You are on page 1of 3

‫التستشراق والقرآن‬

‫بدأت علقة المستشرقين بالقرآن الكريم ممبكراا ‪ ،‬ولكن قبل الخوض في تفاصيلها تجدر بنا الاشارة إلى أن‬
‫تاريخ أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم يعود إلى تسلمان الفارتسي ‪ ،‬الصحابي الجليل ‪ ،‬الذي “ميقال إنه ترجم‬
‫القرآن الكريم إلى اللغة الفارتسية في عهد الخلفاء الرااشدين” ‪ ،‬ومن بعدها مترجم إلى معظم اللغات التسيوية‬
‫والوروبية والفريقية ‪ ،‬وجاءت معرفة الوروبيين بالقرآن الكريم على يد الرهبان ‪“ ،‬عندما أعلنوا الحرب‬
‫على التسل م بحجة الدفاع عن المسيحية ضد التسل م الظافر” ‪ ،‬فاتجهوا إلى محاربته “بإظهار أنه ليس كل م‬
‫ال بل من وضع محمد بهدف زعزعة القوة اليمانية لدى المسلمين أو الذين ينبهرون به من أبناء جلدتهم ‪،‬‬
‫وهو الهدف التبشيري”‪ .‬ثم دخل المستشرقون مجال الترجمات “محاولين أن يؤولوها تأويال ينال من‬
‫التسل م والمسلمين ‪ ،‬ومن تاريخهم وحضارتهم ‪ ،‬فبذلوا مجهدا كبيرا لثارة الشكوك حول التسل م لجل تحقيق‬
‫أهداف اتستراتيجية لضربه وتشويهه ‪ ،‬بترديد أنه انتشر بحد السيف وليس بالقرآن” ‪ ،‬ومن ثم خرجت هذه‬
‫الترجمات غير منصفة ‪ ،‬وغير أمينة ‪ ،‬وغير دقيقة ‪ ،‬وتفتقد إلى الدقة العلمية واللغوية ‪ ،‬والموضوعية‪ .‬وأدى‬
‫العتماد على هذه الترجمات إلى تسوء فهم لمعاني القرآن الكريم والنسياق إلى ما تحتويه من أخطاء‬
‫واشبهات‪.‬‬
‫ومرت الترجمات الوروبية لمعاني القرآن الكريم بأربع مراحل متداخلة ‪ ،‬بدأت المرحلة الولى في القرن‬
‫الحادي عشر الميلدي ‪ ،‬وامتدت إلى القرن الثاني عشر ‪ ،‬وتمت خللها ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة‬
‫اللتينية ‪ ،‬أعقبتها مرحلة الترجمة من اللتينية إلى اللغات الوروبية الحديثة ‪ ،‬ثم كان لدخول المستشرقين‬
‫هذا المجال أن أوجد مرحلة جديدة تمت خللها الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الوروبية مبااشرة ‪،‬‬
‫وأخير ا مرحلة دخول المسلمين ميدان الترجمة ‪ ،‬وعلى هذا فقد اشهد الكثير من اللغات الوروبية الحية‬
‫ترجمات لمعاني القرآن الكريم ‪ ،‬فقد ترجمت معانيه إلى اللغات‪ :‬اللتينية ‪ ،‬اليطالية ‪ ،‬اللمانية ‪ ،‬التشيخية ‪،‬‬
‫الهولندية ‪ ،‬الفرنسية ‪ ،‬النكليزية ‪ ،‬اليونانية ‪ ،‬اليوغوتسلفية ‪ ،‬البلغارية ‪ ،‬الدنماركية ‪ ،‬اللبانية ‪ ،‬الفنلندية‬
‫والنرويجية‪.‬‬
‫وعن رأي علماء المسلمين في ترجمة معاني القرآن الكريم ‪ ،‬هناك اتفاق بين جميع علماء المسلمين على‬
‫تحريم ترجمة القرآن الكريم اللفظية ‪ ،‬لتستحالة تحقيقها ‪ ،‬ولقصورها عن إيصال العجاز اللفظي‪ .‬أما ترجمة‬
‫المعاني فقد اختلفوا فيها فالبعض حرمها والبعض أجازها ‪“ ،‬حتى ل يبقى القرآن الكريم محجوبا عن‬
‫المسلمين في المم غير العربية” ‪ ،‬إل أن من المؤكد أنه كتاب ال المتعبد بتلوته لفظيا وليس معنى ‪ ،‬فل‬
‫تجوز الصلة بالمعنى ‪ ،‬ول تجوز التلوة بالمعنى‪ .‬وكان الشيخ محمد مصطفى المراغي أول من أثار هذا‬
‫الموضوع مع مجلس الوزراء المصري عا م ‪ ، 1936‬وتبعه على النهج نفسه الشيخ محمد فريد وجدي ‪،‬‬

‬ثم تعرض لول ترجمة للغة النكليزية ‪ ،‬وهي ترجمة‬ ‫المستشرق جورج تسيل )‪ (1736 – 1697‬الذي أاشار إلى ترجمة بالمر كذلك إلى النكليزية ‪ ،‬وهاتان‬ ‫الترجمتان منقلتا عن الترجمة اللتينية ‪ ،‬ثم جاءت أول ترجمة من العربية إلى النكليزية مبااشرة على يد‬ ‫روديل عا م ‪ ، 1861‬ولكنه أعاد ترتيب السور وفق تاريخ النزول ‪ ،‬وقد طبعت هذه الترجمة حوالى ‪ 18‬طبعة‬ ‫آخرها بتاريخ ‪ ، 1909‬وفي عا م ‪ 1994‬أعاد مدرس الدراتسات التسلمية في جامعة أكسفورد آلن جونز‬ ‫نشرها محققا إياها معيدا ترتيب السور كما في الصل العربي‪.‬‬ ‫واشكك المستشرقون في روايات مجمل القرآن ‪ ،‬وادعى البعض وجود اختلف في منسخ القرآن الكريم ‪ ،‬واشكك‬ ‫آخرون في القراءات القرآنية واعتبروها أدلة على التحريف ‪ ،‬وتناول المستشرقون الحروف المقطعة ‪،‬‬ ‫وانتهوا إلى أنها رموز لتسماء أصحاب المصاحف ‪ ،‬ولكنها اعتبرت بطريق الخطأ قرآناا‪ .‫والشيخ محمد راشيد رضا ‪ ،‬وأخيرا تصدت بعض المؤتسسات التسلمية لترجمات معاني القرآن الكريم ‪،‬‬ ‫كرابطة العالم التسلمي في مكة المكرمة ‪ ،‬ومركز أبحاث التاريخ والفنون والثقافة التسلمية باتسطنبول‬ ‫)إرتسيكا( ‪ ،‬ومجمع الملك فهد بالرياض ‪ ،‬ومشيخة الزهر الشريف بمصر‪.‬‬ ‫وفي عا م ‪ 1834‬وضع المستشرق اللماني فلوجل معجاما مفهراتسا للفاظ القرآن الكريم ‪ ،‬وفي ‪ 1955‬صدرت‬ ‫ترجمة لمختارات من آيات القرآن الكريم على يد آرثر جون آربري )‪ (1969 – 1905‬في عنوان “القرآن‬ ‫المقدس” ‪ ،‬وترجم ريجيسبلاشير)‪ (1973 – 1900‬القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ‪ ،‬وكذلك جاك بيرك )‬ ‫‪ .‬‬ .(1995 – 1910‬وهناك ترجمات أخرى إلى الفرنسية بلغت ‪ 17‬ترجمة ‪ ،‬ولكنها كلها ترجمات يشوبها‬ ‫التحريف والخطاء ‪ ،‬وقد حاول المؤلف الاشارة إلى أن لغة القرآن الكريم الصعبة على المستشرقين كانت‬ ‫السبب وراء بعض الخطاء غير المقصودة ‪ ،‬بخاصة إذا احتوت المفردة الواحدة أكثر من معنى قد يجهل‬ ‫الممترجم بعضها‪.‬‬ ‫وقد اتستعرض كتاب “التستشراق والقرآن” بعض ترجمات معاني القرآن الكريم ‪ ،‬فأوضح أن فكرة التبشير‬ ‫كانت الدافع الحقيقي وراء انشغال الكنيسة بترجمة القرآن الكريم ‪ ،‬فظهرت أول ترجمة لتينية كاملة لمعاني‬ ‫القرآن الكريم عا م ‪ ، 1143‬لتكون أول لغة أوروبية تقرأ بها معاني القرآن الكريم ‪ ،‬وهو العا م الذي مدحر فيها‬ ‫الصليبيون في واقعة إيديساس ‪ ،‬وردوا على أعقابهم‪ .‬وادعى بعضهم أن‬ ‫المسلمين أضافوا فعل المر قل ‪ ،‬ليوهموا أن المتحدث هو ال ‪ ،‬والمتحدث إليه هو محمد ‪ ،‬وأعملوا المعايير‬ ‫النقدية الغربية التي قادت أصحابها إلى الشك في كتبهم ‪ ،‬وعقائدهم اليهودية والنصرانية ‪ ،‬وظنوا أنها ل بد‬ ‫من أن تقود إلى الشك في القرآن والسننة ‪ ،‬وأنكروا الصل اللهي للقرآن الكريم ‪ ،‬وأاشار إلى أن مؤتسس علم‬ ‫نقد الكتاب المقدس في الغرب هو المستشرق يوليوس فلهاوزن )‪ ، (1918 – 1844‬والذي ميمكن اعتباره في‬ ‫الوقت نفسه مؤتسس “نقد القرآن الكريم” ‪ ،‬وخلص في النهاية إلى فشل وإخفاق التاريخانية النقدية في‬ ‫التعامل مع القرآن الكريم‪.

‬‬ ‫ويجدر بنا الاشارة إلى أن التستشراق على رغم كل ذلك كان له تأثير في الثقافة العربية ‪ ،‬يبرز في إيجاد‬ ‫النص العربي وتحقيقه خلل فترة الطباعة ‪ ،‬ولول مجهوداتهم الكبيرة لما تعرفنا إلى كثير من الكتب والعل م‬ ‫التسلمية ‪ ،‬وتأتي الخلصة في أن الطريقة النجع للتصدي لكتابة تاريخنا العقدي والثقافي تتمثل في‬ ‫المشاركة الفاعلة والقوية في الدراتسات والمناهج المعاصرة ‪ ،‬ويقتضي ذلك المزيد من المعرفة بالعالم‬ ‫والعصر ‪ ،‬ووقائع الحداثة وما بعد الحداثة ‪ ،‬والعدمية وما بعد العدمية ‪ ،‬في العلو م الجتماعية والنسانية ‪،‬‬ ‫وتجب مواجهة التستشراق بأتساليب العصر ‪ ،‬بعقد المؤتمرات والندوات وإصدار الدوريات ‪ ،‬ومن أجل التفاهم‬ ‫ل بد من توضيح أن التسل م ل يبدأ أحدا بالعداء ‪ ،‬وأن تقو م المؤتسسات العلمية برتسم الصورة الثقافية‬ ‫والتاريخية والعقدية لمة التسل م من دون الخضوع لفكار مسبقة رتسمها المستشرقون ‪ ،‬ولجل نجاح‬ ‫الحوار بين المسلمين والغربيين ل بد من قيا م العلماء الغربيين ‪ ،‬والعل م الغربي بتصحيح صورة التسل م‬ ‫والمسلمين عند اشعوبهم ‪ ،‬وبذلك يتبين صدقهم في الرغبة بالحوار‪ .‬‬ ‫الكاتب‪ :‬عباس عبد الستار‬ ‫الصفحة الرئيسية | القرآن الكريم | المعصومون | مراجع وعلماء | كتب | مكتبة‬ ‫صوتية | مواقع شيعية | معرض الصور | أسئلة واجابات | السرة | المرأة | الشباب | الفطفال‬ .‫وحاول المستشرقون ربط اليات القرآنية بالظروف والسياقات الزمنية ‪ ،‬بهدف القول بتأريخانية القرآن‬ ‫الكريم ‪ ،‬وأن أحكامه موقوته لحداث بعينها ‪ ،‬وحاولوا إتسقاط تاريخ تدوين التوارة والنجيل على القرآن‬ ‫الكريم‪.‬وأخيرا تقتضي الضرورة التستفادة من‬ ‫الشبكة العنكبوتية المسماة “النترنت” للتعريف بالتسل م ‪ ،‬وتفنيد مقولت التستشراق‪.‬‬ ‫ودعا بعض المستشرقين إلى المساواة بين القرآن الكريم وكتب أهل الكتاب ‪ ،‬وإلى إعادة ترتيب القرآن‬ ‫الكريم وفق النزول ‪ ،‬وادعى آخرون أن الخط العربي لم تتحرر الدقة فيه ما أدى إلى اختلف المصاحف‬ ‫العثمانية ‪ ،‬وذهبوا إلى أن المصحف العثماني تعرض للتحوير ‪ ،‬نتيجة أخطاء الناتسخين ‪ ،‬واحتفاظ القراء‬ ‫بالدروس القديمة للنص في ذاكرتهم ‪ ،‬وضعف الخط العربي ‪ ،‬وبنوا على هذه النتيجة تحريف القرآن لعل م‬ ‫التوراة والنجيل‪.