‫الحوار مع أتباع الديان‬

‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]1‬‬

‫الحوار مع أتباع الديـان‬
‫(مشروعيته وآدابه)‬

‫د‪.‬‬
‫منقذ بن محمود السقار‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]2‬‬

‫مقدمة‬
‫المد ل رب العالي‪ ،‬والصلة والسلم على أنبياء ال أجعي‪ ،‬عليهم وعلى‬
‫نبينا أزكى الصلة وأت التسليم‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فقد خلق ال آدم عليه السلم‪ ،‬وندبه وذريته من بعده إل عمارة الرض بنهج‬
‫ال‪:‬‬

‫إن جاعل ف الرض خليفة (البقرة‪ ،)30 :‬ودعاهم تبارك وتعال إل التمسك‬

‫بديه الذي أرسل به أنبياءه‪:‬‬

‫فإما يأتينكم من هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم‬

‫ول هم يزنون (البقرة‪.)38 :‬‬
‫وشاء ال بكمته البالغة أن يتلف البشر ف اتباعهم لنبياء ال ورسله‪ ،‬فمنهم‬
‫شقي وسعيد‪ ،‬وأرسل ال النبياء يقيمون حجته على خلقه‪ ،‬يدعونم إل دين ال الذي‬
‫ارتضاه للقه دينا ليكونوا من السعداء‪ ،‬ويذرونم من عصيان أمره حت ل يكونوا من‬
‫الشقياء‪ ،‬ولكن إرسالم لن ينع تقق ما قد سبق ف علم ال‪ ،‬فإن أكثر الناس ل يؤمنون‬
‫وما أكثر الناس ولو حرصت بؤمني (يوسف‪.)103 :‬‬
‫وأمام هذه السنة الكونية فإن السلم مطالب بدعوة الخرين إل الق الذي‬
‫شرح ال به صدره‪ ،‬وهو على يقي بأن هداية ال قد ل تكتب لكثيين من يدعوهم‪،‬‬
‫فل ينعه ذلك من بلغهم‪:‬‬

‫إن عليك إل البلغ (الشورى‪.)48 :‬‬

‫وحي يعرض الناس عن دعوة ال ول يؤمنون با‪ ،‬فإن السلم ل يتوقف عن‬
‫التفاعل مع الخرين اجتماعيا وحضاريا‪ ،‬رائده ف ذلك كتاب ربه‪ ،‬وأسوته نبيه ‪ ،‬إذ‬
‫القرآن أمر بالحسان إل الوالدين والار‪ ،‬ولو كانوا على غي دين السلم‪ ،‬كما حثّ‬
‫على الب وحسن العشرة مع الذين ل يتصدوا لقاتلة السلمي والعتداء عليهم‪ ،‬كما‬
‫كانت حياته نباسا ف التسامح وحسن التعايش مع الخرين‪ ،‬من اختاروا إلفهم من‬
‫العقائد والديان‪.‬‬
‫واليوم وقد أصبح العال قرية صغية تتلقح فيها الثقافات عب وسائل العلم‬
‫الختلفة‪ ،‬تزداد الاجة إل الوار‪ ،‬وإل ضرورة تأصيله من الناحية الشرعية‪ ،‬والسلمون‬
‫س الاجة إل معرفة مسوغاته الشرعية وآدابه ومظوراته‪.‬‬
‫حي يارسونه هم بأم ّ‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]3‬‬

‫وإسهاما منا ف هذا الباب نضع بي يدي القارئ الكري هذا الهد التواضع ‪،‬‬
‫والذي نرجو أن يعال بوضوعية علمية هذه السألة الشائكة‪ ،‬الت كثر الدال حولا بي‬
‫مؤيد مندفع ومعارض متشكك‪.‬‬
‫وحي نتحدث عن الوار فإنا ل نقصد بال من الحوال الوار الذي يقوم على‬
‫وحدة الديان والتلفيق بينها وصهرها ف دين عالي جديد قائم على المع بي‬
‫التناقضات‪ ،‬الكفر واليان‪ ،‬التوحيد والوثنية‪ ،‬فتلك الدعوة دسيسة تسترت بالوار‬
‫ينأى السلم بنفسه عنها ‪ ،‬كما سنبينه ف حينه‪.‬‬
‫ل نسأل أن يعل هذا العمل خالصا لوجهه الكري‪ ،‬إنه ول ذلك والقادر‬
‫وا َ‬
‫عليه‪ ،‬وآخر دعوانا أن المد ل رب العالي‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]4‬‬

‫التعريفات‬
‫أ‪ .‬الحوار‬
‫أصله من الور‪ ،‬وهو الرجوع عن الشيء إل الشيء‪.‬‬
‫يقول ابن منظور‪ " :‬الَوْر‪ :‬هو الرجوع عن الشيء إل الشيء ‪ ..‬والحاورة‪:‬‬
‫الجاوبة‪ ،‬والتحاور التجاوب‪ ،‬والحاورة‪ :‬مراجعة النطق‪ ،‬والكلم ف الخاطبة "‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫وقال الراغب الصفهان‪" :‬الحاورة والوار‪ :‬الرادّة ف الكلم‪ ،‬ومنه التحاور"‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫وهذه العان اللغوية وردت ف سياق اليات الكرية الت ورد فيها مادة (حور)‪.‬‬
‫قال تعال‪ :‬إنه ظن أن لن يور (النشقاق‪ .)14:‬قال القرطب ‪" :‬أي لن‬
‫يرجع حيا مبعوثا‪ ..‬فالور ف كلم العرب الرجوع"‪.‬‬
‫وقال تعال‪ :‬فقال لصاحبه وهو ياوره أنا أكثر منك مالً وأعز نفرا (الكهف‬
‫‪ .)34‬قال القرطب‪ " :‬أي يراجعه ف الكلم وياوبه‪ ،‬والحاورة‪ :‬الجاوبة‪ .‬والتحاور‬
‫التجاوب"‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫وقال تعال‪ :‬قد سع ال قول الت تادلك ف زوجها وتشتكي إل ال وال‬
‫يسمع تاوركما (الجادلة‪ ،)1 :‬قال ف الللي‪" :‬تراجعكما"‪ 4‬أي ف الكلم‪.‬‬
‫وورد هذا العن أيضا ف غي ما حديث نبوي‪ ,‬من ذلك أن النب كان يستعيذ‬
‫من ‪(( :‬الَوْر بعد الكَوْر))‪ 5.‬قال القرطب ‪" :‬يعن من الرجوع إل النقصان بعد‬
‫الزيادة"‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ 1‬لسان العرب (‪.)4/217‬‬
‫‪ 2‬مفردات القرآن (‪.)262‬‬
‫‪ 3‬الامع لحكام القرآن (‪.)10/403‬‬
‫‪ 4‬تفسي الللي (‪.)1/724‬‬
‫‪ 5‬رواه النسائي ح (‪ ،)5498‬وابن ماجه ح (‪ ،)3888‬وصححه اللبان ف صحيح ابن ماجه ح (‬
‫‪.)3136‬‬
‫‪ 6‬الامع لحكام القرآن (‪.)19/273‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]5‬‬

‫ل بالكفر أو قال‪ :‬عدو ال‪ .‬وليس كذلك‪ ،‬إل حار‬
‫وقال ‪ (( :‬من دعا رج ً‬
‫عليه ))‪ 7‬قال النووي‪ " :‬رجع عليه "‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫وما سبق تبي أن الوار ف معناه اللغوي هو مراجعة الكلم وتداوله‪ ،‬وهو ما‬
‫يكون عادة بي شخصي أو بالحرى بي طرفي أو أكثر‪.‬‬
‫ول تبعد تعريفات أهل الصطلح للحوار عن العان اللغوية السابقة‪ ،‬فقد أكدتا‬
‫وأضافت إليها بعض العان والقيم الخلقية الت ينبغي توفرها ف الوار‪.‬‬
‫ومن هذه التعريفات تعريف الدكتور صال بن حيد‪ ،‬إذ اعتب الوار‪ " :‬مناقشة‬
‫جةٍ‪ ،‬وإثبات حقٍ‪ ،‬ودفع‬
‫بي طرفي أو أطراف‪ ،‬يُقصد با تصحيح كلمٍ‪ ،‬وإظهار ح ّ‬
‫شبهةٍ‪ ،‬وردّ الفاسد من القول والرأي "‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫وعرّفه بسام داود عجك بأنه‪" :‬مادثة بي شخصي أو فريقي ‪ ,‬حول موضوع‬
‫مدد ‪ ,‬لكل منهما وجهة نظر خاصة به‪ ،‬هدفها الوصول إل القيقة ‪ ,‬أو إل أكب قدر‬
‫مكن من تطابق وجهات النظر‪ ،‬بعيدا عن الصومة أو التعصب‪ ،‬بطريقة تعتمد على‬
‫العلم والعقل ‪ ,‬مع استعداد كل الطرفي لقبول القيقة‪ ,‬ولو ظهرت على يد الطرف‬
‫الخر"‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وهكذا فالحاورة هي تاذب الكلم بي الختلفي‪ ،‬وما أضافه العلماء ف تعريفه‬
‫من شروط إنا هي ضوابط أخلقية يفترض توفرها ف الوار ليكون مثمرا ومديا‪.‬‬

‫ب‪ .‬الجدال‬

‫‪ 7‬رواه مسلم ح (‪.)61‬‬
‫‪ 8‬شرح النووي على صحيح مسلم (‪.)2/50‬‬
‫‪ 9‬الوار وآدابه (‪.)2‬‬
‫‪ 10‬الوار السلمي السيحي (‪.)20‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]6‬‬

‫الدال لغة‪ :‬من َج َدلَ البل إذا فَتَلَه‪ ،‬قال ابن منظور‪" :‬الدل‪ :‬اللدد ف‬
‫الصومة والقدرة عليها‪ ..‬ويقال‪ :‬جادلت الرجل فجدلته جدلً‪ ،‬أي‪ :‬غلبته‪ .‬ورجل‬
‫جدِل‪ ،‬إذا كان أقوى ف الصام‪ .‬وجادله أي‪ :‬خاصمه مادلة وجدالً "‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وعن معن الدل عند أهل الصطلح يقول ابن منظور‪" :‬الدل مقابلة الجة‬
‫بالجة‪ ،‬والجادلة‪ :‬الناظرة والخاصمة"‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫وعرفه الرجان بأنه‪" :‬القياس الؤلف من الشهورات والسلمات‪ ،‬والغرض منه‬
‫إلزام الصم‪ ،‬وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البهان"‪ ،‬كما عرّفه أنه‪" :‬دفع‬
‫الرء خصمه عن إفساد قوله بجة أو شبهة"‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫وأما الوين فيى أن الدال‪" :‬إظهار التنازعَيْن مقتضى نظرَتما على التدافع‬
‫والتناف بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الشارة والدللة"‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫وف العجم الوسيط‪" :‬طريقة ف الناقشة والستدلل‪ ،‬وهو عند مناطقة السلمي‬
‫قياس مؤلف من مشهورات أو مسلمات"‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫وقد ورد إطلق (الدل) ف نصوص القرآن والسنة على نوعي متبايني‪:‬‬
‫الول‪ :‬الدل الذموم‪ ،‬وهو الذي يدور ف طلب الغالبة ل الق‪ ،‬أو الذي فيه‬
‫ي أم هو ما ضربوه‬
‫نوع من الصومة واللدد‪ ،‬ومنه قول ال تعال‪ :‬وقالوا ءآلتنا خ ٌ‬
‫لك إل جد ًل بل هم قو ٌم خصمون (الزخرف‪ ،)58 :‬ومثله قول ال تعال ف ذم جدال‬
‫الكافرين ‪ :‬ما يـادل ف آيـات ال إل الذين كفروا فل يغررك تقلبهم ف البلد‬
‫(غافر‪ ، )4 :‬وقولـه تعال‪ :‬وجـادلوا بالبـاطل ليدحضوا به الق (غافر‪،)5 :‬‬

‫‪ 11‬لسان العرب (‪.)11/105‬‬
‫‪ 12‬لسان العرب (‪.)12/105‬‬
‫‪ 13‬التعريفات (‪.)102‬‬
‫‪ 14‬الكافية ف الدل (‪.)21 -19‬‬
‫‪ 15‬العجم الوسيط (‪.)1/111‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]7‬‬

‫وقوله تعال‪ :‬ل جدال ف الج (البقرة‪ )197 :‬قال ابن منظور‪" :‬قالوا‪ :‬معناه ل‬
‫ينبغي للرجل أن يادل أخاه‪ ،‬فيخرجه إل ما ل ينبغي"‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫ض ّل قوم بعد هدى كانوا عليه إل أُوتوا الدل))‪.‬‬
‫وف الديث‪(( :‬ما َ‬

‫‪17‬‬

‫والراد بذلك كله الدل على الباطل وطلب الغالبة به‪ ،‬ل الدل بثا عن الق‬
‫وف طلبه‪ ،‬فإن ذلك اللون من ألوان الدل ممود‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬الدل الحمود‪ ،‬وهو الذي يكون ف طلب الق بالسلوب السن‬
‫بعيدا عن الصومة‪ ،‬ومنه قوله عز وجل‪ :‬وجادلم بالت هي أحسن (النحل‪.)125 :‬‬
‫وهو بذا العن مرادف للحوار‪ ،‬قال تعال واصفا حديث الرأة إل النب‬
‫بالوار والدال‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫قد سع ال قول الت تادلك ف زوجها وتشتكي إل ال وال‬

‫يسمع تاوركما إن ال سيع بصي (الجادلة‪ .)1 :‬قال ابن كثي‪ " :‬وهو ياوره‪ ،‬أي‪:‬‬
‫يادله "‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫وهكذا فالدال صورة من صور الوار‪ ،‬وقد أمر با ال ورسوله‪ ،‬وتنبا لا قد‬
‫يكتنفه من اللدد ف الصومة فإنما أمرا بالجادلة بالت هي أحسن‪ ،‬بعيدا عن ضروب‬
‫الدل الذموم الذي يفضي إل الشقاق‪.‬‬
‫ج‪ .‬المناظرة‬
‫الناظرة لغة "من النظي‪ ،‬أو من النظر بالبصـية" كما عند الرجان‪ ،‬وقال ابن‬
‫منظور‪" :‬والنظر والنظرة‪ :‬ما نظرت إليه فأعجبك أو ساءك ‪ ...‬النظر‪ :‬الفكر ف الشيء‬
‫تقدره وتقيسه منك "‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ 16‬لسان العرب (‪.)11/105‬‬
‫‪ 17‬رواه الترمذي ح (‪ ،)3253‬وابن ماجه ح (‪ ،)48‬وأحد ح (‪ ،)21660‬وحسنه اللبان ف‬
‫صحيح الترمذي ح (‪.)2593‬‬
‫‪ 18‬تفسي القرآن العظيم (‪.)3/84‬‬
‫‪ 19‬التعريفات (‪ ،)298‬لسان العرب (‪.)5/217‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]8‬‬

‫أما ف الصطلح فقد عرفها الرجان‪" :‬النظر بالبصية من الانبي ف النسبة‬
‫بي الشـيئي إظهارا للصواب"‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫وعرفها ابن منظور‪" :‬أن تناظر أخاك ف أمر إذا نظرتا فيه معا كيف تأتيانه"‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫وقال الزّبيدي‪" :‬والناظرة الباحثة والباراة ف النظر واستحضار كل ما يراه ببصيته"‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫قال ممد المي الشنقيطي ف تعريف الناظرة‪" :‬الحاورة ف الكلم بي شخصي متلفي‬
‫يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الخر‪ ،‬مع رغبة كل منهما ف ظهور‬
‫الق"‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫فالناظرة تفيد النظر والتفكر ف المور والبحث عن الق عن طريق الحاورة مع‬
‫الخرين‪.‬‬
‫وحوار الناظرة يكون بي شخصي أو فريقي حول موضوع معي‪ ،‬بغية الوصول‬
‫إل تبيان الق وكشف الباطل‪ ،‬مع توفر الرغبة الصادقة ف ظهور الق والنصياع له‪.‬‬

‫‪ 20‬التعريفات (‪.)298‬‬
‫‪ 21‬لسان العرب (‪.)5/217‬‬
‫‪ 22‬تاج العروس (‪.)3/575‬‬
‫‪ 23‬آداب البحث والناظرة (‪.)2/3‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]9‬‬

‫حتمية الخلف‬
‫إن التعدّد ف الخلوقات وتنوّعها سنة ال ف الكون وناموسه الثابت‪ ،‬فلكل شيء‬
‫ف هذا اللق طبيعته وخصائصه وصفاته الت تقارب غيه أحيانا‪ ،‬وتتنافر عنها ف أحايي‬
‫أخرى‪ ،‬وهكذا فطبيعة الوجود ف الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد‪.‬‬
‫والنسانية خلقها ال وفق هذه السنة الكونية‪ ،‬فاختلف البشر إل أجناس متلفة‬
‫وطبائع شت‪ ،‬وكلّ من تاهل وتاوز أو رفض هذه السّنة الاضية ل ف خلقه‪ ،‬فقد ناقض‬
‫الفطرة وأنكر الحسوس‪.‬‬
‫وقد جاء ف القرآن الكري ذكر بعض صور الختلف بي البشر‪ ،‬كاختلف‬
‫اللوان واللغات‪ ،‬وها فرع عن اختلف الجناس والقوميات‪:‬‬

‫ومن آياته خلق‬

‫السّموات والرض واختلف ألسنتكم وألوانكم إنّ ف ذلك ليات للعالي ( الروم‪:‬‬
‫‪.)22‬‬
‫وقد أكدت اليات أن اختلف البشر ف شرائعهم هو أيضا واقع بشيئة ال‬
‫تعال ومرتبط بكمته‪ ،‬يقول ال‪ :‬لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء ال‬
‫لعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا اليات إل ال مرجعكم جيعا‬
‫(الائدة‪.)48 :‬‬
‫قال ابن كثي ‪" :‬هذا إخبار عن المم الختلفة الديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله‬

‫الكرام من الشرائع الختلفة ف الحكام التفقة ف التوحيد "‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫وقال تعال‪ :‬ولو شاء ربك لعل الناس أم ًة واحدةً ول يزالون متلفي ‪ ‬إل من‬
‫رحم ربك ولذلك خلقهم ( هود ‪.)119 –118 :‬‬
‫قال ابن حزم‪" :‬وقد نص تعال على أن الختلف ليس من عنده‪ ،‬ومعن ذلك‬
‫أنه تعال ل يرض به‪ ،‬وإنا أراده تعال إرادة كونٍ‪ ،‬كما أراد الكفر وسائر العاصي"‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ 24‬تفسي القرآن العظيم (‪.)2/67‬‬
‫‪ 25‬الحكام ف أصول الحكام (‪.)2/64‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]10‬‬

‫قال القرطب‪ " :‬ولو شاء ربك لعل الناس أمة واحدة قال سعيد بن جبي‪:‬‬
‫على ملة السلم وحدها‪ ..‬ول يزالون متلفي أي‪ :‬على أديان شت قاله ماهد‬
‫وقتادة "‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫وقال ابن كثي‪ " :‬ول يزالون متلفي ‪ ‬إل من رحم ربك أي‪ :‬ول يزال اللف‬
‫بي الناس ف أديانم واعتقادات مللهم ونلهم ومذاهبهم وآرائهم ‪ ..‬قال السن‬
‫البصري‪ :‬الناس متلفون على أديان شت إل من رحم ربك‪ ،‬فمن رحم ربك غي‬
‫متلف"‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫ويقول الفخر الرازي ‪ " :‬والراد اختلف الناس ف الديان والخلق‬
‫والفعال"‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫بل يرى السن البصري ومقاتل وعطاء وغيهم من الفسرين أن ال خلق الناس‬
‫ليختلفوا‪ ،‬وذلك لقوله ‪:‬‬

‫ول يزالون متلفي ‪ ‬إل من رحم ربك ولذلك خلقهم‬

‫( هود ‪.)119 –118 :‬‬
‫وذهب آخرون من الفسرين ومنهم ابن عباس وماهد وقتادة إل أن اسم‬
‫الشارة يعود إل الرحة‪ ،‬أي‪ :‬خلقهم ليحهم‪.‬‬
‫وذهب ابن جرير الطبي وابن كثي وغيها إل عود الشارة إل الثني معا‪،‬‬
‫أي‪ :‬خلقهم ليختلفوا‪ ،‬وليحم من سلك الصراط الستقيم‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫يقول ابن سعدي‪ " :‬يب ال تعال أنه لو شاء لعل الناس أمة واحدة على الدين‬
‫السلمي‪ ،‬فإن مشيئته غي قاصرة‪ ،‬ول يتنع عليه شيء‪ ،‬ولكنه اقتضت حكمته أن ل‬
‫يزالوا متلفي‪ ،‬مالفي للصراط الستقيم‪ ،‬متبعي للسبل الوصلة إل النار‪."..‬‬

‫‪ 26‬الامع لحكام القرآن (‪.)9/114‬‬
‫‪ 27‬تفسي القرآن العظيم (‪.)2/466‬‬
‫‪ 28‬التفسي الكبي (‪.)18/76‬‬
‫‪ 29‬انظر ‪ :‬الامع لحكام القرآن (‪.)9/114‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫وعن قوله سبحانه‪:‬‬

‫[‪]11‬‬

‫ولذلك خلقهم قال ‪" :‬أي اقتضت حكمته‪ ،‬أنه‬

‫خلقهم ليكون منهم السعداء [و]الشقياء‪ ،‬والتفقون والختلفون‪ ،‬والفريق الذي هدى‬
‫ال‪ ،‬والفريق الذي حقت عليهم الضللة‪ ،‬ليتبي للعباد عدله وحكمته‪ ،‬وليظهر ما كمن‬
‫ف الطباع البشرية من الي والشر‪." ..‬‬

‫‪30‬‬

‫وف معن الية يقول ممد رشيد رضا ‪ " :‬لو شاء ربك أيها الرسول الريص‬
‫على إيان قومه السف على إعراض أكثرهم عن إجابة دعوته واتباع هدايته لعل‬
‫الناس أمة واحدة على دين واحد بقتضى الغريزة والفطرة‪ ،‬ل رأي لم فيه ول اختيار‪،‬‬
‫وإذا لا كانوا هم هذا النوع من اللق الُسمّى البشر وبنوع النسان‪ ،‬بل كانوا ف‬
‫حياتم الجتماعية كالنحل أو كالنمل‪ ،‬وف حياتم الروحية كاللئكة مفطورين على‬
‫اعتقاد القّ وطاعة ال عز وجل‪ ،‬فل يقع بينهم اختلف‪ .‬ولكنّه خلقهم بقتضى حكمته‬
‫كاسبي للعلم ل مُ ْلهَمي‪ .‬وعاملي بالختيار"‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫ولا كان الختلف والتّعدّد آية من آيات ال‪ ،‬فإ ّن الذي يسعى للغاء هذا‬
‫التّعدّد كلية‪ ،‬فإنا يروم مالً ويطلب متنعا‪ ،‬لذا كان لبد من العتراف بالختلف‪.‬‬
‫والعتراف بوقوع هذا اللف ل يعن إقرار هذه الختلفات ول تسويغ‬
‫الختلف فيها‪ ،‬لكنه يفرض على أهل الق أن يتصدوا لداية من قدروا على هدايته من‬
‫الختلفي عنهم‪ ،‬مع يقينهم بالعجز عن إنقاذ الكثيين من اختار العماية‪ ،‬قال تعال‪:‬‬
‫أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء ال لدى الناس جيعا (الرعد‪.)31 :‬‬
‫قال القرطب‪ " :‬والعن على هذا‪ :‬أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء ال لدى‬
‫الناس جيعا أن يشاهدوا اليات "‪.‬‬

‫‪ 30‬تيسي الكري الرحن (‪.)2/396‬‬
‫‪ 31‬تفسي النار (‪.)12/193‬‬
‫‪ 32‬الامع لحكام القرآن (‪.)9/330‬‬

‫‪32‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]12‬‬

‫وعليه فإن هداية الميع من الحال‪ ،‬فإن أكثر الناس ل يعلمون الق‪ ،‬وأكثرهم‬
‫ل يؤمنون به إن علموا به‪ ،‬وواجب الدعاة الدأب ف دعوتم وطلب أسباب هدايتهم‪،‬‬
‫أي بذل الهد ف إزالة اللف ورفعه‪.‬‬
‫فإن أعرض من أعرض عن السلم فإنا أمر ال السلمي بإبلغ رسالته ف‬
‫الدنيا‪ ،‬وال يتول حساب العرضي ف الخرة‪ ،‬قال ال ماطبا نبيه‬

‫‪ :‬فإن تولوا فإنا‬

‫عليك البلغ (النحل‪.)82 :‬‬
‫قال القرطب‪ " :‬فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والستدلل واليان؛ فإنا‬
‫عليك البلغ‪ ،‬أي ليس عليك إل التبليغ‪ ،‬وأما الداية فإلينا"‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫وقال تعال‪ :‬فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنا عليك البلغ وال بصيٌ‬
‫بالعباد (آل عمران‪.)20 :‬‬
‫قال الطبي‪ " :‬وإن أدبروا معرضي عما تدعوهم إليه من السلم وإخلص‬
‫التوحيد ل رب العالي‪ ،‬فإنا أنت رسول مبلغ‪ ،‬وليس عليك غي إبلغ الرسالة إل من‬
‫أرسلتك إليه من خلقي وأداء ما كلفتك من طاعت‪ ،‬وال بصي بالعباد يعن بذلك‪:‬‬
‫وال ذو علم بن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه‪ ،‬فيطيعك بالسلم‪ ،‬وبن يتول منهم‬
‫عنه معرضا فيد عليك ما أرسلتك به إليه‪ ،‬فيعصيك بإبائه السلم "‪.‬‬
‫قال الشوكان ف سياق شرحه لقول ال تعال‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫فإنا عليك البلغ وعلينا‬

‫الساب (الرعد‪ " :)40 :‬أي‪ :‬فليس عليك إل تبليغ أحكام الرسالة‪ ،‬ول يلزمك‬
‫حصول الجابة منهم‪ ،‬لا بلّغته إليهم‪ ،‬وعلينا الساب أي‪ :‬ماسبتهم بأعمالم‬
‫ومازاتم عليها‪ ،‬وليس ذلك عليك‪.‬‬

‫‪ 33‬الامع لحكام القرآن (‪.)10/161‬‬
‫‪ 34‬جامع البيان (‪.)3/215‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]13‬‬

‫وهذا تسلية من ال سبحانه لرسوله ‪ ،‬وإخبار له أنه قد فعل ما أمره ال به‪،‬‬
‫وليس عليه غيه‪ ،‬وأن من ل يب دعوته ويصدق نبوته‪ ،‬فال سبحانه ماسبه على ما‬
‫اجترم واجترأ عليه من ذلك"‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫وقال تعال‪ :‬فذكر إنا أنت مذكر ‪ ‬لست عليهم بسيطر (الغاشية‪-21 :‬‬
‫‪.)22‬‬
‫قال الطبي‪ " :‬يقول‪ :‬لست عليهم بسلّط‪ ،‬ول أنت ببار تملهم على ما‬
‫تريد‪ ،‬يقول‪ :‬كِلْهم إلّ‪ ،‬ودعهم وحكمي فيهم‪." ...‬‬

‫‪36‬‬

‫قال ابن كثي‪ " :‬فإن أعرضوا يعن الشركي فما أرسلناك عليهم حفيظا‬
‫(الشورى‪ )48 :‬أي‪ :‬لست عليهم بصيطر (الغاشية‪ ،)22 :‬وقال عز وجل‪ :‬ليس‬
‫عليك هداهم ولكن ال يهدي من يشاء (البقرة‪ ،)272 :‬وقال تعال‪ :‬فإنا عليك‬
‫البلغ وعلينا الساب (الرعد‪ ،)40 :‬وقال جل وعل ف آية الشورى‪ :‬إن عليك‬
‫إل البلغ (الشورى‪ )48 :‬أي‪ :‬إنا كلفناك أن تبلغهم رسالة ال إليهم"‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫فالسلم ‪ -‬كما رأينا ‪ -‬يعترف بوجود الختلف وعدم إمكانية جع الناس على‬
‫دين واحد‪ ،‬ويطلب من الدعاة ورثة النبياء القيام بواجب البلغ ف الدنيا واستفراغ‬
‫الوسع ف الرشاد والنصح للعالي‪ ،‬ث ال يتول ‪ -‬بكمه وعدله ‪ -‬يوم القيامة حساب‬
‫العاندين وجزاء الؤمني‪.‬‬

‫‪ 35‬فتح القدير (‪.)3/90‬‬
‫‪ 36‬جامع البيان (‪.)30/166‬‬
‫‪ 37‬تفسي القرآن العظيم (‪.)4/121‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]14‬‬

‫تاريخ الحوار‬
‫منذ سطع نور السلم على الدنيا أدرك السلمون طبيعة دينهم وعالية رسالته‪،‬‬
‫فقاموا يدعون الناس إل هديه‪ ،‬فبدأ الوار بي السلمي ومشركي قريش‪ ،‬وسجل القرآن‬
‫ف آياته الكثي من هذه الوارات‪ ،‬وتول فيها الرد على الشركي‪.‬‬
‫وكان من أهم مناسبات الوار هجرة أصحاب النب إل البشة‪ ،‬وحوارهم مع‬
‫النجاشي حول قول السلمي ف السيح وأمه عليهما السلم‪.‬‬
‫وحي انتقل النب إل الدينة بدأ الوار مع أهل الكتاب من قطّان الدينة‬
‫النورة‪ ،‬وقد نقل القرآن الكثي من الوارات الت طَلب من النب أن يريها مع أهل‬
‫الكتاب‪ ،‬والكثي منها كان يبدأ بقوله تعال‪:‬‬

‫يا أهل الكتاب (النساء‪،171 :‬‬

‫الائدة‪.)77 ،68 ،59 ،19 ،15 :‬‬
‫ومن حواره مع يهود الدينة أن حبا من اليهود يقال له مالك بن الصيف جاء‬
‫ياصم النب ‪ ،‬فقال له النب ‪(( :‬أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى‪ ،‬أما تد ف‬
‫التوراة أن ال يبغض الب السمي؟)) وكان حبا سينا‪.‬‬
‫فغضب فقال‪ :‬وال ما أنزل ال على بشر من شيء‪ .‬فقال له أصحابه الذين معه‪:‬‬
‫ويك‪ ،‬ول موسى؟ فقال‪ :‬وال ما أنزل ال على بشر من شيء‪ .‬فأنزل ال‪:‬‬

‫وما قدروا‬

‫ال حق قدره إذ قالوا ما أنزل ال على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به‬
‫موسى (النعام‪.)91 :‬‬

‫‪38‬‬

‫وكان أهم اتصال بالنصرانية قدوم وفد نصارى نران إل الدينة وبقاؤهم فيها‬
‫أياما يناظرون رسول ال وقد أذن لم رسول ال بالصلة ف مسجده‪ ،‬وقال لصحابه‪:‬‬
‫((دعوهم)) ‪ ،39‬ونزل بسبب هذه الزيارة بضع وثانون آية من صدر سورة آل عمران‪.‬‬
‫ول تنقل إلينا كتب السنة إل النـزر اليسي عما دار بينهم وبي رسول ال ‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫‪39‬‬

‫رواه ابن جرير الطبي ف تفسيه (‪ ،)7/267‬وابن اب حات ف تفسيه ح (‪.)7630‬‬
‫ذكره ابن هشام ف سيته (‪ ، ،)1/511‬ونقل مثله ابن القيم ف زاد العاد عن أب أمامة (‬

‫‪ ،)631-3/630‬وانظر الامع لحكام القرآن‪ ،‬القرطب (‪.)4/5‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]15‬‬

‫وما نقل ف ذلك ما ذكره ابن جرير ف تفسيه أنه جاء راهبا نران إل النب ‪،‬‬
‫فعرض عليهما السلم ‪ ،‬فقال أحدها ‪ :‬إنا قد أسلمنا قبلك ‪ .‬فقال‪(( :‬كذبتما‪ .‬إنه‬
‫ينعكما عن السلم ثلثة ‪ :‬عبادتكم الصليب‪ ،‬وأكلكم النير‪ ،‬وقولكم ل ولد))‪.‬‬
‫قال ‪ :‬من أبو عيسى ؟ وكان ل يعجل حت يأت أمر ربه ‪ ،‬فأنزل ال تعال ‪:‬‬
‫إن مثل عيسى عند ال كمثل آدم خلقه من تراب ث قال له كن فيكون (آل عمران‪:‬‬
‫‪.)59‬‬

‫‪40‬‬

‫وذكر الطبي بإسناده أيضا أن نصارى نران قالوا‪ " :‬ألست تزعم أنه كلمة ال‬
‫وروح منه ؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬قالوا‪ :‬فحسبنا‪ .‬فأنزل ال عز وجل‪:‬‬

‫فأما الذين ف قلوبم زيغ‬

‫فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (آل عمران ‪.)7 :‬‬

‫‪41‬‬

‫لكن الذي يثي النتباه ف زيارة وفد نصارى نران ما نقله الطبي من اجتماع‬
‫النب بم ف حضور وفد من يهود الدينة‪ ،‬فقد روى بإسناده إل ابن عباس أنه‬
‫"اجتمعت نصارى نران وأحبار اليهود عند رسول ال‪ ،‬فتنازعوا عنده ‪ ،‬فقالت الحبار‪:‬‬
‫ما كان إبراهيم إل يهوديا‪ .‬وقالت النصارى‪ :‬ما كان إبراهيم إل نصرانيا‪ .‬فأنـزل ال‪:‬‬
‫ما كان إبراهيم يهوديا ول نصرانيا (آل عمران‪.)67 :‬‬

‫‪42‬‬

‫وحي رجع وفد نران إل بلده ل ينقطع حوارهم مع السلمي ‪ ،‬ذلك أن النب‬
‫أرسل معهم الغية بن شعبة‪ ،‬فكانوا ياورونه ويطرحون عليه السئلة عن القرآن‪،‬‬
‫ومن ذلك أنه أشكل عليهم مؤاخاة القرآن بي مري وهارون‪ ،‬وبينهما زمن مديد‪ ،‬فقالوا‬
‫للمغية‪" :‬ألستم تقرؤون‪:‬‬

‫يا أخت هارون (مري‪ ، )28 :‬وقد علمتم ما بي موسى‬

‫وعيسى ‪." ...‬‬

‫‪43‬‬

‫‪40‬‬

‫رواه ابن جرير ف تفسيه (‪ ، )3/163‬وأبو نعيم ف دلئل النبوة (‪.)2/258‬‬

‫‪41‬‬

‫رواه الطبي ف تفسيه (‪.)3/177‬‬

‫‪42‬‬

‫رواه الطبي ف تفسيه (‪.)3/305‬‬

‫‪43‬‬

‫رواه مسلم ح (‪ ،)2135‬وسيأت بيانه‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]16‬‬

‫كما استقبل النب ف مسجده عدي بن حات الطائي ‪ ،‬وحاوره ف أخذه الرباع‬
‫من قومه ‪ ،‬وهو ل يل له ف دينه ‪ ،‬ودعاه للسلم فأسلم‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫واستقبل أيضا الارود بن عمرو ف وفد عبد القيس‪ ،‬وكان نصرانيا؛ فدعاه إل‬
‫السلم‪ ،‬فأسلم‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫كما كانت مراسلة النب للوك النصارى ومقدميهم نوعا من الوار‪ ،‬فقد أرسل‬
‫أصحابه بكتبه إل النجاشي وهرقل والقوقس عظيم القبط وهوذة النفي صاحب‬
‫اليمامة؛ يدعوهم للسلم‪.‬‬
‫مع أن كتب التاريخ ل تنقل إلينا الكثي ما جرى بي سفراء النب والرسلي‬
‫إليهم إل أنه من الؤكد تاورهم‪ ،‬إذ هو ما تقتضيه السفارة‪.‬‬
‫وما نقل ف ذلك حوار حاطب بن أب بلتعة مع القوقس‪ ،‬فقد سأله القوقس عن‬
‫حرب النب مع أعدائه‪ ،‬فأجابه حاطب بأنه يَغلِب ويُغلَب‪ ،‬فقال القوقس‪ :‬أنب ال‬
‫يُغلب؟ فأجاب حاطب‪ :‬أولد ال يُصلب؟‬

‫‪46‬‬

‫ومثله ما رواه ابن عبد الب ف الستيعاب من حديث حاطب بن أب بلتعة أن‬
‫القوقس جع بطارقته فقال‪ :‬إن سأكلمك بكلم أحب أن تفهمه من‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬هلم‪.‬‬
‫قال‪ :‬أخبن عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قلت‪ :‬بلى‪ ،‬هو رسول ال‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما له حيث كان هكذا ل يدع على قومه‪ ،‬حيث أخرجوه من بلدته إل‬
‫غيها؟ فقلت له‪ :‬فعيسى ابن مري‪ ،‬أتشهد أنه رسول ال؟ فما له حيث أخذه قومه‪،‬‬
‫فأرادوا صلبه ألّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم ال حت رفعه ال إليه ف ساء الدنيا؟‬
‫قال‪ :‬أحسنت‪ ،‬أنت حكيم جاء من عند حكيم‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫‪44‬‬

‫انظره ف صحيح البخاري ح (‪.)3595‬‬

‫‪45‬‬

‫ذكره الطبان ف معجمه الكبي ح (‪ ،)2108‬ونقله ابن حجر عن ابن إسحاق ف الصابة (‬

‫‪.)1/441‬‬
‫‪46‬‬

‫انظر‪ :‬عيون الناظرات (‪.)185‬‬

‫‪47‬‬

‫الستيعاب (‪.)1/315‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]17‬‬

‫وحي دخل السلمون مصر وبلد الشام تولت تلك الشعوب النصرانية إل‬
‫السلم دين الفاتي الدد‪ ،‬وهذا التحول ثرة لسباب متضافرة‪ ،‬أهها الوار الذي‬
‫شاع بي السلمي والنصارى ف تلك الربوع‪.‬‬
‫ولئن كان التاريخ ذهل عن تسجيل حوارات عوام السلمي مع غيهم‪ ،‬والذي‬
‫أسفر عن دخولم السلم ‪ ،‬فإنه ل يغفل عن تسجيل الوارات الت جرت ف قصور‬
‫السلطي من السلمي وغيهم ‪.‬‬
‫ومنه حوار الليفة هارون الرشيد مع طبيبه النصران ‪ ،‬واستعانته بعال خراسان‬
‫ممد بن عمر بن واقد‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫كما جع الليفة الأمون بي كلثوم بن عمرو العتاب وابن فروة النصران‪ ،‬وتناظرا‬
‫بي يديه ف قول النصارى بألوهية السيح‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫كما وفد القاضي أبو بكر ممد الباقلن على ملك الروم ف القسطنطينية بأمر‬
‫من العتضد العباسي‪ ،‬والوار الذي جرى بينه وبي ملك الروم وراهبهم مشهور ف‬
‫كتب التاريخ‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫ونقل صاحب عيون الناظرات قصة فيلسوف نصران قدم بغداد‪ ،‬وأسلم بعد‬
‫حواره مع نبة من علماء السلمي ‪ ،‬جعهم الليفة ف قصره ‪ ،‬منهم الصالي والبائي‬
‫والكعب والشعري‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫وبعيدا عن قصور المراء تاور العلماء السلمون مع غيهم ‪ ،‬ولعل من أوائل ما‬
‫نقل ف هذا الصدد حوار أب حنيفة النعمان بن ثابت مع طائفة من اللحدة حول سببية‬
‫العال‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫‪52‬‬

‫انظر‪ :‬عيون الناظرات (‪.)208-207‬‬

‫‪ 49‬انظر‪ :‬عيون الناظرات (‪.)213‬‬
‫‪50‬‬

‫انظر ‪ :‬سي أعلم النبلء (‪ ،)192-17/191‬وعيون الناظرات (‪.)249-248‬‬

‫‪ 51‬انظر‪ :‬عيون الناظرات (‪.)217‬‬
‫‪52‬‬

‫انظر ‪ :‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)3/127‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]18‬‬

‫وكذلك حوار الفخر الرازي الطويل مع قسيس ف خوارزم ف موضوعات أهها‬
‫نبوة النب وهل معجزات عيسى تدل على نبوته أو ألوهيته؟‬

‫‪53‬‬

‫ث مناظرة ابن القيم لحد رؤساء اليهود حول نبوة النب ‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫كما كتب العلماء العشرات من الكتب والردود على متلف ماوريهم‪ ،‬فازدهر‬
‫حوار الكتب‪ ،‬ومنه كتاب "الواب الصحيح" لبن تيمية‪ ،‬وهو يرد فيه على كتاب ورد‬
‫من قبص بعنوان‪" :‬الكتاب النطيقي الدولة خان البهن عن العتقاد الصحيح والرأي‬
‫الستقيم " لراهب صيدا السقف بولص الراهب‪.‬‬
‫كما كتب أبو الوليد الباجي رسالة رد فيها على رسالة وجهها راهب فرنسا إل‬
‫القتدر أمي سرقسطة يدعوه فيها للدخول ف النصرانية‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫وكتب أبو عبيدة الزرجي القرطب كتابه الشهور باسم " مقامع هامات‬
‫الصلبان‪ ،‬ومراتع روضات اليان "‪ 56‬ردا على أسئلة كان يثيها قسيس من القوط على‬
‫نفر من السلمي بطليطلة‪.‬‬
‫ول تنقطع الوارات والكتب التبادلة بي السلمي وغيهم‪ ،‬وإن خَفَت بريقها‬
‫مع تراجع الركة العلمية عند السلمي‪.‬‬
‫ومع بداية الركة الستعمارية الغربية تدد الوار بي السلمي ومستعمريهم‪،‬‬
‫ولعل من أبرز ما يذكر ف هذا الصدد الوار الذي جرى بي العلمة رحة ال الندي‬
‫والقس كئي ومساعده القس فرنج‪ ،‬ث جرت الناظرة الكبى بينه وبي القس فندر ف‬
‫شهر رجب من عام ‪1270‬هـ ردا على النشاط التنصيي ف الند‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫انظر ‪ :‬مناظرة ف الرد على النصارى‪ ،‬الرازي‪ ،‬تقيق‪ :‬عبد الجيد النجار‪ ،‬كما أثبت مقاطع منها‬

‫ف تفسيه لسورت آل عمران والنساء‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫ذكر طرفا منها ابن القيم ف هداية اليارى (‪.)385 -384‬‬

‫‪55‬‬

‫انظر ‪ :‬رسالة راهب فرنسا للمي القتدر بال ‪ ،‬ورد الباجي عليها‪ ،‬تقيق‪ :‬ممد الشرقاوي‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫حققه ممد شامة‪ ،‬ونشره بعنوان ‪ :‬بي السلم والسيحية ‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]19‬‬

‫وف القرن اليلدي العشرين نشط الوار بي الديان ‪ ،‬ودعي التحاورون إل‬
‫عدد من الؤترات‪ ،‬منها مؤتر تاريخ الديان الدول ف بروكسل ف عام ‪1935‬م‪،‬‬
‫والؤتر العالي للديان النعقد ف لندن عام ‪1936‬م ‪ ،‬ث ف جامعة السوربون عام‬
‫‪1937‬م‪.‬‬
‫ونشطت الدعوة إل حوار الديان إثر انعقاد ممع الفاتيكان الثان ‪1965‬م‬
‫والذي دعا لستئناف الوار مع الديان‪ ،‬وأنشأ مؤسسات خاصة بذلك داخل الفاتيكان‬
‫تولت الدعوة لعدد من الؤترات واللقاءات بي القيادات الدينية ف العال‪ ،‬ث توالت‬
‫الوارات والدعوات من متلف الؤسسات والنظمات والدول السلمية وغيها‪.‬‬
‫والتأمل ف هذه القراءة التاريية السريعة ف تاريخ الوار؛ لن تطئ عينه رؤية ما‬
‫قدمه السلم من ناذج حوارية فريدة منذ بعث النب ‪ ،‬ناذج ل تتوقف ف تارينا‬
‫الطويل‪ ،‬وهي تدعونا لستئناف الوار الضاري وتنشيطه من جديد‪ ،‬وأخذ زمام‬
‫البادرة إليه‪ ،‬استجابة لمر ال تعال‪ ،‬وتأسيا واتباعا لنهج نبينا ‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]20‬‬

‫أنواع الحوار ومشروعيتها‬
‫إن التتبع لتاريخ الوار بي أهل السلم وغيهم من أتباع اللل ف القدي‬
‫والديث يد أنواعا ثلثة من الوار تتداخل فيما بينها أحيانا‪ ،‬وتفترق ف أحايي أُخر‪.‬‬
‫وف هذا البحث نود الوقوف مع كل نوع منها وبيان حكمه وأهم موضوعاته‬
‫وخصائصه‪.‬‬
‫أ‪ .‬حوار الدعوة‬
‫وهو أهم أنواع الوار وأعظمها‪ ،‬حيث عمد أنبياء ال وورثتُهم من العلماء‬
‫والدعاة إل حوار الكافرين بغية تعريفهم بدين ال وإنقاذهم به‪ ،‬فالوار الدعوي أحد‬
‫أعظم وسائل الدعوة إل السلم‪ ،‬حيث يعمد الحاور الؤمن إل تبيان مبادئ السلم‬
‫وفضائله ويوضح لحاوريه ما أعده ال للمؤمني به من عظيم الجر وحسن الثوبة‪ ،‬وما‬
‫توعد به الكافرين من أليم عذابه وعقابه‪.‬‬
‫ولا كان ل يتصور رجوع الناس عن معتقداتم وإلفهم لجرد عظة سعوها‪ ،‬إذ‬
‫تثور ف الذهان تساؤلت تبحث عمن ييب عنها‪ ،‬ويلي الق فيها‪ ،‬كان ل بد من‬
‫الوار‪.‬‬
‫لذا تتركز موضوعات حوار الدعوة حول التعريف بال تبارك وتعال وصفاته‪،‬‬
‫وباليان ونواقضه‪ ،‬وباليوم الخر وسبيل النجاة واللص فيه‪.‬‬
‫ويتاز حوار الدعوة عن غيه من أنواع الوار بصائص وسات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ذ الدف من حوار الدعوة‪ ،‬الدعوة إل السلم والسعي إل إقناع الخرين بأن‬
‫السلم هو دين ال الذي ل يقبل ال من العباد غيه‪.‬‬
‫ذ التركيز ف مادلة أهل الكتاب على القضايا العقدية الفاصلة‪ ،‬وماجتهم‪،‬‬
‫ومناظرتم‪ ،‬لدحض شبهاتم‪ ،‬ونقض حججهم‪ ،‬بأسلوب علمي رفيق‪ ،‬ث مباهلتهم إن‬
‫لزم المر‪.‬‬
‫ أخذ السلمي بزمام البادرة ف هذا اللون من الوار‪ ،‬إذ هو استجابة لطبيعة‬‫دينهم‪ ،‬ويتحقق ذلك باستضافتهم ف دار السلمي‪ ،‬واستقبال وفودهم‪ ،‬والكتابة إليهم‪،‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]21‬‬

‫وغشيانم ف مافلهم وبيوتم لدعوتم‪ ،‬إذ الدعوة والبلغ واجب السلم بقتضى‬
‫إسلمه‪.‬‬
‫ تغلب الصفة والعلقات الشخصية على هذا اللون من ألوان الوار الذي‬‫يبتعد عن الصفة الرسية الت تغلب على حوار التعامل والتعايش كما سيتبي ف حينه‪.‬‬
‫والتتبع لا ورد ذكره ف القرآن عن أحوال النبياء يظهر له أهية هذا اللون من‬
‫ألوان الوار ‪ ،‬الذي ل تُغفِله دعوة نب منهم أو مصلح من تبعهم بإحسان‪.‬‬
‫فها هو نوح عليه السلم يادل وياور قومه قرونا طويلة‪ ،‬من غي كلل ول‬
‫ملل‪ ،‬دعاهم ليلً ونارا‪ ،‬أسر لم‪ ،‬وأعلن لم جهارا‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يا نوح قد جادلتنا‬
‫فأكثرت جدالنا فأتنا با تعدنا إن كنت من الصادقي (هود‪.)32 :‬‬
‫وعلى هذا الدي سار أنبياء ال من بعد نوح‪ ،‬فقصّ ال علينا ف القرآن حوار‬
‫إبراهيم مع النمرود‪ ،‬وحوار موسى مع فرعون‪ ،‬بل وذكر لنا الكثي من حوار النبياء‬
‫مع أقوامهم‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪ " :‬فأما الجادلة الشرعية كالت ذكرها ال تعال عن النبياء عليهم‬
‫السلم وأمر با ف مثل قوله تعال‪) :‬قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا( (هود‪:‬‬
‫‪ )32‬وقوله‪) :‬وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه( (النعام‪ )83 :‬وقوله‪) :‬أل تر إل‬
‫الذي حاج إبراهيم ف ربه( (البقرة‪ )258 :‬وقوله‪) :‬وجادلم بالت هي أحسن( (النحل‪:‬‬
‫‪ )125‬وأمثال ذلك فقد يكون واجبا أو مستحبا‪ ،‬وما كان كذلك ل يكن مذموما ف‬
‫الشرع"‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫وأرسل ال ممدا خات الرسل داعيا إل ال ومبشرا بدينه‪ ،‬آمرا إياه بدعوة‬
‫العالي إل هذا الدين‪ :‬ادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة وجادلم بالت‬
‫هي أحسن (النحل ‪.)125 :‬‬

‫‪ 57‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)7/156‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]22‬‬

‫وقد اعتب العلماء الجادلة والناظرة والوار من واجبات السلم الت أوجبها‬
‫ال على أهل العلم والبصية‪ ،‬واستدلوا با سبق ذكره من نصوص قرآنية تدثت عن‬
‫أمر ال لنبيائه بالوار أو فعلهم عليهم الصلة والسلم‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ف سياق حديثه عن قول ال تعال ‪ :‬ادع إل‬
‫سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة وجادلم بالت هي أحسن (النحل ‪:)125 :‬‬
‫"والدعاء إل سبيل الرب بالكمة والوعظة السنة والجادلة بالت هي أحسن ونو ذلك‬
‫ما أوجبه ال على الؤمني‪ ،‬فهذا واجب على الكفاية منهم‪ .‬وأما ما وجب على أعيانم‪،‬‬
‫فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم "‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫وف هذا الصدد يستدل ابن حزم على وجوب الدال والناظرة بقول النب ‪:‬‬
‫((جاهدوا الشركي بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))‪ 59.‬ويقول‪" :‬وهذا حديث ف غاية‬
‫الصحة‪ ،‬وفيه المر بالناظرة وإيابا كإياب الهاد والنفقة ف سبيل ال"‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫وبالنظر إل آثار الوار وناعة طريقته ف نشر الق يزم ابن حزم بفضل هذا‬
‫السلوب من أساليب الدعوة‪ ،‬ويراه أنع من غيه من وسائل حاية الدعوة كالهاد ف‬
‫سبيل ال‪ ،‬إذ "قد تُهزم العساكر الكبار‪ ،‬والجة الصحيحة ل تُغلب أبدا‪ ،‬فهي أدعى إل‬
‫الق‪ ،‬وأنصر للدين من السلح الشاكي والعداد المّة ‪ ..‬لن السيف مرة لنا‪ ،‬ومرة‬
‫علينا‪ ،‬وليس كذلك البهان‪ ،‬بل هو لنا أبدا‪ ،‬ودامغ لقول مالفينا‪ ،‬ومزهق له أبدا‪.‬‬
‫و ُربّ قوة باليد قد دمغت بالباطل حقا كثيا‪ ،‬فأزهقته ة وقد قتل أنبياء كثي‬
‫وما غُلبت حجتهم قط "‪.‬‬

‫‪ 58‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)52-1/51‬‬
‫‪ 59‬رواه أبو داود ح (‪ ،)2504‬وأحد ح (‪ ،)11837‬والنسائي ح (‪ ،)3096‬وصححه اللبان ف‬
‫صحيح أب داود ح (‪.)2186‬‬
‫‪ 60‬الحكام ف أصول الحكام (‪.)1/27‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]23‬‬

‫وف القابل‪ ،‬فإن "أفاضل الصحابة الذين ل نظي لم؛ إنا أسلموا بقيام الباهي‬
‫على صحة نبوة ممد عندهم‪ ،‬فكانوا أفضل من أسلم بالغلبة بل خلف من أحد‬
‫السلمي"‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫ويثن ابن حزم بدليل آخر‪ ،‬فيقول‪" :‬أول ما أمر ال عز وجل نبيه ممدا أن‬
‫يدعو له الناس بالجة البالغة بل قتال‪ ،‬فلما قامت الجة وعاندوا الق أطلق ال تعال‬
‫عليهم السيف حينئذ‪ ،‬وقال تعال‪) :‬قل فلله الجة البالغة( (النعام‪ .)149 :‬وقال‬
‫تعال‪) :‬بل نقذف بالق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق( (النبياء‪.")18 :‬‬

‫‪62‬‬

‫يقول ابن تيمية‪" :‬فكل من ل يناظر أهل اللاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم ل‬
‫يكن أعطى السلم حقه‪ ،‬ول وفّى بوجب العلم واليان‪ ،‬ول حصل بكلمه شفاء‬
‫الصدور وطمأنينة النفوس‪ ،‬ول أفاد كلمه العلم واليقي"‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫وكأن به ‪ -‬رحه ال ‪ -‬يرد على ما سيقول الصفدي ف ترجته ‪ ،‬فقد قال‪:‬‬
‫"وضيّع الزمان ف رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه‪ ،‬ولو تصدى‬
‫لشرح البخاري أو لتفسي القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلوم بدرّ كلمه النظيم"‪.‬‬
‫ويقول ابن القيم داعيا إل ماورة أهل الكتاب‪" :‬جواز مادلة أهل الكتاب‬
‫ومناظرتم‪ ،‬بل استحباب ذلك‪ ،‬بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلم من يرجى‬
‫إسلمه منهم وإقامة الجة عليهم‪ ،‬ول يهرب من مادلتهم إل عاجز عن إقامة الجة‪،‬‬
‫فليو ِل ذلك إل أهله‪ ،‬وليخلِ بي الطي وحاديها‪ ،‬والقوس وباريها "‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫‪ 61‬الحكام ف أصول الحكام (‪.)1/26‬‬
‫‪ 62‬الحكام ف أصول الحكام (‪.)1/26‬‬
‫‪ 63‬مموع الفتاوى (‪.)165-20/164‬‬
‫‪ 64‬انظر‪ :‬الامع لسية شيخ السلم ابن تيمية (‪ ،)287‬وقد نقله عن جزء مطوط ل يطبع من‬
‫كتاب "أعيان العصر وأعوان النصر" للصفدي‪.‬‬
‫‪ 65‬زاد العاد (‪.)3/639‬‬

‫‪64‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]24‬‬

‫وأما موضوع الدعوة والوار فإنه حول أصول الدين وسبيل سعادة الدارين‪:‬‬
‫يا أهل الكتاب تعالوا إل كلمة سواء بيننا وبينكم أل نعبد إل ال ول نشرك به شيئا ول‬
‫يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ال فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (آل‬
‫عمران‪.)64 :‬‬
‫قال الطبي ‪ " :‬قل يا ممد لهل الكتاب ‪ -‬وهم أهل التوراة والنيل ذ‬
‫تعالوا هلموا إل كلمة سواء ‪ ،‬يعن إل كلمة عدل بيننا وبينكم‪ ،‬والكلمة العدل‬
‫هي أن نوحد ال‪ ،‬فل نعبد غيه‪ ،‬ونبأ من كل معبود سواه‪ ،‬فل نشرك به شيئا‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬ول يتخذ بعضنا بعضا أربابا يقول‪ :‬ول يدين بعضنا لبعض بالطاعة‬
‫فيما أمر به من معاصي ال ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه‪ ،‬فإن تولوا يقول‪:‬‬
‫فإن أعرضوا عما دعوتم إليه من الكلمة السواء الت أمرتك بدعائهم إليها‪ ،‬فلم ييبوك‬
‫إليها‪ ،‬فقولوا أيها الؤمنون للمتولي عن ذلك‪ :‬اشهدوا بأنا مسلمون "‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫والنب كانت دعوته ترجانا واقعا لا أمر ال تعال به من دعوة‪ ،‬فقد دعا‬
‫الشركي إل السلم على اختلف مذاهبهم ومللهم‪ ،‬وكان يدعوهم وياورهم‪،‬‬
‫وخص أهل الكتاب بزيد من عنايته‪ ،‬وكان أبرز هذه الوارات حواره مع نصارى‬
‫نران‪ ،‬ومكاتباته للوك الرض‪.‬‬
‫كما كان رسول ال يغشى الناس ف مالسهم يدعوهم وياورهم‪ ،‬ومنه ما‬
‫رواه المام أحد من حديث عوف بن مالك قال‪ :‬انطلق النب يوما وأنا معه‪ ،‬حت‬
‫دخلنا كنيسة اليهود بالدينة يوم عيد لم‪ ،‬فكرهوا دخولنا عليهم‪ ،‬فقال لم رسول ال‬
‫ل يشهدون أنه ل إله إل ال‪ ،‬وأن ممدا‬
‫‪(( :‬يا معشر اليهود أرون اثن عشر رج ً‬
‫ب الذي غضب عليه))‪.‬‬
‫رسول ال‪ ،‬يبط ال عن كل يهودي تت أدي السماء الغض َ‬
‫قال‪ :‬فأسكتوا‪ ،‬ما أجابه منهم أحد‪ ،‬ث رد عليهم‪ ،‬فلم يبه أحد‪ ،‬ث ثلّث فلم يبه أحد‪.‬‬
‫فقال‪(( :‬أبيتم‪ ،‬فوال إن لنا الاشر‪ ،‬وأنا العاقب‪ ،‬وأنا النب الصطفى‪ ،‬آمنتم أو‬
‫كذبتم))‪.‬‬
‫‪ 66‬جامع البيان (‪.)3/301‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]25‬‬

‫ث انصرف وأنا معه‪ ،‬حت إذا كدنا أن نرج‪ ،‬نادى رجل من خلفنا‪ :‬كما أنت‬
‫يا ممد‪ .‬قال‪ :‬فأقبل‪ .‬فقال ذلك الرجل‪ :‬أي رجل تعلمون فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا‪:‬‬
‫وال ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب ال منك ول أفقه منك ول من أبيك قبلك‬
‫ول من جدك قبل أبيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإن أشهد له بال أنه نب ال الذي تدونه ف التوراة‪ .‬قالوا‪ :‬كذبت‪ .‬ث‬
‫ردوا عليه قوله‪ ،‬وقالوا فيه شرا‪.‬‬
‫قال رسول ال ‪(( :‬كذبتم‪ ،‬لن يقبل قولكم‪ ،‬أما آنفا فتثنون عليه من الي ما‬
‫أثنيتم‪ ،‬ولا آمن كذبتموه‪ ،‬وقلتم فيه ما قلتم‪ ،‬فلن يقبل قولكم))‪.‬‬
‫قال‪ :‬فخرجنا ونن ثلثة رسول ال وأنا وعبد ال بن سلم‪ ،‬وأنزل ال عز‬
‫وجل فيه‪ :‬قل أرأيتم إن كان من عند ال وكفرت به وشهد شاهد من بن إسرائيل‬
‫على مثله فآمن واستكبت إن ال ل يهدي القوم الظالي (الحقاف‪.)10 :‬‬

‫‪67‬‬

‫ومن صور الوار ف الصدر الول ما يكيه ثوبان رضي ال عنه‪ ،‬إذ يقول‪ :‬كنت‬
‫قائما عند رسول ال ‪ ،‬فجاء حب من أحبار اليهود فقال‪ :‬السلم عليك يا ممد‪.‬‬
‫فدفعتُه دفعة كاد يصرع منها‪ .‬فقال‪ :‬ل تدفعن؟ فقلت‪ :‬أل تقول‪ :‬يا رسول ال؟ فقال‬
‫اليهودي‪ :‬إنا ندعوه باسه الذي ساه به أهله‪ .‬فقال رسول ال ‪(( :‬إن اسي ممد الذي‬
‫سان به أهلي))‪ .‬فقال اليهودي‪ :‬جئت أسألك‪ .‬فقال له رسول ال ‪(( :‬أينفعك شيء‬
‫إن حدثتك؟)) قال‪ :‬أسع بأذن‪ .‬فنكت رسول ال بعود معه فقال‪(( :‬سل))‪.‬‬
‫فقال اليهودي‪ :‬أين يكون الناس يوم تبدل الرض غي الرض والسماوات؟‬
‫فقال رسول ال ‪(( :‬هم ف الظلمة دون السر))‪.‬‬
‫قال‪ :‬فمن أول الناس إجازة؟ قال‪(( :‬فقراء الهاجرين))‪.‬‬
‫قال اليهودي‪ :‬فما تفتهم حي يدخلون النة؟ قال‪(( :‬زيادة كبد النون))‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما غذاؤهم على إثرها؟ قال‪(( :‬ينحر لم ثور النة الذي كان يأكل من‬
‫أطرافها))‪.‬‬
‫‪ 67‬رواه أحد ح (‪ ،)23464‬وصححه اللبان ف موارد الظمآن ح (‪.)1764‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]26‬‬

‫قال‪ :‬فما شرابم عليه؟ قال‪(( :‬من عي فيها تسمى سلسبيل))‪ .‬قال‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫قال‪ :‬وجئت أسألك عن شيء ل يعلمه أحد من أهل الرض إل نب أو رجل أو‬
‫رجلن؟ قال‪(( :‬ينفعك إن حدثتك؟)) قال‪ :‬أسع بأذن‪ .‬قال‪ :‬جئت أسألك عن الولد‪.‬‬
‫ن الرأة‬
‫نّ الرجل م ّ‬
‫قال‪(( :‬ماء الرجل أبيض‪ ،‬وماء الرأة أصفر‪ ،‬فإذا اجتمعا فعل م ُ‬
‫ن الرجل آنثا بإذن ال))‪.‬‬
‫ن الرأة م ّ‬
‫أذكرا بإذن ال‪ ،‬وإذا عل م ّ‬
‫قال اليهودي‪ :‬لقد صدقت‪ ،‬وإنك لنب‪ ،‬ث انصرف فذهب‪ ،‬فقال رسول ال ‪:‬‬
‫((لقد سألن هذا عن الذي سألن عنه‪ ،‬وما ل علم بشيء منه‪ ،‬حت أتان ال به))‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫إذا نلص إل القول بأن حوار الدعوة واجب دين تتابعت النصوص على‬
‫الدعوة إليه‪ ،‬وهو مطلب أخلقي يفرضه علينا رحتنا بالخرين‪ ،‬وحرصنا على هدايتهم‪،‬‬
‫واستنقاذهم من أوضار الكفر والعقاب الخروي‪.‬‬
‫ب‪ .‬حوار التعامل‬
‫رأينا أن بقاء الختلف بي البشر ف أديانم ومللهم واقع‪ ،‬شاءه ال بشيئته‬
‫وإرادته الكونية‪ ،‬فكيف يتعايش الختلفون؟ وماهو السلوب المثل لبناء العلقات‬
‫البشرية؟ أوليس هو الوار والتعايش والبحث عن القواسم الياتية الشتركة؟‬
‫إن الضرورة الياتية تؤزنا للبحث عن قواسم مشتركة نبن عليها علقاتنا‪ ،‬وهو‬
‫ما يلي على الختلفي ف عقائدهم ومذاهبهم اللجوء إل لون آخر من ألوان الوار‪،‬‬
‫وهو حوار التعامل‪ ،‬وهو حوار بعيد عن أصول الدين والعتقد‪ ،‬حوار تفرضه السياسة‬
‫الشرعية‪ ،‬وتليه طبيعة التعايش بي البشر؛ بكم الوار والصال التبادلة‪.‬‬
‫وقد بينت الشريعة بنصوصها أو بقواعدها العامة السس والضوابط التعلقة بذا‬
‫اللون من ألوان الوار‪.‬‬
‫وقد ظهر مثل هذا اللون من حوار التعامل والتقارب العيشي منذ نشأة الدولة‬
‫السلمية ف الدينة‪ ،‬حيث عقد النب عهودا مع يهود الدينة‪ ،‬كما أبرم صلح الديبية‬
‫‪ 68‬رواه مسلم ح (‪.)351‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]27‬‬

‫مع كفار قريش‪ ،‬وحوى الفقه السلمي بذاهبه الختلفة تراثا ضخما ف مال العلقات‬
‫الدولية الت بينت للمسلمي أصول التعامل مع متلف البشر‪.‬‬
‫ويركز هذا اللون من الوار على النقاط الشتركة الت يتفق عليها التحاورون‪،‬‬
‫فيهدفون إل تعميقها والتكاتف ف سبيلها‪ ،‬وغالبا ما تصطبغ بالصبغة الخلقية أو‬
‫الصلحية‪ ،‬كالوار حول السلم العالي والتعايش بي المم ومكافحة الشذوذ ومعالة‬
‫قضايا النلل الخلقي والتفكك السري‪.‬‬
‫وأبرز معال هذا النوع من الوار‪:‬‬
‫•العتراف بوجود الخر واختياره للدين والعتقد‪.‬‬
‫•العتراف باختلف التحاورين وخصوصية كل دين‪،‬‬
‫ونبذ التوفيق والتلفيق بي أديان الطراف التحاورة‪.‬‬
‫•تنب أو الذر ف البحث ف السائل العقدية الفاصلة‪،‬‬
‫حفاظا على استمرارية الوار وضمان ديومة التعاون‬
‫على تقيق القيم أو الصال الشتركة‪.‬‬
‫•تنب إطلق اللفاظ الفسدة لجواء الوار‪ ،‬كإطلق‬
‫الكفر على الحاورين أو الديث عن خلودهم ف النار‬
‫أو الطعن ف مقدساتم‪ ،‬وتنب هذا ليس تسويغا له البتة‪.‬‬
‫•إبراز أوجه التشابه والتفاق بي الطراف التحاورة‪،‬‬
‫والتركيز عليها لستثمارها وتنميتها‪ ،‬وإقصاء أوجه‬
‫التباين والفتراق لا لا من أثر سلب على الوار‪.‬‬
‫•الدعوة إل معرفة الخر كما يريد هو أن يُعرف‪ ،‬ورفع‬
‫الحكام السبقة عنه‪ ،‬مع التأكيد على الدعوة إل نسيان‬
‫الاضي التاريي‪ ،‬والعتذار عن أخطائه‪ ،‬والتخلص من‬
‫آثاره‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]28‬‬

‫وهذا اللون من الوار مشروع وجائز‪ ،‬فقد شهد النب ف شبابه حلف الطيبي‬
‫الذين اتفقوا على رد الظال وإعانة الظلوم‪ ،‬وهو لون من اللقاء حول أسباب التعايش‪.‬‬
‫وحي بُعث عليه الصلة والسلم أكد مشروعية مثل هذا العمل النبيل والتزامه‬
‫به فقال ‪ (( :‬ما شهدت من حلف إل حلف الطيبي ‪ ,‬وما أحب أن أنكثه‪ ،‬وأن ل حر‬
‫النعم))‪ ،‬وف رواية أنه قال‪ (( :‬ولو دعيت به اليوم ف السلم لجبت))‪ .‬وف رواية‬
‫عزاها ابن كثي ف السية إل الميدي‪(( :‬لو دعيت به ف السلم لجبت؛ تالفوا أن‬
‫ترد الفضول على أهلها‪ ،‬وأل يعز ظال مظلوماً))‪ 69.‬فقد أقر اللقاء مع الكافر على‬
‫مثل هذه القيمة النبيلة والصلة الميدة‪.‬‬
‫قال ابن حجر ف الفتح‪ " :‬وكان حلفهم أن ل يعي ظال مظلوما بكة‪ ,‬وذكروا‬
‫ف سبب ذلك أشياء متلفة مصلها‪ :‬أن القادم من أهل البلد كان يقدم مكة‪ ،‬فربا‬
‫ظلمه بعض أهلها فيشكوه إل من با من القبائل‪ ،‬فل يفيد ‪ ,‬فاجتمع بعض من كان‬
‫يكره الظلم ويستقبحه‪ ،‬إل أن عقدوا اللف ‪ ,‬وظهر السلم وهم على ذلك "‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫وقال القرطب رحه ال‪" :‬ذكر ابن إسحاق قال‪ :‬اجتمعت قبائل من قريش ف دار‬
‫عبد ال بن جدعان لشرفه ونسبه‪ ،‬فتعاقدوا وتعاهدوا على أل يدوا بكة مظلوما من‬
‫أهلها أو غيهم إل قاموا معه‪ ،‬حت ترد عليه مظلمته‪ ،‬فسمت قريش ذلك اللف حلف‬
‫الفضول‪ ،‬وهو الذي قال فيه الرسول ‪(( :‬لقد شهدت ف دار عبد ال بن جدعان‬
‫حلفا ما أحب أن ل به حر النعم‪ ،‬ولو أدعى به ف السلم لجبت))‪ ،‬وهذا اللف هو‬

‫‪ 69‬رواه أحد ح (‪ ،)1658‬والبخاري ف الدب الفرد ح (‪ ،)570‬والاكم وصححه‪ ،‬ووافقه‬
‫الذهب (‪ ،)2/219‬والطحاوي ف مشكل الثار ح (‪ ،)5217‬ووصححه اللبان ف فقه السية‬
‫بجموع طرقه (ص ‪ ،)72‬وانظر‪ :‬السية النبوية (‪.)1/258‬‬
‫‪ 70‬فتح الباري (‪.)4/473‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]29‬‬

‫العن الراد ف قوله عليه السلم‪(( :‬وأيا حلف كان ف الاهلية ل يزده السلم إل‬
‫شدة))‪ ،71‬لنه موافق للشرع إذا أمر بالنتصاف من الظال"‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫قال الباركفوري ‪" :‬قوله‪ (( :‬أوفوا )) من الوفاء‪ ،‬وهو القيام بقتضى العهد‬
‫((بلف الاهليّة)) أي العهود الّت وقعت فيها‪ ،‬مّا ل يالف الشّرع لقوله تعال‪ :‬أوفوا‬
‫بالعقود (الائدة‪ )1 :‬لكنّه مقيّ ٌد با قال اللّه تعال‪:‬‬

‫وتعاونوا على البّ والتّقوى ول‬

‫تعاونوا على الث والعدوان (الائدة‪ (( ،)2 :‬فإنّه )) أي السلم (( ل يزيده )) أي‬
‫حلف الاهليّة الّذي ليس بخالفٍ للسلم (( إلّا ش ّدةً )) أي شدّة توثّقٍ‪ ،‬فيلزمكم‬
‫الوفاء به"‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫قال ابن القيم‪ " :‬وأمّا قول النّبّ ‪(( :‬شهدت حلفا ف الاهليّة ما أحبّ أنّ ل‬
‫به حر النّعم ‪ ,‬لو دعيت إل مثله ف السلم لجبت))‪ ،‬فهذا ‪ -‬واللّه أعلم ‪ -‬هو حلف‬
‫ف الظّال ونوه ‪ ,‬فهذا إذا وقع ف‬
‫الطيّبي ‪ ,‬حيث تالفت قريش على نصر الظلوم ‪ ,‬وك ّ‬
‫السلم كان تأكيدًا لوجب السلم وتقوية له‪ .‬وأمّا اللف الّذي أبطله فهو تالف‬
‫القبائل ‪ :‬بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره‪ ،‬ويارب من حاربه ‪ ,‬ويسال من ساله‪ .‬فهذا‬
‫ل يعقد ف السلم"‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫قال ابن حجر ‪ " :‬ذكره ابن إسحاق وغيه ‪ ,‬وكان جع من قريش اجتمعوا‬
‫فتعاقدوا على أن ينصروا الظلوم وينصفوا بي النّاس ونو ذلك من خلل الي ‪,‬‬
‫واستم ّر العمل بذا اللف بعد البعثة النبوية ‪ ,‬ويستفاد من حديث عبد الرّحن بن عوف‬
‫أنّهم استمرّوا على ذلك ف السلم ‪ ,‬وإل ذلك الشارة ف حديث جبي بن‬
‫مطعم‪."...‬‬

‫‪75‬‬

‫‪ 71‬رواه مسلم ح (‪.)2530‬‬
‫‪ 72‬الامع لحكام القرآن (‪ ،)6/33‬وانظر شرح النووي على مسلم (‪.)16/82‬‬
‫‪ 73‬تفة الحوذي (‪.)5/173‬‬
‫‪ 74‬حاشية ابن القيم (‪.)8/101‬‬
‫‪ 75‬فتح الباري (‪.)10/502‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]30‬‬

‫وما يؤكد ديومة هذا اللف ف السلم أنه كان بي السي بن علي وبي الوليد‬
‫بن عتبة بن أب سفيان منازعة ف مال كان بينهما بذي الروة‪ ،‬فكان الوليد يتحامل على‬
‫السي بن علي بسلطانه ف حقه‪ ،‬فقال السي بن علي ‪ :‬أحلف بال لتنصفن من حقي‪،‬‬
‫أو لخذن سيفي ث لقومن ف مسجد رسول ال ‪ ،‬ث لدعون بلف الفضول‪.‬‬
‫فقال عبد ال بن الزبي‪ ،‬وهو عند الوليد‪ ،‬حي قال السي ما قال ‪ :‬وأنا أحلف‬
‫بال لئن دعا با لخذن سيفي‪ ،‬ولقومن عنده ومعه‪ ،‬حت ينصف من حقه‪ ،‬أو نوت‬
‫جيعا"‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫وقد يشكل هنا قول النب ‪(( :‬ل حلف ف السلم))‪ ،‬فيفهم منه قطع اللف‪،‬‬
‫وهذا العن غي صحيح‪ ،‬فالرواية ف صحيح مسلم من حديث جبي بن مطعم‪(( :‬ل‬
‫حلف ف السلم‪ ،‬وأيا حلف كان ف الاهلية ل يزده السلم إل شدة))‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫وتأكيدا لذا الفهم نسوق رواية البخاري عن أنس بن مالك‪ ،‬لا سئل‪ :‬أبلغك أن‬
‫النب قال‪(( :‬ل حلف ف السلم))؟ قال‪ :‬قد حالف النب بي قريش والنصار ف‬
‫داري‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫قال الطبي‪ " :‬ما استدل به أنس على إثبات اللف ل يناف حديث جبي بن‬
‫مطعم ف نفيه ‪ ,‬فإنّ الخاء الذكور كان ف أوّل الجرة ‪ ،‬وكانوا يتوارثون به ‪ ,‬ث نسخ‬
‫من ذلك الياث وبقي ما ل يبطله القرآن‪ ،‬وهو التّعاون على القّ والنّصر والخذ على‬
‫يد الظال كما قال ابن عباس ‪ :‬إل النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له‪".‬‬

‫‪79‬‬

‫وقال القرطب‪" :‬قال العلماء‪ :‬فهذا اللف الذي كان ف الاهلية هو الذي شده‬
‫السلم‪ ،‬وخصه النب عليه الصلة والسلم من عموم قوله‪(( :‬ل حلف ف السلم))‬
‫والكمة ف ذلك أن الشرع جاء بالنتصار من الظال وأخذ الق منه وإيصاله إل‬
‫‪ 76‬مشكل الثار للطحاوي ح (‪.)5217‬‬
‫‪ 77‬رواه مسلم ح (‪.)2530‬‬
‫‪ 78‬رواه البخاري ح (‪ ،)2294‬ومسلم ح (‪.)2529‬‬
‫‪ 79‬جامع البيان (‪.)12/341‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]31‬‬

‫الظلوم‪ ،‬وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيابا عاما على قدر من الكلفي‪ ،‬وجعل لم‬
‫السبيل على الظالي‪ ،‬فقال تعال‪ :‬إنا السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون ف‬
‫الرض بغي الق أولئك لم عذاب أليم (الشورى‪.")42 :‬‬

‫‪80‬‬

‫وقال ابن حجر‪" :‬ويكن المع بأن النف ّي ما كانوا يعتبونه ف الاهليّة من نصر‬
‫الليف ولو كان ظالا‪ ،‬ومن أخذ الثّأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها‪ ،‬ومن التّوارث‬
‫ونو ذلك ‪ ,‬والثبت ما عدا ذلك من نصر الظلوم والقيام ف أمر الدّين ونو ذلك من‬
‫الستحبّات الشّرعيّة كالصادقة والواددة وحفظ العهد"‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫وهكذا‪ ،‬فإن المة السلمة ل تتوقف ف حوارها مع الخرين على القضايا‬
‫الدينية‪ ،‬بل تد أيديها إل الخرين ‪ ،‬وهي تسعى ف حوارها إل تقيق الصال الشتركة‬
‫الت تنشدها الطراف الختلفة ‪ ،‬عب حوار التعامل والتعايش الذي يؤمّن الزيد من‬
‫الستقرار والرخاء لشعوب النسانية‪ ،‬ويعي البشرية على تاوز الكثي من الشرور على‬
‫الصعيد الجتماعي والخلقي والسياسي‪ ،‬وغيها‪.‬‬
‫ج ‪ 0‬حوار الوحدة‬
‫وهو الوار الذي يهدف إل إزالة الفروق والختلفات العقدية والشعائرية بي‬
‫التحاورين وتييع خصائص الديان وتاوزها تاه وحدة الديان والتقريب بينها‪.‬‬
‫وهذه الدعوة التلفيقية قدية متجددة‪ ،‬ترعاها مؤسسات من متلف اللل‬
‫والنحل‪ ،‬ولكل منها أهدافه الت يرنو من خللا إل اجتذاب الخرين وصهرهم ف‬
‫بوتقته‪.‬‬
‫ولعل من أبرز من ينادي بالوحدة بي الديان؛ الركة الاسونية بناشطها‬
‫ومؤسساتا الختلفة وامتداداتا العاصرة‪ ،‬يقول ممد رشاد فياض رئيس مفل الشرف‬
‫العظم الاسون مققا هدف الاسونية الزعوم التمثل ف الخاء النسان‪" :‬اليمات‬
‫الثلثة ف الوسوية والسيحية والحمدية يتمعون [هكذا] ف ميم واحدة هي ميم‬
‫‪ 80‬الامع لحكام القرآن (‪.)10/169‬‬
‫‪ 81‬فتح الباري (‪.)10/502‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]32‬‬

‫ي البوذية والبهية يتمعان ف باء‬
‫الاسونية‪ ،‬لن الاسونية عقيدة العقائد‪ ..‬وإن باءَ ْ‬
‫البناء‪ ،‬بناء هيكل الجتمع النسان"‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫ووصل هذا التاه التلفيقي إل السلمي أول ما وصل عن طريق غلة الصوفية‬
‫من القائلي باللول والتاد‪ ،‬كابن سبعي وابن هود والتلمسان ‪ ..‬حيث يوزون‬
‫التدين بختلف الديان‪ ،‬يقول ابن تيمية‪ " :‬بل يوزون التهود والتنصر‪ ،‬وكل من كان‬
‫ل إل علمهم فهو سعيد‪ ،‬وهكذا تقول التادية منهم‪ ,‬كابن سبعي وابن‬
‫من هؤلء واص ً‬
‫هود والتلمسان ونوهم‪ ،‬ويدخلون مع النصارى بيعهم‪ ،‬ويصلون معهم إل الشرق‪،‬‬
‫ويشربون معهم ومع اليهود المر‪ ،‬وييلون إل دين النصارى أكثر من دين‬
‫السلمي"‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫يقول ابن عرب‪:‬‬
‫لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحب‬
‫لقد صار قلب قابلً كل صورة‬

‫إذا ل يكن دينه إل دين دان‬
‫فـمرعى لغزلن ودير لرهبان‬

‫وبيت لوثان وكعبة طـائف وألواح توراة ومصحف قرآن‬
‫أدين بدين الب أنّى توجهت‬

‫ركائـبه فالب دين وإيـان‬

‫وقد كان جهل التتار بالسلم سببا ف تبنيهم لذه الدعوة أيضا‪ ،‬يقول ابن تيمية‬
‫رحة ال عليه ‪" :‬فهم يدعون دين السلم ويعظمون دين أولئك الكفار على دين‬
‫السلمي ويطيعونم ويوالونم أعظم بكثي من طاعة ال ورسوله وموالة الؤمني ‪...‬‬
‫وكذلك الكابر من وزرائهم وغيهم يعلون دين السلم كدين اليهود والنصارى‪،‬‬
‫وأن هذه كلها طرق إل ال بنلة الذاهب الربعة عند السلمي‪ ،‬ث منهم من يرجح دين‬
‫اليهود أو دين النصارى‪ ،‬ومنهم من يرجح دين السلمي‪ ،‬وهذا القول فاش غالب فيهم‬
‫‪ 82‬دعوة التقريب (‪.)1/360‬‬
‫‪ 83‬مموع الفتاوى (‪.)164 /14‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]33‬‬

‫حت ف فقهائهم وعبّادهم‪ ،‬لسيما الهمية من التادية الفرعونية ونوهم‪ ،‬فإنه غلبت‬
‫عليهم الفلسفة‪ ،‬وهذا مذهب كثي من التفلسفة أو أكثرهم"‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫ويقول رحه ال‪ " :‬وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا‪ ،‬فإن السلم‬
‫عندهم خي من غيه‪ ،‬وإن كان غيه جائزا "‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫ث دبّت الياة من جديد ف فكرة وحدة الديان على أيدي البهائية الباطنية‪ ،‬ث‬
‫جال الدين الفغان ومدرسته العقلنية‪ ،‬فقد أسس ممد عبده‪ ،‬والقس النليزي‬
‫إسحاق تيلور‪ ،‬وجال رامز بك (قاضي بيوت)‪ ،‬بشاركة نفر من اليرانيي‪ ،‬أسسوا‬
‫جعية سرية للتقريب بي الديان ف بيوت‪ ،‬وذلك عام (‪1301‬هـ‪1883 /‬م)‪.‬‬
‫يقول الفغان ف العمال الكاملة‪ " :‬هكذا ند الديان الثلثة ‪ :‬الوسوية‬
‫والعيسوية والحمدية على تام التفاق ف البدأ والغاية ‪ ..‬لقد لح ل بارق أمل كبي‪:‬‬
‫أن تتحد أهل الديان الثلثة مثل ما اتدت الديان ف جوهرها وأصلها وغايتها"‪.‬‬
‫ث يشنع الفغان على الذين يصرون على اختلف الديان الذين أساهم‪:‬‬
‫"الزاربة الذين جعلوا كل فرقة بنلة حانوت‪ ،‬وكل طائفة كمنجم من مناجم الذهب‬
‫والفضة‪ ،‬ورأس مال تلك التجارات ما أحدثوه من الختلفات الدينية والطائفية‬
‫والذهبية"‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫وف عام ‪1987‬م دعا الفكر الفرنـسي روجيــه جارودي ـ عقب إعلنه‬
‫اعتناق السلم ـ إل اللتقى البراهيمي ف قرطبة‪ ،‬واتذ من (القلعة الرة) مقرا‬
‫لؤسسته ومتحفه ومناشطها التلفيقية التوحيدية‪.‬‬
‫يقول جارودي‪" :‬إنن عندما أعلنت إسلمي ل أكن أعتقد بأن أتلى عن‬
‫مسيحيت ول عن ماركسيت‪ ،‬ول أهتم بأن يبدو هذا متناقضا أو مبتدعا"‪.‬‬
‫‪ 84‬مموع الفتاوى (‪.)28/523‬‬
‫‪ 85‬الرد على النطقيي (‪.)282‬‬
‫‪ 86‬دعوة التقريب بي الديان (‪.)399-1/398‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]34‬‬

‫ويقول‪" :‬هذا النضال هو نضال كل أصحاب العقيدة أو الؤمني بعقيدة‪ ،‬مهما‬
‫يكن نوع إيانم‪ ،‬ول يهمن ما يقوله النسان عن عقيدته‪ :‬أنا مسلم‪ ،‬أو‪ :‬أنا مسيحي‪،‬‬
‫أو‪ :‬أنا يهودي‪ ،‬أو‪ :‬أنا هندوسي"‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫وأبرز معال هذا التاه من اتاهات الوار‪:‬‬
‫اعتقاد كل طرف صحة إيان الطرف الخر‪ ،‬وتسويغه‪ ،‬من غي أن يقتضي‬‫ذلك الروج عن العتقد الصلي‪.‬‬
‫ل إل رضا‬
‫اعتقاد صحة جيع صور العبادات‪ ،‬فالكل يعتبونه طريقا موص ً‬‫ال‪ ،‬لنه تعظيم وعبادة ل‪ ،‬وعليه فل يكم على شيء من صور العبادة‬
‫الختلفة بالبطلن‪.‬‬
‫الشتراك ف صلوات ومارسات وطقوس تمع بي أتباع الديان ف مل‬‫واحد‪ ،‬وذلك حرصا على إزالة الفروق وتييعها‪.‬‬
‫تنب البحث ف السائل الختلف عليها‪ ،‬والت تظهر التناقض والختلف‬‫بي الفرقاء الذين يراد جعهم ف نسق واحد‪.‬‬
‫اعتماد أسلوب التلفيق والتوفيق بي التناقضات والختلفات للوصول إل‬‫صورة مشتركة‪ ،‬تتجاوز الختلفات‪.‬‬
‫تبادل التهان والزيارات والجاملت ف الناسبات الدينية الختلفة‪.‬‬‫وقد كان لعلماء السلم وقفات صارمة مع هذا التاه التلفيقي أو التوفيقي بي‬
‫الديان‪ ،‬حيث رأوا مناقضته لصول السلم ومبادئه‪ ،‬وأنه من الداهنة الت حرمها ال‬
‫ورسوله‪ ،‬قال تعال‪ :‬ول تركنوا إل الذين ظلموا فتمسكم النار (هود‪ ،)113 :‬قال‬
‫أبو العالية‪ " :‬ل ترضوا أعمالم‪ ،‬فتمسكم النار " قـال ابن زيد‪" :‬الركون الدهان‪،‬‬
‫وقرأ‪:‬‬

‫ودوا لو تدهن فيدهنون (القلم ‪ ،)9 :‬قال‪ :‬تركن إليهم‪ ،‬ول تنكر عليهم‬

‫الذي قالوا‪ ،‬وقد قالوا العظيم من كفرهم بال وكتابه ورسله"‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫‪ 87‬دعوة التقريب بي الديان (‪ ،)937-935 /2‬والوار مع أهل الكتاب (‪.)132-128‬‬
‫‪ 88‬جامع البيان (‪.)12/127‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]35‬‬

‫قال الطبي مبينا ما ف الية من تذير من اللي والطاوعة ف الدين‪ " :‬ود هؤلء‬
‫الشركون يا ممد لو تلي لم ف دينك بإجابتك إياهم إل الركون إل آلتهم‪ ،‬فيلينون‬
‫لك ف عبادتك إلك"‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫ول يفى أن الداراة أو الرفق من آداب السلم ف معاملة الخالفي‪ ،‬ول يفى‬
‫على الحقق الفرق بينه وبي الدهان الحرم‪ ،‬قال القرطب ف التفريق بينهما ‪" :‬والفرق‬
‫بي الداراة والداهنة أن الداراة بذل الدنيا لصلح الدنيا أو الدين أو ها معًا ‪ ,‬وهي‬
‫مباحة‪ ,‬وربا استُحبت ‪ ,‬والداهنة ترك الدين لصلح الدنيا "‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫ومن صور الداهنة الت يقع با التحاورون ف وحدة الديان‪ ،‬تسميتهم للمعابد‬
‫والكنائس بيوت ال‪ ،‬وهي إل كفران ال وعصيانه أقرب‪.‬‬
‫قال شيخ السلم حي سئل عن تسمية البِيَع بيوت ال‪" :‬ليست بيوت ال‪،‬‬
‫وإنا بيوت ال الساجد‪ ،‬بل هي [أي البيع] بيوت يكفر فيها بال ‪ ..‬فالبيوت بنلة‬
‫أهلها‪ ،‬وأهلها كفار‪ ،‬فهي بيوت عبادة الكفار"‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫لكن تلك الداهنة الحرمة دون الكم بإيان أهل اللل وتسويغ معتقداتم‪،‬‬
‫أو حت الرتياب ف ثبوت كفرهم وبطلن عقائدهم وعباداتم ‪ ،‬فإن الشك ف كفرهم‬
‫وفساد مذهبهم كفر مرج من اللة‪.‬‬
‫يقول القاضي عياض‪" :‬ولذا نكفر من دان بغي ملة السلمي من اللل‪ ،‬أو وقف‬
‫فيهم‪ ،‬أو شك‪ ،‬أو صحح مذهبهم‪ ،‬وإن أظهر مع ذلك السلم‪ ،‬واعتقده‪ ،‬واعتقد‬
‫إبطال كل مذهب سواه‪ ،‬فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلف ذلك"‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫‪ 89‬جامع البيان (‪.)29/21‬‬
‫‪ 90‬فتح الباري (‪.)10/454‬‬
‫‪ 91‬مموع الفتاوى (‪.)22/162‬‬
‫‪ 92‬الشفا (‪.)2/1071‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]36‬‬

‫يقول ابن تيمية‪" :‬ومعلوم بالضطرار من دين السلمي وباتفاق جيع السلمي أن‬
‫من سوغ اتباع غي دين السلم‪ ،‬أو اتباع شريعة غي شريعة ممد فهو كافر‪ ،‬وهو‬
‫ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب"‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫وهكذا فإن السلم يرفض دعوات الوار الت ترنو إل إشاعة وحدة الديان‬
‫وصهرها ‪ ،‬ويراها ناقضا من نواقض السلم‪.‬‬
‫وصدق الشاعر‪ ،‬وهو يصف حال أولئك الذين يرومون جع النقائض‪:‬‬
‫أيها النكح الثريا سهيل‬

‫عمرك ال كيف يلتقيان‬

‫هي شامية إذا ما استقلت‬

‫وسهيل إذا استقل يان‬

‫‪ 93‬مموع الفتاوى (‪ ،)28/524‬وانظر متصر الفتاوى الصرية (‪.)507‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]37‬‬

‫وحدة الدين‬
‫إن من الضروري أن نفرق ذ ف هذا الباب ‪ -‬بي وحدة الدين ووحدة الديان‪،‬‬
‫إذ وحدة الديان دعوة للتلفيق بي الديان الحرفة با أضافه إليها البشر‪ ،‬فهو يهدف‬
‫لصهر الق ف الباطل للوصول إل صيغة مشتركة تمع بينهما‪.‬‬
‫أما وحدة الدين فهي حقيقة ل مناص منها‪ ،‬إذ الدين الذي أرسل ال به جيع‬
‫رسله دين واحد‪ ،‬هو الستسلم ل وتوحيده جل وعل‪.‬‬
‫فهذه لباب دعوة النبياء ومورها‪ ،‬وعليه نستطيع القول بأن السلم‬
‫والستسلم ل هو دين ال الوحيد‪ :‬ومن يبتغ غي السلم دينا فلن يقبل منه وهو ف‬
‫الخرة من الاسرين (آل عمران‪.)85 :‬‬
‫وقد سجل القرآن هذا العن وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إل نوحي إليه أنه‬
‫ل إله إل أنا فاعبدون (النبياء‪.)25 :‬‬
‫فالتوحيد نداء النبياء‪ ،‬نبيا تلو نب‪ ،‬إل أقوامهم‪ ،‬فهو الصل العظيم الذي نادى‬
‫به نوح ودعا إليه هود وصال وشعيب من بعده‪:‬‬

‫يا قوم اعبدوا ال ما لكم من إلهٍ‬

‫غيه (الؤمنون‪( ،)23 :‬هود‪( ،)60 ،50 :‬العراف‪.)85 :‬‬
‫وف مقابله حذر النبياء أقوامهم من الشرك‬

‫ولقد أوحي إليك وإل الذين من‬

‫قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الاسرين ‪ ‬بل ال فاعبد وكن من الشاكرين‬

‫(الزمر‪.)66 -65 :‬‬
‫ومنه توعد السيح قومه‪:‬‬

‫وقال السيح يا بن إسرائيل اعبدوا ال رب وربكم إنه من‬

‫يشرك بال فقد حرم ال عليه النة ومأواه النار وما للظالي من أنصارٍ (الائدة‪.)72 :‬‬
‫فهذا الدين العظيم حقيقته التوحيد والستسلم ل تعال‪ ،‬لذا أطبق النبياء على‬
‫تسميته بالسلم‪:‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫فأبو النبياء نوح يقول لقومه‪:‬‬

‫[‪]38‬‬

‫وأمرت أن أكون من السلمي (يونس‪:‬‬

‫‪ ،)72‬يقول ابن القيم‪ " :‬فهذا نوح الذي غرق أهل الرض بدعوته وجعل جيع‬
‫الدميي من ذريته يذكر أنه أمر أن يكون من السلمي"‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫وإبراهيم يدعو ربه‪ :‬ربنا واجعلنا مسلمي لك ومن ذريتنا أم ًة مسلمةً لك‬
‫(البقرة‪.)128 :‬‬
‫وإل عبادة ال وتوحيده دعا لوط عليه السلم قومه‪ ،‬لكن النتيجة فما وجدنا‬
‫ت من السلمي (الذاريات‪.)36 :‬‬
‫فيها غي بي ٍ‬
‫وهذا الذي قرت به عي يعقوب قبل ماته إذ حضر يعقوب الوت إذ قال‬
‫لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلك وإله آبائك إبراهيم وإساعيل وإسحق إلا‬
‫واحدا ونن له مسلمون (البقرة‪.)133 :‬‬
‫كما طلب موسى من قومه الذعان لقتضيات السلم الذي دخلوا فيه يا‬
‫قوم إن كنتم آمنتم بال فعليه توكلوا إن كنتم مسلمي (يونس ‪ ،) 84 :‬فاستجاب‬
‫لندائه سحرة فرعون وقالوا‪:‬‬

‫ربنا أفرغ علينا صبا وتوفنا مسلمي (العراف‪:‬‬

‫‪.)126‬‬
‫وبثل هذا دعا يوسف‪ :‬توفن مسلما وألقن بالصالي (يوسف‪.)101 :‬‬
‫ولا دخلت ملكة سبأ بلط سليمان نادت‪ :‬رب إن ظلمت نفسي وأسلمت‬
‫مع سليمان ل رب العالي (النمل‪.)44 :‬‬
‫وأنزل ال التوراة ليحكم با أنبياء ال السلمي‪:‬‬

‫يكم با النبيون الذين‬

‫أسلموا للذين هادوا (الائدة‪.)44 :‬‬
‫فالدين عند ال واحد‪ ،‬اسه السلم‪ ،‬وحقيقته الستسلم ل بتوحيده وطاعته‬
‫جل وعل‪ ،‬وهذا فقط ما ينجي البشرية عند باريها‪:‬‬

‫ومن يبتغ غي السلم دينا فلن‬

‫يقبل منه وهو ف الخرة من الاسرين (آل عمران‪ )85 :‬فهذا السم اختاره ال‬
‫لدينه وأوليائه‪:‬‬

‫هو ساكم السلمي من قبل ( الج‪.)78 :‬‬

‫‪ 94‬أحكام أهل الذمة (‪.)1/373‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]39‬‬

‫وقال رسول ال ‪(( :‬أنا أول الناس بعيسى ابن مري ف الدنيا والخرة‪،‬‬
‫والنبياء إخوة لعَلّات‪ ،‬أمهاتم شت‪ ،‬ودينهم واحد))‪ ،95‬قال ابن حجر‪" :‬ومعن الديث‬
‫أن أصل دينهم واحد‪ ،‬وهو التوحيد‪ ،‬وإن اختلفت فروع الشرائع"‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫يقول ابن القيم‪" :‬فهؤلء النبياء كلهم وأتباعهم‪ ،‬كلهم يذكر ال تعال أنم‬
‫كانوا مسلمي‪ ،‬وهذا ما يبي أن قوله تعال ومن يبتغ غي السلم دينا فلن يقبل منه‬
‫وهو ف الخرة من الاسرين (آل عمران‪ ،)85 :‬وقوله‪ :‬إن الدين عند ال السلم‬
‫(آل عمران‪ ،)19 :‬ل يتص بن بعث إليه ممد ‪ ،‬بل هو حكم عام ف الولي‬
‫والخرين‪.‬‬
‫ولذا قال تعال‪ :‬ومن أحسن دينا من أسلم وجهه ل وهو مسن واتبع ملة‬
‫إبراهيم حنيفا واتذ ال إبراهيم خليلً (النساء‪ ،)125 :‬وقال تعال‪:‬‬

‫وقالوا لن‬

‫يدخل النة إل من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم‬
‫صادقي ‪ ‬بلى من أسلم وجهه ل وهو مسن فله أجره عند ربه ول خوف عليهم ول هم‬
‫يزنون (البقرة‪.")112-111 :‬‬

‫‪97‬‬

‫قال شيخ السلم‪ " :‬فدين النبياء واحد‪ ،‬وهودين السلم‪ ،‬كلهم مسلمون‬
‫مؤمنون‪ ،‬كما قد بي ال ف غي موضع من القرآن‪ ،‬لكن بعض الشرائع تتنوع "‪.‬‬
‫وصدق ال العظيم وهو يربط رسالته الاتة برسالته السابقة‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫شرع لكم من‬

‫الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين‬

‫ول تتفرقوا فيه (الشورى‪.)13 :‬‬

‫‪ 95‬رواه البخاري ح (‪.)3443‬‬
‫‪ 96‬فتح الباري (‪.)6/564‬‬
‫‪ 97‬أحكام أهل الذمة (‪.)1/374‬‬
‫‪ 98‬مموع الفتاوى (‪.)35/364‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]40‬‬

‫آداب الحوار‬
‫لن يد التأمل ف آيات القرآن وهدي سيد النام كبي صعوبة ف التوصل إل‬
‫آداب الوار وأخلقياته‪ ،‬فالقرآن أوضح بلء ما ينبغي على السلم أن يتصف به وهو‬
‫ياور غي السلمي‪ ،‬بينما كان هدي النب ترجان ذلك ومصداقه‪.‬‬
‫والداب ف هذا الباب كثية‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪-1‬القول الحسن أثناء الحوار‬

‫لا كان الوار وسيلة من وسائل الدعوة والتعريف بالسلم‪ ،‬توجب على الدعاة‬
‫أن يتخلقوا حال دعوتم بأخلق السلم‪ ،‬ويتنبوا السوء من القول‪ ،‬ويلتزموا السن‬
‫منه‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬وقولوا للناس حسنا (البقرة‪.)83 :‬‬
‫قال القرطب ‪ " :‬وهذا كله حض على مكارم الخلق‪ ،‬فينبغي للنسان أن‬
‫يكون قوله للناس لينا‪ ،‬ووجهه منبسطا طلقا مع الب والفاجر والسن والبتدع مداهنة‪،‬‬
‫أن يتكلم معه بكلم يظن أنه يرضي مذهبه‪ ،‬لن ال تعال قال لوسى وهارون‪ :‬فقول‬
‫له قو ًل لينا (طه‪ ،)44 :‬فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون‪ ،‬والفاجر ليس بأخبث‬
‫من فرعون‪ ،‬وقد أمرها ال تعال باللي معه‪.‬‬
‫وقال طلحة بن عمر‪ :‬قلت لعطاء‪ :‬إنك رجل يتمع عندك ناس ذوو أهواء‬
‫متلفة‪ ،‬وأنا رجل فّ حدة‪ ،‬فأقول لم بعض القول الغليظ‪ .‬فقال‪ :‬ل تفعل‪ ،‬يقول ال‬
‫تعال‪ :‬وقولوا للناس حسنا فدخل ف هذه الية اليهود والنصارى "‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫وقال السن ‪" :‬لي القول من الدب السن الميل واللق الكري‪ ،‬وهو ما‬
‫ارتضاه ال‪ ،‬وأحبه ‪ ...‬قال عطاء بن أب رباح‪ :‬من لقيت من الناس فقل له حسنا من‬
‫القول "‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫ويأمر ال عباده أن يقولوا الت هي أحسن‪ :‬قل لعبادي يقولوا الت هي أحسن‬
‫إن الشيطان ينغ بينهم (السراء‪ .)53 :‬قال القرطب ‪ " :‬نزلت ف عمر بن الطاب‪،‬‬
‫‪ 99‬الامع لحكام القرآن (‪.)2/16‬‬
‫‪ 100‬جامع البيان (‪.)1/392‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]41‬‬

‫ل من العرب شتمه وسبه‪ ،‬وهمّ بقتله‪ ،‬فكادت تثي فتنة‪ ،‬فأنزل ال تعال‬
‫وذلك أن رج ً‬
‫فيه وقل لعبادي يقولوا الت هي أحسن "‬

‫‪101‬‬

‫قال السن‪" :‬هو أن يقول للكافر إذا تشطط‪ :‬هداك ال‪ ،‬يرحك ال‪ ..‬وعلى‬
‫هذا تكون الية عامة ف الؤمن والكافر‪ ،‬أي قل للجميع "‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫قال ابن كثي‪ " :‬وجادلم بالت هي أحسن ‪ ،‬أي من احتاج منهم إل مناظرة‬
‫وجدال‪ ،‬فليكن بالوجه السن برفق ولي وحسن خطاب‪ ..‬فأمر تعال بلي الانب كما‬
‫أمر به موسى وهارون عليهما السلم حي بعثهما إل فرعون ف قوله‪ :‬فقول له قولً‬
‫لينا لعله يتذكر أو يشى وقوله‪ :‬إن ربك هو أعلم بن ضل عن سبيله (النحل ‪:‬‬
‫‪ )125‬الية‪ ،‬أي قد علم الشقي "‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫ويلفت ابن تيمية النظر إل أن ال قال‪ :‬ادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة‬
‫السنة وجادلم بالت هي أحسن (النحل ‪ ،)125 :‬فطلب الدال بالت هي أحسن‪،‬‬
‫"ول يقل بالَسنة كما قال ف الوعظة‪ ،‬لن الدال فيه مدافعة ومغاضبة‪ ،‬فيحتاج أن‬
‫يكون بالت هي أحسن‪ ،‬حت يصلح ما فيه من المانعة والدافعة"‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫قال الشوكان ف تبيان معن الكمة‪" :‬أي بالقالة الحكمة الصحيحة"‪ ،‬بينما‬
‫فسّر الوعظة بأنا تلك "الت يستحسنها السامع‪ ،‬وتكون ف نفسها حسنة باعتبار انتفاع‬
‫السامع با"‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وإن من الكمة والوعظة السنة أن ل نبه من ندعوه بقولنا‪ :‬يا كافر‪ .‬ف باب‬
‫العيب واللمز ‪ ،‬وإن كنا ل نشك ف كفره يقول نظام النفي‪" :‬لو قال ليهودي أو‬

‫‪ 101‬الامع لحكام القرآن (‪.)10/276‬‬
‫‪ 102‬الامع لحكام القرآن (‪.)10/277‬‬
‫‪ 103‬تفسي القرآن العظيم (‪.)2/592‬‬
‫‪ 104‬الرد على النطقيي (‪.)468‬‬
‫‪ 105‬فتح القدير (‪.)3/203‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]42‬‬

‫موسي‪ :‬يا كافر‪ .‬يأث إن شق عليه"‪ ،106‬وذلك الث يلحق صاحبه لجره الكمة ف‬
‫الدعوة والت هي أحسن ف البلغ‪.‬‬
‫‪-2‬الغض عن إساءة الخر ومقابلتها بالحسان‬

‫ل ريب أن اختلف العقائد يورث الضغائن‪ ،‬وقد يصدر من اللسان ما يسوء‬
‫السلم ساعه‪ ،‬سواء ما كان متعلقا بعتقده أم بشخصه‪ ،‬وهذه الساءة فرع عن الكفر‬
‫الذي يتلبس به الحاور‪ ،‬فماذا يكون موقف الحاور السلم؟ هل يغلق باب الوار‬
‫ويوقف مسار الدعوة‪ ،‬أم يتغاضى عن خطأ الخر سياسة وصونا لصلحة الدعوة؟‬
‫ل ريب أن الوقف يفرض التصرف المثل الذي يسلكه الداعية تاه هذا‬
‫العدوان‪ ،‬إذ قد أذن الشرع برد العدوان ‪ :‬وإن عاقبتم فعاقبوا بثل ما عوقبتم به ولئن‬
‫صبت لو خي للصابرين (النحل‪ ،)126 :‬قال القرطب‪ " :‬أيها الؤمنون من ظلمكم‬
‫واعتدى عليكم‪ ،‬فعاقبوه بثل الذي نالكم به ظالكم‪ ،‬ولئن صبت عن عقوبته‪،‬‬
‫واحتسبتم عند ال ما نالكم به من الظلم‪ ،‬ووكلتم أمره إليه حت يكون هو التول‬
‫عقوبته لو خي للصابرين يقول‪ :‬للصب عن عقوبته بذلك خي لهل الصب احتسابا‬
‫وابتغاء ثواب ال"‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫وف الصب على أخطاء الخالف يقول ال‪ :‬ادفع بالت هي أحس ُن السيئةَ نن‬
‫أعلم با يصفون (الؤمنون‪.)96 :‬‬
‫قال الطبي ‪" :‬وخاصمهم بالصومة الت هي أحسن من غيها‪ :‬أن تصفح عما‬
‫نالوا به عرضك من الذى‪ ،‬ول تعصه ف القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة‬
‫ربك"‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫‪ 106‬الفتاوى الندية (‪.)5/348‬‬
‫‪ 107‬الامع لحكام القرآن (‪.)14/195‬‬
‫‪ 108‬جامع البيان (‪.)14/194‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]43‬‬

‫ويقول ابن كثي‪ " :‬أمر تعال بصانعة شيطان النس ومداراته بإسداء الميل‬
‫إليه‪ ،‬ليده طبعه عما هو فيه من الذى‪."..‬‬

‫‪109‬‬

‫ونقل الطبي عن ماهد ف سياق تفسيه لقوله تعال‪:‬‬

‫ول تادلوا أهل‬

‫الكتاب إل بالت هي أحسن قولَه‪" :‬إن قالوا شرا‪ ،‬فقولوا خيا‪ :‬إل الذين ظلموا‬
‫منهم فانتصروا منهم"‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫وقال تعال مبينا للمؤمني ما سيتعرضون له من أذى الشركي‪ ،‬وآمرا إياهم‬
‫بالصب والتقوى‪) :‬ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى‬
‫كثيا وإن تصبوا وتتقوا ل يضركم كيدهم شيئا( (آل عمران‪.)186 :‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬فأمر سبحانه وتعال بالصب على أذى الشركي‬
‫وأهل الكتاب مع التقوى ‪ ....‬وقد قال سبحانه وتعال‪) :‬ول يرمنكم شنآن قومٍ على‬
‫أل تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى( (الائدة‪ ،)8 :‬فنهى أن يمل الؤمني بغضهم للكفار‬
‫على أل يعدلوا عليهم‪ ...‬فهذا موضع عظيم النفعة ف الدين والدنيا‪."..‬‬

‫‪111‬‬

‫وف آية أخرى أخب ال بتنكب كثي من أهل الكتاب طريق اليان وإعراضهم‬
‫عما تبي لم من الق‪ ،‬بل وصدهم عنه وحرصهم على إضلل الهتدين حسدا وبغيا ‪،‬‬

‫وف مقابله أمر ال بالعفو والصفح حت يكون الزاء ف دار عدله ‪ ] :‬ود كثي من أهل الكتاب لو‬
‫يردونكم من بعد إيانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبي لم الق فاعفوا واصفحوا‬

‫حت يأت ال بأمره إن ال على كل شيء قدير [(البقرة ‪ .)109:‬قال القرطب‪" :‬والعفو ترك‬
‫الؤاخذة بالذنب ‪ ،‬والصفح إزالة أثره من النفس"‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫وقد التزم أمر ربه فصب على أذى الشركي وأعرض عنه‪ ،‬ول يقابل إساءتم‬
‫بالثل‪ ،‬وصور ذلك ف سيته كثية‪.‬‬
‫‪ 109‬تفسي القرآن العظيم (‪.)1/14‬‬
‫‪ 110‬جامع البيان (‪.)21/1‬‬
‫‪ 111‬الستقامة (‪.)1/38‬‬
‫‪ 112‬الامع لحكام القرآن (‪.)2/71‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]44‬‬

‫منها ما صنعه النب مع اليهود الذين أتوا إليه ياورونه‪ ،‬تقول عائشة رضي‬
‫ال عنها‪ :‬إن اليهود أتوا النب فقالوا‪ :‬السام عليك‪ ،‬قال‪(( :‬وعليكم))‪ ،‬فقالت‬
‫عائشة‪ :‬السام عليكم‪ ،‬ولعنكم ال‪ ،‬وغضب عليكم‪ ،‬فقال رسول ال ‪(( :‬مهلً يا‬
‫عائشة‪ ،‬عليك بالرفق‪ ،‬وإياك والعنف أو الفحش))‪ .‬قالت‪ :‬أول تسمع ما قالوا؟ قال‪:‬‬
‫((أول تسمعي ما قلتُ؟ رددت عليهم‪ ،‬فيستجاب ل فيهم‪ ،‬ول يستجاب لم فّ))‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫ومثل هذا الدب صنعه النب حي قسم قسما فقال رجل‪ :‬إن هذه لقسمة ما‬
‫أريد با وجه ال‪ ،‬يقول ابن مسعود‪ :‬فأتيت النب فأخبته‪ ،‬فغضب حت رأيت الغضب‬
‫ف وجهه‪ ،‬ث قال‪(( :‬يرحم ال موسى‪ ،‬قد أوذي بأكثر من هذا‪ ،‬فصب))‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫ومن حسن العاملة العراض ما أمكن عن النازعة وأسبابا‪ ،‬ولو بالعراض عن‬
‫الجابة‪ ،‬روى ابن مردويه وابن أب حات بسندها عن ابن عباس أن قريشا دعوا رسول‬
‫ال إل أن يعطوه مالً‪ ،‬فيكون أغن رجل فيهم‪ ،‬ويزوجوه ما أراد من النساء‪ ،‬ويطأون‬
‫عقبه أي يسودوه‪.‬‬
‫ف عن شتم آلتنا‪ ،‬فل تذكرها بسوء‪ ،‬فإن ل‬
‫فقالوا‪ :‬هذا لك عندنا يا ممد‪ ،‬وك ّ‬
‫تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة‪ ،‬وهي لك ولنا فيها صلح‪ ،‬قال‪(( :‬ما هي؟))‬
‫قالوا تعبد آلتنا سنة اللت والعزى‪ ،‬و نعبد إلك سنة‪.‬‬
‫قال‪(( :‬حت أنظر ما يأتين من رب)) فجاءه الوحي من ال من اللوح الحفوظ‪:‬‬
‫قل يا أيها الكافرون [الكافرون‪ ]1 :‬إل آخرها "‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫و قوله ف هذا الديث‪(( :‬حت أنظر ما يأتين من رب)) نوع من التلطف ف‬
‫الروج من الوضوع‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪" :‬قد يقول هذا من يقصد به دفع الظالي بالت هي أحسن‪،‬‬
‫ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ذلك‪ ،‬فيؤخر الواب حت يستأمره‪ ،‬وإن‬
‫‪ 113‬رواه البخاري ح (‪.)6401‬‬
‫‪ 114‬رواه البخاري ح (‪ ،)3405‬ومسلم ح (‪.)1062‬‬
‫‪ 115‬انظره ‪ :‬الدر النثور (‪.)7/245‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]45‬‬

‫كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه ل سبيل إليه‪ ،‬وقد تطب إل الرجل ابنته‬
‫فيقول‪ :‬حت أشاور أمها‪ ،‬وهو يريد أن ل يزوجها بذلك‪ ،‬و يعلم أن أمها ل تشي به‪،‬‬
‫وكذلك قد يقول النائب‪ :‬حت أشاور السلطان "‪ 116.‬فالعراض عن الواب نوع من‬
‫التلطف وأدب من آداب الدعوة والوار‪.‬‬
‫‪-3‬ترك الخوض فيما ل يحسنه‬

‫لعل من الضروريات الت ل يسن بأحد تاوزها عدم خوض الرء فيما ل يلك‬
‫عليه بينة ول برهانا‪ ،‬والرزية أن يهرف الرء با ل يعرف‪ ،‬وأن يقول ما ل يعلم‪ ،‬وهذا‬
‫الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب‪ ،‬وهو ذم لكل من صنع صنيعهم‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬
‫فلم تاجون فيما ليس لكم به علم (آل عمران‪ ،)66 :‬قال القرطب ‪ " :‬دليل على‬
‫النع من الدال لن ل علم له‪ ،‬والظر على من ل تقيق عنده ‪ ..‬قد ورد المر بالدال‬
‫لن علم وأيقن‪ ،‬فقال تعال‪ :‬وجادلم بالت هي أحسن "‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫وقال تعال‪ :‬إن الذين يـادلون ف ءايـات ال بغي سلطـان أتـاهم إن ف‬
‫صدورهم إل كب مـا هم ببـالغيه فاستعذ بال إنـه هو السميع البصي (غافر‪:‬‬
‫‪.)56‬‬
‫وف هذه اليات تقريع من القرآن الكري لولئك الذين ياصمون النبياء‪،‬‬
‫ويلجون إل الوار دون دليل ول برهان‪ ،‬ولنم ل يلكون علما ول حجة‪ ،‬فإنم‬
‫يعالون مسائلهم بالوى والدال بالباطل والتكذيب والستكبار عن قبول الق‪.‬‬
‫والنب ‪ -‬وهو أعلم اللق ‪ -‬توقف ف حواره مع أهل نران حت أتاه علم ال‬
‫ف السألة الت ياور فيها‪ ،‬إذ لا جاءه راهبا نران عرض عليهما السلم‪ ،‬فقال أحدها‪:‬‬
‫إنا قد أسلمنا قبلك‪ .‬فقال‪(( :‬كذبتما‪ .‬إنه ينعكما عن السلم ثلثة‪ :‬عبادتكم الصليب‪،‬‬
‫وأكلكم النير‪ ،‬وقولكم‪ :‬ل ولد))‪.‬‬
‫‪ 116‬مموع الفتاوى (‪.)16/455‬‬
‫‪ 117‬الامع لحكام القرآن (‪.)4/108‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]46‬‬

‫قال [ال ب]‪ :‬من أ بو عي سى؟ وكان ل يع جل ح ت يأ ت أ مر ر به‪ ،‬فأنزل ال‬
‫تعال‪:‬‬

‫إن مثل عيسى عند ال كمثل آدم خلقه من تراب ث قال له كن فيكون‬

‫عمران‪.)) )59 :‬‬

‫(آل‬

‫‪118‬‬

‫فالشاركون فــ الوار مدعوون للتزام هذا الدي النبوي‪ ،‬وعدم الوض فــ‬
‫قضايا الوار الختلفة إل ببينة من ال أو برهان من رسوله‪.‬‬
‫‪-4‬ترك المجال للمحاور بذكر معتقده‬

‫ولا كان الوار يدور بي طرفي أو جهتي‪ ،‬فإنه من الطبيعي أن يعرب كل طرف‬
‫عن معتقده‪ ،‬وأن يذكر ما يول ف خاطره من تساؤلت‪ ،‬يبحث عن إجابة لا‪ ،‬وقد يقع‬
‫الحاور غي السلم با ل يعتده السلم من أدب واحترام لشعائر السلم‪ ،‬فقد يذكر اسم‬
‫النب مردا‪ ،‬وقد يقول بأن القرآن من كلم ممد‪ ،‬أو أن السيح هو ال‪ ،‬وغيها ما‬
‫يعتقده ويستنكره السلم ويستقبحه‪ ،‬بل قد يرغب الحاور بمارسة طقوسه وعبادته‪،‬‬
‫فهل يؤذن له بذلك طلبا لستمرار الوار وطمعا ف مصلحة غالبة؟‬
‫وف الجابة عنه نقول‪ :‬وقع مثل هذا زمن النب ‪ ،‬فقد قبِل من حَب يهودي‬
‫أن ياطبه باسه مردا من النبوة‪ ،‬إذ هو ما ل يعتقده ماوره‪ ،‬قال ثوبان‪ :‬كنت قائما عند‬
‫رسول ال ‪ ،‬فجاء حب من أحبار اليهود فقال‪ :‬السلم عليك يا ممد‪ .‬فدفعته دفعة‬
‫كاد يصرع منها‪ ،‬فقال‪ :‬ل تدفعن؟ فقلت‪ :‬أل تقول‪ :‬يا رسول ال؟ فقال اليهودي‪ :‬إنا‬
‫ندعوه باسه الذي ساه به أهله‪ ،‬فقال رسول ال ‪(( :‬إن اسي ممد الذي سان به‬
‫أهلي‪.)) ...‬‬

‫‪119‬‬

‫وحي حاور النب ف مسجده بالدينة وفد نصارى نران الذي قدم على النب‬
‫ل بقيادة أسقفهم أب الارث؛ أذن لم النب أن يقيموا صلتم‬
‫ف خسة عشر رج ً‬
‫ف أحد أركان مسجده‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫‪118‬‬

‫رواه الطبي ف تفسيه (‪ ،)3/163‬و أبو نعيم ف دلئل النبوة (‪.)2/258‬‬

‫‪ 119‬رواه مسلم ح (‪.)351‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]47‬‬

‫قال ابن القيم‪" :‬وفيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد السلمي‪ ،‬وفيها تكي‬
‫أهل الكتاب من صلتم بضرة السلمي وف مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضا‪،‬‬
‫ول يكنون من اعتياد ذلك "‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫ويقول‪" :‬أما الن فل مصلحة للمسلمي ف دخولم مساجدَهم واللوس فيها‪،‬‬
‫فإن دعت إل ذلك مصلحة راجحة جاز دخولا بل إذن "‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫ومن صور تسامح السلمي ف حوارهم مع أهل الكتاب تكينهم من العراب‬
‫عن عقائدهم وماورة السلمي فيما يشكل عليهم فهمه من أمور السلم ‪ ،‬ومن ذلك‬
‫أن الغية بن شعبة أتى أهل نران "فقالوا‪ :‬ألستم تقرؤون‪ :‬يا أخت هارون (مري‪:‬‬
‫‪ ،)28‬وقد علمتم ما بي موسى وعيسى‪ .‬قال الغية‪ :‬فلم أدر ما أجيبهم‪.‬‬
‫ت إل رسول ال فأخبته‪ .‬فقال‪(( :‬أل أخبتم أنم كانوا يسمون‬
‫فرجع ُ‬
‫بأساء أنبيائهم والصالي قبلهم))‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫يقول ابن تيمية‪ " :‬وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن ف القرآن لا أورده‬
‫أهل نران الكفار على رسول رسول ال ‪ ،‬ول يبهم عنه‪ :‬أجاب عنه النب ‪ ،‬ول يقل‬
‫لم‪ :‬ليس لكم عندي إل السيف‪ ،‬ول قال‪ :‬قد نقضتم العهد إن كانوا قد عاهدوه‪ ،‬وقد‬
‫عرف أن أهل نران ل يرسل إليهم رسو ًل إل والهاد مأمور به "‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫وهكذا فالفساح للمخالف ف العراب عن دينه ومارسة شعائره لون فريد من‬
‫ألوان التسامح السلمي‪ ،‬وهو أيضا أدب آخر من آداب الوار والدال‪.‬‬
‫‪-5‬مداراة المحاور وإكرامه وحسن التعامل معه‬
‫‪ 120‬ذكره ابن هشام ف سيته (‪ ، ،)1/511‬ونقل مثله ابن القيم ف زاد العاد عن أب أمامة (‬
‫‪ ،)631-3/630‬وانظر الامع لحكام القرآن‪ ،‬القرطب (‪.)4/5‬‬
‫‪ 121‬زاد العاد (‪.)3/638‬‬
‫‪ 122‬أحكام أهل الذمة (‪.)1/408‬‬
‫‪ 123‬رواه مسلم ح (‪.)2135‬‬
‫‪ 124‬الواب الصحيح (‪.)227-1/226‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]48‬‬

‫ومن آداب الوار حسن العاملة مع الحاور‪ ،‬ومداراة الحاور الخر وإكرامه‬
‫ل استأذن على النب فلما رآه‬
‫وحسن استقباله‪ ،‬فعن عائشة رضي ال عنها أن رج ً‬
‫قال‪(( :‬بئس أخو العشية‪ ،‬وبئس ابن العشية)) فلما جلس تط ّلقَ النب ف وجهه‬
‫وانبسط إليه‪.‬‬
‫فلما انطلق الرجل قالت له عائشة‪ :‬يا رسول ال حي رأيت الرجل قلت له كذا‬
‫وكذا‪ ،‬ث تطلقت ف وجهه‪ ،‬وانبسطت إليه فقال رسول ال ‪(( :‬يا عائشة‪ ،‬مت‬
‫عهدتن فحّاشا‪ ،‬إن شر الناس عند ال منلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره))‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫وف شرح الديث ينقل ابن حجر عن القرطب قوله‪" :‬ف الديث ‪ ..‬جواز‬
‫مداراتم اتقاء شرهم ما ل يؤد ذلك إل الداهنة ف دين ال تعال ‪ ...‬والفرق بي الداراة‬
‫والداهنة أن الداراة بذل الدنيا لصلح الدنيا أو الدين أو ها معًا ‪ ,‬وهي مباحة‪ ,‬وربا‬
‫استحبت ‪ ,‬والداهنة ترك الدين لصلح الدنيا ‪ ,‬والنب إنا بذل له من دنياه حسن‬
‫عشرته والرفق ف مكالته ومع ذلك فلم يدحه بقولٍ‪ ،‬فلم يناقض قوله فيه فعله ‪ ,‬فإن‬
‫قوله فيه قول حق ‪ ,‬وفعله معه حسن عشرة ‪."...‬‬
‫وعقّب ابن حجر بقوله‪ " :‬وهذا الديث أصل ف الداراة "‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫ومن الداراة مناداة الحاورين غي السلمي با يليق بم من ألقاب يستحقونا‪،‬‬
‫وتيتهم تية مناسبة‪ ،‬كقوله ‪ (( :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ ،‬من ممد عبد ال ورسوله‬
‫إل هرقل عظيم الروم ))‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫قال ابن حجر ‪" :‬قوله‪ (( :‬عظيم الروم )) فيه عدول عن ذكره باللك أو‬
‫المرة‪ ,‬لنه معزول بكم السلم ‪ ,‬لكنه ل يله من إكرام لصلحة التألف‪."..‬‬

‫‪ 125‬رواه البخاري ح (‪.)6032‬‬
‫‪ 126‬فتح الباري (‪.)10/454‬‬
‫‪ 127‬رواه البخاري ح (‪ ،)7‬ومسلم ح (‪.)1773‬‬
‫‪ 128‬فتح الباري (‪.)1/38‬‬

‫‪128‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]49‬‬

‫قال النووي‪ " :‬ول يقل ‪ :‬إل هرقل فقط ‪ ,‬بل أتى بنوع من اللطفة فقال‪:‬‬
‫((عظيم الروم)) ‪ ,‬أي الذي يعظمونه ويقدمونه ‪ ,‬وقد أمر ال تعال بإلنة القول لن‬
‫يدعى إل السلم‪ ،‬فقال تعال ‪:‬‬
‫(النحل‪ ،)125 :‬وقال تعال ‪:‬‬

‫ادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة‬
‫فقول له قولً لينا (طه‪ )44 :‬وغي ذلك"‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫وأيضا من الداراة للخرين الفعل السن‪ ،‬كعيادة مريضهم‪ ،‬وإكرام وفدهم‪،‬‬
‫تأسيا بالنب ف صنيعه مع عدي بن حات الطائي وعكرمة بن أب جهل قبل إسلمهما‪.‬‬
‫قال عدي بن حات‪" :‬أتيت رسول ال وهو جالس ف السجد‪ ،‬فقال القوم‪:‬‬
‫ت إليه أخذ بيدي ‪ ..‬حت أتى‬
‫ت بغي أمان ول كتاب‪ ،‬فلما دُفع ُ‬
‫هذا عدي بن حات‪ .‬وجئ ُ‬
‫ب داره‪ ،‬فألقت له الوليدة وسادة‪ ،‬فجلس عليها "‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫ولا قدم عكرمة بن أب جهل على النب قال له ‪(( :‬مرحبا بالراكب الهاجر))‪،‬‬
‫وف رواية الطبان‪ :‬فلما رآه النب قام إليه‪ ،‬فاعتنقه‪ ،‬وقال‪(( :‬مرحبا بالراكب‬
‫الهاجر))‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫ومن قبل أحسن النب معاملة أبيه على طغيانه وكفره‪ ،‬يقول الغية بن شعبة‪:‬‬
‫إن أول يوم عرفت فيه رسول ال‬
‫ال‬

‫أن كنت أمشي مع أب جهل بكة‪ ،‬فلقينا رسول‬

‫فقال له‪(( :‬يا أبا الكم‪ ،‬هلم إل ال وإل رسوله وإل كتابه‪ ،‬أدعوك إل‬

‫ال))‪ 132.‬فناداه بأحب الساء إليه تألفا لقلبه‪.‬‬

‫‪ 129‬شرح النووي على صحيح مسلم (‪.)12/108‬‬
‫‪ 130‬رواه الترمذي ح (‪ ،)2954‬وحسنه اللبان ف صحيح الترمذي ح (‪.)2353‬‬
‫‪ 131‬رواه الترمذي ح (‪ ،)2735‬الاكم ف الستدرك ح (‪ ،)5059‬والطبان ف الكبي ح (‬
‫‪ ،)1021‬وضعفه اللبان ف ضعيف الترمذي ح (‪.)518‬‬
‫‪ 132‬رواه ابن أب شيبة ف الصنف ح (‪ ،)35829‬والبيهقي ف دلئل النبوة (‪.)2/267‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]50‬‬

‫ومن الداراة وحسن التعامل مع الخر صنيع مؤمن آل فرعون مع قومه‪ ،‬فقد‬
‫كان يقول لم مع كل نصيحة ‪ :‬يا قوم (غافر‪ .)41 ،39 ،38 ،32 ،30 :‬يتألفهم‬
‫بذلك‪ .‬قال القرطب‪" :‬فقال‪ :‬يا قوم ليكونوا أقرب إل قبول وعظه"‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫فالحاور السلم يتأدب بالرفق و اللطف والدارة‪ ،‬إذ الرفق ما كان ف شيء إل‬
‫زانه‪ ،‬ول نزع من شيء إل شانه‪.‬‬
‫‪ -6‬التنـزل مع الخصم في الحوار ومجادلته بالحجج‬
‫القريبة إليه‬

‫قال تعال‪ :‬وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ف ضلل مبي (سبأ‪ )24 :‬قال‬
‫القرطب‪" :‬هذا على وجه النصاف ف الجة كما يقول القائل‪ :‬أحدنا كاذب‪ ،‬وهو يعلم‬
‫أنه صادق وأن صاحبه كاذب‪ ،‬والعن‪ :‬ما نن وأنتم على أمر واحد‪ ،‬بل على أمرين‬
‫متضادين‪ ،‬وأحد الفريقي مهتد‪ ،‬وهو نن‪ ،‬والخر ضال‪ ،‬وهو أنتم"‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫ونقل القرطب قول بعض أهل العلم ‪" :‬وقد علم أنه على هدى‪ ،‬وأنم على‬
‫ضلل مبي‪ ،‬ولكنه رفق بم ف الطاب‪ ،‬فلم يقل‪ :‬أنا على هدى‪ ،‬وأنتم على‬
‫ضلل"‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫ويعلمنا ال هذا الدب ف التعامل مع الخرين‪ ،‬وهو يؤدب نبيه بقوله‪ :‬قل إن‬
‫كان للرحن ولد فأنا أول العابدين (الزخرف‪ ،)81 :‬قال القرطب‪" :‬وقيل‪ :‬العن‪ :‬قل‬
‫يا ممد‪ :‬إن ثبت ل ولد فأنا أول من يعبد ولده‪ ،‬ولكن يستحيل أن يكون له ولد‪ ،‬وهو‬
‫كما تقول لن تناظره‪ :‬إن ثبت ما قلت بالدليل‪ ،‬فأنا أول من يعتقده‪ ،‬وهذه مبالغة ف‬
‫الستبعاد‪ ،‬أي ل سبيل إل اعتقاده‪ ،‬وهذا ترقيق ف الكلم كقوله‪ :‬وإنا أو إياكم لعلى‬

‫‪ 133‬الامع لحكام القرآن (‪.)15/310‬‬
‫‪ 134‬الامع لحكام القرآن (‪.)14/289‬‬
‫‪ 135‬الامع لحكام القرآن (‪.)2/14‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]51‬‬

‫هدى أو ف ضلل مبي (سبأ‪ ،)24 :‬والعن على هذا‪ :‬فأنا أول العابدين لذلك الولد‪،‬‬
‫لن تعظيم الولد تعظيم للوالد "‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫قال الطبي‪ " :‬ل يكن على وجه الشك‪ ،‬ولكن على وجه اللطاف ف الكلم‬
‫وحسن الطاب‪ ،‬كما قال جل ثناؤه‪:‬‬

‫قل ال وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ف ضلل‬

‫مبي (سبأ‪ ،)24 :‬وقد علم أن الق معه‪ ،‬وأن مالفيه ف الضلل البي "‪.‬‬
‫ومثله صنيع إبراهيم عليه السلم من قبل‪ ،‬حيث قال لقومه‪:‬‬

‫‪137‬‬

‫فلما جن عليه‬

‫الليل رأى كوكبا قال هذا رب فلما أفل قال ل أحب الفلي ‪ ‬فلما رأى القمر بازغا قال هذا رب‬
‫فلما أفل قال لئن ل يهدن رب لكونن من القوم الضالي ‪ ‬فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا رب‬

‫هذا أكب فلما أفلت قال يا قوم إن بري ٌء ما تشركون (النعام‪.)78-76 :‬‬
‫قال الرازي‪" :‬هذه الباحثة إنا جرت مع قومه لجل أن يرشدهم إل اليان والتوحيد‪ ،‬ل‬

‫لجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والعرفة لنفسه"‪.‬‬

‫وقوله عليه السلم عن الشمس والقمر والكوكب‪:‬‬

‫هذا رب إنا نوع من التدرج ف‬

‫إبطال ربوبيتها‪.‬‬

‫وقد ذكر الرازي وجوها ف توجيه قول إبراهيم عليه السلم منها " أنه‬

‫أراد أن يبطل‬

‫قولم بربوبية الكواكب‪ ،‬إل أنه عليه السلم كان قد عرف من تقليدهم لسلفهم وبُعد‬
‫طباعهم عن قبول الدلئل؛ أنه لو صرح بالدعوة إل ال تعال ل يقبلوه ول يلتفتوا إليه‪،‬‬
‫فمال إل طريق به يستدرجهم إل استماع الجة‪ ،‬وذلك بأن ذكر كلما يوهم كونه‬
‫مساعدا لم على مذهبهم بربوبية الكواكب‪ ،‬مع أن قلبه صلوات ال عليه كان مطمئنا‬
‫باليان‪ ،‬ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا‬
‫قوله‪ ،‬وتام التقرير أنه لا ل يد إل الدعوة طريقا سوى هذا الطريق‪ ،‬وكان عليه السلم‬
‫‪138‬‬
‫مأمورا بالدعوة إل ال كان بنلة الكره على كلمة الكفر"‪.‬‬
‫‪ 136‬الامع لحكام القرآن (‪.)16/119‬‬
‫‪ 137‬جامع البيان (‪.)25/103‬‬
‫‪ 138‬التفسي الكبي (‪.)13/40،41‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]52‬‬

‫قال ابن القيم‪ " :‬قاله على سبيل التقرير‪ ،‬لتقريع قومه أو على سبيل الستدلل‬
‫والترقي "‪ ،139‬وقال ‪" :‬قيل‪ :‬إنا على وجه إقامة الجة على قومه‪ ،‬فتصور بصورة‬
‫الوافق ليكون أدعى إل القبول‪ ،‬ث توسل بصورة الوافقة إل إعلمهم بأنه ل يوز أن‬
‫ل "‪.‬‬
‫يكون العبود ناقصا آف ً‬

‫‪140‬‬

‫ودعا ال نبيه إل تألف قلوب اليهود والنصارى ودعوتم إل السلم من خلل‬
‫دعوتم إل مبب إليهم ‪ ،‬إل اتباع ملة إبراهيم الذي يؤمنون به‪ ،‬وهي ف القيقة دعوة‬
‫كل النبياء‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫وقالوا كونوا هودا أو نصارى تتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان‬

‫من الشركي ‪ ‬قولوا آمنا بال وما أنزل إلينا وما أنزل إل إبراهيم وإساعيل وإسحق ويعقوب‬
‫والسباط وما أوت موسى وعيسى وما أوت النبيون من ربم ل نفرق بي أح ٍد منهم ونن له‬

‫مسلمون (البقرة‪.)136-135 :‬‬
‫قال الطبي‪" :‬احتج ال لنبيه ممد أبلغ حجة وأوجزها وأكملها‪ ،‬وعلّمها‬
‫ممدا نبيَه فقال‪ :‬يا ممد‪ ،‬قل للقائلي لك من اليهود والنصارى ولصحابك‪:‬‬
‫كونوا هودا أو نصارى تتدوا (البقرة‪ : )135 :‬بل تعالوا فلنتبع ملة إبراهيم الت‬
‫يمِع جيعُنا على الشهادة لا؛ بأنا دين ال الذي ارتضاه واجتباه‪ ،‬وأمر به‪ ،‬فإن دينه‬
‫كان النيفية السلمة‪ ،‬وَندَع سائر اللل الت نتلف فيها‪ ،‬فينكرها بعضنا‪ ،‬ويقر با‬
‫بعضنا‪ ،‬فإن ذلك على اختلفه ل سبيل لنا إل الجتماع عليه‪ ،‬كما لنا السبيل إل‬
‫الجتماع على ملة إبراهيم"‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫ومن التنـزل مع الخر والرفق ف مادلته ماطبتُه باصطلحاته ولغته‪ ،‬يقول ابن‬
‫تيمية‪" :‬وأما ماطبة أهل الصطلح باصطلحهم ولغتهم فليس بكروه‪ ،‬إذا احتيج إل‬

‫‪ 139‬دقائق التفسي (‪.)2/112‬‬
‫‪ 140‬مدارج السالكي (‪.)3/61‬‬
‫‪ 141‬جامع البيان (‪.)1/564‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]53‬‬

‫ذلك‪ ،‬وكانت العان صحيحة‪ ،‬كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم‬
‫وعُرفهم‪ ،‬فإ ّن هذا جائ ٌز حسن للحاجة‪ ،‬وإنا كرهه الئمة إذا ل يتاجوا إليه"‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫وقال رحه ال‪" :‬ول ريب أن اللفاظ ف الخاطبات تكون بسب الاجات‬
‫كالسلح ف الحاربات‪ ،‬فإذا كان عدو السلمي ‪ -‬ف تصنهم وتسلحهم ‪ -‬على صفة‬
‫غي الصفة الت كانت عليها فارس والروم‪ ،‬كان جهادهم بسب ما توجبه الشريعة الت‬
‫مبناها على تري ما هو ل أطوع وللعبد أنفع‪ ،‬وهو الصلح ف الدنيا والخرة‪ ،‬وقد‬
‫يكون البي بروبم أقدر على حربم من ليس كذلك‪ ،‬ل لفضل قوته وشجاعته‪ ،‬ولكن‬
‫لجانسته لم‪ ،‬كما يكون العجمي التشبه بالعرب ‪ -‬وهم خيار العجم ‪ -‬أعلم بخاطبة‬
‫قومه العاجم من العرب "‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫ويقول‪" :‬كما نتنـزل إل اليهودي والنصران ف مناظرته‪ ،‬وإنْ كنا عالي‬
‫ببطلن ما يقوله اتباعا لقوله تعال‪) :‬وجادلم بالت هي أحسن( (النحل‪ )125 :‬وقوله‪:‬‬
‫)ول تادلوا أهل الكتاب إل بالت هي أحسن( ( العنكبوت‪ ،)46:‬وإل فعلمنا ببطلن ما‬
‫يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل اليان عن سواء السبيل‪ ،‬وإن جعلوه‬
‫من العقول بالبهان أعظم من أن يبسط ف هذا الكان"‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫وقال الشيخ ابن سعدي‪ " :‬فإن كان الدعو يرى أن ما هو عليه الق أو كان‬
‫داعية إل الباطل‪ ،‬فيجادل بالت هي أحسن‪ ،‬وهي الطرق الت تكون أدعى لستجابته‬
‫ل ونقلً‪ ،‬ومن ذلك الحتجاج عليه بالدلة الت كان يعتقدها‪ ،‬فإنه أقرب إل حصول‬
‫عق ً‬
‫القصود"‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫‪ 142‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)1/43‬‬
‫‪ 143‬مموع الفتاوى (‪.)107 /4‬‬
‫‪ 144‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)1/188‬‬
‫‪ 145‬تيسي الكري الرحن (‪.)3/93‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]54‬‬

‫لكن هذا ل يعن موافقة الخر على أصوله الباطلة قال شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬
‫"وال تعال ل يأمر الؤمني أن يادلوا بقدمة يسلمها الصم إ ْن ل تكن علما‪ ،‬فلو قُدرَ‬
‫أنه قال باطلً‪ ،‬ل يأمر ال أن يتج عليهم بالباطل‪ ،‬لك ّن هذا قد يفعل لبيان فساد قوله‬
‫وبيان تناقضه‪ ،‬ل لبيان الدعوة إل القول الق ودعوة العباد إليه‪."..‬‬

‫‪146‬‬

‫‪ -7‬إنصاف المخالف بذكر إيجابياته وموافقته فيما‬
‫يصدر عنه من حق‬

‫السلم رائده الق‪ ،‬والكمة ضالته‪ ،‬فهو يأخذها ويقر با بل غضاضة‪ ،‬من أي‬

‫طريق جاءت‪ ،‬فالرسول قال لب هريرة عن الشيطان مصدر الشرور والثام‪:‬‬
‫((صدقك‪ ،‬وهو كذوب‪ ،‬ذاك شيطان))‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫وعلى هذا الدب درج أصحاب النب فأقروا لخالفيهم ما عندهم من صور‬
‫إيابية‪ ،‬قال الستورد القرشي وهو عند عمرو بن العاص‪ :‬سعت رسول ال يقول‪:‬‬
‫((تقوم الساعة والروم أكثر الناس))‪ .‬فقال له عمرو‪ :‬أبصر ما تقول! قال‪ :‬أقول ما‬
‫ت من رسول ال ‪.‬‬
‫سع ُ‬
‫قال‪ :‬لئن قلت ذلك‪ ،‬إن فيهم لصالً أربعا‪ :‬إنم لحلَم الناس عند فتنة‪،‬‬
‫وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة‪ ،‬وأوشكهم كرة بعد فرة‪ ،‬وخيهم لسكي ويتيم وضعيف‪،‬‬
‫وخامسة حسنة جيلة‪ :‬وأمنعهم من ظلم اللوك‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫ول غرو ف ذلك القرار للمخالف بزيته‪ ،‬فقد أدبم القرآن وصاغهم ‪ ،‬حي‬
‫دعاهم إل التزام العدل مع الخالفي ول يرمنكم شنئان قوم على أن ل تعدلوا اعدلوا‬
‫هو أقرب للتقوى (الائدة‪.)2 :‬‬
‫فقد قال تعال مثبتا بعض خصال الي لهل الكتاب‪ :‬ومن أهل الكتاب من‬
‫إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ل يؤده إليك إل ما دمت عليه‬
‫‪ 146‬الرد على النطقيي (‪.)468‬‬
‫‪ 147‬رواه البخاري ح (‪.)3275‬‬
‫‪ 148‬رواه مسلم ح (‪.)2898‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]55‬‬

‫قائما ذلك بأنم قالوا ليس علينا ف الميي سبي ٌل ويقولون على ال الكذب وهم‬
‫يعلمون (آل عمران‪.)75 :‬‬
‫وكذا أثن النب على النجاشي با فيه من خِلل الي‪ ،‬وهو يومئذ على الكفر‪،‬‬
‫فقال لصحابه‪ (( :‬إن بالبشة ملكا ل يظلم عنده أحد ‪ ,‬فلو خرجتم إليه حت يعل ال‬
‫لكم فرجا))‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫وف درس بليغ آخر يقبل النب من يهودي نصيحته‪ ،‬ففي الديث ترويه قتيلة‬
‫بنت صيفي الهنية قالت‪ :‬أتى حب من الحبار رسولَ ال فقال‪ :‬يا ممد‪ ،‬نِعم القوم‬
‫أنتم لول أنكم تشركون؟ قال‪ (( :‬سبحان ال! وما ذاك؟)) قال‪ :‬تقولون إذا حلفتم‪:‬‬
‫والكعبة‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فأمهل رسول ال شيئا ث قال‪(( :‬إنه قد قال [أي حقا]‪ ،‬فمن حلف‬
‫فليحلف برب الكعبة))‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫وكان معاذ بن جبل رضي ال عنه يقول‪" :‬اقبلوا الق من كل من جاء به‪ ،‬وإن‬
‫كان كافرا ذ أو قال فاجرا ذ واحذروا زيغة الكيم‪ ،‬قالوا‪ :‬كيف نعلم أن الكافر يقول‬
‫كلمة الق؟ قال‪ :‬إن على الق نورا"‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫وكان شيخ السلم ابن تيمية يقول ‪ " :‬ولكنّ الق يقبل من كل من تكلم‬
‫به"‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫وهكذا فإن الق رائد الحاور السلم‪ ،‬كائنا من كان قائله‪ ،‬ورفض الق‬
‫والستكبار عن قبوله من الخر ماف لداب السلم‪ ،‬الذي يوصي الؤمني‪ :‬ول‬
‫يرمنكم شنئان قوم على أن ل تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (الائدة‪.)2:‬‬
‫‪ -8‬حسن الستماع للمحاور الخر‬
‫‪ 149‬رواه ابن إسحاق ف سيته‪ ،‬انظر فتح الباري (‪.)7/188‬‬
‫‪ 150‬رواه أحد ح (‪.)26533‬‬
‫‪ 151‬رواه أبو داود ح (‪ ،)4611‬والبيهقي ف سننه (‪.)10/210‬‬
‫‪ 152‬مموع الفتاوى (‪.)5/101‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]56‬‬

‫من أهم الداب الت ل ينفك عنها الوار؛ حسنُ الستماع للمحاور الخر‪ ،‬إذ‬
‫ل يكن تقيق الرجو من الوار إذا كان من طرف واحد‪ ،‬بل ل يكن تسميته حينذاك‬
‫حوارا‪ ،‬ول يفى أن الحاور السلم سيسمع من ماوره نصرة لدينه الباطل وكفرا‬
‫بالعتقد الق الذي يدعو هو إليه‪ ،‬لكن ساعه لذلك ضروري ليُسمع الخرين هدي ال‪.‬‬
‫وقد جلس النب إل عتبة بن ربيعة يستمع إليه‪ ،‬وهو يعرض على النب‬
‫حطاما من الدنيا‪ ،‬ويطلب منه التخلي عن دعوته ودينه ف مقابلها‪ ،‬يقول ابن هشام‪:‬‬
‫"حت إذا فرغ عتبة ورسول ال يستمع منه قال‪(( :‬أقد فرغت يا أبا الوليد؟)) قال‪:‬‬
‫نعم‪ .‬قال‪(( :‬فاسع من)) قال‪ :‬أفعل "‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫ومن هذا الدب السامي استلهم عطاء بن أب رباح خصلة من خصال اللق‬
‫الم‪ ،‬فيقول ‪ " :‬إن الرجل ليحدثن بالديث‪ ،‬فأنصت له‪ ،‬كأن ل أسعه‪ ،‬وقد سعته قبل‬
‫أن يولد"‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫ول ريب أن تلق الحاور السلم بذه الداب واجب شرعي‪ ،‬وهو أدعى إل‬
‫قبول دعوته وساع حجته‪ ،‬فالدعوة إل السلم بالوار والدال ينبغي أن تكون‬
‫منضبطة بالوسائل والداب الشرعية الت رأيناها ف كتاب ال وسنة رسوله ‪.‬‬

‫‪ 153‬السية النبوية (‪ ،)2/131‬وحسنه اللبان ف فقه السية‪.‬‬
‫‪ 154‬سي أعلم النبلء (‪.)5/86‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]57‬‬

‫هل آيات الأمر بالدعوة والجدال والحوار منسوخة‬
‫بآية السيف؟‬
‫لكن ما سقناه من آيات كرية تث على جدال الشركي بالت هي أحسن‪،‬‬
‫وتأمر السلمي بسن دعوتم يراه بعض أهل العلم منسوخا بآية السيف‪ ،‬وهي قوله‬
‫وقاتلوا الشركي كافة كما يقاتلونكم كافة (التوبة‪ ،)36 :‬حيث جعلت‬

‫تعال ‪:‬‬

‫الية ‪ -‬حسب رأيهم ‪ -‬شِرعة الهاد وسيلة الدعوة للكفار‪ ،‬وحي تضع أو تزول‬
‫دولتهم وتذل بالزية رقابم‪ ،‬حينئذ يستيقظ ما غاب عنهم من عقولم وما انطمس من‬
‫فطرهم‪.‬‬
‫وقال ابن عطية ف تفسيه لية السيف ‪ " :‬وهذه الية نسخت كل موادعة ف‬
‫القرآن أو ما جرى مرى ذلك‪ ،‬وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية"‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫وهذا الرأي على شهرته ف كتب التفسي تضعفه أمور‪:‬‬
‫أن النسخ يتضمن رفع حكم شرعي ثبت بدليل شرعي‪ ،‬فل يصح‬‫هذا الرفع والنسخ إل بدليل معتب شرعا‪ ،‬يقول الشاطب‪" :‬إن‬
‫الحكام إذا ثبتت على الكلف‪ ،‬فادعاء النسخ فيها ل يكون إل‬
‫بأمر مقق‪ ،‬لن ثبوتا على الكلف أو ًل مقق‪ ،‬فرفعها بعد العلم‬
‫بثبوتا ل يكون إل بعلوم مقق‪.‬‬
‫ب التواتر؛‬
‫ولذلك أجع الحققون على أن خب الواحد ل ينسخ القرآن ول ال َ‬
‫لنه رفع للمقطوع به بالظنون‪ .‬فاقتضى هذا أن ما كان من الحكام الكية يدعى‬
‫نسخه‪ ،‬فل ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إل مع قاطع بالنسخ‪ ،‬بيث ل يكن المع بي‬
‫الدليلي‪ ،‬ول دعوى الحكام فيهما‪ .‬وهكذا يقال ف سائر الحكام‪ ،‬مكية كانت أو‬
‫مدنية"‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫‪ 155‬تفسي ابن عطية (‪.)6/412‬‬
‫‪ 156‬الوافقات (‪ ،)106-3/105‬وما نقله الشاطب رحه ال من إجاع الحققي على أن خب‬
‫الواحد ل ينسخ القرآن‪ ،‬ل يسلم له‪ ،‬وإن كان هذا الرأي منقولً عن كثيين من أهل العلم‪،‬‬
‫والصحيح عند الحققي منهم خلفه‪ ،‬فيجوز نسخ القرآن بب الحاد إذا صح مرجه‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]58‬‬

‫ونقل السيوطي عن ابن الصار النصاري قوله‪" :‬إنا يرجع ف النسخ إل نقل‬
‫صريح عن رسول ال ‪ ،‬أو عن صحاب يقول‪ :‬آية كذا نسخت آية كذا"‪.‬‬
‫ث ذكر السيوطي أمرا آخر يدفع العلماء إل القول بالنسخ‪ ،‬وهو تعارض‬
‫النصوص‪ ،‬الذي ل سبيل للجمع فيه‪ ،‬يقول‪" :‬وقد يكم به عند التعارض القطوع به‪،‬‬
‫مع علم التاريخ‪ ،‬لنعرف التقدم والتأخر‪ ..‬ول يعتمد ف النسخ قول عوا ّم الفسرين‪ ،‬بل‬
‫ول اجتهاد الجتهدين من غي نقل صحيح‪ ،‬ول معارضة بيّنة‪ ،‬لن النسخ يتضمن رفع‬
‫حكم‪ ،‬وإثبات حكم تقرر ف عهده ‪ .‬والعتمد فيه‪ :‬النقل والتاريخ‪ ،‬دون الرأي‬
‫والجتهاد"‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫ويسـوق ابـن حزم ضابطا ثالثا لصـحة ادعاء النسـخ‪ ،‬أل وهـو الجاع‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫"فإذا اجتمعت علماء المة كلهم بل خلف من واحد منهم على نسخ آية أو حديث‪،‬‬
‫فقد صح النسخ حينئذ"‪.‬‬
‫أ ما إذا ل ي صل الجاع ‪ -‬ك ما ف م سألتنا ذ فإ نه ل يُ صار إل الن سخ إل "إن‬
‫وجدنا المرين ل يكن استعمالما معا‪ ،‬أو وجدنا أحدها كان بعد الخر بل شك‪ ،‬أو‬
‫وجدنا نصا جليا يصرح بالنسخ‪ ،‬ووجدنا نصا ف ذلك من ني بعد أمر‪ ،‬أو أمر بعد‬
‫ني"‪.‬‬
‫أ ما إذا ل تقترن دعوى الن سخ بدليل ها‪ ،‬فإن ا بن حزم يرد هذا‪ ،‬وينكره‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫"ل يلـ لسـلم يؤمـن بال واليوم الخـر أن يقول فـ شيـء مـن القرآن والسـنة‪ :‬هذا‬
‫منسوخ إل بيقي؛ لن ال عز وجل يقول‪ :‬وما أرسلنا من رسولٍ إل ليطاع بإذن ال‬
‫(النساء‪ )64 :‬وقال تعال‪ :‬اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم (العراف‪.)3 :‬‬
‫فكل ما أنزل ال تعال ف القرآن أو على لسان نبيه‪ ،‬ففر ضٌ اتباعه‪ ،‬فمن قال ف‬
‫ش يء من ذلك‪ :‬إ نه من سوخ‪ ،‬ف قد أو جب أل يطاع ذلك ال مر‪ ،‬وأ سقط لزوم اتبا عه‪،‬‬
‫وهذه معصـية ل تعال مردة وخلف مكشوف‪ ،‬إل أن يقوم برهان على صـحة قوله‪،‬‬
‫‪ 157‬التقان ف علوم القرآن (‪.)2/66‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]59‬‬

‫وإل فهو مفت ٍر مبطل‪ ...‬ول يوز لنا أن نسقط طاعة أمر‪ ،‬أمرنا به ال تعال ورسوله‪ ،‬إل‬
‫بيقي ل شك فيه"‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫أ ما القر طب فيكت في بذمّ هذا ال صنيع وتطئة صاحبه‪ ،‬إذ يقول‪" :‬الناس ف هذا‬
‫ب ي طر ف نق يض‪ ،‬ف من قائل‪ :‬ل يق بل ف الن سخ أخبار الحاد العدول‪ ،‬و من ت ساهل‬
‫يكتفي فيه بقول مفسر أو متهد‪ ،‬والصواب خلف قولما"‪.‬‬

‫‪159‬‬

‫ث إن علماء التف سي و هم ينقلون دعوى ن سخ هذه اليات نقلوا أقوال مق قي‬
‫أ هل العلم ف إحكام تلك الن صوص‪ ،‬يقول ال طبي ف سياق تف سي قوله تعال‪ :‬ول‬
‫تادلوا أ هل الكتاب (العنكبوت‪ " :)146 :‬ل مع ن لقول من قال‪ :‬نزلت هذه ال ية‬
‫قبل المر بالقتال‪ ،‬وزعم أنا منسوخة‪ ،‬لنه ل خب بذلك يقطع العذر‪ ،‬ول دللة على‬
‫صحته من فطرة عقل‪ ،‬وقد بينا ف مواضع من كتابنا‪ :‬أنه ل يوز أن يكم على حكم‬
‫ال ف كتابه بأنه منسوخ إل بجة يب التسليم لا من خب أو عقل"‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫ويقول شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬ما ذكره ال تعال من مادلة أهل الكتاب بالت‬
‫هي أح سن إل الذ ين ظلموا م كم ل ين سخه ش يء‪ ،‬وكذلك ما ذكره تعال من مادلة‬
‫اللق مطلقا بقوله ‪:‬‬

‫ادع إل سبيل ربك بالكمة والوعظة السنة وجادلم بالت هي‬

‫أحسن (النحل‪.)125 :‬‬
‫فإن من الناس من يقول‪ :‬آيات الجادلة والحاجة للكفار منسوخات بآية السيف‬
‫لعتقاده أن المر بالقتال الشروع يناف الجادلة الشروعة‪ ،‬وهذا غلط‪ ،‬فإن النسخ إنا‬
‫يكون إذا كان الكم الناسخ مناقضا للحكم النسوخ‪ ،‬كمناقضة المر باستقبال السجد‬
‫الرام ف الصلة للمر باستقبال بيت القدس بالشام ة‬
‫وقوله‪) :‬ول تادلوا أ هل الكتاب إل بال ت هي أح سن( (العنكبوت‪ ،)46 :‬فهذا‬
‫ل يناق ضه ال مر بهاد من أ مر بهاده من هم‪ ،‬ول كن ال مر بالقتال ينا قض الن هي ع نه‬
‫‪ 158‬الحكام ف أصول الحكام (‪.)4/484‬‬
‫‪ 159‬التقان (‪.)2/65‬‬
‫‪ 160‬جامع البيان (‪.)21/3‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]60‬‬

‫والقت صار على الجادلة‪ ،‬فأما مع إمكان المع ب ي الدال الأمور به والقتال الأمور به‬
‫فل منافاة بينهما‪ ،‬وإذا ل يتنافيا‪ ،‬بل أمكن المع ل يز الكم بالنسخ‪ ،‬ومعلوم أن كلً‬
‫منهمـا ينفـع حيـث ل ينفـع الخـر‪ ،‬وأن اسـتعمالما جيعا أبلغ فـ إظهار الدى وديـن‬
‫الق"‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫ويستدل شيخ السلم لقوله بإحكام آيات الدال بفعل النب وماجته‬
‫للمشركي قبل نزول آية السيف وبعدها " وإذا كان النب ياج الكفار بعد نزول‬
‫المر بالقتال‪ ،‬وقد أمره ال تعال أن يي الستجي حت يسمع كلم ال‪ ،‬ث يبلغه مأمنه‪،‬‬
‫والراد بذلك تبليغ رسالت ال وإقامة الجة عليه‪ ،‬وذلك قد ل يتم إل بتفسيه له‪،‬‬
‫الذي تقوم به الجة‪ ،‬وياب به عن العارضة‪ ،‬وما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪،‬‬
‫خ المر بالجادلة مطلقا "‪.‬‬
‫علم بطلن قول من ظن أن المر بالهاد ناس ٌ‬

‫‪162‬‬

‫وأيضا فإن ابن حزم يرى آيات الدال مكمة‪ ،‬بل يعتبها نوعا من الهاد‬
‫الأمور به‪" :‬وأما ماهدة الكفار باللسان فما زال مشروعا من أول المر إل آخره‪ ،‬فإنه إذا شرع‬

‫جهادهم باليد‪ ،‬فباللسان أول‪ ،‬وقد قال ‪(( :‬جاهدوا الشركي بأيديكم وألسنتكم وأموالكم))"‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫ويستدل لرأيه أيضا بأن النب "كان ينصب لسان منبا ف مسجده ياهد فيه‬
‫الشركي بلسانه جهاد هجو‪ ،‬وهذا كان بعد نزول آيات القتال"‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫وهذا هدي رسول ال حت وفاته‪ ،‬وعليه سار أصحابه من بعده‪ ،‬فإن "رسول‬
‫ال ل يزل ف جدال الكفار على اختلف مللهم ونلهم إل أن توف‪ ،‬وكذلك‬

‫‪ 161‬الواب الصحيح (‪.)219 -1/218‬‬
‫‪ 162‬الواب الصحيح (‪.)232-1/231‬‬
‫‪163‬‬

‫الواب الصحيح (‪.)1/238‬‬

‫‪164‬‬

‫الواب الصحيح (‪.)1/238‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]61‬‬

‫أصحابه من بعده‪ ،‬وقد أمره سبحانه بدالم بالت هي أحسن ف السور الكية والدنية‪..‬‬
‫وبذا قام الدين‪ ،‬وإنا جعل السيف ناصرا للحجة"‪.‬‬
‫وف سياق شرح قوله تعال‪:‬‬

‫‪165‬‬

‫لكم دينكم ول دين (الكافرون‪ ،)6 :‬وهي‬

‫آية زعم بعض أهل العلم انا منسوخة بآية السيف‪ ،‬وذلك أنم فهموا منها إقرارا‬
‫للمشركي على شركهم‪ُ ،‬نسٍخ بهادهم وقتالم‪ ،‬يقول ابن القيم‪ " :‬إن هذه الخبار بأن‬
‫لم دينهم وله دينه‪ ,‬هل هو إقرار فيكون منسوخا أو مصوصا؟ أو ل نسخ ف الية ول‬
‫تصيص؟ فهذه مسألة شريفة من أهم السائل الذكورة‪.‬‬
‫وقد غلط ف السورة خلئق‪ ،‬وظنوا أنا منسوخة بآية السيف‪ ،‬لعتقادهم أن‬
‫هذه الية اقتضت التقرير لم على دينهم‪ ،‬وظن آخرون أنا مصوصة بن ُيقَرون على‬
‫دينهم‪ ،‬وهم أهل الكتاب‪ ،‬وكل القولي غلط مض‪ ،‬فل نسخ ف السورة ول تصيص‪،‬‬
‫بل هي مكمة‪...‬‬
‫ومنشأ الغلط ظنّهم أن الية اقتضت إقرارهم على دينهم‪ ،‬ث رأوا أن هذا القرار‬
‫زال بالسيف‪ ,‬فقالوا‪ :‬منسوخ‪...‬ومعاذ ال أن تكون الية اقتضت تقريرا لم أو إقرارا‬
‫على دينهم أبدا‪ ،‬بل ل يزل رسول ال ‪ -‬ف أول المر وأشده عليه وعلى أصحابه ‪-‬‬
‫أشد على النكار عليهم‪ ،‬وتعييب دينهم وتقبيحه والنهي عنه‪ ،‬والتهديد والوعيد كل‬
‫وقت وف كل ناد‪ ،‬وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلتهم وعيب دينهم ويتركوه وشأنه‪,‬‬
‫فأب إلّ مضيا على النكار عليهم وعيب دينهم‪ ،‬فكيف يقال‪ :‬إن الية اقتضت تقريره‬
‫لم؟‬
‫معاذ ال من هذا الزعم الباطل‪ ،‬وإنا اليـة اقتضت الباءة الحـضة ‪ -‬كما‬
‫تقدم ‪ ،-‬وأن ما هم عليه من الدين ل نوافقهم عليه أبدا؛ فإنه دين باطل‪ ،‬فهو متص‬
‫بكم ل نشرككم فيه‪ ،‬ول أنتم تشركوننا ف ديننا الق‪ ،‬فهذه غاية الباءة والتنصل من‬
‫موافقتهم ف دينهم‪ ،‬فأين القرار حت يدعى النسخ أو التخصيص؟‪...‬‬
‫‪ 165‬زاد العاد (‪.)3/642‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]62‬‬

‫بل هذه آية قائمة مكمة ثابتة بي الؤمني والكافرين إل أن يُطهِر ال منهم عباده‬
‫وبلده"‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫ويسوق القرطب حجة لن أثبت الحكام لبعض هذه اليات‪ ،‬فيقول‪" :‬والجة‬
‫لذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال‪ :‬سعت عمر بن الطاب يقول لعجوز‬
‫نصرانية‪ :‬أسلمي تسلمي‪ ،‬إن ال بعث ممدا بالق قالت‪ :‬أنا عجوز كبية والوت أقرب‬
‫إلّ ! فقال عمر‪ :‬اللهم أشهد‪ ،‬وتل‪:‬‬

‫ل إكراه ف الدين (البقرة‪،167.)256 :‬‬

‫فاستشهاد عمر بالية دليل على أنه يراها مكمة‪.‬‬
‫ومثله صنع عمر مع ملوكه أسبق فقد روى ابن أب حات بإسناده عن أسبق قال‪:‬‬
‫كنت ف دينهم ملوكا نصرانيا لعمر بن الطاب‪ ،‬فكان يعرض علي السلم‪ ،‬فآب‪،‬‬
‫فيقول‪:‬‬

‫ت لستعنّا بك على بعض‬
‫ل إكراه ف الدين ويقول‪( :‬يا أسبق‪ ،‬لو أسلم َ‬

‫أمور السلمي)‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫وأكد ذلك رضي ال عنه ف عهدته الشهورة لهل القدس‪ ،‬فقد جاء فيها " هذا‬
‫ما أعطى عبد ال عمر بن الطاب ‪ -‬أمي الؤمني ‪ -‬أهل إيليا من المان‪ :‬أعطاهم أمانا‬
‫لنفسهم وأموالم ولكنائسهم وصلبانم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها‪ :‬أل تسكن‬
‫كنائسهم ول تدم ‪ ،‬ول ينتقص منها‪ ،‬ول من خيها‪ ،‬ول من صليبهم‪ ،‬ول من شيء من‬
‫أموالم ‪ ،‬ول يكرهون على دينهم‪ ،‬ول يضار أحد منهم‪."..‬‬

‫‪169‬‬

‫وبصوص آية السيف‪ ،‬فإن العلماء لم فيها تأويلت سوى تأويلها الشهور‪ ،‬فقد‬
‫فسرها الطبي بأنا دعوة للوحدة ف وجه الشركي‪ ،‬ل أنا تدعو لقتالم أجعي‪ ،‬يقول‬

‫‪ 166‬بدائع الفوائد (‪.)141-1/140‬‬
‫‪ 167‬الحلى (‪.)11/196‬‬
‫‪ 168‬الطبقات الكبى (‪ ،)158 /6‬تفسي القرآن العظيم (‪.)1/312‬‬
‫‪169‬‬

‫تاريخ الطبي ( ‪.)3/609‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]63‬‬

‫الطبي‪" :‬يقول جل ثناؤه‪ :‬وقاتلوا الشركي بال ذ أيها الؤمنون ذ جيعا غي‬
‫متلفي‪ ،‬مؤتلفي غي مفترقي‪ ،‬كما يقاتلكم الشركون جيعا‪ ،‬متمعي غي مفترقي"‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي أقوالً ف ذلك‪ ،‬فالية ‪ -‬وفق تفسيه ‪-‬‬
‫ليست أمرا بشن الرب على الكفار جيعا‪ ،‬بل دعوة للتناصر والوحدة ف وجه العدو‬
‫الذي يقاتلنا متمعا‪.‬‬
‫والقول بنسخ آيات الدال يعارضه قول طائفة من العلماء من التابعي وغيهم‪،‬‬
‫يرون آيات الدال مكمة‪ ،‬ومنه قول ماهد عن قوله تعال‪ :‬ول تادلوا أهل الكتاب‬
‫إل بالت هي أحسن قال‪" :‬هي مكمة‪ ،‬فيجوز مادلة أهل الكتاب بالت هي أحسن‬
‫على معن الدعاء لم إل ال عز وجل والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إل‬
‫اليان‪ ،‬ل على طريق الغلظ والخاشنة‪ ،‬وقوله على هذا إل الذين ظلموا منهم‬
‫معناه‪ :‬ظلموكم‪ ،‬وإل فكلهم ظلم على الطلق‪."...‬‬
‫ث ساق القرطب قول القائلي بالنسخ‪ ،‬وأتبعه بقوله‪" :‬وقول ماهد حسن‪ ،‬لن‬
‫أحكام ال عز وجل ل يقال فيها‪ :‬إنا منسوخة؛ إل بب يقطع العذر أو حجة من‬
‫معقول‪ ،‬واختار هذا القول ابن العرب"‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫قال ابن تيمية‪" :‬فهذا ماهد ل يعلها منسوخة‪ ،‬وهو قول أكثر الفسرين"‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫ومن هؤلء الفسرين ابن كثي‪ ،‬فهو أيضا ييل إل رد دعوى النسخ ف آيات‬
‫جدال الكفار‪ ،‬فيقول‪" :‬بل هي باقية مكمة لن أراد الستبصار منهم ف الدين‪ ،‬فيجادل‬
‫بالت هي أحسن‪ ،‬ليكون أنع فيه‪ ،‬كما قال تعال‪:‬‬

‫ادع إل سبيل ربك بالكمة‬

‫والوعظة السنة الية‪ ،‬وقال تعال لوسى وهارون حي بعثهما إل فرعون‪:‬‬

‫‪ 170‬جامع البيان (‪.)10/128‬‬
‫‪ 171‬الامع لحكام القرآن (‪.)13/350‬‬
‫‪172‬‬

‫الواب الصحيح (‪.)1/241‬‬

‫فقول له‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]64‬‬

‫قو ًل لينا لعله يتذكر أو يشى ‪ ،‬وهذا القول اختاره ابن جرير‪ ،‬وحكاه عن ابن‬
‫زيد"‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫وقال ابن الوزي‪" :‬وقد ذهب كثي من الفسرين إل أن هذه الية منسوخة بآية‬
‫السيف‪ ،‬وفيه بُعد‪ ،‬لن الجادلة ل تناف القتال‪ ،‬ول يقل له‪ :‬اقتصر على جدالم‪ ،‬فيكون‬
‫العن‪ :‬جادلم‪ ،‬فإن أبوا فالسيف‪ ،‬فل يتوجه نسخ"‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫ وكذا ادعى بعض أهل العلم النسخ ف قوله تعال‪ :‬فإنا عليك البلغ (آل‬‫عمران‪ ،)20:‬لكن غيهم من العلماء ضعفوه وخالفوهم فيه‪ ،‬وردوا عليهم دعواهم‬
‫لعدم الدليل عليها‪ .‬قال القرطب‪ " :‬أي‪ :‬إنا عليك أن تبلغ‪ ،‬قيل‪ :‬إنه ما نسخ بالهاد‪.‬‬
‫وقال ابن عطية‪ :‬وهذا يتاج إل معرفة تاريخ نزولا "‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫‪ -‬وقد ادعوا النسخ أيضا ف قوله تعال‪:‬‬

‫وإن تولوا فإنا عليك البلغ البي‬

‫(النحل‪ ،)82 :‬قال ابن الوزي‪" :‬ذهب بعض الفسرين إل أن هذا الكلم اقتضى‬
‫القتصار على التبليغ دون القتال‪ ،‬ث نسخ بآية السيف‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬لا كان حريصا‬
‫على إيانم مزعجا نفسه ف الجتهاد ف ذلك سكّن جأشه بقوله‪:‬‬

‫إنا أنت نذير‬

‫(هود‪ )12 :‬و فإنا عليك البلغ ‪ ،‬والعن‪ :‬ل تقدر على سوق قلوبم إل الصلح‪،‬‬
‫فعلى هذا ل نسخ"‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫ وقال ابن الوزي عن آية سورة الرعد فإنا عليك البلغ وعلينا الساب‬‫(الرعد‪" :)40 :‬قالوا‪ :‬نسخ بآية السيف‪ ،‬وعلى ما سبق تقيقه ف نظائرها ل وجه‬
‫للنسخ"‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫‪ 173‬تفسي القرآن العظيم (‪.)3/416‬‬
‫‪ 174‬نواسخ القرآن (‪.)1/188‬‬
‫‪ 175‬الامع لحكام القرآن (‪.)4/46‬‬
‫‪ 176‬نواسخ القرآن (‪ ،)1/104‬وانظر (‪.)1/183‬‬
‫‪ 177‬الصفى من علم الناسخ والنسوخ (‪.)1/40‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫‪ -‬وادعى بعض أهل العلم نسخ قوله تعال‪:‬‬

‫[‪]65‬‬

‫لست عليهم بسيطر‬

‫(الغاشية‪ ،)22 :‬فقال ابن الوزي‪" :‬وقد قال بعض الفسرين ف معناها‪ :‬لست عليهم‬
‫بسلط‪ ،‬فتكرههم على اليان‪ ،‬فعلى هذا ل نسخ‪."...‬‬

‫‪178‬‬

‫‪ -‬وادعى بعض أهل العلم أيضا نسخ آية سورة التي‪ ،‬وهي قوله ‪:‬‬

‫أليس ال‬

‫بأحكم الاكمي (التي‪ ،)8 :‬فقالوا‪" :‬نسخ معناها بآية السيف‪ ،‬لنه ظن أن معناها‪:‬‬
‫دعهم وخلّ عنهم‪ ،‬وليس المر كما ظن‪ ،‬فل وجه للنسخ"‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫وبذا البيان تبي أن القول بنسخ آيات الدال دعوى ل تقبل إل ببهان قاطع‪،‬‬
‫لن النسخ دعوى لرفع لوجوب العمل ف بعض أمر ال‪ ،‬ول يصار إل مثل هذا إل‬
‫بدليل معتب يكافئه‪.‬‬
‫ومثل هذا الدليل ل نده عند أولئك الذين ادعوا نسخ آيات الدال بالِلد ‪،‬‬
‫بل هم مجوجون بفعل الصحابة ث إطباق العلماء على إحكام هذه النصوص وعدم رفع‬
‫أحكامها‪.‬‬

‫‪ 178‬الصفى من علم الناسخ والنسوخ (‪.)1/59‬‬
‫‪ 179‬نواسخ القرآن (‪.)1/252‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]66‬‬

‫محظورات في الحوار‬
‫ينظر الكثيون من الغيورين إل الوار نظرة التشكك الرتاب ف أهدافه‬
‫ومقاصده‪ ،‬كما ل تطئ عيونم رؤية بعض الخطاء الت يقع فيها الحاورون من‬
‫السلمي‪ ،‬ما يعزز اعتقادهم بعدم جدوى الوار لغلبة مفاسده‪.‬‬
‫ويرى التشككون ف الوار أن منطلقات الوار تدعو للريبة‪ ،‬وأن الذي دفع‬
‫الغرب بؤسساته الختلفة تاه الوار انفتاح شعوبه على السلم‪ ،‬واعتناق ألوف منهم‬
‫إياه؛ ورأت تلك الؤسسات أن ل جدوى من الجابة والتحدي‪ ،‬فلجؤوا إل الوار‬
‫للظهور بظهر الِندّ‪ ،‬ل الهزوم‪ ،‬والوافق ل الجابه‪ ،‬ولعلهم بذلك يطفؤون روح‬
‫التشوّف إليه لدى رعاياهم‪ ،‬ويُثبتون فيهم هامشية الفروق بي الديان‪ ،‬وعليه فإن‬
‫الواجب يفرض علينا تفويت الفرصة عليهم والمتناع عن معونتهم ف بلوغ غاياتم من‬
‫الوار‪.‬‬
‫وما عمّق هذا الشعور الرتاب أن الؤسسات الكنسية صرحت بنيّتها استغلل‬
‫الوار‪ ،‬وجعله وسيلة للتبشي‪ ،‬يقول الدستور الرعوي الصادر عن الجمع الفاتيكان‬
‫الثان‪" :‬تبدو الكنيسة رمز هذه الخوة الت تنتج الوار الصادق وتشجعه‪ ،‬وذلك بفعل‬
‫رسالتها الت تدف إل إنارة السكونة كلها بنور البشارة النيلية"‪.‬‬
‫كما أصدرت الكنيسة الكاثوليكية وثيقة بعنوان‪( :‬حوار وبشارة) عام ‪1991‬م‪،‬‬
‫جاء فيها‪" :‬إن السيحي وهم يعتمدون الوار بروح منفتح مع أتباع التقاليد الدينية‬
‫الخرى؛ يستطيعون أن يثوهم سلميا على التفكي ف متوى معتقدهم ‪." ...‬‬
‫وأما ملس الكنائس العالي البوتستنت فقد صرح بالدعوة إل استغلل الوار‬
‫للتبشي ف كتاب (توجيهات للحوار)‪ ،‬وفيه‪" :‬يكننا بكل صدق أن نسب الوار‬
‫كإحدى الوسائل الت من خللا تتم الشهادة ليسوع السيح ف أيامنا"‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫لكنا نلفت النظر إل أن الوار الذي تشي إليه الكنيسة ليس الوار الذي تديره‬
‫الؤسسات العلمية والثقافية الت ل يكن التأثي عليها‪ ،‬فمثل هؤلء الوار معهم مبذ‬
‫‪ 180‬دعوة التقريب بي الديان (‪.)782-2/780‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]67‬‬

‫وممود‪ ،‬لكن الوار الذي تنشده الكنيسة وتارسه حقيقة ف كثي من الواطن هو‬
‫الوار مع دهاء السلمي وعامتهم‪ ،‬وهو ما قد ينجح فيه التبشي ويقق ما يذره‬
‫التشككون والرافضون لشروع الوار‪.‬‬
‫كما يجم التشككون ف مصداقية جولت الوار السابقة عن الشاركة ف‬
‫جولته اللحقة لا يرونه من مشاركة بعض الطراف السلمية الت ل يلو منهجها من‬
‫دخن كالعصرانيي وغيهم من ل يعبون عن الوقف السلمي الصيل ف قضايا‬
‫الوار‪ ،‬ولعل من أهم أسباب اتساع هذه الثلبة تباعد الغيورين عن هذا اليدان الذي‬
‫تضمن مشاركتهم فيه ظهور الوقف السلمي الناصع البن على هدي الكتاب والسنة‪.‬‬
‫وينقل الدكتور أحد سيف التركستان بعض حجج الانعي من الوار‪ ،‬إذ يرون‬
‫"أن الوار يقود إل الفتنة والصدام" ‪ ،‬وقاعدة سد الذرائع ‪ -‬حسب رأيهم ‪ -‬تبر‬
‫العراض عن الشاركة ف الوار‪ ،‬وهذه الجة يراها الدكتور التركستان نوعا من‬
‫تغييب القيقة‪ ،‬ويرى أن تاوزها مكن‪ ،‬إذا أخذنا "بشروط الوار الصحيح الال من‬
‫الدل العقيم أو غي اللتزم بآداب الوار"‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫كما يجم البعض عن الشاركة ف الوار لنه "يعطي الفرصة لتلميع الراء‬
‫الباطلة" وهذا تعميم ل يوافق عليه الدكتور التركستان ‪ ،‬إذ يرى "الغالب أن الراء‬
‫الباطلة إنا تكتسب بريقها إذا انفردت بالجواء والضواء ‪ ،‬بعيدا عن العتراض عليها‬
‫والتصدي لا بالوار"‪ ،‬ويصل إل نتيجة مفادها أن "الوار يعطي الفرصة لتوهي الراء‬
‫الباطلة وخفض درجة توهجها وبريقها ‪ ،‬وذلك با يكشفه من الق الناقض لا ومن‬
‫الباطل النطوي فيها"‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫وإذ نسجل هذه العتراضات وتلك النظرات التشككة ف مصداقية الوار‪ ،‬فإننا‬
‫نرى ضعفها وعدم كفايتها ف تغييب صوت الق عن مالس الوار والنقاش‪ ،‬وما تؤدي‬

‫‪181‬‬

‫مشروعية حوار الديان ( ‪.)17‬‬

‫‪182‬‬

‫مشروعية حوار الديان (‪.)18-17‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]68‬‬

‫إليه من تصحيح للمفاهيم الاطئة وتييد لبعض القوى والؤسسات العادية للسلم‪ ،‬بل‬
‫واجتذاب غي السلمي ودعوتم إل دين ال القوي‪.‬‬
‫وفرارا من الوقوع ف أخطاء الاضي ‪ ،‬وسعيا للوصول إل صورة منضبطة بآداب‬
‫الشرع نعرض لبعض الخطاء والحظورات الت ترتكب ف الوار‪:‬‬
‫‪ -1‬الوقوع في المداهنة‬

‫لا كانت ملتقيات الوار بعموم أنواعها تدف إل استثمار العلقات النسانية كان‬
‫لبد أن تتسم لقاءاتا بالكثي من الجاملة الت ياول التحاورون من خللا تغييب الكثي‬
‫من الشقاق الذي تكنه عقولم وقلوبم للخرين‪.‬‬
‫وقد رأينا كيف أمرنا رسولنا ببسط الوجه وحسن اللقاء‪ ،‬وكيف صنع مع‬
‫أساطي الكفر وصناديد الشرك‪.‬‬
‫لكن الجاملة والراءاة قد تؤدي ببعض التحاورين إل الداهنة والبتذال‪ ،‬والضوع‬
‫بالقول‪ ،‬وكتمان الق‪ ،‬والسكوت عن الباطل‪ ،‬وقد تدفع بالبعض إل موادة ماوريهم‬
‫واتاذهم بطانة من دون الؤمني‪ ،‬وموالتم وموافقتهم ف مواقفهم وآرائهم ومعتقداتم‪،‬‬
‫ما يوقع الحاور السلم ف سخط ال وغضبه‪.‬‬
‫فقد أمر ال الؤمني بالصدع بالق وعدم كتمانه‪ ،‬فقال آمرا نبيه وهو ف مكة ‪ :‬‬

‫فاصدع با تؤمر وأعرض عن الشركي‪( ‬الجر‪.)94 :‬‬
‫وقال تعال منبها ومذرا الؤمني من الوقوع فيما وقع به بنو إسرائيل‪  :‬وإذ أخذ‬
‫اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ول تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا‬
‫به ثنا قليلً فبئس ما يشترون (آل عمران ‪ ،)187 :‬فالداهنة ليست من شأن السلم‬
‫ول سَمته‪.‬‬
‫ول ا جاء و فد نران إل ال نب أ سعهم ال نب معتقده ف ال سيح عليه ال سلم‪،‬‬
‫ول يبال عليـه الصـلة والسـلم بغضبهـم مـن ذلك‪ ،‬فقالوا‪ :‬مالك تشتـم صـاحبنا؟ قال‪:‬‬
‫((وما أقول؟)) قالوا‪ :‬تقول‪ :‬إنه عبد‪ .‬قال‪(( :‬أجل‪ .‬إنه عبد ال ورسوله‪ ،‬وكلمته ألقاها‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]69‬‬

‫إل العذراء البتول))‪ ،‬فغضبوا‪ ،‬وقالوا‪ :‬هـل رأيـت إنسـانا قـط مـن غيـ أب‪ ،‬فإن كنـت‬
‫صادقا فأرنا مثله‪ .‬فنلت الية‪:‬‬

‫إن مثل عيسى عند ال كمثل آدم خلقه من ترب ث‬

‫قال له كن فيكون (آل عمران‪.)59 :‬‬

‫‪183‬‬

‫وللمداهنة الستقبحة صور كثية أهها الثناء على معتقدات الخرين وتسويغها‪ ،‬أو‬
‫التوقف ف كفرهم واعتبارهم إخوة لنا يمعنا بم اليان بال وغي ذلك ما ل يفى‬
‫تريه‪ ،‬وقد سبق بيان بعضه‪.‬‬
‫والعجب من وقوع بعض الحاورين ف هذا النكر البغيض تطوعا من غي ضرورة‬
‫ول مسوغ مفهوم إل التزلف للخرين واسترضاؤهم با يغضب ال العظيم‪.‬‬
‫وأمثال هؤلء مدعوون لقراءة ما قاله جعفر بن أب طالب بي يدي النجاشي‪ ،‬إذ ل‬
‫ينعه ضعفه وغربته من أن يقول الق من غي مداهنة بي يدي ملك ل تدرى عواقب‬
‫مالفته‪ .‬فقد قال سفي قريش عمرو بن العاص‪" :‬وال لنبئنهم غدا عيبهم عندهم‪ ،‬ث‬
‫أستأصل به خضراءهم ‪ ...‬وال لخبنه أنم يزعمون أن عيسى ابن مري عبد‪.‬‬
‫قالت [أم سلمة]‪ :‬ث غدا عليه الغد فقال له‪ :‬أيها اللك‪ ،‬إنم يقولون ف عيسى ابن‬
‫مري قولً عظيما‪ ،‬فأرسل إليهم فاسألم عما يقولون فيه‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فأرسل إليهم يسألم عنه‪ ،‬قالت‪ :‬ول ينل بنا مثله‪.‬‬
‫فاجتمع القوم‪ ،‬فقال بعضهم لبعض‪ :‬ماذا تقولون ف عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا‪:‬‬
‫نقول ‪ -‬وال ‪ -‬فيه ما قال ال‪ ،‬وما جاء به نبينا‪ ،‬كائنا ف ذلك ما هو كائن‪.‬‬
‫فلما دخلوا عليه قال لم‪ :‬ما تقولون ف عيسى ابن مري؟ فقال له جعفر بن أب‬
‫طالب‪ :‬نقول فيه الذي جاء به نبينا‪ ،‬هو عبد ال ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إل مري‬
‫العذراء البتول "‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫ويكننا أيضا أن نلحظ ف القصة إباء جعفر وامتناعه عن السجود للنجاشي خلفا‬
‫لعادة الناس مع اللوك‪ ،‬فقد تركه لرمته ف السلم‪ ،‬مع مسيس الاجة إليه تألفا لقلب‬
‫‪183‬‬

‫رواه الطبي ف تفسيه (‪.)3/296‬‬

‫‪ 184‬رواه أحد ح (‪.)4386‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]70‬‬

‫النجاشي نوه ونو السلمي اللتجئي إل جواره وأرضه " فسلم ول يسجد‪ ،‬فقالوا له‪:‬‬
‫مالك ل تسجد للملك؟ قال‪ :‬إنا ل نسجد إل ل عز وجل‪ .‬قال‪ :‬وما ذاك؟ قال‪ :‬إن ال‬
‫عز وجل بعث إلينا رسوله ‪ ،‬وأمرنا أن ل نسجد لحد إل ل عز وجل "‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫‪ -2‬تعظيم من ل يرضى الله تعظيمه‬

‫وهذا التعظيم مذموم لا فيه من مدحة أو ثناء ل يستحقه الحاور غي السلم ‪ ،‬قال‬
‫‪(( :‬ل تقولوا للمنافق سيدا‪ ،‬فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل))‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫قال أبو الطيب البادي ‪" :‬لنّه يكون تعظيما له‪ ،‬وهو مّن ل يستح ّق التّعظيم‪،‬‬
‫فكيف إن ل يكن سيّدا بأحد من العان؛ فإنّه يكون مع ذلك كذّابا ونفاقا"‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫وحي خاطب النب ملوك الرض صانعهم ورفق بم‪ ،‬لكنه ل يضف عليهم عظيم‬
‫اللقاب‪ ،‬بل توقى ف خطابم‪ ،‬من غي أن يبعد عن ملطفتهم واستمالتهم‪ ،‬فقد كتب‬
‫ل ‪(( :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ ،‬من ممد رسول ال إل‬
‫إل هرقل إمباطور الروم قائ ً‬
‫هرقل عظيم الروم‪.))..‬‬

‫‪188‬‬

‫قال ابن حجر‪" :‬فيه عدول عن ذكره باللك أو المرة ; لنّه معزول بكم السلم‪,‬‬
‫لكنّه ل يله من إكرام لصلحة التّألّف‪."..‬‬

‫‪189‬‬

‫قال النووي ف فوائد الديث‪ " :‬التوقي ف الكاتبة ‪ ,‬واستعمال الورع فيها ‪ ,‬فل‬
‫يفْرِط ول ي َفرّط ‪ ,‬ولذا قال النب ‪(( :‬إل هرقل عظيم الروم))‪ ,‬فلم يقل ‪ :‬ملك‬
‫الروم ‪ ,‬لنه ل ملك له ول لغيه إل بكم دين السلم ‪ ..‬ول يقل ‪ :‬إل هرقل فقط ‪,‬‬
‫بل أتى بنوع من اللطفة فقال ‪ :‬عظيم الروم ‪ ,‬أي الذي يعظمونه ويقدمونه‪ ,‬وقد أمر‬
‫ال تعال بإلنة القول لن يدعى إل السلم‪ ،‬فقال تعال ‪:‬‬
‫‪ 185‬الديث السابق‪.‬‬
‫‪ 186‬رواه أبو داود ح (‪.)4977‬‬
‫‪ 187‬عون العبود (‪.)13/221‬‬
‫‪ 188‬رواه البخاري ح (‪ ،)6261‬ومسلم ح (‪.)1773‬‬
‫‪ 189‬فتح الباري (‪.)1/38‬‬

‫ادع إل سبيل ربك‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]71‬‬

‫بالكمة والوعظة السنة (النحل‪ ،)125 :‬وقال تعال ‪:‬‬
‫(طه‪." )44 :‬‬

‫فقول له قو ًل لينا‬

‫‪190‬‬

‫‪ -3‬تصدي بعض من ل يحسنون الحوار له‬

‫وف بعض جولت الوار رأينا ضعفا وخورا عند من يتصدى له‪ ،‬ويقع ذلك‬
‫منهم بسبب قلة معرفتهم بالعلوم الشرعية أو غيها من السباب‪ ،‬ف وقت نرى فيه‬
‫حرص النصارى واليهود على إشراك أكب كفاءاتم العلمية والكنسية ف حوارهم مع‬
‫الخرين‪.‬‬
‫وهذا العيب ف بعض الحاورين من السلمي قد يدفع بالحاور إل الشطط ف‬
‫ماراة الخرين‪ ،‬فينساق إل ما هو باطل‪ ،‬أو يقصر عن تبيان ما هو حق‪ ،‬فتقصر حجته‪،‬‬
‫وتكسد بضاعته‪.‬‬
‫وقد حذر ال تعال من هذا الصنيع‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫ول تقف ما ليس لك به علم إن‬

‫السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولً (السراء‪.)36 :‬‬
‫قال ابن تيمية‪" :‬والذموم شرعا ما ذمه ال ورسوله كالدل بالباطل والدل بغي‬
‫علم والدل ف الق بعد ما تبي"‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫وقال رحه ال مشنعا على الشهرستان قصوره ف مادلته للفلسفة‪" :‬ولذا‬
‫كانت مناظرة كثي من أهل الكلم لم مناظرة قاصرة‪ ،‬حيث ل يعرف أولئك حقيقة ما‬
‫بعث ال به رسله وأنزل به كتبه وما ذمه من الشرك‪ ،‬ث يكشفون بنور النبوة ما عند‬
‫هؤلء من الضلل كما ناظرهم الشهرستان ف كتاب اللل والنحل ‪..‬كان قولم أظهر‪،‬‬
‫فكان رده عليهم ضعيفا لضعف العلم بقيقة دين السلم ‪."..‬‬

‫‪192‬‬

‫‪ 190‬شرح النووي على صحيح مسلم (‪.)12/108‬‬
‫‪ 191‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)7/156‬‬
‫‪ 192‬الرد على النطقيي (‪.)537-536‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]72‬‬

‫وهذا العيب نعاه القرآن الكري على أهل الكتاب‪ ،‬فقال عز وجل‪ :‬ها أنتم‬
‫هؤلء حاججتم فيما لكم به علم فلم تاجون فيما ليس لكم به علم (آل عمران‪:‬‬
‫‪.)66‬‬
‫قال القرطب‪" :‬الية دليل على النع من الدال لن ل علم له‪ ،‬والظر على من‬
‫ل تقيق عنده ‪ ..‬وقد ورد المر بالدال لن علم وأيقن‪ ،‬فقال تعال‪ :‬وجادلم بالت‬
‫هي أحسن (النحل ‪.")125 :‬‬

‫‪193‬‬

‫وقال ابن كثي‪ " :‬الية هذه إنكار على من ياج فيما ل علم له به‪ ،‬فإن اليهود‬
‫والنصارى تاجوا ف إبراهيم بل علم‪ ..‬فأنكر ال عليهم ذلك‪ ،‬وأمرهم برد ما ل علم‬
‫لم به إل عال الغيب والشهادة الذي يعلم المور على حقائقها وجليتها "‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫وقال ابن تيمية مبينا ضرر الدال بل علم على السلمي‪" :‬وقد ينهون عن‬
‫ف العلم بالجة وجواب الشبهة‪ ،‬فيخاف عليه أن‬
‫الجادلة والناظرة إذا كان الناظرُ ضعي َ‬
‫يفسده ذلك الضل‪ ،‬كما ينهى ذلك الضعيف ف القاتلة أن يقاتل علجا قويا من علوج‬
‫الكفار‪ ،‬فإ ّن ذلك يضره ويضر السلمي بل منفعة"‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫وتنبا لذا الحذور أوصى الجلس التأسيسي لرابطة العال السلمي ف دورته‬
‫التاسعة أن " ل يتول الوار إل الختصون من علماء السلمي "‪ ،‬وأكده ف دورته‬
‫الادية والعشرين‪ " :‬أن يتول تثيل الرابطة فيها العلماء الختصون بالواضيع الطروحة‬
‫ف جدول أعمالا "‪.‬‬
‫‪ -4‬الخروج عن آداب السلم في الحوار‬
‫وما يؤخذ على بعض الشاركي ف الوارات العامة‪ ،‬خاصة غي الرسية منها‪- ،‬‬
‫كتلك الت تري على شبكة النترنت ذ الستمرار ف الوار‪ ،‬ولو فقد مصداقيته وضل‬
‫أهدافه‪ ،‬وساء أدبه‪ ،‬فاكتسى من السباب سربالً‪ ،‬ومن العناد جلبابا‪.‬‬
‫‪ 193‬الامع لحكام القرآن (‪.)4/108‬‬
‫‪ 194‬تفسي القرآن العظيم (‪.)1/373‬‬
‫‪ 195‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)7/173‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]73‬‬

‫وهذا ول ريب من الدال الذموم‪ ،‬و" قد تكون الصلحة ف المتناع عن مادلة‬
‫طائفة منهم أو مع أفراد لسبب أو لخر‪ ،‬وهذا استثناء ة"‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫وف نبذ الدل العقيم الصادر عن طائفة غي مؤمنة‪ ،‬يقول ال تعال‪ :‬ولا‬
‫ل إذا قومك منه يصدون ‪ ‬قالوا أآلتنا خي أم هو ما ضربوه لك إل‬
‫ضرب ابن مري مث ً‬
‫جدلً بل هم قوم خصمون ‪ ‬إن هو إل عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلً لبن إسرائيل‬
‫(الزخرف‪.)57-58 :‬‬
‫قال الطبي‪ " :‬ما مثلوا لك هذا الثل يا ممد هؤلء الشركي ف ماجتهم إياك‬
‫با ياجونك به طلب الق‪ ،‬بل هم قوم خصمون‪ ،‬يلتمسون الصومة بالباطل "‪.‬‬

‫‪197‬‬

‫يقول ابن تيمية‪" :‬وقد يُنهى عنها [أي الناظرة] إذا كان الناظَر معاندا يظهر له‬
‫الق فل يقبله‪ ،‬وهو السوفسطائي‪ ،‬فإن المم كلهم متفقون على أن الناظرة إذا انتهت‬
‫إل مقدمات معروفة بيّنة بنفسها ضرورية‪ ،‬وجحدها الصم كان سوفسطائيا‪ ،‬ول يؤمر‬
‫بناظرته بعد ذلك"‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫وقال ابن سعدي ف وصف الجادلة الحمودة‪" :‬أن ل تؤدي الجادلة إل خصام‬
‫أو مشاتة تذهب بقصودها‪ ،‬ول تصل الفائدة منها‪ ،‬بل يكون القصد منها هداية اللق‬
‫إل الق‪ ،‬ل الغالبة ونوها))‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫ومثل هذا الوار ينجر عادة إل السباب الحرم‪ ،‬الذي ل يتوافق مع الدعوة‬
‫بالكمة والجادلة بالت هي أحسن‪ ،‬بل هو نوع من الرعونة والفحش وسوء اللق‪.‬‬
‫وهذه الصفات أبعد ما تكون عن الؤمن‪ ،‬إذ ((ليس الؤمن بالطعان ول اللعان‬
‫ول الفاحش ول البذيء))‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫‪ 196‬انظر‪ :‬الوار مع أهل الكتاب (‪.)162‬‬
‫‪ 197‬جامع البيان (‪.)25/88‬‬
‫‪ 198‬درء تعارض العقل والنقل (‪.)174-7/173‬‬
‫‪ 199‬تيسي الكري الرحن (‪.)3/93‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]74‬‬

‫قال الغزال‪" :‬الؤمن ليس بلعان؛ فينبغي أل يطلق اللسان باللعنة إل على من‬
‫مات على الكفر‪ ،‬أو على الجناس العروفي بأوصافهم‪ ،‬دون الشخاص العيني‪،‬‬
‫فالشتغال بذكر ال أول‪ ،‬فإن ل يكن ففي السكوت سلمة"‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫ولا قيل لرسول ال ‪ :‬يا رسول اللّه‪ ،‬ادع على الشركي‪ ..‬قال‪(( :‬إنّي ل‬
‫أبعث لعّانًا‪ ،‬وإنّما بعثت رحةً))‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫قال مكي بن إبراهيم‪ :‬كنا عند ابن عون‪ ،‬فذكروا بلل بن أب بردة [الوال]‬
‫فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه لذاه لبن عون وامتحانه له‪ ،‬وابن عون ساكت‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا‬
‫ابن عون؛ إنا نذكره لا ارتكب منك! فقال‪ :‬إنا ها كلمتان ترجان من صحيفت يوم‬
‫القيامة‪" :‬ل إله إل ال"‪" ،‬ولعن ال فلنا"‪ ،‬فلن يرج من صحيفت‪" :‬ل إله إل ال"؛‬
‫أحب إل من أن يرج منها‪" :‬لعن ال فلنا"‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫وخشية النرار إل السباب وتقويض غايات الوار ومقاصده نى ال عن‬
‫الؤمني عن سب ولز آلة الشركي وأصنامهم‪ ،‬فقال‪] :‬ول تسبوا الذين يدعون من‬
‫دون ال فيسبوا ال عدوا بغي علم[ ( النعام‪.)108 :‬‬
‫وقد نقل الفسرون ف سبب نزولا أن كفار قريش قالوا لب طالب‪" :‬إما أن‬
‫تنهى ممدا وأصحابه عن سب آلتنا والغض منها‪ ،‬وإما أن نسب إله ونجوه"‪ ،‬فنلت‬
‫الية‪.‬‬

‫‪204‬‬

‫وقد أفاد القرطب منها النهي عن سب ولز سائر ما يقدسه الخرون‪ ،‬ل من باب‬
‫التعظيم لا‪ ،‬بل سياسة وتألفا‪ ،‬يقول‪" :‬حكمها باق ف هذه المة على كل حال‪ ،‬فمت‬
‫‪ 200‬رواه أحد ح (‪ )3829‬والترمذي ح (‪ ،)1977‬وصححه اللبان ف صحيح الترمذي ح (‬
‫‪.)1610‬‬
‫‪ 201‬إحياء علوم الدين (‪.)3/125‬‬
‫‪ 202‬رواه مسلم ح (‪.)2599‬‬
‫‪ 203‬انظر ‪ :‬إحياء علوم الدين (‪.)3/126‬‬
‫‪204‬‬

‫انظر ‪ :‬لباب النقول ف أسباب النول (‪ ،)119‬والامع لحكام القرآن (‪.)7/61‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]75‬‬

‫كان الكافر ف مَنَعة‪ ،‬وخيف أن يسب السلم أو النب عليه السلم أو ال عز وجل‪،‬‬
‫فل يل لسلم أن يسُبّ صلبانم ول دينهم ول كنائسهم ول يتعرض إل ما يؤدي إل‬
‫ذلك لنه بنلة البعث على العصية ‪ ..‬وفيها دليل على أن الح ّق قد يكف عن حق له‬
‫إذا أدى إل ضرر يكون ف الدين"‪.‬‬
‫‪ -5‬هجر المصطلحات والساليب الشرعية‬
‫وما يقع به التحاورون أحيانا هجر الصطلحات والساليب والجج الشرعية‬
‫‪205‬‬

‫والتباعد عنها تقربا إل الخرين أو غيه ما يرونه مصلحة للدعوة‪.‬‬
‫ف لا عهد من النب ف ماطبته الشركي‪.‬‬
‫وهذا الصنيع ماف‪ ،‬بل منا ٍ‬
‫ومن ذلك أنه لا قدم ضماد مكة أتى النب فقال‪ :‬يا ممد‪ ،‬إن أرقي من هذه‬
‫الريح‪ ،‬وإن ال يشفي على يدي من شاء‪ ،‬فهل لك؟ فقال رسول ال ‪(( :‬إن المد ل‬
‫نمده ونستعينه‪ ،‬من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله‬
‫إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأن ممدا عبده ورسوله))‪ ،‬فكانت هذه الكلمات سببا ف‬
‫إسلمه‪ ،‬فقال للنب ‪( :‬أعد علي كلماتك هؤلء‪ ..‬لقد سعت قول الكهنة وقول‬
‫السحرة وقول الشعراء‪ ،‬فما سعت مثل كلماتك هؤلء‪ ،‬ولقد بلغنَ ناعوس البحر‪.‬‬
‫فقال‪ :‬هات يدك أبايعك على السلم)‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫ولا كتب النب رسائله إل اللوك صدّرها بالبسملة كما ف رسالة هرقل‬
‫((بسم ال الرحن الرحيم‪ ،‬من ممد رسول ال إل هرقل عظيم الروم‪.))..‬‬

‫‪207‬‬

‫قال النووي ف فوائد الديث‪" :‬ومنها‪ :‬استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه‬
‫الرّحن الرّحيم ‪ ,‬وإن كان البعوث إليه كافرًا"‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫‪208‬‬

‫الامع لحكام القرآن (‪.)7/61‬‬

‫‪ 206‬رواه مسلم ح (‪.)868‬‬
‫‪ 207‬رواه البخاري ح (‪ ،)6261‬ومسلم ح (‪.)1773‬‬
‫‪ 208‬شرح النووي على صحيح مسلم (‪.)12/108‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]76‬‬

‫ول ينع هذا ماطبتهم بلغاتم وطريقتهم إذا دعت الاجة إليه‪ ،‬مع اللتزام‬
‫بالضوابط الشرعية‪ ،‬قال ابن تيمية‪" :‬أما ماطبة أهل اصطلح باصطلحهم ولغتهم‪،‬‬
‫فليس بكروه‪ ،‬إذا احتيج إل ذلك‪ ،‬وكانت العان صحيحة‪ ،‬كمخاطبة العجم من الروم‬
‫والفرس والترك بلغتهم وعرفهم‪ ،‬فإن هذا جائز حسن للحاجة‪ ،‬وإنا كرهه الئمة إذا ل‬
‫يتج إليه"‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫إن تعرفنا على مظورات الوار ‪ -‬الت ترج به عن ضوابط الشريعة الغرّاء ‪-‬‬
‫يؤزنا لمارسة الوار ضمن ضوابط الشريعة وآدابا‪ ،‬واللذان يكفلن تقيق القاصد‬
‫والغايات الشرعية الت نتوخى الوصول إليها من خلل حوارنا مع الخرين‪.‬‬

‫‪ 209‬الفتاوى الكبى (‪.)1/452‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]77‬‬

‫خاتمة‬
‫وبعد‪ ،‬فإن من دواعي سرور العقلء تنامي الدعوة إل الوار ف أوساط متلفة‬
‫من عالنا الذي ضاقت شعوبه ذرعا بوار البندقية ‪ ،‬ورأت أن الوار الضاري والثقاف‬
‫ل مناسبا لل اللفات الختلفة الت تنشأ بي المم والضارات الختلفة‪.‬‬
‫يقدم بدي ً‬
‫فالوار الضاري هو الطريق الفضل لفهم الخر والتعرف على رؤاه ومقاصده‪،‬‬
‫بعيدا عن الحكام السبقة الت تمل ف طياتا ركام أخطاء التجارب السابقة الت تدفع‬
‫إل مزيد من الشقاق والختلف‪ ،‬وتولد الزيد من الحباط‪ ،‬وما يستتبعه من ويلت‬
‫الروب والظال‪.‬‬
‫وقد رأينا سبق السلم ‪ -‬ومنذ انبثاق فجره اليمون ‪ -‬إل اعتماد الوار وسيلة‬
‫حضارية ف التفاعل مع الخرين‪ ،‬وقد قعّد له قواعده ‪ ،‬ورسم له حدوده وضوابطه‪،‬‬
‫ومنع من كل ما من شأنه تميش هذه الوسيلة الدعوية أو التقليل من حيويتها ونفعها‪.‬‬
‫ودعاة السلم ومؤسسات الجتمع السلم مطالبة اليوم باستعادة دورها‬
‫الضاري‪ ،‬والبادرة إل طلب الوار وعقد ندواته وإشاعة أدبياته‪ ،‬والتصدي للنظريات‬
‫التصاعدة الت تدعو للصراع‪ ،‬وتطالب بالسم قبل بداية دراما ناية الزمن‪.‬‬
‫ورابطة العال السلمي إذ تقدم هذه الدراسة ‪ ،‬فإنا تؤكد حرص شعوب العال‬
‫السلمي على إرساء قواعد الوار وآدابه وتليصه من شوائبه ومكدراته‪ ،‬وهي تدفع‬
‫با مع انطلقة منتداها العالي للحوار بي أبناء الديان والضارات الختلفة‪.‬‬
‫وال نسأل أن يرزقنا الخلص ف القول والعمل‪ ،‬وأن ينبنا الزلل ‪ ،‬إنه ول ذلك‪،‬‬
‫وصلى ال وسلم وبارك على نبيه ممد وعلى آله وصحبه أجعي‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]78‬‬

‫المصادر والمراجع‬
‫أحكام أهل الذمة‪ ،‬ابن القيم‪ ،‬تقيق‪ :‬يوسف البكري وشاكر العارومي‪ ،‬ط‬‫‪ ،1‬دار رمادي للنشر‪1418 ،‬هـ‪.‬‬
‫الحكام ف أصول الحكام‪ ،‬علي بن حزم‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪،‬‬‫بيوت‪1405 ،‬هـ‪.‬‬
‫التعريفات‪ ،‬علي الرجان‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار الكتاب العرب‪ ،‬بيوت‪1405 ،‬هـ‪.‬‬‫تفسي القرآن العظيم‪ ،‬ابن كثي‪ ،‬تقيق‪ :‬إبراهيم البياري‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار الكتاب‬‫العرب‪1413 ،‬هـ‪.‬‬
‫تيسي الكري الرحن‪ ،‬ابن سعدي‪ ،‬ط دار الدن‪ ،‬جدة‪.‬‬‫جامـع البيان عـن تأويـل آي القرآن‪ ،‬ممـد بـن جريـر الطـبي‪ ،‬دار الفكـر‪،‬‬‫بيوت‪1405 ،‬هـ‪.‬‬
‫الا مع لحكام القرآن‪ ،‬أ بو ع بد ال القر طب‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار الش عب‪ ،‬القاهرة‪،‬‬‫‪1372‬هـ‪.‬‬
‫حاشية ابن القيم‪ ،‬ابن قيم الوزية‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيوت‪،‬‬‫‪1415‬هـ‪.‬‬
‫الوار السلمي السيحي‪ ،‬بسام داود عجك‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار قتيبة‪1418 ،‬هـ‪.‬‬‫الوار وآدابه‪ ،‬صال بن حيد‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار النارة‪.‬‬‫درء تعارض العقل مع النقل‪ ،‬ابن تيمية‪ ،‬تقيق‪ :‬ممد رشاد سال‪ ،‬ط ‪،1‬‬‫جامعة المام ممد بن سعود‪1399 ،‬هـ‪.‬‬
‫دعوة التقريب بي الديان‪ ،‬أحد عبد الرحن القاضي‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار ابن‬‫الوزي‪1422 ،‬هـ‪.‬‬
‫‪-‬الرد على النطقيي‪ ،‬ابن تيمية‪ ،‬ط ‪ ،4‬الكتبة المدادية‪ ،‬لهور‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫[‪]79‬‬

‫شرح النووي على صحيح م سلم‪ ،‬أ بو زكر يا ي ي بن شرف النووي‪ ،‬ط ‪،2‬‬‫دار إحياء التراث العرب‪ ،‬بيوت‪1393 ،‬هـ‪.‬‬
‫عون العبود‪ ،‬شرح سنن أب داود‪ ،‬أبو الطيب ممد العظيم آبادي‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار‬‫الكتب العلمية‪ ،‬بيوت‪1415 ،‬هـ‪.‬‬
‫عيون الناظرات‪ ،‬أبو علي السكون‪ ،‬تقيق‪ :‬سعيد غراب‪ ،‬منشورات الامعة‬‫التونسية‪1976 ،‬م‪.‬‬
‫الفتاوى الكبى‪ ،‬ابن تيمية‪ ،‬ط دار العرفة‪ ،‬بيوت‪ ،‬لبنان‪.‬‬‫الفتاوى الندية‪ ،‬الشيخ نظام الندي وآخرون‪ ،‬ط دار العرفة بيوت‪ ،‬لبنان‪.‬‬‫فتح الباري شرح صحيح البخاري‪ ،‬علي ابن حجر العسقلن‪ ،‬دار العرفة‪،‬‬‫بيوت‪1379 ،‬هـ‪.‬‬
‫لسان العرب‪ ،‬ابن منظور‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار صادر‪ ،‬بيوت‪.‬‬‫مموع الفتاوى‪ ،‬ابن تيمية‪ ،‬طبعة ممع اللك فهد لطباعة الصحف الشريف‪،‬‬‫‪1416‬هـ‪.‬‬
‫الصفى من علم الناسخ والنسوخ‪ ،‬ابن الوزي‪ ،‬تقيق‪ :‬د‪ .‬صال الضامن‪ ،‬ط‬‫‪ ،1‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بيوت‪1415 ،‬هـ‪.‬‬
‫مفردات القرآن‪ ،‬الراغب الصفان‪ ،‬تقيق ‪ :‬صفوان عدنان داوودي‪ ،‬ط ‪،1‬‬‫دار القلم‪1412 ،‬هـ‪.‬‬
‫نواســخ القرآن‪ ،‬ابــن الوزي‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار الكتــب العلميــة‪ ،‬بيوت‪،‬‬‫‪1405‬هـ‪.‬‬

‫الحوار مع أتباع الديان‬
‫ــــــــــــــــــــــــــ‬

‫فهرس الموضوعات‬
‫التعريفات‬
‫حتمية اللف‬
‫تاريخ الوار‬
‫أنواع الوار ومشروعيتها‬
‫أ‪ .‬حوار الدعوة‬
‫ب‪ .‬حوار التعايش‬
‫ج‪ .‬حوار الوحدة‬
‫وحدة الدين‬
‫آداب الوار‬
‫هل آيات المر بالدعوة والدال والوار منسوخة بآية السيف؟‬
‫مظورات ف الوار‬
‫خاتة‬
‫الصادر والراجع‬

‫[‪]80‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful