬ ‫هيجل فــى ” التجربــة والحكــم “ يكشــف عــن أن هوســرل قــد‬ ‫اقــترب مــن هيجــل للغايــة فــى المرحلــة الخيــرة مــن تطــوره‬ ‫الفكرى والتى شهد‪،‬ت ” التجربة والحكم “ و ” الزمة “‪.‬وكل نشاط معرفى يفترض فى بدايته هذه الموضوعات )المعطاة‬ ‫قبلذيذذًاذذ( “)‪ .‬فينومينولوجيا هيجـل إذن هـى الفينومينولوجيـا‬ ‫الحقيقية‪ ،‬أما فينومينولوجيا هوسرل فتخــرج فــى هــذه النقطــة‬ ‫بالذا‪،‬ت عن نطاق الوعى وتخــون مبــدأها القائــل بــأن الــوعى ل‬ ‫يمكن تجاوزه وهو محايث دائمًا‪ . 29.‬وهذا هو الفــرق بيــن المعالجــة‬ ‫الجدلية للوعى والمعالجة الفينومينولوجية الهوسرلية‪ .‬‬ ‫لكــن يعــود هوسـرل فـى نفـس الصـفحة ويقــول إن الموضـوع‬ ‫معطى قبليا ً وبعد ذلك تكون وظيفــة عمليــة المعرفــة ‪Cognition‬‬ ‫الحكم عليه ما إذا كان كما هو أو ليــس كمــا هــو بــل شــئ آخــر‪.‬‬ ‫معنى ذلك إننى إذا رأيت من بعيد رجل ً فسوف أصدر حكما ً بأن‬ ‫الواقف هناك رجل‪ ،‬لكن عندما اقترب منه واكتشف أنه شــجرة‬ ‫أغير حكمى الول وأقول إنها شجرة‪ ،‬وعندما أقترب أكــثر أدرك‬ ‫أنها شجرة مرسومة على حائط‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫والبســتمولوجيا وبــذلك يتفــادى تهمــة المثاليــة الذاتيــة ويصــبح‬ ‫متفقا ً مع هيجل أكثر من قبــل‪ .

‬‬ ‫‪.‬‬ ‫إذا كان هوسرل يبحث بالحركة الرتدادية عن أصل أو بداية فإن‬ ‫هيجل رفض كل بدايــة ورفــض فكــرة الصــل ذاتهــا‪ ،‬فالمــذهب‬ ‫دائرى عنده‪ ،‬أما هوسرل فل يزال يستشهد بديكار‪،‬ت فى نفــس‬ ‫الصفحة على أنه هو مفتتح هذه الطريقة الرتداديــة الــتى تعــود‬ ‫إلى الذا‪،‬ت الترانسندنتالية‪ .(1‬والحقيقة‬ ‫أن لهيجل طريقة مشابهة فى الكشف عن الصل السابق علــى‬ ‫كل حكم وهو بدايته لعلم المنطـق بمقولـة الوجــود‪ ،‬وهـو يقــدم‬ ‫تبريرا ً لهذه البداية تقــديما ً طــويل ً ومفص ـ ً‬ ‫ل‪ .212 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫ويحــدد هوســرل مجــال بحثــه عــن أصــل المنطــق ومجــال‬ ‫الرتداد بقوله إنه سيبحث فقط عن أصل الحكم الحملى الــذى‬ ‫‪Ibid: P.‬أما هيجل فيعترض على نفس هــذه‬ ‫الطريقة الديكارتية فى البدء‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هوسرل‪.‬لكــن هــذه البدايــة‬ ‫ليست إل بهدف البحث فقط وبهدف البدء فــى مجــال أو دائــرة‬ ‫الفكرة الخالصة أو المنطق فقط‪ ،‬لكنها ليست البداية المطلقة‪.‬هوسرل هــو الخــر يمــارس طريقــة‬ ‫الرتــداد علــى تاريــخ الفلســفة ويعــود إلــى ديكــار‪،‬ت باعتبــاره‬ ‫المفتتح‪ ،‬أو الصل والبداية‪ . 49.‬‬ ‫ويتحــدث هوســرل فــى التجربــة والحكــم عــن الحركــة‬ ‫الرتداديــة ‪ Retrogression‬الــتى تمكنــه مــن العــودة إلــى الخــبرة‬ ‫السابقة على الحمل وإلى عالم الحياة المعاشــة الســابق أيض ـا ً‬ ‫على العالم المعطى مسبقًا‪ ،‬وذلك فى سعيه نحو الكشــف عــن‬ ‫تكوين أو جنيالوجيا الحكم الحملى وبالتــالى جنيالوجيــا المنطــق‬ ‫كله بما أن الحكم الحملى هو الحكم الساسى فيه)‪ .‬ويتضح الفرق بينهما فى أن بدايـة‬ ‫كل مثلث جـدلى ليسـت هـى البدايـة الحقيقيـة بمعنـى الصـل‬ ‫أو العلة أو السبب الول‪ ،‬فأزواج التناقض مجردا‪،‬ت‪ ،‬أمـا العينـى‬ ‫فهو المركب‪ ،‬والحقيقة أن المركب هو الصــل مثــل الصــيرورة‬ ‫مثل ً أو الفكرة الشاملة‪ ،‬أمــا النقيضــان فهمــا الشــكلن اللــذان‬ ‫انقسم إليهما المركب أو انفصل عن بعضه فى الفهم النســانى‬ ‫المتناهى‪ ،‬ولذلك تكون عملية التركيب الهيجلية عود إلى الصل‬ ‫لكن ل بالطريقة الرتدادية عند هوسرل‪.

51.(1‬أمــا هيجــل فل يبــدأ بهــذه البدايــة‬ ‫المحددة بل يتناول المقول‪،‬ت مباشرة‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫وفى حين يبدأ هوسرل بالحسى والشئ المحسوس)‪ (2‬يبدأ‬ ‫هيجل بمقولة وهى الوجــود الخــالص‪ .213 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هو أســاس المنطــق كلــه)‪ .‬وبدء هوسرل بالموضوع‬ ‫يجعله يفكر فى طبيعة هــذا الموضــوع‪ :‬كــونه جــوهرا ً مــن بيــن‬ ‫جواهر كثيرة يضمها عالم واحد‪ ،‬وكــونه محسوس ـًا‪ .‬الثنان بدآ بطرح‬ ‫نفس السؤال والكشف عن حقيقة واحدة‪ :‬كل خبرة أو معرفــة‬ ‫أو حكم يبدأ بتقرير أو التسليم بوجود الشئ‪ ،‬هوسرل بحث بعــد‬ ‫ذلك فى طريقة ظهور هذا الشــئ للــوعى وبــذلك دخــل مجــال‬ ‫البســتمولوجيا‪ ،‬أمــا هيجــل فبحــث فــى مقولــة الوجــود ودخــل‬ ‫مجال النطولوجيا‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P. 62.‬الثنان ينطلقان مــن منطلــق واحــد ويبــدآن‬ ‫‪Ibid: P.‬وهذا ما يجعل هوسرل يقدم لنــا بعــد ذلــك نظريـة‬ ‫فى الدراك الحسى أو الستطيقا الترانسندنتالية بتعبير كــانط‪،‬‬ ‫أما هيجل فيقدم لنا نسقا ً إستنباطيا ً لكن على الطريقة الجدلية‬ ‫للمقــول‪،‬ت‪ ،‬أى يقــدم اســتنباطا ً ترانســندنتاليا ً أو بمعنــى أصــح‬ ‫جدليا ً للمقول‪،‬ت‪.(3‬أى يبحث فى نظرية المعرفة ويبقى مقيدا ً بهــا ول‬ ‫يبرح مكانه إلى نظرية الوجود أو النطولوجيا‪ .‬معنــى ذلــك أن هوســرل‬ ‫يبدأ بالموضوع وهيجل يبدأ بالمحمول‪ .‬‬ ‫كما يذهب هوســرل إلــى أن كــل حكــم ينطلــق مــن خــبرة‬ ‫مسبقة‪ ،‬وهى الخبرة بوجود شئ‪ ،‬أى بيقين الوجود ‪Certainty of‬‬ ‫‪ .‬والفرق هنا واضــح ذلــك‬ ‫لن هوسرل يبحث عن أصــل الحمــل‪ ،‬أمــا هيجــل فيبحــث عــن‬ ‫أصــل المحمــول‪ ،‬المقولــة ذاتهــا‪ ،‬ويبــدأ بــأعم المقــول‪،‬ت وهــى‬ ‫الوجود‪.‬‬ ‫‪.being‬لكنه بدل ً من البحــث فــى مقولــة الوجــود هــذه‪ ،‬الوجــود‬ ‫الخــالص الــذى بــدأ بــه هيجــل منطقــه‪ ،‬يبــدأ بالشــئ الموجــود‪،‬‬ ‫ويبحـــث عــن كيفيــا‪،‬ت ظهـــوره للــوعى‪ ،‬أى عــن إعطــاءاته‬ ‫المختلفة)‪ . 54.‬أمــا هيجــل‬ ‫فيبدأ مباشرة بالمحمول ويبحث عن أعـم وأشـمل المحمـول‪،‬ت‬ ‫وهو الوجود‪ .

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫بطرح نفس السؤال لكن يختلفان بعد ذلك‪. 100 .‬‬ ‫أما العتقاد ‪ Belief‬عند هوسرل فهو الشكل الولى الســابق‬ ‫على الحمل والذى تكــون كــل الشــكال الخــرى مثــل الســلب‬ ‫ووعـــى الحتمـــال واســـتعادة اليقيـــن عـــن طريـــق التوكيـــد‬ ‫أو النكار عبارة عن شرطيا‪،‬ت مقامة على هــذا العتقــاد)‪ ،(1‬أمــا‬ ‫وعى الحتمال فهوسرل فيضرب عليه مثال ً برؤية شــئ يحتمــل‬ ‫أنه تمثــال أو رجــل‪ ،‬أو جــانب مــن الكــرة ويكــون إدراكــى لهــذا‬ ‫الجانب متضمنا ً وعيا ً باحتمال عن شـكل الجـانب الخـر ولـونه‪،‬‬ ‫أما عنــدما أرى الجــانب الخــر فمــا كــان احتمــال ً إمــا أن يصــبح‬ ‫توكيــدا ً أو إنكــارا ً لهــذا الحتمــال‪ .‬هذا بالضافة إلى أن أ ليست شيئا ً واحدًا‪ ،‬فـــ أ الــتى‬ ‫هــى ب ليســت هــى أ الــتى هــى ج‪ ،‬و أ الــتى هــى ب ليســت‬ ‫مكتفية بذاتها وليست جزءا ً مستقل ً عن أ هى ج‪ ،‬لن أ هى ب‬ ‫و ج معا ً وفى نفس الــوقت‪ .‬‬ ‫فــى تحليلــه الفينومينولــوجى للحكــم الحملــى يــذهب‬ ‫هوسرل فى المنطق الترانسدنتالى إلى أن الموضوع‬ ‫والمحمول وهما ) أ هى ب ( ل يشيران إلــى أجــزاء منفصــلة‪،‬‬ ‫فـ أ ل تقوم بذاتها باعتبارها جزءا ً وكذلك ب‪ ،‬وبعد ذلك يقول‪:‬‬ ‫” من الواضح أان المحمول على الأأقل غير قابل للإنفصال باعتباره مكتفي ًا بذاته “)‪ . 294.‬هوســرل هنــا يســتنبط جميــع‬ ‫أشكال الحكـم‪ :‬التوكيــد البســيط فــى يقيــن العتقــاد البسـيط‪،‬‬ ‫والحكم الشرطى المتصل والمنفصل الــذى يتضــمن الحتمــال‪،‬‬ ‫وكذلك أفكار الكــل والجــزء واحتماليــة الحكــم علــى الكــل مــن‬ ‫جزئه ويقين الحكم على الجـزء مـن خلل الكـل إلـى آخـر هـذه‬ ‫الشكال المنطقية من التحليل الفينومينولوجى للــوعى بالشــئ‬ ‫فى المرحلة التى يسميها ‪ Prepredicative‬السابقة على الحمل‪.‬‬ ‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic. P.214 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬اســتطاع هوســرل بهــذا التحليــل‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪.101.(2‬كما‬ ‫أننا عندما نقــول أ هــى ب و أ هــى ج‪ ،‬فــإن كل ً مــن أ و ب و ج‬ ‫ليست أجزاء منفصلة بل هى أجزاء من كــل ول تفهــم إل فــى‬ ‫علقتها بهذا الكل‪ ،‬بحيث أن النتيجة النهائية وهى أ هى ج تعبر‬ ‫عن كل‪ .

Notion‬وفى حيــن اكتفــى‬ ‫هوســرل بتحليــل الحكــم الحملــى واصــل ً منــه إلــى حضــور‬ ‫المقول‪،‬ت فيه واتحادهــا‪ ،‬أراد هيجــل البحــث عــن كيفيــة تلزم‬ ‫وارتباط المقول‪،‬ت ببعضها البعض‪ :‬كيف يرتبط الكل بــالجزاء‬ ‫والواحد والكثير والشئ وخواصه وكيف تؤدى كل مقولــة إلــى‬ ‫الخرى ؟ وهذا هو مــا يقــوم بــه هيجــل فــى المنطــق‪ ،‬فقبــل‬ ‫‪.215 -‬‬ .‬‬ ‫وقــد توصــل هوســرل فــى أمــاكن أخــرى إلــى أن وجــود هــذه‬ ‫المقـــول‪،‬ت فـــى الحكـــم الحملـــى هـــو علـــى المســـتوى‬ ‫الفينومينولـــوجى‪ ،‬وهـــو فـــى الحقيقـــة مســـتوى القصـــدية‬ ‫اللواعية‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫التوصــل إلــى عــدة نتائــج توصــل إليهــا هيجــل مــن قبــل فــى‬ ‫المنطق وهى‪ (1) :‬الحكم الحملى ل يعبر عن انفصال أو عــن‬ ‫أجزاء منفصلة بل عن وحدة‪ (2) .‬‬ ‫فالوعى يدرك الموضوع وهو حاصل على جميــع صــفاته‪ ،‬كمــا‬ ‫يستطيع هذا الوعى التمييز بين الموضوع وما يتصــف بــه مــن‬ ‫صفا‪،‬ت‪ ،‬أو بين الشئ وخواصــه‪ ،‬ثــم يــأتى الحكــم مكون ـا ً مــن‬ ‫موضوع ومحمول ويكون هذا المحمول معــبرا ً عــن الصــفة أو‬ ‫المقولة‪ ،‬وبالتالى يكــون الــوعى أو الدراك الحســى متضــمنا ً‬ ‫المحمول أو المقــولى أو الكلــى‪ ،‬أى متضــمنا ً حدسـا ً مقوليـًا‪.‬والحكم الحملــى يفصــل مــا يــدركه الــوعى مجم ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫اســــتطاع هوســــرل أن يكشــــف عــــن طريــــق التحليــــل‬ ‫الفينومينولوجى‪ ،‬عن أن جميع المقول‪،‬ت تتــداخل فــى الحكــم‬ ‫الحملــى‪ .‬من الحكم الحملى نستطيع‬ ‫التوصل إلى مقولة الواحد والكثير والكل والجــزاء‪ ،‬وبالتــالى‬ ‫تكون هذه المقــول‪،‬ت كلهــا‪ :‬الواحــد‪ ،‬الكــثير‪ ،‬الكــل‪ ،‬الجــزاء‪،‬‬ ‫متضمنة فى فعل معرفى منطقى واحد وهو الحكــم الحملــى‪.‬الحكــم الحملــى إذن علــى الرغــم مــن أن ظــاهره‬ ‫النفصال بين جزءين همــا الموضــوع والمحمــول إل أنــه يعــبر‬ ‫عــن وحــدة جميــع المقــول‪،‬ت‪ ،‬إنــه كــذلك وحــدة مــن الفكــر‬ ‫والوجود‪ ،‬وهذا هو نفس ما توصل إليه هيجل‪ .‬لكــن فــى حيــن‬ ‫أرجع هوسرل حضــور جميــع المقــول‪،‬ت واتحادهــا فــى الحكــم‬ ‫الحملى إلى الــذا‪،‬ت الترانســندنتالية وقصــديتها‪ ،‬بحــث هيجــل‬ ‫أيضا ً عن أساس لهذه الوحدة ووجــده فــى وحــدة أخــرى ذا‪،‬ت‬ ‫طابع أنطولوجى وأسماها المفهوم ‪ .

‬ل‬ ‫يستطيع الحدس المقولى أن يدرك المقولى من وراء الحــدس‬ ‫الحســى ومحايثــا ً لمــا هــو حســى إل لن الحســى والمقــولى‬ ‫محايثان لبعضهما منذ البداية وفــى هويــة أصــلية‪ ،‬وهــى نفــس‬ ‫النتيجة التى توصل إليها هيجل‪ ،‬أى الهوية الصلية بين الحدس‬ ‫والتصور‪ ،‬الفكر والوجود‪.‬الحكــم الحملــى‬ ‫إذن يفصل بين شيئين متحدين فى الصل‪ ،‬يفصل بيــن جــانبين‬ ‫لشئ واحد‪ ،‬ولذلك يقول كانط إن كل حكــم هــو حكــم تحليلــى‬ ‫حتى إذا بدا أنه تأليفى‪ .‬‬ ‫يتفق هيجل وهوسرل على أننا ندرك شيئا ً واحدًا‪ :‬ســبورة‬ ‫ســوداء‪ ،‬لكــن الحكــم هــو الــذى يفصــل بيــن جــانبين فــى هــذا‬ ‫الدراك‪ ،‬السبورة والسواد‪ ،‬ويقول ” هذه الســبورة ســوداء “‪،‬‬ ‫وتكون السبورة موضوعا ً والسوداء محمــو ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫بين المقول‪،‬ت علقا‪،‬ت أنطولوجية قبل وحدتها البســتمولوجية‬ ‫فى الحكم‪ ،‬وهذا ما يكشف عنه هيجل فى المنطق‪.‬‬ ‫كانت نظرية كانط فى الحكم التركيبى القبلى هى مــدخل‬ ‫هيجل إلى نظريته فى الوحدة الصلية بيــن الحــدس والتصــور‪،‬‬ ‫ومدخل هوسرل أيضا ً إلى نظريته فى المنطق‬ ‫‪.‬يبحث هيجل عن أصل الحكــم الحملــى‬ ‫فى هوية أصلية بين الحدس والتصور‪ ،‬أو الذا‪،‬ت والموضوع‪ ،‬أو‬ ‫الفكر والوجود‪ ،‬أما هوسرل فيبحث عن أصل الحكــم الحملــى‬ ‫فى شئ آخــر يبــدو أنــه مختلــف عــن هيجــل‪ ،‬يبحــث عنــه فــى‬ ‫الحــدس المقــولى الــذى يعطينــا التصــور ملتبســا ً ومختلطــا ً‬ ‫بالحدس الحســى ومحايث ـا ً لــه‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫حضور المقول‪،‬ت فى الحكم واتحادها معا ً فيه‪ ،‬اكتشف هيجــل‬ ‫وحدة وترابطا ً للمقول‪،‬ت فيما بينها قبل حضورها فى الحكــم‪،‬‬ ‫وهذا الترابط والوحدة له طبيعة جدليــة فــى الســاس قوامهــا‬ ‫حركة بين المقول‪،‬ت وبعضها وتوالد وإنتــاج وتسلســل جــدلى‪.‬صــحيح أنــه يميــز بينهمــا ويعطــى لكــل منهمــا حدسـا ً‬ ‫مختلفا ً عن الخر‪ ،‬إل أن الحدس المقولى هو فى النهايــة نــوع‬ ‫من الحدس‪ ،‬نوع آخر من الحدس الحسى كما ذهب أدورنو‪ .216 -‬‬ .‬هنــاك إذن وحــدة أصــلية لــدى‬ ‫هوسرل ل يعــترف بهــا‪ ،‬وهــى وحــدة الحس ـى والمقــولى منــذ‬ ‫البدايــة‪ .

‬كمــا أن كــانط رفــض‬ ‫فكرة الشئ فى ذاتــه وإمكانيــة معرفتــه‪ ،‬والحقيقــة أن الشــئ‬ ‫ـةــ)‪ (2‬هـو هـذه‬ ‫ـاــن والمعرف‬ ‫فـى ذاتـه كمـا يـذهب هيجـل فـى اليم‬ ‫الوحــدة بالــذا‪،‬ت وهــذا الصــل المشــترك أو الوحــدة التركيبيــة‬ ‫الصلية التى لم ينتبه كانط إلى أنها هى الشئ فى ذاتــه‪ .‬أوضــح‬ ‫كانط أن المعرفة الموضوعية هى الحكم التركيبى القبلــى‪ ،‬أى‬ ‫الحكم الذى يتكون من حدس حسى وتصور قبلى‪ ،‬وفى سياق‬ ‫فلسفته يبحث عن إمكانية الحكم التركيبى القبلى ويرجعه إلى‬ ‫وحــدة تركيبيــة قبليــة)‪ .‬فسر هيجــل هــذه الوحــدة‬ ‫على أنها وحدة الفكر وموضوعه‪ ،‬أو وحــدة الــذا‪،‬ت والموضــوع‬ ‫أو وحدة الفكر والوجود‪ ،‬ونقد كانط من منطلــق أنــه لــم ينتبــه‬ ‫إلى هذه النتيجة المترتبة على فلســفته‪ .‬‬ ‫‪Hegel: Faith and Knowledge. 111.217 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬كيــف‬ ‫توصل كانط إلى أن هناك وحدة تركيبية أصلية إذا كان كــل مــا‬ ‫يعرفه هو الظــاهر‪ ،‬أى مركبــا‪،‬ت الحــدس والتصــور فقــط ؟ إذا‬ ‫كانت كــل المعرفــة وكــل الخــبرة هــى تركيبــا‪،‬ت مــن الحــدس‬ ‫الحسى والتصور العقلى فكيــف عــرف كــانط أن هنــاك وحــدة‬ ‫تركيبية أصلية فى حين أن هذه الوحدة ليست معطاة للحواس‬ ‫ول للفهم نفسه بل هى شئ مدرك بالعقل فقط ؟ ذهب هيجل‬ ‫إلى أن هذه هى اللمحة المثاليــة والتأمليــة الحقــة لــدى كــانط‬ ‫والتى تخلى عنها بسرعة وتنكر لها‪ ،‬هــذا هــو الحــدس العقلــى‬ ‫ذاته‪ ،‬والــذى تــم علــى أساســه بنــاء المثاليــا‪،‬ت اللمانيــة كلهــا‪.‬‬ ‫‪.‬إن الحدس الحسى عند كانط هو الجانب‬ ‫الموضوعى فى الحكم‪ ،‬والتصــور هــو الجــانب الــذاتى‪ .‬الحكم التركيــبى القبلــى إذن يرجــع‬ ‫إلى مصدر مشترك أو وحدة أصلية‪ . 71. P.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الترانسندنتالى‪ .(1‬هنــاك إذن وحــدة تركيبيــة قبليــة مــن‬ ‫الحدس الحسى والتصور‪ .‬‬ ‫يتساءل هوسرل أسئلة متشابهة‪ ،‬فهو يقول كيف توصل كــانط‬ ‫إلى فكرة الوحدة الترانسندنتالية للحدس الباطن ‪apperception‬‬ ‫على الرغم من أن هذه الوحدة ليست معطاة فى التجربــة ول‬ ‫فى أى حدس حسى ول حتى فى تصور مــن تصــورا‪،‬ت الفهــم‪،‬‬ ‫وكيف توصل إلى فكرة النا وضرورة ملزمة النا أفكر لجميــع‬ ‫التصورا‪،‬ت والعمليا‪،‬ت الذهنية أو الفكرية فى حين أن هذا النــا‬ ‫‪Kant: Critique of Pure Reason. P.

‬التركيب الهيجلى إذن يســير‬ ‫عكس اتجاهه لدى كــانط‪ ،‬فهــو يســعى نحــو الوحــدة الصــلية‬ ‫الــتى انقســمت إلــى قضــية ونقيضــها‪ ،‬الــتركيب الهيجلــى هــو‬ ‫عودة للمطلق ونحو الصل والوحدة الصلية‪ .‬كــل‬ ‫واحد منهم يفسر هذا الجزء من فلسفة كانط حسب منطلقاته‬ ‫وأهدافه الفلسفية‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫أفكر غير معطى مباشرة فى حدس حسى ول يمكن أن يخضع‬ ‫لحكم تركيبى قبلى ؟ ذهب هوسرل إلــى أن كــانط تمكــن مــن‬ ‫ذلــك لنــه يقــف علــى أرضــية فينومينولوجيــة ولن الســتنباط‬ ‫الترانسندنتالى عنده هو إرهاص للمنهج الفينومينولــوجى‪ .218 -‬‬ .70‬‬ ‫‪.‬وهــذا هــو جــدل‬ ‫‪1‬‬ ‫)( هربــر‪،‬ت مــاركيوز‪ :‬نظريــة الوجــود عنــد هيجــل أســاس‬ ‫الفلســفة التاريخيــة‪ .‬لكن الحقيقة أن مفهوم التركيب الهيجلى يرجع إلى‬ ‫الحكم التركيبى القبلــى عنــد كــانط أيضـًا‪ .(1‬الوحـدة الصـلية تظهـر لـدينا فـى صـورة تركيـب‪،‬‬ ‫وعلى الصح تظهر لدى الفهم فى صورة تركيــب‪ ،‬والــذى هــو‬ ‫فعل ربط يقوم به لوحدة أصلية‪ .‬ومثل هذه الوحدة‬ ‫ل يمكن على الطلق أن تكون معطاة فى الشياء نفسها‪ ،‬بل‬ ‫هى ” فعل تقوم به تلقائية ملكة التمثيل‪ ،‬وكل رابطة سواء أاحاط‬ ‫بها وعينا أاو لم يحط‪ ،‬هى إاذن من فعل الفهم‪ .‬‬ ‫إن الخــبرة الموضــوعية لــدى كــانط هــى تركيــب قبلــى‪،‬‬ ‫وانطلقا ً من ذلك يــذهب هيجــل إلــى أن هــذا الــتركيب القبلــى‬ ‫ليس تركيبا ً اعتباطيا ً أو عرضيا ً بل هــو تركيــب لوحــدة أصــلية‪،‬‬ ‫وحــدة الفكــر والوجــود‪ ،‬وهــذا هــو منطلــق مــذهبه المثــالى‪،‬‬ ‫وبالخص المنطق‪.‬الــتركيب فــى هــذا‬ ‫الحكم يعبر عن وحدة أصلية بين الفكر والوجود‪ ،‬هذه الوحــدة‬ ‫عند كانط تقع داخل رابطة من صنعنا نحن‪ .‬الهيئــة العامــة‬ ‫للكتاب‪ ،‬القاهرة ‪ ،1994‬ص ‪.‬ترجمــة إبراهيــم فتحــى‪ .‬‬ ‫وكــل مــن تنــاول أصــول الــتركيب الهيجلــى بيــن القضــية‬ ‫ونقيضها أرجعه إلى نقــائض العقــل عنــد كــانط‪ ،‬فكــانط حــدد‬ ‫المواجهــة بيــن القضــية ونقيضــها‪ ،‬وهيجــل أتــى بــالمركب أو‬ ‫التركيب‪ .‬ونحن نطلق على هذا الفعل اسمًا عامًا هو‬ ‫اذلذذتذذركيب “)‪ .

‬والغريب أن كــانط ل يعــترف باتحادهمــا‬ ‫القبلى‪ .‬الحقيقة أن وحدتهما القبلية هى الشئ فى ذاتــه مــن‬ ‫وجهة نظر هيجل‪ .‬لقد كان كانط أمام كنز كبير واقــترب منــه‬ ‫بالفعل لكنه لم يتقدم ليأخذه بــل تراجــع‪ ،‬ذلــك لنــه اكتشــف‬ ‫بالفعل وحدة الحدس والتصور لكن على المستوى التجريــبى‬ ‫فقط‪ ،‬ولم يدرك أن هذه الوحدة يكمن وراءهــا مبــدأ الهويــة‪،‬‬ ‫أى مبدأ وحدة الفكر والوجود‪ .‬لم يبحث كانط فى هــذا النــوع‬ ‫من الوحدة‪ ،‬بل اقتصــر علــى دراســة النــوع الخــر التجريــبى‬ ‫والخبرة التجريبية‪ ،‬ولذلك كانت فلسفته معرفة الذاتية الــتى‬ ‫تتحقــــــــق بهــــــــا هــــــــذه الخــــــــبرة التجريبيــــــــة‬ ‫أو هــذه الوحــدة عــبر خبرتهــا التجريبيــة‪ ،‬أى نقــدا ً للملكــا‪،‬ت‬ ‫المعرفيـــــــــــــــة‪ ،‬ل معرفـــــــــــــــة للمطلـــــــــــــــق‬ ‫أو بالمطلق الذى هو الوحدة الصلية‪.‬الجــدل‬ ‫الهيجلى إذن بقوته التركيبية هو سعى نحو رأب الصدع وعودة‬ ‫الوفاق والئتلف والنسجام بعد النقسام والتفتت والتشتت‪.219 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫‪. 68.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هيجل اليجابى الــذى واجهــه أدورنــو بجــدله الســلبى‪ . P.‬‬ ‫كما يــذهب هيجــل إلــى أن الفلســفة الكانطيــة تعــبر عــن‬ ‫فكـــــــــرة العقـــــــــل الصـــــــــلية فـــــــــى صـــــــــيغة‬ ‫” كيف تكون الحكام التركيبية ممكنة قبلي ـا ً ؟ “ هيجــل ينظــر‬ ‫إلــى وحــدة الحــدس والتصــور علــى أنهــا وحــدة عقليــة فــى‬ ‫الساس وتتجلى فى صورة خبرة تجريبية‪ ،‬وهذه الوحدة الــتى‬ ‫‪Hegel: Faith and Knowledge.‬‬ ‫ويذهب هيجل فى اليمان والمعرفة إلى أن الفلسفة‬ ‫الكانطية مثالية لنهــا تــدرك الوحــدة بيــن الحــدس والتصــور‪،‬‬ ‫لنها تدرك أن أحدهما وحده ليس شــيئا ً وأن الحــدوس بــدون‬ ‫تصورا‪،‬ت عمياء والتصورا‪،‬ت بدون حدوس جوفاء‪ ،‬لكنها تدرك‬ ‫أن اتحادهمــا يكــون فــى الخــبرة التجريبيــة فقــط‪ ،‬وتنكــر‬ ‫اتحادهما القبلى‪ ،‬وهيجل بالــذا‪،‬ت يــذهب إلــى أنهمــا متحــدان‬ ‫أيضا ً قبليا ً )‪ (1‬فلن الفلسفة الكانطيــة ل تعــترف إل بإمكانيــة‬ ‫الخبرة التجريبية فقط ل تعترف إل باتحادهما التجريبى‪ ،‬وهــو‬ ‫اتحاد ظاهرى فقط‪ .

‬‬ ‫‪ ..‬‬ ‫ويشرح هيجل فكرته عن المكانية القبلية للحكم التركيــبى‬ ‫بقوله‪ ” :‬هذه المشكلة لأ تعبر إالأ عن فكرة أان الموضوع والمحمول فى الحكم التركيبى فى‬ ‫هوية‪ ،‬متساويان بالطريقة القبلية‪ .‬هى مبدأا الحدس والفهم معًا “ )‪.2‬المقـــول‪،‬ت ‪:‬‬ ‫‪Ibid: P.‬كيــف يعــترف كــانط بالوحــدة علــى‬ ‫مستوى الحكم والخبرة التجريبية ول يعترف بها على مستوى‬ ‫اللمتنــاهى والمطلــق ؟ لنــه ألــزم نفســه بالتنــاهى وبالذاتيــة‬ ‫المتناهيـــة وملكاتهـــا المعرفيـــة‪ ،‬ولن مســـتوى اللمتنـــاهى‬ ‫والمطلق هو الشئ فى ذاته الذى ل يمكن معرفته‪.‬لم‬ ‫يتناول كانط إل الجانب المتناهى التجريبى من هــذه الوحــدة‪،‬‬ ‫ولم يستطع أن يتناول أو يدرك هذه الوحدة فى جانبهــا الخــر‬ ‫اللمتنــاهى أو المطلــق‪ ..‬إان العقل وحده هو إامكانية هذا الوضع ‪) Positing‬وضع‬ ‫الموضوع والمحمول باعتبارهما متساويان(‪ ،‬لأأن العقل ليس إالأ هوية مثل هذه العناصر‬ ‫اللإمتجانسة ‪ .‬والوحدة التركيبية الواحدة ‪ ..‬‬ ‫والفهم ‪ ..‬أاى أان هذه العناصر اللإمتجانسة‪ ،‬الموضوع الذى هو الجزئى‬ ‫وفى صورة الوجود‪ ،‬والمحمول الذى هو الكلى وفى صورة الفكر‪ ،‬هما فى نفس الوقت متساويان‬ ‫متطابقان )متهويان( بإاطلإق‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هى وحدة العقل ذاته باعتراف كــانط نفســه ل يمكــن إدراكهــا‬ ‫من التجربة بل هى قبلية‪ . 69.‬‬ ‫‪.‬هذه الوحدة التركيبية الأأصلية يجب أان تدرك لأ باعتبارها منتجة من متناقضات‪،‬‬ ‫بل باعتبارها هوية المتناقضات ضرورية ومطلقة وأاصلية‪ ...‬وهى مبداأ كل من المخيلة المنتجة ‪.‬مبدأ الهوية‪ ،‬هوية الفكــر والوجــود‪،‬‬ ‫يتجلى فى صورة حكم تركيبى قبلى فى الخبرة التجريبية‪ .(1‬‬ ‫نستطيع أن نستخلص مــن شــرح هيجــل لكــانط أن هويــة‬ ‫التفكيــــــــــــر هــــــــــــى حــــــــــــدس للزمــــــــــــان‬ ‫أو تحدث فى إطار حدس للزمان أو بفضله‪ ،‬ولهذا دللة كبيرة‬ ‫بالنسبة لهوسرل‪ ،‬لن هوسرل يحلل الشعور الداخلى بالزمن‬ ‫تحليل ً فينومينولوجيًا‪ ،‬أى يتناول هويــة التفكيــر وهويــة الــذا‪،‬ت‬ ‫المفكرة من خلل الوعى الداخلى بالزمن هذا‪ ،‬وهنا يضع يــده‬ ‫على قلب علقته بكانط‪ ،‬ويوسع الفينومينولوجيــا حــتى تصــل‬ ‫إلى أساسيا‪،‬ت الفكر الكانطى والمثالى التالى له كذلك‪...220 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫إن فينومينولوجيا هوسرل هى نظرية فــى أســس الخــبرة‬ ‫الموضوعية‪ ،‬أى الشروط القبلية للموضوعية ذاتها‪ ،‬كيــف يتــم‬ ‫إدراك ومعرفة موضوعية الموضوع ؟ وعلى أنها أيضــا ً نظريــة‬ ‫فــى وظيفــة المقــول‪،‬ت وكيفيــة عملهــا‪ .‬الفينومينولوجيا الهوسرلية‬ ‫ليست إل نظرية فى المقول‪،‬ت‪ ،‬فــى اســتنباطها الترانســندنتالى‬ ‫وفى كيفية ارتباطها بالخبرة الموضوعية‪ ،‬وكذلك الحال بالنســبة‬ ‫لفلسفة هيجل وهى الخرى نظرية فى المقــول‪،‬ت‪ ،‬وفــى كيفيــة‬ ‫استنباطها من بعضها البعض‪ ،‬لكن بالعتماد على الوحدة الصلية‬ ‫والهويــة المطلقــة وبالمنهــج الجــدلى‪ ،‬أمــا هوســرل فيســتخدم‬ ‫المنهج الفينومينولوجى بعد حذف جانبه الجدلى الهيجلى‪.‬وهنــا يقــترب هوســرل‬ ‫من كانط للغايــة‪ ،‬ويمكــن القــول إنــه ترانســندنتالى أكــثر مــن‬ ‫كانط‪ ،‬فقد اكتفى كانط بتوضيح أن المقــول‪،‬ت يرجــع مصــدرها‬ ‫إلى وحدة تركيبية أصلية‪ ،‬أما هوسرل فيريد البحث فــى أصــل‬ ‫ومصدر هذه المقول‪،‬ت فى الوعى‪.‬‬ ‫وبعــد أن يســتبعد هوســرل العــالم بالبوخيــة ل يســتطيع‬ ‫استنباطه من النا إل من خلل المقول‪،‬ت التى ينظــر إليهــا علــى‬ ‫أنها محايثة للنا وتعبر عن أنماط من أفعالها ؛ ومن هنــا نســتطيع‬ ‫القول إن فينومينولوجيـا هوسـرل بـذلك تعـد نظريـة فـى تـبرير‬ ‫المقول‪،‬ت أول ً أو استنباطها الترانسندنتالى من الــوعى الخــالص‬ ‫على الطريقة الكانطية‪ ،‬وثاني ـا ً نظريــة فــى كيفيــة ارتبــاط هــذه‬ ‫المقول‪،‬ت بالخبرة الموضوعية‪ ،‬أى فــى مــوازاة مــع الســكيما‪،‬ت‬ ‫الكانطية والمخيلة المنتجة الكانطية‪ .‬‬ ‫‪. 219.‬ينظــر هوســرل إلــى‬ ‫المقول‪،‬ت علــى أنهــا حالــة فــى الــوعى وعلــى أن الــوعى عــن‬ ‫طريق هذه المقول‪،‬ت لديه قدرة على إعطاء الموضوع ‪Object-‬‬ ‫‪،(2)giving‬‬ ‫ول يمكن فهم هذه القــدرة علــى إعطــاء الموضــوع إل بكونهــا‬ ‫قــدرة علــى تأســيس الموضــوع مــن البدايــة‪ ،‬تأسيســه قبلي ـًا‪،‬‬ ‫فموضوعية الشئ هى وظيفة للــوعى‪ .‬‬ ‫يذهب هوسرل فى ” المنطق الترانسندنتالى “ إلى أن‬ ‫الحكم يتوجه نحو المقولى‪ ،‬فالمقولى هو الساس فــى الحكــم‬ ‫‪Husserl: Ideas.221 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪2‬‬ . P.

‬العالم يكمــن فــى داخلــى ولــذلك فأنــا أدرك أشــكاله‬ ‫النطولوجيــة باعتبارهــا قبليــا‪،‬ت فــى ذهنــى وشــروط لمكــان‬ ‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic.‬والملحــظ أن هايــدجر هــو‬ ‫الذى سيفسر لماذا يتحد الفكر والوجود فى حكم تصدره الذا‪،‬ت‬ ‫العارفة‪ ،‬ولماذا تدرك الذا‪،‬ت الوجود على أنــه فكــر أو علــى أنـه‬ ‫مقــول‪،‬ت معرفيــة‪ ،‬وكيــف تســتطيع الــذا‪،‬ت أن تــدرك مباشــرة‬ ‫الشكال النطولوجيــة للشــياء والموضــوعا‪،‬ت بطريقــة قبليــة‪.‬يقــول هوســرل ببســاطه إن‬ ‫المقولى هو الشكل النطولوجى للشئ وهو حاضر فى الحكم‪،‬‬ ‫وحضـوره هـذا فـى الحكـم هـو اتحـاده مـع الفكـر ومـع الـذا‪،‬ت‬ ‫العارفــة‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫يفسر هايدجر كل ذلك بإرجاعه إلــى كــون الــدازاين وجــود فــى‬ ‫العالم‪ ،‬ووجوده هذا فى العالم تترتب عليه نتيجة أنطولوجية لم‬ ‫يلحظها هوسرل بالقدر الكافى ولم يركز عليها وهى أن العـالم‬ ‫هو الخر داخل ومتغلغل فى الدازاين‪ ،‬بحيث أن الدازاين يــدرك‬ ‫الشكال النطولوجية للوجود على أنهــا قبليــا‪،‬ت لــديه‪ ،‬وحضــور‬ ‫الشــكال النطولوجيــة كقبليــا‪،‬ت فــى الــذا‪،‬ت العارفــة يعنــى أن‬ ‫العالم متغلغل فى الذا‪،‬ت أو الدازاين‪ .‬الحكــم وفــق هــذا التحليــل هــو مــا يتحــد فيــه الفكــر‬ ‫والوجود‪ ،‬تماما ً مثلما ذهــب هيجــل‪ . P.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫لنه هو الذى نحكم به على الموضوع‪ .‬نستطيع مــن هنــا القــول‬ ‫إنه مثلما أن الدازاين وجود فــى العــالم فــإن العــالم هــو الخــر‬ ‫وجود فى الدازاين‪ ،‬أو هو موجود فى الــدازاين‪ ،‬الــدازاين بــذلك‬ ‫ســوف يكــون مــرآة تعكــس الشــكال النطولوجيــة للعــالم‬ ‫والوجود‪ ،‬سوف يكون عالما ً مصغرا ً مضغوطا ً فى فكــر وفهــم‬ ‫الدازاين‪ .‬يقول هوسرل‪ ” :‬إان القائم‬ ‫بالحكم موجه نحو شئ موضوعى وهذا التوجه دليل على أان هذا الشئ الموضوعى موجود وقائم‬ ‫بالفعل‪ ،‬مدرك باعتباره قائماً موجودًا حاضرًا أامامنا فى حدس مقولى‪ ،‬وفى كونه متوجهاً نحوه فهو‬ ‫لأ يحصل عليه أابدًا إالأ فى أاشكال مقولية التى هى أاشكال أانطولوجية “)‪ .222 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ .‬تعبر عن نمط‬ ‫وجود الشئ نفسه أى أشكال أنطولوجية‪ ،‬أى أنها ليست مجــرد‬ ‫أطر قبلية فى الذهن لفهم الشياء‪ ،‬بل هى الطريقة التى توجــد‬ ‫عليها الشياء أو هيئتها‪ ،‬وهــذه الهيئــة أو الشــكال النطولوجيــة‬ ‫يدركها العقل فى حــدس مقــولى‪ .(1‬وهذه العبارة‬ ‫خطيرة للغاية‪ ،‬لن المقول‪،‬ت الداخلة فى الحكم أو التى نحكــم‬ ‫بها على الموضوع )‪ (1‬قائمة فى موضوعية‪ (2) . 115.

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫خبرتى به‪ .‬لكــن كـى ل‬ ‫يتجه أحد إلى العتقاد فى أن هذا المنطــق الخــر الــذى يقــوم‬ ‫بــدور نظريــة العلــم والمعرفــة كلهــا هــو مزيــج مــن المنطــق‬ ‫والرياضيا‪،‬ت‪ ،‬أو نوع من الرياضيا‪،‬ت القياســية أو الكليــة‪ ،‬يــوجه‬ ‫هوسرل نقده كــذلك للمنطــق الرياضــى ويــذهب إلــى أنــه هــو‬ ‫الخر صــورى مثــل المنطــق الصــورى ول يهتــم إل بالقياســا‪،‬ت‬ ‫والســـتنباطا‪،‬ت‪ ،‬إذ هـــو نســـق اســـتنباطى قياســـى ل يهتـــم‬ ‫بالمضمون‪ .‬يعيب هوســرل علــى المنطــق الصــورى كــونه‬ ‫صوريًا‪ ،‬ل بمعنى أنه ل يهتم بالمضمون‪ ،‬بل بمعنى أنــه ل يهتــم‬ ‫بموضــــوع الفكــــر فــــى الصــــل‪ ،‬لن الكليــــا‪،‬ت والفــــراد‬ ‫والموضوعا‪،‬ت المقولية هى مضامين وموضوعا‪،‬ت الحكم ذاته‪.‬من الواضح هنا كيف تتداخل إبستمولوجيا كانط مــع‬ ‫أنطولوجيا هايدجر‪ ،‬والرابط بينهما هو الفينومينولوجيا‪.(1‬‬ ‫المنطذقذذذذ‪ :‬النظرذيذة ذ الكامذلذة ذ ذالص‬ ‫يكذذذذن ذكذلذذذذ ذ‬ ‫الصذذذذرى لأ يمكذنذه ذ أان ذذو‬ ‫المنطذقذذذذ ذذوذ‬ ‫ذ‬ ‫وبالطبع فهوسرل يقصد المنطق الترانســندنتالى‪ .‬‬ ‫ينقد هوسرل فى ” المنطق الترانسندنتالى “ المنطق‬ ‫الصورى لكونه ل يستطيع أن يفــرق بيــن الفــرد والنــوع‪ ،‬وبيــن‬ ‫الجنس والنوع‪ ،‬وبين الموضوعا‪،‬ت الفردية والمقوليــة‪ ،‬كمــا أن‬ ‫مفهومه عــن الكليــا‪،‬ت غيــر واضــح‪ ،‬إذ ل يســتطيع التمييــز بيــن‬ ‫الكليا‪،‬ت المشتقة من الموضوعا‪،‬ت الفردية أو التى لها شــواهد‬ ‫فردية مثل الجنس والنوع‪ ،‬والكليا‪،‬ت الخرى المستقلة عن أى‬ ‫موضوع فردى‪ .223 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .Constitutive‬معنــى‬ ‫‪Ibid: P.‬والملحظ أن النقد الذى يوجهه للمنطق الصــورى‬ ‫مشابه للنقد الكانطى الذى مهد به كانط حــديثه عــن المنطــق‬ ‫الترانسندنتالى الذى لديه نفس هدف منطق هوسرل وهــو أن‬ ‫يكون منطقا ً للمضــمون والموضــوع‪ ،‬منطقـا ً للفكــر‪ ،‬ل شــكل ً‬ ‫للفكر وحسب‪. 73.‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلى أن بحثه فى كتابه الول‪ :‬فلسفة‬ ‫الحساب ‪ 1891‬ينتمى إلى النوع الذى أطلق عليه بعد ذلك‬ ‫فينومينولوجى تأسيسى ‪ Phenomenological .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ويقول هوسرل بعد ذلك‪ ” :‬وإاذا كان الأأمر كذلك فنستطيع أان ندرك أان هذا‬ ‫ذوذذذذذرية ذفذى ذ العذلذم ذ “)‪.

150. 131 .‬‬ ‫ينظر هوسرل ســنة ‪ 1929‬إلــى كتــابه فلســفة الحســاب ســنة‬ ‫‪ 1891‬ويفسره على أنه يكشف عن فينومينولوجيــا تأسيســية‪،‬‬ ‫وهذا تأويل ذاتى لحـد أعمــاله‪ .‬‬ ‫‪Kant: Critique of Pure Reason. 87.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫ذلك أن الفينومينولوجيا التكوينية أو التأسيســية لــم تظهــر فــى‬ ‫الفترة التالية على الفكار وفترة المنطق الترانسندنتالى فقــط‬ ‫كمـــا يـــذهب معظـــم البـــاحثين‪ ،‬ومعنـــى ذلـــك أيضـــا ً أن‬ ‫الفينومينولوجيا الوصــفية فــى البحــاث لــم تكــن أول نــوع مــن‬ ‫الفينومينولوجيــا يظهــر لــدى هوســرل‪ . P.‬ويقصـد بـذلك أن الموضـوعا‪،‬ت‬ ‫التى تناولها فى هذه الدراسـة مثـل المجمـوع والفئـة والعـداد‬ ‫الصلية ‪ Sums / Sets / Cardinal numbers‬معطاة ” باعتبارها أاشياء ناشئة‬ ‫اصذذذذذلة “)‪ ،(1‬أى أنهــا ل ترجــع إلــى الجزئيــا‪،‬ت أو المــواد‬ ‫ذبذذذذذاتها ذعذذنذذذ أذذذا‬ ‫التجريبية التى هى أعداد أو مجموعا‪،‬ت لهــا‪ ،‬بــل إن لهــا طبيعــة‬ ‫قبلية وليست مجرد تجريد من الشياء‪ .‬وبــالنظر أيضــا ً إلــى‬ ‫محاضرا‪،‬ت الوعى بالزمان الداخلى التى سبقت الفكــار والــتى‬ ‫تظهــر فيهــا الفينومينولوجيــا التكوينيــة ‪ Genetic‬قبــل ظهورهــا‬ ‫الرسمى فى الخبرة والحكم‪ ،‬نســتطيع القــول أن جميــع أنــواع‬ ‫الفينومينولوجيــا كــانت معاصــرة ومتزامنــة مــع بعضــها لــدى‬ ‫هوسرل‪ ،‬ولم تلغ إحداهما الخرى كمــا يــذهب بعــض البــاحثين‪.‬‬ ‫‪.‬ومن حيث أن حديث هوسرل عن الطــابع القبلــى‬ ‫‪Ibid: P.224 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬لكــن القبليــة الــتى اكتشــفها‬ ‫هوســرل أد‪،‬ت بــه إلــى طريــق مختلــف تمامــًا‪ ،‬إلــى الطريــق‬ ‫الفينومينولــوجى حيـث تكــون القبليــا‪،‬ت هــذه هـى قبليـا‪،‬ت فـى‬ ‫الوعى‪ ،‬وبمعنى أصح قصديا‪،‬ت‪ ،‬فى حين أن القبليا‪،‬ت الكانطيــة‬ ‫قبليــا‪،‬ت فــى الفهــم فقــط وليســت منفصــلة عــن مضــامينها إل‬ ‫بتحليلنا نحن‪ .‬هذه الدراســة المبكــرة‬ ‫للموضــوعا‪،‬ت الســابقة والــتى أوصــلت هوســرل إلــى الطبيعــة‬ ‫القبلية لها تجعل تطور هوسرل الفكرى يقترب من كانط‪ ،‬ذلــك‬ ‫لن كانط كان قد اكتشــف الطبيعــة القبليــة للعلقــا‪،‬ت الزمانيــة‬ ‫والمكانية ومنها إلى قبلية المقول‪،‬ت ومبــادئ الخــبرة التجريبيــة‬ ‫كلها)‪ ،(2‬وهوسرل كذلك يتوصل فى أول دراســة لــه إلــى قبليــة‬ ‫العــداد والمجموعــا‪،‬ت والفئــا‪،‬ت‪ .

‬يــأتى فــى كتــاب عــن‬ ‫المنطق الترانسندنتالى‪ ،‬فمعنى ذلــك أنــه يمهــد بهــذا الحــديث‬ ‫للمنطق الترانسندنتالى‪ ،‬تماما ً مثلما يســبق حــديث كــانط عــن‬ ‫قبليــة الزمــان والمكــان المنطــق الترانســندنتالى لــديه‪ .‬‬ ‫وعندما كــان هايــدجر يشــرح فكرتــه عــن الطــابع الزمــانى‬ ‫والمكانى للشئ وعن كونه الهذا والهنا والن لحظ تشــابها ً مــع‬ ‫فينومينولوجيــا هيجــل‪ ،‬وكــذلك عنــدما بــدأ يحلــل ملكــة الفهــم‬ ‫الكانطية والســس أو المبــادئ الميتافيزيقيــة لدراك الشــئ أو‬ ‫موضــوعية الموضــوع ذهــب إلــى أن كــانط يحــدد موضــوعية‬ ‫الموضــوع بكــونه قــادرا ً علــى شــغل حيــز مــن المكــان‪ ،‬وهــذه‬ ‫القدرة يسميها قوة‪ .‬إلــخ‪ .‬وهذا ما يجعل فينومينولوجــا هيجــل منافســة ل للنقــد‬ ‫الكانطى وحسب بل كذلك لفينومينولوجيا هوسرل‪ ،‬لنهــا تحــل‬ ‫‪Heiddeger: What is a Thing?.(1‬التشابه مع هيجل ل يقتصــر إذن علــى النقطــة الولــى بــل‬ ‫يمتد إلــى النقطــة الثانيــة‪ ،‬ومــا لــم يلحظــه هايــدجر أن هيجــل‬ ‫يتوصل فى الفينومينولوجيا إلى نفس ما توصل إليه كانط لكــن‬ ‫بمنهج مختلف وهــو منهــج فينومينولــوجى ؛ ألــم يتأمــل هايــدجر‬ ‫قليل ً فى دللة ذلك وهــو صــاحب الفتوحــا‪،‬ت العظيمــة بالمنهــج‬ ‫الفينومينولوجى ؟ إن دللة ذلــك ببســاطة هــى أن هيجــل يضــع‬ ‫المنهــج الفينومينولــوجى مكــان النقــد الكــانطى‪ ،‬بــل ومكــان‬ ‫الستنباط الترانسندنتالى للمقول‪،‬ت ولتصورا‪،‬ت الفهــم وخاصــة‬ ‫مكان ذلك الجزء من كتاب كانط الذى يشــرحه هايــدجر‪ :‬نســق‬ ‫كل مبــادئ الفهــم المحضـة‪ (1) :‬المبــدأ العلــى لكـل الحكــام‬ ‫التحليلية‪ (2) .‬‬ ‫‪..‬عرض نسقى لكل مبادئ الفهــم‬ ‫التأليفية‪ .‬مــع‬ ‫ملحظة أن معالجة الموضوعا‪،‬ت السابقة على أنها قبليا‪،‬ت هــى‬ ‫نفسها تنتمى إلى مجــال المنطــق الترانســندنتالى‪ ،‬ل المنطــق‬ ‫الصورى مثل ً أو الرياضيا‪،‬ت أو الحساب‪ .225 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬ويقول هايدجر عندئذ‪ ” :‬ليس مصادفة أان يعنون‬ ‫هيجل الفصل الذى يحدد فيه طبيعة الموضوع باعتباره مشيئًا من الطبيعة بذ ” القوة والفهم‬ ‫“)‪ ..‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫للعدد والفئة والمجموع‪ ،‬وكذلك الطابع القبلــى لتصــورا‪،‬ت مثــل‬ ‫الوحدة والتعدد والعلقة والصلة ‪ . P. 191.‬والتأليفية‪ (3) .‬الموضوعا‪،‬ت الســابقة‬ ‫قبليا‪،‬ت من وجهة نظر المنطق الترانسندنتالى‪.

‬هــل يعــود هوســرل مــرة‬ ‫أخرى لستنباط ترانسندنتالى للخــبرة وإمكانهــا ومبادئهــا علــى‬ ‫شاكلة الستنباط الترانسندنتالى الكانطى ؟ بالطبع هــو ل يريــد‬ ‫ذلك بــل يريــد اســتنباطا ً فينومينولوجي ـًا‪ ،‬والترانســندنتالى فــى‬ ‫كتابه هو الفينومينولوجى الترانسندنتالى على وجـه الخصـوص‪،‬‬ ‫لكن هذا بالضبط ما يعرضه للنقد الهيجلى‪ ،‬ذلك لنه خلــط بيــن‬ ‫الفينومينولوجى والترانسندنتالى‪ ،‬بين الهيجلى والكــانطى‪ .‬والحقيقــة أن‬ ‫السم الــذى أطلقــه هوســرل علــى دراســته الســتنباطية يــثير‬ ‫التأمل ” المنطــق الترانســندنتالى “‪ .‬أمـا هيجـل فيلجـأ إلـى تحليـل الـوعى ذاتـه‪،‬‬ ‫الوعى المعرفى والــوعى الــذاتى لســتنباط المقــول‪،‬ت ومبــادئ‬ ‫الفهــم‪ ،‬وهنــا يكــون هيجــل مخلص ـا ً للفينومينولوجيــا أكــثر مــن‬ ‫هوسرل الذى انحرف بها ناحية كانط‪.226 -‬‬ .‬‬ ‫إن المنطـــق الهيجلـــى يقـــوم بـــديل ً عـــن الســـتنباط‬ ‫الترانســندنتالى للمقــول‪،‬ت‪ ،‬لنــه اســتنباط جــدلى محــايث‪ ،‬ول‬ ‫يمكــن أن يكــون جــدليا ً محايثــا ً إل لنــه فينومينولــوجى فــى‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الســتنباط الفينومينولــوجى محــل الســتنباط الترانســندنتالى‪،‬‬ ‫ذلك الستنباط الذى أراد هوسرل أن تقوم به الفينومينولوجيــا‪،‬‬ ‫استنباط إمكانية الخبرة الموضــوعية ومبادئهــا كمــا يتضــح مــن‬ ‫كتبه التجربة والحكــم والمنطــق الترانســندنتالى‪ .‬لقد كان هوسرل يعتمد على المنطــق الصــورى للتوصــل‬ ‫إلى منطق ترانسندنتالى تماما ً مثل كانط‪ ،‬وذلك يبقى هوســرل‬ ‫كانطيا ً فى النهايــة ول يســتطيع الخــروج مــن أســر نقــد العقــل‬ ‫الخالص‪ ،‬لن المنطق الترانسندنتالى لديه لن يكون فى النهايــة‬ ‫سوى هامش على المنطق الترانســندنتالى الكــانطى‪ ،‬إنــه فــى‬ ‫الحقيقـــة تـــبرير فينومينولـــوجى للســـتنباط الترانســـندنتالى‬ ‫الكانطى ليـس إل‪ .‬لــم‬ ‫يســتطع هوســرل إدراك أن الســتنباط الترانســندنتالى شــئ‬ ‫والفينومينولوجى شئ آخر‪ ،‬ذلك لن الول يجب أن يعتمد علــى‬ ‫الشكل المنطقى للحكم ويســتعمله كوســيلة يتوصــل بهــا إلــى‬ ‫الوظيفة المعرفية ثم يبحث عن المكان القبلى لهــذه الوظيفــة‬ ‫على الطريقة الكانطية‪ ،‬أما الســتنباط الفينومينولــوجى فشــئ‬ ‫آخر مختلف تمامًا‪ ،‬ذلــك لنــه ل يعتمــد علــى المنطــق الصــورى‬ ‫نهائيًا‪ .

239.227 -‬‬ ‫‪1‬‬ .(1‬لماذا ؟ لن منطــق هيجــل يجمــع بيــن النطولوجيــا‬ ‫والبســـتمولوجيا‪ ،‬إذ يفـــترض النتيجـــة الـــتى توصـــلت إليهـــا‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬وهى النتيجة القائلة إننا يمكن أن نأخذ الــوعى‬ ‫المطلق باعتباره حكما ً وأداة لبحث قضــايا النطولوجيــا‪ .‬وهنا نكتشــف‬ ‫حقيقــة أخــرى‪ :‬لمــاذا يجــب علــى الســتنباط النطولــوجى‬ ‫للمقول‪،‬ت أن يكون هو الخر استنباطا ً جدليا ً ؟ ألم يكن الجــدل‬ ‫هذا هو صفة الوعى العادى فى رحلته اليائسة وترقيه عبر سلم‬ ‫‪(1) Klaus Hartnamm: “On Taking the Transcendental Turn”. Vol.‬‬ ‫‪.‬أثبــت هيجــل أن الجــوهر وهــو‬ ‫الموضــوع الساســى والعلــى فــى النطولوجيــا هــو ذا‪،‬ت فــى‬ ‫حقيقته وهو الروح المطلق‪ ،‬معنى ذلك أنــه جعــل أعلــى شــكل‬ ‫أنطولوجى ممكن هو الذا‪،‬ت‪ ،‬وبالتالى تستطيع هذه الذا‪،‬ت الـتى‬ ‫وصلت إلى الوعى بذاتها باعتبارها جـوهرًا‪ ،‬أى باعتبارهـا شـكل ً‬ ‫أنطولوجيا ً عاليا ً أو الشــكل العلــى وهــى الــروح المطلــق‪ ،‬أن‬ ‫تطمئن إلى ذاتها وموقفها المعرفى وتبحث فى المقول‪،‬ت وهى‬ ‫مطمئنة‪ . 2.‬والفينومينولوجيا هــى الــتى توصــل‬ ‫الوعى العادى‪ ،‬أو توصلنا نحن قــراء هيجــل والمتــابعين لحركــة‬ ‫الوعى الجدليــة‪ ،‬إلــى أن موضــوع النطولوجيــا الساســى وهـو‬ ‫الجــوهر هــو فــى الحقيقــة ذا‪،‬ت‪ . P. XX.‬فبعــد‬ ‫فينومينولوجيــا الــروح يســتطيع المنطــق أن يكــون اســتنباطا ً‬ ‫أنطولوجيــا ً للمقــول‪،‬ت‪ ،‬ل لمجــرد وعينــا بهــا أو باعتبــار هــذه‬ ‫المقول‪،‬ت نســقا ً فــى المعرفــة‪ ،‬بــل باعتبارهــا أشــكال الوجــود‬ ‫نفســه ونســقا ً فــى الوجــود‪ . December 1966.‬لكــى يكــون المنطــق الهيجلــى‬ ‫استنباطا ً أنطولوجيـا ً وجــدليا ً للمقــول‪،‬ت يجــب أن ينطلــق مــن‬ ‫حقيقة أن الوعى الذى يدرس هذا المنطق هو وعى مطلق‪ ،‬أى‬ ‫الشــكل النطولــوجى العلــى‪ ،‬أعلــى مراتــب الوجــود‪ . No.‬الموقف الــذى يــدرس مقــول‪،‬ت المنطــق هــو موقــف‬ ‫اتحد‪،‬ت فيــه النطولوجيــا مــع البســتمولوجيا‪ ،‬موقــف المعرفــة‬ ‫المطلقة أو الروح المطلق‪ ،‬وهــذا الموقــف هــو الــذى يتيــح لهــا‬ ‫استنباطا ً أى تبريرا ً جدليا ً وأنطولوجيا للمقول‪،‬ت‪ .‬فمــن‬ ‫المرتبة العلى فى الوجود تستطيع أن تفكر فى جميع المراتب‬ ‫الخرى لنها ستكون دونك‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الساس)‪ . in‬‬ ‫‪Review of Metaphysics.

P.‬منطق هيجل وفق هذا التفسير لن يكون مجرد نوع‬ ‫جديد من اللهو‪،‬ت‪ ،‬بل ســيكون كــذلك منافس ـا ً للهــو‪،‬ت شــلنج‬ ‫ولكتابه عن عصور العالم‪ . 97.(1‬هذا بالضافة إلــى أن‬ ‫المنطــق الهيجلــى وفــق التفســير اللهــوتى الســابق ســيكون‬ ‫نظرية فى الصدور شــبيهة بنظريــة أفلــوطين‪ ،‬فهــو ينتقــل مــن‬ ‫أعلى نقطــة فــى التجريــد وهــى الوجــود الخــالص الــتى تنــاظر‬ ‫الواحد عند أفلوطين‪ ،‬ومن هذه النقطة يتم صــدور أو اســتنباط‬ ‫بــاقى المقــول‪،‬ت حــتى أكثرهــا عينيــة‪ .‬إن المنطــق الهيجلــى‬ ‫صدورى أو فيضى وذلك لنه جدلى‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫المعرفة المرهق والشاق ؟ الستنباط النطولــوجى للمقــول‪،‬ت‬ ‫ل يزال استنباطا ً جدليا ً لسباب عديدة منها أن بناء الوجود عنــد‬ ‫هيجل هو نفسه بناء جدلى‪ ،‬وأن الستنباط النطولوجى هو فــى‬ ‫الحقيقــة اســتنباط فينومينولــوجى‪ ،‬وهــذا هــو معنــى أن يكــون‬ ‫جــدليًا‪ ،‬فجدليــة الســتنباط هــى فينومينولــوجيته‪ .‬ل عجــب إذن أن يقــول هايــدجر إنــه‬ ‫لحظ فى شبابه بعد أن درس المثاليــة اللمانيــة علــى يــد أحــد‬ ‫الساتذة أنها )المثالية اللمانية وخاصة فلسفة هيجــل وشــلنج(‬ ‫ذا‪،‬ت نفــع كــبير فــى إمــدادنا بأســس أنطولوجيــة للهــو‪،‬ت غيــر‬ ‫أسسه التقليدية فى العصور الوسطى)‪ .‬وك ـأن هيجــل يقــول إن اللــه خلــق العــالم مــن خلل‬ ‫المقول‪،‬ت أو التفكير فيها‪ ،‬والجدل الحــادث بيــن المقــول‪،‬ت هــو‬ ‫تفكير الله مع نفسه حول هذه المقول‪،‬ت‪ ،‬وهذا ما يفسر لنا أن‬ ‫المنطق الهيجلى دائرى‪ ،‬إنه دائرى لنه يرجع إلى بدايته‪ ،‬ويرجع‬ ‫إلى بدايته لن بدايته هذه هــى الــوعى اللهــى بــذاته‪ ،‬أى وعــى‬ ‫الله بذاته‪ .‬لكــن مــا هــو‬ ‫الوعى الذى تستنبط المقول‪،‬ت له فينومينولوجيـا ً ؟ هــو الــوعى‬ ‫المطلـــق أيضـــًا‪ ،‬وعـــى الـــروح المطلـــق الـــذى هـــو نتيجـــة‬ ‫الفينومينولوجيا‪ ،‬أو هو كما قال هيجل‪ :‬وعـى اللـه وهـو يخلـق‬ ‫العــالم‪ .228 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫إن الحركة الجدلية للمقول‪،‬ت فى منطق هيجل تضع أمامنــا‬ ‫تساؤل ً عويصًا‪ :‬هل هذه الحركة بالنسبة لذاتها أم بالنسبة لخر‬ ‫؟ إن هذه الحركة هى بالطبع حركة للمقــول‪،‬ت ذاتهــا‪ ،‬لكــن كــل‬ ‫‪Heiddeger: “My Way to Phenomenology”.

782.‬‬ ‫‪.‬الوجود ليس شــيئا ً‬ ‫محسوســا ً وأدركــه فــى إدراك حســى كشــئ‪ . P.‬لكن يقول هوسرل إن الوجود هو فى الحقيقة الرابطــة‬ ‫بين الموضوع والمحمــول)‪ ،(3‬فعنــدما أقــول إن ” هــذه الورقــة‬ ‫‪Hegel: Science of Logic.‬ما يحمل عليــه التغييــر المقــولى‬ ‫وتحدث له الحركة المقولية هو المطلق أو المفهــوم‪ . Vol.‬‬ ‫وأول مقولة فى منطق هيجل هى الوجود‪ ،‬ويتوصل هيجــل‬ ‫من هذه المقولة إلى أن الوجود الخالص هو فى الحقيقة عــدم‬ ‫أو يتحول إلى العدم‪ ،‬وهذا ما يتفق مع قــول كــانط إن الوجــود‬ ‫ليس محمول ً حقيقيًا‪ ،‬ومع نفس التأكيد من جانب هوسرل فى‬ ‫البحاث أن الوجود ليس موضوعا ً لدراك أو حدس حسى)‪. Vol.‬‬ ‫‪Husserl: Logical Investigations.229 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .‬‬ ‫‪Ibid: P. 780 . II. 48. P.(2‬‬ ‫فأنـــــا أدرك الشـــــئ الملـــــون أو الشـــــئ ذا الصـــــورة‬ ‫أو الشــئ الكــبير أو الصــغير لكننــى ل أدرك مقولــة الوجــود‬ ‫باعتبارها شيئا ً كليا ً فى الشئ الذى أدركه‪ . I.‬الحركــة الجدليــة فــى منطــق هيجــل هــى‬ ‫للمقول‪،‬ت‪ ،‬لكن ليست هناك مقولة ثابتة تحدث لها حركة جدلية‬ ‫بــل كــل المقــول‪،‬ت متحركــة‪ ،‬فبالنســبة لمــن هــذه الحركــة ؟‬ ‫بالنسبة للمطلق أو للمفهوم‪ .781.‬منطــق هيجــل‬ ‫هو فينومينولوجيا للمطلــق‪ ،‬المفهــوم المطلــق‪ ،‬فينومينولوجيــا‬ ‫للوعى اللهى‪ ،‬فالله كى يفهم نفسه على أنــه إلــه يمــر بجــدل‬ ‫فينومينولــوجى‪ ،‬إنــه طريقــة وصــول اللــه إلــى معرفــة ذاتــه‬ ‫باعتباره إلهًا‪ ،‬وهيجــل نفســه يؤكــد ذلــك‪ ،‬إذ يقــول إن المنطــق‬ ‫يكشف لنا عن الله قبل الخلق وقبل إيجاد الــروح المتنــاهى)‪.‬عنــدما حلــل‬ ‫هوسرل مقولة الوجود وجد أنها ليست شيئًا‪ ،‬عدما ً مثل هيجل‬ ‫تمامًا‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫حركة تفترض شيئا ً ثابتا ً تكــون هــى حركــة بالنســبة لــه‪ ،‬تكــون‬ ‫تغيــرا ً بالنســبة لــه‪ .(1‬‬ ‫وقبل الخلق كان الله فى حالة جدل مــع ذاتــه حــتى تيقــن مــن‬ ‫ذاته ثم بدأ الخلق‪.‬المطلــق‬ ‫يفهــم نفســه فــى البدايــة علــى أنــه وجــود‪ ،‬يجمــع المقــول‪،‬ت‬ ‫المتضمنة فى دائــرة الوجــود‪ ،‬ثــم يفهــم نفســه ثانيـا ً علــى أنــه‬ ‫ماهية‪ ،‬وأخيرًا‪ ،‬على أنه مفهوم أو روح مطلقــة‪ .

230 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬إن الفقــرة ‪ 44‬مــن‬ ‫البحاث ‪ II‬تحمل عنوان ” أصل مفهوم الوجود وباقى‬ ‫المقولت ل يكمن فى مجال الدراك الحسى “)‪ (1‬بل فى‬ ‫الحدس المقــولى‪ .‬فالمباشـر‬ ‫لديه واللمتوسط واللمحدد الخالى من أى تعيينا‪،‬ت سيكون هو‬ ‫مقولة الوجود الخالص)‪ ،(2‬أمــا هوســرل فيبــدأ بالشــئ الحاضــر‬ ‫أمام الحواس‪ :‬هيجل يبــدأ بالمباشــر واللمتوســط فــى صــورة‬ ‫مقولة الوجود الخالصة وهوسرل يبــدأ بالمباشــر علــى أنــه هــو‬ ‫الشئ موضوع الدراك الحســى معتقــدا ً أنــه هــو هــذا المباشــر‬ ‫اللمتوسط‪ .‬لم يكن البدء بالشــئ بعيــدا ً عــن تفكيــر هيجــل‪ ،‬إذ‬ ‫فكــر فيــه بالفعــل‪ ،‬لكــن تفكيــره هــذا أدى بــه إلــى أن الشــئ‬ ‫المباشــر ليــس هــو البدايــة الصــحيحة‪ ،‬ليــس هــو المباشــر‬ ‫واللمتوسط الحقيقــى‪ ،‬ذلــك لننــا بــالعودة إلــى الشــياء ذاتهــا‬ ‫فنحن فى الحقيقة نعود إلى وجودها الخالص المجرد‪ ،‬وهذا هــو‬ ‫المباشر اللمتوسط الحقيقى‪ :‬الوجود الخــالص المجــرد‪ ،‬وهــذا‬ ‫‪Ibid. 78.‬يقصد هوســرل‬ ‫بهذا الشعار البدء بالمباشر واللمتوسط وما هــو هنــاك ‪What is‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪Hegel: Science of Logic. Vol.‬‬ ‫بالنظر إلى بداية منطق هيجــل بــالوجود الخــالص نســتطيع‬ ‫تناول شعار هوسرل‪ ،‬العودة إلى الشياء ذاتها‪ .there / Worhan den‬الحقيقة أن هيجل يريد أن يقوم بذلك أيضا ً‬ ‫فى بداية المنطق‪ ،‬لكن سعيه نحــو المباشــر واللمتوســط ومــا‬ ‫هو هناك يجعله يأخـذ الطريـق المعـاكس لهوسـرل‪ .assertion‬هــذا‬ ‫التأكيد ليس مدركا ً فى إدراك حسى بل يدرك بانعكــاس علــى‬ ‫الذا‪،‬ت وبتأمل فى العملية المعرفية ذاتها‪ ،‬وهى نتيجة مشــابهة‬ ‫للتى توصل إليها هيجل فى علم المنطق‪ .‬‬ ‫‪. I.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫بيضاء “ فإن الوجود الذى تعبر عنه كلمة ” هى “‪ ،‬هو الرابطــة‬ ‫فى الحكم بين الموضوع والمحمول‪ ،‬هو التأكيد ‪ . P.‬أى أن مقولــة الوجــود والمقــول‪،‬ت الخــرى‬ ‫ليســت فــى مجــال المباشــرة والدراك الحســى المباشــر بــل‬ ‫مقول‪،‬ت تأملية أو انعكاسية‪ ،‬وهى نفــس النتيجــة الــتى توصــل‬ ‫إليها هيجل‪ ،‬ذلك لن المقــول‪،‬ت الــتى يقصــدها هوســرل توجــد‬ ‫فى منطق الماهية‪ ،‬وهو دائرة التأمل والنعكاس والتوسط‪.

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هو البداية الحقيقية ل الشئ القائم هناك كما فعل هوسرل‪.‬ويذهب هيجل بعد ذلك)‪ (1‬إلــى أن‬ ‫علقة الكل والجزاء عبارة عن لحظا‪،‬ت محتفظ بها فــى وحــدة‬ ‫‪Ibid: P. 144.‬يمكــن أن يرجــع هــذا‬ ‫الختلف إلى أن هوسرل يحلل الوعى المعرفى فينومينولوجيا ً‬ ‫بينما يحلل هيجل الكل والجزاء تحليل ً أنطولوجيا ً إلى حد كــبير‬ ‫وموسع‪ ،‬إنه يبحــث فــى طبيعــة الكــل والجــزاء نفســها‪ .231 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫يقول هيجــل إن العلقــة الجوهريــة تتضــمن اســتقلل ً منعكسـا ً‬ ‫للوجود‪ .‬المــر‬ ‫الثانى الهام فى فقرة هيجل هى أن علقة الكل والجزاء تنتمى‬ ‫لـــدائرة الماهيـــة‪ ،‬وخاصـــة إلـــى دائـــرة المظهـــر أو الظـــاهر‬ ‫‪ appearance‬من دائرة الماهية‪ .‬ما هو هذا الستقلل المنعكس ؟ يقصد هيجل بذلك أن‬ ‫علقة الكل والجزاء تتضمن وجودا ً مســتقلة عــن أجزائــه مثــل‬ ‫اللون المستقل عــن الشــياء الجزئيــة الــتى يظهــر فيهــا‪ ،‬وهــذا‬ ‫الوجــود المســتقل للماهيــة أو اللــون منعكــس‪ ،‬أى داخــل فــى‬ ‫علقة مع أجزاء ينعكس فيها‪ .‬إن كل هم هوسرل هو إثبا‪،‬ت أن الكل‬ ‫معطى مــع أجزائــه فــى الحــدس باعتبــاره ماهيــة‪ ،‬لكــن هيجـل‬ ‫يتجاوزه وذلك بأن ينظر إلى الكل على أنه فى الســاس علقــة‬ ‫ول يعنيه ما إذا كان معطى لحــدس أم ل‪ .‬فعلقة الكــل والجــزاء هــى مــن‬ ‫العلقا‪،‬ت التى تظهر فيها الماهية وتتجلى‪ .‬‬ ‫وهذا قريــب ممــا توصــل إليــه هوســرل مــن أن الماهيــة تظهــر‬ ‫وتكشف عن نفســها فــى صــورة ظــاهر‪ ،‬ولــذلك يمكــن حــدس‬ ‫الماهية أو المقولة فى الدراك الحسى‪.‬‬ ‫والكثر من ذلك تشابها ً مع هوسرل أن هيجل يـدخل فكـرة‬ ‫اللحظا‪،‬ت فى علقة الكل والجزاء مثلما يفعل هوسـرل تمامـًا‪.‬‬ ‫يبحث هيجل ” علقة الكل والجزاء “ تحت مقولــة العلقــة‬ ‫الجوهرية أو الماهوية ‪ Essential relation‬إذا قارنا بين هذه الفقرة‬ ‫والمبحث الثالث عند هوسرل وجدنا أن هيجل ينظر إلــى الكــل‬ ‫والجزاء على أنها فى الساس علقة‪ ،‬وليسا ماهيــا‪،‬ت أو أشــياء‬ ‫ثابتة كما يذهب هوسرل‪ .‬الماهية فى ظهورهــا‬ ‫أو باعتبارها ظاهرا ً تأخذ شكل الكل والجزاء أو العلقة بينهمــا‪.‬‬ ‫‪.

.(2‬‬ ‫لكنــه بــذلك يقــوم بــافتراض مضــمر‪ ،‬إذ يفــترض أن مــا يظهــر‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫ويقول هيجل فى ذلك‪ ” :‬الكل ‪ .‬‬ ‫كما يســمى هيجــل الكــل وحــدة انعكاســية ‪،Reflected unity‬‬ ‫ويقصد بـذلك شـيئين‪ :‬الول أن الكـل عبـارة عـن وحـدة لكنهـا‬ ‫ليست مستقلة بذاتها بل منعكسة فى الجزاء‪ ،‬أى أن الكل هــو‬ ‫الوحدة التى تظهر منعكسة فى الجزاء‪ ،‬والثانى أن الكل وحدة‬ ‫تدرك بالنعكاس‪ ،‬انعكاس الوعى على الجزاء لستخراج الكــل‬ ‫منها‪ ،‬إنها وحدة يدركها التفكير النعكاسى‪. 57.232 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫بعد ذلك يكشف هيجل فــى مناقشــته للكــل والجــزاء عــن‬ ‫فكره الجدلى المتحرك والدينامى‪ . P.3‬الظاهر والماهية ‪:‬‬ ‫يريد هوسرل أن يقيم منهجا ً لدراســة الحقــائق كمــا تظهــر‬ ‫فى الوعى‪ ،‬لدراسة الماهيا‪،‬ت كما تكشف عن نفسها للوعى)‪.‬فالكل بعــد ذلــك يتضــح أنــه‬ ‫ليس إل علقة خارجية‪ ،‬أى علقة ليســت جوهريــة فــى الشــئ‪،‬‬ ‫فالجوهر ليــس فــى الحقيقــة جــوهرا ً لنــه يعتمــد فــى ظهــوره‬ ‫وجـــــــــــــــــوهريته علـــــــــــــــــى العـــــــــــــــــراض‬ ‫أو الجــزاء الــتى يظهــر فيهــا‪ ،‬وتكــون الجــزاء هــى الســاس‬ ‫الحقيقى‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫‪ Moments preserved in unity‬وهذه هى علقة الكل والجزاء وفقا ً‬ ‫لهوسرل بالضبط‪.‬‬ ‫‪.‬عمل على تخريج ‪ externalize‬نفسه‪ ،‬وهو‬ ‫يحصل على اتساقه فى ضده ‪ -‬المباشرة المتنوعة )مباشرة المتنوع( ‪manifold immediacy‬‬ ‫الكل والجزاء إاذن يشرط كل واحد منها الآأخر “)‪ .(1‬وهذا البعد الجدلى أيضا ً‬ ‫غائب عن هوسرل‪ .‬‬ ‫‪ ..‬نلحظ من حديث هيجل السابق أن المنهــج‬ ‫الجــدلى منهــج تفكيكــى‪ ،‬فهــو يبــدأ بوصــف العلقــة أو الفكــرة‬ ‫التقليدية عن الكل والجزاء فى الميتافيزيقا التقليدية ثم يوضح‬ ‫كيف تنهار هذه العلقة وكيف يتحول الكل إلى الجزاء والجوهر‬ ‫إلــى العــراض وكيــف يصــبح الجــوهر غيــر جــوهرى والعــرض‬ ‫جوهرًا‪.‬‬ ‫‪Husserl: Ideas.‬وبالطبع فهذه البعاد ليست موجــودة عنــد هوســرل‪. 145.

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫للوعى‪ ،‬وهو الوعى الخــالص بــالطبع هــو الماهيــة وهــو حقيقــة‬ ‫الشياء ذاتهــا‪ .‬كيــف‬ ‫عرف هوســرل أن الشــياء كمــا تظهــر للــوعى الخــالص والنــا‬ ‫المطلق هى الماهية والحقيقة ؟ كــان يجــب علــى هوســرل أن‬ ‫يثبت أول ً أن الماهية تتبدى وتتجلى فى صورة مظهر أو ظــاهر‪،‬‬ ‫لكنه لــم يفعــل ذلـك‪ .‬‬ ‫فقد انتهى كانط إلى أن الوعى النســانى ل يعــرف إل الظــاهر‪،‬‬ ‫ومن هنا ينطلق هيجل‪ ،‬إذ يتناول معرفة الظاهر هذه ويثبت أنها‬ ‫يمكن أن تصل إلى المعرفة بالشئ فى ذاته‪ ،‬المعرفة المطلقة‬ ‫أو معرفة المطلــق‪ ،‬فالفينومينولوجيــا الهيجليــة تهــدف التغلــب‬ ‫علـــى شـــكلية كـــانط‪ ،‬وبهـــذا المعنـــى فهـــى الـــتى تؤســـس‬ ‫فينومينولوجيا هوسرل‪.233 -‬‬ .‬يقول فى الزمة‪ ” :‬لدينا الواقعيات ‪ realities‬محل‬ ‫السؤال معطاة لنا مرة بعد أاخرى باعتبارها واقعيات تظهر؛ لكن اهتمامنا بها ‪ .‬أمــا هوســرل فيقــول العكــس‪ ،‬يقــول إن‬ ‫الشــياء كمــا تظهــر فــى الــوعى هــى الشــياء فــى ذاتهــا وهــى‬ ‫حقيقتها وماهيتها‪ ،‬بشرط أن يكون هذا الــوعى خالصـا ً وحدسـا ً‬ ‫ماهويـا ً نتوصــل إليــه بالبوخيــة والــرد والخــتزال والوضــع بيــن‬ ‫قوسين‪ ،‬لكــن يظــل افتراضــه قائمـا ً بــدون تــبرير كــاف‪ .‬موجه نحو‬ ‫تعيناتها ‪ determination‬التى تظهر من خلإل المظاهر‪ ،‬من خلإل طرق الأعطاء الذاتية‬ ‫)الطرق الذاتية التى بها تعطى(‪ ،‬ويمكن أان تحدد )تعين( فى وجودها الدقيق والموضوعى‬ ‫الحقيقى من خلإل الأأحكام العلمية الكلية والمطلقة الصحة ‪ -‬فى وجودها الحقيقى الذى هو‬ ‫‪...‬‬ ‫يتعامل هوسرل مع حقائق العالم بطريقــة فينومينولوجيــة‪،‬‬ ‫أى كما تظهر له‪ .‬هيجــل هـو الــذى فعـل ذلــك فـى منطـق‬ ‫الماهيــة‪ ،‬وفــى الفينومينولوجيــا بــوجه خــاص‪ ،‬فمــن الهــداف‬ ‫الساسية للفينومينولوجيا إثبا‪،‬ت أن الوعى النسانى قادر علــى‬ ‫معرفة الحقيقة‪ ،‬الماهيـة‪ ،‬الشـئ فـى ذاتـه‪ ،‬ل مجـرد المظهـر ؛‬ ‫هدف فينومينولوجيا هيجل القضاء على التعــارض الــذى يتبــدى‬ ‫للوعى بين الظاهر والحقيقة‪ ،‬ظاهر الشــئ والشــئ فــى ذاتــه‪.‬كيــف عــرف هوســرل أن مــا يظهــر للــوعى هــو‬ ‫الشياء فى ذاتها وليس مجرد مظهر لها كما ذهب كانط ؟ ذهب‬ ‫كانط إلى أن الفهم النسانى ل يدرك إل ظاهر الشياء‪ ،‬الشــياء‬ ‫كما تتبدى للدراك النسانى‪ ،‬أما الشياء فى ذاتها وفى حقيقتها‬ ‫فل نعلــم عنهــا شــيئًا‪ .

‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫وجود هذه الواقعيات ذاتها لأ مجرد وجودها بالنسبة لنا أاو بالنسبة لهذه الجماعة أاو تلك ‪.3‬هذه التعينا‪،‬ت هى الطرق الذاتية التى تعطى بها الواقعيا‪،‬ت‬ ‫لنا‪..234 -‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫“)‪ .‬‬ ‫هوسرل قام هنا بقفــزة هائلــة لــم يشــعر بهــا‪ ،‬إذ أن ســياق‬ ‫استدلله يتضمن افتراضا ً مضمرًا‪ ،‬وهــو أننــا ل نســتطيع معرفــة‬ ‫الوجود الحقيقى للشياء ذاتها أو ما يسميه واقعيا‪،‬ت العــالم مــن‬ ‫خلل التعينــا‪،‬ت الــتى تعطــى بهــا هــذه الواقعيــا‪،‬ت‪ ،‬أو مــن خلل‬ ‫الطرق الذاتية التى بها تعطى إل إذا افترضنا أن الطـرق الذاتيـة‬ ‫للعطاء هى ذاتها الطرق التى تظهر بها الواقعيا‪،‬ت وتتبــدى فــى‬ ‫الواقع‪ .1‬واقعيا‪،‬ت العالم تتبدى فى صورة ظاهر‪.‬‬ ‫‪ .. 319.‬هوســرل هنــا يفــترض أن الشــئ فــى ذاتــه فــى صــورة‬ ‫مظهــر‪ ،‬وهــو نفــس المظهــر الــذى نــدرك بــه الشــياء‪ ،‬أو أن‬ ‫الطريقة التى يتجلى بها الشئ فى ذاته أو الصورة الــتى يتجلــى‬ ‫عليها هى ذاتها الصورة التى نـدركه ونعرفـه بهـا‪ ،‬هـى الطريقـة‬ ‫النســانية فــى الدراك ؛ أى أنــه يفــترض أن الشــئ فــى ذاتــه‬ ‫أو الواقعيا‪،‬ت تتبدى بالكامل وبكل واقعيتها وحقيقتها فى صــورة‬ ‫مظهر‪ ،‬ونحن نعرف الشياء فــى ذاتهــا لن إدراكنــا هــو للظــاهر‬ ‫‪(2) Husserl: The Crisis of European Sciences and Transcendental‬‬ ‫‪Phenomenology.(1‬نلحظ فى هذا النص أن هوسرل يقوم بعــدة أشــياء‪ :‬فهــو‬ ‫يــذهب إلــى أن واقعيــا‪،‬ت العــالم تتبــدى فــى صــورة ظــاهر أو‬ ‫مظاهر‪ ،‬وهو ثانيا ً يذهب إلى إننا ندرس هذه المظاهر للكشــف‬ ‫عن هذه الواقعيــا‪،‬ت‪ ،‬لكــن مــن خلل تعيناتهــا‪ ،‬وهــذه التعينــا‪،‬ت‪،‬‬ ‫الشئ الثالث الذى يقــوله هوســرل‪ ،‬هــى الطــرق الذاتيــة الــتى‬ ‫تعطى بها‪ .‬هوسرل إذن يقول التى‪:‬‬ ‫‪ .2‬هذا الظاهر به تعينا‪،‬ت‪. P.4‬من خلل دراستنا وإصدارنا للحكام العلمية عن الطرق‬ ‫الذاتيــة الــتى تعطــى لنــا بهــا التعينــا‪،‬ت نصــل إلــى وجودهــا‬ ‫الحقيقى‪ ،‬ل وجودها كما تظهر لنا فقط‪.‬وأخيرا ً فهو يذهب إلى أن الحكام العلمية المطلقــة‬ ‫الصحة والكلية هى الــتى تعيــن الوجــود الحقيقــى للواقعيــا‪،‬ت ل‬ ‫مجرد وجودها بالنسبة لنا‪ .‬‬ ‫‪ .

(2‬هذه الفقرة تثبت بوضوح أن الواقع الفعلى‬ ‫والوجود الماثل هناك والماهية كلها أشياء يجب أن تظهــر ومــن‬ ‫طبيعتها أن تظهر‪ ،‬وظهورها نفسه هو نمط وجودها‪ .(1‬وهذا أيضا ً نقد لكانط‪ .‬‬ ‫ماركيوز‪ :‬نظرية الوجود عند هيجل‪ ،‬ص ‪. P.‬‬ ‫يتنــاول هوســرل الوجــود المتجــاوز فــى ســياق يتضــح منــه‬ ‫تشابهه القوى مع هيجل ونظريتــه فــى الجــوهر والمظهــر‪ ،‬وأن‬ ‫الجــوهر أو الماهيــة ل تتحقــق إل فــى صــورة مظهــر‪ ،‬وأن هــذا‬ ‫المظهر هو مظهر لماهية‪ .. 138.235 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬وهــذا كلــه‬ ‫‪2‬‬ ‫)(‬ ‫‪Husserl: Ideas.‬وكما أن الضوء فى الطبيعــة‬ ‫ليس شيئا ً متعينًا‪ ،‬وليس بالشئ بل إن وجوده ليس إل ظهوره‪،‬‬ ‫فإن التجلى هو الواقع المطلق المساوى لذاته‪ .‬‬ ‫يميز هيجل بين المظهر الفارغ والظاهر‪ .‬فالوجود ليــس مقولــة أصــلية لــدى‬ ‫كــانط‪ ،‬ول يمكــن أن يكــون محمــول ً فــى قضــية‪ ،‬أمــا هوســرل‬ ‫فيذهب إلى أنه يعطى لنا باعتباره بيانا‪،‬ت إدراكيــة فقــط بنفــس‬ ‫الطريقة التى يعطى لنا بها شئ‪.‬يقول هوسرل فى اتفاق عجيــب مــع‬ ‫هيجل ” يمكننا دائمًا أان ننظر إالى الوجود المتجاوز مهما كان نوعه ‪ .‬وكما أن الضوء‬ ‫ل ينتشر إل بمجرد ظهوره‪ ،‬ول يكون على ما هــو عليــه حق ـا ً إل‬ ‫عندما يسطع فى ظهوره‪ ،‬فكل واقع إنما يوجد ” فى تبديه الخارجى‬ ‫الشفاف‪ ،‬حيث يسفر كل داخل عن نفسه فى جلإء‪ ،‬فى تبد خارجى لذاته‪ ،‬فى تبيان لذاته‬ ‫وتكشف لذاته “)‪ .‬الوجــود الماثــل هنــاك ظــاهر ‪Phainesthai‬‬ ‫)بــالمعنى الـذى تشــير إليــه كلمـة ظــاهر فـى العلـم ‪ -‬والفعـل‬ ‫أى يــــــــبرز إلــــــــى النــــــــور‬ ‫اليونــــــــانى ‪Pheinein‬‬ ‫أو يظهــر‪ ،‬والمقطــع الثــانى فــى الكلمــة مــن الصــل ‪ais thasis‬‬ ‫ويعنى الدراك الحسى باليونانية(‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫ولن الشياء فى ذاتها تتجلى فى هذا الظاهر الذى ندركه نحــن‪.‬على أانه لأ يمكن أان‬ ‫يكون معطيات إادراكية ‪ datum‬إالأ بنفس الطريقة التى بها يعطى شئ‪ ،‬أاى فقط من خلإل الظاهر‬ ‫“)‪ .‬‬ ‫كل ذلك يفترضه هوسرل ضمنا ً ول يقدم تبريرا ً له‪ ،‬وتبريره عند‬ ‫هيجل‪ ،‬فهو الذى يوضح كيف تتجلى الماهية فــى صــورة ظــاهر‪،‬‬ ‫فى المنطق وفى الفينومينولوجيا على السواء‪.177‬‬ ‫‪..‬فــالوجود الفعلــى‬ ‫ظاهر وليــس مظهــرا ً فارغـًا‪ ،‬بمعنــى أن صــفاته ليســت ســوى‬ ‫طريقة ونمط وجوده‪ .

‬إن هوسرل يترك الــوعى وراءه بالفعــل ويبحــث فــى‬ ‫الوجود‪ .‬‬ ‫هيجــل هــو الــذى الــتزم بالفينومينولوجيــا بمعناهــا المحــدد‬ ‫باعتبارها علم خبرة الوعى وليس هوسرل الذى توســع وخــرج‬ ‫من هذا المعنى المحدد‪.‬‬ ‫نلحظ كذلك نفس الشتقاق من الصل اليونانى ‪،Pheinein‬‬ ‫وهو أصل الفينومينولوجيا لدى هيجل وهوسرل معــًا‪ .‬ل يمكــن أن‬ ‫تكون فينومينولوجيا هوسرل حدسا ً للماهيا‪،‬ت إل إذا كانت هــذه‬ ‫الماهيــــا‪،‬ت ظــــاهرة‪ ،‬أو بمعنــــى أصــــح ظــــاهرا ً تســــتطيع‬ ‫الفينومينولوجيــا إدراكــه ورؤيتــه‪ .‬أمــا إذا عــدنا إلــى فينومينولوجيــا الــروح لهيجــل فلــن‬ ‫نجــده يــترك مجــال الــوعى وخــبرته إطلقـًا‪ ،‬لــن نجــده يحــول‬ ‫الفينومينولوجيا إلى أنطولوجيا‪ ،‬المنطق فقط هو النطولوجيــا‬ ‫أما الفينومينولوجيا عنده فتبقــى علــم خــبرة الــوعى وحســب‪.236 -‬‬ .‬الحقيقــة‬ ‫أن فينومينولوجيــا هوســرل تتوســع خــارج كونهــا مجــرد علــم‬ ‫لخبرة الوعى‪ ،‬فهى تصل فــى بعــض أعمــال هوســرل إلــى أن‬ ‫تكون فينومينولوجيا وجــود ل فينومينولوجيــا معرفــة وحســب‪،‬‬ ‫فينومينولوجيــا تأخــذ أساســها ل مــن مجــرد كونهــا بحث ـا ً فــى‬ ‫ظاهرا‪،‬ت الوعى‪ ،‬بل مــن كونهــا بحــث عــن الماهيــة والمطلــق‬ ‫والوحدة الصلية‪ .‬‬ ‫فى اعتراضه على فكرة الشئ فى ذاته عند كانط‪ ،‬يذهب‬ ‫‪.‬إذا لــم تكــن الماهيــة تظهــر‬ ‫وتتجلى فى صــورة ظــاهر‪ ،‬وإذا لــم يكــن ظهورهــا هــو نمــط أو‬ ‫أســـلوب وجودهـــا‪ ،‬فلـــن تكـــون رؤيتهـــا أو إدراكهـــا ممكنـــا ً‬ ‫بفينومينولوجيا هوسرل‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫يمــد ظاهريــا‪،‬ت هوســرل بالســاس النطولــوجى‪ ،‬وبأســس‬ ‫فينومينولــوجى كــذلك مــن فينومينولوجيــا الــروح‪ .‬ول يستطيع هوســرل أبــدا ً القــول بــأن هــذه‬ ‫الشياء التى يبحث عنها ظاهرة للوعى‪ ،‬فهى أنطولوجيا وجــود‬ ‫ل إبستمولوجيا وعى ففينومينولوجيا هوسرل تتوسع ول تكــون‬ ‫مجرد حدس للماهيا‪،‬ت الــتى تظهــر للــوعى‪ ،‬بــل تصــبح حدسـا ً‬ ‫لماهيــا‪،‬ت الوجــود ذاتــه ل الــوعى وحســب‪ ،‬حــدس لماهيــا‪،‬ت‬ ‫الشــياء ذاتهــا وفــى ذاتهــا‪ ،‬ل الماهيــا‪،‬ت الــتى تظهــر للــوعى‬ ‫وحسب‪ .

‬يقول هيجل‪ ” :‬لأبد للماهية أان تشع‬ ‫أاو تظهر‪ ،‬وظهورها أاو انعكاسها هو إالغاء لها‪ ،‬أاو تحولها إالى المباشرة التى هى مادة من حيث‬ ‫انعكاسها فى ذاتها‪ ،‬أاو هى وجود قائم فى ذاته ‪ .‬‬ ‫وإذا كانت الماهية هــى حركــة الشــئ فــى تطــوره عــبر حــالته‬ ‫‪2‬‬ ‫)(‬ ‫‪Hegel: Faith and Knowledge.(2‬فينومينولوجيا هوسرل باعتبارها حدسا ً‬ ‫ماهويا ً ليست ممكنة إل إذا كــانت الماهيــة تظهــر‪ ،‬وإل إذا كــان‬ ‫هذا الظاهر هو ظاهر لماهية ما‪ ،‬والظهور ظهور لماهية معينــة‪.(1‬وهذه نقطــة اتفــاق مــع هوســرل‬ ‫ذلك لن نظريتــه فــى الحــدس المــاهوى تقــول نفــس الشــئ‬ ‫وترفض الشئ فى ذاته الكانطى الــذى ل يمكــن معرفتــه‪ ،‬أى‬ ‫الذى ل يعطى نفسه بالكامل فى الظاهر أو فى صورة ظاهر‪.. P.‬‬ ‫هيجل‪ :‬موسوعة العلوم الفلسفية‪ ،‬ص ‪.‬‬ ‫إن بداية حديث هيجل عن الظاهر فــى منطــق الموســوعة‬ ‫تحمل تطابقا ً مذهل ً مع هوسرل‪ .‬والظهور هو الخاصية التى تتميز بها الماهية‬ ‫عن الوجود والتى تكون بها ماهية‪ ،‬وهذا الظهور نفسه حين يتطور ويبرز يصبح هو نفسه ظاهرًا‪.329‬‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هيجل إلى أن الشئ يعطى نفسه بالكامل فى صــورة ظــاهر‪،‬‬ ‫إنه يظهر بالكامل للوعى)‪ ..‬‬ ‫نلحظ هنــا أن هيجــل يقــول إن الشــئ ُيعطــى للــوعى‪ ،‬وهــى‬ ‫نفس فكرة هوسرل‪ ،‬إل أن هيجل هو الذى يتميز عن هوسرل‬ ‫فى تفسير سبب كون الشئ معطى كله كظاهر للوعى وذلــك‬ ‫فى دائرة الماهية فى علم المنطــق‪ ،‬أمــا هوســرل فل يعطــى‬ ‫أسبابا ً كافية‪ ،‬ذلك لن دراسته وصــفية‪ ،‬مجــرد فينومينولوجيــا‬ ‫وصفية لظهور الشياء فــى الــوعى‪ ،‬ملتزمــة فــى ذلــك بالبعــد‬ ‫البستمولوجى فقط‪ ،‬فى حين أن تــبرير كــون الشــئ معطــى‬ ‫للــوعى كظــاهر يتعــدى نطــاق البســتمولوجيا ويحتــاج لتــبرير‬ ‫أنطولوجى غير موجود لدى هوسرل‪ ،‬بل لــدى هيجــل‪ ،‬وأيض ـا ً‬ ‫لدى هايــدجر‪ ،‬وهنــا يلتقــى هيجــل وهايــدجر ويتفقــان فــى أن‬ ‫أساس حضور الشئ فى صــورة ظــاهر للــوعى وبالكامــل هــو‬ ‫أســاس أنطولــوجى‪ ،‬وهــو عنــد هايــدجر ينبنــى هــذا الســاس‬ ‫النطولوجى على وجود الدازاين فى العالم وتناهيه‪.237 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ . 109.‬‬ ‫وبناء على ذلك فليست الماهية شيئًا يقبع خلف الظاهر‬ ‫أاو وراءه‪ ،‬وإانما الماهية هى نفسها التى توجد وجودًا فعلياً )ظاهرياً(‪ ،‬ومن ثم فإان الوجود الفعلى‬ ‫هو الذى يظهر‪ ،‬أاو هو الظاهر “)‪ .

II.‬الغريب أن هوسرل ل يمدنا‬ ‫‪Hegel: Science of Logic.‬فإذا كانت الماهية مجرد إمكانيــة‪،‬‬ ‫أو مجرد شــئ داخلــى وحســب لــن تكــون ماهيــة‪ ،‬إذ يجــب أن‬ ‫تظهر وتتحقق‪ ،‬وهذا الظهور والتحقق هو مــن أســس الماهيــة‬ ‫ذاتها)‪ .238 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬الشئ الهام هنا أن الحـدس العقلــى عنــد‬ ‫هيجل ل يعود إدراكا ً مباشرا ً يأتى للحظة واحدة مثل اللهــام أو‬ ‫الكشف أو الوعى‪ ،‬بل يصــبح فينومينولوجيــا‪ ،‬أى عمليــة تحليــل‬ ‫دقيقة لخبرة الــوعى ومــا يجــرى عليــه مــن تحــول‪،‬ت‪ ،‬أى منهــج‬ ‫فلسفى دقيق‪ . 22. P.‬العلــم عنــده هــو حركــة الكــل‬ ‫المتناســقة والجدليــة والعضــوية‪ ،‬وهــو معرفــة هــذه الحركــة‬ ‫بوصفها كذلك‪ ،‬وهو مفهوم غير موجود لدى فخته‪.‬‬ ‫وفى دائرة الماهية وحول الجزء المتعلق بالظاهر والواقــع‬ ‫الفعلى يذهب هيجل إلى أن الواقع الفعلى هــى تجــل للماهيــة‬ ‫وظهور لها فــى الخــارج‪ ،‬فليــس الواقــع الفعلــى هــو الموجــود‬ ‫المباشر القائم هناك وحسب‪ ،‬بل هو الوجــود المباشــر القــائم‬ ‫هناك لماهية معينة‪ ،‬هو تخارجها وتحققها الفعلــى فــى الخــارج‬ ‫فى صورة وجود قائم هناك‪ .‬هيجل إذن لديه تصور مختلف ومتميز عــن‬ ‫العلم غير تصــور فختــه وشــلنج‪ .(1‬ليست فينومينولوجيا هوسرل ممكنة باعتبارها حدســا ً‬ ‫ماهويا ً وكشفا ً للحقيقــة إل بهــذه النطولوجيــا الهيجليــة حــول‬ ‫الواقع الفعلى والماهية وظهورها‪ .‬المنهج الجدلى إذن‬ ‫هو الذى يمكننا من معرفة الماهيــة ومــن حــدس الماهيــا‪،‬ت‪ ،‬أو‬ ‫بمعنى أصح معرفتها‪ .‬المنهــج جــدلى ل لختيــار أو‬ ‫تفضيل من جانبنا‪ ،‬بل لن موضوعه جدلى‪ .‬ولن الماهية هى الحركة وهى العمليــة الجدليــة‬ ‫المتحركة كلهــا فل يمكــن وصــفها أو تقريرهــا منــذ البدايــة كمــا‬ ‫ذهب هيجــل فــى مقدمــة الفينومينولوجيــا‪ ،‬وهــى ليســت أيضـا ً‬ ‫النتيجة النهائية‪ ،‬بل هى السلسلة كلها‪ ،‬الحركة كلهــا مــن أولهــا‬ ‫إلــى آخرهــا‪ ،‬ومعرفتهــا هــى العلــم حســب تعريــف هيجــل لــه‬ ‫فى الفينومينولوجيا‪ . Vol.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الجزئية الكثيرة فإن إدراكها يتطلب تتبع هذه الحركة مــن أولهــا‬ ‫إلى آخرها‪ ،‬تتبع الصيرورة ذاتها‪ ،‬ولن هذه الحركــة جدليــة فــإن‬ ‫إدراكها يتطلب كذلك منهجا ً جدليًا‪ .‬‬ ‫‪.

‬‬ ‫أل تعتمــد فينومينولوجيــا هوســرل علــى الفكــرة الهيجليــة‬ ‫الساســية حــول الجــوهر والمظهــر ؟ فينومينولوجيــا هوســرل‬ ‫ليست ممكنة إل إذا كان الجوهر يتمظهــر ويتجســد فــى صــورة‬ ‫مظهــر‪ ،‬وإل إذا كــان هــذا المظهــر مظهــرا ً لجــوهر ل للعــدم أو‬ ‫اللشئ‪ .‬الحقيقــة أن تمظهــر الجــوهر هــو الــذى يمكــن هيجــل‬ ‫وهوسرل من تجاوز فكرة كــانط عــن الشــئ فــى ذاتــه وثنائيــة‬ ‫الظاهر والشئ فى ذاته والقضاء عليها‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫بهذا الساس النطولوجى لمنهجه الفينومينولــوجى‪ ،‬والغريــب‬ ‫أكثر من ذلك أن هيجل هو الذى يمدنا به‪ ،‬وهو أيضا ً الذى يقدم‬ ‫لنا تفسيره وتبريره المنطقى من داخــل علــم المنطــق‪ ،‬ومــن‬ ‫داخل الفينومينولوجيا كذلك‪ .239 -‬‬ .‬إذا نجحنــا فــى إقامــة هــذا التــوازى‬ ‫لوجدنا أن فينومينولوجيــا هيجــل تقــدم الســاس النطولــوجى‬ ‫لفينومينولوجيــا هوســرل‪ ،‬أى لظهــور الماهيــة وتحققهــا فــى‬ ‫صورة ظاهر‪.‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬المسلمة الساسية للمنطــق الهيجلــى ‪ :‬وحــدة‬ ‫الفكر والوجود ‪:‬‬ ‫‪.‬إننا نجد ما يــوازى نظريــة هيجــل‬ ‫فى الماهية وظهورها فى ” علم المنطق “ فى الجزء المتعلق‬ ‫بالعالم المعكوس والقوة والفهم والعالم الفائق للحس فــى ”‬ ‫فينومينولوجيــا الــروح “‪ .‬يقول هيجل أن جوهريــة الجــوهر هــو أن يكشــف عــن‬ ‫جوهره‪ .‬لكن‬ ‫لهيجــل طريقــة مختلفــة تمامـا ً فــى إثبــا‪،‬ت ذلــك‪ ،‬والحقيقــة أن‬ ‫فينومينولوجيا الروح لديه تستند على هذه المسلمة‪ ،‬لكنه يثبتها‬ ‫فى مرحلة متقدمة من الرحلة الفينومينولوجيــة مثــل هوســرل‬ ‫تمام ـًا ‪ .‬ل يمكن لهوسرل أن يسير مع الظاهرة أو مع ما يظهر‬ ‫ويتبعه فى ظهوره متوصل ً إلى ماهيته وجوهره إل بتسليمه أول ً‬ ‫بأن الجوهر يكشف عــن نفســه فــى صــورة مظهــر‪ ،‬أو أن هــذا‬ ‫المظهر الذى سيدرســه هــو مظهــر لجــوهر أو ماهيــة‪ ،‬إنــه إذن‬ ‫يستند على مسلمة هيجلية ضمنية ل يبرهن عليها‪ ،‬إنه يقــول إن‬ ‫المنهج الفينومينولوجى نفسه بعد أن يقوم بمهمته سوف يثبــت‬ ‫ذلك فى النهاية‪ ،‬سوف يثبت صحة المسلمة التى بدأ منها‪ .

‬مهمة هذه الفينومينولوجيا إثبــا‪،‬ت أن مــا تأخــذه‬ ‫الذا‪،‬ت فى تطورها على أنه هــو الجــوهر ليــس هــو الجــوهر فــى‬ ‫الحقيقة‪ . P.‬‬ ‫‪.‬ومــن الواضــح أن‬ ‫هذه النظرة للفكر والوجود والعلقة بينهما نظرة أرسطية‪ ،‬لكنها‬ ‫هى نفس نظرة هيجل‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫يستند توحيد هيجل بين الفكر والوجود على فلســفة خاصــة‬ ‫حول النسان‪ .‬فـــالجوهر ذا‪،‬ت كمـــا أعلـــن هيجـــل فـــى بدايـــة‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .240 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .(1‬الوجــود المفكــر هــو أرقــى أنمــاط‬ ‫ومراتب الوجود‪ ،‬وهو يعلو على أى نمط آخر ســواء كـان وجــودا ً‬ ‫واعيا ً أو حاسا ً أو مـدركا ً أى مسـتقبل ً لدراكــا‪،‬ت حســية وهكــذا‪.‬‬ ‫وعلى الجانب الخر هو الذى يعطى للوجــود تحققــه القبلــى‪ ،‬أى‬ ‫أن الوجود يصل إلى كمــاله مــن خلل الفكــر‪ .‬فالنسان أو الـذا‪،‬ت النسـانية هـى أعلـى مراتـب‬ ‫الوجود‪ ،‬وقد أوضح هيجل ذلك فى محاضراته فى فلسفة الــروح‬ ‫فى يينا‪ ،‬والفكر أو الذا‪،‬ت المفكرة هى ماهية النسان أو التحقق‬ ‫الكامل لماهية النسـان‪ ،‬إذن الفكـر هـو أعلـى مراتـب الوجـود‪،‬‬ ‫ل وراق‪،‬‬ ‫والفكر هو نمط فى الوجود فى نفس الوقت‪ ،‬نمــط عــا ٍ‬ ‫أو هو أعلى وأرقــى نمــط)‪ .‬فالموضوع الذى يقف أمام الذا‪،‬ت فــى مرحلــة الــوعى‬ ‫المباشر ليس هو الجوهر‪ ،‬ول هو أيضا ً العلقة بين الموضوعا‪،‬ت‪،‬‬ ‫ول هو كلك قوانينها أو حتى ماهياتهــا‪ ،‬فــالجوهر هــو هــذه الــذا‪،‬ت‬ ‫النسانية نفسها‪ .‬ويترتب على هذا التوحيد نتائج عديدة‪،‬‬ ‫منها أن هيجل سوف يعلن أن الجوهر ذا‪،‬ت‪ .‬المعرفــة المطلقــة عنــد هيجــل إذن هــى فكــر الفكــر‪ ،‬أو‬ ‫التفكير حول التفكير‪ ،‬وهى الفينومينولوجيا ذاتها باعتبارها العلــم‬ ‫‪Ibid.‬وليست أرقى معرفة فــى التفكيــر حــول شــئ‬ ‫من الشياء الماديـة‪ ،‬بـل التفكيـر فـى الـذا‪،‬ت النسـانية نفسـها‪،‬‬ ‫وكمال المعرفـة والعلـم ليـس فـى التفكيـر فـى أى جـانب مـن‬ ‫جوانب هذه الذا‪،‬ت‪ ،‬بل فى جانب واحـد معيـن بهـا وهـو التفكيـر‬ ‫ذاتــه‪ . 24.‬فلن يكــون الجــوهر‬ ‫بعد ذلك شيئا ً من أشياء العالم الخارجى‪ ،‬ولن يعود السؤال عــن‬ ‫الوجود سؤال ً عن وجود الموجودا‪،‬ت الطبيعيـة‪ ،‬بـل عـن الوجـود‬ ‫البشـــرى‪ ..‬الختلف أن نظــرة هيجــل تســتند علــى‬ ‫تــراث النزعــة النســانية وعصــرى النهضــة والتنــوير الوروبــى‪،‬‬ ‫وكذلك على الرومانتيكية‪ .

‬لكن هذه الحركة هى‬ ‫حركة الوجود نفسه “)‪ .(3‬يقول هيجل بعبارا‪،‬ت أخرى إن النتقال من‬ ‫الوجود إلى الماهية إذا مــا نظــر إليــه علــى أنــه انتقــال معرفــى‬ ‫فسـوف نفهمـه علـى أنـه نشـاط معرفـى فقـط غيـر ذى صـلة‬ ‫بالوجود نفسه وغريب عنه‪ ،‬فى حين أن هذا النتقال هــو حركــة‬ ‫الوجود نفسه‪ ،‬فهو نفسه الذى ينتقل إلــى الماهيــة‪ .‬‬ ‫الوجود هو الوجــود‪ ،‬والعــدم فكــر‪ ،‬أمــا الصــيرورة فهــى وحــدة‬ ‫الوجود والفكر‪ .‬‬ ‫‪Ibid.‬نــدرك مــن‬ ‫هــذا النــص أن هيجــل ينتقــل مــن المســتوى الفينومينولــوجى‬ ‫المعرفى إلى المستوى النطولوجى فى حيــن اقتصــر هوســرل‬ ‫‪Ibid.‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪.(1‬وبــذلك يكــون المنطــق‬ ‫الهيجلى كلــه محاولــة كــبيرة للتوحيــد أو الــتركيب بيــن الوجــود‬ ‫والفكر سواء على مستوى المثلثا‪،‬ت الصغيرة‪ ،‬أو على مســتوى‬ ‫دوائر المنطق الثلثة‪. P.‬ويســتمر‬ ‫هيجل فى قوله‪ ” :‬عندما نفكر فى هذه الحركة باعتبارها طريق المعرفة‪ ،‬فإان البداية‬ ‫بالوجود‪ ،‬ثم التقدم الذى يتجاوز هذه المقولة وبالتالى يصل إالى الماهية باعتبارها شيئًا متوسطًا يظهر‬ ‫على أانه نشاط معرفى غريب عن الوجود وغير ذى صلة بطبيعته الأأساسية‪ .‬فأول مثلث جــدلى هــو الوجــود والعــدم والصــيرورة‪. 15.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫الذى يدرس التفكير‪ ،‬أو فكر الفكر‪.‬وينطبق ذلك أيضا ً على الدوائر الثلثة للمنطق‪،‬‬ ‫فالدائرة الولى وهى الوجود هى الوجود‪ ،‬والدائرة الثانية وهــى‬ ‫الماهية هى الفكر‪ ،‬لن الماهية هى التى تنطوى على تحديــدا‪،‬ت‬ ‫وتقسيما‪،‬ت الفكر التى يدخلها على الوجود‪ ،‬أمــا وحــدة الوجــود‬ ‫والفكر فهى دائــرة الفكــر الشــاملة)‪ .(2‬الماهية‬ ‫وفقا ً لهيجل إذن تأتى نتيجة مباطنة‪ ،‬نتيجة إنعكاس على الذا‪،‬ت‪،‬‬ ‫وهذا ما يتفق مع هوســرل تمامـًا‪ ،‬فحــدس الماهيــا‪،‬ت عنــده هـو‬ ‫مباطنة وانعكاس على الذا‪،‬ت مثلما يقول هيجل تمامًا‪ . 27.241 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ .‬‬ ‫إن القضــية الولــى فــى كــل مثلــث جــدلى هــى الوجــود‪،‬‬ ‫والقضية الثانية هى الفكر‪ ،‬والثالثة هى وحدة الوجود والفكـر أو‬ ‫مركبهما‪ ..‬‬ ‫يقول هيجل فى المنطق‪ ” :‬عندما تباطن ‪ internalize‬المعرفة ذاتها فقط‬ ‫تستطيع أان تكتشف )من خلإل هذا الوسيط الذى هو المباطنة( الماهية “)‪ .

242 -‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫كيف يتموضع الشئ إذن ؟ بأن تكــون لــه أبعــاد مكانيــة ويكــون‬ ‫حاضرا ً للرؤية وأن يشغل حيزا ً مـن المكــان‪ ،‬ومــن الواضـح أن‬ ‫فهــم هوســرل لموضــوعية الموضــوع هـو فهــم كــانطى تمامـًا‪.‬‬ ‫ويستمر هوسرل ويقول‪ ” :‬عندما ننظر فى مجال المقولة الكلية )الموضوع(‬ ‫‪Husserl: Formal and Transcendental Logic.‬إن كتــاب ”‬ ‫المنطق الصورى والمنطــق الترانســندنتالى “ هـو وثيقــة هامــة‬ ‫تثبـــت تحـــول فينومينولوجيـــا هوســـرل إلـــى مجـــال البحـــث‬ ‫النطولــوجى وشــهادة علــى رجــوعه عــن مــواقفه الســابقة‬ ‫الرافضة لدخال الفينومينولوجيا فى أى بحث فى الوجــود‪ .‬‬ ‫يــذهب هوســرل فــى المنطــق الترانســندنتالى إلــى أن‬ ‫النطولوجيا الصورية هى التى تبحث فى المجال الذى يتضــمن‬ ‫المجــال الصــورى للموضــوع كمــا هــو مــدرك بصــورة كليــة)‪.‬وقــد أطلــق علــى هــذه النظريــة‬ ‫النطولوجية الجديدة ” المنطق الترانسندنتالى “ تمييزا ً له عن‬ ‫” المنطــق الخــالص “ الــذى اقتصــر‪،‬ت مهمتــه علــى مجــال‬ ‫البســتمولوجيا فــى كتــابه ” أبحــاث منطقيــة “‪ .‬ففى هذا الكتاب نشهد انقلبا ً لدى هوسرل‪ ،‬إذ بدأ‬ ‫فيه تحويل الفينومينولوجيا إلى البحث النطولوجى‪ ،‬وفى كتــابه‬ ‫التالى مارس صراحة نوعا ً جديــدا ً مــن الفينومينولوجيــا هــدفها‬ ‫تأسيس لنظريــة أنطولوجيــة‪ .(1‬‬ ‫ويقــول هوســرل عــن الموضــوع إنــه ” مقولــة كليــة “ ‪Universal‬‬ ‫‪ ،Catigory‬ويقصد بذلك أن كون الشـئ موضـوعا ً يعنـى انتمـائه‬ ‫إلى فئة الموضوع‪ ،‬ول يصبح الشئ موضوعا ً إل باعتباره منتميا ً‬ ‫إلى تحديدا‪،‬ت هى الــتى تجعلــه موضــوعًا‪ ،‬هــى الــتى تموضــعه‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫علــى الجــانب الول فقــط ولــم يــدرك تضــمنه للجــانب الثــانى‬ ‫بالضرورة‪. P.‬‬ ‫‪. 106.‬‬ ‫ظــل هوســرل ينظــر إلــى الفينومينولوجيــا علــى أنهــا أداة‬ ‫للبحث فى البستمولوجيا عبر جميع مؤلفاته حتى ” تأملت‬ ‫ديكارتية “‪ .‬وإن‬ ‫دل هذا على شــئ فإنمــا يــدل علــى عــدم تمكــن هوســرل مــن‬ ‫تجاهــل المســلمة الهيجليــة الساســية حــول طبيعــة المنهــج‬ ‫الفينومينولوجى وهى ضرورة إثبا‪،‬ت وحدة الفكر والوجود‪.

243 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ...(2‬التى نحكم بها على‬ ‫الموضوع(‪ .. Plurality‬أاى تصورات تنتمى إالى أاى‬ ‫شئ بوجه عام ؟ أاليست هذه التصورات شيئًا غير تصورات مقولية ‪ .‬أاى تصورات نشأات من‬ ‫خلإل النظر المجرد فى ‪ .‬يريد هوسرل أن يقول إننا نلحظ ترتيب ـا ً معين ـا ً فــى‬ ‫الحكــام‪ ،‬فأولهــا أحكــام تتعلــق بخــواص الموضــوع الماديــة‬ ‫المباشرة‪ ،‬ثم يليها أحكام أخرى تتعلــق بكيفيــة كــون الموضــوع‬ ‫موضوعًا‪ ،‬وما إذا كان واحــدا ً أو متعــددًا‪ ،‬متص ـل ً أم منفص ـل ً ‪.‬وإذا كنا نحكم على الموضوع بمحمول‪،‬ت كلية‪،‬‬ ‫فمعنى ذلك أننا نستطيع إدراك الكلى فيه‪ ،‬ل عن طريق التجريد‬ ‫بالطبع‪ ،‬لننا نحكم ول نجرد‪ ،‬نلحق به الكلى أو نلحقــه بــالكلى ل‬ ‫نستنبط الكلى منه بالتجريد‪ ،‬فالكلى ل نحكم به على الموضــوع‬ ‫إل لننا ندركه مع الموضوع نفسه‪ ،‬وهذا هــو الحــدس المقــولى‪.‬‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫ونأاخذ على سبيل المثال هذه المائدة هنا ‪ -‬نرى أان التعين يحدث أاولأ ً فى شكل الأنتماء إالى‬ ‫خواص فردية معينة‪ ،‬وفى مستوى أاعلى )يحدث التعين( فى تتابع غير محدد من أافعال الحكم‬ ‫الجديدة‪ :‬أافعال تأاتى بموضوعات جديدة وتعينات أاخرى تحدث أاو تعدديات ‪Pluralities‬‬ ‫تتصل بنفس المحمولأت فى الأأحكام الجمعية ‪Plural‬؛ أاو أافعال نحكم فيها كليًا‪ ،‬وشيئًا كلياً‬ ‫يصبح بالتالى الموضوع الأأعلى “)‪ .‬‬ ‫إلخ‪ ،‬أى أن النوع الثانى والعلى من الحكام هــو الــذى يتضــمن‬ ‫الكلى كمحمول‪ ...‬أافعال الحكم ؟ “)‪) .(1‬يقصد هوسرل بذلك القول بأن أول‬ ‫تعينا‪،‬ت نلحقها بموضوع ما فــى حكــم هــى التعينــا‪،‬ت المباشــرة‬ ‫التى يكون حاصل ً عليها مباشرة فى شكل صفا‪،‬ت أولية‪ ،‬ثم بعد‬ ‫ذلك تظهر تعينا‪،‬ت أخرى فى شــكل أحكــام أيضـا ً وتأخــذ مكــان‬ ‫المحمول كذلك‪ ،‬أى نفس مكان الصفا‪،‬ت الوليــة‪ ،‬وهــى كليــا‪،‬ت‬ ‫ويســـــــــــــــــتمر هوســـــــــــــــــرل ويقـــــــــــــــــول‪:‬‬ ‫” لكن ماذا لو أاردنا أان نعين المائدة بصورة خالصة عن طريق تصورات تنتمى إالى الأأنطولوجيا‬ ‫الصورية مثل الموضوع والخاصية والعلإقة والتعدد ‪ ..‬‬ ‫الملحظ أن هوسرل يتوصل إلـى المجـال الفينومينولـوجى هنـا‬ ‫عن طريق تحليل للحكم الحملى‪ ،‬تماما ً كما توصــل هيجــل إلــى‬ ‫هوية الفكـر والوجـود أو الـذا‪،‬ت والموضـوع مـن تحليلـه لنفـس‬ ‫الحكم بالضبط‪ ،‬وللحكم التركيبى القبلى عند كانط‪.‬‬ ‫كما يذهب هوسرل إلى ممارسة الرد ‪ reduction‬على أحكام‬ ‫‪Ibid...‬‬ ‫‪Ibid.

(1‬أى أن نتيجة الرد هذا توصله إلى‬ ‫فكرة الشئ وكونه شيئا ً وبالتالى يطرح السؤال التــى‪ :‬كيــف‬ ‫يكون الشئ شيئًا‪ ،‬وكيف يعطى باعتباره كذلك ؟ والحقيقة أن‬ ‫هذا الســؤال ينتمــى للمجــال النطولــوجى ل البســتمولوجى‪،‬‬ ‫لن الســؤال عــن كيفيــة كــون الشــئ شــيئا ً وكيفيــة اتصــافه‬ ‫بخواص معينة هو سؤال أنطولوجى فــى الســاس‪ . 213.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫المنطق الصورى‪ ،‬ويتوصل إلى أن النهاية التى يتوصل إليها هذا‬ ‫الرد هى إلى فكرة الشئ بعامة‪ ،‬فكرة شـئ بـوجه عـام‪ ،‬فكـرة‬ ‫خواصه العامة‪ .‬‬ ‫نلحــظ علــى هــذا النتقــال أنــه يعتمــد فــى الســاس علــى‬ ‫النطولوجيــا الصــورية أو المنطــق الصــورى‪ ،‬ولــذلك أطلــق‬ ‫هوسرل على كتابه المنطق الصورى والمنطق الترانسندنتالى‪،‬‬ ‫إنه يستند على الول ليبحث عن الثانى‪ ،‬ومثلما يشكل المنطــق‬ ‫الصــورى جهــاز أو آلــة ‪ organon‬النطولوجيــا الصــورية‪ ،‬يشــكل‬ ‫المنطق الترانســندنتالى آلــة النطولوجيــا الخــرى الواقعيــة أو‬ ‫المطلقــة‪ .‬وهنــا يختلــف منطــق هوســرل الترانســندنتالى عــن‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫يذهب هوسرل فى المنطق الترانسندنتالى إلى أن مهمتــه‬ ‫فى هذا الكتاب تتمثل فــى النتقــال مــن النطولوجيــا الصــورية‬ ‫إلى أنطولوجيا للواقعيا‪،‬ت ثم أخيرا ً إلــى أنطولوجيــا)‪ (2‬مطلقــة‪.244 -‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬ويجب أن نلحظ هنا شــيئين‪:‬‬ ‫الول أن هذا الرد ممــارس مــن منظــور فينومينولــوجى وفــى‬ ‫وسط فينومينولوجى فى البحث‪ ،‬فالفينومينولوجيا هى الحلقة‬ ‫الوسطى التى تسهل هذا النتقال وتنفذه‪.‬‬ ‫‪.‬هــذا الــرد‬ ‫الذى يمارسه هوسرل هو من بين طرق عديدة ينتقل بها مــن‬ ‫المنطـــق الصـــورى إلـــى المنطـــق الترانســـندنتالى ومـــن‬ ‫البستمولوجيا إلى النطولوجيا‪ .‬وفى حين يتكون الحكم مـن موضــوع ومحمـول‬ ‫فإن ممارسة الرد عليه توصلنا إلى فكرة المحمول بــوجه عــام‪،‬‬ ‫ل محمول معين‪ ،‬بل المحمول الذى ليس بعده محمول آخر‪ ،‬أى‬ ‫الذى ل يحتمل محمول ً آخر فوقه‪ ،‬والرد كذلك يعود إلى ” التنوع‬ ‫المقولى الأأولى للمعنى‪ ،‬وللشئ ما المطلق ‪ :Absolute something‬الخواص المطلقة‪،‬‬ ‫والعلإقات المطلقة باعتبارها معان “)‪ . 174.

245 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬وأداة البحث فى النطولوجيا الواقعية عند هوسرل هــى‬ ‫الفينومينولوجيـــا‪ .‬‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫منطـــق كـــانط‪ ،‬لن المنطـــق الترانســـندنتالى عنـــد كـــانط‬ ‫إبستمولوجى فقط وليس أداة أو آلة لى أنطولوجيا‪ ،‬لن كــانط‬ ‫ينكر النطولوجيا من الساس‪ ،‬فى حين أن منطق هوسرل آلــة‬ ‫للنطولوجيــا الواقعيــة‪ ،‬وهــذا بالضــبط هــو ســبب اختلفــه عــن‬ ‫منطق هيجل ذلك لن منطق هيجــل الجــدلى ليــس أداة أو آلــة‬ ‫لنطولوجيته‪ ،‬بل هو هذه النطولوجيا ذاتها‪ ،‬فى حين أن منطــق‬ ‫هوسرل ل يزال يتمسك بالتقســيم التقليــدى إلــى مجــال وأداة‬ ‫لبحــــــــــــــــــــث هــــــــــــــــــــذا المجــــــــــــــــــــال‬ ‫أو آلة‪ .‬الحقيقـــة أننـــا إذا بحثنـــا عـــن الداة الـــتى‬ ‫يستخدمها هيجل لتجهيز المجال للبحث النطولوجى وجدنا أنها‬ ‫الفينومينولوجيا ذاتهـا‪ ،‬وهـذا عنصـر اتفـاق بيـن الثنيـن‪ ،‬لنهمـا‬ ‫ينظران إلى الفينومينولوجيا على أنها مقدمة أو آلة للبحث فــى‬ ‫النطولوجيا وليست النطولوجيا ذاتها‪ ،‬لكن مقدمة البحث فــى‬ ‫النطولوجيا عند هيجل يجــب أن تــدرس حركــة ورحلــة الــوعى‬ ‫حتى تمكنه من الوصول إلى البحث فى المجــال النطولــوجى‪،‬‬ ‫والعقبا‪،‬ت التى يقابلها فى الطريق وطرق تجنه لها أو رفعه لها‪،‬‬ ‫وهــذا هــو جــوهر فينومينولوجيــا هيجــل‪ ،‬إنهــا دراســة للــوعى‬ ‫المنتقل بالتدريج وعبر الجدل إلى المجال النطولــوجى‪ ،‬ومثــل‬ ‫هذه الرحلة يجب أن تكون جدلية ومليئة بالعقبا‪،‬ت‪.(1‬القبلية ذا‪،‬ت المضمون المادى‬ ‫هنــا هــى القبليــة النطولوجيــة ل البســتمولوجية‪ ،‬قبليــة تحــدد‬ ‫شروط وجود‪ ،‬ل معرفة‪ ،‬شئ ما بوجه عام‪ ،‬وهـى قبليـة تنتمــى‬ ‫إلــى النطولوجيــا الكليــة كمــا يــذهب‪ ،‬لكــن حــتى هــذه القبليــة‬ ‫النطولوجيـــة تتطلـــب لمعرفتهـــا حدســـا ً للفـــراد‪ ،‬أى جانبـــا ً‬ ‫إبستمولوجيًا‪ ،‬وهــذا الجــانب البســتمولوجى هــو الطريــق إلــى‬ ‫إدراك القبليــة النطولوجيــة‪ .‬‬ ‫الـــدليل علـــى أن هوســـرل يوحـــد بيـــن البســـتمولوجيا‬ ‫والنطولوجيا فى المنطق الترانسندنتالى قوله إن ” كل قبلية‬ ‫بمضمون مادى )أاى كل قبلية تنتمى إالى علم أانطولوجى وإالى أانطولوجيا كلية( تتطلب رجوعاً إالى‬ ‫حدس أامثلة فردية أاى إالى خبرة ممكنة “)‪ .‬هنــاك إذن اتصــال ووحــدة بيــن‬ ‫‪Ibid: P. 213.

‬فالمنطق هــو الخــر تفكيــر ثــان‪ ،‬وهــو مراقبــة ووصــف‬ ‫لحركة الفكر والوجــود‪ ،‬ولــذلك فهــو فينومينولوجيــا هــو الخــر‪.‬إذا كــانت الفينومينولوجيــا مقدمــة‬ ‫للمذهب‪ ،‬فإن ذلك ما يجعل المــذهب كلــه فينومينولوجيــا‪ ،‬وإذا‬ ‫كــانت الجــزء الول منــه‪ ،‬فهــذا مــا يجعــل بقيــة الجــزاء كــذلك‬ ‫فينومينولوجيا‪ .‬‬ ‫يمكن أن نقول عنه أنه فينومينولوجيــا للــوعى اللهــى‪ ،‬فهيجــل‬ ‫نفسه يصفه بأنه عــرض ‪ Exposition‬لللــه كمــا هــو فــى جــوهره‬ ‫الخالد قبل خلقه للعالم وللعقل المتناهى‪.‬وهــذا بالضــبط هــو مــا يجعــل المنطــق‬ ‫الهيجلــى نوع ـا ً آخــر مــن الفينومينولوجيــا غيــر فينومينولوجيــا‬ ‫الروح‪ .‬هنريش وهو أحد أهم أشــهر شــراح هيجــل فــى‬ ‫السنوا‪،‬ت الخيرة يقدم نقدا ً للمنطــق‪ ،‬لكــن يتــبين منــه الطــابع‬ ‫الفينومينولــوجى الواضــح للمنطــق‪ .‬فهــو يقــول‪ ” :‬إذا كــان‬ ‫‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫البســتمولوجيا والنطولوجيــا لــدى هوســرل عكــس النفصــال‬ ‫والهوة السحيقة التى تفصل بينهما عند كانط‪ ،‬وهو اتفاق كذلك‬ ‫مع هيجل وخاصة فى ” المنطق “‪.‬‬ ‫رابعا ً ‪ -‬المنطق الهيجلى باعتباره فينومينولوجيا ‪:‬‬ ‫إذا كــانت الفينومينولوجيــا الهيجليــة دراســة للرحلــة الــتى‬ ‫يقطعها الوعى‪ ،‬وإذا كان بها تمييز بين الوعى القــائم بالدراســة‬ ‫والوعى المدروس‪ ،‬فإن المنطق هو تأمل الوعى لــذاته‪ ،‬تفكيــر‬ ‫الفكـــر فـــى ذاتـــه دون تمييـــز بيـــن وعييـــن علـــى شـــاكلة‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .‬‬ ‫الفينومينولوجيــا بــاعتراف هيجــل نفســه مقدمــة للمنطــق‬ ‫واستنباط له‪ ،‬توصيل الوعى إلى مرحلــة المعرفــة المطلقــة أو‬ ‫اقناعه بها وهى التى يبدأ بهــا المنطــق‪ .‬الخيرة تصــف وتراقــب الــوعى فقــط ولــذلك‬ ‫فهى فينومينولوجيا‪ ،‬فهى تدرس وعى آخر غير وعيها هــى‪ ،‬أمــا‬ ‫المنطق فهو تفكير ذاتى‪ ،‬تفكير فى الفكر ذاته وتفكيــر الــوعى‬ ‫)الفلســفى( فــى ذاتــه‪ .246 -‬‬ .‬لكــن مــا الــذى يفــرض‬ ‫علينــا العتقــاد فــى أن البحــث الفينومينولــوجى انتهــى بنهايــة‬ ‫الفينومينولوجيا ؟ وان المنطق ليس فينومينولوجيا هــو الخــر ؟‬ ‫إنه كذلك بالفعـل‪ ،‬فـالبحث الفينومينولـوجى لـم ينقطـع بنهايـة‬ ‫الفينومينولوجيا وبداية المنطق بل اســتمر‪ ،‬وأول مثلــث جــدلى‬ ‫فــى المنطــق يثبــت ذلــك‪ .

‬لكــن قبــل أن تتــم عمليــة اكتمــال المعرفــة‬ ‫المطلقة والوصول إليها تظل المعرفة المطلقــة مجــرد إيمــان‪،‬‬ ‫‪1‬‬ ‫)‪ (2‬فى سنة ‪ 1959‬ألف جان فال كتابا ً عنوانه ” منطق هيجل‬ ‫باعتباره فينومينولوجيا “‬ ‫=‬ ‫ذكره‬ ‫‪Jean Wall: La Logique de Hegel Comme Phenomenologie (les cours‬‬ ‫‪de Sorbonne: Paris. 1998). P.(1‬‬ ‫لقد اكتشف هيجل أن الحقيقة النهائيــة ســوف نصــل إليهــا‬ ‫عندما يتناســب التفكيــر مــع الوجــود بالكامــل‪ ،‬عنــدما يتناســب‬ ‫التفكير حول الوجود مع موضوعه‪ ،‬أى الوجود‪ ،‬أى عندما يعرف‬ ‫الوجود بدقة‪ . (Cambridge: Cambridge‬‬ ‫‪University Press.‬‬ ‫=‬ ‫‪Dieter Henrich: Between Kant and Hegel.‬‬ ‫يتفق تفسير جان فال مع ما نقوم به فى الرسالة‪ ،‬لكن هــدفنا‬ ‫إثبا‪،‬ت أن المنطق الهيجلــى فينومينولوجيــا لنســتطيع مقــارنته‬ ‫بالمنطق الهوسرلى‪ ،‬فهدفنا نقدى فى الساس‪ ،‬فــى حيــن أن‬ ‫جان فال كمــا صــرح كونــج أراد عــزل المنطــق الهيجلــى عــن‬ ‫الجدل‪ ،‬أما نحن فنثبت أن المنهج الجدلى منهج فينومينولوجى‬ ‫وهو ما يفيد فى توجيه نقــد هيجلــى لهوســرل‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫المنطق ينوى تنمية تحديدا‪،‬ت للفكر لذاتها ومن بعضها البعــض‪،‬‬ ‫فإن التأمل حول تفكرها )كونها خاضعة للتفكيــر( ‪being thought‬‬ ‫ل يمكن أن يكون القوة المحركة للتقــدم )الجــدلى(‪ .247 -‬‬ . 1959).‬‬ ‫‪by J.‬‬ ‫فسر فيه جزءا ً كبيرا ً من الكتاب الول مــن المنطــق تفســيرا ً‬ ‫فينومينولوجيــا ً مســتعينا ً بهوســرل متخليــا ً فــى ذلــك عــن‬ ‫الصــــيرورة الجدليــــة للمقــــول‪،‬ت فــــى مقابــــل نموهــــا‬ ‫الفينومينولوجى على طريقة هوسرل‪ .‬ولــذلك يجــب أن تكــون مطلقــة‪ . New York 1987.‬‬ ‫‪.‬فهــذا هــو‬ ‫موقف جدل فينومينولوجى “)‪. 262.‬الوجــود المطلــق‬ ‫يعرف بالمعرفة المطلقة‪ ،‬بل هو يكشف عــن نفســه مــن خلل‬ ‫المعرفة المطلقة‪ .‬لقــد تــابع فــال‬ ‫هوسرل فى عزل الجدل عن الفينومينولوجيا حتى فى معقــل‬ ‫الجدل ذاته وهو المنطق الهيجلى‪ . Trans.‬ول يمكن أن يتحقق ذلك إذا كانت المعرفة لتزال‬ ‫مشــروطة‪ .‬ذكره‪:‬‬ ‫‪Hans Küng: The Incarnation of God: An Introduction to Hegel's‬‬ ‫‪Theological Thought as Prolegomena to a Future Christlogy. R. Crossroad. 241. P.‬دراسة فال هذه والــتى لــم‬ ‫نتمكن من الحصول عليها هى الوحيدة من نوعها الــتى تفســر‬ ‫المنطــق الهيجلــى باعتبــاره فينومينولوجيــا علــى الرغــم مــن‬ ‫مثالبها‪. Stephenson.

‬‬ ‫‪(2) Hegel: The Phenomenology of Spirit. P.248 -‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ . 37.‬‬ ‫يتحدث هيجل فى مقدمة الفينومينولوجيا عـن الوجـود فــى‬ ‫ذاته والوجود للخر‪ .‬‬ ‫‪(1) Kojeve: Introduction to the Reading of Hegel.‬الثنــان يثبتــان‬ ‫بعضهما البعض ويبرران بعضهما البعض‪ .‬الول هــو الوجــود المعــروف‪ ،‬والثــانى هــو‬ ‫المعرفة‪ ،‬أو الوجود كما يظهر للمعرفة وكما تتعامــل هــى معــه‬ ‫وتتناوله)‪ .‬يــدل هــذا علــى مــدى‬ ‫ارتباط المنطق بالفينومينولوجيا‪. P.‬ل يمكــن أن نــدرس الوجــود فــى‬ ‫ذاته إل بعد أن ندرس ظهور هذا الوجود للمعرفة‪ ،‬أو للخــر‪ ،‬أى‬ ‫الفينومينولوجيا‪ .‬ولذلك فالمنهــج حسـب هيجـل ل يمكــن أن‬ ‫‪(1) Quentin Lauer: A Reading of Hegel's Phenomenology of Spirit.‬والمنطــق هــو‬ ‫الذى سيثبت لنا ما إذا كانت نهاية ونتيجة الفينومينولوجيــا علــى‬ ‫حق أم ل‪ ،‬المنطــق إذن تــبرير للفينومينولوجيــا وإثبــا‪،‬ت لصــحة‬ ‫وصــدق نتيجتهــا‪ ،‬وذلــك فــى نفــس الــوقت الــذى تكــون فيــه‬ ‫الفينومينولوجيا إثبــا‪،‬ت لنقطــة انطلق المنطــق‪ .‬ويســتنتج كوجيــف مــن ذلــك الطــابع المــزدوج‬ ‫لكل مقول‪،‬ت ومفاهيم المنطق الهيجلى‪ ،‬فهى تعــبر عــن وجــود‬ ‫فى ذاته ووجود للخر فى نفس الوقت‪ ،‬وجــود حقيقــى ووجــود‬ ‫للمعرفة فى نفــس الــوقت)‪ .(2‬الوجود فى ذاته موضع المنطق‪ ،‬الذى هو ميتافيزيقا‬ ‫أو أنطولوجيا هيجلية‪ ،‬فالنطولوجيا قد حدد‪،‬ت دراستها بأنها هى‬ ‫هذه الدراسة للوجود فى ذاته‪ .‬‬ ‫‪.‬أما الوجــود للخـر‪ ،‬أى للمعرفـة‬ ‫فهو موضوع الفينومينولوجيا‪ .‬وإذا ثبــت ذلــك‬ ‫فلن يكون منهج الفيلسوف إل ملحظة ومراقبة ظهــور الوجــود‬ ‫فى ذاته للوعى‪ ،‬إنه ل يقحم منهجا ً خاصا ً مــن خـارج الموضـوع‬ ‫الذى يدرسه ويطبقه عليه‪ ،‬بل هــو يتتبــع حركــة هــذا الموضــوع‬ ‫المدروس وحسب‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫إيمــان بالعقــل)‪ .(3‬يجــب أن تثبــت الفينومينولوجيــا‬ ‫أول ً أن الوجود كما يظهر للمعرفــة هــو ذاتــه الوجــود الحقيقــى‬ ‫وليس شيئا ً آخرًا‪ ،‬ليس وهما ً أو زيفا ً أو تأليفا ً للذهن‪ ،‬وهذه هى‬ ‫المهمة النطولوجية للفينومينولوجيــا الهيجليــة‪ .‬‬ ‫‪P. 31. 175.(1‬فينومينولوجيــا هيجــل تصــل إلــى مثــل هــذه‬ ‫المعرفة المطلقة‪ ،‬أما مهمــة توضــيح مـا تعرفـه هــذه المعرفــة‬ ‫المطلقة فهى مهمة المنطق ل الفينومينولوجيا‪ .

‬ول يمكــن‬ ‫أن نشرع فى البحث فى الوجود إل إذا أثبتنا أول ً إمكانية ظهوره‬ ‫للفكر أو الوعى‪ ،‬وأثبتنـا قـدرة هـذا الـوعى ابتـداء علـى كشـف‬ ‫الوجود وإظهاره‪ .‬إنه يترك الحركة الجدلية للوجود‬ ‫الجدلى وللحقيقة تمر داخله خطابه الذى يضعهما به “)‪.(1‬‬ ‫الوجود عنــد هيجــل يمكــن التعــبير عنــه بــالفكر واللغــة‪ ،‬أى‬ ‫اللوجوس أو المنطق‪ .(2‬هذا الكشف غير ممكن إل إذا كان الوجود يظهر للفكر أو ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫وإذا كان من الممكن أن يتجسد فى صورة فكر ثانيًا‪ .‬كل ما يحوز عليه الفيلسوف الهيجلــى‬ ‫هو الجدل‪ ،‬فهو منهجه الوحيد‪ ،‬فهو يستوعب جدل الوجــود فــى‬ ‫داخله ليستطيع تتبعه‪ ” .‬‬ ‫إذا نظرنا إلى مقول‪،‬ت المنطق على أنها سلســلة مترابطــة‬ ‫ومتطورة من الكشف عن الوجود المطلق أو الحقيقة‪ ،‬فسوف‬ ‫نــدرك فــورا ً أنهــا فينومينولوجيــا‪ ،‬لكنهــا ليســت فينومينولوجيــا‬ ‫للوعى العادى بل للــوعى اللهــى‪ .‬وهيجــل نفســه يقــول ذلــك‪،‬‬ ‫‪Ibid: P. 171.‬والفكر الفلسفى‪ ،‬أاو العلمى بتعبير هيجل‪ ،‬هدفه الكشف‬ ‫عن الوجود من خلإل خطاب متسق‪ ،‬الوجود بما هو كذلك وكما يوجد فى واقعه الموضوعى‬ ‫“)‪ .249 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫‪.‬بعكــس المنهــج الهوســرلى الملــئ‬ ‫بالخطوا‪،‬ت والجراءا‪،‬ت والذى نظر إليه هوســرل علــى أنــه أداة‬ ‫يتوصــل منهــا إلــى تحصــيل معرفــة بــالوعى الخــالص وبمجــال‬ ‫البحث الفينومينولوجى‪ . 176.‬الوجود إذن يمكن أن يحـل ويتجسـد فـى‬ ‫اللوجوس أو المنطق‪ ،‬يمكن أن يتخــذ صــورة اللوجــدس‪ .‬‬ ‫‪Ibid: P.‬وهذه هى مهمــة الفينومينولوجيــا‪ ،‬فهــى الــتى‬ ‫تثبت قدرة الوعى على التعامل مع الوجــود‪ ،‬وتثبــت أن الوجــود‬ ‫أصـل ً يمكــن أن يظهـر للـوعى‪ ،‬ومـن هنــا تعــد الفينومينولوجيـا‬ ‫مقدمة للمــذهب‪ ،‬فــالمنطق يجــد تــبريره فــى الفينومينولوجيــا‪،‬‬ ‫والنظرية النطولوجية حول الوجود وجدليته فــى المنطــق تجــد‬ ‫تبريرها وإثباتها فى الفينومينولوجيا‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫يكون أداة لتحصيل المعرفة‪ ،‬ول مجموعة إجــراءا‪،‬ت وخطــوا‪،‬ت‬ ‫فهو تأمــل خــالص وســلبى‪ .‬ومــن‬ ‫جانب آخر فـإن فـى الوجـود إمكانيـة لن يتـم التعـبير عنـه فـى‬ ‫صورة فكر لنه جدلى‪ ،‬والفكر كذلك جدلى‪ ،‬والفكر جــدلى لنــه‬ ‫يعبر عن جدلية الوجود‪ ” .

Pr. Un.‬‬ ‫‪Hegel: Phenomenology of Mind.‬‬ ‫‪Fordman.‬فمعنــى الحركــة‬ ‫الجدلية بين مقول‪،‬ت المنطق أنها حركة تحدث فى وعى‪ ،‬ويلمح‬ ‫هيجل أنها تحدث فى وعى الفلسفة عبر تاريخ الفلسفة‪ ،‬ويلمح‬ ‫كذلك فى الموسوعة إلى أنها تحــدث فــى الــوعى اللهــى‪ .‬‬ ‫يناظر اليقين الحسى فى الفينومينولوجيــا مقولــة الوجــود‪،‬‬ ‫لن اليقين الحسى هو معرفة مباشرة بدون توسط وبــدون أيــة‬ ‫تحديــدا‪،‬ت أو تعيينــا‪،‬ت‪ ،‬ومقولــة الوجــود أيضــا ً هــى المقولــة‬ ‫المباشرة بــدون توســط‪ ،‬المقولــة الــتى ل تقــول أى شــئ عــن‬ ‫الموضــوع ول تصــفه بشــئ إل أنــه موجــود‪ .‬‬ ‫‪Quentin Lauer: A Reading of Hegel's Phenomenology of Spirit.‬الفينومينولوجيا إذن هى التحقيق التجريــبى‬ ‫للمنطق‪.250 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫ويــذهب لور إلــى أن الفينومينولوجيــا بهــذا المعنــى تفــترض‬ ‫المنطق‪ ،‬والمنطق يفترض الفينومينولوجيا‪ ،‬فهما جانبان لعملة‬ ‫واحدة وعرضان للمذهب من وجهتى نظر مختلفتين‪.‬‬ ‫يقول هيجل‪ ” :‬بقولنا عن شئ فقط أانه شئ واقعى بالفعل‪ ،‬موضوع خارجى‪ ،‬فلإ نقول‬ ‫عنه إالأ ما هو أاكثر عمومية وكلية وبالتالى فنحن نقرر مساواة الموضوع بكل شئ آاخر بدلأ ً من‬ ‫اختلإفه‪ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫∗ يذهب لور فى قراءته للفينومينولوجيا إلى أنها الختبار‬ ‫العينى للمنطق‪ ،‬وهى التى تضفى عليه المضمون ‪.‬‬ ‫ول يزال التوازى بين اليقين الحسى ومقولة الوجود قائم ـًا‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫فالمنطق هو الذى يدرس الله فــى ذاتــه قبــل أن يخلــق العــالم‬ ‫والروح المتناهية كما يــذهب فــى الموســوعة‪ . P.‬‬ ‫‪.‬وإذا‬ ‫كان ما يراقب مقول‪،‬ت المنطق فى ظهورها وتطورها وحركتهــا‬ ‫الجدلية هو الفكر الخالص‪ ،‬فالمنطق فى هــذه الحالــة ســيكون‬ ‫‪‬‬ ‫فينومينولوجيا لهذا الفكر الخالص ‪. 160.‬إاذا قلت ” شئ معين “ فأانا أاعبر عنه باعتباره شيئًا كليًا تمامًا‪ ،‬ذلك لأأن كل شئ هو‬ ‫شئ معين “)‪ .Concretion‬‬ ‫وفى ص ‪ 12‬يســتعين لور بهيجــل فــى المنطــق حيــث يقــول‬ ‫هيجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل‬ ‫” إن العملية الفكرية فــى المنطــق يمكــن أن تحقــق تجريبيـا ً‬ ‫‪ impirically verified‬فــــى اختبــــار الــــوعى الــــذى يشــــكل‬ ‫الفينومينولوجيا “‪ . New York 1993.‬أول شــكل فــى‬ ‫المعرفة أو الوعى فى الفينومينولوجيــا إذن ينــاظر أول مقولــة‬ ‫فى المنطق‪.(1‬هذا هو نفس الوصف الذى يصف به مقولة الوجود‪.

161 .‬فــــى‬ ‫الفينومينولوجيــا يوضــح هيجــل الحركــة الجدليــة عــبر هــذه‬ ‫الموضوعا‪،‬ت كما تحدث للوعى وكما يعيها هــذا الــوعى نفســه‪،‬‬ ‫أما فى المنطق فهيجل يوضح نفس الحركة الجدليــة لكــن مــن‬ ‫حيــث تحــدث للموضــوعا‪،‬ت كمقــول‪،‬ت فــى ذاتهــا‪ ،‬حركتهــا‬ ‫النطولوجيــة‪ .‬‬ ‫وما تدل عليه وحدة الموضوعا‪،‬ت المعالجة فى الكتابين وما تدل‬ ‫‪Ibid: P.251 -‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫‪2‬‬ .163.‬فسواء كانت‬ ‫هــذه الموضــوعا‪،‬ت موضــوعا‪،‬ت للــوعى أو مقــول‪،‬ت فــى ذاتهــا‪،‬‬ ‫فالرابط بينها واحد والنتقال الجدلى من الواحدة إلــى الخــرى‬ ‫واحــــد ســــواء فــــى الفينومينولوجيــــا أو المنطــــق‪ .(2‬‬ ‫ما يلفت النظر أن الفينومينولوجيا تبــدأ بتنــاول الن والهنــا‬ ‫والشئ وخواصه‪ ،‬والمنطق كــذلك يتنــاول نفــس الموضــوعا‪،‬ت‬ ‫لكن ليس فى البداية بل فى مرحلة متقدمة للغايــة‪ ،‬فــالمنطق‬ ‫يتناول الشئ وخواصه فى دائرة الماهية وفى وسـطها‪ ،‬أى فـى‬ ‫وسط المنطق ل فى أوله مثل الفينومينولوجيا‪ ،‬كما أن المنطق‬ ‫يعالج موضوعا‪،‬ت مثل القوة والمادة والشكل والمضمون‪ ،‬وهى‬ ‫كلها موضــوعا‪،‬ت ســبق تناولهــا فــى الفينومينولوجيــا‪ .‬هيجــل إذن يوحــد بيــن الحركــة البســتمولوجية‬ ‫للوعى عبر هــذه الموضــوعا‪،‬ت فــى الفينومينولوجيــا‪ ،‬والحركــة‬ ‫النطولوجية لها فى المنطق‪ .‬الختلف‬ ‫إذن فــى طريقــة المعالجــة‪ ،‬ففــى الفينومينولوجيــا يعالجهــا‬ ‫باعتبارها موضوعا‪،‬ت للوعى‪ ،‬وفــى المنطــق يعالجهــا باعتبارهــا‬ ‫مقول‪،‬ت فى ذاتها‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫إنه الوجود المساوى للعدم)‪.‬ول يمكن أن يتناول هيجل حركتها‬ ‫النطولوجية إل بإثبا‪،‬ت هذه الحركة للــوعى نفســه وأنهــا حركتــه‬ ‫هو ذاته وذلك عــن طريــق التحليــل الفينومينولــوجى‪ ،‬ومــن هنــا‬ ‫تكون الفينومينولوجيا مقدمة للمنطــق وتــبريرا ً واســتنباطا ً لــه‪.‬لكن إذا ربطنا بين هذه الموضوعا‪،‬ت الواحدة‬ ‫فى المعالجة‪ ،‬وإذا عرفنا أن هناك تسلس ـل ً واحــدا ً مــن الشــئ‬ ‫وحتى الشــكل والمضــمون وانتهــاء بالقــانون‪ ،‬تسلســل جــدلى‬ ‫واســـتنباطى وانتقـــال واحـــد مـــن الواحـــد إلـــى الخـــر فـــى‬ ‫الفينومينولوجيا وفى المنطق‪ ،‬لكتشــفنا أســاس وحــدة الفكــر‬ ‫والوجود وأساس مبدأ وفلسفة الهوية عند هيجل‪ .‬‬ ‫‪.

‬فالمراحــل المختلفــة‬ ‫‪.‬هــذه كلهــا هــى‬ ‫الطرق المنهجية التى يستخدمها هيجل فى المنطق‪ ،‬وهى ذاتها‬ ‫المؤسسة للمنهج الفينومينولوجى‪ .‬‬ ‫إن منهج هيجل فــى المنطــق منهــج فينومينولــوجى‪ ،‬وذلــك‬ ‫بنـاء علـى عناصـره الوليـة‪ .‬هــذا الــدور المراقــب‬ ‫والواصف والمتتبع هـو الــذى يجعــل الفينومينولوجيــا والمنطــق‬ ‫معا ً فينومينولوجيا‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫عليه نفس الحركة الجدلية والتسلسل الســتنباطى الواحــد هــو‬ ‫أن المنطــق هــو الخــر فينومينولوجيــا‪ ،‬لكنــه فينومينولوجيــا‬ ‫أنطولوجيـة‪ ،‬فينومينولوجيـا للوجـود‪ ،‬ل فينومينولوجيـا للفكـر أو‬ ‫الوعى أو لمعرفة إبستمولوجية مثــل فينومينولوجيــا الــروح‪ .‬منهج هيجل إذن واحــد مــن‬ ‫خلل هذه العناصر فى الفينومينولوجيا وفى المنطــق‪ .‬ول‬ ‫يجب أن نخلط بين كون المنطق فينومينولوجيا أنطولوجيــة مــع‬ ‫نفس هذا السم الذى يضعه هايــدجر لفلســفته‪ .‬العنصــر‬ ‫الخر هو دور المراقب والواصــف للحركــة الجدليــة ســواء فــى‬ ‫الفينومينولوجيا أو فــى المنطــق‪ .‬إذا كــان هيجــل‬ ‫يهدف فى الفينومينولوجيا توضيح المرحلة التى قطعهــا الــوعى‬ ‫الطــبيعى نحــو المعرفــة المطلقــة‪ ،‬فــإن المنطــق لــديه نفــس‬ ‫الهدف‪ ،‬فهو يوضح لنا نحن الطريق النطولــوجى نحــو المعرفــة‬ ‫المطلقــــة أو المطلــــق بطريقــــة فينومينولوجيــــة كــــذلك‪.252 -‬‬ .‬‬ ‫تمثل مقولة التفاعل فى نهاية دائــرة ” الماهيــة “ المرحلــة‬ ‫التى وصلت إليهــا الفلســفة قبــل هيجــل‪ .‬‬ ‫الفينومينولوجيا هى فينومينولوجيا للوعى الطبيعى‪ ،‬أما المنطق‬ ‫فهو فينومينولوجيــا للــوعى الفلســفى ذاتــه‪ ،‬والــدليل أن هيجــل‬ ‫يضرب المثلة من بداية مقولة الوجـود والصـيرورة ببارمنيـدس‬ ‫وهيراقليطـــس‪ ،‬إنـــه إذن فينومينولوجيـــا فلســـفية أو للـــوعى‬ ‫الفلسفى‪ ،‬الطريق الذى قطعه الوعى الفلسفى نحو المطلــق‪،‬‬ ‫أما الفينومينولوجيا ففينومينولوجيا للوعى العادى أو الطبيعى‪.‬فمـن بيـن هـذه العناصـر‪ :‬الجـدل‬ ‫والحركة الثلثية والسلب أو النفــى والمحايثــة‪ .‬يتخــذ هيجــل صــفة المراقــب‬ ‫والواصف سواء فى الول أو الثانى‪ ،‬سواء تجــاه حركــة الــوعى‬ ‫فى الول أو حركة المقول‪،‬ت فى الثــانى‪ .

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫للفكرة التى طور‪،‬ت نفسها جدليا ً فى المنطق قد فضت نفسها‬ ‫كذلك فى الزمان فى صورة مذاهب فلســفية متعاقبــة‪ .(1‬‬ ‫إذا كانت دائرة الوجود هــى الميتافيزيقــا القديمــة الســابقة‬ ‫على كانط‪ ،‬ودائرة الماهية هــى البســتمولوجيا الكانطيــة ذاتهــا‬ ‫وخاصة الجــدل الترانسـندنتالى‪ ،‬ودائـرة الفكــرة الشـاملة هـى‬ ‫الفلســفة المثاليــة‪ ،‬اللمانيــة علــى وجــه الخصــوص‪ ،‬وفلســفة‬ ‫الهوية‪ ،‬فما الذى يدل عليه هذا التقسيم ؟ يدل على أن المنطق‬ ‫فينومينولوجيا للوعى الفلسفى بموضوعه وهو الفكر الخــالص‪.‬‬ ‫‪. P.‬أمـا المقولـة الجوهريـة‬ ‫عند هيجل ‪ -‬وهى التى جعلته يتقــدم ويجــاوز جميــع الفلســفا‪،‬ت‬ ‫السابقة ‪ -‬إنما توجد فى مقولة الفكرة الشاملة)‪.‬‬ ‫وهيجل نفسه يعترف أن المنطق الموضوعى بــدائرتيه الوجــود‬ ‫والماهية هــو المنطــق الترانســندنتالى الكــانطى‪ ،‬أمــا المنطــق‬ ‫الذاتى فهو فلسفة هيجل ذاتهــا‪ ،‬أو المثاليــة اللمانيــة وفلســفة‬ ‫الهويـــة‪ .‬أو بعبارة أخرى أن حقيقة الشياء الجوهريــة هــى‪:‬‬ ‫التأثير المتبادل بين الذا‪،‬ت والموضـوع‪ . 217 .253 -‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪1‬‬ .‬المنطـــق الهيجلـــى إذن اســـتنباط لفلســـفة الهويـــة‬ ‫وللمثالية‪.218 / 245.‬ولهــذا نجــد لــدينا فــى التطــور الجــدلى للفكــرة فــى‬ ‫المنطق سلسلة المقول‪،‬ت التية‪ :‬الجوهر والســببية والتفاعــل‪،‬‬ ‫وذلك هو نفسه التسلسل التــاريخى‪ :‬فاســبينوزا يمثــل الجــوهر‬ ‫وهيوم يمثل السببية‪ ،‬وكانط يمثل التفاعــل‪ .‬ويــرى ســترلنج أن‬ ‫كانط يمثل مقولة التفاعل لن الفكــرة الرئيســية فــى فلســفته‬ ‫هى عالم التجربة‪ ،‬وهــذا العــالم هــو المحصــلة المشــتركة مــن‬ ‫التفاعل المتبادل بيــن الشــياء فــى ذاتهــا وبيــن الصــور الذاتيــة‬ ‫)القبليــــة( للدراك الحســـى )الزمــــان والمكــــان( والفكــــر‬ ‫)المقول‪،‬ت(‪ .‬فلــدينا‬ ‫فى فلسفة بارمنيدس وهيراقليطــس سلســلة المقــول‪،‬ت الــتى‬ ‫تمثل المثلث الول‪ :‬الوجود والعدم والصيرورة أما عالم الفكــر‬ ‫الحديث‪ ،‬فيما قبــل هيجــل‪ ،‬فقــد كــانت تســيطر عليــه مقــول‪،‬ت‬ ‫الفهم‪ ،‬ومن ثم فتصوراته الساسية هــى الــتى تمثلهــا مقــول‪،‬ت‬ ‫الماهيــة‪ .‬‬ ‫‪Sterling: The Secret of Hegel.

(1‬‬ ‫أى أنــه يــدرس وعــى الفكــر أو الفكــرة بــذاتها فــى وســطها‬ ‫الفكــــرى‪ ،‬ولــــذلك فهــــو فينومينولوجيــــا‪ ،‬لكــــن بــــالطبع‬ ‫فينومينولوجيا جديدة مختلفة تماما ً عن فينومينولوجيا الــروح‪.‬كلهما إذن يدرس الخبرة‪ ،‬خبرة الوعى‪،‬‬ ‫والوعى العــادى فــى الســاس‪ ،‬بــذاته وخــبرته إزاء الموضــوع‬ ‫والواقع الخارجى فى الفينومينولوجيا‪ ،‬وخبرة الفكــر الخــالص‬ ‫فــى المنطــق‪ .‬فهو يقول‪ ” :‬المنطق هو علم الفكرة‬ ‫الخالصة‪ ،‬بمعنى أانه علم الفكرة فى وسطها الفكرى الخالص “)‪.213‬‬ ‫‪.‬وإذا تناولنــا‬ ‫تعريف هيجــل نفســه للمنطــق فــى الموســوعة نكتشــف هــذا‬ ‫الطابع الفينومينولوجى الواضح‪ .‬ولن الدراســتين تتنــاولن الخــبرة‪ ،‬فهمــا مع ـا ً‬ ‫فينومينولوجيــا‪ ،‬واحــدة للــوعى الطــبيعى والخــرى للفكــر‬ ‫الخــالص‪ ،‬أو لخــبرة الفكــر الخــالص بمقــولته‪ .‬‬ ‫وبعد أن يذهب إلى أن للمنطق ثلثة جوانب‪ :‬جــانب الفهــم أو‬ ‫الجانب المجرد‪ ،‬والجانب الجدلى أو السلبى للعقل‪ ،‬والجــانب‬ ‫النظــرى أو اليجــابى للعقــل‪ ،‬يــذهب إلــى أن هــذه الجــوانب‬ ‫الثلثــة ل تكــون ثلثــة أقســام للمنطــق‪ ،‬ولكنهــا مراحــل أو‬ ‫لحظا‪،‬ت لكل فكرة منطقية )أى لكــل فكــرة شــاملة()‪ .83‬‬ ‫)‪ (1‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫إن تأكيد هيجل على أن المنطق هو تطــوير الفكــر لــوعيه‬ ‫الــذاتى بنفســه يربــط المنطــق بالفينومينولوجيــا‪ ،‬ونســتطيع‬ ‫القول أنه يجعل المنطق ذاته فينومينولوجيا‪ .254 -‬‬ .‬فبينما درس هيجــل فــى الفينومينولوجيــا خــبرة‬ ‫الــوعى بــذاته فــى وضــعه لخــبرته هــذه إزاء الواقــع بطريقــة‬ ‫شكية‪ ،‬فهو فى المنطــق يــدرس خــبرة الفكــر الخــالص بــذاته‬ ‫بدون هذه الشكوك‪ .‬كما يــذهب إلــى‬ ‫أن الفــرق بيــن العمليــن ليــس التخلــى عــن مرجعيــة ” خــبرة‬ ‫الروح بذاتها “ فى المنطق‪ ،‬بــل الفــرق هــو فــى طبيعــة هــذه‬ ‫الخبرة ذاتها‪ .(2‬هــذه‬ ‫الجوانب الثلثة هى التى تثبت أن المنطق فينومينولوجيا‪ ،‬إنــه‬ ‫يــدرس خــبرة الفكــر بكــل جــانب مــن هــذه الجــوانب‪ ،‬فهــذه‬ ‫الجوانب هى فــى نفــس الــوقت محــددا‪،‬ت للــوعى أو أشــكال‬ ‫للوعى بموضوع الفكر‪ ،‬ودراسة المنطق على أنه مكــون مــن‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫)‪ (2‬هيجل‪ :‬موسوعة العلوم الفلسفية‪ ،‬ص ‪.

(1‬هذه القســام الثلثــة كمــا شــرحها هيجــل‬ ‫هى دراسة لخبرة الفكر‪ ،‬ســواء فــى مباشــرته أو انعكاســه أو‬ ‫عودته إلى ذاته‪ ،‬ومن هنا فالمنطق فينومينولوجيا لنه يــدرس‬ ‫خبرة الفكــر هــذه‪ ،‬أو الــوعى بــالفكر ســواء فــى مباشــرته أو‬ ‫انعكاسه أو عودته إلى ذاته‪ .227‬‬ ‫‪.255 -‬‬ .‬‬ ‫والملحظ أن كتاب المنطق لهيجل ينقسم إلــى قســمين ل‬ ‫إلى ثلثة‪ ،‬القسم الول هو المنطق الموضوعى ويحوى الوجود‬ ‫والماهية‪ ،‬والقسم الثانى وهو المنطق الذاتى ويحوى المفهــوم‬ ‫أو الفكــرة الشــاملة‪ .‬‬ ‫فمقول‪،‬ت الوجود تناظر اليقين والدراك الحســى‪ ،‬أمــا الماهيــة‬ ‫فتناظر الفهم‪ ،‬والفكرة الشاملة تنــاظر العقــل ثــم الــروح بعــد‬ ‫ذلك‪ .‬والملحــظ‬ ‫كذلك أن هذا التقسيم يناظر تقسيما ً آخر فى الفينومينولوجيــا‪.‬والحركة التطورية والنتقال مــن‬ ‫دائرة إلى أخرى هو ذاته انتقال من خــبرة إلــى أخــرى أو مــن‬ ‫وعى إلى وعى آخر‪.‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫هذه الجوانب هى دراسة فينومينولوجية لمحــددا‪،‬ت أو أشــكال‬ ‫الوعى الفكرى هذه‪ .‬ويذهب هيجــل إلــى أن المنطــق ينقســم‬ ‫داخليا ً إلى ثلثــة أقســام‪ :‬نظريــة الوجــود والماهيــة والفكــرة‬ ‫الشاملة‪ ،‬أو‪ :‬الفكر فى مباشرته أو الفكرة الشاملة ضــمنا ً أو‬ ‫بالقوة على شكل جرثومة‪ ،‬والفكر فى انعكاسه وتوســطه أى‬ ‫الوجود للذا‪،‬ت ومنطق الفكــرة الشــاملة‪ ،‬والفكــر فــى عــودته‬ ‫إلى نفسه وتطوره الذى يبدأ من ذاته‪ ،‬أعنى الفكرة الشــاملة‬ ‫فى ذاتها ولذاتها)‪ .‬وهذا التوازى القوى يجعلنا نذهب إلــى أن البنيــة العميقــة‬ ‫للمنطق الهيجلــى بنيــة فينومينولوجيــة‪ ،‬ومــا يــدعم هــذا الــرأى‬ ‫المثلة التى يضربها هيجل فى كل قسم من القسام الثلثة من‬ ‫تاريخ الفلسفة‪ .‬ففى دائرة الوجود يظهر طــاليس وبارمنيــدس‬ ‫وأفلطـون وهيراقليطـس‪ ،‬وفـى دائـرة الماهيـة يظهـر معظـم‬ ‫الفلسفة المحدثين‪ ،‬أما فى دائرة الفكرة الشاملة فل يظهر إل‬ ‫‪1‬‬ ‫)‪ (2‬المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‬ولهــذا التقســيم دللــة كــبيرة‪ ،‬فــالوجود‬ ‫والماهية سيكونان هما فلسفة النعكاس‪ ،‬أما الفكــرة الشــاملة‬ ‫فهــى فلســفة التأمــل الهيجليــة بــوجه خــاص‪ ،‬ول ننســى أنهــا‬ ‫المركب من القضية ونقيضها‪ ،‬من الوجود والماهية‪ .

256 -‬‬ .‬وهيجل يعرضــها علــى أنهــا كــذلك فــى‬ ‫المستوى الول‪ ،‬أما فى المستوى الثانى فيعرضها مــرة أخــرى‬ ‫لكن فى تحولها إلى مقولة أخرى‪ ،‬فى تغيرها وانحللها أو رفعها‬ ‫إلى مقولة أخرى مبرزا ً ما فيها من تناقض‪ .‬‬ ‫خاتمـــة ‪:‬‬ ‫فى حين نظر كانط والمثالية اللمانيــة إلــى المنطــق علــى‬ ‫أنه علم قبلى ويستند على وضوح ذاتى ويقين داخلى وانطلقــوا‬ ‫فى فلسفاتهم جميعا ً من ذلك‪ ،‬نجد أن عصر هوســرل لــم يكــن‬ ‫ينظــر إلــى المنطــق نفــس النظــرة‪ ،‬إذ اختلــط بعلــم النفــس‬ ‫وبالنزعـــا‪،‬ت العلمويـــة وبمحـــاول‪،‬ت رده إلـــى ســـيكولوجيا أو‬ ‫فسيولوجيا أو إلى الرياضيا‪،‬ت فى بعــض الحيــان‪ .‬فعرضــه لهــا يســير فــى مســتويين‪ .‬ولــذلك كــان‬ ‫على هوسرل تخليص المنطق من كل هذه النزعا‪،‬ت وصول ً بــه‬ ‫‪.‬‬ ‫الدليل على أن المنطــق فينومينولوجيــا هــو عــرض هيجــل‬ ‫نفســه للمقــول‪،‬ت‪ .‬‬ ‫وهذان المستويان هما بالضبط الموجــودان فــى فينومينولوجيــا‬ ‫الروح‪ ،‬فكل شكل مــن أشــكال الــوعى يعرضــه هيجــل ويحللــه‬ ‫مرتين أو فى مستويين‪ ،‬مرة باعتباره الوعى الواثق من نفســه‬ ‫والمعتبر ذاته هو كل الحقيقة وكل المطلــق‪ ،‬ومـرة أخـرى فــى‬ ‫تغيره وتناقضاته وتحولته إلى وعى آخر أو شكل آخر‪.‬بــل هـو يعـرض كـل مقولـة‬ ‫باعتبارها الحقيقة فى ذاتهـا وباعتبارهــا هـى المطلـق‪ ،‬يعرضــها‬ ‫كما تفهم هى ذاتها أو كما فهمها الفيلسوف الذى قال بها‪ ،‬فقــد‬ ‫قال بها وهو يعتبرها هى الحقيقة وهى المطلق وهى كــل شــئ‪،‬‬ ‫ولم يقل بها وهو يعلم أنها مقولة واحدة فــى سلســلة جدليــة أو‬ ‫لحظة فى حركة جدلية‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫عدد قليل من الفلسفة الغربيين من عصر هيجل مثل ســبينوزا‬ ‫وشلنج‪ ،‬وهيجل نفسه‪.‬والحقيقة أن هــذين‬ ‫المستويين فى تحليل كل مقولــة يثبتــان أن المنطــق الهيجلــى‬ ‫فينومينولوجيــا‪ ،‬فينومينولوجيــا للمقولــة ذاتهــا أو للــوعى بهــا‪.‬فعنــدما‬ ‫يتناول مقولة ما‪ ،‬ل يتناولها أو يعرضها باعتبارهــا شــيئا ً عارض ـًا‪،‬‬ ‫أى باعتبارها قضية سوف يكــون لهــا نقيضــها‪ ،‬أو نقيــض ســوف‬ ‫يؤدى إلى مركب بعد ذلــك وهكــذا‪ .

257 -‬‬ .‬فمــا كــانت تأخــذه المثاليــة‬ ‫اللمانية كأمر مسلم به ومفروغ منه كافح هوسرل طويل ً عــبر‬ ‫البحاث المنطقيــة للوصــول إليــه‪ ،‬وخاصــة فــى المقدمــة نحــو‬ ‫منطق خالص‪ .‬تتضح صنمية المنطــق ومقــولته عنــد‬ ‫هوسرل من العمليا‪،‬ت الفكرية التى يعلن أنهــا لزمــة لكتشــاف‬ ‫المقول‪،‬ت والماهيا‪،‬ت فــى وســط مــن الــوعى الخــالص‪ :‬حــدس‬ ‫الماهيا‪،‬ت أو رؤيتها الشبيهة بالرؤية الحســية‪ ،‬وإصــرار هوســرل‬ ‫الدائم على أنه بفضل البوخية والردود والتفكير فى وسط مــن‬ ‫الوعى الخالص يمكن رؤية الماهيا‪،‬ت‪ ،‬وإصراره هذا على الرؤية‬ ‫ناتج عن الصنمية التى أضفاها على المقول‪،‬ت‪ ،‬فعندما تصنع من‬ ‫فكرة ما صنما ً وتشيؤها فمن الممكن أن تراها رؤية العين‪ ،‬لنك‬ ‫حولتها إلى صنم منذ البداية‪ ،‬وكان تراث تصنيم وتشــئ الفكــار‬ ‫هو ما يكمــن خلــف رؤيــة هوســرل للماهيــا‪،‬ت‪ :‬منطــق أرســطو‬ ‫وعالم المثل عند أفلطون‪ ،‬الول بتاويل برنتانو والثــانى بتأويــل‬ ‫‪.‬ويؤسس هوسرل هذا‬ ‫الصل فــى ذاتيــة ترانســندنتالية ويضــع نظريــة فينومينولوجيــة‬ ‫ترانســندنتالية حــول أصــل المنطــق‪ ،‬بــل يميــز بيــن المنطــق‬ ‫الصورى والمنطق الترانسندنتالى فى كتابه الذى يحمــل نفــس‬ ‫العنوان‪.‬لقد كانت المثالية اللمانيـة تنظـر إلـى المنطـق‬ ‫على أنه خالص منــذ البدايــة‪ ،‬لــذلك فالنقطــة الــتى يصــل إليهــا‬ ‫هوسرل فى مقدمته للمنطــق الخــالص مســلم بهــا أصـل ً لــدى‬ ‫المثاليــة اللمانيــة‪ ،‬وبالتــالى فهــذه المقدمــة تضــعه علــى أول‬ ‫السلم نحو البحث فى أصل هـذا المنطـق الخـالص وهـو نفـس‬ ‫مشروع المثالية اللمانية وخاصة هيجل‪ .‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫إلى النظــرة الصــلية القديمــة لــه علــى أنــه علــم قبلــى يتمتــع‬ ‫بالوضوح الذاتى واليقين الــداخلى‪ .‬‬ ‫يترتب على اهتمام هوسرل الزائد بالمنطق وأسسه تحــوله‬ ‫إلى تصنيم ‪ Feteshize‬هذا المنطق ومقولته‪ ،‬وكذلك تصــنيم النــا‬ ‫والوعى الخـالص‪ ،‬والوقــوع فــى الصــنمية هــو مصــير كــل فكــر‬ ‫يستبعد الجدل والبعد التاريخانى‪ .‬إذا قارنا بين معالجة هوســرل‬ ‫ومعالجة هيجل للمقول‪،‬ت اتضح لنــا الفــرق الهائــل بيــن صــنمية‬ ‫المنطق وجدلية المنطق‪ ،‬جدلية توضــح مــا بيــن المقــول‪،‬ت مــن‬ ‫علقا‪،‬ت وحركية وزمانية‪ .

‫الفصل الثامن‬ ‫المنطق الجدلى والمنطق الترانسندنتالى‬ ‫لوتزة‪ ،‬وكان شعار هوسرل المحبــب والــدائم الســتعانة بــه هــو‬ ‫الشعار الديكارتى المأخوذ أصل ً من العصور الوسطى‪Clara et ،‬‬ ‫‪ ،destintae perceptiones‬الدراك الواضح والدقيق‪ ،‬والـذى يتحـول‬ ‫على يد هوسرل إلى رؤية مباشرة للماهيــا‪،‬ت تجعــل منهــا رؤيــة‬ ‫حسية وتجعل الماهيا‪،‬ت متشيئة‪.258 -‬‬ .‬‬ ‫‪.

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful